{"ً":{"ٌ":45,"ٍ":"بدر التمام شرح لامية شيخ الإسلام","َ":1,"ُ":1,"ّ":"الكتاب: بدر التمام شرح لامية شيخ الإسلام\nالمؤلف: د. عبد الرحمن بن عبد العزيز العقل\nالناشر: مركز النخب العلمية - القصيم - بريدة\nالطبعة: الثانية، ١٤٣٧ هـ - ٢٠١٦ م.\nعدد الصفحات: ١١٨\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"(بدر التمام شرح لامية شيخ الإسلام) هو الكتاب الأول ضمن سلسلة شروح المنهجية العلمية التأصيلية للتميز، التي تُعنى بشرح المتون التسعة، وهي:\n١) لامِيَّة شيخ الإسلام ابن تيمية.\n٢) حائِيَّة ابن أبي داود.\n٣) العقيدة الواسطية لشيخ الإسلام ابن تيمية.\n٤) القواعد المثلى لابن عثيمين.\n٥) كتاب التوحيد لمحمد بن عبد الوهاب.\n٦) منظومة القواعد الفقهية للسعدي.\n٧) متن الورقات في أصول الفقه للجويني.\n٨) نخبة الفكر لابن حجر.\n٩) أصول في التفسير لابن عثيمين.\nمع العناية بحفظها وإتقان شرحها ومراجعتها، والمتابعة المستمرة لطالب العلم المشارك في هذه المنهجية.","ٓ":"2.0","ٔ":2973,"ٕ":1,"ٖ":1770156204,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"مقدمة","level":1,"page":1},{"title":"نص اللامية","level":1,"page":4},{"title":"نسبة نظم اللامية لشيخ الإسلام ابن تيمية","level":1,"page":5},{"title":"شرح المنظومة اللامية","level":1,"page":15},{"title":"أنواع السؤال","level":1,"page":15},{"title":"أحوال يُنهى عن السؤال فيها","level":1,"page":16},{"title":"أنواع السماع","level":1,"page":21},{"title":"أنواع الكلام","level":1,"page":22},{"title":"مسائل تتعلق بالصحابة","level":1,"page":32},{"title":"التوسل ينقسم إلى قسمين","level":1,"page":42},{"title":"شبهة والجواب عنها","level":1,"page":45},{"title":"فضائل أبي بكر الصديق وبقية الخلفاء الراشدين","level":1,"page":47},{"title":"القرآن هو كلام الله المنزل","level":1,"page":59},{"title":"وصف المؤلف للقرآن","level":1,"page":59},{"title":"الطوائف التي قالت بخلق القرآن وكلام أهل السنة في ذلك","level":1,"page":64},{"title":"وسطية أهل السُّنة والجماعة في حق الرسول الكريم ﷺ","level":1,"page":67},{"title":"مفهوم التأويل وبيان معانيه","level":1,"page":69},{"title":"الكلام عن صفات الله تعالى","level":1,"page":71},{"title":"هل لصفات الله تعالى كيفية؟","level":1,"page":72},{"title":"الفرق بين المشبهة والمعطلة والمفوضة","level":1,"page":74},{"title":"رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة","level":1,"page":80},{"title":"أنواع الرؤية","level":1,"page":80},{"title":"الطوائف المعاصرة التي أنكرت الرؤية","level":1,"page":84},{"title":"هل يرى المؤمنون ربهم في الحياة الدنيا؟","level":1,"page":85},{"title":"الكلام عن النزول الإلهي","level":1,"page":86},{"title":"أوقات النزول الإلهي","level":1,"page":86},{"title":"الكلام عن الميزان","level":1,"page":88},{"title":"هل الميزان يوم القيامة ميزان واحد لكل الأمم، أو لكل أمة ميزان؟","level":1,"page":89},{"title":"الموزون يوم القيامة هل هو العامل أو العمل أو هما معًا؟","level":1,"page":89},{"title":"من المغيَّبات التي يجب الإيمان بها الحوض","level":1,"page":93},{"title":"هل الحوض موجود الآن؟","level":1,"page":94},{"title":"من أوصاف الحوض","level":1,"page":94},{"title":"هل للأنبياء الآخرين أحواض؟","level":1,"page":96},{"title":"الكلام عن الصراط","level":1,"page":96},{"title":"ماذا بعد عبور الصراط؟","level":1,"page":98},{"title":"صفة الصراط","level":1,"page":99},{"title":"الكلام عن الجنة والنار","level":1,"page":101},{"title":"هل الجنة والنار موجودتان الآن؟","level":1,"page":101},{"title":"هل الجنة والنار تفنيان؟","level":1,"page":102},{"title":"عذاب القبر ونعيمه","level":1,"page":104},{"title":"سؤال الملكين وموقف أهل السنة منه","level":1,"page":105},{"title":"هل يسمى الملكان بمنكر ونكير؟","level":1,"page":106},{"title":"هل عذاب القبر خاص بهذه الأمة أو أنه لكل الأمم؟","level":1,"page":107},{"title":"اعتقاد الأئمة الأربعة","level":1,"page":107},{"title":"هل عذاب القبر ونعيمه على الجسد والروح أو هو على أحدهما دون الآخر؟","level":1,"page":107},{"title":"هل المقصود اتباع هؤلاء لذواتهم أو لأنهم أئمة اقتدوا بالنبي - ﷺ -؟","level":1,"page":108},{"title":"متى يكون التعصب ممدوحًا؟","level":1,"page":108},{"title":"أسئلة على الشرح","level":1,"page":109}],"ٛ":{"1,5":1,"1,6":2,"1,7":3,"1,8":4,"1,9":5,"1,10":6,"1,11":7,"1,12":8,"1,13":9,"1,14":10,"1,15":11,"1,16":12,"1,17":13,"1,18":14,"1,19":15,"1,20":16,"1,21":17,"1,22":18,"1,23":19,"1,24":20,"1,25":21,"1,26":22,"1,27":23,"1,28":24,"1,29":25,"1,30":26,"1,31":27,"1,32":28,"1,33":29,"1,34":30,"1,35":31,"1,36":32,"1,37":33,"1,38":34,"1,39":35,"1,40":36,"1,41":37,"1,42":38,"1,43":39,"1,44":40,"1,45":41,"1,46":42,"1,47":43,"1,48":44,"1,49":45,"1,50":46,"1,51":47,"1,52":48,"1,53":49,"1,54":50,"1,55":51,"1,56":52,"1,57":53,"1,58":54,"1,59":55,"1,60":56,"1,61":57,"1,62":58,"1,63":59,"1,64":60,"1,65":61,"1,66":62,"1,67":63,"1,68":64,"1,69":65,"1,70":66,"1,71":67,"1,72":68,"1,73":69,"1,74":70,"1,75":71,"1,76":72,"1,77":73,"1,78":74,"1,79":75,"1,80":76,"1,81":77,"1,82":78,"1,83":79,"1,84":80,"1,85":81,"1,86":82,"1,87":83,"1,88":84,"1,89":85,"1,90":86,"1,91":87,"1,92":88,"1,93":89,"1,94":90,"1,95":91,"1,96":92,"1,97":93,"1,98":94,"1,99":95,"1,100":96,"1,101":97,"1,102":98,"1,103":99,"1,104":100,"1,105":101,"1,106":102,"1,107":103,"1,108":104,"1,109":105,"1,110":106,"1,111":107,"1,112":108,"1,113":109,"1,114":110,"1,115":111},"ٜ":{"1":[5,115]},"ٝ":["1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115"],"ٞ":{"1":[1],"4":[2],"5":[3],"15":[4,5],"16":[6],"21":[7],"22":[8],"32":[9],"42":[10],"45":[11],"47":[12],"59":[13,14],"64":[15],"67":[16],"69":[17],"71":[18],"72":[19],"74":[20],"80":[21,22],"84":[23],"85":[24],"86":[25,26],"88":[27],"89":[28,29],"93":[30],"94":[31,32],"96":[33,34],"98":[35],"99":[36],"101":[37,38],"102":[39],"104":[40],"105":[41],"106":[42],"107":[43,44,45],"108":[46,47],"109":[48]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n<span data-type=\"title\" id=toc-1>مقدمة</span>\nالحمد لله الذي جعل العلم النافع طريقًا موصلًا لرضاه، وصراطًا يتبعه من أراد هداه، ويحيد عنه من ضل واتبع هواه، ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ [القصص: ٥٠]، ونشهد أن لا إله إلا الله، رفع شأن العلم وأهله حتى وصلوا من المجد منتهاه، ومن العز أعلى ذراه، فمن سلك طريقًا يبتغي فيه علمًا؛ سهل الله له به طريقًا إلى جنته وعلاه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، الرحمة المهداة، والنعمة المسداة، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الهداة التقاة، ومن سار على نهجه إلى يوم لقاه، أما بعد:\nفهذا هو الكتاب الأول (^١) من المرحلة الأولى من المنهجية العلمية التأصيلية التي تعين طالب العلم وتأخذ بيده على طريق واضح نير لينشد غايته من العلم الشرعي الصحيح على ضوء الكتاب والسنة بخطوات ثابتة مدروسة.\nتُرَكِّز منهجية التميز على جوانب غايةٍ في الأهمية في مسيرة طالب العلم نحو هدفه، ومن تلك الجوانب:\n- اختيار أبرز وأهم المتون العلمية وشرحها شرحًا مناسبًا يقرب العلم ويسهل إتقانه.\n- القراءة الفردية المستمرة في مختلف الفنون مع المناقشة الجماعية لما تمت قراءته.\n_________\n(^١) أصل هذا الشرح كان ارتجالًا، ومما دوَّنه بعض الطلاب في أثناء الإلقاء، ثم زيد فيه ونُقِص.","vol":"1","page":5},{"text":"المتابعة والمراجعة للشروح وفوائد الدروس وتسميع المحفوظات للطلاب الراغبين.\n- جلسة شهرية حوارية مفتوحة: للترويح وتنمية ملكة الحوار العلمي بحيث يختار فيها موضوع علمي معاصر يناقش من قبل الطلاب.\n- تستمر المنهجية أكثر العام بأجوائها العلمية المميزة بمعدل ثلاثة دروس في الأسبوع بعد صلاة المغرب يوم الثلاثاء ومغرب وعشاء الجمعة، ويمكن الاستزادة من الدروس لاحقًا إذا لزم ذلك، أو الالتحاق بدروس الفجر اليومية.\n- يتم توفير كتب الشروح مع وضع خطة للمراجعة المستمرة لجميع المشروحات بشكل دوري.\n- رعاية طالب العلم مع متابعته في مسيرته العلمية والحرص على إتقان الطالب للمتون المشروحة.\n- تخصيص سجل خاص لطالب العلم الراغب في متابعته في حفظ المتون ومراجعة الشروح، والقراءة الفردية الموسعة.\n- المتابعة والتواصل مع الطلاب عن طريق رسائل الجوال.\n- تذليل العقبات أمام طالب العلم الجاد ووضع البرامج والخطط العلمية الإضافية لمن يجد لديه همة وطموحًا وسعة من الوقت.\n- الاهتمام بالجوانب الإيمانية والسلوكية والخلقية من خلال الدروس والشروح والجلسات الحوارية.\n- لطالب العلم الراغب في الالتحاق بالمنهجية إمكانية اللحاق واستدراك ما فاته وذلك بالتواصل المباشر مع اللجنة العلمية من خلال","vol":"1","page":6},{"text":"الجوال الخاص بالمنهجية، أو التواصل المباشر مع الشيخ عبد الرحمن بن عبد العزيز العقل، ويفضل الحضور لأجل المتابعة بشكل دوري ثابت حسب ظروف المشارك، ويمكن أن يلتحق بالمنهجية طالب العلم الذي لا يتمكن من الحضور سواء في منطقة القصيم أو خارجها أو خارج المملكة، بتوفير شروح المنهجية، ومتابعة الطالب في قراءتها وإتقانها من خلال التواصل عن طريق جوال المنهجية أو موقع مشروع النخبة العلمي على الشبكة العالمية (قريبًا)، أو الاتفاق مع الشيخ عبد الرحمن حفظه الله.\nأمدنا الله وإياكم بالعلم النافع، ووهبنا من لدنه رحمة وفضلًا.\n\nإدارة الشؤون التعلمية - مركز النخب العلمية\nجوال المنهجية: ٠٥٣٠١٢٣١٢٧\nبريد إلكتروني:  alnokhab@hotmail.com","vol":"1","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>نص اللامية</span>\nيا سَائِلي عَنْ مَذْهَبِي وعَقيدَتِي ... رُزِقَ الهُدى مَنْ لِلْهِدايةِ يَسْأَلُ\nاسمَعْ كَلامَ مُحَقِّقٍ في قَولِه ... لا يَنْثَني عَنهُ ولا يَتَبَدَّلُ\nحُبُّ الصَّحابَةِ كُلِّهِمْ لي مَذْهَبٌ ... وَمَوَدَّةُ القُرْبَى بِها أَتَوَسَّلُ\nوَلِكُلِّهِمْ قَدْرٌ علَا وفضائلٌ ... لكِنَّما الصِّدِّيقُ مِنْهُمْ أَفْضَلُ\nوَأَقُولُ فِي القُرآنِ ما جاءَتْ بِهِ ... آياتُهُ فَهُوَ الكَريمُ المُنْزَلُ\nوأقولُ قَالَ اللهُ ﷻ ... والمصطفى الهادي ولَا أَتأوَّلُ\nوجميعُ آياتِ الصِّفاتِ أُمِرُّها ... حَقًّا كما نَقَلَ الطِّرازُ الأَوَّلُ\nوأَرُدُّ عُهْدَتَها إلى نُقَّالِهَا ... وأَصُونُها عَنْ كُلِّ مَا يُتَخَيَّلُ\nقُبْحًا لِمَنْ نَبَذَ القُرَانَ وراءَهُ ... وإذا اسْتَدَلَّ يقولُ قالَ الأخطَلُ\nوالمؤمنونَ يَرَوْنَ حقًّا ربَّهُمْ ... وإلى السَّماءِ بِغَيْرِ كَيْفٍ يَنْزِلُ\nوأُقِرُّ بالميزانِ والحَوضِ الذي ... أَرجُو بأنِّي مِنْهُ رِيًّا أَنْهَلُ\nوكذا الصِّراطُ يُمَدُّ فوقَ جَهَنَّمٍ ... فَمُسَلَّمٌ نَاجٍ وآخَرُ مُهْمَلُ\nوالنَّارُ يَصْلاها الشَّقيُّ بِحِكْمَةٍ ... وكذا التَّقِيُّ إلى الجِنَانِ سَيَدْخُلُ\nولِكُلِّ حَيٍّ عاقلٍ في قَبرِهِ ... عَمَلٌ يُقارِنُهُ هناك وَيُسْأَلُ\nهذا اعتقادُ الشافِعيِّ ومالكٍ ... وأبي حنيفةَ ثم أحمدَ يُنْقَلُ\nفإِنِ اتَّبَعْتَ سبيلَهُمْ فَمُوفَّقٌ ... وإنِ ابْتَدَعْتَ فَما عَلَيْكَ مُعَوَّلُ","vol":"1","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3>نسبة نظم اللامية\nلشيخ الإسلام ابن تيمية</span>\nاختلف أهل العلم قديمًا وحديثًا في نسبة المنظومة اللامية لشيخ الإسلام ابن تيمية على ثلاثة آراء:\nالرأي الأول: صحة نسبة نظم اللامية لشيخ الإسلام ابن تيمية، وقال بذلك:\n١ - الشيخ أحمد بن عبد الله المرداوي ﵀ (ت:١٢٣٦ هـ)، في شرحه على اللامية، المسمى: «اللآلئ البهية في شرح لامية شيخ الإسلام ابن تيمية»، فقد نسب القصيدة لشيخ الإسلام ابن تيمية كما في اسم شرحه على اللامية (^١).\n٢ - الشيخ محمد بن عبد الله الجبَرتِي ﵀ (ت:١٢٨٦ هـ) في شرحه على اللامية، حيث يقول في مقدمة كتابه: «أما بعد: فيقول العبد الفقير إلى مولاه العلي الكبير، محمد بن عبد الله الجبَرتِي: هذا شرح لطيف على منظومة الشيخ العالم العلامة، والبحر الفهَّامة، تقي الدين، أبي العباس، أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية، الحراني يُبَيِّن حقائقها، ويكشف دقائقها، وسميته: (زاد المعاد في اعتقاد خيار العباد)» (^٢).\n٣ - الشيخ خير الدين، الآلوسي ﵀ (ت:١٣١٧ هـ)، حيث قال في كتابه «جلاء العينين»: «اعلم أولًا أن عقيدة الشيخ ابن تيمية الموافقة للكتاب\n_________\n(^١) اللآلئ البهية ص (٣٦).\n(^٢) مخطوط منه نسخة بمركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية برقم (٢٧٠٤ - ٤ - ف).","vol":"1","page":9},{"text":"والسنة وأقوال سلف الأمة مستفيضة مفصلة في تصنيفاته، وحبه وتعظيمه للصحابة الكرام لاسيما (الشيخين) طافحة به عباراته وذلك أظهر من الشمس في رابعة النهار خصوصًا لمن تتبعها في تأليفاته، ونقلها بأسرها يفضي إلى الملل إلا أني أحرر لك البعض: (وعن البحر اكتفاء بالوشل) فمنه قوله:\nيا سَائِلي عَنْ مَذْهَبِي وعَقيدَتِي ... رُزِقَ الهُدى مَنْ لِلْهِدايةِ يَسْأَلُ»\nثم ذكر المنظومة بأكملها (^١).\n٤ - الشيخ عبد العزيز بن ناصر الرشيد ﵀ (ت:١٤٠٨ هـ)، فقد قال في شرحه على العقيدة الواسطية: «قال الشيخ تقي الدين ﵀ في لاميته المشهورة:\nقُبْحًا لِمَنْ نَبَذَ القُرَانَ وراءَهُ ... وإذا اسْتَدَلَّ يقولُ قالَ الأخطَلُ\nإلخ» (^٢).\n٥ - الشيخ صالح بن إبراهيم البليهي ﵀ (ت:١٤١٠ هـ)، حيث قال: «قال: شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ نظمًا في اعتقاد الأئمة الأربعة، وهو اعتقاده مجيبًا من سأله عن ذلك، قال قدس الله روحه:\nيا سَائِلي عَنْ مَذْهَبِي وعَقيدَتِي ... رُزِقَ الهُدى مَنْ لِلْهِدايةِ يَسْأَلُ»\nثم ذكر المنظومة بأكملها (^٣).\n_________\n(^١) جلاء العينين في محاكمة الأحمدين ص (٧٣).\n(^٢) التنبيهات السنية على العقيدة الواسطية ص (١٢٧).\n(^٣) عقيدة المسلمين والرد على الملحدين والمبتدعين (١/ ٣٦٩ - ٣٧٠).","vol":"1","page":10},{"text":"٦ - الشيخ أحمد بن حجر آل بوطامي ﵀ (ت:١٤٢٣ هـ)، حيث قال: «ولشيخ الإسلام ابن تيمية عقيدة وجيزة، وهي منظومة لامية من بحر الرجز وها هي ذا فأقرأها:\nيا سَائِلي عَنْ مَذْهَبِي وعَقيدَتِي ... رُزِقَ الهُدى مَنْ لِلْهِدايةِ يَسْأَلُ»\nثم ذكرها بأكملها (^١).\n٧ - الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الجبرين ﵀ (ت:١٤٣٠ هـ) قال في مقدمة شرحه على نظم اللامية: «هذه الأبيات تُنسب إلى شيخ الإسلام أبي العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام المعروف بابن تيمية شيخ الإسلام، وعَلَم الهداة الأعلام ﵀، وأكرم مثواه، وهذه الأبيات لم تكن مشهورة، ولأجل ذلك ما أوردها الشيخ عبد الرحمن بن القاسم في مجموع الفتاوى، ولعله لم يجزم بأنها لشيخ الإسلام، أو أنها ليست من الفتاوى التي لها مكانتها، ولا شك أنها عقيدة لها أهميتها، ولو كانت مختصرة، تضمنت مجمل عقيدة أهل السنة، وتضمنت القول الصحيح الذي عليه أئمة الإسلام من سلف الأمة وأئمتها، وقد جزم بصحتها عن شيخ الإسلام الشيخ العالم محمد الغنامي ﵀ وطبعها في رسالته التي هي بعنوان: «القول السديد في عقيدة التوحيد» وطبعت قديمًا، وقرأتها يمكن قبل خمس وخمسين سنة أو نحوها، جزم بأنها لشيخ الإسلام، ورأيتها أيضًا مكتوبة عند أحد أجدادنا بخط قديم في صفحة واحدة؛ ولكنه ذكر قال: هذه أبيات تُنسب إلى شيخ الإسلام، ولا شك أن اشتهارها يدل على مكانتها، وعلى أنها من نظمه ﵀، وأيضًا قد شرحها بعض المتأخرين: شرحها المرداوي وطُبِعَ شرحه محققًا، وجزم بأنها\n_________\n(^١) الشيخ محمد بن عبد الوهاب المجدد المفترى عليه ص (١٣٧).","vol":"1","page":11},{"text":"لشيخ الإسلام ﵀، وذلك علامة على شهرتها وعلى مكانتها» (^١).\n٨ - الشيخ محمد بن إبراهيم الشيباني حيث عزاها لشيخ الإسلام في ترجمته له، وقال: «وقال في عقيدته وأتباعه:\nيا سَائِلي عَنْ مَذْهَبِي وعَقيدَتِي ... رُزِقَ الهُدى مَنْ لِلْهِدايةِ يَسْأَلُ»\nثم ذكر المنظومة بأكملها (^٢).\n٩ - الشيخ يوسف بن عبد الله السالم في مقدمة شرحه لنظم اللامية، حيث قوَّى احتمال نسبتها لشيخ الإسلام، فقال: «فهذا شرح لامية شيخ الإسلام التي تنسب إليه والتي لخص فيها مذهبه وعقيدته ... ولم تجد اهتماما من الشراح، ربما لوضوحها أو لقلة أبياتها، أو لعدم ثقة بعضهم بنسبتها إلى الشيخ، ومتمسكهم في ذلك أنه لم يرد لها ذكر في مؤلفات الشيخ ولا في مؤلفات تلامذته، والأولى أن تجد العناية حتى وإن ثبت أنها ليست له لاحتوائها على مسائل في صميم معتقد المسلم، مع تقريبي أن تكون له لموافقتها معتقد الشيخ، والثابت في أمكنة أخرى من رسائله وكتبه، مع ثبوت مخطوطات متقدمة لها يقوي بعضها بعضًا» (^٣).\n_________\n(^١) شرح لامية شيخ الإسلام ابن تيمية: لفضيلة الشيخ الدكتور: عبدالله بن عبدالرحمن الجبرين، وخرج أحاديثه وعلق عليه الدكتور: طارق الخويطر، نشر كنوز إشبيليا، الرياض، الطبعة الأولى عام ١٤٢٨ هـ.\n(^٢) أوراق مجموعة من حياة شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - ص (٣١ - ٣٢).\n(^٣) شرح اللامية له ص (٩).","vol":"1","page":12},{"text":"واستدل أصحاب هذا الرأي بأمور منها:\nالأمر الأول: أن هذه المنظومة وُجِدَت مع كتب شيخ الإسلام ابن تيمية في كثير من النسخ المخطوطة.\nونُوقِش هذا الأمر: بأن مجرد وجود المنظومة بين كتب شيخ الإسلام لا يكفي لإثبات نسبتها إليه.\nالأمر الثاني: أن بعض النسخ المخطوطة تُعَنْوَن بنسبة المنظومة لشيخ الإسلام، وتُخْتَم بذلك.\nونُوقِش هذا الأمر: بأن بعض النسخ ليس فيها نسبة لشيخ الإسلام، ولو ثبت أن بعضها يُعَنْوَن بنسبتها إليه فلا يكفي ذلك لإثبات نسبتها إليه ما لم توجد قرائن أخرى تؤكد هذا الأمر، وهذا مشهور ومعروف في علم التحقيق في مبحث إثبات نسبة الكتاب لمؤلفه.\nالأمر الثالث: اشتهار نسبتها لشيخ الإسلام ابن تيمية حيث نسبها إليه عدد من العلماء، وتلقوها بالقبول.\nونُوقِش هذا الأمر: بأن كثيرًا من المؤلفات اشتهرت نسبتها إلى أشخاص، وعند التحقيق وُجِدَ أنها منحولة عليهم، وليست لهم بل هي لأُناسٍ آخرين، ومجرد الشهرة لا تُثبت نسبة كتاب إلى صاحبه.\n٤ - أن عددًا من العلماء المتقدمين شرح هذه المنظومة على أساس أنها لشيخ الإسلام ابن تيمية.\nونُوقِش هذا الأمر: بأن أغلب الذين شرحوا هذه المنظومة دعاهم إلى ذلك ما حوته من عقيدة السلف، لا لأنها من مصنفات شيخ الإسلام،","vol":"1","page":13},{"text":"وبعضهم اعتمد على شهرة نسبتها إليه.\nالرأي الثاني: عدم صحة نسبتها لشيخ الإسلام ابن تيمية، وقال بذلك:\n١ - الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀ (ت:١٤٢١ هـ)، فقد قال في «شرح السَّفارِينية»: «الظاهر أنها لا تصح أصلًا عن الشيخ» (^١).\n٢ - الشيخ بكر عبد الله أبو زيد ﵀ (ت:١٤٢٩ هـ)، حيث ذكر هذه المنظومة في كتابه «المداخل إلى آثار شيخ الإسلام ابن تيمية»، تحت باب «الكتب المنحولة على شيخ الإسلام» (^٢).\nواستدل أصحاب هذا الرأي بأمور منها:\nالأمر الأول: أن هذه المنظومة لم يذكرها أحد من الذين اهتموا بذكر مصنفات شيخ الإسلام كابن رُشَيّق، وابن القيم، وابن عبد الهادي، وابن رجب وغيرهم، ولم ينسبها إليه أحد من تلاميذه ومعاصريه، وفي هذا أكبر دليل على عدم نسبتها إليه.\nونُوقِش هذا الأمر: بأن مصنفات شيخ الإسلام كثيرة جدًا، ومن الصعب إحصاؤها، والذين ذكروا مصنفاته لم يدَّعوا أنهم استقصوها كلها، بل إنهم ذكروا أشهرها وأكبرها، وأما «اللامية» فلصغرها وقلة أبياتها أُغْفِلت أمام المصنفات الكثيرة.\nويؤيد هذا ما ذكره الحافظ ابن رجب، حيث قال - في سياق الكلام عن مؤلفات شيخ الإسلام -: «قد جاوزت حدّ الكثرة، فلا يمكن أحدًا حصرها،\n_________\n(^١) شرح السفارينية ص (٤٢٧) طبعة دار البصيرة، وهذا الكلام غير موجود بطبعة دار الوطن.\n(^٢) ص (٧٢).","vol":"1","page":14},{"text":"ولا يتسع هذا المكان لعد المعروف منها، ولا ذكرها ..»، وعدّ منها شيئا، ثم قال: «وأما القواعد المتوسطة والصغار وأجوبة الفتاوى، فلا يمكن الإحاطة بها لكثرتها وانتشارها وتفرقها» (^١).\nالأمر الثاني: أنَّ شيخ الإسلام في «مجموع الفتاوى» عند حديثه عن صفة الكلام، قال: «وقد أنشد فيهم المنشد:\nقُبْحًا لِمَنْ نَبَذَ القُرَانَ وراءَهُ ... وإذا اسْتَدَلَّ يقولُ قالَ الأخطَلُ»\nوهذا البيت أحد أبيات «اللامية» ولم ينسبه لنفسه، وهذا يشعر بأنها ليست له.\nونُوقِش هذا الأمر: بأن شيخ الإسلام ربما لم ينسب هذا البيت إليه تواضعًا، وقد درج على هذا المسلك بعض العلماء قديمًا وحديثًا منهم تلميذه ابن القيم ﵀ حيث أثبت له بعض المحققين أبياتًا ذكرها في بعض كتبه ولم ينسبها لنفسه (^٢)، وكثيرًا ما كان الشيخ ابن عثيمين يشرح نظمه ويقول: قال الناظم، ويقصد بذلك نفسه.\nواحتمال آخر وهو: أنه لما كان يجادل ويناقش في مسألة الكلام أراد أن يستشهد بهذا البيت، ورأى أنه ليس من المناسب في أسلوب المناقشة أن يستشهد بكلام ثم ينسبه لنفسه.\n_________\n(^١) ذيل طبقات الحنابلة (٤/ ٥٢٠).\n(^٢) قال محمد حامد الفقي في تعليقه على «إغاثة اللهفان» ص (٢٣١) - معلقًا على قول ابن القيم: وقال آخر وأحسن ما شاء، ثم ذكر أبياتًا: «أنا لا أشك في أن هذا القائل هو الإمام المحقق الرباني الصادق ابن القيم، وهذا نفسه في الشعر وروحه».","vol":"1","page":15},{"text":"الأمر الثالث: أن في هذه المنظومة ما يخالف تقريرات شيخ الإسلام ابن تيمية وسائر السلف، وذلك ما ورد في البيت الرابع من المنظومة:\nوَأَقُولُ فِي القُرآنِ ما جاءَتْ بِهِ ... آياتُهُ فَهُوَ القديمُ المُنْزَلُ\nفلفظ (القديم) من ألفاظ المتكلمين، التي أنكرها شيخ الإسلام ابن تيمية نفسه في كثير من كتبه، فوجودها في هذه المنظومة يدل على أنها ليس له.\nونُوقِش هذا الأمر: بأنه قد ورد في بعض نسخ اللامية المخطوطة لفظ (الكريم المنزل) بدل (القديم المنزل)، ويمكن أيضًا أن يقال: إن شيخ الإسلام صنف هذه المنظومة في بدايات حياته العلمية، وهذا ما أشار إليه الشيخ العثيمين ﵀ من أن الاحتمال قائم بأن يكون ابن تيمية قد صنف هذه القصيدة في بداية طريقه في الطلب (^١).\nالرأي الثالث: الشك في صحة نسبتها لشيخ الإسلام ابن تيمية، وقال بذلك:\n١ - الشيخ سليمان بن سحمان النجدي ﵀ (ت:١٣٤٩ هـ)، حيث قال: «وأما ما ذكره في القول السديد في الأبيات التي نسبها لشيخ الإسلام قدس الله روحه إن صح النقل بذلك عنه حيث قال:\nوَأَقُولُ فِي القُرآنِ ما جاءَتْ بِهِ ... آياتُهُ فَهُوَ القَدِيمُ المُنْزَلُ\nفهذا القول إن صح لا ينافي كونه سبحانه يتكلم فيما لم يزل بقدرته ومشيئته كما هو مذهب أهل السنة والجماعة خلافًا لأهل الكلام من\n_________\n(^١) شرح السفارينية ص (٤٢٧) طبعة دار البصيرة.","vol":"1","page":16},{"text":"المبتدعة وغيرهم، والله أعلم» (^١).\n٢ - الشيخ عبد العزيز بن محمد السلمان ﵀ (ت:١٤٢٢ هـ)، حيث قال: «مِمَّا نُسِبَ إلى شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:\nيا سَائِلي عَنْ مَذْهَبِي وعَقيدَتِي ... رُزِقَ الهُدى مَنْ لِلْهِدايةِ يَسْأَلُ\nثم ذكرها بأكملها (^٢).\n٣ - الشيخ عبد الله الغنيمان حفظه الله، حيث قال في تقديمه لكتاب «شرح اللامية» ليوسف السالم: «فقد قرأت هذا الشرح للأبيات المنسوبة لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وألفيتها مفيدة ... ولعل هذا الشرح يجعل لها من الاهتمام والقبول لدى طلبة العلم ما يناسبها، وإن كان بعض أهل العلم يشك أن تكون لشيخ الإسلام، ولكن ما دامت تشتمل على حق وإفادة، فالحق ضالة المؤمن» (^٣).\n٤ - الشيخ علي بن محمد العِمران، حيث قال: «لامية شيخ الإسلام نشرها الأخ خالد الحيان معتمدًا على عدة نسخ خطية متأخرة، وذكر بعض أدلة ثبوتها، وإن كنت لا أوافقه على الجزم بنسبتها إليه، بل فيه نظر كبير. ثم وقفت على نسخة خطية منها على طرة مجموع فيه فتوى لابن تيميه بخط أحد أبناء عمومته، بتاريخ (٧٦٢ هـ) في غاية الجودة والنفاسة، لكنه لم يجزم بنسبتها لشيخ الإسلام، فيبقى أن تجمع هذه الدلائل والقرائن إذا أردنا\n_________\n(^١) تنبيه ذوي الألباب السليمة عن الوقوع في الألفاظ المبتدعة الوخيمة ص (٢١).\n(^٢) مجموعة القصائد الزهديات (٢/ ٤٢٦).\n(^٣) شرح اللامية ص (٥).","vol":"1","page":17},{"text":"الجزم بإثباتها أو نفيها» (^١).\nوالذي يبدو لي التوقف في نسبة هذه المنظومة لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀؛ وذلك لأنه من الصعب الجزم بإثباتها له، ويصعب أيضًا نفي نسبتها إليه، وكلا الفريقين المثبتين والنافين ليس لديهم القرائن الكافية على النفي أو الإثبات (^٢).\nوعلى كل حال: فهذا الخلاف في نسبتها لا ينقص من قيمتها العلمية شيئًا، ولا يوجب ردها، فهي منظومة مباركة، تضمنت مجمل عقيدة أهل السنة والجماعة، وما عليه أئمة الإسلام من سلف الأمة وأئمتها، مع سهولة عبارتها وقلة أبياتها.\nوعدد أبيات هذه «اللامية» ستة عشر بيتًا، كما هو الأكثر في نسخها، وسميت بـ «اللامية»؛ لأن قافيتها مختومة باللام، وفيها سُئل الناظم عن جملة من المسائل، فأجاب بقوله: «يا سَائِلي عَنْ مَذْهَبِي وعَقيدَتِي ...» إلى آخر المنظومة.\n_________\n(^١) في لقاء له على موقع صيد الفوائد.  htm ١٧ http://saaid.net/leqa/.\n(^٢)  لقد وقفت على أغلب ما كتب في هذه المسألة، ولم أجد من جمع أطرافها، وناقش جميع أقوالها، وقد استفدت من الجميع وأضفت عليهم الكثير. ينظر: موقع الإسلام سؤال وجواب:\n١٤٠٣٥٠  http://islamqa.info/ar/ref/،  وملتقى أهل الحديث:\n١٣٧٣٥٢  http://<hr><s0>\n<hr><s0>\n<hr><s0>\n.ahlalhdeeth.com/vb/sho<hr><s0>\nthread.php؟t=.","vol":"1","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4>شرح المنظومة اللامية</span>\nيا سَائِلي عَنْ مَذْهَبِي وعَقيدَتِي ... ..................................\n<hr><s0>\n\nقوله: (يا سَائِلي): (يا): حرف نداء، (سَائِلي) سؤال هداية واسترشاد.\n• السؤال يأتي على أنواع منها:\n- النوع الأول: أن يكون السؤال لطلب المال، والمشروع في هذا النوع عدم نهر السائل، كما قال تعالى: ﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ﴾ [الضحى:١٠]، وجاء في سنن أبي داود: «لِلسَّائِلِ حَقٌّ، وَإِنْ جَاءَ عَلَى فَرَسٍ» (^١).\n- النوع الثاني: أن يكون السؤال في مسألة من مسائل الشرع، فهذا تُشرع إجابته إذا تبيَّن صدقُهُ في طلب الحق، وهذه وظيفة أهل العلم، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٤٣].\nفإذا توقف الحق على بيان المسؤول كان البيان وعدم الكتمان واجبًا عليه وجوبًا عينيًا؛ لأن هذا هو الميثاق الذي أخذه الله تعالى على كل من\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود رقم (١٦٤٠)، وقد صحح الحديث الشيخ عبد الله الدويش - ﵀ -، ولكن فيه يعلى بن أبي يعلى: قال فيه ابن أبي حاتم: «مجهول» كما في «الجرح والتعديل» (٩/ ٣٠٣)، وتبعه في ذلك الذهبي في «الميزان» (٤/ ٤٥٨)، وابن حجر؛ ولذلك أَعلَّهُ الزيلعي، وضعفه العراقي، والألباني، وغيرهم.","vol":"1","page":19},{"text":"أعطاه الكتاب وعلمه العلم، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ [آل عمران:١٨٧].\nولا يجوز كتمان العلم إلا إذا خاف الضرر على نفسه، قال أبو هريرة - ﵁ -: «حَفِظْتُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ وِعَاءَيْنِ، فَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَبَثَثْتُهُ، وَأَمَّا الآخَرُ فَلَوْ بَثَثْتُهُ قُطِعَ هَذَا الْبُلْعُومُ» (^١)، وهذا العلم الذي لم يبثه هو العلم المتعلق بولاية الأمويين، فقد جاء في ولايتهم أحاديث فلم يكن أبو هريرة - ﵁ - يبثها خشية الفتنة.\n• وهناك<span data-type=\"title\" id=toc-6> أحوال يُنهى عن السؤال فيها:</span>\n- الحالة الأولى: السؤال عمَّا لا ينفع، وعليه يُحْمَل قول النبي ﷺ في «الصحيحين»: «إِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَثْرَةُ مَسَائِلِهِمْ» (^٢)، وفي «الصحيحين» أيضًا عَنْ أَبِي مُوسَى - ﵁ - قَالَ: «سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ أَشْيَاءَ كَرِهَهَا، فَلَمَّا أُكْثِرَ عَلَيْهِ غَضِبَ، ثُمَّ قَالَ لِلنَّاسِ: «سَلُونِي عَمَّا شِئْتُمْ»، قَالَ رَجُلٌ: مَنْ أَبِي؟ قَالَ: «أَبُوكَ حُذَافَةُ»، فَقَامَ آخَرُ فَقَالَ: مَنْ أَبِي يَا رَسُولَ اللهِ؟ َقَالَ: «أَبُوكَ سَالِمٌ مَوْلَى شَيْبَةَ»، فَلَمَّا رَأَى عُمَرُ مَا فِي وَجْهِ رسول الله\n_________\n(^١) أخرجه البخاري رقم (١٢٠).\n(^٢) أخرجه البخاري رقم (٧٢٨٨)، ومسلم رقم (١٣٣٧) من حديث أبي هريرة - ﵁ -، واللفظ لمسلم.","vol":"1","page":20},{"text":"مِنَ الغَضَبِ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّا نَتُوبُ إِلَى اللهِ - ﷿ -» (^١). وهذا هو الشاهد حيث غضب النبي ﷺ لما سُئل هذه الأسئلة التي لا طائل من ورائها.\n- الحالة الثانية: السؤال عما لم يكن، وقد جاء عند الدارمي عن عبدالله بن عمر ب قال: «لا تَسْأَلُوا عَمَّا لَمْ يَكُنْ؛ فَإِنِّي سَمِعْتُ عُمَرَ يَلْعَنُ السَّائِلَ عَمَّا لَمْ يَكُنْ» (^٢).\n- الحالة الثالثة: السؤال عن المغيَّبات التي سكت الشارع عن بيانها، ولم يرد فيها شيء عنه، فلا يُشرع مثل هذه الأسئلة إنما يقتصر فيها على ما جاءت به الشريعة.\nكمن يَسْأَل ويقول: كيف يعذب الفاسق في قبره؟ وكمن يسأل ويقول: كيف يُنعم المؤمن في قبره ويمد له مد البصر؟ وكيف يكون قبره روضة من رياض الجنة؟\nهذا مما سكت الشارع عنه، وكان من منهج الصحابة - ﵃ - عدم الخوض في السؤال عن مثل هذا وغيره أيضا، قال أنس - ﵁ -: «نُهِينَا أَنْ نَسْأَلَ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ شَيْءٍ، فَكَانَ يُعْجِبُنَا أَنْ يَجِيءَ الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ الْعَاقِلُ فَيَسْأَلَهُ وَنَحْنُ نَسْمَعُ» (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري رقم (٩٢)، ومسلم رقم (٢٣٦٠).\n(^٢) أخرجه الدارمي (١/ ٦٢)، وإسناده حسن.\n(^٣) أخرجه البخاري رقم (٦٣)، ومسلم رقم (١٢)، واللفظ له.","vol":"1","page":21},{"text":"وهذا ليس معناه النهي عن السؤال مطلقًا، ولكن عن فَرْضِيَّة المسائل، وعن كيفية المغيبات التي لا يمكن أن تدركها العقول، وتقف أمامها حائرة.\n- الحالة الرابعة: سؤال التنطع، ويدل عليه قوله ﷺ: «هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ (^١)» (^٢)، ويدخل فيه سؤال بعض الناس لأهل العلم بقصد إظهار العلم والمعرفة!\nوقد يسأل السائل وهو يعلم، لكن بنية تعليم الناس، فلا بأس بذلك.\n- الحالة الخامسة: سؤال المراء والجدال، وقد قال النبي ﷺ: «أَنَا زَعِيمٌ بِبَيْتٍ فِي رَبَضِ الْجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الْمِرَاءَ وَإِنْ كَانَ مُحِقًّا» (^٣).\n- الحالة السادسة: سؤال العالم اختبارًا له فهذا ليس محمودًا، وكل\n_________\n(^١) التنطع: التكلف والمغالاة، ومجاوزة الحدود.\n(^٢) أخرجه مسلم رقم (٢٦٧٠)، وأبو داود ح (٣٩٩٢) من حديث عبدالله بن مسعود - ﵁ -.\n(^٣) أخرجه أبو داود رقم (٤١٦٧) من حديث أبي أمامة - ﵁ -، والبيهقي في السنن الكبرى (١٠/ ٤٢٠)، رقم (٢١١٧٦)، والطبراني في المعجم الكبير (٨/ ٩٨)، رقم (٧٤٨٨)، وغيرهم، والحديث له شواهد منها: حديث ابن عمر - ﵄ - عند الطبراني في المعجم الأوسط (١/ ٢٦٩)، رقم (٨٧٨)، وحديث معاذ ابن جبل - ﵁ - عند الطبراني أيضا في معاجمه الثلاثة: الكبير (٢٠/ ١١٠) رقم (٢١٧)، والأوسط (٥/ ٢٨٥)، رقم (٥٣٢٨)، والصغير (٢/ ٧٤) رقم (٨٠٥)؛ وقد جَوَّد إسناده العراقي في تخريج أحاديث الإحياء (١/ ١٥٣)، وحسَّنه الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ١٥٧)، وصحَّحه النووي في رياض الصالحين ص (٢١٦)، والأرناؤوط في تحقيق سير أعلام النبلاء (١٨/ ٥١٦).","vol":"1","page":22},{"text":"هذه الأسئلة من التكلف الذي نُهي عنه شرعًا.\nقوله: (عَنْ مَذْهَبِي): يعني عمَّا أذهب إليه وأقول به وأراه في مسائل الشرائع والأحكام.\nوالمذهب يُطلق ويراد به الأحكام العملية، ويسمى بالفقه الأصغر، ويطلق ويراد به أصول الدين وعلم التوحيد والأسماء والصفات، ويُسمَّى بالفقه الأكبر.\nوقد اشتهر عند بعض أهل العلم تقسيم الدين إلى فروع وأصول، ويعنون بأصول الدين ما يتعلق بعقائده وأصوله الكبرى، ويعنون بالفروع الأحكام العملية. ولكن يُشكل عليه أن من الأحكام العملية: الصلاة، فهل يستقيم أن تكون الصلاة من فروع الدين؟ وقد قال النبي ﷺ: «بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ تَرْكُ الصَّلاةِ» (^١).\nوالصلاة هي عمود الدين، فمتى تُركت سقط الدين كله، وقد أفاض في بيان هذا شيخ الإسلام (^٢)، وتلميذه ابن القيم (^٣)، والشيخ ابن عثيمين وغيرهم، والمقصود أن هذا التقسيم فيه نظر.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم رقم (١٣٤)، والترمذي رقم (٢٥٤٣) من حديث جابر بن عبد الله - ﵄ -، وقال الترمذي: «حديث حسن صحيح».\n(^٢) ينظر: مجموع الفتاوى (٣/ ١٢٥).\n(^٣) إعلام الموقعين (٤/ ٣٧٥).","vol":"1","page":23},{"text":"...................... ... رُزِقَ الهُدى مَنْ لِلْهِدايةِ يَسْأَلُ\n<hr><s0>\n\nقوله: (وعَقيدَتِي) العقيدة لغة: مأخوذة من العقد، وهو شدُّ الشيء وربطُهُ بإحكام، ومنه عَقْدُ الإزار؛ لأنه يُشدُّ بإحكام، واعتقدت كذا إذا عَقدتَ عليه القلب والضمير.\nواصطلاحًا: هي الإيمان الجازم بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، وبكل ما جاء في القرآن الكريم والسنة الصحيحة من أصول الدين وأموره وأخباره، وما أجمع عليه السلف الصالح، والتسليم لله تعالى في الحكم والأمر والقدر والشرع، ولرسوله ﷺ بالطاعة والتحكيم والاتباع (^١).\nقوله: (رُزِقَ الهُدى مَنْ لِلْهِدايةِ يَسْأَلُ) (مَنْ) اسم موصول: فيكون المعنى رزق الهدى الذي يسأل سؤال هداية واسترشاد، فهذا الشطر من البيت فيه دعاء، حيث دعا الناظم للسائل بالهداية، والدعاء بالهداية للنفس مشروع، قال تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة:٦]، وفي «صحيح مسلم»: «اهْدِنِي لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِكَ، إِنَّكَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ» (^٢)، كما يُشرع الدعاء للغير بالهداية كما في دعاء النبي\n_________\n(^١) ينظر في تعريفها الاصطلاحي: مباحث في عقيدة أهل السنة والجماعة، للدكتور ناصر العقل ص (٩).\n(^٢) أخرجه مسلم رقم (٧٧٠)، من حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، قال: سألت عائشة أم المؤمنين، بأي شيء كان نبي الله - ﷺ - يفتتح صلاته إذا قام من الليل؟ قالت: كان إذا قام من الليل افتتح صلاته: «اللهم رب جبرائيل، وميكائيل، وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم».","vol":"1","page":24},{"text":"اسمَعْ كَلَامَ مُحَقِّقٍ في قَولِه ... ..................................\n<hr><s0>\n\nﷺ لدوس: «اللَّهُمَّ اهْدِ دَوْسًا وَأْتِ بِهِمْ» (^١)، وكدعائه ﷺ لأم أبي هريرة - ﵁ - بقوله: «اللَّهُمَّ اهْدِ أُمَّ أَبِي هُرَيْرَةَ» (^٢).\nقوله: (اسمَعْ) فعل أمر، وفيه حث وتحريض وترغيب على سماع العلم النافع؛ لأن من العلم ما ليس بنافع، وكان النبي ﷺ يدعو: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ عِلْمًا نَافِعًا» (^٣)، فينبغي للداعي إذا دعا الله بالعلم أن يقيد ذلك بالعلم النافع، والناظم هنا يقول: (اسمَعْ) أي سماع انتفاع واستجابة.\n• والسماع على نوعين:\n- النوع الأول: سماع انتفاع واستجابة؛ قال تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري رقم (٢٩٣٧)، ومسلم رقم (٢٥٢٤) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.\n(^٢) أخرجه مسلم رقم (٢٤٩١) من حديث أبي هريرة - ﵁ - قال: «كنت أدعو أمي إلى الإسلام وهي مشركة، فدعوتها يوما فأسمعتني في رسول الله - ﷺ - ما أكره، فأتيت رسول الله - ﷺ - وأنا أبكي، قلت: يا رسول الله إني كنت أدعو أمي إلى الإسلام فتأبى علي، فدعوتها اليوم فأسمعتني فيك ما أكره، فادع الله أن يهدي أم أبي هريرة ...» الحديث.\n(^٣) أخرجه النسائي في الكبرى (٤/ ٤٤٤) رقم (٧٨٦٧)، وابن حبان (١/ ٢٧٣) رقم (٨٢)، والطبراني في الأوسط (٩/ ٣٢) رقم (٩٠٥٠) من حديث جابر - ﵁ -، وإسناده حسن.","vol":"1","page":25},{"text":"إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [النور:٥١].\n- النوع الثاني: سماع مجرد لا يراد من ورائه الانتفاع والاستجابة، كما قال تعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء:٤٦]، فهم يسمعون لكن يعاندون.\nقوله: (كَلامَ مُحَقِّقٍ) أي: كلام عبدٍ مقرٍّ بلسانه، معتقد بجنانه لما يقول، محقق في دينه لا يعتريه شكٌّ ولا رجوع.\n• والكلام على قسمين:\n- القسم الأول: الكلام بالحق الذي ينفع صاحبه، وقد يكون مستحبًّا، ويكون واجبًا على حسب ما يقتضيه الحال والمقام.\n- القسم الثاني: الكلام بالباطل، وهذا محرم، وهو على درجات، فقد ينطق الرجل بكلمة ويخرج بها عن الإسلام، وقد ينطق بها ويكون فاسقًا، ويدخل في هذا القسم علم الكلام الذي حذر منه السلف، وقال عنه الشافعي: «ما تردى أحد بالكلام فأفلح» (^١)، والكلام في هذا الموضوع مشهور في كتب العقائد.\n_________\n(^١) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي رقم (٢٦٨).","vol":"1","page":26},{"text":"وعلماء الكلام قد وقعوا في حيرة وتناقض واضطراب لبعدهم عن الصراط المستقيم والهدي القويم، الذي جاء به كتاب الله وسنة رسوله ﷺ.\nوقد رجع كثير من أئمة الكلام الذين بلغوا الغاية فيه إلى مذهب السلف، وتبرؤوا من علم الكلام، وأعلنوا توبتهم منه، فهذا الرازي أحد أكابر أئمة علم الكلام يندب نفسه ويبكي عليها ويقول:\nنِهَايَةُ إِقْدَامِ الْعُقُولِ عِقَالُ ... وَغَايَةُ سَعْيِ الْعَالَمِينَ ضَلَالُ\nوَأَرْوَاحُنَا فِي وَحْشَةٍ مِنْ جُسُومِنَا ... وَحَاصِلُ دُنْيَانَا أَذًى وَوَبَالُ\nوَلَمْ نَسْتَفِدْ مِنْ بَحْثِنَا طُولَ عُمْرِنَا ... سِوَى أَنْ جَمَعْنَا فِيهِ: قِيلَ وَقَالُوا\nفَكَمْ قَدْ رَأَيْنَا مِنْ رِجَالٍ وَدَوْلَةٍ ... فَبَادُوا جَمِيعًا مُسْرِعِينَ وَزَالُوا\nوَكَمْ مِنْ جِبَالٍ قَدْ عَلَتْ شُرُفَاتِهَا ... رِجَالٌ، فَزَالُوا وَالْجِبَالُ جِبَالُ (^١)\nقال ابن الصلاح: «أخبرني الطوغائي مرتين أنه سمع فخر الدين الرازي يقول: يا ليتني لم أشتغل بعلم الكلام وبكى».\n_________\n(^١) ينظر: وفيات الأعيان (٤/ ٢٥٠)، ومجموع الفتاوى (٤/ ٧٣)، ودرء تعارض العقل والنقل (١/ ٨٩)، وطبقات الشافعية الكبرى للسبكي (٨/ ٩٦).","vol":"1","page":27},{"text":"وقال الرازي أيضًا:\nالعلمُ للرحمنِ ﷻ ... وسِوَاه في جَهَلاتِه يَتَغَمْغَمُ\nما للتُّرابِ وللعلومِ وإنَّما ... يسعى ليعلمَ أنَّهُ لا يعلمُ\nوممن اعترف منهم بالوقوع في الحيرة والأمور المشكلة المتعارضة ابن أبي الحديد المعتزلي، وهو من كبرائهم، حيث قال بعد توغله في علم الكلام:\nفِيكَ يَا أُغْلُوطَةَ الْفِكَرِ ... حَارَ أَمْرِي وَانْقَضَى عُمُرِي\nسَافَرَتْ فِيكَ الْعُقُولُ فَمَا ... رَبِحَتْ إِلَّا أَذَى السَّفَر\nفَلَحَى الله (^١) الْأُلَى زَعَمُوا ... أَنَّكَ الْمَعْرُوفُ بِالنَّظَر\nكَذَبُوا إِنَّ الَّذِي ذَكَرُوا ... خَارِجٌ عَنْ قُوَّةِ الْبَشَر\nوقال أيضًا:\nوحسبْتُ أَنِّي بَالغٌ أمَلِي ... فِيمَا طَلَبْتُ ومبرئ شَجَنِي\nفإذا الذي استكثرتُ منه هو الـ ... جاني عليَّ عظائم المحن\nفضللتُ في تيهٍ بلا عَلَم ... وغرقتُ في يمٍّ بلا سفن\n_________\n(^١) لحى الله فلانا: أي قبحه ولعنه. ينظر: تاج العروس (٣٩/ ٤٤٣).","vol":"1","page":28},{"text":"وكذلك يقول قائلهم مبيِّنًا أنه لم يجد عند الفلاسفة والمتكلمين إلا الحيرة والندم:\nلَعَمْرِي لَقَدْ طُفْتُ الْمَعَاهِدَ كُلَّهَا ... وَسَيَّرْتُ طَرْفِي بَيْنَ تِلْكَ الْمَعَالِم\nفَلَمْ أَرَ إِلَّا وَاضِعًا كَفَّ حَائِرٍ ... عَلَى ذَقَنٍ أَوْ قَارِعًا سِنَّ نَادِمِ (^١)\nوقد أجابه محمد بن إسماعيل الصنعاني، مبينًا أثر التمسك بالسنة:\nلعلَّك أهملت الطَّواف بمعهد الـ ... رَّسول ومن والاه من كلِّ عالمٍ\nفما حار من يهدي بهدي محمدٍ ... ولست تراه قارعًا سنَّ نادمٍ\nوقال أبو الفتح القشيري:\nتجاوزت حد الأكثرين إلى العلا ... وسافرت واستبقيتهم في المفاوز\nوخضت بحارًا ليس يُدْرَك قعْرُها ... وسيَّرت نفسي في فسيح المفاوز\nولجَّجْتُ في الأفكار ثم تراجع اخـ ... ـتياري إلى استحسان دين العجائز\n_________\n(^١) هذان البيتان ذكرهما عبد الكريم الشهرستاني في كتابه «نهاية الإقدام في علم الكلام»، ولم يُبيِّن قائلهما، انظر: الصواعق المرسلة لابن القيم (١/ ١٦٦).","vol":"1","page":29},{"text":"ومن الذين خاضوا في علم الكلام وندموا على ذلك: الجويني حيث قال: «يا أصحابنا: لا تشتغلوا بالكلام، فلو عرفت أن الكلام يبلغ بي إلى ما بلغ ما اشتغلت به» (^١).\nوقال عند موته: «لقد خضت البحر الخضم، وخليت أهل الإسلام وعلومهم، ودخلت في الذي نهوني عنه، والآن فإن لم يتداركني ربي برحمته فالويل لابن الجويني، وها أنا ذا أموت على عقيدة أمي، أو قال: على عقيدة عجائز نيسابور» (^٢).\nقال شمس الدين الخسروشاهي (^٣)، لبعض الفضلاء، وقد دخل عليه يومًا، فقال: ما تعتقد؟ قال: ما يعتقده المسلمون، فقال: وأنت منشرح الصدر لذلك مستيقن به؟ أو كما قال، فقال: نعم، فقال: اشكر الله على هذه النعمة، لكني والله ما أدري ما أعتقد، والله ما أدري ما أعتقد، والله ما أدري ما أعتقد، وبكى حتى أخضل لحيته.\n_________\n(^١) ينظر: تلبيس إبليس ص (١٠٥).\n(^٢) ينظر: شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز ص (٢٠٩).\n(^٣) هو: عبد الحميد بن عيسى بن عَمُّوَيْه بن يونس بن خليل، شمس الدين، أبو محمد الخسروشاهي (نسبة إلى قرية بقرب تبريز)، التبريزي، واشتغل بالعقليات وعلم الكلام، وكان من أجل تلامذة فخر الدين الرازي، مات سنة (٦٥٢ هـ). ينظر في ترجمته: تاريخ الإسلام (٤٨/ ١٢٥)، وفوات الوفيات (٢/ ٢٥٧)، وطبقات الشافعية الكبرى (٨/ ١٥٩).","vol":"1","page":30},{"text":"والخلاصة: أن الانشغال بعلم الكلام عديم الفائدة، فالعلم به لا ينفع، والجهل به لا يضر.\nوفي الحقيقة أن أهل الكلام لا للسنة نصروا، ولا للفلاسفة كسروا، بل غاصوا في بحار الحيرة والشك فاضطربوا في تقرير عقائدهم فحاروا وحيروا، وتعبوا وأتعبوا، ولم يكن ذلك ليحصل لهم لو اعتصموا بالله وأخذوا بما جاء في كتابه وسنة رسوله ﷺ.\nقال تعالى: ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [آل عمران:١٠١]، وقال تعالى: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٢٣) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٢٥) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ [طه:١٢٣ - ١٢٦].\nقال ابن عباس ب: «تكفل الله لمن قرأ القرآن وعمل بما فيه ألا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة» (^١).\nقوله: (مُحَقِّقٍ) أي: أقول هذا القول عن تحقيق، وليس عن ظن، ولا عن تخرص، ولكني جازم بصحة ما أقول.\nوالتحقيق: مأخوذ من الحقيقة التي لا يشوبها شبهة، والتحقيق عند\n_________\n(^١) أخرجه ابن جرير في تفسيره (١٨/ ٣٨٩)، وأطال الكلام في هذه المسألة هنا لبيان قبح الابتعاد عن نور الوحي، وعاقبة من أعرض عن القرآن والسنة وتشاغل بعلم الكلام.","vol":"1","page":31},{"text":".................... ... لا يَنْثَني عَنهُ ولا يَتَبَدَّلُ\nحُبُّ الصَّحابَةِ كُلِّهِمْ لي مَذْهَبٌ ... ..................................\n<hr><s0>\n\nأهل العلم: إثبات مسائل العلم بالأدلة الشرعية، والمحقق هو المتثبت المتيقن، المحرر للمسائل حيث لا يعتريه شك ولا رجوع عما اعتقده، ويُطلق على بعض أهل العلم محققون مثل: شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، وغيرهما من أهل العلم الراسخين.\nقوله: (لَا يَنْثَني عَنهُ) أي لا يرجع ولا يتزحزح عمَّا قاله بلسانه واعتقده بجنانه في مسائل الاعتقاد المجمع عليها عند أهل السنة والجماعة.\nقوله: (ولَا يَتَبَدَّلُ) يعني لا يغير ولا يبدل مذهب سلف الأمة بغيره من المذاهب الباطلة؛ وذلك لأن مذهب السلف مبني على الكتاب والسنة، فاكتسب صفة الثبوت واللزوم وعدم التبديل لا سيما في باب الاعتقاد.\nوهذا ما يدل على رسوخ الناظم في علمه، واطلاعه على نصوص الكتاب والسُّنة، وما اتفق عليه سلف هذه الأمة، مما دعاه إلى الثبات وعدم التزعزع والتلون في معتقده.\nقوله: (حُبُ الصَّحابَةِ كُلِّهِمْ) يعني جميعًا بلا استثناء لأحد منهم - ﵃ - وأرضاهم.\nقوله: (لي مَذْهَبٌ) أذهب إليه وأُعَوِّلُ في الاعتقاد عليه، وهذه أُولى عقائد أهل السنة التي ذكرها الناظم.\nوحب الصحابة واجبٌ بإجماع أهل السنة والجماعة؛ لسابقتهم في","vol":"1","page":32},{"text":"الإسلام، ولقربهم من النبي ﷺ، والحب هو ميل القلب إلى المحبوب لسبب ظاهر أو باطن.\nقال الطحاوي في «عقيدته»: «ونحب أصحاب رسول الله ﷺ، ولا نفرط في حب أحد منهم، ولا نتبرأ من أحد منهم، ونبغض من يبغضهم، وبغير الخير يذكرهم، ولا نذكرهم إلا بخير، وحبهم دين وإيمان وإحسان، وبغضهم كفر ونفاق وطغيان» (^١).\nوقال أيضًا: «وَمنْ أَحْسَنَ القول في أصحاب رسول الله ﷺ، وأزواجه الطاهرات من كل دنس، وذرياته المقدسين من كل رجس، فقد برئ من النفاق» (^٢).\nوقال شيخ الإسلام: «المؤمنون يحبون لله ويبغضون لله، كما في «الصحيحين» عن النبي ﷺ أنه قال: «ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ» (^٣)، وفي رواية في «الصحيح»: «لَا يجد حلاوة الْإِيمَان إِلَّا من كَانَ فِيهِ ثَلَاثُ خِصَال: أَن يكون الله ُوَرَسُولُه أحبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سواهُمَا، وَأَن يحب الْمَرْء لَا يُحِبهُ إِلَّا لله، وَأَن يكره أَن يرجع فِي الْكفْر بعد إِذْ أنقذه الله مِنْهُ كَمَا يكره أَن يُلقَى\n_________\n(^١) متن الطحاوية مع شرحها لابن أبي العز (١/ ٤٦٧).\n(^٢) متن الطحاوية مع شرحها لابن أبي العز (١/ ٤٩٠).\n(^٣) أخرجه البخاري (١٦)، ومسلم (٤٣) من حديث أنس - ﵁ -.","vol":"1","page":33},{"text":"فِي النَّار»» (^١).\nوعند «أبي داود» من حديث أبي أمامة - ﵁ - عن رسول الله ﷺ أنه قال: «مَنْ أَحَبَّ لله، وَأَبْغَضَ للهِ، وَأَعْطَى لله، وَمَنَعَ للهِ، فَقَدِ اسْتَكْمَلَ الإِيمَانَ» (^٢).\nولا يخفى على كل ذي لُبٍّ أن أصحاب رسول الله ﷺ هم أولى من يحب لله وفي الله، كيف لا وهم سادات المؤمنين، وأقوى الناس يقينًا، وأطهرهم قلوبًا، وأزكاهم نفوسًا، وأشدهم إخلاصًا، وأكثرهم بذلًا ونصرًا لدين الله ﷾ ولرسوله ﷺ.\nوالمقصود أن هذه المسألة - وهي حب الصحابة - من أصول مذهب أهل السنة والجماعة في باب الاعتقاد.\nقال شيخ الإسلام: «أهل السُّنة والجماعة وسط في أصحاب رسول الله ﷺ بين الغالي في بعضهم، والجافي فيهم، الذي يُكفِّر بعضهم أو يُفسِّقه، وهم خيار هذه الأمة» (^٣).\nوقال أيضًا: «أهل السُّنة في أصحاب رسول الله ﷺ وسط بين الرافضة\n_________\n(^١) قاعدة في المحبة ص (٦٩).\n(^٢) أخرجه أبو داود (٢/ ٦٣٢) رقم (٤٦٨١). وصححه الذهبي في معجم الشيوخ الكبير (٢/ ٣٤٧)، والجديع في تحرير علوم الحديث (٢/ ٨٢٨)، وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة (١/ ٦٥٧).\n(^٣) الجواب الصحيح (١/ ٥٧).","vol":"1","page":34},{"text":"والخوارج» (^١).\nفالرافضة - قبحهم الله - يسبون الصحابة - ﵃ -، ويلعنونهم، وربما كفروهم أو كفروا بعضهم، والغالبية منهم - مع سبهم لكثير من الصحابة والخلفاء - يغلون في علي وأولاده، ويعتقدون فيهم الإلهية.\nوأما الخوارج؛ فقد قابلوا هؤلاء الروافض، فكفروا عليًّا ومعاوية ومن معهما من الصحابة، وقاتلوهم واستحلوا دماءهم وأموالهم (^٢).\nولا يخفى ما قام به ابن ملجم الخارجي -لعنه الله- حين استحل قتل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - ﵁ -، ولا شك أن هذا عمل في غاية الزيغ والضلال، وقد قال عمران بن حطان في ذلك شعرًا يمدح ابن ملجم -لعنه الله-، يقول:\nيَا ضَرْبَةً مِنْ تَقِيٍّ مَا أَرَادَ بِهَا ... إِلَّا لِيَبْلُغَ مِنْ ذِي العَرْشِ رِضْوَانَا\nإِنِّي لأَذْكُرُهُ حِينًا فَأَحْسِبُهُ ... أَوْفَى البَرِيَّةِ عِنْدَ اللهِ مِيزَانَا\nفرد عليه شاعر السنة بقوله:\n_________\n(^١) العقيدة الواسطية ص (٢٦).\n(^٢) شرح العقيدة الواسطية لمحمد خليل هراس، ص (١٩٢ - ١٩٣) بتصرف.","vol":"1","page":35},{"text":"يا ضربة من شقي ما أراد بها ... إلا ليبلغ من ذي العرش خسرانا\nإني لأذكره حينا فألعنه ... لعنًا وألعن عمران بن حطانا (^١)\nوأما أهل السنة والجماعة فكانوا وسطًا بين غلو هؤلاء وجفاء هؤلاء، فهداهم الله - ﷿ - إلى الاعتراف بفضل الصحابة وأنهم أكمل الأمة إيمانًا وإسلامًا وعلمًا وحكمة ولكنهم لم يغلوا فيهم، ولم يعتقدوا عصمتهم، بل أحبوهم لحسن صحبتهم وعظم سابقتهم، وحسن بلائهم في نصرة الإسلام، وجهادهم مع رسول الله ﷺ (^٢)، ومحبتهم من الدين.\nوهناك<span data-type=\"title\" id=toc-9> مسائل تتعلق بالصحابة:</span>\n- المسألة الأولى: تعريف الصحابي:\nالصحابي كما قال الإمام البخاري في «الصحيح»: «من صحب النبي ﷺ ورآه من المسلمين فهو من أصحابه»، لكن تعريف البخاري يحتاج إلى قيدين مهمين:\nأولهما: أن تكون هذه الصحبة والرؤية حال حياة النبي ﷺ.\n_________\n(^١) ذكر الحافظ ابن حجر في مقدمة الفتح ص (٤٣٣): أن أبا زكريا الموصلي حكى في «تاريخ الموصل» عن غيره أن عمران هذا رجع في آخر عمره عن رأي الخوارج. وقال أيضًا في التقريب ص (٤٢٩): «صدوق إلا أنه كان على رأي الخوارج، ويقال: رجع عن ذلك».\n(^٢) شرح العقيدة الواسطية لمحمد خليل الهراس ص (١٩٣).","vol":"1","page":36},{"text":"والثاني: ألا يتخلل ذلك ردة، فإذا تخلل ذلك ردة فليس بصحابي؛ لحبوط فضل الصحبة بالردة، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر:٦٥].\nنستفيد من هذه الآية أن جميع الأعمال تحبط بالشرك والردة، ويدخل في ذلك الصحبة وما فيها من الفضل، والبخاري يقول: «من المسلمين» والمرتد ليس من المسلمين.\nولهذا عَرَّف بعض أهل العلم الصحابي بتعريف أدق فقال: «هو من لقي النبي ﷺ مؤمنا به ومات على ذلك»، وقولنا: «من لقي» يشمل من صحبه ﷺ، ويشمل أيضا من رآه ولو لحظة واحدة، ويشمل أيضًا من لقي النبي ﷺ وهو أعمى.\n- المسألة الثانية: ما حكم من آمن بالنبي ﷺ ثم ارتد ثم أسلم؟\nإذا كان إسلامه بعد الردة في حياة النبي ﷺ، فهو صحابي؛ لأنه رجع وتاب ورأى النبي ﷺ وتحقق فيه الشرط، أما الرؤية الأولى فإنها حبطت بالشرك والردة، وهذا مفهوم قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر:٦٥].\n- المسألة الثالثة: ما حكم مَن رأى النبي ﷺ بعد ما مات وقبل أن يدفن؟\nوقد حدث هذا لرجل جاء من اليمن إلى النبي ﷺ ليحوز شرف الصُّحبة، فلما قَدِم إلى المدينة إذا بخبر وفاة النبي ﷺ يصله.\nفهذا لا يحظى بشرف الصُّحبة؛ لأنه يشترط أن تكون هذه الرؤية","vol":"1","page":37},{"text":"حال حياة النبي ﷺ.\n- المسألة الرابعة: ما حكم مَن رأى النبي ﷺ قبل أن يُبعث ولم يره بعد ما بعث، مثل: ورقة بن نوفل؟\nقد اختلف في صحبته، والأقرب أنه لا يُعدُّ صحابيًّا؛ لأنه لم ير النبي ﷺ وهو نبيٌّ، وإنما مات قبل أن يبعث، وقد ثبت أن النبي ﷺ رآه وعليه ثِيَابُ بَيَاضٍ، وإنما كان كذلك لأنه على الحنيفية ملة إبراهيم - ﵇ -.أخرج الإمام أحمد في «المسند» والترمذي في «جامعه» من حديث عائشة ﵂: أَنَّ خَدِيجَةَ ل سَأَلَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ وَرَقَةَ بْنِ نَوْفَلٍ، فَقَالَ: «قَدْ رَأَيْتُهُ فِي الْمَنَامِ فَرَأَيْتُ عَلَيْهِ ثِيَابَ بَيَاضٍ فَأَحْسِبُهُ لَوْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ ثِيَابُ بَيَاضٍ» (^١).\n- المسألة الخامسة: ما حكم من رأى النبي ﷺ قبل أن يَعقل كمن حنكه صغيرًا مثل عبد الله بن أبي طلحة هل يُعدُّ صحابيًّا؟\nالأقرب أنه لا يُعدُّ صحابيًا؛ لأنه يُشترط في الرؤية العقل أو التمييز.\n- المسألة السادسة: بِمَ تثبت الصُّحبة؟\nتثبت بأمور:\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٤٠/ ٤٣٠) رقم (٢٤٣٦٧)، والترمذي (٤/ ٥٤٠) رقم (٢٢٨٨)، من طريق عروة، عن عائشة - ﵂ -، قال الترمذي: «هذا حديث غريب»، وقال ابن كثير في السيرة النبوية (١/ ٣٩٧): «وهذا إسناد حسن، لكن رواه الزهري وهشام عن عروة مرسلا».","vol":"1","page":38},{"text":"أولًا: بالتواتر كصحبة أبي بكر - ﵁ -.\nثانيًا: بالشهرة كعُكَّاشة بن محصن فقد اشتهرت صحبته.\nثالثًا: إخبار أحد الصحابة عن أحد بأنه صحابي كحمحمة بن أبي حمحمة الذي مات مبطونًا - ﵁ - وشهد له أبو موسى - ﵁ - بالصحبة.\nرابعًا: إخبار ثقة من التابعين، وثقات التابعين كُثر؛ كسعيد بن المسيب، والحسن البصري، وسعيد بن جبير وغيرهم.\nخامسًا: إخباره عن نفسه إن كان عدلًا بأنه صحابي.\n- المسألة السابعة: مَن أكثر الصحابة حديثًا؟\nالجواب: أبو هريرة، ثم ابن عمر، ثم ابن عباس، ثم عائشة - ﵃ -.\n- المسألة الثامنة: مَن أكثر الصحابة فتوى؟\nالجواب: عبد الله بن عباس ب.\n- المسألة التاسعة: مَن عبادلة الصحابة - ﵃ -؟\nهم: عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمرو بن العاص - ﵃ -.\nأما ابن مسعود فهو كما قال الإمام أحمد: «ليس ابن مسعود منهم» (^١)، قال البيهقي: لتقدم وفاته، وقد توفي سنة (٣٢ هـ).\n_________\n(^١) مقدمة ابن الصلاح ص (٢٩٦).","vol":"1","page":39},{"text":"- المسألة العاشرة: كم عدد الصحابة؟\nليس هناك إحصاء دقيق لعددهم - ﵃ - وقد اشتهر قول أبي زرعة ﵀: «قبض النبي ﷺ عن مائة ألف وأربعة عشر ألفًا». قال العراقي: «وهذا القول عن أبي زرعه لم أقف على سنده». وروى الساجي في المناقب بسند جيد عن الرافعي أنه قال: «قُبض الرسول ﷺ والمسلمون ستون ألفا، ثلاثون ألفًا بالمدينة وثلاثون ألفًا في قبائل العرب».\n- المسألة الحادية عشرة: مَنْ آخر الصحابة موتًا؟\nهو أبو الطفيل عامر بن واثلة، جزم بذلك الإمام مسلم وابن منده والمِزِّي وغيرهم، وقد جاء في «صحيح الإمام مسلم» عن أبي الطفيل أنه قال: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَمَا عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ رَجُلٌ رَآهُ غَيْرِي» (^١).\nوتوفي أبو الطفيل سنة (١١٠ هـ)، وجاء في «صحيح مسلم» أن النبي ﷺ قال قبل وفاته في السنة العاشرة: «مَا مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ الْيَوْمَ تَأْتِي عَلَيْهَا مِائَةُ سَنَةٍ وَهِيَ حَيَّةٌ يَوْمَئِذٍ» (^٢)، وهذا قاله النبي ﷺ في عام (١٠) من الهجرة، ومات أبو الطفيل بعد مائة سنة من كلامه هذا، فكان كما أخبر النبي ﷺ، وهذا من دلائل نبوته ﷺ.\n- المسألة الثانية عشرة: من أفضل الصحابة؟\nأفضل الصحابة: أهل الحديبية، وأفضل أهل الحديبية: أهل أحد،\n_________\n(^١) أخرجه مسلم رقم (٢٣٤٠).\n(^٢) أخرجه مسلم رقم (٢٥٣٨) من حديث جابر بن عبد الله - ﵄ -.","vol":"1","page":40},{"text":"وأفضل أهل أحد: أهل بدر، وأفضل أهل بدر: العشرة، وأفضل العشرة: الخلفاء الأربعة، وأفضل الأربعة: أبو بكر الصديق - ﵁ -.\n- المسألة الثالثة عشرة: مَن أعلم الصحابة؟\nأعلم الصحابة أبو بكر - ﵁ -، وقد نص عليه ابن تيمية ﵀ في «منهاج السنة» ونقل عن السمعاني أنه حكى الإجماع على ذلك (^١).\nومن الأدلة على ذلك: حديث أبي سعيد الخدري - ﵁ - في «الصحيحين»: «إِنَّ عَبْدًا خَيَّرَهُ اللهُ بَيْنَ أَنْ يُؤْتِيَهُ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا مَا شَاءَ وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ فَاخْتَارَ مَا عِنْدَهُ»، فَبَكَى أَبُو بَكْرٍ، وَقَالَ: فَدَيْنَاكَ بِآبَائِنَا وَأُمَّهَاتِنَا، فَعَجِبْنَا لَهُ، وَقَالَ النَّاسُ: انْظُرُوا إِلَى هَذَا الشَّيْخِ يُخْبِرُ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ عَبْدٍ خَيَّرَهُ اللهُ بَيْنَ أَنْ يُؤْتِيَهُ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ وَهُوَ يَقُولُ: فَدَيْنَاكَ بِآبَائِنَا وَأُمَّهَاتِنَا» (^٢).\nوهذا من دقة فهمه - ﵁ - حيث علم أن هذا من علامات موته ﷺ، أما بقية الصحابة - ﵃ - فلم يدركوا هذا من أول وهلة، ولذا قال أبو سعيد الخدري - ﵁ - في آخر الحديث: «فَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ هُوَ الْمُخَيَّرَ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ هُوَ أَعْلَمَنَا بِهِ».\nومما يدل على أنه أعلم الصحابة ما حصل في صلح الحديبية حيث وافق أبو بكر - ﵁ - الحق، وكان موقفه كموقف النبي ﷺ، وأيضًا حينما\n_________\n(^١) ينظر: منهاج السنة النبوية (٧/ ٥٠٠ - ٥٠٢).\n(^٢) أخرجه البخاري رقم (٣٩٠٤)، ومسلم رقم (٢٣٨٢).","vol":"1","page":41},{"text":".................... ... وَمَوَدَّةُ القُرْبَى بِها أَتَوَسَّلُ\n<hr><s0>\n\nمات النبي ﷺ ثبَّت الصحابة - ﵃ -، وقاتل مانعي الزكاة، قال عمر - ﵁ - كما في «الصحيحين»: «فَوَاللهِ مَا هُوَ إِلا أَنْ رَأَيْتُ الله قَدْ شَرَحَ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ لِلْقِتَالِ فَعَرَفْتُ أَنَّهُ الْحَقُّ» (^١)، وهذه بعض الأدلة التي تدل على فضيلة أبي بكر - ﵁ - وعلمه، وسبقه.\nقوله: (وَمَوَدَّةُ القُرْبى بِها أَتَوَسَّلُ) أي: أتقرب إلى الله - ﷾ - بمحبة ومودة قرابة النبي ﷺ؛ لأن محبتهم من الأعمال الصالحة التي يثاب عليها المسلم.\nوقرابة النبي ﷺ هم أهل بيته الذين لا تحل لهم الصدقة؛ فيدخل في ذلك أزواجه الطاهرات المطهرات ﵅ وأرضاهن بدلالة القرآن كما في قوله تعالى: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٣٢) وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٢، ٣٣]، فالخطاب في هذه الآية موجه إلى نساء النبي ﷺ، وبهذا يتبين أنهن من أهل بيته ﷺ بنص القرآن.\nوأولاد النبي ﷺ من أهل بيته؛ ودليل ذلك ما جاء في «صحيح مسلم» عن عائشة لأنها قالت: «خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ غَدَاةً وَعَلَيْهِ مِرْطٌ مُرَحَّلٌ مِنْ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري رقم (٧٢٨٥)، ومسلم رقم (٢٠).","vol":"1","page":42},{"text":"شَعَرٍ أَسْوَدَ، فَجَاءَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِىٍّ فَأَدْخَلَهُ، ثُمَّ جَاءَ الْحُسَيْنُ فَدَخَلَ مَعَهُ، ثُمَّ جَاءَتْ فَاطِمَةُ فَأَدْخَلَهَا، ثُمَّ جَاءَ عَلِىٌّ فَأَدْخَلَهُ، ثُمَّ قَالَ: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣]» (^١).\nوقد جاء عن النبي ﷺ أنه قال لعلي وفاطمة والحسن والحسين: «اللَّهُمَّ هَؤُلَاءِ أَهْلُ بَيْتِي، فَأَذْهِبْ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وَطَهِّرْهُمْ تَطْهِيرًا» (^٢).\nوأيضًا يدخل في أهل بيت النبي ﷺ: آل علي، وآل جعفر، وآل عقيل، وآل العباس، وبنو الحارث بن عبد المطلب؛ ويدل لذلك ما جاء في «صحيح مسلم»: أن الفضل بن عباس وعبد المطلب بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب طلبا من النبي ﷺ أن يوليهما على الصدقة فقال: «إِنَّ الصَّدَقَةَ لَا تَنْبَغِي لآلِ مُحَمَّدٍ، إِنَّمَا هِيَ أَوْسَاخُ النَّاسِ» (^٣)، فبيَّن أن ولد العباس وولد الحارث بن عبد المطلب من آل محمد تَحْرم عليهم الصدقة.\nوفي «صحيح البخاري» أن النبي ﷺ أعطى من سهم ذوي القربى لبني المطلب بن عبد مناف، وقال: «إِنَّمَا بَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو الْمُطَّلِبِ شَيْءٌ وَاحِدٌ، إِنَّهُمْ لَمْ\n_________\n(^١) صحيح مسلم (٤/ ١٨٨٣) رقم (٢٤٢٤).\n(^٢) أخرجه الترمذي ٥/ ٣٥١ رقم (٣٢٠٥)، وقال: «هذا حديث حسن وهو أحسن شيء روي في هذا الباب»، وصححه الألباني في «صحيح الترمذي» ٣/ ٢٤١ رقم (٣٠٣٨).\n(^٣) أخرجه مسلم ٢/ ٧٥٦ رقم (١٠٧٢).","vol":"1","page":43},{"text":"يُفَارِقُونِي فِي جَاهِلِيَّةٍ وَلا إِسْلامٍ، وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ» (^١).\nفهؤلاء الخمسة الذين سبق ذكرهم من بني هاشم وهم: (آل علي، وآل جعفر، وآل عقيل، وآل العباس، وبنو الحارث بن عبد المطلب) أقرب إلى النبي ﷺ من بني المطلب، فدخولهم في أهل بيت النبي ﷺ من باب أولى، ولهذا ذهب أهل العلم إلى أن بني هاشم من آل محمد الذين تَحرم عليهم الصدقة ويدخلون في الصلاة على آل محمد، ويستحقون الخمس.\nوتنازع أهل العلم في بني المطلب بن عبد مناف: هل تحرم عليهم الصدقة ويدخلون في آل محمد ﷺ؟ على قولين، هما روايتان عن أحمد.\nوالراجح أنهم يدخلون في آل البيت للحديث المتقدم، ولكن هذا لا يكون إلا للمؤمنين منهم، والضابط في معرفة آل بيت النبي ﷺ هو كل من تحرم عليه الصدقة كما في الحديث المتقدم الذي رواه مسلم ﵀ (^٢).\nقال شيخ الإسلام ﵀عن آل بيت النبي ﷺ-: «هم بنو هاشم كلهم: ولد العباس، وولد علي، وولد الحارث بن عبد المطلب، وسائر بني أبي طالب، وغيرهم» (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري رقم (٣١٤٠)، وأبو داود رقم (٢٥٨٥)، والنسائي رقم (٤٠٦٨)، واللفظ له من حديث جبير بن مطعم - ﵁ -.\n(^٢) أخرجه مسلم رقم (١٠٧٢).\n(^٣) منهاج السنة النبوية (٧/ ٣٩٥).","vol":"1","page":44},{"text":"وقال أيضًا: «فمحبة أهل بيت النبي ﷺ واجبة» (^١).\nوالدليل على ذلك ما جاء عند الإمام أحمد من حديث العباس - ﵁ - قال: «يَا رَسُولَ الله إِنَّا لَنَخْرُجُ فَنَرَى قُرَيْشًا تَحَدَّثُ فَإِذَا رَأَوْنَا سَكَتُوا، فَغَضِبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَدَرَّ عِرْقٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ ثُمَّ قَالَ: «وَالله لا يَدْخُلُ قَلْبَ امْرِئٍ إِيمَانٌ حَتَّى يُحِبَّكُمْ لله وَلِقَرَابَتِي» (^٢).\nويدل لذلك أيضًا حديث أبي سعيد الخدري - ﵁ - قال: قال رسول الله ﷺ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَا يُبْغِضُنَا أَهْلَ الْبَيْتِ رَجُلٌ إِلَّا أَدْخَلَهُ الله النار» (^٣).\nوالخلاصة: أن حب أهل البيت واجب، لكن في أحاديث النبي ﷺ السابقة دليل على وجوب حبهم حبًّا منضبطًا لا كما يفعل الرافضة حيث أوصلوهم إلى الألوهية، ولا شك أن هذا شرك، وأكثر الرافضة اليوم مشركون، وقعوا في الشرك، وإن كان الشيعة في أول الأمر لم يكونوا كذلك، ولكن يُلاحظ في كل البدع أنها تبدأ صغيرةً ثم تكبر وتتطور، حتى تصبح مجمعًا للخرافات والبدع والشركيات التي لا نهاية لها.\nقوله: (بِها أَتَوَسَّلُ) أي بمحبة آل البيت.\n_________\n(^١) منهاج السنة النبوية (٧/ ١٠٢).\n(^٢) أخرجه أحمد رقم (١٦٨١)، والحديث إسناده ضعيف؛ لضعف يزيد بن أبي زياد.\n(^٣) أخرجه ابن حبان رقم (٦٩٧٨)، والحاكم في المستدرك رقم (٤٧١٧)، وقال: «هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه».","vol":"1","page":45},{"text":"والوسيلة هي: ما يتقرب به إلى الغير. يقال: وَسَلَ فلانٌ إلى ربه وسيلة، وتَوَسَّل إليه بوسيلة إذا تقرب إليه بعمل، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [المائدة: ٣٥]، يعني القربة الموصلة إلى رضوانه جل وعلا. والوَاسِلُ: هو الراغب إلى الله تعالى، قال لبيد:\nأرى الناسَ لا يَدرُونَ ما قَدرُ أمرِهمْ ... بلى كلُّ ذي لبٍّ إلى اللهِ وَاسلُ\n• و<span data-type=\"title\" id=toc-10>التوسل ينقسم إلى قسمين:</span>\n- القسم الأول: التوسل المشروع، وله أمثلة كثيرة منها ما يلي:\nأولًا: التوسل بتوحيد الله كما في دعاء يونس - ﵇ -، كما في قوله تعالى: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧].\nثانيًا: التوسل إلى الله - ﷿ - بالإيمان، قال تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾ [آل عمران: ١٩٣].\nثالثًا: التوسل بأسماء الله الحسنى وصفاته العلى، ودليل التوسل بالأسماء قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٠].\nوأما التوسل بالصفات فدليله ما جاء عند الترمذي من حديث أنس بن مالك - ﵁ - قال: كان النبي ﷺ إذا كربه أمر قال: «يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ بِرَحْمَتِكَ","vol":"1","page":46},{"text":"أَسْتَغِيثُ» (^١).\nوقد ذكر أهل العلم أن من آداب الدعاء: التوسل إلى الله بذكر الاسم المناسب للمسألة، فإذا أراد أن يسأل الله المغفرة فيتوسل بالغفور، وإذا أراد أن يسأل الله رزقًا فيتوسل إليه بالرزَّاق، ومن أراد أن يسأل الله - ﷿ - علمًا نافعًا فإنه يتوسل إليه بالعليم، أو بأي اسم يدل على ذلك وهكذا في بقية الأسماء.\nرابعًا: التوسل بالأعمال الصالحة كما في قصة الثلاثة الذين انحطت على فم غارهم صخرة، فانطبقت عليهم فتوسلوا بأعمالهم الصالحة ففرج الله لهم (^٢).\n- القسم الثاني التوسل الممنوع، ومن أمثلته ما يلي:\nأولًا: التوسل إلى الله - ﷿ - بسؤال ودعاء الميت وطلبه الشفاعة، وهذا كفر وشرك أكبر مخرج من الملة؛ لأن من فعل ذلك فقد صرف نوعًا من أنواع العبادة لغير الله وهو الدعاء، ومن صرف نوعًا من أنواع العبادة أو فردًا من أفرادها لغير الله ﷾ فقد كفر به وأشرك معه غيره؛ قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٧].\nووجه الدلالة من هذه الآية: أن الله - ﷾ - بيَّن أن من يدع مع الله إلهًا\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي رقم (٣٥٢٤) والحاكم (١/ ٥٠٩)، وقال الترمذي: «حديث غريب»، وقال الحاكم: «صحيح الإسناد». والحديث حسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي (٣/ ١٧٢).\n(^٢) أخرجه البخاري رقم (٢٢٧٢)، ومسلم رقم (٢٧٤٣) من حديث عبد الله بن عمر - ﵄ -.","vol":"1","page":47},{"text":"آخر فإنه كافر، حيث قال في آخرها: ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾، وفي قوله: ﴿لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ﴾ بيان أنه لا يمكن أحدًا أن يكون عنده برهانٌ على تعدد الآلهة (^١).\nوقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر:١٣،١٤]، فسمى الله - ﷾ - دعاءهم شركًا (^٢).\n«ومن دعا ميتًا أو غائبًا فإنه مشرك؛ لأن الميت أو الغائب لا يمكن أن يقوم بمثل هذا، فدعاؤه إياه يدل على أنه يعتقد أن له تصرفًا في الكون فيكون بذلك مشركًا» (^٣).\nومما يجب الإحاطة به أن من صرف شيئًا من العبادة لغير الله - ﷾ - فإنه يكفر، ولو لم يعتقد فيه الربوبية، خلافًا لمن يقول: إنه لا يكفر إذا عبد غير الله حتى يعتقد فيه الربوبية، والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ [الزمر:٣].\nوالشاهد أن هذه الآية فيها أسلوب حصر في قوله: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزُّمَر:٣]، والحصر هنا يفيد النفي والإثبات فـ (ما) نافية، و(إلا)\n_________\n(^١) شرح الثلاثة الأصول لابن عثيمين ص (١٥٩) بتصرف يسير.\n(^٢) شرح الثلاثة الأصول لابن باز ص (١٥٤).\n(^٣) شرح الثلاثة الأصول لابن عثيمين ص (١٦٠).","vol":"1","page":48},{"text":"مثبة، والحصر هو وجود الحكم في المحصور ونفيه عما سواه.\nومن المعلوم أن أسلوب الحصر من أقوى الدلالات على المقصود، فيكون معنى هذا الأسلوب أننا ما عبدناهم إلا لغاية واحدة فقط، وهي طلب القربة، وليس من أجل أن نتخذهم أربابًا من دون الله، ثم ذكر الله - ﷿ - في آخر هذه الآية أنهم كفار فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ فكفرهم بهذا الطلب.\nثانيًا: التوسل بذات أو جاه أحد الأنبياء أو الصالحين فضلًا عن غيرهم ممن هو دونهم، فهذا العمل بدعة منكرة، لم يدل عليها دليل، ولم يُنقل عن أحد من الصحابة أو سلف الأمة فعل ذلك.\nيقول شيخ الإسلام ﵀: «من تعبد بعبادة ليست واجبة ولا مستحبة وهو يعتقدها واجبة أو مستحبة فهو ضال مبتدع بدعةً سيئة لا بدعة حسنة باتفاق أئمة الدين، فإن الله لا يُعبد إلا بما هو واجب أو مستحب» (^١).\nشبهة: قد يقول قائل: ماذا عن قول عمر - ﵁ - كما في «صحيح البخاري»: «اللَّهُمَّ إِنَّا كُنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّنَا فَتَسْقِينَا، وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِعَمِّ نَبِيِّنَا فَاسْقِنَا قَالَ: فَيُسْقَوْنَ» (^٢).\nوأهل البدع يستدلون بهذا الدليل على جواز التوسل بالصالحين.\n_________\n(^١) قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة (٢/ ٢٥).\n(^٢) أخرجه البخاري رقم (١٠١٠) من حديث أنس بن مالكٍ: «أنَّ عُمر بن الخطاب - ﵁ - كان إذا قحطُوا استسقى بالعباسِ بن عبد المطلب فقال: ...» الحديث.","vol":"1","page":49},{"text":"وَلِكُلِّهِمْ قَدْرٌ علَا وفضائلٌ ... لكِنَّما الصِّدِّيقُ مِنْهُمْ أَفْضَلُ\n<hr><s0>\n\nالجواب: أن عمر - ﵁ - لم يتوسل بذات أو جاه أو حق العباس - ﵁ -، وإنَّما توسل بدعائه؛ والتوسل بدعاء الشخص الحي الحاضر جائز ولا إشكال فيه، وبهذا يتحقق الجمع بين الأدلة.\nثالثًا: التوسل بحق المخلوق كما في قول بعض الناس: «اللهم إني أتوسل إليك بحق فلان عليك، اللهم إني أتوسل بحق الجيلاني عليك أو بحق البدوي أو بحق العالم الفلاني أن تعطيني كذا وكذا». هذا غير مشروع، وليس لأحد من المخلوقين على الله تعالى حق، فعطاءُ الله جل وعلا لأحد من المخلوقين هو تفضلٌ وإحسانٌ منه إليهم، وليس حقًّا على الله لهم، والله أعلم.\nقوله: (وَلِكُلِّهِمْ قَدْرٌ عَلا وفضائلٌ) جاء في بعض النسخ: «وَلِكُلِّهِمْ قَدْرٌ وَفَضْلٌ سَاطعٌ»، والمثبت في أكثر النسخ: (وَلِكُلِّهِمْ قَدْرٌ عَلا وَفضائل).\nقوله: (وَلِكُلِّهِمْ) الضمير هنا يعود على جميع الصحابة. (قَدْرٌ) عظيم وشأنٌ رفيع. (عَلا) أي سما على غيره، وهذا معلوم، فهم خير أمة أخرجت للناس، وهم خير القرون كما أخبر بذلك النبي ﷺ جاء ذلك في «الصحيحين» من حديث عمران بن حصين ب (^١).\nقوله: (لكِنَّما الصِّديقُ مِنْهُمْ أَفْضَلُ) (لكنَّ): حرف استدراك وتعقيب، و(ما) زائدة كافة، ولما كان أبو بكر الصديق - ﵁ -، أفضل خلق الله بعد النبيين والمرسلين، كما هو معلوم عند الأمة، ومجمع عليه عند الأئمة\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢/ ٩٣٨) رقم (٢٥٠٨)، ومسلم (٤/ ١٩٦٤) رقم (٢٥٣٥)، ولفظه: «خيركم قرني ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، قال عمران: لا أدري أذكر النبي - ﷺ - بَعدُ قرنين أو ثلاثةً».","vol":"1","page":50},{"text":"استدرك الناظم ﵀ بقوله: (لكِنَّما الصِّديقُ) يعني أبا بكر - ﵁ - وأرضاه.\n(مِنْهُمْ) أي من جملة الصحابة. (أَفْضَل) وهذا بالإجماع، فهو أكثر الصحابة فضائل، واسمه: عبد الله بن عثمان (أبي قحافة) ابن عامر بن عمرو ابن كعب بن سعد بن تيم بن مرة التيمي القرشي، يلقب بالصديق، ويكنى بأبي بكر.\nوفضائله كثيرة مشهورة جدًّا، منها أنه أول من أسلم من الرجال الأحرار (^١)، وأول من جمع القرآن (^٢).\nوكان - ﵁ - يتحلى بالورع والبعد عن الشبهات حتى إنه قاءَ ما أكل حين علم أنه من كسب حرام (^٣)، وصدَّقَ الرسول ﷺ حين كذَّبهُ الناس ولم يتردد\n_________\n(^١) أخرج البخاري (٣٦٦٠)، و(٣٨٥٧) عن عمار بن ياسر: «رأيت رسول الله - ﷺ - وما معه إلا خمسة أعبد وامرأتان وأبو بكر»، قال الحافظ في «الفتح» (٧/ ١٧٠): «وفيه دلالة على قدم إسلام أبي بكر إذ لم يذكر عمار أنه رأى مع النبي - ﷺ - من الرجال غيره، وقد اتفق الجمهور على أن أبا بكر أول من أسلم من الرجال»، وذهب بعض أهل العلم إلى أن علي بن أبي طالب أولُ الناس إسلامًا؛ ولذلك قال النووي في «تهذيب الأسماء» (١/ ٣٤٤ - ٣٤٥): «قال العلماء: والأورع أن يقال: أول من أسلم من الرجال الأحرار أبو بكر ومن الصبيان علي ومن النساء خديجة بنت خويلد ومن الموالي زيد بن حارثة ومن العبيد بلال».\n(^٢) وقصة جمع القرآن أخرجها البخاري (٤٩٨٦) من حديث زيد بن ثابت.\n(^٣) فقد أخرج البخاري (٣٨٤٢) عن عائشة - ﵂ -، قالت: «كان لأبي بكر غلام يخرج له الخراج، وكان أبو بكر يأكل من خراجه فجاء يومًا بشيء فأكل منه أبو بكر، فقال له الغلام: أتدري ما هذا؟ فقال أبو بكر: وما هو؟ قال: كنت تكهنت لإنسان في الجاهلية، وما أحسن الكهانة إلا أني خدعته فأعطاني بذلك، فهذا الذي أكلت منه فأدخل أبو بكر يده فقاء كل شيء في بطنه».","vol":"1","page":51},{"text":"في قبول دعوته إلى الإسلام حين تردَّد وأبى غيره، وواسى رسول الله ﷺ بنفسه وماله حتى قال فيه النبي ﷺ: «إِنَّ الله بَعَثَنِي إِلَيْكُمْ فَقُلْتُمْ كَذَبْتَ وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ صَدَقَ، وَوَاسَانِي بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ، فَهَلْ أَنْتُمْ تَارِكُو لِي صَاحِبِي» (^١).\nوهو أخص الصحابة برسول الله ﷺ وصاحبه في الغار (^٢)، قال تعالى: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة:٤٠]، فنص القرآن على ثبوت صحبته، وهذه فضيلة لم يشاركه فيها أحد من الصحابة؛ لهذا قال العلماء: من قال: إن أبا بكر لم يكن من الصحابة كفر؛ لتكذيبه نص القرآن.\nوقد تواتر عن علي بن أبي طالب - ﵁ - أنه قال: «خير الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر» (^٣).\nقال شيخ الإسلام: «ونقل عن علي بن أبي طالب - ﵁ - من نحو ثمانين\n_________\n(^١) أخرجه البخاري رقم (٣٤٦١) من حديث أبي الدرداء - ﵁ -.\n(^٢) أخرج البخاري (٣٦٥٣)، ومسلم (٢٣٨١) عن أبي بكر - ﵁ - قال: «قلت للنَّبي - ﷺ - وأنا في الغار لو أن أحدهم نظر تحت قدميه لأبصرنا فقال ما ظنك يا أبا بكرٍ باثنين الله ثالثهما».\n(^٣) أخرجه البخاري (٣٦٧١)، وأحمد وابنه عبد الله (١/ ١٠٦).","vol":"1","page":52},{"text":"وجهًا: خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر، ويذكر ذلك عن ابن الحنفية كما رواه البخاري، والشيعة تكذبه؛ فهم معه كالنصارى مع المسيح واليهود مع موسى» (^١)، يعني: أن الشيعة يكذبون عليًّا كتكذيب النصارى لعيسى واليهود لموسى.\nوقال الإمام الحافظ الذهبي: «هذا متواتر عن علي - ﵁ -، فلعنة الله على الرافضة ما أجهلهم» (^٢).\nوقد جاء في فضله - ﵁ - أحاديث، منها ما جاء في «الصحيحين» من حديث أبي سعيد - ﵁ - أن رسول الله ﷺ قال: «وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا غَيْرَ رَبِّي لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ وَلَكِنْ أُخُوَّةُ الْإِسْلَامِ وَمَوَدَّتُهُ» (^٣).\nوأيضًا ما جاء في «البخاري» عن أبي الدرداء - ﵁ - قال: قال رسول الله ﷺ: «هَلْ أَنْتُمْ تَارِكُونَ لِي صَاحِبِي، هَلْ أَنْتُمْ تَارِكُونَ لِي صَاحِبِي، إِنِّي قُلْتُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ الله إِلَيْكُمْ جَمِيعًا فَقُلْتُمْ: كَذَبْتَ وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: صَدَقْتَ» (^٤).\nومما قيل فيه شعرًا:\n_________\n(^١) مختصر الفتاوى المصرية ص (١٠٦).\n(^٢) لوامع الأنوار (٢/ ٣١٢).\n(^٣) أخرجه البخاري رقم (٣٦٥٤)، ومسلم رقم (٢٣٨٢).\n(^٤) أخرجه البخاري رقم (٣٦٦١).","vol":"1","page":53},{"text":"إذا تذكرت شجوا من أخي ثقة ... فاذكر أخاك أبا بكر بما فعلا\nخير البرية أوفاها وأعدلها ... بعد النبي وأولاها بما حملا\nوالثاني التالي المحمود مشهده ... وأول الناس منهم صدق الرسلا\nوقيل فيه أيضًا:\nوثاني اثنين في الغار المنيف وقد ... طاف العدو به إذ صعد الجبلا\nوكان حب رسول الله قد علموا ... من البرية لم يعدل به رجلا\nوكذلك قول الشاعر:\nوَلكنِّي أُحِبُّ بِكُلِّ قَلْبي ... وَأَعْلَمُ أَنَّ ذَاكَ مِنَ الصَّوَابِ\nرَسُولَ اللهِ وَالصِّدِّيقَ حُبًّا ... بِهِ أَرْجُو غَدًا حُسْنَ الثَّوَاب\nوكانت خلافته سنتين وأربعة أشهر، وأما وفاته - ﵁ - فكانت في جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة للهجرة عن ثلاث وستين سنة.\nويأتي بعد أبي بكر في الأفضلية أمير المؤمنين عمر بن الخطاب بن نفيل العدوي القرشي، يكنى بأبي حفص، ويلقب بالفاروق، أسلم في السنة السادسة من البعثة وفرح المسلمون بإسلامه فرحًا شديدًا فكان عزًّا للإسلام","vol":"1","page":54},{"text":"والمسلمين (^١)، وكان ملهمًا مقدامًا شجاعًا قويًّا لا تأخذه في الله لومة لائم، وهو أول من لقب بأمير المؤمنين (^٢)، وأول من وضع التاريخ الهجري، وافق ربه في عدة آيات؛ منها: اتخاذ مقام إبراهيم مصلى، وآية الحجاب، وأسارى بدر (^٣).\nتولى الخلافة في السنة التي توفي فيها أبو بكر الصديق - ﵁ -، فكان خير خلف لخير سلف، فقام بالأمر أتم قيام، وفتح بلاد الشام وكرمان وسجستان، وأصفهان ونواحيها، ومناقبه كثيرة، - ﵁ -.\nوقد جاء في فضله أحاديث منها: ما جاء في «الصحيحين» عن سعد بن أبي وقاص - ﵁ - قال: قال رسول الله ﷺ: «يَا ابْنَ الْخَطَّابِ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا لَقِيَكَ الشَّيْطَانُ سَالِكًا فَجًّا قَطُّ إِلَّا سَلَكَ فَجًّا غَيْرَ فَجِّكَ» (^٤).\nوفي «الصحيحين» عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله ﷺ:\n_________\n(^١) أخرج البخاري (٣٦٨٤) عن ابن مسعود - ﵁ - قال: «ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر».\n(^٢) الاستيعاب لابن عبد البر (٢/ ٤٦٦ - ٤٦٧).\n(^٣) أخرج البخاري (٤٢)، (٤٤٨٣) وغيره عن أنس قال: قال عمر: وافقت ربي في ثلاث، فقلت: يا رسول الله لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى فنزلت: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة:١٢٥] وآية الحجاب قلت يا رسول الله لو أمرت نساءك أن يحتجبن، فإنه يكلمهن البر والفاجر فنزلت آية الحجاب، واجتمع نساء النبي - ﷺ - في الغيرة عليه، فقلت لهن: عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن، فنزلت هذه الآية. وأخرج مسلم (٢٣٩٩) عن ابن عمر قال: قال عمر: وافقت ربي في ثلاث: في مقام إبراهيم، وفي الحجاب، وفي أسارى بدر.\n(^٤) أخرجه البخاري رقم (٣٤٨٠)، ومسلم رقم (٢٣٩٦).","vol":"1","page":55},{"text":"«إِنَّهُ قَدْ كَانَ فِيمَا مَضَى قَبْلَكُمْ مِنَ الأُمَمِ مُحَدَّثُونَ، وَإِنَّهُ إِنْ كَانَ فِي أُمَّتِي هَذِهِ مِنْهُمْ فَإِنَّهُ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ» (^١).\nومما قيل فيه شعرًا:\nفي الجاهلية والإسلام هيبته ... تثني الخطوب فلا تعلو عواديها\nفي طيِّ شدته أسرار رحمته ... للعالمين ولكن ليس يفشيها\nوبين جنبيه في أوفى صرامته ... فؤاد والدة ترعى ذراريها\nإن الذي برأ الفاروق نزهه ... عن النقائص والأغراض تنزيها (^٢)\nومناقبه كثيرة - ﵁ -، من أشهرها أنه كان قويًّا في دين الله شديدًا في الحق لا تأخذه في الله لومة لائم، ثاقب الرأي، حاد الذكاء نير البصيرة، جعل الله الحق على لسانه وقلبه، وقد كان عادلًا فلا يزال المسلمون يذكرونه على مر العصور وتتابع الأزمان، ويتحدثون عن فضائله ومناقبه ويشيدون بعدله الذي صار مضربًا للمثل، وقد كانت خلافته فتحًا، إذ تهاوت في أيامه عروش كسرى وقيصر، فقضى على أعظم دولتين في ذلك الزمان.\nلكن أهل الغدر مدوا أيديهم ليبوءوا بإثم دم هذا الفاروق العظيم، فقد\n_________\n(^١) أخرجه البخاري رقم (٣٤٦٩) (٣٦٨٩)، ومسلم رقم (٢٣٩٨).\n(^٢) أبيات من قصيدة طويلة للشاعر حافظ إبراهيم في الفاروق - ﵁ -.","vol":"1","page":56},{"text":"قام أبو لؤلؤة المجوسي الخبيث بطَعنِهِ بخنجر في صلاة الصبح فاستشهد - ﵁ - لأربع بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين للهجرة، وسنه آنذاك ثلاث وستون سنة.\nويليه في الأفضلية والخلافة أمير المؤمنين عثمان بن عفان - ﵁ -، تولى الخلافة في السنة التي توفي فيها عمر - ﵁ -، هاجر الهجرتين، وزَوَّجَه رسول الله ﷺ ابنتيه: رقية، وأم كلثوم؛ ولذلك سُمي بذي النورين، وهو من السابقين الأولين، وأحد العشرة المبشرين، وهو أحد الستة الذين توفي رسول الله ﷺ وهو عنهم راض (^١).\nومما جاء في فضله أن النبي ﷺ جمع ثيابه حين دخل عثمان - ﵁ - وقال: «أَلَا أَسْتَحِي مِنْ رَجُلٍ تَسْتَحِي مِنْهُ الْمَلَائِكَةُ» (^٢).\nوأيضًا ما ثبت في «البخاري» من حديث ابن عمر ب أنه قال: «كُنَّا فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ لَا نَعْدِلُ بِأَبِي بَكْرٍ أَحَدًا ثُمَّ عُمَرَ ثُمَّ عُثْمَانَ ثُمَّ نَتْرُكُ أَصْحَابَ النَّبِيِّ ﷺ لَا نُفَاضِلُ بَيْنَهُمْ» (^٣).\n_________\n(^١) قال عمر - ﵁ -: «ما أجد أحدا أحق بهذا الأمر من هؤلاء النفر أو الرهط الذين توفي رسول الله - ﷺ - وهو عنهم راض؛ فسمى عليًّا، وعثمان، والزبير، وطلحة، وسعدا وعبد الرحمن». أخرجه البخاري رقم (٣٧٠٠) وغيره في قصة بيعة عثمان.\n(^٢) أخرجه مسلم رقم (٢٤٠١).\n(^٣) أخرجه البخاري رقم (٣٦٥٥).","vol":"1","page":57},{"text":"فالمقصود أن له كثيرًا من الفضائل - ﵁ - وأرضاه، استشهد ثاني أيام التشريق في ذي الحجة سنة خمس وثلاثين للهجرة النبوية بعد أن حوصر في بيته عشرين يومًا.\nورابع الصحابة في الفضل: علي بن أبي طالب - ﵁ - فهو رابع الخلفاء الراشدين، وأحد العشرة المبشرين، وصهر النبي ﷺ، وهو منه بمنزلة هارون من موسى (^١)، يُحبُّ الله ورسوله، ويُحبُّه الله ورسوله (^٢)، إلى غير ذلك من فضائله المعلومة - ﵁ -.\nكانت وفاته في تسع عشرة من رمضان سنة أربعين للهجرة، وعمره ثلاث وستون سنة.\nويأتي بعد الخلفاء الراشدين في الفضيلة الستة الباقون من العشرة المبشرين، وهم:\nأولًا: طلحة بن عبيد الله، وقد جاء في فضله ما ثبت في «صحيح مسلم» من حديث أبي هريرة - ﵁ -: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ عَلَى حِرَاءٍ هُوَ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ وَطَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ، فَتَحَرَّكَتِ الصَّخْرَةُ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «اهْدَأْ فَمَا عَلَيْكَ إِلَّا نَبِيٌّ أَوْ صِدِّيقٌ أَوْ شَهِيدٌ» (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري رقم (٣٥٠٣)، ومسلم رقم (٢٤٠٤) من حديث سعد بن أبي وقاص - ﵁ -.\n(^٢) أخرجه البخاري رقم (٣٧٠١)، ومسلم رقم (٢٤٠٦).\n(^٣) أخرجه مسلم رقم (٢٤١٧).","vol":"1","page":58},{"text":"ثانيًا: سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، ومما جاء في فضله ما ثبت عن النبي ﷺ كما عند «الترمذي» وأحمد في «مسنده» عن عبد الرحمن بن عوف قال: قال رسول الله ﷺ: «أَبُو بَكْرٍ فِي الْجَنَّةِ، وَعُمَرُ فِي الْجَنَّةِ، وَعُثْمَانُ فِي الْجَنَّةِ، وَعَلِيٌّ فِي الْجَنَّةِ، وَطَلْحَةُ فِي الْجَنَّةِ، وَالزُّبَيْرُ فِي الْجَنَّةِ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ فِي الْجَنَّةِ، وَسَعْدٌ فِي الْجَنَّةِ، وَسَعِيدٌ فِي الْجَنَّةِ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ فِي الْجَنَّةِ» (^١).\nثالثًا: سعد بن أبي وقاص الذي قال له النبي ﷺ: «ارْمِ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي» كما في «الصحيحين» عن علي - ﵁ - قال: «مَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يُفَدِّي رَجُلًا بَعْدَ سَعْدٍ؛ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: ارْمِ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي» (^٢).\nرابعًا: عبد الرحمن بن عوف الذي جاء في فضائله قول النبي ﷺ: «اللَّهُمَّ اسْقِ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ مِنْ سَلْسَبِيلِ الْجَنَّةِ» (^٣).\nخامسًا: أبو عبيدة عامر بن الجراج جاء في فضله ما رواه حذيفة قال: «جَاءَ أَهْلُ نَجْرَانَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ ابْعَثْ إِلَيْنَا رَجُلًا أَمِينًا. فَقَالَ: «لأَبْعَثَنَّ إِلَيْكُمْ رَجُلًا أَمِينًا حَقَّ أَمِينٍ حَقَّ أَمِينٍ». قَالَ: فَاسْتَشْرَفَ لَهَا النَّاسُ، قَالَ: فَبَعَثَ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ» (^٤).\n_________\n(^١) سنن الترمذي (٥/ ٦٤٧) رقم (٣٧٤٧)، والمسند (٣/ ٢٠٩).\n(^٢) أخرجه البخاري رقم (٢٧٤٩)، ومسلم رقم (٢٤١١).\n(^٣) أخرجه أحمد (٦/ ٢٩٩) رقم (٢٦٦٠١)، والترمذي (٥/ ٦٤٨) رقم (٣٧٤٩).\n(^٤) أخرجه البخاري رقم (٤١٢٠)، ومسلم رقم (٢٤٢٠).","vol":"1","page":59},{"text":"سادسًا: الزبير بن العوام، الذي قال عنه النبي ﷺ: «إِنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوَارِيًّا وَحَوَارِيَّ الزُّبَيْرُ» (^١).\nوقد جمع أحدهم العشرة في بيتين، فقال:\nللمصطفى خيرُ صحبٍ نَصَّ أنَّهم ... في جنةِ الخلدِ نصًّا زادهم شرفا\nهم طلحةٌ وابنُ عوفٍ والزبيرُ إلى ... أبي عبيدةَ والسعدانِ والخلفا\nوهناك نماذج لبعض فضائل الصحابة - ﵃ - من غير العشرة، فمن ذلك دعاؤه ﷺ لابن عباس - ﵁ -: «اللَّهُمَّ فَقِّهه فِي الدِّينِ» (^٢).\nوقوله عن ابن عمر ب كما في «الصحيحين»: «نِعْمَ الرَّجُلُ عَبْدُ اللهِ لَوْ كَانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ» (^٣)، ومن ذلك قوله ﷺ عن سعد بن معاذ - ﵁ -:\n_________\n(^١) أخرجه البخاري رقم (٢٦٩١)، ومسلم رقم (٢٤١٥).\n(^٢) أخرجه أحمد رقم (٢٨٦٦).\n(^٣) أخرجه البخاري رقم (١١٢٢)، ومسلم رقم (٢٤٧٩) من حديث ابن عمر، قال: كان الرجل في حياة رسول الله - ﷺ -، إذا رأى رؤيا، قصها على رسول الله - ﷺ -، فتمنيت أن أرى رؤيا أقصها على النبي - ﷺ -، قال: وكنت غلاما شابا عزبا، وكنت أنام في المسجد على عهد رسول الله - ﷺ -، فرأيت في النوم كأن ملكين أخذاني فذهبا بي إلى النار، فإذا هي مطوية كطي البئر، وإذا لها قرنان كقرني البئر، وإذا فيها ناس قد عرفتهم، فجعلت أقول: أعوذ بالله من النار، أعوذ بالله من النار، أعوذ بالله من النار، قال: فلقيهما ملك فقال لي: لم ترع، فقصصتها على حفصة، فقصتها حفصة، على رسول الله - ﷺ -، فقال النبي - ﷺ -: «نعم الرجل عبد الله لو كان يصلي من الليل».","vol":"1","page":60},{"text":"«اهْتَزَّ عَرْشُ الرَّحْمَنِ لِمَوْتِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ» (^١).\nوإخباره ﷺ عن عبد الله بن سلام: «أنه في الجنة» (^٢).\nومن ذلك أيضا دعاؤه ﷺ لحسان - ﵁ - بقوله: «اللَّهُمَّ أَيِّدْهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ» (^٣).\nودعاؤه ﷺ لحافظ الأمة أبي هريرة - ﵁ - ولأمه حينما قال ﷺ كما في «الصحيحين»: «اللَّهُمَّ حَبِّبْ عُبَيْدَكَ هَذَا - يَعْنِي أَبَا هُرَيْرَةَ - وَأُمَّهُ إِلَى عِبَادِكَ الْمُؤْمِنِينَ وَحَبِّبْ إِلَيْهِم الْمُؤْمِنِينَ قال أبو هريرة - ﵁ -: فَمَا خُلِقَ مُؤْمِنٌ يَسْمَعُ بِي وَلا يَرَانِي إِلا أَحَبَّنِي» (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري رقم (٣٨٠٣)، ومسلم رقم (٢٤٦٦) من حديث جابر - ﵁ -.\n(^٢) أخرجه البخاري رقم (٧٠١٠)، ومسلم رقم (٢٤٨٤) من حديث قيس بن عباد قال: كنت في حلقة فيها سعد بن مالك وابن عمر، فمر عبد الله بن سلام، فقالوا: هذا رجل من أهل الجنة، فقلت له: إنهم قالوا كذا وكذا، قال: سبحان الله، ما كان ينبغي لهم أن يقولوا ما ليس لهم به علم، إنما رأيت كأنما عمود وضع في روضة خضراء فنصب فيها، وفي رأسها عروة، وفي أسفلها منصف -والمنصف الوصيف- فقيل: ارقه، فرقيته حتى أخذت بالعروة، فقصصتها على رسول الله - ﷺ -، فقال رسول الله - ﷺ -: «يموت عبد الله وهو آخذ بالعروة الوثقى».\n(^٣) أخرجه البخاري رقم (٤٥٣)، ومسلم رقم (٢٤٨٥) من حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، أنه سمع حسان بن ثابت الأنصاري: يستشهد أبا هريرة، فيقول: يا أبا هريرة: نشدتك بالله، هل سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «يا حسان، أجب عن رسول الله، اللهم أيده بروح القدس» قال أبو هريرة: نعم.\n(^٤) أخرجه مسلم رقم (٢٤٩١) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.","vol":"1","page":61},{"text":"وَأَقُولُ ........................ ... ..................................\n<hr><s0>\n\nولذا أهل الإيمان كلهم مجمعون على محبته - ﵁ - بخلاف من في قلبه مرض كالرافضة، ومن يحارب السنة ويسعى إلى إسقاطها، فإنهم يطعنون في أبي هريرة رضي الله تعالى عنه وأرضاه، ويتهمونه في أمانته، وبعضهم يتهمه في حفظه، ولا شك أن هذا خطير؛ لأن اتهامه - ﵁ - إسقاط لكثير من الأحكام التي نقلها، وإسقاط لجميع ما جاء عن النبي ﷺ من طريقه - ﵁ -، لكن أهل العلم ﵏ تصدوا لهم، وألفوا الكتب الكثيرة في الدفاع عن أبي هريرة - ﵁ - (^١).\nومن أراد التوسع فليرجع إلى كتاب مناقب الصحابة في «الصحيحين»، ومن أوسع وأفضل ما أُلف في هذا الباب كتاب «فضائل الصحابة» للإمام أحمد ﵀، وقد خرج محققًا في مجلدين.\nقوله: (وَأَقُولُ) يعني بلساني معتقدًا بقلبي.\nوالقول له إطلاقات: فتارة يطلق ويراد به الرأي، وتارة يطلق فيشمل قول القلب واللسان، كما هو الحال في هذا البيت، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ [سورة البقرة: ١٣٦] أي: قولوا ذلك بقلوبكم إيمانًا واعتقادًا، وبألسنتكم نطقًا وتلفظًا.\n_________\n(^١) ينظر: كتاب «دفاع عن أبي هريرة» لعبد المنعم صالح العلي العزي، دار القلم، وكتاب: «دفاع عن السنة» لمحمد بن محمد أبي شهبة.","vol":"1","page":62},{"text":"وَأَقُولُ فِي القُرآنِ ما جاءَتْ بِهِ ... آياتُهُ فَهُوَ الكَريمُ المُنْزَلُ\n<hr><s0>\n\nقوله: (فِي القُرآنِ) أي في مسألة القرآن العظيم.\nقوله: (ما جاءَتْ بِهِ آياتُهُ) (ما) موصولة بمعنى الذي، (جاءَتْ بِهِ آياتُهُ) البينات وسُوَرُه المنزلات.\nقوله: (فَهُوَ) أي القرآن فالضمير يرجع إليه.\nقوله: (الكَريمُ المُنْزَلُ) أي الذي أنزله الله تعالى على نبيه محمد ﷺ بواسطة جبريل - ﵇ -.\nجاء في بعض النسخ (القديم المنزل) والأصح أنها (الكريم المنزل)، لسببين:\nالأول: أن أكثر النسخ على ذلك.\nالثاني: أن هذا هو الموافق لطريقة السلف، إذ لم يكونوا يستحبون التلفظ بلفظ القديم عن القرآن، ولهذا نص جماعة من أهل التحقيق كشيخ الإسلام ابن تيمية أن لفظة القديم ليست من كلام السلف، وبيَّن ﵀ في كتابه «التسعينية» أنه لم يقل أحد من السلف والأئمة: إن القرآن قديم.\n• والناظم وصف القرآن بوصفين:\n- الوصف الأول: أنه كريم كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ [الواقعة:٧٧].\n- الوصف الثاني: أنه منزل كما قال تعالى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ","vol":"1","page":63},{"text":"عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ [الإسراء:١٠٦].\nويقول تعالى: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل:١٠٢].\nويقول - ﷿ -: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [النحل:١٠١]، وغيرها من الآيات.\nوماذا نستفيد من وصف الناظم للقرآن بهذين الوصفين؟ ولماذا اختارهما دون بقية الأوصاف؟\no  الجواب: لأجل اتباع طريقة القرآن والالتزام بالأوصاف التي جاءت في القرآن عن القرآن؛ وأولى من يؤخذ قوله في القرآن من تكلم به وهو الله - ﷿ -.\nأما بالنسبة لكيفية نزول القرآن فالأصح عند أهل العلم أنه نَزَلَ إلى سماء الدنيا ليلة القدر جملة واحدة، ثم بعد ذلك نزل به جبريل منجمًا حسب الأحداث والوقائع خلال ثلاث وعشرين سنة.\nوقد صرَّح بذلك ابن عباس - ﵁ - حيث قال: «فُصِلَ القرآن من الذكر فوضع في بيت العزة من السماء الدنيا، فجعل جبريل - ﵇ - ينزل به على النبي ﷺ» (^١).\nوالمقصود أن الناظم ﵀ أراد أن يبين في هذا البيت أن قوله واعتقاده في\n_________\n(^١) أخرجه الحاكم في المستدرك (٢/ ٢٤٢).","vol":"1","page":64},{"text":"القرآن بأنه كلام الله لفظًا ومعنًى هو الصحيح الموافق لما جاء في كتاب الله - ﷿ - وسنة رسوله ﷺ، ويبين ذلك ما يلي:\nأولًا: أنه كتاب معجز، قال تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء:٨٨].\nيعني لو اتفقت الخلائق كلها من جن وإنس على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله، بل تحداهم الله بأن يأتوا بسورة مثله فلم يستطيعوا.\nثانيًا: أنه منزل من عند الله - ﷿ -، كما قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص:٢٩]، وقال تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأنعام:١٥٥]، وقال تعالى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ [الإسراء:١٠٦].\nولهذا كان من الواجب اعتقاد أن القرآن كلام الله المنزل، خلافًا للمبتدعة الذين أنكروا أن يكون الله تعالى تكلم بالقرآن، كما كان من الجعد ابن درهم حيث أنكر أن الله تعالى كلَّمَ موسى - ﵇ - تَكْلِيمًا، وأنه اتخذ إبراهيم - ﵇ - خليلًا.\nولهذا أفتى علماء ذلك العصر بردة الجعد؛ لأنه كذب بالقرآن، والتكذيب بالقرآن ولو بحرف واحد ردة عن دين الإسلام، وقد أفتى العلماء بوجوب قتله، وصرَّح بذلك الحسن البصري ﵀.\nفاستجاب لهذه الفتوى الإمام السُّنِّي خالد بن عبد الله القسري أمير العراق بواسط، ولما كان يوم العيد خطب الناس خُطبةً بليغةً جاء في آخرها:","vol":"1","page":65},{"text":"«أيها الناس ضحوا تقبل الله ضحاياكم، فإني مضحٍّ بالجعد بن درهم؛ فإنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلًا، ولم يكلم موسى تكليمًا، تعالى الله عما يقول الجعد وأضرابه علوًا كبيرًا» (^١)، ثم نزل بعد ذلك أمام الناس وذبح الجعد، تقبل الله تعالى منه هذه الأضحية.\nوالسلف -رحمهم الله تعالى- كانوا يحرصون على قطع دابر البدع والفتن، ومع أنهم رحمهم الله تعالى ورضي عنهم ضحوا بهذا المبتدع وقتلوه إلا أن بدعته قد سرت، وبقيت عند بعض أهل الضلال كالجهم بن صفوان، فقد أخذ هذه البدعة عن الجعد بن درهم ونشرها.\nوالمقصود أن سلف الأمة -رحمهم الله تعالى- يثبتون أن القرآن كلام الله - ﷿ - منزل غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود، وأن الله - ﷾ - قد تكلم به على الحقيقة.\nقال شيخ الإسلام: «مذهب سلف الأمة وأئمتها من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وسائر أئمة المسلمين كالأئمة الأربعة وغيرهم، ما دل عليه الكتاب والسنة، وهو الذي يوافق الأدلة العقلية الصريحة أن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق» (^٢).\nوقال ﵀: «الكلام كلام الله حقيقة، والكلام إنما يضاف حقيقة إلى من قاله مبتدئًا لا إلى من قاله مبلغًا مؤديًا، فالكلام كلام البارئ والصوت هو\n_________\n(^١) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (١٠/ ٢٠٥).\n(^٢) مجموع الفتاوى (١٢/ ٣٧).","vol":"1","page":66},{"text":"صوت القارئ» (^١).\n• وما معنى قولهم عن القرآن «منه بدأ»؟\nقال الإمام أحمد وغيره: منه بدأ، أي هو المتكلم به، ولم يبتدِ من غيره كما قالت الجهمية القائلون بأن القرآن مخلوق، قالوا: خلقه في غيره فهو مبتدأ من ذلك المحل المخلوق (^٢).\nوقال ابن تيمية ﵀ في «التسعينية»: «وهنا قولان في مسألة القرآن الكريم:\nالأول: قول ابن كُلَّاب حيث قال: الحروف حكاية عن كلام الله وليس من كلام الله؛ لأن الكلام لا بد أن يقوم بالمتكلم، والله يمتنع أن يقوم به حروف وأصوات؛ فوافق الجهمية والمعتزلة في هذا النفي.\nالثاني: قول الأشعري حيث قال: إن القرآن عبارة عن كلام الله» (^٣).\nوالصحيح مذهب أهل السُّنة والجماعة وهو القول بأن القرآن كلام الله حقيقة.\nوالخلاصة: أن السلف -﵏- يؤمنون بأن الله قد تكلم بالقرآن وأنه - ﷾ - أنزله، فيصفون القرآن بأنه منزل وليس بمخلوق، وأن صفة الكلام صفة مدح وكمال ونفيها نقص وعيب في حق الله، تعالى الله عن ذلك علوًّا\n_________\n(^١) التسعينية (٣/ ٩٦٣).\n(^٢) مجموع الفتاوى (١٧/ ٨٣).\n(^٣) (٢/ ٤١٨، ٣/ ٩٦٢).","vol":"1","page":67},{"text":"كبيرًا، ويبدِّعون من قال: إن القرآن مخلوق أو توقف في ذلك ويسمونهم الواقفة وهم الذين سكتوا وتوقفوا؛ وتفصيل المسألة كما يلي:\nأولًا: الجهمية والمعتزلة: قالوا: إن القرآن مخلوق؛ وهو عبارة عن حروف وأصوات خلقها الله - ﷿ - ونسبها إليه تشريفًا وتعظيمًا.\nثانيًا: الواقفة: وهم الذين يقولون: إن القرآن كلام الله ولكنهم توقفوا، فلم يقولوا إنه مخلوق أو غير مخلوق، وخالفوا أهل السنة والجماعة الذين يفصحون ويصرحون بأن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق، والحقيقة أنهم قوم شُكَّاكٌ من أتباع الجهمية، فهم لم يقولوا بذلك إلا لتأثرهم ببدعة الجهمية ولذلك قال الإمام أحمد: «الواقفة جهمية».\nوقد وصفهم ابن أبي داود في «حائيته» بأنهم أتباع لجهم فقال:\nوَلا تَكُ فِي القُرْآنِ بالوَقْفِ قَائِلًا ... كَمَا قَالَ أتْبَاعٌ لِجَهْمٍ وَأَسْجَحُوا\nأما أهل السُّنة والجماعة فقالوا: إن القرآن كلام الله تكلم به حقيقة بحرف وصوت مسموع، وأنه منزل غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود.\nولا شك ولا ريب أن مذهب أهل السنة والجماعة هو المذهب الحق في هذه المسألة العظيمة؛ لأنه موافق لما جاء في نصوص الوحيين التي من تمسك بها هُدِيَ إلى صراطٍ مستقيم، قال تعالى: ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [آل عمران:١٠١].","vol":"1","page":68},{"text":"وأدلة مذهب السلف في ذلك كما يلي:\nأولًا: قال تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ﴾ الآية [الفتح:١٥]، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة:٦]. فهاتان الآيتان وغيرهما دليل على أن القرآن هو كلام الله.\nثانيًا: قولهم: إن الله تكلم به حقيقة بصوت مسموع، دليله ما جاء في حديث ابن مسعود - ﵁ -، قال: قال رسول الله ﷺ: «إِذَا تَكَلَّمَ اللهُ بِالْوَحْيِ سَمِعَ أَهْلُ السَّمَاءِ لِلسَّمَاءِ صَلْصَلَةً كَجَرِّ السِّلْسِلَةِ عَلَى الصَّفَا فَيُصْعَقُونَ، فَلَا يَزَالُونَ كَذَلِكَ حَتَّى يَأْتِيَهُمْ جِبْرِيلُ، حَتَّى إِذَا جَاءَهُمْ جِبْرِيلُ فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ. قَالَ: فَيَقُولُونَ: يَا جِبْرِيلُ مَاذَا قَالَ رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: الْحَقَّ، فَيَقُولُونَ: الْحَقَّ الْحَقَّ» (^١).\nفالحديث يدل على أن أهل السماء يسمعون كلام الله - ﷿ - إذا تكلم بالوحي، والسماع لا يمكن أن يتحقق إلا إذا كان بصوت مسموع، ومن المعلوم أن القرآن يدخل في عموم لفظ الوحي.\nثالثًا: وأما قولهم: «بحرف»، فدليله ما جاء أيضًا من حديث ابن مسعود - ﵁ -، قال: قال رسول الله ﷺ: «مَنْ قَرَأَ حَرْفًا مِنْ كِتَابِ اللهِ فَلَهُ بِهِ حَسَنَةٌ وَالْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا لَا أَقُولُ ﴿الم﴾ حَرْفٌ، وَلَكِنْ أَلِفٌ حَرْفٌ وَلَامٌ حَرْفٌ وَمِيمٌ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري تعليقًا (٦/ ٢٧١٩)، ووصله في خلق أفعال العباد ص (٩٢ - ٩٣)، وأخرجه أيضًا أبو داود (٢/ ٦٤٨) رقم (٤٧٣٨).","vol":"1","page":69},{"text":"حَرْفٌ» (^١).\nرابعًا: وأما قولهم: «منزل غير مخلوق»، فدليله قول الله - ﷿ -: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة:١٨٥]، وقوله تعالى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ [الإسراء:١٠٦].\nخامسًا: وأما قولهم: «منه بدأ»، فدليله قوله تعالى: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ [النحل:١٠٢]. ﴿قُلْ نَزَّلَهُ﴾ أي: القرآن، ﴿رُوحُ الْقُدُسِ﴾ الرُّوحُ: هو جبريل - ﵇ -، والْقُدُس: الطُّهْر، والمعنى نزله الروحُ المطَهَّرُ، فهو من باب إضافة الموصوف إلى صفته وقوله: ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾ (مِنْ) هنا لابتداء الغاية، فيكون المعنى أن ابتداء تنزيل القرآن من عند الله - ﷾ -.\nسادسًا: وقولهم: «وإليه يعود»، أي: أن القرآن يرجعُ إلى اللهِ تعالى؛ لأنه يرفع في آخر الزمان فلا يبقى منهُ شيءٌ في الصدور ولا في المصاحف، وذلك من علامات الساعة، كما في حديث أبي هريرة - ﵁ -، عن النبي ﷺ قال: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تُبْعَثَ رِيحٌ حَمْرَاءُ مِنْ قِبَلِ الْيَمَنِ، فَيَكْفِتُ اللهُ بِهَا كُلَّ نَفْسٍ تُؤْمِنُ بالله وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَمَا يُنْكِرُهَا النَّاسُ مِنْ قِلَّةِ مَنْ يَمُوتُ فِيهَا: مَاتَ شَيْخٌ فِي بَنِي فُلَانٍ، وَمَاتَتْ عَجُوزٌ فِي بَنِي فُلَانٍ، وَيُسْرَى عَلَى كِتَابِ الله، فَيُرْفَعُ إِلَى السَّمَاءِ، فَلَا\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (٥/ ١٧٥) رقم (٢٩١٠). وقال الألباني في السلسلة الصحيحة رقم (٣٣٢٧): «إسناده جيد».","vol":"1","page":70},{"text":"وأقولُ قَالَ اللهُ ﷻ ... والمصطفى الهادي ولَا أَتأوَّلُ\n<hr><s0>\n\nيَبْقَى فِي الْأَرْضِ مِنْهُ آيَةٌ ...» (^١).\nوجاء في حديث حذيفة بن اليمان - ﵁ -، قال: قال رسول الله ﷺ: «وَلَيُسْرَى عَلَى كِتَابِ الله - ﷿ - فِي لَيْلَةٍ فَلَا يَبْقَى فِي الْأَرْضِ مِنْهُ آيَةٌ» (^٢).\nوبهذا يتبين لنا أن مذهب أهل السنة والجماعة هو المذهب الحق الموافق لنصوص الكتاب والسنة بلا شك ولا ريب (^٣).\nقوله: (وأقولُ قَالَ اللهُ) أي: أقول مثل ما قال سبحانه، وقد قال تعالى: ﴿تَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ٣].\nقوله: (والمصطفى الهادي) أي: وأقول كما قال النبي ﷺ؛ لأن الله يقول: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧].\nومما ينبغي الإشارة إليه هنا<span data-type=\"title\" id=toc-16> وسطية أهل السُّنة والجماعة في حق الرسول الكريم ﷺ </span>حيث يشهدون له بالرسالة والاصطفاء ويتبعون جميع ما جاء به من أصول الدين والإيمان والشرائع والأحكام.\n_________\n(^١) أخرجه ابن حبان (١٥/ ٢٦٧)، وإسناده صحيح.\n(^٢) أخرجه ابن ماجه (٢/ ١٣٤٤) رقم (٤٠٤٩)، والحاكم (٤/ ٥٢٠) رقم (٨٤٦٠) والبيهقي في شعب الإيمان (٢/ ٣٥٦)، رقم (٢٠٢٨)، وقال: «صحيح على شرط مسلم». قال البوصيري في مصباح الزجاجة (٤/ ١٩٤): «هذا إسناد صحيح رجاله ثقات».\n(^٣) اللآلئ البهية للمرداوي ص (٧٩).","vol":"1","page":71},{"text":"وأهل السنة وسط في محبة النبي ﷺ بين الغالين فيه والجافين عنه، فهم يحبونه ﷺ ويعتقدون أنه خير البشر وسيد المرسلين وخاتم النبيين، ويرون أن أكمل المؤمنين إيمانًا أكثرهم له محبة واتباعًا.\nوهم مع ذلك يعتقدون أنه بشر لا يملك لنفسه ولا لغيره نفعًا ولا ضرًّا لأنه بشر، بخلاف الذين غلوا فيه فرفعوه فوق منزلته واعتقدوا أنه يجيب دعاء من دعاه، فصرفوا له العبادة من دون الله، وبذلك خالفوا ما جاء فيه من نصوص الوحيين، كحال غلاة الصوفية الذين يقول قائلهم في شأن النبي ﷺ:\nيا أكرمَ الخلقِ ما لي من أَلوذُ به ... سواكَ عند حلولِ الحادثِ العَمَم\nإن لم تكن آخذًا يوم المعاد يدي ... فضلًا وإلا فقل يا زلة القدم ... بيدي\nفإن من جودك الدنيا وضرَّتَها ... ومن علومك علم اللوح والقلم\nقال ابن رجب ﵀: «إنه لم يترك لله شيئًا ما دامت الدنيا والآخرة من جود الرسول ﷺ» (^١).\nإلى غير ذلك من الغلو الذي يخرج صاحبه من دائرة الإسلام، نسأل الله السلامة والعافية، وأهل السُّنة أيضًا ليسوا جفاة في حقه كالذين أعرضوا عن شرعه ولم يعملوا بما جاء به، أو الذين ادعوا أن شريعته قد نسخت بشريعة\n_________\n(^١) ذكره الشيخ ابن عثيمين في مجموع الفتاوى له ٩/ ٥٧، ولم أجده في غيره.","vol":"1","page":72},{"text":"أخرى كحال غلاة الباطنية الذين يقول قائلهم (^١):\nخُذي الدُّفَّ يا هذه واضربي ... وغني هزاريك ثم اطربي\nتولَّى نبيُّ بني هاشم ... وهذا نبيُّ بني يعرب\nلكل نبيٍّ مضى شرعةٌ ... وهذي شريعة هذا النبي\nفقد حطَّ عنا فروض الصلاة ... وفرض الصيام فلم نتعب\nإذا الناس صلوا فلا تنهضي ... وإن صَوَّموا فكلي واشربي\nولا تطلبي السعي عند الصفا ... ولا زورة القبر في يثرب\nإلى آخر ما قاله من الكفر الصراح البواح.\nوبما سبق يتبين لنا وسطية أهل السُّنة والجماعة بين أهل الضلال في حق الرسول الكريم ﷺ.\nقوله: (ولا أَتأوَّلُ): التأويل له معنيان:\nالأول: بمعنى التفسير، كقول الطبري: «القول في تأويل قوله تعالى كذا».\nالثاني: بمعنى الحقيقة التي يؤول إليها الشيء: مثل قوله تعالى:\n_________\n(^١) القائل هو شاعر عليَّ بن الفضل الباطني، وقيل: هو علي بن الفضل نفسه وليس شاعره. ينظر: كشف أسرار الباطنية للشيخ محمد بن مالك ص (٥٥).","vol":"1","page":73},{"text":"﴿ذلك خيرٌ وأحسن تأويلا﴾ [النساء: ٥٩]، وهذا معناه في القرآن.\nوهناك معنى ثالث: وهو صرف اللفظ عن ظاهره المتبادر منه إلى معنًى آخر غير متبادر، وهذا اصطلاح حادث لدى العلماء، وهذا النوع من التأويل له ثلاث حالات:\n١ - صرف اللفظ عن ظاهره المتبادر منه لدليلٍ صحيحٍ من كتابٍ أو سنةٍ، فهذا النوع مقبولٌ بلا اختلاف.\n٢ - صرف اللفظ عن ظاهره المتبادر منه لشيءٍ يعتقده المجتهد دليلًا، وهو في نفس الأمر ليس بدليلٍ.\n٣ - صرف اللفظ عن ظاهره المتبادر منه لا لدليلٍ.\nفالنوع الأول: يُسمى تأويلًا صحيحًا وقريبًا، وهو الواجب اتباعه.\nوأما الثاني: فيسمى تأويلًا فاسدًا وبعيدًا، ولا يصح اتباعه؛ لأنه حملٌ للفظ على غير ظاهره لغير دليلٍ، وهذا كتأويلات بعض الفقهاء للنصوص الصحيحة الصريحة.\nوالنوع الثالث: لا يسمى تأويلًا، بل هو تلاعبٌ بالكتاب والسنة، وهذا مثل تأويلات الروافض.\nوشيخ الإسلام ﵀ يقصد بالتأويل هذا النوع الثالث من التأويل، وقد يدخل في ذلك النوع الثاني أيضًا.","vol":"1","page":74},{"text":"وجميعُ آياتِ الصِّفاتِ أُمِرُّها ... حَقًّا كما نَقَلَ الطِّرازُ الأَوَّلُ\n<hr><s0>\n\nهذا ما لزم تقريره في هذا المقام باختصارٍ، والله الموفق (^١).\nقوله: (وجميعُ آياتِ الصِّفاتِ) يعني الواردة في نصوص الوحيين.\nقوله: (أُمِرُّها حَقًّا) يعني على حقيقتها التي وردت فلا أصرف شيئًا من نصوص الصفات عن ظاهره بغير دليل؛ لأن التأويل ليس من مذهب أهل السنة والجماعة وإنما يتقيدون بما جاء عن الله - ﷿ - وعن رسوله ﷺ.\nقوله: (كما نَقَلَ الطِّرازُ الأَوَّلُ) أي الرعيل الأول من سلف الأمة ابتداءً من الصحابة فمن دونهم من أئمة الدين والعلم، وأراد الناظم ﵀ أن يبين في هذا البيت: أنه يقول في هذا الباب بما جاء في القرآن، وما قال به النبي الكريم الذي وصف ربه بجملة من الصفات من ذلك قوله ﷺ: «يَنْزِلُ اللهُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا كُلَّ لَيْلَةٍ» (^٢)، وأيضا وصف ربه بالضحك فقال ﷺ كما في «الصحيحين»: «يَضْحَكُ اللهُ إِلَى رَجُلَيْنِ يَقْتُلُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ يَدْخُلانِ الْجَنَّةَ؛ يُقَاتِلُ هَذَا فِي سَبِيلِ اللهِ فَيُقْتَلُ، ثُمَّ يَتُوبُ اللهُ عَلَى الْقَاتِلِ فَيُسْتَشْهَدُ» (^٣)، كما وصف ربه بالعَجَبِ فقال ﷺ: «عَجِبَ رَبُّنَا - ﷿ - مِنْ قَوْمٍ يُقَادُونَ إِلَى الْجَنَّةِ فِي\n_________\n(^١) ينظر: درء تعارض العقل والنقل، لابن تيمية (٥/ ٣٢٨)، ومنهج ودراسات لآيات الأسماء والصفات، للشنقيطي (ص: ٣٥).\n(^٢) أخرجه البخاري رقم (٧٥٨)، ومسلم رقم (١١٤٥).\n(^٣) أخرجه البخاري رقم (٢٨٢٦)، ومسلم رقم (١٨٩٠) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.","vol":"1","page":75},{"text":"السَّلاسِلِ» (^١)، وغير ذلك من الأوصاف التي جاءت عن النبي ﷺ وسيمر بنا التفصيل في ذلك في شرح الواسطية إن شاء الله تعالى.\nوالخلاصة: أن أهل السُّنة والجماعة لا يتكلفون في صرف النصوص عن ظاهرها بغير دليل بل يَسَعُهم ما وَسِعَ الصحابة ومن بعدهم من أئمة الدين الأثبات.\nومما ينبغي الإشارة إليه هنا أن المراد بإمرار الصفات الأخذ بمعانيها دون تكييفها، فأهل السنة والجماعة يثبتون معاني الصفات على ما يليق بجلال الله لكنهم لا يكيفونها، فيثبتون معاني للصفات ويفوضون كيفيتها، قال سفيان بن عيينة: «كل شيء وصف الله به نفسه في القرآن فقراءته تفسيره، لا كيف ولا مثل» (^٢).\n• وهنا قد يرد سؤال وهو: هل معنى ذلك أنه ليس لصفات الله كيفية؟ أو نقول: لها كيفية لكن نجهلها؟\no  الجواب: أن لها كيفيةً ولكن نجهلها؛ ولهذا لا يجوز أن نكيف هذه الصفات؛ لأن النصوص لم تكيفها، وكان العديد من السلف يعبر بقوله: «أَمِرُّوها كما جاءت بلا كيف» أي: بلا كيف معلوم لنا؛ فهو نفي للعلم بالكيفية، وليس نفيًا للكيفية؛ لأن ما لا كيفية له لا وجود له، تعالى الله عن\n_________\n(^١) أخرجه البخاري رقم (٣٠١٠) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.\n(^٢) أصول الاعتقاد للالكائي ص (٧٣٦).","vol":"1","page":76},{"text":"ذلك علوًّا كبيرًا.\nإذًا نقول: إن صفات الله - ﷿ - لها كيفية لا نعلمها، ولذلك قال الإمام مالك: «والكيف مجهول» ولم يقل: الكيف معدوم.\nوهذه الجملة «أمروها كما جاءت بلا كيف» تحتها العديد من المعاني كالرد على المبتدعة من المعطلة والمشبهة وغيرهم.\nفالمعطلة أثبتوا الأسماء ونفوا الصفات، فالعبارة فيها ردٌّ عليهم حيث إنهم عطلوا الصفات خوفًا من أن يشبهوها بالمخلوق، وكذلك فيها ردٌّ على المشبهة الذين شبهوا أوصاف الله بأوصاف خلقه.\nقال شيخ الإسلام في «الحموية»: «فقولهم أمروها كما جاءت رد على المعطلة، وقولهم بلا كيف رد على المشبهة» (^١).\nوأهل السُّنة وسط بين هؤلاء وهؤلاء، فأثبتوا الصفات وفق ما وصف الله - ﷾ - به نفسه، ووصفه به رسوله ﷺ، ولم يقعوا في التشبيه.\nوبهذا يتبين لنا أن طريقة أهل السُّنة والجماعة في صفات الله - ﷿ - هي الإثبات بلا تشبيه والتنزيه بلا تعطيل؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١].\n_________\n(^١) ص (٤٤٢).","vol":"1","page":77},{"text":"• وهنا مسألة وهي ما الفرق بين المشبهة والمعطلة؟\no  الجواب: المشبهة هم الذين شبهوا الله بخلقه، والمعطلة هم الذين عطلوا الصفات ونفوها.\nوالتشبيه نوعان:\nالأول: تشبيه الخالق بالمخلوق: وهو أن يثبت لله تعالى في ذاته أو صفاته من الخصائص مثل ما يثبت للمخلوق، كقول القائل: إن يدي الله كأيدي المخلوقين، أو نزوله كنزوله، ونحو ذلك.\nالثاني: تشبيه المخلوق بالخالق: فهو أن يثبت شيئًا للمخلوق مما يختص به الخالق من الأفعال والحقوق والصفات، كفعل من أشرك في الربوبية أو كمن أشرك في الألوهية وكفعل الغلاة في مدح النبي ﷺ (^١).\nوالمعطلة ينقسمون إلى قسمين:\n١ - المؤوِّلة: وهم الذين صرفوا معاني صفات الله تعالى عن ظاهرها المتبادر إلى معنى آخر غير متبادر لا دليل عليه ولا مرجح له.\n٢ - المفوضة: وهم الذين يفوضون معاني الأسماء والصفات لله تعالى ولا يثبتون منها شيئًا.\n_________\n(^١) ينظر: شرح الطَّحَاوية، لابن أبي العز (ص: ٢١)، مجموع فتاوى ابن عثيمين (٤/ ٢٢، ٢٣)، فتح رب البرية بتلخيص الحموية، لابن عثيمين أيضًا (ص: ٢٠).","vol":"1","page":78},{"text":"وأَرُدُّ عُهْدَتَها إلى نُقَّالِهَا ... وأَصُونُها عَنْ كُلِّ مَا يُتَخَيَّلُ\n<hr><s0>\n\nوقد اتفق المؤولة والمفوِّضة على صرف نصوص الصفات عن ظاهرها المتبادر المعتبر، ونفوا الصفات المأخوذة منها، ولكن المؤوِّلة أولوها بمعانٍ أخرى بعقولهم، بينما فوَّض المفوِّضة معانيها، ولم يفسروها.\nوهناك فرق بين أهل السُّنة والمفوضة: يتبيَّن بالمثال التالي: وهو أنَّ من أسماء الله تعالى (الرحمن) فأهل السُّنة يثبتون هذا الاسم، ويأخذون منه صفة الرحمة، أما المفوضة فهم يثبتون الأسماء ولكن يفوضون معانيها إلى الله، وهم بذلك يثبتون أن القرآن ليس له معانٍ مفهومة.\nولهذا قال أهل السُّنة: المفوضة شر الطوائف؛ لأن ظاهرها التورع والاحتياط، وباطنها تكذيب القرآن، وأنه لا معنى ولا حقيقة له.\nقوله: (وأَرُدُّ عُهْدَتَها إلى نُقَّالِهَا) المراد بالذي تُرَدُّ العهدة فيه إلى النُقَّال هو باب الصفات فلا يُتَكَلَّم في شيء من هذا الباب إلا بوحي، والمراد بالنُقَّال هم أهل العلم الذين نَقَلُوا هذه الأحاديث من لدن الصحابة - ﵃ - ثم التابعين ومن جاء بعدهم.\nقوله: (وأَصُونُها عَنْ كُلِّ مَا يُتَخَيَّلُ) أي: يصون ما جاء في هذا الباب عن التأويل والتحريف والتعطيل والتكييف، ويصون الصفات أيضًا عن التخيل فإن الله أجل وأعظم من أن تتخيل صفاته. وأما الخواطر التي تَرِدُ على النفس، فلا يسلم منها أحد، بل لم يسلم منها الصحابة - ﵃ - حتى قالوا:","vol":"1","page":79},{"text":"قُبْحًا لِمَنْ ................... ... ..................................\n<hr><s0>\n\n«إِنَّا نَجِدُ فِي أَنْفُسِنَا مَا يَتَعَاظَمُ أَحَدُنَا أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ - والمقصود بها الخواطر التي لا يسلم منها أحد - قَالَ ﷺ: «وَقَدْ وَجَدْتُمُوهُ؟» قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: ذَاكَ صَرِيحُ الْإِيمَانِ» (^١).\nوجاء في غير «مسلم» قال: «الْحَمْدُ لله الَّذِي رَدَّ كَيْدَهُ إِلَى الْوَسْوَسَةِ» (^٢)، قال الإمام أحمد: «كل ما أخبر الله به في كتابه من صفاته فهو كما أخبر لا كما يخطر للبشر».\nولهذا كانت قاعدة هذا الباب: «التسليم المطلق» كما ذكر أهل العلم وكما جاء عن الله - ﷿ - وعن الرسول ﷺ.\nقال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥].\nفهو تسليم مطلق لما جاء عن الله ورسوله، قال الطحاوي: «لا تثبت قدم الإسلام إلا على ظهر التسليم والاستسلام».\n(قُبْحًا لِمَنْ ...) استهل الناظم ﵀ هذا البيت بالدعاء على من أعرض عن القرآن، فهو يدعو عليه بالتقبيح حيث كان محلًّا لكل قبيح، لأنه أعرض\n_________\n(^١) أخرجه مسلم رقم (١٣٢) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.\n(^٢) أخرجه أبو داود رقم (٤٤٤٨).","vol":"1","page":80},{"text":"قُبْحًا لِمَنْ نَبَذَ القُرَانَ وراءَهُ ... وإذا اسْتَدَلَّ يقولُ قالَ الأخطَلُ\n<hr><s0>\n\nعن القرآن، وكلما بَعُدَ المرء عن القرآن جمع القبائح، وكلما اقترب منه سلَّمه الله من القبائح.\nقوله: (قُبْحًا) القبيح: ضد الحسن. (لِمَنْ نَبَذَ) طرح. (القران) (^١) الكريم.\n(وراءَهُ) فلم يلتفت إليه بل أعرض عنه ورغب عن هديه.\nقوله: (وإذا اسْتَدَلَّ) في مسائل العقائد (يقولُ قالَ الأخطَلُ) ويعني بذلك الشاعر النصراني المعروف (^٢)، والخطل في اللغة هو الخطأ في الكلام (^٣).\nويشير الناظم ﵀ هنا إلى شناعة ما قام به بعض المبتدعة الذين نفوا صفة الكلام عن الله - ﷿ - بحجة ضعيفة باهتة وهي بيت قاله الأخطل وهو:\nإِنَّ الكلامَ لفي الفُؤادِ وإِنَّمَا ... جُعِلَ اللسانُ عَلَى الفُؤادِ دَلِيلَا\nفاستدلوا بهذا البيت وقالوا: إن كلام الله هو الكلام النفسي، وإن الكلام في الحقيقة هو ما يقوم بالنفس.\n_________\n(^١) «الْقُرَان»: يعني القرآن، وهي لغة مشهورة وقراءة سبعية، وهي لغة الشافعي.\n(^٢) هو أبو مالك غياث بن غوث التغلبي، نشأ في العراق، وهو شاعر نصراني، سليط اللسان، مدمن على شرب الخمر، توفي سنة (٩٢ هـ). انظر: البداية والنهاية (٩/ ٩٧)، وتاريخ الأدب العربي ص (٦١).\n(^٣) مجموع الفتاوى (٦/ ٢٩٧).","vol":"1","page":81},{"text":"ومقتضى قولهم هذا إنكار صفة الكلام لله سبحانه؛ لأنهم قالوا: إن كلام الله هو المعاني دون اللفظ، ويُرَدُّ عليهم بقوله تعالى: (وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا) [النساء:١٦٤]، قال النحاس: «أجمع النحويون على أن الفعل إذا أُكِّدَ بالمصدر لم يكن مجازًا» (^١)، والفعل (كَلَّمَ) هنا أُكِّدَ بالمصدر الحقيقي (تَكْلِيمًا) فوجب أن يكون كلامًا على الحقيقة.\nوقد أجمع السلف والخلف من أهل السُّنة وغيرهم على أنَّ الفعل (كلَّم) هنا المراد به الكلام المنطوق بحروف (^٢).\nوأيضًا يقال: إن العرب لا تنسب للساكت كلامًا ولو كان يحدث نفسه فضلًا عن غيره، وإنما يسمى الكلام كلامًا عندما يُنطق به، وأما قبل النطق به فلا يسمى كلامًا، ويدل لذلك قول النبي ﷺ: «إِنَّ الله تَجَاوَزَ لِأُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسهَا مَا لَمْ يَتَكَلَّمُوا أَوْ يَعْمَلُوا بِهِ» (^٣).\nوالمقصود أن السلف يستدلون بـ: قال الله، قال رسوله، وهؤلاء يستدلون بهذا البيت، ولا شك أن هذا ضَلالٌ مُبِينٌ، وزيغ واضحٌ عن الصراط المستقيم.\n_________\n(^١) إعراب القرآن (١/ ٢٥١) بنحوه.\n(^٢) الروضة الندية ص (١٧١، ١٧٢) بتصرف يسير.\n(^٣) رواه البخاري (٥٢٦٩)، ومسلم (١٢٧) واللفظ له.","vol":"1","page":82},{"text":"قال شيخ الإسلام: «وقد قالت طائفة إن هذا ليس من شعره» (^١)، أي ليس من شعر الأخطل؛ لذلك لم يجزم ابن القيم في «نونيته» بنسبته إلى الأخطل حيث قال:\nودليلُهم في ذاك بيتٌ قاله ... فما يُقال الأخطلُ النصراني\nقال العلامة ابن جبرين ﵀: «ثم لو قدَّرنا أنه صحيح وأنه من قول الأخطل لم نقبله وذلك لأن الأخطل نصراني، مشهور بتمسكه بالنصرانية، ويفتخر بها، وقد اشتهر من شعره قوله:\nولستُ بقائمٍ كالعَيْر يدعو ... قبيل الصبح حيَّ على الفلاح\nولستُ بقائدٍ عِسًا بكورًا ... إلى بطحاء مكة للنجاح\nولستُ بصائم رمضان طوعا ... ولستُ بآكل لحم الأضاحي\nلا شك أن هذا يدل على كفر صريح، وإذا كان يفتخر بأنه نصراني فكيف يستشهد بكلامه في أمر يتعلق بالعقيدة؟! ثم أيضًا هو يسمى الأخطل، والخطل هو عيب في الكلام، وأيضًا هو نصراني والنصارى قد ضلوا في مسمى (الكلام) حيث جعلوا (عيسى) نفسه (الكلمة) فإذا كان\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٦/ ٢٩٦).","vol":"1","page":83},{"text":"والمؤمنونَ يَرَوْنَ حقًّا ربَّهُمْ ... ..................................\n<hr><s0>\n\nكذلك فكيف يُسْتَشهدُ بكلامه على أمر من أمور العقيدة؟!» (^١).\nوقد تولى شيخ الإسلام ﵀ الرد على من قال بالكلام النفسي وأبطله من نحو تسعين وجهًا وذلك في رسالته المسماة بـ «التسعينية»، وقد أشار ابن القيم ﵀، إلى ذلك بقوله (^٢):\nوكذاك تسعينيةٌ فيها له ... ردٌّ على من قال بالنفساني\nتسعون وجها بينت بطلانه ... أعني كلام النفس ذا الوَحْداني\nقوله: (والمؤمنونَ) أي: بربهم وبما جاء في وحيه إيمانًا لا يعتريه شك ولا تردد.\nقوله: (يَرَوْنَ حقًّا ربَّهُمْ) عيانًا بأبصارهم حقيقة لا مجازًا، وقد أشار الناظم ﵀ في هذا الكلام إلى مسألة مهمة من مسائل العقيدة وهي مسألة الرؤية.\n• وأهل العلم الذين تكلموا في باب العقائد ذكروا أن الرؤية على نوعين:\n- النوع الأول: رؤية النبي ﷺ لربه حينما عُرج به إلى السماء، هل رأى\n_________\n(^١) شرح اللمعة ص (١٧٩).\n(^٢) الكافية الشافية ص (٧٧٢).","vol":"1","page":84},{"text":"ربه أو لم يره؟ والراجح والصحيح الذي دلت عليه الأدلة، وعليه أهل التحقيق من أهل السنة والجماعة أنه ﷺ لم يَرَ ربه.\nهذه المسألة من مسائل العقيدة، لكن ليست مما يُضَلَّلُ فيها المخالف، لأن الصحابة - ﵃ - اختلفوا فيها، وقد حصل بين ابن عباس وعائشة خلاف فيها، وذهب بعض أهل العلم إلى أنه لا يوجد هناك خلاف حقيقي بين عائشة وابن عباس ب (^١)، وليس هذا محل بحث هذه المسألة، والمقصود أن هذه المسألة فيها سعة.\n- النوع الثاني: رؤية المؤمنين لربِّهم يوم القيامة فهذه المسألة أثبتها أهل السُّنة وعدوها من مسائل العقيدة الكبرى التي يضلل فيها المخالف، لأن هذه الرؤية ثابتة في القرآن والسُّنة، ومن الأدلة التي وردت في ذلك ما يلي:\nأولًا: قول الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢،٢٣]، فأثبت رؤية المؤمنين لربهم عيانًا بأبصارهم، وذلك لأن النظر إذا عُدِّي بـ (إلى) يكون المقصود به المعاينة بالأَبصار كما في قوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى\n_________\n(^١) أخرج البخاري رقم (٣٢٣٤)، ومسلم رقم (١٧٧) من حديث عائشة - ﵂ - قالت: «مَنْ زَعَمَ أَنَّ مُحمدًا رأَى ربَّه فقد أعظم ولكن قد رأى جبريل في صورته وخَلْقُه سادٌّ ما بين الأفقِ». وأخرج الحاكم في المستدرك (٢/ ٥٠٩) عن ابن عباس - ﵁ - قال: «أتعجبون أن تكون الخلة لإبراهيم ﵇، والكلام لموسى، والرؤية لمحمد»، قال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (٦/ ٥٠٩): «والألفاظ الثابتة عن ابن عباس هي مطلقة أو مقيدة بالفؤاد ... ولم يثبت عن ابن عباس لفظ صريح بأنه رآه بعينه».","vol":"1","page":85},{"text":"الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ [الغاشية:١٧].\nثانيًا: قوله: ﴿للذين أحسنوا الحسنى وزيادة﴾ [يونس:٢٦].\nفقد فسر النبي ﷺ الحسنى بالجنة، والزيادة بالنظر إلى وجه الله - ﷿ -، فلما عطف الزيادة على الحسنى التي هي الجنة دل على أنها أَمرٌ آخر وراء الجنة وقدرٌ زائدٌ عليها، وذلك لأن العطف يقتضي المغايرة، وهي الرؤية للمؤمنين وتكون بعد دخولهم الجنة كما جاء ذلك في «صحيح مسلم» من حديث صهيب - ﵁ - (^١).\nوقد صرح جمع من الصحابة - ﵃ - بأن المراد بالزيادة الرؤية، جاء ذلك عن أبي بكر وابن عباس وحذيفة وأبي موسى - ﵃ -.\nثالثًا: قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٥]، فلمَّا حَجَبَ الكفار عن الرؤية لسخطه عليهم دل على أن المؤمنين يرونه لرضاه عنهم.\nوالمقصود أن الرؤية ثابتة في القرآن، وثابتة في السُّنة في أحاديث عديدة أوصلها أهل العلم إلى ثلاثين حديثًا من أشهرها:\nحديث جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ الله - ﵁ - قَالَ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَنَظَرَ إِلَى الْقَمَرِ لَيْلَةً\n_________\n(^١) صحيح مسلم رقم (١٨١) ولفظه عن صُهَيْبٍ - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «إذا دخل أهل الجنة الجنة، قال: يقول الله ﵎: تريدون شيئا أزيدكم؟ فيقولون: ألم تبيض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة، وتنجنا من النار؟ قال: فيكشف الحجاب، فما أعطوا شيئا أحب إليهم من النظر إلى ربهم - ﷿ -، ثم تلا هذه الآية: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾».","vol":"1","page":86},{"text":"يَعْنِي الْبَدْرَ فَقَالَ: «إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا الْقَمَرَ لا تُضَامُّونَ فِي رُؤْيَتِهِ» (^١).\nوحديث أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ - ﷿ -» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، نَرَى رَبَّنَا؟ قَالَ: فَقَالَ: «هَلْ تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ الشَّمْسِ نِصْفَ النَّهَارِ؟» قَالُوا: لا، قَالَ: فَتُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ؟ قَالُوا: لا، قَالَ: «فَإِنَّكُمْ لا تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَتِهِ، إِلا كَمَا تُضَارُّونَ فِي ذَلِكَ» (^٢).\n• ومن المسائل التي يحسن ذكرها في هذا المقام ما يلي:\n- المسألة الأولى: ما الطوائف التي أنكرت الرؤية؟\no  الجواب: هم الجهمية والمعتزلة، وتبعهم على ذلك الخوارج والرافضة، وقد استدلوا على ذلك بأدلة مثل قوله تعالى لموسى - ﵇ -: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف:١٤٣]، قالوا: إن لن للتأبيد، وهذا غير صحيح، لعدة أوجهٍ:\nأحدها: أن نفي الرؤية الوارد في الآية إنما هو في الدنيا؛ لأن موسى - ﷿ - طلب رؤية ربه - ﷿ - في الحياة الدنيا.\nالثاني: أن قولهم: إن (لن) هنا للنفي المؤبد ليس إلا مجرد دعوى فقد قال تعالى حكاية عن الكفار: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا﴾ [البقرة:٩٥]، وهذا في الدنيا فلو كانت (لن) للتأبيد المطلق والنفي المؤبد لما تمنى الكفار الموت في الآخرة كما في قوله تعالى: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزُّخرُف:٧٧].\n_________\n(^١) أخرجه البخاري رقم (٥٥٤)، ومسلم رقم (٦٣٣).\n(^٢) أخرجه البخاري رقم (٢٢)، ومسلم رقم (١٨٢)، وأحمد رقم (١٠٦٩٧)، واللفظ له.","vol":"1","page":87},{"text":"وقال ابن مالك في (الكافية):\nومن رأى النَّفي بلن مؤَبَّدَا ... فَقوْلَه ارْدُدْ وَسواه فَاعْضُدا\n- المسألة الثانية: ما<span data-type=\"title\" id=toc-23> الطوائف المعاصرة التي أنكرت الرؤية</span>؟\no  الجواب: هم الرافضة والإباضية وهي من طوائف الخوارج، وأكثرهم في سلطنة عُمَان حاليًّا.\nقال شيخ الإسلام ﵀ في «الواسطية»: «إن المؤمنين يرونه يوم القيامة عِيانًا بأبصارهم كما يرون الشمس صَحْوًا ليس بها سحاب، وكما يرون القمر ليلة البدر لا يُضَامُونَ في رؤيته» (^١).\nوقال في «بيان تلبيس الجهمية»: «إنه قد ثبت بالسنة المتواترة وباتفاق سلف الأمة وأئمتها من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من أئمة أهل الإسلام، أن الله - ﷾ - يُرَى في الدار الآخرة بالأبصار عيانًا» (^٢).\nفالمقصود أن النصوص الواردة في إثبات الرؤية قطعية الثبوت والدلالة لأنها في كتاب الله تعالى، وفي سنة رسوله ﷺ المتواترة، وقد أنشدوا في هذا المعنى:\n_________\n(^١) العقيدة الواسطية ص (١٨).\n(^٢) (١/ ٢٤٨).","vol":"1","page":88},{"text":"...................... ... وإلى السَّماءِ بِغَيْرِ كَيْفٍ يَنْزِلُ\n<hr><s0>\n\nمِمَّا تَواتَرَ حَديثُ مَنْ كَذَبْ ... وَمَنْ بَنَى لله بيتًا واحْتَسَبْ\nورُؤْيَةٌ شفاعَةٌ والحَوْضُ ... ومَسْحُ خُفَّيْنِ وهذي بَعْضُ (^١)\n- المسألة الثالثة:<span data-type=\"title\" id=toc-24> هل يرى المؤمنون ربهم في الحياة الدنيا</span>؟\no  الجواب: قال شيخ الإسلام ﵀: «وقد اتفق أئمة المسلمين على أن أحدًا من المؤمنين لا يرى الله بعينه في الدنيا ولم يتنازعوا إلا في النبي ﷺ خاصة، مع أن جماهير الأئمة على أنه لم يره بعينه في الدنيا، وعلى هذا دلت الآثار الصحيحة الثابتة عن النبي ﷺ والصحابة وأئمة المسلمين، ولم يثبت عن ابن عباس ولا عن الإمام أحمد وأمثالهم أنهم قالوا: إن محمدًا رأى ربه بعينه، بل الثابت عنهم إما إطلاق الرؤية، وإما تقييدها بالفؤاد، وليس في شيء من أحاديث المعراج الثابتة أنه رآه بعينه» (^٢).\nقوله: (وإلى السَّماءِ بِغَيْرِ كَيْفٍ يَنْزِلُ) أشار شيخ الإسلام ﵀ في هذا الشطر من البيت إلى مسألة النزول، وأن الله - ﷾ - متَّصف بذلك على ما يليق بجلاله، وهنا مسائل متعلقة بالنزول:\n_________\n(^١) نظم المتناثر ص (٧).\n(^٢) مجموع الفتاوى (١/ ٣٣٦).","vol":"1","page":89},{"text":"- المسألة الأولى: تواتر أحاديث النزول:\nأحاديث النزول متواترة كما نقل ذلك الإمام الذهبي في كتابه: «العلو للعلي الغفار» وذكر أن أحاديث النزول متواترة وتفيد القطع؛ فلا مجال للشك في ذلك، وأشهر حديث هو حديث أبي هريرة - ﵁ -: «يَنْزِلُ رَبُّنَا ﵎ كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرُ» (^١).\n- المسألة الثانية:<span data-type=\"title\" id=toc-26> أوقات النزول الإلهي </span>التي جاءت بها السُّنة كما يلي:\nالوقت الأول: حين يبقى ثلث الليل الآخِر، وقد جاء في بعض الروايات أنه ينزل إذا مضى ثلث الليل الأول، وجاء في بعضها أنه ينزل إذا انتصف الليل، لكن أكثر الأحاديث التي جاءت في «الصحيحين» وفي غير «الصحيحين» أن نزوله - ﷾ - في الليل يكون حين يبقى ثلثه الآخِر.\nالوقت الثاني: نُزُولُه جلَّ في علاه عَشِيَّة عرفة كما جاء هذا في أحاديث كثيرة منها حديث عائشة ب في «صحيح مسلم»: «مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللهُ فِيهِ عَبْدًا مِنَ النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ وَإِنَّهُ لَيَدْنُو ثُمَّ يُبَاهِي بِهِمُ الْمَلائِكَةَ» (^٢)، وقد عبر عن النزول في هذا الحديث بالدنو.\nلكن لفظ النزول في يوم عرفة جاء عند «ابن حبان» من حديث جابر - ﵁ - مرفوعًا: «مَا مِنْ يوْمٍ أَفْضَلَ عِنْدَ الله مِنْ يوْمِ عَرَفَةَ، يَنْزِلُ اللهُ ﵎ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا»، والمقصود أن هذا الحديث فيه تصريح بالنزول، والحديث\n_________\n(^١) أخرجه البخاري رقم (١١٤٥)، ومسلم رقم (٧٥٨).\n(^٢) أخرجه مسلم رقم (١٣٤٨).","vol":"1","page":90},{"text":"وأُقِرُّ بالميزانِ والحَوضِ الذي ... ...................................\n<hr><s0>\n\nصححه ابن حبان وغيره (^١).\n- المسألة الثالثة: يجب أن يُعلم أن المنهج الحق في صفة النزول هو ما عليه أهل السنة والجماعة قاطبة، وهو إثبات نزول الله تعالى إلى السماء الدنيا على ما يليق بجلاله وعظمته، كما ورد ذلك في النصوص الصحيحة.\nلكن كما سبق يضيفون عبارة: «على ما يليق بجلاله من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل»، فهذا مذهب أهل السُّنة والجماعة، كما قرر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية.\nويُقال في هذه المسألة كما يقال في مسألة الاستواء، فالمنهج فيهما واحد، على حد قول الإمام مالك في قول الله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]: «الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة».\nوقد جاء هذا الأثر مرفوعًا عن النبي ﷺ ولا يصح، وجاء أيضا عن أم سلمة وربيعة بن عبد الرحمن شيخ مالك، ولكن لا يصح من ذلك شيء إلا ما جاء عن الإمام مالك ﵀، فسنده إليه صحيح مشهور.\nقوله: (وأُقِرُّ): الإقرار هو الاعتقاد بالقلب مع الاعتراف باللسان.\nقوله: (بالميزانِ): الذي يوزن به العباد والأعمال يوم القيامة.\nقوله: (والحَوضِ): أي أقر أيضًا بحوض النبي ﷺ، والحوض لغة:\n_________\n(^١) أخرجه ابن حبان كما في الإحسان رقم (٣٨٥٣).","vol":"1","page":91},{"text":"..................... ... أَرجُو بأنِّي مِنْهُ رِيًّا أَنْهَلُ\n<hr><s0>\n\nمجتمع الماء، وفي الاصطلاح: مورد عظيم ترده أمة محمد ﷺ ممن اتبع هديه ولم يبدل أو يغير. قوله:) أَرجُو (: الرجاء نقيض اليأس، وهو الأمل المتوقع.\nقوله: (بأنِّي مِنْهُ): أي من الحوض.\nقوله: (رِيًّا): بكسر الراء أو فتحها بمعنى أرتوي بالشرب منه ريًّا.\nقوله: (أَنْهَلُ): يعني أشرب فيكون المعنى أشرب حتى أروى.\nوهذه المسائل التي ذكرها الناظم في هذا البيت ليست من عالم الشهادة، بل هي من عالم الغيب، فلذلك أكد الناظم أنه يُقر ويعترف بها، ليس لأنه شاهَدَها وإنما لأجل التصديق بما جاء في النصوص من إثباتها ووجوب الإيمان بها وهي ما يلي:\nأولًا: الميزان: وهو ثابت في كتاب الله وفي سنة رسول الله ﷺ، وثابت بالإجماع، فأما الكتاب فالآيات كثيرة من أشهرها:\nقول الله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء:٤٧].\nوقوله - ﷾ -: ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (٦) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ [القارعة:٦ - ٧].","vol":"1","page":92},{"text":"• وهناك بعض المسائل المتعلقة بالميزان:\n- المسألة الأولى:<span data-type=\"title\" id=toc-28> هل الميزان يوم القيامة ميزان واحد لكل الأمم، أو لكل أمة ميزان</span>؟\nتكلم أهل العلم في هذه المسألة واختلفوا في ذلك، لكن هذه المسألة لم يأت فيها نص، والقاعدة في هذا أنه لا يُجزمُ فيها بشيء، فلا يجزم بأن لكل أمة ميزانًا، ولا بأنه ميزان واحد لكل الأمم.\n- المسألة الثانية: في الموزون هل هو العامل أو العمل أو هما معًا؟\nاخْتُلِفَ في ذلك فمن أهل العلم من قال: إن الميزان للعمل، ودليل ذلك ما جاء في «الصحيحين» من حديث أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله ﷺ: «كَلِمَتَانِ حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ ثَقِيلَتَانِ فِي الْمِيزَانِ: سُبْحَانَ الله وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ الله الْعَظِيمِ» (^١).\nفهذا الحديث فيه دلالة على أن الأعمال هي التي توزن في الميزان يوم القيامة.\nويدل على ذلك أيضًا حديث مشهور وهو حديث البطاقة الذي رواه عبدالله بن عمرو بن العاص وهو مخرج عند «الترمذي» جاء في آخره:\n«فَتُوضَعُ السِّجِلاتُ فِي كَفَّةٍ وَالْبِطَاقَةُ فِي كَفَّةٍ، فَطَاشَت السِّجِلاتُ وَثَقُلَت\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٧٥٦٣)، ومسلم (٢٦٩٤).","vol":"1","page":93},{"text":"الْبِطَاقَةُ، فَلا يَثْقُلُ مَعَ اسْمِ الله شَيْءٌ» (^١).\nوالمقصود أنَّ شهادة أن لا اله إلا الله هي التي رجحت في الميزان، ولذلك طاشت السجلات وثَقُلَت البطاقة مما يدل على أن الموزون العمل، وحديث البطاقة حديث مشهور، وقد قال عنه الإمام الترمذي في «جامعه»: «حديث حسن غريب».\nوالغريب عند أهل الحديث من أقسام الضعيف، ولكن لا يلزم من الغرابة الضعف، كما في حديث: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» (^٢) سنده غريب ومع ذلك اتفق أهل العلم على صحته، وحديث البطاقة استغربه الترمذي والبغوي.\nالرأي الثاني: أن الوزن للعامل استدلالًا بأحاديث كثيرة من ذلك ما جاء في «الصحيحين» من حديث أبي هريرة - ﵁ - قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّهُ لَيَأْتِي الرَّجُلُ الْعَظِيمُ السَّمِينُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لا يَزِنُ عِنْدَ الله جَنَاحَ بَعُوضَةٍ» (^٣).\nومن ذلك أيضًا قول النبي ﷺ عن سَاقَي ابن مسعود - ﵁ -: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَهُمَا أَثْقَلُ فِي الْمِيزَانِ مِنْ أُحُدٍ» (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي رقم (٢٦٣٩).\n(^٢) أخرجه البخاري رقم (١)، ومسلم رقم (١٩٠٧) من حديث عمر بن الخطاب - ﵁ -.\n(^٣) أخرجه البخاري رقم (٤٧٢٩)، ومسلم رقم (٢٧٨٥).\n(^٤) أخرجه أحمد رقم (٣٧٩٢) من حديث ابْنِ مَسْعُودٍ: «أنه كان يجتني سواكا من الأراك، وكان دقيق الساقين، فجعلت الريح تكفؤه، فضحك القوم منه، فقال رسول الله - ﷺ -: «مم تضحكون؟»، قالوا: يا نبي الله، من دقة ساقيه، فقال: «والذي نفسي بيده، لهما أثقل في الميزان من أحد». الحديث.","vol":"1","page":94},{"text":"الرأي الثالث: أن الوزن للعامل والعمل، ومال إلى هذا ابن كثير ﵀ جمعًا بين النصوص الواردة في هذا الباب، ولعله هو الأقرب، والله أعلم.\n- المسألة الثالثة: ما الحكمة من الوزن يوم القيامة؟ مع أن الله - ﷾ - مطلع على كل ذلك، فهو عالم بأعمال العباد ومقدارها في الموازين؟\n- الجواب: أن الحكمة من ذلك لأهل الإيمان: ليعلموا أن ما حازوه من خير وحصلوا عليه من فوز، إنما هو بمحض رحمة الله تعالى، لا بأعمالهم، والدليل على هذا قوله ﷺ: «لَنْ يُدْخِلَ أَحَدًا عَمَلُهُ الْجَنَّةَ» قَالُوا: وَلا أَنْتَ يَا رَسُولَ الله؟ قَالَ: «لا وَلا أَنَا إِلا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللهُ بِفَضْلٍ وَرَحْمَةٍ فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا» (^١).\nسؤال آخر: لو أن رجلًا أمضى كل عمره في الصلاة هل يستحق الجنة بمجرد هذا العمل؟\no  الجواب: لا يمكن أن يدخل الجنة إلا برحمة الله تعالى، ومن رحمة الله أن وفقه للعمل الصالح الذي هو سبب من أسباب دخول الجنة، فهذا التوفيق للعمل الصالح هو نعمة من الله على عبده تستحق الشكر، وما أحسن قول القائل:\nلك الحمد يا رَبي على كلِّ نعمةٍ ... ومن أعظمِ النعماءِ قولي لك الحمدُ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري رقم (٥٦٧٣)، ومسلم رقم (٢٨١٦) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.","vol":"1","page":95},{"text":"أما الكفار: فالحكمة من وزن أعمالهم الإحصاء عليهم، كي يُقِرُّوا بها، ويُوقَفُوا عليها ليعترفوا بعد ذلك بما كان منهم من سوء، كما قال الله تعالى ﴿فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك:١١].\nوقال سبحانه: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ [فصلت:٥٠].\nوعلى هذا إذا دخل المؤمن الجنة علم أنه دخلها بفضل الله، والكافر إذا دخل النار علم أن هذا بعدل الله - ﷾ -، قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت:٤٦].\nوقال: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف:٤٩].\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «الميزان هو ما يوزن به الأعمال، وهو غير العدل؛ كما دل على ذلك الكتاب والسنة، مثل قوله تعالى: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف:٨]، وقوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء:٤٧]» (^١).\nوقال ﵀: «إن الله سبحانه يحاسب الخلق في ساعة واحدة لا يشغله\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٤/ ٣٠٢).","vol":"1","page":96},{"text":"حساب هذا عن حساب هذا، وهذا الحساب يراد به الموازنة بين الحسنات والسيئات، وهذا يتضمن المناقشة، ويراد به عرض الأعمال على العامل وتعريفه بها» (^١).\nوالخلاصة: أن أهل السُّنة والجماعة يؤمنون بالميزان ويقولون: إنه ميزان حقيقي بخلاف المعتزلة الذين قالوا: إنه غير حقيقي وإنما معناه إقامة العدل فهو ميزان معنوي معناه العدل بين العباد، وليس لهم حجة في ذلك إلا أنهم حكَّموا عقولهم في الأمور الغيبية التي لا يدركها العقل وقدموا العقول على النقول، وأما أهل الحق فإنهم يؤمنون بالأمور الغيبية على حقيقتها ويردون كيفيتها إلى الله - ﷿ -.\nثانيًا:<span data-type=\"title\" id=toc-30> من المغيَّبات التي يجب الإيمان بها الحوض:</span>\nوذِكْرُ الحوض للنبي ﷺ جاء متواترًا في أكثر من ثلاثين حديثًا، جاء في «الصحيحين» منها عشرون حديثًا، وساق البخاري ﵀ جملة منها تحت باب الحوض في كتاب الرقاق (^٢).\nوقال السخاوي: «وذكر شيخنا - يعني ابن حجر - من الأحاديث التي وصفت بالتواتر حديث الشفاعة والحوض فإن عدد رواتهما من الصحابة زاد على أربعين، وممن وصفهما بذلك عياض في الشفاء» (^٣).\n_________\n(^١) درء تعارض العقل والنقل (٥/ ٣٤٧).\n(^٢) فتح الباري (١١/ ٤٦٦).\n(^٣) فتح المغيث (٤/ ٢٢).","vol":"1","page":97},{"text":"وقد أجمع أهل السُّنة والجماعة على إثبات الحوض للنبي ﷺ في الآخرة، خلافًا للخوارج والمعتزلة الذين لم يثبتوه.\n• وهناك عدة مسائل تتعلق بالحوض نذكر منها ما يلي:\n- أولًا:<span data-type=\"title\" id=toc-31> هل الحوض موجود الآن</span>؟\no  الجواب: نعم بدليل ما رواه «البخاري» و«مسلم» من حديث عقبة - ﵁ - عن النبي ﷺ قال: «إِنِّي وَاللهِ لَأَنْظُرُ إِلَى حَوْضِي الْآنَ» (^١).\nوفي «الصحيحين» عن أبي هريرة - ﵁ - عَن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَا بَيْنَ بَيْتِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ، وَمِنْبَرِي عَلَى حَوْضِي» (^٢)، فيحتمل أن يكون الحوض في مكان المنبر، لكنه لا يُشاهَد لأنه غيبي، ويحتمل أن هذا يحصل يوم القيامة فيوضع المنبر على الحوض يوم القيامة.\n- ثانيًا: بيان ما ورد في الأحاديث<span data-type=\"title\" id=toc-32> من أوصاف الحوض </span>وهي سبعة:\nالأول: أن ماءه أشد بياضًا من اللبن، وهذا يتعلق باللون.\nالثاني: أنه أحلى من العسل، وهذا يتعلق بالطعم.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري رقم (١٣٤٤)، ومسلم رقم (٢٢٩٦) من حديث عقبة بن عامر - ﵁ -: «أن النبي - ﷺ - خرج يوما، فصلى على أهل أحد صلاته على الميت، ثم انصرف إلى المنبر، فقال: «إني فرط لكم، وأنا شهيد عليكم، وإني والله لأنظر إلى حوضي الآن، وإني أعطيت مفاتيح خزائن الأرض - أو مفاتيح الأرض - وإني والله ما أخاف عليكم أن تشركوا بعدي، ولكن أخاف عليكم أن تنافسوا فيها».\n(^٢) أخرجه البخاري رقم (١١٩٦)، ومسلم رقم (٥٢٣).","vol":"1","page":98},{"text":"الثالث: أنه أطيب من ريح المسك، وهذا يتعلق بالرائحة.\nالرابع: أن آنيته عدد نجوم السماء، وهذا يتعلق بالعدد.\nأخرج الشيخان وغيرهما من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ب، قال: قال رسول الله ﷺ: «حَوْضِي مَسِيرَةُ شَهْرٍ مَاؤُهُ أَبْيَضُ مِنَ اللَّبَنِ وَرِيحُهُ أَطْيَبُ مِنَ الْمِسْكِ وَكِيزَانُهُ كَنُجُومِ السَّمَاءِ مَنْ شَرِبَ مِنْهَا فَلَا يَظْمَأُ أَبَدًا» (^١).\nوجاء في «صحيح مسلم»: «عَدَد نُجُومِ السَّمَاءِ» (^٢)، والأبلغ الرواية الأولى: «كنُجُومِ السَّمَاءِ»؛ لأنها تشمل العدد والشكل.\nالخامس: أن من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدًا.\nالسادس: طوله شهر وعرضه شهر.\nالسابع: أنه يَصُبُّ فيه مِيزَابَان، كما في «صحيح مسلم» (^٣)، وهذان الميزابان يأتيان من الكوثر الذي أعطاه الله النبيَّ ﷺ فعلى هذا:\nللنبي ﷺ حوض وله نهر وهو الكوثر، ومن أهل العلم من يرى أن\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٦٥٧٨)، وصحيح مسلم (٢٢٩٢).\n(^٢) أخرجه مسلم رقم (٢٣٠٠) من حديث أبي ذر - ﵁ -.\n(^٣) أخرجه مسلم رقم (٢٣٠٠) من حديث أبي ذر - ﵁ - قال: «قلت: يا رسول الله ما آنية الحوض قال: «والذي نفس محمد بيده لآنيته أكثر من عدد نجوم السماء وكواكبها، ألا في الليلة المظلمة المصحية، آنية الجنة من شرب منها لم يظمأ آخر ما عليه، يشخب فيه ميزابان من الجنة، من شرب منه لم يظمأ، عرضه مثل طوله، ما بين عمان إلى أيلة، ماؤه أشد بياضا من اللبن، وأحلى من العسل».","vol":"1","page":99},{"text":"وكذا الصِّراطُ يُمَدُّ فوقَ جَهَنَّم ... فَمُسَلَّمٌ نَاجٍ وآخَرُ مُهْمَلُ\n<hr><s0>\n\nالحوض هو النهر، والله تعالى أعلم.\n- ثالثًا: هل للأنبياء الآخرين حوض؟\nقال بذلك بعض أهل العلم استدلالًا بما رواه «الترمذي» مرفوعًا: «إِنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوْضًا» (^١)، ولكن هذا الحديث ضعيف عند أهل الحديث، وقد أعله الترمذي بالإرسال، ولم يثبت في ذلك شيء، والله أعلم.\nقوله: «وكذا» أي: وأقر أيضًا بـ «الصِّراط» وهو لغة: الطريق الواضح. وشرعًا: الجسر المنصوب على متن جهنم بين الجنة والنار، يمر عليه جميع الخلائق، فأقر بأنه حق ثابت للنصوص الواردة فيه.\nقوله: «يُمَدُّ» أي ينصب «فوقَ جَهَنَّم» يعني على ظهر جهنم نعوذ بالله تعالى منها.\nقوله: (فَمُسَلَّمٌ نَاجٍ): أي سالم من مزلته بفضل الله ورحمته (وآخَرُ مُهْمَلُ): بعدل الله وحكمته.\nوالمقصود أن الناظم يشير في هذا البيت إلى أن الصراط المنصوب على متن جهنم يوم القيامة حق ثابت يجب الإيمان به وفق ما جاء في نصوص الوحيين، قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ [مريم:٧١].\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي رقم (٢٤٤٣) من حديث سمرة بن جندب - ﵁ -، قال الترمذي: «هذا الحديث عن الحسن عن النبي - ﷺ - مرسلا ولم يذكر فيه عن سمرة وهو أصح».","vol":"1","page":100},{"text":"قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وهذا الورود المذكور في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ [مريم:٧١]، فسره النبي ﷺ في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم في «صحيحه» عن جابر بأنه المرور على الصراط ... والصراط هو الجسر، فلا بد من المرور عليه لكل من يدخل الجنة، من كان صغيرا في الدنيا ومن لم يكن، وهذا عام لجميع الخلق» (^١).\nوروى الإمام أحمد في «مسنده» من حديث عبد الله بن مسعود في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «يَرِدُ النَّاسُ النَّارَ كُلُّهُم ثُمَّ يَصْدُرُونَ عَنْهَا بِأَعْمَالِهِم» (^٢).\nوالمقصود بالورود على متن جهنم: المرور على الصراط المنصوب على متنها، يمر الخلائق يوم القيامة عليه على قدر أعمالهم، فمنهم من يمر كلمح البصر، ومنهم من يمر كالبرق، ومنهم من يمر كالريح، ومنهم من يمر كالفرس الجواد، ومنهم من يمر كراكب الإبل، ومنهم من يعدو عدوًا ومنهم من يمشي مشيًا، ومنهم من يزحف زحفًا، ومنهم من تَتَخَطَّفُه الكَلالِيبُ التي على متن جهنم فَيُكدَسُ فيها، نسأل الله السلامة والعافية.\nويدل لذلك ما جاء في «الصحيحين» من حديث أبي سعيد الخدري - ﵁ - عن النبي ﷺ في حديث طويل جاء فيه: «ثُمَّ يُضْرَبُ الْجِسْرُ عَلَى جَهَنَّمَ وَتَحِلُّ\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٤/ ٢٧٩).\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد رقم (٣٩٢٧) والترمذي رقم (٣١٥٩)، وقال: «حديث حسن».","vol":"1","page":101},{"text":"الشَّفَاعَةُ وَيَقُولُونَ: اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ. قِيلَ يَا رَسُولَ اللهِ وَمَا الْجِسْرُ؟ قَالَ: دَحْضٌ مَزِلَّةٌ. فِيهِ خَطَاطِيفُ وَكَلَالِيبُ وَحَسَكٌ تَكُونُ بِنَجْدٍ فِيهَا شُوَيْكَةٌ يُقَالُ لَهَا السَّعْدَانُ فَيَمُرُّ الْمُؤْمِنُونَ كَطَرْفِ الْعَيْنِ وَكَالْبَرْقِ وَكَالرِّيحِ وَكَالطَّيْرِ وَكَأَجَاوِيدِ الْخَيْلِ وَالرِّكَابِ، فَنَاجٍ مُسَلَّمٌ وَمَخْدُوشٌ مُرْسَلٌ وَمَكْدُوسٌ فِي نَارِ جَهَنَّمَ» (^١).\nوينبغي التنبيه هنا على أن الناس في سرعة المرور وبطئه على حسب إيمانهم وأعمالهم الصالحة التي قدموها في الدنيا، فبحسب استقامة الإنسان على دين الإسلام وثباته عليه يكون ثباته ومروره على الصراط، فمن ثبت على الصراط المعنوي وهو الإسلام ثبت على الصراط الحسي المنصوب على متن جهنم يوم القيامة.\nوفي هذا الموقف العصيب الذي لا يعرف الناسُ فيه بعضُهم بعضا، ولا يتكلم فيه أحد إلا الأنبياء، ومن سواهم لا يتكلم، كما قال النبي ﷺ في «الصحيحين»: «وَلا يَتَكَلَّمُ يَوْمَئِذٍ أَحَدٌ إِلا الرُّسُلُ، وَكَلامُ الرُّسُلِ يَوْمَئِذٍ: اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ» (^٢).\n• وهناك بعض المسائل المتعلقة بالصراط:\n- المسألة الأولى:<span data-type=\"title\" id=toc-35> ماذا بعد عبور الصراط</span>؟\nجاء الجواب على لسان النبي ﷺ كما في «صحيح البخاري» من\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٧٣٩) ومسلم (١٨٣)، واللفظ له.\n(^٢) أخرجه البخاري رقم (٨٠٦)، ومسلم رقم (١٨٢) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.","vol":"1","page":102},{"text":"حديث أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - ﵁ - عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا خَلَصَ الْمُؤْمِنُونَ مِنَ النَّارِ حُبِسُوا بِقَنْطَرَةٍ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ فَيَتَقَاصُّونَ مَظَالِمَ كَانَتْ بَيْنَهُمْ فِي الدُّنْيَا حَتَّى إِذَا نُقُّوا وَهُذِّبُوا أُذِنَ لَهُمْ بِدُخُولِ الْجَنَّةِ» (^١).\nويستفاد من هذا الحديث أن أهل الإيمان بعد المرور على الصراط وسلامتهم من النار يوقفون على قنطرة لأجل التهذيب والتمحيص؛ لأن الجنة كما جاء عن النبي ﷺ في «الصحيحين»: «لا يَدْخُلُهَا إِلا نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ» (^٢)، فلذلك يَقْتَصُّ بعضهم من بعض، حتى إذا هُذبوا ولم يبق على أحدٍ منهم شيء دخلوا الجنة.\nوالخلاصة: أن هذه القنطرة للتهذيب والتمحيص.\n- المسألة الثانية: ما<span data-type=\"title\" id=toc-36> صفة الصراط</span>؟\nجاء في صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري - ﵁ - قال: «بَلَغَنِي أَنَّ الْجِسْرَ أَدَقُّ مِنَ الشَّعْرَةِ وَأَحَدُّ مِنَ السَّيْفِ» (^٣)، هذا الأثر جاء بلاغًا وليس على شرط الحديث الصحيح، وقد جاء الحديث مرفوعًا من حديث أنس\n_________\n(^١) أخرجه البخاري رقم (٢٤٤٠).\n(^٢) أخرجه البخاري رقم (٦٥٢٨)، ومسلم رقم (٢٢١) من حديث ابن مسعود - ﵁ - قال: «كنا مع رسول الله - ﷺ - في قبة نحوا من أربعين رجلا، فقال: «أترضون أن تكونوا ربع أهل الجنة؟» قال: قلنا: نعم، فقال: «أترضون أن تكونوا ثلث أهل الجنة؟» فقلنا: نعم، فقال: «والذي نفسي بيده، إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة، وذاك أن الجنة لا يدخلها ...».\n(^٣) مسلم رقم (١٨٣).","vol":"1","page":103},{"text":"عند البيهقي لكنه ضعيف، وصح عن ابن مسعود - ﵁ - موقوفا عليه عند «الحاكم» بلفظ: «الصراط كحد السيف مدحضة مزلة» (^١).\nوجاء عند «الحاكم» أيضًا عن سلمان - ﵁ - أنه قال: «يوضع الصراط مثل حد الموسى» (^٢) أي: الموس بالعامية.\nإذًا جاء في وصف الصراط ثلاثة آثار عن الصحابة - ﵃ - الأول: عن أبي سعيد، والثاني: عن ابن مسعود وسنده إلى ابن مسعود صحيح، والثالث: عن سلمان وسنده لا بأس به، فعلى هذا تكون الأوصاف الواردة في الصراط موقوفة وليست مرفوعة، ولهذا أنكر بعض الأئمة كالقرافي والعز بن عبدالسلام والبيهقي أن يكون الصراط أدق من الشعرة، وأحد من السيف وحجة هؤلاء أنه لم يثبت فيه عن النبي ﷺ شيء.\nولكن هل يلزم من كون الشيء لم يثبت عن النبي ﷺ عدم الإثبات كما في هذه المسألة؟\no  الجواب: ذهب أكثر أهل العلم إلى إثبات أن الصراط أدقُّ من الشعرة، وأحدُّ من السيف؛ لهذه الآثار الثلاثة التي لها حكم المرفوع، والصحابة - ﵁ - لا يمكن أن يتكلموا بهذا إلا بعلم، فلعلهم أخذوه عن النبي ﷺ، خاصة أن مثل هؤلاء لم يشتهر عنهم الرواية عن بني إسرائيل، كما اشتهر عن عبدالله بن\n_________\n(^١) أخرجه الحاكم رقم (٨٩٠٣)، الدحض والمزلة بمعنى واحد. وهو الموضع الذي تَزِلُّ فيه الأقدام ولا تستقر.\n(^٢) أخرجه الحاكم رقم (٨٨٩١)، وقال: «هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه».","vol":"1","page":104},{"text":"والنَّارُ يَصْلاها الشَّقيُّ بِحِكْمَةٍ ... وكذا التَّقِيُّ إلى الجِنَانِ سَيَدْخُلُ\n<hr><s0>\n\nعمرو ب، وينبغي أيضًا أن يعلم أنه لا ينكر على من خالف في هذه المسألة، ولذلك ذهب بعض أهل العلم كالعز بن عبد السلام وغيره إلى أن الصراط عريض وليس بدقيق، والمقصود أن المسألة فيها خلاف، لكن الصواب والأقرب، والله تعالى أعلم، ثبوت هذه الأوصاف التي سبقت.\nقوله: (والنَّارُ يَصْلاها الشَّقيُّ بِحِكْمَةٍ ...) أشار الناظم ﵀ في هذا البيت إلى إثبات الجنة والنار يوم القيامة، والنصوص من كتاب الله - ﷿ - وسنة رسوله ﷺ، متوافرة متضافرة متواترة على ذلك، ومن أنكر ذلك فهو كافر كفرًا أكبر مخرجًا من الملة؛ لأنه مكذب بنصوص الوحيين.\n• ومن المسائل التي يحسن إيرادها في هذا المقام ما يلي:\n- المسألة الأولى:<span data-type=\"title\" id=toc-38> هل الجنة والنار موجودتان الآن</span>؟\no  الجواب: دلت النصوص على وجودهما الآن، من ذلك قوله تعالى عن الجنة: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران:١٣٣].\nوقول الله تعالى عن النار: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٢٤].\nوقول الله تعالى عن آل فرعون: ﴿نَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٦].\nوالأدلة من السنة كثيرة، من ذلك قول النبي ﷺ كما في «الصحيحين» في","vol":"1","page":105},{"text":"حديث الكسوف: «أُرِيتُ النَّارَ فَلَمْ أَرَ مَنْظَرًا كَالْيَوْمِ قَطُّ أَفْظَعَ» (^١).\nثم قال بعد ذلك: «أُرِيتُ الْجَنَّةَ فَتَنَاوَلْتُ مِنْهَا عُنْقُودًا وَلَوْ أَخَذْتُهُ لَأَكَلْتُمْ مِنْهُ مَا بَقِيَت الدُّنْيَا».\nومن الأدلة أيضًا ما جاء في «الصحيحين» من حديث أبي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قال النَّبِيُّ ﷺ: «رَأَيْتُ عَمْرَو بْنَ عَامِرِ بْنِ لُحَيٍّ الْخُزَاعِيَّ يَجُرُّ قُصْبَهُ فِي النَّارِ» (^٢).\n- المسألة الثانية:<span data-type=\"title\" id=toc-39> هل الجنة والنار تفنيان</span>؟\no  الجواب: هذه المسألة فيها ثلاثة مذاهب:\nالمذهب الأول: أن الجنة والنار باقيتان لا تفنيان: وهذا قول أكثر السلف والخلف (^٣)، وقد انتصر لهذا القول كثير من أهل العلم، حتى صنف بعضهم مصنفات في هذا الأمر، فألف العلَّامة الصنعاني كتابه «رفع الأستار لإبطال أدلة القائلين بفناء النار»، والشيخ سليمان بن ناصر العلوان له كتابان في هذا الموضوع منها: «تنبيه المختار على عدم صحة القول بفناء النار عن الصحابة الأخيار». والكتاب الثاني أكبر من الأول، وهو بعنوان: «الأدلة والبراهين لإيضاح المعتقد السليم والرد على المخالفين».\n_________\n(^١) أخرجه البخاري رقم (٤٣١)، ومسلم رقم (٩٠٧) من حديث عبد الله بن عباس - ﵄ -.\n(^٢) أخرجه البخاري رقم (٣٥٢١)، ومسلم رقم (٢٨٥٦).\n(^٣) شرح الطحاوية لابن أبي العز الحنفي ص (٤٢٤).","vol":"1","page":106},{"text":"المذهب الثاني: أن الجنة باقية والنار تفنى: وهذا المذهب روي عن قليل من السلف والخلف (^١)، ونقل عن عمر، وابن مسعود، وأبي هريرة، وأبي سعيد، وغيرهم، والصحيح أن ذلك لا يصح عن أحد من الصحابة (^٢).\nالمذهب الثالث: التوقف في فناء النار: يلتمس ذلك في كلام ابن القيم في «حادي الأرواح» (^٣)، وإن كان يبدو أنه يميل إلى القول بفناء النار. وجنح إلى هذا من المعاصرين الشيخ عبد الرزاق عفيفي (^٤).\nوالصحيح الذي تدل عليه الأدلة المتواترة من الكتاب والسُّنة القول بخلود الجنة والنار وأبديتهما، منها قوله تعالى عن الجنة: ﴿جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ [البينة:٨].\nوقوله سبحانه عن النار: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [الأحزاب:٦٤ - ٦٥].\nوالشاهد من الآيات ذكر الخلود المؤبد، حيث لم يكتف بذكر مجرد\n_________\n(^١) فتاوى ورسائل سماحة الشيخ عبد الرزاق عفيفي ص (٢٢٤).\n(^٢) راجع في ذلك: «تنبيه المختار على عدم صحة القول بفناء النار» للعلوان.\n(^٣) حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح لابن القيم ص (٣٨٧، ٣٨٨).\n(^٤) فتاوى ورسائل سماحة الشيخ عبد الرزاق عفيفي ص (٢٤٤).","vol":"1","page":107},{"text":"ولِكُلِّ حَيٍّ عاقلٍ في قَبرِهِ ... عَمَلٌ يُقارِنُهُ هناك وَيُسْأَلُ\n<hr><s0>\n\nالخلود، بل أخبر سبحانه أنه خلود أبدي. وقد سرد الشيخ محمد الأمين الشنقيطي خمسين آية من كتاب الله تدل على خلود الكفار في النار (^١).\nقوله: (ولِكُلِّ حَيٍّ عاقلٍ): أي مكلف (في قَبرِهِ ...): الذي سينتهي إليه، ويجازى فيه بحسب عمله الذي سيُقارِنُهُ هناك.\nقوله: (وَيُسْأَلُ) حينما يأتيه الملكان كما صحَّت بذلك الأحاديث.\nوفي هذا البيت أثبت الناظم ﵀<span data-type=\"title\" id=toc-40> عذاب القبر ونعيمه</span>، والنصوص من كتاب الله - ﷿ - وسنة رسوله ﷺ متواترة في ذلك، كقول الله تعالى عن آل فرعون: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٦].\nوأيضًا قوله تعالى: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [السجدة:٢١].\nوأما السُنَّة فهي متضافرة على إثبات هذا، ومن ذلك ما ثبت في «الصحيحين» عن أبي هريرة - ﵁ - قَالَ: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَدْعُو وَيَقُولُ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ ...» (^٢).\n_________\n(^١) مجالس مع الشيخ محمد الأمين الشنقيطي لأحمد بن محمد الشنقيطي ص (٥٠ - ٧٢).\n(^٢) أخرجه البخاري رقم (١٣٣٨)، ومسلم رقم (٢٨٧٠)، من حديث أَنَسٍ - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: «العبد إذا وضع في قبره، وتولي وذهب أصحابه حتى إنه ليسمع قرع نعالهم، أتاه ملكان، فأقعداه، فيقولان له: ما كنت تقول في هذا الرجل محمد - ﷺ -؟ فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله، فيقال: انظر إلى مقعدك من النار أبدلك الله به مقعدا من الجنة، قال النبي - ﷺ -: «فيراهما جميعا، وأما الكافر - أو المنافق - فيقول: لا أدري، كنت أقول ما يقول الناس، فيقال: لا دريت ولا تليت، ثم يضرب بمطرقة من حديد ضربة بين أذنيه، فيصيح صيحة يسمعها من يليه إلا الثقلين».","vol":"1","page":108},{"text":"وجاء مثله من حديث ابن عباس المشهور في «الصحيحين»: «أَنَّ النبي ﷺ مَرَّ بِحَائِطٍ مِنْ حِيطَانِ الْمَدِينَةِ أَوْ مَكَّةَ فَسَمِعَ صَوْتَ إِنْسَانَيْنِ يُعَذَّبَانِ فِي قُبُورِهِمَا فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «يُعَذَّبَانِ وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ» (^١)، وغير ذلك من الأحاديث.\nوقال شيخ الإسلام ﵀: «مذهب سلف الأمة وأئمتها أن الميت إذا مات يكون في نعيم أو عذاب» (^٢).\nوهناك بعض مسائل الإيمان المتعلقة بالقبر نذكر منها ما يلي:\n- المسألة الأولى:<span data-type=\"title\" id=toc-41> سؤال الملكين وموقف أهل السنة منه:</span>\nأهل السنة والجماعة يثبتون سؤال الملكين في القبر، وقد أشار الشيخ إلى ذلك كما في قوله: (وَيُسْأَلُ).\nقال شيخ الإسلام: «فتنة القبر هي الامتحان، والاختبار للميت حين يسأله الملكان»، ثم قال: «وقد تواترت الأحاديث عن النبي ﷺ في هذه\n_________\n(^١) أخرجه البخاري رقم (٢١٦)، ومسلم رقم (٢٩٢).\n(^٢) مجموع الفتاوى (٤/ ٢٦٦).","vol":"1","page":109},{"text":"الفتنة من حديث البراء بن عازب، وأنس بن مالك، وأبي هريرة، وغيرهم - ﵃ -، وهي عامة للمكلفين إلا النبيين فقد اختلف فيهم ...» (^١).\n- المسألة الثانية:<span data-type=\"title\" id=toc-42> هل يسمى الملكان بمنكر ونكير</span>؟\no  الجواب: لم يأت في الأحاديث الواردة في «الصحيحين» تسمية الملكين بمنكر ونكير، ومما جاء في «الصحيحين» قول النبي ﷺ: «أَتَاهُ مَلَكَانِ فَأَقْعَدَاهُ» (^٢)، لكن جاءت أحاديث أخرى بتسمية الملكين بمنكر ونكير كما عند أحمد والترمذي وابن حبان، وقد جَمَعْتُ الأحاديث التي جاء فيها تسمية منكر ونكير فبلغت سبعةً وأربعين حديثًا وأثرًا منها ما هو حسن ومنها ما هو ضعيف وهو الأكثر.\nوقد سُئل الإمام أحمد ﵀ عن ذلك فقيل له: تقول منكر ونكير أو تقول ملكين؟ فقال: «منكر ونكير» فقال له السائل يقولون ليس في حديثٍ منكر ونكير قال: «هو هكذا» يعني إنهما منكر ونكير، وعلى هذه التسمية أكثر أهل العلم ممن ألف في هذا الموضوع، وقد جاء في بعض الأحاديث أنهم أربعة: (منكر ونكير، وناكور ورومان) لكن لا يثبت فيه شيء صحيح،\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٤/ ٢٥٧).\n(^٢) أخرجه البخاري رقم (١٣٣٨)، ومسلم رقم (٢٨٧٠) من حديث أَنَسٍ - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «العبد إذا وضع في قبره، وتولي وذهب أصحابه حتى إنه ليسمع قرع نعالهم، أتاه ملكان، فأقعداه، فيقولان له: ما كنت تقول في هذا الرجل محمد - ﷺ -؟ فيقول: أشهد أنه عبد الله ...» الحديث.","vol":"1","page":110},{"text":"هذا اعتقادُ الشافِعيِّ ومالكٍ ... وأبي حنيفةَ ثم أحمدَ يُنْقَلُ\n<hr><s0>\n\nوجاء في بعض الروايات: «مُبَشِّر وبَشِير» وهذا لا يثبت فيه شيء أيضًا.\n- المسألة الثالثة:<span data-type=\"title\" id=toc-43> هل عذاب القبر خاص بهذه الأمة أو أنه لكل الأمم</span>؟\no  الجواب: عذاب القبر عام لكل الأمم؛ لقول الله تعالى عن آل فرعون: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٦].\n- المسألة الرابعة:<span data-type=\"title\" id=toc-45> هل عذاب القبر ونعيمه على الجسد والروح أو هو على أحدهما دون الآخر</span>؟\no  الجواب: عموم النصوص تدل على أنه للجسد والروح، قال شيخ الإسلام: «وأحاديث عذاب القبر كثيرة متواترة، والعذاب والنعيم الذي في القبر يكون على النفس والبدن جميعًا باتفاق أهل السنة والجماعة، تنعم النفس وتعذب منفردة عن البدن وتعذب متصلة بالبدن، والبدن متصل بها، فيكون النعيم والعذاب عليهما في هذا الحال مجتمعين كما يكون للروح منفردة عن البدن، وأما أن العذاب والنعيم على البدن دون الروح ففيه قولان مشهوران لأهل الحديث والسُّنة وأهل الكلام» (^١).\nقوله: (هذا): إشارة إلى ما ذكر من مسائل الاعتقاد هو (اعتقادُ الشافِعيِّ ومالكٍ وأبي حنيفةَ ثم أحمدَ).\nقوله: (يُنْقَلُ): يعني هذه العقائد التي تُوجت بها هذه الأبيات منقولة\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٤/ ٢٨٥) بتصرف.","vol":"1","page":111},{"text":"فإِنِ اتَّبَعْتَ سبيلَهُمْ فَمُوفَّقٌ ... وإنِ ابْتَدَعْتَ فَما عَلَيْكَ مُعَوَّلُ\n<hr><s0>\n\nمثبتة عنهم جميعًا.\nقوله: (فإِنِ اتَّبَعْتَ سَبِيْلَهُمْ): أي: القويم ومنهجهم المستقيم.\nقوله: (فَمُوفَّقٌ): في الدنيا والآخرة، وهنا مسألة وهي:\n<span data-type=\"title\" id=toc-46>هل المقصود اتباع هؤلاء لذواتهم أو لأنهم أئمة اقتدوا بالنبي - ﷺ </span>-؟\nالجواب: لا شك أن اتِّبَاعهُم ليس لذواتهم، وإنما لأنهم متَّبِعُون للنبي ﷺ، والله تعالى يقول: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران:٣١].\nولهذا أصحاب الحق لا يتعصبون لهؤلاء الأئمة الأربعة، فالتعصب لهم مذموم، ويكون التعصب ممدوحًا إذا كان للحق ولما جاء عن الله ﷾ وعن رسوله ﷺ.\nوالله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم\nوالحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.\nتمت مراجعته في ١٣/ ١ /١٤٣٤ هـ.\nعبدالرحمن بن عبدالعزيز العقل","vol":"1","page":112},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-48>أسئلة على الشرح</span>\n١) ما أنواع السؤال؟\n٢) ما الأحوال التي يُنْهَى عن السؤال فيها؟\n٣) ما المراد بالمذهب؟\n٤) اذكر أقسام الناس في العلم؟\n٥) ما حكم الدعاء للنفس وللغير؟\n٦) اذكر أنواع السماع؟\n٧) اذكر أنواع الكلام؟\n٨) ما المراد بنفي الإيمان في قوله ﷺ: «لا يؤمن أحدكم»؟\n٩) اذكر تعريف الصحابي؟\n١٠) ما الأشياء التي تحبط جميع الأعمال؟\n١١) هل يشترط في إثبات الصحبة الرؤية؟\n١٢) من آمن بالنبي ﷺ، ثم ارتد، ثم أسلم، هل يسمى صحابيًّا؟\n١٣) من رأى النبي ﷺ بعد موته قبل الدفن هل يسمى صحابيًّا؟\n١٤) من رأى النبي ﷺ قبل أن يعقل هل يسمى صحابيًّا؟\n١٥) بم تثبت الصحبة؟\n١٦) من أكثر الصحابة حديثًا؟\n١٧) من أكثر الصحابة فتوى؟\n١٨) من العبادلة من الصحابة؟\n١٩) كم عدد الصحابة؟","vol":"1","page":113},{"text":"٢٠) من آخر الصحابة موتًا؟\n٢١) اذكر مراتب وطبقات الصحابة؟\n٢٢) من أفضل الصحابة؟\n٢٣) من أعلم الصحابة؟\n٢٤) اذكر أقسام التوسل؟\n٢٥) اذكر بعض فضائل الصحابة؟\n٢٦) كيف نرد على من يتهم أبا هريرة في حفظه؟\n٢٧) ما عقيدة الجعد بن درهم؟\n٢٨) ما المذاهب في القرآن الكريم؟\n٢٩) كيف كان نزول القرآن؟\n٣٠) عرف التأويل؟\n٣١) ما الفرق بين المشبهة والمعطلة والمفوضة وبين أهل السنة؟\n٣٢) اذكر أنواع الرؤية؟\n٣٣) ما أدلة الرؤية؟\n٣٤) ما الطوائف التي أنكرت الرؤية قديمًا وحديثًا؟\n٣٥) أحاديث النزول هل هي متواترة أو غير متواترة؟\n٣٦) ما المنهج الحق في صفة النزول؟\n٣٧) الميزان هل هو واحد أو متعدد؟\n٣٨) هل الميزان للعامل أو للعمل أو لهما معًا؟\n٣٩) ما الحكمة من الميزان؟","vol":"1","page":114},{"text":"٤٠) هل الميزان هو العدل؟\n٤١) هل الحوض موجود الآن؟\n٤٢) ما صفات الحوض؟\n٤٣) هل للأنبياء حوض؟\n٤٤) ما مراتب المرور على الصراط؟\n٤٥) هل الجنة والنار موجودتان الآن وهل تفنيان؟\n٤٦) هل تثبت تسمية ملكي السؤال بمنكر ونكير؟\n٤٧) هل عذاب القبر خاص بهذه الأمة؟\n٤٨) هل عذاب القبر يكون على الجسد أو الروح أو كليهما؟","vol":"1","page":115}]}