{"ً":{"ٌ":416,"ٍ":"حكم تارك الصلاة - الألباني","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"كتب الألباني/حكم تارك الصلاة - الألباني - ط الجلالين","files":["3771.pdf"]},"ّ":"الكتاب: حكم تارك الصلاة\nالمؤلف: محمد ناصر الدين الألباني (ت ١٤٢٠هـ)\nالناشر: دار الجلالين - الرياض\nالطبعة: الأولى - ١٤١٢\nعدد الصفحات: ٦٦\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":414,"ٕ":19,"ٖ":1780758586,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"حكم تارك الصلاة","level":1,"page":1}],"ٛ":{"1,1":1,"1,5":3,"1,6":4,"1,8":5,"1,9":6,"1,10":7,"1,11":9,"1,12":10,"1,13":11,"1,14":12,"1,17":13,"1,18":14,"1,19":15,"1,20":17,"1,21":18,"1,22":19,"1,25":20,"1,26":21,"1,27":24,"1,28":26,"1,29":27,"1,30":28,"1,31":29,"1,32":30,"1,33":31,"1,34":32,"1,35":33,"1,36":34,"1,37":35,"1,38":36,"1,39":37,"1,40":38,"1,41":39,"1,42":40,"1,43":41,"1,44":42,"1,45":43,"1,46":44,"1,47":45,"1,48":46,"1,49":47,"1,50":48,"1,51":49,"1,52":50,"1,53":51,"1,54":52,"1,55":53,"1,56":54,"1,57":55,"1,58":56,"1,59":57,"1,60":58,"1,61":59,"1,62":61,"1,63":62,"1,64":63,"1,65":64,"1,66":65},"ٜ":{"1":[1,66]},"ٝ":["1,1","1,1","1,5","1,6","1,8","1,9","1,10","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,17","1,18","1,19","1,19","1,20","1,21","1,22","1,25","1,26","1,26","1,26","1,27","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66"],"ٞ":{"1":[1]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1>حكم تارك الصلاة</span>\nبقلم العلامة المحدث\nمحمد ناصر الدين الألباني\nدار الجلالين الرياض\nالطبعة الأولي","vol":"1","page":1},{"text":"١٤١٢ - هـ","vol":"1","page":1},{"text":"تقديم\nإن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله\nأما بعد:\nفإن مما (لا يختلف [فيه] المسلمون أن ترك الصلاة المفروضة عمدا من أعظم الذنوب وأكبر الكبائر وأن إثمه أعظم من إثم قتل النفس وأخذ الأموال ومن إثم الزنا والسرقة وشرب الخمر وأنه معرض لعقوبة الله وسخطه وخزيه في الدنيا والآخرة) (١)\n_________\n(١) كتاب الصلاة وحكم تاركها (ص ١٦) للعلامة ابن القيم رحمه الله تعالى\nوقد وردت الآيات القرآنية تترى في تعظيم قدر الصلاة وبيان شديد إثم تاركها أو المتهاون بها:\nقال تعالى: ﴿فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا إلا من تاب﴾ [مريم: ٥٩ - ٦٠]\nوقال سبحانه: ﴿فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون الذين هم يراؤون ويمنعون الماعون﴾ [الماعون: ٤ - ٧]\nوقال جل شأنه: ﴿ما سلككم في سقر قالوا لم نك من المصلين﴾ [المدثر: ٤٢ - ٤٣]\nإلى غير ذلك من آيات كريمات تقرع الآذان وتصك الأسماع\nوقد جاءت أحاديث عدة عن النبي ﷺ أخبر فيها عن عظيم الذنب الذي يتلبس به تارك الصلاة أو المتهاون بها أو المتخاذل عنها:\n[٥]","vol":"1","page":5},{"text":"فقال ﷺ: (بين العبد وبين الشرك ترك الصلاة) (١)\nوقال ﷺ: (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر (٢)\nوقال ﷺ: (من ترك الصلاة متعمدا فقد برئت منه ذمة الله) (٣)\nقلت: وإزاء هذه النصوص القرآنية والنبوية: اختلف الأئمة والعلماء في تكفير متعمد ترك الصلاة:\nقال الإمام البغوي في \" شرح السنة \" (٢ / ١٧٨ ١٧٩):\nاختلف أهل العلم في تكفير تارك الصلاة المفروضة عمدا\n_________\n(١) رواه مسلم (٨٢) عن جابر\n(٢) رواه أحمد (٥ / ٣٤٦) والترمذي (٢٦٢٣) وابن ماجة (١٠٧٩) وغيرهم عن بريدة\nوقال شيخنا في تعليقه على (كتاب الإيمان) (ص ١٥) لابن أبي شيبة: (إسناده صحيح على شرط مسلم)\n(٣) رواه ابن ماجة (٤٠٣٤) والبخاري في \" الأدب المفرد \" (رقم: ١٨) وغيرهما\nوفي إسناده ضعف لكن له شواهد تقويه فانظر: (التلخيص الحبير) (٢ / ١٤٨) للحافظ ابن حجر و(إراواء الغليل) (٧ / ٨٩ - ٩١) لشيخنا الألباني\n[٦]","vol":"1","page":6},{"text":"ثم ذكر طائفة من أسماء المختلفين في ذلك\nوقال الشوكاني في \" نيل الأوطار \" (١ / ٣٦٩) تعليقا على حديث جابر المتقدم إيراده:\nالحديث يدل على أن ترك الصلاة من موجبات الكفر ولا خلاف بين المسلمين في كفر من ترك الصلاة منكرا لوجوبها إلا أن يكون قريب عهد بالإسلام أو لم يخالط المسلمين مدة يبلغه فيها وجوب الصلاة\nوإن كان تركه لها تكاسلا مع اعتقاده لوجوبها - كما هو حال كثير من الناس (١) - فقد اختلف الناس في ذلك\nثم نقل - بعد ذلك نبذا من الخلاف - مشهور قول \" الجماهير من السلف والخلف - منهم مالك والشافعي - إلى أنه لا يكفر بل يفسق فإن تاب وإلا قتلناه حدا كالزاني المحصن. . . إلخ \"\nوقال ابن حبان في \" صحيحه \" (٤ / ٣٢٤):\nأطلق المصطفى ﷺ اسم الكفر على تارك الصلاة إذ ترك الصلاة أول بداية الكفر لأن المرء إذا ترك الصلاة واعتاده: ارتقى منه إلى ترك غيرها من الفرائض وإذا\n_________\n(١) هذا في عصره فكيف اليوم\n[٧]\nاعتاد ترك الفرائض: أداه ذلك إلى الجحد فأطلق ﷺ اسم النهاية التي هي آخر شعب الكفر على البداية التي هي أول شعبها وهي ترك الصلاة\nثم قال ﵀ مبوبا: \" ذكر خبر يدل على صحة ما ذكرنا: أن العرب تطلق اسم المتوقع من الشيء في النهاية على البداية \" وبعد إيراده قول النبي ﷺ: \" المراء في القرآن كفر \" (١) قال:\nإذا مارى المرء في القرآن أداه ذلك - إن لم يعصمه الله - إلى أن يرتاب في الآي المتشابه منه فأطلق ﷺ اسم الكفر - الذي هو الجحد - على بداية سببه الذي هو المراء\nفترك الصلاة شأن كبير وأمر خطير يودي - عياذا بالله - إلى الردة عن الدين واللحوق بالكفار والمشركين\nوإذ اختلف العلماء والأئمة في هذه المسألة المهمة: كان الواجب على طلاب العلم التأني والتوقي لا أن يعالجوا كل تارك\n_________\n(١) رواه أبو داود (٤٦٠٣) وأحمد (٢ / ٥٢٨) وابن أبي شيبة (١٠ / ٥٢) والحاكم (٢ / ٢٢٣) وغيرهم بسند حسن\nوانظر (مشكاة المصابيح) (٣٣٦) و(صحيح الترغيب) (١٣٩) كلاهما بتحقيق شيخنا الألباني\n[٨]","vol":"1","page":8},{"text":"للصلاة بالوصم بالتكفير والردة بكل غلاظة وشدة إذ (١) الحكم على الرجل المسلم بخروجه من دين الإسلام ودخوله في الكفر لا ينبغي لمسلم يؤمن بالله واليوم الآخر أن يقدم عليه إلا ببرهان أوضح من شمس النهار فإنه قد ثبت في الأحاديث الصحيحة المروية من طريق جماعة من الصحابة (٢) أن: \" من قال لأخيه: يا كافر فقد باء بها أحدهما \". . . وفي لفظ في \" الصحيح \": \". . . فقد كفر أحدهما \"\nففي هذه الأحاديث وما ورد موردها أعظم زاجر وأكبر واعظ عن التسرع في التكفير\nوقد قال الله ﷿: ﴿ولكن من شرح بالكفر صدرا﴾ [النحل: ١٠٦] فلا بد من شرح الصدر بالكفر وطمأنينة القلب به وسكون النفس إليه \" (٣)\nنعم قد تدفع الغيرة والعاطفة بعض أهل العلم أو طلابه إلى الحكم بتكفير كل تارك للصلاة دون اعتبار لجحود أو كسل\n_________\n(١) من هنا اقتباس من كلام الإمام العلامة الشوكاني في \" السيل الجرار \" (٤ / ٥٧٨)\n(٢) رواه البخاري (١٠ / ٤٢٨) ومسلم (٦٠) عن ابن عمر. وفي الباب عن أبي ذر عند البخاري (١٠ / ٣٨٨)\n(٣) إلى هنا النقل عن الإمام الشوكاني\n[٩]","vol":"1","page":9},{"text":"حرصا - في ظنهم - على الترهيب الشديد من هذا العمل الجلل ورغبة - كما توهموا - في درء أي تساهل في الصلاة وحكمها (قد) يؤدي إلى التسيب في هذا الركن الإسلامي العظيم\nوقد يستدل (بعض) من هؤلاء العلماء أو الطلاب على ذلك بشيء من الأدلة القرآنية أو النبوية التي سبقت أو غيرها لكن دون جمع بين الدلائل الواردة في هذه المسألة سلبا أو إيجابا - حينا - أو بتقصير في هذه الجمع - أحيانا\nولست في هذه المقدمة - فضلا عما سيأتي في رسالة شيخنا - بمستوعب القول في دلائل المختلفين في هذه المسألة العظيمة وتحقيق مدارك الخلاف والنظر فيها فإن لهذا موضعا آخر (١) ولكني أكتفي هنا بذكر تنبيهات علمية مهمة قد تغيب عن عدد من طلاب العلم فأقول:\nأولا: قال الإمام المبجل أحمد بن حنبل في وصيته لتلميذه الإمام الحافظ مسدد بن مسرهد (٢):\nولا يخرج الرجل من الإسلام شيء إلا الشرك بالله\n_________\n(١) انظر ما سيأتي (ص ٦٤)\n(٢) كما في\nطبقات الحنابلة \" (١ / ٣٤٣) وغير\nولي شرح موجز على هذه (الوصية) عنوانه: (السبيل الممهد) وهو تحت الطبع\n[١٠]","vol":"1","page":10},{"text":"العظيم أو يرد فريضة من فرائض الله ﷿ جاحدا بها فإن تركها كسلا أو تهاونا: كان في مشيئة الله إن شاء عذبه وإن شاء عفا عنه. . . \" (١)\nقلت:\nوهذا هو صريح ما جاءنا في الكتاب والسنة بعموم الحكم وخصوص مسألة ترك الصلاة:\nقال الله تعالى:\n[إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء]","vol":"1","page":10},{"text":"وقال ﷺ:\nخمس صلوات كتبهن الله على العباد فمن جاء بهن ولم يضيع منهم شيئا استخفافا بحقهن كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة ومن لم يأت بهن فليس له عند الله عهد إن شاء عذبه وإن شاء أدخله الجنة\n(٢)\nثانيا: قال الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى\n_________\n(١) وانظر \" الإيمان \" (ص ٢٤٥) لشيخ الإسلام ابن تيمية لمعرفة الروايات عن أحمد في ذلك وما سيأتي (ص ١٦، ٤٦، ٥٨)\n(٢) رواه أبو داود (٤٢٥) والنسائي (١ / ٢٣٠) وغيرهما. وانظر (صحيح الترغيب) (٣٦٦) لشيخنا الألباني. ولابن عبد البر في (التمهيد) (٢٣ / ٢٨٩ - ٣٠١) بحث مهم جدا فيه\n[١١]","vol":"1","page":11},{"text":"كما في \" الدرر السنية \" (١ / ٧٠) - جوابا على من سأله عما يكفر الرجل به؟ وعما يقاتل عليه؟ فقال ﵀:\nأركان الإسلام الخمسة أولها الشهادتان ثم الأركان الأربعة إذا أقر بها وتركها تهاونا فنحن وإن قاتلناه على فعلها فلا نكفره بتركها والعلماء اختلفوا في كفر التارك لها كسلا من غير جحود ولا نكفر إلا ما أجمع عليه العلماء كلهم وهو الشهادتان\nثالثا: يستدل بعض أهل العلم في تكفيرهم تارك الصلاة بآية من القرآن العظيم يجعلونها عماد أدلتهم في التكفير وهي قوله جل شأنه:\n﴿فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين﴾ [التوبة: ١١]\nقالوا: وجه الدلالة من الآية أن الله تعالى اشترط لثبوت الأخوة بيننا وبين المشركين إقام الصلاة فمن لم يقم بها فلا يعد أخا لنا في الدين\nفالجواب على هذا الاستدلال من وجهين:\nالأول: قال الإمام ابن عطية في \" المحرر الوجيز \"\n[١٢]","vol":"1","page":12},{"text":"(٨ / ١٣٩ طبع المغرب):\nتابوا: رجعوا عن حالهم والتوبة منهم تتضمن الإيمان\nفإقامة الصلاة مشروطة ومسبوقة بالتوبة التي هي متضمنة للإيمان إذ ذكر الله التوبة قبل ذكر الصلاة أو الزكاة فدل ذلك على أنها هي قاعدة الأصل في الحكم بأخوة الدين\nلذا قال الطبري في \" جامع البيان \" (١٨ / ٨٦):\nيقول جل ثناؤه: فإن رجع هؤلاء المشركون - الذين أمرتكم أيها المؤمنون بقتلهم - عن كفرهم وشركهم بالله إلى الإيمان به وبرسوله وأنابوا إلى طاعته وأقاموا الصلاة المكتوبة فأدوها بحدودها وآتوا الزكاة المفروضة أهلها: فهم إخوانكم في الدين الذي أمركم الله به وهو الإسلام\nويدل على ما سبق:\nالوجه الثاني:\nأنه قرن بالصلاة الزكاة فهل من تاب وأقام الصلاة لكنه لم يزك: لا يكون أخا في الدين عليه ما على المسلمين وله ما للمسلمين؟\nإن قيل: لا بل هو أخ في الدين\nقلنا: ما هو دليل التفريق في الآية بين الصلاة والزكاة وهما مذكورتان بالترتيب والتساوي عقيب التوبة؟\n[١٣]","vol":"1","page":13},{"text":"وإن قيل: ليس أخا في الدين\nقلنا: هذا باطل من القول بيقين ليس عليه أي دليل\nرابعا: عن حذيفة بن اليمان رضي الله عن هـ قال: قال رسول الله ﷺ:\nيدرس الإسلام كما يدرس وشي الثوب حتى لا يدرى ما صيام ولا صلاة ولا نسك ولا صدقة\nوليسري على كتاب الله ﷿ في ليلة فلا يبقى في الأرض منه آية وتبقى طوائف من الناس: الشيخ الكبير والعجوز يقولون: أدركنا آباءنا على هذه الكلمة:\nلا إله إلا الله \" فنحن نقولها \"\nرواه ابن ماجة (٤٠٤٩) والحاكم (٤ / ٤٧٣) من طريق أبي معاوية عن أبي مالك الأشجعي عن ربعي بن حراش عن حذيفة بن اليمان مرفوعا\nوصححه الحاكم ووافقه الذهبي وصححه - أيضا - البوصيري في \" مصباح الزجاجة \" وقواه الحافظ ابن حجر في \" فتح الباري \" (١٣ / ١٦)\nوقد أعل (بعضهم) الحديث وضعفه لكلام في أبي\n[١٤]","vol":"1","page":14},{"text":"معاوية وهو غير ضاره\nومع ذلك فقد خفيت (عليهم) متابعة جليلة:\nفقد روى الحديث عن أبي مالك: أبو عوانة بإسناده ومتنه كما قال البوصيري في \" المصباح \" (٣ / ٢٥٤)\nوأبو عوانة: ثقة ثبت رضى\nوقال شيخنا الألباني في كتابه المعطار \" سلسلة الأحاديث الصحيحة \" (١ / ١٣٠ - ١٣٢) تعليقا على هذا الحديث الصحيح:\nهذا وفي الحديث فائدة فقهية هامة وهي أن شهادة أن لا إله إلا الله تنجي قائلها من الخلود في النار يوم القيامة ولو كان لا يقوم بشيء من أركان الإسلام الخمسة الأخرى كالصلاة وغيرها\nومن المعلوم أن العلماء اختلفوا في حكم تارك الصلاة خاصة مع إيمانه بمشروعيتها فالجمهور على أن لا يكفر بذلك بل يفسق وذهب أحمد [فيما يذكر عنه] إلى أنه يكفر وأنه يقتل ردة لا حدا\nوقد صح عن الصحابة أنهم لا يرون شيئا من الأعمال تركه كفر غير الصلاة. رواه الترمذي والحاكم\n[١٥]\nوأنا أرى أن الصواب رأي الجمهور وأن ما ورد عن الصحابة ليس نصا على أنهم كانوا يريدون ب (الكفر) هنا الكفر الذي يخلد صاحبه في النار ولا يحتمل أن يغفره الله له كيف ذلك وحذيفة بن اليمان - وهو من كبار أولئك الصحابة - يرد على صلة ابن زفر وهو يكاد يفهم الأمر على نحو فهم أحمد له فيقول:\nما تغني عنهم لا إله إلا الله وهم لا يدرون ما صلاة. . . \" فيجيبه حذيفة بعد إعراضه عنه: \" يا صلة تنجيهم من النار \" ثلاثا\nفهذا نص من حذيفة رضي الله عن هـ على أن تارك الصلاة - ومنها بقية الأركان - ليس بكافر بل هو مسلم ناج من الخلود في النار يوم القيامة\nفاحفظ هذا فإنك قد لا تجده في غير هذا المكان\nثم وقفت على \" الفتاوى الحديثية \" (٨٤ / ٢) للحافظ السخاوي فرأيته يقول بعد أن ساق بعض الأحاديث الواردة في تكفير تارك الصلاة وهي مشهورة معروفة:\nولكن كل هذا إنما يحمل على ظاهره في حق تاركها جاحدا لوجوبها مع كونه ممن نشأ بين المسلمين لأنه يكون حينئذ\n[١٦]\nكافرا مرتدا بإجماع المسلمين فإن رجع إلى الإسلام قبل منه وإلا قتل\nوأما من تركها بلا عذر بل تكاسلا مع اعتقاده لوجوبها فالصحيح المنصوص الذي قطع به الجمهور أنه لا يكفر وأنه - على الصحيح أيضا - بعد إخراج الصلاة الواحدة عن وقتها الضروري - كأن يترك الظهر مثلا حتى تغرب الشمس أو المغرب حتى يطلع الفجر - يستتاب كما يستتاب المرتد ثم يقتل إن لم يتب ويغسل ويصلى عليه ويدفن في مقابر المسلمين مع إجراء سائر أحكام المسلمين عليه\nويؤول إطلاق الكفر عليه لكونه شارك الكافر في بعض أحكامه وهو وجوب العمل جمعا بين هذه النصوص وبين ما صح أيضا عنه ﷺ أنه قال:\nخمس صلوات كتبهن الله - فذكر الحديث وفيه: \" إن شاء عذبه وإن شاء غفر له \" وقال أيضا: \" من مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله دخل الجنة \" إلى غير ذلك\nولهذا لم يزل المسلمون يرثون تارك الصلاة ويورثونه ولو\n[١٧]","vol":"1","page":17},{"text":"كان كافرا لم يغفر له ولم يرث ولم يورث \" ا. هـ\nخامسا: يجيب بعض أهل العلم على عدد من الأحاديث الواردة في هذه المسألة مما يفيد شمول عفو الله سبحانه ومغفرته ورحمته لبعض من تاركي الصلاة التي هي دون الشرك - كما قال جل شأنه: \" إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء \" - كمثل حديث البطاقة وحديث الشفاعة الآتي وغيرها من الأحاديث بأن يقول (هؤلاء): \" هذه أحاديث (عامة) وأحاديث تكفير تارك الصلاة (خاصة) \"\nأقول: ولو عكس (هؤلاء) - وفقهم الله - قولهم لكانوا أقرب إلى الصواب كما هو معروف من قاعدة الوعد والوعيد عند أهل السنة فيما قرره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في مواضع عدة من كتبه ك \" مجموع الفتاوى \" (٤ / ٤٨٤) (٨ / ٢٧٠) (١١ / ٦٤٨) (٢٣ / ٣٠٥) وغيره\nوخلاصة القول في هذه القاعدة:\nأن نصوص الوعيد داخلة تحت مشيئة الله سبحانه إما\n[١٨]","vol":"1","page":18},{"text":"عفوا وإما تنفيذا\nوأما نصوص الوعد فإن الله منفذها كما كتب - سبحانه - على نفسه\nوفي ذلك يقول من يقول من أهل العلم مستدلا على أصل هذه القاعدة:\nوإني وإن أوعدته أو وعدته\nلمخلف إيعادي ومنجز موعدي\nأنظر \" شرح العقيدة الطحاوية \" (ص ٣١٨)\nسادسا: من أعجب العجب - بعد ما سبق - أن يقول (البعض) واصفا القول بعدم تكفير تارك الصلاة مع إثبات فسقه وفجوره: بأنه إرجاء؟\nفما هو الإرجاء عند هؤلاء؟\nوما هي حدوده؟ وما هي ضوابطه؟\nوبعد هذا السابق كله فإننا نؤكد ونبين بكل صراحة ووضوح أن تارك الصلاة مجرم فاجر وآثم فاسق يخشى عليه\n[١٩]","vol":"1","page":19},{"text":"- عياذا بالله - من الردة والكفر والخروج من الإسلام والشرك إن لم يسارع بالتوبة والإنابة والاستغفار والهداية أو إن لم يتغمده الله - سبحانه - بعفوه وعنايته\nوأخيرا:\nفإن هذه المسألة من مسائل العلم الكبرى وقد تنازع فيها أهل العلم سلفا وخلفا\nفالبحث فيها يجب أن يكون بروح طيبة وعقل منير ونظر سديد بعيد عن التعصب مع اطراح التقليد إذ هذا كله يوصل إلى معرفة الحق والوقوف عليه والدعوة إليه\nوهذه الرسالة لشيخنا العلامة المحدث المحقق محمد ناصر الدين الألباني - حفظه الله سبحانه - مثال حسن على ما قدمته نقدمها للإخوة القراء رغبة في نشر العلم وطمعا في تحصيل الثواب واستجابة لأمر الله سبحانه بالرد - عند الاختلاف - إليه وإلى رسوله ﷺ:\n[فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا]","vol":"1","page":19},{"text":"[٢٠]","vol":"1","page":20},{"text":"فلا يمنعن أحدا من قارئي هذه الرسالة إلفه أو عادته أو ما نشأ عليه أو تلقنه: من أن يقبل الحق وينصاع إليه ويجاهد دونه إذ الحق أغلى ما يطلب وأعز ما يرغب\nفالله العظيم نسأل التوفيق والسداد والرشد والرشاد وهداية من ضل من العباد وقصم من تلبس بالكفر والعناد\nوآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين\n[٢١]","vol":"1","page":21},{"text":"مقدمة المؤلف\nإن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له\nوأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له\nوأشهد أن محمدا عبده ورسوله\nأما بعد: فهذا بحث علمي لطيف في تخريج وشرح حديث نبوي شريف أصله من أحاديث المجلد السابع من كتابي: (سلسلة الأحاديث الصحيحة) ورأيت إفراده بالنشر لأهميته وكبير فائدته وذلك بعد أن رآه بعض إخواننا فاقترح علي نشره مفردا من باب الاستعجال بالخير فوافق ذلك ما عندي فدفعت صورة منه إلى صاحبنا وتلميذنا الشاب علي بن حسن الحلبي ليقوم بتهيئته للنشر وإعداده للطبع مع كتابة مقدمة علمية له تقرب فوائده للقراء الأفاضل\n[٢٢]","vol":"1","page":22},{"text":"وقد فعل ذلك كله - جزاه الله خيرا - ثم أشرف على طباعته وتصحيحه ومراجعته\nوفي آخر هذه المقدمة الوجيزة أسأل الله سبحانه أن ينفع بهذا البحث العلمي من يقرؤه وينظر فيه إنه سميع مجيب\nفأقول وبالله التوفيق:\n[٢٥]","vol":"1","page":25},{"text":"متن الحديث:\nروى الإمام معمر بن راشد في (الجامع) (١١ / ٤٠٩ - ٤١١ - الملحق ب (مصنف عبد الرزاق) عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عن هـ - قال:\nقال رسول الله ﷺ:\n(إذا خلص المؤمنون من النار وأمنوا ف [والذي نفسي بيده] ما مجادلة أحدكم لصاحبه في الحق يكون له في الدنيا بأشد من مجادلة المؤمنين لربهم في إخوانهم الذين أدخلوا النار\nقال: يقولون: ربنا إخواننا كانوا يصلون معنا ويصومون معنا ويحجون معنا [ويجاهدون معنا] فأدخلتهم النار\nقال: فيقول: اذهبوا فأخرجوا من عرفتم منهم\nفيأتونهم فيعرفونهم بصورهم لا تأكل النار صورهم [لم تغش الوجه] فمنهم من أخذته النار إلى أنصاف ساقيه ومنهم من أخذته إلى كعبيه [فيخرجون منها\n[٢٦]","vol":"1","page":26},{"text":"بشرا كثيرا] فيقولون: ربنا قد أخرجنا من أمرتنا\nقال: ثم [يعودون فيتكلمون ف] يقول: أخرجوا من كان في قلبه مثقال دينار من الإيمان\n[فيخرجون خلقا كثيرا] ثم [يقولون: ربنا لم نذر فيها أحدا ممن أمرتنا","vol":"1","page":26},{"text":"ثم يقول: ارجعوا ف] من كان في قلبه وزن نصف دينار [فأخرجوه فيخرجون خلقا كثيرا ثم يقولون: ربنا لم نذر فيها ممن أمرتنا. . .]\nحتى يقول: أخرجوا من كان في قلبه مثقال ذرة [فيخرجون خلقا كثيرا]\nقال أبو سعيد:\nفمن لم يصدق بهذا الحديث فليقرأ هذه الآية:\n[إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما] [سورة النساء: ٤]","vol":"1","page":26},{"text":"قال: فيقولون: ربنا قد أخرجنا من أمرتنا فلم يبق في\n[٢٧]","vol":"1","page":27},{"text":"النار أحد فيه خير\nقال: ثم يقول الله: شفعت الملائكة وشفعت الأنبياء وشفع المؤمنون وبقي أرحم الراحمين\nقال: فيقبض قبضة من النار - أو قال: قبضتين - ناسا لم يعملوا لله خيرا قط قد احترقوا حتى صاروا حمما\nقال: فيؤتى بهم إلى ماء يقال له: (الحياة) فيصب عليهم فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل [قد رأيتموها إلى جانب الصخرة وإلى جانب الشجرة فما كان إلى الشمس منها كان أخضر وما كان منها إلى الظل كان أبيض]\nقال: فيخرجون من أجسادهم مثل اللؤلؤ وفي أعناقهم الخاتم (وفي رواية: الخواتم) عتقاء الله\nقال: فيقال لهم: ادخلوا الجنة فما تمنيتم ورأيتم من شيء فهو لكم [ومثله معه] [فيقول أهل الجنة: هؤلاء عتقاء الرحمن أدخلهم الجنة بغير عمل عملوه ولا خير قدموه]\nقال: فيقولون: ربنا أعطيتنا ما لم تعط أحدا من العالمين\nقال: فيقول: فإن لكم عندي أفضل منه\nفيقولون: ربنا وما أفضل من ذلك؟\n[قال:] فيقول: رضائي عنكم فلا أسخط عليكم","vol":"1","page":27},{"text":"[٢٨]","vol":"1","page":28},{"text":"أبدا)\nتخريجه:\nوإسناده صحيح على شرط الشيخين\nوهو من رواية عبد الرزاق عن معمر:\nومن طريق عبد الرزاق أخرجه أحمد (٣ / ٩٤) والنسائي (٢ / ٢٧١) وابن ماجة (رقم: ٦٠) وابن خزيمة في (التوحيد) (ص ١٨٤ و٢٠١ و٢١٢) وابن نصر المروزي في (تعظيم قدر الصلاة) (رقم: ٢٧٦)\nوتابع عبد الرزاق:\nمحمد بن ثور عن معمر به لم يسق لفظه وإنما قال: بنحوه\nيعني حديث هشام بن سعد الآتي تخريجه\nوتابع معمرا جماعة:\nأولا: سعيد بن أبي هلال عن زيد بن أسلم به أتم منه وأوله: (هل تضارون في رؤية الشمس والقمر. . .) الحديث بطوله\nأخرجه البخاري (٧٤٣٩) ومسلم (١ / ١١٤ - ١١٧) وابن خزيمة أيضا (ص ٢٠١) وابن حبان (٧٣٣٣ - الإحسان)\n[٢٩]","vol":"1","page":29},{"text":"ثانيا: حفص بن ميسرة عن زيد:\nأخرجه مسلم (١ / ١١٤ - ١١٧) وكذا البخاري (٤٥٨١) ولكنه لم يسقه بتمامه وكذا أبو عوانة (١ / ١٦٨ - ١٦٩)\nثالثا: هشام بن سعد عن زيد:\nأخرجه أبو عوانة (١ / ١٨١ - ١٨٣) بتمامه وابن خزيمة (ص ٢٠٠) والحاكم (٤ / ٥٨٢ - ٥٨٤) وصححه وكذا مسلم (١ / ١٧) إلا أنه لم يسق لفظه وإنما أحال به على لفظ حديث حفص بن ميسرة نحوه\nوتابع زيدا:\nسليمان بن عمرو بن عبيد العتواري - أحد بني ليث وكان في حجر أبي سعيد - قال: سمعت أبا سعيد الخدري يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول\nفذكره نحوه مختصرا وفيه الزيادة الثالثة\nأخرجه أحمد (٣ / ١١ - ١٢) وابن خزيمة (ص ٢١١) وابن أبي شيبة في (المصنف) (١٣ / ١٧٦ / ١٦٠٣٩) وعنه ابن ماجة (٤٢٨٠) وابن جرير في (التفسير) (١٦ / ٨٥) ويحيى بن صاعد في (زوائد الزهد) (ص ٤٤٨ / ١٢٦٨) والحاكم (٤ / ٥٨٥) وقال:\n(صحيح الإسناد على شرط مسلم)\n[٣٠]","vol":"1","page":30},{"text":"وبيض له الذهبي\nوإنما هو حسن فقط لأن فيه محمد بن إسحاق وقد صرح بالتحديث\nفقهه:\nبعد تخريج هذا الحديث هذا التخريج الذي قد لا تراه في مكان آخر وبيان أنه متفق عليه بين الشيخين وغيرهما من أهل (الصحاح) و(السنن) و(المسانيد) أقول:\nفي هذا الحديث فوائد جمة عظيمة منها: شفاعة المؤمنين الصالحين في إخوانهم المصلين الذين أدخلوا النار بذنوبهم ثم بغيرهم ممن هم دونهم على اختلاف قوة إيمانهم\nثم يتفضل الله ﵎ على من بقي في النار من المؤمنين فيخرجهم من النار بغير عمل عملوه ولا خير قدموه\nولقد توهم (بعضهم) أن المراد بالخير المنفي تجويز إخراج غير الموحدين من النار\nقال الحافظ في (الفتح) (١٣ / ٤٢٩): (ورد ذلك بأن المراد بالخير المنفي ما زاد على أصل الإقرار بالشهادتين كما تدل عليه بقية الأحاديث)\nقلت: منها قوله ﷺ في حديث أنس الطويل في الشفاعة أيضا:\n[٣١]","vol":"1","page":31},{"text":"(فيقال: يا محمد ارفع رأسك وقل تسمع وسل تعط واشفع تشفع\nفأقول: يا رب ائذن لي فيمن قال: لا إله إلا الله\nفيقول: وعزتي وجلالي وكبريائي وعظمتي لأخرجن منها من قال: لا إله إلا الله)\nمتفق عليه وهو مخرج في (ظلال الجنة) (٢ / ٢٩٦)\nوفي طريق أخرى عن أنس:\n(. . . وفرغ الله من حساب الناس وأدخل من بقي من أمتي النار فيقول أهل النار: ما أغنى عنكم أنكم كنتم تعبدون الله ﷿ لا تشركون به شيئا؟\nفيقول الجبار ﷿: فبعزتي لأعتقنهم من النار\nفيرسل إليهم فيخرجون وقد امتحشوا فيدخلون في نهر الحياة فينبتون. . .) الحديث\nأخرجه أحمد وغيره بسند صحيح وهو مخرج في (الظلال) تحت الحديث (٨٤٤) وله فيه شواهد (٨٤٣ - ٨٤٣) وفي (الفتح) (١١ / ٤٥٥) شواهد أخرى\nوفي الحديث رد على استنباط ابن أبي جمرة من قوله\n[٣٢]","vol":"1","page":32},{"text":"ﷺ فيه: (لم تغش الوجه) ونحوه الحديث الآتي بعده: (إلا دارات الوجوه): أن من كل من مسلما ولكنه كان لا يصلي لا يخرج [من النار] إذ لا علامة له)\nولذلك تعقبه الحافظ بقوله (١١ / ٤٥٧):\n(لكنه يحمل على أنه يخرج في القبضة لعموم قوله: (لم يعملوا خيرا قط وهو مذكور في حديث أبي سعيد الآتي في (التوحيد)\nيعني هذا الحديث\nوقد فات الحافظ - ﵀ - أن في الحديث نفسه تعقبا على ابن أبي جمرة من وجه آخر وهو أن المؤمنين لما شفعهم الله في إخوانهم المصلين والصائمين وغيرهم في المرة الأولى فأخرجوهم من النار بالعلامة فلما شفعوا في المرات الأخرى وأخرجوا بشرا كثيرا لم يكن فيهم مصلون بداهة وإنما فيهم من الخير كل حسب إيمانهم\nوهذا ظاهر جدا لا يخفى على أحد إن شاء الله\n[٣٣]","vol":"1","page":33},{"text":"مباحث ومناقشات:\nوعلى ذلك فالحديث دليل قاطع على أن تارك الصلاة إذا مات مسلما يشهد أن لا إله إلا الله: أنه لا يخلد في النار مع المشركين\nففيه دليل قوي جدا أنه داخل تحت مشيئة الله تعالى في قوله: [إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء]\nوقد روى الإمام أحمد في (مسنده) (٦ / ٢٤٠) حديثا صريحا في هذا من رواية عائشة رضي الله عن ها مرفوعا بلفظ: (الدواوين عند الله ﷿ ثلاثة. . .) الحديث\nوفيه:\nفأما الديوان الذي لا يغفره الله فالشرك بالله قال ﷿: [من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة]] المائدة: ٧ [\nوأما الديوان الذي لا يعبأ الله به شيئا فظلم العبد نفسه فيما بينه وبين ربه من صوم يوم تركه أو صلاة تركها فإن الله ﷿ يغفر ذلك ويتجاوز إن شاء\nالحديث\nوقد صححه الحاكم (٤ / ٥٧٦)\n[٣٤]","vol":"1","page":34},{"text":"وهذا وإن كان غير مسلم عندي لما بينته في (تخريج الطحاوية) (ص ٣٦٧ - الطبعة الرابعة) فإنه يشهد له هذا الحديث الصحيح فتنبه\nإذا عرفت ما سلف - يا أخي المسلم - فإن عجبي لا يكاد ينتهي من إغفال جماهير المؤلفين الذين توسعوا في الكتابة في هذه المسألة الهامة ألا وهي: هل يكفر تارك الصلاة كسلا أم لا؟\nلقد غفلوا جميعا - فيما اطلعت - عن إيراد هذا الحديث الصحيح مع اتفاق الشيخين وغيرهما على صحته\nلم يذكره من هو حجة له ولم يجب عنه من هو حجة عليه وبخاصة منهم الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى فإنه مع توسعه في سوق أدلة المختلفين في كتابه القيم (الصلاة) وجواب كل منهم عن أدلة مخالفه فإنه لم يذكر هذا الحديث في أدلة المانعين من التكفير إلا مختصرا اختصارا مخلا لا يظهر دلالته الصريحة على أن الشفاعة تشمل تارك الصلاة أيضا فقد قال ﵀:\n(وفي حديث الشفاعة: يقول الله ﷿: (وعزتي وجلالي لأخرجن من النار من قال لا إله إلا الله) وفيه\n[٣٥]","vol":"1","page":35},{"text":": فيخرج من النار من لم يعمل خيرا قط)\nقلت: وهذا السياق ملفق من حديثين:\nفالشطر الأول منه: هو في آخر حديث أنس المتفق عليه وقد سبق أن ذكرت (ص ٣٣) الطرف الأخير منه\nوالشطر الآخر هو في حديث الكتاب:\n(. . . فيقبض قبضة من النار ناسا لم يعملوا لله خيرا قط. . .)\nوأما أن اختصاره اختصار مخل فهو واضح جدا إذا تذكرت أيها القارئ الكريم ما سبق أن استدركته على الحافظ (ص ٣٤) متمما به تعقيبه على ابن أبي جمرة مما يدل على أن شفاعة المؤمنين كانت لغير المصلين في المرة الثانية وما بعدها وأنهم أخرجوهم من النار\nفهذا نص قاطع في المسألة ينبغي به أن يزول به النزاع في هذه المسألة بين أهل العلم الذين تجمعهم العقيدة الواحدة التي منها عدم تكفير أهل الكبائر من الأمة المحمدية وبخاصة في هذا الزمان الذي توسع فيه بعض المنتمين إلى العلم في تكفير المسلمين لإهمالهم القيام بما يجب عليهم عمله مع سلامة عقيدتهم خلافا للكفار الذين لا يصلون تدينا وعقيدة والله ﷾ يقول: [أفنجعل المسلمين كالمجرمين ما لكم كيف تحكمون]؟\n[٣٦]","vol":"1","page":36},{"text":"لما تقدم كنت أحب لابن القيم ﵀ أن لا يغفل ذكر هذا الحديث الصحيح كدليل صريح للمانعين من التكفير وأن يجيب عنه إن كان لديه - ﵀ - جواب وبذلك يكون قد أعطى البحث والإنصاف الفريقين دون تحيز لفئة\nنعم إنه لمما يجب علي أن أنوه به أنه - ﵀ - عقد فصلا خاصا (في الحكم بين الفريقين وفصل الخطاب بين الطائفتين) يساعد الباحث على تفهم نصوص الفريقين فهما صحيحا فإنه حقق فيه تحقيقا رائعا ما هو مسلم به عند العلماء أنه ليس كل كفر يقع فيه المسلم يخرج به من الملة\nفمن المفيد أن أقدم إلى القارئ فقرات أو خلاصات من كلامه تدل على مرامه ثم أعقب عليه بما يلزم مما يلتقي مع هذا الحديث الصحيح ويؤيد المذهب الرجيح\nلقد أفاد - ﵀ (أن الكفر نوعان:\nكفر عمل\nوكفر جحود واعتقاد\nوأن كفر العمل ينقسم إلى ما يضاد الإيمان وإلى ما لا\n[٣٧]","vol":"1","page":37},{"text":"يضاده فالسجود للصنم والاستهانة بالمصحف وقتل النبي وسبه يضاد الإيمان\nوأما الحكم بغير ما أنزل الله وترك الصلاة فهو من الكفر العملي قطعا)\n(قلت: هذا الإطلاق فيه نظر إذ قد يكون ذلك من الكفر الاعتقادي أحيانا وذلك إذا اقترن معه ما يدل على فساد عقيدته كاستهزائه بالصلاة والمصلين وكإيثاره القتل على أن يصلي إذا دعاه الحاكم إليها كما سيأتي فتذكر هذا فإنه مهم)\nثم قال ﵀:\n(ولا يمكن أن ينفى عنه اسم الكفر بعد أن أطلقه الله ورسوله عليه ولكن هو كفر عمل لا كفر اعتقاد\nوقد نفى رسول الله ﷺ الإيمان عن الزاني والسارق وشارب الخمر وعمن لا يأمن جاره بوائقه وإذا نفى عنه اسم الإيمان فهو كافر من جهة العمل وانتفى عنه كفر الجحود والاعتقاد)\n(قلت: لكني أرى أنه لا يصح أن يطلق على أمثال هؤلاء لفظة الكفر فيقال مثلا: من زنى فقد كفر فضلا عن أنه لا يجوز أن يقال: فهو كافر حتى على تارك الصلاة - أي أن يقال: كافر - وعلى غيره ممن وصف في الحديث بالكفر وقوفا مع\n[٣٨]","vol":"1","page":38},{"text":"النص ومن باب أولى أن لا يقال: كافر حلال الدم)\nثم قال - ﵀ - بعد أن ذكر الحديث الصحيح: (سباب المسلم فسوق وقتاله كفر»\n(ومعلوم أنه ﷺ إنما أراد الكفر العملي لا الاعتقادي وهذا الكفر لا يخرجه من الدائرة الإسلامية والملة بالكلية كما لم يخرج الزاني والسارق من الملة وإن زال عنه اسم الإيمان\nوهذا التفصيل هو قول الصحابة الذين هم أعلم الأمة بكتاب الله وبالإسلام والكفر ولوازمهما)\nثم ذكر الأثر المعروف عن ابن عباس في تفسير قوله تعالى: [ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون] قال: (ليس بالكفر الذي يذهبون إليه)\n(قلت: زاد الحاكم: (إنه ليس كفرا ينقل عن الملة كفر دون كفر) وصححه هو (٢ / ٣١٣) والذهبي\nوهذا قاصمة ظهر جماعة التكفير وأمثالهم من الغلاة)\nثم قال ابن القيم ﵀:\n(والمقصود أن سلب الإيمان عن تارك الصلاة أولى من سلبه\n[٣٩]","vol":"1","page":39},{"text":"عن مرتكب الكبائر وسلب اسم الإسلام عنه أولى من سلبه عمن لم يسلم المسلمون من لسانه ويده فلا يسمى تارك الصلاة مسلما ولا مؤمنا وإن كان معه شعبة من شعب الإسلام أو الإيمان)\n(قلت: نفي التسمية المذكورة عن تارك الصلاة: فيه نظر فقد سمى الله تعالى الفئة الباغية مؤمنة في الآية المعروفة: [وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما. . .] مع قوله ﷺ في الحديث المتقدم: (. . . وقتاله كفر) فكما لم يلزم من وصف المسلم الباغي بالكفر نفي اسم المؤمن عنه فضلا عن اسم المسلم فكذلك تارك الصلاة إلا إن كان يقصد بذلك النفي أنه مسلم كامل وذلك بعيد)\nقال:\n(نعم يبقى أن يقال: فهل ينفعه ما معه من الإيمان في عدم الخلود في النار؟\nفيقال: ينفعه إن لم يكن المتروك شرطا في صحة الباقي واعتباره\nوإن كان المتروك شرطا في اعتبار الباقي لم ينفعه\nفهل الصلاة شرط لصحة الإيمان؟\nهذا سر المسألة)\nقلت: ثم أشار - ﵀ - إلى الأدلة التي كان ذكرها\n[٤٠]","vol":"1","page":40},{"text":"للفريق الأول المكفر ثم قال:\n(وهي تدل على أنه لا يقبل من العبد شيء من أعماله إلا بفعل الصلاة)\nفأقول: يبدو لي جليا أن ابن القيم ﵀ بعد بحثه القيم في التفريق بين الكفر العملي والكفر الاعتقادي وأن المسلم لا يخرج من الملة بكفر عملي لم يستطع أن يحكم للفريق المكفر بترك الصلاة مع الأدلة الكثيرة التي ساقها لهم لأنها كلها لا تدل على الكفر العملي\nولذلك لجأ أخيرا إلى أن يتساءل: (هل ينفعه إيمانه؟ وهل الصلاة شرط لصحة الإيمان؟)\nقلت: إن كل من تأمل في جوابه على هذا التساؤل يلاحظ أنه حاد عنه إلى القول بأن الأعمال الصالحة لا تقبل إلا بالصلاة فأين الجواب عن كون الصلاة شرطا لصحة الإيمان؟\nأي: ليس فقط شرط كمال فإن الأعمال الصالحة كلها شرط كمال عند أهل السنة خلافا للخوارج والمعتزلة القائلين بتخليد أهل الكبائر في النار مع تصريح الخوارج بتكفيرهم\n[٤١]","vol":"1","page":41},{"text":"فلو قال قائل بأن الصلاة شرط لصحة الإيمان وأن تاركها مخلد في النار فقد التقى مع الخوارج في بعض قولهم هذا وأخطر من ذلك أنه خالف حديث الشفاعة هذا كما تقدم بيانه\nولعل ابن القيم - ﵀ - بحيدته عن ذاك الجواب أراد أن يشعر القارئ بأهمية الصلاة في الإسلام من جهة وأنه لا دليل على أنها شرط لصحة الإيمان من جهة أخرى\nوعليه فإن تارك الصلاة كسلا لا يكفر عنده إلا إذا اقترن مع تركه إياها ما يدل على أنه كفر كفرا اعتقاديا فهو في هذه الحالة - فقط - يكفر كفرا يخرج به من الملة كما تقدمت الإشارة بذلك مني وهو ما يشعر به كلام ابن القيم في آخر هذا الفصل فإنه قال:\n(ومن العجب أن يقع الشك في كفر من أصر على تركها ودعي إلى فعلها على رؤوس الملأ وهو يرى بارقة السيف على رأسه ويشد للقتل وعصبت عيناه وقيل له: تصلي وإلا قتلناك؟ فيقول: اقتلوني ولا أصلي أبدا)\nقلت: وعلى مثل هذا المصر على الترك والامتناع عن الصلاة مع تهديد الحاكم له بالقتل: يجب أن تحمل كل أدلة الفريق المكفر للتارك للصلاة\nوبذلك تجتمع أدلتهم مع أدلة المخالفين ويلتقون على كلمة\n[٤٢]","vol":"1","page":42},{"text":"سواء أن مجرد الترك لا يكفر لأنه كفر عملي لا اعتقادي كما تقدم عن ابن القيم\nوهذا ما فعله شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ - أعني أنه حمل تلك الأدلة هذا الحمل - فقال في (مجموع الفتاوى) (٢٢ / ٤٨) وقد سئل عن تارك الصلاة من غير عذر: هل هو مسلم في تلك الحال؟\nفأجاب - ﵀ - ببحث طويل ملئ علما لكن المهم منه الآن ما يتعلق منه بحديثنا هذا فإنه بعد أن حكى أن تارك الصلاة يقتل عند جمهور العلماء مالك والشافعي وأحمد قال:\n(وإذا صبر حتى يقتل فهل يقتل كافرا مرتدا أو فاسقا كفساق المسلمين؟\nعلى قولين مشهورين حكيا روايتين عن أحمد فإن كان مقرا بالصلاة في الباطن معتقدا لوجوبها يمتنع أن يصر على تركها حتى يقتل ولا يصلي هذا لا يعرف من بني آدم وعادتهم ولهذا لم يقع هذا قط في الإسلام ولا يعرف أن أحدا يعتقد وجوبها ويقال له: إن لم تصل وإلا قتلناك وهو يصر على تركها مع إقراره بالوجوب فهذا لم يقع قط في الإسلام\n[٤٣]","vol":"1","page":43},{"text":"ومتى امتنع الرجل من الصلاة حتى يقتل: لم يكن في الباطن مقرا بوجوبها ولا ملتزما بفعلها فهذا كافر باتفاق المسلمين كما استفاضت الآثار عن الصحابة بكفر هذا ودلت عليه النصوص الصحيحة كقوله ﷺ: (ليس بين العبد وبين الكفر إلا ترك الصلاة) رواه مسلم\nفمن كان مصرا على تركها حتى يموت لا يسجد لله سجدة قط فهذا لا يكون قط مسلما مقرا بوجوبها فإن اعتقاد الوجوب واعتقاد أن تاركها يستحق القتل هذا داع تام إلى فعلها والداعي مع القدرة يوجب وجود المقدور\nفإذا كان قادرا ولم يفعل قط علم أن الداعي في حقه لم يوجد والاعتقاد التام لعقاب التارك باعث على الفعل\nلكن هذا قد يعارضه أحيانا أمور توجب تأخيرها وترك بعض واجباتها وتفويتها أحيانا\nفأما من كان مصرا على تركها لا يصلي قط ويموت على هذا الإصرار والترك فهذا لا يكون مسلما\nلكن أكثر الناس يصلون تارة ويتركونها تارة فهؤلاء ليسوا\n[٤٤]","vol":"1","page":44},{"text":"يحافظون عليها وهؤلاء تحت الوعيد وهم الذين جاء فيهم الحديث الذي في (السنن) [من] حديث عبادة عن النبي ﷺ أنه قال:\n(خمس صلوات كتبهن الله على العباد في اليوم والليلة من حافظ عليهن كان له عهد عند الله أن يدخله الجنة ومن لم يحافظ عليهن لم يكن له عهد عند الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له»\nفالمحافظ عليها: الذي يصليها في مواقيتها كما أمر الله تعالى\nوالذي يؤخرها أحيانا عن وقتها أو يترك واجباتها فهذا تحت مشيئة الله تعالى وقد يكون لهذا نوافل يكمل بها فرائضه كما جاء في الحديث. . .»\nوعلى هذا المحمل يدل كلام الإمام أحمد أيضا الذي شهر عنه بعض أتباعه المتأخرين القول بتكفير تارك الصلاة دون\n[٤٥]","vol":"1","page":45},{"text":"تفصيل\nوكلامه يدل على خلاف ذلك بحيث لا يخالف هذا الحديث الصحيح كيف وقد أخرجه في (مسنده) كما أخرج حديث عائشة بمعناه كما تقدم؟\nفقد ذكر ابنه عبد الله في (مسائله) (ص ٥٥) قال: (سألت أبي - ﵀ - عن ترك الصلاة متعمدا؟\nقال: (. . . والذي يتركها لا يصليها والذي يصليها في غير وقتها أدعوه ثلاثا فإن صلى وإلا ضربت عنقه هو عندي بمنزلة المرتد. . .)\nقلت: فهذا نص من الإمام أحمد بأنه لم يكفر بمجرد تركه للصلاة وإنما بامتناعه عن الصلاة مع علمه بأنه يقتل إن لم يصل فالسبب هو إيثاره القتل على الصلاة فهو الذي دل على أن كفره كفر اعتقادي فاستحق القتل\nونحوه ما ذكره المجد ابن تيمية - جد شيخ الإسلام ابن تيمية - في كتابه (المحرر في الفقه الحنبلي) (ص ٦٢):\n(ومن أخر صلاة تكاسلا لا جحودا أمر بها فإن أصر حتى ضاق وقت الأخرى وجب قتله)\nقلت: فلم يكفر بالتأخير وإنما بالإصرار المنبئ عن الجحود\n[٤٦]","vol":"1","page":46},{"text":"ولذلك قال الإمام أبو جعفر الطحاوي ﵀ في (مشكل الآثار) في باب عقده في هذه المسألة وحكى شيئا من أدلة الفريقين ثم اختار أنه لا يكفر\nقال (٤ / ٢٢٨):\n(والدليل على ذلك أنا نأمره أن يصلي ولا نأمر كافرا أن يصلي ولو كان بما كان منه كافرا لأمرناه بالإسلام فإذا أسلم أمرناه بالصلاة وفي تركنا لذلك وأمرنا إياه بالصلاة ما قد دل على أنه من أهل الصلاة ومن ذلك أمر النبي ﷺ الذي أفطر في رمضان يوما متعمدا بالكفارة التي أمره بها وفيها الصيام ولا يكون الصيام إلا من المسلمين\nولما كان الرجل يكون مسلما إذا أقر بالإسلام قبل أن يأتي بما يوجبه الإسلام من الصلوات الخمس ومن صيام رمضان: كان كذلك ويكون كافرا بجحوده لذلك ولا يكون كافرا بتركه إياه بغير جحود منه له - ولا يكون كافرا إلا من حيث كان مسلما - وإسلامه كان بإقراره بالإسلام فكذلك ردته لا تكون إلا بجحوده الإسلام)\nقلت: وهذا فقه جيد وكلام متين لا مرد له وهو يلتقي تماما مع ما تقدم من كلام الإمام أحمد ﵀ الدال على أنه لا يكفر لمجرد الترك بل بامتناعه من الصلاة بعد دعائه إليها\n[٤٧]","vol":"1","page":47},{"text":"وإن مما يؤكد ما حملت عليه كلام الإمام أحمد ما جاء في كتاب (الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف على مذهب الإمام المبجل أحمد بن حنبل) للشيخ علاء الدين المرداوي قال ﵀ (١ / ٤٠٢) كالشارح لقول أحمد المتقدم آنفا: (أدعوه ثلاثا):\n(الداعي له هو الإمام أو نائبه فلو ترك صلوات كثيرة قبل الدعاء لم يجب قتله ولا يكفر على الصحيح من المذهب وعليه جماهير الأصحاب وقطع به كثير منهم)\nوممن اختار هذا المذهب أبو عبد الله بن بطة كما ذكر ذلك الشيخ أبو الفرج عبد الرحمن بن قدامة المقدسي في كتابه (الشرح الكبير على (المقنع) للإمام موفق الدين المقدسي) (١ / ٣٨٥) وزاد أنه أنكر قول من قال بكفره قال أبو الفرج:\n(وهو قول أكثر الفقهاء منهم أبو حنيفة ومالك والشافعي)\nثم استدل على ذلك بأحاديث كثيرة أكثرها عند ابن القيم ومنها حديث عبادة المتقدم في كلام ابن تيمية فقال عقبه:\n(ولو كان كافرا لم يدخله في المشيئة)\nقلت: ويؤكد ذلك حديث الكتاب وحديث عائشة\n[٤٨]","vol":"1","page":48},{"text":"تأكيدا لا يدع شكا أو شبهة فلا تنس\nثم قال أبو الفرج: (ولأن ذلك إجماع المسلمين فإننا لا نعلم في عصر من الأعصار أحدا من تاركي الصلاة ترك تغسيله والصلاة عليه ولا منع ميراث مورثه ولا فرق بين الصلاة من أحدهما مع كثرة تاركي الصلاة ولو كفر لثبتت هذه الأحكام\nولا نعلم خلافا بين المسلمين أن تارك الصلاة يجب عليه قضاؤها مع اختلافهم في المرتد\nوأما الأحاديث المتقدمة (يعني التي احتج بها المكفرون كحديث: (بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة) فهي على وجه التغليظ والتشبيه بالكفار لا على الحقيقة كقوله ﷺ: (سباب المسلم فسوق وقتاله كفر) . . . وأشباه هذا مما أريد به التشديد في الوعيد\nقال شيخنا ﵀ (يعني الموفق المقدسي): وهذا أصوب القولين والله أعلم)\nقلت: ونقله الشيخ سليمان بن الشيخ عبد الله بن الشيخ\n[٤٩]","vol":"1","page":49},{"text":"محمد بن عبد الوهاب ﵏ في حاشيته على (المقنع) (١ / ٩٥ - ٩٦) لابن قدامة مقرا له\nومع تصريح الإمام الشوكاني في (السيل الجرار) (١ / ٢٩٢) بتكفير تارك الصلاة عمدا وأنه يستحق القتل ويجب على إمام المسلمين قتله فقد بين في (نيل الأوطار) أنه لا يعني كفرا لا يغفر فقال بعد أن حكى أقوال العلماء واختلافهم وذكر شيئا من أدلتهم (١ / ١٥٤ - ١٥٥):\n(والحق أنه كافر يقتل أما كفره فلأن الأحاديث صحت أن الشارع سمى تارك الصلاة بذلك الاسم () وجعل الحائل بين الرجل وبين جواز إطلاق هذا الاسم عليه هو الصلاة فتركها مقتض لجواز الإطلاق\nولا يلزمنا شيء من المعارضات التي أوردها الأولون لأنا نقول: لا يمنع أن يكون بعض أنواع الكفر غير مانع من المغفرة واستحقاق الشفاعة ككفر أهل القبلة ببعض الذنوب التي سماها الشارع كفرا فلا ملجئ إلى التأويلات التي وقع الناس في مضيعتها)\nولقد صدق ﵀ لكن ذهابه إلى جواز إطلاق اسم (الكافر) على تارك الصلاة هو توسع غير محمود عندي لأن الأحاديث التي أشار إليها ليس فيها الإطلاق المدعى وإنما فيها:\n[٥٠]","vol":"1","page":50},{"text":"(فقد كفر)\nوما أظن أن أحدا يستجيز له أن يشتق من هذا الفعل اسم فاعل فيقول منه: (كافر) إذن لزمه أن يطلقه أيضا على كل من قيل فيه: (كفر) كالذي يحلف بغير الله ومن قاتل مسلما أو تبرأ من نسب ونحو ذلك مما جاء في الأحاديث\nنعم لو صح ما رواه أبو يعلى (٢٣٤٩) وغيره عن ابن عباس مرفوعا بلفظ:\n(عرى الإسلام وقواعد الدين ثلاثة عليهن أسس الإسلام من ترك واحدة منهن فهو بها كافر حلال الدم: شهادة أن لا إله إلا الله والصلاة المكتوبة وصوم رمضان)\nأقول: لو صح هذا لكان دليلا واضحا على جواز إطلاقه على تارك الصلاة ولكنه لم يصح كما كنت بينته في (السلسلة الضعيفة) (٩٤)\nوالخلاصة: أن مجرد الترك لا يمكن أن يكون حجة لتكفير المسلم وإنما هو فاسق أمره إلى الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له والحديث الذي هو عماد هذه الرسالة نص صريح في ذلك لا يسع مسلما أن يرفضه\nوأن من دعي إلى الصلاة وأنذر بالقتل إن لم يستجب فقتل فهو كافر - يقينا - حلال الدم لا يصلى عليه ولا يدفن في\n[٥١]","vol":"1","page":51},{"text":"مقابر المسلمين\nفمن أطلق التكفير فهو مخطئ ومن أطلق عدم التكفير فهو مخطئ والصواب التفصيل\nفهذا الحق ليس به خفاء فدعني من بنيات الطريق\nوبعد:\nفإن أخشى ما أخشاه أن يبادر بعض المتعصبين الجهلة إلى رد هذا الحديث الصحيح لدلالته الصريحة على أن تارك الصلاة كسلا مع الإيمان بوجوبها داخل في عموم قوله تعالى: [. . . . ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء] كما فعل بعضهم أخيرا بتاريخ (١٤٠٧ هـ) فقد تعاون اثنان من طلاب العلم - أحدهما سعودي والآخر مصري - فتعقباني في بعض الأحاديث من المئة الأولى من (سلسلة الأحاديث الصحيحة) منها حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عن هـ (برقم: ٨٧) ولفظه:\n(يدرس الإسلام كما يدرس وشي الثوب حتى لا يدرى ما صيام ولا صلاة ولا نسك ولا صدقة وليسرى على كتاب الله ﷿ في ليلة فلا يبقى منه آية وتبقى طوائف من الناس: الشيخ الكبير والعجوز يقولون: أدركنا آباءنا على هذه الكلمة: (لا إله إلا الله) فنحن نقولها\n[٥٢]","vol":"1","page":52},{"text":"قال صلة بن زفر لحذيفة: ما تغني عنهم (لا إله إلا الله) وهم لا يدرون ما صلاة ولا صيام ولا نسك ولا صدقة؟\nفأعرض عنه حذيفة ثم ردها عليه ثلاثا كل ذلك يعرض عنه حذيفة\nثم أقبل عليه في الثالثة فقال: يا صلة تنجيهم من النار. (ثلاثا)\nقلت: فسودوا في تضعيف هذا الحديث ثلاث صفحات كبار في الرد علي لتصحيحي إياه ولم يجدا ما يتعلقان به لتضعيفه إلا أنه من رواية أبي معاوية محمد بن خازم الضرير بحجة أنه كان يرى الإرجاء وأن الحديث موافق لبدعة الإرجاء\nوهذا من الجهل البالغ ولا مجال الآن لبيانه إلا مختصرا فإن أبا معاوية مع كونه ثقة محتجا به عند الشيخين فإنه قد توبع من ثقة مثله وأن الحديث لا صلة له بالإرجاء مطلقا\nوهما إنما ادعيا ذلك لجهلهم بالعلم وكيف يكون ذلك وقد صححه الحاكم والذهبي وكذا ابن تيمية والعسقلاني والبوصيري\nولئن جاز في عقلهما أن هؤلاء العلماء كانوا في تصحيحهم إياه جميعا مخطئين فهل وصل الأمر بهما أن يعتقدا بأنهم\n[٥٣]","vol":"1","page":53},{"text":"يصححون ما يؤيد الإرجاء؟\nتالله إنها لإحدى الكبر أن يتسلط على هذا العلم من لا يحسنه وأن يضعفوا ما أهل العلم يصححونه\nوهذا الحديث الصحيح يستفاد منه أن الجهل قد يبلغ ببعض الناس أنهم لا يعرفون من الإسلام إلا الشهادة وهذا لا يعني أنهم يعرفون وجوب الصلاة وسائر الأركان ثم هم لا يقومون بها كلا ليس في الحديث شيء من ذلك بل هم في ذلك ككثير من أهل البوادي والمسلمين حديثا في بلاد الكفر لا يعرفون من الإسلام إلا الشهادتين\nوقد يقع شيء من ذلك في بعض العواصم فقد سألني أحدهم هاتفيا عن امرأة تزوجها وكانت تصلي دون أن تغتسل من الجماع\nوقريبا سألني إمام مسجد ينظر إلى نفسه أنه على شيء من العلم يسوغ له أن يخالف العلماء سألني عن ابنه أنه كان يصلي جنبا بعد أن بلغ مبلغ الرجال واحتلم لأنه كان لا يعلم وجوب الغسل من الجنابة\nوقد قال ابن تيمية في (مجموع الفتاوى) (٢٢ / ٤١):\n[٥٤]","vol":"1","page":54},{"text":"(ومن علم أن محمدا رسول الله فآمن بذلك ولم يعلم كثيرا مما جاء به لم يعذبه الله على ما لم يبلغه فإنه إذا لم يعذبه على ترك الإيمان بعد البلوغ فإنه [أن] لا يعذبه على بعض شرائطه إلا بعد البلوغ أولى وأحرى وهذه سنة رسول الله ﷺ المستفيضة عنه في أمثال ذلك. . .)\nثم ذكر أمثلة طيبة منها المستحاضة قالت: إني أستحاض حيضة شديدة تمنعني الصلاة والصوم؟ فأمرها بالصلاة زمن دم الاستحاضة ولم يأمرها بالقضاء\nقلت: وهذه المستحاضة هي فاطمة بنت أبي حبيش رضي الله عن ها وحديثها في (الصحيحين) وغيرهما وهو مخرج في (صحيح أبي داود) (٢٨١)\nومثلها أم حبيبة بنت جحش زوجة عبد الرحمن بن عوف واستحيضت سبع سنين وحديثها عند الشيخين أيضا وهو مخرج في (الصحيح) أيضا (٢٨٣)\nوثمة ثالثة وهي حمنة بنت جحش وهي التي أشار إليها ابن تيمية فإن في حديثها: (إني أستحاض حيضة كثيرة شديدة فما ترى فيها؟ قد منعتني الصلاة والصوم. . .) الحديث\n[٥٥]","vol":"1","page":55},{"text":"هذا وهناك نص آخر للإمام أحمد كان ينبغي أن يضم إلى ما سبق نقله عنه لشديد ارتباطه به ودلالته أيضا على أن تارك الصلاة لا يكفر بمجرد الترك ولكن هكذا قدر\nقال عبد الله بن الإمام أحمد في (مسائله) (ص ٥٦ / ١٩٥):\n(سألت أبي عن رجل فرط في صلوات شهرين؟ فقال: (يصلي ما كان في وقت يحضره ذكر تلك الصلوات فلا يزال يصلي حتى يكون آخر وقت الصلاة التي ذكر فيها هذه الصلوات التي فرط فيها فإنه يصلي هذه التي يخاف فوتها ولا يضيع مرتين ثم يعود فيصلي أيضا حتى يخاف فوت الصلاة التي بعدها إلا إن كان كثر عليه ويكون ممن يطلب المعاش ولا يقوى أن يأتي بها فإنه يصلي حتى يحتاج إلى أن يطلب ما يقيمه من معاشه ثم يعود إلى الصلاة لا تجزئه صلاة وهو ذاكر الفرض المتقدم قبلها فهو يعيدها أيضا إذا ذكرها وهو في صلاة)\nفانظر أيها القارئ الكريم: هل ترى في كلام الإمام أحمد هذا إلا ما يدل على ما سبق تحقيقه أن المسلم لا يخرج من الإسلام بمجرد ترك تلك الصلاة بل صلوات شهرين متتابعين بل\n[٥٦]","vol":"1","page":56},{"text":"وأذن له أن يؤجل قضاء بعضها لطلب المعاش\nوهذا عندي يدل على شيئين:\nأحدهما: وهو ما سبق وهو أنه يبقى على إسلامه ولو لم تبرأ ذمته بقضاء كل ما عليه من الفوائت\nوالآخر: أن حكم القضاء دون حكم الأداء لأنني لا أعتقد أن الإمام أحمد بل ولا من هو دونه في العلم يأذن بترك الصلاة حتى يخرج وقتها لعذر طلب المعاش\nوالله ﷾ أعلم\nواعلم أخي المسلم أن هذه الرواية عن الإمام أحمد وما في معناها هو الذي ينبغي أن يعتمد عليه كل مسلم لذات نفسه أولا ولخصوص الإمام أحمد ثانيا لقوله ﵀: (إذا صح الحديث فهو مذهبي) وبخاصة أن الأقوال الأخرى المروية عنه على خلاف ما تقدم مضطربة جدا كما تراها في (الإنصاف) (١ / ٣٢٧ - ٣٢٨) وغيره من الكتب المعتمدة\nومع اضطرابها فليس في شيء منها التصريح بأن المسلم يكفر بمجرد ترك الصلاة\n[٥٧]","vol":"1","page":57},{"text":"وإذ الأمر كذلك فيجب حمل الروايات المطلقة عنه على الروايات المقيدة والمبينة لمراده ﵀ وهي ما تقدم نقله عن ابنه عبد الله\nولو فرضنا أن هناك رواية صريحة عنه في التكفير بمجرد الترك وجب تركها والتمسك بالروايات الأخرى لموافقتها لهذا الحديث الصحيح الصريح في خروج تارك الصلاة من النار بإيمانه ولو مقدار ذرة\nوبهذا صرح كثير من علماء الحنابلة المحققين كابن قدامة المقدسي كما تقدم في نقل أبي الفرج عنه\nونص كلام ابن قدامة:\n(وإن ترك شيئا من العبادات الخمسة تهاونا لم يكفر)\nكذا في كتابه (المقنع) ونحوه في (المغني) (٢ / ٢٩٨ - ٣٠٢) في بحث طويل له ذكر الخلاف فيه وأدلة كل ثم انتهى إلى هذا الذي في (المقنع)\nوهو الحق الذي لا ريب فيه وعليه مؤلفا (الشرح الكبير) و(الإنصاف) كما تقدم\nوإذا عرفت الصحيح من قول أحمد فلا يرد عليه ما ذكره\n[٥٨]","vol":"1","page":58},{"text":"السبكي في ترجمة الإمام الشافعي حيث قال في (طبقات الشافعية الكبرى) (١ / ٢٢٠):\n(حكي أن أحمد ناظر الشافعي في تارك الصلاة فقال له الشافعي: يا أحمد أتقول: إنه يكفر؟ قال: نعم قال: إن كان كافرا فبم يسلم؟ قال: يقول: لا إله إلا الله محمدا رسول الله قال: فالرجل مستديم لهذا القول لم يتركه قال: يسلم بأن يصلي قال: صلاة الكافر لا تصح ولا يحكم بالإسلام بها فانقطع أحمد وسكت)\nفأقول: لا يرد هذا على الإمام أحمد - ﵀ - لأمرين:\nأحدهما: أن الحكاية لا تثبت وقد أشار إلى ذلك السبكي - ﵀ - بتصديره إياها بقول: (حكي) فهي منقطعة\nوالآخر: أنه ذكر بناء على القول بأن أحمد يكفر المسلم بمجرد ترك الصلاة وهذا لم يثبت عنه - كما تقدم بيانه\nوإنما يرد هذا على بعض المشايخ الذين لا يزالون يقولون بالتكفير بمجرد الترك وأملي أنهم سيرجعون عنه بعد أن يقفوا\n[٥٩]","vol":"1","page":59},{"text":"على هذا الحديث الصحيح - الذي بنينا هذه الرسالة عليه - وعلى قول أحمد - وغيره من كبار أئمة الحنابلة - الموافق له\nفإن تكفير المسلم الموحد بعمل يصدر منه غير جائز حتى يتبين منه أنه جاحد ولو لبعض ما شرع الله كالذي يدعى إلى الصلاة وإلا قتل - كما تقدم\nويعجبني بهذه المناسبة ما نقله الحافظ في (الفتح) (١٢ / ٣٠٠) عن الغزالي أنه قال: (والذي ينبغي الاحتراز منه: التكفير ما وجد إليه سبيلا فإن استباحة دماء المسلمين المقرين بالتوحيد خطأ والخطأ في ترك ألف كافر في الحياة أهون من الخطأ في سفك دم لمسلم واحد)\nهذا وقد بلغني أن (بعضهم) لما أوقف على هذا الحديث شكك في دلالته على نجاة المسلم التارك للصلاة من الخلود في النار مع الكفار وزعم أنه ليس له ذكر في كل الدفعات التي أخرجت من النار\nوهذه مكابرة عجيبة تذكرنا بمكابرة بعض متعصبة المذاهب في رد دلالات النصوص انتصارا للمذهب فإن الحديث صريح في أن الدفعة الأولى شملت المصلين بعلامة أن النار لم تأكل وجوههم فما بعدها من الدفعات ليس فيها مصلون بداهة\n[٦٠]","vol":"1","page":60},{"text":"فإن لم ينفع مثل هذا بعض المقلدين الجامدين فليس لنا إلا أن نقول: [سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين]\nوالخلاصة:\nأن حديثنا هذا - حديث الشفاعة - حديث عظيم بكثير من دلالاته ومعانيه من ذلك - كما قدمت - دلالته القاطعة على أن تارك الصلاة - مع إيمانه بوجوبها - لا يخرج من الملة ولا يخلد في النار مع الكفرة والمشركين\nولذلك فإني أرجو مخلصا كل من وقف على هذه الرسالة المتضمنة هذا الحديث - وغيره مما في معناه - أن يتراجع عن تكفير المسلمين التاركين للصلاة مع إيمانهم بها والموحدين لله ﵎ فإن تكفير المسلم أمر خطير جدا - كما تقدم - وعليهم - فقط - أن يذكروا بعظمة الصلاة في الإسلام بما جاء من ذلك في القرآن الكريم والأحاديث النبوية والآثار السلفية الصحيحة فإن الحكم قد خرج - مع الأسف - من أيدي العلماء فهم - لذلك - لا يستطيعون أن ينفذوا حكم الكفر والقتل في تارك واحد للصلاة بله جمع من التاركين ولو في دولتهم فضلا عن الدول الإسلامية الأخرى\nفإن قتل التارك للصلاة بعد دعوته إليها إنما كان لحكمة ظاهرة وهو لعله يتوب إذا كان مؤمنا بها فإذا آثر القتل عليها دل\n[٦١]","vol":"1","page":61},{"text":"ذلك على أن تركه كان عن جحد فيموت - والحالة هذه - كافرا كما تقدم عن ابن تيمية فامتناعه منها في هذه الحالة هو الدليل على خروجه من الملة وهذا مما لا سبيل إليه اليوم مع الأسف\nفليقنع العلماء - إذن - من الوجهة النظرية بما عليه جمهور أئمة المسلمين بعدم تكفير تارك الصلاة مع إيمانه بها\nوقد قدمنا الدليل القاطع على ذلك من السنة الصحيحة فلا عذر لأحد بعد ذلك\n[فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم]","vol":"1","page":61},{"text":"تنبيه: سبق النقل (ص ٥٧ - ٥٨) عن ابن قدامة وهو - ﵀ - من جملة الذين فاتهم الاستدلال بهذا الحديث الصحيح للمذهب الصحيح في عدم تكفير تارك الصلاة كسلا\nلكن العجيب أنه ذكر حديثا آخر لو صح لكان قاطعا للخلاف لأن فيه أن مولى للأنصار مات وكان يصلي ويدع ومع ذلك أمر ﷺ بغسله والصلاة عليه ودفنه\nوهو وإن كان قد سكت عنه فإنه قد أحسن بذكره مع إسناده من رواية الخلال الأمر الذي مكنني من دراسته والحكم عليه بما يستحق من الضعف والنكارة ولذلك أودعته في كتابي\n[٦٢]","vol":"1","page":62},{"text":"(سلسلة الأحاديث الضعيفة) (٦٠٣٦)\nتنبيه ثان:\nبعد كتابة ما تقدم بأيام أطلعني بعض إخواني على كتاب هام بعنوان: (فتح من العزيز الغفار بإثبات أن تارك الصلاة ليس من الكفار) تأليف عطاء بن عبد اللطيف أحمد ففرحت به فرحا كبيرا وازداد سروري حينما قرأته وتصفحت بعض فصوله وتبين لي أسلوبه العلمي وطريقته في معالجة الأدلة المختلفة التي منها - بل هي أهمها - تخريج الأحاديث وتتبع طرقها وشواهدها وتمييز صحيحها من ضعيفها ليتسنى له بعد ذلك إسقاط ما لا يجوز الاشتغال به لضعفها والاعتماد على ما ثبت منها ثم الاستدلال به أو الجواب عنه\nوهذا ما صنعه الأخ المؤلف - جزاه الله خيرا - خلافا لبعض المؤلفين الذين يحشرون كل ما يؤيدهم دون أن يتحروا الصحيح فقط كما فعل الذين ردوا علي في مسألة وجه المرأة من المؤلفين في ذلك من السعوديين والمصريين وغيرهم\nأما هذا الأخ (عطاء) فقد سلك المنهج العلمي في الرد\n[٦٣]","vol":"1","page":63},{"text":"على المكفرين فتتبع أدلتهم وذكر ما لها وما عليها ثم ذكر الأدلة المخالفة لها على المنهج نفسه ووفق بينها وبين ما يخالفها بأسلوب رصين متين وإن كان يصحبه - أحيانا - شيء من التساهل في التصحيح باعتبار الشواهد ثم التكلف في التوفيق بينه وبين الأحاديث الصحيحة الدالة على كفر تارك الصلاة كما فعل في حديث أبي الدرداء في الصلاة: (. . . فمن تركها فقد خرج من الملة) فإنه بعد أن تكلم عليه وبين ضعف إسناده عاد فقواه بشواهده\nوهي في الحقيقة شواهد قاصرة لا تنهض لتقوية هذا الحديث ثم أغرب فتأول الخروج المذكور فيه بأنه خروج دون الخروج\nوله غير ذلك من التساهل والتأويل كالحديث المخرج في (الضعيفة) (٦٠٣٧)\nوالحق: أن كتابه نافع جدا في بابه فقد جمع كل ما يتعلق به سلبا أو إيجابا قبولا أو رفضا دون تعصب ظاهر منه لأحد أو على أحد\nوأحسن ما فيه الفصل الأول من الباب الثاني وهو كما قال: (في ذكر أدلة خاصة تدل على أن تارك الصلاة لا يخرج من الملة) وعدد أدلته المشار إليها اثنا عشر دليلا\n[٦٤]","vol":"1","page":64},{"text":"ولقد ظننت حين قرأت هذا العنوان في مقدمة كتابه أن منها حديث الشفاعة هذا لأنه قاطع للنزاع عند كل منصف - كما سبق بيانه - ولكنه - مع الأسف - قد فاته كما فات غيره من المتأخرين أو المتقدمين على ما سلف ذكره\nغير أنه لا بد لي من التنويه بدليل من أدلته لأهميته وغفلة المكفرين عنه ألا وهو قوله ﷺ:\n(إن للإسلام صوى ومنارا كمنار الطريق. . .) الحديث وفيه ذكر التوحيد والصلاة وغيرها من الأركان الخمسة المعروفة والواجبات ثم قال ﷺ: (. . . فمن انتقص منهن شيئا فهو سهم من الإسلام تركه ومن تركهن فقد نبذ الإسلام وراءه)\nوقد خرجه المومى إليه تخريجا جيدا وتتبع طرقه وبين أن بعضها صحيح الإسناد ثم بين دلالته الصريحة على عدم خروج تارك الصلاة من الملة\nوقد كنت خرجت هذا الحديث قديما في كتابي (سلسلة الأحاديث الصحيحة) (رقم: ٣٣٣) منذ أكثر من ثلاثين سنة واستفاد هو منه كما هو شأن المتأخر مع المتقدم ولكنه لم يشر إلى ذلك أدنى إشارة ولقد كان يحسن به ذلك ولا سيما أنه خصني بالنقد في بعض الأحاديث وذلك مما لا يضرني ألبتة بل إنه\n[٦٥]","vol":"1","page":65},{"text":"لينفعني أصاب أم أخطأ وليس الآن مجال تفصيل القول في ذلك\nوختاما:\nفليراجع هذا الكتاب من كان عنده شك في هذه المسألة والله سبحانه - وحده - الموفق للصواب\nوسبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك\n[٦٦]","vol":"1","page":66}]}