{"ً":{"ٌ":415,"ٍ":"القبلة وقضاء الحاجة - ضمن «آثار المعلمي»","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"files":["https://archive.org/download/moalemee/16-17_137196s.pdf"]},"ّ":"الكتاب: القبلة وقضاء الحاجة\n[آثار عبد الرحمن بن يحيى المعلمي اليماني (١٦)]\nالمؤلف: عبد الرحمن بن يحيى المُعَلِّمي اليماني (١٣١٣ - ١٣٨٦ هـ)\nالمحقق: محمد عزير شمس\nراجعه: محمد أجمل الإصلاحي - سليمان بن عبد الله العمير\nالناشر: دار عالم الفوائد للنشر والتوزيع\nالطبعة: الأولى، ١٤٣٤ هـ\nقدمه للشاملة: مؤسسة «عطاءات العلم»، جزاهم الله خيرا\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":178,"ٕ":19,"ٖ":1780758586,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["16"],"ٚ":[{"title":"أحاديث النهي ثابتة في الصحيح وسرد رواتها","level":1,"page":2},{"title":"قوله: «إذا أتى أحدكم الغائط» هل يفيد إخراج الأبنية","level":2,"page":7},{"title":"فائدة الإتيان بـ (إذا) في لفظ الحديث","level":2,"page":9},{"title":"أحاديث الرخصة سردها وتحرير ألفاظها وأسانيدها","level":1,"page":10},{"title":"١) حديث ابن عمر في الصحيحين","level":2,"page":10},{"title":"خلاف الرواة في لفظ (مستقبلا الشام ــ بيت المقدس) وتوجيه المؤلف","level":3,"page":12},{"title":"مذاهب الفقهاء في المسألة وترجيح المؤلف","level":3,"page":16},{"title":"إيراد باقي أقوال أهل العلم في الحديث ومناقشتها","level":3,"page":22},{"title":"خلاصة رأي المؤلف في المسألة","level":3,"page":24},{"title":"ما قيل من التعليلات والحكم في المسألة","level":3,"page":25},{"title":"الباب الثاني في الرخصة","level":3,"page":27},{"title":"٢) حديث أبي أيوب في الصحيح","level":2,"page":27},{"title":"الكلام على قوله: «ولكن شرقوا أو غربوا»","level":3,"page":28},{"title":"٣) حديث ابن عمر في سنن الدارقطني","level":2,"page":29},{"title":"٤) حديث مروان الأصفر في المستدرك وغيره","level":2,"page":30},{"title":"مناقشة المصححين للحديث والكلام في الحسن بن ذكوان","level":3,"page":30},{"title":"٥) حديث جابر في المستدرك وغيره","level":2,"page":32},{"title":"هل كان مجاهد مدلسا، وهل سمع من جابر","level":3,"page":33},{"title":"رأي أهل العلم في حديث جابر وتوجيه المؤلف وترجيحه","level":3,"page":35},{"title":"٦) حديث عائشة في المسند وغيره","level":2,"page":36},{"title":"الكلام على سماع عراك من عائشة واختلاف الرواة عنه","level":3,"page":37},{"title":"معنى الثقة عند ابن حبان وتتبع المؤلف لرجاله","level":3,"page":42},{"title":"العلاقة بين كتاب الثقات لابن حبان وتاريخ البخاري","level":3,"page":42},{"title":"تصحيح بعض المعاصرين للحديث ومناقشة المؤلف لذلك","level":3,"page":43},{"title":"حكم القبلة وقضاء الحاجة","level":1,"page":44},{"title":"مباحث في حديث أبي أيوب في الصحيحين","level":2,"page":44},{"title":"فقه هذا الحديث","level":2,"page":46},{"title":"أهل المدينة هم المخاطبون بقوله: «شرقوا أو غربوا»","level":3,"page":51},{"title":"مباحث في حديث عائشة في المسند وغيره","level":3,"page":52},{"title":"أوجه اختلاف الرواة على خالد الحذاء في هذا الحديث","level":3,"page":52},{"title":"الكلام في الحديث من جهة التصحيح والتضعيف","level":2,"page":53},{"title":"القول في علي بن عاصم وتحرير ذلك","level":3,"page":55},{"title":"الجواب عن إخراج مسلم لحديث عراك عن عائشة في صحيحه","level":3,"page":56},{"title":"الجواب عمن احتج لإثبات رواية عراك عن عائشة بمذهب مسلم في حمل عنعنة الثقة غير المدلس عمن عاصره على السماع","level":3,"page":57},{"title":"تحرير مذهب ابن المديني والبخاري في اشتراط ثبوت اللقاء ومقارنته بمذهب مسلم","level":3,"page":61},{"title":"حال الصحابة في رواية الحديث عن النبي - ﷺ - بواسطة","level":3,"page":64},{"title":"انقسام حال التابعين في المسألة إلى ثلاثة أقسام","level":3,"page":65},{"title":"فشو الإرسال الخفي في التابعين ودونه التدليس","level":3,"page":67},{"title":"الرد على مسلم في قوله: إن مذهب البخاري في المسألة محدث","level":3,"page":68}],"ٛ":{"16,3":1,"16,5":2,"16,6":3,"16,7":4,"16,8":5,"16,9":6,"16,10":7,"16,11":8,"16,12":9,"16,13":10,"16,14":11,"16,15":12,"16,16":13,"16,17":14,"16,18":15,"16,19":16,"16,20":17,"16,21":18,"16,22":19,"16,23":20,"16,24":21,"16,25":22,"16,26":23,"16,27":24,"16,28":25,"16,29":26,"16,30":27,"16,31":28,"16,32":29,"16,33":30,"16,34":31,"16,35":32,"16,36":33,"16,37":34,"16,38":35,"16,39":36,"16,40":37,"16,41":38,"16,42":39,"16,43":40,"16,44":41,"16,45":42,"16,46":43,"16,47":44,"16,48":45,"16,49":46,"16,50":47,"16,51":48,"16,52":49,"16,53":50,"16,54":51,"16,55":52,"16,56":53,"16,57":54,"16,58":55,"16,59":56,"16,60":57,"16,61":58,"16,62":59,"16,63":60,"16,64":61,"16,65":62,"16,66":63,"16,67":64,"16,68":65,"16,69":66,"16,70":67,"16,71":68,"16,72":69,"16,73":70},"ٜ":{"16":[3,73]},"ٝ":["16,3","16,5","16,6","16,7","16,8","16,9","16,10","16,11","16,12","16,13","16,14","16,15","16,16","16,17","16,18","16,19","16,20","16,21","16,22","16,23","16,24","16,25","16,26","16,27","16,28","16,29","16,30","16,31","16,32","16,33","16,34","16,35","16,36","16,37","16,38","16,39","16,40","16,41","16,42","16,43","16,44","16,45","16,46","16,47","16,48","16,49","16,50","16,51","16,52","16,53","16,54","16,55","16,56","16,57","16,58","16,59","16,60","16,61","16,62","16,63","16,64","16,65","16,66","16,67","16,68","16,69","16,70","16,71","16,72","16,73"],"ٞ":{"2":[1],"7":[2],"9":[3],"10":[4,5],"12":[6],"16":[7],"22":[8],"24":[9],"25":[10],"27":[11,12],"28":[13],"29":[14],"30":[15,16],"32":[17],"33":[18],"35":[19],"36":[20],"37":[21],"42":[22,23],"43":[24],"44":[25,26],"46":[27],"51":[28],"52":[29,30],"53":[31],"55":[32],"56":[33],"57":[34],"61":[35],"64":[36],"65":[37],"67":[38],"68":[39]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"الرسالة الأولى\nالقِبلة وقضاء الحاجة","vol":"16","page":3},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\nالقِبْلة وقضاء الحاجة\nأحاديث النهي ثابتة في الصحيح:\n١ - ففي الصحيحين وغيرهما من حديث أبي أيوب الأنصاري، فرواه البخاري (^١) عن آدم عن ابن أبي ذئب عن الزهري عن عطاء بن يزيد عن أبي أيوب مرفوعًا: \"إذا أتى أحدُكم الغائطَ، فلا يستقبل القبلة، ولا يُولِّها ظهرَه، شرقوا أو غرِّبوا\".\nوعن ابن المديني عن ابن عيينة عن الزهري بسنده: \"إذا أتيتم الغائطَ، فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها، ولكن شرِّقوا أو غرِّبوا\" (^٢).\nورواه مسلم (^٣) عن يحيى بن يحيى عن ابن عيينة بسنده مثله، إلا أنه قال: \"ولا تستدبروها ببول ولا غائط، ولكن ... \".\nوبمعناه رواه عن سفيان بن عيينة جماعة، منهم: أبو نعيم عند الدارمي (^٤)، ومُسَدَّد عند أبي داود (^٥)، ومحمد بن منصور عند النسائي (^٦)،\n_________\n(^١) رقم (١٤٤).\n(^٢) البخاري (٣٩٤).\n(^٣) رقم (٢٦٤).\n(^٤) رقم (٦٧١).\n(^٥) رقم (٩).\n(^٦) (١/ ٢٢).","vol":"16","page":5},{"text":"وسعيد بن عبد الرحمن المخزومي عند الترمذي (^١).\nورواه الإمام الشافعي في كتاب \"اختلاف الحديث\" بهامش \"الأم\" (٧/ ٢٦٩) (^٢) عن ابن عيينة بسنده: \"أن النبي - ﵌ - نهى أن تُستقبل القبلة بغائط أو بول، ولكن شرِّقوا أو غرِّبوا\".\nورواه الإمام أحمد في \"المسند\" (٥/ ٤٢١) عن ابن عيينة بسنده: \"لا تستقبلوا القبلة بغائط ولا بول، ولكن شرِّقوا أو غرِّبوا\".\nورواه الزعفرانيُّ عن ابن عيينة بسنده عن أبي أيوب الأنصاري قال: \"لا تستقبلوا القبلة بغائط ولا بول، ولا تستدبروها\". وقال مرةً: يبلغُ به النبيَّ - ﵌ -. \"سنن البيهقي\" (١/ ٩١).\nوبالجملة؛ فالأكثر عن ابن عيينة إثبات قوله: \"إذا أتيتم الغائط\" أو معناها.\nوقد تابعه ابن أبي ذئب كما مرَّ، ومعمر عند النسائي (^٣) وعند أحمد في \"المسند\" (٥/ ٤١٦ و٤١٧ و٤٢١)، وفي بعضها: \"الخلاء\" بدل \"الغائط\"، ويونس عند ابن ماجه (^٤)، ولفظه: نهى رسول الله - ﵌ - أن يستقبل الذي يذهب إلى الغائط القِبْلةَ، وقال: \"شرِّقوا أو غرِّبوا\".\n_________\n(^١) رقم (٨).\n(^٢) (١٠/ ٢١٩) ط. دار الوفاء.\n(^٣) (١/ ٢٣).\n(^٤) رقم (٣١٨).","vol":"16","page":6},{"text":"وكذلك رواه إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن رافع بن إسحاق عن أبي أيوب، رواه عنه مالك في \"الموطأ\" (^١)، ولفظه: \"إذا ذهب أحدكم الغائطَ أو البولَ، فلا يستقبلِ القبلةَ ولا يستدبِرْها بفرجه\". هكذا في \"موطأ يحيى بن يحيى\".\nورواه أحمد في \"المسند\" (٥/ ٤١٤) عن إسحاق بن عيسى عن مالك بلفظ: \"إذا ذهبَ أحدُكم إلى الغائط أو البول، فلا يستقبلِ القبلةَ ولا يستدبِرْها\".\nوبهذا اللفظ رواه ابن القاسم عن مالك عند النسائي (^٢).\nورواه أحمد (٥/ ٤١٥) عن عفان عن همام عن إسحاق بسنده، ولفظه: \"نهانا رسول الله - ﵌ - أن نستقبل القبلتين ونستدبرهما\" وقال همام: يعني الغائطَ والبولَ.\nوأخرجه البيهقي (^٣) من طريق عمر بن ثابت عن أبي أيوب مرفوعًا: \"لا تستقبلوا القبلةَ ولا تستدبروها بغائط ولا بول، ولكن شرِّقوا أو غرِّبوا\".\n٢ - وفي \"صحيح مسلم\" (^٤) من طريق سُهَيل بن أبي صالح عن القعقاع بن حكيم عن أبي صالح [عن] أبي هريرة مرفوعًا: \"إذا جلس أحدكم على حاجته فلا يستقبل القبلةَ ولا يستدبِرْها\".\n_________\n(^١) (١/ ١٩٣).\n(^٢) (١/ ٢٢، ٢٣).\n(^٣) في السنن الكبرى (١/ ٩١) ولكن من طريق عطاء بن يزيد عن أبي أيوب.\n(^٤) رقم (٢٦٥).","vol":"16","page":7},{"text":"وقد رواه أبو داود (^١) من طريق ابن عجلان عن القعقاع بسنده، ولفظه: \" ... فإذا أتى أحدكم الغائطَ فلا يستقبلِ القبلةَ ولا يستدبِرْها\".\nوهو عند النسائي (^٢) بلفظ: \"إذا ذهب أحدكم إلى الخلاء فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها\".\nوهو في \"سنن البيهقي\" (١/ ٩١) من طُرق عن ابن عجلان بلفظ: \"فإذا ذهب أحدكم إلى الغائط\"، وفي رواية: \"فإذا ذهب أحدكم الخلاءَ\". وزاد في رواية: \"لغائط ولا بول\".\nورواه الشافعي عن ابن عيينة عن ابن عجلان بسنده: \"فإذا ذهب أحدكم إلى الغائط، فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها بغائط ولا ببول\" هامش \"الأم\" (١/ ١١) (^٣).\n٣ - وفي \"صحيح مسلم\" (^٤) من حديث سلمان: \"نهانا ــ يعني النبي - ﵌ - ــ أن يستنجي أحدُنا بيمينه أو يستقبل القبلة\".\nوأخرجه أبو داود والنسائي (^٥) وغيرهما بزيادة: \"بغائط أو بول\".\n٤ - وفي \"مسند أحمد\" (٤/ ١٩٠ - ١٩١) من طرق، و\"سنن ابن ماجه\" (^٦) عن عبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدي قال: أنا أول من سمع\n_________\n(^١) رقم (٨).\n(^٢) (١/ ٢٢). وفيه \"الغائط\" بدل \"الخلاء\".\n(^٣) (٢/ ٤٨) ط. دار الوفاء.\n(^٤) رقم (٢٦٢).\n(^٥) أبو داود (٧) والنسائي (١/ ٤٤).\n(^٦) رقم (٣١٧).","vol":"16","page":8},{"text":"النبي - ﵌ - يقول: \"لا يبولن أحدكم مستقبلَ القبلة\"، وأنا أول من حدَّث الناس بذلك. وسنده [صحيح] على شرط الشيخين، وصححه ابن حبان (^١)، لكن نقل بعضهم عن ابن يونس أنه معلول. والله أعلم.\n٥ - وفي \"سنن أبي داود\" وابن ماجه (^٢) وغيرهما من طريق أبي زيد مولى بني ثعلبة عن معقل بن أبي معقل الأسدي قال: \"نهى رسول الله - ﵌ - أن نستقبل القبلتين ببول أو غائط\".\nوأبو زيد لم يُوَثَّق، وقال ابن المديني: ليس بالمعروف.\n٦ - وفي \"سنن ابن ماجه\" (^٣) من طريق ابن لهيعة عن أبي الزبير عن جابر حدثني أبو سعيد الخدري: \"أنه شهد على رسول الله - ﵌ - أنه نهى أن نستقبل القبلة بغائط أو ببول\".\nوابن لهيعة ضعيف.\n[ص ٢] ٧ - وفي \"مسند أحمد\" (٣/ ٤٨٧): ثنا روح وعبد الرزاق قال (^٤) (كذا) أنا ابن جريج قال: حدثني عبد الكريم بن أبي المُخَارق أن الوليد بن مالك بن عبد القيس أخبره ــ وقال عبد الرزاق: من عبد القيس ــ أن\n_________\n(^١) رقم (١٤١٩).\n(^٢) أبو داود (١٠) وابن ماجه (٣١٩). قال البوصيري: أبو زيد مجهول الحال، فالحديث ضعيف به.\n(^٣) رقم (٣٢٠).\n(^٤) في طبعة الرسالة (١٥٩٨٤): \"قالا\" على الصواب، فيزول استشكال المؤلف ﵀.","vol":"16","page":9},{"text":"محمد بن قيس مولى سهل بن حُنَيف من بني ساعدة أخبره أن سهلًا أخبره أن النبي - ﵌ - بعثه، قال: \"أنت رسولي إلى أهل مكة .... وإذا تخليتم فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها\".\nوأخرجه الدارمي (١/ ١٧٠) ثم قال: عبد الكريم شبه المتروك.\nوفي الباب: عن أبي أمامة أشار إليه الترمذي، وعن سهل بن سعد، وأسامة بن زيد، وسراقة بن مالك ــ ورجح أبو حاتم وقْفَه ــ وعن أسامة بن زيد، وعن نافع عن رجل من الأنصار عن أبيه، وهو في \"الموطأ\" (^١). إلى غير ذلك، وتأتي في أحاديث الرخصة، وفيها دلالة على هذا في الجملة.\n\nوالذي علينا أن ننظر في<span data-type=\"title\" id=toc-2> قوله: \"إذا أتى أحدكم الغائط\" هل يفيد إخراج الأبنية</span>؟\nفأقول: المتبادر من هذه العبارة أنها كناية عن إرادة قضاء الحاجة، كما ذكروا أن قوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ [النساء: ٤٣] كناية عن الحَدَث، ومن شأن الكناية أن يكون النظر فيها إلى المعنى الكنائي، سواءً أوافق الحقيقة أم لا، كما ذكروه في: طويل النجاد، وكثير الرماد ونحوهما، كما إذا قيل: إن اللصوص نهبوا قافلة وذهبوا. فيقال: يد السلطان طويلة. أي: أن قدرته متمكنة من أخذهم، ولو بعدوا.\nويؤيد أن المعنى هو هذا أمور:\nمنها: أن الصحابي فهم العموم، كما في رواية عنه في الصحيحين (^٢)\n_________\n(^١) (١/ ١٩٣).\n(^٢) البخاري (٣٩٤) ومسلم (٢٦٤).","vol":"16","page":10},{"text":"وغيرهما، ذكر الحديث ثم قال: \"فقدمنا الشامَ، فوجدنا مراحيضَ قد بُنِيت قِبَلَ القبلة، فننحرف عنها ونستغفر الله\".\nقال الشافعي: \"وسمع أبو أيوب الأنصاري النهي من رسول الله - ﵌ -، ولم يعلم ما علم ابن عمر من استقباله بيتَ المقدس لحاجته، فخاف المأثم في أن يجلس على مرحاضٍ مستقبلَ الكعبة، وتحرَّف لئلا يستقبل الكعبة، وهكذا يجب عليه إذا لم يعرف غيره\". كتاب اختلاف الحديث بهامش \"الأم\" (٧/ ٢٧٠ - ٢٧١) (^١).\nومنها: أنه كذلك فهم الرواة، فأسقط بعضهم العبارة المذكورة: \"إذا أتى أحدكم الغائط\" كما مر في رواية أحمد والزعفراني عن ابن عيينة، وأسقط بعضهم قوله: \"ببول أو غائط\" كما مر عن صحيح البخاري.\nفلو حملت تلك الرواية على الحقيقة لشملت من أتى مكانًا منخفضًا، فمشى فيه أو وقف أو جلس لغير قضاء الحاجة.\nوتصرف بعضهم فيها، فقال بعضهم: \"إذا أتى أحدكم الخلاء\". وقال غيره: \"إذا جلس أحدكم لحاجته\". إلى غير ذلك، كما مر بعضه.\nومنها: أنه لا فرق في المعنى بين المكان المنخفض في الفضاء، وهو حقيقة الغائط لغة، وبين المكان المرتفع والمكان المستوي، بل ولا بين الفضاء والبيوت؛ لأننا إن قلنا بأن الانحراف يكفي، فواضح.\nوإن قلنا: لا بد أن تجعل القبلة عن اليمين أو اليسار، وأن [هذا] قد يتعسَّر في المراحيض، فهذا لا يدفع أصل العموم؛ لأن أكثر العمومات مقيدة\n_________\n(^١) (١٠/ ٢٢١) ط. دار الوفاء.","vol":"16","page":11},{"text":"بالاستطاعة، قال الله ﵎: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].\nبل يمكننا أن نقول: إن تبادر المعنى الكنائي من العبارة المذكورة يدل أنها صارت حقيقةً عرفيةً فيه.\nفإن قيل: فما فائدة الإتيان بها مع \"إذا\"؟ فإنه لو اجتزئ عنها بقوله: \"لا تستقبلوا القبلة ببول ولا غائط\" لصح المعنى.\nقلت: من فائدتها التنبيه على أنه ينبغي للإنسان أن يستحضر هذا الحكم قبل القعود، لأنه إذا لم يفعل قد يغفل عنه، وقد لا يتذكره إلا بعد الشروع، فيشق عليه التحرف.\nوالحاصل أنه لا حجة في العبارة المذكورة لمن يُخصِّص الحكم المذكور. والله أعلم.","vol":"16","page":12},{"text":"أحاديث الرخصة\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5>١ - حديث ابن عمر في الصحيحين </span>(^١) وغيرهما، وهو من طريق يحيى بن سعيد الأنصاري وعبيد الله بن عمر العمري عن محمد بن يحيى بن حبان عن عمه واسع عن ابن عمر.\nفأما رواية يحيى؛ ففي \"الموطأ\" (^٢) الرخصة في استقبال القبلة لبولٍ أو غائط، مالك عن يحيى بن سعيد عن محمد بن يحيى بن حَبَّان عن عمه واسع بن حَبَّان عن عبد الله بن عمر أنه كان يقول: إن أُناسًا يقولون: إذا قعدت لحاجتك فلا تستقبل القبلة ولا بيت المقدس. قال عبد الله: لقد ارتقيتُ على ظهر بيتٍ لنا، فرأيت رسول الله - ﵌ - على لَبِنَتين مستقبلَ بيت المقدس لحاجته ... \". \"الموطأ\" بهامش شرح الباجي (١/ ٣٣٦).\nوأخرجه الشافعي عن مالك. هامش \"الأم\" () (^٣).\nوقال البخاري (^٤): باب من تبرز على لبنتين. حدثنا عبد الله بن يوسف قال أخبرنا مالك عن يحيى ... \" فذكره، وكذلك رواه غيرهم عن مالك.\nوكذلك أخرجه مسلم (^٥) عن القعنبي عن سليمان بن بلال عن يحيى بن سعيد الأنصاري.\n_________\n(^١) البخاري (١٤٥، ١٤٨) ومسلم (٢٦٦).\n(^٢) (١/ ١٩٣، ١٩٤).\n(^٣) كذا في الأصل دون تقييد الصفحة. وهو في \"الأم\" (١٠/ ٢٢٠) ط. دار الوفاء.\n(^٤) الصحيح مع الفتح (١/ ٢٤٦، ٢٤٧).\n(^٥) رقم (٢٦٦).","vol":"16","page":13},{"text":"وأخرجه الدارقطني (^١) من طريق هشيم عن يحيى عن محمد عن واسع: سمعت ابن عمر يقول: ظهرتُ على إجَّارٍ (^٢) على بيت حفصة في ساعة لم أظنَّ [أحدًا يخرج في] تلك الساعة، فاطلعت فإذا أنا برسول الله - ﵌ - على لبنتينِ مستقبلَ بيتِ المقدس\".\nوقال البخاري (^٣): باب التبرز في البيوت. قال: حدثنا يعقوب بن إبراهيم قال حدثنا يزيد (هو ابن هارون) قال أخبرنا يحيى (وهو ابن سعيد الأنصاري) .... فذكره بنحو لفظ \"الموطأ\".\nوكذلك رواه عن يزيد أحمد في \"المسند\" (٢/ ٤١)، والدارمي في \"مسنده\" (١/ ١٧)، وأبو بكر بن خلاد ومحمد بن يحيى عند ابن ماجه (^٤)، ولكن سقط منه قوله: \"ولا بيت المقدس\".\nوأخرجه البيهقي في \"السنن\" (١/ ٩٢) عن الحاكم عن ابن الأخرم عن إبراهيم بن عبد الله عن يزيد بن هارون بسنده، وفيه: \"على لبنتينِ لحاجته مستقبلَ الشام مستدبرَ القبلة\".\nكذا قال! وإبراهيم بن عبد الله هو السعدي النيسابوري، قال الذهبي في \"الميزان\" (^٥): صدوق. قال الحاكم: كان يَستخفُّ بمسلم، فغمزه مسلم بلا حجة.\n_________\n(^١) في السنن (١/ ٦١).\n(^٢) الإجَّار: السطح بلغة أهل الشام والحجاز.\n(^٣) الصحيح مع الفتح (١/ ٢٥٠).\n(^٤) رقم (٣٢٢).\n(^٥) (١/ ٤٤).","vol":"16","page":14},{"text":"أقول: صنيعه في هذا الحديث مما يصلح حجة لمسلم، فإن الناس قالوا عن يزيد وعن غير يزيد عن يحيى: \"مستقبلًا بيت المقدس\"، وقال إبراهيم هذا: \"مستقبل الشام مستدبر القبلة\". انتقل ذهنه إلى رواية عبيد الله، كما يأتي.\nوأما رواية عبيد الله ففي الصحيحين وغيرهما، وليس فيه قوله: \"إن ناسًا يقولون\"، وإنما هو من قوله: \"ارتقيتُ على ظهر ... \"، ولفظه في آخره عند مسلم: \"مستقبل الشام مستدبر القبلة\"، وعند البخاري: \"مستدبر القبلة مستقبل الشام\".\nهكذا اختلف الرواة عن عبيد الله في تقديم إحدى الصفتين على الأخرى، وجاء في بعض الروايات \"مستدبر الكعبة\"، وفي أخرى \"مستدبر البيت\".\nولم يقل \"مستقبلًا بيت المقدس\"، لأن مَن بالمدينة إذا استقبل [ص ٣] بيت المقدس متحريًا، لم يكن مستدبرَ الكعبة، بل يكون متحرفًا عنها شرقًا، فعبر بقوله: \"مستقبل الشام\" لأن مَن بالمدينة إذا استدبر الكعبة متحريًا، كان مستقبلًا مشارقَ الشام.\nولقائل أن يقول: فيما ذكرته نظر:\nأولًا: لاحتمال أن يكون ابن عمر قال مرةً كما ذكر يحيى، ومرة كما ذكر عبيد الله، وحفظ واسعٌ اللفظينِ، وحدَّث بهذا تارة، وبذاك أخرى، وكذلك محمد بن يحيى، ثم سمع يحيى من محمدٍ أحدَ اللفظين، وعبيد الله الآخر.\nفإذا سلمنا أن ابن عمر إنما قال أحد اللفظين كما تدل عليه رواية مسلم","vol":"16","page":15},{"text":"وغيره عن القعنبي عن سليمان بن بلال عن يحيى عن محمد عن واسع قال: كنت أصلي في المسجد وعبد الله بن عمر مُسنِدٌ ظهرَه إلى القبلة [فلما] قضيتُ صلاتي انصرفتُ إليه من شِقِّي، فقال عبد الله: يقول ناس .... \"، فدل هذا على أن سماع واسعٍ من ابن عمر إنما كان في هذه الواقعة، ويبعد أن يجمع ابن عمر بين اللفظين، فقد يكون التصرف من واسع، عبَّر مرة بهذا، ومرة بهذا، أو من محمد، فحفظ عنه يحيى إحدى العبارتين، وحفظ عبيد الله الأخرى.\nوأما ثانيًا: فإذا سلمنا أن واسعًا إنما أتى بإحدى العبارتين، وكذلك محمد، لأن الظاهر الرواية باللفظ، ولم يقم دليل على خلاف ذلك في حقِّ واسعٍ ولا محمدٍ، فغاية الأمر أن يرجح قول يحيى \"مستقبلًا بيت المقدس\" على قول عبيد الله \"مستقبل الشام\"؛ لأنه يبعد الإتيان باللفظين جميعًا، ولأن المعنى متقارب.\nفأما قول عبيد الله: \"مستدبر القبلة، أو الكعبة، أو البيت\"، فهي زيادة من ثقة ضابط فوجب قبولها، فعلى هذا يترجح أن يكون أصل لفظ ابن عمر \"مستقبلًا بيتَ المقدس مستدبرَ القبلةِ\"، ولَأن يُظَنَّ بيحيى أنه ترك هذه الزيادة \"مستدبر القبلة\" أقربُ من أن يُظَنَّ بعبيد الله أنه زادها بناءً على فهمه.\nأقول: هذا متجه، ولكن قد بيّنَّا أن مَن بالمدينة إذا استقبل بيت المقدس تمامًا لم يكن مستدبر الكعبة تمامًا، بل يكون منحرفًا عنها شرقًا.\nفإن قلت: قد يكون أراد ببيت المقدس الشام، فإن مَن بالمدينة إذا استدبر الكعبة تمامًا، كان مستقبلًا مشارق الشام، ويكون هذا هو الحامل لعبيد الله على تعبيره بقوله: \"مستقبل الشام\".","vol":"16","page":16},{"text":"قلت: قد يعكس هذا فيقال: أراد بقوله: \"مستدبر القبلة\" أي مستدبرًا جهتها في الجملة، فإن مَن بالمدينة إذا استقبل بيت المقدس تمامًا كان مستدبرًا القبلة في الجملة، أي: أن البيت حينئذٍ ليس أمامه، ولا عن يمينه ولا عن يساره، بل هو من خلفه مائلًا إلى يساره.\nفإن قلت: يُرجِّح الأولَ قولُ ابن عمر: \"إن أُناسًا يقولون ... فلا تستقبل القبلة\"، وإنما يكون للقصة علاقة بهذا إذا كان فيها استدبار القبلة تمامًا، فيقاس الاستقبال على الاستدبار.\nقلت: ويُرجِّح الثانيَ قولُ ابن عمر: \"ولا بيت المقدس\"، وإنما يكون للقصة علاقةٌ باستقبال بيت المقدس إذا كان فيها استقباله تمامًا.\nفإن قلت: فما الذي يتجه؟\nقلت: كلام ابن عمر يحتمل وجهين:\nالأول: أن يكون قوله: \"إن أُناسًا يقولون ... فلا تستقبل القبلة، ولا بيت المقدس\" لم يقصد به إنكار كل من الأمرين، وإنما قصد به إنكار تسوية بيت المقدس بالقبلة، فيتحصل من هذا أنه إنما أنكر النهي عن استقبال بيت المقدس، فكأنه قال: يقولون: لا تستقبل القبلة ولا بيت المقدس، فيسوُّون بينهما، وإنما الثابت النهي عن استقبال القبلة فقط، وإلى هذا ذهب العيني (^١).\nالوجه الثاني: أن يكون من رأي ابن عمر أن الاستقبال والاستدبار يكفي فيهما الجهة، ولا يقدح فيه التحرف عن العين، فمَن بالمدينة إذا استقبل بيت\n_________\n(^١) في \"عمدة القاري\" (٢/ ٢٨٢).","vol":"16","page":17},{"text":"المقدس عينه، فقد استدبر جهة القبلة، وإن لم يكن مستدبرًا لعين الكعبة تمامًا، ويرى أنه إذا جاز مثل هذا جاز استدبار البيت عينه، وكذلك من بالمدينة إذا استدبر البيت تمامًا فقد استقبل جهة بيت المقدس، وإن لم يكن مستقبلًا لعين بيت المقدس، وإذا جاز هذا جاز استقبال عين بيت المقدس.\n[ص ٤] وعلى كل حال، فقد ترجح في الرواية قوله: \"مستقبلًا بيت المقدس مستدبرًا القبلة\"، وظاهر قوله: \"مستقبلًا بيت المقدس\" استقباله تمامًا، وحينئذٍ فاستدبار القبلة ليس بمعنى استدبار البيت تمامًا، بل بالتحرف عنه إلى جهة الشرق.\n[ص ٥] هذه الألفاظ الصحيحة صريحة في أن المدار على استقبال القبلة بالنجس حال خروجه من أحد الفرجين، وقد عورضت بحديثين:\nالأول: حديث الصحيحين عن ابن عمر قال: \"إن ناسًا يقولون: إذا قعدت على حاجتك، فلا تستقبل القبلة ولا بيت المقدس، فقال عبد الله بن عمر: فلقد ارتقيتُ يومًا على ظهر بيتٍ لنا، فرأيت رسول الله - ﵌ - على لَبِنَتين مستقبلًا بيت المقدس لحاجته\" لفظ البخاري (^١).\nوفي رواية (^٢): \"مستقبل الشام، مستدبر القبلة\".\nالحديث الثاني: أخرج أحمد وأبو داود وابن خزيمة والحاكم في المستدرك (^٣) وقال: صحيح على شرط مسلم، وأقره الذهبي، بسند صحيح\n_________\n(^١) رقم (١٤٥).\n(^٢) رقم (١٤٨).\n(^٣) أحمد (٣/ ٣٦٠) وأبو داود (١٣) وابن خزيمة (٥٨) والحاكم (١/ ١٥٤).","vol":"16","page":18},{"text":"إلى ابن إسحاق حدثني أبان بن صالح عن مجاهد عن جابر قال: \"كان رسول الله - ﵌ - قد نهانا أن نستدبر القبلة أو نستقبلها بفروجنا إذا أهرقنا الماء، ثم رأيناه قبل موته وهو يبول مستقبل القبلة\".\nوحديث ثالث: اتفق البخاري وأبو حاتم وغيرهما على تعليله. انظره في ترجمة خالد بن أبي الصلت من التهذيب (^١).\nفمن الناس من أخذ بهذين الحديثين، وقال: إنهما ناسخان للنهي، فإن الأول أباح الاستدبار، والثاني أباح الاستقبال.\nوفرق جماعة ــ كمالك والشافعي وغيرهما ــ بين البناء والفضاء، فحملوا النهي على الفضاء، والفعل في الحديثين على البناء.\nومن هؤلاء من زاد فقال: فالإباحة في الفضاء إذا كان بينه وبين القبلة ساتر، ويستدل لهذا بما رواه الحاكم في \"المستدرك\" (^٢) وغيره من طريق الحسن بن ذكوان عن مروان الأصفر قال: رأيت ابن عمر أناخ راحلته مستقبل القبلة ثم جلس يبول إليها، فقلت: يا أبا عبد الرحمن! أليس قد نُهي عن هذا؟ قال: إنما نُهي عن ذلك في الفضاء، فإذا كان بينك وبين القبلة شيء يسترك فلا بأس به\".\nقال الحاكم: صحيح على شرط البخاري، فقد احتج بالحسن بن ذكوان.\nوللشافعية كلام طويل في تقرير المسألة وتفصيله، يقيسون فيه على\n_________\n(^١) (٣/ ٩٧). والحديث أخرجه ابن ماجه (٣٢٤) عن عائشة.\n(^٢) (١/ ١٥٤).","vol":"16","page":19},{"text":"سُترة المصلي في الجملة.\nومن أهل العلم من بقي على عموم النهي، وهو الحق إن شاء الله تعالى.\nفأما حديث ابن عمر فليس بصريح في المخالفة؛ لاحتماله أن مقصود ابن عمر إنما هو الإنكار على من يُسوِّي بين الكعبة وبيت المقدس، وبيان أن استقبال بيت المقدس غير محظور، ويكون رأى النبي - ﵌ - قاعدًا يبول مستقبل بيت المقدس، ولا يلزم من ذلك إخلال في حق الكعبة؛ لأن استدبار البائل لها، ولاسيَّما إذا كان مستور الدبر، كما هو المعروف في عادة العرب؛ لأن غالب لباسهم الأزر، فأما من زعم أن مثل هذه الحال داخلة في النهي، فقد أبطل.\nأما أولًا: فلأن الروايات الصحيحة التي قدمتُها لا تشمل هذه الحال، فإن جاء في بعض الروايات ما يظهر منه شمولها فهو من تصرف الرواة، فلا يُعبأ به، والواجب في ذلك حمل المطلق على المقيد.\nوأما ثانيًا: فالمعقول أن هذه الحال أبلغ في احترام القبلة مِمَّا ثبت الإذن به، واتفق عليه الناس، وهو أن يشرق أو يغرب من كانت قبلته في الشمال أو الجنوب.\nفإن قيل: إن فيه مواجهتها بالدُّبر.\nقلت: مثله مباح إجماعًا في المشي والجلوس وغير ذلك، ونظيره المفروض من استقبالها في الصلاة، مع أن فيه مواجهتها بالقُبُل.\nفإن قيل: فإن قول ابن عمر: \"مستدبر القبلة\" قد يُشعِر بخلاف ما ذكرتَ.","vol":"16","page":20},{"text":"قلت: قال الحافظ في \"الفتح\" (^١): [ولم يقع في رواية يحيى]: \"مستدبر القبلة\" أي الكعبة، كما في رواية عبيد الله بن عمر؛ لأن ذلك من لازمِ مَن استقبل الشام [بالمدينة، وإنما ذكرت في رواية عبيد الله] للتأكيد والتصريح به.\n[ص ٦] وقد يورد على ما تقدم أمور:\nالأول: أن الأئمة فهموا من رواية يحيى مثل ما يُفهَم من رواية عبيد الله ففي \"الموطأ\" (^٢): \"الرخصة في استقبال القبلة لبول أو غائط\"، وذكر رواية يحيى.\nوذكر الشافعي في كتاب اختلاف الحديث (^٣) رواية يحيى، واحتج بها على الرخصة في البيوت، وقال البخاري في \"الصحيح\" (^٤): \"باب من تبرَّز على لبنتين\"، ثم ذكر رواية يحيى، ولفظ التبرز ظاهر في التغوط، ثم قال: \"باب التبرز في البيوت\"، وذكر القصة من الوجهين.\nالأمر الثاني: ما ذكرته من أن مَن بالمدينة إذا استقبل بيت المقدس تمامًا لم يكن مستدبر الكعبة تمامًا، بل يكون متحرفًا عنها إلى جهة المشرق= صحيح في نفسه، ولكن قد يقال: لا أثر له، أما على القول بالتوسعة في القبلة، فأهل المدينة قبلتهم في الجنوب كله؛ لأن البيت جنوبهم، كما دل عليه\n_________\n(^١) (١/ ٢٥٠).\n(^٢) (١/ ١٩٣).\n(^٣) مع \"الأم\" (١٠/ ٢٢٠).\n(^٤) مع \"الفتح\" (١/ ٢٤٦، ٢٥٠).","vol":"16","page":21},{"text":"الحديث الذي صححه الترمذي (^١) وغيره: \"ما بين المشرق والمغرب قبلة\".\nبل في حديث أبي أيوب في هذا الباب: \"ولكن شرِّقوا أو غرِّبوا\".\nفدل على أن التحرف اليسير لا يكفي، بل لابد أن تكون القبلة عن يمين قاضي الحاجة أو يساره، والتحرف الحاصل لمن بالمدينة عند استقباله بيت المقدس ليس بهذا القدر، ولا قريب منه.\nوأما على القول: بأن القبلة هي البيت نفسه، وأنه يضرُّ في الصلاة التحرف اليسير إذا عرف، فقد يقال: لا يلزم من القول بذلك في الصلاة أن يقال به في قضاء الحاجة، وقد ثبت في قضاء الحاجة قوله - ﵌ -: \"ولكن شرِّقوا أو غرِّبوا\".\nوعلى تسليم اللزوم، فإنما ذلك عند ظن التحرف، ومثل ذاك التحرف ــ أعني تحرُّفَ مَن بالمدينة عن الكعبة إذا استقبل بيت المقدس ــ إنما يحصل به الظن لمن عرف الحساب ونحوه، وبنى عليه، وقد قال النبي - ﵌ -: \"نحن أمة أمية، لا نكتب ولا نحسب ... \" الحديث. والظاهر عند عدم الحساب أن المدينة بين مكة والقدس، من استقبل أحدهما استدبر الآخر.\nالأمر الثالث: أن تجويز أن يكون عبيد الله إنما سمع القصة باللفظ الذي رواه يحيى، ولكنه تصرف فيها التصرف المذكور، يؤدي إلى سقوط الثقة بالأحاديث التي يحتمل أنها رُوِيتْ بالمعنى، وهي غالب السنة.\n[ص ٧] قال عبد الرحمن:\nأما الأمر الأول؛ فأرى أن الأئمة لاحظوا ما دلَّ عليه كلام ابن عمر من أن\n_________\n(^١) رقم (٣٤٤).","vol":"16","page":22},{"text":"الموضع الذي رأى النبي - ﵌ - قاعدًا عليه كان معدًّا لقضاء الحاجة، وإذا كان كذلك ثبت وقوع الاستدبار عند التغوط، إن لم يكن في هذه الواقعة ففي غيرها؛ لأن الموضع كان معدًّا لذلك، وفي \"الفتح\" (^١): أنه جاء في رواية لابن خزيمة: \"فرأيته يقضي حاجته محجوبًا عليه بلَبِنٍ\". قال: وللحكيم الترمذي بسند صحيح: \"فرأيته في كنيف\".\nوبهذا يندفع ما يتراءى أن من تقدم من أهل العلم أغفلوا الاحتجاجَ بما ذُكِر، واقتصروا على الاحتجاج بالواقعة التي ذكرها ابن عمر.\nثم يحتمل أن مالكًا لم يستحضر ما قدمناه من أن مَن بالمدينة إذا استقبل بيتَ المقدس تمامًا لم يكن مستدبرًا الكعبةَ تمامًا، بل يكون منحرفًا عنها إلى الشرق.\nويحتمل أن يكون استحضر ذلك، ولكنه بنى على رأيه في التوسعة في القبلة، ومثله البخاري، وأما الشافعي فيتعين في حقه الاحتمال الأول.\nإذا تقرر هذا فالجواب عما يحتج به بأن ذلك الموضع كان معدًّا لقضاء الحاجة أنه يحتمل أنه يكون معدًّا للبول فقط، وعلى تسليم أنه كان معدًّا للأمرين، فالتوسعة في القبلة إنما هي إذا لم يحصل العلم أو الظن بالانحراف عن البيت، كما هو مقرر في مذهب مالك نفسه.\nوالحجة على ذلك واضحة؛ فإن من بالمسجد الحرام لا تصح صلاته إذا كان البيت عن يمينه أو يساره يقينًا أو ظنًّا، فكذلك من بَعُدَ، وإنما الرخصة في الصلاة والتشديد في قضاء الحاجة عند الاشتباه.\n_________\n(^١) (١/ ٢٤٧).","vol":"16","page":23},{"text":"وعلى هذا فنقول: قد ذكروا أن قبلة المسجد النبوي مقطوع بمُسامتتها للبيت، وفي بعض الآثار أن جبريل أقامها للنبي - ﵌ - (^١)، فيحتمل مثل ذلك في بيت المقدس لما كان قبلةً، وإذا علم النبي - ﵌ - السمتَ الذي يستقبل به بيت المقدس تمامًا، والسمت الذي يستقبل به الكعبة تمامًا، فقد علم أنه إذا استقبل بيت المقدس لم يكن مستدبرًا البيتَ، بل منحرفًا عنه كما مر.\nوأما الأمر الثاني؛ فقد تقدم الجواب عنه قريبًا. وقوله في حديث أبي أيوب: \"ولكن شرِّقوا أو غرِّبوا\" يحتمل أنه عند الاشتباه كما مر، ويحتمل أن يكون المراد: فانحرفوا إلى جهة الشرق أو إلى جهة الغرب. فإن مَن كان مستقبلًا بعض الربع الجنوبي إذا مال عنه يَسْرةً صَدق عليه أنه شرَّقَ، أو يَمنةً صَدق أنه غرَّب، وإن كان مع انحرافه لا يزال مستقبلًا بعضَ الجنوب.\nوقد يحتمل أن يكون الأمر بالتشريق أو التغريب أريد بهما جعلُ القبلة عن اليمين أو اليسار تمامًا، ولكن يكون ذلك عند التيسر، ولما كان يكثر التعسير في البيوت اكتُفي فيها بالتحرُّف، كما قال أبو أيوب: \"فننحرف ونستغفر الله\". ولما كان الانحراف في البيوت كافيًا جاز بناء المرحاض فيها منحرفًا فقط، وإن أمكن خلافه، على أنه قد لا يتيسر في البيوت الضيقة بناء المرحاض بحيث تكون القبلة عن يمين القاعد فيه أو يساره تمامًا، وقد يجوز أن يكون ذلك الموضع الذي في بيته - ﵌ - اتخذ قبل نزول الحكم،\n_________\n(^١) ذكر ذلك شيخ الإسلام في \"مجموع الفتاوى\" (٢٧/ ٤٢٠) نقلًا عن مالك قال: بلغني أن جبريل هو الذي أقام قبلته للنبي - ﷺ -. وانظر \"المغانم المطابة\" للسمهودي (٢/ ٧٧).","vol":"16","page":24},{"text":"فإن حجرات النبي - ﵌ - أو بعضها كانت بيوتًا [...] (^١).\nوقد يحتمل أن يكون ذلك الموضع بُنِي للنبي - ﵌ - قبل هذا الحكم، ولا يدفع هذا قول عائشة: \"والبيوت يومئذٍ ليس فيها [كُنُفٌ] (^٢) \"؛ لاحتمال أن يكون المعنى ليس فيها كلها، فلا ينافي أن يكون قد كان في بعضها، ولم يُغيِّره النبي - ﵌ - بعد الحكم؛ لأنه منحرف، وفي تغييره كلفة.\nوأما الأمر الثالث؛ فلا ريب أن الأصل والظاهر هو الرواية باللفظ، أو بما لا يخالفه مخالفةً لها شأن، وأنه لا يجوز تجويز خلاف هذا لغير دليل، وأنا إنما جوزته في رواية عبيد الله لما يتراءى من الأدلة.\n[ص ٨] على أني أقول: قد تقدم ترجيح ما في رواية يحيى من قوله: \"مستقبلًا بيت المقدس\" بما لا غبار عليه، وإذا صح وصححنا زيادة عبيد الله، فالراجح من وجوه الاختلاف فيها تأخيرها بلفظ: \"مستدبرًا القبلةَ\". ويحتمل في حقه الاحتمالان اللذان تقدما في حق مالك فقد جاء عن ابن عمر التوسعة في القبلة، وعليه فالجواب ما تقدم. والله أعلم.\nهذا ولأهل العلم في هذا الحديث أقوال أخرى:\nمنها: أنه لا يحتج به، لاحتمال أن القصة كانت قبل النهي، وفي هذا بحثٌ محلُّه كتب الأصول.\nومنها: عكسه، وهو أنه ناسخ للنهي إما مطلقًا، وإما بالنسبة إلى الاستدبار أو إلى البيوت، أو إلى المراحيض، ورُدّ من وجوه:\n_________\n(^١) هنا بياض في الأصل.\n(^٢) هنا بياض في الأصل. وقول عائشة في حديث الإفك الطويل: \"وذلك قبل أن نتخذ الكُنُفَ قريبًا من بيوتنا\"، أخرجه البخاري (٢٦٦١، ٤٧٥٠) ومسلم (٢٧٧٠).","vol":"16","page":25},{"text":"الأول: أن الفعل لا ينسخ القول، وفي هذا بحث محلُّه كتب الأصول.\nوقد جاء عن الصحابة الاحتجاج بالفعل على نسخ القول، كما في الوضوء مما غيَّرت النار، مع أنه قد يقال: ليس هذا مجرد فعل، بل فيه تقرير؛ لأن الظاهر أن المرحاض إذا كان في البيت لا يختص بالرجل، بل تشاركه فيه النساء، بل هن أولى.\nالثاني: أنه لو كان هناك نسخٌ لأعلنه النبي - ﵌ - كما أعلن النهي، ومن البعيد أن ينسخ الحكم فلا يبينه - ﵌ -، بل يقتصر على الفعل في خلوته.\nوقد يدفع هذا بأنه بنى المرحاض في بيته - ﵌ - على الهيئة المؤذنة بالنسخ، فعلم بذلك أهل البيت، وقد احتج الصحابة على نسخ عدم وجوب الغسل على من أكسل بخبر بعض أمهات المؤمنين، بأنه وقع ذلك منه - ﵌ - ومنها فاغتسلا، مع ما في هذا من الاحتمال، ومن كان له معرفة بالسيرة عرف أنه - ﵌ - كان ربما اكتفى في تبليغ النسخ بإخبار الواحد أو الاثنين، وفي ذلك من الحكمة ما ليس هذا محلَّ بيانه.\nالثالث: أن التاريخ مجهول، وعليه فإما أن يترجح احتمال أن الواقعة كانت قبل النهي على حسب الإباحة الأصلية، فلا يكون هنا نسخ، وإما أن يتوقف على الجزم، ويعمل بعموم النهي احتياطًا.\nومنها: أن هذا الحديث مخصِّص لعموم أحاديث النهي على ماهو مختارُ كثيرٍ من الأصوليين، أنه عند جهل التاريخ، إذا أمكن الحمل على العموم والخصوص حُمِل عليه.\nوقد يُردُّ هذا بأن التخصيص بيان لا يجوز تأخيره عن وقت الخطاب عند قوم، وعن وقت الحاجة عند آخرين، وهذه الواقعة ليست مقترنةً","vol":"16","page":26},{"text":"بخطاب النهي كما هو ظاهر، فإن كانت متأخرة فقد تأخرت عن وقت الحاجة حتمًا؛ لأن الحاجة إلى قضاء الحاجة متكررةٌ كلَّ يوم، وإذا تأخرت عن وقت الحاجة فلا تخصيص، وإنما يبقى احتمال النسخ، وقد مرَّ ما فيه.\nوإن كانت متقدمة عن النهي، فالأولى حملها على موافقة الإباحة الأصلية، كما مر.\nومنها: حمل الواقعة على خصوصيةٍ للنبي - ﵌ -، وقوَّاه بعض الأجلة بما قيل: إن فضلاته - ﵌ - طاهرة.\nوليس بالبين:\nأولًا: لأن في الطهارة نظرًا.\nثانيًا: لأنه - ﵌ - كان يعاملها معاملة الأنجاس، فيبعد عند قضاء الحاجة، ويستنجي، وغير ذلك.\nفالظاهر أن تعاملها في استقبال القبلة كذلك، وهو أحق بإكرام قبلة ربه ﷿.\nثالثًا: الظاهر من كون المرحاض في البيت أنه لا يختص بالرجل، بل يحتاج إليه النساء، كما مر.\nوبالجملة فالذي يترجح لي في هذا الحديث ما قدمتُه، وحاصله أن الذي في حديث النهي هو النهي عن استقبال القبلة بالبول أو استدبارها بالغائط، والقبلة في الأصل هي سَمْتُ البيت نفسه، ومن وسَّع فيها فمحل التوسعة عند الاشتباه. فأما من علم أو ظن أنه منحرف عن سمت البيت، فلا صلاة له، وليس ذلك قبلةً في حقه، وإذا لم يكن قبلةً في حقه فلا حرج عليه","vol":"16","page":27},{"text":"في استقباله.\n[ص ٩] إذا تقرر هذا فأقول: نهى النبي - ﵌ - المسلمين عن مثل ذلك الفعل، كما نهاهم الله ﷿ أن يقولوا لرسوله - ﵌ -: \"رَاعِنا\"، كما كان اليهود يقولونها، يريدون بها معنى سوء. والله أعلم.\nوجاء عن الشعبي ولم يصح كما يأتي، أنه قال: [...] (^١).\nورُدَّ بأنه لو لوحظ هذا لمنع قضاء الحاجة في الفضاء مطلقًا؛ لأن ما يحتمل معاينة المصلين من الملائكة ومسلمي الجن في حال الاستقبال يجيء مثله في غيره.\nفالمعتمد ما تقدم، وهو ملاقٍ للتعليل المشهور بالإكرام، فإنّ تحرِّي تركِ ما قد يكون إهانةً إكرامٌ، وإذا ظهر أن المفسدة المنظور إليها في المنصوص هي إنما ذلك الفعل، مظنةَ أن يقصد به إهانة القبلة، تكذيبًا لآيات الله، تبين أن مجرد كشف العورة ليس كذلك؛ لأنه لا يكادُ يقصد به الإهانة، وتبين أن استدبار من يريد البول فقط القبلةَ لا محذور فيه، وإن كان بعض ألفاظ النصوص قد يشمله، وقد منعه بعض الشافعية، وتلك ظاهرية صرفة.\nوظهر أيضًا صحة ما اقتضاه إطلاق النصوص من شمول النهي للتغوط نحو القبلة مع عدم الانحناء، كما إذا كان بين قاضي الحاجة وبين القبلة ساتر، وكما إذا كان في البيوت أو في المواضع المعدَّة لقضاء الحاجة.\nلأن (^٢) القبلة هي الكعبة، وإهانتها إنما تتحقق بتنجيسها وتقذيرها ونحو\n_________\n(^١) هنا بياض في الأصل. وأثر الشعبي سيأتي (ص ٣٢).\n(^٢) من هنا إلى \"الباب الثاني\" مكتوب في أسفل الصفحة في الركن مقلوبًا.","vol":"16","page":28},{"text":"ذلك، ولو رُئي رجل يبول أو يتغوط مستقبلًا بيت الملك من مسافة ميل أو أبعد، لم يعد ذلك إهانةً لبيت الملك، اللهم إلا أن يقصد الإهانة، فتكون الإهانة في الحقيقة بالقصد أو بتحري ذلك، فيدل على قصد الإهانة.\nفإن قلت: فليكن العلة هو أن ذلك الفعل قد يُقصد به الإهانة.\nقلت: الأفعال التي قد يُقصَد بها الإهانة كثيرة، وفيها ما ليس يُنهى عنه عند عدم قصد الإهانة إجماعًا، كوضع مرحاض البيت في قبلته، وكالجلوس مستدبر القبلة.\nفإن قلت: الاستقبال بالبول والغائط أظهر في احتمال قصد الإهانة، وأشبه بالإهانة بالفعل؛ لأنه لو كان بالقرب يحصل به التنجيس، وهو إهانة بالفعل.\nأقول: هذا في نظري قوي.","vol":"16","page":29},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-11>الباب الثاني في الرخصة</span>\n٢ - ترجم البخاري لحديث أبي أيوب بقوله: [باب لا تُستقبل القبلة بغائطٍ أو بولٍ إلّا عند البناء: جدارٍ أو نحوه] (^١).\nفقال الحافظ في \"الفتح\": [...] (^٢).\nأقول: المختار من هذه الأجوبة هو الثالث، والاعتراض عليه ليس بسديد؛ لأن البخاري إنما فصَّل التراجم لأحكام أخرى، فإنه قال: \"باب من تبرز على لبنتين\"، ثم ذكر حديث ابن عمر، ومراده الدلالة على استحباب مثل أن يكون قاضي الحاجة على لبنتين أو نحوهما مما يرفعه عن الأرض؛ لأن ذلك أبعد عن احتمال تنجس رجله أو ثيابه.\nثم قال: \"باب خروج النساء إلى البراز\"، وساق حديث الإذن في ذلك، ثم قال: \"باب التبرز في البيوت\"، وساق فيه حديث ابن عمر، قال الحافظ في \"الفتح\" (^٣): \"عقب المصنف بهذه الترجمة ليشير إلى أن خروج النساء للبراز لم يستمر، بل اتُّخِذتْ بعد ذلك الأخليةُ في البيوت، فاستغنين عن الخروج إلا للضرورة\".\n_________\n(^١) هنا بياض في الأصل.\n(^٢) بياض في الأصل. وراجع \"الفتح\" (١/ ٢٤٥) حيث ذكر ثلاثة أجوبة لمن قال: ليس في حديث الباب دلالة على الاستثناء المذكور، ثالثها أن الاستثناء مستفاد من حديث ابن عمر المذكور في الباب الذي بعده.\n(^٣) (١/ ٢٥٠).","vol":"16","page":30},{"text":"وحاصله الاستدلال بأن الخروج إنما هو رخصة قبل اتخاذ الأخلية في البيوت، فلا ينبغي للمرأة التي في بيتها خلاء أن تخرج.\nنعم قد يقال: إذا كان البخاري إنما أخذ الاستثناء من حديث ابن عمر، فقد كان ينبغي له أن يذكره في تلك الترجمة، أو يشير إليه.\nوبالجملة، فمن المحتمل أن البخاري إنما أخذ الاستثناء من حديث ابن عمر، ولم يلتفت إلى هذا الاعتراض الصناعي، ومن المحتمل أن يكون جوَّز دلالة قوله في الحديث: \"إذا أتى أحدكم الغائط\" على الاستثناء المذكور [ص ١٠] ببول أو استدباره بغائط؛ لأنه لم يستقبل القبلة ولم يستدبرها.\nوقوله: \"ولكن شرِّقوا أو غرِّبوا\" محمولٌ إما على موضع الاشتباه، وإما على أن المراد: انحرِفُوا إلى جهة الشرق، أو إلى جهة الغرب، وذلك الانحراف يحصل بمثل انحراف من بالمدينة إذا استقبل بيت المقدس تمامًا، وإما على أنه ترغيب في الاحتياط، وليس على الوجوب، والصارف ما تقدم من أن المحذور هو استقبال نفس القبلة أو استدبارها، وإما على أنه مقيد بعدم المشقة، كما يشير إليه قول الله ﷿: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾. وقوله - ﵌ -: \"إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم\" (^١). وذلك الموضع الذي كان في بيته - ﵌ - مما يشق فيه التشريق والتغريب تمامًا؛ إما لأن البقعة ضيقة، لا يتيسر وضع المرحاض فيها إلا على تلك الهيئة، وإما لأنه بُنِي قبل النهي؛ وكان في تغييره كلفة.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٧٢٨٨) ومسلم (١٣٣٧) عن أبي هريرة.","vol":"16","page":31},{"text":"فغاية ما في هذا الحديث أنه يدل على جواز الاقتصار على التحرف عن القبلة الخاصة إذا لم يتيسر أن يجعلها عن يمينه أو يساره، وهذا مما ينبغي الأخذ به، وقد أخذ به أبو أيوب كما تقدم، مع أنه لم ينقل عنه إلا حديث النهي. والله أعلم.\n٣ - أخرج الدارقطني (^١) من طريق عيسى الحناط عن الشعبي عن ابن عمر قال: \"أتيت النبي - ﵌ - في حاجة، فلما دخلت إليه فإذا النبي - ﵌ - في الحَرَج على لبنتينِ مستقبلَ القبلة\".\nقال الدارقطني: عيسى بن أبي عيسى الحناط ضعيف.\nوأخرج هو (^٢) وغيره من طريق عيسى الحناط أيضًا قال: قلت للشعبي: عجبت لقول أبي هريرة ونافع عن ابن عمر! قال: وما قالا؟ قلت: قال أبو هريرة: \"لا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها\". وقال نافع عن ابن عمر: \"رأيت النبي - ﵌ - ذهب مذهبًا مواجه القبلة\". فقال: أما قول أبي هريرة ففي الصحراء، إن لله تعالى خلقًا من عباده يصلون في الصحراء، فلا تستقبلوهم ولا تستدبروهم، وأما بيوتكم هذه التي تتخذونها للنتن، فإنه لا قبلة لها.\nقال الدارقطني: عيسى بن أبي عيسى هو عيسى الحناط، وهو عيسى بن ميسرة، وهو ضعيف.\nأقول: عيسى مجمع على ضعفه، وقال جماعة: متروك الحديث (^٣).\n_________\n(^١) في \"السنن\" (١/ ٦٠). والحرج مجتمع شجر ملتفّ كالغيضة. \"النهاية\" (١/ ٣٦٢).\n(^٢) المصدر نفسه (١/ ٦١).\n(^٣) انظر \"تهذيب التهذيب\" (٨/ ٢٣٤ ــ ٢٣٦).","vol":"16","page":32},{"text":"٤ - أخرج جماعة منهم الحاكم في \"المستدرك\" والدارقطني (^١) من طريق صفوان بن عيسى ثنا الحسن بن ذكوان عن مروان الأصفر قال: رأيت ابن عمر أناخ راحلته مستقبلَ القبلة، ثم جلس يبول إليها، فقلت: يا أبا عبد الرحمن أليس قد نُهِي عن هذا؟ قال: \"إنما نُهِي عن ذلك في الفضاء، فإذا كان بينك وبين القبلة شيء يسترك فلا بأس\".\nقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط البخاري، فقد احتج بالحسن بن ذكوان. وأقره الذهبي. \"المستدرك مع تلخيصه\" (١/ ١٥٤).\nوقال الدارقطني: هذا صحيح، كلهم ثقات.\nوقال الحافظ في \"الفتح\" (^٢): رواه أبو داود والحاكم بسند لا بأس به.\nأقول: بلى وأي بأس؟ فإن الحسن بن ذكوان ضعفه الأئمة: أحمد ويحيى وعلي وأبو حاتم والنسائي وغيرهم. قال أحمد: أحاديثه أباطيل، يروي عن حبيب بن أبي ثابت، ولم يسمع من حبيب، إنما هذه أحاديث عمرو بن خالد الواسطي. وجاء نحو هذا عن يحيى بن معين وأبي داود، كما في \"التهذيب\" (^٣). قال: وأورد ابن عدي حديثين من طريق الحسن بن ذكوان، وقال: إنما سمعهما الحسن من عمرو بن خالد عن حبيب، فأسقط الحسن بن ذكوان عمرو بن خالد من الوسط.\nأقول: إن كان الحسن قال: حدثنا حبيب أو نحو ذلك، فهذا هو الكذب.\n_________\n(^١) \"المستدرك\" (١/ ١٥٤) و\"سنن الدارقطني\" (١/ ٥٨).\n(^٢) (١/ ٢٤٧). والحديث عند أبي داود (١١).\n(^٣) (٢/ ٢٧٦، ٢٧٧).","vol":"16","page":33},{"text":"وإن كان قال: قال حبيب أو نحو ذلك، فهذا تدليس عن الهلكى، فإن عمرو بن خالد تالف، رماه بالكذب ووضع الحديث: وكيع وأحمد وإسحاق ويحيى وأبو زرعة وأبو داود وغيرهم (^١).\nفعلى القول بأن التدليس عن مثل هذا يُسقِط العدالة فظاهر، وأما على القول إنه لا يسقطها إذا كان إذا سئل بيَّن، فالمتفق عليه بين أهل العلم أن مثل هذا لا يُعتدُّ بما رواه غير مصرِّح بالسماع، وحديثه هذا لم يصرح فيه بالسماع، فسقط إجماعًا.\nفأما قول الحاكم: \"إن البخاري احتج به\" ففيه نظر؛ إنما أخرج له البخاري حديثًا واحدًا في الشفاعة (^٢)، رواه من طريق يحيى القطان عن الحسن بن ذكوان حدثنا أبو رجاء.\nقال الحافظ في \"الفتح\" (^٣): الحسن بن ذكوان .... تكلم فيه أحمد وابن معين وغيرهما، لكنه ليس له في \"البخاري\" سوى هذا الحديث، من رواية يحيى القطان عنه، مع تعنته ــ يعني يحيى ــ في الرجال، ومع ذلك فهو متابعة.\nوقال في المقدمة (^٤): روى له البخاري حديثًا واحدًا ...، ولهذا الحديث شواهد كثيرة.\n_________\n(^١) انظر \"تهذيب التهذيب\" (٨/ ٢٦، ٢٧).\n(^٢) رقم (٦٥٦٦).\n(^٣) (١١/ ٤٤١).\n(^٤) مقدمة \"الفتح\" (ص ٣٩٧).","vol":"16","page":34},{"text":"أقول: فالحديث من رواية يحيى القطان، وتثبته معروف، وهو متابعة [ص ١١] وصرح الحسن بالسماع، فكيف يقاس عليه حديث هذا الباب؟ لا والله، بل حديثه في الباب ساقط؛ لاحتمال أنه سمعه من أحد الوضاعين. والله أعلم.\n٥ - أخرج جماعة منهم الحاكم في المستدرك وابن خزيمة كما في الفتح وأحمد وأبو داود وغيرهم (^١) من طريق ابن إسحاق حدثني أبان بن صالح عن مجاهد عن جابر قال: \"كان رسول الله - ﵌ - قد نهانا أن نستدبر القبلة أو نستقبلها بفروجنا إذا أهرقنا الماء، ثم رأيناه قبل موته وهو يبول مستقبلَ القبلة\".\nقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم. وأقره الذهبي. المستدرك مع تلخيصه (١/ ١٥٤).\nأقول: ابن إسحاق فيه كلام كثير، يتحصل منه أنه مدلس، في حفظه شيء.\nفأما التدليس؛ فمأمونٌ هنا للتصريح بالسماع.\nوأما سوء الحفظ؛ فتردد نظرهم فيه، وقال الذهبي في \"الميزان\" (^٢) بعد حشد الأقوال: فالذي يظهر لي أن ابن إسحاق حسن الحديث صالح الحال\n_________\n(^١) أحمد (٣/ ٣٦٠) وأبو داود (١٣) والترمذي (٩) وابن ماجه (٩) وابن خزيمة (٥٨) وابن حبان (١٤٢٠) والحاكم (١/ ١٥٤) والبيهقي (١/ ٩٢). وانظر \"الفتح\" (١/ ٢٤٥).\n(^٢) (٣/ ٤٧٥).","vol":"16","page":35},{"text":"صدوق، وما انفرد به ففيه نكارة، فإن في حفظه شيئًا، وقد احتج به أئمة. فالله أعلم. وقد استشهد به (^١) مسلم بخمسة أحاديث لابن إسحاق ذكرها في \"صحيحه\".\nوفي \"طبقات المدلسين\" (^٢) لابن حجر: أن مسلمًا إنما أخرج لابن إسحاق مقرونًا بغيره.\nوأبان: وثقه ابن معين وأبو زرعة وأبو حاتم وغيرهم (^٣).\nوقال ابن عبد البر (^٤) في حديثه هذا: ليس صحيحًا؛ لأن أبان بن صالح ضعيف.\nوقال ابن حزم (^٥) لما ذكر حديثه هذا: أبان ليس بالمشهور. ذكر ذلك ابن حجر في \"التهذيب\" (^٦) وتعقبهما.\nومجاهد: إمام، لكن ذكر ابن حجر في \"التهذيب\" (^٧) عن القطب الحلبي قال: مجاهد معلوم التدليس، فعنعنته لا تفيد الوصل.\nقال ابن حجر: ولم أر مَن نسبه إلى التدليس، نعم إذا ثبت قول ابن معين\n_________\n(^١) كذا في الأصل بزيادة \"به\". وفي \"الميزان\" بحذفها، وهو الوجه.\n(^٢) \"تعريف أهل التقديس\" (ص ٥١) ط. مكتبة المنار. ولا يوجد في طبعة المباركي.\n(^٣) انظر \"تهذيب التهذيب\" (١/ ٩٤).\n(^٤) في \"التمهيد\" (١/ ٣١٢).\n(^٥) في \"المحلى\" (١/ ١٩٨).\n(^٦) (١/ ٩٥).\n(^٧) (١٠/ ٤٤).","vol":"16","page":36},{"text":"إن قول مجاهد: \"خرج علينا علي\" ليس على ظاهره فهو عين التدليس.\nأقول: قد صرحوا بأن مجاهدًا روى عن جماعة من الصحابة الذين عاصرهم وأنه لم يسمع منهم، وهذا تدليس عند جماعة من أهل العلم، وعلى القول بأنه لا يسمى تدليسًا فهو في معناه، خصوصًا على ما ذهب إليه الجمهور من حمل الرواية عن المعاصر على السماع وإن لم يعلم اللقاء، على أني لم أجد ما يصرح بسماع مجاهد من جابر، وقد راجعت مسند جابر في مسند أحمد فلم أر لمجاهد عنه إلا أحرفًا لم يصرح في شيء منها بالسماع.\nومع ذلك فقد روى منصور عن مجاهد عن ابن عباس حديث: \"مر النبي - ﵌ - بحائطٍ من حيطان المدينة أو مكة، فسمع صوت إنسانينِ يُعذَّبان\". ورواه الأعمش عن مجاهد عن طاوس عن ابن عباس، أخرجهما البخاري (^١).\nقال ابن حجر في \"الفتح\" (^٢): إخراجه له على الوجهين يقتضي صحتهما عنده، فيُحمل على أن مجاهدًا سمعه من طاوس عن ابن عباس، ثم سمعه من ابن عباس بلا واسطة أو العكس، ويؤيده أن في سياقه عن طاوس زيادة. وصرَّح ابن حبان (^٣) بصحة الطريقين معًا، وقال الترمذي (^٤): رواية الأعمش أصح.\n_________\n(^١) رقم (٢١٦، ٢١٨).\n(^٢) (١/ ٣١٧).\n(^٣) في \"صحيحه\" (٧/ ٤٠٠).\n(^٤) عقب الحديث (٧٠).","vol":"16","page":37},{"text":"وفي \"الفتح\" (^١) في الكلام على هذه المسألة: وقال قوم بالتحريم مطلقًا، وهو المشهور عن أبي حنيفة وأحمد، وقال به أبو ثور صاحب الشافعي، ورجحه من المالكية ابن العربي، ومن الظاهرية ابن حزم، وحجتهم أن النهي مقدم على الإباحة، ولم يصححوا حديث جابر.\nأقول: الحق في هذه الأمور أنه لم يتعيَّن من واحدٍ منها ما هو بيِّنٌ في تضعيف الحديث، إلا أنها بمجموعها تُزلزِل الثقة به، على أنه على فرض صحته واقعةُ حالٍ يكفي في دفعها الاحتمال، فيحتمل أن جابرًا أراد بالقبلة: القبلةَ الموسعة، وهي جهة الجنوب لأهل المدينة، والنبي - ﵌ - قد علم عينَ القبلة، فلعله تحرَّف عنها يمنةً أو يسرةً، فكان في الحقيقة غير مستقبل القبلة، وبنى جابر على توسعة القبلة.\nومما يؤيد هذا قول أبي أيوب ــ كما في رواية عنه في \"الصحيحين\" (^٢) ــ: \"فقدمنا الشام فوجدنا مراحيضَ قد بُنِيتْ قِبَلَ القبلة، فننحرف عنها ونستغفر الله\". فإن قوله: \"ونستغفر الله\" يدل أنه يشكُّ في الانحراف هل يدفع الإثم؟\nويوضحه قوله في رواية أخرى: \"والله ما أدري ما أصنعُ بكِسْر (^٣) أبيكم هذه\"، فهذا يدل أن الصحابة ﵃ كانوا يرون أن النهي يتناول ما عن يمين القبلة الخاصة ويسارها، فكأن جابرًا كان قد استقر في نفسه هذا المعنى، فلما رأى النبي - ﵌ - يبول مستقبلًا يسارَ القبلة الخاصة أو يمينَها،\n_________\n(^١) (١/ ٢٤٦).\n(^٢) البخاري (٣٩٤) ومسلم (٢٦٤).\n(^٣) الكِسْر: ناحية البيت، ولكل بيتٍ كسران عن يمين وشمال. انظر \"النهاية\" (٤/ ١٧٢).","vol":"16","page":38},{"text":"وقع له أنه مستقبلٌ القبلةَ الموسعةَ، ورأى أن هذا يخالف أصل النهي، لشمول النهي عنده كما سلف.\nثم أقول: إن احتمل في واقعة جابر مشقة جَعْلِ القبلة عن اليمين أو اليسار تمامًا فظاهر، وإن لم يحتمل لأن الظاهر أنه لو كان هناك مشقة لكان الظاهر أن يلاحظها جابر ويخبر بها، ففي الحديث على فرض صحته دليل على أن الانحراف يكفي ولو عند عدم المشقة، وعليه يُشبِه حملُ قوله في حديث أبي أيوب: \"ولكن شرِّقوا أو غرِّبوا\" على معنى: انحرِفُوا إلى جهة الشرق أو إلى جهة الغرب كما مر، أو على أن الأمر بجعل القبلة يمينًا أو يسارًا تمامًا للندب فقط، ولكن واقعة جابر لبيان الجواز. والله أعلم.\n[ص ١٢] ٦ - أخرج الإمام أحمد والدارقطني وآخرون (^١) من حديث عائشة أنها قالت: \"ذُكِر لرسول الله - ﵌ - أن ناسًا يكرهون أن يستقبلوا القبلةَ بفروجهم، فقال: أو قد فعلوها؟ حوِّلوا مقعدي قِبَل القبلة\".\nوفي سنده اضطراب كثير، فرواه الإمام أحمد في المسند (٦/ ١٣٧): ثنا وكيع ثنا حماد بن سلمة عن خالد الحذاء عن خالد بن أبي الصلت عن عِراك عن عائشة.\nورواه (ص ٢١٩): ثنا بهز ثنا حماد بن سلمة ثنا خالد الحذاء عن خالد بن أبي الصلت قال: ذكروا عند عمر بن عبد العزيز ﵀ استقبال القبلة بالفروج. فقال عراك بن مالك: قالت عائشة: ....\n_________\n(^١) أحمد (٦/ ٢٢٧) والدارقطني (١/ ٦٠). وأخرجه أيضًا ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (١/ ١٥١) وابن ماجه (٣٢٤) والطحاوي في \"معاني الآثار\" (٤/ ٢٣٤).","vol":"16","page":39},{"text":"ورواه (ص ١٨٣): ثنا عبد الوهاب الثقفي ثنا خالد عن رجل عن عمر بن عبد العزيز أنه قال: ما استقبلتُ القبلةَ بفرجي منذ كذا وكذا، فحدَّث عراك بن مالك عن عائشة.\nوفي (ص ٢٢٧): ثنا أبو كامل ثنا حماد بن سلمة عن خالد الحذاء عن خالد بن أبي الصلت أن عراك بن مالك حدث عن (كذا وكأنها زائدة) عمر بن عبد العزيز أن عائشة قالت ....\nوقال (ص ٢٣٩): ثنا يزيد أنا حماد بن سلمة عن خالد الحذاء عن خالد بن أبي الصلت قال كنا عند عمر بن عبد العزيز، فذكروا الرجل يجلس على الخلاء فيستقبل القبلة، فكرهوا ذلك، فحدث عن (كذا وكأنها زائدة) عراك بن مالك عن عائشة.\nوقال (ص ١٨٤): ثنا علي بن عاصم قال خالد الحذاء: أخبرني عن خالد بن أبي الصلت قال: كنت عند عمر بن عبد العزيز في خلافته، قال: وعنده عراك بن مالك، فقال عمر: ما استقبلتُ القبلةَ ولا استدبرتُها ببول ولا غائط منذ كذا وكذا، فقال عراك: حدثتني عائشة.\nوفي ترجمة خالد بن أبي الصلت من \"التهذيب\" (^١): وقال إبراهيم بن الحارث: أنكر أحمد قول من قال [عن] عراك: سمعت عائشة. وقال: عراك من أين سمع من عائشة؟ وقال أبو طالب عن أحمد: إنما هو عراك عن عروة عن عائشة، ولم يسمع عراك منها.\n_________\n(^١) (٣/ ٩٨).","vol":"16","page":40},{"text":"وفي ترجمة عراك (^١): عن الأثرم أنه ذكر لأحمد رواية خالد بن أبي الصلت عن عراك سمعت عائشة. فقال أحمد: مرسل، عراك بن مالك من أين سمع عن عائشة؟ إنما يروي عن عروة، هذا خطأ. ثم قال: من يروي هذا؟ قلت: حماد بن سلمة عن خالد الحذاء. فقال: قال غير واحد عن خالد الحذاء ليس فيه سمعتُ. وقال غير واحد أيضًا عن حماد بن سلمة ليس فيه سمعت. وقال أحمد في موضع آخر: أحسن ما روي في الرخصة ــ يعني في استقبال القبلة ــ حديث عراك، وإن كان مرسلًا؛ فإن مخرجه صحيح (^٢).\nوفي ترجمة خالد بن أبي الصلت من \"التهذيب\" (^٣): قال البخاري: خالد بن أبي الصلت عن عراك مرسل ..... قال البخاري في \"التاريخ\" (^٤): قال موسى: ثنا حماد هو ابن سلمة عن خالد الحذاء عن خالد بن أبي الصلت قال: كنا عند عمر بن عبد العزيز فقال عراك بن مالك: سمعت عائشة .... وقال موسى: ثنا وهيب عن خالد عن رجل أن عراكًا حدّث عن عمرة عن عائشة. وقال ابن بكير: حدثني بكر عن جعفر بن ربيعة عن عراك عن عروة أن عائشة كانت تنكر قولهم: لا يستقبل القبلة. وهذا أصح.\nقال (^٥): وقال الترمذي في العلل: سألت محمدًا ــ البخاري ــ عن هذا الحديث. فقال: فيه اضطراب، والصحيح عن عائشة قولها. وذكر أبو حاتم\n_________\n(^١) من \"تهذيب التهذيب\" (٧/ ١٧٣).\n(^٢) في \"التهذيب\": \"حسن\" بدل \"صحيح\".\n(^٣) (٣/ ٩٧).\n(^٤) \"التاريخ الكبير\" (٣/ ١٥٦).\n(^٥) في \"التهذيب\" (٣/ ٩٨).","vol":"16","page":41},{"text":"نحو قول البخاري، وأن الصواب: عراك عن عروة عن عائشة قولها، وأن من قال فيه: عن عراك سمعت عائشة مرفوعًا، وهم فيه سندًا ومتنًا.\nأقول: فهذا كلام أئمة الفن: أحمد والبخاري وأبي حاتم، جزموا بأن عراكًا لم يسمع من عائشة، وزاد البخاري وأبو حاتم فحكما بأن المرسل المرفوع خطأ، وأن الصواب موقوف على عائشة.\nوأخرج الدارقطني (^١) الحديث من طريق يحيى بن مطر نا خالد الحذاء عن عراك بن مالك عن عائشة قالت: \"سمع رسول الله - ﵌ - ... \". ثم قال: هذا القول أصح، هكذا رواه أبو عوانة والقاسم بن مطيب ويحيى بن مطر عن خالد الحذاء عن عراك. ورواه علي بن عاصم وحماد بن سلمة عن خالد الحذاء عن خالد بن أبي الصلت عن عراك. وتابعهما عبد الوهاب الثقفي إلا أنه قال: عن رجل.\nثم ساقه من طريق علي بن عاصم، ثم قال: هذا أضبط إسناد (؟) (^٢)، وزاد فيه خالد بن أبي الصلت، وهو الصواب.\nثم ساقه من طريق يحيى بن إسحاق ووكيع كلاهما عن حماد بن سلمة عن خالد عن خالد عن عراك عن عائشة مرفوعًا.\nوقوله في الأول: وهذا القول أصح، وفي الثاني: وزاد فيه خالد بن أبي الصلت وهو الصواب، ليس تناقضًا، وإنما صحَّح من الأول قولهم: عراك\n_________\n(^١) في \"السنن\" (١/ ٥٩).\n(^٢) كذا في الأصل. وكأنه يشير إلى الإشكال في كلمة \"إسناد\" أو \"أضبط\". وانظر ما يأتي (ص ٥٧).","vol":"16","page":42},{"text":"عن عائشة، أي ليس فيه تصريح بالسماع، وصوَّب من الثاني زيادة خالد بن أبي الصلت، فليس في كلامه مخالفة لكلام من تقدمه، كما قد يتوهم.\n[ص ١٣] وساق الحازمي في \"الاعتبار\" (^١) الحديث من طريق علي بن عاصم، ثم قال: وتابعه حماد بن سلمة وعبد الله بن المبارك.\nأقول: لم أظفر برواية ابن المبارك، ولا أدري كيف السند إليه، وهل مراد الحازمي متابعته لعلي في زيادة خالد بن أبي الصلت في السند فقط، أو في ذلك وفي ذكر عراك أنه سمع من عائشة؟\nوبالجملة فالحق زيادة خالد بن أبي الصلت في السند، فأما تصريح عراك بالسماع، فإنه ثابت عن علي بن عاصم عن خالد الحذاء عن خالد بن أبي الصلت، ولكن علي بن عاصم على يَدَيْ عدلٍ. قال يزيد بن هارون: ما زلنا نعرفه بالكذب. ذكره في \"التهذيب\" (^٢). وقال محمد بن المنهال (^٣): ثنا يزيد بن زريع قال: لقيت علي بن عاصم بالبصرة، وخالد الحذاء حي، فأفادني أشياءَ عن خالد، فسألته عنها، فأنكرها كلها، وأفادني عن هشام بن حسان حديثًا، فأتيت هشامًا فسألته عنه، فأنكره. وقال البخاري (^٤): قال وهب بن بقية: سمعت يزيد بن زريع ثنا علي عن خالد بسبعة عشر حديثًا، فسألنا خالدًا عن حديث فأنكره، ثم آخر فأنكره، ثم ثالث فأنكره، فأخبرناه، فقال: كذّاب فاحذروه.\n_________\n(^١) (ص ٢٥) ط. المنيرية.\n(^٢) (٧/ ٣٤٦).\n(^٣) \"التهذيب\" (٧/ ٣٤٧).\n(^٤) \"التاريخ الكبير\" (٦/ ٢٩٠، ٢٩١).","vol":"16","page":43},{"text":"وفيه (^١): قال عباد بن العوام: ليس يُنكَر عليه أنه لم يسمع، ولكنه كان رجلًا موسرًا، وكان الوراقون يكتبون له، فنراه أُتِي من كتبه. وذكر نحوه عن يعقوب بن شيبة.\nأقول: فأحسن حال علي بن عاصم أنه كان يعتمد على وراقين غير مرضيين، فيُدخِلون في كتبه أحاديثَ لم يسمعها، ومنها ما هو كذب وغلط، فلا يَفطَن لذلك، ويتحفظ من تلك الكتب، ويحدث بما وجده فيها، فبهذا وقع ما حكاه يزيد بن زريع، وهذا أمرٌ لا يمكن من يدافع عن علي بن عاصم أحسن منه، وإذًا فعلي بن عاصم لا يُعتدُّ بحديثه.\nوأما حماد بن سلمة؛ فيتلخص مما تقدم أن جماعة رووه عنه، وفيه عراك عن عائشة، منهم وكيع وبهز ويزيد بن هارون وعبد الوهاب الثقفي وأبو كامل، وهؤلاء أئمة أثبات، ورواه موسى بن إسماعيل عن حماد فقال فيه: عراك بن مالك سمعت عائشة. وموسى ثقة متقن، ولكن أعرف الناس به تلميذاه البخاري وأبو حاتم حكمَا على روايته بالغلط، وكذلك الإمام أحمد. والذين قالوا: عن حماد عن خالد عن خالد عن عراك عن عائشة أكثر، وبعضهم أثبتُ من موسى وأكبر منه، فسماعهم من حماد أقدم من سماع موسى، وحماد تغير حفظه بأَخَرةٍ.\nوقولهم موافق لرواية غير حماد عن خالد، ومع ذلك فخالد الحذاء تغير حفظه بأخرة، ولا يبعد أن يكون الاضطراب منه، فقد رواه عنه وهيب فقال: عراك عن عمرة عن عائشة.\n_________\n(^١) \"التهذيب\" (٧/ ٣٤٥).","vol":"16","page":44},{"text":"وفوق هذا كله، فخالد بن أبي الصلت مجهول الحال، قال الإمام أحمد: ليس معروفًا. وقال عبد الحق: ضعيف. وقال ابن حزم: مجهول (^١). يريد: مجهول الحال. فلا يدفعه تعقب ابن مفوّز بقوله: هو مشهور بالرواية، معروف بحمل العلم.\nولا ينفعه ذكر ابن حبان له في \"الثقات\" (^٢)، فإن معنى الثقة عنده كما صرح به: أن يروي الرجل عن ثقة، ويروي عنه ثقة، ولا يكون حديثه منكرًا.\nوهذا خلاف ما عليه الجمهور، ومع ذلك فإنه لا يراعي هذا الشرط كما ينبغي، بل قد عرفتُ بالتتبع أنه ربما ذكر الرجل، ولا يدري عمن روى، ولا من روى عنه، ولا ما روى، وربما كان ينظر في \"تاريخ البخاري\" ثم يلخصه في \"الثقات\"، ووجدتُ تراجم كثيرة في \"تاريخ البخاري\" لا يصرح فيها البخاري بقوله: \"روى عن فلان، وروى عنه فلان\". ووجدتُ ابن حبان يذكرهم في الثقات قائلًا: \"يروي المراسيل، روى عنه أهل بلده\"، أو نحو ذلك.\nفهذا ظاهر جدًّا أنه إنما وجد التراجم في تاريخ البخاري، فذكرهم في الثقات، مع الجهل بهم البتةَ.\nوكذلك قد يصرح البخاري بمن روى عنه الرجل، ولا يذكر من روى عنه، أو عكس ذلك، فيذكره ابن حبان، فيصرح بما صرح به البخاري، ويُمَجْمِجُ (^٣) عما تركه البخاري، وقد نبهتُ في حواشي \"تاريخ البخاري\"\n_________\n(^١) انظر \"تهذيب التهذيب\" (٣/ ٩٨).\n(^٢) (٦/ ٢٥٢) وفيه: \"خالد بن الصلت\"، وهو خطأ.\n(^٣) أي لا يُبيِّن.","vol":"16","page":45},{"text":"على كثير من هذا.\nوأوضح من ذلك أن حديث خالد هذا منكر كما يأتي، فلم يتحقق فيه شرطُ أن لا يكون حديثه منكرًا.\nورأيت لبعض أجلّة العصر كلامًا في تصحيح هذا الحديث، وجزم بأنه صحيح على شرط مسلم.\nوأقول: في هذا نظر من وجوه:\nأظهرها: أن خالد بن أبي الصلت مجهول الحال كما علمت، وليس من مذهب مسلم الاحتجاج بأمثاله.\nالثاني: أن المعاصرة لم تتحقق، فإنه لا يثبت أن عراكًا أدرك سِنَّ السماع والضبط في حديث عائشة.\nنعم احتج ابن دقيق العيد على ذلك بأنه عراكًا سمع من أبي هريرة وروى عنه، ووفاة أبي هريرة وعائشة في عام واحد.\nولكن في هذا نظر؛ لأنه لم يثبت ثبوتًا يقوم به الحجة أن أبا هريرة وعائشة توفيا في عام واحد، وإنما قال ذلك هشام بن عروة: إن عائشة توفيت سنة ٥٧، وتوفي أبو هريرة بعدها في السنة.\nوهشام لم يدرك ذلك، وقد قال بعضهم: إن أبا هريرة تأخر إلى سنة ٥٨، وقال بعضهم: تأخر إلى سنة ٥٩.","vol":"16","page":46},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-25>حكم القبلة وقضاء الحاجة</span>\nفي الصحيحين (^١) وغيرهما من حديث أبي أيوب قال رسول الله - ﵌ -: \"إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها ببول ولا غائط، ولكن شرِّقوا أو غرِّبوا\".\nولم يذكر البخاري قوله: \"ببول ولا غائط\"، ولكنه أشار إلى صحتها بقوله في الترجمة: \"باب لا تُستقبل القبلة ببول ولا غائط\"، وفي موضع آخر (^٢): \"باب قبلة أهل المدينة ... لقول النبي - ﵌ -: \"لا تستقبلوا القبلة بغائط أو بول، ولكن شرِّقوا أو غرِّبوا\".\nوفي \"صحيح مسلم\" (^٣) وغيره عن سلمان: \"نهانا ــ يعني النبي - ﵌ - ــ أن نستقبل القبلة بغائط أو بول ... \" الحديث.\nوفي ترجمة البخاري إشارة إليه.\n[ص ٢] فيه مباحث:\nالأول: احتجّ بعضهم بقوله: \"إذا أتى أحدكم الغائط\" على اختصاص الحكم بما عدا الأبنية، ويأتي الكلام في ذلك في البحث عن الرخصة إن شاء الله تعالى.\n_________\n(^١) البخاري (١٤٤) ومسلم (٢٦٤).\n(^٢) صحيح البخاري مع الفتح (١/ ٤٩٨).\n(^٣) رقم (٢٦٢).","vol":"16","page":47},{"text":"الثاني: قال الحافظ في \"الفتح\" (^١): \"والظاهر من قوله: \"ببولٍ\" اختصاص النهي بخروج الخارج من العورة، ويكون مثار إكرام القبلة عن المقابلة بالنجاسة ... وقيل: مثار النهي: كشف العورة\".\nأقول: الذي تدل عليه الأحاديث هو الأول، أعني النهي عن أن يبول الإنسان مستقبلًا القبلة، أو يتغوط مستدبرًا لها.\nفقوله: \"عن المقابلة بالنجاسة\" إن أراد به عن هذه النجاسة الخاصة حال إخراجها من البدن فذاك، وإن أراد به التعميم فيشمل أن القصد مستقبلًا القبلة بالفروج، دون أن يكون في إناءٍ بولٌ فيُراقَ إلى جهة القبلة، فليس هذا في النصوص، ولا في معنى ما فيها، كما يأتي في بيان العلة، إن شاء الله تعالى.\nوأما الثاني: وهو كشف العورة، فخلاف المتبادر من النصوص، وخلاف قوله: \"إذا أتى أحدكم الغائط\"، وقوله: \"ببول أو غائط\"، وإهمالٌ لما ذكرته النصوص، ونَصْبٌ لما لم تذكره، وإطلاقٌ لما قيدتْ به الاستقبال؛ من كونه عند قضاء الحاجة ببول أو غائط، وتقييدٌ لما أطلقته من ذلك، إذ لم تقيد بالكشف، فالصواب الأول.\nالمبحث الثالث: العلة، اشتهر بينهم أنها الإكرام عن أن تُستقبَل بالبول والغائط، وأوضحه بعض المحققين بقوله: \"لمنافاة الإخراج المذكور لما شُرِع استقبالها لأجلهِ، وهو الصلاة\".\nوأقول: الحكم المنصوص: نهي، فيقتضي أن العلة مفسدة فيما نهي عنه،\n_________\n(^١) (١/ ٢٤٦).","vol":"16","page":48},{"text":"فإذا اعتددنا بما تقدم، قلنا: إن استقبالها بما ذكر إهانةٌ لها، ولذا نراه بيِّنًا عند التحقيق باعتبار القصد والنية، ألا ترى أن أهل الشام لما كانوا يذكرون عليًّا ﵇ بلفظ \"أبو تراب\" قاصدين الغضَّ منه، كان ذلك شتمًا، وإن لم تكن تلك الكنية في نفسها دالَّةً على نقصٍ ولا مُشعِرةً به، بل تُشعِر بالمدح بالنظر إلى سببها. وكذلك لما كتب زياد إلى الحسن ﵇: \"إلى الحسن بن فاطمة\" قاصدًا الغضَّ منه، عدَّ الحسن ذلك غضًّا [منه].\nويَهجِسُ (^١) في نفسي أن النبي - ﵌ - لما كان يستقبل أولًا بيت المقدس، ثم حُوِّل إلى الكعبة، وغاظ اليهودَ تركُه قبلتَهم إلى غيرها غيظًا شديدًا كما هو معروف، كان ذلك مظنةَ أن يَحمِلَ بعضَهم الغيظُ على أن يتحرى استقبال الكعبة بالبول والغائط، قائلًا: إنها لا تصلح لأن تُستقبلَ بل لأن تُستقبلَ بهذا، ويكون فعله هذا تغاليًا في الكفر، وتكذيبًا بآيات الله، وإهانةً للقبلة.\n\n[ص ٣]<span data-type=\"title\" id=toc-27> فقه هذا الحديث</span>\nالذي يتحقق من الواقعة هو استقبال الشام بالبول.\nأما الشام: فإن الرواية اختلفت؛ فجاء \"مستقبلَ الشام\"، وجاء \"مستقبلًا بيتَ المقدس\".\nوبيت المقدس من الشام، لكن الذي يترجح \"مستقبلًا بيتَ المقدس\"، فإنها الثابتة عن يحيى بن سعيد الأنصاري، وهو أكبر من عبيد الله وأجلُّ، وموصوف بالفقه، وبأنه كان يؤدي الحديث على وجهه.\n_________\n(^١) أي: يخطر في البال.","vol":"16","page":49},{"text":"وأما البول: فلأن الجالس لحاجته إن كان للبول فقط فواضح، وإن كان للغائط فمن لازمهِ عادةً البولُ وإن قلَّ، وليس في كلام ابن عمر ذكرٌ للغائط، والظاهر أنه لم يُثبِته؛ لأنه إنما حانتْ منه التفاتةٌ، والظاهر أنه يَصرِف نظره قبل أن يستثبت، وأقوى من هذا أن الله ﵎ لم يكن ليكشف لأحدٍ تلك الحالَ من رسوله - ﵌ -.\nإذا تقرر هذا فقد يقال: لا حجة للمرخصين في هذه الواقعة البتة.\nأما أولًا: فلأن من كان بالمدينة إذا استقبل بيت المقدس تمامًا لم يكن مستدبرًا الكعبةَ تمامًا، بل يكون منحرفًا عنها إلى جهة الشرق، فلو كان ثَمَّ تغوّط لما كان إلى القبلة.\nوأما ثانيًا: فلأنه ليس في الواقعة ذِكرٌ للغائط.\nفإن قيل: فما وجه احتجاج ابن عمر بالقضية على ما أنكره من قول الناس: \"لا تستقبل القبلة ولا بيت المقدس\"؟\nقلت: أما احتجاجه بالنسبة إلى بيت المقدس فواضح، وأما بالنسبة إلى القبلة فلعله لم يُرِد إنكارَ قولِ الناس فيها، وإنما أنكر التسويةَ بينها وبين بيت المقدس، فكأنه قال: يقولون: لا تَستقبلِ القبلةَ ولا بيتَ المقدس، فيسوُّون بينهما، وإنما الثابت أن لا تُستقبلَ القبلةُ، فأما بيت المقدس فالواقعة تردُّه.\nوقد يؤيد هذا أنه لم يتعرض في قوله: \"إن أُناسًا يقولون .... \" لاستدبار القبلة.\nفإن قيل: فلماذا ذكر في وصف الواقعة قوله: \"مستدبر القبلة\"؟\nقلت: ليس هذا في رواية يحيى، وإنما هو في رواية عبيد الله، واختُلِف","vol":"16","page":50},{"text":"فيه تقديمًا وتأخيرًا وغير ذلك كما مر، ويحيى أكبر وأجلُّ وفقيه، وممن يؤدي الحديث على وجهه، وعبيد الله إمام في الرواية، ولكن من المحتمل أن يكون تصرَّفَ في اللفظ بحسب ما فهمه من المعنى، كأنه سمع القصة باللفظ الذي رواه يحيى، فوقع في نفسه أن مقصود ابن عمر إنكار النهي عن استقبال القبلة واستدبارها بالحاجة، فلما أدّى الحديث تصرَّفَ في لفظه بحسب ذلك، فأسقط أول الكلام \"إن أُناسًا يقولون ... \" كما مر، وقال: \"مستقبل الشام\" بدل \"مستقبلًا بيت المقدس\" كأنه علم ما قدمتُه من أن [مَن] بالمدينة إذا استَقبَل بيتَ المقدس تمامًا لم يكن مستدبر الكعبة تمامًا؛ فوقع له أن مراد ابن عمر ببيت المقدس مطلقُ الشام، ومَن بالمدينة إذا استدبر الكعبة تمامًا يكون مستقبلًا مشارقَ الشام. وزاد قوله: \"مستدبر القبلة، أو الكعبة، أو البيت\" لأنه فهم أن ذلك هو المقصود من القصة.\nومما يُقوِّي هذا اضطرابُه في هذه اللفظة، فتارةً يؤخِّرها على الأصل من كونها زيادة، وتارةً يقدِّمها نظرًا إلى أنها هي المقصودة بحسب ما فهمه، وتارةً يقول: \"القبلة\" على الأصل، وتارةً يقول: \"الكعبة أو البيت\"، حرصًا على أداء ما فهمه من المعنى؛ لأن استقبال الشام يصدق باستقبال بيت المقدس، فلا يلزم منه استدبار الكعبة كما مر، وإن لزم استدبار القبلة، على رأي من يقول: إنها الجهة، أي: سمت البيت وما عن يمينه ويساره إلى حد ربع السماء.\n[ص ٤] قوله: \"إذا أتى أحدكم الغائط\"، احتج به بعضهم على أن النهي لا يتناول البيوت؛ لأن الغائط هو المكان المنخفض من الأرض في الفضاء، ونسب ذلك إلى البخاري؛ إذ ترجم لحديث أبي أيوب بقوله: \"باب لا","vol":"16","page":51},{"text":"تُستقبل القبلةُ ببولٍ ولا غائطٍ إلا عند البناء: جدارٍ أو نحوه\".\nوبسط الحافظ في \"الفتح\" (^١) الكلام على ذلك بما لا أرى تحته طائلًا، فإن المتبادر من الحديث أن قوله: \"إذا أتى أحدكم الغائط\" إنما هو كناية عن إرادة قضاء الحاجة، كما أن قوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ كناية عن الحدث.\nفحاصل معنى الجملة: إذا أراد أحد منكم أن يقضي حاجته، والمعتبر في الكنايات هو المعنى، ولا يفهم منها موافقة الحقيقة ولا مخالفتها، كما في قولنا: \"يد السلطان طويلة\" فإنما فيها أنه يقدر على تنفيذ إرادته فيمن يبعد عنه، ولا يفهم من ذلك طول الجارحة البتة.\nفإن قيل: فعلى هذا لا يظهر لهذه الجملة فائدة، إذ لو تُرِكتْ واقتُصِر على قوله: \"لا يستقبل أحد منكم القبلة ... \" لكان المقصود واضحًا.\nقلت: من فائدتها التنبيه على أنه ينبغي النظر قبل الجلوس حتى لا يغفل قاضي الحاجة عن التحري، أو يحتاج إلى الاستدارة بعد جلوسه، وقد لا يمكنه ذلك.\nنعم، في شرح الموطأ للباجي (^٢) ما يتحصل منه دعوى أن هذه العبارة إنما تكون كنايةً عن الخِراءة.\nأولًا: لأن الشارع لا يستنكر التصريح بالبول، بل جاء: \"لا يقلْ أحدكم:\n_________\n(^١) (١/ ٢٤٥).\n(^٢) \"المنتقى\" (٢/ ٣٩٠) ط. دار الكتب العلمية.","vol":"16","page":52},{"text":"هَرَقْتُ الماء، وليقلْ: بُلْتُ\" (^١).\nثانيًا: لأن الملازمة الغالبة التي بُنِي عليها مدارُ الكناية إنما هي بين إتيان المكان المنخفض في الفضاء وبين الخِراءة؛ لأن العرب لها كانوا يأتون الغِيطانَ، فأما البول وحده فلم يكونوا يأتونها له.\nوهذا أيضًا ليس بشيء.\nأما الوجه الأول: فلأنه أريد هنا ما يشمل البول والخِراءة، فجيء بهذه الكناية لتعمَّهما، ولو لُوحِظ عدم الكناية عن البول لاحْتِيجَ أن يقال مثلًا: \"إذا أراد أحدكم أن يبول أو أتى الغائط\". وهو تطويل لا حاجة إليه، وما ورد من كراهية أن يقال: \"هَرَقْتُ الماء\" إنما هو ــ والله أعلم ــ لأن هذه الكناية غير واضحة، فارتكابها أقبح من التصريح.\nأما الوجه الثاني: فقد دفعه في الحديث قوله: \"فلا تستقبلوا القبلةَ ببولٍ ولا غائطٍ\"، ومن الواضح أنه لا معنى للمنع من استقبالها بالبول حال التغوط، وإباحته عند عدم التغوط.\nوقد ظهر من الحديث أن المدار على استقبالها بالنجس حال خروجه، ولا يختص ذلك باجتماعٍ ولا افتراقٍ، ولا بمكان دون مكان، والذين فرَّقوا بين الأبنية وغيرها، عللوا ذلك بأمور:\nالأول: تضايق المنازل، وتعسر التحرف فيها. قال الشافعي في \"كتاب\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في \"الكبير\" (٢٢/ ٦٢) وفي \"مسند الشاميين\" (٣٣٩٤) عن واثلة بن الأسقع بنحوه، قال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (١/ ٢١٠): فيه عنبسة بن عبد الرحمن بن عنبسة، وقد أجمعوا على ضعفه.","vol":"16","page":53},{"text":"اختلاف الحديث\" هامش \"الأم\" (٧/ ٢٧٠) (^١): \"وكانت المذاهب بين المنازل متضايقةً، لا يمكن من التحرُّفِ فيها ما يمكن في الصحراء\".\nوهذا حق، ولا يقتضي الإباحة في البيوت مطلقًا، ولا في المراحيض مطلقًا، بل المدار على التعسُّر، فمن لم يتيسَّر له لقضاء حاجته إلا موضعٌ يتعسَّر فيه عدمُ الاستقبال أو الاستدبار جاز له ذلك.\nومع هذا فإنما يحتاج إلى هذا إذا قلنا: إن الاستقبال يحصل باستقبال الجهة كالجنوب لأهل المدينة، وكذلك الاستدبار على ما يظهر من قوله: \"ولكن شرِّقوا أو غرِّبوا\".\nوليس هذا بلازم؛ لاحتمال المدار على تحرِّي استقبال يمين الكعبة واستدبارها، كما هو مذهب الشافعي.\nومعنى قوله: \"شرِّقوا أو غرِّبوا\" شرِّقوا عن القبلة أو غرِّبوا عنها، فيصدق ذلك بالتحرُّف عن يمين البيت.\nفأهل المدينة ــ وهم المخاطبون بهذا ــ البيتُ جنوبَهم بانحرافٍ يسيرٍ جدًّا في الجنوب، فإذا اتجه أحدهم نحو البيت فقد استقبل القبلة، وإذا تحرَّف إلى الشرق أو الغرب لم يصدُقْ عليه أنه استقبلها أو استدبرها، وصدق عليه أنه شرَّق عنها أو غرَّب.\nوالسر في ذلك أنه إذا اعتُبِرت السماءُ أرباعًا: شرق وغرب وشمال وجنوب، فإن أحدنا إذا كان مستقبلًا بعض أجزاء الجنوب ثم تحرَّف يمنةً يقال: شرَّق، لا يقال: إلى جهة المشرق، وإن كان لا يزال مستقبلًا بعض\n_________\n(^١) (١٠/ ٢٢٠) طبعة دار الوفاء.","vol":"16","page":54},{"text":"أجزاء الجنوب. وقِسْ على ذلك.\nوعلى هذا فلا حاجة لتخصيص النهي بالفضاء البتةَ؛ لأن المراحيض وإن كان قد يتعسَّر فيها جعلُ القبلة يمينًا أو يسارًا على التحقيق، فلا يتعسَّر فيها التحرُّف، وبه يحصل المقصود من عدم استقبال القبلة أو استدبارها.\n[ص ٥] ٦ - أخرج الإمام أحمد وابن ماجه (^١) وغيرهما من حديث عائشة قالت: ذُكِر لرسول الله - ﵌ - أن ناسًا يكرهون أن يستقبلوا القبلةَ بفروجهم، فقال: \"أوَقد فعلوها، حوِّلوا مقعدي قِبَلَ القبلة\".\nهذا الحديث ينفرد به خالد الحذاء، واختلف عنه فيه على أوجه:\nالأول: عنه عن عراك عن عائشة. ذكره الدارقطني (^٢) من طريق يحيى بن مطر عن خالد، وذكر أنه تابعه أبو عوانة والقاسم بن مُطيَّب.\nالوجه الثاني: عنه عن رجل عن عراك عن عمرة عن عائشة. قال البخاري في التاريخ (٢/ ١/ ...) (^٣).\nالوجه الثالث: عنه عن رجل عن عراك عن عائشة. قال أحمد في المسند (٦/ ١٨٣): ثنا عبد الوهاب الثقفي ثنا خالد ...\nالوجه الرابع: عنه عن خالد بن أبي الصلت عن عراك عن عائشة. هكذا قاله حماد بن سلمة، فيما رواه عنه وكيع وبهز وأبو كامل ويزيد بن هارون، رواه عنهم أحمد في المسند (٦/ ١٣٧ و٢١٩ و٢٢٧ و٢٣٩).\n_________\n(^١) أحمد (٦/ ٢٢٧) وابن ماجه (٣٢٤). وسبق تخريجه من مصادر أخرى.\n(^٢) في \"السنن\" (١/ ٥٩).\n(^٣) \"التاريخ الكبير\" (٣/ ١٥٦). وسبق نقل العبارة فيما مضى.","vol":"16","page":55},{"text":"وكذلك يحيى بن إسحاق عند الدارقطني (^١) وغيرهم.\nوأخرجه ابن ماجه (^٢) من طريق وكيع عن حماد فذكره، وفي النسخة بعده: \"قال أبو الحسن القطان: حدثنا يحيى بن عبيد ثنا عبد العزيز بن المغيرة عن خالد الحذاء عن خالد بن أبي الصلت مثله\".\nالوجه الخامس: مثل الذي قبله، إلا أن فيه عن عراك: \"حدثتني عائشة\".\nهكذا رواه على بن عاصم عن خالد الحذاء، أخرجه عن علي أحمد في \"المسند\" (٦/ ١٨٤) وغيره، وتابعه موسى بن إسماعيل عن حماد بن سلمة عن خالد الحذاء. قال البخاري في التاريخ [...] (^٣).\nالكلام في الحديث\nحكم الإمام أحمد والبخاري وأبو حاتم بأنه مرسل، وأن عراكًا لم يسمع من عائشة. وزاد البخاري وأبو حاتم فحكما بأنه مع إرساله غلط، وأن الصواب موقوف على عائشة. قال البخاري في التاريخ [...] (^٤).\nوساق الدارقطني (^٥) الحديث من طريق من رواه عن خالد الحذاء عن عراك عن عائشة، ثم قال: وهذا القول أصح. ثم قال: \"ورواه علي بن عاصم وحماد بن سلمة عن خالد بن أبي الصلت عن عراك ... \" ثم ذكره من طريق\n_________\n(^١) في \"السنن\" (١/ ٦٠).\n(^٢) رقم (٣٢٤).\n(^٣) هنا بياض في الأصل، والنص فيه (٣/ ١٥٦)، وسبق ذكره.\n(^٤) بياض في الأصل، وانظر \"التاريخ الكبير\" (٣/ ١٥٦). ونقل النص فيما مضى.\n(^٥) في \"السنن\" (١/ ٥٩).","vol":"16","page":56},{"text":"علي بن عاصم، ثم قال: \"وهذا أضبط (كذا) إسناد، وزاد فيه خالد بن أبي الصلت، وهو الصواب\".\nفيظهر دفعًا للتناقض عن كلامه أن مراده بقوله في الأول: وهذا القول أصح\" أراد به صحته في عنعنة عراك. وأما قوله في الثاني: \"وهذا أضبط إسناد ... وهو الصواب \"، فإنما صوَّب به زيادة خالد بن أبي الصلت في السند، ولم يتعرض للسماع، فكلامه موافق لكلام أحمد ومن معه، أو غير مخالفٍ له، فمن توهم خلاف ذلك فلم يتدبر.\nوخالفهم بعض المتأخرين فقال: \"إسناده حسن، ورجاله ثقات معروفون، وأخطأ من قال خلاف ذلك، وقد علل البخاري الخبر بما ليس بقادح ... فإن ثبوت ما قال لا يستلزم نفي هذا، فبعد صحة الإسناد يجب القول بصحتهما\".\nواختار بعض أجلة العصر أن الحديث صحيح على شرط مسلم، وقال الذهبي في ترجمة خالد بن أبي الصلت من \"الميزان\" (^١): \"هذا حديث منكر .... \".\nأقول: ههنا مباحث:\nالأول: في سماع عراك من عائشة. احتج بعضهم عليه برواية علي بن عاصم التي مرّت وما معها، وبأن مسلمًا أخرج في \"الصحيح\" (^٢) حديث عراك عن عائشة: \"جاءتني مسكينة تحمل ابنتين .... \". وبأنه عاصرها وكان\n_________\n(^١) (١/ ٦٣٢).\n(^٢) رقم (٢٦٣٠).","vol":"16","page":57},{"text":"معها في المدينة، والحجة في المعاصرة أنه سمع من أبي هريرة، وإنما ماتت عائشة في رمضان سنة ٥٧، فصلى عليها أبو هريرة ثم مات بعدها في السنة، ورواية الرجل عمن عاصره واحتمل لقاؤهما محمول على السماع عند الجمهور، كما شرحه مسلم في مقدمة \"صحيحه\" (^١)، وشدد النكير على من خالفه.\nأقول: أما الحجة الأولى: ففيها أن علي بن عاصم كذَّبه جماعة، وقال يزيد بن زريع: لقيتُ علي بن عاصم بالبصرة وخالد الحذاء حي، فأفادني أشياء عن خالد، فسألته عنها فأنكرها كلها، وأفادني عن هشام بن حسان حديثًا، فأتيت هشامًا فسألته عنه فأنكره\".\nوفي رواية أخرى عن يزيد بن زريع: \"ثنا علي ــ بن عاصم ــ عن خالد بسبعة عشر حديثًا، فسألنا خالدًا عن حديث فأنكره، ثم آخر فأنكره، ثم ثالث فأنكره، فأخبرناه فقال: كذاب فاحذروه\". ذكر ذلك في \"التهذيب\" (^٢).\nوأقوى ما اعتُذِر به عن علي بن عاصم قول عبّاد بن العوّام: \"كان رجلًا موسرًا، وكان الوراقون يكتبون له، فنراه أُتِي من كتبه\". ذكره في \"التهذيب\" (^٣)، ونحوه عن يعقوب بن إسحاق.\nأقول: إذا قبلنا هذا فلا مَحِيصَ عن القول بأنه كان يعتمد على وراقين لا يُوثَق بهم، ثم لا يَفْطَن لتخليطهم، بل ولا لكذبهم، وفوق ذلك فقد ذكروا أنه\n_________\n(^١) (١/ ٢٩ وما بعدها).\n(^٢) (٧/ ٣٤٧).\n(^٣) (٧/ ٣٤٥).","vol":"16","page":58},{"text":"كان يحتقر كبار العلماء ويعيبهم، وإذا نبَّهه أحد منهم على غلط لم يقبل منه، ومثل هذا لا يصلح للمتابعة فضلًا عن الحجة.\nفأما رواية أحمد عنه وتقويته من شأنه، وقوله: \"إنما كان كثير الغلط\"، فالظاهر أن أحمد لم يبلغه كلام يزيد بن زريع، أو حملها على أن ذلك كان من علي أولًا، ثم تاب وصلح في الجملة، وعلى كل حال فالجرح المفسر الواضح يجب قبوله.\nوأما متابعة حماد بن سلمة فيما رواه موسى بن إسماعيل عنه، فحماد تغير حفظه بأَخَرة، وموسى ممن سمع عنه بأخرة، وقد رواه القدماء الأثبات من أصحاب حماد عنه فقالوا: عن عائشة، أو نحو ذلك.\nوهناك أمور أخرى تُبطل ما ذكر في الرواية المذكورة:\nمنها: أن خالدًا الحذاء تغير حفظه بأخرة، وقد ظهر أن ذلك في هذا الحديث كما مر، وقد رواه عنه وهيب أحد الأثبات المتقنين فقال: \" ... خالد عن رجل عن عراك عن عمرة عن عائشة\" كما مر، فأدخل بين عراك وعائشة واسطة، وإذا ثبتت الواسطة بطل السماع، وتجويز الرواية من الوجهين كما تقدم في شأن مجاهد [ص ٦] إنما يُصار إليه في الأسانيد القوية الثابتة، وليس ما هنا كذلك.\nومنها: حال خالد بن أبي الصلت، وسيأتي.\nوأما الحجة الثانية: وهي أن مسلمًا أخرج لعراك عن عائشة في صحيحه.\nفجوابه من وجوه:","vol":"16","page":59},{"text":"الأول: أن مسلمًا ﵀ أخرج حديث المسكينة أولًا من حديث عروة عن عائشة (^١)، ثم أخرجه من حديث عراك عن عائشة، فطريق عراك متابعة، وهم يتسامحون فيها.\nالثاني: أنه في فضائل الأعمال، وهم يتسامحون في روايتها.\nوالثالث: فإن عراكًا معروفٌ بالرواية عن عروة، وإذا انضمَّ إلى هذا أن عروة قد روى الحديث المذكور، وقع في النفس أن عراكًا إنما سمعه من عروة، وبذلك تُعلَم الواسطة، وإذا عُلِمت الواسطة صار الإرسال صوريًّا فقط. غاية الأمر أن يكون انضمَّ إلى هذه الأمور تجويز مسلم أن يكون عراك سمع من عائشة، وهذا التجويز تتفاوت درجاته، كما يأتي في الحجة الثالثة، وإن صح استناد مسلم إلى تجويز سماع عراك من عائشة، فإنما ذلك عند انضمامه إلى الأوجه المتقدمة، ومع هذا فرأيُ مسلم ــ إن صح أنه كان يجوِّز سماع عراك من عائشة ــ معارِضٌ لرأي أحمد والبخاري وأبي حاتم. والله أعلم.\nوأما الحجة الثالثة: فالمذهب الذي انتصر له مسلم في أول صحيحه، حاصله أنه إذا روى ثقة غير مدلِّس عن ثقة، وكانا معًا في عصر، وكان جائزًا ممكنًا أن يكون سمع منه وشافهه، فالرواية محمولة على السماع.\nوعلى هذا فالشروط ثلاثة:\nالأول: الثقة مع عدم التدليس.\nالثاني: ثبوت المعاصرة.\n_________\n(^١) رقم (٢٦٢٩).","vol":"16","page":60},{"text":"الثالث: أن يكون جواز اللقاء والسماع جوازًا ظاهرًا.\nوهذا مأخوذ من قول مسلم في المقدمة (^١): \"وجائزٌ ممكنٌ لقاؤه والسماع منه\".\nفقوله: \"ممكن\" في معنى قوله: \"جائز\"، وإنما زاده تأكيدًا، ليفيد أنه لابد أن يكون الجواز ظاهرًا قريبًا.\nفأما الشرط الأول، فعراك ثقة، ولم يوصف بالتدليس نصًّا، إلا أن في كلام أحمد وغيره في إنكار سماعه من عائشة الحكم عليه بأنه قال عن عائشة، ولم يسمع منها.\nوأما الشرط الثاني، فإنما يتحقق بثبوت أن الراوي بلغ سنَّ السماع والضبط قبل وفاة الشيخ بمدة يتحقق فيها الشرط الثالث، وليس هنا من هذا الثبوت إلا أن عراكًا سمع من أبي هريرة وضبط عنه، وأن أبا هريرة توفي بعد عائشة في السنة أي بنحو ثلاثة أشهر على الأكثر، ومن البعيد بالنظر إلى العادة أن يقال: إنه سمع من أبي هريرة وضبط عنه في وقتٍ كان قبله بشهر أو شهرين أو ثلاثة غيرَ أهلٍ للسماع والضبط.\nوالجواب [عن] هذا:\nأولًا: أن في هذا الاستبعاد نظرًا.\nثانيًا: أن القول بأن أبا هريرة توفي بعد عائشة في السنة لم يثبت ثبوتًا تقوم به الحجة، وإنما نُقل عن هشام بن عروة، ومولد هشام سنة ٦١.\n_________\n(^١) (١/ ٢٩).","vol":"16","page":61},{"text":"ثالثًا: قد خالف هشامًا غيرُه في موت أبي هريرة، فقد قال ضمرة بن ربيعة وأبو معشر والهيثم بن عدي: مات سنة ٥٨. وقال الواقدي وأبو عبيد وغيرهما: مات سنة ٥٩. زاد الواقدي أنه صلى على أم سلمة في شوال سنة ٥٩، ثم توفي بعد ذلك فيها.\nوغلَّطه ابن حجر (^١) في وفاة أم سلمة، وغلَطُه في ذلك لا يلزم منه غلطه في موت أبي هريرة، نعم رجح ابن حجر قول هشام ومن تبعه، ولكن ترجيحه لا يوجب أن يكون قوله حجة تبنى عليه الأحكام.\nثالثًا: قد استقرأتُ حديث أبي هريرة في \"مسند أحمد\"، فلم أجد لعراكٍ عنه إلا أحرفًا يسيرةً بمتونٍ قصيرة، والذي رأيتُه منها حديث: \"ليس على المسلم في فرسه ولا عبده صدقة\" (^٢)، وحديث: \"إن شرَّ الناس ذو الوجهين، يأتي هؤلاء بوجهٍ وهؤلاء بوجهٍ\" (^٣)، وحديث: \"لا ترغبوا عن آبائكم، فمن رغب عن أبيه فإنه كفر\" (^٤)، وحديث: \"من أدرك من الصلاة ركعةً فقد أدركها\" (^٥). فهذه الأربعة متون قصيرة كما ترى. والخامس: \"خُثَيم بن عراك عن أبيه أن أبا هريرة قدم المدينةَ في رهطٍ من قومه والنبي - ﵌ - بخيبر ... \" (^٦). وظاهر هذا الإرسال.\n_________\n(^١) \"تهذيب التهذيب\" (١٢/ ٢٦٦).\n(^٢) \"المسند\" (٢/ ٢٤٢، ٢٥٤ ومواضع أخرى).\n(^٣) \"المسند\" (٢/ ٣٠٧، ٤٥٥).\n(^٤) \"المسند\" (٢/ ٥٢٦).\n(^٥) \"المسند\" (٢/ ٢٦٥).\n(^٦) \"المسند\" (٢/ ٣٤٥).","vol":"16","page":62},{"text":"هذا ولا آمَنُ أن يكون زاغ نظري عن حديث أو حديثين آخرين (^١)، ولا أن يكون لعراك عن أبي هريرة شيء آخر في غير \"مسند أحمد\" (^٢)، ولكن هذا كافٍ فيما أريده، وهو أن عراكًا إنما أدرك من السماع والضبط قبل وفاة أبي هريرة بيسير، فإن أبا هريرة مع كثرة حديثه كان يبذل نفسه للحديث، ويكثر من التحديث، وكان يكون تارةً هو الإمام فيخطب الناس ويحدِّثهم، وتارةً يكون الإمام غيره فيقوم أبو هريرة عند المنبر قبل أن يخرج الإمام فيذكِّر ويحدِّث.\nفلو قيل: إن عراكًا إنما سمع من أبي هريرة وضبط عنه في مجلس أو مجلسين قبيل وفاته، لما كان بعيدًا؛ إذ لو أدرك مدةً طويلة من حياة أبي هريرة لكثرت روايته عنه.\n[ص ٧] وأما الشرط الثالث: فلو تحقق الشرط الثاني لتحقق هذا، فإن عراكًا كان مع عائلته بالمدينة، فمدارُ الكلام عند التحقيق إنما هو على الشرط الثاني.\nفإن قيل: إنما مدار اشتراط العلم باللقاء وعدمه إنما هو على أن المحدث إذا روى عن رجل ولم يصرح بالسماع، هل يكون الظاهر السماع؟ قد اتفقوا على أنه إذا تحقق اللقاء ولو مرةً كان الظاهر في كل ما يحدث به الراوي عن ذلك الشيخ السماع، وإن عُلِم أن تلك اللُّقية لا تَسَعُ تلك الأحاديث كلها، بل يشمل كلامهم ما لو قال الراوي: كنت جالسًا مع\n_________\n(^١) رحم الله المؤلف، فلم يفته شيء مما في \"المسند\" من هذا الطريق.\n(^٢) يراجع لأحاديث عراك عن أبي هريرة في غير \"المسند\": \"إتحاف المهرة\" (١٥/ ٣٦٧ ــ ٣٦٩).","vol":"16","page":63},{"text":"جماعة فمرّ بنا فلان فسلّم، ويعني: ولم يكلِّم أحدًا، فمثل هذا يثبت به اللقاء، حتى لو حدَّث هذا الراوي عن ذلك المارِّ بألف حديث، ولم يُصرِّح في شيء منها بالسماع؛ لكانت كلها محمولةً على السماع.\nثم اتفقوا على أن الراوي إذا عُرِف منه التدليس، كان كلُّ ما رواه ولم يصرِّح بالسماع محمولًا على الانقطاع.\nفهذا يدل على أن رواية الرجل عن آخر ظاهرها السماع، وإنما لم يُحمل على ذلك روايةُ المدلس؛ لأنه قد عُرِف منه مخالفة هذا الظاهر، فصار ذلك قرينةً يسقط بها الظهور.\nثم إذا تقرر هذا، فقد يقال: ينبغي أن يُكتفَى باحتمال الإدراك؛ لأن الرجل إذا روى عمّن لم يتحقق إدراكه له ولكنه محتمل، كان الظاهر السماع؛ لأنه لم يتحقق ما ينافيه. وبعبارة أخرى: ليس هناك قرينة يُردُّ بها ذلك الظاهر.\nفالجواب: أن ابن المديني والبخاري اشترطا ثبوت اللقاء، ومعنى هذا أنهما يريانِ أن رواية الرجل عن الشيخ بدون تصريحٍ بالسماع إنما يكون ظاهرها السماع إذا كان قد لقيه ولو مرةً.\nنعم، زعم بعض أكابر العصر أن البخاري إنما يشترط اللقاء لصحة الحديث صحة أكيدة بحسب ما اشترطه في جامعه، وأنه لا يشترط اللقاء لأصل الصحة. وعلى هذا فلا خلاف بين قوله والقولِ الذي حكاه مسلم عن الجمهور.\nوهذا لا يصح؛ فإن مسلمًا صحب البخاري وحذا حذوَه، وكان من أعرف الناس بقوله، فلو كان هذا هو قول البخاري لما خفي على مسلم، ولو","vol":"16","page":64},{"text":"عرفه لما كان هناك ما يحمله على تشديد النكير على هذا القول، كما تراه في مقدمة \"صحيحه\".\nوأوضح من ذلك: أننا نجد في كتب البخاري، كالتاريخ الكبير وغيره، أنه يحكم بعدم الصحة، ثم يُعلِّلها بعدم العلم باللقاء.\nوالمقصود أن ذهاب ابن المديني والبخاري هذا المذهب يدل أن عندهما أن رواية الراوي عن الشيخ بدون تصريح بالسماع لا يكون ظاهرها السماع إلا إذا كان قد تحقق اللقاء.\nوأما مسلم ومن وافقه فإنهم وإن لم يشترطوا تحقُّقَ اللقاء فقد اشترطوا تحقُّقَ المعاصرة وإمكانَ اللقاء إمكانًا بينًا كما علمت، فكان من لازم قولهم أن رواية الرجل عن شيخٍ بدون تصريحٍ بالسماع، إنما يكون ظاهرها السماع بذينك الشرطين.\nوإذ لم يكن هناك مذهبٌ ثالثٌ، فهذا إجماعٌ منهم على أنه عند عدم تحقق الشرطين المذكورينِ لا يُحَمل على السماع، ولزِمَ من ذلك إجماعهم على أنه حينئذٍ لا يكون ظاهرُ الرواية السماعَ.\nوسرُّ المسألة: أن يُنظَر في الظهور المذكور من أين جاء؟ أمن وضع اللغة أم من العرف أم من العقل؟\nفأقول: أما اللغة فلا شأنَ لها بهذا، فإن قول الرجل: \"قال أو حدَّث أو ذكر أو نحو ذلك فلانٌ\" حقيقة، سواء أكان سمعه منه أم لم يسمعه.\nوأما العرف؛ فالعرف العام لا يتحقق، وما يتراءى منه مصدره العقل، كما يأتي.","vol":"16","page":65},{"text":"وأما العرف الخاص بأن يقال: كان من عادة أهل الحديث أن لا يروي أحدهم عمّن لقيه، أو عمّن عاصره، أو عمّن لم يتضح عدم سماعه منه إلا ما سمعه منه. فهذا يحتاج إلى [نقلٍ]، فإن عَدَدْنا كلامَ مسلم في المقدمة نقلًا، فقد خالفه قول ابن المديني والبخاري وهما أكبر منه وأجلُّ، وأعلمُ بمذاهب المحدثين وبعلل الحديث.\nنعم، ما اتفق عليه المذهبان يمكن أن يسلَّم، لذا فيقال: الثابت أنه كان من عادة المحدثين أن لا يروي أحدهم عمّن لقيه إلا ما سمعه منه، فإن بدا له أن يخبر عنه بما لم يسمعه بيَّن ذلك، كأن يقول: بلغني عن فلان.\nوشذّ أفراد فكانوا يروون عمّن لقوه ما لم يسمعوا منه، ويكتفون في البيان الذي يُخرِجهم عن الكذب بأنه قد عُرِف من شأنهم ذلك، وهؤلاء هم المدلِّسون الثقات.\nلكن يبقى علينا أمران:\nالأول: النظر في هذه العادة متى ابتدأت، فإننا نعلم أن كثيرًا من الصحابة كانوا يحدِّثون عن النبي - ﵌ - بما لم يسمعوه منه، وإنما سمعوه من غيرهم من الصحابة عنه - ﵌ -.\nالثاني: أن هذا إنما ينفعنا بالنظر إلى من اشتهر بطلب الحديث، وكثرت مجالسته لأهله حتى يظهر أنه [...] (^١)، فيخرج المقلون، ويمكن التخلص عن هذين، كما يأتي إن شاء الله تعالى.\n[ص ٨] وأما العقل: فمدخله قوي هنا، بأن يقال: الإنسان العاقل المتثبت\n_________\n(^١) هنا خرم في الأصل.","vol":"16","page":66},{"text":"لا يخبر إلا بما يَثِقُ به، لأمرين:\nالأول: التدين.\nالثاني: خشية الاتهام بالكذب.\nفإنه إذا أخبر عن رجل خبرًا (^١) يحتمل أنه سمعه منه، ثم ظهر صحةُ عدمِ ذلك الخبر، اتُّهِم المخبر بالكذب، ولا يدفع ذلك عنه أن يقول: أنا لم أسمعه منه، إنما أخبرني عنه مخبر؛ لأنه يقال: يحتمل أن يكون صادقًا في هذا، وأن يكون إنما أراد أن يدفع عن نفسه الكذب، فإذا تكرر هذا منه قويت التهمة.\nفالعاقل المتثبت ينفي هذا من أول الأمر، ولمّا عُرِف هذا في الناس علموا أن العاقل المتثبت لا يخبر إلا بما يثق به، ولمّا كانت الثقة التامة إنما تحصل غالبًا بالمشاهدة صار يتراءى للناس أن العاقل المتثبت إذا أخبر عن شخص بخبر، فالظاهر أنه سمعه منه، فهذا مصدر الظهور فيما أرى.\nفأما الصحابة ﵃ فكانوا بغاية التحرز فيما يخبرون به عن النبي - ﵌ -، فكان الرجل منهم يعلم تحرِّيَ الآخر الصدقَ وشدةَ احترازه عن الغلط، فإذا أخبره عن النبي - ﵌ - بشيء كان عنده في الوثوق نحوًا مما لو سمعه هو من النبي - ﵌ -، وكانوا مع ذلك معروفين عند إخوانهم وعند التابعين بالصدق والأمانة، فكان أحدهم إذا سمع من أخيه الحديث وثقَ به هذه الثقةَ، فيرى أنه ليس في الإخبار به عن النبي - ﵌ - بدون بيان الواسطة غِشٌّ في الدين، ولا تعرُّضٌ للاتهام.\n_________\n(^١) في الأصل: \"أخبارًا\".","vol":"16","page":67},{"text":"أما عدم الغشّ فظاهر، وأما التعرُّض للاتهام؛ فلأنه يعلم صدق أخيه وتحرُّزه، فيثِقُ بأنه لن يظهر على الخبر المذكور أنه كذب، لا عمدًا ولا خطأً، فإن فُرِض في النادر أن يظهر أنه خطأٌ أمكنه أن يعتذر بأنه إنما أخبره فلان، ويرى أنه لن يُتَّهم بالكذب، لا هو ولا أخوه، ولا أن يُتَّهم بأنه كذب بقوله: إنما أخبره فلان؛ لعلمِ الناس بصدق الصحابة وأمانتهم.\nفمن تدبَّر هذا وعلم مصدر الظهور السابق، علم أن قول الصحابي: قال النبي - ﵌ - كيتَ وكيتَ، لا يكون ظاهرًا في أنه سمعه من النبي - ﵌ -. بل هو على الاحتمال في أن يكون سمعه منه - ﵌ -، أو من صحابي آخر عنه - ﵌ -.\nوأما التابعون فلم تكن لهم تلك الثقةُ، ولكن بقي قريبٌ منها، فإن العصر كان الغالب فيه الديانة والأمانة، واستعظام الكذب على الله وعلى رسوله، فانقسموا إلى ثلاثة أقسام:\nالأول: من جرى على نحو ما وقع من الصحابة، فربما روى عمّن لقيه ما لم يسمعه منه، فمن هؤلاء: أيوب السختياني، وزيد بن أسلم، وطاوس، وأبو قلابة الجرمي، وعمرو بن دينار، وموسى بن عقبة، وأبو مِجْلز، والحسن البصري، والحكم بن عتيبة، وسالم بن أبي الجعد، وسعيد بن أبي عروبة، ويحيى بن أبي كثير، وأبو سفيان طلحة بن نافع، وعبد الملك بن عمير، وعكرمة بن عمار، وأبو الزبير المكي، وابن شهاب، ومكحول، وعدة قد جمعهم ابن حجر في \"طبقات المدلسين\".\nوأكثر هؤلاء إنما كانوا يفعلون ذلك عند الوثوق بصدق من بينهم وبين من سَمَّوه، فيرون أنه ليس في فعلهم غِشٌّ في الدين، وأنه إن ظهر غلطٌ واعتذروا لا يُتَّهمون؛ لعلم الناس بصدقهم وأمانتهم، وأن من تدبر هذه","vol":"16","page":68},{"text":"الحال وعرف مصدر الظهور الذي تقدم بيانه، يرى أنه لا يظهر من روايتهم على الوجه المذكور أنهم سمعوا، بل يكون على الاحتمال، فحالهم قريب من حال الصحابة ﵃.\nوقليلٌ من هؤلاء كانوا يتساهلون فيروون على الوجه المذكور وإن لم يَثِقُوا بمن بينهم وبين من سمَّوا، والعذر في حقهم أنهم إن شاء الله كانوا أولًا يفعلون ذلك ثم يبينون في المجلس إلى إن اشتهر عنهم أنهم يفعلون ذلك، فعدوا تلك قرينة تصرف عن الظهور، وأهل الحديث يسمون ما وقع من هذا القسم تدليسًا، وهذا الاسم مناسب للمتساهلين، ولكن قد أطلق عليهم وعلى الآخرين.\nالقسم الثاني: قوم لم يكونوا يفعلون ذلك، ولكنهم كانوا يروون عمن عاصروه ولم يَلْقَوه، كأنهم يرون أن الظهور الذي تقدم بيانه إنما يقوى إذا عُلِم أن الراوي قد لقي من سمى. وأنت إذا تدبرت لم تستبعد هذا، فاعتبِرْه بأهل عصرك، إذا أخبرك واحد منهم عن آخر لم تعلم أنه لقيه، هل يكون الظاهر عندك أنه سمعه منه؟\nفإن قلت: بلى قد يكون الظاهر في ذلك إذا كانا في بلد واحد.\nقلتُ: أَنْعِمِ النظرَ وكثِّر الأمثلة، فإنك تجد أنه لا يظهر السماع حتى يكون الظاهر اللقاء، بل قد ترتاب في ظهور السماع مع ظهور اللقاء، بل ومع العلم به إذا كان معروفًا أن اللقاء وقع نادرًا، كأن يكون تاجر لا شأن له بمخالطة الملك، ولكنك تعلم أنه قد رأى الملك مرةً في مجلسٍ وسمع كلامه، فتدبر.\nوالسرّ في هذا أن ذلك التاجر لا يخشى الاتهام بالكذب إذا ظهر بطلان الخبر؛ لأنه يقول: إنما أخبرني [تعلمون الملك ولا]، فإن قلت [...]","vol":"16","page":69},{"text":"فلعل [...] أحدهم كان [...] مع من سمعه كذلك، وكان المعروف ذلك في عصرهم، وإن خفي بعضه [...] على من بعدهم.\nومن هؤلاء: قيس بن أبي حازم، وسعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، والشعبي، وابن سيرين، وعطاء، ومجاهد، [...] من القسم الأول في جماعة كثير. راجع إن أحببتَ \"المراسيل\" لابن أبي حاتم.\nوحالهم في اشتراط الوثوق بالواسطة بينهم وبين من سمَّوا كحال القسم الأول.\n[ص ٩] القسم الثالث: الذين لم ينقل عنهم الرواية عمن لقوه لِما لم يسمعوا، ولا الرواية عمّن عاصروه ولم [...]، فأخذوا أنفسهم بالأحوط لدينهم، فمن هؤلاء فيما أرى: القاسم بن محمد بن أبي بكر، وخارجة بن زيد بن ثابت، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وعبيدة السلماني، وعلقمة بن قيس، والأسود بن يزيد، وأبو بردة بن أبي موسى، ومطرف بن عبد الله بن الشخير، وموسى بن طلحة، وجابر بن زيد، في آخرين.\nوكلام أئمة الحديث في تراجم من ذكرنا وغيرها يدل أن الإرسال الخفي كان فاشيًا في التابعين، ودونه التدليس عمّن يوثق به، ودونه التدليس مع التساهل، وتجدهم لا يحكمون بالتدليس إلا بحجة، وكثيرًا ما يكتفون في الحكم الإرسال (^١) الخفي بالقرائن، بل وبعدم ثبوت السماع، فيقولون:\n_________\n(^١) كذا في الأصل، ولعل الصواب: \"بالإرسال\".","vol":"16","page":70},{"text":"لا يثبت له سماع من فلان، ونحو ذلك، يوجد هذا في كلام أحمد وابن معين وأبي زرعة وأبي حاتم وغيرهم.\nوذلك يرد على مسلم ﵀ ما زعمه في مقدمة صحيحه من أن قول البخاري مُحدَث، ويدل دلالة واضحة أنه كان عندهم أنه لا يكون الظاهر السماع في رواية أحدهم عمّن عاصره، ولم يتبين لقاؤه له، أو تبين لقاؤه له لُقيةً لا يتضح فيها إمكان السماع، كأن يقول: رأيته يطوف بالبيت، ونحو ذلك، وإذا كان كذلك فليس في روايته عنه ما لم يسمعه منه شبهة كذب، ولا ما يخالف الأمانةَ، وذلك أن السامع المتدبر يكون الأمر عنده على الاحتمال، فعليه أن يسأل ليتضح له الحال.\nوإذا كان الأمر هكذا، فالقول بالنسبة إلى التابعين هو القول الذي زعم مسلم ﵀ أنه محدث، وقد سبق أنه قول الأئمة أحمد ويحيى وعلي والبخاري وأبي زرعة وأبي حاتم وغيرهم ممن تجد كلامه في تراجم أصحاب القسم الثاني، وحجتهم واضحة، وبذلك يردُّ على مسلم قوله (^١): \"فإن كانت العلة في تضعيفِك الخبرَ وتركِك الاحتجاجَ به إمكان الإرسال فيه لزمك أن لا تُثبِت إسنادًا معنعنًا ... وذلك أن الحديث الوارد علينا بإسناد هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة، فبيقينٍ نعلم أن هشامًا قد سمع من أبيه، وأن أباه قد سمع من عائشة ... وقد يجوز إذا لم يقل هشام في رواية يرويها عن أبيه: سمعت أو أخبرني أن يكون بينه وبين أبيه في تلك الرواية إنسان آخر ... وكما يمكن ذلك في هشام عن أبيه، فهو أيضًا ممكن عن أبيه عن عائشة\".\n_________\n(^١) في مقدمة \"صحيحه\" (١/ ٣٠، ٣١).","vol":"16","page":71},{"text":"وإيضاح ذلك أن مسلمًا يوافق على عدم قبول عنعنة المدلس، وفي تمثيله بهشام نظر؛ لأنه وُصِف بالتدليس وإن لم يتفق عليه، فنحصر الكلام في عروة، فنقول: إنما قبلنا عنعنة عروة؛ لأن عروة لم يوصف بالتدليس، وقد عُرِف بالثقة والأمانة وكثرة السماع من عائشة.\nثم ههنا مسلكان:\nالأول: ردّ ما قدمناه في الاعتذار عن المتثبتين من القسم الأول.\nفنقول: لا يلزم من ثقة أحدهم بمن بينه وبين من سمَّى أن يكون في نفسه ثقة، فلعله قد بان لغيره منه ما لم يَبِنْ له، وعلى فرض أنه ثقة فلعله تبين لغيره منه أنه غلط في تلك الرواية.\nمثال ذلك: أن يكون سمعه من عمرة أنها سمعت عن عائشة، فيرويه هو عن عائشة، وتكون عمرة قد غلطت فيه لمّا حدثته عروة، فيكون غلطها إنما يتبين برواية أخرى عنها، فلو رواه عن عمرة عن عائشة لعرفنا غلط عمرة بالمقابلة بروايتها الأخرى، ولما رواه عن عائشة لم يتبين ذلك، بل تترجح رواية عروة لظن أنه سمعه من عائشة، وإذا كان هذا الاحتمال قائمًا فروايته ذلك عن عائشة لا تخلو من الغش وقلة التثبت، وإذ كان الظن به أنه يتحفظ من مثل ذلك، فالظاهر من روايته عن عائشة أنه سمعه منها، وإذ كان الظاهر ذلك فروايته عنها تعرض للكذب، إن لم نقل: إنه كذب. وإنما تخلص المدلسون من الكذب بما قدمنا أن الظن بهم أنهم كانوا أولًا يدلسون ويبينون في المجلس، حتى عُرِف ذلك من شأنهم، فزال الظهور المذكور، وبزواله زال الغِشُّ، وعروة لم يفعل ذلك؛ وإلا لوصفه أهل العلم بأنه يدلس.","vol":"16","page":72},{"text":"فأما الصحابة ﵃ فقد كان معروفًا عنهم أنهم كثيرًا ما يروون عن النبي - ﵌ - ما لم يسمعوه منه، وإنما سمعوه من غيرهم من الصحابة عنه.\nالمسلك الثاني: أن لا يتعرض لرد ما قدمناه في الاعتذار من المتثبتين من القسم الأول، ونقول:\n[ص ١٠] [...] تتبعوا روايات التابعين، وبحثوا عنها، وقابلوا بعضها ببعض، فبان لهم من كان قد يقع منه التدليس من غيره، فبينوا ذلك، ولما لم يَصِفْ أحد منهم عروة بالتدليس ثبت عندنا أنه لم يكن يدلس، فأما الإرسال الخفي فقد عرف أنه كان فاشيًا في التابعين، وفُشوُّه يجعله محتملًا من كل أحد منهم، وبذلك يزول الظهور البتة، وبزواله يزول الغش والكذب البتة. والله المستعان.","vol":"16","page":73}]}