{"ً":{"ٌ":436,"ٍ":"بحث في حديث معاذ بن جبل ﵁ في صلاته بقومه - ضمن «آثار المعلمي»","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"files":["https://archive.org/download/moalemee/16-17_137196s.pdf"]},"ّ":"الكتاب: بحث في حديث معاذ بن جبل ﵁ في صلاته بقومه\n[آثار عبد الرحمن بن يحيى المعلمي اليماني (١٦)]\nالمؤلف: عبد الرحمن بن يحيى المُعَلِّمي اليماني (١٣١٣ - ١٣٨٦ هـ)\nالمحقق: محمد عزير شمس\nراجعه: محمد أجمل الإصلاحي - سليمان بن عبد الله العمير\nالناشر: دار عالم الفوائد للنشر والتوزيع\nالطبعة: الأولى، ١٤٣٤ هـ\nقدمه للشاملة: مؤسسة «عطاءات العلم»، جزاهم الله خيرا\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":178,"ٕ":7,"ٖ":1780758591,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["16"],"ٚ":[{"title":"شكوى قوم معاذ كانت للتأخير والتطويل","level":1,"page":2},{"title":"أحاديث النهي عن الإعادة والجواب عنها","level":1,"page":4},{"title":"فصل (في ذهاب بعض أئمة الحنفية في الهند إلى أن معاذا إنما كان يصلي المغرب مع النبي - ﷺ - ثم العشاء بقومه)","level":1,"page":7},{"title":"فصل (الجواب عن أدلة القائلين بمنع أداء الفريضة خلف من قد أداها)","level":1,"page":11}],"ٛ":{"16,241":1,"16,243":2,"16,244":3,"16,245":4,"16,246":5,"16,247":6,"16,248":7,"16,249":8,"16,250":9,"16,251":10,"16,252":11,"16,253":12,"16,254":13,"16,255":14},"ٜ":{"16":[241,255]},"ٝ":["16,241","16,243","16,244","16,245","16,246","16,247","16,248","16,249","16,250","16,251","16,252","16,253","16,254","16,255"],"ٞ":{"2":[1],"4":[2],"7":[3],"11":[4]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"الرسالة السابعة\nبحث في حديث معاذ بن جبل ﵁\nفي صلاته بقومه","vol":"16","page":241},{"text":"(أقول: معنى هذا بنحو لفظه في رواية ابن عيينة في «صحيح مسلم» (^١) وغيره، وقد تقدم).\nففيه ــ كما نرى ــ شكاية التأخير، ثم التطويل، فأرشد النبي - ﵌ - معاذًا إلى إزالة شكواهم بأن يكتفي بأداء صلاته مع النبي - ﵌ - ويترك الإمامة، أو بأن يُخفِّف على قومه.\nولما كان التشديد عليهم من وجهين يحصل التخفيف أيضًا بأمرين: أن لا يصلي مع النبي - ﵌ -، فتزول الشكوى بالتأخير والانتظار الشديد.\nوفي رواية البزار: «لا تكن فتَّانًا تَفْتِن الناس، ارجعْ إليهم فصلِّ بهم قبل أن يناموا». «مجمع الزاوئد» (ص ١٩٥) (^٢).\nويقرأ أوساط السور لتزول شكوى التطويل.\nفالتخفيف هنا مقابل التشديد الذي ذكروه، فيشمل التعجيل في الإتيان إلى الصلاة، والاختصار في القراءة.\nوبمجموعهما يحصل الأمن من تفتين القوم.\nقال عبد الرحمن: لا شك أن شكواهم ــ على ما في رواية ابن عيينة الصحيحة، ورواية معاذ بن الحارث المرسلة ــ كانت من أنه يتأخَّر ثم يُطوِّل. وهذا يحتمل أمرين:\nالأول: أن تكون الشكوى من الجمع بين الأمرين، فلو تأخَّر وخفَّف، أو\n_________\n(^١) رقم (٤٦٥) من حديث جابر بن عبد الله في قصة معاذ بن جبل ﵁.\n(^٢) (٢/ ١٣٣) من حديث جابر بن عبد الله. قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح خلا معاذ بن عبد الله بن حبيب، وهو ثقة لا كلام فيه.","vol":"16","page":243},{"text":"تقدَّم وطوَّل لم يشكُوا.\nالثاني: أن تكون من كل منهما، حتى لو تقدَّم وطوَّل أو تأخَّر وخفَّف ما زالت شكواهم.\nفإن بنينا على الأول كان معنى «إما أن تُصلِّي معي وإما أن تُخفِّف على قومك»: إما أن تصلِّي معي وتَدَعهم يقدِّمون غيرك فيصلي بهم قبل رجوعك، فيحصل التخفيف عنهم بالتعجيل، وإما أن تُخفِّف بهم إذا أبيت إلّا أن تصلي معي ثم تؤمَّهم.\nوإن بنينا على الثاني كان المعنى: إما أن تصلِّي معي وتدعَهم يؤمُّهم غيرك فيعجِّل بهم ويخفِّف، وإما أن لا تصلِّي معي فتؤمَّهم فتعجِّل بهم وتخفِّف.\nفأما الأول فواضح أنه ليس فيه المنع من أن يصلي معه - ﵌ - ثم يصلي بهم، وإنما فيه المنع من أن يصلِّي معه - ﵌ - ثم يطوِّل بهم.\nوأما الثاني ففيه المنع من أن يصلِّي معه - ﵌ - ثم يصلي بهم، ولكن مغزى المنع إنما هو [...] (^١) التشديد عليهم بالتأخير. هذا واضح لا غبار عليه. وإذا كان كذلك فلا دلالة في العبارة المذكورة على المنع لمغزًى آخر.\nوعليه، فسكوت النبي - ﵌ - حينئذٍ عن بيان امتناع أن يؤمَّ القوم في أداء فريضتهم من قد أدَّاها= دليل واضح على جواز ذلك.\nفأما إذا فرضنا أن الفريضة إنما هي واحدة ولكن كانت تعاد، فإعادتها غير مفروضة، فليست المعادة بفريضة.\n_________\n(^١) كلمة غير واضحة، وكأنها: «استلزام».","vol":"16","page":244},{"text":"على أن قصة أهل العوالي ــ مع إرسالها ــ قد قدّمنا أن ظاهر ذلك المرسل النهيُ عن أن يعيد ثم يعيد، بأن يصلِّيها أولًا ثم يعيدها ثم يعيدها، وهذا لا ينفع المانعين بل يضرهم بمفهومه؛ لأن النهي عن إعادتها مرتين يُفْهِم صفة الإذن بإعادتها مرة.\nوقدمنا أن حديث ابن عمر يتفرد به حسين المعلم، وقد روي عنه بلفظ «لا تُعاد الصلاة في يوم واحد مرتين»، وهذا اللفظ ظاهره لفظ المرسل المذكور.\nوروي أيضًا بلفظ: «لا صلاة مكتوبة في يوم مرتين»، وهذا اللفظ يحتمل احتمالًا ظاهرًا توجُّه النفي إلى كونها مكتوبةً مرتين، فيكون حاصله أن من صلى الفريضة مرة فقد أدّى ما عليه، ولا يُفرض عليه إعادتها.\nفهذه الألفاظ مختلفة المعاني، ولا يُدرى أيّها قال النبي - ﵌ -، فلا يصلح أن يحتجَّ بما يكون معنى [في] (^١) بعضها دون الباقي؛ لاحتمال أن ذلك اللفظ لم يقله النبي - ﵌ -.\nهذا، وقد تقدَّمتْ دلائل الإعادة. ومنها ما كان في آخر حياة النبي - ﵌ -، ومنها ما أمر أصحابه أن يعملوا به من بعده.\nوهَبْ أن حديث ابن عمر صحَّ بلفظ صريح في النهي عن الإعادة، فتاريخه مجهول، وغايته أن يكون عامًّا يُخصُّ منه ما قام الدليل على خصوصه، ومنه قصة معاذ وما في معناها.\nوجعل بعضهم الناسخ هو ما جاء في مرسل معاذ بن الحارث: أن النبي - ﵌ - قال لمعاذ: «إما أن تصلِّي معي وإما أن تُخفِّف على قومك».\n_________\n(^١) كلمة غير واضحة، ولعلها كذلك.","vol":"16","page":245},{"text":"وأجيب عن هذا بأنه مرسل لم يأتِ هو ولا معناه في شيء من الروايات الموصولة، حتى الرواية التي يُشبه سياقُه سياقَها. أعني رواية عبيد الله بن مِقْسم التي تقدمت عن أبي داود والبيهقي.\nومع ذلك، ففي معنى هذه العبارة نظر. حكى ابن حجر في «الفتح» (^١) عن الطحاوي أن معناها: «إما أن تصلِّي معي ولا تصلِّ بقومك، وإما أن تُخفِّف بقومك ولاتُصلِّ معي».\nقال ابن حجر: «لمخالفِه أن يقول: إن التقدير: «إما أن تصلِّي معي فقط إذا لم تخفِّف، وإما أن تخفِّف بقومك فتصلِّي معي»، وهو أولى من تقديره؛ لما فيه من مقابلة التخفيف بترك التخفيف، لأنه المسؤول عنه المتنازع فيه».\nوذكر بعض أئمة الحنفية بالهند أن هذا من باب ما حكاه الله ﷿ عن المشركين من قولهم: ﴿أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾ [سبأ: ٨]. فأصلُ مقصودهم: افترى أم لم يفترِ، ولكن أُقِيمَ ﴿أَمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾ مقام «أم لم يفترِ»؛ لاستلزام الجنون عدمَ الافتراء. فكذلك هنا المقصود: إما أن تصلّي معي، وإما أن لا تصلِّي معي، ولكن أقيم التخفيف بقومه مقام عدم الصلاة مع النبي - ﵌ -؛ لأن التخفيف بقومه إنما يكون مع صلاته بهم، وصلاته بهم تستلزم عدم صلاته مع النبي - ﵌ -؛ للمنع من أن يؤمَّ الناس في أدائهم فريضتَهم مَن قد أدَّاها.\nأقول: وفَهْم هذا المعنى يتوقف على سبق العلم بالمنع المدَّعَى، على\n_________\n(^١) (٢/ ١٩٧).","vol":"16","page":246},{"text":"أنه يردُّه أن سياق هذه الجملة هكذا: «يا معاذ بن جبل، لا تكن فتّانًا، إما أن تصلّي معي، وإما أن تخفِّف على قومك».\nوذلك واضح في أن قوله: «إما أن تصلّي معي، وإما أن تخفِّف على قومك» إنما هو إرشاد إلى اجتناب ما تُخشَى منه الفتنة من التشديد.\nوقد قال العلامة المحقق شبير أحمد العثماني الحنفي في «شرحه لصحيح مسلم» (^١): «والظاهر من مجموع الروايات أنهم يَشْكُون تأخير معاذ في مجيئه إلى الصلاة؛ لصلاته مع النبي - ﵌ -، حتى كان ينام القوم ويشقّ عليهم الانتظار، ثم قراءته السور الطويلة، وهذا صريح في سياق أحمد (يعني في مرسل معاذ بن رفاعة)، وفي بعض روايات حديث الباب: فقال الرجل: يا رسول الله، إنك أخَّرتَ العشاء، وإن معاذًا صلَّى معك، ثم أمَّنا وافتتح سورة البقرة، وإنما نحن أصحابُ نواضِحَ نعملُ بأيدينا» اهـ. «تلخيص الحبير» (ص ١٢٦) (^٢).\nوقرر العثماني النسخَ بأن أحكام الإمامة إنما تمَّتْ على لسان الشارع شيئًا فشيئًا، فقد كانوا أولًا إذا جاء الرجل والإمام في الصلاة سأل: كم قد صلَّوا؟، فيشار إليه بذلك، فيبدأ فيصلِّي ما سُبِق به، حتى يدرك الإمام فيوافقه فيما بقي، ثم نُسِخ ذلك وأُمِروا بالمتابعة.\nوكانوا أولًا يقرؤون خلف الإمام، ثم نُسِخ ذلك، وجُعِلتْ قراءة الإمام قراءةً للمأموم.\n_________\n(^١) (٣/ ٤٣١).\n(^٢) (٢/ ٤١) ط. النمنكاني.","vol":"16","page":247},{"text":"قال: «فينبغي أن يُحمل كل ما جاء في الأحاديث مما ينافي مقتضى هذا الائتمام ــ ولم يُعلَم تاريخه ــ على ما قبل أوامر الائتمام ونواهي الاختلاف».\nأقول: سيأتي إن شاء الله تعالى النظر فيما ذكروه من أوامر الائتمام ونواهي الاختلاف، وهناك يُنظَر فيما ذكره العثماني إن شاء الله تعالى.\n\nفصل\nذهب بعض أئمة الحنفية بالهند (^١) إلى أن أصل القصة إنما هي أن معاذًا كان يصلِّي المغرب مع النبي - ﵌ -، ثم يرجع إلى قومه فيصلّي بهم العشاء.\nواستدل بما روي عن جابر: «كنا نصلِّي مع رسول الله - ﵌ - المغرب، ثم نأتي بني سلمةَ ونحن نُبصِر مواقعَ النَّبْل». «مسند» (٣/ ٣٨٢) (^٢).\nفهذه عادة بني سلمة قومِ معاذ، فلا بد أن تكون عادة معاذ أيضًا، كيف وقد جاء ذلك نصًّا في حديث الترمذي (وقد مرَّ)، ولكن حُذِفَت كلمة المغرب من العبارة، فصارت هكذا ــ مثلًا ــ: «كان معاذ يصلي مع النبي - ﵌ - (المغربَ)، ثم يرجع إلى قومه فيصلي بهم العشاء، فصلَّى بهم ليلةً فقرأ بالبقرة ...».\nفلما حُذِفت كلمة «المغرب» توهَّم السامعون أن المراد: «كان معاذ يصلِّي مع النبي - ﵌ - العشاء، ثم يرجع إلى قومه فيصلِّي بهم العشاء». فلما توهَّموا هذا تصرَّفوا في الألفاظ، على قاعدة الرواية بالمعنى.\nيقول عبد الرحمن: ليس فيما ذكره ما يَصلُح للتشبث، فإنه إن ثبت أن معاذًا كان يصلِّي المغرب مع النبي - ﵌ -، ثم يرجع إلى قومه فيصلِّي بهم\n_________\n(^١) هو الشيخ أنور شاه الكشميري كما سبق (ص ٢٢٢).\n(^٢) (٢٣/ ٣١٩) (١٥٠٩٦) ط. الرسالة. وأخرجه ابن خزيمة في صحيحه (٣٣٧).","vol":"16","page":248},{"text":"المغرب، كما فهمه الترمذي وتقدم بيانه، فهذا غير مخالف لعادة قومه، بل هو موافق لها، فإن ادعى أن بني سلمة كانوا كلهم يصلُّون المغرب مع النبي - ﵌ - طُولِب بالحجة.\nفإن قال: قد ثبت في الصحيحين (^١) وغيرهما أن بني سلمة كانت منازلهم بعيدة من مسجد النبي - ﵌ -، فأرادوا أن يتحوَّلوا إلى قرب المسجد، فقال النبي - ﵌ -: «يا بني سلمة، ألا تحتسبون آثاركم!»، وفي رواية: «دياركم، تُحسب آثاركم».\nفالجواب: أنه لا يلزم من ذلك أنهم كانوا بعد ذلك يحضرون كلهم. فإن زعمتَ ذلك فارفض الحديث من أصله، وقل: إنه لم يكن لبني سلمة مسجد، ولا صلَّى بهم معاذ قطُّ! !\nفأما حديث جابر في حضورهم المغرب، فليس فيه أنهم كانوا يحضرون جميعًا، فالحق أنه كان منهم من يحضر مع النبي - ﵌ - في المغرب والعشاء وغيرهما، ومنهم من يتأخر فيصلُّون في مسجدهم، كما كان شأن غيرهم من العشائر في المدينة. فقد كان بالمدينة عدة مساجد يُصلَّى فيها، والأحاديث في ذلك معروفة.\nهذا، وفي «الفتح» (^٢): «ولابن مردويه ... عن أبي نضرة عنه (يعني جابرًا) قال: كانت منازلنا بسَلْعٍ. ولا يعارض هذا ... لاحتمال أن تكون ديارهم كانت من وارء سَلْعٍ، وبين سَلْعٍ والمسجدِ قدرُ ميل».\n_________\n(^١) البخاري (٦٥٥) ومسلم (٦٦٥) من حديث أنس.\n(^٢) (٢/ ١٤٠).","vol":"16","page":249},{"text":"وعلى هذا، فكان معاذ ومن خفَّ من بني سلمة يشهدون المغرب مع النبي - ﵌ -، ثم يأتون بني سلمة وهم يبصرون مواقع النَّبل، فيصلِّي معاذ بالذين تأخَّروا، ثم يتأخَّر في شغلٍ إن كان له، ثم يَخِفُّ هو وجماعة فيشهدون العشاء مع النبي - ﵌ -، ثم يرجعون إلى بني سلمة، فيصلي معاذ العشاء بالذين تأخروا.\nفإن قيل: وكيف يؤخِّر المتأخرون المغرب هذا التأخير؟\nقلت: وأيُّ تأخيرٍ إذا كان معاذ يأتيهم والرامي يرى موقع سهمه؟ ! والظاهر أنه كان إذا اتفق أن يتأخر أكثر من ذلك قدَّموا غيره.\nهذا كله إذا بنينا على أن معاذًا كان يصلِّي المغرب مع النبي - ﵌ -، ثم يعود فيصلِّيها بقومه، كما اقتضاه حديث الترمذي وعمومُ غيره من الروايات، كما تقدم.\nفأما إذا وافقنا مسلمًا على أن في حديث قتيبة وهمًا، وأن الصواب كما رواه أبو الربيع، وأخرجنا المغرب من عموم الروايات العامة، أو حملناها كلها على خصوص العشاء= فأيُّ مانع من أن يكون معاذ كان يعتاد عدم الرجوع إلى قومه بعد المغرب، أو أيُّ مانع من أن يكون كان يعود إليهم، ثم يرجع إلى مسجد النبي - ﵌ - لصلاة العشاء، ثم يعود إلى قومه؟ فقد كان معاذ شابًّا نشيطًا حريصًا على الخير، فلا وجه لأن نقيسه على أنفسنا في عجزنا وكسلنا. ولم يكن النبي - ﵌ - يعجِّل العشاء تعجيلنا.\nومع هذا، فإن ما ذهب إليه من توهيم الرواة يلزم منه وهمهم جميعًا، فإن الروايات على كثرتها ليس فيها رواية واحدة تحتمل ما قاله احتمالًا قريبًا. حتى رواية قتيبة عند الترمذي، فإن ظاهرها ما فهمه الترمذي، بل لا","vol":"16","page":250},{"text":"تكاد تظهر فائدة إن قيل: كان معاذ يصلِّي مع النبي - ﵌ - المغرب، ثم يعود فيصلِّي بقومه العشاء.\nولو قيل هكذا لكان ظاهره أنه لم يكن بين صلاة النبي - ﵌ - المغرب وبين صلاة بني سلمة العشاء إلا مقدار المسافة! وهذا باطل اتفاقًا.\nوهَبْ أن العالم لا يخشى على دينه من ارتكاب مثل هذه التأويلات، فينبغي له ــ على الأقل ــ أن يستحضر أن ارتكابه لها يُجرِّئ مخالفيه على ارتكاب مثلها في معارضته، ولاسيما المخالفين في أصول الدين من أهل البدع، بل والكفار أيضًا، فيحرِّفون السنن الصحيحة كيفما شاء لهم الهوى، فإذا قيل لهم: هذا تأويل بعيد، قالوا: إن في كلام أئمتكم تأويلاتٍ مثله أو أبعد منه.\nهذه نفثةُ مصدورٍ، والله عليم بما في الصدور.\nاللهم يا مقلِّب القلوب ثبِّتْ قلبي على دينك، واهْدِني لما اختُلِفَ فيه من الحق بإذنك، واجعلْ هواي تبعًا لما جاء به نبيك - ﵌ -.","vol":"16","page":251},{"text":"فصل\nاعتذر القائلون بمنع أن تؤدَّى الفريضة خلف من قد أدّاها بأمور:\nمنها: أن ما فعله معاذ كان بغير علم النبي - ﵌ -، فلا حجة فيه.\nوالجواب: أننا إن أخذنا بمذهب جابر وأبي سعيد إذ قالا: «كنا نَعزِلُ والقرآن ينزل، لو كان شيئًا يُنهى عنه لنهى عنه القرآن». فإن هذا العذر واضح.\nوتقرير مذهبهما في هذا: أنه كما تقرر عند أهل العلم أن تقرير النبي - ﵌ - حجة، فأولى منه تقرير الله ﷿ في الوقت الذي يكون فيه الواسطة ــ وهو الرسول ــ بين أظهر الناس.\nويؤيده ما ثبت من أن الصحابة كانوا مَنْهيِّين عن سؤال النبي - ﵌ -، فإن ذلك يستلزم أن يكون مأذونًا لكلٍّ منهم أن يعمل بما يظهر له في الحكم، وإن كان عنده فيه تردُّد. وإنما ذلك لأن الله ﷿ رقيب عليهم، والرسول بين أظهرهم، فإذا علم الله ﷿ خطأهم في شيء أوحى إلى رسوله ما يبين به الحكم.\nوسيأتي إن شاء الله تعالى النظر في ما ذكروا أنه حجة على ما ذهبوا إليه.\nوإن لم نذهب هذا المذهب فإننا نقول: ظاهر الروايات أن صلاة معاذ بقومه الصلاةَ [التي] قد صلَّاها مع النبي - ﵌ - تكرر كثيرًا، وأن معاذًا كان كأنه الإمام الراتب لبني سلمة، وكان النبي - ﵌ - مما يتعاهد الأنصار في أمر دينهم، وكانوا مما لا يكادون يصنعون في دينهم إلا ما يثقون بصحته، والظاهر أنهم لم يكونوا يبنون مسجدًا ولا يُرتِّبون إمامًا إلا بعد استئذان النبي","vol":"16","page":252},{"text":"- ﵌ -، وقد كان في بني سلمة رجال من أهل العلم والدين، ذُكر في «الفتح» (^١) عن ابن حزم: أنه كان فيهم ثلاثون عَقَبيًّا وأربعون بدريًّا.\nولا يحفظ عن غيرهم من الصحابة امتناع ذلك، بل قال منهم بالجواز: عمر، وابن عمر، وأبو [الدرداء وأنس وغيرهم] (^٢).\nومعاذ نفسه جاء عن النبي - ﵌ - أنه أعلم الأمة بالحلال والحرام (^٣)، وأنه يأتي يوم القيامة أمام العلماءِ بِرَتْوةٍ (^٤)، وهو أول من سنَّ متابعة الإمام ... وهم في الصلاة، فقال: لا أراه على حال إلا كنت عليها، فدخل في الصلاة، ووافق النبيَّ - ﵌ - فيما هو فيه، فلما سلَّم النبي - ﵌ - قام معاذ فأتمَّ ما فاته، فقال النبي - ﵌ -: «إن معاذًا قد سنَّ لكم» (^٥)، فأمرهم بمثله ...\nهذا، وسيأتي ما يُعلَم منه أن النبي - ﵌ - قرَّر معاذًا وبني سلمة على ما كان منهم.\nوقد ذهب جمعٌ من أهل العلم إلى أن قول الصحابي بعد النبي - ﵌ - حجة، فأولى منه قوله في حياة النبي - ﵌ -؛ لأنه يكون أبلغ تحريًا واحتياطًا، كما لا يخفى. هذا مع انضمامه إلى ما تقدم.\n_________\n(^١) (٢/ ١٩٦).\n(^٢) كلمات لم تظهر في التصوير. والمثبت من «الفتح».\n(^٣) أخرجه الترمذي (٣٧٩٠، ٣٧٩١) من حديث أنس.\n(^٤) أخرجه ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٥٨/ ٤٠٦) من حديث أبي عون الثقفي مرسلًا.\n(^٥) أخرجه أحمد (٢٢١٢٤) وأبو داود (٥٠٦) وغيرهما من حديث معاذ.","vol":"16","page":253},{"text":"وسيأتي إن شاء الله تعالى النظر فيما ذكروا أنه يُعارِض ذلك.\nهذا، وفي هذا الحديث كرواية ابن عيينة وغيره أن القوم أخبروا النبي - ﵌ -، ثم يصلِّي بهم، ولم يثبت أن النبي - ﵌ - أنكر عليهم ذلك، بل ظاهر أكثر الروايات أنه أقرَّهم على فعلهم، وإنما أنكر على معاذ التطويل. وما أوردوه مما يعتبر أنه إنكار، وهو ما في رواية ... (^١) لم يصح، [بل هو] مرسل، ولم يقع في الرواية المتصلة، حتى رواية عبيد بن مقسم التي يُشبِه سياقها سياقَ ذلك المرسل، ولو صح ذلك القول فلا دلالة فيه على المدعَى، كما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى.\nومنها: أنه يحتمل أن يكون هذا كان في الوقت الذي كانت الفريضة فيه تُصلَّى مرتين. قاله الطحاوي. قال في «الفتح» (^٢): «أي فيكون منسوخًا»، وقال: «تعقبه ابن دقيق العيد بأنه يتضمن إثبات النسخ بالاحتمال، وهو لا يسوغ، وبأنه يلزمه إقامة الدليل على ما ادعاه من إعادة الفريضة».\nثم ذكر أن الطحاوي ذكر دليله، وهو حديث ابن عمر مرفوعًا: «لا تُصلُّوا الصلاةَ في اليوم مرتين»، ومرسل خالد بن أيمن، وصدقة بن المسيب في قصة العوالي، وقد ذكرتها فيما تقدم.\nأقول: الظاهر أن ابن دقيق العيد إنما طالب بالدليل على أن الفريضة كانت تُعاد فريضةً، أي أنه كان مفروضًا صلاتها مرتين، فإن هذا هو الذي ينفع الطحاوي.\n_________\n(^١) هنا كلمات غير واضحة.\n(^٢) (٢/ ١٩٦).","vol":"16","page":254},{"text":"فيقال: كان معاذ يصلِّي مع النبي - ﵌ -، وهي فريضة عليه، ثم يعيدها بقومه وهي فريضة عليه أيضًا. ولا دلالة في حديث ابن عمر وقصة أهل العالية على هذا.","vol":"16","page":255}]}