{"ً":{"ٌ":445,"ٍ":"رسالة في فرضية اتباع السنة، والكلام على تقسيم الأخبار وحجية أخبار الآحاد - ضمن «آثار المعلمي»","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"files":["https://archive.org/download/moalemee/19_137199s.pdf"]},"ّ":"الكتاب: رسالة في فرضية اتباع السنة، والكلام على تقسيم الأخبار وحجية أخبار الآحاد\n[آثار عبد الرحمن بن يحيى المعلمي اليماني (١٩)]\nالمؤلف: عبد الرحمن بن يحيى المُعَلِّمي اليماني (١٣١٣ - ١٣٨٦ هـ)\nالمحقق: محمد عزير شمس\nراجعه: محمد أجمل الإصلاحي - عبد الرحمن بن حسن بن قائد\nالناشر: دار عالم الفوائد للنشر والتوزيع\nالطبعة: الأولى، ١٤٣٤ هـ\nقدمه للشاملة: مؤسسة «عطاءات العلم»، جزاهم الله خيرا\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":178,"ٕ":10,"ٖ":1780758643,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["19"],"ٚ":[{"title":"فرض اتباع السنة","level":1,"page":2},{"title":"شبه منكري السنة والجواب عنها","level":1,"page":5},{"title":"تقسيم الأخبار","level":1,"page":17},{"title":"أنواع الخبر المقطوع بصدقه","level":1,"page":20},{"title":"الأول: خبر الرب ﷿، وخبر النبي - ﷺ -","level":2,"page":20},{"title":"إخبار النبي - ﷺ - عن ظنه","level":3,"page":20},{"title":"الثاني: أن يخبر إنسان بمرأى ومسمع من النبي - ﷺ - فلا ينكره عليه","level":2,"page":24},{"title":"الثالث: المتواتر","level":2,"page":25},{"title":"الرابع: الآحاد بمعونة القرائن","level":2,"page":29},{"title":"الخامس: ما أجمع على صحته، أو تلقي بالقبول","level":2,"page":31},{"title":"انحصار مجال الاجتهاد وتصحيح الأحاديث في أمرين","level":3,"page":37},{"title":"فصل (حجج الإجماع)","level":3,"page":39},{"title":"السادس: أن يخبر إنسان بخبر بحضرة قوم فيسكتون عن تكذيبه","level":2,"page":40},{"title":"السابع: بقاء الخبر مع توفر الدواعي على إبطاله","level":2,"page":41},{"title":"فصل (إفادة أحاديث الصحيحين العلم)","level":1,"page":43},{"title":"تقسيم أحاديث «صحيح البخاري» من حيث احتياط البخاري في إيرادها","level":2,"page":44},{"title":"تنبيهات","level":1,"page":45},{"title":"فصل (هل يفيد خبر الثقة العلم مطلقا؟)","level":1,"page":46},{"title":"أخبار الآحاد","level":1,"page":50},{"title":"فصل (ضلال الأمم السابقة لاستغنائهم عن هدي الأنبياء)","level":2,"page":50},{"title":"ضلال الخوارج","level":2,"page":53},{"title":"فصل (الإجماع على وجوب العمل بالخبر الواحد، ومن خالف ذلك)","level":2,"page":61},{"title":"شبههم وحلها","level":1,"page":64},{"title":"شبهة (إثبات الحكم الشرعي بخبر قد يكون كذبا يؤدي إلى إزهاق نفوس لا تحصى، وإحلال فروج لا تحصى)","level":2,"page":64},{"title":"شبهة أخرى (لو جاز أن يتعبد الله عباده بالعمل بالأخبار وفيها الباطل، للزم من ذلك أن يكون تعبدهم بالباطل)","level":2,"page":66},{"title":"شبهة ثالثة: (خبر الواحد لا يتم به قيام الحجة)","level":2,"page":66},{"title":"شبه ذكرها الآمدي","level":1,"page":68},{"title":"(١) لو جاز قبول خبر الواحد لجاز قبول دعوى مدعي النبوة بغير معجزة","level":2,"page":68},{"title":"(٢) لو جاز في الفروع لجاز في الأصول","level":2,"page":71},{"title":"(٣) لو جاز لجاز في نقل القرآن","level":2,"page":74},{"title":"(٤) قد يتعارض خبران، فيلزم منه الأخذ بالمتضادين، وهو محال.","level":2,"page":76},{"title":"(٥) الأصل براءة الذمة، فلا يجوز مخالفته بخبر الواحد المظنون","level":2,"page":76},{"title":"(٦) قبوله تقليد، فلا يجوز للمجتهد","level":2,"page":78},{"title":"الشبهة النقلية","level":1,"page":79},{"title":"النظر في قوله تعالى: ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم﴾","level":1,"page":80},{"title":"فصل","level":1,"page":87},{"title":"فصل: النظر في قوله تعالى: ﴿إن الظن لا يغني من الحق شيئا﴾","level":1,"page":90},{"title":"فروع (في استعمال «أغنى عن» ومعناه)","level":1,"page":93},{"title":"«الحق» الذي يحاول الإنسان دفعه بالظن لا يخرج عن أربعة أشياء","level":1,"page":96},{"title":"الأول: اليقين","level":2,"page":96},{"title":"الثاني: البراهين اليقينية","level":2,"page":101},{"title":"الثالث: ما ثبت بالبراهين القطعية","level":2,"page":102},{"title":"الرابع: العذاب المتوجه إلى العصاة","level":2,"page":102},{"title":"فصل (نقد القول بأن معنى الآية: إن الظن لا يقوم مقام الحق)","level":1,"page":106},{"title":"فصل (شبه أخرى من السنة وآثار الصحابة، والجواب عنها)","level":1,"page":109},{"title":"توجيه حديث ذي اليدين","level":1,"page":110},{"title":"قصة أبي بكر في ميراث الجدة","level":1,"page":110},{"title":"قصة عمر مع أبي موسى في الاستئذان","level":1,"page":111},{"title":"توقف عمر عن خبر فاطمة بنت قيس","level":1,"page":113},{"title":"رد ابن عباس لخبر أبي هريرة في الوضوء مما مست النار","level":1,"page":114}],"ٛ":{"19,3":1,"19,5":2,"19,6":3,"19,7":4,"19,8":5,"19,9":6,"19,10":7,"19,11":8,"19,12":9,"19,13":10,"19,14":11,"19,15":12,"19,16":13,"19,17":14,"19,18":15,"19,19":16,"19,20":17,"19,21":18,"19,22":19,"19,23":20,"19,24":21,"19,25":22,"19,26":23,"19,27":24,"19,28":25,"19,29":26,"19,30":27,"19,31":28,"19,32":29,"19,33":30,"19,34":31,"19,35":32,"19,36":33,"19,37":34,"19,38":35,"19,39":36,"19,40":37,"19,41":38,"19,42":39,"19,43":40,"19,44":41,"19,45":42,"19,46":43,"19,47":44,"19,48":45,"19,49":46,"19,50":47,"19,51":48,"19,52":49,"19,53":50,"19,54":51,"19,55":52,"19,56":53,"19,57":54,"19,58":55,"19,59":56,"19,60":57,"19,61":58,"19,62":59,"19,63":60,"19,64":61,"19,65":62,"19,66":63,"19,67":64,"19,68":65,"19,69":66,"19,70":67,"19,71":68,"19,72":69,"19,73":70,"19,74":71,"19,75":72,"19,76":73,"19,77":74,"19,78":75,"19,79":76,"19,80":77,"19,81":78,"19,82":79,"19,83":80,"19,84":81,"19,85":82,"19,86":83,"19,87":84,"19,88":85,"19,89":86,"19,90":87,"19,91":88,"19,92":89,"19,93":90,"19,94":91,"19,95":92,"19,96":93,"19,97":94,"19,98":95,"19,99":96,"19,100":97,"19,101":98,"19,102":99,"19,103":100,"19,104":101,"19,105":102,"19,106":103,"19,107":104,"19,108":105,"19,109":106,"19,110":107,"19,111":108,"19,112":109,"19,113":110,"19,114":111,"19,115":112,"19,116":113,"19,117":114,"19,118":115,"19,119":116,"19,120":117},"ٜ":{"19":[3,120]},"ٝ":["19,3","19,5","19,6","19,7","19,8","19,9","19,10","19,11","19,12","19,13","19,14","19,15","19,16","19,17","19,18","19,19","19,20","19,21","19,22","19,23","19,24","19,25","19,26","19,27","19,28","19,29","19,30","19,31","19,32","19,33","19,34","19,35","19,36","19,37","19,38","19,39","19,40","19,41","19,42","19,43","19,44","19,45","19,46","19,47","19,48","19,49","19,50","19,51","19,52","19,53","19,54","19,55","19,56","19,57","19,58","19,59","19,60","19,61","19,62","19,63","19,64","19,65","19,66","19,67","19,68","19,69","19,70","19,71","19,72","19,73","19,74","19,75","19,76","19,77","19,78","19,79","19,80","19,81","19,82","19,83","19,84","19,85","19,86","19,87","19,88","19,89","19,90","19,91","19,92","19,93","19,94","19,95","19,96","19,97","19,98","19,99","19,100","19,101","19,102","19,103","19,104","19,105","19,106","19,107","19,108","19,109","19,110","19,111","19,112","19,113","19,114","19,115","19,116","19,117","19,118","19,119","19,120"],"ٞ":{"2":[1],"5":[2],"17":[3],"20":[4,5,6],"24":[7],"25":[8],"29":[9],"31":[10],"37":[11],"39":[12],"40":[13],"41":[14],"43":[15],"44":[16],"45":[17],"46":[18],"50":[19,20],"53":[21],"61":[22],"64":[23,24],"66":[25,26],"68":[27,28],"71":[29],"74":[30],"76":[31,32],"78":[33],"79":[34],"80":[35],"87":[36],"90":[37],"93":[38],"96":[39,40],"101":[41],"102":[42,43],"106":[44],"109":[45],"110":[46,47],"111":[48],"113":[49],"114":[50]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"الرسالة الأولى\nرسالة في فرضية اتباع السنة\nوالكلام على تقسيم الأخبار وحجية أخبار الآحاد","vol":"19","page":3},{"text":"[ص ٢١] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1>فرض اتِّباع السُّنَّة</span>\nاعلم أنه لم يكن بين المسلمين اختلاف في فرض اتباع ما ثبت عن النبي - ﵌ -، بل ذلك من الأمور المعلومة بالضرورة من دين الإسلام.\nولكن جاء في أخبار الفتن أنه سيكون قوم يقولون: \"إن كان أولنا ضُلَّالًا، ما بالُ خمس صلوات في اليوم والليلة؟ إنما هما صلاتان: الفجر (^١) والعصر\". \"المستدرك\" (٤/ ٤١٩) (^٢). كأنهم يريدون قول الله ﷿: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ [ق: ٣٩].\nوجاء عن المقدام بن معد يكربَ عن النبي - ﵌ - أنه قال: \"يوشِكُ أن يقعد الرجل منكم على أريكته، يُحدَّث بحديثي فيقول: بيني وبينكم كتاب الله، فما وجدنا فيه حلالًا استحللناه، وما وجدنا فيه حرامًا حرَّمناه. وإنَّ ما حرَّم رسول الله كما حرَّم الله\". أخرجه الحاكم في \"المستدرك\" (١/ ١٠٩) وغيره (^٣).\n_________\n(^١) في الأصل: \"الظهر\" سبق قلم.\n(^٢) موقوفًا على حذيفة بن اليمان. وأخرجه أيضًا أبو عبيد في \"الإيمان\" (ص ٨١) وابن أبي شيبة في \"الإيمان\" (ص ٢٠) وعبد الله بن أحمد في \"السنة\" (١/ ٣٢٣) والآجري في \"الشريعة\" (٢٩٨، ٢٩٩).\n(^٣) وأخرجه أيضًا أحمد في \"مسنده\" (١٧١٩٤) والترمذي (٢٦٦٤) وابن ماجه (١٢) والدارقطني (٤/ ٢٨٦، ٢٨٧) وغيرهم. قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب.","vol":"19","page":5},{"text":"وجاء نحوه من حديث أبي رافع، وجابر، والعرباض بن سارية، وابن عباس، ذكرها الخطيب في \"الكفاية\" (^١).\nونشأ في الهند أخيرًا فرقة ينحُون هذا المنحى، يسمُّون أنفسهم \"أهل القرآن\" (^٢).\nوالقرآن نفسه ينادي بإيجاب طاعة النبي - ﵌ -، واتباعه، والتسليم لحكمه، ويقول: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠]، ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]، ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي﴾ [آل عمران: ٣١]، ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ (^٣) [النساء: ١٠٥]، ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢].\n_________\n(^١) (ص ٩ - ١١). وحديث أبي رافع أخرجه الشافعي في \"الرسالة\" (١١٠٦) والحميدي في \"مسنده\" (٥٥١) وأحمد (٢٣٨٧٦) وأبو داود (٤٦٠٥) والحاكم في \"المستدرك\" (١/ ١٠٨) وغيرهم، وإسناده صحيح .. وحديث جابر أخرجه أبو يعلى في \"مسنده\" (١٨١٣) وابن عبد البر في \"جامع بيان العلم\" (٢٣٤٠) والخطيب في \"الفقيه والمتفقه\" (١/ ٩٠)، وإسناده ضعيف. وحديث العرباض بن سارية أخرجه أبو داود (٣٠٥٠) والطبراني في \"الكبير\" (١٨/ ٢٥٨) و\"الأوسط\" (٧٢٢٦) والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٩/ ٢٠٤)، وإسناده ضعيف. أما حديث ابن عباس فلم أجده إلّا مرويًّا في \"الكفاية\". وإسناده ضعيف.\n(^٢) ينظر لتاريخهم ومناقشة آرائهم \"القرآنيون\" لخادم حسين.\n(^٣) كتب الشيخ \"فاحكم بينهم بما أراك الله\" سهوًا. وفي سورة المائدة: ٤٨. ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾.","vol":"19","page":6},{"text":"وبأنه سبحانه آتى محمدًا - ﵌ - الكتاب والحكمة، وأنه أنزل عليه الكتاب ليبينه للناس.\nوقال سبحانه: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة: ١٧ - ١٩].\nويقول: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ [الأحزاب: ٢١].\nوقال الله ﵎: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ [النساء: ١٥٠ - ١٥١].\nوالتفريق بين الكتاب والسنة تفريق بين الله ورسله، ومن ردَّ السنة التي جاء بها الرسول يوشك أن يردَّ الكتاب؛ لأنه إنما جاء به الرسول أيضًا. ولكن شياطين الجن والإنس من سنتهم أن يستدرجوا ضعفاء العقول شيئًا فشيئًا.\nبل لن يردَّها أحدٌ إلا وقد ردَّ الآيات الموجبة لطاعة الرسول واتباعه، وردُّ بعض القرآن كردِّه كله.\nهذا، والقول بردِّ السنة البتة كفر صريح منافٍ لشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله.\nوليس موضوع هذه الرسالة الرد على من كان هذا حالَه، ولكني أنبه على أمور تصلح أن يتشبَّث بها من يميل إلى تلك الضلالة، أو يشكِّك بها العامة. وأسأل الله تعالى التوفيق.","vol":"19","page":7},{"text":"[ص ٢٢] الشبهة الأولى: قال الله ﷿: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: ٨٩].\nوقال سبحانه: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [خاتمة يوسف].\nوقال تعالى: ﴿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٤].\nوقال ﷿ في شأن موسى: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٤٥].\nوقد قال سبحانه: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤٨].\nوإذا كانت التوراة فيها تفصيل كل شيء، مع أنها إنما أُنزِلت لدعوة أمة صغيرة، وإلى أجل محدود؛ فكيف لا يكون القرآن كذلك، وهو مهيمن على التوراة، ومنزَّل لدعوة الأمم كلها، ومُعَدٌّ لهدايتها إلى يوم القيامة؟\n[ص ٢٣] الشبهة الثانية: أنه قد يستبعد أن يقصَّ الله ﷿ في كتابه من أخبار الأمم السالفة، ويكرر القصة الواحدة منها في عدة سور، وينصّ على فروع من الأحكام التي يبدو للناظر أنها ليست بعظيمة الأهمية، كالأمر بكتابة الدين، ومع ذلك لا يذكر فيه الأمور العظيمة، كعدة ركعات الصلاة وأركانها، وصفة الحج، وغير ذلك.","vol":"19","page":8},{"text":"والجواب: أن الحجة قائمة على فرضية اتباع السنة، وأن فيها ما ليس في القرآن، وإذا ثبت وقوع ما يستبعد الإنسان وقوعه لم يبق موضع للاستبعاد، وإنما هو بعد ذلك أحد رجلين:\nإما مرتابٌ يعدّ جهلَه بالحكمة دليلًا على عدمها، ثم يطعن في الدين من أصله.\nوإما مؤمن يعلم أنه لا نسبة لعقله وفهمه وعلمه ومعرفته إلى علم رب العالمين وحكمة أحكم الحاكمين، فإما أن لا يُتعِب نفسه في البحث عن الحكمة؛ لعلمه بأنه لا بدّ من حكمة بالغة، ولا يضره جهلها، والأولى به أن يصرف أوقاته فيما كلِّف به من الطاعات. وإما أن يتضرع إلى الله ﷿ أن يُفهِّمه، ويتدبر ويتفكر لعله يعرفها، فإن عرفها حمِدَ الله ﷿ على ذلك، وإلا لم يَرتَبْ ولم يتزلزل يقينه بأنه لا بد من حكمة بالغة.\nفأما المؤمن أو من يدعي الإيمان فهذا يكفيه، ولستُ بصدد التفحص عن الحكم، وأما المرتاب فحقه أن تقام عليه الحجج على أصل الإسلام، ولا يُتشاغل معه بالنظر في الجزئيات؛ لوجوه:\nالأول: أنها كثيرة، فإذا أثبتَّ له الحكمة في شيء أورد عليك غيره، وهكذا.\nالثاني: أن أحدنا لا يحيط بحِكَم الله ﷿، فلا بد أن يقف عند بعضها.\nالثالث: أن من قبِلَ حجج الإسلام واطمأن بها حصل له الجواب عن تلك الأمور كما قدمنا، ومن لم يقبلها ولم يطمئن بها فلا يرجى أن ينتفع بما","vol":"19","page":9},{"text":"دونها من إثبات الحكمة في بعض الجزئيات. ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [الرعد: ٣٣].\nواعلم أن هذا الاشتباه ناشئ عن الجهل بحكمة الله ﷿ في الخلق والتكليف، وقد بحثتُ عنها في موضع آخر، وأكتفي هنا بالإشارة إليه، فأقول مستعينًا بالله ﷿: إن كمال جوده سبحانه اقتضى أن يجود بالكمال إلى الحد الممكن، فخلق الجن والإنس صالحين لاكتساب الكمال. وأقرب كمالٍ يُعدُّ كمالًا للمخلوق هو ما كان باكتسابه باختياره، مع عناء ومشقة. فجعل الله سبحانه خلقه وأمره على الحال الموافقة لذلك.\nثم أمرهم سبحانه بكل ما هو كمال لهم، ونهاهم عن كل ما ينافي الكمال. وامتثال أمره ونهيه هو طاعته، وطاعته هي عبادته، فعبادته هي الكمال الذي خلقوا له. قال الله ﵎: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦].\nولم يجعل الله سبحانه حجج الحق بغاية الظهور؛ لأنها لو كانت كذلك لكانت معرفتها سهلة، ولكان الخلق كالمجبورين على قبولها، ألا ترى أن ألدَّ الخصوم إذا اتفق أن تقام عليه حجة بغاية الظهور لم يسعه إلا التسليم. ومثل هذا التسليم لا يُعدُّ فضيلة. وكذلك معرفة ما لا صعوبة في معرفته البتة. والمطلوب من الخلق أن يعرفوا الحق معرفةً تكون كمالًا لهم.\nفمن الحجج ما هو في نفسه على الحال الموصوفة من عدم سهولة معرفته، وعدم كونه بغاية الظهور.\nومنها ما ليس في نفسه كذلك، ولكن الله ﵎ قدر معه شبهات","vol":"19","page":10},{"text":"يصير معها على تلك الحال، [ص ٢٤] فإن الشبهة تُرِيب في ما هو في نفسه بغاية الظهور القطعي.\nواعتبرْ ذلك بأن تأخذ تفاحة وتنظر إليها وتمسَّها وتشمَّها وتذوقَها، ثم تفكّر هل عندك أدنى أدنى شبهة في كونها تفاحة على الحقيقة، ثم فكِّرْ هل هذا العلم القاطع خاص بك أم بكل من يعرف التفاح ويختبر التفاحة كاختبارك أو دونه؟\nثم ادعُ بدويًّا وناوِلْه التفاحة، وقل له: تأملْ فيها، ثم تقول: مسَّها، ثم تقول: شمَّها، ثم تقول: ذُقْها، ثم سله: هل يرتاب في أنها تفاحة؟ فيوشك أن تراه قد عرض له بعض الارتياب. فدَعْه مدة ثم قل له: إن في محل كذا رجلًا ساحرًا ربما أخذ الحصاة، ثم يناولها الحاضرين فيرون أنها خاتم من ذهب، وربما أخذ البعرة أو ما هو أخبث منها، ثم يناولها الحاضرين فيرونها قطعة سكَّر أو شيئًا من الفاكهة.\nثم اذهبْ بذلك البدوي إلى رجل تُوهِمه أنه ذلك الساحر، وقد تواطأتَ معه أن يناولكم تفاحًا! فماذا ترى حال البدوي إذا ناوله ذلك الرجل تفاحة؟ ألا تراه يُحجِم عن تناولها، وإن تناولها وجدته متقذرًا لها، فإذا أُمر بشمِّها لم يكد يدنيها من أنفه، وإن أُمر بذوقها أنكر ذلك ولم يطقه!\nولهذا كان علماء السلف يتباعدون عن سماع الشبهات، وينهون الناس عن مجالسة أهلها، أو سماع كلامهم. وإنما ذلك لأنهم عرفوا أنهم وعامة المسلمين قد حصل لهم اليقين الكامل بصحة الدين وأصوله، ولا يرجى من سماع الشبهات فائدة ما، بل يُخشى منها أن تُزلزِل ذلك اليقين.","vol":"19","page":11},{"text":"والمقصود أن الله ﵎ جعل الشبهات لِتَعرِض لمن شاء من عباده، فمنهم من تَعرِض له فيُعرِض عنها ثقةً بما عنده من الحجة، فيكون هذا كمالًا له.\nومنهم من تعرض له قبل معرفة الحجة، فيبذل وسعه في النظر حتى يرزقه الله معرفة الحجة، ويكون ذلك كمالًا له.\nومنهم من تعرض له وقد عرف الحجة، ويحس من نفسه قوة على حل الشبهة، فيسعى في ذلك نصيحة لخلق الله ﷿، فيكون ذلك كمالًا له.\nومنهم من يكون له هوى في خلاف الحجة، فإذا بغتَتْه الحجة كرهها، فعرضت له الشبهة فاستراح إليها، فبقي على الحال التي تليق به، إذ لولا الشبهة لربما قهرته الحجة فيقبلها مكرهًا، وليس ذلك بكمال.\nومنهم من لا يكون له رغبة في الكمال، ولكنه يأنف من الاعتراف بالجهل، فحاول النظر فعرضت له شبهة، فقنعَ بها، ولم يُتعِب نفسه في طلب الحق.\nومنهم من يكون قد عرف الحق ولكنه لا يريد الخضوع له، ويأنف من أن يقال: إنه يردُّ الحق مع علمه به، فتعرِض له الشبهة فيتمسك بها ويدعي أنها الحق.\nإلى غير ذلك من حِكَم الله ﷿، وقد يجمعها أو غالبها اسم \"الابتلاء\".\nوقال الله ﵎: ﴿خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾","vol":"19","page":12},{"text":"[الملك: ١]. وقال ﷿: ﴿لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً﴾ [الحج: ٥٣]، وقال سبحانه: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء: ٣٥].\nوراجع آيات الفتنة والابتلاء في القرآن، فإنها كثيرة.\nوقال الله ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾ [البقرة: ٢٦].\nفهذا حال هذه الشبهة ونظائرها.\n[ص ٢٥] الشبهة الثالثة: أن يقال: إذا كانت السنة مفروضًا اتباعُها كالقرآن فلماذا لم يأمر النبي - ﵌ - بكتابتها؟ بل نقل عنه النهي عن ذلك. ولماذا لم يعتنِ الخلفاء بجمعها؟ بل جاء عنهم ما يخالف ذلك.\nأقول: أما نهيه - ﵌ - عن الكتابة فإنما ورد بذلك حديث واحد أخرجه مسلم (^١)، وأعله البخاري وغيره فقالوا: الصحيح أنه من قول أبي سعيد الخدري (^٢).\nوقد جاءت في الإذن أحاديث، وأكثر الصحابة لم يكونوا يرون بها بأسًا.\n_________\n(^١) برقم (٣٠٠٤) من حديث أبي سعيد الخدري.\n(^٢) انظر \"فتح الباري\" (١/ ٢٠٨) و\"تقييد العلم\" للخطيب (ص ٣٢).","vol":"19","page":13},{"text":"فأما ما روي عن عمر (^١): فاستشار الصحابة فأشاروا عليه بكتابة السنن، فطفق يستخير الله تعالى شهرًا، ثم عزم أن لا يفعل، وقال: \"إني ذكرت قومًا كانوا قبلكم كتبوا كتبًا فأكبُّوا عليها، وتركوا كتاب الله، وإني والله لا أَلبِس كتابَ الله بشيء أبدًا\".\nففي هذا الأمر اتفاقهم على أنها حجة، ثم اتفقوا على الكتابة، إلا أن عمر خشي مفسدة أن تؤدي كتابتها إلى إعراض الناس عن القرآن. وليس في هذا ما يخدش في معرفته بأنها حجة، ولاسيما مع ما تواتر عنه من التدين بها والحكم بها.\nوالذي أرى أن الله ﷿ إنما خار له عدم الكتابة، لأنه إن كتب كان الغالب أن لا يستوعب؛ لكثرة السنة، ولغيبة كثير ممن سمع كثيرًا منها، ولنسيان كثير منهم لبعض ما سمعه أو شاهده، فلعل أحدهم إنما كان يذكر عند حدوث واقعة تشبه الواقعة في عهده - ﵌ -، ونحو ذلك. ولعله أن يظهر لهم من بعض الأقوال أو الأفعال أنه لا حكم فيه، فلا يكتبونه، وقد أعدَّه الله ﷿ لمن يفهمه ممن بعدهم إذا دعت الحاجة إليه، كما يشير إليه حديث: \"فربَّ مبلَّغٍ أوعى من سامع\" (^٢).\nفالحاصل أن عمر لو كتب لم يستوعب، ولكان ذلك ذريعة إلى رد كثير\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في \"المصنّف\" (١١/ ٢٥٧ - ٢٥٨) ومن طريقه الخطيب في \"تقييد العلم\" (٤٩) وابن عبد البر في \"جامع بيان العلم\" (٣٤٣). ورواه الخطيب من غير وجه.\n(^٢) أخرجه البخاري (١٧٤١) ومسلم (١٦٧٩) من حديث أبي بكرة ضمن خطبته - ﷺ - يوم النحر.","vol":"19","page":14},{"text":"من السنن، بأن يقول من يأتي بعدُ: لا أقبل من السنة إلا ما في كتاب عمر، ولو كانت هذه السنة صحيحة لما ترك عمر كتابتها، وأشباه ذلك.\nفأما عدم أمر النبي - ﵌ - بكتابتها فلأمور:\nمنها: خشية التباسها بالقرآن.\nومنها: أنه لا يتيسر الاستيعاب، لأن جميع حركاته - ﵌ - وسكناته من السنة. ولو كُتِب مع [عدم] الاستيعاب كان ذلك ذريعة إلى ردِّ ما لم يكتب، كما مرّ.\nومنها: كراهية أن يتقاعد الناس عن طلب السنة وتلقِّيها من أهلها، فيكتفي كل واحد بكتاب ينسخ له فيضعه في بيته، وهو جاهل لأكثر ما فيه.\nوفي ترك الكتابة مصلحة عظيمة، بأن يحتاج المسلم إلى الطلب والسماع والحفظ، وبذلك لا ينال العلم إلا مَن هو مِن أهله. ولهذا لما أطبق الناس على الكتابة اشترط العلماء للرواية أن يكون الرجل قد سمع، واشترط بعضهم الحفظ، ومن لم يشترطه فقد نوَّه بفضل الحفظ وعلو درجته.\nووراء هذا كله ما تقدم من حكمة الخلق والتكليف، فتدبر. وحِكَم أخرى يطول بيانها، وقد شرحتُ بعضها في موضع آخر.\nالشبهة الرابعة: ما جاء عن ابن عباس: \"لما اشتدَّ بالنبي - ﵌ - وجعه قال: ائتوني بكتابٍ أكتبْ لكم كتابًا لا تضلّوا بعده. قال عمر: إن النبي - ﵌ - غلبه الوجع، وعندنا كتاب الله حسْبُنا، فاختلفوا وكثر اللغطُ، قال: قوموا عني ... \" (^١).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١١٤) ومسلم (١٦٣٧).","vol":"19","page":15},{"text":"يقال: فهذا عمر يقول: \"عندنا كتاب الله حسبنا\"، ثم يقرُّه النبي - ﵌ -؛ إذ لم ينقل أنه - ﵌ - أنكر عليه هذه الكلمة.\nأقول: يقع لي أن عمر كان يستحضر حينئذٍ قول الله ﷿: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣]، فرأى أن الدين قد كمل، فلم يبق موضع للزيادة فيه.\nغاية الأمر أن يريد النبي - ﵌ - أن يذكِّرهم ببعض ما قد علموه، أو يؤكِّد عليهم أمره، أو نحو ذلك.\nفكأنه يقول: إن كان بقي شيء من أمر الدين لم يعلِّمناه رسول الله - ﵌ - فلا بد أن يكون في القرآن؛ بدليل أن الدين قد كمل، فلماذا نَشُقُّ على النبي - ﵌ - في شدة وجعه؟ وهذا رأي رآه، وقد كان مأذونًا لهم إذا أمرهم النبي - ﵌ - بأمر أن يراجعوا، فإذا أعاد عليهم الأمر كان لهم أن يراجعوه الثانية، فإذا أمرهم الثالثةَ تعين الامتثال، كما صرح به جابر في حديثه. \"مسند أحمد\" (...) (^١).\nوالمراجعة ثابتة في أحاديث كثيرة:\nمنها مما وقع لعمر نفسه: مراجعته النبي - ﵌ - في الصلاة على عبد الله بن أُبي (^٢).\n_________\n(^١) ترك المؤلف بياضًا بين القوسين، وتصريح جابر بجواز مراجعة النبي   - ﷺ -  مرتين ورد ضمن إحدى روايات قصة أمر النبي   - ﷺ -  له ببيع جمله في \"المسند\" (٣/ ٣٥٨ - ٣٥٩) من الطبعة القديمة، وبرقم (١٤٨٦٤) ط. مؤسسة الرسالة. وأصله في \"صحيح مسلم\" (٣/ ١٢٢٢ برقم ٧١٥).\n(^٢) أخرجه البخاري (١٢٦٩، ٤٦٧٠، ٤٦٧٢، ٥٧٩٦) ومسلم (٢٤٠٠، ٢٧٧٤) من حديث ابن عمر.","vol":"19","page":16},{"text":"ومراجعته له لما أمر أبا هريرة أن يبشر الناس (^١). [ص ٢٦] وغير ذلك.\nومع هذا فقد كان عمر يعتقد أن النبي - ﵌ - لا يموت من وجعِه ذلك، كما صرح بذلك بعد موته - ﵌ -.\nوبالجملة، فقد تواتر عن عمر امتثالُه سنةَ النبي - ﵌ - وتديُّنه بها في حياة النبي - ﵌ - وبعدها، فلا بد من حمل كلمته تلك على ما لا يخالف ذلك.\nيُعيِّن ذلك أن فرض اتباع السنة متواتر عن النبي - ﵌ - وأصحابه، فلو فهموا من كلمة عمر ما يخالف ذلك لاشتد نكيرهم عليه، ولو كان لهذا الحديث أهمية عظيمة كما يتوهمه كثير من الناس لكثر ناقلوه من الصحابة الذين حضروا القصة، ولم ينفرد بنقله أصغرهم سنًّا يومئذ، وهو ابن عباس.\nوليس مقصودي من هذا توهين رواية ابن عباس كما مال إليه بعض المتأخرين، وإنما مقصودي أن غيره من أكابر الصحابة لم يروا لذلك أهمية فسكتوا عنه. وقد كان ابن عباس يُجِلُّ عمر ويُبجِّلُه في حياته وبعد مماته، وشهادته له بعد أن أصيب مشهورة (^٢)، وكذلك قوله بعد موت عمر بمدة: \"حدثني أناس مرضيُّون وأرضاهم عندي عمر\" (^٣) إلى غير ذلك.\nوقوله - ﵌ -: \"لا تَضِلُّوا بعده\"، أراد ــ والله أعلم ــ إذا عملتم بما فيه؛ إذ\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٣١) من حديث أبي هريرة ضمن قصته.\n(^٢) فقد قال لعمر: \"أبشِرْ بالجنة، صاحبتَ رسولَ الله   - ﷺ -  فأطلتَ صحبتَه، ووليتَ أمر المؤمنين فقويتَ وأديتَ الأمانة\". أخرجه أحمد في \"المسند\" (٣٢٢) وابن سعد في \"الطبقات\" (٣/ ٣٥٣)، وإسناده صحيح.\n(^٣) أخرجه البخاري (٥٨١).","vol":"19","page":17},{"text":"قد علم - ﵌ - وأخبر بأن أناسًا وفرقًا من أمته سيضلون. والأخبار بذلك كثيرة متواترة في المعنى. وإذ كان الأمر كذلك فهذا المعنى ــ أعني عدم الضلال بشرط العمل بما فيه ــ ثابت للقرآن بلا ريب.\nوبقيتْ أشياء تتعلق بالحديث ليس هذا موضعها.\nوقد قدَّر الله ﷾ أن تكون تلك القضية من جملة الشبه التي يُضِلّ بها سبحانه من يشاء من عباده، كما تقدم.\nومما يذكر هنا ما جاء عن عمر أنه بعث قومًا إلى الكوفة فأوصاهم، قال (^١):\n[إنكم تأتون الكوفة، فتأتون قومًا لهم أزيزٌ بالقرآن، فيقولون: قدم أصحاب محمد، قدم أصحاب محمد، فيأتونكم فيسألونكم عن الحديث، فأقِلُّوا الروايةَ عن رسول الله   - ﷺ -  وأنا شريككم فيه].\nوليس في هذا إلا الإقلال من الرواية عندما يخاف أن يُعرض الناس عن القرآن، ويشتغلوا بها. وهذا حق؛ لأن تعلُّم كتاب الله تعالى أهم وأقدم، وليس في ذلك منعٌ من ذكرِ الحديث عندما يحتاج إليه، أو تحديثِ من قد حفظ كتاب الله وتعلَّمه.\nفأما ما جاء عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف أن عمر قال لابن مسعود، ولأبي الدرداء، ولأبي ذر: \"ما هذا الحديث عن رسول الله - ﵌ -؟، وأحسبه حبسهم بالمدينة حتى أصيب\" (\"المستدرك\" ١/ ١١٠) = فإنما أنكر عليهم الإكثار، فإن الإكثار مظنة الزلل، ومظنة أن يَشْغَل عن تعلم القرآن، كما مرّ.\n_________\n(^١) ترك المؤلف بعده فراغًا، والنصّ من \"سنن الدارمي\" (٢٨٦) ..","vol":"19","page":18},{"text":"وقوله: \"وأحسبه حبسهم بالمدينة\" حُسبانٌ فقط، قد يصح وقد لا يصح، ثم المراد بالحبس بالمدينة إبقاؤهم فيها ومنعهم من الخروج منها، لا السجن كما قد يُتوهَّم. مع أن في منعهم من الخروج من المدينة نظرًا، فقد بعث عمر ابن مسعود إلى الكوفة، وأقام بها مدة. وليراجع التاريخ وتراجم هؤلاء.\nوقد كان عمر نفسه يحدِّث عن النبي - ﵌ -، وحديثه في كتب الحديث كثير.\n* * * *","vol":"19","page":19},{"text":"[ص ٢٧]<span data-type=\"title\" id=toc-3> تقسيم الأخبار</span>\nقسم بعض الأصوليين (^١) الأخبار إلى مقطوع بكذبه، ومقطوع بصدقه، وغيرهما.\nفذكروا من المقطوع بكذبه ما قام البرهان القاطع على خلافه.\nأقول: الشأن كل الشأن في البرهان القاطع، فإذا صح فالحديث المخالف له لا يخلو عن وجهين:\nالأول: أن يكون في إسناده خلل.\nالثاني: أن يكون وقع تغيير في متنه بزيادة أو نقص، أو تقديم أو تأخير، أو تبديل لفظ بآخر، أو نحو ذلك مما يغير المعنى.\nولن تجد إن شاء الله تعالى برهانًا قاطعًا يقينيًّا (^٢) مخالفًا لحديث إلا وجدت ــ إن كنت من أهل الحديث والفهم ــ ما يدلك على أحد الوجهين المذكورين.\nقال بعضهم: ومن المقطوع بكذبه ما نُقِّب عنه فلم يوجد عند أهله. وردَّه بعضهم.\nوأقول: له وجه إذا كان يتضمن حكمًا شرعيًّا لم يثبت بغيره، فإن الله ﵎ متكفل بحفظ الشريعة؛ لأن محمدًا - ﵌ - خاتم الأنبياء،\n_________\n(^١) انظر: \"المستصفى\" (١/ ١٤٠ وما بعدها) و\"إرشاد الفحول\" (ص ٤٠، ٤١) ط. المنيرية ١٣٤٧ هـ.\n(^٢) في الأصل: \"يقينًا\".","vol":"19","page":20},{"text":"وشريعته خاتمة الشرائع، فلا يجوز أن يذهب حكم من أحكامها بحيث لا يبقى في ما حفظ منها حجة عليه.\nوالحق أنه إذا وجد خبر منسوب إلى النبي - ﵌ - فلا يخلو عن واحد من أربعة أوجه:\nالأول: أن يكون هو ــ أو حجةٌ توافق معناه ــ موجودًا في المحفوظ من الشريعة بنقلٍ تقوم به الحجة.\nالثاني: أن يكون كان شيء فنُسِخ.\nالثالث: أن يكون وقع في متنه تغيير، كما تقدم.\nالرابع: أن يكون كذبًا، عمدًا أو خطأً.\nفإذا قامت الحجة على نفي الثلاثة الأولى تعين الكذب. والله أعلم.\nقالوا: ومنه المنقول آحادًا، والعادة قاضية بأنه لو صح لنُقِل بالتواتر، لتوفر الدواعي على نقله.\nوأقول: ينبغي التثبت في هذا، فقد تقع القضية ولا يحضرها إلا الواحد أو الاثنان، وقد يحضر جماعة ولا ينتبه لها منهم إلا الواحد أو الاثنان، وقد يشاهدونها ولا يرون لها أهمية فلا ينقلونها. ومثال هذا: اليوم الذي توفي فيه النبي - ﵌ -، فالخلاف فيه بين المتأخرين كثير، ولا يكاد يصح فيه شيء.\nوقد يشاهدونها ويرون لها أهمية، ولكن لا يرون لنقلها أهمية، إما لاعتقادهم [أنها] قد نُقِلت نقلًا كافيًا في بيانها، وليس هناك من ينكرها، كما في انشقاق القمر؛ لأنهم يرونه ــ مع الشهرة بينهم ــ مذكورًا في القرآن، ولم يبق من العرب من يرتاب في القرآن.\nوإما لاعتقادهم أنها أمر معلوم","vol":"19","page":21},{"text":"مكشوف لا يحتاج إلى أن يُذكر، ومن هذا ــ والله أعلم ــ معنى \"الإله\" و\"العبادة\"، فقد كان واضحًا عند المشركين فضلًا عن المسلمين، ثم صار بعد القرون الأولى مشتبهًا، كما أوضحته في رسالة \"العبادة\".\nوقد يخلو عن هذه كلها، ولكن يتواطؤون على الكتمان.\nنعم، هذه الأمور كلها لا تحتمل فيما مثَّلوا به، وهي دعوى بعض الشيعة أن النبي - ﵌ - جمع أصحابه وبيَّن لهم بيانًا قاطعًا أن عليًّا ﵁ ولي عهده، وولي أمرهم من بعده. ولكن قد يحتمل بعضها في غير هذا المثال.\nوقد أشار الحازمي في \"الاعتبار\" (^١) إلى ذلك في بحث الجهر بالبسملة، وإن كان فيه نظر.\nوقد ثبت أن الأئمة في عهد عثمان تجوَّزوا في الجهر بتكبيرات الصلاة، ومضى على ذلك زمان حتى جهله كثير من الناس، فصلى عكرمة خلف أبي هريرة، فجهر أبو هريرة بالتكبيرات، فذهب عكرمة إلى مولاه ابن عباس فقال: صليت خلف شيخ أحمق، فكبر ...، فقال ابن عباس: ثكلتك أمك، تلك سنة أبي القاسم - ﵌ - (^٢).\nوصلى علي ﵁ بالكوفة، فجهر بالتكبيرات، فقال عمران بن حصين: قد ذكَّرني هذا صلاةَ محمد - ﵌ - (^٣).\n_________\n(^١) (ص ٥٨).\n(^٢) أخرجه البخاري (٧٨٨).\n(^٣) أخرجه البخاري (٧٨٤، ٧٨٦) ومسلم (٣٩٣) من حديث مطرف بن عبد الله. وفي الرواية الأولى للبخاري أنه صلاها بالبصرة. وفي \"المسند\" (١٩٨٤٠، ١٩٨٦٠) بالكوفة.","vol":"19","page":22},{"text":"وقال أبو موسى: ذكَّرنا عليٌّ صلاةً كنا نصليها مع رسول الله - ﵌ -، إما نسيناها وإما تركناها عمدًا (^١).\nوجاء عن عمران ما حاصلُه أن عثمان ﵁ لما كبر وضعف صوته لم يكونوا يسمعون تكبيره، فاتخذ أمراؤه أو بعضُهم ذلك سنة بجهلهم (^٢).\nوالمقصود هنا أنه ينبغي التثبت في رد الأحاديث بما ذُكِر، فلا يُقدَم على ذلك مع قيام الاحتمال. والله الموفق.\n[ص ٢٨] وأما المقطوع بصدقه فذكروا منه أمورًا:\nالأول: خبر الرب ﷿، وخبر النبي - ﵌ -.\nوذلك واضح، ولكن خبر النبي - ﵌ - قد يكون عن ظنِّه نصًّا، كقوله: أظن كذا، ولعل كذا. أو بدلالة القرائن. وقد وقع هذا في الأمور الدنيوية. فأما الدينية، فمن قال من أهل العلم: إن النبي - ﵌ - كان قد يقول في الدين باجتهاده، فإنه يقول بوقوع هذا.\nأقول: وسواء كان خبره عن أنه يظن في أمر ديني أو دنيوي، فهو مقطوع بصدقه فيما أخبر عنه، وهو الظن. أعني أنه أخبر أنه يظن، فالمقطوع به هو كونه يظن، فأما الأمر الذي ظنه فقد لا يكون واقعًا، وليس ذلك من الكذب، وإنما فيه خطأ الظن.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد في \"المسند\" (١٩٤٩٤) والطحاوي في \"معاني الآثار\" (١/ ٢٢١). وصحَّح الحافظ إسناده في \"الفتح\" (٢/ ٢٧٠).\n(^٢) أخرجه أحمد (١٩٨٨١) وابن خزيمة (٥٨١). وهو حديث صحيح.","vol":"19","page":23},{"text":"وقد أخبر الله ﷿ عن آدم أنه ظنّ صِدقَ إبليس لما قاسمه بالله، وكذلك ظن يعقوب صدق بنيه في قولهم: ﴿وَنَحْفَظُ أَخَانَا﴾ [يوسف: ٦٥]، وكذَّبهم في خبرهم عما جرى لهم من أخذِ أخيهم بتهمة السرقة، فقال: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا﴾ [يوسف: ٨٣]، وظن موسى أن أخاه قصَّر، فأخذ برأسه يجرُّه إليه، في نظائر لذلك.\nوكان النبي - ﵌ - ربما سها في الصلاة وهو يظن أنه لم يَسْهُ، فصلى مرة خمسًا (^١)، ومعنى ذلك أنه عند قيامه للخامسة كان يظن أنها الرابعة.\nوسلَّم مرة من ركعتين في رباعية الحضر، ومعنى ذلك أنه ظن أن قد أتمَّ أربعًا، فأما قوله لما سُئل أقُصِرَت الصلاة أم سهوتَ يا رسول الله؟: \"كل ذلك لم يكن\" (^٢)؛ فهو يتضمن خبرين:\nأحدهما عن أمر ديني، وهو صدقٌ قطعًا، وهو كون الصلاة لم تُقصَر.\nوالثاني عن أمر دنيوي، وهو كونه لم ينْسَ. ومراده بالنظر إلى هذا أنه يظن أنه لم ينس، بمعونة القرينة، وهي أن هناك جمعًا كثيرًا يغلب عليهم التيقظ لأعمال الصلاة، فإن كان قد نسي فإنهم يعلمون أنه إنما نفى النسيان بالنظر إلى ظنه، فيرجع ذلك إلى الخبر بأنه يظن أنه لم ينس.\nومن ذلك: خبر تأبير النخل، وهو في \"صحيح مسلم\" من حديث طلحة (^٣)،\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٢٢٦) ومسلم (٥٧٢) من حديث ابن مسعود ﵁.\n(^٢) أخرجه مسلم (٥٧٣) من حديث أبي هريرة بهذا اللفظ. وعند البخاري (٨٤٢ ومواضع أخرى): \"لم أنسَ ولم تُقْصَر\".\n(^٣) رقم (٢٣٦١).","vol":"19","page":24},{"text":"ومن حديث رافع بن خديج (^١)، ومن رواية حماد بن سلمة بوجهين (^٢): حماد عن هشام عن أبيه عن عائشة، وحماد عن ثابت عن أنس.\nورواية طلحة صريحة في أنه شهد القصة، وأن النبي - ﵌ - لم يجزم، وإنما قال: \"ما أظنُّ يُغنِي ذلك شيئًا\"، ثم قال لهم بعدُ: \"إنما ظننتُ ظنًّا، فلا تؤاخذوني بالظن، ولكن إذا حدَّثتكم عن الله شيئًا فخذوا به، فإني لن أكذب على الله\".\nوفي رواية رافع: قال: \"لعلكم لو لم تفعلوا كان خيرًا\"، ثم قال أخيرًا: \"إنما أنا بشر، إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به، وإذا أمرتكم بشيء من رأيي فإنما أنا بشر\". قال الراوي: أو نحو هذا.\nفما وقع في رواية حماد من الوجهين الأخيرين: \"لو لم تفعلوا لصلح\" من التقصير في الرواية بالمعنى؛ ولهذا قدَّم مسلم ﵀ رواية طلحة، لأنه شهد القصة وتحرّى في بيانها، ثم عقَّبها برواية رافع لأنها قريبة منها، ثم ذكر رواية حماد من الوجهين على أنها شاهد لأصل القصة.\nفثبت أنه - ﵌ - إنما أخبرهم عن ظنه أن التلقيح لا فائدة له، وإنما وقع له - ﵌ - هذا الظن لأنه لم يكن قد عرف حال النخل، وقد عرف بمكة والطائف وغيرهما أن عامة الشجر تثمر ويصلح ثمرها بلا تلقيح، فظن أن النخل كذلك، حملًا للفرد المجهول الحال على ما عرف من حال الغالب.\nومن هذا: ما رُوي من قوله - ﵌ -: \"لقد هممتُ أن أنهى عن الغِيْلة، ثم\n_________\n(^١) رقم (٢٣٦٢).\n(^٢) رقم (٢٣٦٣).","vol":"19","page":25},{"text":"نظرتُ في فارس والروم فإذا هم يُغِيلون أولادهم، فلا يضر ذلك أولادَهم شيئًا\" (^١).\nفقد كان مشهورًا بين العرب أن الغَيْل يضر بالطفل، فوقع في ظنه - ﵌ - صحة ذلك وأنه مبني على تجربة صحيحة، فأراد أن ينهى عنه لما فيه من الإضرار، ثم سأل عن حال فارس والروم فأُخبِر أنهم لا يتوقَّون كما يتوقَّى العرب، ثم رأى أنه لا يظهر بأولادهم ضرر، فظن - ﵌ - أن الغيل لا يضر، فقال ما تقدم.\n[ص ٢٩] وجاء عنه - ﵌ - حديث آخر: \"لا تقتلوا أولادكم [سرًّا]، فإن الغَيْل يدرك الفارسَ فيُدَعْثِره عن فرسه\" (^٢).\nفإذا صح هذا فلا بد أن يكون متأخرًا؛ لوجوه:\nالأول: أن هذا نهي صريح، وقوله في الأول: \"لقد هممتُ أن أنهى عن الغيلة\" ظاهر في أنه لم يقع منه قبل ذلك نهيٌ، فعُلِم بذلك أن الخبر الصريح بالنهي لم يكن قبل ذلك.\nالثاني: أن الخبر الأول مبني على الظن في الجانبين، كما تقدم، والخبر الثاني بتٌّ وقطع، فهو مبني على علم.\nالثالث: أن قوله: \"يُدرك الفارسَ فيُدعْثِره\" شيء لا يُعرف بالقرائن\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٤٤٢) من حديث جُدامة بنت وهب.\n(^٢) أخرجه أحمد (٢٧٥٦٢) وأبو داود (٣٨٨١) وابن ماجه (٢٠١٢) من حديث أسماء بنت يزيد بن السكن. وصححه ابن حبان (٥٩٨٤)، وفي إسناده المهاجر بن أبي مسلم، لم يوثقه غير ابن حبان، وبقية رجاله ثقات.","vol":"19","page":26},{"text":"الظاهرة المتيسرة، فالظاهر ــ إن لم نقل: المتيقن ــ أنه علمه - ﵌ - بالوحي.\nالرابع: أن في هذا كالإشارة إلى ردِّ ما في الأول من حال فارس والروم، فكأنه يقول: إن ضرر الغيل خفي، فلا يدفعه أن الظاهر من حال فارس والروم أنه لا يضر.\nهذا، وقد عكس الطحاوي (^١) ﵀ ما تقدم، فذكر أنه ينبغي أن يكون حديث \"لا تقتلوا أولادكم ... \" كان أولًا، بناه النبي - ﵌ - على ما تعتقده العرب، ثم تبين له بطلان ذلك الاعتقاد فقال: \"لقد كنتُ هممتُ ... \".\nوهذا كما ترى إن كنت ترى!\nواعلم أن الأدلة على أن ظن الأنبياء في الأمور الدنيوية غير معصوم كثيرة، وفيما ذُكِر كفاية. ولو كان ظنهم معصومًا لما بقي لهم ظنٌّ، بل يكون علمًا.\nفأما في الأمور الدينية، فإن كان خبرًا عن حكم شرعي، فهم معصومون قطعًا. فإذا جوّزنا أنهم قد يجتهدون فيها، ويخبرون عن اجتهادهم، فإنه إن جاز الخطأ في هذا فإن الله ﷿ لا يُقِرُّه، بل ينبِّههم فورًا على الخطأ، فإذا اجتهدوا وأخبروا ثم لم يقع تنبيه من الله ﷿ ثبت قطعًا صحة اجتهادهم وصدق ما قالوه يقينًا، والله الموفق.\nالثاني: قال بعضهم: ومن المقطوع بصدقه أن يخبر إنسان بمرأى ومسمعٍ من النبي - ﵌ - فلا ينكره عليه.\n_________\n(^١) في \"معاني الآثار\" (٣/ ٤٧، ٤٨) و\"مشكل الآثار\" (٩/ ٢٨٤).","vol":"19","page":27},{"text":"أقول: أما أن يخبر رجل بحضرته - ﵌ - بأمر ديني، بحيث يظهر أن النبي - ﵌ - إنما سكت تصديقًا له؛ فهذا حق. وذلك كما روي أن جماعة اختلفوا في القراءة، فذهبوا إلى النبي - ﵌ -، فأخبروه، وكان عنده علي ﵁، فقال لهم علي: يقول لكم رسول الله - ﵌ - (^١) ....\nوأما غير ذلك، ففيه نظر. ولاسيَّما إذا احتمل كونه - ﵌ - لا يعلم الواقعة، أو يظنها كما ذكر المخبر.\nوقد كان النبي - ﵌ - يشك في ابن صياد أنه الدجال؛ لعلامات كانت فيه، فقوي ظنُّ عمر بذلك، فحلف بين يدي النبي - ﵌ - أن ابن صياد هو الدجال، ولم ينكر عليه النبي - ﵌ - (^٢)، ثم جاءت أحاديث تدلُّ أنه تبيَّن للنبيِّ - ﵌ - بعد ذلك أن الدجال غير ابن صياد (^٣).\nالثالث: وذكروا من المقطوع بصدقه: المتواتر.\nقالوا: وهو خبر جماعة يستحيل في العادة تواطؤهم على الكذب عن أمر محسوس.\nوذلك حق لا ريب فيه، ولكن أشار بعضهم إلى أن هذا ــ أعني المتواتر ــ والخبر الذي يفيد العلم بمعونة القرائن شيء واحد.\n_________\n(^١) بعده بياض في الأصل .. والحديث أخرجه ابن حبان في \"صحيحه\" (٧٤٧) والحاكم في \"المستدرك\" (٢/ ٢٢٣، ٢٢٤) من طريق زر عن ابن مسعود مطولًا. وفيه: \"فقال علي: إن رسول الله - ﷺ - يأمركم أن يقرأ كل رجل منكم كما عُلِّم، فإنما أهلك من قبلكم الاختلاف\".\n(^٢) أخرجه البخاري (٧٣٥٥) ومسلم (٢٩٢٩) من حديث جابر بن عبد الله.\n(^٣) انظر \"الفتح\" (١٣/ ٣٢٦ - ٣٢٩).","vol":"19","page":28},{"text":"وشبهتُه إلى أن كثرة العدد لو كانت هي المؤثرة لتعين العدد المؤثر، والأمر بخلاف ذلك، فإنه قد يحصل العلم بخبر الواحد أو الاثنين أو الثلاثة، ولا يحصل بخبر مئة ألف أو أزيد. كما لو أخبر مليون جندي من الألمان بعد هزيمتهم بأن زعيمهم هتلر مات.\n[ص ٣٠] فالمدار إذًا إنما هو على ما يحتفُّ بالخبر من القرائن.\nوأقول: الخبر تكون معه قرائن تساعده، وقرائن تخالفه، فعدد التواتر هو الذي يحصل بخبرهم العلم مع فَقْدِ القرائن الموافقة والمخالفة أو تكافُئِها، وإنما يعسُر تعيينه لأنه لا يخلو الخبر عن قرائن من الجانبين، ويعسر العلم بتكافئها.\nهذا، والمدار على حصول العلم، فسِيَّانِ: كان حصوله بكثرة العدد مع عدم القرائن المخالفة أو مع تكافُؤِ القرائن [من] الجانبين، أو كان حصوله بمعونة القرائن. ولا حرج في تسمية ما حصل به العلم متواترًا، وإن شككنا في حصوله بالوجه الأول أو الثاني.\nوقد شكَّك بعضهم في حصول العلم بالمتواتر، قال: لأن كثرة العدد قد لا تفيد إذا اقترن بالخبر قرائن تخالفه، فيمكن أن يكون مع الخبر قرائن تخالفه ولكنها خفية، فعلى هذا يتوهم سامعه حصول العلم به.\nويتحقق ذلك بأن تفرض أن ألف رجل تواطؤوا سرًّا على خبر، ثم بالغوا في إخفاء ما يُوقِع التهمة بتواطُئِهم، وتفرقوا. فإنه إذا فُرِض أن أحدهم أخبر، ثم جاء الثاني وكأنه لا يعرف الأول ولا يعلم بخبره فأخبره بمثله، وهكذا، فقد يتوهم بعض السامعين حصول العلم، وقد تلوحُ لبعضهم قرينة على احتمال التواطؤ، فلا يكاد يحصل له الظن فضلًا عن العلم.","vol":"19","page":29},{"text":"والجواب: أن النفس إذا خُلِّيتْ وفطرتها لا يخفى عليها موضع احتمال التواطؤ، ولو على بعدٍ، فلا تجزم حتى يجتمع لها من القرائن ما يبين أن احتمال التواطؤ مستحيل.\nبلى، لا ننكر أن من الناس من يدعي التواتر في خبر وليس كذلك، وإنما يكذب على نفسه في دعوى حصول العلم، أو يغالطها في ذلك، والله المستعان.\nواعلم أن تواتر الخبر قد يكون مع اتفاق العدد على جميع العوارض، كأن يخبر كل منهم أن النبي - ﵌ - خطب الناس يوم النحر سنة عشر بمنى في وقت كذا، فقال كيت وكيت. وقد يذكر بعضهم سماع الحديث في زمان ومكان، ويذكر غيره سماعه في زمان أو مكان آخر.\nوهذا كله تواتر؛ إذ المدار على أن النبي - ﵌ - قال ذلك. اللهم إلا أن يكون للزمان أو للمكان اختصاص، كأن يقول بعضهم: \"وقف بمكان كذا من عرفة فقال: هذا الموقف\"، ويقول غيره: \"وقف بمكان كذا ــ ويذكر مكانًا آخر ــ وقال: هذا الموقف\"، أو نحو ذلك.\nواعلم أن اختلاف الألفاظ والمعنى واحد لا يقدح في التواتر، وكأنهم قالوا: ذكر كلامًا هذا معناه.\nوهناك ما يسمى \"التواتر المعنوي\"، وذلك كأن يروي أحدهم أن النبي - ﵌ - قال: \"من زنى بعد ما أحصن فعليه الرجم\" (^١)، ويروي آخر أن ماعزًا\n_________\n(^١) لم أجد الحديث بهذا اللفظ، وقد أخرج البخاري (٦٨٧٨) ومسلم (١٦٧٦) من حديث ابن مسعود بلفظ: \"لا يحل دم امرئ يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني ... \". وأخرج أحمد (٤٥٢) والنسائي (٧/ ١٠٣) من حديث عثمان بن عفان بنحوه فيه: \" ... رجل زنى بعد إحصانه فعليه الرجم ... \".","vol":"19","page":30},{"text":"زنى بعد ما أحصن فرجمه النبي - ﵌ - (^١)، وروى ثالث أن امرأة غامدية زنت بعدما أحصنت فرجمها النبي - ﵌ - (^٢)، وآخر أن امرأة رجلٍ من أسلم اتُّهِمت بالزنا بعدما أحصنت فقال النبي - ﵌ -: \"اغْدُ يا أُنيسُ إلى امرأة هذا، فإن اعترفَتْ فارجُمْها\" (^٣). وهكذا بحيث يحصل بمجموع هذه الأخبار القطع بما اجتمعت عليه، وهو أن النبي - ﵌ - كان يقضي برجم من زنى بعد إحصان.\nهذا، ولا يخفى أن العلم بصدق خبر العدد فيما كان عن محسوس يُعلَم منه أنهم إذا أخبروا أن فلانًا أخبر؛ إنما يتحصل العلم بأن فلانًا أخبر، فأما صدق خبر فلان ــ إذا لم يكن معصومًا ــ فلا يحصل العلم بصدقه. لكن [إذا] أخبر عدد التواتر أن عددًا آخر مستجمعًا للشروط أخبروا حصل العلمُ بخبر الفريقين.\nوهكذا، فإذا تعددت الطبقات كأن يخبر عدد عن عدد عن عدد عن النبي - ﵌ -، فلا بد أن تتحقَّق الشرائط في كل الطبقات الثلاث، ولا يشترط أن يخبر كل واحد من العدد عن كل واحد من العدد الذي قبله.\nبل يحصل العلم بأن يخبر كل واحد عن واحد، وآخر عن آخر، وثالث عن ثالث، وهكذا. [ص ٣١] بل هذا أقوى؛ فإن اجتماع عدد على الإخبار في وقت واحد\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٦٩٤) من حديث أبي سعيد الخدري. وفي الباب أحاديث أخرى.\n(^٢) أخرجه مسلم (١٦٩٥) من حديث بريدة.\n(^٣) أخرجه البخاري (٦٨٢٧، ٦٨٢٨) ومسلم (١٦٩٧، ١٦٩٨) من حديث أبي هريرة وزيد بن خالد.","vol":"19","page":31},{"text":"مما يوهم المواطأة. فتدبر.\nالرابع: قالوا: قد يفيد الآحاد العلم بمعونة القرائن. ومثَّلوه بما فيه نظر. ولكن القول صحيح؛ فإن من القرائن ما يفيد العلم مجردًا عن الخبر، فكيف لا يكون منها ما يفيده مع الخبر؟\nكما إذا وضعتَ شيئًا ثقيلًا في صندوق، ثم غبت، ثم رجعت فرفعت الصندوق فإذا هو خفيف، بحيث تعلم قطعًا أنه لا يمكن أن يكون ذلك الشيء فيه.\nوهكذا إذا وضعتَ حمامة في قفص محكم مقفل، ووضعته بحيث تعلم أنه لم تصل إليه يد إنسان، ثم تفقدته فإذا فيه بيضة! وقس على ذلك.\nويدخل في القرائن عدالة المخبر، وكونه معروفًا بالصدق، وكونه ليس له هوى في ذلك الخبر، وكونه مشهودًا له بالإتقان، وذكره للخبر قصة، وكون القصة تتعلق به، إلى غير ذلك مما بسطه أهل العلم في وجوه الترجيح.\nوالعدالة تتفاوت، فأعلاها عدالة من عدَّله الله تعالى، ثم رسوله - ﵌ -، وشهد له بالجنة.\nوكذلك الصدق، فأعلاه صدق من أخبر الله ﵎ بأنه صدوق.\nوكذلك عدم الهوى، فمن أعلاه أن يكون للمخبر هوى في نقيض ذلك الخبر، كأن يكون في الخبر غضاضةٌ عليه.\nوكذلك الإتقان، فأعلاه في الثقة أن يصفه جهابذة الحفاظ بأنه لم","vol":"19","page":32},{"text":"يخطئ في حديث قطُّ، أو لم يخطئ إلا في حديث واحد، كما قالوه في إسماعيل بن إبراهيم المشهور بابن عُلَية.\nوبالجملة، فمن أمعن النظر في كلام المحدثين في دقائق الرواية وأحوال الرجال عرف أنه قد يحصل للجِهْبِذ المتبحّر منهم العلمُ في بعض الأحاديث التي تُروى من طرق صحيحة عن صحابيين أو ثلاثة.\nومما يتأيد به الحديث أن يكون له شواهد توافقه، ولو في جنس المعنى، وأن يكون موافقًا لظاهر القرآن، أو مخالفًا له وظهر الحديث في زمن الصحابة وعمل به بعضهم؛ فإنه لو لم يكن ثابتًا عندهم ما تركوا له ظاهر القرآن، ولكانوا أنكروه.\nومما يتأيد به أيضًا أن تطمئنَّ إلى لفظه نفسُ الممارس للحديث؛ فإنه لطول ممارسته للكلام النبوي صار عنده تمييزٌ ما بين ما هو منه وما ليس منه. ونحو ذلك أن تطمئن إليه نفس المتبحّر في معرفة الشمائل النبوية والحِكَم الشرعية.\nوهذا، وقد ضعفت في الأزمنة الأخيرة العنايةُ بالرواية، ولكن بقي بأيدينا حكم الجهابذة المتبحّرين، إذا وجدنا أحدهم صحَّح حديثًا أو احتج به، ويتأكد ذلك بموافقة آخر منهم عليه.\nفإذا وجدنا في حديث أن مالكًا والثوري وأحمد والشافعي احتجوا به، وأن البخاري ومسلمًا صححاه؛ كان متمكنًا في القوة، فإذا ثبت أن بعض الصحابة عمل به، وعمل به جماعة من التابعين ازداد قوة.","vol":"19","page":33},{"text":"وقد ذهب جماعة من المتأخرين إلى أن أحاديث الصحيحين تفيد العلم. ووجهوا ذلك بأنها تُلقِّيت بالقبول، والتلقي بالقبول عندهم يفيد العلم، وسيأتي ما فيه. لكن رأيت عن العلامة محمد أنور الديوبندي أنه وافقهم في إفادة العلم، ووجَّهه بمعنى ما تقدم (^١).\nويتأكد ذلك بأن كثيرًا من الأئمة المعاصرين [ص ٣٢] للشيخين والمتأخرين عنهم، اطلعوا على الصحيحين، وشهدوا لما فيهما بالصحة، وسيأتي إن شاء الله تعالى البحث في ذلك.\nالخامس: قالوا: ومما يفيد العلم ما أُجمِع على صحته، أو تُلقِّي بالقبول، بأن كان أهل العلم بين محتجٍّ به ومتأولٍ له، أو أُجمِع على الحكم الذي يدل عليه.\nوردَّ بعضهم ذلك بأنه مبني على الإجماع، والكلام في الإجماع معروف، فإن من سلَّم حجية الإجماع يقول: إن العلم به قطعًا محال؛ لأنه يتوقف على النقل المفيد للعلم عن كل فرد من أهل عصر الإجماع، بحيث يُعلم قطعًا أنه لم يبق أحد منهم إلا ونقل عنه كذلك.\nوأما الإجماع السكوتي فمختلف فيه، وممن ردَّه الإمامان الشافعي وأحمد، كما أنكرا العلم بالإجماع في غير أركان الدين، كفرضية الصلاة والصيام والحج ونحو ذلك مما إن خالف فيه مخالف كفر، فالعلم بالإجماع فيها إنما هو لهذا، أعني: لأن من خالف كفر، فخرج عن الاعتداد بقوله.\n_________\n(^١) انظر \"فيض الباري\" (١/ ٤٥، ٤٦) من المقدمة.","vol":"19","page":34},{"text":"ومع هذا، فتأويل العالم لحديثٍ لا يستلزم قوله بصحته؛ فإن كثيرًا من أهل العلم يتأولون الحديث وهم متوقفون في صحته، كأن أحدهم يقول: إن صحَّ فهذا تأويله، وربما يضعِّف أحدهم الخبر ثم يتأوله.\nوهكذا الإجماع على حكم لا يستلزم صحة ما يُروى فيه. ألا ترى أنه لا يمتنع أن يَعمِد كذّاب إلى حكم مجمع عليه فيضع على وفقه حديثًا؟\nأقول: قد سلَّم الإمامان الشافعي وأحمد أن العارف بأقوالِ مَن سلف من أهل العلم إذا عرف قول جماعة منهم ولم يعلم لهم مخالفًا بعد البحث= يكون هذا حجة في الجملة. فأقلُّ أحوال هذا أن يكون من أعظم ما يساعد على قطعية الخبر.\nوتأويل العالم للخبر مع عدم تصريحه بضعفه يدل على أنه لم يعرف فيه مطعنًا، وذلك مما يقوِّيه.\nوأما قولكم: إن الإجماع على حكم لا يستلزم صحة ما يُروى فيه، فهذا فيما إذا ظهر للإجماع مستندٌ غير ذلك الخبر، فأما إذا لم يظهر غيره ــ وهو في نفسه منقول نقلًا صحيحًا ــ فالظاهر أنه هو مستندهم، وبذلك يكون الظاهر أنهم اتفقوا على صحته.\nوقد أيَّد هذا بعض الأجلّة بأن تجويز بطلان ذلك الخبر لاحتمال أن يكون المستند غيره= اتهامٌ للأمة بأنها أهملت الحجة الصحيحة فلم تُنبِّه عليها، أو لم تُعْنَ بها، أو لم تنقلْها، واعتنت بنقلِ ما ليس بصحيح في ذلك المعنى بعينه. وهذا بغاية البعد.\nفإن قيل: استغنتْ عن نقل الحجة الصحيحة بالإجماع.","vol":"19","page":35},{"text":"قيل: فما بالها نقلت غير الصحيحة في ذاك المعنى نفسه؟\nوأنا أقول: أما الحكم بالضعف على الخبر المنقول نقلًا تقوم به الحجة، فلا وجه له. غاية الأمر أن يجوز أن يكون مستند الإجماع غيره، وهذا لا يضر ذلك الخبر بل يفيده قوة؛ لأنه على أحد الاحتمالين مجمع على صحته، وعلى الاحتمال الآخر صحيح في نفسه، وله شاهد مجمع عليه.\nوبعد، فإذا سلِّم الإجماع على الحكم لم تبق فائدةٌ لإنكار كون الخبر مجمعًا على صحته؛ لأن الحكم هو المقصود.\n[ص ٣٣] وههنا مسائل:\nالأولى: إذا صح من جهة الرواية خبر، ونُقل تصحيحه عن جماعة، ولم يُعلم لهم مخالف، ونُقل القول بالحكم الذي دل عليه عن جماعة، ولم يُعلم لهم مخالف ممن مضى، فهل يكفر منكره؟\nأقول: فيه نظر، وله موضع آخر.\nالثانية: هل يُعامَل معاملة القطعي في النسخ؟\nأقول: أكثر أهل المذاهب يرون نقل الحكم عن جماعة ممن مضى، ولا يُعلم لهم مخالف= إجماعًا يدل على ناسخ، فيجزمون بالنسخ، حتى لو كان الحكم الآخر منصوصًا في كتاب الله ﷿، ففي هذه الصورة أولى.\nالثالثة: هل يثبت به الفرض وغير ذلك، عند من يفرق بين القطعي والظني في الأحكام؟\nأقول: المفرِّقون يعدّون هذا الإجماع قطعيًّا، وعلى ذلك فيثبت به الفرض وغيره عندهم، ففي هذه الصورة أولى.","vol":"19","page":36},{"text":"الرابعة: إذا وجد دليل يناقض ذلك الخبر وذلك الإجماع، هل يجوز لأحد أن يذهب إلى ذلك الدليل؟\nأقول: أما إذا كان الدليل المناقض محتملًا أن يكون منسوخًا بذلك الخبر، فلا يجوز. بل المتعين القول بذلك، إذ القول بعكسه في غاية البعد؛ إذ يلزم منه اتفاق الأمة على التمسك بالمنسوخ وإهمال الناسخ.\nفإن قيل: اتفاق الأمة لم يسلم؛ لأن الفرض أن الحكم إنما نقل عن جماعة.\nقلت: الظاهر أنه لو كان هناك مخالف لأظهر قوله وإنكاره لهذا المنكر، وهو التمسك بالمنسوخ واطّراح الناسخ، وإلا كانت الأمة مجمعة على الضلال، بعضها بالتمسك بالمنسوخ واطراح الناسخ، وباقيها بالسكوت على هذا المنكر، والساكت على المنكر مع علمه به وإمكان أن ينكر شريك فيه، فكأنها أجمعت على ضلالة واحدة.\nفإن قيل: لعل بعض من لم ينقل قوله لم يطلع على تمسك الجماعة بالمنسوخ، ولعل بعضهم اطلع ومنعه مانع من الإنكار، ولعل بعضهم اطلع وأنكر ولم يُنقل إنكاره، ولعل بعضهم اطلع وأنكر ونُقِل إنكاره ولكن لم يبلغنا، بأن يكون في بعض الكتب التي لم نقف عليها.\nقلت: هذا كله بعيد إذا بحث واسعُ الاطلاع منا فلم يجد، ويتأكد ذلك إذا كان قد نص إمام مطلع ممن قبلنا على الإجماع.\nوبعد، فهَبْ أن ما ذكرناه لا يكفي للدلالة على كون الخبر الموافق للإجماع ناسخًا للدليل الآخر، فهل هناك إلا مخرج واحد وهو الأخذ","vol":"19","page":37},{"text":"بالراجح؟ فالخبر الموافق للإجماع أرجح، فوجب الأخذ به على كل حال.\nالخامسة: إذا وجد دليل يناقض الخبر والإجماع ولم يحتمل أن يكون منسوخًا به، كما إذا كان الخبر الموافق للإجماع مؤرخًا بزمان، والدليل المناقض مؤرخ بما بعد ذلك الزمان. فهل يجوز الذهاب إلى ذلك الدليل؟\nأقول مستعينًا بالله ﷿: إن ثبت أنه قد ذهب إلى وفق الدليل المناقض مجتهد من أهل القرون الثلاثة الأولى فذهاب من بعدها إليه موكول إلى اجتهاده، وذلك أن ذهاب ذلك المجتهد من أهل القرون الأولى إلى ذلك خادش في الإجماع، أما في إجماع أهل عصره فواضح، لأنه منهم وهو مخالف، فكيف يقال: أجمعوا؟ وأما من قبله فالظاهر أنه لم يذهب إلى ما ذهب إليه إلا وقد عرف أنه لم يتقدمه إجماع تمتنع مخالفته، وأما من بعده فالذي تبين لي رجحانه أنه لا يُعتدُّ بالإجماع بعد سبق الخلاف المستقر.\nوإن لم يثبت، فلا يجوز لمن بعدها الذهاب إليه؛ لأن ظاهر اتفاق الثلاثة القرون على خلاف ذلك الدليل يُوهنه جدًّا، ويتأكد ذلك بأمور:\n[ص ٣٤] منها: أن الهمم قصرت، والمعرفة ضعفت، والدعاوى كثرت، والأهواء انتشرت، والتقوى خفَّت. فأصبح كثير من الناس يدَّعون العلم وهم قاصرون، فإن وجد راسخ لم يكد يَسلَم من هوى أو ضعف ورعٍ.\nفإن وُجد مخلصٌ ورعٌ فهو نفسه يتردد فيما عسى أن يظهر له من دليل يدل على قولٍ المنقولُ عن أهل القرون الأولى خلافه، ولم يظفر بنقل عن واحد منهم يستند إليه، وذلك أن هذا المعنى يشككه في دليله، فيقول: لعلي غلطت في ظن صحة هذا الخبر وفي ظن أن هذه العبارة تدل على كذا؛ فإنه","vol":"19","page":38},{"text":"ليس له من معرفة الحديث ورواته ما كان لأئمة السلف، وليس له من الذوق العربي ما كان لهم.\nفإن فرضنا أنه قَوِيَ في نفسه ما ظهر له، فإن غيره من أهل العلم لا يوافقونه على ذلك، ويرون في فتح هذا الباب مفسدةً عظمى؛ فإن المنتحلين للعلم بلا رسوخ ولا ورعٍ كثيرٌ، فيأخذ كل منهم يتخوض في الدين، ولا يتمكن أهل العلم من إفحامهم بالمناظرة؛ لأن المناظرة إنما تفيد مع الإنصاف، ولا يرجى ذلك من المتخوضين.\nنعم، قد كان في عهد السلف جماعة من علماء السوء، ولكن كانوا مقهورين، وكان العامة يعرفون علماء الحق؛ لقرب العهد بالسراج المنير - ﵌ - وأصحابه، فكان إذا قام رجل يدعي العلم والمعرفة فزع العامة إلى من عرفوه من علماء الحق فيكفيه أن يقول للعامة: ذاك رجل مبتدع، أو لا يوثق بعلمه، أو نحو ذلك.\nوأما في الأزمنة المتأخرة فإن الحال تغيَّر، بل انعكس، فصار الملوك والأمراء والعامة يرون العالم هو من يوسِّع عليهم، ويوافق أهواءهم.\nفلهذا عظَّم العلماء شأن الإجماع، حتى [إذا] نبغ نابغ من أولئك المتخوضين كفى أن يقال له وللناس: هذا خرق للإجماع.\nولهذا ــ والله أعلم ــ قال جماعة: إن باب الاجتهاد قد انسدَّ، وقال ابن الصلاح (^١): إن التصحيح والتحسين للأحاديث قد انتهى.\n_________\n(^١) في \"علوم الحديث\" (ص ١٣). وردَّ عليه آخرون، انظر \"فتح المغيث\" (١/ ٥٠، ٥١) و\"تدريب الراوي\" (١/ ١٤٣ وما بعدها).","vol":"19","page":39},{"text":"أما أنا فلا أوافق على سدِّ باب الاجتهاد وتصحيح الأحاديث، ولكن أرى أنه لا ينبغي مخالفة حكم قد قال به أهل القرون الثلاثة، ولم يُعلَم منهم مخالف، ويبقى مجال الاجتهاد في أمرين:\nالأول: الأحكام التي اختلف فيها علماء السلف، فيجتهد العالم في الترجيح بينها.\nالثاني: في الأشياء التي لم يُنقل عن أهل القرون الثلاثة فيها شيء واضح.\nأما الأول فإن العالم نفسه يطمئن إلى ما ظهر له؛ لأن له سلفًا، فيقول: هَبْني لم أبلغ درجة الاجتهاد فهذا قول مجتهد معروف، فكأنني قلدته، وقد جوَّز الناس تقليد المجتهد وإن لم يظهر للمقلد رجحان دليله، فأما أنا فقد ظهر لي رجحان دليله.\nوكذلك يطمئن غير هذا العالم إلى قوله، إذا علموا أنه قول مجتهد معروف.\nولا يخشى من هذا ما يخشى من إطلاق الاجتهاد من التلاعب بالدين، اللهم إلا أن يدَّعي هذه المرتبة من ليس من أهلها، أو يكون ضعيف الدين، [ص ٣٥] لكن مثل هذا لا يصعب على أهل العلم والدين كشفُ حاله إن شاء الله تعالى.\nوعلى كل حال، فالشر هنا أخف، والمفسدة التي في سدّ الباب مطلقًا أشدّ، مع أن أكثر أهل العلم من المتأخرين قد فتحوا هذا الباب بجواز التقليد، وهذا خير منه؛ إذ ليس فيه ــ إذا أُعطِي حقَّه ــ تتبعٌ للرخص، وإنما فيه تتبعٌ للراجح من الأدلة، فإذا اتفق في مسألة أن يكون رخصة كان في أخرى شدة.","vol":"19","page":40},{"text":"وفيه مصلحة من أعظم المصالح، وهو إحياء علوم الكتاب والسنة، وإشعار الناس بأنهم إنما يتبعون الكتاب والسنة.\nوأي فرق أعظم من الفرق بين من يقوم يصلي فيعمل بقول فلان وقول فلان، ومن يقوم يصلي فيعمل بتلك الآية وذلك الحديث؟ فهذا الثاني شاعرٌ تمامَ الشعور بأنه يعبد الله ﷿ بامتثال أمره في كل حركة وسكون، والأول بعيد عن ذلك.\nوأما الاجتهاد فيما لم يُنقل فيه شيء صريح عن علماء القرون الثلاثة، فلا يمكن سدُّه إلا بأن يوكل إلى المقلدين يجتهدون فيه بالقياس على أقوال شيوخهم وشيوخ شيوخهم، ولعله يكون قياسًا على قياس على قياس! أفليس الأولى من ذلك استنباط حكمه من نصوص الشريعة نفسها؟\nهذا، وقد أغفل كثير من فقهاء الشافعية وغيرهم درجة \"المرجِّح\"، أعني الذي يبلغ من العلم مبلغًا يتمكن به من النظر في أدلة المختلفين، وتعرُّف الراجح منها.\nوقد رأيت عن الشافعي رحمه الله تعالى ما يثبت هذه الدرجة. ففي ترجمة إسحاق بن الفرات من \"تهذيب التهذيب\" (١/ ٢٤٧): \"وقال ابن قديد: حدثني ابن عبد الحكم (^١) قال: قال لي الشافعي: أشرت على بعض الولاة أن يولي إسحاق بن الفرات القضاء، وقلت: إنه يتخير، وهو عالم باختلاف من مضى\".\n_________\n(^١) في \"الولاة والقضاة\" للكندي (ص ٧٨) و\"إكمال تهذيب الكمال\" (٢/ ١٠٨): \"ابن قديد عن يحيى بن عثمان عن ابن عبد الحكم ... \". وهو الصواب.","vol":"19","page":41},{"text":"فقوله: \"يتخير\" يعني أنه يرجح بين أقوال المختلفين، ويختار ما رجح دليله.\nفصل\nقد بسط أهل العلم حجج الإجماع (^١)، وينبغي لطالب الحق أن يتدبرها، ثم ينظر إليها مجتمعة، فكم من قضية استُدِلّ عليها بأدلة قد يكون كل واحد منها إنما يفيد ظنًّا ضعيفًا، فإذا عمد العالم إلى دليل منها فخدشَ فيه وطرحه، ثم في الثاني فكذلك، وهكذا؛ أمكنه ذلك فيها كلها. لكن لو نظر إليها مجتمعة لرأى قوة لم يحسبها.\nونظير ذلك: المتواتر إذا كان عن خبر كفار أو فساق مثلًا، فعمدتَ إلى كل فرد منهم فطعنتَ فيه؛ أمكنك ذلك، مع أن المجموع يفيد العلم القطعي.\nوينبغي له أن ينظر إلى أمور أخرى:\nالأول: قضاء العادة. فإن المجتهدين كانوا كثيرًا، وطلب العلم ونشره كان محروصًا عليه، وفي المثل المشهور \"خالِفْ تُذكر\"؛ فالناس حريصون على نقل الأقوال الغريبة، ولاسيَّما إذا كانت مستندة إلى حجة قوية.\nالثاني: أن هذه الكتب المتداولة بين الناس في هذا العصر هي بالنظر إلى الأدلة جامعة لغالبها.\nالثالث: أن الله ﵎ متكفل بحفظ دينه وشريعته، كما يأتي تقريره إن شاء الله تعالى، ولا يتم حفظ الحجة منها إلا بحفظها حفظًا تقوم به الحجة.\n_________\n(^١) انظر \"إرشاد الفحول\" (ص ٦٥ وما بعدها).","vol":"19","page":42},{"text":"فإذا نُقل عن جماعة من أهل القرون الأولى قول ولم يُنقل خلافه عن أحد منهم، ثم وجدت أنت دليلًا يدل على خلافه، فهذا الدليل لن يكون إلا ظنيًّا في نفسه، والدليل الظني في نفسه تُوهنه الأمارات والقرائن الدالة على خلافه.\nفإذا وجد طالب الحق دليلًا من تلك الدلائل، ثم نظر في أدلة الإجماع، ما أراه إلا سيرتاب في صحة ذلك الدليل. فإذا كان الأمر كذلك دل هذا على بطلان ذلك الدليل في نفسه؛ لأنه لو كان من الحق [ص ٣٦] لحفظه الله ﵎ حفظًا تقوم به الحجة، وتطمئن إليه النفس.\nوعلى كل حال، فليس مقصودي هنا البتّ في هذه القضية، وإنما نبهت على ما قد يخفى. وعلى العالم أن ينظر لنفسه، ويحتاط لدينه، متضرعًا إلى مقلب القلوب سبحانه أن يثبِّت قلبه على دينه، ويهديه لما اختُلِف فيه من الحق بإذنه، والله المستعان، لا رب غيره.\nالسادس مما ذكروا أنه يفيد العلم من الأخبار: أن يخبر إنسان بخبر بحضرة قومٍ لو صدَّقوه حصل العلم بصحة الخبر، ولكنهم سكتوا، ولا حاملَ لهم على السكوت عن تكذبيه لو كان كاذبًا.\nأقول: الشأن في قولهم \"ولا حاملَ لهم\"؛ فإذا فُرِض انتفاء كل حامل من الحوامل الممكنة قطعًا فذاك، ولكن هذا مما لا يكاد يتفق؛ فإن الحوامل كثيرة، منها: أن لا يكونوا علموا ــ أو جماعة منهم ــ صدقه ولا كذبه.\nومنها: أن يكون لهم ــ أو لمن عرف كذبه منهم ــ هوًى في إيهام صدقه.\nومنها: أن يخافوا ــ أو العارفون بكذبه منهم ــ من شره.\nومنها: أن يتهاونوا به؛ لأنهم يرون أن كذبه واضح.","vol":"19","page":43},{"text":"إلى غير ذلك.\nفلا بد أن يحصل القطع بأنه لو كان كاذبًا ــ عمدًا أو خطأً ــ لرد عليه بعضهم.\nالسابع: نقلوا عن الزيدية أن مما يفيد القطع: بقاء الخبر مع توفر الدواعي على إبطاله. ويمثّلون بقوله - ﵌ - لعلي: \"أنت مني بمنزلة هارون من موسى، إلّا أنه لا نبيَّ بعدي\".\nأقول: أما الحديث ففي الصحيحين (^١) وغيرهما من حديث سعد بن أبي وقاص. وفي رواية لهما واللفظ للبخاري: أن رسول الله - ﵌ - خرج إلى تبوك واستخلف عليًّا، فقال: أتُخلفني في الصبيان والنساء؟ قال: \"ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي\".\nوقد رواه عدد عن سعد، منهم: أبناؤه إبراهيم (^٢) وعامر (^٣) ومصعب (^٤). ورواه عنهم جماعة، وسمعه سعيد بن المسيب من عامر بن سعد، قال ابن المسيب (^٥): \"فأحببتُ أن أشافِهَ بها سعدًا، فلقيتُ سعدًا فحدَّثتُه بما حدثني عامر، فقال: أنا سمعته، فقلت: آنت سمعته؟ فوضع أصبعيه على أذنيه فقال: نعم، وإلا فاستكَّتا\".\n_________\n(^١) البخاري (٣٧٠٦، ٤٤١٦) ومسلم (٢٤٠٤).\n(^٢) من طريقه أخرجه البخاري (٣٧٠٦) ومسلم (٢٤٠٤/ ٣٢) وغيرهما.\n(^٣) من طريقه أخرجه مسلم (٢٤٠٤/ ٣٠).\n(^٤) من طريقه أخرجه البخاري (٤٤١٦) ومسلم (٢٤٠٤/ ٣١) وغيرهما.\n(^٥) كما رواه النسائي في \"خصائص علي\" (٥٠).","vol":"19","page":44},{"text":"وذكر ابن حجر في \"الفتح\" (^١) أنه جاء من غير حديث سعد بن أبي وقاص: عن عمر، وعلي نفسه، وأبي هريرة، وابن عباس، وجابر بن عبد الله، والبراء، وزيد بن أرقم، وأبي سعيد، وأنس، وجابر بن سمرة، وحُبشي بن جُنادة، ومعاوية، وأسماء بنت عميس، وغيرهم.\nأقول: لو قيل إنه من حديث سعد وحده يفيد العلم لم يبعد، فكيف مع ما انضمَّ إليه؟\nوأما أن يكون كل حديث روي في فضائل علي مقطوعًا به فلا يقوله عاقل:\nأولًا: لأن القاعدة واهية، كما يأتي.\nوثانيًا: لأنه إن كان الحديث في فضيلة ليس فيها تعرضٌ للخلافة؛ فلم تتوفر الدواعي على نقله (^٢) مطلقًا.\nنعم، كان بعض ولاة بني أمية يكرهون أن تُروى فضائله، ولكن أهل العلم لم يكونوا يبالون بهم، بل كانوا يروونها، وربما جَبَهوهم بها، على أن زمانهم لم يطل، وفوق ذلك فقد كان جماعة كثيرون من أهل العلم شديدو المحبة لعلي ﵁، ومنهم من يبالغ في ذلك، وكان أهل الكوفة كلهم شيعة له، ومنهم من يفرط في ذلك.\nوإن كان في الخلافة فأئمة الزيدية أنفسهم يعترفون أن النص المدَّعى\n_________\n(^١) (٧/ ٧٤) وقال: وقد استوعب طرقه ابن عساكر في ترجمة علي.\n(^٢) كذا في الأصل، ولعل الصواب: \"على إبطاله\".","vol":"19","page":45},{"text":"لعلي ﵁ غير صريح. هذا وهم من أهل البيت، فلو كان هناك نص صريح لحفظه عامة أهل البيت، وأخبروا به أبناءهم والثقات من شيعتهم.\nوأما القاعدة فواهية؛ لأن توفر الدواعي على الإبطال وإن اقتضى أن تَعِزَّ رواية الخبر، فلا يقتضي أن كل خبر يُروى صحيح، فضلًا عن أن يكون مقطوعًا به. وها نحن نجد الدول تحرِصُ على إخفاء الأخبار التي تخشى أن تبلغ أعداءها، أو أن تُوقِع الاضطراب في رعاياها، ومع ذلك نجد الرعايا يتناجَون بكثير من الأخبار التي من شأنها ما ذُكِر، ولا أصل لها، وقد تَشِيع كثير من هذه التي لا أصلَ لها حتى يسمع به جميع الرعايا.\n[ص ٣٧] فصل\nقال جماعة من المتأخرين (^١): إن أحاديث الصحيحين تفيد العلم لأنها تُلقِّيت بالقبول، عدا أحاديث انتقدها عليهما بعض الحفاظ الذين جاءوا بعدهما.\nأقول: في \"مقدمة الفتح\" (ص ٤٩١) (^٢):\n\"قال أبو جعفر العقيلي: لما صنّف البخاري كتابه الصحيح عرضه على ابن المديني وأحمد بن حنبل ويحيى بن معين وغيرهم، فاستحسنوه وشهدوا له بالصحة إلا أربعة أحاديث. قال العقيلي: والقول فيها قول البخاري. وهي صحيحة\".\n_________\n(^١) انظر \"علوم الحديث\" لابن الصلاح (ص ٢٥) و\"فتح المغيث\" (١/ ٥٨ - ٦١) و\"تدريب الراوي\" (١/ ١٣١ وما بعدها).\n(^٢) (٤٨٩) ط. السلفية ..","vol":"19","page":46},{"text":"وفي مقدمة \"شرح مسلم\" (^١) للنووي: \"بلغنا عن مكي بن عبدان ــ أحد حفاظ نيسابور ــ أنه قال: سمعت مسلم بن الحجاج ...، قال: وسمعت مسلمًا يقول: عرضت كتابي هذا على أبي زرعة الرازي، فكل ما أشار أن له علةً تركته، وكل ما قال: إنه صحيح وليس له علة خرَّجتُه\".\nوقد يقال: إذا استُثنِيَت الأحاديث التي انتُقِدت عليهما، فإنهما ــ أو أحدهما ــ قد أخرجا لجماعة ممن طُعِن فيهم والطعن في بعضهم مؤثر، فينبغي أن تُستثنى الأحاديث التي ينفرد بها هؤلاء، ولاسيما إذا كان الطعن من بعض أئمة عصرهما أو ممن بعدهما.\nويوضح ذلك: أن الأحاديث التي انتقدها الدارقطني عامتها إنما انتقدها بعللٍ أبداها، وهو نفسه يضعِّف جماعة ممن أخرج لهم في الصحيحين، فالظاهر أنه اكتفى بالقدح في الراوي عن انتقاد الأحاديث التي انفرد بها في الصحيحين.\nوالذي يتحرر لي في \"صحيح البخاري\" أن أحاديثه على أضرب:\nالضرب الأول: ما يحتج به على قول يجزم به في العقائد أو الأحكام على أنه أصل في ذلك. فهذا يحتاط له البخاري جدًّا، وكذلك ينبغي أن يكون احتاط له الأئمة الذين أقروه على تصحيحه.\nالضرب الثاني: ما يورده على أنه شاهد أو متابع للضرب الأول. فهذا مما يتسامح فيه، فقوته إنما هي فيما وافق فيه الأصل، فإن كان فيه زيادة عما عقد عليه البخاري الباب فهي نازلة عن الضرب الأول.\n_________\n(^١) (١/ ١٥).","vol":"19","page":47},{"text":"الضرب الثالث: ما هو في الترغيب أو الترهيب أو فضائل الأعمال، ونحوها. فهذا أيضًا مما يتسامح فيه، فإذا أورده البخاري لهذا القصد وكان فيه ما يستدل به على عقيدة أو حكم فليس في قوة الضرب الأول.\nالضرب الرابع: المعلقات.\nفإن كان قد أسند المعلق في موضع آخر من \"الصحيح\" فحكمه حكم الضرب الذي أسند فيه. وإن لم يسنده البتة فالذي يتحرر لي أنه يصلح أن يكون عاضدًا، أو في ترغيب أو ترهيب، أو فضيلة عمل، أو نحو ذلك. فأما أن يُحتجَّ به وحده فلا، حتى يعرف سنده.\nوالحاصل أن الضرب الأول هو الذي احتاط له البخاري ﵀، ويظهر أن الذين أقروه على صحة الكتاب احتاطوا أيضًا، فهو الذي يصح أن يقال: إن أئمة الحديث الذين اطلعوا على الكتاب أجمعوا على صحته، إلا ما انتقده بعضهم.\nوأما الباقي فغاية ما هناك أنهم أجمعوا على أنه صالح لموضعه الذي ذكر فيه. أعني المتابعات والشواهد وفضائل الأعمال والعواضد، ونحوها.\n[ص ٣٨] ويقاس عليه \"صحيح مسلم\" فيما يتبيَّن منه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-17>تنبيهات</span>\nالأول: قد يورد البخاري ﵀ الحديث على أنه أصل في بابه، ويكون عنده موافقًا لظاهر القرآن، أو في حكم لا يُعلَم فيه مخالفٌ، أو موافقًا للنظر الجلي، أو نحو ذلك؛ فقد لا يشدد البخاري في هذا كما يشدد في الحديث الذي هو وحده الحجة، فينبغي التنبّه لذلك.\nالثاني: قد يصحح الأئمة الحديث بالنظر إلى المعنى الذي فهموه، ثم يحمله بعض الناس على معنى لو فهموه من الحديث لم يصححوه، لأنه","vol":"19","page":48},{"text":"يكون عندهم منكرًا. فينبغي التيقظ لهذا.\nالثالث: إذا صححوا الحديث في باب، وكان فيه زيادة، فتصحيحهم قد لا يتجه إلى تلك الزيادة؛ لاحتمال أن تكون منكرة، ولاسيَّما إذا لم يذكروا تلك الزيادة فيما التزموا فيه الصحة.\nالرابع: قد يتبين في هذا العصر في حديث مما في أحد الصحيحين علة تدل القرائن أن صاحب \"الصحيح\" لم يطلع عليها. فينبغي التأمل في هذا.\n[ص ٣٩] فصل\nوأعمُّ من هذا كله ما نُقل عن الإمام أحمد، وداود إمام أهل الظاهر، والحسين الكرابيسي، والحارث المحاسبي: أن خبر الثقة يفيد العلم مطلقًا.\nونصره ابن حزم، وحكاه ابن خويز منداد عن مالك، واختاره وجنح إليه بعض من جاء بعد هؤلاء (^١).\nوردّ الأكثرون هذا القول، وشنّع بعضهم على من قاله. وقال الغزالي (^٢) ما معناه: لعلهم أرادوا أنه يجب العمل به قطعًا، أو أطلقوا العلم وأرادوا الظن.\nأقول: كل من مارس الحديث يعلم أن العالم قد يرى أن هذا الراوي ثقة، ثم يتبين له أو لغيره جرحه، وقد يحكم بصحة الحديث، ثم يتبين له أو لغيره أن له علة قادحة، وقد يخبر كل من الثقتين بخبر يناقض خبر صاحبه،\n_________\n(^١) انظر \"إرشاد الفحول\" (ص ٤٣) و\"الإحكام\" لابن حزم (١/ ١١٩).\n(^٢) \"المستصفى\" (١/ ١٤٥).","vol":"19","page":49},{"text":"والثقة غير معصوم عن الخطأ إجماعًا، والنقل عن الإمام أحمد نفسِه كثير لبيان أغلاط المحدثين الثقات.\nوظنُّ الغزالي قوي؛ فإن العلم كثيرًا ما يطلق في اللغة على ما يعمُّ اليقين القاطع، والظنَّ الغالب الناشئ عن دليل من شأنه إفادة الظن الجازم، ولذلك قال تعالى: ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ﴾ [التكاثر: ٥]. وسيأتي لهذا مزيدٌ إن شاء الله تعالى.\nوالإمام أحمد وداود والكرابيسي والمحاسبي بغداديون، وكان في عصرهم ببغداد طائفتان كانوا معهما في نزاع مستمر:\nالأولى: الجهمية ونحوهم. وكانت تطعن في الأحاديث الواردة في صفات الله ﷿، وأحوال يوم القيامة، ونحوها، قائلةً: هذه أخبار آحادٍ غاية ما تفيده الظن، وإن الظن لا يغني من الحق شيئًا، والعقائد إنما تستمدُّ من البراهين القطعية.\nالثانية: بعض الغلاة في الرأي، كبشر المريسي. وكانوا يردون الأحاديث، تارةً بدعوى أنها مخالفة لظاهر القرآن، وتارة بأنها مخالفة للقياس.\nفإذا قيل لهم: دلالة تلك الظواهر ظنية، والأحاديث تفيد الظن، فالصواب إنما هو العمل بهما بحمل العام على الخاص، والمطلق على المقيد، ونحو ذلك.\nقالوا: من الظواهر عندنا ما يفيد العلم، والقياس عندنا قد يفيد العلم.","vol":"19","page":50},{"text":"قيل لهم: كيف ذلك مع احتمال أن هذا الظاهر غير مراد، وأن هذا القياس خطأ؟\nقالوا: ذاك احتمال غير ناشئ عن دليل صحيح، فهو كالعدم، وقد قرر متأخرو الحنفية هذا، وقالوا: إن العلم علمان: علم يقين، وعلم طمأنينة، ثم أطلقوا في كل منهما القطع.\nوالحاصل أنهم أطلقوا العلم والقطع على الظن الحاصل ببعض الدلالات، وإطلاق العلم على ذلك قريب لما مرَّ ويأتي، وأما القطع فاصطلاح لهم.\nفيمكن أن يكون الإمام أحمد وداود والكرابيسي والمحاسبي أرادوا الرد على الطائفتين، فقالوا: إن خبر الثقة يفيد العلم. وأرادوا أن الأخذ به واجب؛ لحجج تفيد العلم اليقيني. وقالوا للجهمية: من تلك الحجج إجماع سلف الأمة، وكان معروفًا عنهم الأخذ بخبر الثقة، حتى في صفات الله ﷿، وأحوال المحشر.\nأقول: والسر في ذلك أنهم يطلقون من الصفات ما ثبت إطلاقه عن الله ﷿ ورسوله - ﵌ -، ولا يكيّفون ذلك ولا يبتغون تأويله، فصار الإطلاق قريبًا من الأحكام الفرعية، كالأذان والتشهد وأذكار الصلاة ونحوها. وما يقع في النفوس من ذلك لا يزيد عما يقع فيها من سماع آيات الصفات وتلاوتها.\nوإذا رجع المنصف إلى عقله ودينه علمَ أنه لا ضرر من ذلك البتة. ولتوضيح هذا موضع آخر.\nعلى أن ما يسميه الجهمية \"براهين قطعية\" ليست إلا شبهات مُضِلّة،","vol":"19","page":51},{"text":"تُمرِض الصحيح وتزيد المريض مرضًا، فهي في الحقيقة أضعف من أن تفيد ظنًّا سليمًا، فكيف تفيد اليقين؟\n[ص ٤٠] وقالوا لأهل الرأي: إذا وجب الأخذ بخبر الثقة قطعًا، فما بقي إلا أننا إذا نظرنا في خبر بعينه بقي عندنا احتمال أن يكون وقع في روايته شيء من الخلل لو بان لنا لسقط ذلك الخبر، ولكن هذا احتمال ناشئ من غير دليل، كما قلتم في ظواهر القرآن سواء، فأما القياس فهو أهون من ذلك.\nأقول: ولعله يأتي استيفاء هذه الحجة وما لها وما عليها إن شاء الله تعالى، والمقصود هنا غير ذلك كما لا يخفى.","vol":"19","page":52},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-19>أخبار الآحاد</span>\nتقدَّم تقسيمُ الأخبار إلى مقطوع بكذبه، ومقطوع بصدقه، وما لا ولا.\nوتقدم تفصيل القسمين الأولين، وبقي الثالث، وهو المشهور بأخبار الآحاد. وقد قسمها أهل الحديث إلى: صحيح وحسن وضعيف، وحدودها معروفة في كتبهم، وإنما أنبه هنا على ما أراه مهمًّا. وسأسرد ذلك في فصول.\nفصل\nكان الثنوية من المجوس يعلمون وجود الله ﷿ وعظمته وجلاله، ثم أخذوا يثبتون له ما يرونه كمالًا، وينفون عنه ما يرونه نقصًا، إلى أن قالوا: هو سبحانه خير محض. فوسوس لهم الشيطان قائلًا: فمن أين جاءت هذه الشرور المشاهدة في العالم؟ فكانوا قد سمعوا عن الأنبياء إثبات وجود الشيطان وسعيه في إضلال العباد، فقالوا: من الشيطان. فقال لهم: والشيطان من أوجده؟\nفلم يرجعوا إلى الأنبياء وسننهم، بل اغتروا بعقولهم، فتفكروا قائلين: إن قلنا: أوجده الله ﷿، لزِمَنا أن يكون الله سبحانه خلق جرثومة الشر، وكيف يكون سبحانه مع ذلك خيرًا محضًا؟ وإن قلنا: أوجده غيره، أثبتنا ربًّا غير الله ﷿، وذلك أشد. وإن قلنا: وُجِد بغير موجدٍ أوجده، فذاك محال. فتخرَّصوا فقالوا: أوجده الله بغير قصد، وذلك أنه سبحانه فكَّر فكرةً رديئة فكان منها الشيطان. فقال لهم: إذا جاز أن يفكر فكرة رديئة لم يكن خيرًا محضًا.","vol":"19","page":53},{"text":"فوقعوا في المهواة. قالوا: الشيطان قديم. ولم يقنع منهم الشيطان بذلك، بل قال لهم: فقد كان ينبغي أن يُهلِكه الله ﷿ ويقطع دابر الشر. فوقعوا في المهواة الأخرى. قالوا: للشيطان قدرة ذاتية عظيمة، والله ﷿ جادٌّ مجدٌّ في إهلاكه، والحرب بينهما مستمرة.\nثم خادعوا أنفسهم فقالوا: في آخر الأمر يتمُّ انتصار الله ﷿ على الشيطان، ويلقيه وحزبه في جهنم، ويتخلص العالم من الشر.\nكان قدماء المصريين موحدين، ثم طال بهم العهد، فاستغنوا عن هدي الأنبياء، وأخذوا يعظمون الله ﷿ بما تقتضيه عقولهم.\nفقالوا: إن الرب ﷿ بغاية العظمة والكبرياء، والبشر في غاية من الجهل والفساد والحقارة، ومن شأن ملوك الدنيا أن يأنفوا من مقابلة سقط الناس، ويُعدُّ تعرُّض سقط الناس لمقابلة الملك ومباشرة تعظيمه تحقيرًا له. كما لو اجتمع نفرٌ من كنَّاسي المراحيض وقالوا: نحب مقابلة الملك، لِنُحيِّيه ونُهنِّئه مثلًا؛ لاستحقوا العقوبة. فنسبة البشر إلى الرب ﷿ أبعد بما لا نهاية له من نسبة سقط الناس إلى ملوكهم.\nفقيل لهم: لكن البشر محتاجون إلى عبادة ربهم وسؤال حوائجهم. وكان قد بلغهم عن الأنبياء إثبات الملائكة.\nفقالوا: كما أن سقط الناس يجعلون تعظيمهم وسؤال حوائجهم إلى أناس أعلى منهم قليلًا، ثم تكون لهم درجات، إلى أن ينتهي الأمر إلى الوزراء. فمَن دون الوزراء يعظِّم الوزراء ويسألهم، وهم بدورهم يعظِّمون الملك ويسألونه. فكذلك ينبغي للبشر أن يوجِّهوا عبادتهم إلى الملائكة؛","vol":"19","page":54},{"text":"لأنهم فوقهم ودون الرب ﷿، ثم الملائكة يعبدون الله ﷿؛ لأنهم مقربون عنده.\nفجَرَوا على ذلك مدة، ثم نشأ فيهم فرعون، فقال: درجة الملائكة عالية، وبينهم وبين البشر بون بعيد، فعبادة عامة البشر للملائكة فيها توهين للملائكة. فقال قومه: وكيف نصنع؟ قال: إن بين عامة الناس وبين الملائكة واسطة، وهي ملوكهم، فإن المَلِك ما نال المُلكَ إلا بعناية من الملائكة تدل أنه محبوب عندهم مرضي لديهم مقرب إليهم، وعلى كل حال فدرجته فوق درجة العامة. فعلى العامة أن يعبدوا السلطان، [ص ٤١] والسلطان يعبد الملائكة، والملائكة يعبدون الرب ﷿.\nوقد أوضحتُ هذا بأدلته من القرآن والتاريخ في رسالة \"العبادة\".\nومن ذلك قول الله ﵎: ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾ [الأعراف: ١٢٧].\nأي: أن موسى لم يقنع بأن يذر عبادتك ويساويك فيعبد آلهتك الملائكة، بل ترقَّى عن ذلك فترك عبادة آلهتك الملائكة، وادَّعى مساواتهم في أنه يعبد الرب مباشرة.\nوقد قصَّ الله ﷿ عن فرعون قوله: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: ٣٨] فتدبر.\nوتمام هذا والجواب عما يورد عليه في رسالة \"العبادة\".\nهذا، ولعامة أمم الشرك أشياء من هذا القبيل. أعني أنهم يكونون على هدى، ثم يقصِّرون في الاهتداء بهدي الأنبياء والتمسك بآثارهم، ويستغنون بعقولهم وأفكارهم؛ فيهلكون.","vol":"19","page":55},{"text":"وفي \"الصحيحين\" (^١) وغيرهما أنه بينا النبي - ﵌ - يقسم مالًا إذ قام رجل ... بين عينيه أثر السجود، فقال: يا رسول الله، اتقِ الله. وفي روايةٍ: اعدِلْ يا رسول الله. وهناك روايات أخرى قريبة من ذلك. فقال النبي - ﵌ -: \"ويلك! أوَ لستُ أحقَّ أهل الأرض أن يتقي الله؟ \". وفي رواية: \"ويحك! ومن يَعدِل إذا لم أعدل؟ \". وهناك روايات أخرى قريبة من ذلك. فاستأذن عمر وخالد بن الوليد في قتله، فلم يأذن لهما - ﵌ -، ثم قال: \"إن له أصحابًا يَحْقِر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، يَمرُقون من الدين كما يمرق السهمُ من الرميَّة\" الحديث.\nفهذا الرجل أسلم وقرأ القرآن، وأكثر من الصلاة، فتوهَّم أنه قد عرف كل شيء ولم تبق له حاجة في دينه إلى النبي - ﵌ -، بل يمكن عنده أن يقع الجور من النبي - ﵌ -، فيكون له أن ينكر على النبي - ﵌ -.\nفأخبر النبي - ﵌ - أن ذاك الرجل أصل الخوارج، وصدق - ﵌ -؛ فإن هذه النزغة هي التي استولت على الخوارج، فإنهم قرأوا القرآن، وأكثروا من الصلاة والصيام، فتوهموا (^٢) أنهم قد عرفوا كل شيء، وأنه لا حاجة بهم إلى عرض ما يفهمونه من القرآن على هدي النبي - ﵌ - وأصحابه، وذلك أنه وقع في أنفسهم أن القرآن كلام الله ﷿، وهو بلسان عربي مبين، وهم عربٌ خلَّص، فاستهواهم هذا حتى وقعوا فيما وقعوا فيه.\nفمن ذلك: أنهم لما رأوا أمير المؤمنين عليًّا ﵁ رضي بأن\n_________\n(^١) البخاري (٣٦١٠، ٦١٦٣، ٦٩٣٣) ومسلم (١٠٦٤) من حديث أبي سعيد الخدري.\n(^٢) في الأصل: \"فتوهم\".","vol":"19","page":56},{"text":"يعرض ما نشب بينه وبين أهل الشام من الخلاف على رجلين يعرضان ذلك على كتاب الله ﷿ وسنة رسوله، ويبينان ذلك، وقيل للتفويض إلى الرجلين \"تحكيم\"، وقيل لهما \"حكمان\" = ذكر الخوارج أن الله ﷿ قد قال في كتابه: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [الأنعام: ٥٧، يوسف: ٤٠، ٦٧]. وقال سبحانه: ﴿أَلَا لَهُ الْحُكْمُ﴾ [الأنعام: ٦٢]. وقال تعالى: ﴿لَهُ الْحُكْمُ﴾ [القصص: ٧٠، ٨٨]، وقال تعالى: ﴿فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ﴾ [غافر: ١٢]. فتوهموا أن ذلك الحكم الذي رضي علي ﵁ بجعله للرجلين هو من قبيل الحكم الذي أخبر الله ﷿ في كتابه أنه له وحده.\n[ص ٤٢] ولو كانوا مؤمنين بقدر النبي - ﵌ -، وما جعل له من المنزلة، وما جعل لسنته من المنزلة في دينه= لرجعوا إلى من يعلم ذلك، وهو علي ﵁ ومن بقي من الصحابة.\nولو رجعوا إليهم لأرشدوهم إلى تدبر سياق الآيات المذكورة، وذكَّروهم بغيرها، كقوله ﷿: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [المائدة: ٩٥]، وقوله: ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٣٥]، وقوله: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: ٥٨]. ولبينوا لهم أن لفظ \"الحكم\" يجيء لمعانٍ، أذكر منها ثلاثة:\nالأول: القضاء المحكم بالوجود أو العدم. أعني الإرادة التي يستحيل أن يتخلف عنها المراد. وهذا هو المعنيُّ في الآيتين الأوليين بدلالة سياقهما:\nقال الله ﷿: ﴿قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ مَا عِنْدِي","vol":"19","page":57},{"text":"مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ﴾ [الأنعام: ٥٧]. يعني ــ والله أعلم ــ أنني وإن أردت ما تستعجلون به فليس إرادتي بالإرادة التي يستحيل أن يتخلف عنها المراد، وإنما ذاك لله ﷿.\nوقال سبحانه في شأن يعقوب: ﴿وَقَالَ يَابَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [يوسف: ٦٧]. المعنى ــ والله أعلم ــ أنني وإن أردت بما أرشدتكم إليه دفعَ الضرر عنكم، فليس إرادتي بالإرادة التي يستحيل أن يتخلف عنها المراد، وإنما ذلك لله ﷿.\nالثاني: الحكم الشرعي، بمعنى جعل الشيء حرامًا أو حلالًا، أو نحو ذلك.\nوهذا أيضَا خاص بالله ﷿. فأما ما حكي عن المعتزلة من قولهم: \"إن للعقل حكمًا\"، ففي العبارة تسامح يمكن أن يكون من الناقلين بقصد زيادة التشنيع.\nوإنما الذي يقوله المعتزلة: أنه يمكن للعقل أن يدرك من غير طريق الشرع بأن حكم الله في هذا الشيء أنه حرام مثلًا.\nوذلك أنهم يقولون: ما دامت أحكام الله ﷿ لا بد أن تطابق الحكمة فلا بد أن تلازمها، فكلما وجدت الحكمة وجد الحكم الذي تقتضيه. فإذا أدرك العقل الحكمة في شيء وأنها تقتضي التحريم، أدرك أن حكم الله تعالى في ذلك الشيء هو التحريم، وذلك كقتل النفس. فهم موافقون على أن الحكم بهذا المعنى لله وحده، وإنما الخلاف في أمور:\nالأول: في أحكام الله ﷿، أهي بمقتضى الحكمة؟","vol":"19","page":58},{"text":"الثاني: في الحكمة، أتستلزم الحكم ولا بد؟\nالثالث: في العقل، أيستقل بإدراك أن الحكمة في هذا الشيء تقتضي هذا الحكم حتمًا؟\nوللكلام معهم موضع آخر.\nالثالث: الفصل المحكم فيما يشتبه أو يختلف فيه ببيان أن الحق كذا.\nوهذا جعله الله ﷿ للناس، كما تقدم بعض الآيات في ذلك، وهو الذي رضي به أمير المؤمنين علي ﵇.\nوزعم بعض من فهم هذه الحجة ممن ينتحل نحلة الخوارج من المتأخرين أن ما رضي به علي من تحكيم الحكمين ليس من الضرب الثالث، بل هو من الثاني، وذلك أن حكم الله ﷿ في أهل الشام منصوص في كتاب الله ﷿ بقوله: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ٩]، فتركُ عليٍّ لتنفيذ هذا الحكم وعدولُه إلى جعل الحكم للرجال معناه أنه جعل للرجال أن يحكموا بغير حكم الله.\nوحل هذه الشبهة أن أهل الشام لم يكونوا يعترفون بأنهم بغاة، وقد تركوا القتال، ورفعوا المصاحف، ودعَوا إلى تحكيم القرآن، ووعدوا بالرضا بما يتبين أنه حكم الله. [ص ٤٣] وهذا داخل في الفيئة إلى أمر الله. فكأنهم [قالوا:] إننا نفيء إلى أمر الله، ولكن لا نعرفه بعينه، ونحسبه معنا، ونحن تاركون القتالَ وطالبون البيان.\nولا شك أن حكم الله ﷿ بقتالهم إنما هو ما داموا ممتنعين لا يُرجى رجوعهم إلا بالقتال.","vol":"19","page":59},{"text":"ألا ترى أنه أمر بالإصلاح أولًا وآخرًا، فقال: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٠)﴾ [الحجرات: ٩ - ١٠].\nوالبغي لا بد أن يكون متحققًا من أول الأمر؛ فإنه لا يمكن أن تقتتل طائفتان إلا وإحداهما باغية. فعلم أنه إنما أمر بالقتال إذا أصرَّت الباغية على بغيها وأبت الصلح، فإذا وقع منها ذلك ثم بعد شيء من القتال رجعت إلى طلب الصلح زالت علة الأمر بقتالنا إياها في الحال. ويوضح هذا قوله في الآية: ﴿فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ﴾.\nوقريب من القصة أن يرفع رجل رجلًا إلى قاض ويُثبت عليه أنه قذفه، ويكون بين القاضي والقاذف عداوة، فيريد القاضي أن يحدَّه حد القذف، فيقول القاذف للقاضي: أنت عدوي، ولا آمن أن تكون جُرْتَ علي، فارفعني إلى قاضٍ أخر. فإذا توقف القاضي عن حده ورفعه إلى قاضٍ آخر، عالمًا أنه إن قضى بالحق فإنما يقضي بحده؛ لم يكن في هذا رائحة مما تقدم في الشبهة. فكذلك كانت القصة، بل القصة أولى من هذا؛ لأن القتال ليس حكمًا حتمًا كالحد، وإنما هو وسيلة للإرجاع إلى ترك البغي.\nومن ذلك أن الخوارج [لمَّا] سمعوا قول الله ﷿: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ١٢١]، وقوله","vol":"19","page":60},{"text":"تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾ [يس: ٦٠]، ونحوها = توهموا أن كل طاعة للشيطان فهي عبادة له وشرك بالله ﷿، فقالوا: من ارتكب كبيرة فقد أطاع الشيطان، ومن أطاعه فقد عبده وأشرك بالله، فكل مرتكب كبيرة مشرك.\nوأحسبهم إنما اقتصروا على الكبائر لأنهم رأوا أن الصغائر لا يخلو منها أحد، أو لقول الله ﷿: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء: ٣١].\nولو رجعوا إلى من يعلم هدي النبي - ﵌ - ويستضيء به في فهم القرآن، لقال لهم: أين يُذهَب بكم؟ إنكم تعلمون من العربية والقرآن أنه ليس كل طاعة عبادة؛ فقد أمر الله ﷿ بطاعة رسوله وأولي الأمر والوالدين، وعلم أن الناس يطيع بعضهم بعضًا في أشياء كثيرة تقع منكم ومن غيركم، وليس ذلك بعبادة ولا شرك.\nوتعلمون ثانيًا: أن طاعة الشيطان في الصغائر ليست شركًا، وإذا تدبرتم سياق الآية التي تمسكتم بها عرفتم الحقيقة. قال تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ (١١٨) وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ ... وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ١١٨ - ١٢١].\nوالمعنى الذي يدل عليه السياق هو ما يوضحه ما ورد في أسباب","vol":"19","page":61},{"text":"النزول (^١) أن المشركين قالوا للمسلمين: أما ما ذبحتم بأيديكم فتأكلون، وأما ما ذبح الله بيده ــ يعنون: الميتة ــ فتحرّمون! يعنون: إن كانت الميتة حرامًا وهي من ذبح الله فما ذبح الإنسان بيده أولى بالتحريم، وإن كان ما ذبح الإنسان بيده حلالًا فما ذبح الله ــ أي الميتة ــ أولى بالحل.\nوكان محتملًا أن تؤثر هذه الشبهة في قلب بعض حديثي العهد بالإسلام، فيستحل الميتة أو يمتنع من أكلها ومن أكل المذكَّاة أيضًا، فيكون بذلك مطيعًا للشيطان في شرع الدين. أعني أنه يتدين بما وسوس به الشيطان. فحِلُّ الميتة من وسوسة الشيطان، فمن استحلها فقد أطاعه متدينًا بطاعته. [ص ٤٤] وتحريم المذكّاة من وسوسة الشيطان، فمن امتنع عنها تدينًا فقد أطاعة متدينًا بطاعته.\nإذن، فطاعة الشيطان المذكورة في هذه الآية طاعة خاصة، وهي طاعته في شرع الدين، بأن يتخذ ما يوسوس به دينًا. وهذا موافق للعربية؛ فإن العبادة في اللغة هي ما يفعله الإنسان من خضوع ونحوه طلبًا لنفع غيبي.\nوالطاعة المذكورة تنطبق على هذا، بخلاف طاعة الشيطان في ارتكاب المعصية، مع العلم والاعتراف بأنها معصية، وتألُّم القلب منها، واستحيائه من ربه ﷿، وخوفه من عقابه؛ فإن من كان هذا حاله فلم يتدين بتلك الطاعة ولم يطلب بها نفعًا غيبيًّا.\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٢٨١٩) وابن ماجه (٣١٧٣) والطبراني في \"الكبير\" (١٢٢٩٥) والحاكم في \"المستدرك\" (٤/ ٢٣٣) والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٩/ ٢٤٠) من حديث ابن عباس. وإسناده صحيح.","vol":"19","page":62},{"text":"فأما الآيات الأخرى كقوله تعالى: ﴿لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾ [يس: ٦٠] فلا إشكال فيها، لأن العبادة معروفة، كما تقدم، وليس طاعته في المعصية منها، وإن كانت منهيًّا عنها بغير هذه الآية.\nكما أن قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦] الشرك فيها معروف، وليس منه الصغائر اتفاقًا، وإن كانت منهيًّا عنها بغير هذه الآية.\nومما يوضح ما تقدم أن الله ﷿ جعل طاعة الأحبار والرهبان في شرع الدين عبادةً لهم. قال تعالى في أهل الكتاب: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا﴾ [التوبة: ٣١].\nوقد ذكر عدي بن حاتم للنبي - ﵌ - أنهم لم يكونوا يعبدون الأحبار والرهبان، فبيَّن له النبي - ﵌ - أنهم كانوا يُحِلُّون لهم ما قد عرفوا أنه حرام فيستحلونه، ويحرِّمون عليهم ما قد عرفوا أنه حلال فيحرمونه، ثم قال: \"فتلك عبادتهم\" (^١).\nوجعل الله تعالى طاعة الرؤساء في شرع الدين عبادة لهم، وطاعة الهوى عبادة له. وقد أوضحت جميع ذلك في رسالة \"العبادة\".\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (٣٠٩٥) والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (١٠/ ١١٦) وغيرهما، قال الترمذي: \"حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث عبد السلام بن حرب، وغطيف بن أعين ليس بمعروف في الحديث\". وللحديث شواهد وطُرق يحسَّن بها، انظر \"السلسلة الصحيحة\" (٣٢٩٣).","vol":"19","page":63},{"text":"هذا، والخوارج عرب فصحاء، بِلُغتهم نزل القرآن، وإنما أُتُوا من جهلهم بالهدي النبوي، واستغنائهم عن الاهتداء بالعارفين به من الصحابة.\nفما بالك بزماننا هذا وأنت تجد فيه أفرادًا من الأعاجم لا يستطيع أحدهم تركيب جملة صحيحة بالعربية، وليس عنده من معرفة السنة وتفاسير السلف قليل ولا كثير، ثم تجده يخوض في آيات الله ﷿ خوض المُدِلِّ بنفسه، فينظر في الآية، ثم يتتبع معاني ما فيها من الكلمات في كتب اللغة، ثم يلفق من ذلك معنى كما يوافق هواه، فيزعم أنه مراد الله ﷿، ثم يبني على ذلك دينًا جديدًا وشريعة مخترعة، ويضلِّل سلف الأمة ويكذّب السنة، إلى غير ذلك؟! فإلى الله المشتكى.\nوإنما سقت هذا الفصل تمهيدًا للذي بعده.\n[ص ٤٥] فصل\nفي \"جمع الجوامع\" (^١): \"يجب العمل به ــ أي بخبر الواحد ــ في الفتوى والشهادة إجماعًا، وكذا سائر الأمور الدينية ...، وقالت الظاهرية: لا يجب مطلقًا\".\nأقول: المعروف عن إمام الظاهرية داود أن خبر الثقة يفيد العلم، كما تقدم، واختار ذلك فحلهم ابن حزم، وكان منهم جماعة محدثون يحتجون بأخبار الآحاد. وإنما يُحكى هذا القول عن الظاهرية عن محمد بن داود والقاساني (^٢)، ولا أدري ما صحة النقل، فقد يحتمل أن يقول من يرى أنه\n_________\n(^١) (٢/ ١٥٨) بشرح المحلي وحاشية العطار.\n(^٢) انظر \"إرشاد الفحول\" (ص ٤٣).","vol":"19","page":64},{"text":"يفيد العلم: \"لا يجب العمل بما لا يفيد إلا الظن من الآحاد\"، فيتوهم سامعه أنه يريد رد أخبار الآحاد مطلقًا، وهو إنما يردُّ أخبار غير الثقات، لأن أخبار الثقات عنده تفيد العلم. فتأمل.\nهذا، ومحمد بن داود لم يُذكر عنه معرفة بالسنة، فإنه كان مشغولًا بالعشق، وذكر عن نفسه أنه ابتُلِي بالعشق مذ كان في الكُتّاب، ثم لازمه حتى مات عشقًا؛ لأنه كان يستحل النظر ويتعفف (^١)، كما قال عنترة (^٢):\nأغشىَ الوغَى وأعِفُّ عند المغنمِ\nفقد لزمه العشق المُضْنِي من المهد إلى اللحد، وكان غاية في الأدب والظرف.\nوأما القاساني (^٣) فهو من أصحاب داود، ولا شهرة له، وإنما ذكروا أنه خالف دواد في مسائل نقضها عليه ابن المغلِّس.\nوحكي عن عبد الرحمن بن كيسان الأصم ــ من قدماء المعتزلة ــ، وعن تلميذه إبراهيم بن إسماعيل بن علية: أنه لا يقبل خبر الواحد في السنن والديانات، ويقبل في سائر الأحكام (^٤).\n_________\n(^١) انظر \"تاريخ بغداد\" (٥/ ٢٥٩، ٢٦٢).\n(^٢) شطر بيت من معلقته، وصدره:\nيُخبِرْك من شهد الوقيعةَ أنني\n(^٣) هو أبو بكر محمد بن إسحاق القاساني، ترجمته في \"طبقات الفقهاء\" للشيرازي (ص ١٧٦).\n(^٤) انظر \"إرشاد الفحول\" (ص ٤٣).","vol":"19","page":65},{"text":"والأصم لم يُذكَر عنه أنه سمع حديثًا أو رواه، فقد كان بعيدًا عن الهدي النبوي، وإنما عمدته على عقله وفكره (^١)، وقد علمت في الفصل السابق حال من كان هكذا.\nوأما إبراهيم فقد كان أبوه من جِلَّة المحدثين، ولكنه هو رغب عن السماع، وتبع الأصم. وله ترجمة في \"الميزان\" و\"لسانه\" (^٢).\nوحكي عن هشام والنظَّام: أنه لا يقبل إلا بعد قرينة تنضم إليه، وهو علم الضرورة، بأن يخلق الله في قلبه ضرورة الصدق. قيل: وإليه ذهب أبو الحسين بن اللبان الفرضي (^٣).\nأقول: إن أراد قائل هذا بـ \"علم الضرورة\" علم اليقين الذي لا يقبل التشكيك فهو كما ترى، فإن ما يفيد من أخبار الآحاد العلم بمعونة القرائن ونحوها مما تقدم سببه معروف، فأما أن يقع اليقين بلا سبب فمحال في العادة. وإن أراد أن يطمئن القلب بصدقه فهذا قريب، فإن أئمة الحديث لا يكادون يصححون حديثًا إلا وهو كذلك. ولا تتخلف طمأنينة القلب عن خبر الواحد الثقة إلا لعلةٍ إذا بحث عنها العارف عرفها، وبذلك يعرف أن الخبر معلول.\nهذا، وهشام والنّظام من بابة الأصم، وأسوأ ذكرًا منه.\nوثَمَّ أقوال جزئية ستأتي إن شاء الله تعالى.\n_________\n(^١) انظر ترجمته في \"لسان الميزان\" (٥/ ١٢١).\n(^٢) \"الميزان\" (١/ ٢٠) و\"اللسان\" (١/ ٢٤٣).\n(^٣) انظر \"إرشاد الفحول\" (ص ٤٣).","vol":"19","page":66},{"text":"[ص ٤٦]<span data-type=\"title\" id=toc-23> شبههم وحلُّها</span>\nشبهة:\nذكروا عن هؤلاء أنهم استدلوا على منع القبول بأمرين:\nالأول: أن الحكم الشرعي يترتب عليه أمور عظيمة، كإزهاق النفوس، وإحلال الفروج، وغير ذلك. وخبر الواحد يجوز أن يكون كذبًا، فإثبات الحكم الشرعي به يؤدي إلى إزهاق نفوس لا تحصى، وإحلال فروج لا تحصى، بخبر قد يكون كذبًا.\nوالجواب: أنكم تعلمون أن هذه النشأة الدنيا يشتبك فيها الخير بالشر، ألا ترون أن الخلق والتكليف وإرسال الرسل وإنزال الكتب جرَّ إلى كثير من الشر؟ وتعلمون أن المدار إنما هو على الموازنة، فإذا كان شيء يترتب عليه خير وشر بُنِيت الحكمة على الراجح. فإذا كان الخير أكثر وأعظم اقتضت الحكمة وقوعه.\nووجوب العمل بأخبار الثقات يترتب عليه من الخير والمصالح ما لا يحصيه إلا الله ﷿، من تيسُّرِ نقل الشريعة، والعلم والعمل بها، وما يترتب على ذلك من الثواب وقيام الحجة وتوسيع دائرة الابتلاء وغير ذلك. وكل ذلك داخل في حكمة الخلق والتكليف، وهذا كله متحقق لا ريب فيه.\nوأما المفسدة التي حصرتم نظركم فيها فمع قلتها وصغرها في جانب ما ذكر من الخير هي محتملة فقط؛ لأن الغالب على أخبار الثقات الصحة، ولاسيّما إذا اعتبر فيها ما يعتبره أهل الحديث من شرائط القبول، ويعتبره الفقهاء في الاجتهاد والترجيح.","vol":"19","page":67},{"text":"وحسبك أنك لا تكاد [تجد] حديثًا صحيحَا قامت الحجة على كذبه، فإن كان فقليل جدًّا، وقد يكون ذاك القليل هو جميع ما اتفق فيه الكذب عمدًا أو خطأ.\nوهذا كافٍ في حلِّ هذه الشبهة لمن يريد الحق.\nوفوق ذلك، فقد تكفَّل الله ﷿ بحفظ شريعته، فإن اتفق أن فاجرًا تظاهر بالثقة فاغتر به بعض الناس، فكذب في حديثٍ؛ فإما أن يفضحه الله ﷿، وإما أن يرشد الناظر إلى ما يرد خبره، فإن تركه ففي بعض الأحوال والوقائع لحكمة يعلمها سبحانه، ثم يبين حاله في غير ذلك.\nفإن قيل: قد يأخذ به آخذٌ، فيخطئ فيتبعه طائفة إلى يوم القيامة.\nقلت: يبينه الله تعالى لغيره، ويكون على من تمكَّن من النظر من أتباعه أن ينظر، أو يسمع كلام من خالف متبوعه، أو يسأل، فيبين الله تعالى له. فإن أصرَّ الأتباع على رأي متبوعهم ولم يلتفتوا إلى غيره، فذاك ضلالٌ ارتضوه لأنفسهم، والدين بريء منه.\nومثل هذا يقع كثيرًا في النظر العقلي، وفي فهم القرآن، كما لا يخفى. وذلك غير خارج عن الحكمة، قال الله ﷿: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾ [البقرة: ٢٦].\nومنكرو أخبار الآحاد يعترفون بالدلائل الظنية من القرآن، ومنهم من يعترف بالرأي والقياس، ويحتمل فيها مثل ما قالوا؛ بأن يذهب ذاهب إلى فهمٍ ظهَر له من القرآن، أو رأيٍ خطرَ له، ثم تتبعه طائفة أو طوائف.","vol":"19","page":68},{"text":"[ص ٤٧] شبهة أخرى:\nقد يقال: إن خبر الثقة يمكن أن يكون باطلًا؛ إما لتعمده الكذب، وإما لغلطه. والغالب أن في الأخبار التي ظاهرها استجماع شرائط القبول ــ عند من يراه ــ عدة أخبار من هذا القبيل، أي باطلة. فلو جاز أن يتعبد الله ﷿ عباده بالعمل بالأخبار وفيها الباطل، للزم من ذلك أن يكون تعبدَهم بالباطل، وهو محال.\nوالجواب كما تقدم عن الشبهة الأولى، وقد تعبَّد الله الخلقَ بما فهموه من القرآن وقد يخطئون، وتعبَّد العامةَ بما يفتيهم العلماء وقد يفتونهم بالباطل، وتعبَّد الناسَ أن يبنوا في أمر صلاتهم وصيامهم على سماع الأذان، وقد يخطئ المؤذن، وتعبَّد القضاةَ بالحكم بما شهد به الشهود بشرطه، وقد يكذب الشهود أو يغلطون، وتعبَّد المرأةَ بأن تُمكِّن من عهدته زوجَها أو سيدها، وقد يحتمل أن يكون محرمًا لها في نفس الأمر أو يكون قد طلقها أو أعتقها ولا تعلم، وتعبَّد المسلمَ بأن يقتل من يراه في صف الكفار وعهده منهم أو لم يعرفه، وقد يكون مؤمنًا.\nوأمثال هذا كثيرة. وفي الجواب عن الشبهة الأولى ما يفسر جميع ذلك، ولله الحمد.\nشبهة ثالثة:\nقد يقال: قد ثبت امتناع تكليف الغافل، وإنما ذلك لأنه لا بد لاستحقاق العبد العقابَ من قيام الحجة عليه. وخبر الواحد لا يتم به قيام الحجة؛ لأن للعبد أن يقول: يا رب، لم يبلغني هذا من وجه قاطع، وإنما بلغني من وجه","vol":"19","page":69},{"text":"يجوز فيه الكذب والخطأ.\nوالجواب: لله الحجة البالغة، فسنثبت ــ إن شاء الله تعالى ــ أن وجوب العمل بخبر الثقة بشرطه ثابت بالدلائل القطعية، إذا ثبت ذلك فقد صار عمل المكلف بما يبلغه من ذلك واجبًا عليه قطعًا، ولا ينفعه كونه يجوز في نقل ذلك الخبر الكذب والخطأ؛ فإن الله تعالى يقول له: قد علمتَ قطعًا أنه يجب عليك العمل بمثله، وكفى.\nومع ذلك، فيقال لمن حاول الاعتذار بما ذكر: أرأيت لو أخبرك من تثق به بأن في هذا الجُحر حية، أتُدخِل يدك فيه وأنت تحب الحياة؟\nأرأيت لو أخبرك من تثق به بأن في القارورة التي لا يُدرى ما فيها سمٌّ قاتل، أكنت شاربه وأنت تريد الحياة؟\nأرأيت لو جاءك رجل تثق به، فقال لك: أنا رسول الأمير إليك، يأمرك أن تحضر في وقت كذا، فإن حضرت أنعم عليك، وإن لم تحضر عاقبك، أتتكاسل عن الحضور وأنت تعلم قدرة الأمير على نفعك وضرك؟\nأرأيت؟ أرأيت؟\nثم يقال له: فلو كنتَ تؤمن بالله وترجو رحمته وتخاف عقابه لعملت بخبر الثقة عن رسوله. فإن كنت مؤمنًا ولكن غلب عليك الهوى فخالفتَ، فأنت تعلم أنك معرِّضٌ نفسَك للعقاب، وأنك إذا عُوقبتَ فعلى نفسك اللوم!","vol":"19","page":70},{"text":"[ص ٤٨]<span data-type=\"title\" id=toc-27> شبه ذكرها الآمدي </span>(^١):\n١ - لو جاز قبول خبر الواحد عن الرسول - ﵌ - بدون قرينة تبلغه القطع لجاز قبول دعوى مدعي النبوة بغير معجزة.\nوأجاب بأن مدعي النبوة بغير معجزة لا يغلب أن يكون صادقًا، بل الغالب أن يكون كاذبًا. وبأننا إنما نوجب العمل بخبر الواحد لقيام الحجة القطعية على وجوب العمل به، ولا حجة على وجوب تصديق مدعي النبوة بدون معجزة.\nثم ذكر اعتراضًا على هذا، وهو أنه لو فُرض أن نبيًّا معلوم النبوة قال للناس: إذا ادعى إنسان النبوة وظننتم صدقه فاتبعوه = لكان هذا حجة قطعية على وجوب اتباع من يدعي النبوة ويُظن صدقُه، ومع ذلك لا يجوز الاتباع.\nوأجاب بمنع عدم الجواز. يعني: يجب الاتباع حينئذٍ حتمًا، وهو ظاهر.\nثم ذكر أن الفرق بين الأمرين أن المفسدة اللازمة على دعوى النبوة أعظم.\nأقول: هذا الفرق يبين أنه يمتنع أن يقول نبي معلوم النبوة: كل من ادعى النبوة وظننتم صدقه فاتبعوه. لا أنه على فرض وقوع ذلك لا يجب الاتباع.\nثم أقول: أما بعد خاتم النبيين ﵌ عليهم أجمعين فقد عُلِم سدُّ الباب قطعًا، فمدَّعيها ممن لم يُعلم أنه كان نبيًّا من قبلُ كاذب قطعًا.\n_________\n(^١) \"الإحكام\" (٢/ ٧٠ وما بعدها).","vol":"19","page":71},{"text":"ونحن إنما نقبل خبر من عرفناه ثقة بشرط أن لا يتبين كذبه أو غلطه، كما يأتي إن شاء الله.\nبل بادعاء من ذكر يتبين أنه كافر أو مجنون، فتزول ثقته إن كان قبل ذلك ثقة.\nوأما إذ كان باب النبوة مفتوحًا فإنه كان إذا ادعى رجل أنه يوحى إليه فقط، أعني: أنه لم يُخبر عن حكم لا يُعلم إلا مِن قِبَله = كان على الناس إذا عرفوا منه قبل ذلك الصدق والأمانة والخير والصلاح، واستمر يتزايد في ذلك؛ أن يظنوا صدقه. ولا حرج في ذلك؛ إذ لا ينبني عليه حكم إلا زيادة الاحترام له، ولا ضير فيه.\nوإن ادعى الرسالة وأخبر بأمور من الدين على أنه بُعِث بها = فعلى الذين بلغهم خبره ودعواه أنه مبعوث إليهم أن يبحثوا عن حاله، ويسائلوه، مع العزم على اتباعه إن كان صادقًا. فإذا فعلوا ذلك فلا بد أن يهديهم الله ﷿ للحق؛ لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٩].\nوتفصيل ذلك: أنه إن كان في نفس الأمر كاذبًا فلا بد أن يبين الله ﷿ كذبه، وذلك بأن يخبر بما عُلِم قطعًا أنه محال، أو يخبر عن أشياء أنها كانت ويتبين قطعًا أنها لم تكن، أو نحو ذلك. وإن كان صادقًا فلا بد أن يبين الله ﷿ لهم صدقه.\nنعم، من جملة الجهاد في الله ﷿ أن يتبعوا ذاك الرجل إذا كان ما يدعو إليه خيرًا مما هم عليه في فِطَر الناس وعقولهم وفيما عُلِم من الشرائع الأولى.","vol":"19","page":72},{"text":"قال الله ﵎: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الحجرات: ١٤].\nفهؤلاء كانوا قد أسلموا طائعين، وبذلك تبين أنه ليس عندهم عناد ولا استكبار، وهذا هو الذي يمنع من الإيمان بعد الاطلاع على المعجزة القاطعة، فبان أن عدم دخول الإيمان في قلوبهم إنما هو [لأنه] لم يتفق لهم بعدُ ما يقطع الريبة، كالمعجزة القاطعة. ومع ذلك لم يذمهم الله ﷿ على الإسلام قبل التيقن، بل وعدهم بأن يدخل الإيمان في قلوبهم، كما تقتضيه كلمة \"لمّا\"، ووعدهم أنهم إذا أطاعوا أثابهم، وأوعد ــ في غير هذه الآية ــ غيرهم ممن لم يؤمن بعد بلوغ الدعوة بالعذاب.\nفثبت بذلك أن تصديق مدَّعي الرسالة واتباعَه لا يتوقف وجوبه على المعجزة القاطعة، بل قد يجب بدونها إذا كان معروفًا من المدعي الصدقُ والأمانة والخير والصلاح، ودعا إلى ما يتبين للعقول أنه حق، أو يترجح أنه حق، ولم يظهر من أقواله وأفعاله وأحواله ما ينافي النبوة.\nوأما قول الآمدي (^١): \"إنه لا حجة على وجوب تصديق مدعي النبوة بغير معجزة\"= فليس بمستقيم.\nبل الحجة قائمة، وهي ما يعلمه الناس بفطرهم وعقولهم، وبما بلغهم من الشرائع المتقدمة، أن على الإنسان اتباع ما يترجح أنه حق واجتناب ما يترجح أنه معصية.\n_________\n(^١) \"الإحكام\" (٢/ ٧٣).","vol":"19","page":73},{"text":"وسيأتي إن شاء الله تعالى تقرير ذلك، ويأتي إن شاء الله الجواب عما جاءت به الشريعة من إبطال بعض ما يقال: إنه يفيد الظن، كخبر بعض الكفار وبعض الفساق وبعض الصبيان، ونحو ذلك.\n\n[ص ٤٩]<span data-type=\"title\" id=toc-29> ٢ - لو جاز في الفروع لجاز في الأصول</span>.\nوأجاب (^١) بأن المطلوب في الأصول القطع، وخبر الواحد لا يفيده. يعني: أن الخبر المعين لا يفيد ثبوت مدلوله قطعًا. وأما الفروع فيكفي فيها الظن. يعني: كالدلالات الظنية من القرآن، وكفتوى المجتهد، وغير ذلك.\nوأقول: إن أريد بالأصول العقائد فإننا نلتزم جوازَ ــ بل وجوبَ ــ قبول الأحاديث الصحيحة فيها. فإن العقائد على أضرب:\nالضرب الأول: ما لا يكون الإنسان مؤمنًا إلا باعتقاده.\nفما كان في هذا من الأحاديث الصحيحة فهو بالانضمام إلى غيره من الأدلة مفيد للقطع. وإن فُرِض أنه بلغ إنسانًا لم يبلغه غيره من الأدلة في معناه، فإنه يلزمه قبوله، ويحصل له به الظن، وهو خيرٌ من الجهل، وقد يكفيه ذلك إذا كان معذورًا، كحديث العهد بالإسلام، على ما تقدم في الجواب عن الشبهة السابقة.\nالضرب الثاني: ما لا يتوقف عليه الإيمان، ولكن الشارع حثَّ على اعتقاده.\nوفائدة الحديث في هذا أظهر.\n_________\n(^١) أي الآمدي في \"الإحكام\" (٢/ ٧٤).","vol":"19","page":74},{"text":"الثالث: ما لم ينصّ على الحثّ على اعتقاده.\nوالأمر فيه واضح.\nفإن قلت: إنما تمشَّى لك هذا لأنك بنيتَ على أن الحديث الصحيح إذا ورد بعقيدة فإنما يرِدُ بما هو حق في نفس الأمر، وليس هذا بلازم؛ لجواز أن يرِدَ بما هو باطل، ضرورةَ جوازِ الخطأ والغلط على الرواة، بل والكذب أيضًا.\nفالجواب: أن ما ذكرته يجري في هذا أيضًا، وذلك أنه إن ورد حديث بعقيدة باطلة ــ على أنها من الضرب الأول ــ فهذا لا يكون صحيحَا؛ لأنه على فرض أن رواته ثقات يكون شاذًّا منكرًا، لوجهين:\nالأول: أن الضرب الأول لِعِظَم شأنه اعتنى به الشارع، وأشاعه وأذاعه، واعتنى به أصحابه ثم أتباعهم، وهلمَّ جرًّا، فلو كان هذا منه لنُقِل إلينا بالتواتر.\nالوجه الثاني: أن الله ﷿ جعل محمدًا - ﵌ - خاتم الأنبياء، وشريعته خاتمة الشرائع، ولذلك تكفّل بحفظها إلى يوم القيامة، ولا يتم الحفظ إلا بأن يكون على وجه تقوم به الحجة، ويحصل به المطلوب.\nوالمطلوب في الضرب الأول هو استيقانه، وذلك لا يحصل بمجرد خبر الواحد. فإذا لم نجد في الشريعة إلا خبرًا واحدًا، ومدلوله أصل اعتقادي، على أنه من الضرب الأول، علمنا بطلانه.\nلا يقال: فلعله يقع إلى حديث العهد بالإسلام.","vol":"19","page":75},{"text":"فإننا نقول: إنه إذا وقع إليه لا يعلم وثاقة رجاله، وعلى فرض أنه علم فإنه إن كان ذا عقل يتوقف عنه حتى يعرف حاله؛ لاحتمال أنه لا يوجد في الشريعة في معناه غيره، فيكون باطلًا للوجهين السابقين.\nوإن ورد بعقيدة باطلة لا على أنها من الضرب الأول، فإن دل العقل الصريح أو النقل الذي هو أعلى من ذلك الخبر على بطلانها فذلك الخبر ليس بصحيح، وإلا ــ إن جاز هذا ــ فإن من بلغه وعرف صحته الظاهرة يظن مدلوله بطبيعة حاله، فإذا ألزمناه أن يظن فإنما ألزمنا بأمر لا محيصَ له منه، ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها.\nلكنني أقول: إن هذا إن اتفق لشخص أو جماعة لا يستمر، ضرورةَ أن الله ﵎ تكفَّل بحفظ شريعته. وكما أن مِن الحفظ أن لا يذهب منها شيء حتى لا يوجد فيها البتة، فكذلك منه أن لا يلتبس بها شيء حتى لا يوجد البتة دليل على أنه ليس منها.\nقيل لابن المبارك: هذه الأحاديث المصنوعة؟ فقال: تعيش لها الجهابذة، ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] (^١).\nوالذكر يعمُّ السنةَ، إن لم يكن بلفظه فبمعناه، لأن المقصود بقاء الحجة والهداية في الأرض، كما مر.\nهذا، وقد تواتر عن الصحابة ﵃، ثم عن التابعين وأتباعهم أنهم كانوا يروون الأحاديث في العقائد، ويسمعونها، وينقلونها، وينكرون على من أنكرها لمجرد هوًى أو تخرُّصٍ أو جهلٍ، والله المستعان.\n_________\n(^١) انظر \"الكفاية\" (ص ٧٧).","vol":"19","page":76},{"text":"[ص ٥٠] وإن أريد بالأصول: أصول الفقه، فإننا نلتزم وجوب قبول الأحاديث الصحيحة فيها أيضًا.\nثم إن كان الأصل من الأصول العظمى التي تكثر فروعها في الشريعة جدًّا، فالكلام في هذه كالكلام في الضرب الأول من العقائد، فإذا انفرد حديث بأصلٍ ــ على أنه من ذلك ــ فهذا لا يكون صحيحَا؛ لما تقدم.\nوإن كان في الأصول التي تقلُّ فروعها فنقول: إن قامت الحجة فيها على أنها لا تثبت إلا بحجة قاطعة فكالأصول العظمى، وإلا فكالفروع، فتقبل فيها الدلائل الظنية، ومنها الحديث الصحيح. والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-30>٣ - لو جاز لجاز في نقل القرآن</span>.\nوأجاب (^١) بأن القرآن معجزة الرسول، فالمطلوب منه إقامة الحجة القاطعة على رسالته.\nأقول: بل نلتزم وجوب قبول الحديث الصحيح في هذا أيضًا. وقد كان في أول الإسلام يثبت القرآن بخبر الواحد، فقد كان الرجل يسلم ويتعلم سورًا من القرآن، ثم يذهب إلى قبيلته فيدعوهم، ويعلِّم من يُسلِم منهم (^٢) تلك السور، ويتلونها، ويصلّون بها، ويعملون بها.\nولو ذهب الآن رجل مسلم إلى جزيرة منقطعة فدعا أهلها إلى الإسلام، فأسلموا، وعلَّمهم سورًا من القرآن، فتلَوها، وصلَّوا بها، وعملوا بها= لكانوا محسنين.\nفإن فُرِض أنه أدخل في القرآن ما ليس منه، وكانوا قد اختبروه\n_________\n(^١) أي الآمدي في \"الإحكام\" (٢/ ٧٤).\n(^٢) في الأصل: \"منه\".","vol":"19","page":77},{"text":"فظنوه ثقةً، فلا إثم عليهم، إلا أن تقوم عليهم الحجة، أو يتحقق تقصيرهم.\nوأما قول أهل العلم: لا يثبت القرآن بخبر الواحد؛ فالمعنى في ذلك أن الصحابة ﵃ جمعوا القرآن، واتفقوا على أنه لم يبق منه آية محكمة إلا وهي فيما جمعوه، ثم تواتر ذلك المجموع إلينا، فثبت بذلك أن ما لم يكن في ذلك المجموع فليس من القرآن المحكم. بل إما أن لا يكون كان منه البتة، وإما إن يكون كان منه فنُسِخ.\nفما ثبت بالأحاديث الصحيحة على أنه من القرآن، ولم يكن فيما جمعه الصحابة ﵃، فالظاهر أنه كان منه فنسخ. ويجب قبول تلك الأحاديث على هذا المعنى.\nثم إن وجدنا في الكتاب أو السنة ما هو صريح في خلاف معنى ذلك الكلام الذي نقول بأنه كان من القرآن فنُسِخ، تبين لنا أنه نُسِخ معناه كما نُسِخت تلاوته.\nوإن وجدنا فيهما ما يوافق معناه تبين لنا أن الحكم باقٍ.\nوإن لم نجد لا ذا ولا ذاك، وقلنا بأن نسخ التلاوة مع بقاء الحكم ممكن شرعًا= كان حجة، كما لو نُقِل على أنه من كلام النبي - ﵌ -.\nوقد احتج أهل العلم بأشياء من ذلك كما هو معروف.\nوالحاصل أن عدم ثبوت أنه قرآن محكم إنما هو لقيام الحجة على أنه ليس منه، ولو اتفق مثل هذا في الأحكام الفرعية بأن يصح حديث في شيء بأنه من أركان الصلاة، وتكون عندنا حجة أقوى منه على أنه ليس منها؛ فإننا نقضي بأنه ليس منها.","vol":"19","page":78},{"text":"ولا يلزم من سقوط حجية الدليل إذا عارضه ما هو أقوى منه أن تسقط حجيته البتة. وهذا بغاية الوضوح، ولله الحمد.\n٤ - قد يتعارض خبران، فيلزم من القول بوجوب الأخذ به أن يجب الأخذ بالمتضادَّينِ. وهو محال.\nوأجاب (^١)\nبأنه إن أمكن الترجيح فالحجة في الراجح ويسقط المرجوح، وإلا فإن قلنا بالتخيير فهو من قبيل الواجب المخير مع امتناع الجمع، وإلا فغايته امتناع التعبد بمثل هذا لتعذر العمل، ولا يلزم من ذلك امتناعه عند الإمكان.\nأقول: قد يقع التعارض بين آيتين، وبين دليلين عقليين، فهل يقول مُورِد هذه الشبهة إنه لا يجوز الاحتجاج بالقرآن ولا بالمعقول أيضًا؟\nفإن قال: أما الآيتان فناسخة ومنسوخة، وأما الدليلان [ص ٥١] العقليان ففي أحدهما خلل.\nقلت: فكذلك نقول في الحديثين إذا تعارضا: إنهما إما ناسخ ومنسوخ، وإما في أحدهما خلل.\nوالكلام فيما ينبغي اعتماده في أشباه ذلك مبسوط في موضعه.\n٥ - الأصل براءة الذمة عن الحقوق والعبادات وتحمُّل المشاقّ، وهو مقطوع به، فلا يجوز مخالفته بخبر الواحد مع كونه مظنونًا.\nوأجاب (^٢) بأنه لم يبق القطع بعد الوجود والتكليف في نفس الأمر،\n_________\n(^١) الآمدي في \"الإحكام\" (٢/ ٧٤) ..\n(^٢) المصدر السابق (٢/ ٩٩).","vol":"19","page":79},{"text":"قال: ثم هو منتقض بالفتوى والشهادة.\nأقول: قولكم \"مقطوع به\"، أتريدون مقطوع بأنه قد كان، أم بأنه مستمر؟\nلا سبيل إلى الثاني، كما لا يخفى، وأما الأول فلا يلزم من كون زيد كان حيًّا العامَ الماضي قطعًا أن يكون حيًّا اليوم. إذن، فحياته اليوم محتملة فقط، وأما الحكم باستصحاب الأصل فإنما هو لمعانٍ:\nمنها: أنه قد يساعده الظاهر، كما لو كان حيًّا صحيحًا بالأمس، فإن الظاهر أنه حيٌّ اليومَ؛ لأنّ موت الفجأة قليل.\nومنها: أن يكون الأصل عدمًا، وإقامة الحجة على بقاء العدم مما يصعب، وذلك كما لو عهدناها زوجته فإنه من الصعب إقامة الحجة على أنه لم يطلق. إلى غير ذلك.\nوكذلك هنا، فإن الأشياء لا تحصى، والأفعال لا نهاية لها، فلم يعتن الشارع بتعداد المباحات لأنها لا تحصى، ولا بتعداد ما ليس بعبادة من الأفعال لأنها لا نهاية لها.\nبل اعتنى بالدلالة على المحرمات والمكروهات من الأشياء والأفعال، وعلى الواجبات والمندوبات من الأفعال، فكان إثبات النص في كل شيء أن الشارع لم يحرمه ولم يكرهه، وفي كل فعل أنه لم يحرمه ولم يكرهه، ولم يوجبه ولم يندبه = متعذرًا.\nفإذا لم نجد في الشرع دليلًا على تحريم شيء أو فعل ولا كراهته، كان الظاهر أنه مما ترك، وإنما ترك الشارع المباحات.\nوكذلك إذا لم نجد دليلًا على وجوب الفعل ولا ندبه، كان الظاهر أنه مما ترك، وإنما ترك الشارع ما ليس بعبادة.","vol":"19","page":80},{"text":"وهذا الظاهر لا يبقى بعد قيام الدليل الظني المعتبر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-33>٦ - قبوله تقليدٌ، فلا يجوز للمجتهد</span>.\nوأجاب (^١) بما حاصله أننا إنما منعنا تقليد مجتهد لآخر لاستوائهما، ولا مساواة هنا فإن الراوي استبدَّ بمعرفة الحديث.\nأقول: هذا يحتاج إلى إيضاح، وهو أن زيدًا المجتهد إن أراد أن يقلد بكرًا المجتهد، فإن كان معه في المجلس ــ مثلًا ــ فلا معنى للتقليد، بل عليه أن يبحث معه، فإن نبَّهه على دليل لم يكن عرفه، أو كان غافلًا عنه، أخذ بذلك الدليل اجتهادًا لا تقليدًا.\nوإن لم يذكر له دليلًا، أو ذكر دليلًا لا يراه زيد كافيًا، فلا وجه للتقليد؛ لأنه إذا لم يذكر دليلًا بعد السؤال فالظاهر أنه لا دليل له. وإن ذكر دليلًا لا يراه زيدٌ كافيًا فكيف يقلد من يعلم أنه إنما استند إلى ما لا يكفي؟\nوإن كان بكرٌ بعيدًا عن زيد بحيث لا يتيسر له البحث معه، أو كان قد هلك، فبعد أن بحث زيدٌ ونظر، ولم يجد دليلًا صحيحًا موافقًا لقول بكرٍ، فقد حصل له ظن أنه لم يكن لبكرٍ دليل صحيح على ما ذهب إليه، فكيف يقلده مع هذا؟!\nثم أقول: نعم، إذا تحير زيدٌ بعد البحث والتفتيش، فلم يجد دليلًا على ما يوافق بكرًا ولا على ما يخالفه، فقد قيل بأنه إذا غلب على ظنه أن بكرًا وقف على دليلٍ لم يقف عليه هو= أن يقلده. وهذا قوي.\n_________\n(^١) أي الآمدي في \"الإحكام\" (٢/ ٩٩، ١٠٠).","vol":"19","page":81},{"text":"[ص ٥٢] أقول: فأما قبول الخبر من الراوي فليس من التقليد الاصطلاحي في شيء، فإنه قبول قول من تقلّده بلا حجة.\nوالتابعي ــ مثلًا ــ إنما قَبِلَ رواية الصحابي بحجة، وهي إخباره ــ مع ثقته ــ بأنه سمعه من النبي - ﵌ -، وقس على ذلك.\nولو كان هذا تقليدًا لكان حكم القاضي بشهادة الشهود تقليدًا لهم، وقد كان النبي - ﵌ - يقضي بشهادة الشهود، وأخبر بأنه إنما يقضي على حسب ما يسمع، أي أنه لا يتوقف قضاؤه على علمه بما في نفس الأمر. فدل ذلك أنه يقضي بشهادة من ظاهرهم العدالة، ولا يتوقف قضاؤه على أن يعلم أن ما شهدوا به حق في نفس الأمر. فلو كان هذا تقليدًا لكان النبي - ﵌ - مقلدًا.\nوليس الرواية إلا ضربًا من الشهادة، فإن الراوي يشهد على من فوقه أنه قال كيت وكيت مثلًا. وقد قبل النبي - ﵌ - خبر تميم الداري، وحكاه عنه (^١).\nفإن قيل: نعم، ليس هو من التقليد الاصطلاحي، ولكن يصح أن يسمى تقليدًا.\nقلت: لا حرج، ولكن ليس داخلًا في قولهم: المجتهد لا يقلد مجتهدًا، ولا هو في معنى ذلك، وإنما هو قريب من قبول القاضي شهادة العدل.\n\n[ص ٥٣]<span data-type=\"title\" id=toc-34> الشبهة النقليَّة:</span>\nخبر الواحد لا يفيد العلم، وقد قال الله ﵎: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦]، وقال سبحانه: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا\n_________\n(^١) كما في \"صحيح مسلم\" (٢٩٤٢).","vol":"19","page":82},{"text":"ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣].\nوإنما يفيد الظن، وقد قال الله ﷿: ﴿إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [يونس: ٣٦] في آيات أخرى.\nأقول: أما الآية الأولى فينبغي النظر في معناها، وذلك من أربع جهات:\nالأولى: العربية.\nفأقول: ذكر أهل اللغة أن القفا اسم لمؤخر العنق، وأخذ منه الفعل، قالوا: قفا زيدٌ بكرًا، إذا ضرب قفاه، كما قالوا: دَمَغه وأَمَّه، أي: أصاب دماغَه وأُمَّ رأسه. وأمثال ذلك.\nقالوا: وقفاه: تبعه.\nأقول: ووجهه أن التابع ينحو قفا المتبوع، وقضية هذا أن يكون أصل ذلك في الاتباع عن قرب، بحيث يرى التابع قفا المتبوع.\nوقالوا: وقفاه: رماه بسوء، كالقذف بالزنا ونحوه.\nأقول: زعم أبو عبيد أنه مأخوذ من القفو بمعنى الاتباع، ففي \"لسان العرب\" (^١): \"قفا فلان فلانًا، قال أبو عبيد: معناه: أتبعه كلامًا قبيحًا\".\nأقول: والوجه أنه (^٢) من قفاه بمعنى: ضرب قفاه؛ لوضوح المناسبة، فإن في كل من ضرب القفا والرمي بالقبيح إيذاءً وإهانة وإلحاقَ عارٍ بالمضروب أو المرميّ. وقد قالوا في الرمي بالسوء: رماه وقذفه وطعن فيه\n_________\n(^١) (٢٠/ ٥٥) مادة \"قفو\".\n(^٢) في الأصل: \"أن\".","vol":"19","page":83},{"text":"وجرحه، إلى غير ذلك.\nقالوا: \"وقفا أثره: إذا تبعه\".\nأقول: وذلك أن من يريد أن يدرك رجلًا ولا يدري أين يذهب، ينظر أثر رجله في الأرض، فإذا وجده اقتصَّه وسار عليه. ثم تُجُوِّز به عن الاقتداء بالأثر المعنوي (^١)، فيقال: فلان يقفو أثر فلان، إذا كان يقتدي به في سيرته وأفعاله وأخلاقه. ويقال: قفا الأثر وقافه: إذا تتبعه يتأمل فيه، ليعرف من صاحبه، كما ينظر في أثر السارق والخارب ونحوهما ليعرف من هو.\nهذا خلاصة ما يتعلق بهذه الكلمة من اللغة مما يحتاج إليه هنا.\nفالذي يحتمل في قوله تعالى: ﴿تَقْفُ﴾ مما ذُكِر ثلاثة معان:\nالأول: الرَّمي بالسوء.\nالثاني: اتباع آثار من مضى. أي: الاقتداء بأقوالهم وأفعالهم في الدين.\nالثالث: اقتفاء آثار الناس. أي: أحوالهم في مجالسهم ومداخلهم ومخارجهم ومسالكهم؛ للاطلاع على أسرارهم.\nفأما المعنى الأول فيقويه شيوعه في اللغة، كما يعلم من كتبها، حتى جعله ابن جرير أصلًا. قال (^٢): \"وأصل القفو: العَضْه والبَهْت، ومنه قول النبي - ﵌ -: \"نحن بنو النضر بن كنانة لا نقفو أُمّنا، ولا ننتفي من أبينا\" (^٣).\n_________\n(^١) في الأصل: \"بالآثار المعنوي\".\n(^٢) في \"تفسيره\" (١٤/ ٥٩٥).\n(^٣) أخرجه أحمد في \"مسنده\" (٢١٨٣٩، ٢١٨٤٥) وابن ماجه (٢٦١٢) وغيرهما من حديث الأشعث بن قيس، وإسناده حسن.","vol":"19","page":84},{"text":"وسبقه إلى نحوه أبو عبيد، ففي \"لسان العرب\" (^١) عنه: \"الأصل في القفو والتقافي: البهتان يرمي به الرجل صاحبه\".\nوفي \"النهاية\" (^٢) لابن الأثير: \"حديث القاسم بن مُخَيمِرة: لا حدّ إلا في القفو البين. أي: القذف الظاهر. وحديث حسان بن عطية: من قفا رجلًا بما ليس فيه وَقَفَه الله في رَدْغَة الخَبال\".\nوأنشدوا للكميت (^٣):\nولا أرمي البريءَ بغير ذنبٍ ... ولا أقفو الحواصنَ إن رُمِينا\nوالرامي بالسوء قد يُسنده إلى سمعه أو بصره أو قلبه. يقول: سمعت فلانًا يقول كذا، ويذكر كلامًا قبيحًا، أو سمعت الناس يرمونه بكذا، أو رأيته يفعل كذا، أو أنا أعلم أو أظن أنه كذا.\nفتعليل النهي بقوله تعالى: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦] مناسب لهذا المعنى، ولكن يخدش فيه أنه لو كان المرادَ لكان الظاهر أن يقال: \"ولا تقفُ أحدًا بما ليس لك به علم\".\nفإن قيل: إن \"أحدًا\" مفعول، وهو عام، وحذفه حسن، بل هو الأولى في مثل هذا.\nقلت: نعم، ولكن بقيت الباء، إذ كان الظاهر أن يقال: ولا تقف بما ليس\n_________\n(^١) (٢٠/ ٥٥).\n(^٢) (٤/ ٩٥). قوله: \"القاسم بن مخيمرة\" كذا فيه نقلًا عن نسخة من \"المجموع المغيث\" لأبي موسى المديني. والصواب: \"القاسم بن محمد\" كما في \"غريب الحديث\" لأبي عبيد (٤/ ٤٠٧) والنسخة المطبوعة من \"المجموع المغيث\" (٢/ ٧٤٠).\n(^٣) البيت من نونيته المشهورة في ذيل \"الديوان\" (ص ٤٦٦).","vol":"19","page":85},{"text":"لك به علم.\nوأما المعنى الثاني: فيقويه سلامته من الخدش المذكور، فإنه إذا كان المراد كانت كلمة \"ما\" مرادًا بها الآثار. فكأنه قيل: ولا تتبع الآثار التي ليس لك بها علم، أي: بأنها حق.\nلكن يُعكِّر عليه أنه لا يظهر معه تعليل النهي بقوله: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ ...﴾.\nوأما المعنى الثالث: فهو سالم من ذاك الخدش وهذا التعكير. فإن كلمة \"ما\" يكون المراد بها: الآثار التي لا يعلم القافي غرضَ صاحبها منها وسرَّه فيها، فيقفوها يتسمع ويسترق البصر ويتظنّى، وذلك كأن ترى زيدًا ذاهبًا فتنظر أين ذهب، فتراه سلك دربًا، ثم دخل دارًا، ثم جلس فيها إلى إنسانٍ، فمخرجه ومسلكه ومدخله ومجلسه من جملة آثاره، فإذا لم تعلم غرضَه منها وسرَّه فيها، فتتبَّعتَها تبحث وتتسمع وتسترق البصر [ص ٥٤] وتتظنّى = فقد قفوت آثاره التي ليس لك بها علم. وذاك هو التجسس.\nويقويه أنه قد قرئ في الشّواذّ: (ولا تَقُفْ) بضم القاف وسكون الفاء، من القوف. وأنشد في \"لسان العرب\" (^١):\nأعوذ بالله الجليل الأعظمِ ... من قَوفِيَ الشيءَ الذي لم أعلم\nولكن الذوق لا يطمئن إلى أن يكون المراد بقوله: ﴿مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾: مداخل الناس، ومخارجهم، ومسالكهم، ومجالسهم.\n_________\n(^١) (١١/ ٢٠٢) مادة \"قوف\". وانظر \"تهذيب اللغة\" (٩/ ٣٢٦).","vol":"19","page":86},{"text":"الجهة الثانية: سياق الآيات.\nقال الله ﷿: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ ... (٣١) وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا (٣٢) وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ ... (٣٣) وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ ... وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ ... (٣٤) وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ... (٣٥) وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ... (٣٦) وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا ...﴾ [الإسراء: ٣١ - ٣٧].\nفالسياق في النهي عن مظالم تقع بين الناس، كما ترى، وذلك يقتضي أن يكون قفو ما ليس به علم من هذا القبيل. وهذا إنما يصلح له المعنى الأول والثالث.\nالجهة الثالثة: مراعاة نظير الآيات في القرآن.\nقال الله ﷿: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ ... وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ ... وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ ... (١٥١) وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ ... وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ ... وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا﴾ [الأنعام: ١٥١ - ١٥٢].\nوالذي يقابل قوله تعالى في \"الإسراء\": ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ هو قوله في \"الأنعام\": ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا﴾. فينبغي تقاربهما في المعنى إن لم يمكن اتفاقهما. وهذا إنما يصلح في المعنى الأول للقفو، فإنه رمي الناس بالسوء بغير علم، وهو قول بغير عدل.\nثم نقول: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا﴾ عام في كل قول في معاملات الناس؛ لأن قوله ﴿وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ لا يوجب تخصيصه","vol":"19","page":87},{"text":"بالحكم والشهادة ونحوهما؛ لأن في الكلام حذفًا حسَّنه ظهور المقصود.\nوذلك أنه من المعلوم أن الجور في القول محظور مطلقًا، فذِكْر ما يقتضي تخصيص ذلك بالحكم والشهادة لا يمكن أن يكون للدلالة على الإذن فيما عداهما، وإنما هو تنبيه على عظم الشأن فيهما. وكأن التقدير: وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان في حكم أو شهادة [بحيث] يكون أحد الخصمين ذا قربى.\nوعليه، فالآيتان متفقتان؛ لأن من جملة قفو الإنسان أن تحكم عليه أو تشهد؛ لأن من لازمِ ذلك غالبًا أن تنسبه إلى الظلم أو الخيانة أو الكذب أو المخاصمة بالباطل، وكل ذلك من القبائح.\nوإن أبيتَ إلا اختصاص آية \"الأنعام\" بالحكم والشهادة ونحوهما، فلا حرج، وتكون آية الإسراء أعمَّ منها، وكلتاهما فيما يتعلق بالمظالم التي تقع بين الناس.\nوهذا كافٍ في ترجيح المعنى الأول.\nالجهة الرابعة: تفسير السلف.\nأخرج ابن جرير (^١) عن ابن عباس أنه فسر ﴿وَلَا تَقْفُ﴾ بقوله: \"لا تقل\".\nوعنه أنه فسره بقوله: \"لا ترْمِ أحدًا بما ليس لك به علم\".\nوعن مجاهد أنه فسره بقوله: \"لا ترم\".\nوعن قتادة قال: \"لا تقل: رأيتُ ولم تر، وسمعتُ ولم تسمع، وعلمتُ\n_________\n(^١) في \"تفسيره\" (١٤/ ٥٩٣ وما بعدها).","vol":"19","page":88},{"text":"ولم تعلم\".\nوعن ابن الحنفية قال: \"هي شهادة الزور\".\nأقول: أما تفسير ابن عباس ومجاهد فصريح في المعنى الأول، وأما قول قتادة فظاهر فيه؛ لأنه لا يوافق المعنى الثاني والثالث، فحمله على الأول مع ظهور احتماله له أولى من حمله على معنى آخر. وقد قدمنا أن الرامي لغيره بالسوء قد يسنده إلى سمعه، أو إلى بصره، أو إلى قلبه.\nوأما قول ابن الحنفية فكأنه أخذه من آيات \"الأنعام\"، وهذا يدلك على اعتناء السلف بالنظر في النظائر من القرآن، وحَمْل ما قد يخفى منها على ما يظهر في نظيره، ويدل على أهمية ذلك.\nثم أقول: يمكن أنه إنما نص على شهادة الزور لعظم شأنها، لا لأنه يراها كل المعنى. ومثل هذا معروف عن السلف من تفسير الآية ببعض معناها. يريدون أن هذا مما تدلّ عليه.\nوأولى من هذا أن يقال: إنه أراد بالشهادة مطلق الإخبار بما يسوء الناس. كأن تقول: رأيت زيدًا يشرب المسكر، أو سمعته [٥٥] يقول كذا، أو نحو ذلك؛ فإن هذا في معنى الشهادة في نسبة ذلك إلى زيدٍ، وإن لم يكن عند حاكم.\nوبهذا تتفق أقوال السلف.\nفقد اتفقت الجهات الثلاث الأخيرة على تعيين المعنى الأول، ولم يبق دون الجزم به إلا تلك الخدشة. وهي أنه لو كان المراد لكان الظاهر أن يقال: \"ولا تقفُ أحدًا بما ليس لك به علم\".","vol":"19","page":89},{"text":"فأقول مستعينًا بالله ﷿: قد أشار إلى الجواب عن هذا حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس ﵄، فإنه قال: \"لا ترْمِ أحدًا ... \". فبيَّن أن التقدير: \"لا تقفُ أحدًا\".\nولكن \"أحدًا\" حُذِف، وحَذْف المفعول إذا كان عامًّا شائع ذائع في القرآن وغيره.\nوأشار بقوله مرةً: \"لا تقل\" إلى أن ﴿تَقْفُ﴾ ضُمِّن معنى \"تقل\"، وإذا ضُمِّن الفعل معنى فعل آخر كانت التعدية وعدمها تابعة لذلك الفعل الآخر.\nوقد ذكر ابن هشام قاعدة التضمين في أواخر \"المغني\" (^١)، وذكر من أمثلتها قول الله ﵎: ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٥]، وزعم أن ﴿تَعْزِمُوا﴾ ضُمِّن معنى تنووا، وإلا لعُدِّي بـ \"على\".\nأقول: والأولى أن يُضمَّن معنى تعقدوا. وبذلك يُستغنى عما قيل: إن التقدير \"ولا تعزموا على عقدِ عقدة النكاح\" فحذف الجار والمضاف.\nوذكروا أن التضمين يقدر بأن يصاغ من الفعل المطوي حالًا، وعليه فالتقدير هنا: \"ولا تقفُ قائلًا ما ليس لك به علم\". وقد قال الله ﷿ في قصة الإفك: ﴿وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ [النور: ١٥].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-36>فصل</span>\nإذا لم تطمئن نفسك بأن معنى الآية إنما هو النهي عن عَضْه الناس وبَهْتهم، وترجح عندك معنى آخر يصلح لأن يستدل به المنكرون، فدونك أجوبة عن ذلك:\n_________\n(^١) (ص ٧٦٢ - ٧٦٤).","vol":"19","page":90},{"text":"الأول: أن كلمة ﴿عِلْمٌ﴾ في الآية الأولى، و﴿تَعْلَمُونَ﴾ في الثانية، يحتمل أن يكون مرادًا به ما يعم اليقين والظن الغالب، نحو دليل من شأنه ذلك، والقرينة على ذلك معرفة المخاطبين أن عامة مصالح الدنيا ــ ومنها ما يتعلق بالدين ــ إنما تقوم على اعتماد الظن الغالب، وأن الله ﷿ لم يبعث رسوله ليُحرِج العباد ويُضيِّق عليهم، بل قد عرفوا قبل نزول الآية التوسعة في ذلك، وفي أمور الدين أيضًا، كإيجاب اتباع الدلائل الظنية من الكتاب ومن كلام الرسول.\nكيف ولولا ذلك لكانت الآيتان مانعتين عن العمل بهما أنفسهما؛ لأن دلالتهما ظنية.\nوقد قال تعالى في سياق الآية الثانية: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٨].\nوقال تعالى: ﴿قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [يونس: ٦٨].\nوقال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٨٠].\nوهذه كلها أقوال لم يقم عليها دليل من شأنه أن يفيد الظن الغالب.\nالثاني: كلمة \"ما\" في قوله تعالى: ﴿مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ عامة،","vol":"19","page":91},{"text":"فتخصَّص بأدلة العمل بأخبار الثقات، ولاسيما عن النبي - ﵌ -. كيف وقد خصصت بغير ذلك من النصوص إجماعًا، وذلك بجواز أو إيجاب العمل بالظن الغالب في أشياء، كالدلائل الظنية من الكتاب والسنة المعلومة، والقضاء بالشهادة، وعمل العامي بفتوى المجتهد، والاعتماد في الصلاة والصوم على الأذان، واشتراء الأشياء ممن هي في يده مع احتمال أنه سرقها أو غصبها مثلًا، واشتراء اللُّحمان مع احتمال أنها ميتة أو لحم ما لا يحل، وقتل من نراه مع العدو في صفهم إذا لم نعرف أنه مسلم، والرأي في الحرب مع ما فيه من المخاطرة بالمسلمين، وغير ذلك.\nوشكك بعضهم في هذا بأن للخصم أن يقول: إنما أقبل من هذا ما ثبت وجوب العمل به بدليل قاطع، كالدلائل الظنية من القرآن، ولا أجيز تخصيص الدلائل الظنية من القرآن إلا بدليل قاطع، أو بما قام على وجوب العمل به دليل قاطع.\nأقول: لا حاجة للمناقشة مع هذا، بل يكفينا هنا ما يأتي.\nالثالث: أن العمل بخبر الثقة ــ ولاسيّما الأحاديث الصحيحة عن النبي - ﵌ - ــ ثابت بحجج تفيد العلم، كما يأتي إن شاء الله تعالى. وعليه فالعمل به اتباعٌ للعلم. أولا ترى أن القاضي إذا قضى في الأموال مثلًا بشهادة عدلين، فقد قضى بما أنزل الله ﷿ قطعًا، وإن كان صدق الشاهدين مظنونًا فقط. فهكذا مَن عمل بخبر الثقة فيما قامت الحجة القطعية على وجوب العمل بخبر الثقة من (^١) جنسه، والله أعلم.\n_________\n(^١) في الأصل: \"في\".","vol":"19","page":92},{"text":"[ص ٥٧] فصل\nوأما قول الله ﷿: ﴿إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ فإنها في موضعين من القرآن.\nالأولى: في سورة يونس: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٣١) فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٣٢) ... قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (٣٥) وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ [٣١ - ٣٦].\nالثانية: في سورة النجم: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (٢٠) أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (٢١) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى (٢٢) إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى (٢٣) .... إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلَائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثَى (٢٧) وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا (٢٨) فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٢٩) ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [١٩ - ٣٠].\nوينبغي النظر في معناها. فأول النظر في معنى قول العرب: \"أغنى\".","vol":"19","page":93},{"text":"وجدناهم يقولون: \"غني زيدٌ\"، بمعنى صار ذا غنى، أي: حصل له من المال ما يُعدُّ في العرف غِنًى.\nويقولون: \"غني بكذا عن كذا\"، مثل: \"غني الطفل بالطعام عن اللبن\"، أي: اجتزأ به واكتفى.\nثم يقولون:\n١ - أغنى الله زيدًا، أي: جعله ذا غنى، أي: آتاه من المال ما يُعدُّ في العرف غنى.\n٢ - أغنى الله الطفل بالطعام عن اللبن. هذا بمنزلة: أشبع الله الطفل بالطعام ــ في الإسناد.\n٣ - أغنى الطفلَ الطعامُ عن اللبن. وهذا بمنزلة: أشبع الطفلَ الطعامُ ــ في الإسناد.\n[ص ٥٨] ووجدناهم قالوا: \"أغْنِ شرَّك عني\". وأرى أصله من باب: \"أغنى الله الطفل بالطعام عن اللبن\". وأصله هكذا: (أغْنِ) ني (عن) دفْعِ (ي) شرَّك بدفعِك (شرَّك). فخذفوا مفعول \"أغنِ\"، والمضاف المجرور بـ \"عن\" ومفعوله، وضمَّنوا \"أغنِ\" معنى ادفَعْ، فاستغْنَوا بذلك عن \"بدفعك\".\nهذا، وأكثر ما يحتاج الإنسان إلى أن يُغنيه عنه غيره: دفع المضار، إذ جلب المصالح دفعٌ لما يقابلها من المضار، فلهذا كثر هذا التركيب في الكلام، فتجده في القرآن في أكثر من ثلاثين موضعًا، تارة من باب \"أغنى الله الطفل بالطعام\"، وتارة من باب: \"أغنى الطفلَ الطعامُ\".","vol":"19","page":94},{"text":"فمن الأول قول الله ﷿: ﴿فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾ [هود: ١٠١].\nوقوله سبحانه: ﴿وَقَالَ يَابَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [يوسف: ٦٧].\nوقوله ﵎: ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ١٩].\nوقوله تعالى: ﴿وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [إبراهيم: ٢١].\nوقوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ﴾ [المؤمن: ٤٧].\nوقوله ﷿: ﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (١٨) إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [الجاثية: ١٨ - ١٩].\nوقوله تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ [الدخان: ٤١].\nوقوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ","vol":"19","page":95},{"text":"شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ﴾ [التحريم: ١٠].\nومن الثاني قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [آل عمران: ١١٦].\n[ص ٥٩] وقوله ﷿ في خطاب أهل النار: ﴿انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ (٣٠) لَا ظَلِيلٍ وَلَا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ﴾ [المرسلات: ٣٠ - ٣١].\nوقوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ (٦) لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ﴾ [الغاشية: ٦ - ٧].\nفروع\nالأول: قد علمت أن العرب نطقت بهذا الاستعمال، وجعلت لـ \"أغنى عن\" مفعولًا، قالوا: \"أغْنِ عني شرَّك\".\nوقال الشاعر: .................... ............ الحِماما (^١)\nوفي \"الصحيح\" (^٢) قصة عثمان في الصحيفة التي عُرِضت عليه، فقال: \"أغْنِها عنّا\".\nوقد صرح بالمفعول في بعض هذه الآيات، وأصرحها آية الجاثية:\n_________\n(^١) تمام البيت:\nلعمرك والمنايا غالباتٌ ... وما تُغني التميماتُ الحِمامَا\nوهو لصخر الغي الهذلي في \"شرح أشعار الهذليين\" (١/ ٢٨٧)، ولأبي مثلم الهذلي في \"لسان العرب\" (غنا).\n(^٢) البخاري (٣١١١).","vol":"19","page":96},{"text":"﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ﴾ [غافر: ٤٧]، وهو في كثير من الآيات لفظ \"شيء\" إما منصوبًا، وإما مجرورًا بـ \"من\" المؤكدة للعموم.\nهذا هو الذي ينبغي اعتماده. وبعضهم يحمل لفظ \"شيء\" في كثير من الآيات على أنه مفعول مطلق، ويفسر بـ \"شيئًا من الإغناء\"، وهو تكلف لا ضرورة إليه.\nوهو في كثير من الآيات اسم استفهام مقدم، كقوله ﷿: ﴿وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى﴾ [الليل: ١١]، وقوله حكايةً عن الكافر حين يرى العذاب: ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٨]، وقوله سبحانه: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (١) مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾ [المسد: ١ - ٢].\nفـ \"ما\" في هذه الآيات استفهامية بمعنى \"أي شيء\"، والاستفهام إنكاري فيه معنى النفي.\nولا حاجة إلى جعل كلمة \"ما\" في الآيات نافية، لأن الفعل يخلو عن المفهوم، فإما أن يُدَّعى قصْرُه أو يُقدَّر، وكلاهما خلاف الأصل.\nوكذلك في قوله تعالى: ﴿حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ﴾ [القمر: ٥]، والمعنى: أي شيء من الكفر، كما يأتي في التي بعدها.\nوقوله سبحانه: ﴿وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ١٠١]. والمعنى: أي شيء من الرجس وهو الكفر؛ فإن قبلها: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (١٠٠) قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي﴾ الآية.","vol":"19","page":97},{"text":"فأما قوله تعالى: ﴿وَلَا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ﴾ [المرسلات: ٣١]، وقوله: ﴿وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ﴾ [الغاشية: ٧] فسيأتي الكلام عليها إن شاء الله تعالى.\nالثاني: كلمة \"عن\" ومجرورها ثابتة في أكثر الآيات، وتُرِكت في بعضها، والذي يترجح تقديرها؛ لتجري الآيات على وتيرة واحدة.\nففي قوله تعالى: ﴿فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ﴾ أي عنهم، أي الكفار المتقدم ذكرهم قبلُ، أو ﴿عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ كما في الآية الأخرى، أو \"عن المكذبين المتبعين أهواءهم\"؛ لأن قبلها ﴿وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾.\nوإذا قلنا بتقديره في ﴿وَلَا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ﴾ فتقديره: \"عن المستظل به\".\nوفي ﴿وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ﴾ يقدر: \"عن آكله\".\nالثالث: اضطربت الأقاويل في كلمة \"من\" التي تجيء في هذا التركيب في نحو قوله تعالى: ﴿لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [الجاثية: ١٩].\nوالذي يترجح حملها على ما بينته آية \"المؤمن\": ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ﴾. فيقال في ﴿لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾: إن تقدير المعنى: \"لن يغنوا عنك شيئًا من أمر الله\"، وفي آيتي \"يوسف\": \"شيئًا من قضاء الله\"، وفي آية \"التحريم\": \"شيئًا من عذاب الله\" وكذلك في آية \"آل عمران\".\nوعلى هذا فالظاهر أن يقدر في آيتي \"المرسلات\" و\"الغاشية\": \"شيئًا\" أي: ولا يُغني عن المستظلِّ به شيئًا من اللهب، ولا يُغني عن آكله شيئًا من","vol":"19","page":98},{"text":"جوع.\nوأما التقدير النحوي فعلى نحو ذلك، إلا أنه قد عُرِف أن النعت إذا تقدم على المنعوت أُعرِب حالًا. والله أعلم.\n[ص ٦٠] إذا تقرر هذا فقوله ﷾: ﴿إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [يونس: ٣٦] معناها: إن الظن لا يدفع عن صاحبه شيئًا من الحق.\nوالحق الذي من شأنه أن يتوجه إلى الإنسان فيحاول إذا كرهه أن يدفعه بالظن= لا يخرج عن أربعة أشياء:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-40>الأول: اليقين</span>.\nالثاني: البراهين اليقينية.\nالثالث: ما ثبت بالبراهين اليقينية.\nالرابع: العقاب المتوجه إلى العصاة.\nأما اليقين فإنه قد يحصل للإنسان بشيء، ثم تَعرِض له شبهة لا يتيسر له حلها، فتورثه ضربًا من الوسواس، فإن أعرض عن ذلك وصرف ذهنه عنه سَلِم له يقينه.\nومن هذا ــ والله أعلم ــ ما ورد في الأحاديث في شأن الخواطر التي تَعرِض للمؤمن مخالفةً لإيمانه.\nففي \"الصحيحين\" (^١)\nوغيرهما من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﵌ -: \"يأتي الشيطان أحدكم فيقول: من خلق كذا؟ من خلق كذا؟ حتى\n_________\n(^١) البخاري (٣٢٧٦) ومسلم (١٣٤/ ٢١٤) ..","vol":"19","page":99},{"text":"يقول: من خلق ربَّك؟ فإذا بلغه فليستعِذْ بالله ولْينتهِ\".\nوفي \"الصحيحين\" (^١) عنه أيضًا، قال رسول الله - ﵌ -: \"لا يزال الناس يتساءلون حتى يقال: هذا خلق الله الخلق، فمن خلق الله؟ فمن وجد من ذلك شيئًا فليقل: آمنت بالله ورسله\".\nوفي \"صحيح مسلم\" (^٢) عنه أن جماعة من الصحابة قالوا للنبي - ﵌ -: إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به. قال: \"أوقد وجدتموه؟ \"، قالوا: نعم، قال: \"ذاك صريح الإيمان\".\nفأمرهم النبي - ﵌ - بالإعراض عن الشبهة، وصرف الذهن عنها؛ ولهذا كان أئمة السلف يجتنبون مجالسة أهل الأهواء، وينهون عن مجالستهم وعن سماع كلامهم.\nفإن لم يُعرِض عنها فقد يتأتى له حلُّها، فيسلَم له يقينه، وقد لا يتأتى فتقوى في نفسه، لوجهين:\nالأول: أن النفس تدعي أنها أهل للفهم والمعرفة، فإذا لم يتأتَّ لها حلُّ الشبهة توهمت أن ذلك لقوتها، وأنها لعلها حقٌّ لا شبهةٌ، ولعل الحجج التي تخالفها شبهات!\nالثاني: أن الذهن يشتغل بالنظر فيها، فيغفُل عن الحجج المخالفة لها.\nهذا، والحكمة التي اقتضت الخلقَ والتكليفَ اقتضت أن لا تكون\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٣٤/ ٢١٢)، ولم أجده عند البخاري بهذا اللفظ. وأصله فيه (٧٢٩٦) من حديث أنس. وانظر \"الفتح\" (٦/ ٣٤١).\n(^٢) رقم (١٣٢).","vol":"19","page":100},{"text":"حجج الحق في أقصى غاية الوضوح؛ لأنه يفوت بذلك الابتلاء والاختبار، وبفواته يفوت مقصود الخلق والتكليف، كما أوضحته في موضع آخر.\nمع أن الناس قد شككوا في الحسيات، وفي العقليات الأولية، كما حكي عن السوفسطائية.\nثم يصير هذا الرجل: إن رجع إلى الحجج وتدبرها رجع له يقينه، فإن رجع إلى الشبهة وتابعها فقد يرجع له ارتيابه، وهكذا، فيكون ــ كما في الحديث (^١) ــ مِثلَ المنافق كالشاة [العائرة] بين الغنمين، تارةً إلى هذه وتارةً إلى هذه.\nوقد تكون الشبهة واهية ولكن يقوِّيها الهوى، فيمنع صاحبها عن فحصها، كما يمنعه عن تدبر ما يقابلها. وأكثر ما يتفق هذا إذا كان عند الإنسان يقين، وله هوى في رأي لا يستحضر أنه مخالف لذلك اليقين، فيقوم من ينازعه في ذلك الهوى، ويحتج عليه بذلك اليقين.\nفمن هذا أن مشركي قريش كانوا يعلمون بفطرهم، وبما وصل إليهم من شرع إبراهيم ﵇، وما بلغهم عن غيره من الأنبياء المتقدمين: أن الإنسان مخيَّر في أفعاله، إن شاء فعل وإن شاء ترك، وأن الناس كثيرًا ما يعصون أمر الله ﷿ ويرتكبون مناهيه، وأنه يبعث إليهم الأنبياء فيدعونهم، فإن عصَوهم وأصرُّوا عُذِّبوا.\n[ص ٦١] هذا كان متيقنًا عندهم، لا يخالجهم فيه شك، وكانوا يعلمون أن أصحاب الفيل عَصَوا الله ﷿ بقصدهم هدم بيته، فعذبهم، وكانوا\n_________\n(^١) الذي أخرجه مسلم (٢٧٨٤) من حديث عبد الله بن عمر.","vol":"19","page":101},{"text":"يرون الحج واجبًا، واحترام البيت واجبًا، ويرون في بعض الأشياء أنها حرام، ثم يعلمون أن منهم من يترك الواجب، ومنهم من يرتكب الحرام، ويرون أنه عاصٍ، ويوبِّخونه على ذلك.\nولما بُعِث النبي - ﵌ -، ودعاهم إلى نبذ ما كانوا عليه من الشرك والمحدثات = أنكروا عليه وعلى أصحابه، وآذَوهم، وزعموا أنهم مسيئون وكاذبون وضالُّون، إلى غير ذلك مما هو معروف.\nوكان عندهم يقين بوجود الله ﷿ وربوبيته، وأنه الخالق الرازق المدبر، إلى غير ذلك مما قررهم به الله ﷿ في كتابه.\nوكان لهم مع هذا اليقين الثاني أشياء من الشرك، ومن تحريم ما لم يحرمه الله ﷿، وغير ذلك، ولا يستحضرون أن هذا منافٍ لليقين الثاني.\nفلما بعث الله محمدًا - ﵌ - فقرَّرهم باليقين الثاني، وبيَّن لهم أن ما هم عليه من الشرك والتحريم منافٍ له= فزعوا إلى شبهة تخالف اليقين الأول، ولكن استروحوا إليها؛ لظنهم أنها تدفع المنافاة بين يقينهم الثاني وبين شركهم وتحريمهم.\nوذلك ما قصَّه الله ﷿ بقوله: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ (١٤٨) قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٨ - ١٤٩].\nوقال سبحانه: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ","vol":"19","page":102},{"text":"شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (٣٥) وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [النحل: ٣٥ - ٣٦].\nوقال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ الآيات [الزخرف: ٢٠].\nوحاصل شبهتهم: أن الله على كل شيء قدير، وهو المدبِّر الأمرِ في السماوات والأرض، فلو كان يكره الشرك والتحريم من دونه لمنعنا وآباءنا من ذلك بقدرته، فلما لم يفعل علمنا أنه لا يكره ذلك، وإذا كان لا يكرهه فمن المحال أن ينهى عنه، فالقول بأنه يكرهه وينهى عنه ويعذب عليه باطلٌ.\nفأنت ترى شبهتهم هذه منقوضة بما تقدم من يقينهم الأول، وهو اعتقاد لا يفارقهم حتى في هذه الشبهة نفسها؛ فإن الأشياء التي حرَّموها يزعمون أنها حرام على كل حال، وأن من استحلها فقد عصى، مع أنهم يعلمون أن من الناس من يستحلها.\nوكذلك زعموا في شبهتهم هذه أن محمدًا - ﵌ - مُبطِلٌ وأنه مُسِيء في ذلك، مع أنهم لا يقبلون ممن استحل تلك المحرمات أن يقول لهم: لو شاء الله لم أستحلها، ولا يقبلون من محمد - ﵌ - وأصحابه أن يقولوا لهم: لو شاء الله لما سفَّهنا أحلامكم وطعنّا في دينكم، وفعلنا وفعلنا!\n[ص ٦٢] وأشدُّ قِحَةً وعنادًا منهم: اليهود، يعلمون ويعلم الناس أنه لا","vol":"19","page":103},{"text":"مستند لهم إلا زعمهم أنهم أهل الكتاب الذي أنزله الله ﷿ على موسى، ثم لم يمنعهم ذلك إذا أرادوا أن يبالغوا في تكذيب محمد - ﵌ - أن قالوا: ما أنزل الله على بشر من شيء. قال الله ﷿: ﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأنعام: ٩١].\nوالمقصود أن ما تُحدِثه الشبهة من الوسواس في الصدر قد يقوى حتى يدافع اليقين.\nوأما الثاني، أعني البراهين اليقينية، فمحاولة دفعها بالظن أوضح؛ لأنه لا يلزم من ذلك اجتماع الظن واليقين لرجل واحد، بل قد يكون سبقت إلى نفسه شبهة وافقت هوى فأورثه ذلك ظنًّا، ثم لما دُعي إلى خلاف ذلك، وعُرِضت عليه البراهين اليقينية، أعرض عنها ولم يتدبَّرها، وحاول دفعها عن نفسه بما عنده من الظن.\nوقد يكون موقنًا بما قامت عليه البراهين ولكنه جاحد معاند، كما قال موسى لفرعون ــ فيما قصه الله تعالى ــ: ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ [الإسراء: ١٠٢].\nوقال الله ﷿ في الآيات التي أراها الله تعالى فرعون وقومه: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٤]. فمن كان هذه حاله فإنه يلفِّق شبهاتٍ من شأنها أن توقع ترددًا ما، أو من شأنها ــ لو لم يكن في مقابلها برهان ــ أن تكون غايتها أن تقتضي ظنًّا، ثم يحاول أن يدفع بها البراهين.","vol":"19","page":104},{"text":"وإذا حملت الآية على هذا تعين حمل الظن في الآية على الشبهات المذكورة. وقال تعالى: ﴿وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ﴾ [المؤمن: ٥].\nوأما الثالث، وهو ما ثبت بالبراهين القطعية، فمحاولة الإنسان دفعه بالظن يكون على أوجه:\nمنها: نحو ما تقدم في الأول، وفي الثاني؛ لأن من يحاول دفع اليقين أو البراهين اليقينية فقد حاول دفع ما يترتب عليها. وذلك كبطلان الشرك، فإن من استيقن بطلانه، ثم عرضت له شبهة فحصل له بها ارتياب، فحاول أن يدفع به اليقين، فقد حاول بذلك دفع ما يترتب على ذلك اليقين من بطلان الشرك. وكذلك من كانت عنده شبهة فحاول أن يدفع بها البراهين المثبتة لبطلان الشرك، فقد حاول دفع ما ثبت بتلك البراهين من بطلان الشرك.\nومنها: أن يكون الرجل على أمرٍ وعنده شبهة فيه، فيبلغه أن داعيًا دعا إلى خلافه، وأنه يزعم أن عنده براهين قطعية، فيعرض الرجل عن ذلك قائلًا: أظنه كاذبًا، وأظن ما أنا عليه حق، فإن كان في نفس الأمر صادقًا فأنا معذور لظني هذا، فلا يلزمني ما يدعو إليه.\nوتضعف شبهة هذا إذا قامت قرينة على صدق الداعي، وقد يكون من هذا قول الله ﷿: ﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ [الشورى: ١٦].\nوأما الرابع، وهو العذاب، فيعرف حاله مما تقدم في الرابع (^١).\n_________\n(^١) كذا في الأصل.","vol":"19","page":105},{"text":"وقال تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ [الأعراف: ١٦٩].\n[ص ٦٣] فظنُّهم أنه سيغفر لهم لا يدفع عنهم ما حق على العصاة من العذاب.\nوقال تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ ... (٣٤) وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا (٣٥) وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا﴾ [الكهف: ٣٤ - ٣٦].\nفظنُّه أنها لن تبيد، وأن الساعة لا تقوم، وأنها إن قامت وجد خيرًا منها= لا يدفع عنه شيئًا مما حق على أمثاله من العذاب. وكذلك ظنُّ المشركين أن آلهتهم ستشفع لهم، وغير ذلك.\nوالذي يترجح أن المراد بالظن الشبهات، وبالحق البراهين القطعية. قال الله ﷿: ﴿وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ﴾ [الكهف: ٥٦].\nوعلى ذلك يدل السياق؛ فإن الله سبحانه قرر في آية \"يونس\" (^١) البراهين المبطلة للشرك، وقد انضمَّ أيضًا خبر الرسول المؤيد بالمعجزات، وخبر القرآن المعجز، ثم قال: ﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ\n_________\n(^١) في الأصل: \"يوسف\" سهوًا.","vol":"19","page":106},{"text":"شَيْئًا﴾ [يونس: ٣٦]. فكأنه يقول: هذه براهين قطعية، وهم يعرضون عنها، ويتبعون شبهات غايتها أن تورث ظنًّا ما، أي في بعض الأحوال، كما تقدم توضيحه. و﴿إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾، أي: وإن تلك الشبهات لا تدفع عنهم شيئًا من البراهين القطعية، أي: من قيام الحجة بها، ووجوب اتباعها عليهم، وما يترتب على ذلك في الدنيا والآخرة.\nوكذلك في آيات \"النجم\".\nوإنما قال في آية \"يونس\": ﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ﴾ لأن منهم من كان يعلم بطلان الشبهات، وإنما أصرَّ على الكفر اتباعًا للهوى فقط، ولذلك قال في آية \"النجم\" الأولى: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ﴾، وذلك على التوزيع، والله أعلم. أي: أكثرهم يتبعون الظن والهوى، وأقلهم يتبعون الهوى فحسب. فأما الآية الثانية فقوله: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ﴾. أي: أكثرهم، والله أعلم.\nوعلى هذا، فالآية عامة محكمة لا يخص منها شيء البتة، والمسلمون جميعًا قائلون بموجبها، فإنهم إنما يحتجون بالدلائل الظنية ــ ومنها خبر الواحد ــ ما لم تعارضها براهين قطعية.\nفإن قيل: قد يكون هناك برهان قطعي لم يعرفه العالم، فيعمل بالدليل الظني.\nقلت: هذا غير داخل في الآية، لأن تقديرها كنظائرها كما علمت: \"إن الظن (^١) لا يدفع عن صاحبه من الحق شيئًا\". ودفع الشيء إنما يكون بعد\n_________\n(^١) الأصل: \"الحق\" سبق قلم.","vol":"19","page":107},{"text":"توجهه، والعالم إذا لم يعرف الدليل القطعي ولم يسمع به لا يصدُق عليه أن الدليل اتجه إليه فدفعه بالظن. فتدبر. والله الموفق.\nقد يقال: فإن البراءة الأصلية يقينية، فهي من الحق، فعلى هذا لا يرفعها الظن، فلا تُرفع بخبر الواحد.\nقلت: قولك \"يقينية\" إن أردت به أن استمرارها متيقن فباطل، وإن أردت أنه متيقنٌ أنها قد كانت قبلُ، فمسلَّم. ولكن المدار على ما هو يقين في الحالة الراهنة، وليست كذلك، بل قد يُتيقن ارتفاعها، كما إذا بُيِّن رفعُها بيقين. وقد يُظنّ، كما إذا كان الدليل الرافع عنها ظنًّا، فيصير بقاؤها وهمًا فقط، والوهم أضعف من الظن.\nولا يلزم من كون الظن لا يرفع اليقين الذي هو أقوى منه أن لا يرفع الوهم الذي هو دونه. بل الحق أنه كما أن الظن لا يرفع اليقين، فكذلك الوهم لا يرفع الظن.\nفإن قلت: لكن البراءة الأصلية حجة إجماعًا، فهي مستندة إلى يقين، وخبر الواحد اختلف فيه.\nقلت: أما أولًا فسنوضح أن خبر الواحد مستند إلى اليقين أيضًا.\nوأما ثانيًا فالبراءة الأصلية إنما أُجمِع على صحة الاستناد إليها عند عدم الدليل.\nفإن قلت: لكن لا نسلِّم أن خبر الواحد دليل.\nقلت: أما أولًا فسنثبت ذلك بحججه إن شاء الله تعالى.","vol":"19","page":108},{"text":"وأما ثانيًا فالإجماع الذي ذكرته في البراءة الأصلية إنما هو حيث لم يصح الخبر بما يرفعها ولم يكن هناك دليل آخر، فأما إذا صح الخبر فالنبي - ﵌ - ثم أصحابه وسلف الأمة متفقون على أنه يرفعها.\nوهَبْ أن دعوانا هذه لا تقوم عليها الحجة، فالذي لا تنكره أنت ولا تستطيع إنكاره أن جمهور أهل العلم على أن الخبر يرفعها. وهذا كافٍ في دفع ما ادعيته من الإجماع.\nفإن قلت: من رأيي أنا استصحاب الإجماع.\nقلت: هو رأي ضعيف، ويكفينا هنا أن نقول: استصحاب الإجماع غير الإجماع، والإجماع المحقق قد يفيد اليقين، وأما استصحابه فيما تحقق فيه الخلاف فغايته أن يكون ظنًّا، فإذا عارضه ظنٌّ أقوى منه صار وهمًا، والوهم لا يدفع الظن.\nفأما معارضة خبر الواحد لظاهر القرآن ونحوه من الدلائل المستندة إلى اليقين، فسيأتي الكلام فيه إن شاء الله تعالى.\nفصل\n[ص ٦٤] ذهب كثير إلى أن ﴿يُغْنِي﴾ في الآية هي نحوها في قولك: \"إن الطعام لا يُغني عن الشراب\". أي لا يقوم مقامه، ولا يسدُّ مسدَّه، وجعلوا \"من\" بمعنى بدل، كهي في قوله تعالى: ﴿أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ﴾ [التوبة: ٣٨]، وجعلوا ﴿شَيْئًا﴾ مفعولًا مطلقًا، على أن المعنى: \"شيئًا من الإغناء\".","vol":"19","page":109},{"text":"وهذا معترَضٌ بوجوه:\nالأول: أنه إخراجٌ لكلمة ﴿يُغْنِي﴾ عن المعنى الذي اطرد في القرآن في نحو هذا التركيب استعمالها فيه.\nفإن كان أصله مجازًا فقد صار بالاطراد في تلك المواضع ــ مع كثرتها ــ في قوة الحقيقة، إن لم نقل: حقيقة. وفي إخراجه عن ذلك إخراجٌ للآية عن نظائرها الكثيرة في القرآن، وقد تقدم طائفة منها. ومنها قوله تعالى: ﴿لَا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ﴾ [المرسلات: ٣١]، ﴿وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ﴾ [الغاشية: ٧]، ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [إبراهيم: ٢١]، ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ﴾ [غافر: ٤٧].\nوالاسم الذي يلي \"من\" في هذه الآيات مدفوع، أي: متجه إليه ما في معنى \"يغني\" من الدفع، ولو جعلت \"من\" فيها للبدل لانعكس المعنى. إذ يصير المعنى: أن اللهب يغني، وكذلك الجوع، والعذاب، والنار. وذلك باطل قطعًا، فالواجب حمل هذه الآية على نظائرها الكثيرة، وإن أمكن حملها على خلافها.\nالثاني: أن \"من\" البدلية قليلة، وإنما تحسُنُ حيث كان المعنى على الاستبدال والمعاوضة، كما في ﴿أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ﴾ [التوبة: ٣٨]، فقد قال تعالى: ﴿اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ﴾ [البقرة: ٨٦]، وقال سبحانه: ﴿الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ﴾ [النساء: ٧٤].","vol":"19","page":110},{"text":"الثالث: أن حمْلَ \"شيئًا\" على المفعولية المطلقة، أي: \"شيئًا من الإغناء\"= بعيدٌ.\nومع ذلك، فقد يقال: أقصى ما هناك أن يصير المعنى: إن الظن لا يغني عن الحق، فيكون المراد بالحق هو اليقين. وحاصله أن الظن لا يقوم مقام اليقين ولا يسدُّ مسدَّه، فوِزانُه قولنا: إن الشرطة لا يُغنُون عن الجند شيئًا من الإغناء. فحاصله: أن هناك مقاصد لا يغني فيها إلا الجند، كمهاجمة الأعداء الأقوياء، وصدّ هجماتهم، ونحو ذلك. وأن الشرطة لا يغنون في ذلك عن الجند شيئًا من الإغناء، وهذا لا يدفع أن يكون الشرطة محتاجًا إليهم ومنتفَعًا بهم، وتقوم بهم كثير من المصالح.\nأقول: في هذا نظر، إذ قد يقال: عدم المنافاة إنما استُفيد من خارج، فأما ظاهر العبارة فالعموم، وذلك في قولك: \"إن الظن لا يغني عن اليقين شيئًا من الإغناء\"= واضح؛ فإنه ما من شيء يُتصور أن يُنتفَع فيه بالظن إلا وينفع فيه اليقين، فلو كان الانتفاع بالظن ثابتًا لكان قد أغنى عن اليقين في تلك الجزئية.\nفإن قيل: فنقول بأن هذا العموم مخصوص، أما أولًا فأمور الدنيا غالبها قائم على الظن، والظن في كثير من الأشياء يغني عن اليقين. ألا ترى أنه كثيرًا ما ينتفع المريض بالدواء وإن لم يكن يتيقن أن الدواء ينفعه؟ وأن التجار كثيرًا ما يربحون وإن لم يكونوا متيقنين أنهم سيربحون؟ إلى غير ذلك. وأما أمور الدين فتُخصَّص بالأدلة الموجبة العملَ بالظن في مواضعه.\nقلت: نعم، هذا جواب، ولكنني أرى لزوم هذا مما يوهن هذا المعنى،","vol":"19","page":111},{"text":"ويرجح المعنى الأول.\nوذلك أن قوله تعالى: ﴿إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [يونس: ٣٦] مرسلةٌ إرسالَ المثل، وموضوعة وضع القاعدة، وما كان هكذا فحقه أن يكون سالمًا من التخصيص. والمعنى الذي قدمناه سالم من التخصيص كما تقدم، فهو أرجح من هذا.\nوقد أجيب عن الآية بناءً على هذا المعنى الأخير أو نحوِه، بأجوبة قد أغنانا الله عنها بما تقدم، على أن بعضها قريب مما مرَّ في الأجوبة عن الآية الأولى. والله الموفق.\n[ص ٦٥] فصل\nومما يذكر هاهنا أن النبي - ﵌ - لم يعمل بخبر ذي اليدين حتى سأل الناس فصدقوه (^١).\nوأن أبا بكر ﵁ سأل الناس في شأن ميراث الجدة، فأخبره المغيرة بن شعبة عن النبي - ﵌ -، فقال أبو بكر: هل معك غيرك؟ فقام محمد بن مسلمة فأخبر بمثله (^٢).\nوأن عمر جاءه أبو موسى الأشعري فاستأذن ثلاثًا، ثم رجع، فسأله عمر بعد ذلك، فذكر أن النبي - ﵌ - أمر بمثل ذلك، فقال عمر: لتأتيَّن [على هذا\n_________\n(^١) سبق تخريجه.\n(^٢) أخرجه مالك في \"الموطأ\" (٢/ ٥١٣) وأبو داود (٢٨٩٤) والترمذي (٢١٠١) من رواية قبيصة بن ذؤيب عن أبي بكر، وإسناده منقطع. وصححه الترمذي وابن حبان والحاكم.","vol":"19","page":112},{"text":"ببيِّنةٍ] (^١) أو لأفعلنّ وأفعلنّ. فذهب أبو موسى إلى مجلس الأنصار، فجاء معه بعضهم، فحدث بذلك عن النبي - ﵌ - (^٢).\nوأنه ردَّ خبر فاطمة بنت قيس في جواز خروج المبتوتة من بيت زوجها في العدة، وقال: لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا لقول امرأة لا ندري حفظت أم نسيت (^٣).\nوأن ابن عباس لم يقبل خبر أبي هريرة، قال النبي - ﵌ -: \"الوضوء مما مست النار، ولو من ثَورِ أَقِطٍ\"، وقال له: \"يا أبا هريرة، أتوضَّأ من الدهن؟ أتوضأ من الحميم؟ \" (^٤).\nأقول: أما خبر ذي اليدين فإن النبي - ﵌ - كان يرى أنه صلى أربعًا، فلما أخبره ذو اليدين بخلاف ذلك توقف؛ لأنه ليس احتمال كونه - ﵌ - سها بأولى من أن يكون ذو اليدين غفل، وكان سكوت غيره من أكابر الصحابة وانفراده من بينهم مما يقوي احتمال أنه غفل.\nوأما قصة أبي بكر ففيه أنه قضى بخبر الاثنين، وتبعه الناس إلى يوم القيامة. وخبر الاثنين من جملة أخبار الآحاد اتفاقًا، فهذا من جملة الحجج على حجيته.\nثم نقول: إن أبا بكر لم يردَّ خبر المغيرة، ولا ترك العمل به، وإنما سأل:\n_________\n(^١) ترك المؤلف هنا بياضًا.\n(^٢) أخرجه البخاري (٦٢٤٥) ومسلم (٢١٥٣، ٢١٥٤).\n(^٣) أخرجه مسلم (١٤٨٠/ ٤٦).\n(^٤) أخرجه الترمذي (٧٩) وابن ماجه (٤٨٥).","vol":"19","page":113},{"text":"هل معك غيرك؟ وهذا محمول على التثبت والاحتياط، كما يأتي.\nوالمجتهد لا يكتفي بالآية من كتاب الله ﷿ حتى ينظر غيرها من الأدلة؛ لاحتمال أن يكون في غيرها ما يقيِّدها أو يخصِّصها، أو غير ذلك. ومعلوم أنه إذا لم يجد شيئًا من ذلك بعد البحث عمل بها، ولا بد.\nوقد تواتر عن الصحابة ﵃ العمل بخبر الواحد وحده إذا لم يجدوا ما يعارضه.\nفبان بذلك أن قول أبي بكر: هل معك غيرك؟ إنما محمله ما ذكرنا.\nوأما قصة عمر مع أبي موسى ففيها أن عمر قنعَ بمتابعة أبي سعيد لأبي موسى، وهما اثنان.\nثم قد أجاب عنها الشافعي ﵀، قال في \"الرسالة\" (^١): \"فإن قال قائل: ... قيل له: لا يطلب عمر ... إلا على أحد ثلاث معانٍ: إما أن يحتاط فيكون، وإن كانت الحجة تثبت بخبر الواحد فخبر اثنين أكثر، وهو لا يزيدها إلا ثبوتًا.\nوقد رأيت ممن أثبت خبر الواحد من يطلب معه خبرًا ثانيًا، ويكون في يده السنة عن النبي - ﵌ - من خمسة وجوه، فيحدَّث بسادس فيكتبه؛ لأن الأخبار كلما تواترت وتظاهرت كانت أثبت للحجة، وأطيب لنفس السامع.\nوقد رأيت من الحكام من يثبت عنده الشاهدان العدلان والثلاثة، فيقول للمشهود له: زدني شهودًا، وإنما يريد أن يكون أطيب لنفسه، ولو لم يزده المشهود له على شاهدين لحكم له بهما ....\n_________\n(^١) (ص ٤٣٢ وما بعدها).","vol":"19","page":114},{"text":"قد روى مالك (^١) عن ربيعة عن غير واحد من علمائهم حديث أبي موسى، وأن عمر قال لأبي موسى: أما إني لم أتهمك، ولكن خشيت أن يتقول الناس على رسول الله - ﵌ - ... \".\nأقول: وفي \"الفتح\" (^٢) عن رواية أخرى: \"فقال عمر لأبي موسى: والله إن كنت لأمينًا على حديث رسول الله - ﵌ -، ولكن أحببت أن أستثبت\".\nوفيه (^٣) عن رواية أخرى: أن أُبي بن كعب أنكر على عمر مقالته لأبي موسى، وقال: يا ابن الخطاب، فلا تكوننَّ عذابًا على أصحاب رسول الله - ﵌ -. قال: سبحان الله! إنما سمعت شيئًا فأحببت أن أتثبَّت.\nوفيه (^٤): \"قال ابن بطال: ... وقد قبل عمر خبر العدل الواحد بمفرده في توريث المرأة من دية زوجها، وأخذ الجزية من المجوس، إلى غير ذلك، لكنه كان يستثبت إذا وقع له ما يقتضي ذلك.\nوقال ابن عبد البر (^٥): [٦٦] يحتمل أن يكون حضر عند عمر من قرُبَ عهده بالإسلام، فخشي أن أحدهم يختلق الحديث عن رسول الله - ﵌ - عند الرغبة والرهبة ... فأراد أن يعلمهم أن من فعل شيئًا من ذلك ينكر عليه حتى يأتي بالمخرج\".\n_________\n(^١) في \"الموطأ\" (٢/ ٩٦٤).\n(^٢) (١١/ ٣٠).\n(^٣) (١١/ ٢٨، ٢٩). وفيه: \"فلا تكون\"، \"وأن أثبت\". والتصويب من \"صحيح مسلم\" (٢١٥٤).\n(^٤) (١١/ ٣٠).\n(^٥) كما في \"الفتح\" (١١/ ٣٠). وانظر \"التمهيد\" (٣/ ٢٠٠).","vol":"19","page":115},{"text":"وفي \"الصحيح\" أن عمر لما أخبره أبو سعيد قال: \"خفي علي هذا من أمر النبي - ﵌ -، ألهاني الصفق بالأسواق ... \". أخرجه البخاري في \"الاعتصام\" (^١).\nوالحاصل أن الاستئذان مما تعم به البلوى، وقد صحب عمر النبي - ﵌ - ولازمه أكثر من صحبة أبي موسى، فلما أخبره بهذا كان مظنة أن يقع له تردد؛ لأن الظاهر أنه لو كان هذا الحكم ثابتًا لما خفي عنه. ولهذا قال أخيرًا: \"شغلني الصفق بالأسواق\".\nوكان أبو موسى دافعًا عن نفسه، فإن عمر أنكر عليه رجوعه وعدم انتظاره، فاحتج بالحديث، فأراد عمر ما تقدم عن ابن عبد البر.\nوقد جاء في حديث ابن عمر أن سعدًا حدثه بحديث المسح على الخفين، فسأل أباه عنه، فقال: إذا حدثك سعد عن النبي - ﵌ - فلا تسل عنه غيره (^٢).\nوقال الشافعي: \"وفي كتاب الله تعالى دليل على ما وصفت ... \". \"الرسالة\" (ص ٦٠) (^٣).\n\nوأما<span data-type=\"title\" id=toc-49> توقف عمر عن خبر فاطمة بنت قيس</span>، فإنه قال: \"لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا لقول امرأة لا ندري حفظت أم نسيت\"، فبين أنه إنما توقف\n_________\n(^١) رقم (٧٣٥٣).\n(^٢) أخرجه البخاري (٢٠٢).\n(^٣) (ص ٤٣٥) تحقيق أحمد شاكر.","vol":"19","page":116},{"text":"لمخالفة خبرها عنده للكتاب والسنة، فأما الكتاب فإنه قول الله ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ﴾ [أول سورة الطلاق]. وهذا يعم المبتوتة، وإن نُوزِع في العموم.\nوأما السنة فلا ندري أي سنة كانت عند عمر، فقد يكون كانت عنده سنة يراها نصًّا في وجوب السكنى للمبتوتة، وقوَّاها عموم الكتاب عنده. وإذا كان كذلك، رد خبرها لمعارضته لما هو عنده أقوى منه.\nوقد استدل بعض الحنفية بالقصة على أن مذهب عمر أن خبر الواحد لا يخصص القرآن.\nوإنما يقوى هذا لو لم يقل عمر: \"وسنة نبينا\".\n[ص ٦٧] وأما قصة ابن عباس فلم يردَّ الحديث بمجرد الرأي، كما يتوهم. وقد قال محمد بن عمرو بن عطاء: كنت مع ابن عباس في بيت ميمونة زوج النبي - ﵌ - في المسجد، فجعل يعجب ممن يزعم أن الوضوء مما مست النار، ويضرب فيه الأمثال، ويقول: إنا نستحم بالماء المسخن، ونتوضأ به، وندهن بالدهن المطبوخ، وذكر أشياء مما يصيب الناس مما قد مست النار، ثم قال: لقد رأيتني في هذا البيت عند رسول الله - ﵌ -، وقد توضأ، ثم لبس ثيابه، فجاءه المؤذن، فخرج إلى الصلاة، حتى إذا كان في الحجرة خارجًا من البيت لقيتْه هديةُ عضوٍ من شاة، فأكل منها لقمة أو لقمتين، ثم صلى وما مسَّ ماء\".\nهكذا ساقه البيهقي في \"السنن\" (١/ ١٥٣). وأصله في \"صحيح","vol":"19","page":117},{"text":"مسلم\" (^١). وقد روت خالته ميمونة نحو ذلك (^٢). فلا يخلو حاله عن أحد وجهين:\nالأول: أن يكون قد علم أن النبي - ﵌ - أمر أولًا بالوضوء مما مست النار، ثم نسخ ذلك، فهو إنما ينكر على من بقي يأخذ بالمنسوخ، ويضرب له الأمثال ليثبت له أنه لو بقي الحكم الأول لزم التضييق على الناس في أمور كثيرة.\nالوجه الثاني: أن لا يكون سمع الحديث إلا من أبي هريرة، فخاف أن لا يكون أبو هريرة أتقن لفظه، فأراد بضرب الأمثال تنبيهه.\nوالظاهر هو الأول؛ فإن خبر الوضوء مما مست النار كان مشهورًا بينهم، رواه عدد من الصحابة غير أبي هريرة.\nوقد روي عن أبي هريرة قال: \"أكل رسول الله - ﵌ - ثورَ أقطٍ فتوضأ، وأكل كتفًا ولم يتوضأ\". أخرجه البيهقي (١/ ١٥٦). فالظاهر أن أبا هريرة كان يرى أن لحم الغنم مخصوص من العموم، أو يرى أن النسخ كان خاصًّا بالنبي - ﵌ -.\nوالمقصود هنا أن ابن عباس إنما عمدته ما رآه من فعل النبي - ﵌ -، والظاهر أنه عارف بأن خبر أبي هريرة صحيح، ولكنه يراه منسوخًا، وقال مقالته تقويةً للنسخ.\nوفي القصة أن أبا هريرة أجابه بقوله: \"يا ابن أخي، إذا حدثتك عن النبي\n_________\n(^١) رقم (٣٥٩).\n(^٢) أخرجه مسلم (٣٥٦).","vol":"19","page":118},{"text":"- ﵌ - فلا تضرب له الأمثال\". والقصة في \"سنن الترمذي\" (^١).\nوهذا يدل أن أبا هريرة كان يرى الوضوء مما مست النار، ولا يراه من الادِّهان بالدهن المطبوخ، ولا يرى بأسًا بالوضوء بالماء الحار.\nوكلام ابن عباس يحتمل أنه إنما بناه على ما يفهم من لفظ الحديث، على ما ذكره أبو هريرة: \"الوضوء مما مست النار\"، فإنه إذا قلنا بعموم المقتضي يعم الادِّهان بالدهن المطبوخ، واستعمال الماء الحميم. فأما إذا كان المراد بالوضوء مما مست النار: ما غيَّرت النار كما ثبت في بعض الروايات، فلا يدخل ما لم تغيِّره تغييرًا ظاهرًا، كالماء.\nوإذا كان المراد بالوضوء من ذلك الوضوء منه إذا طعمه الإنسان ــ كما هو المعروف عنهم ــ فلا يدخل الادهان والاغتسال، وإلحاقه بالقياس غير ظاهر؛ إذ غير مستنكر أن يورث أكل الشيء حالًا في البدن لا يورثها الادهان به ونحوه، كما في الخمر والسم وغير ذلك.\nهذا، وقد زعم بعض أهل الرأي أن ابن عباس ردَّ خبر أبي هريرة بمجرد القياس، وجعل ذلك أصلًا في أن الصحابي الذي لم يشتهر بالفقه إذا أخبر بخبر مخالف للقياس كان القياس أرجح منه (^٢).\nكذا قال، ولعله يأتي الكلام في هذا إن شاء الله تعالى. والمقصود هنا التنبيه على أن هذه القصة ليست كما زعم، والله المستعان.\n_________\n(^١) رقم (٧٩).\n(^٢) انظر \"أصول البزدوي\" (١٥٩) و\"أصول السرخسي\" (١/ ٣٤٠) وغيرهما. وردَّ عليه من الحنفية: عبد العزيز البخاري وغيره، انظر \"كشف الأسرار\" (٢/ ٥٥٨) و\"غاية التحقيق\" (ص ١٦٤ - ١٦٥) و\"دراسات اللبيب\" (ص ٢٠٧ - ٢١٢).","vol":"19","page":119},{"text":"هذا، وقد صح عن ابن عباس من عدة وجوه قبوله خبر الواحد، واحتجاجه به، وذلك مما يفيد بمجموعه اليقين، والله الموفق.","vol":"19","page":120}]}