{"ً":{"ٌ":4185,"ٍ":"التفسير الموضوعي للقرآن الكريم ونماذج منه","َ":2,"ُ":2,"ِ":{"root":"الجوامع والمجلات ونحوها/مجلة الجامعة الإسلامية/022-025_085-100","files":["022-025_085-100_mgi.pdf"]},"ّ":"الكتاب: التفسير الموضوعي للقرآن الكريم ونماذج منه\nالمؤلف: أحمد بن عبد الله الزهراني\nالناشر: الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة\nالطبعة: الأعداد ٨٥ - ١٠٠ السنوات ٢٢ - ٢٥ المحرم ١٤١٠ - ذو الحجة ١٤١٣ هـ\nعدد الصفحات: ١٧٠\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":1595,"ٕ":4,"ٖ":1770155692,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"مقدمة","level":1,"page":1},{"title":"أولا: العقائد في القرأن الكريم","level":1,"page":9},{"title":"الزكاة في القرآن الكريم","level":1,"page":83},{"title":"الصوم في القرآن الكريم","level":1,"page":98},{"title":"الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر","level":1,"page":105},{"title":"الإحسان إلى الوالدين في القرآن الكريم","level":1,"page":124},{"title":"نظام الأسرة في القرآن الكريم","level":1,"page":131}],"ٛ":{"1,11":1,"1,12":2,"1,13":3,"1,14":4,"1,15":5,"1,16":6,"1,17":7,"1,18":8,"1,19":10,"1,20":11,"1,21":12,"1,22":13,"1,23":14,"1,24":15,"1,25":16,"1,26":17,"1,27":18,"1,28":19,"1,29":20,"1,30":21,"1,31":22,"1,32":23,"1,33":24,"1,34":25,"1,35":26,"1,36":27,"1,37":28,"1,38":29,"1,39":30,"1,40":31,"1,41":32,"1,42":33,"1,43":34,"1,44":35,"1,45":36,"1,46":37,"1,47":38,"1,48":39,"1,49":40,"1,50":41,"1,51":42,"1,52":43,"1,53":44,"1,54":45,"1,55":46,"1,56":47,"1,57":48,"1,58":49,"1,59":50,"1,60":51,"1,61":52,"1,62":53,"1,63":54,"1,65":55,"1,66":56,"1,67":57,"1,68":58,"1,69":59,"1,70":60,"1,71":61,"1,72":62,"1,73":63,"1,74":64,"1,75":65,"1,76":66,"1,77":67,"1,78":68,"1,79":69,"1,80":70,"1,81":71,"1,82":72,"1,83":73,"1,84":74,"1,85":75,"1,86":76,"1,87":77,"1,88":78,"1,89":79,"1,90":80,"1,91":81,"1,92":82,"1,93":83,"1,94":84,"1,95":85,"1,97":86,"1,98":87,"1,99":88,"1,100":89,"1,101":90,"1,102":91,"1,103":92,"1,104":93,"1,105":94,"1,106":95,"1,107":96,"1,108":97,"1,109":98,"1,110":99,"1,111":100,"1,112":101,"1,113":102,"1,114":103,"1,115":104,"1,116":105,"1,117":106,"1,118":107,"1,119":108,"1,120":109,"1,121":110,"1,122":111,"1,123":112,"1,124":113,"1,125":114,"1,126":115,"1,127":116,"1,128":117,"1,129":118,"1,130":119,"1,131":120,"1,132":121,"1,133":122,"1,134":123,"1,135":124,"1,136":125,"1,137":126,"1,138":127,"1,139":128,"1,140":129,"1,141":130,"1,142":131,"1,143":132,"1,144":133,"1,145":134,"1,146":135,"1,147":136,"1,148":137,"1,149":138,"1,150":139,"1,151":140,"1,152":141,"1,153":142,"1,154":143,"1,155":144,"1,156":145,"1,157":146,"1,158":147,"1,159":148,"1,160":149,"1,161":150,"1,162":151,"1,163":152,"1,164":153,"1,165":154,"1,166":155,"1,167":156,"1,168":157,"1,169":158,"1,170":159},"ٜ":{"1":[11,170]},"ٝ":["1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170"],"ٞ":{"1":[1],"9":[2],"83":[3],"98":[4],"105":[5],"124":[6],"131":[7]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1>مقدمة</span>\n...\nالتفسير الموضوعي للقرآن الكريم\nونماذج منه\nللدكتور/ أحمد بن عبد الله الزهراني\nأولا: معنى التفسير لغة:\nيطلق التفسير في اللغة على الكشف والبيان والإيضاح والتفصيل ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ الفرقان ٣٣.\nكما يطلق ويراد به التأويل ومنه قوله تعالى: ﴿نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِه﴾ يوسف ٣٦. يقول ابن كثير في معنى قوله تعالى: ﴿وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ .\nأي ولا يقولون قولا يعارضون به الحق، إلا جئناك بما هو الحق في نفس الأمر، وأبين وأوضح وأفصح من مقالتهم ١.\nقال ابن فارس: \"فسر\" الفاء والسين والراء كلمة واحدة تدل على بيان شيء وإيضاحه. من ذلك فسر، يقاله: فسرت الشيء وفسرته٢\" اهـ.\nوجاء في القاموس: الفسر: الإبانة وكشف المغطى كالتفسير٣.\n_________\n١تفسير القرآن العظيم٦/١١٨ ط الشعب.\n٢معجم مقاييس اللغة ٤/ ٥٠٤.\n٣القاموس المحيط ٢/ ١١٠.","vol":"1","page":11},{"text":"ثانيا: معنى التفسير في الاصطلاح:\nتنوعت عبارة المفسرين وكثرت أقوالهم في بيان حدّه وتعريفه والذي ظهر لي منها \"أن التفسير علم جليل يفهم به كتاب الله سبحانه المنزل على نبيه محمد صلي الله عليه وسلم.\nوهذا التعريف ذكره الزركشي ١ ويندرج تحته التعاريف المتعددة في حدّ التفسير.\nثالثا: معنى موضوعي:\nهذه نسبة إلى موضوع: الذي هو المادة التِي يؤخذ أو يتركب أو يبنى منها جزئيات البحث ويضم بعضها إلى بعض ليصير موضوعا.\nيقول الدكتور محمد أحمد القاسم: \"وموضوعي\" نسبة إلى موضوع وإضافة \"تفسير\" إلى \"موضوعي\" لما صارت علما على هذا الفن بعد أن ركبت معها وصارت كلمة واحدة كتركيب \"معد يكرب \"لما فتنوسيت تلك الإضافة \" ٢.\nرابعا: تعريف التفسير الموضوعي:\nهو إفراد الآيات القرآنية التي تعالج موضوعا واحدا وهدفا واحدا، بالدراسة والتفصيل، بعد ضم بعضها إلى بعض، مهما تنوعت ألفاظها، وتعددت مواطنها - دراسة متكاملة مع مراعاة المتقدم والمتأخر منها، والاستعانة بأسباب النزول، والسنة النبوية، وأقوال السلف الصالح المتعلقة بالموضوع٣.\nفوائد التفسير الموضوعي:\n١- أنه تفسير للقرآن بالقرآن، فما أطلق في مكان منه قيد في مكان آخر وما ذكر موجزا في موطن منه ذكر مفصلا في آخر.\n٢- الوقوف على عظمة القرآن الكريم من خلال مواضيعه المتنوعة والتعرف على تشريعاته النيرة والمتعددة.\n_________\n١ البرهان في علوم القرآن١/١٣.\n٢ التفسير الموضوعي للقران الكريم ص ٧.\n٣ انظر التفسير الموضوعي للقرآن الكريم ص ٧ د/ محمد أحمد القاسم والبداية في التفسير الموضوعي ص٥٢ د/ عبد الحي الفرماوي.","vol":"1","page":12},{"text":"٣- بيان ما تضمنه القرآن الكريم من أنواع الهداية الربانية من خلال تلك المواضيع المتنوعة.\n٤- التخلق بأخلاق القرآن والانتفاع به من حيث زيادة الإيمان.\n٥- التمكن من فهم القرآن الكريم فهما جيدا.\n٦- الاطلاع على أساليب القرآن الكريم المتنوعة.\n٧- جمع الآيات المتناثرة في القرآن ذات الموضوع والهدف الواحد في مكان واحد ثم دراستها دراسة متكاملة.\n٨- الرد على أهل الأهواء والشُّبه قديما وحديثا لكون دراسة مثل هذا النوع من التفسير يجمع شتات الموضوع الواحد ويحيط بجميع أطرافه فيمكن دراسته والرد على الآخرين.\n٩- إزالة ما يوهم التعارض بين آيات القرآن الكريم وتوجيه ذلك توجيها سليما ١.\nنشأة التفسير الموضوعي:\nقد يخيل للقارئ أو الباحث أن هذا العلم أو الاصطلاح \"التفسير الموضوعي\" لا يعرف لدى علمائنا الأقدمين، وإنما الكتاب المعاصرون هم الذين اعتنوا به وقدموا فيه جهودا قيمة بل صرح بعض الكتاب المعاصرين بهذا الرأي فقال: \"هذا النوع لم نجد من عنى به من الأقدمين وإنما جهود متأخرة في الرسائل العلمية تقدم طرفا منه مثل الجهاد في القرآن، المشركون في القرآن، الآيات الكونية في القرآن إلا أننا ما نزال في أمسّ الحاجة إلى المزيد من ذلك\"٢ اهـ.\nوهذا القول مجانب للصواب، بعيد عن الحقيقة. وهو من فضول الكلام الذي ألقي على عواهنه بدون دراسة ولا بحث ولا رؤية.\nوبعضهم يذهب إلى عدم تحديد بداية لهذا الاصطلاح \"التفسير الموضوعي\" لما عند الأقدمين، كما في عصرنا الحاضر حيث يقول: \"إذ إِنه حتى لو وجد هذا اللون من\n_________\n١ انطر البداية في التفسير الموضوعي ص٦٨-٧٠ د/ عبد الحي الفرماويَ.\n٢ دراسات في القرآن الكريم- من التفسير الموضوعي ص ٦ للدكتور: محمد عبد السلام محمد. ط الأولى.","vol":"1","page":13},{"text":"التفسير لدى بعض المتقدمين فإنه لم يكن معروفا وشائعا بينهم بهذا الاسم فيما أعلم\"اهـ.\nوالذي يجدر التنبيه عليه حول هذا الرأي. أن لا مشاحة في الاصطلاح فكون هذا الاصطلاح \"التفسير الموضوعي\" ما عرف إلا في العصر الحاضر لا ينفي عدم وجود هذا العلم لدى الأقدمين، ولأن قوله \"إذ إِنه حتى لو وجد\" الخ يثير التشكيك في عدم وجوده وهذا غير وارد بل هو موجود كما سأبين ذلك- إن شاء الله تعالى-.\nإن هذا الفن من التفسير اعتنى به العلماء الأقدمون جمعا وترتيبا ودراسة واستنباطا وجالوا فيه وصالوا. وكان من فرسان ميدانه العلم العالم مقاتل بن سليمان الأزدي ت ١٥٠ هـ حيث ألف فيه كتابا قيما سماه \"تفسير الخمسمائة آية في الأمر والنهي والحلال والحرام \" جعل ترتيبه على طريقة الفقهاء﵏- في تأليفهم، بدأه بتفسير الإيمان، ثم ذكر أبواب الصلاة، ثم الزكاة، ثم الصيام، ثم الحج، ثم المظالم، ثم المواريث، ثم الربا، ثم الخمر، ثم النكاح، ثم الطلاق، ثم الزنا، ثم ذكر بعض الآداب والمعاملات في دخول البيوت، ثم ذكر أبواب الجهاد.\nومقاتل - ﵀ - وإن لم يستقص ذكر الآيات ذات الموضوع الواحد في مكان واحد، فهو بحق من أوائل العلماء الذين كتبوا فيما نحن بصدده من التفسير الموضوعي ١.\nوالمتتبع لجهود علمائنا الأقدمين في هذا الفن التخصصي يجد لهم جهودا قيمة، وأيادي علمية مشرقة وقد تعددت المواضيع القرآنية التي ألفوا فيها فمنها ما وصل إلينا، ومنها الذي لازال حبيسا بين جدران المكتبات وظلامها الدامس ومنها الذي فقد ولم نعلم عنه إلا من خلاله الكتب العلمية أو الثبت العلمي لصاحبها، ومن تلك المواضيع.\nكتاب الوجوه والنظائر في القرآن الكريم. للحافظ مقاتل بن سليمان ﵀.\nوهذا العلم الجليل علاقته بالتفسير الموضوعي واضحة وقد اعتنى به علماؤنا الأقدمون والمتأخر ون وألفوا فيه كتبا قيمة.\n_________\n١ وكتابه حقق رسالة ماجستير وقام بتحقيقه عبيد الله لعلى السلمي بالجامعة الإسلامية وانظر ص ٦٠ منه.","vol":"1","page":14},{"text":"يقول الحافظ ابن الجوزي:\n\"وقد نسب كتاب في الوجوه والنظائر إلى عكرمة، وكتاب آخر إلى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وممن ألف في الوجوه والنظائر الكلبي، ومقاتل بن سليمان، وأبو الفضل العباسي بن الفضل الأنصاري، وروى مطروح بن محمد بن شاكر عن عبد الله بن هارون الحجازي عن أبيه كتابا في الوجوه والنظائر، وأبو بكر محمد بن الحسن النقاش، وأبو عبد الله الحسن بن محمد الدامغاني، وأبو علي بن البناء من أصحابنا، وشيخنا أبو الحسن علي بن عبيد الله ابن الزاغوني، ولا أعلم أحدا جمع الوجوه والنظائر سوى هؤلاء\"١ انتهى.\nزاد الزركشي: \"وأبو الحسن بن فارس وسمى كتابه \"الأفراد\"٢ وزاد السيوطي: \"ومحمد بن عبد الصمد المصري، ثم قالا وقد أفردت في هذا الفن كتابا سميته \"معترك الأقران في مشترك القرآن \"٣.\nقلت: وقد سبق السيوطي في التأليف ابن العماد بن الحنبلي المتوفى سنة ٨٨٧ هـ وعنوان كتابه \"كشف السرائر في معنى الوجوه والأشباه والنظائر\" مطبوع وقد بين أهل العلم معنى أو المقصد بالوجوه والنظائر.\nفقال ابن الجوزي: \"واعلم أن معنى الوجوه والنظائر أن تكون الكلمة الواحدة ذكرت في مواضع من القرآن على لفظ واحد، وحركة واحدة وأريد بكل مكان معنى غير الآخر، فلفظ كل كلمة ذكرت في موضع نظير للفظ الكلمة المذكورة في الموضوع الآخر. وتفسير كل كلمة بمعنى غير معنى الآخر هو الوجوه.\nفإذا النظائر اسم للألفاظ، والوجوه اسم للمعاني، فهذا الأصل في وضع كتب الوجوه والنظائر.\nوالذي أراده العلماء بوضع كتب الوجوه والنظائر أن يعرفوا السامع لهذه النظائر أن معانيها تختلف، وأنه ليس المراد بهذه اللفظة ما أريد بالأخرى\"٤ انتهى.\n_________\n١ نزهة الأعين النواظر١/٢.\n٢ البرهان في علوم القرآن١/١٠٢.\n٣ الإتقان في علوم القران ٢/١٢١.\n٤ نزهة الأعين النواظر ١/ ٣٠٢.","vol":"1","page":15},{"text":"وعلى هذا المنوال مشى الزركشي في البرهان فقال: \"فالوجوه: اللفظ المشترك الذي يستعمل في عدة معان كلفظ \"الأمة\". والنظائر كالألفاظ المتواطئة \" وذكر غير هذا وتبعه السيوطي في الإتقان١.\nطريقة البحث في التفسير الموضوعي:\nيرى الدارسون للتفسير الموضوعي أن الكتابة والبحث فيه له طريقان، وأن للدراسة أو البحث فيه منهجا محددا.\nأما الطريق الأول لكيفية البحث فيه فهي أن ينظر الباحث إلى السورة القرآنية من أولها إلى آخرها على أنها وحدة متكاملة الفكرة والمنهج والموضوع وقد عالجت ذلك الموضوع العام من خلاله موضوعاتها المتعددة مثال ذلك: سورة المنافقين: موضوعها: فضح المنافقين والتحذير منهم.\nوقد عالجت السورة هذا الموضوع من خلال موضوعاتها المتعددة نحو:\n١- بيان كذب المنافقين وأنهم يقولون مالا يعتقدون.\n٢- جرأتهم على الأيمان الكاذبة تسترا على نفاقهم وخوفا على دمائهم.\n٣- صدهم عن سبيل الله بأساليبهم الخبيثة الماكرة.\n٤- سيطرة الجبن والخوف عليهم مع أن الناظر لهم يراهم أصحاب أجسام ضخام.\n٥- إعراضهم عن الهدى وعدم الاستجابة لهم وصد الناس عنه.\n٦- فضح دسائسهم ومناوراتهم وما تحمله نفوسهم اللئيمة من الخبث والغدر والخيانة للإسلام والمسلمين.\n٧- تحذير المؤمنين من أن يقعوا في أدنى صفة من صفات المنافقين \"وأدنى درجات النفاق عدم التجرد لله والغفلة عن ذكره اشتغالا بالأموال والأولاد، والتقاعس عن البذل في سبيل الله حتى يأتي اليوم الذي لا ينفع فيه البذل والصدقات\"٢.\n_________\n١ البرهان في علوم القرآن١/١٠٢.\n٢ الإتقان في علوم القرآن ٢/١٢١.\n٣ في ظلال القران ٨/١٠٤ وانظر التحرير والتنوير ٢٨/ ٢٣٣ وتفسير المراغي٢٨/١٠٦.","vol":"1","page":16},{"text":"والطريقة الثانية: هي أن ينظر الباحث إلى الآيات القرآنية المتنوعة في القرآن كله، بجمع تلك الآيات ذات الموضوع الواحد والهدف المشترك في موضوع واحد، ويقوم بدراستها دراسة متكاملة مراعيا ترتيبها حسب أسباب النزول لكي يعرف المتقدم منها من المتأخر مستعينا في ذلك بالسنة الصحيحة وفهم السلف لذلك. ومحاولا قدر جهده وطاقته الإحاطة بجوانب الموضوع كله.\nوهذه \"الطريقة الثانية هي المعمول بها في مجال البحوث العلمية الموضوعية، وإذا ما أطلقت كلمة \"تفسير موضوعي\" فلا يفهم منها إلا بحث موضوع من موضوعات القرآن الكريم على مستوى القرآن جميعه\"١.\nأهمية منهج الدراسة في التفسير الموضوعي.\nوبناء على هذه الطريقة فلابد من تحديد منهج لدراسة الموضوع المختار، من أجل الإلمام بأطراف الموضوع، والربط بين أجزائه وإظهاره في صورة متكاملة تكشف للقارئ عظمة القرآن الكريم وأهدافه السامية. وتقضي على الدراسات المبتورة والدعاوى المضللة من المستشرقين وأتباعهم ٢.\nتحديد المنهج:\nأولا: اختيار الموضوع المراد دراسته.\nثانيا: جمع الآيات القرآنية المتعلقة به.\nثالثا: ترتيبها وفق أسباب النزول لمعرفة المتقدم من المتأخر منها.\nرابعا: شرحها شرحا وافيا يجلي مضمونها ويكشف عن مكنونها ويربط بين أجزائها. وإزالة ما يتوهم أنه اختلاف وتناقض بينها أو ناسخ ومنسوخ أو خاص وعام أو مطلق ومقيد أو مجمل ومفسر.\nخامسا: الاستعانة في الموضوع بما صح عن النبي ﷺ قاله من السنة الصحيحة المبينة\n_________\n١ التفسير الموضوعي للقران الكريم ص ١٧ للدكتور محمد أحمد يوسف القاسم.\n٢ انظر البدايةَ في التفسير الموضوعي ص ٥٧- ٦١.","vol":"1","page":17},{"text":"لما أجمل، والمفسرة لما أشكل والمقيدة لما أطلق. والمخصصة لما جاء عامًا ١.\nسادسا: الاستعانة في هذا كله بفهم السلف الصالح لنصوص الوحيين. وعدم الاتكال على العقل أو الاجتهاد الشخصي إلا بعد استكمال أسباب الأهلية.\n_________\n١ انظر البداية في التفسير الموضوعي ص ٦١ للفرماوي والتفسير الموضوعي ص ١٧، ١٨ للدكتور محمد القاسم. والتفسير الموضوعي ص ٢٣/ ٢٤ للدكتور أحمد الكومي ومحمد القاسم.","vol":"1","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>أولا: العقائد في القرآن الكريم</span>\nالإسلام هو دين الأنبياء والرسل جميعًا لا يقبل الله سبحانه من أحد دينًا سواه قال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ الله الإسْلامُ﴾ آل عمران ١٩. وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ آل عمران ٨٥.\nوالله سبحانه أكمل هذا الدين وأتم به على الأمة النعمة ورضيه لهم دينًا فقال سبحانه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِينًا﴾ المائدة ٣.\nواختار سبحانه محمدًا صلي الله عليه وسلّم أن يكون خاتما لجميع الأنبياء وأن تكون رسالته خاتمة كذلك لجميع الأديان وناسخة لها. فقال تعالى: \"مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ الله وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ\" الأحزاب ٤٠.\nوأمر الله سبحانه الناس جميعًا أن يؤمنوا بالله ورسوله وأن يتبعوه فقال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ الله إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِالله وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِالله وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ الأعراف ١٥٨.\nووصف الله سبحانه دينه بأنه الحق وأن من تمسك به أظهره الله ومن قال به صدق، ومن حكم به عدل، ومن دعا إليه هدى إلى صراط مستقيم قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ الصف ٩.\nوجعل الله سبحانه لهذا الدين الهيمنة على من سبقه من الكتب والتصديق بها. قال","vol":"1","page":18},{"text":"تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ المائدة ٤٨.\nوأول واجب على المكلف فرضه الله عليه هو معرفة ربه الذي خلقه من العدم وهو ليس بحاجة إليه، تكفل سبحانه برزقه لعبده مع عصيان المخلوق لخالقه قال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلا عَلَى الله رِزْقُهَا﴾ هود ٦٥.\nومعرفة الرب سبحانه لا تكون إلا بتوحيده، الذي خلقهم سبحانه من أجله وفطرهم عليه، وأخذ الميثاق عليهم وهم في الأصلاب، وشهدوا بذلك وأقروا.\nقال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ الأعراف (١٧٢-١٧٤) . فهذا إخبار منه سبحانه في استخراج ذرية بني آدم من ظهور آبائهم وأصلابهم وأنه أخذ عليهم الإِقرار والشهادة بأنه ربهم غير غافلين، ولا مقلدين لمن أشرك من آبائهم وأنهم أقروا بذلك. وقال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ الله الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ الله ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ الروم.٣. وإقامة الوجه هنا بمعنى الاستمرار على الدين الذي شرعه الله سبحانه لخلقه والعزم على الثبات عليه.\nقال ابن كثير ﵀: \"يقول تعالى فسدد وجهك، واستمر على الدين الذي شرعه الله من الحنيفيّة ملة إبراهيم، الذي هداك الله لها، وكمّلها لك غاية الكمال، وأنت مع ذلك لازم فطرتك السليمة التي فطر الله الخلق عليها، فإنه تعالى فطر خلقه على معرفته وتوحيده وأنه لا إله غيره\"١.\nعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: \"ما من مولود إلا يولد على الفطرة\".\nوفي رواية لمسلم \"ما من مولود يولد إلا وهو على الملة\".\n_________\n١ تفسير القرآن العظيم ٥/٣٥٨ دار الفكر.","vol":"1","page":19},{"text":"وفي رواية له أيضا \"إلا على هذه الملة حتى يبين عنه لسانه \".\nوفي رواية \"ليس من مولود يولد إلا على هذه الفطرة، حتى يعبر عنه لسانه فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه. كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء؟ ثم يقول أبو هريرة ﵁: ﴿فِطْرَتَ الله الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ الله ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ ١.\nوفي رواية لمسلم \"كل إنسان تلده أمه على الفطرة وأبواه بعد يهودانه وينصرانه ويمجسانه فإن كانا مسلمين فمسلم، كل إنسان تلده أمه يلكزه الشيطان في حضنيه إلا مريم وابنها\" ٢.\nوعن عياض بن حمار المجاشعي ﵁: أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال ذات يوم في خطبته:\n\"ألا إن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني يومي هذا. كل مال نحلته عبدًا حلال، وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرّمت عليهم ما أحللت لهم وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا، وإن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم، إلا بقايا من أهل الكتاب، وقال إنما بعثتك لأبتليك، وأبتلي بك، وأنزلت عليك كتابًا لا يغسله الماء تقرؤه نائمًا ويقظان وإن الله أمرني أن أحرق قريشًا فقلت ربي إذًا يثلغوا رأسي فيدعوه خبزة قال: استخرجهم كما استخرجوك واغزهم نغزك، وأنفق فسننفق عليك، وابعث جيشًا نبعث خمسة مثله، وقاتل بمن أطاعك من عصاك ٣..الخ.\nومن أجل التوحيد وتحقيقه أرسل الله الرسل، وأنزل الكتب وشرع الجهاد تحقيقًا للحق وإزهاقا للباطل فبالتوحيد يسعد الإنسان ويدخل الإسلام، وتكون له النجاة في الأولى والآخرة وببعده يشقى ويخرج من الإِسلام، وتكون عاقبته الخزى والعار.\n_________\n١ رواه البخاري في الجنائز باب إذا أسلم الصبي فمات١/٤١٧ وباب ما قيل في أولاد المشركين ١/٤٢٤ وفي التفسير باب لا تبديل لخلق الله٣/٢٧٥ وفي كتاب القدر باب الله أعلم بما كانوا عاملين ٤/٢٠٩ ورواه مسلم في كتاب القدر باب معني كل مولود يولد على الفطرة ٤/٢٠٤٧ رقم ٢٢، ٢٣،٢٤،٢٥.\n٢رواه مسلم في القدر٤/٢٠٤٨رقم ٢٥.\n٣ رواه مسلم في كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها ٤/٣١٩٧رقم ٦٣.","vol":"1","page":20},{"text":"والإسلام له جانبان متلازمان ومترابطان لا ينفك أحدهما عن الآخر الأول العقائد والثاني التشريع. إذًا الإسلام عقيدة وشريعة والترابط بين العقيدة والشريعة ترابط قوي لا ينفصل أحدهما عن الآخر فلا شريعة بلا عقيدة، ولا عقيدة بلا شريعة فالفصل بينهما فصل لوجهين لعلمة واحدة.\nأصول العقيدة:\nأما أصول العقيدة فهي المعروفة والمشهورة بأركان الإيمان وهي: الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره:\nوالدليل على هذه الأركان قوله تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ الآية١٧٧ البقرة.\nودليل القدر قوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ وَمَا أَمْرُنَا إِلا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ القمر (٤٩-٥٠) وقوله تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ الفرقان ٢ وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ الإنسان ٣.\nقال الثوري في تفسير آية البقرة ﴿لَيْسَ الْبِرَّ﴾ \"هذه أنواع البر كلها\". قال ابن كثير معلقا على قوله هذا: \"وصدق ﵀ فإن من اتصف بهذه الآية، فقد دخل في عرى الإسلام كلها، وأخذ بمجامع الخير كله، وهو الإيمان بالله وأنه لا إله إلا هو، وصدق بوجود الملائكة الذين هم سفرة بين الله ورسوله، والكتاب وهو إسم جنس يشمل الكتب المنزلة من السماء على الأنبياء حتى ختمت بأشرافها وهو القرىن المهيمن على ما قبله من الكتب، الذي إنتهى إليه كل خير واشتمل على كل سعادة في الدنيا والآخرة، ونسخ به كل ما سواه من الكتب قبله، وآمن بأنبياء الله كلهم من أولهم إلى خاتمهم محمد صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين\"١.\nوقال ابن كثير في تفسير آية القمر: \"ولهذا يستدل بهذة الآية الكريمة أئمة السنة على قدر الله السابق لخلقه وهو علمه الأشياء قبل كونها وكتابته لها قبل برئها٢الخ\".\n_________\n١ تفسير القرآن العظيم ١/٣٦٥-٣٦٦.ط دار الفكر.\n٢ تفسير ابن كثير ٦/٤٧٩.ط دار الفكر.","vol":"1","page":21},{"text":"وفي الحديث الصحيح أن جبريل ﵇ سأل النبي له عن الإيمان فقال: \"الإيمان: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره قال صدقت ١ فهذه ستة أصول للعقيدة الإسلامية نص عليها كتاب الله وسنة رسوله صلي الله عليه وسلم. وكل أصل من هذه الأصول يندرج تحته أمران.\nالأول: ماذا يتضمن كل أصل.\nالثاني: ما هي ثمرة الإيمان بهذا الأصل.\nالإيمان بالملائكة:\nالإيمان بهذا الأصل يتضمن أربعة أمور:٢\nا- الإيمان بوجودهم جملة أو إجمالا.\n٢- الإيمان ببعضهم تفصيلا.\n٣- الإيمان بصفاتهم التي وردت فيهم.\n٤- الإيمان بأعمالهم التي يقومون بها.\nوثمرة الإيمان بهذا الأصل يتلخص في الآتي:\n١- زيادة الإِيمان بالله سبحانه.\n٢- العلم بعظمة الله سبحانه فإن عظمة المخلوق من عظمة الخالق.\n٣- شكر الله على آلائه ونعمه الذي أوكل ببني آدم من يحفظهم بالليل والنهار ويكتب أعمالهم ويحفظون لهم.\n٤- محبة الملائكة واحترامهم وتقديرهم لما يقومون به من العبادة لله رب العالمين.\n٥- الاطمئنان النفسي على حفظ أعمال الإنسان وعدمِ ضياعها.\n٦- الخوف من الله سبحانه مادام يعلم أن عليه كراماَ كاتبين.\n٧- أن من آمن بأحدهم يلزمه الإِيمان بكلهم وأن من كفر بأحدهم كفر بجميعهم.\nتفصيل القول في هذا الأصل:\n١- تعريف الملائكة: هم عالم غيبي، خلقهم الله من نور وهم عباد مكرمون\n_________\n١ رواه مسلم في الإيمان ١/٣٧ رقم ١.\n٢ انظر رسالة نبذة في العقيدة الإسلامية ص١٩/٢٠ لابن عثيمين.","vol":"1","page":22},{"text":"يسبحون الله بالليل والنهار لا يفترون ولا يسأمون ولا يستكبرون بريئون مما وصفهم به الظالمون، لهم أوصاف وأعمال متنوعة وعددهم لا يعلمه إلا الله سبحانه١.\n٢- الإِيمان بهم: الإِيمان بهم ركن من أركان الإِيمان، ومن أنكرهم كفر. قال تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ الآية ١٧٧ البقرة.\nوقال تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِالله وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ الآية ٢٨٥ البقرة.\nوفي صحيح مسلم من حديث عمر بن الخطاب ﵁ قال: بينما نحن جلوس عند رسول الله ﷺ ذات يوم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لايرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد، حتى جلس إلى النبي فيها فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه وقال: يا محمد أخبرني عن الإِسلام؟ فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم: \"أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعث إليه سبيلا. قال صدقت. فعجبنا له يسأله ويصدقه قال أخبرني عن الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره. قال: صدقت. الحديث ٢.\nيقول ابن كثير ﵀ في تفسير الآية الأولى: \"اشتملت هذه الآية الكريمة على جمل عظيمة، وقواعد عميقة، وعقيدة مستقيمة ... فإن من اتصف بهذه الآية فقد دخل فما عرى الإِسلام كلها، وأخذ بمجامع الخير كله، وهو الإِيمان بالله، وأنه لا إله إلا هو، وصدق بوجود الملائكة الذين هم سفرة بين الله ورسله\"٣.\n٣- أسمائهم: ورد في القرآن الكريم ذكر الملائكة ﵈ مجملا في مواطن\n_________\n١ أنظر معارج القبول ١/٦٣ ونبذة في العقيدة الإِسلامية ص ١٩ لابن عثيمين.\n٢ رواه مسلم في كتاب الإيمان باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان ١/٣٦ رقم ١.\n٣ تفسير القرآن العظيم ١/ ٣٦٤، ٣٦٥. ط دار الفكر.","vol":"1","page":23},{"text":"عديدة كثيرة، وورد في بعض المواطن منها ذكر بعض أسماء الملائكة خصوصًا. فمن ذلك.\nأ- جبريل ﵇:\nقال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ الله مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدىً وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ الله عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ البقرة/٩٧،٩٨. ومن أسمائه ﵇.\nأ- الروح الأمين:\nقال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ. نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ. عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ . الشعراء١٩٢-١٩٤.\nقال ابن كثير ﵀ في تفسير هذه الآية (نزل به الروح الأمين): \"وهو جبريل ﵇ قاله غير واحد من السلف: ابن عباس ومحمد بن كعب وقتادة وعطية العوفي والسدي والضحاك والزهري وابن جريح وهذا مما لا نزاع فيه. قال الزهري: وهذه كقوله: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ الله مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ ١.\nب- روح القدس:\nقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ..﴾ الآية ٨٧ البقرة.\nوقال تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ الله وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ..﴾ الآية ٢٥٣ البقرة.\nوقال تعالى: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدىً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ الآية ١٠٢ النحل.\nوالدليل على أن روح القدس هو جبريل ﵇ ما ثبت في الحديث الصحيح\n_________\n١ تفسير الَقرآن العظيم ٥/٢٠٥ دار الفكر.","vol":"1","page":24},{"text":"عن أبي هريرة ﵁ أن عمر بن الخطاب ﵁ مر بحسان بن ثابت ﵁ وهو ينشد الشعر في المسجد فلحظ إليه فقال: كنت أنشد فيه، وفيه من هو خير منك، ثم التفت إلى أبي هريرة فقال: أنشدك بالله أسمعت رسول الله يقول: أجب عني، اللهم أيده بروح القدس؟ فقال: اللهم نعم ١.\nوفي رواية: أن رسول الله صلي الله وسلم قال لحسان: \"أهجهم أو هاجهم وجبريل معك\" ٢.\nوعن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ وضع لحسان بن ثابت منبرًا في المسجد، فكان ينافح عن رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ: \"اللهم أيد حسان بروح القدس كما نافح عن نبيك\" ٣.\nقال ابن كثير ﵀:٤.\n\"فهذا من البخاري تعليقًا، وقد رواه أبو داود في سننه عن ابن سيرين والترمذي عن علي بن حجر وإسماعيل بن موسى الفزارى ثلاثتهم عن أبي عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه عن هشام بن عروة كلاهما عن عروة عن عائشة به. قال الترمذي حسن صحيح وهو حديث أبي الزناد\".\nوالقول بأن روح القدس هو جبريل ﵇ نص عليه من السلف - ﵏ - عبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس ﵃ ومحمد بن كعب، وإسماعيل ابن خالد والسدى والربيع بن أنس وعطية العوفي وقتادة٥. وجبريل ﵇ موكل بالوحي الرباني من دون الملائكة إلى الرسل أجمعين ﵈.\nج: وصفه:\n\"وقد ذكر الله سبحانه شأن جبريل ﵇ في كتابه ووصفه بأنه قوى شديد.\nقال تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى وَهُو َ\n_________\n١ رواه البخاري في بدء الخلق باب ذكر الملائكة ٤ /٣٠٤، ومسلم في فصائل الصحابة٤/١٩٣٣رقم١٥١، ١٥٣.\n٢ المصدر السابق.\n٣ رواه البخاري في المغازي باب حديت الإفك ٧/٤٣٦، ومسلم في فضائل الصحابة٤/١٩٣٣رقم١٥٥،١٥٤.\n٤ تفسير القرآن العظيم ١/ ٢١٤ ط دار الفكر.\n٥ تفسير القرآن العظيم ١/ ٢١٤ ط دار الفكر.","vol":"1","page":25},{"text":"بِالأُفُقِ الأَعْلَى ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ النجم (٤-٩) . وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ. ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ. مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ . التكوير (١٩-٢١) .\nوقد رآه النبي ﷺ على صورته التي خلقه الله عليها مرتين. الأولى رآه في الدنيا على خلقته وله ستمائة جناح كما ورد في الحديث الصحيح عن عبد الله بن مسعود ﵁ أن النبي علميه رأى جبريل له ستمائة جناح ١.\nوالمرة الثانية رآه عند سدرة المنتهى. كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى﴾ .\nوعن أبي هريرة ﵁: ولقد رآه نزلة أخرى: قال رأى جبريل ٢\nوسأل مسروق عائشة ﵂ عن قول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالأُفُقِ الْمُبِينِ﴾ ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ فقالت أنا أول هذه الأمة سأل عن ذلك رسوله الله صلي الله عليه وسلم فقال: \" إنما هو جبريل لم أره على صورته التي خلق عليها غير هاتين المرتين، رأيته منهبطًا من السماء سادا عظيم خلقه ما بين السماء إلى الأرض\" ٣.\nأما بقية الأوقات الأخرى فكان يراه على صورة رجل كما ورد يا الحديث الصحيح عن عمر بن الخطاب ﵁ قال بينما نحن جلوس عند رسول الله ﷺ ذات يوم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر لايرى عليه أثر السفر، لا يعرفه منا أحد حتى جلس إلى النبي صلي الله عليه وسلم فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه ٤ الحد يث.\n٢- ميكال:\nقال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ الله عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ الآية ٩٨ البقرة.\n_________\n١ رواه مسلم في الإيمان١/١٥٨ رقم ٠٢٨٠، ٢٨٢، ٢٨٣، ٢٨٧، وانظر صحيح البخاري كتاب التفسير٨/٦٠٦ مع الفتح، وانظر تفسير ابن كثير ٦/ ٤٤٤،٤٥١،٤٥٠ ط الفكر ومعارج القبول ١/٦٤.\n٢ المصدر السابق.\n٣ المصدر السابق.\n٤ انظر تخريجه ص ٢٣.","vol":"1","page":26},{"text":"وهو موكل بالقطر وتصاريفه إلى حيث أمره الله ﷿ وله أعوان يفعلون ما يأمرهم به بأمر ربه، ويصرفون الرياح، والسحاب، كما يشاء الله ﷿. وقد جاء في بعض الآثار: ما من قطرة تنزل من السماء إلا ومعها ملك يقررها في موضعها من الأرض.\nوفي حديث ابن عباس عند الطبراني أنه صلي الله عليه وسلم: \"قال لجبريل: على أي شيء ميكائيل؟ قال على النبات والقطر\".\nولأحمد عن أنس بن مالك ﵁ عن النبي صلي الله عليه وسلم: \"أنه قال لجبريل﵇- مالي لم أر ميكائيل ضاحكًا قط؟ فقال ﵇- ما ضحك ميكائيل منذ خلقت النار\" ١.\n٣-مالك:\nوهو خازن النار كما ذكر ابن كثير قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾ الزخرف (٧٤- ٧٨) . وفي الحديث الصحيح عن يعلي بن أمية ﵁ قال سمعت رسول الله صلي الله وسلم يقرأ على المنبر ﴿يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ ...﴾ ٢.\nقال ابن كثير عقبه: \"أي يقبض أرواحنا فيريحنا مما نحن فيه فإنهم كما قال تعالى: لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها\"٣.\n٤- ملك الموت:\nورد في بعض الآثار اسمه عزرائيل. وأيا كان فإنه ورد في القرآن باسم ملك الموت. قال تعالى: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ السجدة ١١.\n_________\n١ معارج القبول ١/ ٦٥. وحديث أنس رواه أحمد في المسند ٣/ ٢٢٤.\n٢ رواه البخاري في كتاب التفسير تفسير سورة الزخرف ٨/٥٦٨.\n٣ تفسير ابن كثير ٦/ ٢٤٠. ط الفكر.","vol":"1","page":27},{"text":"قال ابن كثير: \"الظاهر من هذه الآية أن ملك الموت شخص معين من الملائكة كما هو المتبادر من حديث البراء المتقدم ذكره في سورة إبراهيم. وقد سمى في بعض الآثار بعزرائيل وهو المشهور، قال قتادة وغير واحد وله أعوان، وهكذا ورد في الحديث أن أعوانه ينتزعون الأرواح من سائر الجسد حتى إذا بلغت الحلقوم، تناولها ملك الموت \" ١.\nقلت: حديث البراء بن عازب حديث طويل والشاهد فيه أن رسول الله ﷺ قال: \"استعيذوا بالله من عذاب القبر مرتين أو ثلاثا ثم قال: إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة، نزل إليه ملائكة من السماء بيض الوجوه كأن وجوههم الشمس معهم كفن من أكفان الجنة، وحنوط من حنوط الجنة حتى يجلسوا منه مد لبصر، ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه ... الحديث\" ٢.\nرابعا: صفاتهم:\nللملائكة صفات متعددة ومتنوعة منها ما هو خاص بذواتهم. ومنها ما يشاركهم فيه غيرهم. وسأقتصر في هذا الموضوع على ما ورد به نص صحيح.\nأ- أنهم يحملون الأشياء. قال تعالى: ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ٢٤٨ البقرة.\nوهذا فيه رد على الذين يقولون إن الملائكة ليسوا أجساما وإنما هم عبارة عن قوى الخير الكامنة في المخلوقات٣.\n٢- أنهم يتكلمون مع البشر. ودليل هذا من الكتاب والسنة المطهرة. أما الكتاب فقوله تعالى في قصة زكريا ﵇:. ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ الله يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ الله وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ آل عمران ٣٩. وقال تعالى في شأن مريم ﵍: ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ\n١ تفسير القرآن العظيم ٥/٤٠٧. ط دار الفكر.\n٢ رواه أحمد في المسند ٤/٢٨٧.\n٣ انظر رسالة في العقيدة الإسلامية ص ٢٠ لابن عثيمين.","vol":"1","page":28},{"text":"إِنَّ الله اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ، يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ آل عمران (٤٢-٤٣) . وقال تعالى: ﴿قَالُوا لا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ الذاريات ٢٨. وقال تعالى: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ الله يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ. وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ آل عمران (٤٥-٤٦) . وقال تعالى: ﴿قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ هود ٨١.\nومن السنة: مساءلة جبريل ﵇ للنبي صلي الله عليه وسلم عن الإِيمان والإِسلام والإحسان١. ومخاطبته له بعد غزوة الأحزاب أن لا يضع السلاح ...\n٣- أنهم يتمثلون أحيانًا في صورة البشر وهذا ثابت بالقرآن والسنة. أما القرآن فقال تعالى في شأن مريم ﵍: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا﴾ مريم١٦-٢١. وقال تعالى في قصة إبراهيم ولوط ﵉: ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلامًا قَالَ سَلامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ فَلَمَّا رَأى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ هود (٦٩-٧١) .\nوقال تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلامًا قَالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلا تَأْكُلُونَ فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ الذاريات (٢٤-٢٨) .\n_________\n١ انظر تخريج الحديث ص ٢٣.","vol":"1","page":29},{"text":"٤- الله سبحانه يصطفي منهم رسلا: قال الله تعالى: ﴿الله يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ الله سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ الحج ٧٥. قال ابن كثير: \"يخبر الله تعالى أنه يختار من الملائكة رسلا فيما يشاء من شرعه وقدره ومن الناس لإبلاغ رسالته\"١ واصطفاء الله من الملائكة رسلا المراد منه أن يكونوا رسلا بينه سبحانه وبين أنبيائه من عباده، ليبلغوا ماكلفوا به.\nقال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا﴾ فاطر آية (١) . قال ابن كثير: \"وقوله تعالى: ﴿جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا﴾ أي بينه وبين أنبيائه\"٢.\nوقوله تعالى في حق جبريل ﵇: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ التكوير ١٩.\nوقال تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ﴾ الأنعام ٦١.\n٥- أن الرسل من الملائكة لهم أجنحة. ذكر الله سبحانه في سورة الفرقان أنه سبحانه يصطفي من الملائكة رسلًا. وذكر سبحانه في هذه الآية أن أولئك الرسل من الملائكة لهم أجنحة وتلك الأجنحة متعددة منهم. قال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ الله عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فاطر آية (١) .\nقال ابن كثير ﵀: \"وأولي أجنحة أي يطيرون بها ليبلّغوا ما أمروا به مثنى وثلاث ورباع أي منهم من له جناحان، ومنهم من له ثلاثة ومنهم من له أربعة، ومنهم من له أكثر من ذلك، كما جاء في الحديث أن رسول الله صلي الله عليه وسلم رأى جبريل ﵇ ليلة الإسراء وله ستمائة جناح٣، بين كل جناحين كما بين المشرق والمغرب ولهذا قال جل وعلا: ﴿يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ الله عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ٤.\n_________\n١ تفسير القرآن العظيم ٤/٥٦٧ دار الفكر.\n٢ تفسير القرآن العظيم٥/٥٦٧. ط دار الفكر.\n٣ صح ذلك من حديث ابن مسعود عند مسلم في كتاب الإيمان باب في ذكر سدرة المنتهى١/١٥٨.\n٤ تفسير القرآن العظيم٥/٥٦٧. ط دار الفكر.","vol":"1","page":30},{"text":"٦- إنهم غلاظ شداد. وهذا وصف لنوعيّة منهمِ وهم القائمون على جهنم قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ الله مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ التحريم ٦.\nقال ابن كثير:\"أي طباعهم غليظة قد نزعت من قلوبهم الرحمة بالكافرين بالله شداد أي تركيبهم في غاية الشدة والكثافة والمنظر المزعج \"١.\n٧- تنفيذهم لأمر الله وعدم عصيانه. قال تعالى: ﴿عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ الله مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ التحريم آية ٦.\nقال ابن كثير \"مهما أمرهم به تعالى يبادروا إليه لا يتأخرون عنه طرفة عين وهم قادرون على فعله ليس بهم عجز عنه وهؤلاء الزبانية- عياذًا بالله منهم-٢\".\nوقال تعالى: ﴿لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ الأنبياء آية ٢٧.\nقال ابن كثير: \"أي لا يتقدمون بين يديه بأمر ولا يخالفونه فيما أمرهم به بل يبادرون إلى فعله، وهو تعالى علمه محيط بهم لا يخفى عليه منهم خافية ويعلم ما بين أيديهم وما خلفهم\"٣.\n٨- النزول والمعراج: قال تعالى: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ القدر (٤،٥) . وقال تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ المعارج آية ٤. ونزولهم وعرجهم بمهمات متنوعة فبعضهم ينزل بالوحي والآخر يصعد بالأرواح والثالث بلا عمل وغير ذلك مما نقل إلينا ومما لم ينقل وربك يخلق ما يشاء ويفعل. وله الحمد في الأولى والآخرة.\n٩- الاصطفاف بين يدي الرحمن يوم القيامة: قال تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ يقول ابن كثر: \"فيجيء الرب ﵎ لفصل القضاء كما يشاء والملائكة يجيئون بين يديه صفًا صفا٤. وقال تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾ النبأ آية ٣٨.\n١ تفسير القرآن العظيم ٧/ ٥٩. ط دار الفكر.\n٢ تفسير القرآن العظيم ٧/ ٦٠. ط دار الفكر.\n٣ تفسير القرآن العظيم٤/٥٥٨ ط دار الفكر.\n٤ تفسير القرآن العظيم ٧/ ٢٨٩.","vol":"1","page":31},{"text":"١٠- لا يتكلمون إلا بعد الاستئذان: قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾ النبأ آية ٣٨. وقال تعالى: ﴿لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ الأنبياء آية ٢٧.\n١١- إنهم عباد مكرمون: ووصفهم بالعبودية من الله سبحانه فيه تشريف وتكريم لهم، ثم فيه تنزيه لهم عمن اتخذهم آلهة تعبد من دون الله. قال تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ الأنبياء٢٧-٢٩.\n١٢- إن لهم أيادي: قال الله تعالى: ﴿إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى الله غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ الأنعام آية ٩٣. وقال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾ الأنفال آية٥٠. وقد ورد في معنى الآية الأولى أن الملائكة تضرب العصاة الفجار وذلك أن الكافر إذا احتضر بشرته الملائكة بالعذاب والنكال والأغلال! والسلاسل والجحيم، وغضب الرحمن الرحيم، فتتفرق روحه لا جسده، وتعصي وتأبى الخروج فتضربهم الملائكة حتى تخرج أرواحهم من أجسادهم قائلين لهم ﴿أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى الله غَيْرَ الْحَقِّ﴾ الآية.\nخامسا:أعمالهم:\nهذا الخلق من خلق الله والذين وصفهم الله بأنهم عباد مكرمون يسبحون له بالليل والنهار ولا يفترون لهم أعمال يقومون بها طاعة لله سبحانه وتنفيذًا لأمره. لا يسبقونه بالقول وهم يعملون. فمن ذلك:\n١- العبادة\nأ- التسبيح: والتسبيح هو تنزيه الله سبحانه وتقديسه عن العيوب والنقائص.","vol":"1","page":32},{"text":"قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ البقرة آية ٣٥.\nوهذا السؤال الصادر من الملائكة لربهم سؤال استكشاف واستعلام عن الحكمة من خلق بني آدم كما قرر هذا ابن كثير: \"فإن كان المراد عبادتك فنحن نسبح بحمدك ونقدس لك أي نصلي لك ... الخ\"١.\nوقال تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ البقرة ٣١. قال ابن كثير: \"هذا تقديس وتنزيه من الملائكة لله تعالى أن يحيط أحد بشيء من علمه إلا بما شاء، وأن يعلموا شيئًا إلا ما علمهم الله تعالى ولهذا قالوا: ﴿سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ وهو أي العليم بكل شيء الحكيم في خلقك وأمرك وفي تعليمك ما تشاء ومنعك ما تشاء لك الحكمة في ذلك والعدل التام٢ وقال تعالى: ﴿وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي الله وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾ الرعد آية ١٣. وقال تعالى: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ﴾ الأنبياء آية.٢٠. وهذا إخبار من الله سبحانه عن حال الملائكة وعبوديتهم له سبحانه وأن دأبهم طاعته ليلا ونهارا دون تعب ولا ملل ٣ وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ سبأ (٤٠، ٤١) .\nوهذا موقف من الملائكة يوم يقوم الأشهاد وتقف الخلائق بين يديه سبحانه وتكون الخصومة والمسألة فلما تسأل الملائكة عن صنيع البشر في عبادتهم إياهم يهرعون إلى الله بالتنزيه والتقديس والتعالي والتوحيد أن يكون معه إله يعبد بل العبادة لك وحدك ونحن\n_________\n١ تفسير القرآن العظيم ١/ ١٢١. ط دار الفكر.\n٢ تفسير القرآن العظيم ١/١٢٨دار الفكر.\n٣ تفسير القرآن العظيم٤/٥٥٦. ط دار الفكر.","vol":"1","page":33},{"text":"عبيدك الطائعون نبرأ إليك مما ألصق بنا واتهمنا به ونتبرأ من كل من أشرك مع الله غيره ١ وقال تعالى: ﴿وَمَا مِنَّا إِلا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾ الصافات (١٦٤-١٦٦) . إجمال ثم تفصيل. هذا الخلق له مقام معلوم يقوم بما كلف به دون إخلال به أو التجاوز والتعدي فيه بل هم يقفون صفوفًا في طاعتهم وفي هذه الهيئة من الجمال في أداء الطاعة ما لا يستطيع الوصف بيانه. ولذا شبهت صفوف المسلمين في الصلاة في الحياة الدنيا كصفوف الملائكة.\nعن حذيفة ﵁ قال: قال صلي الله عليه وسلم: \"فضلنا عن الناس بثلاث: جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة، وجعلت لنا الأرض كلها مسجدا وجعلت تربتها لنا طهورا إذا لم نجد الماء\" ٢.\nواصطفاف الملائكة هنا من أجل تسبيح الله سبحانه وتعظيمه وتنزيه عن العيوب والنقائص.\nيقول ابن كثير في معنى قوله ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾ أي نصطف فنسبح الرب ونمجده ونقدسه وننزهه عن النقائص فنحن عبيد له فقراء إليه خاضعون لديه ٣.\nوقد أخبر الله ﷾ أن الملائكة يوم القيامة يحفون بالعرش مسبحين لله وحامدين ومنزهين لله تعالى من الجور والنقائص.\nقال تعالى: ﴿وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ الزمر ٧٥.\nقال ابن كثير: \"أخبر عن ملائكته أنهم محدقون من حول العرش المجيد يسبحون بحمد ربهم ويمجدونه ويعظمونه ويقدسونه وينزهونه عن النقائص والجور وقد فصل القضية وقضي الأمر وحكم بالعدل\"٤.\nوفصل القول سبحانه فيمن يحمل العرش ومن حوله في آية غافر فقال سبحانه\n_________\n١تفسير القرآن العظيم ٥/٥٥٩ ط دار الفكر\n٢رواه مسلم في كتاب المساجد ١/٣٧١ رقم ٤\n٣تفسير القرآن العظيم ٦/ ٤٠ ط دار الفكر\n٤تفسير القرآن العظيم ٦/١١٨.ط دار الفكر.","vol":"1","page":34},{"text":"﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ الآيات ٧-٩.\nوفي هذه الآية وآية الزمر جمعت أو قرنت الملائكة بين التسبيح والتحميد.\nوحكمة ذلك أن التسبيح يتضمن تنزيه الباري عن العيوب والنقائص.\nوالتحميد يتضمن إثبات صفة المدح والثناء عليه ١. وهذا النص في سورة غافر يتضمن عدة أعمال تقوم بها الملائكة غير التسبيح وهي الحمد لله سبحانه والإيمان به والاستغفار للمؤمنين ودعاء الرب سبحانه بالمغفرة لمن تاب واتبع سبيله والشهادة لله سبحانه أن رحمته وسعت كل شيء وأن علمه محيط بكل شيء كما أنه سبحانه عزيز فيما يفعل وحكيم فيما يفعل وحكيم فيما يصنع.\nوقال تعالى: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الأَرْضِ أَلا إِنَّ الله هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ الشورى ٥.\nوقد امتدح الله سبحانه الملائكة في أداء عملهم وأنهم يقومون بأدائه دون سآمة أو ملل وعاب على الذين يستكبرون عن عبادته. قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ الأعراف ٢٠٦.\nوقال تعالى: ﴿فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ﴾ فصلت ٣٨.\nقال ابن كثير: \"وإنما ذكرهم بهذا ليقتدى بهم في كثرة طاعتهم وعبادتهم\"٢.\nوقال ابن العربي: \"هذه الآية مرتبطة بما قبلها ومنتظمة مع ما سبقها وهي إخبار من الله تعالى عن الملائكة بأنهم في عبادتهم التي أمروا بها دائمون وعليها قائمون وبها عاملون فلا تكن من الغافلين فيما أمرت به وكلفته وهذا خطابه والمراد جميع الأمة\"٣.\n_________\n١انظر تفسير القرآن العظيم ٦/١٢٤١\n٢تفسير القرآن العظيم ٣/٢٧٢\n٣أحكام القرآن العظيم ٢/٨٢٩.","vol":"1","page":35},{"text":"ب- الحمد: والحمد هو إثبات صفة المدح لله تعالى والثناء عليه سبحانه وقد سبق ذكر الآيات التي تنص على حمد الملائكة ﵈ لربهم في الفقرة السابقة.\nج- السجود: ورد السجود في القرآن بالنسبة للملائكة على صورتين:\nالأولى: أن من عمل الملائكة ﵈ السجود - لله سبحانه - المستمر الدائم فهم به قائمون وعاملون دون فتور أو ملل.\nقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ الأعراف ٢٠٦.\nالثانية: أنهم مأمورون بالسجود لغير الله سبحانه وهو السجود لآدم عليه وعليهم السلام.\nقال تعالى: ﴿ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ﴾ الأعراف ١١.\nوقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَأٍ مَسْنُونٍ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ إِلا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ﴾ الحجر (٢٨- ٣١) .\nوقال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا﴾ الإسراء ٦١. وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ الكهف ٥٠.\nوقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ أَبَى فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى﴾ طه (١١٥-١١٧) .\nوقال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِين فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ. إِلا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِين﴾ ص (٧١-٧٤) .","vol":"1","page":36},{"text":"وتنفيذ الملائكة لهذا السجود لآدم ﵇ هو تنفيذ لأمر الله وامتثالا له وتعظيمًا واحترامًا لما أمر به سبحانه وهو في الوقت نفسه كرامة من الله سبحانه امتن بها على أبينا آدم حيث أسجد له ملائكته. كما ورد في الحديث الصحيح عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ ِ قال: \"يجتمع المؤمنون يوم القيامة فيقولون لو استشفعنا إلى ربنا فيأتون آدم فيقولون أنت أبو الناس خلقك الله بيده وأسجد لك ملائكته وعلمك أسماء كل شيء فاشفع لنا إلى ربك ... \" ١ الحديث.\nقال قتادة \"فكانت الطاعة لله والسجدة لآدم، أكرم الله آدم أن أسجد له ملائكته\"٢.\nد- قبض الأرواح:\nقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ الله وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا فَأُولَئِكَ عَسَى الله أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ الله عَفُوًّا غَفُورًا﴾ النساء (٩٧-٩٩) .\nوقال تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ﴾ الأنعام ٦١.\nوالمراد بالرسل هنا الملائكة الموكّلون بقبض الأرواح.\nقال ابن عباس: \"لملك الموت أعوان من الملائكة يخرجون الروح من الجسد فيقبضها ملك الموت إذا انتهت إلى الحلقوم\"٣.\nقال ابن كثير: \"وقوله (لا يفرطون) أي في حفظ روح المتوفى بل يحفظونها وينزلونها حيث شاء الله ﷿، إن كان من الأبرار ففي عليين، وإن كان من الفجار ففي سجين عياذًا بالله من ذلك \"٤\n_________\n١رواه مسلم في كتاب اليمان باب أدنى أهل الجنة منزلة رقم ٣٢٧.\n٢تفسير القرآن العظيم ١/١٣٥.\n٣تفسير القرآن العظيم ١/١٣٥. دار الفكر.\n٤تفسير القرآن العظيم ٣/٣٣.","vol":"1","page":37},{"text":"وقال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا َنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى الله غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ الأنعام ٩٣.\nوقال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ. ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ الله لَيْسَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ الأنفال ٥١.\nوقال تعالى: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ ...﴾ الآية٢٨ النحل.\nوقال تعالى: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ. هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ ...﴾ الآية النحل (٣١-٣٣) وقال تعالى: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ السجدة آية ١١.\nيقول ابن كثير في تفسير هذه الآية. \"الظاهر من هذه الآية أن ملك الموت شخص معين من الملائكة كما هو المتبادر من حديث البراء ... وقد سُمّي في بعض الآثار بعزرائيل وهو المشهور قاله قتادة. وغير واحد وله أعوان وهكذا ورد في الحديث أن أعوانه ينتزعون الأرواح من سائر الجسد حتى إذا بلغت الحلقوم تناولها ملك الموت١ اهـ وقد ذكر بعض الآثار عن ملك الموت فتراجع.\nوقال تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾ محمد آية ٢٧. وقال ابن كثير في تفسير هذه الآية. \"أي كيف حالهم إذا جاءتهم الملائكة لقبض أرواحهم وتعاصت الأرواح في أجسادهم واستخرجتها الملائكة بالعنف والقهر والضرب\"٢.\nهـ- الحفظ:\nوهذا العمل من الملائكة نوعان:\n_________\n١تفسير القرآن العظيم ٥/٤٠٧ ط دار الفكر\n٢تفسير القرآن العظيم ٦/٣٢٢ ط دار الفكر","vol":"1","page":38},{"text":"الأول: حفظهم للعبد في حله وترحاله وفي نومته ويقظته من كل سوء وحدث. قال تعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ الله إِنَّ الله لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ الرعد آية ١١. قال ابن عباس: \" المعقبات من الله هي الملائكة. وعنه قال \"ملائكة يحفظونه من بين يديه ومن خلفه فإذا جاء قدر الله خلوا عنه\"١ وقال مجاهد: \"ما من عبد إلا له ملك موكل يحفظه في نومه ويقظته من الجن والإِنس والهوام، فما منها شيء يأتيه يريده إلا قال له: \"الملك وراءك إلا شيء أذن الله فيه فيصيبه\" وقال تعالى: ﴿وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً﴾ الأنعام آية٦١\". قال ابن كثير: \"أي من الملائكة يحفظون بدن الإنسان ٢ قلت ويحتمل أن المراد منها أيضا حفظ أعمال بني آدم خيرها وشرها. فإن لفظ حفظة نكرة. وقد وردت في سياق الإثبات فهي تفيد الإطلاق.\nقال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَكْلأُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ﴾ الأنبياء٤٢.\nوقال تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ قال ابن كثير: \"أي كل نفس عليها من الله حافظ يحرسها من الآفات كما قال تعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ الله إِنَّ الله﴾ \"٣.\nالثاني: حفظ أعمال العباد خيرها وشرها. قال تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ﴾ الأنعام ٦١. وسبق أن ذكر أن الحفظة هنا يحتمل الأمرين حفظ الإِنسان، وحفظ أعماله. لكن ورد ما هو نص في حفظ الأعمال. قال تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَامًا كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ الانفطار (١٠-١٢) . قال ابن كثير \"يعنى وإن عليكم لملائكة حفظة كرامًا فلا تقابلوهم بالقبائح فإنهم يكتبون عليكم جميع أعمالكم\"٤. وقال تعالى: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ، مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ ق آية ١٧-١٨.\n_________\n١تفسير القرآن العظيم٤/٧٣.ط دار الفكر.\n٢تفسير القرآن العظيم ٣/٣٣.ط دار الفكر\n٣تفسير القرآن العظيم ٧/٣٦٥.ط دار الفكر.\n٤تفسير القرآن العظيم ٧/٢٣٤.ط دار الفكر.","vol":"1","page":39},{"text":"وقال تعالى: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ الزخرف.٨. قال ابن كثير: \"أي نحن نعلم ما هم عليه والملائكة أيضا يكتبون أعمالهم صغيرها وكبيرها\"١.\nوالشفاعة:\nقال الله تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ الأنبياء٢٨.\nوقد ورد في الحديث القدسي: \"فيقول الله ﷿ شفعت الملائكة وشفع النبيون وشفع المؤمنون ولم يبق إلا أرحم الراحمين\" وفي رواية \"فيشفع النبيون والملائكة والمؤمنون فيقول الجبار بقيت شفاعتي\" ٢.\nز- القتال مع المؤمنين:\nإن مشاركة الملائكة للمؤمنين في القتال ثابتة بالقرآن والسنة وهي منة عظيمة من الله على عباده المؤمنين ونصرة لهم على عدوهم وكرامة لهم قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ الله بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا الله لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةُ مُسَوِّمِينَ﴾ آل عمران (١٢٣-١٢٥) . وقال تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ وَمَا جَعَلَهُ الله إِلا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلا مِنْ عِنْدِ الله إِنَّ الله عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ الأنفال ١٠.\nوعن معاذ بن رفاعة الزرقي عن أبيه وكان أبوه من أهل بدر قال: جاء جبريل إلى النبي ﷺ فقال: \"ما تعدون أهلِ بدر فيكم؟ قال: من أفضل المسلمين- أو كلمة نحوها- قال: وكذلك من شهد بدراَ من الملائكة\" ٣.\nوعن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: \"يوم بدر: هذا جبريل آخذ برأس فرسه عليه أداة الحرب\" ٤.\n١تفسير القرآن العظيم ٥/٢٤٠ط دار الفكر، وانظر معارج القبول ١/٦٧.\n٢رواه البخاري في كتاب التوحيد باب قول الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ ١٣/٤٢١ مع الفتح.\n٣ رواه البخاري في المغازي باب شهود الملائكة بدرا ٣/٩٠/٩١.\n٤رواه البخاري في المغازي باب غزوة أحد ٣/١٠٢.","vol":"1","page":40},{"text":"وعنه أيضا قال: قال النبي ﷺ يوم أحد هذا جبريل آخذ برأس فرسه عليه أداة الحرب\nوعن عبد الله بن عباس ﵄ قال حدثني عمر بن الخطاب ﵁ قال: \"لما كان يوم بدر نظر رسول الله ﷺ إلى المشركين وهم ألف، وأصحابه ثلاثمائة وتسعة عشر رجلا فاستقبل نبي الله القبلة ثم مد يديه فجعل يهتف بربه اللهم أنجز لي ما وعدتني اللهم آت ما وعدتني اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإِسلام لا تعبد في الأرض\" ... فأمده الله بالملائكة ...\nقال أبو زميل فحدثني ابن عباس قال: \"بينما رجل من المسلمين يومئذ يشتد في أثر رجل من المشركين أمامه إذ سمع ضربة بالسوط فوقه، وصوت الفارس يقول: أقدم حيزوم فنظر إلى المشرك أمامه فخر مستلقيًا فنظر إليه فإذا هو قد خُطِمَ أنفه، وشق وجهه كضربة السوط فاخضّر ذلك أجمع فجاء الأنصاري فحدث بذلك رسول الله ﷺ: \"فقال صدقت ذلك من مدد السماء الثالثة. فقتلوا يومئذ سبعين وأسروا سبعين\" ١ الحديث. قال ابن كثير:\n\"المشهور ما رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: أيد الله نبيه خيالها والمؤمنين بألف من الملائكة وكان جبريل في خمسمائة من الملائكة مجنبة، ميكائيل في خمسمائة مجنبة\"٢.\nوالمراد بالمجنبة هي التي تكون في الميمنة والميسرة.\nوهذه المشاركة القتالية من الملائكة مع المؤمنين بأمر الله سبحانه تفيد أيضًا تثبيت المؤمنين وتقوية عزائمهم وقد بين الله ذلك في كتابه وامتن به على المؤمنين فقال تعالى: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ الأنفال ١٢.\n١ رواه مسلم في الجهاد ٣/١٣٨٣ رقم ٥٨،واحمد في المسند ١/٣٠\n٢ تفسير ابن كثير ٣/٥٥٨. ط الشعب.","vol":"1","page":41},{"text":"قال ابن كثير: \"وهذه نعمة خفية أظهرها الله تعالى لهم ليشكروه عليها وهوانه تعالى وتقدس وتبارك وتمجد أوحى إلى الملائكة الذين أنزلهم لنصر نبيه ودينه وحزبه المؤمنن يوحى إليهم فيما بينه وبينهم أن ثبتوا الذين آمنوا\"١.\nح- النزول:\nأولا: النزول بالوحي:\nسبق البيان أن الله سبحانه اصطفى من الملائكة رسلا. وكذلك من الناس قال تعالى: ﴿الله يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ وهو ومهمة أولئك الملائكة المصطفين النزول بالوحي.\nقال سبحانه ﴿أَتَى أَمْرُ الله فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ. يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاتَّقُونِ﴾ النحل (١-٢) .\nوقال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ، نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ الشعراء (١٩٢- ١٩٥) .\nقال ابن كثير في معنى قوله ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ﴾: \"وهو جبريل﵇ - قاله غير واحد من السلف. ابن عباس ومحمد بن كعب وقتادة وعطية العوفي والسدي والضحاك والزهري وابن جريح، وهذا مما لا نزاع فيه\"٢.\nوقال تعالى: ﴿فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا. فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا. عُذْرًا أَوْ نُذْرًا﴾ المرسلات ٤- ٦.\nنقل ابن كثير في معناها عن السلف أنها الملائكة ثم قال: \"قال ابن مسعود وابن عباس ومسروق ومجاهد وقتاة والربيع بن أنس والسدي والثوري ولا خلاف هاهنا فإنها تنزل بأمر الله على الرسل تفرق بين الحق والباطل، والهدى والغي، والحلال والحرام، وتلقي إلى الرسل وحيًا فيه إعذار إلى الخلق وإنذار لهم عقاب الله إن خالفوا أمره\"٣.\n_________\n١تفسير القرآن العظيم ٣/٢٩٠.\n٢تفسير القرآن العظيم ٥/٢٠٥\n٣تفسير القرآن العظيم ٧/١٨٩.","vol":"1","page":42},{"text":"وقال تعالى: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ، سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ القدر آية (٤-٥) . وهذا النص ذكر تنزيل الملائكة عمومًا ثم تنزيل الروح - وهو جبريل ﵇ - خصوصًا وهو من باب عطف الخاص على العام١ ونزول الملائكة أو تنزيلهم مشروط بإذن الله سبحانه لهم. قال تعالى: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ مريم آية ٦٤.\nوعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ لجبريل: \"ما يمنعك أن تزورنا أكثر مما تزورنا؟ فنزلت ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا﴾ ٢ وقد ثبت في الصحيح أن النبي ﷺ كان يدارس القرآن مع جبريل ﵇ كل عام مرة إلا في العام الذي قبض فيه فإنه عرض القرآن مرتين.\nثانيا: النزول عند تلاوة القرآن الكريم:\nعن أسيد بن حضير ﵁ قال: \"بينما هو يقرأ من الليل سورة البقرة، وفرسه مربوط عنده إذ جالت الفرس فسكت فسكنت، فقرأ فجالت الفرس، فسكت وسكت الفرس ثم قرأ فجالت الفرس فانصرف.\nوكان ابنه يحي قريبًا منها فأشفق أن تصيبه فلما أجتَّره رفع رأسه إلى السماء حتى ما يراها فلما أصبح حدث النبي ﷺ فقال له اقرأ يا ابن حضير اقرأ يا ابن حضير. قال فأشفقت يا رسول الله أن تطأ يحي، وكان منها قريبًا فرفعت رأسي فانصرفت إليه، فرفعت رأسي إلى السماء، فإذا مثل الظلة فيها أمثال المصابيح فخرجت حتى لا أراها قال: وتدري ما ذاك؟ قال لا قال \"تلك الملائكة دنت لصوتك ولو قرأت لأصبحتْ ينظر الناس إليها لا تتواري منهم\" ٣.\nثالثا: النزول عند حلق الذكر والقعود معهم:\nعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: \"إن لله ﵎ ملائكة سيارة فضلاء يتبعون مجالس الذكر فإذا وجدوا مجلسًا فيه ذكر قعدوا معهم وحف بعضهم بعضًا\n_________\n١تفسير القرآن العظيم ٧/٣٣٣.\n٢رواه البخاري في التفسير باب وما نتنزل إلا بأمر ربك ٩/٤٢٨ مع الفتح.\n٣ رواه البخاري في فضائل القرآن باب نزول السكينة والملائكة عند قراءة القرآن ٩/٦٣ مع الفتح.","vol":"1","page":43},{"text":"بأجنحتهم حتى يملؤا ما بينهم وبين السماء الدنيا فإذا تفرقوا عرجوا وصعدوا إلى السماء\". الحديث هذه رواية مسلم١.\nوفي البخاري \"إن لله ملائكة يطوفون في الطرق يلتمسون أهل الذكر فإذا وجدوا قومًا يذكرون الله تنادوا هلموا إلى حاجتكم قال فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا\". وعن أبي مسلم الأغر أنه قال: أشهد على أبي هريرة وأبي سعيد الخدري أنهما شهدا على النبي ﷺ أنه قال: \"لا يقعد قوم يذكرون الله ﷿ إلا حفتهم الملائكة وغشيتهم الرحمة، ونزلت السكينة، وذكرهم الله فيمن عنده\" ٢.\nوعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \" ... ومن سلك طريقًا يلتمس فيها علمًا سهل الله بها طريقا إلى الجنة، وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم فيمن عنده، ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه\" ٣.\nرابعا: النزول لشهود الصلاة ورفع أعمال العباد:\nقال تعالى: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \" يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل، وملائكة بالنهار ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر، ثم يعرج الذين يأتوا فيكم فيسألهم وهو أعلم كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: تركناهم وهم يصلون وآتيناهم وهم يصلون\" ٤.\nوعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"تجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة الفجر وصلاة العصر فيجتمعون في صلاة الفجر فتصعد ملائكة الليل، وتثبت ملائكة النهار ويجتمعون في صلاة العصر فتصعد ملائكة النهار، وتثبت ملائكة الليل\n_________\n١ رواه مسلم في الذكر والدعاء باب فضل مجلس الذكر ٤/٢٠٦٩ رقم ٢٥ ورواه البخاري في الدعوات باب فضل ذكر الله ﷿ ١١/٢٠٨ مع الفتح.\n٢ رواه مسلم في الذكر والدعاء باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن وعلى الذكر ٤/٢٠٧٤ رقم ٣٩.\n٣رواه مسلم في الذكر والدعاء باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن وعلى الذكر ٤/٢٠٧٤ رقم ٣٨.\n٤رواه البخاري في مواقيت الصلاة باب فضل صلاة العصر ٢/٣٣ مع الفتح.","vol":"1","page":44},{"text":"فيسألهم ربهم كيف تركتم عبادي؟ فيقولون أتيناهم وهم يصلون وتركناهم وهم يصلون فاغفر لهم يوم الدين\" ١.\nوعن أبي هريرة ﵁ قال: \"وتجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة الفجر. قال أبو هريرة: واقرءوا إن شئتم ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ \" ٢.\nقال ابن حجر: وفي الترمذي والنسائي من وجه آخر بإسناد صحيح عن أبي هريرة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ قال تشهده ملائكة الليل والنهار٣.\nالإِيمان بالرسل\nالرسل جمع رسول: وهو كل من أوحى إليه من البشر بشرع وأمر بتبليغه٤.\nوالإيمان بهم أحد أركان الإِيمان الستة وهو يتضمن الآتي:\n١- الإِيمان بجميعهم تفصيلا فيما فصل، وإجمالا فيما أجمل٥\n٢- الإِيمان بأن دعوتهم جميعا متفقة في الأصل وهي الدعوة إلى توحيد الله سبحانه ونفي ما يضاد ذلك.\n٣- الإِيمان بأنهم صادقون فيما قالوا وفيما دعوا الناس إليه وأنهم على الحق المبين والصراط المستقيم. يقول ابن تيميه: \"ولهذا أجمع أهل الملل قاطبة على أن الرسل معصومون فيما يبلغونه عن الله ﵎، لم يقل أحد أن من أرسله الله يكذب عليه، وقد قال تعالى ما يبين إنه لا يقر كاذبا عليه بقوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ الحاقة ٤٤-٤٧.\n٤- الإِيمان بأنهم بلغوا رسالة ربهم كما أوحاها الله إليهم بدون زيادة أو نقص.\n_________\n١رواه ابن خزيمة في صحيحه ١/١٦٥ وانظر فتح الباري ٢/٣٦.\n٢رواه مسلم في المساجد ١/٤٥٠ رقم ٢٤٦ والبخاري في الآذان باب فضل صلاة الفجر جماعة ٢/١٣٧ مع الفتح.\n٣فتح الباري ٢/٣٦.\n٤معارج القبول ١/٧٨ ونبذة في العقيدة الإسلامية ص٢٥ لابن العثيمين.\n٥معارج القبول ١/٨٠.","vol":"1","page":45},{"text":"٥- الإيمان بأن الله بعث في كل أمة رسولا يدعوهم إلى عبادة الله وحده.\nآ- الإيمان بأن الله سبحانه فضل بعضهم على بعض ورفع بعضهم على بعض درجات.\n٧- الإيمان بأن الله سبحانه خص بعضهم بخصائص دون بعض فخص إبراهيم ومحمد بالخلّة وموسى بالتكليم، وإدريس بالرفع في المكان العلي، وعيسى روح منه، حيث خلقه من غير أب، وأنه عبده ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم.\n٨- الإيمان بأن من كفر بواحد منهم فهو كافر بالجميع.\n٩- الإيمان بأن خاتمهم هو محمد ﷺ وأنه لا نبي بعده.\n١٠- العمل بشرعيته ﵇ دون من سواه.\n١١- الإيمان بكل ما أخبروا به.\nأما ثمرة الإيمان بهذه الركن العظيم فتتمثل في الآتي:\nأ- العلم بعناية الله سبحانه بخلقه ورحمته بهم حيث خلقهم ورزقهم ولم يتركهم هملا. بل أرسل إليهم رسولا منهم بشيرا ونذيرا، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا. قال تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ التوبة ١٢٨.\n٢- شكر الله سبحانه والثناء عليه على تفضله وإنعامه على خلقه ورعايته لهم.\n٣- محبة الرسل وتقديرهم وتعظيمهم والثناء عليهم لما قاموا به من تنفيذ الأوامر الإلهية. ولما تحمّلوه من الأذى والتعب والمشقة في سبيل ذلك من أقوالهم.\n٤- الاتباع وعدم الابتداع ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ آل عمران ٣١.\n﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ آل عمران ٣٢.\n٥- معرفتهم ومعرفة ما يدعون إليه وعدم الإعراض عنهم فإن الإعراض ناقض من نواقص الإسلام.\n٦- التمسك بهديهم وعدم الخروج عنه ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ الأنعام ٩٠.\nولفظ الرسل ورد في القرآن الكريم والمراد به معنيان.","vol":"1","page":46},{"text":"الأول: الرسل من البشر ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ﴾ الحاقة ٤٠-٤١. فالمراد بالرسل هنا محمد ﷺ.\nالثاني: الرسل من الملائكة. وقد نص الله سبحانه على اتخاذ الرسل منهم في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا﴾ الحج ٧٥. ونص سبحانه على جبريل - ﵇ - ومن ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ﴾ التكوير١٩-٢٠ فالمراد بالرسل هنا جبريل.\nوأول الرسل من البشر نوح - ﵇ - وآخرهم محمد ﷺ ١.\nقال تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ النساء١٦٣.\nوقال تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ الأحزاب ٤٠.\nوثبت في الحديث الصحيح حديث الشفاعة: \"أن الناس يذهبون إلى نوح، فيقولون: أنت أول رسول بعثه الله إلى أهلِ الأرض\" الحديث.\nفهذا نص صحيح وصريح في أن نوحاَ - ﵇ - أول الرسل.\nوقد ذكر الله سبحانه من أخبارهم وقصصه وأنبائهم مافيه ذكرى للذاكرين، وموعظة للمتعظين.\nورسل الله سبحانه كثر لا يحصيهم عددًا إلا خالقهم ولذا قال سبحانه لنبيه محمد ﷺ.: ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ النساء١٦٤.\nوقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ﴾ الآية غافر ٧٨.\nوخص الله سبحانه منهم خمسة بالذكر في سورتي الأحزاب والشورى.\nقال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ الأحزاب ٧.\n_________\n١ انظر معارج القبول ١/٨٠ ودروس وفتاوى من الحم المكي ص٢٠١ لابن العثيمين وتفسير القرآن العظيم ٣/١٨٢.ط دار الفكر.","vol":"1","page":47},{"text":"وقال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾ الشورى ١٣.\nوهؤلاء الخمسة يسمون أولي العزم من الرسل١. \"لما تميزوا به الحزم والجد والصبر وكمال العقل، ولم يرسل الله تعالى من رسول إلا وهذه الصفات فيه مجتمعة، غير أن هؤلاء الخمسة أصحاب الشرائع المشهورة هم الذين يتراجعون الشفاعة بعد أبيهم آدم - ﵇ - حتى تنتهي إلى نبينا محمد ﵇ فيقول: أنا لها ... والقول! بأن أولي العزم هم هؤلاء الخمسة هو قول ابن عباس وقتادة ومن وافقهما وهو الأشهر\"٢.\nوقد أخذ الله تعالى العهد على النبيين جميعا بأن يصدق بعضهم بعضا، ويؤمن بعضهم ببعض، وبنصر اللاحق السابق، وأن يقيموا الدين ولا يتفرقوا فيه قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ آل عمران ٨١،٨٢.\nوقال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ الأحزاب ٧.\nوقال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾ الشورى ١٣.\nوالدين الذي يبلغونه ويدعون إليه واحد وهو عبادة الله وحده لا شريك له.\nقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ الأنبياء٢٥. وقال تعالى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا\n١ انظر تفسير القرآن العظيم ٥/٤٢٧ ط دار الفكر ومعارج القبول ١/٨١.\n٢ معارج القبول ١/٨١.","vol":"1","page":48},{"text":"مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ الزخرف ٤٥. وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ النحل ٣٦.\nوفي الحديث \"نحن معشر الأنبياء أولاد علات ديننا واحد\" ١.\nأولا: نوح ﵇\nتنوع أساليبه في الدعوة.\nأ- دعا قومه إلى عبادة الله وحده.\nأول ما بدأ به قومه - ﵇ - دعوتهم إلى توحيد الله سبحانه وعبادته وحده لاشريك له وهذا هو أساس استقامة أمر الناس في حياتهم، والنجاة لهم بعد مماتهم. قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ الأعراف ٥٩.\nوقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾ هود ٢٥-٢٦.\nوقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ المؤمنون ٢٣.\nوقال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلا تَتَّقُونَإِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ، وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ الشعراء١٠٦-١١٠.\nوقال تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ نوح ١-٤.\n_________\n١ قال ابن كثير \"أي وهو عبادة الله وحده لا شريك له وإن تنوعت شرائعنا وذلك معنى قوله أولاد علات وهم الإخوة من أمهات شتى والأب واحد\" ٣/٥١٧.","vol":"1","page":49},{"text":"٢- حرصه - ﵇ - على نجاة قومه من العذاب، وتخوفه عليهم، وشفقته بهم.\nقال تعالى: ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ الأعراف ٥٩. وقال تعالى: ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾ هود ٢٦.\n٣- تذكيره إياهم أنه - ﵇ - لا يطلب منهم أجرا فيما يدعوهم إليه فلا تتولوا وتبتعدوا فإن أجري على من أرسلني.\nوقال تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلَى اللَّهِ﴾ يونس ٧٢.\nوقال تعالى: ﴿وَيَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلَى اللَّهِ﴾ هود ٢٩.\nوقال تعالى: ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ الشعراء١٠٩.\n٤- إخباره إياهم أنه مرسل من رب العالمين نذير مبين ورسول أمين، ليكون من المسلمين، ومبلغا لهم ما أرسل به من ربهم، وناصحا لهم أمين، وأنه - ﵇ - يعلم من الله مالا يعلمون.\nقال تعالى: ﴿وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ الأعراف ٦١-٦٢.\nوقال تعالى: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ يونس ٧٢.\nوقال تعالى: ﴿إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ هود ٢٥.\nوقال تعالى: ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ الشعراء١٠٧.\n٥- تجهيله لقومه لكونهم لا يعرفون القيم الحقيقية التي يوزن بها الناس عند الله سبحانه وتذكيره - ﵇ - إياهم بعقاب الله إن أجاب إلى قيمهم الجاهلية الأرضية.\nقال تعالى: ﴿... وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ، وَيَا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ هود ٢٨-٢٩.\n٦- تذكيره - ﵇ - لهم بالقيم الحقيقية الصحيحة. في شخصه الكريم ورسالته الطاهرة بعيدا عن كل ما يشوبه أو يشوه رسالته من المظاهر الزائفة ونحوها قال","vol":"1","page":50},{"text":"تعالى: ﴿وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ هود ٣١.\nيقول سيد قطب: \"وهكذا ينفى نوح - ﵇ - عن نفسه وعن رسالته كل قيمة زائفة، وكل هالة مصطنعة يتطلبها الملأ من قومه في الرسول والرسالة، ويتقدم إليهم بها مجردة إلا من حقيقتها العظيمة التي لا تحتاج إلى مزيد من تلك الأغراض السطحية، ويردهم في نصاعة الحق وقوته، مع سماحة القول وودّه إلى الحقيقة المجردة ليواجهوها ويتخذوا لأنفسهم خطة على هداها بلا ملق ولا زيف ولا محاولة استرضاء على حساب الرسالة وحقيقتها البسيطة فيعطي أصحاب الدعوة في أجيالها جميعا نموذجا للداعية، ودرسا في مواجهة أصحاب السلطان، بالحق المجرد، دون اسزضاء لتصوراتهم ودون ممالأة لهم مع المودة التي لا تنحنى معها الرؤوس\"١.\n٧- السخرية بهم مع التوعد لهم بالعذاب المخزي والمقيم.\nقال تعالى: ﴿وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ هود ٣٨-٣٩.\n\"وهنا ينبغي أن نقف وقفة لها مغزاها عند قوله \"عذاب يخزيه\" لننبه القارئ إلى أن من العذاب ما هو مشرف لذات المعذب رافع له فوق الهامات، كالعذاب الذي يحل بالرسل عند قيامهم بواجبهم، وعذاب المصلحين، وأرباب المبادئ الحقل حينما يدعون الناس إلى عقائدهم فأولئك عذابهم مر على الأجساد، حلو على القلوب، عذابهم رافع لدرجاتهم، وتمحيص لنفوسهم، وهذا عذاب المجاهدين في سبيل الله، والمقاتلين لإعلاء كلمته، يتقدم إليه المؤمنون، وشمارع إليه المخلصون، لا لأنه حلو المذاق، لذيذ الطعم، بل لأن من ورائه من النعيم مالا عين رأت ولا أذن سمدت، ولا خطر على قلب بشر، ذلك هو العذاب، العذاب الذي يجعل صاحبه مثلا كاملا في الفضيلة، ونكران الذات.\n_________\n١ في ظلال القرآن ٤/١٨٧٥.ط دار الشرق.","vol":"1","page":51},{"text":"أما عذاب أعداء الحق، وحزب الشيطان، وأنصار الشهوة والهوى، فذلك هو العذاب الذي يخزي صاحبه، ويفضح من وقع به، ذلك هو عذاب أعداء الرسل، وخصوم الحق\"١ اهـ.\n٨- دعوته إياهم إلى تقوى الله وطاعته.\nقال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ الشعراء ١٠٨ وقال تعالى: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ﴾ نوح ٣.\n٩- تذكيرهم بالأجل المسمى لهم قبل مجيئه.\nقال تعالى: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ نوح ٤\n١٥- دعوته لقومه بالليل والنهار والسر والعلن دون يأس ولا قنوط. قال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا﴾ نوح هـ.\nوقال تعالى: ﴿ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا﴾ نوح ٩.\n١١- الترغيب في طاعة الله سبحانه وذلك بتذكيرهم بفضل الله سبحانه وإحسانه إليهم وعظيم آياته في أنفسهم وفي الكون المشاهد. قال تعالى: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾ .\n١٢- الترهيب من عدم الاستجابة لله. وذلك بتذكيرهم إلى خلق الله سبحانه وآياته في أنفسهم وفي الآفاق. قال تعالى: ﴿مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الأَرْضِ نَبَاتًا، ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ بِسَاطًا، لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا﴾ نوح ١٣-٢٠.\n_________\n١ دعوة الرسل إلى الله تعالى ص٩ محمد احمد العدوى.","vol":"1","page":52},{"text":"موقف الملأ منه:\nا- تكذيبه ووصفه بالضلال البين والافتراء.\nقال تعالى: ﴿قَالَ الْمَلأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ الأعراف ٦٥.\nوقال تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ﴾ الأعراف ٦٤.\nوقال تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلائِفَ﴾ يونس ٧٣.\nوقال تعالى: ﴿وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ﴾ هود ٢٧.\nوقال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ﴾ هود ٢٥.\nوقال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ الشعراء١٠٥.\nوقال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ﴾ الشعراء١١٧.\nإنها مواقف مخزية، وهي مواقف الفجار ضد الأبرار في كل زمان ومكان فالأبرار يدعونهم إلى النجاة والفجار يدعونهم إلى النار، وما يستوي الأعمى ولا البصير، ولا الظلمات ولا النور.\n٢- اتهامهم لنوح أنه بشر مثلهم وهذا بزعمهم أنه لا يصح أن يكون مرسلا. بل الأولى أن يكون ملكا.\nقال تعالى: ﴿فَقَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلا بَشَرًا مِثْلَنَا﴾ هود ٢٧.\nوقال تعالى: ﴿فَقَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لأَنْزَلَ مَلائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الأَوَّلِينَ﴾ المؤمنون ٢٤.\n٣- إن اتباعه هم من أراذل القوم أصالة وعقلا ومكانة قال تعالى: ﴿وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْي﴾ هود ٢٧.\nوقال تعالى: ﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الأَرْذَلُونَ﴾ الشعراء١١١.\nوهذه قولة أهل الباطل فيمن سلك طريق الحق والصواب، ويدفعهم في ذلك الكبر والاستعلاء بغير حق ولا برهان وإلا فالحق في ذاته صحيح سواء اتبعه وأخذ به الأشراف من القوم أو الأراذل كما يزعم الظالمون.","vol":"1","page":53},{"text":"يقول ابن كثير ﵀: \"هذا اعتراض الكافرين على نوح - ﵇- وأتباعه، وهو دليل على جهلهم وقلة علمهم وعقلهم، فإنه ليس بعار على الحق رذالة من اتبعه، فإن الحق في نفسه صحيح سواء اتبعه الأشراف أو الأراذل، بل الحق الذي لاشك فيه أن أتباع الحق هم الأشراف ولو كانوا فقراء، والذين يأبونه هم الأراذل، ولو كانوا أغنياء، ثم الواقع غالبا أن ما يتبع الحق ضعفاء الناس، والغالب على الأشراف والكبراء مخالفته\"١ اهـ.\nوشاهد هذا الكلام الرصين ما ورد في الحديث الصحيح أن هرقل سأل أبا سفيان فقال له: \"فأشراف الناس يتبعونه أم ضعفاؤهم؟ فقلت ضعفاؤهم. قال أيزيدون أم ينقصون؟ قلت بل يزيدون ... وسألتك: أشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم، فذكرت أن ضعفاءهم اتبعوه، وهم أتباع الرسل٢ الحديث.\n٤- تنكرهم لنوح﵇- ومن معه وزعمهم أنه ليسن لهم فضل عليهم لا في خلق وغير ذلك بل وصموه زيادة على هذا الزعم بالكذب قال تعالى: ﴿وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ﴾ هود ٢٧.\n٥- استعجالهم نقمة الله وعذابه وسخطه.\nقال تعالى: ﴿قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ هود ٣٢.\n٦- السخرية والاستهزاء به - ﵇ - قال تعالى: ﴿وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ﴾ هود ٣٨.\n٧- اتهامهم له - ﵇ - بالجنون والتربص به قال تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ﴾ المؤمنون ٢٥.\n٨- اللجوء إلى القوة بعد أن أعوزتهم الحجة. قال تعالى: ﴿قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ﴾ الشعراء١١٦.\n٩- الإصرار والاستكبار عن سماع دعوته.\n_________\n١ تفسير القرآن العظيم ٣/٥٤٧.ط دار الفكر.\n٢ رواه البخاري في كتاب الوحي ١/١٦،١٧.","vol":"1","page":54},{"text":"قال تعالى: ﴿وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا﴾ نوح ٧.\n١٥- العصيان والمكر الكبار مع الإصرار على الآلهة الباطلة وتضليل الناس قال تعالى: ﴿قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلا خَسَارًا وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلا ضَلالًا﴾ نوح ٢١-٢٤.\nمواقف نوح - ﵇ -.\nلقد اصطفى الله سبحانه نوحا - ﵇ - كما اصطفى غيره من الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام- على سائر أهل الأرض لما قام به من الدعية إلى دين الله، والصبر على ما لاقى من ذلك مع رباطة في الجأش وحزم في الرأي وقوة في الإرادة وثبات في الطريق، ووضوح في المنهج ونصح في القول، وتخوف على القوم، وتحد للباطل وأهله مع قوة توكل على ربه ولجوء إليه من البدء حتى النهاية.\nقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ آل عمران ٣٣-٣٤.\nيقول ابن كثير: \"واصطفى نوحا ﵇ وجعله أول رسول بعثه إلى أهل الأرض لما عبد الناس الأوثان، وأشركوا بالله مالم ينزل به سلطانا، وانتقم له لما طالت مدته بين ظهراني قومه يدعهم إلى الله ليلا ونهارا، وسرا وجهارا، فلم يزدهم ذلك إلا فرارا، فدعا عليهم، فأغرقهم الله عن أخرهم، ولم ينج منهم إلا من اتبعه على دينه الذي بعثه الله به \"١ اهـ.\nوإن هذا المقام الذي قام به نوح - ﵇ - في قومه مع ما وجد منهم لمقام عظيم لا يقوم به إلا المصطفون الأخيار ألف سنة إلا خمسين عاما وهو يتودد إليهم ويدعوهم بالليل والنهار والسر والعلانية. وما آمن معه إلا قليل.\n_________\n١تفسير القرآن العظيم ٢/٣٠.ط دار الفكر.","vol":"1","page":55},{"text":"قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ العنكبوت ٤ ١-١٥.\nومع هذا العمر الطويل والمليء بالمشاهد والأحداث العظيمة والاستمرار على التبليغ والبيان بالليل والنهار في حالتي الجهر والأسرار لم يسلم معه ويؤمن به إلا قليل.\nقال تعالى: ﴿... وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلا قَلِيلٌ﴾ هود ٤٠.\nيقول ابن كثير: \"أي نزر يسير مع طول المدة والمقام بين أظهرهم ألف سنة إلا خمسين عاما\"١.\nوبعد هذا العمر الطويل لنوح - ﵇ - ودعوته الطاهرة، وما لاقاه من الكرب العظيم من أولئك الممحوقين الذين تنكبوا الطريق المستقيم ووصموه بكل قول مشين، عرفوا أنه فعلا دعا ربه فاستجاب له، وجعل له ذكرا في الآخرين.\nقال تعالى: ﴿وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ الأنبياء٧٦-٧٧.\nوقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ سَلامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ. إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾ الصافات ٧٥-٨٢.\nوقال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ. تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ القمر ٩-١٥.\n_________\n١تفسير القرآن العظيم ٣/٥٥٢.","vol":"1","page":56},{"text":"وقال تعالى: ﴿وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ نوح ٢٦-٢٧.\nمواقفه من قومه:\n١) الحلم والأناة وعدم الرد بالمثل.\nقال تعالى: ﴿قَالَ الْمَلأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ الأعراف ٦٢-٦٥.\n٢) الحوار الهادئ الودود والمقنع المفيد:\nأ- الإِنكار عليهم في عدم قبولهم الموعظة الربانية والتي جاء بها نوح - ﵇ - من ربه.\nقال تعالى: ﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ الأعراف ٦٣.\nقال ابن كثير: \"أي لاتعجبوا من هذا فإن هذا ليس بعجب أن يوحى الله إلى رجل منكم رحمة بكم ولطفًا وإحسانًا إليكم لينذركم ولتتقوا نقمة الله ولا تشركوا به\"١.\n٢- عدم استطاعته هدايتهم إلى ما جاء به وهم له كارهون.\nقال تعالى: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ﴾ هود ٢٨.\nوقال تعالى: ﴿وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ هود ٣٤.\n٣) تقديمه دعوته وشخصه لا صفاء ونقاء بعيدًا عن كل ما يشوهها أو يكدر صفوهما. ويتجلى ذلك في الآتي:\nا- عدم طلب الأجر على تبليغ دعوته.\nقال تعالى: ﴿وَيَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلَى اللَّهِ﴾ الآية هود ٢٩.\n_________\n١تفسير القرآن العظيم ٣/١٨٣.ط دار الفكر.","vol":"1","page":57},{"text":"٢- عدم الاستجابة لقومه في طرد المؤمنين.\nقال تعالى: ﴿وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ هود ٢٩.\n٣- بيان قدر نفسه والبعد عن الادعاء أو الكمال الزائف.\nقال تعالى: ﴿وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ هود ٣١.\n٤) شجاعته - ﵇ - مع ثقته المطلقة بربه وتوكله عليه.\nقال تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآياتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ﴾ يونس ٧١.\nموقفه من أهله:\nمن سنن الله سبحانه في خلقه أنه سبحانه يبتليهم ليعلم من يطيعه أويعصاه وهو أعلم بكل شيء والابتلاءات متعددة ومتنوعة.\nومن أعظم والابتلاءات. الابتلاء بالأهل الملاصقين بالمبتلى ليل نهار ولذا أخبر الله سبحانه في كتابه العزيز بعداوتهم وفتنتهم وحذر منهم فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾ التغابن ١٤.\nوقال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ التغابن ١٥.\nوقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ المنافقون ٩.\nومع أنهم عدو وفتنة فهم زينة ومتاع الحياة الدنيا.\nقال تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ آل عمران ١٤.\nوقد ابتلى رسول الله نوح - ﵇ - بأمرين في أهله.","vol":"1","page":58},{"text":"الأمر الأول: ابتلى في زوجته حتى أصبحت مثلا يضرب بها في الخيانة في الإِيمان وفي نقل أخبار زوجها ونشر أسراره.\nقال تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ﴾ التحريم ١٥.\nوإنها لإحدى الكبر أن تصبح حليلته في الفراش وضجيعته والمخالطة للمسلمين بالليل والنهار، عونًا لأعداء زوجها وبوقًا ينفخ فيه، وعينًا للأعداء على الأقرباء.\nأما الأمر الثاني: فهروب ابنه منه - ﵇ - ولجوءه إلى أهل الضلالة والغاوية وعلى مرأى ومسمع من أبيه، وإنها لهي الكبرى الثانية التي ابتلى بها نوح في فلذة كبده، وقرة عينه، لكن قضاء الله نافذ لا مرد له يضل من يشاء ويهدي من يشاء لقد انعزل الابن عن أبيه في حالة يلزم منها عادة الإتمام حول بعضهما وحتى لا ينكشف ما وقع بهم.\nقال تعالى: ﴿وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ قَالَ سَآوي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾ هود ٤٢-٤٣.\nوانطلق نداء نوح - ﵇ - صاعدًا من الأرض إلى عنان السماء تحدوه عاطفة الأبوة إنه من أهله راجيًا رحمة ربه ولطفه في قضائه وقدره ومعزفا بالوعد الحق من الله والحكم الحكيم.\nقال تعالى: ﴿وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ﴾ هود ٤٥.\nولكن جاء الرد من الرب ﵎ واضحًا جليا يبين لنوح - ﵇ – إن هذا الابن ليس من أهلك. لأنه كافر وخارج من دائرة الإسلام فلا تنفعه أبوتك ولاتشفع له لأن الرابطة بينك وبينه هي رابطة العقيدة الإيمانية. وهي مفقودة فيما بينكما ثم يبين الرب سبحانه إنه عمل غير صالح ومادام الأمر كذلك فلا تحرص عليه بل تبرأ منه فلا لقاء بينك وبينه لأن القول قد سبق عليه بالغرق كما تبؤ به من الكفر بالله والعصيان لأبيه.","vol":"1","page":59},{"text":"قال تعالى: ﴿قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ هود ٤٦.\nوفوق هذا يأتي النهي الصارم لنوح - ﵇ - أن يتجاوز في الدعاء أو أن يسأل ما ليس له به علم فإن من فعل أو صدر منه شيء من ذلك فإنه من الجاهلين.\nالإيمان بالبعث\nالإيمان بالبعث جزء من الإيمان باليوم الآخر الذي هو أحد أركان الإيمان الستة، وقد كثر الاستدلال القرآني على البعث حسًا وعقلًا وشرعًا وقبل الشروع في بيان ذلك لابد لنا من بيان معنى البعث وتعريفه:\nفالبعث في اللغة بمعنى الإرسال والإشارة، يقال بعثه وابتعثه: أي أرسله.\nوقال ابن فارس: \"الباء والعين والثاء أصل واحد، وهو الإثارة، ويقال بعثت الناقة، إذا أثرتها\"١.\nوقال الأزهري: \"والبعث في كلام العرب على وجهن: أحدهما: الإرسال، كقول الله تعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى﴾ الأعراف ١٠٣ ويونس ٧٥. معناه أرسلنا. والبعث أيضا الإحياء من الله للموتى، ومنه قوله ﷿: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾ البقرة ٥٦، أي أحييناكم٢.\nوأما البعث في الشرع: فهو إحياء الله سبحانه للموتى مرة ثانية من قبورهم، وإخراجهم منها، وعرضهم للحساب يوم القيامة ثم جزاؤهم إما الجنة وإما النار. والإيمان بالبعث يتضمن أمورًا عدة:\nا- الإيمان بأن الله سبحانه يحي الموتى مرة ثانية، كما قال تعالى: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ الأنبياء١٠٤، وقال تعالى: ﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ الحج ٧.\n_________\n١معجم المقاييس اللغة ١/٢٦٦.\n٢تهذيب اللغة ٢/٣٣٤.","vol":"1","page":60},{"text":"٢- الإيمان بأن الله سبحانه يحاسب عباده، ويجازيهم على ما عملوا إن خيرا فخير، وإن شرا فشر، قال تعالى: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ، ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ الغاشية ٢٥-٢٦، وقال تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إِلا مِثْلَهَا وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ الأنعام ١٦٥.\n٣- الإيمان بالجنة والنار، وأن مآل العباد بعد الحساب إليهما، فالجنة للمتقين، والنار للمجرمين١.\n٤- الإيمان بما يحدث بعد البعث من الأهوال والمواقف.\n٥- الإيمان بأن الله سبحانه لا يظلم أحدًا، قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ الأنبياء٤٧.\nأما ثمرة الإيمان بهذا فتتلخص في الآتي:\n١- إن المسلم يعيش بين حالتين: الرجاء لما عند الله من الخيرات والخوف مما عنده من العذاب.\n٢- الجد في فعل الطاعات، والاستكثار منها.\n٣- الجد في الابتعاد عن المعاصي والإِقلاع عنها.\n٤- محاسبة النفس في كل ما تقدم عليه.\n٥- الإيمان بعظمة الله في إحياء الموتى.\nالكلمات المرادفة لكلمة البعث.\nورد في القرآن كلمتان مترادفتان لكلمة البعث ومعناهما واحد.\nالأولى: المعاد قال ابن فارس: \"والمعاد: كل شيء إليه المصير، والآخرة معاد للناس، والله تعالى المبدي والمعيد، وذلك أنه أبدأ الخلق ثم يعيدهم\"٢ ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ القصص٨٥.\n_________\n١انظر رسالة ابن عثيمين نبذة في العقيدة الإسلامية ص ٣٠-٩٢.\n٢معجم المقاييس اللغة ٤/١٨١.","vol":"1","page":61},{"text":"قال الأزهري: \"وأكثر التفسير في قوله \"لرادك إلى معاد\" لباعثك، وعلى هذا كلام الناس\" أذكر المعاد أي اذكر مبعثك في الآخرة قاله الزجاج.\nقال الأزهري: \"ومن صفات الله ﷾: (المبدء المعيد) بدأ الله الخلق أحياء ثم يميتهم ثم يحييهم كما كانوا قال الله جل وعز: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ وقال: إنه هو يبدأ ويعيده بدأ وأبدأ بمعنى واحد\"١.\nوالثانية \"النشور: قال الزجاج: \"نشرهم الله أي بعثهم كما قال تعالى: ﴿وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ ٢ ونشر الله الموتى فنشروا، أنشروا الموتى أيضا قال تعالى: ﴿ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾ ٣.\nإطلالات كلمة البعث في القرآن:\nوالبعث يطلق في القرآن على عدة معان متنوعة:\nا- يطلق ويراد به الاهام، كما في قوله تعالى: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ﴾ المائدة ٣١.\n٢- يطلق ويراد به الإحياء في الدنيا، كما في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾ البقرة. وكقوله تعالى: ﴿فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ﴾ البقرة.\n٣- يطلق ويراد به اليقظة من النوم، كما في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمّىً﴾ الأنعام ٦٠.\n٤- يطلق ويراد به التسليط، كما في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ الإسراء هـ.\n٥- يطلق ويراد به الإرسال، كما في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ الجمعة ٢. وكما في قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ البقرة ١٢٩، وكما في قوله تعالى: ﴿َابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ﴾ الكهف ١٩.\n٦-يطلق ويراد به النصب والبيان، كما في قوله تعالى: ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِه ِ\n_________\n١تهذيب اللغة ٣/١٢٩.\n٢تهذيب اللغة ١١/٣٣٨.\n٣معجم المقاييس اللغة ٥/٤٢٠.","vol":"1","page":62},{"text":"وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ النساء٣٥. وكما في قوله تعالى: ﴿ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ البقرة ٢٤٦. وكما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا﴾ البقرة ٢٤٧.\n٧- يطلق ويراد به النشور من القبور، كما في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ الحج ٧١.\nوالبعث حق ثابت، لا مرية فيه ولاشك، وقد دل الدليل عليه من الكتاب والسنة والإجماع:\nقال تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ المؤمنون ١٥-١٦.\nوقال تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ﴾ المؤمنون ١١٥.\nوقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ القصص ٨٥.\nوقال النبي ﷺ: \"يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلا\" متفق عليه من حديث عائشة ﵂ ٢.\nمنهج القرآن الكريم في الاستدلال على البعث:\nيتلخص المنهج القرآني في الاستدلال على البعث في ثلاثة أمور:\nالأول: الشرع. والثاني: الحس. والثالث: العقل.\nأما الشرع: فإن القرآن اعتنى بهذا المبدأ عناية عظيمة، وعرضه عرضا جليا لا خفاء فيه، وأكثر من ذكره حتى لا تكاد تقرأ سورة من سور القرآن الكريم إلا وتجد للبعث فيها ذكرا، سواء كان ذلك بعبارة صريحة، أو غير ذلك. وقد أقسم الله سبحانه على وقوع البعث والمعاد في عدة مواطن في كتابه فمن ذلك:\n_________\n١الوجوه والنظائر الدامغاني ص٣٧-٤٧،وأما ابن الجوزي فاقتصر على الستة الأولى دون ذكر الأخير منها ولكنه في كتاب بصائر ذوي التمييز ذكر ثمانية أوجه لمعنى البعث وليس فيها جديدا عما ذكر، ولكنه جعل النصب والبيان اثنين. انظر نزهة الأعين النواظر في علم الوجوه والنظائر ١/١٠٧و١٠٨.\n٢رواه البخاري في الرقاق باب الحشر ١١/٣٧٨،٣٧٧ مع الفتح. ورواه مسلم في كتاب الجنة باب فناء الدنيا وبيان الحشر يوم القيامة رقم ٥٦.","vol":"1","page":63},{"text":"١- قال تعالى: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ. وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي الأَرْضِ لافْتَدَتْ بِهِ وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ أَلا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَلا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ وهو يونس ٥٣-٥٦.\n٢- وقال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ﴾ سبأ ٣-٥ وقال تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ التغابن ٧.\nوهذه الآيات الثلاث لا رابع لهن في القرآن الكريم ولا نظير لهن، كما ذكر ذلك الحافظ ابن كثير عند تفسيره لهن، حيث أمر الله سبحانه رسوله ﷺ أن يقسم بربه العظيم على وقوع المعاد ووجوده، ولاشك في ذلك ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ١ (١) .\nوأما الاستدلال بالحس على البعث، فيتلخص في الآتي:\nأولا: إن الله سبحانه أرى عباده إحياء الموتى عيانا في الحياة الدنيا وقد ورد بيان ذلك في القرآن الكريم.\n١- ما ذكره الله سبحانه في شأن بني اسرائيل مع موسى ﵇ عندما امتنعوا عن الإيمان بالله تعالى حتى يروا الله جل شأنه جهرة - أي علانية - أو عيانا، فأرسل الله عليهم صاعقة تأخذهم، وهم ينظرون، ثم منّ الله تعالى عليهم بالإحياء والبعث مرة ثانية، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ\n_________\n١انظر تفسير القرآن العظيم (٣/٥٠٨)، (٥/٥٢٩)، (٨/٢٨) . ط دار الفكر.","vol":"1","page":65},{"text":"كانت تعمره، فقاموا أحياء ينظرون، قد أحياهم الله بعد رقدتهم الطويلة، وهم يقولون: سبحانك لا إله إلا أنت، وكان في إحيائهم عبرة، ودليل قاطع على وقوع المعاد الجسماني يوم القيامة\"١.اهـ\n٤- ما أخبر الله سبحانه به من قصة الرجل الذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها، فلما تفكر فيما آل إليه أمرها بعد بنائها وعظمتها استبعد إحياءها مرة ثانية، فجعل الله تعالى له العبرة منه وفيه وفي من حوله فأماته الله مائة عام ثم بعثه، فرأى بأم عينيه أعظم آية تدل على المعاد.\nقال تعالى: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ البقرة ٢٥٩.\n٥- ما أخبر الله به سبحانه من قصة إبراهيم ﵇ والطيور الأربعة التي أُمِرَ ﵇ بتقطيعهن، وجعلهن أجزاء على عدد من الجبال ثم دعوتهن، فعدن أحياء مرة ثانية كما كن من قبل، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ البقرة ٢٦٠.\n٦- ما حكاه الله سبحانه في شأن قصة أصحاب الكهف، حيث كتب الله عليهم النوم في كهفهم ثلاثمائة سنة وتسع سنين، ثم بعثهم بعد ذلك لم يتغير منهم شيء.\nقال ابن كثير ﵀: \"ذكر غير واحد من السلف أنه كان قد حصل لأهل ذلك الزمان شك في البعث، في أمر القيامة، وقال عكرمة: كان منهم طائفة قد قالوا: تبعث الأرواح، ولا تبعث الأجساد، فبعث الله أهل الكهف حجة ودلالة وآية على ذلك٢.\n_________\n١ تفسير القرآن العظيم ١/٥٢٩.ط دار الفكر.\n٢ تفسير القرآن العظيم ٤/٣٧٦.ط دار الفكر.","vol":"1","page":66},{"text":"وقد سطر الله أمرهم في كتابه العزيز فقال سبحانه ﴿وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ﴾ الآية الكهف ١٩.\nوقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيهَا﴾ الآية الكهف ١٢.\n٧- ما أخبر الله سبحانه - به عن عيسى بن مريم - ﵇ - في قصة إحيائه للأموات، قال تعالى: ﴿وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرائيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ الآية آل عمران ٥٩. وقد ذكر أهل العلم بالتفسير أن عيسى - ﵇ - أحيا أربعة أنفس بإذن الله وهذه من الآيات المعجزات والتي لا سبيل لأحد في إيجادها إلا بتأييد من الله تعالى، وفي الوقت نفسه برهان واضح على أن الله تعالى قادر على الإِحياء للخلق مرة ثانية فما دام أن المخلوق استطاع بإذن الله على ذلك فالخالق من باب أولى.\nثانيا: الاستدلال القرآني على البعث بالنشأة الأولى:\nوذلك في عدة مواضع من القرآن الكريم:\n١- قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مَنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئا..﴾ الخ الآيات سورة الحج هـ.\nيقول ابن جرير ﵀ في تفسير هذه الآية: \"وهذا احتجاج من الله على الذي أخبر عنه من الناس أنه يجادل في الله بغير علم، اتباعا منه للشيطان المريد، وتنبيه له على موضع خطأ قيله، وإنكاره ما أنكر من قدرة ربه، قال يا أيها الناس إن كنتم في شك في قدرتنا على بعثكم من قبوركم بعد مماتكم وبلاكم استعظاما منكم لذلك، فإن في ابتدائنا خلق أبيكم آدم ﵇ من تراب، ثم إنشائنا لكم من نطفة آدم، ثم تصريفنا لكم أحوالا","vol":"1","page":67},{"text":"حالا بعد حال، من نطفة إلى علقة ثم من علقة إلى مضغة، لكم معتبرا ومتعظا تعتبرون به، فتعلمون أن من قدر على ذلك، فغير متعذر عليه إعادتكم بعد فنائكم، كما كنتم أحياء قبل الفناء\"١.\n٢- قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ الروم ٢٧.\nقال ابن جرير: \"والذي له هذه الصفات ﵎، هو الذي يبدأ الخلق من غير أصل فينشئه، ويوجده بعد أن لم يكن شيئا، ثم يفنيه بعد ذلك، ثم يعيده كما بدأه بعد فنائه، وهو أهون عليه\"٢.\n٣- قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الأِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ. وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ يس ٧٧-٧٩.\nوقد ورد في سبب نزولها أن بعض منكري البعث من المشركين حمل في يده عظما باليا ففته أمام النبي ﷺ، ثم ذراه في الهواء ثم سأله سؤال استنكار واستهزاء وسخرية: هل يستطيع ربك بعث هذا وإحياءه؟، وذكرت الروايات أن النبي ﵇ أجابه بقوله: \"نعم، يميتك الله ثم يحييك ثم يدخلك جهنم\"، وفي رواية: \"نعم، يميتك الله تعالى، ثم يبعثك، ثم يحشرك إلى النار\" ٣.\n٤- قال تعالى: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ الأنبياء١٠٤.\nوفي الصحيحين عن ابن عباس ﵄ قال: \"قام فينا رسول الله ﵇ خطيبًا بموعظة فقال: يا أيها الناس إنكم محشورون إلى الله ﷿ حفاة عراة غرلا ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ \"٤الخ الأنبياء ١٠٤.\n_________\n١تفسير ابن جرير ١٧/١١٦.\n٢تفسير ابن جرير ٢١/٣٥.\n٣تفسير القرآن العظيم ٥/٦٣١.ط دار الفكر.\n٤رواه مسلم في صفة الجنة رقم ٥٨ والبخاري في الرقاق باب الحشر ١١/٣٧٧.","vol":"1","page":68},{"text":"٥- قال تعالى: ﴿وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا، قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلا قَلِيلًا﴾ الاسراء٤٩-٥٢.\n٦- قال تعالى: ﴿أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ ق ١٥، ومعنى الآية أن الخلق الأول للإنسان لم يعجزنا، أو يعيينا، فالخلق الجديد الثاني يكون أهون وأسهل١.\n٧- قال تعالى: ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ. أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لا تَعْلَمُونَ وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الأُولَى فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ﴾ الواقعة ٥٧-٦٢. يقول ابن كثير ﵀: \"يقول تعالى مقررا للمعاد ورادا على المكذبين به من أهل الزيغ والإلحاد من الذين قالوا: ﴿قَالُوا أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ وهو وقولهم ذلك صدر منهم على وجه التكذيب والاستبعاد\"٢.\n٨- قال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الأِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً. أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى. فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى. أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ القيامة ٣٦-٤٠.\nنقل ابن كثير ﵀ في تفسير هذه الآيات معان لأهل العلم، فقال السدي: \"يعني لا يبعث\"، وقال مجاهد والشافعي وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم: \"يعني لا يؤمر، ولاينهى\". قال ابن كثير: \"والظاهر أن الآية تعم الحالين، أي: ليس يترك في هذه الدنيا مهملا لا يؤمر ولاينهى، ولابترك في قبره سدى لا يبعث، بل هو مأمور منهي في الدنيا، محشور إلى الله في الدار الآخرة، والمقصود هنا إثبات المعاد، والرد على من أنكره من أهل الزيغ والجهل والعناد، ولهذا قال تعالى مستدلا بالبداءة، فقال تعالى: ﴿أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى﴾ أي: أما كان الإنسان نطفة ضعيفة من ماء مهين، ثم قال: أما هذا الذي\n_________\n١انظر تفسير القرآن العظيم ٦/٣٩٩.ط دار الفكر.\n٢تفسير القرآن العظيم ٦/٥٣١.ط دار الفكر.","vol":"1","page":69},{"text":"أنشأ هذا الخلق السوي من هذه النطفة الضعيفة بقادر على أن يعيده كما بدأه\"١ أهـ.\n٩- قال تعالى: ﴿وَيَقُولُ الأِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا. أَوَلا يَذْكُرُ الأِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا﴾ مريم ٦٦-٦٧.\nقال ابن كثير: \"يستدل تعالى بالبداءة على الإعادة، يعني أنه تعالى قد خلق الإنسان ولم يك شيئا، أفلا يعيده وقد صار شيئا\"٢.\n١٠- قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ الْأَغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ الرعد ٥\nثالثا: الاستدلال القرآني على البعث بإحياء الأرض بعد موتها:\nقال تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ البقرة ٢٢.\nوإحياء الأرض بعد موتها من الأمثال التي يكثر ذكرها في القرآن، وتعتبر من البراهين المشاهدة المحسوسة على البعث بعد الموت، فأرض قحلة وخاشعة ومجدبة ينزلق عليها الماء فإذا هي جميلة المنظر تسر الناظرين، إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.\n٢- قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فصلت ٣٩.\nقال ابن كثير في تفسيرها: وقوله ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ﴾ أي الدالة على قدرته على إعادة الموتى ﴿أَنَّكَ تَرَى الأَرْضَ خَاشِعَةً﴾ أي هامدة لا نبات فيها، بل هي ميتة ﴿فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ أي أخرجت من ألوان الزروع والثمار ﴿إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ٣اهـ.\n٣- قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ\n_________\n١تفسير القرآن العظيم ٧/١٧٤-١٧٥ط دار الفكر.\n٢تفسير القرآن العظيم ٤/٤٧٥.ط دار الفكر.\n٣تفسير القرآن العظيم ٦/ ١٧٩. ط دار الفكر.","vol":"1","page":70},{"text":"سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَْ﴾ الأعراف ٥٧. قال ابن كثير: \"أي كما أحيينا هذه الأرض بعد موتها، كذلك نحي الأجساد بعد صيرورتها رميما يوم القيامة، ينزل الله ﷾ من السماء ماء فتمطر الأرض أربعين يوما فتنبت منه الأجساد في قبورها كما ينبت الحب في الأرض، وهذا المعنى كثير في القرآن يضرب الله مثلا ليوم القيامة بإحياء الأرض بعد موتها، ولهذا قال: ﴿َلعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَْ﴾ ١.\n٤- قال تعالى: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ الروم ١٩.\n٥- قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ الروم ٢٤.\n٦- قال تعالى: ﴿فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ الروم ٥٠.\n٧- قال تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ﴾ يس ٣٣.\n٨- قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مَنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ الحج ٥-٧.\n٩- قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ﴾ فاطر ٩.\n١٠- قال تعالى: ﴿وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ الزخرف ١١.\n١١- قال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ﴾ ق ٩-١١.\n_________\n١تفسير القرآن العظيم ٣/١٨١.ط دار الفكر.","vol":"1","page":71},{"text":"رابعا: الاستدلال القرآني على البعث بآيات الله العظمى كالسماوات والأرض:\nأ- قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآياتِنَا وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا. أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لا رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلا كُفُورًا﴾ الا سراء٩٨- ٩٩.\n٢- قال تعالى: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ، إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ يس ٨١-٨٣\n٣- وقال تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ غافر ٥٧.\n٤- وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ الأحقاف ٣٣.\nخامسا: الاستدلال القرآني على البعث بأسمائه وصفاته وآثارهما:\nفمن أسمائه: الحكيم والعدل، فمن حكمة الله وعدله أنه يحق الحق ويبطل الباطل ويميز الخبيث من الطيب ويعطي كل ذي حق حقه ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾، وقد قال سبحانه: ﴿أَيَحْسَبُ الأِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً﴾ وقال تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ﴾ والخلق في الحياة الدنيا يظلم بعضهم بعضا فمنهم من يموت ظالما ومنهم من يموت مظلوما، فلابد إذن من يوم يحضر الجميع فيه بين يدي الله ليقتص من الظالم للمظلوم ولينال كل من المحسن والمسيء جزاءً، كما قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾، وقال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ ١.\n_________\n١محاضرات في التفسير الموضوعي ص ٤٧-٤٨ لعبد اللطيف نصار.","vol":"1","page":72},{"text":"دراسة أهل الكتاب\nأولا: عقيدة أهل الكتاب في الله ﷻ:\nإن عقيدة أهل الكتاب في ربهم عقيدة فاسدة تنبئ عن طوية سيئة، وقول مشين، وضلال مبين، ولولا أن القرآن ذكرها لما تجرأ القلم بذكرها خجلا وحياء وخوفا وذلا ورغبة ورهبة من فاطر السماوات والأرض. وإن قولهم المشين لتنشق منه السماء وتنهد منه الجبال لما فيه من الكذب الصراح والبهتان الواضح، فاستحقوا غضب ربهم ولعنة خالقهم ومسخهم قردة وخنازير.\nإن أهل الكتاب أخفوا كثيرا مما أنزل إليهم ظلما وعدوانا وقد نبه عنه سبحانه فقال جل شأنه ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ الله نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ. يَهْدِي بِهِ الله مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ المائدة ١٥-١٦.\nوإن أهل الكتاب أعظموا الفرية على ربهم فيما نسبوا إليه من الولد والصاحبة وغير ذلك من الزور والبهتان فمن عقيدتهم في ربهم: ادعوا أن لله سبحانه ولدا.\nقال الله تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الله وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ. بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ البقرة ١١٦-١١٧.\nوقال تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا. لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا. تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا. أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا. وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا. إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِلا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ مريم ٨٨-٩٣. وقال تعالى: ﴿أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ. وَلَدَ الله وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ الصافات ١٥٢. نعم إن قولهم هذا لأفك عظيم والذين تولوا كبره هم أهل الكتاب عليهم لعائن الله، وقد ورد تفصيل نوعية ذلك الولد المزعوم في مواطن من القرآن الكريم.","vol":"1","page":73},{"text":"فاليهود زعموا أن عزيرا هو ابن الله سبحانه والنصارى زعموا أن عيسى هو ابن الله. وهذا صادر من أهل الكتاب مضاهاة لقول الكافرين من قبلهم.\nقال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ الله وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ الله ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ الله أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ التوبة ٣٠.\nإنها مقالة شنيعة، وفرية كبيرة تعالى الله عما يقولون علوًا عظيمًا ثم تطور هذا الزعم الباطل إلى أن جعلوا أنفسهم هم الأنبياء والأحباء لله دون غيرهم.\nقال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ الله وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلله مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ المائدة ١٨.\nقال ابن كثير: \"ونقلوا عن كتابهم أن الله تعالى قال لعبده إسرائيل: أنت ابني بكري فحملوا هذا على تأويله وحرفوه، وقد رد عليهم غير واحد ممن أسلم من عقلائهم وقالوا: هذا يطلق عندهم على التشريف والإكرام، كما نقل النصارى عن كتابهم أن عيسى قال لهم: إني ذاهب إلى أبي وأبيكم ربي وربكم \"١.\nثم تطور هذا الزعم الكاذب إلى أن ادعى النصارى أن عيسى ابن مريم ﵉ هو الله سبحانه قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ الله هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ الله شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَلله مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَالله عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ المائدة ١٧. وقال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ الله وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ التوبة٣١. وزعمهم أن الله سبحانه فقير وادعاؤهم أنهم أغنياء.\nقال تعالى: ﴿لَقَدْ سَمِعَ الله قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ الله فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ آل عمران ١٨١.\n_________\n١ تفسير القرآن العظيم ٢/٥٢٩.ط دار الفكر.","vol":"1","page":74},{"text":"زعموا أن الله فقير وأنه سبحانه بحاجة إليهم وزعموا أنهم ليسوا بحاجة إليه سبحانه فرد الله عليهم قولهم.\nوصف اليهود الله سبحانه أن يده جل شأنه مغلولة. أي بخيلة.\nقال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ الله مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ المائدة ٦٤.\nوفسر السلف قولهم المشين ﴿يَدُ الله مَغْلُولَةٌ﴾ أي بخيلة.\nقال ابن عباس: لايعنون بذلك أن يد الله موثقة ولكن يقولون بخيل يعني أمسك ما عنده بخلا تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا.\nقال ابن كثير: \"وكذا روي عن مجاهد وعكرمة وقتادة والسدى والضحاك \"١ وقد رد الله تعالى عليهم هذه المقالة المزعومة بقوله سبحانه: ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ .\nفهم البخلاء بأموالهم كما قال في حقهم ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا﴾ النساء٥٣.\nثانيا: موقفهم من الملائكة:\nإن عقيدة اليهود في الملائكة عقيدة كافرة لا خير فيها لكونهم كفروا ببعض وادعوا بعضا آخر فقالوا: جبريل عدونا وميكائيل ولينا. وهذا تفريق بين المتماثلات بدون بيان ولا برهان، وإنما بناء على زعمهم الباطل أن جبريل يأتي بالشدة وسفك الدماء وميكال يأتي بالخير والرخاء والخصب والمطر.\nقال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ الله مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدىً وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ. مَنْ كَانَ عَدُوًّا لله وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ الله عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ البقرة ٩٧-٩٨.\nقال الطبري \"أجمع أهل العلم بالتأويل جميعا على أن هذه الآية نزلت جوابا لليهود\n_________\n١ تفسير القرآن العظيم (٢/ ٦٠٥) . ط دار الفكر.","vol":"1","page":75},{"text":"من بني إسرائيل، إذ زعموا أن جبريل عدو لهم وأن ميكال ولي لهم..\"١.\nقال ابن كثير: \"من عادى جبرائيل فليعلم أنه الروح الأمين الذي نزل بالذكر الحكيم على قلبك من الله بإذنه له في ذلك، فهو رسول من رسل الله ملكي، ومن عادى رسولا فقد عادى جميع الرسل، كما أن من آمن برسول فإنه يلزمه الإيمان بجميع الرسل وكما أن من كفر برسول فإنه يلزمه الكفر بجميع الرسل كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِالله وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ الله وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ﴾ أو الآيتين. فحكم عليهم بالكفر المحقق إذا آمنوا ببعض الرسل وكفروا ببعضهم، وكذلك من عادى جبرائيل فإنه عدو لله لأن جبرائيل لا ينزل بالأمر من تلقاء نفسه وإنما ينزل بأمر ربه كما قال: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلا بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ الآية وقال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ. نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ. عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ ٢ انتهى.\nكشف حال أهل الكتاب:\nشدة عداوة أهل الكتاب للمؤمنين:\nقال تعالى: ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَالله يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَالله ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ البقرة ١٠٥. هذا النص يثبت لنا عداوة اليهود والنصارى لعباد الله المؤمنين عداوة قلبية، وهي أشد وأنكى من العداوة القولية. وإن كان قد اجتمع في أهل الكتاب العداوات الثلاث، القلبية والقولية والفعلية، كما يتبين إن شاء الله.\nولقد حكم الله عليهم بالكفر لجحدهم وسترهم ما من الله به عليهم من الحق والهدى والنعمة والعطاء وهذا اللؤم والخبث المتمكن من قلوبهم المغلفة ونفوسهم الملتوية جعلهم لا يحبون ولا يتمنون أي خير ينزل على عباد الله المؤمنين بل يكرهون ذلك ويبغضونه ولذا صدر هذا النص ب (ما) النافية. وقوله سبحانه ﴿مِنْ خَيْرٍ﴾ نكرة وردت في سياق النفي فتعم.\n_________\n١ تفسير أبر جرير (٣٧٧/٢) . ط شاكر.\n٢ تفسير القرآن العظيم (١/ ٢٣١) . ط دار الفكر.","vol":"1","page":76},{"text":"قال الشوكاني: \"والظاهر أنهم لايودون أن ينزل على المسلمين أي خير كان، فهو لا يختص بنوع معين كما يفيده وقوع هذه النكرة في سياق النفي، وتأكيد العموم بدخول (من) المزيدة عليها، وإن كان بعض أنواع الخير أعظم من بعض فذلك لا يوجب التخصيص \"١.\nحرصهم على فتنة المؤمنين في دينهم والتشكيك فيه والتربص بهم.\nقال تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ الله بِأَمْرِهِ إِنَّ الله عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ البقرة ١٠٩.\nوقال تعالى: ﴿وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ وهو آل عمران ٦٩.\nوقال تعالى: ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ آل عمران ٧٢.\nإن هذا الخبر من الله سبحانه يحمل في طياته التحذير لعباده المؤمنين من عباده الجائرين الذين جبلت نفوسهم على الخبث والحسد، واللؤم والنكد، والعداوة والبغضاء لمن خالفهم أو امتاز عنهم بشيء من فضل الله ورحمته ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ الله وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ محمد ٢٨. والتحذير من سلوك طريقهم، أو الوقوع في شراكهم، فإن عداوتهم معلومة في الظاهر والباطن، وقد علل الله سبحانه تمنيهم الخاسر بالحسد المتأصل في نفوسهم للخير الذي أنزل على المؤمنين من بعثة محمد ﷺ وما جاء من الهدى والطريق المستقيم.\nوقد وردت روايات في السيرة تبين بعض مواقف الملأ من يهود من رسول الله ﷺ مثل حي بن أخطب وأبو ياسر بن أخطب، وكعب بن الأشرف وغيرهم من جلامدة الكفر وصناديد الظلم٢ (وهذه عند المؤمن أشد من كل أذى ومن كل سوء يصيبه باليد أو اللسان، فالذي يود له أن يخسر هذا الكنز العزيز الإيمان ويرتد إلى الكفر، هو أعدى\n_________\n١ فتح القدير ١٢٥/١.\n٢ انظر تفسير القران العظيم (١/٢٦٨) ط دار الفكر، وتفسير ابن أبي حاتم ١/ ٣٣١ تحقيق الزهراني.","vol":"1","page":77},{"text":"من كل عدو يؤذيه باليد واللسان) ١ ومع هذا أمر المسلمون بالعفو والصفح عنهم والصبر على ما يلاقونه من أهل الظلم والطغيان حتى يفتح الله بينهم جميعا وهو خير الفاتحين.\nأخرج ابن أبي حاتم في تفسيره بسنده عن أسامة بن زيد ﵁ قال: \"كان رسول الله ﷺ وأصحابه يعفون عن المشركين وأهل الكتاب كما أمرهم الله، ويصبرون على الأذى، قال الله تعالى: ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ الله بِأَمْرِهِ إِنَّ الله عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ البقرة ١٠٩. وكان رسوله الله ﷺ يتأول في العفو ما أمره الله به حتى أذن الله فيهم بقتل فقتل الله به من قتل من صناديد قريش\" ٢ إن هذه الأساليب الماكرة، والصادرة من الكثرة أو القلة أو الطائفة من أهل الكتاب عائدة نتائجها على أصحابها، إنهم يمكرون بغيرهم، وهم ممكور بهم ﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ إنهم حاولوا إضلال المسلمين مجاهرة لكنهم لم يستطيعوا فحاولوا إضلالهم بالمخادعة ليلبسوا على الضعفاء من المسلمين أمر دينهم فاشتوروا ورأوا أن يؤمنوا أول النهار بما أنزل على محمد ﷺ ويكفروا آخره حتى يزعزعوا الثقة في قلوب المسلمين ويوقعوا الإرجاف في صفوفهم ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلا كَذِبًا﴾ الكهف هـ.\nيقول ابن كثير \"هذه مكيدة أرادوها ليلبسوا على الضعفاء من الناس أمر دينهم وهو أنهم اشتوروا بينهم أن يظهروا الإيمان أول النهار، ويصلوا مع المسلمين صلاة الصبح فإذا جاء آخر النهار ارتدوا إلى دينهم ليقول الجهلة من الناس إنما ردهم إلى دينهم اطلاعهم على نقيصة وعيب في دين المسلمين ولهذا قالوا: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ ٣.\nوذكر نحو هذا عن ابن عباس، ومجاهد وقتادة والسدى والربيع وأبي مالك.\nكما عقدوا العزم، وتواصوا بالباطل ألا يكشفوا أسرارهم ويطمئنوا إليه إلا لمن تبع دينهم وسلك طريقهم ووقع في ضلالهم خوفا من إقامة الحجة عليهم بما عندهم، وكفرا بالآيات البينات الواضحات وحسدا من عند أنفسهم أن يمتاز عليهم غيرهم.\n_________\n١ في ظلال القرآن ٨/ ٦٠. ط السابقة.\n٢ تفسير ابن أبي حاتم ١/٣٣٣ تحقيق الزهراني وقال ابن كثير معقبًا عليه: \"وهذا اسناد صحيح ولم أره في شيء من الكتب الستة، ولكن له أصل في الصحيحين عن أسامة به زيد\" تفسير القران العظيم ١/٢٦٩.\n٣ تفسير القرآن العظيم ٢/٥٦، ٥٧. ط دار الفكر.","vol":"1","page":78},{"text":"قال تعالى: ﴿وَلا تُؤْمِنُوا إِلا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى الله أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ الله يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَالله وَاسِعٌ عَلِيمٌ. يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَالله ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ آل عمران ٧٣-٧٤.\nوقد رد الله سبحانه عليهم مؤامراتهم الكاذبة وبين أن الهدى والفضل بيده سبحانه\nوأن الأمور كلها تحت تصرفه فيعطي من يشاء ويمنع من يشاء لا راد لما قضى، ولا مانع لما أعطى بيده الخير وهو على كل شيء قدير.\nيقول ابن كثير عند قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ الله يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ .\n\"أي الأمور كلها تحت تصرفه وهو المعطي المانع، يمن على من يشاء بالإِيمان والعلم والتصرف التام، ويضل من يشاء فيعمي بصره وبصيرته، ويختم على قلبه وسمعه، ويجعل على بصره غشاوة، وله الحجة التامة والحكمة البالغة\"١.\nالتعنت والعناد والكفر والإِلحاد:\nإن المتتبع لسيرة أهل الكتاب من خلال النصوص القرآنية وغيرها يجد أنهم أهل نفوس ملتوية، وقلوب مجخية، عنادهم ظاهر وتعنتهم باهر، وكفرهم واضح، وإلحادهم جلي وخفي.\nقال تعالى: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا الله جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ﴾ الآية النساء١٥٣.\nوهذه الآية تفسرها آية البقرة وهي قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى الله جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ. ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ البقرة ٥٥، ٥٦. إنهم قوم يجهلون عظمة الله سبحانه وعظيم آياته، وانظر إلى موقفهم المشين عندما منّ الله تعالى عليهم بمجاوزة البحر قال تعالى: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرائيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى\n_________\n١ تفسير القرآن العظيم ٢/٥٧. ط دار الفكر.","vol":"1","page":79},{"text":"اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ. إِنَّ هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ الأعراف ١٣٨-١٣٩.\nومن تعنتهم وجهلهم اتخاذهم من حليهم عجلا نصبوه إلاها يعبدونه من دون الله، قال تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ. وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ الأعراف ١٤٨ -١٤٩. وقد توعد الله تعالى هؤلاء المماحكين بالغضب من عنده وبالذل والصغار في الحياة الدنيا جزاء ما افتروه.\nقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَبذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ﴾ الأعراف ١٥٢.\nالغلو والإطراء في الدين:\nقال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى الله إِلا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ الله وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِالله وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا الله إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِالله وَكِيلًا﴾ النساء ١٧١.\nيقول ابن كثير: \"ينهى تعالى أهل الكتاب عن الغلو والإطراء، وهذا كثير في النصارى، فإنهم تجاوزا الحد في عيسى حتى رفعوه فوق المنزلة التي أعطاها الله إياها، فنقلوه من خير النبوة إلى أن اتخذوه من دون الله يعبدونه كما يعبدونه، بل قد غلوا في أتباعه وأشياعه ممن زعم أنه على دينه، فادعوا فيه العصمة واتبعوهم في كل ما قالوه سواء كان حقا أو باطلا أو ضلالًا أو رشادا أو صحيحا أو كذبا، ولهذا قال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ الله﴾ الآية. انتهى١.\nوخوفا من الوقوع فيما وقع فيه أهل الكتاب من الغلو والإطراء جاء التوجيه النبوي من المصطفى ﵊ بقوله \"لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم فإنما أنا عبده\n_________\n١ تفسير القرآن العظيم ٢/٤٥٨. ط دار الفكر.","vol":"1","page":80},{"text":"فقولوا عبد الله ورسوله \"١.\nوفي رواية \" أيها الناس عليكم بقولكم ولا يستهوينكم الشيطان، أنا محمد بن عبد الله، عبد الله ورسوله، والله ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله ﷿ \" ٢. ولذا حكم الله سبحانه بكفر الذين جعلوا الله سبحانه هو المسيح ابن مريم. تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا.\nقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ الله هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ الله شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَلله مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَالله عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ المائدة ١٧.\nقال ابن كثير: \"يقول الله تعالى مخبرا وحاكيا بكفر النصارى في ادعائهم في المسيح ابن مريم وهو عبد الله، وخلق من خلقه أنه هو الله تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا٣.\nالتبديل والتحريف والتأويل الباطل والافتراء الكاذب:\nإن هذه الكلمات الأربع (التبديل، والتحريف، والتأويل، والافتراء) في أهل الكتاب سمة واضحة ولذا قال الله تعالى مبينًا عوارهم وكاشفا فضائحهم وأسرارهم. ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ الله نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ. يَهْدِي بِهِ الله مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ المائدة ١٥، ١٦.\nوقد أخرج الحاكم بسنده عن ابن عباس ﵄ قال: من كفر بالرجم فقد كفر بالقرآن من حيث لا يحتسب قوله ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ فكان الرجم مما أخفوه. وقال صحيح الإسناد ولم يخرجاه٤.\n_________\n١ رواه البخاري في الأنبياء باب ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا﴾ ٦/٤٧٨ مع الفتح عن عمر.\n٢ رواه أحمد في المسند ٣/١٥٣، ٢٤١ من حديث أنس ﵁، ورواه أيضًا في المسند ٤/ ٢٥ وأبو داود في الأدب باب كراهية التمادح ٥/ ١٥٤ من حديث مطرف بن عبد الله بن الشخير.\n٣ تفسير القرآن العظيم ٢/٥٢٨. ط دار الفكر.\n٤ مستدرك الحاكم ٤/ ٣٣٩ وقال الذهبي صحيح.","vol":"1","page":81},{"text":"وقال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَالله عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ المائدة ١٩.\nوقال تعالى منكرا على المؤمنين أو متعجبا من طمعهم في إيمان أهل الكتاب بقوله سبحانه: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ الله ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ البقرة ٧٥.\nومن تحريفهم ما ورد في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ البقرة ١٠٤.\nوقوله تعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلا قَلِيلًا﴾ النساء ٤٦.\nوكذلك جاءت الأحاديث بالإِخبار عنهم بأنهم كانوا إذا سلّموا إنما يقولون السام عليكم، والسام هو الموت، ولهذا أمرنا أن نرد عليهم بوعليكم، وإنما يستجاب لنا فيهم ولا يستجاب لهم فينا، والغرض أن الله تعالى نهى المؤمنين عن مشابهة الكافرين قولا وفعلا ١ انتهى.\nإنهم يوهمون السامع أنهم يقولون حقا فإذا تمعنت فيما قالوا علمت فساد قولهم الناتج عن فساد قصدهم وخراب فهمهم.\nولقد حرفوا كلمة راعنا وجعلوها مشتقة من الرعونة أو من السخرية، كما حرفوا كلمة السلام إلى السام. ولذا غضبت عائشة ﵂ لما سمعت منهم ذلك وشتمتهم ولعنتهم كما ثبت عنها ذلك في الصحيحين قالت: دخل رهط من اليهود على رسول الله ﷺ فقالوا السام عليكم قالت عائشة ففهمتها فقالت: وعليكم السام واللعنة قالت: فقال رسوله الله ﷺ: \"مهلا يا عائشة إن الله يحب الرفق في الأمر كله\" فقالت:\n_________\n١ تفسير القرآن العظيم ١/ ٢٥٩- هـ ٢٦. ط دار الفكر.","vol":"1","page":82},{"text":"يا رسول الله أولم تسمع ما قالوا؟ قال رسول الله ﷺ: قد قلت وعليكم؟ ١.\nلقد فسدت فهومهم وساءت تصرفاتهم في آيات ربهم فتأولوا كتاب الله على غير ما أراده الله وأنزل فاستحقوا لعنة الله تعالى فقال سبحانه: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ المائدة ١٣. قلوب قاسية، وخيانة مستمرة إلا من عوفي منهم وقليل ما هم فلا تلين لموعظة ولا تسمع لنداء ولا تستجيب لأمر ولا تقف عند نهى. ومن تبديلاتهم الكاذبة ما ورد في قصة الرجم في حق الزانيين قال تعالى: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ المائدة ٤١.\nقال ابن كثير عند تفسير هذه الآية: \"والصحيح أنها نزلت في اليهوديين اللذين زنيا وكانوا قد بدلالوا كتاب الله الذي بأيديهم من الأمر برجم من أحصن منهم واصطلحوا فيما بينهم على الجلد مائة جلدة، والتحميم والاركاب على حمار مقلوبن، فلما وقعت تلك الكائنة بعد الهجرة قالوا فيما بينهم، تعالوا حتى نتحاكم إليه، فإن حكم بالجلد والتحميم فخذوه عنه واجعلوه حجة بينكم وبين الله ويكون نبي من أنبياء الله قد حكم بينكم بذلك، وإن حكم بالرجم فلا تتبعوه في ذلك\"٢ اهـ.\nوقال القرطبي: \"قال علماؤنا رحمة الله عليهم- نعت الله تعالى أحبارهم بأنهم يبدلون ويحرفون فقال وقوله الحق: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ﴾ الآية، وذلك أنه لما درس الأمر فيهم، وساءت رعية علمائهم وأقبلوا على الدنيا حرصا وطمعا، طلبوا أشياء تصرف وجوه الناس إليهم فأحدثوا في شريعتهم وبدلوها، وألحقوا ذلك بالتوراة، وقالوا لسفهائهم هذا من عند الله ليقبلوها عنهم، فتتأكد رياستهم، وينالوا به حطام الدنيا وأوساخها.. \"٣ اهـ.\n_________\n١ رواه البخاري في الأدب باب الرفق في الأمر كله ١٠/ ٤٤٩ مع الفتح وهو في مسلم أيضًا.\n٢ تفسير القرآن العظيم ٢/ ٢٧٥، ٣٧٥. ط دار الفكر\n٣ الجامع لأحكام القرآن ٢/ ٦، ٧.","vol":"1","page":83},{"text":"وهذا التبديل والتحريف كما هو ثابت عنهم في القرآن الكريم، كذلك جاءت به الأحاديث الصحيحة، ففي الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر ﵄، أن اليهود جاءوا إلى رسول الله ﷺ فذكروا له أن رجلا منهم وامرأة زنيا، فقال لهم رسول الله ﷺ ما تجدون في التوراة في شأن الرجم؟ فقالوا: نفضحهم ويجلدون قال عبد الله بن سلام: كذبتم إن فيها الرجم، فأتوا بالتوراة، فأتوا بالتوراة فنشروها، فوضع أحدهم يده على آية الرجم، فقرأ ما قبلها وما بعدها فقال عبدا لله بن سلام: ارفع يدك فرفع يده، فإذا آية الرجم، فقالوا صدق يا محمد فيها آية الرجم، فأمر بهما رسول الله ﷺ فرأيت الرجل يحنى على المرأة يقيها الحجارة\" ١. وهذا لفظ البخاري.\nوفي رواية له \"فقال لليهود ما تصنعون بهما؟ قالوا نسخم وجوههما ونخزيهما. قال \"فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين \" فجاءوا فقالوا لرجل منهم مما يرضون أعور: اقرأ. فقرأ حتى انتهى إلى موضع منها، فوضع يده عليه فقال: ارفع يدك فرفع فإذا آية الرجم تلوح. قال يا محمد إن فيها آية الرجم ولكنا نتكاتمه بيننا، فأمر بهما فرجما\" ٢. وعند مسلم في صحيحه أن رسول الله ﷺ أتى بيهودي ويهودية قد زنيا، فانطلق رسوله الله ﷺ حتى جاء يهود فقال: \"ماتجدون في التوراة على من زنى؟ قالوا نسود وجوههما ونحممهما ونخالف بين وجوههما ويطاف بهما، قال: \"فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقن \" قال: فجاؤا بها فقرءوها حتى إذا مر بآية الرجم، وضع الفتى الذي يقرأ يده على آية الرجم، وقرأ مابين يديها وما وراءها، فقال له عبد الله بن سلام وهو مع رسول الله ﷺ مره فليرفع يده، فإذا تحتها آية الرجم، فأمر بهما رسول الله ﷺ فرجما ٣.\nقال عبد الله بن عمر: \"كنت فيمن رجمهما، فلقد رأيته يقيها من الحجارة بنفسه\".\nوعن البراء بن عازب قال: مر على رسول الله ﷺ يهودي محمم مجلود فدعاهم فقال: أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم فقالوا نعم، فدعا رجلا من علمائهم فقال\n_________\n١ رواه البخاري في الحدود باب أحكام أهل الذمة وإحصانهم إذا زنوا ورفعوا إلى الإمام ١٢/ ١٦٦ مع الفتح.\n٢ رواه البخاري في التوحيد باب ما يجوز من تفسير التوراة وغيرها ١٣/٥١٦ مع الفتح.\n٣ رواه مسلم في الحدود باب رجم أليهود ٣/١٣٢٦رقم ٢٦ والبخاري في الحدود باب الرجم في البلاط ١٢/١٢٨ مع الفتح","vol":"1","page":84},{"text":": أنشدك بالذي أنزل التوراة على موسى أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟ فقال لا والله ولولا أنك أنشدتني بهذا لم أخبرك، نجد حد الزاني في كتابنا الرجم ولكنه كثر في أشرافنا، فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد، فقالوا: تعالوا حتى نجعل شيئا نقيمه على الشريف والوضيع فاجتمعنا على التحميم والجلد، فقال النبي ﷺ: \"اللهم إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه. قال فأمر به فرجم قال فأنزل الله ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ إلى قوله: ﴿يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ﴾ يقولون ائتوا محمدا فإن أفتاكم بالتحميم والجلد فخذوه، وإن أفتاكم بالرجم فاحذروا، إلى قوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ الله فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ وهو قال في اليهود ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ الله فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ قال في الكفار كلها\"١.\nومن افتراءاتهم الكاذبة وتأويلاتهم الباطلة تحريفهم لكتاب الله تعالى وينسبون ذلك الكلام المحرف إلى الله سبحانه تمويها للناس وتضليلا عليهم.\nقال تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ آل عمران ٧٨.\nيقول ابن كثير: \"يخبر الله تعالى عن اليهود عليهم لعائن الله، أن منهم فريقا يحرفون الكلم عن مواضعه ويبدلون كلام الله ويزيلونه عن المراد به، ليوهموا الجهلة أنه في كتاب الله كذلك، وينسبونه إلى الله وهو كذب على الله، وهم يعلمون من أنفسهم أنهم قد كذبوا وافتروا في ذلك كله ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ ٢ اهـ.\n_________\n١ رواه أحمد في المسند ومسلم في الحدود باب رجم اليهود ٣/١٣٢٧ رقم ٢٨.\n٢ تفسير القرآن العظيم ٢/٢٦. ط دار الفكر.","vol":"1","page":85},{"text":"الادعاءات الكاذبة والأماني الفاسدة:\nعندما يظهر الانهزام على شخص ما أو جماعة أو دولة ما يبحث عن مبرر لإثبات وجوده في محاولة إقناع الآخرين من خلال ذلك المبرر الذي اختاره أو التهويش الذي لا يأوي إلى ركن شديد خوفا على سقوط مكانته الاجتماعية وإصرارا منه على عدم تطويع نفسه على قبول الحق والانقياد له حسدا وكبرًا. وهذا ما وقعت فيه اليهود لما رأت محمدا ﷺ ينشر دعوته بوضوح وبرهان ورأوا إقبال الناس والوفود عليه مستسلمين طائعين بدأوا ينشرون التغرير الكاذب في صفوف الناس ويدعون الأماني الكاذبة، فمن ذلك:\nأولا: ادعوا أنهم أهل الجنة فقط ولا يدخلها إلا من كان هودا أو نصارى.\nقال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ البقرة ١١١.\nثائيا: ادعوا أنهم أهل الهداية والملة القويمة. ويريدون من محمد صلى الله عيه وسلم وأتباعه اتباعهم لكي يهتدوا.\nقال تعالى: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ البقرة ١٣٤.\nأخرج ابن إسحاق بسند فيه نظر عن ابن عباس ﵄ قال: قال عبد الله ابن صوريا الأعور لرسول الله صلى الله عيه وسلم ما الهدى إلا ما نحن عليه فاتبعنا يا محمد تهتد. وقالت النصارى مثل ذلك فأنزل الله ﷿: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا﴾ ١.\nثالثا: ادعاؤهم أنهم أبناء الله وأحباؤه وأنه لا يغرهم ذنب ارتكبوه، وهم كاذبون فيما ادعوا ومحرفون لما نطقوا به.\nقال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ المائدة ١٨.\nأخرج ابن إسحاق بسند فيه نظر عن ابن عباس﵄- قال: وأتى\n_________\n١ تفسير ابن كثير ١/٣٢٨ ط دار الفكر.","vol":"1","page":86},{"text":"رسول الله ﷺ نعمان بن آصا، وبحر بن عمرو، وشاس بن عدي فكلموه. وكلمهم رسول الله ﷺ ودعاهم إلى الله وحذرهم نقمته.\nفقالوا ما تخوفنا يا محمد نحن والله أبناء الله وأحباؤه كقول النصارى. فأنزل الله فيهم ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ..﴾ إلى آخر الآية١.\nرابعا: ادعاؤهم أن النار لا تمسهم إلا أياما معدودة كذبًا وزورا.\nقال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ. بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ البقرة ٨٠، ٨١.\nأخرج ابن إسحاق بسنده عن ابن عباس ﵄، أن اليهود كانوا يقولون هذه الدنيا سبعة آلاف سنة وإنما نعذب بكل ألف سنة يومًا في النار، وإنما هي سبعة أيام معدودة فأنزل الله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾، إلى قوله ﴿خَالِدُونَ﴾ ٢.\nويقول ابن كثير: \"يقول تعالى: (إخبارًا عن اليهود فيما نقلوه وادعوه لأنفسهم من أنهم لن تمسهم النار إلا أيامًا معدودة ثم ينجون منها فرد الله عليهم ذلك بقوله: ﴿قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا﴾ أي بذلك؟ فإن كان قد وقع عهد فهو لا يخلف عهده ولكن هذا ما جرى ولا كان، ولهذا أتى ب \"أم \" التي بمعنى. بل أي: بل تقولون على الله ما لا تعلمون من الكذب والافتراء عليه٣.\nخامسا: ادعاؤهم وزعمهم أنهم أغنياء وأنهم ليسوا بحاجة إلى الله سبحانه بل الله جل شأنه بحاجة إليهم فوصموه سبحانه بالفقر، وافتروا عليه أنه أباح لهم الربا.\nقال تعالى: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ. ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ آل عمران ١٨١، ١٨٢.\n_________\n١ تفسير ابن كثير ٢/.٣٣. وهو عند ابن أبي حاتم وابن جرير\n٢ تفسير ابن كثير ١/٢٠٦ ط دار الفكر.\n٣ تفسير ابن كثير ١/٢٥٦ ط دار الفكر.","vol":"1","page":87},{"text":"أخرج ابن إسحاق بسند فيه نظر عن ابن عباس ﵄ قال: دخل أبو بكر الصديق﵁- المدراس فوجد من يهود أناسًا كثيرًا قد اجتمعوا إلى رجل منهم يقال له: فنحاص وكان من علمائهم وأحبارهم، ومعه جد يقال له أشيع فقال أبو بكر: ويحك يا فنحاص. اتق الله وأسلم فو الله إنك لتعلم أن محمدًا رسول الله قد جاءكم بالحق من عنده تجدونه مكتوبًا عندكم في التوراة والإنجيل. قال فنحاص: والله يا أبا بكر ما بنا إلى الله من حاجة من فقر وإنه إلينا لفقير ما نتضرع إليه كما يتضرع إلينا، وإنا عنه لأغنياء ولو كان عنا غنيًا ما استقرض منا كما يزعم صاحبكم ينهاكم عن الربا ويعطنا ولو كان غنيًا ما أعطانا الربا.\nفغضب أبو بكر﵁- فضرب وجه فنحاص ضربًا شديدًا وقال والذي نفسي بيده لولا الذي بيننا وبينك من العهد لضربت عنقك يا عدو الله فاكذبونا ما استطعتم إن كنتم صادقين، فذهب فنحاص إلى رسول الله ﷺ فقال أبصر ما صنع بي صاحبك فقال رسول الله ﷺ لأبي بكر ما حملك على ما صنعت؟ فقال يا رسول الله ﷺ إن عدو الله قد قال قولا عظيما زعم أن الله فقير وأنهم عنه أغنياء فلما قال ذلك غضبت لله مما قال فضربت وجهه فجحد ذلك فنحاص وقال ما قلت ذلك فأنزل الله فيما قال فنحاص ردًا عليه وتصديقًا لأبي بكر: ﴿لَقَدْ سَمِعَ..﴾ .١ الآية.\nإن هذا سوء تصور عن الله سبحانه وسوء أدب معه جل شأنه.\nسادسا: افتراؤهم على الله سبحانه أن الله عهد إليهم أن لا يؤمنوا لرسوله حتى يأتي بقربان تأكله النار ثم بعد ذلك يؤمنوا.\nوهذا فيه كغيره تغرير بالأميين منهم ومن غيرهم وتشكيك في صحة وصدق نبوة محمد صلى عليه وسلم حتى يأتي ويتحقق ما قذفوه في روع السذج ولن يتحقق لأنه باطل وزور وبهتان.\nقال تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ آل عمران ١٨٣.\n_________\n١ تفسير ابن كثير ٢/١٦٨. ط دار الفكر.","vol":"1","page":88},{"text":"يقول ابن كثير: \"يقول تعالى تكذيبا- أيضًا- لهؤلاء الذين زعموا أن الله عهد إليهم في كتبهم أن لا يؤمنوا برسول حتى يكون من معجزاته أن من تصدق بصدقة من أمته فقبلت منه أن تنزل نار من السماء تأكلها. قاله ابن عباس والحسن وغيرهما\"١.\nويقول سيد قطب: \"وهي مجابهة قوية تكشف عن كذبهم والتوائهم وإصرارهم على الكفر وتبجحهم بعد ذلك وافترائهم على الله \"٢.\nسابعا: قولهم الباطل \"ليس علينا في الأميين سبيل \".\nويقصدون بالأميين. العرب وهذه الفرية المكشوف عوارها والأكذوبة الموتورة أرادوا من ورائها أكل أموال الناس بالباطل وأنها حلال لهم.\nقال تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ آل عمران ٧٥.\nيقول ابن كثير:\n\"يخبر تعالى عن اليهود بأن فيهم الخونة ويحذر المؤمنين من الاغترار بهم فإن منهم (من إن تأمنه بقنطار أي من المال (يؤده إليك) ...\nومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائما أي بالمطالبة والملازمة والإلحاح في استخلاص حقك وإذا كان هذا صنيعه في الدينار فما فوقه أولى أن لا يؤديه \"٣.\nثامنا: ادعاء كل طائفة من أهل الكتاب أن إبراهيم﵇- منهم.\nقال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالأِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ. هَا أَنْتُمْ هَؤُلاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ. مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ\n_________\n١ تفسير ابن كثير ٢/١٦٩. ط دار الفكر.\n٢ في ظلال القرآن ١/ ٠٥٣١ الشروق.\n٣ تفسير ابن كثير ٢/٤٩. ط الشعب.","vol":"1","page":89},{"text":"كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ. إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ آل عمران ٦٥-٦٦.\nيقول ابن كثير: \"ينكر ﵎ على اليهود والنصارى في محاجتهم في إبراهيم الخليل﵇- ودعوى كل طائفة منهم أنه كان منهم \"١.. وقال \"هذا إنكار على من يحاج فيما لا علم له به، فإن اليهود والنصارى تحاجوا في إبراهيم بلا علم، ولو تحاجوا فيما بأيديهم منه علم مما يتعلق بأديانهم التي شرعت لهم إلى حين بعثة محمد ﷺ لكان أولى بهم، وإنما تكلموا فيما لا يعلمون، فأنكر الله عليهم، وأمرهم برد مالا علم لهم به إلى عالم الغيب والشهادة الذي يعلم الأمور على حقائقها وجلياتها\"٢.\nتاسعا: ادعاؤهم أنهم قتلوا المسيح﵇-.\nقال الله تعالى: ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا. بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ النساء١٥٨.١٥٧.\nأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس ﵄ قال: لما أراد الله أن يرفع عيسى إلى السماء، خرج على أصحابه وفي البيت اثنا عشر رجلا من الحواريين، يعني فخرج عليهم من عين في البيت، ورأسه يقطر ماء فقال: إن منكم من يكفر بي اثنتي عشرة مرة بعد أن آمن بي، قال: ثم قالت أيكم يلقى عليه شبهي فيقتل مكاني، ويكون معي في درجتي؟ فقام شاب من أحدثهم سنًا فقال له: اجلس. ثم أعاد عليهم، فقام ذلك الشاب فقال اجلس، ثم أعاد عليهم فقام الشاب فقال أنا فقالت: هو أنت ذاك فألقي عليه شبه عيسى، ورفع عيسى من روزنة في البيت إلى السماء قالت: وجاء الطلب من اليهود فأخذوا الشبه فقتلوه ثم صلبوه، فكفر به بعضهم اثنتي عشرة مرة بعد أن آمن به، وافترقوا ثلاث فرق فقالت فرقة كان الله فينا ما شاء ثم صعد إلى السماء وهؤلاء اليعقوبية.\nوقالت فرقة: كان فينا ابن الله ما شاء، ثم رفعه الله إليه، وهؤلاء النسطورية.\nوقالت فرقة: كان فينا عبد الله ورسوله ما شاء الله، ثم رفعه الله إليه وهؤلاء\n_________\n١ تفسير القرآن العظيم ٢/ ٥٤.٥٥. ط دار الفكر\n٢ تفسير القرآن العظيم ٢/ ٥٤. ٥٥. ط دار الفكر.","vol":"1","page":90},{"text":"المسلمون فتظاهرت الكافرتان على المسلمة فقتلوها، فلم يزل الإسلام طامسا حتى بعث الله محمدًا ﵊.\nقال ابن كثير \"وهذا إسناد صحيح إلى ابن عباس، ورواه النسائي عن أبي كريب عن أبي معاوية بنحو وكذا ذكره غير واحد من السلف أنه قال لهم: أيكم يلقى عليه شبهي فيقتل مكاني وهو رفيقي في الجنة١.\nإن الدافع لهم على قتله ﵇ كونه ذكر لهم أنه رسول الله فدفعهم الحسد دفعًا إلى التخلص منه ولذا قالوا من باب التهكم والسخرية والاستهزاء فيما حكاه الله تعالى عنهم ﴿إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّه﴾ .\nعاشرا: دعواهم أن الله سبحانه هو المسيح﵇- تعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا ولذا حكم الله بكفرهم.\nقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ المائدة ٧٢.\nإن المسيح ﵇ أول كلمة نطق بها وهو في المهد صغيرا قال إني عبد الله، وطلب ﵇ من بني إسرائيل عبادة الله وحده وعدم الإشراك به في حال نبوته وكهولته فيهم. قال تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرائيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ المائدة ٧٢. ففي حال صغره وحال كهولته ديدنه ﵇ المناداة بالعبودية لله بدءا بنفسه ﵇ ودعوة لغيره.\nوقد قال الله في حقه وحق أمه: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآياتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ المائدة ٧٥.\nوقال سبحانه أيضا: ﴿إِنْ هُوَ إِلا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرائيلَ﴾ .\nالحادي عشر: دعواهم أن الله سبحانه ثالث ثلاثة.\n_________\n١ تفسير القرآن العظيم ٢/ ٤٣٠. ط دار الفكر. وقد ساق القرطبي خبر ابن عباس هذا وعزاه إلى أبي بكر بن أبي شيبة. انظر الجامع لأحكام القرآن ٤/ ١٠٠.","vol":"1","page":91},{"text":"قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ المائدة ٧٣.\nورد في سبب نزول هذه الآية ثلاثة أقوال.\nالأول: أنها نزلت في اليهود والنصارى. وذلك عندما قالت اليهود عزير ابن الله، وقالت النصارى المسيح ابن الله، وصار الله سبحانه ثالثهم. تعالى الله عن هذا علوا عظيما. واستغرب هذا القول الحافظ ابن كثير في تفسيره وهو مروي عن أبي صخر عند ابن أبي حاتم.\nالثاني: أنها نزلت في النصارى خاصة وهذا قول مجاهد وغيره وصححه ابن كثير في تفسيره.\nومرادهم الأقانيم الثلاثة، أقنوم الأب ثم الابن ثم أقنوم الكلمة المنبثقة من الأب إلى الابن١.\nالثالث: أنها نزلت في كونهم جعلوا المسيح وأمه الصديقة الاهين مع الله جل شأنه. فصار الله ثالث ثلاثة.\nقال ابن كثير: \"وهذا القول هو الأظهر. وهو مروى عن السدي واستشهد له بقوله تعالى في آخر سورة المائدة: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلامُ الْغُيُوبِ﴾ المائدة ١١٦.\n_________\n١ انظر تفسير القرآن العظيم ٢/٦١٦. ط دار الفكر.","vol":"1","page":92},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3>الزكاة\nفي القرآن الكريم</span>\nتعدد ذكر الزكاة في القرآن الكريم في مواطن كثيرة مما يدل على أهميتها والعناية بها. والمتتبع لسور القرآن، المكي منها والمدني، يجد أن الزكاة ذكرت في النوعين، أعني: المكي والمدني، فهي من آكد العبادات بعد الشهادتين والصلاة، وقد قرنت بالصلاة كثيرا، كما سيأتي بيان ذلك.\nقال ابن جرير: قال قتادة: وكان يقال: إن الزكاة قنطرة الإِسلام، فمن قطعها نجا، ومن تخلف عنها هلك، وقد كان أهل الردة بعد نبي الله قالوا: أما الصلاة، فنصلي، وأما الزكاة، فوالله لا تغصب أموالنا، قال أبو بكر: والله لا أفرق بين شيء جمع الله بينه، والله لو منعوني عقالا مما فرض الله ورسوله لقاتلناهم عليه ١.\nويقول ابن تيمية: وجعل الإِسلام مبنيا على أركان خمسة، ومن آكدها الصلاة، وهي خمسة فروض، وقرن معها الزكاة، فمن آكد العبادات: الصلاة وتليها الزكاة ففي الصلاة عبادته وفي الزكاة الإحسان إلى خلقه، فكرر فرض الصلاة في القرآن في غير آية، ولم يذكره إلا وقرن معها الزكاة ٢.\nوقال تلميذه ابن كثير:\nكثيرا ما يقرن الله تعالى بين الصلاة والإِنفاق من الأمواال، فإن الصلاة حق الله وعبادته، وهي مشتملة على توحيده والثناء عليه وتمجيده والابتهال إليه، ودعائه والتوكل عليه، والإِنفاق هو الإحسان إلى المخلوقين بالنفع المتعدي إليهم، وأولى الناس بذلك القرابات الأهلون والمماليك، ثم الأجانب، فكل من النفقات الواجبة والزكاة المفروضة داخل في قوله تعالى: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾، ولهذا ثبت في الصحيحين عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: \"بني الإِسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا\n_________\n١ تفسير ابن جرير (٢٤/٩٣) .\n٢ الفتاوى (٢٥/٦) .","vol":"1","page":93},{"text":"رسول الله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان وحج البيت\"، والأحاديث في هذا كثيرة. انتهى١.\nوقال ﵀ في تفسير قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ النساء٧٧.\nكان المؤمنون في ابتداء الإِسلام وهم بمكة مأمورين بالصلاة والزكاة، وإن لم تكن ذات النصب، وكانوا مأمورين بمواساة الفقراء منهم٢.\nويقول المراغي في تفسيره ما نصه:\n\"وقد فرضت الزكاة المطلقة في أول الإسلام، وكانت اشتراكية، والباعث عليها القلوب والضمائر، لا إكراه الحكام، ثم جعلت معينة محددة عندما صار للإسلام دولة، وسرُّ الوضع الأولى: أن جماعة المسلمين في مكة قبل الهجرة كانوا محصورين، ومنهم الموسر والمعسر، وصاحب الثروة وذو الفقر المدقع، فوجب أن يقوم أغنياؤهم بكفالة فقرائهم وجوبا دينيا إذا كانت الزكاة المعينة لا تكفيهم٣.\nويقوله رشيد رضا٤:\nفرضت الزكاة المطلقة بمكة في أول الإسلام، وترك مقدارها ودفعها إلى شعور المسلمين وأرحيتهم، ثم فرض مقدارها من كل نوع من أول الأموال في السنة الثانية على المشهور.. اهـ.\nويشهد لهذا قول الضحاك: كانت النفقات قربات يتقربون بها إلى الله على قدر ميسرتهم وجهدهم، حتى نزلت فرائض الصدقات: سبع آيات في سورة براءة مما يذكر فيهن الصدقات، هن الناسخات المثبتات٥.\nولقد وردت الزكاة في القرآن مجملة غير مفصلة ولا معروفة المقدار والأنصبة، لكن ثبت في السنة تفاصيلها وبيان مقدارها.\n_________\n١ تفسير القرآن العظيم (١/ ٦٥، ٦٦) . ط دار الفكر.\n٢ تفسير القرآن العظيم (٢/ ٣٣٩) . ط دار الفكر.\n٣ تفسير المراغي ١١٠/١١٨.\n٤ تفسير المنار (١٠/ ٢١٥) .\n٥ تفسير القرآن العظيم (١/ ٦٥) . ط دار الشعب.","vol":"1","page":94},{"text":"ولقد اعتنى القرآن بهذا الركن العظيم وتنوعت صيغه يا الدلالة عليه كما سيأتي بيانه، وكيفية الاعتناء بهذا الغرض في كتاب الله تتضح لنا وتتجلى الأمور التالية:\nأولا: أهمية الزكاة في القرآن والعناية بها:\nإن الله سبحانه تولى بنفسه العظيمة قسمتها وبيان حكمها، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ التوبة. ٦. وأخرج أبو داود في سننه بسند فيه ضعف من حديث عبد الرحمن بن زياد بن أنعم عن زياد بن نعيم عن زياد بن الحارث الصدائي ﵁ قال: أتيت النبي ﷺ فبايعته، فأتى رجل فقال: أعطني من الصدقة، فقال له: إن الله لم يرض بحكم نبي ولا غيره في الصدقات حتى حكم فيها هو فجزأها ثمانية أصناف، فإن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك ١. وقال الحافظ ابن كثير في تفسير هذه الآية:\nلما ذكر تعالى اعتراض المنافقين الجهلة على النبي ﷺ ولمزهم إيّاه في قسم الصدقات، بيّن تعالى أنه هو الذي قسمها وبين حكمها وتولى أمرها بنفسه، ولم يكل قسمها إلى أحد غيره، فجزأها لهؤلاء المذكورين٢.\nثانيا: أنها أحد أركان الإسلام الخمسة:\nفإن الزكاة المفروضة أحد مباني الإسلام الخمسة، كما ثبت ذلك النقل الصحيح عن النبي ﷺ حيث قال: بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة والحج وصوم رمضان٣.\nبل هي الركن الثالث من أركان الإسلام، جعلها الله قرينة للصلاة في مواطن كثيرة من كتابه الحكيم.\n_________\n١ رواه أبو داود في كتاب الزكاة باب من يعطي الصدقة ٢/ ٢٨١ رقم ١٦٣٠ وفي سنده الأفريقي فيه ضعف.\n٢ تفسير القرآن العظيم (٣/ ٤١١) . ط دار الفكر.\n٣ صحيح البخاري كتاب الإيمان باب دعاؤكم إيمانكم (١/ ٤٩) مع الفتح طبعة السلفية من حديث ابن عمر ﵄.","vol":"1","page":95},{"text":"قال ابن زيد: افترض الله الصلاة والزكاة وأبى أن يفرق بينهما وأبى أن يقبل الصلاة إلا بالزكاة١.\nثالثا: إن المرء يستحق أخوة الِإيمان والدخول في جماعة المسلمين إذا حقق ثلاثة أمور وهي: الشهادة والصلاة والزكاة، قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ التوبة ١١.\nقال الزين ابن المنير معلقا على هذه الآية: لأنها تضمنت أنه لا يدخل في التوبة من الكفر وينال أخوة المؤمنين في الدين إلا من أقام الصلاة وآتى الزكاة. أهـ ٢.\nرابعا: إن الله سبحانه لا يقبل توبة المشرك به إلا إذا حقق الثلاثة الأمور السابقة، وهي الشهادة والصلاة والزكاة.\nقال تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ التوبة ٥\nيقول ابن كثير ﵀ ت ٧٧٤ هـ.\n\"ولهذا اعتمد الصديق ﵁ لا قتال مانعي الزكاة على هذه الآية الكريمة وأمثالها، حيث حرمت قتالهم بشرط هذه الأفعال، وهي الدخول في الإسلام والقيام بأداء واجباته، ونبه بأعلاها على أدناها، فإن أشرف الأركان بعد الشهادة الصلاة التي هي حق الله ﷿، وبعدها أداء الزكاة التي هي نفع متعد للفقراء والمحاويج، وهي أشرف الأفعال المتعلقة بالمخلوقين، ولهذا كثيرا ما يقرن الله بين الصلاة والزكاة\"٣. ويقول القرطبي ﵀:\n\"والأصل أن القتل متى كان للشرك يزول بزواله، وذلك يقتضي زوال القتل بمجرد التوبة من غير اعتبار إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، ولذلك سقط القتل بمجرد التوبة قبل وقت الصلاة والزكاة، وهذا بين في هذا المعنى، غير أن الله تعالى ذكر التوبة، وذكر معها لشرطين آخرين، فلا سبيل إلى الغائهما\"٤.\n_________\n١ الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (٨/ ٨١) .\n٢ تفسير القرآن العظيم (٣/ ٦٥) . ط دار الشعر.\n٣ فتح الباري (٣/ ٢٦٧) .\n٤ الجامع لأحكام القرآن (٨/ ٧٤) .","vol":"1","page":97},{"text":"٦- وقال تعالى في أهل الكتاب عامة: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ البينة ٥\nابعا: إن القرآن حدد المصارف التي تصرف فيها الزكاة:\nقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ التوبة ٦٥.\nوهذا النص يبين لنا أن الله سبحانه تولى أمر صرف الزكاة بنفسه العليّة وقسّمها وبين حكمها، ولم يكل ذلك إلى أحد من خلقه، لا ملك مقرب ولا نبي مرسل، فجزأها سبحانه بين هذه الأصناف الثمانية، وهذا يدل على العناية بأمر الزكاة وعظم شأنها، وأنه لا يجوز لأحد كائنا من كان أن يتصرف في هذه الفريضة وفق استحسانه أو هوا٥ أو رغبته سواء كان المعطى قريبًا أم بعيدًا.\nوعن زياد بن الحارث الصدائي ﵁ قال: أتيت النبي ﷺ فبايعته فأتى رجل فقال: أعطني من الصدقة، فقال له: إن الله لم يرض بحكم نبي ولا غيره في الصدقات حتى حكم فيها هو فجزأها ثمانية أصناف، فإن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك ١.\nثامنا: كونها وردت في القرآن الكريم بصيغ متنوعة ومتعددة:\nفقد وردت صراحة بلفظ الزكاة في عدة أماكن من القرآن الكريم.\nومرة وردت بلفظ الصدقة.\nومرة وردت بلفظ النفقة.\nومرة وردت بلفظ العفو.\nوسيأتي بيان هذا كله إن شاء الله تعالى في باب معاني الزكاة في القرآن الكريم.\nتاسعا: كونها مفروضة في العهد المكي جملة، ومفصلة في العهد المدني حيث ذكرت\n_________\n١ رواه أبو داود في الزكاة باب من يعطي الصدقة وحد الغنى رقم ١٦٣٠، وفي سنده الأفريقي فيه ضعف. وانظر تفسير ابن كثير (٤/ ١٠٥) .","vol":"1","page":98},{"text":"الزكاة صراحة في بعض السور المكية، مثل قوله تعالى في سورة المزمل: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ . وفي سورة المؤمنون: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ﴾ .\nووردت في بعض السور الأخرى بغير لفظ الزكاة، كما في سورة الأنعام: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾، وفي سورة الذاريات: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾، وفي سورة المعارج: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ. لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ إلى غير ذلك من السور المكية التي ذكرت فيها الزكاة صراحة، إلا أن الزكاة في ذلك العهد لم تفصل أحكامها، وتتضح مقاديرها، وتذكر شروطها، ويعرف مستحقها، لكن جاء في الآيات المدنية بيان مستحقيها، والحث على ايتائها. وبينت السنة المطهرة أحكامها ومقاديرها وشروطها. يقول ابن كثير في أول سورة المؤمنون ما نصه:\nوقوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ﴾ الأكثرون على أن المراد بالزكاة ههنا زكاة الأموال مع أن هذه الآية مكية، وإنما فرضت الزكاة بالمدينة في سنة اثنتين من الهجرة. والظاهر أن التي فرضت بالمدينة إنما هي ذات النصب والمقادير الخاصة وإلا فالظاهر أن أصل الزكاة كان واجبا بمكة، كما قال تعالى في سورة الأنعام وهي مكية: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِه﴾ آية ١٤١١.\nوقال في آخر سورة المزمل ما نصه:\nوقوله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾: أي أقيموا صلاتكم الواجبة عليكم، وآتوا الزكاة المفروضة، وهذا يدل لمن قال: إن فرض الزكاة نزل بمكة، لكن مقادير النصب والمخرج لم تبين إلا بالمدينة، والله تعالى أعلم٢.\n_________\n١ تفسير ابن كثير (٥/٤٥٧) .\n٢ تفسير ابن كثير (٨/٣٨٦) .","vol":"1","page":99},{"text":"معاني الزكاة في القرآن الكريم\nتكرر لفظ الزكاة في القرآن الكريم حوالي اثنين وثلاثين مرة، وردت معرفة بالألف واللام في ثمانية وعشرين موضعا، ووردت منكرة في بقية المواضع، وفي أحد هذه المواضع المعرفة وردت في سياق واحد مع الصلاة، وإن كان يفصل بينهما آية واحدة، وذلك في أول سورة المؤمنون، قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ. الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ. وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ. وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ﴾ .\nوقرنت الزكاة بالصلاة في ستة وعشرين موضعا.\nووردت في القرآن الكريم بغير لفظها الصريح، كالإنفاق والصدقة والعفو وهي بمعنى الزكاة، وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله تعالى.\nوالقرآن الكريم لما عبر عن الزكاة بلفظها الصريح، لم يقصره ويحصره على الزكاة المفروضة، بل جعل له دلالات ومعان أخر، كما أنه لم يحصر أو يقصر التعبين عن الزكاة المفروضة بلفظ الزكاة الصريح، بل عبر عنها بألفاظ أخرى كما أشير إليه أعلاه.\nيقول ابن العربي ﵀: تطلق الزكاة على الصدقة الواجبة والمندوبة والنفقة والحق والعفو.١\nوقال: والصدقة متى أطلقت في القرآن فهي صدقة الفرض٢.\nولنبدأ الآن في الشروع في بيان معاني لفظ الزكاة الواردة في القرآن الكريم بلفظ الزكاة أو مشتقاتها:\nأولا: أطلق القرآن الكريم لفظ الزكاة، وأريد بها معان عدة٣\nالمعنى الأول: الزكاة المفروضة:\nوهذا المعنى تكرر في القرآن في أغلب المواطن التي ذكر فيها لفظ الزكاة خاصة إذا كانت مقرونة بالصلاة، ومن ذلك:\n_________\n١ نقلًا عن فتح الباري (٣/٢٦٢) .\n٢ أحكام القرآن (٢/ ٩٥٩)، وانظر الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ٨/ ١٦٨.\n٣ ذكر الفيروز آبادي أنه ورد على ستة عشر وجهًا، انظر بصائر ذوي التمييز (٣/ ١٣٤) .","vol":"1","page":100},{"text":"ا- قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ البقرة ٤٣.\nقال قتادة: فريضتان واجبتان فأدوهما إلى الله. ١.\nوقال الطبري: أما إيتاء الزكاة، فهو أداء الصدقة المفروضة.\nوقال الحسن: فريضة واجبة لا تنفع الأعمال إلا بها مع الصلاة.\nوقال أبو محمد بن أبي حاتم وكذا روى عن عائشة٢.\nوقال البغوي: أدوا زكاة أموالكم المفروضة٣ وقال ابن عطية: والزكاة في هذه الآية هي المفروضة بقرينة إجماع الأمة على وجوب الأمر بها٤.\nوقال القرطبي: أمر أيضًا يقتضي الوجوب. والإيتاء: الإعطاء، ثم قال: واختلف في المراد بالزكاة هنا، فقيل: الزكاة المفروضة لمقارنتها بالصلاة ٥، وحكى أن هذا قول أكثر العلماء.\n٢- وقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ﴾ البقرة ٨٣.\nروى ابن جرير بسند فيه ضعف عن الضحاك عن ابن عباس قال: إيتاء الزكاة ما كان الله فرض عليهم في أموالهم من الزكاة، وهي سنة كانت لهم غير سنة محمد ﷺ كانت زكاة أموالهم قربانا تهبط إليه نار فتحملها فكان ذلك تقبله، ومن لم تفعل النار به ذلك كان غير متقبل، وكان الذي قرب من مكسب لا يحل من ظلم أو غشم، أو أخذ بغير ما أمر الله به وبينه له٦.\nوقال أبو الليث السمرقندي: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾: المفروضة٧.\n_________\n١ تفسير ابن جرير (١/٢٥٧) .\n٢ تفسير ابن أبي حاتم (١/ ١٥٠)، وبحر العلوم للسمرقندي (١/ ٣٣٩)\n٣ تفسير البغوي (١/٦٧) .\n٤ تفسير ابن عطية (١/٢٥٦) .\n٥ الجامع لأحكام القرآن (١/٣٤٣-٣٤٤)، وابن كثير (١/ ٨٥) .\n٦ تفسير ابن جرير (١/٣٩٣) .\n٧ بحر العلوم (١/٤٠٨) .","vol":"1","page":101},{"text":"٣- وقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ البقرة ١١٥.\nقال مقاتل بن سليمان: يعني: أعطوا الزكاة المفروضة ١.\n٤- وقوله تعالى: ﴿وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ﴾ البقرة ١٧٧.\nقال سعيد بن جبير: ﴿وَآتَى الزَّكَاةَ﴾: يعني الزكاة المفروضة ٢.\nوكذلك قال مسلم بن يسار.\nوقال مقاتل بن سليمان: ﴿وَآتَى﴾: وأعطى، ﴿الزَّكَاةَ﴾: المفروضة ٣ وكذلك فسرها أبو الليث السمرقندي٤.\n٥- وقوله تعالى: ﴿وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاهُمْ يَحْزَنُونَ﴾ البقرة ٢٧٧\nقال ابن جرير: وآتوا الزكاة المفروضة عليهم في أموالهم ٥.\nوقال مقاتل بن سليمان: يعني: وأعطوا الزكاة من أموالهم ٦.\n٦- وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاة ... الآية﴾ النساء٧٧.\nقال ابن جرير: \"ذكر أن هذه الآية نزلت في قوم من أصحاب رسول الله ﷺ كانوا قد آمنوا به وصدقوه قبل أن يفرض عليهم الجهاد، وقد فرض عليهم الصلاة والزكاة، وكانوا يسألون الله أن يفرض عليهم القتال، فلما فرض عليهم القتال شق ذلك عليهم، وقالوا ما أخبر الله عنهم في كتابه٧.\n_________\n١ تفسير الخمسمائة آية ص ١٣٥.\n٢ الدر المنثور (١/ ٤١٦-٤١٧) .\n٣ تفسير مقاتل (١/ ١٥٧) .\n٤ انظر بحر العلوم (٥٤٧/١) .\n٥ تفسير ابن جرير (٣/١٠٦) .\n٦ تفسير مقاتل (١/٢٢٦) .\n٧ تفسير الطبري ٥/ ١٧٠.","vol":"1","page":102},{"text":"وهذا السبب الذي ذكره ابن جرير ساقه بإسناده من حديث ابن عباس ﵄ بلفظ: أن عبد الرحمن بن عوف وأصحابا له أتوا النبي ﷺ فقالوا: يا رسول الله: كنا في عز ونحن مشركون فلما آمنا صرنا أذلة، فقال: إني أمرت بالعفو فلا تقاتلوا، فلما حوله الله إلى المدينة أمره بالقتال، فكفوا فأنزل الله ﵎: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُم ْ ... الآية﴾ .\nوهذا الحديث رواه ابن أبي حاتم والنسائي والحاكم وابن مردويه كما ذكر ذلك ابن كثير١.\nالمعنى الثاني: المراد به الشهادة:\nقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ فصلت ٦-٧.\nقال ابن عباس ﵄: هم الذين لا يشهدون لا إله إلا الله٢.\nوقال عكرمة: الذين لا يقولون لا إله إلا الله.\nقال ابن كثير: والمراد بالزكاة ههنا طهارة النفس من الأخلاق الرذيلة ومن أهم ذلك طهارة النفس من الشرك٣.\nوذهب بعض أهل العلم إلى أن المراد بالآية المذكورة زكاة الأموال، وهذا مروي\nعن قتادة والسدي٤.\nوصوّب هذا القول الحافظ ابن جرير بناء على أن ذلك هو الأشهر من معنى الزكاة، وقال ابن كثير: وهذا هو الظاهر عند كثير من المفسرين، واختاره ابن جرير، وفيه نظر، لأن إيجاب الزكاة إنما كان في السنة الثانية من الهجرة إلى المدينة على ما ذكره غير واحد، وهذه الآية مكية٥.\n_________\n١ تفسير القرآن العظيم (٢/ ٣٣٩) .\n٢ تفسير ابن جرير (٢٤/٩٢) .\n٣ تفسير القرآن العظيم (٦/١٦٢) .\n٤ تفسير ابن جرير (٩٣/٢٤)، وانظر تفسير القرآن العظيم (٦ / ١٦٢) .\n٥ تفسير القرآن العظيم (٦/١٦٢) .","vol":"1","page":103},{"text":"المعنى الثالث: إن المراد بها تزكية البدن، وتطهيره من الذنوب والمعاصي:\nقال تعالى: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا﴾ مريم ٣١.\nفسرت الزكاة في هذا الموضع بمعنيين:\nالأول: أن المراد بها زكاة الأموال.\nوالثاني: تطهير الجسد من دنس الذنوب، وهو الذي مال إليه الحافظ ابن جرير١.\nومنذ قوله تعالى: ﴿وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا﴾ مريم ١٣.\nقال ابن جرير: الطهارة من الذنوب، واستعمال بدنه في طاعة ربه (٢) . وكذلك قوله تعالى: بوليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبي!! ن واتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلن وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة ... الآية! هو البقرة ١٧٧. قال ابن كثير:\nوقوله:! ووءاتى الزكاة! يحتمل أن يكون المراد به زكاة النفس وتخليصها من الأخلاق الدنية الرذيلة، كقوله: (قد أفلح من زكاها، وقد خاب من دساها! والشمس ٩-١٥، وقول موسى لفرعون: كوهل لك إلى أن تزكى وأهديك إلى ربك فتخشى! والنازعات ٨ ا-١٩. وقوله تعالى:! ووويل للمشركين الذين لأ يؤتون الزكاة! وفصلت ٧.\nويحتمل أن يكون المراد زكاة المالي، كما قال سعيد بن جبير، ومقاتل بن حيان، ويكون المذكور من اعطاء هذه الجهات والأصناف المذكورين إنما هو التطوع والبر والصلة، ولهذا ورد في الحديث عن فاطمة بنما قيس: أن في المال حقا سوى الزكاة، والله أعلم (٣) أهـ.\n_________\n(١) تفسير ابن جرير (١٦/ ٨١)، وانظر زاد المسير (٥/ ٢٢٩) .\n(٢) تفسير ابن جرير (٥٧/١٦) .\n(٣) تفسير ابن كثير (١/ ٢٩٩) .","vol":"1","page":104},{"text":"ثانيا: عبر عن الزكاة في القرآن الكريم بغيريفظها الصريح، وهو أنواع:\nأطلق لفظ الصدقة والمراد به الزكاة:\nقال تعالى: (إنما الصدقات للفقراء والمسحن والعاملن عليها والمؤلفة قلويهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله علينم حكيم) التوبة ٦٠.\nفقوله: (فريضة من الله وهو: أي حكما مقدرا بتقدير الله وفرضه وقسمه.\nومن ذلك قوله تعالى: (ومنهم من يلمزك في الصدقات فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون) التوبة ٥٨.\nوقوله تعالى: (وخذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم والله سميع عليم) التوبة ١٠٣.\nوقوله تعالى: (يمحق الله الربا ويربي الصدقات والله لايحب كل كفار أثيم) البقرة ٢٧٦.\n٢- الإِنفاق: أطلق وأريد به الزكاة، ومن ذلك:\nقوله تعالى: (ومما رزقناهم ينفقون) البقرة ٣\nوقوله تعالى: (والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم) التوبة ٣٤.\nمن أوجه اليسر في الزكاة:\nأولا: كون الزكاة مفروضة في الأموال الفضليّة دون الأموال المعدة للقنية والاحتياج (كالمنزل الذي يسكنه والعقار الذي يحتاج إليه والأواني والفرش والأثاث التي يستعملها، وعبيد الخدمة وحيوانات العمل) (١) .\nثانيا: أن ايجابها مشروط بشرطين:\nأ- بلوغ النصاب.\n٢- أن يحول عليه الحول.\n_________\n(١) إرشاد أولى البصاثر والألباب للسعدي ص ٧١.","vol":"1","page":105},{"text":"ثالثا: أمر الشارع بالتوسط في أخذ الزكاة، فلا يؤخذ من المزكى كرائم ماله، ولا الرديء المغمض فيه.\nرابعا: فرق الشارع الحكيم في الزكاة في الخارج من الأرض من الثمار فما خرج منها بمؤنة كسقي ففيه نصف العشر، وما خرج منها بلا مؤنة كسقي المطرففيه العشر، وهذا مشروط بأن تبلغ ثلاثمائة صاع فصاعدا.\nخامسا: ما عثرعليه من دفن الجاهلية سواء كان كثيرا أوقليلا ففيه الخمس، وهو المعروف بالركاز، للحديث المتفق عليه: في الركاز الخمس (١)، وهذا من اليسر، حيث لم يأخذه كله أو نصفه.\nسادسا: أوجب الشرل الزكاة في الخارج من الأرض من الثمار عند حصاده، لقوله تعالى: (وءاتوا حقه يوم حصاده) الأنعام ١٤١، وهذا فيه يسر من ناحيتين:\nالأولى: يسر اخراجه على مالكه.\nوالثانية: تعلق طمع المحتاج إليه في تلك الحالة (٢) .\nسابعا: لم يوجب الشرع الزكاة في بهيمة الأنعام حتى تبلغ النصاب المقدر شرعا\n(ثم من تسهيله لم يوجب ثا هذا النوع حتى تتغذى بالمباح، وتسوم الحول أوأكثره، فإذا كان صاحبها يعلفها، فلا يجمع عليه بين مؤنة العلف وايجاب الزكاة عليه (٣) .\nالاَثار المترتبة على أداء الزكاة:\nأولا: تحقيق الطاعة والعبودية لله سبحانه، والِإتباع لرسوله علميه، قال تعالى: (ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما) الأحزاب ٧١.\nثانيا: كونهاتطهيراللنفس وتزكية لها.\nقال تعالى: (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها..) التوبة ١٠٣.\n_________\n(١) رواه البخاري في الزكاة باب في الركاز الخمس ١/ ٤٦٥ ومسلم في الحدود باب جرح العجماء والمعدن والبئر جبار ١٣٣٤/٣ رقم ٤٥، ٤٦.\n(٢) إرشاد أولى البصائر والألباب ص ٧٣.\n(٣) المصدر السابق ص ٧٣.","vol":"1","page":106},{"text":"يقول ابن سعدي ﵀: ولهذا سميت زكاة لأنها تزكى صاحبها فيزداد إيمانه\nويتم إسلامه.\nثالثا: كونها تطهيرًا للمال وزيادة يا نمائه وسببا في بركته:\nقال تعالى: (وماءاتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون) الروم ٣٩.\nوقال تعالى: (ويمحق الله الربا ويربب الصدقات) البقرة ٢٦٨.\nوقال تعالى: (وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين) سبأ ٣٩.\nرابعا: القضاء على الشح فإنه خصلة ذميمة وخلق سيء:\nقال تعالى: (لووكان الانسان قتورًا) الِإسراء١٠٠.\nوقال تعالى: (وأحضرت الأنفس الشح) النساء١٢٨.\nوالإِقتار والشح قيود للإِنسان وعبودية، والمطلوب منه أن يكسرتلك القيود ويخلص العبودية لخالقه، فبإخراجه الزكاة طيبة بها نفسه خالصة بها نيته علو وارتفاع.\nخامسا: التعود على الِإنفاق والبذل والعطاء.\nوالِإنفاق خصلة كريمة، وصفة رفيعة، وخلق جميل، ضد الشح تماما، بل هو علامة على الإِسلام والإِيمان والتقوى.\nقال تعالى: (والذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون) البقرة ٣.\nوقال تعالى: (الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون أولئك هم المؤمنون حقا\nلهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم) الأنفال ٢، ٣.\nيقول عبد القادر عودة:\n\"على أن الإِنفاق يعتبرها الاسم أصلا من أصول البر، أي الخير، فلا يتم الخيرإلا بالِإنفاق، لقوله تعالى: (ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر منءامن بالله واليوم الاَخر والملائكة والكتاب والنبي!! ن وءاتى المال على حبه ذوي القربى","vol":"1","page":107},{"text":"واليتامى والمساكن وابن السبيل والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون) (١) .\nولقد ورد الحث على الِإنفاق في القرآن في مواطن متعددة، ومن أهم ذلك أن القرآن المكي اعتنى بهذا الخلق العظيم:\nقال تعالى: (والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما زقناهم ينفقون) الشورى ٣٨.\nوقال تعالى: (والذين في أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم) المعارج ٢٥.\nوقال تعالى: (فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى ومايغني عنه ماله إذا تردى) الليل ٥- اا.\nوقال تعالى: (وسيجنبها الأتقى الذي يؤتي ماله يتزكى وما لأحد عنده من نعمة تجزى إلأ ابتغاء وجه ربه الأعلى ولسوف يرضى) (٢) .\nسادسا: كونها عونا لأهل الحاجات ورفعا لكرامتهم وصونا لها:\nيقول القرضاوي: والزكاة بالنظر لأخذها تحرير للِإنسان مما يمس كرامة الإِنسان، ومؤازرة عملية ونفسية له في معركته الدائرة مع أحداث الحياة، وتقلبات الزمان، فمن الذي يأخذ الزكاة ويستفيد منها من الأفراد:\nإنه الفقيى الذي أتعبه الفقر.\nأو المسكين الذي أرهقته المسكنة.\nأو الرقيق الذي أذله الرق.\nأو الغارم الذي أضناه الدين.\nأو ابن السبيل الذي أبأسه الانقطاع عن الأهل والمال (٣) .\n_________\n(١) المال والحكم في الِإسلام، ص ٥٢ ط ٤، الدأر السعودية للنشر.\n(٢) انظر فقه الزكاة للقرضاوي (٢/ ٥٩ هـ ٨٦٢) .\n(٣) فقه الزكاة للقرضاوي (٢/ ٨٧٢) .","vol":"1","page":108},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4>الصوم في القرآن الكريم</span>\nفرض الله سبحانه الصوم على هذه الأمة كما فرضه على الذين من قبلهم، طاعة لربهم، ووقاية لهم من الذنوب والمعاصي: قال تعالى: (يا أيها الذينءامنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون) البقرة ١٨٣.\nوالصوم سوأء كان فرضا أو نفلًا له فضل عظيم عند الله، بينت السنة الصحيحة\nثوابه ومنزلته.\nففي الصحيحين وغيرهما عن سهل بن سعد الساعدي ﵁ أن النبي ﷺ قال: إن في الجنة بابًا يقال له الريان، يدخل منه الصائمون يوم القيامة، لايدخل منه أحد غيرهم، يقال: أين الصائمون؟ فيقومون فيدخلون، فإذا أغلق عليهم لم يدخل منه أحد (١) .\nومن فضل الصوم أن الله سبحانه تولى الجزاء عليه، وأضافه إليه سبحانه:\nففي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: \"والذي نفسي بيده، لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، يقول الله عزوجل: إنها ترك شهوته وطعامه من أجلي فالصيام لي، وأنا أجزي بهإ (٢) .\nوفي الصحيحين عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: من صام\nيوما في سبيل الله باعد الله وجهه عن النارسبعين خريفا (٣) .\nقال القرطبي:\nوإنما خص الصوم بأنه له، وإن كانت العبادات كلها له، لأمرين باين الصوم بهما\nسائر العبادات:\nأحدهما: أن الصوم يمنع من ملاذ النفس وشهواتها، مما لايمنع منه سائر\nالعباد ات.\n_________\n(١) صحيح البخاري مع فتح الباري (٣٣/٢ ١) السلفية، ومسلم في الصوم ٨/٢ ٠ ٨ رقم ٦٦ ١.\n(٢) صحيح البخاري مع فتح الباري (٢/ ١٢٥) السلفية ومسلم لا الصوم ٨٠٦/٢ رقم ١٦١، ١٦٤. (٣) صحيح مسلم كتاب الصوم ٨٠٨/٢ رقم ١٦٨.","vol":"1","page":109},{"text":"الثاني: أن الصوم سر بين العبد وبين ربه، لا يظهر إلا له، فلذلك صار مختصا\nبه، وماسواه من العبادات ظاهر، ربما فعله تصنعا ورياء، فلهذا صار أخص بالصوم من غيره، وقيل غيرهذا (١) .\nتعريف الصوم لغة وشرعًا:\nيطلق الصوم في اللغة على الكف والِإمساك عن الكلام، ومنه قوله تعالى عن مريم ﵍: (إني نذرت للرحمن صوما فلن كلم اليوم إنسيا) مريم ٢٦.\nومنه قول النابغة الذيباني:\nخيل صيام وخيل غيرصائمة تحت العجاج وأخرى تعلك اللجما\nقال ابن فارس في مادة صوم:\nالصاد والواو والميم أصل يدل على امساك وركود في مكان، من ذلك صوم الصائم،\nوهو امساكه عن مطعمه ومشربه وسائرمامنعه، ويكون الامساك عن الكلام صوما (٢) . وأما في الشرع، فهو الِإمساك عن الأكل والشرب والجماع من الفجر حتى غروب الشمس، كما حدده الشارع الحكيم.\nقال تعالى: (وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل) البقرة ١٨٧.\nقالط القرطبي: وتمامه وكماله باجتناب المحظورات، وعدم الوقوع في المحرمات، لقوله ﵊: من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه \" (٣) .\nمعاني الصوم في القرآن:\nيطلق الصوم في القرآن الكريم على معنيين:\nالأول: الصوم الشرعي المعروف الذي هو الِإمساك والكف عن الأكل والشرب\n_________\n(١) الجامع لأحكام القرآن (٢/ ٢٧٤) .\n(٢) معجم مقاييس اللغة (٣٢٣/٣) .\n(٣) الجامع لأحكام القرآن (٢٧٣/٢) .","vol":"1","page":110},{"text":"والجماع، من طلوع الفجر حتى غروب الشمس، ومنه قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون) البقرة ١٨٣. وقوله تعالى: (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) مهو البقرة ١٨٥.\nالثاني: الصمت والكف عن الكلام.\nومنه قوله تعالى: (إني نذرت للرحمن صوما فلن كلم اليوم إنسيا) (١) مريم ٢٦.\nعناية القرآن الكريم بالصوم:\nتتجلى العناية القرآنية بالصوم في الأمور التالية:\nأولا: إن الصوم كان مفروضا على الأمم السابقة.\nثانيا: إن الصوم مفروض على هذه الأمة، وهذه زيادة في العناية به على من سبق،\nويدل على هذين الأمرين قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون) البقرة ١٨٣.\nثالثا: إن الصوم مفروض على المريض والمسافر، لقوله تعالى:! الوفمن كان منكم مريضًا أو على سفر فعدة من أيام أخر! هو البقرة ١٨٤.\nوهذا يدل على الاهتمام والعناية به، حتى في حالات الطوارىء التي تطرأ على الإِنسان.\nرابعا: تعدد أنواعه يا القرآن الكريم كما سيأتي بيانه.\nأنلا الصيام في القرآن الكريم:\nأولا: صوم الفرض، الذي هو صوم شهررمضان:\nقالت تعالى: (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون أياما معدودات فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين فمن تطوع خيرا فهو خير له وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه) البقرة ١٨٣: ١٨٥.\n_________\n(١) انظر نزهة الأعين النوأظر (٢/ ٤) .","vol":"1","page":111},{"text":"ثانيا: صوم الفدية، وهو نوعان:\nالنوع الأول: مقداره عشرة أيام، ولايكون إلا عند العجز عن الاتيان بالفدية، ويؤدى على مرحلتين:\nالمرحلة الأولى: صوم ثلاثة أيام في الحج.\nالمرحلة الثانية: صوم سبعة أيام إذا رجع إلى أهله:\nقال تعالى: (فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي فمن لم يجد فصيام\nثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام واتقوا الله واعلموا أن الله شديد العقاب) .\nالنوع الثاني: مقداره ثلاثة أيام، وذلك عندما يخل الِإنسان ببعض نسك الحج لطارىء طرأ عليه، كالمرض والأذى: قال تعالى:! وفمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام..! الآية البقرة ١٩٦.\nوقد بينت السنة النبوية مقدار هذا الصيام:\nأخرج البخاري بسنده عن عبد الله بن معقل قال: قعدت إلى كعب بن عجرة في\nهذا المسجد- يعني مسجد الكوفة- فسألته عن فدية من صيام، فقال: حملت إلى النبي ﷺ سَبيهإِ، والقمل يتناثر على وجهي، فقال: ماكنت أرى أن الجهد بلغ بك هذا، أما تجد شاة؟ قلت: لا، قال: صم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكن، لكل مسكيئ نصف صاع من طاعم، واحلق رأسك، فنزلت في خاصة، وهي لكم عامة (١) .\nثالثا: صوم الكفارة، وهي أنلا:\nالأول: صح كفارة القتل، ومقداره شهران متتابعان:\nقال تعالى: (ما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير\nرقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من الله وكان الله عليما حكيما) النساء٩٢.\n_________\n(١) صحيح البخاري (٨/ ٣٤) رقم ٤٥١٧ مع الفتح.","vol":"1","page":112},{"text":"وصوم هذين الشهرين الشرط فيه التتابع، لا إفطار فيها إلا من عذر شرعي كالمرض أو النفاس أو الحيض، فإن قدر أنه أفطر من غيى عذر، استأنف الصيام من جديد.\nالثاني: صح كفارة الظهار، ومقداره شهران متتابعان:\nلقوله تعالى: (والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا ذلكم توعظون به والله بما تعملون خبير فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعن من قبل أن يتماسا فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا.. . الآية) المجادلة ٣، ٤. الثالث: صوم كفارة اليمين، ومقداره ثلاثة أيام:\nوذلك بعد العجز عن اعتاق رقبة أو اطعام عشرة مساكين أو كسوتهم:\nقال تعالى: (لايؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدّتم الأيمان فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ماتطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم واحفظوا أيمانكم كذلك يبذلن الله لكم آياته لعلكم تشكرون) المائدة ٨٩.\nالرابع: صوم كفارة قتل الصيد وهومحرم:\nقال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لاتقتلوا الصيد وأنتم حرم ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ماقتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما ليذوق وبال أمره عفا الله عما سلف ومن عاد فينتقم الله منه. والله عزيز ذو انتقام) المائدة ٩٥.\nومقدار الصيام في هذه الكفارة مطلق غيى مقيد، ولم يرد بتحديده وتعيينه نص شرعي في حد علمي، وبناء على هذا اختلفت أقوال أهل العلم في تقديره.\nوالذي يدل عليه ظاهر الاَية أن المحرم الذي ارتكب ذلك المحظور فهو مخدر بين\nأحد ثلاثة أمور: إما المثل، وإما اطعام مساكين، واما عدل ذلك من الصيام، أي عدل الطعام صياما، سواء كثر ذلك الطعام أو قل.\nيقول الشيخ الشنقيطي:\n\"واعلم أن ظاهر الآية الكريمة أنه يصوم عدل الطعام المذكور. ولوزاد الصيام عن","vol":"1","page":113},{"text":"شهرين أو ثلاثة، وقال بعض العلماء: لايتجاوز صيام الجزاء شهرين، لأنهما أعلى الكفارات، واختاره ابن العربي، وله وجه من النظر، ولكن ظاهر الاَية يخالفه (١) انتهى. الخامس: صوم كفارة الجماع، ومقداره شهران متتابعان:\nوهذا النوع من الصيام لم يرد له ذكر في القرآن الكريم، وإنما السنة النبوية هي التي نصت عليه وبينته.\nففي الصحيحن من حديث أبي هريرة ﵁ قال: بينما نحن جلوس عند النبي ﷺ إذ جاءه رجل فقال: يارسول الله هلكت، قال: مالك؟ قال: وقعت على امرأتي وأنا صائم، فقال رسول الله عييه: هل تجد رقبة تعتقها، قال: لا، قال: فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا ... الحديث (٢) واللفظ للبخاري. رابعا: صوم النفل:\nوهو أنه، منها ماهو مطلق، ومنها ماهو مقيد.\nخامسا: صوم محرم:\nوهذان الأخيران ورد بيانهما في السنة النبوية، ولم يرد لهما ذكر أو اشارة في القرآن الكريم، فلم أدخل في بيان تفصيلاتها وذكر أفى لتها.\nأوجه اليسر في الصيام:\nالصيام عبادة تولى الله سبحانه الاجزاء عليها، ومضاعفة الثواب لمن قام بها خير قيام، ومع هذا، فهي ميسرة، ليس فيها تكليف بما لايطيق العبد، أو تذمر وملل، وسبحان العالم بما يصلح أحوال النفوس البشرية ويهذبها وبربيها ويخضعها للامتثال الشرعي سرا وعلانية، ومن أوجه اليسر يا الصيام الآتي:\nأولا: إن الله سبحانه لما كتب على عباده الصوم جعل له مدة معينة محدودة، وأياما معدودة، ولم يفرضه على الاطلاق في جميع الأوقات على الِإنسان، حتى لايشق عليه، بل وعينه في شهرواحد، وهوشهررمضان المبارك:\n_________\n(١) أضواء البيان (١٥٠/٢) .\n(٢) رواه البخاري في الصيام باب إذا جامع في رمضان (٢/ ١ ٤)، ومسلم في كتاب الصيام ٢/ ١ ٧٨ رقم ١ ٨.","vol":"1","page":114},{"text":"قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون أياما معدودات..) الاَية. البقرة ٨٣ أ-١٨٤.\nثانيا: إن الله سبحانه لما فرض علينا صيام تلك الأيام المعدودة شرع لنا صيام النهار، والاقتصار عليه من الفجر حتى غروب الشمس، وأباح لنا الافطار والأكل والشرب لا بقية الجزء الاَخر وهو الليل: قال تعالى: (وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل) البقرة ١٨٧. ثالثا: إن الله سبحانه لم يكلف المريض صيام ما افترض عليه حتى يبهأ من مرضه، وكلفه القضاء من أيام أخر:\nقال تعالى: (فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر ...) البقرة ١٨٤.\nرابعا: إن الله سبحانه رخص للمسافر أن يفطر في سفره، وألزمه القضاء في أيام أخر: قال تعالى: (فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر ...) البقرة ١٨٤.\nخامسا: إن من فاته شيء من رمضان لعذرما وجب القضاء موسعًا، فله قضاؤه من رمضان إلى رمضان وهذا من اليسرفي قضاء الصوم.","vol":"1","page":115},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5>الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر</span>\n...\nالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر\n(المعروف): اسم جامع لكل ما عرف من طاعة الله والتقرب إليه، والِإحسان إلى الناس، وكل ماندب إليه الشرع، ونهى عنه من المحسنات والمقبحات.\nوهو من الصفات الغالبة: أي أمر معروف بين الناس، إذا رأوه لاينكرونه (١) . (والمنكر: ضد المعروف، وكل ما قبحه الشرع وحرمه وكرهه فهومنكر (٢) .\nومن خلال هذا التعريف للمعروف والمنكر يتضح للناظر شمولية كل من المعروف والمنكر للشرع كله: أمره ونهيه، بمعنى أن المعروف يشمل كل ما أمر به الشارع، والمنكر يشمل كل مانهى عنه الشارع، وعلى هذا، فإن أل التعريف تفيد الاستغراق الذي يفيد العموم (٣) . وباب الأمر والنهى لايختصان بجانب واحد من الحياة بل يعمان جميع جوانب الحياة كلها (٤) . وقد فهم السلف الصالح ﵏ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كذلك يقول ابن جرير:\n\"وأصل المعروف كل ماكان معروفا فعلا، جميلا مستحسنا غيرمستقبح في أهل الِإيمان بالله، وإنما سميت طاعة الله معروفا، لأنها مما يعرفه أهل الِإيمان، ولا يستنكرون فعله.\nوأصل المنكر ما أنكره الله، ورأوه قبيحا فعله، ولذلك سميت معصية الله منكرا،\nلأن أهل الِإيمان بالله يستنكرون ويستعظمون ركوبها (٥) .\nويقول عند تفسيره لقوله تعالى: (ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف) آل عمران ١٠٤.\nيقول: (ولتكن منكم) أيها المؤمنون (وأمة) يقول جماعة، (ويدعون) الناس (إلى الخير) ويعني الِإسلام وشرائعه التي شرعها الله لعباده، (ويأمرون بالمعروف)\n_________\n(١) النهاية في غريب الحديث (٣/ ٢١٦) .\n(٢) المرجع السابق (٥/ ١١٥) .\n(٣) التنوير والتحرير (٤/ ٤٠) .\n(٤) انظر الأمر بالمعروف والهي عن المنكر للعمري ص ٥٢. (٥) تفسير الطبري (٧/ ١٠٥) شاكر.","vol":"1","page":116},{"text":"ويقول: يأمرون الناس باتباع محمد ﷺ، ودينه الذي جاء به من عند الله، (وينهون عن المنكر) يعني عن الكفر بالله والتكذيب بمحمد عنه وبما جاء به من عند الله بجهادهم بالأيدي والجوارح حتى ينقادوا لكم بالطاعة (١) .\nوقال في تفسير قوله تعالى: (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف) آل عمران ١٠٩.\nوأما قوله: (تأمرون بالمعروف) فإنه يعني: تأمرون بالإِيمان بالله ورسوله والعمل بشرائعه ...، (وتنهون عن المنكر) ويعني وتنهون عن الشرك بالله وتكذيب رسوله، وعن العمل بمانهى عنه (٢) .\nوعن أبي العالية الرياحي قال: كل آية ذكرها الله في القرآن في الأمر بالمعروف فهو الإِسلام، والنهي عن المنكر هو عبادة الأوثان (٣) .\nوقال الجصاص:\nالمعروف هو أمر الله ... والمنكر هو مانهى الله عنه (٤) .\nوقال أبو حيان:\nفسر بعضهم المعروف بالتوحيد، والمنكر بالكفر، ولاشك أن التوحيد رأس المعروف، والكفررأس المنكر، ولكن الظاهر العموم في كل معروف مأمور به في الشرع، وفي كل منهي عنه في الشرع (ْ٥)\nوقال ابن حجر الهيثمي:\nالمراد بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: الأمر بواجبات الشرع والنهي عن محرماته (٦) .\n_________\n(١) تفسير الطبري (٧/ ٩٠، ٩١) شاكر.\n(٢) تفسير الطبري (٧/ ١٠٥) .\n(٣) فتح القدير (١/ ٢٧٠)، وتفسير الطبري (١ ١/ ٣٩) . (٤) أحكام القرآن (٢/ ٤١) .\n(٥) البحر المحيط (٣/ ٢٠) .\n(٦) ١ لزوا جر (٢/ ١٤٦) .","vol":"1","page":117},{"text":"وقال الألوسي: والمتبادر من المعروف الطاعات، ومن المنكر المعاصي التي أنكرها الشرع (١) .\nويقول ابن تيميه:\nويدخل في المعروف كل واجب، وفي المنكركل قبيح، والقبائح هي السيئات وهي المحظورات كالشرك والكذب والظلم والفواحش (٢) .\nوقال أيضا:\nالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو الذي أنزل الله به كتبه، وأرسل به رسله، وهو من الدين، فإن رسالة الله إما اخبار وإما إنشاء: فالاخبار عن نفسه ﷿، وعن خلقه، مثل: التوحيد والقصص الذي يندرج فيه الوعد والوعيد، والانشاء: الأمر والنهي والاباحة (٣) .\nويقول عبد القادر عودة:\nالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يدخل فيه الأمر بكل ما أوجبت الشريعة عمله، وأوجبت للناس فعله من صلاة وصيام وحد وتوحيد وغيرذلك، والنهي عن كل ماخالف الشريعة من أفعال وعقائد، فيدخل فيه النهي عن التثليث وعن القول بصلب المسيح وقتله، ويدخل فيه النهي عن الترهيب، وعن شرب الخمر، وعن أكل لحم الخنزير، وغير ذلك مما خالف فيه الشريعة الِإسلامية الأديان الأخرى (٤) .\nفهذا هو فهم بعض السلف الصالح لبعض نصوص الكتاب والسنة الواردة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهي نصوص مطلقة في هذا بحيث لايصح لانسان حصرها في مفهوم معين كما هومعروف في هذا الزمان لدى طلاب العلم وغيرهم من أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر محصور في الوعظ والِإرشاد فقط (ْ٥)\n_________\n(١) روح المعا ني (٤/ ٢٨) .\n(٢) العقيدة الأصفهانية ص ١٢١.\n(٣) رسالة الأمر بالمعروف والخهي عن المنكرص ٩. (٤) التشريع الجنائي (٤٩٧/١) .\n(٥) الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر للعمري ص ٥١.","vol":"1","page":118},{"text":"عناية القرآن الكريم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:\nأولا: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كان واجبا على الأمم المتقدمة.\nقال تعالى: (إن الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس فبشرهم بعذاب أليم) آل عمران ٢١.\nقال القرطبي في تفسيىه:\nدلت هذه الآية على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كان واجبا في الأمم المتقدمة، وهو فائدة الرسالة، وخلافة النبوة (١) .\nقال تعالى: (أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون) البقرة ٤٤.\nوهذه الاَية نزلت يأ اليهود، وبالأخص منهم العلماء:\nقال ابن عباس: كان يهود المدينة يقول الرجل منهم لصهره ولذي قرابته، ولمن بينه وبينه رضاع من المسلمين: اثبت على الذي أنت عليه، وما يأمرك به هذا الرجل - يريدون محمدا ﷺ- فإن أمره حق، فكانوا يأمرون الناس بذلك ولايفعلونه (٢) .\nقال تعالى: (يابني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور) لقمان ١٧.\nيقول القرطبي:\nوصى ابنه بعظم الطاعات، وهي الصلاة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذا إنما يريد به بعد أن يمتثل ذلك هو في نفسه ويزدجرعن المنكر، وهذه هي الطاعات والفضائل أجمع.\nوقال تعالى: (ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات وأولئك من الصالحين) آل عمران ١٣ ا-١١٤.\n_________\n(١) تفسيرالقرطبي (٤٧/٤، ٦٨) . (٢) تفسيرالقرطبي (٣٦٥/٥) .","vol":"1","page":119},{"text":"ثانيا: أن الله سبحانه أوجب اللعنة على بعض تلك الأمم لتركها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:\nقال تعالى: (لعن الذين كفروا من بني اسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون كانوا لايتناهون عن منكر فعلوه لبئس ماكانوا يفعلون) المائدة ٧٨، ٧٩.\nقال ابن كثير:\n\"أي كان لاينهى أحد منهم أحدا عن ارتكاب المآثم والمحارم، ثم ذمهم على ذلك ليحذر أن يرتكب مثل الذي ارتكبته، فقال: لبئس ماكانوا يفعلون (١) .\nوأخرج الِإمام أحمد بسنده عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: لما وقعت بنو اسرائيل في المعاصي، نهتهم علماؤهم، فلم ينتهوا، فجالسوهم في مجالسهم.\nقال يزيد: أحسبه قال: في أسواقهم، وواكلوهم وشاربوهم. فضرب الله قلوب بعضهم ببعض، ولعنهم على لسان داود وعيسى ابن مريم (وذلك بما عصوا وكانوا يعتدون)، وكان رسول الله علييه متكئا فجلس، وقال: لا والذي نفسي بيده، حتى تأطروهم على الحق أطرًا (٢) .\nثالثا: الايجاب والتأكيد على الأمة المحمدية بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:\nقال تعالى: (ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون) آل عمران ١٠٤.\nذكر القرطبي أن (من) تحتمل أمرين:\nالأول: أنها تبعيضية.\nالثاني: أنها لبيان الجنس.\nوالفرق بين الأمرين:\nأن المعنى على القول الأول: أن الأمرين يجب أن يكونوا علماء وليس كل الناس علماءبل بعضهم.\n_________\n١ تفسير القرآن العظيم ٢/٦١٨\n٢ انظر المسند ١/٣٩١.","vol":"1","page":120},{"text":"وعلى الثاني فالمعنى: لتكونوا كلكم كذلك.\nقال القرطبي: قلت: القول الأول أصح، فإنه يدل على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض على الكفاية، وقد عينهم الله تعالى بقوله: (الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة..) الاَية. وليس كل الناس مكنوا أهـ (١) .\nوقال الشوكاني في تفسيى هذه الآية:\nوفي الاَية دليل على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ووجوبه ثابت بالكتاب والسنة، وهو من أعظم واجبات الشريعة المطهرة وأصل عظيم من أصولها، وركن مشيد من أركانها وبه يكمل نظمها ويرتفع سنامها. أهـ (٢) .\nوقال ابن كثير: والمقصود من هذه الاَية أن تكون فرقة من هذه الأمة متصدية لهذا الشأن، وإن كان ذلك واجبا على كل فرد من هذه الأمة بحسبه (٣) .\nوهذا هو الذي يظهر لي، وأنه واجب على كل فرد مسلم كل بحسبه وطاقته وأنه على مراتب، ولايمنع هذا من تكليف فرقة من الأفةِ بالقيام بهذا الركن العظيم.\nرابعا: إن الله سبحانه رتب على القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الخير والصلاخ، وأن هذه الأمة استحقت الخيرية لقيامها بهذا الأمر العظيم:\nقال تعالى: (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ...) آية عمران: ١١٥.\nقال مجاهد: (كنتم خير أمة أخرجت للناس) على الشرائط المذكورة فى الآية (٤) .\nقال القرطبي: وعلى قول مجاهد: كنتم خيرأمة إذا كنتم تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر (٥) .\n_________\n(١) تفسيرالقرطبي (٤ م/١٦٥) .\n(٢) فتح القدير (١/ ٣٦٩) .\n(٣) تفسير القرآن العظيم (٢/ ٨٦) .\n(٤) تفسيرالقرطبي (١٧٠/٤) .\n(٥) تفسيرالقرطبي (٤/ ١٧١)","vol":"1","page":121},{"text":"وهذه الاَية الكريمة نص عزيز في مدح هذه الأمة المحمدية لقيامها بهذا الشأن العظيم، ولقد تبوأت منزلة عظيمة في الحياة الدنيا عندما قامت به، وسفلت عندما تركته وضيعته فسامها العدوسوء العذاب فكان من شأنها ضعف في الإِيمان، وتعد لحدود الله، وانتهاك للحرمات وتشريد من الديار، وتعلق بغير الله، ولجوء إلى غيره، حتى وصل بها الحال إلى تحكيم غيرشرع الله، والرضا به، والدفاع عنه، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.\nيقول القرطبي عند تفسيرهذه الاَية:\nمدح لهذه الأمة ما أقاموا ذلك، واتصفوا به، فإذا تركوأ التغييروتواطئوا على المنكر زال عنهم اسم المدح، ولحقهم اسم الذم، وكان سببا لهلاكهم (١) .\nخامسا: إن الله سبحانه علق الفلاح، بل حصره وقصره في القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:\nقال تعالى: (ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون) آل عمران: ١٠٤.\nيقول ابن عاشور ﵀:\nوجملة (أولئك هم المفلحون): معطوفة على صفات (أمة) وهي التي تضمنتها جمل: (يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر)، والتقدير: وهم مفلحون، لأن الفلاح لما كان مسببا على تلك الصفات الثلاث، جعل بمنزلة صفة لهم، ويجوزجعل جملة (أولئك هم المفلحون) حالا من (أمة)، والوأو للحال ...\nومفاد هذه الجملة قصر صفة الفلاح عليهم، فهوإما قصر إضافي بالنسبة لمن لم يقم بذلك مع المقدرة عليه، وإما قصر أريد به المبالغة لعدم الاعتداد في هذا المقام بفلاخ غيرهم، وهو معنى قصر الدلالة على معنى الكمال (٢) أهـ.\nسادسا: إن الله سبحانه جعل القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر صفة من صفات المؤمنين:\n_________\n(١) تفسيرالقرطبي (١٧٣/٤) .\n(٢) التنوير والتحرير (٤/ ٤٢) .","vol":"1","page":122},{"text":"قال تعالى: (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم) التوبة: ٧١.\nوقال تعالى: (التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله وبشر المؤمنين) التوبة: ١١٢.\nوقال تعالى: (الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ودله عاقبة الأمور) الحج: ٤١.\nقال عثمان بن عفان ﵁: فينا نزلت (الذين إن مكناهم ذأ الأرض. .. الاَية)، فأخرجنا من ديارنا بغيرحق، إلا أن قلنا ربنا الله، ثم مكنا في الأرض، فأقمنا الصلاة وآتينا الزكاة وأمرنا بالمعروف ونهينا عن المنكر، ولله عاقبة الأمور، فهى لي وللأصحابي (١) .\nسابعا: آن الله سبحانه جعل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قرينا للصلاة والزكاة:\nقال تعالى: (الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور) الحج: ٤١.\nوهذا فيه دلالة على عظم أمره وعلو شأنه، حيث قرن بركنين عظيمين من أركان الِإسلام، وهما الصلاة والزكاة.\nثامنا: إن الله سبحانه أخبر عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أنه من خير الكلام:\nقال تعالى: (لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروت أو إصلاح بين الناس) النساء: ١١٤.\nتاسعا: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر علامة ما بين المؤمن والمنافق:\n_________\n(١) تفسير القرآن العظيم (٤/ ٦٥٠) .","vol":"1","page":123},{"text":"قال تعالى: (والمؤمنين والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ...) التوبة: ٧١.\nوقال تعالى: (المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ويقبضون أيديهم نسوا الله فنسيهم إن المنافقن هم الفاسقون) التوبة: ٦٧. قال القرطبي:\n\"أي متشابهون في الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف، وقبض أيديهم عبارة عن ترك الجهاد، وفيما يجب عليهم من حق لما (١) .\nعاشرا: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب على السلطان والعلماء:\nقال تعالى: (الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وءاتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور) الحج: ٤١.\nورد فى معنى الاَية أقوال متعددة، ومنها قول سهل بن عبد الله قال: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب على السلطان وعلى العلماء الذين يأتونه، وليس على الناس أن يأمروا السلطان لأن ذلك لازم عليه، واجب عليه، ولا يأمروا العلماء، فإن الحجة قد وجبت عليهم (٢) . أهـ.\nوهذا القول يتفق معه، أو يشهد له الخبى صنفان إذا صلحا صلح المجتمع واذا فسدا فسد المجتمع: الأمراء والعلماء.\nأما الأمراء، فلأن بأيديهم السلطة، وأما العلماء، فلأن بأيديهم التوجيه والِإرشاد، وبيان الحلال من الحرام، والتمكين الحاصل للأمراء بالولاية، وللعلماء بالعلم. الحادي عشر: إن القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سبب في نجاة صاحبه من الوقوع في الماَثم والعذاب الأليم.\nالثاني عشر: إن القيام بهذا الركن العظيم فيه إظهار للحق ورفعة لأهله، ودفع للباطل وذلة لأهله، فإذا تساهل أهل الحق في القيام به انعكست عليهم الحال، وما نراه ونشاهده اليوم فى بلاد المسلمين لأكبرشاهد على ذلك ولا حول ولا قوة إلا بالله.\n_________\n(١) تفسيرالقرطبي (١٩٩/٨) . (٢) تفسيرالقرطبي (٧٣/١٢) .","vol":"1","page":124},{"text":"معاني الأمر بالمعروف في القران الكريم\nأولا: دلالة المعروف المعرف بأل\nأولا: معاني المعروف في القرآن الكريم:\nالمعروف من المعاني القرآنية الشاملة لكل ما أمر الشرع به، وقد وردت في القرآن الكريم على صيغتين:\nإحداهما: معرفة بالألف واللام الدالة على الشمول والاستغراق.\nوالثانية: مجردة عنهما. ولكل من هاتين الصيغتين دلالة ومعنى.\nأما كلمة \"المعروف\" المعرفة بالألف واللام فقد وردت في القرآن الكريم في مواطن عدة ولها معان متنوعة. وسأذكر الموطن الذي ذكرت فيه والمعنى المراد منها.\nالموطن الأول: وردت في قضية الحدود وفيما يخص القصاص في القتل:\nقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنْثَى بِالأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ وهو البقرة: ١٧٨.\nوقد فسرأهل العلم المعروف ههنا بأن على العافي أن يحسن الطلب، وعلى المعفى عنه أن يحسن الأداء.\nقال ابن كثير: ﴿فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ يقول: فعلى الطالب اتباع بالمعروف إذا قبل الدية.\n﴿وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ يعني من القاتل من غيرضرر ولامعْك يعنى المدافعة١.\nالموطن الثاني: فيما يتعلق بالوصية للأقارب عند الممات من غيرتقتير ولا إسراف، والمطلوب العدل من الموصي فيما أوصى به.\nقال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ البقرة: ١٨٠.\nوهذه الآية الكريمة أوجبت الوصية لصنفين من الناس للوالدين والأقربين.\n_________\n١ تفسير القرآن العظيم ١/ ٣٧٠، وانظرتفسير ابن جرير (٠٧/٢ ا-. ١١) .","vol":"1","page":125},{"text":"أما الوالدان فأوجب الله تعالى لهما الميراث الشرعي، ونسخ الوصية في حقهم، وأما الأقارب فبقي في حقهم الوصية، دون إجحاف بغيرهم، والنصوص الشرعية في البر بهم والإحسان إليهم كثيرة.\nفالمراد بالمعروف في الآية العدل في الوصية بعيدًا عن الوكس والشطط١.\nوخوفًا من الحيف أو الجنف تولى الشرع الحنيف تعيين المقدار الموصى به من المال وهو الثلث. والثلث كثير.\nفقد ثبت في الحديث الصحيح أن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: جاء النبي ﷺ يعودني وأنا بمكة وهو يكره أن يموت بالأرض التي هاجرمنها قال: \"يرحم الله ابن عفراء\". قلت: يارسول الله أوصى بمالي كلّه؟ قال: \"لا\". قلت: فالشطر؟ قال: \"لا\". قلت: الثلث؟ قال: \"فالثلث. والثلث كثير\" ٢ الحديث.\nقال القرطبي: \"وحكم النبيﷺ - بأن الثلث كثير هو حكم بما أنزل الله فمن تجاوز ما حدّه رسول اللهﷺ - وزاد على الثلث فقد أتى على ما نهى النبي ﷺ عنه وكان بفعله ذلك عاصيًا إذا كان بحكم رسول الله عالمًا لما\"٣.\nالموطن الثالث: ورد فيما يتعلق بأداء الحقوق بين الزوجن بالمعروف والحقوق بينهما قد تكون قبل الدخول، وقد تكون بعد الدخول وقد تكون بعد الفراق.\nقال تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلاحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ البقرة: ٢٢٨.\nوقال تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوف ...﴾ إلى قوله: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ البقرة: ٢٣٣.\nوقال تعالى: ﴿لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ\n_________\n١ انظر الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ٢/ ٢٦٦ وتفسير القرآن العظيم لابن كثير (١/ ٣٧٤) .\n٢ رواه البخاري في الوصايا باب أن يترك ورثته أغنياء٢٨٧/٣ ومسلم.\n٣ الجامع لأحكام القرآن ٢٦٧/٢.","vol":"1","page":126},{"text":"فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ البقرة: ٢٣٦.\nوقال تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ البقرة: ٢٤١.\nوقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ النساء: ١٩.\nوالمعروف في هذه الآيات متنوع ومختلف عن الاَخر، ففي قوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ وفي قوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوف﴾ يراد به الحق الذي لهن على أزواجهن من حسن الصحبة وطيب العشرة والتجمل والتزين لهن وعدم المضارة بهن١ وتطييب القول وتحسين الفعل وتزين الهيئة والبعد عن التضييق عليهن من الإِسلام، والقدوة في ذلك رسول اللهﷺ – القائل: \"خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي\" ٢ الحديث \"وكان من أخلاقه – ﷺ- أنه جميل العشرة دائم البشر، يداعب أهله، ويتلطف بهن، ويوسعهم نفقته، يضاحك نساءه حتى إنه كان يسابق عائشة أم المؤمنين - ﵂- يتودد إليها بذلك، قالت: سابقني رسول اللهﷺ - فسبقته، وذلك قبل أن أحمل اللحم، ثم سابقته بعدما حملتُ اللحم فسبقني فقال: \"هذه بتلك\"، ويجمع نساءه كل ليلة في بيت التي يبيت عندها رسول الله ﷺ، فيأكل معهن العشاء في بعض الأحيان، ثم تنصرف كل واحدة إلى منزلها، وكان ينام مع المرأة من نسائه في شعار واحد، يضع على كتفيه الرداء، وينام بالإِزار، وكان إذا صلى العشاء يدخل منزله يسمر مع أهله قليلا قبل أن ينام، يؤانسهم بذلكﷺ - وقد قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ ٣.\nأما المعروف المذكور في قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ .\n_________\n١ انظر تفسير ابن جرير (٢/٤٥٣ و٤/٣١٢)، وتفسير القرآن العظيم لابن كثير (١/ ٤٨٠، ٢/ ٢٢٩)، وتفسير البغوي ١/ ٤٠٩ والجامع لأحكام القرآن للقرطبي٣/١٢٣، ١٢٤ و٥/٩٧.\n٢ حديث صحيح انظرسلسلة الأحاديث الصحيحة١/١٦٩.\n٣ تفسير القرآن العظيم (٢/ ٢٢٩) . ط دار الفكر.","vol":"1","page":127},{"text":"فالمراد به ما تعارف عليه أهل البلد، وجرت به العادة في الكسوة والنفقة شرعًا، من غير إسراف ولا تقتير.\nقال ابن كثير: \"وعلى والد الطفل نفقة الوالدات وكسوتهن بالمعروف. أي بما جرت به عادة أمثالهن من غير إسراف ولا إقتار بحسب قدرته في يساره وتوسطه وإقتاره كما قال تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ ١ وفي الحديث الصحيح أن النبي ﷺ قال في حجة الوداع: \"فاتقوا الله في النساء ... ولهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف\" ٢. وأما المعروف في قوله تعالى: ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ ففسره الحافظ ابن جرير: \"بالإجمال والإحسان وترك البغض والظلم فيما وجمب للمراضع\"٣.\nوقال ابن كثير: \"إذا اتفقت الوالدة والوالد على أن يتسلم منها الولد إما لعذر منها، أو عذر له، فلا جناح عليه\"٤.\nوأما المعروف في قوله تعالى: ﴿مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ﴾ فهويتعلق بحق المرأة المطلقة التي لم يُدخل بها، ولم يفرض لها صداق، فلها المتعة من زوجها تعويضًا لها عما فاتها منه وذلك بحسب حاله كما في قوله تعالى: ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُه﴾ وفسر المعروف \"بما عرف في الشرع من الاقتصاد\"٥ وأن يتناسب مع حال الزوج، وأن يدفع إليها بغير ظلم ولا مدافعة٦.\nوأما المعروف المذكور في قوله تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ فهو يتعلق بشأن المتعة للمطلقة عمومًا سواء كانت مدخولا بها أو لا وسواء كانت مفروضًا لها أو\n_________\n١ تفسير القرآن العظيم (١/٥٠٣) . ط دار الفكر، وانظر زاد السير ١/٢٧٢، وتفسير البغوي ١/٢١٢، والقرطبي (٣/١٦٣) .\n٢ رواه مسلم من حديث جابر بن عبد الله.\n٣ تفسير ابن جرير (٢/ ٥١٠) .\n٤ هكذا في الأصل ولعل المراد \"عليها\".\n٥ الجامع لأحكام القران ٢٠٣/٣.\n٦ انظر تفسير ابن جرير (٢/٥٣٨) .","vol":"1","page":128},{"text":"مفوضة١ وإن كان هناك قول لبعض أهل العلم أن المراد بالمطلقة في هذه الآية المدخول بها، وأن المراد بالمتعة لها، ما تستمتع به من ثياب وكسوة ونفقة أو خادم وغير ذلك مما يستمتع به٢.\nالموطن الرابع: ورد في قضية المرأة المطلقة طلاقًا رجعيًا وانقضت عدتها ولم يراجعها زوجها، إلا أنه حنّ إليها وحنت إليه، فأبى وليها إرجاعها.\nقال تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ البقرة: ٢٣٢.\nورد في سبب نزول الاَية أن معقل بن يسار قال: كانت لي أخت فأتاني ابن عم فأنكحتها إياه فكانت عنده ما كانت، ثم طلقها تطليقة لم يراجعها حتى انقضت العدة فهويها وهويته ثم خطبها مع الخطاب فقلت له: يا لكع أكرمتك بها وزوجتك فطلقتها ثم جئت تخطبها والله لا ترجع إليك أبدا- وكان رجلا لا بأس به، وكانت المرأة تريد أن ترجع إليه فعلم الله حاجته إليها وحاجتها إلى بعلها فأنزل الله: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ الآية. قال: ففيّ نزلت هذه الآية فكفرت عن يميني وأنكحتها إياه٣.\nوقد فسر المعروف بالعقد المستأنف والمهر الجائز المماثل لسواها٤.\nالموطن الخامسِ: ورد في شأن المرأة التي انقضت عدتها سواء من طلاق أو وفاة، وإن كانت الآية نصاَ في المتوفى عنها زوجها قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ البقرة: ٢٣٤.\nواختلف أهل العلم في تفسير المعروف المذكور في الآية وهو اختلاف تنوع فابن عباس ﵄ فسره بأنه التزين والتصنع والتعرض للزواج٥، ومجاهد فسره بأنه\n_________\n١ انظر تفسير ابن جرير (٢/ ٥٨٤) .\n٢ تفسير ابن جرير (٢/٥٨٣) .\n٣ رواه الترمذي في التفسير. باب تفسيرسورة البقرة ٨/ ١٧٠ وأصله في البخاري.\n٤ انظرتفسير البغوي ١/١١٢ وزاد المسير ١/٢٦٩ وتفسير ابن جرير ٢/٤٨٨، والنسفي١/١١٧.\n٥ تفسير القرآن العظيم (١/٥٠٧) . ط دار الفكر.","vol":"1","page":129},{"text":"النكاح الحلال الطيب١. ونسبه ابن كثير إلى جمع من السلف٢. وذهب ابن جرير إلى أن المراد به \"ما أذن الله لهن فيه وأباحه لهن\"٣. وهذا يشمل الأقوال السابقة، والله أعلم.\nالموطن السادس: ورد في شأن الدعوة إلى الإسلام، وامتثال شرائعه والنهي عن الكفر وطرائقه.\nقال تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ آل عمران: ١٥٤.\nوقال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ آل عمران: ١١٠.\nوقال تعالى: ﴿... يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ آل عمران: ١١٤.\nوالخير في الآية الأولى فسر \"بالإسلام وشرائعه التي شرعها الله لعباده\"٤. وما بعده معطوف عليه \"من باب عطف الخاص على العام\"٥.\nوفسر هذا الخاص بأمر الناس باتباع محمد ﷺ وما جاء به من عند الله ولا شك أن هذا داخل في الخير العام.\nوقد ذكر في الآيات عمومًا أمران متقابلان، المعروف والمنكر، وفسر المنكر بالكفر والشرك وتكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم٦ وهذا تفسير عام فكذلك المعروف عام وإنما خص بالذكر لأهميته وشرفه وعلو منزلته، ولذا فسره عبد الله بن عباس ﵄ بالدعوة إلى شهادة أن لا إله إلا الله، والإقرار بما أنزل الله، والمقاتلة عليه \"٧.\n_________\n١ تفسير القرآن العظيم (١/٥٠٧) . ط دار الفكر.\n٢ تفسير القرآن العظيم (١/٥٠٧) . ط دار الفكر.\n٣ تفسير ابن جرير (٢/٥١٦)، وانظر الجامع لأحكام القرآن٣/١٨٧.\n٤ تفسير ابن جرير (٤/٣٨) .\n٥ فتح القدير١/٣٦٩.\n٦ انظر تفسير ابن جرير (٤/ ٤٥)، وتفسير النسفي (١/١٥٧) .\n٧ انظر تفسير ابن جرير (٤/ ٤٥) .","vol":"1","page":130},{"text":"المعنى السابع: ورد في معالجة مالك اليتيم عند وليّه وعدم الأكل منه إلا لحاجة قال تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ النساء:٦.\nوفي الصحيحين من حديث عائشة ﵂ في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أنها نزلت في مال اليتيم وفي رواية: في والي اليتيم. إذا كان فقيرًا أنه يأكل منه مكان قيامه عليه بمعروف١.\nوقد فسر المعروف في قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ الإِسراء: ٣٤.\nقال ابن كثير: \"أي لا تقربو إلا مصلحين له، وإن احتجتم إليه أكلتم منه بالمعروف\"٢.\nوالنصوص الشرعية دالة على إباحة الأكل لولي اليتيم من مال يتيمه بقدر الحاجة إذا كان فقيرا.\nوأخرج أهل السنن وغيرهم ماعدا الترمذي عنِ عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: \"جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال إن عندي يتيماَ له مال وليس عندي شيء أفآكل من ماله؟ قال: \"بالمعروف \" قال ابن حجر: وإسناده قوي٣.\nقلت: هكذا ذكر ابن حجر لفظه في الفتح إلا أنه في السنن: \"أن رجلا أتى النبي ﷺ فقال: إني فقير وليس لي شيء ولي يتيم، قال: \"كل من مال يتيمك غيرمسرف ولا مباذر ولا متأثل\" هكذا عند النسائي وأبى داود، أما ابن ماجه فبنحوه٤.\nفالمعروف هو الحاجة والأكل بالتي هي أحسن، واختلف أهل العلم هل على الولي\n_________\n١ رواه البخاري في التفسير باب ومن كان فقيرًا فليأكل بالمعروف ٨/ ٢٤١.\n٢ تفسير القرآن العظيم (٢/ ١٩٠) . ط الشعب.\n٣ فتح الباري ٨/ ٢٤١.\n٤ أخرجه أبوداود في الوصايا باب ما جاء في مالِ ولي اليتيم أن ينال من مال اليتيم ٣/٢٩٢والنسائي في الوصايا باب ما للوصي من مال اليتيم إذا قام عليه ٦/٢٥٦ وابن ماجه في الوصايا باب قوله: ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ ٢/ ٩٠٧.","vol":"1","page":131},{"text":"القضاء إذا أيسر أم لا؟ على قولين١؟ وليس هذا موضع بسط القول فيهما.\nثانيا: دلالة المعروف المجرد عن أل\nثانيا: وردت كلمة (المعروف) مجردة عن الألف واللام في عدة مواضع في كتاب الله ﷿، واختلف في المعنى المراد منها:\nا- المعنى الأول: قال تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوف ...﴾ البقرة: ٢٣١.\nقيل المراد به: الإِشهاد على الرجعة، وذلك قبل انقضاء العدة، وهذا القول مروي عن ابن عباس ومجاهد والحسن وقتادة٢، وأخذ به ابن جرير والبغوي وابن كثير٣. وقيل المراد به: القيام بحقوقها الواجبة على زوجها، وسطر هذا القول الطبري وابن الجوزي٤.\n٢- المعنى الثاني: قال تعالى: ﴿أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ البقرة: ٢٣١.\nقيل المراد به: عدم الإضرار بها، أو أن لا يقصد الإضرار بها، سواء في عدتها، أو فيما لها من الحقوق والواجبات٥.\n٣- المعنى الثالث: قال تعالى: ﴿وَلَكِنْ لا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلاَّ أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا ...﴾ البقرة: ٢٣٥.\nقيل إن المراد به: التعريض لها.\nوهذا مروي عن ابن عباس، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وعطاء، وابن زيد، والثوري، والسدي، والقاسم بن محمد، والشعبي، وقتادة، وإبرا هيم٦.\nوذكر ابن الجوزي قولا آخر في هذه الآية، وهو أن المراد به: إعلام وليها برغبته فيها، ونسبه إلى عبيدة٧.\n_________\n١ انظر تفسير ابن جرير (٤/ ٢٥٥)، وتفسير ابن كثير (٢/ ١٨٩) .الشعب.\n٢ زاد المسير (١/٢٦٧) .\n٣ جامع البيان (٢/ ٤٨٠)، تفسير البغوي (١/٢١٠)، تفسير القرآن العظيم (١/٤٩٨) .\n٤ تفسير الطبري (٢/ ٤٨٠)، وزاد المسير (١/ ٢٦٧) .\n٥ الطبري (٢/ ٤٨٠)، والبغوي (١/٢١٠)، وابن الجوزي (١/ ٢٦٧)، وابن كثير (١/ ٤٩٨) .\n٦ الطبري (٢/٥٢٦) وزاد المسير (١/ ٢٧٨) وابن كثير (١/٥٠٩) وغيرها.\n٧ زاد المسير (١/ ٢٧٨) .","vol":"1","page":132},{"text":"وقد ذكر هذا أيضا ابن كثير، وأسنده إلى ابن أبى حاتم من طريق محمد بن سيرين قال: قلت لعبيدة: ما معنى قوله: ﴿إِلاَّ أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾؟ قال: يقول لوليها: لا تسبقني بها، يعني: لا تزوجها حتى تعلمني١. وهذا أيضا من التعريض.\nالمعنى الرابع: قال تعالى: ﴿فَإِنْ خَرَجْنَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ البقرة: ٢٤.\nقيل المراد به: التزين والتشوف للنكاح بما يوافق الشرع٢.\nوقيل المراد به: ترك الحداد، وهذا قول ابن جرير٣.\nقلت: ويلزم من ترك الحداد: التزين والتطيب والتشوف، فيكون هذا موافقا لما سبقه، وقد بين ابن جرير ذلك٤.\nوقيل المراد به: الخروج من المنزل الذي اعتدت فيه.\nوهذا القول ذكره ابن كثير، وقال عنه: وهذا القول له اتجاه وفي اللفظ مساعدة له، وقد اختاره جماعة، ومنهم الإِمام أبو العباس ابن تيمية٥.\n٥- المعنى الخامس: قال تعالى: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذىً وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ﴾ البقرة: ٢٦٣.\nالمراد به: الكلمة الطيبة والدعاء الحسن٦ ومنه الحديث الصحيح: \"لا تحقرنَّ من المعروف شيئًا ولوأن تلقى أخا لك بوجه طلق\" رواه مسلم٧.\n_________\n١ تفسير ابن كثير (١/ ٥٠٩) .\n٢ تفسير البغوي ١/ ٢٢٢، وزاد المسير ١/ ٢٨٦ وتفسير القرطبي ٣/٣٢٨.\n٣ تفسير ابن جرير (٢/٥٨٣) .\n٤ انظر تفسير ابن جرير (٢/٥٨٣) .\n٥ تفسير ابن كثير (١/٥٢٧) .\n٦ تفسير ابن جرير (٣/ ٦٤)، وتفسير ابن كثير (١/ ٥٦٤)، والبغوي (١/ ٢٥٠) والقرطبي (٣/ ٣٠٩)، وابن الجوزي (١/ ٣١٨) .\n٧ انظر صحيح مسلم كتاب البر والصلة ٤/٢٠٢٦رقم ٤٤ ١ ومسند أحمد ٥/١٧٣ من حديث أبي ذر وهوعند أحمد في المسند ٣/٣٤٤، ٣٦٠ والترمذي في البر والصلة باب ما جاء في طلاقة الوجه وحسن البشر ٦/١٩٦من حديث جابر بن عبد الله مرفوعا بلفظ: \"كل معروف صدقة وإن من المعروف الخ \" وفيه زيادة. وقال عنه الترمذي: حسن صحيح.","vol":"1","page":133},{"text":"ومثل هذا قوله سبحانه: ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ النساء ٥١.\nوكذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ النساء ٨.\n٦- المعنى السادس: قال تعالى: ﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ النساء: ١١٤.\nقيل المراد به: أفعال البر عموما٢.\n٧- المعنى السابع: قال تعالى: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ لقمان: ١٥.\nالمراد به: المعاملة الحسنة قولا وفعلا٣.\n٨- المعنى الثامن: قال تعالى: ﴿إِلاَّ أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾ الأحزاب: ٦.\nالمراد به: الإحسان والوصية، الإحسان في حالة الحياة والوصية عند الممات٤.\nوقال مجاهد: أراد بالمعروف النصرة وحفظ الحرمة لحق الإيمان والهجرة٥.\n٩- المعنى التاسع: قال تعالى: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ الأحزاب: ٣٢.\nالمراد به: القول الصحيح العفيف الذي لا يطمع الفاجر٦.\n_________\n١ تفسير ابن جرير (٤/٢٥٠) وابن الجوزي (٢/ ١٣) . والبغوي (١/ ٣٩٣) ٠ القرطبي (٥/ ٣٣) .\n٢ انظر تفسير البغوي (١/ ٤٧٩) وتفسير القرطبي (٥/ ٣٨٣) وزاد المسير (٢/٢٠٠) .\n٣ الطبري (٢١/ ٧١)، البغوي (٣/ ٤٩١)، القرطبي (١٤/ ٦٥)، زاد المسير (٦/ ٣٢٠)، ابن كثير (٥/ ٣٨٣) .\n٤ الطبري (٢١/١٢٣، ١٢٤)، البغوي (٣/٥٠٨)، ابن كثير (٥/ ٤٢٧)، القرطبي (١٤/ ٢٦) وزاد المسير (٦/٣٥٤) .\n٥ تفسير البغوي (٣/ ٥٠٨) .\n٦ تفسير الطبري (٣/٢٢)، والبغوي (٣/٥٢٨)، والقرطبي (١٤/١٧٨)، وزاد المسير (٦/ ٣٧٩)، وتفسير ابن كثير (٥/ ٤٥١) .","vol":"1","page":134},{"text":"\"<span data-type=\"title\" id=toc-6> الإِحسان إلى الوالدين \" \" في القرآن الكريم </span>\"\nتعريف الإِحسان:\nنقل الأزهري عن الليث أنه قال: الحسن نعت لما حسن، تقول: حسن الشيء حسنا، وقال الله ﷿: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ وقرئ ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حَسَنًا﴾ ١. ووجه القراءتين بأن القراءة بالفتح المراد بها: قولا حَسَنا، وقراءة الضم والسكون (حُسْنا) المراد بها: المصدر من حسن يحسن حسنا، فتكون أعم من قراءة الفتح.\nوأما تعريفه في الاصطلاح: فالإحسان ضد الإساءة، ولما سئل النبي ﷺ في حديث جبريل ﵇ فسره بقوله: \"أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه، فإنه يراك\"٢. وقد فسر الحافظ ابن رجب ﵀ هذا الجزء من الحديث بأن المراد منه استحضار مراقبة العبد ربه في كل ما يقول ويعمل، كأنه بين يديه سبحانه، بما ينتج عن ذلك الخوف والخشية والإخلاص والنصح في العبادة عمومًا٣.\nوقد تنوع ورود الإِحسان في القرآن الكريم وتكرر على معان متعددة، \"تارة مقرونًا بالإِيمان، وتارة مقرونًا بالإِسلام، وتارة مقرونًا بالتقوى أو العمل الصالح\"٤، وغير ذلك من المعاني الأخرى.\nوسأقصر الحديث في هذا الموضع على الإِحسان فيما يتعلق بشأن الوالدين، وإن شأنهما لعظيم عند الله، والدليل على ذلك كون الله سبحانه ربط الوالدين بعبادته سبحانه في قوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ...﴾ الآية٥.\n_________\n١ تهذيب اللغة (٤/ ٢١٤) .\n٢ جزء من حديث طويل، رواه مسلم في الإِيمان رقم ١ عن عمر بن الخطاب ﵁.\n٣ انظر جامع العلوم والحكم ص ٠٣١ الطبعة الثالثة.\n٤ جامع العلوم والحكم ص ٣٠،٣١. الطبعة الثالثة.\n٥ انظر في ظلال القرآن (٥/٣١٧) .","vol":"1","page":135},{"text":"والإحسان إلى الوالدين: معاشرتهما بالمعروف، والتواضع لهما، وامتثال أمرهما، والدعاء بالمغفرة لهما بعد مماتهما، وصلة أهل ودهما١، وبرهما وحفظهما وصيانتهما، وإزالة الرق عنهما وترك السلطنة عليهما٢ وفي الحديث الصحيح عن عبد الله قال:\" سألت النبي ﷺ: أي العمل أحب إلى الله ﷿؟ قال: \"الصلاة على وقتها\"، قال: ثم أي؟ قال: \"بر الوالدين\"، قال: ثم أي؟ قال: ا\"لجهاد في سبيل الله\" ٣.\nقال القرطبي: فأخبر ﷺ أن بر الوالدين أفضل الأعمال بعد الصلاة، التي هي أعظم دعائم الإسلام، ورتب ذلك بـ (ثم) التي تعطي الترتيب٤.\n\" عناية القرآن الكريم بالإحسان للوالدين \"\nتتجلى عناية القرآن الكريم بالإحسان إلى الوالدين في أمور عدة منها:\nأولا: أن الله سبحانه لما أمر الخلق بعبادته، جعل بر الوالدين مقرونًا بعبادته، فقال سبحانه: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ الإسراء: ٢٣. قال ابن كثير: أي: وأمر بالوالدين إحسانا٥.\nوقال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ...﴾ النساء: ٣٦.\nثانيًا: أن الله سبحانه قرن شكر الوالدين بشكره جل شأنه:\nقال تعالى: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ لقمان: ١٤.\nثالثًا: أن البر بالوالدين والإحسان إليهما لا يختص بهما إذا كانا مسلمين، بل حتى إذا كانا كافرين:\n_________\n١ الجامع لأحكام القرآن (٢/١٣) .\n٢ المصدر نفسه (٧/١٣٢) .\n٣ رواه البخاري في مواقيت الصلاة باب فضل الصلاة لوقتها ١/ ١٨٤.\n٤ انظر الجامع لأحكام القرآن ٨/٢٣٨.\n٥ تفسير القرآن العظيم (٤/٢٩٨)، والقرطبي (٨/٢٣٨) .","vol":"1","page":136},{"text":"قال تعالى: ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ الممتحنة: ٨.\nوالحديث الصحيح يفسر هذه الآية الكريمة، الوارد في صحيح البخاري عن أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالت:\"قدمت أمي، وهى مشركة في عهد قريش ومدتهم، إذ عاهدوا النبي ﷺ مع أبيها، فاستفتيت النبي ﷺ، فقلت: إن أمي قدمت وهي راغبة، أفأصلها؟ قال: \"نعم صلي أمك\"١. وأقوى من هذا في الدلالة على صلة الأبوين الكافرين قوله تعالى: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا..﴾ لقمان: ١٥.\nقال القرطبي ﵀: والآية دليل على صلة الأبوين الكافرين بما أمكن من المال إن كانا فقيرين، وإِلانةِ القول، والدعاء إلى الإِسلام برفق٢.\nرابعًا: إن الأمر بالإِحسان للوالدين قد كتبه الله سبحانه على الأمم السابقة، مما يدل على عظم حقهما وعلو شأنهما:\nقال تعالى: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا ...﴾ البقرة: ٨٣.\nقال القرطبي: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾، أي: وأمرناهم بالوالدين إحسانا وقرن الله ﷿ حق الوالدين بالتوحيد في هذه الآية، لأن النشأة الأولى من عند الله، والنشء الثاني - وهو التربية- من جهة الوالدين٣.\nوقال ابن كثير: وهذا هو أعلى الحقوق، وأعظمها، وهو حق الله ﵎ أن يعبد وحده لا شريك له، ثم بعده حق المخلوقين، وآكدهم وأولاهم بذلك حق الوالدين، ولهذا يقرن ﵎ بين حقه وحق الوالدين٤ أهـ. ويعني بالمقارنة بين حق الله سبحانه وحق الوالد ما جاء في هذه الآية وآية الإِسراء والنساء وغيرهن من الأمر\n_________\n١ أخرجه في الجزية والموادعة ٦/ ٢٨١ وفي الأدب باب صلة الوالد المشرك وباب صلة المرأة أمها ولها زوج ١٠/٤١٣ مع الفتح. ورواه مسلم في الزكاة رقم ٥٠.\n٢ الجامع لأحكام القرآن (١٤/ ٦٥) .\n٣ الجامع لأحكام القرآن (٢/١٣) .\n٤ تفسير القرآن العظيم (١/ ٢٠٩) .","vol":"1","page":137},{"text":"بعبادته وحده، ثم بالإحسان إلى الوالدين، وكذلك ما جاء في قضية الشكر لله سبحانه ومقارنته بشكرهما في قوله تعالى: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ .\nخامسًا: إن الله سبحانه جعل العقوق للوالدين قرينا للشرك في قوله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانا ...﴾ الأنعام: ١٥١.\nففي هذه الآية نهى عن الشرك بالله سبحانه، ثم أتبعه بالأمر بالإحسان للوالدين، والأمر بالشيء يقتضى النهي عن ضده، وهو تحريم ترك الإحسان، ولما كان ترك الإساءة في حق الوالدين غير كاف في البر بهما أمر بالإحسان إليهما ليشمل الأمرين، وهما تحريم الإساءة إليهما والأمر بالإحسان إليهما١.\nوقد أخبر النبي ﷺ أن عقوق الوالدين من السبع الموبقات، كما جاء في الحديث الصحيح.\nسادسًا: الأمر بالدعاء لهما والاستغفار لهما:\nقال تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ الإسراء: ٢٤.\nقال القرطبي: الخطاب في هذه الآية للنبي ﷺ، والمراد به أمته، إذ لم يكن له﵇- في ذلك الوقت أبوان٢.\nوسطر الله سبحانه مواقف إبراهيم ﵇ مع أبويه:\nقال تعالى: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ إبراهيم: ٤١.\nوذكر أهل العلم أن هذا الموقف الحاني من إبراهيم ﵇ نحو أبيه كان قبل أن يتبين له أمره وأنه عدو لله تعالى.\nوله موقف آخر ﵇ نحو أبيه، حيث قابل الإساءة من أبيه بالإحسان إليه، قال تعالى: ﴿قَالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾ مريم: ٤٧.\nقال ابن كثير: ومعنى قول إبراهيم لأبيه: ﴿سَلامٌ عَلَيْكَ﴾ يعني أما أنا فلا ينلك مني مكروه، ولا أذى، وذلك لحرمة الأبوة، ﴿سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي﴾ ولكن سأسأل الله فيك أن يهديك ويغفر لك ذنبك ... وقد استغفر إبراهيمﷺ - لأبيه مدة طويلة ... وقد\n_________\n١ تفسير القاسمي (٦/ ٢٥٦٥) .\n٢ تفسيرالقرطبي (١/٢٤٤) .","vol":"1","page":138},{"text":"استغفر المسلمون لقراباتهم وأهليهم من المشركين في ابتداء الإِسلام، وذلك اقتداء بإبراهيم الخليل ﵇ في ذلك، حتى أنزل الله تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ...﴾ إلى قوله: ﴿إِلاَّ قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ...﴾ الممتحنة: ٤. يعنى إلا في هذا القول، فلا تتأسوا به، ثم بين تعالى إن إبراهيم أقلع عن ذلك ورجع عنه، فقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلاَّ عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ التوبة: ١١٤١.\nومن قبل إبراهيم نوح ﵇، عندما لجأ إلى ربه وسأله المغفرة له ولوالديه وللمؤمنين، فقال تعالى: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلاَّ تَبَارًا﴾ نوح: ٣٨.\nوذكر بعض أهل العلم أن أبويه كانا مسلمين٢.\nسابعا: إن الله سبحانه عرض لنا في كتابه العزيز نماذج من سيرة بعض الأنبياء ﵈، في برهم بوالديهم من أجل الاقتداء والاتساء وهذا من الاهتمام بشأن الوالدين، فمن ذلك:\nأ- موقف يحيى بن زكريا ﵉ من والديه:\nقال تعالى: ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا﴾ مريم: ١٤.\nإنه موقف البر والإِحسان ومجانبة العقوق والعصيان.\nقال ابن كثير: لما ذكر تعالى طاعته لربه، وأنه خلقه ذا رحمة وزكاة وتقى، عطف بذكر طاعته لوالديه وبره بهما، ومجانبته عقوقهما قولا أو فعلا، أمرا أو نهيا، ولهذا قال: ﴿وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا﴾ ثم قال بعد هذه الأوصاف الجميلة جزاء له على ذلك: ٍ ﴿وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾ أي له الأمان في هذه الثلاثة الأحوال٣.\n_________\n١ تفسير القرآن العظيم (٤/ ٤٦١) . ط دار الفكر.\n٢ انظر تفسير القرطبي (١٨/٣١٣) .\n٣ تفسير القرآن العظيم (٤/٤٤٣) .","vol":"1","page":139},{"text":"٢- موقف عيسى ﵇ من أمه ﵍:\nقال تعالى: ٍ ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا﴾ مريم: ٣٢.\nإن بر عيسى ﵇ بوالدته ذكره بعد الزكاة، والاستمرار عليها ثم جاء التنبيه على بره بوالدته، وهذا من المقارنة بين طاعة الرب سبحانه، وطاعة الوالدين.\nقال ابن كثير: وقوله: ٍ ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَتِي﴾ أي: وأمرني ببر والدتيْ ذكره بعد طاعة ربه، لأن الله تعالى كثيرا ما يقرن بين الأمر بعبادته وطاعة الوالدين.\nوقوله: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا﴾ أي: ولم يجعلني جبارا مستكبرا عن عبادته وطاعته وبر والدتي، فأشقى بذلك١.\n٣- موقف إسماعيل من أبيه إبراهيم ﵉:\nقال تعالى: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ سَلامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ الصافات: ١٠١:١٥٨.\nثامنا: إرشاد القرآن إلى الإنفاق عليهما:\nقال تعالى: ﴿يَسْأَلونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ البقرة: ٢١٥. هذه الآية بينت الوجوه التى تصرف فيها النفقة:\nقال ابن ميمون بن مهران بعد أن تلا هذه الآية: هذه مواضع النفقة ما ذكر فيها طبلا ولا مزمارا، ولا تصاوير الخشب ولا كسوة الحيطان٢.\nوفي الحديث بيان لذلك: أمك وأباك وأختك وأخاك ثم أدناك أدناك..\nتاسعا: تخصيص الأم بالذكر بعد العموم للأهمية:\nقال تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا ...﴾ الأحقاف: ١٥.\n_________\n١ تفسير القرآن العظيم (٤/ ٤٥٤، ٤٥٥) .\n٢ تفسير القرآن العظيم (١/ ٤٤٦) .","vol":"1","page":140},{"text":"ولقد قاست الأم بسبب الحمل أضعافا من الابتلاء والأتعاب والمشقة بداية بالوحم وحمل له وثقل، وهذه الآية نصت على أمرين شاقين: الأول: الحمل، والثاني: الوضع.\nونصت السنة الصحيحة أن أحق الناس بالصحة الحسنة هي الأم ثلاثا ثم الأب.\nعاشرا: بين القرآن كيفية التعامل مع الوالدين:\nفبين القرآن أن الذرية أو الأبناء على نوعين:\nالأول: ذرية طائعة بارة بالوالدين.\nالثاني: ذرية شقية وعاقة للوالدين.\nأما الصنف الأول فيتمثل في مواقف الأنبياء كنوح وإبراهيم ويحيى وعيسى وإسماعيل ويوسف عليهم وعلى نبينا أفضل الصلاة وأتم التسليم- من دعاء لهما ولين جانب في القول لهما واعتراف بالجميل لهما، وغير ذلك من أنواع البر والإحسان إليهما.\nأما الصنف الثاني: فيتمثل في نوعين:\nا- موقف ابن نوح، وهروبه من أبيه وعدم السماع والطاعة لأبيه، فكان من المغرقين.\n٢- وأما الموقف الثاني فيتمثل في كل من عق والديه وكذب بالحق، وعبر عنه القرآن في قوله تعالى:\n﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ﴾ الأحقاف: ١٧-١٨.","vol":"1","page":141},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-7>نظام الأسرة في القرآن الكريم</span>\nتمهيد:\nإن نظام الأسرة الذي شرعه الإسلام هو النظام الذي يتفق ويتلاءم مع الفطرة الإنسانية وتكوينها.\nوعندما أتحدث عن الأسرة ونظامها في القرآن، فإن المراد بها الزوج والزوجة، لأنهما الأصل في تكوين الأسرة أيا كانت، والله سبحانه عندما خلق الأشياء خلق من كل زوجين، قال تعالى: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ الذاريات: ٤٩.\nقال ابن كثير عند تفسي رهذه الآية:\n\"أي جميع المخلوقات أزواج، سماء وأرض، وليل ونهار، وشمس وقمر، وبر وبحر، ضياء وظلام، وإيمان وكفر، وموت وحياة، وشقاء وسعادة، وجنة ونار، حتى الحيوانات والنبات\"١.\nوقال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ ...﴾ هود: ٤٠.\nقال ابن كثير:\n\"فحينئذ أمر الله نوحا ﵇ أن يحمل معه في السفينة من كل زوجين اثنن من صنوف المخلوقات ذوات الأرواح، قيل: وغيرها من النباتات اثنين: ذكرا وأنثى\"٢.\nوقال تعالى: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ المؤمنون: ٢٧.\nومعناها معنى الآية التي قبلها فسبحان الذي خلق فسوى. وقدر فهدى.\nوقد نزه الله سبحانه نفسه عند خلقه للأزواج المتعددة والمتنوعة، فقال تعالى:\n_________\n١تفسير القرآن العظيم (٦/ ٤٢٤) . دار الفكر.\n٢ المصدر نفسه (٣/ ٥٥٢) .","vol":"1","page":142},{"text":"﴿سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ﴾ يس: ٣٦.\nقال ابن كثير:\nأي: من زروع وثمار ونبات، ﴿وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾: فجعلهم ذكرا وأنثى. ﴿وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ﴾: أي من مخلوقات شتى لا يعرفونها، كما قال جلت عظمته: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ ١.\nثم ذكر الله سبحانه أن الناس جميعا خلقوا من نفس واحدة، ومن تلك النفس خلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء:\nقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ النساء: ا.\nفـ\"أصل الخلق من أب واحد وأم واحدة، ليعطف بعضهم على بعض ويحننهم على ضعفائهم\"٢ كما بيّن ذلك ووضحه رسوله الله ﷺ من حديث جرير بن عبد الله البجلي ﵁ قال: كنا عند رسول الله ﷺ، قال: فجاءه قوم حفاة عراة مجتابي النمار أو العباءة متقلدي السيوف، عامتهم من مضر، بل كلهم من مضر، فتمعّر وجه رسول الله ﷺ لما رأى بهم من الفاقة، فدخل ثم خرج، فأمر بلالا فأذن وأقام فصلى، ثم خطب فقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ إلى آخر الآية ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، والآية التي في الحشر: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّه﴾ تصدق رجل من ديناره من درهمه، من ثوبه، من صاع بره، من صاع تمره، حتى قال: ولو بشق تمرة فجاء رجل من الأنصار بصرة كادت كفه تعجز عنها، بل عجزت، قال: ثم تتابع الناس حتى رأيت كومين من طعام وثياب، حتى رأيت وجه رسول الله ﷺ يتهلل كأنه مذهبة، فقال رسول الله ﷺ: \"من سن في الإِسلام حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في\n_________\n١ المصدر نفسه (٥/٦١٣) .\n٢ تفسير القرآن العظيم (٢/١٩٦) .","vol":"1","page":143},{"text":"الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها، ووزر من عمل بها من بعده، من غير أن ينقص من أوزارهم شيء\"١.\nوالشاهد فيه تذكير الناس بأصلهم، وأنهم من نفس واحدة، وحثهم على الصدقة، وعطفهم على بعضهم البعض.\nوجعل الله سبحانه من هذا الأصل (الأب والأم) شعوبا وقبائل ليتعارفوا، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ الحجرات: ١٣.\nوجعل بين تلك الشعوب والقبائل روابط وعلاقات يلتقون عليها، وأعظم تلك الروابط هي رابطة الإيمان، وما بعدها من الروابط مرتبط بها أو مبني عليها، كالمودة والمحبة والرحمة والإخاء وغير ذلك، ولذا حرم الله سبحانه النكاح أو التزاوج بين المسلم والمشركة، لفقد رابطة الإيمان بينهما.\nقال تعالى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ البقرة: ٢٢١.\nإن الإيمان هو الحوض الذي يلتقي عليه الزوجان المسلمان، سواء كانا أبيضين أو أسودين، أو أحدهما أبيض والآخر أسود، وسواء كانا حرين أو عبدين، أو كان أحدهما حرا والآخر عبدًا، فلله الحمد على هذه الرابطة العالية الشريفة،، وعلى هذا الحوض الصافي من الكدر والشوائب، وعلى هذا النسب الرفيع الذي هو أعلى، نسب وجد.\nوإن الحكمة من هذا المبدأ الشرعي واضحة جلية:\nقال تعالى: ﴿أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾\nومادام أن المرأة تعتبر النصف الثاني في نظام الأسرة، لكونها أخد أصول الأسرة، أعرض لبيان حالها قبل الإسلام، وما هي عليه من خلال القرآن الكريم باختصار\n_________\n١ صحيح مسلم كتاب الزكاة (٢/ ٧٠٤، ٧٠٥) .","vol":"1","page":144},{"text":"مستعينا في ذلك ببعض الآثار الصحيحة. وفق النقاط التالية:\nأولا: ظاهرة التبرج وعلاج الإسلام لها.\nثانيًا: كراهية المرأة في الجاهلية كما صورها القرآن.\nثالثًا: ضياع حقوقها وإلحاق الضرر بها.\nرابعًا: ممارسة أنكحة الجاهلية عليها.\nأولا: ظاهرة التبرج أو السفور وعلاج الشرع لها.\nالتبرج أو السفور من مظاهر الجاهلية قديمًا وحديثًا، وسماه الله في كتابه العزيز: التبرج، حيث قال: ﴿وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى﴾ الأحزاب: ٣٣. \"وهو مأخوذ من السعة يقال: في أسنانه بَرَج إذا كانت متفرقة قاله المبرد\"١ ومعناه \"التكشف والظهور للعيون\"٢.\nقال مجاهد: كانت المرأة تخرج تمشي بين يدي الرجال، فذلك تبرج الجاهلية الأولى.\nوقال قتادة: إذا خرجتن من بيوتكن- وكانت لهن مشية وتكسر وتغنج- فنهى الله عن ذلك.\nوقال مقاتل بن حيان: والتبرج أنها تلقي الخمار على رأسها ولا تشده فيواري قلائدها وقرطها وعنقها، ويبدو ذلك كله منها، وذلك التبرج، ثم عمت نساء المؤمنين في التبرج٣.\nوقال أبو العباس المبرد: والجاهلية الأولى كما تقول الجاهلية الجهلاء قال: وكان النساء في الجاهلية الجهلاء يظهرن ما يقبح إظهاره حتى كانت المرأة تجلس مع زوجها وخِلّها، فينفرد خِلّها بها فوق الإزار إلى الأعلى، وينفرد زوجها بما دون الإزار إلى الأسفل، وربما سأل أحدهما صاحبه البدل\"٤.\n_________\n١ الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (١٤/ ١٧٩، ١٨٠) .\n٢ الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (١٢/ ٣٠٩) .\n٣ تفسير القرآن العظيم (٥/٤٥٢) . ط دار الفكر.\n٤ الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ٤ ١/ ١٧٩،١٨٠.","vol":"1","page":145},{"text":"فهذه بعض أقوال السلف في معنى التبرج الذي هو السفور بل هي تفسير لبعض معاني السفور.\nولقد عاشت المرأة قبل الإسلام عيشة مضنية وإن خيل لها أنها طليقا تختار من تشاء - زوجًا أو خدينا- وتترك من تشاء. وتُلْحقُ ولدها بمن تشاء دون خجل ولا حياء ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾ .\nوقد وصفت عائشة ﵂ النكاح في الجاهلية، وأنه كان على أربعة أنحاء وذكرت من تلك الأربعة. قولها:\n\"ونكاح آخر. يجتمع الرهط مادون العشرة فيدخلون على المرأة كلهم يصيبها فإذا حملت ووضعت، ومرّ ليال بعد أن تضع حملها أرسلت إليهم فلم يستطع رجل منهم أن يمتنع حتى يجتمعوا عندها تقول لهم: قد عرفتم الذي كان من أمركم، وقد ولدت، فهو ابنك يافلان، تسمى من أحبت باسمه فيلحق به ولدها لا يستطيع أن يمتنع به الرجل\"١.\nانظر إلى هذه الفوضى في الحرية الجاهلية، وإلى فساد موطن الحرث الذي توارد عليه السقاء الملوث من كل شعب، فماذا ترى تكون نتائج زراعته، إنها زراعة فاسدة سقيت من قنوات متعددة بماء غير صاف.\nولقد كانت حالة السفور للمرأة سمة من سمات الجاهلية نوّه القرآن بها على سبيل الذم والتنفير، ونهى أمهات المؤمنين من الوقوع فيها. قال تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى ...﴾ الأحزاب: ٣٣.\nوقد سبق تفسير السلف لكيفية التبرج في الجاهلية.\nوفي الحديث: \"إن المرأة عورة فإذا خرجت استشرفها الشيطان وأقرب ما تكون بروحة ربها وهي في قعر بيتها\" ٢.\nإن المجتمعات الجاهلية تنظر إلى المرأة نظرة هابطة فلا تقيم لها وزنا، وإنما هي عبارة\n_________\n١ صحيح البخاري مع الفتح ٩/١٨٢.\n٢ رواه البزار بسنده عن ابن مسعود، انظر تفسير ابن كثير ٥/ ٤٥١. دار الفكر ومعنى \"استشرفها\" أي زينها أو نظر إليها من أجل فتنتها.","vol":"1","page":146},{"text":"عن أداة للمتاع يقضى الإنسان وطره منها ثم يستخدمها استخدام السائمة في الزرع والحرث دون مكانة ولا كرامة.\nوإن الجاهلية المعاصرة في التعامل مع المرأة لتذكرنا بجاهلية القرون الأولى، من تبرج سافر، وعضل قاهر، وظلم ظاهر، وتحايل ماكر، وتعامل مشين.\nلقد أخرجتها من بيتها، واستغلتها لتكون جندية في الشوارع العامة، ومضيفة في الطائرة، وممثلة في الشاشات المرئية، وموظفة بين الرجال الأجانب، ومطربة في النوادي المختلطة، وممرضة باسم الإنسانية، ودعائية لبعض المبيعات التجارية، بل أصبحت أحيانًا تقود الجيوش وتصرّف الرجال وتدعو إلى السلام وتحضر المؤتمرات، وتعلن في غير حياء ولا خجل بالتصريحات إلى غير ذلك من الأمور التي لا شأن للمرأة بها، والجاهلية تزين لها عملها وتصفق وتروّج لما تقوم به، ظلما وعدوانا، من أجل إشباع الغريزة. وإيجاد الفوضى في العلاقات الجنسية بين الرجل والمرأة، وأن يكون نظام الأسرة مخلخلا لا ضابط ولا زمام ولا خطام له١.\n\"والجاهلية ليست فترة معينة من الزمان إنما هي حالة اجتماعية ذات تصورات معينة للحياة، ويمكن أن توجد هذه الحالة، وأن يوجد هذا التصور في أي زمان وفي أي مكان فيكون دليلًا على الجاهلية حيث كان٢، وباختصار فكل ما خالف أمر الشرع فهو من الجاهلية.\nولقد عالج الإسلام هذه الظاهرة السيئة، علاجًا شافيًا كافيًا، وفق قواعد شرعية معينة، احترم فيها وضع المرأة والأسرة وصانها مما يشينها ويوصم جبينها، فلله الحمد والمنة.\n\"وما كان يمكن أن تنبت كرامة المرأة من البيئة الجاهلية أبدًا، لولا أن تنزل بها شريعة الله ونهجه في كرامة البشرية كلها، وفي تكريم الإنسان: الذكر والأنثى، وفي رفعه إلى المكان اللائق بكائن يحمل نفخة من روح الله العلي الأعلى. فمن هذا المصدر\n_________\n١ انظر مزيدًا لوضع المرأة في الجاهلية كتاب المرأة بين الفقه والقانون لمصطفى السباعي ص ١٣، ١٨، ٢٠، ٢١، وكتاب ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين للندوي.\n٢ في ظلال القرآن ٦/ ٥٨٤.","vol":"1","page":147},{"text":"انبثقت كرامة المرأة التي جاء بها الإسلام لا من أي عامل من عوامل البيئة\"١ ومن تلك القواعد الشرعية التي عالج من خلالها ظاهرة التبرج:\nا- أمر الإسلام المرأة أن تلزم بيتها، وتقر فيه، ولا تخرج منه إلا لحاجة، فإن قدر لها الخروج لحاجة، فلا تتبرج تبرج الجاهلية الأولى:\nقال تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى﴾ .\nوبين الإسلام أن المرأة عورة. والعورة يجب سترها، وستر المرأة جلوسها في بيتها.\nعن عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال:\n\"إن المرأة عورة فإذا خرجت استشرفها الشيطان وأقرب ما تكون بروحة ربها وهي في قعر بيتها\" ٢.\nوقال النبي ﷺ: \"صلاة المرأة في مخدعها أفضل من صلاتها في بيتها، وصلاتها في بيتها أفضل من صلاتها في حجرتها\" ٣.\nوهذا يرشد إلى أن لزومها بيتها هو الأصل فإذا كانت الصلاة التي أداؤها في المسجد هو الأصل فإن صلاة المرأة الأصل أداؤها في بيتها حفاظا عليها من الخروج أو التعرض للفتن.\n٢- أمر الإسلام الرجل والمرأة بغض البصر وحفظ الفرج، وفي هذا تمييز لنساء المؤمنين عن صفة نساء الجاهلية، وفعال المشركات، كما يقول الحافظ ابن كثير:\nقال تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُم﴾ النور: ٣٠.\nوقال تعالى: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنّ﴾ النور:٣١.\n٣- أمر الإسلام المرأة أن تستر زينتها، ولا تبديها إلا في حالتين:\nالحالة الأولى: يستثنى ما ظهر منها:\nالحالة الثانية: أن تبدي زينتها لمن أحل الله لها أن تريه:\n_________\n١ في ظلال القرآن ٨/ ٤٨٠.\n٢ أخرجه الترمذي في الرضاع ٤/١٥٣، والبزار انظر تفسير ابن كثير ٥/ ٤٥١.\n٣ أخرجه أبو داود في كتاب الصلاة باب التشديد في ذلك ١/٣٨٣، والبزار انظر تفسير ابن كثير ٥/٤٥١.","vol":"1","page":148},{"text":"قال تعالى: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا ...﴾ النور: ٣١.\nوقال تعالى: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ ...﴾ النور: ٣١.\n٤- أمرها الإِسلام بوضع الخمار أو الجلباب عليها، لكي لا تُعرف فلا تُؤذى:\nقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ ...﴾ الأصاب: ٩ِ\nوفي الحديث الصحيح الوارد في قصة الإفك عن عائشة ﵂ أنها قالت: لما استيقظت من استرجاع صفوان بن المعطل السلمي ﵁، قالت: فأتاني، فعرفني حين رآني، وقد كان يراني قبل أن يضرب علي الحجاب، فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني، فخمرت وجهي بجلبابي ... \"١ الحديث.\n٥- أمر الإِسلام المؤمنين أن يسألوا النساء من وراء حجاب معللا ذلك بالطهر للقلوب، وبعدًا لها عن الأمراض القلبية.\nقال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ ...﴾ وهو الأحزاب: ٥٤.\n٦- حرم الإِسلام على المؤمنين دخول البيوت المسكونة إلا بعد الاستئذان والاستئناس من أهلها، حفاظا على عورات المسلمين وعدم الاطلاع عليها:\nقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ...﴾ وهو النور: ٢٧.\n٧- حرم الإِسلام على المرأة السفر إلا مع محرم لها:\nعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا يحل لامرأة مسلمة تسافر مسيرة ليلة إلا ومعها رجل ذو حرمة لها\".\nوفي رواية عنه: \"لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تسافر مسيرة يوم إلا مع ذي محرم\".\n_________\n١ رواه البخاري في التفسير باب ﴿وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا﴾ . الخ ٨/٤٥٢) .","vol":"1","page":149},{"text":"وفي رواية: \"يوم وليلة\". وفي رواية: \"يومين\". وفي رواية: وكل هذه الروايات صحيحة، رواها مسلم وغيره١.\n٨- حرم الإسلام على المرأة الاستثارة الظاهرة والباطنة، وحذرها من التشبه بنساء الجاهلية قديما وحديثًا:\nقال تعالى: ﴿وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنّ﴾ النور: ٣١.\nيقول ابن كثير ﵀: كانت المرأة في الجاهلية إذا كانت تمشي في الطريق، وفي رجلها خلخال صامت (لا يسمع صوته) ضربت برجلها الأرض، فيعلم الرجال طنينه، فنهى الله المؤمنات عن مثل ذلك وكذلك إذا كان شيء من زينتها مستورا فتحركت بحركة لتظهر ما هو خفي دخل في هذا النهيِ، لقوله تعالى: ﴿وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنّ﴾، ومن ذلك أيضاَ: أنها تنهى عن التعطر والتطيب عند خروجها من بيتها ليشتم الرجال طيبها. أهـ.\nويشهد لهذا ما رواه الترمذي وأبو داود والنسائي من حديث أبي موسى الأشعري ﵁ عن النبي ﷺ قال: \"كل عين زانية والمرأة إذا استعطرت فمرت بالمجلس فهي كذا وكذا، يعني زانية\"، قال الترمذي: حسن صحيح٢.\n٩- إذا قدر للمرأة أن تخاطب الرجال الأجانب عنها، فالإسلام يأمرها أن لا تخضع بالقول، وأن تقول قولا معروفا، والحكمة في ذلك: لئلا يطمع مريض القلب فيها، والخضوع بالقول هو ترقيقه وترخيمه:\nقال تعالى: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ الأحزاب: ٣٢.\n١٥- جعل الإسلام للحجاب شروطًا، صيانة للمرأة وسترًا لها، وبعدًا لها عن وصف الكاسية العارية، وهذه الشروط ممكن الاطلاع عليها في كتب الأحكام٣.\n_________\n١ انظر صحيح مسلم كتاب الحج باب سفر المرأة مع محرم إلى حج وغيره ٢/ ٩٧٥-٩٧٨.\n٢ انظر سنن الترمذي كتاب الأدب باب ما جاء في كراهية خروج المرأة متعطرة ٨/ ٢٥، وسنن أبي داود كتاب الترجل باب المرأة تتطيب للزوج ٤/ ٤٠٠، وسنن النسائي كتاب الزينة باب ما يكره للنساء من الطيب٨/١٥٣.\n٣ وانظر حجاب المرأة المسلمة للألباني ص ١٥ الطبعة الثالثة نشر المكتب الإسلامي.","vol":"1","page":150},{"text":"١١- رخص الإسلام للمرأة المسنة التي لا ترجو نكاحا أن تضع ثيابها عند الغريب عنها من غير تبرج بزينة، وأرشدها إلى أن الاستعفاف خير لها وأفضل:\nقال تعالى: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ النور: ٦٠.\nفإذا كان هذا حال المرأة الكبيرة في السن، الغير طامعة في النكاح، ولا متطلعة له، فإن المرأة الأخرى التي لم تبلغ سن القواعد ولها رغبة في النكاح، وطامعة فيه لا يحق لها، ولا يجوز أن تضع ثيابها عنها بحضرة الرجال الغريبين عنها.\nثانيًا: كراهية المرأة في الجاهلية كما صورها القرآن\nتعتبر المرأة قبل الإِسلام رجسًا من عمل الشيطان، لا قيمة لها ولا مكانة بل مبتذلة مهانة، ويتبين كراهيتهم لها في الآتي:\nأ- نسبتهم البنات إلى الله سبحانه دون الذكور:\nقال تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ﴾ النحل: ٥٧.\nوقال تعالى: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ﴾ ولهم البنون الصافات: ١٤٩.\nوقال تعالى: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأُنْثَى تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾ النجم: ٢١.\nوقال تعالى: ﴿أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ الصافات: ٥١ ا-١٥٤.\nوقال تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ﴾ الزخرف: ١٦.\n٢- وصفهم الملائكة أنهم إناث:\nقال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلونَ﴾ الزخرف: ١٩.\nوقال تعالى: ﴿أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ﴾ الصافات: ١٥٠.\nوقال تعالى: ﴿أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِنَاثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا﴾ الإِسراء: ٤٥.","vol":"1","page":151},{"text":"٣- اسوداد الوجه عندما يبشر بالأنثى:\nقال تعالى: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ النحل:٥٨،٥٩.\nوقال تعالى: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ الزخرف: ١٧.\nيقول ابن كثير: أي إذا بشر أحد هؤلاء بما جعلو لله من البنات يأنف من ذلك، يقول ﵎: فكيف تأنفون أنتم من ذلك وتنسبونه إلى الله عز وجل١.\n٤- وأدهم لها وهي حية، والتخلص منها بدون أي سبب:\nقال تعالى: ﴿وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ التكوير: ٨، ٩.\nقال ابن كثير: والمؤودة هي التي كان أهل الجاهلية يدسونها في التراب كراهة البنات، فيوم القيامة تسُئل المؤودة على أي ذنب قتلت ليكون ذلك تهديدًا لقاتلها، فإنه إذا سُئل المظلوم فما ظن الظالم إذا٢.\nوفي الحديث أن قيس بن عاصم قدم على النبي ﷺ، فقال: يارسول الله إني وأدت اثنتي عشرة ابنة لي في الجاهلية، أو ثلاث عشرة، قال: \"أعتق عددهن نسما\"، قال: فأعتق عددهن نسما، فلما كان في العام المقبل جاء بمائة ناقة فقال: يارسول الله هذه صدقة قومي على أثر ما صنعت بالمسلمين. قال علي بن أبي طالب: فكنا نريحها ونسميها القيسية٣.\n\"وكان الوأد يتم في صورة قاسية إذ كانت البنت تدفن حية، وكانوا يفتنون في هذا بشتى الطرق:\nفمنهم من كان إذا ولدت له بنت تركها حتى تكون في السادسة من عمرها، ثم يقول لأمها: طيبيها وزينيها حتى أذهب بها إلى أحمائها، وقد حفر لها بئرا في الصحراء، فيبلغ بها البئر، فيقول لها: انظري فيها، ثم يدفعها دفعا ويهيل التراب عليها.\n_________\n١ تفسير القرآن العظيم (٦/ ٢٢١)\n٢ تفسير القرآن العظيم (٧/ ٢٢٤) .\n٣ المصدر نفسه (٧/ ٢٢٦) . والحديث أخرجه ابن أبي حاتم.","vol":"1","page":152},{"text":"وعند بعضهم: كانت الوالدة إذا جاءها المخاض جلست فوق حفرة محفورة، فإذا كان المولود بنتا رمت بها فيها ودفنتها وإن كان ابنا قامت به معها!\nوبعضهم كان إذا نوى ألا يئد الوليدة أمسكها مهينة إلى أن تقدر على الرعي فيلبسها جبة من صوف أوشعر، ويرسلها في البادية ترعى له إبله\"١.\n٥- حرمانها من بعض الطيبات ظلما وعدوانا:\nقال تعالى: ﴿وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ الأنعام: ١٣٩. قال ابن عباس ﵄: هو اللبن كانوا يحرمونه على إناثهم ويشربه ذكرانهم، وكانت الشاة إذا ولدت ذكرا ذبحوه، وكان للرجال دون النساء، وان كانت أنثى تركت فلم تذبح، وإن كانت ميتة فهم فيه شركاء، فنهى الله عن ذلك٢.\n٦- إلحاق العقوبات بها:\nإن إلحاق أي عقوبة على أي إنسان- بل حتى الحيوان- بدون سبب ولا مبرر شرعي لهو من الظلم الذي حرمه الإسلام، وإن الجاهلية أوقعت على المرأة عدة عقوبات بلا مبرر معتبر، وذلك من ظلمها وعدوانها عليها فمن ذلك:\n١- الطلاق: كان الزوج يمارس الطلاق على زوجته مرارًا متعددة مادامت في عدتها فكلما أرادت أن تنقضي عدتها طلقها وهكذا من أجل عقوبتها والإضرار بها.\nأخرج أبو داود بسنده عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنّ﴾ الآية، وذلك أن الرجل كان إذا طلق امرأته فهو أحق برجعتها وإن طلقها ثلاثًا فنسخ ذلك فقال: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ﴾ ٣الاَية.\nوأخرج ابن أبي حاتم بسنده عن عروة بن الزبير أن رجلا قال لامرأته: لا أطلقك أبدًا ولا آويك أبدًا قالت: وكيف ذلك؟ قال: أطلق حتى إذا دنا أجلك راجعتك،\n_________\n١ في ظلال القرآن (٨/ ٤٧٩) .\n٢ تفسير القرآن العظيم (٣/١٠٨) .\n٣ رواه أبو داود في كتاب النكاح باب نسخ المراجعة بعد التطليقات الثلاث ٢/ ٦٤٤.","vol":"1","page":153},{"text":"فأتت رسول الله ﷺ فذكرت ذلك له فأنزل الله ﷿ ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ﴾ ١.\nوفي رواية عنه قال: كان الرجل أحق برجعة امرأته وإن طلقها ماشاء مادامت في العدة، وإن رجلا من الأنصار غضب على امرأته فقال: والله لا آويك ولا أفارقك قالت: وكيف ذلك؟ قال: أطلقك فإذا دنا أجلك راجعتك ثم أطلقك فإذا دنا أجلك راجعتك فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فأنزل الله ﷿ ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ﴾ قال فاستقبل الناس الطلاق من كان طلق ومن لم يكن طلق٢.\nوعن عائشة ﵂ قالت: \"لم يكن للطلاق وقت يطلق الرجل امرأته ثم يراجعها ما لم تنقض العدة، وكان بين رجل من الأنصار وبين أهله بعض ما يكون بين الناس فقال: والله لأتركنك لا أيمًا ولا ذات زوج فجعل يطلقها حتى إذا كادت العدة أن تنقضي راجعها، ففعل ذلك مرارًا، فأنزل الله ﷿ فيه ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَان﴾ فوقت الطلاق ثلاثًا لا رجعة فيه بعد الثالثة حتى تنكح زوجًا غيره\"٣.\nوقال ابن كثيرفي تفسيره لهذه الآية:\n\"هذه الآية الكريمة رافعة لما كان عليه الأمر في ابتداء الإِسلام من أن الرجل كان أحق برجعة امرأته وإن طلقها مائة مرة مادامت في العدة فلما كان هذا فيه ضرر على الزوجات قصرهم الله إلى ثلاث طلقات، وأباح الرجعة في المرة والثنتين، وأبانها بالكلية في الثالثة فقال: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَان﴾ \"٤.\nفبينت الآثار السابقة كيف كان يستخدم الطلاق عقوبة على المرأة وإضرارا بها فرفع الله ذلك وحدد ألفاظه وبينّ أوقاته وأمر بالمعروف في حالة الإمساك للمرأة، والإحسان في حالة التسريح ومن تعدي حدود الله فهو من الظالمين.\n٢- الإيلاء: أحد العقوبات التى كانت توقعها الجاهلية السنة والسنتين على\n_________\n١ تفسير القرآن العظيم (١/٤٨٢) . ط دار الفكر.\n٢ تفسير القرآن العظيم (١/٤٨٢) . ط دار الفكر.\n٣ رواه ابن مردويه انظر تفسير القرآن العظيم لابن كثير (١/٤٨٢) .\n٤ المصدر نفسه ١/ ٤٨١.","vol":"1","page":154},{"text":"المرأة ظلما وعدوانًا، حتى إن بعضِ المسلمين مارس هذه العقوبة في الإِسلام على المرأة، فجعل الله سبحانه لها حدًا محدوداَ.\nقال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ البقرة: ٢٢٦، ٢٢٧.\nقال عبد الله بن عباس ﵄: كان إيلاء الجاهلية السنة والسنتين، وأكثر من ذلك، يقصدون بذلك إيذاء المرأة عند المساءة فوُقِّتَ لهم أربعة أشهر، فمن آلى بأقل من ذلك فليس بإيلاء حكمي١.\nويقول دروزة: لقد ذكرنا قبل أن العرب قبل الإِسلام كانوا يحلفون بأن لا يعاشروا زوجاتهم معاشرة جنسية، فيغدون معلقات، لا هن زوجات، ولا هن مطلقات، وأنهم كانوا يعمدون إلى ذلك لأسباب متنوعة، منها كراهية ولادتهن البنات، وفي سورات الغضب، أوكراهيتهم لهن مع عدم الرغبة في تطليقهن حتى لا يتزوجن غيرهم أو حتى يمتن عندهم فيرثونهن، أو بقصد ابتزاز أموالهن، أو ليبقين للعناية بأولادهن٢.\n٣- الظهار:\nوصف الله سبحانه هذا التصرف من القول بأنه منكر وزور، كما ورد في آية المجادلة: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾ .\nوالظهار هو إحدى العقوبات التي كانت الجاهلية المقيتة تمارسها على الزوجة، وقد مارسه بعض المسلمين.\nقال ابن عباس ﵄: \"كان الرجل إذا قال لامرأته في الجاهلية: أنت عليّ كظهر أمي حرمت عليه، فكان أول من ظاهر من الإسلام: أوس.. الخ\"٣.\nقال ابن كثير: أصل الظهار مشتق من الظهر، وذلك أن الجاهلية كانوا إذا ظاهر أحدهم من امرأته قال لها: أنت علي كظهر أمي، ثم في الشرع كان الظهار في سائر الأعضاء قياسا على الظهر، وكان الظهار عند الجاهلية طلاقًا، فأرخص الله لهذه الأمة\n_________\n١ تفسير القرطبي (٣/١٠٣)، وانظر فتح الباري (٩/٤٢٧) .\n٢ المرأة في القرآن والسنة ص ١٠١، طبعة ثانية ١٤٠٠هـ.\n٣ تفسير القرآن العظيم (٦/٥٧٦) .","vol":"1","page":155},{"text":"وجعل فيه كفارة، ولم يجعله طلاقا كما كانوا يعتمدونه في جاهليتهم، هكذا قال غير واحد من السلف١.\nإن هذه العقوبة الجاهلية قائمة على غير أصل، فلذا وصفت بأنها زور ومنكر، وإن وقعها على المرأة لعظيم، وصدر سورة المجادلة يدل على ذلك، من كون المرأة جاءت إلى النبي ﷺ تشتكي وتعرض قضيتها عليه وتحاور الرسول ﷺ في شأنها وزوجها.\nتقول عائشة ﵂: \"الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات لقد جاءت المجادلة إلى النبي ﷺ تكلمه وأنا في ناحية البيت ما أسمع ما تقول، فأنزل الله عزوجل: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا ...﴾ المجادلة: ١٢.\n٤- الإضرار بها في الإحداد:\nقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ البقرة: ٢٣٤.\nثبت في الصحيحين من حديث أم سلمة ﵂ أنها قالت: جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ فقالت: يارسول الله إن ابنتي توفي عنها زوجها، وقد اشتكت عينها، أفتكحلها؟ فقال رسول الله ﷺ: \"لا\"، مرتين أو ثلاثًا، كل ذلك يقول: \"لا\"، ثم قال رسول الله ﷺ: \"إنما هي أربعة أشهر وعشر، وقد كانت إحداكن في الجاهلية ترمي بالبعرة على رأس الحول\".\nقال حميد: فقلت لزينب: وما ترمى بالبعرة على رأس الحول؟ فقالت زينب: كانت المرأة إذا توفي عنها زوجها دخلت حفشا٣ ولبست شر ثيابها ولم تمس طيبا، حتى تمر بها سنة، ثم تؤتى بدابة حمار أو شاة أو طائر- فتفتض٤ به فقلما تفتض بشيء إلا مات، ثم تخرج فتعطى بعرة فترمي بها. ثم تراجع بعد ما شاءت من طيب أو غيره.\n_________\n١ تفسير القرآن العظيم (٦/ ٥٧٥) .\n٢ رواه أحمد في المسند ٦/٤٦ وأخرجه البخاري في كتاب التوحيد تعليقًا ١٣/٣٧٢.\n٣ الحفش: بكسر المهملة وسكون الفاء هو البيت الصغير الذليل الحقير.\n٤ فتفتض به: فسره مالك كما في آخر الحديث، وقال ابن حجر: وأصل الفض: الكسر أي تكسر ما كانت فيه وتخرج منه بما تفعله بالدابة، فتح الباري (٩/٤٩٠) .","vol":"1","page":156},{"text":"سُئل مالك: ما تفتض به؟ قال: تمسح به جلدها١.\nوعن أم سلمة ﵂: أن امرأة توفي زوجها فخشوا على عينيها فأتوا على رسول الله ﷺ فاستأذنوه في التكحل، فقال: \"لا تكتحل، قد كانت إحداكن تمكث في شر أحلاسها أو شر بيتها، فإذا كان حول فمر كلب رمت ببعرة، فلا حتى تمضي أربعة أشهر وعشر\" ٢.\nقال ابن قتيبة: سألت الحجازين عن الافتضاض، فذكروا أن المعتدة كانت لا تمس ماء ولا تقلم ظفرا، ولا تزيل شعرا، ثم تخرج بعد الحول بأقبح منظر، ثم تفتض أي: تكسر ما هي فيه من العدة بطائر تمسح به قبلها وتنبذه، فلا يكاد يعيش بعدما تفتض به٣.\n٥- الإكراه على البغاء:\nقال تعالى: ﴿وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ النور: ٣٣.\nوهذا نوع من الأساليب الجاهلية العفنة التي تعامل بها المرأة قبل الإِسلام، وقد ورد في سبب النزول لهذه الآيات روايات متعددة مفادها أن جارية لعبد الله بن أبي بن سلول كان يُكرهها سيدها على ارتكاب الفجور فتأبى فأنزل الله هذه الآية٤.\nيقول ابن كثير: كان أهل الجاهلية إذا كان لأحدهم أمة أرسلها تزني وجعل عليها ضريبة يأخذ منها كل وقت، فلما جاء الإِسلام نهى الله المؤمنين عن ذلك وكان سبب نزول هذه الآية الكريمة فيما ذكر غير واحد من المفسرين من السلف والخلف في شأن عبد الله بن أبي بن سلول، فإنه كان له إماء، فكان يكرههن على البغاء طلبا لخراجهن\n_________\n١ رواه البخاري في الطلاق، باب تحد المتوفى عنها أربعة أشهر، قح الباري (٩/ ٤٨٤)، ومسلم في الطلاق باب الإِحداد ٢/ ١١٢٤ نحوه واللفظ للبخاري.\n٢ رواه البخاري في الطلاق، باب الكحل للحادة فتح الباري (٩/ ٤٩٠) .\n٣ فتح الباري ٩/ ٤٨٩.\n٤ انظر تفسير القرآن العظيم (٥/٩٨، ٩٩) . وهو مروى عن ابن عباس وأنس وجابر والزهري والسدي ومقاتل بن حيان.","vol":"1","page":157},{"text":"ورغبة في أولادهن ورياسة منه فيما يزعم١ (١) .\nإن هذا الصنيع المزعوم فيه هدر لكرامة المرأة، وهتك لعرضها، وتحطيم لشعورها، وامتهان لشخصيتها، وجاء الإسلام واحترم كرامتها وشعورها، وصان عرضها وحفظ شخصيتها فلله الحمد والمنة.\n٦- التقزز منها والبعد عنها:\nقال تعالى: ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ البقرة: ٢٢٢.\nوسبب نزول هذه الآية يبين موقف الجاهلية من المرأة التي كتب الله عليها المحيض، وليس لها فيه أي سبب في منعه أو إخراجه:\nعن أنس ﵁ أن اليهود كانت إذا حاضت المرأة منهم لم يؤاكلوها، ولم يجامعوها في البيوت، فسأل أصحاب النبي ﷺ، فأنزل الله ﷿: ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ حتى فرغ من الآية، فقال رسول الله ﷺ: \"اصنعوا كل شيء إلا النكاح\"، فبلغ ذلك اليهود فقالوا: مايريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئا إلا خالفنا فيه، فجاء أسيد بن حضير وعباد بن بشر فقالا: يارسول الله إن اليهود قالت كذا وكذا، أفلا نجامعهن؟ فتغير وجه رسول الله حتى ظننا أن قد وجد عليهما، فخرجا، فاستقبلتهما هدية من لبن إلى رسول الله ﷺ، فأرسل في آثارهما، فسقاهما، فعرفا أن لم يجد عليهما\" رواه أحمد ومسلم٢.\nإن هذا المكتوب على المرأة بقضاء الله وقدره لهو فوق طاقتها، فلماذا يوقف منها هذا الموقف وتشعر بأنها نجس قذر؟!\nولقد عالج الإسلام هذا فقال النبي ﷺ: \"اصنعوا كل شيء إلا النكاح\". ولما سأل\n_________\n١ تفسير القرآن العظيم (٥/٩٧) .\n٢ انظر المسند ٣/ ١٣٢، ١٣٣.","vol":"1","page":158},{"text":"مسروق عائشة ﵂ عن ما للرجل من امرأته وهي حائض؟ فقالت له: \"كل شيء إلا فرجها\"١.\nوفي رواية: \"كل شيء إلا الجماع\"٢.\nوأخبرت ﵂ عن النبي ﷺ بقولها: \"كان يأمرني فأغسل رأسه وأنا حائض\" ٣.\n\"وكان يتكئ في حجري وأنا حائض فيقرأ القرآن\" ٤.\nوثبت في الصحيح عنها أنها قالت: كنت أتعرق العرق وأنا حائض فأعطيه النبي ﷺ فيضع فمه في الموضع الذي وضعت فمي فيه، وأشرب الشراب وأناوله فيضع فمه في الموضع الذي كنت أشرب منه ٥.\nوتقول ﵂: \"كنت أنا ورسول الله ﷺ نبيت في الشعار الواحد وأنا حائض طامث فإن أصابه شيء غسل مكانه لم يعده وإن أصابه- يعني ثوبه- غسل مكانه ولم يعده وصلى فيه\" ٦.\nإنه تعامل رفيع، وحسنُ خلقٍ عظيم، يشعر الإنسان من خلاله بإنسانيته وإنه مقدر ومحترم.\nثالثًا: ضياع حقوقها وإلحاق الضرر بها\nإن الله سبحانه حرّم الظلم على نفسه، وجعله بين خلقه محرمًا حيث قال: \"ياعبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته محرمًا فلا تظالموا\" رواه مسلم.\nوإن المرأة لاقت في حياة الجاهلية قديمًا وحديثًا ألوانًا وصورًا شتى من الظلم والعدوان. فمن ذلك:\n١- عضلها: وهومنعها من حقها وإلحاق الضرر بها حسيًا ومعنويا.\n_________\n١ أخرجه ابن جرير في التفسير ٤/٣٧٨ وصحح إسناده أحمد شاكر.\n٢ أخرجه ابن جرير في التفسير ٤/٣٧٧ وصحح إسناده أحمد شاكر.\n٣ انظر صحيح مسلم كتاب الحيض باب جواز غسل الحائض رأس زوجها ١/ ٢٤٤ رقم ١٠ و١٤ و١٥.\n٤ انظر صحيح مسلم كتاب الحيض باب جواز غسل الحائض رأس زوجها ١/ ٢٤٤ رقم ١٠ و١٤ و١٥.\n٥ انظر صحيح مسلم كتاب الحيض باب جواز غسل الحائض رأس زوجها ١/ ٢٤٤ رقم ١٠ و١٤ و١٥.\n٦ رواه أبو داود في النكاح باب في إتيان الحائض ومباشرتها ٢/ ٦٢١ وكذلك أخرجه في كتاب الطهارة باب في الرجل يصيب منها ما دون الجماع ١/١٨٥ والنسائي في الطهارة باب مضاجعة الحائض ١/ ١٥٠.","vol":"1","page":159},{"text":"قال تعالى: ﴿وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلاَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ...﴾ النساء: ١٩.\nوقال تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ...﴾ البقرة: ٢٣٢.\nوالعضل للمرأة من رواسب الجاهلية وعاداتها البغيضة، وقد بقي أثره في الناس، حتى في الإسلام، لكن عولج بالنهي المقتضي للتحريم بلا هوادة أو تراخ فيه، والعضل في هاتين الآيتن مختلف، وإن كانت نتيجته واحدة.\nفالعضل المذكور في آية النساء المراد به: الإضرار بالمرأة في عيشتها، وقهرها من أجل أن تتنازل بحقها أو ببعضه من الصداق أو أي حق سواه.\nقال ابن عباس في قوله: ﴿وَلا تَعْضُلُوهُنَّ﴾: يقول: ولا تقهروهن ﴿لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾: يعني الرجل تكون له المرأة، وهو كاره لصحبتها، ولها عليه مهر فيضرها لتفتدي به.\nقال ابن كثير: وكذا قال الضحاك وقتادة وغير واحد، واختاره ابن جرير١.\nوأما العضل المذكور في آية البقرة، فالمراد به: منع المرأة من الرجوع إلى زوجها بعد انتهاء عدتها، وهي راغبة فيه، وهو كذلك.\nقال ابن عباس: نزلت هذه الآية في الرجل يطلق امرأته طلقة أو طلقتين، فتنقضي عدتها، ثم يبدو له أن يتزوجها، وأن يراجعها، وتريد المرأة ذلك، فيمنعها أولياؤها من ذلك، فنهى الله أن يمنعوها.\nقال ابن كثير: وكذا روى العوفي عنه عن ابن عباس أيضا، وكذا قال مسروق وإبراهيم النخعي والزهري والضحاك أنها نزلت في ذلك، وهذا الذي قالوه ظاهر من الآية٢.\nوالحديث الصحيح يوضح ذلك ويبينه، فعن معقل بن يسار ﵁ أنه زوج أخته رجلا من المسلمين على عهد رسول الله ﷺ، فكانت عنده ما كانت، ثم طلقها\n_________\n١ تفسير القرآن العظيم (٢/٢٢٨) .\n٢ المصدر نفسه (١/ ٥٠٠) .","vol":"1","page":160},{"text":"تطليقة لم يراجعها حتى انقضت عدتها، فهويها وهويته، ثم خطبها مع الخطاب، فقال له: يالكع ابن لكع، أكرمتك بها، وزوجتكها، فطلقتها، والله لا ترجع إليك أبدًا. آخر ما عليك، قال: فعلم الله حاجته إليها وحاجتها إلى بعلها، فأنزل الله: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ..﴾ إلى قوله: ﴿وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾، فلما سمعها معقل قال: سمع لربي وطاعة، ثم دعاه، فقال: أزوجك، وأكرمك١.\nقال ابن كثير: زاد ابن مردويه: \"وكفرت عن يميني\"٢.\nوتوجد صورة ثالثة من العضل خاصة في اليتيمة:\nقال الله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ ...﴾ النساء: ٣.\nوقال تعالى: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللاَّتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا﴾ النساء: ١٢٧.\nوقد بينت السنة الصحيحة صورة هذا العضل الجاهلي:\nأخرج البخاري بسنده عن عروة بن الزبيرأنه سأل عائشة ﵂ عن قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾، قالت: يا ابن أختي: هذه اليتيمة تكون في حجر وليها تشركه في ماله ويعجبه مالها وجمالها، فيريد وليها أن يتزوجها بغير أن يقسط لا صداقها فيعطيها مثل ما يعطيها غيره، فنهوا أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا إليهن ويبلغوا بهن أعلى سنتهن يا الصداق، وأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهن.\nقال عروة: قالت عائشة: وإن الناس استفتوا رسول الله بعد هذه الآية، فأنزل الله: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ﴾ .\n_________\n١ هذه رواية الترمذي في أبواب التفسير ٨/ ١٧٠ والحديث أخرجه البخاري في النكاح باب من قال: لا نكاح إلا بولي ٩/١٨٣ وفي الطلاق باب ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِن﴾ ٩/٤٨٢ مع الفتح وأبو داود في النكاح باب في العضل ٢/٥٦٩.\n٢ تفسير القرآن العظيم (١/ ٥٠٠) .","vol":"1","page":161},{"text":"قالت عائشة: وقول الله في الآية الأخرى: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ رغبة أحدكم عن يتيمته إذا كانت قليلة المال والجمال، فنهوا أن ينكحوا من رغبوا في مالها وجمالها من النساء إلا بالقسط، من أجل رغبتهم عنهن إذا كن قليلات المال والجمال١.\nوأخرج البخاري بسنده عن عائشة ﵂ قالت: هو الرجل تكون عنده اليتيمة، هو وليها ووارثها، فأشركته في ماله، حتى في العذق، فيرغب أن ينكحها، ويكره أن يزوجها رجلا، فيشركه في ماله بما شركته، فيعضلها، فنزلت الآية٢، وهو في مسلم أيضًا.\nوروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في معنى الآية قال: كان الرجل في الجاهلية تكون عنده اليتيمة فيلقي عليها ثوبه، فإذا فعل ذلك لم يقدر أحد أن يتزوجها أبدًا، فإن كانت جميلة، وهويها تزوجها، وأكل مالها، وإن كانت دميمة منعها الرجال أبدًا حتى تموت، فإذا ماتت ورثها، فحرم الله ذلك ونهى عنه٣.\nقال ابن كثير: والمقصود: أن الرجل إذا كان في حجره يتيمة يحل تزويجها، فتارة يرغب في أن يتزوجها، فأمره الله أن يمهرها أسوة بأمثالها من النساء، فإن لم يفعل، فليعدل إلى غيرها من النساء، فقد وسع الله ﷿، وهذا المعنى في الآية الأولى في أول السورة، وتارة لا يكون له فيها رغبة لدمامتها عنده، أو في نفس الأمر، فنهاه الله ﷿ أن يعضلها عن الأزواج خشية أن يشركوه في ماله الذي بينه وبينها٤.\n٢- وراثتها على سبيل الإكراه والإضرار بها:\nقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا ...﴾ النساء:١٩.\nوسبب النزول كاف في بيان نوعية هذا الإكراه:\nأخرج البخاري بسنده عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾، قال: كانوا إذا مات الرجل كان أولياؤه أحق\n_________\n١ صحيح البخاري مع فتح الباري (٨/٢٣٩) ٠ الطبعة السلفية.\n٢ صحيح البخاري مع فتح الباري (٨/٢٦٥)، ومسلم في التفسير رقم ٩.\n٣ تفسير القرآن العظيم (٢/ ٤٠٥) . ط دار الفكر.\n٤ تفسير القرآن العظيم (٢/ ٤٠٥) . ط د ار الفكر.","vol":"1","page":162},{"text":"بامرأته، إن شاء بعضهم تزوجها، وإن شاءوا زوجوها، وإن شاءوا لم يزوجوها، وهم أحق بها من أهلها، فنزلت هذه الاَية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ ١.\nولهذا الإِرث الإِكراهي صور شتى كانت الجاهلية تمارسه على الزوجة وهي تتقبله، لأنها غير مبين في الخصام، فمن ذلك:\nأ- ما ثبت في الصحيح عن ابن عباس ﵄، والوارد في سبب النزول للآية أعلاه.\n٢- ما رواه عكرمة عن ابن عباس قال: ﴿يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ الآية، وذلك أن الرجل كان يرث امرأة ذي قرابته، فيعضلها حتى تموت أو ترد إليه صداقها، فأحكم الله تعالى عن ذلك.\nقال ابن كثير: تفرد به أبو داود، وقد رواه غير واحد عن ابن عباس بنحو ذلك٢.\n٣- روى الطبري من طريق الحسن والسدي وغيرهما: كان الرجل يرث امرأة ذي قرابته فيعضلها حتى تموت أو ترد إليه الصداق. قال ابن حجر: \"وزاد السدي: إن سبق الوارث فألقى عليها ثوبه كان أحق بها وإن سبقت هي إلى أهلها فهي أحق بنفسها\"٣.\n٤- وعن مقسم عن ابن عباس: كانت المرأة في الجاهلية إذا توفى عنها زوجها، فجاء رجل فألقى عليها ثوبًا، كان أحق بها، فنزلت: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ ٤.\n٥- وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ قال: كان الرجل إذا مات وترك جارية ألقى عليها حميمه ثوبه، فمنعها من الناس، فإن كانت جميلة تزوجها، وإن كانت دميمة حبسها حتى تموت فيرثها.\n_________\n١ صحيح البخاري مع فتح الباري (٨/ ٢٤٥) . رقم ٤٥٧٩.\n٢ تفسير القرآن العظيم (٢/٢٢٦) . ط دار الفكر. والحديث سبق تخريجه في ص ١٥٧.\n٣ فتح الباري (٨/٢٤٧) .\n٤ تفسير القرآن العظيم (٢/ ٢٢٦-٢٢٧) . وانظر فتح الباري ٨/ ٢٤٦-٢٤٧.","vol":"1","page":163},{"text":"٦- وروى العوفي عن ابن عباس: كان الرجل من أهل المدينة إذا مات حميم أحدهم، ألقى ثوبه على امرأته فورث نكاحها، ولم ينكحها أحد غيره وحبسها عنده حتى تفتدي منه بفدية، فأنزل الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ ١.\n٧- وقال زيد بن أسلم: كان أهل يثرب إذا مات الرجل منهم في الجاهلية ورث امرأته من يرث ماله، وكان يعضلها حتى يرثها أو يزوجها من أراد، وكان أهل تهامة يسيء الرجل صحبة المرأة حتى يطلقها، ويشترط عليها أن لا تنكح إلا من أراد حتى تفتدي منه ببعض ما أعطاها فنهى الله المؤمنين عن ذلك٢.\n٨- وعن أبي أمامة بن حنيف قال: لما توفي أبو قيس بن الأسلت أراد ابنه أن يتزوج امرأته، وكان لهم ذلك في الجاهلية، فأنزل الله: ﴿لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ ٣.. وحسن إسناده ابن حجر٤.\n٩- وعن عطاء أن أهل الجاهلية كانوا إذا هلك الرجل وترك امرأة حبسها أهله على الصبي حتى يكون فيهم، فنزلت: ﴿لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ ٥.\n١٠- وقال مجاهد: كان الرجل إذا توفي كان ابنه أحق بامرأته ينكحها إن شاء- إذا لم يكن ابنها- أو ينكحها من شاء: أخاه أو ابن أخيه٦.\n١١- وقال عكرمة: نزلت في كبيشة بنت معن بن عاصم بن الأوس، توفى عنها أبو قيس بن الأسلت، فجنح عليها ابنه، فجاءت رسول الله ﷺ، فقالت: يارسول الله، لا أنا ورثت زوجي، ولا أنا تركت فأنكح، فأنزل الله هذه الآية٧.\n١٢- وقال السدي عن أبي مالك: كانت المرأة في الجاهلية إذا مات زوجها، جاء\n_________\n١ تفسير القرآن العظيم (٢/ ٢٢٦-٢٢٧) . وانظر فتح الباري ٨/ ٢٤٦-٢٤٧.\n٢ تفسير القرآن العظيم (٢/ ٢٢٦-٢٢٧) . وانظر فتح الباري ٨/ ٢٤٦-٢٤٧.\n٣ تفسير القرآن العظيم (٢/ ٢٢٦-٢٢٧) . وانظر فتح الباري ٨/ ٢٤٦-٢٤٧.\n٤ انظر فتح الباري ٨/٢٤٧.\n٥ تفسير القرآن العظيم (٢/ ٢٢٦-٢٢٧) . وانظر فتح الباري (٨/ ٢٤٦-٢٤٧.\n٦ تفسير القرآن العظيم (٢/٢٢٧) .\n٧ تفسير القرآن العظيم (٢/٢٢٧) .","vol":"1","page":164},{"text":"وليها فألقى عليها ثوبا، فإن كان له ابن صغير أو أخ حبسها حتى يشب، أو تموت فيرثها، فإن هي انفلتت فأتت أهلها، ولم يلق عليها ثوبا نجت، فأنزل الله: ﴿لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ ١.\n١٣- وقال مجاهد أيضًا: كان الرجل يكون في حجره اليتيمة هو يلي أمرها، فيحبسها رجاء أن تموت امرأته فيتزوجها، أويزوجها ابنه٢.\nوهذا مروي عن الشعبي وعطاء بن أبي رباح وأبي مجلز والضحاك والزهري وعطاء الخراساني ومقاتل بن حيان، ذكر هذا ابن أبي حاتم.\nقال ابن كثير: قلت: فالآية تعم ما كان يفعله أهل الجاهلية، وما ذكره مجاهد ومن وافقه، وكل ما كان فيه نوع من ذلك، والله أعلم٣.\nرابعًا: الاعتداء عليها بالأنكحة الجاهلية\nأشار القرآن الكريم إلى بعض تلك الأنكحة التي كانت تمارس في الجاهلية ووصفها بأوصاف غليظة تنفيرًا منها وتقبيحا لها، كما أوضحت السنة بعضًا منها، وقد أبطلها الإِسلام، فمن ذلك:\nأ- نكاح المقت: وهو نكاح الابن لزوجة أبيه بعد وفاته:\nقال تعالى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ النساء: ٢٢.\nوورد في سبب نزول هذه الآية أن رجلا من الأنصار قال: لما توفي أبو قيس بن الأسلت خطب ابنه قيس امرأته، فقالت: إنما أعدّك ولدا، وأنت من صالحي قومك، ولكني آتي رسول الله ﷺ، فقالت: إن أبا قيس توفي، فقال: \"خيرا\"، ثم قالت: إن ابنه قيس خطبني وهو من صالحي قومه، وإنما كنت أعده ولدا، فما ترى؟ فقال: \"ارجعي إلى بيتك\" قال: فنزلت: ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ ...﴾ ٤.\nوعن عكرمة قال: نزلت في أبي قيس بن الأسلت، خلف على أم عبيد الله ضمرة،\n_________\n١ تفسير القرآن العظيم (٢/٢٢٧) .\n٢ تفسير القرآن العظيم (٢/٢٢٨) .\n٣ تفسير القرآن العظيم (٢/٢٢٨) .\n٤ رواه ابن أبي حاتم، نقلا عن ابن كثير (٢/٢٣٢) .","vol":"1","page":165},{"text":"وكانت تحت الأسلت أبيه، وفي الأسود بن خلف، وكان خلف على ابنة أبي طلحة بن عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار، وكانت عند أبيه خلف، وفي فاختة ابنة الأسود بن المطلب بن أسد، كانت عند أمية بن خلف فخلف عليها صفوان بن أمية١.\nقال ابن كثير: وقد زعم السهيلي أن نكاح نساء الآباء كان معمولا به في الجاهلية، ولهذا قال: ﴿إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ .\nوهذا النوع من النكاح وصفه الله بثلاثة أوصاف بشعة، وهي الفحش الذي هو الزنا، كما قال تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾ الآية.\nووصفه بالمقت، الذي هو البغض الشديد، ووصفه بإساءة السبيل، أي: الطريق للذي سلكه وتعاطاه.\nقال ابن كثير: وعلى كل تقدير، فهو حرام في هذه الأمة، مبشع غاية التبشع، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ وقال: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَن﴾، وقال: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ فزاد ههنا: ﴿وَمَقْتًا﴾، أي بغضا، أي هو أمر كبير في نفسه، ويؤدي إلى مقت الابن أباه بعد أن يتزوج بإمرأته فإن الغالب أن من تزوج بامرأة يبغض من كان زوجها قبله، ولهذا حرمت أمهات المؤمنين على الأمة، لأنهن أمهات لكونهن زوجات النبي ﷺ وهو كالأب، بل حقه أعظم من حق الآباء بالإجماع، بل حبه مقدم على حب النفوس، صلوات الله وسلامه عليه٢.\n٢- الجمع بين الأختين (نكاح الأختين معا):\nقال تعالى في بيان المحرمات على الرجل نكاحهن: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ ...﴾ النساء: ٢٣.\nأخرج ابن جرير بسنده عن ابن عباس قال: \"كان أهل الجاهلية يحرمون ما حرم الله إلا امرأة الأب والجمع بين الأختين، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ ... وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ .\n_________\n١ تفسير القرآن العظيم (٢/ ٢٣٢)، والجامع لأحكام القرآن (٥/١٠٣، ١٠٤) .\n٢ تفسير القرآن العظيم (٢/ ٢٣٢، ٢٣٣) .","vol":"1","page":166},{"text":"قال ابن كثير: وهكذا قالت عطاء وقتادة١.\nوقال محمد بن الحسن: كان أهل الجاهلية يعرفون هذه المحرمات كلها التي ذكرت في هذه الآية إلا اثنتين، إحداهما: نكاح امرأة الأب، والثانية: الجمع بين الأختين، ألا ترى أنه قال: ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَف﴾، ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ﴾، ولم يذكر في سائر المحرمات ﴿إِلاَّ مَا قَدْ سَلَف﴾ ٢.\n٣- نكاح المتعة:\nوهو زواج بين رجل وامرأة لمدة معينة لقاء أجر معين، فإذا انتهى الأمد وقع الفراق٣.\nوقال ابن عبد البر: لم يختلف العلماء من السلف والخلف أن المتعة نكاح إلى أجل، لا ميراث فيه، والفرقة تقع عند انقضاء الأجل من غير طلاق٤.\nوقال ابن عطية: وكانت المتعة أن يتزوج الرجل المرأة بشاهدين وإذن الولي إلى أجل مسمى، وعلى أن لا ميراث بينهما، ويعيطها ما اتفقا عليه، فإذا انقضت المدة، فليس له عليها سبيل، يستبرئ رحمها، لأن الولد لاحق فيه بلا شك، فإن لم تحمل حلت لغيره٥.\nوذهب الحافظ ابن كثير إلى أن نكاح المتعة يستدل! له بعموم قوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً ...﴾ النساء: ٢٤، حيث قال: \"وقد استدل بعموم هذه الآية على نكاح المتعة، ولاشك أنه كان مشروعًا في ابتداء الإسلام، ثم نسخ بعد ذلك\"٦.\nوقد رد هذا الاستدلال الشيخ الشنقيطي، وبين أن الآية في عقد النكاح لا في نكاح المتعة، وأجاب على الاحتمالات الواردة على أن هذه الآية في نكاح المتعة، فتنظر٧.\n_________\n١ تفسير القرآن العظيم (٢/٢٣٢، ٢٣٣) .\n٢ الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (٥/ ١١٩) .\n٣ المرأة في القرآن والسنة، لدروزة ص ١٩.\n٤ الجامع لأحكام القرآن (٥/ ١٣٢) .\n٥ الجامع لأحكام القرآن (٥/ ١٣٢) .\n٦ تفسير القرآن العظيم (٢/ ٢٤٤) .\n٧ أضواء البيان (١/٣٢٢، ٣٢٣) .","vol":"1","page":167},{"text":"وهذا النوع من الأنكحة ثبت تحريمه بالسنة الصحيحة عن النبي ﷺ، لحديث علي بن أبي طالب ﵁ قال:\nنهى رسول الله ﷺ عن نكاح المتعة، وعن لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر، رواه البخاري ومسلم ١.\nوعن الربيع بن سبرة الجهني عن أبيه أنه غزا مع رسول الله ﷺ يوم فتح مكة، فقال: \"يا أيها الناس إني كنت أذنت لكم في الاستمتاع من النساء، وإن الله حرم ذلك إلي يوم القيامة، فمن كان عنده منهن شيء فليخل سبيله، ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئا\" رواه مسلم٢.\n٤- نكاح السفاح، أو نكاح أمهات الرايات، أو نكاح البغايا:\nقال تعالى: ﴿مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَات ...﴾ المائدة: ٥.\nوالسفاح في الآية المراد به الزنا، وفي الحديث عن النبي ﷺ: \"ولدت من نكاح، لا من سفاح\".\nوعن ابن عباس ﵄ قال: \"المسافحات هن الزواني المعلنات، يعني الزواني اللاتي لا يمنعن أحدًا أرادهن بالفاحشة\"٣.\nوقال القرطبي: ﴿غَيْرَ مُسَافِحَات﴾ أي غير زوان أي معلنات بالزنا، لأن أهل الجاهلية كان فيهم الزواني في العلانية ولهن رايات منصوبات كراية البيطار٤.\nوفي الحديث الصحيح عن عائشة ﵂: ... ونكاح الرابع: يجتمع الناس الكثير فيدخلون على المرأة لا تمنع من جاءها، وهن البغايا كن ينصبن على أبوابهن رايات تكون علما، فمن أرادهن دخل عليهن، فإذا حملت إحداهن ووضعت حملها، جمعوا لها ودعوا لهم القافة، ثم ألحقوا الولد بالذي يرون فالتاطته به ودعى ابنه لا يمتنع من ذلك٥.الحديث.\n_________\n١ رواه البخاري في النكاح، فتح الباري (٩/ ١٦٦)، ومسلم في النكاح رقم ٢٩-٣٢.\n٢ رواه مسلم في النكاح رقم ٢١.\n٣ تفسير القرآن العظيم (٢/ ٢٤٦) .\n٤ الجامع لأحكام القرآن (٥/ ١٤٢) .\n٥ صحيح البخاري مع الفتح (٩/١٨٣) .","vol":"1","page":168},{"text":"٥- نكاد الخدن:\nقال تعالى: ﴿وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَان ...﴾ النساء: ٢٥.\nوقال تعالى: ﴿إذاءآتيتموهن أجورهن محصنين غير مسافحن ولا متخذى أخدان ...﴾ المائدة: ٥.\nوالأخدان جمهم خدن، والخدين هو الصديق١، وهو قول الحسن البصري٢.\nوقال ابن عباس وأبو هريرة والشعبي ومجاهد والضحاك والسدي ومقاتل ابن حيان وعطاء الخراساني ويحيى بن أبي كثير: هو الخليل٣.\nوالعرب تقول: ما استتر، فلا بأس به، وما ظهر فهو لوم٤.\nوهذا النوع من النكاح، هو ارتباط بين المرأة والرجل ومعاشرتها كمعاشرة الزوج بدون أي عقد يبرم بينهما، ويتم اللقاء بينهما سريا دون المجاهرة بذلك، لأنهم يعتبرون ذلك لوما٥.\n٦- نكاح البدل:\nوهذا النوع من الأنكحة الجاهلية بيّنه أبو هريرة ﵁ فيما رواه عنه الدارقطني بسند فيه ضعف قال: كان البدل في الجاهلية أن يقول الرجل للرجل أنزل لي عن امرأتك وأنزل لك عن امرأتي وأزيدك٦.\n٧- نكاح الاستبضاع:\nوهو طلب المرأة من الرجل المجامعة لتحمل منه.\n٨- نكاح الرهط: وهم ما دون العشرة.\nوهذان ورد بيانهما في حديث عائشة الصحيح، حيث قالت: إن النكاح في الجاهلية كان على أربعة أنحاء:\n_________\n١ مختار الصحاح مادة (خدن) .\n٢ تفسير القرآن العظيم (٢/ ٢٤٦) .\n٣ تفسير القرآن العظيم (٢/ ٢٤٦) .\n٤ فتح الباري (٩/ ١٨٤) .\n٥ المرأة في القرآن والسنة ص ١٩، ونظرات في تعدد الزوجات ص ١٤.\n٦ فتح الباري (٩/ ١٨٤) .","vol":"1","page":169},{"text":"فنكاح منها: نكاح النساء اليوم، يخطب الرجل إلى الرجل وليته أو ابنته، فيصدقها، ثم ينكحها.\nونكاح آخر: كان الرجل يقول لامرأته إذا طهرت من طمثها: أرسلي إلى فلان، فاستبضعي منه، ويعتزلها زوجها، ولا يمسها أبدا حتى يتبين حملها من ذلك الرجل الذي تستبضع منه، فإذا تبين حملها أصابها زوجها إذا أحب، وإنما يفعل ذلك رغبة في نجابة الولد، فكان هذا النكاح نكاح الاستبضاع.\nونكاح آخر: يجتمع الرهط مادون العشرة، فيدخلون على المرأة كلهم يصيبها، فإذا حملت ووضعت ومر ليال بعد أن تضع حملها أرسلت إليهم، فلم يستطع رجل منهم أن يمتنع، حتى يجتمعوا عندها، تقول لهم: قد عرفتم الذي كان من أمركم، وقد ولدت، فهو ابنك يا فلان، تسمي من أحبت باسمه، فيلحق به ولدها، لا يستطيع أن يمتنع به الرجل١.\n٩- نكاح الشغار:\nوقد ورد النهي عنه وتفسيره في حديث ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ نهى عن الشغار ... والشغار: أن يزوج ابنته، على أن يزوجه ابنته، ليس بينهما صداق ٢.\n١٥- نكاح الإرث أو العضل:\nوقد فسره ابن عباس ﵄ فيما رواه عنه أبو داود حيث قال: وذلك أن الرجل كان يرث امرأة ذي قرابته، فيعضلها حتى تموت أو ترد إليه صداقها، فأحكم الله عن ذلك أي نهى عن ذلك٣.\n_________\n١ رواه البخاري في النكاح باب من قال: لا نكح إلا بولي (٩/١٨٢، ١٨٣) .\n٢ رواه البخاري في النكاح باب الشغار (٩/١٦٢) مع الفتح.\n٣ انظر سنن أبي داود كتاب النكاح باب قوله: ﴿لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ ٢/٥٧٢. وأخرجه البخاري في التفسير باب: ﴿لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ ٢٤٥/٨ مع الفتح.","vol":"1","page":170}]}