{"ً":{"ٌ":442,"ٍ":"قيام رمضان - ضمن «آثار المعلمي»","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"files":["https://archive.org/download/moalemee/16-17_137196s.pdf"]},"ّ":"الكتاب: قيام رمضان\n[آثار عبد الرحمن بن يحيى المعلمي اليماني (١٦)]\nالمؤلف: عبد الرحمن بن يحيى المُعَلِّمي اليماني (١٣١٣ - ١٣٨٦ هـ)\nالمحقق: محمد عزير شمس\nراجعه: محمد أجمل الإصلاحي - سليمان بن عبد الله العمير\nالناشر: دار عالم الفوائد للنشر والتوزيع\nالطبعة: الأولى، ١٤٣٤ هـ\nقدمه للشاملة: مؤسسة «عطاءات العلم»، جزاهم الله خيرا\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":178,"ٕ":19,"ٖ":1780758642,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["16"],"ٚ":[{"title":"مكملات في فضل قيام الليل","level":1,"page":2},{"title":"مقارنة بين حديث زيد وحديث عائشة في قصة قيام النبي - ﷺ - الليل بأصحابه ثم امتناعه من ذلك","level":1,"page":7},{"title":"كيف تكون المداومة على عمل مشروع فاضل سببا في فرض العقوبة؟","level":1,"page":11},{"title":"مجمل ما كان عليه قيام رمضان في العهد النبوي وما صار إليه في عهد عمر","level":1,"page":19},{"title":"الاختلاف في الأفضل: أفي البيت أم في المسجد فرادى أم جماعة","level":1,"page":27},{"title":"ملحق: في استشكال الخطابي أصل هذه الخشية، والجواب عنه","level":1,"page":31}],"ٛ":{"16,379":1,"16,381":2,"16,382":3,"16,383":4,"16,384":5,"16,385":6,"16,386":7,"16,387":8,"16,388":9,"16,389":10,"16,390":11,"16,391":12,"16,392":13,"16,393":14,"16,394":15,"16,395":16,"16,396":17,"16,397":18,"16,398":19,"16,399":20,"16,400":21,"16,401":22,"16,402":23,"16,403":24,"16,404":25,"16,405":26,"16,406":27,"16,407":28,"16,408":29,"16,409":30,"16,410":31,"16,411":32,"16,412":33,"16,413":34,"16,414":35,"16,415":36,"16,416":37,"16,417":38},"ٜ":{"16":[379,417]},"ٝ":["16,379","16,381","16,382","16,383","16,384","16,385","16,386","16,387","16,388","16,389","16,390","16,391","16,392","16,393","16,394","16,395","16,396","16,397","16,398","16,399","16,400","16,401","16,402","16,403","16,404","16,405","16,406","16,407","16,408","16,409","16,410","16,411","16,412","16,413","16,414","16,415","16,416","16,417"],"ٞ":{"2":[1],"7":[2],"11":[3],"19":[4],"27":[5],"31":[6]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"الرسالة الثانية عشرة\nقيام رمضان","vol":"16","page":379},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\nقيام رمضان\nوردت عدة نصوص في الترغيب في القيام مطلقًا، كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾ [الفرقان: ٦٤]، وغيرها. ونصوصٌ تؤكّد قيام رمضان، وخاصةً ليلةَ القدر، كحديث \"الصحيحين\" (^١): \"من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدَّم من ذنبه\". وفي حديث آخر (^٢): \"من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غُفِر له ما تقدم من ذنبه\".\nوثبتت نصوص أخرى تبيِّن عدة صفاتٍ إذا اتصف بها قيام الليل عَظُم أجرُه، وكبُر فضلُه، وإن خلا عن بعضها أو عنها كلّها لم يمنع ذلك من حصول أصل قيام الليل. فلنسمِّها \"مكمِّلات\"، وهي:\n١ ــ أن يكون تهجّدًا، أي بعد النوم.\nومن أدلّة ذلك حديث \"الصحيحين\" (^٣) وغيرهما عن عبد الله بن عمرو مرفوعًا، وفيه: \"وأحبُّ الصلاة إلى الله تعالى صلاة داود، كان ينام نصفَ الليل ويقوم ثُلثَه وينام سُدسَه\".\nوفي \"صحيح مسلم\" (^٤) عن جابر مرفوعًا: \"من خاف أن لا يقوم من\n_________\n(^١) البخاري (٣٧) ومسلم (٧٥٩) من حديث أبي هريرة.\n(^٢) أخرجه البخاري (١٩٠١) ومسلم (٧٦٠) من حديث أبي هريرة.\n(^٣) البخاري (١١٣١) ومسلم (١١٥٩/ ١٨٩).\n(^٤) رقم (٧٥٥).","vol":"16","page":381},{"text":"آخر الليل فليُوتِرْ أوّلَه، ثم ليرقُدْ، ومن طَمِعَ أن يقوم من آخر الليل فإن صلاة آخر الليل مشهودةٌ محضورةٌ، وذلك أفضل\".\n٢ ــ أن يكون بعد نصف الليل.\nومن أدلّته ما تقدم.\n٣ ــ أن يستغرق ثلث الليل.\nومن أدلّته: حديث عبد الله بن عمرو المتقدم.\nوقد قال الله ﷿ في آخر سورة المزمل: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠]. يريد به: ما تيسَّر من قيام الليل.\n٤ ــ أن يُكثِر فيه من قراءة القرآن. وهو مِن لازم الثالث؛ لما عُرِف من نظام الصلاة.\n٥ ــ أن يكون مثنى مثنى، ثم يوتر بركعة.\nهذا هو الأكثر من فعل النبي   - ﷺ -، وبه أمر مَن سأله عن قيام الليل.\nوقد ثبت عنه   - ﷺ -   صُوَرٌ أخرى، منها: مثنى مثنى ويوتر بثلاث.\n٦ ــ أن لا يزيد عن إحدى عشرة ركعة.\nكما ثبت من حديث عائشة في \"الصحيحين\" (^١) وغيرهما، قالت: \"ما كان رسول الله   - ﷺ -   يزيد في رمضانَ ولا غيرِه على إحدى عشرة ركعةً ... \". أجابت بهذا مَنْ سألها عن صلاة النبي   - ﷺ -   في الليل في رمضان. وذلك\n_________\n(^١) البخاري (١١٤٧، ٢٠١٣) ومسلم (٧٣٨).","vol":"16","page":382},{"text":"صريح في أن المشروع في قيام رمضان هو المشروع في غيره، إلَّا أنه آكدُ (^١) فيه.\nوقد جاء عنها أنه صلَّى في بعض الليالي ثلاث عشرة ركعة (^٢).\nوفي \"المستدرك\" وغيره (^٣) عن أبي هريرة مرفوعًا: \"لا تُوتِروا بثلاثٍ تَشبَّهوا بالمغرب، ولكنْ أوتروا بخمسِ أو بسبعٍ أو بتسعٍ أو بإحدى عشرة أو بأكثر من ذلك\".\nوالمراد ــ والله أعلم ــ بالوتر في هذا الحديث: قيام الليل، كأنه كره الاقتصار على ثلاثٍ وأمرَ بالزيادة عليها. وأكثرُ ما جمع النبي   - ﷺ -   بينه بتكبيرةٍ واحدةٍ تسع ركعات. فهو ــ والله أعلم ــ أكثر الوتر الحقيقي، فأمَّا الوتر بمعنى قيام الليل المشتمل على الوتر فلا مانعَ من الزيادة فيه، والأفضلُ ما تقدّم.\n٧ ــ أن يكون فُرادى. كما هو الغالب من فعل النبي   - ﷺ -   وأصحابه، وهو كاللازم للأمر الآتي.\n_________\n(^١) في النسخة اليمنية: \"يتأكد\".\n(^٢) أخرجه البخاري (١١٧٠) ومسلم (٧٣٧).\n(^٣) أخرجه الحاكم في \"المستدرك\" (١/ ٣٠٤) والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٣/ ٣١، ٣٢) من طريق الليث عن يزيد بن أبي حبيب عن عراك بن مالك عن أبي هريرة. وإسناده صحيح. وأخرجه بنحوه ابنُ حبان (٢٤٢٩) والدارقطني (٢/ ٢٤، ٢٥) والحاكم (١/ ٣٠٤) والبيهقي (٣/ ٣١) من طريق سليمان بن بلال عن صالح بن كيسان عن عبد الله بن الفضل عن أبي سلمة بن عبد الرحمن وعبد الرحمن الأعرج عن أبي هريرة. وصححه الحاكم.","vol":"16","page":383},{"text":"ومع ذلك، فقد ثبت عن ابن مسعود اقتداؤه بالنبي   - ﷺ -   في بعض قيام الليل. وكذلك عن [ص ٢] ابن عباسٍ لمّا بات في بيت النبي   - ﷺ -  . وسيأتي ما يشهد لذلك.\n٨ ــ أن يكون في البيت.\nومن أدلته: حديث \"الصحيحين\" (^١) وغيرهما عن زيد بن ثابت قال: \"احتجرَ رسول الله   - ﷺ -   حُجَيرةً بخَصَفةٍ أو حصيرٍ، فخرج رسول الله   - ﷺ -   يصلّي فيها، قال: فتتبَّع إليه رجالٌ وجاءوا يُصلُّون بصلاته، قال: ثم جاءوا ليلةً فحضروا، وأبطأ رسول الله   - ﷺ -   عنهم، قال: فلم يخرج إليهم، فرفعوا أصواتهم وحَصَبُوا الباب، فخرج إليهم رسول الله   - ﷺ -   مُغضَبًا، فقال لهم رسول الله   - ﷺ -: \"ما زال بكم صنيعُكم حتى ظننتُ أنه سيُكْتَب عليكم، فعليكم بالصلاة في بيوتكم، فإن خير صلاة المرء في بيته إلا الصلاة المكتوبة\".\nهذا لفظ مسلمٍ في الصلاة، باب \"استحباب صلاة النافلة في البيت\"، ونحوه للبخاري في \"صحيحه\"، في كتاب الأدب، \"باب ما يجوز من الغضب\".\nوالحديث وارد في قيام رمضان كما يأتي، وذلك قاضٍ بشمول الحكم له نصًّا، فلا يُقبَل أن يُخرَج منه بتخصيص (^٢).\n_________\n(^١) البخاري (٦١١٣) ومسلم (٧٨١).\n(^٢) أتعجّب مما وقع في \"فتح الباري\" في باب التراويح: \"وعن مالك ... وأبي يوسف وبعض الشافعية: الصلاةُ في البيوت أفضل، عملًا بعموم قوله   - ﷺ -: \"أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة\". وهو حديث صحيح أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة\" [المؤلف].\nراجع \"الفتح\" (٤/ ٢٥٢)، والصواب أنه متفق عليه من حديث زيد بن ثابت، كما ذكره المؤلف.","vol":"16","page":384},{"text":"وذكر مسلم رواية أخرى (^١) قال في متنها: \"إن النبي   - ﷺ -   اتخذ حُجْرةً في المسجد من حصيرٍ، فصلَّى رسول الله   - ﷺ -   فيها لياليَ حتى اجتمع إليه ناسٌ، فذكر نحوه وزاد فيه: \"ولو كُتِبَ عليكم ما قمتم به\".\nوهذه الرواية في \"صحيح البخاري\" (^٢) في كتاب الاعتصام، \"باب ما يُكْره من كثرة السؤال، ومن تكلُّفِ ما لا يعنيه\"، وقوله تعالى: ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١]، وفيها بعد قوله: \"ليالي\": \"حتى اجتمع إليه ناسٌ، ففقدوا صوتَه ليلةً، فظنوا أنه قد نام، فجعل بعضهم يتنحنح ليخرج إليهم، فقال: \"ما زال بكم الذي رأيتُ من صنيعكم حتى خشيتُ أن يُكْتَب عليكم، ولو كُتِب عليكم ما قمتم به، فصلُّوا أيها الناس في بيوتكم؛ فإن أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة\".\nوفي رواية للبخاري (^٣) في كتاب الصلاة، في \"باب صلاة الليل\" قُبيلَ \"أبواب صفة الصلاة\": \"أن رسول الله   - ﷺ -   اتخذ حجرةً ــ قال: حسبتُ أنه قال: من حصيرٍ ــ في رمضان، فصلَّى فيها لياليَ، فصلَّى بصلاته ناسٌ من أصحابه، فلما علم بهم جعل يقعد ... \".\nعلَّل أمرهم بالصلاة في البيوت بأنها في غير المكتوبة خير وأفضل،\n_________\n(^١) رقم (٧٨١/ ٢١٤)\n(^٢) رقم (٧٢٩٠).\n(^٣) رقم (٧٣١).","vol":"16","page":385},{"text":"فثبت أنه إنما أمرَهم أمرَ إرشادٍ لتحصيل زيادة الفضل، وأن الصلاة في المسجد فيها خيرٌ في الجملة وفضلٌ، وذلك شامل لقيام رمضان.\nوالظاهر أنه - ﷺ - كان تلك الليالي معتكفًا، والمسجد بيت المعتكف، فلا يكون في صلاته فيه ما ينافي منطوق الحديث.\nوكأنه كان يقتدي به أولًا المعتكفون، ومَنْ في معناهم من أهل الصُّفَّة الذين لا بيتَ لهم إلَّا المسجد، فلم ينكر عليهم. ثم حضر غيرهُم، ولم يشعُرْ - ﷺ -، فلمَّا شَعَرَ قعد.\nوما يقع في بعض روايات حديث عائشة ممّا قد خالف ما هنا: الظاهرُ أنه من تصرُّفِ بعض الرواة، من باب الرواية بالمعنى على حسب ما فهم، والله أعلم.\nمقارنة بين حديث زيدٍ وحديث عائشة\nقد وردت القصة من حديث عائشة، ولكن في حديث زيدٍ زيادتان:\nالأولى: ما فيه مِنْ ذكر [ص ٣] تنحنُحِ القوم، ورفْعِهم أصواتَهم، وحَصْبِهم البابَ، وغضَبِ النبي - ﷺ -.\nالثانية: ما فيه مرفوعًا: \"فعليكم بالصلاة في بيوتكم؛ فإن خير صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة\".\nوالزيادة الأولى تُفْهِم أن صنيعهم ذاك هو الذي خشي النبي - ﷺ - أن يُعاقَبوا عليه بفرضِ قيام الليل في المسجد عليهم.\nوأشار إلى ذلك البخاريُّ؛ إذ ذكر الحديث في كتاب الاعتصام \"باب ما","vol":"16","page":386},{"text":"يُكْرَه من كثرة السؤال، ومن تكلُّفِ ما لا يعنيه\"، وقوله تعالى: ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾، وذكر معه حديث: \"إنَّ أعظم المسلمين جرمًا من سأل عن شيء لم يُحرَّم فحُرِّم من أجْلِ مسألته\" (^١).\nوالزيادة الثانية تُفْهِم أن سبب احتباس النبي   - ﷺ -   عنهم هو إرادة صَرْفِهم إلى الصلاة في بيوتهم؛ لأنها أفضل.\nولو خلا الحديث عن هاتين الزيادتين لكان ظاهره أن الصنيع الذي خشي أن يترتَّبَ عليه الفرض هو مثابرة القوم على الحضور، وأن سبب احتباس النبي   - ﷺ -   هو إرادة قطع المثابرة قبل أن يترتّب عليها الفرض.\nوالظاهر أن خلوَّ حديث عائشة عن هاتين الزيادتين سببه أنها كانت في بيتها إذْ كان زيدٌ في المسجد شريكًا في القصة، وأن ذلك أدّى إلى هذا الفهم على ما فيه، ففي \"الصحيحين\" (^٢) من طريق مالك عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة، قالت: \"إن كان رسول الله   - ﷺ -   لَيدَعُ العملَ وهو يُحِبُّ أن يعملَ به، خشيةَ أن يعملَ به الناس فيُفْرَضَ عليهم\".\nلا أرى مأخذ هذا المعنى إلّا ما فُهِم من تلك القصة، بسبب خلوِّها عن تَيْنِكَ الزيادتين.\nقد يقال: إنّ هذا وإن استقام بالنظر إلى بعض روايات حديث عائشة، فلا يستقيم بالنظر إلى بعضها.\n_________\n(^١) البخاري (٧٢٨٩) من حديث سعد بن أبي وقاص.\n(^٢) البخاري (١١٢٨) ومسلم (٧١٨).","vol":"16","page":387},{"text":"فأمّا الأول: فرواية عمرة عن عائشة، وأكثر الروايات عن أبي سلمة عن عائشة.\nولفظ البخاري (^١) عن عمرة: \"كان رسول الله   - ﷺ -   يُصلِّي من الليل في حُجرته، وجدار الحجرة قصير، فرأى الناسُ شخصَ النبي   - ﷺ -، فقام ناسٌ يصلُّون بصلاته، فأصبحوا فتحدثوا بذلك، فقام ليلةَ الثانية (^٢)، فقام معه ناس يصلُّون بصلاته، صنعوا ذلك ليلتين أو ثلاثًا، حتى إذا كان بعد ذلك جلس رسول الله   - ﷺ -   فلم يخرج، فلما أصبح ذكر ذلك الناس، فقال: \"إني خَشِيتُ أن تُكتَبَ عليكم صلاةُ الليل\".\nذكره البخاري قبل أبواب صفة الصلاة، في \"باب إذا كان بين الإمام وبين القوم حائط أو سترة\". ثم قال بعده: \"باب صلاة الليل\"، فأخرج (^٣) من طريق أبي سلمة بن عبد الرحمن عن عائشة: \"أن النبي   - ﷺ -   كان له حصيرٌ يَبْسُطه بالنهار، ويَحتجِرُه بالليل، فثاب إليه ناسٌ فصلَّوا وراءه\". [ص ٤] كذا أخرجه مختصرًا.\nوقد أخرجه مسلم (^٤)، ولفظه: \"كان لرسول الله   - ﷺ -   حصيرٌ، وكان يُحَجِّرُه من الليل، فيصلّي فيه، فجعل الناس يصلّون بصلاته، وَيْبسُطُه بالنهار. فثابوا ذاتَ ليلةٍ، فقال: \"يا أيها الناس، عليكم من الأعمال ما تُطِيقون؛ فإن الله لا يَمَلُّ حتى تَمَلُّوا، وإن أحبَّ الأعمالِ إلى الله ما دُووِمَ عليه\n_________\n(^١) رقم (٧٢٩).\n(^٢) كذا الرواية عند الأكثر، وانظر توجيهها في \"الفتح\" (٢/ ٢١٤).\n(^٣) رقم (٧٣٠).\n(^٤) رقم (٧٨٢).","vol":"16","page":388},{"text":"وإنْ قَلّ\". وكان آل محمد   - ﷺ -   إذا عملوا عملًا أثبتوه\".\nوفي \"فتح الباري\" (^١) في \"باب تحريض النبي   - ﷺ -   على قيام الليل\" ما لفظه: \"في رواية أبي سلمة المذكورة قبيل صفة الصلاة: \"خشيتُ أن تُكْتَب عليكم صلاة الليل\".\nكذا قال، وتبعه العينيّ (^٢)! وإنما هذا في رواية عمرة، كما مرّ.\nوأمّا الثاني: فما في \"الصحيحين\" (^٣) وغيرهما من رواية مالك عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة \"أن رسول الله   - ﷺ -   صلَّى ذاتَ ليلة في المسجد، فصلَّى بصلاته ناس، ثم صلَّى من القابلة فكثر الناس، ثم اجتمعوا من الليلة الثالثة ــ أو الرابعة ــ فلم يخرج إليهم رسول الله   - ﷺ -  . فلما أصبح قال: \"قد رأيتُ الذي صنعتم، ولم يمنعني من الخروج إليكم إلا أني خشيتُ أن تُفْرَضَ عليكم\" وذلك في رمضان\".\nففي هذه الرواية جاء هذا التعليل من لفظ النبي   - ﷺ -، فكيف يستقيم أن يقال: إنه إنما فُهِم من حديث عائشة لخلوِّه عن الزيادتين الثابتتين في حديث زيد؟ !\nأقول: في \"فتح الباري\" (^٤) في الكلام على رواية عروة: \"ظاهر هذا الحديث أنه   - ﷺ -   توقَّعَ ترتُّبَ افتراضِ الصلاة بالليل جماعةً على وجود\n_________\n(^١) (٣/ ١٣).\n(^٢) في \"عمدة القاري\" (٧/ ١٧٧).\n(^٣) البخاري (١١٢٩) ومسلم (٧٦١).\n(^٤) (٣/ ١٣).","vol":"16","page":389},{"text":"المواظبة عليها، وفي ذلك إشكال ... \".\n[ص ٥] وحاصِلُ الإشكال موضَّحًا: أن الصحابة ﵃ كانوا قد عرفوا فضل قيام رمضان، ولم يكونوا يعلمون أنه في البيوت أفضل، فلمّا سمعوا أن النبي - ﷺ - خرج يصلِّيه (^١) في مسجده، ويأتمُّ به مَنْ حضر؛ ظنّوا معذورين أن حضورهم للصلاة مع النبي - ﷺ - في المسجد أفضل، والمداومةُ التي كانت قد وقعت منهم قبل أن يذكر النبي - ﷺ - قصةَ الفرض= كان الظاهر أن النبي - ﷺ - أقرّهم عليها، فتأكّد العذر، ولو كان العمل مشروعًا ولم يقطعه النبي - ﷺ - لكان عملًا كلّه خير.\nوالفرضُ الذي خشيه النبي - ﷺ - (^٢) كان عقوبةً، بدليل قوله: \"ولو كُتِب عليكم ما قمتم به\".\nوقد فهم البخاري ذلك، فأخرج الحديث في باب ما يُكرَه من السؤال (^٣)، وذكر معه آية: ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ﴾، وحديث: \"إن أعظمَ المسلمين جرمًا مَن سأل عن شيء لم يُحرَّم فحُرِّم من أجل مسألته\". وقد قال الله ﷿: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (١٦٠) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٠ ــ ١٦١]. فكيف تكون المداومة على عملٍ\n_________\n(^١) في النسخة اليمنية: \"يصلي\".\n(^٢) هنا كلمتان بين السطرين لم أستطع قراءتهما، وليس هناك إشارة لحق، والكلام متصل بدونهما.\n(^٣) \"الصحيح\" مع الفتح (١٣/ ٢٦٤).","vol":"16","page":390},{"text":"مشروعٍ فاضلٍ سببًا لمثل هذا الفرض؟\nوقد أجيب عن هذا الإشكال أجوبة لا تُسْمِن ولا تُغنِي من جوع، وفيه إشكال آخر، بناءً على فرضِ أن أصل ذلك العمل مشروع، وإنما تركه النبي   - ﷺ -   لمانعٍ، وهو الخشية؛ فإنه لو صحَّ هذا لكان على الخلفاء الراشدين أن يعملوا بهذا عند زوال المانع بوفاته   - ﷺ -، فيؤمُّوا الناسَ في قيام رمضان في المساجد. فلماذا تركوه؟\nأجاب بعضهم: أن الصحابة كانوا في زمن أبي بكر مشغولين بحروب الردّة، ولهذا لمّا استقرّ الأمر عمل به عمر.\nوفي هذا أوّلًا: أنّ تضايق المدينة في قصة الردّة لم يَطُلْ، وبقي أبو بكر بعد ذلك مدةً متمكِّنًا كلَّ التمكُّن من القيام بالناس في المسجد لو أراد، وأن عمر لم يَقُم بالناس في المسجد قطّ، وإنّما أمر بما أمر به في آخر خلافته، فإنه استُشهِد آخرَ سنة ٢٣.\nوقد روى عبد الرحمن بن عبد القاريُّ القصةَ كما في \"صحيح البخاري\" (^١) أنه شهدها، وفي القصة ما يقتضي أن يكون عبد الرحمن حينئذٍ من أصحاب عمر، يدخل بدخوله ويخرج بخروجه، مع أن عُمره لوفاة عمر كان تقريبًا عشرين سنة، وعلى ما رجحه ابن حجر في \"الإصابة\" (^٢) أربع عشرة سنة.\nورواها أيضًا روايةً واعيةً نوفلُ بن إياس الهذلي كما يأتي، مع أنهم لم يذكروه فيمن وُلِد في العهد النبوي، فعُمْرُه لوفاة عمر نحو ثلاث عشرة سنة.\n_________\n(^١) رقم (٢٠١٠).\n(^٢) (٨/ ٦٢) حيث رجَّح أنه وُلد في آخر عُمْر النبي   - ﷺ -  .","vol":"16","page":391},{"text":"فهذا ممّا يدلُّك أنّ ما وقع من عمر ﵁ من جَمْعِهم على أُبي بن كعب إنما كان في آخر خلافته. وهذا كلُّه يُثبِت أن الصواب ما دلَّ عليه حديث زيد.\nفأمّا ما في رواية عروة [ص ٤] فقد فتح الله عليّ بجوابين:\nالأول: أن يقال: إن هذا اللفظ الذي وقع في رواية عروة منسوبًا إلى النبي   - ﷺ -   ليس هو عين اللفظ النبوي، بل قد يكون اللفظ النبوي هو الذي وقع في حديث زيد أو في رواية عمرة. فأما ما في رواية عروة فتصرَّف فيه الراوي على وجه الرواية بالمعنى، على حسب فهمه.\nالجواب الثاني: أنه على فرض أن ما وقع في رواية عروة هو عين لفظ النبي   - ﷺ -؛ فالتوفيق بينه وبين حديث زيد ــ مع تجنُّب الإشكالين ــ متيسِّر بحمد الله، بأن يقال: إنه   - ﷺ -   احتبس عنهم أوّلًا؛ ليصرِفَهم إلى الصلاة في البيوت، لمزيد فضلها، كما في حديث زيد، ثم كأنهم لمّا صنعوا ما صنعوا من التنحنُح ورفْع الأصوات وحَصْب الباب هَمَّ النبيُّ   - ﷺ -   أن يستجيب لإلحاحهم، فيخرج فيصلِّي بهم، لكنه خشي أن يكون في ذلك ما يؤكّد شناعةَ صنيعهم؛ لأنه يثبت بذلك [ص ٦] أنهم اضطروا النبيَّ   - ﷺ -   إلى فعل ما يكرهه، ولعلّ هذا يوجب أن يُعاقَبوا بأن يُفرض عليهم ذلك العمل. فلم يخشَ ترتُّبَ الفرض على المواظبة، بل على إلحاحهم إذا تأكّدت شناعتُه باستجابته لهم. فتدبَّرْ.\nولم أرَ مَنْ نحا هذا المنحى مع ظهوره، ومع استشكالهم ظاهرَ ما وقع في رواية عروة. فكأنهم احتاجوا إلى المحافظة على ظاهر ما في رواية عروة","vol":"16","page":392},{"text":"ليدفعوا أن يكون ما أمر به عمر بدعةً، كما يدلُّ عليه قول كثيرٍ منهم: إنما ترك النبي   - ﷺ -   الاستمرار على إقامتها جماعةً في المسجد لمانعٍ، وهو خشية أن تُفْرضَ، وبموته   - ﷺ -   زال هذا المانع.\nوإذا ثبت أن الحكم مشروعٌ، وتُرِك في عهد النبي   - ﷺ -   لمانعٍ؛ فإنه إذا زال المانع بعده لم يكن العمل بذلك الحكم بدعة.\nوستعلم قريبًا ــ إن شاء الله تعالى ــ ما يغني عنه في دفع البدعة.\nوقد أخرج الإمام أحمد في \"مسنده\" (^١) رواية أبي سلمة من طرقٍ، ثم أخرج (^٢) من طريق ابن إسحاق: \"حدثني محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، عن عائشة زوج النبي   - ﷺ -   قالت: كان الناسُ يصلّون في مسجد رسول الله   - ﷺ -   في رمضان بالليل أوزاعًا، يكون مع الرجل شيء من القرآن فيكون معه النفرُ الخمسةُ أو الستة، أو أقلُّ من ذلك أو أكثر، فيصلُّون بصلاته. قالت: فأمرني رسول الله   - ﷺ -   ليلةً من ذلك أن أَنصِبَ له حصيرًا على باب حجرتي، ففعلتُ، فخرج إليه رسول الله   - ﷺ -   بعد أن صلَّى العشاء الآخرة. قالت: فاجتمع إليه مَن في المسجد، فصلَّى بهم ... فقال: \"أيّها الناس! أما والله ما بِتُّ ــ والحمد لله ــ ليلتي هذه غافلًا، وما خفي عليّ مكانكم، ولكني تخوَّفْتُ أن يُفتَرض عليكم، فاكْلَفُوا من الأعمال ما تُطِيقون ... \".\nفي النفس شيء من هذه الرواية؛ قصةُ الأوزاع لم أجدها في شيء من\n_________\n(^١) (٦/ ٦١، ٢٤١، ٣٦، ٧٣، ١٠٤).\n(^٢) (٦/ ٢٦٧).","vol":"16","page":393},{"text":"الروايات الأخرى، وإنَّما المحفوظ أن ذلك كان في عهد عمر، كما في \"الموطأ\" (^١) وغيره عن ابن شهاب عن عروة عن عبد الرحمن بن عبدٍ القاريِّ أنه قال: \"خرجتُ مع عمر بن الخطاب ﵁ ليلةً في رمضان إلى المسجد، فإذا الناسُ أوزاعٌ متفرقون، يُصلّي الرجل لنفسه، ويُصلّي الرجل فيصلي بصلاته الرهْطُ\".\nوبقيةُ الكلام في رواية ابن إسحاق، كأنه ضمَّ رواية عروة إلى رواية أبي سلمة، مع زيادة تطويل.\nوابن إسحاق صدوق، وثَّقه جماعة (^٢)، وأثنى عليه الإمام أحمد وغيرُه، لكنْ قال أيوب بن إسحاق بن سافري ــ وهو صدوق ــ: سألت أحمد، فقلت له: يا أبا عبد الله! إذا انفرد ابن إسحاق بحديثٍ تقبله؟ قال: \"لا والله؛ إني رأيته يُحدِّث عن جماعةٍ بالحديث الواحد، ولا يَفصِل كلامَ ذا من كلامِ ذا\".\nوقد تابعه محمد بن عمرو بن علقمة (^٣) في \"سنن أبي داود\" (^٤)، ولكنه مختصر.\nومحمد بن إبراهيم التيمي: وثَّقه جماعةٌ، واحتجَّ به الشيخان وغيرهما،\n_________\n(^١) \"الموطأ\" (١/ ١١٤) والبخاري (٢٠١٠).\n(^٢) انظر \"تهذيب التهذيب\" (٩/ ٣٩ وما بعدها) وفيه قول الإمام أحمد المذكور (٩/ ٤٣).\n(^٣) كانت غير واضحة في الأصل، فوضع المصنف بجوارها علامة، وكتب في الحاشية: \"بيانه: محمد بن عمرو بن علقمة\".\n(^٤) رقم (١٣٧٤).","vol":"16","page":394},{"text":"وقال الإمام أحمد: \"في حديثه شيء، يروي أحاديث مناكير، أو منكرة\" (^١).\nوالخطبُ سهلٌ هنا، فقصةُ الأوزاع لها شواهد في الجملة، وبقيةُ الزيادة في رواية أبي سلمة إن لم تصحّ عنه فقد صحَّ أكثرها من رواية عروة.\nأمّا شواهد قصة الأوزاع ففي \"سنن البيهقي\" (^٢) بسندٍ صحيح عن ثعلبة بن أبي مالك القُرَظي قال: \"خرج رسول الله   - ﷺ -   ذاتَ ليلةٍ في رمضان، فرأى ناسًا في ناحية المسجد يصلّون، فقال: \"ما يصنع هؤلاء؟ \". قال قائل: يا رسول الله، هؤلاء ناسٌ ليس معهم قرآن، وأُبي بن كعب يقرأ، وهم معه يصلّون بصلاته. قال: \"قد أحسنوا، أو قد أصابوا\". [ص ٧] ولم يكره ذلك لهم\".\nقال البيهقي: \"هذا مرسل حسن، ثعلبة بن أبي مالك القرظي من الطبقة الأولى من تابعي أهل المدينة، وقد أخرجه ابن منده في \"الصحابة\"، وقيل: له رؤية، وقيل: سِنُّه سنُّ عطية القرظي، أُسِرا يوم قريظة ولم يُقْتَلا، وليست له صحبة\".\nوفي \"الإصابة\" (^٣): \"لا يمتنع أن يصح سماعُه\".\nثم قال البيهقي: \"وقد رُوي بإسنادٍ موصول إلّا أنه ضعيف\". فذكر ما رواه أبو داود في \"السنن\" (^٤) من طريق مسلم بن خالد عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة، بنحو حديث ثعلبة.\n_________\n(^١) \"تهذيب التهذيب\" (٩/ ٦).\n(^٢) (ج ٢ ص ٤٩٥) [المؤلف].\n(^٣) (٢/ ٧٨).\n(^٤) رقم (١٣٧٧).","vol":"16","page":395},{"text":"قال أبو داود: \"هذا الحديث ليس بالقويّ، مسلم بن خالد ضعيف\".\nأقول: مسلم بن خالد ضعَّفه جماعةٌ من جهة حفظه، وقد وثَّقه ابن معين (^١).\nوقد كان في عهد النبي   - ﷺ -   أهل الصّفة كانوا ملازمين المسجدَ، وكان مِنْ غيرهم مَنْ ينام في المسجد، كابن عمر، فهؤلاء كانوا يصلّون في المسجد حتمًا.\nوقد عُلِم ممّا تقدم أنه ليس هناك دليلٌ يمنع الاقتداءَ في قيام الليل، بل قد ثبت اقتداء ابن مسعود بالنبي   - ﷺ -   (^٢)، وكذلك اقتداء ابن عباس (^٣). وثبت في قصة عمر أن الناس كانوا قبل ذلك يصلّون أوزاعًا في المسجد، ولم ينكر عليهم أحد صلاتهم تلك، حتى جمعهم عمر على إمام واحد.\nهذا، وقد جاء من حديث أنس (^٤) وجابر (^٥) ما يوافقُ في الجملة حديثَي زيد وعائشة.\nوفي \"مسند أحمد\" و\"السنن\" (^٦) من حديث أبي ذر: \"صُمنا مع\n_________\n(^١) انظر \"تهذيب التهذيب\" (١٠/ ١٢٩).\n(^٢) أخرجه البخاري (١١٣٥) ومسلم (٧٧٣) عن ابن مسعود.\n(^٣) أخرجه البخاري (٧٢٦) ومسلم (٧٦٣) عن ابن عباس.\n(^٤) أخرجه مسلم (١١٠٤).\n(^٥) أخرجه ابن خزيمة (١٠٧٠) وابن حبان (٢٤٠٩، ٢٤١٥)، وفي إسناده عيسى بن جارية، وهو ضعيف.\n(^٦) أخرجه أحمد (٥/ ١٦٣) وأبو داود (١٣٧٥) والترمذي (٨٠٦) والنسائي (٣/ ٨٣، ٨٤)، وابن ماجه (١٣٢٧). قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.","vol":"16","page":396},{"text":"رسول الله   - ﷺ -   فلم يُصلِّ بنا حتى بقي سبعٌ من الشّهر، فقام بنا حتى ذهب ثلث الليل، ثم لم يقم بنا في التالية (^١)، وقام في الخامسة حتى ذهب شطر الليل. فقلنا: يا رسول الله! لو نفَّلْتَنا بقيةَ ليلتنا هذه، فقال: \"إنه من قام مع الإمام حتى ينصرف كُتِب له قيامُ ليلة\". ثم لم يقم بنا حتى بقي ثلاث من الشهر، فصلى بنا في الثالثة ودعا أهله ونساءه، فقام بنا حتى تخوَّفْنا الفلاح\". قيل لأبي ذرّ: وما الفلاح؟ قال: السحور.\nقد عُرِف من عادة النبي   - ﷺ -   أنه كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان، ويعتكف معه بعض أصحابه، فلعل المعتكفين هم الذين صلَّوا معه، وقد يكون معهم غيرهم ممّن هو في حكم المعتكف، فقد كان أهل الصّفّة لا مأوى لهم إلا المسجد.\nنعم، قوله في الثالثة: \"ودعا أهله ونساءه\" يدلُّ على أنه يُشْرَع للإمام إذا كان معتكفًا أن يدعو أهله للقيام معه في المسجد في مثل تلك الليلة.\nوفي \"مختصر كتاب قيام الليل\" لمحمد بن نصر (ص ٩٦): \"قال مالك: كان عمر بن حسين من أهل الفضل والفقه، وكان عابدًا ... وكان في رمضان إذا صلَّى العشاء انصرف، فإذا كانت ليلة ثلاث وعشرين قامها مع الناس، ولم يكن يقومُ معهم غيرَها.\nوقد يجوز أن يكون النبي   - ﷺ -   إنما دعا من خَشِيَ أن يَغفُلَ في بيته، وفي قصته لمّا أيقظ عليًّا وفاطمة ما يدفع استبعاد هذا. والله أعلم.\n* * * *\n_________\n(^١) في الأصل: \"الثالثة\" سبق قلم.","vol":"16","page":397},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4>مجمل ما كان عليه قيام رمضان في العهد النبوي\nوما صار إليه في عهد عمر</span>\nتبيَّن ممّا تقدم أن أصل قيام الليل في رمضان وغيره يحصل بمطلق الصلاة بعد العشاء وراتبتها، [ص ٨] وأن له مكمِّلاتٍ يَعظُم بها الأجرُ، ويتضاعف الفضل، وكان الغالب في العهد النبوي تمكُّن الناس من المكمِّلات ومحافظتهم عليها، وأكثر ما كان يعرض لهم ممّا يخالف ذلك هو خوف عدم الاستيقاظ بعد النوم في الوقت المتّسع، فلذلك كان كثير منهم يَدَعون المكمِّلَين الأوّلَين ــ وهما: كون القيام بعد النوم، وكونه بعد نصف الليل ــ، وربّما كان يتفق أن يوجد جماعة منهم يريدون القيام وليس معهم كثير من القرآن يحصِّلون به المكمِّل الرابع ــ وهو كثرة قراءة القرآن في القيام ــ على وجهه، فيريدون أن يعتاضوا عن القراءة بالسماع، فيلتمسون من بعض القرَّاء أن يؤمَّهم في المسجد.\nوبذلك يترك المأمومون والإمام المكمِّلَينِ الأخيرينِ، وهما: كون القيام فُرادَى، وكونه في البيت. أمّا المأمومون فلعدم تمكُّنِهم من ذلك، مع سماع كثير من القرآن، وأمّا الإمام فيرجو أن يكون في معونته لهم على العبادة، وما يُرجَى من انتفاعهم بسماع القرآن ما يُعوِّضه.\nلكنّ هذا لم يكثر في العهد النبويّ، ولا اتصل في جميع ليالي رمضان؛ لحرص المهاجرين والأنصار على حفظ القرآن، ونشاطهم في الخير، وضعف رغبة الوافدين من الأعراب في النوافل، كقيام الليل.\nفلمّا كان في عهد عمر ﵁ كثُر الواردون من الآفاق، ممن","vol":"16","page":398},{"text":"ليس معهم كثير من القرآن، ولهم مع ذلك رغبة في القيام؛ لتمكُّنِهم في الإسلام، ووُجِد في شبّان أهل المدينة جماعة لا يَنْشَطون للقيام الطويل في البيوت، فكان جماعة من الفريقين يقومون في المسجد: مَنْ كان معه قرآن قام وحدَه، ومن لم يكن معهم التمسوا من بعض القرَّاء أن يؤمَّهم، يرون أن لهم أسوةً بمن كانت حاله في العهد النبوي شبيهةً بحالهم. ولكثرة هؤلاء واستمرار عذرهم استمرَّ قيامهم في المسجد في جميع ليالي رمضان، ولم ينكر عليهم أحد من الصحابة، فكان في ذلك حجة على صحّة اجتهادهم، وعلى أنه لو اتّفق مثلُ ذلك في العهد النبوي لما أنكره النبي   - ﷺ -  .\nوبهذا خرج ذاك العمل المتصل عن البدعة. فإنه إذا قام الدليل على أن الحكم مشروع، وتُرِك في عهد النبي   - ﷺ -   لعدم مقتضيه، ثم وُجِد المقتضي بعده؛ فالعمل به حينئذٍ سنةٌ لا بدعة. فلمّا شاهد عمر ﵁ حالَهم عرفَ عذرَهم، وصوَّبَ اجتهادَهم، لكنه رأى أنه قد نشأ من عملهم مفاسدُ، منها: ظاهرة التفرّق والتحزُّب التي يكرهها الشرع، ومنها: تشويش بعضهم على بعض.\nوفي \"مسند أحمد\" (^١) و\"سنن أبي داود\" و\"المستدرك\" وغيرها (^٢)، بسندٍ على شرط الصحيحين \"عن أبي سعيد الخدريّ، قال: اعتكف رسول الله   - ﷺ -   في المسجد، فسمعهم يجهرون بالقراءة، وهو في قُبّةٍ له، فكشفَ\n_________\n(^١) ج ٣ ص ٩٤ [المؤلف].\n(^٢) أخرجه أحمد (١١٨٩٦) وأبو داود (١٣٣٢) والنسائي في \"الكبرى\" (٨٠٩٢) وابن خزيمة (١١٦٢) والحاكم (١/ ٣١٠، ٣١١) والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٣/ ١١). وصححه الحاكم. وهو حديث صحيح.","vol":"16","page":399},{"text":"الستورَ، وقال: \"ألا إن كلَّكم مناجٍ ربَّه، فلا يُؤذِينَّ بعضُكم بعضًا، ولا يرفعنَّ بعضُكم على بعضٍ [ص ٩] بالقراءة ــ أو قال: في الصلاة ــ\".\nهؤلاء كانوا ــ والله أعلم ــ ممّن المسجدُ بيته: معتكفين، أو من أهل الصّفّة، أو من الفريقين. وكانوا يُصلُّون فُرادى، ويجهرون بالقراءة، فيُشَوِّشُ بعضُهم على بعضٍ، فأرشدهم   - ﷺ -   إلى المخافتة.\nولا يجيء مثل هذا في القائمين بالمسجد في عهد عمر؛ لأن كثيرًا منهم كانوا يُصلّون جماعاتٍ؛ ليسمع المأمومون القرآن، كما تقدم، فلو أُمِروا بالمخافتة لفات المقصود من تلك الجماعات كما لا يخفى.\nومنها: أن بعضهم كانوا يتحرَّون الاقتداء بمن يُعجِبهم صوتُه، وإن كان غيره أقرأَ منه وأجدرَ أن يُقْتَدى به.\nأنكر عمر ﵁ ــ بحقٍّ ــ هذه المفاسد، ولم يجد ما يدفعها بدون إخلالٍ بالمقصود إلّا أن يجمعهم على إمامٍ واحد، مقدِّرًا أنه لو اتفق مثل ذلك في عهد النبي   - ﷺ -   لأمر بذاك.\nوبهذا خرج العمل عن أن يكون بدعة، كما يُعْلَم ممّا مرّ.\nفأمّا ما في \"صحيح البخاري\" (^١) من قول عمر: \"نِعْمتِ البدعةُ هذه، والتي ينامون عنها أفضل\"= فإنّما أراد البدعة لغةً، على أنّ في \"طبقات ابن سعد\" (ج ٥ ص ٤٢) (^٢) بسندٍ صحيح عن نوفل بن إياس الهذلي قال: كنا نقوم في عهد عمر بن الخطاب فِرَقًا في المسجد في رمضان، ههنا وههنا،\n_________\n(^١) رقم (٢٠١٠).\n(^٢) (٧/ ٦٣) ط. الخانجي.","vol":"16","page":400},{"text":"فكان الناس يميلون إلى أحسنهم صوتًا، فقال عمر: ألا أراهم قد اتخذوا القرآن أغانِيَ؟ أما والله لئن استطعتُ لأغيِّرنَّ هذا. قال: فلم يمكث إلا ثلاثَ ليالٍ حتى أمر أُبيٍ بن كعب فصلَّى بهم. ثم قام في آخر الصفوف فقال: لئن كانت هذه بدعةً فنعمتِ البدعةُ هي\". فهذا ــ والله أعلم ــ من باب قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ [الزخرف: ٨١] (^١).\nوالظاهر أن الذين كانوا يصلّون فرادى دخلوا في الجماعة؛ لئلّا يُشوِّش عليهم قارئُ الجماعة، وقد يكون بقي منهم من يُصلِّي على الانفراد.\nوفي \"مختصر كتاب قيام الليل\" لمحمد بن نصر (ص ٩٦) (^٢): \"شعبة عن أشعث بن سليم: أدركتُ أهلَ مسجدنا يُصلِّي بهم إمام في رمضان، ويُصلُّون خلفه، ويُصلِّي ناس في نواحي المسجد لأنفسهم فرادى، ورأيتهم يفعلون ذلك في عهد ابن الزبير في مسجد المدينة.\nشعبة عن إسحاق بن سويد: كان صفُّ القرّاء في بني عديّ في رمضان: الإمامُ يصلّي بالناس، وهم يصلّون على حِدَةٍ.\nوكان سعيد بن جبير يصلي لنفسه في المسجد، والإمامُ يصلي بالناس.\nوكان ابن أبي مُليكة يصلي في رمضان خلف المقام، والناسُ بَعْدُ في سائر المسجد من مصلٍّ وطائفٍ بالبيت.\nوكان يحيى بن وثّاب يصلِّي بالناس في رمضان، وكانوا يصلّون لأنفسهم وُحدانًا في ناحية المسجد.\n_________\n(^١) الزيادة من \"فهذا\" إلى هنا من النسخة اليمنية.\n(^٢) من طبعة الهند. والنصوص الآتية كلها منه.","vol":"16","page":401},{"text":"وعن إبراهيم: كان المجتهدون يصلّون في جانب المسجد، والإمامُ يصلي بالناس في رمضان.\nوكان ابن مُحَيريز يصلّي في رمضان في مؤخر المسجد، والناس يصلّون في مُقَدَّمه للقيام\".\nهذا، وقد عُلِم حالهم بالنظر إلى أكثر المكمِّلات، فأمّا الباقي، وهي الثالث ــ أن يستغرق القيام ثلث الليل ــ، والخامس ــ وهو أن يكون القيام مثنى مثنى، والوتر ركعة، وفي بعض الليالي ثلاث ــ، والسادس ــ وهو أن لا يزيد على إحدى عشرة، وفي بعض الليالي: ثلاث عشرة ــ= فإنهم حافظوا عليها حتى ضعفوا عن المحافظة على الثالث والسادس معًا، فاختاروا الثالث لكثرة العبادة.\nروى مالك في \"الموطأ\" (^١) عن محمد بن يوسف عن السائب بن يزيد قال: \"أمر عمر بن الخطاب أُبيّ بن كعب وتميمًا الدّاريّ أن يقوما للناس بإحدى عشرة ركعة. قال: وكان القارئ يقرأ بالمئين، حتى كنّا نعتمد على العِصِيّ، وما كنا ننصرف إلا في فروع الفجر\".\nوفي \"فتح الباري\" (^٢) أن سعيد بن منصور رواه من طريق محمد بن إسحاق \"حدثني محمد بن يوسف عن جده السائب بن يزيد قال: كنّا نصلي في زمن عمر في رمضان ثلاث عشرة\".\n_________\n(^١) (١/ ١١٥).\n(^٢) (٤/ ٢٥٤).","vol":"16","page":402},{"text":"وحُمِلَ هذا على بعض الليالي، والغالبُ إحدى عشرة، كما في رواية مالك.\nوعُلِم من رواية مالك وغيرها أن القوم كانوا يقومون ثلث الليل أو أكثر، فيشُقُّ عليهم طولُ الوقوف كما مرّ.\nفروى مالك في \"الموطأ\" (^١) عن يزيد بن رومان أنه قال: \"كان الناس يقومون في زمان عمر بن الخطاب في رمضان بثلاث وعشرين\".\nوفي \"سنن البيهقي\" (^٢) بسندٍ صحيح [ص ١٠] عن يزيد بن خُصَيفة عن السائب بن يزيد قال: \"كانوا يقومون على عهد عمر بن الخطاب ﵁ في شهر رمضان بعشرين ركعة ... \".\nقال البيهقي: \"يمكن الجمع بين الروايتين، فإنهم كانوا يقومون بإحدى عشرة، ثم كانوا يقومون بعشرين ويوترون بثلاث، والله أعلم\".\nوفي القسطلاني (^٣): \"ذكر في النوادر عن ابن حبيب: أنها كانت أولًا إحدى عشرة ركعة، إلّا أنهم كانوا يطيلون القراءة، فثقُلَ عليهم ذلك، فزادوا في أعداد الركعات وخفّفوا في القراءة ... \".\nأقول: ولم يلتزموا ذلك، وفي \"مختصر كتاب الوتر\" لمحمد بن نصر (^٤)\n_________\n(^١) (١/ ١١٥).\n(^٢) ج ٢ ص ٤٩٦ [المؤلف].\n(^٣) \"إرشاد الساري\" (٣/ ٤٢٦).\n(^٤) (ص ٩١، ٩٢).","vol":"16","page":403},{"text":"و\"فتح الباري\" (^١) أعداد مختلفة:\n١ - إحدى عشرة.\n٢ - ثلاث عشرة.\n٣ - ست عشرة، والوتر.\n٤ - إحدى وعشرون.\n٥ - ثلاث وعشرون.\n٦ - أربع وعشرون، والوتر.\n٧ - خمس ترويحات، إلى عشرين ليلة، ثم في العشر الأخيرة ست ترويحات.\n٨ - ست ترويحات، إلى عشرين ليلة، ثم في العشر الأخيرة سبع ترويحات.\n٩ - مثله، ويوتر بسبع.\n١٠ - أربع وثلاثون، والوتر.\n١١ - ست وثلاثون، والوتر ثلاث.\n١٢ - ثمان وثلاثون، والوتر واحدة.\n١٣ - إحدى وأربعون.\n١٤ - أربعون، والوتر سبع.\n١٥ - ست وأربعون، والوتر ثلاث.\n_________\n(^١) (٤/ ٢٥٣، ٢٥٤).","vol":"16","page":404},{"text":"وفي \"مختصر كتاب قيام الليل\" لمحمد بن نصر (^١): \"قال إسحاق بن منصور: قلت لأحمد بن حنبل: كم من ركعة يُصلَّى في قيام رمضان؟ فقال: قد قيل فيه ألوان نحوًا من أربعين، إنما هو تطوُّع\".\nثم قال: \"الزعفراني عن الشافعي: رأيت الناس يقومون بالمدينة تسعًا وثلاثين ركعة. قال: وأحبُّ إليَّ عشرون. قال: وكذلك يقومون بمكة. قال: وليس في شيء من هذا ضيقٌ ولا حدٌّ يُنتهَى إليه؛ لأنه نافلة، فإن أطالوا القيام وأقلُّوا السجودَ فحسنٌ وهو أحبّ إليّ، وإن أكثروا الركوع والسجود فحسن\".\nأقول: أمّا الحدّ المحتّم فلا، وأمّا الأفضل فالاقتصار على الإحدى عشرة، وفي بعض الليالي ثلاث عشرة، إلّا إذا شقَّ عليهم إطالتُها حتى يستغرقَ الوقتَ الأفضلَ، فلهم أن يزيدوا في العدد، على حسب ما يخفُّ عليهم (^٢)، وعلى هذا (^٣) [ص ١١] جرى عمل السلف كما مرَّ.\n* * * *\n_________\n(^١) (ص ٩٢).\n(^٢) الكلمتان الأخيرتان لم تظهرا في التصوير، وكذا استظهرتهما.\n(^٣) كلمة لم تظهر في التصوير من الأصل، وهو واضح في النسخة اليمنية.","vol":"16","page":405},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5>الاختلافُ في الأفضل: أفي البيت أم في المسجد؟\nفرادى أم جماعة</span>؟\nقد تقدّم أن كونها في البيت هو أحدُ المكمِّلات، وحديثُ زيد بن ثابتٍ نصٌّ صريح في ذلك.\nوقد عُورض بحديث أبي ذر، وبما جرى في عهد عمر وبعده، وتقدم الجواب عن ذلك واضحًا.\n\"المعاني والآثار\" للطحاوي (ج ١ ص ٢٠٧) (^١): \"عن إبراهيم، قال: لو لم يكن معي إلا سورتين لردّدتهما أحبُّ إليَّ من أن أقوم خلف الإمام في رمضان\".\nوفي رواية (^٢): \"لو لم يكن معي إلا سورة واحدة لكنت أن أردّدها أحبُّ إليّ من أن أقوم خلف الإمام في رمضان\".\nوفي \"مختصر كتاب قيام الليل\" لمحمد بن نصر (ص ٩٦ ــ ٩٧): \"قال الشافعي: إن صلَّى رجلٌ لنفسه في بيته في رمضان فهو أحبّ إليّ، وإن صلَّى في جماعة فهو حسن\".\nوفيه (ص ٩١): \"وقيل لأحمد بن حنبل: يُعجِبك أن يُصلّي الرجل مع الناس في رمضان، أو وحده؟ قال: يصلّي مع الناس.\nقال: ويُعجِبني أن يصلِّي مع الإمام ويوتر معه، قال النبي - ﷺ -: \"إن\n_________\n(^١) (١/ ٣٥١).\n(^٢) المصدر نفسه.","vol":"16","page":406},{"text":"الرجل إذا قام مع الإمام حتى ينصرف كُتِب له بقية ليلته\" (^١).\nقال أبو داود: شهدتُه ــ يعني أحمد ــ شهر رمضان يقوم مع إمامه إلا ليلةً لم أحضرها.\nوقال إسحاق: قلت لأحمد: الصلاة في الجماعة أحبُّ إليك أم يُصلِّي وحده في قيام شهر رمضان؟ قال: يُعجبني أن يصلّي في الجماعة، يحيي السنة.\nوقال إسحاقُ كما قال\".\nوفي \"مختصر كتاب قيام الليل\" لمحمد بن نصر المروزي (ص ٩٥): \"باب ذكر من اختار الصلاة وحده على القيام مع الناس إذا كان حافظًا للقرآن\".\nفذكر حديث زيد بن ثابت، ثم قال: \"وقال الليث: ما بلغنا أن عمر وعثمان كانا يقومان في رمضان مع الناس في المسجد.\nوقال مالك: كان ابن هرمز ــ من القرَّاء ــ ينصرف فيقوم بأهله في بيته، وكان ربيعة ينصرف، وكان القاسم وسالم ينصرفان لا يقومان مع الناس، وقد رأيتُ يحيى بن سعيد يقوم مع الناس، وأنا لا أقوم مع الناس، لا أشك أن قيام الرجل في بيته أفضل من القيام مع الناس، إذا قوي على ذلك، وما قام رسول الله   - ﷺ -   إلّا في بيته\".\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (١٣٧٥) والترمذي (٨٠٦) والنسائي (٣/ ٢٠٢، ٢٠٣) من حديث أبي ذر، قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.","vol":"16","page":407},{"text":"ثم ذكر بعد ذلك أن يحيى بن سعيد ترك القيام معهم، وقال: \"كنت أقوم، ثم تركت ذلك، فإن استطعت أن أقوم بنفسي أحبُّ إليّ\".\nوذكر عن مجاهد عن ابن عمر: \"تُنصِتُ خلفَه كأنك حمار؟ ! صلِّ في بيتك\".\nثم ذكر عن ابن عمر أنه كان ينصرف، لا يصلّي معهم.\nومثله عن القاسم، وسالم، ونافع، وعروة.\nوذكر عن مجاهد قال: \"إذا كان مع الرجل عشر سورٍ فليردِّدْها، ولا يقوم في رمضان خلف الإمام\".\nوذكر آخِرَ (ص ٩١) عن عمرو بن مهاجر أن عمر بن عبد العزيز قد كانت تقوم العامّة بحضرته في رمضان بخمس عشرة تسليمة، وهو في قبّته لا ندري ما يصنع. وذكر عن جماعةٍ أنهم كانوا يقومون في نواحي المسجد فرادى، لا يصلّون مع الجماعة.\nوذكر (ص ٩٠ ــ ٩١) عن جماعةٍ صلاتها جماعةً في المسجد.\nوالذي أرى أنَّ محلَّ ذلك فيمن له عذر، ومن الأعذار دفعُ توهُّم أن صلاتها جماعةً في المسجد منكرةٌ مطلقًا، وقد كان النبي   - ﷺ -   ربّما يفعل الشيء لبيان الجواز.\nوجاء عن أبي بكر، وعمر، وابن عباسٍ: أنهم كانوا لا يُضَحُّون خشيةَ أن يعتقد الناس وجوبَ التضحية. فكان هؤلاء الأكابر يتركونها ليعلم الناسُ أنها ليست بواجبة، وهم في تركهم ذلك مُحسِنون، مُثابُون عليه؛ لما قصدوا به من بيان السُّنَّة.","vol":"16","page":408},{"text":"فأمّا من لا عذر له البتَّةَ ففي السُّنّة كفاية.\nوفي \"طبقات ابن سعد\" (ج ٧ قسم ٢ ص ٢٦) (^١) عن بكار بن محمد أنَّ ابن عون كان في شهر رمضان لا يزيد على المكتوبة في الجماعة، ثم يخلو في بيته.\nومن تدبّر السُّنَّة وحقَّق، ثم تتبَّع أحوال الناس، علم أنه قد تطرَّق إلى هذا الأمر غير قليلٍ من الخطأ والغلط ومخالفة السنة. وشرحُ ذلك يطول، نسأل الله تعالى أن يثبّت قلوبنا على دينه، ويهدينا لما اختُلِف فيه من الحق بإذنه، ويرزقنا الاعتصام بكتابه وسنة نبيّه صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه.\n* * * *\n_________\n(^١) (٩/ ٢٦٣) ط. الخانجي.","vol":"16","page":409},{"text":"[ملحق] (^١)\n[ص ١٢] في \"فتح الباري\" (^٢): استشكل الخطابيّ أصل هذه الخشية، مع ما ثبت في حديث الإسراء من أنَّ الله تعالى قال: \"هن خمس، وهي خمسون، لا يُبدَّل القول لديّ\" (^٣). فإذا أُمِن التبديل فكيف يقع الخوف من الزيادة؟.\nثم ذكر أجوبة.\nوقد كنت تركتُ التعرّض لهذا البحث لدقّته، مع أن الخشية قد ثبتت قطعًا بحديث زيد هذا في \"الصحيحين\" وغيرهما، وحديث عائشة في \"الصحيحين\" وغيرهما أيضًا من أوجهٍ عنها، وبحديثٍ لجابرٍ في صحيحي ابن خزيمة وابن حبان (^٤).\nفثبت أن ما في حدث الإسراء لا ينبغي أن يُفْهَم منه ما يناقض هذه الخشية، فمن فَهِم ذلك فقد أخطأ ولا علينا أن لا نبيّن وجه خطائه (^٥).\nثم أثار هذا البحث أخي العلامة الشيخ محمد عبد الرزاق، فرأيتُ أن أنظر فيه، وأسأل الله التوفيق.\n_________\n(^١) زيادة توضيحية من عندي.\n(^٢) (٣/ ١٣).\n(^٣) أخرجه البخاري (٣٤٩) ومسلم (١٦٣) من حديث أبي ذر.\n(^٤) سبق تخريج هذه الأحاديث.\n(^٥) كذا رسمها المؤلف بالمدّ، وهو صحيح في اللغة.","vol":"16","page":410},{"text":"استشكالُ الخطابيّ مبنيّ على أن كلمة \"لا يُبدَّل القول لديَّ\" قُصِد بها القضاء على معنى قوله: \"هن خمس\" بأنه لا يُغيَّر في المستقبل.\nويردُّه أن عقب هذه الجملة في الحديث نفسه: \"فرجعتُ إلى موسى، فقال: راجِعْ ربك، فقلت: استحييتُ من ربّي\".\nولو كان معنى (^١) ما تقدم إخبارَ الله ﷿ بأنّ مقدار الخمس لا يتبدَّل في المستقبل؛ لعلم موسى أنه لم يبقَ موضعٌ للمراجعة، ولأجاب محمد بما يُفْهِم ذلك، ولم يقتصر على قوله: \"استحييتُ من ربّي\".\nفإن قيل: لعل في الكلام تقديمًا وتأخيرًا، كما تُشْعِر به بعض الروايات الأخرى، ولعلّ محمدًا لم يخبر موسى بما يدلّ على امتناع التغيير، وقصد محمد أنه يمنعه الاستحياء، حتى على فرض عدم إخبار الله ﷿ بأنه لن يقع تغيير، أو لعلّهما فهما أن المراد أنه لن يقع تغيير بالزيادة، وجوَّزا أن يقع تغيير بالنقصان.\nقلت: هذا كلّه تمحُّلٌ لا مُلجِئ إليه، ولم أر في الروايات الأخرى ما يصح الاستناد إليه في زعم أن هناك (^٢) تقديمًا وتأخيرًا ينفع الخطّابيّ.\nوتجويزُ أن يكون محمد أخفى عن موسى خبرَ الله ﷿ بعدم التغيير، فلمّا أمره بالمراجعة أجاب بما أجاب به= تجويزٌ ركيك، لا يخلو عن شناعةٍ يجب تنزيه النبي - ﷺ - عنها.\n_________\n(^١) في النسخة اليمنية: \"ولولا\".\n(^٢) في اليمنية: \"في القضاء على أن في هذه\" بدلًا في زعم أن هناك.","vol":"16","page":411},{"text":"وتجويزُ أن يكونا فهما أن عدم التغيير يختصّ بالزيادةِ ركيكٌ أيضًا. وربما يكون أقرب منه أن يفهم أن المراد عدم التغيير بالنقصان، وذلك أنه سبحانه سُئل التخفيف فخفّف، ثم سُئل فخفّف، مرارًا، ثم قال: \"هن خمس، وهي خمسون، لا يُبدَّل القول لديَّ\".\nفلو كان المراد أن مقدار الخمس لن يُغيَّر بعد ذلك لقَرُب أن يُفْهَم منه المنع عن سؤال التخفيف بعد ذلك، وأنه لن يكون تخفيف.\nفإن قيل: فإذا لم يتوجه قوله: \"لا يبدَّل القول لديّ\" إلى قوله: \"هن خمس\" فإلى ماذا يتوجّه؟\nقلت: قيل بتوجُّهه إلى قوله: \"وهي خمسون\"، وهذا قريب؛ لأن قوله \"وهي خمسون\" وَعْدٌ منه تعالى بأن يُثيِب على الخمس ثواب خمسين.\nوقوله: \"لا يبدّل القول لديّ\" قد عُرِفَ من كتاب الله ﷿ توجّهه إلى الوعد، ونحوه.\nقال تعالى: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ﴾ [يونس: ٦٤].\nوقال سبحانه: ﴿لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ (٢٨) مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ﴾ [ق: ٢٨، ٢٩].\n[ص ١٣] وفي \"تفسير ابن جرير\" (ج ١١ ص ٨٨) (^١): \"وأما قوله: ﴿لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ﴾؛ فإن معناه: لا خُلْفَ لوعده، ولا تغييرَ لقوله عمّا قال\".\n_________\n(^١) (١٢/ ٢٢٥) ط. التركي.","vol":"16","page":412},{"text":"ولا يلزم من امتناع تغيير الخمسين ثوابًا أن لا يُزاد في المستقبل على الخمس، ويثاب على الزائد ثواب مستقلّ، ولا أن لا يُنْقَص العدد عن خمسٍ ويبقى الثواب خمسين.\nوقيل بتوجّهه إلى ما وقع ابتداءً من فرض خمسين، والمعنى: هن خمسٌ كما أقوله الآن، وهنّ خمسون كما قلتُه أوّلًا، وليس ما جرى من التخفيف تبديلًا للقول الأول \"لا يبدَّل القول لديّ\"، ولكنه كان المراد به خمسون ثوابًا وهذا ثابت لم يبدَّل ولن يبدَّل.\nوهذا القول هو الظاهر من العبارة، وقد ذكره السهيلي في \"الروض الأنف\" (ج ١ ص ٢٥٢) (^١)، قال: \"والوجه الثاني: أن يكون هذا خبرًا لا تعبُّدًا، وإذا كان خبرًا لم يدخُلْه النسخ، ومعنى الخبر: أنه ﵇ أخبره ربّه أن على أمته خمسين صلاة، ومعناه أنها خمسون في اللوح المحفوظ، ولذلك قال في آخر الحديث: \"هي خمس وهي خمسون، والحسنة بعشر أمثالها\". فتأوّله رسول الله   - ﷺ -   على أنها خمسون بالفعل، فلم يزل يراجع ربه حتى بيَّن له أنها خمسون في الثواب لا في العمل.\nفإن قيل: فما معنى نقصها عشرًا بعد عشر ... \".\nذكر جوابًا غير مرضيّ، وقد فتح الله تعالى بجوابٍ أوجَهَ، وهو أن الله ﵎ قد حَطَّ مِنْ أوّل مرة خمسًا وأربعين، ولكن اقتضت حكمته إجمال الخبر أولًا، فيكون المراد منه أنها خمسون ثوابًا، ويَفْهَم\n_________\n(^١) ط. الجمالية بمصر.","vol":"16","page":413},{"text":"الرسول منه أنها خمسون عملًا؛ ليترتَّب على هذا الفهم أولًا: أن يعزم الرسول على أن يعمل هو وأمّته خمسين إن لم يخفّف الله ﷿، وثانيًا: المراجعة.\nوبذلك العزم استحق الرسول وأمّته ــ بفضل الله وكرمه ــ ثواب الخمسين.\nفأمّا حكمة المراجعة فقد أفاض فيها الشرّاح.\nوإذْ كان المحطوط في علم الله خمسًا وأربعين (^١)، فقد حطّ في ضمنها جميع الأعداد الداخلة فيها.\nوالإخبارُ بحطِّ الأقل لا ينفي حطَّ الأكثر؛ فإن العدد لا مفهوم له عند جمهور الأصوليين، ولو كان له مفهوم فظاهرٌ ضعيفٌ غير مرادٍ، كالإخبار أوَّلًا بخمسين وظاهره أنها خمسون عملًا.\nوتأخير البيان عن وقت الخطاب جائز على الصحيح، وإنما الممتنع تأخيره عن وقت الحاجة.\nوقريب من هذا قصة إبراهيم ﵇ في ذبح ابنه. قال الله ﷿: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (١٠٢) فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٠٥) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (١٠٦) وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠٢ ــ ١٠٧].\n_________\n(^١) في اليمنية: \"وإذ حطت الخمس والأربعون\".","vol":"16","page":414},{"text":"رأى ــ والله أعلم ــ في نومه أنه مُضْجِعٌ ابنَه يُعالج ذبحَه، أي: يُمِرُّ الشفرة على عنقه، معتمدًا عليها، شأنَ القاصد قطعَ العنق وإبانة الرأس. هذا ــ والله أعلم ــ هو الذي رآه، وهو معنى قوله: ﴿أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾. وعلم إبراهيم أن الله تعالى أمره [ص ١٤] أن يفعل ذاك الفعل، وهذا حقّ، وفهم أيضًا أنه ــ بمقتضى العادة ــ إذا فعل ذاك الفعل قُطِع عنق ابنه، وبان رأسُه، ومات.\nولم يُرِد الله ﷿ هذا، ولا أمر به، ولكنه سبحانه أراد أن يكون الأمر بحيث يَفْهَم إبراهيم منه هذا؛ ليكون ذلك ابتلاءً لإبراهيم وابنه، حتى إذا عزما وعملا العملَ المرئيَّ في النوم ــ الذي عندهما أنه موجب لموت الابن ــ كان لهما ثواب مَنْ قَبِل تلك النتيجة، وقام بها طاعة لله ﷿.\nفلمّا أطاعا لذلك، وعمل إبراهيم مثل العمل الذي رآه في نومه، وأخذ يكُدُّ الشفرة لتقطع، ويكفّها الله ﷿ عن القطع، كما كفَّ النار عن الإحراق، ولم يزل إبراهيم يكُدُّ الشفرة ولا تَقْطع حتى ناداه الله ﷿: ﴿أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾. أي: قد جئت بمصداقها كاملًا، وهو تلك المعالجة؛ فإنه إيّاها رأى (^١) في نومه، ولم ير ما يزيد عنها.\nفعلى هذا لا نسخَ في القصة البتةَ.\nفإن قيل: ربما يدفع هذا قوله: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾، فإنه إذا لم يؤمر في نفس الأمر إلّا بالمعالجة التي وفَى بها، فقد وفَى بها، فلماذا الفدية؟\nقلت: كان إبراهيم قد عزم على قطع العنق، وإبانة الرأس، وإماتة ابنه،\n_________\n(^١) في اليمنية: \"فإنه رأى إياها\".","vol":"16","page":415},{"text":"وإبراهيمُ قد يعدُّ ذاك العزم بمثابة النذر، ويحزُّ في نفسه أن لا يفي به، وإن لم يكن مأمورًا به. فمِنْ هنا ــ والله أعلم ــ طيَّب الله ﷿ نفسه بالفدية.\nوقد استنبط بعض الفقهاء من الآية أنّ من نذر ذبح ابنه كان عليه أن يذبح شاةً.\nورُدَّ بأن إبراهيم نذر مباحًا في شريعته، وليس بمباحٍ في شريعتنا.\nوالاستنباط لطيف، والردُّ صحيح.\nوقد تعرَّض لهذا المعنى في قصة إبراهيم بعضُ أهل العلم، فردّه بعضهم بتشنيعٍ لا حقيقة له (^١)، بل يلزمه مثله أو أشدّ منه في دعوى النسخ التي ارتكبها.\nومَنْ اعترف في المجمل الذي له ظاهر بجواز تأخّر بيانه إلى وقت الحاجة، لزمه أن يجيز مثل ما قلناه في المسألتين وأشدَّ منه، ولو لم تظهر حكمة فكيف يأباه هنا مع ظهور الحكمة البالغة؟ !\nفأما من ينكر تأخير البيان مطلقًا، فالكلام معه مبسوط في كتب الأصول.\nفإن قيل: لماذا لا يجوز النسخ مع وجود الفائدة للتكليف، بأنْ يكون الله تعالى أمر إبراهيم بذبح ابنه ابتلاءً، فلما تبيَّن امتثاله واستعداده وعزمه الصارم\n_________\n(^١) انظر \"أحكام القرآن\" للجصاص (٣/ ٣٧٧) والردّ عليه في \"أحكام القرآن\" للكياالهراسي (٤/ ٣٥٨). وراجع \"أحكام القرآن\" لابن العربي (٤/ ١٦١٩) و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١٥/ ١١١).","vol":"16","page":416},{"text":"على العملِ نَسَخَهُ الله تعالى؟ ونحو هذا يقال في قصة الصلاة.\nقلت: أنا لم أَخْتَرْ عدم النسخ تفاديًا من النسخ قبل العمل، بل لما في السياق ممّا يبيّن عدم النسخ، كما مرَّ.","vol":"16","page":417}]}