{"ً":{"ٌ":440,"ٍ":"سنة الجمعة القبلية - ضمن «آثار المعلمي»","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"files":["https://archive.org/download/moalemee/16-17_137196s.pdf"]},"ّ":"الكتاب: سنة الجمعة القبلية\n[آثار عبد الرحمن بن يحيى المعلمي اليماني (١٦)]\nالمؤلف: عبد الرحمن بن يحيى المُعَلِّمي اليماني (١٣١٣ - ١٣٨٦ هـ)\nالمحقق: محمد عزير شمس\nراجعه: محمد أجمل الإصلاحي - سليمان بن عبد الله العمير\nالناشر: دار عالم الفوائد للنشر والتوزيع\nالطبعة: الأولى، ١٤٣٤ هـ\nقدمه للشاملة: مؤسسة «عطاءات العلم»، جزاهم الله خيرا\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":178,"ٕ":19,"ٖ":1780758642,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["16"],"ٚ":[{"title":"مقدمتان بين يدي البحث في المسألة","level":1,"page":2},{"title":"الأولى: التنفل يوم الجمعة قبل الزوال","level":2,"page":2},{"title":"الثانية: تحقيق وقت الجمعة","level":2,"page":4},{"title":"اختيار المؤلف في المسألة","level":1,"page":12},{"title":"أدلة القائلين بالسنة القبلية للجمعة والجواب عنها","level":1,"page":15},{"title":"خاتمة: في نصيحة للمثبتين","level":1,"page":32}],"ٛ":{"16,335":1,"16,337":2,"16,338":3,"16,339":4,"16,340":5,"16,341":6,"16,342":7,"16,343":8,"16,344":9,"16,345":10,"16,346":11,"16,347":12,"16,348":13,"16,349":14,"16,350":15,"16,351":16,"16,352":17,"16,353":18,"16,354":19,"16,355":20,"16,356":21,"16,357":22,"16,358":23,"16,359":24,"16,360":25,"16,361":26,"16,362":27,"16,363":28,"16,364":29,"16,365":30,"16,366":31,"16,367":32,"16,368":33,"16,369":34},"ٜ":{"16":[335,369]},"ٝ":["16,335","16,337","16,338","16,339","16,340","16,341","16,342","16,343","16,344","16,345","16,346","16,347","16,348","16,349","16,350","16,351","16,352","16,353","16,354","16,355","16,356","16,357","16,358","16,359","16,360","16,361","16,362","16,363","16,364","16,365","16,366","16,367","16,368","16,369"],"ٞ":{"2":[1,2],"4":[3],"12":[4],"15":[5],"32":[6]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"الرسالة العاشرة\nسنة الجمعة القبلية","vol":"16","page":335},{"text":"الحمد لله حمدًا كثيرًا طيِّبًا مباركًا فيه، وصلاته وسلامه على خير خلقه محمدٍ وآله وصحبه.\nوبعد، فقد سألني بعضُ الإخوان: هل للجمعة سُنَّة قبليَّة؟\nفأجبته: أنَّ المقرَّر في المذهب (^١) أنّها كالظهر في ذلك.\nفسألني النظرَ في ثبوت ذلك وعدمِه من حيث الدليل.\nفأقول: الكلامُ في هذه المسألة يَستدعي تقديم البحث عن شيئين:\nالأول: التنفُّل يوم الجمعة قبل الزوال.\nوالثاني: تحقيق وقت الجمعة.\nفأما الأول: فقد ثبت في «صحيح البخاري» (^٢) عن سلمان قال: قال رسول الله - ﵌ -: «لا يغتسلُ رجلٌ يومَ الجمعة ويتطهَّرُ ما استطاع من طهرٍ ويدَّهنُ من دهنه أو يمسُّ من طيبِ بيته، ثم يخرج فلا يفرِّق بين اثنين، ثم يصلِّي ما كُتِب له، ثم يُنصِت إذا تكلّم الإمام، إلا غُفِر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى».\nوفي «صحيح مسلم» (^٣) عن أبي هريرة عن رسول الله - ﵌ - قال: «من اغتسلَ ثم أتى الجمعةَ، فصلّى ما قُدِّر له، ثم أنصتَ حتى يفرغ من خطبته، ثم يصلِّي معه، غُفِر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى وفضْلَ ثلاثة أيام».\n_________\n(^١) أي: الشافعي، وكان الشيخ قد كتب: «عند أصحابنا الشافعية»، ثم ضرب عليها.\n(^٢) رقم (٨٨٣).\n(^٣) رقم (٨٥٧).","vol":"16","page":337},{"text":"فدلَّ هذان الحديثان على فضيلة التنفُّل يوم الجمعة قبل الزوال، ودخل في إطلاقها حالُ الاستواء يوم الجمعة، ولكنه معارض بعموم أحاديث النهي.\nوقد يُرجَّحُ الجواز بحديثين ضعيفين، روى أحدَهما الشافعيُّ (^١) عن أبي هريرة، ولفظه: «أن رسول الله - ﵌ - نهى عن الصلاةِ نصفَ النهار حتى تزول الشمسُ إلا يومَ الجمعة».\nوأخرجَ الآخرَ أبو داود (^٢) بإسناده إلى أبي الخليل عن أبي قتادة عن النَّبي - ﵌ -: أنّه كَرِه الصلاةَ نصفَ النّهار إلَّا يومَ الجمعة، وقال: «إنَّ جهنّم تُسْجَرُ إلا يومَ الجمعة».\nقال أبو داود: وهو مرسل، مجاهد أكبر من أبي الخليل، وأبو الخليل لم يسمع من أبي قتادة.\nوفي إسناده: ليث بن أبي سليم، ضعيفٌ لا يُحتجُّ به.\n[ص ٢] وأنت خبيرٌ أنَّ كِلا الحديثين لا يُحتجُّ به.\nوقد ذكر الإمام الشافعيُّ كما في «الأم» الحديثَ المذكور، ثم أعقبَه بآثارٍ عن عمل الصحابة في زمن عمر ﵁، ثم قال (^٣): «فإذا رَاحَ النَّاسُ للجمعة صَلَّوا حتى يصير الإمام على المنبر، فإذا صَارَ على المنبرِ كفَّ\n_________\n(^١) في كتاب «الأم» (٢/ ٣٩٧). وفي إسناده إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة، وقد اتفقوا على ضعفه. وشيخ الشافعي إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى متروك.\n(^٢) رقم (١٠٨٣).\n(^٣) (٢/ ٣٩٨).","vol":"16","page":338},{"text":"منهم مَنْ كان صلَّى ركعتين فأكثر، تكلَّم حتى يأخذ في الخطبة، فإذا أخذ فيها أنصتَ، استدلالًا بما حكيتُ، ولا يُنهى عن الصلاة نصفَ النهار مَن حضر الجمعة» اهـ.\nوالظاهر أنَّ الإمام اعتبر ما دلّت عليه الآثار إجماعًا، وذكر الحديث المذكور استئناسًا؛ إذ لعلَّه إن كان إسناده ضعيفًا يكون صحيحًا في نفس الأمر، ويكون هو مستند الإجماع.\nوأمَّا الإمام مالك فإنَّ عمل أهل المدينة حُجَّةٌ عنده.\nوإذا تقرَّر ما ذُكِرَ عرفتَ أنَّ التنفُّل يوم الجمعة قبل الاستواء مُرغَّب فيه، وكذا عنده؛ لأنَّ فِعْلَ الصَّحابة ــ الذي رواه الشافعي وغيره ــ لا أقلَّ من أن يكون مرجِّحًا لإطلاق الحديثين السابقَيْن وغيرهما، مع ما انضمَّ إلى ذلك مما مرَّ.\nوالصلاة في ذلك نفْلٌ مطلق قطعًا؛ لكونها واقعةً قبل دخول وقت الجمعة على ما عليه الجمهور.\n[ص ٣] الأمر الثاني: تحقيق وقت الجمعة.\nذهب الإمام أحمد وإسحاق بن راهويه إلى أنَّ وقت الجمعة يدخل قبل الزوال، واسْتُدِلَّ لهما بحديث «الصحيحين» (^١) عن سهل بن سعد ﵁ قال: «ما كنَّا نَقِيلُ ولا نتغدَّى إلا بعد الجمعة»، هذا لفظ مسلم (^٢).\n_________\n(^١) البخاري (٩٣٩) ومسلم (٨٥٩).\n(^٢) وهو لفظ البخاري أيضًا.","vol":"16","page":339},{"text":"وفي رواية (^١): «في عهد رسول الله - ﵌ -».\nوفي «الصحيحين» (^٢) أيضًا عن سلمة بن الأكوع قال: «كنا نصلِّي مع رسول الله - ﵌ - الجمعة، ثم ننصرف وليس للحيطان ظِلٌّ يُستَظَلُّ به»، هذا لفظ البخاري.\nوفي لفظٍ لمسلم: «كُنَّا نُجَمِّعُ معه إذا زالت الشمس، ثم نرجعُ نتتبَّعُ الفَيء».\nوفي «صحيح مسلم» (^٣) عن جابر: «كُنَّا نصلِّي مع رسول الله - ﵌ -، ثم نرجع فنُريحُ نَواضِحَنا». قال حسن ــ يعني أحد الرواة ــ: قلت لجعفرٍ ــ يعني شيخَ حسنٍ ــ: في أيِّ ساعةٍ تلك؟ قال: زوالَ الشمسِ. انتهى.\nثم قال (^٤): وحدثني القاسم بن زكريا، نا خالد بن مخلد، ح وثني عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي نا يحيى بن حسّان، قالا جميعًا: نا سليمان عن جعفر عن أبيه: أنه سأل جابر بن عبد الله: متى كان رسول الله - ﵌ - يُصلِّي الجمعة؟ قال: «كان يُصلِّي، ثم نذهب إلى جِمَالنا فنُرِيحها». زاد عبد الله في حديثه: «حين تزول الشمس». يعني: النواضحَ.\nوقد وردت آثار عن عمل الخلفاء الأربعة ومعاوية وابن مسعود وجابر وسعيد بن زيد وسعد بن أبي وقاص، لا يصحّ منها شيءٌ فلا نُطيل بذكرها.\n_________\n(^١) لمسلم.\n(^٢) البخاري (٤١٦٨) ومسلم (٨٦٠).\n(^٣) رقم (٨٥٨).\n(^٤) أي مسلم (٨٥٨/ ٢٩).","vol":"16","page":340},{"text":"وأما الأحاديث المارَّة، فكُلُّها لا تخلو عن نظر.\nأما حديث سهل: «ما كنا نَقِيل ولا نتغدّى إلا بعد الجمعة»، فالجواب عنه: أنَّهم كانوا يُبكِّرون إلى الجامع؛ امتثالًا للأمر، وطلبًا لعِظَم الأجر، فكانوا يشتغلون عن القيلولة والغداء بالمُكْثِ في المسجد والصلاة، فإذا خرجوا ناموا وتغدَّوا.\nوأطْلَق «نَقِيل» على النوم بعد الظهر؛ لأنه عِوَض عن القيلولة التي هي نوم نصف النهار.\n[ص ٤] وأما حديث سلمة؛ فقد فسَّرتْه رواية مسلم: «كنا نُجمِّع معه إذا زالت الشمس»، ومع ذلك فالنفي منصبٌّ على القيد، أي: ليس هناك من الظلِّ ما يُستظلُّ به، كما تدل عليه الرواية الأخرى «نتتبَّعُ الفيءَ».\nفإن قيل: فقد كان النَّبي - ﵌ - يُطيل الخطبة، كما يدلُّ عليه حديث مسلم (^١) عن أم هشام قالت: ما حفظتُ ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ إلَّا من فِي رسولِ الله - ﵌ - وهو يقرؤها على المنبر كلَّ جمعة.\nويُطيل الصلاة، فيصلِّيها بالجمعة والمنافقين، كما في «صحيح مسلم» (^٢) عن علي وابن عباس وأبي هريرة.\nوهذا يدلّ أنه كان يشرع في الخطبة قبل الزوال، إذ لو كان بعده لما فرغ إلا وقد صار للحيطان ظلٌّ يُستظَلُّ به، وقد نفاه سلمة في حديثه الثابت في «الصحيحين».\n_________\n(^١) رقم (٨٧٣).\n(^٢) رقم (٨٧٧، ٨٧٩).","vol":"16","page":341},{"text":"وأما رواية مسلم: «كنا نُجمِّع معه إذا زالت الشمس، ثم نرجع نتتبَّعُ الفيء»، فذلك في بعض الحالات، فإن قوله: «نتتبَّعُ الفيء» يدلُّ على أنّه قد صار للحيطان ظلٌّ يُستَظلُّ به.\nفالجواب: أن هذا تَمحُّلٌ، والظاهر أن أحاديث سلمة متفقة غير مفترقة، وقد كانت حيطان بيوت الصحابة قصيرةً جدًّا، فلا يبعد أن لا يكون لها ظلٌّ يُستظلُّ به إذا وقعت الخطبة والصلاة عقبَ الزوال على الفور، ودلالة رواية مسلم على ذلك ظاهرة.\nوأما حديث سهل؛ فالظاهر أن قوله: «حين تزول الشمس» في رواية عبد الله مدرج من قول جعفر، بدليل أنه في رواية حسن روى له الحديث بدونها، فسأله حسن: أي ساعة تلك؟ ــ أي: ساعة وقوع الصلاة فيما يظهر ــ قال: زوال الشمس.\nوفي رواية القاسم بن زكريّا خاليًا عنها.\nوفي رواية عبد الله ذكرها.\nوعلى فرضِ صحتها عن جابر فيكون الظرف متعلقًا بـ «يُصلِّي» وإن بعُد، والله أعلم.\nوذلك أنه ثبت في «صحيح البخاري» (^١) وغيره عن أنس قال: «كان رسول الله - ﵌ - يصلِّي الجمعة حين تميل الشمس». و(كان) تُشعِر بالدوام.\nنعم، الأحاديث متضافرة على أنه - ﵌ - كان يَخرج أولَ ما تميلُ\n_________\n(^١) رقم (٩٠٤).","vol":"16","page":342},{"text":"الشمسُ، وهذا شيءٌ متعيِّن. [ص ٥] ومما هو صريحٌ فيه (^١): أن أذان الجمعة كان في عهده - ﵌ - عقبَ خروجه وسلامه على الناس وجلوسه على المنبر. فلو كان يكون خروجه - ﵌ - متأخِّرًا عن دخول الوقت لشَرع ــ والله أعلم ــ الأذان حينئذٍ كسائر الصلوات.\nوأمَّا حديث البخاري (^٢) عن أنسٍ: كان النَّبي - ﵌ - إذا اشتدَّ البردُ بكَّر بالصلاة، وإذا اشتدَّ الحرُّ أبردَ بالصلاة، يعني: الجمعة.\nفقوله: «يعني الجمعة» لا يُدْرَى مِن قَولِ مَن هي؟ ولهذا قال ابن المنيِّر ــ كما نقله عنه الشُّرَّاح (^٣) ــ: إنَّما قيل ذلك قياسًا على الظهر لا بالنَّصِّ؛ لأنَّ أكثر الأحاديث تدلُّ على التفرقة في الظُّهر، وعلى التبكير في الجمعة مطلقًا من غير تفصيل.\nقال (^٤): والذي نحَا إليه المؤلِّف مشروعيَّة الإبراد بالجمعة، ولم يَبُتَّ الحكم بذلك؛ لأنَّ قوله: «يعني: الجمعة» يحتمل أن يكون قول التابعيِّ ممَّا فهمه، وأن يكون من نقله، فرجح عنده إلحاقها بالظُّهر؛ لأنَّها إمَّا ظهرٌ وزيادة، أو بدلٌّ عن الظُّهر. اهـ.\nقلتُ: أمَّا قوله: «يعني الجمعة»، فهو من لفظ التابعيِّ، كما يدلُّ عليه قول البخاري (^٥) بعد ذلك: قال يونس بن بُكَير: أخبرنا أبو خَلْدة، وقال:\n_________\n(^١) هذه العبارة تكررت عند المؤلف.\n(^٢) رقم (٩٠٦).\n(^٣) انظر «فتح الباري» (٢/ ٣٨٩).\n(^٤) المصدر نفسه.\n(^٥) عقب الحديث (٩٠٦).","vol":"16","page":343},{"text":"«بالصَّلاة»، ولم يذكر الجمعة.\nوأبو خلدة هو التابعيُّ الرَّاوي عن أنس.\nنعم، قال القسطلَّاني (^١): أخرجه الإسماعيلي من وجهٍ آخر عن يونس، وزاد: «يعني الظُّهر».\nوأقول: لا يخفى أنَّ التبكير إلى المسجد يوم الجمعة مشروعٌ مطلقًا، فيكون الاجتماع في المسجد قبل الزَّوال، فلم يُشرع الإبراد؛ لأنَّ الإبراد إنَّما شُرِعَ ــ كما قال العلماء ــ تخفيفًا على المُصَلِّين، حتى لا يخرجوا من بيوتهم إلَّا وقد بَرَدَ النَّهار.\nوقد يُجابُ عن هذا بجوابين:\nالأول: أنَّه لا مانعَ أن يكون التبكير في شِدَّة الحرِّ خِلافَ التبكير في غيره.\nوالثاني: بمنع كون العِلَّة هي كراهة المشقَّة؛ بل العِلَّة هي كون جهنَّم تفوح حينئذٍ. وحديث «الصحيحين» (^٢): «إذا اشتدَّ الحَرُّ فأَبرِدُوا، فإنَّ شِدَّة الحرِّ من فَيْحِ جهنَّم» نصٌّ على هذه العِلَّة.\nوهي نفسُها العلَّة في النهي عن الصَّلاة عند الاستواء، ففي حديث عمرو بن عَبَسَة: «ثمَّ صَلِّ فإنَّ الصَّلاة مشهودةٌ محضورةٌ، حتى يَستقِلَّ الظلُّ بالرُّمح، [ص ٦] ثم أَقْصِرْ عن الصَّلاة فإنَّ حينئذٍ تُسْجَرُ جهنَّم ...» الحديث، وهو في «صحيح مسلم» (^٣).\n_________\n(^١) «إرشاد الساري» (٢/ ١٧٤)، وقد ذكره الحافظ في «الفتح» (٢/ ٣٨٩).\n(^٢) أخرجه البخاري (٥٣٣) ومسلم (٦١٥) من حديث أبي هريرة.\n(^٣) رقم (٨٣٢).","vol":"16","page":344},{"text":"والأحاديث تدلُّ على أنَّ جهنَّم تُسْجَر عند الاستواء (^١)، وتتنفَّس في الصَّيف (^٢)، أي: ما بعد ذلك حتى يُقبِل الفيءُ.\nوإذا تقرَّر ذلك فحضورُ المُصَلِّين في المسجد لا يمنع من الإبْراد.\nوقد يُجاب عن هذا بالحديث الذي رواه أبو داود (^٣)، وفيه: «إنَّ جهنَّم تُسجَرُ إلَّا يوم الجمعة»؛ [ص ٧] وكأنَّ الفرق ــ والله أعلم ــ أنَّ السَّجرَ أي: الإيقاد من فعل الملائكة عن أمر الله تعالى، فهو ظاهرٌ في تجلّي العَذَاب، بخِلاف التنفُّس فإنَّه من جِهة النَّار، فكان عدم السَّجر في يوم الجُمعة أنسب من عدم التنفُّس.\nويؤيِّده قيام الدَّليل على عدم كراهية الصَّلاة يوم الجمعة عند الاستواء. وهو يدلُّ على انتفاء العِلَّة أو معارضتها بأقوى منها، كعِظَم تجلِّي الرَّحمة يوم الجمعة على المجمِّعين.\nوالجواب: أنَّنا نُسلِّمُ عدمَ السَّجْر يوم الجمعة لما ذكرتم، وأمَّا التنفُّس فالظَّاهر أنَّها تتنفَّس يوم الجمعة كتنفُّسها في سائر الأيام، لأن في حديث «الصحيحين»: «فإنَّ شِدَّة الحَرِّ من فَيحِ جهنَّم» الحديث.\nومن المحسوس أنَّ الحَرَّ في يوم الجمعة لا يَخِفُّ عن الأيَّام التي قبله وبعده، بل هو موجودٌ فيه كما فيها، وهو من فَيْحِ جهنَّم بالنَّصِّ.\n_________\n(^١) كما في حديث عمرو بن عبسة المذكور، وفي حديث أبي هريرة الذي أخرجه ابن ماجه (١٢٥٢). قال البوصيري: إسناده حسن.\n(^٢) كما في حديث أبي هريرة الذي أخرجه الترمذي (٢٥٩٢) وصححه.\n(^٣) رقم (١٠٨٣). قال أبو داود: هو مرسل؛ مجاهد أكبر من أبي الخليل، وأبو الخليل لم يسمع من أبي قتادة.","vol":"16","page":345},{"text":"فإن قيل: فإن مشروعيَّة التنفُّل حينئذٍ تُنافي وجود فيحِ جهنَّم في ذلك الوقت في يوم الجمعة، وكونُه هو العِلَّة في الأمر بالإبراد، ولاسيَّما عند مَن حمل الأمر بالإبراد على ظاهره من الوجوب.\nفالجواب: أنَّنا نختار مذهب الجمهور أنَّ الأمر بالإبراد إنَّما هو للنَّدب؛ لما هو مقرَّرٌ في محلِّه. والفرق بينَه وبين السَّجْر ما تقدَّم، فتكون مخالفته خلافَ الأولى فقط.\nثم نقول: إنَّ العِلَّة التي هي تنفُّس جهنَّم حينئذٍ عارضها يوم الجمعه ما هو أقوى منها، وهو عِظَم تجلِّي الرَّحمة. فانتفت خلافيَّة الأولى، وثبَت الندب بدليله المتقدِّم.\nفإن قلت: فقد ثبت بهذا مقصودنا من عدم مشروعيَّة الإبراد بالجُمعة.\nفالجواب: أنَّنا نقول: إنَّ إبراده - ﵌ - بالجمعة لم يكن لهذه العِلَّة، وإنَّما هو لعِلَّة أخرى؛ وهي: كراهيةُ أن يشقَّ على أصحابه؛ باجتماعهم، وتزاحمهم، وتضايقهم في ذلك العريش في وقت شِدَّة الحَرِّ.\nفإنْ قلْتَ: فإنَّ مشروعيَّة التبكير يوم الجمعة تنافي ذلك.\nفالجواب: ما مرَّ من أنَّ التبكير يختلف باختلاف الأوقات، ففي وقت البرد يكون آخر الساعات حين الاستواء، وفي أوقات الحرِّ يكون آخر السَّاعات حين إقبال الفيءِ.\nسلَّمنا أنَّ التبكير لا يختلف، بل هو على القسم الأوَّل مطلقًا؛ ولكنَّا نقول: فههنا عِلَّةٌ أخرى، وهي حرصُه - ﵌ - على أنْ يَعِيَ أصحابُه موعظتَه، ويكون خشوعهم في الفريضة على أتمِّ الأحوال. وهذا ممَّا يمنع عنه اشتدادُ الحرِّ، فلذلك أبرد.","vol":"16","page":346},{"text":"إذا تأمَّلتَ ما ذُكِرَ علمتَ أنَّ الظَّاهِرَ [ص ٨] أنَّ الإبراد بالجمعة سُنَّة، وأنَّه لا يُنافي ندبَ التنفُّل قبلها إلى أن يخرج الإمام، وحينئذٍ فيكون تأخير الأذان مع الإبراد بالجمعة إلى خروج الإمام كتأخيره في الظُهر إلى البرد، فقد ثبت الأمرُ بذلك في «الصحيحين» (^١) عن أبي ذرّ قال: «أذن مؤذّن النَّبي - ﵌ - الظهر، فقال: أبرِدْ أبرِدْ، أو قال: انتظِرْ انتظِرْ ...» الحديث.\nفالسُنَّة في الظهر أن يؤذَّن لها إذا أُريد حضورُ المُصَلِّين، وهو يختلف باختلاف الحر والبرد. والسُنَّة في الجُمعة أن يؤذَّن لها إذا خرج الخطيب، وهو يختلف باختلاف الحر والبرد أيضًا.\nإذا تقرَّر ما ذُكِر فاعلم أنَّ تأخير أذان الجُمعة إلى خروج الخطيب دليلٌ ظاهرٌ على أنَّه ليس للجُمعة سُنَّة قبلية؛ لأنَّ صلاتها بعد خروج الخطيب ممنوع.\nفلو كانت ثابتةً لسُنَّ الأذان قبل خروج الخطيب حتى يتمكَّن النّاس من فعلها بعد الأذان؛ عملًا بحديث «الصحيحين» (^٢) وغيرهما عن عبدالله بن مغفَّل المُزَني ﵁ أنّ رسول الله - ﵌ - قال: «بين كلِّ أذانينِ صلاة، ثلاثًا، لمن شاء».\nوقد حمل الأئمة هذه الصلاة على الرَّواتب القبليَّة. وعليه، فيكون وقتها ــ أي الرَّواتب القبليَّة ــ بين الأذان والإقامة، فلو قُدِّمَت لم تقع الموقع.\nفتأمَّل هذا تَجِدْهُ ظاهرًا في نفي أنْ تكون للجُمعة سُنَّة قبلِيَّةٌ.\n_________\n(^١) البخاري (٥٣٥) ومسلم (٦١٦).\n(^٢) البخاري (٦٢٤) ومسلم (٨٣٨).","vol":"16","page":347},{"text":"ويؤيِّدُه حديث البخاري (^١) عن ابن عمر ﵄، من رواية مالكٍ عن نافعٍ عنه، قال: «صَلَّيتُ مع رسول الله - ﵌ -، كان يصلِّي قبل الظهر ركعتين، وبعدها ركعتين، وبعد المغرب ركعتين في بيته، وبعد العشاء ركعتين، وكان لا يصلِّي بعد الجمعة حتى ينصرف فيصلِّي ركعتين».\nوهذا في «صحيح مسلم» (^٢) مختصرًا.\nوأخرجاه (^٣) في التطوُّع، من رواية عبيد الله عن نافع عن ابن عمر، بلفظ: «سجدتين، سجدتين».\n[ص ٩] وإفراده للجمعة ههنا يردُّ على من زعم أنَّ حكمها حكم الظُّهر، وذكرُه الرَّكعتين بعدها فقط يدلُّ على أنَّه لا قبليَّة لها.\nومن الباطل جواب ابن بطَّال (^٤) عن هذا بأنَّ ابن عمر إنَّما أعاد ذكر الجمعة بعد ذكر الظُّهر من أجل أنَّه كان - ﵌ - يصلِّي سُنَّة الجمعة في بيته بخِلافِ الظُّهر. فَمِن أين له أن النبي - ﵌ - كان يصلي قبلية الظهر أبدًا في بيته وبعدِيَّتَّها في المسجد أبدًا، حتى تَثبت مخالفتُها للجمعة في الثانية وموافقتها لها في الأولى، فيقال: ذَكَر ابنُ عمر ما خالفت فيه الجمعةُ الظهرَ وما وافقتها فيه؟\nعلى أنَّ قضيَّة جوابه أنَّ الجمعة تسمَّى ظهرًا، وهذا واضحُ البطلان.\n_________\n(^١) رقم (٩٣٧).\n(^٢) رقم (٨٨٢/ ٧١).\n(^٣) البخاري (١١٧٢) ومسلم (٧٢٩).\n(^٤) في شرحه على «صحيح البخاري» (٢/ ٥٢٦).","vol":"16","page":348},{"text":"فتبيَّن أنَّ حديث ابن عمر يردُّ على مَن زعم أنَّ حُكْم الجمعة حُكْم الظُّهر، ويدلُّ على أنَّه لا قبليَّة للجمعة، فتأمَّل.\nوممَّا يؤيِّد ذلك: ورود الأمر بالصلاة بعد الجُمعة، وهو حديث أبي هريرة ــ عند مسلم (^١) ــ قال: قال: رسول الله - ﵌ -: «إذَّا صلَّى أحدكم الجُمعةَ فليُصَلِّ بعدها أربعًا»، وفي رواية: «فإن عَجِلَ بك شيءٌ فصلِّ ركعتين في المسجد وركعتين إذا رجعت».\nفقد فُهِم من هذا الحديث نفيُ قبليَّة الجُمعة، إذ لو كانت لذُكِرَتْ، وليس هذا عمدتنا في ذلك.\nوظاهر من هذا الحديث أن هذه الأربع مؤكدة، بل ظاهره كما قال بعضُهم الوجوب، لولا أن في الرواية الأُخرى (^٢): «من كان منكم مصلّيًا بعد الجمعة فليصلِّ أربعًا».\nوهذا بخلاف بعديَّة الظهر، فإنَّ المؤكَّد منها ركعتان فقط. ولا ينافي تَأَكُّدَ الأربعِ حديثُ ابن عمر السابق في اقتصاره - ﵌ - على ركعتين؛ إذ قد يُقال: إنَّ الأربع تتأكَّد في حق المأمومين كما يقتضيه الأمر، ولا تتأكَّد في حق الإمام، لأنَّه قد حصل له مزيد الأجر بنصبه في الخطبة بخلافهم.\nوليس لقبليتها حديث صحيح، بل الأحاديث تُفيد عكسَ ذلك كما مرَّ. وبهذه الدلائل يُخصَّص عموم حديث ابن حبان (^٣): «ما من صلاةٍ مفروضةٍ إلَّا وبين يديها ركعتانِ»، كما سيأتي إن شاء الله.\n_________\n(^١) رقم (٨٨١).\n(^٢) «صحيح مسلم» (٨٨١/ ٦٩).\n(^٣) في «صحيحه» (٢٤٥٥، ٢٤٨٨) من حديث عبد الله بن الزبير. وإسناده قوي.","vol":"16","page":349},{"text":"[ص ١٠] وقد استدلَّ من يقول بأن لها سُنَّة قبليَّة بأمور:\nأحدها: القياس على الظهر. وهو ــ وإن ذكره النووي ــ بعيد، كما ذكره العراقي (^١) وغيره. وما قيل: إنَّ البخاري أَوْمَأَ إليه بقوله في ترجمته: «باب الصلاة بعد الجُمعة وقبلها» فيه نظر. بل قد يُدَّعَى العكس؛ لأنَّ الحديث الذي أَوْردَه يدلُّ على أنَّه ليس للجُمعة سُنَّة قبليَّة، ويدل على أنَّها مخالِفة للظهر، وهو حديث ابن عمر الذي مرَّ قريبًا.\nومن تراجم البخاري: «باب الصلاة قبل العيد وبعده» (^٢). ومراده أنها غير مشروعة، كما تدل عليه الأحاديث التي أوردها. فيكون مراده هنا أن الصلاة بعد الجُمعة مشروعة وقبلها غير مشروعة، فقدَّم المثبَت وأخّر المنفيَّ. والمراد بالصلاة قبل الجُمعة أي: الراتبة، فأما النفل المطلق فهو مشروع قطعًا كما مر.\nومع ذلك فالقياس إنما يُعمَل به في إثبات الأحكام لا في إثبات عبادة مستقلّة.\nوقد أجاب بعضُ العلماء أن القول بالقياس هنا إنما هو بناءً على أن الجُمعة ظهرٌ مقصورة.\nوهذا باطل، والصحيح أن الجمعة صلاة مستقلّة.\nوزعم بعضهم أن الجمعة هي الظهر، وإنما أُقيمت الخطبتان مقام\n_________\n(^١) انظر: «طرح التثريب» (٣/ ٤١).\n(^٢) «الصحيح مع الفتح» (٢/ ٤٧٦).","vol":"16","page":350},{"text":"ركعتين، وكأنَّ هذا القائل غرَّه اتفاق العدد بين الركعتين والخطبتين، ولا أدري ماذا يقول في خُطبتي العيدين والكسوفين والاستسقاء عِوَض عن ماذا؟\nوالاستدلال بنحو هذا محض التكلُّف والتمحُّل الذي لا حاجةَ بطالب الحق إليه، والله أعلم.\nواستدلُّوا بحديث «الصحيحين» المتقدم: «بين كل أذانينِ صلاة». وهذا غفلة، فإنّ الأذانين في الحديث إنما أُريد بهما الأذان المشروع والإقامة اتفاقًا، والأذان المشروع في الجمعة هو الذي عند خروج الإمام، والصلاةُ بينه وبين الإقامة حرام إجماعًا، إلا ما سيأتي في ركعتي التحيَّة. ولو كان المراد أي أذانين كان؛ لكان الأحرى بذلك أذانا الصبح، ولم يقل أحد بأنه يُسَنُّ بينهما صلاة.\nأما سُنَّة الصبح فليست بينهما، وإنما هي بعدهما بين الأذان والإقامة.\n[ص ١١] واستدلُّوا بأحاديث أُخرى ذكرها الحافظ في «الفتح» مع أجوبتها، وهذه عبارته (^١): وورد في سُنَّة الجمعة التي قبلها أحاديث أخرى ضعيفة.\nمنها: عن أبي هريرة، رواه البزار (^٢) بلفظ: «كان يصلي قبل الجمعة ركعتين وبعدها أربعًا». وفي إسناده ضعف.\n_________\n(^١) «فتح الباري» (٢/ ٤٢٦).\n(^٢) أخرجه الخطيب في «تاريخ بغداد» (٦/ ٣٦٥) من طريقه، وفيه: «... وبعدها ركعتين».","vol":"16","page":351},{"text":"وعن علي، رواه الأثرم والطبراني في «الأوسط» (^١) بلفظ: «كان يصلي قبل الجمعة أربعًا وبعدها أربعًا»، وفيه محمد بن عبد الرحمن السهمي، وهو ضعيف عند البخاري وغيره، وقال الأثرم: إنه حديث واهٍ.\nومنها: عن ابن عباس مثله، وزاد: «لا يفصل في شيءٍ منهنّ»، أخرجه ابن ماجه (^٢) بسند واهٍ.\nقال النووي في «الخلاصة» (^٣): «إنّه حديث باطل».\nوعن ابن مسعود عند الطبراني (^٤) أيضًا مثله، وفي إسناده ضعف وانقطاع.\nورواه عبد الرزاق (^٥) عن ابن مسعود موقوفًا، وهو الصواب.\nوروى ابن سعد (^٦) عن صفيّة زوج النبي - ﵌ - موقوفًا نحو حديث أبي هريرة. إلخ.\nقلت: والموقوف عن ابن مسعود ذكره الترمذي (^٧) بقوله: ورُوي عن عبد الله بن مسعود أنه كان يصلي قبل الجمعة أربعًا وبعدها أربعًا.\n_________\n(^١) (٢/ ١٧٢).\n(^٢) رقم (١١٢٩). قال البوصيري في «الزوائد»: إسناده مسلسل بالضعفاء، عطية متفق على ضعفه، وحجاج مدلس، ومبشر بن عبيد كذاب، وبقية هو ابن الوليد مدلّس.\n(^٣) (٢/ ٨١٣).\n(^٤) في «الأوسط» (٤/ ١٩٦).\n(^٥) في «المصنّف» (٣/ ٢٤٧).\n(^٦) في «الطبقات» (٨/ ٤٩١).\n(^٧) في «الجامع» عقب الحديث رقم (٥٢٣).","vol":"16","page":352},{"text":"وقد استدلُّوا به على وقفه، قالوا: لأن الظاهر أنه توقيف.\nوالجواب: أنه إن صحَّ فلا حُجَّة فيه، وقولهم: إن الظاهر أنه توقيف ممنوع، بل الظاهر أن المراد بذلك النفل المطلق الذي يصلِّيه الإنسان ما بين دخوله الجامع وخروج الإمام؛ كما مَرَّ بيانُه، بل هذا هو المتعين، لما مرّ أن السُنَّة في خروج الإمام أول الوقت وقبلَ الأذان، وأنَّ ذلك صريح في نفي مشروعية سنةٍ قَبْليّة للجمعة، والله أعلم.\nواستدلُّوا بما قاله العراقي في «شرح سنن الترمذي»؛ بعد ذكر حديث ابن ماجه المتقدم في عبارة «الفتح» قال: «وقد وقع لنا بإسنادٍ جيد من طريق القاضي أبي الحسن الخلعي من رواية ابن إسحاق عن عاصم بن عثمان عن علي».\nكذا وجدت نقل عبارته، ولتراجع (^١).\nوالجواب: أنَّ ابن إسحاق مختلفٌ فيه، وهو بَعْدُ مُدَلِّس، وقد عَنْعَنَ، ولم أقف على الإسناد بطوله حتى أعرفَ حاله، وفيما ذكرتُ كفاية.\nوهَبْ أنَّه صحَّ فالمراد النَّفْل المطلق؛ لما مرَّ، والله أعلم.\nواستدلُّوا بأحاديث: «أربع بعد الزوال».\nوالجواب: أنَّ في بعضها التقييد بقبل الظهر، والمطلقُ يُحمَل على المقيَّد. وعلى فَرْضِ عدم الحمل فيكون عامًّا مخصوصًا بالجمعة؛ لما مرَّ أن السُنَّة خروج الإمام عقب الزوال، وبخروجه تمتنع الصلاة إلَّا ركعتي التحية، والله أعلم.\n_________\n(^١) في «طرح التثريب» (٣/ ٤٢): «من طريق أبي إسحاق عن عاصم بن ضمرة عن علي». وهو الصواب، و«ابن إسحاق» و«عثمان» تحريف.","vol":"16","page":353},{"text":"واستدلَّ بعضهم بحديث أبي داود والترمذي (^١)، عن عطاء قال: «كان ابن عمر ﵄ إذا صلَّى الجمعة بمكة تقدَّم فصلَّى ركعتين، ثم يتقدَّم فيصلِّي أربعًا ...»، الحديث.\nوالجواب: أنَّ الاستدلال به غفلة؛ لأنَّ الكلام في الصلاة بعد الجمعة.\nوقوله «تقدم» أي: من موقفه الذي صلَّى فيه الجمعة، يتقدَّم عنه فيصلِّي ركعتين، ثم يتقدَّم فيصلِّي أربعًا، وهذا لفظ الترمذي: [ص ١٣] «وابن عمر بعد النبي - ﵌ - صلَّى في المسجد بعد الجمعة ركعتين، وصلَّى بعد الركعتين أربعًا». حدثنا بذلك ابن أبي عمر حدثنا سفيان بن عيينة عن ابن جريج عن عطاء، قال: «رأيتُ ابن عمر صلَّى بعد الجمعة ركعتين، ثم صلَّى بعد ذلك أربعًا».\nولفظ أبي داود في باب الصلاة بعد الجمعة: عن عطاء عن ابن عمر قال: «كان إذا كان بمكة فصلَّى الجمعة تقدم فصلَّى ركعتين، ثم تقدم فصلّى أربعًا، وإذا كان بالمدينة صلّى الجمعة ثم رجع إلى بيته فصلَّى ركعتين، ولم يصلِّ في المسجد». فقيل له، فقال: كان رسول الله - ﵌ - يفعل ذلك.\nوكلاهما صريح أنَّ هذه إنَّما هي الصَّلاة بعد الجمعة.\nوفي رواية أُخرى (^٢): عن عطاء أنَّه رأى ابن عمر يُصَلِّي بعد الجمعة، فينماز عن مصلَّاه الذي صلَّى فيه الجمعة قليلًا غير كثير، قال: فيركع ركعتين. قال: ثم يمشي أنفسَ من ذلك، فيركع أربع ركعات. قلت ــ القائل ابن جريج الراوي عن عطاء ــ لعطاء: كم رأيتَ ابن عمر يصنع ذلك؟ قال: مرارًا.\n_________\n(^١) أبو داود (١١٣٠) والترمذي (٢/ ٤٠١، ٤٠٢).\n(^٢) عند أبي داود (١١٣٣).","vol":"16","page":354},{"text":"وهذا الحديث ممَّا يدلُّ على الفَرْق بين الجمعة والظهر، والله أعلم.\nواستدلُّوا بما رواه الطبراني في «الأوسط» (^١) بسنده إلى النبي - ﵌ - قال: «مَنْ شَهِدَ منكم الجمعة فليُصَلِّ أربعًا قبلها وبعدها أربعًا».\nوالجواب: أنَّه حديثٌ ضعيفٌ، فيه محمد بن عبد الرحمن السهمي، كما في «شرح البخاري» (^٢)، وقد ضعَّفه البخاري وغيره كما مرَّ، والله أعلم.\nواستدلُّوا بحديث أبي داود وابن حبان (^٣) من طريق أيوب عن نافع قال: «كان ابن عمر يُطيل الصلاة قبل الجمعة، ويصلِّي بعدها ركعتين في بيته، ويُحدِّث أنَّ الرسول - ﵌ - كان يفعلُه».\nوالجواب: قال الحافظ (^٤): وتُعُقِّب بأن قوله: «كان يفعل ذلك» عائد على قوله: «ويصلِّي بعد الجمعة ركعتين في بيته».\nويدلُّ له رواية الليث عن نافع عن عبد الله: أنَّه كان إذا صلَّى الجمعة انصرف فسجد سجدتين في بيته، ثم قال: «كان رسول الله - ﵌ - يصنع ذلك»، رواه مسلم (^٥).\nوأما قوله: «كان يطيل الصلاة قبل الجمعة» فإن كان المراد بعد دخول الوقت فلا يصح أن يكون [ص ١٤] مرفوعًا؛ لأنَّه - ﵌ - كان يخرج إذا زالت\n_________\n(^١) (٢/ ١٧٢)، ولفظه: «كان رسول الله   - ﷺ -   يصلّي قبل الجمعة أربعًا وبعدها أربعًا ...».\n(^٢) «فتح الباري» (٢/ ٤٢٦).\n(^٣) أبو داود (١١٢٨) وابن حبان (٢٤٧٦).\n(^٤) «فتح الباري» (٢/ ٤٢٦).\n(^٥) رقم (٨٨٢).","vol":"16","page":355},{"text":"الشمس فيَشْتَغِل بالخطبة، ثمَّ بصلاة الجمعة.\nوإن كان المراد قبل دخول الوقت فذاك مطلقُ نافلةٍ لا صلاةٌ راتبةٌ، فلا حجَّة فيه لسُنَّة الجمعة التي قبلها، بل هي تنفُّل مطلقٌ، والله أعلم.\nواستدلُّوا بحديث ابن حبان في «صحيحه» (^١): «ما من صلاةٍ مفروضةٍ إلَّا وبين يديها ركعتان».\nوالجواب: أنَّه عام مخصوص بالجمعة كما مرَّ بيانُه، مع أنَّه مُقيَّدٌ بحديث «الصحيحين»: «بين كلِّ أذانينِ صلاةٌ»، وقد مرَّ الكلام عليه.\nمع أنَّ ابن حبان يُطلِق الصحيح على الحَسَن، وربَّما يُصحِّح ويُحسِّن ما لا يُوافَق عليه، والله أعلم.\nواستدلُّوا بحديث ابن ماجه (^٢) بسند صحيح عن أبي هريرة وجابر قالا: «جاء سُلَيْك الغَطَفاني والنَّبي - ﵌ - يخطب، فقال له النَّبي - ﵌ -: «أصلَّيْتَ ركعتين قبل أن تجيء؟» قال: لا، قال: «فصلِّ ركعتين وتَجوَّزْ فيهما».\nقال في التحفة (^٣): وقوله: «أصلّيتَ» إلى آخره يمنع حملَه على تَحيَّة المسجد ــ أي: وحدها ــ حتى لا ينافي الاستدلال به لندبها للداخل حال الخطبة، فينويها مع سُنَّة الجمعة القبليَّة إن لم يكن صلَاّها قبل .. إلخ [ص ١٥]، إذ المعروف في هذا الحديث الاقتصار على «أصليت» ونحوه، وهو كذلك في «الصحيحين» وغيرهما. ولم تجئ هذه الزيادة ــ أي قوله:\n_________\n(^١) رقم (٢٤٥٥)، وقد سبق ذكره.\n(^٢) رقم (١١١٤).\n(^٣) «تحفة المحتاج» (٢/ ٢٢٤).","vol":"16","page":356},{"text":"«قبل أن تجيء» ــ إلَّا في هذه الرواية التي أخرجها ابن ماجه.\nوالجواب عنها من وجوه:\nالأوَّل: أنَّ حفص بن غياث قال عنه يعقوب: ثقة ثبت إذا حدَّث من كتابه ويُتَّقى بعض حفظه.\nوقال ابن عمار: كان لا يحفظ حسنًا، وكان عَسِرًا.\nفأطلق هذان وصفَهُ بسوء الحفظ.\nوقال أبو عُبيد الآجرِّي عن أبي داود: كان حفص بأَخَرةٍ دَخَله نسيان. فقيَّد أبو داود سوء الحفظ بأَخَرَة.\nوقال أبو زُرعة: ساءَ حفظُه بعدما استُقْضي، فمَن كَتب عنه من كتابه فهو صالح، وإلَّا فهو كذا.\nقلت: وهو كما في «تهذيب التهذيب» (^١): كوفيّ استُقْضي بها وببغداد.\nوقال ابن معين: جميع ما حدَّث به ببغداد من حفظه.\nقلت: فحديثه ببغداد كان بأَخَرةٍ، وكان بعدما استُقْضي، وكان من حفظه. وداود بن رُشَيد بغداديٌّ كما في ترجمته (^٢)، فحديثه عنه بأخرةٍ بعدما استُقْضي، من حفظه.\nوقد قال داود بن رشيد نفسه ــ كما في «تهذيب التهذيب» (^٣) ــ: حفصٌ كثير الغلط.\n_________\n(^١) (٢/ ٤١٥ وما بعدها). وفيه أقوال النقاد.\n(^٢) «تهذيب التهذيب» (٣/ ١٨٤).\n(^٣) (٢/ ٤١٦).","vol":"16","page":357},{"text":"وأمَّا رواية الشيخين عنه فهي محمولة على ما ثبت عندهما أنَّه حدَّث من كتابه، وليس هذا لأحدٍ غيرهما؛ لالتزامهما الصحيحَ وتحرِّيهما وتيقُّظهما.\nوفي «تدريب الراوي» (^١) للسيوطي عن ابن الصلاح قال: من حكم لشخصٍ بمجرَّد رواية مسلمٍ عنه في «صحيحه» بأنَّه من شرط مسلم، فقد غفل وأخطأ، بل ذلك متوقِّفٌ على النَّظَر في كيفيَّة رواية مسلمٍ عنه، وعلى أيِّ وجهٍ اعتمد عليه.\nالوجه الثاني: قال في «تهذيب التهذيب» (^٢): وذكر الأثرم عن أحمد بن حنبل أنَّ حفصًا كان يدلِّس. وقال ابن سعد: كان ثقة مأمونًا، كثير الحديث يُدلّس.\nوالمدلِّس لا يكون حجَّةً إلَّا فيما صرَّح فيه بالسَّماع، وقد عَنْعن في هذا الحديث.\nالوجه الثالث: أنَّ الأعمش على جلالة قدره معدودٌ في المدلِّسين، والمدلِّس لا يكون حجَّة إلَّا فيما صرَّح فيه بالسَّماع، وقد عَنْعن في هذا الحديث.\nنعم، قال الحافظ في «المقدمة» (^٣) في ترجمة حفص بن غياث: «اعتمد البخاري على حفص هذا في حديث الأعمش؛ لأنَّه كان يُميِّز بين ما\n_________\n(^١) (١/ ١٢٩).\n(^٢) (٢/ ٤١٧).\n(^٣) «هدى الساري» (ص ٣٩٨).","vol":"16","page":358},{"text":"صرَّح به الأعمش بالسماع، وبين ما دلَّسه، نبَّه على ذلك أبو الفضل ابن طاهر، وهو كما قال».\nوهذا لا يردُّ ما ذكرناه؛ لأنَّه لم يميِّز هنا، مع أنَّه في نفسِهِ مدلِّسٌ أيضًا كما مَرَّ عن الإمام أحمد وابن سعد.\nالوجه الرابع: أبو صالح شيخ الأعمش، هل هو ذكوان المدني السَّمَّان، أو باذام مولى أم هانئ؟ فإنَّ كلًاّ منهما كنيته أبو صالح، عن أبي هريرة وعنه الأعمش.\nفإن كان الثاني، فهو مُضعَّف، ورواية الأعمش عنه منقطعة.\n[ص ١٦] ففي «تهذيب التهذيب» (^١): «أنَّ أبا حاتم قال: لم يسمع ــ يعني: الأعمش ــ عن أبي صالح مولى أُم هانئ، هو يدلِّس عن الكلبي».\nقال (^٢): «وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: الأعمش عن أبي صالح ــ يعني: مولى أم هانئ ــ منقطع».\nوالذي يظهر أنَّ أبا صالح الذي روى عنه الأعمش هذا الحديث هو الأول: ذكوان المدني السَّمان؛ لأنَّ الثاني قال عنه ابن عدي ــ كما في «تهذيب التهذيب» (^٣) ــ: عامة ما يرويه تفسير، وما أقلَّ مَا لَهُ من المسند.\n_________\n(^١) (٤/ ٢٢٤).\n(^٢) المصدر السابق (٤/ ٢٢٥).\n(^٣) (١/ ٤١٧).","vol":"16","page":359},{"text":"الطريق الأخرى: الأعمش عن أبي سفيان عن جابر.\nوفيها نَظَرٌ من وجوه:\nالأوَّل ــ وهو الخامس من أوجه الجواب ــ: رواية الأعمش عن أبي سفيان.\nقال في «تهذيب التهذيب» (^١) في ترجمة الأعمش: «وقال أبو بكر البزَّار: لم يسمع من أبي سفيان شيئًا، وقد روى عنه نحو مئة حديث، وإنَّما هي صحيفة عرفت».\nوقد يجاب عن هذا بأنَّ غاية ما فيه أنْ يكون روى عنه بالوجادة، وهي طريق من طرق الرواية.\nالثاني ــ وهو السادس من أوجه الجواب ــ: حال أبي سفيان في نفسه.\nقال في «تهذيب التهذيب» (^٢): قال أحمد: ليس به بأس ... إلى أن قال: وقال ابن أبي خيثمة عن ابن مَعِين: لاشيء، ثم ذكر أقوال الأئمة فيه، وأكثرهم على توثيقه، وقد روى له الشيخان والجماعة.\nالوجه الثالث ــ وهو السابع من أوجه الجواب ــ: رواية أبي سفيان عن جابر.\nفي «تهذيب التهذيب» (^٣): وقال أبو خيثمة عن ابن عُيينة: حديث أبي سفيان عن جابر إنما هي صحيفة، وكذا قال وكيع عن شعبة ... إلى أن قال:\n_________\n(^١) (٤/ ٢٢٤).\n(^٢) (٥/ ٢٧).\n(^٣) (٥/ ٢٧).","vol":"16","page":360},{"text":"وفي «العلل الكبير» لعلي بن المديني: أبو سفيان لم يسمع من جابر إلَّا أربعة أحاديث. وقال فيها (^١): أبو سفيان يُكتب حديثه وليس بالقويِّ، وقال أبو حاتم عن شعبة: لم يسمع أبو سفيان من جابر إلَّا أربعة أحاديث.\nقال الحافظ (^٢): قلتُ: لم يخرج البخاري له إلَّا أربعة أحاديث عن جابر، وأظنُّها التي عناها شيخه علي بن المديني، منها حديثان في الأشربة قَرنه بأبي صالح، وفي الفضائل حديث: «اهتز العرش» كذلك، والرابع في تفسير سورة الجمعة، قَرَنه بسالم بن أبي الجَعْد.\n[ص ١٧] فتبَيّن أنَّ هذا الحديث ممَّا لم يسمعه أبو سفيان عن جابر.\nوقد يُجاب عن هذا بأنَّ غاية ما فيه أنَّه من الصَّحيفة، ولعلَّها كانت صحيحة، فيكون مناولةً أو وجادةً، وأبو سفيان ثقةٌ عند الأكثر.\nالوجه الثامن: قال أبو داود (^٣): حدَّثنا محمد بن محبوب وإسماعيل بن إبراهيم، المعنى، قالا: ثنا حفص بن غياث، وساق الإسناد كإسناد ابن ماجه (^٤) بطريقيه، وذكر الحديث، وآخره: فقال له: «أصليتَ شيئًا؟ قال: لا».\nومحمد بن محبوب وإسماعيل بن إبراهيم أرجح من داود بن رُشَيد.\n[ص ١٨] الوجه التاسع: أنَّه قد روى حديثَ سُلَيك عن الأعمش\n_________\n(^١) أي في «العلل الكبير». والنصّ في «التهذيب» الموضع السابق.\n(^٢) بعدما سرد الأقوال السابقة في المصدر السابق. وانظر «هدي الساري» (ص ٤٣١).\n(^٣) في «سننه» (١١١٦).\n(^٤) رقم (١١١٤).","vol":"16","page":361},{"text":"عيسى بن يونس، وحديثه عند مسلم (^١)، وأبومعاوية، وحديثه عند أحمد والدارقطني (^٢)، وسفيان، وحديثه عند أحمد والدارقطني (^٣) أيضًا. وخالفوا حفص بن غياث سنَدًا ومتنًا.\nأمَّا في السند: فلم يذكر أحد منهم الرواية الأخرى عن أبي صالح عن أبي هريرة، بل كلُّهم اقتصروا عن أبي سفيان عن جابر.\nوإنَّما قال الحافظ في «الإصابة» (^٤) في ترجمة سُلَيك وذكر هذا الحديث: «وروى ابن ماجه وأبو يعلى من طريق الأعمش [عن أبي صالح] (^٥) عن أبي هريرة ...» إلخ.\nولا أدري كيف روايةُ أبي يعلى؟ فلْتُرَاجع (^٦)، إن لم يكن ذِكر أبي يعلى خطأ، والأصل «أبي داود».\nوأمَّا في المتن، فكلُّهم لم يذكروا تلك الزيادة.\nالوجه العاشر: أنَّه قد روى حديث سُليك عن أبي سفيان: الوليدُ أبو بشر، وهو الوليد بن مسلم بن شهاب التميمي العنبري. وحديثه عند أبي\n_________\n(^١) رقم (٨٧٥/ ٥٩).\n(^٢) «المسند» (٣/ ٣١٦، ٣١٧) و«سنن الدارقطني» (٢/ ١٣).\n(^٣) «المسند» (٣/ ٣٨٩) و«سنن الدارقطني» (٢/ ١٤).\n(^٤) (٤/ ٤٤٢).\n(^٥) ليست في الأصل، وزيدت من «الإصابة».\n(^٦) الحديث عند أبي يعلى (٢٢٧٢) من طريق الأعمش عن أبي سفيان عن جابر، دون الطريق الثاني.","vol":"16","page":362},{"text":"داود وأحمد والدارقطني (^١)، ولم يذكر في حديثه تلك الزيادة.\nالوجه الحادي عشر: أنَّه قد روى حديثَ سُليك عن جابر: عمرو بن دينار، وحديثه في الصحيحين (^٢) وغيرهما. وأبو الزبير، وحديثه عند مسلم والشافعي وابن ماجه (^٣)، ولم يذكرا في حديثهما تلك الزيادة.\nالوجه الثاني عشر: أنَّه قد روى حديثَ سُليك: أبو سعيد الخدري ﵁، وحديثه عند الترمذي وأحمد والشَّافعيِّ وابن ماجه (^٤)، ولم يذكر تلك الزِّيادة.\nوالحاصل: أنَّ إسناد الحديث عن أبي هريرة انفرَد به حفصُ بن غياث عن الأعمش، وانفرَد به الأعمش عن أبي صالح، وانفرَد به أبوصالح عن أبي هريرة، وانفرَد بإدخال هذه الزِّيادة فيه داود بن رُشَيد عن حفص بن غياث.\nوانفرَد بإدخال الزِّيادة في حديث جابر: داود بن رُشَيد عن حفص، وحفص عن الأعمش، والأعمش عن أبي سفيان، وأبوسفيان عن جابر.\nوقد روى الحديثَ عن حفصٍ محمدُ بن محبوب وإسماعيل بن إبراهيم، فلم يذكراها.\nورواه عن الأعمش عيسى بن يونس وأبو معاوية وسفيان، فلم يذكروها.\n_________\n(^١) أبو داود (١١١٧) وأحمد (٣/ ٢٩٧) والدارقطني (٢/ ١٣).\n(^٢) البخاري (٩٣٠) ومسلم (٨٧٥/ ٥٤).\n(^٣) مسلم (٨٧٥/ ٥٨) و«الأم» للشافعي (٢/ ٣٩٩) وابن ماجه (١١١٢).\n(^٤) الترمذي (٥١١) و«المسند» (٣/ ٢٥) و«الأم» (٢/ ٣٩٩) وابن ماجه (١١١٣).","vol":"16","page":363},{"text":"ورواه عن أبي سفيان الوليدُ ين مسلم بن شهاب التميمي العنبري فلم يذكرها.\nورواه عن جابر عَمْرو بن دينار وأبو الزُّبير فلم يذكراها.\nورواه عن النبي - ﵌ - أبو سعيد الخدري فلم يذكرها.\n[ص ١٩] والظاهر ــ والله أعلم ــ أنَّ داود بن رُشيد أو حفص بن غِياث فَهِم من قوله في عامة الروايات: «أصليت» أنَّ المراد: «أصليتَ قبل أن تجيء»، فأدرج هذه الزيادة تفسيرًا أو غلطًا.\nوسبب الفهم أنَّ أكثر الروايات تُشعِر أنَّ سبب خطاب النَّبي - ﵌ - لسُليك هو أنَّه رآه دخل المسجد ولم يُصلِّ، فلمَّا قال له: «أصلَّيْتَ؟» لم يمكن أن يكون المراد: أصليتَ في المسجد؟ فلم يبقَ إلَّا أن يكون المراد: أصليتَ قبل أن تجيء؟\nوهذا الفهم فيه نَظَرٌ من وجوه:\nالأول: أنَّ الذي يدلُّ عليه حديث أبي سعيد ﵁ أنَّ سبب خطاب النَّبي - ﵌ - لسُلَيك هو أنَّه رآه بهيئة بذَّةٍ، فدعاه رجاءَ أنْ يراه الناس بتلك الهيئة فيتصدَّقوا عليه، ثم سأله: «أصلَّيت؟» لاحتمال أنْ يكون صلَّى قبل أن يدعوه، فقال: لا، فأمره بالصلاة.\nوهذا لفظ الحديث عن الإمام أحمد (^١): عن أبي سعيد قال: «دخل رجلٌ المسجدَ يومَ الجمعة والنَّبي - ﵌ - على المنبر، فدعاه فأمره أن يُصلِّي\n_________\n(^١) في «المسند» (٣/ ٢٥).","vol":"16","page":364},{"text":"ركعتين. ثم دخل الجمعةَ الثانية ورسول الله - ﵌ - على المنبر، فدعاه، فأمره. ثم دخل الجمعةَ الثالثة، فأمره أن يصلِّي ركعتين، ثم قال: «تصدقوا» ففعلوا، فأعطاه ثوبين ممَّا تصدَّقوا، ثم قال: «تصدَّقوا»، فألقى أحد ثوبَيْهِ، فانتهره رسول الله - ﵌ -، وكرِهَ ما صَنَع. ثم قال: «انظروا إلى هذا! فإنَّه دخل المسجد في هيئةٍ بذَّةٍ، فدعوتُه، فرجوتُ أن تُعطوا له، فتصدَّقوا عليه وتَكْسُوه، فلم تفعلوا، فقُلت: تصدَّقوا فتصدَّقوا، فأعطيتُه ثوبين ممَّا تصدَّقوا، ثم قلت: تصدَّقوا، فألقى أحدَ ثوبيه. خُذْ ثوبك»، وانتهره.\nوظاهره: أنَّ الأمرَ بالصدقة وإعطاء سُليك الثَوْبَيْن وإلقاءه أحدهما كان في المرَّة الثالثة. ورواية الشافعي (^١) تُخالف ذلك، فراجِعْها.\nوالمقصود بيان خطأ من ظنَّ أنَّ المراد: أصلَّيتَ قبل أنْ تجيء.\n[ص ٢٠] الوجه الثاني: أنَّه قد يقال: سلَّمنا أنَّ النَّبي - ﵌ - رآه حين دخل المسجد، ولكن جوَّز أن يكون قد جاء قبل ذلك، وإنَّما خرج إلى باب المسجد لحاجةٍ كأن يتنخَّم، ثم عاد. فبناءً على ذلك التجويز سأله هل صلَّى؟\nالوجه الثالث: أن يُقَال: سَلَّمْنا أنَّ النَّبي ﷺ رآه حين دخل المسجد، وأنَّه لم يُجوِّز أن يكون قد جاء قبل ذلك، ولكنَّا نقول: إن قوله: «أصَلَّيْتَ» ليس للاستفهام الحقيقي، وإنَّما هو بمعنى الأمر، كما في قوله ﷾: ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ [آل عمران: ٢٠]. والمعنى: وقل للَّذين أوتوا الكتاب والأميين:\n_________\n(^١) في «الأم» (٢/ ٤٠٠)، فسياقها يدل على أن ذلك في المرة الثانية.","vol":"16","page":365},{"text":"أسْلِموا، ذكره في «المغني» (^١).\nفإن قيل: فما تصنعون بجواب سُلَيْك بقوله: لا؟\nفالجواب: أنَّه فهم أنَّ الاستفهام على بابه، ولذلك أعاد النَّبي صلى عليه وآلِهِ وسلَّم الأمر صريحًا، فتأمّل.\nفإنْ أبيت إلَّا أنْ تجعل المعنى: أصَلَّيت قبل أن تجيء، فقد حمله أبو شامة على أن المراد: قبل أن تجيء إلى هنا من مؤخر المسجد. ومع هذا فقد قال الحافظ المزي وابن تيمية: إن هذه الكلمة «تجيء» تصحفت في «سنن أبي داود»، والصواب: «قبل أن تجلس». وردَّه بعض المعاصرين، فإن بعض المتقدمين إسحاق بن راهويه أو غيره بنى عليها مذهبه، فقال في تحية المسجد: إن كان الرجل قد صلَّى في بيته فلا يُصلِّها، وإلَّا فليصلِّها.\nوهذا الجواب قوي إن صحَّ النقلُ، ولكن ذلك لا يفيد القائلين بقبلية الجمعة شيئًا، لما مرَّ إيضاحه، ولله الحمد.\nوعلى كل حالٍ فلا يمكن أن يكون المراد قبليَّة للجمعة؛ لأنَّ الأدلَّة الصريحة قد قامت على أنَّ الجمعة لا قبليَّة لها؛ لما مرَّ آنفًا من أنَّ محلَّ القبليَّة بعد دخول الوقت، وبين الأذان والإقامة. وقد عُلِمَ أنَّ النَّبيَّ - ﵌ - كان يخرج أوَّل دخول الوقت ــ إن لم يكن قبله ــ عامدًا إلى المنبر، فيؤذِّن المؤذِّنُ، فيقوم النَّبيُّ   - ﷺ -   للخطبة. وليس بين خروجه - ﵌ - وبين فريضة الجمعة إلَّا الخطبتان، والصَّلاة حينئذٍ حرامٌ إلَّا ركعَتَي التَّحيَّة.\nفكيف تكون للجمعة قبليَّة ويكون أداؤها في وقتها الذي هو أول الوقت\n_________\n(^١) «مغني اللبيب» (١/ ١٣).","vol":"16","page":366},{"text":"وبين الأذان والإقامة حرامًا، ولو أُدِّيَت فيه لم تنعقد؟! هذا محالٌ.\nوأيضًا، قد دلَّ حديث ابن عمر وغيره على عدمها كما مرَّ، فتعيَّن الجمع بين الأدلَّة بما ذكرناه، والله الموفِّقُ، لا ربَّ غيرُه.\n[ص ٢١] وقال بعضهم: إنَّ هذه الأدلَّة التي استدلَّ بها المثبتون وإن كان بعضها غير صحيحٍ، وبعضها غير صريحٍ= فلا أقلَّ من أنْ تفيد بمجموعها المطلوب؛ لِما صرَّحوا به أنَّ الضَّعيف إذا تعدَّدتْ طرقُهُ بَلَغَ رتبة الحَسَن، فيحتجُّ به. وهَبْ أنَّه لا يكون كذلك، فقد صرَّحوا أنَّ الضَّعيف يُعمَلُ به في فضائل الأعمال.\nوأقول: الجواب أنَّ بلوغ الضَّعيف رتبةَ الحسن له شروطٌ لم توجد هنا.\nوكذلك العمل بالحديث الضَّعيف في فضائل الأعمال له شروطٌ لم تُوجد هنا.\nمع أنَّ تلك الأحاديث جميعها غير صريحة في إثبات صلاةٍ قبل الجمعة، بنيَّة راتبةٍ قبليةٍ للجمعة، لِما قدَّمْنَاهُ. وأنَّ ما صحَّ منها فهو محمولٌ على النَّفْلِ المطلق الذي يُصلِّيه الإنسان ما بين دخوله الجامع وخروج الإمام، ولاسيَّما وقد قام الدَّليل على نفي أن تكون للجمعة راتبةٌ قبلية؛ كما مرَّ بيانه.\nوفي الختام نقول للمثبتين: مَن كان منكم يُحِبُّ ثبوت راتبةٍ قبليَّةٍ للجمعة ليصلِّيها هو والمسلمون، فيَحُوزوا الفضيلة، فما عليه إلَّا أن يُبكِّرَ إلى الجامع فيصلِّي النَّفل المطلق إلى خروج الإمام، فيحوز فضيلةً أعظم ممَّا طلَبَ.","vol":"16","page":367},{"text":"بل إنَّ الانكفاف عن صلاةٍ راتبةٍ قبليَّةٍ للجمعة امتثالًا للسُنَّة، يُحصِّل له فضيلةً لا تقِلُّ عمَّا طلَبَ.\nبل إنَّ الإقدام على صلاة راتبةٍ قبليَّةٍ للجمعة بعد العلم بقيام الدَّليل على عدم مشروعيِّتها معصية كما لا يخفى. ومن بقي في قلبه ريبٌ في بطلانها، فما عليه إلَّا أن يصلي ركعتين أو أربعًا من جملة النفل المطلق الذي قبله، وينوي في قلبه أنه إذا كان في مشيئة الله تعالى للجمعة راتبة قبلية، فهي هذه، وإلَّا فهي نفل مطلق. والتردد في النية مغتفر في مثل هذا.\n[ص ٢٢] ومن كان منكم يحبُّ ثبوتها انتصارًا لمَنْ أثبتها من العلماء فهذا غرضٌ آخر، ليس من الدِّين في شيءٍ. والعلماء ﵃ مأجورون على كُلِّ حال، وليس في المخالفة لهم تبعًا للدَّليل غضاضةٌ عليهم؛ إذ ليس منهم من يُبرِّئُ نفسَه عن الخطأ ويدَّعي لنفسه العِصْمة.\nوأيُّهما أسهل؟ مخالفة الله ورسوله، أو مخالفة عالمٍ من العلماء؟\nمع أنَّ مخالفة العالم لا تستلزم نقصَه ولا الحط منه؛ فقد كان أصحاب رسول الله - ﵌ - ربَّما خالفوه في الآراء التي ليست من قبيل الوحي. ولم يُعَدَّ ذلك استنقاصًا منهم له - ﵌ -، وإلَّا لكَفرُوا. بل كان - ﵌ - ربَّما رَجَعَ إلى قولهم في ذلك.\nومن كان منكم يحبُّ ثبوتها لكونه من المقلِّدين للمذهب القائل بثبوتها= فهذا لا ينبغي له أن يُعوِّل على ثبوتها من حيث الدَّليل وعدمه؛ لأنَّه مقلِّدٌ لا يَسأَلُ عن حُجَّة، ولا يُسأَل عن حُجَّة، فهو ملتزمٌ لقول من قلَّده، ولو ثبتت الحُجج القطعيَّة بخلافه. فالواجب عليه أن يقول: أنا مقلِّدٌ لفلان، وفلانٌ قال بثبوتها، ويقف عند ذلك.","vol":"16","page":368},{"text":"فإن تاقت نفسُه إلى الاحتجاج فليُوَطِّن نفسَهُ على قبول الحُجَّة، ولو على خلاف قول إمامه، وإلَّا وَقَعَ في الخطَر من تقديم هواه على ما جاء به الرَّسول - ﵌ -، وجعلِ كلام مقلَّدهِ أصلًا يُردُّ إليه ما خالَفَه من كلام الله ورسوله - ﵌ -.\nوالله يهدي من يشاء إلى سراطٍ (^١) مستقيمٍ.\n_________\n(^١) كذا بالسين، وهي لغة فصيحة. والصاد أعلى وإن كانت السين هي الأصل. قال الفراء: الصاد لغة قريش الأولين التي جاء بها الكتاب، وعامة العرب يجعلها سينًا. انظر «تاج العروس» (سرط).","vol":"16","page":369}]}