{"ً":{"ٌ":450,"ٍ":"الحكم المشروع في الطلاق المجموع - ضمن «آثار المعلمي»","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"files":["https://archive.org/download/moalemee/16-17_137196s.pdf"]},"ّ":"الكتاب: الحكم المشروع في الطلاق المجموع\n[آثار عبد الرحمن بن يحيى المعلمي اليماني (١٧)]\nالمؤلف: عبد الرحمن بن يحيى المُعَلِّمي اليماني (١٣١٣ - ١٣٨٦ هـ)\nالمحقق: محمد عزير شمس\nراجعه: محمد أجمل الإصلاحي - سليمان بن عبد الله العمير\nالناشر: دار عالم الفوائد للنشر والتوزيع\nالطبعة: الأولى، ١٤٣٤ هـ\nقدمه للشاملة: مؤسسة «عطاءات العلم»، جزاهم الله خيرا\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":178,"ٕ":19,"ٖ":1780758643,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["17"],"ٚ":[{"title":"الآيات الواردة في الطلاق وتفسيرها","level":1,"page":2},{"title":"فصل (في الكلام على قوله تعالى: ﴿الطلاق مرتان﴾)","level":1,"page":8},{"title":"لماذا عدل بقوله: ﴿مرتان﴾ عن: «طلقتان»","level":1,"page":13},{"title":"الأحاديث التي احتج بها من يرى أن من قال: طلقتك ثلاثا أو ألفا أو كعدد ذرات العالم أو نحو ذلك، فهي مرة واحدة تكون له بعدها الرجعة","level":1,"page":20},{"title":"كلام الشافعي في المسألة والاجتجاج له ومناقشته","level":1,"page":23},{"title":"هل نسخت أحاديث جعل الثلاث واحدة بمرسل عروة وغيره","level":1,"page":35},{"title":"النظر في دلالة مرسل عروة وغيره على ترك أن تحسب الثلاث واحدة","level":1,"page":38},{"title":"لا فرق في حصول الضرر الشديد بين أن يقول: طلقتك واحدة، أو يقول: طلقتك عدد ذرات العالم","level":1,"page":40},{"title":"مناقشات في تعليل النهي عن الطلاق في حيض أو طهر قاربها فيه","level":1,"page":46},{"title":"الأقرب شبها بالطلاق المجموع الهبة التي يجوز الرجوع فيها","level":1,"page":51},{"title":"الكلام على حديث امرأة رفاعة وحديث فاطمة بنت قيس","level":1,"page":53},{"title":"الباب الأول: في الطلاق المأذون فيه","level":2,"page":59},{"title":"مذاهب العلماء في المسألة","level":3,"page":59},{"title":"حجج المذاهب ومناقشتها","level":3,"page":59},{"title":"الاحتجاج بالقرآن","level":3,"page":59},{"title":"الاحتجاج بالسنة","level":3,"page":80},{"title":"ملحق ما يختص بالمذهب الثاني","level":3,"page":86},{"title":"الباب الثاني: في الوقوع","level":2,"page":93},{"title":"المسألة الأولى: في وقوع الطلاق البدعي","level":3,"page":93},{"title":"ملحق: في قضية عرضت على المؤلف في الطلاق الثلاث","level":3,"page":107}],"ٛ":{"17,583":1,"17,585":2,"17,586":3,"17,587":4,"17,588":5,"17,589":6,"17,590":7,"17,591":8,"17,592":9,"17,593":10,"17,594":11,"17,595":12,"17,596":13,"17,597":14,"17,598":15,"17,599":16,"17,600":17,"17,601":18,"17,602":19,"17,603":20,"17,604":21,"17,605":22,"17,606":23,"17,607":24,"17,608":25,"17,609":26,"17,610":27,"17,611":28,"17,612":29,"17,613":30,"17,614":31,"17,615":32,"17,616":33,"17,617":34,"17,618":35,"17,619":36,"17,620":37,"17,621":38,"17,622":39,"17,623":40,"17,624":41,"17,625":42,"17,626":43,"17,627":44,"17,628":45,"17,629":46,"17,630":47,"17,631":48,"17,632":49,"17,633":50,"17,634":51,"17,635":52,"17,636":53,"17,637":54,"17,638":55,"17,639":56,"17,640":57,"17,641":58,"17,642":59,"17,643":60,"17,644":61,"17,645":62,"17,646":63,"17,647":64,"17,648":65,"17,649":66,"17,650":67,"17,651":68,"17,652":69,"17,653":70,"17,654":71,"17,655":72,"17,656":73,"17,657":74,"17,658":75,"17,659":76,"17,660":77,"17,661":78,"17,662":79,"17,663":80,"17,664":81,"17,665":82,"17,666":83,"17,667":84,"17,668":85,"17,669":86,"17,670":87,"17,671":88,"17,672":89,"17,673":90,"17,674":91,"17,675":92,"17,676":93,"17,677":94,"17,678":95,"17,679":96,"17,680":97,"17,681":98,"17,682":99,"17,683":100,"17,684":101,"17,685":102,"17,686":103,"17,687":104,"17,688":105,"17,689":106,"17,690":107},"ٜ":{"17":[583,690]},"ٝ":["17,583","17,585","17,586","17,587","17,588","17,589","17,590","17,591","17,592","17,593","17,594","17,595","17,596","17,597","17,598","17,599","17,600","17,601","17,602","17,603","17,604","17,605","17,606","17,607","17,608","17,609","17,610","17,611","17,612","17,613","17,614","17,615","17,616","17,617","17,618","17,619","17,620","17,621","17,622","17,623","17,624","17,625","17,626","17,627","17,628","17,629","17,630","17,631","17,632","17,633","17,634","17,635","17,636","17,637","17,638","17,639","17,640","17,641","17,642","17,643","17,644","17,645","17,646","17,647","17,648","17,649","17,650","17,651","17,652","17,653","17,654","17,655","17,656","17,657","17,658","17,659","17,660","17,661","17,662","17,663","17,664","17,665","17,666","17,667","17,668","17,669","17,670","17,671","17,672","17,673","17,674","17,675","17,676","17,677","17,678","17,679","17,680","17,681","17,682","17,683","17,684","17,685","17,686","17,687","17,688","17,689","17,690"],"ٞ":{"2":[1],"8":[2],"13":[3],"20":[4],"23":[5],"35":[6],"38":[7],"40":[8],"46":[9],"51":[10],"53":[11],"59":[12,13,14,15],"80":[16],"86":[17],"93":[18,19],"107":[20]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"الرسالة التاسعة عشرة\nالحكم المشروع في الطلاق المجموع","vol":"17","page":583},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\nالآيات وتفسيرها:\nقال الله تعالى:\n١ - ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٢٨)﴾.\n٢ - ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٢٩)﴾.\n٣ - ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٢٣٠)﴾.\n٤ - ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٣١)﴾.\n٥ - ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٢٣٢)﴾ [البقرة: ٢٢٨ ــ ٢٣٢].","vol":"17","page":585},{"text":"٦ - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٤٩)﴾ [الأحزاب: ٤٩].\n٧ - ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا (١)﴾.\n٨ - ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (٣)﴾ [الطلاق: ١ ــ ٣] (^١).\n[ص ٣] صح عن عروة بن الزبير قال: قال رجل لامرأته على عهد النبي - ﵌ -: لا آوِيكِ ولا أدعُكِ تَحِلِّين. فقالت له: كيف تصنع؟ قال: أطلِّقك، فإذا دنا مُضِيُّ عدتِك راجعتُك، فمتى تحلِّين؟ ! فأتت النبي - ﵌ -، فأنزل الله ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾، فاستقبله الناس جديدًا، من كان طلَّق، ومن لم يكن طلَّق\" (تفسير ابن جرير ج ٢/ ص ٢٥٨) (^٢).\n_________\n(^١) بعدها الصفحة الثانية فارغة في الأصل.\n(^٢) (٤/ ١٢٦) ط. التركي. وفيها: \"لا أُؤْوِيك\" بدل \"لا آوِيك\".","vol":"17","page":586},{"text":"هذا مرسلٌ صحيحٌ (^١)، وقد رفعه بعضهم، قال: \"عن عروة عن عائشة\" (^٢). وله عواضد، وسيأتي بسط ذلك في البحث مع الإمام الشافعي رحمه الله تعالى.\nومفاده: أن الطلاق في أول الإسلام لم يكن له حد، فكان للرجل إذا طلَّق أن يراجع قبل مضي العدة، ثم إذا طلَّق فله أن يراجع، ثم إذا طلَّق فله أن يراجع، وهكذا أبدًا، فا تخذ بعض الناس ذلك طريقًا للإضرار بالنساء، فأنزل الله ﷾ ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ (الآيتين: ٢ - ٣ من آيات البقرة).\nفقوله تعالى في الآية الأولى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ﴾ الآية، يحتمل في نزولها ثلاثة أوجه:\nالأول: أن يكون نزولها متقدمًا على نزول ما بعدها بمدة.\nالثاني: أن تكون نزلت مع ما بعدها معًا.\nالثالث: أن يكون نزولها متأخرًا عما بعدها في النظم.\nوالأول أقرب؛ لأن التقدم في النظم يُشعِر بالتقدم بالنزول، وإن لم يكن ذلك حتمًا، ولأن ظاهرها عموم استحقاق الرجعة في كل طلاق، وهذا مطابقٌ للحكم المنسوخ بما بعدها، ولمرسل عروة وعواضده، فإن ظاهره أن قوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ أول ما نزل بعد شكوى المرأة، وذلك يقتضي\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي عقب حديث (١١٩٢) وابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٥/ ٢٦٠).\n(^٢) أخرجه الترمذي (١١٩٢) والحاكم في \"المستدرك\" (٢/ ٢٧٩) والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٧/ ٣٣٣).","vol":"17","page":587},{"text":"أن الآيتين نزلتا منفصلتين عن الآية التي قبلها، وقد ثبت تقدمُها بالدليلين الأولين.\nوعلى هذا فكلمة (المطلقات) على عمومها، ولا ينافيه قوله في أثناء الآية: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾؛ لأن الآية نزلت قبل تحديد الطلاق كما سمعت، ويكون قوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ ...﴾ (الآيتين) ناسخًا لبعض ما دخل في الآية الأولى، وهو استحقاق الرجعة بعد الطلاق الثالث.\nوأما على الوجهين الآخرين، فيحتمل في قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ﴾ أن يكون (^١) من العام المراد به الخصوص، أو من العام المخصوص، أو (^٢) أن يكون باقيًا على عمومه، ولكن الضمير في قوله: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ أخصُّ من مرجعه، كأنه قال: \"وبعولة بعضهن\"، والمراد ببعضهن: المطلقات مرةً أو مرتين فقط.\nوهذا الأخير ــ وإن ذكروه ــ بعيدٌ جدًّا؛ لمخالفته سنة الكلام من مطابقة الضمير لمرجعه، وتوجيهُه بإضمار \"بعضهن\" تعسفٌ، وهو شبيه بالاستخدام، وقد تكلمت على الاستخدام في مقالتي في بيان مَنِ المراد بقوله تعالى: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ﴾ (^٣).\nوالحق في توجيه هذا أن الضمير عامٌّ كمرجعه، ولكن قد يرد التخصيص على العام باعتبار الحكم الواقع مع الضمير دون الحكم الأول،\n_________\n(^١) في الأصل: \"تكون\".\n(^٢) في الأول: \"و\".\n(^٣) انظر كلام المؤلف على المراد بهم في (ص ٣١٦ - ٣١٨).","vol":"17","page":588},{"text":"فيكون الظاهر عامًّا باقيًا على عمومه، والضمير عامًّا مخصوصًا.\nوعلى هذا، فالضمير مطابقٌ لمرجعه على ما هو سنة الكلام.\nوإذ قد ترجح الاحتمال الأول، فلا حاجة لبسط الكلام في الاحتمال الثاني.\nوأما الآية الرابعة؛ وهي قوله تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٣١)﴾.\nففيها احتمالان:\n١ - أن تكون متقدمة النزول على الآيتين اللتين قبلها.\nوعليه؛ فهي على ظاهرها من أن الطلاق تحل الرجعة بعده مطلقًا، أي: سواء في المرة الأولى، أو الثانية، أو الثالثة، وهكذا.\n٢ - وتحتمل أن تكون متأخرة عنهما.\nوعليه؛ فقوله: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ من العام المراد به الخصوص، أو العام المخصوص، أو على عمومه، ولكنَّ الضمير في قوله: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ﴾ أخص من مرجعه، ولكن هذا الثالث بعيدٌ، أو باطلٌ ههنا، فإن الآية إنما سيقت لأجل هذا الحكم خاصة، أعني قوله: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ﴾ الآية.","vol":"17","page":589},{"text":"وأما آيات سورة الطلاق؛ فيتعين فيها النزول معًا على نظمها؛ لأنها كلامٌ واحدٌ مرتبطٌ أوثقَ الارتباط.\nويبقى النظر بينها وبين قوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ (الآيتين)، فإن كانت آيات سورة الطلاق نزلت قبل آيتي ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ فلا إشكال في هذا.\nوإن كانت نزلت بعدُ، فتحتاج إلى تأويل، فيقال: إن قوله تعالى: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ إما عامٌّ مرادٌ به الخصوص، وإما عامٌ مخصوص، وإما على عمومه، وإن كان التعليل بقوله تعالى: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ يختص بمن طلقت مرةً أو مرتين فقط.\nوهكذا الضمير في قوله: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾.\nوالاحتمال الأول أولى؛ لتسلَم الآياتُ من مخالفة الظاهر.\nولا ينافي ما تقدم في الآية الرابعة من آيات البقرة، وما قلناه ههنا قولهم: \"إن التخصيص أولى من النسخ\"، فإن محله حيث لم يتحقق النسخ، وها هنا قد تحقق النسخ في الجملة كما تقدم.\nفأما على قول الحنفية ومن وافقهم: أن العام المتأخر ينسخ الخاص المتقدم، فيتعين القول بتأخر نزول آيات سورة الطلاق، وإلا لزم أن يكون ناسخًا لقوله: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ الآيتين.","vol":"17","page":590},{"text":"وكذلك لا ينافيه ما جاء أن سورة البقرة نزلت قبل سورة الطلاق بمدة؛ لأن المراد فيه معظم سورة البقرة، فقد صح عن ابن عباس: \"أن آخر ما نزل من القرآن آية الربا\" يعني التي في سورة البقرة. رواه البخاري وغيره (^١)، وروي مثله عن عمر (^٢)، ولذلك نظائر في القرآن. انظرها في \"الإتقان\" (^٣).\n[ص ٤] فصل\nقوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ \"ال\" للعهد، أي: الطلاق الذي تعهدونه من حيث إن من شأنه أن الرجل إذا أوقعه كان له أن يراجع.\nوهذه الحيثية كانت سبب نزول الآية، كما تقدم في مرسل عروة، والذي من شأنه ما قاله ذلك الرجل، والذي تقدم ذكره في الآية السابقة، وهي قوله: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ﴾ إلى قوله: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾.\nولا ينافي هذا ما اخترناه من تقدم نزول آية ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ﴾ بمدة؛ لأنها في علم الله تعالى متصلة بها، وجعلت في النظم متصلة بها.\nوالعهد هنا أولى من الجنس لأمرين:\nالأول: لما تقرر في الأصول: أنه إذا تحقق عهدٌ تعين المصير إليه.\nالثاني: قوله: ﴿مَرَّتَانِ﴾ مع أن جنس الطلاق ــ مع صرف النظر عن المراجعة ــ ثلاث بمقتضى هاتين الآيتين.\n_________\n(^١) البخاري (٤٥٤٤). وأخرجه أيضًا أبو عبيد في \"فضائل القرآن\" (ص ٢٢٣ ــ ٢٢٤) والطبري في \"تفسيره\" (٥/ ٦٧)، والبيهقي في \"دلائل النبوة\" (٧/ ١٣٨).\n(^٢) أخرجه البيهقي في \"الدلائل\" (٧/ ١٣٨).\n(^٣) (١/ ١٨٠).","vol":"17","page":591},{"text":"وقال ابن جرير (^١): \"اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: هو دلالة على عدد الطلاق الذي يكون للرجل فيه الرجعة على زوجته\". ثم ذكر مرسل عروة (^٢)، ومرسلًا في معناه عن قتادة (^٣)، وآخر عن ابن زيد (^٤)، ثم ذكر عن السدي (^٥) قال: \"هو الميقات الذي يكون عليها فيه الرجعة\". ثم ذكر أثرًا عن عكرمة (^٦).\nثم قال (^٧): \"وقال آخرون: إنما أُنزِلت هذه الآية على نبي الله - ﵌ - تعريفًا من الله تعالى ذكرُه عبادَه سنةَ طلاقهم\" (تفسير ابن جرير ٢/ ص ٢٥٨ - ٢٥٩).\nوقد ذكر في موضعٍ آخر عن قتادة، ولفظه (^٨): عن قتادة قال: \"جعل الله الطلاق ثلاثًا، فإذا طلَّقها واحدةً فهو أحقُّ بها ما لم تنقضِ عدتُها، وعدتها ثلاث حيض، فإن انقضت العدة قبل أن يكون راجعها، فقد بانت منه بواحدةٍ، وصارت أحقَّ بنفسها، وصار خاطبًا [من الخُطَّاب] (^٩)، فكان الرجل إذا أراد طلاق أهله نظر حَيْضَتها، حتى إذا طهرت طلَّقها تطليقة في\n_________\n(^١) \"تفسيره\" (٤/ ١٢٥) ط. التركي.\n(^٢) سبق تخريجه.\n(^٣) \"تفسير الطبري\" (٤/ ١٢٦).\n(^٤) المصدر نفسه (٤/ ١٢٦).\n(^٥) المصدر نفسه (٤/ ١٢٧). وأخرجه أيضًا البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٧/ ٣٦٧).\n(^٦) المصدر نفسه (٤/ ١٢٧). وأخرجه أيضًا ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٥/ ٢٦١).\n(^٧) المصدر نفسه (٤/ ١٢٧).\n(^٨) المصدر نفسه (٤/ ١٦٦).\n(^٩) ما بين المعكوفتين مخروم من الأصل.","vol":"17","page":592},{"text":"قُبل عدتها، عند شاهدَيْ عدلٍ، فإن بدا [له مراجعتها] راجعها ما كانت في عدتها، وإن تركها حتى تنقضي عدتها فقد بانت منه بواحدةٍ، وإن بدا له طلاقها بعد الواحدة وهي في عدتها نظر حيضتها، حتى إذا طهرت طلَّقها تطليقةً أخرى في قُبل عدتها، فإن بدا له مراجعتها راجعها، فكانت عنده [على] واحدة، وإن بدا له طلاقها طلَّقها الثالثةَ عند طهرها، فهذه الثالثة التي قال الله تعالى ذكره: ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ \" (تفسير ابن جرير ج ٢/ ص ٢٧٠) (^١).\n[ص ٩ مكرر] ودل على هذا قوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ ولم يقل: ثلاث، ولا وجه لذلك إلا أنه أراد الذي تكون معه الرجعة، وهو الذي عهده الناس من قبل نزول الآية، والذي تقدم ذكره.\nقال تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾.\nقال ابن جرير (^٢): \"فقال بعضهم: هو دلالة على عدد الطلاق الذي يكون للرجل فيه الرجعةُ على زوجته\".\nثم استدل على ذلك بمرسل عروة وما شاكله، ثم حكى أقوالًا مضطربة، ثم روى عن الضحاك قال (^٣): \"يعني تطليقتين بينهما مراجعة، فأمر أن يمسك، أو يطلق بإحسان\".\n_________\n(^١) كتب الشيخ بعدها: \"ملحق\". ويقصد به الآتي.\n(^٢) \"تفسيره\" (٤/ ١٢٥).\n(^٣) المصدر نفسه (٤/ ١٣٢).","vol":"17","page":593},{"text":"واعترضه ابن جرير من جهة غير ما نحن بصدده.\nثم قال ابن جرير (^١): \"فبيِّنٌ أن تأويل الآية: الطلاق الذي لأزواج النساء على نسائهم فيه الرجعة مرتان، ثم الأمر بعد ذلك إذا راجعوهن في الثانية إما إمساكٌ بمعروف، وإما تسريحٌ منهم لهن بإحسان بالتطليقة الثالثة\".\nثم قال (^٢) في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾: \"فقال بعضهم: دل على أنه إن طلَّق الرجل امرأته التطليقة الثالثة بعد التطليقتين اللتين قال الله تعالى ذكره فيهما: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ فإن امرأته تلك لا تحلُّ له بعد التطليقة الثالثة حتى تنكح زوجًا غيره\".\nثم أخرج (^٣) عن قتادة قال: \"جعل الله الطلاق ثلاثًا، فإذا طلَّقها واحدةً فهو أحقُّ بها ما لم تنقضِ العدة، وعدتها ثلاثُ حِيَض، فإن انقضت العدة قبل أن يكون راجعها، فقد بانت منه بواحدةٍ، وصارت أحقَّ بنفسها، وصار خاطبًا من الخطاب، فكان الرجل إذا أراد طلاق أهله نظر حيضتها، حتى إذا طهرت طلَّقها تطليقةً في قُبُل عدتها، عند شاهدي عدلٍ، فإن بدا له مراجعتها راجعها ما كانت في عدتها، ... وإن بدا له طلاقها طلَّقها الثالثة عند طهرها، فهذه الثالثة التي قال الله تعالى ذكره: ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ \".\n_________\n(^١) المصدر نفسه (٤/ ١٣٢).\n(^٢) المصدر نفسه (٤/ ١٦٥).\n(^٣) المصدر نفسه (٤/ ١٦٦).","vol":"17","page":594},{"text":"ثم روى (^١) بسند ضعيف عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس يقول: \"إن طلَّقها ثلاثًا فلا تحِلُّ حتى تنكح زوجًا غيره\".\nوأخرج عن الضحاك قال (^٢): \"إذا طلَّق واحدة أو اثنتين فله الرجعة ما لم تنقضِ العدة، قال: والثالثة قوله: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ ... \".\nوعن السدي (^٣): \"فإن طلَّقها بعد التطليقتين\".\nثم حكى عن مجاهد (^٤) ما حاصله أن الطلقة الثالثة قد تقدمت في قوله: ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾، وقوله: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ تفسيرٌ لذلك، كأنه قال: فإن وقع التسريح بالإحسان.\nوقد قدَّم في تفسير التسريح حديث أبي رزين (^٥) قال: قال رجل: يا رسول الله! يقول الله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾ فأين الثالثة؟ قال: \"التسريح بإحسان\".\nوروى عن مجاهد وقتادة نحوه (^٦).\nوحكى عن السدي والضحاك أنهما قالا (^٧): \"الإمساك: المراجعة،\n_________\n(^١) المصدر نفسه (٤/ ١٦٦).\n(^٢) المصدر نفسه (٤/ ١٦٧).\n(^٣) المصدر نفسه (٤/ ١٦٧).\n(^٤) المصدر نفسه (٤/ ١٦٧).\n(^٥) المصدر نفسه (٤/ ١٣٠).\n(^٦) المصدر نفسه (٤/ ١٣١).\n(^٧) المصدر نفسه (٤/ ١٣١، ١٣٢).","vol":"17","page":595},{"text":"والتسريح: أن يدعها حتى تمضي عدتها\".\nوعلى كل حال فهم متفقون أن قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ أراد به الثالثة، سواء من قال: إنه لم يتقدم لها ذكر، ومن قال: بل قد تقدم.\nوهكذا ما روي عن ابن عباس ــ وإن لم يصح ــ من قوله: \"إن طلَّقها ثلاثًا\"، فإنه إنما أراد الثلاث التي تقدمت، وهي المرتان اللتان (^١) راجع بعد كل منهما، والتسريح.\nهكذا يجب أن يُفهم، فإنه إن فُهِم على معنى: إن طلَّقها ثلاثًا دفعة واحدة، كان على خلاف سياق القرآن، وخلاف ما عليه سائر المفسرين.\n[منتصف ص ٤] وقوله تعالى: ﴿مَرَّتَانِ﴾ لماذا عُدِل به عن \"طلقتان\"؟\nعنه ثلاثة أجوبة:\nالأول: أن يقال: إنما عُدِل عنه؛ لأن تكرار الحروف يوجب ثقلًا في اللفظ.\nوليس هذا الجواب بشيءٍ؛ لأن التكرار هنا لا يوجب ثقلًا يعتدُّ به. وقد وقع في القرآن كثيرًا ما هو مثله، أو أدخلُ منه في شبهة الثقل، مثل ﴿مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً﴾، ﴿وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا﴾، ﴿عَاهَدُوا عَهْدًا﴾، ﴿أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا﴾، وأبلغ من ذلك قوله تعالى: ﴿وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ﴾، اجتمعت فيها سبع ميمات.\n_________\n(^١) في الأصل: \"اللتين\".","vol":"17","page":596},{"text":"الثاني: ما قاله الجصاص في \"أحكام القرآن\" وغيره: أنه عُدِل عن \"طلقتان\" للدلالة على وجوب تفريق الطلاق، إما بأن يطلق واحدةً يقتصر عليها، ولا يطلق أخرى إلا إذا راجع بعد الأولى، وإما بأن يطلق عند كل طهر واحدةً، قولان لأهل العلم.\nقالوا: فقوله: ﴿مَرَّتَانِ﴾ دلالة على ذلك.\nقال الجصاص: \"وذلك يقتضي التفريق لا محالة؛ لأنه لو طلَّق اثنتين معًا لما جاز أن يقال: طلَّقها مرتين، وكذلك لو دفع رجل إلى آخر درهمين لم يجز أن يقال: أعطاه مرتين حتى يفرق الدفع\" (أحكام القرآن ج ١/ ص ٣٧٨).\nبل في الطلاق نفسه لو قال قائلٌ: إن فلانًا طلَّق زوجته اليوم مرتين، لفُهِم منه التفريق، ولم يفهم منه أنه قال: أنت طالق طلقتين، أو أنت طالق أنت طالق.\nومع ذلك ففي هذا الجواب نظرٌ؛ لأنه كان الظاهر أن يقال: \"ثلاث مرات\"، فلماذا قال: ﴿مَرَّتَانِ﴾، ثم ذكر الطلقة الثالثة بعدُ؟\nولأن التفريق يصدق بما لو طلَّقها طلقةً، ثم بعد ساعة طلَّقها أخرى بدون تخلل رجعة، فلو أريد تفريق مخصوص، لكان الظاهر أن يقام عليه دليلٌ.\nنعم، من قال: إن السنة أن يطلق طلقة واحدة، ثم يدعها حتى تنقضي عدتها، فإن راجعها في العدة ثم بدا له أن يطلق، فليطلق مرة أخرى، فله أن يجيب بأن المراد بـ ﴿مَرَّتَانِ﴾ طلاقان يعقب كلًا منهما رجعة، وهذا لا يكون ثلاثًا، وبأن في الآية دليلًا على هذا التفريق بخصوصه، وهو قوله: ﴿فَإِمْسَاكٌ","vol":"17","page":597},{"text":"بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ بناءً على تفسير الإمساك بالرجعة، والتسريح بعدمها.\nوفيه: أن ذلك إنما يتم لو كان المعنى: فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان بعد كل مرة، وهذا محتمل فيما حكاه ابن جرير عن الضحاك (^١) [ص ٥] قال: \"يعني: تطليقتين بينهما مراجعة، فأمر أن يُمسِك أو يُسرِّح بإحسان، قال: فإن هو طلَّقها ثالثة فلا تحل له حتى تنكح زوجًا غيره\".\nوقد فسره ابن جرير بقوله: \"وكأن قائلي هذا القول الذي ذكرناه عن السدي والضحاك ذهبوا إلى أن معنى الكلام: الطلاق مرتان، فإمساكٌ [في] كل واحدة منهما لهن بمعروف أو تسريح لهن بإحسان\" (تفسير ابن جرير ج ٢/ ص ٢٦٠) (^٢).\nأقول: ولفظ السدي (^٣): \"إذا طلَّق واحدةً أو اثنتين إما أن يمسك ــ ويُمسك: يراجع بمعروف ــ، وإما سكت عنها حتى تنقضي عدتها، فتكون أحقَّ بنفسها\".\nوقوله: \"واحدة أو اثنتين\" أراد به على ما فهمه ابن جرير: الأولى أو الثانية، ولم يرد اثنتين لم تتخللهما رجعة.\nولكن ابن جرير رد هذا القول بحديث رواه، كما سيأتي.\n_________\n(^١) (٤/ ١٣٢).\n(^٢) (٤/ ١٣٢).\n(^٣) المصدر نفسه (٤/ ١٣٢).","vol":"17","page":598},{"text":"وأقول: إن فيه بعدًا من جهة أن الظاهر في قوله: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ أنه بعد المرتين كما تقتضيه الفاء.\nالجواب الثالث: أنه إنما لم يقل: \"طلقتان\" إشعارًا بأنه لو قال: طلقتك وطلقتك وطلقتك، أو قال: طلقتك ثلاثًا، أو ألفًا، أو عدد ذرات العالم، كان هذا كله مرةً واحدةً، كما تقول: ضرب فلانٌ عبده اليوم مرتين، فيصدق بما لو ضربه كل مرة من المرتين ضربةً، أو ضربتين، أو ضربات.\nويحتج لهذا القول بأن الآية نزلت لإبطال ما سبق من تكرر الطلاق مع تكرر الرجعة مرارًا لا حدَّ لها، [إذ] كان لأحدهم أن يقول: أنت طالق ألفًا ثم يراجعها، ثم يقول: أنت طالق ألفًا ثم يراجعها، ثم يقول: أنت طالق ألفًا ثم يراجعها، وهكذا مرارًا لا حدَّ لها.\nفقيل لهم: إن الطلاق الذي تعقبه الرجعة مرتان، لا مِرارٌ لا حدَّ لها، فالمرة الواحدة هي طلاق تعقبه رجعة، مع صرف النظر عن ذلك الطلاق أطلقةً كان أم ألفًا (^١).\nوهذا جوابٌ جيد، لكنه لا يأتي إلا على قول الظاهرية والزيدية وعامة الشيعة ومن وافقهم: إن الطلاق الثلاث الذي يحرمها حتى تنكح زوجًا غيره، إنما هو طلاق يتبعه رجعة، ثم طلاق يتبعه رجعة، ثم طلاق. فأما أن يقول: طلقتك ألفًا، أو يكرر لفظ الطلاق في كلامٍ واحدٍ، أو يطلق مرارًا كثيرةً لم تتخللها رجعة، فهذا كله مرةٌ واحدةٌ.\n_________\n(^١) كتب المؤلف هنا: \"ملحق\". ويقصد به الكلام الآتي.","vol":"17","page":599},{"text":"ويحتجون بالآية، والإنصاف أن ظاهرها معهم، فإنها أثبتت أن للرجل أن يطلق ثم يراجع، ثم يطلق ثم يراجع، ولم تحدّد الطلاق الواقع كل مرة.\nويحتجون بالآية الرابعة من آيات البقرة، فإنه تعالى قال: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ﴾ والإمساك هنا الرجعة اتفاقًا، قالوا: فأثبت لهم الرجعة بعد الطلاق، ولم يحدد الطلاق بحدّ، فهو صادق بأن يقول: طلقتك، وأن يقول: طلقتك وطلقتك وطلقتك، أو طلقتك ألفًا، أو عدد ذرات العالم، ولا حدَّدتْه بأنه أول طلاق، ولا أنه طلاق قد تقدمه طلاق ورجعة.\nفإن قيل: إنك قد قدمت استظهار أن هذه الآية متقدمة على قوله: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾!\nقلت: نعم، ولكن لهم أن يقولوا: إن آيتي ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ أقرت الآية الرابعة على هذا المعنى، ووافقتها عليه ــ كما تقدم ــ وإنما خالفتها في المرة الثالثة.\n[ص ٥ مكرر] ويحتجون أيضًا بآيات سورة الطلاق، والكلام فيها كالكلام في الآية الرابعة من آيات البقرة سواء.\nواحتج مخالفوهم بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾.\nأخرج أبو داود بسندٍ صحيحٍ كما في الفتح (^١) عن مجاهد قال: \"كنت\n_________\n(^١) (٩/ ٣٦٢). والأثر عند أبي داود (٢١٩٧).","vol":"17","page":600},{"text":"عند ابن عباس فجاءه رجل، فقال: إنه طلَّق امرأته ثلاثًا، فسكت حتى ظننت أنه سيردُّها إليه، فقال: ينطلق أحدكم فيركب الأُحموقةَ، ثم يقول: يا ابن عباس! يا ابن عباس! إن الله قال: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾، وإنك لم تتق الله، فلا أجد لك مخرجًا، عصيتَ ربك، وبانتْ منك امرأتك\".\nويجاب عن هذا بأن هذه الجملة وردت بعد أوامر ونواهي ليس فيها النهي عن جمع الطلاق، على أن من جملة الأوامر الطلاق للعدة، ومعلوم أن من طلَّق واحدة لغير العدة لا تبين منه امرأته إجماعًا.\nفهذا يدل أن المخرج في الآية ليس في خصوص عدم البينونة، فمن لم يتق الله فطلق لغير العدة، ضيَّقَ الله تعالى عليه بوجوب الرجعة، ومن لم يتق الله فقال: هي طالقٌ ثلاثًا، أو ألفًا، يُضيِّق الله عليه بأن لا تقع إلا واحدة، فإن وافق ذلك هواه ضيَّق الله عليه من جهة أخرى، كأن يوقع الخلاف بينه وبين امرأته، فيضطر إلى مفارقتها، أو يعيش معها في نَكَدٍ، أو غير ذلك.\nعلى أننا قد قدمنا أن الظاهر أن هذه الآيات نزلت قبل النسخ، وعليه فهذه الآية تشير إلى ما تقدم قبلها في الآية ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾.\nفكأنه قال: إن اتقيتم الله تعالى فلم تراجعوا المطلقات إلا بمعروف، جعل الله لكم مخرجًا بأن يستمر الحكم بعدم تحديد الطلاق، وإن لم تتقوا بل أخذتم تراجعون ضرارًا، فسيضيِّق الله تعالى عليكم.","vol":"17","page":601},{"text":"وقد وقع هذا الوعيد، فإنهم لما أخذوا يراجعون ضرارًا، كما في مرسل عروة، ضيَّق الله عليهم بتحديد الطلاق، والله أعلم.\nهذا ما يتعلق بهذه المسألة من كتاب الله ﷿، فلننظر الآن ما يتعلق بها من السُّنَّة.","vol":"17","page":602},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4>الأحاديث التي احتج بها من يرى أن من قال: طلقتك ثلاثًا، أو ألفًا، أو كعدد ذرَّات العالم، أو نحو ذلك، فهي مرة واحدة، تكون له بعدها الرجعة</span>\n[ص ٦] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\nفي \"صحيح مسلم\" (^١) بسندٍ على شرطهما عن معمر عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس قال: \"كان الطلاق على عهد رسول الله - ﵌ - وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة، فقال عمر بن الخطاب: إن الناس قد استعجلوا في أمرٍ قد كانت لهم فيه أناةٌ، فلو أمضيناه عليهم. فأمضاه\".\nوبسندٍ آخر (^٢) على شرطهما عن ابن جريج أخبرني ابن طاوس عن أبيه أن أبا الصهباء قال لابن عباس: \"أتعلم أنما كانت الثلاث تُجعَل واحدةً على عهد النبي - ﵌ - وأبي بكر وثلاثًا من إمارة عمر؟ فقال ابن عباس: نعم\".\nوبسندٍ آخر (^٣) على شرطهما عن إبراهيم بن مَيْسَرة أن أبا الصهباء قال لابن عباس: \"هاتِ من هَنَاتِك! ألم يكن الطلاقُ الثلاثُ على عهد رسول الله - ﵌ - وأبي بكر واحدةً؟ فقال: قد كان ذلك، فلما كان في عهد عمر تَتايَعَ الناسُ في الطلاق، فأجازه عليهم\".\nورجال هذه الأسانيد أئمة أثبات.\n_________\n(^١) رقم (١٤٧٢).\n(^٢) تابع للرقم السابق.\n(^٣) تابع للرقم المذكور.","vol":"17","page":603},{"text":"وفي \"المستدرك\" (^١) من طريق ابن أبي مليكة أن أبا الجوزاء أتى ابن عباس فقال: \"أتعلم أن ثلاثًا كن يُرْدَدْنَ على عهد رسول الله إلى واحدة؟ قال: نعم\".\nوفي \"مسند أحمد\" (^٢): ثنا سعد بن إبراهيم، ثنا أبي، عن محمد بن إسحاق، قال: حدثني داود بن الحصين، عن عكرمة مولى ابن عباس، عن ابن عباس، قال: طلَّق رُكانةُ بن عبد يزيد أخو بني المطَّلب امرأتَه ثلاثًا في مجلس واحد، فحزِن عليها حزنًا شديدًا. قال: فسأله رسول الله - ﵌ -: كيف طلقتَها؟ قال: طلقتُها ثلاثًا. قال: فقال: في مجلسٍ واحدٍ؟ قال: نعم. قال: فإنما تلك واحدةٌ، فارجِعْها إن شئت. قال: فراجعَها، فكان ابن عباس يرى أنما الطلاق عند كل طهر.\nوقد احتج الإمام أحمد بحديث آخر بسند هذا سواء (^٣).\nوفي \"سنن أبي داود\" (^٤) من طريق ابن جريج أخبرني بعض بني أبي رافع مولى النبي - ﵌ - عن عكرمة مولى ابن عباس عن ابن عباس قال: طلق عبد يزيد أبو ركانة ... فقال (النبي - ﵌ -): راجعْ أمَّ ركانة وإخوتِه. فقال: إني طلقتها ثلاثًا يا رسول الله! قال: قد علمتُ، راجعْها، وتلا: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾.\n_________\n(^١) (٢/ ١٩٦). وقال: هذا حديث صحيح الإسناد، وتعقبه الذهبي فقال: ابن المؤمل ضعفوه.\n(^٢) (١/ ٢٦٥).\n(^٣) هو حديث إرجاع النبي   - ﷺ -   ابنته زينب على زوجها بالنكاح الأول. أخرجه أحمد في \"المسند\" (٢٣٦٦) من طريق ابن إسحاق بهذا الإسناد.\n(^٤) رقم (٢١٩٦).","vol":"17","page":604},{"text":"وعورض هذا بحديث ضعيف (^١)، ضعفه الإمام أحمد وغيره في \"أن ركانة طلَّق البتة\".\nوفي \"صحيح مسلم\" (^٢) من طريق محمد بن سرين قال: \"مكثتُ عشرين سنة يحدثني من لا أتهم: أن ابن عمر طلَّق امرأته ثلاثًا وهي حائض، فأمر أن يراجعها، فكنت لا أتهمهم ولا أعرِفُ وجهَ الحديث، حتى لقيت أبا غلاب يونس بن جبير، وكان ذا ثبت، فحدثني أنه سأل ابن عمر، فحدثه أنه طلَّق امرأته تطليقةً وهي حائض\".\nأقول: [ليس] بين ما أخبره الجماعة الذين لا يتهمهم، وما أخبره أبو غلاب عن ابن عمر [تعارض]، بل يُجمع بينهما بأنه طلَّق ثلاثًا في اللفظ، وواحدة في الحكم.\nوعلى هذا يُحمل ما جاء في عدة روايات من أنه طلَّق تطليقةً واحدةً، وكأن ابن عمر أو من بعده كان يعبر بهذا؛ لأنه يرى أن الحكم قد تغير بسبب استعجال الناس، كما مر في حديث ابن عباس، فصار الإنسان إذا طلَّق ثلاثًا حسبت عليه ثلاثًا، ولا يصرح بقوله ثلاثًا؛ لئلا يخطئ الناس بظن أن هذه الصورة مستثناة مما أمضاه عمر.\nوعلى هذا أيضًا يُحمل ما في \"صحيح مسلم\" (^٣): \"وكان عبد الله إذا سئل عن ذلك قال لأحدهم: أما أنت طلقتَ امرأتك مرةً أو مرتين، فإن\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٢٢٠٦، ٢٢٠٨).\n(^٢) رقم (١٤٧١/ ٧).\n(^٣) رقم (١٤٧١/ ١).","vol":"17","page":605},{"text":"رسول الله - ﵌ - أمرني بهذا، وإن كنتَ طلقتَها ثلاثًا، فقد حرمتْ عليك حتى تنكح زوجًا غيرك، وعصيتَ الله فيما أمرك من طلاق امرأتك\".\nومثله ما يُروى عن عمر: أن رجلًا قال له: إني طلقت امرأتي البتةَ وهي حائض. فقال: عصيتَ ربك، وفارقتَ امرأتك. قال: فإن رسول الله - ﵌ - أمر ابن عمر أن يراجع امرأته؟ قال: إنه أمر ابن عمر أن يراجعها بطلاق بقي له، وأنت لم تُبقِ ما ترتجعُ به امرأتك.\nرواه الدارقطني (^١) من طريق إسماعيل بن إبراهيم الترجماني عن سعيد بن عبد الرحمن الجمحي، والسند بعد ذلك صحيح. والترجماني قالوا: \"لا بأس به\". ووثقه بعض المتأخرين (^٢)، والجمحي مختلف فيه (^٣).\n[ص ٧] وقد أطال أهل العلم الكلامَ في هذه المسألة، فلنقدم كلام الإمام الشافعي رحمه الله تعالى في كتاب \"اختلاف الحديث\" (^٤). قال: \"باب في طلاق الثلاث المجموعة\"، ثم ذكر حديث ابن عباس بمعنى الرواية الثانية عند مسلم، ثم أسند عن ابن عباس: \"أن رجلًا قال له: طلَّقتُ امرأتي ألفًا. فقال: تأخذ ثلاثًا، وتَدَعُ تسعمائة وسبعًا وتسعين\" (^٥).\nوبسند آخر: \"قال رجلٌ لابن عباس: طلقتُ امرأتي مائةً. فقال: تأخذ ثلاثًا، وتَدَعُ سبعًا وتسعين\".\n_________\n(^١) (٤/ ٨).\n(^٢) انظر \"تهذيب التهذيب\" (١/ ٢٧١، ٢٧٢).\n(^٣) انظر المصدر السابق (٤/ ٥٥، ٥٦).\n(^٤) ضمن كتاب \"الأم\" (١٠/ ٢٥٦، ٢٥٧) ط. دار الوفاء.\n(^٥) أخرجه أيضًا عبد الرزاق في \"المصنف\" (٦/ ٣٩٧) والبيهقي (٧/ ٣٣٧).","vol":"17","page":606},{"text":"قال الشافعي: \"فإن كان معنى قول ابن عباس أن الثلاث كانت تُحسَب على عهد رسول الله - ﵌ -، يعني أنه بأمر النبي\".\nأقول: هذا هو المتعين قطعًا؛ لأن هذا الجعل إنما يكون قضاءً أو إفتاءً، ولم يكن يقع القضاء والإفتاء في عهده - ﵌ - إلا منه، أو بأمره، أو بعلمه، إذ لا يجوز أن يكون وقع القضاء والإفتاء في هذا الحكم العظيم من أصحابه - ﵌ - باجتهادهم، ثم لا يبلغه ذلك، مع ما تُشعِر به الآثار من تكرر ذلك واستمراره.\nوعلى فرض أنه كان يقع ذلك ولم يبلغه ــ وهو محالٌ عادةً ــ فكفى بتقرير الله ﷿ حجةً.\nوفي \"الصحيح\" (^١) عن جابر: \"كنا نَعزِل والقرآن ينزل، لو كان شيئًا يُنهَى عنه لنَهَى عنه القرآن\".\nوإذا كنا نحتج بتقرير النبي - ﵌ -، فالاحتجاج بتقرير الله ﷿ أولى، فإن الوصلة كانت حينئذٍ موجودة بينه وبين عباده بوجود الوحي، فإذا لم يبين للناس خطأ ما يفعلونه حينئذٍ، فقد أقرهم عليه، ويوضح هذا قول الله ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ﴾.\nوما تضافرت به الآثار أن النبي - ﵌ - كان يكره المسائل حتى قال: \"إن أعظم المسلمين في المسلمين جرمًا من سأل عن شيءٍ لم يُحرَّم على الناس، فحُرِّم من أجل مسألته\". رواه الشيخان (^٢) من حديث سعد بن أبي وقاص.\n_________\n(^١) البخاري (٥٢٠٨) ومسلم (١٤٤٠). والفقرة الأخيرة عند مسلم فقط.\n(^٢) البخاري (٧٢٨٩) ومسلم (٢٣٥٨).","vol":"17","page":607},{"text":"وإنما المعنى أن الناس كانوا مأمورين أن يعملوا بما ظهر لهم من الشريعة، وبأصل الإباحة وعدم التكليف، متَّكلِين على أن الله ﵎ يعلم بهم وبما فعلوه، فإن أخطأوا غفر لهم خطأهم، وبين لهم على لسان رسوله، كما في \"صحيح البخاري\" (^١) عن سهل بن سعد قال: \"أنزلت ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ ولم ينزل ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾، فكان رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجلَيْه الخيطَ الأبيض والخيط الأسود، فلا يزال يأكل ويشرب حتى يتبين له رؤيتهما، فأنزل الله بعد ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾، فعلموا أنما يعني الليل والنهار\".\nويوضح هذا ما في \"صحيح مسلم\" (^٢) عن أبي هريرة قال: \"خطبنا رسول الله - ﵌ - فقال: أيها الناس! قد فرض الله عليكم الحج فحُجُّوا. فقال رجل: أكلَّ عامٍ يا رسول الله؟ فسكت، حتى قالها ثلاثًا. فقال رسول الله - ﵌ -: \"لو قلت: نعم، لوجبتْ، ولما استطعتم\"، ثم قال: \"ذروني ما تركتكم، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيءٍ فأْتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيءٍ فدعوه\" (صحيح مسلم ج ٤/ ص ١٠٢).\nلما كان الأصل عدم التكليف بالحج، وقوله: \"قد فرض الله عليكم الحج، فحجوا\" يتحقق بمرةٍ واحدةٍ في العمر، كان عليهم أن يفهموا المرة الواحدة، ويقتصروا عليه، عالمين أن الله تعالى إذا أراد كل سنة فسيُبينه لهم\n_________\n(^١) رقم (١٩١٧). وأخرجه أيضًا مسلم (١٠٩١).\n(^٢) رقم (١٣٣٧).","vol":"17","page":608},{"text":"بدون سؤال.\nوهكذا ما كان الأصل فيه الإباحة، كان عليهم أن يستمروا على استباحته، فإذا أراد الله تعالى تحريمه، فسيبينه بدون سؤال.\nواعلم أن سكوت الشرع عن تنبيههم على خطئهم في القضاء والفتوى في الطلاق ــ لو كانوا أخطأوا ــ أبعدُ جدًّا من سكوته عن تنبيههم على الخطأ في فعل العَزْل، وتناوُلِ ما لم يروه حرامًا، والاقتصار على حجة واحدة، فدلالة السكوت على التقرير في الأول وأنهم مصيبون أوضح من الدلالة في الثاني، فتدبَّر هذا.\nمع أن الحكم في قضية ركانة، وقضية ابن عمر من النبي نفسه - ﵌ -.\n[ص ٨] ولضعف أو بطلان احتمال أن ما كان يقع في عهده - ﵌ - مِنْ جعلِ الثلاث واحدةً، كان بغير أمره وبغير تقريره، لم يعتمد الشافعي على هذا الجواب، ولا اعتدَّ به، وإنما أشار إليه إشارةً، وإنما أمعنتُ في بيان سقوطه؛ لأن بعض أهل العلم ممن بعده اعتمد عليه، والله المستعان.\nقال الشافعي (^١): \"فالذي يُشبِه ــ والله أعلم ــ أن يكون ابن عباس قد علم أن كان شيئًا فنُسِخ.\nفإن قيل: فما دلَّ على ما وصفتَ؟\nقيل: لا يُشبِه أن يكون يروي عن رسول الله - ﵌ - شيئًا ثم يخالفه بشيءٍ لم يعلمه كان من النبي - ﵌ - فيه خلافُه.\n_________\n(^١) في \"اختلاف الحديث\" ضمن كتاب \"الأم\" (١٠/ ٢٥٧، ٢٥٨) ط. دار الوفاء.","vol":"17","page":609},{"text":"فإن قيل: فلعل هذا شيءٌ روي عن عمر، فقال فيه ابن عباس بقول عمر.\nقيل: قد علمنا أن ابن عباس يخالف عمر في نكاح المتعة، وبيع الدينار بالدينارين، وفي بيع أمهات الأولاد، وغيره، فكيف يوافقه في شيءٍ، ويروي عن النبي - ﵌ - فيه خلافه؟\nفإن قيل: فلِمَ لم يذكره؟\nقيل: وقد يُسأل الرجل عن الشيء، فيجيب فيه ولا يتقصَّى فيه الجواب، ويأتي على الشيء، ويكون جائزًا له، كما يجوز له لو قيل: أصلَّى الناس على عهد رسول الله - ﵌ - إلى بيت المقدس؟ أن يقول: نعم. وإن لم يقل: ثم حُوِّلتِ القبلة.\nقال: فإن قيل: فقد ذكر [على] عهد أبي بكر، وصدر من خلافة عمر.\nقيل ــ والله أعلم ــ: وجوابه حين استفتي يخالف ذلك، كما وصفتُ\".\nأقول: أطال النووي في \"شرح مسلم\" (^١) في الرد على احتمال النسخ، ورده واضح، فإن قول ابن عباس: \"كان الطلاق على عهد رسول الله - ﵌ - وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر الثلاثُ واحدةً، فقال عمر .. \" صريحٌ في أن الطلاق كله كان على هذا، فإن هذه قضيةٌ عامةٌ، وليس مثلها ما لو قيل: \"أصلَّى الناسُ على عهد رسول الله - ﵌ - إلى بيت المقدس\"؛ لأن هذه قضية خاصة، فالأولى تدل على الاستمرار، بخلاف الثانية.\nوقول ابن عباس في جواب السائل: \"قد كان ذلك، فلما كان في عهد\n_________\n(^١) (١٠/ ٧١، ٧٢).","vol":"17","page":610},{"text":"عمر تتايعَ الناسُ في الطلاق، فأجازه عليهم\" صريحٌ في أنه أراد أن يُبين تغيرَ الحكم، فلو علم نسخًا في عهد النبي - ﵌ - لما عدل عنه، بل كان يقول: قد كان ذلك في عهد النبي - ﵌ - ثم نسخ، أو نحو هذا.\nواحتمالُ أن يكون النسخ وقع في آخر الحياة النبوية، فلم يعمل بموجبه في العهد النبوي، ولم يطلع عليه ابن عباس، يردُّه استمرار الحكم في عهد أبي بكر، وثلاث سنين من إمارة عمر، فيكونون قد أجمعوا على الخطأ.\nواحتمال أن يكونوا اطلعوا في عهد عمر على ناسخٍ، يردُّه أن عمر إنما بنى التغيير على قوله: \"إن الناس قد استعجلوا في أمرٍ كانت لهم فيه أناةٌ\"، ولو كان اطلع على ناسخٍ لما عَدَلَ عنه، بل كان يقول: قد كنا نَقضِي بكذا حتى وقفنا على هذا النص، ويذكره.\nوهكذا ابن عباس، إنما بنى التغيير على قوله: \"فلما كان في عهد عمر تتايعَ الناسُ في الطلاق، فأجازه عليهم\"، فبيَّن أن الإجازة كانت بسبب التتايع، فلو كانت الإجازة للاطلاع على ناسخٍ لما عدلَ عنه.\nوقد سلَّم الشافعيُّ أن الاستمرار في عهد أبي بكر ومدة من إمارة عمر يدفع النسخ، وإنما عارض ذلك بفتوى ابن عباس. وهذه معارضة ضعيفة، بل باطلة على أصل الشافعي الذي يوافقه عليه جمهور أهل العلم: أن العبرة بما رواه الراوي وإن خالفه.\nوقد قرر الشافعي هذه القاعدة في مواضع من \"الأم\"، منها: مسألة التحريم بالرضاع من جهة الفحل (^١)، وغيرها.\n_________\n(^١) (٨/ ٧٦٨، ٧٦٩) من \"اختلاف مالك والشافعي\".","vol":"17","page":611},{"text":"ومن يقول: إن فتوى الراوي بخلاف مرويِّه تَخْدِش في مرويِّه، يستثني من ذلك ما إذا بيَّن الراوي مستندَ فتواه، وتبين لنا ضعف ذلك المستند.\nوقد بيَّن ابن عباس هنا أن مستند التغيير هو أن الناس تتايَعوا في الطلاق، فأجازه عليهم عمر. وإجازة عمر ليست عند ابن عباس حجة، كما ذكر الشافعي، فلم يبق إلا أنه وافقه على أن التتايع يقتضي الإجازة، وسيأتي إيضاحه إن شاء الله تعالى.\n[ص ٩] على أنه قد جاء عن ابن عباس الفتوى بأن الثلاث واحدة.\nقال أبو داود في \"سننه\" (^١): روى حماد بن زيد عن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس: \"إذا قال أنت طالق ثلاثًا، بفمٍ واحدٍ، فهي واحدة\". ورواه إسماعيل بن إبراهيم عن أيوب عن عكرمة هذا قوله، لم يذكر ابن عباس، وجعله قول عكرمة. (سنن أبي داود ١/ ٢٩٨).\nأقول: الظاهر صوابهما معًا، إذ لا مانعَ أن يرويه أيوب تارةً عن عكرمة عن ابن عباس، وتارةً عن عكرمة من قوله، فإن أبيتَ إلا الترجيح فقد اختلف الناس أيهما أرجح: حماد أم إسماعيل ــ وهو ابن عُلَية ــ؟\nفقدَّم عثمان بن أبي شيبة ابنَ عُلَية.\nوقال يحيى بن معين: حماد بن زيد أثبت من عبد الوارث وابن عُلَية والثقفي وابن عيينة.\nوقال أيضًا: ليس أحدٌ أثبتَ في أيوب منه.\nوقال أيضًا: من خالفه من الناس جميعًا، فالقول قوله في أيوب.\n_________\n(^١) بذيل رقم (٢١٩٧).","vol":"17","page":612},{"text":"وقال يعقوب بن شيبة: ابن زيد معروفٌ بأنه يقصر في الأسانيد، ويُوقِف المرفوع، كثير الشك بتوقِّيه .. وكان يُعدُّ من المتثبتين في أيوب.\nوقال ابن أبي خيثمة: سمعت يحيى ــ هو ابن معين ــ يقول: لم يكن أحدٌ يكتب عند أيوب إلا حماد.\nوقال الخليلي: المعتمد في حديثٍ يرويه حماد، ويخالفه غيره عليه، والمرفوع إليه (^١).\nأقول: كأنه يريد بقوله: \"والمرفوع إليه\" أنه إذا رفع حديثًا ووقفه غيره، فالقول قوله؛ لأنه كان كثير التوقي يتوقف عن الرفع لأدنى شك، كما مر عن يعقوب بن شيبة.\nثم قال أبو داود (^٢): \"وصار قول ابن عباس فيما حدثنا ... \". ذكر أثرًا أفتى فيه ابن عباس وغيره في البكر يطلقها زوجها ثلاثًا، فكلهم قال: \"لا تحل له حتى تنكح زوجًا غيره\".\nوعقَّبه بقوله (^٣): حدثنا محمد بن عبد الملك بن مروان نا أبو النعمان نا حماد بن زيد عن أيوب عن غير واحدٍ عن طاوس: أن رجلًا يقال له أبو الصهباء كان كثير السؤال لابن عباس، قال: أما علمتَ أن الرجل كان إذا طلَّق امرأته ثلاثًا قبل أن يدخل بها، جعلوها واحدةً على عهد رسول الله - ﵌ - وأبي بكر وصدرًا من إمارة عمر؟ قال ابن عباس: بلى، كان الرجل إذا طلَّق\n_________\n(^١) انظر أقوال هؤلاء النقاد في \"تهذيب التهذيب\" (٣/ ١٠، ١١).\n(^٢) رقم (٢١٩٨).\n(^٣) رقم (٢١٩٩).","vol":"17","page":613},{"text":"امرأته ثلاثًا قبل أن يدخل بها جعلوها واحدةً على عهد رسول الله - ﵌ - وأبي بكر وصدرًا من إمارة عمر، فلما رأى الناس قد تتايعوا فيها، قال: أجيزوهن (^١) عليهم.\nثم أخرج (^٢) رواية ابن طاوس عن أبيه بلفظ الرواية الثانية عند مسلم.\nفقوله: \"وصار قول ابن عباس\" ظاهرٌ في اعترافه بأن رواية حماد عن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس ثابتة، وأن لابن عباس قولين، كان يقول بأحدهما، ثم صار إلى الآخر، فإن أراد أنه كان يقول بأنها واحدةٌ، كما في رواية حماد، ثم صار إلى وقوع الثلاث، فهي دعوى بلا دليلٍ، وهكذا إن أراد عكسه، فالأولى أنه كان يفتي بهذا تارةً، وبهذا أخرى، يتوخى في كل قضية ما هو الأولى بها، كما سيأتي تحقيقه إن شاء الله تعالى.\nوقد استدل بعضهم لما تقدم عن الشافعي من احتمال أن ابن عباس اطلع على ناسخٍ بما رواه أبو داود (^٣) قال: حدثنا أحمد بن محمد المروزي، حدثني علي بن حسين بن واقد، عن أبيه عن يزيد النحوي عن عكرمة عن ابن عباس: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ الآية، وذلك أن الرجل كان إذا طلَّق امرأته فهو أحقُّ برجعتها وإن طلَّقها ثلاثًا، فنسخ ذلك، فقال: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ الآية. (سنن أبي داود ج ١/ ص ٢٩٦).\n_________\n(^١) كذا في الأصل. وعند أبي داود: \"أُجِيزُهن\".\n(^٢) رقم (٢٢٠٠).\n(^٣) رقم (٢١٩٥).","vol":"17","page":614},{"text":"أقول: علي بن حسين بن واقد، قال أبو حاتم: ضعيف الحديث. وقال النسائي: ليس به بأس (^١).\nوعلى كلتا العبارتين فلا يصلح للحجة، وإنما يصلح على الثانية للمتابعة.\nوأبوه (^٢) وثقه يحيى، وقال أبو زرعة وأبو داود والنسائي وأحمد في رواية: ليس به بأس. وقال ابن حبان في \"الثقات\": كان من خيار الناس، وربما أخطأ في الروايات. وقال أحمد في رواية أخرى: في أحاديثه زيادة، ما أدري أي شيءٍ هي، ونفضَ يده.\n[ص ١٠] أقول (^٣): فالحديث غير صالح للحجة، ومع ذلك فإن كان مراده بقوله: \"وإن طلَّقها ثلاثًا\" يعني مجموعةً، فيؤخذ من ذلك أن هذا منسوخٌ، ومن جملة ما نسخ، فقد دلت الأحاديث الصحيحة الثابتة على بطلان هذا الحديث، بدلالتها على أن ابن عباس لم يكن يعلم ناسخًا، بل صرَّح بأن الحكم بجعل الثلاث واحدةً استمرَّ في عهد النبي - ﵌ - وأبي بكر وثلاثًا من إمارة عمر.\nوفيما تقدم عن سنن أبي داود من فتوى ابن عباس ثم عكرمة بعده بكونها واحدةً، دليلٌ آخر على بطلان هذا الحديث، لأنه مروي من طريق عكرمة عن ابن عباس.\n_________\n(^١) \"تهذيب التهذيب\" (٧/ ٣٠٨).\n(^٢) انظر المصدر السابق (٢/ ٣٧٣، ٣٧٤).\n(^٣) قبلها في الأصل ورقة من مكان آخر.","vol":"17","page":615},{"text":"وإن كان مراده بقوله: \"وإن طلَّقها ثلاثًا\" أي متفرقةً، بأن يطلق ثم يراجع، ثم يطلق ثم يراجع، ثم يطلق، فله شاهدٌ، وهو ما رواه مالك في \"الموطأ\" (^١) عن هشام بن عروة عن أبيه قال: \"كان الرجل إذا طلَّق امرأته، ثم ارتجعَها قبل أن تنقضي عدتها، كان ذلك له، وإن طلَّقها ألفَ مرة، فعَمَدَ رجلٌ إلى امرأته فطلَّقها، حتى إذا شارفَتْ انقضاءَ عدتها راجعها، ثم طلَّقها، ثم قال: لا والله لا أُوْوِيكِ (^٢) إليَّ، ولا تَحِلِّين أبدًا، فأنزل الله ﵎: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ فاستقبل الناس الطلاقَ جديدًا من يومئذٍ، من كان طلَّق منهم أو لم يطلِّق\".\nوذكر أيضًا (^٣) عن ثور بن زيد الدِّيلي: \"أن الرجلَ كان يطلق امرأته، ثم يراجعها، ولا حاجةَ له بها، ولا يريدُ إمساكها، كيما تطول بذلك عليها العدة لِيُضارَّها، فأنزل الله ﵎: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ يَعِظُهم الله بذلك\". (الموطأ هامش المنتقى ج ٥/ص ١٧٥).\nوذكره الشافعي عقبَ ما حكيناه عنه سابقًا، فقال (^٤): \"فإن قيل: فهل من دليلٍ تقوم به الحجة في ترك أن تُحسَب الثلاث واحدةً في كتاب أو سنة، أو أمرٍ أبين مما ذكرت؟\nقيل: نعم، أخبرنا مالك ... \".\n_________\n(^١) (٢/ ٥٨٨).\n(^٢) في \"الموطأ\": \"لا آويك\".\n(^٣) \"الموطأ\" (٢/ ٥٨٨).\n(^٤) \"الأم\" (١٠/ ٢٥٨).","vol":"17","page":616},{"text":"فذكره ثم قال: \"وذكر بعض أهل التفسير هذا، فلعل ابن عباس أجاب على أن الثلاث والواحدة سواء\".\nأقول: روى ابن جرير (^١) مرسل عروة بنحوه عن ابن حميد عن جرير عن هشام به، وعن أبي كريب عن ابن إدريس عن هشام به، وزاد بعد قوله: \"ولا تحلين لي\": قالت له: كيف؟ قال: أطلقك حتى إذا دنا أجلك راجعتك، ثم أطلقك فإذا دنا أجلك راجعتك، قال: فشكت ذلك إلى النبي - ﵌ -، فأنزل الله ... \" (تفسير ابن جرير ٢/ ٢٥٨).\nوأخرج (^٢) عن قتادة وابن زيد نحو هذا المعنى، وأشار إليه الشافعي بقوله: \"وذكر بعض أهل التفسير هذا\".\nوقد أغرب يعلى بن شَبِيب، فروى (^٣) حديث عروة عن هشام عن أبيه عن عائشة. (جامع الترمذي ج ١/ص ٢٢٤، المستدرك ج ٢/ص ٢٨٠).\nويعلى (^٤) مجهول الحال، وإن ذكره ابن حبان في \"الثقات\" (^٥)، فإن مذهب ابن حبان أن يذكر في \"ثقاته\" المجهول الذي روى عن ثقة، وروى عنه ثقة، ولم يكن حديثه منكرًا، كما نص على ذلك في \"الثقات\" (^٦)،\n_________\n(^١) \"تفسيره\" (٤/ ١٢٥، ١٢٦).\n(^٢) المصدر نفسه (٤/ ١٢٦).\n(^٣) أخرجه من طريقه الترمذي (١١٩٢) والحاكم (٢/ ٢٧٩، ٢٨٠) كما ذكره المؤلف.\n(^٤) انظر \"تهذيب التهذيب\" (١١/ ٤٠١، ٤٠٢).\n(^٥) (٧/ ٦٥٢).\n(^٦) المصدر نفسه (١/ ١٣).","vol":"17","page":617},{"text":"وأوضحه ابن حجر (^١) وغيره. انظر \"فتح المغيث\" (^٢).\nوكذلك لا ينفعه إخراج الحاكم له في \"المستدرك\"؛ لما علم من تساهله.\n[ص ١١] نعم، إن مرسل عروة اعتضد، ولكنه لا علاقة له بمسألتنا، والكلام الآن في مقامين:\nالأول: فيما ظنه بعضهم أن هذا المرسل وعواضده يدل على نسخ ما تضمنته أحاديث جعل الثلاث واحدة، والظاهر من كلامهم تجويز أن ابن عباس إنما عنى بقوله: \"إنما كانت الثلاث تُجعل واحدةً على عهد النبي - ﵌ - \" بيانَ ما ذكره عروة بقوله: \"كان الرجل إذا طلَّق امرأته ثم ارتجعها قبل أن تنقضي عدتها كان ذلك له، وإن طلَّقها ألف مرة\".\nفاعلم أن قوله: \"كانت الثلاث تُجعل واحدة\" يُشعِر بأن هذا في وقت كان للطلاق فيه حد معين، والحالة التي ذكرها عروة لم يكن فيها حسابٌ أصلًا، فلم يكن للحكم تعلق بأن يقال: طلَّق واحدة، طلَّق ثنتين، طلَّق ثلاثًا، وإنما كان المعتبر الطلاق من حيث هو طلاق، إن طلَّق وانقضت العدة بانت، وإن راجع في العدة رجعت، وكأنه لم يُطلق، ثم إن طلَّق وانقضت العدة بانت، وإن راجع فيها رجعت وكأنه لم يُطلق، وهكذا أبدًا، فكان الطلاق بمنزلة العتق، فلو فُرِض أن الرجل إذا أعتق عبده كان له أن يرجع عن العتق إلى شهر مثلًا، ثم إذا أعتق ثانيًا فهكذا، وإذا أعتق ثالثًا فهكذا، وهكذا أبدًا،\n_________\n(^١) \"لسان الميزان\" (١/ ٢٠٩).\n(^٢) \"فتح المغيث\" (٢/ ٤٥).","vol":"17","page":618},{"text":"ففي هذه الحال لا يكون باعث للسيد أن يقول لمملوكه: أعتقتك ثلاثًا، أو أربعًا، أو غير ذلك، ولا يكون وجهٌ لأن يقال: إذا قال: أعتقتك ثلاثًا جُعِلت واحدةً، أو حُسِبت بواحدة، فتدبر.\nوإنما يأتي هذا لو كان الحكم أن من أعتق عبده كان له أن يرجع إلى شهر مثلًا، ثم إذا أعتق ثانيًا فهكذا، فإذا أعتق ثالثًا لم يكن له الرجوع.\nففي هذا يمكن أن يقول بعض الناس لمملوكه: أعتقتك ثلاثًا، إما على وجه التوكيد، كأنه يقول: أعتقتك وعزمتُ على نفسي أن لا أرجع، كما لا يرجع من أعتق ثم رجع ثم أعتق ثم رجع ثم أعتق، وإما لظنه (^١) ــ خطأً أو صوابًا ــ أنه إذا قال ذلك، كان كأنه قد أعتقه ورجع، ثم أعتقه ورجع، ثم أعتقه. وههنا يصح أن يقال: إذا قال: أعتقتك ثلاثًا جُعِلت واحدة.\nوإذا فرضنا أن الحكم كان على هذا برهةً، ثم غُيِّر إلى أن من قال: أعتقتك ثلاثًا لم يكن له الرجوع، فحينئذٍ يليق أن يقول من يخبر عن الحكم السابق: \"إنما كانت الإعتاقات الثلاث تجعل واحدة\".\nهذا وأنت خبيرٌ أن الحالة الأولى في مرسل عروة نُسِختْ نسخًا قطعيًّا بصريح القرآن، وكان النسخ بعد قدوم النبي - ﵌ - بمدةٍ لا أراها تتجاوز ثلاث سنين، وانتشر ذلك في الصحابة انتشارًا تامًّا، وقضى به النبي - ﵌ -، وعلمه الصحابة، واستقبل الناس الطلاقَ من يومئذٍ جديدًا، كما قال عروة، وقالت امرأة رفاعة (^٢): \"إن زوجي طلقني فبتَّ طلاقي\".\n_________\n(^١) في الأصل: \"على لظنه\".\n(^٢) أخرجه البخاري (٥٢٦٠)، ومسلم (١٤٣٣) من حديث عائشة.","vol":"17","page":619},{"text":"وفي حديث فاطمة بنت قيس في الصحيح (^١): \"فانطلق خالد بن الوليد في نفرٍ، فأتوا رسول الله - ﵌ - في بيت ميمونة، فقالوا: إن أبا حفص طلَّق امرأته ثلاثًا\".وقالت في رواية أخرى (^٢): \"وأتيت رسول الله - ﵌ - فقال: \"كم طلَّقَك؟ \" قلت: ثلاثًا\". وفيه في رواية ثالثة (^٣): \"وأمر لها الحارث بن هشام وعياش بن أبي ربيعة بنفقة، فقالا لها: والله ما لكِ نفقةٌ إلا أن تكوني حاملًا\" أي لأجل تمام الثلاث.\nبل إن هذا الحكم انتشر حتى عرفه المشركون، كما قد يؤخذ من قول الأعشى، أنشده الشافعي وغيره (^٤):\nأيا جارتا بِيني فإنكِ طالقه ... وموموقةٌ ما كنتِ فينا ووامقَهْ\nأجارتَنا بِيني فإنك طالقه ... كذاك أمورُ الناس غادٍ وطارقَهْ\nوبِيني فإن البينَ خيرٌ من العصا ... وأن لا تزالي فوق رأسِكِ بارقه\nحبستُكِ حتى لامَني كل صاحب ... وخفتُ بأن تأتِي لديَّ ببائقه\n(الأم ج ٣/ ص ٢٣٣).\n[ص ١٢] فذِكْره الطلاق مرتين، ثم قوله في الثالثة: \"وبِيني\"، واقتصاره على ذلك ظاهر في أن الحكم قد كان بلغه في الجملة، [ووقع له ما وقع]\n_________\n(^١) \"صحيح مسلم\" (١٤٨٠/ ٣٨).\n(^٢) المصدر نفسه (١٤٨٠/ ٤٨).\n(^٣) المصدر نفسه (١٤٨٠/ ٤١).\n(^٤) الأبيات في ديوان الأعشى (ص ٣١٣) و\"الأم\" (١٠/ ٢١٥) في \"اختلاف الحديث\".","vol":"17","page":620},{"text":"لبعض الصحابة كرُكَانة، وعُويمر العجلاني، إذ قال بعد أن لاعن زوجته: \"هي طالقٌ ثلاثًا\" (^١).\nوقد مر توجيه ذلك في مثال العتق، وسيأتي إيضاحه إن شاء الله تعالى.\nوالأعشى هلك قبل فتح مكة، كما ذكره ابن قتيبة (^٢) وغيره.\nفمع هذا كله أيجوز أن يقال: إن الطلاق كان على ذلك الحكم المنسوخ في عهد النبي - ﵌ - وأبي بكر وثلاثًا من إمارة عمر حتى تتايَعَ الناس في الطلاق، فأُجِيزَ عليهم؟\nإن العاقل ليستحيي من حكاية هذا القول، فضلًا عن توهمه، فكيف بمن يُجوِّزه، ويُفسِّر به كلام ابن عباس؟\nوالشافعي رحمه الله تعالى لم يقل هذا، وإن أوهمه قوله بعد أن ذكر مرسل عروة: \"فلعل ابن عباس أجاب على أن الثلاث والواحدة سواء\".\nوإنما أورد مرسل عروة جوابًا لقوله: \"فإن قيل: فهل من دليلٍ تقوم به الحجةُ في ترك أن تُحسَب الثلاث واحدةً؟ \".\nالمقام الثاني: في النظر في مرسل عروة، هل فيه دلالة على ترك أن تحسب الثلاث واحدة؟\nحاصل مرسلِ عروة وما يوافقه:\n١ - أن ارتجاع المطلق لزوجته لم يكن له شرط إلا وقوعه في العدة،\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٣٠٨، ٥٣٠٩) ومسلم (١٤٩٢) من حديث سهل بن سعد.\n(^٢) \"الشعر والشعراء\" (١/ ٢٥٧).","vol":"17","page":621},{"text":"فلم يكن هناك حدٌّ لسلسلة الطلاق والرجعة. يطلق الرجل ثم يراجع، ثم يطلق ثم يراجع، ثم يطلق ثم يراجع، ثم يطلق ثم يراجع، وهكذا أبدًا.\n٢ - فاتخذ بعض الناس ذلك طريقًا للإضرار بالنساء.\n٣ - فأنزل الله تعال الآية، وشرع الحكم المستقر.\n٤ - فاستقبل الناس الطلاقَ من يومئذٍ جديدًا.\nفالنسخ إنما كان لحسم مادة الإضرار بالنساء، وقد أبقى الشرع للزوج حقَّ الرجعة اتفاقًا إذا طلَّق واحدةً، ثم راجع قبل انقضاء العدة، ثمَّ طلَّق ثانيةً، ثم راجع قبل انقضاء العدة. مع أن الزوج قد يتمكن بهذا من إضراره بالمرأة، ولكنه يسير، ولو لم يبقَ له ذلك لأضرَّ ذلك بالنساء وبالأطفال وبالأزواج ضررًا شديدًا.\nولا يخفى أنه لا فرقَ في احتمال قصد الزوج مضارَّة المرأة بين أن يطلق واحدةً ثم يراجع، ثم يطلق أخرى ثم يراجع، وبين أن يقول: طلقتك عدد ذرات العالم ثم يراجع، ثم يقول مثل ذلك ثم يراجع.\nفالقول بأنه إذا قال: \"طلقتك واحدة\" كانت له الرجعة، وإذا قال: \"طلقتك ثلاثًا\" لم يكن له رجعة، لا يناسب سبب الآية، وما تضمنته من الحكم، فإن سببها هو إضرار الرجال بالنساء، ولا فرق من جهة الإضرار بين أن يطلق واحدة ثم يراجع، أو عدد ذرات العالم ثم يراجع.\nوالحكم بأنه إذا قال: \"طلقتك\" كانت له الرجعة، ثم إذا قال: \"طلقتك\" كان له الرجعة أيضًا، إنما أُبقِي ــ مع احتمال قصد الرجل الإضرار بالمرأة ــ","vol":"17","page":622},{"text":"دفعًا لضررٍ أشدَّ يلحق بالمرأة وأطفالها، وبالزوج أيضًا، فقد تكون المرأة وسطًا، ولها أطفال صغار، وليس لها من يقوم بها، ويكون الزوج غير غني، فيحتدُّ فيطلق، ثم يندم لما يلحقه من الضرر، مع ما يلحق الزوجةَ وأطفالَها، فأبقى الله ﷿ له فُسحةً لدفع هذا الضرر.\nولا فرق في حصول هذا الضرر الشديد بالمرأة والأطفال والزوج بين أن يقول: \"طلقتك واحدة\"، وبين أن يقول: \"طلقتك عدد ذرات العالم\".\nومن كان له معرفة بأحوال الناس في هذا العصر، وجدَ أن إضرار الرجال بالنساء بأن يطلق أحدهم ثم يراجع، ثم يطلق ثم يراجع = نادرٌ جدًّا، بل لعله معدومٌ، والضرر الشديد الذي يلحق النساءَ والأطفالَ والأزواجَ بمنع الرجعة إذا غضب الرجل فطلقها ثلاثًا= كثيرٌ جدًّا، ولاسيَّما في الأقطار التي تقلُّ الرغبة فيها في زواج الثيبات كالهند.\nعلى أن الضرر الأول ــ مع خفته ــ يمكن علاجه بالصبر مدةً يسيرةً، والضرر الثاني ــ مع شدته، وتناوله للمرأة والأطفال والزوج ــ لا علاج له.\n[ص ١٢ مكرر] والتحليل باطلٌ عند جماعة من العلماء، وجائزٌ مع الكراهة الشديدة عند آخرين، وعلى كل حال فهو خبيثٌ شرعًا وطبعًا، ويجرُّ إلى مفاسد شديدة، وأهل التقوى أو الغيرة يُؤثِرون الضررَ الشديد على التحليل.\nوبالجملة فالضرر الشديد الناجم عن تنفيذ الثلاث محسوسٌ مشاهدٌ بكثرة فاحشة في جميع الأقطار، بل إن الضرر الذي يُخاف من عدم تحديد الطلاق أصلًا، كان يمكن دفعه بأمر الحكام بالتضييق على الأزواج إذا تبين منهم قصد المضارَّة.","vol":"17","page":623},{"text":"فالقول بأن الآية نزلت لتدفع عن النساء هذا الضرر، ومع ذلك أوقعت عليهن وعلى أطفالهن وأزواجهن ضررًا أشد من ذلك، لا علاج له= فيه ما فيه.\nوإذا تأملتَ ذلك علمتَ أنه لو قال قائلٌ: \"إن مرسل عروة أقرب إلى موافقة حديث ابن عباس وما معه، منه إلى مخالفته\" لما أبعد.\nقال الشافعي (^١) ﵀: \"فلعل ابن عباس أجاب على أن الثلاث والواحدة سواء\".\nأقول: هذا كلام موجَّه، يحتمل أنه أراد: لعل ابن عباس أجاب على أن الثلاث المجموعة والواحدة سواء في معنى الإضرار بالزوجة، فلا وجه للتفريق بينها في الحكم، فقد أبقى الله تعالى بعد النسخ للرجل أن يطلق ثم يراجع، ثم يطلق ثم يراجع، ثم إذا طلَّق فلا رجعة، فسواءً أثَلاثًا طلَّق في المرة الأولى أم واحدةً، وهكذا الثانية، فإن المقصود من النسخ لا يفرق بين ذلك، فعلى هذا تكون له الرجعة.\nويحتمل أن يكون أراد: لعل ابن عباس أجاب على مقتضى ما كان قبل النسخ أن الثلاث والواحدة سواء، إذ لم يكن حدٌّ للطلاق، فإن كان أراد هذا الثاني فقد تقدم جوابه.\nثم قال (^٢): \"و[إذا] جعل الله عدد الطلاق على الزوج، وأن يطلق متى شاء، فسواء الثلاث والواحدة وأكثر من الثلاث في أن يقضى بطلاقه\".\n_________\n(^١) \"الأم\" (١٠/ ٢٥٨).\n(^٢) المصدر نفسه.","vol":"17","page":624},{"text":"أقول: وهذا الكلام كأنه موجّه، فقد يحتمل أن يكون من تتمة تفسير قول ابن عباس على الاحتمال الأول، فيكون شرحه هكذا:\n(وجعل الله عدد الطلاق على الزوج) فجعل له أن يطلق ويراجع، ثم يطلق ويراجع، ثم إذا طلَّق لم يكن له أن يراجع؛ سدًّا لذريعة الإضرار بالزوجة (و) جعل للزوج (أن يطلق متى شاء) فإذا طلَّق وتركها حتى انقضت العدة بانت منه، وحلَّت لغيره، سواء أواحدةً طلَّق أم ثلاثًا أم أكثر.\nوغرض العاقل من الطلاق إنما هو هذا، ولا غرض له في أن يطلقها طلاقًا لا رجعة فيه، بل إنما يحرص العاقل على أن يطلق طلاقًا تمكنه معه الرجعة، أو النكاح بعقدٍ جديدٍ قبل أن ينكحها غيره، لأنه قد يندم، وقد تتضرر الزوجة أو أطفالها بالطلاق، فيكون عليه أن يدفع عنهم الضرر، وهذا هو الغرض المحمود شرعًا وعقلًا، فلم يكن هناك باعثٌ لشرع طلاق يقع مرةً واحدةً، ومع ذلك لا رجعة فيه.\nعلى أنه إن فُرِض غرضٌ فيمكنه تحصيلُه بأن يطلق ثم يراجع، ثم يطلق ثم يراجع، ثم يطلق. فقد جعل الله له أن يطلق متى شاء، ولم يقل له: إذا طلقت ثم راجعت، لم يجز لك طلاق بعد ذلك.\nوعلى هذا (فسواءٌ الثلاثُ والواحدةُ وأكثرُ من الثلاث في أن يقضى بطلاقه) من حيث هو طلاق يحصل به مقصود العاقل في تخلِّيه عنها، وإحلالها لغيره إذا انقضت عدتها، فإن كانت هذه أول مرة أو الثانية كان له أن يراجعها في العدة، أو يتزوجها بعدها قبل أن تنكح غيرَه، وإن كانت الثالثة لم تحلَّ له حتى تنكح زوجًا غيره.","vol":"17","page":625},{"text":"[ص ١٣] ويحتمل أن يكون احتجاجًا من الشافعي على وقوع الثلاث المجموعة ثلاثًا تحرمها عليه حتى تنكح زوجًا غيره، وشرحه على هذا هكذا:\n(وجعل الله عدد الطلاق على الزوج) أي إليه (وأن يطلق متى شاء) فله ثلاث طلقات، يوقع منها ما شاء متى شاء، فإن أوقعها دفعة وقعت (فسواء الثلاث والواحدة وأكثر من الثلاث في أن يقضى بطلاقه) الذي أوقعه، فإن طلَّق ثلاثًا أو أكثر قضي بثلاث، وإن طلَّق واحدة أو اثنتين قضي بذلك.\nفإذا كان مراد الشافعي هو هذا الثاني، فجوابه:\nأن الثلاث التي جعلها الله تعالى على الزوج ليست ثلاث طلقات، وإنما هي مرتان، في كل مرة طلاق تعقبه رجعة، والثالثة طلاق تحرم به حتى تنكح زوجًا غيره، كما قدمناه في تفسير الآيات. ومن ادعى أنها ثلاث طلقات يجوز أن تقع معًا، أو تقع اثنتان منها معًا، فعليه البيان.\nفإن قال: إن الله لما جعل للزوج أن يطلق ثم يراجع، ثم يطلق ثم يراجع، ثم يطلق، كان معقولًا أنه قد جعل الأمر إليه، فإذا كان الأمر إليه وطلق ثلاثًا معًا، فلماذا لا يقع؟\nفالجواب:\nأولًا: أن هذا قياس يعارض النص، فهو فاسد الاعتبار.\nوثانيًا: أن الله تعالى لم يجعل له إذا طلَّق المرة الأولى أو الثانية أن يراجع إلا إذا قصد بالرجعة الإمساك بمعروف.\nوثالثًا: أن الطلاق قد يضر بالزوج، وبالمرأة، وبأطفالهما، وبأهليهما،","vol":"17","page":626},{"text":"فحدَّ الله تعالى له حدودًا تمنع أو تقلِّل هذا الضرر، فلم يجعل له أن يطلق وهي حائض، ولا في طهر قد قاربها فيه، والسر في ذلك ــ والله أعلم ــ أن الرجل إذا بعد عهده بالمرأة قوي ميله إليها، فإذا طلَّقها مع ذلك كان الظاهر أن رغبته عنها قد استحكمت، وهذا هو المقتضي للرخصة في الطلاق.\nوإذا كانت المرأة حائضًا كان محتملًا أن يكون قاربها في الطهر الذي قبل تلك الحيضة، فعهده بها قريب، وقرب العهد يُضعِف الميل، بل ربما أوجب النفرة.\nوينضم إلى ذلك أن نفس الرجل تنفر من الحائض، إما للأذى، وإما لليأس من مقاربتها، وهذه نفرةٌ عارضةٌ، لا يصح أن يكتفى بها لاستحقاق رخصة الطلاق.\nوهكذا إذا كانت طاهرًا وقد قاربها في ذلك الطهر، فعهده بها قريبٌ، وقرب العهد يُضعِف الميل، أو يوجب النفرة كما مر.\nفإذا أراد أن يطلقها وهي طاهرٌ في طهرٍ لم يقاربها فيه، فالظاهر أن رغبته عنها قد استحكمت، ولكن ربما تضعف هذه الرغبة أو تزول إذا ازداد العهد بعدًا.\nمع أن موجب النفرة قد يكون سببًا عارضًا، من ذنب وقع منها، أو إساءة، وإذا طال العهد غفر الذنب، ونسيت الإساءة، فرخص له أن يطلقها، على أن له أن يراجعها ما دامت في عدتها.\nفإذا طلَّق كان عليه أن لا يقطع عنها النفقة والسكنى، ومن الحكمة في ذلك ــ والله أعلم ــ أن يبقى باب الصلح مفتوحًا ميسرًا، والغالب أن يكون","vol":"17","page":627},{"text":"بيتها الذي أمر أن يُسكِنها فيه هو بيته أو قريب منه، وذلك أدعى إلى الصلح، فقد تهيج به الذكرى وهو على فراشه في أثناء العدة، فلا يكون بينه وبينها إلا كشف الستر أو طَرْق الباب، ولعله لو صبر إلى الصبح لفترت رغبته، فلا يراجع، ولعله يبدو له خطؤه في إيقاع الطلاق، ومضرته عليه، ويلومه هذا، وتعذله هذه، ومع ذلك فقد جرَّب الفرقة وجرَّبتها، وذاق كل منهما مرارتها، فإذا وقعت الرجعة، فقد ذاقت هي من الفرقة ما يجعلها تخاف من وقوعها مرةً أخرى، فيدعوها هذا الخوف إلى حسن الطاعة والحرص على رضاه، وتحري ما يوافق هواه، وذاق هو ما يحمله على التأني والتريث في المستقبل، فلا يستعجل بإيقاع الطلاق، مع علم كل منهما بأنهما قد صارا على ثلث الطريق من الفرقة الباتة.\n[ص ١٤] فإن لم تعطفه العواطف حتى انقضت العدة، فالظاهر أن النفرة قد استحكمت، ومع ذلك بقي له أن يراجعها، ولكن برضاها، ومهر آخر، وعقد جديد.\nفإذا راجع من المرة الأولى، ثم طلَّق مرة أخرى بالشروط السابقة، وشرعت في العدة على الصفة الأولى، كان ذلك أدعى إذا وقعت رجعة أن لا تعصيه بعدُ ولا يطلقها، لعلمهما أنهما على ثلثي الطريق، وأنه إن طلَّقها المرة الثالثة حرمت عليه حتى تنكح زوجًا غيره، فتخاف هي أن لا يرغب فيها أحدٌ، وإن رغب فيها فلعله يسيء عشرتها، ويظلمها ويمسكها على البؤس والشقاء، ويخاف هو إن طلَّقها أن تتبعها نفسه كما تبعتْها المرتين الأوليين، فلا يجد إلى ذلك سبيلًا، إذ لعلها لا تتزوج بعده، وإن تزوجت فلعل الزوج الجديد يكون أسعد بها، وأحرص عليها، وإن فارقها هذا الزوج","vol":"17","page":628},{"text":"الجديد فلا ترجع إلى الأول إلا بعقد جديد، ومهر جديد، ثم ترجع إليه بعد أن ذاقت عسيلة غيره، وعرفت ما عرفت، إلى غير ذلك.\nفإذا علمتَ ما تقدم، فاعلم أن الله تعالى أرحم بعباده من أنفسهم، وأنه لا يُحِلُّ لهم أن يضروا بأنفسهم فضلًا عن غيرهم، فكيف يجعل لأحدهم أن يطلق زوجته ابتداءً طلاقًا يحرمها عليه البتة حتى تنكح زوجًا غيره؟!\nمع العلم بأن نظر الإنسان قاصرٌ، فقد يظن أنه لم يبق له إليها حاجة، وأنها قد استحكمت نفرته منها، وأن لا ضرر عليه في بينونتها منه، ويكون مخطئًا يتبين له خطؤه بعد ساعة، كما هو مشاهدٌ بكثرة فاحشة في هذه الأزمان.\nفإن قلت: عليك فيما أطلتَ به مناقشاتٌ:\nالأولى: أنك جعلت العلة في النهي عن الطلاق في حيضٍ أو طهر قاربها فيه = هي أن تلك مظنة لضعف ميله عنها، فلعله يطلق عن غير نفرة مستحكمة. والشافعي لا يقول بهذا، بل يقول: إن في طلاقها حائضًا إضرارًا بها لطول العدة، وفي طلاقها في طهر قاربها فيه استعجالًا، إذ لعلها تكون قد علقت منه، فيندم على الطلاق.\nالثانية: أنه إذا سُلِّم لك ما قلت، قيل لك: فإن الطلاق في حيضٍ أو طهرٍ قاربها فيه يقع مع ما فيه من خوف أن لا تكون النفرة قد استحكمت، فكذلك نقول نحن: إن طلاق الثلاث دفعةً يقع وإن خيف فيه ذلك.\nالثالثة: أن الغضب مظنة عروض النفرة، ولعلها تزول بعد ذلك بسرعة، ومع ذلك يقع فيه الطلاق، فهكذا القول في جمع الثلاث.","vol":"17","page":629},{"text":"الرابعة: أنك جعلت العلة في وجوب النفقة والسكنى للمعتدة هي تيسير سبيل الصلح بالمراجعة، وهذا لا يأتى في المرة الثالثة.\nفالجواب عن الأولى: أن الصواب ــ إن شاء الله ــ ما قلته، فإن تحريم الطلاق في الحيض يتناول اللحظة الأخيرة منه، وأي ضرر عليها بلحظة تزيد في عدتها؟\nوقد التزم الشافعي ﵀ أنها لو رضيت بالطلاق وهي حائض لم يحرم لرضاها بالضرر، وهذا مخالف لعموم قوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ فعمَّ من لم ترضَ ومن رضيتْ.\nومخالف لعموم السنة، فإن النبي - ﵌ - لما أخبر بأن ابن عمر طلَّق امرأته وهي حائض، أنكر ذلك ولم يستفصل: أرضيتْ أم لم ترضَ.\nوقد قال الشافعي رحمه الله تعالى ووافقه الناس: \"إن ترك الاستفصال مع قيام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال\".\nومخالف لما فهمه الصحابة ﵃، فإن عبد الرحمن بن عوف سألته امرأته الطلاق فقال لها: \"إذا طهُرتِ فآذنيني\".\n[ص ١٥] والعلة التي تعود على النص بالتخصيص قد أبطلها قوم، ومَن قَبِلها فإنما يقبلها إذا لم توجد علة أخرى سالمة من ذلك.\nوالشافعي رحمه الله تعالى جعل العلة في الحيض شيئًا، وفي الطهر الذي قاربها فيه شيئًا آخر، والعلة التي ذكرتها أنا واحدة لهما معًا، فهي أولى.\nعلى أن العلة التي جعلها لتحريم الطلاق في طهر جامعها فيه، تكاد تكون هي العلة التي ذكرتها أنا، بل هي هي، فإن الشافعي رحمه الله تعالى لم","vol":"17","page":630},{"text":"ينظر إلى لحوق الضرر بالحمل خاصة، بل ولا نظر إليه الشارع، فإنه يحل طلاق الحامل وقد تبين حملها، فبالأولى من احتمل أنها قد علقت.\nفالظاهر أن الشافعي إنما نظر إلى استحكام النفرة وعدمه، فرأى أنه إذا طلَّقها في طهر قد قاربها فيه، فربما لم تكن النفرة قد استحكمت، فلعله لو صبر حتى يجيء إبان حيضها ولم تحض ظن أن تكون حاملًا، فهنالك إن أراد أن يطلق كان له ذلك، لأن الظاهر استحكام النفرة، فإذا ثبت أن العلة في أحد الشِّقين هي كونه مظنة نفرة غير مستحكمة، فلتكن هي العلة في الشِّقين معًا.\nوالجواب عن الثانية: أن الطلاق في حيض أو طهر قاربها فيه غير مجمع على وقوعه، فإذا قلنا بالوقوع فلا يقاس عليه الطلاق المجموع.\nأولًا: لأنه قياس يعارض النص، فهو ساقط الاعتبار.\nثانيًا: لأن الخطر في إيقاع الطلاق المجموع أشد منه في إيقاع الطلاق في حيضٍ أو طهرٍ قاربها فيه؛ لأن هذا إن كان المرة الأولى أو الثانية فقد بقي له حق الرجعة، وإن كان في المرة الثالثة فقد أشعر وقوع الطلاق مرتين قبلها ثم وقوعها باستحكام النفرة.\nعلى أن ما احتج به من أجاز الطلاق في الحيض مورده الطلقة الأولى، والله أعلم.\nوأما الثالثة: فطلاق الغضبان غير مجمع على إجازته، وإذا قلنا بإجازته، فقد علم الجواب مما مر.\nوأما الرابعة: فوجوب النفقة والسكنى للمبتوتة مختلفٌ فيه، والحجة مع من ينفيه.","vol":"17","page":631},{"text":"قال الشافعي (^١) رحمه الله تعالى: \"وحكم الله تعالى في الطلاق أنه ﴿مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾، وقوله: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ يعني ــ والله أعلم ــ الثلاث، ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ فدل حكمه أن المرأة تحرم بعد الطلاق ثلاثًا حتى تنكح زوجًا غيره\".\nأقول: أما الآية فمخالفك أسعد بها، كما تقدم.\nوقوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ المراد به المرة الثالثة، أي بعد مرتين قد عقبتْ كلًّا منها الرجعة، هذا ظاهر القرآن، ومقتضى سياقه، وقد تقدم تحقيق ذلك، فانهدم ما بنيتَه.\nقال (^٢) ﵀: \"وجَعْلُ حكمِه بأن الطلاق إلى الأزواج يدل على أنه إذا حدث تحريم المرأة بطلاق ثلاث، وجعل الطلاق إلى زوجها، فطلقها ثلاثًا مجموعةً أو مفرقة، حرمت عليه بعدهن حتى تنكح زوجًا غيره، كما كانوا مملكين عتق رقيقهم، فإن أعتق واحدًا أو مائةً في كلمة لزمه ذلك، كما يلزمه كلها، جمع الكلام فيه أو فرَّقه، مثل قوله لنسوةٍ له: أنتن طوالق، ووالله لا أقربكن، وأنتن علي كظهر أمي. وقوله: لفلان عليّ كذا، ولفلان عليّ كذا، فلا يسقط عنه بجمع الكلام معنى من المعاني جميعه كلام، فيلزمه بجمع الكلام ما يلزمه بتفريقه\".\nأقول: يظهر من هذا الكلام أنه ﵀ ظن أن الثلاث التي ذكر ابن\n_________\n(^١) \"الأم\" (١٠/ ٢٥٨).\n(^٢) بعد الكلام السابق مباشرة.","vol":"17","page":632},{"text":"عباس أنها كانت تُجعل واحدةً إنما هي الثلاث الواقعة في كلامٍ واحدٍ، حتى لو طلَّق، ثم بعد ساعة طلَّق، ثم بعد أخرى طلَّق، لم يكن هذا من ذاك، بل تكون ثلاثًا حتمًا. وهذا وهمٌ، وإنما المراد الثلاث التي توقع بدون تخلل رجعة، وقائل هذا يقول: إنما جعل الله إلى الزوج الطلاق مرةً واحدةً، فإذا طلَّق وراجع كان له الطلاق مرة ثانية، وإذا طلَّق وراجع كان له الطلاق المرة الثالثة، كما دل عليه القرآن، وتقدم بيانه.\n[ص ١٦] وعليه، فليس هذا بنظير للفروع التي ذكرها، فعتقُه مائة رقيقٍ بكلمة واحدة أو بكلمات متصلة لا شبهة في صحته؛ لأنَّ له في تلك الحال عتقهم جميعهم، ولا كذلك الطلاق، وإنما نظيره أن يطلق زوجته ونساءً غيرها، ثم قال بعد ذلك: إني طلقت هؤلاء النساء مع امرأتي، فلا يحللن لي، فكما يقال هنا: إنك لم تكن تملك طلاقهن، وإنما كان يمكن أن تملكه بزواجهن، وهذا مفروض لا واقعٌ، فلم يقع فيه شيءٌ، فكذلك يقال هنا: إنك لا تملك من طلاق زوجتك إلا مرةً واحدةً، وإنما كان يمكن أن تملك الثانية بمراجعتك من الأولى، وكان يمكن أن تملك الثالثة بمراجعتك من الثانية، وهذا مفروض لا واقعٌ، فلا يقع به شيءٌ.\nوهكذا لو كان قد طلَّق زوجته وراجعها مرتين، ثم [قال]: هي طالق اثنتين، فقيل له في ذلك، فقال: أردت أن لا أتمكن من نكاحها بعقد جديد، فهكذا من يطلق ثلاثًا، إذا قيل له: إن واحدة تكفي. قال: أردت أن لا أتمكن من مراجعتها.\nفإن قيل: وكيف تقيس الرجعة على النكاح؟\nقلت: لأن كلا منهما عقد تحلُّ به المرأة لمن كانت حرامًا عليه، وقد","vol":"17","page":633},{"text":"قاس الفقهاء من الشافعية وغيرهم الرجعة على النكاح في مواضع، وإن اضطربت فروعهم فيها: هل هي كابتداء النكاح أو كدوامه؟\nوالصواب أنها كابتداء النكاح وإن خالفته في بعض الأحكام، والاحتجاج لهذا يطول.\n\nو<span data-type=\"title\" id=toc-10>الأقرب شبهًا بالطلاق المجموع: الهبة التي يجوز الرجوع فيها</span>، كالهبة للفرع عند الشافعية، وللأجنبي عند الحنفية، والبيع مع خيار المجلس، إذا قال قائل: لله عليَّ إذا وهبتُ لابني هذا الثوب الذي عليه، ثم رجعت ثم وهبت، ثم رجعت ثم وهبت، أن لا أرجع في المرة الثالثة.\nولله عليَّ إذا بعتُ منك هذه الدار، ثم فسخت في المجلس ثم بعت، ثم فسخت ثم بعت، أن لا أفسخ في المرة الثالثة.\nثم قال بعد ذلك لولده: وهبتُك هذا الثوب الذي عليك ثلاثًا، وقال للآخر: بعتك هذه الدار ثلاثًا، فهل ينزل قوله: \"ثلاثًا\" منزلة قوله: وهبتُ رجعتُ، وهبتُ رجعتُ، وهبتُ، وبعتُ فسختُ، بعتُ فسختُ، بعتُ؟\nهذا في غاية البعد.\nوقد اختلف أصحاب الشافعي في بيع الواهب السلعة الموهوبة، هل يكون رجوعًا عن الهبة؟\nفإن قيل: نعم. فهل يصح البيع مع ذلك؟\nوالراجح عندهم أنه ليس برجوع.\nواختلفوا في البائع في مدة الخيار إذا وهب المبيع، هل يكون ذلك فسخًا؟ وإذا كان فسخًا فهل تصح الهبة؟","vol":"17","page":634},{"text":"والراجح عندهم هنا أنه فسخٌ.\nوهذا أقرب جدًّا من قوله: وهبت ثلاثًا، أو بعت ثلاثًا.\nوفوق ذلك، فالأمر في الفروج أضيق منه في الأموال، والرجعة لا تكون إلا بنية، والقائل: طلقتك ثلاثًا لا التفات له إلى الرجعة.\nثم غاية ما يدعى: أن يكون قوله: \"طلقتك ثلاثًا\" بمنزلة قوله: \"طلقتك راجعتك، طلقتك راجعتك، طلقتك\".\nوهذا من التلاعب بالأحكام، واتخاذ آيات الله هزوًا، وليس هذه الرجعة التي شرع الله تعالى بقوله: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾.\nويُغنِي عن هذا كله ورودُ النص بأن الثلاث واحدة. والله أعلم.\n[ص ١٧] قال الشافعي (^١): \"فإن قال قائل: فهل من سنة تدل على هذا؟\nقيل: نعم جاءت امرأة رفاعة القرظي إلى رسول الله - ﵌ - فقالت: إني كنت عند رفاعة فطلقني فبتَّ طلاقي، فتزوجتُ عبد الرحمن بن الزَّبِير، وإنما معه مثل هُدبةِ الثوب، فتبسم رسول الله - ﵌ - وقال: \"أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ لا، حتى يذوق عسيلتك وتذوقي عسيلته\".\nقال الشافعي: فإن قيل: فقد يحتمل أن يكون رفاعة بتَّ طلاقها في مرات؟\n_________\n(^١) \"الأم\" (١٠/ ٢٥٩، ٢٦٠).","vol":"17","page":635},{"text":"قلت: ظاهره في مرة واحدة ... وفاطمة بنت قيس تحكي للنبي - ﵌ - أن زوجها بتَّ طلاقها، تعني ــ والله أعلم ــ أنه طلَّقها ثلاثًا، وقال النبي - ﵌ -: \"ليس لك عليه نفقة\" لأنه ــ والله أعلم ــ لا رجعة له عليها\".\nأقول: حديث امرأة رفاعة في صحيح البخاري (^١)، وحديث فاطمة بنت قيس في صحيح مسلم (^٢)، وأشار إليه البخاري (^٣).\nوالجواب عن الحديثين: أن كليهما قد جاء مفسرًا في رواية أخرى بما يزيل الشبهة.\nففي صحيح البخاري في حديث امرأة رفاعة: \" ... فقالت: يا رسول الله! إنها كانت عند رفاعة، فطلقها آخر ثلاث تطليقات\". (صحيح البخاري ج ٨/ ص ٢٣، ومثله في صحيح مسلم ج ٤ / ص ١٥٤) (^٤).\nوفي حديث فاطمة بنت قيس في رواية عند مسلم (^٥): \" ... أن فاطمة بنت قيس أخبرته أنها كانت تحت أبي عمرو بن حفص بن المغيرة، فطلقها آخر ثلاث تطليقات\". وفي رواية أخرى (^٦): \"أن أبا عمرو بن حفص بن المغيرة خرج مع علي بن أبي طالب إلى اليمن، فأرسل إلى امرأته فاطمة\n_________\n(^١) رقم (٥٢٦٠).\n(^٢) رقم (١٤٨٠).\n(^٣) انظر \"الصحيح\" مع \"الفتح\" (٩/ ٤٧٧) وكلام الحافظ عليه.\n(^٤) البخاري (٦٠٨٤) ومسلم (١٤٣٣/ ١١٣).\n(^٥) مسلم (١٤٨٠/ ٤٠).\n(^٦) مسلم (١٤٨٠/ ٤١).","vol":"17","page":636},{"text":"بنت قيس بتطليقة كانت بقيت من طلاقها\". (صحيح مسلم ج ٤/ ص ١٩٦ ــ ١٩٧).\nقال (^١) رحمه الله تعالى: \"فإن قيل: أطلَّق أحدٌ ثلاثًا على عهد النبي - ﵌ -؟\nقيل: نعم، عويمر العجلاني، طلَّق امرأته ثلاثًا، قبل أن يخبرهُ النبي - ﵌ - أنها تحرم عليه باللعان، فلم أعلم النبيَّ - ﵌ - نهاه .. ولم أعلمه عاب طلاق ثلاثٍ معًا\".\nأقول: حديث لعان عويمر قد رواه نفرٌ من الصحابة، ولم يذكر الطلاق إلا في رواية سهل بن سعد، رواها الزهري عنه.\nثم اختلف على الزهري:\nفروي عنه كما ذكره الشافعي، رواه مالك وابن جريج وغيرهما (^٢).\nوروي عنه بلفظ \"فطلقها\" فقط، رواه الأوزاعي كما في \"صحيح البخاري\" في تفسير سورة النور (^٣)، وعبد العزيز بن أبي سلمة عند أحمد (مسند ج ٥/ ص ٣٣٧) (^٤).\nوروي عنه بلفظ \"ففارقها\" فقط، رواه جماعة منهم: فليح عند البخاري في تفسير سورة النور (^٥)، وعبد العزيز بن أبي سلمة وإبراهيم بن سعد عند\n_________\n(^١) أي الشافعي في \"الأم\" (١٠/ ٢٦٠).\n(^٢) رواية مالك عند البخاري (٥٣٠٨) ورواية ابن جريج عنده (٥٣٠٩).\n(^٣) البخاري (٤٧٤٥).\n(^٤) \"مسند أحمد\" (٢٢٨٥٦).\n(^٥) البخاري (٤٧٤٦).","vol":"17","page":637},{"text":"النسائي (^١)، وعقيل عند أحمد (مسند ج ٥/ ص ٣٣٧) (^٢)، وابن أبي ذئب عند البخاري في الاعتصام (صحيح البخاري ج ٩/ ص ٩٨) (^٣).\nوروي عنه بلفظ: \"قال: يا رسول الله! ظلمتُها إن أمسكتها، فهي الطلاق، فهي الطلاق، فهي الطلاق\". رواه ابن إسحاق، هكذا ذكره الحافظ في \"الفتح\" (^٤) نقلًا عن \"مسند أحمد\"، والذي في نسخة المسند المطبوعة بلفظ: \"وهي الطلاق، وهي الطلاق، وهي الطلاق\" (المسند ج ٥/ ص ٣٣٤) (^٥).\nثم قال الحافظ: \"وقد تفرد بهذه الزيادة، ولم يتابع عليها، وكأنه رواه بالمعنى؛ لاعتقاده منع جمع الطلقات الثلاث بكلمة واحدة\" (فتح الباري ج ٩/ ص ٣٦٥) (^٦).\nأقول: لم يذكر الزهري صفة الطلاق إلا في هذه الرواية، وابن إسحاق أعلم بالله من أن يسمع من ابن شهاب قوله: \"فطلقها ثلاثًا\" فيرى هذا المعنى مخالفًا لرأيه، فيعمد إلى إبداله بما يوافق مذهبه على أنه من لفظ الملاعن، وهذا تبديلٌ وتحريفٌ، لا رواية بالمعنى. وليس اتهامه بذلك بأقوى من احتمال أن يكون الزهري كان ربما زاد لفظ \"ثلاثًا\" لما فهمه من أن الطلاق كان باتًّا، بسبب\n_________\n(^١) النسائي (٦/ ١٧١).\n(^٢) \"المسند\" (٢٢٨٥٣).\n(^٣) البخاري (٧٣٠٤).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٩/ ٤٥١).\n(^٥) \"المسند\" (٢٢٨٣١) بحذف واوات العطف.\n(^٦) \"فتح الباري\" (٩/ ٤٥١).","vol":"17","page":638},{"text":"أن النبي - ﵌ - فرق بينهما الفرقة الباتة، وظن أن سبب التفرقة تلك هو الطلاق، وإن صارت السنة بعد ذلك الفرقة المؤبدة، ولو بلا لفظ طلاق.\nوفي الصحيحين (^١) بعد ذكر الطلاق، قال ابن شهاب ــ وهو الزهري ــ: \"فكانت سنة المتلاعنين\"، وفي رواية (^٢): \"وكان ذلك تفريقًا بين كل متلاعنين\".\nعلى أن قوله: \"فطلقها ثلاثًا\" محتملٌ احتمالًا قريبًا أن يكون معناه: كرَّر الطلاقَ ثلاثًا، فيكون طلَّق تطليقة، ولكن أكّد تأكيدًا لفظيًا.\nويؤيد هذا اقتصار ابن شهاب تارةً على \"طلَّقها\"، وتارةً على \"فارقها\".\nوعلى هذا، فرواية ابن إسحاق إنما كانت تفيد طلقة واحدة، إلا أنه أكّد اللفظ، فأعاده ثلاثًا، كما فهمه ابن حجر، فهي مفسِّرة للروايات الأخرى، لا مخالفة.\n[ص ١٨] وفوق هذا كله، فلو ثبت أن عويمرًا قال: \" طلقتها ثلاثًا\" أو نحو هذا اللفظ، وأقره عليه النبي - ﵌ -، فإن ذلك لا يدل على إمكان وقوع الثلاث معًا، لاحتمال أن يكون لم يقصد إيقاع الثلاث، وإنما قصد إظهار أنه لا يريد أن يراجعها، فكأنه يقول: لو استطعتُ أن أوقع الثلاث معًا لأوقعتُها، كما يُعقَل أن يقول رجلٌ لزوجته: إن شئتِ فطلِّقي نفسك طلقة واحدة، فتقول: طلقتُ نفسي ثلاثًا، وهي تعلم أنه ليس لها إلا واحدة، وإنما قالت ذلك\n_________\n(^١) البخاري (٥٣٠٨) ومسلم (١٤٩٢).\n(^٢) البخاري (٥٣٠٩) ومسلم (١٤٩٢/ ٣).","vol":"17","page":639},{"text":"إظهارًا لشدة رغبتها في أن تبين منه.\nوإذ قد ثبت أن الطلاق في عهده - ﵌ - على ما قدمنا من أنه طلاق تحل بعده الرجعة، فإن رجع فله طلاق آخر تحل بعده الرجعة، فإن راجع فله طلاق ثالث لا رجعة بعده، فالظاهر أن عويمرًا كان يعلم ذلك، وعلمه بذلك قرينة على أنه إنما أراد ما ذكرناه، وحاله كحال المرأة التي ملَّكها زوجها طلقةً واحدةً، وهي عارفة بالحكم كما قدمنا.\nفإن قيل: فإن كان الظاهر أن من قال في عهده - ﵌ -: \"هي طالق ثلاثًا\" أو نحو ذلك، إنما يظهر منه أنه قصد إظهار العزم على عدم المراجعة، فلماذا نهى النبي - ﵌ - عن جمع الثلاث؟\nقلت: إن صح النهي فسببه مخالفة هذا العزم لمقصود الشارع من الترغيب في المراجعة، وأنه إنما جعل له الرجعة بعد الطلاق الأول والطلاق الثاني، لعله يبدو له فيندم، فالذي يظهر العزم على عدم المراجعة ويؤكده، كأنه يؤكد عزمه على أن لا يفعل الخير، ولا يقبل من الله تعالى رخصته إذا احتاج إليها، وهذا مذمومٌ.\nويقرب منه قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٣].\nقال أهل التفسير: معناها: لا تحلفوا بالله على أن لا تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس، ومراجعة الزوجة داخلة في الإصلاح، وقد تكون برًّا وتقوى.","vol":"17","page":640},{"text":"وقال تعالى: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ﴾ الآية [النور: ٢٢].\nوكما نهاهم عن اليمين مع أنه شرع لهم أن يتخلصوا منها بالكفارة، وإتيان ما هو خير، فكذلك يجوز أن يكون نهاهم عن تأكيد العزم على عدم المراجعة مع تمكنهم من أن يراجعوا بعد ذلك العزم المؤكد.\n* * * *","vol":"17","page":641},{"text":"[ص ١]<span data-type=\"title\" id=toc-12> الباب الأول (^١)\nفي الطلاق المأذون فيه</span>\nاختلف أهل العلم في الطلاق المأذون فيه على مذاهب، بعد اتفاقهم على تحريم إيقاع الطلاق في حيض أو في طهر قاربها فيه.\nالمذهب الأول: أن الطلاق إلى الزوج، فإن شاء طلَّق واحدة، وإن شاء جمع اثنتين، وإن شاء جمع ثلاثًا، وإن شاء طلَّق واحدة، ثم أتبعها واحدةً أو اثنتين في العدة، أو طلَّق اثنتين ثم أتبعها واحدة في العدة، كل ذلك جائزٌ له، وهذا قول الشافعي.\nالمذهب الثاني: أن الذي يحل له أن يوقع طلقةً واحدةً، ثم ينتظر الطهر الثاني، فيطلق أخرى إن أحب، ثم ينتظر الثالث فيطلق الثالثة إن شاء، وهذا قول أبي حنيفة وأهل الكوفة.\nالمذهب الثالث: أن الذي يحل له أن يطلق واحدة، ثم يدعها حتى تنقضي عدتها، وهذا قول مالك والليث والأوزاعي وأحمد وغيرهم.\nالاحتجاج للمذهب الأول:\nقال الإمام الشافعي (^٢) رحمه الله تعالى: \"قال الله ﷿: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ الآية، وقال: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ\n_________\n(^١) قبله في الأصل: \"بسم الله الرحمن الرحيم. الحكم المشروع في الطلاق المجموع\". ويبدأ من هنا ترقيم جديد للصفحات.\n(^٢) \"الأم\" (٦/ ٤٥٧).","vol":"17","page":642},{"text":"تَمَسُّوهُنَّ﴾، وقال: ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ الآية، وقال: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ﴾، وقال: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾. فالطلاق مباحٌ، إلا أنه ينهى عنه لغير قُبُلِ العدة .. أختارُ للزوج أن لا يطلق إلا واحدةً؛ ليكون له الرجعة في المدخول بها، ويكون خاطبًا في غير المدخول بها .. ولا يحرم عليه أن يطلق اثنتين ولا ثلاثًا، لأن الله ﵎ أباح الطلاق، وما أباح فليس بمحظور على أهله\". (الأم ج ٥/ ١٦٢).\nوقال (^١): \"وحكم الله في الطلاق أنه مرتان، فإمساك بمعروف أو تسريحٌ بإحسان، وقوله: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ يعني ــ والله أعلم ــ الثلاث، فلا تحل له حتى تنكح زوجًا غيره، فدل حكمه أن المرأة تحرم بعد الطلاق ثلاثًا حتى تنكح زوجًا غيره\". (كتاب اختلاف الحديث هامش الأم ج ٧/ ص ٣١٣).\n[ص ٢] جواب أهل المذهب الثاني:\nأما قوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ فـ (طلقوا) صيغة أمرٍ، ولا تدل على التكرار، وتتحقق بمرة واحدة، فأين دلالتها على الجمع؟\nويُبيِّن أن المراد بها طلقة واحدة قوله تعالى في أثناء الآية: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا (١) فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾.\nوالإمساك هنا الرجعة، فدل هذا أن الآية واردة في أول طلاق يطلقه\n_________\n(^١) \"الأم\" (١٠/ ٢٥٨).","vol":"17","page":643},{"text":"الرجل، وذكر بعده الرجعة، فعلم أنه لا يكون ثلاثًا، وكذلك لا يكون اثنتين لما ذكرنا من عدم دلالة الصيغة على التكرار، ولأنا لا نعلم قائلًا يقول: يجوز جمع طلقتين، لا ثلاث.\nوأما الآية الثانية وهي قوله تعالى: ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾، فليس فيها دلالة على الجمع، وهي مع ذلك مسوقة لبيان عدم وجوب العدة، لا لسنة الطلاق.\nوفوق ذلك، فالله ﷿ إنما أباح الطلاق ليتخلص كل منهما من الآخر، والتخلص في غير المدخول بها يحصل بواحدة، فجمع طلقتين أو ثلاث من اتخاذ آيات الله هزوًا، ومن تضييق الرجل على نفسه أن لا تحل له بعقد جديد إذا جمع ثلاثًا، أو تحل له على طلقة واحدة، وهذا إضرار بنفسه وبالمرأة أيضًا، لا تقابله منفعة ما، فأنى يجوز؟\nوإنما أجزنا في المدخول بها أن يتبعها طلقة ثانية عن الطهر الثاني، وثالثة عن الثالث، لأنه قد يحتاج إلى إبانتها لئلا يموت قبل انقضاء العدة فترثه إذا كانت رجعية، ولا ترث إذا كانت مبتوتة عند بعض أهل العلم، ولإسقاط نفقتها أو سكناها أو كليهما عند من يقول من أهل العلم: إن المبتوتة لا نفقة لها، أو لا نفقة ولا سكنى، ولتعجل نكاح أختها مثلًا، أو رابعة عند من يقول بحل ذلك في العدة إذا كانت مبتوتة.\nوأما الآية الثالثة وهي قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ [النساء: ٢٠]، فلا دلالة فيها على الجمع، وإنما سِيقَت للأمر بالوفاء بالصداق.","vol":"17","page":644},{"text":"وأما الآية الرابعة فهي الحجة الواضحة عليكم، قال الجصاص: \"وذلك يقتضي التفريق لا محالة؛ لأنه لو طلَّق اثنتين معًا لما جاز أن يقال: طلَّقها مرتين، وكذلك لو دفع رجل إلى آخر درهمين لم يجز أن يقال: أعطاه مرتين حتى يفرق الدفع\" (أحكام القرآن ج ١/ ص ٣٧٨).\nبل في الطلاق نفسه لو قيل: قد طلَّق فلان زوجته مرتين، لفُهِم منه أنه طلَّقها ثم بعد مدة طلَّقها.\nثم ذكر الله ﷿ الثالثة بعدُ إما بقوله: ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾، وإما بقوله: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ﴾ الآية.\nوأما قولكم: \" ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ أي ــ والله أعلم ــ: ثلاثًا\" فخطأٌ يخالفه ظاهرُ السياق، وما فهمه المفسرون من السلف، فإنهم اختلفوا على قولين:\nالأول: أن قوله تعالى: ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ هي الثالثة، وقوله: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ بناءٌ عليها، كأنه قال: فإن وقع التسريح المذكور.\nالثاني: أن التسريح هنا معناه عدم المراجعة، وقوله: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ هي الثالثة.\nوأما ما ذكره ابن جرير (^١) عن ابن عباس قال: \"يقول: إن طلَّقها ثلاثًا لا تحل حتى تنكح زوجًا غيره\" (تفسير ابن جرير ج ٢/ ص ٢٧٠)، فسنده ضعيف، وهو مع ذلك محمول على أن المراد منه ثلاثًا متفرقات هذه آخرها، جمعًا بينه وبين الروايات الثابتة عن ابن عباس.\n_________\n(^١) \"تفسيره\" (٤/ ١٦٦). وأخرجه أيضًا ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٢/ ٤٢٢) والبيهقي (٧/ ٣٧٦).","vol":"17","page":645},{"text":"اعتراض أهل المذهب الثالث:\nقالوا لأهل المذهب الثاني: أما ردكم على المذهب الأول تجويزَهم الجمعَ فقد وُفِّقتم فيه، ولكنكم أخطأتم في تجويزكم أن يُتْبِعها طلقة ثانية، ثم طلقة ثالثة، وهي في عدتها من الأولى.\nوالآية الأولى حجة عليكم (^١)، [ملحق ص ٣] فإن قوله: ﴿لِعِدَّتِهِنَّ﴾ معناه: عند شروع عدتهن. قال الحافظ ابن حجر (^٢): \"أي عند ابتداء شروعهن في العدة، واللام للتوقيت كما يقال: لقيتُه لليلةٍ بقيتْ من الشهر، قال مجاهد: قال ابن عباس: \"في قُبُلِ عدتهن\"، أخرجه الطبري (^٣) بسند صحيح، ومن وجه آخر (^٤) أنه قرأها كذلك، وكذا وقع في صحيح مسلم (^٥) من رواية أبي الزبير عن ابن عمر: وقرأ رسول الله - ﵌ -: ﴿يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن في قُبُلِ عدتهن﴾. ونقلت هذه القراءة أيضًا عن أُبيّ وعثمان وجابر وعلي بن الحسين وغيرهم\". (فتح الباري ج ٩/ ص ٢٧٦).\nقالوا: وفي كتب اللغة: \"والقُبُل من الزمن أوله\".\nقالوا: فهذا إنما يصدق على الطلقة الأولى، فأما الطلقة الثانية والثالثة\n_________\n(^١) هنا كتب المؤلف في الهامش: \"الصفحة الثالثة بعد\" وفيها الكلام الذي يلحق هنا.\n(^٢) \"فتح الباري\" (٩/ ٣٤٦).\n(^٣) \"تفسيره\" (٢٣/ ٢٥). وأخرجه أيضًا ابن أبي شيبة (٥/ ٢) والنسائي في \"الكبرى\" (٥٥٨٦).\n(^٤) \"تفسير الطبري\" (٢٣/ ٢٤).\n(^٥) رقم (١٤٧١/ ١٤).","vol":"17","page":646},{"text":"على قولكم فإن إحداهما تقع بعد مضي ثلث العدة، والأخرى بعد مضي ثلثيها، فليستا في قُبُل العدة، فالآية تنفي قولكم بتاتًا، وتثبت قولنا، والحمد لله.\nوأما ما اعتذر به بعضكم بأن هذه اللام كاللام في قوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ قال: مع أن وقت الظهر لا يتعين عند دلوك الشمس، بل يمتد إلى صيرورة ظل الشيء مثله أو مثليه على الخلاف في ذلك، فعذر باطلٌ؛ لأن في هذه الآية ما يدل على الامتداد، وهو قوله: ﴿إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ فدل على امتداد الوقت، ثم بينت السنة حد امتداد الظهر وحد امتداد العصر، ومع صرف النظر عن هذا فلنا أن نقول: لما دلت السنة على امتداد وقت الظهر علمنا أن الآية نصَّت على وقت الفضيلة، وهو أول الوقت، كما نصت عليه السنة.\nوقال ابن طاوس: \"إذا أردتَ الطلاق فطلِّقها حين تطهر قبل أن تمسها تطليقة واحدة، لا ينبغي لك أن تزيد عليها حتى تخلو ثلاثة قروء، فإن واحدة تُبِينها\" (تفسير ابن جرير ج ٢٨/ ص ٧٧) (^١).\nفأما من قال من المفسرين كقولكم، فكأنه تأول العدة بالقرء؛ لأن به تكون العدة، فقال: يطلق ثلاثًا عند كل قرء، فمعنى الآية على هذا: فطلقوهن في قُبُل كل قرءٍ من أقراءِ العدة الثلاثة.\nوهذا خلاف الظاهر بلا حجة، بل هو تعسفٌ واضحٌ.\n_________\n(^١) (٢٣/ ٢٧) (ط. التركي). ونحوه عن أبيه طاوس في \"مصنف عبد الرزاق\" (٦/ ٣٠٢).","vol":"17","page":647},{"text":"فإن قلتم: قد قدمنا أن قوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ أن هذا في الطلقة الأولى، فعلى هذا لم تبين الآية حكم الثانية والثالثة، فقسناها على الأولى فيما يمكن، وهو أن تكون في الطهر الثاني وفي الثالث.\nقلنا: فإن الآية نفسها تنفي أن يكون في العدة طلاق غير هذه الطلقة الأولى، فإنه [ص ٣] لم يذكر فيها بعد الطلقة الأولى إلا قوله: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾، فالإمساك هنا المراجعة، والفراق عدمها، كما ذكره ابن جرير ونقله عمن تقدم، ولم يذكر غيره.\nوالآية وما بعدها مسوقة لتعليم سنة الطلاق اتفاقًا، وقد بينت أنه لا ينبغي أن يكون بين الطلقة الأولى وبين انقضاء العدة إلا مراجعة أو عدم مراجعة.\nومن ادعى أن الفراق هنا بمعنى الطلاق، فدعواه مردودة، فإن الفراق لا يعطي ذلك لغةً ولا شرعًا، وإن كان قد يستعمل فيه، فإن استعماله في الطلاق بخصوصه مجازٌ، ولا قرينة هنا على هذا المجاز، بل القرينة تفيد خلافه، وهي أنه جعله مقابلًا للرجعة، والظاهر في مقابل المعنى الوجودي هو عدمه، فثبت ما قلنا.\nويزيده وضوحًا أن قوله: ﴿بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ ظاهر هذا اللفظ في الأصل \"انقضت عدتهن\" ــ كما لا يخفى ــ ولكنه استعمل ههنا في معنى قاربن بلوغ الأجل، واستعمال البلوغ في مقاربته تقتضي مقاربة شديدة، وعند القرب الشديد من انقضاء العدة لا تبقى حاجة لإيقاع طلاق آخر، بل لا يمكن هذا على قول من يقول منكم: إن الأقراء هي الحيض؛ لأن المقاربة الشديدة إنما","vol":"17","page":648},{"text":"تكون في الحيضة الثالثة، وقد اتففنا على تحريم الطلاق في الحيض مطلقًا.\nوأيضًا لو أجزنا الطلاق عند مقاربة الانقضاء، فإما أن نجيز طلقة أو طلقتين معًا؟ وقد اتفقنا على منع الطلقتين، وعليه فلا يكون له ــ على ما فرضناه ــ أن يُوقِع إلا طلقةً أخرى، فتكون هي الثانية، فلا تحصل بها البينونة، فلا يكون للمطلق غرض صحيح، وإذا كان كذلك كان هذا الطلاق من اتخاذ آيات الله هزوًا والتلاعب بحدوده.\nعلى أننا نقول: إن الفوائد التي ذكرتم أنها قد تكون للمطلق إذا طلَّق المدخول بها من حرمان الميراث، وحرمان النفقة والسكنى، وتعجل نكاح أختها مثلًا أو رابعة، كلها أغراضٌ مذمومةٌ شرعًا.\nأما حرمان الميراث وحرمان النفقة والسكنى فظاهر، وقد قال الله تعالى: ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾، ﴿أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾، ﴿أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾، ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾، والطلاق لحرمان الميراث أو النفقة والسكنى منافٍ لهذا كله.\nوهكذا تعجل نكاح الأخت ــ مثلًا ــ مذموم؛ لأنه يثبت في نفس المطلقة أنه إنما طلَّقها لينكح أختها، فتهيج بذلك بغضاء بين الأختين، ويورث ذلك سوء ظن بين الناس فيه وفي الأخت الثانية؛ لأن عادة الناس أن لا تحتجب المرأة من زوج أختها، كما تحتجب من الأجانب.\nوأما الرابعة فالحاجة إلى استعجال نكاحها نادرة، ولا يخلو ذلك من إثارة البغضاء بين أهل الأولى وأهل الثانية، بقول أهل الأولى: إنما طلَّق صاحبتنا ليزوج صاحبتهم، وهم أفسدوه، وغير ذلك.","vol":"17","page":649},{"text":"ومع هذا كله، فإن هذه المنافع غير مقررة في الشرع؛ لاختلاف أهل العلم فيها، وعلى ذلك فلا تقوم بكراهية الطلاق من أصله فضلًا عن الطلاق البائن.\nولهذا ــ والله أعلم ــ حظر الطلاق في الحيض، وفي طهر قاربها فيه، والعلة في ذلك ــ والله أعلم ــ أن الزوج بعد مقاربة زوجته يقل ميله إليها إلى مدة، وعند قلة الميل [ص ٤] قد يطلق عن غير نفرة صادقة، ولعله لو صبر أيامًا قوي ميله إليها، فأعرض عن الطلاق.\nفإذا كانت حائضًا كان لعله قريب العهد بها في الطهر الأقرب، ومع ذلك فإن النفس تنفر عن الحائض للأذى، ولحظر الشرع مقاربتها، فالنفس يائسة منها، فلا تتحدث بمقاربتها.\nوالطهر الذي قاربها فيه يكون قريب عهد بها، فإذا حاضت المرأة ثم طهرت كان الميل قد قوي في الرجل؛ لأنه قد بعُدَ عهدُه بها؛ ولأنه يتمثلها قد اغتسلت، وتطيبت، ولبست، وتزيَّنت، فيدعوه ذلك إليها، فيعرض عن الطلاق، ما لم تكن النفرة قد قويت.\nومع ذلك لم يأذن له إلا بطلقة واحدة، وفرض عليه نفقتها، لئلا ينسد باب الصلح، وإبقاؤها في بيتها، وهو في الغالب بيته الذي يسكن فيه، أو قريبًا منه، وأطيلت العدة إلى ثلاثة قروء، إذ لعله يقوى ميلُه إليها في أثناء هذه المدة، وينسى ما بعثه على الطلاق من الإساءة، وقد تهيج به الذكرى وهو على فراشه، فلا يكون بينه وبينها إلا أن يراجع، ثم يكشف الستر، أو يدقّ الباب.","vol":"17","page":650},{"text":"فلو جمع الثلاث ربما ندم بعد ساعة، كما هو مشاهدٌ بكثرة فاحشة في جميع البلدان، فأدخل بذلك الضرر على نفسه، وعليها إذا كانت تحبه، أو لا يرغب فيها غيره كما في الهند وغيرها من الأقطار، تقل فيها الرغبة في زواج الثيبات، ولا سيما المطلقات، حتى لا تكاد تسمع بمطلقة تزوجّها رجلٌ آخر.\nويدخل الضرر على أطفاله منها، إن كانوا، فإنهم إن بقوا عندها بعدوا عن أبيهم، فأضر ذلك به وبهم، وقد لا يكون عنده من المال ما يكفي لأن يرسل إليهم نفقة تكفيهم، وإن اتفق أن تزوجت رجلًا آخر، فإما أن يكونوا معها، وذلك بلاء عليهم، وإما أن تدَعَهم عند أمها، فيمسوا محرومين من أبيهم وأمهم مع أنهما حيان، وإن أبقاهم عنده فإن لم يتزوج كانوا عذابًا عليه، ولم يكن عنده من يقوم بمصالحهم من النساء، وإن كان فليست كأمهم، وإن تزوج كانت هذه المرأة عدوةً طبيعية لأولاده من الأولى، كما هو مشاهد.\nفاجعلْ كراهيةَ الشرع وهذه المضارَّ في كِفَّة، وما قد يقصده الزوج من تلك المنافع في كفة، وانظر أيهما يرجح.\nهذا، مع ما تقدم من أن تلك المنافع مذمومة وغير مقررة في الشرع، مما يبعد أن يُقِيم لها الشرعُ وزنًا البتة.\nقالوا: ولو كان لهذه المنافع أثرٌ في الشرع لكان أباح إيقاع الثلاث دفعةً، وقد اتفقنا على رده، وكان يلزمكم إذ لم تُسندِوا جواز إتباع الطلقة الثانية ثم الثالثة إلا إلى احتمال تلك الأغراض أن تقيّدوا الجواز بوجود غرضٍ مباحٍ منها إن كان، فكيف تكون سندًا لتشريع عامٍ وهي نادرة؟ ! هذا خلاف سنة الشرع، فإن سنته أن يُراعي الغالب ويُلغي النادر، لا عكسه.","vol":"17","page":651},{"text":"قالوا: فإذا قلنا: إن قوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ إنما هو في الطلقة الأولى، فالقياس الصحيح في الثانية والثالثة أن لا تُوقَع كلٌّ منهما إلا عندما يحتاج إليها كالحاجة إلى الأولى، وإنما يحتاج إلى الثانية إذا راجع من الأولى، فيحتاج حينئذٍ إلى ثانية لحل العصمة، فيحتاط لها كما احْتِيط للأولى، فلا توقع إلا في قُبُل العدة، والمعنى حينئذٍ كما في الأولى تمامًا، ثم لا تُوقع الثالثةُ إلا عند الحاجة إليها كالحاجة إلى الأولى وإلى الثانية، وإنما يكون ذلك إذا راجع من الثانية، واحتاج إلى الطلاق، فحينئذٍ يحتاط لها كما في الأُوليين، فلا تُوقَع إلا في قُبُل العدة، والمعنى قبل إيقاعها كالمعنى في الأوليينِ تمامًا، وأما بعد إيقاعها فقد اختلف المعنى، إذ لا رجعةَ بعدها.\nوأما إذا قلنا: إن قوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ يصدق بالطلقة الأولى وبالثانية وبالثالثة ــ وإن كانت بعض الأحكام المذكورة في السياق تختصُّ بالأولى والثانية ــ فالأمر أظهر، فإن كلًّا من الثلاث تكون منصوصًا في الآية على إيقاعها في قُبُل العدة، وقد تقدم بقية الكلام.\nقالوا: وأما ما تُفسِّرون به قوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ الآيتين: أن المرة الأولى في طهرٍ لم يقربْها فيه، والثانية في الطهر الثاني، والثالثة في الطهر الثالث، فمردودٌ عليكم.\nأخرج مالك ﵀ في \"الموطأ\" (^١) عن هشام بن عروة عن أبيه قال: \"كان الرجل إذا طلَّق امرأته ثم ارتجعها قبل أن تنقضي عدتها كان ذلك\n_________\n(^١) (٢/ ٥٨٨).","vol":"17","page":652},{"text":"له، وإن طلَّقها ألف مرة، فعَمَدَ رجلٌ إلى امرأته فطلَّقها، حتى إذا شارفتْ انقضاءَ عدتها راجعها، ثم طلَّقها، ثم قال: لا والله لا آوِيكِ إليَّ، ولا تحِلِّينَ أبدًا، فأنزل الله ﵎: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾، فاستقبل الناس الطلاقَ جديدًا من يومئذٍ، من كان طلَّق منهم أو من لم يطلِّق\". (\"الموطأ\" بهامش شرحه \"المنتقى\" ج ٥/ ص ١٢٥).\n[ص ٥] هذا مرسلٌ صحيحٌ، وهكذا رواه ابن إدريس وجرير بن عبد الحميد عن هشام. انظر تفسير ابن جرير (ج ٢/ص ٢٥٩) (^١).\nوقد رفعه بعضهم، أخرجه الحاكم في \"المستدرك\" (^٢)، وصححه من طريق يعلى بن شَبِيب عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة، وله عواضد.\nأخرج ابن جرير (^٣) عن قتادة قال: \"كان أهل الجاهلية يطلق أحدهم امرأته ثم يراجعها، لا حدَّ في ذلك، هي امرأته ما راجعها في عدتها، فجعل الله حد ذلك يصير إلى ثلاثة أقراء، وجعل حدَّ الطلاق ثلاث تطليقات\".\nوأخرج (^٤) عن ابن زيد: \" ... وطلق رجل امرأته حتى إذا كادت أن تَحِلَّ ارتجعها، ثم استأنف بها طلاقًا بعد ذلك لِيُضارَّها بتركها، حتى إذا كان قبل انقضاء عدتها راجعها، وصنع ذلك مرارًا، فلما علم الله ذلك منه، جعل الطلاق ثلاثًا: مرتين، ثم بعد المرتين إمساكٌ بمعروف أو تسريح بإحسان\".\n_________\n(^١) \"تفسيره\" (٤/ ١٢٥، ١٢٦).\n(^٢) \"المستدرك\" (٢/ ٢٧٩، ٢٨٠). وأخرجه أيضًا الترمذي (١١٩٢).\n(^٣) في \"التفسير\" (٤/ ١٢٦).\n(^٤) المصدر نفسه (٤/ ١٢٦).","vol":"17","page":653},{"text":"فقوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ يعني ــ والله أعلم ــ: الطلاق الذي تعقبه رجعة؛ لأن هذا هو المعهود لهم سابقًا، والمعهود في القصة التي كانت سبب النزول، والمعهود في الآية التي قبلها، وهي قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ إلى قوله: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾.\nفكأنه قال: الطلاق الذي تعقبه رجعة إنما هو مرَّتان، لا مِرارٌ كثيرة، كما أراد ذلك الرجل المضارُّ أن يفعل.\nوعليه، فكل مرة من المرتين عبارة عن طلاق عقبتْه رجعةٌ، لأن هذا ردّ على ذلك المضارّ الذي أراد أن يفعل هذا، أي الطلاق والرجعة مرارًا.\nوقوله تعالى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ أريد به ــ والله أعلم ــ: وبعد أن يطلق أحدكم [ثم يراجع] ثم يطلق ثم يراجع، لا يبقى له إلا أن يمسكها ويحتفظ بها، أو يُسرِّحها السراحَ الأخير، وهو الطلاق الثالث.\nقال في الفتح (^١): \"معنى قوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ فيما ذكر أهل العلم بالتفسير، أي: أكثر الطلاق الذي يكون بعده الإمساك أو التسريح مرتان، ثم حينئذٍ إما أن يختار استمرار العصمة فيمسك الزوجة، أو المفارقة فيسرِّحها بالطلقة الثالثة، وهذا التأويل نقله الطبري وغيره عن الجمهور\".\nثم ذكر القول الثاني، وسيأتي، ثم قال (^٢): \"ويرجِّح الأولَ ما أخرجه\n_________\n(^١) (٩/ ٣٦٦).\n(^٢) أي الحافظ في \"الفتح\" (٩/ ٣٦٦).","vol":"17","page":654},{"text":"الطبري (^١) وغيره من طريق إسماعيل بن سميع عن أبي رزين قال: \"قال رجل: يا رسول الله! الطلاق مرتان، فأين الثالثة؟ قال: إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان\".\nأقول: وفي رواية للطبري (^٢): \"قال رجل: يا رسول الله! يقول الله: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾ فأين الثالثة؟ قال: التسريح بإحسان\". (تفسير ابن جرير ٢/ ص ٢٦٠).\nثم قال الحافظ (^٣): \"وسنده حسن، لكنه مرسلٌ؛ لأن أبا رزين لا صحبة له، وقد وصله الدارقطني (^٤) من وجهٍ آخر، فقال: \"عن أنس\" لكنه شاذ، والأول هو المحفوظ ... والأخذ بالحديث أولى، فإنه مرسل حسن، يعتضد بما أخرجه الطبري (^٥) من حديث ابن عباس بسندٍ صحيحٍ قال: \"إذا طلَّق الرجل امرأته تطليقتين، فليتق الله في الثالثة، فإما أن يُمسِكها فيُحسِن صحبتها، أو يُسرِّحها فلا يظلمها من حقها شيئًا\". (فتح الباري ج ٩/ ص ٢٩٣).\nوقال ابن جرير (^٦): \"فقال بعضهم: عَنَى الله تعالى ذِكره بذلك الدلالةَ\n_________\n(^١) \"تفسيره\" (٤/ ١٣٠).\n(^٢) المصدر نفسه (٤/ ١٣١). وأخرجه أيضًا عبد الرزاق في \"تفسيره\" (١/ ٩٣) و\"المصنف\" (١١٠٩١) وأبو داود في \"المراسيل\" (ص ١٤٥) وابن أبي حاتم في \"التفسير\" (٢/ ٤١٩).\n(^٣) في \"الفتح\" (٩/ ٣٦٦).\n(^٤) في \"سننه\" (٤/ ٤) وقال: والصواب مرسل.\n(^٥) في \"التفسير\" (٤/ ١٢٨).\n(^٦) المصدر نفسه (٤/ ١٣٠).","vol":"17","page":655},{"text":"على اللازم للأزواج للمطلقات اثنتين بعد مراجعتهم إياهن من التطليقة الثانية من عشرتهن بالمعروف، أو بفراقهن بطلاق\".\nثم قال (^١) بعد أن ذكر الحديث وغيره، وذكر القول الثاني: \"فإن اتباع الخبر عن رسول الله - ﵌ - أولى بنا من غيره، فإذ كان ذلك هو الواجب، فبيِّنٌ أن تأويل الآية: الطلاق الذي لأزواج النساء على نسائهم فيه الرجعة مرتان، ثم الأمر بعد ذلك إذا راجعوهن في الثانية إما إمساك بمعروف، وإما تسريح منهم لهن بإحسان بالتطليقة الثالثة\". (تفسير ابن جرير ج ٢/ص ٢٥٩ - ٢٦٠).\n[ص ٦] أقول: والقول الثاني حكاه ابن جرير فقال (^٢): \"وقال آخرون: بل عنى الله بذلك الدلالة على ما يلزمهم لهن بعد التطليقة الثانية من مراجعةٍ بمعروف، أو تسريحٍ بإحسان بترك رجعتهن حتى تنقضي عدتهن\".\nثم روى عن السدي (^٣) قال: \"إذا طلَّق واحدةً أو اثنتين إما أن يمسك، ويمسك: يراجع بمعروف، وإما سكت عنها حتى تنقضي عدتها\".\nوعن الضحاك (^٤) قال: \"يعني تطليقتين بينهما مراجعة، فأمر أن يمسك أو يسرح بإحسان\".\nوروى عنه قبل ذلك (^٥): \"والتسريح أن يدَعَها حتى تمضي عدتها\". (تفسير ابن جرير ج ٩/ص ٢٦٠).\n_________\n(^١) في \"التفسير\" (٤/ ١٣٢).\n(^٢) المصدر نفسه (٤/ ١٣١).\n(^٣) المصدر نفسه (٤/ ١٣١، ١٣٢).\n(^٤) المصدر نفسه (٤/ ١٣٢).\n(^٥) المصدر نفسه (٤/ ١٣٢).","vol":"17","page":656},{"text":"وأخرج (^١) في تفسير سورة الطلاق عن الضحاك في قوله: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾، ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ قال: \"يعني بالمخرج واليسر: إذا طلَّق واحدةً ثم سكت عنها، فإن شاء راجعها بشهادة رجلين عدلين، فذلك اليسر الذي قال الله، وإن مضت عدتها ولم يراجعها كان خاطبًا من الخُطَّاب، وهو الذي أمر الله به، وهكذا طلاق السنة، فأما من طلَّق عند كل حيضة فقد أخطأ السنة، وعصى الرب، وأخذ بالعسر\". (تفسير ابن جرير ج ٢٨/ص ٨٢).\nأقول: قال ابن جرير (^٢) في تحرير القول الثاني: \"وكأن قائلي هذا القول الذي ذكرناه عن السدي والضحاك ذهبوا إلى أن معنى الكلام: الطلاق مرتان، فإمساكٌ [في] كل واحدة منهما لهن بمعروف، أو تسريح لهن بإحسان\".\nأقول: وحاصله هكذا: المرة الأولى فمراجعةٌ أو تركٌ حتى تنقضي عدتها، فإذا راجع وأراد الطلاق فالمرة الثانية، فمراجعةٌ أو تركٌ حتى تنقضي عدتها، ثم قال تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾.\nومعناها على هذا: فإذا راجع من الثانية، ثم بدا له الطلاق فإن طلَّقها ... إلخ.\nوعلى هذا، فهذا القول الثاني لا يخالف القول الأول فيما ذهب إليه\n_________\n(^١) \"التفسير\" (٢٣/ ٤٤).\n(^٢) المصدر نفسه (٤/ ١٣٢).","vol":"17","page":657},{"text":"أهل المذهب الثالث (^١).\nأقول: والقائلون بأن الإمساك هو الرجعة يقولون كما ذكر بأن .... (^٢) فبعد المرتين إما مراجعة و.... في الاعتراض إما مراجعة وإما طلاق.\nفإن قيل: لكنه جاء الطلاق بعد ذلك في قوله: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ﴾.\n[قيل]: هو مبني على فرض الإمساك وهو المراجعة؛ لأنه قد حصر الأمر بعد الثنتين في مراجعة أو عدمها، فإن عدمت حتى انقضت العدة كما هو ظاهر، فلا موقع للطلاق الثالث، وإنما يكون له موقع على فرض وقوع المراجعة، فتدبر.\nوأما من قال: المرتان طلقتان عند كل طهر واحدة، فلم يتبين ما يفسرون به الإمساك والتسريح، وعلى كل حال فقولهم مردود من أصله.\nوعلى كلٍ من الأقوال الثالثة، فقوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ﴾ المراد بها الطلاق الثالث.\nأما على قول من قال: الإمساك الإبقاء في العصمة، والتسريح الطلاق، فإنه يقول: إن قوله: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ مبني على التسريح، كأنه قال: فإن وقع منه التسريح الذي تقدم ذكره. والتسريح هو الطلاق الثالث عند هؤلاء.\nوأما من قال: الإمساك المراجعة بعد كل من الطلقتين، والتسريح عدم\n_________\n(^١) بعدها صفحتان كتبهما المؤلف، ثم شطب عليهما. وكتب بعد صفحات ملحقًا يناسب هذا المكان.\n(^٢) الكلمات مخرومة في الأصل في مواضع النقط.","vol":"17","page":658},{"text":"المراجعة، فإنه يقول: إن الطلقة الثالثة إنما ذكرت في قوله: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾.\nوأما من قال: المرتان طلقتان في كل طهر واحدة، فلا بد أن يوافق أحد القولين المتقدمين، ولو كان يقول بخلاف ذلك لكان الظاهر أن يحكيه ابن جرير.\nنعم، ذكر ابن جرير (^١) في تفسير ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ﴾ عن ابن عباس قوله: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ يقول: \"إن طلَّقها ثلاثًا لا تحل حتى تنكح زوجًا غيره\".\nرواه من طريق عبد الله بن صالح عن معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة، وفي كل منهم كلام، وهو مع ذلك منقطع، فإن ابن أبي طلحة لم يسمع من ابن عباس، وصحيفة علي بن أبي طلحة عن ابن عباس يستأنس بها أهل العلم، ولا يحتجون بها.\nعلى أن هذا الأثر لو صح لوجب حملُه على معنى \"إن طلَّقها\" الثالثةَ، فتمَّ طلاقُها \"ثلاثًا\"، توفيقًا بين هذا وبين الروايات الصحيحة عنه (^٢).\nواحتج أهل المذهب الثاني بالآية ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ فإن المراد بالإمساك المراجعة، وبالتسريح الطلاق، كأنه قال: وبعد المرتين إما مراجعة وإما طلاق.\nوهذا يدل أن المرة الثانية طلاق لم يعقبه رجعة، إذ لو كانت طلاقًا\n_________\n(^١) في \"تفسيره\" (٤/ ١٦٦).\n(^٢) هنا نهاية الملحق، وما بعدها وراء صفحة الملحق.","vol":"17","page":659},{"text":"ورجعة لما أمكن أن تكون بعدها مراجعة أخرى، وإذا ثبت أن المرة الثانية طلاقٌ تصلح بعده المراجعة ويصلح الطلاق، فقد وقعت المرة الثالثة من الطلاق عقب الطلاق الثاني بدون تخلل رجعة، وإذا جاز هذا بين الثانية والثالثة فليجز بين الأولى والثانية، ولا قائل بالفرق.\nفالجواب: أن جمهور السلف فسروا الإمساك ههنا بالإبقاء في العصمة، لا بالمراجعة، ونظيره قوله تعالى: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ﴾ [الأحزاب: ٣٧].\nوقد أخرج الحاكم في \"المستدرك\" (^١) عن أنسٍ قال: \"جاء زيد بن حارثة يشكو إلى رسول الله - ﵌ - من زينب بنت جحش، فقال النبي - ﵌ -: أمسِك عليك أهلَك، فنزلت\".\nوذكر ابن جرير (^٢) أثرًا عن ابن زيد، وفيه: \"فجاء فقال: يا رسول الله! إني أريد أن أفارق صاحبتي، قال: مالك؟ أرابَكَ منها شيءٌ؟ قال: لا والله ما رابني منها شيءٌ يا رسول الله، ولا رأيت إلا خيرًا، فقال له رسول الله - ﵌ -: أمسِكْ عليك زوجك واتق الله\".\nوروى أثرًا عن قتادة بنحوه (^٣). (تفسير ابن جرير ج ٢٢/ ص ٩).\nوأصرح منه قوله تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠].\n_________\n(^١) (٢/ ٤١٧).\n(^٢) \"تفسيره\" (١٩/ ١١٦).\n(^٣) المصدر نفسه (١٩/ ١١٥).","vol":"17","page":660},{"text":"وأكثر ما يجيء الإمساك في القرآن بهذا المعنى، أي عدم الإرسال.\nوإنما ذكرت الآيتين لئلا يقول قائل: قد جاء في القرآن ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ في موضعين، والمراد به في كل منهما \"فراجعوهن\"، فينبغي أن يكون قوله هنا: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾ أي مراجعة.\nعلى أنه قد يقال: فرق بين قوله: ﴿فَإِمْسَاكٌ﴾، وقوله: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ﴾، فإن الاسم يدل على الثبات واللزوم، فيقتضي أن هذا الإمساك هو الإبقاء في العصمة؛ لأنه استمرار شيء ثابت، والفعل يدل على التجدد والحدوث، فيقتضي في قوله: \"فأمسكوا\" أي أحدثوا إمساكًا، وهو المراجعة، فتأمل.\nوقال ابن جرير (^١) بعد أن ذكر أثر عروة وما في معناه: \"فتأويل الآية على هذا الخبر الذي ذكرنا: عدد الطلاق الذي لكم أيها الناس فيه على أزواجكم الرجعةُ تطليقتان، ثم الواجب على من راجع منكم بعد التطليقتين إمساكٌ بمعروف، أو تسريح بإحسان\".\nثم حكى قول من قال: إن \"المرتان\" طلقتان في كل طهر واحدة، ثم الواجب بعد ذلك إما إمساك بمعروف وإما تسريح بإحسان، ثم رده بأنه مخالفٌ لظاهر التنزيل، ولمرسل عروة وعواضده.\nثم حكى الخلاف في تأويل الإمساك والتسريح قال (^٢): فقال بعضهم:\n_________\n(^١) \"تفسيره\" (٤/ ١٢٧).\n(^٢) المصدر نفسه (٤/ ١٣٠).","vol":"17","page":661},{"text":"عنى الله تعالى ذكره بذلك الدلالة على اللازم للأزواج للمطلقات اثنتين بعد مراجعتهم إياهن من التطليقة الثانية من عشرتهن بالمعروف أو فراقهن (^١) بطلاق\".\nوذكر حديث أبي رزين الآتي وآثارًا لا أراها صريحة فيما قال.\nثم قال (^٢): \"وقال آخرون: بل عنى الله بذلك الدلالة على ما يلزمهم لهن بعد التطليقة الثانية من مراجعة بمعروف، أو تسريح بإحسان بترك رجعتهن\".\nثم روى عن السدي قال (^٣): \"إذا طلَّق واحدة أو اثنتين، إما أن يمسك ــ ويمسك: يراجع بمعروف ــ وإما سكت عنها حتى تنقضي عدتها\".\nوعن الضحاك قال (^٤): \"يعني تطليقتين بينهما مراجعة، فأمر أن يمسك أو يسرح بإحسان\".\nثم رد هذا التأويل بحديث أبي رزين (^٥): \"قال رجل: يا رسول الله! قول الله ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾ فأين الثالثة؟ قال: التسريح بإحسان\".\nثم قال (^٦): \"فبيِّنٌ أن تأويل الآية: الطلاق الذي لأزواج النساء على\n_________\n(^١) في الأصل: \"بفراقهن\"، والتصويب من تفسير الطبري.\n(^٢) المصدر السابق (٤/ ١٣١).\n(^٣) المصدر نفسه (٤/ ١٣١، ١٣٢).\n(^٤) المصدر نفسه (٤/ ١٣٢).\n(^٥) المصدر نفسه (٤/ ١٣٢، ١٣٠).\n(^٦) المصدر نفسه (٤/ ١٣٢).","vol":"17","page":662},{"text":"نسائهم فيه الرجعة مرتان، ثم الأمر بعد ذلك إذا راجعوهن في الثانية إما إمساكٌ بمعروف، وإما تسريحٌ لهن بإحسان بالتطليقة الثالثة\". (تفسير ابن جرير ج ٢/ ص ٢٥٩ - ٢٦٠).\n[ص ٧] السُّنَّة\nالمذهب الأول: قالوا: السنة معنا، ففي حديث عائشة الذي في الصحيحين (^١) وغيرهما في قصة امرأة رفاعة: أنها جاءت إلى النبي - ﵌ - فقالت: إني كنت عند رفاعة، فطلقني فبتَّ طلاقي، فتزوجت عبد الرحمن بن الزَّبِير، وإنما معه مثل هُدْبة الثوب، فتبسم رسول الله - ﵌ - وقال: \"أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ لا، حتى يذوق عسيلتك، وتذوقي عسيلته\".\nقال الإمام الشافعي (^٢): \"فإن قيل: فقد يجوز أن يكون رفاعة بتَّ طلاقها في مرات.\nقلت: ظاهره مرةً واحدةً\".\nوفي حديث فاطمة بنت قيس، وهو في صحيح مسلم (^٣)، وأشار إليه البخاري (^٤): \"أن زوجها طلَّقها ثلاثًا، فلم يجعل لها النبي - ﵌ - سكنى ولا نفقة\".\n_________\n(^١) البخاري (٢٦٣٩) ومسلم (١٤٣٣).\n(^٢) \"الأم\" (١٠/ ٢٥٩).\n(^٣) رقم (١٤٨٠).\n(^٤) انظر \"الصحيح\" مع \"الفتح\" (٩/ ٤٧٧) وكلام الحافظ عليه.","vol":"17","page":663},{"text":"وفي الصحيحين (^١) من حديث عائشة: \"أن رجلًا طلَّق امرأته ثلاثًا، فتزوجت فطلق، فسئل النبي - ﵌ -: أتحلُّ للأول؟ قال: لا، حتى يذوق عُسيلتها، كما ذاق الأول\".\nوفي الصحيحين (^٢) من حديث سهل بن سعد في قصة عويمر العجلاني: \"أنه بعد أن لاعنَ زوجته قال: كذبتُ عليها يا رسول الله إن أمسكتُها، فطلقها ثلاثًا قبل أن يأمره رسول الله - ﵌ - \".\nقال الإمام الشافعي (^٣): \"وأن النبي - ﵌ - علَّم عبد الله بن عمر موضع الطلاق، ولو كان في عدد الطلاق مباحٌ ومحظورٌ علَّمه ــ إن شاء الله ــ إياه؛ لأن من خفي عليه أن يطلق امرأته طاهرًا، كان ما يُكره من عدد الطلاق ويُحَبّ ــ لو كان فيه مكروه ــ أشبه أن يخفى عليه ... وطلق ركانة امرأته البتة، وهي تحتمل واحدةً، وتحتمل ثلاثًا، فسأله النبي - ﵌ - عن نيته وأحلفه، ولم نعلمه نهى أن يطلق البتة يريد بها ثلاثًا، وطلق عبد الرحمن بن عوف امرأته ثلاثًا\".\nرده: قالوا: أما الحديث الأول فقد جاء مفسرًا على خلاف ما ظننتم، ففي الصحيحين (^٤): \" ... فقالت: يا رسول الله! إنها كانت عند رفاعة، فطلَّقها آخر ثلاث تطليقات\" (صحيح البخاري ج ٨/ص ٢٣، صحيح مسلم ج ٤/ص ١٥٤).\n_________\n(^١) البخاري (٥٢٦١) ومسلم (١٤٣٣/ ١١٥).\n(^٢) البخاري (٥٣٠٨) ومسلم (١٤٩٢).\n(^٣) \"الأم\" (٦/ ٤٥٧).\n(^٤) البخاري (٦٠٨٤) ومسلم (١٤٣٣/ ١١٣).","vol":"17","page":664},{"text":"وهكذا الحديث الثاني، ففي رواية عند مسلم (^١): \"أن فاطمة بنت قيس أخبرته أنها كانت تحت أبي عمرو بن حفص بن المغيرة، فطلقها آخر ثلاث تطليقات\"، وفي رواية أخرى (^٢): \" ... فأرسل إلى امرأته فاطمة بنت قيس بتطليقة كانت بقيت من طلاقها\". (صحيح مسلم ج ٤/ص ١٩٦ - ١٩٧).\nوأما الحديث الثالث فالظاهر أنه مختصرٌ من حديث امرأة رفاعة، كما جوزه الحافظ في الفتح (^٣)، قال: \"وسيأتي في شرح قصة رفاعة أن غيره وقع له مع امرأته نظير ما وقع لرفاعة، فليس التعدد في ذلك ببعيد\". (فتح الباري ج ٩/ص ٢٩٥).\nوذكر في (ص ٣٧٥ - ٣٨٠) (^٤) تلك الروايات، وهي بين ضعيفٍ أو غلطٍ في قصة امرأة رفاعة، فانظرها إن شئت.\nوأما الحديث الرابع فقصة عويمر، رواها جماعة من الصحابة، ولم يذكر أحدٌ منهم الطلاق إلا في رواية الزهري عن سهل بن سعد.\nوالزهري يقول تارة: \"فطلقها\"، رواه عنه هكذا الأوزاعي، كما في صحيح البخاري في تفسير سورة النور (^٥)، وعبد العزيز بن أبي سلمة عند أحمد (المسند ج ٥/ص ٣٣٧) (^٦).\n_________\n(^١) رقم (١٤٨٠/ ٤٠).\n(^٢) رقم (١٤٨٠/ ٤١).\n(^٣) (٩/ ٣٦٧).\n(^٤) (٩/ ٤٦٤ ــ ٤٦٩).\n(^٥) البخاري (٤٧٤٥).\n(^٦) رقم (٢٢٨٥٦).","vol":"17","page":665},{"text":"وتارةً يقول: \"ففارقها\"، هكذا رواه عنه جماعة، منهم فليح عند البخاري في تفسير سورة النور (^١)، وابن أبي ذئب عند البخاري أيضًا في الاعتصام (^٢)، وعبد العزيز بن أبي سلمة وإبراهيم بن سعد عند النسائي (^٣)، وعقيل عند أحمد (المسند ج ٥/ص ٣٣٧) (^٤).\nوتارة يقول: \"فطلقها ثلاثًا\"، هكذا رواه مالك وابن جريج (^٥) وغيرهما.\nقال الحافظ في الفتح (^٦): \"في رواية ابن إسحاق ــ يعني عن الزهري ــ: ظلمتُها إن أمسكتُها، فهي الطلاق، فهي الطلاق، فهي الطلاق\".\nأقول: والذي في مسند أحمد \"هي الطلاق، وهي الطلاق، وهي الطلاق\". (مسنده ٥/ ٣٣٤) (^٧).\nثم قال الحافظ (^٨): \"وقد تفرد بهذه الزيادة ولم يتابع عليها، وكأنه رواه بالمعنى؛ لاعتقاده منع جمع الطلقات\". (فتح الباري ٩/ ٣٦٥).\nوفي هذا نظر، فمن البين أن اختلاف هذه الألفاظ: \"فطلقها\"،\n_________\n(^١) رقم (٤٧٤٦).\n(^٢) رقم (٧٣٠٤).\n(^٣) (٦/ ١٧١).\n(^٤) رقم (٢٢٨٥٣).\n(^٥) انظر البخاري (٥٣٠٨، ٥٣٠٩).\n(^٦) (٩/ ٤٥١).\n(^٧) رقم (٢٢٨٣١).\n(^٨) \"الفتح\" (٩/ ٤٥١).","vol":"17","page":666},{"text":"\"ففارقها\"، \"فطلقها ثلاثًا\" ليس من سهل بن سعد، وإنما هو من الزهري، ومن الجائز أن يعني الزهري بقوله: \"فطلقها ثلاثًا\" أنه كرر الطلاق ثلاثًا، وهذا اللفظ يصدق بما إذا كان التكرار صالحًا للتوكيد، فتكون هذه الرواية موافقة لرواية ابن إسحاق، ومن الجائز أيضًا أن يكون الزهري سمع الحديث من سهل باللفظ الذي ذكره ابن إسحاق، ولكن كان الزهري يرويه بالمعنى، فقال مرة: \"فطقها ثلاثًا\" بناءً على ما ظنه من أن هذا اللفظ يثبت به ثلاث طلقات، ثم تردد في ذلك، فكان يقول تارةً: \"فطلقها\" ويقتصر عليه، وتارةً: \"ففارقها\" ويقتصر عليه، وذكر ابن إسحاق أصل اللفظ الذي سمعه (^١) من سهل، فقد كان لابن إسحاق اختصاص بالزهري، قال ابن عيينة: \"رأيت الزهري قال لمحمد بن إسحاق: أين كنت؟ فقال: هل يصل إليك أحد؟ قال: فدعا حاجبه وقال: \"لا تحجبه إذا جاء\". (ذكره في تهذيب التهذيب) (^٢).\nفأما أن يسمع ابن إسحاق \"فطلقها ثلاثًا\" فيراها مخالفة لرأيه، فيبدلها بلفظ يوافق رأيه، وينسبه إلى صاحب القصة، فهذا بغاية البعد، وليس هذا من الرواية بالمعنى، بل من التحريف والتبديل، وحاشا ابن إسحاق من ذلك (^٣).\n[ص ٨] قالوا: وعلى فرض أنه ثبت ثبوتًا لا ريب فيه أن عويمرًا طلَّق ملاعنته ثلاث طلقات بحضرة النبي - ﵌ -، ولم ينكر عليه، ودل ذلك على الجواز، فليس في هذا ما يدل على إباحة جمع الطلاق مطلقًا، فليجز مثل\n_________\n(^١) أي الزهري.\n(^٢) (٩/ ٤٠).\n(^٣) ثم الكلام يتصل بعد خمس ورقات في الأصل.","vol":"17","page":667},{"text":"ذلك في مثل هذه الواقعة، وهي أن يطلق الزوج زوجته التي اطلع على زناها ولاعنَها فالتعنت، ولا يُقاس عليها من ليس مثل معناها.\nعلى أنه قد أغنى الله الملاعن عن الطلاق بقضائه بالتفريق بينهما مؤبدًا بغير طلاق.\nوقد أخرج النسائي (^١) وغيره بسند صحيح عن مخرمة بن بكير عن أبيه قال: سمعت محمود بن لبيد قال: \"أُخبِر رسول الله - ﵌ - عن رجل طلَّق امرأته ثلاث تطليقات جميعًا، فقام غضبانَ، فقال: أيُلْعَب بكتاب الله وأنا بين أظهركم، حتى قام رجلٌ وقال: ألا أقتله؟ \". (سنن النسائي ٢/ ٦٩٥).\nومحمود بن لبيد ولد في عهد النبي - ﵌ -، فالحديث مرسلٌ صحيحٌ.\nوأخرج البيهقي (^٢) وغيره من حديث أبي موسى قال: قال رسول الله - ﵌ -: \"ما بالُ رجالٍ يلعبون بحدود الله؟ طلقتك راجعتك، طلقتك راجعتك! \".\nورجاله رجال الصحيح إلا أن فيهم من يدلس.\nوفي رواية: \"لِمَ يقول أحدكم لامرأته: قد طلقتك، قد راجعتك؟ طلقوا المرأة في قُبُل عدتها\" (سنن البيهقي ٧/ ٣٢٢ - ٣٢٣).\nوأخرج الحاكم (^٣) وغيره من حديث ابن عمر قال: قال رسول الله - ﵌ -:\n_________\n(^١) (٦/ ١٤٢).\n(^٢) \"السنن الكبرى\" (٧/ ٣٢٢). وأخرجه أيضًا ابن ماجه (٢٠١٧).\n(^٣) \"المستدرك\" (٢/ ١٩٦). وأخرجه أيضًا أبو داود (٢١٧٨) وابن ماجه (٢٠١٨).","vol":"17","page":668},{"text":"\"أبغض الحلال إلى الله الطلاق\".\nقال الحاكم: صحيح الإسناد. وقال الذهبي: على شرط مسلم.\nوأورده البيهقي (^١) من طرق موصولًا ومن أخرى مرسلًا، ورجّح بعضُ الحفاظ إرساله، قال صاحب الجوهر النقي: \" ... فهذا يقتضي ترجيح الوصل، لأنه زيادة وقد جاء من وجوه\". (الجوهر النقي مع سنن البيهقي) (^٢).\nأقول: وإن كان مرسلًا فمرسلٌ صحيحٌ، له شواهد وعواضد، فهو صالحٌ للحجة، إن شاء الله تعالى.\nولا خفاء أن الله ﷿ إنما أحله مع بغضه له؛ لعلمه أن الحاجة تشتدُّ إليه، ومن القواعد المقررة أن ما أبيح للضرورة قُدِّر بقدرها، والضرورة أو الحاجة المشروعة يكفي للتخلص منها واحدة، وأما المنافع التي تقدم أن الزوج قد يحتاج إلى تعجلها، فقد مر الكلام عليها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-17>(ملحق)\nما يختص بالمذهب الثاني:</span> قالوا: قد صح عن ابن مسعود أنه قال: \"طلاق السنة أن يطلقها في كل طهر تطليقة، فإذا كان آخر ذلك فتلك العدة التي أمر الله بها\" (سنن الدارقطني ٤٢٧) (^٣). أخرجه من طريق حفص بن غياث عن الأعمش عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن عبد الله.\n_________\n(^١) \"السنن الكبرى\" (٧/ ٣٢٢).\n(^٢) \"الجوهر النقي\" (٧/ ٣٢٣).\n(^٣) (٤/ ٥).","vol":"17","page":669},{"text":"وقال ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (^١): حدثنا حفص بن غياث عن الأعمش عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن عبد الله، فذكره بنحوه.\nوأخرجه ابن جرير (^٢) مطولًا: ثنا ابن حميد ثنا جرير عن مطرِّف عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن عبد الله في قوله: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ قال: \"يطلقها بعدما تطهر من قبل جماع، ثم يدعها حتى تطهر مرة أخرى، ثم يطلقها إن شاء، ثم إن أراد أن يراجعها راجعها، ثم إن شاء طلَّقها، وإلا تركها حتى تتم ثلاثُ حِيضٍ، وتبين منه\". (تفسير ابن جرير ٢/ ٢٥٩).\nقالوا: وقول الصحابي: \"السنة كذا\" في حكم الرفع.\nوجاء عن ابن عباس نحوه.\nأخرج ابن جرير (^٣) في تفسير سورة الطلاق، من طريق ابن إسحاق عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس: \"أنه كان يرى طلاق السنة طاهرًا من غير جماع، وفي كل طهر، وهي العدة التي أمر الله بها\" (تفسير ابن جرير ج ٢٨/ص ٧٧).\nقالوا: وهذا هو المروي عن مجاهد وقتادة وغيرهما من التابعين.\n_________\n(^١) (٩/ ٥١٥).\n(^٢) \"تفسيره\" (٤/ ١٢٨).\n(^٣) المصدر نفسه (٢٣/ ٢٣).","vol":"17","page":670},{"text":"وقد ثبت في الصحيحين (^١) وغيرهما من حديث ابن عمر في قصة طلاقه امرأته وهي حائض أن النبي - ﵌ - قال لعمر: \"مُرْه فليراجعْها، ثم ليمسكْها حتى تطهر، ثم تحيض ثم تطهر، ثم إن شاء أمسك بعدُ، وإن شاء طلَّق قبل أن يمس\".\nقالوا: وإنما لم يرخص له أن يطلق في الطهر الذي يلي تلك الحيضة؛ لأن محل الطلاق كان في الطهر الذي قبلها، ليكون بينه وبين الطلقة الثانية طهر وحيضة كاملة، فلما أوقعه في الحيضة أمره أن لا يوقع الطلقة الثانية إن أراد إلا بعد أن تطهر ثم تحيض ثم تطهر، ليتم له طهر وحيضة كاملة بين الطلقتين، فدل الحديث على جواز إيقاع الطلقة بعد الطلقة إذا كان بينهما طهر لم يقربها فيه، ثم حيضة كاملة.\nجواب المذهب الثالث: قالوا: الأعمش وأبو إسحاق إمامان ولكنهما مدلسان، وابن حميد هو محمد بن حميد الرازي متهم، والصحيح عن ابن مسعود أنه قال: \"الطلاق للعدة طاهرًا من غير جماع\". أخرجه ابن جرير من طرق (تفسير ابن جرير ج ٢٨/ص ٧٦ - ٧٧)، وذكر الحافظ في الفتح (^٢) أن سنده صحيح. (فتح الباري ج ٩/ص ٢٧٦) (^٣).\nوقال ابن أبي شيبة (^٤): ثنا وكيع عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن أبي\n_________\n(^١) البخاري (٥٢٥١) ومسلم (١٤٧١).\n(^٢) \"الفتح\" (٩/ ٣٤٦).\n(^٣) أشار المؤلف هنا إلى ملحق في آخر الرسالة.\n(^٤) \"المصنف\" (٩/ ٥١١) طبعة عوامة.","vol":"17","page":671},{"text":"الأحوص عن عبد الله قال: \"من أراد الطلاق الذي هو الطلاق، فليطلقها تطليقة ثم يدعها حتى تحيض ثلاث حيض\".\nوبسند صحيح عن طاوس (^١): \"طلاق السنة أن يطلق الرجل امرأته طاهرًا في غير جماع، ثم يدعها حتى تنقضي عدتها\".\nوبسندٍ صحيح عن أبي قلابة (^٢) نحوه.\nوقال (^٣): ثنا ابن إدريس عن هشام عن ابن سيرين عن عَبيدة عن علي قال: \"ما طلَّق رجل طلاق السنة فندم\"، وفسَّره في رواية أخرى (^٤) فقال: \"يطلقها واحدة ثم يتركها حتى تحيض ثلاث حيض\".\nوقال (^٥): ثنا وكيع عن سفيان عن مغيرة عن إبراهيم قال: كانوا يستحبون أن يطلقها واحدةً، ثم يتركها حتى تحيض ثلاثَ حِيَضٍ.\nثنا (^٦): شبابة بن سوَّار عن شعبة عن الحكم وحماد في الطلاق السنة قالا: \"يطلق الرجل امرأته ثم يدعها حتى تنقضي عدتها\" (^٧).\nوأما أثر ابن عباس فهو مختصر من حديثه في قصة طلاق ركانة،\n_________\n(^١) المصدر نفسه (٩/ ٥١١).\n(^٢) المصدر نفسه (٩/ ٥١٢).\n(^٣) المصدر نفسه (٩/ ٥١١).\n(^٤) المصدر نفسه (٩/ ٥١٢).\n(^٥) المصدر نفسه (٩/ ٥١٢).\n(^٦) المصدر نفسه (٩/ ٥١٢).\n(^٧) هنا نهاية الملحق، ثم يرجع الكلام إلى صفحة (٨).","vol":"17","page":672},{"text":"وسيأتي، وليس فيه ذكر \"السنة\"، وإنما فيه بعد أن ذكر القصة: \"فكان ابن عباس يرى إنما الطلاق عند كل طهر\".\nولفظ \"السنة\" في هذا المختصر إما من قول عكرمة، وإما من قول من بعده، وسيأتي بقية الكلام على هذا.\nقالوا: وأما حديث ابن عمر فالطلقتان فيه ليستا متتابعتين، فإنه أمره بالمراجعة من الأولى، وعليه فالطلقة الثانية تكون في قُبُل العدة، فأين هذا من مذهبكم؟\nوقد ذكر العلماء توجيهات أخرى غير ما قلتم، منها قولهم: لو طلَّقها عقب تلك الحيضة كان قد راجعها ليطلقها، وهذا عكس مقصود الرجعة، فإنها شرعت لإيواء المرأة، ولهذا أسماها إمساكًا، فأمره أن يمسكها في ذلك الطهر، وأن لا يطلق فيه حتى تحيض حيضة أخرى ثم تطهر، لتكون الرجعة للإمساك.\nويؤيد ذلك أن الشارع أكد هذا المعنى حين أمره أن يمسكها (يمسها) في الطهر الذي يلي الحيض الذي طلَّقها فيه، لقوله في رواية عبد الحميد بن جعفر (^١): \"مُره أن يراجعها، فإذا طهرت مسَّها، حتى إذا طهرت أخرى فإن شاء طلَّقها، وإن شاء أمسكها\".\nفإذا كان قد أمره بأن يمسكها (يمسَّها) في ذلك الطهر، فكيف يصح له أن يطلقها فيه؟ وقد ثبت النهي عن \"الطلاق في طهرٍ جامعها فيه\" (فتح الباري\n_________\n(^١) ذكرها الحافظ في \"الفتح\" (٩/ ٣٥٠).","vol":"17","page":673},{"text":"ج ٩/ ص ٢٨٠) (^١).\nوقوله في الرجعة: إنها شرعت لإمساك المرأة يُبيّنه أن الله تعالى قيَّد استحقاقها بإرادة الإصلاح، قال تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾، وقال: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾، وقال: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾.\nوفي الحديث دليل لنا، فإنه ذكر الطلقة الثانية، ثم قال: \"فتلك العدة التي أمر الله أن يطلق لها النساء\"، ولم يذكر بعد الطلقة الثانية إلا التنبيه على الآية، ودلالة الآية ظاهرة فيما ذهبنا إليه، فلذلك ــ والله أعلم ــ اكتفى بها عن أن يقول: ثم لا تطلق الثالثة إلا إذا راجعت من الثانية، ولو كان الأمر كما قلتم لكان الظاهر أن يذكر الثالثة (^٢)، لأن ما قلتم خلاف ظاهر الآية (^٣).\nوأما سكوت النبي - ﵌ - عن تعليم ابن عمر، فالظاهر أن عمر وابنه كان يعلمان ذلك، وقد روي عنهما تحريم إيقاع الثلاث جميعًا، والظاهر أن ابن عمر كان يعلم حرمة الطلاق في الحيض، وإنما وقعت منه زلَّةٌ، ولم يعلم هو وأبوه كيف المَخْلَص منها، فلذلك سأل عمر النبي - ﵌ -. والله أعلم.\nومما يدل على علمه ما ثبت أن النبي - ﵌ - تغيظ لما أخبره عمر.\nوأما ركانة فإنه أخبر أنه إنما أراد واحدة، وحلف على ذلك، فلما تبين أنه إنما طلَّق واحدةً، لم يكن هناك باعث في الحال إلى بيان تحريم إيقاع\n_________\n(^١) (٩/ ٣٥٠).\n(^٢) في الأصل: \"الثانية\".\n(^٣) ثم يتصل الكلام بالملحق الذي في الصفحة الآتية.","vol":"17","page":674},{"text":"الثلاث دفعة.\nوأما عبد الرحمن بن عوف فقد ثبت أنه إنما طلَّقها آخر ثلاث تطليقات كانت لها، انظر الجوهر النقي مع سنن البيهقي (ج ٧/ ص ٣٣٠).\nأقول: ولقصة ابن عمر وركانة تعلقٌ بوقوع الثلاث دفعة أو عدمه، وكذلك حديث أبي موسى، وحديث محمود بن لبيد، بل لهذا الحكم ــ أعني تحريم إيقاع الثلاث دفعة أو إباحته ــ علاقة بذلك، فانتظر بيانها في الباب الثاني، إن شاء الله تعالى.\n* * * *","vol":"17","page":675},{"text":"[ص ١]<span data-type=\"title\" id=toc-18> الباب الثاني (^١) في الوقوع</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-19>المسألة الأولى: في وقوع الطلاق البدعي</span>\nالجمهور على وقوعه (^٢).\nاحتج الجمهور من القرآن بقوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ﴾ الآية، وقوله: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾، وقوله: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ الآية، وقوله: ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ﴾ الآية.\nقالوا: والطلاق في هذه الآيات عامٌّ يتناول الطلاق المأذون فيه وغيره؛ لأن الطلاق كلمة معروفة المعنى في اللغة، لم يخصها الشارع بالطلاق المأذون فيه.\nواحتجوا بقوله تعالى: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ فأفهم أن من لم يتق الله لم يجعل له مخرجًا، أي: بل يضيق عليه، والتضييق هو أن يعتد عليه بطلاقه.\n_________\n(^١) قبله: \"بسم الله الرحمن الرحيم\". وهذا الباب أربع صفحات بدون ترقيم في الأصل، ورقمناه ترقيمًا جديدًا من واحد.\n(^٢) بعدها بياض في الأصل بقدر خمسة أسطر.","vol":"17","page":676},{"text":"ومن السنة بحديث الصحيحين (^١) وغيرهما ــ بل هو متواترٌ ــ أن ابن عمر طلَّق امرأته وهي حائض، فأخبر عمر النبي - ﵌ - بذلك، فقال له: \"مره فليراجعها\" الحديث.\nقالوا: والمراجعة إنما تكون بعد طلاق واقع.\nقالوا: وقد أخرج ابن وهب في مسنده (^٢) عن ابن أبي ذئب، أن نافعًا أخبره: أن ابن عمر طلَّق امرأته وهي حائض، فسأل عمر رسول الله - ﵌ - عن ذلك فقال: \"مره فليراجعها، ثم يمسكها حتى تطهر\"، قال ابن أبي ذئب في الحديث عن النبي - ﵌ -: \"وهي واحدة\".\nقال ابن أبي ذئب: وحدثني حنظلة بن أبي سفيان أنه سمع سالمًا يحدث عن أبيه عن النبي - ﵌ - بذلك.\nوأخرجه الدارقطني (^٣) من طريق يزيد بن هارون عن ابن أبي ذئب وابن إسحاق جميعًا عن نافع عن ابن عمر عن النبي - ﵌ - قال: \"هي واحدة\". (فتح الباري ج ٩/ص ٢٨٢ - ٢٨٣) (^٤).\nوفي صحيح البخاري (^٥) عن سعيد بن جبير عن ابن عمر قال: \"حُسِبَتْ علي بتطليقة\".\n_________\n(^١) البخاري (٥٢٥١) ومسلم (١٤٧١).\n(^٢) انظر \"فتح الباري\" (٩/ ٣٥٣).\n(^٣) \"سننه\" (٤/ ٩).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٩/ ٣٥٣).\n(^٥) رقم (٥٢٥٣).","vol":"17","page":677},{"text":"قال المانعون: أما عموم الآيات فيخصه قوله تعالى: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾، فدل اتفاقًا على أن المأذون فيه هو الطلاق للعدة، فما وقع من صورة طلاق وليس للعدة فهو غير مأذون فيه اتفاقًا.\nوالأصل في النكاح أنه عقد لازمٌ يحب الله بقاءه، ولا يرضى قطعه، وقد مر دليل ذلك، وفي بعض الشرائع المتقدمة لا يمكن قطعه البتة، وإنما رخص الله تعالى لهذه الأمة في قطعه لشدة الحاجة إليه، فالطلاق رخصة، فإذا أوقعه الرجل كما أذن الله له وقع، وإذا أوقعه كما نهاه الله تعالى لم يقع.\n[ص ٢] واحتج الجمهور من السنة بحديث ابن عمر المشهور بل المتواتر، ولهم فيه حجج:\nالأولى: قول النبي - ﵌ - \"فليراجعها\"، والمراجعة حقيقة شرعية في ردّ الزوج لو أوقع عليها طلاقًا رجعيًا إلى عصمة نكاحه في العدة.\nالثانية: قوله: \"ثم ليمسكها حتى تطهر، ثم تحيض ثم تطهر، ثم إن شاء أمسك بعدُ، وإن شاء طلَّق قبل أن يمسَّ\"، ولو كانت طلقته التي طلَّقها في الحيض لاغيةً لما منعه من تطليقها في الطهر الذي يليها.\nالثالثة: ما في الصحيحين (^١) عن سعيد بن جبير عن ابن عمر قال: \"حُسِبَتْ علي بتطليقة\". قال في الفتح (^٢): \"وقد أخرجه أبو نعيم من طريق\n_________\n(^١) البخاري (٥٢٥٣). وأخرجه مسلم (١٤٧١/ ١١، ١٢) من طريق أنس بن سيرين بنحوه.\n(^٢) (٩/ ٣٥٢).","vol":"17","page":678},{"text":"عبد الصمد بن عبد الوارث عن أبيه مثل ما أخرجه البخاري مختصرًا وزاد ــ يعني حين طلَّق امرأته ــ: فسأل عمر النبي - ﵌ - عن ذلك\". (فتح الباري).\nوقال بعد ذلك (^١): \"النبي - ﵌ - هو الآمر بالمراجعة، وهو المرشد لابن عمر فيما يفعل إذا أراد طلاقها بعد ذلك، وإذا أخبر ابن عمر أن الذي وقع منه حُسِبت عليه بتطليقة كان احتمال أن يكون الذي حسبها عليه غير النبي - ﵌ - بعيدًا جدًّا مع احتفاف القرائن في هذه القصة بذلك. وكيف يتخيل أن ابن عمر يفعل في القصة شيئًا برأيه وهو ينقل أن النبي - ﵌ - تغيَّظ من صنيعه؟ كيف لم يشاوره فيما يفعل في القصة المذكورة؟ \".\nثم ذكر الحجة الرابعة: فقال (^٢): \"وقد أخرج ابن وهب في مسنده عن ابن أبي ذئب أن نافعًا أخبره أن ابن عمر طلَّق امرأته وهي حائض، فسأل عمر رسول الله - ﵌ - عن ذلك، فقال: \"مره فليراجعها ثم يمسكها حتى تطهر\"، قال ابن أبي ذئب في الحديث عن النبي - ﵌ -: \"وهي واحدة\".\nقال ابن أبي ذئب: وحدثني حنظلة بن أبي سفيان أنه سمع سالمًا يحدث عن أبيه عن النبي - ﵌ - بذلك.\nوأخرجه الدارقطني (^٣) من طريق يزيد بن هارون عن ابن أبي ذئب وابن إسحاق جميعًا عن نافع عن النبي - ﵌ - قال: \"هي واحدة\".\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٩/ ٣٥٣).\n(^٢) المصدر نفسه (٩/ ٣٥٣).\n(^٣) في سننه (٤/ ٩).","vol":"17","page":679},{"text":"وعند الدارقطني (^١) في رواية شعبة عن أنس بن سيرين عن ابن عمر في القصة فقال عمر: يا رسول الله! أفتُحتسب بتلك التطليقة؟ قال: \"نعم\". ورجاله إلى شعبة ثقات. (فتح الباري ج ٩/ص ٢٨٣).\nوأخرج البيهقي من طريق أبي داود الطيالسي: نا ابن أبي ذئب عن نافع عن ابن عمر: أنه طلَّق امرأته وهي حائض، فأتى عمر النبي - ﵌ - فذكر ذلك له، فجعلها واحدة. (سنن البيهقي ج ٧/ص ٣٢٦).\nجواب المانعين:\nقالوا: أما احتجاجكم بقوله: \"فليراجعها\" \"فهو غير ناهض؛ لأن الرجعة المقيدة ببعد الطلاق عرفٌ (^٢) شرعيٌ متأخر، إذ هي لغةً أعم من ذلك\" (سبل السلام ٢/ ٩٦) (^٣).\nأقول: في هذا الجواب نظر، فقد جاء ذكر مراجعة الرجل زوجته في أحاديث أخر، كما في حديث: \"راجعْ حفصةَ فإنَّها صوَّامة قوَّامة\" (^٤)، وحديث: \"راجِعْ أمَّ ركانة\" (^٥)، وكثر في كلام الصحابة جدًّا، فيظهر من هذا\n_________\n(^١) المصدر نفسه (٤/ ٥، ٦).\n(^٢) في الأصل: \"عرفي\".\n(^٣) \"سبل السلام\" (٣/ ١٧١) طبعة دار الفكر.\n(^٤) قاله جبريل للنبي - ﷺ -، كما في \"الاستيعاب\" (٤/ ١٨١٠). وأخرجه ابن سعد في \"الطبقات\" (٨/ ٨٤) والحارث بن أبي أسامة كما في \"المطالب العالية\" (٤١٥٤) عن قيس بن زيد، وقيس مختلف في صحبته. انظر \"فتح الباري\" (٩/ ٢٨٦).\n(^٥) أخرجه أبو داود (٢١٩٦) عن ابن عباس.","vol":"17","page":680},{"text":"أن العرف جرى بذلك في عهد النبي - ﵌ -، إذا قيل: \"راجع فلان امرأته\" ظهر من ذلك أنه طلَّقها، فأقلُّ ما فيه أنه حقيقة عرفية ثابتة في عهده - ﵌ -.\nفإن قيل: إذا سلم هذا، فإنما أطلقها النبي - ﵌ - لأن الذي وقع صورة طلاق.\nقلت: إنما فزع عمر وابنه إلى النبي - ﵌ - ليبين لهم، وهذا مخالف للبيان.\nفإن قيل: قد بيَّن بقوله: \"فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء\" فنبَّه بذلك على أن ما وقع من ابن عمر كان على خلاف ما أمر الله، وهذا يُشعِر بعدم وقوعه، على ما تقدم في الجواب عما احتج به الجمهور من القرآن.\nقلت: ليس هذا بالبين.\nقالوا: وأما الحجة الثانية فلا يتعين ما قلتم لاحتمال أن يكون النبي - ﵌ - أمره بالإمساك في ذلك الطهر معاملةً له بنقيض قصده من الاستعجال، وإظهارًا لبطلان تلك الطلقة، ولهذا ــ والله أعلم ــ أمره بأن يمس في ذلك الطهر، ولو أذن له بالطلاق فيه فطلق لحصل مقصوده من الاستعجال، ولم يظهر أثر بطلان تلك الطلقة التي طلَّق في الحيض.\n[ص ٣] وأما الحجة الثالثة: فلم يتبين لنا متى حُسِبَتْ عليه، فقد ثبت في \"صحيح مسلم\" (^١) عنه: \"ثم طلَّقتُها لطهرها\".\n_________\n(^١) رقم (١٤٧١/ ١١).","vol":"17","page":681},{"text":"فيحتمل أن يكون النبي - ﵌ - بيَّن له حين أمره بالمراجعة أن تلك الطلقة محسوبة عليه.\nويحتمل أن يكون فِهمَه من قول النبي - ﵌ -: \"فليراجعها\" على ما ذكرتم في الحجتين الأولَيين.\nويحتمل أن يكون بعد أن طلَّقها لطهرها أراد أن يراجعها، فبين له النبي - ﵌ - حينئذٍ.\nويحتمل أن يكون تركها حتى انقضت عدتها، [و] أراد أن يتزوجها فسأل، فحُسِبَتْ عليه.\nوفي هذا الأخير يحتمل أن يكون في حياة النبي - ﵌ -، فيكون الظاهر أنه هو الذي حسبها، ويحتمل أن يكون بعد وفاته - ﵌ -، وعلى هذا فيكون الظاهر أن غيره هو الذي حسبها.\nوليس هذا كقول الصحابي: \"أُمِرنا بكذا\"، فإن الظاهر في الأمر أنه من النبي - ﵌ -، وأما حساب الطلقة فيكون من القاضي والمفتي.\nويرجح هذا الأخير أن أكثر الروايات عن ابن عمر تدل أن حساب تلك الطلقة عليه كان باجتهادٍ ممن بعد النبي - ﵌ -.\nففي رواية (^١) قال ابن عمر: \"فراجعتها وحسبت لها التطليقة\".\nوفي رواية أنس بن سيرين (^٢) أنه قال لابن عمر: قلتُ فاعتددتَ بتلك\n_________\n(^١) مسلم (١٤٧١/ ٤).\n(^٢) المصدر نفسه (١٤٧١/ ١١).","vol":"17","page":682},{"text":"التطليقة التي طلقتَ وهي حائض؟ قال: \"مالي لا أعتدُّ بها؟ وإن كنتُ عجزتُ واستحمقتُ\".\nوفي رواية يونس بن جبير (^١) نحوه.\nوفي رواية عبيد الله (^٢) عن نافع عن ابن عمر، قال عبيد الله: قلت لنافع: ما صَنَعتْ التطليقةُ؟ قال: \"واحدة اعتدَّ بها\".\nوفي رواية الزهري (^٣) عن سالم عن عبد الله بن عمر: \"وكان عبد الله ابن عمر طلَّقها تطليقةً واحدة فحُسِبَتْ من طلاقها\".\nهذا، وقد كان القول بعدم الوقوع مشهورًا حينئذٍ على ما قال في \"الفتح\" وعبارته (^٤): \"قوله: \"باب إذا طلقت الحائض تعتد بذلك الطلاق\" كذا بتَّ الحكمَ بالمسألة، وفيها خلاف قديم عن طاوس وعن خِلاس بن عمرو وغيرهما، ومن ثمَّ نشأ سؤال من سأل ابن عمر عن ذلك\". (فتح الباري ج ٩/ص ٢٨١).\nفعدم تنصيص ابن عمر ثم ابنه سالم ومولاه نافع بنص صريح مرفوع إلى النبي - ﵌ - على حسب تلك الطلقة مع تكرار السؤال واشتهار الخلاف= ظاهرٌ في أنه لم يكن عند ابن عمر نص صريحٌ، وسيأتي ما يؤكد هذا.\n_________\n(^١) المصدر نفسه (١٤٧١/ ٩).\n(^٢) المصدر نفسه (١٤٧١/ ٢).\n(^٣) المصدر نفسه (١٤٧١/ ٤).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٩/ ٣٥١).","vol":"17","page":683},{"text":"وأما الحجة الرابعة؛ فصنيع الدارقطني في \"سننه\" (^١) يدل أنه يرى أن ذكر الواحدة في حديث ابن أبي ذئب إنما أصله أن ابن عمر طلَّق واحدة، أي: لم يطلق ثلاثًا، فإنه ساق من طريق أبي الزبير قال: سألت ابن عمر عن رجل طلَّق امرأته ثلاثًا وهي حائض، فقال: أتعرف ابن عمر؟ قال: قلت: نعم، قال: طلقت امرأتي ثلاثًا على عهد رسول الله - ﵌ - وهي حائض فردها رسول الله - ﵌ - إلى السنة\". ثم قال (^٢): \"هؤلاء كلهم من الشيعة، والمحفوظ أن ابن عمر طلَّق امرأته واحدة في الحيض\".\nثم ساق (^٣) رواية عبيد الله عن نافع عن عبد الله: \"أنه طلَّق امرأته وهي حائض تطليقة\".\nثم قال (^٤): \"وكذلك قال صالح بن كيسان وموسى بن عقبة وإسماعيل بن أمية وليث بن سعد وابن أبي ذئب وابن جريج وجابر وإسماعيل بن إبراهيم بن عقبة عن نافع عن ابن عمر: \"أنه طلَّق امرأته تطليقة واحدة\"، وكذلك قال الزهري عن سالم عن أبيه، ويونس بن جبير والشعبي والحسن\".\n[ص ٤] ثم ساق الأحاديث مستدلًّا على ذلك (^٥)، فذكر رواية عبيد الله\n_________\n(^١) (٤/ ٧).\n(^٢) المصدر نفسه (٤/ ٧).\n(^٣) المصدر نفسه (٤/ ٧).\n(^٤) المصدر نفسه (٤/ ٧).\n(^٥) المصدر نفسه (٤/ ٧ وما بعدها).","vol":"17","page":684},{"text":"عن نافع، ثم رواية يونس بن جبير عن ابن عمر، ثم رواية إسماعيل بن أمية عن نافع، ثم رواية صالح عن نافع، وفي طريق منها: \"نا نافع أن ابن عمر إنما طلَّق امرأته تلك واحدة\" (^١).\nوعقبه من طريق يزيد بن هارون أنا محمد بن إسحاق وابن أبي ذئب عن نافع عن ابن عمر أنه طلَّق امرأته في عهد رسول الله - ﵌ - وهي حائض، فذكر عمر ذلك لرسول الله - ﵌ -، ثم ذكر نحوه. وقال ابن أبي ذئب في حديثه: هي واحدة، فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء\" (^٢).\nثم ذكر رواية موسى بن عقبة عن نافع، ثم رواية جابر عن نافع (^٣).\nفيظهر مما ذكرناه أن الذي فهم الدارقطني من ذكر الواحدة في رواية ابن أبي ذئب: أن المقصود منها أن ابن عمر إنما طلَّق واحدة لا ثلاثًا، وهذا هو الموافق لرواية الجماعة عن نافع.\nوأما رواية البيهقي من طريق الطيالسي فهي لعمر الله ظاهرة فيما ذهبتم إليه، ولم نجد هذا الحديث في مسند الطيالسي، والطيالسي إمام حافظ ولكنه كثير الخطأ (^٤).\nقال أبو مسعود: \"يخطئ\"، وأقره أحمد على هذا القول.\n_________\n(^١) المصدر نفسه (٤/ ٩).\n(^٢) المصدر نفسه (٤/ ٩).\n(^٣) المصدر نفسه (٤/ ١٠).\n(^٤) انظر ترجمته في \"تهذيب التهذيب\" (٤/ ١٨٣ ــ ١٨٥). وفيه أقوال النقاد المذكورة.","vol":"17","page":685},{"text":"وقال ابن عدي: \"يخطئ في أحاديث منها، يرفع أحاديث يوقفها غيره، ويوصل أحاديث يرسلها غيره، وإنما أتي ذلك من حفظه\".\nوقال ابن سعد: \"ربما غلط\".\nوقال أبو حاتم: \"كان كثير الخطأ\".\nأقول: ومن قارن الأحاديث التي في مسنده بنظائرها مما يرويه غيره، وجد اختلافًا كثيرًا في المتون، وكأنه كان يروي بالمعنى، فاختصر حديث ابن أبي ذئب، وبنى على ما فهمه فقال: \"فجعلها واحدة\". والله أعلم.\nنعم، قال (^١) بعد ذلك: \"نا أبو بكر نا عياش بن محمد نا أبو عاصم عن ابن جريج عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله - ﵌ - قال: \"هي واحدة\".\nكذا وقع في النسخة \"عياش\"، وأحسبه \"عباس\" وهو الدوري، فإن كان هو فكلهم ثقات، ولكن ابن جريج مشهور بالتدليس، ومع هذا فقد أعرض الدارقطني عن ظاهر هذه الرواية وألحقها برواية الجماعة عن نافع ــ كما تقدم ــ أي أن ذكر الواحدة في الحديث إنما هو في أن ابن عمر طلَّق واحدة.\nوأما حديث الدارقطني من طريق شعبة عن أنس بن سيرين الذي قال الحافظ (^٢): \"ورجاله إلى شعبة ثقات\"، فقال الدارقطني (^٣): \"نا عثمان بن أحمد الدقاق نا عبد الملك بن محمد أبو قلابة نا بشر بن عمر نا شعبة\" فذكره.\n_________\n(^١) أي الدارقطني في \"سننه\" (٤/ ١٠).\n(^٢) في \"الفتح\" (٩/ ٣٥٣).\n(^٣) في \"السنن\" (٤/ ٥).","vol":"17","page":686},{"text":"فأما الدقاق، ويقال له: السماك وابن السماك، فثقة، وغمزه الذهبي في الميزان (^١) بما لا يجرحه.\nوأما أبو قلابة فثقة، ولكن قال الدارقطني نفسه (^٢): صدوق كثير الخطأ في الأسانيد والمتون، كان يحدث من حفظه، فكثرت الأوهام في روايته.\nوقال الحاكم عن الدارقطني: لا يحتج بما ينفرد به، بلغني عن شيخنا أبي القاسم ابن بنت منيع أنه قال: عندي عن أبي قلابة عشرة أجزاء، ما منها حديث مسلَّم إما في الإسناد، وإما في المتن، كان يحدث من حفظه فكثرت الأوهام فيه\".\nوقال ابن خزيمة: حدثنا أبو قلابة القاضي أبو بكر (^٣) بالبصرة قبل أن يختلط ويخرج إلى بغداد.\nأقول: والدقاق بغدادي، وكانت وفاة أبي قلابة سنة (٢٧٦)، ووفاة الدقاق سنة (٣٤٤)، أي بعد وفاة أبي قلابة بثمانٍ وستين سنة، فيظهر من هذا أنه إنما سمع من أبي قلابة بأخرة.\nثم رأيت السخاوي في \"فتح المغيث\" (^٤) قد صرح بذلك، فقال عند قول العراقي في فصل معرفة من اختلط من الثقات: \"وكالرقاشي أبي قلابة\": \"وممن سمع منه أخيرًا ببغداد: أبو عمرو عثمان بن أحمد السماك، وأبو بكر\n_________\n(^١) (٣/ ٣١).\n(^٢) كما في \"تهذيب التهذيب\" (٦/ ٤٢٠). وفيه بقية الأقوال المذكورة هنا.\n(^٣) كذا في \"التهذيب\" بزيادة \"أبو بكر\"، ولا وجود لها في \"تاريخ بغداد\" (١٠/ ٤٢٦).\n(^٤) (٤/ ٣٧٨) طبعة الهند.","vol":"17","page":687},{"text":"محمد بن عبد الله الشافعي، وغيرهما، فعلى قول ابن خزيمة سماعهم منه بعد الاختلاط\" (فتح المغيث ص ٤٨٩).\nوحديث شعبة عن أنس بن سيرين في الصحيحين (^١) وغيرهما من طرق كثيرة، والذي فيه أن أنس بن سيرين هو الذي سأل ابن عمر فأجابه، فوهم أبو قلابة على بشر عن شعبة في قوله: إن السائل هو عمر سأل النبي - ﵌ -، الله أعلم.\nوقد ذكر الدارقطني (^٢) حديثًا آخر يشبه هذا قال: \"نا عثمان بن أحمد الدقاق نا الحسن بن سلام نا محمد بن سابق نا شيبان عن فراس عن الشعبي قال: طلَّق ابن عمر امرأته وهي حائض، فانطلق عمر إلى رسول الله - ﵌ - فأخبره، فأمره أن يراجعها، ثم يستقبل الطلاق في عدتها، وتحتسب بهذه التطليقة التي طلَّق أول مرة\".\nوأخرجه البيهقي (^٣) من طريق ابن أبي خيثمة قال: \"ثنا محمد بن سابق أبو جعفر إملاءً من كتابه\" فذكره. (سنن البيهقي ج ٧/ص ٣٢٦).\nأقول: ابن سابق وشيبان وفراس كلهم من رجال الصحيحين، لكن في مقدمة \"فتح الباري\" (^٤) في ترجمة ابن سابق: \"وثقه العجلي، وقواه أحمد بن حنبل، وقال يعقوب بن شيبة: كان ثقة، وليس ممن يوصف بالضبط، وقال\n_________\n(^١) البخاري (٥٢٥٢) ومسلم (١٤٧١/ ١٢).\n(^٢) (٤/ ١١).\n(^٣) (٧/ ٣٢٦).\n(^٤) (ص ٤٣٩).","vol":"17","page":688},{"text":"النسائي: لا بأس به، وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: ضعيف.\nقلت: ليس له في البخاري إلا حديث واحد ... وقد تابعه عليه عنده عبيد الله بن موسى\".\nوفي شيبان وفراس كلام يسير غير قادح، إلا أن الحديث مرسل، فإن الشعبي تابعي لم يدرك القصة.\nوهذا يشبه ما رواه عطاء عن ابن الحنفية (^١): أن عمارًا مرَّ بالنبي - ﵌ - .. إلخ. وقد حكم عليه يعقوب بن شيبة بالإرسال.\nونحوه ما رواه عكرمة بن عمار عن قيس بن طلق (^٢): أن طلقًا سأل النبي - ﵌ -. وقد قال البيهقي (^٣): منقطع لأن قيسًا لم يشهد سؤال طلَّق.\nوهكذا قول ضمرة عن عبيد الله بن عبد الله (^٤): أن عمر بن الخطاب سأل أبا واقد الليثي. وقد نص ابن خزيمة على انقطاعه.\nولهذا قال الإمام أحمد: إن \"عن عروة أن عائشة\" قالت: يا رسول الله، و\"عن عروة عن عائشة\" ليسا سواء. (انظر فتح المغيث ص ٦٨ - ٦٩) (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه النسائي (٣/ ٦).\n(^٢) أخرجه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (١/ ١٣٥) و\"المعرفة\" (١/ ٤١١).\n(^٣) \"معرفة السنن والآثار\" (١/ ٤١١).\n(^٤) أخرجه البيهقي في \"الكبرى\" (٣/ ٢٩٤).\n(^٥) \"فتح المغيث\" (١/ ١٩٦ ــ ١٩٨) طبعة الهند.","vol":"17","page":689},{"text":"له الحمد (^١):\nهذه القضية قد عُرِضتْ علي قبل مدة، وأجبت بما ظهر لي، وذكرت [قول] أصحابنا الشافعية: أن الزوجين إذا ادّعيا بعد الطلاق الثلاث أن النكاح الأول كان بشهادة فسَّاق، وغرضهما أن يثبت بطلانه في مذهب الشافعي، لكي يعقدا عقدًا جديدًا بدون تحليل، لم يسمع القاضي الشافعي دعواهما، ولم يقبل منهما بينة. ولم يظهر لي بعدُ ما يخالفه، وأرى أن التسهيل من هذا الوجه مخالفٌ لمقاصد الشريعة، ومفتاح فساد لتخريب حدودها، فإن كان الزوجان يريدان الترخص، فأقرب الطرق وأشبهها بالحق: تقليد من يقول من أهل العلم: إن الطلقات التي لم تتخللها رجعة إنما تحسب طلقة واحدة.\nالقاضي أبو القاسم الداودي:\nإن الوداد لدى أناسٍ خدعة ... كوميضِ برقٍ في جَهامِ غَمامِ\nفهو المقال الفرد عند القوم كالـ ... إيمانِ عند محمدِ بن كِرَام\n(الإعجاز والإيجاز ص ٢٦٦).\n_________\n(^١) كذا في آخر الكتاب في صفحة مستقلة، وألحقناه بالكتاب لأنه في موضوعه.","vol":"17","page":690}]}