{"ً":{"ٌ":402,"ٍ":"أحكام الحديث الضعيف - ضمن «آثار المعلمي»","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"files":["https://archive.org/download/moalemee/15_137195s.pdf"]},"ّ":"الكتاب: أحكام الحديث الضعيف\n[آثار عبد الرحمن بن يحيى المعلمي اليماني (١٥)]\nالمؤلف: عبد الرحمن بن يحيى المُعَلِّمي اليماني (١٣١٣ - ١٣٨٦ هـ)\nالمحقق: علي بن محمد العمران\nراجعه: محمد أجمل الإصلاحي - عادل بن عبد الشكور الزرقي\nالناشر: دار عالم الفوائد للنشر والتوزيع\nالطبعة: الأولى، ١٤٣٤ هـ\nقدمه للشاملة: مؤسسة «عطاءات العلم»، جزاهم الله خيرا\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":178,"ٕ":10,"ٖ":1780758585,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["15"],"ٚ":[{"title":"سبب تأليف الرسالة","level":1,"page":2},{"title":"فصل (التنبيه على بعض المهمات)","level":1,"page":5},{"title":"الأولى: (حول مصطلح «الحسن»)","level":2,"page":5},{"title":"الثانية: (إذا شاع أن بعض الإئمة استند في مسألة ما إلى حديث ضعيف، فلا يجوز أن ينسب إليه أنه يرى الاحتجاج بالضعيف)","level":2,"page":5},{"title":"الثالثة: (قد يؤدي المجتهد اجتهاده إلى تصحيح الحديث الضعيف)","level":2,"page":6},{"title":"الرابعة: (قد يكون الحديث صحيحا في نظر مجتهد وهو ضعيف في نظر غيره)","level":2,"page":6},{"title":"الخامسة: (قد يصير الحديث الضعيف حجة عند مجتهد لاعتضاده بعاضد)","level":2,"page":7},{"title":"فصل (ما نقل عن الأئمة فيما قد يخدش الإجماع على أن الأحكام لا تثبت بالحديث الضعيف)","level":1,"page":7},{"title":"الأول: ما نسب إلى أبي حنيفة أنه يحتج بالضعيف","level":2,"page":7},{"title":"الثاني: ما نقل عن الإمام أحمد أنه يحتج بالضعيف إذا لم يكن في الباب غيره","level":2,"page":8},{"title":"الثالث: ما حكي عن أبي داود أنه يحتج بالضعيف إذا لم يكن في الباب غيره","level":2,"page":10},{"title":"الرابع: احتجاج مالك بالمرسل","level":2,"page":11},{"title":"الخامس: احتجاج الشافعي بالمرسل إذا اعتضد","level":2,"page":11},{"title":"فصل: (العمل بالضعيف في فضائل الأعمال)","level":1,"page":12},{"title":"فصل: (الآثار المروية عن أئمة السلف في التسامح في أحاديث الفضائل)","level":1,"page":17},{"title":"فصل","level":1,"page":20},{"title":"فصل: (تحرير المراد من تساهل السلف في أحاديث الفضائل)","level":1,"page":21},{"title":"فصل (تحقيق الأمور التي كان السلف يتساهلون في رواية ما ورد فيها من الضعيف)","level":1,"page":22},{"title":"مناقشة من يرى العمل بما ورد من الضعيف بفضيلة عمل خاص لم تثبت له خصوصية في النصوص الصحيحة.","level":1,"page":23},{"title":"فصل (إيضاح ما تقدم)","level":1,"page":27},{"title":"ما ورد من الضعيف في الدعوات","level":1,"page":29},{"title":"فصل (التساهل المروي عن بعض السلف في أحاديث الفضائل ليس إجماعا)","level":1,"page":32},{"title":"فصل: (على فرض صحة الإجماع، فهو إجماع سكوتي ضعيف)","level":1,"page":33},{"title":"فصل: (مناقشة أدلة أخرى للمجوزين)","level":1,"page":34},{"title":"من أدلتهم: حديث «من بلغه عن الله شيء وفيه فضيلة. . .»","level":2,"page":34},{"title":"ومنها: أن في العمل بالضعيف احتياطا","level":2,"page":35},{"title":"ومنها: أن المباح يصير قربة بالنية","level":2,"page":36},{"title":"ومنها: أنه من باب ابتغاء فضيلة ورجائها بأمارة ضعيفة من غير ترتب مفسدة عليه","level":2,"page":36},{"title":"إذا جاز تخصيص وقت للعبادة لسبب دنيوي، فكيف لا يجوز لسبب ديني وهو التماس فضيلة زائدة؟","level":2,"page":37},{"title":"[فصل] نصوص الإمام الشافعي وهذا البحث","level":1,"page":39},{"title":"قوله: «صنف كفروا بالله فابتدعوا ما لم يأذن به الله. . .»","level":2,"page":39},{"title":"قوله: «والعلم طبقات شتى. . .»","level":2,"page":39},{"title":"قوله: «ولا أحب أن يزيد على هذا في التلبية. . .»","level":2,"page":40},{"title":"قوله في استلام أركان الكعبة وجدرانها: «لم يكن عليه إعادة ولا فدية، إلا أني أحب أن يقتدي برسول الله - ﷺ -»","level":2,"page":41},{"title":"توجيه قوله: «وأي البيت قبل فحسن، غير أنا نأمر بالاتباع»","level":2,"page":42},{"title":"إنكار الشافعي على مالك في عدم تجويزه الزيادة على البسملة عند الذبح","level":2,"page":44},{"title":"كلام الشافعي حول استحباب الاغتسال للعيد","level":2,"page":45},{"title":"[فصل: ما أثر عن بعض الأكابر من استحسان العمل بحديث يظهر أنه ضعيف]","level":1,"page":46},{"title":"[فصل: أدلة على أن البدعة مذمومة مطلقا ولا يستثنى منها شيء]","level":1,"page":46},{"title":"لا يخرج العمل عن كونه بدعة إلا بحجة على مشروعيته، والحديث الضعيف بعيد عن كونه حجة","level":2,"page":49},{"title":"ترك النبي - ﷺ - وهل هو حجة؟","level":2,"page":49},{"title":"احتجاج المجوزين بالإجماع على أن المباح يصير قربة بالنية","level":2,"page":52},{"title":"احتجاجهم بأن في العمل بالضعيف احتياطا","level":2,"page":55}],"ٛ":{"15,151":1,"15,153":2,"15,154":3,"15,155":4,"15,156":5,"15,157":6,"15,158":7,"15,159":8,"15,160":9,"15,161":10,"15,162":11,"15,163":12,"15,164":13,"15,165":14,"15,166":15,"15,167":16,"15,168":17,"15,169":18,"15,170":19,"15,171":20,"15,172":21,"15,173":22,"15,174":23,"15,175":24,"15,176":25,"15,177":26,"15,178":27,"15,179":28,"15,180":29,"15,181":30,"15,182":31,"15,183":32,"15,184":33,"15,185":34,"15,186":35,"15,187":36,"15,188":37,"15,189":38,"15,190":39,"15,191":40,"15,192":41,"15,193":42,"15,194":43,"15,195":44,"15,196":45,"15,197":46,"15,198":47,"15,199":48,"15,200":49,"15,201":50,"15,202":51,"15,203":52,"15,204":53,"15,205":54,"15,206":55,"15,207":56,"15,208":57,"15,209":58,"15,210":59,"15,211":60,"15,212":61,"15,213":62},"ٜ":{"15":[151,213]},"ٝ":["15,151","15,153","15,154","15,155","15,156","15,157","15,158","15,159","15,160","15,161","15,162","15,163","15,164","15,165","15,166","15,167","15,168","15,169","15,170","15,171","15,172","15,173","15,174","15,175","15,176","15,177","15,178","15,179","15,180","15,181","15,182","15,183","15,184","15,185","15,186","15,187","15,188","15,189","15,190","15,191","15,192","15,193","15,194","15,195","15,196","15,197","15,198","15,199","15,200","15,201","15,202","15,203","15,204","15,205","15,206","15,207","15,208","15,209","15,210","15,211","15,212","15,213"],"ٞ":{"2":[1],"5":[2,3,4],"6":[5,6],"7":[7,8,9],"8":[10],"10":[11],"11":[12,13],"12":[14],"17":[15],"20":[16],"21":[17],"22":[18],"23":[19],"27":[20],"29":[21],"32":[22],"33":[23],"34":[24,25],"35":[26],"36":[27,28],"37":[29],"39":[30,31,32],"40":[33],"41":[34],"42":[35],"44":[36],"45":[37],"46":[38,39],"49":[40,41],"52":[42],"55":[43]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"الرسالة الثامنة\nأحكام الحديث الضعيف","vol":"15","page":151},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\nالحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى.\nأما بعد، فهذه رسالة في أحكام الحديث الضعيف، جمعتُها لما رأيت ما وقع للمتأخرين من الاضطراب فيه؛ فنَسَب بعضُهم إلى كبار الأئمة الاحتجاجَ به، ونَسَب غيرُه إلى الإجماع استحبابَ العمل به في فضائل الأعمال ونحوها، وتوسّع كثيرٌ من الناس في العمل به، حتى بنوا عليه كثيرًا من المحدَثات، وأكَّدوا العمل بها، وحافظوا عليها أبلغ جدًّا من محافظتهم على السنن الثابتات، بل والفرائض القطعيات.\nبل كثيرًا ما بنوا عليه عقائد مخالفة للبراهين القطعية من الكتاب والسنة والمعقول. ولم يقتصروا على الضعاف بل تناولوا الموضوعات.\nوأنكر جماعةٌ جواز العمل بالضعيف مطلقًا، حتى قال بعضهم كما نقله ابن حجر الهيتمي في \"شرح الأربعين النووية\" (^١): \"إن الفضائل إنما تُتلقى من الشارع، فإثباتها بما ذُكِر اختراعُ عبادة وشَرْعٌ لما لم يأذن به الله\".\nومَن تأمل هذه العبارة وجدها تُنبئ أن إثبات الفضائل بالضعيف شرك؛ لأن شَرْع ما لم يأذن به الله كذلك، قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١]. وسيأتي تقرير هذا المعنى إن شاء الله تعالى (^٢).\n_________\n(^١) (ص ٦).\n(^٢) (ص ١٧٤ - ١٧٥).","vol":"15","page":153},{"text":"ومن المانعين القاضي أبو بكر ابن العربي، والمحقق الشاطبي صاحب [ص ٢] كتاب \"الموافقات\" في أصول الفقه وغيره.\nثم نصّ بعضُ الفقهاء الشافعية كالزركشي في مقدمة \"الذهب الإبريز\" (^١) والخطيب الشربيني في \"شرح المنهاج\" (^٢) أن العمل بالحديث الضعيف جائز فقط لا مستحبّ، وردّه بعضهم كابن قاسم في \"حواشيه على التحفة\" (^٣) وأثبت الاستحباب. هذا، وقد نصّ النوويّ نفسُه في كتاب \"الأذكار\" (^٤) على الاستحباب.\nواستشكل جماعةٌ القولَ بالجواز أو الاستحباب مع الإجماع على أن الضعيف لا يثبت به حكم، والجواز والاستحباب من الأحكام الخمسة.\nوأُجيب من طرف القائلين بالجواز والاستحباب بأجوبةٍ عامّتها من قبيل ما عُرِف في الجدليّات من المطاولة وتشتيت ذهن الناظر، ليقْنَع بالتقليد الصِّرْف. وتلك المطاولة هي التي ألجأتني إلى تأليف رسالة مستقلة.\nوذلك أنني ألَّفت كتابًا (^٥) نبَّهتُ في مقدمته على الأمور التي يسلكُها كثير من المتأخرين في الاحتجاج وهي غير صالحةٍ لذلك، وذكرتُ من جملتها العمل بالضعيف، وحاولت أن أحقِّق الكلامَ فيه، فطال الكلام جدًّا قبل أن أستوفي البحث كما أحبّ، فآثرت إفراده برسالة مستقلة.\n_________\n(^١) في تخريج أحاديث فتح العزيز، لم يطبع بعد.\n(^٢) (١/ ٦٢).\n(^٣) (١/ ٢٤٠).\n(^٤) (ص ٨).\n(^٥) هو كتاب \"العبادة\" ذكر المؤلف فيه (ص ٦٦٩) هذا البحث وأنه أفرده في رسالة.","vol":"15","page":154},{"text":"هذا، وبعد أن توسطت هذه الرسالة، ووجدتُ الكلام في هذه المسألة مرتبطًا بالكلام على البدع والمحْدَثات عزمتُ على إفراد رسالةٍ أخرى في تحقيق ما هي البدعة؟ (^١) ومِن الله أستمدُّ التوفيق والعون بفضله وكرمه.\n_________\n(^١) طُبعت ضمن هذا المشروع المبارك ضمن الرسائل العقدية.","vol":"15","page":155},{"text":"[ص ٣] فصل\nتعريف الضعيف مذكور في كتب المصطلح وغيرها فلا نطيل بذكره، وإنما ننبّه هنا على مهمّات:\nالأولى: يُعْلَم من إمعان النظر في فصل \"الحسن\" من كتب الاصطلاح المطوّلة كـ \"فتح المغيث\" (^١) أنه إنما استقرّ الاصطلاح على جَعْل الحسن قسمًا برأسه من الترمذي فمَنْ بعدَه.\nويتحقق بذلك ما قاله بعض الأجلّة (^٢): أن ما استقر الاصطلاح على تسميته بالحسن كان المتقدّمون يطلقون عليه تارةً \"صحيح\" وتارة \"ضعيف\". فإذا نظروا إليه من حيث هو صالح للحجة قالوا: صحيح، وإذا نظروا إليه من حيث هو قريب مما لا يصلح للحجة قالوا: ضعيف.\nويقرُب من هذا ما قاله السخاوي: \"ينبغي أن تتأمل أقوال المزكّين ومخارجها، فقد يقولون: فلان ثقة أو ضعيف، ولا يريدون به أنه ممن يُحتج بحديثه ولا ممن يُردّ، وإنما ذلك بالنسبة لمن قُرِن معه ... وعلى هذا يُحمل أكثر ما ورد من اختلاف كلام أئمة الجرح والتعديل\". \"فتح المغيث\" ص ١٤٢ - ١٤٣ (^٣).\nالثانية: إذا وجدنا مسألةً ذهب إليها إمام، وشاع أنه إنما استند إلى حديث ضعيف، لم يَجُز أن نَنْسب إليه أنه يرى الاحتجاج بالضعيف، بل\n_________\n(^١) (١/ ٧١ وما بعدها).\n(^٢) لعله أراد الشيخ محمد تقي العثماني في مقدمة كتابه \"فتح الملهم شرح مسلم\".\n(^٣) (٢/ ١٢٧).","vol":"15","page":156},{"text":"نقول: لعله ظن الحديث صحيحًا، إما لعدم علمه [ص ٤] بجرح الراوي، وإما لأنه اعتضد عنده بدليلٍ قويّ عنده، إما بفهمه من القرآن، أو الأحاديث الثابتة، أو قياس، أو قول صحابيّ، أو إجماع ظنّه، أو عَمَل أهل بَلَدِه، أو غير ذلك.\nالثالثة: إذا عَرَضتْ للمجتهد مسألة لم يجد لها دليلًا وإنما بلَغَه فيها حديثٌ ضعيف، فيجوز أن يؤدّيه اجتهاده إلى تصحيحه؛ لأن أمامه ثلاثة احتمالات:\nأحدها: أن تكون الشريعةُ أهملت هذه المسألة.\nالثاني: أن الأمة أضاعت الدليلَ الخاصَّ بتلك المسألة.\nالثالث: أن يكون هناك دليل محفوظ، ولكن خفي على المجتهد.\nوالأوّلان باطلان فيتعيّن الثالث، وفيه احتمالان:\nأحدهما: أن يكون ذلك الدليل غير هذا الضعيف ومخالفًا له.\nالثاني: أن يكون هو ذلك الضعيف يُروى من طريق ثابتة، أو دليلًا آخر موافقًا له، والنظر يُساعد على ترجيح هذا الثاني.\nفعلى هذا لم يَبْقَ هذا الضعيف ضعيفًا عند المجتهد، بل ترقّى عنده إلى رتبة الحسن بهذا النظر. فتدبّر.\nالرابعة: قد يكون نوع أو فرد من الحديث صحيحًا في نظر مجتهد وهو ضعيف عند غيره، فإذا احتجّ ذلك المجتهد بما هذا حاله من الحديث أو عَمِل به فإنما عمل بالصحيح [ص ٥] في رأيه، فمِنَ الغفلة والمغالطة أن","vol":"15","page":157},{"text":"يُنسَب إليه أنه يعمل بالضعيف أو يُحتج بفعله على جواز العمل بالضعيف مطلقًا.\nالخامسة: قد يكون نوع أو فرد من الحديث ضعيفًا عند مجتهد ضعفًا يسيرًا، فينصّ أنه إذا اعتضد بكذا (ويذكر عاضدًا ضعيفًا) صار حجةً، مع أنّ ذلك العاضد لا يُصَيّر كلَّ حديث ضعيف حجة عند ذلك المجتهد، وعلى هذا فلا يصح أن يُنسَب إلى ذلك المجتهد العمل بالضعيف.\n[ص ٦] فصل\nنقل بعضُهم حكايةَ الإجماع على أن الأحكام لا تثبت بالضعيف، كما سيوافيك في كلام الدواني، وقد يخدش في ذلك أمور:\nالأول: ما نُسِب إلى أبي حنيفة ﵀ أنه يحتج بالضعيف ويقدّمه على القياس (^١).\nولم يُنقل عن أبي حنيفة نصّ بهذا على أنه أصل وقاعدة، وإنما حُكيت عنه مسائل ذهب إليها ولم يوجد لها دليل إلا حديث ضعيف مع مخالفتها للقياس. ولما كان المشهور عن أبي حنيفة أنه يقدّم القياس على الأحاديث الصحيحة، ولهذا سمّوه وأصحابَه \"أهل الرأي\" حاول بعض أتباعه أن يدفع هذا ويبالغ في نفيه فقال: بل مذهب أبي حنيفة تقديم الحديث الضعيف على القياس، وحكى تلك المسائل، وأضاف إلى ذلك:\n_________\n(^١) انظر \"أصول البزدوي\" (ص ٥)، و\"الإحكام\" (٧/ ٥٤) لابن حزم، و\"إعلام الموقعين\": (٢/ ١٤٥).\n\nوانظر للمؤلف: \"التنكيل\": (١/ ٣٧ - ٤٠)، و\"تنزيه الإمام الشافعي\": (ص ٣٢٩ - ٣٣٠ ضمن هذا المجموع).","vol":"15","page":158},{"text":"أن أصحاب أبي حنيفة مجمعون على أن مذهبه تقديم الضعيف على القياس، كأنه أراد أن جميع أصحابه ينقلون عنه تلك المسائل ويذكرون في الاستدلال لها تلك الأحاديث الضعيفة.\nوهذا كلّه مناورة، وقد عُلم جوابه من المهمّة الثانية (^١). ومن راجع أصول الحنفية تبيَّن له الصواب.\nالأمر الثاني: ما نُقل عن أحمد بن حنبل ﵀ أنه يحتج بالضعيف إذا لم يكن في الباب غيره (^٢)، وقد عُلِم جوابه من المهمّة الأولى (^٣)، وبذلك أجاب بعض المحققين من أتباعه. ويؤيّده أن الناقلين مثّلوا الضعيفَ الذي يأخذ به إذا لم يجد غيره [ص ٧] بحديث عَمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وهو من قبيل الحسن عند أحمد، كما يظهر من كلامه فيه؛ قال مرة في عَمْرو: له أشياء مناكير وإنما يُكتب حديثُه يُعتبر به، فأما أن يكون حجةً فلا. وقال مرةً: أنا أكتبُ حديثَه، وربما احتججنا به، وربما وَجَس في القلب منه شيء. وقال مرة: أصحاب الحديث إذا شاؤوا احتجوا بحديث عَمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وإذا شاؤوا تركوه (^٤). وقال البخاري: رأيت أحمد بن حنبل وعلي ابن المديني وإسحاق بن راهويه وأبا عُبيد وعامة أصحابنا يحتجون بحديث عَمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ما تركه أحدٌ\n_________\n(^١) (ص ١٥٦).\n(^٢) انظر \"إعلام الموقعين\": (٢/ ٥٥ و١٤٥ - ١٤٦).\n(^٣) (ص ١٥٦).\n(^٤) انظر نصوص أحمد في \"موسوعة أقوال أحمد في الرجال\": (٣/ ٩٩ - ١٠٠).","vol":"15","page":159},{"text":"من المسلمين (^١). \"تهذيب التهذيب\" (^٢) ترجمة عَمرو.\nويتلخّص من كلام أحمد: أن حديث عَمرو ليس عنده بحجة مطلقًا وإنما يُحتج بأحاديثه التي لم يجس في النفس منها شيء، فإذا وَجَس في النفس من حديثه شيء لم يحتج به، وذلك بأن يكون الحديث منكرًا أي مخالفًا لدليل أقوى منه.\nوهذا شأن الثقات كلهم ولكن كأنّ هذا الضرب من المناكير وقع في حديث عَمرو أكثر مما وقع في حديث وكيع وأضرابه، ولم يبلغ في الكثرة إلى حدّ يوقع الشكَّ في جميع حديثه. على أنّ يعقوب بن شيبة قال: \"والأحاديث التي أنكروا من حديثه إنما هي لقومٍ ضعفاء رووها عنه، وما روى عنه الثقات فصحيح\". وقال أبو زُرعة: \"عامة المناكير تُروى عنه إنما هي عن المثنّى بن الصبّاح وابن لهيعة والضعفاء، وهو ثقة في نفسه ... \". وقال إسحاق بن راهويه: \"إذا كان الراوي [ص ٨] عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ثقة فهو كأيوب عن نافع عن ابن عمر\". \"تهذيب التهذيب\" (^٣) أيضًا.\nفإن ثبت عن أحمد الاحتجاج بالضعيف المصطَلَح عليه إذ (^٤) لم يجد في الباب غيره، فقد مرَّ توجيه ذلك في المهمة الثالثة (^٥).\n_________\n(^١) انظر نحوه في \"التاريخ الكبير\": (٦/ ٣٤٣).\n(^٢) (٨/ ٤٨ - ٥٥).\n(^٣) نفسه.\n(^٤) كذا في الأصل.\n(^٥) (ص ١٥٧).","vol":"15","page":160},{"text":"وأما ما رواه عبد الله بن أحمد: \"أنه سأل أباه عن الرجل يكون ببلدٍ لا يجد فيها إلا صاحبَ حديث لا يدري صحيحه من سقيمه، وصاحبَ رأي، فمن يسأل؟ قال: يسأل صاحبَ الحديث\" (^١).\nفوجْهُه أنه رأى أن كلام الرجلين يمكن أن يصيب ويمكن أن يُخطئ، والخطأ مع قَصْد الاتِّباع خير من الخطأ على قَصْد العمل بالرأي، والفَرْضُ أن صاحبَ الرأي جاهل بالحديث كما هو ظاهر.\nوفي مذهب أحمد كثير من المسائل بناها على القياس وخالف أحاديث ضعيفة وردت فيها، منها المسائل التي نُسِب إلى أبي حنيفة أنه بناها على أحاديث ضعاف مخالفة للقياس، كانتقاض الوضوء بالقهقهة في الصلاة وغيرها.\n\nالأمر<span data-type=\"title\" id=toc-11> الثالث: ما حُكي عن أبي داود أنه يحتجّ بالضعيف إذا لم يكن في الباب غيره</span>. وكأنّهم أخذوا ذلك من قوله في \"رسالته إلى أهل مكة\" (^٢): \"وأما المراسيل فقد كان يحتج بها العلماء فيما مضى ... فإذا لم يكن مسند غير (^٣) المراسيل، ولم يوجد المسند، فالمرسل يُحتجّ به، وليس هو مثل المتصل في القوّة ... وأما ما كان في كتابي من حديث فيه وهن شديد فقد بينتُه، ومنه ما لم يصح سندُه. وما لم أذكر فيه شيئًا فهو صالح\".\nهذا مع أن في كتابه أحاديث ضعيفة سكت عنها.\n_________\n(^١) في \"مسائل عبد الله\" (ص ٢٧٥) بنحوه، وانظر \"تاريخ بغداد\": (١٣/ ٤٤٨)، و\"ذم الكلام\": (٢/ ٢٦٤) للهروي.\n(^٢) (ص ٦٤ - ٦٩).\n(^٣) كذا، والذي في الأصول الخطية للرسالة \"ضد\" وهو الأصح من جهة المعنى.","vol":"15","page":161},{"text":"وعبارته تُشْعِر بأنه متردّد في تصحيح المرسل مطلقًا، ومال إلى تصحيحه إذا لم يوجد غيره، وكأنّ ذلك لِمَا مرَّ في المهمة الثالثة (^١). مع أن \"غير المراسيل\" (^٢) بلفظ الجمع ربما يُشْعِر باشتراطه اعتضاد المرسل بمرسل آخر كما هو رأي الشافعي على ما يأتي.\nوأما قوله: \"وما كان في كتابي فيه وهن شديد .. إلخ\" فقد بيَّن المحققون أن مراده بالصالح ما هو أعم من الصالح للحجة والصالح للاعتبار، فيُحْمَل ما في الكتاب من [ص ٩] أحاديث ضعيفة سكت عنها على أنها عنده صالحة للاعتبار فقط. ويرشد إلى هذا قوله: \"وهن شديد\" فإنه يدل على أنه لم يبيِّن ما فيه وهن وليس بالشديد. انظر \"فتح المغيث\" (^٣) وغيره.\nالأمر الرابع: ما ذهب إليه مالك وغيره من الاحتجاج بالمرسل، وقد عُلِم جوابه من المهمة الرابعة (^٤).\nالأمر الخامس: ما ذهب إليه الشافعي من الاحتجاج بالمرسل إذا اعتضد بمرسل آخر من وجه آخر، أو بقول صحابيّ أو نحوه على تفصيل له في ذلك (^٥). وقد عُلِم الجواب عنه من المهمة الخامسة (^٦).\n_________\n(^١) (ص ١٥٧).\n(^٢) سبق أن الثابت في الأصول في لفظة \"غير المراسيل\"= \"ضد المراسيل\" وعليه يكون المعنى: إذا لم يوجد مسند مضاد للمرسل، ولم نجد مسندًا يُغني عنه فإنه يُقبل.\n(^٣) (١/ ٨٨).\n(^٤) انظر (ص ١٥٧).\n(^٥) ذكره في كتاب \"الرسالة\" (ص ٤٦٢ فما بعدها).\n(^٦) انظر (ص ١٥٨).","vol":"15","page":162},{"text":"[ص ١٠] فصل\nقال الجلال الدواني في كتابه \"أنموذج العلوم\" (^١): \"اتفقوا على أن الحديث الضعيف لا تثبت به الأحكام الشرعية، ثم ذكروا أنه يجوز بل يستحبّ العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال ... وفيه إشكال؛ لأن جواز العمل واستحبابه كلاهما من الأحكام الخمسة\". نقله السيد الإمام عبد الرحمن بن سليمان الأهدل في \"المنهج السوي\" (^٢).\nأقول: أول من أحفظ عنه الكلام في مسألة العمل بالضعيف في الفضائل صراحةً هو القاضي أبو بكر بن العربي المتوفى سنة ٥٤٣، فإنهم نقلوا عنه أنه أنكر جواز العمل به (^٣)، ولعله صاحب العبارة التي حكاها ابن حجر الهيتمي عن بعض المانعين: \"إن الفضائل إنما تُتلقّى عن الشارع فإثباتها بما ذكر اخْتِراع عبادة وشَرْعٌ لما لم يأذن به الله\" (^٤).\nثم الشيخ عز الدين بن عبد السلام، فقد ذكر الحافظ ابن حجر في شروط جواز العمل بالضعيف ثلاثة شروط (^٥):\nأحدها: أن يكون الضعف غير شديد، فيخرج من انفرد من الكذابين\n_________\n(^١) (ص ٢) ونقله عنه جمال الدين القاسمي في \"قواعد التحديث\" (ص ١١٧ - ١١٨).\n(^٢) (ص).\n(^٣) انظر \"فتح المغيث\": (١/ ٣٣٣)، و\"تدريب الراوي\": (١/ ٣٥١).\n(^٤) في \"الفتح المبين\" (ص ٣٦).\n(^٥) في \"تبيين العجب لما ورد في فضل رجب\" (ص ٩).","vol":"15","page":163},{"text":"والمتهمين بالكذب ومَن فَحُش غلطُه. ونَقَل العلائيُّ الاتفاقَ عليه (^١).\nالثاني: أن يندرج تحت أصلٍ معمولٍ به.\nالثالث: أن لا يعتقد عند العمل به ثبوته بل يعتقد الاحتياط.\nوقال: هذان ذكرهما ابن عبد السلام وابن دقيق العيد. هكذا نقله السيوطي في \"تدريب الراوي\" (^٢).\nثم ابن دقيق العيد ولد سنة ٦٣٥ وتوفي سنة ٧٠٣. وقد مرَّ نقل ابن حجر عند اشتراط الشرطين السابقَين.\nوقال الزركشي في مقدمة \"الذهب الإبريز\" (^٣) [ص ١١] بعد أن ذكر جواز العمل بالضعيف: \"وههنا أمران: أحدهما: قال أبو الفتح القُشيري ــ هو ابن دقيق العيد ــ حيث قلنا: يُعْمَل بالحديث الضعيف لدخوله تحت العمومات، فشرطه أن لا يقوم دليل على المنع منه أخصّ من تلك العمومات، مثاله: الصلاة المذكورة في ليلة أول جمعة من رجب، فإن الحديث فيها ضعيف، فمن أراد فِعْلها وإدراجها تحت العمومات الدالة على فضل الصلاة\n_________\n(^١) نقله السيوطي في \"التدريب\".\n(^٢) (١/ ٣٥١).\n(^٣) كتاب \"الذهب الإبريز في تخريج أحاديث فتح العزيز\" للزركشي (٧٩٥) لا يزال مخطوطًا. انظر \"الفهرس الشامل- قسم الحديث\": (٢/ ٧٩٧). وكلام ابن دقيق العيد في كتابه \"إحكام الأحكام بشرح عمدة الأحكام\": (٢/ ١٥٠ - بحاشية الصنعاني) وقد نقله أيضًا ابن الملقن في \"الإعلام بفوائد عمدة الأحكام\": (٢/ ٣٩٨ - ٤٠٤).","vol":"15","page":164},{"text":"والتسبيحات لم يستقم؛ لأنه صح عن النبي ﵌ نَهْيٌ أن تُخَصّ ليلة الجمعة بقيام، وهذا أخصّ من العمومات الدالة على فضيلة الصلاة\".\nوالنووي ولد سنة ٦٣١ وتوفي سنة ٦٧٦. وهو الذي اشتهر عنه هذا القول، ونصّ عليه في عدة [من] كتبه، وحَكَى الاتفاقَ عليه، وفي أكثر كتبه ذِكْر الجواز فقط (^١)، وفي \"الأذكار\" (^٢) الجواز والاستحباب، ولم ينص على شرطٍ أصلًا كما قاله السيوطي في \"التدريب\" (^٣) إلا أن الشروط المذكورة تؤخذ من كثير من أقواله.\nويظهر لي أن الصلاة ليلة أول جمعة من رجب هي التي أثارت هذا البحث، فقد حكى أبو شامة في كتابه \"الباعث\" (^٤) أن ابن الصلاح كان متولّيًا لمنصب الفتوى، فاسْتُفْتي عن الصلاة المذكورة، فأجاب بإنكارها وأنها محْدَثة، ثم اسْتُفتي مرة أخرى، فأجاب بنحو جوابه الأول. ثم فُصِل عن منصب الفتوى وأُقيم فيه الشيخ عز الدين ابن عبد السلام، فشدّد النكير على صلاة الرغائب، فعارضه ابنُ الصلاح [ص ١٢] وجوَّزها؛ معتذرًا بأنه قد ورد فيها حديث، وبأنها داخلة في عموم الترغيب في الصلاة، وصلاة الليل خاصة، فردّ ابنُ عبد السلام وتلامذتُه كأبي شامة وابن دقيق العيد بما تراه في\n_________\n(^١) انظر \"الأربعين\" (ص ٣)، و\"المجموع\": (١/ ٥٩).\n(^٢) (ص ٨).\n(^٣) (١/ ٣٥١).\n(^٤) (ص ١٤٥).","vol":"15","page":165},{"text":"كتاب \"الباعث\" لأبي شامة (^١).\nوكان النوويّ من جملة من ردّ على ابن الصلاح، وصرّح بأن الصلاة المذكورة بدعة قبيحة (^٢).\nثم كأنَّ النوويَّ استخلص من البحث جواز العمل بالضعيف في الفضائل، وأيّد ذلك بما نقله عن أئمة السلف من النصوص في تساهلهم في رواية ما لم يكن فيه حُكم، كما ستراها. وكأنّه اعتضد ذلك عنده بفروعٍ للشافعي سَتَرِدُ عليك إن شاء الله، فجزم بالاتفاق على ذلك، ثم رأى أن الجواز لا فائدة له؛ لأن الفَرْض أنه ثابت بدون الضعيف فزاد الاستحباب كما صرّح به في \"الأذكار\" (^٣).\nومن العجب أن كتاب أبي شامة \"الباعث على إنكار البدع والحوادث\" لم يتصدَّ للكلام في العمل بالحديث الضعيف، مع أن القصد الأول منه إبطال الصلاة المذكورة، وتعرّض فيه لغالب ما جرى من الاحتجاج من الطرفين، نعم يؤخذ منه ما يخالف قولَ النوويِّ كما ستراه إن شاء الله.\nثم جاء مَن بَعْد النووي، فمنهم من ردّ عليه قوله أصلًا كالمحقق الشاطبي في \"الاعتصام\" (^٤). ومنهم من أرْعَبَتْه حكاية الاتفاق ولكنه لم ير\n_________\n(^١) (ص ١٤٥ وما بعدها)، وهناك رسالة بعنوان \"مساجلة علمية بين الإمامين العز بن عبد السلام وابن الصلاح حول صلاة الرغائب المبتدعة\"، من مطبوعات المكتب الإسلامي بتحقيق الشيخ الألباني.\n(^٢) انظر \"المجموع شرح المهذب\": (٤/ ٥٦).\n(^٣) (ص ٨).\n(^٤) (٢/ ١٦ - ٢٠ ت مشهور).","vol":"15","page":166},{"text":"وجهًا للاستحباب.\nقال الزركشي في مقدمة \"الذهب الإبريز\" بعد ما تقدم نقله عنه: \"الثاني: أن هذا الاحتمال الذي قلناه من جواز إدراجه تحت العمومات يريد به في الفعل [ص ١٣] لا في الحكم باستحباب ذلك الشيء المخصوص بهيئته الخاصة؛ لأن الحكم باستحبابه على هيئته الخاصة يحتاج إلى دليل عليه ولابدّ، بخلاف ما إذا بُني على أنه من جملة الخيرات التي لا تختص [بذلك الوقت] (^١) ولا بتلك الهيئة. وهذا هو الذي قلنا باحتماله وجواز العمل به\".\nونحو هذا قال الخطيب الشربيني في \"شرح المنهاج\" (^٢) فاعترضه ابنُ قاسم وأثبت الاستحباب.\nومنهم من تحيّر وقرر الإشكال كالدواني (^٣)، ومنهم من قلّد النووي وتمحّل في الاعتذار كابن حجر الهيتمي (^٤)، على أنه قال في \"رسالة البسملة\": \"إنما يُعمل به حيث لم يعارضه ما هو أولى منه بالاعتماد والعمل، وهذا معلوم من كلامهم بلا شكّ، فإذا دلّ ضعيف على ترغيب في فعل شيء خاصة وقد عارضه صحيح يدل على كراهيته ــ مثلًا ــ ولو بطريق العموم= وجب أن يعمل بمدلول ذلك العام في هذا الشيء الخاص، ولم يَجُز العمل بالضعيف فيه\".\n_________\n(^١) مستدركة من كتاب ابن دقيق العيد.\n(^٢) (١/ ٦٢)، وكلام ابن قاسم في حاشيته على \"تحفة المحتاج\": (١/ ٢٤٠).\n(^٣) سبق العزو إلى كتابه \"أنموذج العلوم\".\n(^٤) في \"شرح الأربعين\" وقد سبق.","vol":"15","page":167},{"text":"وهذا ــ وإن لم يتنبّه قائله ــ يقتلع جواز العمل بالضعيف من أصله، كما سترى إن شاء الله تعالى.\nومنهم من فصَّل، ولا داعي لاستيعاب أقوالهم، بل علينا أن نعترض الحجج والدلائل ونغترف الحقَّ من معدنه فأقول:\n[ص ١٤] فصل\nالآثار المروية عن أئمة السلف ــ وإليها استند النووي في حكاية الإجماع فيما يظهر ــ لم أر فيها ما هو ظاهر في جواز العمل بالضعيف ولا استحبابه. بل إذا أمعنت النظرَ وجدتها صريحة في خلافه، وهذا أشهرها:\nقال السخاوي في \"فتح المغيث\" (^١): \"قال الحاكم: سمعت أبا زكريا الغُبَري (^٢) يقول: الخبر إذا ورد لم يحرّم حلالًا، ولم يحلّ حرامًا، ولم يوجب حكمًا، وكان في ترغيب أو ترهيب= أُغْمِض عنه وتُسُهِّل في رواته.\nولفظ ابن مهدي فيما أخرجه البيهقي في \"المدخل\" (^٣): إذا روينا عن النبي ﵌ في الحلال والحرام والأحكام شدّدنا في الأسانيد وانتقدنا في الرجال، وإذا روينا في الفضائل والثواب والعقاب\n_________\n(^١) (١/ ٣٣٢).\n(^٢) كذا في الأصل، كما في الطبعة التي نقل عنها المؤلف وصوابه: \"العنبري\" كما في ط المحققة، وقول العنبري ذكره الخطيب في \"الكفاية\" (ص ١٣٤).\n(^٣) ليس في المطبوع منه، وقد أخرجه الحاكم في \"المستدرك\": (١/ ٤٩٠) وفي \"المدخل إلى الإكليل\" (ص ٥٩).","vol":"15","page":168},{"text":"سهّلنا في الأسانيد وتسامحنا في الرجال. ولفظ أحمد في رواية الميموني عنه: الأحاديث الرقائق يُحتمل أن يُتَسَاهل فيها حتى يجيء شيء فيه حكم\" اهـ \"فتح المغيث\" ص ١٣٠.\nوقال الخطيب في \"الكفاية\" (^١): \"باب التشدّد في أحاديث الأحكام والتجوّز في فضائل الأعمال. قد ورد عن غير واحدٍ من السلف أنه لا يجوز حمل الأحاديث المتعلقة بالتحليل والتحريم إلّا عمن كان بريئًا من التهمة بعيدًا عن الظِّنّة. وأما أحاديث الترغيب والمواعظ فإنه يجوز كَتْبها عن سائر المشايخ\".\nثم أسند عدة آثار منها عن الإمام أحمد أنه قال: \"إذا روينا عن رسول الله ﵌ [ص ١٥] في الحلال والحرام والسنن والأحكام تشدّدنا في الأسانيد، وإذا روينا عن النبي ﵌ في الفضائل وما لا يضع حكمًا ولا يرفعه تساهلنا في الأسانيد\" \"الكفاية\" ص [١٣٤].\nوقال ابن عبد البر في كتاب \"فضل العلم\" بعد أن ذكر حديثًا ضعيفًا في فضل العلم: \"الفضائل تُرْوَى عن كل أحد والحجة من جهة الإسناد إنما تُتقصَّى في الأحكام وفي الحلال والحرام\" \"مختصر جامع بيان العلم\" ص (^٢).\n_________\n(^١) (ص ١٣٣).\n(^٢) بيَّض المؤلف رقم الصفحة، وكلام ابن عبد البر في \"جامع بيان العلم\": (١/ ١٥٢).","vol":"15","page":169},{"text":"وثَمَّ عبارات أخرى لا تخرج عن هذا المعنى، أي التساهل في الأخذ والرواية عن الضعفاء فيما رووه في الفضائل، مما ليس فيه حكم ولا حلال ولا حرام ولا سنة.\nوقد لخص ابن الصلاح في \"مقدمته\" (^١) عبارات القوم باحتياطٍ تامٍّ رغمًا عما حُكي عنه من تمحّله أخيرًا لصلاةِ ليلةِ أول جمعة من رجب وأشياء تُشْبهها، كما ذكره أبو شامة في \"الباعث\" (^٢).\nوكأنّ ابن الصلاح ــ غفر الله له ــ أراد أن يكون كتابه \"المقدمة\" أصلًا لأهل الحديث إلى يوم القيامة، فتورّع أن يحْدِث فيه حَدَثًا أو يؤوي محدثًا.\nوأما النووي ﵀ فإنه رغمًا عن إنكاره الصلاةَ المذكورة زاد في \"مختصره لمقدمة ابن الصلاح\" (^٣) زيادةً نابية، وهذه عبارته: \"ويجوز عند أهل الحديث وغيرهم التساهل في الأسانيد، ورواية ما سوى الموضوع من الضعيف، والعمل به من غير بيان ضعفه، في غير صفات الله تعالى والأحكام كالحلال والحرام وغيرهما، وذلك [ص ١٦] كالقصص وفضائل الأعمال والمواعظ وغيرها مما لا تعلُّق له بالعقائد والأحكام، والله أعلم\".\nفقوله: \"والعمل به\" من زيادته. ولولا أن القول بجواز العمل متواتر عن النووي، نصّ عليه في كثير من كتبه لقلتُ: إن هذه الكلمة ملحقة في عبارته؛ لأنها كما ستعرف مناقضة لما قبلها وما بعدها، ومناقضة للنصوص التي\n_________\n(^١) (ص ١٠٣).\n(^٢) (ص ١٤٥).\n(^٣) \"التقريب لسنن البشير النذير\": (١/ ٣٥٠ - مع شرحه تدريب الراوي).","vol":"15","page":170},{"text":"لخَّصها، وليست في عبارة أصله.\nإنني قد استعجلتُ بهذا الحكم قبل أن أضطَرَّ الناظر في هذه الرسالة إلى مشاركتي فيه، ولكنَّ الخطب سهل.\n\n[ص ١٧]<span data-type=\"title\" id=toc-16> فصل</span>\nأنت ترى النصوص المتقدّمة عن ابن مهدي وغيره ليس فيها ذِكْر لجواز العمل بالضعيف ولا استحبابه، وإنما فيه تساهلهم في روايته بشرطه، لكن قد لا يبعد أن يكون النووي ﵀ رأى تساهلهم في رواية الضعيف في الفضائل دون الأحكام يستلزم جواز العمل به في الفضائل، وإلّا لَمَا كان هناك معنى للفرق، فإن تشدّدهم في رواية ما فيه حُكم إنما هو لعلمهم أنهم إذا لم يُشدّدوا في روايته يُخشَى أن يَعملَ به من يسمعه، وذلك لا يجوز، فتساهلهم في الفضائل يدلّ على أنهم لم يروا محذورًا في أن يعمل بها من يسمعها، وهذا معنى الجواز.\nثم رأى أن العمل المتوقّع من العامة إذا سمعوا الضعيف في الفضائل هو العمل طلبًا للفضل، ومعنى ذلك أنهم يرونه مظنّة لأن يُؤجروا عليه، وعليه فلو كان أولئك الأئمة يرون أن العمل به ليس مظنة للأجر لكانوا يرون العمل به طلبًا للأجر بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، فكيف يقع منهم تساهل يؤدّي إلى إيقاع الناس في الضلالة؟! فتعيّن أنهم كانوا يرون العملَ به مظنَّة للأجر، وهذا هو الاستحباب، فلهذا صرَّح النووي في \"الأذكار\" (^١) بالاستحباب، وكأنه حمل ما صرَّحوا به من أنهم لا يتساهلون في رواية ما فيه حكم أو سنة\n_________\n(^١) (ص ٨).","vol":"15","page":171},{"text":"أو يرفع حكمًا أو يضعه= على ما عدا ذلك الضرب من الجواز والاستحباب.\n[ص ١٨] فصل\nيجب أولًا أن نعلم ما هو التساهل الذي كان يعتمده ابن مهدي وغيره، فأقول: حاصل ما في \"فتح المغيث\" (^١): أن التساهل هو أن لا يَنصّ على ضعف الحديث بل يكتفي بسياق إسناده، أو ذِكْره بصيغة التمريض، نحو رُوِي ويُروَى.\nأقول: وعندي في هذا نظر؛ فإننا نجد في الكتب أحاديث ضعيفة في العقائد والأحكام قد رواها ابنُ مهدي وغيره ولم يبين ضعفها. وهذا \"مسند أحمد\" فيه أحاديث كثيرة ضعيفة في العقائد والأحكام ولم يبيِّن ضعفها، بل غالب مصنفات المتقدمين كذلك، كمصنَّفَي عبد الرزاق وابن أبي شيبة ومسانيد إسحاق والحميدي وعبد بن حُمَيد، وسنن النسائي الكبرى، وسنن الدارمي وابن ماجه، وتاريخ البخاري، وغيرها.\nوالذي أراه أن تشديد ابن مهدي هو أنه كان يتأمَّل الحديثَ الذي قد سمعه، فإن كان في العقائد والأحكام بدأ فنظر في إسناده ومتنه، فإذا تبيَّن له أن الحديث شديد الضعف بحيث لا يصلح للحجة ولا للاعتبار لم يَرْوِه أصلًا، فإن اضطرّ لروايته بيَّن ضعفه. وإن كان الحديث في غير العقائد والأحكام رواه ما لم يعلم أنه موضوع، فإذا علم أنه موضوع لم يروه أصلًا، فإن اضطر إلى روايته بيَّن وضعَه. فهذا الصنيع هو الذي ينطبق على ما نجده\n_________\n(^١) (١/ ٣٣١ - ٣٣٢).","vol":"15","page":172},{"text":"في الكتب عن ابن مهدي والإمام أحمد وأكثر الأئمة، فاعْلَمْه، والله أعلم.\n[ص ١٩] فصل\nثم يجب ثالثًا أن نحقق الأمور التي كانوا يتساهلون في رواية ما ورد فيها مما ليس بموضوع ولكنه غير صالح للمتابعة، فأقول:\nيُعلَم من صنيع النووي ومَن وافقه: أنه يدخل في ذلك ما وَرَد بفضيلة لعملٍ خاصّ ولم تثبت له تلك الفضيلة، ولكنه مندرج تحتَ عمومٍ ثابت بالاستحباب.\nوهذا كأنْ يَرِد ضعيفٌ بفضيلةٍ لصيامِ أولِ يومٍ من صفر أو قيام ليلته، أو بفضيلةٍ لقراءة سورة الأنعام في صلاة الصبح أو في ركعتَيْ تطوّع. ويظهر من كلام بعضهم إلحاق ما اندرج تحت عموم ثابت بالإباحة، كأنْ يَرِد ضعيف بفضل التختُّم بخاتم فضة عقيق.\nفقال النووي بجواز واستحباب العمل بأشباه هذا، واقْتَصَر بعضهم على الجواز، واستشكله بعضهم كما مر. ورأى العلائي أن مثل هذا إن جاز في الضعيف الصالح للمتابعة فلا يتصوّر جوازه في شديد الضعيف، فلذلك زاد هذا الشرط وحكى الاتفاقَ عليه، كما تقدم مع ابن الصلاح والنووي قالا: \"ما سوى الموضوع\".\nوعلينا أن نتدبّر النصوصَ السابقةَ وغيرها لتحقيق الأمور التي يتساهلون فيها، فأقول: [ص ٢٠] الأحاديث الواردة في فضائل الأعمال على أضْرُب:\nالأول: ما ورد بفضيلةٍ لعملٍ قد ثبت أنه مشروع بخصوصه، كأن يَرِدَ ضعيفٌ بفضيلةٍ للصلوات الخمس وصوم رمضان وصوم التطوّع مطلقًا،","vol":"15","page":173},{"text":"وصوم الاثنين والخميس ونحو ذلك.\nالثاني: ما ورد بفضيلةٍ لعملٍ خاصّ قد ثبتت مشروعيةُ ما هو أعمّ منه ولم تثبت له خصوصية، كأن يَرِد ضعيفٌ بفضيلةٍ لصيامِ ثاني يوم من صفر أو قيام ليلته، أو بفضيلةٍ لقراءة سورة الأنعام في صلاة الصبح أو في ركعتي تطوّع.\nالثالث: ما ورد بفضيلةٍ لعملٍ هو مع صرف النظر عن الضعيف مباح، كأن يَرِد ضعيف بفضيلة للقيام في الشمس على رجلٍ واحدة.\nالرابع: ما ورد بفضيلةٍ لعملٍ قد دلّ غير الضعيف على أنه حرام أو مكروه.\nفأما الرابع فلا نزاع أنه لا يجوز العمل به، وقد تقدَّم كلام [ص ٢١] ابن دقيق العيد وابن حجر الهيتمي.\nوأما الثالث فَلِكَي تعلم ما فيه يجب أن تنظر في المباح هل يجوز أن يُعْمَل على زَعْم أنه عبادة؟ ومن أمثلته أن يتحرّى إنسانٌ الجلوس مستقبِلًا مطلع سُهيل، أو النوم في ضوء القمر، أو الإمساك عن المُفَطِّرات ليلة العيد، زاعمًا أن هذه الأعمال يُرجى لفاعلها الأجر والثواب.\nفإننا نقول لمن زَعَم زَعْمًا من هذا الضرب: أمِن المشروع فِعْل هذا العمل التماسًا للأجر والثواب؟\nفإن قال: لا، فقد كفانا شأنه.\nوإن قال: نعم، قلنا: آللهُ ﷿ شَرَعَه أم غيرُه؟","vol":"15","page":174},{"text":"فإن قال: غيره، فقد أشرك. قال الله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١].\nوإن قال: بل الله ﷿ شرعه.\nقيل له: فهل أعْلَمَ به رسولَ الله ﵌؟\nفإن قال: لا!\nقيل له: فأَنَّى عَلِمْتَه؟ أتعلم الغيب؟ أم تدّعي النبوَّة لك أو لأحدٍ بعد محمد ﵌، وقد قال الله ﵎: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣]. نزلت قُبيل موت النبي ﵌.\nوجاء عن عمر وابن عباس وغيرهم [ص ٢٢] كمالك والشافعي وأحمد والبخاري وغيرهم تفسيرها بأن جميع أحكام الدين قد أوحاها الله إلى نبيّه ﵌، وبلَّغها النبيُّ - ﷺ - إلى أمّته (^١).\nوإن قال: بل أعْلَم الله ﷿ رسولَه ﵌ مشروعيّة هذا العمل.\nقيل له: هل أمره بتبليغ ذلك؟\nفإن قال: لا!\nقيل له: فليست إذن مما شرعه للأمة، إذ لو كان مما شُرِع للأمة لأمره بتبليغه، وأيضًا فكيف علمتَ أنتَ أنَّ الله شَرَعَه؟ !\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري: (٨/ ٧٩ - ٨٠)، و\"الدر المنثور\": (٢/ ٤٥٦).","vol":"15","page":175},{"text":"وإن قال: بل أمره بتبليغه.\nقيل له: فهل بلّغه؟\nفإن قال: لا، فقد كفر؛ لاتهامه النبيَّ ﵌ بعدم تبليغ ما أمره الله بتبليغه، وأيضًا فكيف علمتَها أنت؟\nوإن قال: بل بلّغَه.\nقيل له: فهل حَفِظَتْها الأمة؟\nفإن قال: لا.\nقيل له: فأين قول الله ﷿: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]. الآية تدل على حفظ السنة أيضًا؛ لأن المقصود من حفظ القرآن هو أن تبقى الحجةُ قائمةً والهدايةُ دائمًة إلى يوم القيامة، حتى لا تدعو الحاجة إلى بعث نبي بعد خاتم الأنبياء صلى الله عليهم وسلم.\nولذلك لما قيل لابن المبارك: هذه الأحاديث المصنوعة؟ قال: تعيش لها الجهابذة ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (^١). فاحتجَّ بالآية على حفظ السنة من أن يُلْصَق بها ما ليس منها على وجهٍ لا يمكن تمييزه، ونحن نحتجّ بها على حفظ السنة من أن يضيع منها دليل لا يُغني عنه غيره. [ص ٢٣] وأيضًا فكيف علمته أنت؟ !\nوإن قال: بل حفظَتْها الأمة.\nقيل له: فأوْجِدْنا في الشريعة ذلك.\n_________\n(^١) \"تقدمة الجرح والتعديل\": (١/ ٣ و٢/ ١٨).","vol":"15","page":176},{"text":"فإن قال: أنا لا أستحضر ذلك، ولكن لعله في دلالة آيةٍ من القرآن لم أتنبّه لها، أو في سنة ثابتة محفوظة لم أقف عليها.\nقيل له: فمن أين علمتَ أن ذلك موجود محفوظ؟ والأصل عدم الشرع، ولو كان هناك دليل على شَرْع هذه الأعمال لَعَلِمه العلماء أو بعضُهم، ولو علموه لأخبروا به وتُنُوقِل عنهم.\nوادّعاؤك على الله ﷿ أنه شَرَع ذلك العمل، وليس بيدك دليل على ذلك، كذب على الله، وقد قال تعالى: [﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾ [النحل: ١١٦]] (^١).\n[ص ٢٤] فأنت ترى أن مَن تحرّى شيئًا من المباحات زاعمًا أنه يُرجى لعامله الأجر والثواب دائرٌ بين الشرك والكفر والكذب على الله والتكذيب بآياته، وأقلّ أحواله أنه مبتدع ضالّ إذا عَذَرْناه فلم نُكفّره.\nإذا تقرر هذا فكيف يسوغ قلب الحكم لمجرّد حديث ضعيف فيقال: لو لم يَرِد الحديث الضعيف لكان تحرِّي هذا العمل رجاءً للأجر والثواب إما شركًا وإما كفرًا، وإذا عُذِر صاحبه لم يكفَّر ولكنه مبتدع ضال، ولمّا ورد الحديث الضعيف بالدلالة على استحبابه صار تحرّيه رجاء الأجر والثواب جائزًا أو مستحبًّا.\nوبعبارة أخرى: لولا الضعيف لما كان هذا العمل من الدين، ولكن\n_________\n(^١) ترك المؤلف مكان الآية بياضًا، والظاهر أنه أراد الآية التي أثبتّها.","vol":"15","page":177},{"text":"ورود الضعيف جَعَله من الدين!!\nوبالنظر إلى النصوص السابقة نقول: ألا ترى هذا الضعيف فيه حُكم وحلال وحرام وسنة ويضع حُكمًا ويرفعه؟ فارجع إلى تلك النصوص وانظر هل تدل على أن القوم كانوا يتساهلون في رواية ما هذا شأنه؟\n[ص ٢٥] بالأدلة (^١) الثابتة جملةً وتفصيلًا، فليس في ذلك الضعيف أمر زائد على الثابت، فهذا هو الذي تدلّ النصوص السابقة على أن العلماء يتساهلون في روايته؛ لأنهم يرون أنه لا يُخشى من تساهلهم فيه إلا أن يسمعه بعض المسلمين فيُجوِّز كونه صحيحًا، فيزداد إقبالًا على الطاعة، وهذه هي الفائدة في تساهلهم في رواية ما هذا شأنه.\nفصل\nونزيد ذلك إيضاحًا فنقول: لو سألتَ عالمًا هل صوم يوم عَرفة لغير الحاج سنة ومستحبّ؟ لبادرك بالجواب قائلًا: نعم!\nفلو قلتَ له: فهل صوم ثاني يوم من صفر سنة ومستحبّ؟ لبادر قائلًا: لا!\nفإن احتاط في الجواب قال: أما من حيث خصوصه فلا، ولكن صيام التطوّع مستحبّ في أيّ يوم كان، ما عدا ما ثبت النهي عنه.\nفقد علمتَ من هذا أن إثبات السّنِّية والاستحباب على الخصوص حكم\n_________\n(^١) كذا تبدأ هذه الورقة [٢٥] وفي الكلام نقص، يدل على أنّ هناك سقطًا في صفحات المخطوط.","vol":"15","page":178},{"text":"مستقلّ.\n[ص ٢٦] ولو سألتَه: هل يمكن أن يكون مِنْ أَجْر المكثر من صيام التطوّع غيرِ خارجٍ عن المشروع أن يُسْقَى من حوض النبي ﵌ قبل مَن كان أقلّ صيامًا منه؟ لقال لك: يمكن!\nفلو قلتَ له: فهل يمكن أن يكون مِن أجْر صائم يوم الأربعاء وثاني صفر أن يُسقى من الحوض قَبْل صائمِ اليومِ الذي قبله وسائر الأيام؟ لقال لك: لا!\nفإن طالبتَه بالفرق، قال: الشرع لم يُحدّد أجر صيام التطوّع وغيره من الطاعات، بل نصّ على بعض الأجر ووعد بالمزيد والمضاعفة، فيمكن أن يكون التقديم في السقي من الحوض من ذلك المزيد، ولا يلزم من عدم نص الشرع عليه ــ على فرض أنه واقع في نفس الأمر ــ نقصٌ في الدين. ولا يلزم من تجويز ذلك كَذِبٌ على الله تعالى ولا زيادةٌ في دينه ولا غير ذلك مما تقدم.\nوأمّا ثاني يوم من صفر فلو كان له هذه المزيّة لخَصَّه الشارع بالحضّ على صيامه كما خصّ يوم عرفة ويوم عاشوراء، فلو جوَّزنا له هذه المزيّة، مع أن الشرع لم ينص على مزيّة له، لكُنّا قد جوّزنا أن يكون صيامه سنةً ومستحبًّا على الخصوص. وهذا حُكْم مستقل، لو كان واقعًا ولم ينص عليه، لكان الدين ناقصًا. [ص ٢٧] وإذ قد عُلِمَ أن الدين كامل؛ فإنّ في زَعْم أن [صيامَ] ثاني صفر سُنةٌ ومستحبّ على الخصوص شرعًا لِمَا لم يأذن به الله، وكذبًا عليه ... إلى غير ذلك من الموبقات.","vol":"15","page":179},{"text":"فلو ورد حديثان ضعيفان، أحدهما: أن المكثرين من صيام التطوع يُسْقَون قبل غيرهم. والآخر: أن صائمي ثاني يوم من صفر يُسقون قبل غيرهم. فأيُّ الحديثين تدلّ النصوص التي تقدمت عن الإمام أحمد وغيره على أنهم يتساهلون في روايته؟ آلأول الذي ليس فيه حكم زائد ولا سنة ولا حلال ولا حرام؟ أم الثاني وفيه حكم زائد وسنة وحلال وحرام، على ما مرَّ تقريرُه؟\nبقي شيءٌ وهو أن الحاكم قال في أول كتاب الدعوات من \"المستدرك\": [\"وأنا بمشيئة الله أُجري الأخبار التي سقطت على الشيخين في كتاب الدعوات على مذهب أبي سعيد عبد الرحمن بن مهدي في قبولها؛ فإني سمعت أبا زكريا يحيى بن محمد العنبري يقول: سمعت أبا الحسن محمد بن إسحاق بن إبراهيم الحنظلي يقول: كان أبي يحكي عن عبد الرحمن بن مهدي، يقول: إذا روينا عن النبي - ﷺ - في الحلال والحرام والأحكام شدّدنا في الأسانيد وانتقدنا الرجال، وإذا روينا في فضائل الأعمال والثواب والعقاب والمباحات والدعوات تساهلنا في الأسانيد\"] (^١) \"المستدرك\" ج ١ ص ٤٩٠.\nفزاد في عبارة ابن مهدي \"المباحات والدعوات\" فلقائل أن يقول: هذه الزيادة تمنع حمل التساهل في كلام ابن مهدي على التساهل في رواية الضعيف على الضرب الأول، وتُعيِّن أنه أراد الضرب الثاني والثالث.\nوأقول: أما المباحات فلم يُرِد ابن مهدي أنه يتساهل في الضعاف الواردة بفضائل لما ثبت في الشرع أنه مباح، فإن هذه الضعاف فيها سنن\n_________\n(^١) ترك المؤلف ثلاثة أسطر لكلام الحاكم، فأضفناها من \"المستدرك\".","vol":"15","page":180},{"text":"[ص ٢٨] وأحكام وحلال وحرام كما سمعتَ، وإنما أراد أن يَرِدَ ضعيف يقتضي إباحة شيء وقد ثبت من الشرع أنه مباح.\nوأما الدعوات فعندي كالشكّ في صحة زيادتها، ولا آمن أن يكون بعض النّسّاخ زادها في \"المستدرك\" ظنًّا منه أنها سقطت من الأصل، وأنها لولا أنها في عبارة ابن مهدي لما استند إليها الحاكم معتذرًا بها عن إيراده أحاديث ضعيفة في الدعوات، ولم يتنبّه لاحتمال أن يكون الحاكم استند إلى عبارة ابن مهدي= يرى أن الدعوات تدخل في \"فضائل الأعمال والثواب والعقاب\".\nويَقْوى الشكُّ إذا لاحظنا أن قوله: \"والدعوات\" وقع آخر الأنواع: \"فضائل الأعمال والثواب والعقاب والمباحات والدعوات\" والأخير موضع الزيادة.\nوقد ذكر السخاويُّ (^١) عبارة ابن مهدي ونَسَبَها إلى \"المدخل\" (^٢) للبيهقي ولم يذكر فيها المباحات والدعوات كما سبق.\nوقد وقع في \"المستدرك\" المطبوع شبيه بهذا.\n[ص ٢٩] ولنصرف النظر عن ذلك ونبني على أن زيادة \"والدعوات\" صحيحة عن ابن مهدي، ثم نقول: الدعاء يُفارق سائر الأعمال، فإن الدعاء غير محدود، بل لكلّ إنسان أن يُنشئ ما شاء من الأدعية، وله أن يحفظ دعاء غيره ويُكثر من الدعاء به إذا وجده مناسبًا لحاله، حاويًا لما يُسْتحْسَن شرعًا\n_________\n(^١) في \"فتح المغيث\": (١/ ٣٣٢).\n(^٢) تقدم أنه ليس في المطبوع (ص ١٨).","vol":"15","page":181},{"text":"في الدعاء؛ من تعظيم الربّ، وإظهار الخضوع والافتقار، مع جَمْع المقاصد واختصار اللفظ ونحو ذلك. ولا يُعَدُّ بحفظه له والإكثار من الدعاء به مُحْدِثًا. وله أن يتلقّف الدعاء من كافر إذا رآه دعاءً حسنًا.\nوعَلِمَ ابنُ مهدي أن أكثر الناس لا يُحْسِنون الدعاء، ويحتاجون إلى أن يتحَفَّظوا أدعيةَ غيرهم، [ص ٣٠] وإذا أنشأ أحدُهم دعاءً لنفسه، أو تلقَّفَ دعاءً من غيره ممن هو قريب منه لم يُؤمَن أن يكون في ذلك الدعاء مخالفةٌ للشرع باعتداء، أو وصف الله ﷿ بما لا ينبغي.\nفرأى ابن مهدي أن تعريض العامة لتلقّف الدعاء الذي ورَدَ به الضعيف، وهو دعاءٌ حَسَن في نفسه، وليس فيه مخالفة للشرع= خير لهم من تركهم يُنْشِؤون الأدعية لأنفسهم، فربما وقعوا في المحظور.\nولم يخش ابن مهدي من العامة أن يسمع أحدهم الدعاء في الحديث الضعيف فيحفظه ويدعو به لمجرّد أنه منسوب إلى النبي ﵌؛ فإن العامةَ في ذلك الزمان كانوا يعلمون أن فيما يُروَى عن النبي ﵌ ما يثبت (^١) وما لا يثبت [ص ٣١]، وكانوا أيضًا يعلمون قُبْح الإحْداث والابتداع، فلم يكن يَتَوقّع من العامة إذا رَوى لهم الحديثَ المشتملَ على الدعاء إلا أن يقول أحدهم: لا أدري أثبتَ هذا عن النبي ﵌ أم لا يثبت، ولكنني أراه دعاء بليغًا موجزًا، جامعًا للمقاصد، مناسبًا لحالي، وقد علمتُ برواية العلماء له وسكوتهم عنه أنه ليس فيه ما يُنْكَر شرعًا؛ مِن اعتداء، أو وصفٍ لله ﷿ بما لا يجوز،\n_________\n(^١) الأصل: \"ما لا يثبت\" سبق قلم.","vol":"15","page":182},{"text":"فَلَأن أتحَفَّظه وأدعو به أسْلَم لي من أن أُنشئ دعاءً لنفسي أو أتَلَقّف دعاءً من غيري ممن هو قريب منّي.\nولسنا نشكّ أن العاميَّ في ذلك الزمان لم يكن ليقدِّم مثل هذا الدعاء على الأدعية التي أخبر بثبوتها عن النبي ﵌، ولا يتحرَّاه كما يتحرّاها، ويواظب عليه كما يواظب عليها.\nفقد تبيَّن بحمد الله ﷿ أنه ليس في النصوص المتقدّمة مُتَمَسَّك لما ذهب إليه النووي وموافقوه، بل إنها تدلّ على خلاف ما قالوه، والله أعلم.\n[ص ٣٢] فصل\nهذا التشديد والتساهل المرويّ عن ابن مهدي ومن معه ليس إجماعًا، فإن من الأئمة من كان يشدّد مطلقًا فلا يروي إلا عن ثقة، وفي \"كفاية الخطيب\" آثار من ذلك؛ ففيها \"باب ما جاء أن الحديث عن رسول الله ﵌ لا يُقبل إلا عن ثقة\"، \"ذم الرواية عن غير الأثبات\" (^١)، \"باب السماع من الأُمناء وكراهة النقل والرواية عن الضعفاء\" (^٢)، \"باب كراهة الرواية عن أهل المجون والخلاعة\" (^٣). ونَقَل في هذه الأبواب عن الأئمة نصوصًا توافقها.\n_________\n(^١) \"الكفاية\" (ص ٣١ - ٣٤).\n(^٢) (ص ١٣٢) وفيها: \"باب في اختيار السماع ... \".\n(^٣) (ص ١٥٦ - ١٥٨).","vol":"15","page":183},{"text":"فلو فَرَضْنا أن النصوص الواردة في التساهل تدلّ على ما ذهب إليه النووي وموافقوه، فإن نصوصَ غيرهم ممن ذكره الخطيب في هذا الأبواب تخالف ذلك؛ فبطلت دعوى الإجماع قطعًا.\nولا يجوز أن يقال: تُحمل نصوص التشديد مطلقًا على النصوص المفصلة؛ لأن ممن جاء عنه التشديد مطلقًا مَن لم يجئ عنه التفصيل، ولا يصح تخصيصُ أو تقييدُ نصِّ إمام بنصّ غيره.\nألا ترى أن نصوص مالك العامة لا يجوز تخصيصها أو تقييدها بنصوص الشافعي؟!\n[ص ٣٣] فصل\nولو سَلِمَت دعوى الإجماع من النقض فغايتُه أن يكون إجماعًا سكوتيًّا ضعيفًا، والإجماعُ السكوتيّ القويّ: أن يُنْقَل أن بعض المجتهدين قال: كيتَ وكيتَ، وبلغ ذلك سائرَ المجتهدين في ذلك العصر فسكتوا. والضعيف هو: أن يُنْقَل عن بعض المجتهدين، ثم يبحث المطّلع فلا يعلم لهم مخالفًا. وقد أنكر الإمامان الشافعي وأحمد تسمية مثل ذلك إجماعًا، وقالا: ينبغي أن يقول: \"قال جماعة ممن قبلنا، ولا أعلم لهم مخالفًا\" أو نحو هذا.\nويظهر من مذهبيهما أن مثل هذا حجة ضعيفة يُصار إليه إذا لم يوجد دلالة من الكتاب ولا من السنة، وعلى هذا تدلّ الآثار عن الصحابة. وعلى كل حال فإن القائلين بحجيّة الإجماع السكوتي يعترفون بأنه حجة ظنيّة، والدلائل الظنية لا تثبت بها مسائل الأصول، ومسألتنا منها.","vol":"15","page":184},{"text":"[ص ٣٤] فصل\nوقد استدلّ المجوّزون بأمور أخرى:\nمنها: حديث رُوي عن جابر عن النبي ﵌ أنه قال: \"من بَلَغه عن الله شيء وفيه فضيلة فأخَذَ به إيمانًا رجاء ثوابه أعطاه الله ذلك\". ورُوي نحوه عن ابن عمر مرفوعًا، وعن أنسٍ مرفوعًا.\nوهذا الحديث ذكره ابن الجوزي في \"الموضوعات\" (^١) والسيوطي في \"اللآلئ المصنوعة\" ج ١ ص ١١١ - ١١٣ (^٢). وطرقه تدور على الكذابين والمتهمين.\nواعلم أن الزنادقة والضُّلّال والكذّابين في تلك القرون كان ربما اجتمع منهم (^٣) جماعة، فتواطؤوا على وضع حديث، ثم يذهب كلّ منهم يرويه بإسنادٍ غير إسناد صاحبه ليُشَبِّهوا على الناس. وكان جماعةٌ منهم إذا سمعوا حديثًا غريبًا من كذّاب ذهب كلّ منهم يخترع له إسنادًا. وكانوا كثيرًا ما يُغَلّطون المغفّلين من الرواة إما بالتلقين وإما بالإلحاق في كتبهم، وإما بغير ذلك.\nكل هذا معروف لمن مارس الحديث، فلا يغرّنّك تعدد الطرق مع دورانها على الهلْكَى والمتروكين والمغفّلين، وإن نُسِب بعضهم إلى الزهد والصلاح؛ فقد كان كثيرٌ من الزنادقة والضُّلّال يُظهرون الزهد والصلاح، و[كان] كثير من الزُّهّاد جُهّالًا يستحبّون الكذب في الحديث ترغيبًا للناس\n_________\n(^١) (٥٠١). وحديثا ابن عمر وأنس أخرجهما ابن الجوزي في \"الموضوعات\" أيضًا (١٦٤٢ و١٦٤٣).\n(^٢) (١/ ٢١٤).\n(^٣) الأصل: \"منهما\" سبق قلم.","vol":"15","page":185},{"text":"في الخير ــ زعموا ــ حتى تأوّل بعضهم الحديث المتواتر: \"من كذب عليَّ متعمدًا فليتبوّأ مقعدَه من النار\" فقالوا: إنما نكذب له لا عليه!!! (^١).\nهذا، ولو صحّ الحديث المذكور لما كان فيه حجة للمجوّزين، بل يُحْمَل على مَن بلغه حديث ظاهره الصحة [ص ٣٥] وهو في نفس الأمر باطل، توفيقًا بينه وبين أدلة المنع من العمل بالضعيف كما سيأتي إن شاء الله تعالى.\nوقد رأيت رسالةً لبعض الإمامية في هذه المسألة، نَقَل فيها عن علمائهم المنعَ من العمل بالضعيف، ثم ذهب يتأوّل ويتمحّل، وذكر أثرًا عن الإمام جعفر الصادق في معنى الحديث الذي ذكرناه، فإن صحّ فقد علمتَ محله، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-26>ومنها: أن في العمل بالضعيف احتياطًا</span>، والاحتياط مرغّب فيه شرعًا.\nوالجواب: أن الاحتياط إنما يُطْلَب في مواضع الاشتباه، كما في الحديث المتفق عليه: \"الحلال بيِّن والحرام بيِّن، وبينهما مشتبهات لا يعلمهنّ كثير من الناس، فمن ترك الشُّبُهات فقد استبرأ لدينه وعِرْضِه\" (^٢). وفيما رُوي عن الحسن بن علي عن جده ﵌: \"دَعْ ما يَرِيبك إلى ما لا يَرِيبك، فإن الصدق طمأنينة والكذب ريبة\" (^٣).\n_________\n(^١) انظر \"الموضوعات\": (١/ ١٣٨) لابن الجوزي. وعلامات التعجّب الثلاث من المؤلف.\n(^٢) البخاري (٥٢)، ومسلم (١٥٩٩) من حديث النعمان بن بشير ﵄.\n(^٣) أخرجه أحمد (١٧٢٣)، والترمذي (٢٥١٨)، والنسائي (٥٧١١)، وابن حبان (٧٢٢) وغيرهم. قال الترمذي: حسن صحيح، وصححه ابن حبان والحاكم: (٢/ ١٣).","vol":"15","page":186},{"text":"وأنت إذا تأملت ما تقدم وما يأتي عَلِمتَ أن الحديث الضعيف المتفرّد بعمل لا يوقع في الشُّبْهة بل الراجح أنه باطل، وعلى فَرْض الاشتباه فالاحتياط ترك العمل به؛ لأن غاية ما يحتمل في ترك العمل أن يكون تركًا لمستحبّ، وأما العمل فيُخشى منه الابتداع والإحْداث في الدين، والكذب على الله تعالى، واتهام سلف الأمة بالتفريط، وغير ذلك مما تقدّم.\nفالمُقْدِم على العمل إن كان الأمر عنده مشتبهًا، بمنزلة من يُقْدِم على [ص ٣٦] الوقوع على امرأةٍ يشك أأُمه هي أم زوجته!\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-27>ومنها: أن المباح يصير قُرْبةً بالنية</span>.\nوالجواب: أن محلّ ذلك في مباح من شأنه أن يُعين على عبادة ثابتةٍ شرعًا، كالأكل بنيّة التقوِّي على الجهاد، فأما أن يعمد جاهل إلى أمر مباح، فيزعم أنه عبادة مقصودة، ويتعبد به، ويحافظ عليه؛ فذلك هو الإحْداث في الدين والكذب على ربّ العالمين، والتكذيب بآياته في حفظ الذكر وإكمال الدين، إلى غير ذلك مما مرّ.\nومنها: ما أجاب به ابنُ حجر الهيتمي في \"شرح الأربعين\" (^١) عمن قال من المانعين: \"إن الفضائل إنما تُتلقّى من الشارع، فإثباتها بما ذُكِر اختراعُ عبادة وشَرْعٌ لما لم يأذن به الله\". قال الهيتمي: \"وليس ذلك من باب الاختراع والشرع المذكورَين، وإنما هو من باب ابتغاء فضيلة ورجائها بأمارةٍ ضعيفة من غير ترتُّب مفسدة عليه\".\n_________\n(^١) (ص ٣٢).","vol":"15","page":187},{"text":"والجواب: أن ابتغاء فضيلةٍ ورجاءها بأمارةٍ ضعيفة إنما يجوز فيما يكفي في ثبوته دلالة الحسّ والمشاهدة والقرائن، وذلك كمعرفة أن فلانًا عالم، وفلانًا فقير، وفلانًا صالح؛ فإنّ توقير العالم والصالح ومواساة الفقير فضائل ثابتة بالشرع. ولكن معرفة أن فلانًا عالم وفلانًا صالح وفلانًا فقير [ص ٣٧] لا تتوقّف على الحجج النقلية بل مدارها على الحسّ والمشاهدة والتسامع والقرائن، فإذا وُجِدت أمارة ضعيفة أن فلانًا فقير ــ مثلًا ــ كان للمكلّف ابتغاءُ فضيلة الصدقة عليه استنادًا إليها، وذلك كأن يرى ثوبَه خَلَقًا. ويُعتدّ هنا بالأمارات التي لا تثبت بها الأحكام الشرعية، وذلك كخبر الكافر والفاسق والصبي، وكالرؤيا ونحوها.\nوليس مسألتنا من هذا القبيل في شيء وإنما هي من قبيل الأحكام الشرعية التي إنما يُستدلّ عليها بالحجج المعتبرة شرعًا في ثبوت الأحكام. وهذا واضح والحمد لله.\nومنها: أن يُقال: إذا جاز أن يفعل المباح، ويختار صيام يوم معيّن، وقيام ليلةٍ معيّنة لمجرَّد سبب دنيوي، وذلك كالتختُّم بالعقيق تزيُّنًا به، وصوم ثاني يوم من صَفَر لأنه كان فارغًا فيه، وقيام ليلته لأنه سهر فيها، فكيف لا يجوز لسبب ديني وهو التماس فضيلة زائدة ولاسيما إذا ورد بها ضعيف.\nوالجواب: أن التزيّن واغتنام الفراغ والسهر ليس فيها كَذِب على الله ولا تكذيب بآياته ولا زيادة في دينه، وعليك أن ترجع إلى ما قدمنا من الأسئلة التي تورَد على من تحرّى النومَ في ضوء القمر ونحو ذلك، زاعمًا أنه يُرجى لفاعله الأجر والثواب.","vol":"15","page":188},{"text":"وقد قدمنا أن الأسئلة بعينها تورَد على من تحرّى [ص ٣٨] صوم ثاني صفر، زاعمًا أنه يُرجَى لصائمه أجرٌ وثواب أفضل مما يُرجَى لصائم اليوم الذي قبله ونحوه.\nفإنه يقال لهذا: أمِن المشروع صوم هذا اليوم لهذا الرجاء؟\nفإن قال: نعم، قيل له: آلله ﷿ شَرَعَه أم غيره؟ .. (إلى آخر ما تقدّم) (^١).\nفأما المتزيّن ومغتنم الفراغ ومغتنم السهر؛ فإنهم لو سُئلوا الأسئلة المذكورة لمرّوا في أجْوِبتها على الوجه الصحيح إلى أن يقال لهم: \"فأوْجِدونا في الشريعة ذلك\" فيقولون: قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ﴾ [الأعراف: ٣٢]، ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾ [الشرح: ٧]، والسهر ضرب من الفراغ، والإجماع المحقق منعقد على الجواز. فتدبَّر (^٢).\n_________\n(^١) (ص ١٧٥ وما بعدها).\n(^٢) هنا تنتهي هذه القطعة من الكتاب. وقد ألحقنا بها موضعين من القطع الأخرى كما سيأتي التنبيه عليه.","vol":"15","page":189},{"text":"[فصل] (^١)\nنصوص الإمام الشافعي في هذا البحث\nقال الإمام الشافعي في صدر \"الرسالة\" (^٢): \" ... وصنف كفروا بالله فابتدعوا ما لم يأذن به الله، ونصبوا بأيديهم حجارة وخشبًا وصورًا استحسنوها، ونبزوا أسماء افتعلوها، ودعوها آلهةً عبدوها، فإذا استحسنوا غيرَ ما عبدوا منها ألقوه ونصبوا بأيديهم غيره فعبدوه ... فكانوا قبل إنقاذه إياهم بمحمد ﵌ أهلَ كفر في تفرُّقهم واجتماعهم، يجمعهم أعظم الأمور الكفر بالله وابتداع ما لم يأذن به الله ... فليست تنزل بأحدٍ من أهل دين الله نازلة إلا وفي كتاب الله جل ثناؤه الدليل على سبيل الهدى فيها\".\nوقال: \"والعلم طبقات شتى، الأولى: الكتاب والسنة إذا ثبتت السنة (^٣)، ثم الثانية: الإجماع فيما ليس فيه كتاب ولا سنة، والثالثة: أن يقول بعض أصحاب النبي ﵌ ولا نعلم له مخالفًا منهم، والرابعة: اختلاف أصحاب النبي ﵌ في ذلك، الخامسة: القياس على بعض الطبقات، ولا يُصار إلى شيء غير الكتاب والسنة وهما\n_________\n(^١) هذا الفصل ألحقناه هنا، وهو من القطعة الثانية من الرسالة [٤٦٥٨/ ١٠] (١٧ ب- ١٩ ب). ولعله من ضمن ما استدل به النواوي على جواز العمل بالضعيف، كما ذكر المؤلف [ص ٦] من هذه القطعة من الرسالة.\n(^٢) (ص ١٠).\n(^٣) \"إذا ثبتت السنة\" ليست في ط دار الوفاء.","vol":"15","page":190},{"text":"موجودان\". \"الأم\" (٧/ ٢٤٦) (^١).\nوقال: \" ... لا يجوز لمن استأهل أن يكون حاكمًا أو مفتيًا أن يحكم ولا أن يفتي إلا من جهة خبر لازم، وذلك الكتاب ثم السنة، أو ما قاله أهلُ العلم لا يختلفون فيه، أو قياس على بعض. هذا، ولا يجوز له أن يحكم ولا يفتي بالاستحسان ... \" \"الأم\" (٧/ ٢٧١) (^٢).\nوقال ــ ﵀ ــ بعد أن ساق المأثور عن النبي ﵌ في دعاء الافتتاح: \"فإن زاد فيه شيئًا أو نقصه كرهته ولا إعادة\" \"الأم\" (١/ ٩٢).\nونحو هذا ذكر في التلبية، وروى فيها \"عن عبد الله بن أبي سلمة أنّه قال: سمع سعدٌ بعضَ بني أخيه وهو يلبي: يا ذا المعارج، فقال سعد: المعارج؟ إنّه لذو المعارج، وما هكذا كنا نلبي على عهد رسول الله ﵌\". \"الأم\" (٢/ ١٣٢ ــ ١٣٣) (^٣).\nوذكر في موضع آخر بعد أن ذكر تلبية النبي ﵌: \"ولا أحبّ أن يزيد على هذا في التلبية حرفًا إلا أن يرى شيئًا يعجبه فيقول: لبيك لا عيش إلا عيش الآخرة، فإنّه لا يُرْوَى عن النبي ﵌ أنّه زاد في التلبية حرفًا غير هذا عند شيء رآه فأعجبه\". (٢/ ١٧٣) (^٤).\n_________\n(^١) (٨/ ٧٦٤ - دار الوفاء).\n(^٢) (٩/ ٦٧ - ٦٨).\n(^٣) (٣/ ٣٩١ - ٣٩٢).\n(^٤) (٣/ ٥٢٥).","vol":"15","page":191},{"text":"أقول: ومثل هذا ما جاء أنّ رجلًا عطس عند ابن عمر فقال: الحمد لله والسلام على رسول الله. فقال ابن عمر: وأنا أقول: الحمد لله والسلام على رسول الله، وليس هكذا علمنا رسول الله ﵌، علّمنا أن نقول: \"الحمد لله على كل حال\". \"جامع الترمذي\" (٢/ ١٢٣) (^١)، وأخرجه الحاكم في \"المستدرك\" (^٢) وقال: صحيح غريب، وأقرّه الذهبي.\nوقال الشافعي (^٣): \"وأحبّ أن يستلم الركنَ اليماني بيده ويقبّلها ولا يقبّله؛ لأنّي لم أعلم أحدًا روى عن النبي ﵌ أنّه قبّل إلا الحجر الأسود، وإن قبّله فلا بأس به، ولا آمره باستلام الركنين اللذين يليان الحجر الأسود، ولو استلمهما أو ما بين الأركان من البيت، لم يكن عليه إعادة ولا فدية، إلا أني أحبّ أن يقتدي برسول الله ﵌\".\nوبعد كلام روى \"عن محمد بن كعب القُرَظي أنّ رجلًا من أصحاب النبي ﵌ كان يمسح الأركان كلها، ويقول: لا ينبغي لبيت الله تعالى أن يكون شيء منه مهجورًا. وكان ابن عباس يقول: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ ... \" \"الأم\" (٢/ ١٤٦ ــ ١٤٧) (^٤).\nوذكر بعد ذلك أنّ الذي كان يستلمه ابنُ الزبير، وذَكَر قولَ ابن عباس ثم\n_________\n(^١) (٢٧٣٨) وقال: \"هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث زياد بن الربيع\".\n(^٢) (٤/ ٢٦٥) وعبارته: \"هذا حديث صحيح الإسناد غريب في ترجمة شيوخ نافع\".\n(^٣) (٣/ ٤٢٨).\n(^٤) (٣/ ٤٣٠ - ٤٣١).","vol":"15","page":192},{"text":"قال: \"وبهذا نقول\" (^١).\nوقد روى الإمام أحمد (^٢) وغيره أنّ ابن عبّاس طاف مع معاوية فكان معاوية يستلم الشاميين وابن عباس يمنعه ويقول: \"لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة\". وفي بعض الروايات: أنّ معاوية رجع عن ذلك (^٣).\nوقد عقد البيهقي في \"السنن\" بابًا لذلك، وذكر فيه جواب الشافعي عن شبهة الهجران بقوله: \"قال الشافعي: ولم يدَّعِ أحدٌ استلامهما هجرةً لبيت الله ونسكه، ولكنّه استلم ما استلم رسول الله ﵌ وأمسك عمّا أمسك عنه\". \"سنن البيهقي\" (٥/ ٧٧).\nوقد جاء عن عمر وعثمان عدم استلام الشاميين واحتجَّا بأنّ النبي ﵌ لم يفعله (^٤).\nأقول: وقول الشافعي: \"وإن قبّله فلا بأس به ... \" يمكن أن يكون أراد بالبأس الإعادة والفدية، أي: أنّه لا إعادة عليه ولا فدية كما بيّنه بعد ذلك، ولكنّه قال في موضع: \"وأيّ البيت قَبَّل فحَسَنٌ غير أنّا نأمر بالاتباع\"، وهذا لا يخلو عن إشكال، ولعله أراد أنّه مباح إذا لم يزعم فاعله أنّه من الدين، بل فعله بباعث المحبة، كالذي كان يقرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ في كل ركعة، مع أنّ بينهما فرقًا، فإنّ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ في الصلاة ثابت إجمالًا، وتقبيل ما\n_________\n(^١) (٣/ ٤٣٥).\n(^٢) (٢٢١٠)، وأخرجه البخاري (١٦٠٨) معلقًا، والحاكم: (٣/ ٥٤٢).\n(^٣) في \"المسند\" (١٨٧٧) وفيه قول معاوية لما ذكر له ابنُ عباس الآية: \"صدقت\".\n(^٤) خبر عمر رواه أحمد (٢٥٣، ٣١٣)، وخبر عثمان رواه أحمد أيضًا (٥١٢).","vol":"15","page":193},{"text":"بين الأركان لم يثبت إجمالًا ولا تفصيلًا، والقياس فاسد الاعتبار لمخالفته النص، فإنّ تقبيل النبي ﵌ الحجرَ الأسود، وتركه تقبيل غيره واضح في الدلالة على الفرق، هذا مع ما جاء من مزيّة الحجر الأسود على سائر البيت، والله أعلم.\nوذكر الشافعيُّ في الحجِّ أدعيةً بعضها عن النبي ﵌ بسندٍ لا يثبت، وبعضها حكاها عن بعض التابعين وبعضها لم يحكه عن أحد، ويعبر عنها بقوله: \"أستحب\" ونحوه، وقد يتوهّم أنّ تلك الأدعية مستحبة على التعيين، وليس هذا مراد الشافعي إن شاء الله، وإنّما مراده ــ إن شاء الله ــ أنّ الدعاء المناسب للمقام مستحب، وذلك الدعاء الذي ذكره مناسب، وروايته عن النبي ﵌ أو عن بعض السلف يُكْسِب النفسَ طمأنينة بسلامة الدعاء ممّا يكره، ولو عَدَل الحاجُّ عنه إلى دعاء آخر مناسب كان قد أتى بالمستحب؛ ولهذا قال الشافعي في باب القول عن رؤية البيت بعد أن ساق بعض الأدعية: \"فأستحبّ للرجل إذا رأى البيت أن يقول ما حكيت، وما قال مِنْ حَسَن أجزأه إن شاء الله تعالى\". (٢/ ١٤٤) (^١).\nوهذا كثيرٌ في كلام الشافعي يقول: أستحبُّ كذا، ويذكر مثالًا خاصًّا يريد ــ والله أعلم ــ أنّه فَرْد من أفراد المستحب المطلق لا أنّه مستحب بعينه.\nفمن ذلك أنّ مالكًا ــ ﵀ ــ كره عند الذبح أن يُصَلّى على النبي ﵌ (^٢)، فقال الشافعي: \"والتسمية على الذبيحة \"باسم\n_________\n(^١) (٣/ ٤٢٣).\n(^٢) انظر \"البيان والتحصيل\": (٣/ ٢٨١)، و\"مواهب الجليل\": (١/ ٣٨٣).","vol":"15","page":194},{"text":"الله\" فإذا زاد على ذلك شيئًا مِنْ ذِكْر الله ﷿ فالزيادة خير، ولا أكره مع تسميته عند (^١) الذبيحة أن يقول: صلى الله على محمد رسول الله، بل أحبُّه له، وأحب أن يُكثر الصلاةَ عليه، فصلّى الله عليه في كل الحالات؛ لأنّ ذكر الله ﷿ والصلاة عليه إيمان بالله تعالى وعبادة له يُؤجَر عليها إن شاء الله تعالى من قالها ... قال: ولسنا نعلم مسلمًا، ولا نخاف عليه أن تكون صلاته عليه ﵌ إلا إيمان بالله (^٢)، ولقد خشيت أن يكون الشيطان أدْخَلَ على بعض أهل الجهالة النهيَ عن ذِكْر اسم رسول الله ﵌ عند الذبيحة، ليمنعهم الصلاةَ عليه في حالٍ لمعنى يعرض في قلوب أهل الغفلة ... \". \"الأم\" (٢/ ٣٠٥) (^٣).\nيعني بقوله: \"لمعنى ... \" إلخ أن ينوي الذبح لله وللرسول، أو يظن ذِكْر الرسول لازمًا لزوم ذكر اسم الله أو نحو ذلك. وقوله: \"فالزيادة خير\" يريد الخيرية المطلقة المشتركة بين هذا الموضع وغيره، وهكذا قوله: \"بل أحبه له\" مراده أنّ الصلاة على النبي ﵌ محبوبة مطلقًا، وهذا الموضع من أفراد ذلك المطلق، وهذا ظاهر في سياق عبارته، وإن غلط في هذا بعض الفقهاء فزعم أنّها مستحبة في هذا الموضع بعينه على الخصوص.\nوقد يُحْتَجّ لمالك بأنّ الصلاة على النبي ﵌ عند الذبح لم تُنقل عنه ﵌، ولا عن أحدٍ من أصحابه ولا\n_________\n(^١) في \"الأم\": \"على\".\n(^٢) كذا في الأصل، وفي ط. دار الوفاء: \"الإيمان بالله\".\n(^٣) (٣/ ٦٢١ - ٦٢٢).","vol":"15","page":195},{"text":"أئمة التابعين، وقد احتجّ الشافعي بمثل هذا في مواضع قد تقدم بعضها (^١). وتَرْكُه ﵌ من سنّته، وقد مرّ احتجاج ابن عباس بقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (^٢) [الأحزاب: ٢١]، ومثلها في الحجة قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي﴾ [آل عمران: ٣١]. وغيرها من الآيات في الأمر بطاعته ﵌؛ فإنّ مِنْ اتباعه تَرْكَ ما تركه، وقد غضب النبي ﵌ على النفر الذين أراد بعضهم أن يصوم ولا يفطر، وأراد الآخر أن يقوم الليل ولا ينام، وأراد الثالث أن يتجرّد للعبادة فلا يتزوّج، وممّا قاله ﵌ في زَجْرهم وزجر أمثالهم: \"فمن رغب عن سنتي فليس مني\".\nومرّ احتجاج عمر وغيره، وسيأتي مزيد لذلك في بيان أن ترك النبي ﵌ حجة (^٣).\nوذكر الشافعي ــ ﵀ ــ في باب (الاغتسال للعيد) (^٤) [قال: كان مذهب سعيد وعروة في أن الغسل في العيدين سنة، أنه أحسن وأعرف وأنظف، وأنْ قد فعله قومٌ صالحون، لا أنه حَتْمٌ بأنه سنة رسول الله - ﷺ -].\n_________\n(^١) (ص ١٩١).\n(^٢) (ص ١٩٢).\n(^٣) (ص ٢٠٠ وما بعدها).\n(^٤) (٢/ ٤٨٩). إلى هنا انتهت هذه القطعة من النسخة الثانية من الرسالة، وقد نقلتُ باقي كلام الشافعي من \"الأم\".","vol":"15","page":196},{"text":"[فصل] (^١)\nنعم قد توجد مسائل عن بعض الأكابر استحسنوا فيها العمل بحديث يظهر أنه ضعيف، ولكن مثل ذلك لا يثبت به أصل عظيم من الأصول الشرعية تُعارَض به الأصول القطعية؛ لاحتمال أن ذلك الحديث كان عند مَن قال بموجبه صحيحًا، أو كان له عاضد ولو من القياس، أو يكون ذلك سهوًا منه، أو غير ذلك.\nوقد يُروى عن بعضهم المحافظة على بعض المباحات على هيئة يتوهَّم الناسُ أنه كان يرى أنها مستحبة، ولم يكن هو يراها مستحبة، وقد تكون له نية يصيرُ ذلك المباح بها قربة، ولكن لا تتفق هذه النية لكل أحد. كما يروى أن مالكًا ﵀ كان إذا أراد الخروج إلى مجلس الحديث اغتسل (^٢)، وأن البخاري قال: ما وضعت في كتابي الصحيح حديثًا إلا اغتسلت قبل ذلك وصليت ركعتين (^٣). فكأنهما كانا يغتسلان لأن الغسل يورث ...... (^٤).\n[فصل]\n[ص ٢١] [والبدعة] بالتعريف المذكور (^٥) مذمومةٌ قطعًا ولا يُستثنى منها\n_________\n(^١) من هنا إلى آخر الرسالة أضفناه من القطعة الثانية من الرسالة [٤٦٥٨/ ١٠] (ق ٢٣ ب- ٣٣ ب) وقد حصل فيها خرم في موضعين كما سيأتي التنبيه عليه.\n(^٢) انظر \"تهذيب الأسماء واللغات\": (ق ١/ ٢/٧٦).\n(^٣) انظر \"تاريخ بغداد\": (٢/ ٩)، و\"السير\": (١٢/ ٤٠٢).\n(^٤) هنا خرم ورقة أو أكثر.\n(^٥) بسبب الخرم السالف سقط ما قبل هذا من الكلام، وواضح أن حديث المؤلف عن البدعة فأضفناه بين معكوفين، والتعريف الذي أراده المؤلف هو \"إلصاق أمر بالدين وليس من الدين\". انظر \"حقيقة البدعة\" (ص ٨٨ - ضمن رسائل العقيدة) للمؤلف.","vol":"15","page":197},{"text":"شيء، وأدلة ذلك لا تحصى، وقد بسطها الشاطبي في \"الاعتصام\" (^١)، وسأشير إلى بعضها:\nفمنها: أن الله تعالى قسَّم الكفر في كتابه إلى قسمين: الكذب عليه، والتكذيب بآياته، والآيات في ذلك كثيرة، منها قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٨]، وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ﴾ [الزمر: ٣٢].\nوكلّ من عمل عملًا يرجو ثوابه من الله تعالى، فقد نَسَب ذلك العمل إلى الدين، فإن كان عنده سلطان أنه من الدين وإلا فهو كاذب على الله تعالى، والسلطان إما يقينيّ بذاته كآيةٍ من القرءان قطعية الدلالة، وإما مُسْتَنِد إلى يقينيّ كحديث صحيح، فإنه ليس قطعيًّا في نفسه عند أكثر العلماء، ولكنه مستند إلى أصل قطعي، وهو وجوب العمل بالحديث الصحيح، فإن مجموع الأدلة على ذلك يفيد اليقين، وإن كان كلّ فرد منها لا يفيده.\nوما لم يكن قطعيًّا ولا يستند إلى قطعيّ فهو من الخَرْص الذي قال الله تعالى فيه: ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ﴾ [الذاريات: ١٠]، ومن الظن الذي قال فيه: ﴿إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [يونس: ٣٦]، فصاحبه كاذب على الله ﷿ ولا بدّ.\n_________\n(^١) (٣/ ٦٢ - ٦٦).","vol":"15","page":198},{"text":"والبدعةُ المذمومةُ التي سبق تعريفها (^١) كلها داخلة في هذا، ولكن من النّاس من يُعْذَر، على ما يأتي إيضاحه في موضعه إن شاء الله تعالى (^٢).\nومن هنا تضافرت الأحاديث على ذمها كلها، ومن تلك الأحاديث ما رواه مسلم وغيره من طرق متواترة إلى جعفر الصادق عن أبيه قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: كانت خطبة النبي ﵌ يوم الجمعة: يحمد الله ويثني عليه، ثم يقول بعد ذلك ــ وقد علا صوتُه ــ: \"أمّا بعد، فإنّ خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد، وشرّ الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة\" مسلم ج ٣ ص ١١ (^٣).\nولولا عِظَم خطر الإحداث في الدين لما كرّر النبيُّ ﵌ هذا الكلام كلَّ جمعة.\nوقد اتفق المحققون أنّ المرادَ بالبدعة في هذا الحديث البدعةُ في الدين ــ على ما قدمنا تعريفها ــ ولكن منهم من أدخل فيها ما كان مِنْ هَدْيه ﵌ بالقوّة، فاحتاج إلى استثنائه من هذا الحديث وغيره من الأحاديث الكثيرة.\nومنهم مَن نَظَر إلى أنّ البدعة لغةً أعمّ من البدعة في هذه الأحاديث، فاحتاج إلى قسمتها إلى الأحكام الخمسة. وقد نصّ هذا الحديثُ وغيرُه [ص ٢٢] من الأحاديث أنّ البدع شر الأمور، وأنّ كلّ بدعة ضلالة. فأقلّ ما\n_________\n(^١) انظر (ص ١٩٧) حاشية رقم (٥).\n(^٢) (ص ٢١١ - ٢١٢).\n(^٣) (٨٦٧).","vol":"15","page":199},{"text":"يدلّ عليه ذلك أنّها من الكبائر، وحينئذٍ فلا يخرج العمل عن كونه بدعة إلا بحجّةٍ يحصل بها اليقين، أو غَلَبة الظن المستنِد إلى يقين= بأنّ ذلك العمل من هدي النبي ﵌، والضعيفُ بعيد عن ذلك، ولا ينفعه ثبوتُ عمومٍ يندرج تحته، فإنّ الأمر بمطلق قيام الليل وصيام التطوع يدلّ على تساوي الليالي والأيام، فمن قام ليلة النصف من شعبان أو صام يومها رجاء ثوابٍ أعظمَ من ثواب ليلة النصف من صفر، فإن واظب عليها احتاج إلى سلطانٍ بأن من هَدْي النبي ﵌ المواظبة عليها، فإن لم يكن له سلطان على ذلك، فعمله بدعة، وقد علمتَ أنّ ذلك العموم لا يدلّ على ما ذكر، وأنّ الحديث الضعيف لا يصلح سلطانًا، وقس على ذلك.\nولا يُظَنّ بالصحابة والتابعين وسلف الأمة أن تفوتهم سنةٌ من سنن النبي ﵌ فينفرد بها بعض الضعفاء، والمنفردُ بها إن كان واحدًا فذلك حديث غريب، وقد أَبْلَغ الأئمةُ في ذمّ الغرائب كما سلف (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-41>[تَرْك النبي - ﷺ - وهل هو حجة]</span>\nواعلم أنّ عامة الفضائل التي يحاول المتأخرون إثباتها بالأحاديث الضعيفة مما لم يُنْقَل من وجه صحيح أنّه عمل النبي ﵌ بها ولا أصحابه، ولا أئمة التابعين، وكثيرٌ منها لم يعمل به [ص ٢٦] مَنْ بعدهم إلى قرون، وما كان كذلك وجب الحكم بأنّ النبي ﵌ وأصحابه رضي الله تعالى عنهم لم يعملوا به ....\nوفي \"إعلام الموقعين\": \"فصل، وأمّا نقلهم لتركه صلى الله عليه وآله\n_________\n(^١) من هنا ضرب المؤلف على ٩ صفحات إلى أواخر [ق ٢٥ ب].","vol":"15","page":200},{"text":"وسلم فهو نوعان، وكلاهما سنة، أحدهما: تصريحهم بأنّه ترك كذا ... والثاني عدم نقلهم لما لو فعله لتوفرت هِمَمهم ودواعيهم أو أكثرِهم أو واحد منهم على نقله، فحيث لم ينقله واحد منهم البتة، ولا حدّث به في مجمع أبدًا عُلِم أنه لم يكن\".\nأقول: وما نُقِل من وجه غير ثابت فكأنّه لم يُنْقَل.\nثم ذَكَر أمثلة من ذلك، إلى أن قال: \"ومن ههنا يُعلَم أنّ القول باستحباب ذلك خلاف السنة، فإنّ (^١) تَرْكه ﵌ سنة كما أن فِعْله سنة، فإذا استحببنا فِعْل ما تَرَكه كان نظير استحبابنا تَرْك ما فَعَله ولا فرق ... \".\nأقول: يعني أنّ استحباب ترك السنة الثابتة تكذيب له ﵌، وشَرْعٌ في الدين يناقض ما شرعَه، واستحبابُ فعلِ ما تركه كَذِبٌ على الله تعالى، وشَرْعٌ في الدين ما لم يشرعه. فأمّا إذا تركنا للتكاسل ما فَعَلَه فإنّه أهون جدًّا من استحبابنا فعل ما تركه؛ لأنّ غاية الأوّل أن يكون معصية أو مكروهًا أو خلاف الأولى، وليس فيه كذب على الله ولا تكذيب بآياته. وأمّا الثاني فهو كذب على الله وشَرْعٌ في الدين لما لم يأذن به الله، وفيه مع ذلك تكذيب فيما نصّ عليه من إكمال الدين، وفيما تكفّل به من حفظ الشريعة أو رَمْيٌ للنبيّ ﵌ بأنّه لم يبلّغ ما أنزل الله إليه، أو للصحابة بأنّهم لم يبلغوا ما سمعوا، أو لأئمة التابعين أو من بعدهم. ورَمْيٌ لهم جميعًا بأنّهم كانوا مقصرين عن فضيلة من الفضائل حتى جاء هذا المبتدع فأحياها والعياذ بالله\".\n_________\n(^١) الأصل: \"وما\" والمثبت من \"الإعلام\".","vol":"15","page":201},{"text":"ثم قال: \"فإن قيل: من أين لكم أنّه لم يفعله، وعدم النقل لا يستلزم نقل العدم؟ فهذا سؤال بعيد جدًّا عن معرفة هديه وسنته وما كان عليه، ولو صحّ السؤال وقُبِل (^١) لاستحبَّ لنا مستحبٌّ الأذان للتراويح، وقال: من أين لكم أنّه لم يُنْقَل؟ واستحبَّ لنا مستحبٌّ آخر الغُسلَ لكلّ صلاة، وقال: من أين لكم أنّه لم ينقل؟ ... واستحبّ لنا آخر صلاة ليلة النصف من شعبان أو ليلة أول جمعة من رجب وقال: من أين لكم أنّ إحياءها لم يُنقل؟ وانفتح بابُ البدعة، وقال كلُّ من دعا إلى بدعة: من أين لكم أنّ هذا لم يُنقل\". \"إعلام الموقعين\" (٢/ ٤٤٠) (^٢).\nأقول: والسؤال الذي فرضَه مردودٌ إجماعًا، ويكفي لدفعه من الشرع [ص ٢٧] قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]، وما عُلِم من الدين بالضرورة بأنّ محمدًا ﵌ خاتم الأنبياء، وكتابه خاتم الكتب، وشريعته خاتمة الشرائع. ومن جهة العقل والعادة ما عُلِم بالتواتر من شِدّة حرص النبيّ ﵌ على تبليغ جزئيات الدين، وحرص أصحابه ــ مع كثرتهم ــ على حفظ ذلك وتبليغه إلى من بعدهم وهلمّ جرًّا، حتّى لقد أنكر بعضُ العلماء الحديثَ الذي يجمع شروط الصحة ولكنه فرد، وأنكر مالكٌ كثيرًا من الأحاديث الصحيحة؛ لأنّه وجد عملَ أهلِ المدينة على خلافها. وكذا أبو حنيفة ﵀ فإنّه يتردّد في الأحاديث الأفراد إذا خالفت العمل.\n_________\n(^١) الأصل: \"وقيل\" خطأ. والمثبت من \"الإعلام\".\n(^٢) (٤/ ٢٦٤ - ٢٦٥).","vol":"15","page":202},{"text":"ونحن نرى العمل بالأحاديث الأفراد الصحيحة؛ لأنّها داخلة في الأصل القطعي الموجِب للعمل بالحديث الصحيح؛ ولأنّا نرى أنّ ما تكفَّل الله تعالى به من حفظ الشريعة يحصل بذلك.\nوقد يجوز أن ينفرد الصحابيُّ بالسنة، ويتفق له أن يحدِّث بها جماعةً محصورين، فيبلّغها واحد منهم فقط. على أنّنا نتردَّدُ في الحديث الفَرْد وإن كان رواته ثقات، إذا كان عن عمل يتكرّر سببُه كثيرًا، أو من شأنه أن تتوفر الرغبات على نقله، وانضمَّ إلى ذلك غرابةُ المعنى؛ بأن لم يوجد له شبيه في الشريعة.\n• وممّا احتجّ به القائلون بالعمل بالضعيف: الإجماعُ على أنّ المباح يصير قُربةً بالنية.\nوالجواب: أن محلّ ذلك في المقاصد الشرعية الثابتة إذا كان يمكن تحصيلها بوسائل كثيرة، كلّ واحدةٍ منها كافية في ذلك، ولم يعيِّن الشرعُ وسيلةً منها على سبيل التحديد، بل ترك النظر للمكلف؛ فإنه يعلم حينئذ أنّ على المكلّف أن يتوصل إلى ذلك المقصد بأي وسيلة شاء من الوسائل المباحة في نفسها، فإذا كان المقصد واجبًا ثبت أنه يجب على المكلّف أن يتوسل إليه بوسيلة من تلك الوسائل، وهي حينئذ واجبة على التخيير، فإذا اختار واحدًا منها صار ذلك الواحد قربة؛ لأنّه حينئذٍ واجب، وإن كان المقصد مندوبًا كانت تلك الوسائل مندوبة على التخيير، فإذا اختار واحدًا منها صار مندوبًا، ويكون التوسل بأحدها إلى ذلك المقصد من هدي النبي ﵌ بالفعل إن ثبت عنه أنّه توسل به لذلك المقصد، ومن هديه ﵌ بالقوة إن كان استغنى عنه بغيره، ولكن","vol":"15","page":203},{"text":"على العامل أن يعلم أنّ تلك الوسيلة [ص ٢٨] ليست قربةً بذاتها، وإنّما تكون قُربة للتوسل بها إلى قربة، وعليه إذا كان متبوعًا أن يحترز عن إيهام تابعيه أنّها قربة بذاتها.\nفمن ذلك الحج والجهاد مقصدان شرعيّان أُمِرْنا بهما ويمكننا التوسل إليهما بأمور متعددة، كالسفر إلى الحج مشيًا وركوبًا على الخيل والبغال والحمير والجمال والفِيَلة، وفي السفن البحرية شراعية أو بخارية، وفي القطار والسيارات والطيارات وغير ذلك، ولم يحدد لنا الشرع شيئًا منها على سبيل التقييد. وتوسَّل النبيُّ ﵌ بالركوب على الناقة وكثير من أصحابه بالمشي، فكانت هاتان الوسيلتان من هديه ﵌ بالفعل، وأمّا التوسل بركوب الباخرة أو القطار أو السيارة أو الطيارة، فلم يقع في عهده ﵌، ولكنّه من هديه بالقوة. وممّا يصرح بذلك قول الله ﷿: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧]. وركوب السيارة والطيارة ونحوهما سبيل من السبل، وقس على هذا حال الجهاد، فالتوسّل إليه بالسيف والرمح من هديه ﵌ بالفعل، وبالبندق والمدفع وغيرهما من هديه بالقوة، وممّا يصرّح بذلك قول الله ﷿: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠].\nومن ذلك: أنّ قراءة القرآن مقصد شرعي أُمِرنا به مطلقًا أي: بدون تعيين وسيلة من وسائله على وجه التحديد والتقييد، فكان ذلك أمرًا بوسائله على وجه التخيير، فيدخل في ذلك التوسل بالنظارات الزجاجية فهي من هدي","vol":"15","page":204},{"text":"النبي ﵌ بالقوة؛ لأنّها إنّما لم تُستعمل في عهده؛ لأنّها لم تكون موجودة. وقد يكون للمقصد الشرعي وسيلة متيسرة في عهد النبي ﵌ فيعمل به ثم بعده تختل تلك الوسيلة، إمّا بحيث لا تبقى كافية لتحصيل المقصد، وإمّا بحيث يصير غيرها أصلح منها، وحينئذٍ فينبغي العدولُ عن الوسيلة التي كانت في عهده ﵌، وقد تتعين وسيلةٌ لم تكن على عهده فتصير واجبة لعينها، وذلك كتحصيل البنادق والمدافع ونحوهما من آلات الجهاد. وقد تصير وسيلةً لم تكن على عهده أصلح من التي كانت على عهده، فتصير مستحبةً لعينها، وعلى هذين القسمين يدور قسم الواجب والمستحب من أقسام البدعة على ما قَسّمه بعضُ [ص ٢٩] العلماء.\nويدخل فيما تقدم اغتسال مالك عند إرادة التحديث، والبخاري عند إرادة إثبات الحديث في الصحيح (^١)؛ لأنّ من المقاصد الشرعية وجوب التحفُّظ عن الخطأ في الحديث عن النبي ﵌، وفي الحكم على الحديث بالصحة، ولاسيما إذا كان الحاكم يرى أن حكمه سيُعْمَل به إلى يوم القيامة، ومن الوسائل إلى التحفّظ الاغتسال ليكون أقوى للنشاط وصفاء الذهن ولطف الفطنة، وكان النبي ﵌ مستغنيًا عن ذلك بما وهبه الله تعالى له من القوة والعصمة، وأمّا أصحابه فكانوا أحضر أذهانًا وأقوى فطنة مما بعدهم، مع أنّهم لا يكادون يخشون الخطأ؛ لأنّهم سمعوا الحديث من فيه ﵌ مرارًا، فهم على يقين لا شكّ فيه، ويدخل في هذا كلّ ما لعله يصح ممّا يشبه ذلك عن\n_________\n(^١) انظر تخريجهما فيما سلف (ص ١٩٧).","vol":"15","page":205},{"text":"أئمة السلف، على أنّنا نعلم أنّه لم يكن أحد منهم معصومًا عن الخطأ، والله أعلم.\nإذا أحطت خبرًا بما تقدم، ثم وزنتَ به مسحَ الرقبة في الوضوء، وتخصيصَ ليلة النصف من شعبان بالقيام، ويومها بالصيام، اتضح لك الفرق، فإنّ هذه وأمثالها مقاصد لا وسائل، والعامل بها إنّما يتديَّن بها على أنّها قربة بذاتها، والحجة قائمة على أنّها ليست من هدي النبي ﵌ لا بالفعل ولا بالقوة، بل الحجة قائمة على أنّ من هديه ﵌ تركها بالفعل، وليس هناك ما يقتضي أنّها من هديه بالقوة، بل إنّ الهدي بالقوة إنّما يتصوّر في الوسائل كما تقدم، فأمّا المقاصد الشرعية فكلها من هديه ﵌ بالفعل، وتحقيق هذا يحتاج إلى إطالة.\n• وممّا احتجُّوا به: أنّ في العمل بالضعيف احتياطًا.\nوالجواب: يا حبذا الاحتياط، فإنّ الشرع يحثّ عليه، وفي القرآن آيات كثيرة تشير إليه، والأحاديث فيه كثيرة، قد ذكرنا بعض ذلك في موضع آخر، وإنّما علينا أن نعرف ما هو الاحتياط، فأقول: محل الاحتياط عند الاشتباه، فينبغي للمكلف حينئذ أن يختار ما لا خطر فيه، أو ما هو أقلّ خطرًا. والحديثُ الضعيف بعد ثبوت ضعفه ليس بحجة، بل قد قدمنا ما يُعْرَف منه أنّ الحجة قائمة على بطلانه.\nثم نقول: لا يخلو الضعيف أن يكون يقتضي فعلًا أو تركًا، فأمّا الأوّل فإنّك إن عملت ما دلّ عليه وقعت في البدعة، وهي حرام أو شرك، كما يأتي تحقيقه ــ إن شاء الله تعالى ــ، وإن تركتَ العملَ به فغاية الأمر أنّ هناك احتمالًا ضعيفًا","vol":"15","page":206},{"text":"أنّك تركت مستحبًّا، [ص ٣٠] فأخبرني الآن كيف الاحتياط؟ أليس هو أن تترك العمل بالضعيف لئلا تقع في البدعة الحرام أو الشرك؟ ! تدبّر.\nوأمّا الثاني فكذلك؛ لأنّ الضعيف إن اقتضى تركًا لما قام الدليل على أنّه واجب أو مستحب فواضح، وإن اقتضى تركًا لما قام الدليل على أنّه مباح، فَتَرْك المباح الذي قام الدليل على إباحته خوفًا من أن يكون حرامًا أو مكروهًا تدين بتركه، والتدين بما قام الدليل على أنّه ليس من الدين بدعة حرام أو شرك، قال تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ (١١٨) وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ (١١٩) وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ (١٢٠) وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ١١٨ - ١٢١].\nوجاء في أسبا ب النزول ما حاصله: أنّ شياطين الجن والإنس أوحوا إلى المشركين أن يقولوا للمسلمين: أمّا ما ذبح الله تعالى ــ يعنون الميتة ــ فلا تأكلون، وأمّا ما ذبحتم بأيديكم فتأكلون. وهذه شبهة قد تحمل بعض الناس على أن لا يأكل اللحم أصلًا، يقول: إذا حرم ما ذبح الله فما ذبحت أولى، وتحمل آخرين على أكل الميتة قائلين: إذا أحلّ لنا ما ذبحناه فما ذبح الله تعالى أولى، فأنزل الله تعالى هذه الآيات، وبيّن فيها أنّ كلا القولين شرك منافٍ للإيمان؛ لأنّ كلًاّ منهما تديُّن بما لم يشرعه الله ﷿.\nفإن قلت: إنّما كان التديُّن بالامتناع عن أكل ما ذبحناه وسمينا الله عليه","vol":"15","page":207},{"text":"ممّا أحلّه لنا كفرًا منافيًا للإيمان؛ لأنّ حِلّه قطعيّ، ولا كذلك التدين بالامتناع عمّا ورد بتحريمه حديثٌ ضعيف، ولم يكن حِلّه قطعيًّا.\nقلت: الفرق ضعيف؛ لأنّ الدليل الشرعي المعتدّ به يجب العمل به قطعًا، وذلك كالحديث الصحيح فإنّه، وإن كان ظنيًّا في ذاته إلا أن وجوب العمل بالحديث الصحيح مطلقًا قطعي، وكذلك سائر الأدلة الظنية المعتدّ بها شرعًا، فإنّ كلَّ فردٍ منها يرجع إلى أصلٍ من أصول الفقه، وأصول الفقه قطعية، وما كان منها ظنيًّا فإنّه يرجع إلى أصل فوقه قطعيّ من أصول الشريعة، وإنّما يتوقف عن التكفير [ص ٣١] للعذر.\nوافرض أنّ رجلًا قال: أنا أعْلَم أن وجوب العمل بالحديث الصحيح أصلٌ قطعيّ من أصول الشريعة، وأعْلَم أن الحديث في حلِّ لحم الضبّ صحيح، وليس عندي ما يعارضه، ولكنّي أقول: إنّ لحم الضبّ حرام، فإنّ العلماء يكفِّرون هذا الرجل، وسيأتي نقل بعض عباراتهم.\nومنها: ما قاله ابن حجر الهيتمي في كتابه \"الإعلام بقواطع الإسلام\"، قال: \"ووقع قريبًا أنّ أميرًا بنى بيتًا عظيمًا فدخله بعض المجازفين من أهل مكة، فقال: قال ﵌: \"لا تُشدُّ الرّحال إلّا إلى ثلاثة مساجد\"، وأنا أقول: تُشدّ الرحال إلى هذا البيت أيضًا. وقد سُئلت عن ذلك، والذي يتّجِه ويتحرّر فيه أنّه بالنسبة لقواعد الحنفية والمالكية وتشديداتهم= يكفر بذلك عندهم مطلقًا، وأمّا بالنسبة لقواعدنا وما عُرِف من كلام أئمتنا السابق والّلاحق= فظاهر هذا اللفظ أنّه استدراك على حَصْره ﵌، وأنّه ساخر به، وأنّه شَرَع شرعًا آخر غير ما شرعَه نبيُّنا ﵌، وأنّه ألْحَقَ هذا البيت بتلك المساجد الثلاث في","vol":"15","page":208},{"text":"الاختصاص عن بقية المساجد بهذه المزية العظيمة، التي هي التقرُّب إلى الله تعالى بشدّ الرحال إليها.\nوكلُّ واحد من هذه المقاصد الأربعة التي دلّ عليها هذا اللفظ القبيح الشنيع كفرٌ بلا مِرْية، فمتى قَصَد أحدَهما فلا نزاع في كفره، وإن أطلق فالذي يتجه الكفر أيضًا؛ لما علمتَ أنّ الّلفظ ظاهر في الكفر، وعند ظهور اللفظ فيه لا يحتاج إلى نية كما عُلِم من فروع كثيرة مرّت وتأتي.\nوإن أُوِّل بأنّه لم يُرِد إلا هذا البيت لكونه أعجوبةً في بلده، يكون ذلك سببًا في مجيء الناس إلى رؤيته، كما أنّ عَظَمة تلك المساجد اقتضت شدّ الرحال إليها، قُبِل منه ذلك، ومع ذلك فيُعَزَّر التعزير البليغ بالضرب والحبس وغيرهما بحسب ما يراه الحاكم، بل لو رأى اقتضاءَ (^١) التعزيرِ إلى القتل كما سيأتي عن أبي يوسف لأراح الناسَ من شرِّه ومجازفته، فإنّه بلغ فيها الغايةَ القصوى. تاب الله علينا وعليه آمين\". \"الإعلام\" ص ٣٦ (^٢).\nوالحاصل أنّ محلّ الاحتياط إنّما هو عند الاشتباه، كما يُروى عن النبي ﵌ أنّه رأى تمرةً مُلقاة فقال: \"لولا أنّي أخشى أن تكون من تمر الصدقة لأكلتها\" (^٣). كأنّه كان وجدها في موضع يحتمل أن تكون من تمر الصدقة وأن تكون من غيره، والاحتمالان متكافئان ولو كان في موضعٍ\n_________\n(^١) في المطبوعة: \"إفضاء\".\n(^٢) (ص ٢٥٣ - ٢٥٤ - ط دار إيلاف).\n(^٣) أخرجه أحمد (٦٧٢٠) من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. وحسَّنه الحافظ العراقي في تخريج الإحياء (٢/ ٩٩)، وقال الهيثمي في \"المجمع\": (٣/ ٨٨): رجاله موثقون.","vol":"15","page":209},{"text":"الغالبُ فيه أن لا تكون من تمر الصدقة لما (^١) كفّ عنها، والله أعلم.\nوالدليل على ذلك أنّه صرّح أنه إنّما مَنَعه عنها خشيةَ أن تكون من تمر الصدقة، مع أنّه يحتمل أن تكون [ص ٣٢] لفقيرٍ تَرِبٍ لها عنده بال، ولكن لما كان هذا الاحتمال ضعيفًا لم يعتدّ به النبي ﵌. فتدبّر.\nوالمسلم لا يخلو أن يكون مجتهدًا أو مقلّدًا، فأمّا المجتهد فإنّه ينبغي له إذا بلغه حديثٌ لم يتبين له أصحيح هو أم ضعيف أن يتوقّف عن الحكم حتى يتبين له، ولكنّه إذا اضطر إلى العمل في تلك المسألة قبل التبيُّن عمل بحسب ما عنده من الأدلة الثابتة وأعرض عن ذلك الحديث. وعلى هذا جرى عمل الأئمة.\nألا ترى الإمام الشافعي رحمه الله تعالى كثيرًا ما يبلغه الحديث لا يعلم صحَّتَه فيجزم بالحكم بخلافه ثم يقول: إلا أن يصح الحديث فيؤخذ به. وقد جمع الحافظ ابن حجر في ذلك كتابًا سماه \"المنحة فيما علّق الشافعيُّ القولَ به على الصحة\". ولكن إذا كان ذلك الحديث يقتضي تحريمًا فقد قال إمام الحرمين في حديث المستور: يجبُ الانكفاف حتى يتبين (^٢). ونازعه ابنُ السبكي بأنّ اليقين لا يزال بالشك (^٣). وفي \"فتح المغيث\" عن الحافظ ابن حجر ما يوافق إمام الحرمين، وأنّ ذلك ما دام يُرجى التبيُّن، فأمّا إذا يئس منه فلا يجب الانكفاف، وتنقلب الإباحة كراهية. وتردد السخاوي في معنى انقلاب\n_________\n(^١) الأصل: \"كما\" سهو.\n(^٢) في \"البرهان\": (١/ ٦١٤).\n(^٣) في \"جمع الجوامع ــ مع حاشية العطار\": (٢/ ١٧٦).","vol":"15","page":210},{"text":"الإباحة كراهية، أإثبات للكراهية هو أم نفي لها. \"فتح المغيث\" ص ١٣٨ (^١).\nوأقول: الظاهر أنّه إثبات لها، أي: أنّ ذلك الشيء الذي كان قبل سماع الحديث باقيًا على الإباحة الأصلية يصير بعد سماع الحديث واليأس من معرفة حال راويه مكروهًا احتياطًا، جرى الحافظُ في هذا على ما تقدم عن النووي. والذي أراه أنّ المجتهد إذا سمع حديثًا يقتضي تحريمًا من مستور، وهو يستطيع البحث عن حاله عن قُرْب؛ فالظاهر ما قاله إمام الحرمين وتبعه الحافظ من وجوب الانكفاف والبحث. وإذا بحث ولم يتبين له ولكنّه يرجو أن يتبين له في المستقبل، فالظاهر استحباب الانكفاف احتياطًا لبقاء الشبهة. فأمّا إذا ترجّح أنّ ذلك المستور لا سبيل إلى معرفة حاله فلا يستحب الانكفاف، بل يحرم الانكفاف لأجل ذلك الحديث؛ لأنّه قد تبين واستقرّ أنّه ليس بحجة فلم تبق الشبهة.\nوذلك مثل أن يقف المجتهد على حديث رُوي عن مستور كان قبل عصره بقرون، وتتبَّع كلام الحفّاظ في ذلك الرجل فلم يجد لهم كلامًا فيه أو وجد بعضهم قد نصّ على أن ذلك الرجل مستور.\nهذا حكم المستور، فأمّا مَن قد عُلِم ضعفه فإنّه لا يقام لحديثه وزن أصلًا؛ لأنّه لما عُلم ضعفُه فقد عُلم أنّ حديثه ليس بحجة، فزال تعادل الاحتمالين الذي يتحقق به الاشتباه الداعي إلى الاحتياط. والله أعلم.\nوأمّا المقلّد إذا سمع أنّ من العلماء مَن يخالف إمامَه، فالظاهر أنّه ينبغي له الاحتياط إلا أن يظفر بعالمٍ متبحِّر عارف بكتاب الله وسنة رسوله، مطلع\n_________\n(^١) (٢/ ٥٣ - ٥٤).","vol":"15","page":211},{"text":"على مذاهب العلماء وأدلتهم، معروف بالتورّع والتقوى في ... (^١).\nفإن لم يغنه ذلك فألتمس منه أن ينظر هل العمل بالضعيف مستند إلى أصل قطعيّ كالصحيح والحسن؟ فسيعلم إن شاء الله أنّه ليس كذلك، وإذا علم هذا فليعلم أنّ الأئمة قد نصُّوا على أنّ أصولَ الفقه لا بد أن تكون قطعية والعمل بما ليس بقطعيٍّ ولا يستند إلى قطعيٍّ تديُّن بغير سلطان، وهو كذب على الله، وتكذيب له، وهما مصدر الكفر والشرك، كما في آيات كثيرة من القرآن، وسيأتي إيضاح ذلك إن شاء الله تعالى.\nفإن بقي في نفسه شيء فليوازن بين الأجر الذي يرجوه من العمل بالضعيف وبين ما يُخْشَى عليه من العمل به من البدعة بل الكفر بل الشرك، وليعلم أنّ الاحتياط واجب عليه كما في حديث \"الصحيحين\": \"الحلال بَيّن والحرام بَيّن\" (^٢) وغيره، وسيأتي تحقيقه إن شاء الله تعالى.\nوليعلم أنّه إن ترك العمل خوفًا أن يكون بدعة أو كفرًا أو شركًا كتب الله له أجرَ ذلك الخوف وأجرَ ذلك العمل لو كان مشروعًا، كما ورد فيمن ترك التطوُّع لسفرٍ أو مرض أو شغل بل هذا أولى؛ لأنّ تارك التطوع لسفر ونحوه تركه لحظ نفسه، وتارك العمل خوفًا أن يكون مسخطًا لله تعالى تركه طاعة لربه ﷿، وأنّه إن أقْدَم عليه مع احتماله أنّه بدعة أو كفر أو شرك كان عليه وزر من فَعَل ذلك، كمن أقْدَم على وطء امرأة يتردّد فيها أزوجته هي أم أمه، والله أعلم.\n_________\n(^١) هنا سقطت ورقة أو أكثر.\n(^٢) تقدم تخريجه.","vol":"15","page":212},{"text":"ولله درّ الإمام مالك بن أنس ﵀ فإنّه كان أحْذَر الأئمة من البدع، وأدقّهم نظرًا في معرفة مسالكها وغوائلها، وعلمًا بما حُفَّت به من الشهوات، وما للناس إليها من الرغبات، والأصل الذي قال به في سَدّ الذرائع هو أعظم سدٍّ لصدِّ سيلها الجارف، والله المستعان، وهو حسبي ونعم الوكيل.","vol":"15","page":213}]}