{"ً":{"ٌ":39,"ٍ":"أحكام القرآن لبكر بن العلاء - ط جائزة دبي","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"https://archive.org/download/02-166158/","files":["00_166157.pdf","01_166157.pdf","02_166158.pdf"]},"ّ":"الكتاب: أحكام القرآن\nالمؤلف: أبو الفضل بكر بن محمد بن العلاء القشيري البصري المالكي (ت ٣٤٤ هـ)\nرواية: أبي بكر محمد بن عبد الله الأدفوي عنه\nالمحقق: سلمان الصمدي\nالناشر: جائزة دبي الدولية للقرآن الكريم، دبي - الإمارات العربية المتحدة\nالطبعة: الأولى، ١٤٣٧ هـ - ٢٠١٦ م\nعدد الأجزاء: ٢\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"3.0","ٔ":3052,"ٕ":4,"ٖ":1780758315,"ٗ":64},"٘":{"ٙ":["1","2"],"ٚ":[{"title":"[مقدمة المحقق]","level":1,"page":5},{"title":"الافتتاحية","level":2,"page":5},{"title":"القاضي بكر بن العلاء القشيري عصره وترجمته","level":2,"page":12},{"title":"أ - نظرة في عصر القاضي","level":3,"page":12},{"title":"الحالة السياسية","level":4,"page":12},{"title":"الحالة العلمية","level":4,"page":14},{"title":"ب - مصادر ترجمة القاضي","level":3,"page":17},{"title":"ج - اسمه ونسبه ومولده ووفاته","level":3,"page":20},{"title":"د - شيوخه","level":3,"page":21},{"title":"هـ - تلاميذه","level":3,"page":24},{"title":"و- مصنفاته","level":3,"page":30},{"title":"ز - منزلته","level":3,"page":33},{"title":"كتاب أحكام القرآن للقاضي بكر بن العلاء القشيري","level":2,"page":35},{"title":"أ - نسبة الكتاب","level":3,"page":35},{"title":"ب - أحكام القاضي بكر، وأحكام القاضي إسماعيل","level":3,"page":39},{"title":"١ - الاختصار","level":4,"page":40},{"title":"حذف أحاديث وآثار","level":5,"page":40},{"title":"حذف أسانيد","level":5,"page":41},{"title":"٢ - الاحتفاظ","level":4,"page":41},{"title":"٣ - الزيادة","level":4,"page":42},{"title":"زيادة مباحث لم يتناولها القاضي إسماعيل","level":5,"page":42},{"title":"ج - منهج القاضي في أحكامه","level":3,"page":43},{"title":"د- نقول ليست من \"الأحكام\"","level":3,"page":50},{"title":"هـ- مصادر القاضي في أحكامه","level":3,"page":52},{"title":"و- نسخة الكتاب ونماذج منها","level":3,"page":53},{"title":"وصف النسخة","level":4,"page":53},{"title":"ح- منهجي في تحقيق الكتاب","level":3,"page":59},{"title":"ط- روايتي \"لأحكام القرآن\"","level":3,"page":61},{"title":"[مقدمة المصنف]","level":1,"page":64},{"title":"[البسملة وسورة الفاتحة]","level":1,"page":68},{"title":"سورة البقرة","level":1,"page":74},{"title":"٦٧ - قال الله تعالى: ﴿إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة﴾","level":2,"page":75},{"title":"[السنة في الذكاة]","level":3,"page":75},{"title":"١٠٢ - قال الله ﵎: ﴿واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت﴾ إلى قوله ﴿ما له في الآخرة من خلاق﴾","level":2,"page":76},{"title":"[حد الساحر]","level":3,"page":76},{"title":"١٠٦ - قال الله ﵎: ﴿ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها﴾","level":2,"page":80},{"title":"[نسخ القرآن]","level":3,"page":81},{"title":"١١٥ - قوله ﵎: ﴿ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله﴾","level":2,"page":82},{"title":"[سبب النزول]","level":3,"page":82},{"title":"١٤٤ - قوله ﷿: ﴿قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره﴾","level":2,"page":83},{"title":"[الإيمان قول وعمل]","level":3,"page":84},{"title":"[سبب نزول: ﴿وما كان الله ليضيع إيمانكم. . .﴾]","level":3,"page":84},{"title":"١٥٨ - قال الله ﵎: ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما﴾","level":2,"page":85},{"title":"[سبب النزول]","level":3,"page":85},{"title":"[السعي بين الصفا والمروة]","level":3,"page":86},{"title":"١٧٣ - قوله ﵎: ﴿إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم﴾","level":2,"page":87},{"title":"[لمن تحل الميتة؟]","level":3,"page":87},{"title":"١٧٨ - قال الله ﵎: ﴿ياأيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى﴾","level":2,"page":89},{"title":"[سبب النزول]","level":3,"page":89},{"title":"[المماثلة في الحرية والجنس]","level":3,"page":90},{"title":"١٧٨ - قال الله ﵎: ﴿فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان﴾","level":2,"page":92},{"title":"[من هو العافي؟]","level":3,"page":93},{"title":"١٧٨ - قال الله ﵎: ﴿فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم﴾","level":2,"page":94},{"title":"[القتل بعد أخذ الدية]","level":3,"page":94},{"title":"١٧٩ - قال الله تعالى: ﴿ولكم في القصاص حياة﴾","level":2,"page":95},{"title":"١٨٠ - قال الله ﵎: ﴿كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية﴾","level":2,"page":96},{"title":"[مقدار المال الموصى فيه]","level":3,"page":96},{"title":"١٨٠ - قال الله ﵎: ﴿الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقا على المتقين﴾","level":2,"page":98},{"title":"[لمن الوصية؟]","level":3,"page":98},{"title":"١٨٢ - قال الله ﵎: ﴿فمن خاف من موص جنفا أو إثما﴾","level":2,"page":102},{"title":"[الحيف في الوصية]","level":3,"page":102},{"title":"١٨٣ - ١٨٤ - قال الله ﵎: ﴿ياأيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم﴾ إلى قوله: ﴿فدية طعام مسكين﴾","level":2,"page":104},{"title":"[هل كتب رمضان على من قبلنا؟]","level":3,"page":105},{"title":"[فدية العجز عن الصيام]","level":3,"page":106},{"title":"١٨٥ - قوله: ﴿شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ولتكملوا العدة﴾","level":2,"page":109},{"title":"[رخصة إفطار رمضان]","level":3,"page":109},{"title":"١٨٥ - قال الله ﷿: ﴿شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن﴾","level":2,"page":112},{"title":"[نزول القرآن]","level":3,"page":112},{"title":"١٨٥ - قال الله ﵎: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر﴾","level":2,"page":113},{"title":"[صيام المسافر]","level":3,"page":113},{"title":"١٨٥ - قال الله ﵎: ﴿ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم﴾","level":2,"page":121},{"title":"[التكبير يوم العيد]","level":3,"page":121},{"title":"١٨٧ - قال الله ﵎: ﴿أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم﴾ إلى قوله: ﴿علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم﴾","level":2,"page":123},{"title":"[الجماع في ليل رمضان]","level":3,"page":123},{"title":"١٨٧ - وأما قوله ﷿: ﴿حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر﴾","level":2,"page":125},{"title":"[الإصباح جنبا]","level":3,"page":125},{"title":"[متى يمسك ويفطر الصائم؟]","level":3,"page":126},{"title":"١٨٧ - قال الله ﵎: ﴿ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد﴾","level":2,"page":128},{"title":"[هل يعتكف بغير صوم؟]","level":3,"page":128},{"title":"[مدة الاعتكاف]","level":3,"page":128},{"title":"[الوطء في الاعتكاف]","level":3,"page":128},{"title":"١٨٨ - قال الله ﵎: ﴿ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقا من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون﴾","level":2,"page":131},{"title":"[الحيلة بالحجة]","level":3,"page":131},{"title":"١٨٩ - قال الله تعالى: ﴿يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج﴾","level":2,"page":133},{"title":"[البناء على رؤية الأهلة]","level":3,"page":133},{"title":"١٨٩ - قال الله ﵎: ﴿وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها ولكن البر من اتقى وأتوا البيوت من أبوابها﴾","level":2,"page":135},{"title":"[سبب النزول]","level":3,"page":135},{"title":"١٩٠ - قال الله ﵎: ﴿وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم﴾","level":2,"page":136},{"title":"[قتال المقاتلين دون سواهم]","level":3,"page":136},{"title":"١٩١ - وأما قوله تعالى: ﴿ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم﴾","level":2,"page":138},{"title":"١٩٥ - قال الله ﵎: ﴿وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾","level":2,"page":139},{"title":"١٩٦ - قال الله ﵎: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾","level":2,"page":141},{"title":"[حكم العمرة]","level":3,"page":141},{"title":"١٩٦ - قال الله ﵎: ﴿فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي﴾","level":2,"page":145},{"title":"[معنى الإحصار]","level":3,"page":145},{"title":"[الأحاديث في الإحصار]","level":3,"page":146},{"title":"[الإحصار وفوات الحج]","level":3,"page":148},{"title":"١٩٦ - قال الله ﵎: ﴿فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك﴾","level":2,"page":152},{"title":"[موضوع ذبح النسك]","level":3,"page":152},{"title":"١٩٦ - قال الله ﷿: ﴿فإذا أمنتم﴾","level":2,"page":156},{"title":"[إحلال المحصر بعدو]","level":3,"page":156},{"title":"[موضع نحر الهدي]","level":3,"page":160},{"title":"١٩٦ - قال الله ﵎: ﴿فما استيسر من الهدي﴾","level":2,"page":162},{"title":"[جنس الهدي]","level":3,"page":162},{"title":"[الاشتراك في الهدي]","level":3,"page":163},{"title":"[عود إلى جنس الهدي]","level":3,"page":171},{"title":"١٩٦ - قال الله تعالى: ﴿فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج﴾","level":2,"page":173},{"title":"[صيام المتمتع الذي لم يجد الهدي]","level":3,"page":173},{"title":"١٩٦ - قال الله ﷿: ﴿وسبعة إذا رجعتم﴾","level":2,"page":180},{"title":"١٩٦ - قال الله ﷿: ﴿ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام﴾","level":2,"page":181},{"title":"[المتمتع]","level":3,"page":181},{"title":"١٩٧ - قال الله ﵎: ﴿الحج أشهر معلومات﴾","level":2,"page":185},{"title":"[أشهر الحج]","level":3,"page":185},{"title":"[الإحرام قبل أشهر الحج وقبل الميقات]","level":3,"page":186},{"title":"[بم ينعقد الإحرام؟]","level":3,"page":188},{"title":"١٩٧ - قال الله ﵎: ﴿فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج﴾","level":2,"page":191},{"title":"١٩٧ - قال الله ﵎: ﴿وتزودوا فإن خير الزاد التقوى﴾","level":2,"page":194},{"title":"١٩٨ - قال الله ﷿: ﴿ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم﴾","level":2,"page":195},{"title":"[التجارة في الحج]","level":3,"page":195},{"title":"١٩٨ - قال الله ﵎: ﴿فإذا أفضتم من عرفات﴾","level":2,"page":196},{"title":"[الإفاضة من عرفة إلى مزدلفة]","level":3,"page":196},{"title":"١٩٨ - قال الله ﷿: ﴿فاذكروا الله عند المشعر الحرام﴾","level":2,"page":198},{"title":"١٩٩ - قال الله تعالى: ﴿ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس﴾","level":2,"page":199},{"title":"[الموقف ومكان الإفاضة]","level":3,"page":199},{"title":"٢٠٠ - قال الله ﷿: ﴿فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا﴾","level":2,"page":201},{"title":"٢٠٣ - قال الله ﷿: ﴿واذكروا الله في أيام معدودات﴾","level":2,"page":202},{"title":"[الأيام المعدودات والمعلومات]","level":3,"page":202},{"title":"٢٠٣ - فأما قوله: ﴿فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه لمن اتقى﴾","level":2,"page":204},{"title":"٢١٦ - قال الله تعالى: ﴿كتب عليكم القتال وهو كره لكم﴾","level":2,"page":206},{"title":"[فرض الجهاد]","level":3,"page":206},{"title":"٢١٧ - قال الله ﵎: ﴿يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه﴾","level":2,"page":209},{"title":"[سبب النزول]","level":3,"page":209},{"title":"٢١٩ - قال الله ﵎: ﴿يسألونك عن الخمر والميسر﴾","level":2,"page":210},{"title":"٢١٩ - قال الله ﷿: ﴿ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو﴾","level":2,"page":211},{"title":"٢٢٠ - قال الله ﵎: ﴿ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم﴾","level":2,"page":212},{"title":"[الخلطة مع مال اليتيم]","level":3,"page":212},{"title":"٢٢١ - قال الله تعالى: ﴿ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن﴾","level":2,"page":214},{"title":"[نكاح المشركات والكتابيات]","level":3,"page":214},{"title":"٢٢٢ - قال الله ﷿: ﴿ويسألونك عن المحيض قل هو أذى﴾ الآية","level":2,"page":217},{"title":"[الحيض والطهر]","level":3,"page":217},{"title":"٢٢٣ - وأما قوله: ﴿نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم﴾","level":2,"page":220},{"title":"٢٢٤ - قال الله ﷿: ﴿ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس﴾","level":2,"page":221},{"title":"٢٢٥ - قال الله تعالى: ﴿لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم﴾","level":2,"page":222},{"title":"[أنواع الأيمان وأحكامها]","level":3,"page":222},{"title":"٢٢٧ - ٢٢٦ - قال الله ﵎: ﴿للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر فإن فاءوا فإن الله غفور رحيم (٢٢٦) وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم﴾","level":2,"page":225},{"title":"[متى يقع الطلاق في الإيلاء؟]","level":3,"page":225},{"title":"٢٢٨ - قال الله ﵎: ﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء﴾","level":2,"page":227},{"title":"[عدة المطلقات]","level":3,"page":227},{"title":"٢٢٨ - قال الله تعالى: ﴿ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن﴾","level":2,"page":230},{"title":"٢٢٨ - قال الله ﵎: ﴿وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحا﴾","level":2,"page":231},{"title":"[الرجعة]","level":3,"page":231},{"title":"٢٢٨ - قال الله ﷿: ﴿ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة﴾","level":2,"page":232},{"title":"[حقوق الزوجة وواجباتها]","level":3,"page":232},{"title":"٢٢٩ - قال الله ﷿: ﴿الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان﴾","level":2,"page":233},{"title":"[طلاق السنة]","level":3,"page":233},{"title":"[سبب نزول الآية]","level":3,"page":233},{"title":"٢٢٩ - وأما قوله: ﴿ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به﴾","level":2,"page":235},{"title":"[الخلع]","level":3,"page":235},{"title":"[الطلاق ثلاثا]","level":3,"page":237},{"title":"٢٣١ - قال الله ﷿: ﴿وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا﴾","level":2,"page":239},{"title":"٢٣٢ - وقيل في الآية التي بعد هذه الآية: ﴿وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم﴾","level":2,"page":240},{"title":"[سبب النزول]","level":3,"page":240},{"title":"٢٣٣ - قال الله ﵎: ﴿والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف لا تكلف نفس إلا وسعها لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده وعلى الوارث مثل ذلك﴾","level":2,"page":241},{"title":"[الرضاع]","level":3,"page":241},{"title":"٢٣٣ - قال الله ﵎: ﴿فإن أرادا فصالا عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما﴾","level":2,"page":244},{"title":"٢٣٤ - قال الله ﷿: ﴿والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا﴾ ٢٤٠ - وقوله: ﴿متاعا إلى الحول غير إخراج﴾","level":2,"page":245},{"title":"[عدة الحامل والمتوفى عنها زوجها]","level":3,"page":245},{"title":"٢٣٥ - قال عز من قائل: ﴿ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء أو أكننتم في أنفسكم﴾ الآية.","level":2,"page":247},{"title":"[التعريض بالنكاح]","level":3,"page":247},{"title":"٢٣٦ - قال الله ﵎: ﴿لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة﴾ إلى قوله سبحانه: ﴿حقا على المحسنين﴾ ٢٤١ - وقال عز من قائل: ﴿وللمطلقات متاع بالمعروف حقا على المتقين﴾","level":2,"page":250},{"title":"[متعة المطلقة]","level":3,"page":250},{"title":"٢٣٧ - قال الله ﷿: ﴿وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم إلا أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح﴾","level":2,"page":255},{"title":"[من الذي بيده عقدة النكاح؟]","level":3,"page":255},{"title":"٢٣٨ - قال الله ﷿: ﴿حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين﴾","level":2,"page":260},{"title":"[الصلاة الوسطى]","level":3,"page":260},{"title":"٢٣٨ - قال الله ﷿: ﴿وقوموا لله قانتين﴾","level":2,"page":263},{"title":"[معنى القنوت]","level":3,"page":263},{"title":"٢٣٩ - قال الله ﷿: ﴿فإن خفتم فرجالا أو ركبانا﴾","level":2,"page":264},{"title":"[الصلاة عند اشتداد الخوف]","level":3,"page":264},{"title":"٢٦٧ - قال الله ﵎: ﴿أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض﴾","level":2,"page":265},{"title":"٢٧٢ - قال الله ﷿: ﴿ليس عليك هداهم﴾ إلى قوله: ﴿وأنتم لا تظلمون﴾","level":2,"page":267},{"title":"[الصدقة على غير المسلمين]","level":3,"page":267},{"title":"٢٧٥ - ٢٧٩ - قال الله ﵎: ﴿الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس﴾، وقوله: ﴿وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون﴾","level":2,"page":270},{"title":"[ما سلف من الربا]","level":3,"page":270},{"title":"[عقوبة الربا]","level":3,"page":271},{"title":"٢٨٠ - قال الله ﷿: ﴿وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة﴾","level":2,"page":272},{"title":"[إنظار المعسر]","level":3,"page":272},{"title":"٢٨٢ - قال الله ﵎: ﴿ياأيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه﴾","level":2,"page":274},{"title":"[مشروعية الدين]","level":3,"page":274},{"title":"٢٨٢ - قال الله ﷿: ﴿فاكتبوه وليكتب بينكم كاتب بالعدل﴾","level":2,"page":276},{"title":"[شروط الكاتب]","level":3,"page":276},{"title":"[أحكام الكاتب والشاهد ومن عليه الحق]","level":3,"page":276},{"title":"[معنى السفه وأنواعه]","level":3,"page":277},{"title":"٢٨٢ - قال الله ﷿: ﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم﴾","level":2,"page":279},{"title":"[شرط الإشهاد]","level":3,"page":279},{"title":"٢٨٢ - قال الله ﷿: ﴿فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى﴾","level":2,"page":282},{"title":"[حكم أداء الشهادة]","level":3,"page":282},{"title":"٢٨٢ - قال الله ﷿: ﴿ولا تسأموا أن تكتبوه صغيرا أو كبيرا إلى أجله﴾ إلى قوله عز من قائل: ﴿وأشهدوا إذا تبايعتم﴾","level":2,"page":283},{"title":"[حكم الكتابة والإشهاد]","level":3,"page":283},{"title":"[الحكمة من الإشهاد والرهن]","level":3,"page":284},{"title":"[القضاء بالشاهد واليمين]","level":3,"page":284},{"title":"[القضاء بالمرأتين واليمين]","level":3,"page":285},{"title":"[اختلاف المرتهنين في الدين]","level":3,"page":285},{"title":"[عدل الكاتب والشاهد]","level":3,"page":287},{"title":"[شرط صحة الرهن]","level":3,"page":287},{"title":"٢٨٤ - قال الله ﷿: ﴿لله ما في السماوات وما في الأرض وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله﴾ إلى قوله ﷿: ﴿ما اكتسبت﴾","level":2,"page":289},{"title":"سورة آل عمران","level":1,"page":291},{"title":"٧ - قال الله ﵎: ﴿هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات﴾ إلى قوله ﷿: ﴿كل من عند ربنا﴾","level":2,"page":292},{"title":"٩٧ - قال الله ﷿: ﴿فيه آيات بينات مقام إبراهيم﴾","level":2,"page":295},{"title":"٩٧ - قال الله ﷿: ﴿ومن دخله كان آمنا﴾","level":2,"page":297},{"title":"[إقامة الحدود في الحرم]","level":3,"page":297},{"title":"٩٧ - قال الله ﵎: ﴿ولله على الناس حج البيت﴾","level":2,"page":298},{"title":"٩٧ - قال الله ﵎: ﴿من استطاع إليه سبيلا﴾","level":2,"page":300},{"title":"٩٧ - قال الله ﷿: ﴿ومن كفر فإن الله غني عن العالمين﴾","level":2,"page":302},{"title":"٢٨ - قال الله ﷿: ﴿لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين﴾","level":2,"page":304},{"title":"١٠٢ - قال الله ﷿: ﴿ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته﴾","level":2,"page":305},{"title":"سورة النساء","level":1,"page":306},{"title":"٣ - قال الله تعالى: ﴿وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع﴾","level":2,"page":307},{"title":"[الزواج بالولية]","level":3,"page":307},{"title":"٣ - قال الله ﵎: ﴿فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألا تعولوا﴾","level":2,"page":309},{"title":"٤ - قال الله ﵎: ﴿وآتوا النساء صدقاتهن نحلة فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا﴾","level":2,"page":311},{"title":"٥ - قال الله ﷿: ﴿ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما وارزقوهم فيها واكسوهم وقولوا لهم قولا معروفا﴾","level":2,"page":312},{"title":"[نفي السفه عن المرأة والصبي]","level":3,"page":312},{"title":"٦ - قال الله ﷿: ﴿وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم﴾","level":2,"page":314},{"title":"٦ - قال الله ﵎: ﴿ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف﴾","level":2,"page":315},{"title":"٧ - قال الله ﷿: ﴿للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون﴾","level":2,"page":317},{"title":"[سبب النزول]","level":3,"page":317},{"title":"٨ - قال الله ﷿: ﴿وإذا حضر القسمة أولو القربى﴾","level":2,"page":318},{"title":"١١ - قال الله ﵎: ﴿يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك وإن كانت واحدة فلها النصف﴾","level":2,"page":320},{"title":"١١ - قال الله ﷿: ﴿ولأبويه لكل واحد منهما السدس﴾ إلى قوله ﷿: ﴿فلأمه الثلث﴾","level":2,"page":322},{"title":"١١ - قال الله ﵎: ﴿فإن كان له إخوة فلأمه السدس﴾","level":2,"page":323},{"title":"١٢ - قال الله ﵎: ﴿وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس﴾ إلى قوله: ﴿فهم شركاء في الثلث﴾","level":2,"page":324},{"title":"١٧٦ - قال الله ﷿: ﴿يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك وهو يرثها إن لم يكن لها ولد فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك وإن كانوا إخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين يبين الله لكم أن تضلوا﴾","level":2,"page":325},{"title":"١٢ - وقال الله ﷿: ﴿وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت﴾ ١٧٦ - وقال: ﴿يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة إن امرؤ هلك ليس له ولد﴾ الآية","level":2,"page":327},{"title":"١٢ - قال الله ﵎: ﴿ولكم نصف ما ترك أزواجكم﴾ الآيتين","level":2,"page":330},{"title":"١٢ - قال الله ﵎: ﴿من بعد وصية يوصي بها أو دين﴾","level":2,"page":332},{"title":"١٥ - قال الله ﵎: ﴿واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم﴾ إلى قوله عز من قائل: ﴿أو يجعل الله لهن سبيلا﴾","level":2,"page":334},{"title":"١٦ - قال الله ﷿: ﴿واللذان يأتيانها منكم فآذوهما﴾","level":2,"page":335},{"title":"١٧ - ١٨ - قال الله ﷿: ﴿إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة﴾ إلى قوله: ﴿أعتدنا لهم عذابا أليما﴾","level":2,"page":336},{"title":"١٩ - قال الله ﷿: ﴿ياأيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها﴾","level":2,"page":337},{"title":"١٩ - قال الله ﷿: ﴿ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة﴾","level":2,"page":338},{"title":"١٩ - ٢٠ - قال الله ﵎: ﴿وعاشروهن بالمعروف﴾ إلى قوله عز من قائل: ﴿فلا تأخذوا منه شيئا﴾","level":2,"page":339},{"title":"٢٢ - قال الله ﷿: ﴿ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف إنه كان فاحشة ومقتا وساء سبيلا﴾","level":2,"page":341},{"title":"٢٣ - قال الله ﵎: ﴿وكان الله عليما حكيما﴾","level":2,"page":342},{"title":"٢٣ - وقد قال الله جل وعز: ﴿وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف﴾","level":2,"page":343},{"title":"٢٣ - قال الله ﵎: ﴿حرمت عليكم أمهاتكم﴾ الآية","level":2,"page":344},{"title":"٢٣ - قال الله ﷿: ﴿وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم﴾","level":2,"page":347},{"title":"[سبب النزول]","level":3,"page":347},{"title":"٢٣ - قال الله ﷿: ﴿وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف﴾","level":2,"page":348},{"title":"٢٤ - قال الله ﵎: ﴿والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم﴾","level":2,"page":350},{"title":"٢٤ - قال الله ﷿: ﴿كتاب الله عليكم﴾","level":2,"page":351},{"title":"٢٤ - قال الله جل وعز: ﴿فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة﴾","level":2,"page":353},{"title":"قال الله جل وعز: ﴿ولا جناح عليكم أن تنكحوهن إذا آتيتموهن أجورهن﴾","level":2,"page":355},{"title":"٢٥ - قال الله ﷿: ﴿ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات﴾ إلى قوله: ﴿والله غفور رحيم﴾","level":2,"page":356},{"title":"٢٥ - قال الله ﷿: ﴿فانكحوهن بإذن أهلهن وآتوهن أجورهن﴾","level":2,"page":362},{"title":"٢٥ - قال الله ﷿: ﴿فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب﴾","level":2,"page":365},{"title":"[زنا الإماء والعبيد]","level":3,"page":365},{"title":"٢٩ - قال الله ﵎: ﴿لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم﴾","level":2,"page":368},{"title":"٢٩ - قال الله جل وعز: ﴿ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما﴾","level":2,"page":369},{"title":"٣١ - قال الله ﵎: ﴿إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما﴾","level":2,"page":371},{"title":"٣٢ - قال الله ﵎: ﴿ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض﴾ إلى قوله: ﴿واسألوا الله من فضله﴾","level":2,"page":374},{"title":"٣٣ - قال الله ﷿: ﴿ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون﴾","level":2,"page":375},{"title":"٣٤ - قال الله ﷿: ﴿الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض﴾ إلى قوله: ﴿فلا تبغوا عليهن سبيلا﴾","level":2,"page":376},{"title":"[القوامة]","level":3,"page":376},{"title":"[تأديب الرجل امرأته]","level":3,"page":377},{"title":"٣٥ - قال الله ﷿: ﴿وإن خفتم شقاق بينهما﴾ إلى قوله: ﴿إن الله كان عليما خبيرا﴾","level":2,"page":380},{"title":"[بعث الحكمين]","level":3,"page":380},{"title":"٤٣ - قال الله ﵎: ﴿لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى﴾","level":2,"page":387},{"title":"٤٣ - قال الله ﷿: ﴿ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا﴾","level":2,"page":388},{"title":"[دخول الجنب المسجد وصلاته]","level":3,"page":388},{"title":"٤٣ - قال الله ﷿: ﴿وإن كنتم مرضى أو على سفر﴾ إلى قوله: ﴿صعيدا طيبا﴾","level":2,"page":390},{"title":"[تيمم المريض]","level":3,"page":390},{"title":"٤٣ - قال الله ﵎: ﴿أو لامستم النساء﴾","level":2,"page":391},{"title":"[اللمس الموجب للوضوء]","level":3,"page":391},{"title":"٤٣ - قال الله ﵎: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم﴾","level":2,"page":394},{"title":"[أحكام التيمم]","level":3,"page":394},{"title":"١١٦ - قال الله ﵎: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾","level":2,"page":397},{"title":"[عموم المغفرة للمذنبين من أمته -ﷺ-]","level":3,"page":397},{"title":"٥٨ - قال الله ﷿: ﴿إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها﴾","level":2,"page":398},{"title":"٥٩ - قال الله ﵎: ﴿ياأيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر﴾","level":2,"page":399},{"title":"[طاعة الله ورسوله -ﷺ-]","level":3,"page":399},{"title":"[طاعة أولي الأمر]","level":3,"page":400},{"title":"٩٢ - قال الله ﵎: ﴿وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ﴾ إلى قوله: ﴿إلا أن يصدقوا﴾","level":2,"page":401},{"title":"[القتل الخطأ]","level":3,"page":401},{"title":"[الدية]","level":3,"page":402},{"title":"٩٢ - قال الله ﵎: ﴿فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة﴾","level":2,"page":404},{"title":"[دية المؤمن مع أهل الكفر، والمعاهد، والذمي]","level":3,"page":404},{"title":"٩٢ - قال الله ﵎: ﴿فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من الله﴾","level":2,"page":409},{"title":"٩٣ - قال الله ﷿: ﴿ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا﴾ إلى آخر الآية","level":2,"page":410},{"title":"[هل للقاتل توبة؟]","level":3,"page":410},{"title":"٩٥ - قال الله سبحانه: ﴿لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم﴾ الآية","level":2,"page":412},{"title":"[العذر في الجهاد]","level":3,"page":412},{"title":"١٠١ - ١٠٢ - قال الله ﵎: ﴿وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا إن الكافرين كانوا لكم عدوا مبينا (١٠١) وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك﴾","level":2,"page":413},{"title":"[صفة صلاة الخوف]","level":3,"page":414},{"title":"١٠٢ - قال الله تعالى: ﴿ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم وخذوا حذركم﴾","level":2,"page":419},{"title":"[سبب النزول]","level":3,"page":419},{"title":"١٠٣ - قال الله ﵎: ﴿فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم﴾","level":2,"page":420},{"title":"[أوقات الصلاة]","level":3,"page":420},{"title":"١١٩ - قال الله ﷿: ﴿ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام﴾","level":2,"page":422},{"title":"١١٩ - قال الله ﷿: ﴿ولآمرنهم فليغيرن خلق الله﴾","level":2,"page":423},{"title":"١٢٣ - قال الله عز وعلا: ﴿ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز به﴾","level":2,"page":425},{"title":"١٢٧ - قال الله ﵎: ﴿ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء﴾","level":2,"page":427},{"title":"١٢٨ - قال الله ﵎: ﴿وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا والصلح خير﴾","level":2,"page":428},{"title":"[مصالحة المرأة زوجها ببعض حقها]","level":3,"page":428},{"title":"١٢٨ - قال الله ﵎: ﴿وأحضرت الأنفس الشح﴾","level":2,"page":430},{"title":"١٢٩ - قال الله ﵎: ﴿ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة﴾","level":2,"page":431},{"title":"[العدل بين النساء]","level":3,"page":431},{"title":"١٣٥ - قال الله ﵎: ﴿وإن تلووا أو تعرضوا﴾","level":2,"page":432},{"title":"١٤٨ - قال الله ﷿: ﴿لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم﴾","level":2,"page":433},{"title":"١٧٦ - قال الله ﷿: ﴿يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة﴾","level":2,"page":434},{"title":"[الكلالة]","level":3,"page":434},{"title":"سورة المائدة","level":1,"page":435},{"title":"١ - قال الله ﷿: ﴿ياأيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود﴾","level":2,"page":436},{"title":"[الوفاء بالعقود]","level":3,"page":436},{"title":"[القضاء في صوم التطوع]","level":3,"page":436},{"title":"[الرجوع في الهبة]","level":3,"page":437},{"title":"[بيع المدبر والمكاتب]","level":3,"page":437},{"title":"[الخيار في البيع]","level":3,"page":437},{"title":"١ - قال الله ﵎: ﴿أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم﴾","level":2,"page":439},{"title":"٢ - قال الله ﷿: ﴿ياأيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام﴾ إلى قوله: ﴿ورضوانا﴾","level":2,"page":440},{"title":"٢ - قال الله تعالى: ﴿وإذا حللتم فاصطادوا﴾","level":2,"page":441},{"title":"[الإطلاق من الحظر يفيد الإباحة لا الوجوب]","level":3,"page":441},{"title":"٢ - قال الله ﵎: ﴿ولا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا﴾","level":2,"page":442},{"title":"[سبب النزول]","level":3,"page":442},{"title":"٣ - قال الله ﷿: ﴿حرمت عليكم الميتة﴾ إلى قوله: ﴿وما ذبح على النصب﴾","level":2,"page":443},{"title":"[تحريم الميتة]","level":3,"page":443},{"title":"٣ - قال الله ﵎: ﴿وأن تستقسموا بالأزلام﴾","level":2,"page":445},{"title":"٣ - قال الله ﵎: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا﴾","level":2,"page":446},{"title":"٤ - قال الله ﵎: ﴿يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله﴾","level":2,"page":447},{"title":"[حكم الصيد الذي أكل الكلب منه]","level":3,"page":447},{"title":"٥ - قال الله ﷿: ﴿اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم﴾","level":2,"page":450},{"title":"[ذبائح أهل الكتاب]","level":3,"page":450},{"title":"٥ - قال الله ﵎: ﴿والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم إذا آتيتموهن أجورهن محصنين غير مسافحين ولا متخذي أخدان﴾","level":2,"page":452},{"title":"[الزواج بغير المسلمات]","level":3,"page":452},{"title":"٦ - قال الله ﵎: ﴿ياأيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم﴾ الآية","level":2,"page":454},{"title":"[موجبات الوضوء]","level":3,"page":454},{"title":"٦ - قال الله ﵎: ﴿فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين﴾","level":2,"page":457},{"title":"[صفة الوضوء]","level":3,"page":457},{"title":"٣٣ - ٣٤ - قال الله ﵎: ﴿إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله﴾ إلى قوله عز من قائل: ﴿فاعلموا أن الله غفور رحيم﴾","level":2,"page":463},{"title":"[حد الحرابة]","level":3,"page":463},{"title":"٣٨ - قال الله ﵎: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله﴾","level":2,"page":470},{"title":"[حد السرقة]","level":3,"page":470},{"title":"٤١ - ٤٨ - قال الله ﵎: ﴿ياأيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ومن الذين هادوا سماعون للكذب﴾ إلى قوله عز من قائل: ﴿ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق﴾","level":2,"page":475},{"title":"[الحكم بين أهل الذمة]","level":3,"page":475},{"title":"[سبب النزول]","level":3,"page":476},{"title":"٨٧ - قال الله ﷿: ﴿ياأيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين﴾ الآية","level":2,"page":489},{"title":"[النهي عن تحريم الطيبات]","level":3,"page":489},{"title":"٨٩ - قال الله ﷿: ﴿لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان﴾","level":2,"page":491},{"title":"[كفارة اليمين]","level":3,"page":491},{"title":"٨٩ - قال الله ﵎: ﴿فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم﴾","level":2,"page":496},{"title":"[مقدار الكفارة]","level":3,"page":496},{"title":"٨٩ - قال الله ﷿: ﴿أو كسوتهم﴾","level":2,"page":498},{"title":"[الكسوة في الكفارة]","level":3,"page":498},{"title":"[الحكمة من ذكر الكسوة قبل تحرير الرقبة]","level":3,"page":499},{"title":"٨٩ - قال الله ﵎: ﴿فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام﴾","level":2,"page":500},{"title":"[صيام الكفارات]","level":3,"page":500},{"title":"٩٠ - قال الله ﵎: ﴿ياأيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون﴾","level":2,"page":501},{"title":"[تحريم الخمر]","level":3,"page":501},{"title":"[تحريم الميسر]","level":3,"page":502},{"title":"٩٣ - قال الله ﷿: ﴿ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا﴾ الآية","level":2,"page":504},{"title":"[سبب النزول]","level":3,"page":504},{"title":"٩٤ - قال الله ﵎: ﴿ليبلونكم الله بشيء من الصيد تناله أيديكم ورماحكم﴾","level":2,"page":506},{"title":"٩٥ - قال الله ﷿: ﴿ياأيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم﴾","level":2,"page":507},{"title":"[تحريم الصيد للمحرم]","level":3,"page":507},{"title":"٩٥ - قال الله ﷿: ﴿ومن قتله منكم متعمدا﴾","level":2,"page":508},{"title":"[جزاء قتل الصيد]","level":3,"page":508},{"title":"٩٥ - قال الله ﷿: ﴿فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم﴾ إلى قوله ﵎: ﴿أو عدل ذلك صياما﴾","level":2,"page":510},{"title":"[جزاء قتل الصيد]","level":3,"page":510},{"title":"٩٥ - قال الله ﵎: ﴿عفا الله عما سلف ومن عاد فينتقم الله منه﴾","level":2,"page":512},{"title":"٩٥ - قال الله ﷿: ﴿يحكم به ذوا عدل منكم﴾","level":2,"page":513},{"title":"[الحكمان في قتل الصيد]","level":3,"page":513},{"title":"٩٦ - قال الله عز وعلا: ﴿أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة﴾","level":2,"page":514},{"title":"[صيد البحر وطعامه للمحرم]","level":3,"page":514},{"title":"٩٧ - قال الله ﷿: ﴿جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس﴾","level":2,"page":516},{"title":"١٠١ - قال الله ﵎: ﴿ياأيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم﴾ الآية","level":2,"page":517},{"title":"١٠٣ - قال الله ﷿: ﴿ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام﴾","level":2,"page":519},{"title":"[تحريم البحيرة والسائبة والوصيلة الحامي]","level":3,"page":519},{"title":"١٠٥ - قال الله ﵎: ﴿ياأيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم﴾ الآية","level":2,"page":520},{"title":"١٠٦ - قال الله ﷿: ﴿ياأيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم﴾","level":2,"page":521},{"title":"[شهادة غير المسلم]","level":3,"page":521},{"title":"سورة الأنعام","level":1,"page":523},{"title":"١٢١ - قال الله ﷿: ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق﴾","level":2,"page":524},{"title":"[التسمية عند الذبح]","level":3,"page":524},{"title":"[سبب النزول]","level":3,"page":525},{"title":"١٤١ - قال الله ﷿: ﴿كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه﴾ الآية","level":2,"page":527},{"title":"[زكاة الزروع والثمار]","level":3,"page":527},{"title":"١٤٥ - قال الله ﷿: ﴿قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما﴾ الآية","level":2,"page":529},{"title":"[ما لم يذكر تحريمه من الأطعمة]","level":3,"page":529},{"title":"١٤٥ - قال الله ﷿: ﴿أو دما مسفوحا﴾","level":2,"page":531},{"title":"[النجاسة المعفو عنها]","level":3,"page":531},{"title":"١٥٢ - قال الله جل وعلا: ﴿ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن﴾","level":2,"page":533},{"title":"١٥٣ - قال الله جل وعز: ﴿وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله﴾","level":2,"page":534},{"title":"١٥٩ - قال الله ﷿: ﴿إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء إنما أمرهم إلى الله﴾","level":2,"page":535},{"title":"سورة الأعراف","level":1,"page":537},{"title":"٣١ - ٣٢ - قال الله ﷿: ﴿يابني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد﴾ إلى قوله عز من قائل: ﴿نفصل الآيات لقوم يعلمون﴾","level":2,"page":538},{"title":"[سبب النزول]","level":3,"page":538},{"title":"[ستر العورة]","level":3,"page":539},{"title":"[طهارة الثوب]","level":3,"page":540},{"title":"٣٣ - قال الله ﷿: ﴿قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن﴾","level":2,"page":543},{"title":"١٥٧ - قال الله ﷿: ﴿ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم﴾","level":2,"page":544},{"title":"٢٠٤ - قال الله ﷿: ﴿وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون﴾","level":2,"page":545},{"title":"[سبب النزول]","level":3,"page":545},{"title":"[القراءة خلف الإمام]","level":3,"page":545},{"title":"سورة الأنفال","level":1,"page":559},{"title":"١ - قال الله ﷿: ﴿يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول﴾ الآية","level":2,"page":560},{"title":"[سبب النزول]","level":3,"page":560},{"title":"[مم يكون النفل؟]","level":3,"page":561},{"title":"١٦ - قال الله ﷿: ﴿ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة﴾","level":2,"page":567},{"title":"٤١ - قال الله ﷿: ﴿واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه﴾","level":2,"page":568},{"title":"٦٦ - قال الله ﷿: ﴿إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين﴾","level":2,"page":569},{"title":"٦٧ - قال الله ﵎: ﴿ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض﴾","level":2,"page":570},{"title":"[سبب النزول]","level":3,"page":570},{"title":"٧٣ - قال الله ﵎: ﴿والذين كفروا بعضهم أولياء بعض﴾","level":2,"page":573},{"title":"٧٥ - قال الله ﷿: ﴿وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله إن الله بكل شيء عليم﴾","level":2,"page":574},{"title":"[أساس الموارثة]","level":3,"page":574},{"title":"سورة براءة","level":1,"page":581},{"title":"١ - ٢ - قال الله ﷿: ﴿براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين﴾ إلى قوله: ﴿أن الله بريء من المشركين ورسوله﴾","level":2,"page":582},{"title":"[عدم البسملة]","level":3,"page":582},{"title":"[وقت نزول الآية]","level":3,"page":582},{"title":"٤ - قال الله ﵎: ﴿وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر﴾","level":2,"page":585},{"title":"٢٨ - قال الله ﷿: ﴿إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء﴾","level":2,"page":587},{"title":"٢٩ - قال الله ﵎: ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر﴾ إلى قوله عز من قائل: ﴿وهم صاغرون﴾","level":2,"page":588},{"title":"[حكم قتال نصارى ومشركي العرب]","level":3,"page":588},{"title":"٣٤ - قال الله ﵎: ﴿والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم﴾","level":2,"page":590},{"title":"٣٦ - قال الله تبارك اسمه: ﴿إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا﴾ إلى قوله: ﴿فلا تظلموا فيهن أنفسكم﴾","level":2,"page":592},{"title":"٣٧ - قال الله ﵎: ﴿إنما النسيء زيادة في الكفر﴾ إلى قوله: ﴿زين لهم سوء أعمالهم﴾","level":2,"page":593},{"title":"[تأخير المستطيع الحج]","level":3,"page":596},{"title":"٤١ - قال الله ﵎: ﴿انفروا خفافا وثقالا﴾","level":2,"page":599},{"title":"[حكم الجهاد]","level":3,"page":599},{"title":"٦٠ - قال الله ﷿: ﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين﴾، الآية","level":2,"page":601},{"title":"[إعطاء أهل الكتاب الزكاة]","level":3,"page":602},{"title":"[سهم المؤلفة قلوبهم]","level":3,"page":602},{"title":"٧٣ - قال الله ﵎: ﴿ياأيها النبي جاهد الكفار والمنافقين﴾","level":2,"page":604},{"title":"١١٣ - قال الله ﵎: ﴿ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى﴾ الآية","level":2,"page":605},{"title":"[الاستغفار للمشركين]","level":3,"page":605},{"title":"ومن سورة يونس","level":1,"page":607},{"title":"٨٧ - قال الله ﵎: ﴿واجعلوا بيوتكم قبلة﴾","level":2,"page":608},{"title":"سورة هود ﵇","level":1,"page":609},{"title":"١١٤ - قال الله ﵎: ﴿وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل﴾ الآية","level":2,"page":610},{"title":"١١٤ - وأما قوله: ﴿إن الحسنات يذهبن السيئات﴾","level":2,"page":611},{"title":"ومن سورة يوسف ﵇","level":1,"page":612},{"title":"٢٠ - قال الله ﷿: ﴿وشروه بثمن بخس دراهم معدودة﴾","level":2,"page":613},{"title":"[ولاء اللقيط]","level":3,"page":613},{"title":"[ملك الولد أباه والوالد ابنه]","level":3,"page":614},{"title":"٢٥ - ٢٦ - قال الله ﵎: ﴿واستبقا الباب وقدت قميصه من دبر﴾ إلى قوله: ﴿وشهد شاهد من أهلها﴾، الآية","level":2,"page":616},{"title":"[شرع من قبلنا]","level":3,"page":617},{"title":"٧٢ - قال الله ﷿: ﴿ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم﴾","level":2,"page":618},{"title":"[حكم الجعالة]","level":3,"page":618},{"title":"[حكم الكفالة]","level":3,"page":619},{"title":"٨٨ - قال الله ﵎: ﴿فأوف لنا الكيل﴾ ٥٩ - وقوله: ﴿ألا ترون أني أوفي الكيل﴾","level":2,"page":620},{"title":"[أجرة الكيال]","level":3,"page":620},{"title":"ومن سورة الرعد","level":1,"page":621},{"title":"٨ - قال الله ﵎: ﴿الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام وما تزداد﴾","level":2,"page":622},{"title":"[هل تحيض الحامل؟]","level":3,"page":622},{"title":"سورة إبراهيم ﵇","level":1,"page":624},{"title":"٢٥ - قال الله ﵎: ﴿تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها﴾","level":2,"page":625},{"title":"سورة الحجر","level":1,"page":626},{"title":"٧٢ - قال الله ﵎: ﴿لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون﴾","level":2,"page":627},{"title":"ومن سورة النحل","level":1,"page":628},{"title":"٦٧ - قال الله جل وعلا: ﴿تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا﴾","level":2,"page":629},{"title":"٧٥ - قال الله ﵎: ﴿ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء﴾ الآيتان","level":2,"page":630},{"title":"[طلاق العبد]","level":3,"page":630},{"title":"[هل يملك العبد؟]","level":3,"page":631},{"title":"٩٨ - قال الله ﷿: ﴿فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم﴾","level":2,"page":633},{"title":"١٠٦ - قال الله ﷿: ﴿إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان﴾","level":2,"page":634},{"title":"[سبب النزول]","level":3,"page":634},{"title":"[الإكراه]","level":3,"page":636},{"title":"١٢٦ - قال الله ﷿: ﴿وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين﴾","level":2,"page":637},{"title":"[سبب النزول]","level":3,"page":637},{"title":"سورة بني إسرائيل","level":1,"page":640},{"title":"١٦ - قال الله ﵎: ﴿وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا﴾","level":2,"page":641},{"title":"٢٤ - ٢٣ - قال الله ﷿: ﴿إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما (٢٣) واخفض لهما جناح الذل من الرحمة﴾","level":2,"page":643},{"title":"٢٦ - قال الله ﷿: ﴿ولا تبذر تبذيرا﴾","level":2,"page":644},{"title":"٢٨ - قال الله ﷿: ﴿وإما تعرضن عنهم ابتغاء رحمة من ربك ترجوها فقل لهم قولا ميسورا﴾","level":2,"page":645},{"title":"٢٩ - قال الله ﵎: ﴿ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا﴾","level":2,"page":646},{"title":"٣٣ - قال الله ﷿: ﴿ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا﴾","level":2,"page":647},{"title":"[القصاص في النفس]","level":3,"page":647},{"title":"٣٤ - قال الله تبارك اسمه: ﴿ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده﴾","level":2,"page":651},{"title":"[القيام على مال اليتيم]","level":3,"page":651},{"title":"٧٨ - قال الله تبارك اسمه: ﴿أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل﴾","level":2,"page":652},{"title":"٧٨ - وقوله ﷿: ﴿إلى غسق الليل﴾","level":2,"page":653},{"title":"٧٨ - وقوله عز من قائل: ﴿وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا﴾","level":2,"page":654},{"title":"٧٩ - وقوله: ﴿ومن الليل فتهجد به نافلة لك﴾","level":2,"page":655},{"title":"[صلاة التهجد]","level":3,"page":655},{"title":"١١٠ - قال الله ﵎: ﴿ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا﴾","level":2,"page":657},{"title":"ومن سورة الكهف","level":1,"page":658},{"title":"٢٣ - ٢٤ - قال الله ﷿: ﴿ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا (٢٣) إلا أن يشاء الله واذكر ربك إذا نسيت﴾","level":2,"page":659},{"title":"[سبب النزول]","level":3,"page":659},{"title":"[الاستثناء في اليمين]","level":3,"page":660},{"title":"١٠٣ - ١٠٤ - قال الله ﵎: ﴿قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا (١٠٣) الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا﴾","level":2,"page":661},{"title":"١١٠ - قال الله ﵎: ﴿فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا﴾","level":2,"page":663},{"title":"سورة مريم ﵍","level":1,"page":664},{"title":"٣ - قال الله ﵎: ﴿إذ نادى ربه نداء خفيا﴾","level":2,"page":665},{"title":"٨٨ - ٩٣ - قال الله تبارك اسمه: ﴿وقالوا اتخذ الرحمن ولدا﴾، إلى قوله: ﴿إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا﴾","level":2,"page":666},{"title":"[ملك الولد أباه والوالد ابنه]","level":3,"page":666},{"title":"سورة طه","level":1,"page":667},{"title":"١٢ - ﴿فاخلع نعليك إنك بالواد المقدس طوى﴾","level":2,"page":668},{"title":"[الصلاة في النعال]","level":3,"page":668},{"title":"١٤ - قال الله ﷿: ﴿وأقم الصلاة لذكري﴾","level":2,"page":669},{"title":"[قضاء الفوائت]","level":3,"page":669},{"title":"ومن سورة الأنبياء ﵈","level":1,"page":671},{"title":"٧٨ - ٧٩ - قال الله ﵎: ﴿وداوود وسليمان إذ يحكمان في الحرث﴾ إلى قوله: ﴿حكما وعلما﴾","level":2,"page":672},{"title":"[إفساد البهائم]","level":3,"page":672},{"title":"ومن سورة الحج","level":1,"page":676},{"title":"٥ - ﴿ياأيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة﴾ إلى: ﴿وغير مخلقة﴾","level":2,"page":677},{"title":"[بم تكون أم الولد؟]","level":3,"page":677},{"title":"٢٥ - قال الله ﷿: ﴿إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام﴾ إلى قوله: ﴿عذاب أليم﴾","level":2,"page":680},{"title":"[سكنى الحاج]","level":3,"page":680},{"title":"٢٥ - قال الله ﵎: ﴿ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم﴾","level":2,"page":682},{"title":"٢٦ - قال الله ﵎: ﴿وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا﴾","level":2,"page":684},{"title":"٢٧ - قال الله ﵎: ﴿يأتوك رجالا وعلى كل ضامر﴾","level":2,"page":685},{"title":"٢٨ - قال الله ﵎: ﴿ليشهدوا منافع لهم﴾","level":2,"page":687},{"title":"٢٨ - قال الله عز وعلا: ﴿ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام﴾","level":2,"page":689},{"title":"٢٨ - قال الله جل وعلا: ﴿فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير﴾","level":2,"page":690},{"title":"٢٩ - قال الله ﵎: ﴿ثم ليقضوا تفثهم﴾","level":2,"page":691},{"title":"٢٩ - قال الله ﵎: ﴿وليوفوا نذورهم﴾","level":2,"page":693},{"title":"٢٩ - قال الله ﷿: ﴿وليطوفوا بالبيت العتيق﴾","level":2,"page":694},{"title":"[طواف الإفاضة]","level":3,"page":694},{"title":"٣٠ - قال الله ﵎: ﴿ذلك ومن يعظم حرمات الله فهو خير له عند ربه﴾","level":2,"page":695},{"title":"٣٠ - قال الله عز وعلا: ﴿وأحلت لكم الأنعام إلا ما يتلى عليكم﴾","level":2,"page":696},{"title":"٣٠ - قال الله ﵎: ﴿فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور﴾","level":2,"page":697},{"title":"٣٢ - قال الله ﵎: ﴿ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب﴾","level":2,"page":699},{"title":"٣٣ - قال الله ﷿: ﴿لكم فيها منافع إلى أجل مسمى﴾ الآية","level":2,"page":700},{"title":"٣٤ - قال الله ﷿: ﴿ولكل أمة جعلنا منسكا ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام﴾","level":2,"page":702},{"title":"٣٦ - قال الله جل وعز: ﴿فاذكروا اسم الله عليها صواف﴾","level":2,"page":704},{"title":"[صفة النحر]","level":3,"page":705},{"title":"٣٦ - قال الله عز وعلا: ﴿فإذا وجبت جنوبها﴾","level":2,"page":706},{"title":"٣٦ - قال الله ﷿: ﴿فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر﴾","level":2,"page":707},{"title":"[الأكل من النسيكة]","level":3,"page":707},{"title":"٣٧ - قال الله ﵎: ﴿لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم﴾","level":2,"page":709},{"title":"٣٩ - ٤١ - قال الله ﵎: ﴿أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا﴾ إلى: ﴿ولله عاقبة الأمور﴾","level":2,"page":710},{"title":"[الأمر بالقتال]","level":3,"page":710},{"title":"٧٨ - قال الله ﵎: ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾","level":2,"page":711},{"title":"سورة المؤمنين","level":1,"page":713},{"title":"١ - ٢ - قوله ﷿: ﴿قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون﴾","level":2,"page":714},{"title":"[الخشوع في الصلاة]","level":3,"page":714},{"title":"٩ - قال الله ﷿: ﴿والذين هم على صلواتهم يحافظون﴾","level":2,"page":717},{"title":"٦٠ - قال الله ﵎: ﴿والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون﴾","level":2,"page":718},{"title":"٦٧ - قال الله ﷿: ﴿مستكبرين به سامرا تهجرون﴾","level":2,"page":721},{"title":"[حكم السمر]","level":3,"page":722},{"title":"ومن سورة النور","level":1,"page":725},{"title":"١ - قال الله ﷿: ﴿سورة أنزلناها وفرضناها﴾","level":2,"page":726},{"title":"٢ - قال الله ﷿: ﴿الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة﴾","level":2,"page":727},{"title":"[حد الزنا]","level":3,"page":727},{"title":"٣ - قال الله ﵎: ﴿ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله﴾","level":2,"page":730},{"title":"[العفو عن الحد]","level":3,"page":730},{"title":"٣ - قال الله ﷿ ﴿وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين﴾","level":2,"page":732},{"title":"[شهود الحد]","level":3,"page":732},{"title":"٤ - قال الله ﵎: ﴿الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين﴾","level":2,"page":735},{"title":"[نكاح الزانيين]","level":3,"page":735},{"title":"٤ - ٥ - قال الله ﵎: ﴿والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء﴾ إلى قوله: ﴿فإن الله غفور رحيم﴾","level":2,"page":739},{"title":"[شهادة القاذف]","level":3,"page":739},{"title":"٦ - قال الله ﵎: ﴿والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم﴾ الآية","level":2,"page":745},{"title":"[أحكام الملاعنة]","level":3,"page":745},{"title":"[المحدود في القذف هل يلاعن؟]","level":3,"page":749},{"title":"[نكول المرأة]","level":3,"page":753},{"title":"[الفرقة في اللعان]","level":3,"page":754},{"title":"٢٧ - قال الله ﵎: ﴿ياأيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها﴾","level":2,"page":756},{"title":"[وجوب الاستئذان]","level":3,"page":756},{"title":"٢٩ - قال الله ﷿: ﴿ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة فيها متاع لكم﴾","level":2,"page":758},{"title":"٣٠ - قال الله ﵎: ﴿قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم﴾","level":2,"page":759},{"title":"٣١ - قال الله ﵎: ﴿ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها﴾","level":2,"page":760},{"title":"٣١ - قال الله ﷿: ﴿وليضربن بخمرهن على جيوبهن﴾","level":2,"page":762},{"title":"٣١ - قال الله عز وعلا: ﴿ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن﴾ الآية","level":2,"page":763},{"title":"[ما يرى العبد من سيدته]","level":3,"page":763},{"title":"٣١ - قال الله ﵎: ﴿أو التابعين غير أولي الإربة من الرجال أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء﴾","level":2,"page":765},{"title":"٣٢ - قال الله ﷿: ﴿وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله﴾","level":2,"page":767},{"title":"[الولاية في النكاح]","level":3,"page":767},{"title":"٣٣ - قال الله تعالى ذكره: ﴿والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا﴾","level":2,"page":771},{"title":"[حكم المكاتبة]","level":3,"page":771},{"title":"٣٣ - قال الله ﵎: ﴿ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا﴾","level":2,"page":777},{"title":"[سبب النزول]","level":3,"page":777},{"title":"[خطاب الكفار بفروع الشريعة]","level":3,"page":778},{"title":"٥٨ - قال الله ﷿: ﴿ياأيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم﴾","level":2,"page":779},{"title":"[من يستاذن، ومتى، ولم؟]","level":3,"page":779},{"title":"٥٩ - وقال الله ﵎: ﴿وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا كما استأذن الذين من قبلهم﴾","level":2,"page":780},{"title":"[وجوب الاستئذان]","level":3,"page":780},{"title":"٦٠ - قال الله ﷿: ﴿والقواعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحا فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن غير متبرجات بزينة﴾","level":2,"page":781},{"title":"٦١ - قال الله ﷿: ﴿ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج﴾ إلى ﴿جميعا أو أشتاتا﴾","level":2,"page":782},{"title":"[سبب النزول]","level":3,"page":782},{"title":"٦١ - قال الله ﵎: ﴿فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم تحية من عند الله مباركة طيبة﴾","level":2,"page":784},{"title":"٦٢ - قال الله عز من قائل: ﴿وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه﴾ الآية","level":2,"page":785},{"title":"ومن سورة الفرقان","level":1,"page":786},{"title":"٤٨ - قال الله ﷿ ﴿وأنزلنا من السماء ماء طهورا﴾","level":2,"page":787},{"title":"[أحكام المياه]","level":3,"page":787},{"title":"٦٢ - قال الله ﵎: ﴿وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا﴾","level":2,"page":797},{"title":"٦٣ - قال الله عز وعلا: ﴿وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما﴾","level":2,"page":798},{"title":"٦٧ - قال الله ﵎: ﴿والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما﴾","level":2,"page":799},{"title":"٦٨ - قال الله ﷿: ﴿والذين لا يدعون مع الله إلها آخر﴾","level":2,"page":800},{"title":"٧٠ - قال الله عز وعلا: ﴿فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات﴾","level":2,"page":802},{"title":"٧٢ - قال الله عز وعلا: ﴿والذين لا يشهدون الزور﴾","level":2,"page":804},{"title":"٧٢ - قال الله ﵎: ﴿وإذا مروا باللغو مروا كراما﴾","level":2,"page":805},{"title":"٧٣ - قال الله ﷿: ﴿والذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صما وعميانا﴾","level":2,"page":806},{"title":"٧٤ - قال الله ﷿: ﴿هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين﴾","level":2,"page":807},{"title":"٧٤ - قال الله ﷿: ﴿واجعلنا للمتقين إماما﴾","level":2,"page":808},{"title":"سورة الخاضعة، وهي الشعراء","level":1,"page":809},{"title":"٨٩ - قال الله ﵎: ﴿إلا من أتى الله بقلب سليم﴾","level":2,"page":810},{"title":"٤ - قال الله ﷿: ﴿فظلت أعناقهم لها خاضعين﴾","level":2,"page":811},{"title":"١٦ - وقوله: ﴿فقولا إنا رسول رب العالمين﴾","level":2,"page":812},{"title":"١٩٨ - قال الله ﷿: ﴿ولو نزلناه على بعض الأعجمين﴾","level":2,"page":813},{"title":"ومن سورة النمل","level":1,"page":814},{"title":"٨٩ - قال الله ﷿: ﴿من جاء بالحسنة فله خير منها﴾","level":2,"page":815},{"title":"سورة القصص","level":1,"page":816},{"title":"٥٥ - قال الله عز وعلا: ﴿وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه﴾","level":2,"page":817},{"title":"[رد سلام الذميين]","level":3,"page":818},{"title":"٧٧ - قال الله ﵎: ﴿ولا تنس نصيبك من الدنيا﴾","level":2,"page":819},{"title":"ومن سورة العنكبوت","level":1,"page":820},{"title":"٥٦ - قال الله تعالى: ﴿إن أرضي واسعة﴾","level":2,"page":821},{"title":"٤٦ - قال الله ﷿: ﴿ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن﴾","level":2,"page":822},{"title":"ومن سورة الروم","level":1,"page":823},{"title":"٣٩ - قال الله ﷿: ﴿وما آتيتم من ربا ليربو﴾ الآية","level":2,"page":824},{"title":"ومن سورة لقمان","level":1,"page":826},{"title":"٦ - قال الله عز وعلا: ﴿ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله﴾ الآية","level":2,"page":827},{"title":"[حكم الغناء]","level":3,"page":827},{"title":"١٢ - قال الله عز وعلا: ﴿ولقد آتينا لقمان الحكمة أن اشكر لله﴾","level":2,"page":828},{"title":"١٨ - قال الله جل ثناؤه: ﴿ولا تصعر خدك للناس﴾","level":2,"page":829},{"title":"١٩ - قال الله جل ثناؤه: ﴿واقصد في مشيك واغضض من صوتك﴾","level":2,"page":831},{"title":"ومن سورة السجدة","level":1,"page":832},{"title":"١٦ - قال الله ﷿: ﴿تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا﴾","level":2,"page":833},{"title":"ومن سورة الأحزاب","level":1,"page":835},{"title":"٤ - قال الله عز وعلا: ﴿ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه﴾","level":2,"page":836},{"title":"٤ - قال الله تبارك اسمه: ﴿وما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون منهن أمهاتكم﴾","level":2,"page":837},{"title":"٤ - ٥ - قال الله ﷿: ﴿وما جعل أدعياءكم أبناءكم ذلكم قولكم بأفواهكم﴾ إلى قوله: ﴿أقسط عند الله﴾","level":2,"page":838},{"title":"[حكم التبني]","level":3,"page":838},{"title":"٦ - قال الله جل وعز: ﴿النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم﴾","level":2,"page":839},{"title":"٦ - قال الله جل وعز: ﴿وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين﴾ الآية","level":2,"page":841},{"title":"[سبب النزول]","level":3,"page":841},{"title":"٢٨ - ٢٩ - قال الله ﷿: ﴿ياأيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينته﴾ إلى آخر الآيتين","level":2,"page":843},{"title":"[هل يعد التخيير طلاقا؟]","level":3,"page":844},{"title":"٣٣ - قال الله ﵎: ﴿ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى﴾","level":2,"page":845},{"title":"٣٦ - قال الله ﷿: ﴿وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم﴾","level":2,"page":846},{"title":"[سبب النزول]","level":3,"page":846},{"title":"٣٧ - قال الله ﵎: ﴿وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق الله﴾ الآيتين","level":2,"page":847},{"title":"[سبب النزول]","level":3,"page":847},{"title":"[حرمة التبني]","level":3,"page":849},{"title":"٤٩ - قال الله ﷿: ﴿ياأيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها﴾، إلى قوله سبحانه: ﴿سراحا جميلا﴾","level":2,"page":850},{"title":"٥٠ - ٥٢ - قال الله ﷿: ﴿ياأيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن﴾ إلى: ﴿لا يحل لك النساء من بعد﴾ إلى: ﴿إلا ما ملكت يمينك﴾","level":2,"page":851},{"title":"٥٠ - قال الله ﷿: ﴿وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي﴾ ٥٠ - قال الله ﷿: ﴿خالصة لك من دون المؤمنين﴾","level":2,"page":853},{"title":"[هبة المرأة نفسها]","level":3,"page":853},{"title":"٥٠ - قال الله ﷿: ﴿قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم وما ملكت أيمانهم لكيلا يكون عليك حرج﴾","level":2,"page":854},{"title":"٥١ - قال الله ﷿: ﴿ترجي من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء ومن ابتغيت ممن عزلت فلا جناح عليك ذلك أدنى أن تقر أعينهن ولا يحزن﴾","level":2,"page":855},{"title":"٥٣ - قال الله جل ثناؤه: ﴿ياأيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناه﴾، إلى: ﴿من وراء حجاب﴾","level":2,"page":857},{"title":"[سبب النزول]","level":3,"page":857},{"title":"٥٣ - قال الله تبارك اسمه: ﴿وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا﴾","level":2,"page":859},{"title":"[سبب النزول]","level":3,"page":859},{"title":"٥٥ - قال الله تعالى: ﴿لا جناح عليهن في آبائهن ولا أبنائهن﴾ الآية","level":2,"page":860},{"title":"[رؤية العبد سيدته]","level":3,"page":860},{"title":"٥٦ - قال الله ﷿: ﴿إن الله وملائكته يصلون على النبي ياأيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما﴾","level":2,"page":862},{"title":"[صيغ الصلاة على النبي -ﷺ-]","level":3,"page":862},{"title":"٥٩ - قال الله ﵎: ﴿ياأيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين﴾","level":2,"page":864},{"title":"ومن سورة سبأ","level":1,"page":865},{"title":"١٣ - قال الله ﵎: ﴿اعملوا آل داوود شكرا وقليل من عبادي الشكور﴾","level":2,"page":866},{"title":"ومن سورة الملائكة","level":1,"page":867},{"title":"١٠ - قال الله ﷿: ﴿إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه﴾","level":2,"page":868},{"title":"٢٨ - قال الله ﷿: ﴿إنما يخشى الله من عباده العلماء﴾","level":2,"page":869},{"title":"ومن سورة يس","level":1,"page":870},{"title":"١٢ - قال الله ﷿: ﴿ونكتب ما قدموا وآثارهم﴾","level":2,"page":871},{"title":"[سبب النزول]","level":3,"page":871},{"title":"ومن سورة والصافات","level":1,"page":872},{"title":"٤٥ - ٤٧ - قوله ﷿: ﴿يطاف عليهم بكأس من معين (٤٥) بيضاء لذة للشاربين (٤٦) لا فيها غول ولا هم [عنها] ينزفون﴾","level":2,"page":873},{"title":"١٤٠ - ١٤١ - قال الله ﷿: ﴿إذ أبق إلى الفلك المشحون فساهم فكان من المدحضين﴾","level":2,"page":874},{"title":"[حكمة القرعة وحكمها]","level":3,"page":876},{"title":"١٠٣ - قال الله ﷿: ﴿فلما أسلما﴾","level":2,"page":878},{"title":"١٠٧ - ﴿وفديناه بذبح عظيم﴾","level":2,"page":879},{"title":"ومن سورة ص","level":1,"page":880},{"title":"٢٠ - قال الله ﷿: ﴿وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب﴾","level":2,"page":881},{"title":"٢٦ - قال الله ﷿: ﴿ياداوود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله﴾","level":2,"page":883},{"title":"٤٤ - قال الله ﷿: ﴿وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث إنا وجدناه صابرا﴾","level":2,"page":884},{"title":"ومن سورة الغرف وهي الزمر","level":1,"page":886},{"title":"قوله ﷿: ﴿ياعبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة﴾","level":2,"page":887},{"title":"ومن سورة المؤمن","level":1,"page":888},{"title":"١٩ - قوله ﷿: ﴿يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور﴾","level":2,"page":889},{"title":"[غض البصر]","level":3,"page":889},{"title":"ومن سورة حم السجدة","level":1,"page":890},{"title":"٣٠ - قوله سبحانه: ﴿إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا﴾","level":2,"page":891},{"title":"٣٤ - قال الله ﷿: ﴿ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم﴾","level":2,"page":893},{"title":"[سجدة فصلت]","level":3,"page":894},{"title":"٤٠ - قال الله ﷿: ﴿اعملوا ما شئتم إنه بما تعملون بصير﴾","level":2,"page":895},{"title":"٤١ - ٤٢ - قال الله ﵎: ﴿وإنه لكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد﴾","level":2,"page":896},{"title":"ومن سورة حم، عسق","level":1,"page":897},{"title":"١٣ - قوله عز وعلا: ﴿شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا﴾","level":2,"page":898},{"title":"٣٩ - قال الله ﷿: ﴿والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون﴾","level":2,"page":900},{"title":"٤٠ - قال الله ﵎: ﴿وجزاء سيئة سيئة مثلها﴾","level":2,"page":901},{"title":"٤١ - قال الله ﷿: ﴿ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل﴾","level":2,"page":902},{"title":"٤٢ - قال الله عز وعلا: ﴿إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق﴾","level":2,"page":903},{"title":"ومن سورة الزخرف","level":1,"page":905},{"title":"١٣ - قوله ﷾: ﴿وتقولوا سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين﴾","level":2,"page":906},{"title":"[دعاء الركوب]","level":3,"page":906},{"title":"٨٦ - قال الله عز وعلا: ﴿إلا من شهد بالحق وهم يعلمون﴾","level":2,"page":908},{"title":"ومن سورة الأحقاف","level":1,"page":909},{"title":"٢٠ - قال الله ﵎: ﴿أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها﴾","level":2,"page":910},{"title":"٤ - قال الله ﵎: ﴿ائتوني بكتاب من قبل هذا أو أثارة من علم إن كنتم صادقين﴾","level":2,"page":911},{"title":"١٥ - قال الله ﷿: ﴿وحمله وفصاله ثلاثون شهرا﴾","level":2,"page":913},{"title":"[مدة الحمل]","level":3,"page":913},{"title":"ومن سورة محمد -ﷺ-","level":1,"page":916},{"title":"٤ - قوله ﷿: ﴿فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما منا بعد وإما فداء﴾","level":2,"page":917},{"title":"٤ - قال الله عز وعلا: ﴿حتى تضع الحرب أوزارها﴾","level":2,"page":919},{"title":"ومن سورة الفتح","level":1,"page":920},{"title":"١٧ - قال الله عز وعلا: ﴿ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج﴾","level":2,"page":921},{"title":"٢٦ - قال الله جل ثناؤه: ﴿وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها﴾","level":2,"page":922},{"title":"٢٩ - قال الله ﵎: ﴿سيماهم في وجوههم من أثر السجود﴾","level":2,"page":924},{"title":"ومن سورة الحجرات","level":1,"page":926},{"title":"١ - ﴿ياأيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله﴾","level":2,"page":927},{"title":"٢ - ٣ - قال الله ﵎: ﴿ياأيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي﴾ إلى قوله: ﴿امتحن الله قلوبهم للتقوى﴾","level":2,"page":928},{"title":"٤ - قال الله ﵎: ﴿إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون﴾","level":2,"page":929},{"title":"[سبب النزول]","level":3,"page":929},{"title":"٦ - قال الله ﵎: ﴿إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا﴾ الآية","level":2,"page":930},{"title":"[سبب النزول]","level":3,"page":930},{"title":"٩ - قال الله ﵎: ﴿وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا﴾ الآية","level":2,"page":931},{"title":"١١ - قال الله ﵎: ﴿ياأيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن﴾","level":2,"page":933},{"title":"١١ - قال الله ﷿: ﴿ولا تلمزوا أنفسكم﴾","level":2,"page":934},{"title":"١١ - قال الله تبارك اسمه وتعالى: ﴿ولا تنابزوا بالألقاب﴾","level":2,"page":935},{"title":"[سبب النزول]","level":3,"page":935},{"title":"١٢ - قال الله ﵎: ﴿ياأيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن﴾","level":2,"page":936},{"title":"١٣ - قال الله ﵎: ﴿ياأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى﴾ إلى: ﴿أتقاكم﴾","level":2,"page":938},{"title":"١٤ - قال الله ﷿: ﴿قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا﴾","level":2,"page":941},{"title":"ومن سورة ق","level":1,"page":943},{"title":"٣٢ - قال الله عز وعلا: ﴿أواب حفيظ﴾","level":2,"page":944},{"title":"٣٩ - قال الله ﵎: ﴿وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب﴾","level":2,"page":945},{"title":"٤٠ - قال الله ﷿: ﴿ومن الليل فسبحه وأدبار السجود﴾","level":2,"page":946},{"title":"ومن سورة والذاريات","level":1,"page":947},{"title":"١٧ - قوله ﷿: ﴿كانوا قليلا من الليل ما يهجعون﴾","level":2,"page":948},{"title":"١٩ - قال الله ﵎: ﴿وفي أموالهم حق للسائل والمحروم﴾","level":2,"page":950},{"title":"٥٦ - ٥٧ - قال الله ﷿: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون (٥٦) ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون﴾","level":2,"page":951},{"title":"ومن سورة والطور","level":1,"page":953},{"title":"٢١ - قال الله ﵎: ﴿والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء﴾","level":2,"page":954},{"title":"٤٨ - ٤٩ - قال الله عز وعلا: ﴿وسبح بحمد ربك حين تقوم (٤٨) ومن الليل فسبحه وإدبار النجوم﴾","level":2,"page":955},{"title":"من سورة والنجم","level":1,"page":956},{"title":"٣٢ - قال الله ﵎: ﴿الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم﴾","level":2,"page":957},{"title":"٣٧ - ٣٨ - قال الله ﵎: ﴿وإبراهيم الذي وفى (٣٧) ألا تزر وازرة وزر أخرى﴾","level":2,"page":960},{"title":"ومن سورة الرحمن","level":1,"page":961},{"title":"٧ - ٩ - قال الله ﵎: ﴿ووضع الميزان﴾ إلى: ﴿ولا تخسروا الميزان﴾","level":2,"page":962},{"title":"ومن سورة الواقعة","level":1,"page":963},{"title":"٧٩ - قال الله ﵎: ﴿لا يمسه إلا المطهرون﴾","level":2,"page":964},{"title":"[مس المحدث المصحف]","level":3,"page":964},{"title":"٨٢ - قال الله ﵎: ﴿وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون﴾","level":2,"page":968},{"title":"ومن سورة الحديد","level":1,"page":969},{"title":"١٩ - قال الله ﵎: ﴿والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون والشهداء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم﴾","level":2,"page":970},{"title":"[معنى الشهيد]","level":3,"page":970},{"title":"٢٧ - قال الله ﵎: ﴿ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها﴾","level":2,"page":972},{"title":"[البدعة في الدين]","level":3,"page":972},{"title":"٢٩ - ٢٨ - قال الله ﷿: ﴿ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته﴾ إلى: ﴿يؤتيه من يشاء﴾","level":2,"page":974},{"title":"١٠ - قال الله ﵎: ﴿لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة﴾","level":2,"page":975},{"title":"[مراتب الصحابة]","level":3,"page":976},{"title":"١٦ - قال الله ﷿: ﴿ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق﴾","level":2,"page":977},{"title":"ومن سورة المجادلة","level":1,"page":978},{"title":"١ - ٢ - قوله تعالى: ﴿قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله﴾ إلى قوله سبحانه: ﴿وإن الله لعفو غفور﴾","level":2,"page":979},{"title":"[أحكام الظهار]","level":3,"page":979},{"title":"[نيابة الحروف عن بعضها]","level":3,"page":982},{"title":"٨ - قال الله ﵎: ﴿وإذا جاءوك حيوك بما لم يحيك به الله﴾ إلى آخر الآية","level":2,"page":992},{"title":"١١ - قال الله عز وعلا: ﴿ياأيها الذين آمنوا إذا قيل لكم تفسحوا في المجالس فافسحوا يفسح الله لكم﴾ إلى قوله سبحانه: ﴿أوتوا العلم درجات﴾","level":2,"page":993},{"title":"١٢ - قال الله ﵎: ﴿ياأيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة﴾","level":2,"page":994},{"title":"ومن سورة الحشر","level":1,"page":996},{"title":"٢ - قوله ﷿: ﴿هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر﴾","level":2,"page":997},{"title":"٥ - قال الله عز وعلا: ﴿ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله وليخزي الفاسقين﴾","level":2,"page":999},{"title":"[سبب النزول]","level":3,"page":999},{"title":"٦ - قال الله عز وعلا: ﴿فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب ولكن الله يسلط رسله﴾ الآية إلى قوله سبحانه: ﴿والله على كل شيء قدير﴾","level":2,"page":1001},{"title":"٧ - قال الله ﵎: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾","level":2,"page":1002},{"title":"٨ - ٩ - قال الله ﵎: ﴿للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم﴾ إلى: ﴿والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم﴾","level":2,"page":1004},{"title":"٩ - قال الله ﵎: ﴿ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة﴾","level":2,"page":1007},{"title":"٩ - قال الله ﵎: ﴿ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون﴾","level":2,"page":1008},{"title":"١٠ - قال الله عز وعلا: ﴿والذين جاءوا من بعدهم﴾ الى آخر الآية","level":2,"page":1009},{"title":"١٦ - قال الله ﵎: ﴿كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر فلما كفر قال إني بريء منك إني أخاف الله رب العالمين﴾","level":2,"page":1010},{"title":"ومن سورة الممتحنة","level":1,"page":1011},{"title":"١ - قال الله ﵎: ﴿ياأيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة﴾ الآية","level":2,"page":1012},{"title":"٤ - قال الله ﵎: ﴿قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم﴾ إلى قوله: ﴿وما أملك لك من الله من شيء﴾","level":2,"page":1014},{"title":"١٠ - ١١ - قال الله سبحانه: ﴿ياأيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن فإن علمتموهن مؤمنات﴾ إلى قوله: ﴿واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون﴾","level":2,"page":1015},{"title":"١٢ - قال الله ﷿: ﴿ياأيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن بالله﴾ الآية","level":2,"page":1018},{"title":"٨ - قال الله ﵎: ﴿لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم﴾ إلى: ﴿إن الله يحب المقسطين﴾","level":2,"page":1020},{"title":"ومن سورة الحواريين","level":1,"page":1021},{"title":"٢ - قال الله ﷿: ﴿ياأيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون﴾","level":2,"page":1022},{"title":"٩ - قال الله ﵎: ﴿ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون﴾","level":2,"page":1023},{"title":"١٤ - قال الله ﷿: ﴿ياأيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله كما قال عيسى ابن مريم للحواريين من أنصاري إلى الله﴾","level":2,"page":1026},{"title":"١٤ - قال الله ﵎: ﴿فآمنت طائفة من بني إسرائيل وكفرت طائفة فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم فأصبحوا ظاهرين﴾","level":2,"page":1028},{"title":"ومن سورة الجمعة","level":1,"page":1030},{"title":"٢ - قال الله ﷿: ﴿هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم﴾ إلي قوله سبحانه: ﴿وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين﴾","level":2,"page":1031},{"title":"٣ - قال الله عز وجلا: ﴿وآخرين منهم لما يلحقوا بهم﴾","level":2,"page":1032},{"title":"٥ - قال الله ﵎: ﴿مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا﴾","level":2,"page":1033},{"title":"٩ - قال الله جل وعز: ﴿ياأيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله﴾","level":2,"page":1034},{"title":"٩ - قال الله ﵎: ﴿وذروا البيع ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون﴾","level":2,"page":1036},{"title":"[البيع عند النداء للجمعة]","level":3,"page":1036},{"title":"[صفة الخطبة]","level":3,"page":1040},{"title":"ومن سورة المنافقين","level":1,"page":1041},{"title":"١٠ - قوله ﷿: ﴿وأنفقوا من ما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت﴾ إلى قوله سبحانه: ﴿وأكن من الصالحين﴾","level":2,"page":1042},{"title":"ومن سورة التغابن","level":1,"page":1043},{"title":"١١ - قوله ﷿: ﴿ومن يؤمن بالله يهد قلبه﴾","level":2,"page":1044},{"title":"١٤ - قال الله عز من قائل: ﴿ياأيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم﴾ إلى قوله: ﴿غفور رحيم﴾","level":2,"page":1045},{"title":"١٦ - وأما قوله: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾","level":2,"page":1046},{"title":"٩ - وأما قوله: ﴿ذلك يوم التغابن﴾","level":2,"page":1047},{"title":"ومن سورة الطلاق","level":1,"page":1048},{"title":"١ - قوله ﷿: ﴿ياأيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة﴾","level":2,"page":1049},{"title":"٢ - قال الله سبحانه: ﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾","level":2,"page":1057},{"title":"[الإشهاد على الرجعة]","level":3,"page":1057},{"title":"[القضاء بالشاهد واليمين]","level":3,"page":1058},{"title":"[شهادة النساء]","level":3,"page":1061},{"title":"٤ - قال الله ﵎: ﴿واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم﴾ إلى قوله: ﴿واللائي لم يحضن﴾","level":2,"page":1064},{"title":"[عدة المطلقة]","level":3,"page":1064},{"title":"٤ - قال الله ﵎: ﴿وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن﴾","level":2,"page":1071},{"title":"٦ - قال الله ﷿: ﴿أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم﴾","level":2,"page":1072},{"title":"[سكنى المطلقة ثلاثا ونفقتها]","level":3,"page":1072},{"title":"٢ - ٣ - قال الله ﵎: ﴿ومن يتق الله يجعل له مخرجا (٢) ويرزقه من حيث لا يحتسب﴾","level":2,"page":1083},{"title":"ومن سورة التحريم","level":1,"page":1084},{"title":"١ - ٤ - قوله ﷿: ﴿ياأيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك﴾ إلى قوله: ﴿فإن الله هو مولاه﴾","level":2,"page":1085},{"title":"٦ - قال الله ﵎: ﴿قوا أنفسكم وأهليكم نارا﴾","level":2,"page":1092},{"title":"٨ - قال الله ﷿: ﴿ياأيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا﴾","level":2,"page":1093},{"title":"٩ - قال الله ﵎: ﴿ياأيها النبي جاهد الكفار﴾","level":2,"page":1094},{"title":"ومن سورة سأل سائل","level":1,"page":1095},{"title":"٢٣ - قال الله ﵎: ﴿الذين هم على صلاتهم دائمون﴾","level":2,"page":1096},{"title":"٢٤ - قال الله عز من قائل: ﴿والذين في أموالهم حق معلوم﴾","level":2,"page":1097},{"title":"٢٥ - وقال تبارك تعالى: ﴿للسائل والمحروم﴾","level":2,"page":1099},{"title":"ومن سورة نوح ﵇","level":1,"page":1101},{"title":"١٣ - قال الله ﵎: ﴿ما لكم لا ترجون لله وقارا (١٣) وقد خلقكم أطوارا﴾","level":2,"page":1102},{"title":"ومن سورة الجن","level":1,"page":1103},{"title":"٣ - قال الله ﷿: ﴿وأنه تعالى جد ربنا ما اتخذ صاحبة ولا ولدا﴾","level":2,"page":1104},{"title":"٦ - قال الله ﷿: ﴿وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا﴾","level":2,"page":1105},{"title":"٩ - قال ﵎: ﴿أنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع﴾ وما في السوره من ذكر الجن","level":2,"page":1106},{"title":"ومن سورة المزمل","level":1,"page":1111},{"title":"١ - ٢ - قال الله ﷿: ﴿ياأيها المزمل (١) قم الليل إلا قليلا﴾، الآية","level":2,"page":1112},{"title":"٤ - قال الله ﵎: ﴿ورتل القرآن ترتيلا﴾","level":2,"page":1115},{"title":"٥ - قال الله عز وعلا: ﴿إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا﴾","level":2,"page":1116},{"title":"٦ - قال الله ﵎: ﴿ناشئة الليل﴾","level":2,"page":1117},{"title":"٦ - قوله سبحانه: ﴿هي أشد وطئا وأقوم قيلا﴾","level":2,"page":1118},{"title":"٧ - ﴿إن لك في النهار سبحا طويلا﴾","level":2,"page":1119},{"title":"٨ - ﴿واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلا﴾","level":2,"page":1120},{"title":"٢٠ - ﴿وأقرضوا الله قرضا حسنا﴾","level":2,"page":1121},{"title":"ومن سورة المدثر","level":1,"page":1122},{"title":"١ - ٥ - قال الله ﵎: ﴿ياأيها المدثر (١) قم فأنذر (٢) وربك فكبر (٣) وثيابك فطهر (٤) والرجز فاهجر﴾","level":2,"page":1123},{"title":"[سبب النزول]","level":3,"page":1123},{"title":"٦ - ﴿ولا تمنن تستكثر﴾","level":2,"page":1128},{"title":"ومن سورة لا أقسم","level":1,"page":1129},{"title":"١٤ - ١٥ - قال الله ﷿: ﴿بل الإنسان على نفسه بصيرة (١٤) ولو ألقى معاذيره﴾","level":2,"page":1130},{"title":"١٧ - ١٦ - قال الله ﵎: ﴿لا تحرك به لسانك لتعجل به (١٦) إن علينا جمعه وقرآنه﴾","level":2,"page":1132},{"title":"سورة هل أتى","level":1,"page":1133},{"title":"١ - قال الله ﷿: ﴿هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا﴾","level":2,"page":1134},{"title":"٢ - قال الله ﷿: ﴿إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه﴾","level":2,"page":1135},{"title":"٨ - ﴿ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا﴾","level":2,"page":1136},{"title":"٩ - ﴿إنما نطعمكم لوجه﴾","level":2,"page":1137},{"title":"والمرسلات","level":1,"page":1138},{"title":"٣٥ - ٣٦ - قال الله ﷿: ﴿هذا يوم لا ينطقون ولا يؤذن لهم فيعتذرون﴾","level":2,"page":1139},{"title":"[سورة المطففين]","level":1,"page":1140},{"title":"١ - ٣ - قال الله ﵎: ﴿ويل للمطففين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون﴾","level":2,"page":1141},{"title":"والسماء والطارق","level":1,"page":1142},{"title":"٧ - قال الله تعالى: ﴿يخرج من بين الصلب والترائب﴾","level":2,"page":1143},{"title":"[سورة الأعلى]","level":1,"page":1144},{"title":"١٤ - ١٥ - قال الله تبارك اسمه في سبح: ﴿قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى﴾","level":2,"page":1145},{"title":"٦ - قال الله ﵎: ﴿سنقرئك فلا تنسى﴾","level":2,"page":1146},{"title":"١٨ - ١٩ - قال الله ﵎: ﴿إن هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى﴾","level":2,"page":1147},{"title":"[سورة البلد]","level":1,"page":1148},{"title":"١ - ﴿لا أقسم بهذا البلد﴾","level":2,"page":1149},{"title":"٢ - وأما قوله: ﴿وأنت حل بهذا البلد﴾","level":2,"page":1150},{"title":"ومن سورة والضحى","level":1,"page":1152},{"title":"٣ - قال الله ﵎: ﴿ما ودعك ربك وما قلى﴾","level":2,"page":1153},{"title":"١١ - قال الله ﷿: ﴿وأما بنعمة ربك فحدث﴾","level":2,"page":1154},{"title":"ومن سورة ألم نشرح","level":1,"page":1155},{"title":"١ - ٤ - قال الله ﵎: ﴿ألم نشرح لك صدرك﴾، إلى: ﴿ورفعنا لك ذكرك﴾","level":2,"page":1156},{"title":"٥ - ٦ - قال الله ﵎: ﴿فإن مع العسر يسرا (٥) إن مع العسر يسرا﴾","level":2,"page":1158},{"title":"٧ - ٨ - قال الله ﵎: ﴿فإذا فرغت فانصب وإلى ربك فارغب﴾","level":2,"page":1159},{"title":"[سورة القدر]","level":1,"page":1160},{"title":"١ - قال الله ﵎: ﴿إنا أنزلناه في ليلة القدر﴾","level":2,"page":1161},{"title":"٥ - ﴿سلام هي﴾","level":2,"page":1162},{"title":"٣ - وقوله سبحانه: ﴿خير من ألف شهر﴾","level":2,"page":1163},{"title":"٥ - ﴿سلام هي حتى مطلع الفجر﴾","level":2,"page":1164},{"title":"[سورة الزلزلة]","level":1,"page":1165},{"title":"١ - قال الله ﷿: ﴿إذا زلزلت الأرض زلزالها﴾","level":2,"page":1166},{"title":"ومن سورة القارعة","level":1,"page":1168},{"title":"٦ - قال الله ﵎: ﴿فأما من ثقلت موازينه﴾","level":2,"page":1169},{"title":"ومن سورة ألهاكم","level":1,"page":1170},{"title":"١ - [قوله تعالى: ﴿ألهاكم التكاثر﴾]","level":2,"page":1171},{"title":"٨ - ﴿ثم لتسألن يومئذ عن النعيم﴾","level":2,"page":1172},{"title":"ومن سورة أرأيت","level":1,"page":1174},{"title":"٢ - قال الله ﵎: ﴿فذلك الذي يدع اليتيم﴾","level":2,"page":1175},{"title":"٤ - ٥ - ﴿فويل للمصلين (٤) الذين هم عن صلاتهم ساهون﴾","level":2,"page":1176},{"title":"٦ - ٧ - ﴿الذين هم يراءون (٦) ويمنعون الماعون﴾","level":2,"page":1177},{"title":"[سورة الكوثر]","level":1,"page":1179},{"title":"١ - ﴿إنا أعطيناك الكوثر﴾","level":2,"page":1180},{"title":"[سورة المسد]","level":1,"page":1182},{"title":"١ - قال الله ﷿: ﴿تبت يدا أبي لهب وتب﴾","level":2,"page":1183},{"title":"فهرس المصادر والمراجع المعتمدة في الدراسة والتحقيق","level":1,"page":1185},{"title":"سيرة ذاتية للمحقق","level":1,"page":1204}],"ٛ":{"1,1":5,"1,2":6,"1,3":7,"1,4":8,"1,5":9,"1,6":10,"1,7":11,"1,9":12,"1,10":13,"1,11":14,"1,12":15,"1,13":16,"1,14":17,"1,15":18,"1,16":19,"1,17":20,"1,18":21,"1,19":22,"1,20":23,"1,21":24,"1,22":25,"1,23":26,"1,24":27,"1,25":28,"1,26":29,"1,27":30,"1,28":31,"1,29":32,"1,30":33,"1,31":34,"1,32":35,"1,33":36,"1,34":37,"1,35":38,"1,36":39,"1,37":40,"1,38":41,"1,39":42,"1,40":43,"1,41":44,"1,42":45,"1,43":46,"1,44":47,"1,45":48,"1,46":49,"1,47":50,"1,48":51,"1,49":52,"1,50":53,"1,51":54,"1,53":55,"1,55":56,"1,56":57,"1,57":58,"1,59":59,"1,60":60,"1,61":61,"1,62":62,"1,63":63,"1,65":64,"1,66":65,"1,67":66,"1,68":67,"1,69":68,"1,70":69,"1,71":70,"1,72":71,"1,73":72,"1,74":73,"1,75":74,"1,77":75,"1,78":76,"1,79":77,"1,80":78,"1,81":79,"1,82":80,"1,83":81,"1,84":82,"1,85":83,"1,86":84,"1,87":85,"1,88":86,"1,89":87,"1,90":88,"1,91":89,"1,92":90,"1,93":91,"1,94":92,"1,95":93,"1,96":94,"1,97":95,"1,98":96,"1,99":97,"1,100":98,"1,101":99,"1,102":100,"1,103":101,"1,104":102,"1,105":103,"1,106":104,"1,107":105,"1,108":106,"1,109":107,"1,110":108,"1,111":109,"1,112":110,"1,113":111,"1,114":112,"1,115":113,"1,116":114,"1,117":115,"1,118":116,"1,119":117,"1,120":118,"1,121":119,"1,122":120,"1,123":121,"1,124":122,"1,125":123,"1,126":124,"1,127":125,"1,128":126,"1,129":127,"1,130":128,"1,131":129,"1,132":130,"1,133":131,"1,134":132,"1,135":133,"1,136":134,"1,137":135,"1,138":136,"1,139":137,"1,140":138,"1,141":139,"1,142":140,"1,143":141,"1,144":142,"1,145":143,"1,146":144,"1,147":145,"1,148":146,"1,149":147,"1,150":148,"1,151":149,"1,152":150,"1,153":151,"1,154":152,"1,155":153,"1,156":154,"1,157":155,"1,158":156,"1,159":157,"1,160":158,"1,161":159,"1,162":160,"1,163":161,"1,164":162,"1,165":163,"1,166":164,"1,167":165,"1,168":166,"1,169":167,"1,170":168,"1,171":169,"1,172":170,"1,173":171,"1,174":172,"1,175":173,"1,176":174,"1,177":175,"1,178":176,"1,179":177,"1,180":178,"1,181":179,"1,182":180,"1,183":181,"1,184":182,"1,185":183,"1,186":184,"1,187":185,"1,188":186,"1,189":187,"1,190":188,"1,191":189,"1,192":190,"1,193":191,"1,194":192,"1,195":193,"1,196":194,"1,197":195,"1,198":196,"1,199":197,"1,200":198,"1,201":199,"1,202":200,"1,203":201,"1,204":202,"1,205":203,"1,206":204,"1,207":205,"1,208":206,"1,209":207,"1,210":208,"1,211":209,"1,212":210,"1,213":211,"1,214":212,"1,215":213,"1,216":214,"1,217":215,"1,218":216,"1,219":217,"1,220":218,"1,221":219,"1,222":220,"1,223":221,"1,224":222,"1,225":223,"1,226":224,"1,227":225,"1,228":226,"1,229":227,"1,230":228,"1,231":229,"1,232":230,"1,233":231,"1,234":232,"1,235":233,"1,236":234,"1,237":235,"1,238":236,"1,239":237,"1,240":238,"1,241":239,"1,242":240,"1,243":241,"1,244":242,"1,245":243,"1,246":244,"1,247":245,"1,248":246,"1,249":247,"1,250":248,"1,251":249,"1,252":250,"1,253":251,"1,254":252,"1,255":253,"1,256":254,"1,257":255,"1,258":256,"1,259":257,"1,260":258,"1,261":259,"1,262":260,"1,263":261,"1,264":262,"1,265":263,"1,266":264,"1,267":265,"1,268":266,"1,269":267,"1,270":268,"1,271":269,"1,272":270,"1,273":271,"1,274":272,"1,275":273,"1,276":274,"1,277":275,"1,278":276,"1,279":277,"1,280":278,"1,281":279,"1,282":280,"1,283":281,"1,284":282,"1,285":283,"1,286":284,"1,287":285,"1,288":286,"1,289":287,"1,290":288,"1,291":289,"1,292":290,"1,293":291,"1,295":292,"1,296":293,"1,297":294,"1,298":295,"1,299":296,"1,300":297,"1,301":298,"1,302":299,"1,303":300,"1,304":301,"1,305":302,"1,306":303,"1,307":304,"1,308":305,"1,309":306,"1,311":307,"1,312":308,"1,313":309,"1,314":310,"1,315":311,"1,316":312,"1,317":313,"1,318":314,"1,319":315,"1,320":316,"1,321":317,"1,322":318,"1,323":319,"1,324":320,"1,325":321,"1,326":322,"1,327":323,"1,328":324,"1,329":325,"1,330":326,"1,331":327,"1,332":328,"1,333":329,"1,334":330,"1,335":331,"1,336":332,"1,337":333,"1,338":334,"1,339":335,"1,340":336,"1,341":337,"1,342":338,"1,343":339,"1,344":340,"1,345":341,"1,346":342,"1,347":343,"1,348":344,"1,349":345,"1,350":346,"1,351":347,"1,352":348,"1,353":349,"1,354":350,"1,355":351,"1,356":352,"1,357":353,"1,358":354,"1,359":355,"1,360":356,"1,361":357,"1,362":358,"1,363":359,"1,364":360,"1,365":361,"1,366":362,"1,367":363,"1,368":364,"1,369":365,"1,370":366,"1,371":367,"1,372":368,"1,373":369,"1,374":370,"1,375":371,"1,376":372,"1,377":373,"1,378":374,"1,379":375,"1,380":376,"1,381":377,"1,382":378,"1,383":379,"1,384":380,"1,385":381,"1,386":382,"1,387":383,"1,388":384,"1,389":385,"1,390":386,"1,391":387,"1,392":388,"1,393":389,"1,394":390,"1,395":391,"1,396":392,"1,397":393,"1,398":394,"1,399":395,"1,400":396,"1,401":397,"1,402":398,"1,403":399,"1,404":400,"1,405":401,"1,406":402,"1,407":403,"1,408":404,"1,409":405,"1,410":406,"1,411":407,"1,412":408,"1,413":409,"1,414":410,"1,415":411,"1,416":412,"1,417":413,"1,418":414,"1,419":415,"1,420":416,"1,421":417,"1,422":418,"1,423":419,"1,424":420,"1,425":421,"1,426":422,"1,427":423,"1,428":424,"1,429":425,"1,430":426,"1,431":427,"1,432":428,"1,433":429,"1,434":430,"1,435":431,"1,436":432,"1,437":433,"1,438":434,"1,439":435,"1,441":436,"1,442":437,"1,443":438,"1,444":439,"1,445":440,"1,446":441,"1,447":442,"1,448":443,"1,449":444,"1,450":445,"1,451":446,"1,452":447,"1,453":448,"1,454":449,"1,455":450,"1,456":451,"1,457":452,"1,458":453,"1,459":454,"1,460":455,"1,461":456,"1,462":457,"1,463":458,"1,464":459,"1,465":460,"1,466":461,"1,467":462,"1,468":463,"1,469":464,"1,470":465,"1,471":466,"1,472":467,"1,473":468,"1,474":469,"1,475":470,"1,476":471,"1,477":472,"1,478":473,"1,479":474,"1,480":475,"1,481":476,"1,482":477,"1,483":478,"1,484":479,"1,485":480,"1,486":481,"1,487":482,"1,488":483,"1,489":484,"1,490":485,"1,491":486,"1,492":487,"1,493":488,"1,494":489,"1,495":490,"1,496":491,"1,497":492,"1,498":493,"1,499":494,"1,500":495,"1,501":496,"1,502":497,"1,503":498,"1,504":499,"1,505":500,"1,506":501,"1,507":502,"1,508":503,"1,509":504,"1,510":505,"1,511":506,"1,512":507,"1,513":508,"1,514":509,"1,515":510,"1,516":511,"1,517":512,"1,518":513,"1,519":514,"1,520":515,"1,521":516,"1,522":517,"1,523":518,"1,524":519,"1,525":520,"1,526":521,"1,527":522,"1,529":523,"1,531":524,"1,532":525,"1,533":526,"1,534":527,"1,535":528,"1,536":529,"1,537":530,"1,538":531,"1,539":532,"1,540":533,"1,541":534,"1,542":535,"1,543":536,"1,545":537,"1,547":538,"1,548":539,"1,549":540,"1,550":541,"1,551":542,"1,552":543,"1,553":544,"1,554":545,"1,555":546,"1,556":547,"1,557":548,"1,558":549,"1,559":550,"1,560":551,"1,561":552,"1,562":553,"1,563":554,"1,564":555,"1,565":556,"1,566":557,"1,567":558,"1,569":559,"1,571":560,"1,572":561,"1,573":562,"1,574":563,"1,575":564,"1,576":565,"1,577":566,"1,578":567,"1,579":568,"1,580":569,"1,581":570,"1,582":571,"1,583":572,"1,584":573,"1,585":574,"1,586":575,"1,587":576,"2,1":577,"2,2":578,"2,3":579,"2,4":580,"2,5":581,"2,7":582,"2,8":583,"2,9":584,"2,10":585,"2,11":586,"2,12":587,"2,13":588,"2,14":589,"2,15":590,"2,16":591,"2,17":592,"2,18":593,"2,19":594,"2,20":595,"2,21":596,"2,22":597,"2,23":598,"2,24":599,"2,25":600,"2,26":601,"2,27":602,"2,28":603,"2,29":604,"2,30":605,"2,31":606,"2,33":607,"2,35":608,"2,37":609,"2,39":610,"2,40":611,"2,41":612,"2,43":613,"2,44":614,"2,45":615,"2,46":616,"2,47":617,"2,48":618,"2,49":619,"2,50":620,"2,51":621,"2,53":622,"2,54":623,"2,55":624,"2,57":625,"2,59":626,"2,61":627,"2,63":628,"2,65":629,"2,66":630,"2,67":631,"2,68":632,"2,69":633,"2,70":634,"2,71":635,"2,72":636,"2,73":637,"2,74":638,"2,75":639,"2,77":640,"2,79":641,"2,80":642,"2,81":643,"2,82":644,"2,83":645,"2,84":646,"2,85":647,"2,86":648,"2,87":649,"2,88":650,"2,89":651,"2,90":652,"2,91":653,"2,92":654,"2,93":655,"2,94":656,"2,95":657,"2,97":658,"2,99":659,"2,100":660,"2,101":661,"2,102":662,"2,103":663,"2,105":664,"2,107":665,"2,108":666,"2,109":667,"2,111":668,"2,112":669,"2,113":670,"2,115":671,"2,117":672,"2,118":673,"2,119":674,"2,120":675,"2,121":676,"2,123":677,"2,124":678,"2,125":679,"2,126":680,"2,127":681,"2,128":682,"2,129":683,"2,130":684,"2,131":685,"2,132":686,"2,133":687,"2,134":688,"2,135":689,"2,136":690,"2,137":691,"2,138":692,"2,139":693,"2,140":694,"2,141":695,"2,142":696,"2,143":697,"2,144":698,"2,145":699,"2,146":700,"2,147":701,"2,148":702,"2,149":703,"2,150":704,"2,151":705,"2,152":706,"2,153":707,"2,154":708,"2,155":709,"2,156":710,"2,157":711,"2,158":712,"2,159":713,"2,161":714,"2,162":715,"2,163":716,"2,164":717,"2,165":718,"2,166":719,"2,167":720,"2,168":721,"2,169":722,"2,170":723,"2,171":724,"2,173":725,"2,175":726,"2,176":727,"2,177":728,"2,178":729,"2,179":730,"2,180":731,"2,181":732,"2,182":733,"2,183":734,"2,184":735,"2,185":736,"2,186":737,"2,187":738,"2,188":739,"2,189":740,"2,190":741,"2,191":742,"2,192":743,"2,193":744,"2,194":745,"2,195":746,"2,196":747,"2,197":748,"2,198":749,"2,199":750,"2,200":751,"2,201":752,"2,202":753,"2,203":754,"2,204":755,"2,205":756,"2,206":757,"2,207":758,"2,208":759,"2,209":760,"2,210":761,"2,211":762,"2,212":763,"2,213":764,"2,214":765,"2,215":766,"2,216":767,"2,217":768,"2,218":769,"2,219":770,"2,220":771,"2,221":772,"2,222":773,"2,223":774,"2,224":775,"2,225":776,"2,226":777,"2,227":778,"2,228":779,"2,229":780,"2,230":781,"2,231":782,"2,232":783,"2,233":784,"2,234":785,"2,235":786,"2,237":787,"2,238":788,"2,239":789,"2,240":790,"2,241":791,"2,242":792,"2,243":793,"2,244":794,"2,245":795,"2,246":796,"2,247":797,"2,248":798,"2,249":799,"2,250":800,"2,251":801,"2,252":802,"2,253":803,"2,254":804,"2,255":805,"2,256":806,"2,257":807,"2,258":808,"2,259":809,"2,261":810,"2,262":811,"2,263":812,"2,264":813,"2,265":814,"2,267":815,"2,269":816,"2,271":817,"2,272":818,"2,273":819,"2,275":820,"2,277":821,"2,278":822,"2,279":823,"2,281":824,"2,282":825,"2,283":826,"2,285":827,"2,286":828,"2,287":829,"2,288":830,"2,289":831,"2,291":832,"2,293":833,"2,294":834,"2,295":835,"2,297":836,"2,298":837,"2,299":838,"2,300":839,"2,301":840,"2,302":841,"2,303":842,"2,304":843,"2,305":844,"2,306":845,"2,307":846,"2,308":847,"2,309":848,"2,310":849,"2,311":850,"2,312":851,"2,313":852,"2,314":853,"2,315":854,"2,316":855,"2,317":856,"2,318":857,"2,319":858,"2,320":859,"2,321":860,"2,322":861,"2,323":862,"2,324":863,"2,325":864,"2,327":865,"2,329":866,"2,331":867,"2,333":868,"2,334":869,"2,335":870,"2,337":871,"2,339":872,"2,341":873,"2,342":874,"2,343":875,"2,344":876,"2,345":877,"2,346":878,"2,347":879,"2,349":880,"2,351":881,"2,352":882,"2,353":883,"2,354":884,"2,355":885,"2,357":886,"2,359":887,"2,361":888,"2,363":889,"2,365":890,"2,367":891,"2,368":892,"2,369":893,"2,370":894,"2,371":895,"2,372":896,"2,373":897,"2,375":898,"2,376":899,"2,377":900,"2,378":901,"2,379":902,"2,380":903,"2,381":904,"2,383":905,"2,385":906,"2,386":907,"2,387":908,"2,389":909,"2,391":910,"2,392":911,"2,393":912,"2,394":913,"2,395":914,"2,396":915,"2,397":916,"2,399":917,"2,400":918,"2,401":919,"2,403":920,"2,405":921,"2,406":922,"2,407":923,"2,408":924,"2,409":925,"2,411":926,"2,413":927,"2,414":928,"2,415":929,"2,416":930,"2,417":931,"2,418":932,"2,419":933,"2,420":934,"2,421":935,"2,422":936,"2,423":937,"2,424":938,"2,425":939,"2,426":940,"2,427":941,"2,428":942,"2,429":943,"2,431":944,"2,432":945,"2,433":946,"2,435":947,"2,437":948,"2,438":949,"2,439":950,"2,440":951,"2,441":952,"2,443":953,"2,445":954,"2,446":955,"2,447":956,"2,449":957,"2,450":958,"2,451":959,"2,452":960,"2,453":961,"2,455":962,"2,457":963,"2,459":964,"2,460":965,"2,461":966,"2,462":967,"2,463":968,"2,465":969,"2,467":970,"2,468":971,"2,469":972,"2,470":973,"2,471":974,"2,472":975,"2,473":976,"2,474":977,"2,475":978,"2,477":979,"2,478":980,"2,479":981,"2,480":982,"2,481":983,"2,482":984,"2,483":985,"2,484":986,"2,485":987,"2,486":988,"2,487":989,"2,488":990,"2,489":991,"2,490":992,"2,491":993,"2,492":994,"2,493":995,"2,495":996,"2,497":997,"2,498":998,"2,499":999,"2,500":1000,"2,501":1001,"2,502":1002,"2,503":1003,"2,504":1004,"2,505":1005,"2,506":1006,"2,507":1007,"2,508":1008,"2,509":1009,"2,510":1010,"2,511":1011,"2,513":1012,"2,514":1013,"2,515":1014,"2,516":1015,"2,517":1016,"2,518":1017,"2,519":1018,"2,520":1019,"2,521":1020,"2,523":1021,"2,525":1022,"2,526":1023,"2,527":1024,"2,528":1025,"2,529":1026,"2,530":1027,"2,531":1028,"2,532":1029,"2,533":1030,"2,535":1031,"2,536":1032,"2,537":1033,"2,538":1034,"2,539":1035,"2,540":1036,"2,541":1037,"2,542":1038,"2,543":1039,"2,544":1040,"2,545":1041,"2,547":1042,"2,549":1043,"2,551":1044,"2,552":1045,"2,553":1046,"2,554":1047,"2,555":1048,"2,557":1049,"2,558":1050,"2,559":1051,"2,560":1052,"2,561":1053,"2,562":1054,"2,563":1055,"2,564":1056,"2,565":1057,"2,566":1058,"2,567":1059,"2,568":1060,"2,569":1061,"2,570":1062,"2,571":1063,"2,572":1064,"2,573":1065,"2,574":1066,"2,575":1067,"2,576":1068,"2,577":1069,"2,578":1070,"2,579":1071,"2,580":1072,"2,581":1073,"2,582":1074,"2,583":1075,"2,584":1076,"2,585":1077,"2,586":1078,"2,587":1079,"2,588":1080,"2,589":1081,"2,590":1082,"2,591":1083,"2,593":1084,"2,595":1085,"2,596":1086,"2,597":1087,"2,598":1088,"2,599":1089,"2,600":1090,"2,601":1091,"2,602":1092,"2,603":1093,"2,604":1094,"2,605":1095,"2,607":1096,"2,608":1097,"2,609":1098,"2,610":1099,"2,611":1100,"2,613":1101,"2,615":1102,"2,617":1103,"2,619":1104,"2,620":1105,"2,621":1106,"2,622":1107,"2,623":1108,"2,624":1109,"2,625":1110,"2,627":1111,"2,629":1112,"2,630":1113,"2,631":1114,"2,632":1115,"2,633":1116,"2,634":1117,"2,635":1118,"2,636":1119,"2,637":1120,"2,638":1121,"2,639":1122,"2,641":1123,"2,642":1124,"2,643":1125,"2,644":1126,"2,645":1127,"2,646":1128,"2,647":1129,"2,649":1130,"2,650":1131,"2,651":1132,"2,653":1133,"2,655":1134,"2,656":1135,"2,657":1136,"2,658":1137,"2,659":1138,"2,661":1139,"2,663":1140,"2,665":1141,"2,667":1142,"2,669":1143,"2,671":1144,"2,673":1145,"2,674":1146,"2,675":1147,"2,677":1148,"2,679":1149,"2,680":1150,"2,681":1151,"2,683":1152,"2,685":1153,"2,686":1154,"2,687":1155,"2,689":1156,"2,690":1157,"2,691":1158,"2,692":1159,"2,693":1160,"2,695":1161,"2,696":1162,"2,697":1163,"2,698":1164,"2,699":1165,"2,701":1166,"2,702":1167,"2,703":1168,"2,705":1169,"2,707":1170,"2,709":1171,"2,710":1172,"2,711":1173,"2,713":1174,"2,715":1175,"2,716":1176,"2,717":1177,"2,718":1178,"2,719":1179,"2,721":1180,"2,722":1181,"2,723":1182,"2,725":1183,"2,726":1184,"2,815":1185,"2,816":1186,"2,817":1187,"2,818":1188,"2,819":1189,"2,820":1190,"2,821":1191,"2,822":1192,"2,823":1193,"2,824":1194,"2,825":1195,"2,826":1196,"2,827":1197,"2,828":1198,"2,829":1199,"2,830":1200,"2,831":1201,"2,832":1202,"2,833":1203,"2,861":1204},"ٜ":{"1":[1,587],"2":[1,861]},"ٝ":[null,null,null,null,"1,1","1,2","1,3","1,4","1,5","1,6","1,7","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,53","1,55","1,56","1,57","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,311","1,312","1,313","1,314","1,315","1,316","1,317","1,318","1,319","1,320","1,321","1,322","1,323","1,324","1,325","1,326","1,327","1,328","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,336","1,337","1,338","1,339","1,340","1,341","1,342","1,343","1,344","1,345","1,346","1,347","1,348","1,349","1,350","1,351","1,352","1,353","1,354","1,355","1,356","1,357","1,358","1,359","1,360","1,361","1,362","1,363","1,364","1,365","1,366","1,367","1,368","1,369","1,370","1,371","1,372","1,373","1,374","1,375","1,376","1,377","1,378","1,379","1,380","1,381","1,382","1,383","1,384","1,385","1,386","1,387","1,388","1,389","1,390","1,391","1,392","1,393","1,394","1,395","1,396","1,397","1,398","1,399","1,400","1,401","1,402","1,403","1,404","1,405","1,406","1,407","1,408","1,409","1,410","1,411","1,412","1,413","1,414","1,415","1,416","1,417","1,418","1,419","1,420","1,421","1,422","1,423","1,424","1,425","1,426","1,427","1,428","1,429","1,430","1,431","1,432","1,433","1,434","1,435","1,436","1,437","1,438","1,439","1,441","1,442","1,443","1,444","1,445","1,446","1,447","1,448","1,449","1,450","1,451","1,452","1,453","1,454","1,455","1,456","1,457","1,458","1,459","1,460","1,461","1,462","1,463","1,464","1,465","1,466","1,467","1,468","1,469","1,470","1,471","1,472","1,473","1,474","1,475","1,476","1,477","1,478","1,479","1,480","1,481","1,482","1,483","1,484","1,485","1,486","1,487","1,488","1,489","1,490","1,491","1,492","1,493","1,494","1,495","1,496","1,497","1,498","1,499","1,500","1,501","1,502","1,503","1,504","1,505","1,506","1,507","1,508","1,509","1,510","1,511","1,512","1,513","1,514","1,515","1,516","1,517","1,518","1,519","1,520","1,521","1,522","1,523","1,524","1,525","1,526","1,527","1,529","1,531","1,532","1,533","1,534","1,535","1,536","1,537","1,538","1,539","1,540","1,541","1,542","1,543","1,545","1,547","1,548","1,549","1,550","1,551","1,552","1,553","1,554","1,555","1,556","1,557","1,558","1,559","1,560","1,561","1,562","1,563","1,564","1,565","1,566","1,567","1,569","1,571","1,572","1,573","1,574","1,575","1,576","1,577","1,578","1,579","1,580","1,581","1,582","1,583","1,584","1,585","1,586","1,587","2,1","2,2","2,3","2,4","2,5","2,7","2,8","2,9","2,10","2,11","2,12","2,13","2,14","2,15","2,16","2,17","2,18","2,19","2,20","2,21","2,22","2,23","2,24","2,25","2,26","2,27","2,28","2,29","2,30","2,31","2,33","2,35","2,37","2,39","2,40","2,41","2,43","2,44","2,45","2,46","2,47","2,48","2,49","2,50","2,51","2,53","2,54","2,55","2,57","2,59","2,61","2,63","2,65","2,66","2,67","2,68","2,69","2,70","2,71","2,72","2,73","2,74","2,75","2,77","2,79","2,80","2,81","2,82","2,83","2,84","2,85","2,86","2,87","2,88","2,89","2,90","2,91","2,92","2,93","2,94","2,95","2,97","2,99","2,100","2,101","2,102","2,103","2,105","2,107","2,108","2,109","2,111","2,112","2,113","2,115","2,117","2,118","2,119","2,120","2,121","2,123","2,124","2,125","2,126","2,127","2,128","2,129","2,130","2,131","2,132","2,133","2,134","2,135","2,136","2,137","2,138","2,139","2,140","2,141","2,142","2,143","2,144","2,145","2,146","2,147","2,148","2,149","2,150","2,151","2,152","2,153","2,154","2,155","2,156","2,157","2,158","2,159","2,161","2,162","2,163","2,164","2,165","2,166","2,167","2,168","2,169","2,170","2,171","2,173","2,175","2,176","2,177","2,178","2,179","2,180","2,181","2,182","2,183","2,184","2,185","2,186","2,187","2,188","2,189","2,190","2,191","2,192","2,193","2,194","2,195","2,196","2,197","2,198","2,199","2,200","2,201","2,202","2,203","2,204","2,205","2,206","2,207","2,208","2,209","2,210","2,211","2,212","2,213","2,214","2,215","2,216","2,217","2,218","2,219","2,220","2,221","2,222","2,223","2,224","2,225","2,226","2,227","2,228","2,229","2,230","2,231","2,232","2,233","2,234","2,235","2,237","2,238","2,239","2,240","2,241","2,242","2,243","2,244","2,245","2,246","2,247","2,248","2,249","2,250","2,251","2,252","2,253","2,254","2,255","2,256","2,257","2,258","2,259","2,261","2,262","2,263","2,264","2,265","2,267","2,269","2,271","2,272","2,273","2,275","2,277","2,278","2,279","2,281","2,282","2,283","2,285","2,286","2,287","2,288","2,289","2,291","2,293","2,294","2,295","2,297","2,298","2,299","2,300","2,301","2,302","2,303","2,304","2,305","2,306","2,307","2,308","2,309","2,310","2,311","2,312","2,313","2,314","2,315","2,316","2,317","2,318","2,319","2,320","2,321","2,322","2,323","2,324","2,325","2,327","2,329","2,331","2,333","2,334","2,335","2,337","2,339","2,341","2,342","2,343","2,344","2,345","2,346","2,347","2,349","2,351","2,352","2,353","2,354","2,355","2,357","2,359","2,361","2,363","2,365","2,367","2,368","2,369","2,370","2,371","2,372","2,373","2,375","2,376","2,377","2,378","2,379","2,380","2,381","2,383","2,385","2,386","2,387","2,389","2,391","2,392","2,393","2,394","2,395","2,396","2,397","2,399","2,400","2,401","2,403","2,405","2,406","2,407","2,408","2,409","2,411","2,413","2,414","2,415","2,416","2,417","2,418","2,419","2,420","2,421","2,422","2,423","2,424","2,425","2,426","2,427","2,428","2,429","2,431","2,432","2,433","2,435","2,437","2,438","2,439","2,440","2,441","2,443","2,445","2,446","2,447","2,449","2,450","2,451","2,452","2,453","2,455","2,457","2,459","2,460","2,461","2,462","2,463","2,465","2,467","2,468","2,469","2,470","2,471","2,472","2,473","2,474","2,475","2,477","2,478","2,479","2,480","2,481","2,482","2,483","2,484","2,485","2,486","2,487","2,488","2,489","2,490","2,491","2,492","2,493","2,495","2,497","2,498","2,499","2,500","2,501","2,502","2,503","2,504","2,505","2,506","2,507","2,508","2,509","2,510","2,511","2,513","2,514","2,515","2,516","2,517","2,518","2,519","2,520","2,521","2,523","2,525","2,526","2,527","2,528","2,529","2,530","2,531","2,532","2,533","2,535","2,536","2,537","2,538","2,539","2,540","2,541","2,542","2,543","2,544","2,545","2,547","2,549","2,551","2,552","2,553","2,554","2,555","2,557","2,558","2,559","2,560","2,561","2,562","2,563","2,564","2,565","2,566","2,567","2,568","2,569","2,570","2,571","2,572","2,573","2,574","2,575","2,576","2,577","2,578","2,579","2,580","2,581","2,582","2,583","2,584","2,585","2,586","2,587","2,588","2,589","2,590","2,591","2,593","2,595","2,596","2,597","2,598","2,599","2,600","2,601","2,602","2,603","2,604","2,605","2,607","2,608","2,609","2,610","2,611","2,613","2,615","2,617","2,619","2,620","2,621","2,622","2,623","2,624","2,625","2,627","2,629","2,630","2,631","2,632","2,633","2,634","2,635","2,636","2,637","2,638","2,639","2,641","2,642","2,643","2,644","2,645","2,646","2,647","2,649","2,650","2,651","2,653","2,655","2,656","2,657","2,658","2,659","2,661","2,663","2,665","2,667","2,669","2,671","2,673","2,674","2,675","2,677","2,679","2,680","2,681","2,683","2,685","2,686","2,687","2,689","2,690","2,691","2,692","2,693","2,695","2,696","2,697","2,698","2,699","2,701","2,702","2,703","2,705","2,707","2,709","2,710","2,711","2,713","2,715","2,716","2,717","2,718","2,719","2,721","2,722","2,723","2,725","2,726","2,815","2,816","2,817","2,818","2,819","2,820","2,821","2,822","2,823","2,824","2,825","2,826","2,827","2,828","2,829","2,830","2,831","2,832","2,833","2,861"],"ٞ":{"5":[1,2],"12":[3,4,5],"14":[6],"17":[7],"20":[8],"21":[9],"24":[10],"30":[11],"33":[12],"35":[13,14],"39":[15],"40":[16,17],"41":[18,19],"42":[20,21],"43":[22],"50":[23],"52":[24],"53":[25,26],"59":[27],"61":[28],"64":[29],"68":[30],"74":[31],"75":[32,33],"76":[34,35],"80":[36],"81":[37],"82":[38,39],"83":[40],"84":[41,42],"85":[43,44],"86":[45],"87":[46,47],"89":[48,49],"90":[50],"92":[51],"93":[52],"94":[53,54],"95":[55],"96":[56,57],"98":[58,59],"102":[60,61],"104":[62],"105":[63],"106":[64],"109":[65,66],"112":[67,68],"113":[69,70],"121":[71,72],"123":[73,74],"125":[75,76],"126":[77],"128":[78,79,80,81],"131":[82,83],"133":[84,85],"135":[86,87],"136":[88,89],"138":[90],"139":[91],"141":[92,93],"145":[94,95],"146":[96],"148":[97],"152":[98,99],"156":[100,101],"160":[102],"162":[103,104],"163":[105],"171":[106],"173":[107,108],"180":[109],"181":[110,111],"185":[112,113],"186":[114],"188":[115],"191":[116],"194":[117],"195":[118,119],"196":[120,121],"198":[122],"199":[123,124],"201":[125],"202":[126,127],"204":[128],"206":[129,130],"209":[131,132],"210":[133],"211":[134],"212":[135,136],"214":[137,138],"217":[139,140],"220":[141],"221":[142],"222":[143,144],"225":[145,146],"227":[147,148],"230":[149],"231":[150,151],"232":[152,153],"233":[154,155,156],"235":[157,158],"237":[159],"239":[160],"240":[161,162],"241":[163,164],"244":[165],"245":[166,167],"247":[168,169],"250":[170,171],"255":[172,173],"260":[174,175],"263":[176,177],"264":[178,179],"265":[180],"267":[181,182],"270":[183,184],"271":[185],"272":[186,187],"274":[188,189],"276":[190,191,192],"277":[193],"279":[194,195],"282":[196,197],"283":[198,199],"284":[200,201],"285":[202,203],"287":[204,205],"289":[206],"291":[207],"292":[208],"295":[209],"297":[210,211],"298":[212],"300":[213],"302":[214],"304":[215],"305":[216],"306":[217],"307":[218,219],"309":[220],"311":[221],"312":[222,223],"314":[224],"315":[225],"317":[226,227],"318":[228],"320":[229],"322":[230],"323":[231],"324":[232],"325":[233],"327":[234],"330":[235],"332":[236],"334":[237],"335":[238],"336":[239],"337":[240],"338":[241],"339":[242],"341":[243],"342":[244],"343":[245],"344":[246],"347":[247,248],"348":[249],"350":[250],"351":[251],"353":[252],"355":[253],"356":[254],"362":[255],"365":[256,257],"368":[258],"369":[259],"371":[260],"374":[261],"375":[262],"376":[263,264],"377":[265],"380":[266,267],"387":[268],"388":[269,270],"390":[271,272],"391":[273,274],"394":[275,276],"397":[277,278],"398":[279],"399":[280,281],"400":[282],"401":[283,284],"402":[285],"404":[286,287],"409":[288],"410":[289,290],"412":[291,292],"413":[293],"414":[294],"419":[295,296],"420":[297,298],"422":[299],"423":[300],"425":[301],"427":[302],"428":[303,304],"430":[305],"431":[306,307],"432":[308],"433":[309],"434":[310,311],"435":[312],"436":[313,314,315],"437":[316,317,318],"439":[319],"440":[320],"441":[321,322],"442":[323,324],"443":[325,326],"445":[327],"446":[328],"447":[329,330],"450":[331,332],"452":[333,334],"454":[335,336],"457":[337,338],"463":[339,340],"470":[341,342],"475":[343,344],"476":[345],"489":[346,347],"491":[348,349],"496":[350,351],"498":[352,353],"499":[354],"500":[355,356],"501":[357,358],"502":[359],"504":[360,361],"506":[362],"507":[363,364],"508":[365,366],"510":[367,368],"512":[369],"513":[370,371],"514":[372,373],"516":[374],"517":[375],"519":[376,377],"520":[378],"521":[379,380],"523":[381],"524":[382,383],"525":[384],"527":[385,386],"529":[387,388],"531":[389,390],"533":[391],"534":[392],"535":[393],"537":[394],"538":[395,396],"539":[397],"540":[398],"543":[399],"544":[400],"545":[401,402,403],"559":[404],"560":[405,406],"561":[407],"567":[408],"568":[409],"569":[410],"570":[411,412],"573":[413],"574":[414,415],"581":[416],"582":[417,418,419],"585":[420],"587":[421],"588":[422,423],"590":[424],"592":[425],"593":[426],"596":[427],"599":[428,429],"601":[430],"602":[431,432],"604":[433],"605":[434,435],"607":[436],"608":[437],"609":[438],"610":[439],"611":[440],"612":[441],"613":[442,443],"614":[444],"616":[445],"617":[446],"618":[447,448],"619":[449],"620":[450,451],"621":[452],"622":[453,454],"624":[455],"625":[456],"626":[457],"627":[458],"628":[459],"629":[460],"630":[461,462],"631":[463],"633":[464],"634":[465,466],"636":[467],"637":[468,469],"640":[470],"641":[471],"643":[472],"644":[473],"645":[474],"646":[475],"647":[476,477],"651":[478,479],"652":[480],"653":[481],"654":[482],"655":[483,484],"657":[485],"658":[486],"659":[487,488],"660":[489],"661":[490],"663":[491],"664":[492],"665":[493],"666":[494,495],"667":[496],"668":[497,498],"669":[499,500],"671":[501],"672":[502,503],"676":[504],"677":[505,506],"680":[507,508],"682":[509],"684":[510],"685":[511],"687":[512],"689":[513],"690":[514],"691":[515],"693":[516],"694":[517,518],"695":[519],"696":[520],"697":[521],"699":[522],"700":[523],"702":[524],"704":[525],"705":[526],"706":[527],"707":[528,529],"709":[530],"710":[531,532],"711":[533],"713":[534],"714":[535,536],"717":[537],"718":[538],"721":[539],"722":[540],"725":[541],"726":[542],"727":[543,544],"730":[545,546],"732":[547,548],"735":[549,550],"739":[551,552],"745":[553,554],"749":[555],"753":[556],"754":[557],"756":[558,559],"758":[560],"759":[561],"760":[562],"762":[563],"763":[564,565],"765":[566],"767":[567,568],"771":[569,570],"777":[571,572],"778":[573],"779":[574,575],"780":[576,577],"781":[578],"782":[579,580],"784":[581],"785":[582],"786":[583],"787":[584,585],"797":[586],"798":[587],"799":[588],"800":[589],"802":[590],"804":[591],"805":[592],"806":[593],"807":[594],"808":[595],"809":[596],"810":[597],"811":[598],"812":[599],"813":[600],"814":[601],"815":[602],"816":[603],"817":[604],"818":[605],"819":[606],"820":[607],"821":[608],"822":[609],"823":[610],"824":[611],"826":[612],"827":[613,614],"828":[615],"829":[616],"831":[617],"832":[618],"833":[619],"835":[620],"836":[621],"837":[622],"838":[623,624],"839":[625],"841":[626,627],"843":[628],"844":[629],"845":[630],"846":[631,632],"847":[633,634],"849":[635],"850":[636],"851":[637],"853":[638,639],"854":[640],"855":[641],"857":[642,643],"859":[644,645],"860":[646,647],"862":[648,649],"864":[650],"865":[651],"866":[652],"867":[653],"868":[654],"869":[655],"870":[656],"871":[657,658],"872":[659],"873":[660],"874":[661],"876":[662],"878":[663],"879":[664],"880":[665],"881":[666],"883":[667],"884":[668],"886":[669],"887":[670],"888":[671],"889":[672,673],"890":[674],"891":[675],"893":[676],"894":[677],"895":[678],"896":[679],"897":[680],"898":[681],"900":[682],"901":[683],"902":[684],"903":[685],"905":[686],"906":[687,688],"908":[689],"909":[690],"910":[691],"911":[692],"913":[693,694],"916":[695],"917":[696],"919":[697],"920":[698],"921":[699],"922":[700],"924":[701],"926":[702],"927":[703],"928":[704],"929":[705,706],"930":[707,708],"931":[709],"933":[710],"934":[711],"935":[712,713],"936":[714],"938":[715],"941":[716],"943":[717],"944":[718],"945":[719],"946":[720],"947":[721],"948":[722],"950":[723],"951":[724],"953":[725],"954":[726],"955":[727],"956":[728],"957":[729],"960":[730],"961":[731],"962":[732],"963":[733],"964":[734,735],"968":[736],"969":[737],"970":[738,739],"972":[740,741],"974":[742],"975":[743],"976":[744],"977":[745],"978":[746],"979":[747,748],"982":[749],"992":[750],"993":[751],"994":[752],"996":[753],"997":[754],"999":[755,756],"1001":[757],"1002":[758],"1004":[759],"1007":[760],"1008":[761],"1009":[762],"1010":[763],"1011":[764],"1012":[765],"1014":[766],"1015":[767],"1018":[768],"1020":[769],"1021":[770],"1022":[771],"1023":[772],"1026":[773],"1028":[774],"1030":[775],"1031":[776],"1032":[777],"1033":[778],"1034":[779],"1036":[780,781],"1040":[782],"1041":[783],"1042":[784],"1043":[785],"1044":[786],"1045":[787],"1046":[788],"1047":[789],"1048":[790],"1049":[791],"1057":[792,793],"1058":[794],"1061":[795],"1064":[796,797],"1071":[798],"1072":[799,800],"1083":[801],"1084":[802],"1085":[803],"1092":[804],"1093":[805],"1094":[806],"1095":[807],"1096":[808],"1097":[809],"1099":[810],"1101":[811],"1102":[812],"1103":[813],"1104":[814],"1105":[815],"1106":[816],"1111":[817],"1112":[818],"1115":[819],"1116":[820],"1117":[821],"1118":[822],"1119":[823],"1120":[824],"1121":[825],"1122":[826],"1123":[827,828],"1128":[829],"1129":[830],"1130":[831],"1132":[832],"1133":[833],"1134":[834],"1135":[835],"1136":[836],"1137":[837],"1138":[838],"1139":[839],"1140":[840],"1141":[841],"1142":[842],"1143":[843],"1144":[844],"1145":[845],"1146":[846],"1147":[847],"1148":[848],"1149":[849],"1150":[850],"1152":[851],"1153":[852],"1154":[853],"1155":[854],"1156":[855],"1158":[856],"1159":[857],"1160":[858],"1161":[859],"1162":[860],"1163":[861],"1164":[862],"1165":[863],"1166":[864],"1168":[865],"1169":[866],"1170":[867],"1171":[868],"1172":[869],"1174":[870],"1175":[871],"1176":[872],"1177":[873],"1179":[874],"1180":[875],"1182":[876],"1183":[877],"1185":[878],"1204":[879]},"ٟ":[1,2,3,4,5,6,7,8,9,10,11,12,13,14,15,16,17,18,19,20,21,22,23,24,25,26,27,28,29,30,31,32,33,34,35,36,37,38,39,40,41,42,43,44,45,46,47,48,49,50,51,52,53,54,55,56,57,58,59,60,61,62,63,577,578,579,580,1185,1186,1187,1188,1189,1190,1191,1192,1193,1194,1195,1196,1197,1198,1199,1200,1201,1202,1203,1204]},"pages":[{"text":"أحكام القرآن\n\nتأليف\nالقاضي الفقيه الإمام أبي الفضل بكر بن محمد بن العلاء القشيري البصري المالكي\nالمتوفى سنة ٣٤٤ هـ\nرواية أبي بكر محمد بن عبد اللَّه الأدفوي عنه\n\nتحقيق\nسلمان الصمدي\n\n[الجزء الأول]","vol":"1","page":null},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ","vol":"1","page":null},{"text":"أَحْكَامُ القُرْآنِ\n[١]","vol":"1","page":null},{"text":"أحكام القرآن\nتأليف: القاضي بكر بن محمد بن العلاء القشيري\nتحقيق: سلمان الصمدي\nالطبعة الأولى: ١٤٣٧ هـ - ٢٠١٦ م\n\nجميع الحقوق محفوظة لجائزة دبي الدولية للقرآن الكريم ©\nطبع بموجب إذن طباعة من المجلس الوطني للإعلام بدولة الإمارات\nرقم ٨٩٢٩٠ - تاريخ ٢٠/ ١٢/ ٢٠١٥\n\nجائزة دبي الدولية للقرآن الكريم\nوحدة البحوث والدراسات\nص ب: ٤٢٠٤٢ دبي - الإمارات العربية المتحدة\nهاتف: ٩٧١٤٢٦١٠٦٦٦ +\nفاكس: ٩٧١٤٢٦١٠٠٨٨ +\nالموقع على الإنترنت:  www.quran.gov.ae\nالبريد الإلكتروني:  Research@quran.gov.ae","vol":"1","page":null},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>الافتتاحية</span>\nالحمد للَّه رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد، خاتم النبيين وإمام المرسلين، وخير خلق اللَّه أجمعين، ورحمة اللَّه للعالمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.\nوبعد، فإن القرآن الكريم هو الرسالة الخاتمة، والمعجزة الخالدة، أنزله اللَّه سبحانه على قلب رسوله وحبيبه محمد ﷺ، فسطعت أنوار معرفته، وتجلت أسرار إعجازه، وأخذت روعة بيانه بالألباب، وأسرت القلوب والأفئدة، وتحدى الأولين والآخرين من الثقلين أن يأتوا بمثله، فقال: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨] وأدرك المخاطبون أنهم أمام بيان معجز، فأذعن الإنس والجن بأنه كلام اللَّه المعجز، ونطق لسان العدو اللدود له بأن \"له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وإنه ليعلو ولا يعلى عليه، وما يقول هذا بشر\"، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾، وإنه حبل اللَّه المتين، والنور المبين، والصراط المستقيم، والحجة الباقية إلى يوم الدين، لا يشبع منه العلماء، ولا تنقضي عجائبه، وقد تكفل اللَّه سبحانه بحفظه، وصانه أن تطال إليه يد التحريف والتبديل، فقال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩].","vol":"1","page":1},{"text":"ومنذ أن أنزل القرآن على الرسول الكريم -ﷺ-، صار شغل الأمة الشاغل، قراءة، وتزكية، وتعلمًا وتعليمًا، وحفظًا، وعملًا، وتدبرًا، وأفرغوا في تفسير نصوصه، وتحليل خطابه، والكشف عن كنوزه كل طاقاتهم، فتحقق للقرآن الكريم من العناية والحفاوة ما لم يتحقق قط لكتاب سماوي أو أرضي، ولن يتحقق ذلك. وقد هيأ اللَّه لكتابه الكريم أقوامًا من شعوب وقبائل شتى، عربًا وعجمًا، يتسابقون ويتنافسون في خدمته، والذود عنه، فخرجوا بأنواع شتى من أصناف التفسير والتحليل، من تفسير بالمأثور، وآخر بالرأي، وآخر يعنى بالنحو والبلاغة، وآخر يعنى بالتفسير الفقهي وغير ذلك من أصناف التفسير.\nوهذا الكتاب: \"أحكام القرآن، للقاضي بكر بن إسماعيل القشيري\"، من أقدم الكتب التي وصلتنا كاملة، ونحى به مؤلفه منحًى فقهيًا، وقد أذن اللَّه له ليرى النور، نضعه بين أيدى طلاب العلم، لتقر أعينهم به.\nوقد أُلِّف هذا الكتاب في عصر كان من أزهى عصور الإسلام ازدهارًا للعلم، ودولة الإسلام قائمة وشرع اللَّه هو الحاكم على ربوع المسلمين، والمسلمون في عزتهم، وهم يومئذ في طليعة الأمم، وكانت المساجد جامعات تزدهر بالمناظرات العلمية، والساحة العلمية تعج بالبحث والمناقشات والردود، فالفكر الإسلامي لم يعرف التحجر ولا الجمود، بل باب المناقشات والردود كان مفتوحًا إلى أبعد مدى، في مثل هذه الظروف ألف هذا الكتاب، وانعكس روح العصر فيه، ففيه ردود ومناقشات، وعرض للأدلة على طربقة المناظرات العلمية، لكنّ الردود على الإمام الشافعي ﵁ اتسمت بالعنف، وحادت عن الموضوعية والمناقشة العلمية الهادئة إلى الطعن والتجريح -أحيانًا-، ونحن لم نشأ أن نتدخل في هذه الردود بالتعليق، فإن الإجابة عن مثل هذه الردود قد تولاها علماء الشافعية وغيرهم، وهي مبثوثة في الكتب، فلم","vol":"1","page":2},{"text":"يكن هناك من داعٍ لإثقال الهوامش بمناقشات فات أوانها، وقد كفيناها، وإنما ننبه القارئ الكريم أننا نعيش زمنًا غير تلك الأزمنة، فإن كانت هناك مسوغات على هذه الردود في تلك العصور، فإن زماننا لا يتحمل مثل هذه المناقشات، ولا مسوّغ عن الخروج عن المنهج العلمي المنضبط في المناقشات، وإن كنّا نقطع بسلامة قصد السابقين، وابتغائهم الحق، ولكن البشر -عدا الأنبياء- مهما بلغوا من العلم مقامًا ومن الفضل شأوًا فإنهم غير معصومين عن الخطأ، وقديما قيل: لكل عالم هفوة ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠].\nومن منطلق رسالة جائزة دبي الدولية للقرآن الكريم في نشر الثقافة القرآنية، وتعميمها، يشرفها أن تسهم في خدمة كتاب اللَّه العزيز، وتقدم إلى المكتبة الإسلامية في سلسلة الدراسات القرآنية هذا الكتاب، راجين المولى ﷿ أن يجعل هذا الكتاب وغيره من إنجازات الجائزة صدقة جارية في صحيفة أعمال صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس دولة الإمارات العربيّة المتّحدة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، راعي الجائزة الذي أنشأ هذه الجائزة لتكون منار خير تنشر ما تجود به القرائح في حقل الدراسات القرآنية، وتخدم القرآن الكريم بسبل شتى، فجزاه اللَّه عن القرآن وأهله خير الجزاء.\nومن منطلق إسناد الفضل لأهله، فإن وحدة البحوث والدراسات في الجائزة تتقدم بالشكر والتقدير إلى رئيس اللجنة المنظمة للجائزة سعادة المستشار إبراهيم محمد بوملحه، مستشار صاحب السمو حاكم دبي للشؤون الثقافية والإنسانية الذي ما فتئ يشجع نشر الكتب العلمية القيمة في إطار رسالة الجائزة في خدمة كتاب اللَّه الكريم وسنة رسوله العظيم -ﷺ-.","vol":"1","page":3},{"text":"وفي الختام نسأل اللَّه أن يجزل الأجر لمؤلف هذا الكتاب، وأن يغفر له ما بدر منه، وأن يجعله مع الإمام الشافعي ﵁ في جنان الخلد، من الذين قال اللَّه فيهم ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر: ٤٧]، وأن يكتب لمحقق هذا الكتاب عظيم المثوبة، ولكل من أسهم في خدمته وتصحيحه وتدقيقه وإخراجه في هذا الثوب القشيب.\nوصلى اللَّه وسلّم على سيّدنا محمّد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد للَّه رب العالمين الذي بنعمته تتم الصالحات.\nالأستاذ الدكتور محمد عبد الرحيم سلطان العلماء\nرئيس وحدة البحوث والدراسات","vol":"1","page":4},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\nالحمد للَّه تعالى، أشكره شكرًا يتوالى، وأصلي وأسلم سيدنا محمد إمام الأصفياء، وعلى آله الأنقياء الأتقياء، وصحابته الرحماء الأقوياء.\nأما بعد، فلم يعد خافيًا عن أنظار الدارسين، ما تميز به الأئمة المالكيون، ولا سيما المتقدمون، من رسوخ القدم ورحابة الباع في تحرير المسائل، وإقامة البراهين والدلائل، وقد ضَرَب حُذّاق أهل العراق من ذلك بالحظ الموفور، وأقاموا للاستدلال والتأصيل لمسائل المذهب تجارة لن تبور، وبتوالي بروز مصنفاتهم إلى عالم المطبوعات، ترسخت هذه الحقيقة، وزَهَقَت التهمة الشهيرة، والفِرية الخطيرة، بأن الفقه المالكي لم يُشَيَّد على أساس، وأن أحكامه لم تصدر عن النص أو معتبَر القياس، وأضحى من يردد هذا الكلام بإطلاق نائيًا عن العدل والإنصاف، حليفَ الجور والاعتساف.\nويعتبر الكتاب الذي بين يديك، من أوضح تلك الدلائل وأجلاها، وقد حاز عددًا من المزايا والمحاسن الناطقة بقدره وجليل منزلته بين مصنفات المذهب، فموضوعه تفسير آيات الأحكام، وهو ضرب من ضروب العناية بالدليل في باب الدراسة الفقهية، كما يعد الكتاب أقدم كتب أحكام القرآن التي وصلتنا تامة إلى حدود كتابة هذه الأسطر، حيث لم يصلنا من أحكام القاضي إسماعيل ابن إسحاق (٢٨٢ هـ) سوى ورقات معدودة، طبعت في مجلد لا يبلغ نصف عُشر الكتاب، بل لم يصلنا من مصنفات غير المالكية في هذا الباب قبله، سوى طرف من كتاب أبي جعفر الطحاوي الحنفي (٣٢١ هـ)، وقد طبع في مجلدين.","vol":"1","page":5},{"text":"وميزة قِدم الكتاب بالنسبة لما طُبِع، مع حُفولِه بالاستدلال للمذهب، والمحاماة عنه والرد على مخالفيه، أنه يوقف الدارسين على صفحة من صفحات ميلاد مناهج الخلاف، والجدل، والمناظرة، والاستدلال، والتقعيد والتعليل الفقهي للأحكام، كما يحتفظ الكتاب بنصوص كثيرة لشيخ مالكية العراق بلا مدافع القاضي إسماعيل بن إسحاق، على اعتبار الكتاب اختصارًا لأحكامه. .\nومؤلف الكتابِ الإمامُ القاضي الفقيه، الأصولي النظار، المحدث الرّاوِيَة، المفسِّر لكلام اللَّه تعالى، بكر بن العلاء القشيري البصري المالكي، مجتمعٌ على جلالة قدره وعظيم مكانته، وأنه \"من كبار الفقهاء المالكيين\" كما نقل القاضي عياض، وأنه \"من أهل التحقيق من المفسرين، والعلماء الراسخين\" كما وصفه القرطبي.\nوبالرغم من كون الكتاب مختصرًا من أحكام القاضي إسماعيل، إلا أن منهجه في الاختصار والزيادة لم يجعله مجرد تهذيب وحسب، بل غَيَّر وجه الكتاب تمامًا، وأكسبه استقلالًا في البناء والمضمون.\nكل هذه الاعتبارات وغيرها، جعلت كتاب \"أحكام القرآن\" للقاضي بكر بن العلاء، أحد أهم مصادر الفقه المالكي، ودَعَت بإلحاح إلى التعجيل بإخراجه إلى الدارسين.\nوقد حُقق الكتاب في رسالتين جامعيتين بجامعة الإمام محمد بن سُعود بالمملكة السعودية، ولم ير النور فيما علصت إلى اليوم، وقد اطلعت على ما وضع من الرسالتين مرقونًا على شبكة الإنترنت، فألفيته جهدًا مشكورًا، اعترته بعض الملاحظات مثل الإطالة في التعليقات وإثقال الهوامش بما لا تحتمله من النقول والترجيح، والإطالة في التخريج، فضلًا عن وقوع كثير من التصحيفات والتحريفات، والكمال للَّه تعالى وحده، لأجل هذا قوي عزمي على إخراج الكتاب بمنهج مقارِب مقتصِد، جاعلًا غرضي الأول إقامة نصوصه، وتصحيح","vol":"1","page":6},{"text":"حروفه، مع التعليق كلما اشتدت الضرورة إليه، فعسى أن يقع عملي هذا من الدارسين موقع القَبول، ويؤدي لهم يدًا أجد ذُخْرَها يوم الحساب، وعساهم يتجاوزون عما يجدونه من هنات وزلات، فـ ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾.\nوختامًا، أنوه بفضل ذوي الفضل في إنجاز العمل، وعلى رأسهم الأستاذ البحاثة سيدي محمد بن عبد اللَّه الشعار البيروتي الحنفي، الذي لم يدخر جهدًا في التصحيح والمقابلة والإخراج الفني، حتى جاء على الهيئة التي هو عليها الآن، فاللَّهَ أسألُ أن يبارك فيه، ويجزيه خير الجزاء، ولغيره من الإخوة الكرام الأفاضل أقولهم ما قال الشاعر:\nفإن أكن ساكتًا عن شكر أنعمه ... فإن ذاك لعجزي لا لإغفالي\nوصلى اللَّه وسلم وبارك على سيدنا محمد إمام المرسلين، وعلى آله وصحبه والتابعين، والحمد للَّه رب العالمين.\nكتبه سلمان بن عبد السلام الصمدي\nبالقصر الكبير شمال المغرب الأقصى حرسه اللَّه تعالى\nيوم الاثنين غُرّة رجب الفَرْد عام ١٤٣٦ هـ\nالموافق ٢٠ أبريل ٢٠١٥ م.","vol":"1","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3>القاضي بكر بن العلاء القشيري عصره وترجمته</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-4>أ - نظرة في عصر القاضي</span>\nتنقسم حياة القاضي بكر بن العلاء إلى مرحلتين زمنيتين، الأولى منها هي: \"المرحلة العراقية\"، وتمتد من الميلاد في سنة (٢٦٤ هـ)، إلى ما \"قبل الثلاثين وثلاثمائة\" (^١)، ثم الرحلة إلى مصر لتبتدئ \"المرحة المصرية\"، وتمتدَّ إلى سنة الوفاة (٣٤٤ هـ)، وسأعرض هنا بحول اللَّه أهمَّ معالمِ هذا العصرِ الذي عاشه القاضي في الجانبين السياسيِّ والعلميِّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5>الحالة السياسية</span>\nنشأ القاضي وترعرع في ظل الدولة العباسية وعاصر عددًا من خلفائها وهم:\n- المعتمد على اللَّه، أحمد بن المتوكل، الذي تولى الخلافة من سنة (٢٥٦ هـ) (^٢) إلى سنة (٢٧٩ هـ)، فعاصره القاضي الخمس عشرة سنةً الأولى من حياته.\n- المعتضد باللَّه، أحمد بن الموفق، الذي تولى الخلافة من سنة (٢٧٩ هـ) (^٣) إلى سنة (٢٨٩ هـ).\n_________\n(^١) ترتيب المدارك (٥/ ٢٧١).\n(^٢) تاريخ الطبري (٩/ ٤٧٤).\n(^٣) المصدر نفسه (١٠/ ٣٠).","vol":"1","page":9},{"text":"- المكتفي باللَّه، علي بن المعتضد، الذي تولى الخلافة من سنة (٢٨٩ هـ) (^١) إلى سنة (٢٩٥ هـ).\n- المقتدر باللَّه، جعفر بن المعتضد، الذي تولى الخلافة من سنة (٢٩٥ هـ) (^٢) إلى (٣٢٠ هـ).\n- القاهر باللَّه، ابن المعتضد، تولى الخلافة من سنة (٣٢٠ هـ) (^٣) إلى أن خُلع سنة (٣٢٢ هـ).\n- الراضي باللَّه، محمد بن المقتدر، تولى الخلافة من سنة (٣٢٢ هـ) (^٤)، إلى (٣٢٩ هـ).\nعرفت الدولة العباسية على عهد هؤلاء الخلفاء انتكاسًا وتدهورًا، فبدأ ظلها يتقلص، ورُقعتها تَنقص من أطرافها، ولا سيما على عهد الخليفة المكتفي ومَن بعدَه، لأسباب أهمها تنافس أصحاب النفوذ والقُوّاد على مواقع السلطة والقرار، وظهور حركات الانفصال والتمرد في أطراف الدولة شرقًا وغربًا، فظهر البُوَيْهِيّون في الشرق، والطولونيون، والإخْشيدِيّون الذين انفصلوا بمصرَ، وحركةُ القرامطة التي تمردت على النظام في اليمن والبحرين والشام وغيرِها من الأمصار، حتى استولَوا على مكةَ، وغيرهم ممن تحدثَت عنهم كتب التاريخ باستفاضة، ولم تَعُد الأوضاع مستقرة حتى في بغدادَ عاصمةِ الخلافة (^٥).\n_________\n(^١) تاريخ الطبري (١٠/ ٨٨).\n(^٢) المصدر نفسه (١٠/ ١٣٩).\n(^٣) صلة تاريخ الطبري لعريب بن سعد، طبع في ذيل تاريخ الطبري (١١/ ١٥٤).\n(^٤) تكملة تاريخ الطبري لابن عبد الملك، تاريخ الطبري (١٠/ ٢٨٤).\n(^٥) انظر الدولة العباسية لمحمد بك الخضري (ص ٣١١) وما بعدها.","vol":"1","page":10},{"text":"ثم خرج القاضي من العراق إلى مصر، يقول الفرغاني: \"وخرج من العراق لأمر اضطره\" (^١)، ولعل هذا الطارئَ ناتج عما ساد العراق من أحوال سياسية مضطربة، فنزل مصر التي كانت أحسن حالًا قُبَيل دخول العُبَيديين، \"وأدرك فيها رئاسة عظيمة\" (^٢).\nوعاصر القاضي في مصر سلطانَ الدولة الإخشيدية، وحُكْم أولِ ملوكها وهو: محمد بن \"طَغَج\" الملقب بالإخشيد، الذي تمتعت مصر في عهده بشيء من النظام والهدوء السياسي (^٣)، وامتد حكمه إلى (٣٣٤ هـ)، وخلفه ابنه أبو القاسم \"أنوجر\" بن الإخشيد، وامتد حكمه إلى ما بعد وفاة القاضي بسنتين (٣٤٦ هـ) (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-6>الحالة العلمية</span>\nكان الوضع العلمي في عصر القاضي على عكس الوضع السياسي، حيث ازدهرت فيه مختلِف العلوم الإسلامية من فقه، وحديث، وعلوم قرآن، ولغة وآداب، وتاريخ، وكلام، وتصوف وغيرها، فكان عصرًا من العصور الذهبية المضيئة في تاريخ الحضارة الإسلامية.\nومن مظاهر الازدهار في الميدان الفقهي، نشاط الخلاف والجدل والمناظرات بين أرباب المذاهب، فأدرك القاضي من أهل مذهبه -على الرأي الراجح- شيخَ مالكية العراق، القاضي إسماعيل بن إسحاق البغدادي (ت ٢٨٢ هـ)، وأخذ عنه، كما نهل من كبار تلاميذه، وعاصر مجد أسرة آلِ حمَّاد، ومنها شيخُه القاضي أبو عمر (^٥)، وعاصر أبا بكر بن الجهم\n_________\n(^١) ترتيب المدارك (٥/ ٢٧١).\n(^٢) المصدر نفسه (٥/ ٢٧١).\n(^٣) التاريخ الإسلامي (٦/ ١٣٠).\n(^٤) الدولة العباسية لمحمد بك الخضري، ثبت بملوك الدولة الإخشيدية (ص ٣٥٠).\n(^٥) ينظر عنه وعن القاضي إسماعيل مبحث شيوخ القاضي من هذه الدراسة.","vol":"1","page":11},{"text":"(ت ٣٢٩ هـ) (^١)، وأبا الفرج الليثي (^٢)، وابنَ المُنتاب (^٣)، وابنَ شعبان (ت ٣٥٥ هـ) بمصر، وغيرهم.\nومن أعلام الحنفية عاصر أبا جعفر أحمد بن محمد الطحاوي (ت ٣٢١ هـ)، صاحب كتاب \"معاني الآثار\" وغيرِه (^٤)، وقد رد عليه بكتاب الأشربة كما سيرد في ذكر المصنفات، وعاصر شيخَهم أبا الحسن عبيد اللَّه بن الحسين الكرخي (ت ٣٤٠ هـ) (^٥).\nومن أعلام المذهب الشافعي عاصر ابن سُرَيْج (ت ٣٠٦ هـ) (^٦)، الذي كانت له معه مناظرة سجلها في \"الأحكام\".\nوأدرك من الظاهرية أبا بكر محمد بن داود (ت ٢٩٧ هـ) (^٧)، ابنَ صاحب المذهب، وكانت له في \"الأحكام\" صولات وجولات مع آراء الظاهرية.\nوفي مجال الحديث وعلومه، شكل العصر الذي عاشه القاضي امتدادًا لعصر الأئمة ابن حنبل، والبخاري، ومسلم. . .، فتميز بأعلام كبار كمحمد بن إسحاق بن خزيمة (ت ٣١١ هـ) (^٨)، وعبد الرحمن بن أبي حاتم (ت ٣٢٧ هـ) صاحب \"الجرح والتعديل\" (^٩)، وأبي القاسم الطبراني (ت ٣٦٠ هـ) عن مائة\n_________\n(^١) ترتيب المدارك (٥/ ١٩).\n(^٢) المصدر نفسه (٥/ ٢٢).\n(^٣) المصدر نفسه (٥/ ١).\n(^٤) الجواهر المضية (١/ ١٠٢).\n(^٥) المصدر نفسه (١/ ٣٣٧).\n(^٦) طبقات الشافعية لابن السبكي (٣/ ٢١).\n(^٧) سير أعلام النبلاء (١٣/ ١٠٩).\n(^٨) تذكرة الحفاظ (٢/ ٢٠٧).\n(^٩) المصدر نفسه (٣/ ٣٤).","vol":"1","page":12},{"text":"سنة، صاحب \"المعاجم\" (^١)، ومحمد بن حبان (ت ٣٥٤ هـ) صاحب \"الصحيح\" و\"الثقات\" وغيرها (^٢)، وغيرهم ممن يطول جدًا ذكرهم.\nومن أهل التفسير عاصر شيخهم أبا جعفر محمد بن جرير الطبري (ت ٣١٠ هـ)، وكان صاحب رأي واجتهاد مستقل في الفقه (^٣).\nوازدهرت في هذا العصر الدراسات اللغوية والأدبية أيضًا، وجمع أعلامًا كبارًا، كأبي العباس المبرد (ت ٢٨٦ هـ) (^٤)، وأبي العباس أحمد بن يحيى ثعلب (ت ٢٩١ هـ) (^٥)، وأبي إسحاق الزجاج (ت ٣١١ هـ) (^٦)، وأبي الطيب المتنبي (ت ٣٥٤ هـ) (^٧)، وابن دُريد (ت ٣٢١ هـ) صاحب \"الجمهرة\" (^٨)، وأبي الفرَج الأصفهاني (ت ٣٥٦ هـ) صاحب \"الأغاني\" (^٩)، وأبي علي القالي (ت ٣٥٦ هـ) صاحب \"الأمالي\"، وغيرهم.\nوازدهر في هذا العصر علم الكلام والدفاع عن العقائد الإسلامية، مع الإمام أبي الحسن الأشعري (ت ٣٢٤ هـ) وتلاميذه (^١٠)، وأبي علي الجُبّائي المعتزلي (ت ٣٠٣ هـ) وغيرهم (^١١)، وما وضعه أهل الحديث\n_________\n(^١) تذكرة الحفاظ (٣/ ٨٥).\n(^٢) المصدر نفسه (٣/ ٨٩).\n(^٣) سير أعلام النبلاء (١٤/ ٢٦٧).\n(^٤) معجم الأدباء (٦/ ٢٦٧٨).\n(^٥) المصدر نفسه (٢/ ٥٣٦).\n(^٦) المصدر نفسه (١/ ٥١).\n(^٧) سير أعلام النبلاء (١٦/ ١٩٩).\n(^٨) معجم الأدباء (٦/ ٢٤٩٠).\n(^٩) المصدر نفسه (٤/ ١٧٠٧).\n(^١٠) انظر ترجمته وذكر أصحابه في تبيين كذب المفتري لابن عساكر (ص ٣٤) وما بعدها.\n(^١١) سير أعلام النبلاء (١٤/ ١٨٣).","vol":"1","page":13},{"text":"من مصنفات لتأصيل عقائدهم والذب عنها، ككتاب \"التوحيد\" لابن خزيمة وغيرِه.\nوراج الزهد والتصوف، وبرز فيه كبار أعلامه كسهل التستري (ت ٢٨٣ هـ) (^١)، والإمام الجُنَيد (ت ٢٩٣ هـ) (^٢)، وتلميذه أبي بكر الشبلي (ت ٣٤٤ هـ) (^٣) وغيرِهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-7>ب - مصادر ترجمة القاضي</span>\nترجم للقاضي جماعةٌ من العلماء والمؤرخين منهم:\n- أبو إسحاق الشيرازي في كتابه: \"طبقات الفقهاء\" (^٤)، في كلمات معدودة، وهي أقدم ما بين أيدينا.\n- القاضي عياض بن موسى السبتي في الجزء الخامس من \"ترتيب المدارك وتقريب المسالك لمعرفة أعلام مذهب مالك\" (^٥)، اشتملت على: اسمه، ونسبه، ومشيخته، وتلاميذه، وذكر قضائه، ومكانته، وذكر أسماء تصانيفه، وحكاية في مناقبه، وذكر وفاته، وإيراد بيتين من نظمه.\nوتعتبر ترجمته هذه أصلَ معظم تراجم القاضي وعمدتَها، اعتمد فيها القاضي عياض على عدد من العلماء الذين صرح بأسمائهم كالشيرازي، وأبي عمر الطلمنكي، والفرغاني، وأبي القاسم الشافعي، ولم أظفر منها سوى بترجمة الشيرازي الموجزة آنفة الذكر.\n_________\n(^١) الرسالة القشيرية (ص ١٤).\n(^٢) المصدر نفسه (ص ١٨).\n(^٣) المصدر نفسه (ص ٢٥).\n(^٤) (ص ١٦٦).\n(^٥) (ص ٢٧٠ - ٢٧٢).","vol":"1","page":14},{"text":"- القاضي إبراهيم بن علي بن فرحون المالكي في كتابه \"الديباج المُذْهب، في معرفه أعيان علماء المذهب\" (^١)، اعتمد في ترجمته على ما أورده القاضي عياض بنصه دون زيادة تُذكر.\n- محمد بن محمد مخلوف، في كتابه \"شجرة النور الزكية، في طبقات المالكية\" (^٢)، واعتمد في معظم ترجمته ما ذكره القاضي عياض، عدا زيادة ذكر بعض التلاميذ ممن لم يَرِد.\n- الحافظ المؤرخ أبو عبد اللَّه الذهبي في كتابَيْه: \"تاريخ الإسلام، ووفيات المشاهير والأعلام\" (^٣)، و\"سير أعلام النبلاء\" (^٤)، في ترجمتين متماثلتين، اعتمد فيهما بعض ما أورده القاضي عياض، وزاد فذكر من تلاميذ ومشايخ المترجَم عددا من لم يذكره القاضي، فأفادت في هذا الباب.\nوترجم له أيضًا في كتابه: \"العِبَر، في خبر من غَبَر\" (^٥) ترجمة جدُّ مختصرة، مُلخَّصَة من كتابيه السابقين دون زيادة، وقد أخذ نصها من ترجم للقاضي ممن جاء بعده، ومنهم:\n- أبو محمد عبد اللَّه بن أسعد اليافعي في كتابه: \"مرآة الجنان، وعِبرة اليقظان، في معرفة ما يعتبر من حوادث الزمان\" (^٦).\n- جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي في كتابه: \"حسن المحاضرة، في تاريخ مصر والقاهرة\" (^٧)، وقد صرح بأخذها من العِبَر.\n_________\n(^١) (ص ٢٧٨ - ٢٧٩).\n(^٢) (ص ٧٩).\n(^٣) (٧/ ٧٩٩).\n(^٤) (١٥/ ٥٣٧ - ٥٣٨).\n(^٥) (٢/ ٦٧).\n(^٦) (٢/ ٢٥٢).\n(^٧) (١/ ٤٥٠).","vol":"1","page":15},{"text":"- عبد الحيِّ بن العماد الحنبلي في: \"شذرات الذهب، في أخبار من ذهب\" (^١).\nوممن ترجم للقاضي أيضًا:\n- صلاح الدين خليل بن أيبك الصفدي في: \"الوافي بالوفيات\"، ولم يُضِف إلى من تقدمه.\n- العلامة محمد بن علي الدَّاوُدي في \"طبقات المفسرين\" (^٢)، اعتمد ترجمة القاضي عياض بنصها، دون زيادة تذكر.\n- الأستاذ خير الدين الزِّرِكلي في المجلد الثاني من موسوعته: \"الأعلام\" (^٣)، وذكر مصادره: ترتيب المدارك، والعِبر، وابن قاضي شهبة.\nهذا التتبع لمظان ترجمة القاضي يعكس شُحَّ وقِلَّة المعلومات المفيدة في الترجمة، بالرغم من جلالة منزلته، وكثرة الآخذين عنه، واختلاف أوطانهم كما سوف يأتي، كما يُظهر قيمةَ الترجمة التي أفردها القاضي عياض ونفاستها من بين سائر التراجم، لكونها عمدتها.\nوقد قمت في هذه الدراسة بتتبع الشوارد وجمع المتفرقات المتعلقة بسيرة القاضي من بطون عدد من المصنفات، لا سيما كتبَ تراجمِ الأندلسيين التي حَفِظت لنا ذكر عدد من العلماء الذين أخذوا عن القاضي، ممن كانت لهم رحلة مشرقية، والمصادر التي حَفِظت لنا أسانيدَ استخرجت منها أسماء عدد من شيوخه وتلاميذه، وغيرِ ذلك.\n_________\n(^١) (٤/ ٢٣٥).\n(^٢) (١/ ١٢٠ - ١٢٣).\n(^٣) (ص ٦٩).","vol":"1","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-8>ج - اسمه ونسبه ومولده ووفاته</span>\nذكر ابن حزم في جمهرته اسم القاضي ونسبه فقال: هو \"بكر، بن محمد، بن العلاء، بن يحيى، بن زياد، بن الوليد، بن الجهم، بن مالك، بن ضمرة، بن عروة، بن شنوءة، بن سلمة الخير، بن قشير\" (^١).\nوقال القاضي عياض حكاية عن غير واحد من النسابة: \"بكر، بن محمد، بن العلاء، بن محمد، بن زياد، بن الوليد، بن الجهم، بن مالك، بن ضمرة، بن عروة، بن شنوءة، بن سلمة الخير، بن بشير، بن كعب، القشيري\" (^٢).\nوقال: \"وكنيته أبو الفضل\" (^٣).\nونقل عن محمد بن عمر بن عيشون الطليطلى تلميذ القاضي، عن القاضي أن \"أمه من ولد عمران بن حصين صاحب رسول اللَّه -ﷺ-\" (^٤).\nولد القاضي سنة (٢٦٤ هـ)، وذلك بناء على سنة وفاته وسِنِّه، فقد \"توفي بمصر ليلة السبت لسبع بقين من ربيع الأول، سنة أربع وأربعين وثلاثمائة، وقد جاوز الثمانين باشهر، وشُهدت جنازته، ودفن بالمقطم\" (^٥).\nولم تذكر المصادر مكان ولادته، عدا إشارات مجملة تفيد أنه \"من أهل البصرة\" (^٦)، وأن أول أمره منها (^٧).\n_________\n(^١) جمهرة أنساب العرب (ص ٢٩٠).\n(^٢) ترتيب المدارك (٥/ ٢٧٠).\n(^٣) المصدر نفسه (٥/ ٢٧٠).\n(^٤) المصدر نفسه (٥/ ٢٧٠).\n(^٥) المصدر نفسه (٥/ ٢٧١).\n(^٦) المصدر نفسه (٥/ ٢٧٠).\n(^٧) قاله الفرغاني، ترتيب المدارك (٥/ ٢١٧).","vol":"1","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-9>د - شيوخه</span>\nأخذ القاضي عن عدد من الشيوخ منهم:\n١ - أبو خشنان (^١) محمد بن إبراهيم البصري.\n٢ - أبو عبد اللَّه محمد بن أحمد بن سهل البَريكاني، من كبار طبقة تلاميذ القاضي إسماعيل، توفي سنة (٣١٩ هـ) (^٢).\n٣ - أبو عمر محمد بن يوسف، القاضي، من آل حماد بن زيد، ابنُ ابنِ عم القاضي إسماعيل بن إسحاق، المتوفى سنة (٣٢٠ هـ) (^٣).\n٤ - أبو إسحاق إبراهيم بن حماد بن إسحاق، القاضي، ابن أخي القاضي إسماعيل، المتوفى سنة (٣٢٣ هـ) (^٤).\n٥ - أبو بكر جعفر بن محمد الفريابى، المتوفى سنة (٣٠١ هـ) (^٥).\n٦ - أحمد بن إبراهيم بن عبيد (^٦).\n٧ - سعيد بن عبد الرحمن الكرابيسي (^٧).\n٨ - محمد بن صالح الطبري (^٨).\n٩ - أبو خليفة الفضل بن الحباب الجُمَحي المتوفى سنة (٣٠٥ هـ) (^٩).\n_________\n(^١) كذا في ترجمته في \"المدارك\" نشرة الأوقاف المغربية (٥/ ١٨)، وفيها في ترجمة القاضي بكر (٥/ ٢٧١) \"ابن خشنام\".\n(^٢) ترتيب المدارك (٥/ ١٥ - ١٦ و٢٧١).\n(^٣) المصدر نفسه (٥/ ٢٧١)، وترجمته فيه (٥/ ٢ - ١٢).\n(^٤) المصدر نفسه (٥/ ٢٧١)، وترجمته في (١٣/ ١٥) منه، وروايته عنه في الأحكام.\n(^٥) المصدر نفسه (٥/ ٢٧١)، وانظر ترجمته في تاريخ بغداد (٨/ ١٠٢).\n(^٦) المصدر نفسه (٦/ ٢٧١).\n(^٧) المصدر نفسه (٦/ ٢٧١).\n(^٨) المصدر نفسه (٦/ ٢٧١)، وروايته عنه في الأحكام.\n(^٩) المصدر نفسه (٥/ ٢٧١)، وترجمته في سير أعلام النبلاء (٤/ ٧١).","vol":"1","page":18},{"text":"١٠ - أحمد بن موسى السامي، روى عنه القاضي بكر الموطأ عن القعنبي (^١)\n١١ - أبو بكر، محمد بن أحمد، بن بكير، المتوفى سنة (٣٠٥ هـ) (^٢).\n١٢ - أبو مسلم، إبراهيم بن عبد اللَّه الكجي البصري (ت ٢٩٢ هـ) (^٣).\n١٣ - أبو محمد سهل بن عبد اللَّه التستري (ت ٢٨٣ هـ) (^٤).\n١٤ - أبو العباس أحمد بن عبيد اللَّه الجُبيري (^٥).\n١٥ - إبراهيم بن فهد بن حكيم البصري الساجي (ت ٢٨٢ هـ) (^٦).\n١٦ - أبو الضحاك بن أبي عاصم (^٧).\n١٧ - أبو محمد الحسن بن المثنى العنبري (٣٩٤ هـ) (^٨).\n١٨ - أبو سهل زياد بن الخليل التستري (ت ٣٨٥ هـ) (^٩).\n١٩ - أبو يحيى زكريا بن يحيى الساجي البصري (ت ٣٠٧ هـ) (^١٠).\n٢٠ - أبو بكر محمد بن محمد الأزدي الباغندي (ت ٣١٢ هـ) (^١١).\n_________\n(^١) وبعض أسانيدها في الأحكام، وانظر: سير أعلام النبلاء (١٥/ ٥٣٨).\n(^٢) ترتيب المدارك (٥/ ١٧).\n(^٣) سير أعلام النبلاء (١٥/ ٥٣٨)، وترجمته فيها في (١٣/ ٤٢٣).\n(^٤) المصدر نفسه (١٥/ ٥٣٨)، وترجمته فيه في (١٣/ ٣٣٠)، وساق في الأحكام بعض كلام سمعه منه.\n(^٥) روى عنه في أحكام القرآن، وترجمته في إكمال الإكمال لابن نقطة (٢/ ١٠٨).\n(^٦) روى عنه في أحكام القرآن، وانظر ترجمته في تاريخ الإسلام (٦/ ٧١٠).\n(^٧) روى عنه في أحكام القرآن.\n(^٨) روى عنه في أحكام القرآن، وترجمته في سير أعلام النبلاء (١٣/ ٥٢٦).\n(^٩) روى عنه في أحكام القرآن، وروى ابن عبد البر عن القاضي عنه حديثين في الاستذكار (٢/ ١٩٢) و(٦/ ٣٦٩)، وانظر ترجمته في تاريخ بغداد (٩/ ٥٠٧).\n(^١٠) روى عنه في أحكام القرآن، وترجمته في سير أعلام النبلاء (١٤/ ١٩٧)\n(^١١) روى عنه في أحكام القرآن، وترجمته في سير أعلام النبلاء (١٤/ ٣٨٣).","vol":"1","page":19},{"text":"محمد بن معدان القُطْفي (^١).\n٢١ - أبو العينان الأصمعي، قال القاضي في الأحكام: \"وقد حدثني أبو العينان الأصمعي: العجم لا يحضن بعد الخمسين. . . \"، ولم أقف له على ترجمة.\n٢٢ - أبو بكر محمد بن الحسين بن مكرم البغدادي (ت ٣٠٣ هـ) (^٢).\n٢٣ - أبو إسحاق إسماعيل بن إسحاق القاضي، (ت ٢٨٢ هـ)، وقد ذكر الشيرازي في طبقاته القاضي بكرًا في عداد أصحابه، إلا أن بعض المؤرخين ومنهم الفرغاني شككوا في أخذه عنه، وتوسط القاضي عياض بين الطائفتين فقال: \"وقد ذكر بكرٌ إسماعيلَ في كتبه بالإجازة، ولا يبعد سماعه من إسماعيل، إذ قد أدركه بالسن كما تراه في وفاته وسنّه\" (^٣).\nومما يؤيد أخذ القاضي عن القاضي إسماعيل تصريحُه بالسماع منه، ومن ذلك ما ذكره ابن نقطة في \"إكمال الإكمال\" قال: \"وأما عَيْسون بالسين المهملة فقال أبو طاهر السلفي ومن خطه نقلتُ: قرأت في كتاب أبي المعالي الحسن بن علي بن إسماعيل الصفراوي بالإسكندرية قال: حدثنا أبو الحسن علي بن عبد الرحمن بن عمر بن حفص الفارض قال: حدثنا أبو القاسم عبد الحميد بن علي بن خلف التجيبي، حدثنا خلف بن الحسن، حدثني عمرو بن عيسون الأندلسي قال: سمعت\n_________\n(^١) روى عنه في أحكام القرآن، ولم أقف له على ترجمة، ولعله الذي ذكره ابن ماكولا في الإكمال (٧/ ١١٦) فقال: \"وأما القُطْفي بضم القاف وبعد الطاء فاء فهو محمد بن معدان القُطْفي\"، والذي ذكره الذهبي في السير (١١/ ٩٧) فيمن أخذ عن أبي خالد هدبة بن خالد القيسي البصري المتوفى بعد (٢٣٥ هـ).\n(^٢) روى عنه في الأحكام، وترجمته في تاريخ بغداد (٣/ ٢١).\n(^٣) ترتيب المدارك (٥/ ٢٧٠).","vol":"1","page":20},{"text":"بكر بن العلاء القاضي يقول: سمعت إسماعيل بن إسحاق القاضي يقول: ما قلدت مالكًا قطُّ في مسألة حتى عَلِمْتُ وجه صوابها\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-10>هـ - تلاميذه</span>\nتصدَّر القاضي بكر بن العلاء للتدريس والرواية، فقصده الناس من الآفاق المختلفة المتعددة، حتى قال القاضي عياض: \"حدث عنه من لا ينعد كثرة من المصريين، والأندلسيين، والقرويين، وغيرِهم\" (^٢)، وخاصة بعد نزوله مصرَ، وهي القنطرة الجغرافية بين المغرب والمشرق، وكان للأندلسيين والمغاربة الذين كانت لهم رحلة إلى المشرق، حظ وافر من الأخذ والرواية عنه، ومن أشهر تلاميذه:\n١ - أبو حفص عمر بن محمد بن مسرور العسّال، القيرواني، المتوفى سنة (٣٤٣ هـ)، سمع من القاضي بمصر (^٣).\n٢ - أبو محمد الحسن بن رشيق العسكري، المصري، الحافظ، المتوفى سنة (٣٧٠ هـ) (^٤).\n٣ - أبو الأصبغ عيسى بن عبد الرحمن بن حبيب بن واقف بن يعيش بن عبد الرحمن بن مروان بن سَكْثان، المَصْمودي، قاضي أَشُونَة، المتوفى سنة (٣٦٦ هـ)، سمع من القاضي بكر بمصر (^٥). ٤ - أبو عبد اللَّه محمد بن عمرو بن سعد بن عيشون، الطُّلَيْطِلي، الفقيه المالكي، المتوفى سنة (٣٧٠ هـ) (^٦).\n_________\n(^١) إكمال الإكمال (٤/ ٢٢٩).\n(^٢) ترتيب المدارك (٥/ ٢٧١).\n(^٣) المصدر نفسه (٦/ ٧٧).\n(^٤) سير أعلام النبلاء (١٥/ ٥٣٨)، وترجمته فيها (١٢/ ٣٠٧).\n(^٥) تاريخ علماء الأندلس (١/ ٤٣١).\n(^٦) ترتيب المدارك (٦/ ١٧٤).","vol":"1","page":21},{"text":"٥ - أبو جعفر أحمد بن عون اللَّه بن حدير بن يحيى بن تبع بن تبيع البزاز القرطبي، المتوفى سنة (٣٧٨ هـ)، سمع من القاضي بكر بمصر، ومما روى عنه: أحكام القرآن، وكتاب الأشربة (^١).\n٦ - أبو عبد اللَّه محمد بن أحمد بن مُفرِّج الأموي القرطبي، المتوفى سنة (٣٨٠ هـ)، كان رفيق ابنَ عون اللَّه السابق ذكره في الرحلة، عَدَّه ابن فرحون ضمن من أخذ عن القاضي بكر (^٢).\n٧ - أبو بكر محمد بن سليمان، وقيل: بن إسماعيل، وقيل: بن بكر بن الفضل، النِّعالي، المصري، الفقيه المالكي، المتوفى سنة (٣٨٠ هـ) (^٣).\n٨ - أبو الوليد هاشم بن يحيى بن حجاج البطليوسي، المتوفى سنة (٣٨٥ هـ)، سمع من القاضي بكر بمصر (^٤).\n٩ - أبو محمد عبد اللَّه بن أبي زيد القيرواني، الإمام الشهير، المتوفى سنة (٣٨٦ هـ)، يروي عن القاضي بكر بالإجازة، قال في مقدمة النوادر والزيادات متحدثًا عن رواياته: \"وما ذكرت فيه لبكر بن العلاء، وأبي بكر الأبهري، وأبي إسحاق بن القُرْطي، فقد كتبوا إليَّ به\" (^٥).\n١٠ - أبو بكر محمد بن علي بن أحمد الأُدْفُوي المصري، المتوفى سنة (٣٨٨ هـ)، والذي صحب النحاس وأخذ وروى عنه، وألف كتبًا كثيرة منها \"الاستغناء\" في تفسير القرآن، قال الذهبي إنه في مائة وعشرين مجلدة، وقال ياقوت: \"وكان سيد أهل عصره في مصره وغير\n_________\n(^١) تاريخ علماء الأندلس (١/ ١٠٢)، وترتيب المدارك (٥/ ٢٧٢)، وفهرسة ابن خير (ص ٥٢ و٢٦٣).\n(^٢) الديباج (١/ ٢٧٨)، وترجمه في (٢٢٤٨).\n(^٣) ترتيب المدارك (٥/ ٢٧٢) و(٦/ ٢٠٣).\n(^٤) تاريخ علماء الأندلس (٢/ ٢١٥ - ٢١٦).\n(^٥) (١/ ١٤).","vol":"1","page":22},{"text":"مصره. . . \"، روى عن القاضي بكر أحكامه، وهو راوي نسختنا المعتمدة كما هو مثبت في أول كل جزء منها، ووسطِها (^١).\n١١ - أبو زيد عبد الرحمن بن مسعود الكُتامي، المعروف بابن أبي غافر، الفقيه المالكي، المتوفى بعد التسعين وثلاثمائة (٣٩٠ هـ)، لقي بكرِ بن العلاء وسمع منه أحكامه (^٢).\n١٢ - أبو محمد الحسن بن إسماعيل الضرّاب، المتوفى سنة (٣٩٢ هـ)، محدث مصري (^٣)، قال ابن عبد البر مسنِدًا حديث ابن عمر عن النبي -ﷺ-: \"الضيافة على أهل الوبر، وليست على أهل المدر\": \"وحدثناه عبد اللَّه بن محمد بن يوسف قال: حدثني الحسن بن إسماعيل قال: حدثني بكر بن العلاء القشيري (^٤) القاضي. . . \" (^٥).\nوعبد اللَّه بن محمد بن يوسف المذكور في هذا السَّند هو أبو الوليد بن الفرضي، صاحب كتاب تاريخ علماء الأندلس، له رحلة إلى المشرق، والحسن بن إسماعيل الضرّاب ذكره ابن بَشْكُوال فيمن سمع منهم ابن الفرضي بمصر (^٦).\n١٣ - أبو عبد اللَّه محمد بن يحيى بن زكرياء بن يحيى التميمي القرطبي، المعروف بابن برطال، الفقيه المالكي، قاضي قرطبة وغيرها، توفي سنة (٣٩٤ هـ)، سمع من القاضي بكر بمصر (^٧).\n_________\n(^١) انظر ترجمته في معجم الأدباء لياقوت (٦/ ٢٥٧٠ - ٢٥٧١)، وتاريخ الإسلام للذهبي (٨/ ٦٤٢).\n(^٢) ترتيب المدارك (٦/ ٢٧٦).\n(^٣) وفيات المصريين للحبال (ص ٤٣)، والأنساب للسمعاني (٨/ ٣٨٨).\n(^٤) في نشرة الاستذكار: القسري، وهو غلط، وتابعتها عليه ط: دار الكتب العلمية.\n(^٥) الاستذكار (٨/ ٣٦٩).\n(^٦) الصلة (١/ ٢٤٦).\n(^٧) تاريخ علماء الأندلس (٢/ ١٣٩)، وترتيب المدارك (٦/ ٣٠٧ - ٣٠٩).","vol":"1","page":23},{"text":"١٤ - أبو محمد عبد اللَّه بن محمد بن أسد الطليطلي، الجهني، المتوفى سنة (٣٩٥ هـ)، فقيه ومحدث وأديب، سمع من القاضي بكر بمصر (^١).\nقال ابن عبد البر: \"وأخبرنا عبد اللَّه بن محمد بن أسد قراءة مني عليه، أن أحمد بن محمد المكي حدثهم قال: حدثنا علي بن عبد العزيز، وقرأت عليه أيضًا أن بكر بن العلاء حدثهم قال: حدثنا أحمد بن موسى الشامي، قالا جميعًا: حدثنا القعنبي، عن مالك، عن عبد اللَّه بن دينار، عن ابن عمر، أن رسول اللَّه -ﷺ- قال لأصحاب الحِجر: \"لا تدخلوا على هؤلاء المعتدين إلا أن تكونوا باكين، فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم أن يصيبكم مثل ما أصابهم\" (^٢).\nوقال ابن عبد البر أيضًا: \"وقرأت على أبي محمد عبد اللَّه بن محمد بن أسد، أن بكر بن العلاء القاضي حدثهم قال: حدثنا أحمد بن موسى الشامي قال: ثنا القعنبي قال: قرأت على مالك بن أنس عن عبد اللَّه بن دينار، عن عبد اللَّه بن عمر -﵃-، أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: \"إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها وإنها مثل الرجل المسلم حدثوني ما هي؟ \"، قال عبد اللَّه: فوقع الناس في شجر البوادي، ووقع في نفسي أنها النخلة، قال: فاستحييت فقالوا: يا رسول اللَّه، ما هي؟ قال: هي النخلة، قال عبد اللَّه بن عمر: فحدثت عمر بن الخطاب -﵁- بالذي وقع في نفسي، قال عمر: لأن تكون قلتها أحب إلي من أن يكون لي كذا وكذا\" (^٣).\n١٥ - أبو عبد اللَّه محمد بن أحمد بن الوشا، المتوفى سنة (٣٩٧ هـ) (^٤).\n١٦ - أبو عبد اللَّه محمد بن إبراهيم بن عبدوس الخشني الطليطلي، يعرف:\n_________\n(^١) ترتيب المدارك (٧/ ٢٠٩).\n(^٢) التمهيد (١٣/ ١٤٨).\n(^٣) جامع بيان العلم وفضله (١/ ١٤٤).\n(^٤) ترتيب المدارك (٧/ ٨٧).","vol":"1","page":24},{"text":"بابن المشكيالي، المتوفى سنة (٤٠٠ هـ)، سمع من القاضي بكر بمصر أحكام القرآن (^١).\nورواية ابن عبدوس للأحكام وقعت للإمام أبي محمد ابن حزم، يقول في \"طوق الحمامة\": \"حدثنا القاضي أبو عبد الرحمن عبد اللَّه بن عبد الرحمن بن جحاف المعافري، وإنه لأفضل قاض رأيته، عن محمد بن إبراهيم الطليطلي، عن القاضي بمصرَ بكر بن العلاء، في قول اللَّه ﷿: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: ١١]، أن لبعض المتقدمين فيه قولًا، وهو أن المسلم يكون مخبرًا عن نفسه بما أنعم اللَّه تعالى به عليه من طاعة ربه التي هي من أعظم النعم، ولاسيما في المفترض على المسلمين اجتنابه واتباعه\" (^٢).\nوقد ساق القاضي في تفسير هذه الآية من سورة الضحى أقوال المتقدمين ممن رأى هذا المذهب، بما يثبت نسبة ما رواه ابن حزم إلى كتاب \"الأحكام\".\n١٧ - علي بن محمد بن إبراهيم بن هارون الحضرمي المصري، ذكره القاضي عياض في أهل مصر من طبقة أبي بكر النِّعالي تلميذ القاضي بكر المتقدم، وقال: \"من أصحاب القشيري، يروي عنه. . . \"، ولم يذكر سنة وفاته (^٣).\n١٨ - أبو محمد عبد الرحمن بن عمر بن النحاس المصري، المتوفى سنة (٤١٦ هـ) (^٤)، من مروياته عن القاضي: كتاب الأشربة (^٥).\n١٩ - سليمان بن حسين الحجازي، المعروف بابن الطويل، القاضي، قال في\n_________\n(^١) الصلة (١/ ٤٦١).\n(^٢) طوق الحمامة (ص ٢٧٢ - ٢٧٣).\n(^٣) ترتيب المدارك (٦/ ٢٠٤).\n(^٤) المصدر نفسه (٥/ ٢٧١)، وانظر ترجمته في سير أعلام النبلاء (١٧/ ٣١٤).\n(^٥) المصدر نفسه (٥/ ٢٧٢)، وفهرسة ابن خير (ص ٢٦٣).","vol":"1","page":25},{"text":"المدارك: \"له رحلة سمع فيها من بكر القاضي\" (^١)، يروي عن القاضي أحكامه (^٢).\n٢٠ - أبو الفضل سعيد بن حميد بن البختكان، الشاعر، قال ابن المعتز في أخبار سعيد بن وهب من طبقاته: \"حدثني ابن البختكان، عن أبي بكر بن العلاء البصري قال: سعيد بن وهب الشاعر من أهل البصرة، وهو مولى لربيعة\" (^٣).\n٢١ - عمرو بن عيسون، قال ابن نقطة في \"إكمال الإكمال\": \"عمرو بن عيسون الأندلسي قال: سمعت بكر بن العلاء القاضي يقول: سمعت إسماعيل بن إسحاق القاضي يقول: ما قلدت مالكًا قط في مسألة حتى علمت وجه صوابها\" (^٤)، ولم أقف على ترجمته، ولعله بن عيشون الآنف الذكر، واللَّه أعلم.\n٢٢ - ابن أبي عراك (^٥).\n٢٣ - أبو زيد بن أبي عامر البستي (^٦).\nوقد ذهب أستاذنا الدكتور محمد العلمي جازمًا إلى أن القاضي أبا بكر الأبهري (ت ٣٧٥) \"أخذ عن بكر بن العلاء وطبقته\" (^٧)، ولم يصرح -حفظه اللَّه- بمصدره في هذه التلمذة، ولم أقف على من ذكر ذلك إلى الآن، غير أنه قد أدركه بالسن، فقد ولد \"قبل التسعين ومائتين\" (^٨)، فاللَّه أعلم.\n_________\n(^١) ترتيب المدارك (٧/ ٢٠).\n(^٢) فهرسة ابن خير (ص ٥٣)، وسماه: \"أبو سليمان أيوب بن حسين الحجازي\".\n(^٣) طبقات الشعراء (١/ ٢٥٦)، وانظر ترجمة ابن البختكان في معجم الأدباء (٣/ ١٣٦٦).\n(^٤) (٤/ ٢٢٩).\n(^٥) ترتيب المدارك (٥/ ٢٧٢).\n(^٦) المصدر نفسه (٥/ ٢٧٢).\n(^٧) المستوعب لتاريخ الخلاف العالي ومناهجه عند المالكية (١/ ٢٦٠).\n(^٨) ترتيب المدارك (٦/ ١٩٢).","vol":"1","page":26},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-11>و- مصنفاته:</span>\nقال القاضي عياض يصف كتب القاضي بكر: \"صنف في المذهب كتبًا جليلة\" (^١)، وذكر الذهبي أنها تشمل الأصول والفروع (^٢)، فكتب في أصول الدين، وأصول الفقه، والفروع الفقهية، والاحتجاج للمذهب والذب عنه، وغيرِ ذلك ومنها:\n١ - كتاب أحكام القرآن المختصر من كتاب أحكام القرآن للقاضي إسماعيل، وهو أهم مصنفاته، ومما يشهد لذلك وصية الإمام أبي محمد لأبي زيد لأحد طلابه بأمهات كتب الخلاف، قال: \". . . وكتاب الأحكام للقاضي إسماعيل، وإلا اكتفيت باختصارها للقاضي بن العلاء. . . \" (^٣)، وقال الذهبي: \"ومؤلفه في الأحكام نفيس\" (^٤).\n٢ - كتاب الأشربة، \"وهو نقضٌ لكتاب الطحاوي\" (^٥)، قال القاضي بكر في أحكامه عند تفسير قوله تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: ٤٣] مختصرًا لكلام ومحيلًا على كتاب الأشربة: \"وقد ذكرنا هذا كلَّه في كتاب الأشربة، والحجة على من أحل الخمر بأن سماها بغير اسمها، واستُغنيَ عن شرح ذلك في هذا الكتاب\".\nوقال في موضع آخر مبينا اسم الكتاب وموضوعه: \"وقد بينا ذلك في كتاب الأشربة والحجة على الطحاوي فيما هونه من أمر الشراب، وسماه\n_________\n(^١) تاريخ الإسلام (٧/ ٧٩٩).\n(^٢) العبر (٢/ ٦٧).\n(^٣) بواسطة: المدرسة المالكية العراقية النشأة والمميزات، ضمن بحوث ملتقى القاضي عبد الوهاب بدبي للدكتور حميد لحمر (١/ ٥٠٨)، نقلها عن مخطوطة في مكتبة تشستربيتي بإيرلنده.\n(^٤) سير أعلام النبلاء (١٥/ ٥٣٨).\n(^٥) ترتيب المدارك (٥/ ٢٧١).","vol":"1","page":27},{"text":"نبيذًا بغير اسمه، وذكرنا النبيذ، وما هو، وما قال رسول اللَّه -ﷺ- فيه، وما روي عنه ﵇ أن أمته تستحل الخمر باسم تسميه إياه\".\nوقوله: \"والحجة على من أحَلَّ الخمر بأن سماها بغير اسمها\":\nوهذا المصنف من جملة مرويات ابن خير الإشبيلي في فهرسته (^١).\n٣ - كتاب الرد على المزني.\n٤ - كتاب في مسائل الخلاف.\n٥ - كتاب الرد على الشافعي في وجوب الصلاة على النبي -ﷺ- في الصلاة.\n٦ - مسألة الرضاع.\n٧ - مسالة \"بسم اللَّه الرحمن الرحيم\".\n٨ - رسالة إلى من جهل محل مالك بن أنس من العلم، وهو الكتاب الذي في مناقب مالك، والذي عزاه القاضي عياض للمصنف في مقدمة المدارك.\n٩ - كتاب من غلط في التفسير والحد (^٢).\n١٠ - كتاب أصول الفقه.\n١١ - كتاب القياس.\n١٢ - كتاب مآخذ الأصول، رآه القاضي عياض (^٣).\n١٣ - كتاب الرد على القدرية.\n١٤ - كتاب تنزيه الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، رآه القاضي عياض (^٤).\n١٥ - كتاب ما في القرآن من دلائل النبوة، رآه أيضًا القاضي عياض (^٥).\n_________\n(^١) فهرسة ابن خير (٢٦٣).\n(^٢) كذا في نشرة المدارك المعتمدة، ولعلها الحديث، واللَّه أعلم.\n(^٣) ترتيب المدارك (٢/ ٢٧١).\n(^٤) المصدر نفسه.\n(^٥) المصدر نفسه.","vol":"1","page":28},{"text":"١٦ - كتاب في الاحتجاج على أبي حنيفة: قال القاضي بكر محتجًا على أبي حنيفة في مسألة في الإيلاء: \"ويأتي تقصِّي قولهم في كتاب الاحتجاج عليهم، لأنه يطول هاهنا بذكر الروايات\"، فأحال على كتاب في الاحتجاج على أبي حنيفة وأصحابه، وجزْمُنا بنسبته للقاضي بكرٍ رهين بالوقوف على أحكام القرآن للقاضي إسماعيل، ومعرفةِ هذا الكلامِ هل هو للقاضي بكر، أم احتفظ به من كلام القاضي إسماعيل، وقد ذكر القاضي عياضٌ من جملة مؤلفات القاضي إسماعيل: \"كتُبُه في الرد على أبي حنيفة\" (^١)، فلا يبعد -إن ثبت أن الكلامَ كلامه- أن يكون إحدى هذه الكتب، وإن ثبت العكسُ، كان كتابًا آخرَ للقاضي بكر لم يَرِد قبل، واللَّه أعلم.\n١٧ - كتاب الفرائض: قال القاضي بكر: \"ونحن نبين ذلك في كتاب الفرائض إن شاء اللَّه\"، فيُحتمل أن يكون كتاب الفرائض مصنفًا من مصنفات القاضي، إذا ثبت أن هذه العبارة من كلامه لا من كلام القاضي إسماعيل، وقد عُلم أن كتاب \"الأحكام\" غير مبوَّب على الكتب فتكون إحالة على موطن وارد فيه، واللَّه أعلم.\n١٨ - كتاب في الرد على الشافعي: قال القاضي في الأحكام بعد سوق قولِ الشافعي \"إن تارك الحج يحج عنه من ماله وإن لم يوص\": \"وقد تكلمنا في هذه المسألة في كتاب مفرد بما يغني عن الإطالة\".\nوتحتمل هذه الإشارة أن تكون لكتاب مستقل، أو لكتاب \"الرد على الشافعي\" المتقدم ذكره، واللَّه أعلم.\n١٩ - كتاب في مسألة تارك الحج، هل يحج عنه وإن لم يوص؟ أشار القاضي إليه في الأحكام في نهاية تفسيره لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾، بعد أن ناقش الشافعي في مسألة تأخير المستطيع الحجَّ.\n_________\n(^١) ترتيب المدارك (٤/ ٢٩١).","vol":"1","page":29},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-12>ز - منزلته</span>\nتقِلُّ الشهادات التي تبرز منزلة القاضي ومكانته العلمية والاجتماعية نظرًا لقلة مصادر الترجمة كما قدمت.\nففي علم الحديث وروايته، شهد له القاضي عياض -الذي صرح بوقوفه على بعض مصنفاته كما تقدم- بالتقدم فقال: \"وهو من كبار فقهاء المالكيين رواية للحديث\" (^١)، كما نقل عن الفرغاني قولَه: \"كان راوية للحديث عالمًا به\" (^٢).\nوفي الفقه شهد له الفرغاني بأنه كان \"من كبار الفقهاء المالكيين بمصر\" (^٣).\nوعدَّه أبو القاسم الشافعي في شيوخ المالكية الذين لقيهم، وأثنى عليه (^٤)، وقال الذهبي: \"وصنف في المذهب كتبًا جليلة\" (^٥)، وقال: \"ومؤلفه في الأحكام نفيس\" (^٦).\nوقد \"ولي القضاء ببعض نواحى العراق\" (^٧)، و\"تقلَّد أعمالًا للقضاة\" (^٨).\nوكان ﵀ ناظمًا للشعر، وذكر له القاضي عياض بيتين في السلوك، عن أبي عبد اللَّه بن عيشون قال: وأنشدنا بكر بن العلاء:\nومن شيمتي ألا أفارف صاحبًا ... على حالة إلا سألتُ له رُشدا\n_________\n(^١) ترتيب المدارك (٢/ ٢٧٠).\n(^٢) المصدر نفسه (٢/ ٢٧١).\n(^٣) المصدر نفسه (٥/ ٢٧١).\n(^٤) المصدر نفسه.\n(^٥) تاريخ الإسلام (٧/ ٧٩٩).\n(^٦) سير أعلام النبلاء (١٥/ ٥٣٨).\n(^٧) المصدر نفسه (٥/ ٢٧١).\n(^٨) المصدر نفسه (٥/ ٢٧١).","vol":"1","page":30},{"text":"فإن عاد بي وُدِّي رجعتُ ولم أكن ... كآخر لا يَرعى ذِماما ولا عهدا (^١)\nوقال عنه الذهبي: \"العلامة، أبو الفضل القشيري، البصري، المالكي\" (^٢).\nوقال القرطبي بعد ذكر أحد الأقوال في تفسير قوله تعالى ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٣٧]: \"وهو الذي عليه أهل التحقيق من المفسرين والعلماء الراسخين، كالزهري والقاضي بكر بن العلاء القشيري، والقاضي أبي بكر ابن العربي وغيرهم\" (^٣).\nوحَلَّاه الأستاذ مخلوف بالإمام الفقيه النظار المحدث الراوية (^٤).\nوفي منزلته الاجتماعية التي تبوأها بمصر يحكى القاضى عياض عن الفرغاني قوله: \"وأدرك بمصر رئاسة عظيمة\" (^٥).\n* * *\n_________\n(^١) ترتيب المدارك (٥/ ٢٧٢).\n(^٢) سير أعلام النبلاء (١٥/ ٥٣٧).\n(^٣) الجامع لأحكام القرآن (١٤/ ١٩١).\n(^٤) شجرة النور الزكية (١/ ٧٩).\n(^٥) ترتيب المدارك (٥/ ٢٧١).","vol":"1","page":31},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-13>كتاب أحكام القرآن للقاضي بكر بن العلاء القشيري</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-14>أ - نسبة الكتاب</span>\nلا يتطرق الشَّك إلى نسبة الكتاب الذي بين أيدينا إلى القاضي بكر بن العلاء، لأدلة وقرائن كثيرة أهمها:\n- ما يتضح بمقارنة الكتاب مع القطع الموجودة والمطبوعة من أصله \"أحكام القرآن للقاضي إسماعيل بن إسحاق\"، فهو اختصار له وزيادة عليه كما قال القاضي عياض (^١)، وسترِد المقارنة والأمثلة وافرة في المبحث الموالي.\n- نقول العلماء واستشهادهم بأقوال وآراء القاضي بكر، ومقارنتها بما ورد في كتابه مما يُثبت نسبة هذا الكتاب إلى مؤلفه، ومن أمثلة ذلك:\nقال مكي بن أبي طالب في \"الهداية\" عند تفسير قوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ [النساء: ٣١]: \"وقد قال بكر القاضي: من أعظم الكبائر سب السلف وتنقصهم، وشهادة الزور عند الحكام، وعدول الحكام على الحق، واتباعهم للهوى.\nومن الكبائر: اللواط، والإصرار على الصغائر من الكبائر، \"والندم توبة\" والصغائر تكفرها الطهارة والصلاة والجماعات.\n_________\n(^١) ترتيب المدارك (٥/ ٢٧١).","vol":"1","page":32},{"text":"وقال أبو بكر -﵁-: إن اللَّه يغفر الكبيرة فلا تيأسوا، ويعذب على الصغير فلا تغتروا.\nوقال عمر: لا صغيرة مع الإصرار ولا كبيرة مع الاستغفار\" (^١).\nوهذا النص ورد بألفاظه عند تفسير نفس الآية في أحكام القرآن للقاضي بكر، إلا أن محققي الكتاب علقوا على قول مكي: \"وقد قال بكر القاضي\": هو بكر بن عبد الرحمن القاضي. . .، وهذا غلط استبان بالوقوف على نص الأحكام.\n- ومن ذلك قول ابن الملقن في التوضيح: \"وقال بكر بن العلاء: إنما قال ذلك لأن ربيعة بن نزار كانوا يحرمون شهر رمضان ويسمونه رجبًا، وكان مضر تحرم رجبًا نفسه، فلذا قال: \"الذي بين جمادى وشعبان\"\" (^٢).\nوفي أحكام القرآن نجد هذا النص بلفظه عند تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا﴾.\nوما روإه الإمام أبو محمد ابن حزم في \"طوق الحمامة\" قال: \"حدثنا القاضي أبو عبد الرحمن عبد اللَّه بن عبد الرحمن بن جحاف المعافري، وإنه لأفضل قاض رأيته، عن محمد بن إبراهيم الطليطلي، عن القاضي بمصرَ بكر بن العلاء، في قول اللَّه ﷿: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: ١١]، أن لبعض المتقدمين فيه قولًا، وهو أن المسلم يكون مخبرًا عن نفسه بما أنعم اللَّه تعالى به عليه من طاعة ربه التي هي من أعظم النعم، ولاسيما في المفترض على المسلمين اجتنابه واتباعه\" (^٣).\n_________\n(^١) الهداية إلى بلوغ النهاية لمكي بن أبي طالب (٢/ ١٣٠٤).\n(^٢) التوضيح لشرح الجامع الصحيح (٢٦/ ٦١٣).\n(^٣) طوق الحمامة (ص ٢٧٢ - ٢٧٣).","vol":"1","page":33},{"text":"وفي تفسير الآية من أحكام القرآن نجد القاضي يقول: \"قال الحسن بن علي رضي اللَّه عليه وعلى أبيه: إذا أصبت خيرًا أو عملت خيرًا فحدث إخوان ثقتك. . . وقال أبو رجاء العُطارِدي: لقد رزق اللَّه البارحة خيرًا، صلَّيت كذا، وسبَّحت كذا، قال أبو أيوب: فاحتملت ذلك لأبي رجاء، وقال نصر بن علي الأكبر: قال عبد اللَّه بن غالب، إذا أصبح يقول: صليت البارحة كذا، وسبَّحت كذا، وقرأت كذا، فيقال له: يا أبا قريش، مثلُك لا يقول هذا-، فيقول: يقول اللَّه ﷿: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾، وتقولون: لا تحدث بنعمة اللَّه. . . \".\nوهذا هو عين ما رواه أبو محمد مختصرًا، ومما يستفاد منه أيضًا ثبوت رواية محمد بن إبراهيم الطليطلي لكتاب \"الأحكام\"، وقد نبهت عليه في موضعه آنفًا.\nومنه ما ذكره القاضي عياض في \"إكمال المُعْلِم\" عن قصة طلاق زيد لأم المؤمنين زينب بنت جحش، وزواج النبي -ﷺ- بها، قال: \". . . وأصح ما في هذا ما حُكي عن علي بن حسين أن اللَّه تعالى أعلم نبيه -ﷺ- بكونها له زوجًا، فلما شكاها زيد قال له: أمسك، وأخفى في نفسه ما أعلمه اللَّه به مما اللَّه مبديه بطلاق زيد لها وتزويج النبي -ﷺ- بعدُ لها، ونحوه عن الزهري وغيره، والذي خشيه إرجافُ المنافقين بأنه نهى عن تزويج نساء الأبناء وتزوج زوجة ابنه. . . وإلى ما قلناه نحا القاضي بكر بن العلاء القشيري وغيره من المحققين، وأنكروا سواه\" (^١).\nومصداق هذه الحكاية عن القاضي بكر ثابت في أحكامه حيث يقول: \". . . لأن اللَّه سبحانه قد كان أعلمه أن زيدًا سيطلقها، وأنه يزوجها إياه، فكان يخفي ما أوحى اللَّه إليه من ذلك. . . \".\n_________\n(^١) إكمال المعلم (١/ ٥٣١).","vol":"1","page":34},{"text":"ومنه قول العلامة ابن فرحون في \"تبصرة الحكام\"، في كلامه عن الإشهاد في الرجعة: \"وحكى القاضي أبو بكر بن العلاء الوجوب عن مالك\" (^١).\nوفي أحكام القرآن عند قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] نجد القاضي بكرًا يقول: \"قال مالك: الإشهاد على الرجعة واجب. . . \".\nويقول السيوطي في كتاب \"الإكليل في استنباط التنزيل\" عند قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: ٦٧]: \"استدل به بكر بن العلاء على أن السنة في البقرة الذبح\" (^٢).\nوفي أحكام القرآن للقاضي بكر بعد ذكره الآية: \"السُّنة في البقر الذبحُ بكتاب اللَّه تعالى\".\nويقول السيوطي أيضًا في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ [البقرة: ١٠٢]: \"قال بكر بن العلاء: وفي الآية أن الساحر يقتل، ووجهه أنه قال: ﴿وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٠٢].\nوفي تفسير الآية من أحكام القرآن نجد القاضي بكرًا يستدل على وجوب قتل الساحر بهذه الآية فيقول: \"قال ﵎ في الساحر: ﴿وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾، وإنما باعوا أنفسهم للقتل بالسحر الذي فعلوه\".\nفنقل السيوطي ﵀ كلام القاضي بكر في أحكامه بمعناه دون حروفه.\nوفي تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] يقول: \"استدل به بعضهم على أن التخلي للعبادة أفضل من النكاح، حكاه بكر بن العلاء\" (^٣).\n_________\n(^١) تبصرة الحكام (١/ ٢٥٠).\n(^٢) الإكليل (ص ١٦).\n(^٣) الإكليل (ص ٢٠٠).","vol":"1","page":35},{"text":"وفي أحكام القرآن يقول بكر بن العلاء: \"قيل لعامر بن عبد قيس: لو تزوجت، وتلا عليه: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً﴾ [الرعد: ٣٨] فقال: سمعت اللَّه ﷿ يقول: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ \".\nومن الأدلة التي تطمئن النفس بصحة نسبة الكتاب، ما يغلب عليه من نفس خلافي جدلي استدلالي لا تجده في مصنفات المذهب إلا عند العراقيين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-15>ب - أحكام القاضي بكر، وأحكام القاضي إسماعيل</span>\nلخص القاضي بكر في آخر كتابه منهجَه في اختصار أحكام القاضي إسماعيل بكلمات موجزة يحسن أن أسوقها تامة هنا، ثم أُفَصل في بيانها والاستشهاد لها.\nيقول القاضي بكر بن العلاء: \"هذا آخر كتاب الأحكام، اختصرته من كتاب إسماعيل بن إسحاق ﵀، وتركت الأسانيد ليقرب على المتعلم، فإن احتيج إلى الأسانيد أخذت من كتاب إسماعيل ﵀.\nوأما الكلام فالكثير منه كلام إسماعيل، وربما اختصرته وزدت فيه، وتكلمت بما حضرني مما ظننت أن إسماعيل لكثرة شغله أغفله، أو لزيادة زدت علينا بعده، فاحتجت إلى الانفصال منها، مما رجوت أن يكون تقوية للمذهب، وتصحيحا لما ذهب إليه فيه، إلا ما قلت فيه حدثنا فذالك من سائر الحديث، ليس مخرجه إسماعيل\".\nوتُظهر القِطع الصغيرة المطبوعة من أحكام القاضي إسماعيل أنها -تقريبًا- على منهج تفسير ابن جرير، مادتها الأحاديث والآثار المسندة عن النبي -ﷺ- والصحابة والتابعين، وما كان من كلام القاضي جاء مصدرًا بعبارة: \"قال القاضي\"، لكن أحكام القاضي بكر ليست على هذا النمط من التصنيف، على الرغم من اعتمادها على السنن والآثار، فقد غيَّر مؤلفها في اختصاره وجه","vol":"1","page":36},{"text":"التصنيف، وكأنه لا صلة بين الكتابين لمن لم يمعن النظر، فقد تناول القاضي بكر الأحكام ابتداء مستدلا لها في ثنايا الكلام دون تمييز للأدلة عن سائر الكلام، ودون إسناد في الغالب، وزاد مباحث لم يتناولها شيخه، وأكثر من أدلة النظر، ونصب الخلاف، والدفاع عن المذهب، فما هي المعالم الرئيسية لمنهجه في اختصار الأحكام، حتى جاء على الهيئة التي وصفتُ؟\nوبمقارنة الموجود من الأصل مع مقابله في المختصر، تظهر لنا بعض تلك المعالم والخطوط الأساسية، التي ألخصها فيما يلي:\nما منهج القاضي بكر في اختصار أحكام القاضي إسماعيل والزيادة عليه؟\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-16>١ - الاختصار:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-17>حذف أحاديث وآثار</span>\nفي الكلام على قوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ روى القاضي إسماعيل خمسة وستين حديثا وأثرًا في ذكر الكبائر وعدِّها ووصفها. . .، لم يتخللها كلام له (^١).\nلكن القاضي بكرًا عمد إلى ما تضمنته هذه الآثار فلخصه، مقدمًا له بالإشارة إلى أن الصحابة والتابعين اختلفوا في عدد الكبائر، ولم يُبق إلا بضعة آثار دون إسناد، وهكذا لخص واختصر صنيع القاضي إسماعيل الطويل، ومما قال: \". . . ومن الكبائر عقوق الوالدين، وشرب الخمر، وهو كل شراب يسكر كثيره، وما ذكر من فاتحة سورة النساء إلى رأس الثلاثين، ومن الكبائر استسباب الرجل لأبويه، يسب رجلًا فيسب ذلك الرجل أبويه، ومن أكبر الكبائر أكل مال اليتيم والسفيه، وكل من لا ينتصف لنفسه، ومن الكبائر قذف المحصنات. . . \".\n_________\n(^١) أحكام القرآن للقاضي إسماعيل: (ص ٦٧ - ٩٧).","vol":"1","page":37},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-18>حذف أسانيد</span>\nحذف الأسانيد وإيراد متون الأحاديث والآثار غير مسندة أو بذكر الراوي المباشر للمتن فقط، عادة حاضرة في الأحكام ومن أمثلتها:\nيقول القاضي إسماعيل في أحكامه في تفسير قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾: حدثنا عمي قال: حدثنا حجاج بن المنهال، قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن داود بن أبي هند، عن عكرمة، أن ابن عباس كان يكره أن يبيع الرجل الثوب، ويقول لصاحبه: إن كرهته فرد معه درهمًا، فقال: هذا مما قال اللَّه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ (^١).\nلكن القاضي بكرًا أورد هذا الأثر بحذف إسناده فقال مباشرة: كان ابن عباس -﵁- يكره أن يبيع الرجل الثوب، ويقول لصاحبه: إن كرهته فرد معه درهمًا، يقول: هذا مما قال اللَّه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-19>٢ - الاحتفاظ:</span>\nالاحتفاظ بالأحاديث والآثار المسندة\nالاحتفاظ بكلام القاضي\nكلام القاضي إسماعيل في أحكامه مصدَّر دائمًا بعبارة \"قال القاضي\"، قد يحتفظ به القاضي بكر في أحكامه تارة، وقد يستغني عنه فيحذفه تارة أخرى، حسب الاقتضاء، ومن نماذج ما احتفظ به:\n_________\n(^١) أحكام القرآن للقاضي إسماعيل (ص ٦٨).","vol":"1","page":38},{"text":"كلام طويل في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾، يتضمن بيانًا لمختار القاضي إسماعيل في معنى الآية، وإشارة لمذهب أبي حنيفة، ثم نقلا عن كتاب الأم للشافعي فيه بيان لمذهبه.\nثم يمضي القاضي بكر في نقل كلام الشافعي بما لم يذكره القاضي إسماعيل، وناقشه ورد عليه، ثم عاد لينقل عن إسماعيل قول مالك في مسألة الشقاق والحكمين (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-20>٣ - الزيادة:</span>\nرواية أحاديث بأسانيدها لم يروها القاضي إسماعيل، وهو كثير في الكتاب، وهو كثير في الكتاب، مثاله قوله بعد ذكر عبد اللَّه بن عمرو، عن النبي -ﷺ-: \"لا يجوز لامرأة هبة في مالها إذا ملك زوجها عصمتها\": نا به محمد بن صالح قال: أنا يوسف بن موسى قال: نا حجاج، عن حماد بن سلمة، عن داود وحبيب، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده عبد اللَّه بن عمرو، عن النبي -ﷺ-.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-21>زيادة مباحث لم يتناولها القاضي إسماعيل</span>\nومثاله قوله ﷿: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ إلى قوله: ﴿فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء: ٣٤]، الذي تناول فيه القاضي إسماعيل مسألة الرجل يجرح امرأته هل عليه القَوَد أو العقل أو لا؟ ومسألة النشوز والفاحشة المبينة، ما هما؟ ومسألة ماهية العِظة والهجران في المضاجع، والضرب ومقداره (^٢)، لكن القاضي بكرا تناول تحت الآية مسألة حجر الرجل على المرأة في نفسها ومالها،\n_________\n(^١) أحكام القاضي إسماعيل (ص ١٢٠).\n(^٢) (ص ١٠٤ وما بعدها).","vol":"1","page":39},{"text":"ومسألة أداء المرأة للطاعات بغير إذن زوجها، بالإضافة إلى المباحث التي تناولها القاضي إسماعيل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-22>ج - منهج القاضي في أحكامه</span>\nلخص القاضي منهجَه في مقدمة أحكامه فقال: \"لم أعْدُ فيه عن السُّنة وقول السلف، وما تُوجِبُه اللغة التي نزل القرآن بها\"، وانطلاقًا من هذه العبارة أبين معالم منهجه في تناول آيات الأحكام باختصار، وإلا فإنه يحتاج إلى دراسة وافية ومستقلة، وحسبي هنا أن أشير إلى بعض الملامح وأنثر بعض الإشارات، حسب النقاط الآتية:\nالاعتماد على المأثور في تفسير الآيات، من قرآن كريم، وأحاديث نبوية، وآثار الصحابة والتابعين، وأقوال العلماء.\nفمن أمثلة اعتماده القرآن في التفسير قوله في بيان معنى قوله ﷿: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦] وأن الفدية في الآية عامّة لكل محرم أصابه أذى من رأسه على خلاف ظاهر الآية: \"وهذا النحو يأتي في القرآن كثيرًا، يذكر القصة، ثم يذكر بعدها أمورًا أخرى، ثم يعاد إلى القصة الأولى.\nقال اللَّه ﷿: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ (١) وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ (٢) وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾ [البروج: ١ - ٣] ثم ذكر بعد هذا القسم قصة أصحاب الأخدود، ثم قال: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ [البروج: ١٢].\nوقال: ﴿وَالْفَجْرِ (١) وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ إلى قوله: ﴿هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾ [الفجر: ١ - ٥]، ثم ذكر بعد ذلك ما ذَكرتم، ثم قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ [الفجر: ١٤]، هذا هو القسم.","vol":"1","page":40},{"text":"وقال: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ٨٣] فعلم أنه أتى بقوله: ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ عطفًا على: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ إلا قليلًا، ولولا فضل اللَّه عليهم ورحمته لاتبعوا الشيطان كلهم\".\nومن ذلك قوله: \"وقوله واللَّه أعلم: ﴿فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ [الأعراف: ١٤٢] على نحو المعنى في قوله: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ في كمال العدد\".\nومن ذلك أيضًا قوله: \"فإن اللَّه قال: ﴿فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾، وإنما يسمع الكلام، وقال اللَّه تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا﴾ [المجادلة: ١] \".\nوأما اعتماده على السنن النبوية والآثار فهو كثير، وطريقته أنه يورد الأحاديث المرفوعة والآثار، ولا تكاد تخلو صفحة من ذلك، معتمدًا في معظمه ما أورده إسماعيل في الكتاب الأصل، حاذفًا الأسانيد، وعلل ذلك بقوله: \"وتركت الأسانيد ليقرب على المتعلم، فإن احتيج إلى الأسانيد أخذت من كتاب إسماعيل ﵀\"، ثم يزيد على ما انتقاه من أصل إسماعيل عند الاقتضاء، ويسند أحيانًا المرويَّ، وقد عملت على ترقيمه وفهرسته، يقول: \"ما قلت فيه حدثنا، فذالك من سائر الحديث، ليس مخرجه إسماعيل\".\nومما أسنده القاضي حديث مالك من رواية القعنبي، جاء في سنده: \"نا محمد بن موسى، قال: حدثني القعنبي، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر. . . \"، وهذه الرواية اعتمدها الحافظ ابن عبد البر في الاستذكار، فقال في أوله: \"وأما رواية القعنبي عبد اللَّه بن مسلمة، فقرأتها على أبى محمد عبد اللَّه بن محمد بن عبد الرحمن بن أسد، عن أبي بكر أحمد بن محمّد المكي، عن علي","vol":"1","page":41},{"text":"ابن عبد العزيز، عن القعنبي، عن مالك، وعن بكر بن العلاء القاضي القشيري، عن أحمد بن موسى السامي (^١)، عن القعنبي، عن مالك\" (^٢).\nواستدلال القاضي بالسنة النبوية يضطره لأن ينظر في ثبوتها، فيضطلع ﵀ بذلك، فيورد الروايات والطرق والألفاظ، وينظر في الرجال وفي المتون، ويحكم على كل ذلك، وبغياب أصل القاضي إسماعيل يتعذر تمييز ما كان من ذلك من كلامه، وعلى كل حال، فالكتاب مملوء بالنقد الحديثي، ومن أمثلة ذلك قوله بعد أن ساق لفظين لحديث القلتين في الطهارة، وسند كل واحد منها: \"رواه هُدبة بن خالد وغيره على هذا اللفظ، فاختلف الرجلان في متن الحديث ومعناه، وهذان شيخان لا يحتملان التفرد بهذا الأمر الجليل، ولا يكونان حجة فيه، فقد وَهَى الحديث في القُلَّتين\".\nومن أمثلة اعتماده أقوال العلماء في بيان معاني الآيات قوله: \"قال مالك -﵁-: وسمى اللَّه ﵎ المرأة حرثًا، لأن الولد يكون منها\".\nوقوله في تفسير قوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]: \"قال مالك: ظاهر الآية يدل على أنهم الأحرار\".\nوقوله: \"قال مالك وأهل المدينة: الأقراء: الأطهار\".\nومن ذلك قوله في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١] \"وقال الشافعي في كتاب الرسالة: بُعث النبي -ﷺ- والناس كلهم على دينين، وهم: اليهود والنصارى، أهل كتاب، وعبدة الأوثان\".\nومن ذلك قوله: \"وقال الشافعي -﵁-: ﴿أَلَّا تَعْدِلُوا﴾ ألا يكثر من تعولون\"، وبعد سوقه ناقشه وردَّ عليه اختياره.\n_________\n(^١) في نشرة القلعجي للاستذكار التي نقلت منها: النسائي، وتابعتها على هذا الغلط طبعة دار الكتب العلمية (١/ ١٤).\n(^٢) الاستذكار (١/ ١٧١).","vol":"1","page":42},{"text":"ومن ذلك قوله: \"وقال ربيعة في معنى ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾: يقول: لعلكم تتقون محارمكم، ونهي بعضكم عن بعض\".\nومنه اعتماده على أقوال القاضي إسماعيل، وقد مرت في باب المقارنة أمثلته.\nوأما اعتماده على الأحاديث النبوية وآثار الصحابة والتابعين فأشهر من التمثيل له، ولا تخلو منه صفحة من صفحات الكتاب، فلا داعي للإطالة في ذلك.\n- اعتماد ما توجبه اللغة، فتجد ذكر \"أهل اللغة\" عمومًا يتكرر في غير موطن في \"الأحكام\"، وتجد ذكر أسماء عدد من علماء اللغة بأعيانهم ولاسيما أبا عبيدة معمر بن المثنى.\nومن أمثلة اعتماد مقتضيات اللغة، قوله في بيان معنى القرآن ومعنى السورة: \"والقرآن: اسم كتاب اللَّه، لا يسمى به غيره، وسمِّي كذلك: الفرقان، لأنه يُفَرِّق بين الحق والباطل وبين المؤمن والكافر، ولأنه جمع السُّوَر، وسميت السورة لأنها مقطوعة من الأخرى، فلما قُرن بعضها إلى بعض سُمي قرآنًا، وسميت سورة فمنهم من يقول: منزلة شرف، ومنهم من يقول: قطعة من القرآن\".\nومنها البحث الذي ساقه في معنى الإحصار في اللغة فقال: \"الإحصار في اللغة هو: المرض الذي يَحبِس، والحَصْر بالعدو يقال فيه: حُصِر فهو محصور، ومعناه: مُنِع فهو ممنوع، والمرض يقال فيه: أُحْصِر فهو مُحصَر، أي: أُمْرِض فهو مُمْرَض.\nقال الكسائي، وأبو عبيدة معمر بن المثنى: ما كان من مرض فإنه يقال فيه: أحصر فهو محصر، وما كان من سجن أو منع قيل: أحصر فهو محصور.","vol":"1","page":43},{"text":"قال إسماعيل: فإذا حُبِس الرجل قيل: حَبَسَه، وإذا فَعَل به فعلًا عرَّضه به لأن يُحبس قيل: أَحْبَسه، وإذا قتله قيل: قتله، وإذا عرَّضه للقتل قيل: أَقْتَلَه، وسقاه: إذا أعطاه إناء فشرِبه، وإذا جعل له لسُقيا قيل: أَسْقاه، وقَبَرَه إذا تولى دفنه، وأَقْبَرَه إذا جعل له قبرًا، قال اللَّه ﷿: ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾ [عبس: ٢١].\nوقالت بنو تميم لابن هبيرة حين صَلَب صالح بن عبد الرحمن: أقبِرنا صالحًا، أي: ائذن لنا في دفنه، قال: قد فعلتُ.\nفهذا على أقبرت، ومما جاء على قبرت قول الأعشى:\nلو أَسْنَدَتْ ميْتًا إلى نَحْرِها ... عاش ولم يُنْقَل إلى قابِرِ\nفهذا على قَبَرْتُ، فعلى هذا المجرى يكون ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ أي: أصابكم شيء كان سببًا لأن فاتكم الحج\".\nومن ذلك قوله حول \"كان الزائدة\": \"ويحتمل ﴿كَانَ فَاحِشَةً﴾ أي: هو الآن بعد التحريم فاحشة، لأن العرب قد تقول: كان، ولا يعتد بها، وهو كثير في كلامهم، وقال الشاعر:\nفإنك لو رأيت ديار قومٍ ... وجيرانٍ لنا كانوا كرامِ\nفأدخل كان ولم يَعْتَدَّ بها\". ومن مظاهر اعتماد القاضي على اللغة، كثرة الشواهد الشعرية في الكتاب، وقد صنعت لها فهرسًا فليراجع.\n- ومن منهج المصنف في كتابه العناية بمسائل الخلاف، والجدل لأجل تقرير الأحكام والاحتجاج لها، والدفاع عنها، وهو سمة غالبة في الكتاب، يقف عليها القارئ من أول نظرة، وأكثر المجادَلين في الكتاب الظاهرية، ولا يسميهم، وإنما ينعتهم بالمتأخرين على سبيل القدح والذم، فيقول: \"وقد قال","vol":"1","page":44},{"text":"قوم من المتأخرين\"، \"وقد احتج بعض المتأخرين\"، \"فقد قال قوم من المتأخرين في القرون المذمومة\"، والشافعية، والأحناف الذين ينسبهم أحيانًا إلى العراق.\nوقد يخالف حتى شيخه القاضي إسماعيل، ومن ذلك قوله: \"وقد أنكر القاضي إسماعيل ﴿مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ أسلمن، لأن اللَّه تعالى يقول: ﴿مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾، فاستغنى بذلك، وهذا مما لا ينبغي أن ينكره، مع علمه باللغة واتساعه فيها.\nفدائرة الخلاف عند القاضي بكر واسعة شملت حتى المالكية \"الخلاف الصغير\" وشيخه الذي يختصر كتابه. وفي هذا دليل على الاستقلال والتجرد والتزام الاهتداء بالدليل دون سواه.\nوفي أسلوب الخلاف، قد يُغلظ القاضي أحيانًا لمخالفه في العبارة على دأب الخلافيين، فيقول مثلا ردًا على الشافعي وأبي حنيفة: \"وإنما غلط هؤلاء القوم لما تركوا القرآن، وعدَلوا إلى القياس، ولو تدبروا القرآن لكُفينا التعب معهم\".\nوقوله يَرُدُّ قولًا حُكي عن أبي ثور: \"وقد قال بجواز ذلك بعض المتكلفين للعلم، من القرون المذمومة\". وقوله يرد قولًا ينسب لأحمد وإسحاق: \"وزعم بعض المتكلفين للعلم\". وقد يلين فيقول: \"وقد قال الشافعي -﵁- محتجًا. . . \".\nومن أكثر أساليب الخلاف تكرارًا في الكتاب، أسلوب الفَنْقَلَة \"فإن قيل: كذا، قلنا: كذا\"، وأسلوب الاستفهام الإنكاري: \"ألا ترى إلى كذا؟ \"، \"ألا تراه يقول كذا؟ \"، وهي من الكثرة بمكان، فلا أطيل بالتمثيل لها.\nويتلازم مع الخلاف الفقهي، منهج التعليل الفقهي للأحكام، وهو سمة بارزة في الكتاب، فيعمد القاضي في الاستدلال والاحتجاج والرد على المخالف وإقناعه، إلى تعليل وتسويغ الحكم وتدعيم الاستدلال بكل ما يمكن","vol":"1","page":45},{"text":"أن يكون مدركًا به، من أدلة سواء نقلية أو عقلية، وقواعد لغوية ومنطقية وأصولية وفقهية على اختلاف أنواعها، في أسلوب منطقي إقناعي زائد على مجرد الاستدلال، وهذا المنهج حاضر بكثرة في مسائل الكتاب بما يغني عن التمثيل له، لكن لا بأس أن أُوردَ أمثلة لاعتلاله بالقواعد تعطي نظرة عن حال القواعد بأنواعها عند عالِم خلافي متقدم زمانًا، أعرضها دون ترتيب ولا تصنيف.\nفمنه قوله: \"فأما إتمام عائشة -﵂- في السفر فقد وضع أهل العلم لها المعاذير في ذلك على قدر اجتهادهم، وكذلك اعتذروا لعثمان -﵁- لإتمامه بمنى، وما اعتذر لفاعله فلا يحتج به، وليس بالناس حاجة إلى معرفة فعل قد اعتذر له\".\nومنه قوله: \"ولا نعلم خلافًا أن فرضًا لا يدخل على فرض، وقد تدخل السنن على الفرض\"، \"ولم نر فرضًا يدخل على فرض فيسقط حكمه\"، وقوله: \"لأن ما وجب لا ينتقل\".\nوقوله: \"ولا أعلم خلافًا أن اللَّه تعالى إذا جعل أجلًا، لم يزُل حكمه إلا بخروجه\".\nوقوله: \"والأمر قد يكون على الإيجاب، وقد يكون على الندب\".\nوقوله: \"فلما لم يجز أن يكون العبد حاكمًا، لم يجز أن يكون شاهدًا\".\nوقوله: \"فكل الذي كان القول قوله موعوظ\".\nوقوله: \"وقد يقوم الوارث مقام الوارث في منع بعض الوارثين، ولا يقوم مقامه في منع كل ما يمنعه الآخر\".\nوقوله: \"وكل امرأتين لو كانت إحداهما ذكرًا لم تحل له الأخرى لا يجوز الجمع بينهما\".","vol":"1","page":46},{"text":"وقوله: \"فلما أبيح له في موضع، وحظر عليه في موضع، عُلم أن ذلك على الإيجاب، لا على الاختيار\".\nهذه بعض من أهم معالم منهج القاضي في تناول الأحكام، نبهت عليها تنبيهًا، وكل عنصر منه جدير بالدراسة المستقلة والشاملة والعميقة، التي تليق بمنزلة الكتاب ومصنفه، ولعل اللَّهَ جلَّت قدرته يسخر لهذا الشأن أقوامًا يقومون به على أتم وجه وأحسنِه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-23>د- نقول ليست من \"الأحكام</span>\"\nنجد في ثنايا بعض الكتب، بعض النقول عن القاضي بكر منها:\n- ما نقله القاضي عياض (ت ٥٤٤ هـ) في الشفا في مواطن منها: قوله في نقد \"قصة الغرانيق\"، قال: \"وصدق القاضي بكر بن العلاء المالكي حيث قال: لقد بُلي الناس ببعض أهل الأهواء والتفسير، وتعلق بذلك الملحدون، مع ضَعف نقلته، واضطراب رواياته، وانقطاع إسناده، واختلاف كلماته، فقائل يقول: إنه في الصلاة، وآخر يقول: قالها في نادي قومه حين أنزلت عليه السورة، وآخر يقول: قالها وقد أصابته سِنة، وآخر يقول: بل حدَّث نفسه فيها، وآخر يقول: إن الشيطان قالها على لسانه، وأن النبي -ﷺ- لما عرضها على جبريل قال: ما هكذا أقرأتك، وآخر يقول: بل أعلمهم الشيطان أن النبي -ﷺ- قرأها، فلما بلغ النبي -ﷺ- ذلك قال: \"واللَّه ما هكذا نزلت\"، إلى غير ذلك من اختلاف الرواة\" (^١).\nوممن أخذ هذا القول من المفسرين، القاسمي في محاسن التأويل (^٢).\n_________\n(^١) الشفا (ص ٦٤٥).\n(^٢) (٧/ ٢٥٥).","vol":"1","page":47},{"text":"- وقال القاضي عياض أيضًا عند تفسير قوله تعالى: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ. . .﴾ الآية: \"وقال القاضي بكر بن العلاء: أخبر اللَّه تعالى نبيه في هذه الآية أن تأويله وافق ما كتبه له من إحلال الغنائم والفداء، وقد كان قبل هذا فادوا في سرية عبد اللَّه بن جحش التي قُتل فيها ابن الحضرمي بالحكم بن كيسان وصاحبه فما عتب اللَّه عليهم، وذلك قبل بدر بأزيد من عام\" (^١).\n- وقال أيضًا في تفسير قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾: \"قال القاضي بكر بن العلاء: المأمور بالسؤال غير النبي -ﷺ-، والمسؤول الخبير هو النبي -ﷺ-\" (^٢).\nأخذ هذا القول الثعالبي في الجواهر الحسان (^٣).\n- وقال القاضي عياض في موطن آخر: \"قال بكر بن العلاء: ألا تراه يقول: ﴿وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ الآية، وهو -ﷺ- كان المكذَّب فيما يدعو إليه، فكيف يكون ممن كذب به؟ فهذا كله يدل على أن المراد بالخطاب غيره، ومثل هذه الآية قوله: ﴿الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ المأمور ههنا غير النبي -ﷺ-، ليسأل النبي، والنبي -ﷺ- هو الخبير المسئولُ لا المستخبر السائل، وقال: إن هذا الشكَّ الذي أُمر به غيرُ النبي -ﷺ- بسؤال الذين يقرؤن الكتابَ، إنما هو فيما قصه اللَّه من أخبار الأمم لا فيما دعا إليه من التوحيد والشريعة\" (^٤).\nوبعد تتبع كتاب الأحكام، تبين لي أن هذه النقول ليست منه، وإنما هي عن كتاب آخر، وكلها تتعلق ببيان منزلة النبي -ﷺ- وعظم قدره، وقد سبق أن أوردت في الكلام على تآليف القاضي تصريح القاضي عياض بوقوفه على كتب\n_________\n(^١) الشفا (ص ٦٩٠).\n(^٢) الشفا (ص ٢٩٧).\n(^٣) (٤/ ٢١٤).\n(^٤) الشفا (ص ٦٠٩ - ٦١٠).","vol":"1","page":48},{"text":"أخرى منها: كتاب تنزيه الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وكتاب ما في القرآن من دلائل النبوة (^١)، فالظاهر أذن تلك النقول مقتبسة عنها أو عن أحدها.\n- وقال القاضي عياض أيضًا في سياق الكلام على قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾: \"وقال بكر القشيري: الصلاة من اللَّه تعالى لمن دون النبي -ﷺ- رحمة، وللنبي -ﷺ- تشريف وزيادة تكرمة\" (^٢).\nوعنه نقل هذا القول أبو العباس القباب في شرح الإعلام بحدود قواعد الإسلام (^٣)، والحافظ ابن حجر في الفتح (^٤).\nوفي أحكام القرآن يقول القاضي في تفسير الآية: \"صلاة اللَّه رحمتُه وتشريفُه لعبده، وصلاة الملائكة والبَشر ومؤمنى الجِن دعاءٌ له ﵇\"، ولا يخفى التغاير بينهما، مما يُلحِق هذا النقلّ بالنقول قبلَه في كون مصدره كتابٌ آخر غيرُ الأحكام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-24>هـ- مصادر القاضي في أحكامه</span>\nيعتمد القاضي في أحكامه كتبًا وتآليف متنوعة، منها ما صرح بذكره، ومنها ما أشار إليه واستُدِل عليه بالقرائن، ومنها ما أغفَل التصريح به. فمما أظهره أو أشار إليه:\n- كتاب أحكام القرآن للقاضي إسماعيل، وهو الأصل.\n- رواية القعنبي للموطأ، أسند من طريق صاحبها أحاديث في الموطأ.\n- كتاب الأم للشافعي، نقل عنه كثيرًا.\n_________\n(^١) ترتيب المدارك (٢/ ٢٧١).\n(^٢) الشفا (ص ٥٤٤).\n(^٣) (١/ ٢٤٨).\n(^٤) (١١/ ٢١٧).","vol":"1","page":49},{"text":"- كتاب الربيع بن سليمان الذي يرويه عن الشافعي، وقد ذكره القاضي.\n- كتاب الأشربة للطحاوي، ذكره.\n- كتاب مجاز القرآن لأبي عبيدة معمر بن المثنى، نقل عنه تقريرات لغوية، وشواهد كثيرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-25>و- نسخة الكتاب ونماذج منها</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-26>وصف النسخة:</span>\nالنسخة المعتمدة في إخراج هذا الكتاب هي النسخة المحفوظة بمكتبة السلطان بايزيد بإسطنبول بتركيا، برقم ١٨٦٨٦/ ٢١، ولم أعثر على نسخة أخرى للكتاب على الرغم من كثرة البحث والتحري.\nوتقع هذه النسخة في جزأين يضمهما مجلد واحد، مجموع أوراقها ٣٢٦ ورقة، في كل ورقة صفحتان، في كل صفحة ١٩ سطرًا.\nوكُتبت النسخة بخط نسخي جميل ومتقن، وتمتاز بقلة التصحيف والسقط، بالرغم من كثرة أسماء الأعلام الواردة في الكتاب، مما يدل على يقظةٍ وإتقانٍ وحظٍ لا بأس به من العلم عند ناسخها ﵀.\nوالنسخة مقابلة على نسخة أخرى حسب ما تظهره بعض الطرر التي رسم فوقها حرف (خ).\nوأثبت الناسخ في الآخر اسمه وتاريخ فراغه من عمله فقال: \"فرغ من نسخه، الفقير إلى رحمة ربه: عبد الكافي بن محمد البجائي، غفر اللَّه له ولوالديه ولجميع المسلمين، آمين يارب العالمين، وصلى اللَّه على نبيه وآله وسلم، وذك في سلخ ربيع الأول سنة تسع وثمانين وخمسمائة\".","vol":"1","page":50},{"text":"ونسبة الناسخ أُثبِتها على وجه التقدير لا الجزم، لإهمالها في الأصل.\nوفي الصفحة الأولى من الجزء الأول أَثبَت عنوان الكتاب، ونصُّه: \"الأول من أحكام القرآن، تأليف القاضي الفقيه الإمام أبو بكر القشيري -﵁-\"، وكذلك في الجزء الثاني عدا لفظ \"الأول\" استبدل بـ \"الثاني\"، ولفظ \"أبو بكر\" اختصر بـ \"بكر\".\nوعلى الصفحة الأولى والأخيرة من الجزأين، وهوامش بعض صفحات الكتاب يوجد ختم بيضاوي كتب في داخله: \"وقَفَ هذا الكتاب لوجه اللَّه الأجل الأكرم، مصطفى باشا الوزير الأعظم\"، وهو اسم لعدد من رؤساء الوزراء في الدولة العثمانية، والراجح أن صاحب الختم هو قَرَه مصطفى باشا إذ النسخة كانت محفوظة بمكتبته برقم ٢١، فأضيف إلى رقم مكتبة بايزيد بعد ضمها (^١).\nوعلى الصفحة الأولى من الجزء الأول كُتبت عبارة تملُّكٍ نصُّها: \"تملكه الفقير محمد بن حسين، بالشراء الشرعي بلا كذب ولا مَيْنٍ\"، وعلى الصفحة الأولى من الجزء الثاني ورد اسمه مع الأحرف الأولى من نسبته، وهي: الأنصاري.\n* * *\n_________\n(^١) تنظر أخبار الصدر الأعظم قره مصطفى باشا وحملته على فيينا في تاريخ الدولة العثمانية العلية للأمير شكيب أرسلان (ص ٢٣١، وما بعدها).","vol":"1","page":51},{"text":"نماذج من النسخة","vol":"1","page":53},{"text":"صورة الصفحة الأولى، وعليها عنوان الجزء الأول","vol":"1","page":55},{"text":"صورة الصفحة الثانية من الجزء الأول","vol":"1","page":56},{"text":"صورة الصفحة الأخيرة من الجزء الثاني، وبها ينتهي الكتاب","vol":"1","page":57},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-27>ح- منهجي في تحقيق الكتاب</span>\nيهدف عملي في هذا السفر الجليل، إلى إخراج النص سليمًا في سورة لا مطعن ولا مغمز فيها، مع إضاءته بالضبط والتعليق متى دعت الضرورة إلى ذلك، محاولا الالتزام بالمنهج الذي وصفه الدكتور عبد العظيم الديب ﵀ بقوله: \"التحقيق إقامة وإضاءة\" (^١)، فلم أسلك السبل الطويلة على حساب الإسراع في وضع الكتاب بين يدي الباحثين والدارسين، وآثرت الاقتصار على الأهم، مجتنبًا التقصير المفضي للإخلال بسلامة النص.\nوتتلخص خطتي فيما يأتي:\nإخراج النص وكتابته وفق قواعد الإملاء الحديثة المعمول بها، وإدراج علامات الترقيم من نقطة، وفاصلة، ونقطتي التفسير وغيرها، وتقويم ما وقع فيه الناسخ من سقط أو غلط بالرغم من جودة النسخة الفائقة، والكمال للَّه وحده، فأثبت الصواب مكان الغلط، وأنبه عليه في الهامش بعبارة: \"في الأصل: كذا\" غالبًا، وأحيانًا أضيف مصدر التصويب، ووجه التصويب وتعليلَه.\nكما أثبت الساقط في النص بين معقوفين []، وأنبه عليه في الهامش بعبارة: \"ساقط من الأصل\"، وأضيف أحيانًا مصدر الاستدراك إن وجد.\nأما تعديل الإملاء، فأثبت المعدَّل في النص، ولا أشير إليه في الهامش لكثرته، وأكثر ما تكرر منه إهمال كتابة الهمزة التي على السطر كـ \"ما\" = \"ماء\"، و\"السما\" = \"السماء\"، وأشباهها، وكإثبات الألفات المتعارف الآن على حذفها، مثل \"لاكن\" = \"لكن\"، وغير ذلك مما يطول التمثيل له.\nضبط ما يحتاج من الكلمات، بوضع علامات التشكيل، حتى لا تلتبس قراءته.\n_________\n(^١) مقدمة نهاية المطلب (ص ٣٥٤).","vol":"1","page":59},{"text":"عزوت الآيات القرآنية الكريمة، ووضعت أرقام آيات الأحكام التي تناولها المصنف بالشرح والبيان قبلها، وعزو باقي الآيات بعدها في المتن، وجعلت كل آية مشروحة على رأس الصفحة تيسيرًا على القارئ.\nوضعت عناوين لبعض الفِقَر الخالصة لموضوع واحد، تيسيرًا على القارئ والباحث.\nخرَّجتُ الأحاديث النبوية، وآثار الصحابة ﵃ والتابعين ومن بعدهم ما وسعني ذلك، بمنهج موجز، فما كان من الأحاديث متفقًا عليه أو في أحد الصحيحين لم أعْدُ عزوَه إلى سواهما، وما كان في أحدهما اكتفيت به، وما كان في موطأ مالك، أو فى مسند الإمام أحمد، أو في السنن الأربعة، جميعِها أو بعضِها، لم أَرْنُ في تخرّيجه إلى سواها، وما كان في غيرها، لم أزد على ثلاثة مصادر، وأنقل عند الحاجة كلام الأئمة والنقدة، في ثبوت الرواية من عدمها.\nأما الآثار فما ظفِرت به غالبًا في أمهات كتب تفسير القرآن بالأثر، كجامع ابن جرير، أو تفسير ابن أبي حاتم، اكتفيت بعزوه إليها، وما لا يوجد فيها طَلَبْته في سواها من المجامع الحافلة بالآثار، كمصنفي عبد الرزاق وابن أبي شيبة وغيرها، مقتصرًا في معظمها على مصدر واحد، مثبتًا في كل التخريج رقمَ الحديث أو الأثر، أو الجزءَ والصفحةَ، واسمَ الكتاب والباب في كليهما.\nوثقت كلام الأئمة والعلماء، وعزوت المذاهب والآراء لأصحابها ما استطعت، معتمدًا أمهات كتب المذاهب ومصادرها، مكتفيًا في غالب الأمر بمصدر واحد.\nوما اعتمدت في تخريجه وعزوه على طبعتين من مصدره، أشير إلى طابع أو محقق الطبعة الثانية بعبارة مختصرة مثل: (ت الأرناؤوط) = تحقيق","vol":"1","page":60},{"text":"الأرناؤوط، أو (ط المعرفة) = طبعة دار المعرفة، وأثبت البيانات كاملة في ثبت المصادر والمراجع.\nوخرَّجتُ الشواهد الشعرية من دواوين أربابها إن وقفت عليها ووجدت الشاهد فيها، أو من أقدم مصدر ذكره.\nشرحتُ بعض الغريب من المعاجم وكتب الغريب، ملتزمًا بنقل ضبطه إذا وقفت عليه.\nترجمت لبعض الأعلام، قريبي العهد من المصنف خاصة، أو لمن صرح صرح بالنقل عنهم، أو من يشتبه اسمه، فأحرره معرفا به، ضابطًا لفظه، ولم ألتزم التعريف بجميع الأعلام ولاسيما رجال الأسانيد، ورواة الآثار.\nعرَّفتُ بالأماكن والبلدان المغمورة بعبارة معاصرة مفهومة، مع ضبط ألفاظها.\nوقدَّمتُ للكتاب بمقدمة ضمَّنتُها تعريف بالمصنف، وبمصادر ترجمته وتقويمِها، وتعريفًا بالكتاب، وبمنهجه، ونسخته المعتمدة، وبخطتي في إخراجه والعناية به، وغير ذلك.\nثم صنعت للكتاب ما يلزم الناظر فيه من الفهارس، كفهرس الأحاديث المرفوعة إلى رسول اللَّه -ﷺ-، ومسند القاضي بكر، والمباحثات والردود، والأعلام البشرية، والمصادر والمراجع، والموضوعات، وغيرها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-28>ط- روايتي \"لأحكام القرآن</span>\"\nأروي كتاب \"أحكام القرآن\" للقاضي أبي الفضل بكر بن العلاء القشيري إجازة عن شيخنا الفقيه المسند المعمر سيدي عبد الرحمن بن الإمام الحافظ السيد محمد عبد الحي الكتاني، وهو يرويه إجازة عن شيخه ووالده الإمام الحافظ الرُّحلة أبي الإسعاد محمد عبد الحي بن عبد الكبير الكتّاني الحسني","vol":"1","page":61},{"text":"الفاسي، عن أبي عبد اللَّه محمد بن إبراهيم السباعي المراكشي، عن أبي العباس أحمد بن محمد المرنيسي الفاسي، عن أبي العباس أحمد بن التاودي بن سودة، سماعًا لكله عن الحافظ أبي العباس أحمد بن عبد اللَّه الغربي الرباطي عن أبي الحسن علي العكاري، عن عبد القادر بن علي الفاسي، عن أبي القاسم محمد بن أبي النعيم الغساني، عن ابن مجبر، عن ابن غازي، عن أبي عبد اللَّه محمد بن محمد بن يحيى السراج الفاسي، عن أبيه أبي القاسم، عن جده أبي زكريا يحيى السراج، عن أبي البركات محمد بن محمد بن الحاج البلفيقي، عن ابن الزبير، عن أبي الحسن أحمد بن محمد السراج، عن خاله أبي بكر محمد ابن خير الإشبيلي، عن أبي محمد بن عتاب، عن أبي عبد اللَّه بن عبد اللَّه بن عابد كتابة، عن أبي سليمان أيوب بن حسين الحجاري قراءة عليه وهو يسمع، عن المؤلف -﵁- وأرضاه.\nوتتعدد الطرق في روايتي لهذا الكتاب إلا أنني اخترت هذا الطريق، وأسأل اللَّهَ تعالى أسأل أن يُجنبني الزيغ والخَطَل، في القول والعمل، إنه سميع قريب.\n* * *","vol":"1","page":62},{"text":"أحكام القرآن\nللقاضي الفقيه الإمام أبي الفضل بكر بن محمد بن العلاء القشيري البصري المالكي\nالمتوفى سنة ٣٤٤ هـ\nرواية أبي بكر محمد بن عبد اللَّه الأدفوي عنه","vol":"1","page":63},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\nوبه أستعين\nأخبرنا أبو بكر محمد بن علي بن أحمد الأُتْفُوي (^١) قال: أخبره أبو الفضل بكر بن محمد بن العلاء القشيري القاضي البصري قراءة عليه في منزله بمصر عام إحدى وأربعين وثلاثمائة، قيل له: قلتَ رضي اللَّه عنكَ:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-29>[مقدمة المصنف]</span>\nالحمد للَّه ذي العز والجلال، والمنة والإفضال، والطَّول والكمال، القادر الغافر الظاهر، السابق الذي ليس له شريك يضاهيه، ولا وزير يواليه، ﷻ، وتعاظمت أفعاله، له الشكر على ما منَّ به علينا، إذ أخرجنا في خير الأمم، وهدانا بخاتم أنبيائه، وهادي أوليائه، النبي الأمي الذي ختم به العاجلة، واستفتح به الآجلة، وجعله في المَحَلِّ رفيعًا، وفي المقام شفيعًا، وأنزل عليه كتابه الذي جعله نورًا وبرهانًا مبينًا، وحظر فيه حرامه، وأباح فيه حلاله، وأنار به أعلامه، وبيَّن فيه أحكامه، فنسأل الذي بالفضل حبانا، وللإسلام هدانا، أن يصليَ على محمد عبده ورسوله، وأن يَمُنَّ علينا بتوفيقه وإرشاده ومعونته، إنه على ما يشاء قدير.\n_________\n(^١) هو الأُدفُوي، نسبة إلى أُدفُو في صعيد مصر، قال الذهبي: \"ومن قال فيه \"الأُتفُوي\" فعلى لغة عوام المصريين\"، انظر ترجمته ضمن تلاميذ المصنف في الدراسة.","vol":"1","page":65},{"text":"أما بعد، فإن أولى ما تمسَّك به المتمسِّكون، وتدبَّره المتدبِّرون، واتمَّ به المهتدون، ولجأ إليه المعتبرون، كتابُ اللَّه الذي ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٢] الذي أكمل اللَّه به الدين، وأنزل اللَّه سبحانه في حجة الوداع: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ١٣] وقال تبارك اسمه: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨]، وقال: ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩]، فأحكم اللَّه ﷻ الفرائض والأحكام والأصول كلها فيه جليًا وخفيًا.\nفمنه ما يُعقل بنفس الخطاب، قال اللَّه تعالى: ﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣) بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [فصلت: ٣ - ٤].\nومنه ما بيَّنه اللَّه ﷿ بالوحي وهو الخفي، ألا تراه يقول: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة: ١٩]، وقال: ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤]، فسأل نبينا -ﷺ- ربَّه ﵎ عن بيانه فبيَّنه له.\nومنه ما بيَّنه الرسول -ﷺ- بالحكمة التي أعطاه اللَّه، يقول اللَّه ﷿: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب: ٣٤]، وقوله: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤].\nومنه ما شرَّف اللَّه به أصحاب نبيِّه بمشاهدتهم الأسباب التي نزل القرآن من أجلها، وسُنَّتِ السُّنن بحضرتهم عملًا وقولًا، فكانوا بالمشاهدة أعلم الخلق","vol":"1","page":66},{"text":"بما نزل، وبوجوهه وتصرُّفاته، قال النبي -ﷺ-: \"ليس الخبر كالمعاينة\" (^١)، وقال: \"انظروا إلى فضل المعاينة على الخبر\" (^٢)، ونصحهم للأمة وصدقهم، فمدح اللَّه متَّبعهم فقال: ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة: ١٠٠]، ومتَّبعهم إنما يتبعهم فيما قالوه دون ما رَوَوه، إذ كان ما رويَ المتَّبَعُ فيه الرسولُ -ﷺ-، فإذا اختلفوا وجب النظر في أقاويلهم دون الخروج عنها لقوله ﷿: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر: ١٨]، الأحسن ما أنتجه النظر واستخرجته الدلائل والعلل، من الأصول المجمعِ عليها من الكتاب والسنة، فبين ما اختلف فيه على علل ما اتفق عليه.\nولم يزل أهل العلم على ذلك متَّبِعين لسلفهم حتى حدث في القرن الرابع من هذه الأمة ومن تلاهم، قوم مستخِفُّون بقول السلف وله هاجِرون، وعلى مذاهبهم زارُون، يحدثون أنفسهم أن أَسَدَّ الجواب ما استخرجوه، وأعلاه ما استنبطوه، أخذوا ذلك عن أهل الزيغ، لا يعرِّجون على الرواية، ولا يلتفتون إلى باطن التلاوة، ويَرَوْن أنهم يُساوُون السلف في العلم بالكتاب، طعنًا بذلك على إخوان المصطفى، الذين فارقهم على الصدق والوفا، والطهارة والتُّقى، ولو أخذوا ذلك عن من شاهد الوحي، ونزل القرآن بلغته، لكانت هذه الطائفة قد سلكت سبيل الصواب، وصادفت سديد الجواب، ولعلمت أن عقول من تقدمهم تُربي على عقولهم، وأفهامهم تزيد على أفهامهم، ولكنهم لما خالطوا أهل الكلام، وجانبوا الورع، وصار القصدُ الغلبةَ بالجدل المحض، منعهم اللَّه التوفيق، وحاد بهم عن الطريق.\n_________\n(^١) جزء من حديث رواه الإمام أحمد برقم ١٨٤٢ و٢٤٤٧، والحاكم (٢/ ٣٢١)، كتاب التفسير، تفسير سورة الأعراف، عن ابن عباس -﵁-.\n(^٢) سياقه يدل على أنه حديث، لكن لم أظفر به.","vol":"1","page":67},{"text":"ومن أعجب ذلك أنَّ قائلَهم يقول: إن القرآن على ظاهره إلا أن يقوم الدليل، وهذا قول الخوارج الذين كان أوَّلهم بالنَّهْرَوان، أخبر رسول اللَّه -ﷺ- عليًّا ﵀ أنه يقاتلهم على تأويله كما قاتل هو -ﷺ- على تنزيله.\nقال القاضي: والقرآن كله قد أُحكم، وعُرفت أحكامه، فما أُخِّر بيانُه عن الحاجة إليه، فقد بيَّن ما أراد اللَّه به من عموم وخصوص، وظاهر وباطن، وغير ذلك من وجوهه وتصرفاته، ولم يوقف فلا يعمل به على من يأتي بعد مائتين وثلاثمائة سنة فيبيِّنه، حتى يضع كتبًا يقول فيها: البيان الأول، والثاني والثالث من البيان (^١)، وهذا ما لا يجوز أن يُقْدم عليه إلا جبريل ﵇ عن اللَّه ﷿، بل قد عمل به السلف، واتبعهم على ذلك الثاني والثالث من الخلف، وهم عارفون بأقدارهم، مقتدون بهم، وكفى برجل نقصًا أن يرى أنه قد عَلِم من كتاب اللَّه ﷿ ما قصر عن علمه الصحابة والتابعون، أو يرى أنه فوقهم علمًا وفهمًا، أو يظن أنه مثلُهم، لقد خاب وخسر.\nقال القاضي: فالحمد للَّه الذي بصَّرنا خطأ المخطِئين، وسوء موقف من عَنَد عن الدين، ولم يَلِجوا في أمرهم إلى يقين.\nأما بعد، -وفقنا اللَّه وإياكم للصواب والسداد والرشاد- فإني اختصرت في كتابي هذا أحكامَ القرآن ليَقْرُب من فهم المتعلم، طلبًا لعظيم الأجر، وجزيل الذُّخْر، إذ كان عمادَ الدين، لم أعْدُ فيه عن السُّنة وقولِ السَّلف، وما تُوجِبُه اللغة التي نزل القرآن بها.\n* * *\n_________\n(^١) هو صنيع الإمام الشافعي -﵁- في الرسالة.","vol":"1","page":68},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-30>[البسملة وسورة الفاتحة]</span>\nقال أبو عبيدة معمر بن المثنى بن ربيعة: ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾ إنما هو باللَّه (^١).\nقال لبيد بن ربيعة:\nإلى الحَوْل ثم اسمُ السلامِ عليكما ... ومن يَبْكِ حَوْلًا كاملًا فقد اعتذر (^٢)\n﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٧] أي: تأليفه، ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ﴾ [القيامة: ١٨]: أي: جمعناه، وقال اللَّه ﷿: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٥].\n﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ وُضِعت لافتتاح السور، وللفصل بين السورتين، وليست من القرآن، إلا في سورة النمل فإنها بعض آية، والدليل على ذلك أن رسول اللَّه -ﷺ- كان لا يقرؤها في افتتاح أم الكتاب، قالت عائشة، وأنس -﵄-: كان النبي -ﷺ- يستفتح الصلاة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢].\nوزاد فيه أنس: وأبو بكر وعمر وعثمان -﵃- (^٣)، يعني في خلافتهم.\nوقال حُمَيد، عن أنس: صلَّيْتُ خلف رسول اللَّه -ﷺ- وأبي بكر وعمر وعثمان فما سمعت أحدًا منهم قرأ في صلاته: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ (^٤).\n_________\n(^١) في الأصل: اللَّه، والتصويب من مجاز القرآن (١/ ١٦).\n(^٢) شرح ديوان لبيد جمع إحسان عباس (ص ٢١٤).\n(^٣) حديث أنس متفق عليه، رواه البخاري برقم ٧٤٣، كتاب الأذان، باب: ما يقول بعد التكبير، ومسلم (٢/ ١٢)، كتاب الصلاة، باب: حجة من قال: لا يجهر بالبسملة.\n(^٤) رواه مالك في الموطأ برواية يحيى برقم ٢١٤، كتاب الصلاة، العمل في القراءة.","vol":"1","page":69},{"text":"ورواه أيضًا يزيد بن زُرَيْع، عن قتادة عن أنس (^١).\nومن ذلك قول النبي -ﷺ- لأُبَيّ بن كعب: \"لأعلِّمنك (^٢) سورةً ما أُنْزِل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور مِثْلُها\"، فلما دنا من الخروج من المسجد قال له أُبَيّ: يا رسول اللَّه، السورةُ التي تعلمني، قال: \"كيف تقرأ أم القرآن؟ \"، قلت: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ حتى ختمتُها، فقال النبي -ﷺ-: \"هي هذه، وهي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيتُ\" (^٣).\nوقال أبو هريرة عن النبي -ﷺ-: \"يقول اللَّه ﵎: قسمتُ الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فنصفها لي ونصفها لعبدي، يقول العبد: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، أقول: حمِدَني عبدي، يقول: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، أقول: أثنى عليَّ عبدي، يقول: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، أقول: مجَّدَني عبدي، يقول: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، فهذه بيني وبين عبدي، يقول العبد: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فهؤلاء لعبدي ولعبدي ما سأل\" (^٤).\nفقد عدَّها اللَّه سبعًا فقال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ [الحجر: ٨٧]، وقال رسول اللَّه -ﷺ-: \"إن اللَّه قسمها بينه وبين عبده نصفين، فجعل نصفها له ثلاث آيات، وآية بينه وبين عبده، وثلاث آيات جعلها لعبده\".\n_________\n(^١) رواية هذا الحديث عن قتادة استقصاها ابن عبد البر في الإنصاف (ص ١٧٢ - ١٧٥) (ضمن الجزء الثاني من مجموعة الرسائل المنيرية)، ولم ترد فيها رواية ابن زُرَيْع.\n(^٢) على هامش الأصل: لأعلمنكم، وفوقها خ دلالة على أنها كذلك في نسخة أخرى.\n(^٣) رواه البخاري برقم ٤٤٧٤، التفسير، باب ما جاء في سورة الفاتحة، باختلاف يَسير في اللفظ.\n(^٤) رواه مالك في الموطأ برواية يحيى، برقم ٢٢٤، كتاب الصلاة، القراءة خلف الإمام فيما لا يجهر فيه بالقراءة، ومسلم (٢/ ٩)، كتاب الصلاة، باب: وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة.","vol":"1","page":70},{"text":"ثم فرَضَها في الصلاة فلا تجوز الصلاة إلا بها، وقال النبي -ﷺ-: \"كل صلاة لا يقرأ فيها بأم القرآن فهي خِداج\" (^١)، والخِداج عند أهل اللسان (^٢): الناقص، فقد يحتمل أن يكون نقصًا يبطل الصلاة، ويحتمل ألا يُبْطِلَها، فأتى البيان عنه -ﷺ-، إذ كانت قراءتها من فرائض الصلاة بأن قال: \"من لم يقرأها فلا صلاة له\" (^٣)، فجاء البيان شافيًا.\nوذلك خِطاب للمنفرد، فأما المأموم فغير مخاطب بذلك، بل خاطبه اللَّه تعالى بالاستماع لقراءة الإمام والإنصات له، وقال (^٤) النبي -ﷺ-: \"وإذا قرأ الإمام فأنصتوا\" (^٥)، وأمَرَهم -ﷺ- بما ينوب عن قراءتهم فقال: \"قولوا آمين، فإن من\n_________\n(^١) جزء من حديث رواه مالك في الموطأ رواية يحيى، برقم ٢٢٤، كتاب الصلاة، القراءة خلف الإمام فيما لا يجهر فيه بالقراءة، ومسلم (٩١٢)، كتاب الصلاة، باب: وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة، عن أبي هريرة -﵁-.\n(^٢) في هامش الأصل: اللغة.\n(^٣) متفق عليه من حديث عُبادة بن الصامت -﵁-، رواه البخاري برقم ٧٥٦، كتاب الأذان، باب: وجوب القراءة للإمام والمأموم، ومسلم (٢/ ٨ - ٩)، كتاب الصلاة، باب: وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة، بلفظ: \"لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب\".\n(^٤) في الأصل: وقال، ولا موجب للواو.\n(^٥) رواه بهذا اللفظ أحمد، برقم ١٩٧٢٣، وابن ماجه برقم ٨٤٧، أبواب إقامة الصلوات والسنة فيها، باب إذا قرأ الإمام فأنصتوا، ورواه بلفظ: \"إنما جُعل الإمام ليؤتم به. . . وإذا قرأ فأنصتوا. . . \"، وأبو داود برقم ٦٠٤، كتاب الصلاة، باب: الإمام يصلي من قعود، والنسائي برقم ٩٢١ و٩٢٢، كتاب الافتتاح، تأويل قوله ﷿: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾، عن أبي هريرة -﵁-، وضعف أبو داود لفظة: \"وإذا قرأ فأنصتوا\" عقب روايتها، لكن مسلمًا صححها في صحيحه (٢/ ١٥)، كتاب الصلاة، باب: التشهد في الصلاة.","vol":"1","page":71},{"text":"وافق تأمينه تأمين الملائكة غُفِر له ما تَقَدَّمَ من ذَنْبِه\" (^١)، فجعلهم بالتأمين مشاركين للإمام في قراءته ودعائه، ألا ترى اللَّه ﷿ قال: ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾، قال اللَّه تعالى: ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾ [يونس: ٨٨ - ٨٩]، وإنما دعا موسى وأمَّن هارون فصارا داعِيَيْن، فلما أُمرنا بالإنصات عُوِّضْنا التأمينَ رحمة من اللَّه لنا، ألا ترى أبا هريرة -﵁- يقول: \"فانتهى الناس عن القراءة فيما جهر فيه رسول اللَّه -ﷺ-\" (^٢).\nفأما قول أبي هريرة -﵁-: \"اقرأ بها في نفسك يا فارسي\" (^٣)، فإنما أمره بها في الصلاة التي يُخافَت فيها.\nوالقراءة في النَّفْس عَرْضٌ على القلب، ليُشْغِل النَّفْسَ عن الوسوسة بعرضه القرآنَ عليها من غير أن ينطق به اللسان.\nفإن احتج محتج أن ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ من أم الكتاب لأنها مثْبَتة في المصحف، قيل له: فقل: إنها من كل سورة، ولم يَقُله أحد تَقَدَّم، فإن حَمَل نفسَه على قوله فقال: آية من كل سورة لأنه مُثْبَت في أوائل السور.\n_________\n(^١) متفق عليه من حديث أبي هريرة -﵁-، رواه مالك في الموطأ برواية يحيى من طرق وبألفاظ متعددة، كتاب الصلاة، باب: ما جاء في التأمين خلف الإمام، ومثله البخاري، في كتاب الأذان، أبواب جهر الإمام بالتأمين، وفضل التأمين، وجهر المأموم بالتأمين، ومسلم في الصلاة، باب: التسميع والتحميد والتأمين.\n(^٢) رواه أبو داود برقم ٨٢٢، كتاب الصلاة، باب: من رأى القراءة إذا لم يجهر، وفي نسخ أخرى: باب: من كره القراءة بفاتحة الكتاب إذا جهر الإمام، والنسائي برقم ٩١٩، كتاب الاستفتاح، باب: ترك القراءة خلف الإمام فيما جهر به.\n(^٣) من حديث: \"قسمت الصلاة بيني وبين عبدي. . . \"، تقدم تخريجه قريبًا.","vol":"1","page":72},{"text":"قيل له: القرآن ليس يؤخذ بالروايات، ولو أخذ بالروايات لأدخل أهلُ الزَّيغْ فيه شيئًا كثيرًا، وإنما يؤخذ بالإجماع وأخذِ الكافّة عن الكافّة، فما أجمعوا عليه مما بين الدَّفَّتَين أنه قرآن فهو قرآن، وما اختلفوا فيه فليس من القرآن، إذ تَضَمَّن اللَّه ﷿ لنا حِفْظَ القرآن علينا، فقال ﵎: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]، فهو ما حَفِظَ اللَّهُ بالكافَّة علينا دون ما اختُلف فيه، فقد نجد بين الدفتين ما ليس من القرآن من قولهم: سورة كذا كذا وكذا آية.\nوإنما كان نزَّل ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ليفصل به بين السّوَر، فخرج هذا مع تسمية السُّوَر عن أن يكون قرآنًا، إذ لا إجماعَ عليه فيكون مما حفظه اللَّه علينا.\nواحتجاجُهم بأنها في الصحف عليهم، لأن كُتّاب المصاحف كُلَّهم قد ذكروا العدد فأخرجوها من كل سورة، والقراء كُلُّهم عَدّوا في التلاوة فأخرجوها من العدد، والحجة في ذلك تطول وقصدُنا الاختصار.\nوالقرآن: اسم كتاب اللَّه، لا يسمى به غيره، وسمي أيضًا الفرقان، لأنه يُفَرِّق بين الحق والباطل، وبين المؤمن والكافر، لأنه جمع السور، وسميت السورة لأنها مقطوعة من الأخرى، فلما قرن بعضها إلى بعض سمي قرآنًا، وسمي سورة، فمنهم من يقول: منزلة شرف، ومنهم من يقول: قطعة من القرآن. قال النابغة الذبياني:\nألم تَرَ أن اللَّه أعطاك سورة ... تَرَى كل ملك دونها يتذبذب (^١)\nوقال الراعي:\n_________\n(^١) ديوان النابغة (ص ٧٣).","vol":"1","page":73},{"text":"هنّ الحرائر لا رَبّاتُ أَخْمِرَةٍ ... سُودُ المَحاجِرِ لا يَقرأن بالسُّوَر (^١)\nوقال جرير:\nلَمّا أتى خَبَرُ الزبير تواضعت ... سُوَر المدينة والجبال الخُشَّع (^٢)\n* * *\n_________\n(^١) ديوان الراعي النميري (ص ١٢٢).\n(^٢) مجاز القرآن (١/ ١٩٧).","vol":"1","page":74},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-31>سورة البقرة</span>","vol":"1","page":75},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-32>٦٧ - قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-33>[السُّنة في الذَّكاة]</span>\nالسُّنة في البقر الذبح بكتاب اللَّه تعالى، ويجوز فيها النحر لقرب المنحر من المذبح، وأنه لا تعذيب فيها، ولما رواه عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة -﵂- أن النبي -ﷺ- نحر عن نسائه البقر (^١).\nوالسُّنة في الإبل النحر لا يجوز سواه، وفي الغنم الذبح لا يجوز سواه، لأن العدول عن هذا لا يكون إلا قصدًا للتعذيب، لأن البعير إذا ذبح طول عليه الميتة، والشاة مع القدرة عليها تُسَيِّر الموتة إذا عدل عن الذبح إلى النحر، فذلك قصد اللعب ومخالفة السُّنة، ومن قصد لمخالفة السُّنة والتلعب لم تؤكل ذبيحته، واللَّه نسأل التوفيق برحمته.\n* * *\n_________\n(^١) رواه مالك في الموطإ برواية يحيى برقم ١١٦٧، كتاب الحج، باب: ما جاء في النحر في الحج، والبخاري برقم ١٧٠٩، كتاب الحج، باب: ذبح الرجل البقر عن نسائه من غير أمرهن، عن عائشة -﵂- قالت: خرجنا مع رسول اللَّه -ﷺ- لخمس ليال بَقِين من ذي القعدة، ولا نرى إلا أنه الحج، فلما دَنَوْنا من مكة أمر رسول اللَّه -ﷺ- من لم يكن معه هَدْيٌ، إذا طاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة أن يَحِل، قالت عائشة: فدخل علينا يومَ النحر بلحم بقر فقلت: ما هذا؟ فقالوا: نحرُ رسول اللَّه -ﷺ- عن أزواجه.","vol":"1","page":77},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-34>١٠٢ - قال اللَّه ﵎: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾ إلى قوله ﴿مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-35>[حدُّ الساحر]</span>\nقال أبو مصعب عن مالك بن أنس في الساحر: إذا سَحَر قُتل، وذلك السحر الذي ذكر اللَّه في كتابه فقال: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ [البقرة: ١٠٢] (^١).\nوهذا الذي يُقتل عندنا هو الذي يَسحَر بنفسه، لا من يُعطي الأجرةَ مَن يسحر له، لأنه إذا سحر بنفسه فقد كفر، ألا ترى إلى قوله: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ [البقرة: ١٠٢]، والمسلم إذا كفر كفرًا هو مُسْتَسِرٌّ به قتل ولم يُستتب، وإذا كفر كفرًا أظهره استتيب، فإن تاب وإلا قُتل، والساحر مُسْتَسِرٌّ بكفره كالزنديق.\nوالزنديق عندنا من أظهر الإسلام وأبطن الكفر، أيَّ كفر كان من عبادة وثن، أو قول بالدَّهْر، أو يهودية، أو نصرانية، أو بأي شيء كان منه، فهو كفر اسْتَسَرَّ به، فهو والساحر لاسْتِسْرارِهما بكفرهما يقتلان ولا يستتابان (^٢).\n_________\n(^١) الموطأ برواية أبي مصعب برقم ٢٩٨٥، باب: القضاء في السحرة، وفيه: \". . . في الساحر إذا سحر نفسه. . . \".\n(^٢) في الأصل: يستتابا.","vol":"1","page":78},{"text":"والمرتد هو المظهر لكفره، فهذا يستتاب، ألا ترى اللَّهَ لم ﵎ لم يجعل التوبة للسارق والزاني بمُسقط عنهما الحدَّ، وجعل التوبة للمحارب مسقطة للحد فقال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٤].\nفلما كان الزاني والسارق يَسْتَسِرّان بفعلهما لم يجز العفو عن حدِّهما، وجاز العفو عن من أظهر فعله، لأن المُسْتَسِرَّ بفعله تأسِره البيِّنة، فلو جعلت له التوبة لكان يقولها من غير نية، ولو أرادها لأتى قبل أن يُؤْسَر فقال: كنتُ على كذا وقد تُبْت، فيكون كأنه رجل كفر وأظهر كفره.\nوإنما توبته بعد الأسر إرادةُ إزالة الحد عن نفسه، ألا ترى اللَّه ﷿ إذ يقول: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ﴾ [غافر: ٨٥] فلو قُبِلت توبته كثرت الزنادقة، وأمنوا العقوبة بكلمة يقولها إذا رأى السيف، ثم يعود مُسْتَسرًّا بفعله، والمظهر لكفره لا يعود لإظهاره إذ لنا من الناس ما ظهر، ولذلك ما قال مالك -﵁- إن القاتل غِيلة لا سبيل إلى العفو عنه.\nفإن قال قائل: ليس في الآية ما يوجب القتل على الساحر.\nقيل له: قِلَّة تبحرك في العلم، وتركك لتدبر ما أنزل اللَّه ﷿ أورثك هذا.\nقال اللَّه ﵎: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ﴾ [التوبة: ١١١]، وقال النبي","vol":"1","page":79},{"text":"-ﷺ-: \"أرواح الشهداء تَسْرح في الجنة في حواصل طير خضر\" (^١) اشترى منهم أنفسهم بالجنة.\nوقال ﵎ في الساحر: ﴿وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾ [البقرة: ١٠٢]، وإنما باعوا أنفسهم للقتل بالسحر الذي فعلوه، وقال في قصة يوسف ﵇: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾ [يوسف: ٢٠]، وإنما باعوه بثمن بخس.\nفقد أخبرنا اللَّه ﷿ أن السحر يوجب القتل وإن لم يقتل بسحره، لأن الذي يوجبُ له الاسمَ الفعلُ، ألا تراه قال: ﴿سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ﴾ [الأعراف: ١١٦]، وكذلك قال في المحارب: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ. . .﴾ [المائدة: ٣٣] إلى آخر الآية، وذلك فيمن فعل ذلك قبل أن يَقْتُلَ أو يأخذ المال، فإذا فعل ذلك فهو الذي لا يجوز عنه العفو بالتوبة قبل القدرة، إذ القصاص لا بدَّ منه.\nقال القاضي -﵁-: ونحن نتكلم في هذه الآية في موضعها بما يوفق اللَّه له.\n١ - أخبرنا إسماعيل بن إسحاق، قال: أخبرنا إبراهيم بن حمزة، قال: أخبرنا عبد العزيز بن محمد، عن عبيد اللَّه بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر -﵁-، أن جارية لحفصة سحرت حفصة، فوجدوا سحرها، واعترفت على\n_________\n(^١) رواه مسلم: (٦/ ٣٨ - ٣٩)، كتاب الإمارة، باب: في بيان أن أرواح الشهداء في الجنة، والترمذي برقم ٣٠١١، أبواب التفسير، باب: ومن سورة آل عمران، عن عبد اللَّه بن مسعود أنه سئل عن قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾، فقال: أمَا إنا قد سألنا عن ذلك، فأُخبرنا أن أرواحهم في طير خضر تسرح في الجنة حيث شاءت، وتأوي إلى قناديل معلقة بالعرش. . . \".","vol":"1","page":80},{"text":"نفسها، فأمرت حفصةُ عبدَ الرحمن بن زيد بن الخطاب بقتلها، فبلغ ذلك عثمان -﵁- فأنكره، فأتاه ابن عمر فقال: إنها سحرَتها ووجدوا سحرَها، واعترفت على نفسها. فكأن عثمانَ -﵁- أنكر عليها ما فعلت دون السلطان (^١).\nورواه حماد عن عبيد اللَّه عن نافع عن ابن عمر، وفي الباب أحاديث يطول ذكرها.\nوقد ذكر حماد بن سلمة، عن سعيد الجريري، عن أبي العلاء، أن النبي -ﷺ- جعل يرتجز وهو يقول: \"جندب وما جندب والأقطع الخبر\"، فلما أصبح قالوا: يا رسول اللَّه، وما جندب والأقطع؟ فقال: \"أما جندب فرجل من أمتي يضرب ضربة يبعث بها أمة وحده يوم القيامة، وأما الأقطع فرجل تقطع يده فتدخل الجنة قبل جسده ببرهة من الدهر\". فكانوا يرون الأقطعَ زيدَ بنَ صوحان، قُطِعت يدُه يومَ اليرموك، وقيل: يومَ الجمل، وأما جندب فهو الذي قتل الساحر (^٢).\nوجندب إنما رأى ساحرًا يُري الناس أنه دخل في بقرة ثم خرج منها، فقتله وما كان قتل، فجعله اللَّه أمة وحده بذلك.\nوممن رأى قتل الساحر عثمانُ، وابن عمر، وحفصة، وقيس بن سعد، وخالد بن المهاجر، وعمر بن عبد العزيز، وسالم بن عبد اللَّه، في جمع كثير.\n* * *\n_________\n(^١) رواه ابن أبي شيبة برقم ٢٨٤٩١ كتاب الديات باب: الدم يقضي فيه الأمراء، وعبد الرزاق: ١٨٧٤٧، باب قتل الساحر، والطبراني في الكبير: وغيرهم، ورواه مالك عن محمد بن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة بلاغًا عن حفصة ٢٥٥٣.\n(^٢) أخرجه ابن حزم في المحلى: (١١/ ٣٩٦)، من طريق إسماعيل القاضي.","vol":"1","page":81},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-36>١٠٦ - قال اللَّه ﵎: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾</span>\nمن قرأ: نُنْسِها وأسقط الألف جعلها من النسيان، ومن قرأ: نَنْسأها وأثبت الألفَ فإنه جعلها من التأخير، كأنه أراد: ونؤخِّرها، فأثبت الألف لأنها همزة أُسكنت الحركة منها لموضع الجزم، وبقيت الهمزة ساكنة فكتبت ألفًا، لأنه يقال: نَسَأْتُ الشيء أي: أخَّرْته، قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ [التوبة: ٣٧]، وإنما كانوا إذا أرادوا قتالًا في شهر حرام حرموا غيره وقاتلوا فيه.\nقرأ القاسم بن ربيعة على سعد بن أبي وقاص: ما ننسخ من آية أو ننسأها، وذكر أن سعيد بن المسيب يقرأ ذلك، فقال سعد: إن القرآن لم ينزل على المسيب ولا على آل المسيب، قال اللَّه تعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى﴾ [الأعلى: ٦]، ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ [الكهف: ٢٤] (^١).\n_________\n(^١) رواه ابن جرير (١/ ٥٢٢ و٥٢٣)، لكن فيه أن قراءة ابن المسيب: (تُنسها) بضم التاء، وأورده السيوطي في الدر المنثور (١/ ٢٥٥)، وعزاه لعبد الرزاق، وسعيد بن منصور، وأبي داود في ناسخه، وابنه في المصاحف، والنسائي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم، لكنه أثبت فيه أن قراءة ابن المسيب: (ننسها)، وأخرج هذا الأثر الحاكم في المستدرك (٢/ ٥٢١)، كتاب التفسير، تفسير سورة ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ أيضًا بخلاف ما عزاه إليه السيوطي، وفيه أن قراءة ابن المسيب: (ننساها)، وهي الموافِقَةُ لما أورده المصنف، واللَّه أعلم.","vol":"1","page":82},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-37>[نسْخ القرآن]</span>\nقال القاضي -﵁-: ﴿مَا نَنْسَخْ﴾: نسخُ الآية بالآية وهي باقية في القراءة، وقد قال بعضهم: كان اللَّه ينسي نبيه ما يشاء وينسخ ما يشاء (^١)، فمن قرأها من التابعين: ننسأها، يريد: نؤخرها، ومن قرأها: نُنْسِها، يريد يُنْسي نبيَّه قراءتها.\nوقوله: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا﴾ لكم، يريد: أيسر عليكم وأخف، أو مثلها في التكليف وزيادة في الثواب، لأن القرآن كلٌّ خير، ليس في كلام اللَّه ما ينقض بعضه عن بعض، وإنما معناه خير لكم، واللَّه أعلم.\nوقال بعض المفسرين: ﴿أَوْ مِثْلِهَا﴾ أو مثلها يريد: أو سواها، واستشهدوا بقول حسان -﵁-:\nيا وَيْحَ أنصارِ النبيِّ ونَسْلِهِ ... بَعْدَ المُغَيَّبِ في سواءِ المسجدِ (^٢)\n* * *\n_________\n(^١) هو قتادة، رواه عنه ابن جرير (١/ ٥٢٢) في تفسيره للآية.\n(^٢) ديوان حسان: (١/ ٢٦٩)، وفيه: رهطه بدل: نسله، والمُلحد بدل: المسجد، وفي هامش الأصل: يعني عمر ﵁.","vol":"1","page":83},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-38>١١٥ - قوله ﵎: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-39>[سبب النزول]</span>\nقال ابن عمر، -رواه سعيد بن جبير عنه-، أن النبي -ﷺ- كان يصلي على راحلته، وهو مقبل من مكة إلى المدينة حيث توجَّهت به، وفيه أنزلت ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ (^١).\nوقال قتادة: وزيد بن أسم: إن ذلك نزل في صلاة رسول اللَّه -ﷺ- إلى بيت المقدس، إلى أن حُوِّلت القبلة إلى الكعبة.\nوقال علي بن سابط: ومجاهد: قبلة اللَّه (^٢).\nويجوز أن تكون الآية نزلت في الجميع، ألا تراه ﷿ يقول: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة: ١٤٢].\n* * *\n_________\n(^١) رواه الإمام أحمد برقم ٤٧١٤، والترمذي برقم ٢٩٥٨، أبواب التفسير، باب: ومن سورة البقرة، وقال: حديث حسن صحيح.\n(^٢) الرواية عن مجاهد عند ابن جرير (٥٥٣١١) في تفسير الآية، وروي عن ابن عباس -﵁- عند ابن أبي حاتم (١/ ٢١٢).","vol":"1","page":84},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-40>١٤٤ - قوله ﷿: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾</span>\n٢ - أخبرنا إسماعيل قال: أخبرنا يحيى بن عبد الحميد، قال: أخبرنا أبو بكر بن عياش، عن أبي إسحاق، عن البراء قال: صلى رسول اللَّه -ﷺ- إلى بيت المقدس بعد مَقدمه المدينة ستة عشر شهرًا، فأنزل اللَّه: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ إلى آخر الآية، قال البراء: فمرَّ علينا شاب، فقال: إن اللَّه قد صرف نبيه إلى القبلة، وقد صلينا ركعتين، فانصرفنا فصلينا ركعتين إلى القبلة (^١).\nقال القاضي -﵁-: وكان النبي صلى اللَّه عليه يحب أن يصرفه اللَّه إلى الكعبة حتى صرفه اللَّه إليها، وقال له: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾.\nوأما قوله: ﴿شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ فالشطر هاهنا: تلقاءه، قِبَلَه، قال ذلك: علي -﵁-، والبراء، وأبو العاليه (^٢). وقال مجاهد: نَحْوَه. وقتادة، وزيد بن أسلم: قَصْدَه.\n_________\n(^١) متفق عليه، رواه البخاري برقم ٤٤٨٦، كتاب: التفسير، باب: قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ﴾، ومسلم (٢/ ٦٥ - ٦٦)، كتاب: المساجد ومواضع الصلاة، باب: تحويل القبلة من القدس إلى الكعبة، بألفاظ مختلفة.\n(^٢) الرواية عن علي -﵁- أخرجها ابن أبي حاتم (١/ ٢٥٤)، والرواية عن البراء أخرجها ابن جرير (٢/ ٢٤)، وابن أبي حاتم (١/ ٢٥٤)، وعن أبي العالية أخرجها ابن جرير (٢/ ٢٣)، وابن أبي حاتم (١/ ٢٥٤) كما روي نحو هذا القول عن ابن عباس -﵄- من الصحابة، وعن مجاهد، وقتادة، والربيع، وسعيد بن جبير، وعكرمة، وابن زيد، انظر المصادر السابقة.","vol":"1","page":85},{"text":"وأنشدنا لابن أحمر:\nتعْدو (^١) بنا شطْر جَمْعٍ وهْي عاقدةٌ ... قد كادت العقدُ من إيفادها الحقبا (^٢)\nمن إيفادها يعني: سرعتها. قال لقيط:\nوقد أَظَلّكم من شطْرِ ثَغْرِكمُ ... هَوْلٌ له ظَلَمٌ يَغْشاكُمُ قِطَعًا (^٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-41>[الإيمان قول وعمل]</span>\nوقد سمى اللَّه تعالى الصلاة إيمانًا، وإن الإيمان قول وعمل.\nقال القاضي بكر: ومما يقوِّي أن الإيمان قول وعمل قوله ﷿: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ [الإسراء: ١٩] إلى آخر الآية.\nوالإرادةُ: النيةُ، والسعيُ: العملُ، وهو مؤمنٌ: مقرٌ.\n٣ - حدثنا إبراهيم بن حماد قال: حدثنا إسماعيل قال: أخبرنا يحيى بن عبد الحميد، قال: أخبرنا شريك، عن أبي إسحاق، عن البراء: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ قال: صلاتكم إلى بيت المقدس (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-42>[سبب نزول: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ</span>. . .﴾]\n٤ - قال إسماعيل: أخبرنا محمد بن أبي بكر، قال: أخبرنا مؤمل بن إسماعيل، عن إسرائيل، عن سِماك، عن عكرمة، عن ابن عباس -﵁- قالوا: يا رسول اللَّه، أرأيت الذين ماتوا وهم يصلون إلى بيت المقدس؟ فنزلت: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ (^٥).\n_________\n(^١) في الأصل: تعدوا.\n(^٢) ديوان ابن أحمر (ص ٤٣)، وفيه: . . . وهي موفدة. . . قد قارب العقد. . .\n(^٣) ديوان لقيط (ص ٤٣)، وفيه بدل يغشاكم: تغشاكم، بعود الضمير على الظلم.\n(^٤) رواه ابن جرير (٢/ ١٩)، وابن أبي حاتم (١/ ٢٥١ - ٢٥٢).\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد برقم ٢٧٧٥، والدارمي برقم ١٢٧١، كتاب: الصلاة، باب: في تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة، وابن جرير (٢/ ١٩).","vol":"1","page":86},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-43>١٥٨ - قال اللَّه ﵎: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-44>[سبب النزول]</span>\n٥ - قال إسماعيل: أخبرنا إبراهيم بن حمزة، قال: أخبرنا إبراهيم بن سعيد، عن ابن شهاب، عن عروة قال: قلت لعائشة -﵂-: قول اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ إلى آخر الآية ما على أحد من جُناح ألا يطوف بهما، قال: قالت عائشة -﵂-: بئس ما قلت يا ابن أختي، إنها لو كانت على ما أوَّلتَها لكانت: \"فلا جناح عليه ألا يطَّوف بهما\"، إنما كان هذا الحيّ من الأنصار قبل أن يُسلموا يُهِلُّون بمَناة الطاغية التي كانوا يعبدون عند المُشَلَّل (^١)، وكان من أَهَلَّ لها يتحرج أن يطوف بالصفا والمروة، فلما أسلموا سألوا رسول اللَّه -ﷺ- عن ذلك فقالوا: يا رسول اللَّه، إنا كنا نتحرج أن نطوف بالصفا والمروة، فأنزل اللَّه ﷿: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾، قالت: ثم سَنَّ رسول اللَّه -ﷺ- الطواف بهما، فليس ينبغي لأحد أن يدع الطواف بهما.\n_________\n(^١) المُشَلّل: بضم الميم وفتح الشين المعجمة، موضع شمال مكة، في الطريق بين مكة والمدينة، وقرب قديد، كان فيه الصنم مَنَاة، انظر مشارق الأنوار (١/ ٣٩٥)، وأطلس القرآن لشوقي أبو خليل (ص ١٩٠).","vol":"1","page":87},{"text":"قال ابن شهاب: فذكرت حديث عُروة لأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث (^١) بن هشام فقال: واللَّه إن هذا العِلمَ ما سمعتُ به، ولقد سمعت رجالًا يذكرون أن من كان يُهِلُّ بمَناة الطاغية كلُّهم كانوا يطوفون بالصفا والمروة، فلما أمر اللَّه ﷿ بالطواف بالبيت ولم يذكر الصفا والمروة قالوا: يا رسول اللَّه، إنا كنا نطوف في الجاهلية بالصفا والمروة، فتحرَّجنا في الإسلام أن نَّطَّوف بهما من أجل أن اللَّه ﷿ أمر بالطواف بالبيت، ولم يأمر بالطواف بالصفا والمروة معه، حتى أنزل اللَّه ﷿: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾، قال أبو بكر بن عبد الرحمن: فالآية قد أُنزلت في الفريقين جميعًا الذين كانوا يتحرَّجون في الجاهلية، والذين كانوا يتحرَّجون في الإسلام (^٢). وقال مجاهد والشعبي وأنس مثل ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-45>[السَّعي بين الصفا والمروة]</span>\nقال القاضي -﵁-: فأَعْلَم اللَّه ﵎ عباده أنها من شعائر اللَّه، وأنه لا جُناح على من كان يتحرَّج، فثبت الطواف بهما لأنهما من الشعائر.\nقال النبي -ﷺ-: \"خذوا عني مناسككم\" (^٣)، وإنما أخذ النبي -ﷺ- مناسك إبراهيم ﵇، وقد تطوَّف بهما، وتطوَّف المسلمون بهما، وثبت الطواف بهما، وصار واجبًا ليس لأحد تركه، وهو من فرائض الحج، واللَّه أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) هو المدني، انظر تقريب التهذيب (ص ٦٢٣)، رقم الترجمة ٧٩٧٦.\n(^٢) متفق عليه، رواه البخاري برقم ١٦٤٣، كتاب: الحج، باب: وجوب الصفا والمروة، ومسلم (٤/ ٦٩)، كتاب: الحج، باب: بيان أن السعي بين الصفا والمروة رُكْن.\n(^٣) شطر حديث رواه مسلم (٤/ ٧٩)، كتاب الحج، باب استحباب رمي جمرة العقبة، من حديث جابر -﵁- بلفظ: \"لتأخذوا مناسككم. . . \".","vol":"1","page":88},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-46>١٧٣ - قوله ﵎: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-47>[لمن تحل الميتة</span>؟]\nقال مجاهد: غير باغٍ على المسلمين ولا عادٍ عليهم، فمن خرج يقطع الطريق أو في معصية اللَّه فاضطر إلى الميتة لم تحلَّ له، وإنما تحلُّ لمن خرج في طاعة اللَّه (^١).\nوقال سعيد بن جبير مثل ذلك (^٢). وقال ابن عباس: غير باغٍ في الميتة، ولا عادٍ في الأكل (^٣). وقال الحسن مثل ذلك (^٤).\nقال القاضي بكر ﵀: وأرجو أن تكون الرخصة للجميع، لأن الذي خرج في معصية اللَّه قد مضى فعله، فقتلُه نفسَه معصيةٌ ثانية لا نأمره بها، وهو في سَعة من أن يحييَ نفسَه.\nقال مسروق: ومن اضطر إلى الميتة فلم يأكل فمات، دخل النار (^٥).\n_________\n(^١) رواه ابن جرير (٢/ ٩١ - ٩٢)، وابن أبي حاتم (١/ ٢٨٣).\n(^٢) رواه ابن جرير (٢/ ٩١ - ٩٢)، وابن أبي حاتم (١/ ٢٨٤).\n(^٣) رواه ابن أبي حاتم (١/ ٢٨٤).\n(^٤) رواه ابن جرير (٢/ ٩٢).\n(^٥) رواه عبد الرزاق، عن معمر بن راشد في جامعه الملحق بمصنف عبد الرزاق =","vol":"1","page":89},{"text":"وقال مالك بن أنس: من اضطر إلى الميتة أكل شِبَعه (^١)، وتابعه جماعة من التابعين.\nوقال آخرون: يأكل ما يقيم الرَّمَق (^٢)، وقالوا: ذلك له حلال.\nقال القاضي ﵀: فأما ذكر الحلال فلا وجه له، لأن العين لا تنتقل من التحريم إلى التحليل، هي محرَّمةُ العَيْن مباحةُ الأكل لمن اضطر إليها، ألا ترى إلى قوله: ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، فما عُفِي عنه وَغُفِر وأُزيل فيه المأثم، خارج عن المحللات إلى الإباحة بالشرط، فإذا وقعت الإباحة كان الشِّبَع حلالًا، واللَّه أعلم.\n* * *\n_________\n= (١٠/ ٤١٣)، ومن طريقهم البيهقي في السنن الكبرى برقم ١٩٦٧٤، جماع أبواب ما لا يحل أكله، باب: ما يحل من الميتة بالضرورة.\n(^١) في الموطأ برواية يحيى برقم ١٤٣٩، كتاب: الصيد، ما جاء فيمن يضطر إلى أكل الميتة، عن مالك: أن أحسن ما سمع في الرجل يضطر إلى الميتة: أنه يأكل منها حتى يشبع، ويتزود منها، فإن وجد عنها غنًى طرحها.\n(^٢) هو مذهب أبي حنيفة والشافعي، يراجع الخلاف في هذه المسألة في الاستذكار (١٥/ ٣٥٢ - ٣٥٣).","vol":"1","page":90},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-48>١٧٨ - قال اللَّه ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-49>[سبب النزول]</span>\nقال القاضي ﵀: وهذه الآية نزلت في قبائل من العرب كانوا يتقاتلون، فإذا كان فيهم العدد والمنَعَة فقتل منهم امرأة، قالوا: لا نقتل (^١) بها إلا رجلًا، وإذا قتلوا رجلًا قالوا: لا نعطي به إلا امرأة أو عبدًا، يستضعفون من دونهم.\n٦ - قال إسماعيل: أخبرنا سليمان بن حرب، قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن داود، عن الشعبي في قوله ﷿: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾ قال: نزلت في قبيلتين من قبائل العرب اقتَتَلَتا فقالوا: نقتل بعبدنا فلان (^٢)، ونقتل بأَمَتِنا فلانة بنت فلان، فأنزل اللَّه ﵎: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾ (^٣).\n_________\n(^١) في الأصل: يقتل بها إلا رجلًا.\n(^٢) عند ابن جرير: فلان بن فلان.\n(^٣) رواه ابن جرير (٢/ ١٠٨)، وكان يسمى هذا النوع من القتال قتال عُمِّيَّة كما في رواية ابن أبي حاتم (١/ ٢٩٣) عن الشعبي قال: \"هذا في قتال العُمِّيَّة، شيء كان على عهد رسول اللَّه -ﷺ-\"، والعمية: الكبر أو الضلالة. ينظر اللسان (١٠/ ٢٩١).","vol":"1","page":91},{"text":"وقال قتادة مثل ذلك، وأن أهل الجاهلية كانوا يفعلونه حتى نزلت الآية (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-50>[المماثلة في الحرية والجنس]</span>\nقال أبو مصعب: قال مالك -﵁-: أحسنُ ما سمعتُ في تأويل هذه الآية: الحر بالحر يريد: الجنس، الذكر والأنثى سواء، وكذا العبد بالعبد، الذكر والأنثى سواء (^٢).\nوإعادة ذكر الأنثى بالأنثى إنكارًا لما كان من أمر الجاهلية، ألا تراه سبحانه قال: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ إلى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥]، فالمساواة في ذلك: الحرية في جنسها، والعبودية في جنسها.\nوزعم أهل العراق أنهم يقتلون الحر بالعبد، والمسلم بالكافر، وسوَّوا بينهم (^٣).\nوقد فرَّق اللَّه وجعل القصاص بالتساوي، وفرَّق بين الحرية والعبودية، وبين المسلم والكافر، فلم يوجب على من قذف كافرًا وعبدًا ما أوجبه على من قذف حرًّا مسلمًا، والحدود يُرَد بعضُها إلى بعض.\nوقد ناقضوا أيضًا فزعموا أنهم يقتلون الحر المسلم بالعبد الكافر، ولا يَفْقَأون عينه بعينه، وكذلك سائر الجِراح وذلك في نسق الآية، فزعموا أن النفس تساوي النفس، واليد لا تساوي اليد (^٤).\n_________\n(^١) رواه ابن جرير (٢/ ١٠٨).\n(^٢) الموطأ برواية أبي مصعب برقم ٢٣٢٥، كتاب: العقل، باب: القصاص في القتل، بمعناه لا بلفظه.\n(^٣) انظر: أحكام القرآن للجصاص (١/ ١٦٧) وما بعدها، في قتل الحر بالعبد، و(١/ ١٧٣) في قتل المؤمن بالكافر.\n(^٤) قال الجصاص في أحكام القرآن (١/ ١٦٧): \"قال أبو حنيفة، وأبو يوسف، ومحمد، وزفر، ﵃: \"لا قصاص بين الأحرار والعبيد إلا في الأنفس. . . \".","vol":"1","page":92},{"text":"فإن كانوا أرادوا الجِسم فالمُساواة ظاهرة بيِّنة، وإن أرادوا الجنس فالجنسان مختلفان، وقد قال اللَّه ﷿: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ [المائدة: ٤٥]، والعبد لا يتصدَّقُ عندهم، لأن الحقَّ لسيده، والكافر لا تكفِّر عنه صدقته، فقد خالفوا ظاهر الآية وباطنها، ونسأل اللَّه التوفيق.\n* * *","vol":"1","page":93},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-51>١٧٨ - قال اللَّه ﵎: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾</span>\nقال ابن عباس -﵁- في معنى هذه الآية: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ [البقرة: ١٧٨]، قال: هذا العمد، يرضى أهلُه بالدية، ﴿فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ من الطالب، ﴿وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ من المطلوب، ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾ مما كان على بني إسرائيل.\nورواه سليمان بن حرب، عن حماد بن سلمة، عن عمرو بن دينار، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس (^١).\n[و] (^٢) فيما رواه مجاهد: كان في بني إسرائيل القصاص، ولم يكن فيهم الدية، [فـ] (^٣) ـقال اللَّه ﷿: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ ولم يذكر ﴿وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾ لمعرفة ابن عباس بالقصة فيها، ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾، فالعفو أن يقبل الدية في العمد، فيتبع الطالب بمعروف، ويؤدي المطلوب بإحسان، ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٨] مما كتب على من كان قبلكم (^٤).\n_________\n(^١) رواه ابن جرير (٢/ ١١٢ و١١٦).\n(^٢) ساقطة من الأصل.\n(^٣) ساقطة من الأصل، ومستدركة من صحيح البخاري.\n(^٤) رواه البخاري برقم ٤٤٩٨، كتاب: التفسير، باب: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ. . .﴾، عن مجاهد عن ابن عباس.","vol":"1","page":94},{"text":"وقال الشعبي وقتادة نحو ذلك (^١).\nقال القاضي ﵀: وهذه الآية نزلت في العمد، والعاقلة لا تحمل عمدًا ولا إقرارًا ولا عبدًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-52>[من هو العافي</span>؟]\nوقول من ذكرنا من ابن عباس وغيره إذا قبلت الدية، موافق لقولنا: إن العافي هو القاتل، وإن أولياء المقتول مُجبَرون في قبول ذلك أو القتل، ألا ترى أنه ﵎ قال: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩]، ثم قال: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ﴾، يعني: من وَلِيِّه المقتول شيء، والشيء نكرة، وليس هو دِيَة معلومة، وهو ما بذله له فَرَضِيَ الأولياء به، جازَ الديةَ أو كان دونها، ﴿فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ يتَّبع المعفوّ له طالبًا (^٢) بإحسان، ويؤدي القاتل أيضًا بإحسان.\nقال القاضي ﵀: وقد غلِط مخالفونا في علم هذه الآية، فجعلوا العافي وليّ المقتول، ولم يتدبروا الآية، فإذا كان وليُّ المقتول هو العافي فماذا يَتَّبعُ، وماذا يؤدي بإحسان؟\nوإنما معنى الآية: من أُعطىَ من أخيه شيئًا (^٣) من العقل يرضى به فليتبعه بالمعروف، وليؤد إليه بإحسان، ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾، فخفَّف به من أمر القصاص لمن قبله، ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.\n* * *\n_________\n(^١) الرواية عن الشعبي أخرجها ابن جرير (٢/ ١١٣)، وعن قتادة أخرجها أيضًا ابن جرير (٢/ ١١٣ و١١٦).\n(^٢) في الأصل: طالب.\n(^٣) في الأصل: شيء.","vol":"1","page":95},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-53>١٧٨ - قال اللَّه ﵎: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-54>[القتل بعد أخذ الدية]</span>\nمعنى هذه الآية أن من قبِل الدِّيَة واتبع بها فليس له أن يَقتُل بعد ذلك، فإن قتَل فهو الذي توعده اللَّه تعالى.\nقال ذلك سعيد بن جبير، وقتادة، والضحاك بن مزاحم (^١).\nوروى جابر بن عبد اللَّه، عن النبي -ﷺ- أنه قال: \"لا أُعفي من قتَل بعد أخذِه الدِّيَة\" (^٢).\n* * *\n_________\n(^١) الرواية عن قتادة أخرجها ابن جرير (١/ ١١٧)، وروي أيضًا نحو هذا القول عن ابن عباس -﵄- من الصحابة، وعن مجاهد، والربيع، والحسن، وعطاء، وعكرمة، والسدي، وابن زيد، ومقاتل بن حيان، انظر ابن جرير (٣/ ١١٧)، وابن أبي حاتم (١/ ٢٩٧).\n(^٢) رواه أبو داود برقم ٤٤٩٩، كتاب: الديات، باب: هل يقتل بعد أخذ الدية؟","vol":"1","page":96},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-55>١٧٩ - قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾</span>\nمعنى هذه الآية واللَّه أعلم: بقاءٌ، لأن الذي يريد القتلَ إذا عَلِم أنه يُقتل أمسك فبَقِيا جميعًا، وإن قتَل إنسانٌ فقُتِل قصاصًا تَوَقَّى أهلُ الشر خوفًا من القِصاص.\nقال ذلك مالك بن أنس، ووافقه على ذلك (^١) أبو مالك، وأبو صالح، وقتادة (^٢).\nوقال ربيعة في معنى ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾: يقول: لعلكم تَتَّقون محارِمَكم، ونهيَ بعضكم عن بعض (^٣).\n* * *\n_________\n(^١) كتب الناسخ فوقها في الأصل: عليه.\n(^٢) الرواية عن أبي صالح أخرجها عنه ابن جرير (١/ ١٢٠)، وابن أبي حاتم (١/ ٢٩٨)، وعن قتادة ابن جرير (٢/ ١١٩)، وأشار ابن أبي حاتم لرواية أبي مالك دون أن يسوقها، وممن قال نحو هذا مجاهد، والحسن، والربيع بن أنس، وسعيد بن جبير، وأبن زيد، ومقاتل، انظر ابن جرير (٢/ ١١٩ - ١٢٠)، وابن أبي حاتم (١/ ٢٩٧).\n(^٣) رواه ابن أبي حاتم (١/ ٢٩٨).","vol":"1","page":97},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-56>١٨٠ - قال اللَّه ﵎: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ﴾</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-57>[مقدار المال الموصى فيه]</span>\nروي عن علي رضوان اللَّه عليه، وعن عائشة وابن عباس رحمهما اللَّه، وعن قتادة أنهم قالوا: الخير: المال الكثير، وقالوا في سبعمائة وما أشبهها: إنه قليل، ولم يُدخلوه في الخير المأمور بالوصية فيه (^١).\nوذُكر عن علي بن أبي طالب -﵁-: أربعة آلاف فما دونها نفقة.\nوقال مجاهد: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ قال: مالًا (^٢).\nقال القاضي ﵀: وإنه ليبعد عندي أن يصح عن علي وعائشة وابن عباس ما روي عنهم، اللهم إلا أن يكون على وجه النظر للورثة لقول النبي -ﷺ-\n_________\n(^١) روى ابن جرير (٢/ ١٢٦) واللفظ له، وابن أبي حاتم (١/ ٢٩٩) عن عروة، عن علي بن أبي طالب -﵁- أنه دخل على ابن عم له يعوده فقال: إني أريد أن أوصي، فقال علي: لا توص فإنك لم تترك خيرًا فتوصي، قال: وكان ترك من السبعمائة إلى تسعمائة. وعند ابن جرير (٢/ ١٢٦)، أن رجلًا أراد أن يوصي وله ولد كثير، وترك أربعمائة دينار، فقالت عائشة: ما أرى فيه فضلًا. وعند البيهقي في السنن الكبرى برقم ١٢٧٠٦، كتاب: الوصايا، باب: من استحب ترك الوصية إذا لم يترك شيئًا، عن ابن عباس -﵁- قال: \"إذا ترك الميت سبعمائة درهم فلا يوصي\".\n(^٢) رواه ابن جرير (٢/ ١٢٥).","vol":"1","page":98},{"text":"لسعد بن أبي وقاص: \"إنك أن تَدَع ورثتك أغنياء، خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس\" (^١).\nأشار عليه النبي (^٢) -ﷺ- في عياله بما أشار به، وأخبره بجواز الحكم في الثلث، وعلى هذا عامة الفقهاء أن له أن يوصيَ بالثلث فما دون فيما قل أم كثر، ويؤمر مع ذلك بحسن النظر لورثته إذا كان الخير قليلًا.\nقال اللَّه تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات: ٨] أي من أجل حب المال لَبَخيل، ولم يختلف المعنى في تفسير هذه الآية أن الخيرَ: المال.\nوقد كان أبو بكر، وعلي -﵄- يختاران الوصية بدون الثلث، وإذا كان الشيء قليلًا بقي على الورثة، لأن المواريث فريضة، والوصية تطوع، وثواب الفريضة أعظم من ثواب التطوع، واللَّه أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) جزء من حديث متفق عليه، رواه البخاري في مواطن كثيرة منها برقم ٥٣٥٤، كتاب: النفقات، باب: فضل النفقة على الأهل، و: ٦٣٧٣، كتاب: الدعوات، باب: الدعاء برفع الوباء والوجع، ومسلم (٥/ ٧١)، كتاب: الوصية، باب: الوصية بالثلث.\n(^٢) كتب فوقها في الأصل: رسول اللَّه.","vol":"1","page":99},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-58>١٨٠ - قال اللَّه ﵎: ﴿الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-59>[لمن الوصية</span>؟]\nاختلف الناس في تفسير هذه الآية:\nفزعم مجاهدٌ أنها منسوخة (^١).\nوزعم طاوس أنه نُسخ منها الوالدان وبقي الأقربون (^٢).\nورُوي عن ابن عمر مثل قول مجاهد.\nوقال الحسن وقتادة مثل قول طاوس.\nووافق سعيدَ بن جبير وعكرمةَ مجاهدٌ.\n_________\n(^١) رواه ابن جرير (٢/ ١٢٤ - ١٢٥)، بل وروى هذا عن ابن عباس، وابن عمر، وأبي موسى الأشعري -﵃- من الصحابة، وعن سعيد بن المسيب، وعكرمة، والحسن، وشريح، وقتادة، وغيرهم من التابعين، انظر تفسير ابن جرير (٢/ ١٢٤ - ١٢٥)، وابن أبي حاتم (١/ ٢٩٩).\n(^٢) رواه ابن جرير (٢/ ١٢٣)، وروي هذا القول عن ابن عباس -﵄- وقتادة والحسن، والربيع بن أنس، وسعيد بن جبير، والضحاك، ومقاتل بن حيان، والزهري وغيرهم، ينظر ابن جرير (٢/ ١٢٢ - ١٢٤)، وابن أبي حاتم (١/ ٣٠٠).","vol":"1","page":100},{"text":"وقال زيد بن أسلم: الأقربون هنا: ولده.\n﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا﴾ قال: أحدهما من الآخر، وهو التعمد أن يحيف بعضهم على بعض، فشدد اللَّه ﷿ في ذلك وأمر بالإصلاح، فأمر الموصى إليه أن يصلح بين الوالدين والولد، وأمر الموصي أن يسدد بالمعروف، فعجز الموصي أن يوصي كما أمره اللَّه، وعجز الموصى إليه أن يصلح كما أمره اللَّه، فنزع ذلك منهم وفرض الفرائض وسماها لأهلها.\nوقول زيد بيِّن واضح، والآية منسوخة بآية المواريث، وقال رسول اللَّه -ﷺ-: \"لا وصية لوارث\" (^١)، فَفَرْضُ اللَّه لا يجوز أن يُزاد فيه ولا يُنقَص، فمن فعل فقد عصى، فإن أجازه الورثة لبعضهم فإنما ذلك هِبَة منهم، وقد ذكرنا الاختلاف في الأقربين.\nوالظاهر من كتاب اللَّه ﷿ يدل على ما ذهب إليه جل أهل العلم وفقهاء الأمصار، أن وصية الرجل حيث جعلها، والدليل على صحة ذلك أن الوصية في الأصل ليست بواجبة، فإذا كان الأصل ليس بواجب فكيف يكون الأقربون؟ وقد ينبغي للموصي أن يبدأ بقرابته وذوي أرحامه تقربًا إلى اللَّه ﷿، إذ كان أقرب له من الغرباء.\n_________\n(^١) جزء من حديث رواه الإمام أحمد برقم ٢٢٢٩٤، وأبو داود برقم ٢٨٦٢، كتاب الوصايا، باب الوصية للوارث، وبرقم ٣٥٦٠، كتاب: البيوع، باب: في تضمين العارية، والترمذي برقم ٢١٢٠، أبواب الوصايا، باب: ما جاء لا وصية لوارث، وابن ماجه برقم ٢٧١٣، أبواب الوصايا، باب: لا وصية لوارث، عن أبي أمامة الباهلي، ورواه أحمد برقم ١٧٦٦٦ وبرقم ١٧٦٦٩ وغير موضع، والترمذي برقم ٢١٢١، الموضع السابق، والنسائي برقم ٣٦٤١ وبرقم ٣٦٤٣، كتاب الوصايا، باب: إبطال الوصية للوارث، وابن ماجه برقم ٢٧١٢، عن عمرو بن خارجة، ورواه ابن ماجه برقم ٢٧١٤، الموضع السابق، عن أنس بن مالك، وروي أيضًا عن غيرهم من الصحابة، وانظر تخريجه مستوفى في التلخيص الحبير (٣/ ١٩٨ - ١٩٩).","vol":"1","page":101},{"text":"قال مسروق بن الأجدع وقد حَضَرَ رجلًا أوصى بما لا ينبغي، فقال مسروق: \"إن اللَّه قسم بينكم فأحسن القسْم، وإنه من يرغب برأيه عن رأي اللَّه يضِل، أَوْصِ لقرابتك ممن لا يرث، ثم دع المال على ما قسمه اللَّه ﷿\" (^١)، وظاهر ذلك على الترغيب لا على الإيجاب، وعلى التأكيد لا على العزيمة، وما ينبغي لأحد أن يَرْغَبَ عما رَغَّبَه اللَّه فيه.\nوقد أوصى عمر بن الخطاب -﵁- لأمهات أولاده، لكل امرأة منهن أربعة آلاف (^٢).\nوقال النبي -ﷺ-: \"خيركم خيركم لأهله\" (^٣)، وقال -ﷺ-: \"خيركم خيركم لأهلي من بعدي\".\nوأخبر محمد بن عمرو، أن أبا سلمة بن عبد الرحمن بن عوف ذكر أن أباه أوصى لأمهات المؤمنين بحديقة بيعت بأربعمائة ألف (^٤).\nوأوصت عائشة -﵂- لمواليها، وأوصى إبراهيم النخعي للحسن بن عمرو، وليس بذي قربى.\n_________\n(^١) رواه سعيد بن منصور في سننه برقم ٣٦٠ و٣٦١، كتاب: الوصايا، باب: هل يوصي الرجل من ماله بأكثر من الثلث، ومن طريقه البيهقي في الكبرى برقم ١٢٧١٠، كتاب: الوصايا، باب: ما جاء في قوله ﷿: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا. . .﴾.\n(^٢) رواه سعيد بن منصور في سننه برقم ٤٣٨، كتاب: الوصايا، وابن أبي شيبة برقم ٣١٦٢١، كتاب: الوصايا، في الرجل يوصي لأم ولده، باب وصية الصبي، والدارمي ٣٣٢٤، كتاب: الوصايا، باب: من أوصى لأمهات أولاده.\n(^٣) رواه الترمذي برقم ٣٨٩٥، كتاب: المناقب، باب: فضل أزواج النبي -ﷺ-، وقال: هذا حديث حسن صحيح، عن عائشة -﵂-.\n(^٤) رواه الحاكم في المستدرك (٣/ ٣١١ - ٣١٢)، كتاب: معرفة الصحابة، ذكر مناقب عبد الرحمن بن عوف، عن أبي هريرة -﵃-.","vol":"1","page":102},{"text":"وقال ابن المسيب: الوصية لمن سَمَّى، ووافقه على ذلك: سالم، والزهري، وسليمان بن يسار، ومحمد بن سيرين، وعبيد اللَّه بن معمر، وقولهم موافق لقول اللَّه ﷿: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٨١].\n* * *","vol":"1","page":103},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-60>١٨٢ - قال اللَّه ﵎: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا﴾</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-61>[الحَيْف في الوصية]</span>\nالجَنَف: الحيف. والإثم العمد.\nوالميل الذي جعله اللَّه جنفًا هو: أن يخطئ فيضع الشيء في غير موضعه، أو أن يحيف في الوصية، فيوصي بأكثر من الثلث، أو يقر في ماله بإقرار يزيل به عن الورثة حقًا.\nقال لبيد:\nإني امرُؤٌ مَنَعَتْ أَرُوَمَةُ عامرٍ ... ضَيْمي وقد جَنَفَتْ عليَّ خصومُ (^١)\nفأمر الموصي بالعدل في الوصية، وأمر الموصى إليه بوعظه، وأن يأخذه بالإصلاح فيما يوصي إليه.\nهذه الألفاظ معاني ما روي عن طاوس، وعطاء، وسعيد بن جبير، ومجاهد، ومن فسر هذه الآية (^٢).\nوقد قال قوم: إن هذه الآية قبل نزول الفرائض، قال ذلك زيد بن أسلم، واحتج بقول اللَّه ﷿: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا\n_________\n(^١) شرح ديوان لبيد (ص ١٣٢).\n(^٢) ينظر تفسير ابن جرير (٢/ ١٢٩ - ١٣٠)، وابن أبي حاتم (١/ ٣٠١ - ٣٠٣).","vol":"1","page":104},{"text":"عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ [النساء: ٩] يقول: صوابًا، يأمر هذا الموصي أن يُسَدد في ذلك، فلما عجزوا فرض اللَّه الفرائض وسمّاها لأهلها.\nوقال قتادة في هذه الآية: إن الإمام يردُّها إلى كتاب اللَّه وسنة نبيه -ﷺ-، فَرَدُّها واجب عليه.\nفهذا مع قول زيد أحسنُ ما قيل في هذه الآية، واللَّه أعلم.\n٧ - أخبرنا القاضي البَرْنَكاني (^١)، قال: أخبرنا الحسن بن أبي ربيع الجرجاني، قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن أشعث، عن شهر بن حوشب، عن أبي هريرة -﵁-، عن النبي -ﷺ- قال: \"إن الرجل ليعمل بعمل أهل النار ستين سنة، ثم يعدل في وصيته، فيدخل الجنة، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة ستين سنة، ثم يجور في وصيته، فيدخل النار\"، واقرؤوا: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [النساء: ١٣ - ١٤] (^٢).\n_________\n(^١) كذا بالأصل، وفي نشرة الديباج، وفي نشرة الأوقاف المغربية للمدارك: البريكاني، وقال عياض: \"ويقال أيضًا البركاني\"، أبو عبد اللَّه محمد بن أحمد بن سهل، من شيوخ المصنف، ومن كبار طبقة تلاميذ القاضي إسماعيل، توفي سنة ٣١٩ هـ، انظر المدارك (٥/ ١٥ - ١٦)، والديباج (٢/ ١٤٣ - ١٤٤).\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في المصنف برقم ١٦٤٥٥، كتاب: الوصايا، الحيف في الوصية والضرار، ومن طريقه أحمد برقم ٧٧٤٢، وابن ماجه برقم ٢٧٠٤، أبواب الوصايا، باب: الحيف في الوصية، ولفظه \"إن الرجل ليعمل بعمل الخير سبعين سنة، فإذا أوصى حاف في وصيته، فيختم له بسوء عمله، فيدخل النار، وإن الرجل ليعمل بعمل الشر سبعين سنة، فيعدل في وصيته، فيختم له بخير عمله فيدخل الجنة\"، وأخرجه من غير طريق عبد الرزاق أبو داود برقم ٢٨٥٩، كتاب: الوصايا، باب: في كراهية الإضرار في الوصية، والترمذي برقم ٢١١٧، أبواب الوصايا، باب: ما جاء في الضرار بالوصية، وقال: \"حسن غريب\"، قلت: والترمذي ﵀ يشير إلى ضعفه، لأن مداره على شهر بن حوشب.","vol":"1","page":105},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-62>١٨٣ - ١٨٤ - قال اللَّه ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾</span>\nاختلف المفسرون في هذه الآية.\nفقال عطاء: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾: ثلاثة أيام من كل شهر (^١).\nوقال قتادة: قد كان ذلك كُتب، ثم كُتب رمضان (^٢).\nوقال سعيد بن جبير، عن ابن عباس: كان أحدهم إذا نام لم يطعم، ولم تحل له النساء، فزعم أن معنى ﴿كُتِبَ﴾ هذا، وهو صفة كيف كان صومُهم دون الأيام (^٣).\nوقال معاذ بن جبل: إنه كان يُصام ثلاثة أيام من كل شهر ويوم عاشوراء، ثم إن اللَّه فرض شهر رمضان، وكانوا إذا ناموا حَرُم عليهم الطعام والنساء، فأنزل اللَّه: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ﴾ [البقرة: ١٨٧] إلى آخر الآية (^٤).\n_________\n(^١) رواه ابن جرير (٢/ ١٣٦)، وابن أبي حاتم (١/ ٣٠٥ - ٣٠٦).\n(^٢) رواه ابن جرير (٢/ ١٣٦).\n(^٣) في الأصل: فزعم أن معنى ﴿كُتِبَ﴾ هذا وهو صفة صومهم دون الأيام، ولا وجه له.\n(^٤) الشطر الأول من الأثر رواه ابن جرير (٢/ ١٣٦)، والشطر الثاني رواه ابن أبي حاتم (١/ ٣١٥) في تفسير قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ. . .﴾.","vol":"1","page":106},{"text":"١٨٧ - فأما ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ﴾ فإنه نزل في صِرْمَةَ بن أنس الأنصاري أكل بعد أن نام، وعمر بن الخطاب جامَع بعد أن نام، فخشيا أن ينزل فيهما، فنزلت الرخصة من أجلهما (^١).\nوالصحيح من التفسير أنه شهر رمضان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-63>[هل كتب رمضان على من قبلنا</span>؟]\nفإن قال قائل: فهل كتب شهر رمضان على من كان قبلنا؟\nقيل له: قد يجوز أن يكون ذلك قد كُتب على إبراهيم صلوات اللَّه [عليه] (^٢)، ألا ترى إلى قوله: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الحج: ٧٨]، وقد يجوز ألا يكون كُتِب على إبراهيم ولا على غيره شهرُ رمضان، ولكن كُتب عليهم صيامٌ، ثم قيل لنا: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣) أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ١٨٣ - ١٨٤]، كما فرض على الذين من قبلكم، أيامًا معدودات وليست بعينها.\nثم جعل اللَّه الأيام التي علينا شهر رمضان، ألا تراه ﷻ قال: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ﴾ [آل عمران: ٥٩]، ولم يخلق عيسى من تراب، وكان التشبيه في قوله: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ دون خلقه من تراب.\nثم قال ﷿: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾، والأُخَر غير معلومة، وحكمُها أن تكون عن (^٣) معلومة.\n_________\n(^١) الآثار عن أبي صِرْمَة وعن عمر رواها ابن جرير (٢/ ١٧٠ - ١٧١) في تفسير قوله تعالى: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ. . .﴾.\n(^٢) ساقطة من الأصل.\n(^٣) كذا بالأصل، ولعلها: غير.","vol":"1","page":107},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-64>[فدية العجز عن الصيام]</span>\n١٨٤ - وأما قوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾، فإن ابن عباس كان يقرؤها: \"وعلى الذين يُطَوَّقونه\" ولا يطيقونه، ويقول: إنها في الشيخ والشيخة إذا عجزا عن الصيام (^١).\nوروي عنه ضد ذلك، رواه حماد بن زيد، عن سلمة بن علقمة، عن محمد بن سيرين، عن ابن عباس أنه قرأ هذه الآية: ﴿فديةُ طعامِ مساكين﴾، قال: هي منسوخة (^٢).\nوقال عكرمة: نزلت في الحُبلى والمُرضِع، والشيخ والشيخة، وكانوا يرَون أن الشيخ والعجوز نُسِخا منها (^٣).\nوروى الحارثُ عن عليٍّ، وعكرمةُ عن ابن عباسٍ، أنها في الشيخ والشيخة يُفطِران ويُطعِمان (^٤).\nوقال ابن عمر في الحُبلى: إنها تُفطِر وتُطعِم (^٥).\nوقال نافع: وكان ابن عمر إذا أمر بالإطعام لم يأمر بالقضاء.\nولعل ابن عمر لم يأمر بالقضاء لأن المأمورَ عالمٌ بأن القضاء واجب عليه. والأحاديث في هذا الباب، والاضطراب فيها كثير.\nوقد كان أنس بن مالك ضعف عن الصيام قبل موته عامًا أو عامين، فكان يجمع نحوًا من ثلاثمائة مسكين فيُطعِمهم (^٦).\n_________\n(^١) تفسير ابن جرير (٢/ ١٤٣ - ١٤٥)، وتفسير ابن أبي حاتم (١/ ٣٠٧).\n(^٢) تفسير ابن جرير (٢/ ١٤١)، وتفسير ابن أبي حاتم (١/ ٣٠٧ - ٣٠٨).\n(^٣) تفسير ابن جرير (٢/ ١٤١).\n(^٤) الروايتان معا أخرجهما ابن جرير في تفسيره (٢/ ١٤٤).\n(^٥) رواه ابن جرير (٢/ ١٤٢)، وتفسير ابن أبي حاتم في تفسيره (١/ ٣٠٧).\n(^٦) رواه ابن أبي شيبة في مصنفه برقم ١٢٣٤٦، كتاب: الأيمان والنذور، من قال: =","vol":"1","page":108},{"text":"وقال إبراهيم، عن علقمة في قوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ نسختها ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (^١).\nوكان عبد اللَّه بن صفوان لما كبر شَقَّ عليه الصيام، فكان يقول: ودِدت أن عليَّ في كل يوم رقبة.\nوقال قتادة: كان ذلك ترخيصًا (^٢) للشيخ والعجوز، فنُسِخ بقوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (^٣).\nوثبت عن عبد اللَّه بن سَوادة القشيري، عن أبيه، عن أنس بن مالك، رجل منهم (^٤)، أنه أتى النبي -ﷺ- وهو يتغذى فقال له: \"هلم إلى الغذاء\"، فقال: يا نبي اللَّه، إني صائم، فقال له النبي -ﷺ-: \"إن اللَّه وضع عن المسافر الصوم، وعن المريض والحُبلى والمُرضِع\" (^٥).\nوقال القاضي: ولهذا الحديث طرق (^٦).\n_________\n= يجزيه أن يطعمهم مرة واحدة، باب: الشيخ الكبير لا يطيق الصوم، والدارقطني برقم ٢٣٩١، كتاب: الصيام، باب: طلوع الشمس بعد الإفطار، والبيهقي في الكبرى برقم ٨٣٩٤، كتاب: الصوم، وفيه: ثلاثين مسكينًا، ولعل الثلاثمائة خطأ من الناسخ.\n(^١) تفسير ابن جرير (٢/ ١٣٨).\n(^٢) في الأصل: ترخيص.\n(^٣) تفسير ابن جرير (٢/ ١٤١).\n(^٤) أي: رجل قشيري، كما عند أبي داود من طريق أبي هلال الآتي تخريجها: \"رجل من بني عبد اللَّه بن كعب إخوة بني قشير\"، واكتفى غيره بنسبته لبني عبد اللَّه بن كعب.\n(^٥) رواه النسائي برقم ٢٣١٥، كتاب الصيام، وضع الصيام عن الحبلى والمرضع، والبيهقي في الكبرى برقم ٥٥٥٤، كتاب: الصلاة، باب: السفر في البحر كالسفر في البر في قصر الصلاة.\n(^٦) منها طريق أبي هلال الراسبي، أخرجها الإمام أحمد برقم ١٩٠٤٧، وأبو داود برقم ٢٤٠٠، كتاب: الصيام، باب: اختيار الفطر، والترمذي برقم ٧١٥، أبواب =","vol":"1","page":109},{"text":"فمعنى الآية واللَّه أعلم: أن اللَّه أوجب الصيام لشهر رمضان على كل قادر، فمن عجز من شيخ وشيخة، لا يرجو (^١) ثَوْبَ (^٢) القوةِ التي يقدر بها على القضاء، فلا صيام له ولا كفارة، إذ يقول عز مِن قائل: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] فمن سقط عنه فلا بدل عليه.\nومن رأى الإطعام بالآية المنسوخة فإنما رآه بقول اللَّه في إثرها: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾ [البقرة: ١٨٤]، وما فعله أنس بن مالك وغيره فإنما قالوه وفعلوه على وجه طلب الفضل، والآية تدل لما جعل اللَّه على المريض والمسافر القضاء، أن يكون على الحُبلى والمرضع إذا أُجرِيَتا مجرى المسافر، وذلك ظاهر الآية التي أجمع الناس فيها أنها ثابتة غير منسوخة.\n* * *\n_________\n= الصوم، باب: ما جاء في الرخصة في الإفطار للحبلى والمرضع، وحَسَّنه، وابن ماجه برقم ١٦٦٧، أبواب الصيام، باب: ما جاء في الإفطار للحامل والمرضع، عن عبد اللَّه بن سوادة عن أنس مباشرة دون أبيه، وغيرها.\n(^١) في الأصل: يرجوا.\n(^٢) مصدرٌ من ثَابَ، إذا رجع بعد ذهاب، وثاب إلى العليل جسمه: إذا حسُنَت حالُه بعد تحوُّله ورجعت إليه صحته، انظر اللسان (٣/ ٥١).","vol":"1","page":110},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-65>١٨٥ - قوله: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ﴾</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-66>[رخصة إفطار رمضان]</span>\nوليس من اليُسر تكليفُ من لم يُطِق ولا تُرْجَى له حال الإطاقة، فأوجب ﵎ على كل من شهِد الشهر أن يصومه، وأوجب على من كان مريضًا أو مسافرًا فأفطر القضاءَ، والحَبَلُ مرض من الأمراض، وإفطار الحبلى من أجل مرضها وعجزها، فعليها القضاء، ولا إطعام عليها، والمرضع فإفطارها من أجل غيرها، وإن كان فيها الضعف يعتريها فعليها القضاء والإطعام.\nوالمرض: كلُّ ضَعفٍ حَلَّ في البدن وفُتور حتى يَمنعَ من الصوم، قال اللَّه ﷿: ﴿أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا﴾ [النور: ٥٠]، يريد ضَعفًا وشكًّا ونِفاقًا، قال جرير:\nإن العيونَ التي في طَرْفِها مرضٌ (^١)\n_________\n(^١) صدر بيت عجزه: قتلْنَنَا ثم لم يحينَ قتلانا، ديوان جرير بشرح محمد بن حبيب (ص ١٦٣).","vol":"1","page":111},{"text":"أي: فيها ضعف وفتور، فإذا كانت المُرضِع قويةً على الصيام، وإنما تخاف إن صامت أن ينقطع دَرُّها ويَضُرَّ ذلك بولدها، تُفطِر وتُطعِم، وتقضي إذا كانت تقوى على الصوم، وإنما أفطرت من أجل ولدها.\nوالحامل لا إطعام عليها، لأنه مرض من الأمراض، إلا أن تكون قوية على الصوم، وإنما تخاف على ولدها، وإفطارها من أجل غيرها، فهذه تقضي وتُطعم.\nوأحسب مالكًا ذهب إلى الإطعام في هذا الموضع إلى قوله ﷾: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾، وذهب في القضاء إلى ﴿فَعِدَّةٌ (^١) مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (^٢)، ولم يختلف في أن هذه الآية غير منسوخة.\nوقد اختلف في قوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾، فقال بعضهم: منسوخة (^٣). وقال بعضهم: غير منسوخة (^٤).\nوقد كان مالك -﵁- يستحِبُّ ما رُوي عن أنس: \"لمن قوي عليه\"، من غير أن يوجبه، وقال: من أطعم فإنما يطعم عن كل يوم مُدًّا، بمد النبي -ﷺ- (^٥)،\n_________\n(^١) في الأصل: عدة.\n(^٢) في الموطأ برواية يحيى برقم ٨٥٤، كتاب: الصيام، فدية من أفطر في رمضان من علة، قال مالك: وأهل العلم يرون عليها القضاء كما قال اللَّه ﷿: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾، ويَرون ذلك مرضًا من الأمراض، مع الخوف على ولدها.\n(^٣) ممن قال بهذا: ابن عباس، وسلمة بن الأكوع، وعكرمة، والحسن، وعلقمة، والشعبي وعطاء وغيرهم، وقد تقدم تخريج روايات بعضهم قريبًا، وانظر تفسير ابن جرير (٢/ ١٣٨ - ١٤٠).\n(^٤) ممن قال بعدم نسخ الآية: ابن عباس أيضًا، وعكرمة، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وغيرهم، انظر تفسير ابن جرير (٢/ ١٤٣ - ١٤٥).\n(^٥) الموطأ برواية يحيى برقم ٨٥٢، كتاب: الصيام، فدية من أفطر في رمضان من علة.","vol":"1","page":112},{"text":"وهذا القول منه على الاحتياط لما جاء من التفسير، فالشيخ ليس ممن يدخل في قوله: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾، إذ كان لا يتوقع له القوة على الصيام كما تُتَوَقَّع للحبلى والمرضع.\nوأما قراءة من قرأ: \"يطوقوَّنه\"، فإن هذه القراءة ليست في مصحفنا المجتمع عليه (^١)، والذي يبطل ذلك قوله: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾، فكيف يقال لمن لا يطيق: وأن تصومه خير لك؟ ومن قرأ: ﴿فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾، و﴿طَعامُ مَسَاكِينَ﴾، فإنه يصير إلى معنى واحد، فمن قرأ: ﴿مِسْكِينٍ﴾، يريد: عن كل يوم مسكينًا، ومن قرأ: ﴿مساكين﴾، يريد: عن الأيام بعددها مساكين، وقراءة أبي عمرو بن العلاء، وهو أعلم القراء باللغة، وتابعه قراء العراق على ذلك: ﴿طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ (^٢)، ونسأل اللَّه التوفيق.\n* * *\n_________\n(^١) وقال ابن جرير في تفسيره (٢/ ١٣٨): \"فإن قراءة كافة المسلمين: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾، وعلى ذلك خطوط مصاحفهم، وهي القراءة التي لا يجوز لأحد من أهل الإسلام خلافها، لنقل جميعهم تصويب ذلك قَرْنا عن قَرْن\"، ثم حكى قراءة ابن عباس -﵁-.\n(^٢) قال ابن مهران في المبسوط (ص ١٤٢): قرأ أبو جعفر ونافع وابن عامر ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ مضاف ﴿مساكين﴾ جميع، وقرأ الباقون ﴿فِدْيَةٌ﴾ منونة، ﴿طَعَامُ﴾ رفع ﴿مِسْكِينٍ﴾ واحدة، وانظر أيضًا النشر لابن الجزري (٢/ ٢٢٦).","vol":"1","page":113},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-67>١٨٥ - قال اللَّه ﷿: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-68>[نزول القرآن]</span>\nقال سعيد بن جبير: نزل القرآن جُملة واحدة في ليلة القدر في شهر رمضان إلى سماء الدنيا، فجُعل في بيت العِزَّة، ثم أُنزل على النبي -ﷺ- في عشرين سنة، بجواب كلام الناس (^١).\nوقال ابن عباس: كان رسول اللَّه -ﷺ- أجودَ الناس بالخير، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان يلقاه جبريل -ﷺ- كل ليلة في رمضان يَعْرِض عليه النبي -ﷺ- القرآن، فإذا لقيه كان أجود بالخير من الريح المرسلة.\nرواه إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب، عن عبيد اللَّه، عن ابن عباس (^٢).\nوالمعنيان جميعًا صحيحان، يقول اللَّه ﵎: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر: ١]، وهذه الآية محقِّقَة لما قال سعيد بن جبير، وما رواه ابن عباس صحيح زائد في شرف الشهر، واللَّه أعلم.\n_________\n(^١) رواه ابن الضريس في فضائل القرآن (ص ٧٢) برقم ١٢٠.\n(^٢) متفق عليه، البخاري برقم ١٩٠٢، كتاب: الصوم، باب: أجود ما كان النبي -ﷺ- يكون في رمضان، ومسلم برقم (٧/ ٧٣)، كتاب: الفضائل، باب: كان النبي -ﷺ- أجود الناس.","vol":"1","page":114},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-69>١٨٥ - قال اللَّه ﵎: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-70>[صيام المسافر]</span>\n٨ - نا أحمد بن موسى، قال: نا القعنبي (^١)، عن مالك، عن ابن شهاب، عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه، عن ابن عباس -﵁- أن رسول اللَّه -ﷺ- خرج إلى مكة عام الفتح في رمضان، فصام حتى بلغ الكَدِيدَ (^٢)، ثم أفطر وأفطر الناس معه، وكانوا يأخذون بالأحدث فالأحدث من أمر رسول اللَّه -ﷺ- (^٣).\nوروى هذا الحديث ابن عيينة، وجماعة من طرق كثيرة عن (^٤) ابن عباس.\n_________\n(^١) أبو عبد الرحمن عبد اللَّه بن مسلمة بن قعنب التميمي الحارثي البصري، راوية الموطأ، روى عن مالك والليث وغيرهم، وروى عنه البخاري ومسلم وأبو داود وغيرهم، توفي سنة ٢٢٠ بمكة. انظر ترجمته في ترتيب المدارك (٣/ ٢٠١).\n(^٢) الكدِيدُ: قال القاضي عياض في المشارق (١/ ٣٥١): \"بفتح الكاف ودالين مهملتين [بينهما ياء] ساكنة، ما بين قُدَيد وعُسْفان، على اثنين وأربعين ميلًا من مكة\"، في المشارق بدل ما بين المعكوفين: \"أولاهما\"، وما أثبته تصويب للمصحح على هامشه، وقوله: \". . . ما بين. . . \"، الراجح أن صوابه: \". . . ماء بين. . . \" كما ورد عند غير واحد.\n(^٣) الموطأ برواية القعنبي برقم ٤٩٠، كتاب: الصيام، باب: الصيام في السفر.\n(^٤) في الأصل: وعن.","vol":"1","page":115},{"text":"وكان ابن عباس يقول: إذا أدركك رمضان وأنت مقيم فصم، وإذا كنت مسافرًا فأنت بالخيار، إن شئت فصم، وإن شئت فأفطر (^١).\nوروى ابن سيرين، عن عَبيدة، عن علي قال: من أدركه رمضان وهو مقيم ثم سافر لزمه الصوم، لأن اللَّه عز من قائل يقول: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (^٢).\nوقال ابن عباس -﵁-: إهلاله بالدار يوجب الصيام على من أقام أو سافر.\nوكان الحسن، وعمرو بن شرحبيل، ومحمد بن سيرين، وسعيد بن المسيب (^٣) يرون لمن سافر في رمضان وقد كان صام بعضه أن يفطر إن شاء (^٤).\nقال القاضي ﵀: وفعل رسول اللَّه -ﷺ- وإفطاره بالكَدِيدِ، وعُسْفان، وقد سافر ليومين خلَوا من رمضان أولى أن يُعمَل به، إذ قد أتبعه العمل، ومع ذلك فإن مالكًا -﵁- قال: أحبُّ إليَّ الصيام لمن قدَر عليه (^٥).\nوقد قال قوم من المتأخرين (^٦): إن من صام في السفر أعاد، لقول النبي -ﷺ-: \"ليس من البِر الصيام في السفر\" (^٧).\n_________\n(^١) رواه ابن جرير (٢/ ١٥٢).\n(^٢) رواه ابن جرير (٢/ ١٥٢)، وابن أبي حاتم (١/ ٣١١ - ٣١٢).\n(^٣) الرواية عن الحسن سعيد بن المسيب أخرجها ابن جرير (٢/ ١٥٤)، وعن عمرو بن شرحبيل وهو أبو ميسرة الهمذاني، أخرجها ابن جرير (٢/ ١٥٣).\n(^٤) في الأصل: إن شاء اللَّه.\n(^٥) المدونة (١/ ٢٠١)، وفي الموطأ برواية القعنبي برقم ٧٩٨، كتاب: الصيام، باب: الصيام في السفر، قال مالك: والصيام في السفر لمن قوي عليه حسن.\n(^٦) عدم جواز الصوم في السفر مذهب داود وأصحابه، ونصره ابن حزم في المحلى (٦/ ٢٤٦) وما بعدها.\n(^٧) متفق عليه من حديث جابر بن عبد اللَّه، البخاري برقم ١٩٤٦، كتاب: الصوم، باب: قول النبي -ﷺ- لمن ظلل عليه، ومسلم برقم (٣/ ١٤٢)، كتاب: الصيام، باب: جواز الصوم والفطر في شهر رمضان للمسافر.","vol":"1","page":116},{"text":"وهذا إنما هو في التطوع إذا قارنته مشقة تخفيفًا ورحمة للعباد، ويدخل في ذلك الفرض عند الشدة، لقول النبي -ﷺ-: \"إن اللَّه يحب أن تؤخذ رخصه كما يحب أن تؤخَذ عزائمه\" (^١)، لأن اللَّه قد رفَّه ويسَّر، وأباح الإفطار رفقًا بالعليل والمسافر، مع قضاء العدة.\nوقد كانت عائشة -﵂- تصوم في السفر (^٢). وقال أنس: إن أفطرت [فرخصة] (^٣)، وإن صمت فالصوم أفضل (^٤). وقال عثمان بن أبي العاص الثقفي مثل ذلك (^٥).\nوقال أبو الدرداء: من صام تطوعًا في السفر كان بينه وبين النار خندقٌ أبعد من ما بين السماء والأرض. وكان ابن عمر يصوم في السفر (^٦). ومن صام في السفر من الصحابة والتابعين من لا يدركه الإحصاء.\n_________\n(^١) رواه ابن حبان، الإحسان برقم ٣٥٤، باب ما جاء في الطاعات وثوابها، ذكر الإخبار عما يستحب للمرء من قبول ما رخص له، والطبراني في الكبير برقم ١٠٠٣٠ و١١٨٨٠ و١١٨٨١، عن ابن عباس، وابن حبان، الإحسان برقم ٣٥٦٨، باب: صوم المسافر، ذكر الخبر الدال على أن الإفطار في السفر أفضل من الصوم، والبيهقي في الكنرى برقم ٥٤٨١ و٥٤٨٣، كتاب: الصلاة، باب: كراهية ترك التقصير والمسح على الخفين، عن ابن عمر، وابن أبي شيبة في مواضع منها في مصنفه برقم ٢٧٠٠١، كتاب: الأدب، في الأخذ بالرخص، عن ابن مسعود.\n(^٢) رواه ابن أبي شيبة في مصنفه برقم ٩٠٦٨ و٩٠٧٣، كتاب: الصيام، من كان يصوم في السفر ويقول: هو أفضل، وانظر: ابن جرير (٢/ ١٥٨).\n(^٣) ساقطة من الأصل، ومستدركة من المصادر.\n(^٤) رواه ابن أبي شيبة في مصنفه برقم ٩٠٦٧، الموضع السابق، وابن جرير (٩/ ١٥٢).\n(^٥) رواه ابن أبي شيبة ٩٠٧٦، الموضع السابق، وابن جرير (٢/ ١٥٩).\n(^٦) لم أقف عليه، والمشهور المروي أن ابن عمر كان لا يصوم في السفر، انظر الموطأ برقم ٨١٠، كتاب: الصيام، ما جاء في الصيام في السفر، وابن جرير (٢/ ١٦٠).","vol":"1","page":117},{"text":"وروى سعيد بن إياس، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري، والجريري، عن أبي نضرة، عن جابر أن النبي -ﷺ- كان في سفر في رمضان، فأتى أصحابه على غدير فقال للقوم: \"اشربوا\"، فقالوا: أنشرب ولا تشرب؟ قال: إني أيسركم إني راكب، فنزل وشرب وشربوا (^١).\n٩ - [نا] (^٢) زياد، قال: حدثنا مسدد، قال: نا بشر بن المفضل، قال: نا عمارة بن غزية، عن محمد بن عبد الرحمن، عن جابر قال: خرجنا مع رسول اللَّه -ﷺ- في غزوة تبوك، وهي آخر غزوة غزاها، وهي التي تدعى غزوة العسرة، فبينما هو يسير بعد ما أضحى إذا هو بجماعة في ظل شجرة فقال: \"ما هذه الجماعة؟ \" فقالوا يا رسول اللَّه: رجل صائم فجهده الصوم، فقال: \"ليس من البر الصيام في السفر\" (^٣).\nوقال حمزة بن عمرو الأسلمي، وكان يَسْرُد الصوم: يا رسول اللَّه، أصوم في السفر؟ قال: \"إن شئت فصم، وإن شئت فأفطر\" (^٤).\nقال ابن أبي أويس عن مالك: الصيام في السفر أحب إليَّ من الإفطار لمن قوِيَ عليه، وليس إتمام الصلاة في السفر مثل الصيام.\nقال القاضي إسماعيل: لأن المسافر فرضُه ركعتان، فلا يجوز له أن يصليَ أكثر من فرضه، والمسافر والمريض إنما أجيز لهما الفطر رفقًا بهما، وأن يؤخِّرا فرضَهما من وقت إلى وقت، ولم يسقط عنهما من الفرض شيء لا بدل له كما حطَّ من الصلاة، ولو كان قصر الصلاة يُشبِه تأخيرَ الصوم، لجاز للمريض أن\n_________\n(^١) رواه الإمام أحمد في مسنده برقم ١١٤٢٣.\n(^٢) ساقطة من الأصل.\n(^٣) تقدم تخريجه.\n(^٤) متفق عليه، رواه البخاري برقم ١٩٤٣، كتاب: الصوم، باب: الصوم في السفر والإفطار، ومسلم (٣/ ١٤٤)، كتاب: الصيام، باب: التخيير في الصوم والفطر في السفر.","vol":"1","page":118},{"text":"يقصر الصلاة كما جاز للمسافر أن يقصر، فلما لم يجُز ذلك عُلِم أن أمر الصوم لا يُشبِه قصرَ الصلاة.\nوقال الشافعي في المسافر: إن شاء أتمَّ وإن شاء قصر، واحتجَّ بقول اللَّه تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٠١]، فلما قيل: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾، عُلِم أنه إن شاء أتم وإن شاء قصر (^١).\nقال القاضي: وهذا خطأ قبيح، ولو كان على ما قال لما كانت الإباحة لقصر الصلاة للمسافر إلا عند الخوف، وإنما هذه الآية في قَصْر الترتيب لا قَصْر العدد، لأنه جلَّ وعزَّ قال في إثرها تعليمًا لذلك القصر الذي علمناه عند الخوف وأباحه لنا: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾، فوصف لنا الصلاة المقصورة عند الخوف وعلَّمَناها، فأما صلاة السفر فقد كنا عرفناها بقوله: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ فأقام لهم رسول اللَّه -ﷺ- صلاة الحضر وصلاة السفر، [ولو كان قوله: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ تخييرًا، لكان قوله في الصفا والمروة: ﴿فَلَا جُنَاحَ﴾ تخييرًا، فمن شاء طاف ومن شاء ترك] (^٢).\nقال ابن عمر -﵁-: بُعِث رسول اللَّه -ﷺ- ولا نعلم شيئًا، وإنما نفعل ما كان يفعل (^٣).\n_________\n(^١) الأم (٢/ ٣٥٥).\n(^٢) ما بين المعكوفين محصور في الأصل بعلامتين، ومكتوب بإزائه في الهامش: (ليس في الأم، وهو في غيرها صحيح).\n(^٣) رواه مالك في الموطأ برواية يحيى برقم ٣٨٩، كتاب: الصلاة، قصر الصلاة في السفر، وأحمد برقم ٥٦٨٣، والنسائي برقم ١٤٢٤، كتاب: تقصير الصلاة في السفر، وابن ماجه برقم ١٠٦٦، أبواب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب: تقصير الصلاة في السفر.","vol":"1","page":119},{"text":"وقال عمر -﵁-: صدقة تصدَّق اللَّه بها عليكم (^١)، يريد: لم يوجب ذلك عليكم، فتخفيفه عنكم صدقة.\nوقالت عائشة، وابن عباس -﵄-: فرضت صلاة الحضر والسفر ركعتين، فزيد في صلاة الحضر، وأُقِرَّت صلاة السفر (^٢).\nفعدد الفرض في الصلاة قائم في كل موضع من السفر والحضر، لا يجوز أن يُزاد فيه لنشاط ولا لقوة، ولا يُنقَص منه لضعف ولا لعلة، ولو جاز أن يسقط من عدد الصلاة شيء لعلة، لجاز أن يسقط عن المريض، إذ كان أضعف من المسافر، فلم يُجز له أن ينقص من العدد، وأبيح له أن يصلي قاعدًا ومضطجعًا على قدر ما يمكِنه، فأما العدد فلا نقصان فيه، وهذا قول جملة أهل العلم، وما لا ينبغي أن يُتعدى.\nفأما إتمام عائشةَ -﵂- في السفر فقد وضع أهل العلم لها المعاذير في ذلك على قدر اجتهادهم، وكذلك اعتذروا لعثمان -﵁- لإتمامه بمنى، وما اعتُذِر لفاعله فلا يحتج به، وليس بالناس حاجة إلى معرفة فعل قد اعتذر له.\n_________\n(^١) رواه مسلم (٢/ ١٤٣)، كتاب: الصلاة، باب: صلاة المسافرين وقصرها، مرفوعًا إلى النبي -ﷺ-، عن يعلى بن أمية، قال: سألت عمر بن الخطاب، قلت: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، وقد آمن اللَّه الناس؟ ! فقال لي عمر: عجبتُ مما عجبتَ منه، فسألت رسول اللَّه -ﷺ- عن ذلك، فقال: \"صدقة تصدَّق اللَّه بها عليكم، فاقبَلوا صدقته\".\n(^٢) قول عائشة متفق عليه، رواه البخاري برقم ٣٥٠، كتاب الصلاة، باب: كيف فرضت الصلاة في الإسراء، و١٠٩٠، كتاب تقصير الصلاة، باب يقصر إذا خرج من موضعه، ومسلم (٢/ ١٤٢ - ١٤٣)، الموضع السابق، ولم أقف عليه لابن عباس كما أورده المصنف، والذي عند مسلم في الموضع السابق، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: فرض اللَّه الصلاة على لسان نبيكم -ﷺ- في الحضر أربعًا، وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعة. فاللَّه أعلم.","vol":"1","page":120},{"text":"وأما قول المتأخر: إن الصائم في السفر يقضي، فلم يَعرِف وجهَ قول رسول اللَّه -ﷺ-: \"ليس من البر الصيام في السفر\" (^١)، إنما خاطب بذلك من كَظَّه (^٢)، على ما في الحديث، وهو -ﷺ- صام في حجة الوداع، واحْتَجَمَ وهو صائم مُحرِم، وهذا آخر فعله.\nقال القاضي وطرق هذا الحديث كثيرة.\nوقد قال مالك -﵁- في من أتمَّ في السفر: إنه يعيد في الوقت (^٣).\nفإن قيل: إن كان فرضه ركعتين فالزيادة فيها تُبطِلها كما تبطل الزيادة في الأربع.\nقلنا: الفرض ركعتين أقوى ما روي ونقل إلينا، ولسنا مثل من جاء بعد المائتين يقول: إن ما (^٤) خالفه لا يجوز البتةَ، لو قلنا: إن مصلي أربعٍ (^٥) يُعيد أبدًا لكان عثمان وعائشة -﵂- ما صلَّيا، وآراؤنا دون آرائهم.\nقال ابن مسعود -﵁- وقد صلى خلف عثمان -﵁- أربعًا: ليتَ حظِّي من أربعٍ ركعتان (^٦)، ولم ير الإعادة.\nوهذا علي بن أبي طالب -﵁- يقول له ابن عباس: كنتَ معنا نقول لأبي بكر وعمر: إن الخُمُس لنا بالكتاب والسنة، حتى أفضى الأمر إليك فقسمته على\n_________\n(^١) تقدم تخريجه (١/ ١١٦).\n(^٢) كَظَّهُ: أجهده، وأصل الكِظَّةِ: ما يعتري الممتلئ من الطعام من وَهَنَ وكسل وسقم. انظر اللسان (١٣/ ٧٤).\n(^٣) المدونة (١/ ١٢١).\n(^٤) في الأصل: إنما.\n(^٥) في الأصل: أربعًا.\n(^٦) جزء من حديث رواه البخاري في صحيحه برقم ١٦٥٧، كتاب: الصلاة، باب: الصلاة بمنى.","vol":"1","page":121},{"text":"ما قسماه، قال علي: إنهما تأوَّلا كتاب اللَّه وسنة نبيه -ﷺ- وتأوَّلنا، ولسنا بتأويلنا أولى منهم بتأويلهم، فقسمتُها على ما قَسَماها، وقال: قد كانا رشيدَين، وما أحبُّ أن يؤثر عنّي خلافُهما.\nفنحن ما أدرَكْنا الوقتَ قلنا أيضًا بالأفضل، فإذا خرج الوقت لم نُزْرِ على الصحابة ونقول ما يَكْدَحُ (^١) فيهم.\nوقد قال مالك -﵁-: من ظن أنه يوافي أهلَه من سفره في آخر النهار فله أن يفطر، وإن ظن موافاته في أول النهار فليصم (^٢).\n* * *\n_________\n(^١) كذا في الأصل، ومعناها: يَخْدِش ويَشِينُ، والكُدوح: الخُدوش، وكدح فلان في وجه فلان إذا عمل به ما يشينه. انظر اللسان (١٣/ ٣٢).\n(^٢) في الموطأ برواية يحيى برقم ٨١٣، كتاب: الصيام، ما يفعله من قدم من سفر أو أراده في رمضان، قال مالك: من كان في سفر، فعلم أنه داخل على أهله من أول يومه وطلع له الفجر قبل أن يدخل، دخل وهو صائم. وقال مالك: وإذا أراد أن يخرج في رمضان، فطلع له الفجر وهو بأرضه قبل أن يخرج فإنه يصوم ذلك اليوم.","vol":"1","page":122},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-71>١٨٥ - قال اللَّه ﵎: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾</span>\nوإكمال العِدَّة أن يصوم ما أفطر من رمضان في سفر أو مرض، فإذا قضاه فقد أكمل العدة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-72>[التكبير يوم العيد]</span>\nوإنما قوله: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾، قال ابن عباس: حقٌّ على من رأى هلال شوال أن يكبِّروا اللَّه حتى يفرغوا من عيدهم، وذلك لأن اللَّه يقول: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾، وقال ابن (^١) زيد بن أسلم: ينبغي لهم إذا غَدَوا إلى المصلّى كبَّروا، وإذا جلسوا كبَّروا، حتى إذا خرج الإمام صَمَتوا، فإذا كبر الإمام كبَّروا، فإذا انقضت الصلاة فقد انقضى العيد (^٢).\nوالجماعة تغدو (^٣) بالتكبير إلى المصلى، وقد روي عن جماعة من الصحابة وكثير من التابعين (^٤).\n_________\n(^١) كذا في الأصل، ولعله يريد: أسامة بن زيد بن أسلم. انظر ترجمته في تهذيب الكمال (١/ ١٦٦ - ١٦٧).\n(^٢) رواه ابن جرير في تفسيره (٢/ ١٦٤).\n(^٣) في الأصل: تغدوا.\n(^٤) انظر مصنف ابن أبي شيبة، كتاب: الصلاة، في التكبير إذا خرج إلى العيد.","vol":"1","page":123},{"text":"وكذلك أيام النحر يكبر فيها في إثر الصلاة، لقول اللَّه تعالى: ﴿لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ [الحج: ٣٤]، وقال: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٠٣].\nوروي عن النبي -ﷺ- أنه قال: \"إنها أيام أكل وشرب وذكر للَّه\" (^١).\nوقال الزهري: إن النبي -ﷺ- كان يكبِّر يوم الفطر إذا خرج إلى المصلى، قال الزهري: وذلك من السنة (^٢).\nوكان علي وابن عباس وجماعة من الصحابة إذا خرجوا إلى المصلى يوم الفطر، كبَّروا حتى يفرُغ الإمام من الخطبة، بالروايات الصحاح.\nوكان سعيد بن المسيب (^٣) وأكثر التابعين ممن بلغنا يفعله، ولم يُروَ خلافه عن أحد علمناه.\nوكانوا يَرَوْنه في الغُدُوِّ إلى الفطر أوجب منه في الأضحى، إلا عليًا (^٤) وابنَ مسعود، فإنهما كانا يريانه في الغدو سواء، ويريان التكبير في الأضحى منذ يوم عرفة.\n* * *\n_________\n(^١) رواه مسلم (٣/ ١٥٣)، كتاب: الصيام، باب: تحريم صوم أيام التشريق.\n(^٢) رواه ابن أبي شيبة في مصنفه برقم ٥٦٦٧، كتاب الصلاة، في التكبير إذا خرج إلى العيد.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه برقم ٥٦٦٩، الموضع السابق.\n(^٤) في الأصل: علي.","vol":"1","page":124},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-73>١٨٧ - قال اللَّه ﵎: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-74>[الجماع في ليل رمضان]</span>\nقيل: كان الطعام والشراب والجماع عليهم بعد اليوم محرمًا (^١).\nوقيل: إنهم لما فُرض عليهم الصيام احتذوا فيه حذو أهل الكتاب، وهذا هو الصحيح، لأن التحريم يقتضي محرمًا، ولم يُرْوَ ذلك ولم يُؤثر، فكان سبب الإذن أن عمر بن الخطاب -﵁- وقع على امرأته بعد أن نام، ورجلٌ من الأنصار رَقَدَ قبل العَشاء ثم استيقظ فأكل، وخافا نزول الوحي فيهما (^٢)، وكانا سبب رحمة اللَّه لعباده، كما كانت عائشة -﵂- سبب التيمم، فقال لها أسيد بن حضير: ما هذه أول بركتكم يا آل أبي بكر (^٣).\nوأنزل اللَّه: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾، وهو الجماع، ﴿وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ وهو الولد، ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ\n_________\n(^١) في الأصل: محرم.\n(^٢) سبق تخريجه.\n(^٣) متفق عليه، رواه البخاري برقم ٣٢٤، كتاب: التيمم، الباب الأول، ومسلم (١/ ١٩١ - ١٩٢)، كتاب: الطهارة، باب: التيمم.","vol":"1","page":125},{"text":"الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾، وبهذا جاءت الروايات، وفسَّره المفسرون (^١).\nوقال ابن عباس: ﴿الرَّفَثُ﴾: الجماع (^٢).\nوقد قال: اللَّه ﵎ حَيِيٌّ كريم، يُكَنِّي عما شاء، وإن الرَّفَث، والمباشرة، والتغَشي، والإفضاء: الجماع.\nوقاله ابن مسعود، وابن عمر، وابن المسيب، وعطاء، ومجاهد، وقتادة، ولم تختلف الرواية فيه، إلا ابن عباس في قوله: ﴿وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ قال: ليلة القدر، روى ذلك عنه أبو الجوزاء وحده (^٣).\nوروي عن زيد بن أسلم: أن الأكل والجماع كانا محرَّمَين لقوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾، وكان هذا قد كتب على الذين من قبلنا، إلا أنه ذكر أن ذلك في صيام الأيام من كل شهر، فلما نزل رمضان أَجرَوه مَجراه.\nفأما قوله: ﴿وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾: إنه الولد.\nوقال [ابن] (^٤) زيد: الجماع.\nوقد يحتمل وجهًا ثالثًا وهو: ما كتب اللَّه لكم من الثواب، واللَّه أعلم بما أراد من ذلك (^٥).\nوأما ما قاله ابن عباس: ليلة القدر، فحسن أيضًا.\n_________\n(^١) راجع تفسير ابن جرير للآية (٢/ ١٦٩) وما بعدها، وتفسير ابن أبي حاتم (١/ ٣١٥ - ٣١٧).\n(^٢) تفسير ابن جرير (٢/ ١٦٥ - ١٦٦)، وتفسير ابن أبي حاتم (١/ ٣١٥).\n(^٣) رواه ابن جرير في تفسيره (٢/ ١٧٦)، وابن أبي حاتم في تفسيره (١/ ٣١٧).\n(^٤) ساقطة من الأصل، ومستدركة من المصادر.\n(^٥) انظر هذه الأقوال عند ابن جرير (٢/ ١٧٥ - ١٧٦)، وابن أبي حاتم (١/ ٣١٧).","vol":"1","page":126},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-75>١٨٧ - وأما قوله ﷿: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾</span>\nفإنه بياض النهار من سواد الليل، وهو البياض الذي يبدو (^١) من المشرق قبل الحمرة، وهو الثاني المُستطيل المعترض في أفق السماء، فأباح اللَّه ﵎ الأكل والشرب والجماع إلى طلوع الفجر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-76>[الإصباحُ جُنُبًا]</span>\nوإذا كان ذلك، فليس يُصبح الإنسان إلا جُنبًا، ولا يقع اغتساله إلا بعد الفجر، فالقرآن والسُّنة قد أبطلا الرواية: \"من أصبح جنبًا أفطر ذلك اليوم\"، لأن عائشة -وهي أعلم الخلق بهذا- أنكرت الرواية، فقال أبو هريرة: لم أسمعه من النبي -ﷺ-، أخبرنيه مُخبِر، قالت: لقد كان رسول اللَّه -ﷺ- يُصبح جنبًا من غير احتلام ثم يصوم ذلك اليوم (^٢).\n_________\n(^١) في الأصل: يبدوا.\n(^٢) في الموطأ برواية يحيى برقم ٧٩٥، كتاب: الصيام، ما جاء في صيام الذي يصبح جنبًا، عن مالك، عن سُمي مولى أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، أنه سمع أبا بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام يقول: كنت أنا وأبي عند مروان بن الحكم وهو أمير المدينة، فذكر له أن أبا هريرة يقول: من أصبح جنبًا أفطر ذلك اليوم، فقال مروان: أقسمتُ عليك يا عبد الرحمن لتذهبن إلى أُمَّي المؤمنين عائشة وأم سلمة فلتسألنهما عن ذلك، فذهب عبد الرحمن وذهبتُ معه، حتى دخلنا على عائشة فسلم عليها، ثم قال: يا أم المؤمنين، إنا كنا عند مروان بن الحكم فذُكِر له أن أبا هريرة يقول: من أصبح جنبًا أفطر ذلك اليوم، قالت عائشة: ليس كما قال أبو =","vol":"1","page":127},{"text":"ومع هذه الرواية فالقرآن يُغني عن كل شيء، لأن من أباحه اللَّه الجماعَ إلى الفجر فقد جعل اغتساله بعد الفجر، وهو الفجر المعترض يمينًا وشمالًا، لا المستطيل في أفق السماء، قال ذلك ابن مسعود (^١)، وسهل بن سعد (^٢)، والحسن، وابن سيرين، والشعبي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-77>[متى يُمِسك ويُفطِر الصائم</span>؟]\nوروى مُجالد، عن عامر، عن عدي بن حاتم، قال: علمني رسول اللَّه -ﷺ- الصلاة والصيام، وقال: \"فإذا غابت الشمس فكل واشرب حتى يتبين لك الخيط الأبيض من الخيط الأسود، وصُم ثلاثين يومًا إلا أن ترى الهلال قبل ذلك\"، قال: فأخذت خيطين من شعر أسود وأبيض، فكنت أنظر فيهما فلا يتبين لي،\n_________\n= هريرة، يا عبد الرحمن أترغب عما كان رسول اللَّه -ﷺ- يصنع؟ فقال عبد الرحمن: لا واللَّه، قالت عائشة: فأشهد على رسول اللَّه -ﷺ- أنه كان يصبح جنبًا من جماعٍ غير احتلام، ثم يصوم ذلك اليوم، قال: ثم خرجنا حتى دخلنا على أم سلمة فسألها عن ذلك، فقالت مثل ما قالت عائشة، قال: فخرجنا حتى جئنا مروان بن الحكم، فذكر له عبد الرحمن ما قالتا، فقال مروان: أقسمت عليك يا أبا محمد لتركبن دابتي فإنها بالباب، فلتذهبن إلى أبي هريرة فإنه بأرضه بالعقيق فلتخبرنه ذلك، فركب عبد الرحمن وركبت معه، حتى أتينا أبا هريرة فتحدث معه عبد الرحمن ساعة، ثم ذكر له ذلك، فقال له أبو هريرة: لا علم لي بذاك، إنما أخبرنيه مخبر.\n(^١) رواه مسلم (٣/ ١٢٩)، كتاب: الصيام، باب: أن الدخول في الصوم يحصل بطلوع الفجر.\n(^٢) رواه البخاري برقم ١٩١٧، كتاب الصوم، باب قوله تعالى ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا. . .﴾، ومسلم (٣/ ١٢٨)، الموضع السابق، أنه قال: أنزلت: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ ولم ينزل ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾، فكان رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجله الخيط الأبيض والخيط الأسود، ولم يزل يأكل حتى يتبين له رؤيتهما، فأنزل اللَّه بعد: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾، فعلموا أنه إنما يعني الليل والنهار.","vol":"1","page":128},{"text":"فذكرت ذلك لرسول اللَّه -ﷺ- فضحك وقال: \"يا ابن حاتم، إنما ذلك بياض النهار من سواد الليل\" (^١).\nوزاد فيه مسلم، عن حصين، عن الشعبي، عن عدي: \"إن كان وسادك إذًا لَعريض\" (^٢).\nوقال النبي -ﷺ- في قوله: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾: \"إذا أقبل الليل وأدبر النهار، وغربت الشمس فقد أفطر الصائم\".\n١٠ - نا إسماعيل بن إسحاق، قال: نا علي بن عبد اللَّه، قال: نا سفيان، قال: نا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عاصم بن عمر، عن أبيه عمر بن الخطاب عن النبي -ﷺ- (^٣).\nوروى أبو سعيد الخدري قال: كان رسول اللَّه -ﷺ-: \"إذا سقط القُرْصُ أفطر\" (^٤).\nقال القاضي: إذا غربت الشمس أفطر الصائم أكل أو لم يأكل، لأن الصوم لا يكون بالليل، ولذلك واللَّه أعلم نُهي عن الوصال، لأنه يترك الطعام والشراب وهو مفطر، فلا فائدة له، إذ لا ثواب له.\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد برقم ١٩٣٧٥.\n(^٢) متفق عليه، رواه البخاري في صحيحه برقم ١٩١٦، الموضع السابق، بدون زيادة مسلم، ومسلم (٣/ ١٢٨)، الموضع السابق.\n(^٣) متفق عليه، رواه البخاري برقم ١٩٥٤، كتاب: الصوم، باب: متى يفطر الصائم، ومسلم (٣/ ١٣٢)، باب: بيان وقت انقضاء الصوم.\n(^٤) أورده البخاري في صحيحه في الموضع السابق، معلَّقًا وموقوفًا على أبي سعيد، قال الحافظ في الفتح (٤/ ٢٨٠): \"وصله سعيد بن منصور، وأبو بكر بن أبي شيبة. . . \"، وانظر تغليق التعليق (٣/ ١٩٤ - ١٩٥).","vol":"1","page":129},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-78>١٨٧ - قال اللَّه ﵎: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-79>[هل يُعتكف بغير صوم</span>؟]\nاعتكف رسول اللَّه -ﷺ- في العشر الأواخر من رمضان، وهذه الآية مخاطِبة للصائمين، لأنها عطف، لأن \"ولا\" لا تكون إلا عطفًا على مخاطَب، والمخاطَب هم الصائمون، لأنه قال: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾، ثم قال: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ﴾ معناه: بليل وأنتم عاكفون في المساجد، فالاعتكاف لا يقع عندنا إلا في صوم، إما مفترَض وإما متنفَّل به.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-80>[مُدَّة الاعتكاف]</span>\nولا يجب أن يعتكف أحد أقل من عشر ليال، فإن اعتكف أقل من ذلك جاز، وإن الاستحباب عند مالك اتباع فعل رسول اللَّه -ﷺ-.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-81>[الوطء في الاعتكاف]</span>\nفمُنع المعتكف في الليل من بعض ما أبيح للصائم، إذ جعل الصيام من الأكل والشرب والجماع، والإفطار بها، فمُنع المعتكف من واحد منها وهو الجماع، إذ كان من لذات الدنيا، ومن حبس نفسه للَّه ﵎ ولذكره كان ممتنعًا من الملاذِّ.","vol":"1","page":130},{"text":"قال: فإن قال قائل: فإن الأكل والشرب من الملاذِّ.\nقيل له: هذان لا تقوم النفوس إلا بهما، وتركهما مُتلِف، وليس المباشرة كذلك.\nوقد احتج بعض المتأخرين في جواز الاعتكاف بغير صوم بشيء روي عن عمر بن الخطاب -﵁-، أنه سأل رسول اللَّه -ﷺ- فقال: كنت نذَرتُ أن أعتكف في الجاهلية ليلة، فقال له النبي -ﷺ-: \"وَفِّ بنذرك\" (^١)، وقد رُوي: \"اعتكف وصم\" (^٢)، فقال: الليل لا صيام فيه (^٣).\nوهذا غلط فاحش، لأن العرب لا تعرف الليلة إلا بيومها، ولا اليوم إلا بليلته، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ﴾ [الأعراف: ١٤٢]، فلا اختلاف أن الأيام داخلة في الوعد مع الليل، وقال: ﴿آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ﴾ [آل عمران: ٤١]، فدخل الليل في النهار، وقال: ﴿ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾ [مريم: ١٠]، فدخل الليل في النهار، ألا تراه قال: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم: ١١]، فدخل العَشِيُّ والبُكْرَة في الليل، لأنه قال: ﴿آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ﴾، ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ﴾: أَوْمَأ، ولم يتكلم بالنهار أن سبِّحوا.\nومع هذا فقد اختلفت الرواية عن عمر، فقال بعضهم ليلة، وقال بعضهم: يومًا.\n_________\n(^١) متفق عليه، البخاري برقم ٢٠٣٢، كتاب: الاعتكاف، باب: الاعتكاف ليلًا، ومسلم (٨٨١٥)، كتاب: الأيمان، باب: نذر الكافر وما يفعل فيه إذا أسلم.\n(^٢) رواه أبو داود برقم ٢٤٦٦، كتاب: الصوم، باب: المعتكف يعود المريض.\n(^٣) جواز الاعتكاف بغير صوم مذهب الشافعي، انظر الأم (٢/ ٢٦٧).","vol":"1","page":131},{"text":"١١ - نا محمد بن صالح الطبري، قال: نا بُندار، قال: نا حجاج، قال: نا حماد بن سلمة، عن أيوب.\n١٢ - قال: وحدثنا الجرجاني وابن زنجويه، قالا: نا عبد الرزاق، قال: أنا معمر، عن أيوب.\n١٣ - قال: ونا الزعفراني، قال: نا عفان، قال: نا حماد، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، أن عمر قال بالجِعِرّانَة (^١): يا رسول اللَّه، إني نذَرتُ في الجاهلية أن أعتكف يومًا في المسجد الحرام، فأمره رسول اللَّه -ﷺ- أن يفيَ بنذره (^٢).\n* * *\n_________\n(^١) الجِعِرَّانَة: قال القاضي في المشارق (١/ ١٦٨): أصحاب الحديث يقولونه بكسر العين وتشديد الراء، وبعض أهل الإتقان والأدب يقولونه بتخفيفهما، ويخطئون غيره، وكلاهما صواب مسموع، حكى القاضي إسماعيل بن إسحاق عن علي بن المديني أن أهل المدينة يقولونه فيها وفي الحديبية بالتثقيل، وأهل العراق يخففونهما، ومذهب الأصمعي في الجعرانة التخفيف، وحكى أنه سمع من العرب من يثقلها، وبالتخفيف أتقنها الخطابي، وبهذا قرأناه على متقني شيوخنا، وبالوجهين أخذناها عن جماعة، وهي ما بين الطائف ومكة حين قسم النبي -ﷺ- غنائم حنين، وإلى مكة أقرب.\n(^٢) رواه مسلم (٥/ ٨٩)، كتاب: الإيمان، باب: نذر الكافر وما يفعل فيه إذا أسلم.","vol":"1","page":132},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-82>١٨٨ - قال اللَّه ﵎: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-83>[الحيلة بالحُجّة]</span>\nروى مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن زينب بنت أم سلمة، عن أم سلمة أنها قالت: قال رسول اللَّه -ﷺ-: \"إنكم تختصمون إليَّ، وإنما أنا بَشَر، ولعل بعضكم أَلْحَن بحجته من بعض، فأقضيَ له بما أسمع منه، فمن قضيت له من حق أخيه شيئًا فلا يأخذْه، فإنما أقطعه له به قطعة من النار\" (^١).\nوقال فيه حماد بن زيد: ولا يقولن إنما قضي في، يريد أن قضائي أحله له، وليس كذلك.\nوقال مجاهد، وقتادة في قوله: ﴿وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ﴾، قال: تخاصم وأنت ظالم (^٢).\n_________\n(^١) الموطأ برواية يحيى برقم ٢١٠٣، كتاب: الأقضية، الترغيب في القضاء بالحق، ومن طريق القعنبي عن مالك به، البخاري برقم ٢٦٨٠، كتاب: الشهادات، باب: من أقام البينة بعد اليمين، و٧١٦٩، كتاب: الأحكام، باب: موعظة الإمام للخصوم، ومن غير طريق مالك مسلم (٥/ ١٢٨ - ١٢٩)، كتاب: الأقضية، باب: الحكم بالظاهر واللحن بالحجة.\n(^٢) تفسير ابن جرير (٢/ ١٩٠).","vol":"1","page":133},{"text":"قال القاضي ﵀: فمعنى الآية واللَّه أعلم ما جاءت به الرواية من الحيلة بالحجة، وأخذ الشيء بالحكم الواقع بالظاهر، فذاك أكل المال بالباطل، وسواء كان المحكوم به مالًا (^١) أو غير مال.\nوقد زعم العراقيون (^٢) أنهم يفرقون بين المال وبين غيره، وزعموا أن المال إذا قُضي له به، لم يحل له إذا كان يعلم أنه لا يستحقه. ثم زعموا في رجل شهد عليه شاهدان أنه طلق امرأته وهما عالمان بكذبهما وأنهما شهدا بزور، ففرق الحاكم بينهما، أنه لا بأس أن يتزوجها أحدهما، والحاكم لم يوقع طلاقًا، وإنما أمضى شهادة الشاهدين، كإمضائه شهادتهما لو شهدا على رجل بمال فحكم به الحاكم، لم يحل للمحكوم له عندنا وعندهم أخذ ذلك المال، لأن حكم الحاكم لا يحل ما حرم اللَّه، كذلك حكمه بشهادة الشاهدين لا يُحل حرامًا، ولا يُبيحها للأزواج إذا كانت هي عالمة بأن ما ادَّعت باطل، كذلك لا تحل لأحد الشاهدين إذ يعلم أنها غير مطلقة، وإنما تحل لمن لا يعلم بظاهر الحكم.\nويلزمهم على هذا -وعساهم قائلوه- أن الحاكم إذا حكم بطلاقها، وادعى إقرار الزوج عنده، وهو يعلم أن الزوج لم يُقِرَّ، ففرق بنهيه للزوج، أن للحاكم أن يتزوجها.\nوقُبح هذه المسألة يُغْني عن الاحتجاج على قائلها، واللَّه أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) في الأصل: مال.\n(^٢) هم الأحناف، وهم كذلك في الكتاب كله.","vol":"1","page":134},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-84>١٨٩ - قال اللَّه تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-85>[البناء على رؤية الأهلة]</span>\nجعل اللَّه الأهِلَّة مواقيت محصورة للحج ولصيام رمضان وللمداينات والمعاملات، ألا ترى أن النبي -ﷺ- قال: \"صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غُمَّ عليكم فاقدُروا له\" (^١).\n١٤ - أخبرنا إسماعيل، قال: نا محمد بن الفضل عارم، قال: نا حماد بن زيد، عن أبان بن تغْلِب، عن عمرو بن مرة، عن أبي البختري قال: قدمنا حُجاجًا حتى إذا كنا بالصِّفاح (^٢)، رأينا هلال ذي الحجة كأنه ابن خمس ليال، فلما قدمنا سألنا ابن عباس فقال: جعل اللَّه الأهلة مواقيت، فيُصام لرؤيتها ويُمسَك لرؤيتها.\nوقال مجاهد: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ﴾ في حجهم، وصيامهم، ولفطرهم، ولقضاء دينهم، ولعِدَد نسائهم (^٣).\n_________\n(^١) متفق عليه من حديث عبد اللَّه بن عمر، بألفاظ قريبة مما ساقه المصنف، أخرجه البخاري برقم ١٩٠٦، كتاب: الصوم، باب: قول النبي -ﷺ-: \"إذا رأيتم. . . \"، ومسلم (٣/ ١٢٢)، كتاب: الصيام.\n(^٢) الصِّفاح: بكسر أوّله، وبالحاء المهملة في اَخره، على وزن فعال: موضع بالرَّوحاء، والروحاء: قرية جامعة لمُزَيْنَة، على ليلتين من المدينة، بينهما أحد وأربعون ميلًا، انظر معجم ما استعجم للبكري (٣/ ٨٨٤) و(٢/ ٦٨١).\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور (١/ ٤٩٠) لعبد بن حميد.","vol":"1","page":135},{"text":"وقال قتادة نحو ذلك (^١).\nفالبناء على رؤية الأهلة، وباللَّه التوفيق.\n* * *\n_________\n(^١) رواه ابن جرير في تفسيره (٢/ ١٩١).","vol":"1","page":136},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-86>١٨٩ - قال اللَّه ﵎: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-87>[سبب النزول]</span>\n١٥ - أخبرنا إسماعيل، قال: نا حفص بن عمر، قال: نا شعبة، عن أبي إسحاق، عن البراء: كانت الأنصار إذا حجوا فأقبلوا من مكة لم يدخلوا البيوت إلا من قِبل ظهورها، فجاء رجل فدخل من الباب فعابوا عليه، فنزلت: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا﴾ (^١).\nوقال مجاهد، والزهري نحو ذلك (^٢).\nوهكذا كان في صدر الإسلام ثم زال حكمه، وثبت أن يأتوا بيوتهم من أبوابها.\n* * *\n_________\n(^١) رواه البخاري برقم ١٨٠٣، كتاب: العمرة، باب: قول اللَّه تعالى: ﴿وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾.\n(^٢) رواه عنهما ابن جرير في تفسيره (٢/ ١٩٣).","vol":"1","page":137},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-88>١٩٠ - قال اللَّه ﵎: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-89>[قتال المقاتِلين دون سواهم]</span>\nقال القاضي ﵀: وهذه الآية -واللَّه أعلم- توجب ترك قتل الذراري، والنساء، والشيخ الفاني.\nومعنى ﴿قَاتِلُوا﴾: اقتلوا في سبيل اللَّه ﴿الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾، ولا تقتلوا من لا فضل فيه لقتالكم، ألا تراه ﷿ قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾، فكان هذا مانعًا من قتلهم، وقد قال عمر بن عبد العزيز -﵁- ما هذا معناه (^١).\nوقال زيد بن أسلم: هذه الآية منعت من قتال من له عهد، وأمر -ﷺ- أن يقاتل من لا عهد له، قال زيد: ثم نسخ ذلك بقوله: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦] وقوله: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ (^٢).\n_________\n(^١) روى ابن جرير في تفسيره (٢/ ١٩٦)، عن يحيى بن يحيى الغساني قال: كتبت إلى عمر بن عبد العزيز أسأله عن قوله: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾، قال: فكتب إلي: إن ذلك في النساء، والذرية ومن لم ينصب لك الحرب منهم.\n(^٢) لم أقف على أثر زيد بن أسلم، والذي عند ابن جرير في تفسيره (٢/ ١٩٥)، عن ابن زيد.","vol":"1","page":138},{"text":"قال القاضي إسماعيل: إنما أذن اللَّه ﵎ للنبي -ﷺ- في القتال بعد قدومه المدينة، ثم أمره بالقتال على أحوال كانت، فكان يؤمر فيها بعينها، فمنها -واللَّه أعلم- هذه الآية التي ذكرناها وغيرها، ثم نَسَخ ذلك كلَّه، وأمر بقتال المشركين كافة، وقتال أهل الكتاب.\nقال القاضي: فقد يجوز أن يكون كما ذكره إسماعيل، ويدخل في معناه ما قدمنا ذكره.\n* * *","vol":"1","page":139},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-90>١٩١ - وأما قوله تعالى: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾</span>\nنسخها قوله: ﴿فَاقْتُلُوا (^١) الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥]، قال ذلك معمر عن قتادة، واللَّه أعلم بما أراد من ذلك (^٢).\nوقال رسول اللَّه -ﷺ-: \"أُحِلَّت لي ساعةً من نهار، ولم تَحِلَّ لأحد قبلي، ولا تَحِلُّ لأحد بعدي\" (^٣).\n* * *\n_________\n(^١) في الأصل: اقتلوا.\n(^٢) رواه ابن جرير في تفسيره (٢/ ١٩٨) عن همام، عن قتادة، والنحاس في الناسخ والمنسوخ (ص ٢٩)، عن سعيد، عن قتادة.\n(^٣) جزء من حديث متفق عليه عن أبي هريرة، رواه البخاري برقم ٢٤٣٤، كتاب: اللقطة، باب: كيف تعرف لقطة أهل مكة، ومسلم (٤/ ١١٠)، كتاب: الحج، باب: تحريم مكة وصيدها وخلاها، مع تقديم وتأخير عما أورده المؤلف، وروي أيضًا عند البخاري في كتاب: الجنائز، باب: الإذخر والحشيش في القبر برقم ١٣٤٩، ومسلم في الموضع السابق، عن ابن عباس بألفاظ قريبة.","vol":"1","page":140},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-91>١٩٥ - قال اللَّه ﵎: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾</span>\nقال حذيفة: هذا في النفقة (^١)، يريد: لا تمتنع من الإنفاق في الجهاد.\nوقال ابن عباس: إن لم تجد شيئًا إلا مِشْقَصًا (^٢) تجهز به في سبيل اللَّه، ولا تقولن: لا أجد شيئًا، قد هلكت (^٣).\nوحكى الضحاك (^٤): أن الأنصار أمسكوا عن الصدقة لسنة (^٥) أصابتهم، فنزلت هذه الآية (^٦).\nوقال البراء بن عازب: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾: الرجل يذنب فيلقي بيده وقال: لا توبة (^٧).\n_________\n(^١) رواه ابن جرير في تفسيره (٢/ ٢٠٦)، وابن أبي حاتم (١/ ٣٣١).\n(^٢) المِشْقَصُ: نَصْل السهم، انظر اللسان (٨/ ١١٠).\n(^٣) رواه ابن جرير في تفسيره (٢/ ٢٠٧).\n(^٤) هو الضحاك بن أبي جبيرة، وقيل في اسمه: أبو جبيرة بن الضحاك، ورجحه ابن حجر، صحابي، انظر الاستيعاب (١/ ٧٤٢)، والإصابة (٣/ ٣٨٣).\n(^٥) السَّنَة: الجدب والقحط، انظر اللسان (٧/ ٢٨٢ - ٢٨٣).\n(^٦) رواه ابن أبي حاتم في تفسيره (١/ ٣٣٢)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور لابن جرير، والذي عنده في تفسير الآية عن عامر.\n(^٧) رواه ابن جرير (٢/ ٢٠٩).","vol":"1","page":141},{"text":"وقال النعمان بن بشير نحو ذلك وزاد: ولكن يستغفر اللَّه ويتوب، فإن اللَّه غفور رحيم (^١).\nوقد رُوي هذا القول عن عبيدة، ومحمد بن سيرين (^٢). وقال شبل بن عوف: قيل لعمر بن الخطاب -﵁-: إن مدرك بن عوف شَرى نفسه يوم نهاوند، فقلت: يا أمير المؤمنين ذلك خالي، وناس يزعمون أنه ألقى بيده إلى التهلكة، فقال عمر: كذب أولئك، ولكنه من الذين اشتروا الآخرة بالدنيا (^٣).\nقال القاضي: والآية تحتمل جميع ذلك، واللَّه أعلم بما أراد.\n* * *\n_________\n(^١) ذكر السيوطي الأثر عن النعمان دون الزيادة، فقال: وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن مردويه، والطبراني، والبيهقي في الشعب، عن النعمان بن بشير قال: كان الرجل يذنب فيقول: لا يغفر اللَّه لي، فأنزل اللَّه: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾.\n(^٢) روي عن ابن سيرين عن عبيدة، انظر ابن جرير في تفسيره (٢/ ٢٠٩ - ٢١٠).\n(^٣) رواه ابن أبي شيبة ١٩٧٠٢ برقم، كتاب: فضل الجهاد، ما ذكر في فضل الجهاد والحث عليه، و٣٤٤٨١، كتاب: البعوث والسرايا، في توجيه النعمان بن مُقَرِّن إلى نهاوند.","vol":"1","page":142},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-92>١٩٦ - قال اللَّه ﵎: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-93>[حكم العمرة]</span>\n١٦ - نا إسماعيل، قال: نا مسدد، قال: نا عبد الواحد، قال: نا الحجاج، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد اللَّه قال: قيل: يا رسول اللَّه، العمرة واجبة؟ قال: \"لا، ولأن تعتمر خير لك\" (^١).\nوقال علي بن أبي طالب -﵁- وقد سئل عن قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ قال: أن تحرم بهما مُؤتَنَفتين من دُوَيْرَة أهلك (^٢).\nووافق عمرُ عليًا في ذلك.\nواختلف التابعون، فمنهم من لم يرها واجبة (^٣)، ومنهم من رآها واجبة (^٤).\n_________\n(^١) رواه أحمد برقم ١٤٣٩٧، والترمذي برقم ٩٣١، أبواب: الحج، باب: ما جاء في العمرة أواجبة هي أو لا؟ وقال: \"حسن صحيح\"، وضعفه الحافظ في التلخيص (٢/ ٤٣١) لضعف الحجاج، وقال عن كلام الترمذي الآنف الذكر: \"وفي تصحيحه نظر كثير من أجل الحجاج، فإن الأكثر على تضعيفه، والاتفاق على أنه مدلس\".\n(^٢) رواه ابن جرير في تفسيره (٢/ ٢١٣)، وابن أبي حاتم في تفسيره (١/ ٣٣٣).\n(^٣) كسعيد بن جبير، وإبراهيم، والشعبي، انظر ابن جرير في تفسيره (٢/ ٢١٦ - ٢١٧).\n(^٤) كمسروق، وسعيد بن جبير، وعطاء، وطاوس، ومجاهد، والضحاك، وقتادة، وغيرهم، انظر ابن جرير (٢/ ٢١٥)، وابن أبي حاتم في تفسيره (١/ ٣٣٥).","vol":"1","page":143},{"text":"قال القاضي: والذي توجبه الآية، إتمام ما دخل فيه منهما، لأن قوله: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ ليس هو من خطاب الإيجاب، ولا ألفاظ الفروض.\nفأما الحج فليس بهذه الآية وجب، وإنما وجب فرض الحج بقوله: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾.\nوقوله: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾، فأمر أن يدعوهم إلى الحج الذي لا اسم له غير الحج، وإن كان هذا الاسم يقتضي القصد فهاتان الآيتان نزلتا بفرض الحج، كما قيل: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩] فكان دُعاؤهم إليها موجبًا لفرضها.\nفأما قوله: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ فإنما قصد به: لمن تطوع بالحج، فأمر أن يتممه كما يتمم الفرض، وكذلك أمر في العمرة إذا اختار الدخول فيها فدخل، أُمِر بالإتمام، إنما يقال للإنسان إذا دخل في الشيء ومضى بعضه تَمِّمْه، وليس هكذا إيجابُ الفرائض، وإنما إيجابها أن يؤمر فيها قبل أن يدخل فيها، قال اللَّه ﷿: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] وقال: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] وقال: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧].\nفأما العمرة فسُنَّة لا ينبغي تركها، ولا حُجة لمن جعلها فرضًا، ألا ترى عليًا قال: أن تُحرِم بهما مؤتَنَفتين من دُوَيرة أهلك.\nوسئل النبي -ﷺ- لما نزل فرض الحج: أفي كل عام يا رسول اللَّه؟ قال: \"لا، ولو قلتُها لوجبت، ولكن مرة واحدة، فإن عُدْتَ فهو أفضل\" (^١).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد في غير موضع منها برقم ٢٣٠٤، ٢٦٤٢، وأبو داود برقم ١٧١٨، =","vol":"1","page":144},{"text":"وقال النبي -ﷺ-: \"ولأن تعتمر خير لك\" (^١).\nوقد زعم بعض الناس أنها واجبة (^٢) لقول اللَّه ﷿: ﴿يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ﴾ [التوبة: ٣] فجعل للحج أكبر وأصغر، وأخطأ خطأً فاحشًا، لأن كل من فسَّر هذه الآية قصد إلى اليوم، ولم يجعل حجًّا أكبر وأصغر، فمن الصحابة من قال: يوم عرفة. ومنهم من قال: يوم النحر.\nوسئل النبي -ﷺ- عن يوم الحج الأكبر فقال: \"يوم النحر\" (^٣).\nوقال: \"أفضل الأيام يوم النحر، ثم يوم القَرِّ\" (^٤).\nوليس يكون من طرأ بعد المائتين خلافًا للصحابة الذين ذكروا أن اللَّه ﷿ قصد يوم الحج الأكبر، لا سيما مع بيان النبي -ﷺ-، ولا نعلم خلافًا أن فرضًا لا يدخل على فرض، وقد تدخل السنن على الفرض.\n_________\n= أول كتاب المناسك، والنسائي برقم ٢٦٢٠، كتاب: مناسك الحج، باب: وجوب الحج، وابن ماجه برقم ٢٨٨٦، أبواب: المناسك، باب: فرض الحج، جميعهم من طرق عن ابن شهاب الزهري، عن أبي سنان الدؤلي عن ابن عباس، بألفاظ متقاربة، وأخرج حديثًا آخر قريبًا منه ابن ماجه برقم ٢٨٨٤، الموضع السابق عن علي، وآخر عن أنس برقم ٢٨٨٥، الموضع السابق، وأخرج مسلم حديثًا آخر عن أبي هريرة (٤/ ١٠٢)، كتاب: الحج، باب: فرض الحج مرة في العمر، والنسائي برقم ٢٦١٩، الموضع السابق.\n(^١) تقدم تخريجه.\n(^٢) هو الإمام الشافعي، انظر الأم (٤/ ٣٢٦).\n(^٣) رواه الترمذي برقم ٩٥٧، أبواب: الحج، باب: ما جاء في يوم الحج الأكبر، عن علي قال: سألت رسول اللَّه -ﷺ-. . .\n(^٤) رواه أحمد برقم ١٩٠٧٥، وأبو داود برقم ١٧٦٢، كتاب المناسك، باب الهدي إذا عطب، عن عبد اللَّه بن قرض، بلفظ: \"أعظم\". وفي الأصل: النفر، وما أثبته هو ما في مصادر التخريج. ويوم القَرّ سمي كذلك، لأن الناس قارِّين نازلين فيه بمنى، والذي قبله يوم النحر، والذي بعده يوم النفر. مشارق الأنوار (٢/ ٢٠).","vol":"1","page":145},{"text":"ثم رأينا هذا القائل يجمع الحج والعمرة، فيسقط عمل العمرة عنده، ويجزئ عنهما عمل الحج، ولم نر فرضًا يدخل على فرض فيسقط حكمه، ومن رآها من الصدر الأول فإنما أوجبها بوجوب السنة، ولأن النبي -ﷺ- اعتمر، وهو عمل من أعمال البر.\n* * *","vol":"1","page":146},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-94>١٩٦ - قال اللَّه ﵎: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-95>[معنى الإحصار]</span>\nالإحصار في اللغة هو: المرض الذي يحبس، والحَصْر بالعدو يقال فيه: حُصِر فهو محصور، ومعناه: مُنِع فهو ممنوع، والمرض يقال فيه: أُحْصِر فهو مُحصَر، أي: أُمْرِض فهو مُمْرَض.\nقال الكسائي، وأبو عبيدة معمر بن المثنى: ما كان من مرض فإنه يقال فيه: أحصر فهو محصر، وما كان من سجن أو منع قيل: أحصر فهو محصور (^١).\nوقال ابن عباس: لا حصر إلا من حبس عدو، ولم يقل: لا إحصار، وهو بيت اللغة، هذا لتعلم (^٢) أن ما كان من حبس العدو يقال فيه: حُصِرَ بغير ألف، وهذا النحو من الكلام يجري هذا المجرى.\nقال إسماعيل: فإذا حُبِس الرجل قيل: حَبَسَه، وإذا فَعَل به فعلا عرَّضه به لأن يُحبس قيل: أَحْبَسه، وإذا قتله قيل: قتله، وإذا عرَّضه للقتل قيل: أَقْتَلَه، وسقاه إذا أعطاه إناء فشرِبه، وإذا جعل له سُقيا قيل: أَسْقاه، وقَبَرَه إذا تولى دفنه، وأَقَبَرَه إذا جعل له قبرًا، قال اللَّه ﷿: ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾ [عبس: ٢١].\n_________\n(^١) مجاز القرآن (١/ ٦٩).\n(^٢) في الأصل: التعلم.","vol":"1","page":147},{"text":"وقالت بنو تميم لابن هُبيرة حين صَلَب صالح بن عبد الرحمن: أَقبِرنا صالحًا، أي: ائذن لنا في دفنه، قال: قد فعلت (^١).\nفهذا على أَقَبَرْت، ومما جاء على قَبَرْت قول الأعشى:\nلو أَسْنَدَتْ ميْتًا إلى نَحْرِها ... عاش ولم يُنْقَل إلى قابِرِ (^٢)\nفهذا على قبرت، فعلى هذا المجرى يكون ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ أي: أصابكم شيء كان سببًا لأن فاتكم الحج.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-96>[الأحاديث في الإحصار]</span>\nوقد جاءت أحاديث في المُحصر بمرض، وقد جاءت أحاديث في المُحصر بعدوٍّ، ونحن ذاكروا بعضها كي لا يطول الكتاب.\nفمن ذلك أن ابن عمر أراد العمرة، فقال له ابنه: سيكون بين الناس أمر يَصُدُّ عن البيت، فقال: إذن أفعل كما فعل رسول اللَّه -ﷺ- بالحديبية حينما صدَّه المشركون، فنحر وحلق وحل، فأحرم بعمرة، ثم أدخل الحج عليها.\nروي ذلك عنه من طرق (^٣)، رواه موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر.\nومالك، عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه، أن المحصر لا يحل حتى يطوف بالبيت ويسعى بين الصفا والمروة، فإذا اضطر إلى شيء من لبس الثياب التي لا بد له منها أو الدواء، صنع ذلك وافتدى (^٤).\n_________\n(^١) مجاز القرآن (٢/ ٢٨٦).\n(^٢) ديوان الأعشى (ص ١٠٥).\n(^٣) الموطأ برواية يحيى برقم ١٠٤ كتاب: الحج، باب: فيمن أحصر بغير عدو.\n(^٤) الموطأ برواية يحيى برقم ١٠٤ كتاب: الحج، باب: فيمن أحصر بغير عدو.","vol":"1","page":148},{"text":"وزاد موسى بن عقبة: فإن حبسه بلاء حتى يفوته الحج طاف إذا بلغ بالبيت وبالصفا والمروة، ثم حلق أو قصَّر، ثم رجع حلالًا من حجه حتى يحج عاما قابلًا، ويُهدي.\nفهذا ابن عمر قد فرق بين العدوِّ وبين المرض، لأنه قال في حديث موسى بن عقبة: وإن حبسه عدوٌّ حلَق وحلَّ.\nوقد رُوي في أمر العدوِّ عن رسول اللَّه -ﷺ-، والأسانيد عنه في ذلك أحاديث صحاح لا يدخلها وهَن.\nوقد روى حجاج الصواف، عن يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة، عن الحجاج بن عمرو، أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: \"من كُسِر أو عَرج فقد حل، وعليه حجة أخرى\"، قال عكرمة: فذكرت ذلك لابن عباس، ولأبي هريرة -﵄- فقالا: صدق (^١).\nوهذا من أسانيد الشيوخ، وقد يحتمل مع ذلك أن يكون المعنى: ففاته الحج، أن له أن يتحلل بعمرة، وعليه الحج من قابل، وأحاديث الثقات تضعف هذا الحديث.\nفمن ذلك ما رواه سليمان بن حرب، عن حماد بن زيد، عن أيوب، عن عكرمة أنه قال في المحصر يبعث بالهدي: فإذا أبلغ الهدي مَحِلَّه حل، وعليه الحج من قابل، وقال: رضي اللَّه بالقصاص بين عباده، ويأخذ منهم العدو أن عليه حجًا مكان حج، وإحرامًا مكان إحرام (^٢).\n_________\n(^١) رواه الإمام أحمد برقم ١٥٧٣١، وأبو داود برقم ١٨٥٧، كتاب: المناسك، باب: الإحصار، والترمذي برقم ٩٤٠، أبواب: الحج، باب: ما جاء في الذي يهل بالحج فيكسر أو يعرج، وحسنه، والنسائي برقم ٢٨٦١، كتاب: مناسك الحج، فيمن أحصر بعدو، وابن ماجة برقم ٣٠٧٧، أبواب: المناسك، باب: المحصر.\n(^٢) في الأصل: حج مكان حج، وإحرام مكان.","vol":"1","page":149},{"text":"فدل حديث أيوب على أن عكرمة قال هذا برأيه، وأنه لو كان عنده عن النبي -ﷺ- في ذلك حكم لما احتاج أن يحتج بما احتج به.\nوقال علي بن المديني (^١): نا سفيان، عن عمرو بن دينار، أن ابن عباس -﵁- قال: لا حصر إلا حصر العدو.\nوقال ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس مثل ذلك (^٢).\nفتبين [أن] (^٣) ما روى الثقات عن ابن عباس في هذا الباب خلاف رواية حجاج الصوّاف، وإنما يفعل من أحصر ما يفعل من فاته الحج.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-97>[الإحصار وفوات الحج]</span>\nوالذي يذهب إليه مالك: المُحصَر بالمرض بمنزلة من فاته الحج، يقيمان على إحرامهما حتى يأتيا البيت، ويتحللا بعمرة، ويكون عليهما الحج من قابل والهدي (^٤)، على ما روي عن ابن عمر وغيره في ذلك، وعلى ما روي عن عمر فيمن فاته الحج (^٥).\nوقد قال عبد اللَّه بن الزبير: يا أيها الناس، التمتع ليس بالذي تصنعون، يتمتع أحدكم بالعمرة قبل الحج، ولكن الحاج إذا فاته الحج أو ضَلَّتْ رواحله أو كسر حتى يفوته الحج، فإنه يجعلها عمرة ويحج من قابل، وعليه ما استيسر من الهدي (^٦).\n_________\n(^١) في الأصل: المدني.\n(^٢) رواه الشافعي في مسنده برقم ٩٤٠، بترتيب سنجر، كتاب: الحج، باب: في الإحصار ومن حبس دون البيت.\n(^٣) ساقطة من الأصل.\n(^٤) النوادر والزيادات: ٢/ ٤٢٨.\n(^٥) الموطأ برواية يحيى ١٠٤٩، كتاب الحج، ما جاء فيمن أحصر بغير عدو.\n(^٦) ابن جرير (٢/ ٢٥٢ - ٢٥٣).","vol":"1","page":150},{"text":"قال القاضي فقد جاء الاختلاف في الحاج يحصر على ما وصفنا، وقد قال اللَّه ﷿: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾، فلولا أنا قد علمنا أن هذه الفدية لكل مُحرِم أصابه أذى من رأسه، لكان الظاهر يدل على أن هذا إنما نزل في المحصَر خاصة، وكذلك: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾، استعملها الناس في كل محرم ساق الهدي، وأنه لا ينبغي أن يحلق حتى ينحَر هديه.\nوهذا النحو يأتي في القرآن كثيرًا (^١)، يذكر القصة، ثم يذكر بعدها أمورًا أخرى، ثم يعاد إلى القصة الأولى.\nقال اللَّه ﷿: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ (١) وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ (٢) وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾ [البروج: ١ - ٣] ثم ذكر بعد هذا القسم قصة أصحاب الأخدود، ثم قال: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ [البروج: ١٢].\nوقال: ﴿وَالْفَجْرِ﴾ إلى قوله: ﴿لِذِي حِجْرٍ﴾ [الفجر: ١ - ٥] ثم ذكر بعد ذلك ما ذَكر ثَمَّ، ثم قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ [الفجر: ١٤] هذا هو القسم.\nوقال: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ٨٣] فعلم أنه عمّا (^٢) بقوله: ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ عطفًا على: ﴿الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾، ولولا فضل اللَّه عليهم ورحمته لاتبعوا الشيطان كلهم.\n_________\n(^١) في الأصل: كثير.\n(^٢) كذا في الأصل.","vol":"1","page":151},{"text":"فلما قيل: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾، ثم ذكر بعد ذلك ما ذكر ثَمَّ، قيل: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾، أعيد ذكر ذلك الهدي للتراخي، وللكلام الذي وقع بين ذلك.\nوقال ابن عباس: المتعة للمحصَر، ولمن خُلّيت سبيله.\nوكان ابن الزبير يقول: هي للمحصَر، وليست لمن خُلّيت سبيله (^١).\nقال إسماعيل: ولولا أن الأحاديث التي وصفناها إنما فيها هدي واحد إذا مضى من وجهه فاعتمر، وإذا فاته الحج، لكان الظاهر في القرآن يدل على هديَيْن، هدي للفوات، وهدي للتحلل، ولكن لما جاءت الأحاديث، وكان جائزًا في الكلام وما يدل عليه النّظر، كان القول به أولى.\nوقد كان مالك -﵁- يقول: إذا أقام المُحصَر على إحرامه إلى السنة الأخرى ولم يتحلل، لم يجب عليه هدي (^٢)، وإنما التحلل بالعمرة أوجب عليه الهدي، لأن اللَّه ﷿ قال: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾، فمن يجيز كان الظاهر أنه إن شاء تمتع وإن شاء لم يفعل، إذ التحلل رحمةٌ من اللَّه لعباده ورفق (^٣) بهم، فمن صبر على الشدة ولم يختر الرخصة فلا هدي عليه.\nوقال ابن مسعود، وعلقمة: إنه إن شاء أقام على إحرامه، فهو مخير، والاستحباب له التحليل، وأن يدخل في رحمة اللَّه ولا يشدد على نفسه.\n_________\n(^١) روى قول ابن عباس وابن الزبير ابن جرير في تفسيره (٢/ ٢٥٣).\n(^٢) النوادر والزيادات (٢/ ٤٢٨).\n(^٣) في الأصل: ورفقًا.","vol":"1","page":152},{"text":"قال القاضي: والذي يشبه قول مالك ويزكو (^١) به، أن يكون قوله: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ للناس كلِّهم، على ما رُوي عن ابن عباس -﵁-، أنه عنى بهذا من ابتدأ عمرة فتمتع بها إلى الحج، من غير أن يكون أُحصِر، ويكون الهدي الأول للمحصر خاصة إذا حَلَّ بعمرة ثم حج، واللَّه أعلم بما أراد من ذلك.\n* * *\n_________\n(^١) في الأصل: ويزكوا.","vol":"1","page":153},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-98>١٩٦ - قال اللَّه ﵎: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-99>[موضوع ذبح النسك]</span>\n١٧ - أنا إسماعيل، قال: نا سليمان بن حرب، قال: نا حماد بن زيد، عن أيوب، عن مجاهد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة قال: أتى عليَّ النبي -ﷺ- زمن الحديبية وأنا أوقد بُرمة لي، والقمل يَنْتَشِر على وجهي، فقال: \"أيؤذيك هوام رأسك؟ \"، قلت: نعم، قال: \"احلق رأسك وصم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين، أو انسك نسيكة\"، قال أيوب: لا ندري بأيِّه بدأ.\nوطرق هذا الحديث كثيرة (^١).\nوأما أين تكون النسيكة، فقد اختلف فيه.\n١٨ - قال إسماعيل: نا علي بن المديني، قال: نا سفيان، قال: قصه علينا يحيى بن سعيد، وهو أول شيء حفظناه من يحيى، قال: سمعت يعقوب بن خالد بن المسيب، يقول: حدثنا أبو أسماء مولى عبد اللَّه بن جعفر، قال: خرج عثمان معتمرًا، وخرج معه حسين بن علي، فلما كان بالعَرْج اشتكى\n_________\n(^١) متفق عليه، أخرجه الشيخان في مواضع وبطرق كثيرة، أقربها ألفاظا إلى ما رواه المصنف: البخاري برقم ٥٧٠ كتاب: الطب، باب: الحلق من الأذى، ومسلم: (٤/ ٢٠)، كتاب: الحج، باب: جواز حلق الرأس للمحرم إذا كان به أذى.","vol":"1","page":154},{"text":"حسين، فلما نزلوا السُّقيا (^١) اشتد به المرض، فمضى عثمان وهو بالسُّقيا، وجاء عبد اللَّه بن جعفر فأصبح بالمَقيل الذي كانوا فيه، وإذا حسين مضطجع (^٢)، وناقته قائمة على زمامها، فقال له عبد اللَّه: أيها النَّوْمُ (^٣)، فإذا الرجل مثبَت وجعًا، فنزل وأرسل إلى عليٍّ فجاء، وجاء (^٤) معه بامرأته أسماء بنت عميس، فمرضوه عشرين ليلة، قال: ثم خُبِّر عليٌّ لم أنه يُشير إلى رأسه، فأمر برأسه فحُلق، ونحر جزورًا، قيل لسفيان: فتَه وقسمها في الماء، قال: فأين يقسمها إذا نحرها؟\nثم قال سفيان: نا عمرو بن دينار، عن يحيى بن سعيد، ورواه أبو خالد الأحمر، عن يحيى بن سعيد بإسناده، وقال فيه: فأمر بجَزور فتصدَّق بها على أهل الماء، وحلقه.\n١٩ - وحدثناه أحمد بن موسى، قال: نا القعنبي، عن مالك، عن يحيى بن سعيد، عن يعقوب بن خالد، عن أبي أسماء مولى عبد اللَّه بن جعفر، أنه خرج مع عبد اللَّه بن جعفر من المدينة، فمَرُّوا على حسين بن علي وهو مريض بالسقيا، فأقام عليه عبد اللَّه بن جعفر، حتى إذا خاف الفوات خرج وبعث إلى علي بن أبي طالب وأسماء بنت عميس وهما بالمدينة، فقَدِما عليه، ثم إن حسينا أشار إلى رأسه، فأمر عليّ برأسه فحُلق بالسُّقيا، ونَسَك عنه فنحر بعيرًا، قال يحيى: وكان حسين خرج مع عثمان بن عفان في سفره ذلك (^٥).\n_________\n(^١) السُّقيا: بضم السين، موضعٌ بين مكة والمدينة، أقرب للمدينة، انظر مشارق الأنوار (٢/ ٢٣٣)، والنهاية (٢/ ٣٨٢).\n(^٢) في الأصل: مضطجعًا.\n(^٣) قال في النهاية (٥/ ١٣١): \"أراد: أيها النائم، فوضع المصدر موضعه، كما يقال: رجل صَوْمٌ أي: صائم\".\n(^٤) مكررة في الأصل.\n(^٥) لم أقف عليه في نشرة رواية القعنبي للموطأ، وهو في رواية يحيى: (١١٥٠).","vol":"1","page":155},{"text":"والروايات في هذا كثيرة.\nولم يأت في هذا شيء أعلى ولا أَبْيَن من أمر الحسين، وما فعله عليٌّ في أمره، لأنه حلق رأس الحسين وهو محرم، ونَسَك عنه نسيكة في موضعه، فجاء فعل لا يمكن التأويل فيه، إذ كان عامة الأحاديث من قول عطاء وطاوس وغيرهم تحتمل التأويل، لأنهم ربما أرادوا الدم من الجزاء للصيد، فيَتَوَهَّم السامع أنهم أرادوا نَسِيكَةَ الأذى، مع أن أسانيدها ضِعاف مضطربة، وليس على نسيكة هدي، فما كان هديًا فحكمه البلاغ.\nومن النسائك: الأضاحي، والعقيقة، وفدية الأذى، فكل هذه ليست بهدي، وتجوز في كل مكان من مكة وغيرها لأنها حيث كانت فهي نسيكة، ومن قال: لا تكون إلا بمكة، توهَّم أنها بمنزلة الهدي، وليس مجراها مجرى الهدي.\nقال اللَّه ﷿: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥].\nوقال اللَّه تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾، فشرط في الهدي أن يبلغ محله، وأطلق ما سواه من الصيام والصدقة والنسك.\nوقال اللَّه ﵎: ﴿وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ [الفتح: ٢٥]، ولم يقل في النسك شيئًا من ذلك.\nوكل شيء يُهدى فإنما يُهدى من موضع إلى موضع، والنُّسُك يكون في كل موضع، الأضاحي (^١) في كل بلد وهي نسك.\n_________\n(^١) كذا في الأصل، ولعلها: والأضاحي.","vol":"1","page":156},{"text":"قال اللَّه ﷿: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢].\nوقال عكرمة، وقتادة، ومجاهد، وابن جبير: ﴿مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ﴾ [الحج: ٦٧]: ذبحًا هم ذابحوه.\nوقال اللَّه تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ [الحج: ٣٤].\nوقال النبي -ﷺ-: \"من وُلد له وَلَدٌ فأحبَّ أن ينسك عنه فليفعل\" (^١)، ومن سمى الحج بالمناسك فإنما ذلك لظهور الذبح فيه، وقد يكون الشيء يُعْمَل فيه أعمالًا فيُسمّى ببعضها.\nفأما أهل المدينة فلا يُسمُّونه إلا الحج، ولا يقولون: كُتُبُ المناسك، لأن المعروف في اللغة أن النسك: الذبح، وذلك معروف في كلام العرب.\nويمكن أن يكون المَنْسَك مصدرًا للنُّسُك، ويمكن أن يكون موضعًا للذي نُسك فيه، وقد سمى اللَّه هذه الفدية في كتابه، فلم يَخُصَّ شيئًا منها بموضع، وكذلك الرواية عن رسول اللَّه -ﷺ-، فلا مذهب لأحد عن ظاهر كتاب اللَّه ﷿، وعن سُنَّة نبيه -ﷺ-.\n* * *\n_________\n(^١) رواه مالك في الموطأ برقم ١٤٤١ برواية يحيى، كتاب: العقيقة، ما جاء في العقيقة، وأحمد برقم ٦٨٢ و٢٣٦٤ وأبو داود برقم ٢٨٣٥، كتاب: الذبائح، باب: في العقيقة، والنسائي برقم ٤٢١ أول كتاب: العقيقة، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده عبد اللَّه بن عمرو بن العاص.","vol":"1","page":157},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-100>١٩٦ - قال اللَّه ﷿: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-101>[إحلال المحصر بعدو]</span>\nاختلفت الروايات عن ابن عمر، وابن مسعود، وغيرهم، وكل الأحاديث التي رويت إنما هي في المرض، فقال بعضهم: يَحِلُّ إذا بعث بالهدي.\nوقال بعضهم: لا يَحِل.\nوقال بعضهم: يَحِل من بعض الأشياء، ولا يَحِل من بعضها.\nوقال بعضهم: يَحِل في الحج ولا يَحِل في العمرة، لأن الحج يفوت وقته، والعمرة لا يفوت وقتها.\nولم يختلفوا أن النبي -ﷺ- كان معتمرًا حين صدَّه العدو، وأنه حل من عمرته، وليس يوجد في هذا شيء من الرواية أولى أن يُتَّبَع مما روي عن ابن عمر، لأنه فصل بين العدو وبين المرض، وذكر فعل النبي -ﷺ- حين صدَّه المشركون، وأنه إن صُدَّ عن البيت فعل كما فعلوا مع النبي -ﷺ- (^١)، وأفتى المريضَ أن يكون على إحرامه حتى يطوف بالبيت (^٢).\n_________\n(^١) في موطأ مالك برواية يحيى برقم ١٠٤ كتاب: الحج، باب: فيمن أحصر بغير عدو، عن ابن عمر أنه قال: إن صُدِدتُ عن البيت صنعنا كما صنعنا مع رسول اللَّه -ﷺ-، فأهل بعمرة، من أجل أن رسول اللَّه -ﷺ- أهل بعمرة عام الحديبية.\n(^٢) في الموطأ برواية يحيى برقم ١٠٤ كتاب: الحج، باب: فيمن أحصر بغير عدو، عن عبد اللَّه بن عمر أنه قال: المحصر بمرض لا يحل حتى يطوف بالبيت، ويسعى =","vol":"1","page":158},{"text":"والأسانيد في ذلك أسانيد لا يدخلها وهَن ولا خلل، وليست كغيرها.\nولم يأت عن أحد من الصحابة سواه من ذكر المرض وذكر العدو ما جاء عنه، لأن الأحاديث التي رُوِيَت عن عبد اللَّه بن مسعود إنما هي كلُّها في المرض، وليس فيها ذكر العَدُوِّ، والأحاديث التي رُوِيَت عن عمر إنما هي فيمن أخطأ العَدد ففاته الحج، أو أضل رواحله ففاته الحج، ولم يُذكر في شيء منها أمر العدوّ، والأحاديث التي رُويت عن ابن عباس أكثرها تدل على مذهب ابن عمر، وليس فيها من التلخيص ما في أحاديث ابن عمر.\nفإذا كان هذا هكذا، فليس رواية أولى بأن تُتَّبَع من الرواية عن ابن عمر، مع أنه إذا تُدُبِّر قولُ من يقول في الإحصار: إن العدو والمرض في ذلك سواء، وأنه يَبعث بالهدي، ويَجعل بينه وبينه يوم أَمارٍ (^١) إذا بلغ الهديُ مَحِلّه حَلَّ، عُلِم أن هذا لا وجه له، لأن المحرم قد صده العدو عن النفوذ (^٢) إلى موضع حِلِّه، فكيف يصدونه ويكون الذي يَبْعث معه بالهدي غير مصدود؟\nقال اللَّه ﷿: ﴿كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ [الفتح: ٢٥]، فبين أنهم صدوه وحبسوا الهدي أن يبلغ محله، ثم حل -ﷺ- ونحر هديه في موضعه، ولقد غَلُظَ (^٣) ذلك على أصحابه أو على كثير منهم، ودخل قلوبَهم ما دخل.\n_________\n= بين الصفا والمروة، فإذا اضطر إلى لبس شيء من الثياب التي لا بد له منها، أو الدواء، صنع ذلك وافتدى. وروى أيضًا برقم ١٠٤٧، عنه أنه قال: من حبس دون البيت بمرض، فإنه لا يحل حتى يطوف بالبيت، وبين الصفا والمروة.\n(^١) الأَمارُ: الوقت والعلامة، انظر اللسان (١/ ١٥٢).\n(^٢) في الأصل: النفود.\n(^٣) غَلُظ: اشْتَدَّ وصعُبَ، أمر غليظ: شديد وصعب، انظر اللسان (١١/ ٧١).","vol":"1","page":159},{"text":"٢٠ - قال إسماعيل: نا محمد بن عُبيد بن حِساب، قال: نا محمد بن ثور، عن معمر، عن الزُّهْري، عن عُروة بن الزبير، عن المِسْوَرِ بن مَخْرَمَة، وذكر الحديث في قصة الحُدَيْبِية، قال: فلما فرغ من قضية الكتاب، قال النبي -ﷺ- لأصحابه: \"قوموا فانحروا ثم احلقوا\"، قال: فواللَّه ما قام رجل منهم حتى قال ذلك ثلاث مرات، قال: فلما لم يقم منهم أحد قام فدخل على أم سلَمة، فذكر لها ما لقي من الناس، فقالت أم سلمة -﵂-: يا نبي اللَّه، أتحب ذلك؟ اخرج ثم لا تكلم أحدًا منهم حتى تنحر بُدْنَك، وتدعوَ حالقك فيحلقك، فخرج ولم يكلم أحدًا منهم حتى فعل ذلك، نحر بُدْنَه ودعا حالقه فحلقه، فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا، وجعل بعضهم يحلق بعضًا، حتى كاد بعضهم يقتل بعضًا غمًّا (^١).\nقال القاضي إسماعيل: فلا يعلم عبد بظاهر كتاب اللَّه، وبالرواية عن رسول اللَّه -ﷺ-، أن المحصور بعدوٍّ ينحر ويَحِل بموضعه.\nفإن قال قائل: إن الحديبية بحضرة الحرم، وأنه يمكن أن يكونوا نحروا بالحرم.\nقيل له: ما علَّمنا ربُّنا ﵎ أنهم كانوا بذلك الموضع، وأنهم مصدودون ﴿وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ [الفتح: ٢٥]، ولو كان الهدي قد بلغ محله لما غَلُظ على أصحابه أن ينحروا هديهم وأن يحلقوا حين أمرهم بذلك.\nوكيف يجوز أن يقال هذا والقرآن إنما نزل بعد انقضاء أمر الحديبية، وأعلمهم ما مضى من ذلك، وأن الهديَ ﴿مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾، فكيف يجوز أن يقال لهم: كان الهدي معكوفًا وهو قد بلغ محِله؟\n_________\n(^١) رواه البخاري برقم ٢٧٣١، كتاب: الشروط، باب: الشروط في الجهاد والمصالحة، من طريق عبد الرزاق، عن معمر به.","vol":"1","page":160},{"text":"وهذا كلام من لا يَعلم، وأما من مَنَّ اللَّه عليه بفهم ومعرفة، فإنه يعلم أن محل الهدي بمكة وفِجاجِها، ومنًى في أيام منى، والدليل على ذلك ما وصفنا في قصة الحديبية، وأن الحرم لو كان كله منحرًا لما كان هديهم ﴿وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾، ولما خُصَّت مكة ومنًى بذلك، فقيل: \"هذا المنحر\" للموضع الذي نحر فيه عند المَرْوَة، \"ومكة وفِجاجها منحر\"، وقيل: بمِنًى: \"هذا المنحر\"، للموضع الذي نحر فيه النبي -ﷺ- عند العقبة، \"ومنًى وفجاجها منحر\"، فخُصَّت مكة ومِنًى بذلك، وكلاهما من الحرم، وبينهما مسافة.\nفلو كان الحرم كله منحرًا لقيل: هذا المنحر، والحرم كله منحر، فلما وقع الخصوص ببعض الحرم، عُلم أن سائر الحرم خارج (^١) من ذلك، ومن لم يعلم هذا، لم يعلم خاصًا من عام.\nوقال اللَّه ﵎ في جزاء الصيد: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥]، فأعلمنا ﷿ أن محل الهدايا بلوغ الكعبة، وعلمنا بأن بلوغها بلوغ حضرتها، ليس أن يدخلَها فينحرَ فيها، ولا في المسجد، ولكن بحضرة ذلك، فكان المنحر عند المَرْوة، في الموضع الذي يفرغ فيه المعتمر من طوافه وسعيه، ثم وسِّع عليهم بأن جعلت مكة وفجاجها منحرًا، لأنه أرفق بهم، إذ يضيق عليهم أن يكون منحرهم كلهم في موضع واحد، فجعل حكم الفدية كلها حكمًا واحدًا.\nوكذلك أمر مِنًى وُسِّع عليهم، لأن المنحر عند العقبة حين يرمي ويحِل، ألا ترى أن المحرم لو بات لياليَ مِنًى في بعض الحرم سوى مِنًى، لما جاز له ذلك؟ ألا ترى أن المكِّيَّ لو خرج من بيته يريد سفرًا، لما جاز له أن يقصر الصلاة حتى يخرج من مكة كلِّها، ثم يقصر إذا خرج عنها من قبل أن يخرج من الحرم.\n_________\n(^١) في الأصل: خارجًا.","vol":"1","page":161},{"text":"وقد رُوي في قول اللَّه ﵎: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ ما نذكره في موضعه إن شاء اللَّه.\nوروى علي بن الحسين، عن عبيد اللَّه، عن أبي رافع، عن علي بن أبي طالب -﵁-، أن رسول اللَّه -ﷺ- رمى العقبة، ثم دخل المنحر فقال: \"هذا المنحر، وكل مِنَى منحر\" (^١).\nفإن قال قائل: إن حكم الحرم واحد.\nقيل له: حكم الحرم كله في الأشياء من الصيد والنحر، وأنه لا يجوز أن يحرم إنسان بالعمرة من بعضه ثم يحِل، لأن المُحْرِم إنما يدخل في الإحرام بعد أن كان حلالًا، فكذلك لا يدخل في الإحرام في الحرم بعد أن كان في حِلٍّ، وأَمْرُ الصيد والمنحر لا يُشبه ما وصفنا، لأن الصيد والمنحر ليس للناس فيه عمد، وإنما أُمِروا أن يجتنبوه، كما أُمِر المحرم أن يجتنب الصيد في غير الحرم.\nفكذلك المحرِم بالعمرة، إنما قيل له: أحرِم من الحِل، ثم افترض عليه العمل في مواضع من الحرم بأعيانها، فجعل كل عمل في موضعه، لا يجوز في غيره، وعلمنا رسول اللَّه -ﷺ- ذلك وقال: \"خذوا عني مناسككم\" (^٢)، فليس يجوز أن يتعدى بأعماله مواضعها وما خص منها وما عم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-102>[موضع نحر الهدي]</span>\nولو نحر الهدي في أيام منى بمكة لأجزأ، لأنها هي الأصل في النحر، غير أن السُّنة في (^٣) هدي الحاج أن يكون بمِنًى، لأنه إذا نحر حلق، فكان ذلك موضعه.\n_________\n(^١) رواه الإمام أحمد في مسنده برقم ٥٦٤ و٦١٣.\n(^٢) تقدم تخريجه.\n(^٣) في الأصل: فيها.","vol":"1","page":162},{"text":"وقد روي عن ابن عباس -﵁- أنه كان ينحر بمكة ويقول: إنما النحر بمكة، ولكن نُزِّهَت عن الدماء، رواه ابن جريج، عن عطاء، عنه (^١).\nوقد روى مالك، عن نافع، عن ابن عمر أنه كان يقول: من نذر بدنة فإنه يقلدها نعلين، ويسوقها، ويُشْعِرُها (^٢)، حتى ينحرها عند البيت العتيق، أو بمِنًى يوم النحر، ليس لها محل دون البيت العتيق، أو بمنًى يوم النحر، ليس لها محل دون ذلك (^٣)، ومن نَذَر جزورًا من الإبل أو البقر، فلينحرها حيث شاء (^٤).\nفجعل ابن عمر محل الهدي مكة، أو بمِنًى يوم النحر، وحكم أيام النحر كلها سواء.\n* * *\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة برقم ١٥٧٥١، باب: ما قالوا: أين تنحر البدن؟ والبيهقي في السنن الكبرى برقم ١٠٣٢٦، باب: الحرم كله منحر.\n(^٢) أشْعَرَها: أعلمها، وهو أن يشق جلدها، أو يطعنها في أسنمتها في أحد الجانبين، أو يطعنها في سنامها حتى يسيل الدم فيعرف أنها هدي، انظر اللسان (٨/ ٩١).\n(^٣) كذا العبارة في الأصل.\n(^٤) رواه مالك في الموطأ برقم ١١٧٠، كتاب: الحج، العمل في النحر، برواية يحيى.","vol":"1","page":163},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-103>١٩٦ - قال اللَّه ﵎: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-104>[جنس الهدي]</span>\nقال علي -﵁-: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ شاةٌ (^١).\nوالهديُ من الأزواج الثمانية.\nوقال ابن عباس -﵁-: الهدي من الأزواج الثمانية، والبعير أفضل من البقرة، والبقرة أفضل من الشاة، والشاةُ ما ﴿اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ (^٢).\nوكان ابن عمر يقول: لو لم أجد إلا شاة كان أحب من أن أصوم (^٣).\nوروى مالك، عن نافع، عن ابن عمر قال: بقرةٌ أو بعيرٌ (^٤).\n_________\n(^١) رواه مالك في الموطأ برقم ١١٤٠، كتاب: الحج، ما استيسر من الهدي، برواية يحيى.\n(^٢) لم أقف على أثر عن ابن عباس فيه التفضيل بين الإبل والبقر والغنم، أما كون الهدي من الأزواج الثمانية، فقد رواه عنه ابن جرير في تفسيره (٢/ ٢٢٣ و٢٢٤)، وما استيسر من الهدي هو الشاة، رواه عنه ابن جرير (٢/ ٢٢٢ و٢٢٣).\n(^٣) رواه مالك برقم ١١٤٥، كتاب: الحج، باب: جامع الهدي، برواية يحيى.\n(^٤) رواه مالك برقم ١١٤٣ كتاب: الحج، باب: ما استيسر من الهدي، رواية يحيى، بلفظ: بدنة أو بقرة.","vol":"1","page":164},{"text":"ورواه حماد، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر -﵁-: الناقة دون الناقة، والبقرة دون البقرة فيما استيسر من الهدي (^١).\nوقال ابن عمر -﵁-: في هدي القرآن بدنة، فقيل له: ابن مسعود يقول: شاة، فقال: الصيام أحب إلي من شاة (^٢).\nوكان ابن عمر وعائشة يقولان: الناقة، والبقرة (^٣) ثم عن التابعين في ذلك ما يكثر ذكره (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-105>[الاشتراك في الهدي]</span>\nوعن جابر بن عبد اللَّه في عام الحديبية: نحرنا البدنة عن سبعة، وذكر سبعين بدنة، وقال: كنا ألفًا (^٥) وأربعمائة (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه ابن جرير في تفسيره (٢/ ٢٢٥)، من طريق ابن علية عن أيوب به.\n(^٢) لم أقف عليه مسندًا، وذكره ابن عبد البر في الاستذكار (١٢/ ٣١٣) وقال: \"رواه وبرة بن عبد الرحمن، وعطاء عن ابن عمر\"، وردَّه في (١٢/ ٣١٧) عند شرحه قول ابن عمر المتقدم: \"لو لم أجد إلا شاة. . . \" فقال: \"فهذا يرد رواية من روَى عنه: الصيام أحب إلي من الشاة\"، وقال عن الرواية المتقدمة: \"أصح عنه، لأنه معروف من مذهبه تفضيل إراقة الدماء في الحج على سائر الأعمال\".\n(^٣) رواه ابن جرير في تفسيره (٢/ ٢٢٥ - ٢٢٦)، وابن أبي حاتم في تفسيره (١/ ٣٣٦).\n(^٤) قال ابن أبي حاتم بعد إخراجه لأثر عائشة وابن عمر السابق: وروي عن سالم، والقاسم، وعروة بن الزبير، وسعيد بن جبير، نحو ذلك.\n(^٥) في الأصل: ألف.\n(^٦) أخرج الأثر بدون ذكر عدتهم: مسلم في صحيحه (٤/ ٨٨)، كتاب: الحج، باب: الاشتراك في الهدي، وأخرجه بذكر العدد: البخاري في صحيحه برقم ٤٨٤٠، باب قوله: ﴿إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾، ومسلم (٦/ ٢٥)، كتاب: الإمارة، باب: استحباب مبايعة الإمام الجيش عند إرادة القتال.","vol":"1","page":165},{"text":"ثم عن طاوس وغيره: يجزئ في التمتع شِرْكٌ في دم بقرة، أو بدنة.\nوالزهري، عن عروة، عن عائشة -﵂- أن رسول اللَّه -ﷺ- نحر عن نسائه بقرة في حجة الوداع، كذا رواه يونس (^١).\nورواه مالك فقال: نحر عن نسائه البقر (^٢). ومالك، عن نافع، عن ابن عمر قال: لا يشرك في الدماء (^٣).\nوقال ابن سيرين عنه: لا أعلم دمًا يُهراق إلا عن نفس واحدة (^٤)، يعني في الهدي.\nوقال جماعة من التابعين مثل ذلك.\n٢١ - [حدثنا] (^٥) محمد بن صالح، قال: نا محمد بن يوسف الزَّبِيدي (^٦) قال: نا موسى بن طارق أبو قرة، عن زَمْعَة بن صالح، عن زياد بن سعد، عن\n_________\n(^١) رواه الإمام أحمد برقم ٢٦١٠٩، وسنده: عن عثمان، حدثنا يونس، عن الزهري، وجدت في موضع عن عروة، وموضع آخر عن عمرة، كلاهما قاله عثمان، عن عائشة. . .، وأخرجه أبو داود برقم ١٧٤٧، كتاب: المناسك، باب: في هدي البقر، عن يونس عن ابن شهاب عن عمرة عن عائشة.\n(^٢) سبق تخريجه، وفيه: نحر رسول اللَّه -ﷺ- عن أزواجه، دون قوله: البقر.\n(^٣) الموطأ برواية أبي مصعب برقم ١٣٧ كتاب: المناسك، باب: ما يكره من الشرك في النسك، بلفظ: لا يشترك في النسك، ولم يرد في رواية يحيى.\n(^٤) لم أقف عليه مسندًا، وذكره ابن حزم في المحلى (٧/ ١٥٠ - ١٥١) بلفظ: \"ما أعلم وما يراق عن أكثر من إنسان واحد\"، وفيه تصحيف صوابه ما أورده المصنف: \"لا أعلم دمًا. . . \".\n(^٥) ساقطة من الأصل.\n(^٦) في الأصل: الزبدي، والصواب ما أثبته، بفتح الزاي وكسر الباء الموحدة، وهو أبو حُمَّة كما قال الحافظ ابن حجر في تقريب \"التهذيب\" (ص ٥١٥)، الترجمة (٦٤١٨).","vol":"1","page":166},{"text":"أبي الزبير، عن جابر قال: نحر النبي -ﷺ- يوم الحديبية سبعين ناقة، أشرك بين كل سبعة في جزور (^١).\nقال القاضي إسماعيل: وهذا الدليل على أنه ﵇ أشرك بينهم في اللحم، فقد ذكرنا ما روي عن جابر في الإشراك في الهدي، ومخارجها ليست بالقوية، في أسانيدها ضعف، لأن الرجال الذين نقلوها لا خفاء على نقاد الحديث بمقاديرهم.\nوقد ذكر الثوري في الحديث الذي رواه عن أبي الزبير، عن جابر أنه قال: وليَشترِك النفر في الهدي، فدل على أن هذا القول رأي من جابر، أو من دونه، فلعله قاس الهدي الواجب على الهدي في الحديبية، ويوم الحديبية لم يكن هناك تمتع، لأن التمتع يكون بعد الإحلال من العمرة إذا حج مِن عامه ذلك.\nوإنما أحرم النبي -ﷺ- بعمرة، وكذلك أصحابه، فلما صُدُّوا عن البيت، نحروا بُدْنا كانت مع النبي، قد قلَّدها وأشعرها بذي الحليفة تطوعًا، فنحرها وقسموا (^٢) لحمها، وما كان رجب عليهم هدايا، ولو وجبت عليهم لما أجزى عنهم ما كان قد أُوجِب.\nوقد يجوز أن يكون النبي -ﷺ- ساقها عنه وعنهم، كما (^٣) روي عنه -ﷺ- أنه ضحى عن أمته (^٤)، وكما روي عن أبي أيوب أن الرجل كان\n_________\n(^١) أخرجه بهذا الإسناد: الطبراني في المعجم الأوسط برقم ٩١٩٧.\n(^٢) في الأصل: وأقسموا.\n(^٣) في الأصل: عما.\n(^٤) تضحية النبي -ﷺ- عن أمته وردت في أحاديث منها: ما رواه الإمام أحمد برقم ١٤٨٣٧، وأبو داود برقم ٢٧٨ كتاب: الأضاحي، باب: ما يستحب من الضحايا، وابن ماجة برقم ٣١٢١، أبواب: الأضاحي، باب: أضاحي رسول اللَّه -ﷺ-، عن =","vol":"1","page":167},{"text":"يضحي (^١) بالشاة الواحدة عنه، وعن أهل بيته، ثم تباهى الناس بعد (^٢). والنبي -ﷺ- ولأمته والد، وأزواجه أمهاتهم.\n٢٢ - حدثنا محمد بن صالح، قال: نا محمد بن يوسف الزَّبِيدي (^٣)، قال: ثنا موسى بن طارق أبو قرة، عن زَمْعَة بن صالح، عن زياد بن سعد، عن أبي الزبير، عن جابر قال: نحر النبي -ﷺ- يوم الحديبية سبعين ناقة، أشرك بين كل سبعة في جزور (^٤).\nوالقوم أيضًا ما كانوا حِسابَ سبعين بدنة عن ألف وأربعمائة، كيف تكون البدنة عن سبعة؟ هذا عن عشرين، وقد يجوز أن يفضِّل بعضهم على بعض في القَسْم، فيكون -إذا كانت الأحاديث تصح- دفع إلى جابر وستة معه بدنة، لأن ما رجب لا ينتقل.\n_________\n= جابر بن عبد اللَّه الأنصاري، أن رسول اللَّه -ﷺ- ذبح يوم العيد كبشين، ثم قال حين وجَّهَهُما: \"إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفًا مسلمًا، وما أنا من المشركين، إن صلاتي، ونسكي، ومحياي، ومماتي للَّه رب العالمين، لا شريك له، وبذلك أمرت، وأنا أول المسلمين، بسم اللَّه، واللَّه أكبر، اللهم منك ولك، عن محمد، وأمته\"، وما رواه الطبراني في الأوسط برقم ١٨٩١ و٦٤٦٧، والدارقطني برقم ٤٧٤٤، في باب: الضحايا، عن أبي هريرة قال: ضحى رسول اللَّه -ﷺ- بكبشين أقرنين، أحدهما عنه وعن أهل بيته، والآخر عمن لم يضح من أمته.\n(^١) في الأصل: يضح.\n(^٢) أخرجه مالك برقم ١٣٩٦، كتاب: الضحايا، باب: الشركة في الضحايا، برواية يحيى، والترمذي برقم ١٥٠٥، أبواب: الأضاحي، باب: ما جاء أن الشاة الواحدة تجزئ عن أهل البيت، وقال: هذا حديث حسن صحيح، وابن ماجة برقم ٣١٤٧، أبواب: الأضاحي، باب: من ضحى بشاة عن أهله.\n(^٣) في الأصل: الزبدي، تقدم قريبًا.\n(^٤) مر تخريجه قريبًا.","vol":"1","page":168},{"text":"ثم عائشة -﵂- تقول: نحر عن نسائه بقرة بقرة، عن تسعة أزواجه في حجة الوداع، وهذا لم يكن هَدْي يوم، ولا عن واجب.\nفإن قيل: إن الهدي كان عليهم، لأنهم حُصروا قبل الهدي، قد كان أوجب بالإشعار والتقليد من قبل أن يحصروا، ثم لم يذكر أحد من الناس في حديث أنهم استأنفوا هديًا بعد الحصر، بل كل من رَوى يذكر سياق الهدي من موضع الإحرام.\nوفي حديث الزهري، عن عروة، عن المسور، في قصة الحديبية، أن الهدي عليه قلائده، قد أكِل وَبَرُه (^١) من طول الحبس (^٢).\nوقد حضر ابن عمر الحديبية، ورُوِي عنه بالأسانيد التي لا تقاس بها الروايات عن جابر: لا يُشترَك في شيء من الهدي، وإنما ذلك لعِلْمِه أن الاشتراك كان في اللحم دون الذكاة.\nوعلى أن حديث يونس، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة -﵂-: نحر رسول اللَّه -ﷺ- عن نسائه بقرة في حجة الوداع، غلط من يونس، لأن يحيى بن سعيد رواه عن عَمْرَة، وعبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة (^٣)، ومالك، وحماد عن عبد الرحمن قال: ذبح عن نسائه البقر، وكان ذلك في حجة الوداع.\nوهذه أسانيد الفقهاء الذين يعلمون ما تحتاج إليه، ويميزون ما يسمعون.\n_________\n(^١) وَبَرَه: صوفه، والوبر: صوف الإبل والأرانب ونحوها، اللسان (١٥/ ١٤٢).\n(^٢) هو حديث صلح الحديبية الطويل، وقد سبق تخريجه، إلا أن أكل الوبر من طول الحبس، لم يرد إلا في رواية للإمام أحمد برقم ١٨٩١٠ لكن بلفظ: \"قد أكل أوتاره من طول الحبس عن محله\"، ورواه ابن إسحاق في السيرة برقم ٤٥٧، في حديثه عن: أمر الحديبية آخر سنة ست. . .، بلفظ: \"قد أكل أوباره من طول الحبس عن محله\".\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد برقم ٢٦٣٤ ومسلم (٤/ ٣٠)، كتاب الحج، باب بيان وجوه الإحرام.","vol":"1","page":169},{"text":"وهو أيضًا خطأ على قول من يزعم أن البقرة عن سبعة (^١)، لأن أزواج النبي -ﷺ- كنَّ تسعًا، فكيف تجزئ عنهم بقرة؟\nوليس يجوز عندنا الاشتراك في الهدايا، لإجماع الصحابة لما سئلوا عما ﴿اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾، فذكروا رأسًا عن كل رأس، فقالوا: البقرة، والبدنة، والشاة.\nويجوز في الضحايا في أهل البيت وإن كثروا، إذا كان المضحي عنهم واحدًا (^٢).\nولا يجوز ذلك في المُتَبايِنَيْن، لِما روي عن رسول اللَّه -ﷺ- أنه ضحى عن أمته، ولما ذكره أبو أيوب الأنصاري أنه كان يفعل، وليس سبيل الضحايا سبيل الهدي.\nقال اللَّه ﵎: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥]، فجعله مِثْلًا ليكون على القاتل مثل المقتول من النعم، وهو واحد من الهدي، ولم يَجُز أن يكون بعضَ واحد.\nوقال: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾، فهو واحد، وقد يكون من الإبل، وقد يكون من البفر، ويكون من الشّاءِ، فأي ذلك استيسر فالهدي اسم للجميع، وواحده هَدِيَّة.\nوقال: ﴿وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ [الفتح: ٢٥] فعلم أنهم صدوه.\nولما قيل: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥]، علم أنه عن الشيء الواحد، واحد من الإبل، لأن الأمة على العموم، ولم يقصد بها لإنسان بعينه، ولا في\n_________\n(^١) هو مذهب أبي حنيفة والشافعي، انظر الإشراف (١/ ٥٠٦)، والأم (٤/ ٥٦٧).\n(^٢) في الأصل: واحد.","vol":"1","page":170},{"text":"صيد واحد، وهو اسم لجميع الهدي، وأهل اللغة يقولون: إن واحد الهدي هدية، مثل: تمرة وتمر، وجمرة وجمر، وطلحة وطلح، ثبت أنها في الواحد، وتسقطها في الجمع، فلما قيل: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ وقد عرفوا أجناس الهدي، عُلم أنه واحد من هذه الأجناس أنها ما استيسر، لأنها كلها يكون لها واحد وجميع، فأما بعض الواحد فهو جزء من الأجزاء، يُعرف بتقدير الأهلاك، من غير أن يكون لها معاينة تعرف بها، كما تُعرف الشّاءُ بعينها، والبعير بعينه، لأن الإيجاب يقع على كل شيء يختاره الإنسان، فيوجبه بعينه، وقد كان معروفًا بالنعت قبل أن يوجبه، والأجزاء لا تكون معينة ولا يوقف على حدودها، وقد قيل في الجنين: غرة، فوقع الإيجاب على شيء يعرف بالنعت، فكانت الأمة غرة، وكان العبد غرة، وكان الفرس غرة، فأي ذلك أخرج الرجل فقد أخرج شيئًا نُعِت له.\nولو قال إنسان: ائتني بما تيسر من الإبل والغنم، لما وقع على بعض شاة، لأنه إذا أتاه ببعض البعير فإنما يأتيه به لحمًا، ولا يقع عليه اسم البعير، وإنما يقال: لحم بعير، ولحم شاة.\nكذلك إذا قيل له: سُق ما استيسر من الهدي، لم يقع على بعض بعير.\nقال اللَّه تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ [الحج: ٣٦]، فإذا وجبت بدنًا قبل أن تنحر، ولم يُقصد بها اللحم الذي يُتصدق به، ألا ترى أنها قد وُصِفَت بأنها من شعائر اللَّه، كما قيل في الصفا والمروة إنها من شعائر اللَّه؟ وقال: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢].\nفإذا وصفت بأنها من شعائر اللَّه، فليس يَعلم قدر ثوابها إلا اللَّه ﷿.","vol":"1","page":171},{"text":"ولو كان الهدي إنما يُبتغى به مقدار لحمه، لكان أوفر للمساكين أن يجتمع من الهدي والنفقة عليه والكلفة بلاغه، ثم يُشترى بذلك لحم ويُقسم، ولم يكلف الناس سوقه، وما فيه من التعب والغرر، ولعل هديًا واحدًا يساق، أفضل عند اللَّه من مائة جزور تنحر، ويقسم لحمها، وكيف يمكن أن يُشَبّه هذا بهذا، وقد سماه اللَّه ﷿ من الشعائر؟\nقال زيد بن أسلم: الشعائر ست: الصفا والمروة، والجمار، والمشعر الحرام، والبُدْن، وعرفة، والركن (^١).\nفإذا جعلت البدن من إحدى الشعائر، فكيف يُعرف قدرُها؟\nوأصحاب اللغة جميعًا قالوا: الشعائر مأخوذة من الشيء الذي قد أُشْعِر ليُعْرَف، ومما يدل على ذلك: إشعار الهدي، وتقليده، فيصير ذلك علامة له، إذا كانت الشعائر سوى البدن مواضع معروفة، وأوقات معلومة، فهذا علامة لها، والهدي إنما يصير هديًا بعد الإيجاب، فجعلت له علامة.\nوكان الإشعار والشعائر مشتقًا بعضها من بعض واللَّه أعلم، فلما سُمِّيت البدن في كتاب اللَّه من الشعائر، وجعل فيها الإشعار، فكيف يفعل الإنسان بنصيبه من الجزور إذا كانت بينه وبين آخر، فكيف يُشعِرها؟\nوقد يمكن أن يكون شريكُه كافرًا لا يريد أن ينحر الجزور إن تابعه الشريك على النحر، وإنما يصير حامل نصيب المهدي لحمًا يقسمه ويأكل منه، لأنه هو الذي يمكن أن يُقسم بينه وبين شريكه، ويبطل المعنى الذي وصفه اللَّه ﵎ فيها بأنه من الشعائر، وبأنهم يذكرون اسم اللَّه عليها صواف، لأن الذكر الذي يُذكر عليها لا ينقسم كما ينقسم اللحم، ويبطل المعنى في المهدي،\n_________\n(^١) لم أقف عليه مسندًا، وذكره مكي بن أبي طالب في الهداية (٣/ ١٥٦٥)، والباجي في المنتقى (٢/ ٢٩٤).","vol":"1","page":172},{"text":"وتصير البُدْن التي وصفها اللَّه تعالى بما وصفها له، تنحر بأمر مسلم وكافر لا يُخلِص للَّه في نحرها.\nوقد قال بجواز ذلك بعض المتكلفين للعلم، من القرون المذمومة (^١).\nوقد روى أبو حمزة، عن ابن عباس: \"شركة في دم\"، وهو شيخ، وخالفه أبو أيوب، عن محمد، عن ابن عباس، وثقاتُ أصحاب ابن عباس، فوهَى ما رواه، والمعتمَد في العلم على الثقات المعروفين بالضبط.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-106>[عَوْدٌ إلى جنس الهدي]</span>\nوقد كان مالك -﵁- يستحب أن يكون الهدي جزورًا، أو بقرة، ويرى أن الشاة تجزئ، ويحتج بقول اللَّه ﷿: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥] (^٢).\nوقد روى الكوفيون بأجود أسانيدهم، عن عائشة -﵂- أنها قالت: \"كأني أنظر إليَّ أَفْتِل قلائد هدي رسول اللَّه -ﷺ- من الغنم\" (^٣). فإنه خطأ ذكْرُ الغنم منه، لأن أهل المدينة رَوَوْهُ بالإسناد الجيد من أسانيدهم، ولم يذكروا فيه هذه الكلمة (^٤)، وما سمعنا في حديث، ولا سِيرة، ولا في خبر أن الغنم سيقت في\n_________\n(^١) قال ابن عبد البر في الاستذكار (١٢/ ٣١٩): \"قال أبو ثور: إن كان أحد السبعة المشتركين في الهدي ذميا، أو مَن يريد حصته من اللحم ولا يريد الهديَ، أجزأ من أراد الهديَ، ويأخذ الباقون حصصهم من اللحم\".\n(^٢) الموطأ برقم ١١٤ كتاب: الحج، ما استيسر من الهدي، رواية يحيى.\n(^٣) متفق عليه: البخاري برقم ١٧٠٢ و١٧٠٣ كتاب: الحج، باب: تقليد الغنم، ومسلم: (٤/ ٩٠)، كتاب: الحج، باب: استحباب بعث الهدي إلى الحرم.\n(^٤) الحديث بغير لفظ الغنم متفق عليه، رواه البخاري برقم ١٦٩٦، كتاب: الحج، باب من أشعر وقلد بذي الحليفة ثم أحرم، و١٦٩٨ كتاب: الحج، باب: فتل قلائد البدن والبقر، و١٧٠٠، كتاب: الحج، باب: من قلد القلائد بيده، و١٧٠٤ كتاب: الحج، باب: تقليد الغنم، و١٧٠٥، كتاب: الحج، باب: القلائد من العهن، ومسلم (٤/ ٨٩ - ٩٠)، كتاب: الحج، باب: استحباب بعث الهدي إلى الحرم.","vol":"1","page":173},{"text":"الهدي من المدينة، في زمن رسول اللَّه -ﷺ- ولا بعده، وهذا لو كان، لكان أمرًا مشهودًا، لبعده من قلوب الناس، ولولا أن ثقات الكوفيين يدلسون، فيمسكون عن ذكر من لو ذكر في الخبر لبطل، لكان هذا الحديث في القلب منه شك، ولكن لا شك في بطلانه.\nقال عبد الرحمن بن مهدي مثله من أجل التدليس: لا تشاء أن ترى في حديث أهل الكوفة جيد الإسناد لا أصل له إلا وجدته.\n٢٣ - نا الفريابي (^١)، قال: نا نصر بن علي، قال: نا الأصمعي، قال: قال سفيان بن عيينة: إذا أردت ما لا يُعرَف حقه من باطله، فعليك بأهل العراق.\nوقال ابن المبارك: أفسد التدليس حديث أهل الكوفة.\nقال القاضي: ومما يذهب على مخالفنا ممن يجيز الشرك في الدم، وخفي عليه وضل عن علمه، قول النبي -ﷺ- وقد سئل: ما أفضل الحج؟ فقال: \"العَجُّ، والثَّجُّ\" (^٢)، والعجُّ: التلبية إجابةً للَّه إلى ما دعا إليه، والثجُّ: إراقةُ الدماء. وفي هذا دليل واضح أن المتقرَّبَ إلى اللَّه به: إراقة الدماء لا اللحم الذي يُقسم، واللَّه أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) في الأصل: الفاريابي.\n(^٢) رواه الترمذي برقم ٨٢٧، أبواب: الحج، باب: ما جاء في فضل التلبية والنحر، وابن ماجة برقم ٢٩٢ أبواب: المناسك، باب: رفع الصوت بالتلبية، عن أبي بكر الصديق، وجزء من حديث رواه الترمذي برقم ٢٩٩٨ أبواب تفسير القرآن، باب: ومن سورة آل عمران، وابن ماجة برقم ٢٨٩٦، أبواب: المناسك، باب: ما يوجب الحج، عن ابن عمر ﵁.","vol":"1","page":174},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-107>١٩٦ - قال اللَّه تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-108>[صيام المتمتع الذي لم يجد الهدي]</span>\nأخبرنا أبو بكر محمد بن علي بن أحمد الأُدْفُوي، قال: أنا أبو الفضل بكر بن محمد بن العلاء القُشَيْري القاضي، في منزله بمصرَ قراءة عليه وأنا أسمع، قيل له: قلتَ رضي اللَّه عنك:\nقال جماعة من المفسرين ومن الفقهاء الذين تكلموا في هذه الآية: الثلاث آخرها يوم عرفة.\nوأجاز بعضهم تفرقتها في شوال، وذي القعدة، وذي الحجة (^١).\nوقال بعضهم: فإن تأخر عن ذلك أَهْراقَ دمًا، قالوا: إن شاء فرقها في هذه الشهور (^٢).\nوقال بعضهم: لا تجوز إلا متتابعة، وروي نحو ذلك عن عمر، وعلي.\nوروي عن عائشة، وابن عمر، وجماعة من التابعين، أن المستمتع إذا لم يجد الهدي، ولم يصم حتى مضى العشر، أنه يصوم أيام التشريق (^٣).\n_________\n(^١) روى ذلك ابن أبي شيبة برقم ١٣١٢٤، و١٣١٢٦، كتاب: الحج، باب: في المتمتع يريد الصوم متى يصوم؟ عن مجاهد.\n(^٢) روى ابن أبي شيبة ذلك في كتاب: الحج، في المتمتع إذا فاته الصوم، عن عمر وابن عباس من الصحابة، وعن عطاء وطاوس ومجاهد وغيرهم من التابعين.\n(^٣) روى البخاري برقم ١٩٩٧ - ١٩٩٨ كتاب: الصوم، باب: صيام أيام التشريق، عن =","vol":"1","page":175},{"text":"واختلفوا أيضًا في السبعة، فقال بعضهم: يصومها بمكة.\nوقال آخرون: يصومها في بلده (^١).\nقال القاضي في ذلك: فوجدنا قول من يقول: يصوم في العشر، ومن أباحه في شوال وذي القعدة، يدور في ذلك على أن يقع الصوم بعد أن يهل بالحج، لأن اللَّه ﷿ قال: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾، فإذا اعتمر في أشهر الحج، فليس يتمتع حتى يُهِلّ بالحج، لأنه قد يعتمر في أشهر الحج ثم لا يحج، فإن أهَلَّ بالحج صار حينئذ متمتعا، وجاء موضع الهدي أو الصيام إن لم يجد هديًا، ولا يبالي حينئذ أن يقع صومه في ذي الحجة، أو في ذي القعدة، أو في شوال، لأنه قد أهلَّ بالحج بعد أن اعتمر في أشهر الحج، فوضَع صومَه في الحج إذ قد كان أحرم به.\nفإن لم يصم حتى يمضيَ يوم عرفة، فقد ذكرنا ما روي عن عائشة (^٢)، وابن عمر (^٣)، وبعض التابعين، أنه يصوم التشريق (^٤)، وهو قول مالك (^٥).\nوإنما أرخص هؤلاء في صيام أيام التشريق، لأنها بقية من الحج، فلما لم يجد الهدي، وكانت من أيام الحج، أمرناه بصومها.\n_________\n= عائشة وابن عمر قالا: \"لم يرخص في أيام التشريق أن يصمن، إلا لمن لم يجد الهدي\".\n(^١) رواه ابن أبي حاتم في تفسير الآية برقم ١٨٠٤ عن ابن عمر، وقال: \"وروى سعيد بن جبير، وأبو العالية، ومجاهد، وعطاء، وعكرمة، والحسن، والزهري، وقتادة، والربيع بن أنس نحو ذلك\".\n(^٢) رواه ابن جرير في تفسيره (٢/ ٢٥٨)، وابن أبي حاتم في تفسيره (١/ ٣٤٢).\n(^٣) رواه ابن جرير في تفسيره (٢/ ٢٥٨)، وابن أبي حاتم في تفسيره (١/ ٣٤٣).\n(^٤) روي عن عكرمة، والحسن، وعبيد بن عمير، انظر ابن جرير (٢/ ٢٥٩)، وابن أبي حاتم، الموضع السابق.\n(^٥) المدونة (١/ ٤١٥).","vol":"1","page":176},{"text":"وقد روي عن النبي -ﷺ- الإرخاص في صومها من طريق ابن عمر، ولعله قالها اتباعًا.\n٢٤ - نا أبو الضحاك ابن أبي عاصم، وأحمد بن عبيد اللَّه الجُبَيري، قالا: أخبرنا محمد بن عبد اللَّه بن عبد الحكم، قال: نا يحيى بن سلَّام، عن شعبة، عن أبي ليلى، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، أن النبي -ﷺ- أرخص لمن لم يجد الهدي، ولم يصم في العشر، وكان متمتعًا، أن يصوم أيام التشريق (^١).\nوالقرآن مؤيِّد لهذا الخبر، لأن اللَّه ﷿ قال: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾، وهذه أيام من أيام الحج.\nفإن قال قائل: إن النبي -ﷺ- نهى عن صيامها، وقال: \"هي أيام أكل وشرب وذكر للَّه\" (^٢)، فهذا -واللَّه أعلم- أريد به من لم يجب للَّه عليه صيامٌ، فليس له صومها، وإذا كان من رجب عليه الصوم، رجب عليه صيامها، كما جاء أن النبي -ﷺ- نهى عن الصلاة بعد العصر وبعد الصبح (^٣)، وقد قال النبي -ﷺ-: \"من نسي صلاة، فليصلها إذا ذكرها\" (^٤)، فأنزل الأول في المتطوعين، ولم\n_________\n(^١) رواه الدارقطني برقم ٢٢٨ كتاب: الصيام، باب: القبلة للصائم، وقال: \"يحيى بن سلام ليس بالقوي\"، والبيهقي برقم ٨٩٧٠، كتاب: الحج، باب: الإعواز من هدي المتعة ووقت الصوم، وضعف ابن حجر جميع الطرق المصرحة بالرفع، انظر فتح الباري (٤/ ٣٤٧).\n(^٢) تقدم تخريجه.\n(^٣) وردت في هذا النهي أحاديث منها حديث ابن عمر المتفق عليه، رواه البخاري برقم ٥٨٣ كتاب: مواقيت الصلاة، باب: الصلاة بعد الفجر حتى ترتفع الشمس، و٥٨٣ كتاب: بدء الخلق، باب: صفة إبليس وجنوده، ومسلم (٢/ ٢٠٧)، كتاب: الصلاة، باب: الأوقات التي نهي عن الصلاة فيها.\n(^٤) رواه مسلم (٢/ ١٣٨ و١٤٨)، كتاب: الصلاة، باب: قضاء الصلاة الفائتة، عن أنس بن مالك -﵁-.","vol":"1","page":177},{"text":"يمنع المفترضين من الصلاة في ذلك الوقت، ولا من دخل المسجد وقد صلى في رَحْلِه، أن يُعيد.\nكذلك مُنِعَ من الصيام المتطوعُ في أيام التشريق، وجاز للمفترَض عليه الصيامُ في الحج صومُها، فإن أخَّر إنسان صلاةً ذكرها بعد العصر، فقد أخطأ، وصارت عليه في وقت ثان، كما أنه إن أخَّر هذا الصومَ في أيام التشريق كان له قضاؤها، ثم السبعة.\nوعلى أن النبي -ﷺ- لم يُحرِّم صيام أيام التشريق، وإنما حَرَّم يومين: الفطر، والأضحى، وقال في أيام التشريق: \"أيام أكل وشرب\"، ويقال: \"وذكر للَّه\"، فخصها بالترفيه، وقد ذكرنا من قال ذلك، ومن قال ينتقل إلى الدم.\nوقد قال مالك -﵁-: إنه يصوم، ولو كان الصوم إذا فات في الحج لم يجز أن يقضى، كان موضعه قد فات، لقد كان الهدي أيضًا لا يجوز أن يُقضى، لأن موضعه قد فات، إذ كل واحد من الهدي والصوم إنما أمر به في الحج.\nوالوجه عندنا -واللَّه أعلم- أن يعمل فيما يقضى من ذلك بعد وقته ما كان يفعل في وقته.\nفلو أن مُظاهِرًا غَشِيَ قبل أن يُكَفِّرَ، وعتقُ الرقبة ممكنٌ، فذهب ماله، لوجب عليه ما كان رجب في الأصل، عتق رقبةٍ وإلا صام، فإن لم يقدر أطعم، يفعل في ذلك بعد الغَشَيان ما كان يفعل قبله. ونظائر هذا كثير.\nفإن قيل: فلِمَ جوَّز ثَمَّ للذي يقضي شهر رمضان أن يقضيه متفرقًا، وقد كان في الأصل متتابعًا؟\nقلنا: الذي يختار في كل الصيام أن يكون متتابعًا، فإن قُضِيَ متفرقًا دون ما شرط اللَّه فيه التتابع جاز، لأنه قد أتى في القضاء من العدد مثل ما كان عليه في الأصل، وإنما وجبت المواصلة في رمضان لأنه مُفترَض بعينه، فلما زالت","vol":"1","page":178},{"text":"العين رجب العدد، لأن اللَّه ﷿ قال: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤]، فقام العدد في كل يوم من القضاء مقام كل يوم من الشهر، ألا ترى أن رجلًا لو أسلم في بعض رمضان، لوجب عليه عندنا صيام ما بقي فيه دون ما مضى، ولو أفطر إنسان متعمدًا يومًا، لما أفسد ذلك عليه غير يومه.\nوليس مجرى الشهرين المتتابعين هذا المجرى، لأن الشهرين لم يكونا في الأصل بأعيانهما، وإنما نعني بالتتابع، فصار بعضه مضمنًا (^١) ببعض، فإن تعمد إنسان إفساد يوم من الشهرين فسد عليه ما مضى منهما، وفي جميع ما وصفنا دليل على ما ذكرناه من أمر الهدي والصوم في التمتع.\nفأما التفريق بين الثلاثة والسبعة، فإنه إن تابَع كان أحب إلينا، وإن فَرَّق أجزأه، لأنه لم يشترط علينا فيه التتابع.\nفأما الذي يصوم في تمتعه، ثم يُوسِر قبل أن يفرغ من صيامه، فقد روي في ذلك اختلاف عن التابعين، والنظر يدل على ما قلناه من أنه يمضي على صومه، لأن المتمتع إذا لم يجد الهدي، والمُظاهِر إذا لم يجد الرقبة، والمتيمم إذا لم يجد الماء، والمطلَّقة التي لم تَحِض ثم حاضت، لكل صنف مما وصفنا وجه.\nفأما المتمتع، والمُظاهر، والقاتل، فقد جُعل عليهم الصيام عند العدم، وإذا دخلوا في الصيام فقد دخل بأمر اللَّه، ومضى بعض عمله فلا ينتقض ذلك، وكذلك دخل في الصلاة بأمر اللَّه، وزال فرض الوضوء عنه لهذه الصلاة، فلا تنتقض صلاته برؤية الماء.\nوأما المُعتدَّة فإنها أُمرت بشيء ليس الأمر فيه إليها، فظاهر الأمر أنها أُمرت أن تنتظر أن تمضي الشهور، أو تمضي الأقراء، فكانت العِدَّة أحد هذين الأمرين، وكأنه لا تعلمه إلا بانقضائه، إذ كان غيبًا من غيب اللَّه ﷿، لا\n_________\n(^١) في الأصل: مضمن.","vol":"1","page":179},{"text":"فعل لمخلوق فيه، لأن المرأة لا تعلم (^١) حقيقة عِدَّتها، إذ لا تدري هل تحيض قبل مضي الشهر أم لا؟ وكذلك التي تحيض، لا تدري هل يدوم حيضها أم ينقطع، فينتقل إلى الشهور، فتصير يائسة، وإنما تدري ما عدتها عند تقَضّيها، فالمطلقة للعدة هي في عدة منذ يوم طُلِّقت، لأن أيام طُهرها -قصُرت أم طالت- قرَّبتها من الحيض إن حاضت، وهو قرء من الأقراء، فالطُّهر يؤدي إلى الحيض، والحيض يؤدي إلى الطهر، والصيام والعتق في الكفارة ليس يؤدي أحدهما إلى صاحبه، ولم يكن المكفِّر منذ يوم وجبت عليه الكفارة مكفِّرًا، كما كانت المرأة منذ يوم طُلِّقت معتدة، لأن المكفِّر إنما أُمِر أن يستأنف فعلًا يفعله، إما عتقًا، وإما صيامًا، فكل واحد منهما مُبايِن للآخر.\nفإن اختار الصائم في أوَّل صيامه العتق، بعد أن قدر عليه، فقد رأى ذلك مالك، وإنما هو أبطل فعلًا فعله، ثم استأنف فعلًا آخر خَفَّف به عن نفسه.\nوالمتيمم إذا وجد الماء قبل دخوله في الصلاة، فإن الوضوء واجب عليه، لأن التيمم وقع في غير موضعه، إذ كان إنما أبيح له التيمم للدخول في الصلاة موصولًا بها، فإذا وجد الماء قبل الدخول فهو وقت للصلاة ووقت للوضوء، لأن التيمم لا يقصد به الإنسان نفسه، إنما يقصد به الإنسان الصلاة، فإذا دخل فيها لم تنتقض عليه صلاته إلا بحدث يُفسد الصلاة من غير طريق التيمم.\nوليس التيمم بإزاء الصيام للكفارة، لأن التيمم لا يزيل الحدث، وإنما أمر به للدخول في الصلاة، فإذا وصلت بالدخول فقد فعل ما أمره اللَّه به، وزال ذلك الفرض إلى فرض الصلاة، وإنما بإزاء الدخول في صيام الكفارةِ، الدخولُ في الصلاة بعد التيمم.\n_________\n(^١) في الأصل: يعلم.","vol":"1","page":180},{"text":"وأما المرأة إذا طلقها زوجها طلاقًا يملك فيه رجعتها، ثم يموت عنها، فإن عِدَّتها تنتقل، لأن حكمها حكم المرأة التي لم تطلق في الأمور التي تَحْدُث مادامت في عدتها، من ملاعنة، أو ميراث، أو نفقة، من أجل أن زوجها يملك رجعتها، فلذلك ما جُعِلَت أحكامُها أحكامَ الزوجات.\nفأما الأَمَة إذا أعتقت بعد أن طلقها زوجها، فإن العدة لا تنتقل، لأن العِدَّة وجبت يوم وقع الطلاق، واللَّه أعلم.\n* * *","vol":"1","page":181},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-109>١٩٦ - قال اللَّه ﷿: ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾</span>\nقال القاضي: قال ابن عمر: إذا رجعت إلى أهلك (^١).\nوقال بعضهم -أعني التابعين-: إن شاء صام في الطريق، وإن شاء صام إذا رجع إلى أهله (^٢).\nوقال عطاء: إذا رجع من منى.\nوكل ذلك جائز، إن صام عند رجوعه من منى أجزأه، وإن صام في طريقه أجزأه، وإن أخَّره إلى بلده أجزأه.\n١٩٦ - وقال: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾، ومعنى كاملة: أحد وجهين، إما كاملة من الهدي كافية عنه، وإما مجزئة عنه لا شيء عليه بعدها، ألا ترى أنه يقال في العدد، فذلك ليعلم به انقطاع العدد.\nوقوله -واللَّه أعلم-: ﴿فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ [الأعراف: ١٤٢]، على نحو المعنى في قوله: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ في كمال العدد.\n* * *\n_________\n(^١) رواه ابن أبي حاتم في تفسيره (١/ ٣٤٣).\n(^٢) ممن قاله مجاهد، وإبراهيم، وعطاء، انظر تفسير ابن جرير (٢/ ٢٦٣)، وتفسير ابن أبي حاتم (١/ ٣٤٣).","vol":"1","page":182},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-110>١٩٦ - قال اللَّه ﷿: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-111>[المُتمتع]</span>\nاختلف الناس في هذه الآية، فقال بعضهم: أهل مكة (^١).\nوقال آخرون: من كان من أهل دون المواقيت (^٢).\nفأما داخلٌ دخلَ مكة بحج أو عمرة أو لحاجة، وهو لا يريد إيطانها، ولا أن يتخذها منزلًا، فلا نعلم أحدًا منهم قال ذلك فيه.\nوالمعنى الظاهر واللَّه أعلم أي: من لم يكن من أهل ذلك الموضع، ولوا أن مكيًّا خرج لحاجته ثم رجع في أشهر الحج، فاعتمر ثم حج، لما كان عليه هدي، لأنه من أهل مكة (^٣)، وكذلك من لم يكن من أهل مكة، ثم دخل مكة لحاجة، لم يكن من أهلها، وكان عليه الهدي، وذلك قول مالك -﵁-.\nوقال أيضًا في الذي يأتي مكة يريد الإقامة بها وعدَّها منزلًا ثم يتمتع: فلا هدي عليه، وهو كأهل مكة بالنية.\n_________\n(^١) ممن قاله: ابن عباس، ومجاهد، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وطاوس، انظر تفسير ابن جرير (٢/ ٢٦٥).\n(^٢) كذا العبارة في الأصل، وسياقها: أهلُ الحرم ومن كان من أهله دون المواقيت، وممن قال بهذا القول: مكحول، وعطاء، انظر تفسير ابن جرير (٢/ ٢٦٦).\n(^٣) المدونة (١/ ٣٧١).","vol":"1","page":183},{"text":"فإن دخلها معتمرًا في أشهر الحج يريد الإقامة بها، ثم حج، فهو متمتع، وليس بمنزلة أهل مكة في هذا الموضع، لأنه حين دخل مكة، ونوى الإقامة بمكة، لم يسقط عنه الهدي لأنه نوى، وإنما يسقط الهدي إذا نوى وفعل (^١).\nومذهب مالك في هذه الآية، أنهم أهل مكة وما اتصل بها من البيوت مثل: ذي طَوى (^٢) وما أشبهها، وهؤلاء حاضروا المسجد الحرام، لأنهم أهل القرية التي فيها المسجد الحرام، وليس كل أهل الحرم كذلك، لأن أهل منًى ليسوا أهلَ مكة، كما أن أهل مكةَ ليسوا أهل منى، ومنى من الحرم (^٣).\nولو أن رجلًا من أهل مكة ثَمَّ خرج مسافرًا، لما جاز له أن يقصر الصلاة حتى يخرج من بيوت مكة وما اتصل بها، فهو حاضرٌ وليس بمسافر، فإذا خرج عن البيوت صار مسافرًا، ولو كان حكم الحرم كله كحكم أهل مكة في أنهم حاضروا المسجد الحرام، لما جاز له أن يُقَصِّرَ حتى يخرج عن الحرم.\nوأما قول من قال: فمن كان أهله دون المواقيت، فإن المواقيت لم تجعل للناس، لأنها حاضرة المسجد الحرام، ألا ترى أن بعض المواقيت بينها وبين مكة مسيرة ثماني ليال، ومنها ليلتين، أفيكون من كان دون ذي الحليفة من حاضري المسجد، ومن كان منزله من وراء قَرَن، مما يلي نجدًا (^٤) من حاضري المسجد الحرام؟ وإنما الحاضر للشيء من هو معه.\nولم يوقت المواقيت ليكون إحرام الناس من المسجد الحرام، وإنما هو رخصة من اللَّه، ورحمة لخلقه إذا استجابوا لما دُعوا له، وكان عليهم أن يقولوا:\n_________\n(^١) الموطأ ٩٨٢ برقم، كتاب: الحج، ما جاء في المتمتع.\n(^٢) قال البكري: بفتح أوله مقصور منون، واد بمكة، معجم ما استعجم (٣/ ٥٩٦).\n(^٣) تفرقة مالك بين أهل مكة القريةِ وما اتصل بها وغيرهم، وردت في المدونة (١/ ٣٧٢ و٣٧٨).\n(^٤) في الأصل: نجد.","vol":"1","page":184},{"text":"لبيك من منازلهم، فوقعت الإباحة لمن دُعِيَ (^١) فقال: لبَّيك، وخرج، أن يأتي حلالًا في رخصة اللَّه إلى أن يبلغ ميقاته، إذ كان عليه أن يحرم من الموضع الذي خرج منه، مستجيبًا (^٢) للأذان والدعوة بقول: لبَّيك، فلما كان الأصل هذا، أَوْسَعَ عليهم، ووَقَّتَ لهم المواقيت على لسان نبيه محمد -ﷺ-، وبعضها أبعد من بعض، وليس هذا من باب التمتع في شيء.\nوكان على كل من رجب عليه الحج أن يلبي من بلده ويَحسِب، فيكون إحرام بعضهم السَّنة، والعشرة أشهر، وما أشبه ذلك، فخَفَّف عنهم بقوله ﷿: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧] كما خفف في المواقيت، وكذلك من أحرم قبل الشهور لزمه، ومن أحرم قبل المواقيت لزمه، لتركه الترخيص من اللَّه جل ثناؤه، وعَمِلَه بالشديد، واللَّه أعلم.\nومما يدل أيضًا على أن حاضري المسجد الحرام أهلُ مكة، ما جاء من الأحاديث أن العمرة واجبة بالسّنَّة على الناس كلِّهم، إذ كانوا لا هدي عليهم، ولم يجروا مجرى غيرهم من المتمتعين، فكذلك لم تجب عليهم العمرة، لأنهم يطوفون في كل وقت.\nقال عطاء وطاوس: ليس على أهل مكة عمرة (^٣).\nوقال ابن عباس -﵁- مثل ذلك.\nوقال ابن عمر -﵁- مثله، وزاد: إنما هم في عمرة كل يوم.\nفإن قال قائل: فإن الحرم كله مسجد، فليس كما قال، لأن اللَّه ﵎ قد ذكر المسجد الحرام في غير موضع فقال: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ\n_________\n(^١) في الأصل: دعا.\n(^٢) في الأصل: مستجيب.\n(^٣) رواه عنهما ابن أبي شيبة برقم ١٥٦٩١ و١٥٦٩٢ و١٥٦٩٣ و١٥٦٩٤ في كتاب: الحج، من قال ليس على أهل مكة عمرة، (ط الرشد).","vol":"1","page":185},{"text":"الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [التوبة: ١٩]، وقال ﷿: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الإسراء: ١]، وقال: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ [التوبة: ٢٨]، وقال ﵎: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الفتح: ٢٥]، فكل هذا يدل على أنه المسجد الحرام بعينه، وإنما صدُّ المشركون النبي -ﷺ- عن المسجد والبيت، فأما الحرم، فقد كان النبي -ﷺ- غير ممنوع منه، لأن الحديبية تلي الحرم، وهي من الحِل، فحاضروا المسجد الحرام الذين هم دهرُهم في متعة، هم الذين عليهم الجمعة، وهي مكة وما اتصل بها من البيوت، ومن يبلُغُه النداء، واللَّه أعلم.\n* * *","vol":"1","page":186},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-112>١٩٧ - قال اللَّه ﵎: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-113>[أشهر الحج]</span>\nقال ابن عباس، وابن مسعود، وجماعة من التابعين: شوال، وذو القعدة، وعشرة من ذي الحجة (^١).\nوقال ابن عمر، وعمرو بن العاصي، وجماعة من التابعين: شوال، وذو القعدة، وذو الحجة (^٢).\nوالفصل بين أشهر الحج وغيرها، أن من اعتمر من غير أهل مكة في أشهر الحج، ثم أقام بمكة حتى يحج في تلك السنة فهو متمتع، وعليه ما على المتمتع، فإن اعتمر في غير أشهر الحج ثم أقام حتى يحج فليس بمتمتع، لأنه أتى بالعمرة في موضعها الذي هو الأصل لها، وإذا أتى بها في أشهر الحج، فقد أتى بها في غير أشهرها، في الأشهر التي جُعِلت لغيرها، وقد رخص في ذلك،\n_________\n(^١) قول ابن عباس أخرجه ابن جرير في تفسيره (٢/ ٢٦٧ - ٢٦٨)، وأخرج أيضًا قول ابن مسعود (٢/ ٢٦٧)، وأخرجه أيضًا عن ابن عمر (٢/ ٢٦٨ - ٢٦٩)، وعن: إبراهيم، والشعبي، وعامر، والسدي، ومجاهد، والضحاك، من التابعين.\n(^٢) قول ابن عمر، أخرجه ابن جرير في تفسيره (٢/ ٢٦٩)، أما قول عمرو فلم أظفر به، وأخرج الأثر ابن جرير أيضًا عن: عطاء، والربيع، وقتادة، ومجاهد، وطاوس، وابن شهاب، من التابعين.","vol":"1","page":187},{"text":"وجعل فيه الهدي أو الصيام، وأرخص للقارن أيضًا، وإنما كان الأصل أن لا تكون العمرة في أشهر الحج، وأن يكون الحج لا عمرة معه، فأرخص لهم على أن عليهم الهدي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-114>[الإحرام قبل أشهر الحج وقبل الميقات]</span>\nوفي أشهر الحج أيضًا معنى آخر: أنه لا ينبغي لأحد على الاختيار أن يُحرِم بالحج قبل أشهر الحج، فإن فعل لزمه، إذ شدد على نفسه وترك الرخصة، لأنه أُرخص له وخُفف عنه كما خفف بالميقات، فإن أحرم قبله لزمه ذلك، وإنما لزمه الإحرام في الحالين جميعًا لأنه أوجب على نفسه عملًا يعمله في وقت بعينه، وهو الوقوف بعرفة، والذي به يدرك الإنسانُ الحجَّ، فليس يَنْفَكُّ من ذلك حتى يأتي بما ألزمه نفسه من طاعة اللَّه ﷿، إذ لا فرق بين الشهور وتقدمها وبين الميقات وتقدمه، لأنه كان في الأصل على الناس جميعًا حين قيل: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ [الحج: ٢٧]، أن تكون الإجابة والتلبية من أوطانهم، ومنهم من يكون سفره نحو السَّنة وأقل من ذلك وأكثر، فخفف عنهم بالشهور وبالميقات، فإذا أحرم قبل الميقات لزمه، كذلك إذا أحرم قبل الشهور.\nوليس يشبه هذا الصلاة، لأنه لا سبيل إلى الدخول فيها حتى تجب.\nوالحج هو: القصد، ووجوبه من الأوطان على كل إنسان على قدر مسافته، وإنما يسر عليه وخفف عنه، فإن قبِل ذلك واختاره، وإلا كان على الأصل الذي كان الإيجاب به، إذ كان اللَّه ﷿ أوجب الحج، والحج: القصد، فليس يشبه الصلاةَ التي أعمالها متصلة بها، والحج أعماله متباعد بعضها من بعض، فهو يخرج في أول شوال، ثم لا عمل له إلى يوم عرفة إن شاء، وأعماله كلها بعد عرفة إلا السعي، فإنه إن قدمه في إثر الطواف أجزأه.","vol":"1","page":188},{"text":"والحج أيضًا مُبايِن للصلاة في أشياء كثيرة، فليس تجوز الصلاة إلا بحضرة النية، ولو نوى إنسان بعرفة الحج ووقف لأجزأه ذلك من غير أن يلزمه نفسه قولًا، وقد يُشْعِر هديَه يريد به إيجاب الحج، فيجزئه ذلك من الفرض وإن كان قد نقص حظه بترك التلبية، والحج مجزئ عنه، ولو أن رجلًا ركع للصلاة يريد بركوعه إيجاب الصلاة، ولم يلفظ بالتكبير لما أجزأه.\nوقد ألزم نفسَه الحجَّ جماعةٌ من أصحاب رسول اللَّه -ﷺ- قبل الميقات وقبل الشهور فلزمهم ذلك، منهم عمران بن الحصين، فكره له عمر ذلك (^١)، ولزمه الإحرام. وأحرم عبد اللَّه بن عامر (^٢) فكره ذلك عثمان (^٣)، ولزمه ذلك، وكان ابن أبي نُعْم (^٤) يُحرم من السَّنة إلى السَّنة، وإنما كُره ذلك لأن لا يُحْرِج الإنسانَ إحرامُه، ويطول عليه فيفسده.\n_________\n(^١) رواه ابن أبي شيبة في مصنفه برقم ١٢٨٤ كتاب: الحج، من كره تعجيل الإحرام، والطبراني في المعجم الكبير (١٨/ ١٠٧)، والبيهقي في السنن الكبرى برقم ٩٠٠٤، كتاب: الحج، باب: من استحب الإحرام من دويرة أهله، وقال الحافظ ابن كثير في مسند الفاروق (١/ ٣٠٠): \"هذا منقطع، إلا أن يكون الحسن سمعه من عمران بن حصين، واللَّه أعلم\".\n(^٢) في الأصل: عمر، والتصويب من مصادر التخريج.\n(^٣) ذكره البخاري في كتاب: الحج، باب قول اللَّه تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ تعليقًا، وابن أبي شيبة في مصنفه برقم ١٢٨٣، كتاب: الحج، من كره تعجيل الإحرام، والبيهقي في السنن الكبرى برقم ٩٠٠٥، كتاب: الحج، باب: من استحب الإحرام من دويرة أهله، موصولًا، وعزى ابن حجر في الفتح وصله لسعيد بن منصور، وعبد الرزاق، وأحمد بن سيار في تاريخ مرو، وقال: \"هذه أسانيد يقوي بعضها بعضًا\"، وانظر تغليق التعليق (٣/ ٦١ - ٦٢).\n(^٤) في الأصل: بن أبي يعمر، والصواب: بن أبي نُعْم، ضبطه الحافظ في تقريب \"التهذيب\" (ص ٣٠٢) فقال: \"بضم النون، وسكون المهملة\"، وقال ابن سعد في الطبقات (٨/ ٤١٥): \"عبد الرحمن بن أبي نعم البجلي، ويكنى أبا الحكم، وهو الذي كان يحرم من السنة إلى السنة، وكان ثقة، وله أحاديث\".","vol":"1","page":189},{"text":"ولما وقَّت النبي -ﷺ- المواقيت قال: \"يستمتع المرء بأهله وثيابه\" (^١)، فعُلم أن ذلك للرفق بهم.\nوقال ﵎: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾ [البقرة: ١٩٧] فبقوله فمن يوجب فرضًا في غيرهن؟ والفرض: التلبية، وهو الإهلال بالحج، لم يختلف الصحابة والتابعون في ذلك، ويستحب أن يكون فرض الحج في الشهور، فمن قدَّمه لزمه ما ألزم نفسَه، وفرضُ الحج إيجابُه، فمن أوجب على نفسه شيئًا فقد فرضه، واسم الفرائض مشتق من ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-115>[بم ينعقد الإحرام</span>؟]\nإلا أنا نستحب له أن يكون الإيجاب بالتلبية على ما مضى عليه العمل، على أن جماعة من العلماء قالوا: إذا أَشعر، وقلَّد هديه، يريد الإحرام فقد أحرم، وهو مذهب مالك -﵁-، ولا أعلم أحدًا من أهل العلم يخالف في ذلك.\nوإنما اختلفوا إذا أشعر هديه وهو لا يريد الإحرام، فالذي يذهب إليه مالك ما جاء عن النبي -ﷺ- أنه وجَّه بهديه ثم لم يمسك عن شيء مما يمسك عنه المحرم (^٢)، والذي لم يمسك عنه: النساء، والطِّيب، وما أشبهه، وقد روت أم سلمة أنه أمسك عن أخذ الشعر وما أشبهه (^٣).\n_________\n(^١) رواه الإمام الشافعي في الأم (٣/ ٣٤٤)، باب: في المواقيت، ومن طريقه البيهقي في السنن الكبرى برقم ٩٠٠ كتاب: الحج، باب: من استحب الإحرام من دويرة أهله، عن عطاء مرسلًا، أن رسول اللَّه -ﷺ- لما وقت المواقيت، قال: \"ليستمتع المرء بأهله وثيابه، حتى يأتي كذا وكذا للمواقيت\".\n(^٢) يشير إلى الحديث المتفق عليه، رواه البخاري برقم ١٦٩ كتاب: الحج، باب: فتل القلائد للبدن والبقر، ومسلم في صحيحه (٤/ ٨٩)، كتاب: الحج، باب: استحباب بعث الهدي إلى الحرم لمن لا يريد الذهاب بنفسه، عن عائشة -﵂- قالت: كان رسول اللَّه -ﷺ- يهدي من المدينة، فأفتل قلائد هديه، ثم لا يجتنب شيئًا مما يجتنبه المحرم.\n(^٣) يشير إلى الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه (٦/ ٨٣ - ٨٤)، كتاب الصيد =","vol":"1","page":190},{"text":"قال عمر، وابن عباس -﵄-: إذا قلد الهدي فقد لزمه الإحرام (^١).\nوقال مثل قولهما قيس بن سعد (^٢)، ومن شاء اللَّه من التابعين (^٣)، وكلٌّ يقول: لزمه الإحرام، وما انتهى إلينا أن أحدًا من الصحابة والتابعين قال غير ذلك.\nورأيت الشافعي قد قال في كتابه خلافًا لما قاله الصحابة والتابعون، فإن منهم من قال: شهور الحج شوال، وذو القعدة، وذو الحجة، إلى انقضاء أيام الحج.\nومنهم من قال: شوال، وذو القعدة، وعشر من ذي الحجة، فقال هو شوال، وذو القعدة، وتسع من ذي الحجة (^٤)، وتسع تقع على الليالي دون الأيام، فأخرج يومَ عرفة، وليلةَ النحر من الحج، وهو معظم الحج، قال النبي\n_________\n= والذبائح، باب نهي من دخل عليه عشر ذي الحجة وهو مريد التضحية، بطرق مختلفة، وبألفاظ متقاربة، عن أم سلمة ترفعه، قال -ﷺ-: \"إذا دخل العشر وعنده أضحية يريد أن يضحي، فلا يأخذن شعرا، ولا يقلمن ظفرًا\".\n(^١) رواه عن ابن عباس ابنُ أبي شيبة ١٢٨٤٥ في مصنفه برقم ١٢٨٥١ و١٢٨٥٢، كتاب الحج، في الرجل يقلد أو يجلل أو يشعر وهو يريد الإحرام، ورواه أيضًا عن ابن عمر ١٢٨٥، في نفس الموضع.\n(^٢) قول قيس بن سعد لم أقف عليه، وعند ابن أبي شيبة في مصنفه برقم ١٢٨٥٣، الموضع السابق، أثر عن سعد بن قيس وفيه: أنه خرج حتى إذا كان بذي الحليفة وامرأته تُرَجِّلُه، إذ هو ببدن قد قلدت، فنزع رأسه من يد المرأة، وقال: \"من قلد هذه البدن تم على إحرامه\"، فاللَّه أعلم هل قصد المصنف هذا ثم تصحف الاسم أو لا؟\n(^٣) منهم: إبراهيم، وسعيد بن جبير، وطاوس، وغيرهم، راجع مصنف ابن أبي شيبة، الموضع السابق.\n(^٤) مختصر المزني (ملحقٌ بكتاب الأم ص ٦٣).","vol":"1","page":191},{"text":"-ﷺ-: \"الحج عرفة\" (^١)، يريد أن الوقوف بعرفة لا بمزدلفة، يقول هذا ويُتبِعه بأن يقول: من أحرم قبل الشهور لم يلزمه، واللَّه المستعان.\n* * *\n_________\n(^١) رواه أحمد برقم ١٨٧٧٣ و١٨٧٧٤ و١٨٩٥٤، وأبو داود برقم ١٩٤٤، كتاب: المناسك، باب من لم يدرك عرفة، والترمذي برقم ٨٨٩، كتاب: الحج، باب: من أدرك الإمام بجمع فقد أدرك الحج، والنسائي برقم ٣٠١٦، كتاب: مناسك الحج، فرض الوقوف بعرفة، و٣٠٤٤، فيمن لم يدرك صلاة الصبح مع الإمام بمزدلفة، وابن ماجة برقم ٣٠١٥، أبواب: المناسك، باب: من أتى عرفة قبل الفجر ليلة جمع.","vol":"1","page":192},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-116>١٩٧ - قال اللَّه ﵎: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾</span>\nقال ابن عمر، وابن عباس، وخلق من التابعين: الرَّفَثُ: الجِماع (^١).\nواختلفوا في الفُسوق، فقال بعضهم: المعاصي (^٢).\nوقال بعضهم: السِّباب (^٣).\nوقال بعضهم: الجِدال: أن تُماري صاحبك (^٤).\n_________\n(^١) انظر تفسير ابن جرير (٢/ ٢٧٦ - ٢٧٨)، وتفسير ابن أبي حاتم (١/ ٣٤٦).\n(^٢) ممن قاله: ابن عباس، وابن عمر، وعطاء بن أبي رباح، وعطاء بن يسار، وعطاء الخراساني والحسن، وطاوس، ومجاهد، ومحمد بن كعب القرظي، وقتادة، وسعيد بن جبير، وإبراهيم النخعي، والربيع بن أنس، وعكرمة، والزهري، ومقاتل بن حيان، ومكحول، انظر تفسير ابن جرير (٢/ ٢٧٩ - ٢٨١)، وتفسير ابن أبي حاتم (١/ ٣٤٧).\n(^٣) ممن قاله: ابن عمر، وابن عباس، وابن الزبير، ومجاهد، والسدي، وإبراهيم، وعطاء بن يسار، والحسن، انظر: تفسير ابن جرير (٢/ ٢٨٩ - ٢٨٨)، وتفسير ابن أبي حاتم (١/ ٣٤٧).\n(^٤) ممن قاله: ابن عباس، وعطاء بن أبي رباح، وعطاء الخراساني، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وعمرو بن دينار، والحسن، والضحاك، والربيع، وإبراهيم، وعكرمة، والزهري، وقتادة، وأبو العالية، وجابر بن زيد، ومكحول، ومقاتل بن حيان، وطاوس، ومحمد بن كعب القرظي، انظر: تفسير ابن جرير (٢/ ٢٨٣ - ٢٨٤)، وتفسير ابن أبي حاتم (١/ ٣٤٨).","vol":"1","page":193},{"text":"وقال بعضهم الرَّفث: الجماع، والفسوق: السِّباب والمعاصي، والجدال: أن يقول قائل: إن الحج في غير ذي الحجة، قد استقر الأمر على أن الحج في ذي الحجة، فلا جدال فيه (^١)، لقول رسول اللَّه -ﷺ- وقد وقف بعرفة: \"ألا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق اللَّه السموات والأرض، فلا حج إلا في ذي الحجة\" (^٢).\nوقد ذهب بعض المفسرين إلى أن مجرى الجدال مجرى الرَّفَث والفسوق، وإلى أن النهي قد وقع على ذلك كلِّه، فكأنه قد قيل: لا ترفُثوا، ولا تفسُقوا، ولا تجادلوا.\nوذهب بعضهم إلى أن النهي وقع على الرَّفَث والفسوق خاصة، وأخبروا أن الحج لا جدال فيه، فكأنه قد قيل لهم: لا ترفثوا، ولا تفسقوا، ثم اعلموا أن الحج لا جدال فيه، وأن ذلك قد انقطع، لأن بعضهم كان يقف بعرفات، وبعضهم بمزدلفة، ويقول هؤلاء: نحن أصوب، ويقول هؤلاء: نحن أصوب (^٣)، وكانوا يغيرون الشهور ويسمونها بغير أسمائها، فيحُجون في كل سنتين في شهر، حتى يدور الحج في أربع وعشرين سنة، وكانوا يسمونه النَّسِيء، وهو الذي قال اللَّه ﷿: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ [التوبة: ٣٧].\nوقال شاعرهم:\n_________\n(^١) ممن قاله: مجاهد، والسدي، انظر تفسير ابن جرير (٢/ ٢٨٦ - ٢٨٧)، وتفسير ابن أبي حاتم (١/ ٣٤٨).\n(^٢) الشطر الأول منه جزء من حديث متفق عليه، رواه البخاري في صحيحه في مواضع منها، كتاب: الحج، باب: حجة الوداع. ورواه مسلم (٥/ ١٠٧)، كتاب القسامة والمحاربين والقصاص والديات، باب تغليظ تحريم الدماء والأعراض.\n(^٣) رواه ابن جرير في تفسيره عن ابن زيد (٢/ ٢٨٦)، ورواه ابن جرير عن مالك بن أنس (١/ ٣٤٩).","vol":"1","page":194},{"text":"ومِنّا مُنْسِئُ الشهورِ القَلَمَّسُ (^١)\nفانقطع الجدال بقول رسول اللَّه -ﷺ-: \"لا حج [إلا] (^٢) في ذي الحجة\"، ولم يؤمر بالحج حتى دار الزمان، ووقف بعرفة حيث كانت تقف العرب دون الخمس (^٣).\nوقال النبي -ﷺ-: \"من حج فلم يرفُث ولم يفسق خرج من ذنوبه\" (^٤)، ولم يذكر الجدال، فدل على أنه لا رفث ولا فسوق، نُهُوا عن ذلك، ولا جدال في الحج، أي: قد انقطع الجدال، وجرى مجرى الخبر، وهذا هو الصحيح، واللَّه أعلم.\nقال الشاعر:\nهذا وجَدُّكمُ الصَّغار بِعَينه ... لا أُمَّ لي إن كان ذاك ولا أبُ (^٥)\n* * *\n_________\n(^١) البيت ورد عند ابن جرير (٦/ ٣٧١)، في تفسر قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ. . .﴾، قال في اللسان (١٢/ ١٨٣): \"القلَمَّسُ الكِناني: أحد نَسَأة الشهور على العرب في الجاهلية\".\n(^٢) ساقطة من الأصل.\n(^٣) في الأصل: الخمس، والصواب ما أثبته، وسيأتي قريبًا تفسيره عند المصنف.\n(^٤) متفق عليه، رواه البخاري برقم ١٨١٩، كتاب: المحصر، باب: قول اللَّه تعالى: ﴿فَلَا رَفَثَ﴾، و١٨٢٠، باب: قوله تعالى: ﴿وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾، ومسلم (٤/ ١٠٧)، كتاب: الحج، باب: في استحباب الحج والعمرة في يوم عرفة.\n(^٥) نسبه سيبور في الكتاب (٢/ ٢٩٢) لرجل من مذحج بلفظ: \"هذا لعمركم الصغار بعينه. . . \"، وسماه في (١/ ٣١٩) عند ذكر بيت آخر من نفس القطعة فقال: \"وهو لبعض مذحج وهو: هُنَيُّ بن أحمر الكناني\".","vol":"1","page":195},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-117>١٩٧ - قال اللَّه ﵎: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾</span>\nقال المفسرون جميعًا ممن انتهى إلينا قوله، وهم مَن شُهر بالتفسير من التابعين: أنهم كانوا لا (^١) يتزودون فأمروا بالزاد، وأُخبِروا مع ذلك أن خيرَ الزاد التقوى؟ أي: فاصْحَبوا حجكم -مع اتخاذ الزاد- التقوى، لا أعلم خلافًا في ذلك.\n* * *\n_________\n(^١) ساقطة من الأصل، ولا يستقيم المعنى بدونها.","vol":"1","page":196},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-118>١٩٨ - قال اللَّه ﷿: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-119>[التجارة في الحج]</span>\nسئل ابن عمر عن التجارة في الحج فقال: لا بأس بذلك، وتلا هذه الآية: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾، وعزاه إلى النبي -ﷺ-، وأنه سئل عن ذلك فنزلت الآية (^١).\nوقال من فسر القرآن كلهم: لا بأس بالتجارة في الحج، وفسروا الآية بذلك عن ابن عباس وغيره (^٢)، وقالوا: لأنهم كانوا يتحرَّجون من التجارة في أيام الحج، حتى نزلت الآية.\n* * *\n_________\n(^١) رواه أبو داود برقم ١٧٣٠، كتاب: المناسك، باب: الكري، عن أبي أمامة التيمي قال: كنت رجلا أكري في هذا الوجه، وكان ناس يقولون لي: إنه ليس لك حج، فلقيت ابن عمر فقلت: يا أبا عبد الرحمن، إني رجل أكري في هذا الوجه، وإن ناسًا يقولون لي: إنه ليس لك حج، فقال ابن عمر: أليس تُحْرِم وتُلَبِّي وتطوف بالبيت وتُفيض من عرفات وترمي الجمار؟ قال: قلت: بلى، قال: فإن لك حجا، جاء رجل إلى النبي -ﷺ- فسأله عن مثل ما سألتني عنه، فسكت عنه رسول اللَّه -ﷺ- فلم يجبه حتى نزلت هذه الآية ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ فأرسل إليه رسول اللَّه -ﷺ- وقرأ عليه هذه الآية وقال: \"لك حج\".\n(^٢) الآثار عن ابن عباس رواها ابن جرير في تفسيره (٢/ ٢٩٥ - ٢٩٧)، وابن أبي حاتم في تفسيره (١/ ٣٥١).","vol":"1","page":197},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-120>١٩٨ - قال اللَّه ﵎: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ﴾</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-121>[الإفاضة من عرفة إلى مزدلفة]</span>\nقيل: إنه لم يكن نبي إلا أُمِر بالصلاة إلى البيت، فلما أُمر إبراهيم -ﷺ- ببناء البيت، سارت السكينة بين يديه كأنها قبة، فكانت إذا سارت سار، وإذا نزلت فنزل، فلما انتهت إلى موضع البيت استقرت عليه، وانطلق إبراهيم معه جبريل ﵉، فمر بالعقبة، فعرض له الشيطان فرماه، ثم مر بالثانية، فعرض له فرماه، ثم مر بالثالثة، فعرض له فرماه، ثم انتهى إلى عرفة، فقال له جبريل ﵇: عرفت، فلذلك سميت عرفة، ثم رجع فبنى البيت على موضع السكينة (^١).\nوقال عطاء، والحسن: سميت عرفات لأن جبريل كان يُري إبراهيم المناسك ويقول له: \"عرفتَ\"، فيقول: \"قد عرفتُ\"، فسميت \"عرفات\" (^٢).\nوسمي الموسم لتَوَسُّم الناس بعضهم بعضًا، وسمي التشريق لتشريق الشمس، قال الشاعر:\nمَوْقوفة ينظِر التشريقَ راكبُها (^٣)\n_________\n(^١) عند ابن جرير في تفسيره عن السدي (٢/ ٢٩٨)، أثر قريب منه وبدون ذكر السكينة.\n(^٢) الأثر عن عطاء رواه ابن جرير في تفسيره (٢/ ٢٩٩)، ورواه أيضًا عن ابن عباس (٢/ ٢٩٨).\n(^٣) شطر بيت للمتلمس، المسمى: جرير بن عبد المسيح الضبعي خال طرفة بن العبد، ترجمته في طبقات فحول الشعراء (١/ ١٥٥ - ١٥٦)، والبيت: =","vol":"1","page":198},{"text":"وقال علي، وجابر، عن النبي -ﷺ-: \"عرفة كلها موقف، وكل مزدلفة موقف، وارتفعوا عن عُرَنة (^١) \"، فرواه جماعة (^٢).\nوقال ابن عباس: من أفاض من عرفة قبل غروب الشمس فلا حج له.\nوقيل في المزدلفة: كلها موقف وارتفعوا عن بطن مُحَسِّر (^٣).\nوالمسجد الذي يصلي فيه الإمام يوم عرفة هو في بطن عُرَنَة (^٤)، فإذا خرج الإنسان من البطن يريد الموقف بعرفة، فقد صار بعرفة من حين يخرج من البطن، والمزدلفة من حين يدخل الإنسان من ناحية عرفة، فيخرج من الحِلِّ ويصير إلى الحرم، ويصير بين جبلين حين يخرج من المأْزِمَين (^٥)، فقد دخل في مزدلفة إلى بطن مُحَسِّر، وبطن مُحَسِّر بين مزدلفة وبين منى، إذا خرج الإنسان من منى يريد مزدلفة لقد هبط في بطن مُحَسِّر، فإذا خرج منه يريد مزدلفة فهو في مزدلفة.\n_________\n= معقولةٌ ينظِر التشريقَ راكبها ... كأنها من هوًى للرَّمْل مَسْلُوسُ\nانظر: جمهرة أشعار العرب للقرشي (ص ٢٠٣).\n(^١) في هامش الأصل: مُحَسِّر، وفوقها (خ).\n(^٢) رواه عن علي أحمد في مسنده برقم ٦١٣ أبو داود والترمذي برقم ٨٨٥، أبواب الحج، باب ما جاء أن عرفة كلها موقف، وقال: \"حسن صحيح\"، بلفظ طويل، وابن ماجة ٣٠١٠، أبواب المناسك، باب: الموقف بعرفة، بلفظ مختصر، ورواه عن جابر أبو داود برقم ١٩٣٢، كتاب: المناسك، باب: الصلاة بجمع، وابن ماجة برقم ٣٠١٢ الموضع السابق، وأخرج الحديث بلفظ قريب من لفظ المؤلف مالكٌ في الموطأ برواية يحيى برقم ١١٥١، كتاب: الحج، الوقوف بعرفة والمزدلفة، بلاغًا من غير أن يسنده.\n(^٣) مُحَسِّر: بضم أوله وفتح ثانيه، بعده سين مهملة مشددة مكسورة، ثم راء مهملة، وهو اسم واد بعرفة، انظر معجم ما استعجم (٤/ ١١٩٠)، ومشارق الأنوار (١/ ١١٧).\n(^٤) عُرَنَة: بضم أوله، وفتح ثانيه، بعده نون وهاء التأنيث، وهو وادي عرفة، انظر معجم ما استعجم (٣/ ٩٣٥).\n(^٥) المَأْزِمَين: مأزِما منى، بفتح أوله، واسكان ثانيه، وكسر الزاي المعجمة، طريقان معروفان بين عرفة ومزدلفة، انظر معجم ما استعجم (٤/ ١١٧٣).","vol":"1","page":199},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-122>١٩٨ - قال اللَّه ﷿: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾</span>\nالمشعر الحرام: قُزَح، وهو الجبل الذي يقف عليه الإمام، ومزدلفة كلها المَشعر، كذلك قال عمر بن الخطاب -﵁-، وسائر من انتهى إلينا تفسيره، أن كل الذي بين الجبلين من المشعر.\nوكان النبي -ﷺ-، وأبو بكر، وعمر يقفون على قُزَح حِداء ثَبِير (^١)، والناس بعدَهم على ذلك.\nوذِكر اللَّه ﷿ هناك واجب بالندب وليس بفرض، لأنه ﵇ قدم ضعفاء بني عبد المطلب بليل.\n* * *\n_________\n(^١) ثَبِير: بفتح أوله، وكسر ثانيه، بعده ياء وراء مهملة، جبل بمكة، انظر معجم ما استعجم (١/ ٣٣٥).","vol":"1","page":200},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-123>١٩٩ - قال اللَّه تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-124>[الموقف ومكان الإفاضة]</span>\nقال جبير بن مطعم: خرجث في نظر بعير لي بعرفة، فرأيت رسول اللَّه -ﷺ- واقفًا بعرفة مع الناس فقلت: واللَّه إن هذا من الحُمْس، فما شأنه واقفًا هاهنا؟ ! (^١)\nوقالت عائشة -﵂- وسائر من فسر ذلك: كانت قريش في الجاهلية، وأهل الحرم، ومن ولدته قريش يسمون الحُمْس، وكانوا يقفون بالمشعر الحرام وبجَمْع (^٢)، وكانت سائر العرب تقف بعرفات، وإنما وقف النبي -ﷺ- قبل البعث بعرفة مع العرب، وترك قومه بهداية اللَّه إياه، فلم تزل قريش على ذلك إلى أن حج رسول اللَّه -ﷺ- حجة الوداع، وأنزل اللَّه ﵎ عليه: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾، فوقف بعرفة وأفاض منها، فصار الوقوف بعرفة بغير\n_________\n(^١) متفق عليه، رواه البخاري برقم ١٦٦٤، كتاب: الحج، باب: الوقوف بعرفة، ومسلم (٤/ ٤٤)، كتاب: الحج، باب: في الوقوف وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ. . .﴾.\n(^٢) جَمْع: قال البكري: بفتح أوله وإسكان ثانيه، اسم لمزدلفة. سميت بذلك للجمع بين صلاتي المغرب والعشاء فيها. معجم ما استعجم (٢/ ٣٩٢).","vol":"1","page":201},{"text":"جدال ولا خلاف حيث كانت العرب تقف، وهو موقف إبراهيم ﵇، فقال اللَّه ﷿: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ﴾، يعني: من الضالين عن الوقوف بعرفة، ثم أكد ذلك فقال: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾، يعني: العرب، لا من حيث كانت قريش تفيض (^١).\n* * *\n_________\n(^١) أثر عائشة متفق عليه، رواه البخاري في صحيحه برقم ٤٥٢٠، كتاب: التفسير، باب: قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ. . .﴾، ومسلم (٤/ ٤٣)، الموضع السابق.","vol":"1","page":202},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-125>٢٠٠ - قال اللَّه ﷿: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾</span>\nكانت العرب إذا قضوا مناسكهم في الجاهلية، اجتمعوا بمنى بالموسم، فتذاكروا أفعال آبائهم، وأنسابهم، فتفاخروا بذلك، فقال اللَّه ﷿: ﴿فَاذْكُرُوا (^١) اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾، فأمروا بذلك، والاشتغال به عن المفاخر، إذ قال ذلك مجاهد، وقتادة، وعطاء، وجماعة (^٢).\n* * *\n_________\n(^١) في الأصل: واذكروا.\n(^٢) انظر تفسير ابن جرير (٢/ ٣٠٨ - ٣٠٩)، وتفسير ابن أبي حاتم (٢/ ٣٥٥ - ٣٥٦).","vol":"1","page":203},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-126>٢٠٣ - قال اللَّه ﷿: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-127>[الأيام المعدودات والمعلومات]</span>\nاختلف ابن عمر، وابن عباس، وسائر من فسر هذه الآية فيها.\nفقال ابن عمر: الأيام المعدودات: يوم النحر، ويومان بعده. وقال: المعلومات يوم النحر ويومان بعده (^١).\nوروى مِقْسَم، عن ابن عباس -﵁-: المعلومات: يوم النحر، وثلاثة أيام التشريق (^٢).\nوقال علي بن أبي طالب -﵁-: المعدودات: يوم النحر ويومان بعده، اذبح في أيها شئت، وأفضلها أولها (^٣).\nوكذا قال ابن عمر.\nوأحسب أن الراوي غلط، أراد أن يقول: المعلومات، فقال: المعدودات، لأنهما قالا: اذبح في أيهما شئت، والذبح إنما ذكر في المعلومات، فقال ﵎: ﴿وَيَذْكُرُوا (^٤) اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ\n_________\n(^١) ذكره ابن أبي حاتم تعليقًا عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ (٨/ ٢٤٨٩).\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٢/ ٢٦١).\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٢/ ٣٦٠).\n(^٤) في الأصل: ليذكروا.","vol":"1","page":204},{"text":"الْأَنْعَامِ﴾ [الحج: ٢٨]، وقال في المعدودات: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٢٠٣].\nوروى مجاهد، عن ابن عباس: أن المعدودات: أيام العشر، والمعلومات: أيام النحر. وروي مثل ذلك عن جماعة من المفسرين.\nفأما قولهم: المعلومات: أيام النحر، فهو موافق لظاهر كتاب اللَّه تعالى، لقوله تعالى: ﴿فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾، فعُلم أنها أيام النحر، وهو موافق لقول علي وابن عمر.\nوأما قولهم في المعدودات: إنها أيام العشر، فغلط من الرواة، لأن اللَّه ﷿ قد وصف المعدودات بأنه يتعجَّل في يومين منها، فعُلم أنها ثلاثة أيام بعد يوم النحر، إذ كان النَّفْر الأول يقع في اليوم الثاني من هذه الثلاثة.\nوهذه الأحاديث المروية عن علي، وعن ابن عباس، مما يخالف ما روي عن علي، موافق لقول ابن عمر، تدل (^١) شواهدها على أن المعنى فيها ما قال ابن عمر، والصحيح الذي [لا] (^٢) يشكل على ذي لب، أن المعدودات والمعلومات تجمعهما أربعة أيام، فالمعلومات منها: يوم النحر، ويومان بعده، وهذه للضحايا فقال: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ [الحج: ٣٦]، فكان الذبح فيها والإطعام (^٣)، والمعدودات: يوم النفر، وهو ثاني العيد، ويومان بعده، فيها يقع التعجيل والتأخير، فالأضاحي في المعلومات، والهدايا فيها، لأن يوم النَّفْر الثاني تُرمى فيه الجِمار، فيجوز فيه نحر الهدي، وباللَّه التوفيق.\n* * *\n_________\n(^١) في الأصل: يدل.\n(^٢) ساقطة من الأصل.\n(^٣) في الأصل: وبالإطعام.","vol":"1","page":205},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-128>٢٠٣ - فأما قوله: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى﴾</span>\nفمعنى ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾: أن يرجع مغفورًا له، لم يبق عليه من ذنوبه المتقدمة شيء، وهذا قول ابن عمر، وابن عباس، وغيرهما من الصحابة (^١)، وقال مثل ذلك جماعة من التابعين (^٢).\nوقال بعض التابعين: لا إثم عليه في تعجيله (^٣)، وهذا خطأ، لأنه لو كان المتعجل وُضع عنه المأثم لتعجله، لما أعيد ذكر ذلك في المتأخر، لأن المتأخر قد بلغ أيضًا ما حد له، والمعنى فيه ما قاله ابن عمر، وابن عباس: إن اتقى اللَّهَ عبدٌ في حجته فتعجل، أو تأخر، فلا إثم عليه في شيء من أعماله.\n_________\n(^١) رواه عن ابن عمر: ابن جرير في تفسيره (٢/ ٣١٩)، وعن ابن عباس ابن جرير في تفسيره (٢/ ٣١٩)، ورواه كذلك عن ابن مسعود، ابن جرير في تفسيره (٣/ ٣٢٠)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٢/ ٣٦٢)، وعن علي، عند ابن جرير في الموضع السابق، وذكر ابن أبي حاتم أنه روي عن أبي ذر.\n(^٢) رواه ابن جرير في تفسيره (٢/ ٣١٩ - ٣٢٠) عن مجاهد، وإبراهيم، وعامر، ومعاوية بن قرة، وزاد ابن أبي حاتم في تفسيره (٢/ ٣٦٢) عزوه إلى الشعبي، ومطرف بن الشخير، وحماد بن أبي سليمان.\n(^٣) رواه ابن جرير في تفسيره (٣/ ٣١٧ - ٣١٩) عن ابن عباس من الصحابة، وعن عطاء، والحسن، وعكرمة، ومجاهد، والسدي، وقتادة، وإبراهيم، من التابعين.","vol":"1","page":206},{"text":"فقد روى منصور، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، عن النبي -ﷺ- قال: \"من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كما ولدته أمه\" (^١).\n* * *\n_________\n(^١) متفق عليه، رواه البخاري في صحيحه برقم ١٨١٩، كتاب: المحصر، باب: قول اللَّه تعالى: ﴿فَلَا رَفَثَ﴾، و١٨٢٠، باب قوله تعالى: ﴿وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ﴾، ومسلم (٤/ ١٠٧)، كتاب: الحج، باب: في استحباب الحج والعمرة في يوم عرفة.","vol":"1","page":207},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-129>٢١٦ - قال اللَّه تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-130>[فرض الجهاد]</span>\nمعناه واللَّه أعلم: شديد عليكم، لأن النبي -ﷺ- أيام مقامه بمكة قبل الهجرة، كان ينزل عليه الآيات التي فيها لين وحسن معاشرة، فلما أُذن له في الهجرة وصار إلى المدينة، أُذن له في قتال المشركين وجهادهم والغِلْظَة عليهم، لأنهم ظلموه وأخرجوه عن دياره، فقال ﷿: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ [الحج: ٣٩ - ٤٠]، يعني: لقولهم ﴿رَبُّنَا اللَّهُ﴾، وقال تبارك اسمه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ﴾ [الأنفال: ٦٥]، وقال: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦]، وقال: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠]، وقال: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ [محمد: ٤]، فنسخ الجهاد كل آية لينة.\nوكان بين رسول اللَّه -ﷺ- وبين طوائف من العرب حين قدم المدينة هدنة وصلح، فأمره اللَّه أن يفي بعهدهم إلى مدتهم، وذلك قوله عز من قائل: ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾ [النساء: ٩٠]، يقول: بعهدهم إلى","vol":"1","page":208},{"text":"مدتهم، وقال: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنفال: ٦١]، وقال: ﴿فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٥]، وقال: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٠]، وقال: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [النساء: ٩٢]، يقول: بسبب العهد الذي بينكم، وقال: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٣٥]، وقال: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٤]، وقال: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤]، وقال: ﴿مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ﴾ [التوبة: ٣٨]، يريد أقمتم، وقال: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ [التوبة: ٤١]، والخفيف: الذي ليس له عيال، والثقيل: الذي له عيال، وقال: ﴿حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ﴾ [الأنفال: ٦٥]، وقال: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ﴾ [التوبة: ١٢٠]، وهذا إذ كان الإسلام قليلًا فرض على الجميع، فلما كثر الإسلام قيل (^١): ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ [التوبة: ١٢٢].\nففرض الجهاد الآن على الكافة، ينوب بعضهم عن بعض، ولا تتعطل مساجدهم، وجُمعاتهم، وصلواتهم، فكان الجهاد واجبًا على كل مسلم يطيق الجهاد، ولم يكن يجوز لأحد أن يتخلف إلا بأمر رسول اللَّه -ﷺ-.\nوكذلك كانت الهجرة واجبة، فلما فتحت مكة سقطت الهجرة، لأن النبي -ﷺ- قال: \"لا هجرة بعد الفتح\" (^٢)، وكان الناس بعد ذلك يغزون ويرجعون إلى\n_________\n(^١) في الأصل: فقيل، ولا موجب للفاء.\n(^٢) متفق عليه من حديث ابن عباس، رواه البخاري برقم ٢٧٨٣ و٢٨٢٥، كتاب الجهاد والسير، باب: فضل الجهاد والسير، وباب: وجوب النفير وما يجب من الجهاد والنية، ومسلم (٤/ ١٠٩)، كتاب: الحج، باب: تحريم مكة وصيدها وخلاها. . .، =","vol":"1","page":209},{"text":"مواضعهم، فأنزل اللَّه ﷿: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٤٤]، فصارت الجماعة مندوبة، وينوب بعضهم عن بعض، فسقط الفرض الذي على الجملة وصار ندبًا للكافة، فإن هجم أمر يحتاج فيه إلى الجملة وجب عليهم ذلك، واللَّه أعلم.\n* * *\n_________\n= و(٦/ ٢٨)، كتاب: الإمارة، باب: المبايعة بعد فتح مكة على الإسلام. . .، بدون لفظ \"بعد الفتح\"، ورواه مسلم في نفس الموضع بلفظ البخاري لكن عن عائشة -﵂-.","vol":"1","page":210},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-131>٢١٧ - قال اللَّه ﵎: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾</span>\nكانوا قد نُهوا عن القتال في الشهور الحُرُم، ثم نسخ ذلك بقوله: ﴿وَقَاتِلُوا (^١) الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦]، وإنما أُمِر بالقتال بعد الهجرة، وكان ينزل عليه الأمر بعد الأمر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-132>[سبب النزول]</span>\nوكان سببُ نزول هذه الآية: أن رجلين من بني كِلاب لقيا عمرو بن أمية الضَّمْري، فقتلهما وهو لا يعلم أنهما كانا عند رسول اللَّه -ﷺ-، وذلك في أول يوم من رجب، فقالت قريش: قتلهم في الشهر الحرام، فأنزل اللَّه ﵎: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢١٧]، ثم قال: ما تفعلونه من صد عن سبيل اللَّه وكفر به، وعن المسجد الحرام، وإخراجكم أهله منه أكبر عند اللَّه، مخاطبة لهم بذلك وتوبيخًا.\nوالرجلان هما اللذان مضى رسول اللَّه -ﷺ- في ديتهما إلى بني النضير، قتلهما عمرو بن أمية الضمري (^٢).\n* * *\n_________\n(^١) في الأصل: قاتلوا.\n(^٢) بعده في الأصل: تكرار لأول الكلام على الآية إلى قوله: بالقتال بعد الهجرة، ثم ضرب عليها.","vol":"1","page":211},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-133>٢١٩ - قال اللَّه ﵎: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾</span>\nالميسر: القمار، قومر فيه، فهو من الميسر، قال مالك -﵁-: فقد حرمه اللَّه على عباده، وشرْحُه في سورة المائدة.\n* * *","vol":"1","page":212},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-134>٢١٩ - قال اللَّه ﷿: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾</span>\nوالعفو هاهنا: ما كان من صدقة عن ظهر غِنى، لأن النبي -ﷺ- قال: \"أفضل الصدقة ما تُصُدق به عن ظهر غِنى\" (^١).\nوقال اللَّه ﷿ في موضع آخر: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ [الأعراف: ١٩٩]، فالعرف هاهنا من محاسن الأخلاق، أي: استعمل محاسنها، وأعرض عن الجاهلين، ويجوز: خذ ما عفي لك من محاسن أخلاق الناس، واللَّه أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) من حديث رواه البخاري برقم ١٤٢٦، كتاب: الزكاة، باب لا صدقة إلا عن ظهر غنى، و٥٣٥٦، كتاب: النفقات، باب: وجوب النفقة على الأهل والعيال، عن أبي هريرة، ومسلم (٣/ ٩٤)، كتاب: الزكاة، باب: بيان أن اليد العليا خير من اليد السفلى، عن حكيم بن حزام -﵁-.","vol":"1","page":213},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-135>٢٢٠ - قال اللَّه ﵎: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-136>[الخُلطة مع مال اليتيم]</span>\nقال مالك -﵁-: كان جُلُّ طعامهم التمر، فيكون لليتيم التمر يجُذُّه من حائطه، ولوليه تمر يَجُذُّه من حائطه، فيختلط فيؤكل، فيكون اليتيم الذي يأكل منه اليسير، لضعف أكله، فلما أنزل اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ١٠]، امتنعوا من مخالطتهم حتى أنزل اللَّه: ﴿فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ [البقرة: ٢٢٠]، من يريد الارتفاق بمال اليتيم، فأباح اللَّه لهم المخالطة بصحة النية والاجتهاد.\nوليس في القرآن ﴿وَيَسْأَلُونَكَ﴾ إلا ثلاثة عشر موضعًا، لقلة سؤالهم، ولنهيه إياهم عن السؤال عما لم يكن.\nوالمخالطة ليست الشركة، أخص الأسماء بالشركة: الشركة، وإن كان قد يجوز أن يقال للشريك: خليط.\nوالخُلطة التي أراد اللَّه ﵎ هاهنا: جمع الطعام، والراعي، وما أشبه هذا، وما لكل واحد معروف، كخلطة الغنم في الراعي، والدلو،","vol":"1","page":214},{"text":"والمُراح (^١)، وما لكل واحد معروف، وكقوله: خليط البُسْر (^٢) والتمر، وهما متميزان، وكما تقول الناس: اختلط الناس، وهم متميزون، واللَّه أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) المُراح: موضع مبيت الماشية، بضم الميم، انظر: التنبيهات المستنبطة (٢/ ٤١٤).\n(^٢) البُسْر عند أهل اللغة هو: التمر عند اخضرار لونه، قبل الزَّهْوِ وبعد البلح الكبير الأبيض، وعند الفقهاء هو البلح بعد الزهو، انظر: التنبيهات المستنبطة (٢/ ١٠٤٠).","vol":"1","page":215},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-137>٢٢١ - قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-138>[نكاح المشركات والكتابيات]</span>\nقال بعض من فسر هذه الآية: إنها نزلت في كل الكفار، ثم استثنى منها أهل الكتاب (^١).\nوقال بعضهم: نزلت في قريش والعرب وسائر عبدة الأوثان، وأفرد أهل الكتاب بإحلال نسائهم (^٢).\nوذلك -واللَّه أعلم- عندنا، إنما كان إكرامًا للكتاب الذي في أيديهم، وإن كانوا قد حرفوا بعضه وبدلوه، وكذلك أحل لنا ما يطعمون من ذبائحهم، ولأنهم أقروا باللَّه، وألحقوا به شيئًا لا يلحق، وعبدة الأوثان تخلوا من ذكر اللَّه وعبادته، إلا ما يدعوهم إليه اضطرار العقول بغير اعتقاد، وهذا قول مالك.\nوقال: إن الجزية تُؤخذ من كل كافر، وثَني كان أو غير ذلك، لأن الجزية لم نقصد بها ما قصدنا بالنكاح والطعام، لأن هذين أُحِلّا تشريفًا لكتابهم، والجزية صَغار وذِلة، وقد يلزَمُها كل كافر، وإذا كان الصِّغار يُلزمُه أهل الكتاب، فعبدة الأوثان أولى، وقد قال رسول اللَّه -ﷺ-: \"سُنّوا بهم سُنة أهل الكتاب\" (^٣).\n_________\n(^١) ذهب إلى ذلك: ابن عباس، وعكرمة، والحسن البصري، ومجاهد، والربيع، وسعيد ومكحول، والضحاك، وزيد بن أسلم، انظر: تفسير ابن جرير (٢/ ٣٨٨)، وتفسير ابن أبي حاتم (٢/ ٣٩٧).\n(^٢) رواه ابن جرير في تفسيره (٢/ ٣٨٩) عن: قتادة، وسعيد بن جبير.\n(^٣) رواه مالك في الموطأ برقم ٧٥٦، برواية يحيى، كتاب: الزكاة، باب: ما جاء في جزية أهل الكتاب والمجوس، عن عبد الرحمن بن عوف.","vol":"1","page":216},{"text":"فقال قائلون: لهم كتاب، وهذه غفلة، لو كان لهم كتاب لعرف، ولقال ﵇: لهم كتاب، فإنه عالم بالكتب، ولم يقل: \"سُنّوا بهم سُنة أهل الكتاب\".\nويحتمل أن يكون اللَّه لما قال: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ﴾ [التوبة: ٢٩]، أن يكون هذا وصفًا (^١) لكل كافر، فكنا لو تركنا وذلك أخذناها من الكفار الذين هذا وصفهم سوى أهل الكتاب، ولم نقبلها من أهل الكتاب، لأنهم يؤمنون بكتاب فيه نعت رسول اللَّه -ﷺ- والأمرُ باتباعه، فلا تقبل الجزية منهم ويقتلون، بينما يقتل المرتد الذي قد قامت عليه حجة القرآن ولا يقر، فبين اللَّه ﵎ أخذها من أهل الكتاب تخفيفًا عنهم في الدنيا، فيكون معناها: وأهل الكتاب أيضًا.\nوقال الشافعي في كتاب الرسالة: \"بُعث النبي -ﷺ- والناس كلهم على دينين، وهم: اليهود والنصارى، أهل كتاب، وعبدة الأوثان\" (^٢)، فإذا كان المجوس من عبدة الأوثان فأمرنا فيهم بشيء، فهو في كل عابد وثن، واللَّه أعلم.\nومما يدل على أن المجوس ليسوا أهل كتاب، أن النبي -ﷺ- بعث والحرب بين فارس والروم، والروم أهل كتاب، وفارس مجوس، فكانت كفار\n_________\n(^١) في الأصل: وصف.\n(^٢) في مقدمة الرسالة (ص ١٠٢ - ١٠٣) ما نصه: \". . . بعثه والناس صنفان: أحدهما: أهل كتاب بدلوا من أحكامه، وكفروا باللَّه، فافتعلوا كذبًا صاغوه بألسنتهم، فخلطوه بحق اللَّه الذي أنزل إليهم. . .، وصنف كفروا باللَّه، فابتدعوا ما لم يأذن به اللَّه، ونصبوا بأيديهم حجارة وخشبًا، وصورًاا ستحسنوا، ونَبَزُوا أسماء افتعلوها، ودعوها آلهة عبدوها، فإذا استحسنوا غير ما عبدوا منها، ألقوه ونصبوا بأيديهم غيره، فعبدوه: فأولئك العرب، . . . \".","vol":"1","page":217},{"text":"قريش والعرب تحب ظهور كسرى، وكان المؤمنون يحبون ظهور الروم، فنُصر الروم حتى بلغوا الأنبار، وأنزل اللَّه تعالى: ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾، إلى قوله: ﴿بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الروم: ٢ - ٥].\n* * *","vol":"1","page":218},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-139>٢٢٢ - قال اللَّه ﷿: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾ الآية</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-140>[الحيض والطهر]</span>\nقد أخبر اله تعالى بالعلة في تحريم وطء الحائض.\nوالحيض يزيد وينقص، قال اللَّه تعالى: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ﴾ [الرعد: ٨] فأخبر (^١) بنقصانه وزيادته، فأقله عند مالك دفعة من دم (^٢)، وأكثره خمس عشرة ليلة، فليس يجوز وطء الحائض حتى تطهر وتغتسل.\nفأما: ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ فإيجاب الفرض.\n﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ فندبٌ عند بعض أصحابنا، وإيجاب عند بعضهم، لأن الأذى الذي هو العلة قد زال، ولو أن حائضًا طهرت فلم تجد الماء لتيممت، ووطِئَها زوجها.\nوقال مالك في الكتابية: إن زوجها المسلم يجبرها على الغسل من الحيض، ولا يجبرها على الغسل من الجنابة (^٣)، لأنه يحل له وطء الجنب، ولا يحل له وطء الحائض حتى تغتسل، وعلى أن الاغتسال لا يكون إلا بنية،\n_________\n(^١) في الأصل: وأخبر.\n(^٢) المدونة (١/ ٥٠).\n(^٣) المدونة (١/ ٣٢ - ٣٣).","vol":"1","page":219},{"text":"والكتابية إذا أجبرت على ذلك فإنما تغتسل بغير نية، ولكنه لما كان له أن يطأ المسلمة بظاهر الاغتسال، وهو لا يدري حضرت النية أم لا، كان له أن يطأ الكتابية بظاهر الاغتسال، وهذا عندي أصح في المعنى، واللَّه أعلم.\nوزعم غيرنا أن الحيض لا يكون أقل من يوم وليلة (^١).\nوقال العراقيون: ثلاثة أيام بلياليها (^٢)، وليس لهم أصل في ذلك من كتاب ولا سنة ولا قياس (^٣)، وذلك أن الحيض إنما هو ظهور الدم، وقد قالت الجماعة: إن الدم من الفرج حيض، حتى يعلم أنه استحاضة، والطهر عندنا وعندهم النقاء، فإذا كان ذلك كذلك، فانقطاعه يوجب الطهر وإن كان ساعة من النهار.\nفأما غيرنا فزعم أنها إذا طلقت، فطعنت في الدم (^٤) من الحيضة الثالثة، فقد حلت للأزواج، وهو مع ذلك يقول: أقل الحيض يوم وليلة، ويزعم أن النهي عن وطء الحائض كالنهي عن القِران بين التَّمرتين، والتعريس على قارعة الطريق، فجعل ما نهى اللَّه عنه، وذكر العلة فيه، وأكد النهي غاية التأكيد، كالنهي عن القِران، والقِران إنما نهي عنه لعلة الشيء، فأما الآن فلا بأس بالقران، فدل هذا القول منه على معرفته بالفرض والندب (^٥)، والخاص والعام، وحسن وصفه للرسالة (^٦).\n_________\n(^١) ذهب إليه الشافعي، انظر: الأم (٢/ ١٤٧).\n(^٢) ينظر اختلاف العلماء في مسألة أقل الحيض وأكثره في الاستذكار (٣/ ٣٤٢).\n(^٣) راجع حجج الحنفية لمذهبهم في أقل الحيض في المبسوط (٣/ ١٤٧).\n(^٤) طعنت في الدم أي: دخلت في مدته، وفي النهاية (٣/ ١٢٨): \"ومن ابتدأ بشيء أو دخله فقد طعن فيه\".\n(^٥) في الأصل: والندر.\n(^٦) كذا بالأصل، ولعلها: المسألة.","vol":"1","page":220},{"text":"وكل من وقَّت في الحيض وقتًا فلا برهان له عليه، وإنما هو ظهور الدم وانقطاعه، ألا ترى مالكًا قال في النفساء، ثم رده آخر الأمر إلى الموجود وعِلم النساء (^١).\nوأما قوله ﷿: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾، يعني: في الموضع الذي وقع فيه التحريم والنهي عنه.\nوأما قوله: ﴿يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾، فإنه ينبغي للمتطهر بالماء أن يستغفر اللَّه ويتوب إليه بنية صحيحة، يستحق بها من اللَّه المحبة.\n* * *\n_________\n(^١) المدونة (١/ ٥٣).","vol":"1","page":221},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-141>٢٢٣ - وأما قوله: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾</span>\nفقال قوم: أي وقت شئتم (^١).\nوقال آخرون: أنى شئتم منها، لم يُحرِّم اللَّه منها شيئًا (^٢).\nوقيل: إن ذلك نزل لقول اليهود: من أتى امرأته من دُبرها في قُبُلها جاء ولدها أحول، فأنزل اللَّه ذلك، رواه مالك عن ابن المنكدر، عن جابر، عن النبي -ﷺ- (^٣).\nقال مالك -﵁-: وسمى اللَّه ﵎ المرأة حرثًا، لأن الولد يكون منها.\nواعلموا أنه لا بأس أن يأتي فرجها كيف شاء على ما روى جابر في ذلك، خلافًا لليهود، والنبات إنما سمي حرثًا لأنه تحرث (^٤) الأرض له، وسميت المرأة حرثًا لأن زوجها يغشاها فيكون منه الولد، واللَّه أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) ممن قاله: الضحاك، ومجاهد، رواه عنهما ابن جرير (٢/ ٤٠٦).\n(^٢) رواه ابن جرير في تفسيره (٢/ ٤٠٧) عن ابن عمر.\n(^٣) متفق عليه، رواه البخاري في صحيحه برقم ٤٥٢ كتاب: التفسير، باب: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ. . .﴾، ومسلم (٤/ ١٥٦)، كتاب: النكاح، باب: جواز جماعه امرأته في قبلها من قدامها ومن ورائها.\n(^٤) في الأصل: يحرث.","vol":"1","page":222},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-142>٢٢٤ - قال اللَّه ﷿: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ﴾</span>\nهو أن يحلف الرجل ألا يبَرَّ قرابتَه، ولا يَصِل رحِمَه، ولا يُصلح بين الناس، ولا يأمر بمعروف، ولا ينهى عن منكر، وما أشبه هذا مما هو قربة إلى اللَّه ﷿.\nفأُمِر ألا يحلف على هذه الأشياء، فإن حلف فليَحْنَث، وليُكَفّر عن يمينه، هذا معنى ما فسره المفسرون جميعًا.\n* * *","vol":"1","page":223},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-143>٢٢٥ - قال اللَّه تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾</span>\nقالت عائشة -﵂-: هو قول الإنسان: لا واللَّه، وبلى واللَّه، وكلا واللَّه، ولا يعقد يمينًا بقلبه (^١).\nوقال غيرها: هو الرجل يحلف على الشيء عنده، فلا يكون كما كان عنده (^٢)، فلا حنث عليه، لأنه لم يقصد إلى الحلف على كذب، وإنما حلف على ما عنده، فكذلك قال مالك: من حلف على طائر أنه حمام فكان فاخِتَةً (^٣) عند قربه منه، فلا حنث عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-144>[أنواع الأيمان وأحكامها]</span>\nوالأيمان على ثلاثة أقسام:\nفقسم هو: اللغو، قال جميل العذري:\nحَلَفْتُ لها أني لها غير سائِمٍ ... فما قَبِلَت في الحلْفِ لَغْوي ولا جِدِّي (^٤)\n_________\n(^١) رواه ابن جرير في تفسير الآية (١/ ٤١٧).\n(^٢) رواه ابن جرير في تفسير الآية، وغيرُه، عن أبي هريرة، وابن عباس، والحسن، ومجاهد، وابن أبي نجيح، وإبراهيم، وقتادة، وغيرهم.\n(^٣) الفاخِتَة: ضرب من الحمام المطوق، وجمعها: فواخت، واشتق اسمها من الفخت الذي هو ضوء القمر أو ظله، انظر اللسان (١١/ ١٣٨)، ومعجم المقاييس (٤/ ٤٨١).\n(^٤) لم أظفر بهذا البيت في المطبوع من ديوان جميل.","vol":"1","page":224},{"text":"فصار لغوًا، إذ لا نية فيه.\nوالثاني: بالقصد، وهو في معناه كقصد الحالف للحق الذي كان يعتقده، وإن كان بخلاف ما ظن، كقول النبي -ﷺ- في قصة ذي اليدين: \"كل ذلك لم يكن\" (^١)، يريد: عندي، وقد كان أحدهما، وهو النسيان الذي قال [عنه] (^٢) ﵇: \"إني أُنَسّى لأَسُنّ\" (^٣).\nويمين على ماض هو فيه كاذب فاجر، فهو قول اللَّه: ﴿وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ [المجادلة: ١٤ - ١٥] فهذا لا كفارة ديه.\nويمين على المستقبل، فإذا حلف الحالف على شيء، فكان الحنث فيه أقرب إلى اللَّه، أمره رسول اللَّه -ﷺ- أن يأتي الذي هو خير، وليكفر عن يمينه (^٤)،\n_________\n(^١) جزء من حديث متفق عليه عن أبي هريرة، رواه البخاري في صحيحه برقم ١٢٢٩، كتاب: السهو، باب: من يكبر في سجدتي السهو، ومسلم (٢/ ٨٧)، كتاب: الصلاة، باب: السهو في الصلاة والسجود له، واللفظ كما ساقه المصنف عند مسلم، ولفظ البخاري: \"لم أنس، ولم أقصر\".\n(^٢) ساقطة في الأصل، وهي ضرورية للسياق.\n(^٣) رواه مالك برقم ٢٦٤، كتاب: الصلاة، العمل في السهو، رواية يحيى، بلاغًا عن رسول اللَّه -ﷺ- أنه قال: \"إني لأنسى أو أنسى لأسن\"، قال ابن عبد البر في التمهيد (٢٤/ ٣٧٥): \"أما هذا الحديث بهذا اللفظ، فلا أعلمه يروى عن النبي -ﷺ- بوجه من الوجوه، مسندًا ولا مقطوعًا، من غير هذا الوجه واللَّه أعلم، وهو أحد الأحاديث الأربعة في الموطأ التي لا توجد في غيره مسندة ولا مرسلة واللَّه أعلم، ومعناه صحيح في الأصول\"، لكن وصله ابن الصلاح في رسالته في وصل البلاغات الأربعة (ص ١٣٧ - ١٣٨).\n(^٤) يشير إلى حديث عبد الرحمن بن سمرة، رواه البخاري في مواضع من صحيحه منها ٦٧٢ كتاب: كفارات الأيمان، باب: الكفارة قبل الحنث وبعده، ومسلم (٥/ ٨٦)، كتاب: الأيمان، باب: ندب من حلف يمينًا فرأى غيرها خيرًا منها، والحديث الذي رواه مالك برقم ١٣٧ برواية يحيى، كتاب: النذور والأيمان، ما تجب فيه =","vol":"1","page":225},{"text":"وإن كان أقرب إلى (^١) اللَّه الإقامة على اليمين، فهذا فيما لو لم يكن يمينًا (^٢) لكان مأمورًا به، واللَّه أعلم، وسيأتي في سورة المائدة كشف منه ها هنا إن شاء اللَّه.\n* * *\n_________\n= الكفارة من الأيمان، ومسلم (٥/ ٨٥)، نفس الباب، عن أبي هريرة، والحديث الذي رواه مسلم أيضًا (٥/ ٨٥ - ٨٦)، نفس الباب، عن عدي بن حاتم.\n(^١) مكررة في الأصل.\n(^٢) في الأصل: يمين.","vol":"1","page":226},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-145>٢٢٧ - ٢٢٦ - قال اللَّه ﵎: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-146>[متى يقع الطلاق في الإيلاء</span>؟]\nقال مالك بن أنس -﵁-: إذا انقضت الأربعة الأشهر قيل للمُولِي إذا وقفه الحاكم: إما أن تفيء، وإما أن تطلق، فإن امتنع منهما طلق الإمام عليه (^١).\nوقال النُّعمان وأصحابه: يقع الطلاق بمُضيِّ الأربعة الأشهر، وقالوا: عزيمة الطلاق وقوعه، وهذا خطأ، قال اللَّه عز من قائل: ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٥]، والعزيمة هاهنا إيقاع عقدة النكاح، وقلنا لهم: لا يخلوا وقوع الطلاق أن يكون في الأربعة، أو بعد تقضي الأربعة، فإن كان في الأربعة فقد نقصوا الزوج مما جعله اللَّه له، وإن كان بعد الأربعة، فقد وقع في الخامس.\n_________\n(^١) في الموطأ، كتاب: الطلاق، باب: الإيلاء برقم ١٦٠٠، من رواية يحيى، عن علي بن أبي طالب أنه كان يقول: \"إذا آلى الرجل من امرأته، لم يقع عليه طلاق وإن مضت الأربعة الأشهر حتى يوقف، فإما أن يطلق وإما أن يفيء\"، قال مالك: \"وذلك الأمر عندنا\". وفيه في نفس الموضع برقم ١٦٠١، عن ابن عمر أنه كان يقول: \"أيما رجل آلى من امرأته، فإنه إذا مضت الأربعة الأشهر وقف حتى يطلق أو يفيء، ولا يقع عليه طلاق إذا مضت الأربعة الأشهر حتى يوقف\".","vol":"1","page":227},{"text":"وقد قالوا: إن الإيلاء لا يكون إلا بيمين، فإن حلف الإنسان ألا يطأ امرأته أربعة أشهر، قالوا: يقع الطلاق بتَقَضّيها، فإن هذا لا يخلو من أن يكون في الأربعة أو في الخامس، فإن كان في الرابع فقد جعل اللَّه له الأربعة، لا مقال عليه فيها، وإن كان في الخامس فقد وقع الطلاق وهو غير مولي، ومع ذلك فإن اللَّه قال: ﴿فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٦ - ٢٢٧]، وإنما يُسمَع الكلام، وقال اللَّه تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا﴾ [المجادلة: ١]، ويقال: سمع اللَّه قولك، ورأى فعلك.\nومالك -﵁- لا يرى من حلف على أربعة أشهر موليًا (^١)، لأن تقضّيها يخرجه عن الحكم، ومع ذلك فإن قوله سبحانه: ﴿فَإِنْ فَاءُو﴾ لا يكون إلا لمستقبل بعد تقضي الكلام في المدة، وإن عزموا مثله، هذا لسان العرب لا يعرف خلافه.\nولا أعلم خلافًا أن اللَّه تعالى إذا جعل أجلًا، لم يزل حكمه إلا بخروجه، ألا تراه قال: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾، فلا يجوز عقد إلا في الحادي عشر، وإن الديون إذا قيل إلى شهر، لم يكن لصاحب الحق مطالبة حتى يمضي الشهر ويدخل الثاني، ويأتي تقصّي قولهم في كتاب الاحتجاج عليهم، لأنه يطول هاهنا بذكر الروايات.\n* * *\n_________\n(^١) المدونة (٣/ ٨٤).","vol":"1","page":228},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-147>٢٢٨ - قال اللَّه ﵎: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-148>[عدة المطلقات]</span>\nقال مالك وأهل المدينة: الأقراء: الأطهار (^١).\nوقال العراقيون: الحِيَض.\nوهو شيء قد اختلف الناس فيه قديمًا، واللغة تحتمل معنيين جميعًا، وهو انتقال الشيء إلى الشيء، وإن كان أحدهما أكثر وأظهر على لسان العرب، وهو الطهر، قال ذلك أبو عبيدة (^٢).\nوأنشد من قال: إنه الطهر قول الأعشى:\nوفي كل عام أنت جاشِمُ غَزْوَةٍ ... تَشُدُّ لِأَمْضاها عَزِيمَ عَزائِكا\nمُوَرِّثَةٍ مالًا وفي المجدِ رِفْعَةً ... لِما ضاعَ فيها من قُرُوءِ نِسائِكا (^٣)\nقال أبو عبيدة: \"وهو من قولهم: قد أقرأت النجوم، إذا غابت\" (^٤)، والمغيب في أيام الطهر، ويظهر في أيام الحيض، والطهر أظهر في المعنى.\n_________\n(^١) النوادر والزيادات (٥/ ٢٣).\n(^٢) في مجاز القرآن (١/ ٧٤): \"وكل قد أصاب، لأنه خروج من الشيء إلى الشيء. . . \"، ولم يذكر فيه ما يفيد كون أحد المعنيين أكثر وأظهر من غيره.\n(^٣) الأبيات في ديوان الأعشى (ص ٦٧)، وفيها: \"تَشُدُّ لأَقْصاها. . . \".\n(^٤) مجاز القرآن (١/ ٧٤).","vol":"1","page":229},{"text":"وقال اللَّه ﷿: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾، يعنى: لقُبُل عدتهن ﴿وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾ [الطلاق: ١]، فعلمنا أنها لهذا الوقت.\nوقال النبي -ﷺ- لعمر -﵁- في قصة ابنه لما طلق: \"مُرْه فليراجعها حتى تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر، ثم إن شاء طلق، وإن شاء أمسك فتلك العدة التي أمر اللَّه أن يطلق لها النساء\" (^١).\nفبان بالكتاب والسنة أنه أمر أن يطلق فيما تعتد به، وهو الطهر، لأنه لو طلق وهي حائض، لم يعد ذلك من عدتها، فقال: فإذا طلقها في بعض الطهر فاحتسبت به، وقد قال اللَّه: ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾، فالذي حصل بعض هذا القرء، قلنا لهم: المعنى ما قال أهل اللغة أنه خروج من شيء إلى شيء، ومع ذلك فقد قال اللَّه: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧]، وهو شهران وأيام، فليس بمنكر ذلك في الأطهار، ومع ذلك فالغرض سلامة الرحم، والطهر لا يعلم به سلامة الرحم، وإنما يعلم بالحيض، فإذا كان يعلم بالحيض، فأول الدم من الثالثة يبرِؤها.\nوالقُرء مأخوذ من المِقْراة، وهي التي يجتمع فيها الماء، فأيام اجتماع الدم هي أيام الطهر، والمبتغى عندنا من الطهر آخره، لأنها به تخرج إلى الحيض المبرئ للرحم، وأول الحيض هو المبرئ، لأن آخره لا يبرئ لو أذن لهم في الطلاق في الحيض، لأن المرأة قد تحمل في آخر الحيض، ولذلك قال أبو كبير الهذلي:\nومُبَرًّا من كل غُبَّرِ حَيْضَةٍ ... وفَسادِ مُرْضِعةٍ وداءٍ مُعْضِلِ (^٢)\nأي: لم تحمل به أمه في آخر حيضها.\n_________\n(^١) متفق عليه من حديث ابن عمر، رواه البخاري برقم ٥٢٥١، كتاب: الطلاق، باب، ومسلم (٤/ ١٧٩)، كتاب: الطلاق، باب: تحريم طلاق الحائض بغير رضاها.\n(^٢) البيت في شرح أشعار الهذليين للسكري (٣/ ١٠٧٣)، وفيه: . . . وداءٍ مُغْيلِ.","vol":"1","page":230},{"text":"ثم زعم أهل العراق أن الطلاق للعدة أن يطلق في الطهر، ثم عليها ثلاث حيض وبعض الطهر الرابع حتى تغتسل، فجعلوا عليها ثلاثة قروء وشيئًا (^١)، والكلام عليهم يتسع، وقصدنا الاختصار.\n* * *\n_________\n(^١) في الأصل: وشيء.","vol":"1","page":231},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-149>٢٢٨ - قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾</span>\nقول مالك -﵁- أن المرأة مؤتمنة على عدتها إذا كانت من ذوات الأقراء، ووعظت حين ائتمنت ألا تكتم ما خلق اللَّه في رحمها من الولد، فهي مصدَّقة في الحيض إلا أن تأتيَ بما لا يُعرَف، ومُصدَّقة في الحمل إذا وصفته، إذا علم الحمل قبل ذلك.\nولا أعلم المفسرين اختلفوا في هذه المعاني، قاله عمر (^١) وجماعة من الصحابة والتابعين -﵃- (^٢)، وباللَّه التوفيق.\n* * *\n_________\n(^١) قال ابن أبي حاتم في تفسيره (١/ ٤١٥): قرأت على محمد بن عبد اللَّه بن عبد الحكم، ثنا ابن وهب، حدثني قباث بن رزين، عن علي بن رباح، قال: كانت تحت عمر بن الخطاب امرأة من قريش، فطلقها تطليقة أو تطليقتين، وكانت حبلى، فلما أحست بالولادة أغلقت الأبواب حتى وضعت، فأخبر بذلك عمر فأقبل مغضبًا، فقرئ عليه: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾، فقال عمر: إن فلانة من اللائي يكتمن ما خلق اللَّه في أرحامهن، وإن الأزواج عليها حرام ما بقيت. ورواه أيضًا ابن جرير في تفسيره (٢/ ٤٦٢).\n(^٢) منهم ابن عمر، وابن عباس، ومجاهد، والربيع بن أنس، والضحاك، والشعبي، والحكم بن عتيبة، وغيرهم، انظر تفسير ابن جرير (٢/ ٤٦٠ - ٤٦١)، وتفسير ابن أبي حاتم (٢/ ٤١٥ - ٤١٦).","vol":"1","page":232},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-150>٢٢٨ - قال اللَّه ﵎: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-151>[الرجعة]</span>\nقال مالك -﵁- في المطلِّق واحدة واثنتين: إن له أن يرتجعَها شاءت أم أبت، بغير وليّ ولا صَداق، لأنها على بقية الزوجية، ليس لها الامتناع، وعليه أن يُشهِد على الرجعة قبل تقضّي العدة، ليزول الجحود منها إن كرهته (^١)، ولم يختلف المفسرون في ذلك.\n* * *\n_________\n(^١) انظر المدونة (٢/ ٢٢٤ وما بعدها)، باب الرجعة.","vol":"1","page":233},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-152>٢٢٨ - قال اللَّه ﷿: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-153>[حقوق الزوجة وواجباتها]</span>\nالذي لهن: القِسمة بينهن إذا زِدْن عن الواحدة، والنفقة على حسب إمكانه، وقدر حالها، والمعاشرة بالمعروف، والتحمل لها بحسب ما يلزمها له من التأهب والتزين، فإن ابن عباس -﵁- قال: أحب أتزينُ للمرأة، كما أحب أن تتزين لي (^١).\nوهذا وإن لم يقله مالك ولم ينقل عنه، فإنه مستحسن.\nوله عليها: التَّصَوُّن، والتَّخَفُّر، والطاعة، وما أشبه ذلك، إذ الزوجة عليها الإمارة، ألا تراه جل وعز قال: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [النساء: ٣٤]، والنفقة هاهنا الصداق، وقد سمى اللَّه ﷿ الصداق نفقة في مواضع فقال: ﴿فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا﴾ [الممتحنة: ١٠]، يعني: الصداق، ثم أعاد القول فقال: ﴿وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا﴾ [الممتحنة: ١٠].\n* * *\n_________\n(^١) رواه ابن أبي شيبة برقم ١٩٦٠ كتاب: الطلاق، ما قالوا في قوله تعالى: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾.","vol":"1","page":234},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-154>٢٢٩ - قال اللَّه ﷿: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-155>[طلاق السُّنة]</span>\nالطلاق الذي أمر اللَّه به، وأباحه مَن أراده، وهو الذي للسُّنة، الذي علمه اللَّه عباده بقوله: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]، وهو أن يطلقها واحدة، ويدعها تمضي في عدتها، فإن أحدث اللَّه له الرغبة ارتجعها ما لم تنقض العدة، وإن لم يرد ذلك وخرجت من العدة، فهو خاطب من الخطاب، فمتى تزوجها كان له أن يطلقها أخرى، فتكون للسُّنة، فإن رغب في ارتجاعها، كانت عنده على واحدة، وإن خرجت من العدة كان خاطبًا من الخطاب، فإن تزوجها فطلقها الثالثة كانت أيضًا للسُّنة، ولم تحل له حتى تنكح زوجًا غيره ويطأها ثم يطلقها، فإن تزوجها بعدُ الزوجُ كانت عنده على طلاق مستأنف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-156>[سبب نزول الآية]</span>\nوسبب نزول: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾، أن الإنسان كان يطلق لغير عَدد، ولم يكن للطلاق عدد معروف، فكان إذا أراد أن يُضار بامرأته طلقها، فإذا قاربت انقضاء عدتها ارتجعها، فلا يزال كذلك يعذبها ويطول عليها، فنزلت: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾، يريد: الطلاق الذي تكون فيه رجعة واحدة بعد واحدة واثنتين يجتمعان، فإن طلقها","vol":"1","page":235},{"text":"الثالثة ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]، فكان هذا سبب نزول هذه الآية (^١).\nوقوله: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾، يريد: بعد الاثنتين ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾: بعِشْرة جميلة ومعاملة حسنة، ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾: تطليق الواحدة الباقية لمن أراد ذلك، فكان هذا مانعًا من الزيادة في عدد الطلاق وغاية، قال ذلك جماعة من المفسرين (^٢).\n* * *\n_________\n(^١) رواه مالك برقم ١٧٢١، كتاب: الطلاق، جامع الطلاق، برواية يحيى، والترمذي برقم ١١٩٢ (م)، أبواب: الطلاق واللعان، باب، عن عروة بن الزبير أنه قال: كان الرجل إذا طلق امرأته ثم ارتجعها قبل أن تنقضي عدتها، كان ذلك له وإن طلقها ألف مرة، فعمد رجل إلى امرأته فطلقها، حتى إذا شارفت انقضاء عدتها راجعها ثم طلقها، ثم قال: لا واللَّه لا آويك إلي ولا تحلين أبدًا، فأنزل اللَّه ﵎: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾، فاستقبل الناس الطلاق جديدًا من يومئذ، من كان طلق منهم أو لم يطلق.\n(^٢) انظر تفسير ابن جرير (٢/ ٤٧٢ - ٤٧٣).","vol":"1","page":236},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-157>٢٢٩ - وأما قوله: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-158>[الخُلعْ]</span>\nفإن مالكًا -﵁- يقول: إذا كان النشوز من قِبَلها، والكراهية منها، فلا بأس بما يأخذه منها إذا افتدت به، قل أو كثر، وإذا كان الضِّرار من قبله، والأذى من جهته، لم يَحِل له ما تفتدي به منه (^١)، لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [النساء: ٢٠]، لأن الإرادة منسوبة في هذا الموضع إلى الزوج خاصة، فلم يجز له إذا أراد فِراق المرأة وكرهها ألا يفارقها حتى يأخذ منها شيئًا، وهذا الموضع وما أشبهه هو الذي كرهه مالك وجماعة من المفسرين (^٢)، إذا كانت الإساءة من قبله لم يجز له أن يأخذ منها شيئًا، وإذا خافا ألا يقيما حدود اللَّه فقد اشتركا في هذه المخافة يَبَرَّ بها واحد منهما، وكان لها أيضًا أن تفتدي، وله أن يأخذ، كما كان له إذا كانت الإساءة من قبلها.\n_________\n(^١) في المدونة (٢/ ٣٤٠): وقال مالك: لم أزل أسمع من أهل العلم، وهو الأمر المجتمع عليه عندنا، أن الرجل إذا لم يصل للمرأة، ولم يأت إليها، ولم تؤت المرأة من قبله، وأحبت فراقه، فإنه يحل له أن يقبل منها ما افتدت به.\n(^٢) في المدونة (٢/ ٣٤١): وقال مالك في التي تفتدي من زوجها: إنه إذا علم أن زوجها أضر بها أو ضيق عليها وأنه لها ظالم، مضى عليه الطلاق ورد عليها مالها، وهذا الذي كنت أسمع والذي عليه الأمر عندنا.","vol":"1","page":237},{"text":"وزعم بعض المتكلفين للعلم، أن هذه الآية توجب عليه ألا يأخذ منها إلا ما أعطاها أو بعضه (^١)، وليس الأمر على ما توهم، لأنه لو كان كما قال لقيل: فلا جناح عليهما فيما افتدت به منه، أو من ذلك، حتى يؤدي الكلامُ إلى ما أعطى الرجل امرأته من الصداق، فلما لم يقل ذلك، كان مطلقًا في كل شيء افتدت به.\nولو قال إنسان لإنسان: لا تضربن فلانًا إلا أن تخاف منه شيئًا، فإن خفته فلا جناح عليك فيما صنعت به، لكان مطلقًا له، لأنه لو أراد الضرب خاصة لقال له: فلا جناح عليك فيما صنعت به منه، أو من ذلك.\nومما يدل على العموم فيما افتدت به، وأنه ليس مردودًا (^٢) إلى صداقها، أنا رأينا النهي في المواضع كلها إنما هو شيء نسب الأخذ إليه خاصة، فدل ذلك على أنه يفعل بها، فلا يُحْوِجُه بها إلى أن تعطيه، قال اللَّه ﷿: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٩] (^٣)، وقال: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [النساء: ٢٠]، فعلمنا أنها تعطي ما تعطي (^٤) من غير طيب نفسها، وإذا كانت هي الكارهة فيما أعطت من طيب نفسها قال اللَّه ﷿: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: ٤]، فلما نسب الفعل إليها، نسب إلى أنه عن طيب نفس منها، فعلمنا أن الذي نهي عن أخذه منها هو غير الذي طابت به نفسها.\n_________\n(^١) مذهب أحمد وإسحاق، انظر مختصر الخرقي (ص ١٥١)، والإشراف للقاضي عبد الوهاب (٢/ ٧٢٦).\n(^٢) في الأصل: مردود.\n(^٣) في الأصل: \". . . آتيتموهن شيئًا\".\n(^٤) في الأصل: يعطي.","vol":"1","page":238},{"text":"وكذلك لما قيل: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا﴾، دل على أنه عن غير طيب نفس، ثم قيل: ﴿إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، فلما اشتركا أيضًا علم أن الذي تفتدي به حلال خوطبا به جميعًا إذ فعلته عن رغبة منها، فلما كان كذلك جاز لهما، وعلم أنه أمر مستأنف مُطلَق في كل ما طابت به نفسها له، وهو قول عامة أهل العلم، والخُلع عندهم إنما يكون بالصداق، والفدية تكون بالصداق وأقل منه وأكثر.\nوقال الناس جميعًا إلا طاوس: إن الخلع طلقة.\nوروى طاوس عن ابن عباس -﵁-: إنه فسخ بغير طلاق (^١)، فعوتب طاوس في ذلك، فعزاه إلى إنسان، وأنكر أن يكون سمعه من ابن عباس.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-159>[الطلاق ثلاثًا]</span>\nوروي عن طاوس أيضًا أنه روى عن ابن عباس -﵁- في المطلق ثلاثًا، أنها واحدة (^٢)، وأنكر الناس ذلك على طاوس، لأن سعيد بن جبير روى عن ابن عباس -﵁- في رجل طلق مائة تطليقة، فقال ابن عباس -﵁-: ثلاث منها تُبِينُها، وسائرهن اتخذت بها آيات اللَّه هزؤًا (^٣).\nوروى مجاهد، وعطاء، وغيرهما، عن عبد اللَّه بن عباس -﵁-، فيمن طلق بعدد نجوم السماء، فقال: يجزئك منهالم ذنب بناتِ نَعْش (^٤)، وقيل: رأس الجوزاء.\n_________\n(^١) رواه ابن أبي شيبة ١٨٦٤ كتاب: الطلاق، من كان لا يرى الخلع طلاقًا.\n(^٢) رواه مسلم (٤/ ١٨٣ - ١٨٤)، كتاب: الطلاق، باب: طلاق الثلاث.\n(^٣) رواه عبد الرزاق في المصنف برقم ١١٣٤، كتاب: الطلاق، باب: المطلق ثلاثًا بلفظ: \". . . وسائرها عدوان\".\n(^٤) بنات نَعْش: سبعة كواكب، أربعًا منها نعش لأنها مربعة، وثلاثة بنات نعش، اللسان (١٤/ ٢٩٨)، وذكره مالك بلاغًا في الموطأ برواية يحيى ١٥٨١، كتاب: الطلاق، ما جاء في البتة، بلفظ: \"طلقت منك لثلاث، وسبع وتسعون اتخذت بها آيات اللَّه هزوا\".","vol":"1","page":239},{"text":"والروايات عن ابن عباس في هذا كثيرة (^١). ولم يختلف الناس في أن الثلاث تقع، إلا هذه الرواية الضعيفة.\nقال أيوب السَّخْتِياني: كانوا يعجبون من كثرة خطأ طاوس، وكان رجلًا صالحًا من خيار المسلمين، إلا أنه كان كثير الخطأ (^٢)، والتسريح والتطليق واحد.\nقال مالك -﵁-: المُبارِئَة: التي تبارئ زوجها فتقول: خذ الذي لكَ، قبل أن يدخل بها، والمُخْتَلِعَة هي التي تختلع من كل الذي لها، والمُفْتَدِيَة: التي تعطيه بعضَ الذي لها، وتُمسِك بعضه، وكله سواء.\n* * *\n_________\n(^١) رواه عن مجاهد عن ابن عباس عبد الرزاق في المصنف برقم ١١٣٤٧، كتاب: الطلاق، باب: المطلق ثلاثًا، وعن عمرو عن ابن عباس ابن أبي شيبة في مصنفه برقم ١٧٩٩٥، كتاب: الطلاق، من قال لامرأته أنت طالق عدد النجوم، بلفظ: \"يكفيك من ذلك رأس الجوزاء\".\n(^٢) قال ابن عبد البر في الاستذكار (٦/ ٦): \"ورواية طاوس وهم وغلط لم يعرج عليها أحد من فقهاء الأمصار بالحجاز والعراق والمغرب والمشرق والشام\"، (ط العلمية).","vol":"1","page":240},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-160>٢٣١ - قال اللَّه ﷿: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾</span>\nقال مسروق، والحسن، ومجاهد، وقتادة: هو الرجل يطَلِّق ثم يرتجع، ثم يطَلِّق ثم يرتجع، ليطوِّل عليها العِدة اعتداء (^١).\nوليس لهم مخالف علمناه، كأنه قيل: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾: إذا قاربن ذلك، وأشرفن على بلوغه، وقد يقال للإنسان: إذا بلغت مكة فاغتسل قبل أن تدخلها، وهذا إنما يقع قبل البلوغ، على مقاربة البلوغ.\nولما قيل: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٢]، علم أن إمساكه لها لا يكون إلا قبل تَقَضِّي العِدَّة، وكأن قوله: ﴿أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ أي: دَعْها حتى تنقضيَ عدتها وتَبِين منك، ولعل المُتعة أيضًا تدخل في المفارقة بالمعروف.\n* * *\n_________\n(^١) روى ذلك ابن جرير في تفسيره (٢/ ٤٩٣ - ٤٩٤)، ورواه أيضًا عن ابن عباس -﵁- من الصحابة.","vol":"1","page":241},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-161>٢٣٢ - وقيل في الآية التي بعد هذه الآية: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ﴾</span>\nفوقع المعنى -واللَّه أعلم- على أن ذلك بلوغ الأجل، لأن الزوج أَحَقُّ برجعتها قبل بلوغ الأجل، لا يسمى نكاحًا، وإنما يكون النكاح ما يُسْتانَف، فلما بلغ الأجل احتيج إلى استئناف النكاح، ونُهوا عن عَضْل المرأة إذا أرادت أن تنكح زوجها الذي طلقها، وهذا مما يبين أن المرأة لا تزوج نفسها، ولو كان لها أن تفعل ذلك لما كان للرجل موضع عضل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-162>[سبب النزول]</span>\nوهذه الآية نزلت في معقِل بن يسار، كانت أخته عند ابن عم له فطلقها، فلما انقضت عِدَّتُها أتى ابنُ عمِّه فخطبها وخطب إليه فمنعها، وقال: قد كنت آثرتك بها فطلقتها وأسأت عشرتها، واللَّه لا أزوجكها أبدًا، قال: ففيه نزلت هذه الآية (^١).\nفلو كان للمرأة أن تزوج نفسها، أو أن تعدل عن وليها، ما عوتب معقل ونُهِي عن العضل، واللَّه اعلم.\n* * *\n_________\n(^١) رواه ابن جرير عن عدد من التابعين (٢/ ٤٩٧ - ٤٩٩).","vol":"1","page":242},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-163>٢٣٣ - قال اللَّه ﵎: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ<span data-type=\"title\" id=toc-164> الرَّضَاعَ</span>ةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾</span>\n[الرضاع]\nقال مالك -﵁-: الرضاع حق من حقوق الأمهات إذا أرادته، فإن كن مطلقات فلهن أجرة الرضاع (^١)، وليس للأب انتزاعه منها ضرارًا، ولا لها هي أن تمتنع من رضاعه إن لم يقبل ذلك إلا منها (^٢)، فإن قبله من غيرها، وطرحته على أبيه، كان عليه أن يسترضع له، وينفق عليه وعلى مرضعته، لا تضار والدة بولدها إذا احتيج إليها (^٣)، ودعت إلى ذلك ضرورة، أو لا يضار هو بولده فينزعه منها، أو لا يمتنع من الإنفاق على من ترضعه وتكفله، ثم ممن هو أحق بذلك فيه، ومن الكسوة أيضًا، وقال ذلك ومعانيه جماعة من المفسرين (^٤).\n_________\n(^١) في المدونة (٢/ ٣٦٢): قلت: أرأيت إن طلقها وأولادها صغار، أيكون على الأب أجر الرضاع في قول مالك؟ قال: نعم.\n(^٢) في المدونة (٢/ ٤١٨): وتُجْبَر الأم إذا خيف على الصبي إذا لم يقبل المراضع، أو علق أمه حتى يخاف عليه الموت إذا فُرِّق بينهما، على رضاع صبيها بأجر رضاع مثلها.\n(^٣) وفي العتبية (٥/ ١٥٢، مع البيان والتحصيل): وسئل عن الرجل يطلق امرأته ولها منه ولد، ألها أن تطرح ولده من ساعتها؟ فقال: لا حتى يلتمس له مرضعًا.\n(^٤) روي عن مجاهد، وقتادة، والحسن، والضحاك، والسدي، وابن شهاب، وسفيان، وابن زيد، وعطاء، وسعيد بن جبير، ومقاتل بن حيان، انظر تفسير ابن جرير (٢/ ٥١٠ - ٥١٢)، وتفسير ابن أبي حاتم (٢/ ٤٣٠ - ٤٣١).","vol":"1","page":243},{"text":"واختلفوا في قوله: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾، فقال جماعة -ومنهم مالك (^١) -: على الوارث ألا يضار، والنفقة من مال الوالد إن كان له مال، فإن لم يكن له مال، فهو فقير من فقراء المسلمين.\nوقال النعمان: وعلى الوارث الإنفاق، وهو على الرجال دون النساء.\nوأما ابن عباس، وأكثر المفسرين، فردوا ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ﴾ على آخر الكلام، ألا يُضار (^٢).\nوأما النعمان فقال: النفقة على كل ذي رحم محرم، ثم قال: إذا كان للمرضع ابن عم وخال، فالنفقة على الخال، والوارث ابن العم، ثم كذلك ما أشبه هذا، فقال وأصحابه قولًا ليس في كتاب اللَّه، ولا نعلم أحدًا قاله، لأن من قال: النفقة على الوارث، جعلها على كل وارث، ولا أعلم أحدًا قال هذا، ولا يوجد في كتاب ولا سنة ولا قياس، لأن اللَّه ﵎ لو قال: وعلى غير الوارث مثل ذلك، لكان على ما قال أبو حنيفة وأصحابه، وهو ضد ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾.\nوقال مالك -﵁-: وإذا مات الأب ولا مال له، فعلى الأم الرضاع، لأن اللَّه ﵎ ألزمها ذلك، فقال عز من قائل: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾.\n[و] (^٣) الذي أظن، أن من قال: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ﴾ الإنفاق، وألا يضار، ومن قال: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ﴾ آخر الكلام، وهو ألا يضار، إنما أراد: والوارث الذي هو\n_________\n(^١) النوادر والزيادات (٥/ ٥٣).\n(^٢) رواه عن ابن عباس ابنُ أبي حاتم في تفسيره (٢/ ٤٣٣)، وممن قاله الضحاك، والشعبي، ومجاهد، وابن شهاب، وسفيان، من التابعين، انظر تفسير ابن جرير (٢/ ٥١٧ - ٥١٨).\n(^٣) مطموسة في الأصل.","vol":"1","page":244},{"text":"الولي مثل الوصي وما أشبهه، فإن كان على ما تأولت، فعلى الوارث الذي ورث عن الأب الولاية على الصغير، أن ينفق من مال الصغير على أمه، وألا يُضار، وهذا عندي هو الصحيح الذي يحتمل جميع القولين، فيكون وفاقًا.\nومما يلزم أبا حنيفة إذا قال: إن النفقة على الوارث الذي ذكره، إذ كان اللَّه يقول: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦]، فالنفقة واجبة على الأب للحامل من أجل الولد وتغذيته، فإذا ولدته، كان عليه رضاعه، والنفقة على مرضعته من أم أو غيرها، فيلزمهم أن يقولوا: إذا مات الأب والمرأة حامل، وهو فقير، أن على الوارث أن ينفق على المرأة من أجل الحمل، فإن أبَوا ذلك ناقضوا، ونسأل اللَّه التوفيق.\n* * *","vol":"1","page":245},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-165>٢٣٣ - قال اللَّه ﵎: ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾</span>\nقال مالك -﵁-: إن اتفق الوالدان على قطع الرضاع، وقد تبينا في الصبي قبل الحولين قوة، واستغنى عن اللبن بأكل الطعام واستقامته عليه، وكان اجتهادهما في ذلك [عن] (^١) بينة وروية، فلا بأس بذلك.\n* * *\n_________\n(^١) ساقطة من الأصل.","vol":"1","page":246},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-166>٢٣٤ - قال اللَّه ﷿: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ ٢٤٠ - وقوله: ﴿مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-167>[عِدَّة الحامل والمتوفى عنها زوجها]</span>\nوأما قوله ﷿: ﴿مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾، فمنسوخة بإجماع، بقوله: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ (^١).\nوقال بعضهم: لا سكنى للمتوفى عنها، تعتد حيث شاءت (^٢).\nوقال بعضهم: تعتد حيث كانت وقت وفاة زوجها، وهو قول جمهور الفقهاء، وعليه الناس.\nواختلفوا فيها إذا كانت حاملًا، فقال بعضهم: آخر الأجلين.\n_________\n(^١) قال ذلك ابن عباس، وأبو موسى الأشعري، وابن الزبير، ومجاهد، وإبراهيم، والحسن، وعكرمة، وقتادة، والربيع، والضحاك، وعطاء، وعطاء الخراساني، والسدي، وابن زيد، ومقاتل بن حيان، والربيع بن أنس، انظر تفسير ابن جرير (٢/ ٥٩٤ - ٥٩٥)، وتفسير ابن أبي حاتم (٢/ ٤٥١)، والناسخ والمنسوخ في القرآن للنحاس (ص ٧٤ - ٧٥)، وقال: \"أكثر العلماء على أن هذه الآية ناسخة لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ. . . مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ \".\n(^٢) روي عن ابن عباس، انظر تفسير ابن جرير (٢/ ٥٢٨).","vol":"1","page":247},{"text":"وقال بعضهم عدتها وضع الحمل، كان قبل مضي الأيام والليالي، أو كان بعدها، وهذا القول الصحيح الموافق لما روي عن رسول اللَّه -ﷺ- في سبيعة الأسلمية، فإنها وضعت بعد وفاة زوجها بعشرين ليلة، فأمرها رسول اللَّه -ﷺ- أن تتزوج.\nوأما السُّكنى، فإن زوج الفُرَيعة بنت مالك أخت أبي سعيد الخدري، قتله عَبيد له، فسألت رسول اللَّه -ﷺ- فقالت: إن زوجي قُتل ولا منزل له يملكه، ولا نفقة ينفق علي، وأنا امرأة شاسعة الدار، فإن رأيت أن أتحول إلى أهلي وجيراني فعلتُ، قالت: فأذِن لي، فلما كنت في الحُجرة دعاني فقال: \"امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله\"، فاعتدَدْت فيه أربعة أشهر وعشرًا، فلما كان في خلافة عثمان -﵁-، كان ذلك في بعض أهله، فسأل الناس: هل عَلِم أحد من رسول اللَّه -ﷺ- في ذلك علمًا، فقال رجل من الأنصار، فُرَيْعَة بنت مالك تحدث فيه بحديث، وهي حيَّة، قال: فأرسل إليها وسألها عنه، فحدثثه به فأخذ به (^١).\nوقد رُوي من طرق كثيرة، وأفتى بذلك الصحابة والتابعون (^٢)، إلا من شذ عنه الخبر.\n* * *\n_________\n(^١) رواه مالك برقم ١٧٢٩، كتاب: الطلاق، باب: مقام المتوفى عنها زوجها، وأبو داود برقم ٢٢٩ كتاب: الطلاق، باب: في المتوفى عنها تنتقل، والترمذي برقم ١٢٠٤، أبواب الطلاق واللعان، باب: ما جاء أين تعتد المتوفى عنها زوجها، والنسائي برقم ٣٥٢٩، كتاب: الطلاق، مقام المتوفى عنها زوجها، وابن ماجة برقم ٢٠٣٢، أبواب الطلاق، باب: أين تعتد المتوفى عنها زوجها.\n(^٢) منهم عمر، وابنه عبد اللَّه، ابن مسعود، وأم سلمة، وإبراهيم، وعروة، وسعيد بن المسيب، انظر ابن أبي شيبة (١٠/ ١١٩ - ١٢٣)، كتاب: الطلاق، في المتوفى عنها، من قال: تعتد في بيتها.","vol":"1","page":248},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-168>٢٣٥ - قال عز من قائل: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ الآية</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-169>[التعريض بالنكاح]</span>\nذهب قوم إلى أن السر الزنا (^١)، لأن الغَشَيَان في اللغة يسمى السِّر، فلما نهوا عن ذلك ذهبوا إلى أنه الزنا، وهو قول ليس له وجه، لأن ما قبله وبعده لا يدل عليه.\nوالذين قالوا: لا يأخذ عليها ألا تنكح غيره (^٢)، وذهبوا إلى أن ذلك معنى الآية، وهو أشبه، لأن الغَشَيان يسمى السِّر، والنكاح اسم للغَشَيان، فكأنه قال: لا تواعدوهن النكاح.\nومالك يقول: لا ينبغي له أن يواعدها النكاح ولا يصرح، ولكن يقول: إني فيكِ لراغب، ولعل اللَّه يسوق إليك خيرًا، فهذه إباحة من اللَّه ﵎ لهما، ومُنِعا من المواعد (^٣) لطول الأيام، وما يُحْدِث اللَّه ﷿ في القلوب\n_________\n(^١) رواه ابن جرير في تفسيره (٢/ ٥٣٦ - ٥٣٧)، عن جابر بن زيد، وأبي مجلز، والحسن، وإبراهيم، وقتادة، والضحاك، والربيع.\n(^٢) روي عن ابن عباس، وسعيد بن جبير، وعامر، ومجاهد، وعكرمة، والشعبي، والسدي، وقتادة، وأبي الضحى، والضحاك، وابن شهاب، وسفيان، انظر: تفسير ابن جرير (٢/ ٥٣٧ - ٥٣٨)، وتفسير ابن أبي حاتم (٢/ ٤٣٩).\n(^٣) كذا بالأصل، ولعلها: المواعدة.","vol":"1","page":249},{"text":"من إخلاف الوعد، وذلك أن النبي -ﷺ- قال: \"علامة المنافق ثلاث، إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان\" (^١).\nفقيل: لا تواعدوهن ولكن قولوا قولًا معروفًا، إن وفيتم به كان حسنًا، وإن عدلتم عنه لم يكن قبيحًا.\nوقد احتج من قال إنه السر بقول الحُطَيْئَة:\nوَيَحْرُمُ سِرُّ جارَتِهِمْ عليهم ... ويأكل جارهمْ أَنُفَ القِصاعِ (^٢)\nوهذا لا شك فيه أنه أراد الزنا، والغَشَيان كله سِرٌّ من النكاح والزنا.\nوقال قيس بن الخَطِيم:\nومثلِكِ قد أَصْبَيْتُ ليست بِكَنَّةٍ ... ولا جارة ولا حَلِيلَةِ صاحبِ (^٣)\nوقال أيضًا:\nومِثلِكِ قد أَصْبَيْتُ ليست بِكَنَّةٍ ... ولا جارة أَفْضَتْ إليَّ حَبابَها (^٤)\nوقال حاتم طيء:\nوما تَشْتَكيني جارتي غير أني ... إذا غابَ عنها بَعْلُها لا أَزورُها\nسَيَبْلُغُها خَيْري ويَرجع بَعْلُها ... إليها ولم تُرْخَى عليَّ سُتورُها (^٥)\nقال أبو عبيدة: كانوا يَكْرُمون عن الزنا بالجارة، والغشيان عندهم -زنًا كان أو نكاحًا- سرٌّ، ويُسمَّيان به.\n_________\n(^١) متفق عليه من حديث أبي هريرة، رواه البخاري في مواضع منها رقم ٣٣، كتاب الإيمان، باب علامة المنافق، ومسلم (٥٦١١)، كتاب: الإيمان، باب: بيان خصال المنافق.\n(^٢) البيت في ديوان الحطيئة برواية وشرح ابن السكيت (ص ١٣٨).\n(^٣) البيت في ديوان قيس (ص ٨٠).\n(^٤) البيت في ديوان قيس (ص ٤٢)، وفيه: أفضت إلي حياءها.\n(^٥) البيتان في ديوان حاتم (ص ٢٣٢ - ٢٣٣)، وفي آخرهما: ولم يُقْصَرْ عليَّ.","vol":"1","page":250},{"text":"فقد أباح اللَّه التعريض، ومنع من التصريح لما ذكرنا، واللَّه أعلم.\nوقد قال الشافعي -﵁- محتجًا لإزالة الحد عن المُعَرِّض بالقذف بهذا التعريض المباح، فقال: لما كان التعريض هاهنا الذي ينوب عن التصريح يجوز، كان التعريض بالقذف مثله، فيلزمه أن يقول: إن التعريض بالقذف مباح، ولا يقول هذا قائل له دين.\nوالتعريض بالنكاح يُفهم به ما يُراد بذلك، وإنما منع من التصريح لكي لا يقع اختلاف، وزُهد بعد الرغبة، فإذا كان ينوب عن التصريح، وكان القذف ينوب عن التصريح فيه التعريضُ، ويفهم السامعون ما أراد بذلك، فقد صار قاذفًا، فكيف يجوز إسقاط الحدِّ عنه.\nوالتعريض أيضًا في النكاح إنما يكون من واحد، والتصريح لا يكون إلا من اثنين، يقول الرجل وتجيب المرأة، أو من يقوم مقامها، فلذلك نُهوا عنه، لأنه يصير كالعقد بالإباحة في العِدَّة، فلما كان من واحد ولم تقع إجابة، كان مباحًا، واللَّه أعلم.\n* * *","vol":"1","page":251},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-170>٢٣٦ - قال اللَّه ﵎: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ إلى قوله سبحانه: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ ٢٤١ - وقال عز من قائل: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-171>[متعة المطلقة]</span>\nاختلف المفسرون في ذلك، فقال قائلون: المتعة في الحالين واجبة، فلكل مطلقة متعة (^١).\nوقال آخرون: المتعة للتي طُلِّقت ولم يُفرض لها، ولم يُدخل بها، والتي فُرض لها حسبها نصف الصداق، الذي سُمِّي لها (^٢).\nوقال بعضهم: المتعة ليست بواجبة في الحالين، ويؤمر بها، فقال: متع إن كنتَ من المتقين، متع إن كنت من المحسنين (^٣).\n_________\n(^١) رواه ابن جرير (٢/ ٥٤٦)، عن الحسن، وأبي العالية، وسعيد بن جبير.\n(^٢) رواه ابن جرير (٢/ ٥٤٧ - ٥٤٨)، عن ابن عمر من الصحابة، وعن سعيد بن المسيب، ومجاهد، ونافع، عطاء، وشريح من التابعين.\n(^٣) رواه ابن جرير في تفسيره (٢/ ٥٤٩)، عن شريح، والحكم بن عُتَيبة.","vol":"1","page":252},{"text":"وقول مالك -﵁-: أنه لا يحكم لها، ويؤمر بها، فيقال: متع إن كنت من المحسنين، متع إن كنت من المتقين (^١).\nوإنما قال ذلك لأن اللَّه ﵎ قال: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾، وقال ﷿: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾، وقال: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾، فهذا أمر، والأمر قد يكون على الإيجاب، وقد يكون على الندب، والأولى بالفاظ الإيجاب لقوله ﷿: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ﴾، والجماعة قد جعلت هذه أوجب من تلك، وهذه مشروطة بالإحسان، وتلك بالتقوى، والتقوى أوجب من الإحسان (^٢). والشروط الواجبات إذا كانت لم يشترط فيها التقوى والإحسان، قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ [النحل: ٩٠]، فكان العدل من الفرض، والإحسان التفضل زيادة على العدل لمن رغب فيه، وإلا فالعدل لا يلزمه سواه، ولولا شرط التقوى والإحسان، لكان الواجب الحكم بالاثنين جميعًا، إلا أن يقوم دليل بغير ذلك.\nفإن قيل: فإن اللَّه ﵎ قد قال: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢].\nقيل: إنما أُريد بهذا أنه يهتدي به من اتَّقى الشِّرك، وليس بِهُدًى للكافرين، فهذا عموم فيمن اتَّقى الشِّرك، خُصُّوا به دون غيرهم، كذلك قيل: هي حق على المتقين من المسلمين خصوصًا، قال اللَّه ﷿: ﴿لَا جُنَاحَ\n_________\n(^١) قال مالك في المدونة (٢/ ٣٣٣): إنما خفف عندي في المتعة ولم يجبر عليها المطلق في القضاء في رأيي لأني أسمع اللَّه يقول: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ و﴿حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾، فلذلك خففت ولم يقض بها.\n(^٢) في الأصل: الإيجاب، وعليها ضَبَّة، والمثبَت من تصويب في الهامش.","vol":"1","page":253},{"text":"عَلَيْكُمْ﴾ يا مسلمين كلكم ﴿إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾، ثم وقع الخصوص على الصفة التي وصف، كما قال: كان القرآن هدى لمن وصف دون غيرهم.\nفليس يجوز أن يحكم بالمتعة على أحد، حتى يحكم له بالتقوى والإحسان، وهما شيء بين العبد وبين ربه، فصار موكولًا إليهم، فكان على الإنسان فيما بينه وبين ربه ألا يجعل نفسه خارجًا عن التقوى والإحسان.\nفلذلك قيل: متِّع إن كنت من المتقين، متِّع إن كنت من المحسنين، ولم نر اللَّه ﷿ شرط في حق رجب ليس على بشر إحسان (^١) ولا تقوى، بل أمر بالرَّفع والأخذ بالدَّفع، وهذا في القرآن يكثر ويطول شرحه، ونسأل اللَّه التوفيق برحمته.\nوقد زعم قوم من المتأخرين أن المتعة عوضٌ من الصداق وبدلٌ منه، فقد ينبغي لهم إذا كان الرجل يملك عشرة آلاف دينار، فتزوج امرأة صَداقُ مِثْلِها دينار، أن يحكموا عليه بنصف دينار أو ربع دينار، وإن تزوج مُقْتِر بغَنِيَّة صداقُ مِثْلِها ألف دينار، ولم يسمِّ لها، أن يحكموا بالمتعة خمسمائة دينار ونحوها، فإن لم يفعلوا ذلك، خالفوا ما أصَّلوا، وإن فعلوا، خالفوا كتاب اللَّه، لأن اللَّه ﷿ يقول: ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة: ٢٣٦].\nوقد احتج قوم بحديث بَرْوَع بنت واشِق (^٢) في صداق المثل، فيمن مات عنها ولم يسم (^٣) لها صداقًا (^٤)، وهذا حديث غير صحيح ولا مقبول، أيتوهم\n_________\n(^١) أي: إحسان فيه.\n(^٢) قال النووي في \"التهذيب\" (٢/ ٣٣٢): \"وهي بِرْوَع، بباء موحدة مكسورة، ثم راء مهملة ساكنة، ثم واو مفتوحة، ثم عين مهملة، وأبواها واشق، بالشين المعجمة المكسورة، وبالقاف\"، لكن قال في اللسان (٢/ ٦٥) مادة (برع): \"وأصحاب الحديث يقولونه بكسر الباء، وهو خطأ، والصواب الفتح، لأنه ليس في الكلام فِعْوَل إلا خِرْوَع، وعِتْوَد اسم واد\".\n(^٣) في الأصل: ولم يسمي.\n(^٤) أشار إلى الحديث الذي رواه الإمام أحمد في مواضع منها برقم ٤٢٧٦ وأبو داود =","vol":"1","page":254},{"text":"متوهِّم أن قومًا عندهم قضية من رسول اللَّه -ﷺ-، وهم يترددون شهرًا إلى ابن مسعود حتى يقول: أقول فيها برأيي، فإن يكن صوابًا فمن اللَّه، وإن يكن خطأً فمني ومن الشيطان، واللَّه ﵎ ورسوله -ﷺ- بريئان؟ هذا ما [لا] (^١) يتوهمه ذو لب.\nوقد قال علي، وابن عمر، وزيد بن ثابت في هذا، والشعبي، وعطاء، وعمر بن عبد العزيز، وسليمان بن يسار، وابن شهاب: لها الميراث، ولا صداق لها (^٢)، وهذا هو الصحيح وما يوجبه النظر، لأن الموت لا يُحدِث دَينًا لم يكن ثابتًا قبل الموت ما كان عليه صداق، وإنما أمر بالمتعة.\nعلى أن الشافعي في ذلك يخالف العراقيين، ويوافقهم في المتعة، فأتى بقول بين القولين لا وجه له، لأن الميراث لو كان عوضًا من المتعة، لَمَا وَرِثت المرأة زوجها إذا سمَّى لها صداقًا ودخل بها أو لم يدخل، لأنه لو كان طلق لم\n_________\n= برقم ٢١٠٩، كتاب: النكاح، باب: فيمن تزوج ولم يسم لها صداقًا حتى مات، والنسائي في غير موضع منها: برقم ٣٣٥٤، كتاب: النكاح، إباحة التزويج من غير صداق، ومن غير طريق عن ابن مسعود أن قومًا اختلفوا إليه شهرًا أو قريبًا من ذلك، في رجل تزوج امرأة ولم يفرض لها، فتوفي قبل أن يدخل بها، فقالوا: لا بد من أن تقول فيها، قال: فإني أقضي لها مثل صدقة امرأة من نسائها، لا وَكْس ولا شطط، ولها الميراث وعليها العدة، فإن يك صوابًا فمن اللَّه ﷿، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان، واللَّه ﷿ ورسوله بريئان، فقام رهط من أشجع، فيهم الجراح وأبو سنان فقالوا: نشهد أن رسول اللَّه -ﷺ- قضى في امرأة منا يقال لها بَرْوَع بنت واشق، بمثل الذي قضيت، ففرح ابن مسعود بذلك فرحًا شديدًا حين وافق قوله قضاء رسول اللَّه -ﷺ-.\n(^١) ساقطة من الأصل.\n(^٢) انظر الروايات عمن ذكره المصنف وغيرهم في مصنف عبد الرزاق كتاب: النكاح، باب: الذي يتزوج فلا يدخل ولا يفرض حتى يموت، ومصنف ابن أبي شيبة في كتاب: النكاح في الرجل يتزوج المرأة فيموت عنها ولم يفرض لها.","vol":"1","page":255},{"text":"يحكم له الشافعي بالمتعة، وينبغي إذا ماتت المرأة ألا يرثها زوجها، فينما جعل اللَّه الميراث بين الأزواج، كما جعله بين ذوي الأرحام.\nثم زعم الشافعي أنه يحكم بالمتعة دَينًا من الديون، فكيف يكون العوض من الدَّين لا يحكم به إلا بعد الدَّين، إذ جعل الميراث عِوَضًا من المتعة، وهو لا يحكم به إلا بعد الدَّيْن، إذ قال اللَّه ﵎: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾.\nوإنما غلط هؤلاء القوم لما تركوا القرآن، وعدلوا إلى القياس، ولو تدبروا القرآن لكُفينا التعب معهم، والكلام عليهم في هذه المسألة من وجوه كثيرة، لا وجه للإطالة بها، وباللَّه التوفيق.\n* * *","vol":"1","page":256},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-172>٢٣٧ - قال اللَّه ﷿: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-173>[من الذي بيده عقدة النكاح</span>؟]\nروى عيسى بن عاصم، عن شُرَيْح، عن علي: أنه الزوج (^١).\nقال عيسى: وقال شُرَيْح: هو الوليُّ (^٢).\nوروى عمار بن أبي عمار، عن ابن عباس -﵁-: أنه الزوج (^٣).\nوقال شريح مثل ذلك (^٤).\nقال القاضي: فأما عيسى بن عاصم، فليس بشيء، ولا تثبُت بمثله رواية، لأنه شيخ ضعيف، وكذلك عمار بن أبي عمار، ولكن قد روي عن جماعة من التابعين أنه الزوج، وقال عمر وكم شاء اللَّه من التابعين إنه الوليُّ.\nقال مالك -﵁-: هو الأب في ابنته البكر، والسيد في أمته (^٥). فإذا اختُلف في تأويل آية رجب النظر، فرأينا اللَّه ﷿ قال: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ\n_________\n(^١) رواه ابن جرير في تفسيره (٢/ ٥٦٠)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٢/ ٤٤٥).\n(^٢) رواه ابن جرير في تفسرِه (٢/ ٥٥٨).\n(^٣) رواه ابن جرير في تفسيره (٢/ ٥٦٠ - ٥٦١).\n(^٤) رواه ابن جرير في تفسيره (٢/ ٥٦١).\n(^٥) المدونة (٢/ ١٥٩ - ١٦٠).","vol":"1","page":257},{"text":"تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾، فكانت المخاطبة للأزواج، لا يقدر أحد أن يدعي خلافًا لذلك في تأويل ولا معقول، ثم قال: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾، وهذه مخاطبة للأزواج، ثم قال: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾، وهن النساء البوالغ اللواتي أَمرُهن إليهن، لا ولاية عليهن، ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾، فهو الوليُّ الذي يجوز له العقد شاءت أم أبت.\nوليس يجوز أن يعني بذلك الزوج، لأن كلام اللَّه إيجاز واختصار، فلو عنى الزوجَ لقيل إذ كانت المخاطبة له: \"أو تعفون يا رجال\"، أولى بأن يقال: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾، فترك الخطاب بما هو معقول بالمواجهة، ويخاطب بما يشكل وتقع فيه التأويلات، ويكثر فيه الاختلاف.\nومع ذلك، فالعفو كيف يكون من الزوج وهو المخاطب بدفع النصف؟ وإنما يعفو الإنسان عما رجب له، وإذا دفع الإنسان الصداق كله كان واهبًا لا يقال له عافٍ، إنما يقال للعافي: التارك لما رجب له، فأما من ابتدأ هبة فلا يقال له عافٍ.\nولما كانت المرأة بلا اختلاف عند ذوي الرأي أحظى بالرجل من الرجل بالمرأة وأكثر انتفاعًا، أُمِرت بذلك، وأُمِر الولي بمثله، لأنّا لو وُكِلْنا إلى رأيِنا وما تنتجه عقولنا، لكانت المرأة تُصْدِقُ الرجل أولًا، لكن اللَّه تعالى برحمته لهن وبضعفهن ما جعل لهن الصداق، فسماه هبة في موضع، فقال عز من قائل: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء: ٤]، فكانت النِّحلة لهن من اللَّه ﷿ في أموالنا، كما يوجب في أموالنا ما يشاء من زكاة وغيرها، حتى دية الخطأ جعلها في أموال العاقلة، ثم سمى الصداق في مواضع كثيرة فريضة، يعني: فريضة عليكم، وله جل وعز أن يفرض في أموالنا ما يشاء، إذ كُنا وأموالنا له.\nفلما كانت المرأة بهذه المنزلة أمرت بالعفو به، وحُضَّت عليه، يقول عز من قائل: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧].","vol":"1","page":258},{"text":"والمعنى في حَضِّها على ذلك نظرٌ (^١) لها، إذ لم ينل منها شيئًا، ليعلم أنها لم ترغب في مال تأخذه (^٢)، وإنما رغبتها في الكفاءة والدِّين، ليَرْغَب الناس فيها ويكثر خُطّابها من أهل الفضل، ولا يكون ما وقع بها من الطلاق مُوقعًا في قلوب الناس سببًا من الزوج المطلق يوجِب الزهد فيها.\nولما كانت الصغيرة والبكر، التي يلي أمرها أبوها، وعقد عليها بغير أمرها لقوة ولايته عليها، ووجوب نفقتها عليه إلى أن يدخل بها زوجها، وكانت ممن تولى عليها لهذه الأشياء التي قدمنا ذكرها، وكان الحياء يمنعها من أن تقول: زوجوني، وقال النبي -ﷺ-: \"والبِكر تُستأذَن، وإذنُها صُماتُها\" (^٣)، جعل للأب المتولي العفوَ عنها، والمختار لها من الأفعال ما يُرغِّب الناسَ فيها، وهي في مصاهرته، ليعلم أنه ليس يتاجر بولده ولا يبيعها، وإنما بغيته من الرجال وضع ابنته حيث ترضى، وكذلك جُعِل السيدُ في أمته العافي عما رجب لها، لأن السيد له أن ينتزع ما استحقته من الصداق منها إذا اقتضته، وإذا عفى عنه، فإنما يعفو عن مال له أخذه.\nفأما من قال: إنه الزوج، فأي شيء في يد الزوج من النكاح؟ إنما الذي في يد الزوج أن يعقد على نفسه، وإنما قُصِد بالآية من بيده عقدة نكاح المرأة، وهو الولي.\n_________\n(^١) في الأصل: نظرًا.\n(^٢) في الأصل: يأخذه.\n(^٣) متفق عليه من حديث أبي هريرة -﵁-، رواه البخاري في مواضع منها برقم ٥١٣٦، كتاب: النكاح، باب: لا ينكح الأب وغيره البكر والثيب إلا برضاها، ومسلم (٣/ ١٤٠)، كتاب: النكاح، باب: استئذان الثيب في النكاح، بلفظ: \"لا تنكح الأيم حتى تُستأمر، ولا تنكح البكر حتى تُستأذن\" قالوا: يا رسول اللَّه، وكيف إذنها؟ قال: \"أن تسكت\"، ورواه مسلم في الموضع نفسه عن ابن عباس -﵁- بلفظ: \"الثيب أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأمر، وإذنها سكوتها\".","vol":"1","page":259},{"text":"على أن ليس كل أب له أن يعفو، فقد يكون الأب سفيهًا، فلا يجوز عفوه، وإنما يجوز ذلك لأهل السداد والرَّوِيَّة ممن يجوز له أن يحكم عليها في نفسها، فإذا جاز حكمه في نفسها، كان في مالها أولى، ألا تراه يجوز أن يضحي عنها من مالها، ويُخرِج زكاة الفطر عنها من مالها، ويُخرِج زكاة مالها من غير أمرها، فيُحسِن لها في ذلك النظر، ويُورِثها ثوابًا، وله عندنا أن يتصدق عنها باليسير من مالها نظرًا لها، ما لم يك ذلك فادحًا في ملكها، لأن صلاحها صلاحُه، وصلاحُه لها، قال اللَّه ﷿ حاكيًا عن نبيه: ﴿وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي﴾ [الأحقاف: ١٥].\nفإن قيل: فقد أجزتم للوصي أن يُخرِج عن اليتيم صدقة الفطر والأضحية، ولم يَجُز له إسقاطُ المهر.\nقيل: لأن صدقة الفطر والأضحية مأمور بهما، غيرُ موكَلَين إلى رأي واجتهاد، وإسقاط الصداق موكَل إلى الاجتهاد، إن رأى إسقاطه أسقطه، وإن لم ير صلاحًا لم يسقطه، هذه الجهةُ جاز للأب في الصغيرة والبكر التي يلي عليها، فثبت ذلك عليها، ولا يكون لها فيه خيار، فإذا جاز ذلك في النفس، كان في المال أجوَز.\nولما قيل الذي بيده عقدة النكاح، عُلم أنه شيء بيده في ذلك الوقت، فكيف يكون بيد الزوج وقد بانت منه، وهل يجوز أن يقال للذي بيده أن يطلِّق بعد أن يطلِّق: بيده عقدة النكاح؟ وإنما الذي بيده عقدة النكاح، الذي بيده أن يعقد النكاح، وقال اللَّه ﷿: ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٥]، وأما أن يقال للذي بيده أن يطلِّق، وقد طلق: أن بيده عقدة النكاح، هذا ما لا يجوز، وإذا كان في يده أن يزوِّج نفسَه، فأي علة توجِب أن يكون بيده عقدة نكاحها؟ قال ابن عباس -﵁-: \"العفو وأمر به، فإن عفت فكما","vol":"1","page":260},{"text":"عفت، وإن عفا وليها جاز عفوه\"، فجعل (^١) ابنُ عباس العفوَ من جهة واحدة، ولم يجعله من جهة وضدِّها.\nوإنما أُتِيَ مخالفونا من أنهم نَزَّلوا الآية على ما في قلوبهم، دون معرفة الخطاب فيها، فجعلوا الصداق كله واجبًا بالعقد، وجعلوا الطلاق يُسقط نصفَه، فخالفوا الآية بتقدير أخطؤوا فيه، لأن الصداق يجب كلُّه باجتماع شيئين: إما بالعقد والدخول، وإما بالعقد والوفاة، رجب نصفه بالعقد والطلاقِ قبل الدخول.\nوأما قوله: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [البقرة: ٢٣٧]، فجمع فيه من يجوز له العفو من الرجال والنساء، فلما جُمِعوا حملوا على التذكير، ذلك دليل على أن العفو من جهة واحدة، واللَّه أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) في الأصل: وفجعل.","vol":"1","page":261},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-174>٢٣٨ - قال اللَّه ﷿: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَ<span data-type=\"title\" id=toc-175>الصَّلَاةِ الْوُسْطَى </span>وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾</span>\n[الصلاةُ الوسطى]\nاختلف في تفسير هذه الآية، فقال علي بن أبي طالب -﵁-: صلاة العصر (^١)، وذكر عنه في بعض الروايات أن النبي -ﷺ- قاله (^٢).\nورواه مُرَّة، عن عبد اللَّه (^٣).\nورواه الحسن، عن سَمُرَة (^٤).\nوروى القاسم عن عائشة (^٥)، وأبو أيوب عنها (^٦)، وأبو هريرة (^٧)، ثم عن جماعة مثل ذلك.\n_________\n(^١) رواه ابن جرير في تفسيره (٢/ ٥٦٩ - ٥٧٠).\n(^٢) رواه البخاري ٢٩٣١، كتاب: الجهاد والسير، باب: الدعاء على المشركين بالهزيمة والزلزلة، و٤٥٣ كتاب: تفسير القرآن، باب: قوله تعالى ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ. . .﴾، عن علي -﵁-، قال: لما كان يوم الأحزاب قال رسول اللَّه -ﷺ-: \"ملأ اللَّه بيوتهم وقبورهم نارًا، شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس\".\n(^٣) رواه ابن جرير في تفسيره (٢/ ٥٧٣).\n(^٤) رواه ابن جرير في تفسيره مرفوعًا (٢/ ٥٧٥)، وموقوفًا (٢/ ٥٧٢).\n(^٥) رواه ابن جرير في تفسيره (٢/ ٥٧١).\n(^٦) رواه ابن جرير في تفسيره (٢/ ٥٧١).\n(^٧) رواه ابن جرير عن أبي هريرة مرفوعًا (٢/ ٤٧٥)، وموقوفًا (٢/ ٥٧٠).","vol":"1","page":262},{"text":"وروى زيد بن أسلم وابن دينار وغيرهم عن ابن عمر، وعكرمة عن ابن عباس -﵁-، أنها صلاة الصبح.\nووافقهما على ذلك جماعة كثيرة من التابعين.\nوقال زيد بن ثابت: صلاة الوسطى: صلاة الظهر (^١). وتابعه على ذلك جماعة من التابعين.\nوقالت عائشة -﵄-: \"حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر\" (^٢)، فدل قولهما (^٣) على أنها غير العصر.\nوقال قوم: هي المغرب.\nوقال القاضي -﵁-: قد اختلف في تفسير الصلاة الوسطى هذا الاختلاف الذي ذكرنا، ولو ثبتت الرواية عن علي عن النبي -ﷺ- أنها العصر لم يجز خلاف ذلك، ولكن الطرق إلى علي ليست بذلك، على أنه من قول علي نفسه مشهور، وليس يدخل على أحد ضرر في دينه من هذا الاختلاف.\nوالوجهُ المحافظة على الصلوات كلها، إذ قد أمر اللَّه ﵎ بذلك، وما على الإنسان أن يعتقد في كل صلاة أنها الوسطى، فيزيد في المحافظة عليها.\nوإن كان الأقوى عندنا بالدلائل ما قاله ابن عباس، لأنها صلاة تصلى في سواد من الليل وبياض من النهار، فكأنها بين الليل والنهار، وقد قال اللَّه ﷿: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨].\n_________\n(^١) رواه ابن جرير في تفسيره (٢/ ٥٧٦ - ٥٧٧)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٢/ ٤٤٨)، روي هذا القول أيضًا عن ابن عمر، وأبي سعيد الخدري، وأبي بن كعب، وحفصة من الصحابة.\n(^٢) رواه عنهما ابن جرير في تفسيره (٢/ ٥٧٨ - ٥٧٩).\n(^٣) في الأصل: قوليهما.","vol":"1","page":263},{"text":"ورأينا صلاة الليل المغرب والعشاء، يجهَر فيهما، ويجمَع بينهما في السفر وغيره، وصلاة الظهر والعصر صلاة النهار، يجمع بينهما في السفر، وقال النبي -ﷺ-: \"صلاة النهار عَجماءُ\" (^١)، وقال النبي -ﷺ- في صلاة الصبح، إنه يشهدها ملائكة الليل وملائكة النهار (^٢)، وكان يجهر فيها، فدل على أنها ليست من صلاة النهار، لأن النهار من طلوع الشمس إلى مغيب الشمس، والأيام من طلوع الفجر إلى مغيب الشمس، والليل من مغيب الشمس إلى طلوع الفجر، فكانت هذه الدلائل تنبئ أن الفجر صلاة الوسطى، واللَّه أعلم بما أراد من ذلك.\n* * *\n_________\n(^١) قال السخاوي في المقاصد الحسنة (ص ٤٢٦): \"قال النووي في الكلام على الجهر بالقراءة من شرح المهذب إنه باطل لا أصل له وكذا قال الدارقطني: لم يرو عن النبي، وإنما هو من قول بعض الفقهاء\"، وروي من قول الحسن ومجاهد وأبي عبيدة بن عبد اللَّه بن مسعود، انظر مصنف عبد الرزاف، كتاب: الصلاة، باب: ترديد الآية في الصلاة، وباب: قراءة النهار، وابن أبي شيبة، كتاب: الصلوات، في قراءة النهار كيف هي في الصلاة.\n(^٢) لعله يشير إلى الحديث المتفق عليه، والذي رواه البخاري في مواضع منها: برقم ٥٥٥، كتاب مواقيت الصلاة، باب فضل صلاة العصر، ومسلم (٢/ ١١٣)، كتاب: الصلاة، باب: فضل صلاتي الصبح والعصر، عن أبي هريرة: أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: \"يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر، ثم يعرج الذين باتوا فيكم فيسألهم وهو أعلم بهم: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: تركناهم وهم يصلون، وأتيناهم وهم يصلون\".","vol":"1","page":264},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-176>٢٣٨ - قال اللَّه ﷿: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-177>[معنى القنوت]</span>\nوالقنوت يقتضي أشياء كثيرة، وأصلها كلها أن يديم الإنسان عملًا في طاعة اللَّه ﷿، فمن ذلك: السكوت عن كلام الناس في الصلاة، ومنه: أن يطيل القيام في الصلاة، ومنه: أن يخشع للَّه وتسكن جوارحه في الصلاة، ومنه: أن يدعو قبل الركوع، أو بعد الركوع في الصلاة، وهو الذي يسميه الناس: القنوت في الصلاة، كما جاء عن النبي -ﷺ- أنه قنت شهرًا، فدعا على رِعْل وذَكْوان (^١)، ومنه: أن يدوم الإنسان على طاعة ربه.\nفإذا كان كذلك، جاز للإنسان أن يقصد إلى أي الأصناف أراد من ذلك فيسمِّيَه قنوتًا، لأن كل شيء مما ذكرنا فقد روي عن صحابي أو تابعي أنه هو القنوت، ويشتمل عليها كلها، وهو المختار عندي.\nقول ابن عباس: ﴿قَانِتِينَ﴾، قال: مطيعين.\nفكل هذه الأحوال طاعة للَّه، وقد وافقه على ذلك جماعة من التابعين، وهو أحسن ما روي في ذلك.\n_________\n(^١) متفق عليه من حديث أنس، رواه البخاري بطرق وألفاظ متعددة، منها طريق أبي مجلز، برقم ١٠٠٣، أبواب الوتر، باب: القنوت قبل الركوع وبعده، ومسلم (٢/ ١٣٦)، كتاب: المساجد ومواضع الصلاة، باب: استحباب القنوت في جميع الصلاة إذا نزلت بالمسلمين نازلة، ولفظ البخاري: \"قنت النبي -ﷺ- شهرًا يدعو على رِعْل وذكوان\".","vol":"1","page":265},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-178>٢٣٩ - قال اللَّه ﷿: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-179>[الصلاة عند اشتداد الخوف]</span>\nرخص اللَّه ﵎ لهم إذا (^١) كانوا في المسابقة والمحاربة، فخافوا إن تشاغلوا بالصلاة -إن تركهم العدو، وهذا إذا اشتد الأمر، ولم تكن صلاة الخوف التي هي على الأرض، وقسم الجيش لها- أن يصلوا رُكبانًا على دوابهم، ورَجّالَةً حيث ما توجهت بهم وجوههم، وإذا خافوا فَوْتَ الوقت، فيومِئون إيماءً، من غير إسقاط شيء من الركوع والسجود، ولكن يكون في إيمائهم خَفْضُ السجود عن الركوع، وإذا كانت الحرب وهم سَفْرٌ صلوا ركعتين، وإن كانت في إقامة صلوا أربعًا، لا يُنقِصون من العدد شيئًا، ولا من القراءة المفروضة دون المسنونة، ولا من الركوع، ولا من السجود، ولكن يسقط عنهم الركوع والسجود المستوفَيان، ويجعلونهما إيماءً، ويسقط عنهم استقبال القبلة إذا عجزوا عنها، وهذا قول مالك -﵁- (^٢)، اتبع فيه من تقدمه، ابن عمر وسائر التابعين (^٣).\nوقد روي عن حذيفة مثل ذلك، واللَّه أعلم بصحته.\n_________\n(^١) في الأصل: إذ.\n(^٢) المدونة (١/ ١٦٢).\n(^٣) روى الإمام مالك في الموطأ برواية يحيى برقم ٥٠٥، كتاب: الصلاة، صلاة الخوف عن ابن عمر أنه قال: \". . . فإن كان خوفًا هو أشد من ذلك، صلوا رجالًا قيامًا على أقدامهم، أو رُكبانًا مستقبلي القبلة أو غير مستقبليها\"، قال مالك: قال نافع لا أرى عبد اللَّه بن عمر حدثه إلا عن رسول اللَّه -ﷺ-.","vol":"1","page":266},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-180>٢٦٧ - قال اللَّه ﵎: ﴿أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾</span>\nالطيبات التي أمر اللَّه ﵎ بالإنفاق منها: الحلالُ، لأن النبي -ﷺ- قال: \"لا يقبل اللَّه صدقة من غُلول\" (^١)، فأمر أن يُتقرب إليه بالطيب من اكتسابهم، ولا يتقربون إليه بحرام.\nويدخل في ذلك أيضًا ألا يتقرب إنسان إلى اللَّه ﷿ برديء الطعام، وحَشَف (^٢) التمر، وما أشبه ذلك مما لا يأكله ولا يرضاه الإنسان لنفسه، ولو أُعطيَه لم يقبله، ألا ترى إلى قوله سبحانه: ﴿وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ [البقرة: ٢٦٧]، وإلى أمر النبي -ﷺ- حين وجه بالمُصَدِّق، أن لا يأخذ رفيع الغنم، ولا العَوار (^٣) منها، وأن يأخذ الوسط.\nوقيل له: إنا نأخذ عِذْق ابن حُبَيْق (^٤) ومُصْران الفارة (^٥) في الصدقة، فنبيع الصاعين بالصاع الجيد، فقال النبي -ﷺ-: \"لا تفعل، بِع الجُعرور (^٦) بالدراهم،\n_________\n(^١) رواه مسلم (١/ ١٤٠) كتاب: الطهارة، باب: وجوب الطهارة للصلاة، عن ابن عمر -﵁-.\n(^٢) حَشَف التمر: اليابس الفاسد من التمر، أو الضعيف الذي لا نوى له، النهاية (١/ ٣٩١).\n(^٣) العَوار: بالفتح: العيب، وقد يضم، مشارق الأنوار (٣/ ٣١٨).\n(^٤) حُبَيْق: بضم الحاء وفتح الباء مصغرًا، مشارق الأنوار (١/ ١٧٦)، وعِذْق ابن حُبَيق: نوع من التمر رديء، انظر اللسان (٤/ ١٩).\n(^٥) مُصْران الفارة: ضرب من رديء التمر، اللسان (١٤/ ٨٤).\n(^٦) الجُعْرور: بضم الجيم، ضرب من التمر صغار لا ينتفع به، مشارق الأنوار (١/ ١٥٨)، واللسان (٣/ ١٥٦).","vol":"1","page":267},{"text":"واشتر بالدراهم جنيبًا (^١) \" (^٢)، فأمره بابتياع الجيد للمساكين، وبهذا الذي ذكرناه جاء تفسير المفسرين لهذه الآية.\n* * *\n_________\n(^١) الجَنِيب: نوع جيد معروف من أنواع التمر، النهاية (١/ ٣٠٤).\n(^٢) متفق عليه عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة، رواه البخاري في مواضع منها: برقم ٢٢٠١، كتاب: البيوع، باب: إذا أراد بيع تمر بتمر خير منه، ومسلم (٥/ ٤٧ - ٤٨)، كتاب: البيوع، باب: بيع الطعام مثلًا بمثل.","vol":"1","page":268},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-181>٢٧٢ - قال اللَّه ﷿: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-182>[الصدقة على غير المسلمين]</span>\nتكلم المفسرون في هذه الآية واختلفوا اختلافًا كثيرًا، فقال بعضهم: يتحرَّجون من الصدقة على أهل الكتاب وعلى سائر الكفرة، فنزلت: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ﴾ إلى آخر الآية، فكانوا يتصدَّقون عليهم (^١).\nفقال بعضهم: من زكاة الأموال.\nوقال بعضهم: من زكاة الفطر.\nوقال بعضهم: من الصدقةِ التطوعِ دون الفريضة.\nقال القاضي ﵀: فتأملت ذلك فوجدت اضطراب الأقاويل واختلافها، ووَهْيَ أكثر أسانيدها، ووجدت بعضهم يقول: لا يُتصدق على يهودي ولا على نصراني، ومنهم من كره الصدقة عليهم، فكان التوسط في ذلك أولى، وهو قول مالك -﵁-، أنه يُتصدَّق عليهم من التطوع، ولا يعطَون من الواجبات، من الزكاة (^٢)، وصدقة الفطر (^٣)، وما أشبه ذلك.\n_________\n(^١) ممن قال بهذا: ابن عباس من الصحابة، وسعيد بن جبير، وقتادة، والربيع، والسُّدّي، انظر تفسير ابن جرير للآية: (٣/ ٩٥)، وتفسير ابن أبي حاتم: (٢/ ٥٣٧ - ٥٣٨).\n(^٢) في المدونة (١/ ٣٠٠): \"وقال مالك: ولا يعطى من الزكاة مجوسي ولا نصراني ولا يهودي ولا عبد\"، وفيها (١/ ٢٩٨): \"وقال مالك: لا يعطى أهل الذمة من الزكاة شيئًا\".\n(^٣) في المدونة (١/ ٣٥٩): \"وقال مالك: لا يعطى أهل الذمة ولا العبيد من صدقة الفطر شيئًا\".","vol":"1","page":269},{"text":"فأما زكاة الأموال، فإن اللَّه ﷿ قال: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ [التوبة: ٦٠]، إلى آخر الآية، وقال: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣]، والصدقة لا تطهِّر الكافرين، فلا تؤخَذ منهم، كذلك لا يعطَون منها، لقول رسول اللَّه -ﷺ- لمعاذ: \"خذْها من أغنيائهم، واردُدها على فقرائهم\" (^١).\nوأما صدقة الفطر فإن النبي -ﷺ- قال، رواه نافع عن ابن عمر، أن النبي -ﷺ- أمر بصدقة الفطر، وقال: \"على الصغير والكبير، والحر والعبد من المسلمين\" (^٢)، رواه أبو معشر، وقال فيه: فكانوا يخرجونها قبل الخروج إلى الصلاة، وقال النبي -ﷺ-: \"أغنوهم عن طواف هذا اليوم\" (^٣).\nفدلَّ قوله ﵇: \"أغنوهم عن طواف هذا اليوم\" أنهم فقراء المسلمين، لتشاغلهم بعيدهم، وإنما قيل: إن الصدقة تؤخذ من أغنياء المسلمين ولا تؤخذ من الكافرين، وقد قال ﵇ لمعاذ -﵁-: \"ادعوهم إلى شهادة أن لا إله إلا اللَّه وأني رسول اللَّه، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلِمْهم أن عليهم خمس صلوات، فإن أطاعوا لذلك فأعلِمْهم أن عليهم زكاة\"، وقال: \"اردُدها على فقرائهم\" (^٤)، لم تُدفَع إلا إلى فقراء المسلمين، ولم تدفع إلى الكافرين.\n_________\n(^١) سيأتي تخريجه قريبًا.\n(^٢) متفق عليه، رواه البخاري برقم ١٥٠٣، كتاب: الزكاة، باب: فرض زكاة الفطر، ومسلم (٣/ ٦٨)، كتاب: الزكاة، باب: زكاة الفطر على المسلمين من التمر والشعير، عن ابن عمر -﵄-.\n(^٣) حديث أبي معشر رواه البيهقي برقم ٧٨١٤، كتاب: الزكاة، باب: وقت إخراج زكاة الفطر، عن نافع، عن ابن عمر، قال: أمرنا رسول اللَّه -ﷺ- أن نخرج زكاة الفطر عن كل صغير وكبير وحر ومملوك صاعًا من تمر أو شعير قال: وكان يؤتى إليهم بالزبيب والأقط فيقبلونه منهم وكنا نؤمر أن نخرجه قبل أن نخرج إلى الصلاة فأمرهم رسول اللَّه -ﷺ- أن يقسموه بينهم، ويقول: \"أغنوهم عن طواف هذا اليوم\".\n(^٤) متفق عليه، رواه البخاري برقم ١٣٩٥، كتاب: الزكاة، باب: وجوب الزكاة، =","vol":"1","page":270},{"text":"فأما الصدقة المتطوَّع بها، فهي التي أُريدت بالآية: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ﴾ إلى آخر الآية.\nولا بأس أيضًا بالعتق أن يوضع في الكافرين من أهل الكتاب، ولا يجوز ذلك من الواجبات، وقد قال رسول اللَّه -ﷺ-: \"من أعتق رقبة مؤمنة كانت فَكاكه من النار، كان كل عَظم منه بعَظم منه\" (^١)، ولم يقل ذلك في الكافرة، وكنا نعلم أن عتق المؤمنة أفضل من عتق الكافرة، وإن كان في ذلك كله ثواب، كما أن السَّليمة أعظم ثوابًا من المَعيبة، فالصدقة الواجبة لا توضع إلا فيما يكون أعظم ثوابًا وأفضل، وكذلك الصدقة على المؤمنين أفضل من الصدقة على الكافرين، وباللَّه التوفيق.\n* * *\n_________\n= ومسلم (١/ ٣٧ - ٣٨)، كتاب: الإيمان، باب: الأمر بالإيمان باللَّه ورسوله وشرائع الدين والدعاء إليه عن ابن عباس، وفيه: \". . . فأعلمهم أن اللَّه افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم. . . \".\n(^١) رواه أحمد برقم ١٨٠٦١، وأبو داود برقم ٣٩٦٣، كتاب: العتق، باب: أي الرقاب أفضل، وابن ماجه برقم ٢٥٢٢، كتاب: العتق، باب: العتق، عن كعب بن مرة.","vol":"1","page":271},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-183>٢٧٥ - ٢٧٩ - قال اللَّه ﵎: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾، وقوله: ﴿وَإِنْ (^١) تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-184>[ما سَلَف من الرِّبا]</span>\nمعنى هذه الآية واللَّه أعلم: ﴿إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾، إلى قوله: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ﴾، وإلى قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ إلى قوله: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾، فعلم أن ذلك فيمن أسلم وله ربًا، لم يعتضد بقوله ﷿: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾، فأما ما قد كان وقُبض فهو مما سلف، وهو مما لم يَبقَ من الربا، وقد قال النبي -ﷺ- يوم النحر: \"أي يوم هذا؟ \" قالوا: يوم الحج الأكبر، قال: \"فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا، ألا لا يجني جانٍ إلا على نفسه\"، الحديث بطوله، وقال فيه: \"وكل ربا موضوع، لكم رؤوس أموالكم لا تظلِمون ولا تظلَمون\" (^٢).\n_________\n(^١) في الأصل: فإن.\n(^٢) رواه الترمذي برقم ٣٠٨٧، أبواب تفسير القرآن، باب: ومن سورة التوبة، وقال: =","vol":"1","page":272},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-185>[عقوبة الرِّبا]</span>\nوأما قوله ﷿: ﴿لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ فإن ذلك حين يبعث من قبره، فإنه يقوم كالذي (^١) يتخبطه الشيطان من الجنون.\nولعن رسول اللَّه -ﷺ- آكل الربا، ومؤاكله، وشاهديه وكاتبه (^٢)، وهذان لُعِنا لأنهما أعانا على محاربة اللَّه، ومحاربة [رسوله] (^٣)، وعصيانه، واللَّه أعلم.\n* * *\n_________\n= \"حسن صحيح\"، وابن ماجة برقم ٣٠٥٥، أبواب: المناسك، باب: الخطبة يوم النحر، وغيرهم، عن عمرو بن الأحوص.\n(^١) في الأصل: الذي.\n(^٢) حديث رواه مسلم (٥/ ٥٠)، كتاب: البيوع، باب: لعن آكل الربا وموكله، عن جابر.\n(^٣) في الأصل: اللَّه، والصواب ما أثبته لقوله تعالى: ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾.","vol":"1","page":273},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-186>٢٨٠ - قال اللَّه ﷿: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-187>[إنظار المُعْسِر]</span>\nوقال قوم من المفسرين منهم شريح: إن هذه الآية في الربا (^١).\nوقال آخرون: إنها في كل ذي عُسرة (^٢).\nفأما شريح ومن قال بقوله، قالوا ذلك لأنه يعقُب ذكر الربا، فظنوا أنه فيه.\nقال سيبويه: الربا قد أسقطه اللَّه وأنظَره، فكيف يكون فيه نظِرة؟ وإنما النظِرة في رأس المال، واللَّه ﵎ يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨].\nوالقراءة: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ إنما تقع هي بالرفع، فلما كانت كذلك، عُلم أنه لم يَعْن بها صاحب الربا، لأنه لو كان عنى بها صاحب الربا لقيل: (وإن كان ذا عُسرة)، أي: إن كان الذي عليه الربا ذا عسرة، فلما قيل: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو\n_________\n(^١) رواه ابن جرير في تفسيره (٣/ ١١٠)، وروي أيضًا عن ابن عباس من الصحابة، والضحاك، وإبراهيم وابن عمير بن عبيد وغيرهم، انظر تفسير ابن جرير (٣/ ١١٠ - ١١٢)، وتفسير ابن أبي حاتم (٢/ ٥٥٢).\n(^٢) ممن قال به: الضحاك وعطاء، انظر تفسير ابن جرير (٣/ ١١٢)، وتفسير ابن أبي حاتم (٢/ ٢٥٢).","vol":"1","page":274},{"text":"عُسْرَةٍ﴾ عُلم أنه مبتدأ في كل ذي عسرة عليه دَين، فصار في معنى وإن وقع ذو عسرة، كما يقول القائل: قد كان الأمر، أي: وقع، وكما يقول: أعرفه منذ كان.\nوقال اللَّه ﵎: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، فقرئت بالرفع، لأن ذلك لم يُعْطَف على شيء قد مضى فينصب، وإنما هو في معنى: وإن وقع تجارة حاضرة، وقال الشاعر:\nفِدًى لِبَني شَيْبانَ أُمّي وخالتي ... إذا كان يومٌ ذو كواكبَ أشهبُ (^١)\nأي إذا وقع يوم بهذه الصفة.\n٢٨٠ - وقوله: ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾، يريد: من رؤوس أموالكم، ولو قال الذي قال: إن العُسرة معطوفة على رأس مال المرء كان جائزًا، ولا فرق بين رأس المال (^٢) وبين غيره، والدَّين إذا قدر على أدائه من الأمانات كالوديعة وما أشبه ذلك، الواجب الخروج منه، لأن مَطْلَ الغني ظلم (^٣)، وإذا ثبت الإعسار فلا سبيل إلى المطالبة، ولا إلى الحبس بالدين، ولا خطاب إلى الميسرة.\n* * *\n_________\n(^١) لم أقف على البيت كما أورده المصنف، لكن سيبويه أورد بيتًا في الكتاب (١/ ٤٧) في نفس السياق الذي أورد المصنف فيه هذا البيت وهو: وقوع (إذا كان) بمعنى (إذا وقع)، وكذا أربابُ المعاجم اللغوية وكتبِ الغريب، مختلفَ الصدر، ومنسوبًا لمَقَّاس العائذي، وهو:\nفِدًى لِبَنِي ذُهْلِ بن شَيْبانَ ناقَتي ... إذا كان يومٌ ذو كَواكب أشهبُ\n(^٢) في الأصل: المرء.\n(^٣) لفظ حديث متفق عليه، رواه البخاري في مواضع منها: برقم ٢٤٠٠، كتاب: الاستقراض وأداء الديون. . .، باب: مطل الغني ظلم، ومسلم (٥/ ٣٥)، كتاب: البيوع، باب: تحريم مطل الغني. . . عن أبي هريرة.","vol":"1","page":275},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-188>٢٨٢ - قال اللَّه ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-189>[مشروعية الدَّين]</span>\nقال ابن عباس: أشهد أن السَّلَفَ المضمون (^١) إلى أجل قد أذن اللَّه فيه، فهو مسمى في كتابه وأذن فيه، وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ الآية (^٢).\nوقالت عائشة -﵂-: \"لما نزلت هذه الآية من آخر سورة البقرة، خرج رسول اللَّه -ﷺ- إلى المسجد فقرأهن، ثم حرّم التجارة في الخمر\"، وهذا واللَّه أعلم قبل نزول تحريمها.\nولما قدم رسول اللَّه -ﷺ- المدينة وجد الناس يُسْلِفُون في التمر السنتين والثلاثة، فقال: \"من سَلَّفَ في تمر، فَليُسْلِفه في كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم\" (^٣).\n_________\n(^١) السلف هنا هو: أن يقدم الشخص ثمنًا معجلًا، مقابل سلعة مضمونة بأوصاف معلومة إلى أجل معلوم، ويسمى أيضًا: السَّلَمُ، والفعل: سلَّفْتُ وأسْلَفْتُ، تسليفًا وإسلافًا، انظر التنبيهات المستنبطة (٢/ ١٠٢٨)، واللسان (٧/ ١٣٣).\n(^٢) روى هذا الأثر ابن أبي شيبة في مصنفه برقم ٢٢٧٥٨، كتاب: البيوع والأقضية، السلف في الطعام والتمر، وابن جرير في تفسيره (٣/ ١١٦).\n(^٣) متفق عليه من حديث ابن عباس -﵄-، رواه البخاري في مواضع منها: برقم ٢٢٤٠، كتاب: السلم، باب: السلم في وزن، ومسلم (٥٥١٥)، كتاب: البيوع، باب: السَّلم.","vol":"1","page":276},{"text":"وقال عبد اللَّه بن أبي أوفى: كنا نُسْلِمُ في عهد رسول اللَّه -ﷺ- وأبي بكر وعمر في الحنطة والشعير والتمر إلى قوم ما هو عندهم (^١).\nوقال ابن عباس، وابن عمر، وعبد اللَّه بن معقل، وجماعة من التابعين: إنه لا بأس بالسَّلَم (^٢).\nقال إسماعيل بن إسحاق: المداينة إلى أجل مسمى: كل عاجل يباع بآجِل، وآجِل يباع بعاجل، مثل أن يبيع الرجل ثوبًا أو عبدًا أو دارًا أو ما أشبه ذلك من العروض بدنانير إلى أجل، أو بدراهم إلى أجل، أو بطعام موصوف مسمى مبلغه إلى أجل، أو بعض ذلك من العُروض إذا كان مخالفًا للعَرْض المبيع، أو مثل أن تشتري بدراهم عاجلة، أو بدنانير عاجلة، أو بطعام عاجل عَرْضًا موصوفًا إلى أجل، إذا كان مخالفًا للعرض الأول، فهذا الذي ذكر اللَّه في الآية، ويسميه الناس بالسلَم، وقال ابن عباس -﵁- فيه: إن اللَّه أباحه بالآية.\n* * *\n_________\n(^١) رواه ابن أبي شيبة في مصنفه برقم ٢٢٧٥٧، كتاب: البيوع والأقضية، السلف في الطعام والتمر.\n(^٢) رواه ابن أبي شيبة عن ابن عباس وابن عمر بن عمر برقم ٢٢٧٤٧ و٢٢٧٥٥، كتاب: البيوع والأقضية، السَّلَف في الطعام والتمر.","vol":"1","page":277},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-190>٢٨٢ - قال اللَّه ﷿: ﴿فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ﴾</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-191>[شروط الكاتب]</span>\nقال مالك بن أنس -﵁-: لا ينبغي أن يَكتبَ الكُتُبَ بين الناس في مدايناتهم، ومبايعاتهم، وشروطهم، إلا عارفٌ بها، عدلٌ في نفسه، مأمون (^١) على ما يكتبه، لقوله ﷿: ﴿فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ﴾، وروى عبد الملك (^٢) عن مالك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-192>[أحكام الكاتب والشاهد ومن عليه الحق]</span>\nوقال المفسرون: ليس بواجب على الناس إذا دُعِيَ الكاتب ليكتب فليس بواجب أن يفعل، إذ الكتاب كثير، فإن كتب فلا يكتب إلا بالعدل، وكذا إذا دُعِي الشهود للشهادة فليس يلزمهم، فإن شهِدوا فلا يأبى الشهداء إذا ما دعوا، فإذا أوقع شهادته لَزِمه إقامتها إذا دُعِيَ لإقامتها، فهذا موضع الفرض عليه.\n٢٨٢ - وأما قوله: ﴿وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ﴾، وهذا على قسمين إن كان لا يوجد غيره، وإذا كان يوجد غيره، ومعناه: أن يكتب، فلا يأبى أن يكتب بالعدل.\n_________\n(^١) في الأصل: عارفًا. . . عدلًا. . . مأمونًا. . .، وقد ساق هذا القولَ ابن عطية في المحرر الوجيز (١/ ٣٧٩)، والقرطبي في أحكامه (٣/ ٣٨٤).\n(^٢) كذا في الأصل، ولعله: رواه عبد الملك.","vol":"1","page":278},{"text":"٢٨٢ - ﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا﴾، وهو المُسيءُ الفِعال في ماله، ﴿أَوْ ضَعِيفًا﴾، وهو المُخْتَلُّ العقل الذي يُوَلّى عليه، ﴿فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾، معناه: فليُقِرَّ وليه بما عليه، وليشهد بما أشهد الولي به في مال المولى عليه إذا كان مأمونًا، فهو لازم له.\nفظاهر قول اللَّه ﷿: ﴿وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ﴾، يدل على أن القول قول من عليه الشيء، ومما يقوي ذلك قوله تعالى: ﴿وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا﴾، وَعَظَهُ لَمّا جُعِل القول قولَه.\n٢٨٢ - ﴿فَإِنْ (^١) كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-193>[معنى السَّفَه وأنواعُه]</span>\nفالسفيه هاهنا: المستحق للحَجْر عليه في ماله، والضعيف في عقله والمجنون والمعتوه، والذي لا يستطيع أن يُمِلَّ: الصغير، وهذا القول هو الذي نعمل به دون الذي قدمنا ذكره، لأن هؤلاء جميعًا يوَلَّى عليهم، فلما قيل: ﴿فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ عُلم أنه يولَّى عليه للعلة التي وصفنا.\nوقد ذُكِر السفيه في غير موضع آخر من القرآن، ودلت مواضعه على أن بعض ذلك أريد به السفه في الدين خاصةً، وبعضه أريد به المال، قال اللَّه ﷿: ﴿آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ﴾ [البقرة: ١٣]، وقال ﷿: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ [البقرة: ١٤٢]، فعُلِم أن السفه هاهنا في الدين.\n_________\n(^١) في الأصل: وإن.","vol":"1","page":279},{"text":"وقال ﷿: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ [النساء: ٥]، فعُلم أن القصد في هذا الموضع المال، والسفيه يولَّى عليه، ومعنى ﴿أَمْوَالَكُمُ﴾، وهي أموال السفهاء، يريد: في أيديكم تَلونَها (^١) لهم، والدليل على ذلك قوله: ﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ﴾ [النساء: ٥]، وإنما قيل: ﴿أَمْوَالَكُمُ﴾، كما قيل: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]، أي: لا يقتل بعضكم بعضًا، وقال اللَّه ﷿: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤] أي: فليقتل بعضكم بعضًا، وقال تعالى: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [النور: ٦١].\nوالسَّفه -واللَّه أعلم-، وإن كان في موضع أريد به الدين، وموضع أريد به المال، يرجع إلى معنى واحد، هو الجهل في الشيء الذي قصد له، فالسفيه في الدين هو الجاهل فيه، والسفيه في عقله هو الجاهل فيه، يقول الشاعر:\nنَخافُ أن تُسَفَّهَ أحْلامُنا ... ونَخْمُلَ الدَّهْرَ مع الخامِل (^٢)\nوقد روي في تفسير ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ عن التابعين، فقال بعضهم: النساء والصبيان، وقال بعضهم: اليتامى، وسنذكر ذلك في سورة النساء إن شاء اللَّه ﷿، فإنه غلط عظيم.\n* * *\n_________\n(^١) في الأصل: تولونها.\n(^٢) ورد في البيان والتبيين للجاحظ (١/ ٢١٣) منسوبًا للربيع بن أبي الحقيق اليهودي من بني النضر، وفيه: نكره أن. . . فنخمل. . . .","vol":"1","page":280},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-194>٢٨٢ - قال اللَّه ﷿: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-195>[شرط الإشهاد]</span>\nقال مالك -﵁-: ظاهر الآية يدل على أنهم الأحرار.\nوقال ذلك مجاهد (^١).\nوكذلك قول اللَّه تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]، فالظاهر أنه أريد به الأحرار الذكور.\nوكذلك قال: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢]، فمنكم معطوف على الرجال الأحرار، فهن الحرائر، لأنه قال بعد ذلك: ﴿وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ [النور: ٣٢]، فسُمُّوا بالعبيد والإماء، ولم يدخلوا في قوله: ﴿مِنْكُمْ﴾، وكذلك يُسمَّون في سائر القرآن، قال اللَّه ﷿: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢١]، وقال: ﴿مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء: ٢٥]، فلذلك (^٢) تجيء أسماؤهم في المعاملة بين الناس.\nوالشاهد إنما هو قوّام يعدِل، قال اللَّه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا\n_________\n(^١) رواه ابن جرير في تفسيره (٣/ ١٢٣)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٢/ ٥٦٠).\n(^٢) كذا في الأصل، ولعلها: فكذلك.","vol":"1","page":281},{"text":"فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء: ١٣٥]، فذكر الشهادة مع القيام بالعدل، فجرت الشهادة مجرى الحكم، وعلم أن هذه المخاطبة أُريد بها الأحرار، لقوله تعالى: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ﴾ [النساء: ١٣٥]، فعلم أنه القِسط بين الناس، وأنها الحقوق بينهم.\nوقال: ﴿وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾، فكان إقرار الحر على نفسه بالمال جائزًا، ولم يكن إقرار العبد على نفسه بالمال جائزًا (^١).\nوقال جل وعز: ﴿أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا﴾، فدل ذكر الغنى والفقر في الوالدين والأقربين على أنه أريد به الأحرار، وأنها في الأحرار، لأنهم الذين ينفِق بعضهم على بعض، ويُوارِث بعضهم بعضًا، فأُمروا ألا يَميلوا عليهم بغير الحق، فلما لم يجز أن يكون العبد حاكمًا، لم يجز أن يكون شاهدًا، ولم يجز أن تكون المرأة حاكمًا، وإن كانت تجوز شهادتها مع شهادة أخرى، لأن إحداهما قد ضمَّت الأخرى للشهادة، ولا يجوز أن تُضَمَّ الواحدة إلى الأخرى فتكونا بمنزلة حاكم، فيكون أحدهما نصف حاكم.\nوأما قوله: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾، فالعبد لا يجوز له أن يشهد إلا بإذن سيده، فخرج ممن خوطب بالشهادة وإقامتها.\nوالشهادة مفترَضة على الناس في الجملة، وليست على كل إنسان، لأن الناس يكفي بعضهم بعضًا (^٢)، كالجهاد، ولا يجوز أن تكون هذه الجملة مفترضة على من لا يقدر أن يفعلها إلا بأمر غيره، فخرج العبد عن أن يكون داخلًا في المخاطبة بالشهادة والحكم (^٣) والجهاد، ولو كان مخاطبًا بالغزو لكان له سهم،\n_________\n(^١) في الأصل: جائز.\n(^٢) أي: أنها فرض على الكفاية، إذا قام بها البعض سقطت عن الكل.\n(^٣) مكررة في الأصل.","vol":"1","page":282},{"text":"وقد قال ابن عباس -﵁-: النساء والعبيد كانوا يحضرون الجهاد مع رسول اللَّه -ﷺ-، فلم يكن يضرب لهم بسهم، وكان يرضخ لهم (^١).\n٢٥ - أنا إسماعيل، قال: نا علي بن المديني (^٢)، قال: نا عبد اللَّه بن وهب، قال: نا يونس بن يزيد الأيلي، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب قال: قضى عثمان بن عفان -﵁- في الصغير يشهد بعد كبره، والنصراني بعد إسلامه، والعبد بعد عتقه، أنها جائزة إن لم تكن ردت عليهم قبل ذلك.\nوهذا قول إمام بإسناد جيد (^٣). والروايات في هذا تكثر.\n* * *\n_________\n(^١) رواه بذكر النساء والعبيد الإمام أحمد ١٩٦٧. وقوله: يرضخ لهم: يعطيهم القليل، اللسان (٦/ ١٦٤).\n(^٢) في الأصل: المدني.\n(^٣) أخرجه سحنون عن ابن وهب به في المدونة (٥/ ١٥٤)، وابن حزم في المحلى (٩/ ٤١٢)، وصححه.","vol":"1","page":283},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-196>٢٨٢ - قال اللَّه ﷿: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾</span>\nقرأها بعضهم: ﴿فتُذْكِر إحداهما﴾، بالتخفيف.\nوقرأها آخرون بالتثقيل.\nوهما لغتان مستعملتان، والمعنى فيهما واحد، يقول: ذَكَّرْت فلانًا، وأذْكَرْت فلانًا، ومعناهما: إن نسيَت إحداهما أذكرَتها الأخرى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-197>[حكم أداء الشهادة]</span>\nوإذا دُعِيَ الشاهد لإقامة الشهادة، وقد كان شهد، فكل أهل العلم ألزموا الشاهد إقامتها إذا دعي لها وقد كانت شهادته تقدمت، فهذا غير مختلَف فيه أنه قد لزمه الإقامة.\nوقبل أن يشهد فليس عليه أن يشهد، لأنه شيء على الجملة، وليس بهم ضرورة إلى إنسان بعينه، واللَّه أعلم.\n* * *","vol":"1","page":284},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-198>٢٨٢ - قال اللَّه ﷿: ﴿وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ﴾ إلى قوله عز من قائل: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-199>[حكم الكتابة والإشهاد]</span>\nقول مالك في هذا: أن الإنسان مخيَّر في أن يكتب على غريمه، ومخيَّر في أن يأتمنه فيدَع ماله في ذمَّته بغير شهادة، وأن ما أُمِروا به من الكتاب والشهادة على (^١) سبيل الاحتياط لهم إن اختاروا ذلك.\nوقد اختلف المفسرون في تفسير ذلك، فقال بعضهم: الإشهاد واجب (^٢).\nوقال بعضهم: ليس بواجب (^٣).\nوقال بعضهم: إن قوله: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ ناسخ (^٤) لما مضى من أمر الشهادة (^٥)، واللَّه أعلم بما أراد من ذلك.\n_________\n(^١) في الأصل: لا على.\n(^٢) روي عن الضحاك، وسعيد بن جبير، وجابر بن زيد، ومجاهد، وعطاء، واختاره ابن جرير، انظر تفسير ابن أبي حاتم (٢/ ٥٦٦)، وتفسير ابن جرير (٣/ ١٣٤).\n(^٣) روي هذا القول عن الشعبي، والحسن، انظر تفسير ابن جرير (٣/ ١٣٤).\n(^٤) في الأصل: ناسخًا.\n(^٥) روى هذا القول ابن ماجه في سننه برقم ٢٣٦٥، كتاب: الأحكام، باب: الإشهاد على الديون، وابن جرير في تفسير قوله تعالى: ﴿فَاكْتُبُوهُ﴾ (٣/ ١١٨)، وابن أبي حاتم =","vol":"1","page":285},{"text":"وليس يحرم على الإنسان بإجماع الجماعة أن يَهَب الرجل ماله وأن يُودِعَه، فلما كانا جائزين، كان للإنسان أن يأتمن على ماله مَن شاء في الأمانة والذمة، لا يحرم ذلك عليه، لأن الذي حرم اللَّه عليهم في البيوع: الربا وأبواب الغَرَر، وإذا كان ذلك كله في الأثمان نفسها إلى بعضها عوض من بعض، فأما الثمن إذا ملكه إنسان، فسواء ائتمن عليه مبايِعُه أو إنسان غيره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-200>[الحكمة من الإشهاد والرهن]</span>\nوكذلك أمروا بالرهن احتياطًا، كما أمروا بالشهادة احتياطًا، ووثيقةً بالمال، وذكر الرهن إذ لم تمكن الشهادة، ليُعلم أن الرهن يكون وثيقةً إلى منتهى مبلغه، كما تكون الشهادة وثيقةً لمبلغ الشيء بمن أراد تركهما، ثقةً في معاملته، وسكونًا إليه، كان له ذلك كما له أن يودع ماله من شاء، فإن أراد الاستيثاق فقد جعل اللَّه الشهادة والرهن وثيقةً، فإذا أخذ الرهن وأشهد على أنه رهن فقد توثق لماله، وإذا أشهد شاهدين فقد توثق لماله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-201>[القضاء بالشاهد واليمين]</span>\nوقد قال العراقيون -مخالفةً لباطن الآية ومخالفةً للسُّنّة- بترك إجازة الشاهد واليمين، ولما جعل اللَّه الشاهدين -مع علمه بأن أحدهما قد يموت قبل صاحبه- وثيقةً، لم يجُز أن يأمر بما في علمه أنه غير وثيقة، فلما علم اللَّه ﷿ ذلك، وكانت اليمين للمُدَّعى عليه إذا لم تكن بينة يدفع بها عن نفسه لقوته باليد المُدَّعى عليه، كان المُدَّعي إذا مات أحد الشاهدين أقوى بالشاهد الواحد من المدعى عليه باليد، إذ كانت يده بيانًا منه، وشهادة الشاهد بيانًا للمدعي من غيره، فوجب بذلك أن تكون اليمين له، فيكون ما أمر اللَّه به وثيقة صحيحة، متى بطل بعضها لم يبطل المال ببعضها، كالرهن الذي جعله اللَّه\n_________\n= (٢/ ٥٧٠) وغيرهم عن أبي سعيد الخدري، وروي أيضًا عن ابن جُرَيْج، والشعبي، وابن زيد، والحسن وغيرهم، انظر تفسيري ابن جرير، وابن أبي حاتم، في المواضع نفسها.","vol":"1","page":286},{"text":"وثيقةً، متى تلف تلفًا ظاهرًا كان المال ثابتًا على الغريم لا يزول بتلف الرهن، فيكون ما حكم به النبي -ﷺ- من الشاهد واليمين (^١) مستخرَجًا من باطن الآية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-202>[القضاء بالمرأتين واليمين]</span>\nوزعم غيرنا أنه يقضي بالشاهد مع اليمين، وهو مع ذلك يدعي من علم القرآن ما لم نر أحدًا ادعاه، ثم يقول مع ذلك أنه لا يحكم بالمرأتين واليمين (^٢)، فكأنه جعل ما أمر اللَّه به وثيقةً لا وثيقة، وقد قال اللَّه ﵎: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾، ولم يختلف الفقهاء أن ذلك ليس على عدم الرجلين، فيشهد المرأتين عند عدم أحد الرجلين، وإنما هو إن لم يحضر رجلان، وحضر رجل وامرأتان فأشهدوهم، فإن كانت المرأتان تقومان مقام رجل، فاليمين معهما واجبة كوجوبها مع الرجل، وإن كانتا تنقصان عن الرجل، فقد صار الرجل مع المرأتين شهادته شهادة رجل وبعض رجل آخر، وهذا ما لا وجه له، ولا يقوله أحد من أهل العلم، ولا يسوغ في عقل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-203>[اختلاف المرتهنَين في الدّين]</span>\nوقد اختُلف أيضًا في الرهن إذا تداعيا ما عليه، فقال المرتهِن: هو عندي على مائة، وقال الراهن: بل هو على خمسين، فقال أكثر المفسرين: القول قول الراهن (^٣).\n_________\n(^١) يشير إلى ما رواه مالك في الموطأ برقم ٢١١١، كتاب: الأقضية، القضاء باليمين مع الشاهد، برواية يحيى، عن جعفر بن محمد عن أبيه، مرسلا، ومسلم (٥/ ١٢٨)، كتاب: الأقضية، باب: القضاء باليمين والشاهد، عن ابن عباس.\n(^٢) هو الشافعي قال الماوردي في الحاوي الكبير: \"ثم تجاوز مالك فقضى باليمين مع شهادة امرأتين، وإن لم يره الشافعي. . . \" (١٧/ ١٠)، ولا يرى الشافعي شهادة المرأتان إلا مع رجل، انظر الأم (٧/ ٨٩) (ط المعرفة).\n(^٣) وهو مذهب أبي حنيفة، والشافعي، انظر: بدائع الصنائع (٦/ ١٧٤)، والأم (٣/ ١٥١).","vol":"1","page":287},{"text":"وقال بعضهم: القول قول المرتهِن إلى قيمة الرهن.\nوهذا الأخير هو قول مالك -﵁- (^١) وأهل المدينة، وهو أشبه بظاهر القرآن، لأن اللَّه ﷿ يقول: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾، فوعظ المرتهن ولم يعظ الراهن، لأنه قد توثق منه، فكان الرهن وثيقةً لحقِّه، كالشهادة وثيقةٌ لحقِّه، فكل من كان القول قوله موعوظ (^٢)، ألا تراه قال في أول الآية: ﴿وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾، ولم يقل ذلك عند الشهادة والرهن، ﴿وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾ لأنه قد توثق منه، فصار القول قول المرتهن مع يمينه إلى مبلغ قيمة الرهن، فإن ادعى مرتهن فوق قيمة الرهن، لم يحكم له إلا بقيمة الرهن، وكان فيما ادعاه من الفضل بمنزلة من ادعى على رجل حقًا لا وثيقة بيده منه، فكانت اليمين فيه على الراهن.\nوإنما تقول هذا في الرهن إذا ثبت أنه رهن، أو تقاررا على الرهن، فأما إذا قال صاحبه إنه وديعة، وادعى الذي هو في يده الرهن، فالقول قول مالك السلعة واليمين له، فيستحق بها.\nوأما قوله ﷿: ﴿ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا﴾، يقول: ألا تشُكُّوا في الشهادة، يعني: إذا كان الشهود ممن يرضاه الحاكم الذي يستحق أن يكون حاكمًا، ألا تراه قال: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾، وهذه مخاطبة للحكام.\n_________\n(^١) المدونة (٥/ ٣٢٢).\n(^٢) في الأصل: موعوظا.","vol":"1","page":288},{"text":"وأما قوله ﷿: ﴿تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ﴾، فهذا مما لا ينبغي أن يكتبوه، لأنه شيء يتعاطونه في اليوم مرارًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-204>[عدل الكاتب والشاهد]</span>\nوأما قوله: ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾، فمعناه واللَّه أعلم، وإن كان التفسير فيه اختلاف، فإن أحسنه: ولا يضار كاتب فيكتب ما ليس بحق، أو يفسد ما يكتبه ليبطل به الحق، ولا يضار الشهيد بالامتناع من إقامة الشهادة في الوقت الذي يرجو (^١) به وصول الحق إلى حقه، ولا يكتب الكاتب غير الذي أُملي عليه، ولا يحوِّل الشاهد شهادته من كتاب إلى كتاب ليصير الحق حقَّين، قال اللَّه تعالى: ﴿وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ﴾، والفسوق: الكذب، والعدول عن الواجب، فيفسق الكاتب فيفسد كتابه، ويفسق الشاهد فيحول شهادته.\nوقال أبو الأسود الديلي:\nوتركُك بِرَّ الوالدين تَجَنُّبًا ... لِحَقِّهِما عند الإله فُسوقُ (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-205>[شرط صحة الرهن]</span>\nوأما قوله ﷿: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾، فقد اختلف الناس، فقال قوم: لا يكون رهنًا حتى يكون مقبوضًا.\nوقال آخرون: يكون رهنًا، ولا يصح إلا بالقبض (^٣).\n_________\n(^١) في الأصل: يرجوا.\n(^٢) لم أقف عليه في المطبوع من ديوان أبي الأسود، ولا فيما بين يدي من المصادر.\n(^٣) هذا قول أبي حنيفة، والشافعي، انظر: الأم (٤/ ٢٩٠)، والإشراف للقاضي عبد الوهاب (٢/ ٥٧٦).","vol":"1","page":289},{"text":"وقال آخرون: إذا كان الرهن على يد عدل، فليس بمقبوض (^١).\nوقال آخرون: مقبوض، وهو قول مالك (^٢)، لأن القبض إنما يكون على مالك الرهن، فإذا كان مقبوضًا على مالكه، فسواء كان على يد المرتهن، أو على يد عدل.\n* * *\n_________\n(^١) عزاه القاضي عبد الوهاب في الإشراف (٢/ ٥٨٠) إلى ابن أبي المطلب، وداود.\n(^٢) في الأصل: وهو مقبوض قول مالك.","vol":"1","page":290},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-206>٢٨٤ - قال اللَّه ﷿: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ إلى قوله ﷿: ﴿مَا اكْتَسَبَتْ﴾</span>\nقال النبي -ﷺ-: \"إن اللَّه تجاوز لأمتي عمّا حدَّثت به أنفسها ما لم تتكلم به، أو تعمل به\" (^١)، وقال ﵇: \"تجاوز اللَّه ﷿ لأمتي عن ثلاث، عن الخطأ، والنسيان، والكُره\" (^٢).\nولما نزلت هذه الآية، وقد كانت نزلت على من قبلنا من الأمم فأبوها، فألزموها، وهو قوله ﷿: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾، فلما نزلت على نبينا -ﷺ-، جزَع أصحابه منها كجزَع مَن تقدمهم، فاستكانوا لها منة من اللَّه عليهم، فقال النبي -ﷺ-: \"قولوا: سمعنا وأطعنا، غفرانك ربنا، وإليك المصير\"، فأنزل اللَّه ﵎: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾، ثم\n_________\n(^١) متفق عليه من حديث أبي هريرة -﵁-، رواه البخاري برقم ٥٢٦٩، كتاب: الطلاق، باب الطلاق في الإغلاق والكره، ومسلم برقم ٢٠١، كتاب: الإيمان، باب: تجاوز اللَّه عن حديث عن حديث النفس (ط عبد الباقي).\n(^٢) رواه ابن ماجه برقم ٢٠٤٥، أبواب: الطلاق، باب: طلاق المكره والناسي، عن ابن عباس -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: \"إن اللَّه وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه\".","vol":"1","page":291},{"text":"أنزل: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ (^١)، يريد ما عملت دون ما حدَّثت به أنفسها، ثم أمرهم فقال: قولوا: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾.\nفالإصر: هو ما أتته الأمم، وهو الخطأ والنسيان، وما أراده الإنسان بقلبه ولم يفعله فألزموه.\nفقال اللَّه ﷿ لما دعا نبينا -ﷺ-: \"قد فعلت\" (^٢)، فرفعَ الإصْر عنا، وذلك من نِعم اللَّه التي لا يؤدّى شكرُها، والحمد للَّه كما هو أهله.\n٢٨٦ - وأما قوله ﷿: ﴿فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾، فإنه النصر بالحرب، والنصر بالحجة، وقد فعل اللَّه تعالى ذلك، وله الحمد.\nآخر سورة البقرة، والحمد للَّه رب العالمين.\n* * *\n_________\n(^١) رواه ابن جرير (٢/ ١٤٤).\n(^٢) من الحديث السابق تخريجه.","vol":"1","page":292},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-207>سورة آل عمران</span>","vol":"1","page":293},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-208>٧ - قال اللَّه ﵎: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ إلى قوله ﷿: ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾</span>\nأخبرنا أبو الفضل بكر بن محمد بن العلاء القشيري القاضي البصري قراءة عليه في منزله بمصر، عام إحدى وأربعين وثلاثمائة: قالت عائشة -﵂-: تلا رسول اللَّه -ﷺ- هذه الآية إلى قوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾، فقال نبي اللَّه -ﷺ-: \"إذا رأيتم الذين جادلون فيه فهم الذين عنى اللَّه، فاحذروهم\" (^١).\nوقال أيوب السختياني: ولا أعلم أحدًا من أصحاب الأهواء يخاصِم إلا بالمتشابه.\nروى ذلك عن عائشة -﵂- عبد اللَّه بن أبي مليكة ومن طرق كثيرة (^٢).\nوروى حماد بن زيد عن أبي غالب قال: كنت بالشام فبعث المهلب سبعين رأسًا من الخوارج، فنصبوا على درج دمشق، ومرّ أبو أمامة، فنزلت فاتبعته، فلما وقف عليهم دمعت عيناه وقال: سبحان اللَّه، ما يصنع الشيطان ببني\n_________\n(^١) متفق عليه، رواه البخاري برقم ٤٥٤٧، كتاب: تفسير القرآن، باب: قوله تعالى: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾، ومسلم (٨/ ٥٦) كتاب العلم، باب النهي عن متشابه القرآن.\n(^٢) انظر تفسير ابن جرير (٣/ ١٧٩).","vol":"1","page":295},{"text":"آدم، كلاب جهنم، شر قتلى تحت ظل السماء هؤلاء، ثلاث مرات، طوبى لمن قتلهم أو قتلوه، ثم التفت إلي وقال: يا أبا غالب، إنك بأرض هم بها كثير، فأعاذك اللَّه منهم، قلت: رأيتكَ بكَيْتَ حين رأيتَهم؟ قال: بكيت رحمة لهم، إنهم كانوا من أهل الإسلام، هل تقرأ سورة آل عمران؟ فقلت: نعم، فقرأ: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ حتى بلغ ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾، وإن هؤلاء كان في قلوبهم زيغ فزيغ بهم، ثم قرأ: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا﴾ إلى قوله عز من قائل: ﴿فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾، فقلت: هم هؤلاء يا أبا أمامة؟ قال: نعم، قلت: من قبلك تقول أم شيء سمعته من النبي -ﷺ-؟ قال: إني إذًا لجريء، بل سمعته لا مرةً ولا مرتين، حتى عَدَّ سبعًا، قال: إن بني إسرائيل تفرقوا على إحدى وسبعين فرقة، وإن هذه الأمة تزيد عليهم فرقة، كلها في النار إلا السواد الأعظم (^١).\nوأما قوله تعالى: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾، فهو ابتداء الكلام ﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾، وآخر الكلام الأول: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾.\nقال طاوس: ذُكر الخوارج عند ابن عباس -﵁- فقال: يؤمنون بمحكمه، ويهلكون عند متشابهه، وقرأ: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾، ويقول الراسخون: ﴿آمَنَّا بِهِ﴾ (^٢).\nوكذلك فسرها من انتهى إلينا تفسيره.\nوأما قوله: ﴿هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ فقال يحيى بن يعمر: هن الفرائض، والحدود، والأوامر، والنواهي، وهن عماد الدين، كما أن عماد الباب أم\n_________\n(^١) رواه ابن أبي شيبة في مصنفه برقم ٣٩٠٤٧، كتاب: الجمل، ما ذكر في الخوارج.\n(^٢) رواه ابن جرير في تفسيره (٣/ ١٨١).","vol":"1","page":296},{"text":"الباب، وكما أن الرجل إذا كان مطاعًا يقال له: أم القوم، وكما أن مكة هي أم القرى، ومنها استخرجت القرى (^١).\nوقد روي عن ابن عباس -﵁- في المحكمات اللواتي هن أم الكتاب فقال: المحكمات: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ ونحوها (^٢).\n* * *\n_________\n(^١) رواه ابن جرير في تفسيره (٣/ ١٧٦)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٢/ ٥٩٣).\n(^٢) رواه ابن جرير في تفسيره (٣/ ١٧٢)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٢/ ٥٩٢).","vol":"1","page":297},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-209>٩٧ - قال اللَّه ﷿: ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾</span>\nقال عمر بن الخطاب -﵁-: وافقت ربي في ثلاث، ووافقني في ثلاث، قلت: يا رسول اللَّه، لو اتخذت مقام إبراهيم مصلى، قال: فنزلت ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ (^١).\nوقال المفسرون، ابن عباس، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وعطاء، وعروة: الحرم كله مسجد، ومقام إبراهيم كل مقام له، من المقام الذي يصلى فيه، والمقام الذي يصلى إليه، ومن مقاماته في الحج (^٢)، فأمروا أن يتخذوا من كل مقام له مصلى.\nوقد يكون المصلى من الصلاة، وقوله ﷿: ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾ يدل على مقام إبراهيم في كل شيء منه من أمر الحج أو غيره مما وصفنا، وكذلك هي في المصحف ﴿آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ﴾، وبها قرأ أهل المدينة، وأهل العراق.\n_________\n(^١) متفق عليه، رواه البخاري برقم ٤٠٢، كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في القبلة ومن لم ير الإعادة، ومسلم (٧/ ١١٥ - ١١٦)، كتاب: فضائل الصحابة، باب: من فضائل عمر -﵁-.\n(^٢) كذا العبارة في الأصل، ولعلها تحتاج إلى تعديل، وسياقها أن هؤلاء قالوا: إن الحرم كله مقام إبراهيم، انظر الروايات عمن ذكره المصنف إلا ابن جبير عند ابن جرير (٣/ ٥٨٤ - ٥٨٥)، عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾.","vol":"1","page":298},{"text":"وروي عن ابن عباس -﵁- أنه قرأها: (آية بينة)، ويجوز أن يكون أراد المقام نفسه، أو أراد تفسيرًا، إلا أن العمل على ما في المصحف.\n* * *","vol":"1","page":299},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-210>٩٧ - قال اللَّه ﷿: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-211>[إقامة الحدود في الحرم]</span>\nالمعنى واللَّه أعلم في تفسير هذه الآية، أن ذلك كان في الجاهلية، ثم نزل في القرآن ما نزل من إقامة الحدود وغير ذلك، لأنهم كانوا في الجاهلية مَن قتل أو سرق أو أتى الحدود ثم دخل مكة، لم يعرض له حتى يخرج منها، وذلك أن اللَّه تعالى قال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٦٧]، فكانت العرب يُغِير بعضهم على بعض وأهل الحرم آمنون.\nوقد أنزل اللَّه الحدود والأحكام على العموم بين الناس، فليس يجوز أن يترك الآن حكم اللَّه في حرم ولا غير حرم، لأن الذي حرم الحرم هو الذي حرم معاصيه أن ترتكب، وأوجب فيها من الأحكام ما أوجب، وإنما معنى ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ أي آمنًا من العادة التي كانت بين القبائل.\n* * *","vol":"1","page":300},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-212>٩٧ - قال اللَّه ﵎: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾</span>\nفقيل: يا رسول اللَّه، أفي كل عام؟ قال: \"لا، ولو قلتُها لوجبت، الحج مرة واحدة، ومن زاد فهو متطوع\" (^١)، وقال في بعض الروايات: \"ولو وجبت لم تقوموا بها، ولو لم تقوموا بها عذِّبتم\"، فنهى عن السؤال وقال: \"إنما هلَك مَن كان قبلَكم لكثرة سؤالهم أنبياءهم، فإذا نهَيتُكم عن شيء فانتهوا، وإذا أمرتكم بشيء فخذوا منه ما استطعتم\" (^٢).\nولم يختلف أهل العلم باللسان أن قوله: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾، أن الحج: القصد.\nوقال النبي -ﷺ-: \"الحج مرة واحدة، فإن زدتَ فهو تطوع\" (^٣).\nوقال غيرنا (^٤): على الناس قصدين، قصد للحج، وقصد للعمرة (^٥).\n_________\n(^١) تقدم تخريجه (١/ ١٤٤).\n(^٢) متفق عليه من حديث أبي هريرة، رواه البخاري برقم ٧٢٨٨ كتاب: الاعتصام، باب: الاقتداء بسنن رسول اللَّه -ﷺ-، ومسلم (٤/ ١٠٢)، كتاب: الحج، باب: فرض الحج مرة في العمر.\n(^٣) تقدم في الهامش الأول.\n(^٤) في الأصل على الهامش: الشافعي.\n(^٥) بناء على القول بأن العمرة فريضة، وهو قول الشافعي، ينظر الأم (٢/ ٣٢٥).","vol":"1","page":301},{"text":"وقال علي بن أبي طالب -﵁- وقد سئل عن الحج والعمرة، فقال: أن تأتي بهما مؤتنفتين من دويرة أهلك (^١).\nفكان هذا خطابًا لمن أراد التطوع بهما، لأن النبي -ﷺ- لم يوجب عليه القصد إلا مرة واحدة، فعُلم أن العمرة إن يُطَّوع بها كما يُتَطوع بالحج بعد الحجة الواجبة، كان على من دخل فيها إتمامها.\nوسئل النبي -ﷺ- عن العمرة، أواجبة هي؟ فقال: \"لا، ولأن تعتمر خير لك\" (^٢)، روى ذلك جابر، وروي في الحج مثله فقال: \"مرة واحدة\"، وأن النبي -ﷺ- قال: \"وإن زدتَ فهو خير لك\"، فبان بذلك أن قول اللَّه ﵎: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، إنما هو المتطوِّع بهما، واللَّه تعالى أعلم بما أراد من ذلك.\n* * *\n_________\n(^١) تقدم تخريجه (١/ ١٤٣).\n(^٢) تقدم تخريجه (١/ ١٤٣).","vol":"1","page":302},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-213>٩٧ - قال اللَّه ﵎: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾</span>\nروي عن النبي -ﷺ- أنه قال: \"من ملك زادًا أو راحلة تبلغه إلى بيت اللَّه فلم يحج، فلا عليه إن شاء أن يموت يهوديًا أو نصرانيًا، وذلك لأن اللَّه ﵎ يقول: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ إلى آخر الآية [آل عمران: ٩٧] \" (^١).\n٢٦ - نا أبو مسلم، قال: نا مسلم بن إبراهيم، قال: نا هلال بن عبد اللَّه مولى ربيعة بن عمرو بن مسلم الباهلي، قال: نا أبو إسحاق الباهلي، عن الحارث، عن علي، ورواه ابن عمر عن النبي -ﷺ- قال: \"الحاج الشَّعِث التَّفِل (^٢)، وأفضل الحج العَجُّ والثَّجُّ، والسبيل الزاد والراحلة\" (^٣).\nوقال بعضهم: السبيل: الصحة والقدرة إلى التوصل إلى إقامة الحج (^٤).\nفالسبيل عندنا: الزاد والراحلة لمن يمكنه أن يبلغ بالزاد والراحلة، ولا يُقدر على البلوغ إلا بذاك، وذلك مشروط مع الصحة.\n_________\n(^١) رواه الترمذي عن علي -﵁-، ٨١٢، أبواب: الحج، باب: ما جاء في التغليظ في ترك الحج، وضعفه فقال: \"هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وفي إسناده مقال، وهلال بن عبد اللَّه مجهول، والحارث يُضَعَّف في الحديث\".\n(^٢) التَّفِل: قال في النهاية (١/ ١٩١): \"الذي قد ترك استعمال الطيب، من التَّفَل وهي الريح الكريهة\".\n(^٣) سبق تخريجه.\n(^٤) روي عن ابن عباس، وعكرمة، وسعيد بن جبير، والضحاك، انظر تفسير ابن جرير (٣/ ٣٦٦)، وتفسير ابن أبي حاتم (٣/ ٧١٤).","vol":"1","page":303},{"text":"ولو أن رجلًا يمكنه المشي إلى الحج، وهو لا يملك راحلة ويقدر على الزاد، لوجب عليه الحج، لأنه يستطيع إليه سبيلًا، لأن قوله ﷿: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ مفهوم غير مُشكل، وكل من قال أو روى ذكر الزاد والراحلة، فإنما أراد عندي التغليظ على من مَلك هذا المقدار ولم يحج، لأنهم ذكروا أقل الأملاك التي يبلغ بها الإنسان الحج، ألا ترى اللَّه ﵎ قال: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ [الحج: ٢٧]، ومعنى رِجالًا ورَجالًا (^١)، واحدهم الرَّجّالة.\n* * *\n_________\n(^١) لعل هنا سقطًا مضمونه تفسير رجالًا ورجالًا، وهم المُشاة، عكس الرُّكبان، يُنظر اللسان (٦/ ١١٣).","vol":"1","page":304},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-214>٩٧ - قال اللَّه ﷿: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾</span>\nقال بعض المفسرين: من كفر باللَّه (^١).\nوقال بعضهم: من كفر بالحج، ولم يره واجبًا (^٢).\nوقيل عن عمر بن الخطاب -﵁- أنه قال: لقد هممت أن أبعث رجالًا إلى هذه الأمصار، فينظروا كل رجل لم يحج، فيضربوا عليهم الجزية، ما هم بمسلمين (^٣).\nوروي عنه أيضًا أنه قال: لو أن الناس تركوا الحج لقاتلناهم عليه كما نقاتلهم على الصلاة والزكاة.\nوقال ابن عباس -﵁-: لو ترك الناس الحج عامًا واحدًا ما نوظروا بعده.\nوقال جماعة من المفسرين منهم الحسن، وسعيد بن جبير، وغيرهما، فيمن ترك الحج، هل يقال له كافر؟ قالوا نعم.\n_________\n(^١) روى عن ابن عمر مرفوعًا إلى النبي -ﷺ- وموقوفًا، وعن ومجاهد، وعامر، والضحاك وعكرمة، انظر تفسير ابن جرير (٣/ ٣٦٨ - ٣٦٩)، وتفسير ابن أبي حاتم (٣/ ٤١٤ - ٤١٥).\n(^٢) روي عن ابن عباس، والضحاك، وعطاء، والحسن، ومجاهد، انظر: تفسير ابن جرير (٣/ ٣٦٧ - ٣٦٨)، وتفسير ابن أبي حاتم (٣/ ٧١٥).\n(^٣) قال ابن كثير في مسند الفاروق (١/ ٢٩٣): \"رواه سعيد في سننه، وهذا منقطع بين قتادة وعمر\".","vol":"1","page":305},{"text":"وقال عمر بن الخطاب -﵁-: من مات ولم يحج وهو موسر، فيمت إن شاء يهوديًا، وإن شاء نصرانيًا (^١).\nوقال إبراهيم النَّخعي: قال الأسود في رجل موسر لم يحج: إنك إن مِتَّ على هذه الحال لم أُصَلِّ عليك.\nوقال علي بن أبي طالب، وأسامة -﵄-، عن النبي -ﷺ-: \"من مات ولم يحج وهو قادر، فليمت يهوديًا أو نصرانيًا\"، رواه الحسن بن علي، وعلي بن سابط، عن أبي أمامة، عن النبي -ﷺ- (^٢).\n* * *\n_________\n(^١) قال ابن كثير في مسند الفاروق (١/ ٢٩٢ - ٢٩٣): \"رواه الحافظ أبو بكر الإسماعيلي في مسند عمر من حديث الأوزاعي، وهو إسناد صحيح عنه\".\n(^٢) الرواية عن علي سبق تخريجها، والرواية عن ابن سابط، أخرجها الدارمي برقم ١٨٢٦ من كتاب: المناسك، باب من مات ولم يحج، عن عبد الرحمن بن سابط، وليس عليّ بن سابط.","vol":"1","page":306},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-215>٢٨ - قال اللَّه ﷿: ﴿لَا يَتَّخِذِ (^١) الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾</span>\nالقول في ذلك أنه لا ينبغي أن يوالى الكافر، إلا أن تدعوَ إلى ذلك ضرورةُ قرابةٍ يرعاها، أو مخالفة في الدنيا لا يجد بُدًّا منها، يُبطن في نفسه ضد ما يظهر منها.\nوقد قرئ: ﴿تُقَاةً﴾ و﴿تقية﴾ (^٢)، ومعناهما واحد.\n* * *\n_________\n(^١) في الأصل: فتخذي.\n(^٢) تَقِيّة: قال ابن الجزري في النشر (٢/ ٢٢٩): قرأ يعقوب ﴿تَقِيَّة﴾ بفتح التاء وكسر القاف وتشديد الياء مفتوحة بعدها، وعلى هذه الصورة رسمت في جميع المصاحف.","vol":"1","page":307},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-216>١٠٢ - قال اللَّه ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾</span>\nوحقُّ تقاة اللَّه ﷿ أن يُطاع فلا يُعصى، ويُشكر فلا يُكفر، ويُذكر فلا يُنسى، وهذا ما لا يطيقه إلا من عصمه اللَّه بالورع، وحال بينه وبين ما ألزمه اجتنابه، وإنما يطيق ذلك النبي -ﷺ- وأمثاله.\nولما علم اللَّه جل وعز ذلك خفف عن عباده رحمة لهم، فقال اللَّه ﵎: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا﴾ [التغابن: ١٦]، لأنهم لو أخذوا بحق تقاته، فاجتمع أهل السماوات وأهل الأرضين على أن يبلغوا حق تقاته ما بلغوا ذلك لعظم حقه، وإنما أراد ﷻ أن يعلم خلقه قدرته ثم يأتيهم برحمته فنسخها، وهَوَّن على خلقه بقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾، إذ الآية الأولى تكليف ما لا يطاق.\n* * *","vol":"1","page":308},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-217>سورة النساء</span>","vol":"1","page":309},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-218>٣ - قال اللَّه تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾</span>\nمعنى خفتم: تيقّنتم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-219>[الزواج بالولية]</span>\nقال الزهري، عن عروة، عن عائشة -﵂- في قوله ﷿: ﴿وَإِنْ (^١) خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾، قالت: هي اليتيمة تكون في حِجر وليها تشاركُه في ماله، فيعجبه مالها وجمالها، فيريد وليها أن يتزوجها، يُأمر أن يقسِط في صداقها فيعطيها مثل ما يعطيها غيره، فنُهوا أن ينكحوهن إلا أن يُقْسِطوا لهن، ويبلغوا بهن أعلى سُنَّتِهِن من الصداق، وأُمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهن.\nقال عروة: قالت عائشة -﵂-: ثم إن الناس استفتوا رسول اللَّه -ﷺ- بعد هذه الآية فيهن، فأنزل اللَّه ﷿: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٢٧]، قالت: والذي ذكر اللَّه أنه يتلى عليكم في الكتاب: الآية الأولى التي فيها: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾، قالت عائشة -﵂-: وقول اللَّه ﷿ في الأولى: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾، رغبة\n_________\n(^١) في الأصل: فإن.","vol":"1","page":311},{"text":"أحدكم عن يتيمته التي تكون في حجره حين تكون قليلة المال والجمال، فنهوا أن ينكحوا ما رغبوا فيه من أجل مالها وجمالها من يتامى النساء إلا بالقسط من أجل رغبتهم عنهن، يعني: في الحال الأخرى (^١).\nقال القاضي: وفي هذه الآيات روايات يقرب بعضها من بعض، ويقرب مما ذُكِر عن عائشة -﵂-.\nوالذي يراه مالك في ذلك، أن على ولي اليتيمة النظر لها، فإن كان غيره أصلَح لها زوَّجها من غيره، وإن كان هو أصلح من غيره أحسن النظر لها في الصداق، وتجنب مالها إلى أن ترضى لنفسها، ويوثق بحسن تدبيرها لمالها، وليس له أن يُؤْثِر نفسه بها والحظ لها في غيره.\nوقد روي عن عمر -﵁- نحوٌ (^٢) من ذلك، وهذا أصح ما روي في تفسير هاتين الآيتين، ومن فعل غير ذلك كان خارجًا عن الولاية.\nوأما قوله ﷿: ﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾، يريد: قد أحلَلْتُ لك أربعًا من اللواتي يلين أنفسهن فشأنك، ولا تَعْرِض لليتيمة وأنت لا تُنصفها في الصداق وغيره، واللَّه أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) متفق عليه، رواه البخاري في مواضع منها: برقم ٤٥٧٤، كتاب: تفسير القرآن، باب: قوله تعالى ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى. . .﴾، ومسلم (٨/ ٢٣٩)، كتاب: التفسير.\n(^٢) في الأصل: نحوًا.","vol":"1","page":312},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-220>٣ - قال اللَّه ﵎: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾</span>\nقال ابن عباس، والشعبي، وعكرمة، ومجاهد، والحسن، وأبو مالك، وإبراهيم، والضحاك، وأبو رزين: ﴿أَلَّا تَعُولُوا﴾: ألا تميلوا، ألا تجوروا (^١).\nوقال زيد: ألا يكثر من تعُولون (^٢).\nواحتج الذين قالوا: ألا تميلوا بقول أبي طالب:\nبميزان قِسْط لا يُخِسُّ شعِيرة ... ووَزان صدق وزنُه غيرُ عائل (^٣)\nوقال الشافعي -﵁-: ﴿أَلَّا تَعُولُوا﴾: ألا يكثر من تعولون (^٤).\nوقد غلط الشافعي في التفسير واللغة وما يدل عليه الكلام، ثم جعل ذلك أصلًا من كتاب اللَّه جل وعز فيما يجب من نفقة المرأة على زوجها، والعول مشهور في اللغة، وقد ذكرنا ما ذكرنا فيه من التفسير.\nوقال أبو عبيدة: عول الفرائض إنما أخذ من هذا، وإنما قيل: عالت الفريضة أي: مالت عن وجهها لما حدث فيها، فذهب عن الشافعي علم اللغة\n_________\n(^١) انظر تفسير ابن جرير (٣/ ٥٨١ - ٥٨٢)، وتفسير ابن أبي حاتم (٣/ ٨٦٠)، روي أيضًا عن عائشة وقتادة، والربيع، والسدي، ومقاتل، انظر المصادر نفسها.\n(^٢) ابن أبي حاتم في تفسيره (٣/ ٨٦٠).\n(^٣) أورده ابن جرير في تفسيره (٢/ ٥٨٢).\n(^٤) الأم (٦/ ٢٧٥).","vol":"1","page":313},{"text":"وعلم الكلام، لأن اللَّه جل وعلا قال: ﴿فَانْكِحُوا (^١) مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾، أي: أدنى ألا يكون منكم عول، والرجل إذا كانت له امرأة واحدة أو مِلْك يمين فهو يعولها، فكيف يكون ذلك ﴿أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ وهو في هذه الحال الموصوفة يقول هذا؟ [هذا] (^٢) خطأ من الكلام قبيح.\nوإنما المعنى في قوله ﷿: ذلك أدنى ألا يكون منكم ميل إلى واحدة دون الأخرى، لأن الواحدة إذا كانت، لم يلزمه عدل بينها وبين الأخرى في قَسْم الأيام بينهن والنفقة، فتؤثَر بحسن المودة والمحبة، وإذا كانت واحدة وملك يمين، لم يلزمه عدل في نفقة ولا قسمة مبيت، فأي شيء في هذا مما يدل على النفقة وكثرة العيال؟ بل ملك اليمين أدل على كثرة العيال، لأن اللَّه ﷿ إنما أباح من النساء أربعًا، وأباح من ملك اليمين ما شاء من العدد، وقال اللَّه ﵎: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ [النساء: ١٢٩]، فذكر الميل مع العدل، كما ذكر في الموضع الأول العَول مع العدل.\nوقال النبي -ﷺ-: \"اللهم إنَّ هذا قَسْمي فيما أمْلِك\" يعني: بين نسائه في المبيت وما إليه فعله، \"فلا تؤاخذني بما تملِكُ ولا أملك\" (^٣)، يعني: في وما يجعله اللَّه في القلب، يريد أنه كان يحب عائشة -﵂- حبًا شديدًا دونهن.\nفهذا كله كلام بعضه من بعض، ولو لم يُدَّعى للشافعي علم اللغة لما كان الغلط يبقى عليه ويسطر في الكتب، فقد أخطأ غيره فعدَلت زلة من عالَم، واللَّه أعلم.\n_________\n(^١) في الأصل: أنكحوا.\n(^٢) ساقطة من الأصل.\n(^٣) رواه أبو داود برقم ٢١٢٧، كتاب: النكاح، باب: القسم بين النساء.","vol":"1","page":314},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-221>٤ - قال اللَّه ﵎: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾</span>\nقال قوم منهم شريح: إن طابت نفسها بشيء منه إلى الممات، فهو الهنيء المريء.\nوقال غيره: إذا طابت نفسها بشيء منه فليس لها العودة فيه وإن طلقها، وهذا مما عليه فقهاء الأمصار، لقول النبي -ﷺ-: \"العائد في هِبَتِه كالكلب يعود في قَيْئِه\" (^١).\n* * *\n_________\n(^١) متفق عليه من حديث ابن عباس -﵁-، رواه البخاري برقم ٢٥٨٩، كتاب: الهبة وفضلها والتحريض عليها، باب: هبة الرجل لامرأته والمرأة لزوجها، ومسلم (٥/ ٦٤)، كتاب: الهبات، تحريم الرجوع في الصدقة والهبة، ومن حديث عمر بن الخطاب -﵁-، رواه البخاري برقم ٣٠٠، كتاب: الجهاد، باب: إذا حمل على فرس فرآها تباع، ومسلم (٥/ ٦٣)، كتاب: الهبات، كراهة شراء الإنسان ما تصدق به.","vol":"1","page":315},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-222>٥ - قال اللَّه ﷿: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-223>[نفي السفه عن المرأة والصبي]</span>\nجاء في التفسير عن بعضهم: أنهم النساء والصبيان.\nوهذا ما لا وجه له، لأن السّفَه حال ذم، فكيف يخص النساء والصبيان بذلك، والصبيان غير مؤاخَذين بالذنوب؟ وكيف يجوز أن يعمَّ بهذا اللفظ النساء دون الرجال؟ وكيف يجوز أن يقال: إنه لا ينبغي أن يهَب الناس للنساء والصبيان الهبات، وبشير بن سعد الأنصاري قد نحل ابنه النعمان وهو صغير، فلم ينكرا ذلك عليه رسول اللَّه إلا من أجل أنه لم يُسَوِّ بين ولده بالعدل، وعثمان بن عفان -﵁- قال: من نحل ابنًا له صغيرًا (^١) نِحلًا فأعلن ذلك وأشهد عليه، فهو جائز؟\nفالهبة للصبي جائزة، لا تحتاج إلى الحَيْز لها.\nوكيف يجوز أن يخص النساء بالسفه، واللَّه تعالى يقول: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ [النساء: ١٢٤]؟\nوقد فرض اللَّه تعالى فرائض المواريث، وجعل للذكر نصيبه صغيرًا كان أو كبيرًا، سفيهًا كان أو رشيدًا، وجعل للأنثى مثل ذلك وإن نقص سهمُها عن\n_________\n(^١) في الأصل: صغير.","vol":"1","page":316},{"text":"سهمه، فإذا وقع الميراث رجب المِلك لصاحبه، فإن كان رشيدًا تولى ماله، وان كان صغيرًا أو سفيهًا ذكرًا كان أو أنثى، حُفظ عليه مالُه.\nوكذلك الهبة تصح، وإن كان الموهوب له رشيدًا تولى القبض لنفسه، وإن كان صغيرًا أو سفيهًا حفظ عليه ماله ذكرًا كان أو أنثى.\nوإنما المعنى في قوله ﷿: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾، أي: لا تدفعوا إليهم أموالهم، وإنما أضيف ذلك إلى الدافعين فقيل: ﴿أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾، يعني: ولايةً، كقوله: ﴿فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾، وكقوله: ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾، وقال: ﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ﴾، فعُلم أن السفهاء يرزَقون من أموالهم ويُكسَون منها، والسفيه هو البالغ الذي يستحق الحَجْر.\n* * *","vol":"1","page":317},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-224>٦ - قال اللَّه ﷿: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾</span>\nقال ابن عباس، وشريح، والقاسم، والشعبي، ومجاهد، وعكرمة، وزيد بن أسلم، ومالك بن أنس (^١)، والضحاك، وربيعة، وابن شهاب، ومن انتهى إلينا تفسيره لهذه الآية: إن الابتلاء بعد البلوغ، وأنه لا يدفع إليه ماله حتى يُؤنَس رُشدُه، ويُعرف منه الإصلاح في ماله، ولقد قال بعضهم: ولو بلغ مائة سنة، وقال بعضهم: وشَمِطَ (^٢) ولم يؤنس رشده لم يدفع [إليه] (^٣) ماله.\nوقال أبو حنيفة: لا حَجْر على بالغ.\nوهذا القول مخالف لكتاب اللَّه تعالى ولجملة المسلمين، لأن اللَّه ﷿ [قال] (^٤): ﴿إِذَا (^٥) بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا﴾، فدل على أنه من لم يؤنس منه رشد كان على الحَجْر، واللَّه أعلم.\n_________\n(^١) في المدونة (٥/ ٢٢٠ - ٢٢١): قال مالك: لو خَضَب بالحِنَّاء ولم يُؤنس منه الرُّشد، لم يُدفع إليه مالُه، ولم يَجُز له في ماله بيع ولا شراء ولا هِبَة ولا صدقة ولا عِتْق حتى يُؤنس منه الرشد. وما وَهَب أو تصدق أو أعطى قبل أن يؤنس منه الرشد، ثم أُنِس منه الرشد فدفع إليه ماله، قال مالك: لا يلزمه ذلك العتق ولا تلك الصدقة ولا تلك الهبة بقضاء، ولكنه إن فعل ذلك من عند نفسه فأجاز ما كان صنع، فذلك جائز.\n(^٢) شَمِط: بالكسر، شاب شعره، انظر اللسان (٨/ ١٣٣).\n(^٣) ساقطة من الأصل.\n(^٤) ساقطة من الأصل.\n(^٥) في الأصل: فإذا.","vol":"1","page":318},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-225>٦ - قال اللَّه ﵎: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾</span>\nقال القاسم بن محمد، عن ابن عباس: إن رجلًا سأله فقال: إن لي إبلًا، وليتيم في حجري إبل، وأنا أمنح من إبلي وأُفْقِرُ (^١)، فما يَحِل لي منها؟ قال: إن كنتَ تلتمس ضالَّتها، وتَهْنَأ جَرْباها (^٢)، وتَلُوط حوضها (^٣)، وتسعى عليها، فاشرب من ألبانها، غير مضِرٍّ بنَسْل، ولا ناهِكٍ في ظهر (^٤).\nوقال القاسم: ولو رواه عن النبي -ﷺ- لكان أحسن. والروايات في هذا تكثر وتتسع.\nوالذي أراد اللَّه ﵎واللَّه أعلم بما أراد من ذلك-، أنه إذا كان الوصيُّ غَنِيًّا غير محتاج إلى مال اليتيم فليس له أن يأكل منه، ولا ينتفع منه بشيء، إذ أمره اللَّه ﷿ بذلك، فإن كان فقيرًا، وكان قيامه على اليتيم يُشغله عن التصرف وطلب المعاش لنفسه وعياله، كان له أن يأخذ من مال اليتيم ما يكفيه وعيالَه بالمعروف، ليس له أن يَتَأَثَّل منه مالًا، ومع ذلك لم فينبغي له أن يَسْتَنْمِيَ لليتيم في ماله، حتى لا تقدح نفقته بالمعروف، وما يخرج من زكاة مال\n_________\n(^١) أُفْقِر: أُعِير، أَفْقَر البعيرَ يُفْقِرُه إفقارًا إذا أعاره، انظر النهاية (٣/ ٤٦٢).\n(^٢) تَهْنَأُ جَرْباها: أي تعالج التي أصابها الجرب بِدَهْنِها بالقطران، من هَنَأْتُ البعير أَهْنَأه، والهِناء: القَطِران، انظر مشارق الأنوار (٢/ ٢٧٠)، والنهاية (٥/ ٢٧٧).\n(^٣) تَلوط حَوْضَها: تلصق الطين به، وتصلحه، وتسُدُّ تشققه، وأصله من لاط الشيء بالشيءَ أي: لزق به، انظر مشارق الأنوار (١/ ٣٥٧).\n(^٤) رواه مالك في الموطأ برواية يحيى برقم ٢٦٩٩، كتاب: الجامع، باب: ما جاء في الطعام والشراب.","vol":"1","page":319},{"text":"اليتيم في مال اليتيم ولا تنقصه، ويلزمه اختبار اليتيم، فإن آنس منه رشدًا لم يغتنم ما يصير إليه من مال اليتيم، فيدفع إليه ماله ويُشهد (^١) عليه كما أمره اللَّه تعالى.\n* * *\n_________\n(^١) في الأصل: وأشهد.","vol":"1","page":320},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-226>٧ - قال اللَّه ﷿: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-227>[سبب النزول]</span>\nنزلت هذه الآية لأنهم كانوا لا يُوَرِّثون النساء، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾، ذكر ذلك معمر، عن قتادة (^١).\n* * *\n_________\n(^١) رواه ابن جرير في تفسيره (٣/ ٦٠٤)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٣/ ٨٧٢).","vol":"1","page":321},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-228>٨ - قال اللَّه ﷿: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى﴾</span>\nقال ابن عباس وجماعة: إنها غير منسوخة، وإنه ينبغي أن يعمل بها، فيرْضَخ لذي القربى واليتامى والمساكين من المال الذي يقسم بين الوُرّاث (^١).\nوقال آخرون، ومنهم عبد اللَّه بن عباس، خلافًا لما روي عنه: إن ذلك في الوصية إذا أراد الميت أن يوصي (^٢).\nوقال بعضهم: إنها منسوخة بما نزل من المواريث (^٣).\nوقال بعضهم: إن كان الورثة رجالًا ونساء فإنهم يُعطون ذوي القربى ما طابت به أنفسهم، وإن كان الورثة صغارًا لم يُعطوا من مالهم شيئًا، وقالوا لهم قولًا معروفًا (^٤).\n_________\n(^١) روي عن ابن عباس كما ذكر المصنف، وعن إبراهيم، والشعبي، ومجاهد، وسعيد بن جبير، والزهري، ويحيى بن يعمر، وعبد الرحمن بن أبي بكر، وأبي العالية، ومحمد بن سيرين، ومكحول، وعطاء وغيرهم، انظر تفسير ابن جرير (٣/ ٦٠٥)، وتفسير ابن أبي حاتم (٨/ ٨٧٤ - ٨٧٥).\n(^٢) ممن قاله مع ابن عباس، سعيد بن المسيب، وابن زيد، انظر تفسير ابن جرير (٣/ ٨٠٧ - ٦٠٦)، وتفسير ابن أبي حاتم (٣/ ٨٧٥).\n(^٣) روي عن ابن عباس، وابن المسيب، وأبي مالك، والضحاك، وعرمة، وأبي الشعثاء، والقاسم بن محمد، والضحاك وغيرهم، انظر تفسير ابن جرير (٣/ ٦٠٦ - ٦٠٧)، وتفسير ابن أبي حاتم (٣/ ٨٧٥).\n(^٤) ممن قاله: سعيد بن جبير، والحسن، والسدي، وإبراهيم، انظر تفسير ابن جرير (٣/ ٦٠٩ - ٦١٠)، وتفسير ابن أبي حاتم (٣/ ٨٧٦).","vol":"1","page":322},{"text":"والصحيح واللَّه أعلم، أن آية المواريث نسخت ذلك كله: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ إلى قوله عز من قائل: ﴿مِمَّا تَرَكَ﴾، فلما قيل: ﴿مِمَّا تَرَكَ﴾، عُلم أن الشيء قد رجب لأهل المواريث حين مات الميت على قدر مواريثهم.\nومن زعم أن ذلك من الوصية فإن اللَّه تعالى قال في المواريث: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١١]، فليس يجوز أن ينقص أهل المواريث مما جعل لهم، إلا الدّيْن فإنه مُبدَأ ثم الوصية، مشاركة لهم على ما أوصى به، إلا أن تكون الوصية للفقراء أو في أبواب البر، فيخص منها أولوا القربى واليتامى بالاجتهاد في ذلك، وفي بعض ما روي عن ابن عباس -﵁- ما يدل على ذلك، واللَّه أعلم بما أراد منه.\n* * *","vol":"1","page":323},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-229>١١ - قال اللَّه ﵎: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾</span>\n٢٧ - أخبرنا إسماعيل قال: نا مُسَدَّد، ونا زياد قال: نا مسدد، قال: نا بِشر بن المفضل، قال: نا عبد اللَّه بن محمد بن عقيل، عن جابر بن عبد اللَّه قال: خرجنا مع رسول اللَّه -ﷺ- حتى جئنا امرأة من الأنصار في الأسواف (^١)، -وهي جَدة خارجة بن زيد-، فزرناها ذلك اليوم، فرشت لنا صورًا من نخل فقعدنا تحته، وذبحت لنا شاة، وعلقت لنا قِربة ماء، فبينما نحن كذلك نتحدث إذ قال رسول اللَّه -ﷺ-: \"الآن يأتيكم رجل من أهل الجنة\"، فدخل علينا أبو بكر الصديق -﵁-، فتحدثنا ثم قال: \"الآن يأتيكم رجل آخر من أهل الجنة\"، فطلع علينا عمر بن الخطاب -﵁-، فتحدثنا ثم قال: \"الآن يأتيكم رجل آخر من أهل الجنة\"، قال: فرأيته يطأطئ رأسه من تحت شعف الصور فقال: \"اللهم إنك إن شئت جعلته علي بن أبي طالب\" -﵁-، فجاء حتى دخل علينا، فهنيناهم بما قال فيهم رسول اللَّه -ﷺ-، فجاءت المرأة بابنتين لها فقالت: يا رسول اللَّه، هاتان ابنتا ثابت بن قيس، قتل معك يوم أحد، وقد استفاء عمُّهما مالَهما وميراثهما، فلم يدع لهما مالًا إلا أخذه، فما ترى يا رسول اللَّه؟ لا ينكحان أبدًا إلا ولهما مال؟ فقال رسول اللَّه -ﷺ-: يقضي اللَّه في ذلك، قال: ونزلت سورة النساء ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ الآية، فقال لي رسول اللَّه\n_________\n(^١) الأَسْواف: قال القاضي عياض في المشارق (٨/ ٥٨): بفتح أوله وبعدها سين مهملة، هو من حرم المدينة. قال أبو عمر ابن عبد البر: هو بناحية البقيع، وهو صدقة زيد بن ثابت.","vol":"1","page":324},{"text":"-ﷺ-: \"ادع إليّ المرأة وصاحبها\"، فقال لعمهما: \"أعطهما الثلثين، وأعط أمهما الثمن، وما بقي فلك\" (^١).\nقال القاضي: أخطأ ابن عقيل في هذا الحديث، هما ابنتا (^٢) سعد بن الربيع، وهو الذي قُتل يوم أحد، وقُتل ثابت في حرب مسيلمة باليمامة (^٣).\nوفي هذه الآية ذكر ما فوق الاثنتين من البنات، ولم يذكر الاثنتين (^٤)، فكان في قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ [مِثْلُ] (^٥) حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ دليل على أنه إذا كان ذكر وأنثى، أن للذكر الثلثين، والأنثى الثلث، فإذا رجب لها مع الذكر الثلث، كان الثلث لها مع الأنثى آكد، فاحتيج -واللَّه أعلم- إلى ذكر ما فوق الأنثيين، ومع ذلك فاللغة توجب حكم الأنثيين، وفوق الأنثيين، بمعنى واحد، فيجوز أن يراد أنثيين فما فوقهما، قال اللَّه ﷿: ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ﴾ [الأنفال: ١٢]، وإنما يضرب الأعناق.\nوقوله: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾، ولدُ الصُّلب من الذكور والإناث، وولد بنيه وبني بنيه الذين ينسبون بآبائهم إليه من الذكور والإناث، فإذا اختلف ولد الصلب، أو ولد ولدٍ وفيهم ذكر، فقد استحقوا بجملتهم الدخول في هذه الآية، ويُنزَلون على قدر القرب منه، ونحن نبيِّن ذلك في كتاب الفرائض إن شاء اللَّه.\n_________\n(^١) رواه أبو داود برقم ٢٨٨٣، كتاب: الفرائض، باب: ما جاء في الصلب، مقتصرًا على قصة الأم والبنات، ورواه الترمذي مختصرًا برقم ٢٠٩٢، أبواب: الفرائض، باب: ما جاء في ميراث البنات، وقال: \"هذا حديث حسن صحيح\". .\n(^٢) في الأصل: ابنتي.\n(^٣) ونسب أبو داود الخطأ عقب روايته للحديث إلى بشر.\n(^٤) في الأصل: الاثنتان.\n(^٥) ساقطة من الأصل.","vol":"1","page":325},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-230>١١ - قال اللَّه ﷿: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ إلى قوله ﷿: ﴿فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾</span>\nقال علي بن أبي طالب، وزيد بن ثابت، وعبد اللَّه بن مسعود، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وكل من تكلم في التفسير إلا ابنَ عباس: إذا كان في المسألة ذو فريضة من زوج وزوجة، فللأم ثلث ما يبقى، وما بقي فللأب، وهو ثلثا ما بقي بعد الفريضة.\nوقال ابن عباس -﵁-: للأم الثلث كاملًا، وما بقي فللأب.\nوأرسل ابن عباس إلى زيد بن ثابت: قال اللَّه ﵎: للأم الثلث، فأين قال ثلث ما يبقى قال زيد: قال اللَّه عز من قائل: ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾، ولم يذكر معهما وارثًا، فإذا صار معهما وارث فله سهمه، ثم يصير الباقي هو الذي ورثه أبواه، فلأمه الثلث منه، وما بقي وهو الثلثان فللأب.\nوهذا موضع احتيج فيه إلى النظر، وليس هو ما نص اللَّه، فجعلنا نص اللَّه فيما بقي بعد الفريضة، إذ الفريضة التي ذكرها اللَّه لا زوج فيها ولا زوجة.\n* * *","vol":"1","page":326},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-231>١١ - قال اللَّه ﵎: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾</span>\nقال مالك -﵁-: مضت السُّنة أن الإخوة اثنان فصاعدًا (^١).\nوهو قول جماهير أهل العلم.\nوروي عن النبي -ﷺ-: \"اثنان فما فوقهما جماعة\" (^٢)، غير أنه قد رواه الشيوخ.\nوقال اللَّه ﵎: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ (٢١) إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ﴾ [ص: ٢١ - ٢٢].\nوقال الخليل بن أحمد: اثنان جماعة، وقولهما: فَعَلنا، حقيقةٌ، وقول الواحد: فَعَلنا، مجازٌ.\nوقال اللَّه ﵎: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤].\nوقال اللَّه ﵎: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٨].\nوقد روي عن ابن عباس -﵁- أنه لم يحجب باثنين، ولعله خطأ عليه، لأنه بيت اللغة، ولا يذهب مثل هذا عليه، واللَّه أعلم.\n_________\n(^١) العُتبية، مع البيان والتحصيل (١٨/ ٤٣٠).\n(^٢) رواه ابن ماجه برقم ٩٧٢، أبواب: إقامة الصلوات والسنة فيها، باب: الاثنان جماعة، عن أبي موسى الأشعري -﵁-.","vol":"1","page":327},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-232>١٢ - قال اللَّه ﵎: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ إلى قوله: ﴿فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾</span>\nالإخوة والأخوات من الأم لا يرثون مع والد ولا مع جد، ويرثون مع الأم، ولا يرثون مع ولد ولا ولدِ ولد وإن سفُلوا، ولهم الثلث فريضة كَثُروا أو قَلّوا، اثنان فصاعدًا، والواحد له السدس، والواحدة كذلك، وقِسمتهم الذكرُ والأنثى في القِسمة سواء، هذا ما لا يختلف الناس فيه.\nواختلفوا في فريضة يستغرق ولد الأم باقيتها ولا تكون عائلة، وهناك ولد أبٍ وأم فيهم ذكر قد انتقلوا به من التسمية إلى ما بقي، فإذا لم يبق شيء له، فإن عمر، وعثمان، وابن مسعود، وزيد، وعائشة يُشركون بينهم وبين ولد الأم إذا كانوا كلهم ولد أم، وهو قول مالك، وقد روي عن علي بن أبي طالب، وأبي موسى، وابن عباس أنهم لم يشركوا بينهم، حتى قال قائل: هب أبانا كان حمارًا (^١)، أليست الأم؟ وهذا إلزام صحيح، واللَّه أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) رواه البيهقي في سننه الكبرى برقم ١٢٤٧٣، كتاب: الفرائض، جماع أبواب الجد، باب: المشاركة (ط العلمية)، والحاكم في المستدرك برقم ٧٩٦٩، كتاب: الفرائض، وصححه، (ط العلمية).","vol":"1","page":328},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-233>١٧٦ - قال اللَّه ﷿: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾</span>\nمعناه: كي لا تضلوا، وهؤلاء هم الإخوة للأب، كانوا لأم أو لأمهات شتى، إلا أنهم يرثون بالأب.\nوبيّن رسول اللَّه (^١) -ﷺ- عن باطن الآية أن أعيان بني الأم يتوارثون دون بني العَلات (^٢)، وأجمع المسلمون على ذلك في الذكور والإناث إذا اجتمعوا، أن المال لولد الأب والأم دون من كان من الأب، فإن كان ولد الأب والأم واحدة كان لها النصف، وكان لولد الأب الباقي، للذكر مثل حظ الأنثيين، كما يرثون جميع المال كذلك يفعل في سائر الفرائض، فإن كان الوارث أختًا لأب وأم وأختًا (^٣) لأب، كان النصف ثم السدس، وما بقي للعصبة.\n_________\n(^١) يشير إلى الحديث الذي رواه الترمذي برقم ٢٠٩٥، أبواب: الفرائض، باب: ما جاء في ميراث الإخوة من الأب والأم، وابن ماجه برقم ٢٧٣٩، أبواب: الفرائض، باب: ميراث العصبة، عن علي بن أبي طالب -﵁- قال: قضى رسول اللَّه -ﷺ- أن أعيان بني الأم يتوارثون دون بني العَلات.\n(^٢) أبناء العَلّات: الذين أمهاتهم مختلفة وأبوهم واحد، النهاية (٣/ ٢٩١).\n(^٣) في الأصل: وأخت.","vol":"1","page":329},{"text":"وقول أهل المدينة وغيرهم أن الأخوات مع البنات عصبة، إلا شيئًا يروى عن ابن عباس وابن الزبير، ثم رجع ابن الزبير عنه حين حدثه الأسود بن يزيد عن معاذ بن جبل في ذلك، فتَأَوّل ابن عباس ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾.\nوهذه الآية توجب ألّا فريضةَ للأخت، وليس توجب ألّا شيءَ للأخت بعد البنت وغيرِها من أصحاب الفرائض، كما أن الأخَ يرث من الأخت المالَ كلَّه إذا لم يكن غيرُه، فإذا من أهل الفرائض دفع إليه ما بقي، ولم يمنعه أهل الفرائض من الباقي، كذلك لا يمنعها أهل الفرائض من الباقي.\nوإذا كانت ابنةً وزوجة، كان للأخت وللأختين ما تبقى، وإذا كانوا يأخذون بغير التسمية، فليس يدخل أحد المعنيين على الآخر.\nقال إسماعيل: ثنا علي بن المديني (^١)، قال: نا معاذ بن هشام، قال: نا أبي، عن قتادة، قال: نا أبو حسان، عن أبي الأسود بن يزيد الكوفي، أن معاذ بن جبل وهو على اليمن ورَّث الإبنةَ النصفَ، والأختَ النصفَ الباقي، ورسولُ اللَّه -ﷺ- يومئذٍ حي (^٢).\n* * *\n_________\n(^١) في الأصل: المدني.\n(^٢) رواه ابن أبي شيبة برقم ٣١٧١٥، كتاب: الفرائض، في رجل مات وترك ابنته وأخته.","vol":"1","page":330},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-234>١٢ - وقال اللَّه ﷿: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ﴾ ١٧٦ - وقال: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ﴾ الآية</span>\nقال: وقال مالك -﵁-: الأمر المجتمع عليه عندنا، والذي أدركت عليه أهل العلم ببلدنا، أن الكلالة على وجهين، فأما الذي قال اللَّه ﷿: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ﴾ إلى قوله: ﴿فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾، فهذه الكلالة التي لا ترث مع ولد ولا ولد ولد، ولا مع أب ولا جد أبي أب.\nوأما قوله: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾، إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾، فهذه الكلالة التي يكون الإخوة فيها عصبة إذا لم يكن ولد، فيرثون مع الجد في الكلالة (^١).\nوقال أبو عبيدة معمر بن المثنى: الكلالة كل من لم يرث، أب أو ابن أو أخ هو عصبة، فهو عند العرب كلالة ﴿يُورَثُ كَلَالَةً﴾ مصدر من تكلله النسب، أي تعطف النسب لم عليه، ومن قال ﴿يُورَثُ كَلَالَةً﴾، فهم الرجال الورثة، أي تعطَّف النسب عليه (^٢).\n_________\n(^١) الموطأ برواية يحيى برقم ١٤٦٨، كتاب: الفرائض، باب: ميراث الكلالة.\n(^٢) مجاز القرآن (١/ ١١٨ - ١١٩).","vol":"1","page":331},{"text":"ويُشبه أن تكون اللغة تحتمل هذا كله، فأريد بالآية التي في أول سورة النساء: من لا أب له ولا جد، وأريد بالآية التي في آخر السورة: من لا ولد له.\nوإنما أوجب قول من قال في الكلالة في أول سورة النساء أنه من لا ولد له ولا والد، أن الجد في هذا الموضع يمنع الإخوة من الأم كما يمنعهم الأب، ولم يوجب هذا أن الجدّ يقوم مقام الأب مع الإخوة من الأب لأن البنت قد منعت الإخوة من الأم كما منعهم الأب والجد، ولم يقم مقام الأب مع الإخوة من الأب، وقد يقوم الوارثُ مقام الوارث في منع بعض الوارثين، ولا يقوم مقامه في منع كل من يمنعه الآخر.\nفمن ذلك أن البنت تقوم مقام الابن في منع الزوجِ من النصف، والزوجة الربعَ، ولا تقوم مقام الابن في منع الإخوة من الأب، فكذلك منع الجد الإخوة من الأم ميراثهم، ولم يمنع الإخوةَ من الأب.\nوالجد يسمى والدًا (^١)، كما تسمى الجدةُ والدةً، ويقال: الجد والجدة أبوان، قال اللَّه تعالى: ﴿كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٢٧]، والعم قد يسمى أبًا (^٢)، قال اللَّه ﵎: ﴿نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾، فذلك (^٣) يسمى الجد في الجملة أبًا، وفي الخصوص يسمى جدًا (^٤)، إلا أنه أولى به، وإنما نزل القرآن في الميراث بالاسم الأخَصّ، ولم يختلف الناس أنهما الأبوان الأدنيان.\n_________\n(^١) في الأصل: والد.\n(^٢) في الأصل: أب.\n(^٣) كذا في الأصل، ولعلها: فكذلك.\n(^٤) في الأصل: جدٌّ.","vol":"1","page":332},{"text":"قال القاضي ﵀: وسنستقصي هذا إن شاء اللَّه في كتاب الفرائض، إن شاء اللَّه (^١).\nوقول النبي -ﷺص في ذلك لعمر وللبراء وقد سألاه: \"تكفيكَ آيةُ الصيف (^٢) \" (^٣)، يعني الآية التي نزلت في الصيف، ونبين ذلك بمشيئة اللَّه على ما أوكد (^٤) ما نقدر عليه، واللَّه موفق برحمته.\n* * *\n_________\n(^١) كذا في الأصل مكررة.\n(^٢) في الأصل هنا وتَرِدُ بعد قليل: الضيف، والتصويب من مصادر التخريج، وهي الآية الأخيرة من سورة النساء.\n(^٣) الحديث جواب عمر رواه مسلم (٥/ ٦١)، كتاب الفرائض، باب ميراث الكلالة، وأما جواب البراء فرواه الإمام أحمد في مواطن من مسنده منها: ١٨٥٨٨.\n(^٤) كذا في الأصل.","vol":"1","page":333},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-235>١٢ - قال اللَّه ﵎: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ الآيتين</span>\nلم يختلف الناس في فريضة الزوج والزوجة، من النصف والربع، والربع والثمن، إلا ما يروى عن ابن عباس -﵁- في ترك العَوْل (^١)، فإنه يعطيهم بغير عول، والناس كلهم من الصحابة والتابعين عوَّلوا، وأعطوهم على العَوْل، وبذلك نقول.\nوكان ابن عباس -﵁- يقول في زوج وأم وأخت: للزوج النصف، وللأم الثلث، وللأخت ما بقي، قال: إن الذي أحصى رمل عالج عددًا، لم يجعل في مال نصفًا ونصفًا وثلثًا، وكان يقول: من رأيته يزول من فرض على فرض، قدمته على من يزول من فرض على غير فرض، فلا يعطى في بعض الأحوال شيئًا (^٢).\nوأما الناس جميعًا فأنكروا ذلك وقالوا: رأينا كلَّ واحد منهم له فرض مسمى، فليس يجب أن يزيله عن فريضته إلا ما يحجبه عنها، وليس يجب أن يزال عن فريضته، لأن فريضته تسقط في موضع آخر، لأن كل موضع حكمُه على جهته، فلما اجتمع الزوج والأخت والأم، وقد يسمى لكل واحد منهم فريضة، ولم يشترط تبْديةُ بعضهم على بعض، ولا أن بعضهم يحجب بعضًا، كان أولى الأمور أن يتَحاصُّوا (^٣) كما لو أوصى رجل لرجل بنصف ماله، ولآخر\n_________\n(^١) العَوْل: ما زاد على الفريضة، انظر غُرر المقالة (ص ٢٥٢).\n(^٢) من أثر طويل رواه البيهقي في الكبرى برقم ١٢٥٨٨، كتاب الفرائض، باب العول في الفرائض.\n(^٣) يتحاصُّوا: من تَحاصَّ القوم أي: اقتسموا وأخذ كل واحد منهم حصته، انظر العين (٣/ ١٣ - ١٤).","vol":"1","page":334},{"text":"بنصف ماله، ولآخر بثلث ماله، ولم تَحُز الورثة تحاصوا، فكان المال بينهم على ثمانية أسهم، وهذا مما لا يختلف الفقهاء فيه، فعلى ذلك تكون الفريضة بينهم.\n* * *","vol":"1","page":335},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-236>١٢ - قال اللَّه ﵎: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾</span>\nبدأ اللَّه بذكر الوصية قبل الدَّين لفظًا، واللفظ لا يوجب التبدية، وإنما يوجب الكلامُ إخراج الوصية والدين، فكانت البُغْية الأمر بإخراجهما ووضعهما في موضعهما، لأن قوله: ﴿مِنْ بَعْد﴾ كذا وكذا، يريد ﷿: أن ما بعد هذين الصنفين موروث، قال اللَّه ﵎: ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٢٤]، أي: لا تطع أحد من هذين الصنفين.\nوقد يقول الرجل: مررتُ بفلان وفلان، ويكون الثاني هو المُبدَأ به، كما يجوز أن يكون الأول، وهذا اللفظ لا يقتضي التبدية، وإنما يقتضي الأفعال، قال اللَّه ﵎: ﴿يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [آل عمران: ٤٣]، فعلم أنها أُمرت بذلك كله ولم تؤمر بالتبدية، لأن عليًا (^١) رضوان اللَّه عليه قال (^٢): \"تقرؤون الوصية قبل الدَّين، وقد قضى محمد -ﷺ- أن الدَّين قبل الوصية، وإن أعيان بني الأم يتوارثون دون بني العَلّات\"، رواه سفيان، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي (^٣).\nوليس توجب الآية عندنا إلا تبدية الدَّين وحده، إذ لا ميراث حتى يُقضى الدَّين، ثم تكون الوصية مشاركة للوارثين غير مُبدأة عليهم ولا مُبْدين عليها،\n_________\n(^١) في الأصل: علي.\n(^٢) في الأصل: أنه قال.\n(^٣) سبق تخريجه.","vol":"1","page":336},{"text":"يتحاصُّون المال بينهم، وهذا ما لا اختلاف فيه بين الناس، وبقيَت القسمة بين الميِّت وورثته.\n* * *","vol":"1","page":337},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-237>١٥ - قال اللَّه ﵎: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ إلى قوله عز من قائل: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾</span>\nروى الحسن، عن حِطّان، عن عُبادة بن الصامت، أن النبي -ﷺ- لما نزل السبيل وقال: \"خذوا عني قد جعل اللَّه لهن سبيلًا، الثيِّب بالثيِّب جلد مائة والرجم، والبِكر بالبِكر جلد مائة ونفي سنة\" (^١).\nقال القاضي ﵀: وهذا الحديث ليس عليه العمل، ونحن نذكر الحجة في ذلك في سورة النور، إن شاء اللَّه.\n* * *\n_________\n(^١) رواه مسلم (٥/ ١١٥)، كتاب: الحدود، باب: حد الزاني.","vol":"1","page":338},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-238>١٦ - قال اللَّه ﷿: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا﴾</span>\nهذه الآية منسوخة، وذلك كان في صدر الإسلام، كان الزانيان يُجبّهان ويُحَمَّمان ويُشهَران، فنُسخت هذه الآية بقوله ﷿: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾.\nقال ابن عمر في القصة التي رواها بطولها في رجم اليهوديين: وكان الحد فينا التَّجْبيه، والتَّحْميم (^١).\nثم نسخت الآية الأخرى بالرجم والجلد.\n* * *\n_________\n(^١) متفق عليه، رواه البخاري برقم ٦٨١٩، كتاب: الحدود، باب الرجم في البلاط، ومسلم (٢/ ١٢٢)، كتاب: الحدود، باب: رجم اليهود أهل الذمة في الزنى، ولفظ مسلم مفسّر لمعنى التحميم والتجبيه، وهو: \"قالوا: نُسَوِّد وجوههما، ونحملهما، ونخالف بين وجوههما، ويطاف بهما\".","vol":"1","page":339},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-239>١٧ - ١٨ - قال اللَّه ﷿: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾ إلى قوله: ﴿أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾</span>\nكل من عصى اللَّه فهو جاهل بحق اللَّه عليه، فإن كان عامدًا فالتوبة والإقلاع والندم وترك العودة توجِب له فيما تفضل اللَّه به من الوعد لقبول توبته، وإذا كان مخطئًا فالندم يكفيه.\nومعنى: ﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾، هو قبل الغَرْغَرَة، قبل معاينة الملائكة.\nوليس على اللَّه عز وعلا شيء واجب، وإنما أوجب القبول تفضلًا ورحمة لعباده، فكل من تاب قبل المعاينة قُبلت توبته، ومن تاب بعد المعاينة ضُرب بتوبته وجهُه، ألا تراه جل وعز قال: ﴿الْآنَ﴾ يريد: بعد أن صِرت من أهل الآخرة، وخرجت من حدود الدنيا، وعاينت ما قدمت، فحينئذ لا تُقبل التوبة، قال اللَّه ﷿: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾، وحضور الموت: المعاينة التي يَعلم بها المعايِن أنه لا حياة بعدها، ألا تراه قال في قصة فرعون: ﴿حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾، قال له الملك: ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ﴾ [يونس: ٩٠ - ٩١].\nقال النبي -ﷺ-: \"من تاب قَبل أن يُغَرْغِر قبِل اللَّه توبته\" (^١).\n_________\n(^١) رواه الإمام أحمد برقم ٢٣٠٦ عن رجل من أصحاب رسول اللَّه -ﷺ-.","vol":"1","page":340},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-240>١٩ - قال اللَّه ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾</span>\nهذا شيء كان في صدر الإسلام يفعلونه على ما كانوا عليه قبل الإسلام، كان الرجل إذا مات وخلَّف زوجة ورثها ابنه، كما يرثُ (^١) ماله إذا كان الابن من غيرها، فإن لم يكن له ابن فوليه ومن يرث ماله أولى بها، فإن زَوَّجته وإلا حبسها عن الأزواج حتى تموت فيرثها، فحرم اللَّه ذلك عليهم ومنعهم من ذلك.\n* * *\n_________\n(^١) في الأصل: ترث.","vol":"1","page":341},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-241>١٩ - قال اللَّه ﷿: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾</span>\nقال قوم من المفسرين: الفاحشة: الزنا (^١).\nوقال آخرون: النشوز (^٢).\nوقال بعضهم: أن تفحُش عليك (^٣).\nواللَّه أعلم بما أراد من ذلك، إلا أن ذكر العَضْل يُوجب -واللَّه أعلم- أن يكون نهى أن يفعل بها فعلًا يحملها به على أن يأخذ منها بعض ما آتاها، فنهوا عن ذلك، وإنما يجوز له إذا كان منها الإساءة والكراهة فافتدت منه، حَلَّ له ما يأخذ منها ما لم يكن الظلم من قِبَلِه.\nقال القاضي ﵀: وقد ذكرنا من هذا في سورة البقرة ما فيه كفاية، وباللَّه التوفيق.\n_________\n(^١) روي هذا القول عن ابن مسعود، وسعيد بن المسيب، والحسن، وابن سيرين، وعطاء الخراساني، وأبي قلابة، والسدي، وغيرهم، انظر تفسير ابن جرير (٣/ ٦٥٢)، وتفسير ابن أبي حاتم (٣/ ٩٠٤).\n(^٢) روي عن ابن عباس، وابن عمر، ومقسم، والضحاك بن مزاحم، وقتادة، وعطاء بن أبي رباح، ومقاتل بن حيان، انظر تفسير ابن جرير (٣/ ٦٥٢)، وتفسير ابن أبي حاتم (٣/ ٩٠٤).\n(^٣) قاله ابن عباس وأبي بن كعب وعكرمة، انظر تفسير ابن أبي حاتم (٣/ ٩٠٤).","vol":"1","page":342},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-242>١٩ - ٢٠ - قال اللَّه ﵎: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ إلى قوله عز من قائل: ﴿فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾</span>\nأمر اللَّه ﷿ بمعاشرتهن بالمعروف، فقال ﷿: ﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ﴾ يريد: استبدال زوج مكان زوج، أن يطلِّق هذه ويتزوّج غيرها، فقد يحتمل قوله معنيين: أن يجعل اللَّه تعالى في الكراهية خيرًا من الصبر على هذه، ويحتمل أن يكون في الاستبدال، فإذا استبدل فليس له أن يأخذ مما آتاها شيئًا إذ كانت الكراهية من قِبَلَه.\nقال اللَّه ﷿: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [النساء: ٢١]، فحرم اللَّه ﵎ ما يأخذه منها وإن كانت قد آتاها قنطارًا، إذا كان العداء من قِبَلِه.\nوالإفضاء: الدخول بها والجماع، فقد استحقت بذلك ما أعطاها وإن كان قنطارًا.\nوقد اختلف الناس في القنطار، فقالوا: ثمانين ألفا من ورِق (^١).\n_________\n(^١) روي عن سعيد بن المسيب، وقتادة انظر تفسير ابن جرير (٣/ ٢٠٠)، وتفسير ابن أبي حاتم (٢/ ٦٠٨)، كلاهما في تفسير قوله تعالى: ﴿وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ﴾ [آل عمران: ١٤].","vol":"1","page":343},{"text":"وقالوا: سبعين ألف دينار (^١).\nوقالوا: اثني عشر ألف أوقية (^٢)، وغير ذلك، واللَّه أعلم بما أراد.\n* * *\n_________\n(^١) قاله ابن عمر، ومجاهد، انظر تفسير ابن جرير (٣/ ٢٠١)، وتفسير ابن أبي حاتم (٢/ ٦٠٩).\n(^٢) روي عن الحسن أن القنطار اثنا عشر ألفًا دون ذكر الأوقية، وروي عن ابن عباس، والضحاك، وعن الحسن أيضًا أنه اثنا عشر ألف درهم، يعادل ألف دينار، انظر تفسير ابن جرير (٣/ ٢٠٠)، وتفسير ابن أبي حاتم (٢/ ٦٨٩)، وفي الأصل: وقية.","vol":"1","page":344},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-243>٢٢ - قال اللَّه ﷿: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا﴾</span>\nلا اختلاف بين المسلمين أن العقد يحرِّم على الآباء والأبناء دون الغَشَيان، حرم اللَّه على الأبناء ما عَقَدَ عليه الآباء، وحرم على الآباء ما عَقَدَ عليه الأبناء، أيهما ملك العُقْدَة فقد حرمت على الآخر.\nوأما قوله: ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ يريد: الذي كان قبل نزول التحريم مما قد انقطعت العصمة فيه، وما بقي فيه عصمة فقد ألزمتهم الآية المفارقة والإقلاع.\nوقوله عز من قائل: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ يريد أنهم كانوا يفعلونه وهم يعلمون.\nوأما قوله سبحانه: ﴿وَمَقْتًا﴾، فإن العرب كانت إذا ولد للرجل من امرأة أبيه سمي الولد ولد مَقْت، وأولاد المقت معروفون في كتب النسب، فقال: فلان مَقْتِي، وفلان مقتي.\nويحتمل ﴿كَانَ فَاحِشَةً﴾ أي: هو الآن بعد التحريم فاحشة، لأن العرب قد تقول: كان، ولا يعتد بها، وهو كثير في كلامهم، وقال الشاعر:\nفإنكَ لو رأيتَ ديار قوم ... وجيرانٍ لنا كانوا كرامِ (^١)\nفأدخل كان ولم يعتدّ بها.\n_________\n(^١) عزاه سيبويه في الكتاب (٢/ ١٥٣) إلى الفرزدق، وهو في ديوانه (٢/ ٥٢٩)، وفيه: فكيف إذا رأيت ديار قومي.","vol":"1","page":345},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-244>٢٣ - قال اللَّه ﵎: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾</span>\nفاللَّه ﵎ بهذه الصفة لم يزل ولا يزال، ومعنى الآية: إن اللَّه عليم حكيم.\n* * *","vol":"1","page":346},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-245>٢٣ - وقد قال اللَّه جل وعز: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾</span>\nفلو أن رجلًا أسلم وعنده أختان لقيل له (^١): اختر أيّهُما شئت وفارق الأخرى، لأن رسول اللَّه -ﷺ- أمر فيروز الديلمي، وقد أسلم وعنده أختان، فقال: \"فارق أيهما شئت\" (^٢)، وقال لغيلان الثقفي وقد أسلم وعنده عشر نسوة: \"خذ منهن أربعًا، وفارِق سائرهن\" (^٣)، فأمر كل واحد منهما أن يتمسك بما كان يجوز له أن يَعْتَدَّ به في الإسلام.\nولو أن رجلًا أسلم وعنده امرأة وابنتها، وقد دخل بهما، لفارقهما جميعًا، ولم يجز له أن يعاود واحدة منهما، وقد قال ذلك موافقًا لمالك عمرُ بن عبد العزيز فقال: لا يراجع واحدة منهما، وقد اطلع منهما جميعًا على ما اطلع.\nوليس هذا في الأختين، لأن الأخت لا تحرُم بعد الأخت، والإبنة تحرُم بعد الأم، وتحرُم الأم بعد البنت إذا دخل بالأم، فهذا فرق ما بينهما، وباللَّه التوفيق.\n_________\n(^١) في الأصل: لهما.\n(^٢) رواه الترمذي برقم ١١٣٠، أبواب: النكاح، باب: ما جاء في الرجل يسلم وعنده أختان، وقال: \"حسن\"، وابن ماجه برقم ١٩٥١، أبواب: النكاح، باب: الرجل يسلم وعنده أختان.\n(^٣) رواه مالك في الموطأ برقم ١٧١٧، كتاب: الطلاق، جامع الطلاق، برواية يحيى، عن ابن شهاب بلاغًا.","vol":"1","page":347},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-246>٢٣ - قال اللَّه ﵎: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ الآية</span>\nقال ابن عباس -﵁-: حرم من النسب سبع، ومن الصهر والرضاع سبع (^١).\nثم قيل: يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب (^٢).\nوأمهات النساء تحرم (^٣) على كل حال، دخل أو لم يدخل بالإبنة، ثم قال: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾، فأحل اللَّه تعالى نكاح الرَّبيبَة إذا لم يدخل بالأم.\nوقد روي عن قوم أنهم أجروا الأمهات مجرى الرَّبائب، وليست الرواية في ذلك تثبت (^٤).\nوروي عن آخرين تحريم الأمهات دخل أو لم يدخل، وجعلوا (^٥) الشرط في الربائب على ما أوجبه كتاب اللَّه ﷿.\n_________\n(^١) رواه البخاري برقم ٥١٠٥، كتاب النكاح، باب: ما يحل من النساء وما يحرم، بلفظ: \"ومن الصِّهْر سبع\".\n(^٢) روي مرفوعًا إلى النبي -ﷺ-، رواه البخاري برقم ٢٦٤٥، كتاب: الشهادات، باب: الشهادة على الأنساب.\n(^٣) في الأصل: يحرم.\n(^٤) الرواية أخرجها ابن جرير في تفسيره (٣/ ٦٦٣)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٣/ ٩١١)، بإسناديهما عن خِلَاس بن عمرو، عن علي بن أبي طالب -﵁-، وأخرجها أيضًا ابن جرير في نفس الموضع عن قتادة، عن سعيد بن المسيب.\n(^٥) مكررة في الأصل.","vol":"1","page":348},{"text":"قال إسماعيل بن إسحاق: ما روي عن علي في هذا الباب فإنما رواه خِلاس، وخِلاس لم ير عليًا ولا سمع منه، وإنما كان خِلاس يأخذ الصحف فيحدِّث بما فيها.\nقال: وسمعت علي بن المديني يضعِّف أحاديث قتادة عن سعيد بن المسيب تضعيفًا شديدًا، وقال: أحسب أن أكثرها بين قتادة وبين سعيد فيها رجال، لأنه يخالف أصحاب سعيد بن المسيب الثقات.\nوقال بُندار: سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول: مالك عن سعيد بن المسيب ليس بينهما أحد، أحب إلي من قتادة عن سعيد.\nوقد روى يحيى بن سعيد عن زيد بن ثابت خلاف ما روى قتادة، وحديث يحيى وإن كان مرسلًا أقوى من حديث قتادة، وكان علي بن المديني يقدِّم يحيى بن سعيد الأنصاري على جميع نظرائه.\nقال القاضي: ذكرت هذا كله وإن كنت لم أذكر أحاديث الباب، ليُعرف به رَدُّ ما يرويه متأخر إن تكلم في هذه المسألة بغير ما مضى عليه السلف، فأمهات النساء محرَّمات دخل بالبنات أو لم يدخل بهن، مبهمة في كتاب اللَّه تعالى، والربائب على شروطهن، وما استثنى اللَّه ﵎ فيهن، لأنه قال عز مِن قائل: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾، فتم الكلام من غير أن يستثني فيه، ثم قال سبحانه: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ﴾، فوقع الاستثناء لأنه لما قال ﷿: ﴿دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ وهذا صلة للّاتي، واللاتي نعت النساء، والصلة تمام الاسم، ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ منفصل من هذا، ﴿فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ راجع إلى هذا الذي قد ذكر، فليس يجوز أن يكون الاستثناء إلا الربائب، لأنه وجه الكلام.\nومن جعله لأمهات النساء على بُعد المخرج فيه وقبحه، أخرج الربائب من ذلك، لأن الذي تناول هذا يجعل ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾","vol":"1","page":349},{"text":"تمام الكلام، ويجعل ﴿مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ نعتًا لأمهات نسائكم، فكأنه قيل: وأمهات نسائكم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن، فتخرج الربائب اللاتي قد أُجمِع عليهن من الاستثناء، ويجعل الاستثناء لأمهات (^١) النساء.\nوأحسب أن الذين ذهبوا إلى أن أمهات النساء مثل الربائب، ذهبوا إلى تشبيه بعض ذلك ببعض، وقياس بعضه على بعض، من غير أن يكون النص يوجبه.\nوأما من قال: إن الربيبة هي التي يُرَبِّيها الزوج، دون التي لم يُربِّها الزوج فخطأ فاحش، لأن العرب تسمي ولد المرأة رَبِيبًا (^٢)، فيقولون: هذه رَبيبَة فلان، وهذا ربيب فلان [إذا] (^٣) كان زوج المرأة يربيهم أو لم يُربِّهم، وإنما هو اسم وقع على الجملة، فكما تسمي العرب رَبيَبةً وإن لم يكن زوجُ المرأة يُربِّيها، فكذلك تسمى بأنها في حجره، كان يقوم بأمرها أم لا، وهذا باب مضى عليه أهل العلم، وذكره أبو عبيدة (^٤) عن العرب كما وصفنا.\n* * *\n_________\n(^١) في الأصل: لأمهات.\n(^٢) في الأصل: ربًا.\n(^٣) ساقطة من الأصل.\n(^٤) أبو عبيدة معمر بن المثنى التيمي البصري، الإمام اللغوي، أخذ عن أبي عمر بن العلاء وغيره، وأخذ عنه أبو عبيد بن القاسم بن سلام وغيره، ولد سنة ١١٠، وتوفي سنة ٢٠٩ أو ٢١٠ هـ، له: مجاز القرآن، وغريب الحديث وغيرها، انظر ترجمته في معجم الأدباء (٦/ ٢٧٠٤)، وسير أعلام النبلاء (٩/ ٤٤٥).","vol":"1","page":350},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-247>٢٣ - قال اللَّه ﷿: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-248>[سبب النزول]</span>\nإنما نزلت في زيد بن حارثة (^١)، لأن النبي -ﷺ- كان قد تبنّاه، فلما نزلت: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ زال عن تبنيه، ودعي مولاه، فأعلم اللَّه ﷿ أن أزواج المُتَبَنَّيْن لا يَحرُمن، وأن اللواتي يَحرُمن أزواجُ الأولاد للصلب، فأباح اللَّه ﵎ لنبيه -ﷺ- تزوُّج زينب بنت جحش حين طلقها زيد بن حارثة، وبقي الحكم في زوجات الأبناء للصلب، دخل الابن أو لم يدخل.\n* * *\n_________\n(^١) رواه ابن جرير في تفسيره (٣/ ٦٦٥)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٣/ ٩١٣)، عن عطاء.","vol":"1","page":351},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-249>٢٣ - قال اللَّه ﷿: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾</span>\nقول اللَّه ﵎ يقتضي تحريم غير الأختين، ألا ترى أن النبي -ﷺ- قال: \"لا يجمع بين المرأة وعمتها، ولا بين المرأة وخالتها\" (^١)، لأنه لا جائز أن يسمي اللَّه عددًا ثم يقول: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾، ولكنه لما قال: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ﴾، والأم الحقيقية هي التي وَلَدَت المخاطَب، فدخل في معنى الخطاب كل امرأة نالته منها ولادة فما علا، وكل امرأة نالتها منه ولادة فما سفُل من البنات، ودخل في قوله: ﴿وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ﴾ عمة العمة، وعمة عمة العمة، وخالة خالة الخالة فما علا، ودخل مع بنات الأخ وبنات الأخت ما جرى هذا المجرى، ودخل مع الأختين في الجمع العمة والخالة فما علا، وكل امرأتين لو كانت (^٢) إحداهما ذكرًا لم تحل له الأخرى لا يجوز الجمع بينهما، وعلى ذلك يبنى أمر ذوات المحارم في الجمع بينهن، واللَّه أعلم.\nفإن قيل: بأي شيء دخلت العمة في ذكر الأختين؟\n_________\n(^١) متفق عليه، رواه البخاري برقم ٥١٠٩، كتاب النكاح، باب لا تنكح المرأة على عمتها، ومسلم (٤/ ١٣٥)، كتاب: النكاح، باب: تحريم الجمع بين المرأة وعمتها، من طريق الإمام مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة -﵁-.\n(^٢) في الأصل: كان.","vol":"1","page":352},{"text":"قيل: العرب تسمِّي الأهل إخوة، وقد قال اللَّه ﷿: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ [البقرة: ١٧٨] يريد أخوة الإسلام.\nوقد يكون الولي ابنا وأخًا، وابنًا وعمًا، وابنَ عم، فسمّاهم اللَّه ﵎ كلهم إخوة، ولذلك قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠]، ولذلك قالت العرب: بنو فلان أخوال فلان، وقال النبي -ﷺ-: \"أخوالي بني سليم\"، وإنما الخال الحقيقي أخو الأم.\nوقال النبي -ﷺ- لسعد: \"هذا خالي\" (^١)، وإنما هو ابن عم أمه ﵇، وقال النبي -ﷺ-: \"رحم اللَّه أخي موسى، قد بُلِي بأكثر من هذا فصبر\" (^٢).\n* * *\n_________\n(^١) رواه الترمذي برقم ٣٧٥٢، أبواب: المناقب، باب: مناقب سعد بن أبي وقاص، عن جابر بن عبد اللَّه -﵃-.\n(^٢) متفق عليه، رواه البخاري في مواضع منها برقم ٣١٥٠، كتاب: فرض الخمس، باب ما كان النبي -ﷺ- يعطي المؤلفة، ومسلم (٣/ ١٠٩)، كتاب: الزكاة، باب: إعطاء المؤلفة قلوبهم، عن عبد اللَّه بن مسعود -﵁-، بدرن لفظ: أخي.","vol":"1","page":353},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-250>٢٤ - قال اللَّه ﵎: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾</span>\nقال جماعة من المفسرين: إنهن المحصنات جملة النساء، لا يُحَلَّلْن إلا بالتزويج أو بملك اليمين (^١).\nوقال آخرون: إنها نزلت في سبي أوطاس اللاتي لهن أزواج في بلاد الشرك، فإذا سُبينَ انقطعت العصمة بينهن وبين أزواجهن (^٢)، وهذا هو القول الصحيح.\nوقد رأى قوم أن ذلك في العبد إذا أُعتِقت زوجته أو بيعت، وهذا قول لا حجة فيه، لأن عمر، وعثمان، وعليًّا (^٣)، وعبد الرحمن بن عوف، وسعدًا لم يروا بيع الأمة طلاقَها، وفيما روي من قصة بريرةَ وأن النبيَّ -ﷺ- خَيَّرها بعد ما اشتريت وعتقت، بيانُ أن بيعها ما كان طلاقًا، ولو كان البيع طلاقًا لكانت الفُرقة قد وقعت قبل العتق، واستغنى عن التخيير، واللَّه أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) روي عن ابن شهاب، وابن المسيب، ابن جرير (٤/ ٨)، وابن أبي حاتم (٣/ ٩١٦).\n(^٢) رواه الإمام أحمد ١١٦٩١ عن أبي سعيد الخدري قال: أصبنا نساء من سبي أوطاس ولهن أزواج، فكرهنا أن نقع عليهن ولهن أزواج، فسألنا النبي -ﷺ-، فنزلت هذه الآية: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾، قال: فاستحللنا بها فروجهن.\n(^٣) في الأصل: وعلي.","vol":"1","page":354},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-251>٢٤ - قال اللَّه ﷿: ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾</span>\nمعنى ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ عند أهل اللغة أي: كتب اللَّه ذلك عليكم وأوجبه، يعني: كتب عليكم تحريم ما حرم، وتحليل ما أحل بعد النساء إلى أربع من الحرائر، وما شئت من الإماء سواهن، دخل في معنى ما صرح التحريم به، فإنه يحرم من الإماء الأم وما دخل في معناها من الجدّات، وكذلك إلى آخر الآية، وبالرضاع ما يحرم من النسب.\nويحرم أيضًا من ملك اليمين الجمعُ بين الأختين، فقد قال قوم من المتأخرين في القرون المذمومة بتحليل الجمع بين الأختين بملك اليمين (^١) مع قوله: إن الأخت بملك اليمين تحرم، وابنة الأخ من تعتق عنده ومن لا تعتق، ولا فرق بين هذه الأشياء وبين الجمع بين الأختين.\nوتعلق أيضًا بشيء روي عن علي وعثمان رضوان اللَّه عليهما أنهما قالا: حرمتهما آية وأحلَلَتهما آية (^٢)، فذكرا أنهما لم يحرِّما الجمع بين الأختين بملك اليمين، ولم يفهم عنهما، ونَحَلَهما ما هما بريئان منه، لأن جوابهما بالتحريم\n_________\n(^١) هو قول داود، عزاه إليه القاضي عبد الوهاب في الإشراف (٢/ ٧٠٢).\n(^٢) ورواه مالك في الموطأ برقم ١٥٤٣، كتاب: النكاح، في كراهية إصابة الأختين بملك اليمين، وعبد الرزاق في مصنفه برقم ١٢٧٢٩، كتاب: الطلاق، باب: الجمع بين ذوات الأرحام في ملك اليمين، وابن أبي شيبة في المصنف برقم ١٦٥٠٨، كتاب: النكاح، في الرجل يكون عنده الختان مملوكتان، عن علي بن أبي طالب.","vol":"1","page":355},{"text":"صراح (^١)، لأن قولهما: أحلتهما، أنهما عَنَيا: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، وهذه في الحرائر، أو عنيا قوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾، وفيما وقع عليه هذا الاسم مما يحِلُّ ملكُه ولا يحِلُّ وطْؤه كثير، فهذه آية مجملة، ولا اختلاف بين أهل العلم أن المفسَّر يقضي على المجمَل، وقولهما: وحرمتهما آية، إنما هي: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾، وهذه مفسَّرة، وأهل العلم جميعًا قد استقر رأيهم ووقع اتفاقهم على أن الأختين بملك اليمين في الوطء غيرُ حلال، وإنما يخالف هؤلاء المتأخرون ويطلبون الشاذ من الأخبار ليُعرَفوا.\n* * *\n_________\n(^١) في الأصل: صراحًا.","vol":"1","page":356},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-252>٢٤ - قال اللَّه جل وعز: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾</span>\nقال مالك بن أنس -﵁-: إن ذلك في الصّداق الذي يُعقَد به النكاح (^١).\nوقال قوم: إنه المتعة حين كانت حلالًا قبل أن ينزل تحريمها، ويحرمها رسول (^٢) اللَّه -ﷺ- (^٣).\nوالطرق في تحريمها كثيرة فمنها ما رواه مالك، عن الزهري، عن عبد اللَّه والحسن ابنَي (^٤) محمد بن علي، عن أبيهما، عن علي بن أبي طالب -﵁- أن النبي -ﷺ- نهى عن مُتعة النساء يومَ خيبر (^٥).\nكذا رواه الناس عن مالك، خلا يحيى بن سعيد الأنصاري، عن مالك، فإنه قال فيه: يوم خيبر (^٦)، رواه عبد الوهاب الثقفي، عن يحيى.\nوالذي نزل عن اللَّه ﷿ في التحريم للمتعة قوله ﷿: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ [المؤمنون: ٥ - ٧].\n_________\n(^١) وهو قول ابن عباس، والحسن ومجاهد، انظر تفسير ابن جرير (٤/ ١٤).\n(^٢) مكررة في الأصل.\n(^٣) ذهب إليه أبي بن كعب، وابن عباس، وقرآ: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى﴾، والسدي، ومجاهد، وسعيد بن جبير، انظر تفسير ابن جرير (٤/ ١٤ - ١٥).\n(^٤) في الأصل: بني، والتصويب من مصدر التخريج.\n(^٥) الموطأ برواية يحيى برقم ١٥٦٠، كتاب: النكاح، نكاح المتعة.\n(^٦) الصحيح أنه يوم حنين.","vol":"1","page":357},{"text":"قال القاضي ﵀: فلا نعلم أن اللَّه ﵎ أحلّ فرجًا إلا بتزويج يقع فيه الطلاق، وتكون فيه المُوارثات، أو بمِلك يمين، فهذه الآية نسخت كل ما سوى الزوجة وملك اليمين، فلا حلال إلا ما كان من هذين الوجهين، وباللَّه التوفيق.\n* * *","vol":"1","page":358},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-253>قال اللَّه جل وعز: ﴿وَلَا (^١) جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾</span> (^٢)\nهن الإماء إذ أحِل للحر أن يتزوجهن بكمال الشرطين فيه: ألا يجد الطَّول، ويخشى العنت، فهو الذي قال اللَّه ﷿: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ وهو الصَّداق، وقال: ﴿وَآتُوهُنَّ (^٣) أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾، وقال: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾، فدل على أن ﴿مُحْصَنَاتٍ﴾ و﴿مُحْصِنِينَ﴾ عنى به التزويج، واللَّه أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) في الأصل: فلا.\n(^٢) كذا الآية في الأصل، ومميزة الخط، وهي الآية ١٠ من سورة الممتحنة، ولعله يريد قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾، مراعاة للترتيب.\n(^٣) في الأصل: فآتوهن.","vol":"1","page":359},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-254>٢٥ - قال اللَّه ﷿: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾</span>\nقال علي بن أبي طالب -﵁-: لا ينبغي للحر أن يتزوج أمة وهو يجد طَوْلًا إلى حرة، فإن فعل فُرِّق بينهما وعُزِّر.\nوقال جابر بن عبد اللَّه، وابن عباس، وسعيد بن جبير، والحسن، ومجاهد، وعطاء، وجابر بن زيد، والشعبي، والحكم، وحماد، ومكحول، وابن شهاب، وابن قسيط، وقتادة، ومالك بن أنس، وزيد بن أسلم، كلهم بما أوجبته الآية: أنه لا يجوز (^١) لحر يجد الطَّوْل، ولا يخشى العَنَت (^٢).\nومنهم من قال: يجد الطَّوْل، ولم يذكر العَنَت، وقرأ مع ذلك الآية أنه لا يجوز إلا مع خوف العنت، أن ينكح أمة.\nومنهم من قال عقيب قوله: لا يجوز، مع ذكر الشرطين اللذَين شرَطهما اللَّه ﵎: ﴿وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾.\n_________\n(^١) في الأصل: يجد.\n(^٢) رواه ابن جرير في تفسيره (٤/ ١٩)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٣/ ٩٢١)، وقاله مالك في المدونة (٢/ ٢٠٥)، والعنت المشقة، معجم المقاييس (٤/ ١٥٠).","vol":"1","page":360},{"text":"وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا بأس أن يتزوج الحرُّ المسلمُ الأمةَ وهو يجد الطول إلى الحرة، ولا يخشى على نفسه العنت (^١).\nوهذا قول يجاوز فساده فساد ما يحتمل التأويل، لأنه شيء حظره اللَّه في كتابه إلا على الجهة التي أباحها.\nفإن قيل: قد يمكن أن يكون في ذلك على الاختيار لهم لا على جهة التحريم.\nقيل: قد جاء الاختيار بعد التحريم لقوله: ﴿وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾، فكان هذا موضع الاختيار، ولو كان الأول على الاختيار لم يحتاجوا إلى اختيار ثاني، ولا أعلم أحدًا ممن تكلم في تفسير القرآن قال ما قالوه، وقوله ﷿: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾ دليل على أنه إن لم يخش العنت، فليس ذلك له، فلما أبيح له في موضع، وحظر عليه في موضع، علم أن ذلك على الإيجاب، لا على الاختيار.\nقال القاضي: وبلغني أن محتجًا من أصحاب أبي حنيفة احتج في جواز نكاح الأمة الكافرة، ونكاح الأمة وإن كان يجد الطول ولا يخاف العنت، بقول اللَّه تعالى في الآية: ﴿مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾، وأنّا نجيز نكاح من كانت هذه صفته، وإن كان قد شرط، قال فلذلك نجيز نكاح الكافرة مع وجود الطَّول.\nفقيل له: ليس يجوز أن يتكلم اللَّه ﵎ بما لا فائدة فيه لأنه ﷿، وما قبل الآية وبعدها ففيه بيان ما قلنا، لأنه قال جل ثناؤه: ﴿حُرِّمَتْ\n_________\n(^١) انظر المبسوط (٥/ ١٠٨)، وما بعدها، وعليه بَنوا أن الحرّ إذا لم يكن تحته حرة، له أن يتزوج أربعًا من الإيماء.","vol":"1","page":361},{"text":"عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ إلى قوله عز من قائل: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٣]، ثم قال جل وعز: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ [أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ] (^١) مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ [النساء: ٢٤]، فكان هذا الشرط مخاطبة في الرجال ولهم، ثم أجمعنا جميعًا أن غير المحصن والمسافح يحل له النكاح، وجرى هذا عند العلماء مجرى وعظ، فكذلك هو في الإماء، ﴿مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ﴾ وعظًا لهن، لأن أفعالهن في ذلك أكثر، لا يعلمه إلا اللَّه ﷿.\nوأجمعت العلماء على أنه ليس لأحد أن يكشف عن ذلك، إلا أن يعلنه فاعله من الرجال والنساء، وجرى ذلك مجرى الاختيار للعباد إذا عرفوا ذلك أن ينتهوا عنه، ولم يجز أن يجري مجرى الشروط، لأن اللَّه ﵎ قال: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا﴾، وهذا حرف شرط، ثم لم يرض بهذا الشرط ﵎ حتى ثنى بشرط ثان، وهو خوف العنت وارتكاب المحارم.\nثم أتى بعده بالاختيار والتنزه، فقال عز من قائل: ﴿وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾، فهذا موضع الاختيار، كذلك ﴿مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ﴾ معناه واللَّه أعلم أمرًا لمن عقد على أمة، إذ كن مُتَبْذِّلات في الطرق، والحظر عليهن والضبط لهن، حفظًا للنسب الذي لا يؤمَن كونُه وحدوثُه، فلما اتفقنا على أنه في الرجال والنساء وعظ، جرى في الإماء مجرى الوعظ لهن، والحفظ منا لهن، وهي أفعال لا تدوم، وقد تترك عند القدرة على الحلال، والعقود تدوم بين المتناكحين، وفي هذا بيان لمن نصح نفسه، وباللَّه التوفيق.\nوالمعنى الذي لأجله نُهينا عن الإماء أن نجعل أولادنا عبيدًا، والكافر لا يجوز أن يملك أولاد المسلمين.\n_________\n(^١) قوله: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ ليس في الأصل.","vol":"1","page":362},{"text":"فإن قيل: فقد توطأ الكافرة بملك اليمين، فذلك لأن الولد حر، فهذا مما يأتي منهم، ولو أجزنا نكاح الأمة الكافرة لكان الولد عنده إلى أن يظهر فيباع عليه، وهذا نظر (^١) من اللَّه ﵎ لعباده، فخرج هذا لذلك، وبقي الشرطان على حالهما.\nقال ابن زيد، ومجاهد: خوف العنت: الزنا (^٢).\nوقال طاوس مثل ذلك.\nوقال مسروق: إن الرجل إذا تزوج أمة ثم تزوج حرة، حرمت عليه الأمة، أجراها مجرى الميتة، بل قال: هي كالميتة يضطر إليها، فإذا أغناك اللَّه عنها فاستغنه (^٣).\nوكيف يسوغ لذي فهم إباحة ما حظر اللَّه؟ يقول اللَّه ﷿: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾، فكان قوله: ﴿طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ دليلًا على الاستئناف، وأنه مطلَق لكل من أراد أن يتزوج وكانت له امرأة، أو لم تكن له امرأة، ولو كان ذلك لمن لا زوجة له، لكان من له زوجة غير مأمور ولا منهي بالآية، ولو كان منهيًا بأنه قد كان استطاع الطَّول وتزوج، لكان منهيًا إذا بانت زوجته منه، لأنه قد استطاع الطَّول وتزوج، واستطاعة طَول (^٤) التزويج إنما يكون لوقوع\n_________\n(^١) في الأصل: نظرًا.\n(^٢) رواه عن مجاهد ابن جرير في تفسيره (٤/ ٢٧)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٣/ ٩٢٤)، وروي أيضًا عن ابن عباس، وسعيد بن جبير، وعطية العوفي، والضحاك، والحسن، والسدي، وقتادة، ومقاتل بن حيان، تنظر نفس المصادر.\n(^٣) رواه ابن أبي شيبة في مصنفه برقم ١٦٣٣٥، كتاب: النكاح، إذا نكح الحرة على الأمة فرق بينه وبين الأمة.\n(^٤) في الأصل: الطول.","vol":"1","page":363},{"text":"النكاح، فأما إذا وقع فمحال أن يقال بعد وقوعه: هو مستطيع الطَّول لأن يتزوج، إذ كان التزويج قد مضى.\nفإن قيل: لم لا يكون معنى من يريد أن يتزوج أمة وهو يجد الطَّول إلى حرة، بمعنى من عنده حرة وهو يريد أن يتزوج أمة؟\nقيل له: ظاهر القرآن الذي وجب علينا اتباعه على ما وصفنا، ومن بعد فإن بين هذين المعنيين فرق، لأن الحُرَّ إنما أُرخِص له أن يتزوج الأمة إذا لم يجد الطَّول لحرة وخاف العنت، ولو لم يجد الطَّول لحرة ولم يخف العنت لما حلت له الأمة، وكذلك إذا كان عنده حرة وأمة، وهو لا يجد الطول لأن يتزوج حرة ويخاف العنت، حلت له الأمة، واستوت حاله في مخافة العنت إذا كانت عنده حرة أو لم تكن.\nوليس حاله في حرة قد تزوجها كحاله في حرة يريد أن يتزوجها، لأن الذي عنده حرة قد تزوجها قد تَبَيَّن له بعد الامتحان أنه يخاف العنت، والذي يريد أن يتزوج وهو يجد الطول لا يدري لعله إذا تزوج حرة ألا يخاف العنت وألا يحتاج إلى غيرها، فما لم يقع الأمر فهو شاك لا يدري أيخاف أم لا، فإذا وقع فهو متيقن أنه قد خاف، وهذا الموضع الذي أبيح له، واللَّه أعلم.\nفإن قيل: فلم لم ينفسخ نكاحُه إذا تزوج أَمَة ثم وجد الطول لحرة؟ إذ كان إنما جاز له حين لم يجد الطول، فإذا وجد الطول انبغى أن يُفسخ نكاحه، كما ينفسخ نكاحه إذا ارتد.\nقيل: لو انفسخ نكاحه بأنه وجد الطول، لا ينفسخ نكاحه إذا لم يخش العنت، فليس ينفسخ من هذا النكاح، إذ قد مضى على صحة.\nولا يشبه هذا المرتد ولا التحريم الذي يقع بالرضاع، لأن المسلم تحرم عليه الكافرة من غير أهل الكتاب بقوله عز من قائل: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠]، وليس يجوز أن يتزوج أمة، وأختَه من الرضاع، ولا أن يبتدئ نكاح كافرة، ويجوز له أن يستأنف نكاح الأمة في وقت ولا يجوز له في وقت،","vol":"1","page":364},{"text":"والأم والأخت وزوجة الأب والمرتدة لا يجوز ابتداؤه، وإذا حدث بطل النكاح، إذ لا يجوز أن يُبتدأ.\nفإن قيل: المسلم يجوز له تزويج المسلمة.\nقلنا له: الأَمَة إنما حرمت لأن متزوِّجها يَرِقُّ ولدُه، فإذا وقعت الإباحة بوجود الشرطين، فقد زال حكم التحريم وصارت في نفسها حلالًا، كما أن الفقير يجوز له أخذ الزكاة، فإذا ملكها ثم أيسر بعد ذلك لم تحرم عليه.\nومن شبَّه الأَمَة بالميتة فقد غلط، لأن اللَّه ﵎ جعل الأَمَة لمتزوجها عند الإباحة حلالًا، وأجمع المسلمون على تحليله، وقد سماه اللَّه ﷿ طيبًا فقال: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣]، يعني: ما حلل لكم، والميتة حرام قبل الاضطرار وحرام بعد الاضطرار، عينُها لا تنتقل عن التحريم، وإنما وقعت الإباحة لاجتماع أمرين كلاهما حرام، إلا أن أحدهما أعظم من الآخر، فأحدهما يُسْلِي نفسه بالصبر عنها، والآخر أكلها وإن كانت محرمة ليحييَ بها نفسَه، فكان إحياء النفس أولى، فأباحها اللَّه ﷿ وأسقط المأثم فيها وغفر الذنب، فقال عز من قائل: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٧٣]، ومع ذلك، فإن أحدًا لا يملك الميتة وقت أكلها ولا بعد ذلك ولا قبله، والأَمَة قد ملك بُضعها المتزوجُ بها ملكًا صحيحًا، وزال حكم الحظر.\nوالحجة في هذه المسألة من وجوه كثيرة، قال اللَّه ﷿: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: ٢١]، فلم يجز التفريق بين زوجين قد صارا بهذه الصفة، وليس العلة في الأَمَة من قِبَل نفسها، وعلة المرتدة من قِبَل نفسها، فلم يَقْوَ أمر الولد الذي كرهت الأَمَة من أجله الذي هو غيرها، على أن يفسخ به ما مضى من نكاحها الصحيح، واللَّه أعلم.","vol":"1","page":365},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-255>٢٥ - قال اللَّه ﷿: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾</span>\nحُكي عن بعض أهل العراق أنه قال: لا بأس أن يزوج الرجل أمته من عبده بغير صداق.\nوهذا (^١) مخالف لكتاب اللَّه ﷿، لأن اللَّه تعالى قال: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾، وقال في سائر النساء: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [المائدة: ٥]، فوجب أن تكون الأجور لهن، حرائرَ كنَّ أو إماء، وليس يجوز لأحد أن يخالف كتاب اللَّه، فإنه لا ينقاس عنده أن العبد لا يملك، وينقاس عنده أن يكون الصَّداق فرضًا من فروض اللَّه لا يجوز للنساء أن يُملَكن إلا به، ثم يكون الصَّداق الذي وجب بالغشيان لعين المرأة التي تُغشى.\nونحن نعلم أن الغَشَيان إذا وقع فلا بد من وجوب الصَّداق فيه، وما لم يقع فقد يمكن أن لا يجب صَداق، مثل أن يتزوج الرجل على غير تسمية ثم يطلِّق قبل الدخول، فإذا وقع الدخول فلا بد من وجوب الصَّداق، فكيف يجوز للسيد أن يزيل ما أوجبه اللَّه ﷿ بالغشيان؟ ولو كان يجوز للسيد أن يزوج عبده من أمته بغير صداق كان الصداق إنما هو له، فله أن يوجبه وله أن يبطله، فيلزمهم أن يقولوا: إنه يجوز له أن يزوج أمته من عبد غيره، أو من حر على ألا\n_________\n(^١) في الأصل: \"هذا هو\"، ومقدار كلمة فارغة، وما أثبت هو الأنسب للسياق.","vol":"1","page":366},{"text":"صداق، فيصل إلى أن يهب الفرْج، وهذا ما لا يجوز لأحد، إذ خص به النبي -ﷺ- في الحرائر، فهذا نكاح لا يجوز لأحد.\nفإن قالوا: الصداق هناك يصير من نفسه إلى نفسه.\nقلنا: ليس الأمر على ما ظننتم، لكنها تملك الصداق ويكون له انتزاعه بعد أن ملكته، ألا تراه جل وعز قال للحر إذا تزوج الأمة: ﴿وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾، فلو كانت لا تملكه لقيل: وآتوهم أجورهن، ولم يكن يأمرنا بدفع ما يملكه السيد إلى غير مالكه، وكان الأمر يخرج باللفظ الذي لا يُشكِل أولًا.\nقال القاضي: وقد كان ابن سُرَيْج (^١) عارضني في هذه الآية بأن قال: قال اللَّه ﵎: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء: ٤] فقد يكون فيهن من لا يجوز قَبْضُه فيدفع إلى غيره، كذا قيل هاهنا في الأَمَة، والدفع إلى غيرها.\nفقلت له: الآيتان عليك، وذلك أن قوله ﵎: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾، قد علمنا جميعًا أنهن المالكات القابضات، فإذا كان فيهن الصغيرة التي لا تَقْبِض لنفسها قَبَضَ لها أبوها أو من يقوم مقامه بأمره، والملك لها، وجنس الإماء عندك لا يملك، فلو كان كما تقول لكان الميم أولى من النون، وليس لك في الآيتين حجة، وكذلك نقول في الإماء إنهن المالكات القابضات بنص الكتاب، وقد يكون أيضًا منهن (^٢) الصغيرة التي لا يجوز قبضها، فيقبض لها سيدها، والملك لها ما لم يشهد على انتزاعه منها.\n_________\n(^١) أبو العباس، أحمد بن عمر بن سُرَيْج القاضى الشافعي البغدادي، اشتهر بالخلاف والذب عن المذهب الشافعي حتى لقبوه بالباز الأشهب، توفي سنة ٣٠٩ هـ طبقات الشافعية لابن السبكي (٣/ ٢١).\n(^٢) في الأصل: فمنهن.","vol":"1","page":367},{"text":"وقد زعم أهل العراق أنه لو وهب رجل لعبده هبة وقبضها العبد لكانت الهبة جائزة، وكان القبض جائزًا، وهم في الأصل يقولون: إن الهبة لا تكون جائزة بأمة حتى يقبضها الموهوب له أو وكيله، ثم حاروا في هذا الموضع قبض العبد للهبة وهو لا يملكها عندهم، ولا وكّله سيده في قبضها.\n* * *","vol":"1","page":368},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-256>٢٥ - قال اللَّه ﷿: ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-257>[زنا الإماء والعبيد]</span>\nالإحصان عندنا من وجوه أربعة: فالحرية إحصان، والإسلام إحصان، والعفاف إحصان، والزوجة إحصان، إذا دخل بزوجته إحصان، وهو مأخوذ من الحِصْن والتحصُّن.\nوالإحصان الذي أراد اللَّه ﵎ ها هنا بقوله ﷿: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾ يعني: أسلمن، لأن العبودية أوجبَها الكفر، فملكناهم كفارًا بالقدرة عليهم فقيل: فإذا أسلمن فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب بالحرية والإسلام، وليس المراد ها هنا بالمحصنات المتزوجات، إذ كان ما عليهن وهو الرجم لا يتنصف، فعلم أنه أُريد المحصنات بالحرية والإسلام، لما كان الإحصان ها هنا غير الزوجية كان قوله: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾ غير الزوجية، وهن يُحصنَّ بالإسلام.\nفقد روى زيد بن خالد، وأبو هريرة عن النبي -ﷺ- أنه قال: \"إذا زنت أمة أحدكم فاجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فبيعوها ولو بضفير\" (^١).\n_________\n(^١) متفق عليه، رواه البخاري في مواضع منها برقم ٢١٥٣، كتاب: البيوع، باب: بيع العبد الزاني، ومسلم (٥/ ١٢٤)، كتاب: الحدود، باب: رجم اليهود أهل الذمة في الزنى، من طريق الإمام مالك.","vol":"1","page":369},{"text":"والضفير: الحبل (^١).\nوكان أصحاب رسول اللَّه -ﷺ- يضربون إماءهم إذا زنَيْن.\nقال زيد بن أسلم عن أبيه قال: \"كنت أجلد عند عمر بن الخطاب وَلائِد زَنَيْن ولم يُحْصَنَّ، حد المملوكة خمسين سوطًا\" (^٢)، أراد زيد: لم يتزوجن.\nوقد قال قوم وقرؤوا: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾، يريد: تزوجن (^٣)، وهذا تأويل من لم يعرف قول النبي -ﷺ-: \"إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها\"، وهذا على العموم.\nوقد أنكر إسماعيل القاضي أُحْصِنَّ: أسلمن، لأن اللَّه ﷿ ذكر في أول الآية: ﴿مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾، فاستغنى بذلك، وهذا مما لا ينبغى أن ينكره مع علمه باللغة واتساعه فيها، أن يقول اللَّه ﷿: ﴿مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾، فإذا أحصن بالإسلام فقد قال اللَّه ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [النساء: ١٣٦]، ونظائر هذا في القرآن كثير، قال اللَّه ﷿: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾، وفي هذا كفاية، ثم قال: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢].\nوجعل إسماعيل حجته في حد العبد والأمة الحديثَ دون الآية (^٤)، والحديث يزيد الآية ويُبَيِّنُ ما فيها واللَّه أعلم، وكان بنص فرآه بذلك.\n_________\n(^١) من قول ابن شهاب، كما في رواية لمسلم في الموضع السابق، عن ابن وهب عن الإمام مالك.\n(^٢) رواه القاضي إسماعيل في أحكام القرآن (ص ٦٧)، لكن سقط إسناده من أصله.\n(^٣) قاله ابن عباس، وسعيد بن جبير، والحسن، وقتادة، ومجاهد، وعكرمة، انظر تفسير ابن جرير (٤/ ٢٥ - ٢٦)، وتفسير ابن أبي حاتم (٣/ ٩٢٣).\n(^٤) في الأصل: الأمة.","vol":"1","page":370},{"text":"وقد بلغني أن بعض المتأخرين لا يرى حد العبد في الزنا، ويراه على الأمة، فينبغي له أن يقول: إن قاذف المحصن لا حد عليه، إذ كان اللَّه ﷿ قال: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النور: ٤].\nفإن قال: إنه حد قاذف الحر بالإجماع، فالإجماع في حد العبد الزاني قد تقدَّمه قبل أن يولد، إلا شيئا (^١) يروى لا تثبت بروايته حجة، وإنما هو عن بعض التابعين، وإنما يَتَّبع الشاذَّ من القول الشاذُّ من الناس.\n* * *\n_________\n(^١) في الأصل: شيء.","vol":"1","page":371},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-258>٢٩ - قال اللَّه ﵎: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾</span>\nكان ابن عباس -﵁- يكره أن يبيع الرجل الثوب، ويقول لصاحبه: إن كرهته فرد معه درهمًا، يقول: هذا مما قال اللَّه: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] (^١)، يريد: عن موافقة منكم لما أحله اللَّه لكم.\nوكل ما (^٢) حرمه اللَّه من القمار والبيوع الفاسدة فهو من أكل المال بالباطل، لأن المقامر يقول لصاحبه: إن كان كذا فلي كذا، وإن كان كذا فلك كذا.\nوالبيع الفاسد من الغَرَر، لأنه يبيع صاحبَه البيع الذي فيه الغَرَر وهو لا يعلم به، فإن سَلِم كان المشتري، وإن لم يسْلَم فمن البائع.\nوأما الربا فإن فساده من أخذ الأجرة للتأخير الذي لم يجعل اللَّه له ثمنًا، أو القرضِ الذي يجرُّ منفعة وما أشبه ذلك، وكل هذا قول مالك -﵁-.\n_________\n(^١) رواه القاضي إسماعيل في أحكام القرآن (ص ٦٨)، وابن جرير فى تفسيره (٤/ ٣٣)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٤/ ٩٢٧).\n(^٢) في الأصل (كلما)، المفيدة للظرفية والتكرار، والسياق يقتضي (كل ما) المفصولة، والتي تفيد الاستغراق والموصولية، وعبارة القاضي إسماعيل في أحكامه: \"كل شيء حرمه اللَّه. . . \".","vol":"1","page":372},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-259>٢٩ - قال اللَّه جل وعز: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾</span>\nمعنى هذه الآية واللَّه أعلم ما قال النبي -ﷺ-: \"لا ترجعوا بعدي كفارًا، يضرب بعضكم رقاب بعض\" (^١)، وقوله -ﷺ-: \"إذا التقى المسلمان بسيفيهما\" (^٢).\nوقد قال سهل بن حنيف في يوم صفين قولًا عظيما (^٣).\nفأما إذا كانت إحداهما باغية فقد أمر اللَّه بقتالهم.\nوقال مسروق في ذلك قولًا في يوم صفين (^٤).\nوقوله: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ أي: لا يقتل بعضكم بعضًا، قال اللَّه ﵎: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ [البقرة: ٨٥].\n_________\n(^١) متفق عليه من حديث ابن عمر -﵁-، رواه البخاري في مواضع منها برقم ٧٠٧٧، كتاب: الفتن، باب: قول النبي -ﷺ-: \"لا ترجعوا بعدي كفارًا. . . \"، ومسلم (١/ ٥٨)، كتاب: الإيمان، باب: \"لا ترجعوا بعدي كفارًا\".\n(^٢) متفق عليه من حديث أبي بكرة -﵁-، رواه البخاري في مواضع منها برقم ٣١، كتاب: الإيمان، باب: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾، ومسلم (٨/ ١٧٠)، كتاب: الفتن وأشراط الساعة، باب: إذا تواجه المسلمان بسيفيهما.\n(^٣) يقصد ما أخرجه الطبراني في الكبير برقم ٥٥٩٨، أن سهل بن حنيف قال يوم صفين: \"يا أيها الناس، اتهموا الرأي على الدين، فلقد رأيتُنا ونحن مع رسول اللَّه -ﷺ- ولو نستطيع أن نرد عليه لرددنا، وما جعلنا سيوفنا على عواتقنا في أمر إلا سهُل لنا إلى أمر نعرفه غير أمرنا هذا، ولقد رأيتُنا يوم أبي جَنْدَل ولو نستطيع أن نرد على رسول اللَّه -ﷺ- أمره لرددناه\".\n(^٤) رواه القاضي إسماعيل في أحكام القرآن (ص ٦٩ - ٧٠).","vol":"1","page":373},{"text":"وقال النبي -ﷺ- في حَجّة الوداع: \"فإن دماءكم عليكم\"، يريد: بعضكم على بعض.\n* * *","vol":"1","page":374},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-260>٣١ - قال اللَّه ﵎: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾</span>\nاختلف الصحابة والتابعون في الكبائر، فمنهم من عَدَّها سبعًا، ومنهم من عَدَّها سبعين، ومنهم من قال دون ذلك.\nإلا أن فيها ما لا شك فيه: الكفر، وقتل النفس التي حرم اللَّه، والربا، والزنا، والقمار، والسَّرِق، والسعي في الأرض فسادًا، والمحاربة.\nوالفساد في الأرض فسادان (^١)، أحدهما: إخافة السبيل، وهو الفساد في الأموال، والآخر: الفساد في الدين، وهو البدع والأهواء.\nقال مالك -﵁-: ولا فساد في الأرض أضر من فساد الدين لأنه شُعَب من الشرك.\nومن الكبائر: عقوقُ الوالدين، وشربُ الخمر، وهو كل شراب يُسْكِر كثيره، وما ذُكِر من فاتحة سورة النساء إلى رأس الثلاثين.\nومن الكبائر: اسْتِسْبابُ الرجل لأبويه، يَسُبُّ رجلًا فيسب ذلك الرجل أبويه.\nومن أكبر الكبائر: أكلُ مال اليتيم والسفيه، وكلِّ من لا ينتصف لنفسه.\n_________\n(^١) سقطت نون \"فسادان\" من الأصل.","vol":"1","page":375},{"text":"ومن الكبائر قذفُ المحصنات.\nومن أعظمها سبُّ السلف وتنقصُهم، وشهادةُ الزور، وعدولُ الحكام عن الحق واتباع الهوى، قال اللَّه ﵎: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٧]، و﴿الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: ٤٥] و﴿الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤].\nوقال في مخاطبة داود ﵇: ﴿وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ [ص: ٢٦].\nومن الكبائر: اليمينُ الفاجرة، ومنها القُنوطُ من رحمة اللَّه، وقيل: الفرارُ من الزحف، هذا واللَّه أعلم إذا لم يكن متحيزًا إلى فئة، وكان بفراره جان على الغزاة المجاهدين معه.\nكذلك عندي المجاهرين، وكلُّ ما (^١) توعد اللَّه عليه بالنار، أو توعد رسول اللَّه -ﷺ- بالنار من أمر الخوارج وغيرهم فمن الكبائر.\nواللواطُ من الكبائر، وعلى فاعله الرجم أحصن أو لم يحصن.\nوالإصرارُ على الصغائر من الكبائر، و\"الندمُ توبةٌ\" (^٢)، والصغائر مغفورة تكفرها الطهارة والصلاة وسائر أعمال البر، قال النبي -ﷺ-: \"الجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهما\" (^٣)، وقال اللَّه تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود: ١١٤]، والكبائر يكفرها الندم والتوبة والإقلاع، وذلك من فضل اللَّه، قال اللَّه ﵎: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، وقد يغفر في الآخرة لغير التائب إن شاء، ويعذب من يشاء.\n_________\n(^١) في الأصل: كلما.\n(^٢) رواه الإمام أحمد برقم ٣٥٦٨ عن النبي -ﷺ- من حديث ابن مسعود.\n(^٣) رواه مسلم (١/ ١٤٤) كتاب: الطهارة، باب: الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة.","vol":"1","page":376},{"text":"قال أبو بكر الصديق -﵁-: إن اللَّه يغفر الكبير فلا تيأسوا، ويعذب بالصغير فلا تغترّوا.\nوقال عمر الفاروق -﵁-: لا صغيرة مع إصرار، يريد أنها تصير بالإصرار كبيرة، قال: ولا كبيرة مع استغفار.\nعصمنا اللَّه وإياكم عن جميع معاصيه، ووفقنا وإياكم للعمل بما يرضيه.\n* * *","vol":"1","page":377},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-261>٣٢ - قال اللَّه ﵎: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ إلى قوله: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾</span>\nقيل في ذلك: إن النساء قلن: ليتنا رجالًا فنجاهد كما يجاهد الرجال، وما أشبه ذلك، فنزلت الآية إلى قوله: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ﴾ [النساء: ٣٢] وعليهن فقال: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٣٢] (^١).\nوقيل: لا تتمنوا ما رُزقه غيركم بعينه، فيقول الرجل: ليت دار فلان لي أو ماله لي، ولكن يسأل اللَّه العبد من فضله، وإنه خير له (^٢).\nوقيل: إن النساء قُلن: فُضِّل الرجال علينا، فجُعِل لنا في المواريث نصف ما جُعِل لهم، فنهوا عن الكلام في ذلك، وأُمِرن بما هو خير لهن (^٣)، واللَّه أعلم بما أراد من ذلك.\n* * *\n_________\n(^١) رواه القاضي إسماعيل في أحكام القرآن (ص ٩٩)، وابن جرير فى تفسيره (٤/ ٤٩)، عن معمر عن شيخ من أهل مكة.\n(^٢) رواه ابن أبي حاتم في تفسيره (٣/ ٩٣٥) عن ابن عباس، ورواه القاضي إسماعيل في أحكامه (١٠٠ - ١٠١)، وابن جرير (٤/ ٥٠)، عن الحسن.\n(^٣) رواه القاضي إسماعيل في أحكامه (ص ٩٨)، وابن جرير في تفسيره (٤/ ٤٩)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٣/ ٩٣٥)، عن مجاهد.","vol":"1","page":378},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-262>٣٣ - قال اللَّه ﷿: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾</span>\nالموالي هم العصبات: الولد والأب والعمومة والأخوة، وبنو الإخوة وبنو العم، وموالي النعمة وهم الورثة.\nوكانوا يتوارثون بذلك وبالحِلْف، وكانوا إذا حالف الرجل رجلًا قال له: ترثني وأرثك، وقد كان أبو بكر -﵁- ورث حليفًا له في صدر الإسلام بالحلف، ثم صارت المواريث بعد ذلك بالهجرة بقوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ [الأنفال: ٧٢] وقال: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ﴾ [الأحزاب: ٦]، ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الأنفال: ٧٥]، فاستقر الأمر على ذلك، ونسخ المواريث بالحلف وبالهجرة، وباللَّه التوفيق.\n* * *","vol":"1","page":379},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-263>٣٤ - قال اللَّه ﷿: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ إلى قوله: ﴿فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-264>[القِوامة]</span>\nالمعنى في هذه الآية على ما تصرف من أقاويل المفسرين وما يذهب إليه مالك: أن للرجل الحجر على المرأة في نفسها ومالها، وأنه ليس لها أن تَفْتاتَ عليه بشيء تفعله في نفسها دون إذنه إلا في الفرائض التي فرض اللَّه عليها، فلا طاعة له عليها في أداء الفرائض من الصلوات الخمس، وإخراج الزكاة، وحج البيت، وصوم شهر رمضان، وما عدا ذلك من الطاعات المتطوع بها.\nفإن قيل في الحج: إنها تحتاج إلى مَحْرم لنهي رسول اللَّه -ﷺ- أن تسافر إلا مع مَحرم.\nقيل: نُهِيَت المرأة أن تصوم إلا بإذن زوجها، وأجمع العلماء أن لها أن تصوم الفروض، مثل رمضان، وصيام الحج، وقتل الخطأ، فخرجت الفروض من النهي، كذلك الحج، وصار النهي في غير فرض، فما كان منها لا يضر به ولا يمنعه من واجباته، فلها فعله من غير إذنه، وما كان يقطعها عن واجباته عليها فليس لها فعله إلا بإذنه، فمن ذلك: الصوم المتطوع به لا يجوز لها أن تصوم إلا بإذنه، وما لزمها من صوم غير رمضان حتى يجري مجرى الفرض فلا يجزئ عنه غيره، فليس له منعها منه.","vol":"1","page":380},{"text":"فقيل: هذا إلينا ما يجوز لها من ذلك وأشباهه، فما ما لها فعله (^١) فهو قوام عليه، وله منعها من إتلافه، إلا ما كان من وجوه الثواب، فإن مالكًا أباحها الثلث، والحجة في ذلك نذكرها (^٢) إن شاء اللَّه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-265>[تأديب الرجل امرأتَه]</span>\nوللرجل عندنا ومن فسَّر القرآنَ ممن انتهى إلينا تفسيرٌ في هذه الآية: أن للرجل أن يؤدب امرأته، فما كان منه على وجه التأديب فآل الرجوع (^٣) من غير قصد فلا قَوَد فيه إذا علم أنه لم يتعد (^٤) ما كان له، وهو الضرب الذي أبيح عند النشوز وأمثاله، ووقعت الإباحة له بهجران المضطجَع تأديبًا، وليس للمرأة أن تقاتل زوجها على ما يكون من تأديبه على سائر ما ينكره، ولا لها أن تُدخِل بيتَه إلا من يرضاه ويأذن لها، ولا أن تعطي أحدًا من ماله شيئًا، إلا ما كان على سبيل الصدقة إذا علمت أنه لا يكره ذلك.\nفأما قوله: ﴿بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ فليس ذلك الزنا، وإنما هو أن تفحش عليه بألفاظها (^٥)، وقد يحتمل أن يكون النشوز (^٦).\nفأما قول من قال من المفسرين: لا يوطئن فرشكم أحدًا تكرهونه، يعني: الزنا، فهذا قد أغنى اللَّه ﵎ عنه بتحريم الزنا على الرجال والنساء، وإيجاب الحدود فيه.\n_________\n(^١) هكذا العبارة بالأصل، وفيها اضطراب.\n(^٢) في الأصل: نذكره.\n(^٣) كذا في الأصل، ولم يظهر لي وجهها، والسياق بيِّن.\n(^٤) في الأصل: يتعدى.\n(^٥) رواه القاضي إسماعيل في أحكامه (ص ١١٠)، عن ابن عباس.\n(^٦) رواه القاضي إسماعيل في أحكامه (ص ١١٠)، عن ابن عباس، والضحاك.","vol":"1","page":381},{"text":"فإن قال قائل: بماذا حجرتم عليها في مالها لزوجها؟\nقلنا: لقول اللَّه ﷿: ﴿لرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾، فلما كان قوّامًا عليها في نفسها كان المال تبعًا، ولما رواه داود بن أبي هند، وحبيب بن الشهيد، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده عبد اللَّه بن عمرو، أن النبي -ﷺ- قال: \"لا يجوز لامرأة هبة في مالها إذا ملك زوجها عصمتها\" (^١).\nوهذا الحديث قد روي عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده مطلقًا، فجاز أن يكون عن محمد بن عبد اللَّه جد عمرو، فيكون من جملة الصحيفة، فجوزه داود وحبيب فأخرجاه عن الصحيفة بأن شعيبًا رواه عن جده لا عن أبيه، ولا يُشك في سماع شعيب عن جده، هكذا قال علي بن المديني وأحمد بن حنبل، وقال علي: كل ما رواه عمرو من الصحيفة فصحيح.\nوعلى أن (^٢) محمد بن عبد اللَّه بن عمرو مات قبل أبيه، وإنما أخذ الصحيفة شعيب عن عبد اللَّه، كذا كان علي يقول.\n٢٨ - قال القاضي: نا به محمد بن صالح، قال: أنا يوسف بن موسى، قال: نا حجاج، عن حماد بن سلمة، عن داود وحبيب، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده عبد اللَّه بن عمرو، عن النبي -ﷺ-.\nوله أسانيد كثيرة، وداود من أهل الضبط والدين بحيث لا خفاء به، وكذلك حبيب بن الشهيد وإن كان دونه، ومع ذلك فإن النبي -ﷺ- قال: \"تنكح\n_________\n(^١) رواه أبو داود برقم ٣٥٤٦، أول كتاب البيوع، باب عطية المرأة غير إذن زوجها، والنسائي برقم ٣٧٥٦، كتاب العمرى، عطية المرأة بغير إذن زوجها.\n(^٢) في الأصل: بن.","vol":"1","page":382},{"text":"النساء لأربع: لمالهن، وجمالهن، وحسبهن، ودينهن، فعليك بذات الدين تَرِبَتْ يداك\" (^١).\nثم لا اختلاف بين فقهاء الأمصار أن امرأتين أختين إحداهما أجمل من الأخرى، لو تزوجتا نكاح التفويض (^٢)، ثم وقعت المنازعة في الصدقات، لكان الحكام جميعًا يحكمون للحسنى بزيادة في الصداق على صداق أختها، وكذلك لو كانت إحداهما موسرة والأخرى فقيرة، لكان صداق الغنية عند الجماعة فوق صداق الفقيرة وأضعاف ذلك، فلما كان يزداد عليه في صداقها لجمالها، وكان له أن يحجر على الجمال أن يتمتع به غيره، كان (^٣) له بهذه الحجة أن يحجر على المال الذي من أجله زيد في الصداق عليه، لأن المال والجمال والدين والحسب في المرأة جمال لولدها ولزوجها.\nوقد قالت امرأة سعد بن الربيع للنبي -ﷺ-: قتل سعد يوم أحد، وقد استفاء مالهما عمهما، ولا تنكحان إلا ولهما مال (^٤)، فهذا أيضًا حجة في ذلك.\nقال أبو الأسود الديلي لبنيه: يا بني إني قد بررتكم صغارًا وكبارًا وقبل أن تولدوا، قالوا: يا أبانا صغارًا وكبارًا قد عرفناه، فقبل أن نولد بماذا؟ قال: تخيرت لكم الأمهات لكي لا تعيَّروا بهن.\nفأما قول مالك في الثلث وأنه مباح لها، فإنه رأى المريض محجورًا عليه من أجل ورثته، وقد أجازت السنة الثلث فقاسه عليه.\nفهذا حكم هذه الآية وما في مضمرها، واللَّه أعلم.\n_________\n(^١) متفق عليه من حديث أبي هريرة، رواه البخاري برقم ٥٠٩٠، كتاب: النكاح، باب: الأكفاء في الدين، ومسلم (٤/ ١٧٥)، كتاب: الرضاع، باب: استحباب نكاح ذات الدين.\n(^٢) قال القاضي عبد الوهاب في التلقين (ص ١١٦): \"وصفته أن يعقدا ولا يسميا صداقًا، أو على أن يفرضاه بعد العقد\".\n(^٣) في الأصل: وكان.\n(^٤) سبق تخريجه.","vol":"1","page":383},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-266>٣٥ - قال اللَّه ﷿: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا﴾</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-267>[بعْثُ الحكمين]</span>\nقوله ﵎: ﴿خِفْتُمْ﴾ يريد: تيقنتم.\nوهذا حكم من اللَّه إذا وقع الشقاق، لكي لا يُترك الناس يتظالمون ويتضارّون، وقد أنزل اللَّه ﷿ في الرجل يحلف على امرأته ألا يقربها ما أنزل، ويمين الرجل لا يقربُ المرأة خمسة أشهر أقل ضررًا من ما يقع بين الرجل وامرأته من الشقاق، وقد حكم المسلمون في العِنّين (^١) بما حكموا، فكذلك إذا وقع بين الرجل وامرأته الشقاق عمل الحاكم في ذلك بما أمر اللَّه.\nفأما أبو حنيفة وأصحابه فما عرفوا هذه الآية، ولا تكلموا في شيء من أحكامها.\nوأما الشافعي فتكلم (^٢) فيها بكلام السكوت أحسن منه، فقال: قال اللَّه ﵎: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا﴾، فاللَّه أعلم بمعنى ما أراد من خوف\n_________\n(^١) العِنّين: قال القاضي عبد الوهاب في التلقين (ص ١١٧): \"هو الذي له الذكر لا يتأتى الجماع مثله لصغره وامتناع تأتي إيلاجه\".\n(^٢) في الأصل: فتكلموا.","vol":"1","page":384},{"text":"الشقاق الذي إذا بلغاه أمره أن يبعث حكمًا من أهله وحكمًا من أهلها، والذي يشبه ظاهر الآية، فما عم الزوجين معًا حتى يشتبه فيه حالاهما، وذلك أن اللَّه أذن في نشوز الزوج بأن يصطلحا، وبين رسول اللَّه -ﷺ- ذلك، وأذن في نشوز المرأة بالضرب، وأذن في خوفهما ألا يقيما حدود اللَّه بالخُلع، ودَلَّت السُّنة أن ذلك برضا المرأة، وحظر أن يأخذ الرجل مما أعطى شيئًا إذا أراد استبدال زوج مكان زوج، فلما أمر فيمن خفنا الشقاق بَيْنَه (^١) بالحَكَمَين، دلَّ ذلك على أن حُكْمَهما غير حُكم الأزواج غيرهما، فإذا كان هكذا بعث حكَمًا من أهله وحكَمًا من أهلها، ولا يبعث الحَكَمَين إلا مأمونين، ورضا الزوجين وتوكيلهما، بأن يجمعا أو يفرقا إذا رأيا ذلك.\nقال الشافعي: نا الثقفي، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن عبيدة، عن علي في هذه الآية، ثم قال للحكمين: هل تدريان ما عليكما؟ إن عليكما إن رأيتما أن تجمعا جمعتما، وإن رأيتما أن تفرقا فرقتما، فقالت المرأة: رضيت بكتاب اللَّه بما علي فيه ولي، وقال الرجل: أما الفرقة فلا، فقال عليٌّ: كذبت واللَّه، فلا [حتى] (^٢) تقر بمثل الذي أقرت به.\nقال (^٣): فقول عليٍّ يدل على ما وصفت من أن ليس للحاكم أن يبعث حكمين دون رضا المرأة والرجل بحكمهما، وعلى أن الحكمين إنما هما وكيلان للرجل والمرأة بالنظر بينهما في الجمع والفرقة، ليس للحكمين أن يحكما إلا أن يفوض الزوجان ذلك إليهما.\nقال الشافعي: وأنا مسلم بن خالد، عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة أنه سمعه يقول: تزوج عقيل بن أبي طالب فاطمة بنت عتبة بن ربيعة فقالت: اصبر\n_________\n(^١) في الأصل كلمة تشبه (ثبت) في الرسم، والمثبت من المصدر، وضبطها محقق أحكام إسماعيل (ص ١١٧): بَيَّنَه.\n(^٢) ساقطة من الأصل، وأثبتها من المصدر، وأحكام إسماعيل (ص ١١٧).\n(^٣) القائل هو القاضي إسماعيل، الأحكام (ص ١١٦).","vol":"1","page":385},{"text":"لي وأنا أنفق عليك، وكان إذا دخل عليها قالت: أينَه عتبة بن ربيعة، أينَه (^١) شيبة بن ربيعة؟ فيسكت، حتى دخل عليها يومًا وهو برم، فقالت: أين عتبة بن ربيعة، أين (^٢) شيبة؟ فقال: على يسارك في النار إذا دخلت، فشدت عليها ثيابها فجاءت عثمان فذكرت ذلك له، فأرسل ابن عباس ومعاوية، فقال ابن عباس: لأُفَرّقُ بينهما، وقال معاوية: ما كنت لأفرق بين شيخين من بني عبد مناف، فأتياهما فوجداهما قد سدا عليهما أبوابهما وأصلحا أمرهما.\nقال الشافعي ﵀: فهذا يشبه ما روي عن علي، ألا ترى أن ابن عباس قال: أفرق، ومعاوية قال: لا أفرق بين شيخين من بني عبد مناف، فأتياهما فوجداهما قد سَدّا عليهما أبوابهما، فلما وجداهما قد اضطجعا (^٣) رجعا؟ فدل ذلك على أنهما لو أحبا فسخا الوكالة (^٤).\nفزعم الشافعي أن الحكمين يبعثان على ظاهر كتاب اللَّه، ثم قال من تلقاء نفسه: إن ذلك لا يكون إلا برضا الزوجين وتوكيلهما إياهما بأن يجمعا أو يفرقا (^٥).\nوزعم أنه تأول في ذلك قول علي وعثمان -﵄-، وفعلهما موافق لكتاب اللَّه مبايِن لما ذهب إليه الشافعي، ولم يبين الشافعي كيف يُوَكِّل الزوجان، وهل هما وكيلان لكل واحد من الزوجين، أو كل واحد وكيل لأحدهما؟ ولا بأي شيء يُوَكِّلُهُما (^٦) كل واحد، لأن الوكالة لا تجوز إلا في معلوم، فإن كانت الوكالة في\n_________\n(^١) في الأصل: بن، والتصويب من المصدر.\n(^٢) في الأصل: بن.\n(^٣) كذا في الأصل، وفي المصدر: اصطلحا.\n(^٤) الأم (٥/ ١٢٤ - ١٢٥) (ط المعرفة).\n(^٥) الأم، الموضع السابق، (ط المعرفة).\n(^٦) في الأصل: يوكلاهما.","vol":"1","page":386},{"text":"الإصلاح بينهما فهذا شيء أمر اللَّه به الخلق جميعًا، والحكمان ها هنا مخصوصان به لا يُحتاج إلى التوكيل فيه، وإن كان التوكيل بالطلاق فأي شيء بِيَد المرأة من الطلاق حتى توكل فيه؟\nفإن قال الشافعي: وكيل الرجل في الطلاق.\nفوكيل المرأة بماذا؟ وإذا كانا وكيلين فليس إليهما حكم ولا هما مجتمعان، لأن كل واحد مباين للآخر ليس إليه ما إلى صاحبه، ولا إلى صاحبه ما إليه، واسم الوكيل غير اسم الحاكم، قال اللَّه سبحانه في الصيد: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [المائدة: ٩٥]، فهما حكمان على الاجتماع، كل واحد منهما إليه ما إلى الآخر، وقد قال اللَّه ﵎: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النساء: ٣٥]، فأعلمنا أن الحكمين أمرهما واحد إن قصدا للحق ووفقهما اللَّه للصواب في الحكم.\nثم تأول الشافعي فأخطأ فيه، ونقله عن وجهه، فقال: لما قال علي: ابعثوا حكمًا من أهله، كان هذا مخاطبة للزوجين، ولو كان للزوجين لقيل: فأمرهما، ولو كانت المخاطبة بين علي وبين الزوجين لم يقل: فابعثوا حكمًا من أهله، ولقال: ابعث حكمًا من أهلك، فعُلم أن المخاطبة بيد الزوج وكذلك المرأة، وإنما قال لجلسائه وأصحابه وذوي الرأي عندهم لعلمهم بالأهلين والمختار منهم، كما يقول الحاكم لخاصته: اختاروا من يقوم بمال اليتيم، وإنما قال علي للزوج لما قال: أما الفرقة فلا، فقال علي: كذبت حتى تقر بمثل الذي أقرت به، وإنما أقرت بالرضا بكتاب اللَّه عليها ولها، فأنكر علي إباءَه لكتاب اللَّه فقال: كذبت، وليس يقال لمن قال: لا أوكل في الطلاق: كذبت (^١)، وهذه\n_________\n(^١) في الأصل: وكذبت.","vol":"1","page":387},{"text":"الكلمة أسقطها الشافعي من حديث الثقفي، فلم يذكرها في احتجاجه كأفعاله، لتستوي له الحجة (^١)، وما تستوي لو لم تكن هذه الكلمة (^٢).\n٢٩ - أنا بذلك القاضي إسماعيل قال: نا نصر بن علي قال: ثنا عبد الوهاب الثقفي، عن أيوب، عن محمد، عن عبيدة.\nوفي الحديث: \"فأمرهم عليٌّ: فابعثوا حكمًا من أهله وحكمًا (^٣) من أهلها\"، فعُلم أن المأمورَين غير الزوجين.\n٣٠ - ورواه سليمان بن حرب، حدثنا به البرنكاني، عن إسماعيل، عن سليمان، عن حماد بن زيد، عن أيوب، عن محمد، عن عبيدة، وقال فيه: فقال علي: كذبت، لا تنقلب حتى تقر بمثل الذي أقرت به (^٤).\nفهل يجبر أحد على أن يُوَكِّل وهو إن وكَّل فله أن يخرج الوكيل من الوكالة، ويجوز أن يجبر على الرضا بكتاب اللَّه، فبين علي أيضًا بقوله للحكمين: أتدريان ما عليكما؟ إن رأيتما أن تجمعا جمعتما، وإن رأيتما أن تفرقا فرقتما.\nوإنما قالت المرأة بعد مضي هذا الخطاب من عليّ للحكمين: رضيتُ بكتاب اللَّه ﷿ عليَّ ولي، فكان امتناع الرجل من الرضا بكتاب اللَّه يوجب جبره عليه وتكذيبه، كما جاء في حديث سليمان ونصر، وكان واجبًا أن يؤدب إن أقام على ذلك، ولو كان الحكمان وُكِّلا ما احتاج علي أن يقول للحكمين: أتدريان ما عليكما؟ إذ الوكالة ومعرفة ما جعل إليهما يغني عن ذلك.\n_________\n(^١) بل أثبتها الشافعي، انظر الأم (٥/ ١٢٥)، (ط المعرفة).\n(^٢) كلام الشافعي في الأم، الموضع السابق، (ط المعرفة).\n(^٣) في الأصل: وحكم.\n(^٤) رواه ابن جرير من طريق ابن علية. . عن أيوب به (٤/ ٧٤).","vol":"1","page":388},{"text":"وأما قول الشافعي فيما رواه عن عثمان، فقولُ من لم يتأمل الحديث الذي رواه ولا عَرَفَه، لأن فيه أن عثمان وجه ابنَ عباس ومعاوية وما عقيل حاضر، ووجَّه الحكمين برأيه ولم يستأمر الزوجين، فكان رأي ابن عباس أن يفرِّق، وكان رأي معاوية أن يؤلِّف، فعُلم أن الفراق إليهما لو اجتمعا على ذلك، والزوجان مقيمان على التباعد، فإذا اضطجع الزوجان فقد زال ما إلى الحكمين، لأن الذي كان إليهما الإصلاح أولًا، فإن تعذر فرَّقا، فإذا كان الإصلاح فلا مدخل للحكمين، وإنما يكونا حكمين من قبل الإمام ما دام الشقاق، فإذا زال زالت ولايتهما.\nقال علي: الحكمان بهما يجمع اللَّه وبهما يفرق (^١).\nقال ابن عباس: ما قضيا من شيء فهو جائز (^٢)، وقاله ابن جبير (^٣)، ومجاهد، وأبو سلمة (^٤)، والشعبي (^٥)، وإبراهيم (^٦)، والضحاك (^٧)، والحكم (^٨)، وربيعة (^٩)، وفي مخالفتهم بالرأي الذي لا يشُدُّه النظر قُبْح.\nقال مالك بن أنس: الأمر الذي يكون فيه الحكمان، إذا قَبُح ما بين الزوجين، ولم تثبت البَيِّنَة، ولم يُقدر على تعرف ذلك وصحته، بعث الحاكم\n_________\n(^١) رواه مالك بلاغًا في الموطأ برواية يحيى برقم ١٧٠٩، كتاب: الطلاق، باب: ما جاء في الحكمين.\n(^٢) رواه ابن جرير في تفسيره (٤/ ٧٦)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٣/ ٩٤٥).\n(^٣) رواه ابن جرير في تفسيره (٤/ ٧٦).\n(^٤) رواه ابن جرير في تفسيره (٤/ ٧٧).\n(^٥) رواه ابن جرير في تفسيره (٤/ ٧٦).\n(^٦) رواه ابن جرير في تفسيره (٤/ ٧٤ - ٧٦).\n(^٧) رواه القاضي إسماعيل في أحكام القرآن (ص ١١٨)، وابن جرير في تفسيره (٤/ ٧٧).\n(^٨) رواه القاضي إسماعيل في أحكام القرآن (ص ١١٨).\n(^٩) رواه القاضي إسماعيل في أحكام القرآن (ص ١١٩).","vol":"1","page":389},{"text":"عدلين، أحدهما من أهل المرأة ومن يوثق به عليها، والآخر من أهل الزوج بهذه الصفة، فإن استطاعا الصُّلح أصلحا، وإلا فرَّقا، وإن رأيا أن يأخذا له من مالها شيئًا أخذا متى كان الفراق (^١) والامتناع من الصلح من قبلها، ما فعلا من ذلك جاز عليهما.\nقال مالك: وبلغني أن عليًا ﵀ قال للحكمين: إليكما أن تفرقا وأن تجمعا (^٢).\nقال مالك: وهذا أحسن ما سمعت (^٣).\n* * *\n_________\n(^١) في الأصل كلمة غير مقروءة، وما أثبته مناسب للسياق.\n(^٢) سبق تخريجه قريبًا (١/ ٣٨٨).\n(^٣) الموطأ برواية يحيى برقم ١٧١٠، كتاب: الطلاق، ما جاء في الحكمين.","vol":"1","page":390},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-268>٤٣ - قال اللَّه ﵎: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾</span>\nهذا كان قبل تحريم المُسْكِر، وكانوا خلطوا في القراءة، ثم نسخ هذا وسقط كلُّه بتحريم الخمور، وقد ذكرنا هذا كلَّه في كتاب الأشربة، والحجة على من أحل الخمر بأن سماها بغير اسمها، واستغني عن شرح ذلك في هذا الكتاب.\n* * *","vol":"1","page":391},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-269>٤٣ - قال اللَّه ﷿: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-270>[دخول الجنب المسجد وصلاته]</span>\nروي عن النبي -ﷺ- أنه قال: \"لا أحل المسجد لجُنب ولا حائض\"، من طريق جَسْرَة بنت دجاجة، عن عائشة (^١).\nوروى عليٌّ عن النبي -ﷺ- أنه قال: \"لا تدخل الملائكة بيتًا فيه جنب ولا كلب ولا صورة\" (^٢).\nروى المطلب أن النبي -ﷺ- لم يأذن لأحد أن يدخل المسجد وهو جنب إلا علي بن أبي طالب -﵁-، لأن بيته كان في المسجد (^٣).\nوقال عطاء: كان رجال من أصحاب رسول اللَّه -ﷺ- يُجْنِبون فيتوضؤون، ثم يأتون المسجد فيتحدثون فيه (^٤).\nوقال جابر: كان أحدنا يُجْنِبُ فيمر في المسجد مجتازًا (^٥).\n_________\n(^١) رواه أبو داود برقم ٢٣٢، كتاب: الطهارة، باب: الجنب يدخل المسجد.\n(^٢) رواه أبو داود برقم ٢٢٧، كتاب: الطهارة، باب: الجنب يؤخر الغسل، والنسائي برقم ٢٦١، كتاب: الطهارة، باب: في الجنب إذا لم يتوضأ.\n(^٣) رواه القاضي إسماعيل في أحكام القرآن (ص ١٢٦) مرسلًا.\n(^٤) رواه القاضي إسماعيل في أحكام القرآن (ص ١٢٧).\n(^٥) رواه القاضي إسماعيل في أحكام القرآن (ص ١٢٧).","vol":"1","page":392},{"text":"وقال زِر، عن علي في قوله: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ قال: إلا أن يكون مسافرًا فلا يجد الماء، فيتيمم ويصلي (^١).\nوقال ابن مسعود -﵁-: هو اختراق المسجد (^٢).\nوقال ابن عباس: لا يقرب الصلاة وهو جنب إلا أن يكون مسافرًا فلا يجد الماء، فيتيمم ويصلي (^٣).\nفالتفسير في هذه الآية من الصحابة والتابعين كثير، وكله يدور على قولين، منهم من يقول: المراد الصلاة، ومنهم من يقول: المسجد، وأكثرهم يقول: الصلاة.\nفأما الذين ذهبوا إلى أنه المسجد، لأنه مصلى يصلى فيه.\nومن قال: إنه المسافر لا يجد الماء، ذهبوا إلى أنها الصلاة بعينها، وأنه لا يقربها حتى يغتسل، إلا أن يكون مسافرًا ولا يجد الماء فيتيمم، ذهبوا إلى ظاهر الآية، وأنه قُرِن مع ذكر السكارى.\nوليس يختلف أهل العلم في أن الجُنُب لا يصلي حتى يغتسل إلا أن يكون مسافرًا ولا يجد الماء فيتيمم ويصلي، إلا شيئًا (^٤) رواه أهل الكوفة لا يُعمل به.\nوالأقوى أن الآية نزلت في المسافر، وهو أصح المعنيين، ومع ذلك فينبغي أن ينزه المسجدَ الجُنُبُ فلا يدخلُه، كما لا يقرأ القرآنَ، وباللَّه التوفيق.\n_________\n(^١) رواه القاضي إسماعيل في أحكام القرآن (ص ١٢٨)، وابن جرير في تفسيره (٤/ ٩٩)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٣/ ٩٥٩ - ٩٦٠).\n(^٢) رواه القاضي إسماعيل في أحكام القرآن (ص ١٢٨)، وابن جرير في تفسيره (٤/ ١٠١).\n(^٣) رواه القاضي إسماعيل في أحكام القرآن (ص ١٣٠).\n(^٤) في الأصل: شيء.","vol":"1","page":393},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-271>٤٣ - قال اللَّه ﷿: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ إلى قوله: ﴿صَعِيدًا طَيِّبًا﴾</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-272>[تيمم المريض]</span>\nالمريض الذي يتيمم عند مالك وهو واجد للماء: الجريح، وصاحب القُروح والجُدَري (^١)، وكل من خاف إن استعمل الماء أن يزيد ذلك في علته، أو أن يضره فتطول العلة، فهذا الذي له أن يتيمم وإن كان جنبًا أيضًا تيمم وصلى (^٢).\nقال نحوًا من ذلك ابن عباس، وجماعة من المفسرين -بل جُلُّهُم- ما هذا معناه (^٣).\nوكذلك يقول في المريض الذي يقدر على التَّوَضُّؤِ بالماء ويعجز عن مناولته، وليس له من يناوله وقد دخل آخر الوقت، أنه يتيمم ويصلي.\nومما يقوي ذلك، ما روي في المسح على الجبائر (^٤) وما أشبهها.\n_________\n(^١) الجُدَرِيُّ: قال في اللسان (٣/ ٩٤): \"والجُدَرِيُّ والجَدَري، بضم الجيم وفتح الدال، وبفتحهما، لغتان\"، وهو مرض جلدي معروف، أسأل اللَّه العافية.\n(^٢) المدونة (١/ ٤٥).\n(^٣) انظر تفسير ابن جرير (٤/ ١٠٣)، وتفسير ابن أبي حاتم (٣/ ٩٦٠).\n(^٤) منها ما روي عن علي -﵁- قال: انكسرت إحدى زَنْدَيَّ فسألت رسول اللَّه -ﷺ- فأمرني أن أمسح على الجبائر، عقب عليه ابن حجر في بلوغ المرام (ص ٣٢) بقوله: رواه ابن ماجه بسند واه جدًا، ومنه ما روي عن جابر -﵄- في الرجل الذي شُجَّ، فاغتسل =","vol":"1","page":394},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-273>٤٣ - قال اللَّه ﵎: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-274>[اللمس الموجب للوضوء]</span>\nملامسة النساء عند مالك التي توجب الوضوء: اللمسُ لمن يحِل وطؤه لشهوة الجماع، والتلذذُ بذلك دون الجماع، وقد يقع ذلك لشهوة فيمن لا يحل له، فهذا عاص للَّه، عليه الطهارة والاستغفار.\nفأما لغير شهوة فلا وضوء فيه.\nكان رسول اللَّه -ﷺ- يُقَبِّل نساءه وهو صائم، ويصلي أيضًا ولا يتوضأ، روته عائشة وغيرها، وسئلت عائشة عن ذلك فأخبرت به، ثم قالت: وأيكم أملك لإِرْبِه (^١) كرسول اللَّه -ﷺ-؟ (^٢) وعيز (^٣) هذا القول أنه من كان يملك إربه فلا يلزمه الوضوء، وأن من لم يملك إربه فعليه الوضوء.\nوقال ابن عباس -﵁-: الملامسة الجماع، وأصحابه مثله (^٤).\n_________\n= فمات: \"إنما كان يكفيه أن يتيمم، ويعصِب على جرحه خِرقة، ثم يمسح عليها ويغسل سائر جسده\". قال ابن حجر عنه أيضًا في الموضع السابق: \"رواه أبو داود بسند فيه ضعف، وفيه اختلاف على رواته\".\n(^١) في الأصل: إربه.\n(^٢) متفق عليه، رواه البخاري برقم ٣٠٢، كتاب: الحيض، باب مباشرة الحائض، ومسلم (١/ ١٦٦ - ١٦٧)، كتاب: الحيض، باب: مباشرة الحائض فوق الإزار.\n(^٣) كذا بالأصل، ولم أهتد لوجهها، ومعناها حسب السياق: وأفاد.\n(^٤) انظر ابن جرير في تفسيره (٤/ ١٠٤ - ١٠٦).","vol":"1","page":395},{"text":"وقال ابن مسعود -﵁-: القُبْلَة والجَسَّة من الملامسة (^١).\nوقال ابن عمر -﵁-: القبلة والجسة هي الملامسة.\nوتابعهما على ذلك خلق كثير من التابعين (^٢).\nوروي في هذا الباب أحاديث مرفوعة أنكرها النقاد، وطعنوا بها على حديث بن أبي ثابت، ولكن ما روي عن ابن عباس -﵁-، وابن مسعود، وابن عمر، ومن تابعهم من التابعين صحيح، والنظر يوجب ما قاله ابن مسعود، وابن عمر، وكذلك ظاهر الآية، لأن الملامسة ذُكرت مع الغائط الذي يكون منه الوضوء في الموضعين، قال اللَّه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾، والمرض والسفر لا يَنْقُضان الوضوء، فذكرهما مع الغائط الذي يوجب الوضوء.\nوهذه الآية فيها تقديم وتأخير، وإنما حكمها: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ من المضاجع، ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ الملامسة التي هي صغير الجماع، ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ إلى قوله عز من قائل: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ اغتسلوا، ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ في هذه الأحوال، ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾.\nفكانت الآية مُسْتَوْعِبَة لجميع من يجب عليه الطهور، ومن يجب عليه الغسل، ومن يجوز له أن يتيمم من جنب أو غيره، ولو كان حكم الآية على تلاوتها لكان على المسافر والمريض التيمم والوضوء، كان طاهرًا أو غير طاهر، وفي القرآن تقديم وتأخير كثير لا ينكره أهل العلم بالقرآن، فعُلم بذلك أن\n_________\n(^١) انظر ابن جرير في تفسيره (٤/ ١٠٦ - ١٠٨).\n(^٢) انظر المصدر والموضع السابق.","vol":"1","page":396},{"text":"الملامسة ليست الجماع، إذ كان الجماع قد ذُكر بقوله ﷿: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾.\nوالذي قلناه في معنى الآية أوضح وأبين مما يخالفه، بما يقوله أبو حنيفة وأصحابه، لأن الذين قالوا: إنه الغِشْيان، جعلوه كناية، ومن قال: إنه اللمس الذي دون الجماع قاله بنص القرآن.\nوخالفنا الشافعي في الشهوة، ووافق في اللمس أنه دون الجماع بفعل رسول اللَّه -ﷺ-، وأنه كان يُقَبِّل نساءه رادًا لقوله، لأن رسول اللَّه -ﷺ- كان يُقَبِّل ولا يتوضأ، وكان يملك إِرْبَه فلا تدخله الشهوة، فلا يكون عليه الوضوء.\nفهذا حجة على الشافعي وعلى العراقي، لأن عائشة -﵂- قد أعلمت بأنه من لم يملك إربه فعليه الوضوء، وكذلك قالت في الصوم، واللَّه أعلم.\n* * *","vol":"1","page":397},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-275>٤٣ - قال اللَّه ﵎: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-276>[أحكام التيمم]</span>\nالتيمم: الطلب، والصعيد: ما يصعد الرجل عليه من الأرض، والطيِّب: الطاهر من الأنجاس.\nوالمسح فقد اختُلف فيه، فقال بعضهم: ضربةٌ للوجه والكفين.\nوقال بعضهم: ضربةٌ للوجه واليدين، ولم يُبَيِّن.\nوقال بعضهم: ضربتين، واحدة للوجه، وأخرى لليدين إلى الكُوعَيْن (^١).\nوقال آخرون: ضربتين واحدة للوجه، وأخرى إلى اليدين إلى المَنْكِبَيْن (^٢).\nوقال بعضهم وهم الأكثر من الصحابة: ضربتين، واحدة للوجه، وأخرى لليدين إلى المَرفِقَيْن (^٣) (^٤).\n_________\n(^١) الكُوعَين: واحده كوع بضم الكاف وسكون الواو، وهو رأس الزند الذي يلي الابهام، انظر غرر المقالة لابن حمامة (ص ١٠٣)، وتنبيه الطالب لابن عبد السلام (ص ٤٦٨).\n(^٢) المَنْكِبَيْن: واحده منكب، وهو بفتح الميم وكسر الكاف، وجمعه مناكب، وهو مجمع عظم العضد والكتف، انظر تنبيه الطالب لابن عبد السلام (ص ٥٣٦).\n(^٣) المَرفِقَيْن: واحده مرفق، قال القاضي عياض في التنبيهات (١/ ٢٧): \"يقال بفتح الميم وكسر الفاء، وبكسر الميم وفتح الفاء، والمرفق آخر عظم الذراع المحدد المتصل بالعضد\".\n(^٤) الموطأ برواية يحيى برقم ١٤٣، كتاب: الصلاة، العمل في التيمم.","vol":"1","page":398},{"text":"والصحيح عندنا: هذا الأخير، لأن اللَّه ﵎ قال: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾، ثم قال: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾، فوجب بالآية مسح ما كان عليه غسله.\nفإن قال قائل: فقد يجوز أن تكون الذراعان أُسْقِطَتا في التيمم كما أسقط الرأس والرجلان.\nقيل له: هذا غير سائغ، لأن الرأس أصله مسحٌ فرضُه فخُفِّف، فلما أُبدلتا لم يجعل الخفيف بدلًا من خفيف وأسقط، والرِّجْلان وإن كان فرضهما الغسل فقد خُفِّف بالمسح على الخفين، فلم يجز أن ينقل إلى خفيف، ثم ينقل من الخفيف إلى خفيف، والوجه واليدان أصلهما الغسل، فلما نقل إلى خفيف بقي الحكم على حاله، وكان التخفيف في المسح دون إسقاط العضو، واللَّه أعلم بما أراد من ذلك.\nوالرواية في ضربتين في الذراعين ومسحهما صحيحة غير مدفوعة، وقال مالك -﵁-: فمن تيمم إلى الكوعين أعاد في الوقت وأعاد الصلاة (^١).\nوأما قوله: \"في الوقت\" فاستحباب، وأظنه أجاز صلاة من فعل ذلك إذا خرج الوقت، إجلالًا للصحابة والقائلين به، وألا يَنْحَلَهم أنهم ما صلوا، واللَّه واسع الرحمة.\nوالتيمم عندنا لكل صلاة، وقد زعم العراقيون أنهم يتيممون لخمس صلوات، وفرقوا بين الخمس والستة (^٢).\n_________\n(^١) المدونة (١/ ٤٣).\n(^٢) قال محمد بن الحسن في الحجة على أهل المدينة (١/ ٤٨): \"قال أبو حنيفة -﵁- في رجل لم يجد الماء فتيمم لصلاة حضرت، ثم حضرت صلاة أخرى، أنه يصلي بتيممه ذلك، ما لم يحدث أو يجد الماء\"، وحكى الجصاص الحنفي مذهبهم في هذا فقال \"يصلي بتيممه ما شاء من الصلوات، ما لم يحدث أو يجد الماء\"، ولم أجد من الأحناف من يحدد الصلوات في خمس.","vol":"1","page":399},{"text":"فإن كان التيمم يقوم مقام الوضوء فلا فرق بين خمسة وستة، وإن كان إنما عمل بالقرآن فلا اختلاف بيننا أن المتيمم إذا لم يجد الماء وتيمم، أن عليه أن يطلب الماء للصلاة الأخرى إذا دخل وقتُها، فإذا كان بفرض اللَّه يطلب فيصير غيرَ واجد، فقد قال اللَّه ﷿: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا﴾، فصار التيمم واجبًا على كل طالب لم يجد.\nومع ذلك فلا اختلاف أن التيمم يُبيح الصلاة ولا يرفع الحدث كما يرفعه الوضوء، لأن الوضوء لا يبطل إلا بحدث ينقض الطهارة، والتيمم يبطله وجود الماء، ولا يزيل حكم الجنابة، فالإنسان جُنُب وهو يصلي، إنما تفضل اللَّه بالتيمم لإدراك الصلاة في وقتها وهو على حال حدثه، ولا بأس عندنا أن يتيمم الرجل ويقرأ حزبه من القرآن.\nوقد زعم العراقي أنه إن وجد الماء وهو في الصلاة بطل تيممه (^١)، وهذا مخالف لما أصلوه، لأن التيمم إنما أبيح للدخول في الصلاة، فإذا دخل فيها فليس يخرج من فرضه أو كان فرض الوضوء قد مضى حكمه إلا بحدث ينقض الوضوء، واللَّه أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) الحجة على أهل المدينة لمحمد بن الحسن (١/ ٥٣).","vol":"1","page":400},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-277>١١٦ - قال اللَّه ﵎: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-278>[عموم المغفرة للمذنبين من أمته -ﷺ</span>-]\nالرواية في هذه الآية كثيرة، وأنها توجب الغفران لكل من لم يشرك، وأن اللَّه ﵎ يغفر الكبائر مع الصغائر لمن لشاء، ويعذب من يشاء في الدنيا والآخرة، فضله يؤتيه من يشاء.\nولا أعلم اختلافًا بين أهل العلم في ذلك إلا من قال بالوعيد (^١)، وليس هم من أهل العلم بحمد اللَّه، فإنهم زعموا أن اللَّه لا يغفر الكبائر إلا للتائب، ولو كان كما قالوا لخَلَت الآية من الفائدة، لأن الشرك أيضًا مغفور للتائب قبل أن يُغرْغِر، فلا فائدة في قوله ﷾ونعوذ باللَّه من أن نقول ذلك-: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾، لأن التائب من الشرك والكبائر مغفور له، وغير التائب منها غير مغفور له، فما الفرق الذي أوجبته الآية بين الشرك وسائر الكبائر؟\nوهم قوم أعمى اللَّه قلوبهم وأصمهم وأعمى أبصارهم، وأغنى عن الحجة عليهم، وينبغي للعبد أن يكون خائفًا راجيًا، مُقَدِّمًا للتوبة والندم.\n* * *\n_________\n(^١) القائلون بالوعيد هم الوعيدية، وهم فرقة من فرق الخوارج، يقولون بتكفير صاحب الكبيرة وتخليده في النار، انظر: الملل والنحل للشهرستاني (ص ٢٢).","vol":"1","page":401},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-279>٥٨ - قال اللَّه ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾</span>\nكل مؤتمَن على نفس ومال وسِرّ وعِرض، مُخاطَب بأداء الأمانة فيما أؤتمن عليه، والدَّين والوديعة والرهن والعارية سواء، وكل ما (^١) جرى هذا المجرى، على كل يد أن تؤدي ما قبضت على حكم قبضها إياه.\nقال عبد اللَّه بن مسعود -﵁-: القتل في سبيل اللَّه يكفر كل ذنب إلا الدَّيْنَ والأمانة (^٢)، والأمانة أشد ذلك وأعظم.\n٥٨ - وأما قوله: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾، فهذا في ولاة الأمر ومن قام مقامهم من الحكام وسائر الولاة، والعدل: الاقتداء بالكتاب والسنة واتباع السلف، وفقنا اللَّه وجميع المسلمين لمراشد الأمور بمنه.\n* * *\n_________\n(^١) في الأصل: كلما.\n(^٢) رواه ابن أبي حاتم في تفسيره (٤/ ٩٨٥)، وفيه: إلا الأمانة، دون الدَّيْنِ.","vol":"1","page":402},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-280>٥٩ - قال اللَّه ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-281>[طاعة اللَّه ورسوله -ﷺ</span>-]\nقال النبي -ﷺ-: \"من أطاعني فقد أطاع اللَّه، ومن عصاني فقد عصى اللَّه، ومن أطاع أميري (^١) فقد أطاعني، ومن عصى أميري (^٢) فقد عصاني\" (^٣).\nفطاعة الرسول -ﷺ- فرض على من آمن به، وطاعة من أمر بطاعته كذلك، وقد قال النبي -ﷺ-: \"ما لكم ولأمرائي، لكم صفوة أمرهم وعليهم كَدَرُه\" (^٤).\nوطاعة اللَّه: اتباع كتابه جَلِيِّه وخفيِّه، وطلب علم الخفي من الراسخين فيه يُبْتَغى، وطاعة رسول اللَّه -ﷺ- في حياته: الرجوع إليه في كل مشكل من القرآن والسنة، وبعد وفاته صلوات اللَّه عليه: الرجوع إلى سنته المعمول بها، وهذا معنى قوله ﷾: ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾.\n_________\n(^١) في الأصل: أمري.\n(^٢) في الأصل: أمري.\n(^٣) متفق عليه، رواه البخاري برقم ٧١٣٧، كتاب: الأحكام، باب: قول اللَّه تعالى ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾، ومسلم (٦/ ١٣) في الإمارة، باب: وجوب طاعة الأمراء في غير معصية.\n(^٤) من حديث رواه مسلم (٥/ ١٤٩)، كتاب: الجهاد والسير، باب: استحقاق القاتل سلب القتيل.","vol":"1","page":403},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-282>[طاعة أولي الأمر]</span>\nوأما قوله ﷿: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾، ففيه اختلاف بين المفسرين، فمنهم من قال: السلطان، ومنهم من قال: الفقهاء والعلماء العقلاء.\nوطاعة السلطان واجبة في كل طاعة للَّه، وكل شيء لا يخرج إلى معصية ولا إثم، وطاعة أهل الفضل في الدين والعلم، ومن يوثق بهما عليهما فيما نيط بهم توجب رضوان اللَّه، وتلزم أهل طاعة اللَّه، فإن قِوام الدين بهاتين الطائفتين، قال النبي -ﷺ-: \"لا يزال الناس بخير ما استقامت لهم هداتهم وولاتهم\" (^١)، والهداة: العلماء العاملون بعلمهم، فإن اللَّه أنزلهم أجَلَّ المنازل فقال: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ قرنهم بنفسه، والمعنى: قضى اللَّه أنه لا إله إلا هو، حكم اللَّه ألا يُعبَد سواه، وشهدت الملائكة وأولوا العلم بما قضى اللَّه به من التوحيد، وقال: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾، وقال: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾، هذه حال العالم إذا تمسك به، وإذا أخلد إلى الأرض واتبع هواه، فقد مثله بالكلب وبالحمار، نسأل اللَّه ألا يكلنا إلى أنفسنا، وأن يستعملنا به ويَجْبُلَنا عليه برأفته، إنه جواد كريم.\n* * *\n_________\n(^١) رواه البيهقي موقوفًا على ابن عمر -﵁- برقم ١٦٦٥١، جماع أبواب الرعاة، باب: فضل الإمام العادل، (ط العلمية).","vol":"1","page":404},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-283>٩٢ - قال اللَّه ﵎: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾ إلى قوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-284>[القتل الخطأ]</span>\nليس لمؤمن أن يقتل مؤمنًا، ولا أن يقتل معاهدًا بحال، وقوله: ﴿إِلَّا خَطَأً﴾ ليس بالاستثناء، وقد تستثني العرب الشيء من الشيء وليس منه، والمعنى: لكن من قتل خطأ، أو: لكن قد يقع الخطأ غير العمد، أو سوى الخطأ فإنه قد يكون، تفعل العرب هذا على اختصار وضمير، هذا كلام الأصمعي (^١) وأبي عبيدة قالا: ومعناه ما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنًا على حال إلا أن يقتله مخطئًا، فإن قتله خطًا فعليه ما قال اللَّه ﷿، ومثل هذا قوله ﷿: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾، واللمم ليس من الكبائر ولا من الفواحش، ومعناه: إلا أن يُلِمّوا بغير الكبائر، قال جرير:\nمن البِيض لم يظعن بعيدًا ولم يطأ ... على الأرض إلا ذَيْل بُرْد مرحَّل (^٢)\nالمُرَحَّل: المُوَشَّى في طرفيه، وذيل البُرْد ليس من الأرض.\n_________\n(^١) الأصمعي: أبو سعيد عبد الملك بن قريب البصري، الإمام اللغوي الحجة، توفي ٢١٦ هـ، انظر: سير أعلام النبلاء (١٠/ ١٨١).\n(^٢) ديوان جرير بشرح ابن حبيب (ص ٩٤٥)، وفي شطره الثاني: . . . إلا نير مِرْطٍ مرحل.","vol":"1","page":405},{"text":"وقال الشاعر:\nوبلدة ليس بها أنيس ... إلا اليَعافير وإلا العِيس (^١)\nوأما قوله عز من قائل: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾<span data-type=\"title\" id=toc-285> الدِّيَة </span>في الخطأ على العاقلة إذا ثبت ذلك، وليس عليهم إقرار ولا عمد ولا عبد، وإنما على العاقلة ما ثبت أنه خطأ من غير قوله وقول أولياء الدم، والرقبة المؤمنة على القاتل في نفسه، ولا يجوز في الرقبة إلا مؤمنةٌ كما شرط اللَّه تعالى، ولا يجوز فيها الطفل ولا من لا يستقل بنفسه ويتصرف في معاشه، ولا تجوز العيوب القاطعة عن ذلك، ولا من لا يعقل الإسلام والصلاة، واللَّه أعلم.\nوقد قال ابن القاسم: إن الصغير يجزئ إذا كان حكمه حكم الإيمان.\nوالذي أختار: أن يكون يعقل الإيمان.\n\n[الدِّية]\nوأما الدية فإنها عندنا على أهل البادية مائة من الإبل، وعلى أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل الورق اثنا عشر ألف درهم، وترد الإبل في الجراح إلى هذه القسم على كل قوم، وقد روي عن النبي -ﷺ- أنه دفع بالمدينة دية اثني عشر ألف درهم، رواه عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس -﵁-: أن رجلًا من الأنصار قتل فَوَدّاه رسول اللَّه -ﷺ- اثني عشر ألفًا، فنزلت: ﴿وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾.\n_________\n(^١) ورد هذا البيت في عدد من المعاجم اللغوية وكتب النحو غير منسوب، انظر مجاز القرآن (١/ ١٣٧)، واللسان (١/ ١٣٠)، وهو في ديوان جران العود (ص ٥٢) وصدره: بسابسًا ليس بها أنيس.","vol":"1","page":406},{"text":"وأما الروايات عن عمر فمختلفة، جعلها في وقت ثمانية آلاف (^١)، وفي وقت عشرة آلاف (^٢)، وفي وقت اثني عشر ألفًا (^٣)، وجعل دية الكتابي في الوقت الذي جعلها ثمانية آلاف أربعة آلاف، وأحسبه كان يفعل ذلك في الأوقات، يُقَوِّم الإبل لاختلاف الصرف.\nفجعل الشافعي دية الكتابي أربعة آلاف (^٤)، ولم ينقلها بنقل عمر ﵀ دية المسلم بالصرف، وإنما جعلها عمر -﵁- نصف دية المسلم، ونحن نتكلم هذا في موضعه إن شاء اللَّه ﷿ عند ذكر الديات والقصاص في الجراح، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت.\nوقال أهل العراق: الدية عشرة آلاف.\nوأصح الروايات عن عمر -﵁-: اثنا عشر ألفًا، وعن عائشة مع ما قدمنا ذكره عن النبي -ﷺ-.\nوولد العبد الصغير إذا عقل الإسلامَ يجري مجرى أبيه، واللَّه أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) في الأصل: ألف.\n(^٢) في الأصل: ألف.\n(^٣) رواه مالك في الموطأ بلاغًا برقم ٢٤٥٩، ذكر العقول، العمل في الدية، رواية يحيى.\n(^٤) الأم (٧/ ٢٥٩).","vol":"1","page":407},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-286>٩٢ - قال اللَّه ﵎: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-287>[دية المؤمن مع أهل الكفر، والمعاهَد، والذمي]</span>\nقوله: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾، إذ ليس هناك مستحق الدية، إذ كان أولياؤه كفارًا.\nومعنى: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ [فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ] (^١) وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾؛ لأنه مؤمن بين قوم لهم ميثاق، فالكفارة من أجل أنه مؤمن، والدية كانت تدفع من أجل الميثاق، والميراث للمسلمين.\nوهذا الأخير منسوخ لأن المهادنات والمواثيق كانت بين رسول اللَّه -ﷺ- وبين طوائف من المشركين، فنسخ ذلك كله بسورة براءة، وهي آخر سورة نزلت، فقال ﵎: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١) فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ (٢) وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة: ١ - ٣] وقال ﵎: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ\n_________\n(^١) ساقطة من الأصل، وفيه: فتحرير، على الخطأ.","vol":"1","page":408},{"text":"وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] ويقال في هذه الأشهر: هي الأربعة الأشهر التي أجلوا في قوله: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾، وقال سبحانه: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦]، وقال ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ٧٣]، فنسخ ذلك كل ما (^١) كان قبله.\nوأنزل في براءة أيضًا أمر أهل الذمة في قوله ﷿: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩]، فاستقر الأمر في مشركي العرب بعد الأربعة الأشهر التي ضُربت لهم على الدخول في الإسلام أو القتال، وفي أهل الكتاب ومن جرى مجراهم من المجوس وعبدة الأوثان على الدخول في الإسلام أو إعطاء الجزية أو القتال، فكان هذا ناسخًا لما مضى قبله، فلا دية الآن لمسلم منهم يقتل في الحرب إذا كان في جملتهم، إذ لا ميثاق، ألا تراه قال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ [النساء: ٩٠].\nوقال ﷿: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا﴾ [مريم: ٦٢]، والسلام ليس من اللغو، قال الأعشى:\nإذا اتَّصَلَتْ قالت أبكرَ بن وائلٍ ... وبكرٌ سَبَتْها والأنوف رواغمُ (^٢)\nوقال زيد الخيل:\nإذا اتَّصَلَت تنادي يا لقيسٍ ... وخَصَّت بالدعاء بني كلابِ (^٣)\n_________\n(^١) في الأصل: كلما.\n(^٢) ديوان الأعشى (ص ٨١).\n(^٣) انظر ديوان زيد (ص ٧٤)، ولفظه:\nولو كانت تكلَّم أرض قيس ... لأضحت تشتكي لبني كلاب","vol":"1","page":409},{"text":"وقد قيل في بعض الحديث: ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾: إن من توصل إليهم فله مثل عهدهم.\nوأحسب أن هذه الآيات نزلت -فيما يقال- في قوم من أشجع (^١).\nوقد قيل: في قوم من بني مدلج كان بينهم وبين النبي -ﷺ- عهد فقال تبارك اسمه: ﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾ [النساء: ٩١]، وقال ﵎: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾ [النساء: ٩٢] الآيات، فهذا كلُّه يدل على ما ذكرنا، وكان الناسخ لأمر المواثيق ما وصفنا، واللَّه أعلم.\nوليس يجب أن تقاس دية المعاهد على دية من كان بينه وبين رسول اللَّه -ﷺ- ميثاق، لأنهم لم يكونوا ذمة للنبي -ﷺ- ولا أوطأهم يومئذ عليه، ولما قيل: ﴿بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ دلّ على التّساوي بينهم في الديات وغيرها من الأمور التي تحدث، إلا أن يشترطوا في ذلك شرطًا فيه خُصوصٌ لبعضهم، وما لم يشترط الخصوص فهو على التساوي، وليس يشبه هؤلاء أهلَ الذمة، لأن أهل الذمة إنما قهرهم المسلمون حتى أعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون، فدياتهم تجري على ما أعطاه المسلمون.\nفمن ذلك أنهم جعلوا دية المجوس أقل من دية اليهود والنصارى، فروى عبد اللَّه بن عمرو، عن النبي -ﷺ- أنه قال: \"عَقْل الكافر نصف عقل المؤمن\" (^٢).\n_________\n(^١) ابن جرير عن السدي، قال: ثم ذكر نعيم بن مسعود الأشجعي، وكان يُأمن في المسلمين والمشركين، ينقل الحديث بين النبي -ﷺ- فقال: ﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ﴾ يقول: إلى الشرك.\n(^٢) رواه أبو داود (٤٥٨٣)، أول كتاب الديات، باب في دية الذمي (ت الأرناؤوط) =","vol":"1","page":410},{"text":"وروى سعيد بن المسيب أن عمر -﵁- قال: دية اليهودي والنصراني أربعة آلاف، ودية المجوسي ثمانمائة (^١).\nوقال مكحول: وجعلها نصف دية المسلم، وإنما قال ذلك لأنه كان يُقَوِّم الإبل عند الحوادث، وقصده كان لنصف دية المسلم.\nوقال السبعة (^٢): دية أهل الكتاب على النصف من دية المسلمين، وهي عندنا: ستة آلاف، وفي الوقت الذي جعلها عمر -﵁- أربعة آلاف كان قد جعل دية المسلم ثمانية آلاف، أو ثمان مائة دينار.\nثم إن عمر -﵁- خطب فذكر غلاء الإبل ورُخْصَها، فجعل على أهل الورق اثنا عشر ألفًا، وعلى أهل الذهب ألف دينار، وجعل دية أهل الكتاب على النصف (^٣).\nولما قيل: دية الكافر على النصف، عُلم أنه الكافر الذي تجري عليه أحكامنا، وأما الكافر الذي لا تجري عليه أحكامنا وإنما بيننا وبينهم ميثاق، فديته على قدر ما يجري بيننا وبينه من الشرط ولا كفارة، لأن الميثاق لا يقع بيننا وبينه إلا على المراضاة منا ومنه، والذمي إنما أعطيناه ما أعطيناه على قدر\n_________\n= والترمذي برقم ١٤١٣، أبواب: الديات، باب ما جاء في دية الكفار، والنسائي برقم ٤٨٠٧، كتاب: القسامة، كم دية الكافر، وابن ماجه برقم ٢٦٤٤، أبواب: الديات، باب: دية الكافر.\n(^١) رواه ابن جرير (٤/ ٢١٦).\n(^٢) هم فقهاء المدينة السبعة: سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، والقاسم بن محمد، وخارجة بن زيد، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وسليمان بن يسار، وعبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن مسعود.\n(^٣) رواه أبو داود (ت الأرناؤوط) برقم ٤٥٤٢، أول كتاب الديات، باب: الدية كم هي؟","vol":"1","page":411},{"text":"ما رأينا في أمره، إذ كان حكمُنا عليه جائزًا (^١)، وإنما حُقِن دمُه بالجزية التي جعلناها عليه.\nوكل واحد من اليهود والنصارى والمجوس إذا قُتل أعطيناهم ديته التي جعلناها له، فهي دية مسلمة إلى أهله، لأن كل دية الإنسان قلت أو كثرت إذا أُدِّيت إلى مستحقها فهي دية مسلمة إلى أهله.\nكما أن المرأة المُسلمة إذا قُتلَت خطأً فديتها نصف دية الرجل، وعلى قاتلها تحرير رقبة مؤمنة، وهي دية مسلَّمة إلى أهل المقتول ذكرًا كان أو أنثى، لأن لفظ: ﴿فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ﴾ نكرة، وإنما يجب فيها أن تؤدى دية المقتول ما كانت من شيء.\nفأما تحرير رقبة في قتل المعاهد خطًا فإنما يرى ذلك مالك -﵁- احتياطًا، لأن نسق الآية قد يمكن أن يكون معطوفًا على أن يكون المقتول في الحالات كلها وهو مؤمن كما قال المتقدِّمون، ويمكن أن يكون كافرًا بيننا وبينه ميثاق، فالاحتياط أصوب، واللَّه أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) في الأصل: جائز.","vol":"1","page":412},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-288>٩٢ - قال اللَّه ﵎: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ﴾</span>\nأخبرنا أبو بكر محمد بن علي بن أحمد الأُتفوي، أخبرنا أبو الفضل بكر بن محمد بن العلاء القشيري القاضي قراءة عليه بمصر في منزله عام أحد وأربعين وثلاثمائة وأنا أسمع، قيل له: قلتَ رحمك اللَّه:\nالشهران جُعلا بدلًا من الرقبة المؤمنة، ولم يجعل اللَّه ﵎ هاهنا إطعامًا.\nوأما قوله ﷿: ﴿تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ﴾، فمعناه رحمة من اللَّه، والتوبة عند العرب: الرجوع، فرجع اللَّه بهم من الرقبة إلى الصيام رحمة منه، وباللَّه التوفيق.\n* * *","vol":"1","page":413},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-289>٩٣ - قال اللَّه ﷿: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا﴾ إلى آخر الآية</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-290>[هل للقاتل توبة</span>؟]\nقال زيد بن ثابت، وابن عباس، ومن تابعهما من التابعين: إن قاتل المؤمن لا توبة له، وشدَّدوا في ذلك (^١).\nوقال علي بن أبي طالب، ومن تابعه: له توبة.\nقال القاضي: والذي توجبه الآيات: التوبة، لأن اللَّه ﵎ قال في هذه الآية: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ﴾، فلما ذكر أن جزاءه الذي وصف، عرف أن هذه عُقوبة فِعله إن جازاه، وقد يجوز ألا يجازيه.\nوقال في سورة الفرقان: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩) إِلَّا مَنْ تَابَ﴾ [الفرقان: ٦٨ - ٧٠]، فاستثنى في الجميع التوبة، وقال ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] فأوجب على نفسه تفضلًا على من شاء، فينبغي لمن فعل هذه (^٢)\n_________\n(^١) انظر تفسير ابن جرير (٤/ ٢٢٠ - ٢٢٣)، وتفسير ابن أبي حاتم (٣/ ١٠٣٦ - ١٠٣٧).\n(^٢) في الأصل: هذا.","vol":"1","page":414},{"text":"الأشياء -عصمنا اللَّه عنها بمنه وعن جميع المآثم- أن يخاف ألا يكون فيمن يدخل في المشيئة، ويرجوَ عفوه ولا يقنط، فإن اللَّه ﷿ قال: ﴿لَا (^١) تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: ٥٣].\nكان ابن شهاب إذا سُئل: هل للقاتل توبة؟ يتعرَّف من السائل هل قتل أم لا؟ ويطاوله، فإن قال لا، قال: لا توبة له، وإن قال: نعم قد قتَل، قال: له توبة. وإن هذا لحسن، ومع ذلك، فهذه الآيات من أحكام الآخرة، مردودة إلى الباري سبحانه، وله أن يفعل ما شاء، ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾ [الأنبياء: ٢٣]، وله الفضل على كل الأحوال.\n* * *\n_________\n(^١) في الأصل: ولا.","vol":"1","page":415},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-291>٩٥ - قال اللَّه سبحانه: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾ الآية</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-292>[العذر في الجهاد]</span>\nهذه الآية نزلت في ابن أم مكتوم، وكان ضريرًا، فلما نزلت: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ﴾ قال ابن أم مكتوم وزيد بن ثابت يكتب: يا رسول اللَّه، كيف بي وأنا ضرير؟ فأنزل اللَّه: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ فألحقت بين المؤمنين والمجاهدين، فكانت عذرًا لمن عجز عن الجهاد، روى ذلك جماعة عن زيد بن ثابت (^١).\n* * *\n_________\n(^١) متفق عليه، رواه البخاري برقم ٤٥٩٤، كتاب: تفسير القرآن، باب: قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ. . .﴾، ومسلم (٦/ ٤٣)، كتاب: الإمارة، باب: سقوط فرض الجهاد عن المعذورين.","vol":"1","page":416},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-293>١٠١ - ١٠٢ - قال اللَّه ﵎: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا (١٠١) وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾</span>\nقيل لعمر بن الخطاب -﵁-: نرى قصر الصلاة في الخوف، ولا نرى قصر الصلاة في السفر، فقال عمر -﵁-: عجبتُ مما عجبتَ منه، فسألت رسول اللَّه -ﷺ- عن ذلك فقال: \"صدقة تصدّق اللَّه بها عليكم، فاقبلوا صدقته\" (^١).\nوقيل مثل ذلك لابن عمر فقال: يا ابن أخي بُعِث محمد -ﷺ- إلينا ولا نعلم شيئًا، فإنما نفعل كما رأيناه يفعل (^٢).\nوقال ابن عباس -﵁-: فرض اللَّه ﵎ صلاة الحضر أربعًا، وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعة (^٣).\nوقالت عائشة -﵂-: فُرضت الصلاة في الحضر والسفر ركعتين، فزيد في صلاة الحضر، وأُقِرّت صلاةُ السفر (^٤).\n_________\n(^١) تقدم تخريجه (١/ ١٢٠).\n(^٢) تقدم تخريجه (١/ ١١٩).\n(^٣) تقدم تخريجه (١/ ١٢٠).\n(^٤) تقدم تخريجه (١/ ١٢٠).","vol":"1","page":417},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-294>[صفة صلاة الخوف]</span>\nواختلفت الروايات في صلاة الخوف، فروى صالح بن خَوّات (^١)، عن سهل بن أبي حَثْمَة: أن صلاة الخوف -وقد صلى مع رسول -ﷺ- أن يصلي الإمام بطائفة ركعة، وتقوم الطائفة الأخرى وِجاه العدوِّ، فإذا قام في الثانية قضَوا لأنفسهم، ومضَوا فكانوا وِجاه العدو، وجاءت الطائفة التي كانت بإزاء العدو، فصلى بها الركعة الباقية عليه، ثم سلّم وأتمّوا لأنفسهم (^٢).\nرواه يزيد بن رومان عن صالح عن من صلى مع رسول اللَّه -ﷺ-، وهو سهل بن أبي حثمة الأنصاري، وزاد فيه: وأقام حتى يقضون ثم يسلم بهم (^٣).\nوقال مالك -﵁- بالحديثين جميعًا، قال بالأول ثم رجع إلى الثاني، وجميعًا صحيحان في معناها.\nورُوي عن حذيفة في صلاة الخوف أنها ركعتان (^٤) للإمام، وركعة ركعة لمن خلفه، ولا يقضون (^٥). وعن زيد بن ثابت مثل ذلك (^٦).\nورُوي عن جابر بن عبد اللَّه ضد ذلك، وأن الإمام يصلي ركعتين بكل طائفة، فيصير للإمام أربعًا، ولكل واحدة من الطائفتين ركعتين (^٧).\n_________\n(^١) قال ابن حجر في تقريب التهذيب (ص ٢٤١): \"بفتح المعجمة وتشديد الواو وآخره مثناة\".\n(^٢) متفق عليه، رواه البخاري برقم ٤١٣١، كتاب: المغازي، باب: غزوة ذات الرقاع، ومسلم برقم ٨٤١، كتاب: الصلاة، باب: صلاة الخوف (ط عبد الباقي).\n(^٣) متفق عليه، رواه البخاري برقم ٤١٢٩، الموضع السابق، ومسلم برقم ٨٤٢، الموضع السابق، (ط عبد الباقي).\n(^٤) في الأصل: ركعتين.\n(^٥) رواه أبو داود برقم ١٢٤٦، أبواب صلاة السفر، باب: من قال يصلي بكل طائفة ركعة ولا يقضون، والنسائي برقم ١٥٢٩، كتاب: صلاة الخوف.\n(^٦) رواه النسائي برقم ١٥٣١، في الموضع السابق.\n(^٧) رواه مسلم من طريق يحيى بن أبي كثير وعلقها البخاري.","vol":"1","page":418},{"text":"وروي مثل ذلك عن أبي بكرة (^١).\nوروي عن أبي موسى اضطراب في ذلك.\nوروي عن ابن مسعود وابن عمر مثل صالح بن خوّات، وخالفاه في قضاء الطائفتين، فجعلوا الأولى تجيء وتقضي، وتذهب الطائفة الذين صلوا الركعة الثانية مع الإمام فتقوم بإزاء العدو، فإذا قضت الأولى جاءت الثانية فقضت، إلا أنهم وافقوه على ركعتين للإمام، وركعتين للمأمومين.\nقال القاضي: فهذه الأحاديث جملةُ ما رُوي من الاختلاف في صلاة الخوف.\nوأما صلاة السفر فقول عمر -﵁-: صدقة تصدق اللَّه بها عليكم، يريد: لم يلزمكم الزيادة التي فرضها في الحضر، وكل رحمة ورفق يفعله اللَّه ﵎ بنا فهو صدقة منه علينا، ألا ترى إلى قوله: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٣]، ليس هذا عفو عن ذنب، إنما هو دعاء ابتدأه اللَّه ﷿ لنبيه -ﷺ- تشريفًا له ﵇.\nوقال النبي -ﷺ-: \"عفي لكم عن صدقة الخيل، والرقيق\" (^٢)، وما كان قبل ذلك أوجب، وإنما قال: لم تلزموه، تفضلًا من اللَّه عليكم، كذلك تصدق اللَّه ﷿ علينا بأن لم يوجب علينا الزيادة التي أوجبها في الحضر، وقول ابن عمر: بعث رسول اللَّه -ﷺ- ولا نعلم شيئًا، فإنما نفعل ما كان يفعل، يحتمل أن يكون يريد صلاتنا في السفر ركعتين، وفي الحضر أربعًا، وفي الخوف على ما وصف.\n_________\n(^١) رواه النسائي برقم ٨٣٦، كتاب: الإمامة، اختلاف نية الإمام والمأموم، وأبو داود برقم ١٢٤٨، أبواب صلاة السفر، باب: من قال يصلي بكل طائفة ركعتين.\n(^٢) رواه الترمذي برقم ٦٢٠، كتاب: الزكاة، باب: ما جاء في زكاة الذهب والورق، وابن ماجه (ت الأوناؤوط)، برقم ١٧٩٠، أبواب الزكاة، باب: زكاة الورِق والذهب.","vol":"1","page":419},{"text":"وما قاله عمر وابن عمر لا يخالف ما روته عائشة -﵂-، وما قال ابن عباس في صلاة الحضر والسفر، لأن اللَّه ﷿ قال: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨]، فيكون بهذا القول صلاة السفر وصلاة الحضر جميعًا بقول اللَّه: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]، وبقوله: ﴿وَأَقِمِ (^١) الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾ [هود: ١١٤]، وسائر الآيات المذكورة فيها الصلاة، ثم يكون جبريل ﵇ لما أقام لرسول اللَّه -ﷺ- الأوقات، وصلى به الصلوات في يومين، أقام له في الحضر ما عرفه أنه موافق للسفر، ثم أتاه في وقت آخر بالزيادة في صلاة الحضر، وتكون صلاة الخوف بهذه الآية وتعليم رسول اللَّه -ﷺ-، فيكون قول عمر وابن عمر وعائشة وابن عباس في السفر متفق كلّه غير مختلف.\nوأما صلاة الخوف فالاضطراب في الروايات (^٢) في صفتها ظاهر، وأصح ما في الباب ما رواه يحيى بن سعيد، عن القاسم بن محمد، عن صالح بن خَوّات، عن سهل بن أبي خَثْمَة، وموافقة يزيد بن رومان، وموافقة ابن مسعود وابن عمر في العدد.\nفأما من قال: أربعًا للإمام وركعتين لكل طائفة، فليس له وجه، لأن القرآن يدفعه والحجة، لأنه لو كان يجوز أن يصلي بقوم فريضة وبآخرين تطوعًا، لكان ظالمًا للآخرين، وقد كان يجوز أن يستخلف على إحدى الطائفتين من يصلي بهم فرضه، فتكون نيته ونياتهم غير مختلفة.\nفإن قال قائل: ذلك لفضل النبي -ﷺ- وفضل صلاته ودعائه.\nفيقال لهم: تقول: إن صلاة الخوف لا تجوز بعده لأحد، وإن الإمام في الجيش يستخلف على إحدى الطائفتين، وتكون صلاة الخوف منسوخة، ولم\n_________\n(^١) في الأصل: أقم.\n(^٢) في الأصل: الروات.","vol":"1","page":420},{"text":"يقل ذلك أحد من المخالفين علمتُه، والذي عمل عليه الفقهاء والتبع بالعمل، مخالف للرواية أن النبي -ﷺ- صلى أربعًا وكل طائفة ركعتين.\nفأما الاختلاف الآن المروي في الركعتين، فإنه صلى بكل طائفة ركعة، ثم ما وقع من الترتيب فيشبه أن تكون الأفعال مختلفة لاختلاف الأحوال، واختلاف مواقع العدو من القبلة ومن غير القبلة، فحكي كل فعل منهما على قدر الحال التي كانت عليه، والأمر في ذلك كله جائز، لأنه يرجع إلى أن الإمام ومن معه صلى كل فريق منهم ركعتين، ووقع الاختلاف في الترتيب.\nفأما ما روي من ركعتين للإمام، وركعة ركعة لمن خلفه، فقد يجوز أن يكون الراوي أراد الركعة التي مع الإمام، وغفل عن ذكر ما قضي على الانفراد لمن خلفه.\nومن [قال] (^١) أربع ركعات للإمام، وركعتين ركعتين لمن معه، فليس عليه العمل، ولا يشبه ما أمر به الإمام من قسمة الصلاة بينهم، وقد يحتمل أيضًا أن يكون ذلك في حضر، فذَكَر ما صلوا مع الإمام، وأغفلوا ذكر ما قُضي، واللَّه أعلم.\nقال اللَّه تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾، فعُلم أنها صلاة بعينها مفترضة، ثم قال: ﴿فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾، فعُلم أنه في تلك الصلاة، ﴿وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾ فعلم أنها تلك الصلاة بعينها التي أقيمت، وأن صلاة رسول اللَّه -ﷺ- في نفسه لم تنقض حتى جاء الآخرون فصلوا معه، لأن صلاة الخوف إنما قسمت للعدل بين الطائفتين، ولو كان الإمام يصلي بهؤلاء فرضه، وبهؤلاء تطوعًا لما كانت الصلاة مقسومة بينهم، ولو كان هذا مما يجوز لما سميت صلاة\n_________\n(^١) ساقطة من الأصل.","vol":"1","page":421},{"text":"الخوف، لأنها إنما هي جماعة بعد جماعة، وما كان بالناس بعده -ﷺ- إلى صلاة الخوف.\nوأما ركعة ركعة، فأحسب أنهم أرادوا ركعة ركعة مع الإمام، وأغفلوا ذكر القضاء في الرواية لعلم المخاطبين، إذ الآية نزلت في قصر الترتيب لا قصر العدد، واللَّه أعلم.\n* * *","vol":"1","page":422},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-295>١٠٢ - قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ﴾</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-296>[سبب النزول]</span>\nهذه الآية نزلت في عبد الرحمن بن عوف كان جريحًا، فأذن له في وضع السلاح رِفقًا به (^١)، وإن كان العدو مواجهًا، إذ كان هناك من ينوب عنه ممن فيه كفاية.\n* * *\n_________\n(^١) رواه البخاري في صحيحه برقم ٤٥٩٩، كتاب: تفسير القرآن، باب: قوله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى. . .﴾.","vol":"1","page":423},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-297>١٠٣ - قال اللَّه ﵎: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾</span>\nهذه الآية والتي في آل عمران (^١) -واللَّه أعلم- أريد بها المريض، والصلاة على حسب الطاقة قيامًا، وقعودًا لمن لا يطيق القيام، مضطجعًا لمن لا يطيق القعود، ويحتمل أن يكون ذلك معنى التي في آل عمران، وتكون هذه للدعاء والذكر للَّه في سائر الأحوال، لأن في هذه: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ﴾، فيكون التأويل التأخير أولى بها.\nويجوز في اللغة ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ﴾: إذا أردتم القضاء، كما قيل: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ﴾ [الطلاق: ١]، واللَّه أعلم بما أراد من ذلك.\nفأما قوله: ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾، يعني -واللَّه أعلم-: إذا اطمأننتم في أمصاركم، ورجعتم من أسفاركم، فأقيموا الصلاة على تمامها، صلاةَ الحاضر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-298>[أوقات الصلاة]</span>\nوأما قوله ﷿: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾، فمعناه: حقًا واجبًا، أو مكتوبًا، أو موجوبًا، أو مفروضًا، كذلك قال عثمان بن\n_________\n(^١) برقم: ١٩١، وهي قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾.","vol":"1","page":424},{"text":"عفان عن النبي -ﷺ-، وقاله المفسرون، لا نعلم خلافًا، إلا قول الشافعي: موقوتًا: مؤقتًا بأوقات (^١).\nوهذا تفسير من لا يعرف اللغة، ويَقْصُر عن معرفة كلام العرب، لأن التصريف في أوقات: مؤقتًا، لا يجوز عندهم: موقوتًا، قال ذلك أبو عمرو بن العلاء، والخليل بن أحمد، وعيسى بن عمر (^٢) في آخرين.\nولم تؤخذ أوقات الصلوات بهذه الآية، وإنما أخذت بقوله: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ [هود: ١١٤]، وبقوله: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [الروم: ١٧]، ﴿وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ [الروم: ١٨]، فهذه أوقات الصلاة من القرآن، واللَّه أعلم.\nوبقوله: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ [الإسراء: ٧٨]، وبصلاة النبي -ﷺ- في الوقتين، وقوله: \"بين هذين وقت\" (^٣)، أخذه المسلمون عملًا وتلقاه الخلف عن السلف.\nقال القاضي: فهذه أوقات الصلاة من القرآن، واللَّه أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) الأم (١/ ٨٩) (ط المعرفة).\n(^٢) عيسى بن عمر الثقافي البصري أبو عمر، الإمام النحوي، أخذ عنه الخليل، والأصمعي ت ١٤٩ هـ. انظر: معجم الأدباء (٥/ ٢١٤١ وما بعدها)، وسير أعلام النبلاء (٧/ ٢٠٥).\n(^٣) رواه مالك في الموطأ برواية يحيى برقم ٣، كتاب: الصلاة، وقوت الصلاة، والنسائي برقم ٥٢٦، كتاب: المواقيت، أول وقت العشاء.","vol":"1","page":425},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-299>١١٩ - قال اللَّه ﷿: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ﴾</span>\nكانوا يشقون آذان الإبل، ويقولون: هذه بُحُرٌ، ويشُقّون جلودَها ويقولون: هذه صُرُم، فيحرِّمونها على أنفسهم وعلى أهليهم، ويجعلونها لطواغيتهم، فحرّم اللَّه ذلك عليهم، ونُهوا عنه، رواه عبد اللَّه بن مسعود عن النبي -ﷺ- وقال فيه: \"وإذا آتاك اللَّه مالًا فليُر أثر نعمة اللَّه عليك\" (^١).\n* * *\n_________\n(^١) رواه أبو داود عن أبي الأحوص، وليس عن ابن مسعود برقم ٤٠٦٣، أول كتاب اللباس، باب: في غسل الثوب وفي الخلقان، وسيأتي تصحيح المؤلف لذلك بعد قليل.","vol":"1","page":426},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-300>١١٩ - قال اللَّه ﷿: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾</span>\nقال ابن عباس، وأنس بن مالك، وابن المسيب، وعكرمة: الخصاء (^١).\nوقال سعيد بن جبير: هو دين اللَّه (^٢).\nوقال زيد بن أسلم: دين اللَّه، ثم قرأ: ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠].\nوتابع على التفسير الأول جماعة (^٣)، وعلى الثاني جماعة (^٤).\nفالخصاء تغيير للخلق، غير أنهم لم يكونوا يفعلون ذلك لتحريم ولا تحليل، وإنما يفعله الناس بالأنعام لتطيب لحومها، أو لغير ذلك مما يقصدون به صلاحهم، وإنما كان تغيير الخلق الذي يأمرهم به الشيطان فيما أرى واللَّه أعلم، نحو ما كانوا يمنعون من البحائر وما أشبهها، فيُبَتِّكُون الآذان، ويَشُقُّون الجلود، ويحرّمون ما يفعلون به ذلك على أنفسهم، ويتقرّبون به إلى آلهتهم، قال اللَّه ﵎: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ [المائدة: ١٠٣].\n_________\n(^١) انظر الروايات عمن ذكرهم المؤلف وغيرهم عند ابن جرير في تفسيره (٤/ ٢٨١ - ٢٨٢)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٤/ ١٠٦٩).\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر (٢/ ٦٩٠) لسعيد بن منصور، وابن المنذر.\n(^٣) انظر المصادر السابقة.\n(^٤) انظر تفسير ابن جرير (٤/ ٢٨٣ - ٢٨٤).","vol":"1","page":427},{"text":"وقال أبو الأحوص عن أبيه (^١) أن رسول اللَّه -ﷺ- قال له: \"هل تُنتج إبل قومك صحاحًا آذانُها، فتعمد إلى الموسَى فتشق آذانها، وتقول: هذه بُحُر، وتَشُق جلودها، أو قال: تقطع جلودها وتقول: هذه صُرُم، فتُحَرِّمها عليك وعلى أهلك؟ \" (^٢).\nوأما قول من قال: دين اللَّه، فلعله أراد تغيير خلق اللَّه فيخالف دين اللَّه، واللَّه أعلم بما أراد من ذلك.\n* * *\n_________\n(^١) في الأصل: وقال عبد اللَّه بن مسعود، وصححها الناسخ في الهامش بما أثبته.\n(^٢) رواه الإمام أحمد (١٥٨٩١).","vol":"1","page":428},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-301>١٢٣ - قال اللَّه عز وعلا: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾</span>\nلما نزلت هذه الآية امْتَعَضَ المسلمون منها، فقال أبو بكر -﵁-: يا رسول اللَّه كيف الصلاح بعد هذه الآية: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾؟ [النساء: ١٢٣] فقال رسول اللَّه -ﷺ-: \"يغفر اللَّه لك يا أبا بكر، ألست تمرض؟ ألست تَنْصَب؟ أليست تصيبك اللّاواء (^١)؟ \" قال: بلى، قال: \"فذلك مما تجزون به\" (^٢).\nوقالت عائشة -﵂-: هو ما يصيبكم في الدنيا جزاءً بما كسبت أيديكم، ويعفو عن كثير (^٣).\nوقال ذلك جماعة من المفسرين (^٤).\nوقال بعضهم: هي في الكفار، ثم حض اللَّه المؤمنين فقال: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ [النساء: ١٢٤].\nوقال الحسن: هي في الكفار، وتلا: ﴿وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾ [سبأ: ١٧] (^٥).\nوقال مسروق: تفاخر أهل الكتاب والمسلمون، فأنزل اللَّه: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا\n_________\n(^١) اللَّأْواء: قال في النهاية (٤/ ٢٢١): \"الشدة وضيق المعيشة\".\n(^٢) رواه الإمام أحمد في مسنده برقم ٦٩ و٧١.\n(^٣) رواه ابن جرير في تفسيره (٤/ ٢٩١)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٤/ ١٠٧٢).\n(^٤) راجع المصادر السابقة.\n(^٥) رواه ابن جرير في تفسيره (٤/ ٢٩١ - ٢٩٢).","vol":"1","page":429},{"text":"نَصِيرًا (١٢٣) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ [النساء: ١٢٣]، فَفَلَجَ (^١) المسلمون عليهم بقوله: ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ (^٢).\nوقال الحسن: إنما المجازاة لمن أراد اللَّه هوانه، فأما من أراد كرامته فإنه يتجاوز عن سيئاته في أصحاب الجنة ﴿وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾ [الأحقاف: ١٦] (^٣).\nوكل ذلك يقرب بعضه من بعض، فأما الكفار فالكفر أسوأ السوء، ومجازاته واقعة، وأما المسلمون فذنوبهم سوء، واللَّه ﵎ يكفِّرها بأعمالهم، برحمته وفضله، ويكفرها بما يبتليهم به في الدنيا، واللَّه أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) فَلَجَ: ظفِر وانتصر، من الفَلْج، انظر اللسان (١١/ ٢١٥).\n(^٢) رواه ابن أبي حاتم في تفسيره (٤/ ١٠٧٢ - ١٠٧٣).\n(^٣) رواه ابن جرير في تفسيره (٤/ ٢٩٢).","vol":"1","page":430},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-302>١٢٧ - قال اللَّه ﵎: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ﴾</span>\nقد فسرنا هذه الآية مع قوله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ [النساء: ٣].\n* * *","vol":"1","page":431},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-303>١٢٨ - قال اللَّه ﵎: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-304>[مصالحة المرأة زوجَها ببعض حقها]</span>\nهذه الآية نزلت في المرأة تكبر وتهرَم، ويريد زوجها أن يستبدل بها، فتقولُ له: لا تطلقني -رغبةً فيه- وأنت في حِلٍّ من شأني، وما يجب لي عليك (^١).\nوقد فعل ذلك رسول اللَّه -ﷺ-، أراد أن يطلق سودة بنت زمعة، فقالت: يا رسول اللَّه دعني في أزواجك واقسم بيومي لعائشة، ففعل ذلك وكان يقسم بيومها لعائشة.\nوغضب رسول اللَّه -ﷺ- يومًا على صفية، فقالت لعائشة: هل لك أن تُرضي رسول اللَّه عني وأهب لك يومي هذا؟ وكان يومها، فجاءت عائشة فقال لها رسول اللَّه -ﷺ-: \"إليك يا عائشة فليس هو يومك\"، قالت: ذلك فضل اللَّه يؤتيه من يشاء، فأخبرته الخبر فقبل ورضيَ عن صفية (^٢).\n_________\n(^١) متفق عليه من حديث عائشة -﵂-، رواه البخاري في مواضع منها برقم ٢٦٩٤، كتاب: الصلح، باب: قول اللَّه تعالى: ﴿يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا﴾.\n(^٢) رواه ابن ماجه برقم ١٩٧٣، أبواب النكاح، باب: المرأة تهب يومها لصاحبتها.","vol":"1","page":432},{"text":"وقال علي بن أبي طالب وسائر من انتهى إلينا تفسيره: إن المرأة إذا صالحت زوجها إذا خافت أن يطلقها، على أن تدع حقها جاز له ذلك، وإن صالحته على بعض حقها من المبيت والنفقة جاز وحل له ذلك، فإن رجعت عن ذلك وطالبته بحقها كان عليه أن ينصفها بما كان يجب لها، أو يُطلقها (^١).\n* * *\n_________\n(^١) انظر الرواية عن علي في هذا المعنى وغيره من الصحابة، كعائشة وابن عباس، والتابعين عند ابن جرير في تفسيره (٤/ ٣٠٥ - ٣٠٨).","vol":"1","page":433},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-305>١٢٨ - قال اللَّه ﵎: ﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾</span>\nأن يَشِح عليها بنفسه وماله ونفقته وليس له ذلك، فإن أراد الاستبدال فصالحته على شيء من ذلك جاز، وإلا كان الذي يلزمه العدل في القَسْم والنفقة والطلاق.\n* * *","vol":"1","page":434},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-306>١٢٩ - قال اللَّه ﵎: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-307>[العدل بين النساء]</span>\n٣١ - أنا إسماعيل قال: نا حجاج، قال: نا حماد بن سلمة، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن عبد اللَّه بن يزيد (^١)، عن عائشة: أن النبي -ﷺ- كان يقسم فيعدل، ثم كان يقول: \"اللهم إن هذا قَسْمي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك\" (^٢)، يعني: القلب والمحبة، لأنه كان يحب عائشة -﵂- أشدَّ من حبه لغيرها.\nوقال المفسرون في هذه الآية: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا﴾ يعني: في المحبة وحضور الشهوة للجماع، ﴿فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ﴾، يريد: فلا يقع منكم الإفراط بإظهار ما تبطنونه من ذلك.\nوأما قوله: ﴿فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾، أن تُترك أصلًا، فلا تعطى من المبيت والجماع حظًا، فتكون لا ذات بَعْل، ولا أيم فتطلب لنفسها الزوج، فتبقى معلقة، فهذا معنى الآية، واللَّه أعلم.\n_________\n(^١) في الأصل: زيد، وما أثبته من المصدر، وفيه: عبد اللَّه بن يزيد الخَطْمي.\n(^٢) رواه أبو داود (ط الأرناؤوط)، برقم ٢١٣٤، كتاب: النكاح، باب: في القسم بين النساء، من طريق موسى بن إسماعيل، عن حماد به.","vol":"1","page":435},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-308>١٣٥ - قال اللَّه ﵎: ﴿وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا﴾</span>\nقال ابن عباس: لَيُّ القاضي وإعراضه إلى أحد الخصمين دون الآخر (^١).\nوقال مجاهد وغيره: هي في الشهود إذا كتموا الشهادة، أو حرفوا (^٢).\nقال القاضي: وكل ذلك عندي داخل في معنى الآية، واللَّه أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) رواه ابن جرير في تفسيره (٤/ ٣٢٢)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٤/ ١٠٨٩).\n(^٢) انظر تفسير ابن جرير (٤/ ٣٢٢ - ٣٢٣).","vol":"1","page":436},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-309>١٤٨ - قال اللَّه ﷿: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾</span>\nقال مجاهد هو الرجل ينزل بالرجل فلا يحسن ضيافته، فيخرج من عنده فيقول: قد أساء ضيافتي، ولم يُحسِن، فكره له ذلك (^١)، إذ كان ذلك ليس بواجب عليه، وإنما هي مكرمة من أتاها جاز ثوابها، ومن بخل لم يجز ذكرُه بالسوء، وكان السكوت أوجب.\n* * *\n_________\n(^١) رواه ابن جرير في تفسيره (٤/ ٣٤٠)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٤/ ١١٠٠).","vol":"1","page":437},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-310>١٧٦ - قال اللَّه ﷿: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي<span data-type=\"title\" id=toc-311> الْكَلَالَةِ﴾</span></span>\n[الكلالة]\nهذه آخر آية نزلت في المواريث.\nوالكلالة: كل من لا ولد له ولا والد فهو مَوروث كلالة، والكلالة: مَن تكلَّلَه من العَصبات وسائر الوارثين غيرِ الولد والوالد، واللَّه أعلم.\n* * *","vol":"1","page":438},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-312>سورة المائدة</span>","vol":"1","page":439},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-313>١ - قال اللَّه ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-314>[الوفاء بالعقود]</span>\nكل شيء عقده الإنسان على نفسه مما ليس معصية للَّه ﷿ فعليه الوفاء به، من عهد، ويمين، وبيع، وهبة، ورهن، وعِتق، ونكاح، وطلاق، وكتابة، وتدبير، ونَذْر، وأمان، وشركة، وكل شيء ألزمه الإنسان مما فيه طاعة للَّه، ولا معصية للَّه ولا مأثم، فقد لزمه الوفاء به، وكل شيء دخل فيه من طاعة وقد عقده بدخوله، فليس له أن يخرج حتى يتمّه، فإن قطعه من غير عذر فعليه القضاء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-315>[القضاء في صوم التطوع]</span>\n٣٢ - نا محمد بن مَعْدان القطعي، قال: نا محمد بن كثير العَبْدي قال نا سفيان الثوري، عن طلحة بن يحيى، عن عائشة بنت طلحة، عن عائشة أم المؤمنين أنها أصبحت وحفصة صائمتين متطوعتين، فأهدي لهما طعام فأفطرتا، فذكرتا ذلك لرسول اللَّه -ﷺ-، فأمرهما بقضاء يوم مكانه.\nوذكر ذلك مالك -﵁- في الموطأ فقال: عن ابن شهاب: بلغني، وذكر الحديث (^١).\n_________\n(^١) الموطأ برواية يحيى برقم ٨٤٨، كتاب: الصيام، قضاء التطوع، ورواية أبي مصعب برقم ٨٢٧، كناب: الصيام، باب: قضاء التطوع من الصوم، وليس فيهما لفظ بلغني.","vol":"1","page":441},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-316>[الرجوع في الهبة]</span>\nقال القاضي ﵀: وهذه الآية عندنا أوجبت على من وهب ألا يرجع في هبته، فقد شبهه رسول اللَّه -ﷺ- بالعائد في قيئه (^١)، والقيء محرم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-317>[بيع المدبَّر والمكاتَب]</span>\nوهذه الآية منعت من بيع المُدَبَّر (^٢)، لأن مالكه عقد فيه على نفسه عقدًا فيه قربة إلى اللَّه، فليس له بيعه، وكذلك المكاتَب (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-318>[الخيار في البيع]</span>\nوهذه الآية نسخت الحديث: \"المتبايعان بالخيار\" (^٤)، إن كان الخيار على ما قال الشافعي: إنما هو لمن أراد الفسخ دون من أراد الإتمام (^٥)، وقد جعله رسول اللَّه -ﷺ- لهما، وجعله الشافعي لأحدهما وهو مريد الفسخ، وعنده أن الكتاب ينسخ السنة، وأن السنة لا تنسخ القرآن (^٦).\nعلى أن ابن جريج رواه عن نافع، عن ابن عمر، في المقايلة (^٧)، وقال فيه: ولا يحل له أن يفارق صاحبه خشية أن يستقيله (^٨).\n_________\n(^١) تقدم تخريجه (١/ ٤٤٣).\n(^٢) التدبير: عقد عِتْقٍ مقيّد بموت العاقد، التنبيهات المستنبطة (٢/ ٩٥٠).\n(^٣) المكاتبة: العتق على أداء مال منجّم، التنبيهات المستنبطة (٢/ ٩٢٤).\n(^٤) متفق عليه من حديث حكيم بن حزام -﵁-، رواه البخاري في مواضع منها برقم ٢١١٠، كتاب: البيوع، باب: البيعان بالخيار، ومسلم (٥/ ١٠)، كتاب: البيوع، باب: الصدق في البيع والبيان، ومتفق عليه من حديث ابن عمر -﵁-، رواه البخاري في مواضع منها برقم ٢١٠٧، كتاب: البيوع، باب: كم يجوز الخيار، ومسلم (٥/ ٩)، كتاب: البيوع، باب: ثبوت خيار المجلس للمتبايعين.\n(^٥) الأم (٣/ ٤) (ط المعرفة).\n(^٦) الذي في الرسالة يفهم منه أنه يشترط لنسخ القرآن للسنة ورود سنة عنه -ﷺ- تؤيد هذا النسخ و\"تبين أن سنته الأولى منسوخة بسنته الآخرة\" (ص ١٨٤).\n(^٧) في الأصل: المقابلة.\n(^٨) رواه مسلم (٥/ ١٠)، كتاب: البيوع، باب: ثبوت خيار المجلس.","vol":"1","page":442},{"text":"فهذه الآية ناسخة للحديث، موجبة لإتمام ما عُقد.\nومن قال: أريد الوفاء، موافق لكتاب اللَّه، فهو أولى وأحق، إذ لا اختلاف أن العقد قد وقع، وإنما الخيار عند مخالفنا في الفسخ، فكتاب اللَّه أولى من قوله، وقد تكلمنا في هذه المسألة بما يغني عن إعادته.\n٣٣ - ونا الحسن بن المثنى، قال: نا أبي، قال: نا معاذ بن هشام، عن أبيه، عن قتادة، عن عبد اللَّه بن الحارث، عن حكيم بن حزام، أن النبي -ﷺ- قال: \"البيعان بالخيار حتى يتفرقا، فإن صدّقا وبيَّنا بورك لهما، وإن كتما ونكثا لم يبارك لهما\" (^١).\nوهذا الحديث يوجب أن الفرقة (^٢).\n* * *\n_________\n(^١) تقدم تخريجه.\n(^٢) كذا في الأصل، ولعل كلاما سقط في آخره.","vol":"1","page":443},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-319>١ - قال اللَّه ﵎: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾</span>\nالأنعام: الإبل والبقر والغنم، أحلت لنا بالذَّكاة إلا ما يتلى علينا، والذي يتلى علينا فيما ذكينا: الدم المسفوح، فهو محرم من المذكيات منها، وأحل ما عدا ذلك من اللحم والشحم والجلد والشعر والصوف والفرث، فكان ذلك حلالًا (^١) يُنتفع به، ولذلك قال مالك -﵁-: إن بول ما يؤكل لحمه وفرثه طاهر (^٢)، إذ لم يستثنى كما استثني الدم المسفوح.\nوالدم المخالط الذي ليس بمسفوح حلالٌ، ومنه يُخلق اللبن في الضرع، قال اللَّه ﵎: ﴿مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ﴾ [النحل: ٦٦]، فخلق اللَّه ﵎ اللبن من الفرث والدم، فهذا ما استثنى اللَّه وهو الدم المسفوح، وأحل ما عدا ذلك، وقد يدخل فيما استثنى اللَّه الميتة، وما صار إلى حال لا ترجى حياته، من المُنْخَنِقَة، والنَّطيحة، وما ذكر من ذلك، ونحن إن شاء اللَّه نضع الكلام في ذلك في موضعه.\n* * *\n_________\n(^١) في الأصل: حلالٌ.\n(^٢) المدونة (١/ ٢١).","vol":"1","page":444},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-320>٢ - قال اللَّه ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾ إلى قوله: ﴿وَرِضْوَانًا﴾</span>\nكانوا ينزعون من شجر الحرم اللِّحاء فيتقلدون بها، فيأمنون بها في العرب، فنهاهم اللَّه عن ذلك.\nوقيل: كان المشركون يرعون من شجر الحرم، ويجعلون من لِحاء الشجر القلائدَ في أعناقهم، فيأمنون بها من الناس، فنهاهم اللَّه عن ذلك، وقال عز من قائل: ﴿لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ﴾، فنسخ ذلك ونهى اللَّه عنه، لأنهم كانوا إذا تقلدوا شيئًا من شجر الحرم أمِنوا.\nوكان المشرك يومئذ لا يُصَد عن البيت، وكانوا أمروا ألا يقاتلوا في الشهر الحرام، فنسخ ذلك كله بقوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥]، ونسخ ذلك ﴿بَرَاءَةٌ﴾ وما نزل فيها من أمر العهد وغيره، وقوله عز من قائل: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦].\n* * *","vol":"1","page":445},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-321>٢ - قال اللَّه تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-322>[الإطلاق من الحظر يفيد الإباحة لا الوجوب]</span>\nهذا إطلاق من حظر: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥]، ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: ٩٦]، ثم قال: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ إن شئتم، وهو لفظ الأمر، وليس هو بأمر، وإنما هو إباحة وخروج من الحظر، ومثله: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ١٠] التجارة، لأنه قال: ﴿وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩]، ثم جاء لفظ الأمر يُراد به إطلاقًا من الحظر لمن أراد التجارة، ومثله: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ [الحج: ٢٧]، و﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ﴾ [الأنعام: ١٤١]، و﴿فَكَاتِبُوهُمْ﴾ [النور: ٣٣]، فكل ذلك إباحة لمن أرادها، واللَّه أعلم.\n* * *","vol":"1","page":446},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-323>٢ - قال اللَّه ﵎: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا﴾</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-324>[سبب النزول]</span>\nكان النبي -ﷺ- وأصحابه بالحديبية حين صدهم المشركون عن البيت، فمر بهم ناس من المشركين من أهل نجد يريدون العمرة، فقالوا: نصُدّ هؤلاء عن البيت كما صُددنا، فأنزل اللَّه ﵎: ﴿لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ [وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا] (^١) وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا﴾، فتصُدّوا هؤلاء العُمّار.\n* * *\n_________\n(^١) سقط من الأصل.","vol":"1","page":447},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-325>٣ - قال اللَّه ﷿: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-326>[تحريم الميتة]</span>\n﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ وهي: ما لا حياة فيه من الأنعام والطير، وسائر ما تجوز فيه الذكاة ويحِل أكله بها، خلا ميتتين: الجراد، والسمك، فإن النبي -ﷺ-: \"قال أحلت لنا ميتتان\" (^١).\nوقال في السمك، وذَكر ماء البحر، فقال: \"هو الطهور ماؤه الحِلّ ميتته\" (^٢).\nفأما الآية فنزلت في الأنعام، ودخل كل مُذَكى إذا مات بالمعنى، فالميتة معنى جامع يُستغنى معه عن ذكر المنخنقة وغيرها، وإنما المعنى: حرمت الميتة، والمنخنقة إذا صارت بالخناق إلى حال الإياس الذي لا يرجى معه حياة، وكذلك المتردية، والنطيحة، وما أكل السبُع، فذلك كله إذا صار إلى\n_________\n(^١) رواه ابن ماجه برقم ٣٣١ أبواب الأطعمة، باب: الكبد والطحال، عن عبد اللَّه بن عمر، أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: \"أُحلت لنا ميتتان ودمان، فأما الميتتان: فالحوت والجراد، وأما الدمان: فالكبد والطِّحال\".\n(^٢) رواه أبو داود برقم ٨٣ كتاب: الطهارة، باب: الوضوء بماء البحر (ت الأرناؤوط)، والترمذي برقم ٦٩، أبواب الطهارة، باب: ما جاء في البحر أنه طهور، وقال: \"حسن صحيح\"، والنسائي برقم ٥٩، كتاب: الطهارة، باب: ماء البحر، وابن ماجه برقم ٣٨٦، أبواب الطهارة وسننها، باب: الوضوء بماء البحر، عن أبي هريرة -﵁-.","vol":"1","page":448},{"text":"حال اليأس، وإن كانت الذكاة ممكنة وهي الذبح، لا الذكاة التي أمر اللَّه بها، فلا سبيل إلى أكله، وهو كالميتة.\nوقد قال قوم: إن هذا يُذَكَّى، وإن الذي لا يؤكل من هذه ما مات، وفي ذلك إغفال شديد، كلامُ اللَّه ﵎ إيجاز، ولو كان كما قال القائل لكان ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾، يغني عن ذكر ذلك كلِّه، فلا فرق بين ما مات حتف أنفه، وبين ما مات من هذه الأشياء وغيرها، لأن الميؤوس من حياته من هذه الأشياء حكمه حكم الميتة، كالكافر يُسلم بعد المعاينة، والمذنب من المسلمين عند هذه الحال يتوب، قال اللَّه ﵎: ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (٨٣) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ﴾ [الواقعة: ٨٣ - ٨٤] وقال: ﴿حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ [النساء: ١٨].\nوأما قوله: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ فمعناه: ولكن ما ذكيتم، فكلوا مما تجوز لكم ذكاته من هذه الأشياء وغيرها.\nوهذا في القرآن كثير \"إلا\" بمعنى \"ولكن\"، قال اللَّه ﷿: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ﴾ [يونس: ٩٨] أي: ولكن قوم يونس، وقال: ﴿طه (١) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى (٢) إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾ [طه: ١ - ٣]، ولكن تذكرة لمن يخشى، ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾ [النساء: ٩٢]، وهو: وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنًا، ولكن إن قتل مؤمنًا خطئًا فتحرير رقبة.\nوأما قوله: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ [المائدة: ٣]، فهي حجارة كانت حول الكعبة يذبح عليها أهل الجاهلية.","vol":"1","page":449},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-327>٣ - قال اللَّه ﵎: ﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ﴾</span>\nهي كِعاب (^١) فارس، وقِداح العرب.\nفأما قِداح العرب فإن الرجُل منهم كان إذا أراد سَفرًا كتب في قدح \"هذا يأمرنا بالمُقام\"، و\"هذا يأمرنا بالخروج\"، وآخر لا يكتب فيه شيئًا، ثم يَسْتَقْسِم بها، فإن خرج الذي يأمر بالخروج خرج، وقال: لا يصيبني في سفري هذا إلا خيرًا، وإن خرج الذي يأمر بالمقام أقام، وإن خرج الثالث استقسم بالاثنين حتى يخرج له أحدهما، فنهوا عن ذلك (^٢).\n* * *\n_________\n(^١) الكِعاب: فصوص النرد، اللسان (١٣/ ٧٧).\n(^٢) رواه بمثل ألفاظ المصنف ابن جرير في تفسيره (٤/ ٤١٦) عن قتادة.","vol":"1","page":450},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-328>٣ - قال اللَّه ﵎: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾</span>\nقال يهودي لعمر بن الخطاب -﵁-: لو نزلت علينا هذه الآية لاتخذنا يومها عيدًا، فقال عمر -﵁-: نزلت في يوم عيدين اثنين، يوم جمعة، ويوم عرفة (^١).\nوكذلك قال ابن عباس مثل ما قال عمر: أنزلت يوم عرفة يوم جمعة في حجة الوداع، ورسول اللَّه -ﷺ- واقف (^٢)، ولم ينزل بعدها حلال ولا حرام، ولا فرض ولا ندب، فكمل الدين وأوضح السبيل، وترك -ﷺ- أمته على الواضحة من بيان الكتاب والسنة، وللَّه الحمد والمنة.\n* * *\n_________\n(^١) متفق عليه، رواه البخاري في مواضع منها برقم ٤٥، كتاب: الإيمان، باب: زيادة الإيمان ونقصانه، ومسلم (٨/ ٢٣٨)، كتاب: التفسير.\n(^٢) رواه الترمذي برقم ٣٠٤ أبواب تفسير القرآن، باب: ومن سورة المائدة، وقال: \"حسن غريب من حديث ابن عباس\".","vol":"1","page":451},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-329>٤ - قال اللَّه ﵎: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾</span>\nالجوارح: الكواسب، مُكَلِّبين: مُسلّطين معلمين، فالكلب والصَّقْر والبازِيُّ وما أشبه ذلك من الجوارح وهي: الكواسب، قال اللَّه ﵎: ﴿وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾ [الأنعام: ٦٠]، أي: كسبتم، وقال: ﴿الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ﴾ [الجاثية: ٢١].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-330>[حكم الصيد الذي أكل الكلب منه]</span>\nوأباح أكل ما أدرك ذكاته من ذلك وما قتلت الجوارح وما أكلت، إلا الكلب فإنهم اختلفوا في ذلك.\nفقال بعضهم: إذا أكل لم يؤكل.\nوقال بعضهم: يؤكل (^١).\nوروي عن عدي بن حاتم عن النبي -ﷺ- أنه قال: \"إذا أكل الكلب فلا تأكل\" (^٢).\n_________\n(^١) جواز أكل الصيد وإن أكل منه الكلب مذهب مالك، وعدم جواز ما أكل منه مذهب الشافعي وأبي حنيفة، انظر الإشراف للقاضي عبد الوهاب (٢/ ٩١٦)، والاستذكار (٥/ ٢٧٤) وما بعدها.\n(^٢) متفق عليه، رواه البخاري برقم ٢٠٥٤ كتاب: البيوع، باب: تفسير المشتبهات =","vol":"1","page":452},{"text":"وروي عن عبد اللَّه بن عمرو، عن النبي -ﷺ- أنه قال: \"إذا أكل فكل\" (^١).\nوفي كل الأخبار: إذا قتل الكلب فهي ذكاة.\nثم اختلف الصحابة والتابعون في ذلك أيضًا، فقال بعضهم: إذا أكل الكلب فلا تأكل.\nوقال بعضهم: إذا أكل فكل.\nفلما اختلفوا رجعنا إلى ما أوجبه القرآن، قال اللَّه ﵎: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٤] وما أُمسك علينا هو ما أدركنا ذكاته، وما لم ندرك ذكاته إذا قتله الجارح.\nفإن قالوا: إن الكلب إذا أكل فإنما أمسك على نفسه.\nقيل لهم: والبازِيُّ إذا أكل إنما أمسك على نفسه.\nفإن قالوا: البازي يَضْرى على الأكل (^٢)، والكلب يُضرب لكي لا يأكل.\nقيل لهم: نية الكلب لا يمكننا علمها، وإذا أرسلناه فلسنا ندري علينا يمسك أو على نفسه، بل ما يمسك إلا على نفسه، ومع ذلك فإذا كان الكلب إذا قتل فقتلته ذكاة، فما يضر من أكله، لا فرق بين أكله بعد الذكاة وبين أكله من شاة مذبوحة.\nفإن قالوا: أكل الكلب يُنْبئ أنه أمسك وقتل لنفسه.\n_________\n= ومسلم (٦/ ٥٦)، كتاب الصيد والذباح، باب الصيد بالكلاب المعلمة، عن عدي بن حاتم قال: قال: سألت رسول اللَّه -ﷺ- عن المعراض، فقال: \"إذا أصاب بحده فكُلْ، واذا أصاب برضه فقتل، فإنه وقيذ، فلا تأكل\".\n(^١) أبو داود برقم ٢٨٥٧، كتاب: الصيد، باب: في الصيد (ت الأرناؤوط).\n(^٢) يَضْرَى على الأكل: اعتاد الأكل فلا يصبر عنه، انظر اللسان (٩/ ٤١).","vol":"1","page":453},{"text":"قيل لهم: قد يجوز أن يمسك يريد غيره، فيأكل بعد تقدم إرادته لغيره، ويمكن أن يمسك يريد نفسه، ثم يَكْسَلُ فلا يأكل، فإن أكلنا ذلك الصيد كنا قد أكلنا ما لم يمسك علينا، وندع أكل ما أمسك علينا، وإذا كان ممكن في إرادة الكلب، فكيف يخلص إلى علم ذلك؟ هذا ما لا يطاق، ومع هذا فإن الكلب والطير وكل جارح فلا يمسك إلا على نفسه، ولو كان شبعانًا ما صاد، وإنما يُجوَّع ثم يُطلق على الصيد، لأنه إذا شبع لم يَطلب الصيد.\nوإذا كانوا يقولون: إن قتل الجارح للصيد ذكاة، فأي شيء الضرر في الأكل بعد القتل؟ هل هو إلا مثل كلب أتى على شاة مذبوحة فأكل منها؟ هل (^١) يمنع ذلك من أكل باقيها؟\nقال ابن (^٢) عمر، وسعد بن أبي وقاص، وسلمان، وعلي بن أبي طالب: كل وإن أكل الكلب ثلثيه.\nوقال (^٣) أبو هريرة، وخلق من التابعين.\nوقال مالك، وربيعة، وسالم: قتلُ الكلب كتذكية المسلم، وقالوا: إذا أرسله صاحبه أكل، وإذا اصطاد الكلب من غير إرسال لم يأكل، لأن العمل على إرسال مالك الكلب ومُسلطه، ونيته دون قصد الكلب واللَّه أعلم، ألا ترى أنه لو أرسله على صيد فقتل غيره لم يأكله.\n* * *\n_________\n(^١) قوله: منها هل، مكررة في الأصل.\n(^٢) في الأصل: أبو.\n(^٣) كذا في الأصل، ولعله: وقاله.","vol":"1","page":454},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-331>٥ - قال اللَّه ﷿: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-332>[ذبائح أهل الكتاب]</span>\nمن المفسرين من قال: إن اللَّه ﵎ أحل ذبائحهم، وذبائح كل من تعلق باليهودية أو النصرانية.\nومنهم من قال: لا تؤكل ذبائح بني تغلب، ونصارى العرب.\nومنهم من كره ذبائح الصابئين.\nومنهم من أباح ذلك.\nوالذي يُذهب إليه أن كل من تعلق بالتوراة والإنجيل فهو من أهل الكتاب، قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٥١]، وأما المجوس فليسوا أهل كتاب، وقد بين ذلك رسول اللَّه -ﷺ- بقوله: \"سنوا بهم -في الجزية- سنة أهل الكتاب\" (^١)، لأن عبد الرحمن بن عوف إنما شهد بذلك على رسول اللَّه -ﷺ- بسبب الجزية (^٢).\nوأما قوله ﷿: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾، فقد قالوا: ذبائحهم، ويحتمل أن يكون أراد ما يأكلون من ذبائحهم، ويحتمل أن يكون أراد\n_________\n(^١) تقدم.\n(^٢) رواه البخاري برقم ٣١٥٧، كتاب: الجزية، باب: الجزية والموادعة مع أهل الحرب.","vol":"1","page":455},{"text":"ما تأكلون من ذبائحهم، ويحتمل أن تكون الذبائح كلها، فلما احتمل الذكاة واحتمل ما يأكلون مما يُذكرن، كره مالك أكل الشحوم من غير أن يحرِّمها، فهذا مذهبه فيها توقيًا، واللَّه أعلم.\nواحتج مالك -﵁- في أن المجوس ليسوا أهل كتاب بقوله ﷿: ﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ﴾ [الأنعام: ١٥٦]، فلما قيل: ﴿عَلَى طَائِفَتَيْنِ﴾، علمنا أن الثالثة لا أصل لها.\nواحتج أيضًا مالك -﵁- في ذلك أن النبي -ﷺ- لما كتب إلى عظيم الروم كتب في الكتاب: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ [آل عمران: ٦٤] (^١)، وكتب إلى كسرى فلم يكتب بذلك، وفي بعض ذلك كفاية لمن وُفِّق.\n* * *\n_________\n(^١) نص كتاب النبي -ﷺ- لهرقل عظيم الروم رواه البخاري في مواضع من صحيحه منها رقم ٧، بدء الوحي، كيف كان بدء الوحي إلى رسول اللَّه -ﷺ-، ومسلم (٥/ ١٦٣)، كتاب: الجهاد والسير، باب: كتاب النبي -ﷺ- إلى هرقل.","vol":"1","page":456},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-333>٥ - قال اللَّه ﵎: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ﴾</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-334>[الزواج بغير المسلمات]</span>\nالمحصنات من المؤمنات في هذا الموضع الحرائر، وكذلك المحصنات من أهل الكتاب هن الحرائر، كذلك قال المفسرون إلا واحدًا (^١) قال: العفائف (^٢)، وهو خطأ، لأنه عطف على قوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ﴾، فلو كان أراد العفائف لم يجز تزويج الحرة المسلمة حتى تكون عفيفة، وهذا خطأ.\nوأما إماء أهل الكتاب فأكثر الناس يقول: هن حرام بالنكاح، إلا أبا حنيفة وبعض الكوفيين (^٣)، وذهب عنهم قول اللَّه تعالى: ﴿مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء: ٢٥]، وكأنهم ما قرأوها.\n_________\n(^١) في الأصل واحد.\n(^٢) رُوي أنهن العفائف عن أكثر من واحد، منهم: مجاهد، والشعبي، والسدي، وغيرهم، انظر: تفسير ابن جرير (٤/ ٤٤٥ - ٤٤٦).\n(^٣) قال محمد بن الحسن في الحجة (٣/ ٣٣٧): \"قال أبو حنيفة -﵁-: يكره للمسلم أن يتزوج الأمة من أهل الكثاب إذا لم تكن تحته حرة، فإن تزوجها فالنكاح جائز، وهذا عندنا مكروه\".","vol":"1","page":457},{"text":"وحرم اللَّه نساء المجوس وكل عبدة الأوثان بقوله ﷿: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١]، وقد روي عن حذيفة أنه تزوج مجوسية فأمره عمر -﵁- بمفارقتها، رواه الحسن (^١).\nوروى ابن سيرين أنه تزوج نصرانية (^٢)، وهذه الرواية أصح، وقد تزوج جماعة من أصحاب رسول اللَّه -ﷺ- نصرانيات.\nوأما قوله تبارك اسمه: ﴿وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾، فمعناه: حل لكم إطعامهم، فأما هم فلا يخاطبون بتحليل ولا تحريم، واللَّه أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) أسنده ابن حزم في المحلى (٩/ ٤٤٩).\n(^٢) قال ابن جرير (٢/ ٣٨٩): حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، قولُه: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١] قال: المشركات من ليس من أهل الكتاب، وقد تزوج حذيفة يهودية، أو نصرانية.","vol":"1","page":458},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-335>٦ - قال اللَّه ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ الآية</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-336>[موجبات الوضوء]</span>\nقال محمد بن مسلمة متأولًا: كل شيء يوجب الوضوء فهو في القرآن، وذكر قول زيد بن أسلم وتفسيره: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾، إذا قمتم من النوم (^١)، فدل ذلك على أن الوضوء على النائم من أجل الريح الذي يخرج منه وهو لا يشعر، ومن هذه العلة رُخِّص لمن نام قاعدًا ألا يتوضأ، لأنه [لو] (^٢) خرج منه شيء لعلمه لانضمام الإلْيَتَيْن.\nوقال اللَّه ﷿: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾، فأوجب هذا الوضوء من السبيلين، وقوله: ﴿الْغَائِطِ﴾ اسم للأرض المنخفضة، كناية عن حاجة الإنسان.\nوقال اللَّه ﷿: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ وهو ما دون الجماع (^٣)، ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا\n_________\n(^١) رواه مالك في الموطأ برواية يحيى برقم ٤٢، كتاب: الصلاة، وضوء النائم إذا قام إلى الصلاة.\n(^٢) ساقطة من الأصل.\n(^٣) بناء على ما قرره في الكلام على قوله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ من سورة النساء، الآية: ٤٣.","vol":"1","page":459},{"text":"فَاطَّهَّرُوا﴾ اغتسلوا، ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ في هذه الأحوال التي قدم ذكرها، ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾، فلما قال اللَّه سبحانه: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨]، وذكر لنا ما يوجب الوضوء، لم يجب في قيء ولا رُعاف، ولا في شيء يسيل من الجسد الوضوء.\nفإن قيل: المغمى عليه عندكم يتوضأ ولم يذكر.\nقيل: هذا وأضرابه داخل تحت قوله في ذكر النوم.\nفإن قالوا: فالنُّفساء؟\nقيل: تحت ذكر الحائض، لأنه حيْض طالت أيامُه، فلا وضوء ولا غسل إلا مما ذكر اللَّه في كتابه، إلا ما سنه رسول اللَّه -ﷺ- في غسل الجمعة، وغسل الإحرام، وما أشبه ذلك، وكذلك في الوضوء فيما سن رسول اللَّه -ﷺ- اتباعًا له، وذلك كله غير مفروض، وليس لأحد قصد ترك السنن، فمن عاندها بالترك اسْتُتِيبَ للعناد، ولا يجري مجرى الفرائض.\nفإن قيل: فإن ابن عمر، وابن المسيب، قد روى عنهما مالك أنهما توضآ من الرُّعاف (^١).\nقيل: ذلك غسل المَوْضِع، والعرب تسميه وضوءًا، وقد صلى عمر -﵁- وجرحه يثعب دمًا (^٢)، وصلى الأنصاري والدم يجري من السهم الذي رُمي به، وذكر ذلك لرسول اللَّه -ﷺ- فلم يُنكر ذلك، ولا أمره بوضوء (^٣).\n_________\n(^١) الموطأ برواية يحيى ٨٨ و٩٠، كتاب الصلاة، باب ما جاء في الرعاف.\n(^٢) رواه الإمام مالك ٩٣، كتاب الصلاة، العمل فيمن غلبه الدم، برواية يحيى.\n(^٣) علقه البخاري في كتاب الوضوء، باب من لم ير الوضوء إلا من المخرجين، ورواه أبو داود ١٩٨، كتاب الطهارة، باب الوضوء من الدم (ت الأرناؤوط).","vol":"1","page":460},{"text":"وأما مس الذكر فإن مالكًا -﵁- كان لا يرى الوضوء فيه إلا على من مسه متعمدًا، وذلك أنه أجراه مجرى ملامسة النساء، ولو أجراه مجرى غيره من الحدث الذي يخرج من الإنسان، لأوجب فيه الوضوء على المتعمد وغير المتعمد، كما يجب الوضوء على من خرج منه الحدث عامدًا كان أو غير عامد، فدل ذلك على ما قلنا من أنه أدخله في معنى قوله: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾، وإنما فارق الذكرُ سائرَ البدن لأنه يمسه لشهوة، والشهوة فيه إنما هي للنساء، فكان شيئًا يشبه بعضه بعضًا، فهما من باب واحد.\nواتبع أصحابنا في ذلك مع مقارنة الشهوة ما رُوِي عن النبي -ﷺ- (^١)، وعن سعد (^٢)، وعن ابن عمر (^٣)، وقام به الدليل عنده (^٤)، وكان ما رواه طلق بن علي (^٥) ما كان لغير شهوة -إن صح-، واللَّه أعلم.\nوقد روي عن طلق أيضًا أن فيه الوضوء، واللَّه أعلم بصحته.\n* * *\n_________\n(^١) منه ما رواه أصحاب السنن، أبو داود برقم ١٨١، كتاب: الطهارة باب: الوضوء من مس الذكر (ت الأرناؤوط)، والترمذي برقم أبواب الطهارة، باب: الوضوء من مس الذكر، والنسائي برقم ١٥٩، كتاب: الطهارة، الأمر بالوضوء من مس الرجل ذكره، وابن ماجه برقم ٤٧٩، أبواب الطهارة وسننها، باب: الوضوء من مس الذكر، عن بُسْرة بنت صفوان -﵄- أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: \"من مس ذكره فليتوضأ\".\n(^٢) رواه مالك برقم ١٠١، كتاب: الصلاة، الوضوء من مس الفرج، برواية يحيى.\n(^٣) رواه مالك برقم ١٠ الموضع السابق.\n(^٤) كذا بالأصل، ولعل الصواب: عندهم.\n(^٥) رواه أبو داود برقم ١٨٢ (ت الأرناؤوط) كتاب: الطهارة، باب: الرخصة في ذلك، والترمذي برقم ٨٥، أبواب الطهارة، باب: ترك الوضوء من مس الذكر، والنسائي برقم ١٦٥، كتاب: الطهارة، الرخصة في ترك الوضوء من مس الذكر، وابن ماجه برقم ٤٨٣ أبواب الطهارة وسننها، باب: الرخصة في ذلك.","vol":"1","page":461},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-337>٦ - قال اللَّه ﵎: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-338>[صفة الوضوء]</span>\nاختلف الناس في الأرجل، فقرأها قوم: ﴿وأرجلِكم﴾ خفضًا، وقرأها بعضهم: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ نصبًا، فمن قرأها ﴿وأرجلِكم﴾ خفضًا فقال: يغسل.\nومنهم من قال: يمسح، والغسل سنة.\nومن قرأها ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ نصبًا فهو الغسل.\nومن قرأها بالخفض فجعلها معطوفة على الرؤوس، لأنها تليها، وقد يُعطَف الشيء على ما يليه، وقد يعطف على الذي قبله، قال اللَّه ﷿: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾، فعطف الوارث على المولود له، وعلى أن على وارث الولاية القائم مقام الأب ما كان على الأب من الرزق والكسوة.\nوهذه الآية اختلف الناس فيها، فقالوا: على الوارث ألا يُضار، وقال آخرون: النفقة وألا يضار.\nوالذي أراه أن على من قام مقام الأب في مال الطفل الأمرين جميعًا، لأنه سمي وارثًا (^١)، وهو الوصي ومن قام مقامه، قال اللَّه تعالى: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ﴾ [النمل: ١٦]، وإنما قام مقامه، ونظائر هذا في القرآن كثير.\n_________\n(^١) في الأصل: وارث.","vol":"1","page":462},{"text":"فلما قيل: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ فسمى الموضع المنتهى إليه دل على الغسل، لأن التحديد إنما يقع للغسل، ولا يقع في المسح، إذ كان المسح لا يستوعب، ألا ترى أن الرَّجُل لو توضأ ومسح برأسه وترك منه شيئًا يسيرًا لأجزأه (^١)، وإن كنا لا نأمر أن يتعمد الإنسان ترك شيء منه، لما روي عن رسول اللَّه -ﷺ- من سائر الوجوه الصحيحة: أنه مسح من مقدم رأسه إلى مؤخره، ثم رده إلى حيث بدأ (^٢).\nوفي الأعضاء أيضًا تقديم وتأخير لا يمتنع منه ذو عقل ومعرفة، وأن يكون اللَّه سبحانه أراد اغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وأرجلكم إلى الكعبين وامسحوا برؤوسكم، إذ العمل المروي يؤيده.\nفإن قيل: قد قدم رسول اللَّه -ﷺ- المسح.\nقيل: هذا هو المؤيد لجواز تقديم الأعضاء، وأن يكون عمل على النسق والمراد غيره، والقائل بمسح الرجلين يجيز ترك بعض الرأس، ولا يجيز ترك بعض الرجلين، لأن إجازة ذلك مخالفة لكتاب اللَّه، إذ يقول: ﴿إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾.\nوجاءت الروايات كلها عن رسول اللَّه -ﷺ- كل من روى الوضوء أنه غسل رجليه ولم يروَ المسح، وكان شرط اللَّه ﵎ في الرجلين مثل شرطه في اليدين، لأنه قال: ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾، ثم قال: ﴿إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾، فعلم أنه عطف على\n_________\n(^١) في الأصل: الإجزاء.\n(^٢) منه ما رواه البخاري في صفة وضوئه -ﷺ- عن عبد اللَّه بن زيد الأنصاري -﵁- برقم ١٨٥، كتاب: الوضوء، باب: مسح الرأس كله، ومسلم برقم ٢٣٥، كتاب: الطهارة باب: وضوء النبي -ﷺ-، وفيه: ثم مسح رأسه بيده فأقبل بهما وأدبر، بدأ بمقدم رأسه حتى ذهب بهما إلى قفاه، ثم ردهما إلى المكان الذي بدأ منه.","vol":"1","page":463},{"text":"اليدين، وقال النبي -ﷺ-: \"ويل للأعقاب من النار\" (^١)، \"ويل للعراقيب من النار\" (^٢)، فدل ذلك كله على الغسل.\nوقد احتج قوم أنه المسحُ بالتيمم، وأنه قد يبلغ به إلى المرفقين وهو مسح. فقيل لهم: لم يقل اللَّه ﵎ في التيمم إلى المرفقين، فاختلف الناس في ذلك، وإنما قلنا: يمسح ما كان يغسل احتياطًا، وكان أقوى في باب الحجة، وأحوط في أداء الصلاة.\nوقد قال قوم: وقوله ﷿: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ أي: بعض رؤوسكم (^٣)، ولو كان هذا هو المعنى لنزل القرآن به، ولما مسح رسول اللَّه -ﷺ- رأسه كله، إذ لم يرو عنه أنه مسح ببعض رأسه روايةً تصح، كلُّ من روى وضوء رسول اللَّه -ﷺ- روى أنه مسح رأسه كله، هذا مع نهي رسول اللَّه -ﷺ- عن العداء.\nقال عبد اللَّه بن مغفل: سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: \"سيكون قوم من هذه الأمة يعتدون في الدعاء والطهور\" (^٤)، فترك بعض الرأس عداء، كما أن الزيادة على مسحه عداء، والرواية في الثلاث خطأ، وراويها غير معتمد عليه، وهو\n_________\n(^١) متفق عليه من حديث عبد اللَّه بن عمرو -﵁-، رواه البخاري في مواضع منها برقم ٦٠، كتاب: العلم، باب: من رفع صوته بالعلم، ومسلم (١/ ١٤٧)، كتاب: الطهارة، باب: وجوب غسل الرجلين بكمالهما.\n(^٢) رواه مسلم (١/ ١٤٨)، الموضع السابق.\n(^٣) مسح بعض الرأس مذهب الشافعي وأبي حنيفة -﵄-، قال الماوردي: الشافعي في الحاوي الكبير (١/ ١٤١): \"وقد ذهب الشافعي أن الواجب ما ينطلق اسم المسح عليه، ثلاث شعرات فصاعدًا\"، وحُكي عن أبي حنيفة أن مقدار ما يجب مسحه الرُّبُع، انظر: المبسوط (١/ ٦٣)، وبدائع الصنائع (١/ ٤).\n(^٤) رواه أبو داود برقم ٩٦، كتاب: الطهارة، باب: الإسراف في الماء.","vol":"1","page":464},{"text":"مسح كمسح التيمم، فلا يزاد في عدده، وقول اللَّه ﷿: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ مثل قوله في التيمم: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦]، ومسح رسول اللَّه -ﷺ- بمُقدم رأسه إلى قفاه ثم ردها إلى حيث بدأ.\nوقوله ﷿: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾، وامسحوا رؤوسكم واحدٌ، وهذه الباء تدخل في الكلام، والمعنى فيها وفي إسقاطها واحد عند أهل اللسان، لأنك تقول: ليس فلان قاتلًا، وليس فلان بقاتل، قال الشاعر:\nكفى الشَّيْبُ والإسلامُ للمرء ناهيا (^١)\nفكان مثلَ قوله: كفى بالشَّيب والإسلام، وقال اللَّه ﵎: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩]، وأجمع المسلمون على أنه لا يجوز الطواف ببعض البيت حتى قالوا: من طاف في الحِجْر لم يجزئه طوافه، لأن بعض الحِجْر من البيت، فلم تعمل الباء شيئًا.\nوقال مالك -﵁- فيمن قدَّم يديه قبل وجهه: إنه إن كان في مكانه أو بحضرة ذلك أعاد ما قدم ليكون بعد ما أخر، وإن كان صلى فصلاته ماضية (^٢).\nوبما قال في الحال الأول اتباع للسنة، وخالفه الشافعي فزعم أن الصلاة لا تصح إذا قدم ما أخر ذكره (^٣).\nولا نعلم اختلافًا بين أهل اللغة أن الواو لا توجب التبدية، وإنما تقتضي الأفعال، إذا قال: لقيت زيدًا وعمرًا، فقد يجوز عندهم أن يكون لقي عمرًا قبل زيد، وإذا قيل: لقيت زيدًا فعمرًا، علم أنه لقي زيدًا أولًا بغير تراخي، فإذا قال:\n_________\n(^١) عَجُز بيت لسُحَيم عبد بني الحَسْحاس في ديوانه (ص ١٦)، وصدره:\nعُمَيْرَةَ وَدِّع إن تَجَهَّزْت غادِيا\n(^٢) الموطأ برواية يحيى برقم ٣٨ كتاب: الصلاة، العمل في الوضوء.\n(^٣) الأم (١/ ٢٥) (ط المعرفة).","vol":"1","page":465},{"text":"لقيت زيدًا ثم عمرًا، فقد ذكر أنه لقي عمرًا بعد زيد على تراخ، فالواو لا توجب التبدية، وإنما تقتضي الأفعال، قال اللَّه ﵎: ﴿يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [آل عمران: ٤٣] وقد علم أن السجود بعد الركوع، لأن السجود أزيد في التواضع للَّه ﷿، ومن شأن العبد أن يكون تواضعه للَّه يزيد لا ينقص، والركوع بعد السجود تواضع دون الأول، فمعلوم أن اللَّه ﵎ اقتضى الأفعال منها، ففعلت ما أمرت به، وصلت فركعت ثم سجدت، والقنوت هاهنا طول القيام والخشوع للَّه ﷿.\nفإن قيل: فإن رسول اللَّه -ﷺ- بدأ كما بدأ اللَّه في الآية.\nقلنا: كذلك نأمر المتوضئين بذلك اتباعًا للسنة.\nفإن قيل: فقد قال اللَّه ﵎: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨]، وقال النبي -ﷺ-: \"نبدأ بما بدأ اللَّه به\" (^١).\nقلنا: الواو هاهنا لا توجب التبدية أيضًا، وفعل رسول اللَّه -ﷺ- يجري مجرى السنن، فلو كنا في هذا وُكِلنا إلى الآية والفعل لاخترنا أن نبدأ بما بدأ اللَّه به، فإن خالف ذلك إنسان غير عامد للخلاف، وأتى بالسعي وعدده أجزأه، ولكن أمر الحج وإن كان (^٢) نعلمه من الكتاب وأفعال رسول اللَّه -ﷺ- لقوله: \"خذوا عني مناسككم\" (^٣)، فإن الأصل مأخوذ عن إبراهيم الخليل صلوات اللَّه عليه، فقد يجوز أن يكون النبي -ﷺ- احتذى فيه فعل إبراهيم، وما أمر اللَّه ﵎ إبراهيم به، فلما جاز ذلك خفي عنا أو علمناه، ولم نُوكل إلى ظاهر\n_________\n(^١) رواه مسلم، (٤/ ٣٢)، كتاب: الحج، باب: حجة النبي -ﷺ-.\n(^٢) كذا في الأصل، ولعله: كنا.\n(^٣) تقدم (١/ ٨٨).","vol":"1","page":466},{"text":"الآية وما توجبه اللغة فيها، ومع ذلك فإن الذبح والنحر عند المروة لقول النبي -ﷺ-: \"هذا المنحر\" (^١)، فاحتيج أن يجعل آخر السعي المروة، ووجدنا في الحج أفعالًا من النحر والحلق وما أشبهه، وإن قدم بعضه على بعض فجاز ذلك، وإن كان فعل رسول اللَّه -ﷺ- مخالفًا لمن قيل له: افعل ولا حرج، قال اللَّه سبحانه: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩]، وأجمعوا أنه من طاف ثم رمى وحلق أنه جائز، وقال: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وقال النبي -ﷺ- لمن قال: حلقت قبل أن أذبح، قال: \"اذبح ولا حرج\" (^٢). وقال اللَّه ﵎ للقاتل: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: ٩٢]، وأجمعوا أن الدية إن قدمت جاز، وقال: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، ولا اختلاف أنه إن قدم العمرة وهو ضرورة أجزأه، والعمرة عند الشافعي فرض، وكانوا قد اتفقوا على أمر الصفا والمروة، فصار مخصوصًا بأن نبدأ بالصفا، إذ كان الطواف والسعي من شرع إبراهيم -ﷺ-، وكان النحر عند المروة لم يجز أن نبدأ إلا بالصفا، لأن التمام يقع عند المروة.\n* * *\n_________\n(^١) تقدم.\n(^٢) متفق عليه، رواه البخاري في مواضع منها برقم ٨٣، كتاب: العلم، باب: الفتيا وهو واقف على الدابة وغيرها، ومسلم (٤/ ٨٣)، كتاب: الحج، باب: من حلق قبل النحر.","vol":"1","page":467},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-339>٣٣ - ٣٤ - قال اللَّه ﵎: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ إلى قوله عز من قائل: ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-340>[حد الحِرابة]</span>\nقول مالك -﵁-: إن المحاربة: عصيانُ اللَّه، والسعي في الأرض فسادًا: إخافةُ السبيل، فإذا حمل السلاح وأخاف السبيل فقد لزمه حكم الآية، فالإمام مخير فيه إذا قدر عليه قبل التوبة: إن شاء قتل، وإن شاء صلب، وإن شاء قطع من خلاف، وإن شاء نفى، وسواء قتل أو أخذ المال أو لم يأخذه الحكمُ فيه واحد (^١).\nوقال بعض الناس: إن الإمام ليس بمخير في المُحارِب، وإنما له أن يقتله إذا قتل، وأن يقطعه إذا سرق، وأن يصلبه إذا قتل وأخذ المال، وينفيه إذا لم يفعل شيئًا من ذلك (^٢).\nقال القاضي: فأجرى الشافعي حكم المحارب كحكم القاتل غير المحارب، فلا نرى المحاربة أحدثت شيئًا، وقد ركب ما ركب من الفساد في الأرض، قال اللَّه ﵎: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٣٢]،\n_________\n(^١) المدونة (٦/ ٢٩٨).\n(^٢) انظر الإشراف للقاضي عبد الوهاب (٢/ ٨٥٠).","vol":"1","page":468},{"text":"فجعل الفساد بمنزلة القتل، لأن المعنى واللَّه أعلم: من قتل نفسًا بغير نفس أو بغير فساد في الأرض، فلم يحتج إلى إعادة غير، وعطف الكلام على ما قبله، فجعل الفساد عِدلًا للقتل، فإذا كان الشيء بمنزلة الشيء فهو مثله، وقد ذكر اللَّه ﵎ القصاص في غير موضع من كتابه، ثم أفرد للمحارب حكمًا، فانتهينا إلى حكم اللَّه ﵎ فيه.\nقال عطاء، ومجاهد، والضحاك، وأبو عمرو بن العلاء، وعيسى بن عمر: كل ما قال اللَّه ﵎ فيه افعل كذا أو كذا، فصاحبه بالخيار، أيُّ ذلك فعل فقد أتى بما أمره اللَّه به (^١).\nقال أبو مصعب عن مالك -﵁- مثل ذلك (^٢).\nفهذا الذي يُفهم من كلام الناس.\nوما روي عن ابن عباس، والحسن، وسعيد بن جبير، فعلى وجه المشورة، ومن تابعهم.\nوأما سعيد بن المسيب، والضحاك بن مزاحم، والحسن، وعطاء، والقاسم، وعمر بن عبد العزيز، فقالوا: الإمام مخير (^٣).\nوليس قول من قال: إنه مخير في المحارب أنه يفعل فيه بالهوى، ولكنه يجتهد فيما يراه ردعًا، ويتخير من العقوبات التي أنزلها اللَّه ﵎ فيه ما يرى أنه أقرب إلى اللَّه، فكم من محارب لم يَقتُل، له في أمره من الرئاسة والتأليب على قطع طريق المسلمين أكثر ممن قد قتل في محاربته، كما أن\n_________\n(^١) علقه البخاري في أول كتاب: كفارات الأيمان، عن ابن عباس، وعطاء، وعكرمة، ورواه ابن جرير في تفسيره (٢/ ٢٤٥) عن مجاهد وعطاء وابن عباس وعكرمة.\n(^٢) الموطأ برواية أبي مصعب برقم ١٢٧٢ كتاب: المناسك، جامع ما جاء في الفدية.\n(^٣) رواه ابن جرير عن سعيد، والحسن، وعطاء ممن ذكرهم المصنف، وعن مجاهد، وإبراهيم، وابن عباس، انظر: تفسيره (٤/ ٥٥٥).","vol":"1","page":469},{"text":"المجاهدين في سبيل اللَّه لِكثير ممن لم يَقتُل منهم من العناء والتدبير ما ليس لمن قتل، وإذا اجتمع الناس في الخير والشر فأعظمهم عناءً أعظمهم أجرًا في الخير، وأعظمهم وزرًا في الشر، فلذلك جعل الاجتهادَ إلى الحاكم في المحاربين، وهو حق من حقوق اللَّه يقوم به الإمام.\nوأما الآية [ليست] (^١) فيمن لم يقتل ولم يأخذ المال، وإنما هي فيمن أفسد في الأرض وعصى اللَّه بذلك، فمحاربة اللَّه عصيانه، ألا تراه قال في الربا: ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة: ٢٧٩]، وحرب اللَّه: عقوبته لمن عصاه فحاربه، ولذلك قيل: يقال للمرء يوم القيامة: خذ سلاحك وقم.\nفإذا قَتَل المحارِبُ وتاب قبل القُدْرَة خرج من حكم هذه الآية، وصار مقتولًا قصاصًا، يقول اللَّه ﵎: ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥] عند من يرى قتله بالآية، وخرج من حكم الآية إذ يقول اللَّه ﷿: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: ٣٤]، والتائب قبل القدرة لا سبيل إلى قتله، فإذا كان قد قتل فما تنفعه التوبة، وإذا أخذ المال فالذي عليه بكتاب اللَّه قطع اليد حسبُ إن جرى مجرى السارق، والآية توجب قطع اليد والرِّجل، ومع ذلك فلو عفى الولي عن الدم بطل حكم اللَّه بالقدرة عند قائل هذه المقالة، ولو تدبروا الآية لما أزالوا حكمها، فإنهم بهذا القول قد أزالوا حكمها.\nفإن احتج محتج بحديث النبي -ﷺ-: \"لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث، رجل كفر بعد إسلامه، أو زنا بعد إحصانه، أو قتل نفسًا بغير نفس\" (^٢)،\n_________\n(^١) سقطت من الأصل.\n(^٢) رواه أحمد برقم ٤٣٧، ٥٠٩، وأبو داود برقم ٤٥٠٢، كتاب: الديات، باب: الإمام يأمر بالعفو في الدم، والترمذي برقم ٢١٥٨، كتاب: الفتن، باب: ما لا يحل دم امرئ، وقال: \"حسن\"، والنسائي برقم ٤٠١٩، كتاب: تحريم الدم، باب: ما يحل به دم المسلم.","vol":"1","page":470},{"text":"فهذا الحديث يدل على أن المحارِب غيرُ داخل فيه، إذ قد أُفرد له حكم خُص به، لأن قاتل النفس في غير المحاربة لا تُسقِط التوبةُ عنه القَوَدَ، وإنما أمره في القتل أو الترك إلى ولي المقتول، وأمر المحارب إلى السلطان لإفساده في الأرض، وليس كل من قتل نفسًا يجب قتله.\nوإنما الحديث يدل على أن القَوَد ذاكرٌ في القصة، والقصاص إلى الولي، وقد أجمع المسلمون في قتلى الجَمل أو صِفِّين ألّا قَوَد بينهم، وهؤلاء ففيهم (^١) من قتل نفسًا بغير نفس، لأنهم قَتلوا على التأويل في الدين، فلما كان قصدهم هذا سقط القَوَد، وأما المحارِب فقصده في قتل المسلم لقطع الطريق وأخذ الأموال والفساد في الأرض، فكان الأمر فيه إذا اجتمع له المحاربة والفساد -قتل أو لم يقتل- إلى السلطان لا إلى ولي (^٢) المقتول، كما خرج من وصفنا من قتل صفين والجمل من معنى هذا الحديث، كذلك خرج المحارب من معناه، مع أن المحارب قد أفسد في الأرض، وقد جعل اللَّه الفساد في الأرض عِدلًا للقتل، وقائل هذه المقالة لا يجوز له أن يحتج بهذا الحديث، لأنه يقتل من امتنع من الصلاة، ويقتل من امتنع من الزكاة، وقد روت عائشة -﵂-: \"لا يحل دم أحد من أهل الملة إلا ثلاثة: قتل نفس بالنفس، والثيَّب الزاني، والمفارق جماعة المسلمين يفسد في الأرض\" (^٣).\nوإذا كان الخوارج يحل قتلهم وليسوا بمرتدين، وقال النبي -ﷺ-: \"طوبى لمن قتلهم أو قتلوه\" (^٤)، فكذلك المحارب يقتل لإفساده في الأرض.\n_________\n(^١) كذا في الأصل، ولعلها: فيهم.\n(^٢) في الأصل: الولي.\n(^٣) رواه أبو داود برقم ٤٣٥٣، كتاب: الحدود، الحكم فيمن ارتد (ت الأرناؤوط).\n(^٤) تقدم (١/ ٢٩٦).","vol":"1","page":471},{"text":"وقد اختلف الناس في النفي، فقال بعضهم: يطلب ليقام عليه الحد فيهرب (^١).\nوقال بعضهم: النفي بعينه (^٢)، وهذا أشبه، ومالك يرى فيه وفي الزاني البكر أن التغريب والنفي إخراج عن البلاد إلى محبس في سواه إلى أن تحدث منه توبة، والزاني سَنَةً ثم يطلَق، وتوبة المحارب عند مالك ربما طال حبسه إلى أن تظهر منه توبة، وهي من أشد العقوبات، أو يطول حبسه فيرى الإمام أنه قد ردعه فيطلقه (^٣)، قال اللَّه ﷿: ﴿وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا﴾ [الحشر: ٣]، وقال ﷿: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٦٦]، وقال ﷿: ﴿قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا﴾ [البقرة: ٢٤٦].\nفالنفي من الوطن والحبس هناك من غليظ العقوبات، ومذهب مالك -﵁- في النفي، أن أقلَّه إلى موضع تقصر في السفر إليه الصلاة، ويستحب ما زاد على ذلك، لأن عمر -﵁- استعمل رجلًا على الخُمْس، فاستكره جارية من الخمس، فجلده مائة ونفاه إلى فَدَك (^٤).\nوقد زعم قوم أن المحاربة لا تكون إلا خارجًا (^٥) عن المصر (^٦)، وهذا غلط، لأن المحارب هو الذي يقاتل على أخذ المال، والسارق الذي يأخذ\n_________\n(^١) قاله ابن عباس، وأنس بن مالك من الصحابة، والسدي، والضحاك، والحسن، والربغ، وقتادة، وسعيد بن جبير، والزهري، ومالك، والليث بن سعد، انظر تفسير ابن جرير (٤/ ٥٥٧، ٥٥٨).\n(^٢) رواه ابن جرير في تفسيره (٤/ ٥٥٦) عن سعيد بن جبير، وعمر بن عبد العزيز.\n(^٣) انظر المدونة (٦/ ٢٩٨ - ٢٩٩).\n(^٤) رواه مالك برقم ٢٣٩١، كتاب: الحدود، جامع ما جاء في حد الزنا، برواية يحيى، وفَدَك: بفتح أوله وثانيه، وهو موضع قرب المدينة كان يسكنه اليهود. معجم ما استعجم (٣/ ١٠١٥).\n(^٥) في الأصل: خارج.\n(^٦) هو مذهب أبي حنيفة، انظر المبسوط (٩/ ٢٠١).","vol":"1","page":472},{"text":"المال مستخفيًا، فكما يكون السارق في المصر وفي غير المصر، كذلك يكون المحارب في المصر وفي غير المصر، لأن الجناية هي بفعله لا بالموضع الذي يكون فيه الفعل، لأن اللَّه ﷿ نسب الفساد إلى أفعالهم لا إلى المواضع، فقال عز من قائل: ﴿وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾.\nولعل المحاربة في المصر أغلظ، لأن المحاربين لا يجترؤون على ذلك في المِصر إلا بعِدَّة وعُدَّة، قال ابن عباس، والحسن، وقتادة: إذا دخل عليك ومعه حديدة في بيتك فهو محارب تقطع يده ورجله.\nوقد فرق اللَّه ﷾ بين المحارب والسارق، فجعل توبة السارق لا تسقط الحد عنه، وكذلك الزاني لاستسرارهما بفعلهما، وجعل المحارب لإظهاره الفعل تقبل توبته قبل القدرة عليه، وتُسقِط الحدَّ عنه، وكذلك المرتد عن الإسلام خاصة إلى أي دين كان من عبادة وثن، أو يهودية، أو قولٍ (^١) بالدهر، أو نصرانية، أي ذلك كان أو غيره فهو كفر، فارتداده يوجب قتله وقبول توبته، لأنه قابل ظاهرًا بظاهر.\nوالزنديق فهو مرتد، إلا أنه سمي بهذا الاسم لإخفائه واستسراره بردته، إلى أي أصناف الكفر كان، فهذا إذا أَسَرَته البينة قُتل، ولا توبة له، لأن توبته مقابلة باطن بظاهر لا يعرف صحته، ولا يؤمن أن يكون ذلك حيلة منه لدفع ما حكم اللَّه به فيه، ثم يعود إلى استسراره الذي كان عليه.\nوكذلك الساحر المسلم إذ! سحر، لاستسراره بفعله الكفر ما كان (^٢) مقتولًا غير مقبول توبته، إذ فرق اللَّه بين [الأفعال] (^٣) المستسَر بها، والأفعال المعلن بها، قال اللَّه ﷿: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ\n_________\n(^١) في الأصل: قولًا.\n(^٢) كذا بالأصل، ولعل الصواب إسقاط ما.\n(^٣) ساقطة في الأصل.","vol":"1","page":473},{"text":"مُشْرِكِينَ (٨٤) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾ [غافر: ٨٤ - ٨٥]، فالزنديق الأسير [إذا] (^١) أوقفه ورأى السيف فتوبته غير مقبولة.\nوقد زعم الشافعي أن من ارتد من النصرانية إلى اليهودية أنه يستتيبه ليرجع إلى النصرانية، فإن أبى قتله.\nوإنما قال رسول اللَّه -ﷺ-: \"من بدل دينه فاقتلوه\" (^٢) خصوصًا للدين المرضي وهو الإسلام، ألا تراه ﷿ قال: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥]، ولم يكن هذا على العموم، ولا يخلو من أن يكون ﵇ أراد الخصوص أو العموم، فإن كان الخصوص فلا دين يؤخذ الناس به غير الإسلام، وإن كان أراد العموم عند الشافعي فقد ينبغي له إن كان عابد وثن انتقل إلى أهل الكتاب أن يأخذه بالرجوع إلى عبادة النار وعبادة الحجر، فإنَّ هذا فقد مرَّ على القياس مع ادعائه العموم فيما يستحيل فيه العموم، وإن أباه فهل يقول إن اليهودية أو النصرانية من الأديان التي ينبغي الإقامة عليها مع ظهور حجج الفرقان؟ وإنه لعظيم ما كلفه الشافعي الإمامَ من مطالبة الوثني بالرجوع إلى عبادة الوثن، ونسأل اللَّه التوفيق.\n* * *\n_________\n(^١) ساقطة من الأصل.\n(^٢) رواه البخاري برقم ٦٩٢٢، كتاب: استتابة المرتدين، باب: حكم المرتد.","vol":"1","page":474},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-341>٣٨ - قال اللَّه ﵎: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ﴾</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-342>[حد السرقة]</span>\nاتفق الناس جميعًا من أهل العلم على أن السارق والسارقة لا يقطعان إلا في سرقة من حرز ومقدار، ثم اختلفوا في المقدار وفي بعض الحرز.\nفقال مالك، وأهل الحجاز، ومن تبعهم: الحرز كل سرقة كانت مُسارَقَة من أهلها ومن سائر العيون، لأن اسم سرقة إنما أخذ من المسارقة، هذا عرف العرب ولسانها.\nوقالوا في المقدار: إنه من الذهب حسب ربع دينار فصاعدًا، ومن الورق ثلاثة دراهم، وردوا سائر السلع إلى ثلاثة دراهم في القيمة، واحتجوا في ذلك برواية يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن عائشة -﵂-، وعبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، وسائر الطرق عن عائشة -﵂-، قولها عن النبي -ﷺ-: \"القطع في ربع دينار فصاعدًا\"، فلا تقطع اليد إلا في ربع دينار فصاعدًا، وما طال علي ولا نسيت \"القطع في ربع دينار فصاعدًا\" (^١). فهذا عندنا في الذهب خاصة.\nوالسلع مردودة إلى ثمن المِجَنِّ الذي قطع فيه رسول اللَّه -ﷺ-، رواه مالك، وأيوب، وعبيد اللَّه، عن نافع، عن ابن عمر أن رسول اللَّه -ﷺ-\n_________\n(^١) رواية يحيى بن سعيد أخرجها الإمام مالك في الموطإ برواية يحيى برقم ٢٤٠٩، كتاب: الحدود، ما يجب فيه الحد.","vol":"1","page":475},{"text":"قطع في مِجَن ثمنه ثلاثة دراهم (^١)، كذا قال مالك -﵁- (^٢)، وقال بعضهم: قيمته (^٣).\nوقال أهل العراق: لا تقطع اليد إلا في دينار أو عشرة دراهم، وروي عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده من الصحيفة: أن النبي -ﷺ- قطع في مِجَنٍّ قيمته عشرة دراهم (^٤)، وعن ابن عباس: كان ثمن المجن على عهد رسول اللَّه -ﷺ- عشرة دراهم (^٥)، ولم يقل الذي قطع فيه، فتعلقوا بذلك ولا حجة لهم فيه، لأن من قطع في ثلاثة دراهم هو يقطع فيما زاد عليها، ولم يَقُل عنه -ﷺ-: لا تقطع اليد في أقل من هذا، فيكون ما دون العشرة ممنوعًا من القطع فيه، وكانت الآية وظاهر القرآن يوجب قطع كل سارق لزمه الاسم، إلا من أجمعوا ألَّا يقطع.\nفإن قالوا: اليد محظورة إلا أن يجمعوا.\nقيل لهم: القطع بكتاب اللَّه واجب إلا أن يجمعوا، فنقف عند إجماعهم.\nفإن قال قائل: قد قطع عثمان في أترنجة قيمتها درهمان.\nقلنا: في الرواية نظر لأهل النقل، ومع ذلك فإن الراوي قوّم درهمين، وقوم عثمان بالذهب، وكان يومئذ ثمانية دراهم بدينار، ألا ترى عمر بن الخطاب ﵀ جعل الدية مرة ثمانية آلاف ومرة عشرة آلاف ومرة اثنا عشر ألفًا لاختلاف القِيَم في الأوقات، ومع ذلك فقد ثبت عن النبي -ﷺ- أنه قطع في مجَنٍّ ثمنه ثلاثة دراهم، ولم يقل: قيمته، فتردد ذلك إلى تقويم الراوي.\n_________\n(^١) رواه مالك في الموطأ برواية يحيى برقم ٢٤٠٦، كتاب: الحدود، ما يجب فيه القطع.\n(^٢) الموطأ برقم ٢٤١١، الموضع السابق.\n(^٣) رواه مسلم (٥/ ١١٣)، كتاب: الحدود، باب: حد السرقة ونصابها.\n(^٤) رواه النسائي برقم ٤٩٥٠، كتاب: قطع السارق، ذكر اختلاف أبي بكر بن محمد.\n(^٥) رواه النسائي برقم ٤٩٥٠، الموضع السابق.","vol":"1","page":476},{"text":"وقد اختلفوا أيضًا في تضمين السارق، فقال المشرقيون: لا ضمان على موسِر ولا مُعْسِر.\nوضمَّن الشافعي الفريقين.\nوقال المالكيون: جعل اللَّه على السارق جزاء كَسْبِهِ شيئًا واحدًا وهو القطع، فلا نجعل في يده شيئين، لأنا لو ضمناه لجعلنا في يديه شيئين، فنقول: إن قدرنا على المسروق كان صاحبه أولى به، وإن كان قد تلف نظرنا فإن كان له مال أخذنا القيمة من ماله، لأنه وفاه بالسرقة، فيكون ذلك في المال دون البدن، وإن كان معسرًا لم ألزم يديه شيئًا يسعى فيه، فقد روى المِسْوَر عن عبد الرحمن بن عوف، رواه عنه سعد بن إبراهيم.\n٣٤ - نا الحسن بن علي، قال: نا خالد بن خداش قال: نا إسحاق بن الفرات، قال: نا مفضل بن فضالة، قال: نا يونس لم بن يزيد، عن الزهري، عن سعد بن إبراهيم، عن المسور، عن عبد الرحمن بن عوف، أن النبي -ﷺ- أُتي بسارق فأمر بقطعه، وقال: \"لا غُرم عليه\" (^١).\nوعن النبي -ﷺ-: \"دُرئ الضمان عن السارق\"، وقال: \"لا ضمانَ عليه\".\nومثل قول رسول اللَّه -ﷺ- فيمن وجد متاعه في المغنم: \"هو أحق به ما لم يقسم\"، رواه علي بن المديني، عن يحيى بن سعيد القطان، عن مِسْعَر، عن عبد الملك بن ميسرة، عن طاوس، عن ابن عباس -﵁-، عن النبي -ﷺ-، وهذا مع الرواية لا يجوز في النظر سواه، لأن أهل دار الحرب ملكوه، فلو أسلموا ما انتزع من أيديهم، وهذا لا اختلاف فيه، كما يملكون الربا وأثمان المحرمات إذا أسلموا وتحل لهم.\n_________\n(^١) روى النسائي من طريق حسان بن عبد اللَّه، عن المفضل به، أن النبي -ﷺ- قال: \"لا يغرم صاحب سرقة إذا أقيم عليه الحد\"، وقال: \"هذا مرسل وليس بثابت\".","vol":"1","page":477},{"text":"واختلف الناس أيضًا في الجماعة تسرق ما قيمته ثلاثة دراهم، أو عشرة على مذهب أهل العراق، فقالوا: لا قطع عليهم حتى يكون مقدار ما أخذوه ما يلزم كل إنسان ما تقطع فيه اليد (^١).\nوقال المالكيون: يقطعون، لأن ما دون المقدار هو التافه، والقطع إنما هو في المقدار والحِرْز، فإذا كان المقدار لا يستقل به الواحد ولا يقدر عليه إلا بآخر قُطعا جميعًا (^٢)، وألزموا العراقي والشافعي ذلك بالاتفاق أنهم يقتلون الجماعة بالواحد، وليس كل واحد منفرد بإماتة (^٣) النفس، كما ليس كل واحد منفرد بإخراج السلعة التي قيمتها ثلاثة دراهم.\nوألزموا الشافعي أن يقول ذلك لقوله في مائة نفر مَلَكوا مائتي درهم لكل واحد درهمان: أنهم يزكون، وهذا من أقبح ما قيل، لأن اللَّه ورسوله أوجبا الزكاة على الأغنياء للفقراء، والفقير الذي يُعطى يملك أضعاف ما يملك المزكي، فقد صارت الزكاة بقوله تؤخذ من الفقير وتعطى الغني، ويمنع من القطع الذي هو جزاء على الفعل في المقدار، وعلى المعصية فيه.\nويجوز أيضًا أن يحتج المالكي في ذلك بظاهر القرآن، أن اللَّه ﵎ قرن اثنين في القطع بقوله: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾، فأمر بقطع اثنين في سرقة، ثم قدرها رسول اللَّه -ﷺ- ربع دينار، فقطعناهما إذا اجتمعا وإذا انفردا في ذلك المقدار، وإذا رجب قطع اثنين في الربع رجب في أكثر من ذلك، لقتلنا الجماعة بالواحد، واللَّه أعلم.\n٣٥ - نا زكريا بن يحيى الساجي، قال: نا القاسم بن إسحاق الأنصاري، قال: نا أبي، قال: نا عبد اللَّه بن محمد بن يحيى بن عروة بن الزبير، عن\n_________\n(^١) هو مذهب الشافعي وأبي حنيفة.\n(^٢) النوادر والزيادات (١٤/ ٣٩٠ - ٣٩١).\n(^٣) في الأصل: بإماتت.","vol":"1","page":478},{"text":"هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة -﵂-: أن النبي -ﷺ- أُتي برجل كان يسرق الصبيان فيبيعهم، فأمر به فقطع (^١).\n٣٦ - ومما يبين أن اللَّه ﵎ قد يوجب المال تارة والحد يزيله تارة، ما حدثناه جماعة منهم البرنكاني، والباغندي قالا: نا الحسن بن يحيى الأزدي، قال: نا علي بن المديني، قال: نا يحيى بن سعيد، عن مِسْعَر، عن عبد الملك بن ميسرة، عن طاوس، عن ابن عباس أن النبي -ﷺ- قال: \"من وجد متاعه في أرض العدو قبل القَسْم فهو أحق به، وإن وجده بعد القسم فهو أحق به بالثمن\".\n* * *\n_________\n(^١) رواه ابن حزم في المحلى (١١/ ٣٣٧) من طريق المصنف.","vol":"1","page":479},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-343>٤١ - ٤٨ - قال اللَّه ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾ إلى قوله عز من قائل: ﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-344>[الحكم بين أهل الذمة]</span>\nالظاهر واللَّه أعلم في قوله ﵎: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ إنما هو عطف على الكلام الذي قبله، لأنه لا يقال: \"وأن افعل\" ابتداءً بالكلام، وإنما هو على ما مضى من الكلام قبلَه.\nوقد اختلف التابعون في تفسير ذلك، فقال جماعة منهم: إن قوله سبحانه: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ ناسخ لقوله: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [المائدة: ٤٢].\nوقال جماعة منهم: إن قوله عز من قائل: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ غير منسوخة، وأن الأخرى وهي قوله: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ عطف على الأولى، فإذا اختار أن يحكم حكم بما في كتابنا، وهو ما أنزل اللَّه على نبيه -ﷺ- فيما يحدث بينهم سوى ما نزلت الآيات فيه، فإن ذلك كان حكمه","vol":"1","page":480},{"text":"فيه بالتوراة، وهذا قول أكثر المفسرين، قالوا: إن شاء حكم وإن شاء أعرض، فإن حكم حكم بما أنزل اللَّه علينا دون ما أنزل عليهم (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-345>[سبب النزول]</span>\nوهذه الآيات، وهذه القصة نزلت في يهود، زنا رجل منهم بامرأة منهم، فقال بعضهم لبعض اذهبوا بنا إلى هذا النبي، فإنه نبي بعث بالتخفيف، فإن أفتانا بفتيا دون الرجم قبلناها واحتججنا بها عند اللَّه، وإن أفتانا بالرجم لم نقبل، فأتوا النبي -ﷺ- وهو جالس في المسجد في أصحابه فقالوا: يا أبا القاسم ما ترى في رجل وامرأة منهم زنيا، وكان الحَدُّ يومئذ فينا التَّجْبيه والتَّحْميم (^٢)؟ وهو قول اللَّه ﷿: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا﴾ [النساء: ١٦]، وهذا كان الحد الأول في الزنا، ثم نزل بعد ذلك: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٥]، يعني: حكمًا غير هذا، ثم أنزل اللَّه الجلد للبِكر، والرجم للثيب، فخطب النبي -ﷺ- وقال: \"خذوا عني قد جعل اللَّه لهن سبيلًا\".\nوقد كان اليهود قبل ذلك زنا رجل ذو قرابة من ملك من ملوكهم فدفع عنه الرجم، ثم زنا آخر في نسوة من الناس فأراد رجمه، فحال قومه دونه وقالوا: واللَّه لا ترجم صاحبنا حتى تأتي بصاحبك فترجمه، فاصطلحوا بينهم على التَّجْبِيه والتَّحْميم الذي كان يفعل فينا.\nوكانت أيضًا قريظة والنضير عدت إحدى الطائفتين وقهرت الأخرى قبل مقدم رسول اللَّه -ﷺ-، فاصطلحوا على أنه ما قتلت العزيزة من الذليلة من قتيل فَدِيَتُه خمسون وَسَقًا، وما قتلت الذليلة من العزيزة فديته مائة وَسَق.\n_________\n(^١) انظر تفسير ابن جرير (٤/ ٥٨٤)، وتفسير ابن أبي حاتم (٤/ ١١٣٦)، والناسخ والمنسوخ للنحاس (ص ١٢٦).\n(^٢) ينظر معنى التجبيه والتحميم في (١/ ٣١٣).","vol":"1","page":481},{"text":"ورسول اللَّه -ﷺ- يومئذ لم يظهر على يهود، ولا كان له عليهم حكم، فلما أتوا النبي -ﷺ- في أمر الزانيين يُؤمِّلون أن يأمرهم بالتخفيف، أنزل اللَّه علينا: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ﴾، يعني آمَنّا: قَبِلنا ما تقوله لنا، ولم تؤمن قلوبهم، ولم تصدق ألسنتهم عما في قلوبهم: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ﴾، يريدون التجبيه والتحميم، ﴿وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾، ثم قال ﵎: ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ﴾ [المائدة: ٤٣]، ثم أنزل: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا﴾، وأنزل اللَّه عليه: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾، فكان مخيرًا بين أن يحكم أو يُعْرض، فلما اختار أن يحكم قال اللَّه له: ﴿فَاحْكُمْ (^١) بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾.\nفلما قال اللَّه ﵎: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾، أي: لا تحكم بشريعتك ومنهاجك، واحكم بشريعتهم ومنهاجهم، وأمر أن يحكم بينهم بالحق وبالقسط الذي أنزل عليهم في كتابهم، وقيل له: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا﴾، أتى نبي اللَّه -ﷺ- إلى بيت مِدْراسِهم بعد أن قال لهم: \"ما تجدون الحد فيكم؟ \" فقالوا: التَّجبيه والتحميم، فدعا بالتوراة فقرئت، فلما بلغ آية الرجم وضع ابن صُورِيا يده عليها، فقال\n_________\n(^١) في الأصل: وأن احكم.","vol":"1","page":482},{"text":"عبد اللَّه بن سلام: هذه آية الرجم، فرُفعت يده وقُرئت آية الرجم، فأمر بهما النبي -ﷺ- فرجما، وقال -ﷺ-: \"اللهم إني أول من أحيا ما أماتوا من كتابك\" (^١).\nوروى ابن عمر، وأبو هريرة، وجماعة أن النبي -ﷺ- رجم اليهوديين بالتوراة (^٢).\nوقال عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة: أما واللَّه إن كثيرًا من الناس ليتأولون هذه الآيات على غير ما أنزلت، وإنما أنزلت في يهود، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾، و﴿فَأُولَئِكَ (^٣) هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ و﴿الْفَاسِقُونَ﴾ (^٤).\nوقد روى نافع، والزهري، أن اليهود تحاكموا إلى النبي -ﷺ- في اللذين زنيا.\nوأبو الزناد روى: أنهم تحاكموا في القتيل الذي قتل (^٥)، وجميعًا قد كانا، لأن حديث الزانيين قد جاء من غير وجه، وقصة القتيل أيضًا.\nوأما قول (^٦) من قال: إن قوله: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ نسخ قوله: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾، فليس بالبين، لأن الناسخ والمنسوخ لا يكون إلا حالًا بعد حال، فأما في حال واحدة فلا، ولما قيل: ﴿وَأَنِ احْكُمْ﴾ علم\n_________\n(^١) تقدم. من حديث ابن عمر، ورواه أيضًا مسلم في صحيحه (٥/ ١٢٢)، كتاب: الحدود، رجم اليهود أهل الذمة في الزنى.\n(^٢) تقدم حديث ابن عمر وأبي هريرة.\n(^٣) في الأصل: أولئك.\n(^٤) رواه القاضي إسماعيل في أحكام القرآن (ص ١٤١ - ١٤٢)، وابن جرير في تفسيره (٤/ ٤٩٥).\n(^٥) هو حديث عبيد اللَّه بن عتبة المتقدم قريبًا.\n(^٦) في الأصل: من قال.","vol":"1","page":483},{"text":"أنهم الذين قيل فيهم: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾، وعلم أنهم حَكَّموه بقول اللَّه ﷿: ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ﴾.\nوليس يجب على من حُكِّم أن يحكم، هو مخير إن شاء فعل وإن شاء لم يفعل، وإنما يجب الحكم على من هو حاكم على قوم، وحكمه جائز عليهم من غير تراضيهم به، وقد ذكر عبيد اللَّه بن عبد اللَّه، أن النبي -ﷺ- لم يكن ظهر عليهم يومئذ، والقرآن يدل على ذلك، وإنما جرى حكم رسول اللَّه -ﷺ- على يهود وأنزلت آية الجزية بعد فتح مكة، وعند مخرجه إلى تبوك، والرجم كان في قريظة والنضير قبل نقضهم العهد، وخيبر بعد ذلك بمدة، والذمةُ ودخولهم تحت الصغار والجزية بعد خيبر وبعد فتح مكة، والنبي -ﷺ- قال في مرضه: \"لا يَبْقَيَنّ دينان في جزيرة العرب\" (^١)، فأجلى عمر -﵁- يهود خيبر ويهود نجران وفَدَك.\nوقال مالك -﵁-: وجزيرة العرب: مكة، والمدينة، واليمن، واليمامة (^٢)، وإنما ذكر مالك -﵁- أمهات القرى من جزيرة العرب، ولم يذكر ما هو تبع لها من البوادي والقرى.\nقال الأصمعي: جزيرة العرب من أقصى أرض اليمن إلى ما تبلغه عمارة فارس والروم (^٣).\nوقول مالك -﵁-: إن اليهود لا تقام عليهم الحدود، ولا على أحد من الكفار في الزنا وما أشبهه مما يكون الحد فيه للَّه وحده، لأن اللَّه ﷿ أمرنا\n_________\n(^١) من حديث رواه مالك في الموطأ برواية يحيى برقم ٢٦٠٦، كتاب: الجامع، ما جاء في إجلاء اليهود من المدينة، عن عمر بن عبد العزيز مقطوعًا، وانظر تعليق الدكتور بشار عواد على الحديث.\n(^٢) النوادر والزيادات (١٠/ ٥٠٤)، وفيه الحجاز بدل اليمن.\n(^٣) في غريب الحديث لأبي عبيد القاسم بن سلام (٢/ ٦٧): \"قال الأصمعي: جزيرة العرب من أقصى عَدَن أَبْيَن إلى ريف العراق في الطول\".","vol":"1","page":484},{"text":"أن نُقِرَّهم على أنهم ﴿وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ﴾، فقد أقررناهم على الذي بينهم، لا مدخل لنا في ذلك، ولما أخذنا منهم الجزية رجب علينا أن نمنع منهم، فإن غصبهم غاصب، أو سرقهم سارق، أو قتلهم قاتل، رجب على الحاكم أن ينظر في ذلك بينهم وبين خصمهم، كان منا أو منهم، لأن علينا أن نكف بعضهم عن بعض في أنفسهم وأموالهم، للوفاء بعهدهم.\nوإذا كانت المعاملات في الأموال بينهم وبين المسلمين، رجب على الحاكم أن ينظر بينهم، لأن المسلم لا يتولى (^١) الحكم عليه إلا مسلم، وإن كان الذي عامله ذميًا (^٢) لم يحكم الحاكم بينهما إلا أن يتراضيا بحكمه، لأنا أخذنا منهم الجزية وتركناهم ودينهم، إذ أقرهم اللَّه على أن ﴿وَلَا (^٣) يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ﴾، وإن حكمنا عليهم بأحكامنا كان نقضًا للعهد بيننا وبينهم، لأنا إذا فعلنا ذلك ألزمناهم أن يحرموا ما حرم اللَّه ورسوله، ولو جاز لنا ذلك لأخذناهم بالإسلام الذي هو الأصل، فإذا حَكَّمونا فلنا أن نَحْكُم ولنا أن نُعْرِض، وإن حكمنا كان الحكم بالكتاب والسنة، ولم يكن ذلك بعد التراضي بنا نقضًا للعهد، وإنما الحاكم في هذه المنزلة رجل حَكَّمه رجلان، فإن شاء حكم، وإن شاء ترك.\nكتب محمد بن أبي بكر إلى علي بن أبي طالب -﵄- يسأله عن زنادقة النصارى، وعن مسلم زنا بنصرانية، فكتب إليه: أما زنادقة النصارى فيتركون\n_________\n(^١) في الأصل: يتول.\n(^٢) في الأصل بين قوله: ذميًا - ولم، بخط آخر: ثم، وفي الهامش كلمة ينظر، دون إشارة إلى تخريجه، فوقها صح.\n(^٣) في الأصل: لا.","vol":"1","page":485},{"text":"وأهل دينهم، وأما المسلم الذي زنا بنصرانية فيقام عليه الحد، وتترك هي وأهل دينها (^١).\nوقد اختلفت الروايات والتفاسير في قول اللَّه ﷿: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾، و﴿الظَّالِمُونَ﴾ و﴿الْفَاسِقُونَ﴾، فقال بعضهم: إنها في اليهود لما غيَّروا من كتاب اللَّه، وعدلوا عن أحكامه (^٢).\nوقال بعضهم: هي فينا وفيهم (^٣).\nوقد نص اللَّه في ذلك في أمر اليهود وأنهم يحرفون الكلم عن مواضعه، فخالفوا ما كتب عليهم في التوراة، فقال ﷿: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾، فكان ظاهر ذلك يدل على أنه من فعل فعلَهم، واخترع حكمًا خالف به حكم اللَّه، وجعله دينًا يعمل به فقد لزمه ما لزمهم، حاكمًا كان أو غير حاكم.\nوقد روى عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن، عن علي قال: شرب نفر من أهل الشام الخمر وعليهم يزيد بن أبي سفيان، وقالوا: هي لنا حلال، وتأولوا هذه الآية: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا [وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ] (^٤) جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ [المائدة: ٩٣] الآية، فكتب فيهم (^٥) إلى عمر ﵀ فاستشار فيهم الناس فقالوا: يا أمير المؤمنين، نرى أنهم كذبوا على اللَّه، وشرعوا في دينه ما لم يأذن به، فاضرب أعناقهم، وعلي ﵀ ساكت، فقال: ما تقول يا أبا الحسن؟\n_________\n(^١) رواه عبد الرزاق في مصنفه برقم ١٣٤١٦ و١٥٦٦٨، وفيه: \". . . يسأله عن مسلمين تزندقا. . . \".\n(^٢) انظر تفسير ابن جرير (٤/ ٥٩٢ - ٥٩٤)، وتفسير ابن أبي حاتم (٤/ ١١٤٨).\n(^٣) انظر المصادر نفسها.\n(^٤) ساقطة من الأصل.\n(^٥) في الأصل: إليهم.","vol":"1","page":486},{"text":"فقال: أرى أن تستتيبهم، فإن تابوا جلدتهم ثمانين لشربهم الخمر، وإن لم يتوبوا ضربت أعناقهم، وإنهم كذبوا على اللَّه وشرعوا في دينه ما لم يأذن به اللَّه، فاستتابهم فتابوا، فضربهم ثمانين ثمانين (^١).\nقال القاضي: وهذا القول اتفاق من عمر وعلي على أن من شرع شرعًا يخالف كتاب اللَّه، كان له حكم من تقدمه ممن خالف الكتاب.\nوأما قوله ﷿: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾، فقد تأول قوم بهذه الآية: أن المسلم يقتل بالذمي (^٢)، وهذا التأويل -مع ما فيه من مخالفة الحديث الذي روي عن رسول اللَّه -ﷺ- خطأٌ شديد، لأن اللَّه ﷿ قال: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا﴾ يعني: في التوراة، فكان ذلك مكتوبًا على قوم هم (^٣) ملة واحدة متساوون، ولم يكن لهم أهل ذمة ولا عبيد، ولا أبيح الاستعباد إلا لنبينا -ﷺ- في شيء من الكتب، كما المسلمين أهل ذمة وعبيد، لأن الجزية فَيْءٌ وغنيمة أفاءها اللَّه على المؤمنين، ولم يجعل الفيء قبل هذه الأمة، ولا كان نبي يُبعث إلا إلى قومه، وبعث نبينا -ﷺ- إلى الناس كافة (^٤)، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨]، فعلمنا أن هذه الآية أوجبت على أهل التوراة، وكانت دماؤهم تتكافأ، وأحكامهم وملتهم واحدة، فكذلك وجب حكم هذه الآية على أهل القرآن، إذ أنزلت فيه فيما بينهم على التكافؤ، لقول\n_________\n(^١) رواه ابن أبي شيبة برقم ٢٩٠٠٠، كتاب: الحدود، في حد الخمر كم هو، وكم يضرب شاربه؟\n(^٢) مذهب أبي حنيفة -﵁-، انظر: أحكام القرآن للجصاص الحنفي (١/ ١٧٣).\n(^٣) في الأصل: مكانها كلمة غير واضحة.\n(^٤) كما في الحديث المتفق عليه عن جابر بن عبد اللَّه، رواه البخاري برقم ٤٣٨، كتاب: الصلاة، باب: قول النبي -ﷺ-: \"جعلت لي الأرض. . . \"، ومسلم في كتاب: المساجد ومواضع الصلاة، باب: \"جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا\".","vol":"1","page":487},{"text":"النبي -ﷺ-: \"المؤمنون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم\" (^١).\nوهذا دليل واضح أن دماء غيرهم لا تُكافِئ دماءهم، إذ قال: \"وهم يد على من سواهم\"، فمن زعم أن المسلم يقتل بالذِّمِّيِّ فقد جعل الكافر يكافئ المؤمن، وأخلى قول النبي -ﷺ-: \"المؤمنون تتكافأ دماؤهم\" من الفائدة، وهو كلام بعضه موصول ببعض، فأدنى المسلمين يجير عليهم، ولو أن ذميًا أجار عليهم لما جاز جواره، وقد علمنا بقول رسول اللَّه -ﷺ- أن من سواهم هم الكفار من ذمي وغير ذمي، والكافر الذمي محرم دمه بالعهد الذي جعل له، كما حرم ماله، ولولا ذلك لكان بمنزلة الحربي لا فضيلة له، وليس يجب على مسلم نقض عهد فيما بينه وبين ذمي إن قتل، ولكن يؤدب ويُغرَّم ما أتلف من دم أو مال.\nوقد زعم أبو حنيفة في حربي دخل بأمان فقتله مسلم أنه لا يقتل به، وأن عليه ديتَه (^٢)، فترك هو وأصحابه ما احتجوا به من ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِاَلنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥]، وأن الآية عامة في كل نفس محرمة، ودم المستأمِن عندهم محرم، كما حرم دم (^٣) الذمي، وكل واحد منهما له عهد يجب على المسلمين الوفاء به إلى مدته، لا فرق بين حاله إلى مدته وبين حال الذمي.\n_________\n(^١) روي عن غير واحد من الصحابة، منه ما رواه الإمام أحمد في مواضع منها برقم ٩٥٩، ٩٩١، والنسائي برقم ٤٧٣٤، كتاب: القسامة، باب: القود بين الأحرار والمماليك في النفس، عن علي بن أبي طالب -﵁-، وأبو داود (ت الأرناؤوط) برقم ٢٧٥١، كتاب: الجهاد، باب: في السرية ترد على أهل العسكر، عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص.\n(^٢) أحكام القرآن للجصاص الحنفي (٦/ ٢٨).\n(^٣) في الأصل: ذمي.","vol":"1","page":488},{"text":"وقالوا أيضًا: من قتل عبده المسلم لم يُقتل به (^١)، فأخرجوه أيضًا من جملة الآية التي احتجوا بعمومها، فإن قالوا: إن هذا خرج من جملة الآية لأنه عبده، فكذلك خرج الآخر لأنه كافر ليس حرمته كحرمة المسلم، بل العبد المسلم أعظم عند اللَّه من الذمي، لقول اللَّه تعالى فيمن قتل لم مؤمنًا متعمدًا، وخص المؤمنين بذلك، والعبد المؤمن داخل في جملة المؤمنين، ولو أن مسلمًا قذف ذميًا لما جلد له الحد لنقصان حرمة الكافر عن حرمة المسلم، ولكن يؤدب للعهد الذي جعل له.\nقال الشعبي: أخبرني أبو جحيفة قال: وسمعت عليًا يقول: ما عندنا سوداء في بيضاء بعد كتاب اللَّه إلا ما في هذه الصحيفة، قلت: وما فيها؟ قال: العقل، وفكاك الأسير، ولا يقتل مؤمن بكافر. وقد احتج من أصحاب داود بعضهم بقوله: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ [الإسراء: ٣٣] ولا تخلوا هذه الآية من أن تكون خصوصًا أو عمومًا، فإن كانت على العموم فينبغي أن يقتلوا (^٢) الحر بالعبد، فقد قتل مظلومًا، فين كانت خاصة فقد أذن (^٣) إلى التكافؤ، واللَّه أعلم.\nوقالوا أيضًا: إن قوله: \"ولا يقتل ذو العهد في عهده\"، ابتداء لا وجه له، لأنا قد علمنا بقوله: ﴿فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ﴾ [التوبة: ٤]، أن قتلهم محرم في العهد إلى تَقَضِّيه، وهو نكث الذمي وخروجه من الذمة.\nقلنا لهم: ليس الأمر على ما ظننتم، إن كانت الآية قد منعت من قتلهم فقد منعت من قتل الحربي في عهده، كما منعت من قتل الذمي في مدته، والآية فيهما سواء، بل ظاهرها في الذي له العهد إلى مدة، وأنتم لا تقتلون قاتل ذي العهد إلى مدة وتقتلون قاتل الذمي، ومع ذلك فلهذه الآية نظائر، قال اللَّه عز\n_________\n(^١) أحكام القرآن للجصاص الحنفي (١/ ١٦٩).\n(^٢) في الأصل: يقتلون.\n(^٣) كذا في الأصل، ولعله خطأ.","vol":"1","page":489},{"text":"وجل في الربا: ﴿فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٩]، فعلم بهذه الآية أن الفاضل على رأس المال محرم.\nوقال رسول اللَّه -ﷺ- في حجة الوداع: \"ألا وإن كل ربا كان في الجاهلية موضوع، وأول ذلك ربا العباس بن عبد المطلب\" (^١)، وكان للعباس ديون بمكة فَعَرَّفَهم مع قراءتهم الآية أنه ليس له إلا رأس ماله، وكذلك سائر من له مال من ربا.\nوقال ﷿: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] أي: ولا يقتل بعضكم بعضًا، وقال ﵎: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ [النساء: ٩٣]، فعلم بالآيات تحريم ذلك، وقال رسول اللَّه -ﷺ- في حجة الوداع بعد نزول الآيات: \"إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا\" (^٢)، ونظائر هذا في القرآن كثير، وإعادة رسول اللَّه -ﷺ- القول فيه، وعلى أن القول في ذي العهد كان واجبًا إعادة ذكره، وذلك أنه لما قال ﵇: \"لا يُقتَل مؤمن بكافر\"، أراد كافرًا حظر اللَّه قتله دون من أمر اللَّه بقتله، فَخِيف من سَفُل دينه أن تهون عليه العقوبة فيقتلهم، فأعاد عند تقضي الكلام بالنهي عن قتل المعاهَدين، ليُعْلِم أن ذلك باق (^٣) على الحظر، وأن من فعله فعليه عقوبة، وإن لم يبلغ بها القتل، هذا وجه الكلام، واللَّه أعلم.\nومما يدل على أنه لا مخاطبة على أهل الكتاب في تحريم ولا تحليل ما كانوا على كفرهم، قول اللَّه ﷿ في سورة النور عند ذكر الزنا: ﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٣].\n_________\n(^١) تقدم.\n(^٢) تقدم تخريجه.\n(^٣) في الأصل: باقيًّا.","vol":"1","page":490},{"text":"وروى مالك -﵁- (^١)، عن محمد بن عبد الرحمن، عن عمرة، عن عائشة -﵂- قالت: وجد في قائم سيف رسول اللَّه -ﷺ- كتاب أن \"أشد الناس غلوًا (^٢) رجل ضرب غير ضاربه، ورجل قتل غير قاتله، ورجل تولى غير أهل نعمته، والمؤمنون تكافأ (^٣) دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، ولا يُقتل مسلم بكافر، ولا ذو عهد في عهده\" (^٤).\nوطرق هذه الأحاديث كثيرة.\nواحتج بعض أصحاب أبي حنيفة لأبي حنيفة في هذا الحديث بأنه لو كان صحيحًا لكان: \"لا يقتل مؤمن بكافر ولا بذي عهد في عهده\"، وهذا الذي قاله خطأ فاحش، لأن اللَّه ﷿ قال: ﴿وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ إلى قوله: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ (٢٧٩) وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٧٩ - ٢٨٠]، فلو كان عطفًا لكان وإن كان ذا عسرة، ولكنه ابتداء كلام، قال: وإن وقع ذو عسرة فنظرة، كذلك قيل مبتدأ: ولا تقتلوا ذا العهد في عهده، فكان الكلام: ولا يُقتل ذو العهد في عهده، لأنه لو قيل: لا يقتل مؤمن بكافر، ولا بذي عهد في عهده، لأوجب الكلام أن ذي العهد ليس بكافر، وجعل هذا الرجلُ قوله: لا يقتل مؤمن بكافر حربي (^٥)، وكيف يجوز أن يقال: لا يقتل مؤمن بكافر حربي (^٦)، وقد أمر اللَّه ﵎ بقتلهم وحث عليه، وجعله من أفضل\n_________\n(^١) مالك هذا ليس الإمام ابن أنس، وإنما هو مالك بن محمد بن عبد الرحمن كما عند الدارقطني، يرويه عن عمرة مباشرة.\n(^٢) في الأصل: غلو، وفي مصادر التخريج: عتوًّا.\n(^٣) كذا في الأصل، ولعلها: تتكافؤ.\n(^٤) رواه الدارقطني في سننه برقم ٣٢٤٩، كتاب: الحدود والديات وغيره (ت الأرناؤوط)، والبيهقي في الكبرى برقم ١٥٨٩٦، كتاب: الجراح، باب: إيجاد القصاص على القاتل.\n(^٥) في الأصل: حر، وما أثبته هو المناسب للسياق.\n(^٦) في الأصل: حرفي.","vol":"1","page":491},{"text":"الأعمال وأحبِّها إليه؟ فهل يجوز أن يتوهم متوهم أن اللَّه أمر بقتلهم، فيحتاج النبي -ﷺ- أن يبين لنا أنه لا قَوَد بيننا وبينهم؟\nوإنما معنى الكلام: لا يقتل مؤمن بكافر أصلًا، ثم قيل بعد تمام الكلام: \"ولا ذو عهد في عهده\"، عطفًا على لا يقتل، لأن هذا الذي أضمر لو أظهر فقيل: لا يقتل مؤمن بكافر، ولا يقتل ذو عهد في عهده، ولو أفرد قيل: لا يقتل ذو عهد، ولم يكن قبله كلام لكان مستقيمًا.\nوإنما قيل ذلك لما رفع النبي -ﷺ- القَوَد بين المسلمين والكافرين، ولم يؤمن من جرأة من سَفُهَ حُلُمه على قتل أهل العهد، فاتبعهم بأن قال: \"ولا يقتل ذو العهد في عهده\"، فنُهوا عن قتل ذي العهد من أهل الذمة، وممن دخل بأمان لأنهما جميعًا بالعهد في دارنا.\nفإن قيل: إن [أهل] (^١) الذمة قد عُلم أن دماءهم محرمة في عهدهم.\nقيل: إنما علم لأنهم عُلِّمُوه، ولما خيف من أمر المَقود أن يُقدم على قتل من لا يُقاد به سرح فنهاه (^٢) عن ذلك، لأن اللَّه ﵎ قال: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩]، فعلم القاتل أنه يُقتل فكفَّ فحَيِيا جميعًا، ولذلك نزلت الآية، فلما أزيل القَوَد عن قاتل ذي العهد وهو الذمي، نُهوا عن قتله ليوجب النهي عقوبة تردع عن ذلك، واللَّه أعلم.\nوأكثر الأحاديث التي جاءت عن النبي -ﷺ- \"لا يُقتل مؤمن بكافر\"، ليس فيها ذكر ذي العهد.\nومما يدل على أن الآية في النفس بالنفس على التساوي، وأن المسلم لا يقتل بكافر، قولُه: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ [المائدة: ٤٥]، والذمي\n_________\n(^١) ساقطة من الأصل.\n(^٢) في الأصل: فنهيه.","vol":"1","page":492},{"text":"لا يُكَفَّر عنه، وقولهم: إن النبي -ﷺ- قصد إلى الحربي واللَّه يقول: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [النساء: ٨٩] أمر اللَّه بقتلهم، فكيف يقال: لا قصاص بينكم وبينهم؟ وإنما يستوي الكلام أن لا قصاص بينكم وبين من نهيتم عن قتله من الكفار، فأما من أمرتم بقتله فقد أغنى اللَّه عن ذكر القصاص فيه، واللَّه أعلم.\n* * *","vol":"1","page":493},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-346>٨٧ - قال اللَّه ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ الآية</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-347>[النهي عن تحريم الطيبات]</span>\nالذي دلت عليه الأخبار في تفسير ذلك، أنه لا ينبغي لأحد أن يحرم على نفسه كل النساء، فيجوز له أن يحرم عليه بعضهن، لأنه إذا تزوج أربعًا حرم عليه ما عداهن، والتحريم هاهنا وإيقاع يمين الطلاق، وهو شيء يُلزمه الإنسان نفسَه ليحمل عليه عند ملكه بعض النساء، فله أن يقول: إن تزوجت في بني فلان، وواللَّه لا تزوجت في بني فلان، والتحريم يمنع لليقين، وقد قال رسول اللَّه -ﷺ-: \"تزوجوا في بني فلان، فإنهم عفُّوا فعَفَّت نساؤهم\"، ونهى عن آخرين، فالذي حظر اللَّه على الرجل أن يحرمه في باب النكاح الكلّ، فإن حرمه لم يَحْرُم، وإباحة الامتناع من البعض بيمين كان ذلك أو بغير يمين.\nوأما الإماء فليس يجوز له أن يحرم منهن شيئًا، وإن حرم لم يَحْرُم، ألا ترى أن عائشة -﵂- لما قال لها رسول اللَّه -ﷺ- في مارية: \"إنها علي حرام\"، فقالت: كيف تحرمها وهي لا تحرم؟ فقال: \"فواللَّه لا وطئتها\"، فأنزل اللَّه ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١) قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ١ - ٢]، فأُمر أن يكفر عن يمينه.\nوقد كان ناس من أصحاب رسول اللَّه -ﷺ- أرادوا أن يتخلوا من الدنيا، ويتركوا النساء ويترهبوا، منهم علي بن أبي طالب -﵁-، وعثمان بن مظعون،","vol":"1","page":494},{"text":"فنزلت الآية، فتركوا ما كانوا عزموا عليه، ولا يجوز لأحد بهذه الآية أن يحرم مأكولًا ولا مشروبًا على نفسه إذا كان من حله، وله أن يمتنع من بعض المأكولات والمشروبات من غير أن يعتقد فيها تحريمًا، وإذا حلف على شيء من ذلك على وجه التحريم كفّر عن يمينه، ثم إن شاء أكل وإن شاء لم يأكل.\nوإنما حرم إسرائيل لما أصابه عِرْق النَّسا، قبل نزول التوراة، فليس لأحد أن يحرم شيئًا أحله اللَّه على نفسه، لأن إسرائيل حرم قبل أن ينهى، وكانوا إذا حرموا شيئًا على أنفسهم حرُم، فنسخ اللَّه ﵎ ذلك عنا بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾، فإن حرم إنسان شيئًا أحله اللَّه له كان تحريمه باطلًا، وإن حلف كفَّر وأتى الذي هو خير.\nفأما اليهود فما حرم في التوراة إنما حرموا على أنفسهم ما كان إسرائيل حرم على نفسه، ألا تراه قال: ﴿فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [آل عمران: ٩٣]، فأعلمنا أنهم افتروا الكذب، وإنما حرم إسرائيل على نفسه لم يَعْدُه إلى غيره، واللَّه أعلم.\n* * *","vol":"1","page":495},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-348>٨٩ - قال اللَّه ﷿: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-349>[كفارة اليمين]</span>\nقال الشافعي (^١): من حلف عامدًا للكذب فقال: واللَّه ما كان كذا، وقد كان، وواللَّه لقد كان كذا (^٢)، وما كانَ، كَفَّرَ وقد أساء (^٣) إذ حلف باللَّه باطلًا.\nقال: فإن قيل: ما الحجة في أن يُكَفِّر وقد عقد الباطل؟ قيل: أقربها قول النبي -ﷺ-: \"فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه\" (^٤)، فقد أمره أن يعقد الحنِث، وقول اللَّه: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى﴾ [النور: ٢٢]، نزلت في رجل حلف ألا ينفع أخاه، فأمره اللَّه ﵎ أن ينفعه، وقوله ﷿: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾ [المجادلة: ٢]، ثم جعل فيه الكفارة، قال: ومن حلف وهو يرى أنه صادق، ثم وجده كاذبًا فعليه الكفارة.\nوشبه الشافعي شيئًا بما لا يُشْبه، لأن الذي أمره رسول اللَّه -ﷺ- أن يأتي الذي هو خير ويكفر عن يمينه، إنما أمره أن يستأنف بعد اليمين شيئًا كان حلف فيه ألا يفعله، وكذلك قول اللَّه ﷿: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا\n_________\n(^١) انظر كلام الشافعي الآتي في الأم (٧/ ٦٤).\n(^٢) في الأصل: كدى.\n(^٣) في الأصل: ساء.\n(^٤) تقدم (١/ ٢٢٥).","vol":"1","page":496},{"text":"أُولِي الْقُرْبَى﴾ [النور: ٢٢]، ولم يكن واحد (^١) من هذين الرجلين كاذبًا في وقت يمينه، ولا حالفًا على كذب، فجعلت كفارة يمينه إذا فعل ما حلف عليه ما ذكر في القرآن، والذي حلف على كذب قد علمه، مخبر عن شيء قد مضى، فهو كاذب فيه حالف عليه، فكيف يشبه هذا بهذا؟\nوقال الشافعي: قد أمره بالحنث إن تعمده، فشبه الشافعي هذا بالذي حلف باللَّه، فينبغي له على قوله هذا أن يبيح الحلف على الكذب ويكفِّر الحالفُ، كما يبيح من حلف أن يتعمد الحنث ويكفر، وينبغي إذ شبهه به ألا يسميه إثمًا، لأن النبي -ﷺ- أمره أن يفعل، وينبغي أن تكون الكفارة التي سماها اللَّه ﷿ في كتابه، تكفر عن يمين من حلف باللَّه كاذبًا، إذ كانت الآية عنده قد عمتهما.\nوقد قال اللَّه ﵎: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾، فجعل الكفارة تكفر اليمين، ومن كفر عنه فلا إثم عليه، فينبغي أن يكون هذا في قول الشافعي لا إثم عليه، فينسخ الشافعي عن هذه الأمة آية وعيد محكمة، ومعاذ اللَّه أن يكون قولُ مخلوق ينسخ كلام الخالق.\nقال اللَّه ﵎: ﴿وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [المجادلة: ١٤ - ١٥].\nوروي عن ابن مسعود -﵁- أنه قال: كنا نعد من الذنب الذي لا كفارة له اليمينَ الغموس، أن يحلف الرجل على ما لأخيه كاذبا ليقطعه.\nوقال النبي -ﷺ-: \"من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه حرم اللَّه عليه الجنة وأوجب له النار\"، وقال: \"من حلف على يمين صبر ليقتطع بها مال امرئ مسلم، لقي اللَّه وهو عليه غضبان\"، وقال ابن مسعود -﵁-: وأنزل اللَّه تبارك\n_________\n(^١) في الأصل: واحدًا.","vol":"1","page":497},{"text":"وتعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ٧٧] (^١).\nفأبطل الشافعي بقوله الآيات المحكمات، والروايات الواضحات بقول اخترعه برأيه، ثم سماه: إثمًا، ومسيئًا، تيسيرًا لما عظم اللَّه وتصغيرًا، وهذا كلام ينبغي لقائله أن يستغفر اللَّه منه، وإنما الأيمان هي العقود التي أمر اللَّه ﷿ ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]، فالحالف لا يكلم زيدًا عاقدٌ (^٢)، والحالف على الكذب ليس بعاقد، ولو أن رجلًا طلق امرأته لقيل (^٣) طلّق، ولم يُقل: عقد طلاقها، إلا أن يكون طلاقا إلى أجل، أو على صفة، وكذلك العتق، ولو وعد رجلًا وعدًا لكان قد عقد، ولو حلف عليه لكان قد عقد عليه يمينًا.\nوقد أخبر رسول اللَّه -ﷺ- بالحكم في يمين تكفر، لأنه علمهم ذلك تعليمًا، ولم يكن في مسألة بعينها، وما جاء على التعليم كان عامًا، فوجب أن يكون ذلك بشرط ما عُلم من إتيان الذي هو خير والكفارة، وقد ذكر الشافعي جملة هذا الحديث، فلو تمسك به لكان فيه كفاية.\nثم زعم في هذا الحديث أنه أمره إن تعمد الحنث أن (^٤) يُكفر، والحنث هو الفعل الذي حلف ألا يحلفه (^٥)، فإذا جعله (^٦) فإنما يفعله بعد اليمين، وإذا\n_________\n(^١) متفق عليه من حديث عبد اللَّه بن مسعود -﵁-، رواه البخاري ٦٦٧٦، كتاب الأيمان والنذور، باب قول اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ. . .﴾، ومسلم (١/ ٨٥ - ٨٦)، كتاب الإيمان، باب وعيد من اقتطع حق مسلم بيمين.\n(^٢) في الأصل: عاقدًا.\n(^٣) في الأصل: لطلق.\n(^٤) في الأصل: وأن.\n(^٥) كذا في الأصل، ولعل الصواب: يأتيه.\n(^٦) كذا في الأصل، ولعله: فعله.","vol":"1","page":498},{"text":"حلف على شيء قد مضى، فإنما حلف على فعل كان قبل أن يحلف، فكيف يكون ذلك الفعل موجبًا للحنث؟\nويبين ذلك أيضًا ما روي عن النبي -ﷺ- فيمن حلف باللَّه واستثنى، أنه إن شاء فعل غير حرج، فعلم أن هذا للمستقبل، ووجب أن كل يمين تكون فيها الكفارة، فالاستثناء يسقطها وجميعًا لا يكون إلا في المستقبل (^١)، لأن قول الرجل: إن شاء اللَّه، من باب المجازاة، والمجازاة لا تكون لما مضى، لأن المستقبل يقال فيه: افعل كذا إن شاء اللَّه، ولا يجوز: فعلت كذا إن شاء اللَّه، لأنه جهل من قائله.\nقال القاضي: وإنما ذكرت هذا لتعرف مخارج الكلام.\nوأما قوله: قال اللَّه: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾، وجعل فيه الكفارة، فهذا أقبح من الأول، الكفارة هنا بالعود الذي هو طاعة للَّه، والقول وحده يوجب شيئًا، فلما عاد إلى الذي هو خير قيل له كفر، ولو لم يعد لم تكن عليه كفارة، وهذا أيضًا من المستقبل الذي شبهه بالمستدبر.\nوأما لغو اليمين فإن أعلى الرواية وأكثرها إنما جاء على قول الرجل: لا واللَّه، وبلى واللَّه، وهو لا يريد اليمين، فلم تكن عليه يمين لأنه لم ينوها، لأن اللغو عند العرب وأهل اللسان: ما ألغته النية، فلذلك سُمي لغوًا، قال الشاعر:\nويَهلِكُ وَسْطَها المَرَئِيُّ لغْوًا ... كما ألغَيْتَ في الدِّيَة الحُوارا (^٢)\nوالسهو حلف الإنسان على تيقنه، لا نية له في الكذب ولا عاقدًا على مستقبل، ذلك لغو لسقوط النية عن الحال الموجبة للكفارة، لقول النبي -ﷺ-:\n_________\n(^١) كذا في الأصل، ولعلها: يسقطها جميعًا، ولا يكون إلا في المستقبل.\n(^٢) البيت لذي الرمة في ديوانه (٢/ ١٣٧٩)، وفيه: ويهلك بينها","vol":"1","page":499},{"text":"\"الأعمال بالنيات\" (^١)، فلما لم يعقد النية لم يكُ حالفًا، ويدخل في ذلك أيضًا حلف الرجل على شيء بدا أنه على ما حلف عليه، فلما لم يقصد للكذب لم يك آثمًا، ولم يكن عليه حنث ولا كفارة، لأنه قصد إلى حق عنده، وحلف على حق عنده في المستدبر الذي لا تكون فيه الكفارات، لأن الكفارات إنما جعلت في المستقبل، والحنث فيه بعد العقد والحلف على المستدبر يكون الحالف آثما، وهذا حلف على حق عنده.\nوقد شرط اللَّه ﵎ الإثم على من قصد بقوله: ﴿وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [المجادلة: ١٤]، وهذا حلف على صدق عنده.\nفلغو اليمين عندنا ما دخل في هذين البابين، وهذان البابان هو ما رُوي عن الصحابة والتابعين أنه لغو اليمين، قال هذا طائفة وهذا طائفة، والآية توجب قول الفريقين، لا نعلم أحدًا قبل الشافعي قال ما قاله الشافعي، وما رأيناه في شيء من أصناف المحدثين، ونسأل اللَّه التوفيق.\n* * *\n_________\n(^١) متفق عليه من حديث عمر -﵁-، رواه البخاري برقم ١، بدء الوحي، كيف كان بدء الوحي إلى رسول اللَّه -ﷺ-، ومسلم في كتاب: الإمارة، باب: قوله -ﷺ- إنما الأعمال بالنية.","vol":"1","page":500},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-350>٨٩ - قال اللَّه ﵎: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-351>[مقدار الكفارة]</span>\nروي عن بعض الصحابة أنه كان يقول: الأوسط: مُدَّيْن من بُرٍّ، وهو نصف صاع.\nوروي عن جماعة منهم أنهم قالوا: لكل مسكين مد بالمد الأول، وهو ربع صاع لكل مسكين.\nوروي مثل ذلك عن جمع من التابعين.\nوروي عن بعض التابعين أنه قال: مكوكًا من بر بين العشرة، ومكوكًا من تمر.\nومنهم من قال: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾، ليس بأفضله ولا بأحسنه.\nوقال ابن عباس -﵁-: كان الرجل يقوت أهله قوتا فيه سعة، وبعضهم دون بعض وسطًا، فأمر اللَّه ﵎ بالأوسط.\nوقال ابن عمر -﵁-: الأوسط: الخبز واللبن، والخبز والزيت، والأفضل الخبز واللحم.\nوقال مثل ذلك خلق من التابعين.\nوقال بعضهم: يطعمهم أكلة واحدة.","vol":"1","page":501},{"text":"ومنهم من قال: يغذيهم ويعشيهم (^١).\nوأقوى ما روي في ذلك ما رواه أهل المدينة في مُدٍّ لكل مسكين (^٢).\nوأما الإطعام في جزاء الصيد فليس يقاس هذا عليه، لأن الكفارات لا يقاس بعضها على بعض، ألا تراه جعل في كفارة الظهار بإزاء كل مسكين صيام يوم، وفي جزاء الصيد مثل ذلك، وفي كفارة الأذى بإزاء كل مسكين يوما واحدًا، وفي كفارة اليمين بإزاء عشرة مساكين ثلاثة أيام، فلما اختلفت لم يجز أن يقاس بعضها على بعض.\nوأما زكاة الفطر فإنها على عدد رؤوس المعطين، لا على الآخذين، وقد يفضل بعضهم على بعض، ومما يدل على ذلك أن المساكين كانوا يحضرون يوم الفطر فيأكلون، والأكل مختلف.\nوالذي ذهب إليه مالك: إذا أراد المكفر أن يطعم المساكين عنده، أن يغذيهم ويعشيهم ليوفيهم قوت يومهم، الخبزَ والزيتَ، لأن الزيت أوسط إدام أهل المدينة، ومن أعطى البُرَّ، أعطى لكل مسكين مُدًا بمُدِّ النبي -ﷺ- (^٣).\n* * *\n_________\n(^١) انظر الروايات في هذا الاختلاف الذي ساقه المصنف عند ابن جرير في تفسيره (٥/ ١٧ - ٢٤)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٤/ ١١٩٢ - ١١٩٣).\n(^٢) المدونة (١/ ٥٩١) (ط العلمية).\n(^٣) المدونة (١/ ٥٩١ - ٥٩٢) (ط العلمية).","vol":"1","page":502},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-352>٨٩ - قال اللَّه ﷿: ﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-353>[الكسوة في الكفارة]</span>\nكان أبو موسى الأشعري وسعيد بن المسيب، والحسن، وابن سيرين، وأبو جعفر محمد بن علي، يرون أن يعطى كل مسكين ثوبين (^١).\nوكان ابن عمر، وعمران بن حصين، وإبراهيم، ومجاهد، وطاوس، وجابر بن زيد، والزهري، يرون أن يُكسى المسكين ما تجوز الصلاة فيه (^٢).\nوكان مالك بن أنس يرى أن يكسى المسكين ما يصلي فيه، فإن كسا رجلًا كساه ثوبًا، وإن كسا امرأة فدِرْع وخِمار.\nوقال الشافعي: أدنى ما يقع عليه كسوة، ولو خرقة، أو قلنسوة، أو تكة (^٣)، وما أشبه ذلك (^٤)، وهو قول لم يسبقه إليه أحد من الصحابة ولا من التابعين، فلو قال في الإطعام لكل مسكين لقمة لمرَّ قوله على نظام، ولكنه قال في الطعام ما يكفي ليومه، وفي الكسوة ما لا تطلق العرب أن فاعله كاس، ولا\n_________\n(^١) انظر ابن جرير (٥/ ٢٥ - ٢٦)، وابن أبي حاتم (٤/ ١١٩٤).\n(^٢) انظر تفسير ابن جرير (٥/ ٢٤ - ٢٥)، ورواه أيضًا عن ابن عباس -﵁-، وابن أبي حاتم في تفسيره (٤/ ١١٩٣ - ١١٩٤).\n(^٣) التِّكة: رباط السراويل، اللسان (٢/ ٢٣٠).\n(^٤) انظر الأم (٧/ ٦٨ - ٦٩) (ط المعرفة).","vol":"1","page":503},{"text":"أن لابسه كاسٍ، ولو لزم ما عليه الناس لسلم، ولم تلزمه المناقضة، وينفرد بما تقبح حكايته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-354>[الحكمة من ذكر الكسوة قبل تحرير الرقبة]</span>\nوقول اللَّه ﷿: ﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾، قد تكلم قوم فيه فقالوا: كيف بدأ بالتخفيف، ثم ثنى بالتثقيل، وفي القتل والظهار بدأ بالتثقيل ثم خفف؟\nفالجواب عن ذلك: أن اللَّه ﵎ بدأ هنا بالثقيل الذي هو الواجب، ثم خفف عن عباده عند عدم الاستطاعة، وحيث بدأ بالتخفيف، فإنما ذكر ﷿ ما هو الكفارة التي رضِيَها من كل الناس، ثم خيَّر من قدر وأراد الزيادة في الثواب في أن يكفر بالثقيل إن شاء، ولم يوجبه إلا أن يشاء إنسان ذلك، والواجب هو الإطعام، وفي الظهار لأن ابتداء القول منكر وزور فأوجب (^١) الثقيل، ثم رحِم وخفف عن عباده.\n* * *\n_________\n(^١) في الأصل: ما أوجب.","vol":"1","page":504},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-355>٨٩ - قال اللَّه ﵎: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-356>[صيام الكفارات]</span>\nفممن فسر هذه الآية عن قال: متتابعات.\nومنهم من قال: متفرقات، وإن تابع أحسن.\nوقد قال اللَّه ﷿: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾، وقال عز من قائل في المتمتع: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وقال في قضاء رمضان: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤]، ولم يذكر في شيء من ذلك متتابعات كما ذكر في قتل الخطأ، وفي كفارة الظهار.\nوقول مالك -﵁- في ذلك أن التتابع في ذلك كله أحب إليه، فإن فرَّقه إنسان أجزأه عنده (^١)، إذ لم يشترط اللَّه ﷿ فيه التتابع، ومن أُمر بشيء فأتى به فقد قضى ما عليه، وباللَّه التوفيق.\n* * *\n_________\n(^١) المدونة (١/ ٥٩٤) (ط العلمية).","vol":"1","page":505},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-357>٩٠ - قال اللَّه ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-358>[تحريم الخمر]</span>\nحرم اللَّه ﵎ الخمر في هذه الآية بقوله: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾، بيانًا شافيًا بعد تحريم خفي عن البعض، وذلك أن أول ما أنزل فيها لما شرب من شرب من الصحابة، فقرأ القارئ: أعبد ما تعبدون: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: ٤٣]، ثم شرب قوم ففاخروا عند السكر من قريش والأنصار، فأخذ رجل من الأنصار لَحْيَيْ جزور فضرب به أنف رجل من المهاجرين ففزر أنفه، فأنزل اللَّه ﵎: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢١٩] فسماها إثمًا، وقال: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ﴾ [الأعراف: ٣٣] بعد أن سماها إثمًا، ثم أنزل اللَّه ﵎: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ إلى قوله عز من قائل: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾، ثم قال: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾، يعني ما جرى بين قريش والأنصار، ﴿وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ﴾ يعني الصلاة التي خلطوا فيها، فدل كتاب اللَّه وسنة نبيه -ﷺ- على تحريمها.","vol":"1","page":506},{"text":"وهي من النخلة والعنبة، لأنها عامة خمور الناس، وكذلك قال اللَّه ﷿: ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ [النحل: ٦٧]، فالسكر ما حرم منهما، والرزق الحسن ما حل منهما.\nوكانت خمور أهل المدينة كلها من النخل عند نزول الآية ولما سُميت كلها الخمر، وهو مأخوذ من تغطية العقل، وقال النبي -ﷺ-: \"كل مسكر حرام\" (^١)، وكان اللَّه ﷿ قد ذكر العلة التي من أجلها قد حرم، وأنها تلقي العداوة وتصد عن الصلاة، دخل كل ما فعلها (^٢) في التحريم معها، ووجب له اسمها كل مصنوع من الأشربة يفعل فعلها، والحديث والحجة في ذلك يطول ذكرهما، وقد بينا ذلك في كتاب الأشربة والحجة على الطحاوي فيما هونه من أمر الشراب، وسماه نبيذًا بغير اسمه، وذكرنا النبيذ، وما هو، وما قال رسول اللَّه -ﷺ- فيه، وما روي عنه ﵇ أن أمته تستحل الخمر باسم تسميه إياه.\nقال اللَّه ﵎: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-359>[تحريم الميسر]</span>\nقال عثمان بن عفان رضوان اللَّه عليه: الميسر النرد، ونهى عنها، وقال: هممت أن أوجه إلى ديار قوم هي في بيوتهم وأحرقها عليهم.\nوقال علي رضوان اللَّه عليه (^٣): الشطرنج ميسر العجم.\nوقال ابن عمر: الميسر القمار (^٤).\n_________\n(^١) رواه مسلم (٦/ ١٠٠)، الأشربة، باب بيان أن كل مسكر خمر، عن ابن عمر -﵁-.\n(^٢) كذا بالأصل، ولعله: فعل فعلها.\n(^٣) في الأصل: عليهم.\n(^٤) أخرجه ابن جرير في تفسيره (٢/ ٣٧١) عند تفسير قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ. . .﴾ [البقرة: ٢١٩].","vol":"1","page":507},{"text":"وقال ابن مسعود: الكِعاب.\nوقال القاسم: كل ما ألهى عن ذكر اللَّه ﷿ فهو من الميسر (^١).\nوقال ابن سيرين: كل ما قومر به فهو ميسر (^٢).\nوقال سعيد بن المسيب نحو ذلك.\nوقال مالك بن أنس: كل ما (^٣) قومر به من شطرنج ونرد وغير ذلك فهو ميسر، وهو القمار، ونهى عن النرد خاصة وعن الشطرنج إذا قومر بها، وسئل عن الغناء فقال: إذا كان يوم القيامة مع أيهما يكون، أمع الحق أو الباطل؟ فحرمه.\nوقال القاسم بن محمد وقد سئل عن الغناء: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾ [يونس: ٣٢].\nفالقمار: أكل المال بالباطل، وهو الميسر في كل شيء كان، وينبغي أن ينتهي العبد عن كل ما ألهى عن ذكر اللَّه ﷿، وباللَّه التوفيق.\n* * *\n_________\n(^١) رواه البيهقي في السنن الكبرى برقم ٢٠٩٧٣، كتاب: الشهادات، جماع أبواب من تجوز شهادته، باب: من كره كل ما لعب الناس به.\n(^٢) رواه ابن أبي شيبة برقم ٢٢٣٤٠، كتاب: الأقضية البيض الذي يقامر به.\n(^٣) في الأصل: كلما، وهي كذلك في قول القاسم وابن سيرين السابقَين.","vol":"1","page":508},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-360>٩٣ - قال اللَّه ﷿: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا﴾ الآية</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-361>[سبب النزول]</span>\nقال البراء: إن هذه الآية نزلت فيمن كان يشرب الخمر قبل التحريم ومات على ذلك قبل أن تُحَرّم (^١).\nوقال جابر بن عبد اللَّه: اصطبح قوم الخمر ثم قتلوا شهداء (^٢).\nوقال أنس: إن الذين شربوها قبل التحريم أتوأ رسول اللَّه -ﷺ- فسألوه عما مضى من أفعالهم فنزلت الآية.\nوقد كان قوم شربوها في أيام عمر -﵁-، فكتب إليه أبو عبيدة (^٣) بذلك، فأحضرهم واستتابهم لأنهم تأولوا الآية، فلما تابوا ضربهم للشرب ثمانين ثمانين، واتفق رأي عمر وعلي على ذلك ففعله عمر.\n_________\n(^١) رواه الترمذي برقم ٣٠٥٠، أبواب تفسير القرآن، باب: ومن سورة المائدة، وقال: \"حسن صحيح\".\n(^٢) رواه البخاري برقم ٢٨١٥، كتاب: الجهاد والسير، باب: فضل قول اللَّه تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا. . .﴾.\n(^٣) كذا في الأصل: أبو عبيدة، وفي المصادر: يزيد بن أبي سفيان.","vol":"1","page":509},{"text":"فالآية تنبئ بزوال الإثم عمن شربها قبل التحريم، وتوجب أن يكون قوله في المستأنف: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾، مما أحل لهم دون ما حرَّم، واللَّه أعلم.\n* * *","vol":"1","page":510},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-362>٩٤ - قال اللَّه ﵎: ﴿لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾</span>\nالذي تناله الأيدي من الطير والفراخ والبيض وما يؤخذ من الأوكار، والرماح.\nفالرمح، والنَّبْلُ، والنُشّابَة (^١)، والمِعْراض (^٢)، وغير ذلك مما يصاد به، واللَّه أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) النُّشابة: ورد في اللسان (١٤/ ٢٥٤): \"النُّشاب: النبل\" هكذا مفردًا، وورد: \"النُّشاب: السِّهام\" بالجمع.\n(^٢) المِعراض: آلة من آلات الصيد، قال القاضي في المشارق (٢/ ٧٣): \"والمعراض خشية محددة الطرف، وقيل: في طرَفها حديدة، يرمى بها الصيد، وقيل: سهم لا ريش له، يرمى به عرضًا، فمن أصاب بحدِّه وطوله أُكل، لأنه جَرَح وقطَّع، وما أصاب بعرضه لم يؤكل لأنه رَضَّ\".","vol":"1","page":511},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-363>٩٥ - قال اللَّه ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-364>[تحريم الصيد للمحرم]</span>\nلما كان قتل الصيد باليد والرمح تذكيته، وكان حلالًا في غير الحرم وفي الإحلال، فقيل: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾، عُلم أنه حرم أكله فصار بمنزلة الميتة، سواء ذبح المُحرم أو قَتل، لأن الحالين جميعًا تذكية في الصيد، لأنه لما قيل: ﴿تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ﴾ [المائدة: ٩٤]، فكل ما (^١) تناله اليد يُذبح، وما تناله بالرمح يقتل، وكانا جميعًا وجوه تذكية الصيد، وحَرَّمَ الصيدَ على المحرم، عُلم أنه حرم عليه تذكيته بالوجهين جميعًا واصطياده، فلا فرق بين ما ذبح منه وما قتل، وبين الميتة في التحريم.\nفإن قال قائل: فلم لا يكون من ذبح بسكين غصبها مُحَرّم أكله؟\nقيل له: لأن الفساد لم يقع في نفس التذكية، وإنما وقع في غصب السكين، وليس الخطاب في الآلة المذكى بها، ألا ترى أن المجوسي يذكي ويذكر اسم اللَّه فلا تأكل، ويذكي الكتابي فتأكل؟ وإنما الخطاب في السكين المغصوبة بين الغاصب والمغصوب، اللهم إلا أن يقصد المذكي بالتذكية بالسكين المغصوبة لإفساد الذكاة، فإن فعل ذلك لم تؤكل، واللَّه أعلم.\n_________\n(^١) في الأصل: فكلما.","vol":"1","page":512},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-365>٩٥ - قال اللَّه ﷿: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا﴾</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-366>[جزاء قتل الصيد]</span>\nقال قوم من التابعين: يحكم على المتعمد ولا يحكم على الخاطئ (^١).\nوقال الكثير من المفسرين: يحكم على العامد والمخطئ جميعًا، وممن قال ذلك عمر، وعثمان، وابن عمر، وجماعة من التابعين [و] الصحابة (^٢).\nوقال الزهري: جاء القرآن بالجزاء على العامد، والسنة على المخطئ (^٣)، والزهري أعلم الناس بالسنن، ولولا أن اللَّه ﵎ قال: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا﴾، لكان لا جزاءً على المتعمد لقتله، مُشبهًا بقتل المؤمن، فأراد اللَّه ﵎ التخفيف عن عباده بذكر العمد، لئلا يبلغ به حرمة المؤمن، وكان الجزاء بقوله ﷿: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: ٩٦]، وإنما حرم قتله، فلما كان جزاء ما كان المخطئ مكفرًا، لأن اللَّه ﷿ قال: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾ [النساء: ٩٢]، ولكن ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [النساء: ٩٢].\n_________\n(^١) روي عن ابن عباس وسعيد بن جبير وطاوس وعطاء وغيرهم، انظر تفسير ابن جرير (٥/ ٤٣)، وتفسير ابن أبي حاتم (٤/ ١٢٠٥).\n(^٢) انظر المصادر السابقة، والواو سقطت من الأصل.\n(^٣) رواه ابن جرير في تفسيره (٥/ ٤٣).","vol":"1","page":513},{"text":"فإن قيل: قاتل الخطأ عليه دية وكفارة.\nقيل له: الدية ليس على القاتل، وإنما هي على العاقلة، وعليه هو في نفسه الكفارة، ولو كان الصيد مملوكًا فقتله المحرم لكان عليه الجزاء، وعليه قيمته لمالكه.\n* * *","vol":"1","page":514},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-367>٩٥ - قال اللَّه ﷿: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ إلى قوله ﵎: ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-368>[جزاء قتل الصيد]</span>\nقال مالك بن أنس -﵁-: ما كان له مِثْلٌ من النَّعم حكم بالمثل فيه، في النعامة بدنة، وفي حمار الوحش بقرة، وفي الغزال كبش، وما أشبه ذلك، وقال فيما لا مثل له: قيمته.\nوقال أبو حنيفة وأصحابه: إن المحرِم إذا أصاب صيدًا فإنما عليه قيمته، فتركوا كتاب اللَّه، قال اللَّه ﷿: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾، والمثل إنما هو في مثل الخلقة، ولو أريد القيمة لقيل ذلك، وقد حكم أصحاب رسول اللَّه -ﷺ- والتابعون في النعامة بدنة، أفيظن ظان أن النعامة تثبت قيمتها في القرن الأول والثاني على بدنة؟ ثم قال تأكيدًا: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾، وقد ذكر اللَّه الهدي في غير موضع فقال: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وساق رسول اللَّه -ﷺ- الهدي وقال: ﴿وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا﴾ [الفتح: ٢٥]، وسئل النبي -ﷺ- عن قتل الضَّبُع فقال: \"هي صيد (^١) \"، وجعل فيها كبشًا، رواه جابر بن عبد اللَّه (^٢).\n_________\n(^١) في الأصل: صيدًا.\n(^٢) رواه أبو داود برقم ٣٨٠١، كتاب: الأطعمة، باب: في أكل الضبع (ط الأرناؤوط)، وابن ماجه برقم ٣٠٨٥، اْبواب المناسك، باب: جزاء الصيد يصيبه المحرم.","vol":"1","page":515},{"text":"وحكم عمر بمثل ذلك (^١).\nوحكم علي بن أبي طالب -﵁- في الضبع بمثل ذلك.\nوابن عباس بمثل ذلك.\nوقال ابن عباس: قضى عمر، وعثمان، وعلي، وزيد بن ثابت، ومعاوية في النعامة بدنةً من الإبل، ومن التابعين بمثل ذلك.\nوعمر، وابن مسعود حكما في الظبي بكبش.\nفأما التابعون فكثر ذكر من حكم منهم بالمثل من النعم متبعًا في ذلك الصحابة، ما قال أحد من الصحابة ولا من التابعين إن في شيء من ذلك قيمة، ولو كان الواجب القيمة لما قيل في النعامة بدنة، وفي الضبع والظبي شاة، وفي كذا كذا (^٢)، وفي كذا كذا، حتى ينظر الحكمان إلى النعامة المقتولة ويقومانها، ثم يقومان البعير الذي يحكمان فيه، هذا ما لا يذهب على ذي لب أنه لم يخطر للقوم في وهم، ومع ذلك فقد قالوا: ما لم يبلغ الهديَ ففيه ثمنه، وذلك أن اللَّه ﷿ يقول: ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ﴾، ففيه: ﴿صِيَامًا﴾، فإذا أصاب المحرم من الصيد ما لا يكون له مثل من النعم، مثل الشاة وما فوقها، حكم في ذلك بالطعام أو الصيام، يقيِّم ذلك بالطعام أو الدراهم، ثم يردها إلى الطعام، فإن عجز عن الطعام صام مكان كل مد يومًا، ذلك قول مالك وأهل المدينة.\nوقال آخرون: مكان كل مُدَّين يومًا، وهم أهل العراق (^٣)، وكلٌ بنى ذلك على أصوله، وكلا الفريقين قاله المفسرون.\n_________\n(^١) الموطأ لرواية يحيى، رقم ١٢٣٩، كتاب: الحج، فدية ما أصيب من الطير والوحش.\n(^٢) في الأصل: وكذا.\n(^٣) الحجة على أهل المدينة لمحمد بن الحسن (٢/ ١٧٩).","vol":"1","page":516},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-369>٩٥ - قال اللَّه ﵎: ﴿عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾</span>\nاختلف السلف في ذلك، فقال قوم: ﴿عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ﴾ قبل التحريم، ﴿وَمَنْ عَادَ﴾ بعد التحريم.\nوقال آخرون: ﴿عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ﴾ يعني القتلة الأولى التي أوجب فيها الجزاء.\nفمن قال بالأول على العامد الجزاء كلما عاد، ومن قال بالقول الثاني قال: الانتقام في الآخرة، ولا جزاء عليه في الأول أولًا، لأن اللَّه ﷿ في سائر ما حرم قال: ﴿عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ﴾، يريد: ما كان قبل نزول التحريم، والذين حملوه على الانتقام عقوبة، وقد قال اللَّه ﷿: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾، فكان مُخرق الثوب عليه قيمته، وقال ﷿: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠] فمن خرق ثوبًا ألزم قيمته، وقد قال اللَّه ﷿ حين أوجب الجزاء: ﴿لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ﴾ بالجزاء، ﴿عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ﴾ قبل التحريم: ﴿وَمَنْ عَادَ﴾ بعد التحريم ﴿فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾ بالجزاء، هذه عقوبته وانتقامه، وذلك في أول مرة، فقتل في الحرم وهو مُحرِم الصيدَ، فإذًا جعل أن (^١) ذلك عطفًا على ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ إلى قوله عز من قائل: ﴿لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا﴾ وينتقم اللَّه بذلك العزم منه، واللَّه أعلم.\n_________\n(^١) كذا في الأصل، ولعل الصوابَ حذفها.","vol":"1","page":517},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-370>٩٥ - قال اللَّه ﷿: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-371>[الحكمان في قتل الصيد]</span>\nهذه الآية، لم يحكم أبو بكر في قاتل الصيد حتى دعا أُبَيًّا، فحكما جميعًا (^١).\nوعمر -﵁- دعا عبد الرحمن بن عوف، فاجتمعا وحكما (^٢).\nوقال التابعون مثل ذلك.\nوقال مالك: من أصاب صيدًا يعلم ما فيه فلا يُهدي ولا يطعم إلا بعد أن يُحكِّم حكمين، فيَحكُمان عليه، فما حكما به فعله، ولا أعلم في ذلك اختلافًا فيما تقدم، واللَّه أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) رواه ابن أبي حاتم في تفسيره (٤/ ١٢٠٦ - ١٢٠٧).\n(^٢) رواه مالك برقم ١٢٤٠، كتاب: الحج، فدية ما أصيب من الطير والوحش، برواية يحيى.","vol":"1","page":518},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-372>٩٦ - قال اللَّه عز وعلا: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-373>[صيد البحر وطعامه للمحرِم]</span>\nصيد البحر: ما صيد وهو حي، وطعامه: ما مات فيه، أو قذفه البحر فمات.\nوقال النبي -ﷺ-: \"هو الطهور ماؤه، الحِلُّ ميتته\" (^١).\nوقال ﵇: \"أحلت لي ميتتان: الحيتان والجراد\" (^٢).\nوقال أبو بكر، وعمر، وسائر من انتهى إلينا كلامه في الآية مثل ذلك، إلا شيئًا (^٣) شَذَّ قائله، وضعف راويه، واللَّه أعلم، فإنه فرق بين ما قذفه البحر فمات، وبين ما مات في البحر، وهذا قول لا أعرف وجهه، وقد أكل النبي -ﷺ- من ما قذفه البحر لما أتاه به أبو عبيدة (^٤).\nولما كانت الآية مخاطبة للمُحرمين كان للحلال أجوز وأحل، فأحل للمحرم صيد البحر، ومنعه عمر من الجراد، وأوجب الناس فيه، ومُنع من صيد البر.\n_________\n(^١) تقدم تخريجه (١/ ٤٤٨).\n(^٢) تقدم تخريجه (١/ ٤٤٨).\n(^٣) في الأصل: شيء.\n(^٤) رواه البخاري برقم ٤٣٦٠، كتاب: المغازي، باب: غزوة سيف البحر، ومسلم في صحيحه، كتاب: الصيد والذبائح، باب إباحة ميتات البحر، من حديث جابر -﵁-.","vol":"1","page":519},{"text":"واختلف الناس في صيد البر إذا صاده المُحِل فذكاه، هل يأكل المحرم منه؟ فقال قوم: لا يأكل.\nوقال قوم آخرون: يأكل.\nوهو قول مالك، لأن اللَّه ﷿ حرم على المحرم الصيد والقتل، ولم يحرم عليهما كل ما كان صاده في الحل وذكاه قبل الإحرام لأنه قد صار لحمًا ليس بصيد، واللَّه أعلم.\n* * *","vol":"1","page":520},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-374>٩٧ - قال اللَّه ﷿: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ﴾</span>\nقِبلة لهم، وعصمة في أمر دينهم ما تمسكوا بذلك، وشدة في الدين، وصلاحًا لهم، إذ كانت الصلاة عماد الدين، قال عمر -﵁-: ولا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة.\n* * *","vol":"1","page":521},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-375>١٠١ - قال اللَّه ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ الآية</span>\nقال سعد بن أبي وقاص عن النبي -ﷺ-: \"إن أعظم المسلمين على المسلمين جُرمًا، من سأل عن شيء لم يحرَّم فحرِّم عليهم من أجل مسألته\" (^١).\nوقال (^٢): كانوا يسألون عن الشيء وهو لهم حلال، فما يزالون يسألون عنه حتى يحرم عليهم، فإذا حرم عليهم وقعوا فيه (^٣).\nوقال رسول اللَّه -ﷺ-: \"ذروني ما تركتم، فإنما هلك من كان قبلَكم بكثرة سؤالهم، واختلافهم في أنبيائهم، ما نهيتكم عنه فانتهوا، وما أمرتكم (^٤) به فأتوا منه ما استطعتم\" (^٥).\nوقال أنس: لما فرض الحج قال رجل: أفي كل عام يا رسول اللَّه؟ فقال ﵇: \"لو قلت نعم لوجبت، ولو وجبت تقوموا بها، ولو لم تقوموا بها عذِّبتم\" (^٦).\n_________\n(^١) متفق عليه، البخاري برقم ٧٢٨٩، كتاب: الاعتصام، باب: ما يكره من كثرة السؤال، ومسلم برقم ٢٣٥٨ في كتاب: الفضائل، باب: توقيره -ﷺ-، وترك إكثار سؤاله، (ط عبد الباقي).\n(^٢) القائل سعد بن أبي وقاص.\n(^٣) رواه ابن المنذر، كما ذكر السيوطي في الدر (٣/ ٢٠٨).\n(^٤) في الأصل: أمركم.\n(^٥) رواه مسلم برقم ١٣٣٧ كتاب: الحج باب: فرض الحج مرة في العمر (ط عبد الباقي).\n(^٦) تقدم تخريجه (١/ ١٤٤).","vol":"1","page":522},{"text":"وروي عن ابن عباس مثل ذلك، وقال فيه: \"مرة واحدة، ومن زاد فهو تطوع\".\nوالحلال ما أحله اللَّه، ولا حرام إلا ما حرم اللَّه ﷻ، وما سكت عنه فهو عفو، وما فعله رسول اللَّه -ﷺ- فعلى وجه الكراهية والتنزه، ألا تراه لم يحرم الضب ولم يأكله (^١)، وكل ذي ناب من السباع، فقال الزهري: لم أسمعه من علمائنا بالمدينة، هان كان قاله رسول اللَّه -ﷺ-، فلا خير فيما نهى عنه رسول اللَّه -ﷺ-.\nوالزهري رواه عن أبي إدريس عن أبي ثعلبة، ثم قال فيه هذا القول (^٢).\nوقال ابن عباس -﵁-: لا حرام إلا ما حرم اللَّه ﷿، وقال اللَّه ﷿: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾ [الأنعام: ١٤٥].\nفمحال أن يقول اللَّه ﷿ لنبيه -ﷺ-: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ﴾ فيقول هو: أجد، ولكنه يَسُن للمصلحة، لأن أكل السباع يقسي القلب ويُضْري على المحرمات، ويخدر على البدن، ويورث العلل مثل الجُذام والبَرَص.\nألا ترى إلى قول عمر -﵁-: إن للحم ضراوة، وكذلك نهى عن التوضؤ بالماء المُشَمَّس لما يُحدث في البدن، واللَّه أعلم، ولا تجوز مخالفة رسول اللَّه -ﷺ- ولا ترك قبول نُصحه.\n_________\n(^١) رواه البخاري برقم ٥٥٣٦، كتاب: الذبائح والصيد، باب: الضب، ومسلم برقم ١٩٤٣ في كتاب: الصيد والذبائح، باب: إباحة الضب، عن ابن عمر رضوان اللَّه عليه، (ط عبد الباقي).\n(^٢) رواه البخاري برقم ٥٥٣٠، كتاب: الذبائح والصيد، باب: تحريم كل ذي ناب من السباع، ومسلم برقم ١٩٣٢ كتاب: الصيد والذبائح، باب: تحريم أكل كل ذي ناب من السباع (ط عبد الباقي).","vol":"1","page":523},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-376>١٠٣ - قال اللَّه ﷿: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ﴾</span> (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-377>[تحريم البحيرة والسائبة والوصيلة الحامي]</span>\nوهذه أشياء كان يفعلها أهل الجاهلية لطواغيتهم.\nالبحيرة: التي يُمنع دَرُّها لطواغيتهم أن يحلبها أحد من الناس، والسائبة: التي كانوا يُسَيِّبونها لآلهتهم، ولا يُحمل عليها شيء.\nوالحام: فحل الإبل يَضرب الضِّراب المعدود، فإذا قضى ضرابه تركوه لطواغيتهم وأعفوه من الحمل، فسموه الحام، لم يحملوا عليه شيئًا.\nوقيل نحوٌ من ذلك، تختلف الألفاظ، إلا أن ذلك قد زال بالإسلام والنهيِ عنه، وللَّه ﷿ الحمد والمنة.\n* * *\n_________\n(^١) هذه الآية في الأصل غير مميزة بالخط السميك كباقي الآيات.","vol":"1","page":524},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-378>١٠٥ - قال اللَّه ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ الآية</span>\nقال أبو بكر رضوان اللَّه عليه: إنكم تقرؤون هذه الآية فتضعونها في غير موضعها: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾، وإنما سمعنا رسول اللَّه -ﷺ- يقول: \"إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك أن يعمهم اللَّه بعقابه\" (^١)، يا أيها الناس اتقوا الكذب فإنه مجانب الإيمان.\nوقال ابن مسعود وذكر هذه الآية: لم يأت وقتها.\nقال القاضي: ولعمري في ذلك الزمان أن الأمر على ما قيل، وما أمكن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي ذكره اللَّه في ثلاثة عشر موضعًا من كتابه، فلم يأت الوقت، فإنا نقدر ذلك، ولم يمكن، ورأيت هوى متبعًا، وشحًا مطاعًا، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، وغلبة من لا دين له، فقد جاء وقتها، وعلى الإنسان بنفسه، واللَّه أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) رواه أحمد في غير موطن منها برقم ١، وأبو داود برقم ٤٣٣٨، كتاب: الملاحم، باب: الأمر والنهي (ت الأرناؤوط)، والترمذي برقم ٢١٦٨، أبواب الفتن، ما جاء في نزول العذاب الأليم إذا لم يغير المنكر، وابن ماجه برقم ٤٠٠٥، أبواب الفتن، باب: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.","vol":"1","page":525},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-379>١٠٦ - قال اللَّه ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-380>[شهادة غير المسلم]</span>\nقال جماعة: ﴿مِنْ غَيْرِكُمْ﴾: من أهل الكتاب، ومن غير أهل دينكم (^١).\nوقال بعضهم: في السفر خاصة (^٢).\nوقال آخرون: من المسلمين من غير العشيرة (^٣).\nوالصحيح واللَّه أعلم: أن ذلك في أهل الكتاب، كان في صدر الإسلام، مات رجل من المسلمين ومعه رجلان من أهل الكتاب وأوصى، فأتيا بتركته ووصيته فشهدا واستحلفا، ثم عثر على خيانة منهما، فاستحلف الأولياء وهم ورثة المسلم، واستحقوا الجناية (^٤)، ثم نسخ ذلك كله، ثم أنزل اللَّه من الفرائض بقوله عز من قائل: ﴿أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ [النساء: ١٥]، ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾\n_________\n(^١) روي عن ابن عباس ومجاهد، وسعيد بن جبير، وسعيد بن المسيب وغيرهم، انظر تفسير ابن جرير (٥/ ١٠٤ - ١٠٦).\n(^٢) روي عن شريح وغيره، انظر تفسير ابن جرير (٥/ ١٠٤ - ١٠٥).\n(^٣) روي عن الحسن وعكرمة والزهري وعبيدة، انظر تفسير ابن جرير (٥/ ١٠٦ - ١٠٧).\n(^٤) رواه البخاري برقم ٢٧٨٠، كتاب: الوصايا، باب: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ. . .﴾، عن ابن عباس -﵁-.","vol":"1","page":526},{"text":"[البقرة: ٢٨٢]، ﴿ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]، وإذا كنا لا نرضى العاصي منا والمذنب، فكيف نرضى الكافر؟ فقد فرضت الفرائض، وعمل المسلمون بها، وبطل ذلك كله، فلسنا نقبل إلا من ثبتت عدالته ممن لا بدعة فيه، فإذا كنا نرد غير المرضي فكيف تجوز شهادة كافر؟\n* * *","vol":"1","page":527},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-381>سورة الأنعام</span>","vol":"1","page":529},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-382>١٢١ - قال اللَّه ﷿: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-383>[التسمية عند الذبح]</span>\nأخبرنا أبو الفضل بكر بن محمد بن العلاء القشيري القاضي، قراءة عليه في منزله بمصر، عام إحدى وأربعين وثلاثمائة وأنا أسمع، قيل له: قلتَ رضي اللَّه عنك:\nذهب قوم إلى أن المسلم إذا ذبح ونسي أن يسمي لم تؤكل، وتأولوا هذه الآية، وهم نفر (^١)، ولم يتأملوا الآية إلى آخرها، وإنما المعنى واللَّه أعلم، ولا تأكلوا مما لم يذبح بالملة، لأن اللَّه ﷿ قال: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ (^٢) لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ١٢١]، فعلمنا أن المشركين لم يكونوا يجادلون المسلمين في مسلم ذبح ونسي أن يسمي، لأنهم كانوا يأكلون الميتة، لقول اللَّه ﷿: ﴿وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ﴾ [الأنعام: ١٣٩]، وعلمنا أن من ذبح ونسي أن يسمي وأكل أنه ليس بفاسق ولا مشرك، فإذا كان هذا لا يتوهمه أحد فقد علمنا أن لهذه الآية تأويلًا غير ما تأوله من قدمنا ذكره.\n_________\n(^١) عزا ابن رشد في بداية المجتهد (١/ ٣٢٨) القول بوجوب التسمية على الإطلاق لأهل الظاهر، وابن عمر، والشعبي، وابن سيرين.\n(^٢) في الأصل: وإنكم.","vol":"1","page":531},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-384>[سبب النزول]</span>\nقال ابن عباس -﵁-: سبب نزول الآية أن المشركين قالوا للمسلمين لما حرمت الميتة: لا تأكلون (^١) ما ذبح للَّه، وتأكلون ما ذبحوا هم، فأنزل اللَّه ﷿: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ (^٢)، يريد الميتة، لأن اليهود قالت: تأكلون ما قتلتم، ولا تأكلون (^٣) ما قتل اللَّه.\nوأما قوله ﷿: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾، يريد أن قولهم لكم في ذلك فسق.\nوالذابح منا إذا نسي التسمية فقد قصد الذكاة بالذبح، فقصده بالملة للذكاة تسمية بقلبه.\nقال جماعة من المفسرين: اسم اللَّه ﷿ في قلبه، ألا ترى أن المجوسي لو سمى على ذبيحته لم تؤكل، مع قوله ﷿: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٨] فعلم أن ذلك مردود إلى الملة، كذلك قال علي، وابن عباس، وخلق من التابعين، وقالوا: أحلت ذبيحة اليهود لأنهم آمنوا بالتوراة، والنصارى (^٤) لأنهم آمنوا بالإنجيل، فإذا كان الذبح بالملل فأهل الإسلام أولى بذلك، واللَّه أعلم.\nوما ذبح أهل الكتاب لكنائسهم وكفرهم فقد اختلف الناس فيه، فقال قوم: يؤكل بإحلال اللَّه ﷿ ذلك.\nوقال آخرون: لا يؤكل لأنه أهل لغير اللَّه.\n_________\n(^١) في الأصل: تأكلوا.\n(^٢) رواه ابن جرير في تفسيره (٥/ ٣٢٦) وفيه: . . . وما قتلتم أنتم تأكلونه.\n(^٣) في الأصل: تأكلوا.\n(^٤) في الأصل: الأنصار.","vol":"1","page":532},{"text":"وكل قد ذهب إلى مذهب، والتوقي حسن.\nوأما قوله ﷿: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ﴾ (^١) أي: انحروها على هذه الحال، وكذلك هي في مصحفنا على هذا اللفظ، وكذا قرأها نافع، وأهل المدينة، وأبو عمرو بن العلاء، وأهل البصرة.\nقال ابن عباس: ﴿صَوَافَّ﴾: صوافن قيامًا معقولة (^٢).\nوكذلك قال ابن مسعود (^٣).\nوكان يقرأ: \"صوافن\" معقولة على ثلاثة قوائم.\nوكذلك قال ابن عمر، إلا أن الصحيح عنه: قائمة غير معقولة، صافات اليدين.\nوكل ذلك جائز، وإن كان أحب إلينا أن تكون قيامًا على ما ذكروا لا معقولة، واللَّه أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) الحج: ٣٦.\n(^٢) رواه البيهقي في السنن الكبرى برقم ١٠٢١٧، كتاب: الحج، جماع أبواب الهدي، باب: نحر الإبل قيامًا غير معقولة.\n(^٣) رواه ابن جرير في تفسيره (٩/ ١٥٤ - ١٥٥).","vol":"1","page":533},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-385>١٤١ - قال اللَّه ﷿: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ﴾ الآية</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-386>[زكاة الزروع والثمار]</span>\nفمن فسرها من الصحابة وكثير من التابعين قال: هي الزكاة المفروضة، العُشُر أو نصف العشر عليهم نصفين، ذلك على أنفسهم، وإخراجه إلى الإمام، أو صرفه إن وُكل إليهم في الوجوه التي تسمى الصدقات فيها بحسب الحاجة، واللَّه أعلم.\nوفي الآية ذكر الزيتون والرُّمان مع النخل والزرع، فأما النخل فيُخْرَص، ويؤخذ تمرًا قبل الجَذاذ، والزرع يؤخذ منه إذا كِيل بعد الفراغ منه، وأما الزيتون فيؤخذ إذا بلغ خمسة أَوْسُق من زيته إذا عصر، وأما الرمان فلا شيء فيه.\nوقد قال أبو حنيفة: فيه الزكاة (^١)، وهذه الأشياء لم تحدث، وقد كان الرمان على عهد الرسول -ﷺ- والخلفاء من بعده، فلم يُرو أن أحدًا منهم أخذ منه، ولا من شيء من الخضر الزكاة، وإنما أوجب ﵇ الزكاة فيما دخل الوسق، وحُد خمسة أوسق، فزعم النعمان أنه يأخذ من القليل والكثير (^٢)، لقول النبي -ﷺ-: \"ما سقت السماء أو كان بَعْلًا العُشر، وما سقي بالنَّضْح فنصف العشر\" (^٣)، فكان هذا مرجوحًا على ما أوجب فيه الزكاة من الأشياء والمقدار،\n_________\n(^١) مذهب أبي حنيفة وجوب الزكاة في الفواكه، انظر: المبسوط (٣/ ٢).\n(^٢) الحجة لمحمد بن الحسن (١/ ٤٩٧ - ٤٩٨).\n(^٣) رواه أبو داود برقم ١٥٩٦، كتاب: الزكاة، باب: صدقة الزرع، والنسائي برقم =","vol":"1","page":534},{"text":"كما قال: \"في الرِّقة ربع العشر\" (^١)، فرُد إلى خمس أواق، وما دونها لا شيء فيه، فقال ذلك موافقًا لنا فيه، وناقض في الأول -أعني في الخُضَر وما دون الخمسة أوسق-.\nفإن قالوا: فالرُّمان قد ذكر في الآية.\nقيل: إنما ذكر لإثبات الحجة في التوحيد في متشابه وغير متشابه، ليعرف حكم اللَّه وأفعاله كما قيل: ﴿وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ﴾ [الروم: ٢٢].\nثم قيل: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١]، قال اللَّه ﷿: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ [النحل: ٥] فهذا على العموم ثم قال: ﴿وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ [المؤمنون: ٢٢]، وإنما يحمل على بعض الأنعام، ونظائر هذا كثير، وهو شائع في اللغة، واللَّه أعلم.\n* * *\n_________\n= ٢٤٨٨، كتاب: الزكاة، باب: ما يوجب العشر وما يوجب نصف العشر، وابن ماجه برقم ١٨١٦، أبواب الزكاة، باب: صدقة الزروع والثمار.\n(^١) رواه البخاري برقم ١٤٥٤، كتاب: الزكاة، باب: زكاة الغنم.","vol":"1","page":535},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-387>١٤٥ - قال اللَّه ﷿: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ الآية</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-388>[ما لم يذكر تحريمه من الأطعمة]</span>\nقال ابن عباس -﵁-: ماتت شاة لسَودة، فقال رسول اللَّه -ﷺ-: \"لم لا أخذتم مَسْكها فدبغتموه، فإنما قال اللَّه ﷿: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ [الأنعام: ١٤٥]، وإنكم لا تطعمونه\" (^١).\nوقيل لجابر بن زيد: إنهم يزعمون أن رسول اللَّه -ﷺ- نهى عن لحوم الحُمر الأهلية، فقال: قد كان الحَكَم بن عمرو الغفاري (^٢) يقول ذلك عندنا بالبصرة، ولكن أباهُ البحر -يعني ابن عباس -﵁- وقرأ: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ (^٣).\nوقال القاسم: كانت عائشة -﵂- لا ترى بأسًا بأكل لحوم الحمر الأهلية، ولحوم السباع، وقلت: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾.\n_________\n(^١) رواه الإمام أحمد في مسنده برقم ٣٠٢٦.\n(^٢) الحكم بن عمرو الغفاري، قال ابن سعد في الطبقات (٧/ ٣٦٦): \"صحب النبي -ﷺ- حتى قبض، ثم تحول إلى البصرة فنزلها، فولاه زياد بن أبي سفيان خراسان، فخرج إليها، فلم يزل بها واليًا حتى مات بها سنة خمسين، في ولاية معاوية بن أبي سفيان\".\n(^٣) رواه البخاري برقم ٥٥٢٩، كتاب: الذبائح والصيد، باب: لحوم الحمر الإنسية.","vol":"1","page":536},{"text":"وسئل ابن عمر عن القُنفذ، فقال: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ إلى آخر الآية، فقال له إنسان: إن أبا هريرة يرويه عن النبي -ﷺ- ويقول: \"هو خبيثة من الخبائث\"، فقال ابن عمر: إن قاله النبي -ﷺ- فهو كما قال (^١).\nقال القاضي: قلت: وإن صح ذلك عن أبي هريرة فإنما أراد الخبيث الطعم والمنفعة، وما أراه يصح.\nوقال محمد بن جُحادة: سألت الشعبي عن لحم الفيل والأسد، فقرأ: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ إلى آخر الآية (^٢).\nوقد كان أهل الجاهلية يحرمون أشياء ويستحلون أشياء، نحو قوله عنهم: ﴿هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ﴾ [الأنعام: ١٣٨]، ﴿وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا﴾ [الأنعام: ١٣٩] وغير ذلك، فيجوز أن يكون اللَّه ﵎ أراد بقوله: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ﴾ يعني سائر ما حرموه، ومع ذلك فلا حرام إلا ما حرم اللَّه، وتحريم رسول اللَّه -ﷺ- لأكل الحمار الأهلي ولحوم السباع يوجب الامتناع وطاعة السنة واتباع الرواية شفقة من رسول اللَّه -ﷺ-، وحسن نظر لنا لشيء علمه وهو الممنوع، فممنوع بالفرض، وممنوع بالندب لعلة مأخوذ به لا يبلغ به ما أجمع عليه، واللَّه أعلم بما أراد.\n* * *\n_________\n(^١) رواه أبو داود برقم ٣٧٩٩، كتاب: الأطعمة، باب: في أكل حشرات الأرض.\n(^٢) الذي وقفت عليه ما في مصنف عبد الرزاق برقم ٨٧٦٩، كتاب: المناسك، باب: الفيل وأكل لحم الفيل، عن الثوري، عن جابر: سألتُ الشعبي عن لحم الفيل فتلا: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾.","vol":"1","page":537},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-389>١٤٥ - قال اللَّه ﷿: ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾</span>\nقالت عائشة رضوان اللَّه عليها: الدم المسفوح دون ما عداه، وتلت الآية.\nوقال جماعة ممن فسر الآية بمثل ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-390>[النجاسة المعفو عنها]</span>\nولذلك جازت الصلاة في الثوب فيه القليل من الدم، ولذلك صلى سعيد بن المسيب وقد رعف، وهو يَفْتِلُ الدم، ولما سال خرج فغسله ورجع فبنى (^١).\nوقال ابن عباس: إذا كان الدم فاحشًا فعليه الإعادة، يعني إذا كان في الثوب، وإذا كان قليلًا فليس عليه الإعادة (^٢)، وهذا مع قول ابن عباس: إن الثوب لا ينجس، ولكنه أراد الاحتياط، ولم يحمله على مر القياس.\nوقال ابن سيرين عن يحيى بن الجزّار: إن ابن مسعود صلى وعلى بطنه فرث ودم، قال: فلم يعد الصلاة (^٣).\n_________\n(^١) رواه مالك في الموطما برواية يحيى، رقم ٩٠، كتاب: الصلاة، ما جاء فى الرعاف بدون ذكر قتل الدم.\n(^٢) رواه البيهقي في السنن الكبرى برقم ٤١٠٠، كتاب: الصلاة، جماع أبواب الصلاة بالنجاسة، باب: ما يجب غسله من الدم.\n(^٣) رواه عبد الرزاق في مصنفه برقم ٤٥٩، كتاب: الطهارة، باب: مس اللحم النيئ والدم؛ وابن أبي شيبة في مصنفه برقم ٣٩٥٤، كتاب: الصلوات، في الرجل يصلي وفي ثوبه أو جسده دم.","vol":"1","page":538},{"text":"فأما الفرث فطاهر، وأما الدم فإذا لم يك سائلًا خرج عن اسم المسفوح.\nوقال الحسين مثل ذلك، وإبراهيم أيضًا، وكلهم فرقوا بين قليل البول وقليل الدم، فأجازوا الصلاة في الدم، وأمروا بالإعادة من البول في الوقت، وهو قول مالك -﵁-.\nوقال بعضهم: يعيد أبدًا في البول خاصة.\n* * *","vol":"1","page":539},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-391>١٥٢ - قال اللَّه جل وعلا: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾</span>\nلا ينبغي أن يغتنم من مال اليتيم شيئًا ولا يرتفق به، والتي هي أحسن أن يتّجر له ويستنميَ له، ولا يقترض من ماله، ولا يشتري من نفسه لنفسه، وما أشبه هذا.\n* * *","vol":"1","page":540},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-392>١٥٣ - قال اللَّه جل وعز: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾</span>\nقال عبد اللَّه بن مسعود -﵁-: خط لنا رسول اللَّه -ﷺ- خطًا، وخط عن يمينه وعن شماله خطوطًا، وقال: \"هذا سبيلي، وهذه سُبُل، وعلى كل سبيل منها شيطان يدعو إليه\"، ثم تلا هذه الآية: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا﴾ (^١) يعني الخط، ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾ يعني الخطوط، ﴿فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾.\nوقال عبد اللَّه بن عمر بن الخطاب -﵁- لعبد اللَّه بن مسعود: يا أبا عبد الرحمن ما الصراط المستقيم؟ قال: هو ورب الكعبة الذي ثبت عليه أبوك حتى دخل الجنة، ثم حلف على ذلك ثلاثة أيمان.\nوقال مجاهد، وزيد بن أسلم: صراط اللَّه: الإسلام والسنة، والسبل: البدع والأهواء (^٢).\n* * *\n_________\n(^١) رواه الإمام أحمد في مسنده برقم ٤١٤٢.\n(^٢) رواه عن مجاهد ابن جرير في تفسيره (٥/ ٣٩٦).","vol":"1","page":541},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-393>١٥٩ - قال اللَّه ﷿: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ﴾</span>\nقال الحسن البصري: خرج علينا عثمان بن عفان يومًا فخطبَنا، فقطعوا عليه خطبته، وتراموا بالبطحاء، حتى جعلتُ ما أبصر أديم السماء، وسمعنا صوتًا من بعض حُجر أزواج النبي -ﷺ-، فقيل: هذا صوت أم المؤمنين، وهي أم سلمة، فسمعتها وهي تقول: ألا إن نبيكم قد برئ ممن فرق دينه واحتزب، وتلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ﴾ (^١).\nوقال أبو أمامة الباهلي عن النبي -ﷺ-: \"هم الخوارج\".\nوأول الخوارج، وأول البدع الذين خرجوا على عثمان فقتلوه، وقد ذكر أبو غالب عن أبي أمامة الحديث بطوله، وأن بني إسرائيل افترقت على إحدى وسبعين فرقة، وأن أمته -ﷺ- تزيد عليها فرقة، كلها في النار إلا السواد الأعظم (^٢).\n_________\n(^١) أورده الشاطبي في الاعتصام (١/ ٨٠ - ٨١) ونقل بعده عن القاضي إسماعيل قوله: \"أحسبه يعني بقوله أم المؤمنين أم سلمة، وأن ذلك قد ذكر في بعض الحديث، وقد كانت عائشة في ذلك الوقت حاجة\"، وقوله: \"ظاهر القرآن يدل على أن كل من ابتدع في الدين بدعة من الخوارج وغيرهم فهو داخل في هذه الآية، لأنهم إذا ابتدعوا تجادلوا وتخاصموا وكانوا شِيَعًا\".\n(^٢) تقدم تخريجه (١/ ٢٩٦).","vol":"1","page":542},{"text":"والقرآن يدل على أن كل من ابتدع في الدين بدعة فهو من الخوارج، لأنهم إذا ابتدعوا تجادلوا وتفرقوا فكانوا شيعًا، فمن قدر منهم على الخروج خرج، ومن عجز فسيفه في قلبه، واللَّه بمنّه يقمعه ويمنعه.\n* * *","vol":"1","page":543},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-394>سورة الأعراف</span>","vol":"1","page":545},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-395>٣١ - ٣٢ - قال اللَّه ﷿: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ إلى قوله عز من قائل: ﴿نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-396>[سبب النزول]</span>\nقال المفسرون جميعًا ممن انتهى إلينا تفسيره: إنهم كانوا يطوفون بالبيت عراة، العرب دون الحُمْس، الرجال والنساء، حتى كانت المرأة تغطّي فرجها وتقول:\nاليوم يبدو (^١) بعضُه أو كلّه ... فما بدا منه فلا أُحِلُّه\nفنزلت: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ (^٢).\nوقوله: ﴿مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾، دليل على أنهم كانوا يحرِّمون على أنفسهم ما وصف عنهم من لبس الزينة، ولم يختلف المفسرون أنه قصد بذلك أن يستر الإنسان نفسَه ما يلزمه ستره، ولم يقصد به الصلاة.\nوزعم الشافعي: أنه أريد به الصلاة (^٣)، وليس له في ذلك متقدِّم.\n_________\n(^١) في الأصل: يبدوا.\n(^٢) رواه مسلم كتاب: التفسير، باب: قوله تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ (٨/ ٢٤٣).\n(^٣) الأم (١/ ١٠٨ - ١٠٩ ط المعرفة).","vol":"1","page":547},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-397>[ستر العَورَة]</span>\nولما كان ستر العورة من فرض البدن، فيجوز للرجل أن يصليَ في ثوب واحد، لأنه يستر ما أمره اللَّه بستره، والمرأة في دِرْع (^١) سابغ وخِمار، وهو أقلُّ ما أمرها اللَّه بستره من بدنها، والأمَة في ثوب وخمار.\nولم يكن هذا من فرض الصلاة، وإنما هو من فرض الأبدان ووافق الصلاةَ (^٢)، لأنه لو كان من فرض الصلاة كالوضوء كما شَبّهَهُ الشافعي، لكان إذا لم يجد الثوب لم يُصلِّ، كما أنه إذا لم يجد الماء ولا الصعيد لم يَصَلّ.\nفإن قال قائل متأخر: يصلي ويعيد، فقد أمره بصلاة لا تجزئه ولا تنفعه، وهو آثم فيها، لأن رسول اللَّه -ﷺ- قال: \"لا يقبل اللَّه صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول\" (^٣).\n_________\n(^١) دِرْعُ المرأة: قميصُها، لسان العرب (٥/ ٢٣٦).\n(^٢) هذا أحد القولين في المذهب، قال القاضي عبد الوهاب في الإشراف (١/ ٢٥٩): \"اختلف أصحابنا في ستر العورة في الصلاة، فمنهم من يقول: إنها من شرط صحتها مع الذكر والقدرة، فإن لم يقدر عليها صلى عريانًا وأجزأته، وكذلك إن نسي، وإن صلى مكشوف العورة عالمًا بأن له ما يسترها، قادرًا على ذلك، فإن صلاته باطلة. ومنهم من يقول: إنها واجبة مفترَضة وليست من شرط الصحة، فإن صلى مكشوف العورة عالمًا عامدًا كان عاصيًا آثمًا، إلا أن الفرض قد سقط عنه\"، ثم أتى بأدلة كل قول فليراجع، وحكى المازري في شرح التلقين (٢/ ٨٦٨ - ٨٦٩) عنه عزو هذا الخلاف فقال: \"وأما ستر العورة في الصلاة فقال القاضي أبو محمد ﵀: اختلف أصحابنا في ذلك، فذهب القاضيان إسماعيل وابن بكير والأبهري إلى أن ذلك من سنن الصلاة، وذهب أبو الفرج إلى أن ذلك من فروض الصلاة\".\n(^٣) تقدم تخريجه (١/ ٢٦٧).","vol":"1","page":548},{"text":"وقال عمر، وعلي، والتابعون ممن فسر الآيات وانتهى إلينا تفسيره: إن الأَمَة تصلي كما تخرج إلى الناس (^١)، فيدل على موافقةِ الفرضِ ما أُمرت به من السِّتر، وإنما احتذى أمر اللَّه ﵎ بستره، واللَّه أعلم.\nولا أدري الوجه الذي شبّه الشافعي فيه الثيابَ بالطهارة في الإيجاب للصلاة، وقد قال رسول اللَّه -ﷺ-: \"لا يقبل اللَّه الصلاة بغير طهور\"، وأجمع على ذلك فقهاء الأمصار ومن قبلهم، وأجمعوا على جواز صلاة العُريان عند الضرورة (^٢).\nفإن قال: فإن لم تكن ضرورة وصلى، ولُبْسُ اللِّباس من فرض الصلاة؟\nقيل: هذا رجل تهاون بأمر اللَّه، وخالف آداب اللَّه، ولعب بصلاته، فأبطلنا عليه صلاته لهذه العلة عقوبة على فعله، وكذا يفعل في كل شيء خولف فيه أمر اللَّه وأمر رسول اللَّه -ﷺ-، ألا ترى أنّا نفعل ذلك في البيع بعد النّداء الثاني يوم الجمعة، ويفرَّق بين من خطب على خِطبة أخيه، وذلك إذا رَكَنَت المرأة إلى الرجل، وتوافقا على إيقاع العقد وعزيمته، فأما إذا كانت الخطبة ولم تكن إجابة فليس الذي أراد النبي، ويحارَب من ترك السّنن عامدًا ومعاندًا لغير سبب ولا عذر، وتعداد هذا يكثر، وفيما مضى كفاية لمن عقل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-398>[طهارة الثوب]</span>\nثم زعم الشافعي أيضًا أن الثوب يكون طاهرًا (^٣).\n_________\n(^١) روي أيضا عن مسروق، وشريح، والحارث، والشعبي، انظر مصنف ابن أبي شيبة، كتاب صلاة التطوع والإمامة وأبواب متفرقة، في الأمة تصلي بغير خمار.\n(^٢) الإشراف للقاضي عبد الوهاب (١/ ٢٦٠).\n(^٣) الأم (١/ ١٠٨ - ١٠٩) (ط المعرفة).","vol":"1","page":549},{"text":"قال ابن عباس لمن سأله، وسعيد بن جبير: اقرأ عليَّ آية في طهارة الثياب، منكِرًا لذلك.\nوتأوّل الشافعي: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ١٤] وهذا مما يدل على علمه (^١) باللغة، لأن اللَّه ﷿ قال: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ [المدثر: ١ - ١٥] وهل يجوز أن تُجعل الثيابُ بين الأمر بالإنذار وهجر إبليس؟ وإنما هو: قلبك فطهر، وهذا أول ما نزل على رسول اللَّه -ﷺ- من القرآن، وبه بُعث ولا فرْضَ بعدُ، وإنما قيل له بعد: واهجر إبليس، ولربك فاصبر على ما يلحقك، يكون بين ذلك اغسل ثيابك، هذا لو قاله رجل منا لاسْتُضعف، جلَّ ربنا عن ذلك، وقال الشاعر:\nوإني بحمد اللَّه لا ثوبَ فاجرٍ ... لبِستُ ولا من غَدْرَة أتَقَنَّعُ (^٢)\nوقال بعضهم ممن تكلف الكلام في هذه المسألة: إن لم يقدر على الماء والصعيد صلّى ولم يُعِد (^٣)، وهو قول من لا يعرِف الأصول كيف وُضعت، ولو جاز هذا لكانت الحائِضُ تصلّي، وإنما سقطت الصلاة عنها لعجزها عن الطهارة، ولعل الرواية خطأٌ، وإنما فرض اللَّه السُّترة لا للصلاة لحقوق البدن، فإذا لم يقدر عليه لم يسقط الفرض.\nوقال ابن عباس -﵁- في طهارة الثياب: أربع لا تنجس: الثوب، والأرض، والماء، والإنسان.\nوأجاز ابن عباس وأصحابه الصلاة في الثوب النجس ولم يرَوا الإعادة، ورأى مالك الإعادة في الوقت استِحبابًا، لأن الوقت من فرض الصلاة، والثوب\n_________\n(^١) كذا في الأصل، وسياقها هو: الرد على الشافعي وبيان خطأ تأوله.\n(^٢) عزاه ابن جرير في تفسير قوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ لغيلان بن سلمة الثقفي.\n(^٣) هو قول أشهب من المالكية، الإشراف (١/ ١٦٩).","vol":"1","page":550},{"text":"من سُنَّتها، وكذلك طهارَتُه، فما صُلِّيَ في الوقت أفضل مما يُعيده في غير الوقت، إذ كانت الإعادة ناقصةَ الفرض تامة السُّنن، والأولى كاملةَ الفرض ناقصةَ السنن، فلذلك أمره في الوقت، ولم يوجبها في خروج الوقت، وقال ذلك استحبابًا، لم يرَهُ إيجابًا، واللَّه أعلم.\nوفي هذا الباب حِجاج كثير، وحديث يطول ذكره، وكذا في سائر الأحكام، وإنما قصدنا للاختصار ليقْرُب من الفَهم، نفعنا اللَّه والمسلمين به.\n* * *","vol":"1","page":551},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-399>٣٣ - قال اللَّه ﷿: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾</span>\nوقال في سورة الأنعام: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ [الآية: ١٥١].\nقال ابن عباس، وعليُّ بن الحسَين، ومجاهد، وقتادة: ﴿مَا ظَهَرَ﴾: نكاحُ الأم (^١)، ويدخل في ذلك كل المحرَّمات بالنَّسَب والصِّهْر والرَّضاع، ﴿وَمَا بَطَنَ﴾: ويدخل في ذلك كل مُحرَّم من الخَمر والقِمار وكلِّ معصية يُستَسَرُّ بها، واللَّه أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) انظر تفسير ابن أبي حاتم (٥/ ١٤١٦ - ١٤١٧).","vol":"1","page":552},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-400>١٥٧ - قال اللَّه ﷿: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾</span>\nهذه الآية مثل قوله: ﴿وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ في سورة البقرة (١)، والإصر في تلك الآية كانت: ما ألزمهم، ورحمنا فأزاله عنا، وهو قوله: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٨٤]، ألزمها من كان قبلنا لأنهم أبَوْها، وخفَّف عنا فلم نُلزَم إلا ما عمِلنا دون ما حدّثتنا به أنفُسُنا.\nوأما الأغلال التي كانت عليهم وهي باقية: فالبول، وتجنُّب الحائِض، وما يَناله يدُها، والعهود التي ألزمها، واللَّه أعلم.\n* * *","vol":"1","page":553},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-401>٢٠٤ - قال اللَّه ﷿: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-402>[سبب النزول]</span>\nقال عبد اللَّه بن مسعود، وأبو هريرة، وسعيد بن المُسيِّب، وأسلَمُ، وأبو العالية، والزُّهري، والحسن، والنخَعي، ومحمد بن كعب القُرَظي، والشَّعبي، والضَّحاك، ومعاوية بن قُرَّة (^١)، وقَتادة، ومُجاهِد: إن هذه الآية نزلت في الصلاة، وزاد مجاهد: في الخُطبة (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-403>[القراءة خلف الإمام]</span>\nوقد ألزم بعض الناس المصلين قراءةَ أم الكتاب خلف الإمام بحديث عن عُبادة، وصله ابن إسحاق (^٣)، ووقَفه ابن عَون (^٤)، وفَرْقُ ما بين ابن عون وابن إسحاق (^٥) غيرُ خَفِيّ.\n_________\n(^١) في الأصل: مرة، والصواب ما أثبته، وهو أبو إياس، صعاوية بن قرة بن إياس بن هلال المزني البصري، توفي سنة ١١٣. تقريب التهذيب (ص ٥٣٨).\n(^٢) انظر تفسير ابن جرير (٦/ ١٦١ - ١٦٤)، وتفسير ابن أبي حاتم (٥/ ١٦٤٥ - ١٦٤٦).\n(^٣) في الأصل: أبو إسحاق، والصواب ما أثبته.\n(^٤) طريق محمد بن إسحاق أخرجها أبو داود في سننه برقم ٨٢٣، كتاب: الصلاة، باب: من ترك القراءة في صلاته (ت الأرناؤوط)، والترمذي في سننه برقم ٣١١، أبواب: الصلاة، باب: ما جاء في القراءة خلف الإمام، وقال: \"حديث عبادة حديث حسن\"، وطريق أبن عون أخرجها عبد الرزاق في المصنف برقم ٢٧٧١، عن جعفر بن سليمان، عن ابن عون قال: حدثنا رجاء بن حَيْوَة قال: صليت إلى جنب عُبادة بن الصامت، فسمعته يقرأ خلف الإمام، فلما قضينا صلاتنا قلنا: يا أبا الوليد، أتقرأ مع الإمام؟ قال: \"ويحك إنه لا صلاة إلا بها\".\n(^٥) في الأصل هنا أيضًا: أبي إسحاق.","vol":"1","page":554},{"text":"وقد حدَّث الزُّهْري عن محمود بن الربيع بهذا الحديث، وقال: \"فهي خِداج\"، والخِداج: الناقص عند العرب، ليس تقضي هذه الكلمة بُطُولَ الصلاة، والذي خلف الإمام (^١) حكمُه في القراءة حكم الإمام، لأن اللَّه ﷿ قال: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾، فأَشْرَك ﵎ بين القارئ والمنصِت المستمع في الرحمة، لأن كلّ واحد منهما عاملٌ بما أَمَرَه به الإمامُ بالقراءة، والمأموم بالإنصات والاستماع.\nومن يستمع ولا يسمع، فقد قالى عثمان بن عفان: للمُنصِت الذي لا يسمَع من الأجر مثل ما للسامع المنصت (^٢) وإنما ذلك لأن على الإنسان أن يستمع ويُنصِت، ليس عليه أن يسمع، قال اللَّه ﵎: ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾ [يونس: ٨٨ - ٨٩]، فجعل هارون داعيًا، وإنما أمَّن، ولذلك عُلِّمنا أن نقول: آمينَ، إذا قرأ الإمام وقال: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧]، لنُشاركه، فإذا قرأنا فقد غَنِينا عن التأمين، لأن التأمين إنما يكون على دعاء غيري (^٣) لا نَشركه في دعائه.\nومما يدلُّ أيضًا على زَوال فرض القراءة عن المأموم، أن النبي -ﷺ- عَلَّم الرجل في الصلاة فقال: \"كبِّر واقرأ، ثم اركَع، ثم افعَل كذا\" (^٤)، فأمره بالقراءة\n_________\n(^١) في الأصل: الصلاة.\n(^٢) رواه مالك في الموطإ برواية يحيى، برقم ٢٧٥، كتاب: الصلاة، ما جاء في الإنصات يوم الجمعة والإمام يخطب.\n(^٣) كذا في الأصل، والمراد: دعاء الغير.\n(^٤) متفق عليه من حديث أبي هريرة -﵁-، رواه البخاري في صحيحه برقم ٧٥٧، كتاب: الأذان، باب: وجوب القراءة للإمام والمأموم، ومسلم (٢/ ١٠ - ١١)، كتاب: الصلاة، باب: وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة، ويسمى عند العلماء: حديث المسيء صلاته.","vol":"1","page":555},{"text":"كما أمره بالركوع، وعَلَّم الذين وراء الإمام فقال لهم: \"إذا كبَّر فكبِّروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا قال كذا فافعلوا كذا\" (^١)، ولم يأمرهم بالقراءة كما أمر المنفرد.\nوجاءه أبو بَكرة نُفَيعٌ فلحِق الركوع فركع ودَبَّ (^٢)، ولو كانت القراءة من الفروض لأمره بإعادة الركعة، فأجزأته صلاته، وأجمعت الأمة على ذلك.\nفإن قال قائل: فإن القيام فرض، فلما سقَط عنه في هذه الركعة سقَطَت عنه القراءة.\nقيل له: إنما كان القيامُ مفروضًا للقِراءةِ، والاستماعِ للقِراءة، فإذا انقضى فرضُ القِراءة زال فرض القيام، فلما لم يكن على المأموم القراءةُ سقط فرض القيام لهما.\nفإن قيل: فلمَ لا يسقُط فرض القيام في غير هذه الركعة عن المأموم؟\nقيل: لم يزُل ذلك عنه، لقول النبي -ﷺ-: \"جُعِل الإمام ليُؤْتَمَّ به\" (^٣)، فعليه أن يفعل مثل أفعاله ولا يخالفَه في شيء منها، ويستمع لقراءته إن كان يجهر، والركعة الأولى إنما صار له إمامٌ بعد فَوْت القيام واستماع القراءة.\nوقد روى مالك، عن أبي نُعَيْم وهْب بن كَيسان، أنه سمع جابر بن عبد اللَّه يقول: من صلى ركعة لم يقرأ فيها بأم الكتاب فلم يُصَلِّ إلا وراء إمام (^٤).\n_________\n(^١) متفق عليه من حديث أبي هريرة -﵁-، رواه البخاري برقم ٧٣٤، كتاب الصلاة، باب الصلاة في السطوح والمنبر والخشب، ومسلم في صحيحه (٢/ ١٩)، كتاب الصلاة، باب: ائتمام المأموم بالإمام، ومن حديث أنس بن مالك -﵁-، في المواضع السابقة.\n(^٢) رواه البخاري برقم في صحيحه ٧٨٣، كتاب: الأذان، باب: إذا ركع دون الصف.\n(^٣) من حديث: \"فإذا كبر فكبروا. . . \" المتقدم تخريجه قريبًا.\n(^٤) الموطأ برواية يحيى برقم ٢٢٣، كتاب: الصلاة، ما جاء في أمر القرآن؛ والترمذي في سننه برقم ٣١٣، أبواب: الصلاة، باب: ما جاء في ترك القراءة خلف الإمام، وقال: \"حسن صحيح\".","vol":"1","page":556},{"text":"والزُّهْري روى حديثَ محمود بن الربيع، عن عُبادة وفَهْمه، وكان يقرأ خلف الإمام فيما خافت فيه، وكان لا يقرأ فيما جهَر.\nوكيف يجوز لذي لُبٍّ أن يتوهَّم أن النبي -ﷺ- يُعَلِّم أصحابَه أن الصلاة لا تُجزِئهم إلا بقراءة، وهم يُصَلّون معه خمسَ صلوات في كل يوم وليلة، ثم يخالفه أصحابه الذين صلوا معه وفقهاءُ الناس منهم؟ هذا ما لا ينبغي أن يتوهَّمه ذو دِين ومعرفة.\nوقد روى مالك عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبي السائب مولى هشام بن زهرة، عن أبي هريرة -﵁-: قال رسول اللَّه -ﷺ-: \"من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خِداج، غيرُ تَمام\"، قال: قلت: يا أبا هريرة، إني أحيانًا أكون وراء الإمام، قال: اقرأ بها يا فارسي في نفسك (^١). ولم يذكر أبو هريرة صلاة جهر.\nوقد يجوز أن يكون ذلك في الصلاة العَجْماء، ولو كان في الجهر لجاز، لأن القراءة في النفس عرْض على القلب، ولا بأس بعرْض المأموم قراءة الإمام على قلبه، فإنه مع الاستماع زيادةُ تَعَلُّم.\nوجاء عن ابن عباس -﵁- أنه أمر بالقراءة، وجاء عنه أنه نهى عن القراءة خلف الإمام، فجاز أن يكون الأمر في المخافتة، واللَّه أعلم.\nوقد روى سفيان، عن الزهري، عن محمود بن الربيع، عن عُبادة، أن النبي -ﷺ- قال: \"لا صلاة لمن لم يقرأ بأم الكتاب\" (^٢).\n_________\n(^١) من حديث: \"قسمت الصلاة بيني وبين عبدي\"، تقدم تخريجه (١/ ٧٠).\n(^٢) رواه البخاري في صحيحه برقم ٧٥٦، كتاب: الأذان، باب: وجوب القراءة لإمام والمأموم في الصلوات كلها، ومسلم في صحيحه (٢/ ٨ - ٩)، كتاب: الصلاة، باب: وجوب قراءة الفاتحة.","vol":"1","page":557},{"text":"وروى يونس، عن الزهري، عن محمود، عن عُبادة، عن النبى -ﷺ- أنه مثل ذلك (^١)، ويجوز أن يكون المُنفرِد.\nوروى زيد بن أسلم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: \"إنما جعل الإمام ليُؤْتَم به، فإذا كبَّر فكبروا، وإذا قرأ فأنصتوا\" (^٢).\nوقال أبو الدَّرْداء نحو ذلك (^٣).\nوقال سليمان التَّيْمي، عن حِطّان الرَّقاشي، عن الأشعري، عن النبي -ﷺ-: \"إذا قرأ الإمام فأنْصِتوا\" (^٤).\nوقال أبو الزبير: عن جابر -﵁- أن النبي -ﷺ- قال: \"من كان له إمام، فقراءة الإمام له قراءة\" (^٥).\nوقال عبد اللَّه بن شدّاد عن النبي -ﷺ- مثل ذلك.\n_________\n(^١) رواه مسلم في الموضع السابق.\n(^٢) الطريق التي ساقها المصنف أخرجها أحمد في مسنده برقم ٩٤٣٨، وابن ماجه في سننه برقم ٨٤٦، أبواب: إقامة الصلوات، باب: إذا قرأ الإمام فأنصتوا.\n(^٣) روي عن أبي الدرداء مرفوعًا وموقوفا، أخرجه أحمد في مسنده برقم ٢١٧٢٠، والنسائي في مسنده برقم ٩٢٣، كتاب: الافتتاح، اكتفاء المأموم بقراءة الإمام، أن رجلًا قال: يا رسول اللَّه، أفي كل صلاة قراءة؟ قال: \"نعم\"، فقال رجل من الأنصار: وجبَت هذه. ورجَّح النسائي وقفه، فقال عقب روايته مرفوعًا: هذا عن رسول اللَّه -ﷺ- خطأ، إنما هو قول أبي الدرداء.\n(^٤) الحديث من طريق سليمان التيمي، عن حطان لم أقف عليه، ورواه مسلم في صحيحه من طريق يونس بن جبير عن حطان، ومن طريق هشام، عن سليمان التيمي، عن قتادة، (٢/ ١٤ - ١٥)، كتاب: الصلاة، باب: التشهد في الصلاة، فاللَّه أعلم.\n(^٥) رواه الإمام أحمد في مسنده برقم ١٤٦٤٣، وابن ماجه في سننه برقم ٨٥٠، أبواب: إقامة الصلوات، باب: إذا قرأ الإمام فأنصتوا.","vol":"1","page":558},{"text":"وقال عِمران بن حصين: صلينا مع النبي -ﷺ- الظهر أو العصر، فلما انصرف قال: \"أيكُّم قرأ بسبِّح؟ \" قال رجل: أنا، ولم أُرِد إلا الخير، فقال ﵇: \"قد عرفت أن بعضكم خالَجَنيها\" (^١).\nوقال أبو الأحوص، عن عبد اللَّه (^٢): كنا نقرأ خلف النبي -ﷺ-، قال: \"خَلّطتُم عليَّ القرآن\" (^٣).\nوقال عبد اللَّه بن أبي ليلى، عن علي -﵁-: من قرأ خلف الإمام فقد أخطأ الفطرة (^٤).\nقال بَكْر: وهو أخو عبد الرحمن بن أبي ليلى.\nوقال ابن عَجْلان: إن عثمان، وعليًا، وزيدَ بن ثابت، وابن مسعود، بنَ عبد اللَّه، وابن عمر كانوا لا يقرؤون خلف الإمام.\nوروى سعيد، عن منصور، عن أبي وائِل قال: قال عبد اللَّه بن مسعود -﵁-: أنصِت لقراءة الإمام فإنّ لك فيها شُغُلًا (^٥).\nوقال سعدُ بن أبي وقاص: وددت أن الذي يقرأ خلف الإمام في فيه جَمرة (^٦).\n_________\n(^١) رواه مسلم في صحيحه (٢/ ١١)، كتاب: الصلاة، باب: نهي المأموم عن الجهر بالقراءة.\n(^٢) هو ابن مسعود كما في مصدر التخريج الآتي.\n(^٣) رواه الإمام أحمد في مسنده برقم ٤٣٠٩.\n(^٤) رواه عبد الرزاق في المصنف، برقم ٢٨٠١، كتاب: الصلاة، باب: القراءة خلف الإمام، وابن أبي شيبة في مصمنفه برقم ٣٨٠٢، كتاب: الصلاة، باب: من كره القراءة خلف الإمام.\n(^٥) رواه عبد الرزاق في مصنفه برقم ٢٨٠٣، الموضع السابق، وابن أبي شيبة في مصنفه عن أبي الأحوص به، برقم ٣٨٠١، الموضع السابق.\n(^٦) رواه ابن أبي شيبة في مصنفه برقم ٣٨٠٣، الموضع السابق.","vol":"1","page":559},{"text":"وقال عطاءُ بن يسار، عن زيد بن ثابت: لا قِراءة خلف الإمام (^١).\nوروي عنه أنه قال: من قرأ خلف الإمام فلا صلاة له (^٢).\nومالك، عن نافع، عن ابن عمر: إذا صلى أحدكم خلف الإمام فحسبه قراءةُ الإمام، وإذا صلّى وحدَه فليقرأ (^٣).\nوروى شعبة، عن عبد اللَّه بن دينار، عن ابن عمر مثله.\nوقال عبيد اللَّه بن مِقْسَم: سألتُ جابرَ بن عبد اللَّه عن القراءة فقال: حَسبُك قراءةُ الإمام (^٤).\nفأما من نهى عن القراءة خلف الإمام فيما يُجهر فيه، وفيما يُخافَت، من التابعين وغيرهم فيكثُر ذِكره ويطول.\nوقد روى مالك، عن ابن شهاب، عن ابن أُكَيْمة (^٥) الليثي، عن أبي هريرة أن النبي -ﷺ- انصرف من صلاةٍ جهَرَ فيها بالقراءة، فقال: \"هل قرأ معي منكم (^٦) أحد آنفًا؟ \" فقال رجل: نعم يا رسول اللَّه، فقال: \"إني أقول: ما لي\n_________\n(^١) رواه مسلم في صحيحه (٢/ ٨٨)، كتاب: المساجد ومواضع الصلاة، باب: سجود التلاوة.\n(^٢) رواه عبد الرزاق في المصنف برقم ٢٨٠٢، الموضع السابق، وابن أبي شيبة في مصنفه برقم ٣٨٠٩، الموضع السابق أيضًا.\n(^٣) الموطأ رواية يحيى برقم ٢٢٨، كتاب: الصلاة، ترك القراءة خلف الإمام فيما يجهر فيه.\n(^٤) رواه عبد الرزاق في مصنفه برقم ٢٨١٩، كتاب الصلاة، باب: القراءة خلف الإمام، وابن أبي شيبة في مصنفه برقم ٣٨٠٧، كتاب: الصلاة، من كره القراءة خلف الإمام.\n(^٥) أُكَيْمَة بالتصغير، واسمه عُمارة، بضم أوله والتخفيف كما ضبطه الحافظ في تقريب التهذيب (ص ٤٠٨).\n(^٦) في الأصل: معكم.","vol":"1","page":560},{"text":"أنازَع القرآن! \"، قال أبو هريرة -﵁-: فانتهى الناس عن القراءة فيما جهر فيه رسول اللَّه -ﷺ- بالقراءة من الصلوات، حين سمعوا ذلك من رسول اللَّه -ﷺ- (^١).\nوقال عُبيد (^٢) اللَّه بن أبي رافع: إن عليًا كان يقول: اقرأ في الظهر والعصر خلف الإمام في كلِّ رَكعة بأمِّ القرآن وسورة (^٣).\nوكان القاسم بن محمد، وجماعة من نُظَرائه مثلُ: عروةَ وغيرِه (^٤)، يقرؤون في الظهر والعصر خلف الإمام، ولا يقرؤون فيما سِوى ذلك، فيَتَوَهَّم مُتَوَهِّم أن هؤلاء الذين وَصفناهم من الصحابة والتابعين أضاعوا فَرْضَ اللَّه في الصلاة التي يُصَلّونها في كل يوم وليلة خمسَ مرات، وجهِلوا ما أَمَرَ به رسولُ اللَّه -ﷺ- وعَلَّمَه إياهم من الصلاة المفترَضَة عليهم.\nوقد حُكي عن بعض من يقول بالقراءة، أنه احتج بحديث الحسن، عن سَمُرة أنه كان للنبي -ﷺ- سَكْتَتان في صَلاته (^٥)، وأنهما جعِلتا لأنْ (^٦) يقرأ مَن\n_________\n(^١) الموطأ برواية يحيى برقم ٢٣٠، كتاب: الصلاة، ترك القراءة خلف الإمام فيما يجهر فيه.\n(^٢) في الأصل: عبد، وهو المدنيُّ مولى النبي -ﷺ-، وكاتب علي -﵁-، تقريب التهذيب (ص ٣٧٠).\n(^٣) رواه ابن أبي شيبة في مصنفه برقم ٣٧٧٤، كتاب: الصلاة، من رخص في القراءة خلف الإمام.\n(^٤) كنافع بن جبير بن مطعم، انظر الرواية عنه في الموطأ برواية يحيى، كتاب: الصلاة، باب: القراءة خلف الإمام فيما لا يجهر فيه بالقراءة.\n(^٥) رواه الإمام أحمد برقم ٢٠٢٢٨ و٢٠٢٤٣، وأبو داود (ت الأرناؤوط) برقم ٧٧٨، كتاب: الصلاة، باب: السكتة عند الافتتاح، وابن ماجه برقم ٨٨٤، أبواب: إقامة الصلوات والسنة فيها، باب: إذا قرأ الإمام فأنصتوا.\n(^٦) في الأصل: الان.","vol":"1","page":561},{"text":"خلف الإمام، فتأوّل في حديثٍ لم يُسمَع، وإنما أُخِذ من صَحيفة بتأويلٍ أخطأ فيه (^١)، ولم نرَ إمامًا من الخاصة والعامة سكت بحد قراءة أم الكتاب سكوتًا يمكن فيه قراءة، وإنما سكت العراقيون بعد التكبيرة الأولى لشيء رَوَوه عن عمر: سبحانك اللهم وبحمدك (^٢)، وأهل المدينة يُنكرون ذلك ولا يرون سكوتًا أولًا ولا ثانيًا (^٣).\nوقد روى أبو هريرة -﵁- أنه قال للنبي -ﷺ- في سكتة سكتها في بعض الصلوات: سَكتتك هذه ما هي؟ فقال: \"أقول: اللهم بعِّد بيني وبين ذنوبي كما بعَّدت بين المشرق والمغرب، واغسلني بالثلج والماء والبَرَد، ونقِّني من الذنوب كما يُنقّى الثوبُ من الدَّنَس\" (^٤)، وذكر سكتة واحدة، وأحسبها كانت في صلاة واحدة، ولم يقل: سكت لنقرأ.\nثم زعم هذا الرجل أن الإمام يقرأ فيها، فجعل الإمامَ يقرأُ بعد قراءة المأموم، فجعل الإمامَ مأمومًا، وقد قال النبي -ﷺ-: \"جُعل الإمام ليؤتَمّ به، فإذا كبَّر فكبِّروا، ولا تكبِّروا حتى يكبِّر، وإذا ركع فاركعوا، ولا تركعوا حتى يركَع، وإذا قرأ فأنصتوا\" (^٥).\nفجعل الشافعيُّ الإمام تابِعًا للمأموم، وقد جعله النبي -ﷺ- مَتبوعًا، وكَلَّف الإمامَ ما لا يُطاق من وقفة بعد قراءة فاتحة الكتاب لمن يقرأ، ولعل الجماعة قد\n_________\n(^١) هو الإمام الشافعي كما سيذكر المصنف بعد قليل، انظر: الأم.\n(^٢) رواه مسلم في صحيحه (٢/ ١٢)، كتاب: الصلاة، باب: من قال: لا يجهر بالبسملة.\n(^٣) في المدونة (١/ ٦٢): وكان مالك لا يرى هذا الذي يقول الناس: سبحانك اللهم وبحمدك، تبارك اسمك، وتعالى جدُّك، ولا إله غيرُك، وكان لا يعرفه.\n(^٤) متفق عليه، رواه البخاري في صحيحه برقم ٧٤٤، كتاب: الأذان، باب: ما يقول بعد التكبير، ومسلم في صحيحه (٢/ ٩٨)، كتاب: المساجد ومواضع الصلاة، باب: ما يقال بين تكبيرة الإحرام والقراءة.\n(^٥) تقدم.","vol":"1","page":562},{"text":"قرؤوا إن كانوا ممن يرى القراءة، وفيهم خفيفُ القراءة وثقيلُ القراءة، فجعل في الصلاة شيئًا لا لعِلَّةٍ ولا يُنتفَع به، ولا عُلِّمناه في صَلاتنا، فجعل الإمامَ يصلّي صلاة خَوفٍ من غير خَوف، بتقدُّم المأموم ببعضِها عليه!\nثم زعم هذا القائل بهذا القول، أن فرض القراءة على المأموم، لأن كل مصلٍّ (^١) يصلي لنفسه.\nثم زعم أن الفَصيح إذا قرأ فأصاب، ولَحَن إمامُه لحنًا يُزيل المعنى، وهو ممن لا يَلحَن، أن صلاةَ الإمام مجزئة وعلى المأموم الإعادة. ثم قال في الجمعة: لا يقرأ خلف الإمام. ولا أعلم فرقًا بين الجمعة وغيرها من الصلوات!\nثم زعم أن الذِّمِّي إذا أَمَّ مسلِمًا بطلت صلاةُ المسلمِ، فإذا كانت صلاته لنفسه لا تَشارُك فيها، فلِم تَبطل وقد أقامها بسُنَّتها وفرائِضها؟\nثم زعم مع ذلك أنه يجوز أن يصليَ المتطوِّعُ بالمُفترِض، واحتجَّ بأن مُعاذًا -﵁- كان يصلي مع النبي -ﷺ- فريضَته ثم يرجع إلى قومه فيصلي بهم (^٢)، فأَوْهَم أن معاذًا كان يصلي فريضته مع النبي -ﷺ- ثم يؤُمُّ قومَه متطَوِّعًا، وليس هذا في الحديث، ولا أدري كيف يجتَرئ على أن يظن فيجعلَه يقينًا، ومعاذ -﵁- كان يصلي بقومه قبل أُحُد في أول الهجرة، وشُكِيَ إلى النبي -ﷺ- وأنه يُطَوِّل، فأمره بقراءة سُوَر قِصار من المفَصَّل.\nقال القاضي: والذي عندنا أن معاذًا كان يصلّي مع النبي -ﷺ- نافلةً ليُدرِك فضْلَ دُعائه ﵇، ويصلي الفريضة بقومه، ودعوانا في الحديث أوضح من دعواه.\n_________\n(^١) في الأصل: مصلي.\n(^٢) رواه البخاري في صحيحه برقم ٧٠١، كتاب: الأذان، باب: إذا طول الإمام وكان للرجل حاجة، ومسلم في صحيحه (٢/ ٤٢)، كتاب: الصلاة، باب: القراءة في العشاء.","vol":"1","page":563},{"text":"٣٧ - وقد حدثنا إبراهيم بن فهد، وأخبرنا إسماعيل بن إسحاق، قالا: حدثنا عبد اللَّه بن مسلمة القعنبي، قال: حدثنا سليمان بن بلال، عن عمرو بن يحيى المازني، عن معاذ بن رِفاعة الزُّرَقي، أن رجلًا من بني سلمة يقال له سليم أتى رسول اللَّه -ﷺ- فقال: يا رسول اللَّه، إنا نَظلُّ في أعمالنا فنأتي حين نُمسي، فيأتي معاذٌ فينادي بالصلاة، فنأتيه فيطوِّل علينا، فقال رسول اللَّه -ﷺ-: \"يا معاذ لا تكن فتانًا، إما أن تصلي معي، وإما أن تخفِّف عن قومك\"، ثم قال: \"يا سليم ما معك من القرآن؟ \" قال: معي أني أسأل اللَّه الجنة وأعوذ به من النار، واللَّه ما أُحسِن دَندنتك ولا دندنة معاذ، فقال رسول اللَّه -ﷺ-: \"هل تصير دندنتي ودندنة معاذ إلا أن نسألَ اللَّه الجنة ونعوذَ به من النار؟ \" ولكن سترون هذا غدًا إذا التقى القوم (^١)، -وكانوا يُجهِّزون لأُحد- فخرج سليم فاستشهد (^٢).\nفكان قوله -ﷺ-: \"إما أن تصلّيَ معي\" -وهو يعلم أنه يصلي معه- يريد صلاة الفرض، حتى آمُرَ غيرَك يصلي بالقوم، أو تُخفف بقومك وتتنفل معي، لأن المتنفِّلَ الصلاةِ تجوز خلف المفترض (^٣)، ألا ترى أنا أجمعنا على أن من دخل المسجد وقد صلى في بيته أنه يصلّي مع الناس، وصلاته تطوع (^٤)، ولم نر فريضة أجاز الأئمة كونها خلف المتنفِّل، إلا ما ادعاه الشافعي بغير حُجّة ولا أثر بيِّن.\nوهذا الحديث يدل على أن ذلك كان في أول الهجرة، ومن يحفظ القرآن قليل. وقد روى أبو هريرة، وابن عمر، وأبو سعيد الخدري، فأما أبو هريرة\n_________\n(^١) قوله: ولكن. . . يفيد أنه من كلام النبي -ﷺ-، وفي مصدر التخريج: ثم قال سليم: سَتَرَوْن غدًا. . .\n(^٢) رواه الإمام أحمد -﵁- في مسنده برقم ٢٠٦٩٩.\n(^٣) كذا في الأصلى، والمعنى: أن التنفل بالصلاة يجوز خلف الإمام المفترض.\n(^٤) في الأصل: تطوعا.","vol":"1","page":564},{"text":"فإسلامه بعد أُحُد بسنين، وأما ابن عمر وأبو سعيد وجابر فكلهم يوم أُحُد غير بالغ، وعائشة -﵂- رَوَت، وكانت يوم أُحُد لعشر سنين أو لإحدى عشرة سنة، أن النبي -ﷺ- قال: \"صلاة الجماعة تزيد على صلاة المنفرد بضعًا (^١) وعشرين درجة\" (^٢).\nفتبين بهذا وبما قدمنا ذكره، أن الإمام والمأموم شُركاء في الصلاة، وليس يجوز الاشتراك إلا فيما تستوي فيه النيات، لأن رسول اللَّه -ﷺ- قال: \"لَتُسَوُّنَّ صفوفكم، أو لَيُخالفَنّ اللَّهُ بين وُجوهكم\" (^٣)، أفتراه صلى اللَّه عليه يأمرهم بهذا في الصفوف التي لو اختلفت لكانت الصلاةُ تامة عند الأمة إذا كانوا يأتمون بإمامهم، ويُبيحهم اختلاف النيات، فيكون الإمام يصلي صلاة والمأموم يصلي غيرها، هذا ما لا يظنه ذو عقل ورَوِيَّة.\nوقد عَيَّر اللَّه قومًا في غير الصلاة فقال: ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾ [الحشر: ١٤]، والصلاةُ من أجَلِّ الفرائض، وقد فُضِّل الاجتماع فيها، أفيجوز ذلك على أن قلوبهم مختلفة؟ فأيُّ اجتماع هذا؟ !\n_________\n(^١) في الأصل: بضع.\n(^٢) حديث أبي هريرة متفق عليه، رواه البخاري في صحيحه برقم ٦٤٧، كتاب: الأذان، باب: فضل صلاة الجماعة، ومسلم في صحيحه في مواطن منها: (٢/ ١٢٨) كتاب: المساجد ومواضع الصلاة، باب: فضل صلاة الجماعة وانتظار الصلاة، وكذلك حديث ابن عمر، رواه البخاري في صحيحه برقم ٦٤٥، الموضع السابق، ومسلم في صحيحه (٢/ ١٢٢)، كتاب: المساجد، باب: فضل صلاة الجماعة والتشديد في التخلف عنها، وأما حديث أبي سعيد فرواه البخاري في صحيحه برقم ٦٤٦ في الموضع السابق، وأما حديث عائشة فرواه الإمام أحمد في مسنده برقم ٢٤٢٢١، والنسائي في سننه برقم ٨٣٩، كتاب: الإمامة، فضل الجماعة.\n(^٣) متفق عليه من حديث النعمان بن بشير -﵁-، رواه البخاري في صحيحه برقم ٧١٧، كتاب: الأذان، باب: تسوية الصفوف عند الإقامة وبعدها، ومسلم في صحيحه (٢/ ٣١)، كتاب: الصلاة، باب: تسوية الصفوف وإقامتها.","vol":"1","page":565},{"text":"وإذا صلى الإمام الظهرَ ومَن وراءَه العصر، أجزأته صلاته وعليهم الإعادة، لأنهم صلوا ولا إمام لهم في صلاتهم تلك، وصلى الإمام وحْدَه فتمَّت صلاته وفسدت صلاتهم، لأنهم ائتموا بمن ليس هو لهم بإمام.\nولو كان يجوز ما قاله هذا الرجل ما احتيج إلى صلاة الخوف، وكان النبي -ﷺ- يصلي بطائفة الفرض، وبطائفة متطوعًا، ويكون للمتطوِّع مثلُ ثَواب المفترض خمسةً وعشرين درجة، وهذا منافٍ (^١) لقول رسول اللَّه -ﷺ-: \"صلاةُ المَرء في بيته أفضلُ من صَلاته في مسجدي هذا إلا الفَرض\" (^٢).\nوهذه المسألة يكثر شَغَبُها والاحتجاج فيها، والاختصار أولى، وفي ذلك كفاية إن شاء اللَّه ﷿.\nوقال زيد بن ثابت عن النبي -ﷺ-: \"أفضل صلاة المرء فى بيته إلا المكتوبة\" (^٣).\nوقال: \"صلاةُ المرء في بيته تَفْضُلُ على صلاته حيث يَراه الناس كفَضْل الجميع في الفرض على صلاة الرَّجل وحده\" (^٤).\nوسئل النبي -ﷺ-[فقال] (^٥): \"أحبُّ الصلاة إلى اللَّه صلاة المَرء في بيته، مُرخًى عليه ستوره، يناجي ربّه\".\n_________\n(^١) في الأصل: منافي.\n(^٢) أخرجه بلفظ المصنِّف أبو داود في سننه برقم ١٠٤٤، كتاب: الصلاة، صلاة الرجل التطوع في بيته، عن زيد بن ثابت -﵁-، (ت الأرناؤوط)، بقوله: \"المكتوبة\" بدل \"الفرض\".\n(^٣) متفق عليه، رواه البخاري برقم ٧٣١، كتاب: الأذان، باب: صلاة الليل، ومسلم (٢/ ١٨٨)، كتاب: المساجد ومواضع الصلاة، باب: استحباب صلاة النافلة في بيته.\n(^٤) رواه الطبراني في معجمه الكبير برقم ٧٣٢٢.\n(^٥) سقطت من الأصل.","vol":"1","page":566},{"text":"وما تطوَّع النبي -ﷺ- في المسجد قطُّ إلا في رمضان ليَسُنَّ ذلك، ثم خَشِي أن تُفرَض فترَكها، فسَنَّها عمرُ -﵁- وجمَع الناسَ عليها، وقال: انقطع الوحي، وأمِنّا أن تُفرَض.\nفهذه أشياء كلها، لو عرفها الشافعي ولم تغِب عنه لترك قولَه، واللَّه أعلم.\n* * *","vol":"1","page":567},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-404>سورة الأنفال</span>","vol":"1","page":569},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-405>١ - قال اللَّه ﷿: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ الآية</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-406>[سبب النزول]</span>\nهذه الآية نزلت يوم بدر، وهي أول غَزاة كانت فيها غَنيمة، وكان النبي -ﷺ- قال لهم: \"من قتل قتيلًا فله كذا، ومن أسر أسيرًا فله كذا\" (^١)، وكان سعدٌ أصاب سيفًا، فأراد أن ينفله، فافترق الناس يومئذ ثلاث فرق، فرقة انفردت بالعدو والقتال، وفرقة أحاطت بالغنائم لما تخلى العدو عنها هاربًا، وفرقة أحاطت برسول اللَّه -ﷺ-، فلما رجع الذين لحقوا بالعدو قالوا: لنا النَّفَل، نحن طلبنا العدو، وبنا نَفاهم اللَّه وهزمهم، وقال الذين أحدقوا برسول اللَّه -ﷺ-: ما أنتم بأحقَّ به منا، بل هو لنا، نحن أحدقنا برسول اللَّه -ﷺ- ألا ينال العدوُّ منه غِرَّة، وقال الذين استولوا على العسكر والنَّهْب: فواللَّه ما أنتم بأحقَّ به منا، بل هو لنا، نحن حويناه، واستولينا عليه، وتنازع سعدٌ ورجلٌ من الأنصار في السيف الذي أخذه سعد، فأنزل اللَّه ﷿: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، فقسمه رسول اللَّه -ﷺ- عن وفاق (^٢).\n_________\n(^١) رواه أبو داود برقم ٢٧٣٨، كتاب: الجهاد، باب: في النفل، (ت الأرناؤوط)، عن ابن عباس -﵁-.\n(^٢) كذا بالأصل، وفي المصدر: على فواق. رواه الإمام أحمد برقم ٢٢٧٦٢ عن عبادة بن الصامت -﵁-.","vol":"1","page":571},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-407>[مم يكون النفل</span>؟]\nوكان بعد ذلك يُنَفِّل في البداءة، وإذا نفلوا وأخذ رسول اللَّه -ﷺ- يوم حُنين وبرة من جنب بعير فقال: \"يا أيُّها الناس، ما لي فيما أفاء اللَّه عليكم إلا الخُمُس، والخُمُس مردود عليكم، فأدّوا الخِياط والمَخيط، وإياكم والغُلول، فإنه عارٌ على أهله يوم القيامة\" (^١)، وقال: \"وعليكم بالجِهاد في سبيل اللَّه فإنه باب من أبواب الجنة، ويُذهب اللَّه به الغَمّ والهَمّ\" (^٢).\nوقيل: كان رسول اللَّه -ﷺ- يكره الأنفال ويقول: \"لِيَرُدَّ مُقْوي المؤمنين على ضعيفهم\" (^٣).\nوروى ذلك أبو أمامة الباهلي، وعُبادة بن الصامت، وأنس، وابن عباس، وغيرهم بتقارب المعاني فيه، وروى سعد بعضه.\nوروى عُبادةُ أنّ النبي -ﷺ- نَفَّل في البداءة الربع، وفي الرجعة الثلث (^٤). ووافقه جماعة في هذه الرواية، ثم اختلفوا بعد رسول اللَّه -ﷺ-، فقال قوم: لا نَفَل بعد رسول اللَّه صلى اللَّه عليه، وقال آخرون: ذلك منسوخ بقوله ﷿: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾، فيعلم أن الأربعة الأخماس قد استحقها الجيش.\nوقال النبي -ﷺ- وسئل عن الغنيمة فقال: \"للَّه خُمُسها، وللجيش أربعةُ أخماس\"، قيل: فهل أحد أحق به من أحد؟ قال: \"لا ولا السهم تنزعه من\n_________\n(^١) من حديث رواه الإمام أحمد برقم ٦٧٢٩، وأبو داود برقم ٢٦٩٤، كتاب: الجهاد، باب: في فداء الأسير بالمال (ت الأرناؤوط)، عن عبد اللَّه بن عمرو -﵁-.\n(^٢) رواه الإمام أحمد في مواطن منها رقم ٢٢٧١٩، عن عُبادة بن الصامت -﵁-.\n(^٣) من حديث عبادة في اختلاف الصحابة في المغنم المتقدم قريبًا.\n(^٤) من حديث الاختلاف المتقدم أيضًا.","vol":"1","page":572},{"text":"جنبك فلست بأحقَّ به من أخيك المُسلِم\" (^١)، فجاء هذا الحديث، وحديث عُبادة، وعبد اللَّه بن عمرو، مؤكِّدًا لأربعة الأخماس، فلم يَبقَ للسلَب والنَّفَل موضع إلا من الخمس، وجاز أن يكون منه لقول اللَّه: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾، فالرسول ﵇ يجتهد فيه، فيَصْرفه ويضعه حيث أراه اللَّه، لأن قوله: ﴿لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾، فإنما أريد به أنه يصرف في مرضاة اللَّه ومرضاة الرسول -ﷺ-.\nوقال سعيد بن المسيب: إنما كان النَّفَل من الخمس، ولا نفل إلا من الخمس.\nونفل أنس بن مالك في بعض المغازي، فأعطاه أمير السرية، فأبى أن يأخذ إلا من الخمس بعد القسم، وقد كان إلى النبي -ﷺ- فنسخ ذلك بما جعل للجيش، وجعل إلى النبي -ﷺ- الخمس يصنع فيه ما شاء، فصار الخمس بمنزلة الأنفال التي كانت ببدر، وتنفل النبي -ﷺ- من بدر سيفه ذا الفقار.\nومما يبين ذلك، أن النبي -ﷺ- أعطى المؤَلّفةَ يوم حُنَين من الخمس، فلو لم يكن إليه أن يعطيَ إلا من شيء هو له، وهو خُمُس الخمُس على ما قال الشافعي (^٢)، لم يجُز له أن يعطيَ المؤلفة، إذ لم يُسَم (^٣) اللَّه لهم في الخمس شيئًا، وسمى لهم في الصدقات ولم يُروَ أنه أعطاهم من الصدقات شيئًا قلَّ ولا كثر، ولم يكن له أن يقول: \"مَن قَتَل قتيلًا له عليه بَيِّنَة فله سلَبهُ\" (^٤) في شيء قد\n_________\n(^١) رواه البيهقي في السنن الكبرى في مواطن منها رقم ١٢٨٦٢، كتاب: قسم الفيء والغنيمة، باب: إخراج الخمس من رأس الغنيمة، (ط العلمية).\n(^٢) الأم (٤/ ١٥١).\n(^٣) في الأصل: يسمى.\n(^٤) من حديث متفق عليه، رواه البخاري في صحيحه برقم ٣١٤٢، كتاب: فرض الخمس، باب: من لم يخمس الأسلاب، ومسلم (٥/ ١٤٧)، كتاب: الجهاد والسير، باب: استحقاق القاتل سلب القتيل، عن أبي قتادة -﵁-.","vol":"1","page":573},{"text":"سُمِّيَ لقوم بأعيانهم، فكان إلى الرسول -ﷺ- قسمته ووضعه فيما يراه من المسلمين وغيرهم، إذ كان كله له، ومعنى له: يحكم فيه، فيدفع منه إلى المسلمين وغيرهم، ألا تراه -ﷺ- قال: \"ما لي مما أفاء اللَّه عليكم إلا الخمُس، وهو مردود عليكم\" (^١).\nومثل هذا مثل قوله: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ [البقرة: ٩٨]، فذُكِرا في الجملة ثم خُصّا بالذكر، كذلك خَصّ ذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل.\nوكذلك قال تبارك اسمه: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ [الفلق: ١ - ٢]، فجمع كل شيء ثم خَص النفاثات في العقد والحاسد، ومثل هذا كثير في القرآن، فكأنه قيل: للَّه وللرسول فيما يراه من المسمَّين وغيرهم.\nوقال محمد بن مَسلمة: ومما يبين ذلك قول النبي -ﷺ-: \"يذهب كِسْرى فلا كِسْرى بعدَهُ، وإذا ذهبَ قَيْصرُ فلا قَيْصرَ بعدُ، أمَا والذي نفسي بيده لتُنْفَقَنّ كنوزُهما في سبيل اللَّه (^٢)، فإذا كانت كنوزهما قد أُخذت عُنوة ومَلَك الجيش أربعة أخماسه، وهل يُنفَق في سبيل اللَّه إلا الخمس، ولم يُسمّ سبيل اللَّه لا في القربى ولا في الخمس، ولكنه كان مما إلى الرسول -ﷺ- وولاة الأمر من بعده وهم المخاطَبون، فبَيَّن ﵇ واستنّوا به.\nومما يبين أن ذلك إلى الرسول -ﷺ-، أنه لم يُذكر في الصدقات، ولم يُعْطِ الرسول -ﷺ- منها إلا من سُمي بحسب الاجتهاد في ذلك.\n_________\n(^١) تقدم.\n(^٢) متفق عليه من حديث أبي هريرة -﵁-، رواه البخاري في مواطن كثيرة منها رقم ٣١٢٠، كتاب: فرض الخمس، باب: قول النبي -ﷺ-: \"أحلت لكم الغنائم\"، ومسلم (٨/ ١٨٧)، كتاب: الفتن وأشراط الساعة، باب: لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل.","vol":"1","page":574},{"text":"ومما يبين ذلك أيضًا، إعطاء المؤلفة السلَبَ، ولو كان مقصودًا على قوم لم يعدل به عنهم.\nومما يبين ذلك أيضًا قوله في القرآن: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾ [الحشر: ٧]، جعله إلى الرسول مجمَلًا ثم ردَّه مفرّقًا فقال: ﴿وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]، فبين أن الرسول -ﷺ- يقسمه فيما يراه من تفضّل وزيادة، لقوله: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾، ولو كانت في تلك الوجوه لم يقل: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾، وقد حصلت لقوم مُسمَّين.\nفإن قال قائل: إن حديث أبي قَتادة يدلُّ على أن السّلَب ليس من الخمس، لأنه لو كان من الخمُس لقومٍ ذكر (^١) ذلك في الحديث.\nقيل له: ليس كل شيء كان ذكر في الحديث، وإنما أتى في الحديث ما يُحتاج إليه، وترك الباقي لمعرفة الناس به، وأنه يفعل ذلك كله فيما جُعل إليه دون ما استحقَّه قومٌ لجهادهم، ألا تراه -ﷺ- يشفع إلى الناس في أسارى حنين، وأمر العُرفاء (^٢) أن يُعرِّفوه أجوبة الناس، ليَعلم أنهم قد أذنوا في ذلك، فجعل إعطاء المؤلفة قلوبهم وحديث أبي قتادة على ما تدلُّ عليه الشواهد والدلائل.\nوقد قال ابن عمر بأجود الأسانيد: \"وجهنا (^٣) رسول اللَّه -ﷺ- بعيرًا بعيرًا\"، فقد عُلم بهذا أنه نفلهم من الخمس.\n_________\n(^١) في الأصل: وذكر.\n(^٢) العُرَفاء: قال في اللسان (١٠/ ١١١): \"جمع عريف، وهو القَيِّم بأمور القبيلة أو الجماعة من الناس، يَلي أمورهم، ويتعرف الأميرُ منه أحوالَهم، فعيل بمعنى فاعل، والعِرافة عملُه\".\n(^٣) كذا في الأصل، والصواب: نفلنا.","vol":"1","page":575},{"text":"وزعم الشافعي أن ذلك من خمس الخمس، وهو مما لرسول اللَّه -ﷺ- (^١)، وهو خطأ من جهات منها: أنه لم يعرف الحساب، لأن السهمين إذا كانت اثنا عشر بعيرًا، عُلم أن الخُمُسَ ثلاثةُ أباعِر، وكيف يكون خُمسَ ثلاثة واحدٌ، ومن العجب أنه جعل لرسول اللَّه -ﷺ- منه ما (^٢) يقاسِم به الأيتامَ والمساكين، ولم يرفع رسول اللَّه -ﷺ- عن مشاركة المساكين والأيتام، وجعله لهم نظيرًا، والوجه الثالث: الرد على رسول اللَّه -ﷺ- قوله، لأنه قال: \"لي الخُمُسُ كلُّهُ، وهو مردود عليكم\"، وإنما يأخذ من الدنيا ما يكفيه وعيالَه بالمعروف، بل دون الكفاية ترفعًا وتنزهًا عن الدنيا، إذ كانت حقيرة عند اللَّه حين قال جل من قائل: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ﴾ [الزخرف: ٣٣] إلى آخر الآية، وإنما أعطاه مفاتيحَ خزائنِ الأرض لعلمه بأنْ سيردها، فيدخر له ذلك في آخرته.\nوأما قول الشافعي في قوله -ﷺ-: \"من قتل قتيلًا فله سلَبه\" (^٣)، وأن ذلك على العموم، فواضح الخطأ، لأن رسول اللَّه -ﷺ- قد غزا غزوات كثيرة وقع فيها مغانم، ولم يقل ذلك إلا مرة واحدة، فقد يجوز أن يكون ذلك في ذلك اليوم وحده، وليس على الوجوب على مر الدهور.\nألا تراه قال لخالد: \"أعطه\"، ثم قال: \"لا تعطه\"، لأن أبا قتادة (^٤) كان خاطبه في أمر المددي القاتل وهدده، فلما قال أبو قتادة لخالد: ألم أَفِ لك يا خالد؟ قال: \"لا تعطه\"، ولو كان واجبًا ما عاقب بقول أبي قتادة فمنع، وإنما\n_________\n(^١) الأم (٤/ ١٥٥).\n(^٢) في الأصل: منهما.\n(^٣) تقدم قريبًا.\n(^٤) الحادث وقع لعوف بن مالك الأشجعي الأنصاري كما ذكرت المصادر المتعددة، كما لم يذكر المترجمون أن كنيته أبا قتادة.","vol":"1","page":576},{"text":"كان له أن يتفضل به، فلما تسبّب (^١) بما يقدح في الإمارة منعه، ألا تراه قال ﵇ عقيب ذلك: \"ما لكم وأمرائي، إنما لكم صفوة أمرهم، وعليهم كدَره\" (^٢).\nولو كان السلب على العموم، لما جاز للإمام أن يُدخل الأسلاب في القَسْم ويوقفها لأهلها، إذا كان كل مقتول له قاتل لا محالة، وما أقل ما تطرد أقاويل هذا الرجل إذا انفرد بمقالة!\nوأما قسم الخُمُس، فقد كُفيناه بما تكلم به القاضي إسماعيل في كتابه كفاية، واللَّه أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) غير واضحة في الأصل.\n(^٢) رواه مسلم (٥/ ١٤٩)، كتاب: الجهاد والسير، باب: استحقاق القاتل سلب القتيل.","vol":"1","page":577},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-408>١٦ - قال اللَّه ﷿: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ﴾</span>\nقال أبو سعيد الخدري: نزلت هذه الآية يوم بدر، ولم يكن لهم فئة ينحازون إليها، لأن الفئة رسول اللَّه -ﷺ-، وهو معهم، فليس يجوز لهم التولي عنه، ولا أن يرغبوا بأنفسهم عن نفسه إذا حضر، ثم زال ذلك في بعوثه، وصار المسلمون بعد بدر ينحازون إلى فئة (^١).\nوقال ابن عمر: كنت في جيش فلقينا العدو فانحرفنا، فقلنا يا رسول اللَّه: نحن الفَرّارون؟ قال: \"بل أنتم العَكّارون، بل أنتم العَكّارون، لا تفعلوا، أنا فئتكم\" (^٢).\nوقال عمر -﵁-: أنا فِئَتكم، وأنا فِئة كل مُسلم (^٣).\nوقال عطاء: هذه الآية منسوخة (^٤).\n_________\n(^١) رواه ابن جرير في تفسيره (٦/ ٢٠٠).\n(^٢) رواه الإمام أحمد في مسنده في مواطن منها رقم ٥٣٨٤، وأبو داود برقم ٢٦٤٧، كتاب: الجهاد، في التولي يوم الزحف (ت الأرناؤوط)، والترمذي برقم ١٧١٦، أبواب: الجهاد، باب: ما جاء في الفرار من الزحف، وقال: \"هذا حديث حسن، لا نعرفه إلا من حديث يزيد بن أبي زياد\"، وقال أيضًا: \"والعَكَّار: الذي يفر إلى إمامه لينصره، ليس يريد الفرار من الزحف\"، وأصله في اللغة من العكر، وهو: الكَرُّ، فيُرى أنه فَرَّ، لكنه يعطف ويكِرُّ على العدو، انظر اللسان (١٠/ ٢٤٠).\n(^٣) رواه ابن جرير في تفسيره (٦/ ٢٠١)، وابن أبي حاتم تفسير (٥/ ١٦٧١).\n(^٤) رواه ابن جرير في الموضع السابق.","vol":"1","page":578},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-409>٤١ - قال اللَّه ﷿: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾</span>\nهذه الآية وواجباتها، في جزء لإسماعيل، فيها كفاية.\n* * *","vol":"1","page":579},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-410>٦٦ - قال اللَّه ﷿: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾</span>\nقال ابن عباس -﵁-: أُمِروا إذا كانوا عشرين ألا يفِرّوا من مائتين، وأن يثبتوا ويصبروا، ثم خفّف عنهم، فأُمِروا ألا يفرَّ مائة من مائتين، وجعل لقلب المؤمن من القوة ما لرجلين من الكفار، فقال ابن عباس -﵁-: إن فرَّ رجلٌ من رجلين فقد فرَّ، وإن فرَّ من ثلاثة فلم يَفِرَّ.\nوقال ابن شُبرُمة: والأمر بالمعروف والنهي هكذا، فإذا صبر المسلمون على مِثلَيهم من العدد أورَثهم الصَّبرُ النصرَ، وَفّى اللَّه ﷿ لهم بما وعد من الغلَبة، وباللَّه التوفيق.\n* * *","vol":"1","page":580},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-411>٦٧ - قال اللَّه ﵎: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-412>[سبب النزول]</span>\nقال مجاهد: كان عمر بن الخطاب -﵁- يرى الرأي فيوافق رأيه ما ينزل من القرآن، فلما كان يوم بدر شاور رسول اللَّه -ﷺ- الناس في الأسارى، فقال: لا تقتُلْم، وخذ منهم الفداء، فقال عمر -﵁-: اقتُلهم، والإثخان: القتل (^١)، فنزلت الآية.\nوقال عبد اللَّه بن مسعود -رواه أبو معاوية، عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن أبي عبيدة، عن عبد اللَّه-: لما كان يوم بدر قال رسول اللَّه -ﷺ-: \"ما ترون في الأسرى؟ \"، فقال أبو بكر -﵁-: قومُك وأهلك، اسْتَبْقِهم لعل اللَّه أن يتوب عليهم، وقال عمر -﵁-: يا رسول اللَّه، كذّبوك وأخرجوك وقاتلوك قدِّمهم نضرب (^٢) أعناقهم، وقال عبد اللَّه بن رواحة: يا رسول اللَّه، تنظر واديًا كثير الحطب فأضرمه عليهم نارًا، فقال العباس: ما تقول قَطَعتك رَحِمُك؟ ! قال: فدخل رسول اللَّه -ﷺ- ولم يرد عليهم شيئًا، فقال أناس: يأخذ بقول أبي بكر، وقال ناس: يأخذ بقول عمر، وقال أناس: يأخذ بقول عبد اللَّه بن رواحة.\n_________\n(^١) الإثخان: القتل، من كلام مجاهد، رواه عنه ابن جرير (٦/ ٢٨٦)، وابن أبي حاتم (٥/ ١٧٣٢)، وروى الأثر بتمامه ابن أبي شيبة في مصنفه برقم ٣٣٩٣٦، كتاب: السير، باب: من كره الفداء بالدراهم وغيرها.\n(^٢) في الأصل: فضرب، والتصويب من مصدر التخريج.","vol":"1","page":581},{"text":"فخرج رسول اللَّه -ﷺ- وقال: \"إنّ اللَّه ليُلَيِّن قلوبَ رجال حتى تكونَ أَلْيَنَ من اللين، وإن اللَّه ليشدِّد قلوبَ رجال حتى تكونَ أشدَّ من الحِجارة، مثَلُك يا أبا بكرٍ مثَلُ إبراهيم ﵇ قال: ﴿فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٣٦]، ومثلك يا أبا بكر مثل عيسى ﵇ حيث يقول: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٨]، ومثَلك يا عمر كَمَثل نوح صلى اللَّه عليه قال: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح: ٢٦]، ومثَلك يا عمر مثل موسى ﵇ إذ يقول: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [يونس: ٨٨]، أنتم عالة، فلا يَنفَلتَنّ منهم أحدٌ إلا بفِداء أو ضرب عنُق\"، فقال عبد اللَّه -يعني ابن مسعود-: يا رسول اللَّه، إلا سهيل بن بيضاء، فإني سمعته يذكر الإسلام، فسكت رسول اللَّه -ﷺ-، قال: فما رأيتني في يوم أخوف مني في ذلك اليوم أن تقع علي الحجارة من السماء، حتى قال الرسول -ﷺ-: \"إلا سهيل بن بيضاء\"، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ الآيتين (^١).\nقال القاضي: فقد كان سبق في علم اللَّه وكتبه فيما جرى به القلم، أن سيحل ذلك لرسول اللَّه -ﷺ-، وأعلمه ذلك، ولم يُنكره عليه، وقد كان سبق الكتاب بالمغفرة لأهل بدر وكلِّ ما فعلوه، وسبقت لهم الشهادة، وسبق حكمه ألا يعذب أحدًا على شيء قبل أن يَتَقَدّم إليهم فيه، ولم يكن تَقدم فيهم، فأخبر ﷿ أنه لو لم يكن أحلَّها لهم، أو كان قد تقدم بالنهي لعذبهم، لأن الأمم كانت قبلهم لا تَحل لهم الغنائمُ والفداء، فكانوا يحرقونها، بل قيل: كانت نار\n_________\n(^١) رواه الإمام أحمد في مسنده برقم ٣٦٣٢، والترمذي مختصرًا برقم ٣٠٨٤، أبواب: تفسير القرآن، باب: ومن سورة الأنفال، وقال: \"هذا حديث حسن، وأبو عبيدة لم يسمع من أبيه\".","vol":"1","page":582},{"text":"من السماء تأتي فتحرقها، ولذلك قال رسول اللَّه -ﷺ-: \"أحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، ونُصرتُ بالرعب من مسيرة شهر\"، روى ذلك حذيفة بن اليماني، وأبو هريرة، وغيرهما (^١).\nوكان كلام أبي بكر موافقًا لغيب اللَّه فيهم، فأسلم أُسارى بدر كلُّهم، وحسُن إسلامهم، وحُمِدت مقامتهم، ولم يمُت منهم أحدٌ على كُفر.\n* * *\n_________\n(^١) رواه مسلم في صحيحه (٢/ ٦٣)، كتاب: المساجد ومواضع الصلاة عن أبي هريرة -﵁-، والبخاري برقم ٤٣٨، كتاب: الصلاة، باب: قول النبي -ﷺ-: \"جعلت لي الأرض\"، ومسلم في الموضع السابق، عن جابر -﵁-.","vol":"1","page":583},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-413>٧٣ - قال اللَّه ﵎: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾</span>\nقال أبو مالك، قال: قال رجل: نورث أرحامنا من المشركين، فنزلت: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ (^١).\nوهذا في المواريث جعلها أبو مالك، ويدخل في هذا المعنى: الموالاة والمعاقدة، فمن والى قومًا ودخل في جملتهم فهو منهم، وإن كان الكفر كلُّه عندنا ملة واحدة، كلهم كافر، فكفرهم يفترق على ضروب: فالنصارى جنس، وهم كفرة ومن تولاهم، فمن لم يلزمه اسم الإيمان فهو منهم، وكذلك اليهود، وكذلك المجوس والصابئون كلهم كافر، وكلٌّ له مذهب في كفره.\nوأما قول اللَّه ﷿: ﴿وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ [الحج: ١٧]، فهم العرب الذين لا يقبل منهم الجزية، ليس فيهم غير القتل أو الإسلام، إلا من دخل منهم في المِلَل المأمور بأخذ الجزية منها قبل البعث، فأولئك منهم وحكمهم كحكمهم، لأنه قد كان في ربيعة النصرانية، وكان في اليمن اليهودية، وكان في تميم المجوسية في طائفة منهم، لاختلاطهم بالأكاسرة، وكانت قريش وكنانة وقيس وعيلان ومن جاورهم عبدة أوثان، فمن بُعث النبيُّ -ﷺ- وهو من قوم فهو منهم، تؤخذ منهم الجزية كما تؤخذ منهم، ذلك الأمر عندنا، واللَّه أعلم (^٢).\n_________\n(^١) رواه ابن جرير في تفسيره (٦/ ٢٩٧)، ورَوى عن ابن عباس قولَه: نزلت في مواريث مشركي أهل العهد، الموضع السابق.\n(^٢) بعد هذا كتب ناسخ الأصل: تم الجزء الأول من مختصر أحكام القرآن، من كتاب =","vol":"1","page":584},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-414>٧٥ - قال اللَّه ﷿: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-415>[أساس الموارثة]</span>\nهذه الآية ناسخةٌ ما كان قبْلَها من الموارثات بالحلف والهجرة، وصارت الموارثة بالإسلام والمساواة في الملة.\nوقد قال بعض العراقيين: إنه يُوَرِّثُ بهذه الآية ذوي الأرحام دون المَوالي فقالوا: لو أن رجلًا أعتق عبدًا، فمات المُعتَقُ وترك مولاه الذي أعتقه، وترك خالته وعمته، أن المال للخالة والعمة دون المَولى.\nوإنما نزلت هذه الآية لأنهم كانوا يتوارثون بالحلف، ثم صارت الموارثة بالهجرة بقوله ﷿: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ﴾ [الأحزاب: ٦]، فكان الرجل يموت فيُخلِّف ابنًا أو أخًا، ثم يهاجر وابن عم له هجرة، فيرثه دون أولئك.\nوكذلك كان بالحلف قبل الهجرة، وكان الرجل يحالف الرجل فيقول: ترثني وأرثك، فلما فُتحت مكة وجاء الناس يدخلون في الإسلام أفواجًا، نسخ اللَّه ذلك بهذه الآية (^١)، فصار الناس يتوارثون بالإسلام خاصة، وبطل ما كان قبل\n_________\n= القاضي إسماعيل بن إسحاق، اختصار القاضي أبي الفضل بكر بن محمد بن العلاء القشيري البصري رحمة اللَّه عليه، رحم اللَّه كاتبه وقارئه وكاسبه، ولجميع المسلمين، يا رب العالمين، وصلى اللَّه على نبيه محمد وآله وسلم، يتلوه في الثاني: قال اللَّه ﷿: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾.\n(^١) انظر: تفسير ابن جرير (٦/ ٣٠٠)، وتفسير ابن أبي حاتم (٣/ ٩٣٧) في تفسير قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ من سورة النساء.","vol":"1","page":585},{"text":"ذلك، وإنما هي في ذوي الأرحام الذين سماهم دون من لم يُسَم، ولا دخَل بالمعنى، ثم بين النبي -ﷺ- فقال: \"فما أبْقَت الفرائض فلأَوْلى عَصَبة ذَكَر\" (^١).\nولو كان كما قال العراقيون مع قول رسول اللَّه -ﷺ-: \"فما أبْقَت الفرائض فلأَوْلى عَصَبَة ذَكَر\"، وقوله: \"الولاء لُحْمَة كلُحْمَة النَّسَب\" (^٢)، لكان ينبغي لهم إذا خَلَّف الرجل ابنَ عمِّ وابنةَ عمٍّ، أن يكون المال بينهما، وكذلك إن خلف عَمًّا وعمَّةً، وكذلك إن خلَّف عمة وابن عم، أن يكون المال للعمة، وكذلك إن خلَّف ابنة وأختًا وابن عم، أن يكون المال كله للبنت أو الأخت، دون ابن عم المتوفى، وهم لا يقولون شيئًا من ذلك، ولو قاله قائل لخالف كتاب اللَّه ﷿، وليس بين المسلمين خلاف علمتُه في ذلك.\nوإذا كان هذا هكذا، فقد عَلمنا أن اللَّه سبحانه إنما أراد بالآية ذوي الأرحام الذين يرثون بكتابه، دون غيرهم ممن لا نَسَب بينهم وبين المتوفى، والولاء فقد جعله اللَّه ﵎ على لسان نبيه -ﷺ- وإذ هو المبيِّن ما أراد اللَّه ﷿ تَبْيينًا.\nوإنما فسر هذه الآية أهل العلم من عروة، ومجاهد، والحسن، وقتادة، وزيد بن أسلم، وسائر من فسرها بأنها ناسخة لما كان أُجري من الموارثة بالهجرة، وعرفوا أن هذه الآية نزلت وكانت المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار يتوارثون، فارتفع ذلك بعد فتح مكة، وأنزل اللَّه ﷿: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ﴾ يعني: من أسمى، ﴿بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾.\n_________\n(^١) متفق عليه من حديث ابن عباس -﵁-، رواه البخاري في صحيحه في مواطن منها رقم ٦٧٣٢، كتاب: الفرائض، باب: ميراث الولد من أبيه وأمه، ومسلم (٥/ ٩٥)، باب: الفرائض، كتاب: ألحقوا الفرائض بأهلها.\n(^٢) رواه الدارمي في مسنده برقم ٣٢٠٣، كتاب: الفرائض، باب: بيع الولاء، وابن حبان في صحيحه ٤٩٥٠، باب: البيع المنهي عنه، ذكر العلة من أجلها نهي عن بيع الولاء وهبته، وابن أبي شيبة في مصنفه برقم ٢٠٨٤٥، كتاب: البيوع والأقضية، بيع الولاء وهبته.","vol":"1","page":586},{"text":"وزيد بن أسلم شرح القصة من أولها إلى آخرها، وكيف كانت الموارثة بالحِلف الأول ثم صارت بالهِجرة، فكان الرجل إذا هاجر يرثه ابنُ عمه دون ابنه وأخيه، ثم زال ذلك كله.\nولقد توفي مولى لعُمارة بنت حمزة بن عبد المطلب (^١) وخلَّف بنتًا، فأعطاها النبي -ﷺ- النصف، ودفع النصف الآخر إلى عُمارة بنت حمزة.\n٣٧ - روى ذلك إسماعيل بن إسحاق قال: نا سليمان بن حرب، عن حماد بن زيد، عن أبي فَزارة، عن الحكم بن عتيبة، عن عبد اللَّه بن شداد قال: توفي مولى لعُمارة بنت حمزة، وذكر الحديث.\nوقد حُكي عن بعض العراقيين أنه قال في هذا الحديث: إنما أطعمها ذلك طعمة، أفكان قائل هذا القول يتوهم أن النبي -ﷺ- يطعم إنسانًا مال إنسان آخر؟ ما أعظم هذا القول!\n* * *\n_________\n(^١) ذكر ابن الأثير في أسد الغابة (٦/ ١٩٩) عن الخطيب البغدادي أن الواقديَّ انفرد بتسمية عُمارة، وسماها غيره أمامة، وأن غير واحد من العلماء ذكروا أن حمزة كان له ابن اسمه عمارة، وأن هذا هو الصواب.","vol":"1","page":587},{"text":"أحكام القرآن\n\nتأليف\nالقاضي الفقيه الإمام أبي الفضل بكر بن محمد بن العلاء القشيري البصري المالكي\nالمتوفى سنة ٣٤٤ هـ\nرواية أبي بكر محمد بن عبد اللَّه الأدفوي عنه\n\nتحقيق\nسلمان الصمدي\n\n[الجزء الثاني]","vol":"2","page":1},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ","vol":"2","page":2},{"text":"أَحْكَامُ القُرْآنِ\n[٢]","vol":"2","page":3},{"text":"أحكام القرآن\nتأليف: القاضي بكر بن محمد بن العلاء القشيري\nتحقيق: سلمان الصمدي\nالطبعة الأولى: ١٤٣٧ هـ - ٢٠١٦ م\n\nجميع الحقوق محفوظة لجائزة دبي الدولية للقرآن الكريم ©\nطبع بموجب إذن طباعة من المجلس الوطني للإعلام بدولة الإمارات\nرقم ٨٩٢٩٠ - تاريخ ٢٠/ ١٢/ ٢٠١٥\n\nجائزة دبي الدولية للقرآن الكريم\nوحدة البحوث والدراسات\nص ب: ٤٢٠٤٢ دبي - الإمارات العربية المتحدة\nهاتف: ٩٧١٤٢٦١٠٦٦٦ +\nفاكس: ٩٧١٤٢٦١٠٠٨٨ +\nالموقع على الإنترنت:  www.quran.gov.ae\nالبريد الإلكتروني:  Research@quran.gov.ae","vol":"2","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-416>سورة براءة</span>","vol":"2","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-417>١ - ٢ - قال اللَّه ﷿: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ إلى قوله: ﴿أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-418>[عدم البسملة]</span>\nنزلت هذه الآيات من أول سورة براءة بالحرب والمُنابَذة، ولذلك لم يكتب في أولها: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، لأنها للسِّلم، ولا تُكتب في المُنابذة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-419>[وقت نزول الآية]</span>\nوقد كان نزولُها بعد خروج أبي بكر -﵁- سنة تسع للحجِّ بالناس، لأن النبي -ﷺ- فتح مكة سنة ثمانٍ عُنوة، واستخلف على الحج سنة ثمان عَتّاب بن أَسِيد (^١)، ثم ولّى الحجَّ في سنة تسع أبا بكر -﵁-، وكانوا يَحُجون على رُسومهم التي كانوا عليها، ولم يكن فُرض الحج على النبي -ﷺ- ولا أُمر به، ليعود الزمان كهيئته، وعلى ما حج عليه إبراهيم الخليل -ﷺ- من مناسكه وأفعاله ورسومه.\nوكانت حَجة عَتّاب وحجة أبي بكر في ذي القعدة، في النَّسيء الذي كان في الجاهلية، وكانت الحُمْس تَقِف عند المزدلفة يوم عرفة، وكانت العرب ممن لا وِلادة لها في قريش ولا حِلف تَقِف بعرفات، وكذلك كانوا في حَجّة أبي بكر\n_________\n(^١) أَسِيد: بفتح أوله، كما ضبطه الحافظ في تقريب التهذيب (ص ٣٨٠).","vol":"2","page":7},{"text":"-﵁- على ذلك الاختلاف، فأُنزلت سورة براءة، فأَنْفَذ بها رسولُ اللَّه -ﷺ- عليًّا ليتلو الآيات على الناس في الموضع الذي يجتمع الفريقان فيه، وهو: منى، وينادي في الناس بما أمره به رسول اللَّه -ﷺ- من: \"ألا يحج بعد العام مُشرِك، وألا يطوف بالبيت عُريان\" (^١)، وكانت العرب تطوف عُراة الرجالُ والنساء، فكانت المرأة تغطي فرجها بيدها وتقول:\nاليوم يبدو (^٢) بَعضُهُ أو كُلُّهُ ... فما بدا منه فلا أخِلّهُ (^٣)\nفنادى بذلك عليٌّ، وأعانه أبو هريرة وغيره بالنداء بمنى في مَجمَع الناس وفي سائر أسواقهم، قال علي: أمرني بأربع: \"ألا يَقْربَ البيتَ بعد هذا العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عُريان، ولا يدخل الجنة إلا مؤمن، وأن يُتمم إلى كل ذي عهد عهده\" (^٤)، وذلك لمن لم يكن نقضَ العهد، فأما من نقض فليس يدخل في ذلك.\nقال الزهري، عن حُميد بن عبد الرحمن: إن أبا هريرة قال: بعثني أبو بكر -﵁- فيمن يؤَذِّن يوم النحر بمنى، ألا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ويوم الحج الأكبر يوم النحر (^٥).\nفلم يحج في العام الذي حج فيه رسول اللَّه -ﷺ- حجةَ الوداع مُشرِك، وأنزل اللَّه تعالى في العام الذي نبذ فيه أبو بكر -﵁- إلى المشركين: ﴿يَاأَيُّهَا\n_________\n(^١) رواه الإمام أحمد في مسنده في مواطن منها رقم ٥٩٤، والترمذي برقم ٣٠٩٢، أبواب: تفسير القرآن، باب: ومن سورة التوبة، وقال: \"هذا حديث حسن صحيح\".\n(^٢) في الأصل: يبدوا.\n(^٣) تقدم هذا البيت.\n(^٤) تقدم قريبًا.\n(^٥) رواه البخاري برقم ٣١٧٧، كتاب: الجزية، باب: كيف ينبذ إلى أهل العهد، وفي غير موطن آخر، ومسلم (٤/ ١٠٦)، كتاب: الحج، باب: لا يحج البيت مشرك.","vol":"2","page":8},{"text":"الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٢٨]، فكان المشركون يوافون بالتجارة فينتفع منها المسلمون، فلما حرم اللَّه على المشركين أن يقربوا المسجد الحرام، وَجَد المسلمون في أنفسهم مما قُطِع عنهم من التجارة التي كان المشركون يوافون بها، فقال اللَّه ﷿: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ﴾، ثم أحل في الآية التي تبعتها الجزية، ولم تكن تؤخذ قبل ذلك، فجعلها عِوضًا مما منعهم من موافاة المشركين لتجاراتهم، فقال: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ إلى قوله: ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩]، فلما أَحَقَّ اللَّه ﵎ ذلك للمسلمين، عرفوا أنه قد عاضَهُم أفضلَ مما كانوا وَجَدوا عليه، مما كان المشركون يوافون به من التجارة.\nثم قال ﵎: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ﴾ وآخرها سَلْخ المحرم، ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ وهم الذين لم يكن لهم عهد بقوله: ﴿وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَد﴾ إلى: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ٥]، وبقي من لم ينقض العهد إلى مدّته، وهم قوم من كِنانة، وليس هم الذين قاتلوا خزاعة، وذلك في سائر العرب ألا يقبل منهم جِزية، إلا من تمسك منهم بالكتاب، وهم: بنو تَغْلِب، واليهودُ من اليَمانيِّين فلهم حكمهم.\nثم استقر أمر الحج لما فرض على النبي -ﷺ- وأمر به، ووافق حجه ذا الحجة، ووقف بعرفةَ والمسلمون معه، واستقر الأمر على ذلك.\nوفي طوافهم عراة نزلت: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١]، فأُمروا بستر عوراتهم.","vol":"2","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-420>٤ - قال اللَّه ﵎: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ﴾</span>\nاختلف المفسرون في يوم الحج الأكبر، فقال الكبراء من الناس: إنه يوم النحر.\nوقال قوم: يوم عرفة (^١).\nوممن قال إنه يوم النحر: علي بن أبي طالب، وعبد اللَّه بن مسعود، وابن عمر، وابن أبي أوفى، وأبو هريرة، وجماعة كثيرة (^٢).\nوقال بعض المفسرين: إنه أيام الحج كلها (^٣).\nوقال بعضهم: الحج الأكبر أريد وهو: الحج، وأن الأصغر: العمرة (^٤).\nفدل على القول الأول، وأنه هو الصحيحُ، أن النبي -ﷺ- قال بمنى: \"أيُّ يوم هذا؟ \" قالوا: اللَّه ورسوله أعلم، فقال: \"هو يوم حرام، من شهر حرام، في بلد حرام\"، ثم قال: \"إن اللَّه حرم دماءكم وأعراضكم وأموالكم، كحرمة يومكم\n_________\n(^١) روي هذا القول عن عمر، وعلي، وابن الزبير، وابن عباس، ومجاهد، وعطاء، انظر تفسير ابن جرير (٦/ ٣١٠ - ٣١١).\n(^٢) انظر تفسير ابن جرير (٦/ ٣١١ - ٣١٦)، ورواه أيضًا عن المغيرة بن شعبة، وابن عباس، وقيس بن عبادة، وعبد اللَّه بن شداد، وأبي جحيفة، وسعيد بن جبير، ونافع بن خبير، وإبراهيم، ومجاهد، وعكرمة، والزهري، وغيرهم.\n(^٣) روي هذا عن مجاهد، وسفيان، انظر تفسير ابن جرير (٦/ ٣١٦).\n(^٤) قاله عبد اللَّه بن شداد، والشعبي، ومجاهد، رواه عنهم ابن أبي شيبة في كتاب المناسك، من كان يرى العمرة فريضة.","vol":"2","page":10},{"text":"هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا\" (^١)، وذلك لا يكون بعرفة، لأنها ليست من الحرم، فزال قول من قال: إنه يوم عرفة.\nوالآية أيضًا تدل على ذلك، لأن اللَّه ﷿ قال: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ﴾، والناس بعرفة متفرِّقون، وفي تلك السنة وقف أكثر الناس بالمشعر مع أبي بكر، ومنهم من يأتيها بليل، وإنما يكون الاجتماع للنداء بمنى حيث يجتمع الناس جميعًا ثلاثة أيام، وقال أبو هريرة -﵁-: إنه نادى ثلاثة أيام حتى صَحِل صوته (^٢).\nوأما من قال: إنه أُريد الحج الأكبر لم يُرِد العمرة، وأن العمرة: الحج الأصغر، ففيه: أن اللَّه أوجب حَجَّيْن وهو قصدان، وقد كفانا ذلك رسول اللَّه -ﷺ- لما سئل: أفي كل عام؟ قال: \"لا، ولو قلتُها لوَجَبَت، ولكن مرة واحدة\" (^٣)، وسئل عن العمرة أواجبة هي؟ فقال: \"لا، ولأن تعتَمِر خيرٌ لك\" (^٤)، وقال اللَّه سبحانه: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وهذا في المتطوِّع بهما، فأُمِروا بإتمام ما دَخلوا فيه، وأُعلموا أنْ ليس لهم قطعُه وإن كان متطوعًا به، وسماهما اللَّه تبارك اللَّه باسمين، وكل واحد منهما يقتضي غير ما يقتضيه الآخر، واللَّه أعلم بما أراد من ذلك.\nوقال النبي -ﷺ-: \"أفضل الأيام يوم النحر ثم يوم النفر\" (^٥).\n_________\n(^١) تقدم تخريجه (١/ ٢٧٢).\n(^٢) صَحِل صوته، بُحَّ، انظر معجم المقاييس (٣/ ٣٣٤)، والأثر رواه الإمام أحمد في مسنده برقم ٧٩٧٧، والنسائي في سننه برقم ٢٩٥٨، كتاب: المناسك، قوله ﷿: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾.\n(^٣) تقدم تخريجه (١/ ١٤٤).\n(^٤) تقدم تخريجه (١/ ١٤٣).\n(^٥) تقدم تخريجه (١/ ١٤٥).","vol":"2","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-421>٢٨ - قال اللَّه ﷿: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ﴾</span>\nمعنى هذه الآية ما أَمَر به رسول اللَّه -ﷺ- أن ينادى به: \"ألا يحج بعد العام مشرك\" (^١)، فكان ذلك نهيًا عن الحج بالاختصار الموجز الذي لا تبلغه فصاحة فصيح، وليس القصدُ في ذلك لدخول المسجد، ولو كان قصَد به المسجدَ لما قيل: ﴿بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾، لأن دخول المسجد يتصل، وليس له وقت بعينه، ولكن لما جعلهم اللَّه أنجاسًا بكفرهم، لم يَجُز إباحة المسجد الحرام لهم، ولا سائر المسجد الحرام، إلا لضرورة، واللَّه أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) تقدم تخريجه قريبًا.","vol":"2","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-422>٢٩ - قال اللَّه ﵎: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ إلى قوله عز من قائل: ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-423>[حكم قتال نصارى ومشركي العرب]</span>\nأمر اللَّه ﵎ (^١)، نبيه -ﷺ- بقتال عَبَدة الأوثان وهم العرب، على الإسلام خاصة، وبقتال (^٢) أهل الكتاب وسائر الكَفَرة على الإسلام أو الجِزية.\nوقد اختلف في نصارى العرب، فقال قوم: يُلحَقون بعبدة الأوثان من العرب.\nوقال آخرون: يَلحَقون مَن انتموا إليه.\nوكتاب اللَّه يوجِب إلحاقَهم بهم، قال سبحانه: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٥١]، قال ابن عباس -﵁-: كلوا من ذبائح بني تغلب، فإن اللَّه ﵎ [قال] (^٣): ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [المائدة: ٥١] (^٤)، فلو لم يكونوا منهم إلا بالولاية لكانوا منهم.\n_________\n(^١) في الأصل: أمر اللَّه ﵎ أمر اللَّه نبيه.\n(^٢) في الأصل: ولقتال.\n(^٣) ساقطة من الأصل.\n(^٤) رواه عبد الرزاق في مصنفه برقم ٨٥٧٣، كتاب: المناسك، باب: ذبيحة أهل الكتاب، مختصرًا.","vol":"2","page":13},{"text":"والذي عليه العمل في مشركي العرب: الإسلامُ أو القتلُ، قال اللَّه ﵎: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾، وقال: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦]، وقال: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١]، فعُلم أنه لا يجوز أن يستأنف بهم عهد بعد التبرؤ منهم.\nوكل ما في القرآن من ذكر المشركين، فإنما عُنِيَ به العرب، قال اللَّه ﷿: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الحج: ١٧]، فأُخذت الجزية من هذه الطبقات كلها، إلا مشركي العرب، ولا نعلم سلطان الإسلام بلغ إلى موضع من بلاد الكفار إلا وأهله من إحدى هذه الطبقات.\nفأما الزِّنْج (^١) ومن أشبههم ممن ليس له ديانة تُعرف، فإن مالكًا قال فيمن سُبي منهم: إنهم يُجبَرون على الإسلام.\n* * *\n_________\n(^١) الزِّنْج: قال صاحب اللسان: \"الزِّنْج والزَّنْج لغتان، جيل من السودان، وهم: الزُّنوج، واحدهم زِنْجي وزَنْجي\" (٧/ ٦٢).","vol":"2","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-424>٣٤ - قال اللَّه ﵎: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾</span>\nروي عن أبي ذر (^١)، وجماعة معه عن النبي -ﷺ- أن الكنز: كل مال مالوه مطلقًا.\nوروي عن ابن عمر بالأسانيد الجيد (^٢)، وعن أبي هريرة عن النبي -ﷺ- أنه: \"المال الذي لا تؤدى زكاته وحق اللَّه فيه\" (^٣)، وتابع ابنَ عمر على قوله ابنُ عباس (^٤) وجماعةٌ من المفسرين (^٥).\nوالصحيح من ذلك -واللَّه أعلم- أن الكنز هو: المال الذي لا يؤدى حقُّ اللَّه فيه، وقد قال النبي -ﷺ-: \"ما من مال لا تؤدى زكاته إلا أتي بصاحبه يوم القيامة وبماله، فأُحْمِيَ عليه في نار جهنم\" (^٦)، فنحن نرجو أن يكون هذا هو الحق المفترض فيه من الزكاة، في كل صِنْف من المزكَّيات.\n_________\n(^١) في الأصل: زر.\n(^٢) كذا في الأصل، ولعل الصواب: الجياد، جمع جَيِّد.\n(^٣) رواه عن ابن عمر -﵁- مالك في الموطأ برواية يحيى، برقم ٦٩٥، كتاب الزكاة، باب: ما جاء في الكنز، رواه عن أبي هريرة -﵁- البخاري في مواطن منها رقم ٤٦٥٩، كتاب: تفسير القرآن، باب قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾، ومسلم (٣/ ٧٣)، كتاب: الزكاة، باب: إثم مانع الزكاة.\n(^٤) رواه ابن جرير في تفسيره (٦/ ٣٦٠).\n(^٥) ممن قاله: عكرمة، والسدي، وغيرهم، انظر تفسير ابن جرير (٦/ ٣٥٨).\n(^٦) رواه مسلم برقم ٩٨٧، في كتاب: الزكاة، باب: إثم مانع الزكاة.","vol":"2","page":15},{"text":"وقد تحدث أمور لا تُحَدُّ ولا يُحَدّ لها وقت، فتجب بها المواساة للضرورة التي تنزل، من ضَيْف مُضْطَر، أو جائعٍ يُعلم أنه مُضطر، أو غاز يُعلم أنه مُضطَر، أو مَيّت يُعلم أنه ليس له من يُواريه، فتجب حينئذ على من تُمكِنه المواساة، المواساة التي يزول بها حدُّ الضرورة، فإن ذلك من حقوق اللَّه -﷿- في الأموال، ينوب فيه بعضنا عن بعض.\nونرجو أن يكون قول من قال: يكنزه الإنسان ويخلفه غيرَ مضبوط، وذلك أن اللَّه ﵎ قال: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ [البقرة: ١٨٠]، وقال عز مِن قائل: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء: ١١]، فمحال أن يوصينا فيما نترُكُ، وقد حظر علينا الترك، وجعله كنزًا نعذَّب عليه.\nوكيف يكون ذلك كذلك، والنبي -ﷺ- يقول لسعد: \"الثُّلُثُ، والثُّلُثُ كثير، أو كبير، إنك أن تَدَع ورثتك أغنياء، خير من أن تدَعَهم عالة يتكفَّفون الناس\" (^١).\nوأصحاب رسول اللَّه -ﷺ- ورحمة اللَّه لهم خلَّفوا الأموال الكثيرة، من الضِّياع وغيرها، عثمان، وعلي، والزبير، وعبد الرحمن وغيرهم، وليس للكنز عندي وجه (^٢) إلا المال الذي لا تؤدّى حقوقُ اللَّه فيه، واللَّه أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) تقدم تخريجه (١/ ٩٩).\n(^٢) في الأصل: وجهًا.","vol":"2","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-425>٣٦ - قال اللَّه تبارك اسمه: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا﴾ إلى قوله: ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾</span>\nالأربعة الحُرُم ثلاثة منها متوالية، ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورَجَبُ مُضَرَ الذي بين جُمادى وشعبان، وإنما قيل: رجَب مُضَر، لأن ربيعة بن نِزار كانوا يحرِّمون رمضان ويسمونه رجَبًا، وكانت مُضَرُ تحرِّم رجب نفسه، فلذلك قال النبي -ﷺ-: \"الذي بين جمادى وشعبان\" (^١).\nوأما قوله ﷿: ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾، ففي الشهور كلِّها، لا تظلموا فيهن أنفسكم فتعصوا ربكم، لأن كل نفس ظلم للنفس (^٢) وتعريضًا لها وتعرضًا لعذاب اللَّه ﷿، قالت الأنبياء ﵈: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا﴾ [الأعراف: ٢٣].\nوقد قيل: ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾، الأربعة الحُرُم لا تقاتلوا فيهن (^٣)، وهذا منسوخ بإباحة الحرب في كل الشهور.\nوالصحيح: أن لا تواقِعوا الخطايا في الشهور كلها، واللَّه أعلم.\n_________\n(^١) متفق عليه من حديث أبي بكرة -﵁-، رواه البخاري في عدة مواضع منها: رقم ٥٥٥٠، كتاب: الأضاحي، باب من قال الأضحى يوم النحر، ومسلم (٥/ ١٠٧)، كتاب: القسامة والمحاربين والقصاص والديات، باب: تغليظ تحريم الدماء والأعراض والأموال.\n(^٢) كذا العبارة في الأصل.\n(^٣) قوله: لا تقاتلوا فيهن، مكررة في الأصل.","vol":"2","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-426>٣٧ - قال اللَّه ﵎: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ إلى قوله: ﴿زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ﴾</span>\nروى ثور بن زيد، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن النبي -ﷺ- خطب في حجة الوداع فقال: \"يا أيها الناس اسمعوا قولي، فإني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد يومي هذا في هذا الموقف، أيها الناس، إن دماءكم وأموالكم حرام إلى يوم تلقون ربكم، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، وإنكم ستلقَون ربكم فيسألكم عن أعمالكم وقد بلغت، فمن كانت عنده أمانة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها، وإن كلَّ ربًا موضوع، لكم ﴿رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٩]، فقضى اللَّه ﵎ ألا رِبًا، وإن رِبا العباس بن عبد المطلب موضوع كله، وإن كل دم كان في الجاهلية موضوع، وإن أول دمائكم أضعُ دمَ ابن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، كان مسترضَعًا في بني ليث فقتلته هذيل، فهو أول ما أبدأ به من دماء الجاهلية.\nوإن الشيطان قد يئس أن يُعبد بأرضكم، ولكنه أن يطمع فيما سوى ذلك مما تُحاقِرون من أعمالكم فقد رضي، فاحذروه أيها الناس على دينكم.\nوإن النسيء ﴿زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ﴾ [التوبة: ٣٧]، وإن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق اللَّه السماوات والأرض، و﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا﴾، ﴿مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ [التوبة: ٣٦]، ثلاثة متوالية، ورَجَبُ مُضَر الذي بين جُمادى وشعبان\"، وذكر سائر الحديث (^١)، ورُوي مثلُ ذلك عن جماعة.\n_________\n(^١) رواه بهذا الإسناد الحاكم مختصرًا في المستدرك (١/ ٩٣)، كتاب: العلم.","vol":"2","page":18},{"text":"وأصل النسيء إنما كان رجل من بني كنانة ثم من بني فُقَيم، يُعرف بالقَلَمَّس، واسمه حُذيفة نَسَأَة، فقال فيه الشاعر:\nومنا مُنْسِيءُ الشهور القَلَمَّسُ\nوكان اسمه: حُذيفة، وهو من بني فُقَيم، وكان ملِكًا فيهم، وكانت العرب لا تقاتل في الشهر الحرام، فكان إذا أراد القتال أَحل الشهر الحرام وقاتل فيه، واستحله وأبدل مكانه، ثم أبدل الحج لحاجته إلى الحرب، وكان يُحِل في الشهر الحرام دماء طيء وخَثْعَم، لأنهما كانا لا يريان الحج من بين سائر العرب، وكانت العرب كلُّها تَحُج البيتَ، وتُعَظّم الشهور الأربعة التي حرمها إبراهيم ﵇؛ وكانوا يحجون في ذي الحجة على الاتباع لأفعال إبراهيم ﵇ حتى حدَث النَّسيء، وكان القَلَمَّس لما غيَّر الحج وغير الشهور الحرُم يقول: \"إني [ما] (^١) أُحِلُّ شهرًا إلا حرمت مكانه شهرًا\"، فكانت العرب كذلك ممن كان يَدين للقَلَمَّس، فكان يخطب فيقول: \"اللهم إني لا أُعاب ولا أُخاب، ولا مَرَدَّ لِما قضَيتُ، اللهم إني قد أحللت دماء المحلين من طيء وخَثعم، فمن لقيهما فليقتلهما\"، فيرجع الناس وقد أخذوا بقوله.\nفكان حذيفة على ذلك، ثم خلفه ابنُه عبّاد بن حذيفة، ثم خلفه ابنه قَلْع بن عبّاد، ثم أمية بن قَلْع، ثم عوف بن أمية، ثم جُنادة بن عوف، فحج النبي -ﷺ- حجة الوداع وجُنَادة صاحب ذلك، فأبطل النبي -ﷺ- ما كان جُنَادة يفعله، وَحَرّمَ الشهورَ على ما كانت في عهد إبراهيمَ ﵇، ورَدَّ الحج إلى ما كان عليه مقتديًا بجده إبراهيم -ﷺ-، ووقف الأمر على ذلك واستقام وأبطل النسيء، وحبس اللَّه ﵎ نبيّه -ﷺ- عن الحج فيما يأمره به، ولم يوجبه عليه حتى دار الزمان وزال النسيء، وقال ﵎ عند ذلك:\n_________\n(^١) ساقطة من الأصل.","vol":"2","page":19},{"text":"﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣]، وزال الجدال، فلا حَجّ إلا على شريعة إبراهيم ﵇، وقال ﵇: \"خذوا عني مناسككم\" (^١).\nوكان حج عَتَّاب وحجة أبي بكر في سنة تسع في ذي القعدة على ما كانوا عليه، فبعث النبي -ﷺ- أبا بكر ليقيم الموسم والعرب على أمرهم، ونزلت براءة بعد خروج أبي بكر بثلاث، فأنفذ بها عليًا وحمَله على ناقته العَضْباء وعهد إليه، فأدرك أبا بكر ببعض الطريق، فقال له أبو بكر: أميرٌ أو مأمور؟ فقال: بل مأمور، فمضيا، فأقام أبو بكر -﵁- للناس يوم الحج، حتى إذا كان يوم النحر صرخ عليٌّ بأعلى صوته، فقال: يا أيها الناس، إنه لا يدخل الجنة كافر، ولا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عُريان، ومن كان له عند رسول اللَّه -ﷺ- عهد فهو إلى مدته (^٢).\nوكانت قريش أدارت بينها رأيًا يكيدون به العرب، فابتدعوا بينهم أن قالوا: أنتم وُلاة هذا البيت وأهله دون الناس، فلا تعظِّموا سواه، فكانوا يقِفون بالمزدلفة، وتركوا الموقف بعرفة، لأنه من الحِلّ، وكانت عرفة من عهد إبراهيم وشعائره، وكانت العربُ غير الحُمْس تقف بعرفة، فأمر اللَّه تعالى نبيّه -ﷺ- أن يُفيض من حيث أفاض الناس، فرجع الأمر إلى عرفة.\nوقوله جلّ وعزّ: ﴿وَلَا (^٣) جِدَالَ﴾ [البقرة: ١٩٧]، إنما هو لا جدال في الوقوف بعرفة، وأن الحج في ذي الحجة، فقد ارتفع الجدال في ذلك، وقيل لقريش: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٩٩]، فأُلزِموا ذلك، وأزيل النسيء (^٤) الذين كانوا يحجون في المُحرَّم سنتين، وفي صفر سنتين، وفي كل شهر سنتين.\n_________\n(^١) تقدم تخريجه (١/ ٨٨).\n(^٢) تقدم عن علي وأبي هريرة -﵁- (٢/ ٨).\n(^٣) في الأصل: لا.\n(^٤) كذا في الأصل.","vol":"2","page":20},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-427>[تأخير المستطيع الحجَّ]</span>\nوزعم الشافعي أن للإنسان أن يؤخر حجّة الإسلام المفروضة عليه وهو ممن يستطيع الحج، لأن النبي -ﷺ- لم يحجَّ بعد فتح مكة عامين (^١)، فتكلم بكلام من لا يعرف للَّه ﵎ ولا لرسوله حقَّهما، وإنما كان النبي -ﷺ- عبدًا مأمورًا يفعل ما أمره به ربه ﷿، ولا يتقدّم بين يدي اللَّه ﵎ بشيء، فلم يأمره اللَّه تعالى بالحج حتى قطع ما أراد قطعه من عهود المشركين، وأُمر بالبراءة منهم، وأن ينادي بذلك سنة تسع، لكي لا يقف مع النبي -ﷺ- كافر، ودار الحج إلى الشهر الذي جعل اللَّه فيه الحج، وحج فيه أبوه إبراهيم ﵉، وهو ذو الحِجة، فكان هذا أمر أراده اللَّه ﵎ بنبيه -ﷺ-، وأن يكون باقيًا بعده ما دام الإسلام، لا يُغيَّر ولا يُبدَّل، وهذا ما يعلمه كل من له لُبّ أن التأخير كان لهذه الأشياء.\nفإن كان الذي رخص له الشافعي في تأخير الحج المفترَض عليه وهو مطيق له، يتوقع من اللَّه أمرًا (^٢) يمتثله قِيسَ أَمْرُه عليه، وإلا فكيف يجترئ من له\n_________\n(^١) قال الشافعي في الأم (٢/ ١٢٩) (ط المعرفة): فقال لي بعضهم: فصف لي وقت الحج؟ فقلت: الحج ما بين أن يجب على من وجب عليه، إلى أن يموت أو يقضيه، فإذا مات علمنا أن وقته قد ذهب، قال: ما الدلالة على ذلك؟ قلت: ما وصفت من تأخير النبي -ﷺ- وأزواجه وكثير ممن معه وقد أمكنهم الحج. وقال المزني في مختصره (٨/ ١٥٩ مع الأم، ط المعرفة): قال الشافعي: أُنزلت فريضة الحج بعد الهجرة، وأَمَّر رسول اللَّه -ﷺ- أبا بكر على الحج، وتخلف -ﷺ- بالمدينة بعد منصرفه من تبوك، لا محاربًا ولا مشغولًا بشيء، وتخلّف أكثر المسلمين قادرين على الحج، وأزواج رسول اللَّه -ﷺ-، ولو كان كمن ترك الصلاة حتى يخرج وقتها، ما ترك رسولُ اللَّه -ﷺ- الفرض، ولا ترك المتخلفون عنه، ولم يحجَّ -ﷺ- بعد فرض الحج إلا حجّة الإسلام، وهي حجة الوداع، وروي عن جابر بن عبد اللَّه أن النبي -ﷺ- أقام بالمدينة تسع سنين ولم يَحُج، ثم حج، قال الشافعي: فوَقْت الحج ما بين أن يجب عليه إلى أن يموت.\n(^٢) في الأصل: أمر.","vol":"2","page":21},{"text":"تقوى أن يُسَهِّل للناس مثل هذا، وقد قال النبي -ﷺ-: \"مَطْل الغنيِّ ظُلم\" (^١)، وقال: \"من ملك الزاد والراحلة واستطاع الحج، ولم يحج فليمت يهوديا أو نصرانيًا\" (^٢)، رواه أبو إسحاق، عن الحارث، عن علي، عن النبي -ﷺ-، ورواه علي بن سابط، عن أبي أمامة، عن النبي -ﷺ- (^٣)، وروي عن عمر قوله بمثل ذلك.\nوقال النبي -ﷺ-: \"حُجّوا قبل ألا تحُجّوا\" (^٤).\nوقد احتج بعض أصحابه في ذلك بأن قال: قد تجب الصلاة بأول الوقت، ويجوز تأخيرها إلى آخر الوقت، والمُفطِر بالمرض في شهر رمضان يلزمه القضاء، وقد يجوز له أن يؤخِّره.\nفقلنا له: المُفطِر بالمرض عليه القضاء، ونحن نأمره به في أول الوقت الذي يُمكِنه فيه، ومباحٌ له تأخيرُه إلى وقت معلوم وهو: أن يبقى إلى شهر رمضانَ مقدارُ ما يَفرُغ من القضاء قبل دخول الشهر، وكذلك الصلاة عند دلوك الشمس إلى ظِلّ المِثل، فإن ماتا قبل ذلك لم يكونا حَرِجَين ولا عاصيين للَّه ﷿، ومُؤَخِّرُ الحج ليس يؤخِّره من وقت إلى وقت، لأن إيجابه قد لزم بشرط القدرة، وقد علمنا أن عائشة -﵂- كانت تقضي رمضان في شعبان (^٥)، وإنما كانت\n_________\n(^١) تقدم تخريجه (١/ ٢٧٥).\n(^٢) تقدم تخريجه (١/ ٣٠٣).\n(^٣) سبق تخريجها، وهي عند الدارمي برقم ١٨٢٦ عن عبد الرحمن بن سابط، وليس عليًا.\n(^٤) رواه الدارقطني في سننه برقم ٢٧٩٥، كتاب: الحج، باب: المواقيت، والبيهقي في السنن الكبرى برقم ٨٧٧٤، كتاب: الحج، باب: ما يستحب من تعجيل الحج لمن قدر عليه.\n(^٥) متفق عليه، أخرجه البخاري في صحيحه برقم ١٩٥٠، كتاب: الصوم، باب: متى =","vol":"2","page":22},{"text":"تؤخره إلى شهر كان رسول اللَّه -ﷺ- يَصومُ أكثرَه، ليوافِقَ صَومُها عن الفرض صومَه التطوعَ به، وقد قال اللَّه ﷿: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَر﴾ [البقرة: ١٨٤]، فجعل الأُخَر في باقي السنة إلى شهر رمضان، واللَّه أعلم.\nوقد يؤخر الإنسانُ الحجَّ خمسين سنة بهذا الترخيص فيموت، فإن جاز ما قال الشافعي فليس يأثم ولا حرج، لأنه له أن يؤخر، ويصير قول النبي -ﷺ- وقول عمر -﵁- لا فائدة فيه، ونعوذ باللَّه من أن نقول ذلك، ومن كل ضلالة.\nوقد اتفقنا أن مؤخِّر الصلاة إلى آخر الوقت لا يُقضى عنه إن مات، وزُعم عنه: أن تارك الحجِّ يُحَج عنه من ماله وإن لم يوص به (^١)، وقد تكلمنا في هذه المسألة في كتاب مفرد بما يغني عن الإطالة.\n* * *\n_________\n= يقضي قضاء رمضان، ومسلم (٣/ ١٥٤ - ١٥٥)، كتاب: الصيام، باب: قضاء رمضان في شعبان، عن عائشة -﵂- قالت: \"كان يكون عليَّ الصومُ من رمضان، فما أستطيع أن أقضي إلا في شعبان\".\n(^١) الأم (٢/ ١٢٩ و١٥٥) (ط المعرفة).","vol":"2","page":23},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-428>٤١ - قال اللَّه ﵎: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-429>[حكم الجهاد]</span>\nالجهاد فرض على الكافَّة، لا يجوز أن يتركه الناس كلهم، وليس بواجب على كل إنسان منهم، إلا أن تنزل الحاجة إلى ذلك، فيجب الجهاد حينئذ على من كان من المسلمين يُحتاج إلى جهاده وقتاله في تلك الحال.\nوكذلك طلب العلم فرضٌ على الناس كافَّة، ينوب فيه بعضٌ عن بعض، وما يكون منه (^١) ففرض على كل إنسان في نفسه، لا يجوز أن يتَّكل فيه على غيره علم حاله.\nفأما الطهارة والصلاة، ففرض على كل إنسان في نفسه تعلُّمها (^٢)، لأنه يستوي فيهما الناس، فإذا دارت حال الإنسان إلى أن يكون إمامًا، وجب عليه أن يتعلم ما يلزمه من (^٣) يؤم، زيادة على ما كان عليه في نفسه، فإذا رُزق ما يحُجّ به، وجب عليه أن يتعلم أحوال الحج، وكذلك الزكاةُ، وكلَّما وجب عليه شيء، وجب عليه تعلم ذلك الشيء بعينه.\nوأما الجهاد فيكفي بعضُ الناس بعضًا، فإذا دعت ضرورةٌ وجب على الناس جميعًا، ولم يستأذن أحدٌ أباه ولا أمه.\n_________\n(^١) هنا سقط، وسياق العبارة: أن ما كان من العلم متعلقًا بالضروري من الدين، فهو فرض على كل إنسان بعينه، ولعل الساقطَ لفظة: ضروريًا، واللَّه أعلم.\n(^٢) في الأصل: تعليمها.\n(^٣) كذا في الأصل، ولعل الصواب: كي.","vol":"2","page":24},{"text":"وأما قوله: ﴿خِفَافًا وَثِقَالًا﴾، فقيل: شبابًا وشيوخًا (^١).\nوقيل: من له عيال ومن لا عيال له.\nوكان أبو طلحة، وأبو أيوب الأنصاريان يقولان: شُيوخًا وشبابًا (^٢)، وكانا لا يدعان الغزوَ حتى ماتا، واللَّه أعلم بما أراد من ذلك.\n* * *\n_________\n(^١) رواه ابن جرير في تفسيره (٦/ ٣٧٦ - ٣٧٧) عن الحسن، ومجاهد، وعكرمة، والضحاك، ومقاتل وغيرهم.\n(^٢) قول أبي طلحة رواه ابن جرير في تفسيره (٦/ ٣٧٦)، وقولَ أبي أيوب في (٦/ ٣٧٨).","vol":"2","page":25},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-430>٦٠ - قال اللَّه ﷿: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾، الآية</span>\nكان عمر بن الخطاب، وحذيفة بن اليمان، وعبد اللَّه بن عباس -﵁- يقولون: في أيِّها وُضع أجزأ (^١).\nوكان عمر -﵁- ربما وضعها في الصِّنْف الواحد، ولم نجِد لهم مُخالفًا من الصحابة.\nوقال ابن جُبير: إنما أَعلمَ اللَّهُ وعَلَّم الوجوهَ التي تُصرف فيها الصدقات (^٢).\nوقال عطاء، وإبراهيم، والحسن، وابن شهاب، وجماعة: في أيِّها وضِعت فيها الحاجة أجزأ ذلك (^٣)، إلا أن إبراهيم قال: إلا في الرقاب، فإنه يصير له الولاء.\nقال بكر: ونحن نقول: الوَلاء لجُملة المسلمين (^٤).\nوقال الشافعي: إنها أَثمانٌ، ثم ناقض بأن قال: ما بقي من سَهم العامِلين يُرد على سائر السِّهام (^٥).\nوقد تكلَّمنا في هذه المسألة مع قَسْم الخُمُس بما فيه كفاية.\n_________\n(^١) روى أقوالهم ابن جرير في تفسيره (٦/ ٤٠٤).\n(^٢) نفسه.\n(^٣) المصدر السابق، وتفسير ابن أبي حاتم (٦/ ١٨١٧).\n(^٤) وهو قول مالك، قال في المدونة (٣/ ٣٦٩): \"وقال مالك: إنما تفسير ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾: أن يشتري رقبة يفتديها فيُعتقها فيكون ولاؤها لجميع المسلمين\".\n(^٥) الأم (٢/ ٣٩) (ط المعرفة).","vol":"2","page":26},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-431>[إعطاء أهل الكتاب الزكاة]</span>\nوبقي في هذه الآية قول بعض العراقيين، فإنه زعم أنه يُعطى من الصدقات المفروضة أهل الكتاب في فقرائهم، ومن زكاة الفطر.\nوقال أكثر المفسرين: إنهم لا يُعطَون إلا من التطوع، وهذا موافق لمعنى الآية، لأنه قال عز مِن قائل: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾، فذكر الفقراء والمساكين بالحال التي هم فيه، ثم قيل: ﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا [وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ] (^١) وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾، لشيء (^٢) في أنفسهم من طريق منافع الدنيا، ووصف المؤلفة قلوبهم بالتأليف على الإسلام، فكان الجميع لمصالح الإسلام والمسلمين.\nوقال النبي -ﷺ-: \"خُذها من أغنيائهم، واردُدْها على فقرائهم\" (^٣)، فلما لم تكن تؤخذ إلا من المسلمين، كان قولُه: \"فقرائهم\" هم المسلمون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-432>[سهم المؤلفة قلوبهم]</span>\nوقال أبو سعيد الخدري: إن عليًّا ﵀ قدم من اليمن بذهيبة، فقسمها النبي صلى اللَّه عليه بين أربعة من المؤلفة: الأقرع بن حابِس التميمي، وعُيَيْنة بن حصن الفزاري، وعلقمة الجعفري، وزيد الخيل الطائي (^٤)، وكانت جميع ما جاء به، فآثر به صنفًا واحدًا.\n_________\n(^١) سقطت من الأصل.\n(^٢) الكلمة في الأصل مهملة، ورسمها الناسخ كما وجدها في أصله، والأقرب ما أثبتُّه.\n(^٣) حديث متفق عليه عن ابن عباس، سبق تخريجه.\n(^٤) من حديث رواه البخاري في مواطن منها رقم ٣٣٤٤، كتاب: أحاديث الأنبياء، باب قوله ﷿: ﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾، عن أبي سعيد -﵁-.","vol":"2","page":27},{"text":"وقد قال بعض الناس: إن التأليف قد انقطع (^١)، واحتج بأن عمر -﵁- قَطع عن المؤلفة الذين كانوا على عهد رسول اللَّه -ﷺ-، وإنما قطع عنهم لما استغنى عنهم، وحكم التألُّف ثابت إذا احتيج إليه لرؤساء يُتألَّفون فيَدْخُل في الإسلام بدخولهم أتباعُهم، فهذا جائز غير منسوخ، باقٍ في حكم الآية عند الحاجة إلى ذلك (^٢).\nوأما شرح الفقراء والمساكين، فإن الفقير والمسكين واحدٌ وهما فَقيران، إلا أن المسكين مأخوذ من السكون، وهو الذي يسأل فتظهر عليه الذِّلة من جُملة الفقراء.\n* * *\n_________\n(^١) رواه ابن جرير في تفسيره (٦/ ٤٠٠) عن الحسن، وعامر الشعبي.\n(^٢) قال أبو الوليد ابن رشد في البيان والتحصيل (٢/ ٣٥٩) ملخِّصًا الخلاف في المسألة: \"واختُلف هل يعود ذلك السهم إن احتيج إليه، أم لا يعود؟ فرأى مالك أنه لا يعود، وهو مذهب أهل الكوفة، وقد قيل: إنه يعود إن احتيج إليه ورأى ذلك الإمام، وهو قول ابن شهاب، وعمر بن عبد العزيز، وإليه ذهب الشافعي\"، وهو اختيار المصنف ﵀.","vol":"2","page":28},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-433>٧٣ - قال اللَّه ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾</span>\nقال الحسن: جهاد الكفار بالسيف، وجهاد المنافقين باللسان والحدود (^١).\nوهذا قولٌ حسنٌ، ألا تراه قال: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [الصف: ٩] فأظهره بالحُجة.\nوقد قيل: ما مات رسول اللَّه -ﷺ- حتى أُذن له في قتال المنافقين وقتلهم، واللَّه أعلم بصحة ذلك.\nوقد كان قال لعمر -﵁- العذر في تركهم: \"ألا يقول الناس: إن محمدًا يقتل أصحابه\" (^٢)، وكان المسلمون قليلًا، ألا تراه قال: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [الصف: ٩]، فأظهره بالحُجة.\n* * *\n_________\n(^١) رواه ابن جرير في تفسيره (٦/ ٤٢٠)، وروى منه ابن أبي حاتم في تفسيره (٦/ ١٨٤١) جهاد المنافقين بالحدود فقط.\n(^٢) من حديث رواه البخاري في صحيحه برقم ٤٩٠٥، كتاب: تفسير القرآن، باب قوله: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ﴾ [المنافقون: ٦]، ومسلم في صحيحه (٨/ ١٩)، كتاب: البر والصلة، باب: نصر الأخ ظالمًا أو مظلومًا.","vol":"2","page":29},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-434>١١٣ - قال اللَّه ﵎: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى﴾ الآية</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-435>[الاستغفار للمشركين]</span>\nكان قوم يستغفرون لآبائهم الذين توفوا في الجاهلية، ويحتجون بقول إبراهيم لأبيه: ﴿سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾ [مريم: ٤٧]، فكان يستغفر له، وذهب عنهم قوله: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾ [التوبة: ١١٤]، يعني ترك الاستغفار، وقوله في هذه الآية أيضًا: ﴿وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [التوبة: ١١٣]، وليس يتبيّن ذلك إلا بعد الموت، وإنما أَيِس إبراهيم ﵇ لما مات أبوه، فيجوز للإنسان أن يدعوَ لأبويه الكافرين ما داما باقِيَين، يرجو من اللَّه أن يتوبَ عليهما ويرزقهما الإسلام، فإذا ماتا على كفرهما حَرُم ذلك عليه، لأن الآية فيمن مات على كفره.\nوأما قوله: ﴿لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾، إنما ذلك لأن النبي -ﷺ- كان يشكر أفعال أبي طالب فقيل: إنه لما مات قال: \"رحمك اللَّه، فلقد كنت ولقد كنت\" (^١)، فلما رأى المسلمون ذلك استغفروا لآبائهم، فنزلت الآية، وما الإسناد في ذلك بالقوي.\n_________\n(^١) الذي وقفت عليه عن جابر -﵁- قال: لما مات أبو طالب قال رسول اللَّه -ﷺ-: \"رحمك اللَّه، وغفر لك يا عم، ولا أزال أستغفر لك حتى ينهاني اللَّه ﷿\". المستدرك رقم ٣٢٩٠ كتاب: التفسير، تفسير سورة التوبة.","vol":"2","page":30},{"text":"والأقوى في ذلك، أن قومًا تأوَّلوا استغفارَ إبراهيم ولم يتأمّلوا ما بعد ذلك فنزلت (^١)، تعني إبراهيم، ومن استغفر متأوِّلًا لأمر إبراهيم، ألا تراه ﷿ عَقَّب بعد ذلك بأن قال: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ﴾، فقصّ القصة وتبريه بعد ذلك.\n* * *\n_________\n(^١) روى الترمذي برقم ٣١٠١، أبواب: تفسير القرآن، باب: ومن سورة التوبة، عن علي قال: سمعت رجلًا يستغفر لأبويه وهما مشركان، فقلتُ له: أتستغفر لأبويك وهما مشركان؟ فقال: أوليس استغفر إبراهيم لأبيه وهو مشرك، فذكرتُ ذلك للنبي -ﷺ- فنزلت: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾، وقال: \"هذا حديث حسن\"، ورواه أيضًا الإمام أحمد في مسنده برقم ٧٧١.","vol":"2","page":31},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-436>ومن سورة يونس</span>","vol":"2","page":33},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-437>٨٧ - قال اللَّه ﵎: ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾</span>\nقال ابن عباس: كانوا في أول الإسلام خائفين، فقيل لهم: ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾، يريد أي: مصلًّى تُصَلون فيها (^١)، وقال ذلك جماعة من المفسرين: أُمِروا أن يصلوا في بيوتهم (^٢)، وكان ذلك إلى أن أسلم عمر بن الخطاب ﵀.\n* * *\n_________\n(^١) رواه ابن جرير في تفسيره (٦/ ٥٩٦).\n(^٢) المصدر نفسُه، عن إبراهيم، ومجاهد، والربيع، وغيرهم.","vol":"2","page":35},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-438>سورة هود ﵇</span>","vol":"2","page":37},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-439>١١٤ - قال اللَّه ﵎: ﴿وَأَقِمِ (^١) الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ الآية</span>\nقوله عزَّ مِن قائل: ﴿طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾: الغداةُ والعصر (^٢).\n﴿وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾: عِشاء الآخرة (^٣).\nوقيل أيضًا: المغرب وعِشاء الآخرة (^٤).\nوقيل: الفجر وصلاة العشاء (^٥).\n﴿وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾: المغرب والعشاء.\nوكان ابن عباس -﵁- يستحب بقوله: (زلفًا) تأخير عِشاء الآخرة (^٦)\nوقال بعضهم: هو أمرٌ بالصلوات الخَمس.\n_________\n(^١) في الأصل: أقم.\n(^٢) روي عن الضحاك، ومحمد بن كعب، والحسن، وقتادة، انظر: تفسير ابن جرير (٧/ ١٢٥).\n(^٣) روي عن ابن عباس من الصحابة، والحسن، ومجاهد، وابن زيد، انظر: تفسير ابن جرير (٧/ ١٢٧).\n(^٤) روي عن الحسن، ومجاهد، وقتادة، ومحمد بن كعب، والضحاك، انظر: تفسير ابن جرير (٧/ ١٢٨)، وتفسير ابن أبي حاتم (٦/ ٢٠٩١).\n(^٥) رواه ابن أبي حاتم في تفسيره عن مجاهد (٦/ ٢٠٩١).\n(^٦) رواه ابن جرير في تفسيره (٧/ ١٢٧)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٦/ ٢٠٩١).","vol":"2","page":39},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-440>١١٤ - وأما قوله: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾</span>\nفهنَّ الصلوات الخمس يُذهِبن السيئات (^١)، ألا ترى أن النبي -ﷺ- قال: \"مَثل الصلوات الخمس كمَثل نهرٍ يجري على باب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمس مرات، فماذا يبقى من درَنه\" (^٢)، والروايات عن رسول اللَّه -ﷺ- في هذا المعنى كثيرة.\n* * *\n_________\n(^١) روي مرفوعًا إلى النبي -ﷺ- عن أبي مالك، وسلمان، وروي موقوفًا عن عثمان، وسلمان، وابن عباس، وكعب، والحسن، ومحمد بن كعب، والضحاك، ومسروق، انظر تفسير ابن جرير (٧/ ١٢٩ - ١٣٠).\n(^٢) متفق عليه من حديث أبي هريرة -﵁-، أخرجه البخاري في صحيحه برقم ٥٢٨، كتاب: مواقيت الصلاة، باب: الصلوات الخمس كفارة، ومسلم (٢/ ١٣١)، كتاب: الصلاة، باب: المشي إلى الصلاة تمحى به الخطايا، ورواه أيضًا مسلم في صحيحه عن جابر -﵁- (٢/ ١٣٢)، كتاب: الصلاة، باب: المشي إلى الصلاة تمحى به الخطايا.","vol":"2","page":40},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-441>ومن سورة يوسف ﵇</span>","vol":"2","page":41},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-442>٢٠ - قال اللَّه ﷿: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾</span>\nليس في ذكر عدد الدراهم واختلافِهم فيها فائدة، إلا أن معنى ﴿بَخْسٍ﴾: أنها قليلة نَزْرَة (^١)، دون ما يساوي مثله لو كان عبدًا وحَلَّ بيعه.\nوقالوا في ﴿مَعْدُودَةٍ﴾: عشرين درهمًا، وغير ذلك من نقصان وزيادة، والمعنى فيه: أن الدراهم كانت تُعَد ولا توزَن (^٢).\n﴿وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ﴾: غير مُريدين لشِرائه.\nوقيل: وأظهرت الواردة البائعة له زهدًا فيه، فهذا ما ذُكر في ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-443>[ولاء اللقيط]</span>\nواختلف قوم في اللَّقيط؛ فقال قوم: هو مَملوك.\nوقال آخرون: هو حُرّ، وهو المعمول عليه، والذي عليه أهل العلم (^٣).\n_________\n(^١) رواه ابن جرير في تفسيره عن عكرمة (٧/ ١٦٩).\n(^٢) روي أنها كانت عشرين درهما عن ابن عباس، ونوف البكالي، والسدي، وقتادة، وعطية، انظر تفسير ابن جرير (٧/ ١٧٠)، وحكى أنه إنما قيل: ﴿مَعْدُودَةً﴾ ليُعلم بذلك أنها كانت أقل من الأربعين، لأنهم كانوا في ذلك الزمان لا يزِنون ما كان وزنُه أقلَّ من أربعين درهمًا، لأن أقل أوزانهم وأصغرها كان الأوقِيَّة، وكان وزن الأوقِيَّة أربعين درهمًا.\n(^٣) وهو مذهب مالك، قال في الموطأ برقم ٢١٥٦، كتاب الأقضية، القضاء في =","vol":"2","page":43},{"text":"ثم اختلفوا في الولاء، فقال قوم: الولاء لمن التقطه، وذكروا أن عمر ﵀ قال: لك ولاؤه وعلينا نفقته (^١).\nفأما قول من قال: إن اللقيط عبد لمن التقطه فلا وجه له، لأنه لا يخلو، أن يكون ابن مملوكةٍ فهو لمَولاها، لا يحِلُّ لملتقِطه أن يتملَّكه، أو يكون ابنَ حرة فهو حر.\nوأما قول عمر: لك ولاؤه، يريد ولايته والقيامَ به، والثوابَ على تربيته، وعلى بيت المال نفقتُه.\nوروي عن عائشة وابن عمر في أولاد الزنا: أعتقوهم وأحسنوا إليهم، لم فإن مخرجه في أمر الحرية، على الإعلام لهم بأنهم أحرار، وهذا جائز في الكلام كقول النبي -ﷺ-: \"لا يجزي ولد والده إلا أن يجده مملوكًا يشتريه فيعتقه\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-444>[مِلك الولدِ أباهُ والوالدِ ابنَهُ]</span>\nوليس يجوز بقاء مِلْكِ الوَلَد على الوالد، ولا مِلْك الوالد على الولد، لأنه يتنافى أن يكون أبًا عبدًا، أو ابنًا عبدًا، ألا ترى اللَّه ﷿ قال: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦]، وقال ﴿أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (٩١) وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (٩٢) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ\n_________\n= المنبوذ: \"الأمر عندنا في المنبوذ أنه حُر، وأن ولاءه للمسلمين، هم يرثونه ويعقلون عنه\"، وقال ابن عبد البر في الاستذكار (٧/ ١٦٠) (ط العلمية): \". . . فذهب مالك والشافعي وجماعة من أهل الحجاز أن اللقيط حُرّ لا ولاء لأحد عليه. . . \".\n(^١) رواه مالك برقم ٢١٥٥، كتاب: الأقضية، القضاء في المنبوذ.\n(^٢) رواه مسلم (٤/ ٢١٨)، كتاب: العتق، باب: فضل عتق الوالد، عن أبي هريرة -﵁-.","vol":"2","page":44},{"text":"عَبْدًا﴾ [مريم: ٩١ - ٩٣]، فإذا كان هذا في الولد فهو في الأب أولى، لنعمة الأب وما أوجبه اللَّه من حقِّه، فقرنه بنفسه فقال: ﴿اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ [لقمان: ١٤].\nوأما [ما] (^١) رواه سُنَيْن أبو جَميلة (^٢)، عن عمر -﵁-، فهو كلام مفهوم، قال عمر -﵁-: \"هو حرٌّ\"، فأخبر بالحرية، \"ولك ولاؤه\": القيام بأمره، ولو كان حُرا بإعتاق عمر ﵀ لكان الولاء لمن أعتق، ولا يجوز هبة الولاء لنهي النبي -ﷺ- عن ذلك (^٣)، فهو مولى لجميع المسلمين، ونفقته من بيت مال المسلمين.\n* * *\n_________\n(^١) ساقطة من الأصل.\n(^٢) قال ابن سعد في الطبقات (٥/ ٦٣): \"سنين أبو جميلة: رجل من بني سليم من أنفسهم، له أحاديث\".\n(^٣) يشير إلى حديث: \"الولاء لُحْمة كلُحْمة النسب، لا يباع ولا يوهب\"، وقد سبق تخريجه.","vol":"2","page":45},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-445>٢٥ - ٢٦ - قال اللَّه ﵎: ﴿وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ﴾ إلى قوله: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا﴾، الآية</span>\nقال مجاهد وابن أبي بَزَّة: الشاهد هو القميص، وقدُّه من دُبُر (^١).\nوقال ابن جبير: صبي في المَهْد.\nوقال هلال بن يِشاف (^٢) مثله، وقال: لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة، هذا أحدُهم (^٣).\nوقال ابن عباس -﵁-: كان رجلًا ذا لحية (^٤).\nوقال الحسن: رجل له فقه وعلم (^٥).\nوقال عكرمة: رجل من أهلها ذو رأي (^٦).\n_________\n(^١) رواه عن مجاهد ابن جرير في تفسيره (٧/ ١٩٣ - ١٩٤).\n(^٢) كذا بالأصل، وقال الحافظ: \"هلال بن يِساف، بكسر التحتانية، ثم مهملة، ثم فاء، ويقال: ابن إساف\"، تقريب التهذيب (ص ٥٧٦).\n(^٣) ورواه عن هلال هذا وابنُ جبير ابن جرير في تفسيره، وروي أيضًا عن ابن عباس، والحسن، والضحاك، تفسير ابن جرير (٧/ ١٩١ - ١٩٢)، وتفسير ابن أبي حاتم (٧/ ٢١٢٨).\n(^٤) رواه ابن جرير في تفسيره (٧/ ١٩٢ - ١٩٣).\n(^٥) رواه ابن أبي حاتم في تفسيره (٧/ ٢١٢٩).\n(^٦) رواه ابن جرير بلفظ: ما كان بصبي، ولكنه رجل حكيم، وروي عن قتادة قوله: رجل حكيم من أهلها، تفسير ابن جرير (٧/ ١٩٢)، وتفسير ابن أبي حاتم (٧/ ٢١٢٩).","vol":"2","page":46},{"text":"وتابع على كل قوله من ذلك قوم من المفسرين.\nوقال الشعبي: كان في قميص يوسفَ ﵇ ثلاثُ آيات: جاءوا على قميصه بدم كذب، فعلم يعقوب أنه كذب على الذئب، وأنه لو كان من فعل الذئب لخَرَق القميص، والثانية: أن تَخْريقَهُ من دُبر، ونجاتُه بذلك وبقول الحكيم فيه، والثالثة: أن ألقي على وجه يعقوب فارْتَد بصيرًا.\nوقصة يوسف ﵇ توجب القضاء فيما لا تحضره البينة بالدلائل والعلامات في مثل: اللُّقطَة (^١)، ومثل: إغلاق الباب، وإرخاء السُّتُر، وفي شهادة الصبيان في الجراح، وذلك دليل للشهادة، وهو غيرُ مخالف لقوله: \"البينة على المدعي واليمين على المنكِر\" (^٢)، لأنه لا يقال البينة على المدعي إلا في موضع يُمْكِن فيه البينة، وقد ذكرنا هذا في سورة البقرة، وأن شريحًا وإياسَ بن معاوية حكما بالعلامة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-446>[شرع من قبلنا]</span>\nفإن قال قائل: إن تلك الشريعة لا تلزمنا.\nقلنا له: كل ما أنزله اللَّه علينا فإنما أنزله لفائدة فيه ومنفعة لنا، فقال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠]، فآيات يوسف ﵇ مقتدًى بها معمول عليها، واللَّه أعلم.\n_________\n(^١) اللُّقَطَة: بضم اللام، وفتح القاف، وهي الشيء الذي يُلتقط، انظر التنبيهات المستنبطة (٤/ ٢٠٣٦)، وغرر المقالة (ص ٢٢٧).\n(^٢) رواه الترمذي في سننه برقم ١٣٤١، أبواب: الأحكام، باب: ما جاء في أن البينة على المدعي، وفيه: \". . . واليمين على المدعى عليه\"، وقال: \"هذا حديث في إسناده مقال. . . \"، واتفق البخاري ومسلم من حديث ابن عباس -﵁- على شطره الثاني، فأخرجه البخاري برقم ٢٥١٤، كتاب الرهن، باب: إذا اختلف الراهن والمرتهن، ومسلم (٥/ ١٢٨)، كتاب الأقضية، باب: اليمين على المدعى عليه.","vol":"2","page":47},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-447>٧٢ - قال اللَّه ﷿: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾</span>\nقال قتادة: حميل.\nالثوري: كفيل (^١).\nوالكفيل والحميل: من تكفل بغيره، أو تحمل عن غيره، وهذا رجل ضمن عن نفسه، وقال الشاعر:\nفلست بآمرٍ فيها بسَلْم ... ولكني على نفسي زَعيمُ\nبغزو مثل ولْغ الكلب حتى ... تبوءَ بصاحبي ثأرٌ مُنيمُ (^٢)\nوقال آخر:\nفإني زعيم إن رجعت مُسَلّمًا ... بسَيْر تَرى منه الفُرانِقَ أزْوَرا (^٣)\nأي: ضامن لذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-448>[حكم الجُعالة]</span>\nوإنما ينبغي أن يحتج بهذه الآيات في باب: الجُعْل (^٤)، وأنه جائز أن يقول الرجل: من فعل كذا فله كذا.\n_________\n(^١) روي عن ابن عباس، وسعيد بن جبير، وقتادة، والضحاك، ومجاهد، تفسير ابن جرير (٧/ ٢٥٦ - ٢٥٧).\n(^٢) نسب أبو عبيدة البيتان في مجاز القرآن (١/ ٣١٥) إلى: المؤسّي الأزدي، وفي البيت الثاني عنده: والذئب، ينوء بصاحبي.\n(^٣) البيت لامرئ القيس في ديوانه (ص ٦٦)، وفيه: إن رجعت مُمَلَّكًا.\n(^٤) ويقال أيضًا: الجُعالة، وهي ما يُجعل على العمل، انظر إنصاف الطالب لابن عبد السلام (ص ١٧٧).","vol":"2","page":48},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-449>[حكم الكَفالة]</span>\nوأما الكفالة فمأخوذ من غير هذا الموضع، لأنه رجل فعل معروفًا إلى رجل وضَمِن عنه شيئًا أوجبه على نفسه، قد يمكن أن يغرمه ويمكن أن لا يغرمه.\nولم يدخل في باب الغَرَر الذي نُهي عنه، لأن الغَرَر يدخل في باب المُخاطَرة والقمار، لأن كلَّ واحدٍ منهما يؤمِّل أن يأخذ من مال صاحبه شيئًا بغير حق، والضّامِن ليس يأخذُ شيئًا، وإنما هو مُصطنِع معروفًا، يمكن أن يغرم ويمكن ألا يغرم، فلزمه ما شرط على نفسه، إذ لم يخالِف كتابًا ولا سُنة، وإن دفع شيئًا رجَع به على من ضمِنه عنه.\n* * *","vol":"2","page":49},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-450>٨٨ - قال اللَّه ﵎: ﴿فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ﴾ ٥٩ - وقولُه: ﴿أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ﴾</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-451>[أجرة الكَيّال]</span>\nأجرة الكَيّال عندنا على البائع بهذه الآية، كذلك قال مالك بن أنس -﵁- (^١)، لأن الرجلَ إذا باع الرجلَ قَفيزًا (^٢) من طعامه، فقد أَوجَب العقدُ على البائع أن يَصُّر القفيزَ بعينه ويَحوزَ لصاحبه، وذلك لا يكون إلا بالكيْل، وكذلك الوزن فيما يُباع وزنًا، وكذلك فيما يُعَد عَددًا، وكذلك فيما يُذْرَع، واللَّه أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) النوادر والزيادات (٦/ ٤٥٥).\n(^٢) القَفيز: أحد المكاييل التي كان الناس يتعاملون به. اللسان (١٢/ ١٥٩).","vol":"2","page":50},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-452>ومن سورة الرعد</span>","vol":"2","page":51},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-453>٨ - قال اللَّه ﵎: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ﴾</span>\nقال ابن عباس -﵄-: ما ينقص عن التسعة وما يزيد عليها (^١)، وقاله جماعة من أصحابه (^٢).\nوقال بعضهم: الحيضُ على الحمل، وقالوا: زيادة الحيض ونُقصانه (^٣).\nوأصحُّ المعاني في ذلك: أن غَيض الأرحام وزيادتُها هو في الحيض خاصّة، وأن الحامل تحيض على الحمل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-454>[هل تحيض الحامل</span>؟]\nومن قال: إن الحامل لا تحيض (^٤)، فقد أقدم على غَيب من غيب اللَّه لا يعلمه إلا اللَّه، لا يجوز أن يقوله إلا بكتاب أو بسُنّة، وكل دم يخرج من الرَّحِم فهو حَيْض أو نِفاس، وأما دم الاستحاضة فإنما هو عِرْق، كما قال النبي -ﷺ- (^٥)، وقد قال النبي -ﷺ- في سبي أَوطاس ما يوجب أن الحامل تحيض، قال:\n_________\n(^١) رواه ابن جرير في تفسيره (٧/ ٣٤٥)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٧/ ٢٢٢٦).\n(^٢) روي عن سعيد بن جبير، ومجاهد، والضحاك، والحسن، وقتادة، وعطية العوفي، انظر: تفسير ابن جرير (٧/ ٣٤٥ - ٣٤٧)، وابن أبي حاتم (٧/ ٢٢٢٦ - ٢٢٢٧).\n(^٣) روي عن ابن جبير، ومجاهد، وعكرمة، وانظر: تفسير ابن جرير (٧/ ٣٤٦)، وابن أبي حاتم (٧/ ٢٢٢٦).\n(^٤) وهو قول أبي حنيفة، وأحد قولي الشافعي، الإشراف للقاضي عبد الوهاب (١/ ١٩٣).\n(^٥) كما ورد في الحديث الشريف المتفق عليه عن عائشة -﵂-، أن فاطمة بنت أبي =","vol":"2","page":53},{"text":"\"لا توطأ حائل حتى تحيض، ولا حامل حتى تضع\" (^١) يريد: وإن حاضت، لأنه لو كانت الحامل لا تحيض لاستغنى بالقول الأول: \"لا توطأ امرأة حتى تحيض\"، لأن الحامل والحائل إنما يجوز وطؤهما بعد الحيض، والنفاس: حَيْضٌ زادت أيامه، ولا يجوز الوطء أيضًا حتى تطهران، فكان القول الأول كافيًا، فأُعلِمنا أن الحيض لا يُبرِئُها حتى تضع.\nوقد قالت عائشة -﵂- وغيرُها: إن الحامل إذا رأت الدم تدع الصلاة (^٢).\nوالأغلب في النساء أنهن لا يَحِضْن على الحمل، والأغلب فيهِنّ أنهن يحملن تسعة أشهر، فإذا حاضت على الحمل كانت كمن حملت سنتين وثلاثًا وأربعًا، حُكم لهما بحكمهما.\nوإذا انفردت أخرى بارتفاع الحيض من غير سبب، نُظر في ذلك بما قال عمر بن الخطاب -﵁- (^٣)، وباللَّه التوفيق.\n* * *\n_________\n= حبيش. كانت تُستحاض، فسألت النبي -ﷺ- فقال: \"ذلك عرق وليست بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة وإذا أدبرت فاغتسلي وصلي\"، رواه البخاري برقم ٣٢٠، كتاب: الحيض، باب: إقبال المحيض وإدباره، ومسلم (١/ ١٨٠)، كتاب: الحيض، باب: المستحاضة وغسلها وصلاتها.\n(^١) رواه الإمام أحمد في مسنده برقم ١١٢٢٨، عن أبي سعيد الخدري.\n(^٢) رواه مالك في الموطأ برواية يحيى، برقم ١٥٣، كتاب: الصلاة، جامع الحيضة.\n(^٣) فيما رواه عنه مالك -﵁- في الموطأ برواية يحيى، برقم ١٧٠٣، كتاب: الطلاق، جامع عدة الطلاق: أيُّما امرأة طُلقت فحاضت حيضة أو حيضتين، ثم رفعتها حيضتها، فإنها تنتظر تسعة أشهر، فإن بان بها حملٌ فذلك، وإلا اعتدّت بعد التسعةِ أشهر ثلاثةَ أشهر ثم حلَّت.","vol":"2","page":54},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-455>سورة إبراهيم ﵇</span>","vol":"2","page":55},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-456>٢٥ - قال اللَّه ﵎: ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾</span>\nقال بعضهم: غدوة وعشية (^١).\nوقال آخرون: الحين ستة أشهر (^٢).\nوقال آخرون: كل عام (^٣).\nفمن قال: غُدوة وعشية، فالآية لا تحتمِله، ومن قال: ستة أشهر، أراد منذ تُطْلِع النخلة (^٤) إلى أن تُصْرَم، يريد: تُجَدَّ (^٥)، ومن قال ذلك أيضًا يريد منذ تَجَدُّ النّخل إلى أن تُطْلِع.\nومن قال: سنة، فهو القول الصحيح، وهو سَنة زَمانِيّة شمسية، وإنما هو من الطلع إلى الطلع، أو من الأكل من التمر إلى الأكل، أو من الجَداد إلى الجَداد، فهذا معنى الآية، واللَّه أعلم.\n_________\n(^١) روي عن ابن عباس، والضحاك، انظر تفسير ابن جرير (٧/ ٤٤٠ - ٤٤١).\n(^٢) روي عن ابن عباس أيضًا، وعن عكرمة، وسعيد بن جبير، وقتادة، والحسن، تفسير ابن جرير (٧/ ٤٤١ - ٤٤٢).\n(^٣) روي أيضًا عن ابن عباس، وروي عن عكرمة، وحماد، والحكم، ومجاهد، وابن زيد، تفسير ابن جرير (٧/ ٤٤٢ - ٤٤٣).\n(^٤) تُطلع النخلة: تُخرج طَلْعَها، اللسان (٩/ ١٣٤).\n(^٥) تُجَدَّ: يُقطع ثمرُها، ويُصْرَم، اللسان (٣/ ٩٢).","vol":"2","page":57},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-457>سورة الحجر</span>","vol":"2","page":59},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-458>٧٢ - قال اللَّه ﵎: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾</span>\nأقسم اللَّه ﷿ بحياة نبيه -ﷺ- وشَرَّف، كذلك قال من فسرها، وهو معناها في اللغة.\nوأما قوله سبحانه: ﴿يَعْمَهُونَ﴾ فمعناه: يترددون في حَيرتهم.\nقال إِسماعيل: العَمْر والعُمْر واحد، والرجل إذا قال: لَعمري فقد قال: وَحياتي.\nوليس ينبغي للناس أن يُقسموا إلا باللَّه ﷻ، فأما الرب ﵎ فإنه يُقسم بما شاء، وليس يقسم إلا بما هو خلق من خلقه، وأجل ما أقسم به من خلقه عبده نبينا -ﷺ- وزاده شرفًا.\n* * *","vol":"2","page":61},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-459>ومن سورة النحل</span>","vol":"2","page":63},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-460>٦٧ - قال اللَّه جل وعلا: ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾</span>\nقال ابن عباس -﵁-: الرزق الحسن: ما أُحِلَّ من ثمرتها، والسَّكَر: ما حُرِّم من ثَمرتها (^١).\nوقاله سعيد بن جبير (^٢)، وإبراهيم، والشعبي، وابن أبي ليلى، وذكره إبراهيم عن عبد اللَّه.\nوقال إبراهيم، والشعبي، وأبو رَزِين: السَّكَر: خمر (^٣).\nوقال عكرمة: السَّكَر: الحرام، والرزقُ الحَسن: الحلالُ.\nوقال الحسن وجماعة: السَّكَر: الخمرُ قبل أن تُحَرّم، وقالوا: هي منسوخة، وسورة النحل مكية (^٤).\nولنا في هذه الآية وصفُ ما كان القوم يفعلون، ثم لما وقع التحريم عُلِم بهذه الآية أن الخمر من هاتين الشجرتين، وقد شرحنا ذلك في كتاب الأشربة.\n_________\n(^١) رواه ابن جرير في تفسيره (٧/ ٦٠٧ - ٦٠٨).\n(^٢) رواه ابن جرير في تفسيره (٧/ ٦٠٨).\n(^٣) رواه ابن أبي شيبة برقم ٢٣٨٢٨ كتاب: الأشربة، في السكر ما هو؟ (ط الرشد)، ورواه ابن جرير في تفسيره (٧/ ٦٠٩) عن أبي رزين، ومجاهد، وقتادة.\n(^٤) رواه ابن جرير في تفسيره (٧/ ٦٠٩) عنه، وعن إبراهيم، والشعبي، وأبي رزين، ورواه ابن أبي حاتم في تفسيره (٧/ ٢٢٨٨) عن ابن عباس.","vol":"2","page":65},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-461>٧٥ - قال اللَّه ﵎: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ الآيتان</span>\nقال ابن عباس: قوله عز مِن قائل: ﴿وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [النحل: ٧٦]، قال: عثمان بن عفان -﵁- (^١).\nوتكلم المفسرون فيها، فقال بعضهم: اللَّه ﵎ الآمر بالعدل (^٢).\nوقال بعضهم: الأبكم، الصنم (^٣).\nوالصحيح ما قاله ابن عباس -﵁- أن هذه الآية نزلت في عبد بعينه وسَيِّدِه، وأن العبد لم يكن له مال، وأن سيدَه كان له مال يُنِفق منه، وأن الآية الأخرى نزلت في رجل بعينه لم يكن له مال، وكان كَلًّا على مولاه، والمولى في هذا الموضع: الولي من أخٍ أو ابنِ عمٍّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-462>[طلاق العبد]</span>\nوقد تأول قوم بهذه الآية: أن الطلاق -إذا تزوّج العبد- بيد السيد، وأن بيعَ الأمة طلاقُها (^٤)، وهذا خطأ كبير، لأنه لو كان كذلك لكانت بَرِيرَة قد بانت\n_________\n(^١) رواه ابن جرير في تفسيره (٧/ ٦٢٤)، وذكره ابن أبي حاتم في تفسيره (٧/ ٢٢٩٣).\n(^٢) روي عن قتادة، ومجاهد، والسدي انظر: تفسير ابن جرير (٧/ ٦٢٣)، وتفسير ابن أبي حاتم (٧/ ٢٢٩٣).\n(^٣) قاله القائلون بأن الآمر بالعدل هو اللَّه، وهم المذكورون قبله، وروي أيضًا عن الحسن، عزاه السيوطي في الدر المنثور (٥/ ١٥١) لابن أبي حاتم، ولم أقف عليه في تفسيره.\n(^٤) روى مالك في الموطأ كتاب: الطلاق، باب: ما جاء في طلاق العبد رواية يحيى =","vol":"2","page":66},{"text":"من مُغيث حين بيعت (^١)، فلما خُيرت بعد العتق، عُلم أنه لم يكن البيع طلاقًا، وأنه ليس بيد السيد من ذلك شيء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-463>[هل يملِك العبد</span>؟]\nوقد تعلق العراقي بهذه الآية وكذلك الشافعي في العبد لا يملك (^٢)، ولو تأملوا ما قرؤوا لأغنَوا عن التعب بهم، هاتان الآيتان نزلتا مع غيرهما ضربَ أمثالٍ للربوبية، ألا تراه قال عز مِن قائل: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ (٧٣) فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٧٣ - ٧٤]، ثم قال سبحانه: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ\n_________\n= عن ابن عمر ﵄ أنه كان يقول: \"من أذن لعبده أن ينكح فالطلاق بيد العبد، ليس بيد غيره من طلاقه شيء\"، قال ابن عبد البر في الاستذكار (٦/ ١٢٥): \"أما قول ابن عمر: \"فالطلاق بيد العبد\" فعلى هذا جمهور العلماء، ولم يختلف في ذلك أئمة الأمصار، كلُّهم يقول: الطلاق بيد العبد لا بيد السيد، وكلهم لا يجيز النكاح للعبد إلا بإذن سيده. وشذت طائفة فقالت: الطلاق بيد السيد، وأعلى من روي ذلك عنه: عبد اللَّه بن عباس، وجابر بن عبد اللَّه. . . فهؤلاء قالوا: بأن الطلاق بيد السيد، وأما القائلون بأن الطلاق بيد العبد فهو الجمهور على ما ذكرت لك، منهم: عمر، وعلي، وعبد الرحمن بن عوف، وعبد اللَّه بن عمر رضوان اللَّه عليهم، ومن التابعين: سعيد بن جبير، وإبراهيم النخعي، وعطاء، وطاوس، ومجاهد، والحسن، وابن سيرين، ومكحول، وابن شهاب، الزهري، والضحاك بن مزاحم، وعليه جماعة فقهاء الحجاز والعراق أئمة الأمصار\".\n(^١) روى البخاري في صحيحه برقم ٥٢٨٣ كتاب: الطلاق، باب: شفاعة النبي -ﷺ- في زوج بريرة، حديث مغيث وبريرة، وفيه قوله -ﷺ- لبريرة بعد عتقها: \"لو راجعته\"، قالت: يا رسول اللَّه تأمرني؟ قال: \"إنما أنا أشفع\"، قالت: لا حاجة لي فيه.\n(^٢) انظر: الحجة على أهل المدينة لمحمد بن الحسن (٣/ ٣٦٠)، والأم (٥/ ٤٦ ط المعرفة).","vol":"2","page":67},{"text":"أَنْفُسَكُمْ﴾ [الروم: ٢٨]، وهذه الأمثال ضربها اللَّه ﵎ لنفسه جل وعز، فأنتم لا يستوي بعضكم ببعض، فكيف تُسوّون بي خلقًا من خلقي.\nثم قال عز مِن قائل: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا﴾ [النحل: ٧٥]، فإذا كنت أنت وعبدُك لا تستويان، والصحيح والأبكم لا يستويان، فكيف جل اللَّه وعز؟ !\nوليس لهم حجة في ذكر العبد إلا وعليهم مثله في الأبكم، والأبكم عندهم يملك ماله.\nومِلك العبد فيه آيات محكمات ضلّوا عن معرفتها، قال اللَّه ﷿: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور: ٣٢]، وقال النبي -ﷺ- لرجل شكى إليه الفقر: \"تزوج\"، فقد بين اللَّه ﵎ أن العبد والأَمَة قد يغنيهما كما يغني الأيامى منا.\nوقال سبحانه: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٥]، ولو لم يكنَّ المالكات لما أمر بدفع ما يملكه سواهن إليهن.\nوالحجة في هذه المسألة تكثر، ولها موضعها إن شاء اللَّه ﷿.\n* * *","vol":"2","page":68},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-464>٩٨ - قال اللَّه ﷿: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾</span>\nمعنى هذه الآية: إذا أردت أن تقرأ القرآن فاستَعِذ، وهي مثل قوله: ﴿إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا﴾ [المجادلة: ١٢]، وإنما هو إذا أردتم أن تُناجوا الرسولَ فقدموا.\nوالتعوذ: \"أعوذ باللَّه السميع العليم من الشيطان الرجيم\"، وما قام هذا المقام.\n* * *","vol":"2","page":69},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-465>١٠٦ - قال اللَّه ﷿: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-466>[سبب النزول]</span>\nقال عكرمة: إنها أنزلت في قوم أسلموا بمكة ولم يمكنهم الخروج، فلما كان يوم بدر أخرجهم المشركون معهم كرهًا فقُتلوا، وتلا: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ٩٨]، وقال: طريقًا إلى المدينة، ﴿فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾ [النساء: ٩٩]، إلى آخر الآية فعذرهم اللَّه، فكتب بها المسلمون الذين بالمدينة إلى إخوانهم الذين بمكة يخبرونهم بما نزل فيهم، فلما جاءهم الكتاب خرج ناس كانوا أقروا بالإسلام، وطلبهم المشركون فأدركوهم، فرجعوا وأعطوهم الفتنة قولًا دون الاعتقاد، فأنزل اللَّه ﵎ فيهم: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ [العنكبوت: ١٠]، وأنزل فيهم: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾، وأنزل فيهم: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١١٠]، فسمع ذلك رجل من بَكْر كان مريضًا فقال لأهله: أخرجوني إلى الرَّوْح، يريد المدينة، فأخرجوه فمات قبل الليل، فأنزل اللَّه ﵎: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١٠٠] (^١).\n_________\n(^١) قصة الرجل من بني بكر رواها ابن جرير في تفسيره (٤/ ٢٤١) عن ابن عباس واسمه: \"ضَمْرَة\"، وقول عكرمة رواه أيضًا ابن جرير في تفسيره (٤/ ٢٣٦ - ٢٣٧).","vol":"2","page":70},{"text":"ثم إن قومًا خرجوا فلم يدركهم أبو سفيان، فأنزل اللَّه ﵎ فيهم: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا﴾ إلى قوله عز من قائل: ﴿لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١١٠].\nوقال مجاهد: أول من أظهر الإسلام سبعة: رسول اللَّه -ﷺ-، وأبو بكر، وبلال، وخباب، وصهيب، وعمار، وسمية أم عمار، فأما رسول اللَّه -ﷺ- فمنعه أبو طالب، وأما أبو بكر فمنعه قومه، وأُخذ الآخرون فألبسوهم أدراع الحديد وصهروهم في الشمس، فبلغ منهم الجَهد ما شاء اللَّه أن يبلغ من حَرّ الحديد والشمس، فلما كان من العَشي أتاهم أبو جهل ومعه حَربة فجعل يشتمهم ويوبِّخهم، ثم أتى سُميةَ فطعن بالحَربة في فَرجها فقتلها، فهي أول شهيد استشهد في الإسلام.\nقال: وقال الآخرون ما سألوهم.\nوقال في غير هذه الرواية: إلا بلالًا (^١)، فإنه هانت عليه نفسه، وجعلوا يعذبونه ويقول: أَحَد أَحَد، حتى مَلُّوه، ثم كتفوه وجعلوا في عنقه حبلًا من ليف ودفعوه إلى صبيانهم، فجعلوا يلعبون به بين أخشَبي مكة حتى مَلُّوه وتركوه.\nفقال عمار: كلنا تكلم بالذي قالوا له، فلولا أن اللَّه ﵎ تداركنا، غير بلال فإنه هانت عليه نفسه في اللَّه، وهان على قومه حتى ملوه فتركوه.\nفقيل: نزلت هذه الآية في هؤلاء.\nوقيل: في أمثالهم.\nوكل ذلك سواء، وقد رأى النبي -ﷺ- عمارًا يبكي من فتنته، فطيَّب نفسه وقال: \"إن عادوا فعُد\" (^٢).\n_________\n(^١) في الأصل: إلا بلال.\n(^٢) روى ابن جرير في تفسيره (٧/ ٦٥١)، عن أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر قال: أخذ المشركون عمار بن ياسر فعذبوه حتى باراهم في بعض ما أرادوا، فشكا =","vol":"2","page":71},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-467>[الإكراه]</span>\nوهذه الآية تدل على أنه ما أُكره الإنسان عليه من قول فلم يقُله عن اعتقادٍ فلا شيء عليه.\nفأما أن يُكْرَه على أن يَقتل أو يَزني أو ما أشبه ذلك من ظلم الإنسان، فلا يجوز له استعمال التقية في ذلك، واللَّه أعلم.\n* * *\n_________\n= ذلك إلى النبي -ﷺ-، فقال النبي -ﷺ-: \"كيف تجد قلبك؟ \" قال: مطمئنًّا بالإيمان، قال النبي -ﷺ-: \"فإن عادوا فعد\".","vol":"2","page":72},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-468>١٢٦ - قال اللَّه ﷿: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-469>[سبب النزول]</span>\n٣٩ - قال إسماعيل: نا حجاج، قال: نا صالح المري (^١)، عن سليمان التَيْمي، عن أبي عثمان النَهْدِي، عن أبي هريرة، أن رسول اللَّه -ﷺ- وقف على حمزة حين استُشهِد فنظر إليه، فنظر إلى منظر لم ينظر إلى شيء قط أوجع لقلبه منه، ونظر إليه قد مُثِّل به فقال: \"رحمةُ اللَّه عليك، فإنكَ كُنتَ ما علمتُ وَصولًا للرحم، فعولًا للخيرات، ولولا حزن مَن بَعدك عليك لسَرَّني أن أدعك حتى تحشر من أفواج شتى، أما واللَّه مع ذلك لأُمثّلن بسَبعين منهم مكانك\"، قال: فنزل جبريل والنبي -ﷺ- واقف معه بخواتيم سورة النحل قال: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (١٢٦) وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾، قال: فصبر النبي -ﷺ- وكفَّر عن يمينه، وأمسك عما أراد من ذلك (^٢).\n_________\n(^١) في الأصل: المزني، والصواب ما أثبته كما في مصادر التخريج وتقريب التهذيب (ص ٢٧١).\n(^٢) رواه الحاكم في المستدرك (٣/ ١٩٧) كتاب: معرفة الصحابة ﵃، والطبراني في المعجم الكبير برقم ٢٩٣٧، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ١١٩): \"وفيه صالح بن بشير -كذا كما في الأصل- وهو ضعيف\".","vol":"2","page":73},{"text":"وقال عبد الرحمن بن زيد، عن أبيه قال: أمر اللَّه ﵎ رسوله -ﷺ- وأهل الإسلام أن يعفوا ويُعرِضوا عن أهل الشرك مدة مُقامهم بمكة، في آيٍ كثير، ذكرنا منها قوله سبحانه: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الجاثية: ١٤]، وقال: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الحجر: ٩٤]، وقال سبحانه: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩]، وقال تبارك اسمه: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا﴾ [النجم: ٢٩]، وقال ﷿: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ﴾ [الذاريات: ٥٤]، ﴿فَاصْفَحْ (^١) عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٩]، وقال ﵎: ﴿وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا﴾ [المزمل: ١٠] (^٢).\nقال القاضي: فأمر اللَّه ﷿ رسولَه -ﷺ- بهذا وأمثاله في تلك السنين، فأسلم فيها رجال ونساء لهم ثروة ومنعة، فقالوا: يا رسول اللَّه لو أذِن اللَّه ﵎ لنا انتصَرنا من هؤلاء المُشركين، فأنزل اللَّه ﷿: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾، ثم أمر رسول اللَّه -ﷺ- بالصبر، يقول: واصبر أنت يا محمد فلا تكن ممّن ينتصِر، ثم قال له: ﴿وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾، فأمرَه بالعفو والمغفرة قبل الانتصار.\nوقال اللَّه ﵎: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (٣٩) وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٣٩]، ثم قال سبحانه: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ٤٠]، ثم قال عز من قائل: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (٤١) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [الشورى: ٤١ - ٤٢]، وقال\n_________\n(^١) قي الأصل: واصفح.\n(^٢) أثر ابن زيد أخرجه ابن جرير في تفسيره (٧/ ٦٦٥).","vol":"2","page":74},{"text":"﷿: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [الشورى: ٤٣]، فلما قدم رسول اللَّه -ﷺ- المدينة أذن له في قتال المشركين وجهادهم والغِلظة عليهم (^١).\nوهذه السورة كلها مكية، وقد يجوز أن تكون الآية وحدها نزلت في حمزة ﵀، وسائر قَتْلِ أحُد ﵏، ويجوز أن تكون على ما ذكر زيد بن أسلم، إذ كانت مكية، ويكون اللَّه ﵎ أَذْكَر بها نبيه -ﷺ- في قصة أحد، ولولا أن الإسناد فيه ما هو معلوم لكانت روايةُ أبي هريرة أولى، ولكن كلما خاطب اللَّه ﵎ به نبيه -ﷺ- من هذه الآيات فمكي، فقد قال له بمكة: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال: ٣٠] في آيٍ كثير من هذا الجنس لم يذكرها زيد.\nوالأقوى في هذا عندي أن اللَّه ﷿ لا يأمر في المشركين ألا يعاقب بمثل ما عوقب به، ويأمر بالصبر عنهم، وقد أمره بقتالهم، وقتلهم حيث ما وجدوا، والغلظة عليهم.\nومهما يكن من ذلك فليس نصًّا (^٢) فيما يحتاج المسلمون إليه من أحكامهم من القصاص والديات والعفو لمن أراده ورغب في ثوابه، واللَّه أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) هذه تتمة لأثر ابن زيد.\n(^٢) في الأصل: نص.","vol":"2","page":75},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-470>سورة بني إسرائيل </span>(^١)\n_________\n(^١) هي سورة الإسراء.","vol":"2","page":77},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-471>١٦ - قال اللَّه ﵎: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾</span>\nحدثنا أبو بكر محمد بن علي بن أحمد الأُدْفُوي، قال: أخبرنا أبو الفضل بكر بن محمد بن العلاء القشيري القاضي، قراءةً عليه في منزله بمصر عام إحدى وأربعين وثلاثمائة وأنا أسمع، قيل:\nقلتَ رضي اللَّه عنك: قُرئ: ﴿أَمَّرْنا﴾، ومعناه: أظهرنا.\nوقرئ: ﴿أَمَرْنَا﴾ من الأمر.\nوقرئ: ﴿آمَرْنا﴾ (^١)، جعلنا فيها رؤساء وأكثرنا مستكبريها.\nوكل قراءة من هذه فعن القراء والتابعين.\nفأما من قرأ: ﴿أَمَرْنَا﴾ من الأمر فإنه فسرها: أمرناهم بالطاعة ففسقوا فيها، وهي التي عليها أكثر القراء، وهي أمرنا خفيفة، ويحتمل أمرنا بالطاعة فعصوا، ويحتمل أيضًا أكثرنا.\nقال أبو عمر الجرمي (^٢): هذا باب ما يجتمع فيه فعلت وأفعلت.\n_________\n(^١) عزا ابن الجوزي في زاد الميسر (٥/ ١٨ - ١٩) قراءة: ﴿أَمَرْنَا﴾ بالتخفيف للأكثرين من القراء، وعزا قراءة ﴿آمرنا﴾ بالمد لنافع، وابن كثير، وابن عباس، وأبي الدرداء، وأبي رزين، والحسن، والضحاك، ويعقوب، وقراءة ﴿أمَّرنا﴾ لأبي عمرو، وأبان عن عاصم، وأبي العالية، والنخعي، والجحدري.\n(^٢) هو صالح بن إسحاق، الإمام في النحو، توفي ٢٢٥ هـ، انظر البُلغة للفيروزآبادي (ص ١١٣).","vol":"2","page":79},{"text":"وقال أبو زيد يونس، ورواه عن العرب، وقرأ به الأصمعي وقال: نَضَّر اللَّه وجهه، وأنضر اللَّه وجهك، ويقال: سلكته وأسلكته، وتقول العرب: أَمِرَ ماله إذا كثر، وهو مال آمِرٌ، ويقولون: أَمَرَ اللَّه بأَمْرِه أَمْرًا، يريدون: أكثره.\nقال أبو عبيدة: وهو مال مَأْمُور أي: كثير، وتقول العرب: خير المال نخلة مَأْبُورة، أو مُهْرَة مَأْمُورة (^١).\nقال أبو عمرو بن العلاء: مُهْرَة مَأْمُورة: كثيرة النسل، وقال: تقول العرب: هذا مال مُؤمر.\nوإذا لم يكن في المصحف إلا ألف واحدة كانت القراءة الموافقة لها أولى، وهي أيضًا أصح في المعنى، فيكون ﴿أَمَرْنَا﴾ خفيفة، فإن كانت أمرناهم بالطاعة فذاك، فإن كانت على ما تعرفه العرب بلسانها كثَّرنا فحسَنٌ أيضًا، لأنه ليس يكاد يهلك الناس إلا بفساد عامتهم، لأن النبي -ﷺ- قيل له: أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: \"نعم، إذا كثر الخَبَث\" (^٢).\n* * *\n_________\n(^١) مجاز القرآن (١/ ٣٧٣).\n(^٢) متفق عليه من حديث زينب بنت جحش ﵂، رواه البخاري في مواطن منها رقم ٣٣٤٦، في كتاب: أحاديث الأنبياء، باب: قصة يأجوج ومأجوج، ومسلم (٨/ ١٦٥)، كتاب: الفتن وأشراط الساعة، باب: اقتراب الفتن وفتح ردم يأجوج ومأجوج.","vol":"2","page":80},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-472>٢٤ - ٢٣ - قال اللَّه ﷿: ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (٢٣) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾</span>\nقرأها أهل الحجاز وأهل العراق: ﴿مِّنَ اَلذُّلِّ﴾ بالضم، وكسَر قوم (^١)، وجميعًا لغتان في القرآن، قال اللَّه: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا﴾ [آل عمران: ١١٢]، وقال: ﴿خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ [الشورى: ٤٥].\nوقال المفسرون أقاويلَ ترجع بالمعاني إلى شيءً واحد، فمنهم من قال: إذا بلغا من الكِبَر ما يرجعا به إلى أرذل العمر، فَوَليتَ منهما ما كان يَلِيانه منك (^٢).\nومنهم من قال: لا تخالِفْهما في شيء يُريدانه (^٣)، وما أشبه ذلك.\nوالذي يجب لهما عليه الطاعة فيما لم يدخله معصيةٌ للَّه، وألّا يعصيهما ولا ينهرهما وإن أخطآ، ولا يرفَع صوتَه عليهما، ويحمسن برَّهما وخدمتهما حسب ما خَدماه في صغره، ويجتهد في الزيادة على ذلك.\n_________\n(^١) ضم الذال قراءة الجمهور، وقرأ بالكسر أبو رزين، والحسن وسعيد بن جبير، وقتادة، وعاصم الجحدري، وابن أبي عبلة، كما حكى ابن الجوزي في الزاد (٥/ ٢٥).\n(^٢) رواه ابن جرير في تفسيره (٨/ ٥٩)، عن مجاهد.\n(^٣) رواه ابن جرير في تفسيره (٨/ ١٦)، عن عروة بن الزبير.","vol":"2","page":81},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-473>٢٦ - قال اللَّه ﷿: ﴿وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾</span>\nالتبذير: إنفاق المال في غير رضى اللَّه، ولا فيما يلزم الإنسان في نفسه وأهله وما يَعْروه، فإذا أنفقه في غير ذلك صار في معاصي اللَّه، ألا تراه قال: ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾ [الإسراء: ٢٧]، فلا ينبغي لأحد أن ينفق ما أعطاه اللَّه إلا فيما لا يُسخطه، نسأل اللَّه التوفيق برحمته.\n* * *","vol":"2","page":82},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-474>٢٨ - قال اللَّه ﷿: ﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا﴾</span>\nمعناها: إذا أتاك السائل وليس يمكنك إعطاؤه، فلا تُعرض عنه وتجفوه، ولكن قل: يأتي اللَّه برزق ونُواسيك، وقولًا حسنًا ليِّنًا سهلًا.\nوهذه الآية ليست في الوالدين، إنما هي فيمن جاء يَسأل من أقارب أو ضعفاء، أُمر أن يردَّهم ردًّا يرجونه بعده، هذه معاني ما قاله مفسِّروها.\n* * *","vol":"2","page":83},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-475>٢٩ - قال اللَّه ﵎: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾</span>\nالمعنى فيها: ألا يمنع النفقةَ فيما يلزَمه، أو فيما يرجو ثوابه، ولا يبسطها (^١) فيما لا يلزمه ولا يرجو ثوابه.\nوقد أدَّب اللَّه عباده فيما رزقهم فقال: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾ [الفرقان: ٦٧]، فالنفقة في طاعة اللَّه وفيما أوجب اللَّه لا تورث حسرة ولَوْمًا، وفي غير طاعة اللَّه تورث لومًا من الناس، وحَسْرة في الدنيا والآخرة.\n* * *\n_________\n(^١) في الأصل: تبسطها.","vol":"2","page":84},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-476>٣٣ - قال اللَّه ﷿: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا﴾</span>\nقال ابن عباس -﵁-: كل سلطان في القرآن فهو حجة (^١)، أرأيت الهدهد كان له سلطان، فالسلطان في هذه الآية: الحجة والمقال في أخذ حقِّه، إما القَوَد، أو الدية إن بُذِلت له، أو العفو إن أراده ورغِب في ثوابه، فهذا الذي جعله اللَّه للولي، أيّ ذلك شاء فعل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-477>[القصاص في النفس]</span>\nوأما قوله: ﴿فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾، لا يقتل غير قاتل وليِّه، لأن العرب كانت إذا قُتِل من القبيل رجلٌ قَتَل وليُّه كلَّ من لقي من تلك القبيلة التي منها القاتل، فله أن يَقتل القتَلة من كانوا، ولا يتعدّاهم إلى غيرهم، ولا يَقتل إلا القِتْلَة التي قُتل مولاه بها، إذا كانت مما يَقْتُل لا محالة ولا تُخْلِف، فإذا كانت مما تُخلِف ولا تؤدي إلى القتل على كل حال، وكان يحتاج إلى إعادة مِثْلِ الفعلِ ومِثلِه ومِثلِه، فهذه زيادة نُهِي عنها، وتعذيبٌ لا يجوز فعله، كان السيف أَوخى وأولى أن يؤخذ به الحق، واللَّه أعلم.\n_________\n(^١) ذكره البخاري تعليقًا في كتاب تفسير القرآن، باب قوله تعالى: ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ﴾، وانظر تغليق التعليق (٤/ ٢٣٨ - ٢٣٩) (ط القزقي).","vol":"2","page":85},{"text":"وقوله: ﴿لِوَلِيِّهِ﴾، قد يكون واحدًا (^١)، ويكون جماعة، ويكون رجالًا كثيرًا (^٢)، وإنما قال: ﴿لِوَلِيِّهِ﴾، يشار إلى الجنس كقوله: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر: ٢]، جاء اللفظ بمعنى الواحد إذ الجنس (^٣)، ونظائر هذا كثير.\nوالولي إنما يكون وليًّا لغيره، فيتعدى للمرأة من هذا الاسم، والولي لا بد أن يكون واحدًا فأكثر، فإذا كان الولي رجلًا استحق الولاية كلها، ولو جاز أن تكون المرأة وليًّا لما استحقت الولاية كلها، وتصير في المعنى كأنها بعض ولي.\nفإن قيل: قد يمكن أن تضم إلى غيرها، كما يكون البنون وإن كثروا أولياء، وكذلك الإخوة.\nقيل: وإنما صار البنون أولياء والإخوة كذلك لاستواء أحوالهم، وكذلك بنو العم إذا استوَوا في القُعْدُد (^٤)، والمرأة إذا ضُمت إلى أخ أو عم أو ابن عم لم تَستوِ حالها وحاله، وكان لها من الميراث بقدر استحقاق النساء، ولو كان لأبيها مولى لكان الولاء لأخيها ولعمها وابن عمها دونها، فذلك كله يدل على أن المرأة لا تسمى وليًّا، وقد قال اللَّه سبحانه: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٩].\nوإنما جعل اللَّه في القصاص حياة ليكُف بعضهم عن بعض، وكان المقصود بكثرة القتل الرجالُ دون النساء، وإن كان قد يكون في النساء نادرًا (^٥)،\n_________\n(^١) في الأصل: واحد.\n(^٢) في الأصل: رجال كثير.\n(^٣) كذا في الأصل، والمعنى: إذ هو جنس.\n(^٤) القُعْدُد: القرابة، اللسان (١٢/ ١٥٠).\n(^٥) في الأصل: نادر.","vol":"2","page":86},{"text":"فيحكم لها ولوليها بحكم الآية، كان الرجال في العبرة أولى بطلب الدم من النساء، ليكون لهم في ذلك الحياة التي جعلها اللَّه، ولئلا يُجترأ عليهم بالقتل.\nوأما النساء فليس يقتلن على الضواحل (^١) والإحن (^٢) التي تكون بين الناس، ولو فعل ذلك فاعل لَعُيِّر به، وإنما يكون ذلك في الرجال، وكانوا (^٣) إذا قتلت امرأة رجلًا أنِف ولده من قتلها به، هذا مروان بن الحكم قتلته أم خالد بنت سهيل بن عمرو، وكانت زوجتَه، بكلمة قالها لابنها، فأراد عبد الملك قتلها فقالت: واللَّه لئن قتلتني لتعيَّرن بذلك، فيقال: يا ابن قتيل المرأة، فتركها ولم يقتلها خوفًا من العار.\nفإن قال قائل: فلم إذا عفا أحد الأولياء، أو قُبلت الدِّية وصار الدم إلى المال، وجب دخول المرأة فيه؟\nقيل له: لأن الدم انتقل بالصلح إلى المال، وزال القصاص الذي جعله اللَّه حياة، فكل مال يؤخذ بسبب المقتول فحكمه حكم الميراث، ألا ترى أن المقتول لو عفا قبل خروج روحه عن القاتل -إذ كان أولى بدمه- لجاز عفوه، ولم يكن للورثة فيه مقال، لأن الدم لم يكن مالًا فلا يجوز (^٤) للميت منه إلا الثلث كما يكون ذلك في دية الخطأ، يكون مالًا قد ملكه الميت ووُرث عنه.\nوقال مالك -﵁-: متى كان ورثة المقتول بنون وبنات، فعفا البنات، لم يجز عفوُهن، وكان للذكور القتل، وإذا عفا البنون أو واحد منهم جاز، فإذا\n_________\n(^١) كذا في الأصل، ولعل المصنف يقصد الأشياء القليلة التافهة، ففي اللسان (٩/ ٢٠): الضحل: الماء القليل، وقال: ويقال إن خيرك لضحل أي: قليل.\n(^٢) الإحَن: الأحقاد، وواحدها: إحنة، اللسان (١/ ٦٢).\n(^٣) في الأصل: ولو كانوا.\n(^٤) في الأصل: يجز.","vol":"2","page":87},{"text":"انتقل بعفو واحد إلى المال، كان الرجال والنساء فيه على قدر مواريثهم، وقضى منه دينًا إن كان على الميت (^١).\n* * *\n_________\n(^١) انظر المدونة (٦/ ٤١٨ - ٤١٩).","vol":"2","page":88},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-478>٣٤ - قال اللَّه تبارك اسمه: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-479>[القيام على مال اليتيم]</span>\nالتي هي أحسن: التجارة له والاستنماء له في ماله، ولا يتَّجر في ماله إلا له، ولا يستقرِض منه.\nويدخل في ذلك أيضًا إذا كان القيام بماله يَشغَله عن التصرف، أن يأكل بالمعروف وعيالُه، ذلك يدخل في التي هي أحسن.\nوأما قوله: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾، فهو الحُلُم الذي قال اللَّه: ﴿إِذَا (^١) بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٦]، فالابتلاء بعد البلوغ، والرشد يُعرف حينئذٍ، فيدفع إليه ماله إذا بلغ أشده، وهو: الحلم، الإنزال، والإنبات، أو السن التي يكون بها البلوغ.\nوقد قال اللَّه ﷿ في قصة موسى ﵇: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى﴾ [القصص: ١٤]، قيل: أربعين سنة، وقال في قصة يوسف ﵇: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [يوسف: ٢٢]، وهذا فمعناه: لما بلغ الحلم، لأن المرأة أرادته عند بلوغ النكاح، وأمر اليتيم بأمر يوسف أشبه، ويكون أَشُد دون أَشُد.\nوقال سيبويه: واحدُ الأَشُد: شِدّة، ونظير ذلك: نعمة وأنعُم.\n_________\n(^١) في الأصل: فإذا.","vol":"2","page":89},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-480>٧٨ - قال اللَّه تبارك اسمه: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾</span>\nدُلوك الشمس: ميلها، وهو: زوالها عن البرج الذي تعلو إليه في كل يوم، فإذا زالت إلى الانحطاط والنزول وجبت صلاة الظهر، وكان أول وقتها.\nقال جابر: نظر النبي -ﷺ- إلى السماء فإذا الشمس قد دلكت، فقال: \"الصلاة يا أبا بكر\" (^١) يعني: صلاة الظهر.\nوقال جماعة من الصحابة والتابعين ذلك، وأنه لصلاة الظهر (^٢).\nوقال ابن مسعود -﵁-: دلوك الشمس مغيبها، وأنها صلاة المغرب (^٣).\nواللغة تحتمِل القولَين جميعًا، ولكنها أشبه بالزوال من المغيب، لأنه ﷿ قال: ﴿إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾، فيدخل في ذلك مع الظهر العصرُ والمغربُ، لأن غسقَ الليل: عِشاء الآخِرة، وهو اجتماع الليل وظلمته، ودل على صحة ذلك أيضًا أنه قيل: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾، فكان أمرًا بالصلوات الخمس كلها بهذه الآية.\n* * *\n_________\n(^١) رواه الإمام أحمد في مسنده برقم ١٥٢٨١.\n(^٢) روي عن ابن عباس، وابن عمر، وأبي برزة الأسلمي، والحسن، والضحاك، ومجاهد، وقتادة، وأبو جعفر، انظر تفسير ابن جرير (٨/ ١٢٤).\n(^٣) رواه ابن جرير في تفسيره (٨/ ١٢٢ - ١٢٣)، ورواه أيضًا عن ابن عباس، وزيد -﵃-.","vol":"2","page":90},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-481>٧٨ - وقوله ﷿: ﴿إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾</span>\nقيل: غسق الليل: اجتماع الليل وظلمته.\nوقيل: حين تغيب الشمس (^١).\nوقيل: مغيب الشفق (^٢).\nوقيل: انتصاف الليل.\nوأصح ذلك أن يكون أُريد صلاة عشاء الآخرة، لأن ذلك أعم الصلوات كلِّها، ويكون أول الغسق مغيب الشفق إلى نصف الليل، لقول النبي -ﷺ- في فضل تأخير صلاة عِشاء الآخرة، واللَّه أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) رواه ابن جرير في تفسيره (٨/ ١٢٦) عن ابن عباس، وزيد، وعكرمة، ومجاهد، وقتادة، والضحاك.\n(^٢) روى الطبراني في معجمه الكبير برقم ٩١٤١، عن عبد اللَّه، ﴿إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾، قال: \"العشاء الآخرة\".","vol":"2","page":91},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-482>٧٨ - وقوله عز من قائل: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾</span>\nقال الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي -ﷺ-: \"تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار\" (^١).\nوقاله جماعة من الصحابة والمفسرين، وهي صلاة الصبح، كذلك قالت الجماعة بغير اختلاف فيه (^٢).\n* * *\n_________\n(^١) رواه الإمام أحمد في مسنده برقم ١٠١٣٣، والترمذي برقم ٣١٣٥، أبواب: تفسير القرآن، باب: ومن سورة بني إسرائيل، وقال \"هذا حديث حسن صحيح\"، وابن ماجه برقم ٦٧٠، أبواب مواقيت الصلاة، باب وقت صلاة الفجر.\n(^٢) رواه ابن جرير في تفسيره (٨/ ١٢٧ - ١٢٨) عن ابن عباس، ومجاهد، والضحاك، وقتادة، وإبراهيم، وأبي عبيدة.","vol":"2","page":92},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-483>٧٩ - وقوله: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ﴾</span>\nقيل في أوقات التهجد من الليل أقوال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-484>[صلاة التّهجُّد]</span>\nفالصحيح أن التهجد: كلُّ صلاة صُلِّيَت بعد عشاء الآخرة، في أول الليل كانت، أو في وسطه، أو آخره، وإن كان آخره أجر قيام (^١) المرء من نومه، وإسباغ الوضوء في الحر والبرد، وتحري الوقت الذي ينادى فيه: \"هل من مستغفر فأغفر له، هل من تائب فأتوب عليه\" (^٢).\nفأما قوله ﷿: ﴿نَافِلَةً لَك﴾، وقد كانت صلاة الليل مفروضة عليه -ﷺ- دوننا، فله ثوابها كثواب الفروض.\nوقوله: ﴿نَافِلَةً لَك﴾، لأنها لا تكفِّر عنه ذنبًا كما تكفِّر عن غيره، قد غفر اللَّه له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فعل به ذلك من غير ذنب، فكل أعماله درجات له غير مقابَل بها ذنوبٌ تُكَفَّر.\n_________\n(^١) في الأصل: القيام.\n(^٢) يريد ما وقع في الحديث المتفق عليه عن أبي هريرة ﵁، أن رسول اللَّه -ﷺ-، قال: \"ينزل ربنا ﵎ كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيفول: من يدعوني فأستجيب له، ومن يسألني فأعطيه، ومن يستغفرني فأغفر له\"، رواه البخاري في مواضع منها رقم ١١٤٥، كتاب: التهجد، باب الدعاء في الصلاة من آخر الليل، ومسلم (٢/ ١٧٥)، كتاب: صلاة المسافرين وقصرها، باب: الترغيب في الدعاء والذكر في آخر الليل.","vol":"2","page":93},{"text":"والتهَجُّد عند أهل اللغة: السهر للصلاة أو لذكر اللَّه، والهجود: النوم، والغنيمة تسمى: نافلة، والتطوع تسمى: نافلة، ألا ترى يقال: تنفل رسول اللَّه -ﷺ- سيفه ذا الفقار، قال الشاعر:\nإن تقوى ربِّنا خيرُ نَفْلِ (^١) ... . . . . . . . . . . .\nيعني: خير غنيمة، فتهجُّد النبي -ﷺ- نفل غنيمة له، وتهجُّدنا تطوع يُكفَّر به عنا، وكان علينا مفروضًا فنُسخ عنا وبقي عليه -ﷺ-.\n* * *\n_________\n(^١) صدر بيت للبيد بن ربيعة، وهو في ديوانه (ص ١٧٤)، وعجُزُه:\n. . . . . . . . . ... وبإذن اللَّه رَيْثِي وعَجَل","vol":"2","page":94},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-485>١١٠ - قال اللَّه ﵎: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾</span>\nقيل: إن قريشًا كانت تستمع قراءة رسول اللَّه -ﷺ- فيسبون القرآن فأُمر بذلك، رُوي ذلك عن ابن عباس -﵁- (^١).\nوقيل: إن أبا بكر كان يُخافِت في صلاة الليل، وعمر يجهر، فأُمر أبو بكر أن يرفع قليلًا، وأُمر عمر أن يخفض قليلًا.\nوقالت عائشة وجماعة من المفسرين: إنما ذلك في الدعاء والمسألة (^٢)، والدعاء يسمى صلاة، قال اللَّه ﵎: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٣] أي: ادع لهم، فقال: اللهم صل على آل أبي أوفى (^٣).\nوأيُّ ذلك كان فغيرُ ممتنِع أن يكون في الَاخر، فينبغي في صلاة الليل أن يقرأ حسب ما أمر اللَّه بين الجهر والمخافتة، يُسمع نفسه ويُفهِمها، وفي الدعاء كذلك.\n_________\n(^١) متفق عليه، رواه البخاري في صحيحه برقم ٤٧٢٢، كتاب: تفسير القرآن، باب قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾، ومسلم في صحيحه (٢/ ٣٤)، كتاب: الصلاة، باب: التوسط في القراءة في الصلاة الجهرية.\n(^٢) متفق عليه رواه البخاري في صحيحه برقم ٤٧٢٣، الموضع السابق، ومسلم في صحيحه في الموضع السابق أيضًا.\n(^٣) متفق عليه من حديث عبد اللَّه ابن أبي أوفى ﵄، ورواه البخاري في صحيحه برقم ٦٣٣٢، كتاب: الدعوات، باب قول اللَّه تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾، ومسلم في صحيحه (٢/ ١٢١)، كتاب: الزكاة، باب: الدعاء لمن أتى بصدقة.","vol":"2","page":95},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-486>ومن سورة الكهف</span>","vol":"2","page":97},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-487>٢٣ - ٢٤ - قال اللَّه ﷿: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾</span>\nقال بعض المفسرين: أي وقت ذَكَر استثنى.\nوقال بعضهم: بعد أربعة أشهر.\nوقال بعضهم: ما لم يقم من مقعده ذلك (^١).\nوقال آخرون: ما لم يقطع كلامه، ما كان الاستثناء متصلًا باليمين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-488>[سبب النزول]</span>\nوقيل: إن ذلك إنما نزل لما وَعد اليهودَ عندما سألوه عن ذي القرنين، وعن صاحب موسى، وعن الروح، فقال: غدًا أخبركم، فتأخر الوحي عنه خمسة عشر يومًا، ثم أتاه جبريل ﵇ بالجواب، وعُلِّم أن يقول: إن شاء اللَّه، لأنه لم يكن استثناها (^٢)، فإنما الاستثناء في الأيمان، فإنما (^٣) يكون متصلًا بالكلام.\nفأما قول من قال: أربعة أشهر، فلا يعرف وجهه.\nوأما قول من قال: أي وقت ذكر ولو بعد سنين، فهذا قول يبطل حكم آية مُحكمة، وليس إلى ذلك من سبيل.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٧/ ٢٣٥٥).\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور (٥/ ٣٧٧) لابن المنذر، عن مجاهد يرسله.\n(^٣) كذا في الأصل، ولعلها بدون فاء.","vol":"2","page":99},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-489>[الاستثناء في اليمين]</span>\nقال اللَّه ﷿: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ الآية [المائدة: ٨٩]، وقال: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُم﴾ [المائدة: ٨٩]، فلو كان يستثني أي وقت ذَكر، لم يكن للكفارة موضع، وكان قول النبي -ﷺ-: من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها، قال: إن شاء اللَّه، وسقطت عنه، ولم يقل له: \"وكفر عن يمينك، وائت الذي هو خير\" (^١).\nوإنما أُتي قائلوا هذه المقالة من أنهم جعلوا ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ متصلًا بالكلام الأول، وليس كذلك، وإنما قيل: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾، أي: إذا نسيت مرة، فلا تنسى في كل وقت، ويجوز: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ فحلفتَ، بأن ترجع إلى الذي هو خير كما علَّم النبي -ﷺ-، ويكفر إذا نسي أن يستثني.\nوهذه المعاني لا تدفعها آية الكفارة، ولا هي دافعة لها أيضًا، إذ القرآن يُصَدِّق بعضه بعضًا.\nوقال بعض المفسرين: إن هذا مُنفصِل من الآية، وإنه مخاطبة لسائر الناس، فقال عكرمة: \"إذا عصيت (^٢) فافزع إلى اللَّه عند السهر أو الغفلة\"، فإنما افترق الاستثناء في اليمين إذا كان متصلًا أو غير متصل، أن الحالف إذا وصل يمينَه بالاستثناء، كان قد نواه، وسقطت الكفارة، لأن اليمين لم تستقر حتى قا. رنها بالاستثناء، وإذا انفصل من اليمين كان حكم اليمين قد استقر، وصارت في حيز ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]، فلما ثبت الحكم لها بالكفارة وحفظها، لم تزل، واللَّه أعلم.\n_________\n(^١) تقدم تخريجه.\n(^٢) رواه ابن جرير في تفسيره (٨/ ٢٠٩).","vol":"2","page":100},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-490>١٠٣ - ١٠٤ - قال اللَّه ﵎: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾</span>\nسأل ابن الكوّاء (^١) عنها عليًّا فقال: هم أهل حروراء، وأهل النهروان، وزاد أبو الصّهْباء فيه: أنت وأصحابك (^٢).\nوروي عنهم أنهم: الرهبان في الصّوامِع (^٣).\nوقال سعد: هم اليهود والنصارى والخوارج، زاغوا فأزاغ اللَّه قلوبهم (^٤).\nهذا ما روي عن علي وسعد رحمهما اللَّه.\nوالأقوى: أن يكونوا أهل الكتاب والمجتهدون منهم، لأنه قيل في أثر الكلام: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِه﴾ [الكهف: ١٠٥]، ولا ندفع أن يدخل الخوارج من الصُّفْرِية (^٥)، والإباضِية (^٦)، والأزارِقة (^٧)، والحَرورية (^٨)، والرافضة\n_________\n(^١) عبد اللَّه بن الكواء اليشكري من رؤوس الخوارج، صحب عليًا -﵁- تنظر ترجمته في لسان الميزان (٤/ ٥٤٩).\n(^٢) رواه ابن جرير في تفسيره (٨/ ٢٩٤).\n(^٣) رواه ابن جرير في تفسيره (٨/ ٢٩٣) عن علي، وسعد، والضحاك.\n(^٤) نفسه (٨/ ٢٩٤).\n(^٥) الصُّفْريّة: أصحاب زياد بن الأصفر، انظر عنهم: الملل والنحل (ص ١١٠).\n(^٦) الإباضية: أصحاب عبد اللَّه بن إباجم، انظر عنهم: الملل والنحل للشهرستاني (١٠٨).\n(^٧) الأزارِقة: أصحاب أبي راشد نافع بن الأزرق، انظر: الملل والنحل للشهرستاني (ص ٩٥).\n(^٨) مقالات الإسلاميين (١/ ١١).","vol":"2","page":101},{"text":"في معانيهم، لأن النبي -ﷺ- سماهم كلاب النار، ومثَّلهم فقال: \"يقرؤون القرآن لا يجاوز تَراقيهم، يَمرُقون من الدِّين كما يَمرُق السَّهم من الرمية، تنظر في النصل فلا ترى شيئًا، ثم تنظر في القدح فلا ترى شيئًا، ثم تنظر في الريش فلا ترى شيئًا، ثم تتمارى في الفوق\" (^١)، فذكر ﵇ أن الذي يبقى معهم من الإيمان، موضع الوَتر من النُّشّابة (^٢).\n* * *\n_________\n(^١) متفق عليه من حديث أبي سعيد الخدري -﵁-، رواه البخاري في صحيحه في مواطن منها رقم ٥٠٥٨، كتاب: فضائل القرآن، باب: من راءى بقراءة القرآن، ومسلم (٣/ ١١٢)، كتاب: الزكاة، باب: ذكر الخوارج وصفاته.\n(^٢) النُّشَّابة: واحد النُّشّاب، وهي السهام، اللسان (١٤/ ٢٥٤).","vol":"2","page":102},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-491>١١٠ - قال اللَّه ﵎: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾</span>\nمن كان يرجو ثواب ربه، وقوله: ﴿وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾: لا يُرائي، ويُحِبُّ أن يُعلَم بأعماله البر، وهذا إنما هو في التطوع، فمن فعل ذلك فإنما يتطوع به، فقد سُلب الأجر، ولم يكن عليه وِزر.\nوأما الفرائض فليس فيها رياء لتساوي الناس فيها، وإن كان فهو خاطر، وعلى الناس إظهارها.\nوسمعت سهل بن عبد اللَّه العابد (^١) يقول: الرياء في أهل القدَر، لأنهم يعتقدون أعمالهم من أنفسهم واستطاعتهم، فأما أهل السُّنة، فيعتقدون في أعمال البر كلها أنها مَنٌّ من اللَّه، ولولا ذلك ما قدروا عليها، فليس يكون الرياء فيهم إلا خاطرًا يبطل ما يعتقدونه، واللَّه العالم بذلك.\n* * *\n_________\n(^١) أبو محمد، سهل بن عبد اللَّه التستري العابد، توفي سنة ٢٨٣ هـ انظر ترجمته في الرسالة القشيرية (ص ١٤)، وسير أعلام النبلاء (١٣/ ٣٣٠).","vol":"2","page":103},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-492>سورة مريم ﵍</span>","vol":"2","page":105},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-493>٣ - قال اللَّه ﵎: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا﴾</span>\nمعناها: الدعاء، ولا يرفع الصوت به، ويكون بخضوع وخشوع.\n* * *","vol":"2","page":107},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-494>٨٨ - ٩٣ - قال اللَّه تبارك اسمه: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا﴾، إلى قوله: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-495>[مِلك الولد أباه والوالِد ابنَه]</span>\nهذه الآية تنفي أن يكون الولد عبدًا، فإذا ملك ولدَه بشراء، أو بإرث، أو هبة، أو بأي وجه مَلَكه، عتق عليه، من غير أن يعتقه لِتنافي ذلك، وأنه لا يجوز أن يكون عبدُه ولدَه، واللَّه أعلم.\n* * *","vol":"2","page":108},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-496>سورة طه</span>","vol":"2","page":109},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-497>١٢ - ﴿فَاخْلَعْ (^١) نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾</span>\nقال رسول اللَّه -ﷺ-: \"كانت نعلا موسى من جلد حمار غير ذكي\"، وقيل: \"حمار ميت\" (^٢)، فلذلك أُمر بنزعهما، وأقرب ما يكون العبد إلى اللَّه إذا كان في الصلاة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-498>[الصلاة في النعال]</span>\nوكان رسول اللَّه -ﷺ- يصلي في نعليه ولا ينزعهما (^٣)، وكذلك فعل في المسجد الحرام وفي مسجده، وهما أجَلُّ بِقاع الأرض وأعلاها قدرًا، هذا المعمول عليه.\n_________\n(^١) في الأصل: اخلع.\n(^٢) روى الترمذي في سننه برقم ١٧٣٤، أبواب: اللباس، باب: ما جاء في لبس الصوف، عن ابن مسعود، عن النبي -ﷺ- قال: \"كان على موسى يوم كلمه ربه كِساء صوف، وجُبَّة صوف، وكُمَّة صوف، وسراويل صوف، وكانت نعلاه من جلد حمار ميت\"، ثم ضعفه قائلًا: \"هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث حميد الأعرج، وحميد هو: ابن علي الكوفي، منكَر الحديث\".\n(^٣) صلاة النبي -ﷺ- في نعليه وردت في أحاديث منها ما رواه البخاري في صحيحه برقم ٣٨٦، كتاب: الصلاة، باب: الصلاة في النعال، ومسلم في صحيحه برقم ٥٥٥، كتاب: المساجد ومواضع الصلاة، باب: جواز الصلاة في النعال (ط ع الباقي)، عن أبي مسلمة سعيد بن يزيد قال: سألت أنس بن مالك: أكان النبي ﷺ يصلي في نعليه؟ قال نعم.","vol":"2","page":111},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-499>١٤ - قال اللَّه ﷿: ﴿وَأَقِمِ (^١) الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-500>[قضاء الفوائت]</span>\nقال النبي -ﷺ-: \"من نسي صلاة فلْيُصَلِّها إذا ذكرها\".\n٤٠ - أخبرنا أحمد بن موسى السامي، عن القعنبي، عن مالك، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن النبي -ﷺ- (^٢).\n٤١ - ونا البَرْنَكاني، قال: حدثنا أبو داود، قال: حدثنا عبد اللَّه بن جعفر بن يحيى البرمكي، قال: حدثنا معن بن عيسى، قال: حدثنا مالك، عن ابن شهاب، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة، عن النبي -ﷺ- (^٣).\n٤٢ - وحدثنا جعفر بن الليث، ومحمد بن يحيى بن حبان (^٤)، قالا: حدثنا أبو الوليد، قال: حدثنا همام، عن قتادة، عن أنس، عن النبي -ﷺ-، وقال فيه: \"لا كفارة لها إلا ذلك\" (^٥).\n_________\n(^١) في الأصل: أقم.\n(^٢) موطأ مالك برواية القعنبي برقم ١٨، كتاب: مواقيت الصلاة، باب: النوم عن الصلاة.\n(^٣) رواه مسلم من طريق يونس، عن ابن شهاب به، (٢/ ١٣٨)، كتاب: الصلاة، باب: قضاء الصلاة الفائتة.\n(^٤) جعفر بن الليث، وابن حبان هذا، لم أجدهما فيمن روى عن أبي الوليد الطيالسي حسب ما وقفت عليه.\n(^٥) متفق عليه، رواه البخاري برقم ٥٩٧، كتاب: مواقيت الصلاة، باب: من نسي =","vol":"2","page":112},{"text":"وهذا معنى هذه الآية، أن من نسي صلاةً أو نام عنها، فليصلها حين يذكرها، فذلك وقتها، وباللَّه التوفيق.\n* * *\n_________\n= صلاة، عن أبي نعيم، وموسى بن إسماعيل، عن همام به، ومسلم (٢/ ١٤٢)، في الموضع السابق عن هداب بن خالد، عن همام به.","vol":"2","page":113},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-501>ومن سورة الأنبياء ﵈</span>","vol":"2","page":115},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-502>٧٨ - ٧٩ - قال اللَّه ﵎: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ﴾ إلى قوله: ﴿حُكْمًا وَعِلْمًا﴾</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-503>[إفساد البهائم]</span>\nقال أبو حنيفة وصاحباه: ليس في هذه الآية ضمان، وإنما هو حكم في أُمة قبلنا، وأما الحكم في هذه الأُمَّة، فما جاء عن النبي -ﷺ-: \"العجماء جُبار\" (^١)، فأخطأوا ما أريد بالعجماء، لأن النبي -ﷺ- قال: \"العجماء جرحها جُبار، والمعدن جُبار\"، وفي بعض الحديث: \"العجماء الرجل جُبار\"، أي (^٢): إذا أصابت الدابة برجلها، فعُلم أن ذلك بعضه من بعض.\nوليس الحرث وإفسادة من هذا الباب في شيء، لأن الحرث كل مزروع ومغروس، فلا يمكن أربابه حفظه وحراسته من الأنعام والمواشي والدواب بالليل والنهار، ولا بد لأربابها من أن تسرحها بالنهار ولا يمكنهم ضبطها، فإذا جاء الليل ضمّوها إلى مُراحاتها فأمكنهم حفظها، فجعل على أهل المواشي حفظها بالليل، وعلى أصحاب الحرث حفظها بالنهار.\nوهذه الآية هي الأصل في ذلك، وحَكم به رسول اللَّه -ﷺ-، فليس لأحد مخالفة الكتاب والسنة، رواه مالك، وابن عيينة، وغيرهما، عن الزهري، عن\n_________\n(^١) متفق عليه من حديث أبي هريرة، رواه البخاري في صحيحه برقم ١٤٩٩، كتاب: الزكاة، باب: في الركاز الخمس، ومسلم في صحيحه (٥/ ١٢٧)، كتاب: الحدود، باب: جرح العجماء والمعدن والبئر جُبار.\n(^٢) في الأصل: أني.","vol":"2","page":117},{"text":"سعيد بن المسيب، وحرام بن سعد بن مُحَيِّصة، أن ناقةً للبراء بن عازب دخلت حائط قوم فأفسدت، فقضى رسول اللَّه -ﷺ- أن على أهل الحوائط حفظها بالنهار، وأن على أهل المواشي ما أصابت بالليل (^١).\nوقال شُريح، ومسروق، والشعبي، وعطاء، ومجاهد، بمثل ما قال مالك من إلزام أربابِ المواشي ما أفسدت بالليل (^٢)، ولا أعلم أحدًا ممن تكلم في هذه الآية قال ما قاله أبو حنيفة، ويشبهه بالعجماء، والعجماء الدابة.\n٤٣ - نا أحمد بن موسى، قال: نا القعنبي، قال حدثنا مالك، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: \"العجماء جُبار، والبئر جُبار، والمعدن جُبار، وفي الرِّكاز الخمُس\" (^٣)، وطرق هذا الحديث كثيرة.\nوقال فيه سفيان بن حسين عن الزهري بإسناده: \"والرجل جُبار\"، فهذا إنما أريد به ما جنت العجماء مما لا صنع فيه للراكب، ألا ترى أن الراكب لو عنف أو فعل فعلًا وقعت منه جناية، لكان ضامنًا، ولذلك ذكر القائد والسائق، ولم تختلف الرواية أن سليمان صلى اللَّه عليه ضمَّن، وقد قال اللَّه ﵎: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠]، ولا اختلفت الرواية أن النبي -ﷺ- ضمَّن أرباب المواشي ما فعلته بالليل.\n_________\n(^١) الموطأ برواية يحيى برقم ٢١٧٧ كتاب: الأقضية، القضاء في الضواري والحريسة.\n(^٢) رواه عن شريح ابن جرير في تفسيره (٩/ ٥١)، وعن مسروق عبد الرزاق في مصنفه برقم ١٨٤٣٣، كتاب: العقول، باب الزرع تصيبه الماشية، وعن الشعبي عبد الرزاق في المصنف برقم ١٨٤٣٩ و١٨٤٤٠، الموضع السابق.\n(^٣) رواه البخاري في صحيحه برقم ١٤٩٩، كتاب: الزكاة، باب: وفي الركاز الخمس.","vol":"2","page":118},{"text":"قال بكر: ورأيت أبا حنيفة يفعل في الحديث ما يفعله أهل الكلام، فيجعل بعضها معارضًا لبعض، وقد فعل ذلك في غير شيء، فمن ذلك هذه القصة، فإنه لو هدي لرشده لكان جرح العجماء في الدابة، وفعلها في الطريق تحت راكبها، وحكم في المواشي بالليل بما حكم به رسول اللَّه -ﷺ-، إذ وجد لكل حديث معنى غير الآخر، وقدر على العمل بها.\nوكذلك قال في قوله -ﷺ-: \"من باع نخلًا قد أُبِّرَت، فتمرها للبائع إلا أن يشترطه المبتاع\" (^١)، وقوله -ﷺ-: \"نهى عن بيع التمر حتى يبدو صلاحه\" (^٢)، فجعل الخبرين متعارضين، وليس كما ظن، إنما نهى عن بيع التمر منفردًا لأنهما قصدا إلى الغرر، ما لم يبدُ الصَّلاح، إذ لا منفعة للمشتري فيه، فإذا بدا صلاحُه قارن الغرر الترفق، لم وإذا بايع مع النخل فإنما هو بيع لغيره، ولم يعمد المتبايعان الغرر، وإنما نهى عن الغرر المقصود.\nوكذا قال وأصحابه في الإشعار أنه معارض لنهيه عن المُثْلَة (^٣)، وإنما نهي عن المثلة في بني آدم، وعن المثلة في البهائم التي كانت العرب تفعله بها، من البَحْر، والصَّرْم، وما أشبه ذلك، فأما ما وجب للَّه ولا بد من نحره، فلم ينه\n_________\n(^١) متفق عليه من حديث ابن عمر -﵁-، أخرجه البخاري في صحيحه برقم ٢٢٠٤، كتاب: البيوع، باب: من باع نخلًا قد أبرت، ورقم ٢٧١٦، كتاب: الشروط، باب: إذا باع نخلًا قد أبرت ولم يشترط الثمرة، ومسلم (٥/ ١٦)، كتاب: البيوع، باب: من باع نخلًا عليها تمر.\n(^٢) متفق عليه من حديث ابن عمر -﵁-، رواه البخاري في صحيحه برقم ٢١٨٣، كتاب: البيوع، باب: بيع المزابنة، ومسلم (٥/ ١١)، كتاب: البيوع، باب: النهي عن بيع الثمار قبل بُدُوِّ صلاحها.\n(^٣) المُثْلَة: قال في النهاية (٤/ ٢٩٤): \"يقال: مَثَلْت بالحيوان أَمْثُل به مَثْلًا، إذا قطعت أطرافه وشوهت به، ومَثَلْتُ بالقتيل، إذا جدَعت أنفه، أو أذنه، أو مذاكيره، أو شيئًا من أطرافه، والاسم: المُثْلَة، فأما: مَثَّل بالتشديد، فهو للمبالغة\".","vol":"2","page":119},{"text":"عن سمته، وقد فعله -ﷺ- في حجة الوداع، وهي آخر أفعاله، ولا أحسب ذا دين يدع فعل رسول اللَّه -ﷺ- لقول أبي حنيفة.\nوقال أيضًا في بيع العرايا بخِرْصِها (^١): إنه معارض للنهي عن المُزابَنة، وهو رجل لا يعرف العرايا ولا هي ببلده، وأصل العَرِيَّة: أن يُعْرِيَ، وهو: أن يهَب الرجل رجلًا نخلات من حائطه، دون خمسة أوسق، فيريد المُعْرِي أن يبقيه ليكون تمرًا لعياله، فأجيز لواهبه أن يشتريه بخِرْصِها تمرًا، إذا كان أصله معروفًا، فلم يضيق عليه كما ضيق على غيره، وحصل أنه نقل الهبة إلى هبة غيرها، وهذه الأشياء فأبو حنيفة غريب فيها.\n* * *\n_________\n(^١) الخِرْص: وهو ما يَحْزِرُه ويُقَدّره الخارص من تَمْر كم يصير من الرُّطب، أو عِنَب كم يكون زبيبًا، وأصله من: الخَرْص، وهو: الظن، انظر النهاية (٢/ ٢٣).","vol":"2","page":120},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-504>ومن سورة الحج</span>","vol":"2","page":121},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-505>٥ - ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ إلى: ﴿وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾</span>\nخلق اللَّه تعالى آدم -ﷺ- من تراب، وإنما سُمّي آدم، لأنه خُلق من أَديم الأرض، من ماء وطين، لم ومن طين لازب، ثم استخرج ذريته، كلُّ فريق من تربتهم الذي خلقهم منها، وفيها يدفنون، يرجعون إلى التربة التي خلقوا منها.\nوأما قوله عز مِن قائل: ﴿ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾، فالنطفة إذا وقع العُلوق، مكثت أربعين يومًا، ثم علَقة أربعين يومًا، ثم مضغة أربعين، مخلقةً وغير مخلقةً، ثم ينشئه اللَّه خلقًا آخر، ونفخ فيه الروح فيأتي الملَك فيكتب رزقه، وأجله، وشقي أو سعيد، كذلك رواه الأعمش، عن زيد بن وهب، عن عبد اللَّه، ورواه أبو وائل، والشعبي، وجماعة (^١).\nوالنطفة إذا لم يُرد اللَّه ﵎ منها خلقًا، بطلت في الرحم كما تبطل في الأرض، وإذا أراد اللَّه ﷿ منها خلقًا، كانت كما ذكر زيد بن وهب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-506>[بم تكون أمُّ الولد</span>؟]\nوقد اختُلف فيها إذا لم يتم الخلق: فقال قوم: لا تصير أم ولد بذلك.\n_________\n(^١) متفق عليه، رواه البخاري في صحيحه في مواطن منها رقم ٣٢٠٨، كتاب: بدء الخلق، باب: ذكر الملائكة، ومسلم (٨/ ٤٤)، كتاب: القدر، باب: كيفية خلق الآدمي في بطن أمه.","vol":"2","page":123},{"text":"وقال مالك -﵁-: تكون أم ولد بالمُضغة التي يُعلم بأنها مُضغة، واحتج بقول اللَّه ﷿: ﴿مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ (^١)، وقال في المعتدة إذا أسقطت: إنها تكون بذلك خارجة من العِدّة كانت مُخَلّقة أو غير مُخَلّقة، إذا عُلم أنه من أوائل الحمل وهو المضغة، فأما النُّطفة والعلقة فهي دم، فليس ذلك براءة، وكذلك قال في أم الولد: إنها تعتق بما تخرج به الحرة من العدة إذا مات سيدها.\nوقد عارضنا قوم فقالوا: فإن ألقت نطفة؟\nفقلنا: قال النبي -ﷺ- وقد سئل عن العزل: \"ليس كل وطء يكون منه الحمل\" (^٢)، وقد نرى ذلك ونعلمه، والإنسان يطأ الوطء الكبير فلا يرزق الولد، والنطفة إذا لم يرد اللَّه ﵎ أن يخلق منها أبطلها.\nفأما إذا تبين من الخلق شيء وإن قل، فهذا يكفَّن ويغسَّل إذا تبين الرأس إلى عَجْبِ الذَّنَب (^٣) وإن لم يتم الخلق، وهذا قول مالك، والحجة فيه القرآن\n_________\n(^١) قال ابن بطال في شرح البخاري (١/ ٤٤٤) يحكي الخلاف في المسألة: \"وأجمع العلماء أن الأَمة تكون أم ولد بما أسقطته من ولد تام الخَلق، واختلفوا فيما لم يتم خلقه من المُضْغة والعلَقة، فقال مالك، والأوزاعي، وجماعة: تكون بالمضغة أم ولد كانت مخلقة أو غير مخلقة، وتنقضي بها العدة، وقال أبو حنيفة، والشافعي، وجماعة: إن كان قد تبيَّن في المُضْغة شيء من الخلق أصبع، أو عين، أو غير ذلك، فهي أم ولد، وكلا القولين تحتمله الآية، واللَّه أعلم بما أراد\".\n(^٢) أقرب ألفاظ هذا الحديث: عن أبي سعيد والخدري ﵁ قال: سئل رسول اللَّه -ﷺ-، عن العزل فقال: \"ما من كل الماء يكون الولد، وإذا أراد اللَّه خلق شيء لم يمنعه شيء\"، ورواه مسلم في صحيحه (٤/ ١٥٩)، كتاب: النكاح، باب: حكم العزل.\n(^٣) عَجْبُ الذَّنَب: قال في النهاية (٣/ ١٨٤): \"العظم الذي في أسفل الصُّلب عند العَجُز\".","vol":"2","page":124},{"text":"وقوله ﷿: ﴿مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾، فأخبرنا عز وعلا أن غير المُخَلّقة لها حكم المُخَلّقة في أن يُحْكم لأمه بحكم أم الولد، وكذلك ما جُعل في إملاص المرأة (^١) غُرَّة عبد أو أمة إذا تبيّن بعض الخَلق، واللَّه أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) إملاص المرأة: قال في النهاية (٤/ ٣٥٦): \"هو أن تُزْلِق الجنين قبل وقت الولادة\".","vol":"2","page":125},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-507>٢٥ - قال اللَّه ﷿: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ إلى قوله: ﴿عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-508>[سُكنى الحاج]</span>\nقال ابن عباس وابن عمر: ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ [الحج: ٢٥] في المسجد الحرام.\nوقال جماعة من المفسرين مثل ذلك (^١).\nوأما العاكف: فهم أهل مكة، وأما البادي: فهم أهل البادية ومن سلكها من أهل القرى وسائر الأمصار.\nوقال آخرون: الناس في رِباع (^٢) مكة سواء، من احتاج سَكَن، ورُوي ذلك من طرق الشيوخ أن رسول اللَّه -ﷺ-، وأبا بكر، وعمر رحمة اللَّه عليهما قُبضوا وما تُدعى رِباع مكة إلا السّوائب، من احتاج سَكَن ومن استغنى أَسكن.\nوروى عبيد اللَّه، عن نافع، عن ابن عمر، أن عمر كان نهى أن تغلق دور مكة في زمان الحاج، وأن الناسَ كانوا يَنزِلون منها حيثما وجدوه فارغًا، حتى كانوا يضطربون البساط في جوف الدور.\n_________\n(^١) رواه عن ابن عباس ابن جرير في تفسيره (٩/ ١٢٨).\n(^٢) الرِّباع: واحده: رَبْع، وهو المنزل، النهاية (٢/ ١٨٩).","vol":"2","page":126},{"text":"وقال ابن عباس: إن عمر -﵁- جعل أسفل الوادي وأعلاه مَناخًا للحاج، وجعل جِياد (^١)، وقُعَيقِعان (^٢) للمريحين ومذاهب الناس.\nوقال عكرمة وسئل عن كراء منازل مكة: لا بأس بذلك، قد اشترى عمر ابن الخطاب -﵁- بأربعة آلاف جعلها سجنًا.\nوقال عطاء: كانوا يكرهون أجرة الدور بمكة.\nوروى الأسود: أن عائشة كانت تنزل بالأَبْطَح، وتُدعى إلى الدور فتأبى.\nقال إسماعيل: قد تأول قوم في بيوت مكة ما ذكرنا، والقرآن يوجب أنه المسجد الذي يكون فيه قضاء النسك وفضل الصلاة، قال اللَّه ﵎: ﴿وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾، أي: يصدون عن المسجد الحرام، وقال: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الفتح: ٢٥]، وقال سبحانه: ﴿وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ٢١٧]، أي: وعن المسجد الحرام.\nفدل ذلك كله على أنه المسجد الحرام، لتملك قريش عليه وادعائهم أنهم أربابه وولاته وأنهم يمنعون من أرادوا ظلمًا، فأعلم اللَّه ﷿ أن الناس كلهم فيه سواء.\nوأما المنازل فلم يزل لأهل مكة المنازل والدور، غير أن المواساة تجب إذا كانت الضرورة، ولعل عمر ﵀ فعل ذلك على طريق المواساة عند الحاجة، واللَّه أعلم.\n_________\n(^١) جياد: جمع جيّد، اسم موضع بمكة يلي الصفا، ويقال له أيضًا: أجياد، معجم البلدان (١/ ١٠٤ - ١٠٥ و٢/ ١٩٥).\n(^٢) قُعَيقعان: قال في معجم البلدان (٤/ ٣٧٩): \"بالضم ثم الفتح، بلفظ تصغير، وهو اسم جبل بمكة\".","vol":"2","page":127},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-509>٢٥ - قال اللَّه ﵎: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾</span>\nقال قوم في هذه الآية: إن الإلحاد فيه: الشرك (^١).\nوقال آخرون: كل ظلم، حتى كان عبد اللَّه بن عمرو يتوقى معاتبة أحد بمكة حتى يخرج إلى الحِل (^٢).\nوقال بعض المفسرين: فلو همَّ بظلم بمكة لأذاقه اللَّه عذابًا أليمًا (^٣).\nوالمعروف في اللغة أن كل من جار أو مال عن الحق إلى الباطل فقد ألحد، واللحْد في القبر مأخوذ من هذه الآية، أميل إلى شق القبر، وقد ذكر اللَّه ﷿ في كتابه ما يدل على هذا، قال اللَّه ﷿: ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ [الأعراف: ١٨٠]، وقال: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل: ١٠٣].\nوقد قُريء: ﴿يَلحَدونَ﴾ و﴿يُلْحِدُونَ﴾ (^٤).\n_________\n(^١) رواه ابن جرير في تفسيره (٩/ ١٣٠)، عن ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، وسليمان بن طرخان.\n(^٢) رواه ابن جرير في تفسيره (٩/ ١٣٢)، وروى بعده قول عبد اللَّه أيضًا: \"لا واللَّه، وبلى، من الإلحاد\".\n(^٣) رواه ابن جرير في تفسيره (٩/ ١٣١)، عن ابن مسعود، وشعبة، وعن الضحاك بنحوه.\n(^٤) قرأ حمزة ﴿يَلحَدون﴾ بفتح الياء والحاء في الأعراف والنحل وفصلت، وقرأها =","vol":"2","page":128},{"text":"وأما قوله: ﴿بِإِلْحَادٍ﴾، فهذه الباء تجعلها العرب صلة في الكلام، ويجعلون إثباتها وإسقاطها سواء.\nومعنى إلحاد وبإلحاد واحد، وكذلك \"ما\"، مثل قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ [البقرة: ٢٦]، وقوله: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، فيجعلون \"ما\" صِلَة في الكلام، ويجعلون إثباتها وإسقاطها سواء.\n* * *\n_________\n= كذلك الكسائي في فصلت، وقرأ الباقون في جميعها بضم الياء وكسر الحاء، انظر التيسير (١/ ١١٤ و١٣٨).","vol":"2","page":129},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-510>٢٦ - قال اللَّه ﵎: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا﴾</span>\nقال ابن عباس -﵁-: لما فرغ إبراهيم ﵇ من بناء البيت قيل له: أذن في الناس بالحج، قال: رب، وما يبلغ صوتي؟ ! قال: أذِّن وعليّ البلاغ، قال: فنادى إبراهيم -ﷺ-: يا أيها الناس، كتب اللَّه عليكم الحج إلى البيت العتيق، قال: فسمعه ما بين السماء والأرض (^١).\nوقال سعيد بن جبير، ومجاهد، وغيرهما: قام إبراهيم ﵇ على المقام فأذّن بالحج، فأجاب الناس والجنُّ بلبيك ربنا، فكل من حَجّ البيت أو يَحجُّه فهو مَن أجاب يومئذ (^٢)، واللَّه أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) رواه ابن جرير في تفسيره (٩/ ١٣٤).\n(^٢) انظر تفسير ابن جرير (٩/ ١٣٤ - ١٣٥).","vol":"2","page":130},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-511>٢٧ - قال اللَّه ﵎: ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾</span>\nقال ابن عباس -﵁-: هم المشاة والركبان، يأتون من كل فج عميق (^١).\nقال الزيادي: المعمق: الذاهب على وجه الأرض.\nقال المازني (^٢): يقال عميق ومعمق.\nوقال رؤبة (^٣):\n. . . . . . . . . . . ... وقائم الأعْماقِ خاوي المخترَق (^٤)\nفالأعماق: جمع عمق، والمعمق هاهنا: الذاهب على وجه الأرض، المخترق حيث صار خرقًا، والخرق: الفلاة تنخرق في الفلاة.\nوقال قتادة: من مكان بعيد (^٥)، وقوله يشبه قول أبي إسحاق الزيادي أنه الموضع البعيد على وجه الأرض، وقال الشاعر:\n_________\n(^١) رواه ابن جرير في تفسيره (٩/ ١٣٥ - ١٣٦)، ورواه أيضًا عن مجاهد.\n(^٢) أبو عثمان، بكر بن محمد المازني، البصري، النحوي، أخذ عن أبي عبيدة والأصمعي وغيرهما، وأخذ عنه المبرد وغيره، توفي سنة ٢٤٩ هـ، وقيل غير ذلك، انظر معجم الأدباء (٢/ ٧٥٧، وما بعدها).\n(^٣) أبو الحَجّاف، رؤبة بن العجاج، شاعر من فحول الشعراء، سمع من أبي هريرة، وأخذ عنه أبو عبيدة معمر بن المثنى وغيره، له ديوان، توفي سنة ١٤٥ هـ، انظر: طبقات فحول الشعراء لابن سلام الجُمحي (٢/ ٧٦١ وما بعدها)، ومعجم الأدباء (٣/ ١٣١١ وما بعدها).\n(^٤) ورد هذا الشطر في معاني القرآن للزجاج (٣/ ٤٢٢).\n(^٥) رواه ابن جرير في تفسيره، ورواه أيضًا عن ابن عباس (٩/ ١٣٦).","vol":"2","page":131},{"text":". . ... يقطعن بُعْدَ النازحِ العميقِ (^١)\nقال مجاهد: حج إبراهيم هاسماعيل صلى اللَّه عليهما مُشاة (^٢)، وقال أهبط آدم -ﷺ- بالهند، فحج البيت على قدميه أربعين حجة.\n* * *\n_________\n(^١) أورده أبو عبيدة في مجاز القرآن (٢/ ٤٩) دون نسبته.\n(^٢) رواه ابن جرير في تفسيره (٩/ ١٣٦).","vol":"2","page":132},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-512>٢٨ - قال اللَّه ﵎: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾</span>\nقال مجاهد، وسعيد بن جبير، وأبو رَزين: المنافع: التجارة (^١).\nوقال أبو جعفر محمد بن علي: المغفرة.\nوقول من قال: التجارة، فبعيد من القلب بُعدًا شديدًا، لأنه (^٢) يصير المعنى أنهم يأتون من كل فج عميق ليتجروا، لا لشيء سوى ذلك، ولو كان ذلك كذلك، لذهب المعنى الذي أجابوا إليه حين دعاهم إبراهيم ﵇ في قوله عز من قائل: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (٢٧) لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ [فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ] (^٣) عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ [الحج: ٢٧ - ٢٨]، فيصير الناس إنما أَتوا لغير ما دعوا إليه، وهذا ما لم أكن أحب أن أذكره رواية عمن قدمت ذكره، ولكن كرهت أن يُظن بي إغفالًا.\nوإنما المعنى: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ شهود عرفة، ومزدلفة، ومنى، وطواف الإفاضة، هذه هي المنافع التي يأتون ليشهدوها، ولينحروا ما كان معهم من الهدي، فهذه الأفعال كلها خالصة للَّه، وأرخص لهم بعد ذلك في التجارة\n_________\n(^١) رواه عن من ذُكر، وعن ابن عباس أيضًا، ابنُ جرير في تفسيره (٩/ ١٣٦ - ١٣٧).\n(^٢) في الأصل: لأنهم.\n(^٣) ساقط من الأصل.","vol":"2","page":133},{"text":"حين تَوَقَّى الناس أن يتشاغلوا بها في الحج الذي قصدوا إليه لربهم، وأنزل عليهم: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُم﴾ [البقرة: ١٩٨]، فأرخص لهم في ذلك، إذ لا يشغلهم عن أعمال الحج التي قصدوا لها.\nوقد كانت الجاهلية لا يستحلون التجارة في الحج، فإذا كانت التجارة هذا حكمها، فكيف يكون أن يقال في قوله: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾، أنها التجارة، واللَّه أعلم.\n* * *","vol":"2","page":134},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-513>٢٨ - قال اللَّه عز وعلا: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾</span>\nقد تكلمنا في هذه الآية في سورة البقرة، قولُه سبحانه: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٠٣] بما فيه كفاية إن شاء اللَّه.\n* * *","vol":"2","page":135},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-514>٢٨ - قال اللَّه جل وعلا: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾</span>\nقال الحسن: البائس الفقير: الذي لا تُغْنيه اللقمة.\nوقال مجاهد: الذي يمدُّ إليك يده (^١).\n* * *\n_________\n(^١) رواه ابن جرير في تفسيره (٩/ ١٣٩).","vol":"2","page":136},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-515>٢٩ - قال اللَّه ﵎: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾</span>\nقال ابن عمر: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾: ما عليهم من الحج (^١)، وأن يأخذ من شاربه وأظفاره.\nوقال ابن عباس: التفث: الحلق، والتقصير، والرمي، والذبح، وقص الشارب، ونتف الإبط، وقص الأظفار (^٢).\nوحكى عنه عكرمة مجمِلًا، قال: المناسك (^٣).\nوقال مجاهد: حلق الرأس وما ضارعه من تفث البدن (^٤).\nوقال الحسن: التّفَث: حلق الرأس (^٥).\nوقال محمد بن كعب: حلق الأشعار والأظفار (^٦).\nقال بكر: والصحيح من ذلك حلق الرأس، إذ كان من شرائط الحج والعمرة، قال اللَّه جل وعز: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦]،\n_________\n(^١) رواه ابن جرير في تفسيره (٩/ ١٣٩).\n(^٢) رواه ابن جرير أيضًا (٩/ ١٣٩).\n(^٣) روه ابن جرير في تفسيره (٩/ ١٣٩) عن نافع وليس عن عكرمة.\n(^٤) رواه ابن جرير في تفسيره (٩/ ١٤٠).\n(^٥) رواه ابن جرير في تفسيره (٩/ ١٤٠).\n(^٦) رواه ابن جرير (٩/ ١٣٩) بلفظ فيه زيادة عما ساقه المصنف.","vol":"2","page":137},{"text":"فالحلق والتقصير لا بد منهما، ألا ترى النبي -ﷺ- قال: \"يرحم اللَّه المحلِّقين\"، ثلاثًا، ثم قال: \"والمقصِّرين\" في الرابعة (^١).\nفالتَّفَث الذي في معنى الآية هو هذا، وما عداه من تقليم الأظفار، ونتف الإبط، وقص الشارب، وما أشبهه، يدخل بالمعنى، لأنه تفث البدن، وكذلك حلق العانة، واللَّه أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) الحديث متفق عليه من حديث ابن عمر ﵁ باختلاف يسير في اللفظ، رواه البخاري في صحيحه برقم ١٧٢٧، كتاب: الحج، باب الحلق والتقصير عند الإحلال، ومسلم في صحيحه (٤/ ٨١)، كتاب: الحج، باب: تفضيل الحلق على التقصير.","vol":"2","page":138},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-516>٢٩ - قال اللَّه ﵎: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾</span>\nقال مجاهد: نَذْر الحج والهدي، وما نَذَر الإنسان من شيء يكون في الحج (^١).\nقال إسماعيل: كل شيء واجب على الإنسان فهو يسمى نذرًا، فكأنه قيل: وليوفوا ما وجب عليهم من أمر الحج.\nقال بكر: والمعنى في هذه الآية -واللَّه أعلم- أنه رمي الجِمار، وجَمرة العقبة خاصة، إذ كانت بها يُتحلَّل من الإحرام، وقد يجوز أن يدخل غيرُها في معناها، واللَّه أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) رواه ابن جرير في تفسيره (٩/ ١٤١).","vol":"2","page":139},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-517>٢٩ - قال اللَّه ﷿: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيق﴾</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-518>[طواف الإفاضة]</span>\nهذا الطواف هو المفروض، وهو: طواف الإفاضة، لأنه يقع بعد الرجوع من عرفة وبعد رمي جمرة العقبة، وأهل العراق يسمونه طواف الزيارة، فهو الواجب في الحج الذي لا يجزئ الحج إلا به.\nفأما الطواف قبل عرفة فهو سُنة، وإن فات بعذر مثل من يأتي وهو مُراهِق (^١) يخاف فوات عرفة، ومثل الحائض، فليس عليهم في ترك ذلك شيء.\nوأما طواف الإفاضة فهو الواجب الذي لا يجوز تركه، وقد أمر اللَّه به وأكده، وقال النبي -ﷺ- في قصة صفية: \"حابِستُنا هي؟ \" قالوا: إنها قد أفاضت، قال: \"فلا إذًا\" (^٢).\n* * *\n_________\n(^١) مراهِق: عَجِلٌ متأخر، انظر معاني رهق في معجم المقاييس (٢/ ٤٥١).\n(^٢) رواه البخاري في صحيحه برقم ١٧٣٣، في كتاب: الحج، باب: الزيارة يوم النحر، عن عائشة ﵂.","vol":"2","page":140},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-519>٣٠ - قال اللَّه ﵎: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾</span>\nقال مجاهد: الحرمة: مكة، والحج، والعمرة، وما نهى اللَّه عنه من معاصيه كلِّها (^١).\nوقال زيد بن أسلم: الحرمات خمس: الكعبة، والبلد الحرام، والشهر الحرام، والمسجد الحرام، والمُحْرِم حتى يحِل (^٢).\n* * *\n_________\n(^١) رواه ابن جرير في تفسيره (٩/ ١٤٣)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٨/ ٢٤٩٠).\n(^٢) رواه ابن جرير في تفسيره (٢/ ١٤٣)، لكن عن ابن زيد، وبلفظ: الحرمات: المشعر الحرام، والبيت الحرام، والمسجد الحرام، والبلد الحرام، ولم يعزه السيوطي في الدر المنثور (٦/ ٤٤) إلى غيره.","vol":"2","page":141},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-520>٣٠ - قال اللَّه عز وعلا: ﴿وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾</span>\nقال قتادة: الميتة وما لم يُذكَر اسم اللَّه عليه (^١).\nوقال إسماعيل: قال اللَّه ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ١]، وقال اللَّه ﵎: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِير﴾ إلى: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ [المائدة: ٣]، وقال في سورة البقرة: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ (^٢) عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ﴾ [البقرة: ١٧٣]، الآية، فأحسب -واللَّه أعلم- هو ما يُتلى عليهم.\n* * *\n_________\n(^١) رواه ابن جرير في تفسيره (٩/ ١٤٣).\n(^٢) في الأصل: حرمت، والذي في البقرة هو ما أثبته.","vol":"2","page":142},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-521>٣٠ - قال اللَّه ﵎: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾</span>\nرُوي عن النبي -ﷺ- أنه قال: \"عدلت شهادة الزور بالإشراك باللَّه\" ثلاث مرات، ثم تلا هذه الآية: ﴿وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (٣٠) حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ (^١) [الحج: ٣٠ - ٣١].\nوروي عن ابن مسعود ﵁: عُدِلت شهادة الزور بالشرك، ثم قرأ الآية (^٢).\nقال بكر: والكذب كله زور، فأعلاه الإشراك باللَّه، ولعل الآية أُريد بها الكفر في هذا الموضع، ألا تراه قال جل وعز: ﴿حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾، وكل كذبٍ وشَهادةٍ بغير حَقِّ فهو زور.\n_________\n(^١) الحديث رواه الإمام أحمد في مواطن كثيرة من مسنده منها رقم ١٧٦٠٣، وأبو داود في سننه برقم ٣٥٩٩، كتاب: الأقضية، باب: في شهادة الزور (ت الأرناؤوط)، وابن ماجه في سننه برقم ٢٣٧٢، أبواب: الأحكام، باب: شهادة الزور، عن خُرَيم بن فاتك الأسدي، روواه أحمد في مواطن منها رقم ١٨٠٤٤، والترمذي في سننه برقم ٢٢٩٩، أبواب: الشهادات، باب: ما جاء في شهادة الزور، من حديث أيمن بن خريم، وأشار الترمذي إلى ضعفه قائلًا: \"غريب، إنما نعرفه من حديث سفيان بن زياد، واختلفوا في رواية هذا الحديث عن سفيان بن زياد، ولا نعرف لأيمن بن خريم سماعًا من النبيﷺ-\".\n(^٢) رواه ابن جرير في تفسيره (٩/ ١٤٤).","vol":"2","page":143},{"text":"والروايتان اللتان ذكرناهما عن النبي -ﷺ-، وعن ابن مسعود، روايات الشيوخ، لولا ذلك لم يجر الكلام في إثرهما بغير ما ذكر في الحديثين، واللَّه أعلم، ويجوز أن يكون معنى الحديثين لا بالآية ولكن بالمعنى، واللَّه أعلم.\n* * *","vol":"2","page":144},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-522>٣٢ - قال اللَّه ﵎: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوب﴾</span>\nشعائر اللَّه هاهنا: فرائض الحج وسننُه، وتعظيمها واستحسانها من التقوى، فمن عرف ذلك من قلبه فقد آتاه اللَّه تقواه، فليشكر اللَّه ﷿ على ما أعطاه.\n* * *","vol":"2","page":145},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-523>٣٣ - قال اللَّه ﷿: ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ الآية</span>\nقال ابن عباس ﵁: لهم فيها منافع إلى أن تصير بُدنًا (^١).\nوقال مجاهد: ظهورُها وألبانُها وأصوافُها.\nوقال عطاء: ظهورها وألبانها وأصوافها، وقال: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾، إلى مكة.\nوالأسانيد عنهم ليست بالقوبة، وقد رأى النبي -ﷺ- رجلًا يسوق بدنة قال: \"اركبها\"، قال: إنها بدنة، قال: \"اركبها\" ثلاثًا (^٢).\nوقول من قال: إنه ينتفع بها إلى أن تصير بدنة، فهذا ليس بأجَل مسمًّى، لأن المسمى معلوم وقته، والبُدن قبل الإيجاب لا تسمى بدنة، فكيف يقال: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ أنها البُدْن، ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾؟ وإنما هي إبل ليس فيها إيجاب، ولا تكون بُدنًا حتى تُوجب، وإنما البدن أحد شعائر اللَّه ﷿، فكأنه قيل: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [الحج: ٣٦]، ولكم في كل شعائر اللَّه خير، من عرفة، والمَشعَر، ورمي الجمار، والطواف، وهذه أشياء لابد منها في الحج، وقد يحج الحاج ولا يسوق بدنًا ولا تجب عليه، فإذا فعل ذلك دخل في جملة الشعائر.\nوقد سئل عطاء عن الشعائر فقال: حرمات اللَّه، اجتناب سخط اللَّه واتباع طاعته، فذلك شعائر اللَّه (^٣).\n_________\n(^١) رواه ابن جرير في ثفسيره (٩/ ١٤٧)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٨/ ٢٤٩٢).\n(^٢) متفق عليه من حديث أبي هريرة -﵁- من طريق مالك، البخاري رقم ١٦٨٩، كتاب: الحج، باب: ركوب البدن، ومسلم رقم ١٣٢٢، كتاب: الحج، باب: جواز ركوب البدنة.\n(^٣) رواه ابن أبي شيبة في مصنفه برقم ١٤٣٥٧، كتاب: المناسك، في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ﴾.","vol":"2","page":146},{"text":"وقال زيد بن أسلم: الشعائر ست: الصفا والمروة، والبدن، والجمار، والمشعر الحرام، وعرفة، والركن والحرمات خمس: الكعبة، والبلد الحرام، والشهر الحرام، والمسجد الحرام، والمُحْرِم حتى يحل (^١).\nوقال أبو مصعب: قال مالك: إذا مضت عشية عرفة وليلة المزدلفة والوقوف بالمزدلفة حين الوقوف بها، فلا معتمل لأحد في شيء من ذلك، لأن اللَّه ﵎ [قال] (^٢): ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (٣٢) لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٣٢ - ٣٣]، فمن شعائر اللَّه: عرفة والمزدلفة، قال اللَّه ﷿: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ﴾ [البقرة: ١٩٨]، فلا مُعتمل لأحد في شيء من هذا بعد أن يمضي الأجل المسمّى (^٣).\nوإذا مضت أيام منى فلا تُرمى الجمار بعد ذلك، لأن اللَّه ﵎ قال: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (٣٢) لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾، فإنما منافع تلك الشعائر انقضاؤها إلى ذلك الأجل المسمى، فإذا مضى الأجل فليس هناك مُعتمل، وانقضاء الأيام قول اللَّه ﷿: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٢٠٣].\nوالذي قاله مالك ﵁ قول واضح، يشهد له القرآن ومعانيه، فالمنفعة بعرفةَ إلى أن يطلع الفجر من يوم النحر، والمنفعة في رَمي الجِمار إلى انقضاء أيام منى، والمنفعة للمَشعَر الحرام إلى أن تَطلُع الشمس، فكل هذه من الشعائر، وفي كل صنف منها المنفعة إلى وقت معلوم، ثم محِلّها كلُّها إلى البيت العتيق، فإذا أطاف الحاج بعد هذه المشاعر فقد حلَّ بالبيت العتيق.\n_________\n(^١) أورد هذا الأثر مكيُّ بن أبي طالب في الهداية (٣/ ١٥٦٥)، والباجي في المنتقى (٢/ ٢٩٤)، وشطره الثاني رواه ابن جرير بلفظ قريب، وقد تقدم قريبًا.\n(^٢) ساقطة من الأصل.\n(^٣) موطأ أبي مصعب برقم ١٣٤٥، كتاب: المناسك، باب: وقوف من فاته الحج بعرفة.","vol":"2","page":147},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-524>٣٤ - قال اللَّه ﷿: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾</span>\nوقال في الموضع الآخر: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ﴾ [الحج: ٦٧].\nقال مجاهد: هراقة دماء الهدي (^١)، قال: وهو كقوله: ﴿صَلَاتِي وَنُسُكِي﴾ [الأنعام: ١٦٢]، يعني: صلاتي وذبحي.\nوقال عكرمة: ﴿هُمْ نَاسِكُوهُ﴾، قال: ذبحًا هم ذابحوه.\nولما قالا وجه، وقد يجوز أن يكون قوله: ﴿مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ﴾ يريد: الذبح، ويكون قوله: ﴿مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ﴾ يراد به: منهاجًا من الدين، لقوله عز من قائل: ﴿فَلَا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ﴾ [الحج: ٦٧]، أي: لا يخالفوا عليك فيما تُعلِّمهم من مناسكهم، ولذلك قال النبي -ﷺ- في حجة الوداع: \"خذوا عني مناسككم\" (^٢)، واللَّه أعلم بما أراد من ذلك.\nوقد قال إبراهيم النخعي في قوله: ﴿لَكُمْ فِيهَا خَيْر﴾ [الحج: ٣٦]، قال: من احتاج إلى ظهر البُدْن ركب، ومن احتاج إلى لبنها شَرِب (^٣).\nوالدنيا والآخرة، ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾، قد ذكر اللَّه ﵎ الخير في مواضع من القرآن يريد الدنيا وما فيها، ولكن الخير في هذه الآية\n_________\n(^١) رواه ابن جرير (٩/ ١٨٥)، في تفسير قوله تعالى: ﴿مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ﴾.\n(^٢) تقدم تخريجه.\n(^٣) رواه ابن جرير في تفسيره (٩/ ١٥٢).","vol":"2","page":148},{"text":"لخير الآخرة، ولو كان القصد (^١) إلى منافع الدنيا لكان تركُها من غير أن يوجب بُدْنًا أنفع لهم في دنياهم، قال اللَّه عز من قائل: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾ [النمل: ٨٩]، هي: التوحيد، فله خير منها، يريد: أنه يعتاض منها خيرًا، وهو الجنة، أخيَر من التوحيد، وإنما هو خير يورثه التوحيد، ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ [النمل: ٩٠]، فهي: الشرك.\nوقال جماعة من المفسرين: الحسنة: لا إله إلا اللَّه، والسيئة: الشرك (^٢).\n* * *\n_________\n(^١) في الأصل: القصة.\n(^٢) روي مرفوعًا إلى النبي -ﷺ- عن أبي هريرة ﵁، وموقوفًا عن ابن عباس، ومجاهد، وإبراهيم، وعطاء، ومحمد بن كعب وغيرهم، انظر: تفسير ابن جرير (١٠/ ٢٢)، والدر المنثور (٦/ ٣٨٧).","vol":"2","page":149},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-525>٣٦ - قال اللَّه جل وعز: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾</span>\nروي عن ابن عباس ﵁ أنه قال: قيامًا معقولة، قال أبو ظَبْيان: فقلت له: فما أقول؟ قال: قل: لا إله إلا اللَّه، واللَّه أكبر، اللهم مِنكَ ولك (^١).\nوقد قرئت: ﴿صَوَافَّ﴾، وقرئت: (صَوافِن) (^٢).\nفمن قرأها (صوافن) فمعناه: معقولة قائمة على ثلاث.\nومن قرأها: ﴿صَوَافَّ﴾ قيامًا على أربعتها.\nوروى مالك، عن نافع، عن ابن عمر: أنه كان ينحر هديه بيده، يصُفُّهُن قيامًا، ويوجههن للقبلة، ثم يأكل ويطعم (^٣).\nوقد روى سعيد بن جبير، أن ابن عمر كان ينحر البُدن وهي على ثلاث قوائم يعقل يدها (^٤).\n_________\n(^١) رواه البيهقي في السنن الكبرى برقم ١٠٣١١، كتاب: الحج، جماع أبواب الهدي، باب: نحر الإبل قيامًا غير معقولة.\n(^٢) عزى ابن جني في المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات (٢/ ١٨)، قراءة (صوافن) إلى: \"ابن مسعود، وابن عمر، وابن عباس، وإبراهيم، وأبي جعفر محمد بن علي، والأعمش، واختلف عنهما، وعطاء بن أبي رباح، والضحاك، والكلبي\".\n(^٣) الموطأ برواية يحيى، رقم ١١١٢، كتاب: الحج، العمل في الهدي حين يساق.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور (٦/ ٥٣) إلى عبد بن حميد.","vol":"2","page":150},{"text":"وقرأها سعيد: ﴿فاذكروا اسم اللَّه عليها صوافن﴾.\nوالصحيح عن ابن عمر ما رواه نافع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-526>[صفة النحر]</span>\nوالذي يختاره مالك: أن تنحر قائمة غير معقولة، فإن تعذر النحر وهي قائمة غير معقولة عقلها، فكل ذلك واسع غير محرم، لأن من قرأ: ﴿صَوَافَّ﴾ أراد: مُصطفة، ومن قرأ: ﴿صوافن﴾ أراد: معقولة، إلا أن القراءة على لفظ مصحفنا أعم وأصوب، إذ المعروف في اللغة أن الصوافن والصافنات نعت (^١) للخيل، فإن أُدْخِلت الإبل في ذلك فعلى التشبيه، ولا ضرورة بالناس إليه، إذ لم يكن الخط في المصحف على صوافن، وليس يجوز أن يخالف لفظ المصحف المُجتمَع عليه برواية، واللَّه أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) في الأصل: نعتًا.","vol":"2","page":151},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-527>٣٦ - قال اللَّه عز وعلا: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾</span>\nقال مِقْسَم، عن ابن عباس، وقاله مجاهد، والضحاك: إذا وقعت على الأرض وأُضجعت، وزاد الضحاك: نُحرت (^١).\nوروي عن عبد اللَّه بن مسعود: إذا أُسقطت على جنبها، يريد: بعد النحر.\nقال إسماعيل: المعروف في اللغة ﴿إذا وجبت جنوبها﴾ أي: سقطت، ومنه وجوب الشمس، وكذلك يقال لكل شيء سقط، وقال قيس بن الخَطيم:\nأطاعت بنو عوف أميرًا نهاهمُ ... عن السلام حتى كان أوّل واجب (^٢)\nأي: مقتولٍ سقط إلى الأرض، وكذلك البُدْن إذا نُحرت سقطت لجنوبها.\n* * *\n_________\n(^١) الأثر عن ابن عباس عزاه السيوطي في الدر المنثور (٦/ ٥٣) لابن المنذر، وابن أبي حاتم، ورواه ابن جرير في تفسيره (٩/ ١٥٥) عن مجاهد، وروى أيضًا: ذبحت، عن ابن عباس ومجاهد في نفس الموضع.\n(^٢) ديوان قيس (ص ٩٠)، وفيه: السلم، بدل السلام.","vol":"2","page":152},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-528>٣٦ - قال اللَّه ﷿: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-529>[الأكل من النسيكة]</span>\nكان عطاء لا يرى الأكل واجبًا.\nوكان الضحاك، ومجاهد يرون الأكل إباحة، وتابعه على ذلك الحسن، ومجاهد، وجماعة من المفسرين (^١).\nوروي أن ابن عمر قسم لحم نسكه، ثم أفاض قبل أن يأكل منه (^٢).\nومن أخرج شيئًا للَّه لم يجُز له أن يعود في شيء منه، وإنما أُذن لهم في الأكل على وجه الإباحة، فمن شاء أكل من بدنته وأضحيته، ومن شاء ترك، فلولا الإذن من اللَّه جل وعلا ما جاز الأكل منها.\nوكان مالك يستحب ألا يأكل من البدن التي لا بذل منها للمساكين، مثل: جَزاء الصَّيد، وفِدية الأذى، من غير عذر ولا تكبر عن الأكل، رجوت أن يكون في سعة، على ما ذكر من الأحاديث في هذا الباب.\nفأما القانع والمُعْتَرّ، فإنه روي عن ابن عباس قال: القانع: الذي يسأل، والمُعْتَرّ: الذي يَعْتَرّ ولا يَسأل (^٣).\n_________\n(^١) رواه عن مجاهد ابن جرير في تفسيره (٩/ ١٥٦)، ورواه أيضًا عن إبراهيم النخعي، وفي عبارة المصنف ﵀ اضطراب، واللَّه أعلم بالصواب.\n(^٢) رواه ابن أبي حاتم (٨/ ٥٢٤٩).\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور (٦/ ٥٥) لابن المنذر، وفي لفظه: والمعتر: الذي يعترض الخ.","vol":"2","page":153},{"text":"وروي عنه: أن القانع: من يقنع بما أرسلت إليه في بيته، والمعتر: الذي يعتريك (^١)، وهذا أشبه القولين.\nوقال مثل ذلك الحسن، وقال مجاهد نحو ذلك (^٢).\nوقيل: المعتر الذي يعتريك فيسألك (^٣)، وقال بكل قول من ذلك جماعة.\nوالصحيح واللَّه أعلم، أن القانع يقع على من يسأل فيرضى بما يرزق بمسألته، ويقع على من يقنع ولا يسأل، فإن اللغة تجمعهما، يقال: قنع يقنع قناعة إذا صبر عن المسألة، وقنع يقنع قنوعًا إذا سأل، قال: وقال الشاعر:\nفمالُ المرءِ يُصلِحه فيُغني ... مَفاقِرَه أعَفُّ من القُنوعِ (^٤)\nقال: يعني أنه أعف من السؤال، فالبيت يدل على أن القانع هو القانع بالفقر لا بالرضا بما يُعطاه.\nوأما المُعْتَرّ فكل من اعتَرّ بك من معترض، أو سائل، أو طالب حاجة في أمر من الأمور، فقد اعتَرَّ بك في ذلك.\n* * *\n_________\n(^١) عزا هذا الأثرَ السيوطي في الدر المنثور (٦/ ٥٤ - ٥٥) لعبد بن حميد، وابن المنذر، والبيهقي في سننه.\n(^٢) تفسير ابن جرير (٩/ ١٥٧).\n(^٣) رواه ابن جرير في تفسيره عن مجاهد (٩/ ١٥٧).\n(^٤) البيت للشماخ بن ضرار في ديوانه (ص ٢٢١)، وفيه: لَمال المرء.","vol":"2","page":154},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-530>٣٧ - قال اللَّه ﵎: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾</span>\nقال النخعي: ما أريد به وجه اللَّه (^١).\nوهذا كلام مختصر، ولم أجد عن غيره فيه شيئًا، والمعنى واللَّه أعلم أنه لا منفعة له فيها، وإنما نفعُها لمن أراد بها وجه اللَّه ﷿ وجزيلَ ثوابه، فله أجر الدماء، وهو قول رسول اللَّه -ﷺ-: \"أفضل الحج العَجُّ والثَّجُّ\" (^٢)، فالثَّجُّ: إراقة الدماء، وله أيضًا أجر اللحوم وما يأكل منها وما يطعم، تفضل اللَّه على عباده بذلك.\n* * *\n_________\n(^١) رواه ابن جرير في تفسيره (٩/ ١٥٩).\n(^٢) تقدم تخريجه.","vol":"2","page":155},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-531>٣٩ - ٤١ - قال اللَّه ﵎: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾ إلى: ﴿وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُور﴾</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-532>[الأمر بالقتال]</span>\nكانت الآيات الليِّنة تنزل بمكة، ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥] وما أشبه ذلك، فلما أخرجت قريش نبي اللَّه -ﷺ- والمهاجرين الأولين من مكة ووصل إلى المدينة، كان أول آية نزلت عليه يؤمر فيها بالقتال هذه الآيات: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾.\nوكان أبو بكر الصديق ﵁ لما أُخرجوا قال: سيؤذن لنا في القتال، فنزلت الآيات إلى قوله عز من قائل: ﴿وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾، فأمر اللَّه تعالى نبيه -ﷺ- بالجهاد والغِلظة (^١).\nوقد احتج صعصعة بن صُوحان على عثمان ﵁ بهذه الآية، وقال له عثمان: فينا نزلت، لما أخرجنا من مكة مُكِّنّا وأمرنا بالمعروف ونهينا عن المنكر، قال عثمان ﵀: فهذه الآية لي ولأصحابي، وليست لك ولا لأصحابك (^٢).\n_________\n(^١) رواه الإمام أحمد في مسنده برقم ١٨٦٥ و١٨٦٥، والترمذي في سننه برقم ٣١٧١، أبواب: تفسير القرآن، باب: ومن سورة الحج، وقال: \"حسن\"، والنسائي في سننه برقم ٣١٧١، كتاب: الجهاد، باب: وجوب الجهاد، عن عبد اللَّه بن العباس -﵄-.\n(^٢) رواه ابن أبي شيبة في مصنفه برقم ٣٨٢٤٧، كتاب: المغازي، ما جاء في خلافة عثمان.","vol":"2","page":156},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-533>٧٨ - قال اللَّه ﵎: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾</span>\nروي عن ابن عباس ﵁ في قوله ﷿: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ قال: هذا في تقديم الأَهِلَّة وتأخيرها، ونُقصان الشهر وتمامه، في الفطر والأضحى، وفي الصوم (^١).\nوروى سعيد بن جبير، أن عبيد بن عمير سأل ابن عباس عن الحرَج فقال له: ألستم العرب؟ ثم قال: ادعوا لي برجل من هُذَيل، فسأله عن الحرج، قال: ما لا مخرج له (^٢).\nقال ابن عباس ﵁: إنما ذلك سَعة الإسلام، ما جعل اللَّه ﵎ من التوبة والكفارات (^٣).\nوقال في رواية أخرى: الحرج: الشيء الضيق.\nوكذلك قال زيد بن أسلم: إن عمر قال في الحرج: الضِّيق (^٤).\n_________\n(^١) رواه ابن جرير في تفسيره (٩/ ١٩٣)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٨/ ٢٥٠٦).\n(^٢) رواه ابن جرير في تفسيره (٩/ ١٩٢).\n(^٣) رواه ابن أبي حاتم في تفسيره (٨/ ٢٥٠٦).\n(^٤) الذي وقفت عليه عن عمر ﵁، ما رواه البيهقي في سننه برقم ٢٠٣٥٣، كتاب: آداب القاضي، باب: من يشاور، عن محمد بن زيد بن عبد اللَّه بن عمر، أنه حدثه قال: قرأ عمر بن الخطاب ﵁ هذه الآية: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾، ثم قال: ادعوا لي رجلًا من بني مُدلج، فإنهم العرب، قال عمر ﵁: ما الحرج فيكم؟ قال: الضيق.","vol":"2","page":157},{"text":"فالحرج عند العرب، وعلى ما قاله أيضًا جماعة من المفسرين: الضيق، فلم يُضَيِّق اللَّه ﷿ على هذه الأمة، ولم يحمل عليهم الإصر الذي حمله على من كان قبلَهم، خفف عنهم فرائضهم، وأوجبها على حسب طاقاتهم ودون ذلك، ثم تجاوز عنهم فيما حدثوا به أنفسهم، ما لم يعملوا به، ثم غفر الصغائر لمن اجتنب الكبائر، ثم جعل للكبائر والصغائر كفارات من الأعمال، من التوبة والندم والاستغفار، فلله الحمد على ما مَنَّ به من ذلك.\n* * *","vol":"2","page":158},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-534>سورة المؤمنين</span>","vol":"2","page":159},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-535>١ - ٢ - قوله ﷿: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾</span>\nسُئلت عائشة -﵂- عن خُلق رسول اللَّه -ﷺ- فقالت: كان خُلقه القرآن، ثم قرأت: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ إلى قوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾، قالت: هكذا كان خُلق رسول اللَّه -ﷺ- (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-536>[الخشوع في الصلاة]</span>\nقال أبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، قال رسول اللَّه -ﷺ-: \"هل ترون قِبْلتي هاهنا؟ فما يخفى عليَّ خشوعكم ولا ركوعكم\" (^٢).\nوقال جماعة من المفسرين: الخشوع في الصلاة: أن لا يلتفت الإنسان يمينًا ولا شمالًا، يقوم كأنه عود من الخشوع (^٣).\nوقال آخرون: ينظر إلى موضع سجوده (^٤).\n_________\n(^١) رواه بلفظ المؤلف النسائي في السنن الكبرى برقم ١١٢٨٧، كتاب: التفسير، سورة المؤمنون، والحاكم في المستدرك (٢/ ٣٩٢)، كتاب: التفسير، تفسير سورة المؤمنون.\n(^٢) متفق عليه، رواه البخاري في صحيحه برقم ٤١٨، كتاب: الصلاة، باب: عظة الإمام الناس، ومسلم (٢/ ٢٧)، كتاب الصلاة، باب: الأمر بتحسين الصلاة.\n(^٣) روي عن علي بن أبي طالب، تفسير ابن جرير (٩/ ١٩٧).\n(^٤) روي ذلك في سبب نزول هذه الآية عن ابن سيرين مرسلًا إلى النبي -ﷺ-، أنه كان يرفع بصره إلى السماء فنزلت، وعنه أيضًا أن أصحاب النبي -ﷺ- كانوا يفعلون ذلك، فنزلت، انظر: تفسير ابن جرير (٩/ ١٩٧).","vol":"2","page":161},{"text":"وكان ابن الزبير يأتي حَجر المَنجنيق فيقع عن يمينه وشماله يُحادُّ كتفَه فلا يلتفت.\nوقال آخرون: سكون المرء في صلاته (^١).\nوكل ذلك يدور على الخشوع في الصلاة التشاغل بها، وقلة الفكر في أمور الدنيا.\nوقال مسلم بن يسار: وهل يجوز أن يَعلم ما في الدنيا من يناجي ربه ﷿؟\nفالخشوع: التشاغل بها والاستكانة فيها.\nفأما قول من قال: ينظر إلى موضع سجوده، فشديد لا يجوز تكليفه، لأن النبي -ﷺ- قد كان يَلحظ ويَلمح ببصره الشيء ولا يلتفت، وقد رُوي مثل ذلك عن جماعة من التابعين.\nوالذي يراه مالك -﵁-: أن يكون بصر المصلي إلى قبلته على التوسعة، ولأن اللَّه ﵎ قال: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤]، وإنما هو قصد الكعبة.\nوقيل لابن عمر: إن ابن الزبير إذا صلى لم يقل هكذا ولا هكذا، فقال: لكنا نقول هكذا وهكذا، ونكون مثل الناس، رواه سليمان بن حرب، عن حماد بن سلمة، عن حُميد، عن معاوية بن قُرة.\n٤٤ - ونا أحمد بن موسى، قال: حدثنا القعنبي، قال: نا مالك، عن نافع، أن ابن عمر كان لا يلتفت في صلاته حتى يقضيها (^٢).\n_________\n(^١) روي عن مجاهد، والزهري، تفسير ابن كثير (٩/ ١٩٧).\n(^٢) ورد في المطبوع من رواية مالك لموطأ القعنبي، باب الالتفات والتصفيق عند الحاجة في الصلاة، بدون لفظ: حتى يقضيها، وهو في رواية يحيى كذلك برقم ٤٥٢، كتاب الصلاة، الالتفات والتصفيق عند الحاجة في الصلاة.","vol":"2","page":162},{"text":"قال القاضي: فالالتفات مخالف لما أمر اللَّه به من التوجه (١) إلى الكعبة، فأما اللمح فلا يخرج عن المأمور به، واللَّه أعلم.\n* * *","vol":"2","page":163},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-537>٩ - قال اللَّه ﷿: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾</span>\nقال مسروق: كل شيء في القرآن ﴿دَائِمُونَ﴾، ﴿حَافِظُونَ﴾، ﴿سَاهُونَ﴾ فعلى مواقيتها.\nوقال عبد اللَّه بن مسعود: هو ترك الوقت وإضاعته.\nوقال سعد بن أبي وقاص وسئل عن ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون: ٥]، أهو السهو في الصلاة؟ قال: لا، ولكنه الذي لا يصليها حتى يذهب وقتها (^١).\nقال بكر: والمحافظة على الصلاة المفروضة على وقتها من أوله إلى آخره.\nقال ابن عمر: الذي تفوته صلاة العصر كأنما وتر أهله وماله (^٢).\nوقال يحيى بن سعيد الأنصاري: إن المصلي ليصلي الصلاة وما فاتته، ولَمَا فاته من وقتها أعظم أو أفضل من أهله وماله (^٣).\n_________\n(^١) رواه ابن جرير (١٢/ ٧٠٦)، في تفسير قوله تعالى: ﴿. . . عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾.\n(^٢) ذكره المؤلف موقوفًا على ابن عمر وهو مرفوع متفق عليه، أخرجه البخاري برقم ٥٥٢، كتاب: مواقيت الصلاة، باب إثم من فاتته صلاة العصر، ومسلم (٢/ ١١١)، كتاب: المساجد ومواضع الصلاة، باب التغليظ في تفويت صلاة العصر.\n(^٣) رواه مالك في الموطأ برواية يحيى، برقم ٢٣، كتاب: الصلاة، جامع الوقوت، قال ابن عبد البر: \"وهذا موقوف في الموطأ، ويستحيل أن يكون مثله رأيًا، وقد روي مرفوعًا بإسناد ليس بالقوي\"، ثم أسنده ﵀، التمهيد (٢٤/ ٧٥).","vol":"2","page":164},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-538>٦٠ - قال اللَّه ﵎: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾</span>\nرُوي عن عائشة -﵂- أنها قالت: يا رسول اللَّه ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾، أهو الرجل يشرب الخمر ويسرق؟ وقال: \"لا يا ابنة الصديق، ولكنه الرجل الذي يصلي ويصوم ويتصدق، ويخاف ألا يقبل منه\"، رواه نصر بن علي، عن وكيع، عن مالك بن مِغْوَل، عن عبد الرحمن بن سعيد بن وهب، عن عائشة (^١).\nورواه أبو عاصم، عن المثنى بن الصباح، عن عطاء، دخلتُ مع عبيد بن عمير، عن عائشة (^٢).\nوقال سعيد بن جبير: يعطون ما أعطوا وقلوبهم وجِلة خوفًا (^٣) من الحساب والموقف (^٤).\n_________\n(^١) رواه الترمذي في سننه عن ابن أبي عمر، عن سفيان، عن ابن مغول به، برقم ٣١٧٥، أبواب: تفسير القرآن، باب: ومن سورة المؤمنون، وابن ماجه في سننه عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن وكيع به، برقم ٤١٩٨، كتاب: الزهد، باب: التوقي على العمل.\n(^٢) حديث عبد بن عمير أورده السيوطي في الدر المنثور (٩/ ١٠٦)، وعزاه لسعيد بن منصور، وأحمد، والبخاري في تاريخه، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أشته، وابن الأنباري معًا في المصاحف، والدارقطني في الأفراد، والحاكم وصححه، وابن مردويه.\n(^٣) في الأصل: خوف.\n(^٤) روى ابن جرير في تفسيره (٩/ ٢٢٤) عن سعيد قوله في الآية: \"يفعلون ما يفعلون وهم يعلمون أنهم صائرون إلى الموت، وهي من المبشرات\"، وأورده السيوطي في الدُّر (٦/ ١٠٦) بلفظ قريب مما ساقه المصنف، وعزاه لعبد بن حميد، وابن أبي حاتم.","vol":"2","page":165},{"text":"وقال مجاهد: يخافون ألا يتقبل منهم (^١).\nوقال الحسن: كانوا يخافون ألا تنجيهم أعمال البر من عذاب ربهم وألا يتقبل منهم (^٢)، وقال نحو ذلك جماعة من المفسرين (^٣).\n٤٥ - ونا إبراهيم بن حماد، قال: نا إسماعيل، قال نا حجاج قال: نا حماد، عن حميد قال: قرأت القراَن كلَّه على الحسن في بيت أبي خليفة ففسره أجمع على الإثبات، وسألته عن قوله: ﴿كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ، (^٤) فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الحجر: ١٢]، قال: الشرك سلكه في قلوبهم، وسألته عن قوله: ﴿وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٣]، قال: أعمال سيعملونها لم يعملوها، وسألته عن قوله: ﴿مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾، قال: ما أنتم عليه بالمُضلين، إلا من هو صال الجحيم (^٥).\nوالصحيح في قوله: ﴿يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾، أي: وجِلَت قلوبهم من خشية ربهم، عند مرجوعهم إلى ربهم، أن تغلب سيئاتهم حسناتهم فيُشفقون (^٦)\n_________\n(^١) روى ابن جرير في تفسيره (٩/ ٢٢٤) عن مجاهد قوله: المؤمن ينفق ماله وقلبه وجل.\n(^٢) رواه ابن جرير في تفسيره (٩/ ٢٢٤).\n(^٣) روي عن ابن عباس، وعكرمة، وغيرهما، انظر تفسير ابن جرير في الموضع السابق.\n(^٤) في الأصل: سلكناه.\n(^٥) روى أبو داود قول الحسن في قوله تعالى ﴿كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ. . .﴾ برقم ٤٦١٩، وقوله في قوله تعالى: ﴿مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ. . .﴾، برقم ٤٦١٦، كتاب: السنة، باب: لزوم السنة (ط الأرناؤوط)، بسنده عن خالد الحذاء، عن الحسن قال: \"قال: إلا من أوجب اللَّه تعالى عليه أنه يصلى الجحيم\"، وأخرجه مجتمعًا وبلفظ المصنف البيهقي في سننه الكبرى في القضاء والقدر برقم ٣٣٤، باب قول اللَّه ﷿: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾، ورقم ٥٠٧، باب ما روي في إثبات القدر.\n(^٦) كذا بالأصل، ولعل الصواب: فيشقون.","vol":"2","page":166},{"text":"بها، فهم يجتهدون وهم خائفون، ومن وصف المؤمنين الخوف مقرونًا بالرجاء، قال اللَّه جل وعز: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٤٦]، فلا ينبغي للمؤمن أن يكون إلا خائفًا، لكي لا يتكل فيَقِلَّ عمله الصالح، ألا ترى النبي -ﷺ- قال لعلي رحمة اللَّه عليه في شيخَيْ الأمَّة، صديقها وفاروقها رحمة اللَّه عليهما: \"هذان سَيِّدا كهول أهل الجنة من الأولين والآخرين إلا النبيين، يا علي، لا تخبرهما\" (^١) إشفاقًا عليهما من أن يتَّكلا، فالخائف يعمل ما لا يعمله الراجي بلا خوف، واللَّه أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) رواه الترمذي في سننه برقم ٣٦٦٥ و٣٦٦٦، أبواب: المناقب، باب: في مناقب أبي بكر الصديق، وابن ماجه في سننه برقم ٩٥، أبواب: السنة، باب: في فضائل أصحاب رسول اللَّه -ﷺ-، فضائل أبي بكر الصديق -﵁-.","vol":"2","page":167},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-539>٦٧ - قال اللَّه ﷿: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ﴾</span>\nتكلم المفسرون في ذلك بكلام مختلف، فمنهم من قال: ﴿سَامِرًا تَهْجُرُونَ﴾: حِلَقًا تتحدثون، قاله ابن عباس، وقال: حِلَقًا حِلَقًا (^١)، وقال: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ﴾ يقولون: نحن أهله، ﴿سَامِرًا تَهْجُرُونَ﴾ ولا تَعْمُرونه (^٢).\nوقال الحسن: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ﴾ بِحَرَمي (^٣)، تَهجُرون بيتي أي: لا تطوفون به.\nوقال معمر عن الحسن: تهجُرون رسول اللَّه -ﷺ-.\nوقال سهل السراج، عن الحسن: تهجُرون القرآنَ، وذِكرَ اللَّه ﷿ (^٤).\nوقال مجاهد: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ﴾ بالبلد، ﴿تَهْجُرُونَ﴾ بالقول السيء بالقرآن (^٥).\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور (٦/ ١٠٩)، لعبد بن حميد، وابن أبي حاتم، وابن مردويه.\n(^٢) رواه النسائي في السنن الكبرى برقم ١١٢٨٨، كتاب: التفسير، سورة المؤمنون، وعزاه السيوطي في الدُّر المنثور (٦/ ١٠٩) إلى النسائي، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، وابن مردويه، وهو كما ذكرت في الكبرى.\n(^٣) رواه ابن جرير في تفسيره (٩/ ٢٣٠).\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور بلفظ: \" ﴿سَامِرًا تَهْجُرُونَ﴾: القرآنَ، وذكري، ورسولي\"، إلى عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، ولم أقف عند ابن جرير على لفظ: ورسولي.\n(^٥) رواه ابن جرير في تفسيره (٩/ ٢٣٠ و٢٣٢).","vol":"2","page":168},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-540>[حكم السَّمَر]</span>\nفأما السَّمَر فقد اختُلف فيه، فروى أبو بَرْزَة، عن النبي -ﷺ-، أنه كان يكرَه النومَ قبلَها والحديث بعدَها (^١).\nوروى خَيثَمة، عن عبد اللَّه، عن النبي -ﷺ- أنه قال: \"لا سَمَرَ إلا لأحد رَجلَين: مُصَلٍّ (^٢)، أو مسافر\" (^٣).\nوروى جابر عن النبي -ﷺ- أنه قال: \"إياكم والسَّمَرَ بعد هَدْأة الرِّجل، أغلقوا الأبواب، وأَوْكوا السِّقاء (^٤)، وخَمِّروا الإناء، وأطفئوا المِصباح\" (^٥).\nوكان عمر رحمة اللَّه عليه يَجْدِب (^٦) لنا السَّمَر بعد صلاة النوم، رواه سلمان بن ربيعة (^٧).\n_________\n(^١) يقصد العشاء الآخرة، متفق عليه، رواه البخاري في صحيحه برقم ٥٦٨، كتاب مواقيت الصلاة، باب ما يكره من النوم قبل صلاة العشاء، ومسلم في صحيحه (٢/ ١١٩)، كتاب: المساجد ومواضع الصلاة، باب: استحباب التبكير بالصبح في أول وقتها.\n(^٢) في الأصل: مصلي.\n(^٣) رواه الإمام أحمد في مسنده برقم ٣٦٠٣، والقاضي إسماعيل في أحكام القرآن (ص ١٤٥ - ١٤٦).\n(^٤) أَوْكُوا السِّقاء: اربطوا أفواهها بالوِكاء، وهو: الخيط الذي تربط به، انظر النهاية (٥/ ٢٢٢ - ٢٢٣)، ومشارق الأنوار (٢/ ٢٨٦).\n(^٥) رواه القاضي إسماعيل في أحكامه (ص ١٤٦).\n(^٦) في الأصل: يحدث، ولا وجه لها، وما أثبته من مصادر التخريج، والجَدْب: العيْب والذَّم، النهاية (١/ ٢٤٣).\n(^٧) في الأصل: سليمان بن ربيعة، والتصويب من مصادر التخريج، وهو أبو عبد اللَّه الباهلي، قال ابن عبد البر: \"ذكره العقيلي في الصحابة، وقال أبو حاتم الرازي: له صحبة، وهو عندي كما قالا\"، ولاه عمر قضاء الكوفة انظر الاستيعاب (٢/ ٦٣٢) =","vol":"2","page":169},{"text":"وقال خَرَشَة بن الحُرّ (^١): رأيت عمر بن الخطاب يضرب الناس على الحديث بعد العشاء، ويقول: أسمرًا أول الليل ونومًا آخرَه (^٢)؟ !\nوقال سعيد بن المسيب: كان عمر يطوف في المسجد بعد عشاء الآخرة يقول: الحقوا برِحالكم، عسى اللَّه أن يرزقكم صلاة في ليلتكم (^٣).\nوكان سعد يقول: أَريحوا كُتّابَكُم.\nوكان عبد اللَّه، يَعُسُّ (^٤) في المسجد، فما يدَع فيه سوادًا إلا أخرجه إلا رَجلًا يصلي (^٥).\nوكان حذيفة، وعبد اللَّه بن عمرو، وشدّاد بن أوس، يكرهون الحديث بعدها.\nوقال شدّاد بن أوس: قال رسول اللَّه -ﷺ-: \"من قرضَ بيتَ شِعر بعد العشاء لم يقبل له تلك الليلة صلاة\" (^٦).\n_________\n= وتقريب التهذيب (ص ٢٤٦)، وقد روى الأثر ابن أبي شيبة ٦٣٤٧، كتاب الصلاة، من كره السمر بعد العتمة، والقاضي إسماعيل في أحكامه (ص ١٤٧)، وفيه: \"وقيل للأعمش أي شيء يجدب؟ قال: يذم\"، ورواه مرفوعًا إلى النبي -ﷺ- الإمام أحمد عن ابن مسعود برقم ٣٦٨٦.\n(^١) خرشة بن الحرّ الفزاري، له عن النبي -ﷺ- حديث واحد، وروى عن عمر وغيره. ينظر الاستيعاب (٢/ ٤٤٥).\n(^٢) رواه عبد الرزاق في مصنفه برقم ٢١٣٤، كتاب: الصلاة، باب: النوم قبلها والسهر بعدها، وابن أبي شيبة في مصنفه ٦٧٤٣، الموضع السابق، والقاضي إسماعيل في أحكامه (ص ١٤٧).\n(^٣) رواه القاضي إسماعيل في أحكامه (ص ١٤٧ - ١٤٨).\n(^٤) يعُسُّ: يطوف بالليل، اللسان (١٠/ ١٤٧).\n(^٥) رواه عبد الرزاق في مصنفه برقم ١٦٥٤، كتاب: الصلاة، باب: الوضوء في المسجد، والقاضي إسماعيل في أحكامه (ص ١٤٨).\n(^٦) رواه أحمد في مسنده برقم ١٧١٣٤، والقاضي إسماعيل في أحكامه (ص ١٥٠).","vol":"2","page":170},{"text":"قال بكر: وهذا كله فيمن سَمَرَ في غير مرضاة اللَّه، فأما من جعل سمَره مذاكرة لعلم أو ما لا يَسخَطه اللَّه ﷿ ويدخل في مرضاته فلا بأس به.\nروى أبو معاوية عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة قال: قال: عمر قال: كان النبي -ﷺ- لا يزال يسمر عند أبي بكر في الأمر من أمور المسلمين (^١).\nوقال عمران بن حصين: كان النبي -ﷺ- يحدثنا عامَّة ليلِه عن بني إسرائيل (^٢).\nقال بكر: فالذي كُره من السِّمَر ما لم يكن فيه رضى اللَّه ﷿ ومنافعُ للعباد، وعِلمٌ وآدابٌ، والآية إنما نزلت في كفار قريش، لأنهم كانوا يَهجُرون الطواف ويجلسون في نواديهم، وهي الحِلَق، فيتكلمون في رسول اللَّه -ﷺ- وفي القرآن، فسماه اللَّه هَجْرًا.\nقال سفيان: كان عمرو بن دينار يَسمُر في المسجد إلى نصف الليل، وأيوب السختياني معه (^٣).\nوقال هشام بن حسان: كنا نسمُر بعد العشاء مع محمد بن سيرين (^٤).\nوقال عروة: كنا نتحدث عند حجرة عائشة -﵂-، وكانت تنادينا: يا ابن أختي قد طلع الفجر (^٥).\n_________\n(^١) رواه اأحمد في مسنده برقم ١٧٨، ٢٢٨، والقاضي إسماعيل في أحكامه (ص ١٥٠ - ١٥١).\n(^٢) رواه الإمام أحمد في مسنده برقم ١٩٩٩٠، والقاضي إسماعيل في أحكامه (ص ١٥١).\n(^٣) رواه القاضي إسماعيل في أحكامه (ص ١٥٢).\n(^٤) رواه القاضي إسماعيل بسنده إلى هشام قال: كنا ربما جئنا من العشاء قد صلينا، فيسألنا محمد ويكلمنا ويحدثنا.\n(^٥) رواه القاضي إسماعيل في أحكامه (ص ١٥٢).","vol":"2","page":171},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-541>ومن سورة النور</span>","vol":"2","page":173},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-542>١ - قال اللَّه ﷿: ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا﴾</span>\nمعنى ﴿وَفَرَضْنَاهَا﴾ هاهنا: بيَّناها، وشرحنا ما فيها من الحلال والحرام والنهي، وأوجبناها بإلزام فروضها، واللَّه أعلم.\n* * *","vol":"2","page":175},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-543>٢ - قال اللَّه ﷿: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-544>[حد الزنا]</span>\nهذه آخر آية نزلت في حد الزاني، ناسخة لقوله سبحانه: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا﴾ [النساء: ١٦]، ولقوله: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ إلى قوله ﷾: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٥]، فلما نزلت هذه الآية قال النبي -ﷺ-: \"خذوا عني، قد جعل اللَّه لهن سبيلًا، البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثّيب بالثّيب جلدُ مائة والرَّجْم\" (^١).\nفكان الرجم بأمر اللَّه ﷿، لأن عمر -﵁- أخبرنا أنهم كانوا يقرؤونها، فظنها قرآنا، وقد كان وحيًا، فعلمنا بذلك أنه من عند اللَّه، وأن الرسول -ﷺ- سنَّ مع الرجم كما سن مع جلد البكر التغريبَ.\nومن شأن السُّنة أن تنسخ السُّنة، والسُّنة لا تنسخ القرآن، وإنما ينسخ القرآن القرآن، والسُّنة فقد تشرح خفي القرآن ولا تنسخه، فلو كان جَلْد الثَّيِّب بالقرآن، لما جاز نسخه إلا بالقرآن، فنسخ رسول اللَّه -ﷺ- ما سَنَّ من جَلْد الثيب بسُنته، لما رواه أبو هريرة وغيره أن النبي -ﷺ- رجم ماعزًا ولم يجلده (^٢).\n_________\n(^١) سبق تخريجه.\n(^٢) من روايات رجم ماعز ما رواه البخاري عن ابن عباس -﵁- برقم ٦٨٢٤، كتاب: الحدود، باب: هل يقول الإمام للمقر: هل لمست أو غمزت؟ قال: لَمّا أتى ماعِز =","vol":"2","page":176},{"text":"وروى أبو هريرة، وزيد بن خالد، وزاد ابن عيينة: وشبل بن سعيد، أن النبي -ﷺ- قال في قصة العَسيف (^١): \"واغْدُ يا أُنَيْس على امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها\" (^٢).\nقال بكر: فصار هذان الخبران ناسخين للجلد في الثَّيِّب، وبقي الرجم على ما أنزل اللَّه ﵎ إذ القتل يأتي على كل شيء.\nولا اختلاف بين علماء الأمصار أن من شرب خمرًا وزنى وهو محصن فالحَدّان عندهم جميعًا للَّه ﷻ، فيسقط جَلْد الشّرب ويأتي الرجم على ذلك كلِّه، فلما كان ذلك كذلك، وكانت الحدود إذا اجتمعت للَّه ﵎ ليس لآدمي فيها حق، مثل القذف وما أشبهه، دخل بعضها في بعض، وأتى القتل على جميعِها، كان ذلك سبب إسقاط الجَلْد عن الثَّيِّب، فنَسخت سُنَّتُه سُنَّتَه.\nولا أعلم في سقوط الجَلْد بين فقهاء الأمصار خلافًا، وإنما تكلمت في ذلك على متأخر (^٣) تعلق بحديث عُبادة، متَّبِعًا للشواذ من الأخبار، ومتعلقًا بالمنسوخ ليُعْرَف، ومع ذلك فحديث عُبادة في بدء الهجرة بعد ثلاث منها، وحديث أبي هريرةَ وصاحبيه بعد ذلك، لأن إسلام أبي هريرة في أول سنة سبع\n_________\n= ابن مالك النبي -ﷺ- قال له: \"لعلك قبَّلتَ، أو غمَزتَ، أو نظرتَ\" قال: لا يا رسول اللَّه، قال: \"أَنِكْتَها؟ \". لا يكني، قال: فعند ذلك أمر برجمه.\n(^١) العَسيف: الأجير، النهاية (٣/ ٢٣٦).\n(^٢) متفق عليه عن أبي هريرة وزيد، رواه البخاري برقم ٢٣١٤، في كتاب: الوكالة، باب: الوكالة في الحدود، ومسلم (٥/ ١٢١)، كتاب: الحدود، باب: من اعترف على نفسه بالزنى، وزيادة ابن عيينة أخرجها الترمذي في سننه برقم ١٤٣٣، أبواب: الديات، باب: ما جاء في الرجم على الثيب، وابن ماجه.\n(^٣) هو داود الظاهري، انظر الإشراف للقاضي عبد الوهاب (٢/ ٨٤٥).","vol":"2","page":177},{"text":"من الهجرة، بعد فتح خيبر وفي وقتها، وكذلك صاحباه إسلامهما متأخر، وعُبادة من النُّقَباء الاثني عشر ليلة العقبة، فروايته وقت نزول آية الجَلْد في سورة النور، وأمر العَسيف بعد ذلك بسنين، فقد نسخ السُّنةُ السُّنةَ، فهذا ناسخ لحديث عُبادة، واللَّه أعلم.\n* * *","vol":"2","page":178},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-545>٣ - قال اللَّه ﵎: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-546>[العفو عن الحد]</span>\nمعنى هذه الآية عند أكثر المفسرين: لا يُعطَّل الحَدُّ برحمة تدخل القلب، قال ذلك: الحسن، وعطاء، وجماعة (^١).\nوقال آخرون: إقامةُ الحد بالقتل.\nوقال زيد بن أسلم: لا تَدَعوهما برحمة لهما من إقامة الحَدِّ عليهما (^٢).\nوهذه الآية مخاطِبة للإمام، ليس له إذا ثبت الحَدّ عنده العفو عنه، ويجوز ذلك لسائر الرعية تركُ رفعهما إلى الإمام، ألا ترى أن النبي -ﷺ- قال لصفوان بن أمية: \"فهَلَّا قبل أن تأتينا به\" (^٣).\nوقال لهَزّال: \"هَلَّا سترته بثوبك\" (^٤).\n_________\n(^١) رواه عن الحسن القاضي إسماعيل في أحكامه (ص ١٥٤)، ورواه عن عطاء القاضي إسماعيل (ص ١٥٤ - ١٥٥)، وابن جرير في تفسيره (٩/ ٢٥٧)، وروي أيضًا عن مجاهد، وابن جريج، انظر تفسير ابن جرير.\n(^٢) روي عن مجاهد، وزيد بن أسلم عن أبيه، أحكام القرآن للقاضي إسماعيل (ص ١٧٥).\n(^٣) رواه النسائي في سننه برقم ٤٨٧٨، كتاب قطع السارق، باب: الرجل يتجاوز للسارق عن سرقته.\n(^٤) رواه الإمام أحمد في مسنده في مواطن منها رقم ٢١٨٩١، وأبو داود في سننه برقم ٤٣٧٧، كتاب: الحدود، باب: في الستر على أهل الحدود (ط الأرناؤوط).","vol":"2","page":179},{"text":"وقال في ماعز أيضًا: \"هَلَّا تركتموه\" (^١)، يريد: لعله يؤدي إلى ما يزيل الحد.\nفالحاكم والإمام لا يجوز لهما العفو عن حقوق اللَّه في الحدود الموجبة بالأفعال.\nقال عبد اللَّه بن مسعود: يؤتى بالزائد في حدود اللَّه يوم القيامة فيقال له: \"لم زدت في حدودي؟ \" فيقول: غضبًا لك، فيقول اللَّه ﷿: \"أأنت أشد غضبًا مني لنفسي؟ اذهبوا به إلى النار\"، ويؤتى بالناقص من حدود اللَّه فيقول اللَّه ﵎ له: \"لم نقصت من حدودي؟ \" فيقول رحمة لعبادك، فيقول: \"أأنت أرحم بهم مني؟ اذهبوا به إلى النار\".\n* * *\n_________\n(^١) رواه الإمام أحمد برقم ٢١٨٩٠، وأبو داود برقم ٤٤١٩، كتاب: الحدود، باب: رجم مالك بن ماعز، من حديث هزال، والترمذي برقم ١٤٢٨، أبواب: الحدود، باب: ما جاء في درء الحد عن المعترف إذا رجع، عن أبي هريرة -﵁-.","vol":"2","page":180},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-547>٣ - قال اللَّه ﷿ ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾</span>\nقال عطاء: الطائفة: رجلان (^١).\nوقال مجاهد: رجل إلى ألف (^٢).\nوقال الزهري: ثلاثة فصاعدًا (^٣).\nوقال قتادة: نفرٌ من المسلمين (^٤).\nوقال الحسن: عشرة (^٥).\nوقال مالك بن أنس: أربعة من الرجال المسلمين فصاعدًا (^٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-548>[شُهود الحدّ]</span>\nقال بكر: فالذي قال: رجل فما فوقه، احتجَّ بقول اللَّه ﵎: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات: ٩]، فسلك بالآية غير طريقهما، لأن كل طائفةٍ جماعة، وإنما يدخل الواحد في ذلك بالمعنى، واللفظ فللجماعة.\n_________\n(^١) رواه ابن جرير في تفسيره (٩/ ٢٥٩)، والقاضي إسماعيل في أحكامه (ص ١٥٨).\n(^٢) رواه ابن جرير في تفسيره (٩/ ٢٥٩)، والقاضي إسماعيل في أحكامه (ص ١٥٩).\n(^٣) رواه ابن جرير في تفسيره (٩/ ٢٥٩)، والقاضي إسماعيل في أحكامه (ص ١٦٠).\n(^٤) رواه ابن جرير في تفسيره (٩/ ٢٥٩)، والقاضي إسماعيل في أحكامه (ص ١٦١).\n(^٥) رواه ابن أبي شيبة في مصنفه برقم ٢٩٣١٨، كتاب: الحدود، باب: قوله تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، القاضي إسماعيل في أحكامه (ص ١٦١).\n(^٦) رواه القاضي إسماعيل في أحكامه (ص ١٦٢)، عن أبي ثابت، عن ابن وهب، عن مالك.","vol":"2","page":181},{"text":"ومما يدل على أن اللفظ للجماعة قوله ﷿: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا﴾ [الحجرات: ٩]، فجاء اللفظ على تأنيث الجماعة، وأمرت الجماعة أن تصلح بين الطائفتين.\nواحتج آخر بقول اللَّه ﷿: ﴿إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً﴾ [التوبة: ٦٦]، وهذا غلط أيضًا، لأن المخاطبة لجماعة، قال اللَّه ﷿: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ (٦٥) قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ [التوبة: ٦٥ - ٦٦]، فعلم أنهم جماعة، وأنه إن يُعْفَ عن طائفة منهم بالتوبة مما كانوا فيه من الكفر الذي وصف اللَّه، تُعَذَّب طائفة ممن لم تتب، فإن كان الذي تاب منهم رجلًا فما فوقه دخل في المعنى، وإن كان الذي لم يتب رجلًا فما فوقه دخل في المعنى، إذ كانوا إنما يستحقون ذلك بأفعالهم.\nوالطائفة التي تحضر عذاب الزاني، لم يحضروا لفعلٍ كان منهم في أنفسهم، وإنما أُحضروا ليكونوا شهودًا لعذاب غيرهم، فإن كان الواحد من الشهود يقوم مقام الجماعة، فينبغي أن يُقاس عليه، وإن لم يكن يقوم مقامهم خرج من حكمهم بالمعنى واللفظ جميعًا، لأن الشهود يُحتاج إليهم فيما يحدث بين المحدود وغيره، وهو أن يقذفه قاذف بعدما يقام عليه حَدّ الزنا، فإذا أتى القاذف بأربعة فشهدوا أن حاكمًا قد حَدَّ المقذوف في الزنا سقط الحد عن القاذف.\nوكذلك لو كانت أمة لرجل فحدها سيّدُها في الزنا ثم أُعتقت فقذفها رجل، فأتى القاذف باربعة فشهدوا أنها كانت أَمة، وأن سيدها قد كان حدها في الزنا لسقط عن القاذف الحَدُّ، فهذا هو الظاهر الذي يدل عليه معنى حضور","vol":"2","page":182},{"text":"الشهود عذاب الزاني، فليس تدل الآية إلا على ما وصفنا، لأنه تحصيل حكم بين الناس.\nوإذا حدث شيء فيه، حكم بحَدَث كان أغلب مما لا حكم فيه، قال اللَّه ﷿: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا﴾ [آل عمران: ١٢٢]، وكانوا بني سَلَمة وبني حارثة، وكانا بجناحي المدينة، فلم يكونوا وراء رسول اللَّه -ﷺ- يوم الخندق، وقال ﷿: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ﴾ [الأنفال: ٧]، وقال: ﴿لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾ [النساء: ١١٣].\nولا يختلف أهل اللسان أن الرجل إذا قال: رأيت طائفة، أنه يعني جماعة، فحكم قوله: ﴿طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾: أربعة من الرجال الأحرار الذين تجوز شهادتهم في الزنا فصاعدًا، واللَّه أعلم بما أراد من ذلك.\n* * *","vol":"2","page":183},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-549>٤ - قال اللَّه ﵎: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-550>[نكاح الزّانِيَيْن]</span>\nاختلف السلف في هذه الآية: فزعم قوم منهم إبن مسعود وغيره، أن الزانيين إذا تزوّجا (^١) بعد ذلك لا يزالا زانيين ما اصطحبا (^٢)، ويجوز أن يكون أراد أنه ينظر كلُّ واحد منهما إلى صاحبه بعين الزنا.\nومنهم من رأى التزويج صوابًا، وزوَّج الزانيين، ورأى الجمع بينهما بالنكاح، منهم: أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وابن عمر، وابن عباس، وسعيد بن المسيب، وعلقمة، وجماعة من المفسرين (^٣).\nومنهم من جعل الآية فيمن كانت له امرأة فزنت، أنه يفارقها ولا يقيم عليها، منهم: علي بن أبي طالب، وابن عمر، وجماعة (^٤).\n_________\n(^١) في الأصل: تزوجها.\n(^٢) رواه القاضي إسماعيل في أحكامه، عن ابن مسعود وعائشة والبراء -﵃- (ص ١٦٦ - ١٦٨).\n(^٣) رواه عن أبي بكر، وعمر وابن مسعود -﵃-، القاضي إسماعيل في أحكامه (ص ١٦٨ - ١٧١).\n(^٤) رواه عن عليٍّ ابنُ أبي شيبة في مصنفه برقم ١٧٢٠٨، كتاب النكاح، من قال: لا يتزوج محدود إلا محدودة، أن عليًّا أُتي بمحدود تزوج امرأة غير محدودة ففرق بينهما.","vol":"2","page":184},{"text":"ورُوي عن النبي -ﷺ- حديث، منهم من أرسله عن عُبيد بن عُمير، ومنهم من وصله، فذكر ابن عباس أن رجلًا أتى النبي -ﷺ- فقال: إن امرأتي لا تمنع يد لامس فقال: \"طلقها\"، فقال: إني أحبها، قال: \"أمسكها\"، فرد ذلك ثلاثًا (^١).\nوقال بعضهم: إن المجلود لا ينكِح إلا مجلودة، فممن قال ذلك: عبد اللَّه بن عمرو (^٢).\nوقال الحسن البصري، ورواه عمرو بن شعيب، عن سعيد المقبُري (^٣)، عن أبي هريرة عن النبي -ﷺ-: \"لا ينكح المجلود إلا مثله\" (^٤)، ورواه عطاء، عن أبي هريرة موقوفًا عليه، وكان أبو هريرة يقوله، وقال لرجل أراد أن يتزوج مجلودة: لا تتزوجها إلا أن تكون قد فعلت مثل فعلها.\nوروى ليث، عن ابن سابِط، أن عليًّا أُتي بمحدود تزوج امرأة غير محدودة ففرق بينهما (^٥)، وفي الحديث ليث بن أبي سُلَيْم، ومثله لا تثبت به حجة، واللَّه أعلم.\n_________\n(^١) رواه النسائي في سننه برقم ٣٢٢٩، كتاب: النكاح، تزويج الزانية، وضعفه، كما أشار إلى ذلك المصنف بقوله: رُوي.\n(^٢) روى ابن جرير بسنده عن عبد اللَّه بن عمر في هذه الآية قال: كن نساء معلومات، فكان الرجل من فقراء المسلمين يتزوج المرأة منهن لتنفق عليه، فنهاهم اللَّه عن ذلك، وأورد السيوطي في الدر عن ابن عمر ونسبه لابن جرير، وهو تصحيف في نسخة أحدهما واللَّه أعلم.\n(^٣) قال النووي في تهذيب الأسماء (١/ ٢١٩): \"بضم الباء وفتحها، منسوب إلى المقابر\"، وهو أبو سعيد سعيد بن أبي سعيد، المدني، ت في حدود ١٢٠ هـ، تقريب التهذيب (ص ٢٣٦).\n(^٤) رواه الإمام أحمد في مسنده برقم ٨٣٠٠، وأبو داود في سننه برقم ٢٠٥٢، كتاب: النكاح، باب في قوله تعالى: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ. . .﴾ (ط الأرناؤوط).\n(^٥) تقدم قريبًا.","vol":"2","page":185},{"text":"وروى الشيباني، عن عبد اللَّه بن شداد، عن ابن عباس، أنه أمر بنحو من ذلك.\nوقال آخرون: لا بأس أن ينكح غيرُ المحدودِ المحدودةَ، منهم: سعيد بن المسيب، وعمر بن الخطاب، وأُبَيُّ بن كعب (^١).\nورُوي أن ابن عباس -﵁- وطئ جارية له بعدما فَجَرَت.\nوقال آخرون: إن الآية نزلت في بغايا كُنَّ في الجاهلية لهن رايات، منهن كوافر، بل كُنَّ كلُّهن قبل الإسلام كوافر، وكان يَمُرُّ بهن المسافرون فيطؤوهن، وكُنَّ إماء، وكانت العرب تستنجب منهن العبيد بذلك الزنا، فنزلت الآية، الزاني لا يطيعه إلى الزنا إلا زانية أو مشركة، والزانية لا يزني بها إلا زان أو مشرك (^٢).\nويحتمل أن يكون أُريد: إلا زان مشرك وزانية مشركة، يجتمع ذلك فيهما.\nوقال آخرون: كُنَّ بغايا معروفات بالزنا، فأراد قوم من المسلمين نكاحهن، فنزلت الآية من أجل ذلك (^٣).\nوقال آخرون: ذِكر النكاح هاهنا الغشيان دون العقود، وهو الزنا، منهم: ابن عباس، وقال: العقود لم تُرَد، وإنما أُريد الوطء المحرَّم، وتابعه على ذلك أصحابه المشهورون به.\n_________\n(^١) رواه عن عمرَ ابن أبي شيبة في مصنفه برقم ١٧٢١٠، كتاب: النكاح، من قال: لا يتزوج محدود إلا محدودة ومن رخص في ذلك، ورواه عن ابن المسيب ابن أبي شيبة في مصنفه برقم ١٧١٩٣، كتاب: النكاح، في قوله: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ. . .﴾\n(^٢) روي عن ابن عباس، وسعيد بن جبير، وابن زيد، وغيرهما، راجع تفسير ابن جرير (٩/ ٢٦٣ - ٢٦٤).\n(^٣) انظر تفسير ابن جرير (٩/ ٢٦١ - ٢٦٢).","vol":"2","page":186},{"text":"والنكاح في اللغة هو: الوطء، وهو ولوج الشيء في الشيء، وقد سمى اللَّه العقودَ باسم النكاح في مواضع من القرآن، لأن المبتغى من العقد الوطء، ولكن قوله ﷿: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً﴾، يوجب ألا يَعقِد الرجل على امرأة يعلم أنها مقيمة على الزنا، ولا بأس بذلك بعد التوبة، واللَّه أعلم.\n* * *","vol":"2","page":187},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-551>٤ - ٥ - قال اللَّه ﵎: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ إلى قوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-552>[شهادة القاذف]</span>\nقال أبو حنيفة وأصحابه: إن القاذف إذا تاب لم تقبل شهادته، واحتجوا بأن الاستثناء لم يقع على كل ما ذكر في القرآن، وأن الدليل على ذلك، أنه لو تاب لم يسقط عنه الحد (^١)، فغلطوا من حيث لا يُشكِل، وذلك أن القاذف إنما أوجب اللَّه ﵎ ألا تقبل شهادته، وأنه من الفاسقين بعد الحد، وبيَّن ذلك في كتابه بقوله سبحانه: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾، فإنما ذلك بعد الجَلْد، وإنما يكون محدودًا في القذف بعد الجلد، فأما قبل الجلد وبعد ما قذف فهو على أمره الذي كان، لأنه لا يُدرى إلى ما يفضي أمرُه، إذ كان قد يأتي بأربعة شهداء بأن المقذوف زان، أو أنه قد كان حُدَّ في الزنا، ويخاف المقذوف أن تقوم عليه بينة فيمسك عن المطالبة فَيُدفع عنه الحد.\n٤٦ - أخبرنا إسماعيل، قال: نا نصر بن علي، عن وكيع، عن محمد بن قيس، عن الشعبي في القاذف إذا لم يُحد جازت شهادته، فإذا عجز القاذف عن البينة وطالبه المقذوف بالحد فجلد، وجب فيه حكم اللَّه، بأن لا تقبل شهادته أبدًا، وأنه من الفاسقين، ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا﴾، فالاستثناء واقع على ذلك كلِّه.\n_________\n(^١) المبسوط للسرخسي (١٦/ ١٢٨)، والاختيار لتعليل المختار (٢/ ١٤٧).","vol":"2","page":188},{"text":"وإنما قيل: ﴿لَا تَقْبَلُوا لَهُمْ (^١) شَهَادَةً أَبَدًا﴾ لأنه من الفاسقين، نعت استَحق أن يُنعَت به لِما كان منه، فإذا زال النعت عنهم وجب على الحاكم قَبولُ شهادتهم، لأن شهادتهم إنما سقطت للوصف الذي وصفهم اللَّه ﵎ به، وليس بوصف الإنسان بالفسق، لأن الحاكم لا يقبل شهادته، وإذا وقع عليه اسم الفسق وجب على الحاكم رد شهادته، لأن اسم الفسق توجبه أفعال الفاسق لا أفعال غيره فيه.\nفأما قولهم: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا﴾، يقع على زوال اسم الفسق خاصة، ولا يقع على قبول الشهادة، فشيء لا تقوم به حجة من كتاب ولا سنة ولا قياس، والنظر يوجب أن من أزال اللَّه ﵎ عنه الفسق وغفر له ورحمه مقبولُ القول، لأنه لا يبلغ أحد من العدالة أكثر من هذه الصفة.\nوقد قال اللَّه ﷿ في المُحارِب: ﴿ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٣ - ٣٤]، فقد يمكن أن يقول قائل: إنما وقع الاستثناء عن إزالة العذاب العظيم عنهم في الآخرة، وأما ما وجب في الدنيا من المحدود فثابت، ولا يجعل الاستثناء واقعًا على جميع الكلام، وهذا ما لا يقوله أحد، فإن من غفر اللَّه له ورحمه فقد زال عنه كل عقوبة من عقوبات الدنيا والَاخرة، وهو مَرضيٌّ عدل، وقد جاء أن \"التائب من الذنب كمن لا ذنب له\" (^٢)، فلا بد أن يكون التائب من القذف الذي قد ثبت حكمه كمن لم يَقذِف، إذ قد أقيم عليه الحد الذي صار به قاذِفًا بغير شبهة.\nقال سعيد بن المسيب: إن عمر بن الخطاب -﵁- لما جلد أبا بكرة، وشبل بن مَعْبَد، ونافعًا، قَذَفَة المغيرة قد استتابهم بعد الجلد، وقال لهم: من\n_________\n(^١) في الأصل: له.\n(^٢) رواه ابن ماجه في سننه برقم ٤٢٥٠، أبواب: الزهد، باب: ذكر التوبة، عن ابن مسعود.","vol":"2","page":189},{"text":"تاب منكم قبلت شهادته، قال سعيد: فتاب منهم اثنان، وأبى أبو بكرة، فكانت لا تجوز شهادته (^١).\nقال إسماعيل: والتوبة من ذلك أن يقول: قد رجعت عما قلت.\nوقال الشعبي، وطاوس، وعطاء، ومسروق، وعكرمة، وسليمان بن يسار، وابن شهاب، والضحاك، وعمر بن عبد العزيز، وسعيد بن المسيب، وسعيد بن جُبير، وعبد اللَّه بن عتبة، ومجاهد: كلهم يُجَوِّز شهادة القاذف إذا تاب (^٢).\nوقد روي غير ذلك، وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ \"لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة، ولا محدود في الإسلام\" (^٣)، وهذا الحديث فلو صح لكان صحيفة، ومع ذلك فدون عمرٍو حجاجٌ الصَّوّاف، وهو ضعيف، ودون حَجاجٍ مُعَمَّر الرَّقّي وهو كذلك، فلو صح أيضًا لعُلم أنه منسوخ، لأن الإجماع على قبول شهادة الزاني إذا تاب بعد الحَدِّ وعلى سائر الحدود، والاختلاف في القاذف حسْب.\nوكان أبو بَكرة إذا جاء من يُشهده قال: أَشهِد غيري، فإن المسلمين فسَّقوني.\nوكان شُريْح لا يجيز (^٤) شهادة القاذف بقبول (^٥) توبته بينه وبين ربه.\n_________\n(^١) رواه عبد الرزاق في مصنفه برقم: ١٣٥٦٤، كتاب: الطلاق، باب قوله: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾.\n(^٢) انظر الروايات عن معظمهم وغيرهم عند ابن جرير في تفسيره (٩/ ٢٦٥ - ٢٦٧).\n(^٣) رواه بلفظ المحدود، ابن ماجه عن عبد اللَّه بن عمرو، برقم ٢٣٦٦، أبواب: الأحكام، باب: من لا تجوز شهادته.\n(^٤) في الأصل: يجوز، وضُرب عليها، وكُتب فوقها ما أثبته.\n(^٥) كذا في الأصل: وفي المصادر: ويقول.","vol":"2","page":190},{"text":"وتابعه على ذلك سعيد بن جبير، وإبراهيم، وروايته عن مسروق تخالف الأول، وعن الحسن مثل ذلك (^١).\nفأما حديث عمرو بن شعيب فقد ذكرنا ما فيه، وفيه أيضًا: \"خائن وخائنة\"، وكلنا يجيز شهادتهما إذا تابا، وتوبة القاذف مخالفة لتوبة الخائن، وسائرِ المحدودين في الحدود كلِّها، لأن توبة القاذف إكذاب نفسه، وتوبة الآخرين بأفعال تَظهَر منهم وندم.\nوأما مسروق، والحسن، وسعيد بن جبير، ومجاهد، فعنهم اختلاف وقد ذكرناه.\nوأما شُريْح، وإبراهيم، فكان عندهما أن توبة القاذف تكون كتوبة غيره، تخفى عنهم، لقولهما: إنها بينه وبين ربه ﷿.\nوهذا قول من لم يتأمل أمر القاذف، القاذف لم نجلده لأنه كاذب لا محالة، قد يجوز أن يكون في قذفه بَرًّا صادقًا، وإنما حَدَدَناه لخفاء صدقه، وعجزه عن الشهداء، وأنه قد كان يجوز له ستر ما علمه إن كان علمه، بل يلزمه ذلك إذا لم تدعه إليه ضرورة، كما تدعو الرجل في زوجته إذا رأى ذلك منها، فذلك مباح له الرمي، لأن له مخرجًا منه باللِّعان، فلما كان ذلك كذلك حددناه بظاهر الأمر، فتوبته رجوعُه عن القول، لم تَكْفِ فيه الحقيقة، كما لم نحُدَّه بالحقيقة.\nوهذا القول يَلْزَمُ شريحًا القول به فيمن زنى وسرق وأشباه ذلك، إذا كانوا مُسْتَسِرِّين بفعلهم ألا تُقبل شهادتهم، لأن توبتهم بينهم وبين ربهم عز وعلا، وهو وغيره يقبلون شهادتهم إذا ظهر الخير منهم، وعُرِف بالظاهر الندم على ما كان منهم.\n_________\n(^١) انظر الروايات عنهم عند ابن جرير في تفسيره (٩/ ٢٦٨ - ٢٦٩).","vol":"2","page":191},{"text":"وبلغني عن الفهمي (^١) احتج لذلك بقول اللَّه ﷿: ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ﴾، فهذا يوجب أن يكون القاذف فاسقًا حين قذف إلى أن يأتي بالشهداء، وأصحابُه لا يجعلون القاذف فاسقًا مردودَ الشهادة إلا بعد أن يُحَد، فأدخل شيئًا في غير بابه، لأن هذه الآيات نزلت في عائشة زوج النبي -ﷺ- تنزيهًا لها لموضعها من الدين والطهارة، وعاتبَ القومَ في أمرها وألزمهم لمعرفتهم بها وجلالتها أن يقولوا ذلك، ولم يعن بذلك سائر الناس، والذي رمى عائشة لم يقله عن تيقن، وإنما قاله لتخلفها عن الجيش ولم يقبَل عذرها، وقالوا بأفواههم ما ليس لهم به علم كما وصف اللَّه ﷿، وكان هذا عظيمًا في امرأة من أفناء الناس، فكيف في امرأة شبهها اللَّه ﵎ في الطهارة برسول اللَّه -ﷺ- فقال عز من قائل: ﴿وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ﴾ [النور: ٢٦]، الطيبات: عائشة، والطيبون: الرسول -ﷺ-، ﴿أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ﴾: عائشة، وصفوان بن مُعَطِّل، وسائر الناس لا يُشَبَّهُون بها، لأن القاذف قد يكون صادقًا، وإنما يُحَدُّ بالظاهر، وأنه كان يَسَعُه السكوت إذا عجز عن البينة، بل له أن يسكت وإن كانت البينة يقدر عليها، لما أمر اللَّه به من الستر على عباده.\nوإنه لعظيم عندي أن ينطلق لساني بالاحتجاج بقصة عائشة -﵂- المطهرة، ولكن دعت الضرورة لتشبيه هذا الإنسان القاذف بأمر عائشة، التي عاتب اللَّه ﵎ الخلق في أمرها ووعظ غاية الوعظ، لأن أصله تخَرُّصٌ من غير أصل، وكل قاذف ليس كذلك، لأن منهم من يجوز أن يكون قد رأى، أو منهم من يقدر على الشهداء، فليس يقال له: إنه من الفُسّاق حتى يعجِز، وما لم يُحد فقد يجوز أن يأتي تصديقُه، وإنما يُحد ليُكَذَّب عن المقذوف، ويحكم على\n_________\n(^١) في الأصل: الفُمي، والصواب ما أثبته، وهو الإمام الليث بن سعد، أبو الحارث الفهمي، فقيه مصر (ت ١٧٥ هـ)، انظر ترجمته في السير للذهبي (٨/ ١٣٦ - ١٦٣).","vol":"2","page":192},{"text":"القاذف بالكذب، وليس يحكم على القاذف بنفس القذف حتى يعجِزَ عن البينة ويُحَد، ألا ترى أنه لو قذف صبيًّا لم يبلغ ولا يجوز منه الوطء، أو مَجْبوبًا (^١) لا يكون منه الوطء، لكُنا قد علمنا أنه كاذب، فلم نحتج إلى أن يُكَذَّب عنه بالحد لعِلمنا بكذبه.\nوليس يجوزأن يجعل في الحكم فاسقًا غير مقبول الشهادة، إلا في الوقت الذي أمر اللَّه به، وهو بعد إقامة الحد، فإذا أقيم الحد فقد ثبت الحكم، وإلا فهو على أصل عدالته وسِتره، واللَّه أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) المَجْبوب: مقطوع الذَّكَر، انظر اللسان (٣/ ٦٤).","vol":"2","page":193},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-553>٦ - قال اللَّه ﵎: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ﴾ الآية</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-554>[أحكام الملاعنة]</span>\n٤٧ - نا إبراهيم بن حماد، قال: نا إسماعيل بن إسحاق، قال: نا سليمان بن حرب، قال: نا حماد بن زيد، عن أيوب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر، قال: لما فرق رسول اللَّه -ﷺ- بين أخَوي بني العَجْلان قال: \"اللَّه يعلم أن أحدكما كاذب، فهل منكما تائب؟ اللَّه يعلم أن أحدكما كاذب، فهل منكما تائب؟ اللَّه يعلم أن أحدكما كاذب، فهل منكما تائب؟ \" (^١).\nورواه عمرو بن دينار، عن سعيد بن جبير، فقال فيه رسول اللَّه -ﷺ- للمتلاعنَين: \"حسابكما على اللَّه وأحدكما كاذب، لا سبيل لك عليها\"، قال: يا رسول اللَّه مالي، قال: \"لا مال لك، إن كنت صدقت عليها، فهو بما استحللت من فرجها، وإن كنت كذبت عليها، فذلك أبعد لك منه\" (^٢).\nوطرق هذا الحديث كثيرة.\n٤٨ - نا أحمد بن موسى، وابن فهد، قالا: نا القعنبي، قال: نا مالك، عن ابن شهاب.\n_________\n(^١) متفق عليه، رواه البخاري في صحيحه في مواطن منها رقم ٥٣١١، كتاب: الطلاق، باب: صداق الملاعنة، ومسلم في صحيحه (٤/ ٢٠٧ - ٢٠٨)، كتاب: اللعان.\n(^٢) متفق عليه أيضًا، رواه البخاري في صحيحه في مواطن منها رقم ٥٣١٢، الموضع السابق، ومسلم في الموضع السابق كذلك.","vol":"2","page":194},{"text":"٤٩ - وأخبرناه القاضي إسماعيل، قال: نا أبو مصعب، قال: نا مالك، عن ابن شهاب.\n٥٠ - ونا الحارثي، قال: نا إسحاق بن موسى، قال: نا معن بن عيسى، قال: نا مالك عن ابن شهاب، أن سعد بن سعد الساعدي أخبره أن عويمر العجلاني جاء إلى عاصم بن عدي الأنصاري فقال له: يا عاصم، لو أن رجلًا وجد مع امرأته رجلًا أيقتله فتقتلونه، أم كيف يفعل؟ سل يا عاصم عن ذلك رسول اللَّه -ﷺ-، فسأل عاصم رسول اللَّه -ﷺ- عن ذلك فكره رسول اللَّه -ﷺ- المسائل وعابها، حتى كَبُر على عاصم ما سمع من رسول اللَّه -ﷺ-، فلما رجع عاصم إلى أهله جاءه عويمر فقال له: يا عاصم ماذا قال لك رسول اللَّه -ﷺ-؟ فقال عاصم لعويمر: لم تأت بخير قد كره رسول اللَّه -ﷺ- المسألة التي سألت عنها، فقال عويمر: واللَّه لا أنتهي حتى أسأله عنها، فجاء عويمر ورسول اللَّه -ﷺ- وسط الناس، فقال: يا رسول اللَّه أرأيت رجلًا وجد مع امرأته رجلًا أيقتله فتقتلونه، أم كيف يفعل؟ فقال رسول اللَّه -ﷺ-: \"قد أنزل اللَّه فيك وفي صاحبتك، فاذهب فأت بها\"، قال سهل: فتلاعنا وأنا مع الناس عند رسول اللَّه -ﷺ-، فلما فرغا من تلاعنهما، قال عويمر: كذبتُ عليها يا رسول اللَّه إن أمسكتها، فطلقها ثلاثًا قبل أن يأمره رسول اللَّه -ﷺ-.\nقال مالك: قال ابن شهاب: فكانت تلك سنة المتلاعنين (^١).\nولهذا الحديث طرق، رواه عن الزهري جماعة، إلا أن إبراهيم بن سعد زاد: فيه: ثم قال رسول اللَّه -ﷺ-: \"أنظروها، فإن جاءت به أَسْحَم (^٢) أدَيْعِجَ\n_________\n(^١) متفق عليه، رواه مالك في الموطأ برواية أبي مصعب، برقم ١٦١٨، كتاب الطلاق، باب ما جاء في اللعان، وفي رواية يحيى برقم ١٦٤٢، الموضع نفسه، وعنه البخاري برقم ٥٢٥٩، كتاب: الطلاق، باب: من أجاز طلاق الثلاث، ومسلم (٤/ ٢٠٥)، كتاب: اللعان.\n(^٢) أَسْحَم: أي أسود شديد السواد، مشارق الأنوار (٢/ ٢٠٩).","vol":"2","page":195},{"text":"العينين (^١)، عظيم الأَليتين، فلا أراه إلا وقد صدق، وإن جاءت به أُحَيْمر كأنه وَحَرَة (^٢) فلا أُراه إلا كاذبًا\"، قال: فجاءت به على النعت المكروه.\n٥١ - ونا زياد بن الخليل، أو عثمان بن عمر الضبي، أحدهما قال: نا مسدَّد، قال: نا سليمان، عن الزهري، عن سهل بن سعد قال: شهدت المتلاعنين على عهد رسول اللَّه -ﷺ- وأنا ابن خمس عشرة سنة ففرق بينهما النبي -ﷺ- حيث تلاعنا (^٣).\nقد روى نحو ذلك، أعني نحو حديث إبراهيم بن سعد، عبدُ الرحمن بن القاسم، عن ابن عباس، وإن اختلفت الألفاظ، فالمعنى واحد.\nوكذلك رواه ابن مسعود، ورواه أنس بن مالك فقال فيه: رماها بشريك بن سَحْماء، وكان أخا البراء بن مالك لأمه، وذكر أنها جاءت به على النعت المكروه.\nقال ابن عباس -﵁-: لما نزلت هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤] قال سعد بن عُبادة: يا رسول اللَّه هكذا أنزلت؟ فلو وجدت لَكاعًا (^٤) مُتَفَخِّذها رجل، لم يكن لي أُحركَه ولا أُهَيِجَه حتى اَتي بأربعة شهداء؟ ! فواللَّه لا آتي بأربعة شهداء حتى يقضي حاجته، فقال\n_________\n(^١) أُدَيْعِج العينين: تصغير أدعج العينين، وهو: هو شدة سواد سوادها، مشارق النوار (١/ ٢٥٩).\n(^٢) وَحَرَة: قال القاضي عياض في المشارق (٢/ ٢٨١): \"بفتح الحاء، قيل هو: الوَزَغَة، وقيل: نوع من الوَزَغ يكون في الصحاري\".\n(^٣) رواه البخاري برقم ٧١٦٥، كتاب الأحكام، باب: من قضى ولاعن في المسجد، وفيه: \". . . وفرق بينهما\".\n(^٤) لَكاع: وصف للمرأة، ويقال للذكَر: لَكَع، بفتح اللام والكاف وكسر العين غير منونة، مثل حَذام وقَطام، يقال ذلك لكل من يُستحقر، وللعبد والأمة والوغد من الناس، والجاهل والقليل العقل، مشارق الأنوار (١/ ٣٥٧).","vol":"2","page":196},{"text":"رسول اللَّه -ﷺ-: \"يا معشر الأنصار، ألا تسمعون إلى ما يقول سيدكم؟ \" قالوا: يا نبي اللَّه لا تلمه فإنه غيور، واللَّه ما تزوج فينا قط إلا عذراء، ولا طلق امرأة له فاجترأ رجل منا أن يتزوجها من شدة غيرته، فقال سعد: واللَّه يا رسول اللَّه إني لأعلم أنها من اللَّه، وأنها حق، ولكني عجبت.\nفإن نبي اللَّه -ﷺ- لَكذلك، إذ جاءه هلال بن أمية فقال: يا رسول اللَّه إني جئت البارحة عشيًّا من حائط لي كنت فيه، فرأيت مع أهلي رجلًا فرأيته بعيني وسمعته بأذني، قال: فكره رسول اللَّه -ﷺ- ما جاء به، فقيل: يُجلد هلال، وتبطل شهادته في المسلمين، فقال هلال: يا رسول اللَّه إني لأرى في وجهك أنك تكره ما جئتك به، وإني لأرجو أن يجعل اللَّه لي فرجًا.\nفإن نبي اللَّه -ﷺ- لَكذلك، إذ نزل عليه الوحي وكان رسول اللَّه صلى اللَّه عليه إذا نزل عليه الوحي، تَرَبَّد لذلك وجهه (^١) وجسده، فأمسك عنه أصحابه فلم يكلمه أحد منهم، فلما رُفع الوحي قال رسول اللَّه -ﷺ-: \"أبشر يا هلال، فقد جعل اللَّه لك فرجًا\"، ثم قال رسول اللَّه -ﷺ-: \"ادعوها\"، فدُعيت، فقال رسول اللَّه -ﷺ-: \"إن اللَّه ﵎ لَيعلم أن أحدكما كاذب، فهل منكما تائب؟ \" فقال رسول اللَّه -ﷺ-: \"يا هلال\"، فقال هلال: واللَّه ما قلت إلا حقًّا ولقد صدقتُ، فقالت هي عند ذلك: كذب، فقيل لهلال: أشهد، فشهد أربع شهادات باللَّه إنه لمن الصادقين، وقيل له عند الخامسة: اتق اللَّه يا هلال، فإن عذاب اللَّه أشد من عذاب الناس، وإن هذه الموجبةُ التي توجب عليك العذاب، فقال: واللَّه لا يعذبني اللَّه عليها أبدًا كما لم يجلدني عليها، فشهد الخامسة أن لعنة اللَّه عليه إن كان من الكاذبين، وقيل لها: اشهدي، فشهدت أربع شهادات باللَّه إنه لمن الكاذبين، وقيل لها عند الخامسة: يا هذه، اتق اللَّه فإن عذاب اللَّه أشد من عذاب الناس، وإن هذه الموجبةُ التي توجب عليك\n_________\n(^١) تَرَبَّد وجهُه: تغير إلى الغبرة، النهاية (٢/ ١٧٣).","vol":"2","page":197},{"text":"العذاب، فتلكأت ساعة، ثم قالت: واللَّه لا أفضح قومي، فشهدت الخامسة أن غضب اللَّه عليها إن كان من الصادقين.\nقال: ونهى رسول اللَّه ﷺ أن ترمى، ولا يرمى ولدها، ومن رماها أو رمى ولدها جُلد الحد، وليس لها عليه قوت ولا سكنى، من أجل أنهما يتفرقان بغير طلاق (^١).\n٥٢ - نا إبراهيم بن حماد، ومحمد بن يوسف، قالا: نا إسماعيل، قال: نا محمد بن أبي بكر، قال: نا سليمان بن داود، قال: نا عبّاد بن منصور، قال: نا عكرمة، عن ابن عباس بهذا الحديث بطوله.\nوفي هذا الباب أحاديث كثيرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-555>[المحدود في القذف هل يلاعِن</span>؟]\nوزعم أبو حنيفة وأصحابه أن المحدود في القذف إذا قذف زوجته لم يكن بينهما لعان، لأن شهادته لا تقبل، قالوا: وكذلك العبد إذا قذف زوجته، لأنه لا تقبل شهادته (^٢)، فأدخلوا شيئًا في غير بابه، بأن اللَّه ﷿ قال في القَذَفَة: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٤]، فعُلم أنه عَنى بذلك ألا تُقبل شهادتهم لغيرهم، لأن القاذف والعدل المرضي لا يكون شاهدًا لنفسه، ولا تقبل شهادة واحد منهما لنفسه، لأن الشاهد عدل بين خصمين، فإن كان عدلًا قُبلت شهادته، وإن كان غير عدل لم تقبل شهادته، والشاهد لنفسه إنما هو خصم لا يُقبَل قولُه على خَصمه، ولو كان أعدل الناس، فكيف يدخل قاذف زوجته في باب من تقبل شهادته عليها وهو خصم لها.\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد في مسنده برقم ٢١٣١.\n(^٢) المبسوط (٧/ ٤٠ - ٤١)، وبدائع الصنائع (٣/ ٢٤٣).","vol":"2","page":198},{"text":"ولو كان اللِّعان يجري مجرى الشهادات، لما لُوعن بينهما حتى تثبت عدالتهما، إنما جعل اللَّه اللِّعان رحمة لعباده، إذ كان الأزواج لا يجرون مجرى غيرهم من سائر الناس الذين أُخذ عليهم، ومنعوا من الرمي، إذ كانوا لا ضرر عليهم في أنفسهم فيما عاينوه، والزوج يلزمه من إظهار ما رأى وعاين ما لا يلزم غيرَه، لأنه يخاف أن يَلحق به نسب ليس منه، فجُعل له إذا أنكر حملًا، ولم يعرف له نسب أن ينكره، وجُعل له إذا عاين أو شاهد الزنا أن يخبر به، ثم جُعل له المخرج من ذلك باللِّعان، ولم يجُعل ذلك لغيره لضرورته إليه، ولا ضرورة لغير الزوج إلى ذلك.\nوإنما قيل: يشهد أربع شهادات باللَّه، لأن ما حكاه مأخوذ من باب المشاهدة بالأبصار أو بالقلب، فسمي شهادة لهذه العلة، ولذلك قال مالك -﵁-: إن من قال لامرأته: يا زانية، ولم يقل: رأيت ولا نفى حملًا، أنه يُحَدّ ولا يلاعِن، لأن ذلك أُخذ من باب المشاهدة، فالرجل يقول في لعانه: أشهد باللَّه لقد رأيتها تزني، وأشهد باللَّه ما هذا الولد مني، فهذه الأُولى مأخوذة من باب النظر، والثانية من باب مشاهدة القلب، قال اللَّه ﷿: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٦]، والشهادتان جميعًا عن علم منه بهما، وشهادتها (^١) عن علم منها بصدقه أو كذبه، فكل واحد منهما موكول إلى علمه، وإن كان أحدُهما كاذبًا (^٢) لا محالة، فإذا كان اللعان أيمانًا على مشاهدة، فكيف تجعل شهادة، والعدل لا تقبل شهادته لنفسه؟ وكيف شبهوا اللعان بالشهادة؟ والشاهد لو قال: أشهد باللَّه مائة مرة لزيد على عمرو درهم واحد، ما جازت شهادته، لأن الشاهد إذا حلف كان مُتَّهَمًا.\nوكل من حُكم عليه بيمين أو حُكِم له بيمين، فالبَرُّ والفاجر والحر والعبد فيهما سواء، والمسلم والذمي، وقد عمَّ اللَّه ﵎ في كتابه\n_________\n(^١) في الأصل: وشهادتهما.\n(^٢) في الأصل: كاذب.","vol":"2","page":199},{"text":"الأزواج فقال: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾، فكل هؤلاء من الأزواج. ولو أن رجلًا فاسقًا ظاهر الفسق قذف امرأته لوجب بينه وبينها اللِّعان في قولهم، وهم لا يقبلون شهادته، وكذلك الأعمى في قولهم، وهم لا يقبلون شهادته، فقد أخرجوهما من باب الشهادات.\nولو أن رجلًا شهد على امرأته بالزنا وهو عدل، وشهد معه على ذلك ثلاثة شهود، لما قبلت شهادتهم عليها، حتى يشهد عليها أربعة سواه، لأن اللَّه يقول: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ﴾، فالشهداء على الزنا أربعة، فإذا لم يكونوا أربعة سواه لم تقبل شهادتهم، فكيف يجري أمره وحده مجرى الشهادات.\nوقالوا: لا يكون بين الزوجين لعان حتى يكونا حُرَّيْن مسلمَيْن، لأن الرجل المسلم إذا قذف زوجته النصرانية، لم يكن عليه حَدّ، وكذلك إذا قذف زوجته الأمة (^١) لم يكن عليه حدّ.\nهذا القول إنما يجوز لقائله أن يقول، إذا علم أن اللَّه ﵎ إنما أوجب اللِّعان من أجل الجَلْد خاصة، وليس في هذا دليل من كتاب اللَّه ﷿ ولا سنة نبيه -ﷺ-، وليس الرمي الموجب للِّعان القذفُ بما لم يشاهد، المسلِم -عندنا- إذا قذف زوجته المسلمة وقال: لم أر ولا تيقنت جُلد ولم يلاعِن، وإنما الذي يلاعِن من يقول: رأيت وتبينت، كما في الحديث.\nفإن قال قائل: قال اللَّه ﵎: ﴿يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ كما قال: ﴿يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾.\n_________\n(^١) في الأصل: المسلمة، والصواب ما أثبته.","vol":"2","page":200},{"text":"قلنا: اللفظ قد يستوي ويفترق والمعاني، قد قيل: \"البينة على المدعي\" (^١)، ويكون مدعي بحق، ومدعي بباطل، فمن أتى ببينة وإن كانت في الظاهر بيانًا، فليس كمن لم يأت ببيان، واللَّه أعلم.\nوقد سمى اللَّه ﵎ رامي زوجته شاهدًا، ولم يسم رامي الأجنبية شاهدًا، فهذا بذلك على ما قلناه، وإنما المعنى في اللِّعان ما يسقط به الولد عن الزوج إذا نفاه ولاعن زوجته.\nوقد أسقط رسول اللَّه -ﷺ- الولد وجعله لأمه، ومنع أبو حنيفة وأصحابه، إذا كانت زوجته أَمَة أو نصرانية نفي الولد وألزموه ذلك، وجعلوا الولد إذا كان من أَمَة أو نصرانية ألزمَ له من أن يكون من زوجة حرة مسلمة (^٢)، وجعلوا قول الزوج للنبي -ﷺ-: أرأيت إن وجد مع امرأته رجلًا، فإن تكلم به تكلم بأمر عظيم، وإن سكت سكت على مثل ذلك، ولو كان اللِّعان لدرء الحدِّ لما كان الزوج إن سكت سكت على أمر عظيم، ولم يعلموا ما يخص الزوج من ذلك مما هو فيه مباين لسائر الناس.\nوقالوا أيضًا: إن اللِّعان لا يوجب الفُرقة حتى يطلِّق الزوج (^٣)، واحتجوا بحديث سهل بن سعد وهو عليهم، لأن سهلًا قال في الحديث: فطلقها من غير أن يأمره رسول اللَّه -ﷺ- بذلك، وذهب عنهم ما رواه ابن عمر.\n٥٣ - [نا] (^٤) أحمد بن موسى، قال: حدثني القعنبي، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر، أن رجلًا لاعن امرأته في زمان رسول اللَّه -ﷺ- وانتفى من ولدها، ففرق رسول اللَّه -ﷺ- بينهما، وألحق الولد بالمرأة (^٥).\n_________\n(^١) جزء من حديث رواه الترمذي في سننه برقم ١٣٤١، أبواب: الأحكام، باب: ما جاء في أن البينة على المدعي، عن عبد اللَّه بن عمرو، وقال: \"هذا حديث في إسناده مقال\".\n(^٢) المبسوط (٧/ ٢٤٥)، بدائع الصنائع (٣/ ٢٤٥).\n(^٣) بدائع الصنائع (٣/ ٢٣٨).\n(^٤) سقطت من الأصل.\n(^٥) رواه مالك في الموطأ، برواية يحيى، برقم ١٦٤٣، كتاب الطلاق، ما جاء في =","vol":"2","page":201},{"text":"ولا نعلم بين التابعين ممن فسر الآية خلافًا في ذلك: أن كل زوج يلاعِن، إلا شيئًا (^١) يُروى عن إبراهيم النخعي، ولا أظنه يثبُت.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-556>[نُكُول المرأة]</span>\nوزعم العراقيون: أن الزوج إذا التَعَن ولم تَلْتَعِن المرأة لم يقم عليها الحَدّ وحُبست (^٢)، وتركوا قول اللَّه ﵎: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [النور: ٨]، والألف واللام لا تدخل إلا للمعرفة، فعُلِم أن العذاب هو العذاب المعروف بعينه، وقد ذكر اللَّه ﵎ في أول السورة فقال عز من قائل: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ﴾، وقال سبحانه: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، وقال ﵎: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥]، وكل هذا مشارٌ به إلى حد الزنا لأنه شيء بعينه، ولأن المرأة إنما رميت بالزنا، وحلف عليه الزوج، فما كان في ذلك من عذاب (^٣) فإنما هو العذاب المعروف بالألف واللام.\nوقد تأول لهم متأول منهم: أن العذاب هو السجن، بقول اللَّه ﵎: ﴿إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٢٥]، ولم يعرف ما احتج به، لأن العذاب الذي ذكر اللَّه ﵎ غير السجن، وليس بمُعَيَّن، وإنما قال: قالت: كذا أو كذا، ويمكن أن تكون المرأة أرادت جنسًا من أجناس العذاب، لأنه يُكْره.\n_________\n= اللعان، واتّفق عليه، فأخرجه البخاري برقم ٥٣١٥، كتاب: الطلاق، باب: يلحق الولد بالملاعنة، ومسلم (٤/ ٢٠٨)، كتاب: اللعان.\n(^١) في الأصل: شيء.\n(^٢) بدائع الصنائع (٣/ ٢٣٨).\n(^٣) في الأصل: كذاب.","vol":"2","page":202},{"text":"وأبو حنيفة وأصحابه يحكمون بالنُّكول في الحقوق بغير يمين من الطالب، وجعلوه بمنزلة الإقرار، والمُلاعِن قد تقدمت أيمانه على ما ادعى، ثم لا يحكمون على المرأة بنكولها، وقد أُنْزل فيها من القرآن ما أنزل.\nوممن انتهى إلينا تفسيره ممن فسر هذه الآية قالوا: إذا لم تُلاعن جُلدت أو رُجمت، وقول النبي -ﷺ- للملاعِن: \"عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة\" عند الجلد، وكذلك قوله للمرأة: \"عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة\" (^١) إنما أرادوا الحدّ، ودخول الحبْس، فما بين ذلك لا أعرف له وجهًا، وقوله للمرأة: \"عذاب الدنيا أيسر\" أراد الحبْس عندهم إن أقَرَّت، ما هذا عذاب من أقرّ بالزنا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-557>[الفُرقة في اللعان]</span>\nفأما الشافعي فخالفنا في هذه المسألة في موضعين، أحدهما: الحجاج فيه قد مضى على أبي حنيفة وعليه أيضًا، والآخر: أنه زعم أن الزوج إذا تم لعانه وقعت الفُرقة من قَبْلِ أن تلتعن المرأة (^٢)، والمرأة لو شهد عليها بما رماها به الزوج أربعة شهداء، وَحَقَّ عليها الزنا لما لزمه بذلك فراق، فكيف يكون بتحقيقه هو وأيمانه عليها بالزنا مفارقًا لها؟ ! ليس الحلف على الزنا موجبًا للطلاق ولا للفراق، ولا لعنه لنفسه إن كان كاذبًا موجب للفراق، وقد يكون صادقًا في حلفه.\nوزعم أنه قال ذلك من قِبَل أن الفراق إنما يكون بالرجال، وهو مع ذلك يقول: إن الرجل إذا مَلَّك امرأته الطلاقَ فطَلَّقَت، كان هو المطَلِّق، فأقامها مقام الوكيل فيما جعله إليها، فإن ملَّكها فلم تُطَلِّق لم يلزمه طلاق، فهلَّا قال: إنه لما الْتَعَن جعل إليها أن تلتعن، فإن لم تلتعن بقِيَتْ على الزوجية، إلى أن يُحكم عليها فتُحَدّ، وإن التعنت فكأنها فارقت بما جعله إليها وفي يدها.\n_________\n(^١) تقدم تخريجه.\n(^٢) الحاوي الكبير للماوردي (١١/ ٧٤).","vol":"2","page":203},{"text":"وقد قال مالك: إن الفُرقة تقع بتمام اللِّعان بينهما، من أجل الغضب، واللعنة قد حقَّت على أحدهما، واللَّعْن للكفار، وهما وإن لم يكونا بذلك كافرَيْن ولا أحدهما وهو الكاذب -هو أو هي- فقد حَقَّت اللعنة، فلا يجوز أن تكون مسلمة تحت ملعون، ولا ملعونة تحت مسلم، إذ وقع التشبيه باللعن، قال اللَّه ﵎: ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨]، والظالمون هاهنا: الكافرون، قال ذلك ترجمان القرآن ابن عباس ﵀، ولو أن الشافعي اتبع لسلِم، واللَّه أعلم.\n* * *","vol":"2","page":204},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-558>٢٧ - قال اللَّه ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾</span>\nقال أيوب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، في قوله ﷿: ﴿تَسْتَأْنِسُوا﴾ إنما هو: تستأذنوا وتسلموا على أهلها، وقال: غلط الكاتب (^١).\nوقال جماعة من المفسرين من مجاهد، وعطاء، وغيرهم نحو ذلك، ولم يذكروا غلط الكاتب (^٢).\nوقال بعضهم: ﴿تَسْتَأْنِسُوا﴾ هو: أن يعلم الداخل أن المدخول عليه لا يكره دخوله، وهذا أصح في المعنى، أن يكون الاستئناس أليقه بالمقصود.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-559>[وجوب الاستئذان]</span>\nومع ذلك، فلا بد من الاستئذان، ألا ترى أن ابن عباس روى أنه قال لعمر بن الخطاب -﵁-: مَن اللتان تظاهرتا على رسول اللَّه -ﷺ-؟ فقال له: عائشة، وحفصة، ثم قصَّ عمر القصة، فذكر أنه أتى النبي -ﷺ- وهو في مَشْرُبة (^٣)، وغلام أسود واقف، فقال له عمر: استأذن لعمر، فدخل ثم خرج فقال: قد ذكرتك له فصمت، فعل ذلك ثلاثًا، فلما ولَّى عمر اتَّبعه الغلام فقال: قد أذن لك، وذكر القصة بطولها (^٤)، ومع ذلك فإن أبا موسى الأشعري استأذن\n_________\n(^١) رواه ابن جرير في تفسيره (٩/ ٢٥٦).\n(^٢) ورواه ابن جرير في تفسيره (٩/ ٢٩٧)، عن إبراهيم وقتادة.\n(^٣) المشربة: قال في النهاية (٢/ ٤٥٥): \"بالضم والفتح، الغرفة\".\n(^٤) متفق عليه، رواه البخاري في صحيحه برقم ٢٤٦٨، كتاب: المظالم والغصب، =","vol":"2","page":205},{"text":"على عمر ثلاثًا فلم يؤذن له، فانصرف فرده عمر فسأله عن انصرافه، فقال: سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: \"الاستئذان ثلاثًا\"، فقال له عمر: لتأتين على ذلك ببينة وإلا، فأتاه بأبي سعيد الخدري فشهِد له (^١).\nوهذان حديثان مرفوعان يدفعان ما رُوي عن ابن عباس، من أنه غلط من الكاتب، أنه: تستأذنوا، وأن الكاتب غلِط فكتب: ﴿تَسْتَأْنِسُوا﴾، ورجع معنى تستأنسوا إلى معنى تستأذنوا، لأن الإذن إيناس.\nوكل رواية جاءت مخالفة لمصحفنا رُدت على راويها، دون من حكي عنه ذلك من الصحابة، لأن مَن دُونَه أولى بالخطأ منه، والصحيح ﴿تَسْتَأْنِسُوا﴾، ومعناه: تستأذنوا، وهو موافق لما قاله جماعة من المفسرين: أن يكون المدخول عليه لا يكره دخول المستأذن عليه، واللَّه أعلم.\n* * *\n_________\n= باب: الغرفة، والعلية المشرفة وغير المشرفة، ومسلم (٤/ ١٨٨)، كتاب: الطلاق، باب: في الإيلاء واعتزال النساء.\n(^١) متفق عليه من حديث أبي سعيد الخدري ﵁، رواه البخاري برقم ٦٣٤٥، كتاب: الاستئذان، باب: التسليم والاستئذان ثلاثًا، ومسلم برقم ٢١٥٣، كتاب: الآداب، باب: الاستئذان (ط عبد الباقي).","vol":"2","page":206},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-560>٢٩ - قال اللَّه ﷿: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ﴾</span>\nهي: الخانات، والدور التي فيها أسواق التجار (^١).\nومعنى ﴿فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ﴾، يعني: تجارات لكم، واللَّه أعلم.\n﴿لَكُمْ﴾ مثلُ قوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨]، يأكل بعضكم أموال بعض، كذلك ﴿مَتَاعٌ لَكُمْ﴾، أي: لجماعتكم متاع بعضكم من بعض.\nقال مجاهد وغيره: يدخل بغير إذن.\nوقال عكرمة: كان ابن عمر يستأذن في مثل هذه، وفي القباب التي تضرب بمنى، وعلى الطريق للتجارات، فسُهِّلِ ذلك من أجل أن ليس فيها حُرم، أن يسلِّم الإنسان ويدخل.\nوالأحسن في ذلك أن يدخل الخانات بغير إذن، فأما بيوت الخانات والقباب وما أشبه ذلك مما ينفرد به الإنسان لنفسه ومتاعه، فلا يدخل إلا بإذن واللَّه أعلم، يقول: السلام عليكم، أَأَلِج؟ فإذا أُذن له دخل، هذا ألْيَق بالسُّنَّة.\n* * *\n_________\n(^١) رواه ابن جرير في تفسيره (٩/ ٣٠٠ - ٣٠١)، عن محمد ابن الحنفية، وقتادة، ومجاهد، وابن زيد، وغيرهم.","vol":"2","page":207},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-561>٣٠ - قال اللَّه ﵎: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾</span>\nيغضوا من أبصارهم عن جميع ما لا يحِلّ لهم النظرُ إليه، وعما لا يأمَنوا الفتنة به، وعلى المرأة من ذلك فوق ما على الرجل.\n* * *","vol":"2","page":208},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-562>٣١ - قال اللَّه ﵎: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾</span>\nأخبرنا أبو بكر محمد بن علي بن أحمد الأُتْفوي، قال: أخبرنا أبو الفضل بكر بن محمد بن العلاء القشيري القاضي، قراءة عليه بمصر في منزله وأنا أسمع، قال:\nقال عبد اللَّه بن مسعود: الثياب (^١)، وقال: الزينة زينتان، زينة باطنة، وزينة ظاهرة، فالباطنة كلها للزوج، كل ما تزينت به المرأة، والظاهرة (^٢) لسائر الناس على وجه المعروف (^٣)، هذا معنى قوله.\nوقال ابن عباس: الوجه والكفان ما ظهر، والخاتم (^٤).\nوقال ابن عمر: الوجه والكفان (^٥).\nوقال المفسرون بكل قول من ذلك (^٦).\n_________\n(^١) رواه ابن جرير في تفسيره (٩/ ٣٠٣ - ٣٠٤).\n(^٢) في الأصل: والظاهرة الباطنة.\n(^٣) رواه بلفظ قريب من لفظ المصنف ابن أبي شيبة في مصنفه برقم ١٧٠١٧، كتاب: النكاح، في قوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ. . .﴾، (ط الرشد)، ورواه ابن جرير في تفسيره (٩/ ٣٠٣).\n(^٤) رواه ابن أبي شيبة في مصنفه برقم ١٧٠١٨، كتاب: النكاح، في قوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ. . .﴾، (ط الرشد)، بدون ذكر الخاتم، وعزاه السيوطي في الدُّر المنثور (٦/ ١٨٠) بلفظ الخاتم لابن أبي شيبة في مصنفه، وعبد بن حميد، وابن أبي حاتم.\n(^٥) رواه ابن أبي شيبة في مصنفه برقم ١٧٠١١، في الموضع السابق.\n(^٦) انظر تفسير ابن جرير (٩/ ٣٠٣ - ٣٠٥).","vol":"2","page":209},{"text":"والذي عندي واللَّه أعلم، أنه الوجه والكفان على وجه المعروف، لا على تأمل المحاسن، لقول النبي -صلي اللَّه عليه وسلم-: \"لك الأولى وليست لك الثانية\" (^١)، والتَخَفُّرُ أيضًا لفساد الناس واجب على المرأة في الوجه والكفين، فأما الثياب فأمرها سهل، والمحاسن في الوجه، فتأمُّلُه محظور، على من خاف الفتنة، وكذلك الكَفّان، قال الشاعر:\nهِلالية الأطراف مُرِّية الحشا ... فَزارية العينين طائية (^٢) الفم (^٣)\nوقال الأصمعي: الحُسن في العينين، والجمال في الأنف، والمَلاحَة في الفم.\n* * *\n_________\n(^١) رواه الأمام أحمد في مسنده برقم ١٣٦٩ و١٣٧٣، عن علي -﵁-، ورواه أيضًا برقم ٢٢٩٧٤ و٢٢٩٩١ و٢٣٠٢١، وأبو داود في سننه برقم ٢١٤٩، كتاب: النكاح، باب: ما يؤمر به من غض البصر، (ط الأرناؤوط)، والترمذي في سننه برقم ٢٧٧٧، أبواب: الأدب، باب: ما جاء في نظرة الفجاءة، عن بريدة الأسلمي -﵁- قال -ﷺ-: \"يا علي لا تتبع النظرة النظرة فإن لك الأولى وليست لك الآخرة\".\n(^٢) فوقها في الأصل: ظبية وفوقها خ، وصح، يشير إلى أنها كذلك في نسخة أخرى، وصحح عليها الناسخ.\n(^٣) نسب هذا البيت لأكثر من قائل، فقد ورد في عيون الأخبار للدينوري (٤/ ٢٨) منسوبًا لأعرابي، وفي العقد الفريد لابن عبد ربه (٣/ ٣٥٤) منسوبًا للأصمعي، وفي ربيع الأبرار للزمخشري منسوبًا لابن الرقاع.","vol":"2","page":210},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-563>٣١ - قال اللَّه ﷿: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾</span>\nدخلت حفصة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر على عائشة زوج النبي -ﷺ- وعليها خمار رقيق يشف عن جبينها، فتناولته عائشة فشقته عليها وقالت: أما تعلمين ما أنزل اللَّه ﵎ في سورة النور؟ ! ودعت بخمار فكستها إياه (^١).\nوقال جابر: تلبس ما لا يشِفُّ شعَرًا، ولا يُبدي نحْرًا.\n* * *\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور (٦/ ١٨٢) لسعيد بن منصور، وابن مردويه.","vol":"2","page":211},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-564>٣١ - قال اللَّه عز وعلا: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ الآية</span>\nما شارك فيه الزوجُ من ذلك الأبَ والابنَ والأخَ، إلى آخر الآية، فإنما هو: الوجه واليدان إلى المرفقين، والعنق، والشعر، وما أشبه ذلك، يستوي فيه الزوج وغيرُه من المسمَّين بالرحم، على وجه المعروف وإتباع النظرِ النظرَ، ويجوز للأب إذا كان مأمونًا أن يُقبِّل منها هذه المحاسن فقد كان رسول اللَّه ﷺ يُقبِّل من فاطمة -﵂- فاها (^١)، ويجوز مثل ذلك للولد إذا كان مأمونًا، ولا يجوز ذلك للأخ ومَن دونه ممن ذكر في الآية من ذوي الأرحام، ويختص الزوج بالتلذذ دون الجماعة، وبالنظر إلى ما تحت الإزار من سائر البدن إلا الفرج فإنه لا ينظر إليه ذو دِين، واختلف المفسرون في بعض ذلك، والذي توجبه الآية عندي ما ذكرته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-565>[ما يرى العبد من سيدته]</span>\nوأما قوله سبحانه: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ (^٢)﴾ فإن سعيد بن المسيب قال: الإماء دون الذكور من العبيد (^٣).\nوقال الشعبي وغيرُه: يرى الذكور من العبيد الوجه والكفين، دون الشعر وما أشبهه.\n_________\n(^١) لم أظفر به.\n(^٢) في الأصل: أيمانكم.\n(^٣) رواه ابن أبي شيبة في مصنفه برقم ١٧٢٧٤، كتاب: النكاح، ما قالوا في الرجل المملوك أن له ان يرى شعر مولاته، (ط الرشد).","vol":"2","page":212},{"text":"وروى الزهري عن نبهان مولى أم سلمة زوج النبي -ﷺ-، أنه حدثه أنه بينما هو يسير مع أم سلمة بطريق مكة، وقد بقي عليه من كتابته ألفا درهم، قال: فكنت أتمسك بهما كي ما أدخل عليها فأراها، فقالت وهي تسير: ماذا بقي من كتابتك؟ قلت: ألفا درهم، قالت: هما عندك؟ قلت: نعم، قالت: فادفع ما بقي من كتابتك إلى محمد بن عبد اللَّه بن أبي أمية فإني قد أعنته بهما على نكاحه، وعليك السلام، ثم ألقت دوني الحجاب، قال: فبكيت ثم قلت: لا واللَّه لا أعطيه إياها أبدًا، قالت: واللَّه يا بني إنك لا تراني أبدًا، إن رسول اللَّه -ﷺ- عهد إلينا أن إذا كان عند مكاتب إحداكن وفاء بما بقي من كتابته فاضربن دونه الحجاب (^١).\nففي هذا الحديث بيان أن العبد يرى سيدته ما كان عبدًا، والذي يراه الوجه والكفين، وليس بمَحرم لها، فيجوز له أن يسافر بها، لأن حرمته منها لا تدوم، وقد قال اللَّه ﵎: ﴿لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ﴾ [النور: ٥٨]، فأجرى ما ملكت أيمانهم مجرى الذين لم يبلغوا الحلُم منهم، وأمروا بالاستئذان في العورات الثلاث، لأن الناس يطرحون ثيابهم في هذه الأوقات، ولا يكونون في التستر فيها كما يكونون في غيرها، فهذا حكم العبد فيما يراه من سيدته، واللَّه أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) رواه الإمام أحمد في مسنده برقم ٢٦٤٧٣، وأبو داود في سننه برقم ٣٩٢٨، كتاب: العتاق، باب: فى المكاتب يؤدي بعض كتابته فيعجز أو يموت، (ط الأرناؤوط)، وابن ماجه في سننه برقم ٢٥٢٠، أبواب العتاق، باب: المكاتب، عن نبهان مولى أم سلمة، عن أم سلمة، أنها أخبرت عن النبي -ﷺ- أنه قال: \"إذا كان لإحداكن مكاتب، وكان عنده ما يؤدي، فلتحتجب منه\"، من دون ذكر القصة قبله.","vol":"2","page":213},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-566>٣١ - قال اللَّه ﵎: ﴿أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾</span>\nقال الزهري، عن عروة، عن عائشة، وعن علي بن الحسين: إن مُخَنَّثًا كان يدخل على أزواج رسول اللَّه -ﷺ- ويَرَيْنَه من غير أولي الإربة من الرجال، حتى دخل رسول اللَّه -ﷺ- ذات يوم على أزواجه، فوجده يذكر بادية بنت غيلان الثقفيِّ امرأةَ عبد الرحمن بن عوف، وهو ينعتها أنها تلبت (^١) بالذكر والأنثى، وأنها تُقْبِل بأربع وتُدْبِر بثمان، فقال رسول اللَّه -ﷺ-: \"لا أرى يحسن ما هاهنا، لا يدخُلَنَّ عليكن\"، فحجبنه (^٢).\nوروى هشام بن عروة، عن أبيه، عن زينب بنت أم سلمة، عن أم سلمة قالت: دخل عليها رسول اللَّه -ﷺ- وعندها أخوها عبد اللَّه، وعندها مخنث وهو يقول له: يا عبد اللَّه إن فتح اللَّه عليكم الطائف غدًا، فعليك بابنة غيلان، فإنها تُقْبِل بأربع وتُدْبِر بثمان، فقال: \"لا يدخل هذا عليك\" (^٣).\n_________\n(^١) كذا بالأصل، ولم أقف على هذه العبارة في مصدر، ولم أعرف لها وجهًا.\n(^٢) رواه مسلم (١١١٧) عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، كتاب: السلام، باب: منع المخنث من الدخول على النساء.\n(^٣) متفق عليه، رواه البخاري في مواطن من صحيحه منها رقم ٥٢٣٥، كتاب: النكاح، باب: ما ينهى من دخول المتشبهين بالنساء على المرأة، ومسلم (٧/ ١٠ - ١١)، الموضع السابق.","vol":"2","page":214},{"text":"وقال المفسرون: قال عكرمة: الذي لا يَقوم إِرْبُه (^١).\nوقال مجاهد والشعبي: من لا أَرَب له في النساء (^٢).\nوقال الحسن: الأحمق (^٣).\nوروي عن مجاهد أيضًا: المعتوه الذي لا يَعقِل شيئًا من أمر النساء (^٤).\nوقال سعيد بن جبير: هو الذي لا يَقُوم ذكرُه ولا ينتشر، والمعتوه (^٥).\nوقال طاوس: الأحمق الذي ليس له في النساء حاجة (^٦).\nوقال الأوزاعي والليث: المختلط عقلُه.\nقال بكر: قد ذكرنا ما رُوي في ذلك، وإذا كان التابع ممن لا يَرغب النساءُ في مثله وحشةً وبلادة، دخل في المعنى، واللَّه أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) ورواه ابن أبي شيبة في مصنفه بلفظ المصنف برقم ١٧١٩١، كتاب: النكاح، ما قالوا في قوله: ﴿غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ﴾، ورواه ابن جرير في تفسيره (٩/ ٣٠٩)، بلفظ: المخنث الذي لا يقوم زبه.\n(^٢) رواه عنهما ابن جرير في تفسيره (٩/ ٣٠٨ - ٣١٠).\n(^٣) رواه ابن أبي شيبة برقم ١٧١٨٩، كتاب: النكاح، ما قالوا في قوله: ﴿غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ﴾.\n(^٤) رواه ابن جرير في تفسيره (٩/ ٣٠٨).\n(^٥) روى ابن جرير في تفسيره (٩/ ٣٠٩)، وكذا ابن أبي شيبة في مصنفه برقم ١٧١٨٨، في كتاب: النكاح، ما قالوا في قوله: ﴿غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ﴾، عنه أنه المعتوه، دون ذكر الذي لا ينتشر.\n(^٦) رواه ابن جرير في تفسيره (٩/ ٣٠٩).","vol":"2","page":215},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-567>٣٢ - قال اللَّه ﷿: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-568>[الولاية في النكاح]</span>\nحدثنا القاضي بكر قال: أخبرنا إسماعيل القاضي قال: روى المقبري، عن أبي هريرة، أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: \"ثلاثة كلهم حق على اللَّه عونه: المجاهد في سبيل اللَّه، والناكح يريد العفاف، والمكاتب يريد الأداء\" (^١)، فهذا الحديث يدل على أن اللَّه ﵎ يُعِين الثلاثةَ بالرزق والمال.\nودلت الآية على أنه لا يجوز لأحد من المخاطب فيهن أن يزوج نفسه إذا كانت المخاطبة لغيرهم في إنكاحهم، فكان المخاطب في الأيامى وهن: كل امرأة لا زوج لها بِكرًا كانت أو ثَيِّبًا، لا يختلف أهل اللغة في ذلك، بل تُوجبه الآية عندهم، ولولا ذلك لكانت البِكر لم يؤمر بإنكاحها في شيء من القرآن، قال الشاعر:\nفإن تَنكِحي (^٢) أَنكِح وإن تَتأيَّمي ... وإن كنت أفْتى منكمُ أتَأَيمُ (^٣)\n_________\n(^١) رواه الإمام أحمد في مسنده برقم ٧٤١٦، والترمذي في سننه برقم ١٦٥٥، أبواب: فضائل الجهاد، باب ما جاء في المجاهد والناكح والمكاتب وعون اللَّه إياهم، والنسائي في سننه برقم ٣١٢٠، كتاب الجهاد، فضل الروحة في سبيل اللَّه، وبرقم ٣٢١٨، كتاب: النكاح، باب معونة اللَّه الناكح الذي يريد العفاف، وابن ماجه في سننه برقم ٢٥١٨، أبواب: العتق، باب: المُكاتب.\n(^٢) في الأصل: تنكح.\n(^٣) أورده ابن جرير في تفسيره (٩/ ٣١١)، من غير قائل.","vol":"2","page":216},{"text":"فالعرب تقول للرجل لا زوجة له: أَيِّم.\nوالمخاطَب: العبد والأمة، والعقد عليهم للسّادة، ثم فسر النبي -ﷺ- في الأيامى، إذ الآية تحتمل أن تُزوج الأَيِّم شاءت أو كرهت، وتحتمل بأمرهن، بأن قال: \"الأَيِّم -وهي كل امرأة لا زوج لها من بكر وثيِّب- أحق بنفسها من وليها الذي ليس له أن يزوجها إلا بأمرها\" (^١)، فأثبت الولاية عليها، وأنه ليس لها (^٢) أن تُزوج نفسها، ولا لوليها أن يفتات عليها بالعقد قبل إذنها، إذ هي أحق بنفسها منه فلها الاختيار، والعقد به وإليه.\nثم قسم صلى اللَّه عليه الأيامى قسمين: منهن ثيِّب، وأبكار، فقال في جنس الأبكار إذ كان الحياء يمنعهن من الاختيار وطلب الزوج: \"والبكر تُستأذن وإذنها صُماتها\" (^٣)، فقيل في هذا الجنس: إن الولي يختار ويستأذن، وجعل للحياءِ الصُّماتَ الإذن.\nقال محمد بن مسلمة، عن مالك: وليس كل امرأة [صمتت] يُعْلَمُ (^٤) أن إذنها صُماتها، فينبغي للولي أن يقول لها: صماتُك إذْنٌ؟ فإذا صمتت بعد ذلك زوّجها (^٥).\n_________\n(^١) رواه مسلم (٤/ ١٤١)، كتاب: النكاح، باب: استئذان الثيب في النكاح بالنطق والبكر بالسكوت.\n(^٢) في الأصل: له.\n(^٣) متفق عليه من حديث عائشة وابن عباس وأبي هريرة -﵃-، رواه البخاري كتاب: الحيل، باب: في النكاح، ومسلم، كتاب: النكاح، باب استئذان الثيب في النكاح بالنطق، والبكر بالسكوت.\n(^٤) في الأصل: امر، وفراغ مقداره كلمة، تعلم، وما أثبته يستقيم به السياق.\n(^٥) ذكر ابن رشد هذه الرواية في البيان والتحصيل (٤/ ٣١٦)، وقال: وعلى هذه الرواية يأتي قول غير ابن القاسم في المدونة، وهذا إذا كانت تعلم أن إذنها صماتها.","vol":"2","page":217},{"text":"فقد ثبتت الولاية على كل أيم بالآية والسُّنة، وبآية أخرى وهي قوله سبحانه: ﴿فَلَا (^١) تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنّ﴾ [البقرة: ٢٣٢] فلو كان أمرها إليها أيُّ عَضْل كان يلحقها؟ وما وجب العتاب في النهي عن العضْل، فأمرها إليها.\nوهذه الآية نزلت في معقل بن يسار، وذِكرُها في موضعها إن شاء اللَّه.\nفأما الأب فلا يدخل في معنى الحديث في قوله: \"البكر تستأذن\"، لأن الأب يزوجها صغيرة، ويجوز ذلك عليها أحبَّت أو كرهت، إذا كان الأب رشيدًا، وقد تزوج رسول -ﷺ- عائشة من أبي بكر رحمة اللَّه عليهما وهي ابنة سبع، ودخل عليها وهي ابنة تسع.\nوأجمع أهل العلم على جواز ذلك في الصغيرة (^٢) للأب (^٣)، إلا شيئًا ذُكر عن داود الأصبهاني، وفيه طعن على نكاح رسول اللَّه -ﷺ- عائشةَ -﵂-، ورأيت من أصحابه من ينكر ذلك، ومنهم من يُقِرُّ به، وعلى أنه لو قاله ما كان قولُه خلافًا، لأن العلم يؤخذ عن الأكابر لا عن الأصاغر، ومن يأتي ليس بخلاف على من مضى.\nولما قال اللَّه ﷿: ﴿الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾، عُلم أنهن الحرائر وهن لا يملكهن، وللأب أن يعقد عند مالك على ابنته ما كان نفقتُها عليه واجبة، فإذا زالت النفقة عليه بانتقالها إلى غيره لم يعقد عليها إلا بأمرها.\nقال الحسن البصري: الأب يزوج الثَّيِّب -أيضًا- وهي كارهة، ولقوله وجه صحيح، ولكنه انفرد به، والعمل على الإجماع أولًا، ومثله يكون خلافًا.\n_________\n(^١) في الأصل: ولا.\n(^٢) في الأصل: الصغير.\n(^٣) نقل هذا الإجماع ابن عبد البر في الاستذكار (٥/ ٣٩٠ - ٣٩١) عن القاضي إسماعيل، وابن القطان في الإقناع (٣/ ١١٥٣).","vol":"2","page":218},{"text":"فأما العبد والأَمَة فإن مالكًا يرى أن يعقد السَّيِّد عليهما شاءا أم أبَيا لأنه مالكٌ لهما ولنَسْلِهِما، وله أن يبتغي ذلك منهما، وقال جرير، عن منصور، عن إبراهيم، قالوا: يُكرِهون المملوكين على النكاح، ويُغلَق عليهم الباب.\nوقد قال أبو حنيفة وأصحابُه في الأيامى قولًا دعاهم إليه قلة علمهم بالقرآن والسُّنن، وبنائهم على أصول لم يعرفوا أسبابَها، وخالفوا في البِكر أيضًا، والروايات في البِكر تُخرج الأب من الخبر، لأن أكثر من رواه قال فيه: \"واليتيمة تُستأذَن\"، والكلام في ذلك يأتي إن شاء اللَّه.\n* * *","vol":"2","page":219},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-569>٣٣ - قال اللَّه تعالى ذكره: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-570>[حكم المكاتَبة]</span>\nاختلف المفسرون في هذه الآية، فمنهم من قال: إذا ابتغى العبد الكِتابَةَ، وكان له مال، وجب على السَّيِّد أن يُكاتبه (^١).\nومنهم من قال: ﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾: مالًا (^٢).\nومنهم من قال: أداءً وأمانةً (^٣)، وقال: إذا ابتغى منه الكتابة وعَلِم منه ذلك، لزمه أن يُكاتبه.\nومنهم من قال: ليس يلزمُه أن يُكاتبه إلا أن يشاء، وإن علم أداءً وأمانةً (^٤).\n_________\n(^١) ممن روي عنه هذا القول: عمر، وابن عباس، وعطاء، انظر تفسير ابن جرير (٩/ ٣١٢).\n(^٢) في الأصل: مال، والأثر روي عن ابن عباس، ومجاهد، وعطاء بن أبي رباح، انظر تفسير ابن جرير (٩/ ٣١٤ - ٣١٥).\n(^٣) روي عن أبي صالح، وإبراهيم، وسفيان، وابن زيد، انظر تفسير ابن جرير (٩/ ٣١٣ - ٣١٤).\n(^٤) روي عدم الوجوب عن مقاتل، والشعبي، انظر الدر المنثور للسيوطي (٦/ ١٩٠).","vol":"2","page":220},{"text":"ومنهم من قال: ليس له أن يُكاتبه إلا أن يبتغي الكتابة.\nومنهم من قال: له أن يكاتبه كَرهًا إذا علم أداءً وأمانةً وقدرةً على ما يُكاتِبُه عليه.\nوقال مالك: ليس على السيد أن يكاتبه كَرهًا، وله أن يكاتب عبده كرهًا (^١).\nفأما قول من قال: ﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ مالًا، فالخير لعَمري المالُ، إلا أن مال العبد للسيد أن ينتزعه، ويبقى عنده بغير مال، فكيف يُكاتبه على شيء له أن يأخذه بغير كتابة؟\nوأما قوله: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ﴾، وإن كان بلفظ الأمر، فقد يأتي لفظ الأمر يُراد به الإطلاق من حظْرٍ والإذن والنهي (^٢)، قال اللَّه ﷿: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢]، وقال سبحانه: ﴿فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ١٠] وقال ﵎: ﴿فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ [الزمر: ١٥]، وهذا غاية الوعيد والنهي والزجر.\nوقد رُوي أن عمر حلف على أنس أن يكاتب سيرين (^٣)، وهذا من عمر على وجه النظر لأنس، والرغبة له في الخير، ولو كان يراه واجبًا لألزمه وحكم به عليه، ولم يحلف عليه، وإنما يمينه فعل الوالد ونظره لولده، لا على وجه الإجبار، فعمر ﵀ للناس جميعًا كالأب الشفيق، ولو كان أنس يعلم أن ذلك واجب (^٤) عليه لما امتنع منه، وإنما أُمر بذلك على وجه الندب، ورُدّ إلى\n_________\n(^١) رواه ابن جرير في تفسيره (٩/ ٣١٢ - ٣١٤).\n(^٢) كذا بالأصل، ولعل الصواب: والإذن من نهي.\n(^٣) رواه ابن جرير في تفسيره (٩/ ٣١٢).\n(^٤) في الأصل: واجبًا.","vol":"2","page":221},{"text":"علم السادة، فقيل: ﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾، يعني أداء وأمانة، فلا مدخل للحاكم في ذلك، وما ليس للحكام فيه مدخل فيما يتنازع الناس فيه، فليس بواجب، وإذا لم يجب ارتفع التنازع.\nوقد حُكي عن الشافعي أنه قال في المملوك يسأل سيِّدَه المكاتبة: أن ذلك لا يجب على السَيِّد، وأنه إذا كاتبه وجب أن يُجبَر السيدُ على أن يضع عنه مما عقد عليه الكتابة شيئًا ما كان، قال: وهذا واللَّه أعلم عندي مثل قول اللَّه ﷿: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٤١]، قال: فإن مات قبل أن يضع جُبِر ورثتُه على ذلك، وإن كانوا صغارًا وَضع عنهم الحاكمُ أقلَّ (^١) ما يقع عليه اسم الشيء من كتابته، فجعل الشافعي الفرع أوجب من الأصل، وليس يكاد شيء (^٢) من (^٣) كلام العرب يُعطف بعضُه على بعض، يكون أولُه غيرَ واجب وآخرُه واجب، هذا لا يكاد يُعرف.\nوقد يكون الكلام أولُه واجب وآخره غير واجب، قال اللَّه ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ [النحل: ٩٠]، فبدأ بالعدل وهو واجب، ثم ذكر الإحسانَ بعدَه، وقال ﷿: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ (^٤) إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، فبدأ بالواجب، ثم ذكر التفضل بعدَه.\nوهذه الآية التي تأوَّلها الشافعي قد رُويت فيها الأحاديث، فمنهم من قال: يضع عنه الرُّبع، وقال هذا القائل بعد ذلك: إنه لا يراه واجبًا (^٥).\n_________\n(^١) في الأصل: قل.\n(^٢) في الأصل: شيئًا.\n(^٣) فوقها في الأصل: في.\n(^٤) في الأصل: فرطتم.\n(^٥) هو قول سفيان، رواه ابن جرير في تفسيره (٩/ ٣١٧)، ورَوى الربعَ أيضًا عن علي =","vol":"2","page":222},{"text":"وروي عن بعضهم أنه كان يختار أن يضع عن المكاتَب آخر نجومه (^١).\nومنهم من رأى أن يعطيه من عنده من غير مال المكاتَبة (^٢).\nومنهم من قال: عنى بهذه الآية الناس جميعًا من مولاه وغيره (^٣)، فكان ظاهر ما روي عنهم يدل على الاختيار من غير إيجاب.\nوأما المتعة فقد رُغِّب المُطَلِّق في ذلك، وقد مضى الكلام في موضعه.\nوأما المكاتَب إنما هو شيء في قول الشافعي يسقط من شيء يكون قد وجب للسيِّد، وليس يجوز أن يَسقط من شيء معلومٍ شيءٌ مجهول لا يُعرف مقداره، وكيف يجوز أن يكتب على العبد مثلًا أربعةً آلاف ويشهد عليه بها، وهي أقل من أربعة آلاف؟ قد عملوا على ذلك، وحكم الكتاب أن يكون عدلًا بين المتعاملين، فإن كان الذي كُتب عليه حقًا، فليس يجب على السَّيد شيء سواه، وإن كان باطلًا فإن الكتابة منفسخة.\nوالشافعي يزعم أن المكاتَب عبد ما بقي عليه درهم مما كوتب عليه (^٤)، فإن كان يعني أنه عبد ما بقي عليه درهم سوى ما يجب أن يُسقط عنه، وجب أن يكون ما يُسقط عنه معلومًا في أصل الكتابة، حتى يعلم الحال التي يعتق فيها من الحال التي لا يعتق فيها، لأن هذا حكم بين رجلين، إذا أداه المكاتَب عُتق، فلا بد أن يكون معلومًا كما كانت الكتابة معلومة.\n_________\n= -﵁- موقوفًا، ورواه عبد الرزاق في مصنفه عنه برقم ١٥٥٨٩، كتاب: المكاتب، باب: وآتوهم من مال اللَّه الذي آتاكم، مرفوعًا.\n(^١) النجوم: هي أجزاء المال التي تؤدى في أوقات معلومة متتابعة، مُشاهَرة أو مُساناةً، انظر اللسان (١٤/ ٢٠٣)، وروي هذا المذهب عن ابن عمر وغيره، انظر تفسير ابن جرير (٩/ ٣١٦).\n(^٢) رواه ابن جرير في تفسيره (٩/ ٣١٦) عن مجاهد.\n(^٣) روي عن الحسن، وإبراهيم، وغيرهما، انظر تفسير ابن جرير (٩/ ٣١٧).\n(^٤) الأم (٨/ ٥٦) (ط المعرفة).","vol":"2","page":223},{"text":"والشافعي يجعله مجهولًا، وقال: أقل ما يقع عليه اسم شيء من الكتابة، فقد يجوز أن يجعله دانِق فضة من عشرة آلاف درهم، فهل يجوز في عقل عاقل أن يأمر اللَّه ﵎ في مثل هذا بهذا؟ وقد يجوز أن يُلزَم في ذلك أن يَحُطَّ حَبَّة، وأحسبه لم يفكر فيما وضع في كتابه من ذلك.\nوتأمّلتُ الرواياتِ في ذلك من عمرَ وعليٍّ صلوات اللَّه عليهما ومَن دونَهما، فوجدتُها كلَّها على التكرُّم وعلى غير الإيجاب، وكذلك روي عن عثمان، وقد كاتب عثمان -﵁- عبدًا له على مائة ألف درهم فلم يحط منها شيئًا واستوفاها، وكاتب أنسٌ سيرينَ فاستوفى، ولم يَحُطَّ عنه شيئًا، ونظائر هذا كثير، وهو شيء أمر اللَّه به وندب إليه وأحبه من عباده الأصل والفرع، فلا ينبغي لذي علم أو دين أن يخرج من ذلك إلى المستقبَح، إلا أن يكون قد نظر لعبده حين كاتَبه نظرًا يؤديه إلى العتق، فيجوز له أن يدع ويجوز ألا يدع له شيئًا، كما فعل عثمان وأنس وغيرُهما.\nوقد ذكرنا في أول هذه المسألة قول من قال: ﴿إِنْ عَلِمْتُمْ﴾ مالًا، وهو مذهب، وقد جعلوا للعبد مالًا، لأن تفسيرهم وقع على أن للعبد مالًا (^١) قبل أن يُكاتب.\nوالذين قالوا الخيرُ: الصلاحُ، فهو مذهب حسن، وقد قال اللَّه ﷿: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور: ٣٢]، فدل أيضًا على أن العبد يملك المال، لأنه لا يوصف بالغنى والفقر إلا وهو ممن يملك المالَ.\nفإن قيل: إن الفقر المذكور في الآية قد يمكن أن يكون في الأيامى خاصة.\n_________\n(^١) في الأصل: مال.","vol":"2","page":224},{"text":"قيل: إنما يمكن أن يقع الخصوص في العبد دون الأيامى (^١)، لأنهم الرجال وهم المحتاجون في النكاح إلى الغنى، لأن الرجال هم الذين يُصْدِقُون، والنساء يأخذن الصَّداق، والرجال يُنفِقون والنساء يُنفَقُ عليهِنّ.\nقال عمر: ابتغوا الغنى في النكاح، ما رأيت مثل من قعد بعد هذه الآية، إنما ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾، والأيم في اللغة: كل من لا زوج له من الرجال والنساء، وقد ذكرنا هذا في موضعه.\nوأما قول مالك: إن للسيد أن يكاتِب عبده شاء أم أبى، فإن ذلك يكون عنده على وجه النظر من السيد للعبد، لأن للسيد أن يؤاجره للسنة والسنتين، ويأخذ الأجرة والعبد باقٍ على رقه، فلما كان له ذلك، كان من المعروف والإحسان منه إليه أن يكاتبه مدة معلومة، على مقدار يعلم أنه يطيق أداءَه (^٢) في تلك المدة من أعماله واكتسابه، وليس للعبد أن يمتنع من ذلك، يؤديه (^٣) إلى الحرية، ولا ضرر فيه عليه، وإنما يجيز مالكٌ للسيد هذه المكاتَبةَ إذا كانت بهذه الشريطة، فأما إن حَمَّله ما لا يطيق أو ما يطيق مُضيِّقًا عليه فلا يجوز عنده، وهذا من المعروف الذي أمر اللَّه به.\nومن مذهبه أن يأمُر المكاتِب ويحُضَّه على ترك بعض النجوم مما يَقوى به المكاتَب على كتابته، يأمر بذلك ويراه وإن كان لا يوجبه (^٤)، كما يُؤمر به في المتعة وما أشبهها، واللَّه أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) في الأصل: ودون الأيامى، مكررة.\n(^٢) في الأصل: أراه.\n(^٣) كذا في الأصل.\n(^٤) قال ابن أبي زيد في النوادر (١٣/ ٦٣): . . . روى بعض البغداديين عن مالك، أن للسيد إكراه عبده على الكتابة. . .، وابن القاسم يرى ألا يكاتب عبد إلا برضاه.","vol":"2","page":225},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-571>٣٣ - قال اللَّه ﵎: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-572>[سبب النزول]</span>\nروي عن جابر، وابن عباس، وجماعة، أنها نزلت في عبد اللَّه بن أُبَيّ [بن] (^١) سلول كان له جاريتان إحداهما مُعاذة والأخرى مُسَيْكَة (^٢)، كان يُكرههما (^٣) على البِغاء يستنجب منهما العبيد، فكان يُكره ويضرب، فأخبر اللَّه ﷿ بمغفرته للأمتين إذ كانتا مُكرهتين كارهتين، فقال سبحانه: ﴿وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٣٣] لهن (^٤).\nوالآية -على العموم- وإن كانت نزلت في عبد اللَّه بن أُبَيّ [بن] (^٥) سلول، لأن اللَّه ﵎ قال: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾ [الإسراء: ٣٢]، وقال: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَاب﴾.\n_________\n(^١) ساقطة من الأصل.\n(^٢) وذكر ابن عبد البر في الاستيعاب (٤/ ١٩١٣) أنهما واحدة اختُلف في اسمها حسب الروايات، ورجح رواية معاذة، وأنكر الترجيح وجمع بين الروايات ابن حجر في الإصابة (٨/ ٣١٨).\n(^٣) في الأصل: يكرهها.\n(^٤) رواه عن جابر مسلم (٨/ ٢٤٤)، كتاب: التفسير، باب: قوله تعالى: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ﴾، وفيه أن إحداهما اسمها مسيكة، والأخرى أميمة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٦/ ١٩٣) عن ابن عباس للطيالسي، والبزار، وابن أبي حاتم، والطبراني، وابن مردويه.\n(^٥) سقطت من الأصل.","vol":"2","page":226},{"text":"وقد كان هذا الفعل في الإماء في الجاهلية فكان مقرونًا بكفرهم، فلما جاء الإِسلام نسخ ذلك كلَّه، وقيل: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٣]، فكل من دخل في الإيمان من حُر وعبد فقد حرَّم اللَّه عليه الزنا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-573>[خطاب الكفار بفروع الشريعة]</span>\nوقوله ﷿: ﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾، دليل على أنه لا تحريم على الكافرين، وأنه لا اعتراض لنا في زناهم (^١) وفسوقهم وخمورهم إذا أقررناهم على أنهم لا ﴿يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ﴾، وإذا لم يحرم اللَّه عليهم الزنا لتضاف أعمالهم إلى كفرهم، فيكمل عذاب اللَّه عليهم، فلا خطاب عليهم في تحليل ولا تحريم حتى يدخلوا في الإِسلام، وإلى هذا دعا رسول اللَّه -ﷺ-، وأنفذ رسله إلى الأمصار من معاذ وغيرِه، قال: \"ادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا اللَّه وأني رسول اللَّه، فإن قبلوا ذلك منك فأعلمهم بأن عليهم صلاة وزكاة\" (^٢)، فلا شريعة ولا أمر ولا نهي إلا بعد الإيمان.\nوإن احتج محتج بقول اللَّه ﷿: ﴿وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ [المائدة: ٥].\nقيل له: معنى حل لهم إنما هو حل لكم أن تُطعموهم، فأما أن يظن ظان أن قولنا لهم: إنه حل لكم، وهم يدفعون الكتاب الذي فيه هذه الآية، كيف يكون منهم القبول، هذا ما لا يظنه ذو فهم ومعرفة.\n* * *\n_________\n(^١) في الأصل: زنايهم.\n(^٢) تقدم تخريجه.","vol":"2","page":227},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-574>٥٨ - قال اللَّه ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ﴾</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-575>[من يَستاذن، ومتى، ولم</span>؟]\nالخادم والمملوك والحر الذي لم يبلغ الحُلم، من ولد وأخ وولد أخ وما أشبه ذلك من ذوي المحارم الذين يتخصصون بالمنزل، ويجرون مجرى أهله إذا كانوا فيه، هؤلاء كلهم يستأذنون في العورات الثلاث، ولا يَلِجون بغير إذن، فيفاجِئون الرجل مع زوجته في حال جماع وما أشبه ذلك، مما هو سر من الناس ومن كل أحد.\nومن شأن الناس أيضًا أن يَطْرحوا ثيابهم في هذه الأوقات الثلاثة، فربما فوجئ الإنسان وهو كاشف بعض عورته، أو في حال طهارته وغسله وما أشبه ذلك، فأُدِّبوا بأحسن الأدب، وأمروا بالاستئذان في هذه الأوقات دون غيرها، وفي غيرها يجري التسليم، وفي الرَّد إذن، واللَّه أعلم.\n* * *","vol":"2","page":228},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-576>٥٩ - وقال اللَّه ﵎: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-577>[وجوب الاستئذان]</span>\nقال رجل لعمر -﵁-: أستأذن على أمي؟ قال: نعم، استأذِن عليها (^١).\nوقال عبد اللَّه مثله.\nوقال رجل لحذيفة: أستأذن على أمي؟ فقال: إن لم تستأذن عليها رأيت منها ما يسؤوك (^٢).\nوقال ابن عباس -﵁- مثل ذلك.\nقال بكر: وهذا واجب في الأخت والابنة وسائر ذوات المحارم كوجوبه في الأم، ليس لبالغ أن يدخل على امرأة حتى يستأذن، وكذلك على الزوجة، إن خاف أن يكون عندها من النساء غيرُها.\n* * *\n_________\n(^١) رواه ابن أبي شيبة في مصنفه برقم ١٧٦٠٢، كتاب: النكاح، ما قالوا في الرجل يستأذن على أمه وعلى أخته، (ط الرشد).\n(^٢) رواه ابن أبي شيبة في مصنفه برقم ١٧٦٠١، في الموضع السابق.","vol":"2","page":229},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-578>٦٠ - قال اللَّه ﷿: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾</span>\nقال ابن مسعود -﵁-: الجلباب، أو قال: الرداء (^١).\nوقال ابن عباس: الجلباب (^٢).\nوقال جماعة من المفسرين نحو ذلك (^٣).\nقال بكر: وهذا إنما يكون في منزلهاا يراها ابنها وأبوها وأخوها، ولُبس الجلباب خيرٌ لها من خَلْعه، ألا تراه قال: ﴿وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ﴾، وإن فعلت من حَرّ أو علة، فقد وُسِّع لها، ولا يراها غير ذوي أرحامها، واللَّه أعلم بما أراد.\n* * *\n_________\n(^١) رواه ابن جرير في تفسيره (٩/ ٣٤٩).\n(^٢) رواه ابن جرير في تفسيره (٩/ ٣٤٩).\n(^٣) روي عن الشعبي، وابن ابي نجيح، ومجاهد، وغيرهم، انظر تفسير ابن جرير (٩/ ٣٥٠).","vol":"2","page":230},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-579>٦١ - قال اللَّه ﷿: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ﴾ إلى ﴿جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا﴾</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-580>[سبب النزول]</span>\nروى مالك، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، أنه كان يقول في هذه الآية: لا جناح عليكم ﴿أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ﴾، أُنزلت في ناس كانوا إذا خرجوا مع رسول اللَّه -ﷺ-، وضعوا مفاتيح بيوتهم عند الأعمى والأعرج والمريض وعند أقاربهم، وكانوا يأمرونهم أن يأكلوا مما في بيوتهم إذا احتاجوا إلى ذلك، فكانوا يتقون أن يأكلوا منها ويقولون: نخشى ألا تكون أنفسهم بذلك طيبة، فأنزل اللَّه ﵎ هذه الآية.\nوقال غير سعيد: إن قومًا كانوا يتحرّجون من الأكل مع الأعمى والأعرج والمريض خوفًا من أن يصيبوا (^١) من الطعام فوق ما يصيب الأعمى، فنزلت الآية (^٢).\n٥٥ - حُدثنا عن إبراهيم بن بشار، عن سفيان، عن عمرو بن دينار، عن الزهري، عن عطاء بن يزيد الليثي قال: كان الرجل في الجاهلية لا يأكل وحده\n_________\n(^١) في الأصل: يصيبون.\n(^٢) رواه ابن جرير (٩/ ٣٥٣)، عن مِقسم.","vol":"2","page":231},{"text":"ولا يشرب وحده، وكانت العرب تعاير ذلك بينهم، ويسمى الرجل إذا أكل وحده المُرضع، فكان أحدهم إذا وضع طعامه ليأكلَ أو حَلَبَ لَقْحَتَه (^١) ليشرب نادى من حوله، فإن أجابه أحد، وإلا نصب عودًا بين يديه بدل الرَّجُل فأكل وشرب، قال: فنزل رجل من العرب واديًا وحلب لِقَحَةً له فنادى: هل بالوادي من أحد فليأت، فسمعه رجل فلم يجبه، واختفى له في مكان، فلما علم أنه لم يجبه أحد أخذ عودًا أو خشبة فنصبها، ثم أخذ الإناء ليشرب، خرج إليه فقال: يا مُرضع أتشرب وحدك؟ ! فخشي الآخر إن أفلت منه أن يعير بشربه وحده، فيصير ذلك عليه عارًا، فعدا عليه بالسيف فقتله، فلما جاء الإِسلام نزلت: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا﴾.\nروى الزهري، عن عروة، عن عائشة -﵂- قالت: كان المسلمون يرغبون في النفير مع رسول اللَّه -ﷺ- فكانوا يدفعون مفاتيحهم إلى ضُمَنائهم، ويقولون: إن احتجتم فكلوا، فيقولون: إنما أحَلوه لنا عن غير طيب نفْس، فأنزل اللَّه سبحانه: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا﴾ إلى آخر الآية.\nقال بكر: وفي هذه الآية فقه لم أرهم ذكروه، وهو أن اللَّه ﵎ قال: ﴿بُيُوتِكُمْ﴾، ولم يذكر الأبناء، وذكر الاباء ومن بعدَه حتى ذكر الصديق، والابنُ أقرب من الأب ومن عداه، وأولى بالمال الذي يملكه ابنه منه، فسائر أملاك الناس ممن ذكر وممن لم يذكر، فعلمنا أن بيوت الأبناء هي بيوت الآباء، فلم يحتج إلى ذكرها ودخلت في معنى بيوتكم، ولذلك قال رسول اللَّه -ﷺ-: \"أنتَ ومالكَ لأبيك\" (^٢).\n_________\n(^١) اللّقْحَة: بكسر اللام وبفتحها، الناقة الحلوب غزيرة اللبن، اللسان (١٣/ ٢٢٠).\n(^٢) رواه الإمام أحمد فىِ مسنده برقم ٦٩٠٢، وابن ماجه في سننه برقم ٢٢٩٢، أبواب التجارات، باب: مال الرجل من مال أبيه، عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص -﵁-، وابن ماجه في سننه برقم ٢٢٩١، في الموضع السابق، عن جابر بن عبد اللَّه -﵁-.","vol":"2","page":232},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-581>٦١ - قال اللَّه ﵎: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾</span>\nقال الحسن: يسلم بعضكم على بعض، كقوله سبحانه: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ (^١).\nقال ابن عباس: هو المسجد إذا دخلته فقل: السلام علينا وعلى عباد اللَّه الصالحين (^٢).\nوكان عمر بن عبد العزيز ﵀ إذا دخل بيته قال: بسم اللَّه، والحمد للَّه، السلام على رسول اللَّه، السلام علينا وعلى عباد اللَّه الصالحين، اللهم أدخلني مُدخَل صِدق، وأخرجني مُخرج صدق، واجعل لي من لدنك سلطانًا نصيرًا.\nوقال جماعة من المفسرين: إذا دخلت بيتًا فيه إنسان فقل: السلام عليكم، وإذا لم يكن فيه أحد فقل: السلام علينا وعلى عباد اللَّه الصالحين (^٣).\n* * *\n_________\n(^١) النساء: ٢٩، والأثر رواه ابن جرير في تفسيره (٩/ ٣٥٧).\n(^٢) رواه ابن جرير في الموضع السابق.\n(^٣) رواه ابن جرير في تفسره (٩/ ٣٥٧ - ٣٥٨) عن ابن عمر، وأبي مالك، وابراهيم، وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٦/ ٢٢٨) عن قتادة، لعبد بن حميد، وابن أبي حاتم، والبيهقي.","vol":"2","page":233},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-582>٦٢ - قال اللَّه عز من قائل: ﴿وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ الآية</span>\nذلك فيما يجمع فيه الإمامُ المسلمين له، من جهاد عدو، أو أمر من أمور المسلمين، يحتاج فيه إلى اجتماعهم ورأيهم.\nوقد قال بعض المفسرين في الجمعة: إذا رَعَف أو أحدث فأراد الخروج استأذن (^١)، وما أعرف لذلك وجهًا، وإنما ذلك فيما قدّمت ذكره، قال اللَّه ﷿: ﴿فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ﴾ [النور: ٦٢]، فعُلم أن الإمام ينظر في أمر من استأذنه، فإن رأى أن يأذن له أذن له، وإن رأى ألا يأذن له لم يأذن له، فكيف يكون هذا في الجمعة إذا رَعَف أو انتقضت الطهارة؟ ! ومنعه لا وجه له، وهذا غلط، واللَّه أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) روي عن مكحول، والحسن، وابن زيد، والزهري، انظر تفسير ابن جرير (٦/ ٣٥٩).","vol":"2","page":234},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-583>ومن سورة الفرقان</span>","vol":"2","page":235},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-584>٤٨ - قال اللَّه ﷿ ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-585>[أحكام المياه]</span>\nقال إسماعيل: فوصف ﷻ الماء بأنه طهور، والطَّهور: الفَعول، وهو الذي يطَهِّر غيرَه مثل: رجل ضَروب، ورجل قَتول، أي: يَضرِب ويَقتِل، وكذلك الوضوء يسمى طَهُورًا، لأنه يطهِّر الإنسانَ للصلاة، قال رسول اللَّه -ﷺ-: \"لا يقبل اللَّه الصلاة بغير طَهور\" (^١)، وقال -ﷺ-: \"جُعلت لي الأرض مسجدًا وطَهُورًا\" (^٢)، فجعل التيمم يُطَهِّر في وقته ويقوم مقام الماء.\nفالذي يوجبه قولُه ﵎، أن كل شيء غلب الماءُ عليه فقد طهَّره، وما لم يغيِّر طعمه ولا لونه ولا ريحه فالماء على أصل حكمه، وقد طَهَّر ما خالطه إذ غلب عليه وأزال حكمه، فكل ما حل بنجاسة في أرض أو ثوب فأزال الجسمَ واللونَ والطَّعْمَ والريحَ فقد طهَّره، إذ كان وُصف بأنه طَهُور، فما دام هو الغالب فالصفة ثابتة معه والاسم قائم فيه، وإذا غلبه غيره زال ذلك الحكم، وكذلك لو غلب عليه شيء غير نجس من دقيق أو عسل أو غيره، زال عنه اسم الماء وحكمه في أنه يطهر غيرَه، فهذا الذي يجب في النظر أن يكون الأصل في الماء.\n_________\n(^١) من حديث رواه مسلم (١/ ١٤٠)، كتاب: الطهارة، باب: وجوب الطهارة للصلاة، عن ابن عمر ﵁، بلفظ: \"لا تقبل صلاة بغير طهور. . . \".\n(^٢) من حديث متفق عليه، رواه البخاري برقم ٣٣٥، كتاب: التيمم، ومسلم (٦٣١٢)، كتاب: المساجد ومواضع الصلاة، عن جابر بن عبد اللَّه ﵁، واللفظ للبخاري.","vol":"2","page":237},{"text":"قال بكر: وهذا قول فقهاء المدينة السبعة وغيرهم، وقد تحدُثُ نَجاسةٌ في اليسيرِ من الماء فيُحتاط لذلك تنزُّهًا.\nوقال مالك ﵁ في الموطأ، في الرجل يوضع له الماء لوضوئه فيُدخل إصبعه في الإناء ليعرف حر الماء من برده، أنه إن لم يكن في إصبعه أذى فلا أرى الماء ينجس عليه (^١).\nفأما ما يوجبه النظر فما ذكره القاضي إسماعيل.\nوقال ابن عباس: الماء يُطهِّر ولا يُطَهَّر (^٢).\nوقال الحسن، وأبو العالية، وسالم، والقاسم، وابن شهاب، وربيعة، في ماء المطر في الأرض يُصيب الثوب منه لم يروا به بأسًا.\nومنهم من قرأ: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾.\nوروى الأحوص بن حكيم، عن راشد بن سعد، قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: \"الماء لا ينجسه شيء إلا ما غلب عليه، ريحه أو طعمه\" (^٣).\nوقال مالك ﵁: إذا تغير طعم الماء أو ريحه أو لونه من نجِس وقع فيه، فلا يصلح شربه ولا الوضوء منه (^٤)، وإذا تغير من طُحْلُب أو حَمْأَة، فإن لم يجد غيرَه توضأ به (^٥).\n_________\n(^١) الموطأ برواية يحيى، برقم ١٣٣، كتاب: الصلاة، جامع غسل الجنابة.\n(^٢) رواه عبد الرزاق في مصنفه برقم ٢٥٦، كتاب: الطهارة، باب: الماء لا ينجسه شيء.\n(^٣) رواه ابن ماجه في سننه برقم ٥٢١، أبواب الطهارة وسننها، باب: الحياض.\n(^٤) أورده ابن أبي زيد في النوادر (١/ ٧٤): عن علي، عن مالك في المجموعة: إذا تغير لون الماء أو طعمه أو ريحه، من نجاسة وقعت فيه، لم يصلح شربه، ولا الوضوء به، كان معينًا، أو من الشتاء، وأورد مثله في (١/ ٧٦)، عن أبي الفرج، عن أبي مصعب، عن مالك.\n(^٥) ذكره ابن أبي زيد في النوادر (١/ ٨٠) عن علي، عن مالك، من المجموعة أنه: لا بأس بالوضوء بالماء يتغير ربحه من حمأ أو طحلب، إذا لم يجد غيره.","vol":"2","page":238},{"text":"وروى أبو سعيد الخدري قيل: يا رسول اللَّه، إنا نتوضأ من بئر بُضاعة، وفيها المحائض ولحوم الكلاب، فقال رسول اللَّه -ﷺ-: \"الماء طهور لا ينجسه شيء\" (^١).\nوقال المقدام بن شُريح، عن أبيه، عن عائشة قالت: قال رسول اللَّه -ﷺ-: \"الماء لا ينجسه شيء\" (^٢).\nوقال سهل بن سعد: لو سقيتكم من بئر بُضاعة لكرهتم ذلك، وقد واللَّه سقيت رسول اللَّه -ﷺ- منها (^٣).\nوقال ابن عباس ﵁: إن النبي -ﷺ- قال: \"الماء لا يجنُب\" (^٤).\nوحكى أيضًا عن ميمونة خالته قالت: أجنبْتُ أنا ورسول اللَّه، فاغتسلت من جَفْنة ففضُلت فَضْلة، فجاء رسول اللَّه -ﷺ- ليغتسل منها، فقلت: إني قد اغتسلت منه، فقال: \"إن الماء ليس عليه نجاسة\"، فاغتسل منه (^٥).\n_________\n(^١) رواه الإمام أحمد في مواطن من مسنده منها رقم ١١١١٩، وأبو داود في سننه برقم ٦٦، كتاب: الطهارة، باب: في بئر بضاعة (ط الأرناؤوط)، والترمذي في سننه برقم ٦٦، أبواب: الطهارة، باب: ما جاء أن الماء لا ينجسه شيء، والنسائي في سننه برقم ٣٢٦، كتاب: المياه، باب: ذكر بئر بضاعة، عن أبي سعيد الخدري ﵁.\n(^٢) رواه النسائي في السنن الكبرى برقم ٤٩، كتاب الطهارة، ذكر ما ينجس الماء وما لا ينجسه.\n(^٣) رواه الطبراني في المعجم الكبير برقم ٦٠٢٦، والبيهقي في السنن الكبرى برقم ١٢٢١، جماع أبواب الماء الذي ينجس والذي لا ينجس، باب الماء الكثير لا ينجس بنجاسة تحدث فيه.\n(^٤) رواه أبو داود في سننه برقم ٦٨، كتاب: الطهارة، باب: البول في الماء الراكد، (ط الأرناؤوط)، والترمذي في سننه برقم ٦٥، أبواب الطهارة، باب الرخصة في ذلك، (الرخصة في فضل طهور المرأة)، وابن ماجه في سننه برقم ٣٧٠، أبواب الطهارة وسننها، باب: الرخصة بفضل وضوء المرأة.\n(^٥) رواه الإمام أحمد في مسنده برقم ٢٦٨٠٢.","vol":"2","page":239},{"text":"وقال الأعمش، عن يحيى بن عبيد، سألت ابن عباس عن ماء الحمام، فقال: الماء لا ينجسه شيء (^١).\nونظائر هذا كثير.\nوقد جاءت هذه الأحاديث على ما وصفنا، وذكر في بعضها: ماء في جَفْنَة، وفي إناء يُتوضأ منه، وفي حوض حمام، فوقع الجواب في هذا المقدار اليسير من الماء أن الماء لا ينجَس.\nفإن قيل: إن المسألة في ذلك إنما كانت في يد فيه، ولم يُذكر أن اليد كانت فيها نجاسة.\nقلنا: المسألة كما وصفت، ولكن الجواب جاء عامًا على غير قدر المسألة، ولو كان الجواب على المسألة بعينها أن ذلك لا يُنَجِّس، وإنما جاء الجواب على إعلامهم حكم الماء، ولو كان ذلك على قدر المسألة لقيل ذلك في حديث القُلَّتَين، لأن فيه أن النبي -ﷺ- سُئل عن الماء يكون بفلاة من الأرض، وما يَرِد عليه من الدواب والسباع، فقال: \"إذا بلغ الماء القُلَّتَين لم يحمل نجسًا\"، وفي بعضها: \"لم ينجسه شيء\" (^٢)، فكان يقال: إنه -ﷺ- إنما سئل عن شيء لا ينجس.\n_________\n(^١) رواه ابن أبي شيبة في مصنفه برقم ١١٥٠، كتاب: الطهارات، في الغسل من ماء الحمام، (ط الرشد)، والبيهقي في سننه الكبرى برقم ١٢٦٦، جماع أبواب الماء الذي ينجس والذي لا ينجس، باب في ما جاء في نزح ماء زمزم، كلاهما بلفظ: \"الماء لا يجنب\".\n(^٢) رواه الإمام أحمد في مسنده في مواطن منها رقم ٤٨٠٣، وأبو داود في سننه برقم ٦٣، كتاب: الطهارة، باب: ما ينجس الماء، والترمذي في سننه برقم ٦٧، أبواب: الطهارة، باب منه آخر، والنسائي في سننه برقم ٥٢، كتاب: الطهارة، باب: التوقيت في الماء، وابن ماجه في سننه برقم ٥١٧، أبواب: الطهارة وسننها، باب: مقدار الماء الذي لا ينجس، وقال الحافظ في بلوغ المرام (ص ١٠): \"صححه ابن خزيمة والحاكم وابن حبان\".","vol":"2","page":240},{"text":"وقد روى الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة: أن أعرابيًا دخل المسجد ورسول اللَّه -ﷺ- جالس، فصلى ركعتين، ثم قال: اللهم ارحمني ومحمدًا، ولا ترحم معنا أحدًا، فقال رسول اللَّه -ﷺ-: \"لقد تَحَجَّرْتَ واسعًا\"، فلم يلبث أن بال في المسجد، فَعَجِلَ الناسُ إليه فنهاهم عنه، وقال: \"أهريقوا عليه سجلًا من ماء أو ذَنوبًا من ماء\" (^١).\nورواه أنس بن مالك، وابن عباس، وزاد ابن عباس فيه: فقيل للأعرابي: ما حملك على أن بُلْتَ في مسجدنا قال: والذي بعثك بالحق ما ظننت إلا أنه صعيد من الصُّعُدات فبلتُ، فأمر النبي -ﷺ- بذَنوب من ماء فصب على بوله\".\nفتبين بهذه الأحاديث وأسانيدها كالشمس الطالعة، أن مقدار الدَّلو من الماء قد طهَّر بول الرجل لأنه هو الغالب، وكذلك لو وقع بولٌ في إناء لطهَّرَه ما غَلَب عليه من الماء، وكذلك ما يصيب الثوبَ من النجاسات، ولو كان ما دون القُلَّتين إذا وقعت فيه نجاسة يسيرة نجسته، لما طَهَّر بول الأعرابي إلا مقدار قلتين، لأن النجاسة إذا وقعت في الماء فقد خالطته، وكذلك إذا وقعت النجاسة في إناء، أو في موضع من أرض، أو ثوب، ثم صُبَّ على ذلك ماءٌ فقد خالطه، فإن كان ما دون القُلَّتين ينجس بالقليل من النجاسة للمخالطة، فكذلك لا يطهر ذلك الموضع إلا بالقلتين من الماء.\nوقد قال النبي -ﷺ- لامرأة سألته: أرأيت إحدانا إذا أصاب ثوبها الدم من الحيضة كيف تصنع؟ فقال: \"إذا أصاب ثوبَ إحداكن الدم من الحيضة فلتَقْرِصْه (^٢) ثم لتنضحه بالماء ثم تصلي\" (^٣).\n_________\n(^١) رواه أبو داود في سننه برقم ٣٨٠، كتاب: الطهارة، باب: الأرض يصيبها البول، وهو عند البخاري في صحيحه بدون شطره الأول عن الزهري، عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة بن مسعود، عن أبي هريرة، برقم ٢٢٠، كتاب: الوضوء، باب: صب الماء على البول في المسجد.\n(^٢) فلتقرصه: فلتقطعه بظُفْرها، مشارق الأنوار (٢/ ١٨٠).\n(^٣) رواه البخاري في صحيحه برقم ٣٠٧، كتاب: الحيض، باب: غسل لم المحيض.","vol":"2","page":241},{"text":"٥٦ - حدثناه أحمد بن موسى، قال: حدثنا القعنبي، عن مالك، عن هشام بن عروة، عن فاطمة بنت المنذر، عن أسماء ابنة أبي بكر الصديق ﵁، عن النبي -ﷺ- (^١).\nورواه حماد بن زيد بهذا الإسناد.\nفتبين بحديث أسماء، أن القَرْصَ لا يكون إلا بالقليل من الماء، وأجزأ ذلك لقلة الدم المغسول، فلما غلبه الماء طهَّره، فكذلك ينبغي أن يكون حكم الماء في كل شيء، وأنه ما دام هو الغالب فهو المطهر، ألا ترى أن الماء إذا غُسلت به النجاسة في الثوب اختلط بعضه ببعض، ثم كان كل شيء يخرج من ذلك الثوب فمختلط، وما بقي في الثوب من الرُّطوبة فمختلط أيضًا؟\nوقد رُوي عن ابن عمر أن النبي -ﷺ- سُئل عن الماء يكون بفَلاة من الأرض وما ينوبه من الدواب والسباع، فقال رسول اللَّه -ﷺ-: \"إذا بلغ الماء قُلَّتَين لم ينجسه شيء\"، رواه ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عمر، عن أبيه (^٢).\nوروى حماد بن سلمة، عن عاصم بن المنذر، قال: كنا ببستان لنا ولعبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عمر فحضرت الصلاة، فقام عبيد اللَّه إلى فقرى (^٣) البستان فيه جلد بعير، فدخل يتوضأ فيه، فقلت له: أتتوضأ في هذا وفيه هذا الجلد؟ ! فقال: حدثني أبي، عن رسول اللَّه -ﷺ- أنه قال: \"إذا كان الماء أكثر من قلتين أو ثلاث أو أكثر من ذلك، فإنه لا ينجس\" (^٤)، رواه هُدبة بن خالد وغيره\n_________\n(^١) الموطأ برواية القعنبي برقم ٩٣، كتاب: الطهارة، باب: المستحاضة.\n(^٢) تقدم تخريجه قريبًا.\n(^٣) كذا في الأصل، ولعلها: فَقير، وهو البئر.\n(^٤) رواه الإمام أحمد في مسنده برقم ٤٧٥٣، عن وكيع عن حماد به، وبرقم ٥٨٥٥، عن عفان، عن حماد به، وأبو داود في سننه برقم ٦٥، كتاب: الطهارة، باب: ما ينجس =","vol":"2","page":242},{"text":"على هذا اللفظ، فاختلف الرجلان في متن الحديث ومعناه، وهذان شيخان لا يحتملان التفرد بهذا الأمر الجليل، ولا يكونان حجة فيه، فقد وَهَى الحديث في القُلَّتين.\nولم نر أحدًا يقف على مقدار القُلَّتين.\nفأما ما رواه الشافعي فإنه ذكره عن مسلم بن خالد، عن ابن جُريج، بإسناد لم يحضره ذكره، ولا حضره أحد من المسلمين بعدَه، ذكره أن النبي -ﷺ- قال: \"إذا كان الماء قلتين لم يحمل نجسًا\"، فقال فيه بِقِلال هَجَر (^١)، فبعيد في القلب أن يكون رسول اللَّه -ﷺ- يُبيِّن للناس بالمدينة على مقدار بِهَجَر لم يَرَوْه، ويحملهم على ما يجوز الاختلاف في مقداره، وهو يَقْدِر على أن يُقَدِّر لهم كما قَدَّر الصّاع والوَسْق وغير ذلك، فعرفه الناس وعملوا عليه، فلو سَنَّ في الماء مقدارًا لقال: وَسْق ووَسْقين وما أشبه ذلك، فكانت المخاطبة لهم بشيء يعرفونه.\nوالوَسْق: ستون صاعًا، والمدّ والصاع والوَسْق مقادير يعرفها المخاطبون منذ زمان رسول اللَّه -ﷺ- إلى هذه الغاية، لا يختلف عليهم.\nفأما ما يرويه أهل الكوفة في الصاع الحَجّاجي فشيء لا يثبت ولا يُعرَف، والصاع والمد مكيال المدينة لا يعرفون سواه، ولا يحتاجون فيه إلى إسناد.\n_________\n= الماء، عن حماد، (ط الأرناؤوط)، ورواه من طريق هدبة بن خالد وإبراهيم بن الحجاج كلاهما عن حماد به، البيهقيُّ في السنن الكبرى برقم ١٢٤٤، جماع أبواب الماء الذي ينجس والذي لا ينجس، باب: الفرق بين القليل الذي ينجس والكثير الذي لا ينجس.\n(^١) رواه البيهقي في السنن الكبرى برقم ١٢٥٠، جماع أبواب الماء الذي ينجس والذي لا ينجس، باب قَدْر القلتين، وذكره الشافعي في الأم (١/ ١٨) (ط المعرفة).","vol":"2","page":243},{"text":"قال إسماعيل: أُتيت بالمدينة بمد النبي -ﷺ- وخُرِطَ لي على مقداره، فأتيت به البصرة فقدرته، فكان نصف كِيلَجة بكِيلَجة البصرة، يَرْجَح شيئًا يسيرًا.\nولم يُختلف في الوسق، وهو ستون صاعًا، وكذلك الأوقية أربعون درهمًا، فهكذا سبيل كل شيء، يُحَدّ مبلغه مما يحتاج الناس إليهم في دينهم.\nوأمر الوضوء والصلاة أن يشار إلى ما يُعرف ويُوقف عليه، ونحن والناسُ جميعًا نعلم أن القِلال والجرار وما أشبه ذلك، ليس تُتخذ مكيالًا ولا معيارًا، وإنما تُتخذ آنية لما يجعل فيها، فتقع فيها الزيادةُ والنقصانُ، فكيف تجعل هذه مقدارًا لغيرها؟\nولقد تَعَفَّرَ الشافعي في ذلك حتى أتى بما حكايتُه تُغْني عن الاحتجاج عليه، فمنه أنه قال: وقال ابن جريج: وقد رأيت قِلال هَجَر، والقُلَّة تَسَعُ قِرْبَتين وشيئًا، ثم قال: وقد رأيت أن أجعل الشيء نصفًا، فإذا كان الماء خمس قرب لم يحمل نجسًا، والقِربة مائة رِطْل، فيكون جميعُه خمسُمائة رَطْل (^١).\nوهو يقول هذا ويُقَدِّر، ويجعل ذلك سُنَّة، وهو في مذاهبه لا يُسوِّغ أبا بكر وعمرَ وعثمانَ وعليًّا أئمةَ المسلمين وفقهاءَ الدِّين أن يضعوا مثل هذه الشريعة، ثم يزعم أن كل قِربة تسَعُ مائة رَطْل، فليت شِعري هذه الغنم التي تساوت جلودُها، حتى لا تكون كل قربة تزيد على مائة رطْل ولا تنقص عنه، ومن أين له ومن أعطاه هذه المقادير؟ ثم يزعم أن خمسمائة رَطْل إلا رَطْلًا واحدًا (^٢) بال فيه بائل أنه نجس، فإن صُبّ عليه رِطْل واحد ماءً صار طاهرًا، فهل يَسُوغ هذا في عقل أو يعقله ذو لب أن رِطْلا يطهِّر خمسمائة رطل؟ ! ثم يزعم أنه لو وُجد مائة إناء قد وقع في كل إناء منها فأرة، أن الآنية كلَّها نجسة، فإن جُمع جميعه في إناء واحد صار طاهرًا، فجعل النجاسات إذا اجتمعت طهرت.\n_________\n(^١) الرطل بالفتح والكسر، وهو مكيال معروف، انظر: اللسان (٦/ ١٧٠).\n(^٢) في الأصل: واحد.","vol":"2","page":244},{"text":"وزعم الشافعي أن حجته على من ذهب إلى ما روي عن النبي -ﷺ-: \"أن الماء لا ينَجِّسُه شيء\" (^١)، ما رُوي عنه -ﷺ- أن الكلب إذا وَلَغَ في إناء غُسل سبع مرات (^٢)، وهو يزعم في كتاب الربيع أنه قال في الكلب بالسُّنة، وقال بغير علة، ثم نسي بعد ورقة فقال: إن لم يكن الخنزير أنجس من الكلب فليس بِدونِه (^٣)، فقاس على ما زعم أنه لغير علة.\nوقال في النجاسات سواه بحديث أسماء ابنة أبي بكر، وقال الشافعي: وأَمَرَ رسول اللَّه -ﷺ- بغسل دم الحيضة، ولم يؤقِّت فيه شيئًا، فكان اسم الغَسْلة يقع على غَسْلة وأكثر، فكانت الأنجاس كلها سوى الكلب قياسًا على دم المحيض لموافقته في المعقول، ولم يَقِسه بالكلب، وزعم أن السِّباع وغيرَها مما لا يُؤكل لحمه لا تُنَجِّس الماء إذا شرِبت منه، وأنه قاس ذلك على ما عُقِل، وزعم أن الفرق بين الكلب وبين غيره، أن الكلب مَنْهِيّ عن اتخاذه إلا لمعنى، وجعل ينقص من اتخذه لغير معنى كل يوم قيراطين (^٤)، وأن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه كلب.\nفدل قول الشافعي على أن أمر الكلب لا يقبله، وأن الذي فهم من الفرق بين الكلب وغيره ما وصف، فلم يكن ينبغي له أن يحتج بأمر الكلب في الحديث الذي روي عن النبي -ﷺ- أن الماء لا ينجسه شيء، لأنه زعم أن الذي\n_________\n(^١) تقدم.\n(^٢) رواه مسلم في صحيحه في مواطن منها (١/ ١٦١ - ١٦٢)، كتاب: الطهارة، باب: حكم ولوغ الكلب.\n(^٣) الأم (١/ ١٩) (ط المعرفة)، قال: \"فقلنا في الكلب بما أمر به رسول اللَّه -ﷺ-، وكان الخنزير إن لم يكن شر من حاله، لم يكن في خير منها، فقلنا به قياسًا عليه\".\n(^٤) متفق عليه من حديث ابن عمر -﵁-، رواه البخاري في صحيحه برقم ٥٤٨٢، كتاب: الذبائح والصيد، باب: من اقتنى كلبًا ليس بكلب صيد أو ماشية، ومسلم في صحيحه (٥/ ٣٦ - ٣٧)، كتاب: البيوع، باب: الأمر بقتل الكلاب.","vol":"2","page":245},{"text":"فهمه من أمر الكلب ليس من طريق النجاسات، فلم يكن لاحتجاجه به في النجاسات معنى، فليس يجوز لإنسان أن يحتج بشيء لا يفهم المعنى منه، وقد شرحنا من أمر الكلب في غير هذا الموضع ما لا يحتاج إلى إعادته، وباللَّه التوفيق.\n* * *","vol":"2","page":246},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-586>٦٢ - قال اللَّه ﵎: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾</span>\nقال مجاهد: يخلف هذا هذا (^١)، ويخلف هذا هذا.\nوقال الحسن البصري: جعل اللَّه ﵎ الليل والنهار خِلفة لمن أراد أن يذَّكر أو أراد شكورًا، من فاته عمل الليل عمِله بالنهار، ومن فاته حِزْبه بالنهار عمِله بالليل (^٢).\n* * *\n_________\n(^١) في الأصل: هذا وهذا، والأثر عند ابن جرير في تفسيره (٩/ ٤٠٦) بلفظ يؤيد ما أثبت: هذا يخلف هذا، وهذا يخلف هذا.\n(^٢) رواه ابن جرير في تفسيره (٩/ ٤٠٥).","vol":"2","page":247},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-587>٦٣ - قال اللَّه عز وعلا: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾</span>\nقال الحسن: حُلماء لا يجهلون، وإن جُهِل عليهم حَلُموا ولم يَجْهلوا، هذا نهارهم ينتشرون به في الناس، ﴿يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾، إذا دخل ليلُهم يروحون بين أطرافهم بينهم وبين ربهم (^١).\nوقال في رواية أخرى: حُلماء، علماء، صُبراء، أتقياء، إن ظُلموا فلا يَظلِموا، وإن بُغِي عليهم لم يَبغوا، قد بَراهم الخوف كأنهم القِدَاح.\nوقال مجاهد: ﴿يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾: بالوقار والسكينة (^٢)، ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾: يعني سَدادًا.\nوقال زيد بن أسلم: هم الذين لا يتجبّرون ولا يتكبّرون (^٣).\n* * *\n_________\n(^١) رواه ابن جرير في تفسيره بألفاظ قريبة مما أورده المصنف (٩/ ٤٠٩).\n(^٢) رواه ابن جرير في تفسيره (٩/ ٤٠٧).\n(^٣) رواه ابن جرير في تفسيره عن ابن زيد (٩/ ٤٠٨).","vol":"2","page":248},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-588>٦٧ - قال اللَّه ﵎: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾</span>\nقال عبد اللَّه بن مسعود: هو إنفاق المال في غير حقّه، ومَنعه من حقِّه.\nوقال ابن سيرين مثل ذلك (^١).\n* * *\n_________\n(^١) لم أقف عليه من رواية ابن مسعود ولا ابن سيرين، وروي المعنى نفسه عن عمر مولى غفرة، وقتادة، وابن شهاب، وابن جريج، وابن زيد، انظر تفسير ابن جرير (٩/ ٤١٣)، والدر المنثور للسيوطي (٦/ ٢٧٥).","vol":"2","page":249},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-589>٦٨ - قال اللَّه ﷿: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾</span>\nقال عبد اللَّه: أَتى النبيَّ ﷺ رجلٌ فسأله عن الكبائر، قال: \"أن تدعو للَّه نِدًّا وهو خلقك، وأن تقتل ولدك، أو تزني بحليلة جارك\"، ثم قرأ الآية (^١)، قال: وسأله: أي العمل أفضل؟ قال: \"الصلاة لوقتها، وبر الوالدين، والجهاد في سبيل اللَّه\" (^٢).\nوسُئل زيد بن ثابت عن هذه الآية، وعن قول اللَّه ﵎ في سورة النساء: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ الآية [النساء: ٩٣]، فنجد في إحداهما توبة، والأخرى مُسْجَلة (^٣)، فأيتهما أنزلت قبل؟ فقال زيد: أنزلت هذه الغليظة بعد هذه اللَّيِّنَة بستة أشهر، فنسخت الغليظةُ اللَّيِّنَة (^٤).\n_________\n(^١) رواه البخاري في صحيحه برقم ٤٧٦١، كتاب: تفسير القرآن، باب قوله: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ. . .﴾.\n(^٢) متفق عليه، رواه البخاري في صحيحه برقم ٧٥٣٤، كتاب: التوحيد، باب: وسمى النبي -ﷺ- الصلاة عملًا، وقال: \"لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب\"، ومسلم في صحيحه (١/ ٦٣)، كتاب: الإيمان، باب: كون الإيمان باللَّه باللَّه تعالى أفضل الأعمال.\n(^٣) مسجلة: مطلقة ومرسلة، انظر، النهاية (٢/ ٣٤٤).\n(^٤) رواه ابن جرير في تفيسره (٤/ ٢٢٢ - ٢٢٣)، عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ من سورة النساء.","vol":"2","page":250},{"text":"وسُئل ابن عباس ﵁: هل للقاتل من توبة؟ فقال كالمتعجب من مسألته: ماذا تقول؟ فأعاد عليه المسألة، فقال: ماذا تقول؟ مرتين أو ثلاثًا، ثم قال ابن عباس: ويحَك أنّى له بالتوبة؟ وذكر الحديث (^١).\nوروي عن ابن عباس -أيضًا- أن آية الفرقان نزلت في مُشركي قُريش، فقيل فيها: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ﴾ [الفرقان: ٧٠] يعني: من الشرك، وأن الآية التي في النساء نزلت في المؤمن يَقتل متعمِّدًا فلا توبةَ له (^٢).\nوكان ابنُ شهاب إذا سأله مَن لم يقتل يقول: لا توبة له، كي لا يجترئ على القتل، واذا سأله من قتل لم يُؤَيِّسْه خوفًا من أن يَيْأَسَ فيَقتل.\nوهذا قول حسن، واللَّه أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) رواه ابن جرير في تفسيره (٤/ ٢٢٠)، تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ من سورة النساء.\n(^٢) رواه ابن جرير في تفسيره (٩/ ٤١٥).","vol":"2","page":251},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-590>٧٠ - قال اللَّه عز وعلا: ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾</span>\nقال أبو عثمان النَّهْدي، عن سلمان الفارسي قال: يُعطى المؤمن كتابه في سِتْر، فيقرأ في أوله سيئاته، ثم يقرأ حسناته، ثم يعود إلى أوله فيرى أوله قد بُدِّلت السيئاتُ حَسَنات (^١).\nوقال الحسن: ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ قال: تلا الآية التي قبلها: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ قال: يبدلهم اللَّه ﷿ في الدنيا بعد القتل العفة، وبعد الزنا الإحصان، وبعد الكفر الإيمان (^٢).\nوكان سعيد بن جبير يقول: يبدل اللَّه سيئاتِ المؤمن حسناتٍ حتى يتمنّى الرجل أنه ازداد سيئات (^٣).\nوقال علي بن الحسين: يبدل اللَّه سيئاتهم حسناتٍ في الآخرة.\nوقال الحسن البصري: في الدنيا (^٤).\nوروى الأعمش، عن المَعْرُورِ بن سويد، عن أبي ذر قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: \"إني لأعلم أولَ أهل الجنة دخولًا وآخرَ أهل النار خروجًا، يؤتى بالرجل\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدُّر المنثور (٦/ ٢٨٠) لعبد بن حميد، وابن أبي حاتم.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدُّر المنثور (٦/ ٢٨٠) لعبد بن حميد، وابن أبي حاتم.\n(^٣) لم أقف على أثر سعيد، وأورد السيوطي في الدر المنثور (٦/ ١٨١) أثرًا مثله لعمرو بن ميمون، وعزاه لعبد بن حميد.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور (٦/ ٢٨٠) وأثر علي بن الحسين الذي قبله لعبد بن حميد.","vol":"2","page":252},{"text":"يوم القيامة فتعرض عليه صغار ذنوبه وهو مقرٌّ لا ينكِر، وهو مشفق من الكبائر، فيقال: أعطوه مكان كل سيئة عملها حسنة، فيقول: إن لي ذنوبًا ما أراها هاهنا\"، فلقد رأيت رسول اللَّه -ﷺ- حين حدَّث بهذا الحديث ضحك حتى بدت نواجذه (^١).\nوقال مجاهد: ﴿يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ قال: الإيمانُ بعد الكفر (^٢).\nوقال عطاء بن أبي رَباح: إنما ذلك في الدنيا، الرجل يكون على الهيئة القبيحة، ثم يبدله اللَّه بها خيرًا منها.\nوقول الحسن ومجاهد وعطاء أصحُّ في المعنى، وهو أن اللَّه ﷿ يتوب على الكافر فيسلم، وعلى القاتل بالنَّدَم والعمل الصالح، وعلى الزاني بالعفاف والاستغفار، واللَّه أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) رواه مسلم في صحيحه (١/ ١٢١)، كتاب: الإيمان، باب: أدنى أهل الجنة منزلة فيها.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور (٦/ ٢٨٠) للفريابي، وعبد بن حميد.","vol":"2","page":253},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-591>٧٢ - قال اللَّه عز وعلا: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾</span>\nقال ابن الحنفية: الزور: الغِناء (^١).\nوقال محمد بن علي: شَهادة الزّور.\nوقال عكرمة: لَعِبٌ كان في الجاهلية (^٢).\nقال بكر: والزور عندي: كلُّ ما كان يُلهي من (^٣) ذكر اللَّه، ويقطع عن فرائض اللَّه، وهو في اللغة: الباطل من كل قول وعمل، واللَّه أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور (٦/ ٢٨٣) للفريابي، وعبد بن حميد.\n(^٢) رواه ابن أبي حاتم كما في الدر المنثور (٦/ ٢٨٣).\n(^٣) كذا في الأصل.","vol":"2","page":254},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-592>٧٢ - قال اللَّه ﵎: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾</span>\nواللغو في اللغة: كل ما ألهى (^١) عن الطاعة، ولم يدخل في معانيها، وهو المعاصي وما قرب منها أو ما كان الذريعةَ إليها.\nقال سَيّار: إذا مَرّوا بالرفث كَنَّوْا عنه (^٢).\nوقال الزهري: اللغو: المعاصي.\nوقال مجاهد: إذا أوذوا ﴿مَرُّوا كِرَامًا﴾، أي: صفحوا (^٣).\n* * *\n_________\n(^١) في الأصل: ألغى.\n(^٢) رواه ابن جرير في تفسيره (٩/ ٤٢١).\n(^٣) رواه ابن جرير في تفسيره (٩/ ٤٢١).","vol":"2","page":255},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-593>٧٣ - قال اللَّه ﷿: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا﴾</span>\nمعناها عندي: أنهم ﴿إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا﴾، أي: لم يخضعوا لها ويستحيوا، ومن ذلك قيل: خرّ ساجدًا.\nوأما ﴿صُمًّا وَعُمْيَانًا﴾، فإنهم صموا عنها، وعَمُوا عن رشدهم، فهم كالذين قال اللَّه ﵎: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ [البقرة: ١٧١]، فشُبِّهوا بالأنعام التي يَزْجُرها الراعي، فهم الذين قال اللَّه فيهم: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾ [محمد: ٢٣].\nوقد تكلم بعض المفسرين في هذه الآية بما لم أستصوبه فلم أذكره.\n* * *","vol":"2","page":256},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-594>٧٤ - قال اللَّه ﷿: ﴿هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾</span>\nقال الحسن: سألوا أن يَهب لهم في أزواجهم وذرياتهم صَلاحًا يؤدي إلى طاعة اللَّه ﷿ (^١).\nقال: وقال سلمة بن كُهَيْل نحو ذلك.\n* * *\n_________\n(^١) رواه ابن جرير في تفسيره (٩/ ٤٢٤) عن الحسن بمعناه.","vol":"2","page":257},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-595>٧٤ - قال اللَّه ﷿: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾</span>\nقال الحسن، ومجاهد: ﴿لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾: نأْتَمّ بمَن قبلَنا، ويَأْتَمّ بنا مَن بعدَنا (^١).\nوقال الأحوص بن حكيم، عن أبي الزاهرية، عن جُبَيْر بن نُفَيْر، أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: \"من رُزق إيمانًا وحسن خلق، فذاك إمام المتقين\".\n* * *\n_________\n(^١) رواه عن مجاهد ابن جرير في تفسيره (٩/ ٤٢٥).","vol":"2","page":258},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-596>سورة الخاضعة، وهي الشعراء</span>","vol":"2","page":259},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-597>٨٩ - قال اللَّه ﵎: ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾</span>\nقال ابن عباس: شهادة أن لا إله إلا اللَّه (^١).\nوقال ابن سيرين: أن تعلم أن اللَّه حق، وأن الساعة قائمة، وأن اللَّه يبعث من في القبور (^٢).\nوروي عنه أيضًا في هذه الآية مثل قول ابن عباس (^٣).\nوقال عروة بن الزبير: لا تكونوا لعّانين، فإن إبراهيم صلى اللَّه عليه لم يلعن شيئًا قط.\nوالآية عندي تحتمل أحدَ شيئين: أن يأتي العبد سليمًا من كل أصناف الكفر، ويحتمل مع التوحيد سلامة المسلمين عليه، لقول النبي -ﷺ-: \"المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده\" (^٤).\n* * *\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور (٦/ ٣٠٧) لابن أبي حاتم، وابن مردويه، وأبي نعيم.\n(^٢) رواه ابن جرير في تفسيره (٩/ ٤٥٤).\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور (٦/ ٣٠٨) لعبد بن حميد.\n(^٤) متفق عليه، رواه البخاري في صحيحه برقم ١٠، كتاب: الإيمان، باب: المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، ومسلم في صحيحه (١/ ٤٨)، كتاب: الإيمان، باب: بيان تفاضل الإسلام وأي أموره أفضل، عن عبد اللَّه بن عمرو -﵁-.","vol":"2","page":261},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-598>٤ - قال اللَّه ﷿: ﴿فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾</span>\nالخضوع منهم لا من أعناقهم، والعرب تترك الخبر على الأَوَّل (^١)، وتعمد إلى الآخِر، فتجعل الخبر (^٢) له.\nقال الشاعر:\nطُول الليالي أسرعَتْ في نَقْضِي ... طَوَيْن طولي وطَوَيْن عَرضي (^٣)\nوقال جرير:\nرَأَتْ مَرَّ السِّنينِ أَخَذْنَ مِنِّي ... كما أَخَذَ السِّرارُ من الهلالِ (^٤)\nوقال العُجَيْف العقيلي:\nإذا رضِيَت عليَّ بنو قُشَيْر ... لعَمر أبيك أعجبني رِضاها\nفلا تَنْبوا سيوف بني قُشَيْر ... ولا تمضي الأسِنَّةُ في صفاها (^٥)\nأي: إذا رضيت عني.\n_________\n(^١) في الأصل: الأولى.\n(^٢) في الأصل هنا وفي كلمة الخبر التي وردت قبلها: الخير.\n(^٣) البيت ينسب للأغلب العِجلي، انظر خزانة الأدب للبغدادي (٤/ ٢٢٦)، وذكره غيرَ منسوب أبو عبيدة في المجاز (٢/ ٨٣).\n(^٤) مجاز القرآن لأبي عبيدة (٢/ ٨٣).\n(^٥) ساق البيتان أبو عبيد في المجاز (٢/ ٨٤)، وسمى القائل: قُحَيفًا العقيلي، وذكره المرزباني في معجم الشعراء (ص ٣٣١) بهذا الاسم.","vol":"2","page":262},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-599>١٦ - وقوله: ﴿فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾</span>\nيريد: رسالةَ رب العالمين.\nوقال كُثَيِّر:\nلقد كذَب الواشون ما بُحْتُ عندهم ... بسِرٍّ ولا أرسلتُهم برَسول (^١)\n* * *\n_________\n(^١) في الأصل: برَسولي، والبيت في مجاز القرآن لأبي عبيدة (٢/ ٨٤).","vol":"2","page":263},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-600>١٩٨ - قال اللَّه ﷿: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ﴾</span>\nيقال: رجل أعجم، إذا كان في لسانه عُجْمَة، ويقال: رجل عَجَمي، وليس من اللسان، قال النبي -صلى اللَّه عليه وسل -: \"العجماء جُرحها جُبار\" (^١)، لأنها لا تَكَلَّم.\nوقال ذو الرُّمة:\nأحبُّ المكانَ القَفْرَ من أجل أنني ... به أتغنى باسمها غير مُعْجِم (^٢)\n* * *\n_________\n(^١) متفق عليه من حديث أبي هريرة، رواه البخاري في صحيحه برقم ١٤٩٩، كتاب: الزكاة، باب: في الركاز الخمس، ومسلم في صحيحه (٥/ ١٢٧)، كتاب: الحدود، باب: جرح العجماء والمعدن والبئر جُبار.\n(^٢) أورد البيت أبو عبيدة في مجاز الفرآن (٢/ ٩١).","vol":"2","page":264},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-601>ومن سورة النمل</span>","vol":"2","page":265},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-602>٨٩ - قال اللَّه ﷿: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾</span>\nقال الحسن: الحسنة: لا إله إلا اللَّه، يريد: نورثه خيرًا دائمًا.\nوقال عكرمة: الحسنة: لا إله إلا اللَّه، وكل سيئة في القرآن شرك (^١).\nوقال عطاء: من جاء بالتوحيد فهم ﴿مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾، ومن جاء بالسيئة ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ﴾ [النمل: ٩٠] وهو الشرك.\nوكذلك قوله سبحانه في ﴿وَاللَّيْلِ﴾: ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾ [الليل: ٦] يعني: وصدق بالتوحيد.\nولم يختلف من انتهى إلينا تفسيره في ذلك.\nوروي عن معاذ وأبي هريرة مثله.\n* * *\n_________\n(^١) رواه ابن جرير في تفسيره (١٠/ ٢٣).","vol":"2","page":267},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-603>سورة القصص</span>","vol":"2","page":269},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-604>٥٥ - قال اللَّه عز وعلا: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ﴾</span>\nقال مجاهد: كان ناس من أهل الكتاب أسلموا، فكان المشركون يؤذونهم، فكانوا يصفحون عنهم ويقولون: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ (^١).\nوكان سيبويه يقول: إن هذه للمُتاركة (^٢)، يقول الرجل للرجل: اذهب سلامًا سلام، أي: تاركني (^٣) وأُتاركك. فوضع هذا الكلام -واللَّه أعلم- للمتاركة، ألا ترى أن إبراهيم ﵇ قال ذلك لأبيه حين قال: ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا (٤٦) قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي﴾ [مريم: ٤٦ - ٤٧]، فقد قلنا في ذلك ما فيه كفاية.\nقال ابن عباس: ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾ [التوبة: ١١٤] قال: موته بيَّن له أنه عدو للَّه، حين مات على كفره (^٤).\nوقال عطاء: ليس لأحد من المسلمين أسوة في قول إبراهيم: ﴿لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾ [الممتحنة: ٤].\nقال اللَّه ﵎ في قصة موسى ﵇، ومخاطبته لفرعون: ﴿وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى﴾ [طه: ٤٧]، وكتب النبي -ﷺ- بمثل ذلك إلى قيصر وغيره من الكفار (^٥).\n_________\n(^١) رواه ابن جرير في تفسيره (١٠/ ٨٧).\n(^٢) انظر الكتاب (١/ ٣٢٦).\n(^٣) في الأصل: تاركي.\n(^٤) رواه ابن جزير في تفسير (٦/ ٤٩٢ - ٤٩٣).\n(^٥) ورد في رسالة النبي -ﷺ- إلى هرقل في الصحيح: \"عن محمد عبد اللَّه ورسوله إلى =","vol":"2","page":271},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-605>[رد سلام الذميين]</span>\nفأما رد السلام على أهل الذمة فقد رخص في ذلك، قال اللَّه ﷿: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾ [النساء: ٨٦] فالأحسن للمسلمين، وردها على الكافرين بمثل ما قالوا، فقد جاء عن النبي -ﷺ-: \"لا تبدؤوهم بالسلام\" (^١)، فالابتداء مكروه، والردُّ لا بأس به.\n* * *\n_________\n= هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد. . . \"، رواها البخاري في مواطن من صحيحه منها رقم ٧، كتاب: بدء الوحي، كيف كان بدء الوحي إلى رسول اللَّه -ﷺ-، ومسلم في صحيحه برقم ١٧٧٣ كتاب: الجهاد والسير، باب: كتاب النبي -ﷺ- إلى هرقل.\n(^١) رواه مسلم في صحيحه (٧/ ٥)، كتاب: السلام، باب: النهي عن ابتداء أهل الكتاب بالسلام وكيف يرد عليهم.","vol":"2","page":272},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-606>٧٧ - قال اللَّه ﵎: ﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾</span>\nقال الحسن: قدِّم الفضْل، وأمسِك ما يبلغك (^١).\nوقال قتادة: ولا تنسَ الحلال، أي: ابتغيه (^٢).\nوقال مجاهد: أن تعمل فيها بطاعتي (^٣).\nوقال ابن عباس والمسعودي (^٤): تعمل فيها لآخرتك (^٥).\nوكل هذا عندي حسن، إلا أن المعنى الجامع لهذه الآية: ﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾: أداء الفرائض، واجتناب المحارم، بعد ذلك ما قدر عليه من أعمال البر، واللَّه أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) رواه ابن جرير في تفسيره (١٠/ ١٠٦)، ولم يعزه السيوطي إليه في الدر المنثور.\n(^٢) رواه ابن جرير في تفسيره (١٠/ ١٠٦) بلفظ: طلب الحلال، وعزاه السيوطي في الدر المنثور بلفظ: أن تأخذ من الدنيا ما أحل اللَّه لك، فإن لك فيه غنى وكفاية.\n(^٣) رواه ابن جرير في تفسيره (١٠/ ١٠٥ - ١٠٦).\n(^٤) كذا بالأصل، ولعله عتبة بن عبد اللَّه بن مسعود، أو أخوه عبد الرحمن، وترجمتها في تهذيب الكمال (١٧/ ٢١٢)، و(١٩/ ٣٠٩)، واللَّه أعلم.\n(^٥) رواه عن ابن عباس ابن جرير (١٠/ ١٠٥)، ولم يعزه السيوطي إليه في الدر المنثور.","vol":"2","page":273},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-607>ومن سورة العنكبوت</span>","vol":"2","page":275},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-608>٥٦ - قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ﴾</span>\nوفي \"الزُّمَر\" أيضًا: ﴿وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ﴾ [الزمر: ١٠].\nقال سعيد بن جبير: مجانبة أهل المعاصي، وإذا أُمرتم بالمعصية فاهربوا، فإن أرضي واسعة (^١).\nوقال مجاهد: ﴿إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ﴾: اعتزلوا الأوثان.\nومعنى الآيتين واللَّه أعلم، أنه ما كان يمكن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فلا خطاب في هجران البلد، وإذا عمل بالمنكر فتعذّر النهي، وجب الانتقال خوفًا من عموم العقوبة.\n* * *\n_________\n(^١) روى ابن جرير في تفسيره (١٠/ ١٥٦) شطره الأخير: \"اهربوا. . . \"، ورواه عن عطاء: \"إذا أمرتم بالمعاصي. . . \".","vol":"2","page":277},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-609>٤٦ - قال اللَّه ﷿: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾</span>\nقال سعيد بن جبير: قال: أهل الحرب ممن لا عهد له فجادله بالسيف (^١).\nوقال مجاهد: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾: من قاتلك ولم يعطك الجزية (^٢).\nوروي عن ابن عباس: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ قال: من قريش.\nوقال قتادة: نسختها ﴿فَاقْتُلُوا (^٣) الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١٥]، فلا مجادَلة له أشدّ من السيف (^٤).\nوالرواية عن ابن عباس ﵁ ضعيفة، وقول قتادة حسن، لأن هذه السورة مكية، وإنما أمر بالقتال بعد الهجرة، وأُمِر بالجزية قبل وفاة النبي -ﷺ- بيسير، فكان ذلك هو الناسخَ لِما كان بمكة، واللَّه أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) رواه ابن جرير في تفسيره (١٠/ ١٤٩).\n(^٢) رواه ابن جرير في تفسيره (١٠/ ١٤٩).\n(^٣) في الأصل: اقتلوا.\n(^٤) رواه ابن جرير في تفسيره (١٠/ ١٥٠).","vol":"2","page":278},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-610>ومن سورة الروم</span>","vol":"2","page":279},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-611>٣٩ - قال اللَّه ﷿: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُو﴾ الآية</span>\nقال إبراهيم: كان ذلك في الجاهلية، يعطي الرجلُ ذا قرابته ليُرْبي ماله وليعرَيه (^١).\nوقال الشعبي: هو الرجل يَلْزَق بالرجل فيَخِفُّ له ويخدُمه، فيجعل له ربح بعض ماله ليَجْزِيَه، وإنما أعطاه التماس عَونه ولم يُرِد وجهَ اللَّه (^٢).\nوقال ابن جبير: هو الرجل يعطي شيئًا ليُثيبَه (^٣).\nوقال مجاهد: الهدايا (^٤).\nوقال الضحاك: هو الرجل يُهدي الهَدية يريد الفضل، فليس عليك فيه وِزْر، وليس لسك فيه أجر، قال: وحرم على النبي -ﷺ- خاصة، ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾.\nوقرأها أبو مالك: ﴿وما آتيتم من ربا لتُربوها في أموال الناس﴾.\n_________\n(^١) رواه ابن جرير في تفسيره (١٠/ ١٨٩).\n(^٢) رواه ابن جرير في تفسيره (١٠/ ١٨٩).\n(^٣) رواه ابن جرير في تفسيره (١٠/ ١٨٨).\n(^٤) رواه ابن جرير في تفسيره (١٠/ ١٨٨).","vol":"2","page":281},{"text":"وقال قتادة: هو الهدية والهبة، يُهدي الشيءَ يريد أن يُثاب أفضل من ذلك، فذلك الذي لا يربوا عند اللَّه، ولا يؤجَر عليه صاحبُه، ولا إثم عليه، وما آتيتم من زكاة الصدقة ﴿تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ (^١).\nقال مجاهد مثل ذلك (^٢).\nوقال القرظي وعكرمة نحوه.\nوالآية توجب واللَّه أعلم، أن ما كان من هدايا يُطلب بها الزيادة والثواب فليس لها أجر، لأنها تجري مجرى التّبايُع، وما كان للَّه ﷿ لصلة الرحم فهو الذي يُراد به وجه اللَّه.\n* * *\n_________\n(^١) رواه ابن جرير في تفسيره بقريب من هذا اللفظ (١٠/ ١٨٩ - ١٩٠) عن قتادة، عن ابن عباس.\n(^٢) رواه ابن جرير في تفسيره (١٠/ ١٩٠).","vol":"2","page":282},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-612>ومن سورة لقمان</span>","vol":"2","page":283},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-613>٦ - قال اللَّه عز وعلا: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-614>[حكم الغناء]</span>\nوروي عن ابن مسعود أنه قال: الغِناء، وحلف عليه باللَّه الذي لا إله إلا هو (^١).\nوقال مجاهد: الغِناء (^٢).\nوقيل عن ابن عباس: الغناء، وما أشبهه (^٣).\nوقال القاسم بن محمد: الغناء من الباطل، وهو في النار.\nوقال مكحول: من كانت له جارية مغنية فمات لم أُصَلِّ عليه، لقول اللَّه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾، إلى قوله: ﴿عَذَابٌ مُهِينٌ﴾.\nوقال عبد الكريم (^٤): كان المشركون على الطريق للمسلمين ليفتنوهم (^٥).\n* * *\n_________\n(^١) رواه ابن جرير في تفسيره (١٠/ ٢٠٢ - ٢٠٣).\n(^٢) رواه ابن جرير في تفسيره (١٠/ ٢٠٣).\n(^٣) رواه ابن جرير في تفسيره (١٠/ ٢٠٣)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٩/ ٣٠٩٦).\n(^٤) لم أتعرف عليه.\n(^٥) لعل بالرواية سقطًا.","vol":"2","page":285},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-615>١٢ - قال اللَّه عز وعلا: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ﴾</span>\nوفي \"البقرة\": ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩].\nقال مجاهد: أولي الفقه والعلم والإصابة في القول من غير نبوة (^١).\nوقال محمد بن كعب: الحكمة: القرآن (^٢).\nوقال زيد بن أسلم: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ﴾ قال: العقل في دين اللَّه ﷿ (^٣).\nفأما قول محمد بن كعب: الحكمة القرآن، يريد الآية التي في سورة البقرة.\n* * *\n_________\n(^١) رواه ابن جرير في تفسيره (١٠/ ٢٠٨).\n(^٢) لم أظفر برواية ابن كعب، وقد روي ذلك عن ابن عباس، وأبي الدرداء، ومجاهد، وأبي العالية، وقتادة، وغيرهم، انظر الدر المنثور للسيوطي (٢/ ٦٦).\n(^٣) روى ابن أبي حاتم في تفسيره (٢/ ٥٣٢)، عن زيد بن أسلم: إن الحكمة: العقل.","vol":"2","page":286},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-616>١٨ - قال اللَّه جل ثناؤه: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾</span>\nقال الحسن: ولا تعرض.\nوقال مجاهد: الصدود والإعراض بالوجه عن الناس (^١).\nوقوله: ﴿مُخْتَالٍ﴾ يريد: المتكبر.\nوقال إبراهيم: التَّشَدُّق (^٢).\nوقال الضحاك: لا تعرض عنهم إذا كتموك (^٣).\nوقال السُّدي: لا تشمخ بأنفك.\nوقال يزيد بن الأصم: الرجل يكلم الرجل فيلوي وجهه عنه محتقرًا له (^٤).\nوقال قتادة: ﴿وَلَا تصاعر خَدَّكَ للِنَّاسِ﴾ قال: هو الإعراض والتكبر.\nوقال الشاعر:\nوكنا إذا الجبّار صَعَّر خدَّه ... أَقَمْنا له مِن مَيْلِهِ فتقوَّما (^٥)\n_________\n(^١) رواه ابن جرير في تفسيره (١٠/ ٢١٥).\n(^٢) رواه ابن جرير في تفسيره (١٠/ ٢١٥).\n(^٣) كذا في الأصل، ولعلها: كلموك، ولم أظفر بلفظه، وروى ابن جرير في تفسيره (١٠/ ٢١٥) عن الضحاك قوله: لا تعرض عن الناس، يقوا: أقبل على الناس بوجهك وحسن خلقك.\n(^٤) رواه ابن جرير في تفسيره (١٠/ ٢١٥).\n(^٥) عزاه أبو عبيدة في مجاز القرآن (٢/ ١٢٧)، والطبري في تفسيره (١٠/ ٢١٤) لعمرو بن حُنَيّ التغلبي.","vol":"2","page":287},{"text":"ومعنى هذه الآية واللَّه أعلم: التُّؤَدَة في المشي، والتأني في القول، والرفق بالمخاطب، وترك الاستطالة عليه، هكذا كتب في الأم (^١).\n* * *\n_________\n(^١) يقصد أحكام إسماعيل واللَّه أعلم.","vol":"2","page":288},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-617>١٩ - قال اللَّه جل ثناؤه: ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ﴾</span>\nمعنى هذه الآية واللَّه أعلم، التّؤَدَة في المشي، والتأني في القول، والرفق بالمخاطب، وترك الاستطالة عليه (^١).\n* * *\n_________\n(^١) كذا العبارة في الأصل، وهي مكررة عن الآية السابقة.","vol":"2","page":289},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-618>ومن سورة السجدة</span>","vol":"2","page":291},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-619>١٦ - قال اللَّه ﷿: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾</span>\nروى نعيم بن وهب (^١)، وأبو وائل عن معاذ بن جبل، أن رسول اللَّه -ﷺ-، قال (^٢): \" [أَلا] (^٣) أُنْبِئُكَ بابواب من أبواب الخير؟ الصوم جُنّة والصدقة تطفئ الخطيئة، وصلاة الرجل في جوف الليل\"، ثم تلا هذه الآية: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ (^٤).\nوروى أبو عبيدة، عن عبد اللَّه أنه قال: للذين تتجافى جنوبهم عن المضاجع ما لا عين رأت، ولا أُذن سمِعت، ولا خطر على قلب بشر، اقرأوا إن شئتم: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ (^٥).\n_________\n(^١) لم أقف على الحديث من رواية هذا الرجل، ولم أقف على ترجمة بهذا الاسم، فلعله اسم آخر تصحّف على الناسخ، واللَّه أعلم.\n(^٢) في الأصل: أنه قال.\n(^٣) ساقطة من الأصل، ومستدركة من مصادر التخريج.\n(^٤) رواه عن أبي وائل الإمالم أحمد في مسنده برقم ٢٢٠١٦، والترمذي في سننه برقم ٢٦١٦، أبواب: الإيمان، باب: ما جاء في حرمة الصلاة، وابن ماجه في سننه برقم ٣٩٧٣، أبواب: الفتن، باب: كف اللسان في الفتنة، ورواه أحمد في مسنده برقم ٢٢١٣٣ عن شهر بن حوشب.\n(^٥) السجدة: ١٧، والأثر رواه ابن جرير في تفسيره (١٠/ ٣٤١)، وفي جميع ألفاظه أنه مما كتب في التوراة.","vol":"2","page":293},{"text":"وقال مالك بن أنس في قوله: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ قال: القيام في جوف الليل.\nوقال أنس بن مالك: كانوا يصلون ما بين المغرب والعشاء (^١).\nوقال عطاء: كانوا لا ينامون عن العشاء الآخرة (^٢).\nوقال موسى بن يسار: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾، وقوله: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ [الذاريات: ١٧]، قال: ما بين المغرب والعشاء، وفي قوله تعالى: ﴿وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ قال: يغدون لصلاة الصبح.\nفأما قوله: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ يعنى: ترتفع عنها.\n٢٨ - وأما قوله: ﴿مَتَى هَذَا الْفَتْحُ﴾ [السجدة: ٢٨]، فمعناه: متى هذا الحكم.\n* * *\n_________\n(^١) رواه ابن جرير في تفسيره (١٠/ ٢٣٨ - ٢٣٩) من وجوه.\n(^٢) رواه ابن جرير في تفسيره (١٠/ ٢٣٩).","vol":"2","page":294},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-620>ومن سورة الأحزاب</span>","vol":"2","page":295},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-621>٤ - قال اللَّه عز وعلا: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾</span>\nقال الزهري: بلغنا أن ذلك كان في شأن زيد بن حارثة، ضرب له مثلًا، يقول: ليس ابن رجل آخر ابنك (^١).\nوقال قتادة: كان رجل لا يسمع شيئًا إلا وعاه، فسمي ذا القلبين، فقال اللَّه ﷿: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ (^٢).\nوقال الحسن: كان رجل (^٣) يقول: إن نفْسًا تأمرني بكذا، ونفسًا تأمرني بكذا، فأنزلت الآية (^٤).\nوقال مجاهد: كان رجل من بني فهر قال: إن في جوفي قلبين، أعمل بكل واحدٍ (^٥) منهما أفضل من عمل محمد، وكذَب (^٦).\nوقال ابن عباس ﵁: قام نبيُّ اللَّه -ﷺ- يومًا يصلي، فخطر خطرة، فقال المنافقون الذين يصلون معه: ألا ترون له قلبين قلب معكم وقلب معهم، فأنزلت الآية (^٧).\n_________\n(^١) رواه ابن جرير في تفسيره (١٠/ ٢٥٦).\n(^٢) رواه ابن جرير في تفسيره (١٠/ ٢٥٥).\n(^٣) في الأصل: رجلًا.\n(^٤) نفسه.\n(^٥) فوقها في الأصل قلبٍ.\n(^٦) نفسه.\n(^٧) رواه الإمام أحمد في مسنده برقم ٢٤١٠، والترمذي في سننه برقم ٣١٩٩، أبواب: تفسير القرآن، باب: ومن سورة الأحزاب، وقال: \"هذا حسن\".","vol":"2","page":297},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-622>٤ - قال اللَّه تبارك اسمه: ﴿وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ﴾</span>\nهذه الآية تكتب إن شاء اللَّه مع الآيات التي في سورة المجادلة.\n* * *","vol":"2","page":298},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-623>٤ - ٥ - قال اللَّه ﷿: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-624>[حكم التَّبَنّي]</span>\nقال الزهري، عن عروة، عن عائشة ﵂ أنها قالت: كان سالم مولى امرأة من الأنصار، وهي زوجة أبي حذيفة بن عتبة، وكان أبو حذيفة قد تبناه كما تبنى رسول اللَّه -ﷺ- زيدَ بن حارثة، وكان من تبنى رجلًا في الجاهلية دعاه الناس إليه، ووَرِث من ميراثه، حتى نزلت: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾، فمن لم يُعلم له أب كان مولاه وأخاه في الدين، وأنكحه أبو حذيفة فاطمةَ بنت الوليد بنت أخيه (^١).\nوروى موسى بن عقبة، عن سالم بن عبد اللَّه، عن أبيه: ما كُنّا ندعو زيد بن حارثة إلا زيدَ بنَ محمد، حتى نزل القرآن ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ (^٢).\nوقال مجاهد: نزلت الآية في زيد بن حارثة (^٣).\n_________\n(^١) رواه الإمام أحمد في مسنده برقم ٢٥٦٥٠، وبرقم ٢٦٣٣٠، والنسائي في سننه برقم ٣٢٢٣، كتاب: النكاح، تزوج المولى العربية.\n(^٢) متفق عليه، رواه البخاري في صحيحه برقم ٤٧٨٢، كتاب: تفسير القرآن، باب قوله تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾، ومسلم في صحيحه (٧/ ١٣١)، كتاب: فضائل الصحابة رضي اللَّه تعالى عنهم، باب: فضائل زيد بن حارثة وأسامة بن زيد -﵄-.\n(^٣) رواه ابن جرير في تفسيره (١٠/ ٢٥٦)، وأورده السيوطي في الدر المنثور ولم يعزه إليه.","vol":"2","page":299},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-625>٦ - قال اللَّه جل وعز: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾</span>\nروى عطاء، عن ابن عباس ﵁ أنه قرأ: ﴿النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وهو أَبٌ لهم﴾ (^١).\nوقال سعيد بن جبير في هذه الآية: ﴿هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ [هود: ٧٨]: إنما عَنى أزواجَهم، وكل نبي هو أبو أمَّته (^٢).\nوقال النبي -ﷺ-: \"أنا أَولى بكلِّ مؤمن من نفسه، فأيُّما رجلٍ مات وترك دينًا فإليَّ -يعني فعَلَيَّ- وإن ترك مالًا فهو لورثته\" (^٣).\nوكان أُبيّ يقرأ: ﴿وهو أبٌ لهم﴾.\nوقد كان النبي -ﷺ- قبل أن تُفتح عليه الفتوح، إذا مات إنسان وعليه دَين لم يُصَلِّ عليه، فلما أصاب الغنائم قال هذا القول: \"من ترك دَينًا وضَياعًا\n_________\n(^١) أورده السيوطي في الدر المنثور (٦/ ٥٦٧)، وعزاه إلى الفريابي، وابن مردويه، والحاكم، والبيهقي، وهو عند البيهقي في سننه الكبرى برقم ١٣٤٢٠، جماع أبواب ما خص به النبي -ﷺ-، باب: ما خص به من اْن أزواجه أمهات المؤمنين.\n(^٢) رواه ابن جرير في تفسيره (٧/ ٨٣)، عند قوله تعالى: ﴿هَؤُلَاءِ بَنَاتِي. . .﴾.\n(^٣) متفق عليه من حديث أبي هريرة ﵁، رواه البخاري في مواطن من صحيحه منها رقم ٢٢٩٨، كتاب: الكفالة، باب: من تكفل عن ميت دينًا فليس له أن يرجع، ومسلم في مواطنه من صحيحه (٥/ ٦٢)، كتاب: الفرائض، باب: من ترك مالًا فلورثته.","vol":"2","page":300},{"text":"فعليّ\"، وكان يقضي عنهم ويصلي عليهم، وكان أبو بكر وعمر ومن قام مقامهما يفعلون لم ذلك.\nوقرأ مجاهد: ﴿وهو أبٌ لهم﴾ (^١).\n* * *\n_________\n(^١) ورد عند ابن جرير في تفسيره (١٠/ ٢٥٨)، بلفظ: قال: هو أب لهم، تفسيرًا للآية وليس قراءةً، ورواه على أنها قراءةٌ ابنُ أبي حاتمٍ في تفسيره (٩/ ٣١١٥).","vol":"2","page":301},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-626>٦ - قال اللَّه جل وعز: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ﴾ الآية</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-627>[سبب النزول]</span>\nكان النبي -ﷺ- آخى بين المهاجرين، فكانوا يتوارثون في الهجرة، حتى أنزلت ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾، وكان النبي -ﷺ- آخى بين الزبير بن العوام وبين كعب بن مالك، فارْتُثّ (^١) كعب يوم أُحُد فجاء به الزبير يقود بزمام راحلته، فلو مات يومئذ كعب عن الضِّحِّ والرّيح (^٢) لورثه الزبير، فأنزل اللَّه ﷿: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الأنفال: ٧٥].\nوقال محمد بن علي، ابن الحنفية: ﴿إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا﴾ [الأحزاب: ٦] قال: هذه في جواز وصية المسلم للكافر (^٣).\nوكان قتادة يقول: كانوا يتوارثون بالهجرة والمؤاخاة، فنسخ ذلك الآية في آخر سورة النساء.\n_________\n(^١) ارْتُثّ: حُمل من المعركة جريحًا وبه رمَق، اللسان (٦/ ٩٨).\n(^٢) الضِّحّ والرّيح: المال الكثير، والضح: الشمس أو ضوؤها، والمعنى: ما طلعت عليه الشمس أو جرت عليه الريح كثرة، انظر اللسان (٩/ ١٨ - ١٩).\n(^٣) رواه ابن جرير في تفسيره (١٠/ ٢٦٠).","vol":"2","page":302},{"text":"وكان الحسن لا يرى بأسًا أن يوصي لقرابته اليهوديّ والنصرانيّ، ويقرأ هذه الآية: ﴿إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا﴾.\nوقال قتادة: هي في الوصية لأهل الشرك من قرابته ولا ميراث لهم (^١).\n﴿كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾ قال: مكتوبًا، لا يرث كافر مُسلِمًا.\nوقال مجاهد: ﴿إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا﴾ قال: حُلَفاؤكم الذين والى بينهم النبي -ﷺ- من المهاجرين والأنصار (^٢).\nوالصحيح في هذه الآية، أن الأولياء في هذا الموضع هم الذين آخى النبي -ﷺ- بينهم من المهاجرين والأنصار، فكانوا يتوارثون بذلك حتى نزل في آخر سورة الأنفال: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الأنفال: ٧٥]، ونزل في هذه السورة: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾، فنَسخت آية الأنفال هذه الآية، وصارت المُوارَثة بالإيمان، وذلك بعد فتح مكة حين انقطعت الهجرة، وأُمروا أن يفعلوا معروفًا فيما بينهم من المؤاخاة.\n* * *\n_________\n(^١) رواه ابن جرير في تفسيره (١٠/ ٢٦٠).\n(^٢) رواه ابن جرير في تفسيره (١٠/ ٢٦٠ - ٢٦١).","vol":"2","page":303},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-628>٢٨ - ٢٩ - قال اللَّه ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَ﴾ إلى آخر الآيتين</span>\nقالت عائشة ﵂: لمّا نزلت ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾، فقال رسول اللَّه -ﷺ-: \"يا عائشة، إنه قد حدث أمر، فلا تفتاتي بشيء حتى تستأمري أبوَيك\"، ثم قرأ عليها القرآن، فقالت: بل أختار اللَّه ورسوله والدار الآخرة (^١).\nوزاد فيه أبو سلمة: وقالت: لا تخبر بذلك أزواجك، فكان يطوف على أزواجه، ويخبرهن بما قالت عائشة.\nوزاد فيه أبو سلمة بن عبد الرحمن أيضًا: قد علمت أن أبويّ لم يكونا يامراني بفراقه، قالت: فقلت: فلا، ففي أيّ هذا أستأمر أبويّ؟ فإني أريد اللَّه ورسوله والدار الآخرة، ففرح رسول اللَّه -ﷺ- بذلك، وقالت: قد علم واللَّه أن أبويّ ما كانا يأمراني بفراقه.\nوهذا الحديث له طرق كثيرة إلى الزهري، واختُلف فيه على الزهري، فقال بعضهم عن أبي سلمة، وقال بعضهم: عن عروة.\n_________\n(^١) متفق عليه، رواه البخاري في صحيحه برقم ٤٧٨٥، كتاب: تفسير القرآن، باب: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ﴾، ومسلم في صحيحه (٤/ ١٨٦)، كتاب: الطلاق، باب: بيان أن تخيير امرأته لا يكون طلاقًا إلا بالنية.","vol":"2","page":304},{"text":"قال علي بن المديني: لا يُنكَر مثلُ هذا على الزهري، لسعة علمه وحديثه، أن يحدث مرة عن هذا، ومرة عن هذا، وقد سمع ذلك من جماعة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-629>[هل يُعَدّ التخيير طلاقًا</span>؟]\nوقال مسروق بن الأجدع: ما أبالي إذا خَيَّرْتُ امرأتي واحدةً أو مائةً أو ألفًا بعد أن تختارني، فلقد أتيت عائشة فسألتها عن ذلك فقالت: قد خيَّرَنا رسول اللَّه -ﷺ- فاخترناه، أفكان ذلك طلاقًا (^١)؟\nوالآية تدل على أنه ﵇ خيَّرهن بين الدنيا والآخرة، فإن اخترن الدنيا طَلّقهن، وإن اخترن الآخرة كُنّ على ما كن عليه ولم يلزمه مفارقتهن، ألا تراه سبحانه قال: ﴿إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٢٨) وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ إلى آخر الآية، فلما اخترنه لم يَلزمه ﵇ التسريحُ الذي أوجبه على نفسه.\nوقد يجوز أن يقول قائل: إنهن لو اخترن الدنيا أن يقع الطلاق باختيارهن.\nوهذا يحتاج إلى حجة من كتاب اللَّه ﷿ أو سُنَّة، إذ الآية لا توجب وقوع الطلاق، وما روي عن عائشة: \"اخترناه فهل كان ذلك طلاقًا؟ \" إنما ذُكر ليُدفع به شيء ضعيف رُوي من طريق ضعيفة عن علي، وعليٌّ ﵀ يرتفع عن قوله: زعموا أن الرجل إذا خيَّر امرأتَه فاختارته كانت طلقة، وإذا اختارت نفسها كانت ثلاثًا، وهذا ما لا يجوز في عقل، واللَّه أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) متفق عليه، رواه البخاري في صحيحه برقم ٥٢٦٢، كتاب: الطلاق، باب من خير نساءه، ومسلم في الموضع السابق.","vol":"2","page":305},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-630>٣٣ - قال اللَّه ﵎: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾</span>\nأما قوله: ﴿الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ فإن ابن عباس ﵁ قال: لا أُولى (^١) إلا ولها آخِرة (^٢).\nوالأُولى (^٣) واللَّه أعلم: ما بين عيسى ومحمد صلى اللَّه عليهما، والآخرة: جهْل قريش في مُحارَبتهم لرسول اللَّه -ﷺ- وتكذيبه وإخراجه عن مكة.\nوأما التبرج، فإن النساء كن يخرجن يتبخترن بين الرجال في مِشْيَتِهِن وحركاتهن، فنُهيَ نساءُ المؤمنين عن ذلك، وبُدِئ بأزواج رسول اللَّه -ﷺ- قبل نزول الحجاب، لأن التبختر من المرأة يحرك قلوب الرجال، ثم صانهن اللَّه بعد ذلك فأنزل الحجاب، وجعلهن أمهات المؤمنين، تعظيمًا لهُنَّ، وإيجابًا لحقهن على المؤمنين، كإيجاب حقوق الأمهات، وحُرِّمهن على المؤمنين كتحريم الأمهات، فحقُّ رسول اللَّه -ﷺ- كحقِّ الآباء، وحقّهن كحق الأمهات، وزاد اللَّه ﵎ نبيه -ﷺ- الرأفةَ بهم والرحمة، فزاد في حقه وواجباته، لقوله سبحانه: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨].\n_________\n(^١) في الأصل: الأول، والتصويب من تفسير ابن جرير.\n(^٢) صدر أثرٍ رواه ابن جرير في تفسيره (١٠/ ٣٩٥)، وفيه أن عمر ﵁ سأل ابن عباس عن هذه الآية، وهل كانت الجاهلية إلا واحدة؟\n(^٣) في الأصل: والأول.","vol":"2","page":306},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-631>٣٦ - قال اللَّه ﷿: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-632>[سبب النزول]</span>\nخطب رسول اللَّه -ﷺ- زينبَ بنتَ جَحْش وأمّها عمةُ رسول اللَّه -ﷺ-، وكان يريدها لزيد بن حارثة، فظنت أنه يريدها لنفسه، فلما علمت أنه يريدها لزيد أَبَت، فأنزل اللَّه هذه الآية، فرضِيَت وسلَّمت.\n* * *","vol":"2","page":307},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-633>٣٧ - قال اللَّه ﵎: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ﴾ الآيتين</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-634>[سبب النزول]</span>\nهذه الآية نزلت في زيد بن حارثة، وفيه نزلت: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤٠]، وكان النبي -ﷺ- قد تبناه، وكان يُدعى زيدَ بنَ محمد، حتى نزلت: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٥]، والقِسْط: الحق، ﴿فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥].\nوأما قوله: ﴿أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾، أنعم اللَّه عليه بالإسلام، وأنعم عليه رسول اللَّه -ﷺ- بالعتق.\n﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾، أتى زيد إلى رسول اللَّه -ﷺ- فقال له: إن زينب بنت جحش، وكانت زوجتَه، وهي بنتُ عمة رسول اللَّه، اشتد عليّ لسانُها، وإني أريد أن أطلقها، فقال له: \"اتق اللَّه وأمسك عليك زوجك\"، ومع ذلك يحب أن يطلقها ويكره أن يأمره بذلك، لأن اللَّه سبحانه قد كان أعلمه أن زيدًا سيطلقها، وأنه يزوجه إياها، وكان يخفي ما أوحى اللَّه إليه من ذلك من أجل الناس، فأُنزِل: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾، ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا﴾ [الأحزاب: ٣٧] قال: لما طلقها زيد: ﴿زَوَّجْنَاكَهَا﴾ (^١).\n_________\n(^١) رواه الطبراني في المعجم الكبير برقم ١١٣.","vol":"2","page":308},{"text":"وأنزل اللَّه: ﴿مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ﴾ [الأحزاب: ٣٨]، يعني: فيما أحل اللَّه له، فتزوجها رسول اللَّه -ﷺ-، فكانت تفتخر على نساء النبي -ﷺ- وتقول: زَوّجَكُن أَهْلُوكُن، وزوجني اللَّه ﵎ من فوق سبع سماواته.\nقال أنس بن مالك: وقالت عائشة: لو أن نبي اللَّه -ﷺ- كتم شيئًا مما أُنزل عليه لكتم هذه الآية: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ الآية (^١).\nوكانت زينب أحظى نساء رسول اللَّه صلى اللَّه عليه عنده بعد عائشة، وكانت عائشة تقابلها في الفخر تقول: تزوجني رسول اللَّه -ﷺ- بعد أن أتاه جبريل ﵇ بصورتي من الجنة، وكانت زينب تُسامي عائشة من بين أزواجه ﵇، فلما كان في وقت الإفك عصمها اللَّه ﷿ بالورع، وطفقت أختها حَمْنَة زوجة عبد الرحمن، فكانت فيمن أقيم عليه الحد.\nقال أنس -﵁-: لما انقضت عِدَّة زينب من زيد، قال رسول اللَّه -ﷺ- لزيد: اذهب فاذكرها علي، فانطلق فصادفها تَخْمِرُ عجينها، فما استطعتُ أن أنظر إليها من عِظَمها في صدري، قال: فوليتها ظهري ونَكَصْت على عقبي فقلت: يا زينب أبشري، أرسلني رسول اللَّه -ﷺ- يذكرك، قالت: ما أنا صانعةٌ شيئًا حتى أُؤامِر (^٢) ربي، فقامت إلى مسجدها ونزل القرآن، فجاء رسول اللَّه -ﷺ- فدخل عليها بغير إذن، وأطعمهم الخبز واللحم، حتى امتد النهار وأطال الناس عنده، حتى نزلت: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ﴾ الآية [الأحزاب: ٥٣] (^٣).\n_________\n(^١) قول أنس وافتخار عائشةَ قبله رواهما البخاري في حديث واحد في صحيحه برقم ٧٤٢٠، كتاب: التوحيد، باب: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾.\n(^٢) أُؤامِر: أشاور، اللسان (١/ ١٥١).\n(^٣) الحديث رواه مسلم في صحيحه (٤/ ١٤٨)، كتاب: الزواج، باب: زواج زينب بنت جحش.","vol":"2","page":309},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-635>[حرمة التبني]</span>\nوأخبر اللَّه ﷿ بالعلة التي من أجلها كان من أمر زينب ما كان، ليكون ذلك أوكد في قطع الشيء الذي كان أهل الجاهلية يفعلونه، وأعلمَهم أن أدعياءهم لا يكونون أبناءهم، وأنه إنما هو شيء يقولونه بأفواههم من غير أن يكون له حقيقة، ثم قال: ﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾، إلى قوله عز مِن قائل: ﴿وَمَوَالِيكُمْ﴾ [الأحزاب: ٣ - ٥].\n* * *","vol":"2","page":310},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-636>٤٩ - قال اللَّه ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾، إلى قوله سبحانه: ﴿سَرَاحًا جَمِيلًا﴾</span>\nقال قتادة: قلت لسعيد بن المسيب: إن الحسن وأبا العالية يجعلان للمُطلَّقة التي قد دُخل بها والتي لم يُدخل بها المتاعَ، فقال سعيد: إنما كان لها في سورة الأحزاب، فلما نزلت سورة البقرة جعل للتي فُرض لها نصف الصداق ولا مُتعة، وذلك (^١) سعيد إن الآية التي في سورة البقرة نسخت هذه الآية (^٢).\nوقد تكلمنا في سورة البقرة بما فيه كفاية إن شاء اللَّه.\n* * *\n_________\n(^١) كذا في الأصل، والمعنى: وقال.\n(^٢) الأثر رواه ابن جرير في تفسيره (١٠/ ٣٠٨)، عن قتادة عن سعيد، وفيه قول سعيد بنسخ الآية دون قوله: قلت لقتادة. . . .","vol":"2","page":311},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-637>٥٠ - ٥٢ - قال اللَّه ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ﴾ إلى: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾ إلى: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾</span>\nقال زياد بن عبد اللَّه: سألتُ أُبَيَّ بنَ كعب عن هذه الآية: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ﴾، قلت: أكان له أن يتزوَّج غَيرَهُنَّ؟ قال: نعم، وما بأسٌ بذلك، لقول اللَّه ﷿: ﴿إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ﴾، إلى قوله: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾، فقال: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ﴾، قال: الأربع اللاتي أحلهن اللَّه لنا (^١).\nوقالت عائشة رحمة اللَّه عليها: ما مات رسول اللَّه -ﷺ- حتى أُحِلّ له النساء (^٢).\n_________\n(^١) رواه ابن جرير في تفسيره (١٠/ ٣١٧) من وجوه أحدها: عن زياد رجلٍ من الأنصار قال: قلت لأُبَيّ بن كعب: أرأيت لو أن أزواج النبي -ﷺ- توُفِّين، أما كان له أن يتزوج؟ فقال: وما يمنعه من ذلك؟ وربما قال داود: وما يُحرِّم عليه ذلك؟ قلت: قوله: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾، فقال: إنما أَحَلّ اللَّه له ضرْبًا من النساء فقال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ﴾، إلى قوله: ﴿إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾ ثم قيل له: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾.\n(^٢) رواه الإمام أحمد في مسنده برقم ٢٤١٣٧، والترمذي في سننه برقم ٣٢١٦، أبواب: تفسير القرآن، باب: ومن سورة الأحزاب، وقال: \"هذا حسن صحيح\"، والنسائي في سننه برقم ٣٢٠٤، كتاب: النكاح، ما افترض اللَّه ﷿ على رسوله ﵇ وحرمه على خلقه ليزيده إن شاء اللَّه قربة إليه.","vol":"2","page":312},{"text":"وقال مجاهد: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾، يعني: نساء أهل الكتاب (^١). وقال سعيد بن جبير وعطاء نحو ذلك (^٢).\nوقال الحسن ﵀: لما خَيَّر رسول اللَّه -ﷺ- نساءه، عزم اللَّه لهن فاخترْنه، فقصر اللَّه ﵎ نبيه صلى اللَّه عليه عليهن، فقال: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ﴾.\nوقال قتادة والزهري نحو ذلك (^٣).\n* * *\n_________\n(^١) رواه ابن جرير في تفسيره (١٠/ ٣١٨) قال: لا يهودية، ولا نصرانية، ولا كافرة.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور (٦/ ٦٣٧) عن عطاء لعبد بن حميد.\n(^٣) رواه عن قتادة ابن جرير في تفسيره (١٠/ ٣١٦).","vol":"2","page":313},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-638>٥٠ - قال اللَّه ﷿: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ﴾ ٥٠ - قال اللَّه ﷿: ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-639>[هِبة المرأة نفسَها]</span>\nوأجمع كل من انتهى إلينا تفسيره، أن ذلك لا يُحِلُّ لأحدٍ بعدَ رسول اللَّه صلى اللَّه عليه ولا لامرأة أن تهب نفسها، ولا لأب أن يهَب ابنته، وكانت هذه خالِصة لرسول اللَّه -ﷺ-، وكانت ممن أُرْجِئ.\nوهذه الآية تُقرأ بالفتح والكسر، فمن قرأ: ﴿أَنْ وَهَبَتْ﴾، بالفتح فجعله خبرًا لامرأةٍ واحدة، ومنهم -وهم أكثر القراء- قرؤوها بالكسر ﴿إِنْ وَهَبَتْ﴾، يريدون كلَّ امرأة وهبت، وهذا أحسن (^١)، على أن النبي -ﷺ- لم يقبل موهوبةً، إلا واحدةً وهي من الأزد، وهي ممن أَرْجَأَ من نسائه قبل موته -ﷺ-.\n* * *\n_________\n(^١) قال ابن جرير في تفسيره (١٠/ ٣١٠): \"واختلفت القراء في قراءة قوله: ﴿إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا﴾، فقرأ ذلك عامة قراء الأمصار: ﴿إِن وَهَبَتْ﴾ بكسر الألف على وجه الجزاء، بمعنى: إن تَهَب، وذُكر عن الحسن البصري أنه قرأ: أَنْ وهبت بفتح الألف بمعنى: وأحللنا له امرأة مؤمنة أن ينكحها، لهبتها له نفسَها\".","vol":"2","page":314},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-640>٥٠ - قال اللَّه ﷿: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ﴾</span>\nقال أُبَيّ بن كعب: فَرض عليهم مَثْنى وثُلاثَ ورُباع.\nوقال سعيد بن جبير ومجاهد وقتادة: الأربع (^١).\nومعنى ﴿لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ﴾ أي: لم يُضَيَّق عليك أنتَ خاصّة فيما فوق الأربع إلى تسع، واللَّه أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) رواه عن مجاهد، وقتادة، ابن جرير في تفسيره (١٠/ ٣١٢).","vol":"2","page":315},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-641>٥١ - قال اللَّه ﷿: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَّ﴾</span>\nكان النبي -ﷺ- أراد أن يطَلِّق سَودة بنتَ زَمعة ويستبدل لأنها طَعَنَت في السِّنّ، وكان تزوجها بمكة بعد وفاة خديجة، فقالت له: أنا أعلم ما في نفسك لعائشة، فدعني في أزواجك واقْسِم بيومي لعائشة، فقبل ذلك منها، فكان يقسم لعائشة بيومين، ولسائر نسائه بيوم يوم، وبسببها نزلت: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا﴾ (^١).\nولما نزلت: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾، آوى إليه عائشة، وحفصة، وأمَّ سلمة، وزينب، وأرجأ الباقيات: سودة، وجويرية، وصفية، وميمونة، وأم حبيبة، فكان يقسم لهن ما شاء، وكان أراد مفارقتهن فقلن: اقسِم لنا ما شئت من نفسك ودعنا على حالنا ففعل، فهذا هو الصحيح.\nوقد قال الشافعي غير ذلك، قال: كن نساء وهبن أنفسهن للنبي -ﷺ-، فدخل بعضهن (^٢) ولم يقْرُبهن حتى توفي، ولم يُنْكَحْن بعده، منهن أم شريك.\n_________\n(^١) النساء: ١٢٨، والحديث رواه الترمذي برقم ٣٠٤٠، أبواب: تفسير القرآن، باب: ومن سورة النساء، عن ابن عباس ﵄، وقال: \"هذا حسن صحيح غريب\"، ورواه أبو داود في سننه برقم ٢١٣٥، كتاب: النكاح، باب: في القسْم بين النساء، عن عائشة ﵂، (ط الأرناؤوط).\n(^٢) كذا في الأصل، ولعلها: ببعضهن.","vol":"2","page":316},{"text":"والأول هو الصحيح، قال هشام بن عروة عن أبيه عن عائشةَ ﵂: لما نزل: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾، قالت: قلتُ: إن ربَّك ليسارع لك في هَواك، وكان النبي -ﷺ- قد وُسِّع عليه في ذلك، وجعل له من ذلك ما ليس لأحد بعده، وأُمِرْن بالرِّضا بما يفعله.\n* * *","vol":"2","page":317},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-642>٥٣ - قال اللَّه جل ثناؤه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾، إلى: ﴿مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-643>[سبب النزول]</span>\nقال أنس بن مالك ﵁: أنا أعلم الناس بهذا الآية، لما أُهديت زينب إلى رسول اللَّه -ﷺ- كانت معه في البيت، وصنع طعامًا فجاء القوم فكانوا يأكلون وجلسوا، فكان النبي -ﷺ- يخرج والقوم مكانهم، ثم يرجع وهم قعود، فأنزل اللَّه ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾، فضرب رسول اللَّه -ﷺ- الحجاب وقام القوم (^١).\nوقال مجاهد في قوله: ﴿غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾ قال: نُضجَه (^٢).\nقال بكر: ولما أنزل اللَّه ﵎ في أمهات المؤمنين: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾، فكُنّ لا يجوز للناس كلامُهن إلا من وراء حجاب، خُصِصْنَ بذلك دون سائرَ الناس من النساء، ولا يجوز أن يرَوْنَهن مُنَتقِّبات ولا مُنتشِرات.\n_________\n(^١) رواه البخاري في صحيحه برقم ٤٧٩٢، كتاب: تفسير القرآن، باب: قوله تعالى: ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾.\n(^٢) رواه ابن جرير في تفسيره (١٠/ ٣٢١ - ٣٢٢).","vol":"2","page":318},{"text":"وكذلك قال عمر ﵁ لما ماتت زينب بنت جحش: لا يخرج في جنازتها إلا ذو مَحرم منها، فلما وصف له النعش استحسنه ونادى في الناس: أن اخرجوا وصلوا على أمكم.\nوكانت عائشة ﵂ إذا طافت سُتِرت من الناس فلا تُشْرك في الطواف، وكذا طُفْنَ أزواجُ رسول اللَّه -ﷺ- في حجة الوداع بسترة بينهن وبين الناس.\n* * *","vol":"2","page":319},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-644>٥٣ - قال اللَّه تبارك اسمه: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا﴾</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-645>[سبب النزول]</span>\nقال رجل من الصحابة: لو قُبض رسول اللَّه صلى اللَّه عليه تزوجتُ فلانة، فأنزل اللَّه ﵎: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا﴾ (^١).\nوالرجل القائل: طلحة بن عبيد اللَّه، وهو ابن عمها (^٢).\n* * *\n_________\n(^١) رواه البيهقي في السنن الكبرى برقم ١٣٤١٨، كتاب: النكاح، جماع أبواب ما خص به النبي -ﷺ-، باب: ما خص به من أن أزواجه أمهات المؤمنين، وأنه يحرم نكاحهن من بعده على جميع العالمين، (ط دار الكتب العلمية)، وفيه: \"لتزوجت عائشة أو أم سلمة\".\n(^٢) روى أنه طلحة السُّدي، عند ابن أبي حاتم، وقتادة عند عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وأبو بكر بن عمرو بن حزم عند ابن سعد، الدر المنثور (٦/ ٦٤٤).","vol":"2","page":320},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-646>٥٥ - قال اللَّه تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلَا أَبْنَائِهِنَّ﴾ الآية</span>\nقال سفيان، عن عمرو بن دينار، عن محمد بن علي قال: كان الحسن والحسين ﵄ لا يريان أمهات المؤمنين (^١).\nقال ابن عباس ﵁: رؤيتهما لهن حلال.\nقال بكر: أحسب أن الحسن والحسين ذهبا في ذلك إلى أن أبناء البُعولة لم يُذكَروا في قصة أمهات المؤمنين، وإنما ذُكروا في سائر النساء، لأن اللَّه ﷾ قال في قصة أزواج النبي صلى اللَّه عليه: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلَا أَبْنَائِهِنَّ وَلَا إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ وَلَا نِسَائِهِنَّ وَلَا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾، فلم يذكر أبناء البُعولة من أجل أن النبي -ﷺ- لم يكن له ولدٌ ذكر بالغ، وعَلم اللَّه ﵎ أنه لا يكون له ولد لصلبه، ولا لهن مِن تَزَوُّجٍ بعده، فهذا مبتدأ، وقال في سورة النور في سائر النساء وذكر أبناء البعولة، وابن عباس ذهب في ذلك إلى هذه الآية، وذهب الحسن والحسين ﵄ إلى الآية الأخرى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-647>[رؤية العبد سيِّدتَه]</span>\nوأما قوله: في سورة النور، وسورة الأحزاب: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾، فقد ذهب في ذلك قوم إلى أنهن الإماء، ولم يُعن به العبيد، قاله سعيد بن المسيب (^٢).\n_________\n(^١) رواه ابن أبي شيبة برقم ١٧٢٩١، كتاب النكاح، ما قالوا في الرجل ينظر غلى شعر جدته.\n(^٢) رواه ابن أبي شيبة في المصنف برقم ١٧٢٧٤، كتاب: النكاح، ما قالوا في الرجل المملوك له أن يرى شعر مولاته، (ط الرشد).","vol":"2","page":321},{"text":"وذهب قوم إلى أنه العبيد، وهو أعلى القولين (^١)، نبهانُ كان يدخل على أم سلمة إلى أن أعتقته.\nوقال أبو مالك، عن ابن عباس: لا بأس أن ينظر المملوك إلى شعر مولاته (^٢).\nوسليمان بن يسار مولى ميمونة، كان يدخل إلى عائشة وإلى ميمونة إلى أن عتق، وقالت له: ادخل (^٣) فإنك عبد ما بقي عليك درهم.\nوكان ذكوان مولاها يدخل عليها إلى أن أدى كتابته، ثم احتجبت عنه.\nوقال مجاهد: كن أمهات المؤمنين لا يحتجبن من مكاتَب لهُنّ ما بقي عليه من مكاتبته دينار أو مثقال.\n* * *\n_________\n(^١) روي عن ابن عباس، ومجاهد، وسعيد بن جبير، انظر الدر المنثور (٦/ ١٨٣) في تفسير الآية من سورة النور.\n(^٢) رواه ابن أبي شيبة في مصنفه برقم ١٧٢٧٠، كتاب: النكاح، ما قالوا في الرجل المملوك له أن يرى شعر مولاته، (ط الرشد).\n(^٣) في الأصل: ادخلي.","vol":"2","page":322},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-648>٥٦ - قال اللَّه ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-649>[صِيَغ الصلاة على النبي -ﷺ</span>-]\n٥٧ - نا أحمد بن موسى قال: نا القعنبي، عن مالك، عن نعيم بن (^١) عبد اللَّه المُجْمِر، أن محمد بن عبد اللَّه بن زيد الأنصاري، وعبد اللَّه هو الذي كان أُري النداء بالصلاة، أخبره عن أبي مسعود الأنصاري أنه قال: أتانا رسول اللَّه -ﷺ- في مجلس سعد بن عُبادة، فقال له بشير بن سعد: أمرنا اللَّه أن نصلي عليك يا رسول اللَّه، فكيف نصلي عليك؟ قال: فسكت رسول اللَّه -ﷺ- حتى تمنينا أنه لم يسأله، ثم قال النبي -ﷺ-: \"قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد، والسلام كما قد علمتم\" (^٢).\n٥٨ - نا أحمد بن موسى السامي، قال: نا عبد اللَّه بن مسلمة، عن مالك، عن عبد اللَّه بن أبي بكر بن محمد، عن أبيه، عن عمرو بن سُلَيْم الزُّرَقي أنه\n_________\n(^١) في الأصل: عن، وهو غلط.\n(^٢) موطأ مالك برواية القعنبي برقم ٢٨٢، كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في الصلاة على النبي -ﷺ-، ورواه مسلم من طريق يحيى بن يحيى، (٢/ ١٦)، كتاب: الصلاة، باب الصلاة على النبي -ﷺ- بعد التشهد.","vol":"2","page":323},{"text":"قال: أخبرني أبو حميد الساعدي: أنهم قالوا: يا رسول اللَّه كيف نصلي عليك؟ فقال رسول اللَّه -ﷺ-: \"قولوا: اللهم صل على محمد وأزواجه وذريّته، كما صليت على آل إبراهيم، وبارك على محمد وأزواجه وذريته، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد\" (^١).\nوالحديث في هذا الباب يكثر، والمعاني متقاربة، والألفاظ تشتبه بالواحدة.\nوقال عبد اللَّه بن مسعود ﵁: إذا صليتم على النبي -ﷺ- فأحسنوا الصلاة عليه، فإنكم لا تدرون لعل ذلك يعرض عليه، قالوا: فعلِّمنا، قال: قولوا: اللهم اجعل صلواتِك ورحمتَك وبركاتِك على سيد المسلمين، وإمام المتقين، وخاتم النبيين، محمدٍ عبدِك ورسولك، إمامِ الخير، وقائدِ الخير، ورسولِ الرحمة، اللهم ابعثه مقامًا محمودًا يَغْبِطُه به الأولون والآخرون، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى اَل محمد، كما باركت على إبراهيم، وآل إبراهيم إنك حميد مجيد (^٢).\nقال بكر: صلاة اللَّه: رحمتُه وتشريفُه لعبده، وصلاة الملائكة والبَشر ومؤمني الجِن: دعاءٌ له ﵇.\n* * *\n_________\n(^١) الموطأ برواية القعنبي، برقم ٢٨١، الموضع السابق، ومن طريقه البخاري في صحيحه برقم ٦٣٦٠، كتاب: الدعوات، باب هل يصلى على غير النبي -ﷺ-؟ ومسلم من طريق إسحاق بن إبراهيم، عن روح، عن مالك به، الموضع السابق.\n(^٢) رواه ابن ماجه في سننه برقم ٩٠٦، أبواب: إقامة الصلوات والسنة فيها، باب: الصلاة على النبي -ﷺ-.","vol":"2","page":324},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-650>٥٩ - قال اللَّه ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾</span>\nكن إماء بالمدينة يُعرفن بالسّوء من المذاهب، وكان السفهاء ربما يعرفوا (^١) لهن، فربما ظنوا بالحرة أنها أمة فيعبثوا بها، فأنزل اللَّه ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ﴾، وذلك قبل نزول الحجاب، إلى قوله: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾، لأنهم كانوا لا يتعنتون بحُرة، فأُمرن أن يُدنين عليهن من جلابيبهن، يُغَطِّين الوجوه إلا فَرْدَ عَينٍ، فإذا فعَلَت ذلك عُلم أنها حرة فلم يتعرض لها سفيه في طريق، هذا معنى ما وردت به التفاسير والروايات.\n* * *\n_________\n(^١) فوقها في الأصل: ربما يعرضوا.","vol":"2","page":325},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-651>ومن سورة سبأ</span>","vol":"2","page":327},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-652>١٣ - قال اللَّه ﵎: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾</span>\nرُويَ عن النبي -ﷺ- أنه قال: \"ثلاث من أوتيَهن فقد أوتي ما أوتي آل داود\"، قيل: ما هن يا رسول اللَّه؟ قال: \"العدل في الرِّضا والغضب، والقصد في الغنى والفقر، وخشية اللَّه في السر والعلانية\".\nكل ما تقرب به إلى اللَّه من صلاة وصيام وعمل من أعمال البر فهو شكر للَّه، قال النبي -ﷺ-: \"أفلا أكون عبدًا شكورًا\" (^١).\nوذِكر اللَّه ﷿ في الخَلَوات، وتحميدُه وتسبيحه وتكبيره شكرٌ، ألهمنا اللَّه ذلك برأفته.\n* * *\n_________\n(^١) متفق عليه من حديث المغيرة بن شعبة -﵁-، رواه البخاري في غير موطن من صحيحه منها رقم ١١٣٠، كتاب: التهجد، باب: قيام النبي -ﷺ- حتى ترم قدماه، ومسلم في صحيحه برقم ٢٨١٩، كتاب: صفة القيامة، باب: إكثار الأعمال والاجتهاد في العبادة (ط عبد الباقي).","vol":"2","page":329},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-653>ومن سورة الملائكة </span>(^١)\n_________\n(^١) هي سورة فاطر.","vol":"2","page":331},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-654>١٠ - قال اللَّه ﷿: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾</span>\nاختلف المفسرون في هذه الآية فقال بعضهم: الكلم الطيب يرفع العمل الصالح (^١).\nوقال بعضهم: العمل الصالح يرفع الكلم الطيب (^٢).\nوقال الحسن: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾، قال: العمل الصالح يرفع الكلم الطيب إلى اللَّه، فإذا كان الكلام طيبًا والعمل سيئًا رُد القول على العمل، وكان عملك أحقّ بك من قولك (^٣).\nوالذي هو أصح في معنى هذه الآية أن الكلمَ الطيبَ: التوحيدُ، فإذا صح توحيد العبد ارتفع عمله، وإذا لم يَصِحَّ للعبد التوحيدُ لم ينفع العملُ، والآية فيها تقديم وتأخير: قوله سبحانه: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ الكلمُ الطيِّبُ، ولولا ذلك لم يصعد منه شيء، ألا تراه يقول: ﴿لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ﴾ [آل عمران: ١٩٥]، يعني: المؤمنينَ من ذكر أو أنثى، فهذا معنى الآية عندي، واللَّه أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) عزاه ابن الجوزي في زاد المسير (٦/ ٤٧٨) إلى أبي صالح، وشهر بن حوشب.\n(^٢) روي عن ابن عباس، وشهر بن حوشب، ومجاهد، وقتادة، وغيرهم، انظر تفسير ابن جرير (١٠/ ٣٩٩).\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور (٧/ ٩) لابن المبارك، وعبد بن حميد، وابن المنذر.","vol":"2","page":333},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-655>٢٨ - قال اللَّه ﷿: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾</span>\nخشية العبد للَّه على قَدْر علمه به، فكلما ازداد به علمًا ازداد له خشية، فأخشى الخلق للَّه الأنبياء ﵈، ثم الصِّدِّيقون، ثم الأمثل فالأمثل، على قدر علمهم به خشيتُهم ومراقبتُهم له.\n* * *","vol":"2","page":334},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-656>ومن سورة يس</span>","vol":"2","page":335},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-657>١٢ - قال اللَّه ﷿: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-658>[سبب النزول]</span>\nقال ابن عباس ﵁: كانت منازل الأنصار بعيدة من المسجد فأرادوا أن ينتقلوا إلى المسجد فنزلت: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾، فقالوا: نَثْبُت مكاننا (^١).\nوقال ابن جبير: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾: ما سَنّوا (^٢).\nوقال قتادة: خُطاهم (^٣).\nوقال عمر بن عبد العزيز ومجاهد نحوَ ذلك (^٤).\nوالمعنى -واللَّه أعلم- في ﴿مَا قَدَّمُوا﴾ (^٥): أعمالُ الخير كلها من قول وفعل، هو ما قدموا في حياتهم.\nوقوله: ﴿وَآثَارَهُمْ﴾: ما كان بعدهم من ثواب حَسَن، وصدقات، ووَلد صالح يعمل بأعمالهم، وسُنن حسنةٍ أثرها، فاستحسنها قوم فعمِلوا بها.\n_________\n(^١) رواه ابن ماجه سننه برقم ٧٨٥، أبواب: المساجد والجماعات، باب: الأبعد فالأبعد من المسجد أعظم أجرًا.\n(^٢) رواه ابن أبي شيبة برقم ٣٥٣٥٥، كتاب الزهد، سعيد بن جبير، (ط الرشد).\n(^٣) رواه ابن جرير في تفسيره (١٠/ ٤٣٠).\n(^٤) علقه البخاري في الصحيح برقم ٦٥٥، كتاب: الأذان، باب: احتساب الآثار، عقب حديث أنس ﵁، ورواه ابن جرير في تفسيره (١٠/ ٤٣٠).\n(^٥) في الأصل: فيما قدموا.","vol":"2","page":337},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-659>ومن سورة والصافات</span>","vol":"2","page":339},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-660>٤٥ - ٤٧ - قوله ﷿: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (٤٥) بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ (٤٦) لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ [عَنْهَا] (^١) يُنْزَفُونَ﴾</span>\nقال أبو عمرو بن العلاء، وعيسى بن عمر، وأبو عبيدة معمر: لا تغتال عقولهم، ولا يُنزِفُها فيُذهبُها، وأنشد أبو عبيدة:\nما زالت الكأسُ تغتالُنا ... وتذهب بالأوّل الأوّلِ (^٢)\nوأنشد في قوله: ﴿غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ﴾، يعني: سكرًا:\nلعَمري لئن أنْزَفتمُ أو صَحَوْتمُ ... لبئس الندامى كنتمُ آل أَبْحَرا (^٣)\nوالكأس التي يُطاف بها في الجنة عليهم، قد أخبر اللَّه ﷿ أنه أزال عنها الشدة المُتلِفة للعقول فصارت حلالًا، فدل بذلك أن تحريمه لها في الدنيا لبقاء الشدة فيها، واللَّه أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) سقطت من الأصل.\n(^٢) مجاز القرآن (٢/ ١٦٩).\n(^٣) نفسه.","vol":"2","page":341},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-661>١٤٠ - ١٤١ - قال اللَّه ﷿: ﴿إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾</span>\nقال عبد اللَّه: أبق إباقًا، يعني: يونس.\nوقال طاوس: ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ إِذْ أَبَقَ﴾، قال: قيل ليونس: إن قومك يأتيهم العذاب يوم كذا وكذا، فلما كان يومئذ خرج يونس ففقده قومه، فخرجوا بالصغير (^١) والكبير والدواب وكل شيء، فأتاهم العذاب حتى نظروا إليه، ثم صُرف عنهم، فلما لم يُصِبْهم ذهبَ يونسُ مغاضِبًا، فركب في البحر في سفينة مع ناس، حتى إذا كانوا حيث شاء اللَّه، رَكَدَت السفينة فلم تَسِر، فقال صاحب السفينة: وما منعها أن تسير إلا أن فيكم رجلًا مَشْؤومًا، فاقترعوا ليلقوا أحدهم فخرجت القرعة على يونسَ، فقالوا: ما كنا لنفعلَ بك هذا، ثم اقترعوا أيضًا فخرجت عليه، حتى خرجت القرعة عليه ثلاثًا فرمى بنفسه (^٢).\n﴿فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ [الصافات: ١٤٢]، قال قتادة: وهو مُسيء (^٣).\nقال طاوس: بلغني أنه لما نَبَذَه الحوت بالعراء وهو سقيم، نبتت عليه شجرة من يَقْطِين، واليقطين: الدُّبّاء (^٤)، فمكث حتى تراجعت إليه نفسه، ثم\n_________\n(^١) في الأصل: الصغير، وما أثبته من المصدر.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر (٧/ ١٢١) لعبد الرزاق، وأحمد في الزهد، وعبد بن حميد، وابن المنذر.\n(^٣) رواه البيهقي في سننه الكبرى برقم ٢١٤٠٥، كتاب: العتق، باب: إثبات استعمال القرعة، (ط العلمية).\n(^٤) الدُّبّاء: قال القاضي عياض في المشارق (١/ ٢٥٢): \"بضم الدال وتشديد الباء، =","vol":"2","page":342},{"text":"يبست الشجرة، فبكى يونسُ حزنًا عليها، فأُوحِيَ إليه: أتبكي على هلاك شجرة، ولا تبكي على هلاك مئة ألف أو يزيدون؟ (^١)\nقال أبو سلمة: وكان لما وعد قومه بالعذاب أن يُصَبِّحَهم قالوا: انظروه فإنه إن خرج من ليلته هذه فإن العذاب مُصَبِّحُكُم، وإلا فإنه كبعض ما كان يقول، فانتظروه حتى إذا كان السَّحَر أخذ عصاه ومِزْوَدَه (^٢) وخرج من القرية، فلما أظلهم العذاب ثم كُشِف عنهم مر بيونسَ رجل بعد أن ارتفع النهار، فقال يونس له: ما فعل أهل القرية، أنزل عليهم العذاب؟ قال: لا، فخرج مغاضبًا فركب السفينة فتَحَيَّرَت، فقالوا: إن فيكم لشرًا، فقال يونس: أنا صاحبكم فألقوني، فأبوا إلا يُساهِموه، فساهَموه ﴿فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ﴾، ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧]، فألقاه الحوت.\nوقال ابن عباس ﵁: إنما كانت رسالة يونس بعد ما نبذه الحوت، ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات: ٤٣ - ٤٧] فكانت الرسالة بعد (^٣).\nوقال شَهْر بن حَوشَب: فنودي الحوت: يا حوت إنا لم نجعل لك يونس رِزْقًا، إنما جعلناك له حِرزًا ومسجدًا (^٤).\n_________\n= ممدودٌ ويقْصَر أيضًا، وهو: القَرْع الذي يوكل، بتسكين الراء، وهو: جمعٌ واحدة دُبّاءة، ومن قصَر قال في الواحدة دُباه\".\n(^١) قول طاوس تتمة للأثر السابق.\n(^٢) المِزْوَد: وعاء يجعل فيه الزاد، اللسان (٧/ ٧٧).\n(^٣) رواه ابن جرير في تفسيره (١٠/ ٥٣٢).\n(^٤) رواه ابن جرير في تفسيره (١٠/ ٥٣٢).","vol":"2","page":343},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-662>[حِكمة القُرْعَة وحُكمها]</span>\nقال بكر: فجاء في هذه الآية ذكر المُساهمة، ومعرفة يونس به أنه المراد بوقوع القُرْعَة عليه، وذلك آية من آيات اللَّه.\nوأما المساهمة على مريم ﵍ فيمن تَكفَّلها، فإنه يدل على أنهم لما استوت حالهم فيمن يكفُلُها اقترعوا على ذلك.\nوأما إقراع النبي -ﷺ- بين نسائه إذا أراد سفرًا، فإن ظاهر ذلك واللَّه [أعلم] (^١) يدل على أنه كان يَقْسِم بينهن في غير السفر، ويقيم عند كل واحدة في اليوم الذي هو لها، فلما أراد السفرَ، واحتاج إلى أن يُسافر معه ببعضهن، جعل الحَكمَ فيهن القرعةُ، ليُزيل عن قلوبهن الانحراف عن بعضهن إلى بعض، ويُطَيِّب بذلك أنفسَهن، فكذلك ينبغي لكل من أراد أن يسافر بامرأة، وله أربع أو دونهن، أقرع ليُزيل الغم عن قلوبهن، إذ لا واجب عليه لواحدة منهن، ولا لهن مقال عند سفره، وإنما القسْم شيء يلزمه في الحضر دون سفره، وكان له أن يُخرج أيتَهن شاء، ولكنه أراد أن يُطَيِّب أنفسَهن.\nوأما قوله -ﷺ- للرجلين في الميراث: \"تواخيا واستهما\" (^٢)، فإن هذه هي القسمة التي تكون بين الشركاء، فعليهم أن يَعدلوا ذلك بالقيمة ثم يَستَهِموا،\n_________\n(^١) سقطت من الأصل.\n(^٢) رواه الإمام أحمد في مسنده برقم ٢٦٧١٧، وأبوداود في سننه برقم ٣٥٨٤، كتاب: الأقضية، باب قضاء القاضي إذا أخطا، (ط الأرناؤوط)، عن أم سلمة قالت: جاء رجلان من الأنصار يختصمان إلى رسول اللَّه -ﷺ- في مواريث بينهما قد درسَت، ليس بينهما بينة، فقال رسول اللَّه -ﷺ-: \"إنكم تختصمون إلي، وإنما أنا بشر، ولعل بعضَكم ألحنَ بحجته، أو قد قال: لحجته، من بعض، فإنما أقضي بينكم على نحو ما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئًا فلا يأخذه، فإنما أقطَع له قطعة من النار يأتي بها إسطامًا في عنقه يوم القيامة\"، فبكى الرجلان وقال كل واحد منهما: حقي لأخي، قال: فقال رسول اللَّه -ﷺ-: \"أما إذ قلتما، فاذهبا فاقتسما، ثم توخيا الحق، ثم استَهِما، ثم ليُحَلِّل كل واحد منكما صاحبَه\".","vol":"2","page":344},{"text":"فيكون لكل واحد منهم ما وقع له بالقُرعة، ويجتمع لكل واحد منهم ما وقع له بالقُرعة، ويجتمعَ لكل واحد منهم ما كان له في المِلك مشاعًا فيصيرَ في موضع بعينه، إلا أن تكون الأملاك مُتباينة فيقسم لكل واحد منهم بقدْر حصَّته، حتى يكون لكل واحد منهم من الجَيِّد والرديء بقدر نصيبه.\nوأما ما جاء عن النبي -ﷺ- في القُرعة بين الأَعبد السِّتّة الذين أعتقهم الرجل في مرضه (^١)، فإن ذلك واللَّه أعلم من نحو القِسمة التي وصفناها، لأنه أعتق فتعدى فيما فعل، فلما مات رُدَّ فعلُه إلى الثلث الذي يجب له، وقُسم الرقيق بينه وبينَ ورثته، فما أصابه بالثلث بعدُ عتقه فيه (^٢)، وما أصاب الورثة بالثلثين بطل العتق فيه، فاجتمع للميت بالقُرعة نصيبُه في بعض ذلك بعينِه، وكذلك الورثة.\nفكل ما تجوز فيه القسمة فُعل فيه بعدَ التعديلِ على ما وصفنا. ولو أن رجلًا وَقَفَ أسهمًا له في دار أو أرض لقُسم ذلك، وأُقرع بين الموقِف والشركاء، فما أصاب الوَقْفَ صار بعينه وقفًا، وبطل ما سواه بالقرعة، واللَّه أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) رواه مسلم في صحيحه عن عمران بن الحصين برقم ١٦٦٨، كتاب: الأيمان، باب: من أعتق شِركًا له في عبد، (ط عبد الباقي)، أن رجلًا أعتق ستة مملوكين له عند موته، لم يكن له مال غيرهم، فدعا بهم رسول اللَّه -ﷺ-، فجزأهم أثلاثَا، ثم أقرع بينهم، فأعتق اثنين وأرَقَّ أربعة، وقال له قولًا شديدًا.\n(^٢) كذا العبارة في الأصل، والسياق أن ما أصابه بالثلث أُمضي العتق فيه.","vol":"2","page":345},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-663>١٠٣ - قال اللَّه ﷿: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا﴾</span>\nيريد: استَسلما لما أُمرا به.\nوقال اللَّه: ﴿وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾، أي: صرعه، وللوجه جبينان والجبهة بينهما، قال الكُمَيْت:\nفتَلَّه للجبين مُنعفرًا ... منه مناط الوتين مُنقضِبُ (^١)\n* * *\n_________\n(^١) البيت في نسخة من مجاز القرآن، أثبته المحقق في الهامش (٢/ ١٧١).","vol":"2","page":346},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-664>١٠٧ - ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾</span>\nالذِّبْحُ: المذبوح، والذَّبْحُ: الفعل.\n* * *","vol":"2","page":347},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-665>ومن سورة ص</span>","vol":"2","page":349},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-666>٢٠ - قال اللَّه ﷿: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾</span>\nقال الحسن: الفهم في القضاء (^١).\nوقال مالك بن أنس: الخصوم والقضاة يقومون بالقسط (^٢).\nوقال مجاهد: ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ﴾، قال: كان أشد أهل الدنيا سلطانًا، ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ﴾ قال: عدله، ﴿وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾: ما قال من شيء أنفذ (^٣)، وهو إصابةُ القضاء وفهمه.\nوقال الشعبي: شاهدان أو يمين (^٤).\nوقال شُرَيح: الشهود والأيمان، البيِّنة على المُدعي واليمين على المنكِر (^٥).\nوقال أبو عبد الرحمن السلمي: ﴿وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ (^٦): فصل القضاء.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور (٧/ ١٥٤) لعبد بن حميد، وابن المنذر.\n(^٢) أورده ابن أبي زيد في النوادر (٨/ ١٣) عن القاضي إسماعيل عن مالك بلفظ: الخصوم والقضاء.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور (٧/ ١٥٣) لعبد بن حميد، والحاكم، ولم أجده عند الحاكم.\n(^٤) رواه ابن جرير في تفسيره (١٠/ ٥٦٥).\n(^٥) رواه ابن جرير في تفسيره (١٠/ ٥٦٥) مفرَّقًا.\n(^٦) رواه ابن جرير في تفسيره (١٠/ ٥٦٤).","vol":"2","page":351},{"text":"قال بكر: الظاهر في اللغة في هذه الآية، أن الخطاب والمخاطبة واحد، يقال: خاطبته خطابًا ومخاطبة، وخاصمته خصامًا ومخاصمة، وقاتلته قتالًا ومقاتلة، قال اللَّه ﷿: ﴿وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾، قال: ما تتكلم امرأة فتريد أن تتكلم بحجتها، إلا تكلمت بالحجة عليها.\nفالصحيح في معنى هذه الآية واللَّه أعلم، أنه فصل المخاطبة بالحكم الذي آتاه اللَّه ﵎ إياه.\n* * *","vol":"2","page":352},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-667>٢٦ - قال اللَّه ﷿: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾</span>\nقال حمّاد، عن حُمَيْد قال: لما استُقضيَ إياس بن معاوية أتاه الحسن فبكى إياس، فقال الحسن: ما يبكيك يا أبا واثِلة؟ قال: بلغني أن القضاة ثلاثة، اثنان في النار وواحد في الجنة، رجل اجتهد فأخطأ فهو في النار، ورجل مال به الهوى فهو في النار، ورجل اجتهد فأصاب فهو في الجنة، فقال الحسن: إن فيما نَصَّ (^١) اللَّه ﵎ من نبأ داود وسليمان ما يرد قول هؤلاء الناس، يقول اللَّه ﵎: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء: ٧٨ - ٧٩]، فأثنى اللَّه على سليمانَ ولم يَذُم داود.\nثم قال الحسن: إن اللَّه ﵎ أخذ على الحكام ثلاثًا: لا يشتروا به ثمنًا، ولا يتبعوا فيه الهوى، ولا يخشَوا فيه أحدًا. وتلا هذه الآية: ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾، إلى قوله: ﴿فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [المائدة: ٤٣ - ٤٤]، وقرأ: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (^٢).\n_________\n(^١) في المصدر: قَصَّ.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور (٥/ ٦٥٠) لابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن عساكر.","vol":"2","page":353},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-668>٤٤ - قال اللَّه ﷿: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا﴾</span>\n٥٩ - قال إسماعيل، عن سليمان بن حرب، عن حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن يوسف بن مِهْران، عن ابن عباس: أن إبليس اتخذ تابوتًا ووقف في الطريق يداوي الناس، فأتته امرأة أيوب فقالت له: يا عبد اللَّه، إن هاهنا إنسانًا مبتلى، من أمره كذا ومن أمره كذا، فهل لك أن تداويه؟ قال: نعم، على أني إن شفيته أن يقول لي كلمة واحدة: أنت شفيتني، لا أريد منه أجرًا غيرها، فأخبرت بذلك أيوب، فقال: ويحك ذلك الشيطان، للَّه علي إن شفاني أن أجلدك مئة جلدة، فلما شفاه اللَّه أمره أن يأخذ ضِغْثًا فيضرب به، فأخذ شماريخًا (^١) مائة فضربها به ضربة واحدة (^٢).\nوقال مجاهد: الأَسَل (^٣).\nوقال ابن جبير: الضِّغْث: ما يقع من السُّنْبُل.\nوقال قتادة: عودًا فيه تسعةٌ وتسعون عودًا والأصل تمام المائة، فضرب به امرأته، وذلك أن امرأته أرادها الشيطان على بعض الأمر، فقال لها: قولي\n_________\n(^١) الشَّماريخ: جمع مفرده شِمْراخ، أو شُمْروخ، وهو الغصن الدقيق، اللسان (٨/ ١٣٠).\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور (٧/ ١٩٣) لأحمد في الزهد، وعبد بن حميد، وابن أبي حاتم.\n(^٣) لم أقف عليه، وعند ابن جرير في تفسيره (١٠/ ٥٩١) عن مجاهد، عن ابن عباس: الأَثْل، والأَسَل بفتح السين: نبات له أغصان كثيرة دِقاق بلا ورق، اللسان (١/ ١٠٦).","vol":"2","page":354},{"text":"لزوجك يقول: كذا وكذا فقالت، فحلف حينئذ ليضربنها، فضربها تلك الضربة، فكانت تَحِلَّة ليمينه، وتخفيفًا لامرأته (^١).\nوقال عُبيد بن عُمير: حلف ليضربنها مئة سوط.\nوقال مجاهد: هي لأيوب خاصة رخصة (^٢).\nوالذي يدل عليه القرآن أنه كان خاصًا، لأن اللَّه جل وعلا قال: ﴿فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾، فلما أسقط عنه الحِنْثَ، كان بمنزلة من جُعلت عليه كفارة فأداها، أو بمنزلة من لم يحلف، لأن الشرائع التي تَعبد اللَّه ﵎ بها خلقه في وقت ويُسقطها عنهم في وقت آخر، وكذلك الناسخ والمنسوخ، نَسخ عنا هذا قولُه ﷿: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النور: ٢]، والذي يجلد الإنسان بضِغْث جلدة واحدة، فلم يجلد مئة جلدة، وإنما جلد جلدة واحدة، وكتاب اللَّه الناسخُ لسائر الكتب، والذي في أيدينا أولى أن يقتدى به.\n* * *\n_________\n(^١) رواه ابن جرير في تفسيره (١٠/ ٥٩١).\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور (٧/ ١٩٥) لسعيد بن منصور، عبد بن حميد، وابن المنذر.","vol":"2","page":355},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-669>ومن سورة الغُرَف وهي الزُّمَر</span>","vol":"2","page":357},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-670>قوله ﷿: ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ﴾</span> (^١)\nقال عطاء: إذا عُمل في أرض بالمعاصي فاهربوا (^٢).\nوقال ابن جبير: مجانبة أهل المعاصي، ومن أُمر بمعصية فليهرب (^٣).\nوقال مجاهد: ﴿إِنَّ أَرْضِي [وَاسِعَةٌ] (^٤)﴾ فهاجروا واعتزلوا الأوثان (^٥).\nوهذا واللَّه أعلم إذا عَجَز عن إنكار المنكر والأمر بالمعروف، وخاف على نفسه، وكانت المعاصي مُظهَرة معلَنًا بها، وجب على كل مؤمن الانتقال عن ذلك البلد.\n* * *\n_________\n(^١) كذا الآية في الأصل، وهي الآية ٥٦ من سورة العنكبوت، والتي في الزمر برقم ١٠ قوله تعالى: ﴿يَاعِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ﴾.\n(^٢) رواه ابن جرير في تفسيره (١٠/ ١٥٦)، قال: إذا أمرتم بالمعاصي.\n(^٣) رواه ابن جرير في تفسيره (١٠/ ١٥٦) بلفظ: إذا عمل فيها بالمعاصي فاخرج منها.\n(^٤) ساقطة من الأصل.\n(^٥) رواه ابن جرير في تفسيره (١٠/ ٦٢٢).","vol":"2","page":359},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-671>ومن سورة المؤمن </span>(^١)\n_________\n(^١) هي سورة غافر.","vol":"2","page":361},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-672>١٩ - قوله ﷿: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-673>[غَضُّ البصر]</span>\nقال ابن عباس: الرجل يكون في القوم فتمر بهم المرأة، فيريهم أنه يغض بصره عنها، فإذا رأى من القوم لحظة نظر إليها، فإذا خاف أن يفطنوا له غض بصره، وقد اطلع اللَّه من قلبه أنه يود لو نظر إلى عورتها (^١).\nوقال العلاء بن زياد: هذه هي النظرة الأولى، فما بال الآخِرة؟ !\nوقال جرير بن عبد اللَّه: سالت رسول اللَّه -ﷺ- عن نظرة الفَجْأة، فأمرني أن أصرف بصري (^٢).\nوقال عتبة: قال لي أبو موسى الأشعري: ما لي أرى عينك نافرة؟ فقلت: إني التفت التفاتة فإذا بجارية منكشفة، فلحظتها لحظة، فصككتها صكة، فصارت إلى ما ترى، فقال أبو موسى: استغفر ربك، فإنك قد ظلمت عينك، لك أول نظرة وعليك ما بعدها (^٣).\n* * *\n_________\n(^١) رواه ابن أبي شيبة في مصنفه برقم ١٧٢٢٨، كتاب: النكاح، ما قالوا في الرجل تمر به المرأة فينظر إليها، (ط الرشد).\n(^٢) رواه مسلم برقم ٢١٥٩، كتاب: الاداب، باب: نظرة الفجاءة، (ط عبد الباقي).\n(^٣) رواه أبو نعيم في حلية الأولياء (١/ ٢٦١).","vol":"2","page":363},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-674>ومن سورة حم السجدة </span>(^١)\n_________\n(^١) هي سورة فصلت.","vol":"2","page":365},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-675>٣٠ - قوله سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾</span>\nقُرئت هذه الآية عند أبي بكر قال: هم الذين [لم] (^١) يشركوا باللَّه شيئًا بعد إيمانهم (^٢).\nوقرأ عمر هذه الآية على المنبر وقال: ولم يَروغوا رَوَغان الثعلب (^٣).\nوقال مجاهد وجماعة مثل ذلك (^٤).\nوقال أبو العالية: أخلصوا له الدين والعمل.\nوكان الحسن يقول: اللهم ارزقنا الاستقامة ويتلوا: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت: ٣٣]، هذا حبيب اللَّه، هذا وليُّ اللَّه، هذا صفوة اللَّه، هذا خيرة اللَّه، هذا أحب الخلق إلى اللَّه.\nوقال زيد بن أسلم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾، وحدوا\n_________\n(^١) ساقطة من الأصل.\n(^٢) رواه ابن جرير في تفسيره (١١/ ١٠٦).\n(^٣) رواه ابن جرير في تفسيره (١١/ ١٠٧)، وساقه السيوطي في الدر المنثور (٧/ ٣٢٢) ولم يعزه إليه.\n(^٤) منهم الأسود بن هلال، وعكرمة، والسدي، وغيرهم، انظر تفسير ابن جرير (١١/ ١٠٧).","vol":"2","page":367},{"text":"اللَّه، ثم استقاموا على طاعته، وندموا على تفريط إن كان، تأتيهم الملائكة عند الموت فتقول (^١): لا تَخَف مما أنت قادم عليه، ولا تحزن على الدنيا ولا على أهلها، ويُذهب اللَّه خوفَه، وحزنه، وتبشره الملائكة بالجنة.\nوكذلك قال مجاهد: إنها عند الموت (^٢)، وكذا هو، واللَّه أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) في الأصل: فقول.\n(^٢) رواه ابن جرير في تفسيره (١١/ ١٠٨).","vol":"2","page":368},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-676>٣٤ - قال اللَّه ﷿: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾</span>\nروي عن ابن عباس ﵁: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ﴾ [المؤمنون: ٩٦]، قال: هما الرجلان يتقاولان فيقول أحدهما لصاحبه: يا صاحب كذا وكذا، قال: يدفع السيئة يقول: إن كنت صادقًا فيغفر اللَّه لي، وإن كنت كاذبًا فغفر اللَّه لك (^١).\nوقال عطاء: يقول: السلام عليكم (^٢).\nوقال قتادة: ﴿لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾، قال: الجنة (^٣).\nوقال الحسن: كان رجل في حلقتنا فسمع الآية فقال: أعدها، ثم قام إلى رجل كان بينه وبينه شيء فكلمه، قال الحسن: كذلك المؤمن، إذا سمع شيئًا انتفع به.\nومعنى ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ﴾ [المؤمنون: ٩٦]: قابِل من أساء بالإحسان يجتمعُ لك الثوابان، ويندمُ المسيء.\nوأما الآية الأخرى ﴿فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ﴾، فهذه توجب على المسلم العاقل معاشرة (^٤) الصديق والعدو بالجميل، فأما الصديق فتتمكن مروءته، ويزيد إخلاصه، وأما العدو فلعله أن يندم، فإن لم يندم أمسَك وقل أذاه.\n_________\n(^١) ذكر قريبًا منه السيوطي في الدر (٧/ ٣٢٧) عن أنس، وعزاه لابن المنذر.\n(^٢) رواه ابن جرير في تفسيره (١١/ ١١١).\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور (٧/ ٣٢٧) لعبد الرزاق، وعبد بن حميد.\n(^٤) في الأصل: معاشر.","vol":"2","page":369},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-677>[سجدة فُصِّلَت]</span>\nوقد روي عن النبي -ﷺ- أن السجدة في هذه السورة بالآية الأولى (^١). وكان مسروق، وأصحاب عبد اللَّه، وأبو عبد الرحمن السُّلَمي، وإبراهيم، وأبو صالح يحيى بن وَثّاب، وطلحة، وزيد، يسجدون في الآية الأولى من حم السجدة (^٢).\nوقال نافع، [عن] (^٣) ابن عمر، أنه كان يسجد بالأولى (^٤).\nوكان الحسن البصري، ومحمد بن سيرين، ومالك بن أنس، يرون السجود في هذه السورة عند قوله سبحانه: ﴿إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [فصلت: ٣٧] (^٥).\nوكان ابن عباس ﵁ يسجد في الآيتين من حم السجدة، يسجد في الآخرة ﴿وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ﴾ [فصلت: ٣٨] (^٦).\nوأبو وائل، وبكر بن عبد اللَّه المزني، وقتادة، يسجدون عند قوله: ﴿وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ﴾ (^٧).\n_________\n(^١) رواه ابن أبي شيبة في مصنفه برقم ٤٢٨١، كتاب: الصلوات، من كان يسجد بالأولى، عن رجل من بني سليم، أنه سمع رسول اللَّه -ﷺ- يسجد في حم بالآية الأولى، (ط الرشد).\n(^٢) رواه عنهم جميعًا ابن أبي شيبة في مصنفه، في الموضع السابق (ط الرشد)، وعزاه السيوطي في الدر (٧/ ٣٢٩) عن أصحاب عبد اللَّه لسعيد بن منصور.\n(^٣) ساقطة من الأصل.\n(^٤) رواه ابن أبي شيبة في مصنفه برقم ٤٢٨٢، الموضع السابق، (ط الرشد).\n(^٥) رواه عن الحسن ومحمد ابن أبي شيبة في المصنف برقم ٤٢٨٦، الموضع السابق، (ط الرشد).\n(^٦) والأثر رواه ابن أبي شيبة في مصنفه برقم ٤٢٧٦، الموضع السابق، (ط الرشد).\n(^٧) رواه عن أبي وائل ابن أبي شيبة في مصنفه برقم ٤٢٧٧ الموضع السابق (ط الرشد).","vol":"2","page":370},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-678>٤٠ - قال اللَّه ﷿: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾</span>\nقال مجاهد، والضحاك: هذا وعيد (^١)، بل هو مُجاوِز الوعيد.\nوقال أبو عبيدة: هذا وعيدٌ وزَجر، وإن كان بلفظ الأمر (^٢).\n* * *\n_________\n(^١) رواه عن مجاهد ابن جرير في تفسيره (١١/ ١١٦).\n(^٢) في مجاز القرآن (٢/ ١٩٧): \"لم يأمرهم بعمل الكفر، إنما هو تَوَعُّد\".","vol":"2","page":371},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-679>٤١ - ٤٢ - قال اللَّه ﵎: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾</span>\nقال قتادة: لا يستطيع الشيطان أن يُبطل منه حقًّا، ولا يُحِق منه باطلًا (^١).\nوقال الحسن: حفظه اللَّه عز وعلا من الشيطان، فلا يزيد فيه باطلًا ولا ينقص منه حقًّا، وتلا: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩].\n* * *\n_________\n(^١) رواه ابن جرير في تفسيره (١١/ ١١٧).","vol":"2","page":372},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-680>ومن سورة حم، عسق </span>(^١)\n_________\n(^١) هي سورة الشورى.","vol":"2","page":373},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-681>١٣ - قوله عز وعلا: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾</span>\nأخبرنا أبو بكر محمد بن علي بن أحمد الأُتْفُوي قال: أنا أبو الفضل بكر بن محمد بن العلاء القشيري القاضي، قراءةً عليه بمنزله بمصر، سنة إحدى وأربعين وثلاثمائة وأنا أسمع قال:\nقال قتادة: الحلال والحرام (^١).\nوقال الحكم: جاء نوح بشريعة تحريم الأمهات والأخوات والبنات (^٢).\nوقال أبو العالية: الإخلاص للَّه وعبادته لا شريك له، ﴿وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾: لا تتعادَوا عليه، وكونوا عليه إخوانًا (^٣).\n﴿كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾: الإخلاص.\n﴿يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ﴾: نجتبيهم من الشرك إلى الإخلاص.\n_________\n(^١) رواه ابن جرير في تفسيره (١١/ ١٣٥).\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور (٧/ ٣٤٠) لعبد بن حميد، وابن المنذر.\n(^٣) أخرج ابن جرير في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ الآية: ٤٠ من سورة يوسف، عن أبي العالية قال: أسس الدين على الإخلاص للَّه وحده لا شريك له، وأخرج أيضًا في تفسير الآية ١٣٠ من سورة آل عمران: ﴿وَلَا تَفَرَّقُوا﴾، عن أبي العالية قال: لا تعادوا عليه، وأورده أبو حيان في البحر المحيط في تفسير هذه آية الشورى (٩/ ٣٣٨) قال: وقال أبو العالية: إقامة الدين: الإخلاص للَّه وعبادته، ولا تتفرقوا فيه، قال أبو العالية: لا تتعادوا فيه.","vol":"2","page":375},{"text":"وقال مجاهد: ما وصى لم به نوحًا وصّاك به، وآتيناهم (^١) كلهم دينًا واحدًا (^٢).\n﴿اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ﴾، قال: يخلص لنفسه من يشاء (^٣).\n* * *\n_________\n(^١) في الأصل: وآتيناه.\n(^٢) روى ابن جرير في تفسيره (١١/ ١٣٤ - ١٣٥)، عن مجاهد، قال: ما أوصاك به وأنبياءه كلهم دين واحد.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور (٧/ ٣٤٠) لعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، عن مجاهد، ولم أقف عليه عند ابن جرير.","vol":"2","page":376},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-682>٣٩ - قال اللَّه ﷿: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾</span>\nقال إبراهيم: كان يكره لهم أن يستذلوا (^١)، قال (^٢): كانوا يكرهون للمؤمنين أن يذلوا أنفسهم فيجترئ عليهم الفساق (^٣).\nوهذا عندي واللَّه أعلم، فيما كان للَّه ﵎ من أمر بحق، أو نهي عن باطل ومنكر، فمن فعل ذلك لا ينبغي له أن يصبر على المذلة، بل يعز نفسه، ففي ذلك إعزار للدين (^٤).\nفأما إذا كان البغي عليه في نفسه لا يتعدى إلى الشريعة، فصبر واحتسب فذلك حسن، وفاعله لَحِقه من اللَّه التوفيق، وما يُلَقّى مثل ذلك إلا الذين صبروا ومُنَّ عليهم بالحظِّ العظيم.\n* * *\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور (٧/ ٣٧٥) لسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن ابي حاتم، ولم أظفر به عند ابن جرير.\n(^٢) في الأصل: قالوا.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور (٧/ ٣٥٨) لعبد بن حميد.\n(^٤) في الأصل: لدين.","vol":"2","page":377},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-683>٤٠ - قال اللَّه ﵎: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾</span>\nالسيئة هاهنا قد تكون القتل، والجراح، والقذف، والسب، والتعدي (^١) في المال، وغير ذلك من الأفعال (^٢) القبيحة، فمن فُعل به شيء من ذلك فالعفو فيه أفضل، وإن أحب القصاص فله أن يفعل مثل الذي أُتيَ إليه وجُنيَ عليه، لا يتعداه بزيادة، ولا يَعْدِل بالعقوبة إلى غير فاعله.\nوقد يؤخذ من الجراح المالُ، ومن تخريق الثوب قيمتُه، وما أشبه ذلك، فليس المعاقِب يسيءُ إذا لم يتعدَّ حقَّه، وإنما تسمى بالإساءة للمجاوزة، فقيل: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾، فسمي المُقْتَصّ باسم المبتدئ المسيء، كما قيل: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦]، والأول ليس بمعاقِب، وإنما المعاقِب المجازي، ولكنه سمي باسم المُقْتَصّ للمجاورة، واللَّه أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) في الأصل: وتعدي.\n(^٢) في الأصل: أفعال.","vol":"2","page":378},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-684>٤١ - قال اللَّه ﷿: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾</span>\nكل من فعل فعلًا ليس له أن يفعله فهو ظالم، ولمن فُعل به أن يَقْتَصّ، وهو انتصاره، ولا سبيل عليه، إنما السبيل على الذين يظلمون الناس، فأما المظلوم فله السبيل إلى أخذ حقه، وما وجب له في بشرة أو مال، واللَّه أعلم.\n* * *","vol":"2","page":379},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-685>٤٢ - قال اللَّه عز وعلا: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾</span>\nروى سعيد بن زيد، عن عثمان الشحام قال: حدثني محمد بن واسع (^١) قال: قدمت من مكة فإذا على الحلق قنطرة (^٢)، فأخذوني فانطلقوا بي إلى مروان بن المهلب وهو أمير على البصرة، فرحب بي وقال: ما حاجتك يا أبا عبد اللَّه؟ [قلت:] (^٣) أن تكون كما قال أخو بني عدي العلاء بن زياد، استعمل صديقًا (^٤) له على عمل، فكتب إليه: أما بعد، إن استطعت ألا تَبيت إلا وظهرُك خفيف، وبطنُكَ خَميص، وكفُّك نقيّة من دِماء المسلمين وأموالهم، فإنك إذا فعلت ذلك، لم يكن عليك سبيل، ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ﴾ الآية، فقال مروان: صدق واللَّه ونصح، ثم قال: حاجتك يا أبا عبد اللَّه؟ قلت: حاجتي أن تُلْحِقَنِي بأهلي، قال: نعم (^٥).\nقال بكر: وهذه الآية والذي قال فيها محمد بن واسع قول حسن، قَصَد به لأمر الآخرة، لأنها مقصده ومقصد أمثاله.\n_________\n(^١) محمد بن واسع بن جابر، أبو عبد اللَّه أو أبو بكر، تابعي، توفي: ١٢٧، وقيل: ١٢٣ هـ، انظر تهذيب الكمال (٢٦/ ٥٧٦).\n(^٢) في الأصل: منظرة، والعبارة في المصدر: الخندق قنطرة.\n(^٣) ساقطة من الأصل.\n(^٤) هنا على الهامش كتب الناسخ: \"في الأم: صديق\"، فتكون استُعمل مبنية للمجهول.\n(^٥) رواه ابن أبي شيبة في مصنفه برقم ٣٥٧٢٥، كتاب: الزهد، ما قالوا في البكاء من خشية اللَّه، (ط الرشد).","vol":"2","page":380},{"text":"ويدخل فيها من الفقه أمر الدنيا أيضًا أن لكلِّ مظلوم مَقَالُ على الظّالم، وسبيلًا إلى مطالبته واستيفاء حقه، ألا ترى أنه قال سبحانه: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ [الإسراء: ٣٣].\n* * *","vol":"2","page":381},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-686>ومن سورة الزخرف</span>","vol":"2","page":383},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-687>١٣ - قوله ﷾: ﴿وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-688>[دعاء الركوب]</span>\nقال سليمان بن يسار: كان قوم في سفر، وكان معهم رجل على ناقة رازِم (^١)، فكانوا إذا ركبوا قالوا: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾، فقال هو: فأما أنا فقد أصبحتُ لهذه مُقرنًا، فقَمَصَت (^٢) به، فوقع فاندَقَّت عنقُه (^٣).\nوقال أبو جعفر محمد بن علي وركب على جمل صعب فقيل له: أما تخاف أن يصرعك؟ ! فقال: إن رسول اللَّه -ﷺ- قال: \"على كل سَنام بَعير شيطان، فإذا ركبتموها فاذكروا اسم اللَّه كما أمركم، ثم امتهنوها لأنفسكم، فإنما يحملُ اللَّه ﷿\" (^٤).\nوركب علي رضوان اللَّه عليه دابة، فما وضع رجله في الرِّكاب قال: بسم اللَّه، فلما استوى على الدابة قال: الحمد للَّه، ثم قال: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ حتى: ﴿مُقْرِنِينَ﴾، ثم قال: الحمد للَّه ثلاثًا، واللَّه أكبر\n_________\n(^١) ناقة رازِم: قال في النهاية (٢/ ٢٢٠): \"هي التي لا تتحرك من الهزال\".\n(^٢) قَمَصَت: قال في النهاية: \"وثَبَت ونَفَرت\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر (٧/ ٣٦٩)، لعبد بن حميد، وابن المنذر.\n(^٤) هذا الحديث رواه الإمام أحمد في مسنده برقم ١٧٩٣٨، عن أبي لاس الخزاعي عن النبي -ﷺ-، ولم أقف عليه من رواية أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين ﵁، وذكره القرطبي في تفسير الآية، ولعله أخذه من أحكام إسماعيل.","vol":"2","page":385},{"text":"ثلاثًا، اللهم لا إله إلا أنت ظلمت نفسي فاغفر لي، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، ثم ضحك، فقلنا: ما يضحكك؟ قال: رأيت رسول اللَّه -ﷺ- صنع كما صنعت، وقال كما قلتُ، ثم ضحك، فقلنا: ما يضحكك يا رسول اللَّه؟ فقال: \"إن العبد إذا قال: اللهم لا إله إلا أنت ظلمت نفسي فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، يعلم أنه لا يغفر الذنوب غيره\" (^١).\nوروي عن الحسين بن علي رضوان اللَّه عليه أنه علم رجلًا مثل ذلك.\nوكان علقمة إذا ركب يقول ذلك.\nوقال مجاهد: يُفعل ذلك في الإبل، والخيل، والبغال، والحمير، إذا رُكبت (^٢).\nوقال قتادة: ﴿وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ يقول: في القوة (^٣).\n* * *\n_________\n(^١) رواه الإمام أحمد في مواطن من مسند علي ﵁ منها رقم ٩٣٠، وأبو داود في سننه برقم ٢٦٠٢، كتاب: الجهاد، باب: ما يقول إذا ركب، (ط الأرناؤوط)، والترمذي في سننه برقم ٣٤٤٦، أبواب: الدعوات، باب: ما يقول إذا ركب دابة، بعده في الأصل فراغ بقدر كلمة.\n(^٢) أورد البخاري تعليقًا في كتاب: تفسير القرآن، سورة حم الزخرف، عن مجاهد: ﴿وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾: \"يعني الإبل والخيل والبغال والحمير\"، ورواه ابن جرير في تفسيره (١١/ ١٧١).\n(^٣) رواه ابن جرير في تفسيره (١١/ ١٧١).","vol":"2","page":386},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-689>٨٦ - قال اللَّه عز وعلا: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾</span>\nليس يشفع عيسى ولا عُزَيْر (^١) ولا الملائكة، إلا لمن وَحَّد اللَّهَ، وشهد بشهادة الإخلاص، وهو يعلم أن اللَّه ﵎ حق، وكل مَن دونه عبدٌ له من عيسى وعُزَيْر (^٢) وغيرهم، فأما من لم يشهد بهذه الشهادة موقنًا من قلبه، عارفًا بأن كل من ادعى من عيسى وعُزَيْر (^٣) وغيرهما من دون اللَّه باطلٌ، فلا يشفع له شافع، واللَّه أعلم.\nلم يأتِ في الدخان والجاثية بتفسير.\n* * *\n_________\n(^١) في الأصل: عزيز.\n(^٢) في الأصل: وعزيز.\n(^٣) في الأصل: وعزيز.","vol":"2","page":387},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-690>ومن سورة الأحقاف</span>","vol":"2","page":389},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-691>٢٠ - قال اللَّه ﵎: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا﴾</span>\nقال وهب بن كَيْسان وغيره: إن جابر بن عبد اللَّه الأنصاري قال: لقيني عمر بن الخطاب وقد اشتريت لحمًا بدرهم فقال: ما هذا؟ ! فقلت: لي نسوة وصبيان قَرِموا (^١) إلى هذا اللحم واشتهَوه، فقال: إذا اشتهى أحدكم اللحم اشتراه (^٢) وجاره وابن عمه طاوٍ إلى جنبه! قال: فأعاد ذلك عليَّ حتى ظننت ألا ينجو منه، ثم تلا هذه الآية: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا﴾ الآية (^٣).\nوقال الحسن: قيل لعمر بن الخطاب ﵁: يا أمير المؤمنين، ألا تُصيب من طَيِّب الطعام؟ فقال: إني سمعت اللَّه ذكر قومًا في كتابه فقال: أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا﴾، فواللَّه لولا ذلك لشركتكم في طيب الطعام، قال: وكان عمر يخاصم بالقرآن.\nوهذا من عمر وابن عمر لِما كانا عليه من التشديد على أنفسهما، وكلما ازداد إيمان العبد اشتد خوفه، وكلما قويت معرفته باللَّه كان أشد خوفًا، ولم يُحرِّم اللَّه ﵎ ما خلق من الطيبات إذا قُدِر عليها من الحلال، وإنما تركها من تركها خوفًا من الفتنة بها، وأن تكون ذريعة إلى المحرمات إشفاقًا، واللَّه أعلم.\n_________\n(^١) في الأصل: فرموا، والصواب ما أثبته، وفي المصدر: لنسوة عندي قَرِمْنَ إليه، والقَرَم: شدة الشهوة إلى اللحم، النهاية (٤/ ٤٩).\n(^٢) مكررة في الأصل.\n(^٣) حديث وهب عزاه السيوطي في الدر المنثور (٧/ ٤٤٧) لعبد بن حميد.","vol":"2","page":391},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-692>٤ - قال اللَّه ﵎: ﴿ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾</span>\n٦٠ - حدثنا محمد بن الحسين بن مكرم، وحدثني أبي، قالا: حدثنا محمد بن بَشّار (^١) بندار، قال: حدثنا يحيى بن سعيد القطان، عن سفيان الثوري، عن صفوان بن سليم، عن أبي سلمة، عن ابن عباس عن النبي -ﷺ- في قوله: ﴿أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾ قال: \"الخط\" (^٢).\nوروى ابن عيينة، عن صفوان، عن عطاء، أن رسول اللَّه ﷺ سئل عن الخط فقال: \"علم علمه نبيٌ، فمن وافق علمه علم\"، قال صفوان: فحدثت به أبا سلمة فقال لي أبو سلمة: فحدثت به ابن عباس فقال: هي ﴿أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾ (^٣).\nورواه أبو أحمد الزَّبيدي، عن سفيان، عن صفوان، عن أبي سلمة، عن ابن عباس.\n٦١ - ورواه إسماعيل، عن نصر بن علي، عن أبي أحمد.\nوقال الحسن: ﴿أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾: شيء يستخرجه (^٤).\nوقال الكلبي: شيئًا تأثرونه عن غيركم.\n_________\n(^١) في الأصل: محمد بن يسار، والصواب ما أثبته، وهو أبو بكر محمد بن بشار البصري، بندار، توفي سنة ٢٥٢ هـ، انظر تهذيب الكمال (٢٤/ ٥١١).\n(^٢) رواه الإمام أحمد في مسنده برقم ١٩٩٢.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور (٧/ ٤٣٤) لسعيد بن منصور.\n(^٤) رواه ابن جرير في تفسيره (١١/ ٢٧٢).","vol":"2","page":392},{"text":"وقد قرئ: (أثَرة) (^١)، وقرئ: ﴿أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾، على معنى: علم يأثرونه عن غيرهم.\nقال الراعي:\nوذاتِ أثارة أَكَلَتْ عليه ... نباتًا في أكِمَّتِه قَفارًا\nأي: بقية من شحم أكلت عليه (^٢).\nومن قرأ: (أثرة) فهو مصدر يأثره ويذكرة، واللغة تحتمل المعنيين جميعًا.\nقال أبو عبيدة: ﴿أَثَارَةٍ﴾: بقية من علم (^٣).\nوهذا يرجع إلى قول من قال: إنه يأثر علمًا، فهو مثل قطعة من العلم، وبقية من العلم، يتقارب المعنى فيها، واللَّه أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) عزا ابن جني في المحتسب (٢/ ٢٦٤) قراءة (أثَرة) بفتح الثاء، لابن عباس -على خلاف-، وعكرمة، وقتادة، وعمرو بن ميمون، والأعمش، وعزا قراءة (أثْرة) بإسكان الثاء لعلي بن أبي طالب كرم اللَّه وجهه، وأبي عبد الرحمن السلمي.\n(^٢) البيت والشرح في مجاز القرآن (٢/ ٢١٢).\n(^٣) مجاز القرآن الموضع السابق.","vol":"2","page":393},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-693>١٥ - قال اللَّه ﷿: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-694>[مدة الحمل]</span>\nأعلم اللَّه ﵎ بهذه الآية أن أقل الحمل ستة أشهر، وبقوله: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾، فجميع الرضاع والحمل في الثلاثين، فدل بها على أقل الحمل، وذلك نادر في النساء، لأن أكثرهن يلدن لتسعة أشهر، ومنهن من يَلِدن لسبع فيعيش ولدها، فكذلك في السِّت، فأما من يولد لثمان فلا يعيش، لأن عيسى بن مريم صلى اللَّه عليه ولد لثمانية أشهر، فكان ذلك من الآيات فيه، كما خلق من غير ذكر.\nفلما كانت الولادة لستة أشهر نادرة قليلة في الناس، كذلك جعل أكثر الحمل أربع سنين وهو نادر في الناس.\nوروي عن مالك أنه لا يرى لخمس بعدًا.\nوروي عن الليث، وابن عجلان: سبع سنين (^١).\nوروي عن عثمان البَتّي (^٢): ثمان سنين.\n_________\n(^١) ابن عجلان هو محمد، أبو عبد اللَّه القرشي المدني، أخذ عنه الإمامان مالك والليث، وغيرهما، توفي سنة ١٤٨ هـ، وقوله هذا في المدونة (٢/ ٢٥) (ط العلمية)، عن سحنون، عن أشهب، عن الليث بن سعد، عن ابن عجلان أن امرأة له وضعت له ولدًا في أربع سنين، وأنها وضعت مرة أخرى في سبع سنين.\n(^٢) أبو عمرو عثمان بن مسلم البَتِّي البصري التابعي، روي عن أنس بن مالك، والحسن =","vol":"2","page":394},{"text":"وقال أبو حنيفة: سنتين، وذهب إلى حديث لم يقل به ولا عرف معناه، رواه مالك في موطئه، أن رجلًا غاب عن امرأته سنتين ثم جاء فوجدها حاملًا، فذكر ذلك لعمر بن الخطاب فحبسها حتى ولدت، فأتت به وله ثَنِيَّتان يشبه أباه، فقال: ولدي يا أمير المؤمنين، فألحقه به (^١).\nوكان عمر يرى أكثر الحمل أربع سنين، ولذلك ضربه أجلًا للمفقود (^٢).\nفالحديث يدل على أن الوطء كان قبل غيبة الزوج، وقد قيل: انتظَرَ بها حتى وضعت ما في بطنها، وكانت الغَيبة بين هاتين الحالتين سنتين، فقد علم أنه أكثر من سنتين، وأن عمر ألحقه بأكثر من سنتين، فلم يعرف أبو حنيفة ما في الخبر، فجعل الحمل سنتين مقدار الغيبة دون ما عداها مما كان قبل الغيبة وبعد القدوم.\n_________\n= والشعبي وغيرهم، وروى عنه: الثوري وابن علية وغيرهم، وكان مع الرواية فقيهًا، توفي سنة ١٤٣ هـ، انظر: طبقات الفقهاء للشيرازي (ص ٩١)، وتهذيب الكمال (١٩/ ٤٩٣).\n(^١) رواه عبد الرزاق في مصنفه برقم ١٣٤٥٤، كتاب: الطلاق، باب: التي تضع لسنتين، وابن أبي شيبة في مصنفه برقم ٢٨٨١٢، كتاب: الحدود، من قال: إذا فجرت وهي حامل انتظر بها حتى تضع، وحكى أبو عمر بن عبد البر الخلاف في أقصى الحمل في الاستذكار (٧/ ١٧٠) (ط العلمية) فقال: \"فمالك يجعله خمس سنين، ومن أصحابه من يجعله إلى سبع سنين، والشافعي مدته عنده الغاية فيها أربعة سنين، والكوفيون يقولون سنتان لا غير، ومحمد بن عبد الحكم يقول سنة لا أكثر، وداود يقول تسعة أشهر لا يكون عنده حمل أكثر منها، وهذه مسألة لا أصل لها إلا الاجتهاد والرد إلى ما عُرف من أمر النساء وباللَّه التوفيق\".\n(^٢) يشير إلى الروايات التي أخرجها عبد الرزاق وابن أبي شيبة، ومنها عند عبد الرزاق في مصنفه برقم ١٢٣١٧، وابن أبي شيبة في مصنفه برقم ١٦٧١٧ (ط الرشد)، أن عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان قالا في امرأة المفقود: \"تربص أربع سنين، وتعتد أربعة أشهر وعشرًا\".","vol":"2","page":395},{"text":"القدوم.\nولا أعلم اختلافًا بين السلف أن الحمل يزيد وينقص، وأن أكثره يجاوز السنتين، إلا قول أبي حنيفة فإنه وقف على سنتين.\nوقد بلغني أن قائلًا قال من المتأخرين (^١): لا أجاوز بالحمل تسعة أشهر، وهذا قول من لا يلتفت إليه.\n* * *\n_________\n(^١) هو داود الظاهري، سبقَت قريبًا الإشارة إليه في كلام ابن عبد البر.","vol":"2","page":396},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-695>ومن سورة محمد -ﷺ</span>-","vol":"2","page":397},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-696>٤ - قوله ﷿: ﴿فَإِذَا (^١) لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾</span>\nكان ابن عمر، والحسن، وعطاء، يكرهون قتل أهل الشرك إذا أُسروا صَبرًا، ويتلون: ﴿حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ (^٢).\nوقال قتادة نسختها قوله: ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ﴾ (^٣).\nووافق القولَ الأولَ جماعة من المفسرين، ووافق القول الآخر جماعة (^٤).\nوقد فادى (^٥) النبي -ﷺ- رجلين من أصحابه برجل من المشركين، رواه أيوب، عن أبي قلابة، عن عمران بن الحصين، وقد أدخل بعضهم بين عمران وأبي قلابة أبا المهلب (^٦).\nوالذي يبين (^٧) هذه الآية، وقول من قال منسوخة، ومن قال ناسخة، قوله ﷿: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ [الأنفال: ٦٧]،\n_________\n(^١) في الأصل: إذا.\n(^٢) انظر الروايات عنهم في تفسير ابن جرير (١١/ ٣٠٧).\n(^٣) الأنفال ٥٧، رواه ابن جرير (١١/ ٣٠٦).\n(^٤) ممن قال بالنسخ: ابن عباس، وابن جريج، والسدي، والضحاك، انظر تفسير ابن جرير (١١/ ٣٠٦).\n(^٥) في الأصل: قادى.\n(^٦) رواه الإمام أحمد في مسنده برقم ١٩٨٢٧ ورقم ١٩٨٧٩، ورواه بدون إدخال أبي المهلب الترمذي برقم ١٥٦٨، أبواب: السير، باب ما جاء في قتل الأسارى والفداء.\n(^٧) مهملة في الأصل.","vol":"2","page":399},{"text":"وقال تبارك اسمه: ﴿فَإِذَا (^١) لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾، فدل القرآن بالآيات كلها أنه قال: لا تأسروهم ولا تفادوهم حتى تثخنوهم بالسيف، فالأسر والفداء قبل الإثخان لا ينبغي أن يُفعَل، فإذا وقع الإثخان جاز ذلك، والشيء إذا كان مَحظورًا في وقت ثم أذن فيه في وقت آخر، فإنما يدل على الإذن في الذي كان محظورًا، لا أنه واجب أَن يُفعَل.\nوأما قتل الأسير وغير الأسير من أهل الحرب، فذلك كله جائز على قدر ما يرى الإمام في ذلك من المصلحة، وقد قتل النبي -ﷺ- أسارى بدر: عقبة بن أبي مُعَيط والنّضْر بن الحارث صبرًا.\nوكتب أبو بكر ﵀ إلى خالد بن الوليد في بني حَنيفة، إذا ظهر عليهم ألا يستبقيَ من رجالهم أحدًا، فورد الكتاب عليهم وقد صالحهم.\n* * *\n_________\n(^١) في الأصل: إذا.","vol":"2","page":400},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-697>٤ - قال اللَّه عزَّ وعلا: ﴿حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾</span>\nقال سعيد بن جبير، ومجاهد: في هذه الآية خروج عيسى بن مريم ﵇، يكسِر الصليب، ويقتل الخنزير، ويلقى الذئب الشاة فلا يَعرِض لها، ولا تكون عداوةٌ بين اثنين (^١).\nوقال الحسن: ﴿حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ قال: لا يُشرَك باللَّه ولا يُعبد غيره (^٢).\nوقال مجاهد: حتى لا يكون دينٌ إلا الإسلام.\n* * *\n_________\n(^١) عزاه عن سعيد السيوطي في الدر (٧/ ٤٦٠)، لعبد بن حميد، ورواه عن مجاهد ابن جرير في تفسيره (١١/ ٣٠٨).\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر (٧/ ٤٥٩) لابن المنذر.","vol":"2","page":401},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-698>ومن سورة الفتح</span>","vol":"2","page":403},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-699>١٧ - قال اللَّه عز وعلا: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾</span>\nهذه الآية نزلت في إسقاط الجهاد عن المذكورين في الآية، دون سائر الأعمال، وأختها في القرآن: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، فاستثنى فيها ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ [النساء: ٩٥].\nونزلت هذه الآية بسبب ابنِ أمِّ مَكتوم (^١).\nوقال زيد بن ثابت: فإني لأكتب حتى نزل ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾، فأمرني رسول اللَّه -ﷺ- أن ألحِقَه (^٢).\n* * *\n_________\n(^١) متفق عليه، رواه البخاري في مواضع منها رقم ٢٨٣١، كتاب: الجهاد والسير، باب قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ﴾؛ ومسلم برقم ١٨٩٨، كتاب: الإمارة، باب: سقوط فرض الجهاد عن المعذورين (ط عبد الباقي)، عن البراء بن عازب ﵁ قال: لما نزلت: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، دعا رسول اللَّه -ﷺ- زيدًا، فجاء بكتف فكتبها، وشكا ابن أم مكتوم ضرارته فنزلت: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾.\n(^٢) حديث زيد رواه البخاري في مواطن من صحيحه منها برقم ٢٨٣٢، الموضع السابق.","vol":"2","page":405},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-700>٢٦ - قال اللَّه جل ثناؤه: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا﴾</span>\nقال يحيى بن سعيد الأنصاري، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: \"أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا اللَّه، فمن قال: لا إله إلا اللَّه، فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه، وحسابه على اللَّه\" (^١).\nوأنزل اللَّه ﷿ في كتابه فذكر قومًا استكبروا فقال سبحانه: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾، وقال ﷿: ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا﴾، وهي: لا إله إلا اللَّه، محمد رسول اللَّه، استكبر عنها المشركون يوم الحديبية، يوم كاتبهم رسول اللَّه صلى اللَّه عليه على قضية المدة.\nوقال عَباية (^٢) عن علي ﵀: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾، قال: لا إله إلا اللَّه واللَّه أكبر (^٣).\n_________\n(^١) الحديث متفق عليه من طريق عقيل، عن ابن شهاب به، رواه البخاري في صحيحه برقم ٦٩٢٤، كتاب: استتابة المرتدين، باب: قتل من أبى قبول الفرائض، ومسلم برقم: ٢٠، كتاب: الإيمان، باب: الأمر بقتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا اللَّه.\n(^٢) هو عَباية بن ربعي قال ابن سعد في الطبقات (٦/ ١٢٧): \". . . الأسدي، روى عن عمر، وعلي بن أبي طالب، وكان قليل الحديث\"، وانظر ميزان الاعتدال للذهبي (٢/ ٣٨٧).\n(^٣) رواه ابن جرير في تفسيره (١١/ ٣٦٥).","vol":"2","page":406},{"text":"وقال ابن عمر وجماعة من المفسرين: كلمة التقوى كلمة الإخلاص، شهادة أن لا إله إلا اللَّه، التي دعا رسول اللَّه صلى اللَّه عليه إليها عمَّه (^١).\n* * *\n_________\n(^١) رواه عن ابن عمر بغير لفظ المصنف، ابن جرير في تفسيره (١١/ ٣٦٥) عن علي الأزدي، قال: كنت مع ابن عمر بين مكة ومنى بالمأزِمين فسمع الناس، يقولون: لا إله إلا اللَّه، واللَّه أكبر، فقال: \"هي هي\"، فقلت: ما هي؟ قال: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾ الإخلاص، ﴿وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا﴾، وممن ذهب إليه أيضًا: ابن عباس، وعمرو بن ميمون، ومجاهد، وقتادة، وابن زيد، والضحاك، وعكرمة، وعطاء، انظر تفسير ابن جرير الموضع السابق.","vol":"2","page":407},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-701>٢٩ - قال اللَّه ﵎: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾</span>\nقال عكرمة، عن ابن عباس: ﴿مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ هم السجود.\nوقال أبو صالح، عن ابن عباس: الصفرة في الوجوه.\nوقال مجاهد: هو الخُشوع (^١).\nوقال عطية: يكون في وُجوههم يوم القيامة أشدُّ بياضًا (^٢).\nوقال عكرمة: أثر التراب.\nوقال ابن جُبير: ندى الطهور، وتراب الأرض (^٣).\nوقال قتادة: علامتهم الصلاة.\nذلك مثلهم في التوراة، وذكر مثلا آخر في الإنجيل إلى قوله: ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ بالنبي -ﷺ- وأصحابه، صلى اللَّه عليه وعليهم.\n٦٢ - حدثنا جعفر بن الليث وغيره، قالوا: أنا إبراهيم بن بشار الرَّمادي قال: حدثنا سفيان، عن الزهري، عن حميد، عن عبد الرحمن، وسليمان بن يسار، عن ابن عباس: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ أبو بكر، ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ﴾ عمر، ﴿رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ عثمان، ﴿تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا﴾ عليٌّ، إلى قوله:\n_________\n(^١) رواه ابن جرير في تفسيره (١١/ ٣٧١).\n(^٢) رواه ابن جرير في تفسيره (١١/ ٣٧٠).\n(^٣) رواه ابن جرير في تفسيره (١١/ ٣٧١).","vol":"2","page":408},{"text":"﴿أَخْرَجَ شَطْأَهُ﴾، بأبي بكر ﴿فَآزَرَهُ﴾، بعمر ﴿فَاسْتَغْلَظَ﴾، بعثمان ﴿فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ﴾، بعلي ﴿يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾، إلى آخر السورة (^١).\nوقال مالك بن أنس: ما يعلق بجباههم من الأرض عند السجود.\nوقال شِمْر بن عطية: تبتهج وجوههم صفرة من سهر الليل (^٢).\nوهذه الآية نزلت في النبي -ﷺ-، وفي الأربعة الخلفاء رحمة اللَّه عليهم.\n* * *\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور (٧/ ٥٤٤) لابن مردويه، وأحمد بن محمد الزهري في فضائل الخلفاء الأربعة، والشيرازي في الألقاب.\n(^٢) رواه ابن جرير في تفسيره (١١/ ٣٧١)، وفيه: تَهَيُّجٌ في الوجه.","vol":"2","page":409},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-702>ومن سورة الحجرات</span>","vol":"2","page":411},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-703>١ - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾</span>\nقال الحسن: لا تذبَحوا قبل أن يَذْبَح (^١).\nوقال مجاهد: لا تفتاتوا على رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه بشيء حتى يقضيه اللَّه ﷿ على لِسانه -ﷺ- (^٢).\n* * *\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور (٧/ ٥٤٦) لابن أبي الدنيا في الأضاحي، وأورده ابن جرير في تفسيره (١١/ ٣٧٨) بدون إسناد.\n(^٢) رواه ابن جرير في تفسيره (١١/ ٣٧٦).","vol":"2","page":413},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-704>٢ - ٣ - قال اللَّه ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ إلى قوله: ﴿امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى﴾</span>\nقال أنس: لما نزلت هذه الآية، قعد ثابت بن قيس في بيته وقال: أنا من أهل النار، فقال النبي -ﷺ- لسعد بن معاذ: \"يا أبا عمرو، ما شأن ثابت بن قيس اشتكى؟ \"، قال: إني لجاره وما علمت، فأتاه سعد فقال له: إن رسول اللَّه -ﷺ- قد استبطأك، فقال ثابت: نزلت هذه الآية، وقد علمتم أني كنت من أرفعكم صوتًا على رسول اللَّه -ﷺ-، فأنا من أهل النار، فأتى سعد رسول اللَّه -ﷺ- فأخبره بذلك، فقال رسول اللَّه -ﷺ-: \"بل هو من أهل الجنة\"، فعاش حميدًا، ومات شهيدًا يوم اليَمامة (^١).\nوقال علي ﵁: نزلت هذه الآية فينا لما ارتفعت أصواتنا أنا وجعفر وزيد بن حارثة، نتنازع ابنة حمزة لما جاء بها زيد من مكة، فقضى بها رسول اللَّه -ﷺ- لجعفر، لأن خالتها كانت عنده.\nوقال طاوس بن شهاب: لما نزلت هذه الآية قال أبو بكر -﵁-: أقسمتُ ألا أكلّم النبي -ﷺ- إلا كأخي السِّرار، ففعل ذلك حتى لقي اللَّه (^٢).\nوقوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾: أخلص اللَّه قلوبهم للتقوى.\n_________\n(^١) متفق عليه، رواه البخاري برقم ٤٨٤٦، كتاب: تفسير القرآن، باب: ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ﴾، ومسلم برقم ١١٩، كتاب: الإيمان، باب: مخافة المؤمن أن يحبط عمله.\n(^٢) رواه الحاكم في المستدرك عن أبي هريرة برقم ٣٧٢٠، كتاب التفسير، تفسير سورة الحجرات (ط العلمية)، وقال: صحيح على شرط مسلم.","vol":"2","page":414},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-705>٤ - قال اللَّه ﵎: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-706>[سبب النزول]</span>\nأعراب بني تميم، وقيل: أعراب بني العَنْبَر بن عمرو بن تميم (^١)، جاؤوا فجعلوا ينادون: يا محمد، يا محمد، بجَفاء وغِلظة، فأنزلت الآية فيهم.\n* * *\n_________\n(^١) بنو العنبر بن عمرو بن تميم: فرع أو قبيلة من بني تميم، جاء من نسلهم فقهاء ورواة كثر يلقبون بالعَنْبَري، انظر الأنساب للسمعاني (٩/ ٣٨٢).","vol":"2","page":415},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-707>٦ - قال اللَّه ﵎: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ الآية</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-708>[سبب النزول]</span>\nوَجَّه النبي -ﷺ- الوليدَ بن عقبة بن أبي مُعَيْط في صدَقات بني المُصْطَلِق، فجاء إلى النبي -ﷺ- فقال: إن بني المصطلق منعوا صدقاتهم يا رسول اللَّه، فأقبل القوم حتى قدموا المدينة، ثم صَفّوا وراءه في الصَّف، فلما قضى الصلاة انصرف، قالوا: إنا نعوذ باللَّه من غضب اللَّه وغضب رسوله -ﷺ-، سمعنا برسولك الذي بعَثتَ ليُصَدِّق أموالنا، فسُررنا بذلك، فأردنا أن نتلقّاه فنسير مع رسولِ رسولِ اللَّه -ﷺ-، فبلغنا أنه رجع، فخشينا أن يكون ردّه غضَبٌ من اللَّه ورسوله علينا، فلم يزالوا يعتذرون إلى رسول اللَّه -ﷺ-، حتى جاءه المؤذن يدعوه إلى صلاة العصر، ونزلت الآية، وقد كان قال للنبي -ﷺ-: إنهم قد ارتدوا، وجمعوا لك ليحاربوك، وكذب في ذلك كله (^١).\nوقد كان قال لعلي بن أبي طالب ﵁: ألست أبسَطَ منك لِسانًا، وأثبت منك جنانًا، فأنزل اللَّه: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ﴾ (^٢).\n* * *\n_________\n(^١) رواه ابن جرير في تفسيره (١١/ ٣٨٣) عن ابن عباس ﵄.\n(^٢) السجدة: ١٨، والأثر أخرجه ابن جرير في تفسير الآية.","vol":"2","page":416},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-709>٩ - قال اللَّه ﵎: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ الآية</span>\nروى إسماعيل بن أبي أويس قال: نا مالك، عن [محمد بن أبي بكر] (^١) بن محمد بن عمرو بن حزم، أن أباه أخبره، عن عمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة أنها قالت: ما رأيت مثل ما رَغِبَت هذه الأمة عن هذه الآية: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ (^٢).\nقال سعيد بن جبير في هذه الآية: كان رجال من الأنصار يقتتلون بالنِّعال والعِصي، فأمرهم اللَّه أن يصطَلِحوا بينهم (^٣).\nوقال زيد بن أسلم: إذا اقتتل الرجلان أو الطائفتان أو القبيلتان، فقد أمر اللَّه ﵎ الإمام بما في الآية من الإصلاح أو قتال الباغية (^٤).\n_________\n(^١) ساقطة من الأصل، والصواب ما أثبته.\n(^٢) رواه محمد بن الحسن في موطئه عن مالك برقم ١٠٠٣، بال: التفسير، ورواه الحاكم في المستدرك (٢/ ١٥٦)، كتاب: قتال أهل البغي، والبيهقي في سننه الكبرى برقم ١٦٧٠٧، كتاب: قتال أهل البغي، جماع أبواب الرعاة، باب: ما جاء في قتال أهل البغي والخوارج، إسماعيل بن أبي أويس، عن أبيه، عن محمد بن أبي بكر، به.\n(^٣) رواه ابن جرير في تفسيره (١١/ ٣٨٨)، عن سعيد، عن ابن عباس، وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٧/ ٥٦٠) عن سعيد لعبد بن حميد، وابن أبي حاتم.\n(^٤) رواه ابن جرير (١١/ ٣٨٧) عن ابن زيد، باختلاف في اللفظ، واتحاد في المعنى.","vol":"2","page":417},{"text":"وقال الحسن نحو قول ابن جبير (^١).\nوقال أنس: نزلت الآية -بشيء ذكره- كان من أذى عبد اللَّه بن أُبيّ بن سلول لرسول اللَّه -ﷺ- فرد عليه بعض الأنصار، فغضب قومُ عبد اللَّه له، واقتتلت الطائفتان (^٢).\nوهذه الآية في أي شيء نزلت، توجب إن بغت طائفة على إمامها، وكانت ظالمة فيما حاولته منه، أن يعان عليها، وإن اقتتل قبيلان من العرب، أو طائفتان من الناس، أصلح الإمام ومن يقوم مقامه بينهم، فإن أبت إحداهما إلا البغي، أعان الإمام المَبغي عليها، واللَّه أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) رواه ابن جرير في تفسيره (١١/ ٣٨٨).\n(^٢) متفق عليه، رواه البخاري في صحيحه برقم ٢٦٩١، كتاب: الصلح، باب: ما جاء في الإصلاح بين الناس إذا تفاسدوا، ومسلم في صحيحه برقم ١٧٩٩، كتاب: الجهاد والسير، باب: في دعاء النبي -ﷺ- إلى اللَّه، وصبره على أذى المنافقين (ط عبد الباقي)، قال: قيل للنبي -ﷺ-: لو أتيت عبد اللَّه بن أُبَي، قال: \"فانطلق إليه وركب حمارًا وانطلق المسلمون وهي أرض سَبَخَة\"، فلما أتاه النبي -ﷺ- قال: \"إليك عني، فواللَّه لقد آذاني نَتْن حمارك\"، قال: فقال رجل من الأنصار: واللَّه لحمار رسول اللَّه -ﷺ- أطيب ريحًا منك، قال: فغضب لعبد اللَّه رجل من قومه، قال: فغضب لكل واحد منهما أصحابه، قال: فكان بينهم ضرب بالجريد وبالأيدي وبالنعال، قال: فبلغنا أنها نزلت فيهم: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾.","vol":"2","page":418},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-710>١١ - قال اللَّه ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ﴾</span>\nهذه الآية توجب ألا يستهزِئَ أحدٌ بمَن دونه في المنزلة في الدنيا، ولا يحقره، ولْيتواضع للَّه ﷿، فإنه يعرف ذنوبَه، ولا يَعرفُ من غيره ما يَعرفُ من نفسه، ولعل ذلك عند اللَّه خير منه.\nقيل للحسن البصري: ما التواضع؟ قال: لا ترى أحدًا من المسلمين لا بدعة فيه، إلا رأيت أنه خير منك، لما تعرِف من ذُنوبك.\n* * *","vol":"2","page":419},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-711>١١ - قال اللَّه ﷿: ﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾</span>\nقال ابن عباس ﵁: لا يطعَن بعضُكم على بعض (^١).\nوقاله مجاهد أيضًا وقتادة (^٢).\nوقوله: ﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾، مثل قوله سبحانه: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]، \"لا يقتل بعضكم بعضًا\" (^٣).\nوقد قال ﷿: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ [التوبة: ٥٨] أي: يطعن في فعلك.\nقال زياد الأعجم:\nإن لقيتُكَ تُبْدي لي مُكاشَرَهًّ ... وإن تَغَيَّبْتُ كنتَ الهامِزَ اللُّمَزَه\nما كنتُ أخشى وإن كان الزمانُ به ... حَيْفًا على الناس أن تغني بها عَتَرَه (^٤)\n_________\n(^١) رواه ابن جرير في تفسيره (١١/ ٣٩١).\n(^٢) نفسه.\n(^٣) من حديث رواه الإمام أحمد في مسنده برقم ١٦٠٨٧، ١٦٠٨٨، وأبو داود في سننه برقم ١٩٦٦، كتاب: المناسك، باب: في رمي الجمار، (ط الأرناؤوط) سليمان بن عمرو بن الأحوص، عن أمه، عن النبي -ﷺ- قال: \"يا أيها الناس لا يقتل بعضكم بعضًا، وإذا رميتم الجمرة، فارموا بمثل حصى الخذف\".\n(^٤) البيت الأول أورده أبو عبيدة في مجاز القرآن (٢/ ٣١١)، وصدره: تدلي بودّي إذا لاقَيْتَني كذبًا، وفي العَجُز: كان أُغَيّب. . .، والبيت الثاني لم أقف عليه سوى في بهجة المجالس لابن عبد البر (١/ ٤٠٤)، ذكره مع البيت الأول، وفيه: وإن طال الزمان. . . حَيْفٌ على الناس أن يغتابني غُمَزَة.","vol":"2","page":420},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-712>١١ - قال اللَّه تبارك اسمه وتعالى: ﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-713>[سبب النزول]</span>\nكانت بنو سلمة قَلَّ رجل منهم إلا له اسمان وثلاثة، منها ما سمي به، ومنها ما لقب به، فلما قدم النبي -ﷺ- المدينة كان يدعو الرجل بالاسم، فيقال له: إنه يغضب من هذا الاسم، فنزلت الآية (^١).\nوقيل: كان يعير الرجل بعد إسلامه بأنه كان يهوديًا أو نصرانيًا، فنُهوا عن ذلك (^٢).\nوالآية توجب كلَّ ذلك، وألا يخاطَب أحدٌ بما يكره من اسم أو لقب أو سَبّ، مثل أن يقالَ للرجل: يا منافق، أو يا فاجر، أو فاسق، وما أشبه ذلك مما يسوء المخاطَب، فإن ذلك كله وِزر على قائله، واللَّه أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) رواه الإمام أحمد في مسنده برقم ١٨٢٨٨، وأبو داود في سننه برقم ٤٩٦٢، كتاب: الأدب، باب: في الألقاب، (ط الأرناؤوط)، والترمذي في سننه برقم ٣٢٦٨، أبواب تفسير القرآن، باب: ومن سورة الحجرات، عن أبي جبيرة بن الضحاك ﵁.\n(^٢) روي هذا القول عن ابن مسعود، والحسن، ومجاهد، ومحمد بن كعب القرظي، انظر تفسير ابن جرير (١١/ ٣٩٢)، واالدر المنثور (٧/ ٥٦٤).","vol":"2","page":421},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-714>١٢ - قال اللَّه ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ﴾</span>\nروى أبو هريرة عن النبي -ﷺ- أنه قال: \"إياكم والظن، فإنه أكذب الحديث، ولا تَجَسَّسوا ولا تَحَسَّسوا، وكونوا عباد اللَّه إخوانًا\" (^١).\nوقال ابن عباس ﵁ مثل ذلك، وزاد: ولا تباغضوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد اللَّه إخوانًا كما أمركم اللَّه (^٢).\nوقال مجاهد مثل ذلك.\nفالآية توجب على المسلمين ترك التَّجَسُّس وما أشبهه، وألا يظن ظن السوء بأحد ما لم يُجاهِر بالمعاصي، فإن اللَّه ﵎ يُغَيِّر ولا يُعَيِّر، ويدعَ سر العباد بينهم وبين ربهم، ويسترُ المؤمنُ على أخيه المؤمن، ويعظه، ويخوفه باللَّه إذا رأى منه ما ينكره، تقربًا إلى اللَّه ﷿، لا تعييرًا له، فإن أظهر إنسان معاصي اللَّه ﷿ كُوشف بالإنكار عليه، وعوديَ على ذلك حتى يتوب.\n_________\n(^١) متفق عليه، رواه البخاري في مواطن من صحيحه منها رقم ٦٠٦٦، كتاب: الأدب، باب: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ﴾، ومسلم في صحيحه برقم ٢٥٦٣، كتاب: البر والصلة والأدب، باب: تحريم الظن والتجسس والتنافس والتناجش ونحوها (ط عبد الباقي).\n(^٢) وقفت عليه من حديث أبي بكر الصديق ﵁ مرفوعًا، رواه أحمد في مسنده برقم ٥ و٣٤.","vol":"2","page":422},{"text":"فأما قوله سبحانه: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا﴾، معناه: ما كرهتَه أن يؤتى إليك، فاكرهه من نفسك لهم، فالمسلم \"من سلم المسلمون من لسانه ويده\" (^١)، ومن رضي لهم ما يرضاه لنفسه، واللَّه أعلم بما أراد.\n* * *\n_________\n(^١) من حديث رسول اللَّه -ﷺ- المتفق عليه من حديث عبد اللَّه بن عمرو ﵁، رواه البخاري برقم ١٠، كتاب: الإيمان، باب: المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، ومسلم برقم ٤١، كتاب: الإيمان، باب: بيان تفاضل الإسلام، وأي أموره أفضل.","vol":"2","page":423},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-715>١٣ - قال اللَّه ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى﴾ إلى: ﴿أَتْقَاكُمْ﴾</span>\nالشعوب: القبائل البعيدة والقبائل القريبة.\nومعنى القريبة والبعيدة: البعيدة المناسبة إلى مُضر، أو إلى تميم، أو إلى قيس، أو إلى ربيعة، وما أشبه ذلك، والقريبة: قربى القُرَشي من القرشي، والهِلالي من الهلالي، والفَزاري من الفزاري، والعَقيلي من العقيلي، والقُشَيري من القُشَيري، وما أشبه ذلك مما يقرُب ويبعُد.\nوأما قوله سبحانه: ﴿مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى﴾، فإنه يعني من آدم وحواء ﵉، ثم كل أحد من نسلهما أيضًا فمن ذكر وأنثى، خلا عيسى بن مريم ﵇، فإن اللَّه ﷿ خلقه من أنثى بغير ذكر.\nفهذا معنى الشعوب والقبائل، وقد يدخل في ذلك من لم يكن من العرب بذكر الشعوب، وأنهم كلهم يتشعّبون من آدم ﵇.\nوقد روي عن ابن عمر عن النبي -ﷺ- أنه خطب يوم الفتح، فحمد اللَّه وأثنى عليه، وقال: \"أما بعد، أيها الناس، فإن اللَّه ﵎ قد أذهب عنكم عُبِّيَّة الجاهلية وتعاظُمَها، يا أيها الناس، إنما الناس رجلان، رجل بَرٌّ تقِيٌّ كريم على اللَّه، وآخَر شَقِي هيِّن على اللَّه، إن اللَّه عزَّ من قائل [يقول] (^١): ﴿إِنَّ\n_________\n(^١) ساقطة من الأصل.","vol":"2","page":424},{"text":"أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾، أقول قولي هذا واستغفروا اللَّه لي ولكم\" (^١).\nوروي أن بلالًا أذَّن على ظَهر البيت يوم الفتح، فقالت قريش: عز على فلان، وعز على فلان أن يؤذن هذا العبد على البيت، فأنزل اللَّه ﵎: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (^٢).\nوقد سوّى اللَّه ﷿ بهذه الآية بين الناس، وجعل المتّقيَ منهم المعظم.\nقال الحسن، عن سمرة، عن النبي -ﷺ-: \"الحَسَب: المال، والكرم: التقوى\" (^٣).\nوقاله عمر بن الخطاب رحمة اللَّه عليه، يخطب به على الناس عن نفسه (^٤).\n_________\n(^١) رواه الترمذي في سننه برقم ٣٢٧٠، كتاب تفسير القرآن، باب: ومن سورة الحجرات، وضعف إسناده.\n(^٢) قال السيوطي في الدر المنثور (٧/ ٥٨٧): أخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في الدلائل، عن ابن أبي مُلَيْكَة قال: لما كان يوم الفتح رقي بلال فأذن على الكعبة، فقال بعض الناس: هذا العبد الأسود يؤذن على ظهر الكعبة، وقال بعضهم: إن يُسخط اللَّه هذا يُغَيِّرْه، فنزلت: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى﴾ الآية.\n(^٣) رواه الإمام أحمد في سننه برقم ٢٠١٠٢، والترمذي في سننه برقم ٣٢٧١، كتاب: تفسير القرآن، باب: ومن سورة الحجرات، وقال: \"حسن صحيح غريب\"، وابن ماجه في سننه برقم ٤٢١٩، أبواب: الزهد، باب: الورع والتقوى.\n(^٤) روى الدارقطني في سننه برقم ٣٨٠٦، كتاب: النكاح، والبيهقي في سننه الكبرى برقم ٢٠٨١١، كتاب: الشهادات، جماع أبواب من تجوز شهادته، باب: بيان مكارم الأخلاق (ط العلمية)، وصحح إسناده، عن زياد بن حُدَيْر، قال: سمعت عمر بن الخطاب، يقول: \"حسب المرء دينه، ومروءته خلقه، وأصله عقله\".","vol":"2","page":425},{"text":"وإنما أراد أن المال يستغني به الإنسان فى الدنيا عن الناس، وأن التقوى يستغنى بها (^١) في الآخرة عن أن يكون مرحومًا.\nقال النبي -ﷺ- في رجز جرى (^٢) على لسانه يوم الخندق:\n. . . . . الخيرَ خيرُ الآخرة ... فاغفر للأنصار والمُهاجِرة\" (^٣)\nوالأنساب، والمال، والجمال، يُتزيّن به في الدنيا، والتقوى هو الحاصل النافع في أداء الإقامة.\nوقد تكلم الشافعي في هذه الآية فقال: فيها خصوص وعموم، واستثنى الدواب من الناس، ولم يستثن عيسى ﵇ من الذكر والأنثى، فوضع في كتابه ما يحتج به النصارى علينا من أن عيسى مِن ذَكَر (^٤)، وقد ذكرنا هذا في رد كتاب الرسالة بما فيه كفاية إن شاء اللَّه.\n_________\n(^١) في الأصل: به.\n(^٢) في الأصل: رجرى.\n(^٣) متفق عليه من حديث أنس ﵁، رواه البخاري في مواطن منها رقم ٧٢٠١، كتاب: الأحكام، باب: كيف يبايع الإمام الناس، ومسلم برقم ١٨٠٥، كتاب: الجهاد والسير، باب: غزوة الأحزاب، وهي الخندق.\n(^٤) قال الشافعي في الرسالة (ص ١٣٩ - ١٤٠): \"قال اللَّه ﵎: ﴿إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾، وقال ﵎: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣) أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾، وقال: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾، قال: فبين في كتاب اللَّه، أنَّ في هاتين الآيتين العموم والخصوص: فأمَّا العموم منهما، ففي قول اللَّه: ﴿إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾، فكل نفس خوطبت بهذا في زمان رسول اللَّه، وقبله وبعده، مخلوقة من ذكر وأنثى، وكلها شعوب وقبائل، والخاص منها في قول اللَّه: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾، لأن التقوى تكون على من عَقَلَها، وكان من أهلها من البالغين من بني آدم، دون المخلوقين من الدواب سواهم، ودون المغلوبين على عقولهم منهم، والأطفال الذين لم يبلغوا وعقل التقوى منهم. . . \".","vol":"2","page":426},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-716>١٤ - قال اللَّه ﷿: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾</span>\nقسم رسول اللَّه -ﷺ- قَسْمًا، فأعطى ناسًا ومنع آخرين، قال سعد: فقلت: يا رسول اللَّه، أعطيتَ فلانًا ومنعتَ فلانًا وهو مؤمن! فقال: \"لا تقُل مؤمن، قل مُسْلِم\"، قال ابن شهاب: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ (^١).\nوقيل في الحديث: أنه قال ﵇: \"إني لأعطي الرجل وغيرُه أحبُّ إليَّ منه، وما أعطيه إلا مَخافَة أن يكُبَّه اللَّهُ في النار\" (^٢).\nوكان الزهري يرى أن الإسلام كلمة الإخلاص بظاهِرها، والإيمانَ العملُ (^٣).\nقال قتادة: لم تَعُمَّ هذه الآية الأعرابَ، إن من ﴿الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٩٩]، ولكنها لطوائف من الأعراب (^٤).\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور (٧/ ٥٨٣) لابن قانع، وابن مردويه، من طريق عامر بن سعد، عن أبيه.\n(^٢) متفق عليه من حديث سعد بن أبي وقاص، رواه البخاري في صحيحه برقم ٢٧، كتاب: الإيمان، باب: إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة، وبرقم ١٤٧٨، باب قول اللَّه تعالى: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾، ومسلم في صحيحه برقم ١٥٠، كتاب: الإيمان، باب: تأليف قلب من يخاف على إيمانه، وبرقم ١٥٠، كتاب: الزكاة، باب: إعطاء من يخاف على إيمانه (ط عبد الباقي).\n(^٣) رواه ابن جرير في تفسيره (١١/ ٤٠٠).\n(^٤) في الأصل: الأعراف، والأثر رواه ابن جرير في تفسيره (١١/ ٤٠١).","vol":"2","page":427},{"text":"وقال مجاهد: أسلمنا: استسلمنا مَخافة السَّبي والقتل (^١).\nوالإسلام في اللغة على وجهين:\nإسلامٌ يكون للَّه ﷿، قال سبحانه: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ [البقرة: ١٢٨].\nوالآخر من طريق الاستسلام مخافة أن ينالَهُم قتل أو غيره من أمور الدنيا، يقولونه بألسنتهم تعوُّذًا، وليس ذلك في قلوبهم، قال اللَّه ﵎: ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾، فالمسلم قد يجمع الإيمان والإسلام، والمسلم الآخر الذي وقع له الاسم بالاستسلام خارجٌ عن الإيمان، واللَّه أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) رواه ابن جرير في تفسيره (١١/ ٤٠١).","vol":"2","page":428},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-717>ومن سورة ق</span>","vol":"2","page":429},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-718>٣٢ - قال اللَّه عزَّ وعلا: ﴿أَوَّابٍ حَفِيظٍ﴾</span>\nقال ابن مسعود ﵁: هو الرجل يذكر الذنب فيستغفر منه (^١).\nوقال عبيد بن عمير: هو الرجل لا يجلس مجلسًا فيقوم منه حتى يستغفر اللَّه، ويذكر ذنبه في الخَلاء فيستغفر اللَّه (^٢).\nوقال سعيد بن جبير: الأواب: المُسبِّح (^٣).\nوالآية تقتضي بقوله: ﴿أَوَّابٍ﴾: تواب (^٤) إلى اللَّه ﷿، يرجع عن الخطايا والذّنوب، ويستغفر اللَّه منها، ويدوم على الندم، ويحفظها بقلبه كي لا يزول الاستغفار من لسانه، والخوف على نفسه، فيكون خائفًا راجيًا، واللَّه أعلم بما أراد.\n* * *\n_________\n(^١) رواه ابن جرير في تفسيره (١١/ ٤٢٨) من قول مجاهد، والشعبي، ويونس بن خباب.\n(^٢) روى ابن أبي شيبة في مصنفه برقم ٢٩٣٢٩، كتاب: الدعاء، ما يدعو الرجل إذا قام من مجلسه، بسنده عن عبيد بن عمير، قال: كنا نعد الأواب الحفيظ إذا قام من مجلسه قال: اللهم اغفر لي ما أصبت في مجلسي هذا.\n(^٣) في الأصل: المسيح، والأثر، رواه ابن جرير في تفسيره (١١/ ٤٢٨) عن سعيد عن ابن عباس، ورواه أيضًا من قول مجاهد.\n(^٤) في الأصل: توب.","vol":"2","page":431},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-719>٣٩ - قال اللَّه ﵎: ﴿وَسَبِّحْ (^١) بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾</span>\nقال جرير بن عبد اللَّه: كنا عند رسول اللَّه -ﷺ- إذ نظر إلى القمر ليلة البدر فقال: \"أما إنكم سترون ربكم كما ترون هذا، لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم ألا تُغلَبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا\"، ثم قرأ: ﴿وَسَبِّحْ (^٢) بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ (^٣)﴾ [طه: ١٣٠] (^٤).\nوقال عمارة الثقفي: سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: \"لن يلجَ النّارَ من صلَّى قبل طلوع الشمس وقبل غروبها\" (^٥).\nوقال ابن عباس: هي المكتوبة.\nيعني: صلاة الصبح، وصلاة العصر.\nوقال قتادة مثل ذلك (^٦).\n_________\n(^١) في الأصل: فسبح.\n(^٢) في الأصل: فسبح.\n(^٣) في الأصل: غروبها.\n(^٤) الحديث متفق عليه، رواه البخاري في صحيحه برقم ٥٧٣، كتاب: مواقيت الصلاة، باب: فضل صلاة الفجر، ومسلم في صحيحه برقم ٦٣٣، كتاب: المساجد ومواضع الصلاة، باب: فضل صلاتي الصبح والعصر (ط عبد الباقي).\n(^٥) رواه مسلم في صحيحه برقم ٦٣٤، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب: فضل صلاتي الصبح والعصر (ط عبد الباقي).\n(^٦) رواه ابن جرير في تفسيره (١١/ ٤٣٥).","vol":"2","page":432},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-720>٤٠ - قال اللَّه ﷿: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾</span>\nقال قتادة ومجاهد: ﴿فَسَبِّحْهُ﴾ أي: صلِّ (^١) فيه.\nوقال الحارث عن علي: نهاني رسول اللَّه -ﷺ- عن أربع، وسألته عن أربع، سألته عن ﴿وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾، و﴿وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾، فقال: \"أدبارُ السجود: الركعتان بعد المغرب، و(إدبار النجوم): الركعتان قبل الغداة\"، وسألته عن الحج الأكبر فقال: \"هو يوم النحر\"، وسألته عن الصلاة الوسطى فقال: \"هي صلاة العصر التي فرط فيها سليمان ﵇\" (^٢).\nوقال أبو هريرة والحسن ومجاهد في أدبار النجوم أدبار السجود، مثل ما روي عن علي رضوان اللَّه عليه (^٣).\nوكان ابن عباس يقول: التسبيح في إثر الصلوات (^٤).\nوكان زيد بن أسلم يقول: النوافل خلف الصلوات (^٥).\nوكل ذلك حسن إن شاء اللَّه.\n_________\n(^١) في الأصل: صلي.\n(^٢) أورده السيوطي في الدر المنثور (٧/ ٦١٠) مختصرًا، وعزاه لمسدَّد في مسنده، وابن المنذر، وابن مردويه.\n(^٣) انظر تفسير ابن جرير (١١/ ٤٣٦ - ٤٣٧).\n(^٤) واه ابن جرير في تفسيره (١١/ ٤٣٨).\n(^٥) رواه ابن جرير في تفسيره عن ابن زيد (١١/ ٤٣٨).","vol":"2","page":433},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-721>ومن سورة والذاريات</span>","vol":"2","page":435},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-722>١٧ - قوله ﷿: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾</span>\nقال أنس بن مالك: كانوا يصلون ما بين المغرب والعشاء (^١).\nوقال مالك بن دينار: سألت سالم بن عبد اللَّه عن النوم قبل العتمة فانتهرني وقال: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾، ما بين صلاة المغرب إلى العشاء ما ينامون.\nوقال موسى بن يسار في قوله ﷿: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ قال: ما بين المغرب والعشاء، كانت الأنصار يصلون المغرب فينصرفون إلى قباء، ثم أقاموا حتى يصلوا العِشاء، فنزلت فيهم الآية، ﴿وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾، يغدون من قُباء، فيصلّون في مسجد رسول اللَّه -ﷺ-.\nوقال مُطرّف بن الشّخّير، ومجاهد: كانوا لا ينامون كل الليل.\nوقال الحسن: مَدّوا الصلاةَ إلى السَّحَر، ثم جلسوا في الدعاء والاستِكانة والاستغفار (^٢).\nوقال إبراهيم: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ يعني: ينامون قليلًا منه (^٣).\nوقال أبو العالية: كانوا يصيبون حظًا من الليل (^٤).\n_________\n(^١) رواه ابن جرير في تفسيره (١١/ ٤٥٢).\n(^٢) رواه ابن جرير في تفسيره (١١/ ٤٥٢).\n(^٣) رواه ابن جرير في تفسيره (١١/ ٤٥٤).\n(^٤) رواه ابن جرير في تفسيره (١١/ ٤٥٢).","vol":"2","page":437},{"text":"وقال الضحاك: قليلًا من الناس (^١).\nوقال مطرّف: قَلّ ليلةٌ تأتي عليهم لا يُصلّون فيها (^٢).\nوقال بكلِّ قول من ذلك جماعةٌ مُتابِعة لمَن قاله، واللَّه أعلم بما أراد.\nوكلٌّ يدخل في المعنى، من يتنفل بين العشاءين، ومن تنفل بالليل، فكلُّ إن شاء اللَّه داخل في المعنى، ورابحٌ فاعِلُه.\n* * *\n_________\n(^١) رواه ابن جرير في تفسيره (١١/ ٤٥٤).\n(^٢) رواه ابن جرير في تفسيره (١١/ ٤٥٢).","vol":"2","page":438},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-723>١٩ - قال اللَّه ﵎: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾</span>\nيعني الزكاة، تكتب في \"سأل سائل\" إن شاء اللَّه.\n* * *","vol":"2","page":439},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-724>٥٦ - ٥٧ - قال اللَّه ﷿: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ﴾</span>\nقيل لعامر بن عبد قيس: لو تزوجتَ، وتلا عليه: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً﴾، فقال: سمعتُ اللَّه ﷿ يقول: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾.\nوقال غيره وأبو الجَوزاء: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ﴾: أن يرزقوا أنفسهم، وأن يُطعِموا أنفسهم، أنا أرزُقُهم وأُطْعِمهم، ما خلقتهم إلا ليعبدون (^١).\nوقال مجاهد: إلا ليعرفوني (^٢).\nوقال الضحاك: هذا خاص للمؤمنين.\nوقول مجاهد: إلا ليعرفوني حسَن، لأن كلَّ الخلق قد عرَفوه، وعلموا أن لهم خالقًا ورازقًا.\nوقد يجوز أن يكون أراد ﴿لِيَعْبُدُونِ﴾: استعبدهم بذلك فأَبْلُوَهم أيهم أحسن عملا، وقد كان ذلك.\n_________\n(^١) رواه عن أبي الجوزاء ابن أبي شيبة في مصنفه برقم ٣٥٦٥٦، كتاب: الزهد، ما قالوا في البكاء من خشية اللَّه (ط الرشد).\n(^٢) قال ابن عبد البر في جامع بيان العلم (٢/ ٥٥): وذكر سُنيد، عن حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد في قوله ﷿: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ قال: إلا ليعرفون.","vol":"2","page":440},{"text":"وأما قوله سبحانه: ﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ﴾، فمعناه: ما أَكِلُهم في أرزاقهم وطعامِهم إلى أنفسهم، فتكفل بذلك فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ﴾، وقال: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ [الذاريات: ٢٢]، فأوجب ذلك على نفسه لهم، تبارك وجل عن المُطعِم.\n* * *","vol":"2","page":441},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-725>ومن سورة والطور</span>","vol":"2","page":443},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-726>٢١ - قال اللَّه ﵎: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾</span>\nقال ابن عباس: المؤمن يُرْفع له ذريته ليَقَرّ به عينُه، وإن كان دونه في العمل، ﴿وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ قال: ما أنقصناهم من أجل الذرية (^١).\nوقال إبراهيم وغيره، قال: أُعطوا مثل أجور اَبائهم، ولم ينقص الآباء من أجورهم شيئًا (^٢).\nوقاله الشعبي أيضًا (^٣).\nوقال ابن مسعود مثل قول ابن عباس.\nوقال قتادة: ما ظلمناهم (^٤).\nوقاله أبو عبيدة، وقال: فيها ثلاثُ لُغات: أَلَتَ يَأْلِتُ، وأَلات يُلِيتُ، ولَاتَ يَلِيتُ (^٥).\n_________\n(^١) رواه البزار وابن مردويه، الدر المنثور (٧/ ٦٣٢)، ورواه ابن جرير في تفسيره (١١/ ٤٨٨) من دون العبارة الأخيرة.\n(^٢) رواه ابن جرير في تفسيره (١١/ ٤٨٩).\n(^٣) روى ابن جرير في تفسيره (١١/ ٤٨٩) عن الشعبي أنه قال في هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾: فأدخل اللَّه الذرية بعمل الآباء الجنة، ولم ينقص اللَّه الآباء من عملهم شيئًا، قال: فهو قوله: ﴿وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾.\n(^٤) رواه ابن جرير في تفسيره (١١/ ٤٩١).\n(^٥) مجاز القرآن (٢/ ٢٣٢).","vol":"2","page":445},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-727>٤٨ - ٤٩ - قال اللَّه عز وعلا: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ (٤٨) وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾</span>\nقال محمد بن كعب: حين تقوم إلى الصلاة.\nوقال أبو الجوزاء: حين تقوم من منامك.\nوقال أبو الأحوص: حين تقوم من كل مكان تقول: سبحانك وبحمدك (^١).\nوقال مجاهد: الليل كله.\nواللَّه أعلم بما أراد، إلا أنه حين تقوم من فراشك، يعني: صلاة الغداة، أحسن ما في ذلك، وذِكرُ اللَّه حسَنٌ في كلِّ حال.\n* * *\n_________\n(^١) رواه ابن جرير في تفسيره (١١/ ٥٠٠).","vol":"2","page":446},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-728>من سورة والنجم</span>","vol":"2","page":447},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-729>٣٢ - قال اللَّه ﵎: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾</span>\nسئل ابن عباس ﵁ عن اللَّمَم فقال: لم أر شيئًا أشبه به من قول أبي هريرة عن النبي -ﷺ-: \"إن اللَّه ﵎ كتب على ابن آدم حظَّه من الزنا، أدرك ذلك لا محالة، فزنا العينين النظر، وزِنا اليدين البطش، وزِنا اللسان المنطق، والنفس تمنى وتشتهي، والفرج يُصدِّق ذلك أو يكذِّبه\" (^١).\nوسئل أبو هريرة عن اللَّمَم فقال: النظرة، والغمزة، والقُبلة، والمباشرة، إذا مس الخِتانُ الخِتانَ فقد وجب الغسل، وهو الزنا (^٢).\nوروى المَقْبُري، عن أبي هريرة قال: اللمم: الجِماع، قال: ثم يتوب من الزنا فلا يعود، واللَّمة من شرب الخمر، ثم يتوب ولا يعود، واللَّمة من السرقة، ثم يتوب فلا يعود، قال الحسن: وتلك الإلمام (^٣).\nوقال زيد بن أسلم: اللَّمم لَمَم أهل الجاهلية، ولا تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف.\n_________\n(^١) متفق عليه، رواه البخاري برقم ٦٢٤٣، كتاب: الاستئذان، باب: زنا الجوارح دون الفرج، وبرقم ٦٦١٢، كتاب: القدر، باب: ﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا. . .﴾، ومسلم في صحيحه برقم ٢٦٥٧، كتاب: القدر، باب: قدر على ابن آدم حظه من الزنى (ط عبد الباقي).\n(^٢) رواه ابن جرير في تفسيره (١١/ ٥٢٧).\n(^٣) رواه ابن جرير في تفسيره (١١/ ٥٢٧).","vol":"2","page":449},{"text":"وروي عن ابن عباس ﵁ أنه قال: الزيادة من الإلمام، ألستم عربًا؟ وهو أن يُلِم المرة.\nوسئل زيد بن ثابت عن اللَّمَم فقال: حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن (^١).\nوقال عبد اللَّه بن عمرو بن العاصي: هو ما دون الشرك (^٢).\nوقال الشعبي: هو ما دون الزنا (^٣).\nوقال مجاهد: يلم بالذنب ثم ينزع عنه، قال: وكان أهل الجاهلية يطوفون بالبيت ويقولون:\nإن تغفر اللهم تغفر جَمًّا ... وأي عبد لك لا أَلمّا (^٤)\nوقال مثل ذلك عروة وغيره.\nوقال الحسن: اللَّمة من الزنا ثم يتوب، فذاك يُتجاوز عنه (^٥).\nوقال زيد بن أسلم: الكبائر: الشرك، والفواحش: الزنا، تركوا ذلك حين دخلوا في الإسلام، فغُفِر لهم ما كان قبل الإسلام (^٦).\nوقد ذكرنا ما انتهى إلينا [عن] (^٧) من تكلَّم في اللمم.\n_________\n(^١) رواه ابن جرير في تفسيره (١١/ ٥٢٦).\n(^٢) رواه ابن جرير في تفسيره (١١/ ٥٢٨).\n(^٣) رواه ابن جرير في تفسيره (١١/ ٥٢٧).\n(^٤) رواه ابن جرير في تفسيره (١١/ ٥٢٨).\n(^٥) رواه ابن جرير في تفسيره (١١/ ٥٢٧).\n(^٦) رواه ابن جرير في تفسيره (١١/ ٥٢٦).\n(^٧) ساقطة من الأصل.","vol":"2","page":450},{"text":"وحُكِي لي عن بعض أهل العلم أنه قال: يجتنبون كبائر الإثم والفواحش واللمم، وهو قول فاسد، لأنه يُبطل قولَه: ﴿إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾ [النجم: ٣٢]، فإذا اجتنبوا اللَّمَم فأي شيء يغفر لهم؟\nواللَّمَم عند العرب، ألا يكون الإنسان مقيمًا على الشيء، يقال: ما فعل ذلك إلا لَمَمًا، وإلا لَمّا، على الحين بعد الحين، ويقال: مُصِرٌّ، إذا كان الفعل له عادة، فإن تركه ونزع عنه كان تائبًا، قال اللَّه ﷿: ﴿إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٥]، ثم ضمن لهم الثواب فقال: ﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٦]، وقال بعقب اللمم: ﴿إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَة﴾، فذم المُصِر، ومدح التائب.\nقال أبو صالح: سئلت عن قول اللَّه ﷿: ﴿يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾ فقلت: هو الرجل يُلم بالذنب أو الخطيئة ثم لا يعاود، فذكرت ذلك لابن عباس، فقال: لقد أعانك عليها مَلَك كريم (^١).\nفجاء هذا التفسير على تعارف العرب، وتلقّاه ابنُ عباس بعرَبيته التي نزل بها القرآن، والعرب تقول: إنما زيارتك لِمام، وإنما تفعل لِمامًا، قال جرير:\nبنفسي من تَجَنُّبُه عزيزٌ ... عليَّ ومَن زيارتُه لِمامُ (^٢)\nوقال وَضّاح اليمن:\nفما نَوَّلْتُ حتى تضرعْتُ حولَها ... وخَبَّرْتُها ما رخصَّ اللَّه في اللَّمَمِ (^٣)\nفاللَّمَمُ عندي واللَّه أعلم، التي تكون فيندَم عليها ولا يُعاوِدها المُذنِب، وهو أصحُّ الوجوه في ذلك.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور (٧/ ٦٥٧) لعبد بن حميد.\n(^٢) ديوان جرير بشرح ابن حبيب (٢/ ٢٧٩).\n(^٣) عيون الأخبار لابن قتيبة (٤/ ٩٩).","vol":"2","page":451},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-730>٣٧ - ٣٨ - قال اللَّه ﵎: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (٣٧) أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾</span>\nقال بعض المفسرين: ﴿وَفَّى﴾: بَلَّغ وأدى ما أرسِل به (^١).\nوقال آخرون: منع أن يُؤخذ إنسان بذنب غيره، وكانوا قبل ذلك يفعلونه (^٢).\nوقال آخرون: وَفَّى بما أُمِر به (^٣).\nوقال أبو أمامة، عن النبي -ﷺ-: \"أربع ركعات كان يُصلّيها في أول النهار\" (^٤).\nوقال ابن جبير: وَفَّى بذبح ابنِه.\nوقال إبراهيم مثل ذلك.\nوقال آخرون: جعل على نفسه ألا يقعُد لِطعامٍ إلا ومعه يتيم أو مسكين.\nوكل ذلك حسن، وَفَّى بما أُمر به، وبلّغ رسالة ربه، وبما أوجبه على نفسه من أعمال البر، فلم يسأمها فيدعها، واللَّه أعلم.\n_________\n(^١) روي عن قتادة، وسعيد بن جبير، وسفيان، وابن زيد، تفسير ابن جرير (١١/ ٥٣٢).\n(^٢) روي عن ابن عباس، تفسير ابن جرير (١١/ ٥٣٢).\n(^٣) روى ابن جرير في تفسيره (١١/ ٥٣٣) عن مجاهد في هذه الآية: ما فرض عليه.\n(^٤) رواه ابن جرير في تفسيره (١١/ ٥٣٣).","vol":"2","page":452},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-731>ومن سورة الرحمن</span>","vol":"2","page":453},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-732>٧ - ٩ - قال اللَّه ﵎: ﴿وَوَضَعَ الْمِيزَانَ﴾ إلى: ﴿وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ﴾</span>\nمرّ ابن عباس ﵁ بسوق المدينة فقال: يا معشر الموالي إنكم ابتُليتم بأمرَين أهلك اللَّه فيهما أُمَّتين من الأمم: الكَيْل والميزان (^١).\nومرّ برجل يَزِن فرآه قد أرجح فقال: أَقِمِ اللسان كما قال اللَّه: ﴿وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ﴾ (^٢).\nوقال مجاهد: قوله: ﴿وَوَضَعَ الْمِيزَانَ﴾ قال: العدل (^٣).\n* * *\n_________\n(^١) رواه ابن جرير في تفسيره (١١/ ٥٧٧).\n(^٢) رواه ابن جرير في تفسيره (١١/ ٥٧٧).\n(^٣) رواه ابن جرير في تفسيره (١١/ ٥٧٦).","vol":"2","page":455},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-733>ومن سورة الواقعة</span>","vol":"2","page":457},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-734>٧٩ - قال اللَّه ﵎: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾</span>\nقال أبو العالية: الكتاب المكنون، ليس أنتم، أنتم أصحاب الذنوب (^١).\nوقال ابن جبير: الملائكة (^٢).\nوقاله مجاهد، والضحاك (^٣).\nوقال مالك بن أنس ﵁ في قوله سبحانه: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾: إنها بمنزلة التي في عبس ﴿كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (١١) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-735>[مَسُّ المُحْدِث المصحفَ]</span>\nوقال سلمان الفارِسي: لا يمسُّه إلا طاهر، وسئل عن آية فقال: سلوني، فلستُ أمَسُّه إنما أقرأه، وكان قد أحدَثَ ولم يتوضأ (^٥).\n_________\n(^١) رواه ابن جرير في تفسيره (١١/ ٦٦٠).\n(^٢) رواه ابن جرير في تفسيره (١١/ ٦٥٩ - ٦٦٠).\n(^٣) رواه عن مجاهد ابن جرير في تفسيره، ورواه أيضًا عن جابر بن زيد، وأبي نهيد، وعكرمة، وأبي العالية، (١١/ ٦٦٠).\n(^٤) عبس: ١١ - ١٦، الموطأ برقم ٥٣٦، كتاب: الصلاة، الأمر بالوضوء لمن مس القرآن، برواية يحيى.\n(^٥) رواه ابن أبي شيبة برقم ١١٠٠، كتاب: الطهارات، في الرجل يقرأ القرآن وهو غير طاهر (ط الرشد).","vol":"2","page":459},{"text":"وقد جاء في مسّ المصحف اختلاف، فقال بعضهم: لا يمسه من الناس إلا طاهر تطَهُّر الوضوء والصلاة.\nوقال بعضهم: يمسه، منهم ابن عباس والشعبي (^١).\nوأما من كره أن يمس المصحف إلا طاهر، ففي كتاب عمرو بن حزم: \"لا يمس القرآن إلا طاهر\" (^٢)، وهو الكتاب الذي كتبه رسول اللَّه -ﷺ- لعمرو بن حزم، روي ذلك من وجوه كثيرة (^٣).\n_________\n(^١) حكى ابن عبد البر في الاستذكار (٢/ ٤٧٢ - ٤٧٣) إجماع الأئمة من السلف والفقهاء في هذه المسألة فقال: \"وأجمع فقهاء الأمصار الذين تدور عليهم الفتوى وعلى أصحابهم، بأن المصحف لا يمسه إلا الطاهر، وهو قول مالك، والشافعي، وأبي حنيفة، وأصحابهم، والثوري، والأوزاعي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وأبي ثور، وأبي عبيد، وهؤلاء أئمة الرأي والحديث في أعصارهم، وروي ذلك عن سعد بن أبي وقاص، وعبد اللَّه بن عمر، وطاوس، والحسن، والشعبي، والقاسم بن محمد، وعطاء، وهؤلاء من أئمة التابعين بالمدينة، ومكة، واليمن، والكوفة، والبصرة\"، ثم قال: \"قال داود: لا بأس اْن يمس المصحف والدنانير والدراهم التي فيها اسم اللَّه الجنبُ والحائض، قال داود: ومعنى قوله ﷿: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ هم الملائكة، ودفع حديث عمرو بن حزم في أن لا يمس القرآن إلا طاهر، بأنه مرسل غير متصل، وعارضه بقول النبي -ﷺ-: \"المؤمن ليس بنجس\"\".\n(^٢) رواه مالك مرسلًا في الموطأ برقم ٥٣٤، كتاب: الصلاة، الأمر بالوضوء لمن مس القرآن، وعبد الرزاق في مصنفه برقم ١٣٢٨، كتاب: الحيض، باب مس المصحف والدراهم التي فيها القرآن، ومن طريقه البيهقي في سننه الكبرى رقم ٤٠٨، كتاب: الطهارة، جماع أبواب سنة الوضوء وفرضه، باب: نهي المحدث عن مس المصحف (ط العلمية).\n(^٣) قال ابن عبد البر في التمهيد (١٧/ ٣٩٦): \"كتاب النبي -ﷺ- لعمرو بن حزم إلى أهل اليمن في السنن والفرائض والديات كتاب مشهور عند أهل العلم معروف يستغني بشهرته عن الإسناد\".","vol":"2","page":460},{"text":"ورواه في غير الكتاب الزهري، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جده، أن رسول اللَّه -ﷺ- كتب إلى أهل اليمن كتابًا ذكر فيه الفرائض والسنن والديات، وفي الكتاب: \"ولا يمس القرآن إلا طاهر\" (^١).\nوروى مالك، عن إسماعيل بن محمد بن سعد، عن مصعب بن سعد قال: كنت أمسك المصحف على سعد بن أبي وقاص فاحتككت، فقال: لعلك مسست ذكرك؟ فقلت: نعم، فقال: قم فتوضأ، فقمت وتوضأت ثم رجعت (^٢).\nوقال بعضهم فيه: قم فاغسل يدك (^٣).\nوكان ابن عمر لا يمس المصحف إلا وهو طاهر (^٤).\nوقال مثل ذلك إبراهيم، والحكم، وحماد.\nوقال مالك بن أنس: لا يحمل أحد المصحف (^٥) بعِلاقته (^٦)، ولا على وسادة، إلا وهو طاهر (^٧).\n_________\n(^١) رواه الدارمي في سننه برقم ٢٣١٢، كتاب: الطلاق، باب: لا طلاق قبل نكاح، والدارقطني برقم ٤٣٩، كتاب: الطهارة، باب: في نهي المحدث عن مس القرآن، والبيهقي في الكبرى برقم ٤٠٩، كتاب: الطهارة، جماع أبواب سنة الوضوء وفرضه، باب: نهي المحدث عن مس المصحف (ط العلمية).\n(^٢) الموطأ رواية يحيى، برقم ١٠١، كتاب: الصلاة، باب: الوضوء من مس الفرج.\n(^٣) روى الطحاوي في شرح مشكل الآثار برقم ٤٦٨، كتاب: الطهارة، باب: مس الفرج هل يجب فيه الوضوء أم لا؟: \". . . اغمس يدك في التراب، ولم يأمرني أن أتوضأ\" وقال عقبه: \"وروي عن مصعب أيضًا أن أباه أمره بغسل يده\".\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر (٨/ ٢٧) لابن المنذر.\n(^٥) في الأصل: أحد المصحف أحد.\n(^٦) قال القاضي عياض في المشارق (٢/ ٨٤): \"ما يعلق به إذا حُمل أو رُفع، بكسر العين\".\n(^٧) الموطأ برقم ٥٣٥، كتاب: الصلاة، الأمر بالوضوء لمن مس القرآن، برواية يحيى.","vol":"2","page":461},{"text":"وإنما كره ذلك إكرامًا للقرآن وتعظيمًا له، وقد يحتمل أن يكون اللَّه ﵎ أراد الكتاب الذي عنده، ويُعظَّم هذا لأنه نسخته، وهو كلام اللَّه ﷻ، فلا يمسُّه منا إلا طاهر، إذ كان الأصل يمسه المطهرون، واللَّه أعلم.\n* * *","vol":"2","page":462},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-736>٨٢ - قال اللَّه ﵎: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾</span>\nقال ابن عباس: بالأَنْواء، يقولون: مُطِرْنا بِنَوْءَ كذا ونَوْءِ كذا، ذلك كفر بما أنعم به عليهم (^١).\nوقال الحسن، ومجاهد: مُطِرْنا بِنَوْءَ كذا، يقول: قولوا: من عند اللَّه ورزقه (^٢).\nقال عبيد اللَّه بن عبد اللَّه، عن زيد بن خالد: مُطِرَ الناس ليلًا فأصبح رسول اللَّه -ﷺ- فقال: \"ألم تسمعوا ما قال ربكم الليلة؟ قال: ما أنعمتُ على عبادي من نعمة إلا أصبح فريق منهم بها كافرين، فأما من آمن بي وحمدني على سُقْياي، فذلك الذي آمن بي وكفر بالكوكب، ومن قال: بِنَوْء كذا وكذا، فذلك الذي آمن بالكوكب وكفر بي، أو كفر بنعمتي\" (^٣).\nوروى أبو سعيد الخدري أن النبي -ﷺ- قال: \"لو حبس اللَّه القطر سبع سنين ثم أرسله عليهم أصبحت طائفة منهم بي كافرين، قالوا: مطرنا بنوء المِجْدَح\" (^٤). والمِجْدَح: الكوكب الذي خلف الدَّبَران (^٥).\n_________\n(^١) رواه ابن جرير في تفسيره (١١/ ٦٦٢).\n(^٢) رواه عن مجاهد ابن جرير في تفسيره (١١/ ٦٦٣).\n(^٣) متفق عليه، رواه البخاري في صحيحه برقم ٨٤٦، كتاب: الآذان، باب: يستقبل الإمام الناس إذا سلم، وبرقم ١٠٣٨، كتاب: الاستسقاء، باب قول اللَّه تعالى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾، ومسلم في صحيحه برقم ٧١، كتاب: الإيمان، باب: كفر من قال مطرنا بالنوء.\n(^٤) رواه الإمام أحمد في مسنده برقم ١١٠٤٢، والنسائي في سننه برقم ١٥٢٦، كتاب: الاستسقاء، كراهية الاستمطار بالكوكب.\n(^٥) انظر النهاية (١/ ٢٤٣).","vol":"2","page":463},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-737>ومن سورة الحديد</span>","vol":"2","page":465},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-738>١٩ - قال اللَّه ﵎: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ﴾</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-739>[معنى الشهيد]</span>\nقيل لعبد اللَّه بن مسعود: فلان شهيد، وقُتل فلان شهيدًا، فقال عبد اللَّه: إن الرجل يقاتِل للمَغنم، والرجل يقاتل ليُعرف، وإن الرجل يموت على فراشه وهو شهيد، ثم تلا: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ (^١).\nقال أبو هريرة: الشهيد الذي لو مات على فراشه دخل الجنة (^٢).\nوقال ابن عباس: الشهيد في هؤلاء التسع: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ [الْحَامِدُونَ] (^٣) السَّائِحُونَ﴾ [التوبة: ١١٢].\nوقال مجاهد: كل مؤمن شهيد، وقرأ الآية (^٤).\nوقال مسروق: هي خاصة للشهداء (^٥).\n_________\n(^١) رواه ابن جرير في تفسيره (١١/ ٢٦٣).\n(^٢) رواه عبد الرزاق في مصنفه برقم ٩٥٦٨، كتاب: الجهاد، باب الشهيد.\n(^٣) سقطت من الأصل.\n(^٤) رواه ابن جرير في تفسيره (١١/ ٦٨٣).\n(^٥) رواه ابن جرير في تفسيره (١١/ ٦٨٣).","vol":"2","page":467},{"text":"وقال عمرو بن ميمون: كل مؤمن صِدِّيق، وتلا: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ﴾ (^١).\nوقال مجاهد: ﴿الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ بالإيمان على أنفسهم للَّه جل وعز (^٢).\nقال بكر: القرآن يدل على أن الصديقين والشهداء نعت للذين آمنوا باللَّه ورسله، لقوله سبحانه: ﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ﴾، والصديقون: هم الذين يتلون الأنبياء، والشهداء يتلونه، ثم يتلوهم الصالحون، قال اللَّه ﷿: ﴿فَأُولَئِكَ (^٣) مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ [النساء: ٦٩].\nوقد يجوز أن تكون هذه الآية التي في الحديد، في جملة من صدق الرسل، ويجوز أن يكون عنى بالشهداء من شهد بالتوحيد، ويكون الصِّديقون الذين يتلون الأنبياء، يتجاوزون هؤلاء الذين سَموا بالتوحيد والإيمان، والشهداء لربهم بوحدانيته بأعمالهم وأحوالهم، فيكون صِدّيق فوق صِدّيق في الدرجات، كما قال النبي -ﷺ-: \"إن أهل الدرجات العُلا ليراهم من دونهم كما يرى أحدكم الكوكب الدُّرّي في أفق السماء، وإن أبا بكر وعمر لمنهُم وأَنْعَما\" (^٤).\n* * *\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور (٨/ ٦١) لعبد بن حميد.\n(^٢) رواه ابن جرير في تفسيره (١١/ ٦٨٤).\n(^٣) في الأصل: أولئك.\n(^٤) رواه الإمام أحمد في مسنده برقم ١١٩٣٩ و١١٤٦٧ و١١٤٦٧، وأبو داود برقم ٣٩٨٧، أول كتاب الحروف (ط الأرناؤوط)، وابن ماجه برقم ٩٦، أبواب السنة، باب: في فضائل أصحاب رسول اللَّه -ﷺ-.","vol":"2","page":468},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-740>٢٧ - قال اللَّه ﵎: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-741>[البدعة في الدين]</span>\nكل مُحْدِث مبتدع، ألا ترى اللَّه ﷿ قال: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة: ١١٧]، مبتدَعان، فالشَّر قال فيه رسول اللَّه -ﷺ-: \"إنه ضلالة تجر صاحبها إلى النار\" (^١)، والخير مبتدَع من فاعله، إذا لم يكن من كتاب ولا سنة، ففاعله ابتدعه، فينبغي إذا فعله أن يدوم عليه، فإنه إن تركه وعدل عنه إلى ضده كان داخلًا في معنى هذه الآية: ﴿فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾.\nولذلك قال أبو أمامة الباهلي لما سَنَّ عمرُ القيام في شهر رمضان: فدوموا عليه إذ فعلتموه ولا تتركوه، فإن ناسًا من بني إسرائيل ابتدعوا بدعًا لم يكتبها اللَّه عليهم ابتغاء رضوان اللَّه، فما رعوها فعاقبهم (^٢).\n_________\n(^١) رواه مسلم في صحيحه برقم ٨٦٧، كتاب: الجمعة، باب: تخفيف الصلاة والخطبة، عن جابر بن عبد اللَّه ﵁، قال: كان رسول اللَّه -ﷺ- إذا خطب احمرت عيناه، وعلا صوته، واشتد غضبه، حتى كأنه منذر جيش يقول صبحكم ومساكم، ويقول: \"بعثت أنا والساعة كهاتين\"، ويقرن بين إصبعيه السبابة، والوسطى، ويقول: \"أما بعد، فإن خير الحديث كتاب اللَّه، وخير الهدى هدى محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة\"، ورواه أيضًا النسائي برقم ١٥٧٨، كتاب: الجمعة، كيف الخطبة، بلفظ: \"وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار\".\n(^٢) رواه ابن جرير في تفسيره (١١/ ٦٩٢).","vol":"2","page":469},{"text":"فمن سَنّ سُنة حسنة، وجب عليه رعايتُها.\nفأما قيام شهر رمضان فإن رسول اللَّه -ﷺ- قامه، ثم خشي أن يُفرض فتركه، فلما توفي رسول اللَّه -ﷺ-، وعُدِم نزول الوحي، أقامه للناس عمر ﵀، وقد كان رسول اللَّه -ﷺ- حَثّ عليه وأمر به فقال: \"من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه\" (^١).\n* * *\n_________\n(^١) متفق عليه من حديث أبي هريرة ﵁، رواه البخاري في مواطن من صحيحه منها رقم ٣٧، ومسلم في صحيحه برقم ٧٥٩، كتاب الصلاة، باب: الترغيب في قيام رمضان، وهو التراويح.","vol":"2","page":470},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-742>٢٩ - ٢٨ - قال اللَّه ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِه﴾ إلى: ﴿يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾</span>\nقال مجاهد: ضعفين (^١).\nقال قتادة: لما نزلت حسدَنا أهل والكتاب، فأنزل: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ (^٢).\nوقال ابن عباس: أجرَين (^٣).\nوقال في قوله: ﴿مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾: من أمر اللَّه.\nوقوله: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ﴾ إنما هو ليعلم، ﴿لِئَلَّا﴾ زائدة، إنما هو مثل قوله: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة: ٧٥] وما أشبه هذا، وهو في القرآن كثير، وفي كلام العرب.\n* * *\n_________\n(^١) رواه ابن جرير في تفسيره (١١/ ٦٩٤).\n(^٢) رواه ابن جرير في تفسيره (١١/ ٦٩٧).\n(^٣) رواه ابن جرير في تفسيره (١١/ ٦٩٣).","vol":"2","page":471},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-743>١٠ - قال اللَّه ﵎: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً﴾</span>\nروى زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، قال: فلما أصبحنا ليلة نزلوا الحديبية، قام رسول اللَّه -ﷺ- فصلى الصبح وصلينا معه، فلما انصرف حمد اللَّه وأثنى عليه ثم قال: \"والذي نفسي بيده لقد غفر اللَّه للركب الليلة أجمعين، إلا رويكب واحد ليس منهم\"، قال: فذهبنا ننظر فإذا أعرابي على قعود له قد نزل بين ظهراني القوم، ثم قال: \"إنه سيأتي قوم تحقرون أعمالكم مع أعمالهم\"، قلنا: يا رسول اللَّه أهم خير منا؟ قال: \"لا، لو كان لأحدهم جبل من ذهب فأنفقه ما أدرك مد أحدكم ولا نصيفه\"، ثم قال بيده: \"ألا إن هذا فصل ما بيننا وبين الناس، ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِير﴾ \" (^١).\nقال الشعبي: الفتح ها هنا الحديبية، وهم الذين غُفر لهم (^٢).\nوقال النبي -ﷺ-: \"لا يدخل أحد ممن بايعني تحت الشجرة النار\" (^٣).\n_________\n(^١) رواه ابن جرير في تفسيره (١١/ ٦٧٤).\n(^٢) رواه ابن جرير في تفسيره (١١/ ٦٧٤).\n(^٣) رواه الإمام أحمد في مسنده برقم ١٤٧٧٨، وأبو داود في سننه برقم ٤٦٥٣، كتاب: السنة، باب في الخلفاء (ط الأرناؤوط)، والترمذي في سننه برقم ٣٨٦٠، أبواب: المناقب، باب: في فضل من بايع تحت الشجرة، وقال: \"حسن صحيح\"، عن جابر -﵁-.","vol":"2","page":472},{"text":"قال مجاهد: ليس من هاجر كمن لم يهاجر (^١).\nوقال قتادة: فتح مكة (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-744>[مراتب الصحابة]</span>\nواللَّه أعلم بما أراد من ذلك، إلا أنه لا اختلاف بين العلماء أن العشرة أفضل الصحابة، ثم أهل بدر، ثم أهل بيعة الرضوان، وهم ألف وأربعمائة، ثم من أسلم وهاجر قبل فتح مكة، ثم يتلوهم الذين جاؤوا أفواجًا، واللَّه أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) رواه ابن جرير في تفسيره (١١/ ٦٧٣).\n(^٢) رواه ابن جرير في تفسيره (١١/ ٦٧٣).","vol":"2","page":473},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-745>١٦ - قال اللَّه ﷿: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾</span>\nقال ابن مسعود ﵁: ما كان بعد أن أسلمنا وبين أن عوتبنا بهذه الآية إلا أربع سنين (^١)، فجعل بعضنا ينظر إلى بعض، وسأل بعضنا بعضًا ما أحدثنا؟ (^٢)\nوقيل: كثُر وظهر في أصحاب النبي -ﷺ- المُزاحُ والضَّحِك، فنزلت الآية (^٣).\nقال ابن أبي رَوّاد: إن قومًا صحبوا عمر بن عبد العزيز في سفر فقال: عليكم بتقوى اللَّه، وإياي والمزاح فإنه يجر القبيح، ويورث الضغينة، وتجالسوا بالقرآن وتحدثوا به، فإن ثَقُل عليكم فحديث من حديث الرجال حسن، سيروا بسم اللَّه (^٤).\nوكان شداد بن أوس يقول: أول ما يرفع من هذه الأمة الخشوع (^٥).\nوقال أبو الدرداء: نعوذ باللَّه من خشوع النفاق، ترى الجسد خاشعًا والقلبَ ليس بخاشع (^٦).\n_________\n(^١) رواه مسلم في صحيحه برقم ٣٠٢٧، كتاب: التفسير، باب في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا. . . .﴾.\n(^٢) الأثر بهذه الزيادة رواه أبو يعلى في مسنده برقم ٥٢٥٦.\n(^٣) رواه ابن أبي شيبة في مصنفه عن عبد العزيز بن أبي رواد الآتي الذكر برقم ٣٥٧١٥، كتاب: الزهد، ما قالوا في البكاء من خشية اللَّه.\n(^٤) رواه ابن أبي شيبة في مصنفه برقم ٣٥٧١٦، الموضع السابق.\n(^٥) رواه ابن جرير في تفسيره (١١/ ٦٧١).\n(^٦) رواه ابن أبي شيبة في مصنفه برقم ٣٥٧١١، كتاب: الزهد، ما قالوا في البكاء من خشية اللَّه.","vol":"2","page":474},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-746>ومن سورة المجادلة</span>","vol":"2","page":475},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-747>١ - ٢ - قوله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ﴾ إلى قوله سبحانه: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-748>[أحكام الظهار]</span>\nأعلمنا اللَّه ﵎ أن الذين قالوا هذا القول، قالوا منكرًا من القول وزورًا لأنهم صَيَّروا أزواجهم كأمهاتهم، وهن لا يصرن كأمهاتهم، ولا كذي أرحامهم أبدًا، لأنهن لا يحللن له أبدًا، والأجنبيات ليس كذلك، وكان من طلاق الجاهلية، فأخرجه اللَّه ﵎ من باب الطلاق إلى باب الكفارات، ثم أعلمنا كيف الحكم على الناس كلهم إذا قالوا هذا القول، فقال عز من قائل: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٣]، الآية وما بعدها.\nوقد رُوِيَت أخبار فيمن تظاهر على عهد رسول اللَّه -ﷺ-، فكان ظاهر بعض ذلك يدل على أنهم فعلوا ذلك قبل نزول القرآن، وكان ظاهر بعضها يمكن أن يكون ذلك منهم قبل نزول القرآن، ويمكن أن يكون بعده.\nوقد روى عروة، عن عائشة ﵂ قالت: تبارك الذي وسع سمعه الأصوات كلها، إن المرأة لتناجي رسول اللَّه -ﷺ- أسمع بعض كلامها ويخفى علي بعضه، إذ أنزل اللَّه ﵎: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا﴾ (^١).\n_________\n(^١) رواه الإمام أحمد في مسنده برقم ٢٤١٩٥، والنسائي في سننه برقم ٣٤٦٠، كتاب: الطلاق، باب: الظهار، وابن ماجه في سننه برقم ١٨٨، كتاب: السنة، باب: فيما =","vol":"2","page":477},{"text":"وقال مَعْمَر بن عبد اللَّه، عن يوسف بن عبد اللَّه بن سَلام قال: حدثتني خولة امرأة أوس بن الصامت قالت: كان بيني وبين زوجي شيء، فقال: أنت عليَّ كظهر أمي، ثم خرج إلى نادي قومه، ثم رجع فراودني عن نفسي، فقلت: كلا والذي نفسي بيده حتى ينتهي أمري وأمرك إلى رسول اللَّه -ﷺ- فيقضي فيَّ وفيك أمره، وكان شيخًا كبيرًا رقيقًا، فغلبْتُه بما تَغلب به المرأة الرجلَ الضعيف، ثم خرجت إلى جارة لي فاستعرت ثيابها، فأتيت رسول اللَّه صلى اللَّه عليه حتى جلست بين يديه، فذكرت له أمره، فما برحت حتى نزل القرآن على رسول اللَّه -ﷺ-، فقال حين قلت: لا نقدر على ذلك: \"إنا سنعينه بعَرَقٍ (^١) من تمر، وأنا أعينه بعَرَق آخر\"، فأطعم ستين مسكينًا (^٢).\nوهذه القصة الأحاديث فيها كثيرة، والباب يتَّسِع.\nوقيل في الحديث: لما ظاهر أوس بن الصامت من امرأته خولة قالت له: واللَّه ما أراك إلا قد أثِمت في شأني، لبِسْتَ جِدَّتِي، وأفنيتَ شبابي، وأكلتَ مالي، حتى إذا كَبِرَت سني، ورق عظمي، واحتجْتُ إليك فارقتني، قال: فما أَكْرَهَني لذلك، اذهبي لرسول اللَّه -ﷺ- فانظري هل تجدين عنده شيئًا في أمري. فأتيت النبي -ﷺ- فذكرت له ذلك، فقال: \"ما أراك إلا قد بِنْت منه\"، قالت: إلى اللَّه أشكو فاقتي إلى زوجي، قالت عائشة: فإني لأُرَجِّل رأس رسول اللَّه -ﷺ- يخفي علي بعض كلامها وأسمع بعضه، إذ نزل الوحي: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي\n_________\n= أنكرت الجهمية، وعلقه البخاري عن الأعمش في كتاب: التوحيد، باب قول اللَّه تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾.\n(^١) العَرَق: ظفائر يصنع منها وعاء أو قفة، يسع خمسة عشر صاعًا إلى عشرين، انظر مشارق الأنوار (٢/ ٧٦)، والنهاية (٣/ ٢١٩).\n(^٢) رواه الإمام أحمد في مسنده برقم ٢٧٣١٩، وأبو داود في سننه برقم ٢٢١٤، كتاب: الطلاق، باب في الظهار (ط الأرناؤوط).","vol":"2","page":478},{"text":"تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ﴾، فأمره رسول اللَّه -ﷺ- بعتق رقبة، إلى آخر الحديث (^١).\nوقال سليمان بن يسار، عن سَلَمَة بن صخر، قال: ظاهرتُ من امرأتي، فوقعت بها قبل أن أُكَفر، فخرجت إلى قومي فأخبرتهم خبري وقلت: امشوا معي إلى رسول اللَّه -ﷺ-، فقالوا: لا واللَّه لا نمشي معك، وما نأمن أن ينزل فيك القرآن، ويكون من رسول اللَّه -ﷺ- فيك مقالة يَلزمُنا عارُها، ولَنُسلِمنَّك بجريرتك، فأتيت رسول اللَّه -ﷺ- فأخبرته خبري، فقال: \"أنت بذاك يا سلمة\" يرددها ثلاثًا، فقلت: ما أنا صائر للَّه (^٢) إليه، فاحكم بما أراك اللَّه، فقال: \"حرِّر رقبة\" قال: سليمان عن سلمة: وكنت امرأً أصيب من النساء ما لا يصيب غيري، فلما دخل رمضان خِفت الفتنة فظاهرت (^٣).\nوقال الحسن في قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ [المجادلة: ٣] قال: الغشَيان (^٤).\nوقاله الزهري، ومالك، وقتادة، وأبو العالية (^٥).\n_________\n(^١) رواه بنحوه ابن ماجه عن عائشة ﵂ برقم ٢٠٦٣، أبواب: الطلاق، باب: المظاهر يجامع قبل أن يُكَفِّر، ورواه القاضي إسماعيل في أحكام القرآن (ص ١٧٢ - ١٧٣).\n(^٢) كذا بالأصل، وفي أحكام إسماعيل (ص ١٧٥): أنا بذاك فيها أبدًا صابر للَّه.\n(^٣) رواه الإمام أحمد في مسنده برقم ٢٣٧٠٠، وأبو داود (ط الأرناؤوط) برقم ٢٢١٣، كتاب: الطلاق، باب: في الظهار، والترمذي في سننه برقم ٣٢٩٩، أبواب: تفسير القرآن، باب: ومن سورة المجادلة، وقال: \"حديث حسن\"، وابن ماجه في سننه برقم ٢٠٦٢، أبواب: الطلاق، باب: الظهار.\n(^٤) رواه القاضي إسماعيل في أحكام القرآن (ص ١٧٧).\n(^٥) روى القاضي إسماعيل عن الزهري في الآية: العَوْد لمسُها، وروى عن أبي مصعب، عن مالك: سمعت أن تفسير ذلك، أن يظاهر الرجل من امرأته، ثم يُجمِع على =","vol":"2","page":479},{"text":"فكان الذي حرم اللَّه ﵎ بالظهار الوطءَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-749>[نيابة الحروف عن بعضها]</span>\nفقوله: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ﴾: يعود لما حَرَّم، كما قيل: \"العائد في هِبَته\"، وهو الراجع إليها يتملكها، تقول العرب: رجعت في قولي ورجعت عنه، وحروف الإضافة قد تُبدل بعضها من بعض، كقوله: نزلت به، ونزلت عليه، قال اللَّه ﷿: ﴿فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ [المؤمنون: ٢٧]، وقال ﷿: ﴿وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ [غافر: ٨٠]، فقال في موضع: ﴿فِيهَا﴾، وقال في موضع آخر: ﴿وَعَلَيْهَا﴾، وقال: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١]، أي: على جذوع النخل، وقال سبحانه: ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: ١١]، أي: بأمر اللَّه، وقال: ﴿أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ﴾ [الطور: ٣٨]، أي: عليه.\nفمعنى ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾: إلى الغشيان، لأنه إذا قصد لأن يغشى، فقد قصد إلى إبطال ما كان منه من التحريم، فقد عاد في ذلك القول الذي لفظ به من التحريم، يريد الرجوع عنه.\nوقال الشافعي: إذا ظاهر الرجل من امرأته ثم لم يطلق طلاقًا متصلًا بالظهار، فقد وجبت عليه الكفارة (^١)، وهو قول فاسد، لأن المُظاهِر على نية الظهار إلى أن ينقضي لفظه، فإن أراد الطلاق بعد الظهار، فأقرب ما يمكن فيه أن ينوي حين انقضاء لفظه بالظهار أن يُطلِّق ثم يُطلِّق، فلا يقع الطلاق إلا وبينه\n_________\n= إمساكها وإصابتها، وروى عن قتادة: حرمها ثم يريد أن يعود لها فيطأها ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ حتى بلغ: ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾، وقول مالك هذا في الموطأ برواية أبي مصعب، وفي رواية يحيى كذلك، كتاب: الطلاق، باب: ظهار الحر، وروى أيضًا عن أبي العالية قوله في الآية: ثم يرجع فيه، ضمن أثر طويل، انظر أحكام القرآن (ص ١٧٧ - ١٧٩).\n(^١) الأم (٥/ ٢٩٦) (ط المعرفة).","vol":"2","page":480},{"text":"وبين الظهار فُرْجَة قَلَّت أم كثُرت، لأن الفعل في كل شيء إنما يكون بعد النية، وليس يُعقل أن يكون التظاهر من إنسان إلا لمعنى، وهو أن يغضب فيظاهر ليمنعها الوطء، أو يمنع نفسه منه، فإذا أوصل النية بالظهار فلا فائدة له في الظهار، إذ كان يريد الطلاق وإن كان يريد الإقامة التي يلزمه تيسيرها الكفارةَ عقيب اللفظ بالظهار، فلا فائدة له في الظهار يشفي به نفسه من غضبه، وإنما شق على نفسه بأن ألزمها كفارة لغير معنى.\nمع أن قوله: إن لم يطلق بعقب الظهار لزمته الكفارة خطأٌ، يدل عليه الكتاب، واللغة، وأصحابه يَدَّعون له علم اللغة، لأن اللَّه ﷿ قال: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ﴾، وثم إنما تقع بعد الشيء على تَراخ، لأنه لا اختلاف بين أهل اللغة أن الواو توجب الاجتماع ولا توجب التبدئة به، لأن قول القائل: لقيتُ زيدًا وعَمرًا، يوجب أن يكون لقيهما، وقد يجوز أن يكون زيد قبل عمرو، وعمرو قبل زيد، وإذا قال: لقيت زيدًا فعمرًا، فذلك يوجب لقاء زيد قبل عمرو بغير تَراخ، وإذا قال: لقيت زيدًا ثم عمرًا، فهذا يوجب عندهم التراخي، وأن يكون لقاؤه عمرًا بعد زمان.\nوقوله أيضًا خطأ من وجه آخر، لأنه لما قيل: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾، لم يخل بأن يعود بفعل أو نِيّة، ولو كان المعنى في ذلك إنما هو ألا يطلقوا، لكان وجه الكلام: ثم لم يطلقوا، والقرآن يَجل عن أن تكون فيه لفظة غيرُها أبلغ منها وأشفى.\nوقوله: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ﴾ إيجاب، و\"لم يطلِّقوا\" نفي، فلو كان معنى ﴿يَعُودُونَ﴾ معنى \"لم يطلِّقوا\"، لكان الإيجاب هو النفي والنفي هو الإيجاب، وهذا محال، ولو كان إذا ظاهر ثم لم يطلِّق عائدًا بأنه ممسك، لكان في حال الظِّهار مُمسِكًا، لأنه لم يطلِّق وإنما ظاهَر.","vol":"2","page":481},{"text":"ويَفسُد أيضًا قولُه من وجه آخر، لأن قوله: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ يوجب أن يحدث منهم شيء، والمظاهِر لم يطلِّق في حال ظهاره ولا قبل ذلك، فإذا تظاهر ثم لم يطلِّق بعد الظهار، فهو كما كان، لم يَحدث منه شيء، لا فعلٌ ولا قولٌ، فيستحيل معنى ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ﴾، لأن العائد إنما يعود إلى شيء قد كان فارَقه، والمظاهِر لم يفاردتى زوجته في حال الظهار ولا قبله ولا بعده، وإنما فارق المَسيس، فهو يريد أن يعود إليه.\nوقد احتج له أحمد بن عمر بن سُرَيْج بأن العَوْد تركها زوجة، وأن اللَّه ﵎ قال: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا﴾ [المائدة: ٣٧]، وبقوله سبحانه: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا﴾ [السجدة: ٢٠]، وأن العَوْد إقرارُهم فيها، فهذا يحتمل أن يكون منهم تحاملًا للخروج، كاضطراب المجلود فتأخذُه المَقامع فيعود إلى حاله.\nويجوز ما قال وليس فيه حجة له، لأن اللَّه ﷿ لما نقل التحريم إلى الظهار قد أقرها زوجة، وألزمها الكفارة بالقول، مع مُضامة العَوْد إلى منع نفسه منه، ولم يجعل الظِّهار منعًا من الزوجية، وإنما جعله منعًا من الوطء، فإذا أراده متصلًا بانقضاء الكفارة، وحل له الوطء، إذ شرط عليه أن يكون قبل الوطء، وإنما يقال: إن طلق وإلا فقد لزمته الكفارة، لمن قيل له: طَلِّق أو كَفِّر، كما يقال للمُولي: فِئ أو طَلِّق.\nفأما أن يقال لرجل ظاهر: إن لم تطلِّق لزمتك الكفارة، يقول: اللَّه برحمته نقل طلاقي إلى الظهار الذي فيه الكفارة، رحمةً منه بنا، فلِمَ يَلزمني إن لم أُطلِّق أن أُكفِّر ولم أَعُد؟ وإنما يكون العَوْد الإمساك لو كان الإمساك لم يثبت بحكم اللَّه عليَّ، أو لو كان قد أوجب عليَّ أن أطلِّق أو أُكفِّر، فأما والإمساك قد ثبت بأمر اللَّه، فأي الإمساك يكون مني، وأي ترك للطلاق أكون به ممسكًا لمن لم يجب عليه الطلاق؟ وهذا قول من لم يتدبر ما احتجَّ به، واللَّه أعلم.","vol":"2","page":482},{"text":"والحجة عليه من قول الشافعي، لأنه قال: والظهار كان طلاق الجاهلية، فنُقل إلى الكفارة، فأي شيء أَبْيَن من هذا؟ ولو كان إذا لم يُطلِّق لزمته الكفارة فصارت في ذمته، لما كان لقوله للواطئ قبل أن يكفر: \"أمسك حتى تُكَفِّر\" (^١)، وحاشاه ﵇ أن يقول قولًا لا فائدة فيه، نسأل اللَّه التوفيق برحمته.\nوقد سمى اللَّه الفعل قولًا، فبذلك يكون ﴿يَعُودُونَ﴾: يريدون الوطء، ومخالفةَ ما منعوا أنفسهم منه، قال سبحانه: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾ [النساء: ١٠٨]، يعني: الكفرَ والمعاصي، فسماها قولًا.\nويفسد أيضًا من وجه آخر، لأن قوله يوجب أنه إذا أمسكها بعد انقضاء اللفظ بالظهار طرفة عين فما فوقها، فقد وجبت عليه الكفارة، عاشت أو ماتت، أم طلَّق بعد ذلك أو لم يطلِّق، وقد قال اللَّه ﷿: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾، فإذا مات أو ماتت عُلم أنه لا يكون مَسيس، فإذا لم يكن مَسيس لم يكن له قبل، وإذا لم يكن له قبل لم تجب الكفارة، لأن الحال التي جُعِلَت موضعًا للكفارة لم تكن، وكذلك إذا كان لا يريد أن يَمَسَّ فلا كفارة عليه، لأنها إنما وجبت عليه قبل أن يَمَس، فلا يجب عليه حتى يأتي موضعها، ولو كانت تجب عليه وهو لا يريد أن يمس لبطل معنى قوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾، لأن الكفارة قد استقر وجوبها عليه وصارت في ذمته، فإن أخّرها كان آثمًا في تأخيرها، حيث أثمه في تأخيرها ما وجب عليه، وليس هي الآن من المَسيس في شيء، ولا هي مما يحل به المَسيس فيزول معنى ﴿قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾، ولو مَس قبل أن يُكفِّر لما وجب أن يكون آثمًا عنده في المَسيس، وإنما يكون آثما في تأخير الكفارة التي كانت وجبت مَسَّ أو لم يَمَس.\n_________\n(^١) رواه أبو داود في سننه برقم ٢٢٢١، كتاب: الطلاق، باب في الظهار.","vol":"2","page":483},{"text":"ولم يتأمل الشافعي أمر الظهار الذي حكم فيه رسول اللَّه -ﷺ- بالكفارة، لأن المُظاهر لم يأت النبيَّ -ﷺ- وأتت امرأته، ثم أتى هو بعد زمان، وكانت المخاطبة في ذلك في زمان آخر، ثم نزل الوحي بالكفارة بشرط المَسيس، وأن لا يحل إلا بعدها.\nوالشافعي يزعم أن الطلاق يكون متصلًا وكان الظهار من طلاقهم، فقال النبي -ﷺ-: \"ما أراكِ إلا قد بِنْتِ منه\"، على ما كان يعرف، فقالت: إلى اللَّه أشكو فاقتي إلى زوجي، فعند ذلك نزل الظِّهار، فنقل التحريمَ إلى الكفارة، فكيف يُكَلَّف الناسُ الطلاقَ بعده، وقد أُزيل الطلاق وحكمه، هذا مما يستحيل في العقول كونُه.\nوالظهار عندنا لم يُحدِث غيرَ منع الوطء، فإذا كان لم يُحْدِث غير منع الوطء (^١)، والزوجان بحالهما، كان العَوْد إنما يكون إلى ما هو منه ممنوع، وهو الوطء الموجب للكفارة، فشرط عليه تقديم الكفارة قبله، فلو ماتت أو طلَّق لسقطت الكفارة.\nوقد روي عن بُكَيْر بن عبد اللَّه بن الأَشَج (^٢)، أنه قال في ﴿يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾، هو أن يعود فيتكلمَ بالظِّهار مرة أخرى (^٣).\n_________\n(^١) في الأصل: \"فإذا كان لم يحدث غير منع الوطء، فإذا كان لم يحدث غير ذلك\"، وهو تكرار.\n(^٢) بُكَيْر أبو عبد اللَّه بكير بن عبد اللَّه بن الأشج القرشي المدني ثم المصري، الإمام، من صغار التابعين، أخذ عن سليمان بن يسار وغيره، وأخذ عنه الليث بن سعد وغيره، انظر: سير أعلام النبلاء (٦/ ١٧٠).\n(^٣) قال ابن عبد البر في الاستذكار (٦/ ٥٨) بعد حكاية القول: \"وروي ذلك عن بكير بن الأشج\"، وعن المصنفه نقله القاضي ابن عطية في تفسير الآية فقال: \"وهذا قول ضعيف، وإن كان القشيري قد حكاه عن بكير بن عبد اللَّه بن الأشج\"، انظر: المحرر الوجيز (٥/ ٢٧٤).","vol":"2","page":484},{"text":"وبُكَيْر يرتفع عندي عن هذا القول الظاهر القباحة، ولعل الخطأ ممن دونه، وقد بلغني أن بعض المتأخرين يقول ذلك (^١).\nوقصة المُظاهر على عهد رسول اللَّه -ﷺ- قد رواها بُكَيْر وغيره، وكلهم حكى أن المُظاهر ظاهَر مرة، فأمره رسول اللَّه -ﷺ- بالكفارة، وكان نزول القرآن فيه، فلو كان الوجوب بالقول الثاني، لما أمره رسول اللَّه -ﷺ- بالكفارة، ولقال له: امض ولا تعد لهذا القول فتلزمك الكفارة، وما ذكر في حديث ولا خبر ما حُكِيَ عن بُكَيْر.\nوقد تكلم الناس فيمن ظاهر من امرأته مرارًا، فقال بعضهم: لكل قول من ذلك مرتين فلا يعلم (^٢)، وقال الكثير منهم: كفارة واحدة.\nفأما أن لا يكون عليه شيء حتى يُظاهر مرتين، فلا نعلم أحدًا قاله (^٣).\nولقد بلغني أن بعض من يتكلم عن مذهب هذا المتأخر، أن جهله حمله على دفع الحديث الذي قال فيه: إن الظهار كان طلاق الجاهلية، فنقله اللَّه إلى الكفارة، وأن النبي -ﷺ- لم يقل: \"ما أراكِ إلا قد بِنْتِ منه\"، وضعف الحديث، وهذا حديث رواه جماعة منهم: حجاج بن مِنْهال، عن حماد، عن داود بن أبي هند، عن أبي العالية، عن خولة التي ظاهر منها أوس بن الصامت، ومع ذلك فما يُحتاج إلى حديث مع القرآن، هل اشتكت إلى اللَّه إلا من الفراق، وقول رسول اللَّه -ﷺ- لها قد حرمت عليه، فقال ﷿: ﴿وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا﴾، فإلى اللَّه أشتكي مصير الكلام في العلم إلى من لا دين له ولا توقي\n_________\n(^١) يقصد داود الظاهري، انظر: الاستذكار (٦/ ٥٨).\n(^٢) كذا العبارة في الأصل.\n(^٣) عزاه ابن عيد البر في الاستذكار (٦/ ٥٨) ليحيى بن زياد الفراء، وداود بن علي، وفرقة من أهل الكلام.","vol":"2","page":485},{"text":"في لفظ ولا فعل، وهل في شيء من الحديث إلا ظهار مرة واحدة، فأمروا بالكفارة، وإنما جاؤوا للوقت، اللَّه المستعان على ما قد ظهر في أهل العلم.\nوأما مالك فإنه يقول: كفارة واحدة (^١)، وهو قول أكثر الصحابة والتابعين، وهو الذي تكلم الناس فيه.\nفأما أن لا يجعل على المُظاهر كفارة حتى يتكلم بذلك مرة أخرى فلا وجه له، لأن المُظاهِر الذي جُعل فيه القرآن، وحُكِمَ عليه بالكفارة فيه، كان مُظاهِرًا (^٢) قبل أن تنزل: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ﴾، ولم نجد أحدًا أنه ظاهر مرتين، ولو كان ذلك لحُكي، إذ كان لا يجب في الظهار حكم إلا بذلك، وإلا وصف في الحديث أنه ظاهر.\nولو كان وجوب الكفارة بالعود للقول لما كان لذكر المَسيس وجه، وإنما ذكر التظاهر وهو ضد المَسيس، لأن المُظاهر حرم على نفسه المَسيس، فكيف يقال: إذا حرمت على نفسك المَسيس، ثم حرَّمتَ ثانية، فأعتق رقبة قبل أن تَمَس؟ هذا كلام ضعيف، ولو قال رجل لرجل: إذا لم تُرد أن تَمَس فأعتق قبل أن تَمَس، لنُسب إلى الضعف والجهل، ولو قال: إذا أردت أن تمس فأعتق قبل أن تمس، لكان هذا كلامًا صحيحًا مفهومًا (^٣).\n_________\n(^١) في الموطأ في كتاب: الطلاق، ظهار الحر، برواية يحيى: قال مالك في الرجل يتظاهر من امرأته في مجالس متفرقة، قال: ليس عليه إلا كفارة واحدة.\n(^٢) في الأصل: مظاهر.\n(^٣) نقل ابن حجر في الفتح (٩/ ٤٦٨) هذا الكلام عن القاضي إسماعيل فقال: \"وقال إسماعيل القاضي: لما وقع بعد قوله ثم يعودون فتحرير رقبة، دل على أن المراد وقوع ضد ما وقع منه من المظاهرة، فإن رجلًا لو قال: إذا أردت أن تمس فأعتق رقبة قبل أن تمس، لكان كلامًا صحيحًا، بخلاف ما لو قال: إذا لم ترد أن تمس فأعتق رقبة قبل أن تمس\".","vol":"2","page":486},{"text":"فليس تجب الكفارة إلا بالمَسيس، وإرادته توجب تقديمها ما دام مستديمًا للإرادة، فإن عَزَبَت الإرادة عنه بعد أن كان أراد وقَبِل أن يُكفِّر، سقطت عنه الكفارة، ولو أن رجلًا أراد الصلاة وجب عليه أن يتوضأ، فإن بدا له ولم تكن الصلاة وجبت للوقت زال عنه فرض الوضوء، إذ لا صلاة إلا بطهارة، وقد قيل: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [النحل: ٩٨]، فكان إذا أراد أن يقرأ وجب عليه أن يستعيذ، فإن بدا له سقطت عنه الاستعاذة، كذلك إذا أراد الوطء وجبت الكفارة، إذا استدام الإرادة الموصولة بالكفارة إلى ما حُظر عليه، فإن عدَل عن الإرادة زالت عنه الكفارة، كذلك لو طلَّق وقد مضى من صيامه بعضُه سقط الباقي.\nفإن قيل: لم جعلت هذه الكفارة قبل المَسيس الموجب لها، ولم تُجعل كجزاء الصيد وقتل الخطأ وما أشبه ذلك؟\nقيل لهم: تلك كفارات وجبت عن الأفعال المتقدمة لها، والقول في الظهار وإن كان منكرًا وزورًا، فلم يُوجِب اللَّه فيه كفارة إلا بِمُضامة الوطء والإرادة له المتصلة به، فلما وجبت وكان القول مانعًا من الوطء، غير موجب للكفارة، أوجب اللَّه ﷿ الكفارة، وجعلها موصلة إلى الوطء.\nوقد أوجب اللَّه كفارة اليمين على من أراد الحِنْثَ، والحِنْثُ يوجبها، وإن قدمت جاز ذلك، وقد ذهب جماعة في كفارة اليمين، إلى تقديمها، منهم: سلمان، ومَسلمة بن مُخَلَّد، وابن عمر، ومحمد بن سيرين.\nوزعم أبو حنيفة وأصحابه أنه لا بأس أن يطأ المظاهر قبل أن يُطعِم، لأنه لم يشرط في الإطعام ما شرط في العتق والصيام من قبل أن يتماسا (^١)، وقد\n_________\n(^١) الذي عند الحنفية: \"فإن من كانت كفارته بالإعتاق أو الصيام، فليس له أن يقربها حتى يكفر، لقوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾، فإن جامع قبل أن يكفر استغفر اللَّه تعالى، ولم يعد حتى يكفر، لأنه ارتكب الحرام. . . وإن كانت كفارته بالإطعام، فليس له أن يجامعها قبل التكفير عندنا\"، المبسوط للسرخسي (٦/ ٢٢٥).","vol":"2","page":487},{"text":"شرط اللَّه ﷿ ذلك في خفي القرآن، ومنّ اللَّه بمعرفة ذلك على من حَباه واجتباه، فقال في العتق الذي يكون ناجزًا: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾، وقال في الصيام الذي له أول وآخر: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾، ولم يجعل له وإن ابتدأ في الصوم أن يغشى بالليل، وحظر عليه ذلك حتى يُتم الصيام كله، فاستغنى بما شرط في الكفارتين عن إعادة الشرط في الكفارة الأخرى، لأن صاحبها إن أطعم المساكين في وقت واحد، فهو كالمعتق الذي يكون فعله في وقت واحد، وإن أطعمهم متفرقين كان كالصائم الذي لصيامه أول وآخر، ولما قيل: ﴿فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ [المجادلة: ٤]، عُلم أنه بَدَلٌ من الذي قبله، وأنه كلام مُضَمَّن بعضه من بعض، ومعطوف بعضه على بعض، وأنه حَلَّ محَلَّه ووقَع موقعه، فلما كانت الكفارة المُبدأ بذكرها والمثنى تبيحان الوطء وتُحلانه، كانت الكفارة التي تقوم مقامهما وتَحُل محلهما تُحِل له الغشيان، وإن كانت الكفارة الآخرة ليس حكمُها ذلك الحكم، فينبغي أن يكون الغشيان على أصل الحظر، كأنها جعلت عقوبة للكلام الذي تكلم به، وأن قد أُوجِبَت عليه حين تكلم بالظهار، وإن لم يعد لما قال، أو طلَّق أو لم يطلِّق.\nفقولهم هذا قد يصير إلى أن المُظاهر قد جاز له أن يَغشى من قبل أن يكفِّر بالعتق أو الصيام، لأنه إذا ظاهر ثم لم يجد الرقبة ولم يستطع الصوم، وأبيح له الغشيان من قبل الإطعام، فقد غَشي وهو لا يدري أي الكفارات هي الواجبة عليه، وهم يقولون بعد هذا الغشيان أنه إن وجد الرقبة أعتق، وإن قدر على الصوم صام، فهذه مناقضة.\nوإيجاب الغشيان قبل العتق مخالفة لظاهر القرآن وباطنه، لأن الإنسان قبل أن يكفر لا يدري ما يكون كفارةَ فعله من عتق أو صيام أو صدقة، وإنما يَعلم ذلك حين تقع الكفارة، بالابتداء فيها أو بالفراغ منها، وما لم يقع فهو أمر مغيب عنه لا يدري أي ذلك كفارتُه.","vol":"2","page":488},{"text":"وقد سمى اللَّه ﵎ القول فعلًا والفعل قولًا، فقال ﷿: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾ [النساء: ١٠٨]، وهي المعاصي.\nوقال ﷿: ﴿فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ﴾ [الأحزاب: ٢٨]، وهن معه، وإنما أراد اخترن الدنيا، وهو قول.\nوقد أمر النبي -ﷺ- الذي ظاهر ثم غَشي قبل أن يُكَفِّر، أن يعتزل امرأته حتى يقضي ما عليه، فإذا كان هذا فيمن غَشي ووجبت عليه الكفارة على كل حال واجبًا، فهو فيمن لم يكن منه الغشيان أوجب وأوكد، واللَّه أعلم.\nونعود على الشافعي فنقول: إن النبي -ﷺ- قد جاءه الذي وطئ قبل أن يُكَفِّر، فلم يقل له: إن الكفارة قد كانت وجبت عليك، وقال له: \"لا تطأ حتى تكفر\"، فأعلمه أنه ممنوع من العَوْد، وإن كانت الكفارة قد صارت في الذمة، وليس تلزم الذمة إلا بالعَوْد الموصول بالوطء، واستدامة إرادته حتى تنقضي الكفارة، فتقع بها الإباحة، وكل ذلك ذهب عن الشافعي وقال: لا بأس بوطء المظاهر في ليل الصيام (^١)، خالف نص القرآن والسُّنة.\n* * *\n_________\n(^١) في الأم (٥/ ٢٩٧): لو كانت امرأته معه فأصابها قبل أن يُكَفِّر واحدة من الكفارات، أو كَفَّر بالصوم فأصاب في ليل الصوم، لم ينتقض صومه، ومضى على الكفارة.","vol":"2","page":489},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-750>٨ - قال اللَّه ﵎: ﴿وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ﴾ إلى آخر الآية</span>\nروى حماد بن سلمة، عن عطاء بن السائب، عن أبيه، عن عبد اللَّه بن عمرو، أن اليهود أتت النبي -ﷺ- فقالت: السّامُ عليك، وقالوا في أنفسهم: ﴿لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ﴾، فنزلت الآية (^١).\nورواه أيضًا مسروق، عن عائشة رضوان اللَّه عليها (^٢).\nورواه عبيد اللَّه، عن أبي هريرة، عن عائشة، وفيه زيادات، والمعنى واحد.\nوعلمهم رسول اللَّه -ﷺ- أن يقولوا لهم: عليكم، يريد: بل عليكم، فيرجع السام عليهم، وقال ﵇ لها: \"ما رأيتِ ما رددتُ عليهم، فاستجيب لنا فيهم، ولا يستجاب لهم فينا\".\n* * *\n_________\n(^١) رواه الإمام أحمد في مسنده برقم ٦٥٨٩.\n(^٢) رواه مسلم في صحيحه برقم ٢١٦٥، كتاب: السلام، باب النهي عن ابتداء أهل الكتاب بالسلام (ط عبد الباقي).","vol":"2","page":490},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-751>١١ - قال اللَّه عز وعلا: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ﴾ إلى قوله سبحانه: ﴿أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾</span>\nقال عبد اللَّه بن مسعود ﵁: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ على الذين آمنوا ولم يؤتوا العلم (^١).\nوقال قتادة: كان الناس يتنافسون في مجلس النبي -ﷺ- فقيل لهم: ﴿إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا﴾، ﴿وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا﴾ (^٢).\nوقال مَعْمَر، قال الحسن: هذا كلُّه في الغزو (^٣).\nوقال يزيد بن أبي حبيب: أنزل ذلك على رسول اللَّه ﷺ، انشزوا للقتال.\nوقال مجاهد: انشزوا إلى كل خير، قتال عدو، وأمر بالمعروف، وما أشبه ذلك (^٤).\nوالذي يوجبه ظاهر الآية عندي واللَّه أعلم، أن اللَّه ﷿ يرفع المؤمنين جميعًا على سائر الأمم في كل الأحوال، ويرفع اللَّه الذين أوتوا العلم منهم على جملتهم، على مقاديرِ علمهم وعملهم بعلمهم في الدنيا والآخرة.\nوقال ابن عيينة: ينبغي أن يُرفع أهل العلم في المجالس كلها على الناس جميعًا.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر (٨/ ٨٣) لابن المنذر.\n(^٢) رواه ابن جرير في تفسيره (١٢/ ١٨).\n(^٣) رواه ابن جرير في تفسيره (١٩/ ١٢).\n(^٤) رواه ابن جرير في تفسيره (١٢/ ١٩).","vol":"2","page":491},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-752>١٢ - قال اللَّه ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾</span>\nقال ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد: كان الرجل لا يناجي الرسول -ﷺ- حتى يتصدق، وأول من فعل ذلك عليٌّ رحمة اللَّه عليه، تصدق بدينار، ثم ناجى النبي -ﷺ- فأُنزلت الرخصة، وكان أول من صنع ذلك (^١).\nوروى علي بن علقمة الأَنْماري، عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: لما نزلت ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾، فقال لي رسول اللَّه -ﷺ-: \"ما ترى، دينارًا؟ \" قلت: لا يطيقونه، قال: \"فكم؟ \" قلت: شعيرة، قال: فقال: \"إنك لزهيد\"، قال: فنزلت: ﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾ [المجادلة: ١٣]، قال علي ﵁: فبي خُفف عن هذه الأمة (^٢).\nوقال قتادة: ما كانت إلا ساعة من نهار ثم نُسخت (^٣).\nوقال معمر: كان المسلمون إذا رأوا المنافقين يتناجون شَقّ عليهم، فنزلت ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآية [المجادلة: ١٠] (^٤).\n_________\n(^١) رواه ابن جرير في تفسيره (١٢/ ٢٠).\n(^٢) رواه الترمذي في سننه برقم ٣٣٠٠، أبواب: تفسير القرآن، باب: ومن سورة المجادلة، وقال: \"حسن غريب\".\n(^٣) رواه ابن جرير في تفسيره (١٢/ ٢١).\n(^٤) رواه ابن جرير في تفسيره (١٢/ ١٦ - ١٧).","vol":"2","page":492},{"text":"وقال زيد بن أسلم: كان رسول اللَّه -ﷺ- لا يمنع أحدًا مناجاتَه، فكان الشيطان يأتي أصحاب رسول اللَّه -ﷺ- فيقول لهم: فلان ناجى رسول اللَّه -ﷺ-، لأن جموعًا كثيرة تجمعت لقتالكم (^١).\nوكان المنافقون يقولون: إنما محمد أُذُنٌ يسمع من كل أحد يناجيه، وكان ذلك يَشق على المؤمنين ويحزنهم، فأنزل اللَّه ﷿: ﴿قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ١٦]، يقول: يصدقهم، وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٩) إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المجادلة: ٩ - ١٠]، فلم ينتهوا، فأنزل اللَّه ﵎: ﴿إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾، لينتهي أهل الباطل عن مناجاته، وعرف اللَّه ﷿ أن أهل الباطل لا يقدمون بين يدي نجواهم (^٢) صدقة، فانتهى أهل الباطل عن النجوى، واشتد ذلك على أهل الإيمان والحق، وامتنعوا من النجوى، لأن فيهم من لا يستطيع أن يقدِّم صدقة، فأنزل اللَّه ﷿: ﴿فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢) أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ﴾ [المجادلة: ١٣ - ١٤]، قال: ثم خفف اللَّه عنهم فقال: ﴿فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآية [المجادلة: ١٣].\n* * *\n_________\n(^١) رواه ابن جرير في تفسيره (١٢/ ١٦) عن ابن زيد وليس عن زيد.\n(^٢) في الأصل: نجواكم.","vol":"2","page":493},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-753>ومن سورة الحشر</span>","vol":"2","page":495},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-754>٢ - قوله ﷿: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ﴾</span>\nقال بكر: هم بنو النَّضير، قاتلهم رسول اللَّه -ﷺ- حتى صالحهم على الجلاء، فأجلوهم على أن لهم ما أقلت الإبل من شيء إلا الحَلَقَة، والحَلَقَة: السلاح، وكانوا من سِبْطٍ لم يصبهم جلاء فيما مضى، فكان اللَّه قد كتب عليهم الجلاء، ولولا ذلك عذبهم في الدنيا بالقتل والسبي.\nوأما قوله سبحانه: ﴿لِأَوَّلِ الْحَشْرِ﴾ فكان جلاؤهم ذلك أولَ الحشر في الدنيا إلى الشام.\nوقال قتادة: تجيء نار من مشرق الأرض تحشر الناس إلى مغاربها، تبيت معهم حيث باتوا وتقيل إذا قالوا، وتأكل من تخلف (^١).\nقال موسى بن عقبة: لما أمر رسول اللَّه -ﷺ- بإجلاء بني النَّضير وإخراجهم عن ديارهم، قالوا: أين تخرجنا؟ قال: إلى الحشر.\nوقال موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول اللَّه -ﷺ- لما ظهر على خَيْبَر أراد إخراج اليهود منها، وكانت الأرض للَّه ﷿ ولرسوله وللمؤمنين، فسأل اليهودُ رسولَ اللَّه -ﷺ- أن يُقَرّوا بها على أن يَكْفُوا عملها، ولهم نصف التمر، فقال: رسول اللَّه -ﷺ-: \"نُقِرُّكم على ذلك ما شئنا\"، فأُقِرّوا بها حتى أجلاهم عمر ﵁ في خلافته من المدينة إلى تَيْماء وأَرِيحا (^٢).\n_________\n(^١) رواه ابن جرير في تفسيره (١٢/ ٢٨).\n(^٢) متفق عليه، رواه البخاري في صحيحه برقم ٢٣٣٨، كتاب: المزارعة، باب: إذا قال رب الأرض: أقرك ما أقرك اللَّه، وفي موطن آخر برقم ٣١٥٢، كتاب: فرض =","vol":"2","page":497},{"text":"ولما أجلى رسول اللَّه -ﷺ- بني النضير من المدينة صاروا إلى خَيْبَر، وهي من ناحية الشام، فسكنوها مع اليهود الذين كانوا بها، ثم أجلى عمر ﵁ يهود خيبر حين بلغه أن رسول اللَّه -ﷺ- قال في مرضه الذي توفي فيه: \"لا يبقَيَن دينان في جزيرة العرب\" (^١)، فأجلاهم فصاروا إلى تَيماء وأَريحا وسائر بلاد الشام.\nوأما الحشر الذي ذكروا هي: النار تخرج من المشرق، فإنه شيء يكون قبل يوم القيامة، واللَّه أعلم.\n* * *\n_________\n= الخمس، باب: ما كان النبي -ﷺ- يعطي المؤلفة، ومسلم في صحيحه برقم ١٥٥١، كتاب: المساقاة، باب: المساقاة والمعاملة بجزء من الثمر.\n(^١) رواه الإمام أحمد في مسنده برقم ٢٦٣٥٢، عن عائشة ﵂.","vol":"2","page":498},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-755>٥ - قال اللَّه عز وعلا: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِين﴾</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-756>[سبب النزول]</span>\nسار رسول اللَّه -ﷺ- إلى بني النضير، فتحصنوا في الحصون فقال لهم: \"اخرجوا من المدينة\" فأبوا، فقطع النخل وحَرَّق، فنادوا حين رأوا النخل انقطع وتحرَّق: يا محمد، قد كنت تنهى عن الفساد، فما بال قطع النخل وتحريقها؟ فكان في أنفس المسلمين من ذلك شيء، فأنزل اللَّه سبحانه: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِين﴾، رواه ابن إسحاق، عن أبيه، عن المغيرة بن عبد الرحمن (^١).\nورواه الليث، عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول اللَّه -ﷺ- حرَّق نخل بني النضير وقطع، وهي البُوَيْرَة، فأنزل اللَّه ﵎: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ﴾ (^٢) الآية.\nورواه أيوب، عن نافع، وزاد فيه: فقال حسان:\nلها على سُراة بَني لُؤَيٍّ ... حريقٌ بالبُوَيْرَةِ مُستَطيرُ (^٣)\n_________\n(^١) رواه أبو داود في مراسيله برقم ٣٤٦، من طريق ابن إسحاق به.\n(^٢) رواه البخاري في صحيحه برقم ٤٠٣١، كتاب: المغازي، باب: حديث بني النضير، وبرقم ٤٨٨٤، كتاب: تفسير القرآن، باب قوله تعالى: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ﴾.\n(^٣) متفق عليه، رواه البخاري في صحيحه برقم ٤٠٣٢، كتاب: المغازي، باب: حديث =","vol":"2","page":499},{"text":"ورواه إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب أيضًا.\nوقال الزهري: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ﴾، اللِّينة: ألوان النخل كلِّها إلا العَجْوة (^١).\nوقاله عكرمة (^٢).\nوقال الحسن: اللِّينة النخلة، ولا يرى بأسًا بما عُقِر من النخل.\nوقال محمد بن علي: ﴿أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً﴾، قال: هي العَجْوة، وقال مجاهد وسعيد بن جُبَير نحو ذلك.\nوقال أبو الزناد: لأن العَجْوة تُدَّخَر.\nوظاهر القرآن يدل على قول من قال: إنها ألوان النخل سوى العَجْوة.\nولِينة أصلها لِوْنَةٌ، فقُلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها، فدل على أنها ألوان النخل سوى العَجْوة، لأن العَجْوة كانت قوتَهم الذي يعتمدون عليه، وهي التي جاء الحديث في فضيلتها، قول النبي -ﷺ-: \"العَجْوة من الجنة\" (^٣)، وثمرها يَغْذو ما لا يَغْذو غيرُه.\n_________\n= بني النضير، عن جويرية بن أسماء عن نافع، ومسلم في صحيحه برقم ١٧٤٦، كتاب: الجهاد والسير، باب جواز قطع أشجار الكفار، عن ابن المبارك عن نافع به.\n(^١) رواه ابن جرير في تفسيره (١٢/ ٣٢).\n(^٢) رواه ابن جرير في تفسيره (١٢/ ٣٢).\n(^٣) ورد هذا القول منه -ﷺ- في عدة أحاديث منها ما رواه الإمام أحمد في مسنده في مواطن منها رقم ١٥٥٠٨، وابن ماجه في سننه برقم ٣٤٥٦، كتاب: الطب، باب: الكمأة والعجوة، عن رافع بن عمرو المزني -﵁-، وما رواه الإمام أحمد أيضًا برقم ٨٦٦٨ و١٠٣٤٥، والترمذي في جامعه برقم ٢٠٦٨، أبواب الطب، باب: ما جاء في الكمأة والعجوة، وحسنه، وابن ماجه في سننه برقم ٣٤٥٥، الموضع السابق، عن أبي هريرة -﵁-.","vol":"2","page":500},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-757>٦ - قال اللَّه عز وعلا: ﴿فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ﴾ الآية إلى قوله سبحانه: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾</span>\nهذه الآية قد تكلم فيها القاضي إسماعيل في كتاب الخمس، بما لا يحتاج إلى زيادة فيه، وكتاب الخمس هو من أحكام القرآن.\nوهذه الآية نزلت في أموال بني النَّضير، ليضعها رسول اللَّه ﷺ حيث شاء، ففعل فيها ما أَراه اللَّه ﷿.\n* * *","vol":"2","page":501},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-758>٧ - قال اللَّه ﵎: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾</span>\nهذه الآية نزلت في الغنائم، وعمَّت سائر الأشياء، فدخل فيها ما أَمر به وسَنَّه -ﷺ-، وما نهى عنه بالسُّنة، فلا يجوز مخالفته ﵇ في شيء من أوامره، إلا ما خُصَّ عليه من الخبر، مما لم يتفق المسلمون على إيجابه لا بكتاب ولا سنة، فإنه -ﷺ- قال في هذا الجنس الذي هذا صفته: \"فخذوا منه ما استطعتم، وما نهيتكم عنه فانتهوا\" (^١).\nفلذلك قال عبد اللَّه بن مسعود ﵁: \"لعن اللَّه الواشمات والموتَشِمات، المغيرات خلقَ اللَّه\"، فبلغ ذلك امرأة من بني أسد فأتته فقالت: ما حديث بلغني أنك لعنت الواشمات والمتنمصات (^٢)، وغير ذلك المغيرات خلقَ اللَّه، قال: وما لي لا ألعن من لعن رسول اللَّه -ﷺ-، وهو في كتاب اللَّه، فقالت المرأة: لقد قرأتُ ما بين لَوحَي المصحف، وكانت تقرأ، وكان يقال لها: أم يعقوب، فما وجدتُه، فقال: واللَّه لئن كنت قرأتيه لقد وجدتيه، ثم قرأ: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾، فقالت المرأة: إني أرى شيئًا من\n_________\n(^١) من حديث متفق عليه، رواه البخاري في صحيحه برقم: ٧٢٨٨، في كتاب: الاعتصام بالكتاب والسنة، باب: الاقتداء برسول اللَّه -ﷺ-، ومسلم برقم ١٣٣٧، كتاب: الحج، باب: فرض الحج مرة في العمر، عن أبي هريرة ﵁.\n(^٢) في الأصل: المتنصمات.","vol":"2","page":502},{"text":"هذا الآن على امرأتك، قال: فاذهبي فانظرني: فدخلت على امرأة عبد اللَّه فلم تر شيئًا من ذلك (^١).\nورأى عبد الرحمن بن يزيد رجلًا مُحْرِمًا عليه ثيابه فنهاه، فقال: ائتني بآية من كتاب اللَّه تنزع ثيابي، فقال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (^٢).\nوقال الحسن: كان يقسم بينهم الفيء، وينهاهم عن الغلول (^٣).\n* * *\n_________\n(^١) متفق عليه، رواه البخاري في صحيحه برقم ٤٨٨٦، كتاب: تفسير القرآن، باب قوله تعالى ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾، ومسلم في صحيحه برقم ٢١٢٥، كتاب: اللباس والزينة، باب: تحريم الواصلة والمستوصلة.\n(^٢) رواه الآجري في الشريعة برقم ١٠٠، باب: التحذير من طوائف يعارضون سنن النبي -ﷺ-، وابن عبد البر في جامع بيان العلم (٢/ ٢٣١).\n(^٣) رواه ابن جرير في تفسيره (١٢/ ٣٨).","vol":"2","page":503},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-759>٨ - ٩ - قال اللَّه ﵎: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ إلى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾</span>\nقال مجاهد، عن ابن عمر قال: دفع إليَّ عمر كتابًا وقال: إذا اجتمعت الأمة على رجل، فاقروا عليه مني السلام، وادفع إليه كتابي هذا، فلما اجتمعوا على عثمان أتاه فدفع الكتاب إليه، وأقرأه منه السلام وذكر أن وصية عمر هذه، قال: أُوصي الخليفة من بعدي بتقوى اللَّه، وأُوصيه بالمهاجرين خيرًا، ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾، أن يَعْرِف لهم حقهم، وأن يَعْرِف لهم كرامتهم، وأوصيه بالأنصار خيرًا، ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾، وأن يعفيَ عن مسيئهم، وأن يَقْبَل من محسنهم، وأوصيه بأهل الأمصار خيرًا فإنهم نُكاة العدو، وجُباة المال، وألا يحمل فضلهم إلا عن رضاهم، وأوصيهم بالأعراب خيرًا فإنهم أصل العرب، ومادة الإسلام، أن تؤخذ حَواشي أموالهم، فترد على فقرائهم، وأوصيهم بأهل ذمة اللَّه وذمة رسوله -ﷺ-، وأن يوفي بعهدهم، ويقاتل من ورائهم، وألا يُكلَّفوا فوق طاقتهم (^١).\n_________\n(^١) من أثر طويل رواه البخاري برقم ٣٧٠٠، كتاب: أصحاب النبي -ﷺ-، باب: قصة البيعة والاتفاق على عثمان، عن عمرو بن ميمون، عن عمر، والوصية فيه من كلامه وليست في الكتاب، ولم أقف عليه كما ساقه المصنف عن مجاهد عن عبد اللَّه بن عمر.","vol":"2","page":504},{"text":"وروى عكرمة بن خالد، عن مالك بن أوس بن الحَدَثَان، أن عمر ﵁ قرأ: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾ إلى آخر الآية، فقال: هؤلاء المهاجرون، ثم تلا: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾، الى آخر الآية، فقال: هؤلاء الأنصار، ثم قرأ: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا﴾ [الحشر: ١٠] إلى آخر الآية.\nفقال: هذه استوعبت الناس، فلم يَبق أحد من المسلمين إلا وله في هذا المال حق، فإن أعش إن شاء اللَّه لم يبق أحد من المسلمين إلا سيأتي حقه، حتى الراعي بسَرْوِ حِمْيَر (^١)، أو بسور حِمير، يأتيه حقُّه ولم يعرق فيه جبينه (^٢).\nوقال مجاهد: في الأنصار ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ﴾، أنهم سمحوا بغنائم بني النضير، وذلك أن رسول اللَّه -ﷺ- قسمها بين المهاجرين دونهم، إلا رجلين من الأنصار كانا فقيرين فأعطاهما معهم، أبو دُجانة الساعدي، وسهل بن حُنَيف.\nوقال ابن عباس ﵁: لما غنم النبي -ﷺ- بني النضير قال للأنصار: \"إن شئتم قسمتها بين المهاجرين وبينكم، وكنتم على مواساتكم، وإن شئتم كانت للمهاجرين فاستغنوا عنكم\"، فقالوا: بل تقسمها بينهم ونبقى على\n_________\n(^١) سَرْوُ حِمْير: موضع باليمن، أعلى بلاد حِمير، بفتح السين وسكون الراء وآخره واو، انظر معجم البلدان (٣/ ٢١٧)، ومعجم ما استعجم (٣/ ٧٣٦).\n(^٢) رواه البيهقي في السنن الكبرى من طريق القاضي إسماعيل بن إسحاق، عن سليمان بن حرب، عن حماد بن زيد، عن أيوب به، برقم ١٣٠٠٣، كتاب: قسم الفيء والغنيمة، جماع أبواب تفريق ما أخذ من أربعة أخماس الفيء، باب: ما جاء في قول أمير المؤمنين عمر ﵁.","vol":"2","page":505},{"text":"مواساتنا، فقسمها بين المهاجرين إلا رجلين من الأنصار أعطاهما معهم، فاستغنى هؤلاء بما أُعطوا، واستغنى الأنصار بما زال عنهم (^١).\n* * *\n_________\n(^١) أورده ابن الطلاع في أقضية الرسول -ﷺ- (ص ٤٥) عن القاضي إسماعيل قال: قال إسماعيل: إنما قسم النبي -ﷺ- النضير بين المهاجرين وثلاثة من الأنصار: سهل بن حنيف، وأبي دجانة، والحارث بن الصمة، لأن المهاجرين حين قدموا المدينة شاطرتهم الأنصار ثمارهم، فقال لهم رسول اللَّه -ﷺ-: \"إن شئتم قسمت أموال بني النضير بينكم وبينهم، وأقمتم على مواساتكم في ثماركم، وإن شئتم أعطيتها المهاجرين دونكم، وقطعتم عنهم ما كنتم تعطونهم من ثماركم\"، فقالوا: بل تعطيهم دوننا ونمسك ثمارنا، فأعطاها رسول اللَّه -ﷺ- المهاجرين فاستغنوا مما أخذوا، واستغنى الأنصار بما رجع إليهم من ثمارهم.","vol":"2","page":506},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-760>٩ - قال اللَّه ﵎: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾</span>\nقال أبو حازم، عن أبي هريرة: أن رجلًا من الأنصار بات (^١) به ضيف، فلم يكن عنده إلا قوته وقوت صبيانه، فقال لامرأته: نوِّمي الصِّبْيَة وأطفئي السراج، فنزلت هذه الآية (^٢).\n* * *\n_________\n(^١) في الأصل: يأت.\n(^٢) متفق عليه، رواه البخاري في صحيحه برقم ٤٨٨٩، كتاب: تفسير القرآن، باب قوله تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ مرفوعًا، ومسلم في صحيحه بلفظ المؤلف برقم ٢٠٥٤، كتاب: الأشربة، باب: إكرام الضيف وفضل إيثاره (ط عبد الباقي).","vol":"2","page":507},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-761>٩ - قال اللَّه ﵎: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾</span>\nالشّحّ: منع الزكاة والواجبات في المال، من النفقة على النفس والأهل ومن يلزمه أمره، فمن فعل ذلك فليس بشَحيح، وما بعد ذلك من الصدقة، وصلة الرحم، والإنفاق عند النوائب، والضيافة، والنفقة فيما يُقرِّب من اللَّه ﷿ مما ليس بمفروض، فاعله يدخل في قوله عز وعلا: ﴿أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ [المؤمنون: ٦١]، ومن منع ذلك ولم يفعله كان بخيلًا، ودخل في قوله: ﴿مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ﴾ [محمد: ٣٨].\n* * *","vol":"2","page":508},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-762>١٠ - قال اللَّه عز وعلا: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ الى آخر الآية</span>\nقال علي بن الحسين ﵀: أتاني نفر من أهل العراق، فنالوا من أبي بكر وعمر ﵄، ثم ابْتَرَكوا في عثمان فلم يتركوا، فلما فرغوا قال لهم علي بن الحسين: ألا تخبروني، أنتم من المهاجرين الأولين ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾؟ قالوا: لا، قال: فأنتم من الذين ﴿تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ إلى آخر الآية؟ قالوا: لا، قال: أَمَّا أنتم فقد تبرأتم أن تكونوا من إحدى هاتين، وأنا أشهدكم أنكم لستم من الذين قال اللَّه: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ إلى آخر الآية، اخرجوا فَعَل اللَّه بكم.\n٦٣ - وحُدّثنا من غير طريق ومنها: ما حدثنا أحمد بن إبراهيم بن عَنْبَر، قال: نا أحمد بن المُعَذَّل (^١)، عن محمد بن مسلمة، قال: قال مالك بن أنس: من سب أحدًا من الصحابة كائنًا من كان، أو تنقصه، وهم الذين قال النبي -ﷺ-: \"دعوا لي أصحابي، فمن آذاهم فعليه لعنة اللَّه\"، فليس من المسلمين الذين يُقْسَم فيهم الفيء، ولا حق لهم فيه، وتلا محمد بن مسلمة هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ (^٢).\n_________\n(^١) أبو الفضل، أحمد بن المعذل -بذال معجمة مفتوحة مشددة- البصري، المالكي، الإمام الفقيه الأصولي الورع، أخذ عن عبد الملك بن الماجشون، والقعنبي، وأخذ عنه القاضي إسماعيل، وأخوه حماد وغيرهم، لم أقف على سنة وفاته، انظر: ترتيب المدارك (٤/ ٥)، وسير أعلام النبلاء (١١/ ٥١٩).\n(^٢) لم أجده إلا عند القاضي عياض في الشفا دون إسناد (ص ٨٨٠).","vol":"2","page":509},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-763>١٦ - قال اللَّه ﵎: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾</span>\nروي من طرق منها: سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عروة بن عامر، عن عُبيد بن رفاعة الزُّرَقي، عن النبي -ﷺ-: أن راهبًا كان في بني إسرائيل، فابتليت امرأة فيهم فأصابها لَمَم، فرأى بعضُ أهلها أن دواءها عند ذلك الراهب، فأخذ الشيطان يخنقها، فأوقع في قلوب أهلها أن يذهبوا بها إلى ذلك الراهب، حتى يدعوَ لها، فأبى أن يَقبلها، فلم يزالوا به حتى قبِلها، فزين له الشيطان فلم يزل به حتى غَشِيها، فلما وقع بها حملت منه، فلما حملت منه جاءه الشيطان فقال له: الآن تفتضح في الناس، اقتلها ثم ادفنها فإن جاء أهلها فسألوا عنها فقل: ماتت. قال: وجاء الشيطان إلى أهلها فقذف في قلوبهم أنه أَحْبَلَها وفعل، قال: فجاؤوا فاستنزلوه ليقتلوه، فجاء الشيطان فقال: أنا الذي أخذتها، وأنا الذي أتيت أهلها حتى أتوك، وأنا الذي زينت لك حتى وَقَعْتَ، فأطعني الآن واسجد لي سجدة حتى أنجيك، فسجد له فتبرأ منه وأَسْلَمَه، قال: فهو الذي قال اللَّه ﵎ فيه: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ (^١).\nوقد روي عن علي (^٢)، وابن مسعود (^٣) ﵄ نحو ذلك.\n_________\n(^١) رواه البيهقي في شعب الإيمان برقم ٥٠٦٦، تحريم الفروج وما يجب من التعفف عنها.\n(^٢) رواه ابن جرير في تفسيره (١٢/ ٤٧).\n(^٣) رواه ابن جرير في تفسيره (١٢/ ٤٧).","vol":"2","page":510},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-764>ومن سورة الممتحنة</span>","vol":"2","page":511},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-765>١ - قال اللَّه ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ الآية</span>\nهذا نزل في حاطب بن أبي بَلْتَعَة، كان كتب كتابًا إلى كفار قريش ينذرهم برسول اللَّه -ﷺ-، وهو من المهاجرين وشهد بدرًا، ولما كَتب الكتابَ أتى جبريلُ رسولَ اللَّه -ﷺ- فأخبره بذلك، فوجه عليًّا، والزبير، والمقداد، فقال: \"انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ، فإن بها ظعينة معها كتاب فخذوه منها\".\nفانطلقوا يتعادون بخيلهم حتى انتهوا إلى الموضع، فإذا بالمرأة فقالوا: أخرجي الكتاب، قالت: ما معي كتاب، قالوا: لتخرجن الكتاب أو لنُلقِيَن الثياب، فأخرجته من عِقاصِها، فأتوا به رسول اللَّه -ﷺ- فقرأه فقال رسول اللَّه -ﷺ-: \"يا حاطب، ما هذا؟ \" قال: يا رسول اللَّه، لا تعجل علي، إني كنت امرأ مُلصِقًا في قريش، ولم أكن من أنفُسها، وكان من كان من المهاجرين لهم قَرابات بمكة، يَحْمُون بها أهاليهم وأموالهم، فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب فيهم، أن أتخذ عندهم يدًا يَحْمُون بها قرابتي، وما فعلتُه كفرًا ولا ارتدادًا ولا رضى بالكفر بعد الإسلام، قال رسول اللَّه -ﷺ-: \"إنه قد صدَقكم\"، قال عمر: يا رسول اللَّه دعني أضرب عنق هذا المنافق، قال: \"إنه قد شهد بدرًا، وما يدريك لعل اللَّه أن يكون قد اطلع إلى أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم؟ \".\nوفي جماعةِ أحاديث أن الآية نزلت في ذلك.","vol":"2","page":513},{"text":"وروى هذا الحديثَ جماعة عن علي ﵀، منهم: أبو عبد الرحمن السلمي (^١)، وعبيد اللَّه بن أبي رافع (^٢)، وغيرهما.\nوقد روي عن جماعة من التابعين نحو ذلك متصلًا (^٣).\nوقال الزهري فيه نزلت حتى: ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (^٤).\n* * *\n_________\n(^١) رواه البخاري في صحيحه برقم ٣٩٨٣، كتاب: المغازي، باب: من شهد بدرًا.\n(^٢) رواه البخاري في مواطن من صحيحه منها: ٣٠٠٧، كتاب: الجهاد والسير، باب: الجاسوس، ومسلم في صحيحه برقم ٢٤٩٤، كتاب فضائل الصحابة رضوان اللَّه عليهم، باب: فضائل أهل بدر.\n(^٣) روي عن عروة بن الزبير، ومجاهد، وقتادة، انظر تفسير ابن جرير (١٢/ ٥٨).\n(^٤) رواه ابن جرير في تفسيره (١٢/ ٥٨).","vol":"2","page":514},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-766>٤ - قال اللَّه ﵎: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾</span>\nفالأسوة الحسنة من الآية التبرّي منهم ومما يعبدون، والكفر بهم، والعداوة لهم، والبغضاء حتى يؤمنوا، الأسوة إلى هاهنا.\nثم قال: ﴿إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾ مستثنِيًا، فلا أسوة في ذلك، لأنه كان وعده ثم تبرأ منه (^١)، فليس لأحد أن يتأسى به في ذلك.\nقال مجاهد، وعطاء، وقتادة: لا تأسِّي به في الاستغفار (^٢).\n* * *\n_________\n(^١) في الأصل: وعدهما ثم تبرأ منهما.\n(^٢) رواه عن مجاهد، وقتادة ابن جرير في تفسيره (١٢/ ٦٠).","vol":"2","page":515},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-767>١٠ - ١١ - قال اللَّه سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ﴾ إلى قوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾</span>\nروى ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة ﵂ أن رسول اللَّه -ﷺ- كان يمتحن من هاجر إليه من المؤمنات بهذه الآية، لقول اللَّه ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الممتحنة: ١٢]، قال عروة: قالت عائشة ﵂: فمن أقر بهذا الشرط من المؤمنات قال لها رسول اللَّه -ﷺ-: \"قد بايعتُكِ\" -كلامًا-، ولا واللَّه ما مسَّت يدُه يد امرأة قط في المبايعة، بعد ما بايعهن إلا بقوله: \"قد بايعتك على ذلك\" (^١).\nورواه محمد بن المنكدر، عن أُمَيمة بنت رُقَيقة، قالت: أتيت رسول اللَّه -ﷺ- لأبايعه، وذكرَت نحوه، وأنه قال: \"فيما استطعتن وأَطَقْتُن\"، فقلنا: اللَّه ورسوله أرحم بنا من أنفسنا، وقالت فيه: قال: \"إني لا أصافح النساء\" (^٢).\n_________\n(^١) متفق عليه، رواه البخاري في صحيحه برقم ٤٨٩١، كتاب: تفسير القرآن، باب قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ﴾، ومسلم في صحيحه برقم ١٨٦٦، كتاب: الإمارة، باب: كيفية بيعة النساء (ط عبد الباقي).\n(^٢) رواه الإمام مالك في الموطأ برقم ٢٨١٢، كتاب: الجامع، ما جاء في البيعة، رواية يحيى، وأحمد في مسنده برقم ٢٧٠٠٦ وغير موطن، والترمذي برقم ١٥٩٧، =","vol":"2","page":516},{"text":"فأما: \"كان لا يصافح النساء\"، فطرقه كثيرة، رواه هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أيضًا (^١).\nوروى الزهري، عن عروة، عن المِسْوَر بن مَخْرَمة، قال: خرج رسول اللَّه -ﷺ- عام الحديبية في بضع عشرة ومائة من أصحابه، حتى إذا كانوا بذي الحليفة، قَلَّد وأَشْعَر الهدي وأحرم بعمرة، وذكر الحديث في صلح الحديبية، وما شرط لهم من: ردِّ من أتانا منهم إليهم، قال: ثم جاء نسوة مؤمنات فأنزل اللَّه ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ﴾، حتى بلغ: ﴿بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾، قال: فطلَّق عمر يومئذ امرأتين كانتا له بمكة، ونهاهم اللَّه أن يردوهن، وأمرهم أن يردوا الصداق حينئذ، فقال رجل للزهري: أمن أجل الفروج؟ قال: نعم، فتزوج إحداهما معاوية بن أبي سفيان، والأخرى صفوان بن أُمية، وقيل: أبو جهم بن حذيفة، ورد المشركون صدُقات من حبسوا من نساء المؤمنين، وأمسك رسول اللَّه -ﷺ- النساء ورد الرجال، وطرق هذا الحديث وألفاظه كثيرة، وقد أتيت بالمعنى (^٢).\nوسئل الزهري عن قوله ﷿: ﴿وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا﴾ [الممتحنة: ١١]، فقال: يقول إذا أصبتم غنيمة، فأعطوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا من غنائمكم، وامنعوا المشركين من صدُقات من ورد إليكم من المسلمات، عقوبة لهم أن\n_________\n= أبواب: السير، باب: ما جاء في بيعة النساء، والنسائي برقم ٤١٨١، كتاب البيعة، بيعة النساء، وابن ماجه برقم ٢٨٧٤، أبواب الجهاد، باب: بيعة النساء.\n(^١) رواه ابن حبان في صحيحه برقم ٥٥٨٠، كتاب: الحظر والإباحة، ذكر البيان بأن المرء ممنوع عن مس امرأة، عن عائشة أن رسول اللَّه -ﷺ- لم يصافح امرأة قط.\n(^٢) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه برقم ٢٧٣١، كتاب الشروط، باب: الشروط في الجهاد والمصالحة مع أهل الحرب.","vol":"2","page":517},{"text":"منعوا دفع الصدُقات المقبوضة من المسلمين للمشركات اللاتي لم يُدخَل بهن (^١).\nوهذا كان في ذلك الوقت للعقد الذي كان عقده النبي -ﷺ- بينه وبين المشركين بمكة، وقد زال حكمه بظهور ديننا على سائر الأديان، بقوله سبحانه: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [الصف: ٩]، فأظهره بالسيف على طوائف، وبالحجة على كل من بلغه.\nقال مسروق: كانت المرأة إذا ذهبت من المشركين الذين بينهم وبين رسول اللَّه -ﷺ- عهد وهي مسلمة، أعطوا زوجها مثل مهرها ولم ترد إليهم، وإذا ذهبت من المسلمين إلى المشركين، أعطى المشركون المسلم مثل مهرها، إلا أن تذهب إلى غير ذي عهد، فيعطى من الغنائم.\nقال أبو عبيدة، وسيبويه: عقبتم وعاقبتم واحد، أي: أصبتم عقبى منهم (^٢).\nوقوله: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾، إذا أسلم الرجل وله امرأة مشركة، وقَعت الفُرقة بينهما، وإن كانت نصرانية أو يهودية، أقام عليها إن شاء، وقد أصلح له الإسلام النكاح، إذ كان اللَّه قد أحل له ابتداء العقد عليهن، فبذلك يجوز له المقام عليهن، واللَّه أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) رواه ابن جرير في تفسيره مختصرًا (١٢/ ٧٢).\n(^٢) مجاز القرآن (٢/ ٢٥٧).","vol":"2","page":518},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-768>١٢ - قال اللَّه ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ﴾ الآية</span>\nروت حفصة بنت سيرين، عن أم عطية، عن النبي -ﷺ-، أن العصيان في معروف: النَّوْح (^١).\nوروى شَهْر بن حَوْشَب، عن أم سلمة مثل ذلك (^٢).\nومن العصيان في المعروف: خَمْش وجوه، وشق جُيوب، ونَشْر شُعور، وما أشبه ذلك من رَنّات الشيطان.\nوروى ثابت، عن أنس، أن النبي -ﷺ- أخذ على النساء حين بايعهن ألا يَنُحْن، فقلن: إلا نساء أَسْعَدْنَنا في الجاهلية، أفنُسْعِدُهُن في الإسلام؟ فقال\n_________\n(^١) رواه البخاري في صحيحه برقم ٤٨٩٢، كتاب: تفسير القرآن، باب قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ﴾، عن أم عطية ﵂ قالت: بايعنا رسول اللَّه -ﷺ- فقرأ علينا: ﴿أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾، ونهانا عن النياحة، فقبضت امرأة يدها فقالت: أسعدتني فلانة، أريد أن أجزيها، فما قال لها النبي -ﷺ- شيئًا، فانطلقت ورجعت، فبايعها، ومسلم في صحيحه برقم ٩٣٦، كتاب الجنائز، باب: التشديد في النياحة، (ط عبد الباقي)، عن أم عطية قالت: لما نزلت هذه الآية: ﴿يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾ ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ قالت: كان منه النياحة، قالت: فقلت: يا رسول اللَّه، إلا آل فلان، فإنهم كانوا أسعدوني في الجاهلية، فلا بد لي من أن أسعدهم، فقال رسول اللَّه -ﷺ-: \"إلا آل فلان\".\n(^٢) رواه الإمام أحمد في مسنده برقم ٢٦٧٢٠، الترمذي في سننه برقم ٣٣٠٧، أبواب: تفسير القرآن، باب: ومن سورة الممتحنة، وقال: حسن غريب، وابن ماجه في سننه برقم ١٥٧٩، أبواب: الجنائز، باب ما جاء في النهي عن النياحة.","vol":"2","page":519},{"text":"النبي -ﷺ-: \"لا إِسْعاد (^١) في الإسلام، ولا شِغار في الإسلام، ولا جَلَبَ، ولا جَنَب، ومن انتَهَب فليس منا\" (^٢).\nوقال أبو عثمان النَّهْدي، عن أم عفيف، أَخذ علينا رسول اللَّه -ﷺ- فيما أخذ ألا نحدث إلا مَحرمًا من الرجال (^٣).\nوقال عبادة: لما أخذ رسول اللَّه -ﷺ- على النساء البيعة قال: \"ومن أتى منكن حدًّا في الدنيا فعوقب به فهو كفارته، ومن لم يعاقب فأمره إلى اللَّه، إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له\" (^٤).\n* * *\n_________\n(^١) قال في النهاية (٢/ ٣٦٦): هو إسعاد النساء في المَناحات، تقوم المرأة فتقوم معها أخرى من جاراتها فتساعدها على النياحة.\n(^٢) رواه الإمام أحمد في مسنده برقم ١٣٠٣٢، والنسائي في سننه مختصرًا برقم ١٣٠٣٢، كتاب الجنائز، باب النياحة على الميت.\n(^٣) رواه الطبراني في معجمه الكبير برقم ٤١٠، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ٣٢): \"فيه عبد المنعم أبو سعيد، وهو ضعيف\".\n(^٤) رواه مسلم في صحيحه برقم ١٧٠٩، كتاب: الحدود، باب: الحدود كفارات لأهلها، (ط عبد الباقي)، ولفظه: \"أخذ علينا رسول اللَّه -ﷺ- كما أخذ على النساء: أن لا نشرك باللَّه شيئًا، ولا نسرق، ولا نزني، ولا نقتل أولادنا، ولا يعضه بعضنا بعضًا، فمن وفى منكم فأجره على اللَّه، ومن أتى منكم حدًا فأقيم عليه فهو كفارته، ومن ستره اللَّه عليه فأمره إلى اللَّه، إن شاء عذبه وإن شاء غفر له\".","vol":"2","page":520},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-769>٨ - قال اللَّه ﵎: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ﴾ إلى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾</span>\nقال مجاهد: الذين آمنوا بمكة ولم يهاجروا (^١).\nوروى عبد اللَّه بن عمرو، عن النبي -ﷺ- قال: \"المقسطون في الدنيا على منابر من لؤلؤ يوم القيامة بين يدي الرحمن، بما أقسطوا في الدنيا\" (^٢).\nقال أبو عبيدة: وقال الأصمعي: المقسط في اللغة: العادل، والقاسط: الجائر، قال اللَّه: ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ [الجن: ١٥].\nوهذه الآية توجب أنه ليس يحرم على المسلم أن يَبَرَّ قرابته الكافر الذمي من غير المفروض، واللَّه أعلم بما أراد من ذلك.\n* * *\n_________\n(^١) رواه ابن جرير في تفسيره (١٢/ ٦٢).\n(^٢) رواه مسلم برقم ١٨٢٧، كتاب: الإمارة، باب: فضيلة الإمام العادل، (ط عبد الباقي)، بلفظ: \"إن المقسطين عند اللَّه على منابر من نور عن يمين الرحمن ﷿، وكلتا يديه يمين، الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا\"، وأخرجه بلفظ المصنف الإمام أحمد في مسنده برقم ٦٤٨٥.","vol":"2","page":521},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-770>ومن سورة الحواريين </span>(^١)\n_________\n(^١) هي سورة الصف.","vol":"2","page":523},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-771>٢ - قال اللَّه ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾</span>\nقال أبو موسى الأشعري: لقد نزلت سورة كنا نسميها المسبحات، أولها ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ﴾ فنسيتها، غير أني حفظت منها: \"يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون، فتكتب شهادة في أعناقكم، ثم تسألون عنها يوم القيامة\" (^١).\nوقال مجاهد: قال جماعة من الصحابة فيهم ابن رواحة: لو نعلم عملًا هو أحب الأعمال إلى اللَّه، لعملنا بها حتى نموت، ثم تأخر بعضهم، فأنزل اللَّه هذا فيهم، فقال عبد اللَّه بن رَواحة: لا أبرح حَبيسًا في سبيل اللَّه حتى أموت، فقتل شهيدًا (^٢).\nفأما قول الأشعري: فتكتب شهادة، فكلام من رسول اللَّه -ﷺ- أَتبعه الآية، ليس من القرآن.\nوالآية توجب على كل من وَعَد وعدًا لا إثم فيه أن يَفي به، وكل من ألزم نفسه طاعة أو عملًا (^٣) فيه طاعة أن يفي به ويدوم عليه، ويسألَ اللَّهَ التوفيق والمعونة، ألا تراه قال: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ﴾ الآية [التوبة: ٧٥]، فلما بخلوا بما وَعَدوا فيما أُعْطُوا ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [التوبة: ٧٧].\n_________\n(^١) رواه مسلم برقم ١٠٥٠، كتاب: الزكاة، باب: لو أن لابن آدم واديين لابتغى ثالثًا.\n(^٢) رواه ابن جرير في تفسيره (١٢/ ٨٠).\n(^٣) قوله: \"أو عملًا\" مكررة في الأصل.","vol":"2","page":525},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-772>٩ - قال اللَّه ﵎: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾</span>\nروي عن الأسود بن العلاء، عن أبي سلمة، عن عائشة أن النبي -ﷺ- قال: \"لن يذهب الليلُ والنهار حتى تُعبد اللات والعُزّى\"، فقلت: يا رسول اللَّه، قد كنت أظن حين قال ﷿: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾، أن ذلك تام، فقال النبي -ﷺ-: \"سيكون من ذلك ما شاء اللَّه أن يكون، ثم يبعث اللَّه ريحًا فتقبض روح من كان في قلبه حَبّة من خردل من خير، وتبقي من لا خير فيه، فيرجعون إلى دين آبائهم\" (^١).\nوقال أبو هريرة ﵁، رُوي عنه إن كان صحيحًا: إن الإظهار خروج عيسى ابن مريم ﵇ (^٢).\nوقال مجاهد مثل ذلك، وفي قوله: ﴿حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ [محمد: ٤].\nقال بكر: ولا أدري كيف صحة حديث الأسود، ولا ما روي عن أبي هريرة، إلا أن الآية توجب ظهور النبي -ﷺ- على الأديان كلها، فأظهره اللَّه بالحجة على قريش وهاجر، وكان في يوم الحديبية في ألف وأربعمائة، ودخل عام الفتح في عشرة آلاف، وغزا حُنينًا في اثني عشر ألفًا، وغزا تَبوك في سنة تسع في ثلاثين ألفًا، ثم حج في سنة عشر، وتوفي -ﷺ- في شهر ربيع الأول من سنة إحدى عشرة، وقد أدخله اللَّه المسجد الحرام كما وعده.\n_________\n(^١) رواه مسلم في صحيحه برقم ٢٩٠٧، كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب: لا تقوم الساعة حتى تعبد دوس ذا الخصلة.\n(^٢) رواه ابن جرير في تفسيره (١٢/ ٨٢)، وفي قوله: ﴿حَتَّى تَضَعَ. . .﴾ (١١/ ٣٠٨).","vol":"2","page":526},{"text":"وكان قوله ﷿: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [الفتح: ٢٧] معناه: إذا شاء اللَّه آمنين، وهذا سائغ في كلام العرب، واللَّه لا يحتاج أن يستثني، لأنه يعلم ما يكون وما لا يكون، وما لا يكون لو كان كيف كان يكون، وهذا في القرآن في مواضع كثيرة.\nوإنما يستثني من لا يدري هل يكون ما قال أم لا، ألا تراه لما أتى عمر أبا بكر ﵄، يوم الحديبية فقال: أليس قد قرأ علينا ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾؟ قال له أبو بكر بطبعه السليم وعلمه الواسع: قال لك في هذا العام؟ ! ثم أتى النبيَّ -ﷺ- فخاطبه بمثل ذلك، وقال: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل، فلم تُعطَ الدَّنِيَّة في ديننا؟ ثم قال: أليس قال اللَّه ﷿: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾، وقد وعدتنا بذلك، فقال النبي -ﷺ-: \"أقُلْتُ لكَ في هذا العام؟ \" (^١)، فوافق قولُ أبي بكر قولَ النبي -ﷺ-، وكان أصحاب رسول اللَّه -ﷺ- كلُّهم قد نفروا من المقاضاة، ولحقهم ما لحق عمرَ خلا أبي بكر، فمعناه: إذا شاء اللَّه، ولما شاء اللَّه فتحها عليه فدخلها، ثم دخلها حاجًا أو معتمرًا.\nثم أظهره اللَّه على الدين كله، فلم يبق أهل ديانة إلا أظهره اللَّه عليهم، إما بغلبة قتال، وإما بخوف وبإجلاء عن أوطانهم، أو بإذعان بالجزية، فهذا إظهار وغلبة بيِّنة، وأما من سِوى هؤلاء فأظهره اللَّه عليهم بالحجة، وكفى به إظهارًا، ألا تسمع إلى قوله: ﴿أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [المجادلة: ٢٢]، يعني: الغالبين، وقوله: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر: ٥١]، فأعلم أنه ينصر رسله في الحياة الدنيا، وقد عَلِمنا أنهم يُغلبون ويُؤذَون، وقد قال لنبيِّنا -ﷺ-: ﴿وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٤٨]، وقال: ﴿مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [فصلت:\n_________\n(^١) رواه البخاري في مواطن من صحيحه منها رقم ٢٧٣١، كتاب: الشروط، باب: الشروط في الجهاد والمصالحة.","vol":"2","page":527},{"text":"٤٣]، يعني: من الأذى، فقد عَلمنا ما جرى على الأنبياء ﵈، وهم منصورون بالحجة، وهل في يوم الأشهاد نصرة إلا بالحجة، فأنبياء اللَّه وأولياؤه والمؤمنون منصورون بالحجة مغلوبين وغالبين، وصاحب الحجة هو المنصور، فقد عَلمنا أن النبي -ﷺ- لم يقاتل أهل المِلل كلها، وقد أعلمه اللَّه أنه يظهره على الدين كله، لأن حجته باقية إلى يوم القيامة قال اللَّه ﷿: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩]، وقد بلغ الخَلق جميعًا، ومن كان معه القرآن فهو مُظهَر منصور حتى يلقى اللَّه به، فينصره يوم القيامة به، وهو قوله: ﴿وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾.\n* * *","vol":"2","page":528},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-773>١٤ - قال اللَّه ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾</span>\nقال مجاهد: من يتبعني إلى اللَّه؟ (^١).\nوقال سفيان بن حسين: من مع نصر اللَّه إياي، كقوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢]، و﴿قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ﴾ [هود: ٥٢]، أي: مع قوتكم.\nوقال قتادة: قد كان ذلك بحمد اللَّه، جاءه سبعون رجلًا فبايعوه عند العقبة، فآووه ونصروه حتى أظهره اللَّه، قال: ولم يُسَمَّ حي من السماء اسمًا لم يكن لهم قبل ذلك غيرهم (^٢).\nوقال أنس: هذا اسم لم نتسم به، سمّانا اللَّه به.\nوقال قتادة: الحواريون كلهم من قريش: أبو بكر، وعمر، وحمزة، وجعفر، وعثمان بن مظعون، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو عبيدة بن الجراح، وسعد بن أبي وقاص، وعثمان بن عفان، وطلحة بن عبيد اللَّه، والزبير بن العوام (^٣).\n_________\n(^١) رواه ابن جرير في تفسيره (١٢/ ٨٦).\n(^٢) رواه ابن جرير في تفسيره (١٢/ ٨٦).\n(^٣) رواه القاضي إسماعيل في أحكام القرآن (ص ١٨٣)، وابن جرير في تفسيره (١٢/ ٨٦).","vol":"2","page":529},{"text":"وقال: الحواري: الوزير (^١).\nوقيل: الحواريون: الغسالون (^٢).\nوقال أبو عبيدة: الحواريون هم صفوة الأنبياء الذين اصطفوهم، والحَواريات من النساء: اللاتي لا يَنزلن البوادي ويَنزلن القرى، قال الشاعر:\nوقل للحَواريات يَبْكِين غيرَنا ... ولا تَبْكِنا إلا الكلابُ النوابحُ (^٣)\nوالحور: الشديدة بياض بياض العين، وإذا اشتد البياض قوي سواد سواد العين، وإذا كان الأصل البياضَ والنّقاء، كان من نَصرَ اللَّه ورسوله -ﷺ- بنقاء القلبِ له هذا الاسم.\n* * *\n_________\n(^١) رواه القاضي إسماعيل في أحكام القرآن (ص ١٨٣).\n(^٢) رواه القاضي إسماعيل في أحكام القرآن (ص ١٨٤) عن أبي أَرْطَأَة الحجاج بن أبي أَرْطَأَة، وابن جرير في تفسيره (١٢/ ٨٦) عن الضحاك.\n(^٣) مجاز القرآن (١/ ٩٥)، وعزاه لأبي جِلدة اليشكري.","vol":"2","page":530},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-774>١٤ - قال اللَّه ﵎: ﴿فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾</span>\nقال ابن عباس ﵁: لما أراد اللَّه أن يرفع عيسى ﵇ قال: خرج على أصحابه وهم اثنا عشر فقال: أما إن منكم من سيكفر بي ثِنْتَي عشرة مَرَّة بعد أن آمن بي، ثم قال أيكم يُلقى عليه شبهي فيُقتل مكاني، ويكون معي في درجتي؟ قال: فقام شاب منهم فقال: أنا، فقال له: اجلس، ثم أعاد عليهم، فقام الشاب فقال: أنا، فقال: اجلس، ثم أعاد عليهم فقام الشاب فقال: أنا، فقال: أنت ذاك، قال: فألقي عليه شبه عيسى، قال: ورفع عيسى من رَوْزَنَة (^١) في البيت إلى السماء.\nقال: وجاء الطلب من اليهود، فأخذوا الشِّبْه فقتلوه ثم صلبوه.\nقال: وكفر به بعضهم ثِنْتَي عشرة مرة بعد أن اَمن به، قال: فافترقوا ثلاث فرق: فقالت فرقة: كان اللَّه فينا ما شاء، ثم صعد إلى السماء، وهم اليَعْقوبية (^٢)، قال: وقالت فرقة: كان فينا ابن اللَّه ما شاء ثم رفعه اللَّه إليه، وهؤلاء النُّسْطورِية (^٣)، وقالت فرقة: كان فينا عبد اللَّه ورسوله ما شاء، ثم رفعه اللَّه إليه، قال: وهؤلاء المسلمون، فتظاهرت الكافرتان على المسلمة فقتلوها.\n_________\n(^١) الرَّوْزَنَة: الكوة في الجدار، أو الفتحة في السقف، لسان العرب (٦/ ١٤٨).\n(^٢) انظر: الملل والنحل للشهرستاني (ص ١٨٢).\n(^٣) انظر: الفصل لأبي محمد بن حزم (١/ ٤٨ - ٥١ - ٥٢ - ٥٣)، والملل والنحل للشهرستاني (ص ١٨١).","vol":"2","page":531},{"text":"قال: فلم يزل الإسلام طامسًا حتى بعث اللَّه محمدًا -ﷺ-، فأنزل اللَّه ﵎: ﴿فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾، يعني: الطائفة التي آمنت في زمن عيسى، ﴿وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ﴾، يعني: الطائفة التي كفرت في زمن عيسى ﵇، قال: ﴿فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بإظهار دينهم بمحمد -ﷺ-، فأصبح دينهم ظاهرًا (^١).\nوقال جماعة من المفسرين نحو ذلك.\n* * *\n_________\n(^١) رواه القاضي إسماعيل في أحكام القرآن (ص ١٨٦ - ١٨٨)، وابن جرير في تفسيره (١٢/ ٨٦ - ٨٧).","vol":"2","page":532},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-775>ومن سورة الجمعة</span>","vol":"2","page":533},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-776>٢ - قال اللَّه ﷿: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ إلي قوله سبحانه: ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾</span>\nأخبرنا أبو بكر محمد بن علي بن أحمد الأُتْفوي، قال: أنا أبو الفضل بكر بن محمد بن العلاء القشيري، قراءة عليه في منزله بمصر، عام إحدى وأربعين وثلاث مائة، وأنا أسمع قال:\nكانت العرب لا تقرأ ولا تكتب وهم الأمِّيون، وكان بُعث النبي -ﷺ- إليهم أولًا، ثم إلى الناس جميعًا، وقد كان في قريش والعرب نفر يكتبون وفي كتابتهم ضعف، والناس كلهم من العرب لا يكتبون ولا يقرؤون، وكان النبي -ﷺ- أُمّيًّا لا يقرأ ولا يكتب، ولا يحفظ من الشعر شيئًا، وكان من دلائل نبوته ﵇ ما أتى به من أخبار مَن مضى من الأمم، ولم يقرأ الكتب قبل ذلك، ولا عَرف منها شيئًا.\n* * *","vol":"2","page":535},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-777>٣ - قال اللَّه عز وجلا: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾</span>\nيعني سائر العَجَم والرُّوم وغيرهم.\nوقال النبي -ﷺ- ووضع يده على سلمان وقال: \"لو كان الإيمان عند الثُّرَيّا لتناوله رجال من هؤلاء\" (^١).\nوقال العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن رسول اللَّه -ﷺ- لما تلا هذه الآية ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨]، فضرب على فخذ سلمان الفارسي، ثم قال: \"هذا وقومه لو كان الدين عند الثُّرَيّا لتناوله رجال من الفُرس\" (^٢).\nوقال عكرمة: هم التابعون (^٣).\nوقال الضحاك: من آمن وعمل صالحًا إلى يوم القيامة من عربي أو عجم (^٤).\n_________\n(^١) متفق عليه من حديث أبي هريرة، رواه البخاري في صحيحه برقم ٤٨٩٧، كتاب: تفسير القرآن، باب قوله تعالى: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا﴾، ومسلم في صحيحه برقم ٢٥٤٦، كتاب: فضائل الصحابة، باب: فضل فارس (ط عبد الباقي).\n(^٢) رواه ابن حبان في صحيحه برقم ٧١٢٣، في مناقب الصحابة، ذكر سلمان الفارسي ﵁، وابن جرير في تفسيره (١١/ ٣٣٠).\n(^٣) رواه القاضي إسماعيل في أحكام القرآن (ص ١٩١).\n(^٤) رواه القاضي إسماعيل في أحكام القرآن (ص ١٩٢).","vol":"2","page":536},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-778>٥ - قال اللَّه ﵎: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾</span>\nقال الحسن: يحمل على ظهره ولا يدري ما على ظهره، فكذلك المنافق (^١).\nوقال مجاهد: يحمل كتبًا لا يدري ما فيها ولا يعقلها (^٢).\nوقال قتادة: يحمل كتبًا لا يدري ما على ظهره (^٣).\n* * *\n_________\n(^١) رواه القاضي إسماعيل في أحكام القرآن (ص ١٩٢ - ١٩٣).\n(^٢) رواه القاضي إسماعيل في أحكام القرآن (ص ١٩٣)، وابن جرير في تفسيره (١٢/ ٩٢).\n(^٣) رواه القاضي إسماعيل في أحكام القرآن (ص ١٩٣)، وابن جرير في تفسيره (١٢/ ٩٢).","vol":"2","page":537},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-779>٩ - قال اللَّه جل وعز: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾</span>\nقال الزهري، عن سالم، عن أبيه: كان عمر يقرؤها: \"فامضوا إلى ذكر اللَّه\" (^١).\nوكان ابن مسعود يقول: لو قرأتها ﴿فَاسْعَوْا﴾ لسَعَيْتُ حتى يسقط ردائي، إنما هي \"فامضوا\" (^٢).\nوكان أُبَيّ يقرؤها كذلك (^٣).\nوقال ثابت: قال لي أنس: قم نسعى لها (^٤).\n_________\n(^١) رواه القاضي إسماعيل في أحكام القرآن (ص ١٩٣)، وابن جرير في تفسيره (١٢/ ٩٤).\n(^٢) رواه القاضي إسماعيل في أحكام القرآن (ص ١٩٥)، وابن جرير فى تفسيره (١٢/ ٩٤ - ٩٥).\n(^٣) روى القاضي إسماعيل في أحكام القرآن (ص ١٩٤) عن إبراهيم قال: كتب خَرَشَة بن الحّرِّ في لوحٍ سورةَ الجمعة، فقرأه عمر، فإذا فيه: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾، فقال عمر: من كتب هذه الآية؟ قالوا: خَرَشَة، قال خرشة: أملاه علي أُبَيّ بن كعب، قال: فقال عمر: فامحه واكتب: \"فامضوا إلى ذكر اللَّه\"، فإن أُبَيًّا أقرؤنا للمنسوخ، ورواه ابن جرير في تفسيره بلفظ مختلف (١٢/ ٩٤).\n(^٤) رواه القاضي إسماعيل في أحكام القرآن (ص ١٩٦).","vol":"2","page":538},{"text":"وكان ابن الزبير يقرؤها: \"فامضوا إلى ذكر اللَّه\" (^١).\nوقال الحسن: فاسعوا بالقلوب والإرادة (^٢).\nوقال عطاء: المشي (^٣).\nوقالته جماعة.\nوالسعي في اللغة: العمل.\nوقال مالك: ليس هو السعي على الأَقدام بالاشتداد، وإنما هو العمل (^٤).\nفأما قراءة من قرأها: \"فامضوا إلى ذكر اللَّه\"، فإنما قصدوا إلى المعنى المراد، لا أنهم جعلوا ذلك قراءة، وليس يجوز أن تغير لفظة مما في المصحف برواية، وإنما عَبَّروا عن المعنى، لأن السعي هو العمل، قال اللَّه ﷿: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ﴾ [البقرة: ٢٠٥]، فالسعي: القصدُ إليها، كما قال الحسن بالنية والعمل.\n* * *\n_________\n(^١) رواه القاضي إسماعيل في أحكام القرآن (ص ١٩٦).\n(^٢) رواه القاضي إسماعيل في أحكام القرآن (ص ١٩٧).\n(^٣) رواه القاضي إسماعيل في أحكام القرآن (ص ١٩٧ - ١٩٨).\n(^٤) الموطأ برواية يحيى، كتاب: الجمعة، باب: ما جاء في السعي يوم الجمعة.","vol":"2","page":539},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-780>٩ - قال اللَّه ﵎: ﴿وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-781>[البيع عند النداء للجمعة]</span>\nقال ابن عباس ﵁: لا يصلح البيعُ يومَ الجمعة حين ينادى بالصلاة، فإذا قُضيت الصلاة فاشْتَرِ وبِع (^١).\nوكان مُسلِم بن يَسار، والقاسم بن محمد يقولان: إذا نودي للجمعة فلا بيع (^٢).\nوقال ميمون بن مِهْران، وأيوب السَّخْتِياني: كان المنادي يوم الجمعة إذا نودي بالصلاة بالمدينة نادى: حَرُم البيع، حَرُم البيع (^٣).\nوكان أبو بكر بن حزم يساوم بِلَبَن، فسمع أذان الجمعة فقال: لا بيع بيني وبينَك.\nوقال الضحاك، والحسن، وعطاء: إذا زالت الشمس يوم الجمعة، فقد حَرُم البيع والشراء حتى تُقْضى الصلاة (^٤).\n_________\n(^١) رواه القاضي إسماعيل في أحكام القرآن (ص ٢٠٣)، وفيه: فاشْتَر.\n(^٢) رواه عنهما القاضي إسماعيل في أحكام القرآن (ص ٢٠٣ - ٢٠٤).\n(^٣) ذكره عن حماد عن أيوب، ورواه عن ميمون القاضي إسماعيل في أحكام القرآن (ص ٢٠٤).\n(^٤) رواه عنهم القاضي إسماعيل في أحكامه، ورواه عن الضحاك ابن جرير في تفسيره (١٢/ ٩٦).","vol":"2","page":540},{"text":"وقال الشعبي وسئل عن الساعة التي يرجى فيها الدعاء، قال: هي ما بين أن يَحْرُم البيع ويَحِل (^١).\nوكان عمر بن عبد العزيز يمنع الناس البيع يوم الجمعة إذا نودي للصلاة (^٢).\nوقال ابن شهاب: حَرّم النداءُ البيعَ.\nوقال مالك: يفسخ البيع إذا وقع في هذا الوقت المنهي عنه (^٣).\nوقال زيد بن أسلم: النداءُ حين يخرج الإمام (^٤)، يريد النداءَ الثاني.\nوقال أبو الزناد: يُفسخ البيع إذا وقع في ذلك الوقت (^٥).\nقال اللَّه ﷿: ﴿وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾، فمعناه: لا تبيعوا، فكيف يجوز بيع من نهاه اللَّه أن يبيع؟ قال رسول اللَّه -ﷺ-: \"ما نهيتكم عنه فانتهوا، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم\" (^٦)، فإذا كان النبي -ﷺ- نَواهيه على الإيجاب وهي رواية، فنواهي القرآن أوكد.\n_________\n(^١) قوله: يحل في الأصل تشبه: سئل، والتصويب من أحكام القاضي إسماعيل (ص ٢٠٦).\n(^٢) رواه القاضي إسماعيل في أحكام القرآن (ص ٢٠٦)، وسحنون في المدونة (١/ ١٥٤).\n(^٣) رواه القاضي إسماعيل في أحكام القرآن (ص ٢٠٧)، وفيه: يقبح هذا البيع، وهو تصحيف صوابه: يفسخ، واللَّه أعلم، وانظر المدونة (١/ ٥٤).\n(^٤) رواه القاضي إسماعيل في أحكام القرآن (ص ٢٠٧).\n(^٥) رواه القاضي إسماعيل في أحكام القرآن (ص ٢٠٧).\n(^٦) حديث متفق عليه، تقدم تخريجه.","vol":"2","page":541},{"text":"وقد احتج قوم ممن يقول بجواز البيع في هذا الوقت (^١)، بقوله سبحانه: ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، وأنه قيل: ذلكم خير لكم، دل على الترغيب، فغلط غلطًا فاحشًا، لأن اللَّه ﷿ إذا نهى عن شيء ففيه الخير للعباد، وقد قال: ﴿وَلَا (^٢) تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾ [النساء: ١٧١]، فهل يجوز أن يقال إن هذا غيرُ واجب؟ وإذا أُمروا بالذهاب إلى الجمعة وجب عليهم ألا يفعلوا شيئًا يتشاغلون به عن إدراك الجمعة، ولما قيل في تحريم الصيد قيل: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾، كذا قيل هاهنا: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ [الجمعة: ١٠].\nوقيل: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، فكان ذلك كله إذنًا وإطلاقًا بعد الحظر، فيما أمرهم به من اعتزال النساء في المحيض، وفي الصيد، وفي البيع بعد الفراغ من الصلاة.\nوقد عارض قوم بأن قالوا: فإن أعتق في ذلك الوقت أو تزوج، هل تقولون إن ذلك باطل، كما تقولون في البيع؟\nفقلنا: من عادة الناس التشاغل بالبيع في كل الأزمنة والأوقات، وهو عمل مستدام، وليس النكاح والعتق مما يدوم فعل الناس له، كما يدوم في المبايعات، وإنما نهى اللَّه ﷿ عن البيع لدوامه وانتظامه، وأن القوم خرج كثير منهم للنظر إلى العِير، وتَعَجُّل البيع، فعوتبوا، ونزل تحريم البيع من أجل فعلهم.\n_________\n(^١) إمضاء ما وقع من البيع عند أذان الجمعة مذهب أبي حنيفة والشافعي، ينظر بدائع الصنائع (٥/ ٢٣٢)، والأم (١/ ٢٢٤) (ط المعرفة)، والإشراف للقاضي عبد الوهاب (١/ ٣٣٥).\n(^٢) في الأصل: لا.","vol":"2","page":542},{"text":"قال جابر بن عبد اللَّه: أقبلت عِير بتجارة يوم جمعة، ورسوله -ﷺ- يخطب، فانصرف الناس ينظرون، وبقي رسول اللَّه -ﷺ- في اثني عشر رجلًا، فنزلت هذه الآية.\nوقوله: ﴿أَوْ لَهْوًا﴾، إنما هو تجارة ولهوًا، لأنهم كانوا إذا أتت العِير ضُرب بين يديها بالدف، ومَرّ السودان يلعبون بين يديها، ومثل هذا في القرآن كثير، قوله سبحانه: ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٢٤]، إنما هو آثمًا وكفورًا.\nوروى جماعة مثل الذي رواه جابر بن عبد اللَّه (^١)، وقاله جماعة من التابعين منهم من وصله، ومنهم من أرسله، ولم يُختلف في ذلك.\nوقال فيه الحسن: إن رسول اللَّه -ﷺ- كان يخطب، فقدمت عِير فأسرع الناس إليها، فنزلت: ﴿وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾، فقال: \"والذي نفسي بيده لو تبايعتم لاضطرم ما بينهما نارًا\" (^٢).\nفلما كان الذي أُنكر عليهم البيع الذي تجري به العادة، ويدوم الاشتغال به، حَرُم عليهم، وليس يدوم الاشتغال بالنكاح والعتق وما أشبهه، فلم يدخل ذلك في التحريم، ألا ترى أنه قد رخص لمن تخلف عن الجمعة، وغلظ على من تركها ثلاثًا، فقيل: طبع على قلبه، فلو أطلق للناس البيع لتشاغلوا به في كل الجُمَع، والنكاح والعتق لا يشتغل به، ولا يدوم فعله، فدخل في باب الرخصة، وإن كنا ننهى عنه أيضًا، كما نأمر ألا يتخلف أحد عن جمعة، ولا نرى مَن يتشاغل عن جمعة واحدة معاقَبًا.\n_________\n(^١) حديث جابر متفق عليه، رواه البخاري في صحيحه برقم ٢٠٦٤، كتاب: البيوع، باب قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً. . .﴾، ومسلم في صحيحه برقم ٨٦٣، كتاب: الجمعة، باب في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً. . .﴾.\n(^٢) رواه القاضي إسماعيل بن إسحاق في أحكام القرآن (ص ٢٢٠).","vol":"2","page":543},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-782>[صفة الخطبة]</span>\nوكان النبي -ﷺ- يخطب في الجمعة خطبتين، يقعد بينهما قعدة خفيفة، وكذلك كان أبو بكر، وعمر، وروى ذلك جابر بن سَمُرة، وغيره (^١).\n* * *\n_________\n(^١) حديث جابر بن سمرة رواه مسلم في صحيحه برقم ٨٦٢، كتاب الجمعة، باب: ذكر الخطبتين قبل الصلاة، قال: \"كانت للنبي -ﷺ- خطبتان يجلس بينهما، يقرأ القرآن، ويذكر الناس\".","vol":"2","page":544},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-783>ومن سورة المنافقين</span>","vol":"2","page":545},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-784>١٠ - قوله ﷿: ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ إلى قوله سبحانه: ﴿وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾</span>\nقال ابن عباس ﵁: من كان له مال يُبلِّغُه الحجَّ فلم يفعل، ومن كان له مال يَبْلُغ الزكاة فلم يزكه، سأل الرَّجْعَة عند الموت، فقال له رجل: يا أبا عباس، إنما سأل الرجعة الكافر، قال: أنا أقرأ عليك به قرآنًا، ثم قرأ هذه الآية (^١).\nوقال ابن عباس: ﴿فَأَصَّدَّقَ﴾: أزكي، ﴿وَأَكُنْ (^٢) مِنَ الصَّالِحِينَ﴾: أَحُج (^٣).\n* * *\n_________\n(^١) رواه القاضي إسماعيل في أحكام القرآن (ص ٢٢١) مرفوعًا، ورواه الطبراني في معجمه الكبير برقم ١٢٦٣٦ مرفوعًا كذالك، ورواه ابن جرير في تفسيره (١٢/ ١١٠) موقوفًا.\n(^٢) في الأصل: وأكون.\n(^٣) رواه القاضي إسماعيل في أحكام القرآن (ص ٢٢٢).","vol":"2","page":547},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-785>ومن سورة التغابن</span>","vol":"2","page":549},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-786>١١ - قوله ﷿: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾</span>\nقال علقمة: هو الرجل تصيبه المصيبة، فيُسَلِّم ويرضى، ويعلم أنها من عند اللَّه (^١).\nوقال مقاتل بن حيان: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾: قال: الاسترجاع (^٢).\n* * *\n_________\n(^١) رواه القاضي إسماعيل في أحكام القرآن (ص ٢٢٣)، وابن جرير في تفسيره (١٢/ ١١٦).\n(^٢) رواه القاضي إسماعيل في أحكام القرآن (ص ٢٢٤).","vol":"2","page":551},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-787>١٤ - قال اللَّه عز من قائل: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾</span>\nقال ابن عباس ﵁: هؤلاء ناس أسلموا، وأبى أزواجهم وأولادهم أن يأتوا النبي -ﷺ-، فلما قدموا المدينة، ورأوا الناس قد فَقِهوا في الدين، فأرادوا أن يعاتبوهم، قالوا: أنتم الذين منعتمونا أن نأتي النبي -ﷺ- فنزلت: ﴿وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (^١).\nوقال مقاتل نحو ذلك (^٢).\nوقال مجاهد: احذروهم أن يقطعوكم عن طاعة ربكم (^٣).\n* * *\n_________\n(^١) رواه الترمذي في سننه برقم ٣٣١٧، أبواب: تفسير القرآن، باب: ومن سورة التغابن.\n(^٢) رواه القاضي إسماعيل في أحكام القرآن (ص ٢٢٤ - ٢٢٥).\n(^٣) رواه القاضي إسماعيل في أحكام القرآن (ص ٢٢٥)، وابن جرير في تفسيره (١٢/ ١١٧).","vol":"2","page":552},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-788>١٦ - وأما قوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾</span>\nهذه الآية نَسخت: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢]، وكذا قيل: نسخت (^١).\nوالذي عندي أنها خَفَّفَت من التكليف الأول.\nوقال زيد بن أسلم: لو بقي التكليف على قوله: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾، لكان ما لا يُطاق، ولكن اللَّه جل وعلا رحم عباده، فنسخها بهذه الآية (^٢).\nوقال الحسن في قوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ قال: أجهدوا أنفسكم (^٣).\n* * *\n_________\n(^١) قاله قتادة، رواه القاضي إسماعيل في أحكام القرآن (ص ١١٩)، وابن جرير في تفسيره (١٢/ ١١٩).\n(^٢) رواه القاضي إسماعيل في أحكام القرآن (ص ٢٢٦).\n(^٣) رواه القاضي إسماعيل في أحكام القرآن (ص ٢٢٧).","vol":"2","page":553},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-789>٩ - وأما قوله: ﴿ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ﴾</span>\nفهو غَبْن أهل الجنة لأهل النار، واللَّه أعلم.\n* * *","vol":"2","page":554},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-790>ومن سورة الطلاق</span>","vol":"2","page":555},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-791>١ - قوله ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾</span>\n٦٤ - حدثنا أحمد بن موسى، قال: نا القعنبي، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر، أنه طلق امرأته وهي حائض، فسأل عمر رسولَ اللَّه -ﷺ- عن ذلك فقال له: \"مُره يراجعها، ثم ليمسكها حتى تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر، ثم إن شاء أمسك بعد، وإن شاء طلَّق، قبل أن يمس، فتلك العدة التي أمر اللَّه أن يطلق لها النساء\" (^١).\nوطرق هذا الحديث كثيرة، وفي بعضها: \"طاهرًا أو حاملًا\" (^٢).\nفالطلاق الذي أمر اللَّه به، وعلَّمه عبادَه، الذي هو السُّنة: أن يطلق الرجل امرأتَه في طُهر لم يمسَّها فيه، ويدعها تمضي في عدتها، فإن بدا له أن يَرتجعها ارتجعها، شاءت أم أبت، قبل تَقَضّي عدتها، وإن تركها ولم يَرتجع، فإذا انقضت عدتها حَلَّت للأزواج، وكان خاطبًا من الخطاب.\nوزعم أبو حنيفة أن طلاق السُّنة أن يطلِّق في كل طُهر طلْقة (^٣)، والذي رُوي عن علي بن أبي طالب، وعبد اللَّه بن مسعود ﵄ كما قلنا أنه طَلْقَة في أول الطهر إلى انقضاء العدة، ولا نعلم أحدًا من الصحابة قال ما قاله، إلا شيء رواه الأعمش، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد اللَّه.\n_________\n(^١) سبق تخريجه.\n(^٢) هذا اللفظ في حديث مسلم برقم ١٤٧١، كتاب الطلاق، باب: تحريم طلاق الحائض بغير رضاها.\n(^٣) ينظر المبسوط للسرخسي (٦/ ٣ - ٤)، وبدائع الصنائع (٣/ ٨٨).","vol":"2","page":557},{"text":"وروى زكريا بن أبي زائدة، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد اللَّه، ضِدَّه على ما رَسَمنا من طلاق السُّنة.\nورواه وكيع، عن إسرائيل، وسليمان بن حرب، وحجاج، وحفص بن عمر، عن شعبة، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد اللَّه، مثل الذي روى ابن أبي زائدة، فوهى حديثُ الأعمش، ولعله بلغه عن أبي إسحاقَ ولم يسمعه.\nوزعم الشافعي أن طلاق الثلاث مجتمعة من السُّنة (^١)، وقد روى مخرمة بن بُكَيْر عن أبيه قال: سمعت محمود بن لَبيد الأنصاري يقول: أُخبر رسول اللَّه -ﷺ- عن رجل طلَّق امرأته ثلاث تطليقات جميعًا، فقام غضبانًا، ثم قال: \"يُلعب بكتاب اللَّه وأنا بين أظهركم\" (^٢).\nوروى حماد بن زيد، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر قال: إن طلقت ثلاثًا فقد بانت منك امرأتك، وعصيتَ ربك فيما أمرك به من طلاق امرأتك (^٣).\nوروى أشعث، عن نافع، عن ابن عمر ﵁: من طلق امرأته ثلاثًا فقد عصى ربه، وبانَت منه امرأتُه (^٤).\nوقال كعب بن علقمة: إن عليًّا ﵀، كان يعاقب الذي يُطلِّق امرأته البتة، وقال: ما طلَّق رجل طلاق السُّنة فندِم (^٥).\n_________\n(^١) الأم (٥/ ١٩٢ وما بعدها) (ط المعرفة).\n(^٢) رواه النسائي في سننه برقم ٣٤٠١، كتاب الطلاق، الثلاث المجموعة، وما فيها من التغليظ، وضعف إسناده الحافظ ابن حجر في الفتح (٩/ ٣٦٨) لعدم ثبوت سماع محمود بن لبيد من النبي -ﷺ-.\n(^٣) رواه القاضي إسماعيل في أحكام القرآن (ص ٢٣٧).\n(^٤) رواه القاضي إسماعيل في أحكام القرآن (ص ٢٣٧).\n(^٥) رواهما القاضي إسماعيل في أحكام القرآن (ص ٢٣٧)، كل بإسناده.","vol":"2","page":558},{"text":"وقال الأعمش، عن مالك بن الحارث، عن ابن عباس ﵁ وجاءه رجل فقال: إن عَمِّي طلَّق امرأتَه ثلاثًا، فقال: إن عمك عصى اللَّه فأَنْدَمَه، وأطاع الشيطان فلم يجعل له مَخرجًا، قال: أفلا يُحلها له رجل؟ قال: من يخادع اللَّه يخدعه اللَّه (^١).\nوقال مجاهد: كنت عند ابن عباس، فجاءه رجل طلق امرأته ثلاثًا، فقال: يعمد أحدكم فيركب الأُحْمُوقَة (^٢)، ثم يقول: يا ابن عباس، يا أبا عباس، قال اللَّه ﷿: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: ٢]، وإنك لم تتق اللَّه، فلا أرى لك مخرجًا، عصيت ربَّك، وبانت منك امرأتُك (^٣).\nوقال عمران بن حصين: من طلَّق ثلاثًا أَثِم بربه، وحرمت عليه (^٤).\nوقال أنس: كان عمر رحمة اللَّه عليه، إذا أتي برجل طلَّق امرأتَه ثلاثًا في مجلس، أوجعه ضربًا، وأَبانها (^٥).\nومن قال مثل ذلك من التابعين، أكثر من أن يدركه الإحصاء، ولولا الإطالة لقصصت به، أفلا يتقي اللَّه عبد يظن أنه أعلم بسُنَّة الطلاق المنزل في القرآن من عمر، وعلي، وابن مسعود، وابن عباس، وابن عمر، ومن ذكرنا؟\nوقد احتج هذا الرجل بأن العَجلاني طَلَّق بعد تقضي اللِّعان ثلاثًا، فلم يُنكر النبي -ﷺ- ذلك عليه (^٦)، والعَجلاني طَلَّق أَجْنَبِيَّتَه، لأن اللِّعان قد فَرَّق\n_________\n(^١) رواه القاضي إسماعيل في أحكام القرآن (ص ٢٣٧)، ورُوي في المدونة (٥/ ٤٢١).\n(^٢) الأحموقة: والحَموقة: العمل فيه الحمق، انظر: النهاية (١/ ٤٤٢).\n(^٣) رواه أبو داود في سننه برقم ٢١٩٧، كتاب: الطلاق، باب: نسخ المراجعة بعد التطليقات الثلاث (ط الأرناؤوط).\n(^٤) رواه القاضي إسماعيل في أحكام القرآن (ص ٢٣٩).\n(^٥) رواه القاضي إسماعيل في أحكام القرآن (ص ٢٣٩).\n(^٦) الأم (٥/ ١٩٣) (ط المعرفة).","vol":"2","page":559},{"text":"بينهما عند الشافعي، فما يُدريه لعل النبي -ﷺ- قد أنكر الثلاث، كما لزمه أن ينكر طلاق الأجنبية، وليس كل شيء كان نقل إلينا.\nواحتج أيضًا بأن النبي -ﷺ- قال لعمر: \"فإن شاء طَلَّق، وإن شاء أمسَك\"، ولم يذكر له عدد الطلاق (^١)، والنبي -ﷺ- لم ينكر على ابن عمر الطلاق، وإنما أنكر الموضع، فعَلَّمَه موضع الطلاق، ولم يحتج إلى تعريفه العددَ، إذ كان ابن عمر قد أصاب فيه وعَرَفه.\nواحتج أيضًا بحديث رُكانة، وأن النبي -ﷺ- سأله: \"ما أردت؟ \" (^٢)، وهذا إنما ينبغي أن يحتج به على من يقول: إن الثلاث لا تقع ولا تلزم (^٣)، وانما سأله لأنها كانت غير مدخول بها، فأراد أن يُعلمه هل تحل له قبل زوج أم لا، فأما تَعَرُّف ما أراد ليَلزمه فلا بد منه، لأنه قد يخطئ السُّنة ويُطلِّق للبدعة.\nفأما ما قاله أبو حنيفة من الطلاق في كل طُهر، فقد ذكرنا وجه الخطأ فيه، وعلى أنه جَوَّزَه للسُّنة مع تقديم ذِكر ما يقوله للسُّنّة، وليس يجوز أن يقول قائل: إن واحدةً للسّنّة وضدُّها للسُّنّة، هذا ما يستحيل في العقول.\nوقال أبو حنيفة أيضًا: إن الأقراء الحِيض (^٤)، وقد قدمنا الحجة في ذلك في \"سورة البقرة\".\n_________\n(^١) الأم (٥/ ١٩٣) (ط المعرفة).\n(^٢) رواه الإمام أحمد في مسنده (٣٩/ ٥٣٢)، وأبو داود في سننه برقم ٢٢٠٦، كتاب: الطلاق، باب: البتة (ط الأرناؤوط)، وابن ماجه في سننه برقم ٢٠٥١، أبواب: الطلاق، باب: طلاق البتة، واحتجاج الشافعي به ينظر في الأم (٥/ ١٩٣) (ط المعرفة).\n(^٣) عزا ابن عبد البر في الاستذكار (٦/ ٨) عدم وقوع طلاق الثلاث ولزومه للحجاج بن أرطأة، ومحمد بن إسحاق وقال: \"وكلاهما ليس بفقيه، ولا حجة فيما قاله\".\n(^٤) أحكام القرآن للجصاص (٢/ ٥٥)، والاستذكار لابن عبد البر (٦/ ١٤٥).","vol":"2","page":560},{"text":"وإنما أُمر الناس بطلاق السُّنّة نظرًا للزوجين، وأن لا يُطلق عليهما الرجعةَ أو التراجع، ألا تراه جل ثناؤه قال: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾، وإذا كان الطلاق الثاني في الطهر الثاني لا عِدّة له، والعِدّة بالطلاق الأول، فأيُّ فائدة في الثاني إلا مخالفة أمر اللَّه ﷿، والدخول في التضييق على نفسه؟ لأن اللَّه ﷿ يقول: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾، فعُلم أن الطلاق الذي أمر اللَّه به تكون منه عِدّة، فقد دخل أصحاب أبي حنيفة فيما أنكروه على الشافعي، من إباحة الطلاق الثلاث في مقام واحد.\nوقال رسول اللَّه -ﷺ-: \"فتلك العدة التي أمر اللَّه أن يُطَلَّق لها النساء\"، فالأمر في كتاب اللَّه للوقت، وأمر رسول اللَّه -ﷺ- إنما هو للوقت، وقد ذكرنا احتجاج الشافعي بقول النبي -ﷺ- لابن عمر، ولا أحسب الشافعي يكون أعلم بذلك من المخاطبين به، وهما عمر وابن عمر، وقد قالا جميعًا: من طلق ثلاثًا فقد عصى ربه ﷿، ولو كان للسُّنّة الثلاث بطلت الفائدة في قوله: ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾، وقد قال المفسرون جميعًا: هي الرجعة (^١)، وقد قال اللَّه ﷿: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٢]، فعُلم أن الذي طلق ثلاثًا غيرُ مخاطب بذلك.\nفأما قوله: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٢]، يشبه قوله في البقرة: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾، فأمر هذا عند انقضاء العدة أن لا يُراجعها مُضارة لها، لأن الرَّجعة إنما هي له من قبل أن تنقضي عدتها، والآية التي في البقرة إنما كان الرجل يطلق، فإذا قاربت انقضاء العدة ارتجع من غير رغبة، ثم يطلق ليُطَوِّل عليها عدتها ويعذبَها، فنُهوا عن ذلك.\n_________\n(^١) قاله الشعبي، وقتادة، والضحاك، والسدي، وابن زيد، وسفيان، وغيرهم، انظر أحكام القرآن للقاضي إسماعيل (ص ٢٤٥)، وتفسير ابن جرير في تفسيره (١٢/ ١٨٢).","vol":"2","page":561},{"text":"فأما قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٤]، فشَرْط المعروف يراد به النكاح الحلال، والعقد الصحيح بولي وإعلان، فهذا هو المعروف الذي شرَطَه اللَّه ﷿، فإن الظاهر -واللَّه أعلم- يدل على أن أجلهن في هذا الموضع، هو الذي أبيح لهن فيه التزويج وهو ما بعد آخر العدة، وآخر العدة هو من العدة، وما بعدها ليس منها، وقد تأتي اختصارات يتسع القول فيها إذا فُهم المعنى.\nفقوله في المتوفى: ﴿بَلَغْنَ﴾، معلوم أنه خرجن، وقوله في المطلقة: ﴿بَلَغْنَ﴾: قارَبن، ولهذا نظائر في القرآن، قال اللَّه عز من قائل: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [النحل: ٩٨]، وإنما هو إذا أردت، وقال سبحانه: ﴿إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ﴾ [المجادلة: ١٢]، إنما هو إذا أردتم مناجاة الرسول، وقال رسول اللَّه -ﷺ-: \"إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل\" (^١)، وإنما هو إذا أراد المجيء، وقال: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾، ثم قال: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ [البقرة: ٢٢٨]، وليس يكون ذلك فيمن طَلَّق ثلاثًا.\nوقال بعد ذكر المرتين: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، فعلم أنه التطليق الثالث حالًا بعد حال، ألا تراه قال: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [لبقرة: ٢٣٠]، فرد هذا النسق على قوله: ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾، ثم قال: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾، نَسَقًا على قوله: ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾.\n_________\n(^١) رواه البخاري في صحيحه برقم ٨٧٧، كتاب: الجمعة، باب: فضل الغسل يوم الجمعة، عن ابن عمر ﵁، عن النبي -ﷺ- قال: \"إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل\".","vol":"2","page":562},{"text":"ومعنى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾: فإن سرحها بالطلاق الثالث، وأدخل ما بين ذلك ذكر الخُلع، وهو قوله ﷿: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، فكان أمر الخُلع الذي أُدخل في هذا الموضع حكمًا بين النساء كلِّهن، لا في التي طُلقت مرتين، ومثل هذا يجيء في القرآن كثير، تدخل القصة فيما بين القصتين، ثم تُرد الآخرة على الأولى، وقد ذكرنا هذا الموضع في سورة البقرة في موضع الخلع، فكان جميع ما وصفنا في كتاب اللَّه تبارك اسمه، أن الطلاق الذي أبيح إنما هو تطليق بعد تطليق، فكان ذلك نظرًا لهم على ما وصفنا.\nفإن طلق رجل ثلاثًا في وقت واحد، لزمه ذلك، وكان قد أخطأ على نفسه، وأثم بربه ﷿، حين لم يقبل ما أَدَّبه به وعَلَّمه إياه، فإن اللَّه ﵎ يُحِبّ أن تؤخذ رخصه كما يؤخذ بعزائمه.\nوكان الطلاق الذي ألزمه نفسَه واجبًا عليه، وإن كان قد وضعه في غير موضعه، لأن الطلاق إخراج ملك عن يده، يقع بسُنّته وبغير سُنَّته، كما يَعتِق فيَلزمه بسُنَّته أو بمعصيته، كل ذلك يَلزمه، وقد قيل لابن عمر: فهل عُدّ ذلك طلاقًا؟ فقال: أرأيت إن كان ابن عمر عجز واستحمق، فما يمنعه أن يكون طلاقًا؟ (^١)، وذهب على سائله قول رسول اللَّه -ﷺ-: \"مُرْهُ فليرتجعها\"، فهل تُراجع إلا المطلقة؟ وابن عمر الذي خوطب بذلك، ها أنت ذا طلقت امرأتك واحدة واثنتين، أمرك رسول اللَّه -ﷺ- برجعتها، ها أنت ذا طلقت امرأتك ثلاثًا، بانت منك امرأتك وعصيت ربك.\nوقد ذكرنا في سورة البقرة الأَقْراء ما هي، والحُجةَ على من قال: إنها الحيض.\n_________\n(^١) متفق عليه، رواه البخاري في صحيحه برقم ٥٢٥٨، كتاب: الطلاق، باب: من طلق وهل يواجه الرجل امرأته، ومسلم في صحيحه برقم ١٤٧١، كتاب: الطلاق، تحريم طلاق الحائض بغير رضاها (ط الأرناؤوط).","vol":"2","page":563},{"text":"وممن قرأ الآية: \"فطلقوهن لقُبُل عدتهن\"، ابن عمر، رواه مالك وجماعة، عن عبد اللَّه بن دينار، عن ابن عمر (^١)، ورواه ابن أيمن (^٢)، وابن جُبَير عنه.\nوقرأ ابن مسعود: \"لقُبُل طهرهن بغير جماع\".\nوقرأ ابن عباس: \"لقُبُل عدتهن\" (^٣).\nوقال أبو موسى الأشعري: قال رسول اللَّه -ﷺ-: \"طلقوا المرأة لقُبُل (^٤) عدتها\".\nوالحسن، ومحمد بن سيرين قالا: طلاق السُّنّة أن يُطلِّقها في قُبُل عدتها.\nوهؤلاء كلهم، وجماعة من المفسرين ممن قرأ كما قرؤوا، فإنما أرادوها حكمًا لا تلاوة، لأن التلاوة على ما بين الدفتين لا يجوز غير ذلك، والمعنى ما قالوه.\nوقال ﷿: ﴿وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾، فالإحصاء إنما يكون للشيء الذي إذا انقضى حَلَّت للأزواج، ولما قيل: \"قُبُل عدتهن\"، لم يجز أن يكون قبل الشيء إلا بعضُ الشيء، وليس هو مثل استقبال الشيء، لأن الإنسان يستقبل غيره، وقُبُلُه ودُبُرُه إنما هو بعضُه، فكان ذلك كله مؤكِّدًا للطُّهر أنه هو العِدّة التي تحصى، وفيما ذكرنا في سورة البقرة فيها كفاية إن شاء اللَّه.\n_________\n(^١) رواه مالك في الموطأ برواية يحيى، برقم ١٧٢٠ كتاب: الطلاق، باب: جامع الطلاق.\n(^٢) طريق ابن أيمن أخرجها مسلم في صحيحه برقم ١٤٧١، كتاب: الطلاق، باب: تحريم طلاق الحائض بغير رضاها.\n(^٣) رواه ابن جرير في تفسيره (١٢/ ١٢٢).\n(^٤) فوقها في الأصل: في.","vol":"2","page":564},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-792>٢ - قال اللَّه سبحانه: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-793>[الإشهاد على الرَّجْعَةٍ]</span>\nقال مالك: الإشهاد على الرَّجْعَة واجب لرفع الدعاوى، وتحصين الفروج والأنساب، لأن الطلاق إذا عُلِم، وارتجع ولم يُشهِد، جاز للمرأة إذا انقضت عِدَّتها أن تتزوج إذا لم يُعلم، ولم يُلتفت إلى دعواه قد ارتجعت.\nوقد يجوز أن تكون المرأة أيضًا تكرهه وتأباه، فتكره الرجعة، فلذلك ما أمر اللَّه بالإشهاد فيها.\nولا يجوز في الشهادة على الرَّجْعَة إلا شهادةُ ذوَي عدل من الرجال، وليس يجوز في هذا شهادة النساء، لأن اللَّه ﷿ دَلّ على أقل ما يجزئ، كما دل في الأموال على أقل ما يجزئ من الشهادة، وقال في الزنا: ﴿فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً﴾ [النساء: ١٥]، وقال: ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور: ٤]، يريد أقلَّ ما يجزئ، ففرق سبحانه وجل ثناؤه بين حكم الأبدان والأموال، فأجاز شهادة النساء في الأموال، ولم يُجزها فيما كان حكمًا في الأبدان، من حدود ونكاح وطلاق، وما أشبه ذلك.\nوقد يجوز أن يقول قائل: فأنتم تجيزون شهادتهن في الاستهلال.\nقلنا: لأنه مال، ولأنه لا يُشهد في الاستهلال مع الحياة، لأنه غير محتاج إليه، وإنما تقع الشهادة عليه بعد تلف الصارخ المُسْتَهِل، وهو شيء يؤدي إلى المواريث والأموال، ليس فيه حكم في بدن.","vol":"2","page":565},{"text":"وقال مالك: تُشْهِد المرأة على زوجها بالطلاق إن خافت مُناكَرَتَه شاهدين، ولا يجوز في ذلك غير الرجال، لأن ذلك من حكم الأبدان، لأنها جنس والأموال جنس.\nوإنما جازت شهادة النساء في الأموال، لأنها أيسر خَطْبًا من الأبدان، ولذلك جاز فيها الشاهد واليمين، وجاز فيها رد اليمين وما أشبه ذلك، وليس يشبه الأموال حكم الأبدان، لأن التبايع يصح بين المتبايعين وإن لم يَحضرهما أحد، والنكاح لا يصح إلا بعلم غير المتناكحَين، وأحكام الطلاق تابعة للنكاح.\nوقد أجمعوا معنا أن شهادة النساء لا تجوز في الحدود، فالنكاح والطلاق بالحدود وبحكم الأبدان أشبه منه بالأموال.\nوقال بعضهم: في الحدود والطلاق، ويجوز في النكاح، فدل اختلافهم على أن شهادة النساء لم تَرِد على العموم، وإنما هي في الأموال خاصة.\nقال بكر: ثم تأملت كل ما روي عن الصدر الأول والثاني، فمنهم من قال: لا تجوز في الحدود، ومنهم من قَرَن مع الحدود النكاح والطلاق، ومنهم من استثنى جراح الخطأ، فدل ذلك كله على أنهم أرادوا ألا تقبل شهادتهن فيما قال اللَّه ﵎: ﴿أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾، والذي قيل فيه: ﴿ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾، واللَّه أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-794>[القضاء بالشاهد واليمين]</span>\nفأما الحكم في الأموال بشاهد ويمين، فشيء أوجبه خفي القرآن، فأوجبته السُّنّة والنظر، فمن ذلك أن اللَّه ﵎ قال: ﴿آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، ثم قال: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، والآمر بذلك","vol":"2","page":566},{"text":"جل وعز قد جعله لنا وثيقة بأموالنا، ألا تراه لم يقل عند الاستيثاق ﴿وَلْيَتَّقِ (^١) اللَّهَ رَبَّهُ﴾، ولم يعط ولا عند أخذ الرهن، لأنه وثيقة، وقال عند الأمانة: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ [البقرة: ٢٨٣]، فجاء على الشاهدين وثيقة العالِم بأن أحدهما قد يتلف، فلو لم تكن هناك وثيقة بَيَّنها الرسول -ﷺ- عن باطن القرآن، لكان قد جعل وثيقة لا وثيقة، فبين رسول اللَّه -ﷺ- أن شهادة أحدهما مع يمين الطالب توجب المال عند عدم أحد الشاهدين.\nفإن قال قائل: فقد يجوز أن يتلف الشاهدان.\nقيل: قد يكون ذلك، وليس يكاد يكون تَلَفُهما في وقت واحد، فلما كان ذلك كذلك، كان لمن له الحق أن يُشْهِد على شهادة الباقي خوفًا من تلفه شاهدين، فيكونا له عند عدم الباقي وثيقة، ومع ذلك فإن اليمين إنما جعلت على المُدَّعى عليه، له أن يحلف فَيَبْرَأ من المطالبة في الدنيا، لأنه باليد أقوى من المدَّعِي، فلما أتى المدَّعِي بشاهد كان بيانه من غيره أقوى من بيان المُدَّعى عليه، لأنه من نفسه، فنقلت اليمين لأقواهما.\nوقد احتج قوم في هذا بقول النبي -ﷺ- للأشعث بن قيس: \"شاهداك أو يمينه\" (^٢)، فقال: لا يُحْكَم إلا بشاهدين، وهذا غلط، لأنه لو كان حين قيل له: شاهداك، قال: عندي شاهد وامرأتان، لَسُمِع منه، وحُكِم له بهم إذا شهدوا، فلما كان هذا ليس في لفظ الحديث وهو واجب، كان أيضًا لو قال: لي شاهد وأحلف، لقُبِل ذلك منه.\n_________\n(^١) في الأصل: فليتق.\n(^٢) رواه البخاري في صحيحه برقم ٢٥١٥، كتاب: الرهن، باب: إذا اختلف الراهن والمرتهن ونحوه.","vol":"2","page":567},{"text":"٦٥ - وقد حدثنا محمد بن إبراهيم بن خشنام، قال: حدثنا أبو موسى محمد بن المثنى، قال: حدثنا عبد الوهاب الثقفي، قال: حدثنا جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر بن عبد اللَّه، أن النبي -ﷺ- قضى باليمين مع الشاهد في الأموال، وقال محمد بن علي: وقضى بها عليّ بين أظهركم، يعني: بالكوفة أو بالعراق (^١).\nوالحديث في هذا الباب كثير معروف، وليس بنا حاجة إلى الإطالة به.\nوقد احتج قوم في ذلك بقول النبي -ﷺ-: \"لو أعطي قوم بدعاويهم، لادعى قوم دماء قوم وأموالهم، ولكن البينة على المدعي، واليمين على المُنكِر\" (^٢)، ولم يعرفوا المعنى.\nومعنى البينة: البيان على المدعي، لأنه يدعي ما ظاهره بيد غيره، فكُلِّف أن يأتي بالبيان على باطن هو أقوى من ظاهر اليد، فإذا أتى من ذلك ببيانين وهما: شاهدان، حُكِم له، وقيل للمدّعَى عليه: لك بيان، وله بيانان، وبيانُك منك، فإذا أتى بشاهد فقد أتى ببيان واحد هو أقوى من بيان اليد، لأنها منه وبيان المدعي من غيره، فنقلت اليمين إليه ليكون ما أمر اللَّه به من الوثيقة، وثيقة لا طعن فيها ولا تضعيف من جاهل أو ضعيف الدِّراية.\n_________\n(^١) رواه الإمام أحمد في مسنده برقم ١٤٢٧٨، والترمذي في سننه برقم ١٣٤٤، أبواب: الأحكام، باب: ما جاء في اليمين مع الشاهد، وابن ماجه في سننه برقم ٢٣٦٩، أبواب: الأحكام، باب: القضاء بالشاهد واليمين، من دون لفظة: \"في الأموال\"، وقضاء علي ورد في رواية أحمد دون من ذُكر.\n(^٢) متفق عليه من حديث ابن عباس -﵁- رواه البخاري في صحيحه برقم ٤٥٥٢، كتاب: تفسير القرآن، باب: قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ. . .﴾، ومسلم في صحيحه برقم ١٧١١ كتاب: الأقضية، باب: اليمين على المدعى عليه.","vol":"2","page":568},{"text":"وأما قول الشافعي: أنه يجيز في الأموال شهادة رجل ويمين، ولا يجيز امرأتين ويمين، فقد تكلمنا في ذلك في المسألة على العراقيين وعليه بما فيه كفاية إن شاء اللَّه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-795>[شهادة النساء]</span>\nوأما قول أبي حنيفة وأصحابه، فإن منهم من أجاز شهادة النساء في النكاح والطلاق، ومنهم من أجازها في النكاح، ولم يجزها في الطلاق (^١)، ولا أعلم فرقًا، إذ النكاح والطلاق جميعًا إنما تُراد الشهادات عليهما من أجل الأنساب وحياطتها، وليس يجوز عندهم شهادتهن في النسب، الذي من أجله أمر بالشهادات على النكاح والطلاق، وإيجابِ الحدود ودرئها.\nفإن قالوا: قد تشهد عندهم القابِلة في الولادة، وهو النسب، وعند الشافعي: أربع نسوة (^٢)، وعندنا: امرأتان، وقد نَحَلونا ذلك.\nقلنا لهم: ليس الأمر على ما ظننتم، نحن إنما نُجيز شهادة المرأة على الاستهلال الذي يوجب الأموال لا هلال المستهِل، فأما الولادة فإن القولَ قولُ المرأة إذا عُلم الحمل، وفي الحيض إذا جاءت بما يشبه كونه، لقول اللَّه ﷿: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، فذلك مَوكول إلى أمانتهن، ومقبول فيه قولهن.\nوقول العراقي: واحدةٌ، خطأٌ، لأن اللَّه ﵎ لم يرض واحدة، وذكر العلة فقال عز مِن قائل: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ [البقرة: ٢٨٢].\n_________\n(^١) أحكام القرآن للجصاص (٢/ ٢٣١).\n(^٢) الأم (٦/ ٢٦٨) (ط المعرفة).","vol":"2","page":569},{"text":"وأما قول الشافعي في الأربع فغلط، لأنه لا اختلاف أنهن لو كن أربعًا وأربعمائة على شهادة بدرهم، لكنّ بمعنى امرأتين، يزاد معهن بيان آخر، فلما كنّ فيما سمى اللَّه ﷿ شهادتهن فيه بهذه الحال، كنّ فيما عداه أولى، وإنما نقبلهن في الاستهلال، لأنه الموضع الذي لا يحضره غيرهن، واللَّه أعلم.\nوأما جراح الخطأ، فإن مالكًا وسائر التابعين، أجازوا فيه شهادة النساء، لأنه مال، واللَّه أعلم (^١).\nوقد ذكر بعض الناس في اليمين مع الشاهد، أن مالكًا وغيرَه أرسلوه عن جعفر بن محمد، وأن عبد الوهاب وحده وصله، وليس يرفع عبد الوهاب عن ثقة وضبط، ألا ترى أن محمد بن علي بفضله وضبطه، كيف فَصَل في حديث عبد الوهاب بين حكم النبي -ﷺ- وبين حكم علي ﵁، فجعل من ذلك من جابر، وجعل حكم علي من قوله، وقد رواه سهيل عن أبيه، عن أبي هريرة ووصله، ورواه عمرو بن دينار، عن ابن عباس، عن النبي -ﷺ- ورواه عن عمرو، محمد بن مسلم الطائفي، وقيس بن سعد.\nوزعم الطحاوي في حكاية ذكرها، أن سهيلًا سُئل عن الحديث فلم يعرفه، وقد رواه عنه ربيعة، وربيعة من الضبط والدين والفقه بحيث لا يلحقه في رواياته ظن، وقد يجوز أن يكون سهيل حدث به ثم نسِيَه، فقد حدث سفيان بن عيينة وغيره بأشياء، ثم ذهبت عنهم، فقال ابن عيينة: حدثني أبو معاوية الضرير عني، وقد ذكر ربيعة لسهيل الحديث، فحدث به سهيل بعد ذلك عنه، عن نفسه، قال الدراوردي (^٢): أخبرني ربيعة، عن سُهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن رسول اللَّه -ﷺ- قضى باليمين مع الشاهد.\n_________\n(^١) انظر المدونة (٤/ ٢٣ - ٢٤).\n(^٢) في الأصل: الدراوندي، وهو غلط.","vol":"2","page":570},{"text":"قال علي بن المديني: وحدثني بعض أصحابنا، عن أبي، يعني أباه عبد اللَّه بن جعفر، عن سهيل قال: أخبرني ربيعة، عني، عن أبي هريرة بهذا الحديث.\nوالباب يطول، إنما ذكرت ما ذكرت لمعارضة جرت، ونسأل اللَّه التوفيق برحمته.\nوليس يجوز أن يُعارَض ما وصفنا من الحكم باليمين مع الشاهد بالأحاديث المُجمَلة، إذ المفسر يقضي على المُجمل، مع ما ينضاف إليه من بيان خفي القرآن، واللَّه أعلم.\n* * *","vol":"2","page":571},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-796>٤ - قال اللَّه ﵎: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-797>[عِدّة المطلقة]</span>\nروى مالك في الموطأ، عن يحيى بن سعيد، [و] (^١) عن يزيد بن عبد اللَّه بن قُسَيط الليثي، عن سعيد بن المسيب قال: قال عمر بن الخطاب: أيُّما امرأة طُلقَت فحاضت حيضة أو حيضتين، ثم رفعتها حيضتها، فإنها تنتظر تسعة أشهر، فإن بان بها حمل فذاك، وإلا اعتدَّت بعد التسعة ثلاثة أشهر ثم حلت (^٢).\nوقاله الحسن، والزهري، ومالك.\nواليأس والقُنوط والظن بعضه أقوى من بعض، وكذلك الرجاء، وهذا يتسع الكلام فيه، فإذا قيل منه شيء أُنزل على قدر ما يظهر من المعنى فيه.\nفمن ذلك أن الإنسان قد يقول: قد يئست من مريضي، إذا كان الأغلب عنده أنه لا يبرأ، وكذلك يئست من غائبي إذا كان الأغلب عنده أنه لا يَقدم، ولو قال إذا مات غائبه أو مات مريضه: قد يئست منه، لكان الكلام عند الناس جرى على غير وجهه، إلا أن يتبين معنى ما قصد له في كلامه، إلا أن يريد أن هذا اليأس أورثه الصبر والتسليم، والأغلب في كلام الناس في ذكر اليأس ما قدَّمنا ذكره.\n_________\n(^١) ساقطة من الأصل.\n(^٢) الموطأ برواية يحيى، رقم ١٧٠٣، باب: الطلاق، كتاب: جامع عدة الطلاق.","vol":"2","page":572},{"text":"وقال اللَّه ﵎: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا﴾ [الشورى: ٢٨]، والقنوط واليأس سواء، وليس يَعلمون يقينًا أن المطر لا يكون، وقد قال ﷿: ﴿لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ﴾ [فصلت: ٤٩]، وقال ﷿: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ (٩) وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾ [هود: ١٠]، فأخبر تبارك اسمه عن طمع الإنسان ويأسه الذي ليس بيقين.\nوقال ﷿: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا﴾ [يوسف: ١١٠]، دخل قلوبَ الرسل اليأسُ من غير يقين استيقنوه، لأن اليقين يأتيهم من قِبَل اللَّه تعالى، كما قيل في قصة نوح ﵇: ﴿وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ [هود: ٣٦]، فكان اليأس الذي وقع للرسل، وظَنّ قومهم أنهم قد كذِبوا -مُخَفَّفَة-، أَيِسَ الرسل من قومهم أن يؤمنوا، وظن قومهم أن الرسل قد كَذَبوا ما جاؤوهم به، جاءهم نصر اللَّه عند ذلك.\nوقد قرأها قوم ﴿قَدْ كُذِبُوا﴾، ثقيلة مشدَّدَة، ومعناها: حتى إذا استيأس الرسل من قومهم أن يؤمنوا، ﴿وَظَنُّوا﴾ هاهنا ظن الرسل أن قومهم قد قاموا على تكذيبهم، هذا معناه على هذه القراءة عندي واللَّه أعلم، وهذه القراءة أبين وأصح مخرجًا، وهي قراءة نافع وأهل المدينة، وكلا القراءتين تدل على أن اليأس ليس بيقين.\nوأما قوله: ﴿كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُور﴾ [الممتحنة: ١٣]، وهذا معناه على ما قال ابن عباس وغيره: من الآخرة ومن البعث، لأنهم كانوا غير متيقنين بعود الموتى وأمر البعث، وهذا فيمن يقول بالدهر من الكفار، وهذا أيضًا ليس بيقين، لأنهم قالوا: ﴿مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية:","vol":"2","page":573},{"text":"٢٤]، قال اللَّه ﷿: ﴿وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ [الجاثية: ٢٤]، فأعلمنا ﵎ أن جحدهم بالآخرة إنما هو ظن يظنونه.\nوقال ﷿ في قصة يوسف ﵇: ﴿فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا﴾ [يوسف: ٨٠]، ويأسهم ليس بيقين.\nوكان عمر ﵁ يقول في خطبته: أيها الناس، إن الطمع فقر، وإن اليأس غنى، وإن المرء إذا يئس من شيء استغنى عنه (^١).\nفجعل عمر ﵀ اليأس بإزاء الطمع.\nوقال إسماعيل: سمعت أحمد بن المُعَذّل ينشد شعر الرجل من القدماء يصف ناقة فقال:\nصفراء من تَلْدِ بني العباسِ ... ضَرْبُها كالظبي في الكِناسِ\nفالنفس بين طمَع وإِياس (^٢)\nفجعل الشاعر اليأس بإزاء الطمع.\nفرجعنا إلى قوله ﷿: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ﴾، فذكر اليأس مع الريبة.\nثم جاء عن عمر بن الخطاب ﵀، لفظ موافق للقرآن وحُكم موافق، قال: أيما امرأة طُلِّقت فحاضت حيضة أو حيضتين، ثم رَفَعَتْها حيضتها لا تدري لم رَفَعَتْها، فإنها تنتظر تسعة أشهر، ثم تَعْتَدّ بثلاثة أشهر (^٣).\nفلما كانت لا تدري ما رَفَعَتْها، كان موضع الارتياب، فحكم فيها بهذا الحكم.\n_________\n(^١) رواه أبو نعيم في الحلية (١/ ٥٠).\n(^٢) كذا في الأصل، والوزن مختل يستقيم بقوله: وَياس.\n(^٣) تقدم تخريجه قريبًا (٢/ ٥٧٢).","vol":"2","page":574},{"text":"وكان اتباع ذلك ألزم وأولى، من قول من يقول: إن مَن هذه صفتها، تعتدُّ ثلاثين سنة، وإن جاءت بولد لم يلحقه إذا ولدته لأكثر من سنتين.\nوالشافعي يقول مثل ذلك، ويقول: لا يلحق به إذا جاءت به لأكثر من أربع سنين، فخالفوا جميع السلف، لأن كل من مضى يقول: إن الولد يلحق بالأب ما دامت المرأة في عِدتها.\nوكيف يجوز أن يقول قائل: إن المرأة يطلقها زوجها تطليقة أو تطليقَتين ويكون بينها وبين زوجها أحكام الزوجات ما دامت في عدتها، من الوِراثَة وغيرها، فإن جاءت بولد لم يلحقه؟ وإنما جُعِلَت عدة الطلاق من أجل الدخول الذي يكون منه الولد، قال اللَّه ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: ٤٩]، فأُسقطت العِدّة في الطلاق إذا لم يكن دخول، فكيف تكون المرأة مُعتدة والولد لا يلزم.\nفإن ذكر عِدّة المتوفى عنها، وأنها ثابتة على كل حال دخل أو لم يدخل.\nقيل له: هذا عبادة وعلة، لأن فيهن من لا يكون الحمل منه، ولم يكن للحمل حد ينتهي إليه، وكان المتوفى لو كان حيًّا فادعى الدخول ألزمته العِدّة، استوفى له ما لو كان حيًا فادّعاه، عُمل فيه على قوله، ودخلت التي لا يجوز فيها الحمل بالعبادة لعدم الحد، كما كان تحريم الخمر من أجل أنها تسكر، وحرم القليل الذي لا يسكر، وأُدخل في معنى الكثير، والمطلقة فالرجل حي يقول: لم أدخل، وتقول هي: كذلك، ويجوز أن يُعلَم ذلك من غير جهتها.\nفأوجب اللَّه العِدّة حيث يكون الدخولُ من أجْل الولد، وأسقطها حيث لا دخول، وأباحها الأزواج، فعُلم أن ذلك عبادة لعلة، وأن أمر المتوفى عبادة وعلة، وليس ما كان عبادة لِعِلّة يُشَبَّه بما كان عبادة وعلة، وجب استيفاء ذلك للمتوفى.","vol":"2","page":575},{"text":"ألا ترى أنه لو شهد شاهدان على رجل بمال، لم يجز للحاكم أن يستحلف صاحب الحق على ذلك مع شاهديه، ولو قامت الشهادة على ميت لم يَحْكم بها الحاكم حتى يستحلف المشهود له على كل الوجوه التي لو كان الميت باقيًا فادعاها كان له ذلك، طلب الورثةُ ذلك أو لم يطلبوه، ولو أقروا بالمال عند الحاكم أيضًا وأرادوا القضاء بحكم الحاكم، لم يحكم به حتى يستحلف، لأنه يحتاج أن يستوفي حقوق الميت، لأنه لا يأمن أن يأتي وارث يشارك هؤلاء الورثة، أو يأتي من هو أولى منهم، أو يأتي غريم آخر يستحق مُحاصّة هذا الغريم فيما أخذ، فكل من جاء من هؤلاء قال للحاكم: لو لم تستقص قبل أن تحكم، فلذلك وجب في المتوفى ما لم يجب للحاضر، ولذلك لم يجب استيفاء عِدّة المتوفى عنها.\nفإن قيل: فالصغيرة؟\nقلنا: الأصل عبادة وتعبد، وقد يجوز أن يكون اللَّه ﷿ لما كان النشوء يختلف، فمنهن من تكون لها (^١) خمس عشرة سنة دميمة، وابنة ثمان وتسع حسنة النشوء، ولم يكن للحمل حد، وجب أن لا يقع تمييز، ويدخل الجميع في الإيجاب، وجعل الباب بابًا واحدًا، ولم يوكل ذلك إلى حد، ولا مدخل للحاكم في العدد، وهي مردودة إلى أمانات الناس، فاستظهر اللَّه للميت لعدمه بالإيجاب على الكل.\nوأما حديث حَبّان (^٢) بن منقذ، وتوريث امرأته منه بعد سنة (^٣)، فإنها امرأة قد علمت ما الذي رفع حيضتها، لأن الرضاع رفع الحيض، فلما قطعت\n_________\n(^١) في الأصل: له.\n(^٢) في الأصل: عباد، والصواب ما أثبته، وسيرد عنده على وجهه بعد قليل.\n(^٣) رواه مالك في موطئه برقم ١٦٦٤، كتاب: الطلاق، طلاق المريض، رواية يحيى.","vol":"2","page":576},{"text":"الرضاع عاد الحيض، وليست موئِسَة، لأن الموئِسَة هي التي لا تدري سبب ارتفاع الحيض، ولو كانت امرأة طُلِّقت وهي مريضة وهي شابة، كان الظاهر أن العِلة رَفعت الحيضة، فوجب أن ينتظر بُرؤها، فإن عاد حيضها وإلا كانت حينئذ مُرتابة، وانتظرت ما حَكم به عمر رحمة اللَّه عليه، فإن تطاول مرضها صارت مثل الصحيحة، لأن المرض إذا تطاول التطاول الشديد، جرى أمر صاحبه مجرى الصِّحّة، وجازت أفعالُه في ماله كله، وفي طلاقه ونكاحه، وإنما يكون هذا في مثل الفَالِج (^١)، والسُّلّ (^٢)، والربع (^٣)، ألا ترى أن حَبّان بن منقذ لما أخذ ابنه منها حاضت حيضتين قبل موته، ثم توفي فاعتدت عِدّة الوفاة، لأنه كان طلقها طلاق السّنة، فَورَّثَها عثمان، وعلي، وزيد بن ثابت منه بإجماع رأيهم.\nوالمُرتابة عندنا إذا انقضت السَّنة، فارتابت صَبَرت، وكلما ارتابت صَبَرت، إلى أكثر أجَلِ الحمل.\nوالرِّيبة: أن تظن حملًا، أو ترى حركة، فإذا انقضت مدة الحمل وأكثرُه فلا عِدَّة، وعُلم أن ذلك ريح اعترضت، فلا عِدّة ولا حمل، وقد تكون المرأة التي تحيض في الشهور، وتكون المرأة التي تحيض في كل سنة مرة، فهذه تعتد بالحيض لمعرفتها بذلك.\nوأما اليائسة بالكِبَر حتى لا يقع إشكال في ذلك فعِدّتها بالشهور، وكذلك الصغيرة، وحيث تقع الرِّيبة فالاستظهار مما يلحق فيه الولد دون ما يلحق فيه الولد.\n_________\n(^١) الفالِج: داء معروف يَذهب بنصف الإنسان والعياذ باللَّه، اللسان (١١/ ٢١٥).\n(^٢) السُّل:، والسِّل: الداء المعروف، أعاذنا اللَّه منه، اللسان (٧/ ٢٣٩).\n(^٣) لعله يقصد طول الحمى، والرِّبْع هو: إتيان الحمى في اليوم الرابع، اللسان (٦/ ٨٣).","vol":"2","page":577},{"text":"وقد حدثنا أبو العينان الأصمعي (^١) قال: العجم لا يحضن بعد الخمسين، والعرب وقريش يحضن إلى الستين وبعدها.\nوذكرها يونس بن حبيب (^٢) وأنه وَجَدَه في الناس، واللَّه أعلم بصحة ذلك.\nوقال أبو عبيدة: إن نساء العرب يحملن إلى الستين وقريش إلى السبعين.\n* * *\n_________\n(^١) لم أقف له على ترجمة.\n(^٢) أبو عبد الرحمن يونس بن حبيب الضبي، البصري النحوي، أخذ عن أبي عمرو بن العلاء وغيره، وعنه سبويه، والكسائي، وأبي عبيدة معمر بن المثنى وغيرهم، ولد سنة ٨٠ هـ، وتوفي سنة ١٨٢ هـ. انظر: معجم الأدباء (٦/ ٢٨٥١).","vol":"2","page":578},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-798>٤ - قال اللَّه ﵎: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾</span>\nقد ذكرنا هذه الآية والحجة فيها في سورة البقرة.\n* * *","vol":"2","page":579},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-799>٦ - قال اللَّه ﷿: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾</span>\nوقال في آخر السورة: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ﴾، إلى قوله سبحانه: ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-800>[سكنى المطلقة ثلاثًا ونفقتها]</span>\nجاء في التفسير: ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ أنه الرجعة، والطلاق الذي تكون فيه الرجعة، وهذه إلى أن تنقضي عِدّتها زوجة، أحكامُها أحكامُ الزوجات في الموارثة وغيرها، إلا أنه ليس له أن يطأ حتى يَرْتجع، ولما قيل: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ﴾، ﴿وَلَا يَخْرُجْنَ﴾، عُلم أنه كان لها أن تخرج قبل الطلاق بإذنه، ولها أن تنتقل بأمره، فلما حدث الطلاق وَجَبَت الإقامة، ولم يجز اصطلاحُهما على النَّقْلة كما يجوز قبل الطلاق، ولم يكن لها إسقاط ذلك إذا حدث الطلاق، ويجوز لها إسقاط النفقة وإن كانت واجبة، لأن النفقة من حقوقها، والسكنى من حقوق الحمل، لا من أجل أنها على بقية الزوجية.\nودَلّنا ما وصفنا على أنه ينبغي أن تجرى المَبْتوتة هذا المجرى إذا كانت أيضا مُعْتدة، لأن ظاهر العِدّة والسكنى فيها من جهة تحصين الفرج، واستقصاء حق ولدٍ إن كان، وأن سكنى غير المُعتدّة من جهة المُؤَن التي تجب على الزوج أن يقوم لها بها، من النفقة، والكسوة، وغير ذلك مما لا بد منه، ألا ترى أن المتوفى عنها تسكن في منزل زوجها، شاء الورثة ذلك أم أبوه، والميت قد انقطع ملكه وصار ماله لورثته، ولا تجب لها نفقة في مال الميت.\n_________\n(^١) هذه الآية الأولى في السورة، وليست في آخرها.","vol":"2","page":580},{"text":"فدلت هذه الأشياء التي وصفناها واللَّه أعلم، أن الذي ذُكر من إقامتها في بيتها، ووجوب ذلك عليها وعلى زوجها، لما حدث من العدة، ولم يحتج إلى ذكر النفقة لأنها على الأصل الذي كانت عليه من قبل الطلاق، فإن شاءت أخذته وإن شاءت تركته.\nواحتيج إلى ذكر السكنى في المَبْتوته في قوله ﷿: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾، لأن المبتوتة قد حدث في أمرها ما أُخْرجت به من أحكام الزوجات كلها، فأعيد ذكر السكنى إذ كانت من طريق التحصين لها ما دامت في عدتها، وأُجريت في ذلك مجرى التي قبلها، وأسقطت عنها النفقة التي كانت تجب لها قبل أن يُبِينها بعقد النكاح، ولم يجعل ذلك لها في عدتها إلا أن تكون حاملًا، فيجب عليه حينئذ أن يغذو ولده بغذاء أُمه، كما كان يجب عليه إذا وضعته أن يغذو ولده بغذاء التي ترضعه، لأن غذاءه في بطن أمه بغذاء أمه، وغذاءه إذا وضعته أمه بالرضاع، فكما يجب على الأب أن ينفق على من ترضعه، وجب عليه أن ينفق على أمه ما دام في بطنها.\nألا ترى أن الصائمة إذا كانت تطيق الصيام وهي حامل، ويَضُر صومها بولدها أنها تفطر، لأن غذاءه إنما يكون بغذائها، وقال عز مِن قائل: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦]، فعُلم أن بعض ذلك من بعض.\nوهذا الموضع قد اختلف الناس فيه، فقال قوم: للمبتوتة السكنى والنفقة.\nوقال آخرون: لا سكنى ولا نفقة.\nفأخذ كل فريق في طريق، وتركوا التوسط الذي هو الحق (^١)، وفي كتاب اللَّه ﷿ ما يدل على أنه ليس على ما قال الفريقان.\n_________\n(^١) قال ابن عبد البر في الاستذكار (٦/ ١٥٧) حاكيًا المذاهب في هذه المسألة: \"اختلف العلماء في سكنى المبتوتة ونفقتها على ثلاثة أقوال: أحدها: أن لها السكنى والنفقة =","vol":"2","page":581},{"text":"قال عز مِن قائل: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾، فلو كانت النفقة تجب كما تجب السكنى، لما كان للاختصاص معنى، ووجب بهذا الاختصاص أنها ليست التي يملك زوجُها رَجْعَتها، لأن التي يملك زوجها رَجْعَتَها نفقَتُها واجبة كانت حاملًا أو غير حامل، فكيف يقال فيها: وإن كانت حاملًا فأنفق عليها؟ ولو كان كذلك لخلا الأمر من الفائدة، ومعاذ اللَّه من ذلك، وأن يكون في القرآن لفظة لا فائدةَ فيها، وهذا ما لا يذهب على ذي فهم، وإنما ذهب كل فريق إلى رواية لم يتأملوها، ولا وهاءَها ووهاءَ ما ذهبوا إليه.\nفأما الذين ذهبوا إلى أن السكنى والنفقة واجبة، فاتبعوا رواية عن عمر ﵁ أنه قال: لا ندع كتاب ربِّنا ﵎، وسُنّة نبينا صلى اللَّه عليه، لقول امرأة، لها السكنى والنفقة (^١).\nونحن نعلم أن عمر بن الخطاب ﵁ لا يقول: لا ندع كتاب ربِّنا ﵎ إلا لما هو موجود في كتاب ربِّنا تعالى اسمه، والذي وجدنا في كتاب ربِّنا جل وعَزّ النفقةُ لذوات الأحمال، وزاد الراوي من أهل الكوفة: \"وسُنّة نبينا صلى اللَّه عليه\" النفقة في الحديث، وذلك أن الشعبي قال فيه: إن فاطمة بنت قيس طلقها زوجُها طلاقًا بائنًا فقال رسول اللَّه -ﷺ-: \"لا نفقة لك ولا سكنى\".\nقال حماد بن أبي سليمان: فأخبَرت بذلك النخعي فقال: إن عمر أُخبر بذلك فقال: لسنا بتاركي آية من كتاب اللَّه ﷿ وقول رسول اللَّه -ﷺ-: \"لها\n_________\n= وهو قول الكوفيين، والآخر: أن لها السكنى ولا نفقة لها، وهو قول مالك والشافعي وأكثر أهل الحجاز، والثالث: أنها لا سكنى لها ولا نفقة، وهو قول أحمد وطائفة\".\n(^١) رواه مسلم في صحيحه برقم ١٤٨٠، كتاب: الطلاق، باب: المطلقة ثلاثًا لا نفقة لها (ط ع الباقي).","vol":"2","page":582},{"text":"السكنى والنفقة\"، وهذا غير متصل عن عمر، وقد رواه الأسود عن عمر، رواه عن الأسود إبراهيم، وقال: لها السكنى والنفقة، ولم يذكر كتابَ ربِّنا ﷿ ولا سُنة نبيِّنا -ﷺ-.\nورواه الأعمش، عن إبراهيم، عن عمر، وعبد اللَّه: لها السكنى والنفقة، ولم يذكر كتاب اللَّه ﷿ ولا سُنّة (^١).\nورواه ابن إدريس، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن عبد اللَّه، عن عمر، ولم يذكر فيه السكنى والنفقة.\nوروي عن الأعمش، عن إبراهيم قال: كان أصحاب عبد اللَّه.\nوالباب فيه أسانيد كلها هكذا مضطربة.\nوقال منصور، عن إبراهيم: ولا يجبر على النفقة، فلَخَّص منصور عن إبراهيم ما يدل على ضبطه، رواه عن منصور أبو عَوانة (^٢)، وجرير، وفُضيل، فدل ذلك على ضعف ما روي عن إبراهيم، عن عمر، وعبد اللَّه، وعلى أن الثابت من روايته: السكنى دون النفقة.\nوأما الذين ذهبوا إلى ألّا سكنى ولا نفقة، فإن مُجالدًا روى عن الشعبي قال: خالفنا أهل المدينة في سكنى المطلقة ونفقتها فقالوا: بيننا وبينك حديث فاطمة بنت قيس، فأتيتها فدخلت عليها فسألتها، فقالت: طلقني زوجي فقال لي أخوه: إنه لا سكنى لك ولا نفقة، فأتيت رسول اللَّه -ﷺ- فقال لي رسول اللَّه -ﷺ-: \"يا ابنة قيس، إنما تكون السكنى والنفقة ما كان لزوجك عليك مراجعة\" (^٣).\n_________\n(^١) رواه ابن أبي شيبة في مصنفه برقم ١٨٦٥٤، كتاب: الطلاق، من قال في المطلقة ثلاثًا: لها نفقتها.\n(^٢) الوضاح بن عبد اللَّه اليَشكُري، الحافظ الثقة، توفي سنة ١٧٦ هـ، تهذيب الكمال (٣٠/ ٤٤١).\n(^٣) رواه الطبراني في المعجم الكبير برقم ٩٣٦.","vol":"2","page":583},{"text":"ورواه غير مُجالد أيضًا وقال فيه: \"وأمرني أن أعتد في بيت ابن أم مكتوم\" (^١).\nورواه سَيّار، عن الشعبي فقالت: \"لم يجعل لي سكنى ولا نفقة\" (^٢).\nوهذا يحتمل التأويل، وأن تكون هي ظنت ذلك، ولم يأت هؤلاء بالحديث على وجهه.\nوأتى به أبو سلمة بن عبد الرحمن، رواه مالك، عن عبد اللَّه بن يزيد مولى الأسود بن سفيان، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن فاطمة بنت قيس، أن أبا عمرو بن حفص طلَّقها البتة وهو غائب بالشام فأرسل إليها وكيله بشعير فسَخِطَتْه، فقالت: واللَّه ما لك علينا من شيء، فجاءت رسول اللَّه -ﷺ- فذكرت ذلك له فقال لها: \"ليس لك عليه نفقة\"، وأمرها أن تَعْتَد في بيت أم شريك، ثم قال: \"تلك امرأة يغشاها أصحابي، واعتدي في بيت ابن أم مكتوم، فإنه رجل أعمى، تضعين ثيابك\" (^٣).\nورواه أيضًا الدراوردي، عن محمد بن عمرو بن علقمة، عن أبي سَلَمة كذلك (^٤)، فجاء أبو سلمة بالحديث ملخَّصًا مشروحًا، فدل على أن السكنى\n_________\n(^١) رواه مسلم في صحيحه برقم ١٤٨٠، كتاب: الطلاق، باب: المطلقة ثلاثًا لا نفقة لها قال: حدثني زهير بن حرب حدثنا هشيم، أخبرنا سيار، وحصين، ومغيرة، وأشعث، ومجالِد، وإسماعيل بن أبي خالد، وداود، كلهم عن الشعبي، قال: دخلت على فاطمة. . . ولفظه: \"فلم يجعل لي سكنى ولا نفقة، وأمرني أن أعتد في بين ابن أم مكتوم\".\n(^٢) الحديث السابق.\n(^٣) الموطأ برواية يحيى، رقم ١٦٩٧، كتاب: الطلاق، ما جاء في نفقة المطلقة ومن طريقه مسلم في صحيحه برقم ١٤٨٠، كتاب الطلاق، باب المطلقة ثلاثا لا نفقة لها (ط عبد الباقي).\n(^٤) رواه البيهقي في سننه الكبرى برقم ١٥٧١٥، كتاب: النفقات، باب: المبتوتة لا نفقة لها إلا أن تكون حاملًا (ط العلمية).","vol":"2","page":584},{"text":"واجبة، لأن أمر رسول -ﷺ- لها أن تعتد في بيت ابن أم مكتوم إيجاب السكنى، وإنما نقلها عن منزل زوجها لما كان يجري بينها وبين أهله من الخصومات والسباب، لأن المُعتدّة من وفاة أو طلاق إذا حدث في الموضع الذي يسكنونه حدث يُحْوِجُها إلى الخروج منه خرجت، واعتدت في موضعٍ غيرِه، وأقامت إلى أن تنقضي عدتها، مثل أن يكون المنزل ليس للزوج فيخرجها المالك، ومثل أن يكون مَخُوْفًا وما أشبه ذلك، وقد عَلِمنا ما كان يجري بين فاطمة وبين زوجِها وقراباته، وقالت عائشة ﵂ في ذلك ما قالت لفاطمة بنت قيس: اتقي اللَّه يا فاطمة، فقد عرفت في أي شيء كان ذلك، لما ذكرت أنها لم يجعل لها سكنى (^١).\nوروى مالك، عن يحيى بن سعيد، عن القاسم بن محمد، وسليمان بن يسار، أن يحيى بن سعيد بن العاص طَلَّق ابنة عبد الرحمن بن الحكم البتة، فانتقلها عبد الرحمن، فوجهت عائشة إلى مروان وهو أمير المدينة: اتق اللَّه يا مروان، واردد المرأة إلى بيتها، فقال مروان: أما بلغك شأن فاطمة بنت قيس؟ قالت عائشة: لا يضرك ألا تذكر حديث فاطمة؟ قال مروان: إن كان بك الشر، فحسبك ما بين هذَين من الشر (^٢).\nورواه حماد بن زيد بإسناده مثله.\nوقال سعيد بن المسيب: تلك امرأة فتنت الناس، إنها كانت لَسِنَة (^٣).\n_________\n(^١) رواه مسلم في صحيحه برقم ١٤٨٠، كتاب: الطلاق، باب: المطلقة ثلاثًا لا نفقة لها، بسنده عن إسماعيل بن جعفر عن محمد بن عمرو، به.\n(^٢) الموطأ برواية يحيى، رقم ١٦٩٣، كتاب: الطلاق، في عدة المرأة في بيتها، ومن طريق مالك البخاري في صحيحه برقم ٥٣٢١، كتاب: الطلاق، باب: قصة فاطمة بنت قيس.\n(^٣) رواه أبو داود في سننه برقم ٢٢٦٩، كتاب: الطلاق، باب: من أنكر ذلك على فاطمة، (ط الأرناؤوط).","vol":"2","page":585},{"text":"فعائشة قد علمت ما فعله رسول اللَّه -ﷺ- في أمر ابنة قيس، وأنه أسكنها، وفرق بينهم بسبب الشر، ألا ترى ما قالت: دع عنك ذكر فاطمة، في حديث حماد بن زيد، فقد عرَفتْ في أي شيء كان ذلك، فقد علِمنا يقينًا أنها قد عرفت شأن فاطمة، وإيجابَ رسول اللَّه -ﷺ- السكنى، وتحويله إياها بسبب الشر، فأيهما أولى بمعرفة ذلك عائشة، أو ابنة قيس؟ وهل يكون بين معرفتهما تقارب؟\nوقد روي عن جماعة من السلف أنهم قالوا: ﴿وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾، أنه البَذاء وسوء الخلق (^١)، ولعلهم ذهبوا إلى قصة فاطمة بنت قيس، واللَّه أعلم.\nوروى عكرمة، عن ابن عباس، عن أبي بن كعب، وأنه في مصحفه: \"إلا أن يَفحُشن عليكم\"، قال ابن عباس، عن أبي بن كعب: عليهم حل لهم إخراجها.\nوإذا كان ذلك كذلك أمر الإمام بإخراجها، إذا تفاحش البَذاء منها إلى موضع يختاره لها، كما فعل رسول اللَّه -ﷺ- في فاطمة بنت قيس، وذلك مردود إلى اجتهاد الرأي من الحاكم، واللَّه أعلم.\nوقد روى ابن أبي الزناد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂: أن فاطمة بنت قيس كانت في مكان وحْش، فخيف عليها فَحُوِّلت (^٢).\nومعنى وَحْش يحتمل الشر الذي كان بينهم والشقاق، واللَّه أعلم، فقد عُقل من قصة فاطمة أنه قضى ﵇ ألا نفقة، وأسكنها من حيث لم تَدْر.\n_________\n(^١) رواه ابن جرير في تفسيره (١٢/ ١٢٦) عن ابن عباس ﵁.\n(^٢) أورده البخاري معلقًا في صحيحه برقم ٥٣٢٥، كتاب: الطلاق، باب: قصة فاطمة بنت قيس، ورواه موصولًا أبو داود في سننه برقم ٢٢٩٢ كتاب: الطلاق، باب: من أنكر ذلك على فاطمة، وابن ماجه في سننه برقم ٢٠٣٢ أبواب: الطلاق، باب: هل تخرج المرأة في عدتها؟","vol":"2","page":586},{"text":"وقد روى الزهري، عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه، أن عبد اللَّه بن عمرو بن عثمان طلق ابنة سعيد بن زيد ثلاثًا، وأمها أخت فاطمة بنت قيس، وأن فاطمة أمرتها بالخروج، فنهاها مروان عن ذلك وقال: لا ندع العصمة التي الناس عليها لقول امرأة (^١).\nومروان لم يخبر عن نفسه، وإنما ذكر ما أدرك الناس عليه، وناقل ذلك عبيد اللَّه بن عبد اللَّه، ومَوْضِعُه مَوْضِعُه في الفضل والعلم، وسعيد بن المسيب يذكر أن فاطمة فتَنَت الناس، وعائشة قالت في أمرها ما قالت، ففاطمة غلطت في التأويل، ولم تَدْرِ (^٢) أنها أُسْكِنت.\nوقول عمر بن الخطاب ﵁: لا ندع كتاب ربنا ﷿ لقول امرأة، لها السكنى، إلى هذا الموضع، والنفقة إلحاقٌ في الحديث.\nوقد يجوز: وسُنّة نبينا -ﷺ- أَلّا نفقة، وإلا فمن الراوي عن النبي -ﷺ- أنه جعل للمَبتوتة نفقةً وليست بحامل، حتى يكون عمر أشار إلى تلك السُّنة؟ فالسُّنة مقبولة من فاطمة: أَلّا نفقةَ بحديث أبي سلمة والسكنى، فهذا هو الذي أشار إليه عمر أن السكنى بالكتاب، ولا نفقة بالسُّنة، ولما كانت المرأة تَعْتَد للوفاة ولا نفقة لها، كانت تعتد من الطلاق البائن ولا نفقة لها، إلا أن تكون حاملًا.\nوأما ما روي عن الشعبي أن النبي -ﷺ- قال: \"يا ابنة قيس إنما يكون السكنى والنفقة ما كان لزوجك عليك مراجعة\" فهو غلط، لأن الشعبي يرى للمطلقة ثلاثًا السكنى والنفقة، وروي عنه، وعن الحسن، وعطاء أنهم قالوا: سكنى ولا نفقة، وهذا أشبه، لأنه موافق للقرآن، غير أن الشعبي في الروايتين\n_________\n(^١) رواه مسلم في صحيحه برقم ١٤٨٠، كتاب: الطلاق، باب: المطلقة ثلاثًا لا نفقة لها (ط عبد الباقي).\n(^٢) في الأصل: تدري.","vol":"2","page":587},{"text":"جميعًا قد أوجب السكنى، وهو خلاف الرواية الأولى، ولعل الشعبي أفتى بخلاف ما روى لإنكار الناس عليه ذلك.\nوقد تعلق قوم بشيء رواه ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر، أن خالته طُلقت، فأرادت أن تَجُدّ نخلها، فأذن لها رسول اللَّه -ﷺ- في ذلك (^١).\nوقد ذهب عنهم أن نخلَ المدينة حولها، ومبيتهم في منازلهم، ولسنا ننكر تصرف المُعتدّة في حاجاتهم وأمورها إذا كان مبيتها في بيتها، وقد أفتت بذلك عائشة وابن عمر وغيرهما، وشرطوا ألا تبيت إلا في بيتها.\nفأما من قال من التابعين، من ابن المسيب، والزهري، وخلق كثير، فإنهم قالوا: لها السكنى ولا نفقة (^٢).\nفإن قال قائل: كيف عنى بقوله: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ المَبْتوتات، وهن لم يُذكَرنَ فيما مضى؟\nقيل له: قال اللَّه ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾، ومعناه: يا أيها النبي عَلِّمهم إذا أردتم أن تطلقوا النساء فطلقوهن لعدتهن، يريد طاهرًا من غير جماع، فكان هذا خطابًا لمن أراد أن يطلِّق امرأة لم يطلقها قبل ذلك، وهي عنده على ثلاث، ومن طلق واحدة فزوجته عنده بارتجاعه على اثنتين، ومن طلق اثنتين فزوجته عنده على واحدة، يريد أن يطلقها، فقيل للجماعة: إذا أردتم الطلاق، فطلقوا في قُبُل العِدّة، فكان هذا الخطاب لمن يملك الرّجعة ومن لا يملكها.\n_________\n(^١) رواه مسلم في صحيحه برقم ١٤٨٣، كتاب: الطلاق، باب: جواز خروج المعتدة البائن (ط عبد الباقي).\n(^٢) روى ابن أبي شيبة في مصنفه برقم ١٨٦٥٨، عن الحسن، وعطاء، والشعبي أنهم قالوا في المطلقة ثلاثًا: لها السكنى ولا نفقة.","vol":"2","page":588},{"text":"ثم عاد الخطاب إلى الجميع فقيل: ﴿وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ إلى قوله: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾، يعني: رجعة لمن له رجعة من سائر المطلقين.\nثم خوطب من له الرجعة بأن قيل له: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ يعني: قاربن، ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾، ارتجع إن شئت بِنيَّة الجميل، ﴿أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ تركُ الرَّجعة وانقضاء العدة، ثم قال: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾، يعني: على الطلاق والرجعة، إلى قوله سبحانه: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾، فكان هذا معطوفًا على من طلق الثالثة التي لا رجعة عليها، ﴿وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنّ﴾، ولم يجز أن يكون هذا عطفًا على من له الرجعة فيها، لأن تلك زوجةٌ نفقتُها واجبة بالنكاح، ولا تسقط عنه، وبينهما الموارثة، وحكمها حكم الزوجات، ولو وطئها لم يكن عليه حد.\nوقد قال العراقيون: إن الوطء فيها رجعة (^١).\nوقال مالك: يؤمر بالإشهاد على الرجعة إذا وطئ، ويؤخذ بذلك.\nوإنما أعيد ذكر السكنى لتكون فيه فائدة غير الفائدة الأولى، لأن الأولى ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ﴾، ﴿وَلَا يَخْرُجْنَ﴾، هي مثل الثانية، فلو لم تكن في الثانية إفراد المَبْتوتة لخلت من الفائدة، وصار التكرير لا فائدة فيه، وما أَنتج الفائدة كان أولى أن يُظن بكلام اللَّه ﷿.\nفعُلم بذلك أن الأولى مخاطبة في اللواتي يملك الزوج الرجعة فيهن، ولم يُحتج إلى ذكر النفقة، لأنها لم تسقط بكتاب اللَّه ﷿ ولا سُنّة، وكانت الثانية مذكورًا فيها السكنى من أجل أنها مبتوتة قد سقطت نفقتها، فأكد أمر السكنى، وذكرت النفقة حيث يكون الحمل، لأن على الأب أن يَغْذُوَ ولده.\n_________\n(^١) يراجع بدائع الصنائع (٣/ ١٨١).","vol":"2","page":589},{"text":"ومما يدل على أن تعليم أول السورة، إنما قصد به الموضع الذي يقع فيه الطلاق لمن يملك الواحدة، والاثنتين، والثلاث، أن رسول -ﷺ- قد كان طلَّق حفصة طلْقة، فأمره اللَّه ﵎ بارتجاعها (^١)، ثم نزل التخيير بين الدنيا والآخرة، فلو اخترن الدنيا لاحتاج أن يطلقهن في الطهر طلقة، فتكون حفصة مطلقة اثنتين، ولكن اللَّه ﷿ (^٢) فاخترن الآخرة.\nوقد كان عبد الرحمن بن عوف طلَّق تُماضِر بنت الأَصْبَغ طلقتين واحدة بعد الأخرى، وارتجع، وقد كان قد آلى أن لا تسأله امرأة طلاقها إلا طلَّقها، فسألته في غلبة فقال: إذا طهُرت فأعلميني، فلما أعلمته طلّقها (^٣)، فهل طلاقه إلا بالآية التي عُلِّم الناس فيها الطلاق؟\nوقد ظن قوم أن رسول اللَّه -ﷺ- خير نساءه في الطلاق، وهذا ظن سوء أن يظنوا برسول اللَّه -ﷺ- أنه مخير في طلاق يكون ثلاثًا، لأن الخيار ثلاث تطليقات، وإنما خيرهم بين الدنيا والآخرة، فإن اخترن الآخرة كُنّ على ما كُنّ عليه، ولهن ما اخترن، وإن أردن الدنيا واخترنها طَلّقهن حينئذ طلاق السُّنة التي علمه اللَّه، ألا ترى إلى قوله ﵎: ﴿إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب: ٢٨]، يريد فتعالين أي: فعلن (^٤)، ﴿وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٩]، ألا ترى إلى جوابهن لما قُلْن: نختار اللَّه ورسوله، فهذا هدى فافهم.\n_________\n(^١) رواه أبو داود في سننه عن عمر -﵁- برقم ٢٢٨٣، كتاب: الطلاق، باب: في نفقة المبتوتة (ط الأرناؤوط)، وابن ماجه في سننه برقم ٢٠١٦، في أول أبواب الطلاق، ورواه الإمام أحمد في مسنده عن عاصم بن عمر بن الخطاب -﵄- برقم ١٥٩٢٤.\n(^٢) في الكلام سقط تقديره: خيَّرهن.\n(^٣) رواه مالك في الموطأ رواية يحيى، رقم ١٦٦٣، كتاب: الطلاق، طلاق المريض.\n(^٤) كذا في الأصل.","vol":"2","page":590},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-801>٢ - ٣ - قال اللَّه ﵎: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾</span>\nجاء رجل من أشجع إلى رسول اللَّه -ﷺ-، وكان ابنُه أسيرًا، فذكر الجَهد، فقال له النبي -ﷺ- \"اذهب فاصبر\"، فأفلت ابنه من أيديهم، وأتاه بغنيمة، فأتى النبيَّ -ﷺ- فأخبره فنزلت: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ (^١).\nوقال مسروق: ﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ [الطلاق: ٣]، يعني: منتهى، ومن علم أن اللَّه يعطيه ويمنعه فتوكل عليه، رَزَقَه من حيث لا يحتسِب (^٢).\nوقال الربيع بن خُثَيم: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾، قال: من كل شيء ضاق عليه (^٣).\nوالآية توجب أن من توكل على اللَّه وقوي رجاؤه له لم يخيبه، واللَّه أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) رواه ابن جرير في تفسيره (١٢/ ١٣٠ - ١٣١).\n(^٢) رواه ابن جرير في تفسيره (١٢/ ١٣٠ - ١٣١).\n(^٣) رواه ابن جرير في تفسيره (١٣٠).","vol":"2","page":591},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-802>ومن سورة التحريم</span>","vol":"2","page":593},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-803>١ - ٤ - قوله ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ إلى قوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ﴾</span>\nقال ابن عباس: لَبِثْتُ سنَةً أريد أن أسأل عمر بن الخطاب ﵁ عن المرأتين اللتين تظاهرتا على رسول اللَّه -ﷺ-، فجعلت أهابه حتى نزل مَرًّا (^١)، ودخل في الأراك (^٢)، فلما خرج سألته فقال: عائشة، وحفصة، ثم قال: إنا كنا في الجاهلية لا نعد النساء شيئًا، فلما جاء الإسلام وذكرهن اللَّه، رأينا لهن بذلك علينا حقًا، من غير أن يدخلن في شيء من أمورنا، قال: فدخلت على امرأتي يومًا فقالت لي شيئًا أغضبني، فقلت لها: وإنَّكِ لهُناك، فقالت: تقول هذا وابنتك تُغضب رسول اللَّه -ﷺ-، فأتيت حفصة فقلت لها: إني أحذرك بأن تعصي اللَّه ورسوله -ﷺ- وتقدمتُ إليها في أذاةٍ، وأتيت أم سلمة فقالت: عجبًا لك يا ابن الخطاب، لم يبق لك إلا أن تدخل بين رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وبين نسائه.\nوكان رجل (^٣) من الأنصار إذا غاب وشَهِدتُ أتيته بما يكون من رسول اللَّه -ﷺ-، وإذا غِبْت وشهِد أتاني بما يكون من رسول اللَّه -ﷺ-، وكان مَن حول رسول اللَّه -ﷺ- قد استقام، إلا ملك غَسّان بالشام، كنا نخاف أن يسير إلينا،\n_________\n(^١) مَرّ: بالفتح والتشديد، هو: مَرُّ الظَّهْران، موضع على بعد ستة عشر ميلًا من مكة، معجم ما استعجم (٤/ ١٢١٤).\n(^٢) الأَراك: بفتح أوله، موضع بعرفة، معجم ما استعجم (١/ ١٣٤).\n(^٣) في الأصل: رجلًا.","vol":"2","page":595},{"text":"فأتاني الأنصاري يومًا فضرب علي الباب وقال: قد حدث أمر، قلت: أجاء الغساني؟ قال: لا، ولكن أعظم من ذلك، طلق رسول اللَّه -ﷺ- نساءه، قال: فخرجت وإذا البكاء في حُجَرهن كلِّها، وإذا النبي -ﷺ- قد صعِد مَشْرُبَته (^١)، وعلى الباب وَصيف (^٢)، فقلت: استأذن لي على رسول اللَّه -ﷺ-، فاستأذن لي فإذا رسول اللَّه -ﷺ- على حصير قد أَثّر في جنبه، وإذا تحت رأسه مِرْفَقة (^٣) من أدم، حَشْوُها لِيفٌ، وإذا أُهُب في البيت معلقة، وقَرَظٌ (^٤) منبوذ، فذكرت الذي قلتُ لحفصةَ وأم سلمة فضحك، فلبث بذلك تسعًا وعشرين فنزل، وأنبئت أن عائشة ﵂ قالت: يا رسول اللَّه لو شئت أخذتَ ذات الذنب منا بذنبها، قال: \"إذا أدعها كأنها شاة مَعْطاء\" (^٥).\nولهذا الحديث أسانيد، وفيه زيادات ونقصان، وفي بعضها: فقلت لحفصة: أتراجعين رسول اللَّه -ﷺ-؟ قالت: نعم، قلت: وتهجره إحداكن اليوم إلى الليل؟ قالت: نعم، قلت: قد خاب من فعل ذلك منكن وخسر، أتأمن إحداكن أن يغضب اللَّه عليها لغضب رسوله -ﷺ- وإذا هي قد هلكت، لا تراجعي رسول اللَّه -ﷺ- ولا تسأليه شيئًا، وسليني ما بدا لك، ولا يغررك أن كانت جارتك هي أَوْسَمُ وأحبُ إلى رسول اللَّه -ﷺ- منك -يريد عائشة- (^٦).\n_________\n(^١) المَشْرُبَة: بالضم والفتح، الغُرْفَة، النهاية (٢/ ٤٥٥).\n(^٢) الوَصيف: العَبْد، النهاية (٥/ ١٩١).\n(^٣) المِرْفَقَة: كالوسادة يُتَوَكأ عليها، النهاية (٢/ ٢٤٦).\n(^٤) القَرَظُ: ورق شجر تُدبغ به الأُهب، اللسان (٢/ ٧٤١).\n(^٥) مَعْطاء: سقط صوفها، النهاية (٤/ ٣٤٣)، والحديث كما ساقه المصنف أخرجه أبو عوانة في مستخرجه برقم ٤٥٧٦، كتاب: الحج، باب: الخبر المبين أن الرجل إذا قال لامرأته: اختاري. . . لم يكن ذلك طلاقًا.\n(^٦) رواه مسلم في صحيحه برقم ١٤٧٩، كتاب: الطلاق، باب: في الإيلاء واعتزال النساء (ط ع الباقي).","vol":"2","page":596},{"text":"وقيل في بعضها: قال عمر: واللَّه لآتين أم سلمة، فليس منهن أمَسُّ بي رحمًا منها، فأتيتها فقلت: تسألين رسول اللَّه -ﷺ- ما لا يجد؟ ! واللَّه ما أراكِ تنتهين حتى يُنزل اللَّه ﵎ بك قارعة، قالت: سبحان اللَّه ما لك وللدخول بين رسول اللَّه -ﷺ- وبين أزواجه؟ بل أنت واللَّه ما أراك تنتهي حتى ينزل اللَّه ﷿ بك قارِعة، فأتيت رسول اللَّه -ﷺ- فقلت: أطلقت نساءك؟ قال: لا، فأخبرته بما كان من شأني وشأن أم سلمة فضحك، فلما رأيت ضحكه وطيب نفسه قلت: يا نبي اللَّه، أنت بالمنزل الذي أنت به من اللَّه، وأنت على ما أرى، وكسرى وقيصر على سُرُر الذهب، وفُرُش الديباج، فقال: \"يا عمر، أولئك قوم عَجّل اللَّه لهم طيباتهم في حياتهم الدنيا\" (^١).\nوقيل في بعضها: فدخلتُ على عائشة، وذلك قبل أن يوضع الحجاب، فقلت: يا ابنة أبي بكر، بلغ من أمرك أن تؤذي نبي اللَّه -ﷺ-! فقالت: يا ابن الخطاب، ما لي ولك؟ عليك بنفسك، فأتيت رسول اللَّه -ﷺ- فقلت: إن كنت طلَّقت نساءك، فإن اللَّه ﵎ معك، وملائكتُه، وجبريل، وميكائيل، وأنا أيضًا، وأبو بكر، والمؤمنون، فَصَدّق اللَّه ﷿ قولي، فأنزل اللَّه ﵎: ﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ﴾، إلى آخر الآية (^٢).\nوقالت عائشة: لما نزل رسول -ﷺ- إلى نسائه، أُمر أن يخيرهن، دخل عليّ فقلت: يا نبي اللَّه إنك حلفت ألا تدخل علينا شهرًا، وقد مضى تسعة وعشرون يومًا؟ قال: \"إن الشهر يكون تسعة وعشرين\"، وقال: \"سأذكر لك أمرًا، فلا تعجلي حتى تستشيري أباك\"، فقلت: وما هو؟ فتلا علي آية التخيير إلى آخر\n_________\n(^١) رواه البخاري في صحيحه برقم ٤٩١٣، كتاب: تفسير القرآن، باب: قوله تعالى ﴿تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ﴾، ومسلم برقم ١٤٧٩، كتاب: الطلاق، باب: في الإيلاء واعتزال النساء، بألفاظ قريبة من لفظ المصنف (ط ع الباقي).\n(^٢) رواه مسلم في صحيحه برقم ١٤٧٩، الموضع السابق.","vol":"2","page":597},{"text":"الآيتين، فقلت: إني أختار اللَّه ورسوله، فسُر بذلك، وعرض على نسائه، فتتابعن كلُّهن يخترن اللَّه ورسوله -ﷺ- (^١).\nرويت هذه الأحاديث، وظن رواتها أن قول اللَّه ﷿: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ﴾ إنما كان لحَلِفِه ألَّا يدخل عليهن شهرًا.\nورويت أحاديث، أن رسول اللَّه -ﷺ- شرب عسلًا، فقلن له بعضُ نسائه: نشم منك ريح مَغافير، فحلف ألا يشرب العسل (^٢).\nوجميعًا لم تنزل آية التحريم فيهما.\nوروت الجماعة الكثيرة، أن النبي -ﷺ- حرَّم جاريته، وحلف بيمين مع التحريم، فعاتبه اللَّه ﷿ في التحريم، وأمره بكفارة اليمين.\nوروى بعضهم، أن النبي -ﷺ- دخل بيت حفصة وليست فيه، فجاءته فتاته فألقى عليها الستر، فجاءته حفصة فقعدت على الباب، حتى قضى رسول اللَّه -ﷺ- حاجته فقالت: واللَّه لقد سؤتني أجامَعتها في بيتي؟ ! قال: فحرمها، أو كما قال (^٣).\nوروى ابن عباس أن نبي اللَّه -ﷺ- وقع على أَمَة له في بيت حفصة، فقالت له: كنتُ أهون نسائك عليك، فقال: \"لا تخبري أحدًا\"، فحرمها، فقالت: تحرم\n_________\n(^١) رواه البخاري في صحيحه برقم ٢٤٦٨، كتاب: المظالم والغصب، باب: الغرفة والعلية والمشرفة، ومسلم في صحيحه برقم ١٤٧٨، كتاب: الطلاق، باب: أن تخيير امرأته لا يكون طلاقًا إلا بالنية (ط، ع الباقي).\n(^٢) متفق عليه من حديث عائشة -﵂- رواه البخاري في مواطن من صحيحه منها رقم ٤٩١٢، كتاب: تفسير القرآن، باب قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ. . .﴾؛ ومسلم في صحيحه برقم ١٤٧٤، كتاب: الطلاق، باب: وجوب الكفارة على من حرم امرأته (ط ع الباقي).\n(^٣) رواه ابن جرير في تفسيره (١٢/ ١٤٩).","vol":"2","page":598},{"text":"ما أحل اللَّه لك؟ ! فقال: \"لا تخبري أحدًا، فواللَّه لا أَمُر بها\"، قال: فحدثني عمر أن حفصة لم تَقَرّ حتى أخبرت عائشة، فتظاهرتا على رسول اللَّه -ﷺ- (^١).\nوقال مسروق: إنما كَفّر رسول اللَّه -ﷺ- للإيلاء ولم يكفِّر للحرام، وقال: إن رسول اللَّه -ﷺ- آلى وحَرَّم (^٢)، يريد: حلف وحَرَّمَ، فقيل له: أما الحرام فحلال، وأما اليمين فقد فرض اللَّه لكم تَحِلَّة أيمانكم.\nذكر بعضهم أن النبي -ﷺ- حرَّم جارية له.\nوقال بعضهم: حرَّم شرابًا.\nوالحكم في ذلك واحد، لأن الأَمَة لا يكون فيها طلاق ولا تُحَرَّم، كما لا يُحَرَّم الشراب، ولعل القصتين جميعًا قد كانتا، إلا أن أمر الجارية أشبه لقوله سبحانه: ﴿تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ﴾، ولقوله عز من قائل: ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا﴾، فكان ذلك في الأَمة أشبه، لأن الرجل يغشى أَمَتَه في سِتر، ولا يشرب العسل في ستر، ولأن تحريم الأمة فيه مرضاة لهن.\nوقال بعضهم: حرَّم فأُمر بالكفارة.\nوقال بعضهم: حرم وحلف، فقد يمكن أن يكون حرَّمها بيمين باللَّه، ويمكن أن يكون حرَّمها وحلف.\nوقال همام بن الحارث: إن ابن مُقَرِّن سأل ابنَ مسعود قال: إني حلَفت ألا أنام على فراشي سنة، فتلا عبد اللَّه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا [طَيِّبَاتِ] (^٣) مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [المائدة: ٨٧]، كفِّر عن يمينك، ونم على فراشك (^٤).\n_________\n(^١) نفسه.\n(^٢) رواه ابن جرير في تفسيره (١٢/ ١٤٧).\n(^٣) سقطت من الأصل.\n(^٤) رواه الطبراني في معجمه الكبير برقم ٩٦٩٣، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ٢٧٤): رواه الطبراني بأسانيد، ورجال هذا وغيره رجال الصحيح.","vol":"2","page":599},{"text":"فإذا قال الرجل لامرأته: أنتِ عليَّ حرام فلم يحلِف، وإنما أوجب (^١) على نفسه شيئًا، وإذا قال لأَمته: أنت علي حرام ولم يحلف، والحلال لا ينتقل حرامًا بتحريم من أُحِلّ له، ولم يجعل اللَّه تحريمه من الباب الذي تحرم به الحرة، لأن الحرة تَحْرُم بالتحريم، قال اللَّه ﷿: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]، وما لا يحِل فهو الحرام، والأَمة لا تَحرُم إلا بالعِتق، فلما نهى اللَّه ﵎ عن تحريم ما أحل اللَّه، وسمَّى المُحرِّم معتديًا، رد عَداه على نفسه، ولم يُحرِّم ما أحل اللَّه، إلا أن يكون إنسانًا عَلم بُغية النبي -ﷺ- في التحريم، إذ في التعريض مَنْدوحَة، فيقول في الأَمَة: هي علي حرام يُرضي زوجته، وهو يَعلم أنها لا تَحرم، ألا ترى أن عائشة وحفصة ﵄ قالتا: كيف تحرم وهي أمة؟\nوروي عن ابن عباس: أنه حلف عند هذا القول منهما، وهو أولى بأن يعلم ما عَلِمناه، فلما قالتا ذلك قال: واللَّه لا وطِئتُها، فأنزل اللَّه ﷿: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ﴾، إلى قوله سبحانه: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾، فأُمر بالكفارة عن يمينه، وعُرِّف أن التحريم لا يقع فيما أحل اللَّه ﵎، ليُعلمه سائر الناس فيعلمونه، والقائل الآن لأمته: أنت حرام، [لا] (^٢) يدخل في باب الإيجابات.\n٦٦ - حدثنا أشياخنا أحمد بن موسى وجماعة، عن عمرو بن مرزوق، عن مالك بن أنس، عن طلحة بن عبد الملك، عن القاسم بن محمد، عن عائشة ﵂، قالت: قال رسول اللَّه -ﷺ-: \"من نذر أن يطيع اللَّه فليطعه، ومن نذر أن يعصي اللَّه، فلا يعصه\" (^٣).\n_________\n(^١) في الأصل: أوجبه.\n(^٢) ساقطة من الأصل، وبها يستقيم المعنى.\n(^٣) رواه مالك في الموطأ برواية أبي مصعب برقم ٢٢١٦، والحديث ليس في رواية يحيى ما نص عليه ابن عبد البر في التمهيد (٦/ ٨٩)، وإن أثبت في نشرة ع الباقي وغيرها، =","vol":"2","page":600},{"text":"فمن حرَّم أَمته لم يلزمه شيء، لأنه أوجب ما لا رضى للَّه فيه، واللَّه أعلم.\nوقد زعم قوم أن التحريم يمين (^١)، وأن من حرَّم امرأته فعليه كفارة، تشبيهًا عندهم بالأَمة، فسلكوا مسلكًا وَعْرًا، ووضعوا الأمر في غير موضعه، قال اللَّه ﵎: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ﴾ [النساء: ٣]، يريد ما حَلّ لكم من النساء، وقال لنبيه -ﷺ-: ﴿إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ﴾ [الأحزاب: ٥٠]، ثم جعل اللَّه ﵎ للرجل يريد أن يُحرم امرأته فقال عز مِن قائل: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ﴾ [النساء: ٢٠]، وقال سبحانه: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]، فالتحليل عقد النكاح، والتحريم الخُلع والمبارأة، وغير ذلك مما قد أُجْمِع على أنه يُحرِّم ما استحله بالعقد، فجُعلت هذه الأشياء أسماء للتحريم، والتحريم هو القصد بالأسماء وما ينضاف إليها، فإذا قال الرجل لامرأته: أنت علي حرام، فقد أتى بأقصى الأشياء، وهو ما الأسماء تقتضيه.\nألا ترى اللَّه ﷿ قال: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾، ثم قال: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ يعني الثالثة: ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]، وما لا يحِل فهو المحَرّم، فإذا قال: أنت عليّ حرام، فقد جعلها التي لا تحل له، فكيف يجوز أن ينقل ما جعله اللَّه لا يحِل إلا بعد زوج، إلى التحليل بإطعام عشَرة مساكين، هذا ما يستحيل في العقل.\nقال علي بن أبي طالب، وزيد بن ثابت: الحرام ثلاث.\nوقاله السّبعةُ فقهاءُ المدينة وغيرهم.\nوهو قول مالك بن أنس ﵁ (^٢).\n_________\n= ولم يثبته شيخنا الدكتور بشار عواد معروف في نشرته، ورواه البخاري أيضًا في صحيحه برقم ٦٦٩٦، كتاب: الأيمان والنذور باب: النذور في الطاعة.\n(^١) عزا هذا القولَ ابن عبد البر في الاستذكار (٦/ ١٨) إلى جماعة من التابعين وغيرهم.\n(^٢) انظر الموطأ برقم ١٥٨٦، كتاب: الطلاق، ما جاء في الخلية والبرية، والاستذكار (٦/ ١٦ - ١٧)، وقد فصل في نقل مذاهب العلماء في هذه المسألة.","vol":"2","page":601},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-804>٦ - قال اللَّه ﵎: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾</span>\nروي أن النبي -ﷺ- سئل عنها فقيل: نَقِي أنفسنا، فكيف بأهلينا؟ فقال: \"تأمرونهُنّ بطاعة اللَّه، وتَغْهَوْنَهُنّ عن معاصي اللَّه\".\nوقال علي بن أبي طالب ﵁: أدِّبوهُم وعلِّموهم (^١).\nوقال الحسن ومجاهد نحو ذلك (^٢).\n* * *\n_________\n(^١) رواه ابن جرير في تفسيره (١٢/ ١٧٥).\n(^٢) روى ابن جرير في تفسيره عن مجاهد قولَه في الآية: اتقوا اللَّه، وأوصوا أهليكم بتقوى اللَّه.","vol":"2","page":602},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-805>٨ - قال اللَّه ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾</span>\nقال النعمان بن بشير: سمعت عمر بن الخطاب ﵀ يقول: ﴿تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ قال: أن يعمل الرجل العمل السيء فلم يجتنبه (^١) فلا يعود إليه (^٢).\nوقال عبد اللَّه بن مسعود: النَّصوح: الذي لا يعود في ذنبه (^٣).\nوقال ابن عباس: التوبة النصوح تُكَفِّر كل سيئة (^٤).\nوقال الحسن، ومجاهد: يتوب من الذنب ثم لا يعود (^٥).\n* * *\n_________\n(^١) كذا في الأصل: ولا وجه لها، ولعل الصواب: فيجتنبه.\n(^٢) رواه ابن جرير في تفسيره (١٢/ ١٥٨).\n(^٣) نفسه.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور (٨/ ٢٢٧) بلفظ المصنف وبرواية ابن مسعود إلى الحاكم.\n(^٥) رواه عن الحسن عبد بن حميد كما في الدر المنثور المنثور (٨/ ٢٢٧)، وعن مجاهد ابن جرير في تفسيره (١٢/ ١٥٩).","vol":"2","page":603},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-806>٩ - قال اللَّه ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ﴾</span>\nقال الحسن: جاهد الكفار بالسيف، والمنافقين بالحدود.\nوقال قتادة مثله (^١).\nوقال غيرهما: ما مات رسول اللَّه -ﷺ- حتى أُذن له في قتال المنافقين وقَتلِهم، وكان ذلك مع الأَجَل حين كثر المسلمون.\nليس في ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾، و﴿ن وَالْقَلَمِ﴾ شيء.\n* * *\n_________\n(^١) رواه ابن جرير في تفسيره (١٢/ ١٦٠)، عن قتادة مرسلًا إلى النبي -ﷺ-.","vol":"2","page":604},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-807>ومن سورة سأل سائل </span>(^١)\n_________\n(^١) هي سورة المعارج.","vol":"2","page":605},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-808>٢٣ - قال اللَّه ﵎: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾</span>\nأخبرنا أبو بكر محمد بن علي الأُتفوي، قال: أخبرنا أبو الفضل بكر بن محمد بن العلاء القشيري القاضي، قراءة عليه في منزله بمصر عام إحدى وأربعين وثلثمائة وأنا أسمع قال:\nقال عقبة بن عامر: هم الذين لا يلتفتون يمينًا ولا شمالًا (^١).\nوقال ابن عباس ﵁: هم المداومون على الصلوات الخمس.\nوقال ابن مسعود: الدائمون المحافظون (^٢) على أوقاتها، فأما تركها فكفر (^٣).\nوقال مسروق: دائمون: محافظون (^٤) على مواقيتها، والسهو عنها ترك وقتها (^٥).\nوقال مجاهد: المكتوبة.\nوقال شبل: يداوم على مواقيتها وحدودها.\n_________\n(^١) رواه ابن جرير في تفسيره (١٢/ ١٣٥).\n(^٢) في الأصل: والمحافظون.\n(^٣) روى معنى شطره الأول ابن أبي شيبة في مصنفه برقم ٣٢١١، كتاب: الصلوات، من قال: أفضل الصلاة لميقاتها (ط الرشد).\n(^٤) في الأصل: وحافظون.\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور لعبد بن حميد (٨/ ٢٨٤).","vol":"2","page":607},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-809>٢٤ - قال اللَّه عزَّ مِن قائل: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ﴾</span>\nقال محمد بن سيرين: الزكاة.\nوقال مجاهد: سوى الزكاة (^١).\nوقال إبراهيم: كانوا يرون في المال حقا سوى الزكاة (^٢).\nوقال عامر مثله (^٣).\nوروى قَزَعَة عن ابن عمر مثله وقال: أدى الزكاة إلى السلطان (^٤).\nوقال عطاء: سوى الزكاة.\nوقاله الحسن.\nوقال جماعة كما قال ابن سيرين.\nولا نعلم معلومًا غير الزكاة، وليس على الناس بعدها فرض معلوم، فإذا نزلت حوادث وجب على الناس القيام بها، نحو الضَّيف ينزل بالإنسان، ونحو\n_________\n(^١) رواه ابن أبي شيبة في مصنفه برقم ١٠٥٢٤، كتاب: الزكاة، من قال: في المال حق سوى الزكاة (ط الرشد).\n(^٢) رواه ابن أبي شيبة في مصنفه برقم ١٠٥٢٣، الموضع السابق.\n(^٣) رواه ابن أبي شيبة في مصنفه برقم ١٠٥٢٥، الموضع السابق.\n(^٤) رواه ابن أبي شيبة في مصنفه برقم ١٠١٩١، كتاب: الزكاة، من قال: تدفع الزكاة إلى السلطان (ط الرشد).","vol":"2","page":608},{"text":"المضطر، والميت لا يكون له كفن، وما أشبه ذلك من النوازل التي ليس لها حَدّ معلوم، ولا وقتٌ مَوصوف، وإنما تجب عند الضرورات إذا نزلت.\nوبعد ذلك فينبغي أن يقدم الإنسان لنفسه، فإنه قال ﷿: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ﴾ [البقرة: ٢٤٥]، وقال في النفقة في سبيل اللَّه: ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٦١].\n* * *","vol":"2","page":609},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-810>٢٥ - وقال تبارك تعالى: ﴿لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾</span>\nروي عن ابن عباس ﵁: السائل الذي يسألك، والمحروم المُحارَف (^١).\nومثله عن عائشة.\nوقال إبراهيم جاء رجل بعد وقعة الجمل، فقال عليٌّ: هذا المحروم، فاقسموا له (^٢).\nوكان علي ﵀ يوم الجمل طلب أصحابه منه المَغنَم فمنعهم وقال: من عرف شيئًا فليأخذه، وقسم لأصحابه خمسمائة خمسمائة، فجاء هذا الرجل بعد القَسم، فقال: هذا المحروم فاقسِموا له.\nوكان الخوارج الذين حاربهم بالنَّهْرَوان (^٣) قالوا: نطلب منك سيرة العُمُرين، عنَوا: أبا بكر وعمر، وقالوا له: لم حَكّمت إن كنت على الحق؟ وقد كان أبى أن يحكِّم، فهم طالبوه بذلك، وقالوا له: لِمَ تقسِم غنائم الجمل، فقال لهم في ذلك: أيكم كان يأخذ أُمه في سهمه، يعني عائشة رحمها اللَّه، ولم يَرَ في شيء من أموال المسلمين غنيمة.\nوقال اللَّه ﷿: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ الآية، فإذا كان المؤمن أخا المؤمن، فكيف يجوز له أن يأخذ ماله وهو عليه حرام؟\n_________\n(^١) ورد في روايات أخرجها ابن جرير (١٢/ ٢٣٧) أن المُحارَف: من ليس له في الإسلام سهم ولا نصيب، وانظر: اللسان (٤/ ٩٠)، والأثر رواه ابن جرير في تفسيره (١٢/ ٢٣٧).\n(^٢) رواه ابن جرير في تفسيره (١٢/ ٢٣٨).\n(^٣) موضع بالعراق ذكره البكري، وذكر ما في ضبطه من اللغات (٤/ ١٣٣٦).","vol":"2","page":610},{"text":"قال زيد بن وهب: كنت مع علي، فكف عن طلحة والزبير وأصحابهم، ودعاهم حتى بدؤوهُ، فقاتلهم بعد الظهر، فما غربت الشمس وحول الجمل عين تَطْرِف ممن كان يذُب عنه، فقال علي ﵀: لا تَتبعوا مُدْبِرًا، ولا تُتموا على جريح، فجاؤوا الغد يكلمون عليًّا في الغنيمة، فقال: قال اللَّه ﷿: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾، فأيكم لعائشة؟ فقالوا: سبحان اللَّه، أُمُّنا! فقال علي: أحرام هي؟ قالوا: نعم، قال: فإنه يَحرُم من بناتها ما يَحرُم منها، يا قَنْبَر نادي: من عرف شيئًا فليأخذه، قال زيد: فرد ما كان في العسكر وغيره.\nوقال الحسن: لم يأخذ عليٌّ يوم الجمل شيئًا مما في العسكر ولا غيره.\nوقال إبراهيم: المحروم الذي ليس له في الغنيمة شيء، المحارف في الرزق والتجارة (^١).\nوقال ابن عباس في رواية أخرى: هو الفقير الذي يخرج في الناس وهو مُتَعَفِّف.\nوقال القُرَظي: المحروم الذي لا يَنْبُت زَرْعه، وذكر: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ﴾ إلى قوله سبحانه: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾.\nوقال زيد بن أَسلم نحو ذلك.\nوقال ابن شهاب: المحروم الذي لا يسأل، ولا يُعرف مكانه (^٢).\nوقال مالك: هو عندي الفقير الذي يُحرَم الرِّزق (^٣).\nواللَّه أعلم بما أراد من ذلك، وكل قد أتى بما يشبه.\nوالمحروم: من حُبس عنه الرزق بأي سبب كان.\n_________\n(^١) روى شطره الأول ابن جرير في تفسيره (١٢/ ٢٣٨).\n(^٢) ورد في النوادر والزيادات (١٢/ ٦).\n(^٣) النوادر والزيادات (١٢/ ٦)، والعتبية مع البيان والتحصيل (١٨/ ٣٤٦).","vol":"2","page":611},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-811>ومن سورة نوح ﵇</span>","vol":"2","page":613},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-812>١٣ - قال اللَّه ﵎: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا (١٣) وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا﴾</span>\nقال ابن عباس: لا يعلمون للَّه عظمة، يعني: حق عظمته (^١).\nوقال مثل ذلك جماعة من المفسرين، وزاد بعضهم: نِعَمَه، وتشكرونه (^٢).\n﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا﴾ قالوا: من تراب، ثم من نطفة، ثم من علقة، ثم من مضغة، ثم أنشأ خلقه طَوْرًا من بعد طَوْر، ومن رجا للَّه ﷿ وقارًا، عرف له حقه، وصنع له نفسه، ولم يُخْل قلبَه من فِكْر فيه وفي عظمته، وآبَ إليه، ولا يشغل قلبه بسواه، سمعت سهلًا يقول ذلك.\nوسألته عن اسم اللَّه الأعظم فقال: هو اللَّه، فقلت: قد قيل: إذا سئل به أعطى، وهو ذا نسأله به، فقال: تسأله به وقلبك في غيره، ولو سألته وقلبك فارغ من كل شيء إلا من مناجاته لجاءت الإجابة للوقت.\nثم قال: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا﴾ عن كل شيء إلا من المسألة في أمر موسى ﵇.\n* * *\n_________\n(^١) رواه ابن جرير في تفسيره (١٢/ ٢٥٠).\n(^٢) روي عن الحسن، عزاه السيوطي في الدر المنثور (٨/ ٢٩١) لسعيد منصور، وعبد بن حميد، وابن المنذر، والبيهقي.","vol":"2","page":615},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-813>ومن سورة الجن</span>","vol":"2","page":617},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-814>٣ - قال اللَّه ﷿: ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا﴾</span>\nقال الحسن: غنى ربنا (^١).\nوقال عكرمة: جلال ربنا وعظمته (^٢).\nوقال مجاهد: ذِكره (^٣).\nوقيل: أمر ربنا (^٤).\nوقال ابن عباس: لو علمت الجن أنه يكون في الإنس جدود، ما قالت ذلك.\nوأحسبه أراد أن الجد أب، وهذا غير ممتنع في اللغة أن يكون الجد إلى آدم ﵇ أبًا (^٥)، ويسمى الحظ جَدًّا (^٦)، وهذا لا يذهب عن ابن عباس، فهو أصل في اللغة، ولكنه كان يقوِّي أمر الجد، فيحتجَّ له بكل شيء، وإن كان يعلم أن اسم الجد الحقيقيَّ جد، واسمَ الجدة الحقيقيَّ جدة، فليس هما الأبوان اللذان بالقرآن، واللَّه أعلم.\n_________\n(^١) رواه ابن جرير في تفسيره (١٢/ ٢٦٠).\n(^٢) رواه ابن جرير في تفسيره (١٢/ ٢٥٩).\n(^٣) رواه ابن جرير في تفسيره (١٢/ ٢٦٠).\n(^٤) رواه ابن جرير في تفسيره (١٢/ ٢٥٩)، عن ابن عباس وقتادة والسدي.\n(^٥) في الأصل: أب.\n(^٦) في الأصل: جد.","vol":"2","page":619},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-815>٦ - قال اللَّه ﷿: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾</span>\nقيل: كانوا قومًا إذا نزلوا واديا قالوا: نعوذ بسيد الوادي من شرِّ ما فيه، فيقول الجن: يتعوذون بنا ونحن لا نملك لأنفُسِنا نفعًا ولا ضرًّا (^١).\nقال: ﴿فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾: فازدادوا عليهم جُرْأة، ولو تعوذوا باللَّه ﷿ أعاذهم.\nقال النبي -ﷺ-: ﴿لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ﴾، وعُلِّم التعوُّذ، وأنزل اللَّه ﵎: المعوذتين.\n* * *\n_________\n(^١) رواه ابن جرير في تفسيره (١٢/ ٢٦٣)، عن إبراهيم.","vol":"2","page":620},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-816>٩ - قال ﵎: ﴿أَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ﴾ وما في السوره من ذكر الجن</span>\nروي عن عبد اللَّه بن مسعود ﵁ في حضوره ليلة الجن ما سنذكره، ولكن روى الزهري، عن علي بن حسين، عن ابن عباس في قوله عز مِن قائل: ﴿يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا﴾ قال: بينا النبي -ﷺ- جالس في نفر من أصحابه من الأنصار، إذ رمي بنجم فاستنار، فقال: \"ما كنتم تقولون إذا كان مثل هذا في الجاهلية؟ \"، قالوا: كنا نقول: يموت عظيم، أو يولد عظيم، قال: \"فإنه لا يرمى بها لموت أحد ولا لحياته، ولكن ربنا ﵎ إذا قضى أمرًا سبَّح حملةُ العرش، ثم سبَّح أهل السماوات سماءً سماءً، حتى ينتهي إلى سماء الدنيا، ثم يستخبر أهل السماء حملة العرش: ماذا قال ربكم؟ فيخبرونهم، فتخطف الجن ويُرْمَوْن، فما جاؤوا به على وجهه فهو حق\" (^١).\nقال معمر: فقلت للزهري: اوكان يرمى بها في الجاهلية؟ قال: نعم، فقلت له: أرايت قوله: ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا﴾ قال: غلظت، وشدد أهلها حين بعث النبي -ﷺ- (^٢).\nقال عبد الرزاق: فحدّثت به سفيان بن عيينة فقال: ومن يُحسن مثل هذا؟\nوقد روي عن الزهري من طرق، وفيه زيادات، وهذا أصح ما في الباب.\n_________\n(^١) رواه مسلم في صحيحه برقم ٢٢٢٩، كتاب: السلام، باب: تحريم الكهانة وإتيان الكهان، عن ابن عباس قال: أخبرني رجل من أصحاب النبي -ﷺ-، وذكره.\n(^٢) رواه الإمام أحمد في مسنده برقم ١٨٨٢.","vol":"2","page":621},{"text":"وروي قصة إيمان (^١) من آمن من الجن عن ابن مسعود ﵁، وذكره ابن إسحاق ولم يسنده، وقَصَّه وطوله كما يطول الأسماء إذا حدث بها من السير، وذكر فيه أن عبد اللَّه بن مسعود ﵁ كان مع النبي -ﷺ- فخط له خطًّا، وذكر فيه الوضوء بالنبيذ، وقال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: \"تمرة طيبة، وماء طهور\"، وأنه أخرجه إلى الأَبْطَح فتركه هناك، ومضى وخاطب الجن، وعاد إليه.\nوذكر هذا الحديث الأموي، عن محمد بن إسحاق، عن يزيد بن أبي زياد، عن محمد بن كعب القُرَظي، وذكر فيه أنهم سألوه الطعام، فأباح لهم كل روثة وعظم، فأما الروث فلدوابِّهم، وأما العظم فيلقونه أَغَضّ ما كان وأطراه.\n٦٧ - نا إبراهيم بن حماد قال: نا إسماعيل قال: نا نصر بن علي.\nونا أحمد بن المؤمل، قال: نا نصر بن علي، قال: حدثنا عبد الأعلى، قال: نا داود بن ابي هند، عن عامر الشعبي، قال: سألت علقمة: هل كان ابن مسعود مع النبي -ﷺ- ليلة الجن؟ فقال علقمة: أنا سألت ابن مسعود فقلت: هل شهد أحد منكم مع النبي ليلة الجن، فقال: لا، ولكنا كنا مع رسول اللَّه -ﷺ- ففقدناه، فالتمسناه في الأودية والشِّعاب، فقلنا: استطير أو اغْتيل، فبتنا بشَرِّ ليلة بات بها قوم، فلما أصبحنا إذا هو جاءً من قِبَل حِراء، فقلنا: يا رسول اللَّه، قد فقدناك، فطلبناك فلم نَجِدْك، فبِتنا بِشَرّ ليلة بات بها قوم، فقال: \"أتاني داعي الجن، فذهبت معه فقرأت عليهم القرآن\"، قال: فانطَلَق بنا فأرانا آثارهم، وأرانا نيرانهم، فسألوه الزاد فقال: \"لكم كل عظم ذكر اسم اللَّه عليه يقع في أيديكم أوفر ما يكون لحمًا، وكل بَعْر عَلَف لدوابّكم\"، ثم قال -ﷺ-: \"فلا تستنجوا بها، فإنها طعام إخوانكم من الجن\" (^٢).\n_________\n(^١) في الأصل: إمان.\n(^٢) رواه الإمام أحمد في مسنده برقم ٤٣٤٩، والترمذي في سننه برقم ٣٢٥٨، أبواب: تفسير القرآن، باب: ومن سورة الأحقاف، وقال: حسن صحيح.","vol":"2","page":622},{"text":"وقال سعيد بن جبير: لما بعث النبي -ﷺ- وحرست السماء، فقالت الشياطين: ما حرست إلا لأمر قد حدث في الأرض، فبعث سراياه في الأرض، فوجد النبي -ﷺ- قائما يصلي صلاة الفجر بأصحابه بنَخْلةٍ وهو يقرأ، فاستمعوا حتى إذا فرغ ﴿وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (٢٩) قَالُوا يَاقَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا﴾، حتى بلغ ﴿مُسْتَقِيمٍ﴾.\nوروى سعيد بن جبير، عن ابن عباس: انطلق رسول اللَّه -ﷺ- في نفر من أصحابه عائدين إلى سوق عكاظ، وقد حيل (^١) بين الشياطين وبين خبر الأرض، وأرسلت عليهم الشهب، وذكر معناه، وعُلِّم رسول اللَّه -ﷺ- أن يقول: \"أعوذ بكلمات اللَّه التامات التي لا يجاوُزُهّن بَرٌّ ولا فاجر، من شرِّ ما خلق وذرأ وبرأ، ومن شر ما ينزل من السماء، ومن شر ما يُعرُج فيها، ومن شر ما يلج في الأرض، ومن شر ما يخرج منها، ومن شر فتن الليل والنهار، ومن شر الطوارق، إلا طارقًا (^٢) يطرق بخير يا رحمن\"، فطفئت نار الشياطين الذين كادوا منهم، وهزمهم اللَّه.\nقال إسماعيل: فقد اختلفوا في حضور عبد اللَّه ليلة الجن، ويشبه أن يكون الصحيح منها حديث الشعبي، عن علقمة: سألت عبد اللَّه فقال: إنه لم يحضر معه، ولكن النبي -ﷺ- أراهم آثارهم، وأخبرهم خبرهم، لأنه أصحها إسنادًا.\nوروى بعض من ذكر أن عبد اللَّه حضر ذلك، أن عبد اللَّه بن مسعود كانت معه إداوة من نبيذ، فتوضأ النبي -ﷺ- منها حين لم يكن معه ماء (^٣).\nرواه أبو فزارة، وأبو فزارة ليس ممن يكون روايته سُنّة، ولم يذكر ذلك بعضهم في حديثه.\n_________\n(^١) في الأصل: قيل.\n(^٢) في الأصل: طارق.\n(^٣) تقدم قريبًا.","vol":"2","page":623},{"text":"وقد قال أبو حنيفة: إنه يتوضأ بالنبيذ، إذا لم يوجد الماء (^١).\nوهذا حديث لا يعتمد عليه، أولًا: لضعف إسناده، ولو كان صحيحًا، ما كانت فيه حجة، لأن هذا كان بمكة قبل الهجرة، وإنما ذكر الوضوء بالمدينة، وكذلك التيمم إذا لم يوجد الماء في سورة النساء، والمائدة، وهما مدنيتان، وأمر التيمم نزل على النبي -ﷺ- بعد سنتين من الهجرة في بعض غزواته.\n٦٨ - حدثنا أحمد بن موسى، قال: حدثنا القعنبي، عن مالك، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة زوج النبي -ﷺ- أنها قالت: خرجنا مع النبي -ﷺ- في بعض أسفاره، حتى إذا كنا بالبيداء أو بذات الجيش، انقطع عِقدي، فأقام رسول اللَّه صلى اللَّه عليه على التماسه، وأقام الناس معه وليسوا على ماء، وليس معهم ماء، فأتى الناس إلى أبي بكر ﵀ فقالوا: ألا ترى ما صنعت عائشة؟ أقامت برسول اللَّه -ﷺ- وبالناس، وليسوا على ماء، وليس معهم ماء، قالت: فجاء أبو بكر ورسول اللَّه -ﷺ- واضع رأسه على فخذي قد نام فقال: حَبسْتِ رسول اللَّه -ﷺ- والناسَ، وليسوا على ماء، فعاتبني وقال ما شاء اللَّه أن يقول، وجعل يطعن في خاصرتي، فلا يمنعني من التحرك إلا مكان رسول اللَّه -ﷺ- على فخذي، فنام رسول اللَّه -ﷺ- حتى أصبح على غير ماء، فأنزل اللَّه ﵎ آية التيمم: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾، فقال أسيد بن الحُضَيْر (^٢): ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر، فبعثنا البعير الذي كنت عليه، فوجدنا العقد تحته (^٣).\n٦٩ - وأخبرنا إسماعيل، حدثنا إبراهيم ومحمد بن يوسف عنه، قال: نا علي بن عبد اللَّه، قال: نا سفيان، قال: قال هشام بن عروة، عن أبيه، قال\n_________\n(^١) أحكام القرآن للجصاص (٤/ ٢٦).\n(^٢) في الأصل: الحصين.\n(^٣) الموطأ برواية القعنبي برقم ٨٠، كتاب: الطهارة، باب: التيمم.","vol":"2","page":624},{"text":"أسيد بن حضير (^١): جزاكِ اللَّه خيرًا، يعني عائشة، فما نزل أمر تكرهينه إلا جعل اللَّه ﵎ لكِ فيه مخرجًا، وجعل للمسلمين فيه خيرًا (^٢).\nقال هشام: سقطت قلادتها، فأنزل اللَّه آية التيمم.\nفقد تبين أن التيمم نزل بالمدينة بعد سنين من الهجرة.\nوقال ﷿: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾، فوجب أن يكون الماء مطهِّرًا ما دام اسمه اسم الماء، وحكمه حكمه، فإذا خالطه شيء يغلب على لونه، أو على طعمه، أو على رائحته، فقد زال اسمه وحكمه، لغلبة ما خالطه عليه، وانتقال الاسم، وصار الأخص به اسم النبيذ، قال اللَّه ﵎: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾، فإذا لم يجد إنسان الماء الذي لا اسم له غير الماء، قام التيمم مقامه، وكان التيمم الذي أمر اللَّه به ناسخًا لأمر النبيذ، لو كان أمر النبيذ صحيحًا، ولكن اللَّه ﵎ كفى ذلك بإنكار عبد اللَّه حضوره ليلة الجن بأجود أسانيد الكوفيين، واللَّه أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) في الأصل: حصين.\n(^٢) رواه البخاري في صحيحه برقم ٣٣٦، كتاب: التيمم، باب: إذا لم يجد ماء ولا ترابًا.","vol":"2","page":625},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-817>ومن سورة المُزّمل</span>","vol":"2","page":627},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-818>١ - ٢ - قال اللَّه ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾، الآية</span>\nقال عكرمة: زُمِّلْتَ هذا الأمر، فقُم به (^١).\nوقال قتادة، وإبراهيم: هو الذي تَزَمّل بثيابه (^٢).\nوقيل عن ابن عباس: كان بين أولها وآخرها سنة (^٣).\nوقال جابر بن عبد اللَّه: كُتب علينا قيام الليل إلا قليلًا نصفه، فقمنا حتى انتفخت أقدامنا، وكنا في معزل لنا، فأنزل اللَّه ﵎ الرخصة: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى﴾، إلى آخر السورة.\nوقال أبو عبد الرحمن: قاموا حتى تَوَرَّمَت أقدامهم وسوقُهم، حتى نزلت الرخصة: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾، فاستراح الناس (^٤).\nوقال قتادة: قاموا حَوْلًا أو حَوْلين، حتى انتفخت سُوقُهُم وأقدامهم، فنزل التيسير (^٥).\nوقال زيد بن أسلم: أول ما افترض اللَّه ﵎ على رسوله وعلى المؤمنين صلاة الليل: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾، إلى: ﴿تَرْتِيلًا﴾، وكان نائمًا مُزَمِّلًا ثيابه\n_________\n(^١) رواه ابن جرير في تفسيره (١٢/ ٢٧٨).\n(^٢) رواه ابن جرير في تفسيره (١٢/ ٢٧٨) عن قتادة، وعن إبراهيم ابن أبي حاتم كما في الدر المنثور (٨/ ٣١٢).\n(^٣) رواه أبو داود في سننه برقم ١٣٠٥ كتاب: الصلاة، باب: نسخ قيام الليل.\n(^٤) رواه ابن جرير في تفسيره (١٢/ ٢٨٠).\n(^٥) رواه ابن جرير في تفسيره (١٢/ ٢٨٠).","vol":"2","page":629},{"text":"فقيل له: ﴿قُمِ اللَّيْلَ﴾ قم فصَلِّه، ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ قال: هو القرآن، وهو ثقيل مبارك، وكل حقٍّ ثقيل في الدنيا، ويثقل في الميزان يوم القيامة.\nوثِقَلُه: العملُ بما فيه، وما رضي اللَّه تعالى من العباد بقول لا فعل معه، ولا بعلم لا عمل معه، فكانت صلاة الليل فريضة، فصلى رسول اللَّه -ﷺ- والمؤمنون الليل على ما أمرهم اللَّه به.\nقال: ثم إن اللَّه ﷿ منّ على عباده فخَفَّفَها، ووضع منها، فقال عز مِن قائل: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ [المزمل: ٢٠] يقول: ساعاتِهما، ﴿أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ (^١)، من القرآن ها هنا يعني: ما تيسر من قيام الليل، فاقرؤوا فيه القرآن، فجاء هذا بنسخ الأول، ووَسَّع اللَّه ﵎ على نبيه -ﷺ-، ووضع عنه وعن أمته، وأنزل الفرائض، ونسخ صلاة الليل، ثم قال بعد الفريصة: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩].\nقال ابن عباس: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ في صلاة الليل.\n٧٠ - حدثنا محمد بن صالح، قال: حدثنا أبو حُمَّة محمد بن يوسف الزبيدي (^٢)، قال: نا عبد الرحمن بن طاوس بن محمد بن عبد اللَّه بن طاوس، عن محمد بن عبد اللَّه بن طاوس، عن أبيه، عن طاوس، عن ابن عباس، عن النبي -ﷺ- قال: ﴿فَاقْرَءُوا (^٣) مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾، قال: \"مائة آية\" (^٤).\nوقال ابن شُبرمة، عن الحسن: ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ﴾، علم أن لن تطيقوه (^٥).\n_________\n(^١) في الأصل: ما تيسر منه.\n(^٢) في الأصل: الزيدي، وما أثبته هو الصواب، وقد تقدم تصويبه.\n(^٣) في الأصل: اقرؤوا.\n(^٤) رواه الطبراني في المعجم الكبير ١٠٩٤٠ وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ١٣٠): فيه عبد الرحمن بن طاوس ولم أعرفه، وبقية رجاله وُثِّقوا.\n(^٥) رواه ابن جرير في تفسيره (١٢/ ٢٩٣)، عن عباد بن راشد عن الحسن.","vol":"2","page":630},{"text":"وقال القُطَعي: سمعنا الحسن يقول: لا بُد من قيام الليل ولو قَدْرَ حلْبِ شاة.\nوقال محمد بن سيرين مثله (^١).\nقال إسماعيل: أحسبهما قالا كذلك لقول اللَّه ﷿: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾.\nوقد زعم أبو حنيفة وأصحابه بهذه الآية: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾، أن ذلك يجري في صلاة الفرض (^٢)، وذهب عنهم ما أنزلت فيه الآية، وأنه في النوافل تخفيفًا، يُراد: ما تيسر من سائر القرآن مع أم الكتاب، وخالفوا قول رسول اللَّه -ﷺ-: \"كل صلاة لا يقرأ فيها بأم الكتاب فهي خِدَاج\" (^٣)، وقوله ﵇: \"من لم يقرأ بأم الكتاب -يريد المنفردَ- فلا صلاة له\"، ووضعوا الآية في غير موضعها، وخالفوا المفسرين جميعًا، وتفردوا بقول لم يقله أحد.\n* * *\n_________\n(^١) رواه ابن أبي شيبة في مصنفه برقم ٦٦٠٩، كتاب: الصلوات، من كان يأمر بقيام الليل (ط الرشد)، ورواه أيضًا عن الحسن في الأثر الذي قبله.\n(^٢) ينظر أحكام القرآن للجصاص (٥/ ٣٦٧).\n(^٣) رواه مسلم في صحيحه برقم ٣٩٥، كتاب: الصلاة، باب وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة (ط ع الباقي).","vol":"2","page":631},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-819>٤ - قال اللَّه ﵎: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾</span>\nقال مجاهد: بعضه في إثر بعضه، تَرَسّل فيه تَرَسُّلًا (^١).\nوقال ابن جبير: فَسِّره تفسيرًا.\nوقال الحسن عن رجل من أصحاب النبي -ﷺ-: يردد الآية ويبكي.\nوقال ابن عباس: بَيِّنه تَبْيِينا (^٢).\nوقال عبد اللَّه لعلقمة: اقرأ، فقرأ، وكان حسن الصوت، فقال: رَتِّل (^٣).\nوقال أنس: كان رسول اللَّه -ﷺ- يَمُدّ صوته مدًّا (^٤).\n* * *\n_________\n(^١) رواه ابن جرير في تفسيره (١٢/ ٢٨٠ - ٢٨١).\n(^٢) رواه ابن أبي شيبة في مصنفه برقم ٨٧٢٥، كتاب: الصلاة في قراء القرآن (ط الرشد).\n(^٣) رواه ابن أبي شيبة في مصنفه برقم ٨٧٢٤، كتاب: الصلوات، فى قراءة القرآن (ط الرشد).\n(^٤) رواه ابن أبي شيبة في مصنفه برقم ٨٧٢٨، كتاب: الصلوات في قراءة القرآن (ط الرشد).","vol":"2","page":632},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-820>٥ - قال اللَّه عز وعلا: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾</span>\nقال الحسن: العمل به هو الثقيل (^١).\nوقال قتادة: ثِقَلٌ واللَّه فرائضُه وحدودُه (^٢).\n* * *\n_________\n(^١) رواه ابن جرير في تفسيره (١٢/ ٢٨١).\n(^٢) رواه ابن جرير في تفسيره (١٢/ ٢٨١).","vol":"2","page":633},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-821>٦ - قال اللَّه ﵎: ﴿نَاشِئَةَ اللَّيْلِ﴾</span>\nكان ابن عمر يقول: أوله ما بين المغرب والعشاء.\nوقال ابن عباس: ﴿نَاشِئَةَ اللَّيْلِ﴾: الليل كله (^١).\nوقال هو وابن الزبير: إذا أَنْشَأتَ فهو: ناشِئَة، الليل كلُّه ناشئة (^٢).\nوقال علي بن الحسين مثل قول ابن عمر.\nوقال الحسن ومجاهد: أي وقت قمتَ من الليل إلى صلاة الفجر (^٣).\nوقال عكرمة كذلك (^٤).\nوقيل عن عمر: ناشئة الليل: من أول الليل إلى آخره.\nوقال جماعة: قيام الليل (^٥).\nوكل قيام بعد المغرب إلى طلوع الفجر، فهو ﴿نَاشِئَةَ اللَّيْلِ﴾، واللَّه أعلم.\n_________\n(^١) رواه ابن جرير في تفسيره (١٢/ ٢٨٣).\n(^٢) رواه عنهما ابن جرير في تفسيره (١٢/ ٢٨٢).\n(^٣) رواه عن مجاهد ابن جرير في تفسيره (١٢/ ٢٨٢)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٨/ ٣١٦)، عن الحسن لعبد بن حميد، وابن نصر، والبيهقي في سننه.\n(^٤) رواه ابن جرير في تفسيره (٢/ ٢٨٢).\n(^٥) روي عن ابن عباس أن ﴿نَاشِئَةَ اللَّيْلِ﴾: قيام الليل بلسان الحبشة، تفسير ابن جرير (١٢/ ٢٨٢)، ورواه ابن أبي شيبة في مصنفه برقم ٢٩٩٧٠، (ط الرشد)، عن ابن مسعود، وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٨/ ٣١٦) عن أبي مالك لعبد بن حميد، وعن أبي ميسرة، لعبد بن حميد، وابن نصر.","vol":"2","page":634},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-822>٦ - قوله سبحانه: ﴿هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾</span>\nقال مجاهد وجماعة: أن يواطئ سمعَكَ وبصركَ وقلبكَ، ﴿وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾ قال: أثبت قراءة (^١).\nوقال جماعة ما هذا معناه، وإن اختلفت ألفاظهم (^٢).\n* * *\n_________\n(^١) روى شطره الأول ابن جرير في تفسيره (١٢/ ٢٨٤)، وعزى الشطر الثاني السيوطي في الدر المنثور (٨/ ٣١٧) لعبد الرزاق، وعبد بن حميد.\n(^٢) انظر تفسير ابن جرير والدر المنثور في المواضع السابقة.","vol":"2","page":635},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-823>٧ - ﴿إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا﴾</span>\nقال أبو العالية: فراغًا طويلًا.\nوقال مجاهد مثله (^١).\nوقال الشعبي: قال جبريل ﵇: يا محمد، ألست تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه؟ ﴿إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا﴾، ما في السماء من ملك فارغ، ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (١٦٥) وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾ [الصافات: ١٦٥ - ١٦٦].\nفقال الحسن وقتادة والضحاك: فراغًا طويلًا (^٢).\n* * *\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور (٨/ ٣١٨) لعبد بن حميد، وابن نصر.\n(^٢) رواه عن قتادة ابن جرير في تفسيره (١٢/ ٢٨٥).","vol":"2","page":636},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-824>٨ - ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾</span>\nقال مجاهد: أخلص له المسألة والدعاء (^١).\nوقال الحسن: أخلص له إخلاصًا (^٢).\nوقال قتادة: أخلص بالدعوة والعبادة (^٣).\n* * *\n_________\n(^١) رواه ابن جرير قي تفسيره (١٢/ ٢٨٧).\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور (٨/ ٣١٨)، لعبد بن حميد.\n(^٣) رواه ابن جرير في تفسيره (١٧/ ٢٨٧).","vol":"2","page":637},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-825>٢٠ - ﴿وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾</span>\nصدقةُ التطوع، والصيامُ التطوع، وسائر أعمال البر، وتلاوةُ القرآن، وكثرةُ الذكر للَّه ﷿، وهذا كله القرض الحسن، واللَّه ﵎ غير محتاج إلى ذلك، وإنما يريده ويحتاجه إليه لنا، لما أعده من المكافأة على ذلك.\nإلّا أن القرض سمي قرضًا، لأنه يُرَدُّ أو البَدَلُ منه، فقال ﷿: قدِّموا عملًا صالحًا تأخذوا الجزاء والبَدَل عن حاجتكم إليه.\nسمع السّائب رجلًا وهو يقول: من يقرض اللَّه قرضًا حسنًا؟ فقال: سبحان اللَّه، والحمد للَّه، ولا إله إلا اللَّه، واللَّه أكبر.\nروى ذلك سفيان، عن أبي حيان التيمي، عن أبيه، عن شيخ لهم (^١).\n* * *\n_________\n(^١) رواه ابن أبي شيبة في مصنفه برقم ٣٥٢٣٨، كتاب: الزهد، كلام الحسن البصري (ط الرشد).","vol":"2","page":638},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-826>ومن سورة المُدّثِّر</span>","vol":"2","page":639},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-827>١ - ٥ - قال اللَّه ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾</span>\nقال عكرمة: دُثِّرتَ هذا الأمرَ فَقُم به (^١).\nوقال جماعة: كان متدثِّرًا (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-828>[سبب النزول]</span>\nوقال يعلى بن عطاء: لما قال الوليد بن المغيرة لرسول اللَّه -ﷺ- ما قال رجع مُغْتَمًّا، فاستلقى وتغطى بثوبه، وجعل يتفكر، فجاءه جبريل ﵇ فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾، قال: لا تلبسها على ما كنت تفكر، ﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾.\nوقال مجاهد: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾، قال: لستَ بكاهن ولا ساحر، فأعرض عما قالوا (^٣).\nوقال الزهري: فتَر عن رسول اللَّه -ﷺ- فَتْرة فحزن، فجعل يغدو مِرارًا إلى رؤوس شواهق الجبال ليَترَدّى منها، فكلما أَوْفى بِذِرْوَة الجبل تَبَدّى له جبريل ﵇ فيقول: إنك نبي اللَّه فيسكن لذلك جأشه، وترجع إليه نفسُه، فكان النبي -ﷺ- يُحَدِّث عن ذلك قال: \"فبينا أنا أمشي يومًا إذ رأيت المَلَك الذي كان يأتيني بحراء، على كرسي بين السماء والأرض، فجَثَيْتُ منه رُعبًا، فرجعت إلى\n_________\n(^١) رواه ابن جرير في تفسيره (١٢/ ٢٩٧).\n(^٢) ممن قاله: ابن عباس وفتادة، يُنظر تفسير ابن جرير (١٢/ ٢٩٧).\n(^٣) رواه ابن جرير في تفسيره (١٢/ ٢٩٩).","vol":"2","page":641},{"text":"خديجة فقلت: زملوني\"، فدثروه، فأنزل اللَّه ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ (^١).\nقال قتادة: هي كلمة عربية، كانت العرب تقولها: طهر ثيابك، أي: من الذنب (^٢).\nقال الزهري: فكان أول ما نزل عليه: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ حتى بلغ: ﴿مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ١ - ٥] (^٣).\nوقال ابن عباس في قوله سبحانه: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قال: في كلام العرب: نَقِّ الثياب (^٤).\nوقال أبو رزين: عملك فأصلحه، قال: وكان الرجل إذا كان حسن العمل قيل: فلان طاهر الثياب (^٥).\nوقال إبراهيم: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قال: من الإثم (^٦).\nوقال عكرمة: أمره اللَّه ألا يلبس ثيابه على غَدْرة، أما سمعتَ قول غيلان بن سلمة الثقفي:\nفإني بحمد اللَّه لا ثوبَ فاجرٍ ... لبستُ ولا من غَدْرَة أتقنع (^٧)\n_________\n(^١) رواه البخاري في صحيحه شطره الثاني، من طريق الزهري، عن جابر بن عبد اللَّه برقم ٤٩٢٥، كتاب: تفسير القرآن، باب: قوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾، ورواه تامًا من كلام الزهري ابن جرير في تفسير (١٢/ ٢٩٧).\n(^٢) رواه ابن جرير في تفسيره (١٢/ ٢٩٨).\n(^٣) رواه الطبري في تفسيره (١٢/ ٢٩٧).\n(^٤) رواه ابن جرير في تفسيره (١٢/ ٢٩٨).\n(^٥) رواه ابن جرير في تفسيره (١٢/ ٢٩٩).\n(^٦) رواه ابن جرير في تفسيره (١٢/ ٢٩٩).\n(^٧) رواه ابن جرير في تفسيره (١٢/ ٢٩٨).","vol":"2","page":642},{"text":"وقال مجاهد: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ فقال: من الأوثان.\nوقال إسماعيل: بلغني عن بعض من يتكلف الفقه، أنه ذكر أن قوله ﷿: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾، يوجب غسل الثياب من النّجاسات (^١)، فتكلم بكلام يدل على قِلة علمه بما مضى عليه أهل العلم، وبمعاني كلام العرب، وعلى قلة العلم بوضع الكلام مواضعه.\nفأما ما مضى عليه أهل العلم فقد ذكرناه، ولم يقل أحد ما ذكره.\nوأما كلام العرب فقد ذكرنا منه في الأحاديث ما ذكرنا، وهو كثير في كلامهم وأشعارهم، يقول للرجل: طَيِّبُ الإزار، أي: لا يَحُل إزاره على حرام ولا فجور، ويقولون: نَقِيُّ الجَيب، أي لا يلبس ثوبه على دَنَس، قال النابغة:\nرِقاقُ النِّعال طَيِّبٌ حُجُزاتُهم ... يحيَّون بالرَّيْحان يومَ السَّباسِب (^٢)\nقال الأصمعي: طَيِّبٌ حُجُزاتُهم أي: هم أَعِفاء.\nوقالت (^٣) خِرْنِق:\nلا يَبْعَدنْ قومي الذين همُ ... سُم العُداة وآفة الجَزْرِ\nالنازلين بكل مُعترَك ... والطيبون معاقدَ الأُزْرِ (^٤)\nوهذا البيت يُحتج به لقول اللَّه ﷿: ﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾.\n_________\n(^١) يقصد الشافعي، الأم (١/ ٧٢) (ط المعرفة).\n(^٢) ديوان النابغة (ص ٤٧).\n(^٣) في الأصل: قال.\n(^٤) معاني القرآن للأخفش (١/ ١٦٧).","vol":"2","page":643},{"text":"وأما وضع الكلام مواضعه، فقد كان ينبغي لهذا الرجل ألا يظن أن رسول اللَّه -ﷺ- يَحتاج أن يُوَضأ بغسل ثيابه من البول وما أشبهه، وأول هذه السورة من أول ما نزل من القرآن، وذلك قبل نزول الشرائع والوضوء والصلاة.\nوإنما تدل الآية أنه (^١) الطِّهار من أوثان الجاهلية، والأعمال الخبيثة، ألا تراه ﷿ قال: ﴿قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ بالجنة والنار، وادع إلى اللَّه، وقلبك فطهر، والشيطان فاهجر، ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (٦) وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ على أذى من يؤذيك.\nوكل هذا دليل على قلة معرفة هذا الرجل باللغة، فإن أصحابه يدعون له عِلمَها، كما أن أبا حنيفة، ومحمد بن الحسن، وأصحابه، يدَّعون له علم اللغة، قالوا: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾، أن ذلك في صلاة الفريضة، وقاله الشافعي أيضًا، ولم يعلم أنه من أول ما نزل من القرآن، فلم يعلموا أن ذلك نزل قبل الفرائض، وأنه معطوف على صلاة الليل، وأنه كلام مضمن بعضه من بعض، لا يشكل على ذي فهم.\nقال ﷿: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا﴾، ثم قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ (^٢)﴾ [المزمل: ٢٠]، يريد: فصلوا ما تيسر لكم تخفيفًا، لم يُرد القرآن، إنما أراد التخفيف من الصلاة، فكان أوجب عليهم إطالة الصلاة، ثم خفف عنهم ذلك من أجل المرض والسفر والقتال في سبيل اللَّه، فقال: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل: ٤]، أن بعض القراءة أَبْيَن من بعض.\nوقال: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾ [المزمل: ٦]، فعلم أن ناشئة الليل قيام الليل، ثم خفف عنهم القيام الذي كان عليهم للعلل التي وَصَفْتُ،\n_________\n(^١) في الأصل: آية.\n(^٢) في الأصل: ما تيسر منه.","vol":"2","page":644},{"text":"ثم قال: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ﴾ أي: فَصَلُّوا ما تيسر، واختُصِر الكلام في ذلك للمعرفة بالمعنى، ولو كان القصد في هذا التخفيف للقراءة، لكان فرض القيام على حاله لم يُنْسَخ، إذ كان التخفيف إنما هو في القراءة، ولو تأمل هؤلاء القومُ أقوالهم، ونظروا فيما مضى عليه أهل العلم، لأغنوا عن كثير من التّعب، واللَّه أعلم.\nوقال الزهري في الرّجز: إنه الأوثان (^١).\nوقال عكرمة: وقال الحسن: الذنب.\nوقال إبراهيم: الإثم (^٢).\n* * *\n_________\n(^١) رواه ابن جرير في تفسيره (١٢/ ٣٠٠).\n(^٢) رواه ابن جرير في تفسيره (١٢/ ٣٨١).","vol":"2","page":645},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-829>٦ - ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾</span>\nقال عكرمة: لا تعط شيئًا لتُعْطى أكثرَ منه (^١).\nوقاله إبراهيم، والضحاك، وعطية (^٢).\nوقال الضحاك: هي للنبي -ﷺ- خاصة (^٣)، وقال: هو مثلُ قوله: ﴿لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ﴾ [الروم: ٣٩] (^٤).\nوقاله جماعة، وما يدخل في معناه.\nوقاله ابن عباس بروايةٍ صالحة.\nوقال الحسن: لا تمنن بعَطِيَّتِك وعملك، ولا تستكثر (^٥).\nوهذا عندي واللَّه أعلم، وإن كانت مخاطبةً للنبي -ﷺ-، فإنما يراد به أمته، وكذلك كل ما كان من أشكاله، واللَّه أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) رواه ابن جرير في تفسيره (١٢/ ٣٠١).\n(^٢) رواه عن إبراهيم والضحاك، انظر تفسير ابن جرير (١٢/ ٣٠١).\n(^٣) رواه ابن جرير في تفسيره (١٢/ ٣٠٢).\n(^٤) رواه ابن جرير في تفسيره (١٢/ ٣٠٢).\n(^٥) رواه ابن جرير في تفسيره (١٢/ ٣٠٢).","vol":"2","page":646},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-830>ومن سورة لا أقسم </span>(^١)\n_________\n(^١) هي سورة القيامة.","vol":"2","page":647},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-831>١٤ - ١٥ - قال اللَّه ﷿: ﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (١٤) وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾</span>\nروى قتادة، عن زرارة، عن ابن عباس: ﴿وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾، لو تجرد من ثيابه (^١).\nقال (^٢): وقال الحسن: لو اعتذر لم تقبل معذرته (^٣).\nقال إسماعيل: أهل اليمن يسمُّون السِّتر المِعْذار، فأحسب ابن عباس أراد: لو ألقى ما يستره.\nوقال ابن جبير: هو شاهد على نفسه ولو اعتذر (^٤).\nوقال الحسن: عملك أحقُّ بك، قال عكرمة: هو كما قال (^٥).\nوقال مجاهد: وهو صفين جادل عنها بصيرة عليها، يريد شاهدًا عليها (^٦).\nوقال قتادة: شاهدًا عليها بعملها، ولو اعتذر (^٧).\n_________\n(^١) رواه ابن جرير في تفسيره (١٢/ ٣٣٧).\n(^٢) القائل قتادة.\n(^٣) رواه ابن جرير في تفسيره (١٢/ ٣٣٨).\n(^٤) رواه ابن جرير في تفسيره (١٢/ ٣٣٧).\n(^٥) رواه ابن جرير في تفسيره (١٢/ ٣٣٧).\n(^٦) رواه ابن جرير في تفسيره (١٢/ ٣٣٧).\n(^٧) رواه ابن جرير في تفسيره (١٢/ ٣٣٧).","vol":"2","page":649},{"text":"فأما قوله: ﴿لَا أُقْسِمُ﴾ [القيامة: ١]، يُقسم اللَّه بما شاء من خلقه، ومعناها: أقسم، و\"لا\": صلة، وليس لأحد أن يُقسم إلا باللَّه.\nوالنفس اللوامة: يلوم نفسه إذا نظر في صحيفته، فما قدم ليوم فقره، ويندم على ما فات.\nوقال الحسن: ﴿عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾ [القيامة: ٤]، قال: أَنّ نجعله كحافر الدابة.\nوقال قتادة: أو نجعله كخُفِّ البعير، وحافر الدابة (^١).\nوما من أحد إلا وهو يلوم نفسه يوم القيامة، إن كان محسنًا لام نفسه في التقصير، وألا يكون زاد في العمل، فين كان مسيئًا فيلوم نفسه حيث لا ينفعه، واللَّه أعلم.\nوأما قوله: ﴿لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾ [القيامة: ٥].\nقال: تمضي قدمًا وتقول: غدًا أتوب.\nوقال مجاهد: يركب رأسه ويمضي أمامه (^٢).\nوقال الحسن: قُدُمًا قُدُمًا في المعاصي (^٣).\n* * *\n_________\n(^١) رواه ابن جرير في تفسيره (١٢/ ٣٢٨).\n(^٢) رواه ابن جرير في تفسيره (١٢/ ٣٢٩).\n(^٣) رواه ابن جرير في تفسيره (١٢/ ٣٢٩).","vol":"2","page":650},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-832>١٧ - ١٦ - قال اللَّه ﵎: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾</span>\nقال ابن عباس ﵁: كان رسول اللَّه -ﷺ- إذا أنزل عليه القرآن يقول هكذا، قال سعيد بن جبير: وصفه لنا ابن عباس وحرّك شفتيه، حتى اضطربت لحيته من سرعة ما حرك شفتيه، فقال اللَّه ﷿: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾، إن علينا أن نجمعه في صدرك ونقرأه: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾، فإذا أنزلناه فاستمع له ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾، أي: نُبَيِّنَه بلسانك، فكان إذا أتاه جبريل صلوات اللَّه عليه أطرق، فإذا ذهب قرأه كما وعده اللَّه، قال ابن عباس: وإنما كان يحرِّك قبل ذلك لسانَه به، مخافة أن يَتَفَلَّتَ منه (^١).\nوقال سعيد، ومجاهد، وقتادة، وعامر، نحو ذلك (^٢).\nومعناه ومعنى قوله: ﴿فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ واللَّه أعلم: فإذا جمعناه في صدرك، فاعمل بأحكامه وما فيه.\n* * *\n_________\n(^١) متفق عليه، رواه البخاري في مواطن من صحيحه منها رقم ٥، كتاب: بدء الوحي، باب: كيف كان بدء الوحي، ومسلم برقم ٤٤٨، كتاب: الصلاة، باب الاستماع للقراءة (ط ع الباقي).\n(^٢) رواه عنهم ابن جرير في تفسيره (١٢/ ٣٣٩ - ٣٤٠).","vol":"2","page":651},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-833>سورة هل أتى </span>(^١)\n_________\n(^١) هي سورة الإنسان.","vol":"2","page":653},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-834>١ - قال اللَّه ﷿: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾</span>\nقال عمر، وابن مسعود: لَيْتَها تَمَّت (^١).\nوقال قتادة: كان آدم آخرَ ما خُلق من الخلق (^٢)، و﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ﴾، يعني: ذريَّته.\nقال أبو عبيدة: معنى ﴿هَلْ﴾ ليس باستفهام، إنما قد أتى على الإنسان، أو على التقرير، كما يقول الإنسان للإنسان: هل فعلت كذا، أما فعلت بك كذا، قال جرير:\nأَلَسْتُم خَيْرَ مَن رَكِب المَطايا ... وأَنْدى العالمين بُطون راحِ (^٣)\nفَلَفَظ بحرف الاستفهام، وإنما يُريد الإيجاب، وهذا مشهور في كلام العرب.\n* * *\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور عن عمر، لابن المبارك، وأبي عبيد في فضائله، وعبد بن حميد، وابن المنذر، ورواه عن ابن مسعود ابن أبي شيبة في مصنفه برقم ٣٤٥٥٦، كتاب: الزهد، كلام ابن مسعود ﵁ (ط الرشد).\n(^٢) رواه ابن جرير في تفسيره (١٢/ ٣٥٣).\n(^٣) ديوان جرير بشرح ابن حبيب (ص ٨٩).","vol":"2","page":655},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-835>٢ - قال اللَّه ﷿: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ﴾</span>\nقال عكرمة: نُطفة، ثم علَقة، ثم مُضْغَة (^١).\nوقال الحسن: الأمشاج: اختلاط ماءِ الرجل وماءَ المرأة (^٢).\nوقال أيضًا: مَشِيج واللَّه من أَقْذار كثيرة.\nوقال مجاهد: ألوان (^٣).\nوقال قتادة: خلقناهم مما يعلمون، قال: خُلقتَ يا ابن آدم من قَذَر، فاتّقِ اللَّه يا ابن آدم.\nوقال أبو بكر الصديق على المنبر: يا ابن آدم، اعرف نفسك، فإنك خُلقت من أَقْذار، من نطفة جَرَت مَجرى البول، فخالط رَطْبٌ رَطْبًا، ثم علَقة نجِسَة.\n* * *\n_________\n(^١) رواه ابن جرير في تفسيره (١٢/ ٣٥٥).\n(^٢) رواه ابن جرير في تفسيره (١٢/ ٣٥٤).\n(^٣) رواه ابن جرير في تفسيره (١٢/ ٣٥٥).","vol":"2","page":656},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-836>٨ - ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾</span>\nقال الحسن: لم يكن الأُسَراء من المسلمين يومئذ، وإنما كانوا من المشركين (^١).\nوقال عطاء: هو المسجون من أهل القِبلة وغيرهم (^٢).\nوقال ابن جبير: الأسير: المسجون (^٣).\nوقال الحَكَم بن عتيبة: هو المسجون، لا أدري من أهل القِبلة، أم من أهل (^٤) القبلة وغيرهم.\nوقال مجاهد: الأسير: المسجون (^٥).\nوقال قتادة: الأسير يومئذ كان المشرك، وأخوك المسلم أحق أن تُطعِمه (^٦).\nوقال مجاهد: وهم يشتهونه (^٧).\nوهذه الآية مدح لقوم فعلوا ذلك، فينبغي الاقتداء بهم، والدخولُ في مدح اللَّه، وطلَب مرضاته.\n_________\n(^١) رواه ابن جرير في تفسيره (١٢/ ٣٦٠).\n(^٢) رواه ابن جرير في تفسيره (١٢/ ٣٦٠).\n(^٣) رواه ابن جرير في تفسيره (١٢/ ٣٦٠).\n(^٤) في الأصل: غير أهل، والصواب ما أثبته.\n(^٥) رواه ابن جرير في تفسيره (١٢/ ٣٦٠).\n(^٦) رواه ابن جرير في تفسيره (١٢/ ٣٦٠).\n(^٧) رواه ابن جرير في تفسيره (١٢/ ٣٥٩).","vol":"2","page":657},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-837>٩ - ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ﴾</span>\nقال مجاهد: أما إنهم لم يتكلموا به، ولكن عَلِمه اللَّه ﵎ من قلوبهم، فحَكاهم عنه، ليرغب فيه راغب (^١).\n* * *\n_________\n(^١) رواه ابن جرير في تفسيره (١٢/ ٣٦١).","vol":"2","page":658},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-838>والمرسلات</span>","vol":"2","page":659},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-839>٣٥ - ٣٦ - قال اللَّه ﷿: ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾</span>\nقال الضحاك: أتى ابن الأزرق وعطية إلى ابن عباس فقالا: يا ابن عباس، أرأيت قول اللَّه: ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾، وقوله: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزمر: ٣١]، وقوله: ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٤٢]، وقوله: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣]، وقوله: ﴿أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى﴾ [غافر: ٥٠]، وتَتَبّعا هذا النحو، فقال ابن عباس: وَيْحَك يا ابن الأزرق، إنه يوم طويل وفيه مواقف، فيأتي عليهم ما شاء اللَّه أن يأتي فينطقون، ثم يؤذن لهم بعد ذلك فيختصمون، ويأتي عليهم ما شاء اللَّه أن يأتي، وهم يجحدون ويحلفون له ﴿كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾، فإذا فعلوا ذلك، ختم اللَّه على أفواههم، وأنطق جوارحهم فشهِدت، ثم أنطق ألسنتهم بما صنعوا، وهو قوله سبحانه: ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾، ويقال لهم: ﴿أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ (^١) رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى﴾ (^٢).\n\nعَمَّ يتساءلون، والنازعات، وعَبَس، وإذا الشمس كُوِّرَت، وإذا السماء انفطرت، ليس فيها شيء من الأحكام، واللَّه أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) في الأصل: ألم يأتكم.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور (٨/ ٣٨٧) لعبد بن حميد.","vol":"2","page":661},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-840>[سورة المُطَفِّفين]</span>","vol":"2","page":663},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-841>١ - ٣ - قال اللَّه ﵎: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾</span>\nقال أبو هريرة: قدِمت المدينة ورسول اللَّه -ﷺ- بخَيْبَر، فوجدتُ رجلًا من غِفار يؤم الناس، فقرأ في الركعة الأولى من صلاة الصبح \"سورةَ مريم\"، وقرأ في الثانية \"ويل للمطففين\"، وكان فينا رجلٌ له مكيالان، مكيال صغير ومكيال كبير، يأخذ بواحد ويعطي بالآخر، فقلت: ويل لفلان، وقص قصتَه وإسلامَه.\nوالتَّطْفيف: أَلّا يُتِمَّ الشيء، فإن من نَقَصَ من صلاته، أو وضوئه، أو من مِكياله، أو من ميزانه، وما أشبه ذلك من سائر الأشياء، فهو مُطَفِّفٌ داخلٌ في معنى الآية.\nقال مالك ﵁: يقال لكل شيء وفاء وتَطْفِيف (^١).\nوأما قوله عز مِن قائل: ﴿وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ﴾، فإن العرب تقول: كِلْتُكَ ووَزَنْتُكَ، أي: كِلْتُ لك، ووَزَنْت لك، فيُسْقِطون حرف الجَرّ في أشياء من هذا النحو، وقال اللَّه ﵎: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا﴾ [الأعراف: ١٥٥]، أي: من قومه، يُسقطون حرف الجر إذا لم يُشْكل المعنى، لأن قوله: ﴿وَاخْتَارَ﴾، قد أوجب أن الاختيار وقع على بعض دون بعض، فعُلم بلفظ الاختيار أنه قد اختير منهم، واللَّه أعلم.\n\nإذا السماء انشقت، والسماء ذات البُروج، لم يُذكر فيهما شيء.\n_________\n(^١) الموطأ برقم ٢٢، كتاب الصلاة، جامع الوقوت، برواية يحيى.","vol":"2","page":665},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-842>والسماء والطارق</span>","vol":"2","page":667},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-843>٧ - قال اللَّه تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾</span>\nقال بعضهم: التَّرائب: صَدْر الرجل، وهو قول الحسن.\nوقال مجاهد: الصدر أسفل من التراقي (^١).\nوقال عكرمة: الصدر (^٢).\nولم يقولا صَدْرُ مَن.\nوقيل: عُصارة القلب، من هناك يكون الولد (^٣).\nهذا ما قاله المفسرون في التّرائب، والذي عندي أنه من صُلب الرجل، وتَرائِب المرأة، ومن ذلك يكون الشَّبَه بالمائَين، ألا ترى النبيَّ -ﷺ- قال لأم سلَمَة (^٤): فَمِمّ يكون الشبه (^٥)؟ ولذلك ما جُعلت المرأة أَرَقّ على الولد وأَحْنى من الأب، لأن ماء الرجال من ظهورهم، وماء المرأة من صدرها، يُقارب القلب، ويَحتمل قولُ بعضهم أن يكون كما ذكرنا، واللَّه أعلم بما أراد بذلك.\n_________\n(^١) رواه ابن جرير في تفسيره (٥/ ٥٣٥).\n(^٢) يقصد أنهما لم يقولا هل هو صدر الذكر أو صدر الأنثى.\n(^٣) رواه ابن جرير في تفسيره (١٢/ ٥٣٦) عن معمر بن أبي حبيبة.\n(^٤) كذا في الأصل وفي المصدر: أم سُليم.\n(^٥) رواه مسلم في صحيحه برقم ٣١١، باب وجوب الغسل على المرأة بخروج المني منها (ط ع الباقي).","vol":"2","page":669},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-844>[سورة الأعلى]</span>","vol":"2","page":671},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-845>١٤ - ١٥ - قال اللَّه تبارك اسمه في سَبِّح: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾</span>\nقال أبو العالية: نزلت في صلاة الفِطر وزكاتِه.\nوقال عكرمة: كان الرجل يقول: أُقَدِّم زَكاتي بين يَدَيْ صلاتي.\nوقال عمر بن عبد العزيز في خُطبته: قدِّموا صدَقة الفِطر قبل الصلاة، فإن اللَّه ﷿ يقول: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾.\nوقال ابن عباس: من السُّنّة إخراج صدَقة الفِطر قبل الصلاة (^١).\nوقال قتادة: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ بعمل صالح ووَرَع (^٢).\nوقال عطاء، عن ابن عباس: أَلْقِها أمامك حين تغدو، يريد صدَقة الفِطر.\nقال نافع، عن ابن عمر: أمر النبي -ﷺ- بصدَقة الفِطر، فكُنّا نُؤمر أن نخرجه قبل أن نخرج إلى الصلاة.\nوقال ابن شهاب: أمر رسول اللَّه -ﷺ- بإخراج زكاة الفطر قبل الغُدو إلى المصلى.\nورواه أيضًا موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي صلى اللَّه عليه مثله (^٣).\n_________\n(^١) رواه ابن أبي شيبة في مصنفه برقم ١٠٣٢٤، كتاب الزكاة، زكاة الفطر تخرج قبل الصلاة.\n(^٢) رواه ابن جرير في تفسيره (١٢/ ٥٤٦).\n(^٣) رواه البخاري في صحيحه برقم ١٥٠٩، كتاب: الزكاة، باب: الصدقة قبل العيد، ومسلم في صحيحه برقم ٩٨٦، كتاب: الزكاة، باب: الأمر بإخراج زكاة الفطر قبل الصلاة.","vol":"2","page":673},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-846>٦ - قال اللَّه ﵎: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى﴾</span>\nقال مجاهد: كان يتذكر القرآن في نفسه مخافة أن ينسى (^١).\nوقال مالك بن أنس ﵁: تأويل ذلك: ﴿سَنُقْرِئُكَ﴾ فتحفظ.\nوهذا أصح في المعنى، نفى أن ينسى، إذ كان قد وعده فقال سبحانه: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٧] في صدرك، واللَّه أعلم بما أراد من ذلك.\n* * *\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور (٨/ ٤٨٣) للفريابي، وعبد بن حميد، ابن المنذر، وابن أبي حاتم.","vol":"2","page":674},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-847>١٨ - ١٩ - قال اللَّه ﵎: ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾</span>\nقال ابن عباس: هذه السورة في صحف إبراهيم وموسى.\nوقاله عكرمة، وقتادة (^١).\n\nهل أتاك حديث الغاشية، والفجر، لم يذكر فيهما شيء.\n* * *\n_________\n(^١) رواه عن عكرمة ابن جرير في تفسيره (١٢/ ٥٤٨)، وروى عن قتادة (١٢/ ٥٤٩) أن الذي قص اللَّه في هذه السورة لفي ﴿الصُّحُفِ الْأُولَى صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾.","vol":"2","page":675},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-848>[سورة البلد]</span>","vol":"2","page":677},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-849>١ - ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾</span>\nقال الضحاك، وابن جُبير: أقسم بهذا البلد.\nوقال ابن عباس: ﴿الْبَلَدِ﴾: مكة (^١).\nوقاله مجاهد (^٢).\nوقال فيه يحيى، وعبد الرحمن: الحرم.\nوقال فيه وكيع: مكة.\nوقال عطاء: هي مكة، إن اللَّه حَرَّم مكة يوم خلق السماوات والأرض، فهي حرام إلى يوم القيامة، لم تحِلَّ لبشر إلا لنبيكم -ﷺ- ساعةً من النهار (^٣).\nوقال قتادة، وأبو صالح: البلد: مكة (^٤).\n* * *\n_________\n(^١) رواه ابن جرير في تفسيره (١٢/ ٥٨٤).\n(^٢) رواه ابن جرير في تفسيره (١٢/ ٥٨٤).\n(^٣) رواه ابن جرير في تفسيره (١٢/ ٥٨٦).\n(^٤) رواه عن قتادة ابن جرير في تفسيره (١٢/ ٥٨٤)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٨/ ٥١٨) عن أبي صالح، لعبد بن حميد.","vol":"2","page":679},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-850>٢ - وأما قوله: ﴿وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾</span>\nقال ابن عباس: أنت يا محمد يحِل لك أن تقاتل فيه، فأما غيرك فلا (^١).\nوقال مجاهد: أُحل للنبي -ﷺ- أن يَصنع فيها ما شاء، يقول: لا تُؤاخَذُ بما صنعتَ فيه، وليس عليك فيه ما على الناس (^٢).\nوقال الضحاك: اقتل فيه من شئتَ أو دعَ، أحللتها لك يوم الفتح عامة يومِك (^٣).\nوقال قتادة: لستَ بآثِم، أنت به حِل (^٤).\nوقال الشافعي: لا بأس أن يدخل الإنسان مكة وهو غير محرم، لأن النبي -ﷺ- دخل عام الفتح وهو حلال (^٥).\nقال القاضي: والنبي -ﷺ- خُص في ذلك بأن أُحلت له، ولا تَحِل لأحد بعده، ولم تَحِل قبله لأحد، فلما أزيل حكمها يومئذ زال حكم من يدخلها، لأن المُحرم إنما يُحرمُ ليدخل الحرام، فيقضي فيه ما يجب عليه، فلما كان\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور (٨/ ٥١٦) لابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، ولم أقف عليه عند ابن جرير.\n(^٢) رواه ابن جرير في تفسيره (١٢/ ٥٨٥).\n(^٣) رواه ابن جرير في تفسيره (١٢/ ٥٨٦).\n(^٤) رواه ابن جرير في تفسيره (١٢/ ٥٨٥).\n(^٥) ينظر الأم (٢/ ١٥٥) (ط المعرفة).","vol":"2","page":680},{"text":"الحَرَم يومئذ ليس بحَرَم، كان سبيل الداخل أن يدخله مُحِلًا، وقد قال (^١) رسول اللَّه -ﷺ-: \"أحلت لي ساعة من نهار، ولم تحل لأحد قبلي، ولا تَحِل لأحد بعدي\" (^٢)، فكيف يكون غيره كهو صلى اللَّه عليه؟ !\nوأحسبه أُتي من قوله: إن مكة صُلْحٌ، عَصَبِيَّةً للبلد، وتَعصُّبُه لسَيِّد أهل البلد رسولِ اللَّه -ﷺ- أولى من إنكارِ غَلَبِه كفارَ قريشِ.\nهذا وقد أنزل اللَّه ﵎: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر: ١]، فأخبر بالنصر والفتح، وقال رسول اللَّه -ﷺ-: \"من طرح السِّلاح فهو آمن، ومن دخل دار أبي سفيانَ فهو آمن، واقتلوا ابن خطل، وفلانًا، وفلانًا\"، يعني عبد اللَّه بن سعد بن أبي السَّرح، ومقيس بن صبابة، وعكرمة بن أبي جهل، فقُتل ابن خطل معلقًا (^٣) بأستار الكعبة، وقتل مقيس بن صبابة، وفَرّ عكرمة في البحر، ثم جاء وأسلم، وله في البحر قصة، وشفع عثمان لابن أبي سرح فقَبِل إسلامه، فكيف يسوغ في العقل أن يكون هذا وهم آمِنون؟ اللَّه المستعان.\n\nوالشمس وضحاها، والليل إذا يغشى، لم يذكر فيهما شيء.\n* * *\n_________\n(^١) في الأصل: قال لي.\n(^٢) تقدم تخريجه.\n(^٣) في الأصل: معلقٌ.","vol":"2","page":681},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-851>ومن سورة والضحى</span>","vol":"2","page":683},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-852>٣ - قال اللَّه ﵎: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾</span>\nقال جندب بن سفيان: أَبْطأ جبريل على رسول اللَّه صلى اللَّه عليهما وسلم، فقالت امرأة، وفي رواية أخرى: قالوا: قد وَدَّعَك ربُّك وقلاك (^١).\nوقيل: اشتكى فلم يَقم امرأتين (^٢) أو ثلاثًا، فجاءته امرأة فقالت: يا محمد، إني أرجو أن يكون شيطانك قد تركك، فأنزل اللَّه ﵎: ﴿وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [الضحى: ١ - ٣].\nوروى عبد اللَّه بن شداد بن الهاد، أن جبريل ﵇ أتى النبي صلى اللَّه عليه، فقال: يا محمد، اقرأ، فقال: \"وما أقرأ؟ \"، قال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ حتى بلغ: ﴿عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ١ - ٥]، فقال لخديجة: \"يا خديجة، ما أراني إلا قد عُرِضَ لي\"، فقالت خديجة ﵂: كلا واللَّه، ما كان ربك ليفعل ذلك بك، وما أتيت فاحشة قط، قالت: فأتت خديجةُ وَرَقَة بن نَوْفَل، فذكرت ذلك له، فقال (^٣) وَرَقَة: إن تكوني صادقة فإن زوجك نبي، وليَلْقَيَن من أُمَّته شِدّة، فاحتبس جبريل -ﷺ- على النبي صلى اللَّه عليه فقالت خديجة: يا محمد، ما أرى إلا قد قلاك ربك، فأنزل اللَّه ﵎: ﴿وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ (^٤).\n_________\n(^١) متفق عليه، رواه البخاري في صحيحه برقم ٤٩٥٠، كتاب: تفسير القرآن، باب قوله تعالى: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾، ومسلم في صحيحه برقم ١٧٩٧، كتاب: الجهاد والسير، باب: مالقي النبي -ﷺ- من أذى المشركين والمنافقين.\n(^٢) كذا في الأصل، ولعلها: يومين.\n(^٣) في الأصل: فقالت.\n(^٤) رواه ابن جرير في تفسيره (١٢/ ٦٢٣) مختصرًا.","vol":"2","page":685},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-853>١١ - قال اللَّه ﷿: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾</span>\nقال الحسين بن علي رحمة اللَّه عليه وعلى أبيه: إذا أَصَبْتَ خيرًا، أو عملت خيرًا، فحدِّث إخوان ثقتك (^١).\nوقال مجاهد: فحدث بالنبوة الذي أعطاك ربك (^٢).\nوقال أبو رجاء العُطاردي: لقد رزق اللَّه البارحة خيرًا، صليتُ كذا، وسبّحتُ كذا، قال أيوب: فاحتملت ذلك لأبي رجاء.\nوقال نصر بن علي الأكبر: كان (^٣) عبد اللَّه بن غالب: إذا أصبح يقول: صليتُ البارحةَ كذا، وسبَّحتُ كذا، وقرأتُ كذا، فيقال له: يا أبا قريش، مثلُك لا يقول هذا، قال: يقول: يقول اللَّه ﷿: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾، وتقولون: لا تحَدث بنعمة ربك.\nقال بكر: هذا يجوز أن يقولَه من يعتقد أن أعمال البر إذا عمِلها، فلولا منّ اللَّه عليه بها، لم يكن بالقادر عليها، فإذا قالَه وهذا اعتقادُه، ومذهبُه السُّنّة، حسُن منه.\nوسمعت سهل بن عبد اللَّه يقول: الرياء لا يكون في أهل السنة إلا خاطرًا (^٤)، لأنهم يعتقدون في أعمالهم أنها مِنّة من اللَّه تعالى عليهم، وإنما يكون الرياء في أهل القَدَر الذين يعتقدون أنهم عملوها بالاستطاعة المُرَكّبة فيهم.\nوكتب عمر إلى عتبة بن غزوان: وكن لأعمال البِر أكتَم منك للسيئة، فإنها أحق منا عليك، وهذا أحسن وأعظم ثوابًا.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور (٨/ ٥٤٥) لابن أبي حاتم.\n(^٢) رواه ابن جرير في تفسيره (١٢/ ٦٢٥).\n(^٣) في الأصل: قال.\n(^٤) في الأصل خاطر.","vol":"2","page":686},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-854>ومن سورة ألم نشرح</span>","vol":"2","page":687},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-855>١ - ٤ - قال اللَّه ﵎: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾، إلى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾</span>\nقال مجاهد: ﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾ قال: ذنبك، ﴿أَنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾: أثقل (^١).\nوقال قتادة: ذُنوبٌ أثقلته فغُفرت له (^٢).\nقال القاضي: قول قتادة لا يعجبني، لأن ذُنوبَه -ﷺ- أصغرُ الصغائر، وقد وضعها اللَّه عنه، وما يكون بعد ذلك في \"سورة الفتح\"، وقد غُفرت الصغائر لمن دونه إذا اجتنبت الكبائر.\nوقوله: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ في الأذان، أشهد أن لا إله إلا اللَّه، وأشهد أن محمدًا رسول اللَّه، قال: لا أذكر إلا ذُكِرْتَ معي.\nوروى حماد بن زيد، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: \"سألت ربي مسألة ودِدْت أني لم أكن سألته إياها، فقلت: يا رب إنه قد كانت قبلي رسل منهم من كان يُحيي الموتى، ومنهم من سخَّرتَ له الريح، قال: ألم أجدك ضالًا فهديتك؟ قلت: بلى يا رب، قال: ألم أجدك يتيمًا فآويتك؟ قلت: بلى يا رب، قال: ألم أجدك عائلًا فأغنيتك؟\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور (٨/ ٥٤٨) تامًا، للفريابي، وعبد بن حميد، وابن جرير، ابن المنذر، وابن أبي حاتم، ولم يرو ابن جرير سوى شطره الأول.\n(^٢) رواه ابن جرير في تفسيره (١٢/ ٦٢٦).","vol":"2","page":689},{"text":"قلت: بلى يا رب، قال: ألم نشرح لك صدرك، ألم أضَع عنك وزرك الذي أنقض ظهرك، ألم أرفع لك ذكرك؟ قلت: بلى يا رب، بلى يا رب\" (^١).\nقال بكر: قلت: يعني ضالًا عن النبوة، لأنه -ﷺ- قد كان قبل ذلك معصومًا.\n* * *\n_________\n(^١) ذكره السيوطي في الدر المنثور (٥/ ٥٤٩) عن عدي بن ثابت، وعزاه لابن أبي حاتم.","vol":"2","page":690},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-856>٥ - ٦ - قال اللَّه ﵎: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾</span>\nقال الحسن: لما نزلت هذه الآية: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾، قال رسول اللَّه -ﷺ-: \"أبشروا، أتاكم اليسران\" (^١)، أي: لن يغلب عُسر يُسْرَيْن.\nولما قيل: ﴿الْعُسْرِ﴾ كان مَعْرفة، ولما أُعيدت الألف واللام عُلم أن ذلك العُسر بعينه، ولم تثبت الألف واللام في اليُسر فصار نكرة، فصار اليُسر الثاني غير الأول، فصار يُسْرَيْن بإزاء عُسر، وللَّه الحمد.\n* * *\n_________\n(^١) رواه ابن جرير في تفسيره (١٢/ ٦٢٧ - ٦٢٨).","vol":"2","page":691},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-857>٧ - ٨ - قال اللَّه ﵎: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾</span>\nقال ابن مسعود: فإذا فرغت من الفرائض، فانصب في قيام الليل (^١).\nوقال مجاهد: إذا فرغت من أمر الدنيا فقم إلى الصلاة، فاجعل رغبتك للَّه ونيتك له (^٢).\nوقال: فارغب إذا قمت إلى الصلاة في حاجتك، يعني: الدعاء (^٣).\nوقال قتادة: إذا فرغت من صلاتك، فانصب في الدعاء (^٤).\nهذا ما روي، والمعنى: إذا فَرَغت من صلاتك فانصب، معناه: فأخلص في الدعاء وارغب إلى اللَّه فيما بدا لك من أمر الدنيا والآخرة، فادع اللَّه، واللَّه أعلم.\n\n﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾، و﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾، ليس فيهما شيء.\n* * *\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور (٨/ ٥٥١) لابن المنذر، وابن أبي حاتم.\n(^٢) رواه ابن جرير في تفسيره (١٢/ ٦٢٩).\n(^٣) رواه ابن جرير في تفسيره (١٢/ ٦٢٨).\n(^٤) رواه ابن جرير في تفسيره (١٢/ ٦٢٩).","vol":"2","page":692},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-858>[سورة القدر]</span>","vol":"2","page":693},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-859>١ - قال اللَّه ﵎: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾</span>\nقال ابن عباس: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان: ٤]، قال: يُكتب من أم الكتاب في ليلة القَدْر ما يكون من السَّنَة إلى السَّنَة، من موت أو حياة أو مطر أو رزق أو شيء، حتى يُكتب يَحُجّ فلان العامَ.\nسُئل الحسن عن ليلة القَدْر، أفي كل عام؟ قال: إي واللَّه الذي لا إله إلا هو، إنها لفي رمضان، إنها لَليلة ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾، فيها يَقضي اللَّهُ كل خَلْق وأجَل ورِزق وعمَل إلى مثلِها (^١).\nقال أبو العالية: ليلة مباركة هي ليلة القدر، ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ يُرفع فيها أمر السنة الماضية، ويُقضى فيها أمر السنة المستقبِلة.\nوقال المفسرون نحو ذلك.\n* * *\n_________\n(^١) رواه ابن جرير في تفسيره (١٢/ ٦٥٢).","vol":"2","page":695},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-860>٥ - ﴿سَلَامٌ هِيَ﴾</span>\nقال: خيرٌ هي حتى مطلع الفجر.\nوقال ابن عباس: أُنزل القرآنُ جملة واحدة إلى سماء الدنيا، ليلةَ القَدْر من شهر رمضان، ثم أُنزل على النبي -ﷺ- في عشرين سنة بجواب كلام الناس (^١).\n* * *\n_________\n(^١) رواه ابن جرير في تفسيره (١٢/ ٦٥١).","vol":"2","page":696},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-861>٣ - وقوله سبحانه: ﴿خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾</span>\nقال قتادة: خير من ألف شهر ليس فيها ليلة القدر (^١).\nقال مالك: إنه بلغه أن رسول اللَّه -ﷺ- أُري أعمار الناس قبْلَه، أو ما شاء اللَّه من ذلك، فكأنه تقاصر أعمارَ أُمّته، حتى ألا يبلغوا من الأعمال مثل الذي بَلغ غيرُهم في طول العمر، فأعطاه اللَّه ليلةَ القدر خير من ألف شهر (^٢).\nقال مالك: وبلغني أن سعيد بن المسيب كان يقول: من شهد العشاء ليلة القدر فقد أخذ بحظه منها (^٣).\nورواه قتادة، عن سعيد بن المسيب، وقال فيه: من صلى المغرب والعشاء ليلة القدر في جماعة، فقد أصاب ليلة القدر، أو وافق ليلة القدر.\nوقال ابن عباس لما قالوا: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ (^٤) عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾، قال اللَّه ﷿: ﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ [الفرقان: ٣٢].\n* * *\n_________\n(^١) رواه ابن جرير في تفسيره (١٢/ ٦٥٣).\n(^٢) الموطأ برواية يحيى برقم ٨٩٦، كتاب: الاعتكاف، ما جاء في ليلة القدر.\n(^٣) الموطأ برواية يحيى برقم ٨٩٧، الموضع السابق.\n(^٤) في الأصل: أنزل.","vol":"2","page":697},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-862>٥ - ﴿سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾</span>\nقال قتادة: خير هي حتى مطلع الفجر (^١).\nوقال أبو العالية: رحمة كلُّها من أولها إلى آخرها، ولا يوافقها عبد مؤمن يقوم إيمانًا واحتسابًا إلا غُفر له ما تقدم من ذنبه.\nوقال مجاهد: ﴿سَلَامٌ هِيَ﴾ قال: من أن يحدث فيها داء لم يحدث في غيرها، ولا يستطيع شيطان أن يعمل فيها شيئًا.\nوقال كعب الأحبار: نجدها في الكتاب خطوطًا.\n\n﴿لَمْ يَكُنِ﴾، ليس فيها شيء.\n* * *\n_________\n(^١) مر كلام المؤلف على هذه الآية، وفيه قول قتادة هذا، وقولٌ لابن عباس -﵄-.","vol":"2","page":698},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-863>[سورة الزَّلْزَلَة]</span>","vol":"2","page":699},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-864>١ - قال اللَّه ﷿: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾</span>\nقال حِبّان بن جَزْء: سمعت أبا هريرة يقول: حسبك إذا بلغت هذه الآية: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧ - ٨].\nوقال الحارث بن سويد: إن هذا لإحصاء شديد (^١).\nوقيل: نزلت هذه الآية وأبو بكر يأكل فأمسَك، فقال: يا رسول اللَّه، أُوافى لو أني ما عملت من خير أو شر؟ فقال: \"رأيتَ، هل رأيتَ مما تكره، فهو من مَثاقيل ذر الشر، ويدخر لكم مثاقيلَ ذر الخير، حتى تُعطَوه يوم القيامة\"، قال أبو إدريس: مصداقها في كتاب اللَّه قال: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠] (^٢).\nوقال محمد بن كعب في هذه الآية: ﴿فَمَنْ (^٣) يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾: أما المؤمن فيَرى حسناتِه في الآخرة، وأما الكافر فيَرى حسناتِه في الدنيا (^٤).\n_________\n(^١) رواه ابن جرير في تفسيره (١٢/ ١٢١).\n(^٢) وواه ابن جرير في تفسيره (١٢/ ٦٦٢).\n(^٣) في الأصل: من.\n(^٤) رواه ابن جرير في تفسيره (١٢/ ٦٦٣).","vol":"2","page":701},{"text":"قال الحسن: قدم صعصعة عمُّ الفرزدق على رسول -ﷺ- فسمع: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾، فقال: حسبي ما أبالي ألا أسمعَ من القرآن شيئًا غيرَ هذا (^١)، هكذا رواه سليمان، وعارم، عن جرير، عن الحسن.\nوروى أبو سهيل بن مالك، عن أبيه، عن كعب الأحبار، أنه كان يقول في القرآن: فيما أَنزل اللَّه على محمد -ﷺ- آيتان أحْصَتا ما في التوراة والإنجيل، ألا تجدون ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾؟ قال جلساؤه: بلى، قال: فإنهما أَحْصَتا ما في التوراة والإنجيل، قال كعب: لا يضركم ألا تسألوا عن العبد ماذا له عند ربه بعد وفاته، إلا أن تنظروا ماذا يورث، فإن ورث لسان صدق فالذي له عند ربه خير مما يورث، وإن ورث لسان سوء فالذي له عند ربه شر مما يورث، واللسان تابعه خيرًا وشرًا، المرء حيث يضع نفسه إن أحب الصالحين جعله اللَّه معهم، وإن أحب الأشرار جعله اللَّه معهم، فإن اللَّه ﵎ جعلكم شهداء على سائر الأمم، وجعل نبيكم صلى اللَّه عليه شاهدًا عليكم، ثم تلا: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ الآية كلها (^٢).\nقال القاضي: معنى لسانُ صِدْقٍ أي: ثناءُ صِدْقٍ، ألا ترى أن النبي -ﷺ- قال: \"أنتم شهداء اللَّه في أرضه\" (^٣).\n\n﴿وَالْعَادِيَاتِ﴾ لم يذكر فيها شيء.\n_________\n(^١) رواه الإمام أحمد في مسنده برقم ٢٠٥٩٣.\n(^٢) رواه أبو نعيم في الحلية (٦/ ٣).\n(^٣) متفق عليه من حديق أنس ﵁، رواه البخاري في صحيحه برقم ١٣٦٧، كتاب: الجنائز، باب: ثناء الناس على الميت ومسلم في صحيحه برقم ٩٤٩، كتاب: الجنائز، باب: فيمن يثنى عليه خير أو شر من الموتى (ط ع الباقي).","vol":"2","page":702},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-865>ومن سورة القارعة</span>","vol":"2","page":703},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-866>٦ - قال اللَّه ﵎: ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾</span>\nقال مالك بن مِغْوَل، عن عبيد اللَّه بن العَيْزار قال: إن الأقدام يوم القيامة لمثل النَّبْل في القَرَن، فالسعيد من وَجَد لقدميه موضعًا يضعهما، وعند الميزان ملَك ينادي: ألا إن فلان بن فلان ثقلت موازينه، فسعِد سعادة لم يَشْقَ بعدها أبدًا، ألا إن فلان بن فلان خَفّت موازينه، فشَقِيَ شقاء لن يَسْعد بعده أبدًا (^١).\n* * *\n_________\n(^١) رواه ابن أبي شيبة برقم ٣٠٤٠٨، كتاب: الزهد، الشعبي (ط الرشد).","vol":"2","page":705},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-867>ومن سورة أَلْهاكم</span>","vol":"2","page":707},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-868>١ - [قوله تعالى: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾]</span>\nقال قتادة، عن مُطَرِّف، عن أبيه، أنه أتى النبيَّ -ﷺ- وهو يقرأ ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ قال: \"يقول ابن آدم: مالي مالي، وهل لك من مالك إلا ما أَكَلْتَ فأفنَيْت، أو تصدقتَ فأمضيتَ، أو لبِستَ فأبليتَ\" (^١).\nوقال الحسن، وعبد اللَّه: بعد وَعيد عِلمِ اليقينِ حقِّ اليقين (^٢).\nقال يحيى بن سعيد الأنصاري: قال رجل من الأنصار: نعمة اللَّه فيما زَوَى عني من الدنيا، أعظمُ من نعمته علي فيما أعطاني منها (^٣).\n* * *\n_________\n(^١) رواه مسلم في صحيحه برقم ٢٩٥٨، كتاب الزهد والرقائق (ط ع الباقي).\n(^٢) رواه عن الحسن ابن أبي شيبة برقم ٣٥٥٧٠، كتاب: الزهد، ما قالوا في البكاء من خشية اللَّه (ط الرشد).\n(^٣) رواه ابن أبي شيبة في مصنفه برقم ٣٥٤٠٩، كتاب: الزهد، الشعبي (ط الرشد).","vol":"2","page":709},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-869>٨ - ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾</span>\nقال الزبير بن العوام: لما نزلت ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ قال الزبير: يا رسول اللَّه، أي نعيم، وإنما هما الأسودان: الماء والتمر؟ ! قال: \"إن ذلك سيكون\" (^١).\nيعني -واللَّه أعلم- ما فتح اللَّه عليهم من الدنيا.\nوقال جابر بن عبد اللَّه: جاء رسول اللَّه -ﷺ- ومعه أبو بكر وعمر، فأتيناهم برُطب وماء، فأكلوا وشربوا، ثم قال: \"هذا من النعيم الذي تسألون عنه\" (^٢).\nهذا ما لا يُنكَر، الرُّطَب والماء البارد من أجَلِّ النعيم.\nوقال يزيد بن رومان: خرج رسول -ﷺ- إلى المسجد فجاءه أبو بكر وعمر وعلي ﵏، قال عبد الرحمن: وأنا أشك في عثمان ﵁، فقال رسول اللَّه -ﷺ-: \"ما أخرجكم؟ \"، قالوا: الخمص، قال النبي -ﷺ-: \"وأنا، فاذهبوا بنا إلى أبي الهيثم بن التَّيهان\"، فذهبوا إليه فدقوا باب النخل، فجاءت امرأته لتفتح لهم، فلما رأت رسول اللَّه -ﷺ- رحّبَت به وسَهّلت، ثم فتحت ودخلت في عريشها، فقال لها النبي -ﷺ-: \"أين صاحبك؟ \" قالت: ذهب يَسْتَعذِب لنا من الماء، فلم نلبث أن جاء بقُلَّة يحملها، فلما رأى رسول اللَّه -ﷺ- قام فَجَدّ عرقًا فقال النبي -ﷺ-: \"لم جددته؟ \" فقال: يا رسول اللَّه، فيه التمرة\n_________\n(^١) رواه الإمام أحمد في مسنده برقم ١٤٠٥، والترمذي في سننه برقم ٣٣٥٧، أبواب: تفسير القرآن، باب: ومن سورة ألهاكم التكاثر.\n(^٢) رواه الإمام أحمد في مسنده برقم ١٤٦٣٧ و١٤٧٨٦ و١٥٢٠٦.","vol":"2","page":710},{"text":"والزهوة والرُّطَبة، تأكل من أيها شئتَ، ثم ولى فأخذ شاة، فقال له النبي -ﷺ-: \"لا تذبح لنا ذات دَرِّ\"، ثم جاء إلى امرأته فقال: هل عندك من شيء؟ فقالت: نعم، قبضة من شعير، فطحنته ثم خبزه، ثم فَتَّه، ثم صَبّ عليه من عكنة (^١)، فأكل النبي -ﷺ- وأكلوا، فلما خرجوا قال النبي -ﷺ-: \"هذا من النعيم الذي تسألون عنه يوم القيامة\" (^٢).\nوقال مالك: إنه بلغه نحو من ذلك، وفيه أبو بكر وعمر حسبُ.\nورواه ابن أبي حازم، عن أبيه، عن رجل، عن ابن أبي الهيثم، عن أبيه، وأتى به طويلًا، إلا أن الغرض منه في آخره، سواء كما حُكي.\nوقال مجاهد في هذه الآية: يسأل عن كل شيء التذه في الدنيا (^٣).\nوقال الحسن، وقتادة: ثلاث لا يسأل عنهن ابن آدم: بيت يُكِنُّه من الحَرّ والبرد، وكسوة يواري بها سوأته، وكِسرة يَشُد بها صُلبه (^٤).\nسمعت سهل بن عبد اللَّه يقول: مما يسأل عنه العبد: يقول اللَّه ﵎: \"ألم أُخمِل ذِكْرَك\".\n\nوالعصر، والهمزة، وألم تر، وإيلاف (^٥) قريش، لم يذكر فيها شيء.\n_________\n(^١) الكلمة في الأصل مهملة النون، ولم أعرف لها وجهًا.\n(^٢) رواه مسلم في صحيحه برقم ٢٠٣٨، كتاب: الأشربة، باب: جواز استتباعه غيره إلى دار من يثق برضاه (ط ع الباقي).\n(^٣) رواه ابن جرير في تفسيره (١٢/ ٦٨٣).\n(^٤) أورده ابن جرير في تفسيره (١٢/ ٦٨٣).\n(^٥) في الأصل: ولإيلاف.","vol":"2","page":711},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-870>ومن سورة أرأيتَ</span>","vol":"2","page":713},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-871>٢ - قال اللَّه ﵎: ﴿فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ﴾</span>\nقال مجاهد: يدفع اليتيم فلا يُطعمه (^١).\nوقال قتادة: يَقهره ويظلمه (^٢).\nوقال شبل، والليث: يدفعه عن حقه الذي يجب له عليه.\n* * *\n_________\n(^١) رواه ابن جرير في تفسيره (١٢/ ٧٠٦).\n(^٢) رواه ابن جرير في تفسيره (١٢/ ٧٠٦).","vol":"2","page":715},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-872>٤ - ٥ - ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾</span>\nمصعب بن سعد، عن أبيه: سألت رسول اللَّه -ﷺ- عن ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ فقال: \"الذين يؤخرون (^١) الصلاة عن وقتها\"، ورواه شيبان الأُبُلّي، عن عكرمة بن إبراهيم الأزدي، عن عبد الملك بن عمير، عن مصعب.\nقال إسماعيل: ولا أعلم أحدًا رفع هذا الحديث، إلا هذا الشيخُ عكرمة، وقد رواه الناس موقوفًا على سعد (^٢).\nوقال ابن مسعود: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَى (^٣) صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾ [المعارج: ٢٣] قال: على مواقيتها.\nوقال مسروق: الحفاظ على الصلاة لوقتها، والسهو عنها ترك وقتها.\nوقال الحسن: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾، قال: هم الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها.\nوقال مجاهد: هم المنافقون (^٤).\nوقال: ﴿سَاهُونَ﴾: لاهون (^٥).\nوقال قتادة: ساهٍ عنها، لا يبالي صلى أو لم يصل (^٦).\n_________\n(^١) في الأصل: يخرون.\n(^٢) رواه ابن جرير في تفسيره (١٢/ ٧٠٦).\n(^٣) في الأصل: عن.\n(^٤) رواه ابن جرير في تفسيره (١٢/ ٧٠٨).\n(^٥) رواه ابن جرير في تفسيره (١٢/ ٧٠٧).\n(^٦) رواه ابن جرير في تفسيره (٢/ ٧٠٧).","vol":"2","page":716},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-873>٦ - ٧ - ﴿الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (٦) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾</span>\nقال ابن زيد بن أسلم، عن أبيه: يصلون وليس الصلاةُ من شأنهم، رياءً (^١).\n﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ قال: هم المنافقون، يراءون بصلاتهم، ويمنعون زكاة أموالهم.\nوروي عن عبد اللَّه: الماعون هو ما يعاور الناس بينهم، الفاسُ والقِدْرة، وأشباه ذلك (^٢).\nوروي عن علي ﵀: ﴿الْمَاعُونَ﴾: الزكاة (^٣).\nوقال ابن عباس: متاع البيت (^٤).\nوقال ابن عمر: هو المال الذي لا يعطى حقُّه (^٥).\nوروي عن ابن عباس أيضًا في وجه آخر: الزكاة (^٦).\n_________\n(^١) رواه ابن جرير في تفسيره (١٢/ ٧٠٧).\n(^٢) رواه ابن جرير في تفسيره (١٢/ ٧١١).\n(^٣) رواه ابن جرير في تفسيره (١٢/ ٧٠٩).\n(^٤) رواه ابن جرير في تفسيره (١٢/ ٧١٣).\n(^٥) رواه ابن جرير في تفسيره (١٢/ ٧١٠).\n(^٦) رواه البيهقي في سننه الكبرى برقم ٧٧٩٥، جماع أبواب صدقة التطوع، باب ما ورد في تفسير الماعون.","vol":"2","page":717},{"text":"وقال عكرمة: رأس الماعون الزكاة، وما يتعاطاه الناس بينهم من العارية.\nوقال ابن جبير: الزكاة (^١).\nوقاله الحسن أيضًا (^٢).\nوقال أهل اللغة: الماعون في اللغة هو الذي لا ينبغي منعه، فتأول قوم الزكاةَ، وتأوّل قوم غيرَ ذلك، فالزكاة أَحَقُّ به.\nوقد يدخل فيه ألّا يمنع الإنسان معروفًا لا ضرر عليه فيه، ألا تراه ﷿ قال: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾، ومعناه: لمن وجبت عليه الصلاةُ بالدخول في الإسلام، لأن الصلاة لا تجب إلا بعد الإيمان، ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ عن وقتها حتى يخرجَ، ﴿الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ﴾ بالدِّين وليسوا من أهله، ولا ممن يُحافظ عليه، ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ الواجبَ عليهم، وهو الزكاة، واللَّه أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) رواه ابن جرير في تفسيره (١٢/ ٧١١).\n(^٢) رواه ابن جرير في تفسيره (١٢/ ٧١١).","vol":"2","page":718},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-874>[سورة الكوثر]</span>","vol":"2","page":719},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-875>١ - ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾</span>\nرُوي عن عليٍّ بإسناد الشيوخ [و] (^١) عن الشعبي: أنه وَضْعُ اليمنى على اليسرى (^٢).\nوعن ابن عباس: وضع اليمنى على الشمال عند النحر في الصلاة (^٣).\nوقال مجاهد: النّحْر: يومُ النّحْرِ، مناحِرُ البُدْن بمنى (^٤).\nوقال ابن جبير: الصلاة يومَ النحر بمنى، قال: صل ركعتين ثم اذبح وانحر.\nوقال عطاء: موقفهم بجَمْع، [و] (^٥) صلاتهم يوم النحر، قال عطاء: إن شاء نَحَر، وإن شاء ذَبَح.\nوقال بكل قول من ذلك جماعة.\nوالذي توجبه الآية واللَّه أعلم، ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ﴾ صلاةَ الأضحى، ﴿وَانْحَر﴾ في إثرها، وهذا أُنزل بالمدينة، يُؤمر بالنحر بعد الصلاة.\n_________\n(^١) غير موجودة في الأصل، وبها يستقيم الكلام.\n(^٢) رواه عنهما ابن جرير في تفسيره (١٢/ ٧٢١).\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور (٨/ ٦٥٠ - ٦٥١) لابن مردويه، وابن شاهين في السنة، وابن أبي حاتم، والبيهقي.\n(^٤) رواه ابن جرير في تفسيره (١٢/ ٧٢٣).\n(^٥) ساقطة من الأصل.","vol":"2","page":721},{"text":"فأما الحج فلا عيد فيه ولا صلاة عيد، والنحر فيه بعد الصلاة بالمشعر، وهي صلاة الغداة، ثم إتيان مِنى، ورمي الجَمْرَة، ثم النحر، ألا ترى رسولَ اللَّه -ﷺ- لما ذبح أبو بردة بن نِيَار قبل الغدو، أمره رسول اللَّه -ﷺ- بإعادة ذلك فقال: عندي عَناقٌ جَذَعَة (^١)، فمعنى الآية: صل وانحر، واللَّه أعلم.\n\n﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾، لم يذكر فيهما شيء.\n* * *\n_________\n(^١) عَناقٌ جَذَعَة: قال في النهاية (٣/ ٣١١): هي الأنثى من أولاد المعز ما لم يتم له سنة، والحديث رواه البخاري في صحيحه برقم ٩٨٣، أبواب العيدين، باب: كلام الإمام والناس في خطبة العيدين.","vol":"2","page":722},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-876>[سورة المَسَد]</span>","vol":"2","page":723},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-877>١ - قال اللَّه ﷿: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾</span>\nلما دعا نبي اللَّه -ﷺ- أبا لهب إلى الإسلام جعل يقول: تَبًّا لك، فأنزل اللَّه ﵎: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾، يعني: خَسِرت يدا أبي لهب وخَسِر.\n﴿مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾ [المسد: ٢]، وولده من كسْبه، ولذلك قالت عائشة: أَحَلّ ما أكلَ الرجل من كسبه، وولدُه من كسبه، وروته عن رسول اللَّه -ﷺ-.\nوروى عمارة بن عمير، عن عمته، عن عائشة عن النبي -ﷺ- أنه قال: \"ولد الرجل من أطيب كسبه، فكلوا من أموالهم\" (^١).\nوالذي يوجبُ عندي تبَسُّطَ الأب في مال ابنه والأكلَ منه قول اللَّه ﷿: ليس عليكم جناح ﴿أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ﴾، حتى بلغ: ﴿صَدِيقِكُمْ﴾ [النور: ٦]، فذكر من ذكر، ولم يذكر الأبناء، والأبناء أقرب الجماعة، فكان عندي مذكورًا تحت قوله: ﴿بُيُوتِكُمْ﴾، بيت الولد هو بيت الأب، ولذلك قال النبي -ﷺ-: \"أنت ومالك لأبيك\" (^٢)، أي تجري مَجراك فيه، على وجه المعروف من غير اغتصاب أو تَغَنُّم، أو ما أشبه ذلك، واللَّه أعلم.\n_________\n(^١) رواه الإمام أحمد في مواطن من مسنده منها برقم ٢٤٠٣٢، وأبو داود في سننه برقم ٣٥٢٨، كتاب: البيوع، باب في الرجل يأكل من مال ولده (ط الأرناؤوط)، والنسائي في سننه برقم ٤٤٤٩، كتاب: البيوع، باب: الحث على الكسب، وابن ماجه في سننه برقم ٢١٣٧، أبواب: التجارات، باب: الحث على المكاسب.\n(^٢) تقدم تخريجه (٢/ ٢٣٢).","vol":"2","page":725},{"text":"قال القاضي بكر: هذا آخر كتاب الأحكام، اختصرته من كتاب إسماعيل بن إسحاق ﵀، وتركت الأسانيد ليَقْرُب على المتعلِّم، فإن احتيج إلى الأسانيد أُخذت من كتاب إسماعيل ﵀.\nوأما الكلام فالكثير منه كلام إسماعيل، وربما اختصرته وزدت فيه، وتكلمت بما حضرني، مما ظننت أن إسماعيل لكثرة شغله أغفله، أو لزيادة زيدت علينا بعده، فاحتجتُ إلى الانفصال منها، مما رجوت أن يكون تقوية للمذهب، وتصحيحًا لما ذهب إليه فيه، إلا ما قلتُ فيه: حدثنا، فذلك من سائر الحديث، ليس مَخرَجُه إسماعيل، نفعنا اللَّه به، ومن نوى تعلمه، وأراد اللَّهَ به، والحمد للَّه رب العالمين لا شريك له.\n\nفرغ من نسخه الفقير إلى رحمة ربه: عبد الكافي بن محمد البجائي (^١)، غفر اللَّه له ولوالديه ولجميع المسلمين، آمين يا ربَّ العالمين، وصلى اللَّه على محمد نبيه وآله وسلم، وذلك في سَلْخ ربيع الأول سنة تسع وثمانين وخمسمائة.\n* * *\n_________\n(^١) رُسمت في الأصل مهملة.","vol":"2","page":726},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-878>فهرس المصادر والمراجع المعتمدة في الدراسة والتحقيق</span>\n- القرآن الكريم، برواية حفص عن عاصم، ورواية ورش عن نافع.\n- أحكام القرآن لأبي بكر أحمد بن علي الجصاص الرازي، تـ: محمد الصادق قمحاوي، دار إحياء التراث العربي بيروت، ١٤١٢ هـ/ ١٩٩٢ م.\n- أحكام القرآن، للقاضي أبي إسحاق إسماعيل بن إسحاق المالكي، تـ: د/ عامر حسن صبري، دار ابن حزم، ط: ١، ١٤٢٦ هـ/ ٢٠٠٥ م.\n- الاختيار لتعليل المختار، لأبي الفضل عبد اللَّه بن محمود الموصلي الحنفي، تعليق: محمود أبو دقيقة، مطبعة الحلبي بالقاهرة،، ١٣٥٦ هـ/ ١٩٣٧ م.\n- الاستذكار، للحافظ أبي عمر يوسف بن عبد اللَّه الشهير بابن عبد البر، النمري، القرطبي، تـ: عبد المعطي قلعجي، ط: ١، دار قتيبة، ودار الوعي، ١٤١٤ هـ/ ١٩٩٣ م.\n- الاستذكار، للحافظ أبي عمر يوسف بن عبد اللَّه الشهير بابن عبد البر، النمري، القرطبي، تـ: سالم محمد عطا ومحمد علي معوض، دار الكتب العلمية بيروت، ط: ١، ١٤٢١ هـ/ ٢٠٠٠ م.\n- الاستيعاب في معرفة الأصحاب، لأبي عمر يوسف بن عبد اللَّه بن عبد البر، تـ: على محمد البجاوي، ط: ١، دار الجيل ببيروت، ١٤١٢ هـ/ ١٩٩٢ م.","vol":"2","page":815},{"text":"- أسد الغابة في معرفة الصحابة، لأبي الحسن علي بن محمد بن الأثير، دار الفكر ببيروت، ١٤٥٩ هـ/ ١٩٨٩ م.\n- الإشراف على نكت مسائل الخلاف، لأبي محمد عبد الوهاب بن علي البغدادي، تـ: الحبيب بن طاهر، ط: ١، دار ابن حزم، ١٤٢٠/ ١٩٩٩ م.\n- أطلس القرآن، د/ شوقي أبو خليل، دار الفكر دمشق، دار الفكر المعاصر بيروت، ١٤٢٣ هـ/ ٢٠٠٣ م.\n- الاعتصام، لإبراهيم بن موسى الشاطبي، تـ: سليم بن عيد الهلالي، ط: ١، دار ابن عفان بالسعودية، ١٤١٢ هـ/ ١٩٩٢ م.\n- الأعلام، لخير الدين الزركلي، دار العلم للملايين، د ت.\n- أقضية رسول اللَّه -ﷺ-، لأبي عبد اللَّه محمد بن الفرج القرطبي المعروف بابن الطلاع، دار الكتاب العربي ببيروت، ١٤٢٦ هـ.\n- الإقناع لابن القطان.\n- الإكليل في استنباط التنزيل، للحافظ جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي، تـ: أبي الفضل عبد اللَّه بن الصديق الغماري، مطابع دار الكتاب العربي، د ت.\n- إكمال الإكمال، للحافظ أبي بكر محمد بن عبد الغني الشهير بابن نقطة، الحنبلي، تـ: د/ عبد القيوم عبد رب النبي، ط: ١، جامعة أم القرى بمكة المكرمة، ١٤١٠ هـ.\n- إكمال المعلم بفوائد مسلم، للقاضي أبي الفضل عياض بن موسى السبتي، ت: د/ يحيى إسماعيل، ط: ١، دار الوفاء، ١٤١٩ هـ/ ١٩٩٨ م.","vol":"2","page":816},{"text":"- الإكمال في رفع الارتياب عن المؤتلف والمختلف في الأسماء والكنى والأنساب، للحافظ أبي نصر علي بن هبة اللَّه الشهير بابن ماكولا، دار الكتب العلمية، ١٤١١ هـ/ ١٩٩٠ م.\n- الأم، للإمام أبي عبد اللَّه محمد بن إدريس الشافعي، تـ: رفعت فوزي عبد المطلب، دار الوفاء، ١٤٢٢ هـ/ ٢٠٠١ م.\n- الأم، للإمام أبي عبد اللَّه محمد بن إدريس الشافعي، دار المعرفة بيروت، ١٤١٠ هـ/ ١٩٩٠ م.\n- الأنساب، لأبي سعد عبد الكريم بن محمد السمعاني المروزي، تـ: عبد الرحمن المعلمي اليماني، ط: ١، مجلس دائرة المعارف العثمانية بحيدر آباد بالهند، ١٣٨٢ هـ/ ١٩٦٢ م.\n- الإنصاف لابن عبد البر ضمن مجموعة الرسائل المنيرية، إدارة الطباعة المنيرية، ١٣٤٣ هـ.\n- بداية المجتهد ونهاية المقتصد، لأبي الوليد محمد بن أحمد بن رشد الحفيد، دار الفكر.\n- بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، لأبي بكر بن مسعود الكاساني الحنفي، ط: ٢، دار الكتب العلمية، ١٤٥٦ هـ/ ١٩٨٦ م.\n- البلغة في تراجم أئمة النحو، لأبي طاهر محمد بن يعقوب الفيروزآبادي، تـ: محمود المصري، منشورات مركز المخطوطات والتراث بالكويت، ١٤٠٧ هـ/ ١٩٨٧ م.\n- بهجة المجالس وأنس المجالس، لأبي عمر يوسف بن عبد اللَّه بن عبد البر، تـ: محمد مرسي الخولي، دار الكتب العلمية.","vol":"2","page":817},{"text":"- البيان والتبيين لأبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ، ط: ٧، مكتبة الخانجي بالقاهرة، ١٤١٨ هـ/ ١٩٩٨ م.\n- البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة، لأبي الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي، تـ: د. محمد حجي وآخرون، ط: ٢، دار الغرب الإسلامي، ١٤٠٨ هـ/ ١٩٨٨ م.\n- تاريخ الإسلام، ووفيات المشاهير والأعلام، للحافظ أبي عبد اللَّه محمد بن أحمد الذهبي، تـ: د/ بشار عواد معروف، ط: ١، دار الغرب الإسلامي، ٢٠٠٣ م.\n- التاريخ الإسلامي، لمحمود شاكر، ط: ٦، المكتب الإسلامي، ١٤٢١ هـ/ ٢٠٠٠ م.\n- تاريخ الدولة العثمانية، الأمير شكيب أرسلان، تـ: حسن السماحي سويدان، دار ابن كثير، دار التربية، ط: ١، ١٤٢٢ هـ/ ٢٠٠١ م.\n- تاريخ الطبري، لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري، تـ: محمد أبو الفضل إبراهيم، بيروت لبنان، د ت.\n- تاريخ بغداد، للحافظ أبي بكر أحمد بن علي الخطيب البغدادي، تـ: د/ بشار عواد معروف، ط: ١، دار الغرب الإسلامي، ١٤٢٢ هـ/ ٢٠٠٢ م.\n- تاريخ علماء الأندلس، للحافظ أبي الوليد عبد اللَّه بن محمد المعروف بابن الفرضي، تـ: د/ بشار عواد معروف، ط: ١، دار العرب الإسلامي، ١٤٢٩ هـ/ ٢٠٠٨ م.","vol":"2","page":818},{"text":"- تبصرة الحكام، في أصول القضية ومناهج الحكام، لإبراهيم بن علي الشهير بابن فرحون، المالكي، ط: ١، مكتبة الكليات الأزهرية، ١٤٠٦ هـ/ ١٩٨٦ م.\n- تبيين كذب المفتري، فيما نسب على الإمام أبي الحسن الأشعري، للحافظ أبي القاسم علي بن الحسين الشهير بابن عساكر الدمشقي، دمشق، ١٣٤٧ هـ.\n- تذكرة الحفاظ، للحافظ أبي عبد اللَّه محمد بن أحمد الذهبي، ط: ١، دار الكتب العلمية، ١٤١٩ هـ/ ١٩٩٨ م.\n- ترتيب المدارك وتقريب المسالك لمعرفة أعلام مذهب مالك، تـ: جماعة من المحققين، منشورات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالمغرب.\n- تفسير ابن أبي حاتم، تـ: أسعد بن محمد الطيب، ط: ١، مكتبة نزار مصطفى الباز مكة الرياض، ١٤١٧ هـ/ ١٩٩٧ م.\n- تفسير الطبري، جامع البيان في تأويل القرآن، لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري، ط: ٣، دار الكتب العلمية، ١٤٢٠ هـ/ ١٩٩٩ م.\n- تقريب التهذيب، لأبي الفضل أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، تـ: محمد عوامة، ط: ٤، دار الرشيد حلب، ١٤١٨ هـ/ ١٩٩٧ م.\n- تكملة تاريخ الطبري، لابن عبد الملك، ملحق بتاريخ الطبري، تقدمت بياناته.\n- التلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير، لأبي الفضل أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، تـ: أبو عاصم حسن بن عباس بن قطب، ط: ١، مؤسسة قرطبة مصر، ١٤١٦ هـ/ ١٩٩٥ م.","vol":"2","page":819},{"text":"- التلقين، لأبي محمد عبد الوهاب بن علي البغدادي، ط: ١، دار الكتب العلمية، ١٤٢٥ هـ/ ٢٠٠٥ م.\n- التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد، للحافظ أبي عمر يوسف بن عبد اللَّه، الشهير بابن عبد البر، تـ: جماعة من المحققين، منشورات وزارة الأوقاف بالمغرب.\n- تنبيه الطالب لفهم لغات ابن الحاجب، لأبي عبد اللَّه محمد بن عبد السلام الأموي المالكي، ط: ١، دار الضياء بالكويت، ١٤٣٢ هـ/ ٢٠١١ م.\n- التنبيهات المستنبطة على الكتب المدونة والمختلطة، للقاضي أبي الفضل عياض بن موسى اليحصبي السبتي، تـ: د/ محمد الوثيق، ود/ عبد النعيم حميتي، دار ابن حزم، ط: ١، ١٤٣٢ هـ/ ٢٠١١ م.\n- تهذيب الأسماء واللغات، لأبي زكريا يحيى بن شرف النووي، تـ: شركة العلماء بمساعدة من إدارة الطباعة المنيرية، دار الكتب العلمية.\n- تهذيب الكمال في أسماء الرجال، لأبي الحجاج يوسف بن عبد الرحمن المزي، د/ بشار عواد معروف، ط: ١، مؤسسة الرسالة، ١٤٠٠ هـ/ ١٩٨٠ م.\n- التوضيح لشرح الجامع الصحيح، لأبي حفص، سراج الدين، عمر بن علي ابن الملقن الشافعي، تـ: دار الفلاح للبحث العلمي وتحقيق التراث، دار النوادر دمشق، ط: ١، ١٤٢٩ هـ/ ٢٠٠٨ م.\n- التيسير في القراءات، لأبي عمرو عثمان بن سعيد الداني، تـ: أوتو تريزل، ط: ٢، دار الكتاب العربي ببيروت، ١٤٠٤ هـ/ ١٩٨٤ م.","vol":"2","page":820},{"text":"- جامع بيان العلم وفضله، وما يجوز في روايته وحمله، للحافظ أبي عمر يوسف بن عبد اللَّه الشهير بابن عبد البر، دار الفكر، د ت.\n- الجامع لأحكام القرآن، لأبي عبد اللَّه محمد بن أحمد القرطبي، تـ: أحمد البردوني، وإبراهيم أطفيش، الناشر: دار الكتب المصرية القاهرة، ط: ٢، ١٣٨٤ هـ/ ١٩٦٤ م.\n- جمهرة أنساب العرب، لأبي محمد علي بن أحمد الشهير بابن حزم الأندلسي الظاهري، ط: ١، دار الكتب العلمية، ١٤٠٣ هـ/ ١٩٨٣ م.\n- الجواهر الحسان في تفسير القرآن، لأبي زيد عبد الرحمن بن محمد بن مخلوف الثعالبي، تـ: محمد علي معوض، عادل أحمد عبد الموجود، دار إحياء التراث العربي بيروت ط: ١، ١٤١٨ هـ.\n- الجواهر المضية في طبقات الحنفية، لأبي محمد عبد القادر بن محمد القرشي الحنفي، مير محمد كتب خانه كراتشي، د ت.\n- الحاوي الكبير، لأبي الحسن علي بن محمد الماوردي، ط: ١، دار الكتب العلمية، ١٤١٩ هـ/ ١٩٩٩ م.\n- الحجة على أهل المدينة، لأبي عبد اللَّه محمد بن الحسن الشيباني، تـ: مهدي حسن الكيلاني القادري، ط: ٣، عالم الكتب ببيروت، ١٤٠٣ هـ.\n- حسن المحاضرة في تاريخ مصر والقاهرة، للحافظ جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي، تـ: محمد أبي الفضل إبراهيم، ط: ١، دار إحياء الكتب العربية، ١٣٨٧ هـ/ ١٩٦٧ م.\n- حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، لأبي نعيم أحمد بن عبد اللَّه الأصبهاني، نشرة السعادة.","vol":"2","page":821},{"text":"- خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب، لعبد القادر بن عمر البغدادي، تـ: عبد السلام هارون، ط: ٤، مكتبة الخانجي بالقاهرة، ١٤١٨ هـ/ ١٩٩٧ م،\n- الدر المنثور في التفسير المأثور، لجلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي، ط: ١، دار الفكر، ١٤٠٣ هـ/ ١٩٨٣ م.\n- الدولة العباسية، لمحمد بك الخضري، ط: ١، مؤسسة الكتب الثقافية، ١٤١٥ هـ/ ١٩٩٥ م.\n- الديباج المذهب في معرفة أعيان علماء المذهب، لإبراهيم بن علي الشهير بابن فرحون المالكي، تـ: د/ محمد الأحمدي أبو النور، ط: ٢، مكتبة دار التراث، ١٤٢٦ هـ/ ٢٠٠٥ م.\n- ديوان الأعشى الكبير، تـ: محمد محمد حسين، مكتبة الآداب، الجماميز.\n- ديوان الحطيئة برواية وشرح ابن السكيت، تـ: د/ نعمان محمد أمين طه، ط: ١، مكتبة الخانجي بالقاهرة، ١٤٠٧ هـ/ ١٩٨٧ م.\n- ديوان الراعي النميري، جمع وتـ: راينهرت فايْبَرت، المعهد الألماني لأبحاث الشرقية، ١٤٠١ هـ/ ١٩٨١ م.\n- ديوان الشماخ بن ضرار الذبياني، تـ: صلاح الهادي، دار المعارف، ضمن سلسلة ذخائر العرب.\n- ديوان الفرزدق، تـ: علي الفاعور، ط: ١، دار الكتب العلمية، ١٤٠٧ هـ/ ١٩٨٧ م.\n- ديوان النابغة الذبياني، تـ: د/ أبو الفضل إبراهيم، ط: ٢، دار المعارف، ضمن سلسلة ذخائر العرب.","vol":"2","page":822},{"text":"- ديوان امرئ القيس، تـ: محمد أبو الفضل إبراهيم، ط: ٥، دار المعارف، ضمن سلسلة ذخائر العرب.\n- ديوان جران العود النميري، رواية أبي سعيد السكري، ط: ٣، دار الكتب المصرية.\n- ديوان جرير بشرح محمد بن حبيب، تـ: د/ نعمان محمد أمين طه، ط: ٣، دار المعارف، ضمن سلسلة ذخائر العرب.\n- ديوان حاتم بن عبد اللَّه الطائي وأخباره، صنعة يحيى بن مدرك الطائي، رواية هشام بن محمد الكلبي، تـ: د/ عادل سليمان جمال، ط: ٢، مكتبة الخانجي بالقاهرة، ١٤١١ هـ/ ١٩٩٠ م.\n- ديوان ذي الرمة، تـ: عبد القدوس أبو صالح، ط: ٢، مؤسسة الإيمان، ١٤٠٢ هـ/ ١٩٨٢ م.\n- ديوان زيد الخيل الطائي، صنعة د/ أحمد مختار البرزة، ط: ١، دار المأمون للتراث، ١٤٠٨ هـ/ ١٩٨٨ م.\n- ديوان سحيم بني عبد الحسحاس، تـ: عبد العزيز الميمني، دار الكتب المصرية، ١٣٦٩ هـ/ ١٩٥٠ م.\n- ديوان عمرو ابن أحمر الباهلي، تـ: د/ حسين عطوان، مجمع اللغة العربية بدمشق.\n- ديوان قيس بن الخطيم، تـ: د/ ناصر الدين الأسد، دار صادر ببيروت.\n- ديوان لقيط بن يعمر، تـ: د/ عبد المعيد خان، دار الأمانة ومؤسسة الرسالة، ١٣٩١ هـ/ ١٩٧١ م.","vol":"2","page":823},{"text":"- ربيع الأبرار ونصوص الأخيار، لجار اللَّه الزمخشري، ط: ١، مؤسسة الأعلمي بيروت، ١٤١٢ هـ.\n- الرسالة القشيرية، لأبي القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيري، دار الكتاب العربي، د ت.\n- الرسالة، للإمام محمد بن إدريس الشافعي، تـ: أحمد محمد شاكر، ط: ٣، مكتبة دار التراث القاهرة، ١٤٢٦ هـ/ ٢٠٠٥ م.\n- زاد المسير في علم التفسير، لأبي الفرج عبد الرحمن بن علي بن الجوزي، المكتب الإسلامي.\n- سنن ابن ماجه، تـ: شعيب الأرناؤوط وآخرون، ط: ١، دار الرسالة العالمية، ١٤٣٥ هـ/ ٢٠٠٩ م.\n- سنن أبي داود، تـ: شعيب الأرناؤوط، ط: ١، دار الرسالة العالمية، ١٤٣٠ هـ/ ٢٠٠٩ م.\n- سنن أبي داود، تـ: محمد عوامة، ط: ١، دار القبلة، ومؤسسة الريان، والمكتبة المكية، ١٤١٩ هـ/ ١٩٩٨ م.\n- سنن الترمذي، تـ: د/ بشار عواد معروف، ط: ٢، دار الغرب الإسلامي، ١٩٩٨ م.\n- السنن الكبرى لأبي بكر أحمد بن الحسين البيهقي، تـ: محمد عبد القادر عطا، ط: ٣، دار الكتب العلمية، ١٤٢٤ هـ/ ٢٠٠٣ م.\n- السنن الكبير للبيهقي، تـ: مركز هجر للبحوث والدراسات العربية والإسلامية، ط: ١، هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان، ١٤٣٢ هـ/ ٢٠١١ م.","vol":"2","page":824},{"text":"- سنن النسائي، عناية: عبد الفتاح أبو غدة، ط: ٤، دار البشائر الإسلامية، ١٤١٤ هـ/ ١٩٩٤ م.\n- سنن سعيد بن منصور، تـ: حبيب الرحمن الأعظمي، ط: ١، الدار السلفية الهند، ١٤٥٣ هـ/ ١٩٨٢ م.\n- السنن، لأبي الحسن علي بن عمر الدارقطني، تـ: شعيب الأرناؤوط وآخرون، ط: ١، مؤسسة الرسالة، ١٤٢٤ هـ/ ٢٠٠٤ م.\n- السنن، لأبي محمد عبد اللَّه بن عبد الرحمن الدارمي، تـ: حسين سليم أسد الداراني، ط: ١، دار المغني بالسعودية، ١٤١٢ هـ/ ٢٠٠٠ م.\n- سير أعلام النبلاء، للحافظ أبي عبد اللَّه محمد بن أحمد الذهبي، تـ: جماعة بإشراف الشيخ شعيب الأرناؤوط، ط: ٣، مؤسسة الرسالة، ١٤٠٥ هـ/ ١٩٨٥ م.\n- شجرة النور الزكية في طبقات المالكية، لمحمد بن محمد مخلوف، المطبعة السلفية بالقاهرة، ١٣٤٩ هـ.\n- شذرات الذهب في أخبار من ذهب، لأبي الفلاح عبد الحي بن أحمد الشهير بابن العماد الحنبلي، تـ: عبد القادر الأرناؤوط، ط: ١، دار ابن كثير، ١٤٠٦ هـ/ ١٩٨٦ م.\n- شرح الإعلام بحدود قواعد الإسلام، لأبي العباس أحمد بن محمد، المعرف بابن القباب الفاسي، تـ: عبد اللَّه بن طاهر، منشورات الرابطة المحمدية للعلماء، ١٤٣٥ هـ/ ٢٠١٤ م.\n- شرح البخاري لأبي الحسن علي بن خلف بن بطال، تـ: أبو تميم ياسر بن إبراهيم، ط: ٢، مكتبة الرشد بالرياض، ١٤٢٣ هـ/ ٢٠٠٣ م.","vol":"2","page":825},{"text":"- شرح ديوان لبيد بن ربيعة، جمع وتحقيق إحسان عباس، منشورات وزارة الإرشاد والأنباء في الكويت، ١٩٦٢ م.\n- الشريعة، لأبي بكر محمد بن الحسين الآجري، تـ: محمد حامد الفقي، دار الإمام محمد بن عبد الوهاب بلاهور باكستان.\n- شعب الإيمان، لأبي بكر أحمد بن الحسين البيهقي، تـ: د/ عبد العلي عبد الحميد حامد، ط: ١، مكتبة الرشد الرياض، ١٤٢٣ هـ/ ٢٠٠٣ م.\n- الشفا بتعريف حقوق المصطفى، للقاضي أبي الفضل عياض بن موسى اليحصبي السبتي، تـ: علي عبده كوشك، مكتبة الغزالي دمشق، دار الفيحاء بيروت، ط: ٢، ١٤٢٧ هـ/ ٢٠٠٦ م.\n- صحيح الإمام البخاري، تـ: محمد فؤاد عبد الباقي، مع فتح الباري، دار مصر للطباعة، ١٤٢١ هـ/ ٢٠٠١ م.\n- صحيح الإمام مسلم، الطبعة التركية، المطبعة العامرة بإسطنبول.\n- صحيح الإمام مسلم، تـ: محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي ببيروت.\n- صلة تاريخ الطبري، لعريب بن سعد، ملحق بتاريخ الطبري المتقدم البيانات.\n- الصلة في تاريخ علماء الأندلس، لأبي القاسم خلف بن عبد المالك بن بشكوال، تـ: السيد عزت العطار الحسيني، ط: ٢، مكتبة الخانجي، ١٣٧٤ هـ/ ١٩٥٥ م.","vol":"2","page":826},{"text":"- طبقات الشافعية الكبرى، لتاج الدين عبد الوهاب بن تقي الدين السبكي، ت: د/ محمود محمد الطناحي، ود/ عبد الفتاح محمد الحلو، ط: ٢، هجر للطباعة، ١٤١٣ هـ.\n- طبقات الشعراء، لعبد اللَّه بن محمد بن المعتز، تـ: عبد الستار أحمد فراج، ط: ٣، دار المعارف بالقاهرة، د ت.\n- طبقات الفقهاء، لأبي إسحاق الشيرازي الشافعي، تـ: إحسان عباس، دار الرائد العربي، ١٩٧٠ م.\n- الطبقات الكبرى، لأبي عبد اللَّه محمد بن سعد، تـ: د/ إحسان عباس، ط: ١، دار صادر، ١٩٦٨ م.\n- طبقات المفسرين، لشمس الدين محمد بن علي الداودي، ط: ١، دار الكتب العلمية، ١٤٠٣ هـ/ ١٩٨٣ م.\n- طبقات فحول الشعراء، لأبي عبد اللَّه محمد بن سلام الجمحي، تـ: محمود محمد شاكر، دار المدني جدة.\n- طوق الحمامة في الألفة والألاف، لأبي محمد علي بن أحمد بن حزم الظاهري الأندلسي، تـ: إحسان عباس، ط: ٢، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ١٩٨٧ م.\n- العبر في خبر من غبر، للحافظ أبي عبد اللَّه محمد بن أحمد الذهبي، تـ: محمد بسيوني زغلول، دار الكتب العلمية، د ت.\n- العقد الفريد، لأبي عمر أحمد بن محمد بن عبد ربه الأندلسي، دار ومكتبة الهلال، مصورة الطبعة الأزهرية ١٣٢١ هـ.","vol":"2","page":827},{"text":"- العين، أبو عبد الرحمن الخليل بن أحمد الفراهيدي، تـ: د/ مهدي المخزومي، ود/ إبراهيم السامرائي، دار ومكتبة الهلال.\n- عيون الأخبار، لأبي محمد عبد اللَّه بن مسلم ابن قتيبة الدينوري، دار الكتب العلمية، ١٤١٨ هـ.\n- غرر المقالة في شرح غريب الرسالة، لأبي عبد اللَّه محمد بن منصور بن حمامة المغراوي، تـ: د/ الهادي حمو، ود/ محمد أبو الأجفان، ط: ٢، دار الغرب الإسلامي، ١٩٩٧ م.\n- غريب الحديث، لأبي عبيد القاسم بن سلام، د/ محمد عبد المعيد خان، ط: ١، دائرة المعارف العثمانية بحيدر آباد الهند، ١٣٨٤ هـ/ ١٩٦٤ م.\n- فتح الباري بشرح صحيح البخاري، للحافظ أبي الفضل أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، دار مصر للطباعة، ط: ١، ١٤٢١ هـ/ ٢٠٠١ م.\n- الفصل في الملل والأهواء والنحل، لأبي محمد علي بن أحمد بن حزم الأندلسي، مكتبة الخانجي بالقاهرة.\n- فضائل القرآن وما أنزل من القرآن بمكة وما أنزل بالمدينة، لأبي عبد اللَّه محمد بن أيوب بن الضريس البجلي، تـ: عروة بدير، ط: ١، دار الفكر دمشق، ١٤٠٨ هـ/ ١٩٨٧ م.\n- فهرسة ما رواه عن شيوخه، أبو بكر محمد بن خير الإشبيلي، تـ: فرنسشكه كوديره، وخليان ريبيره، ط: ٣، مكتبة الخانجي، ١٤١٧ هـ/ ١٩٩٧ م.\n- الكتاب، لأبي بشر عمرو بن عثمان المعروف بسيبويه، تـ: عبد السلام هارون، ط: ٣، مكتبة الخانجي القاهرة، ١٤٠٨ هـ/ ١٩٨٨ م.","vol":"2","page":828},{"text":"- لسان العرب، لأبي الفضل محمد بن مكرم بن منظور، ط: ٣، دار صادر، ٢٠٠٤ م.\n- لسان الميزان، لأبي الفضل أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، تـ: عبد الفتاح أبو غدة، ط: ١، دار البشائر الإسلامية، ٢٠٠٢ م.\n- المبسوط في القراءات العشر، لأبي بكر أحمد بن الحسين بن مهران النيسابوري، تـ: سبيع حمزة حاكيمي، مجمع اللغة العربية بدمشق، ١٩٨١ م.\n- المبسوط، لأبي سهل محمد بن أحمد السرخسي، دار المعرفة ببيروت، ١٤١٤ هـ/ ١٩٩٩ م.\n- مجاز القرآن، لأبي عبيدة معمر بن المثنى، تـ: د/ محمد فؤاد سيزكين، مكتبة الخانجي القاهرة، ١٣٨١ هـ.\n- مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، لأبي الحسن علي بن نور الدين الهيثمي، تـ: حسام الدين القدسي، مكتبة القدسي القاهرة، ١٤١٤ هـ/ ١٩٩٤ م.\n- محاسن التأويل، لمحمد جمال الدين بن محمد سعيد القاسمي، تـ: محمد باسل عيون السود، دار الكتب العلمية بيروت، ط: ١، ١٤١٨ هـ.\n- المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات والإيضاح عنها، لأبي الفتح عثمان بن جني، المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، ١٤٢٠ هـ/ ١٩٩٩ م.\n- المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، لأبي محمد عبد الحق بن غالب المعروف بابن عطية، دار الكتب العلمية.\n- المحلى، لأبي محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم، إدارة الطباعة المنيرية، ١٣٥٢ هـ.","vol":"2","page":829},{"text":"- مختصر الخرقي على مذهب الإمام المبجل أحمد بن حنبل، لأبي القاسم عمر بن الحسين الخرقي، ط: ١، مؤسسة السلام للطباعة والنشر.\n- المدرسة المالكية العراقية النشأة والمميزات، ضمن بحوث ملتقى القاضي عبد الوهاب بدبي، د/ حميد لحمر، ط: ١، ١٤٢٥ هـ/ ٢٠٠٤ م.\n- المدونة، للإمام مالك بن أنس، ط: ١، دار الكتب العلمية، ١٤١٥ هـ/ ١٩٩٤ م.\n- المدونة، للإمام مالك بن أنس، ط: ١، مطبعة السعادة.\n- مرآة الجنان وعبرة اليقظان في معرفة ما يعتبر من حوادث الزمان، لأبي محمد عبد اللَّه بن أسعد اليافعي، تـ: خليل منصور، ط: ١، دار الكتب العلمية، ١٤١٧ هـ/ ١٩٩٧ م.\n- المستدرك على الصحيحين، لأبي عبد اللَّه الحاكم النيسابوري، إشراف: يوسف عبد الرحمن المرعشلي، دار المعرفة ببيروت.\n- المستوعب لتاريخ الخلاف العالي ومناهجه عند المالكية، د/ محمد العلمي، منشورات الرابطة المحمدية للعلماء، ١٤٣١ هـ/ ٢٠١٠ م.\n- مسند الإمام أحمد بن حنبل، تـ: شعيب الأناؤوط وآخرون، ط: ١، مؤسسة الرسالة، ١٤٢١ هـ/ ٢٠٠١ م.\n- مسند الفاروق أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ وأقواله على أبواب العلم، لأبي الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير، تـ: عبد المعطي قلعجي، ط: ٢، دار الوفاء، ١٤١٢ هـ/ ١٩٩٢ م.\n- مشارق الأنوار على صحاح الآثار، لأبي الفضل عياض بن موسى السبتي، المكتبة العتيقة بتونس، ودار التراث بالقاهرة.","vol":"2","page":830},{"text":"- المصنف لأبي بكر عبد الرزاق بن همام الصنعاني، تـ: حبيب الرحمن الأعظمي، ط: ٢، المجلس العلمي بالهند، ١٤٠٣ هـ.\n- المصنف لأبي بكر عبد اللَّه بن محمد بن أبي شيبة، تـ: كامل يوسف الحوت، ط: ١، مكتبة الرشد بالرياض، ١٤٠٩ هـ.\n- المصنف لأبي بكر عبد اللَّه بن محمد بن أبي شيبة، تـ: محمد عوامة، ط: ١، شركة دار القبلة، مؤسسة علوم القرآن، ١٤٢٧ هـ/ ٢٠٠٦ م.\n- معاني القرآن للزجاج، لأبي إسحاق إبراهيم بن السري الزجاج، تـ: د/ عبد الجليل عبده شلبي، ط: ١، عالم الكتب، ١٤٠٨ هـ/ ١٩٨٨ م.\n- معاني القرآن، لأبي الحسن سعيد بن مسعدة الأخفش، ت د/ هدى محمود قراعة، ط: ١، مكتبة الخانجي بالقاهرة، ١٤١١ هـ/ ١٩٩٥ م.\n- معجم الأدباء، لأبي عبد اللَّه ياقوت بن عبد اللَّه الحموي، تـ: د/ إحسان عباس، ط: ١، دار الغرب الإسلامي، ١٤١٤ هـ/ ١٩٩٣ م.\n- معجم البلدان، لأبي عبد اللَّه ياقوت بن عبد اللَّه الحموي، ط: ٢، دار صادر، ١٩٩٥ م.\n- المعجم الكبير، لأبي القاسم سليمان بن أحمد الطبراني، تـ: حمدي بن عبد المجيد السلفي، مكتبة ابن تيمية بالقاهرة.\n- معجم ما استعجم، لأبي عبيد عبد اللَّه بن عبد العزيز البكري، ط: ٣، عالم الكتب ببيروت، ١٤٠٣ هـ.\n- معجم مقاييس اللغة، تـ: عبد السلام هارون، دار الفكر.\n- المقاصد الحسنة، لأبي الخير محمد بن عبد الرحمن السخاوي، تـ: محمد عثمان الخشت، ط: ١، دار الكتاب العربي ببيروت، ١٤٥٥ هـ/ ١٩٨٥ م.","vol":"2","page":831},{"text":"- مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين، للإمام أبي الحسن علي بن إسماعيل الأشعري، تـ: نعيم زرزور، ط: ١، المكتبة العصرية، ١٤٢٦ هـ/ ٢٠٠٥ م.\n- الملل والنحل، لأبي الفتح محمد بن عبد الكريم الشهرستاني، دار الفكر، ١٤٢٦ هـ/ ٢٠٠٥ م.\n- المنتقى شرح الموطأ، لأبي الوليد سليمان بن خلف الباجي، نشرة السعادة، ١٣٣٢ هـ.\n- الموطأ للإمام مالك بن أنس برواية القعنبي، تـ: د/ عبد المجيد تركي، ط: ١، دار الغرب الإسلامي، ١٩٩٩ م.\n- الموطأ للإمام مالك بن أني برواية يحيى بن يحيى الليثي، تـ: محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي ببيروت، ١٤٠٦ هـ/ ١٩٨٥ م.\n- الموطأ، للإمام مالك بن أنس، رواية أبي مصعب الزهري.\n- الموطأ، للإمام مالك بن أنس، رواية يحيى بن يحيى الليثي، تـ: د/ بشار عواد معروف، ط: ٢، دار الغرب الإسلامي، ١٤١٧ هـ/ ١٩٩٧ م.\n- الناسخ والمنسوخ، لابي جعفر محمد بن أحمد النحاس، ط: ١، المكتبة العصرية، ١٣٢٤ هـ/ ٢٠٠٣ م.\n- النشر في القراءات العشر، لأبي الخير محمد بن محمد بن الجزري، تـ: محمد علي الضباع، المطبعة التجارية الكبرى.\n- نهاية المطلب في دراية المذهب، لأبي المعالي، عبد الملك بن عبد اللَّه الجويني، تـ: د/ عبد العظيم محمود الدّيب، دار المنهاج، ط: ١، ١٤٢٨ هـ/ ٢٠٠٧ م.","vol":"2","page":832},{"text":"- النهاية في غريب الحديث، لأبي السعادات المبارك بن محمد الجزري، تـ: طاهر أحمد الزاوي، ومحمود محمد الطناحي، المكتبة الإسلامية.\n- النوادر والزيادات على ما في المدونة من غيرها من الأمهات، لأبي محمد عبد اللَّه بن أبي زيد القيرواني المالكي، تـ: د/ عبد الفتاح محمد الحلو وآخرون، دار الغرب الإسلامي ببيروت، ط: ١، ١٩٩٩ م.\n- الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره وأحكامه وجمل من فنون علومه، لأبي محمد مكي بن أبي طالب القيسي، تـ: بإشراف د/ الشاهد البوشيخي، ط: ١، منشورات مجموعة بحوث الكتاب والسنة، كلية الشريعة والدراسات الإسلامية، جامعة الشارقة، ١٤٢٩ هـ/ ٢٠٠٨ م.\n- الوافي بالوفيات، لصلاح الدين خليل بن أيبك الصفدي، تـ: أحمد الأرناؤوط، وتركي مصطفى، دار إحياء التراث، ١٤٢٠ هـ/ ٢٠٠٠ م.\n- وفيات قوم من المصريين ونفر سواهم، لأبي إسحاق إبراهيم بن سعيد الحبال، تـ: محمود محمد الحداد، ط: ١، دار العاصمة بالرياض، ١٤٠٨ هـ.","vol":"2","page":833},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-879>سيرة ذاتية للمحقق</span>\nالاسم: سلمان الصمدي.\n\nتاريخ ومكان الازدياد: ٢٠ سبتمبر ١٩٨٦ م، القصر الكبير شمال المملكة المغربية.\n\nالمؤهلات العلمية:\n• الإجازة في الدراسات الإسلامية، من كلية الآداب، جامعة عبد المالك السعدي بتطوان.\n• الماستر في الاختلاف في العلوم الشرعية، من كلية الآداب، جامعة ابن طفيل بالقنيطرة.\n• يعد رسالة الدكتوراه في نفس الكلية في موضوع: \"التعليل الفقهي وأثره عند مالكية العراق\".\n\nالتخصص:\n• الفقه والأصول.\n\nالأعمال العلمية:\n• تحقيق كتاب: \"نكت المحصول في أصول الفقه\"، لأبي بكر بن العربي المعافري (قيد الطبع).","vol":"2","page":861}]}