{"ً":{"ٌ":430,"ٍ":"إعادة الصلاة - ضمن «آثار المعلمي»","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"files":["https://archive.org/download/moalemee/16-17_137196s.pdf"]},"ّ":"الكتاب: إعادة الصلاة\n[آثار عبد الرحمن بن يحيى المعلمي اليماني (١٦)]\nالمؤلف: عبد الرحمن بن يحيى المُعَلِّمي اليماني (١٣١٣ - ١٣٨٦ هـ)\nالمحقق: محمد عزير شمس\nراجعه: محمد أجمل الإصلاحي - سليمان بن عبد الله العمير\nالناشر: دار عالم الفوائد للنشر والتوزيع\nالطبعة: الأولى، ١٤٣٤ هـ\nقدمه للشاملة: مؤسسة «عطاءات العلم»، جزاهم الله خيرا\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":178,"ٕ":19,"ٖ":1780758589,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["16"],"ٚ":[{"title":"حديث ابن عمر في إعادة الصلاة وتحرير ألفاظه وطرقه","level":1,"page":2},{"title":"اختلاف النقلة عن ابن عمر","level":2,"page":4},{"title":"النظر في أدلة مشروعية الإعادة","level":2,"page":5},{"title":"فقه الأدلة","level":1,"page":13},{"title":"فصل: هل يعيد إماما","level":1,"page":16},{"title":"أدلة المجيزين","level":2,"page":16},{"title":"الدليل الأول: حديث جابر في قصة معاذ","level":3,"page":16},{"title":"الكلام في تدليس ابن جريج وإدراجه","level":4,"page":17},{"title":"فصل: وممن رواه عن جابر","level":4,"page":22},{"title":"فصل الاختلاف في رواية الثلاثة الآخرين","level":4,"page":25},{"title":"فصل في تحرير طريقي قتيبة وابن الربيع ولفظ كل منهما","level":4,"page":31},{"title":"توجيه المؤلف لألفاظ الحديث المختلفة والجمع بينها","level":4,"page":35},{"title":"الدليل الثاني: حديث جابر في صلاة الخوف","level":3,"page":36},{"title":"سرد طرق الحديث والكلام عليها","level":4,"page":36},{"title":"أوجه احتمال حديث جابر ومناقشتها","level":4,"page":41},{"title":"فصل (الكلام على صحيفة جابر)","level":4,"page":44},{"title":"هل صلى النبي - ﷺ - في تلك الغزوة على أكثر من وجه","level":4,"page":45},{"title":"صفة أخرى لصلاة الخوف عن جابر","level":4,"page":47},{"title":"فصل (متى نزلت آية الخوف وشرعت صلاته)","level":4,"page":50},{"title":"الدليل الثالث: حديث أبي بكرة في صلاة الخوف","level":3,"page":60},{"title":"سرد طرق الحديث والكلام عليها","level":4,"page":60},{"title":"تنبيه: هل شهد أبو بكرة القصة","level":4,"page":63},{"title":"أجوبة المانعين ومناقشتها","level":2,"page":65},{"title":"فصل (جواب بعض أئمة الحنفية في الهند ومناقشته)","level":3,"page":75},{"title":"فصل (أجود أجوبة المانعين ومناقشته)","level":3,"page":79},{"title":"فصل (مما يستدل به لصحة اقتداء المفترض بالمتنفل)","level":3,"page":91}],"ٛ":{"16,147":1,"16,149":2,"16,150":3,"16,151":4,"16,152":5,"16,153":6,"16,154":7,"16,155":8,"16,156":9,"16,157":10,"16,158":11,"16,159":12,"16,160":13,"16,161":14,"16,162":15,"16,163":16,"16,164":17,"16,165":18,"16,166":19,"16,167":20,"16,168":21,"16,169":22,"16,170":23,"16,171":24,"16,172":25,"16,173":26,"16,174":27,"16,175":28,"16,176":29,"16,177":30,"16,178":31,"16,179":32,"16,180":33,"16,181":34,"16,182":35,"16,183":36,"16,184":37,"16,185":38,"16,186":39,"16,187":40,"16,188":41,"16,189":42,"16,190":43,"16,191":44,"16,192":45,"16,193":46,"16,194":47,"16,195":48,"16,196":49,"16,197":50,"16,198":51,"16,199":52,"16,200":53,"16,201":54,"16,202":55,"16,203":56,"16,204":57,"16,205":58,"16,206":59,"16,207":60,"16,208":61,"16,209":62,"16,210":63,"16,211":64,"16,212":65,"16,213":66,"16,214":67,"16,215":68,"16,216":69,"16,217":70,"16,218":71,"16,219":72,"16,220":73,"16,221":74,"16,222":75,"16,223":76,"16,224":77,"16,225":78,"16,226":79,"16,227":80,"16,228":81,"16,229":82,"16,230":83,"16,231":84,"16,232":85,"16,233":86,"16,234":87,"16,235":88,"16,236":89,"16,237":90,"16,238":91,"16,239":92},"ٜ":{"16":[147,239]},"ٝ":["16,147","16,149","16,150","16,151","16,152","16,153","16,154","16,155","16,156","16,157","16,158","16,159","16,160","16,161","16,162","16,163","16,164","16,165","16,166","16,167","16,168","16,169","16,170","16,171","16,172","16,173","16,174","16,175","16,176","16,177","16,178","16,179","16,180","16,181","16,182","16,183","16,184","16,185","16,186","16,187","16,188","16,189","16,190","16,191","16,192","16,193","16,194","16,195","16,196","16,197","16,198","16,199","16,200","16,201","16,202","16,203","16,204","16,205","16,206","16,207","16,208","16,209","16,210","16,211","16,212","16,213","16,214","16,215","16,216","16,217","16,218","16,219","16,220","16,221","16,222","16,223","16,224","16,225","16,226","16,227","16,228","16,229","16,230","16,231","16,232","16,233","16,234","16,235","16,236","16,237","16,238","16,239"],"ٞ":{"2":[1],"4":[2],"5":[3],"13":[4],"16":[5,6,7],"17":[8],"22":[9],"25":[10],"31":[11],"35":[12],"36":[13,14],"41":[15],"44":[16],"45":[17],"47":[18],"50":[19],"60":[20,21],"63":[22],"65":[23],"75":[24],"79":[25],"91":[26]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"الرسالة السادسة\nإعادة الصلاة","vol":"16","page":147},{"text":"[ق ١٠] إعادة الصلاة\nأخرج أبو داود والنسائي وابن حِبّان في «صحيحه» وغيرهم (^١) من طريق حسين بن ذَكْوان المعلِّم عن عمرو بن شعيب عن سليمان مولى ميمونة قال: أتيتُ ابنَ عمر على البلاط وهم يُصلُّون، فقلتُ: ألا تصلِّي معهم؟ قال: قد صليتُ، إني سمعتُ رسول الله - ﵌ - يقول: «لا تُصَلُّوا صلاةً في يومٍ مرتينِ». لفظ أبي داود.\nولفظ النسائي: «لا تُعاد الصلاةُ في يومٍ مرتينِ».\nوفي رواية لغيره (^٢): «والناس في صلاة العصر»، ذكره الدارقطني (ص ١٥٩) (^٣) وقال: تفرد به حسين المعلم عن عمرو بن شعيب.\nوللطحاوي (^٤) من طريق عمرو بن شعيب أيضًا عن خالد بن أيمن المعافري قال: «كان أهلُ العوالي يُصلُّون في منازلهم، ويُصلُّون مع النبي - ﵌ -، فنهاهم رسول الله - ﵌ - أن يُعيدوا الصلاةَ في يومٍ مرتين». قال عمرو: فذكرت ذلك لسعيد بن المسيب، فقال: صدق.\n_________\n(^١) أبو داود (٥٧٩) والنسائي (٢/ ١١٤) وابن حبان (٢٣٩٦). وأخرجه أيضًا أحمد (٤٦٨٩) وابن خزيمة (١٦٤١) والدارقطني (١/ ٤١٥، ٤١٦) والبيهقي في «السنن الكبرى» (٢/ ٣٠٣) بهذا الإسناد.\n(^٢) هي رواية الدارقطني (١/ ٤١٦).\n(^٣) (١/ ٤١٦) من طبعة عبد الله هاشم يماني.\n(^٤) «شرح معاني الآثار» (١/ ٣١٧).","vol":"16","page":149},{"text":"أقول: أما الحديث الأول فترجم له أبو داود: «باب إذا صلى في جماعة ثم أدرك جماعة»، وترجم له النسائي «سقوط الصلاة عمن صلى مع الإمام في المسجد جماعةً»، أراد بذلك الجمعَ بين حديث ابن عمر وأحاديث الإعادة، وستأتي. وذلك أن حديث ابن عمر عامٌّ، وأحاديث الإعادة أخصُّ منه، وعبارة النسائي أفقه، كما ستعلم إن شاء الله تعالى.\nوحمل بعضهم (^١) حديث ابن عمر على النهي عن الإعادة على سبيل الفرض، وليس بواضح.\nنعم، لفظه في رواية: «لا صلاة مكتوبة في يوم مرتين» (^٢)، وهذا يحتمل معنى أنها إنما تكتب مرة، ولا تُكتب مرة أخرى، أي لا تُفرَض، فيكون حاصله أنه لا تُفرض إعادة الصلاة.\nوأما مرسل خالد، وقد صدَّقه ابن المسيّب، فقوله: «مرتين» يحتمل أن يكون راجعًا إلى الصلاة، والتقدير: «أن يُعيدوا الصلاة، يصلوها في يوم مرتين»، فتكون كحديث ابن عمر باللفظ الأول.\nويحتمل أن يكون راجعًا إلى الإعادة، أي «إعادتين» وهذا هو الظاهر، فإن قولك: «أعدتُ الصلاةَ مرتين» ظاهره أنك صلَّيتَها ثمَّ أعدتَها ثم أعدتَها.\nفإن قيل: الواقع من فعل القوم إنما هو أنهم كانوا يُصلُّون في منازلهم، ويصلُّون مع النبي - ﵌ -.\n_________\n(^١) هو البيهقي، انظر «السنن الكبرى» (٢/ ٣٠٣).\n(^٢) في المصدر السابق.","vol":"16","page":150},{"text":"قلت: نعم، ولكن كان علمهم بمشروعية إعادة الصلاة في الجملة مظنةَ أن يرغب بعضهم في إعادتها أكثر من مرة.\nوحديث ابن عمر يحتمل هذا المعنى، بل لفظ النسائي ظاهر فيه، وهو: «لا تُعاد الصلاةُ في يوم مرتين».\nوقد اختلف النقل عن ابن عمر؛ ففي «مصنَّف ابن أبي شيبة» (^١): عن يونس عن الحكم عن الأعرج قال: أتيتُ على ابن عمر والناسُ في صلاتهم الظهر، فظننته في غير طُهرٍ، فقلت له: يا أبا عبد الرحمن! آتِيْك بطهر. قال: إني على طهارة، وقد صليتُ، فبأيِّهما أَحتسبُ. قال يونس: فذكرت ذلك للحسن، فقال: رحم الله أبا عبد الرحمن، يجعل الأولى المكتوبة، وهذه نافلةً.\nوعن عبد الوهاب الثقفي عن عبد الله بن عثمان عن مجاهد قال: خرجتُ مع ابن عمر من دار عبد الله بن خالد، حتى إذا نظرنا إلى باب المسجد إذِ الناس في صلاة العصر، فلم يزل واقفًا حتى صلَّى الناس، وقال: إني صلّيتُ في البيت (^٢).\nوعن أبي خالد الأحمر عن الضحاك بن عثمان عن نافع أن ابن عمر اشتغل ببناءٍ له، فصلَّى الظهر، ثم مرَّ بمسجدِ بني عوف وهم يصلّون، فصلَّى معهم (^٣).\n_________\n(^١) رقم (٦٧٠٩).\n(^٢) المصدر السابق (٦٧٣٩).\n(^٣) المصدر السابق (٧٦٢٥).","vol":"16","page":151},{"text":"وفي «الموطأ» (^١): عن نافع أن رجلًا سأل ابنَ عمر فقال: إني أُصلِّي في بيتي، ثم أُدرِكُ الصلاةَ مع الإمام، أفأُصلِّي معه؟ فقال له عبد الله بن عمر: نعم ...».\nوفي «مصنف ابن أبي شيبة» (^٢): عن ابن نُمير عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر قال: «إذا صلَّى الرجل في بيته ثم أدرك جماعةً صلَّى معهم، إلا المغرب والفجر».\nوفي «الموطأ» (^٣) عن نافع عن ابن عمر نحوه.\nوفي هذه الآثار كالدلالة على أن أصل الحديث إنما هو النهي عن الإعادة مرتين، كما في رواية النسائي، لا عن الصلاة مرتين.\nوبالجملة، فالذي استقرَّ عليه رأيُ ابن عمر مشروعية الإعادة مع الجماعة، وإنما استثنى المغرب والفجر؛ لأن المغرب وتر، وللنهي عن الصلاة بعد صلاة الفجر، وإنما لم يستثنِ العصر؛ لأن مذهبه جواز الصلاة بعد العصر حتى تصفرَّ، كما في «فتح الباري» (^٤).\nولننظر في الأدلة على مشروعية الإعادة:\n١ - في «صحيح مسلم» (^٥) وغيره من حديث أبي ذر: قال لي\n_________\n(^١) (١/ ١٣٣).\n(^٢) رقم (٦٧٢٦).\n(^٣) (١/ ١٣٣).\n(^٤) (٢/ ٦٣).\n(^٥) رقم (٦٤٨).","vol":"16","page":152},{"text":"رسول الله - ﵌ -: «كيف أنت إذا كانت عليك أمراءُ يُؤخِّرون الصلاةَ عن وقتها، أو يُمِيتُون الصلاةَ عن وقتها؟». قال: قلت: فما تأمرني؟ قال: «صلِّ الصلاةَ لوقتها، فإن أدركتَها معهم فصَلِّ، فإنها لك نافلة».\nوفي روايةٍ لمسلم (^١): «صلِّ الصلاةَ لوقتها، فإن أدركتَ الصلاة معهم فصَلِّ، ولا تقلْ: إني قد صلَّيتُ، فلا أُصلِّي».\nوبمعناه أحاديث عن ابن مسعود (^٢) وعبادة بن الصامت (^٣) وغيرهما، وليس فيها التقييد بخوف فتنة أو نحوه.\n٢ - أخرج ابن خزيمة وابن حبان في «صحيحيهما» (^٤)، والحاكم في «المستدرك» (^٥) وقال: صحيح كما في «تلخيص المستدرك» (١/ ٢٤٤)، وابن السكن وصححه (^٦)، والترمذي (^٧) وقال: حسن صحيح، والنسائي (^٨) وأبو داود (^٩) وغيرهم عن يعلى بن عطاء عن جابر بن يزيد بن الأسود عن أبيه قال: «شهدتُ مع النبي - ﵌ - حَجَّتَه، فصليتُ معه صلاة الصبح في\n_________\n(^١) رقم (٦٤٨/ ٢٤٢).\n(^٢) أخرجه مسلم (٥٣٤).\n(^٣) أخرجه أبو داود (٤٣٣).\n(^٤) ابن خزيمة (١٢٧٩، ١٦٣٨، ١٧١٣) وابن حبان (١٥٦٤، ١٥٦٥، ٢٣٩٥).\n(^٥) (١/ ٢٤٤، ٢٤٥).\n(^٦) نقل تصحيحه الحافظ في «التلخيص الحبير» (٢/ ٢٩).\n(^٧) رقم (٢١٩).\n(^٨) (٢/ ١١٢، ١١٣).\n(^٩) رقم (٥٧٥، ٥٧٦).","vol":"16","page":153},{"text":"مسجد الخيف، فلما قضى صلاتَه وانحرف إذا هو برجلين في أُخرى القوم لم يُصلِّيا معه، فقال: «عليَّ بهما»، فجِيءَ بهما تُرْعَدُ فَرائصُهما، فقال: «ما مَنَعَكما أن تُصلِّيا معنا؟»، فقالا: يا رسول الله، كنَّا صلَّينا في رِحالِنا. قال: «فلا تفعلا، إذا صلَّيتما في رِحالكما، ثم أتيتُما مسجدَ جماعةٍ، فصلِّيا معهم، فإنها لكما نافلةٌ».\nأقول: جابر بن يزيد بن الأسود، قال ابن المديني: لم يروِ عنه غير يعلى بن عطاء (^١)، ولذلك قال الشافعي: «إسناده مجهول، نقله البيهقي (^٢). وقد وثَّقه النسائي (^٣)، وصحَّح حديثه جماعة كما مر. ولأئمة الحديث مذاهبُ في توثيق من لم يروِ عنه إلا واحد، ليس هذا موضعَ شرحها.\nوقد أخرجه الدارقطني (ص ١٥٩) (^٤) بسندٍ رجاله موثَّقون عن بقيَّة حدثني إبراهيم (بن عبد الحميد) بن ذي حماية حدثني عبد الملك بن عُمير عن جابر بن يزيد عن أبيه عن النبي - ﵌ - نحوه.\nوإبراهيم، قال أبو زرعة (^٥): ما به بأس، وقال ابن حبان في أتباع التابعين من «الثقات» (^٦): من فقهاء أهل الشام، كان على قضاء أهل حمص.\n_________\n(^١) انظر «تهذيب التهذيب» (٢/ ٤٦).\n(^٢) في «السنن الكبرى» (٢/ ٣٠٢).\n(^٣) انظر «التلخيص الحبير» (٢/ ٢٩).\n(^٤) (١/ ٤١٤).\n(^٥) انظر «الجرح والتعديل» (٢/ ١١٣).\n(^٦) (٦/ ١٣).","vol":"16","page":154},{"text":"وهذه متابعة جيدة، وذكر الدارقطني وجهين آخرين (^١)، فراجعه.\n٣ - مالك في «الموطأ»، وابن خزيمة في «صحيحه»، والحاكم في «المستدرك» وقال: صحيح، والنسائي (^٢) وغيرهم عن زيد بن أسلم عن بُسْر بن مِحْجَن الدِّيلي: أنه كان جالسًا مع رسول الله - ﵌ -، فأُوذِنَ (^٣) بالصلاة، فقام رسول الله - ﵌ - فصلَّى بهم، ثم رجعَ ومِحْجَنٌ في مجلسه كما هو، فقال له رسول الله - ﵌ -: «ما منعَكَ أن تُصَلِّي؟ ألستَ برجلٍ مسلم؟» قال: بلى يا رسول الله، ولكني يا رسول الله كنتُ قد صلَّيتُ في أهلي. قال: «فإذا جئتَ فصَلِّ مع الناس وإن كنتَ قد صلَّيتَ». لفظ الحاكم في المستدرك (١/ ٢٤٤)، ثم قال: هذا حديث صحيح، ومالك بن أنس الحَكَم في حديث المدنيين، وقد احتجَّ به في «الموطأ».\nأقول: لم يذكروا لبُسْرٍ إلا راويًا واحدًا هو زيد بن أسلم (^٤)، فحاله شبيهة بحال جابر بن يزيد، لكن رواية زيد مع جلالة محله تُقوِّي حالَه، وقد جاء عن زيد أنه سُئل عن حديثٍ فقيل له: عمَّن هذا؟ فقال: يا ابن أخي، لم نكن نجالس السفهاء (^٥).\n_________\n(^١) انظر «سننه» (١/ ٤١٤).\n(^٢) «الموطأ» (١/ ١٣٢) و«المستدرك» (١/ ٢٤٤) والنسائي (٢/ ١١٢) ولم أجده عند ابن خزيمة. وأخرجه أيضًا أحمد (١٦٣٩٥) وابن حبان (٢٤٠٥) والبيهقي (٢/ ٣٠٠).\n(^٣) في الموطأ والمسند: «فأُذِّن».\n(^٤) انظر «تهذيب التهذيب» (١/ ٤٣٨).\n(^٥) انظر «تهذيب التهذيب» (٣/ ٣٩٦).","vol":"16","page":155},{"text":"٤ - أبو داود (^١) وغيره من طريق سعيد بن السائب عن نوح [بن] (^٢) صعصعة عن يزيد بن عامر قال: جئتُ ... فقال له النبي - ﵌ -: «إذا جئتَ إلى الصلاة فوجدتَ الناسَ، فصَلِّ معهم وإن كنتَ قد صلَّيتَ، تَكُنْ لك نافلةً، وهذه مكتوبة».\nأقول: نوح بن صعصعة لم يُذكَر له راوٍ إلا سعيد بن السائب (^٣)، واستنكروا قوله: «وهذه مكتوبة».\n٥ - مالك في «الموطأ» (^٤) عن عَفِيف السَّهمي عن رجلٍ من بني أسد أنه سأل أبا أيوب الأنصاري فقال: إنّي أصلِّي في بيتي، ثم آتي المسجدَ، فأجدُ الإمامَ يُصلِّي، أفأُصلِّي معه؟ فقال أبو أيوب: نعم، فَصَلِّ معه، فإنَّ من صنَعَ ذلك فإن له سَهْمَ جَمْعٍ، أو مثلَ سَهْمِ جَمْعٍ.\nوأخرجه أبو داود (^٥) بسند صحيح إلى بُكَير بن عبد الله بن الأشجِّ عن عَفِيف بن عمرو بن المسيّب، وفيه: فقال أبو أيوب: سألنا عن ذلك النبي - ﵌ -، فقال: «فذلك له سهمُ جَمْعٍ».\nوقال بعضهم: «يعقوب بن عمرو بن المسيب» بدل «عفيف»، كما في «تاريخ» البخاري (٤/ ٢/ ١٩٠) (^٦).\n_________\n(^١) رقم (٥٧٧).\n(^٢) ساقطة من الأصل.\n(^٣) انظر «تهذيب التهذيب» (١٠/ ٤٨٥).\n(^٤) (١/ ١٣٣).\n(^٥) رقم (٥٧٨).\n(^٦) «التاريخ الكبير» (٨/ ٣٩٠).","vol":"16","page":156},{"text":"عفيف: وثَّقه النسائي (^١)، ويكفيه رواية مالك وبُكير عنه، ومالك مشهور بأنه لا يروي إلا عن ثقة، وكذلك بُكير، قال عمرو بن الحارث (^٢): إذا رأيتَ بكير بن عبد الله روى عن رجلٍ فلا تسأل عنه، فهو الثقة الذي لا شكَّ فيه. ذكره في «التهذيب» في ترجمة بكير.\n٦ ــ أحمد في «المسند» (٤/ ٢١٥) (^٣): ثنا يعقوب ثنا أبي عن ابن إسحاق قال: حدثني عمران بن أبي أنس عن حنظلة بن علي الأسلمي عن رجلٍ من بني الدِّيل قال: «صليتُ الظهر في بيتي، ثمّ خرجتُ بأباعِرَ لي لأُصْدِرَها إلى الراعي، فمررتُ برسول الله - ﵌ - وهو يُصلِّي بالناس الظهرَ، فمضيتُ فلم أُصَلِّ معه، فلما أَصدَرتُ أباعرِي ورجعتُ ذُكِرَ ذلك لرسول الله - ﵌ - فقال لي: «ما مَنَعَك يا فلانُ أن تُصلِّي معنا حينَ مررتَ بنا؟» قال: قلت: يا رسول الله، إنّي قد كنتُ صلَّيتُ في بيتي، قال: «وإنْ».\n[ق ١١] أقول: الرجل من بني الدِّيل صحابي، ورجال السند كلهم ثقات، إلا أن في ابن إسحاق كلامًا، والراجح عندهم أنه ثقة يُدلِّس، وقد صرَّح هنا بالسماع، فزالت تهمة التدليس.\n٧ ــ أبو داود والترمذي (^٤) وقال: حديث حسن، وابن خزيمة وابن حبان في «صحيحيهما» (^٥)، والحاكم في «المستدرك» (١/ ٢٠٩) وقال: صحيح\n_________\n(^١) انظر «تهذيب التهذيب» (٧/ ٢٣٦).\n(^٢) بل أحمد بن صالح المصري كما في «التهذيب» (١/ ٤٩٢، ٤٩٣).\n(^٣) رقم (١٧٨٩٠).\n(^٤) أبو داود (٥٧٤) والترمذي (٢٢٠).\n(^٥) ابن خزيمة (١٦٣٢) وابن حبان (٢٣٩٧، ٢٣٩٨، ٢٣٩٩). وأخرجه أيضًا أحمد (١١٦١٣، ١١٠١٩) والدارمي (١/ ٣١٨) والبيهقي في «السنن الكبرى» (٣/ ٦٩).","vol":"16","page":157},{"text":"على شرط مسلم، وغيرهم عن أبي سعيد الخدري قال: جاء رجل وقد صلَّى رسول الله - ﵌ - بمدة، فقال: «أيكم يَتَّجِرُ على هذا؟»، فقام رجل فصلَّى معه. لفظ الترمذي، ولفظ أبي داود والحاكم: «ألا رجلٌ يتصدق على هذا فيُصلِّي معه».\nوجاء بمعناه من حديث أبي أمامة عند أحمد (٥/ ٢٥٤) (^١)، ومن حديث أنس عند الدارقطني (ص ١٠٣) (^٢)، وفي «كنز العمال» (^٣) أنه أخرجه أبو عوانة والضياء في «المختارة» (^٤). وقال الترمذي (^٥): وفي الباب عن أبي أمامة وأبي موسى (^٦) والحكم بن عُمير (^٧).\n_________\n(^١) رقم (٢٢١٨٩، ٢٢٣١٦). وإسناده ضعيف جدًّا، لضعف عبيد الله بن زحر وعلي بن يزيد الألهاني.\n(^٢) (١/ ٢٧٦).\n(^٣) (٧/ ٦٤٣) برقم (٢٠٦٩٢).\n(^٤) رقم (١٦٧٠، ١٦٧١). وأخرجه أيضًا الطبراني في «المعجم الأوسط» (٧٢٨٢). وإسناده حسن.\n(^٥) عقب الحديث (٢٢٠).\n(^٦) أخرجه ابن ماجه (٩٧٢) والطحاوي في «شرح معاني الآثار» (١/ ٣٠٨) والدارقطني (١/ ٢٨٠) والحاكم في «المستدرك» (٤/ ٣٣٤) والبيهقي (٣/ ٦٩) بلفظ: «الاثنان فما فوقهما جماعة». وإسناده ضعيف جدًّا، الربيع بن بدر متروك، ووالده وجدّه مجهولان.\n(^٧) في الأصل: «عمرو»، والتصويب من الترمذي. والحديث أخرجه ابن سعد في «الطبقات» (٧/ ٤١٥) وابن عدي في «الكامل» (٥/ ٢٥٠) باللفظ المذكور. وفي إسناده عيسى بن إبراهيم القرشي، قال البخاري: «منكر الحديث».","vol":"16","page":158},{"text":"وجاء من مرسل أبي عثمان النهدي (^١)، والحسن البصري. قال ابن أبي شيبة في «المصنف» (^٢): ثنا هُشيم نا خصيف بن يزيد التيمي (^٣) قال: نا الحسن أن رجلًا دخل المسجدَ وقد صلَّى النبي - ﵌ -، فقال: «ألا رجلٌ (^٤) يقوم إلى هذا فيصلِّي معه؟»، فقام أبو بكر فصلَّى معه، وكان قد صلَّى تلك الصلاة.\n٨ و٩ و١٠ ــ حديث جابر في صلاة معاذ، وحديثه في صلاة الخوف، وحديث أبي بكرة في صلاة الخوف أيضًا، وستأتي إن شاء الله تعالى.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف برقم (٧١٧٣).\n(^٢) رقم (٦٧٢٣).\n(^٣) كذا في نسخ «المصنّف»، والصواب: «خصيب بن زيد التميمي»، كما في «التقريب» وغيره من كتب الرجال.\n(^٤) في الأصل: «رجلًا». والتصويب من «المصنّف».","vol":"16","page":159},{"text":"الفقه\nلا يخفى أن الأصل عدم مشروعية الإعادة، وهذه الأحاديث إنما دلَّت على مشروعية الإعادة في صور:\nالأولى: من صلَّى في بيته أو نحوه، ولو جماعةً، ثم أدرك الجماعة في المسجد.\nوقولي: «ولو جماعةً» مأخوذ من عموم الأحاديث؛ إذ لم تُقيَّد الصلاة في الرحل بكونها فرادى.\nالثانية: فيما إذا رأى إنسانًا يريد الصلاة وحده، فيتصدَّق عليه.\nالثالثة: في الرجل يكون إمامًا راتبًا، فيصلِّي في غير مسجده، ثم يرجع إلى مسجده، فيصلِّي بهم.\nالرابعة: في الخوف.\nفما عدا هذه الصور باقٍ على الأصل من عدم مشروعية الإعادة، إلا أن يتفق ما هو في معنى واحدةٍ منها.\nفأما حديث ابن عمر مرفوعًا: «لا تُصلُّوا صلاةً في يومٍ مرتين» أو «لا تُعاد الصلاة في يومٍ مرتين» أو «لا صلاةَ مكتوبة في يومٍ مرتين»، فإن كان باللفظ الثاني، ومعناه النهي عن إعادتها مرتين، بأن يصلِّيها ثم يعيدها ثم يعيدها، فلا مخالفةَ فيه لما تقدم، إلا أن يُتصوَّر في بعض الصور الأربع ما يستلزم مثل هذا، كأن يصلّي في بيته، ثم يعيد مع الإمام، ثم يريد أن يتصدق بإعادتها مع من يريد أن يصلِّي وحدَه.","vol":"16","page":160},{"text":"وإن كان باللفظ الثالث: لا تُكْتَب أي لا تُفْرَض صلاةٌ واحدةٌ في يوم مرتين، وحاصله أن تكون إعادةُ صلاةٍ من المكتوبات مفروضةً كأصلها، فلا خلاف فيه أيضًا.\nوإن كان باللفظ الأول: «لا تُصلُّوا صلاةً في يومٍ مرتين» فهو عام، وأحاديث الباب خاصة، فيعمل بها فيما دلَّت عليه، وما بقي فللعام.\nوهذا فيما يظهر مُجمَعٌ عليه في الظهر والعشاء، واختلف الناس في الباقي.\nأما الصبح والعصر، فللنهي عن الصلاة بعدهما.\nوأما المغرب فقياسًا على الوتر.\nوالذي يترجح إعادة الصبح أيضًا للحديث الثاني، وكذلك العصر للحديث الأول، وقياسًا على الثاني من باب أولى؛ لأنه قد ورد جواز الصلاة بعد العصر في غير هذا.\nوقد يقال: إنه بين طلوع الفجر وطلوع الشمس إنما المنهيُّ عنها ما عدا راتبةِ الصبح وفريضتِها، فهي خارجة عن النهي، فكذلك الصبح إذا أُعيدَتْ حيث تُشْرَع إعادتها، ونحوه يقال في إعادة العصر.\nهذا، والأحاديث في الأوقات المكروهة تدلُّ أن الكراهة إنما تشتدُّ في وقت طلوع الشمس ووقت غروبها. وأما بين صلاة الصبح وطلوع الشمس، وبين صلاة العصر ووقت الغروب، فإنما هما كالحِمَى لسدِّ الذريعة.\nفلو قيل: إن ما عدا الفريضتين مما له سببٌ متقدمٌ أو مقارنٌ إنما يمتنع عند الطلوع وعند الغروب، لكان مذهبًا يتفق به عامة الأدلة، كذا كان يخطر","vol":"16","page":161},{"text":"لي، ثم رأيتُ بعض أجلَّة العصرِ نحا نحوه.\nفأما المغرب فقد جاءت إعادتها في إمامة معاذ بقومه، كما يأتي، وكذلك في الخوف كما يأتي، وعموم الأدلة يقتضي إعادتَها بصفتها، وجاء عن جماعةٍ من السلف أنه يَشْفَعُها بركعة، كما قيل بنحوه في الوتر. وجاء عن بعضهم ما يدلُّ على التخيير بين أن يُعيدَها بصفتها، وأن يُعيدَها ويَشْفعَها بركعة.\nوالأقرب ــ والله أعلم ــ أنه يُعيدها بصفتها، ومما يُؤيِّد هذا احتمالُ أن يكون في صلاته الأولى خللٌ ضارٌّ لم يتنبه له، فتكون الثانية هي فرضَه على الحقيقة، أو تكون الثانية أكثرَ أجرًا، فيتفضل الله ﷿ بجعلها فريضتَه حتى يكون له فيها الثواب الفرض.\nوهذا مجمل ما جاء عن ابن عمر وابن المسيِّب أن تعيين أيهما الفرض إلى الله ﷿، ولا يُنافي هذا ما جاء من السنة، وفي كلام ابن عمر وغيره أن الثانية نافلة، فإن هذا ــ والله أعلم ــ مبنيٌّ على الظاهر من أنه قد صلَّى صلاةً صحيحة بَرِئتْ بها ذمتُه في الظاهر، فتدبَّر! والله أعلم.","vol":"16","page":162},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5>فصل\nهل يُعيد إمامًا</span>؟\n*<span data-type=\"title\" id=toc-6> أدلة المجيزين:</span>\nالأول: حديث جابر في قصة معاذ\nرواه عن جابر جماعةٌ أجلُّهم عمرو بن دينار، ورواه عن عمرٍو جماعةٌ أجلُّهم ابن جريج.\nقال الشافعي: أخبرنا عبد المجيد قال: أخبرني ابن جريج عن عمرو عن جابر قال: «كان معاذ يُصلِّي مع النبي - ﵌ - العشاءَ، ثم ينطلق إلى قومه، فيصلِّيها بهم، هي له تطوع، وهي لهم المكتوبة». (الأم ١/ ١٥٣) (^١).\nورواه عبد الرزاق في «مصنفه» (^٢) ــ كما يظهر من «الفتح» (^٣) وغيره ــ: أخبرنا ابن جريج قال: أخبرني عمرو.\nوكذلك أخرجه الدارقطني (ص ١٠٢) (^٤) وغيره ــ من طريق عبد الرزاق.\nوأخرجه الدارقطني (^٥) أيضَا: حدثنا أبو بكر النيسابوري نا إبراهيم بن مرزوق ثنا أبو عاصم عن ابن جريج ....\n_________\n(^١) (٢/ ٣٤٧) ط. دار الوفاء.\n(^٢) رقم (٢٢٦٦).\n(^٣) (٢/ ١٩٥، ١٩٦).\n(^٤) (١/ ٢٧٥).\n(^٥) (١/ ٢٧٤).","vol":"16","page":163},{"text":"وقد طعن بعضم في زيادة «هي له تطوع» قال: قد رواه عن جابر جماعة غير عمرو ــ كما سيأتي ــ وعن عمرو جماعة غير ابن جريج ــ كما سيأتي ــ ولم يذكروا هذه الزيادة.\nثم قال بعضهم: إنما وجدت في رواية الشافعي، وقد علمت أنها ثابتة من غير طريقه.\nوقال غيره: إنما هي في رواية ابن جريج، ويوشك أن تكون مدرجة، وجزم بعض المتأخرين أنه أدرجها ابن جريج، وقوى ذلك بموافقتها لمذهب ابن جريج.\nأقول: إن أراد أن ابن جريج أدرجها عمدًا؛ لتلتبس بالحديث وتُحسَب منه، فهذه تهمة باطلة تنافي أصلَ العدالة، فضلًا عما عُرِف به ابن جريج من التقوى والجلالة.\nفإن قيل: فإنه معروف بالتدليس.\nقلت: تدليسه المعروف عنه أنه إذا قال: «قال فلان» احتمل أن لا يكون سمعه منه، وقد أخبر بذلك عن نفسه، أي أنه لا يلتزم إذا قال: «قال فلان» أن يكون سمعه منه، بل قد يقول فيما لم يسمعه ممن سمَّاه، وقال ــ كما في «تهذيب التهذيب» (^١) ــ: إذا قلت: «قال عطاء» فأنا سمعتُه منه، وإن لم أقلْ: سمعتُ.\nفأوضح أنه إنما يلتزم في قوله: «قال فلان» أن يكون سمعه من فلان إذا قال: «قال عطاء»، فأما في غيره فلا.\n_________\n(^١) (٦/ ٤٠٦).","vol":"16","page":164},{"text":"[ق ١٢] وهكذا ينبغي أن تكون الحال في كل ثقةٍ عُرِف بالتدليس، فأما من يُدلِّس بدون أن يدلَّ على أنه يُدلِّس فالظاهر أن ذلك يَخدِش في عدالته.\nوالمقصود أن اعتياد ابن جريج أن يقول: «قال فلان» ولم يسمع من فلان بعد أن بيَّن أنه قد يقول ذلك فيما لم يسمعه، لا يستلزم أن يلبس شيئًا من كلامه بالحديث؛ ليحسب من الحديث.\nوإن أراد أن ابن جريج زادها على وجه التفسير بحسب اعتقاده، كما يقع كثيرًا من أهل العلم، يذكر الرجل الآية، ثم يُتبِعها بشيء من عنده على وجه التفسير، وكذلك في الأحاديث، وقد بيَّن علماء الحديث نوع المدرج، وأن غالبه يكون على هذه الوجه= فيرُدُّه أن العادة في مثل هذا أن الشيخ إذا تكررت روايته للحديث إنما يتفق الإدراج في بعض الروايات، وبقية الروايات إما أن تسكتَ عنه، وإما أن تُفصِّل، فتُميِّز الحديثَ من كلام الشيخ.\nوهذا الحديث قد روي عن ابن جريج من أوجهٍ كما علمتَ، وتلك الجملة متصلة بالقصة فيها كلها.\nفالظاهر أنه إن كان هناك إدراج فهو من عمرو بن دينار؛ لأنه هو الذي تعددت عنه الروايات، ولم تقع الجملة المذكور إلا في رواية ابن جريج. فإن قيل بذلك، دُفِع بأن الإدراج خلاف الأصل، إذ الغالب مِن حال الثقة الضابط أنه إن أراد أن يُتبِعَ الحديثَ بشيء من عنده فصَّل ذلك وبيَّنه. وابن جريج إمام فقيه متقن، وهو بلديُّ عمرو، ولازمه مدةً، فمن البعيد أن يشتبه عليه الأمر في هذا بأن تكون تلك الجملة من كلام عمرو، فيحسبها ابن جريج من الحديث، ويستمرَّ عليه الوهم.","vol":"16","page":165},{"text":"والحاصل: أن انفراد رواية ابن جريج بذكر تلك الجملة دون بقية الرواة عن عمرو ودون بقية الرواة عن جابر يُشعِر بالإدراج، والأصل المذكور ــ أي أن الغالب من حال العدل الضابط أن لا يُتبِع الحديثَ بشيء من كلامه بدون فصل أو بيان، والغالب من حال الفقيه المتقن التمييز بين ما يذكره الشيخ على أنه من الحديث، وما يزيده من عنده في الحديث ــ يُنافي الإدراجَ. فالميزان الترجيح بين هذين.\nوقد يُرجَّح عدم الإدراج:\nأولًا: بأن الإدراج في الأصل خلاف الظاهر الغالب، فلا يُصار إليه إلا بحجة واضحة، ولا يكفي ما يوقع في الشكّ والتردّد.\nوثانيًا: لا يُستغرب أن ينفرد ابن جريج بالزيادة عن عمرو، فإنه بلديُّه، قديم السماع منه، وهو فقيه يعقل قيمة هذه الزيادة فيعتني بحفظها، فأما من ليس بفقيه فقد يرى أن من صلَّى صلاة صحيحة ثم أعادها، لا يتصور فيه إلا أن تكون الأولى فرضه، والثانية نافلة، فيتوهم أن الزيادة المذكورة لا حاجة إليها.\nوقد قال الشافعي (^١): أخبرنا إبراهيم بن محمد عن ابن عَجْلان عن عبيد الله بن مِقْسَم عن جابر أن معاذ بن جبل كان يُصلِّي مع رسول الله - ﵌ - العشاءَ، ثم يرجع إلى قومه فيصلِّي بهم العشاء، وهي له نافلة.\nوإبراهيم بن محمد هو ابن أبي يحيى الأسلمي، كذَّبه جماعة، وكان الشافعي يُوثِّقه في حديثه، وكذلك وثَّقه ابن الأصبهاني، وقوَّاه ابن عُقدة\n_________\n(^١) في «الأم» (٢/ ٣٤٧، ٣٤٨).","vol":"16","page":166},{"text":"وابن عدي (^١).\nويظهر أن إبراهيم كان ــ أولًا ــ متماسكًا، وذلك لما سمع منه الشافعي، ثم تغيَّر بعده.\nوعلى كل حال، فرواية إبراهيم لا تصلح للحجة، وقد رواه غيره عن ابن عجلان، ولم يقل: «وهي له نافلة». راجع «مسند أحمد» (٣/ ٣٠٢) (^٢).\nوقال بعضهم: هَب الجملة المذكورة ثبتت عن جابر فذلك ظن منه، ولا يلزم أن يكون مطابقًا للواقع، وهَبْ أن معاذًا أخبر جابرًا بذلك، فذلك رأي لمعاذ، ولا يلزم أن يكون النبي - ﵌ - عرف ذلك، وأقرَّه عليه.\nوغير ذلك مما قالوه، وسيأتي النظر فيه جملة إن شاء الله تعالى.\nومنهم منصور بن زاذان: في «صحيح مسلم» (^٣) ولفظه: «أن معاذ بن جبل كان يصلي مع رسول الله - ﵌ - عشاء الآخرة، ثم يرجع إلى قومه، فيصلِّي بهم تلك الصلاةَ».\nومنهم سفيان بن عيينة: قال الشافعي: أخبرنا سفيان بن عيينة أنه سمع عمرو بن دينار يقول: سمعت جابر بن عبد الله يقول: كان معاذ بن جبل يصلِّي مع النبي - ﵌ - العشاء أو العَتمةَ، ثم يرجع فيُصلِّيها بقومه في بني سلمة، قال: فأخَّر النبي - ﵌ - العشاء ذاتَ ليلةٍ. قال: فصلَّى معه معاذ. قال: فرجع فأمَّ قومَه فقرأ بسورة البقرة ... فقال: يا رسول الله، إنك أخَّرتَ العشاء،\n_________\n(^١) انظر «تهذيب التهذيب» (١/ ١٥٨ ــ ١٦٠).\n(^٢) رقم (١٤٢٤١).\n(^٣) رقم (٤٦٥/ ١٨٠).","vol":"16","page":167},{"text":"وإن معاذًا صلَّى معك ثم رجع فأمَّنا، فافتتح بسورة البقرة، فلما رأيتُ ذلك تأخرتُ وصلَّيتُ، وإنما نحن أصحاب نواضِحَ نعمل بأيدينا، فأقبل النبي - ﵌ - على معاذ فقال: «أفتَّانٌ أنتَ يا معاذ؟ أفتَّانٌ أنت يا معاذ؟ اقرأْ بسورة كذا وسورة كذا» (الأم ١/ ١٥٢) (^١).\nثم قال الشافعي: «وأخبرنا سفيان بن عيينة قال حدثنا أبو الزبير عن جابر مثله، وزاد ...».\nالحميدي عن ابن عيينة عن عمرو وأبي الزبير معًا: أخرجه أبو عوانة في «صحيحه» (٢/ ١٥٦) والبيهقي في «السنن» (٣/ ١١٢) عن الحميدي عن ابن عيينة عن عمرو فقط، ثم ذكر زيادة «أبي الزبير» التي رواها الشافعي، ذكره البيهقي أيضًا.\nورواه عن ابن عيينة عن عمرو فقط جماعة، منهم الإمام أحمد في «المسند» (٣/ ٣٠٨) (^٢)، ومن طريقه أبو داود (^٣).\nومنهم محمد بن منصور عند النسائي (^٤)، ومنهم محمد بن عبَّاد عند مسلم (^٥)، فلم يذكروا العشاء في أول الحديث، ولفظ مسلم: «كان معاذ يُصلِّي مع النبي - ﵌ - ثم يأتي فيؤمُّ قومَه، فصلَّى ليلةً مع النبي - ﵌ - العشاء ...».\n_________\n(^١) (٢/ ٣٤٦) ط. دار الوفاء.\n(^٢) رقم (١٤٣٠٧).\n(^٣) رقم (٧٩٠).\n(^٤) (٢/ ١٠٢).\n(^٥) رقم (٤٦٥).","vol":"16","page":168},{"text":"وممن رواه عن عمرو: شعبة، في «صحيح البخاري» (^١) باب إذا طوَّل الإمام، أخرجه عن بندار عن غندر عن شعبة عن عمرو قال: سمعت جابر بن عبد الله قال: كان معاذ بن جبل يُصلِّي مع النبي - ﵌ -، ثم يرجع فيؤمُّ قومَه، فصلَّى العشاءَ فقرأ بالبقرة ...». وكذلك رواه أحمد في «المسند» (٣/ ٣٦٩) (^٢) عن غندر.\nومنهم سُلَيم بن حيّان عند البخاري في «الصحيح» (^٣) في الأدب باب من لم يرَ إكفارَ من قال ذلك متأوّلًا، ولفظه: «إن معاذ بن جبل كان يُصلِّي مع النبي - ﵌ -، ثم يأتي قومَه فيصلِّي بهم الصلاة، فقرأ بهم البقرة ...».\nومنهم أيوب السختياني، وستأتي روايته بعدُ إن شاء الله تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-9>فصل\nوممن رواه عن جابر:</span> عبيد الله بن مِقْسم، قال أحمد في «المسند» (٣/ ٣٠٢) (^٤): ثنا يحيى عن ابن عجلان حدثني عبيد الله بن مِقْسم عن جابر بن عبد الله: «أن معاذ بن جبل كان يُصلِّي مع النبي - ﵌ - العشاء، ثم يأتي قومَه، فيصلِّي بهم تلك الصلاةَ».\nوكذلك أخرجه أبو داود (^٥) في باب إمامة من صلَّى بقومٍ، وقد صلَّى\n_________\n(^١) رقم (٧٠١).\n(^٢) رقم (١٤٩٦٠).\n(^٣) رقم (٦١٠٦).\n(^٤) رقم (١٤٢٤١).\n(^٥) رقم (٥٩٩).","vol":"16","page":169},{"text":"تلك الصلاة، عن عبيد الله بن عمر بن مَيْسَرة عن يحيى بن سعيد عن ابن عجلان. وأخرجه في باب تخفيف الصلاة (^١): حدثنا يحيى بن حبيب بن عربي ثنا خالد بن الحارث ثنا محمد بن عجلان عن عبيد الله بن مِقْسم عن جابر، ذكر تلك القصة.\nوقد ساقه بتمامه البيهقي في «السنن» (٣/ ١١٦)، قال: «كان معاذ يُصلِّي مع رسول الله - ﵌ - العشاءَ، ثم يرجع فيصلِّي بأصحابه، فرجع ذات ليلة ...».\nومنهم أبو الزبير، وقد تقدم رواية ابن عيينة عنه مع روايته عن عمرو بن دينار.\nورواه الليث بن سعد عن أبي الزبير مختصرًا: «صلَّى معاذ بن جبل الأنصاري لأصحابه العشاءَ فطوَّل عليهم ...». أخرجه مسلم في «الصحيح» (^٢).\nومنهم أبو صالح، وروايته أيضًا مختصرة، قرنه النسائي (^٣)، باب خروج الرجل من صلاة الإمام ...، بمحارب، ولم يُسمِّ الصلاة.\nوأخرجه أبو داود (^٤) باب تخفيف الصلاة عن أبي صالح فقط، أخصر من ذلك، ولم يُسمِّ جابرًا، بل قال: «عن أبي صالح عن بعض أصحاب النبي - ﵌ -».\n_________\n(^١) رقم (٧٩٣).\n(^٢) (٤٦٥/ ١٧٩).\n(^٣) في «سننه» (٢/ ٩٧، ٩٨).\n(^٤) رقم (٧٩٢).","vol":"16","page":170},{"text":"ومنهم محارب بن دثار: قال النسائي (^١) في باب القراءة في العشاء الآخرة بـ (سبح اسم ربك الأعلى): أخبرنا محمد بن قدامة قال حدثنا جرير عن الأعمش عن محارب بن دِثار عن جابر قال: قام معاذ فصلَّى العشاء الآخرة فطوَّل، فقال النبي - ﵌ -: «أفتّانٌ يا معاذ؟ ...».\nوأشار إليه البخاري في «الصحيح» قال (^٢): قال عمرو وعبيد الله بن مِقْسم وأبو الزبير عن جابر: «قرأ معاذ في العشاء بالبقرة»، وتابعه الأعمش عن محارب.\nورواه النسائي (^٣) في موضع آخر لكن مقرونًا بأبي صالح كما مر.\n[ق ١٣] ومنهم عبد الرحمن بن جابر: قال أبو داود (^٤) والطيالسي في «مسنده» (ص) (^٥): «مرَّ حَزْم بن أبي كعب بمعاذ بن جبل، وهو يصلِّي بقومه صلاة العتمة، فافتتح بسورة طويلة ...».\n_________\n(^١) في «سننه» (٢/ ١٧٢).\n(^٢) عقب الحديث (٧٠٥).\n(^٣) (٢/ ٩٧، ٩٨).\n(^٤) رقم (٧٩١).\n(^٥) كذا في الأصل بدون ذكر رقم الصفحة، وعزاه إليه الحافظ في «الفتح» (٢/ ١٩٣). ولم أجد الحديث في مسنده، وأخرجه البزار (كما في «كشف الأستار» رقم ٤٨٣) من طريق الطيالسي عن طالب عن ابن جابر عن أبيه. انظر «الإصابة» (٢/ ٥٢٣).","vol":"16","page":171},{"text":"فصل\nوقع في رواية الثلاثة الآخرين بعض الاختلاف:\nأما أبو الزبير: فقد تقدم رواية ابن عيينة عنه، وكذلك رواية الليث، وفيها: «صلَّى معاذ بن جبل الأنصاري لأصحابه العشاء». ووقع في روايةٍ عنه عند عبد الرزاق: «المغرب» كذا نبَّه عليه ابن حجر في «فتح الباري» (^١).\nوأما محارب: فتقدم برواية الأعمش عنه: «قام معاذ فصلَّى العشاء الآخرة»، ورواه ابن مهدي عن الثوري عن محارب «المغرب»، ذكره النسائي (^٢) في باب القراءة في المغرب بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾.\nوقال أحمد في «المسند» (٣/ ٣٠٠) (^٣): ثنا وكيع عن سفيان عن محارب .. عن جابر: «أن معاذًا صلَّى بأصحابه، فقرأ البقرة في الفجر، وقال عبد الرحمن ــ يعنى ابن مهدي ــ: المغرب».\nوقال أبو داود الطيالسي في «مسنده» (ص ٢٣٩) (^٤): حدثنا شعبة عن محارب قال: سمعت جابرًا يقول: انتهى رجل من الأنصار معه ناضحانِ له إلى معاذٍ وهو يصلِّي المغرب، فاستفتح معاذ بسورة البقرة أو النساء ــ قال شعبة: شكَّ محارب ــ، فلما رأى ذلك الرجل صلَّى، ثم انطلق، فبلغ الرجلَ أن معاذًا يقول: هو منافق، فأتى رسولَ الله - ﵌ -، فذكر ذلك له، فقال رسول\n_________\n(^١) (٢/ ١٩٣).\n(^٢) (٢/ ١٦٨).\n(^٣) رقم (١٤٢٠٢).\n(^٤) رقم (١٧٢٨).","vol":"16","page":172},{"text":"الله: «يا معاذُ، أفتَّان أفتان، أو قال: فاتن، أَوَ لَا قرأتَ بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، و﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ أو ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ ــ قال شعبة: شكَّ محارب ــ وراءك ذو الحاجة والصغير، أو قال: الضعيف ــ شكَّ محارب».\nوقد رواه أبو عَوانة في «صحيحه» (٢/ ١٥٨) من طريق أبي النضر وأبي داود الطيالسي قالا: ثنا شعبة عن محارب قال: سمعت جابرًا قال: «أقبل رجلٌ بنا ضحينِ، وقد جَنَحَ الليلُ، فوافق معاذًا يصلِّي المغرب»، وذكر حديثه في هذا.\nوأخرجه أحمد في «المسند» (٣/ ٢٩٩) (^١) عن محمد بن جعفر وحجاج عن شعبة، ولفظه: «أقبل رجل من الأنصار ومعه ناضحانِ له، وقد جَنَحَتِ الشمسُ، ومعاذٌ يُصلِّي المغرب ...» فساقه قريبًا من لفظ الطيالسي.\nوأخرجه البخاري في «الصحيح» (^٢) عن آدم عن شعبة، وفيه: «أقبل رجل بناضحَينِ وقد جنح الليلُ، فوافق معاذًا يُصلِّي، فترك ناضِحَه وأقبل إلى معاذ، فقرأ بسورة البقرة أو النساء ... فلولا صلَّيتَ بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾، ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾». أحسب هذا في الحديث.\nقال البخاري (^٣): وتابعه سعيد بن مسروق ومِسْعَر والشيباني. قال عمرو وعبيد الله بن مقسم وأبو الزبير عن جابر: «قرأ معاذ في العشاء بالبقرة»، وتابعه الأعمش عن محارب.\n_________\n(^١) رقم (١٤١٩٠).\n(^٢) رقم (٧٠٥).\n(^٣) بعد الحديث المذكور.","vol":"16","page":173},{"text":"وذكر الحافظ في «الفتح» (^١) أن رواية مِسْعر عن محارب وصلها السرَّاج، وأنه وقع عنده «البقرة والنساء».\nوأما رواية سعيد بن مسروق فعند أبي عوانة في «صحيحه» (٢/ ١٥٨) وفي النسخة خطأ، ولفظها: «أن معاذًا أمَّ قومَه في صلاة المغرب، فمرَّ غلام من الأنصار ...»، وذكر حديثه في هذا.\nوأما عبد الرحمن بن جابر: فقال أبو داود (^٢) في باب تخفيف الصلاة: حدثنا موسى بن إسماعيل ثنا طالب بن حبيب، سمعت عبد الرحمن بن جابر يحدث عن حزم بن أبي كعب: أنه أتى معاذَ بن جبل وهو يُصلِّي بقومٍ صلاةَ المغرب ــ في هذا الخبر ــ قال: فقال رسول الله - ﵌ -: «يا معاذُ، لا تكن فتّانًا، فإنه يصلِّي وراءك الكبيرُ والضعيفُ وذو الحاجة والمسافر».\nوفي «الفتح» (^٣) أبو يعلى بإسناد حسن من رواية عيسى بن جارية ... عن جابر قال: «كان أُبي بن كعب يُصلِّي بأهل قباء، فاستفتح سورة طويلة، فدخل معه غلام من الأنصار ....» وفي آخره من كلام النبي - ﵌ -: «إنَّ منكم منفِّرينَ ... فإنَّ خلفكم الضعيفَ والكبيرَ والمريضَ وذا الحاجة».\nوذكر الحافظ (^٤) أن هذه القصة هي نفس القصة التي في «الصحيحين» (^٥)\n_________\n(^١) (٢/ ٢٠١، ١٩٣). وهو في «مسند السرّاج» (١٧٥) تحقيق إرشاد الحق الأثري.\n(^٢) رقم (٧٩١).\n(^٣) (٢/ ١٩٨). وهو في «مسند» أبي يعلى (١٧٩٢).\n(^٤) في المصدر السابق.\n(^٥) البخاري (٧٠٢) ومسلم (٤٦٦).","vol":"16","page":174},{"text":"عن أبي مسعود الأنصاري: «أن رجلًا قال: والله يا رسول الله إني لأتأخر عن صلاة الغداة من أجل فلان مما يطيل بنا ...».\nوفي «مسند أحمد» (٥/ ٣٥٥) (^١): ثنا زيد بن الحُباب حدثنى حسين ثنا عبد الله بن بُريدة قال: سمعتُ أبي بُريدةَ يقول: إن معاذَ بن جبل يقول (^٢): صلَّى بأصحابه صلاةَ العشاء، فقرأ فيها بـ ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾، فقام رجل ... وأتى الرجل النبي - ﵌ -، فاعتذر إليه، فقال: إني كنتُ أعمل في نخلٍ، فخِفتُ على الماء، فقال رسول الله - ﵌ -: «صَلِّ بـ ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ ونحوِها من السور».\nوفي «المسند» أيضًا (٣/ ١٢٤) (^٣): ثنا إسماعيل بن إبراهيم ثنا عبد العزيز بن صُهَيب ــ وقال مرة: أخبرنا عبد العزيز بن صُهيب ــ عن أنس بن مالك قال: كان معاذ بن جبل يؤمُّ قومَه، فدخل حرامٌ وهو يريد أن يسقي نخلَه، فدخل المسجدَ ليصلِّي مع القوم، فلما رأى معاذًا طوَّلَ تجوَّزَ في صلاته، ولَحِقَ بنَخْلِه يَسْقيه ... فأقبل النبي - ﵌ - على معاذ، فقال: «أفتَّانٌ أنتَ؟ أفتَّان أنت؟ لا تُطوِّلْ بهم، اقرأ بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ ونحوهما».\n_________\n(^١) رقم (٢٣٠٠٨).\n(^٢) كذا بزيادة «يقول» في الطبعة القديمة من «المسند». ولا توجد في الأصول الخطية والنسخة المحققة.\n(^٣) رقم (١٢٢٤٧).","vol":"16","page":175},{"text":"وفي «المسند» أيضًا (٥/ ٧٤) (^١): ثنا عفّان ثنا وُهَيب ثنا عمرو بن يحيى عن معاذ بن رِفاعة الأنصاري عن رجل من بني سَلِمةَ يقال له: سُلَيم، أتى رسولَ الله - ﵌ - فقال: يا رسول الله، إن معاذ بن جبل يأتينا بعد ما ننام، ونكون في أعمالنا بالنهار، فيُنادِي بالصلاة، فنخرج إليه، فيُطوِّل علينا، فقال رسول الله - ﵌ -: «يا معاذ بن جبل، لا تكنْ فتَّانًا، إما أن تُصلِّي معي، وإما أن تُخفِّفَ على قومك» ... ثم قال سليم: ستَرونَ غدًا إذا التقى القومُ إن شاء الله، قال: والناس يتجهزون إلى أُحُدٍ، فخرَج، وكان في الشهداء، رحمة الله ورضوانه عليه.\nوذكره الحافظ في «الفتح» (^٢) ثم قال: وقد رواه الطحاوي والطبراني من هذا الوجه عن معاذ بن رفاعة أن رجلًا من بني سلمة .. فذكر مرسلًا، ورواه البزار من وجه آخر عن جابر، وسماه سليمًا أيضًا.\nأقول: والسياق يُشبِه سياق رواية عبيد الله بن مِقْسَم عن جابر كما في «سنن» البيهقي (٣/ ١١٧)، لكن ليس في رواية ابن مقسم «إما أن تصلي معي، وإما أن تخفف على قومك».\nومعاذ بن رفاعة لم يدرك سليمًا؛ لأن سليمًا استشهد بأحد كما في القصة، ولكن يمكن أن يكون سمعها من جابر أو غيره. والله أعلم.\n_________\n(^١) رقم (٢٠٦٩٩).\n(^٢) (٢/ ١٩٤). وأخرجه الطحاوي في «شرح معاني الآثار» (١/ ٤٠٩)، والطبراني في «الكبير» (٧/ ٦٧).","vol":"16","page":176},{"text":"قال الحافظ في «الفتح» (^١): وجمع بعضهم بين هذا الاختلاف بأنهما واقعتان، وأيَّد ذلك بالاختلاف في الصلاة: هل هي العشاء أو المغرب؟ وبالاختلاف في السورة: أهي البقرة، أو ﴿اقْتَرَبَتِ﴾؟ وبالاختلاف في عذر الرجل: هل هو لأجل التطويل فقط لكونه جاء من العمل وهو تَعْبان، أو لكونه أراد أن يَسْقِيَ نخلَه إذ ذاك، أو لكونه خاف على الماء في النخل كما في حديث بريدة ... ويحتمل أن يكون النهي أولًا وقع لما يخشى من تنفير بعض من يدخل في الإسلام، ثم لما اطمأنَّتْ نفوسُهم بالإسلام ظنَّ أن المانع زال، فقرأ بـ ﴿اقْتَرَبَتِ﴾ ... فصادف صاحب الشغل.\nأقول مستعينًا بالله ﷿: حديث أنس سندُه بغاية القوة، وهو ظاهر في أن الصلاة التي أطالها معاذ هي الصبح، فمن المحتمل أن يكون معاذ صلَّى الصبح فأطال ففارقه حرام، وصلَّى العشاء فأطال ففارقه سُلَيم، اتفق الأمرانِ في يومٍ، أو أيامٍ متقاربة، فكان معاذ يَعْتِبُ على كلٍّ منهما، فبلغَ النبيَّ - ﵌ - الأمرانِ، فعاتب معاذًا، ولذلك كرَّر عليه: «أفتّان أفتّان أفتّان».\nوانفرد أنس بذكر قصة حرام؛ لأنه خاله، وانفرد جابر بذكر قصة سليم؛ لأنه من رهطه، وقضى الله ﷿ أن استشهد الرجلان: سُلَيم وحرام، الأول بأُحُد والثاني ببئر معونة.\nوأما حديث حسين ــ وهو ابن واقد ــ عن عبد الله بن بريدة عن أبيه: فأحسِبُه انتقل ذهن الراوي من قصة إلى قصة، فجاء المتن ملفَّقًا، وقد استنكر أحمد أحاديث حسين بن واقد عن عبد الله بن بريدة جدًّا.\n_________\n(^١) (٢/ ١٩٤).","vol":"16","page":177},{"text":"وكذلك حديث طالب بن حبيب عن عبد الرحمن بن جابر: أخشى أن يكون ملفَّقًا من عدة قصص، وأخشى أن لا يكون هناك وجودٌ لحَزْم بن أبي كعب، وإنما وقع تحريف وتغيير، وذهاب إلى واقعة أبي بن كعب، وأكثر ما يقع في الكتب [ق ١٤] في هذه الطريق: «حزم بن أبي كعب»، وقد قال البخاري (^١) في طالب: «فيه نظر»، ولم يُوثِّقه أحد، إلا أن ابن حبّان ذكره في «الثقات» (^٢)، وليس ذلك بنافعٍ له؛ لما عُرِف من شرط ابن حبان، مع تساهله حتى أنه لا يفي بشرطه، كما بينتُه في موضع آخر.\nوأما محارب: فإنه لم يضبط هذا الحديث، كما عُرِف من كثرة شكِّه فيه، واضطرابِه، كما يُعلَم مما تقدم، وأحسبه سمع في هذا الباب عدة أحاديث متقاربة المعنى، فكان يلتبس عليه بعضها ببعض.\nوبالجملة، فما وقع في تلك الرواية عن أبي الزبير من ذكر المغرب إذا ضُمّ إلى وقوع ذلك في أكثر الروايات عن محارب، مع وقوعه في روايةٍ لطالب، وإن ظهر أنه خطأ، فإنه يدل على أنّ هناك قصةً أخرى تتعلق بالمغرب.\nفصل\nقال البخاري في «الصحيح» (^٣): «باب إذ اصلَّى ثمَّ أمَّ قومًا: حدثنا سليمان بن حرب وأبو النعمان قالا: حدثنا حماد بن زيد عن أيوب عن\n_________\n(^١) في «التاريخ الكبير» (٤/ ٣٦٠).\n(^٢) (٦/ ٤٩٢).\n(^٣) (٢/ ٢٠٣) (مع الفتح)، ورقم الحديث (٧١١).","vol":"16","page":178},{"text":"عمرو بن دينار عن جابر قال: «كان معاذ يُصلِّي مع النبي - ﵌ -، ثم يأتي قومَه فيُصلِّي بهم».\nوكذلك أخرجه أبو عوانة في «صحيحه» (٢/ ١٥٧) من طريق أبي معمر وعبد الوارث عن أيوب عن عمرو، ومن طريق سليمان بن حرب ومسدد ومحمد بن أبي بكر المقدَّمي كلهم عن حماد بن زيد عن أيوب عن عمرو.\nوقال مسلم في «الصحيح» (^١): حدثنا قُتيبة بن سعيد وأبو الربيع الزهراني، قال أبو الربيع: ثنا حماد بن زيد حدثنا أيوب عن عمروبن دينار عن جابر بن عبد الله قال: «كان معاذ يُصلِّي مع رسول الله - ﵌ - العشاءَ، ثم يأتي مسجدَ قومه فيُصلِّي بهم»\nقال النووي في «شرح مسلم» (^٢): «قال أبو مسعود الدمشقي: قتيبة يقول في حديثه: عن حماد عن عمرو، ولم يذكر فيه أيوب، فكان ينبغي لمسلم أن يبينه، وكأنه أهمله لكونه جعل الرواية مَسُوقةً عن أبي الربيع وحده».\nأقول: هذا العذر غير كافٍ، بل لابدَّ أن يزاد فيه أحد أمرين:\nإما أن يكون مسلم استثبت قتيبة لما قال حماد عن عمرو، فقال: الناس يروونه عن حماد عن أيوب عن عمرو، فقال قتيبة: نعم هو كذلك، ولكن مسلمًا لم يطمئن كل الاطمئنان إلى هذا لشبهة التلقين. وأشار إلى ذلك بجعله السياق لأبي الربيع.\n_________\n(^١) رقم (٤٦٥/ ١٨١).\n(^٢) (٤/ ١٨٣).","vol":"16","page":179},{"text":"الثاني: أن يكون مسلم جزم بأن في رواية قتيبة تقصيرًا محضًا، لا يلزم منه اختلاف.\nوفي «جامع الترمذي» (ص ٧٥) (^١): باب ما ذُكِر في الذي يُصلِّي الفريضة ثم يؤمُّ الناسَ بعد ما صلَّى: حدثنا قتيبة حدثنا حماد بن زيد عن عمرو بن دينار عن جابر بن عبد الله: أن معاذ بن جبل كان يُصلِّي مع رسول الله - ﵌ - المغربَ، ثم يرجعُ إلى قومه فيؤمُّهم».\nقال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، والعمل على هذا عند أصحابنا: الشافعي وأحمد وإسحاق، قالوا: إذا أمَّ الرجلُ القومَ في المكتوبة وقد كان صلّاها قبل ذلك، أن صلاة من ائتمَّ به جائزة، واحتجوا بحديث جابر في قصة معاذ، وهو حديث صحيح، وقد رُوِي من غير وجهٍ عن جابر ...\nأقول: يظهر أن الترمذي يخالف مسلمًا في هذا الحديث؛ فمسلم يرى أن حديث قتيبة هو حديث أبي الربيع نفسُه، وعنده فيما يظهر أن حماد بن زيد إنما روى عن أيوب عن عمرو بلفظ أبي الربيع، وأن كلمة «العشاء» صحيحة في الحديث، وإن لم تقع في رواية سليمان بن حرب وعارم، وأن قتيبة قصَّر في الإسناد، ووهم في قوله: «المغرب» بدل «العشاء».\nوأما الترمذي فيرى ــ فيما يظهر ــ أن حديث قتيبة غير حديث أبي الربيع، وأن حماد بن زيد سمع الحديث من عمرو بن دينار، كما رواه قتيبة، وفيه «المغرب»، وسمعه من أيوب عن عمرو، كما رواه سليمان بن حرب وعارم، أو بزيادة «العشاء» كما قال أبو الربيع.\n_________\n(^١) (٢/ ٤٧٧ تحقيق أحمد شاكر)، ورقم الحديث (٥٨٣).","vol":"16","page":180},{"text":"أقول: وإذا كان هكذا فزيادة أبي الربيع «العشاء» فيها نظر؛ لاحتمال أنه زادها بناءً على المعنى، على ما يظهر من أكثر الروايات.\nثم رأى الترمذي أن معاذًا كان يصلِّي المغرب مع النبي - ﵌ -، ثم يرجع إلى قومه فيصلِّي بهم، وإنما اختار الترمذي هذه الرواية لِنصِّها على المغرب؛ لأنه قد يستبعد هذا فيها:\nأولًا: ما جاء عن بعض السلف من كراهية إعادتها، أو عن جماعة منهم أنه إذا أعادها شَفعَها بركعةٍ، كما ذكره الترمذي في موضع آخر (^١).\nثانيًا: لضيق وقتها.\nفجواز الإعادة فيها يدلُّ على الجواز في غيرها من باب أولى، خاصةً الظهر والعشاء.\nفإن قيل: إن هذه الرواية تنفرد بذكر المغرب.\nقلت: إنما تنفرد بالنص عليها فقط، وكثير من الروايات تُطلِق، فتشمل المغرب، فقد تقدمت رواية شعبة عن عمرو: «كان معاذ بن جبل يُصلّي مع النبي - ﵌ -، ثم يرجع فيؤمُّ قومه، فصلَّى العشاء ...»\nونحوها رواية سُلَيم بن حيان، وقد تقدمت، وكذلك جاء في أكثر الروايات عن ابن عيينة كما مرَّ، وغيرها.\nبل أوضح الروايات في ذلك ما اختاره البخاري (^٢) ﵀ في هذا الباب، وهي رواية سليمان بن حرب وعارم عن حماد بن زيد عن أيوب عن\n_________\n(^١) عقب الحديث (٢١٩).\n(^٢) في «صحيحه» (٧١١).","vol":"16","page":181},{"text":"عمرو، ولفظها: «كان معاذ يُصلِّي مع النبي - ﵌ - ثم يأتي قومه، فيصلي بهم». فهذا لفظ الحديث بتمامه.\nوعلى هذا، فالظاهر أن جابر ﵁ كان تارةً يقصد أن يخبر بجواز الائتمام بمن قد كان صلَّى تلك الصلاة، وهي مسألة الباب، فيُخبر بما وقع في رواية أيوب عن عمرو.\nوتارةً يقصد أن يُخبر بما يتضمن ذلك، ويتضمن النصّ على المغرب، وتعجيل النبي - ﵌ - بها وتخفيفه فيها وامتداد وقتها، فيخبر بنحو رواية حماد بن زيد عن عمرو، وهي التي عند الترمذي.\nوتارةً يقصد الإخبار بذلك ــ أي بجواز الائتمام ــ وبما يشرع للإمام من التخفيف، وبيان ما يقرؤه من السور، فيخبر بنحو رواية شعبة عن عمرو.\nأو ينصُّ على العشاء، ويذكر القصة.\nفأما رواية من رواه بالنصّ على العشاء ولم يذكر القصة، فكأنه مقتطع من الذي قبله. والله أعلم.\nوكان عمرو بن دينار قد ضبط وأتقن، فكان يتبع جابرًا، فيحدِّث تارةً هكذا، وتارةً هكذا.\nوأما محارب: فالتبس عليه الأمر، كما تقدم بيانه.\nوأما أبو الزبير: فإن كانت روايته التي عند عبد الرزاق وفيها ذكر المغرب بمعنى رواية حماد بن زيد عن عمرو، فلا غبار عليها، وهي مؤكِّدة لرواية حماد عن عمرو.\nوإن كانت فيها أن الصلاة التي طوَّل فيها معاذ هي المغرب فهي شاذّة. والله أعلم.","vol":"16","page":182},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-13>الدليل الثاني\nحديث جابر في صلاة الخوف</span>\nفي «الصحيحين» من طريق أبي سلمة عن جابر: «أقبلنا مع النبي - ﵌ - حتى إذا كنّا بذات الرِّقاع قال: كنا إذا أتينا على شجرة ظليلة تركناها لرسول الله - ﵌ -، قال: فجاء رجل من المشركين، وسيفُ رسول الله - ﵌ - مُعلَّقٌ بشجرة، فأخذ سيفَ رسول الله - ﵌ - فاخْتَرَطَه ... فنودي بالصلاة، فصلَّى بطائفة ركعتين، ثم تأخَّروا، وصلَّى بالطائفة الأخرى ركعتين، قال: فكانت لرسول الله - ﵌ - أربع ركعات، وللقوم ركعتان». لفظ مسلم، أخرجه في صلاة الخوف (^١) عن أبي بكر بن أبي شيبة عن عفَّان عن أبان عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة، وذكر البخاري في «الصحيح» (^٢) عن غزوة ذات الرِقاع فقال: «وقال أبانٌ حدثنا يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة».\nوأخرجه مسلم أيضًا (^٣) من طريق معاوية بن سلّام عن يحيى عن أبي سلمة عن جابر، مسلسلًا بالإخبار، ذكر الصلاة فقط.\nوقال البخاري (^٤): وقال لي عبد الله بن رجاء أخبرنا عمران القطّان عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن جابر بن عبد الله ﵄: «أن النبي - ﵌ - صلى بأصحابه في الخوف في غزوة السابعة غزوة ذات الرقاع».\n_________\n(^١) رقم (٨٤٣).\n(^٢) رقم (٤١٣٦) تعليقًا.\n(^٣) رقم (٨٤٣/ ٣١١).\n(^٤) رقم (٤١٢٥).","vol":"16","page":183},{"text":"وفي «فتح الباري» (^١): أن السرَّاج أخرجه في «مسنده» (^٢) المبوَّب فقال: حدثنا جعفر بن هاشم ثنا عبد الله بن رجاء، فذكره ...، وفيه: «أربع ركعات؛ صلَّى بهم ركعتين، ثم ذهبوا، ثم جاء أولئك، فصلَّى بهم ركعتين».\nقال البخاري (^٣): «وقال مسدَّد عن أبي عوانة عن أبي بشر: اسم الرجل غَوْرَث بن الحارث، وقاتلَ فيها مُحارِبَ خَصَفَةَ».\nقال في «الفتح» (^٤): «أخرجه مسدد في «مسنده» رواية معاذ بن المثنى عنه ... عن أبي بشر عن سليمان بن قَيْس عن جابر ... قال: غزا رسول الله - ﵌ - مُحارِبَ خَصَفَةَ بنخلٍ ...».\nأقول: وقد أخرجه الإمام أحمد في «مسنده» (٣/ ٣٦٤) (^٥): ثنا عفان ثنا أبو عوانة ثنا أبو بشر عن سليمان بن قَيْس عن جابر بن عبد الله قال: «قاتل رسول الله - ﵌ - مُحارِبَ خَصَفَة بنخلٍ، فرأوا من المسلمين غِرَّةً، فجاء رجل منهم يقال له: غَوْرث بن الحارث ...، فلما كان الظهر أو العصر صلَّى بهم صلاةَ الخوف، فكان الناس طائفتين، طائفة بإزاء عدوِّهم، وطائفة صلَّوا مع رسول الله - ﵌ -، فصلَّى بالطائفة الذين كانوا معه ركعتين، ثم انصرفوا ... وجاء أولئك فصلَّى بهم رسول الله - ﵌ - ركعتين، فكان للقوم ركعتان ركعتان، ولرسول الله - ﵌ - أربعُ ركعات».\n_________\n(^١) (٧/ ٤١٩).\n(^٢) رقم (١٥٦٠).\n(^٣) رقم (٤١٣٦).\n(^٤) (٧/ ٤٢٨).\n(^٥) رقم (١٤٩٢٩).","vol":"16","page":184},{"text":"وأخرجه أحمد أيضًا (٣/ ٣٩٠) (^١) ثنا سُرَيج ثنا أبو عوانة ... فذكره بسنده ومعناه.\nوأخرجه الحاكم في «المستدرك» (٣/ ٢٩) من طريق عارم عن أبي عوانة، وقال: صحيح على شرط الشيخين، وأقرَّه الذهبي.\nوفي «تفسير ابن جرير» (٥/ ١٤٥) (^٢): ثنا ابن بشَّار قال: ثنا معاذ بن هشام قال: ثنا أبي عن قتادة عن سليمان اليَشْكُري أنه سأل جابر بن عبد الله عن إقصار الصلاة، أيَّ يومٍ أُنزِلَ؟ أو أيّ يومٍ هو؟ فقال جابر: انطلقنا نَتلقَّى عِيرَ قريش آتيةً من الشام، حتى إذا كنا بنخلٍ جاء رجل من القوم ... ثم نُودِيَ بالصلاة، فصلَّى رسول الله بطائفة من القوم، وطائفة أخرى يَحرُسونهم، فصلَّى بالذين يَلُونه ركعتين، ثم تأخَّر الذين يَلُونه على أعقابهم، فقاموا في مَصَافِّ أصحابهم، ثم جاء الآخرون فصلَّى بهم ركعتين، والآخرون يَحرُسونهم، ثم سلَّم، فكانت للنبي - ﵌ - أربعَ ركعات، وللقوم ركعتين ركعتين، فيومئذٍ أنزل الله إقصارَ الصلاة، وأمر المؤمنين بأخْذِ السلاح».\nأقول: رواية أبي سلمة صحيحة، وأما رواية سليمان بن قيس فإن أبا بشر وقتادة لم يسمعا منه؛ لأنه تقدم موته، ولكن كان قد كتب عن جابر صحيفة، فهي صحيفة جابر المشهورة، فمن الناس من يروي ما فيها عن جابر رأسًا، ومنهم من يقول: عن سليمان عن جابر، ذكر هذا البخاري في «تاريخه»\n_________\n(^١) رقم (١٥١٩٠).\n(^٢) (٧/ ٤١٤) ط. دار هجر.","vol":"16","page":185},{"text":"وأبو حاتم وغيرهما (^١).\nوفي «الكفاية» للخطيب (ص ٣٥٤): «وقال همَّام بن يحيى: قدِمَتْ أمُّ سليمان اليشكري بكتاب سليمان، فقُرِئ على ثابت وقتادة وأبي بشر والحسن ومُطرِّف، فروَوْها كلَّها، وأما ثابت فروى منها حديثًا واحدًا.\nوفي «معرفة علوم الحديث» للحاكم (ص ١١٠) من طريق ابن المديني سمعت يحيى يقول: قال التيمي: ذهبوا بصحيفة جابر إلى الحسن فرواها، وذهبوا بها إلى قتادة فرواها، وأتوني بها فلم أَرْوِها.\nأقول: وقد رُوِي هذا الحديث عن الحسن عن جابر، فيمكن أن يكون من هذه الصحيفة.\nقال الشافعي في «الأم» (١/ ١٥٣) (^٢): حدثنا الثقة ابن عُلَيَّة أو غيره عن يونس عن الحسن عن جابر بن عبد الله «أن رسول الله - ﵌ - كان يصلِّي بالناس صلاة الظهر في الخوف ببطنِ نخلٍ، فصلَّى بطائفةٍ ركعتين ثم سلَّم، ثم جاءت طائفة أخرى فصلَّى بهم ركعتين ثم سلَّم».\nوفي «سيرة ابن هشام» (^٣) في غزوة ذات الرقاع: حدثنا عبد الوارث بن سعيد التنّوري ــ وكان يُكنى أبا عبيدة ــ قال: حدثنا يونس بن عبيد عن\n_________\n(^١) انظر «التاريخ الكبير» (٤/ ٣١) و«الجرح والتعديل» (٤/ ١٣٦) و«تهذيب التهذيب» (٤/ ٢١٤، ٢١٥).\n(^٢) (٢/ ٤٥١، ٤٥٢) ط. دار الوفاء.\n(^٣) (٢/ ٢٠٤).","vol":"16","page":186},{"text":"الحسن بن أبي الحسن عن جابر بن عبد الله في صلاة الخوف، قال: صلّى رسول الله - ﵌ - صلاة الخوف، ثم انصرف بالناس، قال ابن هشام: بطائفة ركعتين ثم سلَّم، وطائفة مُقبِلون على العدو، قال: فجاءوا فصلَّى بهم ركعتين أخريين ثم سلَّم.\nوأخرجه النسائي في «السنن» (^١): أخبرنا عمرو بن علي قال: حدثنا عبد الأعلى قال: حدثنا يونس عن الحسن قال: حدَّث جابر بن عبد الله أن رسول الله - ﵌ - صلَّى بأصحابه صلاةَ الخوف، فصلَّت طائفة معه، وطائفة وجوهُهم قِبَلَ العدوِّ، فصلَّى بهم ركعتين، ثم قاموا مقامَ الآخرين، وجاء الآخرون، فصلَّى بهم ركعتين، ثم سلَّم».\nوكذلك أخرجه البيهقي في «السنن» (٣/ ٢٥٩) من طريق أخرى عن عبد الأعلى.\nوقال النسائي (^٢): أخبرني إبراهيم بن يعقوب قال: حدثنا عمرو بن عاصم قال: حدثنا حماد بن سلمة عن قتادة عن الحسن عن جابر بن عبد الله «أن النبي - ﵌ - صلَّى بأصحابه ركعتين ثم سلَّم، ثم صلَّى بآخرين أيضًا ركعتين ثم سلَّم».\nوبنحوه أخرجه البيهقي في «السنن» (٣/ ٨٦) بسند رجاله ثقات عن سليمان بن حرب عن حماد بن سلمة، وأخرجه أيضًا (٣/ ٢٥٩).\n_________\n(^١) (٣/ ١٧٩).\n(^٢) (٣/ ١٧٨).","vol":"16","page":187},{"text":"وقال الدارقطني في «سننه» (ص ١٨٦) (^١): حدثنا الحسين بن إسماعيل ومحمد بن محمود السراج قال: نا محمد بن عمرو بن أبي مذعور ثنا عبد الوهاب الثقفي ثنا عنبسة عن الحسن عن جابر أن نبي الله - ﵌ - كان محاصرًا بني محاربٍ بنخلٍ، ثم نودي في الناس أن الصلاة جامعة، فجعلهم رسول الله - ﵌ - طائفتين: طائفة مقبلة على العدو يتحدَّثون، وصلَّى بطائفة ركعتين، ثم سلَّم، فانصرفوا، فكانوا مكانَ إخوانهم، وجاءت الطائفة الأخرى فصلّى بهم رسول الله - ﵌ - ركعتين، فكان للنبي - ﵌ - أربع ركعات، ولكل طائفة ركعتين».\nقال صاحب «التعليق المغني» (^٢): عنبسة هو ابن سعيد القطان ... لم يُحفَظ عن النبي - ﵌ - أنه صلَّى صلاة الخوف قطُّ في حضرٍ.\nأقول: بل الراجح أن هذا عنبسة بن أبي رائطة الغنوي، ضعَّفه ابن المديني، وقال أبو حاتم: [ق ١٦] روى عنه عبد الوهاب الثقفي أحاديث حسانًا ... وليس بحديثه بأس (^٣).\nوالقصة في السفر، لا في الحضر.\nأقول: حديث جابر قد يحمل على ثلاثة أوجه:\nالأول: أن النبيّ - ﵌ - أتمَّ تلك الصلاة، ولا يُلتفَت إلى ما في رواية الحسن من ذكره «ثم سلَّم» بعد الركعتين الأوليين، وكذلك الطائفتان كلٌّ\n_________\n(^١) (٢/ ٦٠).\n(^٢) (٢/ ٦٠).\n(^٣) انظر «تهذيب التهذيب» (٨/ ١٥٨، ١٥٩)، و«الجرح والتعديل» (٦/ ٤٠٠).","vol":"16","page":188},{"text":"منها أتمّتْ لنفسها بعد أن صلَّت معه - ﵌ - ركعتين. وقوله: «إنه كان له - ﵌ - أربع، ولهم ركعتان ركعتان» يُحمَل على ما كان في الجماعة، فأربعتُه - ﵌ - كلُّها كانت في الجماعة، وأما أصحابه فإنما كان لكلٍّ منهم في الجماعة ركعتان فقط، فأمّا ركعتاهم الأخرى فإنما أتمُّوها لأنفسهم.\nالوجه الثاني: أن يكون - ﵌ - أتمَّ، وقَصَروا.\nالوجه الثالث: أن يكون - ﵌ - قَصَر وقَصروا، ولكنه أعاد صلاته، صلَّى بهؤلاء صلاةً كاملة، وبهؤلاء صلاةً كاملة.\nأما الوجه الأول: فلم يذهب إليه أحدٌ فيما أعلم؛ لأنه قد ثبت من حديث عائشة وغيرها أن الصلاة كانت قبل الهجرة ركعتين ركعتين، فلما هاجر النبي - ﵌ - أُتِمَّتْ صلاة الحضر، وبقيتْ صلاة السفر على ما كانت قبل (^١).\nوعلى هذا، فيتعين حملُ القصر الذي وقع في رواية قتادة عن سليمان بن قيس: «أنه إنما نزل يومئذٍ» على قصر آخر، وقد حمل جماعة من الصحابة، فمن بعدَهم القصرَ في الآية ــ وهو قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ــ على قصرٍ آخر خاصّ بالخوف، فمنهم من قال بقصر الصلاة في الخوف إلى ركعة، ومنهم من قال: المراد بالقصر قصر الصِّفة.\nوقد يقال: هو القصر إلى ركعة، ولكن بالنظر إلى الجماعة.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٥٠، ٣٩٣٥) ومسلم (٦٨٥) عن عائشة. وفي الباب عن ابن عباس عند مسلم (٦٨٧)، وعن أبي هريرة عند أحمد في «المسند» (٩٢٠٠).","vol":"16","page":189},{"text":"وذلك أوضح بعض الصور الثابتة، وهي أن يصلي الإمام بطائفةٍ ركعةً، ثم تُتِمُّ لنفسها وتذهب، وتجيء الأخرى فيصلي بها ركعته الأخرى وتتم لنفسها، فلكلٍّ من الطائفتين ركعة واحدة في الجماعة.\n[وقريب منه] في الصفة الأخرى، وهو أن يَصُفَّهم صفَّينِ، ويكبِّر بهم جميعًا، ثم يتناوبون، فإنهم وإن كانت لهم في نية الجماعة ركعتان، لكن لم يتمَّ لكلٍّ منهم بالنظر إلى متابعة الإمام إلا ركعة واحدة.\nهذا، وقد احتج جماعة على أن المراد بالقصر في الآية هو القصر المشهور، أي من أربع إلى اثنتين، بأن يعلى بن أمية سأل عمر عن الآية وقال: فقد أَمِنَ الناسُ، فقال عمر: عجبتُ مما عجبتَ منه، فسألتُ رسول الله - ﵌ - عن ذلك، فقال: «صدقةٌ تصدَّقَ الله بها عليكم، فاقبلوا صدقتَه» رواه مسلم (^١).\nوسأل رجل ابن عمر فقال: سنة رسول الله - ﵌ - (^٢).\nوقد يجاب عن هذا باحتمال أن عمر لما سأل النبي - ﵌ - لم يذكر الآية، وإنما قال مثلًا: كيف تَقْصُر ونحن آمنون؟\nوقد كان النبي - ﵌ - ربما أجمل في تفسير بعض الآيات جريًا مع حكمة الله ﷿ في ترك مجالٍ للتدبر والاجتها د.\nوفي «صحيح مسلم» (^٣) عن عمر أنه خطب فقال في خطبته: إني لا أدع\n_________\n(^١) رقم (٦٨٦).\n(^٢) أخرجه مسلم (٦٨٩).\n(^٣) رقم (٥٦٧، ١٦١٧).","vol":"16","page":190},{"text":"بعدي شيئًا أهم عندي من الكلالة، وما راجعتُ رسولَ الله - ﵌ - ما راجعتُه في الكلالة، حتى طعنَ بأصبعه في صدري، فقال: «ألا يكفيكَ آيةُ الصيف التي في سورة النساء؟».\nهذا، مع أن عمر كان يتردد في معنى الآية، ولم يزل على ذلك حتى مات. غاية الأمر أن عمر وابنه ويعلى لم يكونوا يفهمون أن القصر في الآية غير القصر المشهور، وهذا لا حجةَ فيه مع وجود القائل بأنه غيره من الصحابة أيضًا. والله أعلم.\nوكذلك الوجه الثاني، لم يذهب إليه أحد فيما أعلم لاتفاقهم وإن كان منهم من يرى جواز الإتمام في السفر، فهم متفقون فيما ذكر غير واحد على أنه إذا أتمَّ الإمامُ لزِم المأمومَ الإتمامُ.\nوأما الوجه الثالث: فهو الذي ذهب إليه الشافعي وغيره، ويوافقه ما جاء في رواية الحسن من قوله بعد الركعتين الأوليين: «ثم سلَّم»، وقد جاء مثله من رواية الحسن عن أبي بكرة، كما يأتي، وعليه حمل أبو داود رواية أبي سلمة وسليمان اليشكري عن جابر، فإنه ذكر حديث الحسن عن أبي بكرة ثم قال (^١): «وكذلك رواه يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن جابر عن النبي - ﵌ -، وكذلك قال سليمان اليشكري عن جابر عن النبي - ﵌ -».\nفصل\nتقدم الكلام في صحيفة سليمان اليشكري، والظاهر أن أولئك الأئمة لم يعتمدوا عليها إلا بعد الوثوق بصحتها، ورواية قتادة عنها قوية، فقد قال\n_________\n(^١) عقب الحديث رقم (١٢٤٨).","vol":"16","page":191},{"text":"البخاري في «التاريخ الكبير» (٤/ ١/ ١٨٦): قال أحمد بن ثابت نا عبد الرزاق قال أخبرنا معمر ... وعن معمر قال: رأيتُ قتادة قال لسعيد بن أبي عَروبة: أَمسِكْ عليَّ المصحفَ، فقرأ البقرة فلم يُخْطِ حرفًا، فقال: يا أبا النضر، لَأنا لصحيفة جابرٍ أحفظُ منّي لسورة البقرة.\nإلا أنَّ في صلاحيتها للاحتجاج بها وحدَه نظرًا، ولاسيَّما إذا لم يُصرِّح قتادة في روايته بأنه روى عن تلك الصحيفة، فإن قتادة مدلِّس، ومن الجائز أن يُدلِّس عن سليمان ما أخذه من واسطة غير تلك الصحيفة.\nهذا، وظاهرٌ من رواية قتادة عن سليمان في هذه القصة أن الصلاة التي وصفها كانت قبل نزول قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ ...﴾، ولذلك احتاج النبي - ﵌ - إلى أن يصلّي بالقوم صلاتين، لتكون لكل من الطائفتين صلاةٌ تامة في الجماعة بدون خلل في المتابعة.\nولم يبين في هذه الرواية وغيرها مما تقدم: هل صلّى النبي - ﵌ - في تلك الغزوة بعد هذه الصلاة على وجه آخر مما أذن الله ﷿ فيه؟\n[ق ١٧] لكن قال البخاري في غزوة ذات الرقاع من «الصحيح» (^١): وقال بكر بن سَوادة: حدثني زياد بن نافع عن أبي موسى أن جابرًا حدَّثهم قال: «صلّى النبي - ﵌ - بهم يومَ مُحارِبٍ وثعلبةَ».\nوقد أخرجه ابن جرير في «تفسيره» (٥/ ١٤٦) (^٢) عن ابن أخي ابن وهب عن عمه قال: أخبرني عمرو بن الحارث أن بكر بن سَوادة\n_________\n(^١) (٧/ ٤١٧) مع «الفتح».\n(^٢) (٧/ ٤١٧) ط. دار هجر.","vol":"16","page":192},{"text":"حدَّثه ... يوم مُحارِب وثعلبةَ، لكل طائفة ركعة وسجدتين».\nوأخرج ابن جرير أيضًا (^١): حدثنا محمد بن المثنى قال: ثنا محمد بن جعفر قال: ثنا شعبة عن الحكم عن يزيد الفقير عن جابر بن عبد الله أن رسول الله - ﵌ - صلَّى بهم صلاةَ الخوف، فقام صفٌّ بين يديه، وصفٌّ خلفَه، فصلَّى بالذين خلفه ركعةً وسجدتينِ، ثم تقدم هؤلاء حتى قاموا مقامَ أصحابهم، وجاء أولئك حتى قاموا مقامَ هؤلاء، فصلَّى بهم رسول الله - ﵌ - ركعةً وسجدتينِ، ثم سلَّم، فكانت للنبي - ﵌ - ركعتين ولهم ركعة».\nوبنحوه أخرجه أبو عوانة في «صحيحه» (٢/ ٣٦٢) من طريق سليمان أبي إسحاق الشيباني عن يزيد الفقير.\nوكذلك أخرجه النسائي في «السنن» (^٢) عن إبراهيم بن الحسن عن حجّاج بن محمد عن شعبة، وأخرجه أيضًا (^٣) من طريق يزيد بن زريع عن المسعودي عن يزيد الفقير، فساقه بمعنى حديث شعبة عن الحكم إلى قوله: «وسجدتين»، وزاد بعدها: «ثمّ إنّ رسول الله - ﵌ - سلَّم، فسلَّم الذين خلفه، وسلَّم أولئك».\nوحديث شعبة أصح؛ لأن المسعودي ليس بالحافظ، وتغيَّر بأَخَرةٍ.\nفكأنه - ﵌ - بعد أن صلّى بهم الظهر صلاتينِ كما تقدم أنزل الله ﷿ الآيات، فصلّى بهم العصر على قصر الخوف، بأن كانت لكل من الطائفتين\n_________\n(^١) (٧/ ٤١٩).\n(^٢) (٣/ ١٧٤).\n(^٣) (٣/ ١٧٥).","vol":"16","page":193},{"text":"ركعة واحدة، إما مطلقًا، وإما في جماعة. والله أعلم.\nوقد جاء عن جابر صفة أخرى، أخرج مسلم في «الصحيح» (^١) من طريق عطاء عن جابر قال: «شهدتُ مع رسول الله - ﵌ - صلاة الخوف، فصفَّنا صفَّين، صفٌّ خلفَ رسول الله - ﵌ -، والعدوُّ بيننا وبين القبلة، فكبّر النبي - ﵌ - وكبّرنا جميعًا، ثم ركع وركعنا جميعًا، ثم رفع رأسه من الركوع ورفعنا جميعًا، ثم انحدر بالسجود والصفُّ الذي يليه، وقام الصفُّ المؤخَّر في نَحْر العدوّ، فلما قضى النبي - ﵌ - السجود وقام الصفُّ الذي يليه انحدر الصفُّ المؤخَّر بالسجود، وقاموا، ثم تقدم الصفُّ المؤخَّر، وتأخَّر الصفُّ المقدَّم ...».\nوبنحوه رواه عَزْرة بن ثابت عن أبي الزبير، أخرجه أبو عوانة في «صحيحه» (٢/ ٣٦١).\nوقال النسائي (^٢): أخبرنا عمرو بن علي قال: حدثنا عبد الرحمن عن سفيان عن أبي الزبيرعن جابر قال: «كنّا مع النبي - ﵌ - بنخلٍ، والعدوُّ بيننا وبين القبلة، فكبَّر رسول الله - ﵌ - فكبَّروا جميعًا ...». ذكر الصفة التي في رواية عطاء.\nوبنحوه رواه أيوب عن أبي الزبير، أخرجه أبو عوانة في «صحيحه» (٢/ ٣٦٠).\nولا مانع من صحة هذا أيضًا: بأن يكون - ﵌ - صلَّى بهم في تلك الغزوة\n_________\n(^١) رقم (٨٤٠).\n(^٢) (٣/ ١٧٦).","vol":"16","page":194},{"text":"بعد نزول الآيات مرةً هكذا، ومرةً هكذا، لكن أبا الزبير زاد فيه.\nأخرج ابن جرير (^١) من طريق ابن عيّاش أخبرني عبيد الله بن عمر عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله قال: كنتُ مع رسول الله - ﵌ -، فلقينا المشركين بنَخْلٍ، فكانوا بيننا وبين القبلة، فلما حضرتْ صلاةُ الظهر صلَّى بنا رسول الله - ﵌ - ونحن جميع، فلما فرغنا تذامرَ المشركون فقالوا: لو كنّا حملنا عليهم وهم يصلُّون! فقال بعضهم: فإنَّ لهم صلاةً ينتظرونها تأتي الآنَ، هي أحبُّ إليهم من أبنائهم، فإذا صلَّوا فمِيلُوا عليهم. فجاء جبريل إلى رسول الله - ﵌ - بالخبرِ وعلَّمه كيف يُصلِّي، فلما حَضَرَتِ العصرُ قام نبيُّ الله مما يلي العدوَّ، وقمنا خلفه صفَّينِ، فكبَّر نبيُّ الله [وكبَّرنا] معه جميعًا ...».\nثم أخرجه ابن جرير (^٢) من طريق حمّاد بن مَسْعدة عن هشام بن أبي عبد الله عن أبي الزبير عن جابر، ومن طريق إسماعيل بن إبراهيم عن هشام أيضًا، وقال في كلٍّ منهما: «نحوه».\nوقال البخاري في «الصحيح» (^٣) في غزوة ذات الرقاع: وقال معاذ: حدثنا هشام عن أبي الزبير عن جابر قال: «كنّا مع النبي - ﵌ - بنخلٍ ...» فذكر صلاة الخوف.\nقال الحافظ ابن حجر في «الفتح» (^٤): سياق رواية هشام عن أبي الزبير\n_________\n(^١) في «تفسيره» (٧/ ٤٣٩، ٤٤٠).\n(^٢) (٧/ ٤٤٠).\n(^٣) (٧/ ٤٢١) مع «الفتح».\n(^٤) (٧/ ٤٢٣).","vol":"16","page":195},{"text":"هذه تدل على أنه حديث آخر في غزوة أخرى ... وهذه القصة إنما هي في غزوة عُسْفان، وقد أخرج مسلم (^١) هذا الحديث من طريق زهير بن معاوية عن أبي الزبير بلفظٍ يدلُّ على مغايرة هذه القصة لغزوة محارب في ذات الرقاع، ولفظه عن جابر: «غزونا مع النبي - ﵌ - قومًا من جُهَينة، فقاتلونا قتالًا شديدًا، فلما أن صلَّينا الظهر قال المشركون: لو مِلْنا عليهم ...».\nأقول: وكذلك رواه عبد الرزاق عن سفيان عن أبي الزبير، أخرجه أبو عوانة (٢/ ٣٦٠).\nوحديث أبي عياش الزرقي وحديث عند الواقدي عن خالد بن الوليد، كلها تذكر هذه القصة بعُسْفان، ثم قال (^٢): وهو ظاهر فيما قرَّرتُه أن صلاة الخوف بعُسْفان غير صلاة الخوف بذات الرقاع، وأن جابرًا روى القصتين معًا، فأما رواية أبي الزبير عنه ففي قصة عُسْفان، وأما رواية أبي سلمة ووهب بن كيسان وأبي موسى المصري عنه ففي غزوة ذات الرقاع، وهي غزوة محارب وثعلبة.\nأقول: وعلى هذا، فراوية عطاء عن جابر إنما هي في الصلاة بعُسْفان، ويكون أبو الزبير وَهِمَ في قوله: «بنخلٍ»، وقد روى الشيخان من طريق صالح بن خوّات قصتينٍ:\nالأولى: عمن صلَّى مع النبي - ﵌ - يوم ذات الرقاع صلاة الخوف، أن طائفة صفَّتْ معه، وطائفة وِجاهَ العدوّ، فصلّى بالذين معه ركعة ثم ثبت\n_________\n(^١) رقم (٨٤٠/ ٣٠٨).\n(^٢) أي الحافظ في «الفتح» (٧/ ٤٢٣).","vol":"16","page":196},{"text":"قائمًا، وأتمُّوا لأنفسهم ثم انصرفوا، فصفُّوا وِجاهَ العدو، وجاءت الطائفة الأخرى فصلّى بهم الركعة التي بقيت، ثم ثبت جالسًا، وأتمُّوا لأنفسهم، ثم سلَّم بهم». لفظ مسلم (^١).\nوهذه الصفة توافق الصفة التي رواها أبو موسى المصري ويزيد الفقير عن جابر، إلا أن في هذه بيان أن كلًّا من الطائفتين أتمَّتْ لأنفسها، فإذا كانت القصة واحدةً تعيَّن أن القصر إنما هو باعتبار الجماعة، وأن قوله هناك: «ولهم ركعة» أي في الجماعة، فلا يُنافي إتمامَهم لأنفسهم.\nوالقصة الثانية: صالح عن سهل بن أبي حَثْمة «أن رسول الله - ﵌ - صلَّى بأصحابه في الخوف، فصفَّهم خلفه صفَّين ...» (^٢) فذكر قصة وقع في حكايتها اضطراب، وذكر الحافظ في «الفتح» (^٣) أن سهلًا لم يشهد ذات الرقاع، وأن مراد [صالح بن] (^٤) خوَّات بقوله في الأولى: «عمن صلى ...» رجل آخر غير سهل، أستظهِرُ أنه خوَّات والد صالح.\n[ق ١٨] فصل\nرواية قتادة عن سليمان اليشكُري تدلُّ أن ذلك اليوم نزلت الآية، وشُرِعت صلاة الخوف على الصفة التي يُصلِّي فيها الإمام صلاةً واحدة، ويعارضه ما رواه منصور بن المعتمر عن مجاهد عن أبي عيّاش الزُّرَقي قال:\n_________\n(^١) رقم (٨٤٢). وأخرجه البخاري (٤١٢٩).\n(^٢) أخرجه مسلم (٨٤١). ورواه البخاري (٤١٣١) بهذا الطريق.\n(^٣) (٧/ ٤٢٥).\n(^٤) زيادة من «الفتح».","vol":"16","page":197},{"text":"«كنّا مع رسول الله - ﵌ - بعُسْفان، وعلى المشركين خالد بن الوليد، فصلّينا الظهر، فقال المشركون: لقد أصبنا غِرّةً ... فنزلت آية القصر بين الظهر والعصر، فلما حَضَرَتِ العصرُ قام رسول الله - ﵌ - مستقبلَ القبلة، والمشركون أمامه، فصفَّ خلفَ رسول الله - ﵌ - صفٌّ، وصفَّ بعد ذلك الصفِّ صفٌّ آخر، فركع رسول الله - ﵌ -، وركعوا جميعًا ...»، فذكر مثل الصفة التي تقدمت عن عطاء عن جابر، ثم قال: «فصلّاها بعُسْفان، وصلَّاها في بني سُلَيم».\nرواه أبو داود (^١) عن سعيد بن منصور عن جرير بن عبد الحميد عن منصور.\nوخرَّجه الحاكم في «المستدرك» (١/ ٣٣٨) من طريق سعيد بن منصور، وقال: صحيح على شرط الشيخين، وأقرّه الذهبي.\nورواه البيهقي في «السنن» (٣/ ٢٥٦) من طريق يحيى بن يحيى وسعيد بن منصور كلاهما عن جرير.\nوأخرجه أحمد في «المسند» (٤/ ٥٩) (^٢): ثنا عبد الرزاق ثنا الثوري عن منصور ... وقال: «فنزل جبريل ﵇ بهذه الآيات بين الظهر والعصر ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾ [النساء: ١٠٢].\nوبنحوه أخرجه أبو داود الطيالسي (^٣) عن ورقاء عن منصور.\n_________\n(^١) رقم (١٢٣٦).\n(^٢) رقم (١٦٥٨٠).\n(^٣) في «مسنده» (١٣٤٧).","vol":"16","page":198},{"text":"ورواه النسائي في «السنن» (^١) عن عمرو بن علي عن عبد العزيز بن عبد الصمد ثنا منصور، وقال: «فنزلت ــ يعني صلاة الخوف ــ بين الظهر والعصر».\nوأخرجه أحمد في «المسند» (٤/ ٦٠) (^٢): ثنا محمد بن جعفر ثنا شعبة عن منصور قال: سمعتُ مجاهدًا يُحدِّث عن أبي عيّاش الزُّرَقي ــ قال: قال شعبة: كتب به إليَّ، وقرأتُه عليه، وسمعته منه يُحدِّث به، ولكني حفظتُه من الكتاب ــ «أن النبي - ﵌ - كان في مَصَافِّ العدوِّ بعُسْفانَ، وعلى المشركين خالد بن الوليد، فصلَّى بهم النبيُّ - ﵌ - الظهر، ثم قال المشركون: إنّ لهم صلاةً بعد هذه، هي أحبُّ إليهم من أبنائهم وأموالهم، فصلَّى بهم رسول الله - ﵌ - العصر، [فصَفَّهم] صفَّينِ خلفَه ...».\nفلم يذكر نزول جبريل، ولا نزول الآية، ولا قال في آخره: «فصلّاها بعُسْفانَ، وصلَّاها في بني سُلَيم».\nوكذلك أخرجه النسائي (^٣) عن أبي موسى وبُندار كلاهما عن غُندر، مع اختلاف يسير.\nأقول: حديث أبي عيّاش صحَّحه الحاكم كما تقدم، وكذلك الدارقطني (^٤)، وأخرجه ابن حبان في «صحيحه» (^٥) وعندي فيه وقفة، فإنني\n_________\n(^١) (٣/ ١٧٧).\n(^٢) رقم (١٦٥٨١).\n(^٣) (٣/ ١٧٦).\n(^٤) في «سننه» (٢/ ٦٠).\n(^٥) رقم (٢٨٧٦).","vol":"16","page":199},{"text":"لم أرَ في شيء من طرقه تصريحَ مجاهدٍ بالسماع من أبي عياش، ومجاهد معروف بالإرسال عمن لم يَلْقَه حتى من عاصره. ثم رأيتُ البيهقي قال في «السنن» (٣/ ٢٥٧): «وقد رواه قتيبة بن سعيد عن جرير، فذكر سماع مجاهد من أبي عياش ...».\nأقول: وقد روى ابن أبي نَجِيح نحوه عن مجاهد مرسلًا، أخرجه ابن جرير في تفسيره (٥/ ١٤٢) (^١) من طريقين عن ابن أبي نَجِيح، قال في الأول: حدثني محمد بن عمرو (هو الباهلي) قال: ثنا أبو عاصم قال: ثنا عيسى عن ابن أبي نَجِيح عن مجاهد في قوله: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ [النساء: ١٠١] قال: «يومَ كان النبي - ﵌ - وأصحابه بعُسْفانَ، والمشركون بضَجْنانَ، فتوافقوا، فصلَّى النبي - ﵌ - بأصحابه صلاة الظهر ركعتين، أو أربعًا ــ شكّ أبو عاصم ــ ركوعُهم وسجودُهم وقيامُهم معًا جميعًا، فهمَّ المشركون أن يُغِيروا على أمتعتهم وأثقالهم، فأنزل الله عليه: ﴿فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾، فصلَّى العصر ... وقصرَ العصر إلى ركعتين».\nثم قال: حدثني المثنَّى قال: ثنا أبو حُذيفة قال: ثنا شبل عن ابن أبي نَجِيح عن مجاهد: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ قال: «كان النبي - ﵌ - وأصحابه بعُسْفان، والمشركون بضَجْنانَ، فتوافقوا، فصلى النبي - ﵌ - بأصحابه صلاة الظهر ركعتين، ركوعُهم ... وقصرت صلاة العصر إلى ركعتين».\nكذا قال، فإن كان المراد القصر المشهور من أربع إلى اثنتين، ويكون\n_________\n(^١) (٧/ ٤١١، ٤١٢) ط. دار هجر.","vol":"16","page":200},{"text":"لفظ مجاهد «الظهر أربعًا» كما شكَّ فيه أبو عاصم، فقد تقدَّم أن صلاة السفر لم تكن أربعًا قطُّ. وإن أراد قصر الخوف إلى ركعة مطلقًا، أو بالنظر إلى الجماعة والمتابعة، فكان ينبغي أن يقول في آخره: «وقصرت صلاة العصر إلى ركعة».\nوقد روى النسائي (^١) وغيره من طريق سعيد بن عُبيد الهُنَائي ثنا عبد الله بن شَقِيق ثنا أبو هريرة قال: «كان رسول الله - ﵌ - نازلًا بين ضَجْنانَ وعُسْفانَ، مُحاصِرًا المشركين، فقال المشركون: إنّ لهؤلاء صلاةً هي أحبُّ إليهم من أبنائهم وأبكارهم، أَجْمِعوا أمركم، ثم مِيلُوا عليهم مَيلةً واحدة، فجاء جبريل ﵇ فأمره أن يَقْسِم أصحابَه نصفينِ، فيُصلِّي بطائفةٍ منهم، وطائفةٌ مقبلون على عدوِّهم ... فيصلِّي بهم ركعةً، ثم يتأخَّر هؤلاء، ويتقدَّم أولئك فيصلِّي بهم ركعة، تكون لهم مع النبي - ﵌ - ركعة ركعة، وللنبي - ﵌ - ركعتان».\nسعيد بن عُبَيد: قال أبو حاتم: «شيخ»، وذكره ابن حبان في «الثقات» (^٢)، وذلك لا يكفي في رفع جهالة حاله، مع أن هذه الصفة ــ كما يظهر ــ مخالِفة للصفة التي في حديث أبي عيّاش.\nوأخرج الحاكم في «المستدرك» (^٣) من طريق يونس بن بكير عن النضر أبي عمر عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ قال: «خرج رسول الله\n_________\n(^١) (٣/ ١٧٤). وأخرجه أيضًا أحمد في «المسند» (١٠٧٦٥) والترمذي (٣٠٣٥) وابن حبان (٢٨٧٢). وحسَّنه الترمذي.\n(^٢) (٦/ ٣٥٢). وانظر «تهذيب التهذيب» (٤/ ٦٢).\n(^٣) (٣/ ٣٠).","vol":"16","page":201},{"text":"- ﵌ - في غزاةٍ، فلقي المشركين بعُسْفَانَ ...»، فذكر نحو ما في حديث أبي عيّاش. قال الحاكم: صحيح على شرط البخاري، وأقرَّه الذهبي، مع أن النضر أبا عمر وهو النضر بن عبد الرحمن الخزّاز لم يخرج له البخاري، بل هو أجمعوا على ضعفه (^١).\nوقال ابن حجر في «الفتح» (^٢): وقد روى الواقدي من حديث خالد بن الوليد قال: «لما خرج النبي - ﵌ - إلى الحديبية لقيتُه بعُسفانَ، فوقفتُ بإزائه، وتعرضتُ له، فصلَّى بأصحابه الظهر، فهَمَمْنا أن نُغِير عليهم، فلم يَعْزِم لنا، فأَطلعَ الله نبيَّه على ذلك، فصلَّى بأصحابه العصر صلاة الخوف ...» الحديث.\nأقول: حال الواقدي مشهور، ولكن ابن حجر استأنس به مع ما تقدم، وذلك أن ما جاء من حديث أبي عيّاش وأبي هريرة من الصلاة بعُسْفَان لم يتعين تاريخها، وقد جاء في المغازي أن النبي - ﵌ - أتى على عُسْفَان مرتين: مرةً في غزوة بني لِحْيان، ذكر ابن إسحاق (^٣) أنها كانت على رأس ستة أشهر بعد فتح بني قريظة. والثانية: في عمرة الحديبية.\nولم يُذكر في شيء منهما قتال، ولا مقاربة لجيش قريش إلا ما رواه الواقدي.\n_________\n(^١) انظر «تهذيب التهذيب» (١٠/ ٤٤١، ٤٤٢).\n(^٢) (٧/ ٤٢٣).\n(^٣) انظر «سيرة ابن هشام» (٢/ ٢٧٩).","vol":"16","page":202},{"text":"نعم ذكر ابن إسحاق (^١) في غزوة بني لِحْيان أن بني لحيان تحصَّنوا من المسلمين، فقال المسلمون: لو أنّا هبطنا عُسْفانَ لرأى أهلُ مكة أنّا قد جئنا مكة، فخرج ــ يعني النبي - ﵌ - ــ في مائتي راكب من أصحابه حتى نزل عُسْفان، ثم بعث فارسَيْنِ من أصحابه حتى بلغا كُراع الغَمِيم، ثم كرَّا، ورجع رسول الله - ﵌ - قافلًا.\nفيحتمل أن قريشًا لما بلغهم خروج النبي - ﵌ - وأصحابه إلى بني لِحْيان، ثم نزول عسفان، خافوا ــ كما ظنَّه المسلمون ــ أن يكون قاصدًا مكة، فبعثوا خيلَهم وعليها خالد لترقب ما يفعله المسلمون، وتقاربوا ولم يكن قتال، والله أعلم بحقيقة الحال.\nهذا، وقد اختلف في غزوة ذات الرقاع: أهي غزوة مُحارِب خَصَفة، أم غيرها؟ فأكثر أهل المغازي على الأول، وزعم الواقدي أنها غيرها، وتبعه القطب الحلبي في «شرح السيرة»، ذكره الحافظ في «الفتح» (^٢).\nواختلف أيضًا في غزوة ذات الرقاع: فقال موسى بن عقبة: لا ندري كانت قبل بدر، أوبعدها، أو قبل أُحُد أو بعدها.\nقال ابن حجر (^٣): الذي ينبغي الجزم به أنها بعد غزوة بني قريظة؛ لأنه تقدم أن صلاة الخوف في غزوة الخندق لم تكن شُرِعتْ، وقد ثبت وقوع صلاة الخوف في غزوة ذات الرقاع.\n_________\n(^١) انظر «سيرة ابن هشام» (٢/ ٢٨٠).\n(^٢) (٧/ ٤١٨).\n(^٣) في «الفتح» (٧/ ٤١٧).","vol":"16","page":203},{"text":"أقول: لم أجد نصًّا في أن صلاة الخوف لم تكن قد شرعت في الخندق، إلا ما جاء عن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري عن أبيه ذكر تأخير النبي - ﵌ - الصلاة يوم الخندق، ثم قال: «وذلك قبل أن يَنزِل في القتال ما نزل» (^١).\nوقد بيَّنه في رواية أخرى، قال: «وذلك قبل أن ينزل صلاة الخوف ﴿فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾». راجع «مسند أحمد» (٣/ ٢٥) (^٢).\nفيحتمل أنهم في الخندق لم يكونوا متمكنين من الصلاة جماعة على ما في آيات النساء: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ ...﴾ مع ما بينه النبي - ﵌ -، وإنما كانوا متمكّنين من الصلاة على ما في قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾، وإذا كان هكذا لم يكن في حديث أبي سعيد ولا قصة الخندق [ق ١٩] دليل على أن صلاة الخوف لم تكن قد شُرعتْ، وإنما في ذلك دليل على أنه لم يكن قد شُرع هذا القدر منها، وهو الذي تضمَّنه قوله تعالى: ﴿فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾.\nوالصلاة في ذات الرقاع كانت جماعة على ما بيَّن به النبي - ﵌ - آية النساء.\nوعلى هذا، فليس فيما ذُكِر دليلٌ على تأخر ذات الرقاع عن الخندق، وما اتصل به من أمر بني قريظة.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد في «المسند» (١١١٩٨) والنسائي (٢/ ١٧) وابن خزيمة (٩٩٦، ١٧٠٣) وغيرهم. وإسناده صحيح.\n(^٢) رقم (١١١٩٩).","vol":"16","page":204},{"text":"وفي «الفتح» (^١) أيضًا: عن ابن إسحاق وابن سعد وابن حبان أنها كانت قبل الخندق وقريظة، وأن أبا معشر يجزم بأنها كانت بعد الخندق وقريظة، وذهب البخاري إلى أنها كانت بعد خيبر، واحتج على ذلك بما صح عن أبي موسى الأشعري أنه شهد ذات الرقاع، مع أن أبا موسى إنما جاء بعد أيام خيبر (^٢)، وبما رواه عبد الله بن يزيد المقرئ عن حَيْوة وابن لَهيعة عن أبي الأسود عن عروة عن مروان أنه سأل أبا هريرة: هل صلَّى مع النبي - ﵌ - صلاة الخوف؟ فقال أبو هريرة: نعم، في غزوة نجد.\nعلَّق البخاري طرفًا منه (^٣) وأخرجه أبو داود في «السنن» (^٤)، وذكر أبو داود عقبه (^٥) بسند فيه مقال: عن عروة بن الزبير عن أبي هريرة قال: «خرجنا مع رسول الله - ﵌ - إلى نجد، حتى إذا كنا بذات الرقاع ...». وأبو هريرة إنما جاء أيام خيبر.\nوحكى الحافظ في «الفتح» (^٦) عن البيهقي وغيره: أنهم ذهبوا إلى أنها غزوتان، أطلق على كل منهما ذات الرقاع.\n_________\n(^١) (٧/ ٤١٧). وانظر «سيرة ابن هشام» (٢/ ٢٠٣) و«الطبقات» (٢/ ٦١) و«الثقات» (١/ ٢٥٧).\n(^٢) انظر صحيح البخاري مع «الفتح» (٧/ ٤١٦، ٤١٧).\n(^٣) عقب الحديث (٤١٣٧).\n(^٤) رقم (١٢٤٠). وأخرجه أيضًا أحمد (٨٢٦٠) والنسائي (٣/ ١٧٣) وابن خزيمة (١٣٦١) وغيرهم.\n(^٥) رقم (١٢٤١). وأخرجه أيضًا الطحاوي في «معاني الآثار» (١/ ٣١٤) والبيهقي في «السنن الكبرى» (٣/ ٢٦٤).\n(^٦) (٧/ ٤١٧). وانظر «دلائل النبوة» (٣/ ٣٧٢).","vol":"16","page":205},{"text":"أقول: وما وقع في رواية قتادة عن سليمان بن قيس عن جابر: «انطلقنا نتلقَّى عِيرَ قريش آتيةً من الشام» (^١) ظاهرٌ في تقدُّم ذلك على خيبر، بل وعلى الحديبية، وهي قبله، وذلك أنهم إنما يتلقَّون عِيرَ قريش إذا لم يكن بينهم موادعة، وقد وادعهم النبي - ﵌ - في الحديبية، واستمرَّ ذلك حتى غَدَرتْ قريش بإعانة بني بكر على خزاعة، فغزاهم النبي - ﵌ - وافتتح مكة.\nهذا، وقد يُتوهَّم من قوله في رواية قتادة عن سليمان «نتلقَّى عِيرَ قريش آتيةً من الشام» أن هذا في غزوة بدر، وليس كذلك، بل هذه عِيرٌ أخرى.\nهذا، ومقتضى ما أطلق عليه أكثر أهل المغازي من أن ذات الرقاع، أو غزوة محارب وثعلبة بنَخْلٍ، كانت قبل الخندق وقريظة، فهي قبل غزوة بني لِحْيان، وقبل الحديبية فتكون الصلاة فيها قبل الصلاة بعُسْفان، وقد يجوز أن يكون أبو عيَّاش لما ذكر شأن عُسْفان إنما ذكر نزول جبريل ينذر النبي - ﵌ - بما همَّ به المشركون، فتوهم بعضهم أنه نزل بالآيات في صلاة الخوف.\nوبالجملة، فلم يتضح أيهما السابق، غزوة محارب وثعلبة أم عُسْفان؟ والله أعلم.\n* * * *\n_________\n(^١) سبق ذكرها وتخريجها.","vol":"16","page":206},{"text":"الدليل الثالث\nقال الإمام أحمد في «المسند» (٥/ ٣٩) (^١): ثنا يحيى عن أشعث عن الحسن عن أبي بكرة: «أن النبي - ﵌ - صلَّى بهؤلاء الركعتين، وبهؤلاء الركعتين».\nوقال النسائي في السنن (^٢): أخبرنا عمرو بن علي قال: حدثنا يحيى بن سعيد قال: حدثنا الأشعث عن الحسن عن أبي بكرة عن النبي - ﵌ - أنه صلَّى صلاة الخوف بالذين خلْفَه ركعتين، والذين جاءوا بعدُ ركعتين، فكانت للنبي - ﵌ - أربعَ ركعاتٍ ولهؤلاء ركعتين ركعتين.\nوقال الإمام أحمد (٥/ ٤٩) (^٣): ثنا رَوح ثنا أشعث عن الحسن عن أبي بكرة قال: «صلَّى بنا النبي - ﵌ - صلاةَ الخوف، فصلّى ببعض أصحابه ركعتين ثم سلَّم، فتأخَّروا، وجاء آخرون فكانوا في مكانهم، فصلَّى بهم ركعتين ثم سلَّم، فصار للنبي - ﵌ - أربعُ ركعات، وللقومِ ركعتان ركعتان».\nوقال النسائي (^٤): أخبرنا محمد بن عبد الأعلى وإسماعيل بن مسعود واللفظ له، قالا: حدثنا خالد عن أشعث عن الحسن عن أبي بكرة: «أن رسول الله - ﵌ - صلَّى بالقوم في الخوف ركعتين ثم سلَّم، ثم صلَّى بالقوم الآخرين ركعتين ثم سلَّم، فصلَّى النبي - ﵌ - أربعًا».\n_________\n(^١) رقم (٢٠٤٠٨).\n(^٢) (٣/ ١٧٩).\n(^٣) رقم (٢٠٤٩٧).\n(^٤) (٣/ ١٧٨).","vol":"16","page":207},{"text":"وقال أبو داود في «السنن» (^١): حدثنا عبيد الله بن معاذ نا أبي نا الأشعث عن الحسن عن أبي بكرة قال: «صلَّى النبي - ﵌ - في خوف الظهر، فصفَّ بعضُهم خلفه، وبعضُهم بإزاء العدوّ، فصلَّى ركعتين ثم سلّم، فانطلق الذين صلَّوا معه فوقفوا موقفَ أصحابهم، ثم جاء أولئك فصلَّوا خلفه، فصلَّى [بهم] ركعتين ثم سلَّم، فكانت لرسول الله - ﵌ - أربعًا، ولأصحابه ركعتين ركعتين». وبذلك كان يُفتي الحسن.\nقال أبو داود: وكذلك في المغرب، يكون للإمام ستّ ركعات، وللقوم ثلاث ثلاث.\nقال أبو داود (^٢): وكذلك رواه يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن جابر عن النبي - ﵌ -، وكذلك قال سليمان اليشكري عن جابر عن النبي - ﵌ -.\nوذكر البيهقي في «السنن» (^٣) رواية قتادة ويونس عن الحسن عن جابر، وقد تقدمت في الدليل الثاني، ثم قال: وخالفهما أشعث فرواه عن الحسن عن أبي بكرة، ووافقه على ذلك أبو حُرَّة الرقاشي.\nثم ساقه من طريق سعيد بن عامر عن الأشعث، وفيه: «صلَّى ببعضهم ركعتين ثم سلَّم، فتأخَّروا، وجاء الآخرون فصلَّى بهم ركعتين ثم سلم ...».\nثم ذكر (^٤) رواية أبي داود، وقال في زيادة «وكذلك في المغرب»:\n_________\n(^١) رقم (١٢٤٨).\n(^٢) عقب الحديث المذكور.\n(^٣) (٣/ ٢٥٩).\n(^٤) (٣/ ٢٦٠).","vol":"16","page":208},{"text":"وجدتُه في كتابي موصولًا بالحديث، وكأنه من قول الأشعث، وهو في بعض النسخ: «قال أبو داود: وكذلك في المغرب». وقد رواه بعض الناس عن أشعث في المغرب مرفوعًا، ولا أظنُّه إلا واهمًا في ذلك.\nثم ذكر (^١) رواية المغرب: أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ [هو الحاكم] أخبرني أبو علي الحسين بن علي الحافظ أبنا عبدان الأهوازي ثنا محمد بن معمر القيسي ثنا عمرو بن خليفة البكراوي ثنا أشعث بن عبد الملك الحُمْراني عن الحسن عن أبي بكرة: «أن النبي - ﵌ - صلَّى بالقوم في الخوف صلاةَ المغرب ثلاث ركعاتٍ ثم انصرف، وجاء الآخرون فصلَّى بهم ثلاثَ ركعات».\nأقول: وحديث المغرب أخرجه شيخه الحاكم بهذا السند في «المستدرك» (١/ ٣٣٧) وقال: سمعتُ أبا علي الحافظ يقول: هذا حديث غريب ... قال الحاكم: وإنه صحيح على شرط الشيخين، وفي «تلخيص» الذهبي: على شرطهما وهو غريب.\nوأخرجه الدارقطني في «سننه» (ص ١٨٧) (^٢): حدثنا علي بن إبراهيم النجار ثنا محمد بن إسحاق بن خزيمة حدثنا محمد بن معمر ...\nولعمرو بن خليفة ترجمة في «الميزان» (^٣)، وفيها: ربما كان في روايته\n_________\n(^١) (٣/ ٢٦٠). وما بين المعكوفتين من المؤلف.\n(^٢) (٢/ ٦١).\n(^٣) لم أجد ترجمته فيه، ولعل المؤلف اعتمد على ما في «لسان الميزان» (٦/ ٢٠٥) وتعقيب الحافظ عليه بقوله: «قلت». فاعتبر الكلام السابق من «الميزان».","vol":"16","page":209},{"text":"بعض المناكير، ذكره ابن حبان في «الثقات» (^١).\nزاد ابن حجر في «لسان الميزان» (٤/ ٣٦٣) (^٢): قلت: هو البكراوي، روى عنه أيضًا محمد بن مَعْمر القيسي، وأخرج له ابن خزيمة في «صحيحه» (^٣).\n[ق ٢٠] أقول: أما مخالفة أشعث وأبي حُرَّة ليونس وقتادة: فلا أراها مما يضر؛ لأن الحسن إمام واسع الرواية، لا ينكر له أن يكون عنده الحديث من وجهين وأكثر. وأما قول البيهقي فيمن روى عن الأشعث في المغرب: «ولا أراه إلا واهمًا» ظنٌّ منه، وقد خالفه غيره فصحَّحه، واحتمال الوهم لا أراه قويًّا.\nبقي أن الحسن وصفه النسائي وغيره بالتدليس، ولم يُصرِّح بسماعه من أبي بكرة، إلا أن الذي يظهر من كلام ابن المديني والبخاري في شأن أحاديث الحسن عن سمرة أنه إذا ثبت سماع الحسن من رجل ــ ولو مرةً ــ كان حديثه كلُّه عن ذلك الرجل صحيحًا، فلا أدري أذهبا إلى أنه إنما يُدلِّس عمن لم يسمع منه، أم إلى أنه إذا دلَّس عمَّن قد سمع منه لا يصنع ذلك إلا فيما سمعه من ثقةٍ متفقٍ عليه، كما قيل في ابن عيينة؟ والله أعلم.\nتنبيه:\nما وقع في رواية أحمد (^٤) عن رَوْح: «عن أبي بكرةَ قال: صلَّى بنا\n_________\n(^١) (٧/ ٢٢٩).\n(^٢) (٦/ ٢٠٥) ط. مكتب المطبوعات الإسلامية.\n(^٣) انظر رقم (١٣٦٨).\n(^٤) رقم (٢٠٤٩٧).","vol":"16","page":210},{"text":"النبيُّ - ﵌ - ...» يقتضي أن أبا بكرة شهد القصّةَ، وعليه فتكون غيرَ القصّةِ التي في حديث جابر قطعًا؛ لأن أبا بكرة إسلامه متأخر، ولكن أخشى أن يكون رَوْح وَهِم في ذلك، وأن يكون أبو بكرة إنما سمع هذا من بعض من تقدَّمه من الصحابة.\nوكلام الحافظ في «الفتح» (^١) في غزوة ذات الرقاع يُوهِم أن حديث أبي بكرة في «سنن» أبي داود والنسائي يصرح فيه بشهوده القصة، وليس الأمر كذلك. والله المستعان.\n_________\n(^١) (٧/ ٤٢٤).","vol":"16","page":211},{"text":"أجوبة المانعين\nمنها: أنه يحتمل في هذه الوقائع أن تكون لما كانت الفريضة تُصلَّى مرتين، وقد نُسِخ ذلك.\nورُدَّ بأنه إن كان المراد أن الفريضة كانت تصلَّى مرتين فرضًا، بمعنى أنه كان فرضًا على المسلم أن يُصلِّيها مرتين، فهذا لم يكن قطُّ، ونفيه معلوم.\nوإن أريد أنه كان يجوز إعادتها مرةً ثانية، فذاك الجواز باقٍ اتفاقًا في الجملة، وإنما الخلاف في بعض صوره، وقد تقدمت أدلته.\nوعلى هذا، يكون المجيب معترفًا بإمامة المتنفل للمفترض، ومدعيًا النسخ، فيُطالَب بالناسخ.\nفأما حديث: «لا تُصلُّوا صلاةً في يومٍ مرتين» والنهي عن الإعادة مرتين، فقد تقدم الكلام عليهما.\nومنها: في خصوص قصة معاذ، أن النبي - ﵌ - لم يعلم بذلك.\nويُرَدُّ بأننا ذهبنا مذهب جابر في قوله: «كنا نَعْزِل والقرآنُ يَنزِل» (^١)، كفانا ذلك في ردِّ جوابكم. وتقريرُ هذا المذهب: أنه كما أن تقرير النبي - ﵌ - يدلُّ على الجواز، فأولى منه تقرير الله ﷿ في وقت وجود الواسطة لتبليغ أحكامه بينه وبين عباده، وهو الرسول، وقد صحّ أن الصحابة كانوا مكروهًا لهم سؤالُ النبي - ﵌ -، وذلك يدلّ على أنه كان لهم أن يتمسّكوا\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٢٠٨) ومسلم (١٤٤٠).","vol":"16","page":212},{"text":"بالأصل والظاهر ونحو ذلك، ويعملوا بما ظهر لهم حتى يجيئهم من الشارع ما يخالف ذلك، وهذا يُشعر بأن الشارع إنما أذن بذلك؛ لأن الله ﷿ رقيبٌ عليهم، فإذا علم منهم خطأً في الدين بيّنه لهم على لسان رسوله - ﵌ -، فأما إن وقعت من بعضهم معصية يعلم أنها معصية، وأن الله ﷿ يستره ولا يفضحه، وإنما يُنبِّه على ما يتعلق بالأحكام.\nوإن لم يُسَلَّم هذا المذهب، فإننا نُثبِت عِلْمَ النبي - ﵌ - صُنْعَ معاذٍ:\nأولًا: لأنه أعلمُ بالله [من] أن يُقدِم على ما لا يثق بصحته، وقد أثنى عليه النبي - ﵌ - بأنه أعلم الأمة بالحلال والحرام (^١)، وأنه يأتي يوم القيامة أمامَ العلماء [برَتْوةٍ] (^٢)، وهو الذي بيَّن للأمة متابعةَ الإمام، إذ كانوا أولًا إذا جاء الرجل الجماعة، فوجدهم يصلُّون وراء النبي - ﵌ - سأل [فيُشير] إليه أحدهم أنه قد سُبِق بكذا، فيبدأ فيصلّي ما سُبِق به لنفسه حتى يدرك الإمام فيما هو فيه فيوافقه، فجاء معاذ فقال: لا أجدُه على حالٍ إلا كنتُ عليها، فوافق النبي - ﵌ - فيما هو فيه، فلما سلّم النبي - ﵌ - قام معاذ فأتمَّ ما سُبِق به، فقال النبي - ﵌ -: «إن معاذًا قد سَنَّ لكم، فهكذا فاصنعوا» (^٣) أو كما قال. فكيف يُظَنُّ به\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (٣٧٩٣، ٣٧٩٤) وابن ماجه (١٥٤) من حديث أنس بن مالك، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.\n(^٢) الرتوة: رمية السهم. والحديث أخرجه الطبراني في «الكبير» (٢٠/رقم ٤١) وأبو نعيم في «الحلية» (١/ ٢٢٩) من حديث محمد بن كعب القرظي مرفوعًا. وله طرق أخرى، انظر التعليق على «المسند» (١٠٨).\n(^٣) أخرجه أحمد (٢٢١٢٤) وأبو داود (٥٠٦، ٥٠٧) والحاكم في «المستدرك» (٢/ ٢٧٤) وغيرهم من حديث معاذ، ورجاله ثقات، إلا أن عبد الرحمن بن أبي ليلى لم يسمع من معاذ، فهو منقطع.","vol":"16","page":213},{"text":"وبقومه ــ وفيهم كما في «الفتح» (^١) عن ابن حزم ثلاثون عَقَبيًّا، وأربعون بدريًّا ــ أن يُقدِموا على ما لا يثقون بصحته، بدون ضرورة تُلجِئهم إلى ذلك.\nوثانيًا: صنيعُه ذلك كان ظاهرًا مكشوفًا، كان يصلّي مع النبي - ﵌ -، ثم يصلِّي بعشيرته، وهم كثير، وكان يصلّي معهم من يمرُّ على مسجدهم من غيرهم، كما في قصة حرام. ولم يكن بينهم وبين المسجد النبوي إلا نحو ميل، ولا يمرُّ عليهم يوم إلا ويجتمع فيه جماعة منهم بالنبي - ﵌ -، وكان - ﵌ - كثيرَ التفقُّد للأنصار، ولاسيّما في أمر دينهم، والظاهر أنهم لم يكونوا [يقررون] إمامًا في مسجد من مساجدهم إلا بإذن النبي - ﵌ -.\nهب أن النبي - ﵌ - لم يعلم بذلك تلك المدة التي كان معاذ يصلّي فيها معه - ﵌ - ثم يصلي بهم قبل أن يَشْكُوه سُلَيم أو حرام، أو كلاهما، فقد علم - ﵌ - عند الشكوى، فلم ينكر ذلك عليهم، وإنما أنكر تأخير معاذ وتطويله، فلم ينكر عليهم صنيعهم فيما سبق، ولا بيَّن لهم أنه لا يجوز، ولا نهاهم عن مثله.\nفإن قيل: فقد جاء في رواية معاذ بن رِفاعة: «يا معاذ بن جبل، لا تكن فتانًا، إما أن تصلِّي معي، وإما أن تُخفِّف على قومك» (^٢).\nقلت: تلك الرواية مرسلة، ولم تأت هذه الزيادة في شيء من الروايات الموصولة حتى الرواية التي يُشبِه سياقُها سياقَ هذه المرسلة، وهي رواية\n_________\n(^١) (٢/ ١٩٦). وانظر «المحلَّى» (٤/ ٢٣٤).\n(^٢) سبق تخريجها.","vol":"16","page":214},{"text":"عبيد الله بن مِقْسَم.\nوهبْ تلك الزيادة: «إما أن تُصلِّي معي، وإما أن تُخفِّف على قومك» صحَّت، فدونك تحقيق معناها:\nحكى ابن حجر في «الفتح» (^١) عن الطحاوي أنه قال: معناها: إما أن تصلِّي معي، ولا تصلِّ بقومك، وإما أن تُخفِّف بقومك، ولا تُصلِّ معي.\nثم قال ابن حجر: لمُخالفِه أن يقول: بل التقدير: إما أن تُصلِّي معي فقط إذا لم تُخفِّف، وإما أن تُخفِّف بقومك فتصلِّي معي، وهو أولى من تقديره؛ لما فيه من مقابلة التخفيف بترك التخفيف، لأنه هو المسؤول عنه المتنازَع فيه.\nوقال العلامة الجليل شَبِّير أحمد العثماني الحنفي في «شرحه لصحيح مسلم» (^٢): الظاهر من مجموع الروايات أنهم يَشْكُون تأخير معاذ في مجيئه إلى الصلاة؛ لصلاته مع النبي - ﵌ -، حتى كان ينام القوم، ويشقّ عليهم الانتظار، ثم قراءته السورَ الطويلة، وهذا صريح في سياق أحمد (يعني في المرسل المذكور)، وفي بعض روايات حديث الباب: فقال الرجل: يا رسول الله، إنك أخَّرتَ العشاء، وإن معاذًا صلَّى معك ثم أمَّنا، وافتتح سورة البقرة (أقول: وقد مر نحوه في رواية ابن عيينة) ... ففيه كما ترى شكاية التأخير، ثم التطويل، فأرشد النبي - ﵌ - معاذًا إلى إزالة شكواهم بأن يكتفي بأداء صلاته مع النبي - ﵌ -، ويترك الإمامة، أو بأن يخفِّف على قومه ... وفي\n_________\n(^١) (٢/ ١٩٧). وقول الطحاوي في «شرح معاني الآثار» (١/ ٤١٠).\n(^٢) «فتح الملهم» (٣/ ٤٣١ - ٤٣٢) ط دار إحياء التراث العربي.","vol":"16","page":215},{"text":"رواية للبزار «لا تكن فتّانًا تَفْتِن الناس، ارجِعْ إليهم فصَلِّ بهم قبل أن يناموا ...».\n[ق ٢١] أقول: هذا تحقيق جيد، ومن الواضح جدًّا أن قوله - ﵌ - لمعاذ: «لا تكن فتّانًا» إنما معناه: لا تكن سببًا لافتتان بعضهم بتشديدك عليهم، فكأنه قال: لا تُشدِّد عليهم.\nوإن قوله عقب هذه الجملة: «إما أن تصلّي معي، وإما أن تُخفِّف على قومك» إنما هو بيان لقوله: «لا تكن فتّانًا» أو استئناف بياني، كأنه لما قال لمعاذ: «لا تكن فتّانًا» قال معاذ: كيف أصنع؟ فقال: إما ....\nوهذا واضح جدًّا بدلالة المقام، وبعدم الإتيان بالواو بين الجملتين.\nإذا تحرَّر هذا، فقوله: «إما أن تُصلِّي معي، وإما أن تُخفِّف على قومك» إنما هي إرشاد إلى ترك التشديد الذي هو مَظِنّة الفتنة، كما قال العثماني نفع الله به: إرشاد إلى إزالة شكواهم.\nثم هاهنا احتمالان:\nالأول: أن يكون مراد النبي - ﵌ - النهي عن التأخير وعن التطويل، حتى كأنه قال: لا تُؤخِّر ولا تُطوِّل، أو عجلِّ وخفِّف. وعليه، فالظاهر أن يتضمّن قوله: «إما أن تُصلِّي معي، وإما أن تُخفِّف على قومك» النهيَ عن كلٍّ من الأمرين.\nوقد تبين من الروايات الصحيحة ــ كما ذكره العثماني ــ أن التأخير إنما كان يقع بسبب أن معاذًا كان يبدأ فيصلِّي مع النبي - ﵌ -، فحينئذٍ لابدّ أن تتضمّن الجملة تخييرَ معاذ بين أن يترك الصلاة بهم ليقدموا غيره ممن لا","vol":"16","page":216},{"text":"يصلّي مع النبي - ﵌ -، فيعجِّل بهم؛ لأنه لا يحتاج إلى التأخير؛ لعدم صلاته مع النبي - ﵌ -، أو يترك معاذ الصلاة مع النبي - ﵌ - فيعجِّل بهم، لعدم احتياجه إلى التأخير.\nفإذا قلنا: إن الجملة المذكورة تتضمن النهي عن الجمع بين الصلاة مع النبي - ﵌ - والصلاة بالقوم، فقد اتضح أن علة هذا النهي هي لزوم التأخير الذي شكاه القوم، وفيه تشديدٌ عليهم يُخشَى منه افتتانُ بعضهم.\nوالحاصل: أنه على هذا الاحتمال يكون تقدير الطحاوي صحيحًا في الجملة، ولكن علة المنع إنما هي استلزام التأخير كما هو واضح من دلالة المقام والسياق.\nوعلى هذا، فلو فُرِض أن النبي - ﵌ - عجَّل العشاء في بعض الأيام بحيث لو صلَّى معاذ معه، ثم عاد إلى قومه معاذٌ في وقت لا يكون فيه تأخير يشقُّ عليهم، أو رَضُوا كلُّهم بالتأخير وأحبُّوه، أكان لهم أن يؤمَّهم معاذ بعد أن صلى مع النبي - ﵌ -؟ وذلك أنهم يقولون: إنما نهى النبي - ﵌ - لمعنًى هو الآن منتفٍ، وهو التأخير الذي يُخشَى منه الفتنة.\nوعلى هذا، فليس في الجملة المذكورة إنكاره لعلة أخرى، وإذًا فليس فيها إنكار لائتمام المفترض بالمتنفل، وإذًا فسكوته - ﵌ - عن التعرض لذلك بعد علمه بصنيعهم تقريرٌ على صحة ذلك، وهو المطلوب.\nوذكر بعض أئمة الحنفية في الهند (^١): أن الجملة المذكورة شبيهة بقوله\n_________\n(^١) هو الشيخ أنور شاه الكشميري (ت ١٣٥٢) في كتابه «فيض الباري على صحيح البخاري» (٢/ ٢٢٨).","vol":"16","page":217},{"text":"تعالى حكايةً عن المشركين: ﴿أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾، حيث قُوبل في الآية الافتراء بالجنون، لما أن من لازم الجنون عدم الافتراء، فكأنه قيل: أافترى أم لم يفترِ، فكذلك قُوبل في الحديث صلاة معاذ معه - ﵌ - بتخفيفه لقومه، كما أن تخفيفه بهم يتوقف على صلاته بهم، وصلاته بهم تستلزم عدمَ صلاته مع النبي - ﵌ -، فكأنه قيل: إما أن تُصلِّي معي، وإما أن لا تُصلِّي معي.\nوأقول: لا بأس بهذا، وإنما الشأن في وجه الاستلزام، فاستلزام الجنون لعدم الافتراء واضح معلوم للمخاطب، وكذلك استلزام صلاة معاذ بقومه لعدم صلاته مع النبي - ﵌ - من حيثُ إن المطلوب أن يصلّي بهم معجّلًا، لما عُلِم من المقام والسياق من النهي عن التأخير، لما فيه من التشديد الذي يُخشى منه الفتنة.\nهذا هو الذي يفهمه القوم، ويقتضيه المقام والسياق وعدمِ الإتيان بالواو بين الجملتين، كما مرَّ.\nفإن زعم زاعم أن للاستلزام وجهًا آخر فهو باطل، إذ لم يكن القوم يعرفونه، ولا في المقام والسياق ما يدل عليه.\nالاحتمال الثاني: أن يكون مراده - ﵌ - إنما هو النهي عن الجمع بين التأخير والتطويل.\nوعليه، فالتقدير كما قال ابن حجر، وقد يؤيده أن التأخير إنما شقَّ عليهم تلك الليلة؛ لأن النبي - ﵌ - أخَّر العشاء فوق العادة، فتأخّر معاذ (^١) فوق ما\n_________\n(^١) في الأصل: «بلال»، سبق قلم.","vol":"16","page":218},{"text":"كان يتأخّر تلك الليلةَ، وهذا بيِّنٌ في الروايات المفصّلة الصحيحة، كرواية ابن عيينة: «وقال الرجل: يا رسول الله، إنك أخَّرتَ العشاء ...».\nومما يوضِّح هذا أن الروايات المفصّلة الصحيحة مقتصرة على [النهي] عن التطويل، وذلك يدلّ أنه هو الذي استوعب الحال.\nفأما الزيادة التي نقلها العثماني: «ارجعْ إليهم قبل أن يناموا» فهي تدلّ على تقرير النبي - ﵌ - لهم، وأن يأتمُّوا بمعاذ بعد أن يصلِّي معه - ﵌ -.\nوبيان ذلك: أن عادة بني سلمة كانت أن الأقوياء منهم يأتون إلى مسجد النبي - ﵌ -، فيصلُّون معه المغرب، ثم يرجعون إلى بيوتهم فيصلُّون، والرامي يرى موقعَ سهمه، كما يأتي عن جابر، ثم إذا جاء وقت العشاء أتوا المسجدَ النبوي وصلَّوا العشاء مع النبي - ﵌ -، ثم يرجعون إلى بيوتهم، ومنهم معاذ، غير أنه انفرد بأنه كان إذا رجع إلى قومه صلَّى بالمتأخرين منهم، فإذا رجع عقب المغرب صلَّى بهم المغرب كما في حديث الترمذي، وقد تقدم، وإذا رجع عقب العشاء صلى بهم العشاء كما في حديث «الصحيحين» وغيرهما، فكان له في المغرب والعشاء مجيئان ورجوعان، ولا يحسن حمل الرجوع في قوله - ﵌ -: «ارجِعْ إليهم قبل أن يناموا» على الأول؛ لأن الحمل عليه يُحوِج إلى تقدير، والأصل عدمه، ولأن المتبادر إنما هو الرجوع الثاني؛ لأنه هو الذي شَكَوا من تأخُّره حتى يناموا.\nإذا تقرر هذا، فمعنى هذه الزيادة ــ والله أعلم ــ هكذا: إذا جئتَ لتصلِّي العشاء معي فانظر، فإن وجدتَني عجَّلتُها فصلِّ معي، ثم ارجِعْ إليهم قبل أن يناموا، وإن وجدتَني أخَّرتُها فلا تنتظرْني، وارجِعْ إليهم قبل أن يناموا.","vol":"16","page":219},{"text":"وفي هذه مراعاة لرغبة معاذ ورغبة قومه؛ لأن معاذًا كان يرغب في أن يصلّي مع النبي - ﵌ -، وقومه ــ وإن شكا بعضُهم من تشديده ــ راغبون في أن يُصلِّي هو بهم، إذْ لم يكن فيهم أعلم ولا أفضل ولا أحبّ إليهم منه.\n[ق ٢٢] ومن أجوبتهم الخاصة بقصة معاذ أيضًا: أنه يحتمل أن يكون معاذ كان يُصلِّي مع النبي - ﵌ - على أنها نافلة له، ثم يُصلِّي بقومه على أنها فريضته.\nورُدَّ بأن هذا خلاف الظاهر، بل الظاهر من حال مَن يعلم أن عليه فريضة يجب عليه أداؤها أنها إذا حضرتْ فصلّاها، إنما يَقصِد أداءها، ويتأكد ذلك بعدم الوقوف، أو من المحتمل أن يموت أو يعرض له عارض.\nوقال بعض الشافعية: لا يُظَنُّ بمعاذٍ أن يترك فضيلة الفرض خلف أفضل الأئمة في المسجد الذي هو من أفضل المساجد.\nحكاه ابن حجر في «الفتح» (^١) ثم قال: للمخالف أن يقول: إذا كان ذلك بأمر النبي - ﵌ - لم يمتنع أن يحصل له الفضل بالاتباع.\nأقول: الأصل عدم الأمر، وإنما دلَّت الظواهر على إذنه - ﵌ - لهم أن يُصلِّي معاذ معه، ثم يؤمَّهم. فإن ادَّعَى مدّعٍ أنه - ﵌ - أمر معاذًا أن ينوي بصلاته معه نافلة، وبصلاته بقومه الفرض، فعليه البيان، والأصل عدم ذلك.\nوفوق هذا، فقد جاء في رواية ابن جريج عن عمرو عن جابر: «هي له تطوع، ولهم المكتوبة» وقد تقدم الكلام مع من زعم أنها مدرجة.\n_________\n(^١) (٢/ ١٩٦).","vol":"16","page":220},{"text":"فأما من قال: «ذاك ظنٌّ من جابر فلا حجة فيه» (^١)، فقد دفعه ابن حجر في «الفتح» (^٢) بقوله: «... مردود؛ لأن جابرًا كان ممن يصلّي مع معاذ، فهو محمول على أنه سمع ذلك منه، ولا يُظَنُّ بجابر أنه يخبر عن شخصٍ بأمر غير مشاهد، إلا بأن يكون ذلك الشخص أَطْلَعَه عليه».\nأقول: في هذا نظر، فقد يجوز أن يكون جابر بنى على الظاهر، نعم، إذا كان هذا هو الظاهر عند جابر، وكان ممن يصلِّي مع معاذ، ففي ذلك دليل على أنه لم يكن عند القوم خبر بما يخالف ذلك، وهذا يدلُّ على أن النبي - ﵌ - لما أذِنَ لهم أن يصلِّي بهم معاذٌ بعد أن يُصلِّي به، لم يأمر معاذًا بأن ينوي بالأولى النافلة، وبالثانية الفريضة؛ إذ لو أمره بذلك لأخبر قومه؛ ليعرفوا الحكم، ولئلا تكون صلاتهم مختلة، فإن الحنفية لا يجيزون صلاة المقتدي إذا كان يرى أن إمامه قد أدّى تلك الصلاة، وإنما يُعيدها نافلةً.\nومن أجوبتهم: دعوى النسخ، واستدلُّوا على النسخ بقوله في تلك الرواية: «إما أن تُصلِّي معي، وإما أن تُخفِّف على قومك»، وقد تقدم الكلام عليه. واستدلُّوا أيضًا بحديث ابن عمر: «لا تُصلُّوا صلاةً في يوم مرتين» وقد تقدم الكلام عليه. واستدلُّوا بحديث: «الإمام ضامنٌ»، وحديث: «إنما جُعِل الإمام ليُؤتَمَّ به». وسيأتي الكلام على ذلك إن شاء الله تعالى.\n_________\n(^١) قاله الطحاوي في «شرح معاني الآثار» (١/ ٤٠٩).\n(^٢) (٢/ ١٩٦).","vol":"16","page":221},{"text":"فصل\nأجاب بعض أئمة الحنفية في الهند (^١) عن حديث معاذ: بأن أصل القصة إنما هي أن معاذًا كان يُصلِّي مع النبي - ﵌ - المغرب، ثم يرجع إلى قومه، فيؤمُّهم في العشاء والصبح، فإن في حديث الترمذي (^٢): «أن معاذ بن جبل كان يُصلِّي مع رسول الله - ﵌ - المغربَ، ثم يرجع إلى قومه، فيؤمُّهم». وفي «الصحيحين» (^٣): «كان معاذ بن جبل يُصلِّي مع النبي - ﵌ -، ثم يرجع فيؤمُّ قومَه، فصلَّى بهم العشاء، فقرأ بالبقرة».\nوفي موضع في رواية الترمذي اختصار فلم يذكر العشاء، وفي حديث الصحيح اختصار فلم يذكر المغرب، فلما تعدّد اللفظ منهما تصرَّف فيه الرواة على حسب ظنونهم.\nأقول: قد تقدَّم الكلام على حديث الترمذي، ويكفيك أن تراجع الروايات، وتتدبَّرها، لتعلم حال هذا الجواب. والله المستعان.\nوأجاب هذا الإمام (^٤) عن حديث صلاة الخوف أن الصلاة التي قيل في حكايتها إنه صلَّى بطائفةٍ ركعتين، ثم صلَّى بطائفة ركعتين، فكان له أربع ركعات، ولكل طائفة ركعتان، ووقع في بعض الروايات زيادة «ثم سلم»، إنما المراد بها الصفة التي رواها صالح بن خوّات عمن شهد ذات الرقاع، أنه\n_________\n(^١) هو الشيخ أنور شاه الكشميري في «فيض الباري» (٢/ ٢٢٩ - ٢٣٠).\n(^٢) رقم (٥٨٣).\n(^٣) البخاري (٧٠١) ومسلم (٤٦٥).\n(^٤) «فيض الباري» (٣/ ٢٤٧).","vol":"16","page":222},{"text":"صلَّى بطائفةٍ ركعةً ثم ثبت قائمًا، وأتمُّوا لأنفسهم وذهبوا، وجاءت الطائفة الأخرى فصلَّى بهم ركعةً، وثبتَ جالسًا حتى أتمُّوا لأنفسهم، ثم سلَّم.\nوإنما تجوَّز الراوي فاعتبرَ ثباتَ الإمام قائمًا حتى صلَّت الطائفة الأولى ركعتها الثانية، ركعةً تابعة له أي الإمام، وكذلك اعتبر ثباته جالسًا حتى صلت الطائفة الثانية ركعتها ركعة أخرى له.\nفالحاصل: أن الإمام صلّى بالطائفة الأولى ركعة على الحقيقة، وانتظرها حتى صلَّت ركعة أخرى، فكان كأنه صلَّى ركعة أخرى، فتكون له ركعتان بهذا التجوُّز. ثم صلَّى بالطائفة الثانية ركعةً على الحقيقة، ثم انتظرها حتى صلَّت ركعة أخرى، فكان كأنه صلَّى ركعة أخرى. وأما زيادة «ثم سلَّم» في الوسط فتجوُّزٌ أيضًا، والمعنى أن الطائفة الأولى سلَّمت لأنفسها، فأضيف ذاك السلام إلى الإمام.\nأقول: لا يخفى ما في هذا التأويل من البعد، مع أنه لا مُلْجِئَ إليه؛ لأن الرباعية تتكرَّر في اليوم ثلاث مرات، وقد يُحتاج في الغزوة الواحدة إلى صلاة الخوف في يومين وأكثر.\nوالظاهر أن الصلاة التي صلّاها بنخلٍ ركعتين ثم ركعتين هي الظهر كما في رواية الشافعي وغيرها، وأن الصلاة التي صلّاها كما في رواية صالح بن خوّات عمن شهد هي العصر، وقد جاء مثلها عن جابر كما تقدم، ورواية قتادة عن سليمان بن قيس تُؤيِّد ذلك، وقد تقدَّم البحث فيها.\nوهبْ أنه لا دليلَ على هذا، فهو على الأقلّ محتملٌ احتمالًا ظاهرًا، وإذا كان كذلك فلا مُلجِئَ إلى ما ادّعاه هذا الإمام من حمْلِ الكلام على التعمية والإلغاز. والله الموفق.","vol":"16","page":223},{"text":"وقد يجاب: بأن في رواية قتادة عن سليمان بن قيس أن تلك الصلاة كانت قبل نزول آية النساء في صلاة الخوف، وأن الآية نزلت بعدها، وعلى هذا فهذه الصفة منسوخة.\nأقول: قد تقدَّم الكلام على رواية قتادة عن سليمان، وأن قتادة مدلِّس، فيجوز أن يروي عن سليمان ما سمعه من غيره مما ليس في الصحيفة، وعلى فرض أنه إنما يروي عنه من تلك الصحيفة، ففي جواز الاحتجاج بما في الصحيفة وحده نظر، مع أن اعتماد جماعة من الأكابر عليها يُقوِّي شأنها، ولكن الذي يظهر من اعتمادهم عليها إنما هو في الرواية، ولم يتبين اعتمادهم عليها في الاحتجاج.\nفأما فتوى الحسن بصلاة الخوف مرتين بكل طائفة مرة، فلعله إنما اعتمد في ذلك على روايته عن أبي بكرة، ولعل روايته عن جابر لم تكن عن الصحيفة، بل عن طريق غيرها، كما يظهر من زيادته في روايته: «ثم سلَّم»، وليس ذلك في رواية أبي بشر وقتادة، حتى إن قتادة لما أراد [أن] يروي بزيادة «ثم سلَّم» رواه عن الحسن عن جابر، كما مر.\nوقد تقدم أن رواية مجاهد عن أبي عيّاش الزُّرَقي معارضة لرواية قتادة عن سليمان في تاريخ نزول الآية، وإن لم يتضح التاريخ، وأن البخاري رجَّح تأخُّر غزوة ذات الرقاع، فتكون على هذا قصة جابر متأخرةً عن قصة أبي عيّاش، وكذلك رواية أبي بكرة، إن صحّ ما في بعض الروايات أنه شهد تلك الصلاة مع النبي - ﵌ -، فهي متأخرة عن نزول الآية [ق ٢٣] حتمًا، وإلا فالأمر محتمل.","vol":"16","page":224},{"text":"فإن قيل: مما يدلّ على تقدُّمِ هذه الصلاة على نزول الآية أنها مخالفة لظاهر الآية، فإن في الآية: ﴿فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾ [النساء: ١٠٢]. فظاهر قوله: ﴿فَإِذَا سَجَدُوا﴾ الأمرُ بتأخُّرهم عقب الركعة الأولى.\nقلت: قد يحتمل أن يكون صالحًا للسجود في الأولى، والسجود في الثانية، فيكون ذلك صالحًا لهذه الصفة التي فيها أنه يُصلِّي بكل طائفة مرةً.\nوعلى فرض أنه صالح لها، فقد تقدم أن الصفة التي فيها صلاة الإمام بكل طائفةٍ ركعة هي من القصر الذي أباحه الله ﷿ أول هذه الآية، إذ قال سبحانه: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٠١]. فقوله بعد ذلك: ﴿فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾ إنما هو بيان لذلك القصر الذي أباحه، أو لبعض أنواعه، وإذا كان كذلك فليس الأمر لإيجاب هذه الصفة بعينها، لما علمتَ أنها بيان للمباح، بدليل اقتصاره على نفي الجناح.\nومما يدل على هذا أن النبي - ﵌ - قد صلَّى بعد نزول الآية صلاة الخوف بأوجهٍ أخرى، منها ما يخالف ظاهر الآية. فبان بهذا أن تلك الصلاة التي فيها أنه صلَّى بهؤلاء مرةً، وبهؤلاء مرةً، أن فرض تقدمها على نزول الآية، فليس في الآية ولا في صلاة النبي - ﵌ - بعض الأحيان بحسب ظاهر الآية ما يوجب نسخَ الصفة السابقة، فتدبر! والله الموفق.","vol":"16","page":225},{"text":"فصل\nأجود ما رأيته للمانعين ما قاله العلامة الجليل شبِّير أحمد العثماني الحنفي في «شرحه لصحيح مسلم» فإنه ذكر ما يحتجُّ به أصحابه من حديث «الإمام ضامن» (^١) وحديث «إنما جُعل الإمام ليؤتمَّ به» (^٢) وقوله: «فلا تختلفوا عليه» (^٣)، ثم قال: ولا يخفى على المنصف الممعن أن مسألة الائتمام ــ أي متابعة المأموم للإمام ــ إنما كملت على لسان الشارع شيئًا فشيئًا ...\nثم استشهد بقضية القراءة: أي أنهم كانوا أولًا يقرؤون خلف الإمام، ثم أُمِروا بالاكتفاء بقراءته، وأنها تكون لهم قراءة.\nوبقصة معاذ: إذ كانوا أولًا يجيء المسبوق، فيبدأ بصلاة ما سبُق به لنفسه، ثم يدخل مع الإمام فيما هو فيه، فخالفهم معاذ، فقال النبي - ﵌ -: «إن معاذًا قد سنَّ لكم».\nثم قال: فينبغي أن يُحمَل كل ما جاء في الأحاديث مما ينافي مقتضى هذا الائتمام ولم يُعلَم تاريخه، على ما قبل أوامر الائتمام ونواهي الاختلاف.\nأقول: أما القراءة فلسنا نوافقه على مذهبه فيها، غاية الأمر أن بعض\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٧٨١٨) والترمذي (٢٠٧) وابن خزيمة (١٥٢٨) وغيرهم من حديث أبي هريرة، وإسناده صحيح.\n(^٢) أخرجه البخاري (٧٢٢) ومسلم (٤١٤) من حديث أبي هريرة، وفي الباب عن أنس وعائشة وغيرهما.\n(^٣) ضمن الحديث السابق.","vol":"16","page":226},{"text":"الصحابة كان يقرأ زيادة على الفاتحة خلف النبي - ﵌ -[...] فنهاهم، ولم يكن ذلك مشروعًا ثم نُسخ.\nوأما قصة معاذ: فأخرجها أبو داود وغيره (^١)، وفيها كلام.\nوعلى كل حال، فينبغي أن نتدبَّر ما أشار إليه العثماني من الأوامر والنواهي، فإذا كانت دلالتها واضحةً على المنع من اقتداء المفترض بالمتنفل، بحيث لا يمكن الجمع بينها وبين أدلة المجيزين إلا بنسخ أحد [القبيلين] للآخر، فدلائل المنع أولى بأن تكون الناسخة. والله أعلم.\nومما احتجوا به حديث: «الإمام ضامن».\nقالوا: وصلاة المأموم لا تكون في ذمة الإمام، فتعين أن يكون «ضامن» بمعنى متضمن، أي محتوٍ مشتمل، كما قال الشاعر (^٢):\nبالباعثِ الوارثِ الأمواتِ قد ضَمِنَتْ ... إيّاهم الأرضُ في دهرِ الدَّهارير\n\nفالمعنى أن صلاة الإمام متضمنة لصلاة المأموم بأن تكون صلاة المأموم في ضمن صلاة الإمام.\nقالوا: والشيء لا يتضمّن ما فوقه، وإنما يتضمّن ما هو مثله أو دونه.\nأقول: لا يخفى أن «ضامن» بمعنى متضمِّن أي محتوٍ مشتمل، قليل في الاستعمال، ومع ذلك فالذي في الحديث «الإمام ضامن»، فحَمْلُه على\n_________\n(^١) سبق تخريجه والكلام عليه.\n(^٢) البيت للفرزدق في «ديوانه» (١/ ٢١٤) ولأمية بن أبي الصلت في «الخصائص» (١/ ٣٠٧، ٢/ ١٩٥).","vol":"16","page":227},{"text":"معنى: «صلاة الإمام ضامنة» مُحوِجٌ إلى تقديرٍ الأصلُ عدمه، وفي تضمُّن الشيء ما هو مثله نظرٌ، والمعروف أن الشيء إنما يتضمن ما هو دونه، كما في تضمن الأرض للموتى.\nوعلى هذا، فيلزم من الحمل على هذا المعنى أن لا يصحَّ اقتداء المفترض بالمفترض، والمتنفل بالمتنفل.\nوقولهم: «صلاة المأموم لا تكون في ذمة الإمام» إن سلم فذاك إذا حُمِل على ضمان الدين.\nوالصواب أنّ ما في الحديث من باب ضمان العين، كما في ضمان العين المستعارة والمستأجرة والمستأجَر على إصلاحها، ويُؤيِّده قولُه عقبه: «والمؤذن مؤتمن»، وفي بعض طرقه زيادة «اللهم أَرشِدِ الأئمة، واغفر للمؤذنين» (^١).\nوكما أن ضامن العين المالية يكون عليها بدلُها إذا تَلِفتْ، وأَرْشُ نقصِها إذا نقصتْ، على التفصيل المعروف في الفقه، فكذلك الإمام ضامن لصلاة المأموم عليه بدلُها إذا تَلِفتْ بسببه، وأرْشُ نقصِها إذا نقصَتْ بسببه، غير أن البدل والأَرْشَ هنا إنما يُستوفى في الآخرة، فإذا كان الإمام مُحدِثًا وهو يعلم ذلك، ولا يعلمه المأموم، فصلاة المأموم في نفس الأمر تالفة، والإمام ضامن لها غارم، ومعنى الغرامة ــ والله أعلم ــ أن الله ﷿ يكتب للمأموم صلاة صحيحة، ويَحْرِم الإمامَ ثوابَ صلاة من صلواته الصحيحة.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٧٨١٨) والترمذي (٢٠٧) وابن خزيمة (١٥٢٨) وغيرهم من حديث أبي هريرة. وإسناده صحيح.","vol":"16","page":228},{"text":"أو قُلْ: يأخذ صلاةً من صلوات الإمام الصحيحة، فيجعلها للمأموم بدلًا من صلاته التي أتلفها الإمام، ويكون الإمام مسؤولًا عن صلاته هذه التي صلّى وهو مُحدِث، وعن صلاته التي أُخِذت منه؛ لأنها إذا أُخِذت منه صار في معنى مَن لم يُصلِّها.\nوقِسْ على هذا، وكذلك في النقص.\nومما يُؤيِّد هذا ما أخرجه الحاكم في «المستدرك» (١/ ٢١٦) وابن ماجه (^١) من طريق عبد الحميد بن سليمان أخي فليح عن أبي حازم: أن سهل بن سعد كان يُقدِّم فتيانًا يصلُّون به، فقلت: أنت صاحب رسول الله - ﵌ -، [ق ٢٤] ولك من الفضل والسابقة، تُقدِّم هؤلاء الصبيان، فيصلُّون بك؟ أفلا تتقدَّم فتصلِّي لقومك؟ فقال: إن رسول الله - ﵌ - قال: «إن الإمام ضامن، فإن أتمَّ كان له ولهم، وإن نقصَ كان عليه ولا عليهم» فلا أريد أن أتحمَّلَ ذلك. لفظ الحاكم، وقال: صحيح على شرط مسلم، وأقرَّه الذهبي.\nكذا قال، مع أن عبد الحميد لم يُخرِّج له مسلم، وضعّفه ابن معين وابن المديني وغيرهما، وأحسنُ ما قيل فيه قول الإمام أحمد: ما كان أرى به بأسًا (^٢) (^٣).\n_________\n(^١) رقم (٩٨١).\n(^٢) انظر «تهذيب التهذيب» (٦/ ١١٦).\n(^٣) في موسوعة أقوال الإمام أحمد: أنه سُئل عن حديثه فقال: «لا أدري، إلا أنه ما أرى كان به بأسًا» اهـ. هكذا بتقديم «أرى» على «كان».","vol":"16","page":229},{"text":"وبالجملة، فهو كما قال ابن عَدي: ممن يُكتَب حديثُه، فيصلح للاستشهاد والاعتضاد.\nوقوله: «فإن أتمَّ كان له ولهم، وإن نقصَ كان له ولا عليهم» لها شواهد ذكر البخاري في «الصحيح» (^١) بعضها في باب إذا لم يُتِمَّ الإمام وأتمَّ مَن خلفه، وذكر ابن حجر في «فتح الباري» (^٢) بعضها.\nووجه التفرقة بين الإمام والمؤذن ــ والله أعلم ــ أن الذي يتعلق بالمؤذن شيء واحد وهو دخول الوقت، والعلم بذلك متيسر للناس، فيمكنهم إذا قصَّر المؤذن أو أخطأ أن يعرفوا ذلك بسهولة، ولا يضطرُّهم شيء إلى اتباع المؤذن إذا تبين لهم خطاؤه.\nوأما الإمام فإنه يتعلق به أشياء كثيرة في الصلاة:\nفمن إخلاله وتقصيره ما لا يمكن أن يعرفه المقتدي، كالحدث الخفي، والنجاسة الخفية، والإخلال بقراءة الفاتحة في السرّية، وعدم الاطمئنان في الركوع والسجود، ولاسيّما في الظلمة، وغير ذلك.\nومنه ما قد يعلمه المقتدي، ولا يمكنه الإتمام لنفسه، كترك الإمام القراءة بالسور المستحبة، كالجمعة والمنافقين في عشاء الجمعة، والسجدة والدهر في صبحها.\nومنها: ما يمكنه أن يُتِمَّه لنفسه، ولكن يفوته فيه فضل الاتباع، فإن فضل الصلاة في الجماعة ببضع وعشرين، فالسنة التي يؤديها الإمام والمأموم معًا\n_________\n(^١) (٢/ ١٨٧) «مع الفتح».\n(^٢) (٢/ ١٨٧).","vol":"16","page":230},{"text":"كالتسبيح في الركوع والسجود يكون ثوابها ــ والله أعلم ــ بذلك التضعيف، فإذا تركها الإمام، وأدَّاها المأموم فالأصل أن لا يكون له ذلك التضعيف، إلا أن يُعوِّضه الله ﷿ من حسنات الإمام؛ لأن الفوات إنما جاء بتقصير الإمام.\nفقوله: «الإمام ضامن» لو انفردت كان الظاهر أن يتضمن ما تعمَّد الإخلالَ به، أو أخطأ ولكن لتقصيرٍ بيِّن. فأما إذا قُرنتَ بقوله: «والمؤذن مؤتمن» فإن ذلك يُشعِر بأن الإمام يضمن وإن لم يُقصِّر، وذلك أن من الأشياء ما تُضمن بشرط التقصير كالوديعة، ومنها ما تضمن وإن لم يقصّر، كالمبيع في يد المشتري إذا عرض له نقص كقطع رجل الدابة مثلًا، ثم ظهر به عيب قديم، فأراد المشتري أن يردَّه، فإن النقص الحادث محكوم به على المشتري، وإن كان بدون تقصيره، والمؤتمن يضمن إذا قصَّر. فلو كان الإمام لا يضمن إلا إذا قصَّر لكان مساويًا للمؤذن، فلما فرق بينهما فقيل: «الإمام ضامن، والمؤذن مؤتمن» دلَّ ذلك على أن ضمان الإمام أشدُّ، وتأكَّد ذلك بما في بعض الروايات: «اللهم أَرشِدِ الأئمة واغْفِر للمؤذنين»، فدعا للأئمة بالإرشاد حتى لا يقع منهم إخلال، ودعا للمؤذنين بالمغفرة، وذلك يُشعِر بأن الأئمة إذا أخلُّوا فلابدَّ من الضمان، وأما المؤذنون فيُرجَى أن لا يَضمَنوا، ولذلك دعا لهم بالمغفرة.\nهذا ما يُشعِر به هذا اللفظ، وأما حقيقة الحال فتُعلَم بالرجوع إلى الأصول القطعية.\nفإن قيل: وكيف يَضْمَن المتنفل، ويَغْرَم للمفترض؟\nقلت: إذا رضي أن يكون إمامًا فقد التزم، فيلزمه ما التزم، وإن كان متنفلًا.","vol":"16","page":231},{"text":"والمقصود أن الحديث ظاهر في هذا المعنى، وهو معنى صحيح لا غبار عليه، فلا وجهَ لحمله على ذلك المعنى البعيد، مع ما يلزم عليه مما مرّ. والله أعلم.\n[ق ٢٥] ومما احتجوا به حديث: «إنما جُعِل الإمام ليؤتمَّ به».\nقال العثماني (^١): «يدلُّ على أن الإمام لا يكون إمامًا إلا إذا ربط المقتدي صلاتَه بصلاته، بحيث يُمكِنه الدخولُ في صلاته بنية الإمام ...».\nأقول: قد يقرّر هذا بأن الحديث دلّ على أن شرع الإمام إنما كان للائتمام، وعُلِم بذلك أنه إذا انتفى الائتمام انتفى شرع الإمامة، والائتمام يشمل الائتمام في أصل الصلاة المَنْويَّة وفي أعمالها، فإذا أراد مفترض أن يقتدي بمتنفل، قيل له: أنت غير مؤتمٍّ به في أصل صلاتك فكيف تتخذه إمامًا أو أنت ناوٍ أن لا تأتم به في أصل صلاتك، فكيف يصحّ مع ذلك نيتك أن تتخذه إمامًا؟\nوالجواب: أنها قد تقدمتْ أدلة الجواز، واستقر الأمر على أن ذلك قد كان جائزًا صحيحًا يومًا ما في عهده - ﵌ -، والأصل استمرار ذلك إلا أن يثبت ناسخ، فاعلم الآن أن هذا الحديث لا يصلح ناسخًا؛ لأنه صريح في أن شرع الإمامة لم يكن أصلًا إلا للائتمام، فالائتمام المراد فيه، إما أن يصدق بائتمام المفترض بالمتنفل على ما تقدم في أدلة الجواز وإما أن لا يصدق، الثاني باطل؛ لأنه قد ثبت الجواز والصحة بعد شرع الإمامة، كما تقدم في أدلة الجواز، فتعين الأول.\n_________\n(^١) «فتح الملهم» (٣/ ٤٣٣).","vol":"16","page":232},{"text":"فتقرر بهذا أنه يكفي في الائتمام في أصل الصلاة أن ينوي كلٌّ منهما الصلاة، وأن تتفق الصلاتانِ بأن لا تكون إحداهما صلاة جنازة، والأخرى ذات ركوع وسجود، ونحو ذلك مما هو مفصَّل في كتب الفقه.\nفإن قيل: سلَّمنا أن الحديث صريح في أن الإمامة إنما شُرِعت للائتمام، ولكنا نقول: هذه العلة لم يجب العمل بحسبها تمامًا من أول الأمر، بل كان الأمر على التدريج، فكأنه قيل: المقصود من شَرْعِ الإمامة هو الائتمام في كل شيء، ولكن في ذلك الوقت رُخِّص بالإخلال ببعض ذلك لحكمة التدريج.\nأو يقال: الإمامة إنما شُرِعت للائتمام، والائتمام يتفاوت، فاكتُفِي أولَ الأمر بائتمام غير كامل؛ لمصلحة التدريج إلى الائتمام الكامل.\nقلت: في هذا نظر من وجوه:\nالأول: أن الحديث وإن احتمل هذا المعنى، فهو محتمل لما قلنا، لعل ما قلنا أقرب.\nالثاني: أن التدريج إنما يقع في الشرع لمصلحة، كالتدريج في تحريم الخمر وغيره، وقد تظهر المصلحة في سنة معاذ، وذلك أن المسبوق يَشُقّ عليه أن يتابع الإمام فيما هو فيه، ثم يقضي بعد ذلك ما فاته؛ لأنه قد يدركه في ثانية المغرب بحيث لا تحسب له تلك الركعة، وقد أتى ببعضها، فيحتاج إلى أن يتشهد معه التشهد الأول والثاني، وليسا محسوبَيْنِ له، ثم يقوم فيصلّي ركعة ويتشهد، ثم أخرى ويتشهد.\nوقريب من هذا قد يتفق في الصلوات الأخرى، فأما إذا بدأ فصلَّى","vol":"16","page":233},{"text":"لنفسه حتى لحِقَ الإمام فوافقه، فإنه يسلِّم معه، فرُخِّص لهم أولًا فيما يَخِفُّ عليهم، ومع ذلك فليس في ذلك مخالفةٌ لحديث: «إنما جُعِل الإمام ليؤتمَّ به»؛ لأن المسبوق إنما كان يصلّي ما سبق به منفردًا قبل أن يجعل الإمام إمامًا له، فإذا وصل إلى ما فيه الإمام اتخذه إمامًا من حينئذ، ووافقه وتابعه.\nفأما اقتداء المفترض بالمتنفل: فلا يظهر لي فيه شيء من هذا القبيل.\nالثالث: أن العمل إذا شُرِع لمعنى، واقتضت الحكمة التدريج في إبلاغ ذلك العمل غايتَه فالمعقول أن يرعى فيه أولًا المقصود الأهم، ويكون التدريج في الفروع. وأنتم تزعمون أن الموافقة في النية هي الأصل، حتى أن لا ينعقد عندكم إلا بها، فلو كان الأمر كما زعمتم لكان الظاهر أن يُهتمّ أولًا بالموافقة في النية، ويكون التدريج في الموافقة الظاهرة، فكيف وانعكس الحال؟ !\nالرابع: أن النبي - ﵌ - فصَّل في حديث: «إنما جُعِل الإمام ليؤتمَّ به» أشياء، قال: «فإذا ركع فاركعوا، وإذا رفع فارفعوا، وإذا قال سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا ولك الحمد، وإذا صلَّى جالسًا فصلُّوا جلوسًا» وزاد في رواية: «فإذا كبَّر فكبِّروا ... وإذا سجد فاسجدوا» إلى غير ذلك.\nفنصَّ على المتابعة التي قد علموا أنها مشروعة، فلو أريد به نسخ جواز اقتداء المفترض بالمتنفل لكان أولى بأن ينصَّ عليه مما ذكر.\nالخامس: أنه نصَّ على المتابعة في الأفعال تفصيلًا، والمتابعة في النية على حسب دعواكم أهمُّ منها، فلو كان الأمر كما قلتم لكان النص على المتابعة في النية ــ على حسب دعواكم ــ أولى.","vol":"16","page":234},{"text":"هذا، وقد نصّ في هذا الحديث على قوله: «وإذا صلّى جالسًا فصلُّوا جلوسًا» فبيَّن أن هذا من الائتمام الذي شُرِعت له الإمامة، وعندكم أن هذا منسوخ، وقال جماعة منهم أبو حنيفة وأبو يوسف والشافعي: إن الإمام إذا صلَّى قاعدًا لعذرٍ وجب على المأموم إذا لم يكن معذورًا أن يصلِّي قائمًا، ولا يخفى فُحْشُ المخالفة في هذا.\nواتفقوا على صحة اقتداء المتنفل بالمفترض مع اختلاف النية، وهو مخالف قطعًا لهذا الحديث، لو كان شاملًا للائتمام في النية على ما قلتم في اقتداء المفترض بالمتنفل.\nواتفقوا على أن من المخالفة في بعض ما نصّ عليه في التفصيل ما لا يبطل الصلاة ولا القدوة، حتى ولو كانت لغير عذر، فما لم ينصّ عليه أولى.\nفغاية الأمر أن يكون اقتداء المفترض بالمفترض أولى من اقتدائه بالمتنفل؛ لمخالفته له في بعض النية، فإن كان لعذر ما فلا حرج، وبهذا تتفق الأدلة بدون حاجة إلى نسخ، ولا فسْخٍ.\nهذا، وفي «الفتح» (^١): عن ابن حبان أن القصة التي في هذا الحديث ــ وهي أنه - ﵌ - جُحِش شِقُّه الأيمن، فصلَّى جالسًا، فصلّى وراءه قوم قيامًا، فأشار إليهم أن اجلسوا، فلما سلّم قال: «إنما جُعِل الإمام ليؤتمَّ به ...» ــ كانت في ذي الحجة سنة خمس. وعلى هذا فهي متقدمة على صلاته في الخوف بطائفةٍ ركعتين، ثم بطائفةٍ ركعتين، لأنها كانت بنَخْلٍ في غزوة محارب وثعلبة، وهي ذات الرقاع، فإن البخاري اختار أنها كانت بعد خيبر،\n_________\n(^١) (٢/ ١٧٨). وانظر «صحيح ابن حبان» (٥/ ٤٩٢).","vol":"16","page":235},{"text":"واستدلّ على ذلك بأدلّة. والله أعلم.\nومما احتجوا به قوله في بعض طرق هذا الحديث: «ولا تختلفوا عليه» (^١).\nقال العثماني (^٢): «فإنه يشمل الاختلافَ عليه في الأفعال الباطنة».\nويُجاب: بأن حقيقة اختلافهم عليه هو أن يكون بعضهم موافقًا، وبعضهم مخالفًا.\nولفظ مسلم (^٣): «إنما جُعِل الإمام ليؤتمَّ به، فلا تختلفوا عليه، فإذا كبَّر فكبِّروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: اللهمَّ ربَّنا ولك الحمد، وإذا سجد فاسجدوا، وإذا صلَّى جالسًا فصلُّوا جلوسًا أجمعون».\nفقوله: «أجمعون» يعود ــ والله أعلم ــ إلى جميع الجمل قوله: «فإذا كبَّر فكبِّروا ...» وما بعدها.\nوقد علمتَ من الكلام على الدليل السابق جوازَ أن يصلِّي المأمومون كلهم مفترضين، والإمام متنفل، وأن ذلك ليس من الخلاف للائتمام الذي شُرِعت له الإمامة، فأولى من ذلك أن يكون بعضهم مفترضًا، وبعضهم متنفلًا.\nوبالجملة، فالتفصيل في الحديثين يدلُّ أن الموافقة والمتابعة المطلوبة\n_________\n(^١) سبق تخريجه.\n(^٢) «فتح الملهم» (٣/ ٤٣٣).\n(^٣) رقم (٤١٤).","vol":"16","page":236},{"text":"إنما هي في الصفة الظاهرة، فأما الباطن فأصل مقصود الشارع من الباطن الإخلاصُ والخضوع وصدق التوجه إلى الرب سبحانه، وكلّ مصلٍّ مأمورٌ بذلك، فإذا اتفقوا فيه فقد اتفقوا في كل شيء من مقصود الباطن.\nهذا، وإذا دقَّ عليك فهمُ بعض ما تقدم، فيكفيك أن تعلم أن غاية ما في قوله: «إنما جُعِل الإمام ليؤتم به» وقوله: «فلا تختلفوا عليه» أن يكون ظاهر اللفظ يتناول الموافقة في نية الصلاة فرضًا ونفلًا.\nويجاب عنه: بأن هذا العموم ــ على تسليمه ــ مخصَّص بأدلة الجواز، وقد تقدَّم عن ابن حبان والبخاري ما يقتضي أن بعض أدلة الجواز متأخرة حتمًا عن هذا الحديث.\nوما ذكره العثماني من أنَّ الظاهر التأخرُ، لا يصادم النقل.\nفإن سُلِّم الجهل بالتاريخ، أو تأخَّر هذا الحديث عن أدلة الجواز، فالصحيح في الأصول: العمل بالتخصيص أيضًا، وقد تأكّد ذلك بأنه في التفصيل اقتصر على الأعمال الظاهرة، مع أن المتابعة فيها كانت معلومة عندهم، فلو أريد نسخُ جواز ائتمام المفترض بالمتنفل لكان النصّ عليه في التفصيل أولى وأحرى.\nوأيضًا، فهذا العموم ــ على تسليمه ــ قد خُصَّ عند جماعة منهم أبو يوسف وأبو حنيفة والشافعي، قالوا: إذا صلى الإمام جالسًا لم يجب الجلوس على المأموم، بل يجب عليه القيام في الفرض.\nبل خُصَّ بالنظر إلى اختلاف النية اتفاقًا، فأجازوا ائتمام المتنفل بالمفترض.","vol":"16","page":237},{"text":"وكذلك دلالته على بطلان القدوة والصلاة أو إحداهما عند المخالفة غير سالم؛ لاتفاقهم على أن من المخالفة في بعض ما نصّ عليه في التفصيل ما لا يبطل الصلاة ولا القدوة، ولو لم يكن للمخالف عذر.\n\n[ق ٢٦]<span data-type=\"title\" id=toc-26> فصل\nمما يُستدل به لصحة اقتداء المفترض بالمتنفِّل:</span> قصةُ عمرو بن سَلِمة الجَرْمي أنه كان يؤمُّ قومَه في عهد النبي - ﵌ - وهو ابن ست أو سبع سنين. أخرجه البخاري في «الصحيح» (^١) في المغازي آخر الأبواب المتعلقة بفتح مكة، وفي «سنن» أبي داود (^٢) ما يدلُّ أنه استمرَّ على ذلك، فإن فيها عن عمرو أنه قال: «فما شهدتُ مجمعًا من جَرْمٍ إلا كنتُ إمامَهم».\nوقد أجيب عن هذا بأنه لم يُنقل أن النبي - ﵌ - علم بذلك.\nورُدَّ بأن ذلك كان في زمن نزول الوحي، وقد قال جابر: «كنا نَعزِل والقرآن ينزل» (^٣). وقد تقدم تقرير ذلك في الكلام على قصة معاذ.\nأقول: في قصته أنه كان قبل إسلام قومه يمرُّ بهم الركبان، فيسمع منهم القرآن فيحفظه، فحفظ قرآنًا كثيرًا، ولما وفد قومه، ثم أرادوا أن ينصرفوا، قالوا: يا رسول الله! فمن يؤمُّنا، قال: «أكثركم جمعًا للقرآن، أو أخذًا للقرآن». قال: فلم يكن [أحدٌ] من القوم جمَعَ ما جمعتُ، فقدَّموني. هكذا\n_________\n(^١) رقم (٤٣٠٢).\n(^٢) رقم (٥٨٧).\n(^٣) سبق تخريجه.","vol":"16","page":238},{"text":"في «سنن» أبي داود (^١).\nوفي «التهذيب» (^٢): «روى ابن منده في كتاب «الصحابة» حديثه من طريق صحيحة، وهي رواية الحجاج بن المنهال عن حماد بن سلمة عن أيوب عن عمرو بن سَلِمة قال: كنتُ في الوفد الذين وفدوا على رسول الله - ﵌ -. وقد روى أبو نعيم في «الصحابة» (^٣) من طُرقٍ ما يقتضي ذلك، وقال ابن حبان (^٤): له صحبة.\nأقول: إن صحَّ ذلك فالذي يقتضيه العادة أن يكون أبوه عرضه على النبي - ﵌ -، وأخبره بما حفظه من القرآن. وعليه، فيكون قوله - ﵌ - لما سألوه عمن يؤمُّهم: «أكثركم جمعًا للقرآن» كالنص عليه. والله أعلم.\n_________\n(^١) رقم (٥٨٥ ــ ٥٨٧).\n(^٢) «تهذيب التهذيب» (٨/ ٤٢، ٤٣). وانظر «الإصابة» (٧/ ٣٩٨).\n(^٣) «معرفة الصحابة» (٣/ ٤١٥، ٤١٦).\n(^٤) في «الثقات» (٣/ ٢٧٨).","vol":"16","page":239}]}