{"ً":{"ٌ":4545,"ٍ":"مع الامام أبي إسحاق الشاطبي في مباحث من علوم القرآن الكريم وتفسيره","َ":2,"ُ":2,"ِ":{"root":"الجوامع والمجلات ونحوها/مجلة الجامعة الإسلامية/034_115","files":["034_115_mgi.pdf"]},"ّ":"الكتاب: مع الامام أبي إسحاق الشاطبي في مباحث من علوم القرآن الكريم وتفسيره\nالمؤلف: شايع بن عبده بن شايع الأسمري\nالناشر: الجامعة الاسلامية بالمدينة المنورة\nالطبعة: السنة ٣٤ العدد ١١٥\n١٤٢٢ هـ/٢٠٠٢م\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]\nعدد الصفحات: ١٣٠","ْ":"","ٓ":"1.1","ٔ":31,"ٕ":4,"ٖ":1770153692,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"مقدمة","level":1,"page":1},{"title":"الفصل الأول: عن حياة الامام أبي إسحاق الشاطبي (وفيه مايلي)","level":1,"page":11},{"title":"اسم الإمام أبي إسحاق الشاطبي ونسبه","level":2,"page":11},{"title":"مولد الإمام أبي إسحاق الشاطبي ونشأته","level":2,"page":12},{"title":"بعض شيوخ الإمام أبي إسحاق الشاطبي","level":2,"page":13},{"title":"بعض تلاميذ الإمام أبي إسحاق الشاطبي","level":2,"page":15},{"title":"مذهب الإمام أبي إسحاق الشاطبي","level":2,"page":17},{"title":"مقاومة الإمام أبي إسحاق الشاطبي للبدع والمبتدعة","level":2,"page":20},{"title":"ثناء العلماء على الإمام أبي إسحاق الشاطبي","level":2,"page":22},{"title":"آثار الإمام أبي إسحاق الشاطبي العلمية","level":2,"page":25},{"title":"مكانة الإمام أبي إسحاق الشاطبي في علوم القرآن الكريم وتفسيره","level":2,"page":30},{"title":"شعر الإمام أبي إسحاق الشاطبي","level":2,"page":35},{"title":"وفاة الإمام أبي إسحاق الشاطبي رحمة الله تعالى","level":2,"page":37},{"title":"الفصل الثاني: مع الامام أبي إسحاق الشاطبي في مباحث من علوم القرآن الكريم (وفيه اثنا عشر مبحثا)","level":1,"page":38},{"title":"المبحث الأول: مع الإمام أبي إسحاق الشاطبي في أسباب الترول","level":2,"page":38},{"title":"المبحث الثاني: مع الإمام أبي الشاطبي في الأقوال المحكية في القرآن الكريم","level":2,"page":46},{"title":"المبحث الثالث: مع الإمام أبي إسحاق الشاطبي في منهج القرآن الكريم في الترغيب والترهيب","level":2,"page":49},{"title":"المبحث الرابع: مع الإمام أبي إسحاق الشاطبي في أقسام العلوم المضافة إلى القرآن الكريم","level":2,"page":53},{"title":"المبحث الخامس: مع الإمام أبي إسحاق الشاطبي في التفسير الإشاري للقرآن الكريم","level":2,"page":55},{"title":"المبحث السادس: مع الإمام أبي إسحاق الشاطبي في قوله: إن المدني من السور ينبغي أن يكون منزلا على المكي في الفهم","level":2,"page":58},{"title":"المبحث السابع: مع الإمام أبي إسحاق الشاطبي في أن تفسير القرآن الكريم يتبع فيه المفسر التوسط والاعتدال ويتجنب فيه الإفراط والتفريط","level":2,"page":61},{"title":"المبحث الثامن: مع الإمام أبي إسحاق الشاطبي في بيان المقصود بالرأي المذموم والرأي الممدوح في تفسير القرآن الكريم","level":2,"page":65},{"title":"المبحث التاسع: مع الإمام أبي إسحاق الشاطبي في حكم ترجمة القرآن الكريم","level":2,"page":70},{"title":"المبحث العاشر: مع الإمام أبي إسحاق الشاطبي في التفسير العلمي للقرآن الكريم","level":2,"page":78},{"title":"المبحث الحادي عشر: مع الأمام أبي إسحاق الشاطبي في أسباب الاختلاف غير المؤثر في تفسير القرآن الكريم","level":2,"page":83},{"title":"المبحث الثاني عشر: مع الإمام أبي إسحاق الشاطبي في وجود المعرب في القرآن الكريم","level":2,"page":88},{"title":"الفصل الثالث: مع الامام أبي إسحاق الشاطبيفي مباحث من تفسير القرآن الكريم (وفيه عشرة مباحث)","level":1,"page":91},{"title":"المبحث الأول: مع الإمام أبي إسحاق الشاطبي في تفسير القرآن بالقرآن","level":2,"page":91},{"title":"المبحث الثاني: مع الإمام أبي إسحاق الشاطبي في تفسير القرآن بالسنة","level":2,"page":94},{"title":"المبحث الثالث: مع الإمام أبي إسحاق الشاطبي في تفسير القرآن بأقوال الصحابة ﵃","level":2,"page":97},{"title":"المبحث الرابع: مع الإمام أبي إسحاق الشاطبي في تفسير القرآن بأقوال التابعين وأتباعهم","level":2,"page":100},{"title":"البحث الخامس: مع الإمام أبي إسحاق الشاطبي في شيئ من تعقيباته وآرائه في التفسير","level":2,"page":103},{"title":"المبحث السادس: مع الإمام أبي إسحاق الشاطبي في نحو القرآن وبلاغته","level":2,"page":111},{"title":"المبحث السابع: مع الإمام أبي إسحاق الشاطبي في ذكر القراءات وتوجيهها","level":2,"page":116},{"title":"المبحث الثامن: مع الإمام أبي إسحاق الشاطبي في تفسير آيات العقيدة","level":2,"page":120},{"title":"المبحث التاسع: مع الإمام أبي إسحاق الشاطبي في احكام القرآن الكريم","level":2,"page":124},{"title":"المبحث العاشر: مع الإمام أبي إسحاق الشاطبي في الإفادة من أصول الفقه في تفسير القرآن الكريم","level":2,"page":127},{"title":"الخاتمة","level":1,"page":129},{"title":"أهم النتائج الي ظهرت للإمام أبي إسحاق الشاطبي من خلال هذا البحث","level":2,"page":129},{"title":"مصادر ومراجع","level":1,"page":131}],"ٛ":{"1,11":1,"1,12":2,"1,13":3,"1,14":4,"1,15":5,"1,16":6,"1,17":7,"1,18":8,"1,19":9,"1,20":10,"1,21":11,"1,22":13,"1,23":14,"1,24":16,"1,25":18,"1,26":19,"1,27":21,"1,28":23,"1,29":24,"1,30":26,"1,31":27,"1,32":28,"1,33":29,"1,34":31,"1,35":32,"1,36":33,"1,37":34,"1,38":36,"1,39":38,"1,40":39,"1,41":40,"1,42":41,"1,43":42,"1,44":43,"1,45":44,"1,46":45,"1,47":47,"1,48":48,"1,49":50,"1,50":51,"1,51":52,"1,52":53,"1,53":54,"1,54":55,"1,55":56,"1,56":57,"1,57":58,"1,58":59,"1,59":60,"1,60":62,"1,61":63,"1,62":64,"1,63":65,"1,64":66,"1,65":67,"1,66":68,"1,67":69,"1,68":71,"1,69":72,"1,70":73,"1,71":74,"1,72":75,"1,73":76,"1,74":77,"1,75":78,"1,76":79,"1,77":80,"1,78":81,"1,79":82,"1,80":84,"1,81":85,"1,82":86,"1,83":87,"1,84":89,"1,85":90,"1,86":91,"1,87":92,"1,88":93,"1,89":94,"1,90":95,"1,91":96,"1,92":98,"1,93":99,"1,94":100,"1,95":101,"1,96":102,"1,97":104,"1,98":105,"1,99":106,"1,100":107,"1,101":108,"1,102":109,"1,103":110,"1,104":112,"1,105":113,"1,106":114,"1,107":115,"1,108":117,"1,109":118,"1,110":119,"1,111":121,"1,112":122,"1,113":123,"1,114":124,"1,115":125,"1,116":126,"1,117":127,"1,118":128,"1,119":129,"1,120":130,"1,121":131,"1,122":132,"1,123":133,"1,124":134,"1,125":135,"1,126":136,"1,127":137,"1,128":138,"1,129":139,"1,130":140},"ٜ":{"1":[11,130]},"ٝ":["1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,21","1,22","1,23","1,23","1,24","1,24","1,25","1,26","1,26","1,27","1,27","1,28","1,29","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,37","1,38","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,46","1,47","1,48","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,107","1,108","1,109","1,110","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130"],"ٞ":{"1":[1],"11":[2,3],"12":[4],"13":[5],"15":[6],"17":[7],"20":[8],"22":[9],"25":[10],"30":[11],"35":[12],"37":[13],"38":[14,15],"46":[16],"49":[17],"53":[18],"55":[19],"58":[20],"61":[21],"65":[22],"70":[23],"78":[24],"83":[25],"88":[26],"91":[27,28],"94":[29],"97":[30],"100":[31],"103":[32],"111":[33],"116":[34],"120":[35],"124":[36],"127":[37],"129":[38,39],"131":[40]},"ٟ":[],"numbers":{"2":4,"3":5,"4":8,"9":9,"5":8,"6":8,"7":8,"8":8,"17":10,"10":9,"11":9,"12":9,"13":9,"14":9,"15":9,"16":9},"number_max":"17","number_pages":{"4":"2","5":"3","8":"8","9":"16","10":"17"}},"pages":[{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1>مُقَدّمَة</span>\n...\nمَعَ الإِمَام أبي اسحاق الشاطبي فِي مبَاحث من عُلُوم الْقُرْآن الْكَرِيم وَتَفْسِيره\nإعداد: د. شايع بن عَبده بن شايع الأسمري الْأُسْتَاذ المساعد فِي كُلية الْقُرْآن الْكَرِيم فِي الجامعة\nخطْبَة الْبَحْث\nإنّ الْحَمد لله نحمده ونستعينه وَنَسْتَغْفِرهُ، ونعوذُ بِاللَّه من شرور أَنْفُسنَا وَمن سيئات أَعمالنَا من يهده الله فَلَا مضل لَهُ، وَمن يُضلل فَلَا هادي لَهُ، وَأشْهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ، وَأشْهد أنَّ مُحَمَّدًا عَبده ورسولُه.\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ١ ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ ٢ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ ٣.\nأما بعد: فَإِن عُلَمَاء الأندلس لَهُم مكانةٌ عالية فِي تَارِيخ حضارة الْمُسلمين؛ لما قدموه من بحوث قيِّمة فِي جَمِيع المجالات - دينية ودنيوية - إِلَّا أَن هَذِه المكانة الْعَالِيَة أَتَت عَلَيْهَا أقدارُ الله تَعَالَى الَّتِي لَا رادّ لَهَا، فَكَانَ مصير هَذِه الحضارة الْعَالِيَة، والأبحاث الْقيمَة على ثَلَاثَة أَقسَام:\n_________\n١ - سُورَة آل عمرَان، الْآيَة: ١٠٢.\n٢ - سُورَة النِّسَاء، الْآيَة: ١.\n٣ - سُورَة الْأَحْزَاب، الْآيَة: ٧٠، ٧١. وَهَذِه خطْبَة الْحَاجة، الَّتِي علمهَا رَسُول الله ﷺ لأَصْحَابه، وأخرجها طَائِفَة من الْأَئِمَّة: مِنْهُم أَبُو دَاوُد فِي سنَنه (٢/٢٣٨، ٢٣٩) كتاب النِّكَاح، بَاب خطْبَة النِّكَاح، ح (٢١١٨)، وَابْن ماجة فِي سنَنه (١/٦٠٩) كتاب النِّكَاح، بَاب خطْبَة النِّكَاح، ح (١٨٩٢) وصححها الشَّيْخ الألباني. انْظُر صَحِيح سنَن ابْن ماجة (١/٣١٩) .","vol":"1","page":11},{"text":"الْقسم الأول - وَهُوَ الْأَكْثَر الْأَعْظَم - قضى عَلَيْهِ الإفرنج عَبدة الصَّلِيب وأبادوه، عِنْد استيلائهم على بِلَاد الأندلس، وَإِخْرَاج الْمُسلمين مِنْهَا.\nوَالْقسم الثَّانِي: ادّعاه أُولَئِكَ الأوغاد - النَّصَارَى - ونسبوه لأَنْفُسِهِمْ، وَزَعَمُوا أَنهم أهل السَّبق فِيهِ.\nوَالْقسم الثَّالِث: بعضه لَا زَالَ مَدْفُونا مخطوطا فِي مكتبات الْعَالم - وَلَعَلَّه الْأَكْثَر من هَذَا الْقسم - وَبَعضه أُخرج لكنه لَا زَالَ بحاجة إِلَى دراسة لاستخراج درره ولآلئه، وتنبيه الدارسين عَلَيْهَا؛ علّهم يفيدون مِنْهَا فِي حياتهم العملية.\nومؤلفات الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي الغرناطي من غرر ذَلِك التراث الْقيم، وَمَا خرج مِنْهَا فَهُوَ لَا يزَال بحاجة إِلَى بَيَان الْعُلُوم الَّتِي احتوى عَلَيْهَا، وتوجيه الدارسين إِلَى الإفادة مِنْهَا، خُصُوصا الأبحاث الْمُتَعَلّقَة بعلوم الْقُرْآن الْكَرِيم وَتَفْسِيره، فَإِن مؤلفات هَذَا الإِمَام قد حوت على جملَة مباركة طيبَة، لَكِن لَا يعرفهَا إِلَّا الْقَلِيل من الباحثين والدارسين، فجَاء هَذَا الْبَحْث ليُعرّف بِبَعْض أَنْوَاع عُلُوم الْقُرْآن الْكَرِيم وَتَفْسِيره الَّتِي اشْتَمَلت عَلَيْهَا مؤلفات الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي رَحمَه الله تَعَالَى، وَالَّتِي هِيَ فِي حَقِيقَتهَا قَوَاعِد وأصول عَامَّة، تهدي الدارسين وترشدهم إِلَى الإفادة من أعظم كتاب أُنزل من عِنْد الله تَعَالَى.\nوليوجه أنظار الباحثين والدارسين - من أهل الْقُرْآن وعلومه - إِلَى الاستفادة من مؤلفات الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي، رَحمَه الله تَعَالَى.\nوَهُوَ فِي الْوَقْت نَفسه إشادة واعتراف بِفضل الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي على أهل الْقُرْآن الْكَرِيم وعلومه.","vol":"1","page":12},{"text":"هَذَا وَقد سميت هَذَا الْبَحْث \"مَعَ الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي فِي مبَاحث من عُلُوم الْقُرْآن الْكَرِيم وَتَفْسِيره\"١.\nوَالله تَعَالَى أسأَل أَن يَجعله خَالِصا لوجهه الْكَرِيم، وَأَن ينفع بِهِ الباحثين والدارسين، وَأَن يزِيد بِهِ الإِمَام أَبَا إِسْحَاق الشاطبي رفْعَة ومكانة.\nوَصلى الله على نَبينَا مُحَمَّد وعَلى آله وَصَحبه أَجْمَعِينَ\n_________\n١ - معنى هَذَا العنوان: أننا سنصحب الإِمَام أَبَا إِسْحَاق الشاطبي - من خلال مؤلفاته - لنطلع على شَيْء ممّا دونه فِي جَانب التَّفْسِير وعلوم الْقُرْآن الْكَرِيم.","vol":"1","page":13},{"text":"١ - أهمية الْمَوْضُوع، وَسبب اخْتِيَاره:\nإِن هَذَا الْمَوْضُوع - \"مَعَ الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي فِي مبَاحث من عُلُوم الْقُرْآن الْكَرِيم وَتَفْسِيره\" - لَهُ أهمية وَيسْتَحق الدراسة؛ لأسباب أَشرت إِلَى بَعْضهَا - إِجْمَالا - فِي خطْبَة الْكتاب، وأُفصّل أهمها فِيمَا يَلِي:\n١ - هَذَا الْمَوْضُوع يتعلّق بِإِمَام، مَعْدُود من المجدّدين فِي الْإِسْلَام بِمَا قدم من أبحاث قيمَة فِي موضوعها ومضمونها.\n٢ - هَذِه الدراسة هِيَ الأولى من نوعها، إِذْ لَا أعلم أَنه كُتب حول الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي فِيمَا يتَّصل بعلوم الْقُرْآن الْكَرِيم وَتَفْسِيره١.\n٣ - هَذِه الدراسة سَتَكُون - بِإِذن الله تَعَالَى - توجيها للباحثين والدارسين فِي تَفْسِير الْقُرْآن الْكَرِيم وعلومه إِلَى الإفادة من كتب الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي؛ لأنّ كثيرا من الباحثين والدارسين يعدونه من أهل الْفِقْه وأصوله فَحسب.\n٤ - هَذِه الدراسة جمعت طَائِفَة من أصُول التَّفْسِير وقواعده، وجَعَلَتْها فِي متناول الباحثين، مَعَ الْإِشَارَة إِلَى مواطنها من كتب الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي لمن أَرَادَ الدراسة والتوسع فِي تِلْكَ الْقَوَاعِد وَالْأُصُول.\n٥ - تطرق أَبُو إِسْحَاق الشاطبي إِلَى مبَاحث قيّمة لم يُسبق إِلَيْهَا سَوَاء فِي أصُول التَّفْسِير، أَو فِي التَّفْسِير، فجَاء هَذَا الْبَحْث ليوجه أنظار الدارسين إِلَيْهَا، ويعطيهم صُورَة صَادِقَة عَنْهَا.\n_________\n١ - انْظُر الخاتمة من هَذَا الْبَحْث.","vol":"1","page":14},{"text":"٢ - خطة الْبَحْث:\nيتكون هَذَا الْبَحْث من مُقَدّمَة، وَثَلَاثَة فُصُول، وخاتمة.\nالْمُقدمَة: وتشمل:\n١ - أهمية الْمَوْضُوع، وَسبب اخْتِيَاره.\n٢ - خطة الْبَحْث.\n٣ - الْمنْهَج المتبع فِي إِخْرَاج الْبَحْث.\nالْفَصْل الأول: عَن حَيَاة الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي؛ ويشمل - بإيجاز - مَا يَلِي:\n١ - اسْم الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي وَنسبه.\n٢ - مولد الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي ونشأته.\n٣ - بعض شُيُوخ الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي.\n٤ - بعض تلاميذ الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي.\n٥ - مَذْهَب الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي.\n٦ - مقاومة الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي للبدع والمبتدعة.\n٧ - ثَنَاء الْعلمَاء على الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي.\n٨ - آثَار الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي العلمية.\n٩ - مكانة الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي فِي عُلُوم الْقُرْآن الْكَرِيم وَتَفْسِيره.\n١٠ - شعر الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي.\n١١ - وَفَاة الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي، رَحمَه الله تَعَالَى.\nالْفَصْل الثَّانِي: مَعَ الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي فِي مبَاحث من عُلُوم الْقُرْآن الْكَرِيم (وَفِيه اثْنَا عشر مبحثا):","vol":"1","page":15},{"text":"المبحث الأول: مَعَ الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي١فِي أَسبَاب النُّزُول.\nالمبحث الثَّانِي: مَعَ الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي فِي الْأَقْوَال المحكية فِي الْقُرْآن الْكَرِيم.\nالمبحث الثَّالِث: مَعَ الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي فِي مَنْهَج الْقُرْآن الْكَرِيم فِي التَّرْغِيب والترهيب.\nالمبحث الرَّابِع: مَعَ الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي فِي أَقسَام الْعُلُوم المضافة إِلَى الْقُرْآن الْكَرِيم.\nالمبحث الْخَامِس: مَعَ الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي فِي التَّفْسِير الإشاري لِلْقُرْآنِ الْكَرِيم.\nالمبحث السَّادِس: مَعَ الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي فِي قَوْله: إِن الْمدنِي من السُّور يَنْبَغِي أَن يكون منزلا على الْمَكِّيّ فِي الْفَهم وَكَذَلِكَ الْمَكِّيّ بعضه مَعَ بعض وَالْمَدَنِي بعضه مَعَ بعض.\nالمبحث السَّابِع: مَعَ الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي فِي أَن تَفْسِير الْقُرْآن الْكَرِيم يتبع فِيهِ الْمُفَسّر التَّوَسُّط والاعتدال ويجتنب فِيهِ الإفراط والتفريط\nالمبحث الثَّامِن: مَعَ الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي فِي بَيَان الْمَقْصُود بِالرَّأْيِ المذموم والرأي الممدوح فِي تَفْسِير الْقُرْآن الْكَرِيم.\nالمبحث التَّاسِع: مَعَ الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي فِي حكم تَرْجَمَة الْقُرْآن الْكَرِيم\nالمبحث الْعَاشِر: مَعَ الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي فِي التَّفْسِير العلمي لِلْقُرْآنِ الْكَرِيم\nالمبحث الْحَادِي عشر: مَعَ الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي فِي أَسبَاب الِاخْتِلَاف\nغير المؤثرة فِي تَفْسِير الْقُرْآن الْكَرِيم.\n_________\n١ - أعتذرُ للقارئ الْكَرِيم عَن تكْرَار عبارَة (مَعَ الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي) وَذَلِكَ يذهب عِنْد وضع كل مبحثٍ فِي صفحة مستقلّة.","vol":"1","page":16},{"text":"المبحث الثَّانِي عشر: مَعَ الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي فِي وجود المعرَّب فِي الْقُرْآن الْكَرِيم.\nالْفَصْل الثَّالِث: مَعَ الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي فِي مبَاحث من تَفْسِير الْقُرْآن الْكَرِيم (وَفِيه عشرَة مبَاحث):\nالمبحث الأول: مَعَ الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي فِي تَفْسِير الْقُرْآن بِالْقُرْآنِ.\nالمبحث الثَّانِي: مَعَ الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي فِي تَفْسِير الْقُرْآن بِالسنةِ.\nالمبحث الثَّالِث: مَعَ الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي فِي تَفْسِير الْقُرْآن بأقوال الصَّحَابَة ﵃.\nالمبحث الرَّابِع: مَعَ الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي فِي تَفْسِير الْقُرْآن بأقوال التَّابِعين وأتباعهم.\nالمبحث الْخَامِس: مَعَ الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي فِي شَيْء من تعقيباته وآرائه فِي التَّفْسِير.\nالمبحث السَّادِس: مَعَ الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي فِي نَحْو الْقُرْآن وبلاغته.\nالمبحث السَّابِع: مَعَ الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي فِي ذكر الْقرَاءَات وتوجيهها.\nالمبحث الثَّامِن: مَعَ الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي فِي تَفْسِير آيَات العقيدة.\nالمبحث التَّاسِع: مَعَ الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي فِي أَحْكَام الْقُرْآن الْكَرِيم.\nالمبحث الْعَاشِر: مَعَ الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي فِي الإفادة من أصُول الْفِقْه فِي تَفْسِير الْقُرْآن الْكَرِيم.\nالخاتمة: أهم النتائج الَّتِي ظَهرت لي من خلال هَذَا الْبَحْث، والتوصيات.","vol":"1","page":17},{"text":"٣ - الْمنْهَج المتبع فِي إِخْرَاج الْبَحْث:\n١ - تأمّلت فِي كتب الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي، ودونت كثيرا من المباحث الَّتِي رَأَيْت أَن لَهَا صلَة بعلوم الْقُرْآن الْكَرِيم وَتَفْسِيره.\n٢ - رتبت هَذِه المباحث على حسب الخطّة الْمَذْكُورَة فِي الْفَصْلَيْنِ: الثَّانِي، وَالثَّالِث.\n٣ - قابلت النُّصُوص المنقولة على أُصُولهَا المطبوعة للتأكد من سَلامَة النَّقْل.\n٤ - أَشرت إِلَى الْكَلَام الْمَحْذُوف - أثْنَاء النَّقْل من النُّصُوص - بِوَضْع ثَلَاث نقاط، وَفِي هَذِه الْحَالة أطلب من الْقَارئ مُرَاجعَة الْكتاب الْمَنْقُول مِنْهُ بِقَوْلِي: انْظُر، وَأما إِذا كَانَ الْكَلَام لم يُحذف مِنْهُ شَيْء أَشرت إِلَى الْمرجع بِقَوْلِي: الموافقات - مثلا - ثمَّ أذكر الْجُزْء والصفحة، وَهَذَا فِي الْغَالِب.\n٥ - نقلت من كتب الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي مَا يوضِّح عنوان المبحث، وَأحلت الْقَارئ على بَاقِي الْكَلَام فِي الْكتاب الْمَنْقُول مِنْهُ، وحرصت أَن يكون الْكَلَام الْمَنْقُول هُوَ الزبدة وَالْخُلَاصَة الَّتِي يَسْتَفِيد مِنْهُمَا أهل التَّفْسِير وعلوم الْقُرْآن.\n٦ - كَانَ لي بعض المداخلات والتعليقات على كثير من المباحث تجدها أَحْيَانًا فِي آخر المبحث - تَحت عنوان بارز - وَقد تكون فِي أَثْنَائِهِ، وَقد تكون فِي أَوله، وَقد تكون فِي الْحَاشِيَة.\n٧ - أَشرت إِلَى اسْم السُّورَة، ورقم الْآيَة، فِي كل الْآيَات المنقولة - فِي الأَصْل - وَذَلِكَ فِي الْحَاشِيَة.\n٨ - خرجت الْأَحَادِيث والْآثَار من مظانها، وحرصت أَن أذكر كَلَام أهل الْعلم على الحَدِيث (تَصْحِيحا، وتحسينا، وتضعيفا) مَا لم يكن فِي الصَّحِيحَيْنِ، أَو أَحدهمَا. وَأما الْآثَار عَن الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ فَقُمْت","vol":"1","page":18},{"text":"بتخريجها، وَإِذا وجدت لأهل الْعلم عَلَيْهَا كلَاما نقلته، وَإِن لم أجد حاولت إِعْطَاء الْقَارئ شَيْئا عَن حَال رجال إسنادها.\n٩ - شرحت الْكَلِمَات الغريبة، وَلم أتوسع فِي ذَلِك.\n١٠ - ترجمت لبَعض الْأَعْلَام الَّذين رَأَيْت أَنهم يَحْتَاجُونَ لترجمة، وَلم أتوسع فِي هَذَا الْجَانِب خشيَة إثقال الْحَوَاشِي.\n١١ - أَشرت إِلَى أَمَاكِن بعض النقولات الَّتِي نقلهَا الإِمَام الشاطبي عَن بعض الْعلمَاء، وَقد أترك الْبَعْض، إِذْ لَيْسَ الْمقَام مقَام تَحْقِيق فليزم تَوْثِيق كل نَص من مرجعه، أضف إِلَى ذَلِك أَنه قد ينْقل عَن عُلَمَاء مشافهة، وَقد ينْقل من مؤلفات هِيَ فِي عداد الْمَفْقُود الْآن.\n١٢ - أَشرت إِلَى المباحث الَّتِي استفادها بعض الْمُفَسّرين الْمُتَأَخِّرين من كتب الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي، وَذَلِكَ فِي الْحَاشِيَة.\n١٣ - وثقت الْقرَاءَات الَّتِي ذُكرت فِي أثْنَاء المباحث من كتب الْقرَاءَات الْمُعْتَمدَة، وبينت الْمُتَوَاتر مِنْهَا والشاذ.\n١٤ - لم أجيء بِكُل المباحث الَّتِي حوتها كتب الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي - مِمَّا يتَعَلَّق بعلوم الْقُرْآن وَتَفْسِيره - وَإِنَّمَا جِئْت بِمَا يُعْطي الْقَارئ صُورَة جَيِّدَة عَن الْقيمَة العلمية، الَّتِي حوتها مؤلفات الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي، من عُلُوم الْقُرْآن الْكَرِيم وَتَفْسِيره.\n١٥ - ذكرت بَين يَدي الْفَصْلَيْنِ الثَّانِي وَالثَّالِث تمهيدًا قَصِيرا.\n١٦ - ذكرت تَرْجَمَة موجزة للْإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي، حرصت أَن آتِي فِيهَا بِبَعْض الْجَدِيد، مثل إِظْهَار مكانة الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي فِي عُلُوم الْقُرْآن الْكَرِيم وَتَفْسِيره، وَغير ذَلِك مِمَّا لَا تَجدهُ فِي الدراسات الَّتِي سبقتني.","vol":"1","page":19},{"text":"١٧ - اعتمدت فِي نقل كَلَام الإِمَام أبي إِسْحَاق من كِتَابه الموافقات على\nالنُّسْخَة الَّتِي حققها الشَّيْخ مَشْهُور بن حسن، وَقد أرجع إِلَى النُّسْخَة الَّتِي حققها العلاّمة عبد الله دراز عِنْد الْحَاجة.\n١٨ - وضعت خَاتِمَة لهَذَا الْبَحْث بيّنت فِيهَا أهم النتائج الَّتِي ظَهرت لي خلال الْمدَّة الَّتِي عشتها مَعَ هَذَا الْبَحْث، مَعَ إبداء بعض التوصيات الَّتِي أَرْجُو أَن يُؤْخَذ بهَا.\n١٩ - وضعت الفهارس اللاَّزمة للإفادة من هَذَا الْبَحْث، وَهِي على النَّحْو التَّالِي:\n١ - فهرس آيَات الْقُرْآن الْكَرِيم.\n٢ - فهرس الْأَحَادِيث الشَّرِيفَة.\n٣ - فهرس الْآثَار.\n٤ - فهرس المصادر والمراجع.\n٥ - فهرس مَوَاضِع الْبَحْث.\nهَذِه أهم الركائز الَّتِي اتبعتها فِي إِخْرَاج هَذَا الْبَحْث، وَأَرْجُو أَن أكون قد وُفقت فِي ذَلِك.\nهَذَا وَقد اجتهدت فِي السَّلامَة من الزلل، لكنني لَا أَشك فِي وُقُوعه، فأستغفر الله تَعَالَى من ذَلِك.\nوَأَرْجُو أَن أكون قد أدّيت شَيْئا من حق الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي على أهل الْقُرْآن الْكَرِيم بِهَذَا الْبَحْث المتواضع، كَمَا أَرْجُو أَن أكون قد أسديت شَيْئا لمكتبة التَّفْسِير وعلوم الْقُرْآن الْكَرِيم.\nوَكتبه: شايع بن عَبده بن شايع الأسمري","vol":"1","page":20},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>الْفَصْل الأول: عَن حَيَاة الامام أبي إِسْحَاق الشاطبي (وَفِيه مايلي)</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3>اسْم الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي وَنسبه</span>\n...\nالْفَصْل الأول\nعَن حَيَاة الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي ويشمل - بإيجاز١ - مَا يَلِي:\n١ - اسْم الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي وَنسبه: هُوَ الإِمَام إِبْرَاهِيم بن مُوسَى بن مُحَمَّد اللَّخْمِيّ٢الغرناطي، أَبُو إِسْحَاق، الشهير بالشاطبي٣.\n_________\n١ - لِأَن هُنَاكَ دراسات موسعة عَن هَذَا الإِمَام. ذكرهَا الشَّيْخ مَشْهُور بن حسن فِي تَحْقِيقه لكتاب الموافقات (٦/٧، ٨) حَاشِيَته.\n٢ - لخم قَبيلَة عَرَبِيَّة، أَصْلهَا من القحطانية من الْيمن، وَمِنْهُم كَانَت مُلُوك الْعَرَب فِي الْجَاهِلِيَّة، وَمِنْهُم من دخل بِلَاد الأندلس، ثمَّ كَانَ لبقاياهم ملك بإشبيلية من الأندلس، وَهِي دولة ابْن عباد. انْظُر: صفة جَزِيرَة الْعَرَب ص (٢٧١)، ولسان الْعَرَب (١٢/٢٦١/لخم)، ومعجم قبائل الْعَرَب (٣/١٠١١، ١٠١٢) (٥/٣٦٥) .\nقلت: وعَلى هَذَا فالإمام الشاطبي عَرَبِيّ الأَصْل.\n٣ - انْظُر نيل الابتهاج ص (٤٦)، وشجرة النُّور الزكية ص (٢٣١)، وإيضاح الْمكنون (٢/١٢٧)، والأعلام (١/٧٥)، ومعجم المؤلفين (١/١١٨)، ودرة الحجال (١/١٨٢)، وفهرس الفهارس (١/١٩١)، وبرنامج المجاري (١/١١٦)، وأعلام الْمغرب","vol":"1","page":21},{"text":"٢ -<span data-type=\"title\" id=toc-4> مولد الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي ونشأته: </span>لم تُسلط - كتب التراجم الْمُعْتَمدَة - الأضواء على مَكَان وِلَادَته، وَلَا عَن تاريخها، وَلَا عَن كيفيّة نشأته.\nإِلَّا أَن الَّذِي يَبْدُو - وَالله أعلم - أَن أَصله كَانَ من مَدِينَة شَاطِبَة١، وَأَنه ولد فِي مَدِينَة غرناطة٢، قبيل سنة ٧٢٠هـ٣.\nأما عَن نشأته: فقد نَشأ على حبّ الْعلم، ومتابعة الدَّرْس مُنْذُ نعومة أَظْفَاره، حَدثنَا هُوَ بذلك فِي مُقَدّمَة كِتَابه الِاعْتِصَام، نقتطف من ذَلِك قَوْله: \"لم أزل مُنْذُ فُتق للفهم عَقْلِي، وَوجه شطر الْعلم طلبي، أنظر فِي عقلياته، وشرعياته، وأصوله، وفروعه، لم أقتصر مِنْهُ على علم دون علم، وَلَا أفردت عَن أَنْوَاعه نوعا دون آخر حَسْبَمَا اقْتَضَاهُ الزَّمَان والإمكان ... \"٤.\n_________\n١ - مَدِينَة فِي شَرْقي الأندلس، وشرقي قرطبة، خرج مِنْهَا خلق من الْفُضَلَاء. انْظُر: مُعْجم الْبلدَانِ (٣/٣٥١) .\n٢ - غَرْنَاطة: بِفَتْح الأول وَسُكُون الثَّانِي، وَمعنى غرناطة رمَّانة بِلِسَان عجم الأندلس، وَهِي أقدم مدن كورة البيرة من أَعمال الأندلس، وَأَعْظَمهَا وأحسنها وأحصنها. انْظُر مُعْجم الْبلدَانِ (٤/٢٢١) .\n٣ - انْظُر: فَتَاوَى الإِمَام الشاطبي، ص (٣٢) .\n٤ - الِاعْتِصَام (١/٣١) .","vol":"1","page":21},{"text":"٣ -<span data-type=\"title\" id=toc-5> بعض شُيُوخ الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي: </span>تتلمذ الإِمَام أَبُو إِسْحَاق الشاطبي على جمَاعَة من الْعلمَاء، ذكر مِنْهُم بعض المعاصرين أَرْبَعَة وَعشْرين شَيخا١، أكتفي بِذكر من ذكرهم الْعَلامَة أَحْمد بَابا التنبكتي، حَيْثُ قَالَ: \"أَخذ الْعَرَبيَّة وَغَيرهَا عَن أَئِمَّة مِنْهُم الإِمَام المفتوح عَلَيْهِ فِي فنها ابْن الفخار البيري٢.وَالْإِمَام الشريف رَئِيس الْعُلُوم اللسانية أَبُو الْقَاسِم السبتي٣ وَالْإِمَام الْمُحَقق أعلم أهل وقته الشريف أَبُو عبد الله التلمساني٤ ... وَالْإِمَام\n_________\n١ - انْظُر دارسة الدكتور أبي الأجفان لكتاب الإفادات والإنشادات، ص (٢٠ - ٢٦) .\n٢ - انْظُر تَرْجَمته فِي نفح الطّيب (٥/٣٥٥)، وبغية الوعاة (١/١٧٤) .\n٣ - انْظُر تَرْجَمته فِي نيل الابتهاج، ص (٤٧)، وبغية الوعاة (١/٣٩)، ونفح الطّيب (٥/١٨٩) .\n٤ - انْظُر: نيل الابتهاج ص (٢٥٥) .","vol":"1","page":22},{"text":"علاّمة وقته بِإِجْمَاع أَبُو عبد الله الْمقري١ ... وقطب الدائرة ... الإِمَام الشهير أَبُو سعيد ابْن لب٢، وَالْإِمَام الْجَلِيل ... ابْن مَرْزُوق الْجد٣، والعلاّمة المحقّق الْمدرس الأصولي أَبُو عَليّ مَنْصُور بن مُحَمَّد الزاوي٤، والعالم الْمُفَسّر الْمُؤلف أَبُو عبد الله البلنسي٥ ... والعلامة الرحلة الْخَطِيب أَبُو جَعْفَر الشقوري٦ ... والعالم الْحَافِظ الْفَقِيه أَبُو الْعَبَّاس القباب٧، والمفتي المحدّث أَبُو عبد الله الحفّار٨، وَغَيرهم\"٩.\n_________\n١ - انْظُر تَرْجَمته فِي برنامج المجاري، ص (١١٩ - ١٢١)، والإحاطة (٢/١٩١)، ونفح الطّيب (٥/٢٠٣) .\n٢ - انْظُر تَرْجَمته فِي بغية الوعاة (٢/٢٤٣)، ونفح الطّيب (٥/٥٠٩) .\n٣ - انْظُر تَرْجَمته فِي الْإِحَاطَة (٣/١٠٣) .\n٤ - انْظُر تَرْجَمته فِي برنامج المجاري، ص (١١٩) .\n٥ - انْظُر تَرْجَمته فِي الْإِحَاطَة (٣/٣٨)، وبغية الوعاة (١/١٩١) .\n٦ - انْظُر تَرْجَمته فِي برنامج المجاري ص (١٢٥) .\n٧ - انْظُر تَرْجَمته فِي نيل الابتهاج، ص (٧٢) .\n٨ - انْظُر تَرْجَمته فِي برنامج المجاري، ص (١٠٤)، ونفح الطّيب (٢/٦٩٤ - ٥/٥١٣، ٤٢٩) .\n٩ - نيل الابتهاج، ص (٤٧، ٤٨) .","vol":"1","page":23},{"text":"٤ -<span data-type=\"title\" id=toc-6> بعض تلاميذ الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي: </span>قَالَ أَحْمد بَابا التنبكتي: \"أَخذ عَنهُ جمَاعَة من الْأَئِمَّة كالإمامين العلامتين أبي يحيى بن عَاصِم الشهير١، وأخيه القَاضِي الْمُؤلف أبي بكر بن عَاصِم٢، وَالشَّيْخ أبي عبد الله\n_________\n١ - انْظُر تَرْجَمته فِي نفح الطّيب (٦/١٤٨) .\n٢ - انْظُر تَرْجَمته فِي نفح الطّيب (٥/١٩) .","vol":"1","page":23},{"text":"الْبَيَانِي١، وَغَيرهم\"٢.\nقلت: وَمن هَؤُلَاءِ الْغَيْر أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن مُحَمَّد المجاري الأندلسي٣، وَأَبُو جَعْفَر أَحْمد الْقصار الأندلسي الغرناطي٤، وَأَبُو الْحسن عَليّ بن سَمِعت، الَّذِي أجَازه الإِمَام الشاطبي إجَازَة عَامَّة٥.\n_________\n١ - انْظُر تَرْجَمته فِي نيل الابتهاج، ص (٣٠٨) .\n٢ - نيل الابتهاج ص (٤٩) .\n٣ - انْظُر تَرْجَمته فِي مُقَدّمَة أبي الأجفان لبرنامج المجاري ص (٣٢)، وَانْظُر برنامج المجاري، ص (١١٦) .\n٤ - انْظُر تَرْجَمته فِي الْمرجع السَّابِق، ص (٧٦) .\n٥ - انْظُر الإفادات والإنشادات، ص (٢٧) .","vol":"1","page":24},{"text":"٥ -<span data-type=\"title\" id=toc-7> مَذْهَب الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي: </span>هُوَ مالكي الْمَذْهَب، يدل على ذَلِك أَن عُلَمَاء الْمَالِكِيَّة أدخلوه فِي عداد طبقاتهم١، وَلم ينازعهم فِي ذَلِك أحد من أهل الْمذَاهب الْفِقْهِيَّة الْأُخْرَى، وَوَصفه المعتنين بالتراجم عُمُوما بِأَنَّهُ مالكي الْمَذْهَب٢.\nوَمن الْأَدِلَّة على هَذِه الْمَسْأَلَة أَن الإِمَام الشاطبي - نَفسه - قد اعتنى بِذكر أَقْوَال الإِمَام مَالك، وَغَيره من أَئِمَّة الْمَذْهَب، يظْهر ذَلِك جليا من خلال كتبه٣.\nوَهَذَا لَا يَعْنِي أَن الإِمَام الشاطبي مقلد أعمى متعصب، بل هُوَ يعْتَمد فِي\n_________\n١ - انْظُر نيل الابتهاج، ص (٤٦)، وشجرة النُّور، ص (٢٣١) .\n٢ - انْظُر الْأَعْلَام (١/٧٥)، ومعجم المؤلفين (١/١١٨) .\n٣ - انْظُر من الموافقات - مثلا - (٣/١٦، ٥٠، ٥٩، ٧٧، ١٢٦، ١٥٨، ١٩٥، ٢٠١، ٢٠٤، ٢٦٠، ٢٦٥، ٢٦٩) .","vol":"1","page":24},{"text":"فَتَاوَاهُ على الْمَأْثُور من نُصُوص الْوَحْي، وأقوال أَعْلَام الْمَذْهَب الْمَالِكِي، وَإِذا لم يظفر بِشَيْء من ذَلِك فِي الْمَسْأَلَة، يجْتَهد بانيا على مُرَاعَاة مَقَاصِد الشَّرِيعَة الإسلامية١.\nوَأما مَذْهَب الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي فِي العقيدة: فَهُوَ مَذْهَب أهل السّنة وَالْجَمَاعَة، الْمَبْنِيّ على الْكتاب وَالسّنة، وَذَلِكَ فِي الْجُمْلَة؛ إِذْ أَنه لم يسلم من الْميل إِلَى رَأْي الأشاعرة فِي بعض الصِّفَات - وَفِي غير الصِّفَات -، فَمن ذَلِك قَوْله: \"وَالْحب والبغض من الله تَعَالَى، إِمَّا أَن يُرَاد بهما نفس الإنعام أَو الانتقام، فيرجعان إِلَى صِفَات الْأَفْعَال على رَأْي من قَالَ بذلك، وَإِمَّا أَن يُرَاد بهما إِرَادَة الإنعام والانتقام فيرجعان إِلَى صِفَات الذَّات؛ لِأَن نفس الْحبّ والبغض المفهومين فِي كَلَام الْعَرَب حَقِيقَة محالان على الله تَعَالَى ... \"٢.\nوَقَالَ: \" ... قَوْله تَعَالَى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِم﴾ ٣، ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ ٤وَأَشْبَاه ذَلِك إِنَّمَا جرى على معتادهم فِي اتِّخَاذ الْآلهَة فِي الأَرْض، وَإِن كَانُوا مقرين بإلهيّة الْوَاحِد الحقّ، فَجَاءَت الْآيَات بِتَعْيِين الفوق وتخصيصه تَنْبِيها على نفي مَا ادَّعوه فِي الأَرْض فَلَا يكون فِيهِ دَلِيل على إِثْبَات الْجِهَة الْبَتَّةَ\"٥.\nوَقَالَ: \" (فصل) وَهل لِلْقُرْآنِ مَأْخَذ فِي النّظر على أَن جَمِيع سوره كَلَام\n_________\n١ - انْظُر مُقَدّمَة أبي الأجفان لكتاب الإفادات والإنشادات، ص (٤٦) .\n٢ - الموافقات (٢/١٩٤) .\n٣ - سُورَة النَّحْل، الْآيَة: ٥٠.\n٤ - سُورَة الْملك، الْآيَة: ١٦.\n٥ - الموافقات (٤/١٥٥) .","vol":"1","page":25},{"text":"وَاحِد بِحَسب خطاب الْعباد، لَا بِحَسبِهِ فِي نَفسه؟. فَإِن كَلَام الله فِي نَفسه كَلَام وَاحِد لَا تعدّد فِيهِ بِوَجْه وَلَا بِاعْتِبَار، حَسْبَمَا يتَبَيَّن فِي علم الْكَلَام\"١.\nفَأَنت ترى فِي الْمِثَال الأول أَن الإِمَام الشاطبي أوّل الْحبّ والبغض بِإِرَادَة الإنعام والانتقام، أَو أَنَّهُمَا نفس الإنعام والانتقام.\nوَفِي الْمِثَال الثَّانِي يؤوّل صفة الْفَوْقِيَّة الثَّابِتَة فِي النُّصُوص لله تَعَالَى على مَا يَلِيق بجلاله وعظمته.\nوَفِي الْمِثَال الثَّالِث يَجْعَل كَلَام الله تَعَالَى معنى قَائِما بِالنَّفسِ، مُجَردا عَن الْأَلْفَاظ والحروف.\nوَلَا شكّ أَن أَبَا إِسْحَاق - غفر الله لَهُ - قد فَاتَهُ الصَّوَاب فِي هَذِه الْأَمْثِلَة الثَّلَاثَة.\n_________\n١ - الْمصدر نَفسه (٤/٢٧٤) .","vol":"1","page":26},{"text":"٦ -<span data-type=\"title\" id=toc-8> مقاومة الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي للبدع والمبتدعة: </span>أُصِيب الْعَالم الإسلامي بعد الْقُرُون المفضّلة بِبَعْض الانحراف عمّا كَانَ عَلَيْهِ رسولُ الله ﷺ وَأَصْحَابه، وَكلما ابتعد آخر هَذِه الْأمة عَن أَولهَا ازْدَادَ ظُهُور الْبدع، حَتَّى كَانَ عصر الإِمَام الشاطبي - رَحمَه الله تَعَالَى - فزادت هَذِه الْحَال سَوَاء فِي شَرق الْعَالم الإسلامي، أم فِي غربه.\nوَكَانَت غرناطة - فِي عصر الإِمَام الشاطبي - مجمع فلول الهزائم، وملتقى آفَات اجتماعية نَشأ عَنْهَا انتشار بعض الْبدع الَّتِي أدَّت إِلَى ضعف الْمُسلمين١.\nوَكَانَت هَذِه الْحَال لَا ترضي الإِمَام الشاطبي، وَهُوَ يعلم أَنه مَأْمُور بإنكار الْمُنكر٢.\n_________\n١ - انْظُر مُقَدّمَة الدكتور أبي الأجفان لكتاب الإفادات والإنشادات، ص (٣٤) .\n٢ - كَمَا ثَبت ذَلِك فِي الحَدِيث: \"من رأى مِنْكُم مُنْكرا فليغيّره بِيَدِهِ، فَإِن لم يسْتَطع فبلسانه، فَإِن لم يسْتَطع فبقلبه\".","vol":"1","page":26},{"text":"فَقَامَ فِي هَذَا الْجَانِب خير قيام، وَألف فِي ذَلِك كتابا حافلًا نصر بِهِ سنة الرَّسُول ﷺ وقمع بِهِ بدع المبتدعين١.\nوَقد تحدث هُوَ بِنَفسِهِ عَن بعض مِمَّا قَامَ بِهِ فِي هَذَا الشَّأْن فَقَالَ: \" ... لم أزل أتتبع الْبدع الَّتِي نبّه عَلَيْهَا رَسُول الله ﷺ وحذر مِنْهَا، وبيَّن أَنَّهَا ضَلَالَة، وَخُرُوج عَن الجادة، وَأَشَارَ الْعلمَاء إِلَى تمييزها والتعريف بجملة مِنْهَا؛ لعَلي أجتنبها فِيمَا اسْتَطَعْت، وأبحث عَن السّنَن الَّتِي كَادَت تُطْفِئ نورها تِلْكَ المحدثات؛ لعَلي أجلو بِالْعَمَلِ سناها، وأُعد يَوْم الْقِيَامَة فِيمَن أَحْيَاهَا ... \"٢.\nوَأثْنى عَلَيْهِ الْعلمَاء بذلك، فَمن ذَلِك قَول أَحْمد بَابا التنبكتي: \" ... حَرِيصًا على اتِّبَاع السّنة، مجانبًا للبدع والشبهة، ساعيًا فِي ذَلِك، مَعَ تثبت تَامّ، منحرف عَن كلّ مَا ينحو للبدع وَأَهْلهَا، وَقع لَهُ فِي ذَلِك أُمُور مَعَ جمَاعَة من شُيُوخه وَغَيرهم فِي مسَائِل\"٣.\nهَذَا وَلم يسلم الإِمَام الشاطبي من أَلْسِنَة المبتدعة أَعدَاء السّنة فنسبوا إِلَيْهِ مَا لم يقل، واتهموه بأَشْيَاء هُوَ برِئ مِنْهَا بَرَاءَة ذِئْب يُوسُف ﵇.\nوَقد أَشَارَ إِلَى ذَلِك بعض من ترْجم لَهُ، كَمَا تقدم قَرِيبا فِي كَلَام التنبكتي.\nكَمَا أَشَارَ هُوَ إِلَى شَيْء من الِابْتِلَاء الَّذِي أُصيب بِهِ فِي سَبِيل قَول الْحق ورد الْبَاطِل٤.\n_________\n١ - سمّاه «الِاعْتِصَام» وَسَيَأْتِي الحَدِيث عَنهُ إِن شَاءَ الله تَعَالَى فِي مؤلفات الإِمَام الشاطبي.\n٢ - الِاعْتِصَام (١/٣٩) .\n٣ - نيل الابتهاج ص (٤٧) .\n٤ - انْظُر الِاعْتِصَام (١/٣٥ - ٣٩) .","vol":"1","page":27},{"text":"٧ -<span data-type=\"title\" id=toc-9> ثَنَاء الْعلمَاء على الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي: </span>لم تسلط","vol":"1","page":27},{"text":"الأضواء على حَيَاة الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي وفضائله - بِمَا يسْتَحق - وَمَا ذَلِك - فِي نَظَرِي - إلاّ لِأَنَّهُ خَالف مألوف المبتدعة فأحيا السّنة وأمات الْبِدْعَة، وإلاّ فَمَا معنى أَن يكْتب المقَّري صَاحب نفح الطّيب صفحات وصفحات كلهَا إطراء وثناء عَن الزنديق الحلولي ابْن عَرَبِيّ١، فَإِذا جَاءَ إِلَى الإِمَام الشاطبي يَكْتَفِي بِبَعْض النقولات من كتبه٢، وَلَا يجود علينا بِشَيْء من حَيَاته وإمامته.\nويكتفي آخر - عَن الإِمَام الشاطبي - بقوله: \"إِبْرَاهِيم الشاطبي الغرناطي أَبُو إِسْحَاق\"٣.\nوَمَعَ ذَلِك فَلَا تَخْلُو هَذِه الْأمة مِمَّن يَقُول الْحق فَمن ذَلِك: قَول تِلْمِيذه أبي عبد الله المجاري: \"الشَّيْخ الإِمَام الْعَلامَة الشهير، نَسِيج وَحده، وفريد عصره، أَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن مُوسَى اللَّخْمِيّ الشاطبي\"٤.\nوَقَالَ عَنهُ أَحْمد بَابا التنبكتي: \"الإِمَام الْعَلامَة، الْمُحَقق الْقدْوَة، الْحَافِظ الْجَلِيل الْمُجْتَهد، كَانَ أصوليا مُفَسرًا، فَقِيها مُحدثا، لغويا بيانيا، نظارًا ثبتا، ورعا صَالحا زاهدًا، سنيا٥ إِمَامًا مُطلقًا، بحاثا مدققا جدليا، بارعا فِي الْعُلُوم، من أَفْرَاد الْعلمَاء الْمُحَقِّقين الْأَثْبَات، وأكابر الْأَئِمَّة المتقنين الثِّقَات ... \"٦.\nوحسبك بِشَهَادَة هذَيْن الْإِمَامَيْنِ الفاضلين، وَإِنَّمَا يعرف الْفضل لأَهله أهلُه.\n_________\n١ - انْظُر نفح الطّيب (٢/١٦١) . ثمَّ انْظُر سير أَعْلَام النبلاء (٢٣/٤٨، ٤٩) .\n٢ - انْظُر نفح الطّيب (٧/٢٧٩) .\n٣ - درة الحجال (١/١٨٢) .\n٤ - برنامج المجاري، ص (١١٦) .\n٥ - سَني - ا: مَعْنَاهُ رفيع الْقدر والمنزلة. انْظُر لِسَان الْعَرَب (٦/٤٠٥) «سنا»\n٦ - نيل الابتهاج، ص (٤٦، ٤٧) .","vol":"1","page":28},{"text":"وَقد تابعهما فِي الثَّنَاء على الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي مُحَمَّد مخلوف١وَغَيره من الْمُتَأَخِّرين٢.\n_________\n١ - انْظُر شَجَرَة النُّور الزكية، ص (٢٣١) .\n٢ - انْظُر الْأَعْلَام (١/٧٥)، ومعجم المؤلفين (١/١١٨)، وفهرس الفهارس (١/١٩١) .","vol":"1","page":29},{"text":"٨ -<span data-type=\"title\" id=toc-10> آثَار الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي العلمية: </span>ألف الإِمَام أَبُو إِسْحَاق الشاطبي تآليف نفيسة فِي موضوعها ومضمونها \"اشْتَمَلت على تَحْرِير للقواعد، وتحقيقات لمهمات الْفَوَائِد\"١نشِير إِلَيْهَا فِيمَا يَلِي:\n١ - الموافقات: وَهُوَ كتاب مَعْدُود فِي أصُول الْفِقْه، وَكَانَ قد سَمَّاهُ \"عنوان التَّعْرِيف بأسرار التَّكْلِيف\"؛ لأجل مَا أُودع فِيهِ من الْأَسْرَار التكليفية الْمُتَعَلّقَة بِهَذِهِ الشَّرِيعَة الحنيفيّة٢.\nلَكِن بعض شُيُوخ الشاطبي أخبرهُ برؤيا جعلت الإِمَام الشاطبي يُسَمِّي هَذَا الْكتاب باسم \"الموافقات\"٣.\nوَهُوَ كتاب عَظِيم الْقدر جليل النَّفْع، أثنى عَلَيْهِ المتقدمون من الْعلمَاء٤، والمتأخرون٥، وكُتبت حوله الدراسات العلمية٦، وَاخْتَصَرَهُ بعض الْعلمَاء٧\n_________\n١ - انْظُر نيل الابتهاج، ص (٤٨) .\n٢ - انْظُر الموافقات (١/١٠) .\n٣ - انْظُر الْمصدر نَفسه (١/١٠، ١١) .\n٤ - انْظُر بعض مَا قيل فِيهِ - نظم - ا - فِي مُقَدّمَة كتاب الإفادات والإنشادات، ص (٣١) وَانْظُر ثَنَاء أَحْمد بَابا عَلَيْهِ فِي نيل الابتهاج، ص (٤٨) .\n٥ - انْظُر مناظرات فِي أصُول الشَّرِيعَة، ص (٥١٣) .\n٦ - انْظُر الموافقات (١/٣٦) مُقَدّمَة مَشْهُور حسن.\n٧ - انْظُر الْمرجع السَّابِق (١/٣٣) مُقَدّمَة مَشْهُور حسن.","vol":"1","page":29},{"text":"ونظمه بعض تلاميذ الْمُؤلف١، وطبع أَكثر من طبعة٢، وَلَا تكَاد تَخْلُو مِنْهُ مكتبة طَالب علم.\n٢ - الِاعْتِصَام: وَهُوَ كتاب فِي غَايَة الإجادة٣، تنَاول فِيهِ الإِمَام أَبُو إِسْحَاق الشاطبي مَوْضُوع الْبدع، وبحثها بحثا علميا، وسبرها بمعيار الْأُصُول الشَّرْعِيَّة، بِحَيْثُ أَن من جَاءَ بعد الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي فألف فِي رد الْبدع فَهُوَ عِيَال على كتاب الِاعْتِصَام٤، وَالْكتاب لم يتمه مُؤَلفه، وَقد طبع عدّة طبعات٥.\n٣ - الإفادات والإنشادات: وَهُوَ كتاب لطيف الحجم يبدؤه الْمُؤلف بإفادة يتبعهَا بإنشادة، وَقد جمع فِيهِ الْمُؤلف طرفا وتحفا وملحا أدبية، وَهُوَ مطبوع بتحقيق أبي الأجفان٦\n٤ - الْمَقَاصِد الشافية فِي شرح الْخُلَاصَة الكافية ٧: نسبه إِلَيْهِ تِلْمِيذه المجاري باسم \"شرح رجز ابْن مَالك\"، وَكَذَلِكَ نسب إِلَيْهِ كتاب الموافقات، والاعتصام٨، وَأَشَارَ إِلَيْهِ أَحْمد بَابا التنبكتي بقوله: \"شَرحه الْجَلِيل على الْخُلَاصَة فِي النَّحْو فِي أسفار أَرْبَعَة كبار لم يؤلف عَلَيْهَا مثله بحثا وتحقيقًا فِيمَا\n_________\n١ - انْظُر مُقَدّمَة الإفادات والإنشادات، ص (٣١) .\n٢ - انْظُر الموافقات (١/٥٧) مُقَدّمَة مَشْهُور حسن.\n٣ - انْظُر نيل الابتهاج، ص (٤٨) .\n٤ - وأمامي الْآن مَجْمُوعَة كتب فِي هَذَا الشَّأْن أعظمها «حَقِيقَة الْبِدْعَة وأحكامها» لسَعِيد بن نَاصِر الغامدي، وأصغرها «الْبِدْعَة وأثرها السيء فِي الْأمة» لسليم الْهِلَالِي.\n٥ - انْظُر الموافقات (١/٢٩، ٣٠) مُقَدّمَة مَشْهُور حسن.\n٦ - يَقع مَعَ مُقَدّمَة الْمُحَقق فِي (٢٣٨ صفحة)، ونشرته مؤسسة الرسَالَة عَام ١٤٠٣هـ -.\n٧ - انْظُر مُقَدّمَة الدكتور عياد الثبيتي لتحقيق الْكتاب (١/ط، ي) .\n٨ - انْظُر برنامج المُجاري، ص (١١٨) .","vol":"1","page":30},{"text":"أعلم\"١.\nوَذكر الدكتور أَبُو الأجفان وجود نُسْخَة من الْكتاب بالخزانة الملكية بالرباط برقم (٢٧٦)، وَقَالَ: وَيقوم مَرْكَز البحوث بجامعة أم الْقرى بتحقيق هَذَا الشَّرْح ونشره٢.\nقلت: وقفت على مجلدين مِنْهُ مطبوعين، حققهما الدكتور عيَّاد الثبيتي، ونشرتهما مكتبة دَار التراث بِمَكَّة المكرّمة عَام ١٤١٧هـ. تضمنا من النَّائِب عَن الْفَاعِل إِلَى نِهَايَة حُرُوف الْجَرّ، وَهُوَ شرح حافل يدل على إِمَامَة مُؤَلفه رَحمَه الله تَعَالَى فِي فنّ الْعَرَبيَّة.\nوَقد بَلغنِي أَن الْكتاب سيخرج كَامِلا فِي وَقت قريب إِن شَاءَ الله تَعَالَى، وَيقوم بالإشراف على إِخْرَاجه معهد البحوث العلمية وإحياء التراث الإسلامي بجامعة أم الْقرى٣.\n٥ - كتاب الْمجَالِس: شرح فِيهِ كتاب الْبيُوع من صَحِيح الإِمَام البُخَارِيّ، ذكر ذَلِك أَحْمد بَابا، وَقَالَ: \"فِيهِ من الْفَوَائِد والتحقيقات مَا لَا يُعلمهُ إِلَّا الله\"٤.\n٦ - عنوان الِاتِّفَاق فِي علم الِاشْتِقَاق: نسبه إِلَيْهِ أَحْمد بَابا، وَإِسْمَاعِيل باشا٥.\n_________\n١ - نيل الابتهاج، ص (٤٨) .\n٢ - انْظُر مُقَدّمَة الدكتور أبي الأجفان لكتاب الإفادات والإنشادات، ص (٢٨) .\n٣ - هاتفت مكتبة إحْيَاء التراث بجامعة أم الْقرى للحصول على نُسْخَة مخطوطة من الْكتاب فَأَخْبرنِي بعض القائمين عَلَيْهَا بِمَا ذكرت، وَاعْتذر بِأَن جَمِيع النّسخ أَخذهَا الْمُحَقِّقُونَ للْكتاب.\n٤ - نيل الابتهاج، ص (٤٨) .\n٥ - انْظُر الْمرجع السَّابِق، ص (٤٨)، وإيضاح الْمكنون (٢/١٢٧) .","vol":"1","page":31},{"text":"٧ - أصُول النَّحْو: نسبه إِلَيْهِ - أَيْضا - أَحْمد بَابا١، وَقَالَ عَن الْكِتَابَيْنِ: \"وَقد ذكرهمَا مَعًا فِي شرح الألفية، وَرَأَيْت فِي مَوضِع آخر أَنه أتلف الأول فِي حَيَاته، وَأَن الثَّانِي أُتلف أَيْضا\"٢.\n٨ - وَله فَتَاوَى كَثِيرَة: ذكر ذَلِك أَحْمد بَابا٣، وَأورد طَائِفَة مِنْهَا الدكتور أَبُو الأجفان فِي مُقَدّمَة كتاب الإفادات والإنشادات، وَكَذَلِكَ فِي آخِره٤، وَقد أوردهَا غَيره من الْمُتَقَدِّمين٥، وَجَمعهَا أَبُو الأجفان باسم \"فَتَاوَى الإِمَام الشاطبي\"٦.\nوَقد زَاد الدكتور أَبُو الأجفان كتابا آخر بعنوان \"شرح جليل على الْخُلَاصَة فِي النَّحْو\" عدّه كتابا، وعدّ \"شرح رجز ابْن مَالك فِي النَّحْو\" كتابا آخر٧، وَتَابعه على ذَلِك الشَّيْخ مَشْهُور بن حسن٨.\nوَالَّذِي يظْهر لي - وَالله أعلم - أَنه كتاب وَاحِد، ذكره تلميذ أبي إِسْحَاق الشاطبي بعنوان: \"شرح رجز ابْن مَالك\"٩، وَذكره أَحْمد بَابا فَلم يحدد اسْمه بل\n_________\n١ - انْظُر نيل الابتهاج، ص (٤٨، ٤٩) .\n٢ - انْظُر الْمرجع السَّابِق، ص (٤٩) .\n٣ - انْظُر الْمرجع السَّابِق (٤٩) .\n٤ - انْظُر ص (٤٦ - ٥٢) (١٧٦ - ١٧٨) .\n٥ - انْظُر المعيار (١/٢٦، ٢٩، ٢٧٨، ٣٢٧) (٢/٢٩٢، ٤٦٨، ٥١١، ٥١٢)\n(٤/١٤٠، ٢٠٥) .\n٦ - وَالْكتاب يَقع فِي (٢٥٦) صفحة وطبع بمطبعة الْكَوَاكِب بتونس.\n٧ - انْظُر مُقَدّمَة كتاب الإفادات والإنشادات ص (٢٧، ٢٨) .\n٨ - انْظُر الموافقات (٦/٢٦) .\n٩ - انْظُر برنامج المجاري، ص (١١٨) .","vol":"1","page":32},{"text":"قَالَ: \"شرح جليل علىالخلاصة فِي النَّحْو\"١، فظنهما الدكتور أَبُو الأجفان كتابين، وَإِنَّمَا هما كتاب وَاحِد.\nوَيدل على هَذَا أَن أحدا من الْمُتَقَدِّمين لم يذكر الْكِتَابَيْنِ مَعًا٢.\nثمَّ اطَّلَعت بعد كِتَابَة هَذِه الأسطر على مُقَدّمَة الدكتور عياد للمقاصد الشافية فَوَجَدته قد سبقني إِلَى هَذَا التَّنْبِيه٣.\n_________\n١ - انْظُر نيل الابتهاج، ص (٤٨) .\n٢ - وَذكر الزركلي فِي الْأَعْلَام (١/٧٥) أَن فِي خزانَة الرِّبَاط مخطوطة منسوبة إِلَيْهِ بعنوان «الجمان فِي مُخْتَصر أَخْبَار الزَّمَان» وَلم أوردهَا فِي الأَصْل؛ لِأَن الزركلي لم يقطع بنسبتها إِلَيْهِ، وَلم يذكرهَا أحد من الْمُتَقَدِّمين.\nوَذكر عبد الْوَهَّاب بن مَنْصُور أَن لَهُ رِسَالَة فِي الْأَدَب. انْظُر أَعْلَام الْمغرب الْعَرَبِيّ (١/١٣٣) وَلم يذكر عنوانها وَلم ينْسب مرجعه فِي ذَلِك فَأَعْرَضت عَن ذكرهَا فِي الأَصْل.\n٣ - انْظُر: الْمَقَاصِد الشافية (١/و، ي) .","vol":"1","page":33},{"text":"٩ -<span data-type=\"title\" id=toc-11> مكانة الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي فِي عُلُوم الْقُرْآن الْكَرِيم وَتَفْسِيره: </span>الإِمَام أَبُو إِسْحَاق الشاطبي برزت مواهبه فِي أَكثر من جَانب من جَوَانِب الْبَحْث العلمي، فَهُوَ فَقِيه، وأصولي، وعالم بمقالات الإسلاميين، ونحوي بارع، وَمَا من فنّ من هَذِه الْفُنُون، إِلَّا وَله فِيهِ مؤلف يشْهد بإمامته، عَلَيْهِ رَحْمَة الله تَعَالَى.\nوَالْإِمَام أَبُو إِسْحَاق الشاطبي لَيْسَ باحثا تقليديا يُعِيد مَا سبق إِلَيْهِ الْأَوَائِل، بل هُوَ باحث مُجَدد ابتكر وأضاف١.\nإِلَّا أَن كتابات هَذَا الإِمَام لم يكن شَيْء مِنْهَا فِي عُلُوم الْقُرْآن، أَو فِي تَفْسِيره، فِي حدّ علمي، وأعني أَنه لم يخص ذَلِك بمؤلف خَاص.\nوَإِنَّمَا تعرض لجَانب التَّفْسِير وعلوم الْقُرْآن من خلال مؤلفاته فجَاء فِي هَذَا\n_________\n١ - انْظُر (المجددون) فِي الْإِسْلَام للصعيدي، ص (٣٠٧ - ٣١٢) .","vol":"1","page":33},{"text":"الْجَانِب بفوائد قد لَا تُوجد عِنْد المتخصصين، الَّذين وهبوا حياتهم لكتاب الله بحثا فِي علومه وَتَفْسِيره.\nوَلأَجل هَذِه المباحث الْقيمَة - فِي عُلُوم الْقُرْآن وَتَفْسِيره - وَصفه عُلَمَاء التراجم بِالْإِمَامَةِ فِي ذَلِك، فَقَالَ أَحْمد بَابا التنبكتي: \"لَهُ الْقدَم الراسخ والإمامة الْعُظْمَى فِي الْفُنُون فقه - اوأصولًا وتفسيرًا وحديثا، وعربية وَغَيرهَا\"١.\nوَوَصفه مُحَمَّد مخلوف بالفقيه الأصولي، الْمُفَسّر الْمُحدث٢.\nوَكَذَا قَالَ عَنهُ عمر رضَا كحالة٣.\nواستفاد من أبي إِسْحَاق طائفةٌ من الباحثين الْمُتَأَخِّرين٤ فِي تَفْسِير الْقُرْآن وعلومه، وَهَذِه شَهَادَة لأبي إِسْحَاق بمعرفته بِهَذَا الْعلم الْجَلِيل. وَمن هَؤُلَاءِ الباحثين:\nالدكتور فَهد بن عبد الرَّحْمَن الرُّومِي، فِي كِتَابه \"بحوث فِي أصُول التَّفْسِير ومناهجه\"٥.\nوالدكتور عبد الْعَزِيز بن عبد الفتاح الْقَارئ، فِي كِتَابه \"تَفْسِير سُورَة الْعَصْر\"٦.\nوالدكتور خَالِد بن عُثْمَان السبت، فِي كِتَابه \"قَوَاعِد التَّفْسِير\n_________\n١ - نيل الابتهاج، ص (٤٧) .\n٢ - انْظُر شَجَرَة النُّور الزكية، ص (٢٣١) .\n٣ - انْظُر مُعْجم المؤلفين (١/١١٨) .\n٤ - وَلَا يبعد أَن من الْمُتَقَدِّمين من اسْتَفَادَ مِنْهُ، إِلَّا أنني لم أَقف حَتَّى الْآن على أحد.\nوَقد ذكر الشَّيْخ عبد الله مُحَمَّد دراز السَّبَب فِي عدم تداول الْعلمَاء أعظم كتاب للْإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي، وَهُوَ كتاب الموافقات. انْظُر الموافقات (١/ ١١) طبع دَار الْمعرفَة.\n٥ - انْظُر مِنْهُ، ص (١٩، ٢٠) الأَصْل والحاشية.\n٦ - انْظُر مِنْهُ، ص (٦) .","vol":"1","page":34},{"text":"جمعا ودراسة\"١.\nوالأستاذ مصطفى إِبْرَاهِيم المشني، فِي كِتَابه \"مدرسة التَّفْسِير فِي الأندلس\"٢.\nوالدكتور عبد الْوَهَّاب فَايِد، فِي كِتَابه \"مَنْهَج ابْن عَطِيَّة فِي تَفْسِير الْقُرْآن الْكَرِيم\"٣.\nوالدكتور مُحَمَّد حُسَيْن الذَّهَبِيّ، فِي كِتَابه \"التَّفْسِير والمفسرون\"٤.\nوالدكتور مُحَمَّد أشرف الملباري، فِي تَحْقِيق \"نواسخ الْقُرْآن\" لِابْنِ الْجَوْزِيّ٥.\nوالدكتور سُلَيْمَان اللاحم، فِي تَحْقِيق \"النَّاسِخ والمنسوخ\" لأبي جَعْفَر النّحاس٦.\nوالدكتور مُحَمَّد بن صَالح المديفر، فِي تَحْقِيق \"النَّاسِخ والمنسوخ فِي الْقُرْآن الْعَزِيز\" لأبي عبيد الْقَاسِم بن سلاَّم٧.\nوالدكتور شايع بن عَبده الأسمري، فِي تَحْقِيق \"نكت الْقُرْآن الدَّالَّة على الْبَيَان فِي أَنْوَاع الْعُلُوم وَالْأَحْكَام\" للْإِمَام القصاب٨.\n_________\n١ - انْظُر مِنْهُ، ص (١/٤٠، ٤١) الأَصْل والحاشية.\n٢ - انْظُر مِنْهُ، ص (١٤٤، ١٤٥) .\n٣ - انْظُر مِنْهُ، ص (١٨٦) .\n٤ - انْظُر مِنْهُ (١/٣٤، ٦٠، ٧٤) الأَصْل والحاشية.\n٥ - انْظُر مِنْهُ، ص (٩٢) الأَصْل والحاشية.\n٦ - انْظُر مِنْهُ (١/١٠٣، ١٠٤، ١٠٩) .\n٧ - انْظُر مِنْهُ، ص (٥٤) .\n٨ - انْظُر مِنْهُ (٢٦٨، ٢٦٩) الْحَاشِيَة.","vol":"1","page":35},{"text":"والدكتور رمزي نعناعة، فِي كِتَابه \"بدع التفاسير فِي الْمَاضِي والحاضر\"١.\nوالدكتور عبد الْمجِيد عبد السَّلَام الْمُحْتَسب، فِي كِتَابه \"اتجاهات التَّفْسِير فِي الْعَصْر الرَّاهِن\"٢.\nوالدكتور مُحَمَّد الصَّادِق عرجون، فِي كِتَابه \"الْقُرْآن الْعَظِيم هدايته وإعجازه فِي أَقْوَال الْمُفَسّرين\"٣.\nوالعلامة ابْن عاشور فِي كِتَابه \"التَّحْرِير والتنوير\"٤.\nوعلاّمة الشَّام فِي زَمَانه القاسمي، فِي كِتَابه \"محَاسِن التَّأْوِيل\"٥.\nوالدكتور سعود بن عبد الله الفنيسان، فِي كِتَابه \"اخْتِلَاف الْمُفَسّرين أَسبَابه وآثاره\"٦.\nوالعلامة الشَّيْخ عبد الْعَظِيم الزّرْقَانِيّ، فِي كِتَابه \"مناهل الْعرْفَان\"٧.\nوالعلامة الشَّيْخ مناع الْقطَّان، فِي كِتَابه \"مبَاحث فِي عُلُوم الْقُرْآن\"٨.\nوَالْخُلَاصَة مِمَّا تقدم أَن الإِمَام أَبَا إِسْحَاق الشاطبي لَهُ مكانته فِي التَّفْسِير وعلوم الْقُرْآن؛ لما يَلِي:\n١ - لما دونه فِي مؤلفاته من دَقِيق المباحث فِي هَذَا الْجَانِب.\n٢ - لشهادة عُلَمَاء التراجم لَهُ بِالْإِمَامَةِ فِي جَانب التَّفْسِير.\n_________\n١ - انْظُر مِنْهُ، ص (٧٩، ٨٠) .\n٢ - انْظُر مِنْهُ، ص (٢٩٧) .\n٣ - انْظُر مِنْهُ، ص (٢٦٠) .\n٤ - فِي أَكثر من موطن مِنْهَا فِي (١/٤٠، ٤٤) .\n٥ - انْظُر مِنْهُ (١/٧١، ٧٣، ١٠٧) .\n٦ - انْظُر مِنْهُ، ص (١٣٤) .\n٧ - انْظُر مِنْهُ (٢/٦١) .\n٨ - انْظُر مِنْهُ، ص (٣١٥) .","vol":"1","page":36},{"text":"٣ - لاعتماد طَائِفَة من الباحثين فِي التَّفْسِير وعلوم الْقُرْآن على مؤلفات الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي.","vol":"1","page":37},{"text":"١٠ -<span data-type=\"title\" id=toc-12> شعر الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي: </span>بِلَاد الأندلس من الْبِلَاد الَّتِي اختصّها الله بالجمال فِي طبيعتها، فأثر ذَلِك فِي أبنائها الَّذين عاشوا على ترابها، وَكَذَلِكَ فِيمَن قدم إِلَيْهَا من بِلَاد أُخْرَى، فَقَالُوا الشّعْر من أعماق نُفُوسهم دونما تكلّف.\nوَالْإِمَام أَبُو إِسْحَاق الشاطبي كَانَ مِمَّن ينظم الشّعْر، وَلَكِن لم تمدنا المصادر بالكثير من نظمه١، الَّذِي قَالَ عَنهُ عبد الْوَهَّاب بن مَنْصُور: \"وَله أشعار متوسطة مثل أشعار الْفُقَهَاء الَّتِي هِيَ أنظام فِي الْحَقِيقَة\"٢.\nقلت: نقل أَحْمد بَابا طَائِفَة مِنْهَا فِي كِتَابه نيل الابتهاج٣.\nوَمِنْهَا مَا أوردهُ أَبُو إِسْحَاق الشاطبي فِي كِتَابه الإفادات والإنشادات فِي مدح الشفا لَمَّا طلب مِنْهُ الْوَزير ابْن زمرك ذَلِك فَقَالَ:\nيَا من سَمَا لمراقي الْمجد مَقْصَدُه ... فَنَفْسُهُ بِنَفِيسِ العِلْمِ قد كَلفت\nهَذِي ريَاضٌ يروق العقلَ مخبَرُها ... هِيَ الشِّفا لنفوسِ الْخلق إِن دَنفت٤\nوَكَانَ مِمَّن نظم فِي هَذَا الْغَرَض جمَاعَة من الأدباء، مِنْهُم أَبُو الْقَاسِم بن رضوَان، وَغَيره ٥.\n_________\n١ - انْظُر مُقَدّمَة الإفادات والإنشادات، ص (٣٣) .\n٢ - انْظُر أَعْلَام الْمغرب الْعَرَبِيّ (١/١٣٣) .\n٣ - انْظُر، ص (٤٩) .\n٤ - انْظُر: الإفادات والإنشادات، ص (١٥٠ - ١٥٢) .\n٥ - انْظُر أزهار الرياض (٤/٢٩٦ - ٣٠٢) .","vol":"1","page":37},{"text":"إِلَّا أَن الإِمَام مُحَمَّد بن الْعَبَّاس التلمساني١قد شهد لأبيات أبي إِسْحَاق بِأَنَّهَا أحسن مَا قيل فِي مدح الشفا٢.\n_________\n١ - مُحَمَّد بن الْعَبَّاس بن مُحَمَّد بن عِيسَى الْعَبَّادِيّ التلمساني، فَقِيه نحوي، كَانَ شيخ شُيُوخ وقته فِي تلمسان. ت: ٨٧١هـ -. انْظُر الضَّوْء اللامع (٧/٢٧٨)، وشجرة النُّور، ص (٢٦٤)، والأعلام (٦/١٨٣) .\n٢ - انْظُر: نيل الابتهاج، ص (٤٩) .","vol":"1","page":38},{"text":"١١ -<span data-type=\"title\" id=toc-13> وَفَاة الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي رَحمَه الله تَعَالَى: </span>قَالَ تِلْمِيذه أَبُو عبد الله المجاري: وَتُوفِّي ﵀ فِي شعْبَان عَام تسعين وَسَبْعمائة٣. وَكَذَلِكَ قَالَ أَحْمد بَابا، إِلَّا أَنه زَاد يَوْم الثُّلَاثَاء٤. وتبعهما على ذكر سنة وَفَاته كل من جَاءَ بعدهمَا مِمَّن رَأَيْت٥.\nرحم الله تَعَالَى أَبَا إِسْحَاق الشاطبي وجمعنا بِهِ فِي مُسْتَقر رَحمته وَدَار كرامته.\n_________\n١ - برنامج المجاري، ص (١٢٢) .\n٢ - انْظُر نيل الابتهاج، ص (٤٩) .\n٣ - انْظُر شَجَرَة النُّور الزكية، ص (٢٣١)، والأعلام (١/٧٥)، ومعجم المؤلفين (١/١١٨)، وأعلام الْمغرب الْعَرَبِيّ (١/١٣٤) .","vol":"1","page":38},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-14>الْفَصْل الثَّانِي: مَعَ الامام أبي إِسْحَاق الشاطبي فِي مبَاحث من عُلُوم الْقُرْآن الْكَرِيم (وَفِيه اثْنَا عشر مبحثًا)</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-15>المبحث الأول: مَعَ الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي فِي أَسبَاب الترول</span>\n...\nتَابع مَعَ الإِمَام أبي اسحاق الشاطبي فِي مبَاحث من عُلُوم الْقُرْآن الْكَرِيم وَتَفْسِيره\nالْفَصْل الثَّانِي\nمَعَ الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي فِي مبَاحث من عُلُوم الْقُرْآن الْكَرِيم (وَفِيه اثْنَا عشر مبحثا)\nسنصحب - بِإِذن الله تَعَالَى - الإِمَام أَبَا إِسْحَاق الشاطبي فِي مبَاحث من عُلُوم الْقُرْآن الْكَرِيم، وسيتبيّن لنا من خلال هَذِه المباحث أنّ الإِمَام أَبَا إِسْحَاق الشاطبي مُفَسّر مؤصل لعلم التَّفْسِير، يضع الْقَوَاعِد والأسس الَّتِي يُعتمد عَلَيْهَا فِي فهم كتاب الله تَعَالَى.\nوَكنت أود أَن يكون عنوان هَذَا الْفَصْل \"مَعَ الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي فِي أصُول التَّفْسِير\"، لكنّ هَذَا العنوان يُخرج بعض المباحث النفيسة الْمُتَعَلّقَة بعلوم الْقُرْآن الْكَرِيم، ففضلت أَن يكون العنوان شَامِلًا لأصول التَّفْسِير وَغَيره؛ إذْ لَا ريبَ أنّ أصُول التَّفْسِير يدْخل ضمن عُلُوم الْقُرْآن الْكَرِيم.\nفَإلَى هَذِه المباحث نَتْرُكك، ونسأل الله أَن ينفعنا وإيّاك بِمَا نَقْرَأ وندرس.\nالمبحث الأول: مَعَ الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي فِي أَسبَاب النُّزُول١\nقَالَ رَحمَه الله تَعَالَى: \"معرفَة أَسبَاب التَّنْزِيل لَازِمَة لمن أَرَادَ علم الْقُرْآن، وَالدَّلِيل على ذَلِك أَمْرَانِ:\nأَحدهمَا: أَن علم الْمعَانِي وَالْبَيَان الَّذِي يعرف بِهِ إعجاز نظم الْقُرْآن\n_________\n١ - انْظُر مُقَدّمَة فِي أصُول التَّفْسِير لشيخ الْإِسْلَام، ص (٧٢)، والبرهان فِي عُلُوم الْقُرْآن\n(١/٢٢)، والإتقان (١/٨٣) .","vol":"1","page":39},{"text":"- فضلا عَن معرفَة مَقَاصِد كَلَام الْعَرَب - إِنَّمَا مَدَاره على معرفَة مقتضيات الْأَحْوَال، حَال الْخطاب من جِهَة نفس الْخطاب، أَو المخاطِب، أَو المخاطَب، أَو الْجَمِيع؛ إِذْ الْكَلَام الْوَاحِد يخْتَلف فهمه بِحَسب حَالين، وبحسب مخاطبين، وبحسب غير ذَلِك كالاستفهام لَفظه وَاحِد، ويدخله معَان أُخر من تَقْرِير وتوبيخ وَغير ذَلِك. وكالأمر يدْخلهُ معنى الْإِبَاحَة والتهديد والتعجيز وأشباهها، وَلَا يدل على مَعْنَاهَا المُرَاد إِلَّا الْأُمُور الْخَارِجَة، وعمدتها مقتضيات الْأَحْوَال ... وَمَعْرِفَة الْأَسْبَاب رافعةٌ لكل مُشكل فِي هَذَا النمط، فَهِيَ من الْمُهِمَّات فِي فهم الْكتاب....\nالْوَجْه الثَّانِي: وَهُوَ أَن الْجَهْل بِأَسْبَاب التَّنْزِيل موقع فِي الشّبَه والإشكالات، ومورد للنصوص الظَّاهِرَة مورد الْإِجْمَال حَتَّى يَقع الِاخْتِلَاف، وَذَلِكَ مَظَنَّة وُقُوع النزاع\"١.\nثمَّ ضرب أَبُو إِسْحَاق الشاطبي أَمْثِلَة توضّح مَا ذكره ثَانِيًا، نذْكر بَعْضهَا فِيمَا يَلِي:\nأ - \"روى ابْن وهب عَن بكير، أَنه سَأَلَ نَافِعًا كَيفَ كَانَ رَأْي ابْن عمر فِي الحروريّة؟ ٢، قَالَ: \"يراهم شرار خلق الله إِنَّهُم انْطَلقُوا إِلَى آيَات أنزلت فِي الْكفَّار فجعلوها على الْمُؤمنِينَ\"٣.\n_________\n١ - انْظُر الموافقات (٤/١٤٦) .\n٢ - الحرورية هم الْخَوَارِج. انْظُر الْفرق بَين الْفرق ص (٧٥) . وَسموا بالحروريّة لأَنهم نزلُوا مَكَان - ايسمّى بذلك. انْظُر فتح الْبَارِي (١٢/٢٨٤) .\n٣ - الموافقات (٤/١٤٩) . والأثر أخرجه الإِمَام البُخَارِيّ فِي صَحِيحه (١٢/٢٨٢) كتاب اسْتِتَابَة الْمُرْتَدين..بَاب قتل الْخَوَارِج والملحدين بعد إِقَامَة الْحجَّة عَلَيْهِم، عَن ابْن عمر تَعْلِيق - ا. وَقَالَ ابْن حجر: وَصله الطَّبَرِيّ فِي مُسْند عَليّ من تَهْذِيب الْآثَار ... وَسَنَده صَحِيح. انْظُر الْفَتْح (١٢/٢٨٦) .","vol":"1","page":40},{"text":"ب - \"ورُوي أَن مَرْوَان١أرسل بوابه إِلَى ابْن عَبَّاس، وَقَالَ: قل لَهُ: لَئِن كَانَ كل امْرِئ فَرح بِمَا أُوتِيَ، وَأحب أَن يحمد بِمَا لم يفعل معذبا، لنُعذبن أَجْمَعُونَ. فَقَالَ ابْن عَبَّاس: مالكم ولهذه الْآيَة؟ إِنَّمَا دَعَا النَّبِي ﷺ يهود فَسَأَلَهُمْ عَن شَيْء فَكَتَمُوهُ إيَّاه، وَأَخْبرُوهُ بِغَيْرِهِ، فأروه أَن قد استحمدوا إِلَيْهِ، بِمَا أَخْبرُوهُ عَنهُ فِيمَا سَأَلَهُمْ، وفرحوا بِمَا أُوتُوا من كتمانهم، ثمَّ قَرَأَ: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَاب ...﴾ إِلَى قَوْله: ﴿وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾ ٢فَهَذَا السَّبَب بيَّن أَن الْمَقْصُود من الْآيَة غير مَا ظهر لمروان\"٣.\nج - \"ورُوي أَن عمر اسْتعْمل قدامَة بن مَظْعُون على الْبَحْرين، فَقدم الْجَارُود٤ على عمر فَقَالَ: إِن قدامَة شرب فَسَكِرَ. فَقَالَ عمر: من يشْهد على مَا تَقول؟. قَالَ الْجَارُود: أَبُو هُرَيْرَة يشْهد على مَا أَقُول. وَذكر الحَدِيث، فَقَالَ عمر: يَا قدامَة إِنِّي جالدُك. قَالَ: وَالله لَو شربت كَمَا يَقُولُونَ مَا كَانَ لَك أَن تجلدني. قَالَ عمر: وَلم؟. قَالَ: لِأَن الله يَقُول: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا\n_________\n١ - مَرْوَان بن الحكم بن أبي الْعَاصِ الْأمَوِي الْقرشِي، كَانَ ذَا شهامة وشجاعة ومكر ودهاء\n(ت: ٦٥هـ -) . انْظُر السّير (٣/٤٧٦) .\n٢ - سُورَة آل عمرَان، الْآيَة: ١٨٧ - ١٨٨. والْحَدِيث أخرجه الإِمَام البُخَارِيّ فِي صَحِيحه (٨/٢٣٣) كتاب التَّفْسِير، بَاب ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا﴾ ح (٤٥٦٨) .\n٣ - الموافقات (٤/١٤٩، ١٥٠)، وَانْظُر الْبُرْهَان (١/٢٧، ٢٨) ترى الْإِجَابَة عَمَّا يفِيدهُ كَلَام ابْن عَبَّاس من تَخْصِيص الْعُمُوم.\n٤ - الْجَارُود بن المُعَلَّى الْعَبْدي، سيد عبد الْقَيْس، صَحَابِيّ، كَانَ صهر أبي هُرَيْرَة (ت: ٢١هـ -) وَقيل غير ذَلِك. انْظُر: الْإِصَابَة (٢/٥٠) .","vol":"1","page":41},{"text":"الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ﴾ ١الخ. فَقَالَ عمر: إِنَّك أَخْطَأت التَّأْوِيل يَا قدامَة، إِذا اتَّقَيْت الله اجْتنبت مَا حرم الله\"٢.\nثمَّ قَالَ أَبُو إِسْحَاق الشاطبي: \"فَفِي الْحَدِيثين بَيَان أَن الْغَفْلَة عَن أَسبَاب التن - زيل تؤدِّي إِلَى الْخُرُوج عَن الْمَقْصُود بِالْآيَاتِ\"٣.\nثمَّ سَاق أَبُو إِسْحَاق الشاطبي الْأَثر الَّذِي فِيهِ إِنْكَار ابْن مَسْعُود على من قَالَ: إِن الْمَقْصُود بالدخان فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ ٤ يَوْم الْقِيَامَة، ثمَّ ذكر قَول ابْن مَسْعُود فِي الْآيَة، وَأَن الدُّخان إِنَّمَا كَانَ فِي الدُّنْيَا استجابة لدَعْوَة الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم٥.\nثمَّ قَالَ أَبُو إِسْحَاق: \"وَهَكَذَا شأنُ أَسبَاب النُّزُول فِي التَّعْرِيف بمعاني المنزَّل، بِحَيْثُ لَو فقد ذكر السَّبَب، لم يعرف من الْمنزل مَعْنَاهُ على الْخُصُوص، دون تطرق من الِاحْتِمَالَات، وَتوجه الإشكالات ... \"٦.\n_________\n١ - سُورَة الْمَائِدَة، الْآيَة: ٩٣.\n٢ - الموافقات (٤/١٥٠)، والأثر أخرجه عبد الرَّزَّاق فِي المُصَنّف (٩/٢٤٠ - ٢٤٢) - بِسَنَد رِجَاله ثِقَات - وَالْبَيْهَقِيّ فِي السّنَن (٨/٣١٥، ٣١٦) وَقَالَ الْحَافِظ: لم يخرج البُخَارِيّ هَذِه الْقِصَّة لكَونهَا مَوْقُوفَة لَيست على شَرطه. انْظُر الْفَتْح (٧/٣٢٠) .\nوَسبب نزُول الْآيَة أَن الصَّحَابَة، أَو بَعضهم عِنْدَمَا نزل تَحْرِيم الْخمر سَأَلُوا عَن مصير من مَاتَ وَهُوَ يشرب الْخمر، فَنزلت الْآيَة عذرا لمن مَاتَ قبل نزُول تَحْرِيمهَا. انْظُر: أَسبَاب النُّزُول، ص (٢٠٩)، وَالصَّحِيح الْمسند من أَسبَاب النُّزُول، ص (٦١، ٦٢) .\n٣ - الموافقات (٤/١٥١) .\n٤ - سُورَة الدُّخان، الْآيَة: ١٠.\n٥ - انْظُر الموافقات (٤/١٥٢)، وَانْظُر الحَدِيث فِي صَحِيح البُخَارِيّ - مَعَ الْفَتْح - (٨/٥١١)، كتاب التَّفْسِير، سُورَة الرّوم، ح (٤٧٧٤) .\n٦ - انْظُر الموافقات (٤/١٥٢) .","vol":"1","page":42},{"text":"ثمَّ سَاق أَبُو إِسْحَاق الشاطبي عَن بعض الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ آثارًا تحرض طَالب الْعلم على تعلم علم الْأَسْبَاب، وتشير إِلَى أَن علم الْأَسْبَاب من الْعُلُوم الَّتِي يكون الْعَالم بهَا عَالما بِالْقُرْآنِ١.\nالتَّعْلِيق على مَبْحَث: أَسبَاب النُّزُول:\nهَذَا المبحث من المباحث المهمة فِي عُلُوم الْقُرْآن الْكَرِيم، ولأهميّته فقد أفرده طَائِفَة من الْعلمَاء بالتأليف، مِنْهُم الإِمَام عَليّ بن الْمَدِينِيّ٢، وَالْإِمَام الواحدي، وَكتابه مَشْهُور مَعْرُوف٣، وَالْإِمَام ابْن حجر الْعَسْقَلَانِي فِي كِتَابه \"العجاب فِي بَيَان الْأَسْبَاب\" قَالَ عَنهُ تِلْمِيذه السُّيُوطِيّ: \"مَاتَ عَنهُ مسوَّدة فَلم نقف عَلَيْهِ كَامِلا\"٤.\nثمَّ ألف فِيهِ الإِمَام السُّيُوطِيّ كتابا حافلًا موجزًا محررًا، سمّاه \"لباب النقول فِي أَسبَاب النُّزُول\"٥.\nثمَّ أفرد الشَّيْخ مقبل بن هادي الوادعي الصَّحِيح من أَسبَاب النُّزُول بمؤلف سَمَّاهُ \"الصَّحِيح الْمسند من أَسبَاب النُّزُول\"٦.\nوَأما من تكلّم على هَذَا المبحث ضمن مؤلّف فهم كَثِيرُونَ جدًّا، فَإِنَّهُ لَا\n_________\n١ - انْظُر الْمرجع نَفسه (٤/١٥٢، ١٥٣) .\n٢ - انْظُر الْبُرْهَان (١/٢٢) .\n٣ - وَقد طُبع عدَّة طبعات، بَعْضهَا مُحَقّق، وَبَعضهَا غير مُحَقّق.\n٤ - انْظُر الإتقان (١/٨٣) وَقد خرج الْكتاب محققا، لكنه غير كَامِل.\n٥ - طبع عدَّة طبعات، وَقَامَ الدكتور عبد الْعَزِيز الجربوع بتحقيقه ونال بِهَذَا الْعَمَل دَرَجَة الدكتوراه، وَلَعَلَّه أَن يخرج هَذَا التَّحْقِيق قَرِيبا.\n٦ - يَقع فِي (١٨٨) صفحة، وَقَامَت بنشره مكتبة المعارف بالرياض.","vol":"1","page":43},{"text":"يكَاد يَخْلُو مؤلف فِي التَّفْسِير من هَذَا المبحث١، وَكَذَلِكَ لَا يَخْلُو كتاب بحث فِي عُلُوم الْقُرْآن الْكَرِيم من هَذَا المبحث٢.\nهَذَا، وَلَا يخفى على من قَرَأَ كَلَام أبي إِسْحَاق الشاطبي أَنه قد اختصر فِي حَدِيثه على هَذَا المبحث على بعض أهمية أَسبَاب النُّزُول، وَهُوَ مَعْذُور فِي ذَلِك؛ إِذْ إِن كِتَابه الموافقات إِنَّمَا هُوَ فِي أصُول الْفِقْه، وَلَيْسَ فِي عُلُوم الْقُرْآن.\nوَإِلَيْك بعض مَا قَالَه الْعلمَاء فِي فَوَائِد معرفَة أَسبَاب النُّزُول٣.\n١ - معرفَة حِكْمَة الله تَعَالَى، الَّتِي دعت إِلَى تشريع حكم من الْأَحْكَام، فَيَزْدَاد الْمُؤمن إِيمَانًا، وتسوق الْكَافِر إِلَى الْإِيمَان والتصديق٤.\n٢ - معرفَة السَّبَب يُعين على فهم الْآيَة، وَيدْفَع الْإِشْكَال عَنْهَا، ويكشف الغموض الَّذِي يكتنف تَفْسِيرهَا، وَهَذَا أَشَارَ إِلَيْهِ أَبُو إِسْحَاق الشاطبي، وَنَصّ عَلَيْهِ الواحدي، وَابْن دَقِيق الْعِيد، وَابْن تَيْمِية٥.\n٣ - دفع توهم الْحصْر عَمَّا يُفِيد بِظَاهِرِهِ الْحصْر٦.\n_________\n١ - رَاجع مُقَدّمَة كتب التَّفْسِير.\n٢ - مثل الْبُرْهَان، والإتقان، ومقدمة فِي أصُول التَّفْسِير لشيخ الْإِسْلَام.\n٣ - انْظُر الْبُرْهَان (١/٢٢)، والإتقان (١/٨٣)، ومناهل الْعرْفَان (١/١٠٢)، ومباحث فِي عُلُوم الْقُرْآن/ ص ٧٩.\n٤ - مثل التدرج فِي تَحْرِيم الْخمر.\n٥ - انْظُر أَسبَاب النُّزُول، ص (٨)، ومقدمة فِي أصُول التَّفْسِير، ص (٧٢)، والإتقان (١/٨٤) .\n٦ - مثل قَوْله تَعَالَى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ فَذهب الإِمَام الشَّافِعِي إِلَى أَن هَذَا الْحصْر غير مَقْصُود، وعلّل ذَلِك بِأَن الْآيَة نزلت بِسَبَب أُولَئِكَ الكفّار الَّذين أَبَوا إِلَّا أَن يحرموا مَا أحل الله، ويحلوا مَا حرم الله. انْظُر مناهل الْعرْفَان (١/١٠٥) .","vol":"1","page":44},{"text":"٤ - تَخْصِيص حكم مَا نزل - إِن كَانَ بِصِيغَة الْعُمُوم - بِالسَّبَبِ عِنْد من يرى أَن الْعبْرَة بِخُصُوص السَّبَب لَا بِعُمُوم اللَّفْظ١، وَهِي مَسْأَلَة خلافية.\n٥ - معرفَة أَن سَبَب النُّزُول غير خَارج عَن حكم الْآيَة إِذا ورد مُخَصص لَهَا٢.\n٦ - معرفَة من نزلت فِيهِ الْآيَة على التَّعْيِين حَتَّى لَا يشْتَبه بِغَيْرِهِ، فيتهم البريء، وَيبرأ الْمُرِيب٣.\n٧ - تيسير الْحِفْظ، وتسهيل الْفَهم، وتثبيت الْوَحْي فِي ذهن كل من يسمع الْآيَة إِذا عرف سَببهَا؛ وَذَلِكَ أَن ربط الْأَسْبَاب بالمسببات، وَالْأَحْكَام بالحوادث، والحوادث بالأشخاص والأزمنة والأمكنة، كل ذَلِك من دواعي تقرر\n_________\n١ - مِثَاله مَا أَشَارَ إِلَيْهِ أَبُو إِسْحَاق الشاطبي فِيمَا تقدم من قَوْله تَعَالَى: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا ...﴾ الْآيَة.\n٢ - مثل قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾، فَهَذِهِ الْآيَة نزلت فِي عَائِشَة ﵂، أَو فِيهَا وَفِي سَائِر أَزوَاج النَّبِي ﷺ، ثمَّ نزل قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ...﴾ إِلَى قَوْله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ فعائشة لَا تدخل فِي هَذَا الِاسْتِثْنَاء، وَكَذَلِكَ سَائِر أَزوَاج النَّبِي على قَول. رَاجع الْمَسْأَلَة فِي مبَاحث فِي عُلُوم الْقُرْآن ص (٧٩، ٨٠) .\n٣ - مِثَاله: مَا أخرجه الإِمَام البُخَارِيّ عَن يُوسُف بن مَاهك قَالَ: كَانَ مَرْوَان على الْحجاز اسْتَعْملهُ مُعَاوِيَة، فَخَطب فَجعل يذكر يزِيد بن مُعَاوِيَة لكَي يُبَايع لَهُ بعد أَبِيه، فَقَالَ لَهُ عبد الرَّحْمَن بن أبي بكر شَيْئا، فَقَالَ: خذوه، فَدخل بَيت عَائِشَة فَلم يقدروا عَلَيْهِ، فَقَالَ مَرْوَان: إِن هَذَا الَّذِي أنزل الله فِيهِ: ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي﴾ فَقَالَت عَائِشَة من وَرَاء الْحجاب: \"مَا أنزل الله فِينَا شَيْئا من الْقُرْآن، إلاَّ أَن الله أنزل عُذري\" صَحِيح البخار ي (٨/٥٧٦)، كتاب التَّفْسِير، بَاب ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا ...﴾ ح (٤٨٢٧) . وَانْظُر مناهل الْعرْفَان (١/١٠٦) .","vol":"1","page":45},{"text":"الْأَشْيَاء وانتقاشها فِي الذِّهْن١.\n_________\n١ - انْظُر مناهل الْعرْفَان (١/١٠٦، ١٠٧) .","vol":"1","page":46},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-16>المبحث الثَّانِي: مَعَ الإِمَام أبي الشاطبي فِي الْأَقْوَال المحكية فِي الْقُرْآن الْكَرِيم</span>\n...\nالمبحث الثَّانِي: مَعَ الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي فِي الْأَقْوَال المحكية فِي الْقُرْآن الْكَرِيم١\nقَالَ الإِمَام أَبُو إِسْحَاق رَحمَه الله تَعَالَى: \"كل حِكَايَة وَقعت فِي الْقُرْآن فَلَا يَخْلُو أَن يَقع قبلهَا أَو بعْدهَا - وَهُوَ الْأَكْثَر - رد لَهَا، أَو لَا، فَإِن وَقع رد فَلَا إِشْكَال فِي بطلَان ذَلِك المحكي وَكذبه، وَإِن لم يَقع مَعهَا رد فَذَلِك دَلِيل على صِحَة المحكى وَصدقه.\nأما الأول فَظَاهر، وَلَا يحْتَاج إِلَى برهَان، وَمن أَمْثِلَة ذَلِك قَوْله تَعَالَى: ﴿إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ ٢ فأعقب بقوله: ﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى﴾ ٣....\nوَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُون﴾ ٤ فَرد عَلَيْهِم بقوله: ﴿فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا﴾ ٥.\nوَقَالَ: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ ٦ ثمَّ رد عَلَيْهِم بأوجه كَثِيرَة ثبتَتْ فِي\n_________\n١ - اسْتَفَادَ بعض الْمُتَأَخِّرين مِمَّا قَالَه أَبُو إِسْحَاق فِي هَذَا المبحث. انْظُر محَاسِن التَّأْوِيل (١/٧١)، وقواعد التَّفْسِير جمعا ودراسة (٢/٧٥٨) .\n٢ - سُورَة الْأَنْعَام، الْآيَة: ٩١.\n٣ - سُورَة الْأَنْعَام، الْآيَة: ٩١.\n٤ - سُورَة الْفرْقَان، الْآيَة: ٤.\n٥ - سُورَة الْفرْقَان، الْآيَة: ٤.\n٦ - سُورَة الْبَقَرَة، الْآيَة: ١١٦.","vol":"1","page":46},{"text":"أثْنَاء الْقُرْآن كَقَوْلِه: ﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ ١، وَقَوله: ﴿بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَاأَرْض﴾ ٢، وَقَوله: ﴿سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ﴾ ٣ الْآيَة، وَقَوله: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الأَرْضُ﴾ ٤ إِلَى آخِره، وَأَشْبَاه ذَلِك\"٥.\nوَقد ذكر أَبُو إِسْحَاق أَمْثِلَة كَثِيرَة أكتفي مِنْهَا بِمَا أوردت، وَمن أَرَادَ الْوُقُوف عَلَيْهَا فَلْينْظر كِتَابه الموافقات٦.ثمَّ قَالَ رَحمَه الله تَعَالَى: \"وَأما الثَّانِي فَظَاهر أَيْضا، وَلَكِن الدَّلِيل على صِحَّته من نفس الْحِكَايَة وإقرارها، فَإِن الْقُرْآن سُمي فرقانا، وَهدى، وبرهانا، وبيانا، وتبيانا لكل شَيْء، وَهُوَ حجَّة على الْخلق على الْجُمْلَة وَالتَّفْصِيل وَالْإِطْلَاق والعموم، وَهَذَا الْمَعْنى يَأْبَى أَن يحْكى فِيهِ مَا لَيْسَ بِحَق ثمَّ لَا يُنَبه عَلَيْهِ.\nوَأَيْضًا فَإِن جَمِيع مَا يحْكى فِيهِ من شرائع الأوّلين وأحكامهم، وَلم يُنَبه على إفسادهم وافترائهم فِيهِ فَهُوَ حق، يَجْعَل عُمْدَة عِنْد طَائِفَة فِي شريعتنا ويمنعه قوم، لَا من جِهَة قدح فِيهِ، وَلَكِن من جِهَة أَمر خَارج عَن ذَلِك، فقد اتَّفقُوا على أَنه حق وَصدق كشريعتنا، وَلَا يفْتَرق مَا بَينهمَا إلاّ بِحكم النّسخ فَقَط\"٧.\n\"وَمن أَمْثِلَة هَذَا الْقسم: جَمِيع مَا حُكي عَن الْمُتَقَدِّمين من الْأُمَم السالفة\n_________\n١ - سُورَة الْأَنْبِيَاء، الْآيَة: ٢٦.\n٢ - سُورَة الْبَقَرَة، الْآيَة: ١١٦.\n٣ - سُورَة يُونُس، الْآيَة: ٦٨.\n٤ - سُورَة مَرْيَم، الْآيَة: ٩٠.\n٥ - انْظُر الموافقات (٤/١٥٨ - ١٦٠) .\n٦ - انْظُر الْمصدر نَفسه (٤/١٥٨ - ١٦٠) .\n٧ - الْمصدر نَفسه (٤/١٦٠) .","vol":"1","page":47},{"text":"مِمَّا كَانَ حَقًا، كحكايته عَن الْأَنْبِيَاء والأولياء، وَمِنْه قصَّة ذِي القرنين، وقصة الْخضر مَعَ مُوسَى ﵇، وقصة أَصْحَاب الْكَهْف، وَأَشْبَاه ذَلِك\"١.\n_________\n١ - الْمصدر نَفسه (٤/١٦١) .","vol":"1","page":48},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-17>المبحث الثَّالِث: مَعَ الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي فِي مَنْهَج الْقُرْآن الْكَرِيم فِي التَّرْغِيب والترهيب</span>١\nقَالَ الإِمَام أَبُو إِسْحَاق الشاطبي: \"إِذا ورد فِي الْقُرْآن التَّرْغِيب قارنه التَّرْهِيب، فِي لواحقه أَو سوابقه أَو قرائنه وَبِالْعَكْسِ، وَكَذَلِكَ الترجية مَعَ التخويف، وَمَا يرجع إِلَى هَذَا الْمَعْنى مثله، وَمِنْه ذكر أهل الْجنَّة يقارنه ذكر أهل النَّار، وَبِالْعَكْسِ؛ لِأَن فِي ذكر أهل الْجنَّة بأعمالهم ترجية، وَفِي ذكر أهل النَّار بأعمالهم تخويفا، فَهُوَ رَاجع إِلَى الترجية والتخويف.\nوَيدل على هَذِه الْجُمْلَة عرض الْآيَات على النّظر فَأَنت ترى أَن الله جعل الْحَمد فَاتِحَة كِتَابه، وَقد وَقع فِيهِ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ ٢إِلَى آخرهَا. فجيء بِذكر الْفَرِيقَيْنِ.\nثمَّ بدئت سُورَة الْبَقَرَة بذكرهما أَيْضا، فَقيل: ﴿هُدىً لِلْمُتَّقِينَ﴾ ٣ ثمَّ قَالَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ ٤، ثمَّ ذُكِرَ بإثرهم المُنَافِقُونَ وهم صنف من الْكفَّار، فَلَمَّا تمّ ذَلِك أعقب الْأَمر بالتقوى، ثمَّ بالتخويف بالنَّار، وَبعده بالترجية فَقَالَ: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ﴾\n_________\n١ - اسْتَفَادَ القاسمي من هَذَا المبحث فِي مُقَدّمَة تَفْسِيره. انْظُر مِنْهُ (١/٧٦) .\n٢ - سُورَة الْفَاتِحَة، الْآيَة: ٦، ٧.\n٣ - سُورَة الْبَقَرَة، الْآيَة: ٢.\n٤ - سُورَة الْبَقَرَة، الْآيَة: ٦.","vol":"1","page":48},{"text":"إِلَى قَوْله: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ١ الْآيَة\"٢.\nوَقد أَطَالَ أَبُو إِسْحَاق الشاطبي فِي تتبع آيَات سُورَة الْبَقَرَة، وتنزيلها على الْقَاعِدَة الْمَذْكُورَة٣، ثمَّ أورد بعض آيَات سُورَة الْأَنْعَام، وبيّن كَيفَ تنطبق على الْقَاعِدَة٤.\nثمَّ قَالَ: \"وَقد يغلب أحد الطَّرفَيْنِ بِحَسب المواطن ومقتضيات الْأَحْوَال، فَيرد التخويف ويتسع مجاله، لكنه لَا يَخْلُو من الترجية كَمَا فِي سُورَة الْأَنْعَام، فَإِنَّهَا جَاءَت مقررة للحق، ومنكرة على من كفر بِاللَّه، واخترع من تِلْقَاء نَفسه مَا لَا سُلْطَان لَهُ عَلَيْهِ، وَصد عَن سَبيله، وَأنكر مَا لَا يُنكر، ولدَّ فِيهِ وَخَاصم، وَهَذَا الْمَعْنى يَقْتَضِي تَأْكِيد التخويف، وإطالة التأنيب والتعنيف، فكثرت مقدماته ولواحقه، وَلم يخل مَعَ ذَلِك من طرف الترجية؛ لأَنهم بذلك مدعوون إِلَى الْحق، وَقد تقدم الدُّعَاء وَإِنَّمَا هُوَ مزِيد تكْرَار، إعذارًا وإنذارًا، ومواطن الاغترار يطْلب فِيهَا التخويف أَكثر من طلب الترجية؛ لِأَن دَرْء الْمَفَاسِد آكِد.\nوَترد الترجية أَيْضا ويتسع مجالها، وَذَلِكَ فِي مَوَاطِن الْقنُوط ومظنته، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ ٥ الْآيَة فَإِن نَاسا من أهل الشّرك كَانُوا قد قتلوا وَأَكْثرُوا، وزنوا وَأَكْثرُوا فَأتوا مُحَمَّدًا ﷺ فَقَالُوا: إِن الَّذِي\n_________\n١ - سُورَة الْبَقَرَة، الْآيَة: ٢٤، ٢٥.\n٢ - الموافقات (٤/١٦٧) .\n٣ - انْظُر الْمصدر نَفسه (٤/١٦٧، ١٦٨) .\n٤ - انْظُر الْمصدر نَفسه (٤/١٦٩) .\n٥ - سُورَة الزمر، الْآيَة: ٥٣.","vol":"1","page":49},{"text":"تَقول وَتَدْعُو إِلَيْهِ لحسن لَو تخبرنا ألنا لما عَملنَا كَفَّارَة، فَنزلت١.\nفَهَذَا موطن خوف يخَاف مِنْهُ الْقنُوط، فجيء فِيهِ بالترجية غالبة، وَمثل ذَلِك الْآيَة الْأُخْرَى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ ٢ وَانْظُر فِي سَببهَا فِي التِّرْمِذِيّ، وَالنَّسَائِيّ، وَغَيرهمَا.\nوَلما كَانَ جَانب الْإِخْلَال من الْعباد أغلب كَانَ جَانب التخويف أغلب، وَذَلِكَ فِي مظانه الْخَاصَّة، لَا على الْإِطْلَاق؛ فَإِنَّهُ إِذا لم يكن هُنَالك مظنَّة هَذَا، وَلَا هَذَا أَتَى الْأَمر معتدلًا\"٣.\nثمَّ أورد أَبُو إِسْحَاق اعتراضا على مَا قَرَّرَهُ سَابِقًا فَقَالَ: \"فَإِن قيل: هَذَا لَا يطرد فقد ينْفَرد أحد الْأَمريْنِ فَلَا يُؤْتى مَعَه بِالْآخرِ، فَيَأْتِي التخويف من غير ترجية، وَبِالْعَكْسِ، أَلا ترى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ ٤ إِلَى آخرهَا فَإِنَّهَا كلهَا تخويف، وَقَوله: ﴿كَلا إِنَّ الأِنْسَانَ لَيَطْغَى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ ٥إِلَى آخر السُّورَة، وَقَوله: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ ٦إِلَى آخر السُّورَة ... وَفِي الطّرف الآخر قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ ٧ إِلَى آخرهَا،\n_________\n١ - أخرجه الإِمَام البُخَارِيّ فِي صَحِيحه - مَعَ الْفَتْح - (٨/٥٤٩)، كتاب التَّفْسِير، بَاب\n﴿يَا عبَادي الَّذين أَسْرفُوا على أنفسهم لَا تقنطوا من رَحْمَة الله ...﴾ ح (٤٨١٠) .\n٢ - سُورَة هود، الْآيَة: ١١٤.\n٣ - الموافقات (٤/١٧٠ - ١٧٢) .\n٤ - سُورَة الْهمزَة، الْآيَة: ١.\n٥ - سُورَة العلق، الْآيَة: ٦، ٧.\n٦ - سُورَة الْفِيل، الْآيَة: ١.\n٧ - سُورَة الضُّحَى، الْآيَة: ١، ٢.","vol":"1","page":50},{"text":"وَقَوله تَعَالَى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ ١ إِلَى آخرهَا\"٢.\nوَأورد الإِمَام الشاطبي من الْآيَات أَيْضا مَا يؤيّد هَذَا الِاعْتِرَاض٣.\nثمَّ قَالَ: \"فَالْجَوَاب إِن مَا اعْترض بِهِ غير صَاد عَن سَبِيل مَا تقدم، وَعنهُ جوابان: إجمالي وتفصيلي:\nفالإجمالي أَن يُقَال: إِن الْأَمر الْعَام والقانون الشَّائِع هُوَ مَا تقدّم، فَلَا تنقضه الْأَفْرَاد الْجُزْئِيَّة الأقلية؛ لِأَن الْكُلية إِذا كَانَت أكثرية فِي الوضعيات انْعَقَدت كُلية، واعتمدت فِي الحكم بهَا وَعَلَيْهَا، شَأْن الْأُمُور العادية الْجَارِيَة فِي الْوُجُود، وَلَا شكّ أَن مَا اعْترض بِهِ من ذَلِك قَلِيل، يدل عَلَيْهِ الاستقراء، فَلَيْسَ بقادح فِيمَا تأصل.\nوَأما التفصيلي: فَإِن قَوْله: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ ٤ قَضِيَّة عين فِي رجل معِين من الْكفَّار، بِسَبَب أَمر معِين، من همزه النَّبِي ﵊ وعيبه إيَّاه، فَهُوَ إِخْبَار عَن جَزَائِهِ على ذَلِك الْعَمَل الْقَبِيح، لَا أَنه أُجري مجْرى التخويف، فَلَيْسَ مِمَّا نَحن فِيهِ. وَهَذَا الْوَجْه جَار فِي قَوْله: ﴿كَلا إِنَّ الأِنْسَانَ لَيَطْغَى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ ٥ ... وَكَذَلِكَ سُورَة وَالضُّحَى، وَقَوله: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ ٦ غير مَا نَحن فِيهِ، بل هُوَ أَمر من الله للنَّبِي ﵊ بالشكر لأجل مَا أعطَاهُ من الْمنح\"\n_________\n١ - سُورَة الشَّرْح، الْآيَة: ١.\n٢ - انْظُر الموافقات (٤/١٧٢) .\n٣ - انْظُر الْمصدر نَفسه (٤/١٧٢ - ١٧٥) .\n٤ - سُورَة الْهمزَة، الْآيَة: ١.\n٥ - سُورَة العلق، الْآيَة: ٦، ٧.\n٦ - سُورَة الشَّرْح، الْآيَة: ١.","vol":"1","page":51},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-18>المبحث الرَّابِع: مَعَ الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي فِي أَقسَام الْعُلُوم المضافة إِلَى الْقُرْآن الْكَرِيم</span>٢\nقسم أَبُو إِسْحَاق الْعُلُوم المضافة إِلَى الْقُرْآن إِلَى أَرْبَعَة أَقسَام، فَقَالَ:\n\"قسم: هُوَ كالأداة لفهمه واستخراج مَا فِيهِ من الْفَوَائِد، والمعين على معرفَة مُرَاد الله تَعَالَى مِنْهُ، كعلوم اللُّغَة الْعَرَبيَّة - الَّتِي لَا بُد مِنْهَا - وَعلم الْقرَاءَات، والناسخ والمنسوخ، وقواعد أصُول الْفِقْه، وَمَا أشبه ذَلِك\"٣.\nثمَّ ذكر أَبُو إِسْحَاق أَن هَذَا الْجَانِب قد يُدخل فِيهِ مَا لَيْسَ مِنْهُ، كَقَوْل من قَالَ: إِن علم الْهَيْئَة وَسِيلَة إِلَى فهم قَوْله تَعَالَى: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ﴾ ٤، وَقَول من قَالَ: إِن عُلُوم الفلسفة مَطْلُوبَة إِذْ لَا يُفهم الْمَقْصُود من الشَّرِيعَة إِلَّا بهَا٥.\nثمَّ رد أَبُو إِسْحَاق على قَائِل ذَلِك بقوله: \"وَلَو قَالَ قَائِل إِن الْأَمر بالضد مِمَّا قَالَ لما بَعُد فِي الْمُعَارضَة. وَشَاهد مَا بَين الْخَصْمَيْنِ شَأْن السّلف الصَّالح فِي تِلْكَ الْعُلُوم، هَل كَانُوا آخذين فِيهَا، أم كَانُوا تاركين لَهَا، أَو غافلين عَنْهَا؟ مَعَ\nالْقطع بتحققهم بفهم الْقُرْآن، يشْهد لَهُم بذلك النَّبِي ﷺ والجم\nالْغَفِير، فَلْينْظر امْرُؤ أَيْن يضع قدمه\"٦.\nثمَّ ذكر أَبُو إِسْحَاق الْقسم الثَّانِي بقوله: \"وَقسم هُوَ مأخوذٌ من جملَته\n_________\n١ - انْظُر الموافقات (٤/١٧٥، ١٧٦) .\n٢ - نقل هَذَا المبحث القاسمي فِي مُقَدّمَة تَفْسِيره. انْظُر مِنْهُ (١/٨٨) وَمَا بعْدهَا.\n٣ - الموافقات (٤/١٩٨) .\n٤ - سُورَة ق، الْآيَة: ٦.\n٥ - انْظُر الموافقات (٤/١٩٨) . وَقد ذكر أَن القَوْل الأول صدر عَن الرَّازِيّ، وَالثَّانِي عَن ابْن رشد.\n٦ - الْمصدر نَفسه (٤/١٩٨) .","vol":"1","page":52},{"text":"من حَيْثُ هُوَ كَلَام لَا من حَيْثُ هُوَ خطاب بِأَمْر أَو نهي أَو غَيرهمَا، بل من جِهَة مَا هُوَ هُوَ، وَذَلِكَ مَا فِيهِ من دلَالَة النُّبُوَّة، وَهُوَ كَونه معْجزَة لرَسُول الله ﷺ فَإِن هَذَا الْمَعْنى لَيْسَ مأخوذًا من تفاصيل الْقُرْآن كَمَا تُؤْخَذ مِنْهُ الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة، إِذْ لم تنص آيَاته وسوره على ذَلِك مثل نَصهَا على الْأَحْكَام بِالْأَمر وَالنَّهْي وَغَيرهمَا، وَإِنَّمَا فِيهِ التَّنْبِيه على التَّعْجِيز أَن يَأْتُوا بِسُورَة مثله، وَذَلِكَ لَا يخْتَص بِهِ شَيْء من الْقُرْآن دون شَيْء، وَلَا سُورَة دون سُورَة، وَلَا نمط مِنْهُ دون آخر ... \"١.\nثمَّ ذكر الْقسم الثَّالِث بقوله: \"وَقسم هُوَ مَأْخُوذ من عَادَة الله تَعَالَى فِي إنزاله، وخطاب الْخلق بِهِ ... ويشتمل على أَنْوَاع من الْقَوَاعِد الْأَصْلِيَّة والفوائد الفرعية، والمحاسن الأدبية\"٢.\nثمَّ ذكر على هَذَا الْقسم تِسْعَة أَمْثِلَة٣، جدير بِأَهْل الْقُرْآن أَن يراجعوها فَفِيهَا من الْفَوَائِد الشَّيْء الْكثير.\nثمَّ ذكر الْقسم الرَّابِع بقوله: \"وَقسم هُوَ الْمَقْصُود الأول ... وَذَلِكَ أَنه محتوٍ من الْعُلُوم على ثَلَاثَة أَجنَاس ... أَحدهَا: معرفَة المتوجَّه إِلَيْهِ، وَهُوَ الله المعبود سُبْحَانَهُ. وَالثَّانِي: معرفَة كَيْفيَّة التَّوَجُّه إِلَيْهِ. وَالثَّالِث: معرفَة مآل العَبْد ليخاف الله بِهِ ويرجوه\"٤.\nثمَّ شرح هَذِه الْأَجْنَاس الثَّلَاثَة بِكَلَام نَفِيس، نحيل الْقَارئ على مُرَاجعَته٥.\n_________\n١ - انْظُر الْمصدر نَفسه (٤/١٩٩) .\n٢ - انْظُر الْمصدر نَفسه (٤/٢٠٠) .\n٣ - انْظُر الْمصدر نَفسه (٤/٢٠٠ - ٢٠٣) .\n٤ - انْظُر الْمصدر نَفسه (٤/٢٠٤) .\n٥ - انْظُر الْمصدر نَفسه (٤/٢٠٤ - ٢٠٧) .","vol":"1","page":53},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-19>المبحث الْخَامِس: مَعَ الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي فِي التَّفْسِير الإشاري لِلْقُرْآنِ الْكَرِيم</span>١\nقَالَ - رَحمَه الله تَعَالَى -: \"من النَّاس من زعم أَن لِلْقُرْآنِ ظَاهرا وَبَاطنا ... \"٢. ثمَّ ذكر أَبُو إِسْحَاق الْأَدِلَّة على ذَلِك، وَأَطْنَبَ٣، وَسَيَأْتِي بَعْضهَا - إِن شَاءَ الله تَعَالَى - فِي التَّعْلِيق على هَذَا المبحث.\nثمَّ ذكر أَبُو إِسْحَاق أَمْثِلَة على التَّفْسِير الإشاري الْبَاطِل٤.\nثمَّ خلص أَبُو إِسْحَاق إِلَى ذكر شُرُوط التَّفْسِير الإشاري المقبول فَقَالَ: \"فصل: وَكَون الْبَاطِن هُوَ المُرَاد من الْخطاب قد ظهر أَيْضا مِمَّا تقدم فِي الْمَسْأَلَة قبلهَا، وَلَكِن يشْتَرط فِيهِ شَرْطَانِ:\nأَحدهمَا: أَن يَصح على مُقْتَضى الظَّاهِر الْمُقَرّر فِي لِسَان الْعَرَب، وَيجْرِي على الْمَقَاصِد الْعَرَبيَّة. وَالثَّانِي: أَن يكون لَهُ شَاهد نصا أَو ظَاهرا فِي مَحل آخر يشْهد لصِحَّته من غير معَارض.\nفَأَما الأوّل: فَظَاهر من قَاعِدَة كَون الْقُرْآن عَرَبيا، فَإِنَّهُ لَو كَانَ لَهُ فهم لَا يَقْتَضِيهِ كَلَام الْعَرَب، لم يُوصف بِكَوْنِهِ عَرَبيا بِإِطْلَاق؛ وَلِأَنَّهُ مَفْهُوم يُلصق بِالْقُرْآنِ لَيْسَ فِي أَلْفَاظه، وَلَا فِي مَعَانِيه مَا يدل عَلَيْهِ، وَمَا كَانَ كَذَلِك فَلَا يَصح أَن ينْسب إِلَيْهِ أصلا ... وَأما الثَّانِي: فَلِأَنَّهُ إِن لم يكن لَهُ شَاهد فِي مَحل آخر، أَو\n_________\n١ - اسْتَفَادَ القاسمي من هَذَا المبحث فِي مُقَدّمَة تَفْسِيره. انْظُر مِنْهُ (١/٤١) .\n٢ - انْظُر الموافقات (٤/٢٠٨) .\n٣ - انْظُر الْمصدر نَفسه (٤/٢٠٨ - ٢١١) .\n٤ - انْظُر الْمصدر نَفسه (٤/٢٢٥ - ٢٢٧) .","vol":"1","page":54},{"text":"كَانَ لَهُ معَارض صَار من جملَة الدَّعَاوَى الَّتِي تدّعى على الْقُرْآن، وَالدَّعْوَى الْمُجَرَّدَة غير مَقْبُولَة بِاتِّفَاق الْعلمَاء.\nوبهذين الشَّرْطَيْنِ يتبيّن صِحَة مَا تقدّم أَنه الْبَاطِن؛ لأنّهما مُوَفّران فِيهِ، بِخِلَاف مَا فسّر بِهِ الباطنية١، فَإِنَّهُ لَيْسَ من علم الْبَاطِن كَمَا أَنه لَيْسَ من علم الظَّاهِر\"٢.\nثمَّ ذكر أَمْثِلَة من تفاسير الباطنية تخَالف هذَيْن الشَّرْطَيْنِ٣.\nثمَّ قَالَ: \"وَقد وَقعت فِي الْقُرْآن تفاسير مشكلة يُمكن أَن تكون من هَذَا الْقَبِيل، أَو من قبيل الْبَاطِن الصَّحِيح، وَهِي منسوبة لِأُنَاس من أهل الْعلم، وَرُبمَا نسب مِنْهَا إِلَى السّلف الصَّالح\"٤ ثمَّ ذكر أَمْثِلَة على هَذِه التفاسير المشكلة٥.\nالتَّعْلِيق على مَبْحَث: التَّفْسِير الإشاري لِلْقُرْآنِ الْكَرِيم\nالتَّعْلِيق على هَذَا المبحث من ثَلَاثَة أوجه:\nالأوّل: أَن الْمُعْتَمد لمن ذهب إِلَى هَذَا التَّفْسِير - التَّفْسِير الإشاري - هُوَ مَا أخرجه الإِمَام البُخَارِيّ عَن ابْن عَبَّاس - ﵄ - قَالَ: \"كَانَ عمر يدخلني مَعَ أَشْيَاخ بدر، فكأنَّ بَعضهم وجد فِي نَفسه فَقَالَ: لم تدخل هَذَا مَعنا، وَلنَا أَبنَاء مثله؟. فَقَالَ عمر: إِنَّه من حَيْثُ علمْتُم. فَدَعَا ذَات يَوْم٦\n_________\n١ - هَذِه فرقة خَارِجَة عَن جَمِيع فرق الْإِسْلَام. انْظُر فِي شَأْنهَا كتاب الْفرق بَين الْفرق، ص (٢٨١) وَمَا بعدَها.\n٢ - انْظُر الموافقات (٤/٢٣١، ٢٣٢) .\n٣ - انْظُر الْمصدر نَفسه (٤/٢٣٢، ٢٣٣) .\n٤ - الْمصدر نَفسه (٤/٢٣٥) .\n٥ - انْظُر الْمصدر نَفسه (٤/٢٣٥) وَمَا بعْدهَا.\n٦ - هَكَذَا فِي النُّسْخَة الَّتِي بَين يَدي من صَحِيح البُخَارِيّ: «فَدَعَا ذَات يَوْم» .","vol":"1","page":55},{"text":"فَأدْخلهُ مَعَهم فَمَا رُئيت أَنه دَعَاني يَوْمئِذٍ إِلَّا لِيُرِيَهُمْ. قَالَ مَا تَقولُونَ فِي قَول الله تَعَالَى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ ١ فَقَالَ بَعضهم: أُمرنا نحمد الله وَنَسْتَغْفِرهُ إِذا نصرنَا وَفتح علينا، وَسكت بَعضهم فَلم يقل شَيْئا. فَقَالَ لي: أكذاك تَقول يَا ابْن عَبَّاس؟ فَقلت: لَا. قَالَ: فَمَا تَقول؟ قلت: هُوَ أجل رَسُول الله ﷺ أعلمهُ لَهُ، قَالَ: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ ٢ وَذَلِكَ عَلامَة أَجلك ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ ٣ فَقَالَ عمر: مَا أعلم مِنْهَا إلاَّ مَا تَقول\"٤. وَقد ذكر أَبُو إِسْحَاق هَذَا الدَّلِيل٥.\nوَالثَّانِي أَن أَبَا إِسْحَاق لم يرد التَّفْسِير الإشاري جملَة، وَلم يقبله جملَة، بل فصّل فِي ذَلِك وَهَذَا هُوَ الْحق.\nوَالثَّالِث: قد أَتَى أَبُو إِسْحَاق الشاطبي على أهم الشُّرُوط الَّتِي تشْتَرط لصِحَّة هَذَا التَّفْسِير، وَقد أضَاف بعض الْعلمَاء مَا يَلِي٦:\n١ - ألاَّ يُدَّعى أَنه المُرَاد وَحده دون الظَّاهِر.\n٢ - أَن يُبيَّن الْمَعْنى الْمَوْضُوع لَهُ اللَّفْظ الْكَرِيم أَولا.\n٣ - ألاَّ يكون من وَرَاء هَذَا التَّفْسِير الإشاري تشويش على المفسَّر لَهُ.\n_________\n١ - سُورَة النَّصْر، الْآيَة: ١.\n٢ - سُورَة النَّصْر، الْآيَة: ١.\n٣ - سُورَة النَّصْر، الْآيَة: ٣.\n٤ - صَحِيح البُخَارِيّ - مَعَ الْفَتْح - (٨/٧٣٤، ٧٣٥)، كتاب التَّفْسِير، بَاب قَوْله:\n﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ ح (٤٩٧٠) .\n٥ - انْظُر الموافقات (٤/٢١٠، ٢١١) .\n٦ - انْظُر: مناهل الْعرْفَان (١/٥٤٩)، وَقد ذكر الشَّيْخ الزّرْقَانِيّ غير هَذِه الشُّرُوط، وَكَذَلِكَ الشَّيْخ مناع الْقطَّان، غير أَنه بِالتَّأَمُّلِ فِيمَا ذكرا فَإِنَّهَا لَا تخرج عَن الشَّرْطَيْنِ اللَّذين ذكرهمَا الإِمَام أَبُو إِسْحَاق الشاطبي.","vol":"1","page":56},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-20>المبحث السَّادِس:\nمَعَ الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي فِي قَوْله: إِن الْمدنِي من السُّور يَنْبَغِي أَن يكون منزلا على الْمَكِّيّ فِي الْفَهم</span>، وَكَذَلِكَ الْمَكِّيّ بعضه مَعَ بعض، وَالْمَدَنِي بعضه مَعَ بعض١\nقَالَ أَبُو إِسْحَاق الشاطبي: \"الْمدنِي من السُّور يَنْبَغِي أَن يكون منزلا فِي الْفَهم على الْمَكِّيّ، وَكَذَلِكَ الْمَكِّيّ بعضه مَعَ بعض، وَالْمَدَنِي بعضه مَعَ بعض على حسب ترتيبه فِي التَّنْزِيل، وإلاَّ لم يَصح، وَالدَّلِيل على ذَلِك أَن معنى الْخطاب الْمدنِي - فِي الْغَالِب - مَبْنِيّ على الْمَكِّيّ، كَمَا أَن الْمُتَأَخر من كل وَاحِد مِنْهُمَا مَبْنِيّ على متقدمه، دلّ على ذَلِك الاستقراء، وَذَلِكَ إِنَّمَا يكون بِبَيَان مُجمل، أَو تَخْصِيص عُمُوم، أَو تَقْيِيد مُطلق، أَو تَفْصِيل مَا لم يفصل، أَو تَكْمِيل مَا لم يظْهر تكميله.\nوأوّل شَاهد على هَذَا أصل الشَّرِيعَة؛ فَإِنَّهَا جَاءَت متممة لمكارم الْأَخْلَاق، ومصلحة لما أُفسد قبل من مِلَّة إِبْرَاهِيم ﵇.\nويليه تَنْزِيل سُورَة الْأَنْعَام فَإِنَّهَا نزلت مبينَة لقواعد العقائد، وأُصول الدّين، وَقد خرَّج الْعلمَاء مِنْهَا قَوَاعِد التَّوْحِيد الَّتِي صنف فِيهَا المتكلّمون، من أول إِثْبَات وَاجِب الْوُجُود إِلَى إِثْبَات الْإِمَامَة ... ثمَّ لما هَاجر رَسُول الله ﷺ إِلَى الْمَدِينَة كَانَ من أول مَا نزل عَلَيْهِ سُورَة الْبَقَرَة، وَهِي الَّتِي قررت قَوَاعِد التَّقْوَى المبنية على قَوَاعِد سُورَة الْأَنْعَام؛ فَإِنَّهَا بيّنت من أَقسَام أَفعَال الْمُكَلّفين جُمْلَتهَا، وَإِن تبيّن فِي غَيرهَا تفاصيل لَهَا كالعبادات الَّتِي هِيَ قَوَاعِد الْإِسْلَام، والعادات من أصل الْمَأْكُول والمشروب وَغَيرهمَا، والمعاملات من الْبيُوع\n_________\n١ - اسْتَفَادَ القاسمي من هَذَا المبحث فِي مُقَدّمَة تَفْسِيره. انْظُر مِنْهُ (١/٩٣) وَمَا بعْدهَا.","vol":"1","page":57},{"text":"والأنكحة وَمَا دَار بهَا، والجنايات من أَحْكَام الدِّمَاء وَمَا يَليهَا.\nوَأَيْضًا فَإِن حفظ الدّين فِيهَا، وَحفظ النَّفس وَالْعقل والنسل وَالْمَال مضمن فِيهَا، وَمَا خرج عَن الْمُقَرّر فِيهَا فبحكم التَّكْمِيل، فغيرها من السُّور المدنية الْمُتَأَخِّرَة عَنْهَا مَبْنِيّ عَلَيْهَا، كَمَا كَانَ غير الْأَنْعَام من الْمَكِّيّ الْمُتَأَخر عَنْهَا مَبْنِيا عَلَيْهَا، وَإِذا تنزلت إِلَى سَائِر السُّور بَعْضهَا مَعَ بعض فِي التَّرْتِيب وَجدتهَا كَذَلِك، حَذْو القذة بالقذة، فَلَا يغيبن عَن النَّاظر فِي الْكتاب هَذَا الْمَعْنى؛ فَإِنَّهُ من أسرار عُلُوم التَّفْسِير، وعَلى حسب الْمعرفَة بِهِ تحصل لَهُ الْمعرفَة بِكَلَام ربه سُبْحَانَهُ\"١.\nالتَّعْلِيق على مَبْحَث: الْمدنِي من السُّور يَنْبَغِي أَن يكون منزلا على الْمَكِّيّ فِي الْفَهم\nالتَّعْلِيق على هَذَا المبحث من وَجْهَيْن:\nالأوّل: أَن الإِمَام أَبَا إِسْحَاق الشاطبي قد سبق من كتب فِي عُلُوم الْقُرْآن - وَتعرض للمكي وَالْمَدَنِي - إِلَى دراسة هَذِه الْمَسْأَلَة٢.\nوَمن كتب فِي هَذَا المبحث فَهُوَ تبع للْإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي، على أَن أهمّ كتابين متداولين فِي عُلُوم الْقُرْآن لم يتَعَرَّض مؤلّفاهما لهَذَا المبحث بِهَذِهِ الطَّرِيقَة الَّتِي سلكها أَبُو إِسْحَاق٣.\nالثَّانِي: أَن هَذَا المبحث بِهَذَا النَّحْو الَّذِي طرقه الإِمَام أَبُو إِسْحَاق الشاطبي فِيهِ أحسن رد على أُولَئِكَ الْمَلَاحِدَة الَّذين زَعَمُوا أَن لَا صلَة بَين الْمَكِّيّ\n_________\n١ - انْظُر الموافقات (٤/٢٥٦ - ٢٥٨) .\n٢ - وَهَذَا حسب مَا اطَّلَعت عَلَيْهِ.\n٣ - أَعنِي الْبُرْهَان فِي عُلُوم الْقُرْآن للزركشي، والإتقان فِي عُلُوم الْقُرْآن للسيوطي.","vol":"1","page":58},{"text":"وَالْمَدَنِي فِي الْقُرْآن الْكَرِيم١.\nوَفِي ظَنِّي أَن الَّذِي رد على هَذِه الشُّبْهَة وفندها٢لَو تنبه لكَلَام الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي لنقله؛ لِأَن فِيهِ الْبُرْهَان الدامغ المزهق لشُبْهَة أُولَئِكَ الْمَلَاحِدَة.\n_________\n١ - انْظُر مناهل الْعرْفَان (١/٢٠٩) .\n٢ - وَهُوَ الشَّيْخ عبد الْعَظِيم الزّرْقَانِيّ. انْظُر كِتَابه مناهل الْعرْفَان (١/٢٠٩) .","vol":"1","page":59},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-21>المبحث السَّابِع: مَعَ الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي فِي أَن تَفْسِير الْقُرْآن الْكَرِيم يتبع فِيهِ الْمُفَسّر التَّوَسُّط والاعتدال ويتجنب فِيهِ الإفراط والتفريط</span>\n...\nالمبحث السَّابِع:\nمَعَ الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي فِي أَن تَفْسِير الْقُرْآن الْكَرِيم يتبع فِيهِ الْمُفَسّر التَّوَسُّط والاعتدال، ويجتنب فِيهِ الإفراط والتفريط١\nقَالَ أَبُو إِسْحَاق عِنْد هَذِه الْمَسْأَلَة: \"رُبمَا أَخذ تَفْسِير الْقُرْآن على التَّوَسُّط والاعتدال، وَعَلِيهِ أَكثر السّلف الْمُتَقَدِّمين، بل ذَلِك شَأْنهمْ، وَبِه كَانُوا أفقه النَّاس فِيهِ، وَأعلم الْعلمَاء بمقاصده وبواطنه.\nوَرُبمَا أَخذ على أحد الطَّرفَيْنِ الخارجين عَن الِاعْتِدَال: إِمَّا على الإفراط وَإِمَّا على التَّفْرِيط، وكلا طرفِي قصد الْأُمُور ذميم\"٢.\nثمَّ بيّن رَحمَه الله تَعَالَى أَن الَّذين فسروه على التَّفْرِيط هم الَّذين قصروا فِي فهم اللِّسَان الَّذِي جَاءَ بِهِ، وَهُوَ الْعَرَبيَّة، وَمن هَؤُلَاءِ الباطنية وَغَيرهم٣.\nثمَّ قَالَ: \"وَلَا إِشْكَال فِي اطِّراح التعويل على هَؤُلَاءِ\"٤.\n_________\n١ - اسْتَفَادَ القاسمي من هَذَا المبحث فِي مُقَدّمَة تَفْسِيره. انْظُر مِنْهُ (١/٩٥) .\n٢ - الموافقات (٤/٢٦١) .\n٣ - انْظُر الْمصدر نَفسه (٤/٢٦١) .\n٤ - انْظُر الْمصدر نَفسه (٤/٢٦١) .","vol":"1","page":59},{"text":"ثمَّ وضَّح رَحمَه الله تَعَالَى أَن الَّذين اتبعُوا الإفراط فِي تَفْسِير الْقُرْآن هم الَّذين دققوا فِي الْأَلْفَاظ المفردة والمعاني البلاغية، وَلم ينْظرُوا إِلَى الْمَعْنى الَّذِي سيق الْكَلَام من أَجله؛ لأنّ هَذِه الْأَشْيَاء إِنَّمَا تبحث بِقدر مَا تُؤدِّي بِهِ الْمعَانِي الْأَصْلِيَّة، الْمَقْصُودَة من سِيَاق الْكَلَام١.\nثمَّ شرح أَبُو إِسْحَاق الوسطية الَّتِي يَنْبَغِي أَن يسير عَلَيْهَا الْمُفَسّر فَقَالَ: \"وَالْقَوْل فِي ذَلِك - وَالله الْمُسْتَعَان - أَن المساقات تخْتَلف باخْتلَاف الْأَحْوَال والأوقات والنوازل، وَهَذَا مَعْلُوم فِي علم الْمعَانِي وَالْبَيَان، فَالَّذِي يكون على بَال من المستمع والمتفهم ... الِالْتِفَات إِلَى أول الْكَلَام وَآخره بِحَسب القضيّة، وَمَا اقْتَضَاهُ الْحَال فِيهَا، لَا ينظر فِي أَولهَا دون آخرهَا، وَلَا فِي آخرهَا دون أَولهَا؛ فَإِن الْقَضِيَّة وَإِن اشْتَمَلت على جمل فبعضها مُتَعَلق بِالْبَعْضِ؛ لأنّها قَضِيَّة وَاحِدَة نازلة فِي شَيْء وَاحِد، فَلَا محيص للمتفهم عَن ردّ آخر الْكَلَام على أَوله، وأوله على آخِره، وَإِذ ذَاك يحصل مَقْصُود الشَّارِع فِي فهم المكلَّف، فَإِن فرق النّظر فِي أَجْزَائِهِ، فَلَا يتَوَصَّل بِهِ إِلَى مُرَاده؛ فَلَا يَصح الِاقْتِصَار فِي النّظر على بعض أَجزَاء الْكَلَام دون بعض، إلاَّ فِي موطن وَاحِد وَهُوَ النّظر فِي فهم الظَّاهِر بِحَسب اللِّسَان الْعَرَبِيّ وَمَا يَقْتَضِيهِ، لَا بِحَسب مَقْصُود الْمُتَكَلّم، فَإِذا صَحَّ لَهُ الظَّاهِر على الْعَرَبيَّة، رَجَعَ إِلَى نفس الْكَلَام، فعمّا قريب يَبْدُو لَهُ مِنْهُ الْمَعْنى المُرَاد، فَعَلَيهِ بالتعبد بِهِ وَقد يُعينهُ على هَذَا الْمَقْصد النّظر فِي أَسبَاب التَّنْزِيل؛ فَإِنَّهَا تبين كثيرا من الْمَوَاضِع الَّتِي يخْتَلف مغزاها على النَّاظر ... \"٢.\nثمَّ سَاقه الْكَلَام على الْقَاعِدَة الْمُتَقَدّمَة إِلَى التَّعَرُّض إِلَى مَقَاصِد بعض سور\n_________\n١ - انْظُر الْمصدر نَفسه (٤/٢٦١ - ٢٦٣) .\n٢ - انْظُر الْمصدر نَفسه (٤/٢٦٦) .","vol":"1","page":60},{"text":"الْقُرْآن الْكَرِيم، فجَاء فِيهِ بالفوائد الممتعة١.\nفمما قَالَ فِي ذَلِك قَوْله رَحمَه الله تَعَالَى: \"وَقَوله تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ ٢ نازلة فِي قَضِيَّة وَاحِدَة. وَسورَة \"اقْرَأ\" نازلة فِي قضيتين الأولى إِلَى قَوْله: ﴿عَلَّمَ الأِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ ٣، وَالْأُخْرَى مَا بَقِي إِلَى آخر السُّورَة. وَسورَة الْمُؤمنِينَ نازلة فِي قَضِيَّة وَاحِدَة، وَإِن اشْتَمَلت على معَان كَثِيرَة فَإِنَّهَا من الْمَكِّيَّاتِ، وغالب الْمَكِّيّ أَنه مُقَرر لثَلَاثَة معَان - أَصْلهَا معنى وَاحِد وَهُوَ الدُّعَاء إِلَى عبَادَة الله تَعَالَى - أَحدهَا: تَقْرِير الوحدانية لله الْوَاحِد الْحق ... وَالثَّانِي: تَقْرِير النُّبُوَّة للنَّبِي مُحَمَّد، وَأَنه رَسُول الله إِلَيْهِم جَمِيعًا، صَادِق فِيمَا جَاءَ بِهِ من عِنْد الله ... وَالثَّالِث: إِثْبَات أَمر الْبَعْث وَالدَّار الْآخِرَة، وَأَنه حق لَا ريب فِيهِ بالأدلة الْوَاضِحَة، وَالرَّدّ على من أنكر ذَلِك، بِكُل وَجه يُمكن الْكَافِر إِنْكَاره بِهِ....\nفَهَذِهِ الْمعَانِي الثَّلَاثَة هِيَ الَّتِي اشْتَمَل عَلَيْهَا الْمنزل من الْقُرْآن بِمَكَّة فِي عامّة الْأَمر، وَمَا ظهر ببادئ الرَّأْي خُرُوجه عَنْهَا فراجع إِلَيْهَا فِي محصول الْأَمر، وَيتبع ذَلِك التَّرْغِيب والترهيب، والأمثال والقصص، وَذكر الْجنَّة وَالنَّار، وَوصف يَوْم الْقِيَامَة، وَأَشْبَاه ذَلِك\"٤.\nثمَّ رَجَعَ أَبُو إِسْحَاق إِلَى تطبيق الْمعَانِي الثَّلَاثَة على سُورَة الْمُؤمنِينَ، يقف على ذَلِك من أحب فِي موطنه من كتاب الموافقات٥.\n_________\n١ - مِمَّن أحسن كِتَابَة فِي هَذَا الْمَوْضُوع - مَقَاصِد سور الْقُرْآن الْكَرِيم - الفيروزابادي فِي كِتَابه بصائر ذَوي التَّمْيِيز.\n٢ - سُورَة الْكَوْثَر، الْآيَة: ١.\n٣ - سُورَة العلق، الْآيَة: ٥.\n٤ - انْظُر الموافقات (٤/٢٦٩، ٢٧٠) .\n٥ - انْظُر (٤/٢٧٠ - ٢٧٣) .","vol":"1","page":61},{"text":"التَّعْلِيق على مَبْحَث: تَفْسِير الْقُرْآن الْكَرِيم يتبع فِيهِ الْمُفَسّر التَّوَسُّط والاعتدال\nقَضِيَّة التَّوَسُّط والاعتدال الَّتِي ألمح إِلَيْهَا أَبُو إِسْحَاق الشاطبي قضيّة مهمّة جدًّا سَوَاء فِي فهم الْقُرْآن الْكَرِيم وَتَفْسِيره، أَو فِي غير ذَلِك من حَيَاة الْمُسلم.\nوَلَو اتُّبع كل من فسر الْقُرْآن الْكَرِيم التَّوَسُّط والاعتدال فِي تَفْسِيره لما وجدنَا الأبحاث المطولة الَّتِي لَا علاقَة لَهَا بتفسير الْآيَة.\nوَلَو اتُّبع التَّوَسُّط والاعتدال لما جُعل تَفْسِير الْقُرْآن كتاب نَحْو تذكر فِيهِ الْقَوَاعِد النحوية ودقائق عُلُوم النَّحْو، والاعتراضات والردود، ورد الردود.\nوَلَو اتُّبع التَّوَسُّط والاعتدال لما وجدنَا بَين كتب التَّفْسِير مَا يشبه كتاب عُلُوم مدرسي فِيهِ صور الْحَيَوَانَات والنباتات، ثمَّ يَدعِي صَاحبه أَن هَذَا هُوَ مَقْصُود الله من إِنْزَال كِتَابه، وَأَن جَمِيع عُلَمَاء التَّفْسِير الْمُتَقَدِّمين أخطأوا عِنْدَمَا لم يظهروا هَذِه الْعُلُوم النباتية الحيوانية؟.\nوَلَو اتُّبع التَّوَسُّط والاعتدال لما وجدنَا بَين الْمُفَسّرين لهَذَا الْكتاب الْكَرِيم من يَقع فِي بِدعَة الاعتزال، والإرجاء، والتشبيه، والتكفير، وَغَيرهَا من الْبدع، ثمَّ يُفَسر الْقُرْآن على مَا يُوَافق بدعته، وَيَزْعُم أَن هَذَا هُوَ مَقْصُود الله من كَلَامه.\nوَلَو اتُّبع التَّوَسُّط والاعتدال فِي تَفْسِير الْقُرْآن الْكَرِيم لسلم تراثنا التفسيري من خزعبلات بني إِسْرَائِيل الَّتِي قُصد بهَا إِفْسَاد فهمنا لكتاب الله تَعَالَى.\nوَلَو اتُّبع التَّوَسُّط والاعتدال فِي تَفْسِير الْقُرْآن الْكَرِيم وتطبيقه لما وصلنا إِلَى هَذِه الْحَال - الَّتِي نَحن عَلَيْهَا الْيَوْم - من الانحطاط والتبعية لأمم الْكفْر من يهود ونصارى وَغَيرهم.","vol":"1","page":62},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-22>المبحث الثَّامِن: مَعَ الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي فِي بَيَان الْمَقْصُود بِالرَّأْيِ المذموم والرأي الممدوح فِي تَفْسِير الْقُرْآن الْكَرِيم</span>\n...\nالمبحث الثَّامِن١:\nمَعَ الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي فِي بَيَان الْمَقْصُود بِالرَّأْيِ المذموم والرأي الممدوح فِي تَفْسِير الْقُرْآن الْكَرِيم٢\nقَالَ أَبُو إِسْحَاق رَحمَه الله تَعَالَى: \"إِعْمَال الرَّأْي فِي الْقُرْآن جَاءَ ذمه، وَجَاء أيض - اما يَقْتَضِي إعماله، وحسبك من ذَلِك مَا نقل عَن الصدِّيق، فَإِنَّهُ نقل عَنهُ أَنه قَالَ - وَقد سُئل فِي شَيْء من الْقُرْآن -: \"أَي سَمَاء تُظِلنِي وَأي أَرض تُقِلني إِن أَنا قلت فِي كتاب الله مَا لَا أعلم ... \" ٣. ثمَّ سُئل عَن الْكَلَالَة الْمَذْكُورَة فِي الْقُرْآن فَقَالَ: \"أَقُول فِيهَا برأيي، فَإِن كَانَ صَوَابا فَمن الله، وَإِن كَانَ خطأ فمني وَمن الشَّيْطَان، الْكَلَالَة كَذَا وَكَذَا\" ٤.\nفهذان قَولَانِ اقتضيا إِعْمَال الرَّأْي وَتَركه فِي الْقُرْآن، وهما لايجتمعان\"٥.\nثمَّ أجَاب أَبُو إِسْحَاق عَمَّا رُوي عَن أبي بكر - ﵁ - مِمَّا يَقْتَضِي إِعْمَال الرَّأْي وَتَركه فَقَالَ: \"وَالْقَوْل فِيهِ أَن الرَّأْي ضَرْبَان: أَحدهمَا:\n_________\n١ - تعرض السُّيُوطِيّ وَغَيره لهَذَا المبحث. انْظُر الإتقان (٢/٥٠٧، ٥٠٩)، ومناهل الْعرْفَان (١/٥٠١)، وبحوث فِي أصُول التَّفْسِير ومناهجه، ص (٧٩) وَمَا بعْدهَا.\n٢ - اسْتَفَادَ القاسمي من هَذَا المبحث فِي مُقَدّمَة تَفْسِيره. انْظُر مِنْهُ (١/١٠١) .\n٣ - أخرجه الإِمَام الطَّبَرِيّ فِي تَفْسِيره (١/٧٨) . وَذكره الْحَافِظ فِي الْفَتْح (١٣/٢٧١) من طَرِيقين قَالَ: فيهمَا انْقِطَاع، لَكِن أَحدهمَا يُقَوي الآخر.\n٤ - أخرجه الطَّبَرِيّ فِي تَفْسِيره (٨/٥٣)، وَالْبَيْهَقِيّ فِي السّنَن الْكُبْرَى (٦/٢٢٣) عَن الشّعبِيّ قَالَ سُئل أَبُو بكر فَذكره. وَالشعْبِيّ لم يدْرك أَبَا بكر، وَلَا يكَاد يُرْسل إِلَّا صَحِيحا. انْظُر السّير (٤/٣٠١) .\n٥ - انْظُر الموافقات (٤/٢٧٦) .","vol":"1","page":63},{"text":"جَار على مُوَافقَة كَلَام الْعَرَب، وموافقة الْكتاب وَالسّنة، فَهَذَا لَا يُمكن إهمال مثله لعالم بهما لأمور:\nأَحدهَا: إِن الْكتاب لَا بُد من القَوْل فِيهِ بِبَيَان معنى، واستنباط حكم وَتَفْسِير لفظ، وَفهم مُرَاد، وَلم يَأْتِ جَمِيع ذَلِك عَمَّن تقدم، فإمَّا أَن يتَوَقَّف دون ذَلِك فتتعطل الْأَحْكَام كلهَا أَو أَكْثَرهَا، وَذَلِكَ غير مُمكن، فَلَا بُد من القَوْل فِيهِ بِمَا يَلِيق.\nوَالثَّانِي: أَنه لَو كَانَ كَذَلِك؛ للَزِمَ أَن يكون الرَّسُول ﷺ مُبينًا ذَلِك كُله بالتوقيف؛ فَلَا يكون لأحد فِيهِ نظر وَلَا قَول، والمعلوم أَنه ﵊ لم يفعل ذَلِك١، فَدلَّ على أَنه لم يُكَلف بِهِ على ذَلِك الْوَجْه، بل بيَّن مِنْهُ مَا لَا يُوصل إِلَى علمه إلاَّ بِهِ، وَترك كثيرا مِمَّا يُدْرِكهُ أَرْبَاب الِاجْتِهَاد باجتهادهم، فَلم يلْزم فِي جَمِيع تَفْسِير الْقُرْآن التَّوْقِيف.\nوَالثَّالِث: أَن الصَّحَابَة كَانُوا أولى بِهَذَا الِاحْتِيَاط من غَيرهم، وَقد علم أَنهم فسروا الْقُرْآن على مَا فَهموا، وَمن جهتهم بلغنَا تَفْسِير مَعْنَاهُ، والتوقيف يُنَافِي هَذَا؛ فإطلاق القَوْل بالتوقيف وَالْمَنْع من الرَّأْي لَا يصحّ.\nوَالرَّابِع: أَن هَذَا الْفَرْض لَا يُمكن؛ لأنّ النّظر فِي الْقُرْآن من جِهَتَيْنِ:\nمن جِهَة الْأُمُور الشَّرْعِيَّة، فقد يسلم القَوْل بالتوقيف فِيهِ وَترك الرَّأْي وَالنَّظَر جدلًا.\nوَمن جِهَة المآخذ الْعَرَبيَّة؛ وَهَذَا لَا يُمكن فِيهِ التَّوْقِيف، وَإِلَّا لزم ذَلِك فِي السّلف الأوّلين، وَهُوَ بَاطِل، فاللازم عَنهُ مثله، وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ أوضح من إطناب\n_________\n١ - هَذِه الْمَسْأَلَة مَحل خلاف بَين الْعلمَاء، وَالرَّاجِح فِيهَا مَا قَالَه أَبُو إِسْحَاق. وَإِن أردْت الِاطِّلَاع على أَدِلَّة الْفَرِيقَيْنِ، وَالتَّرْجِيح بَينهمَا فَانْظُر كتاب اخْتِلَاف الْمُفَسّرين أَسبَابه وآثاره، ص (١٦ - ٢٤) .","vol":"1","page":64},{"text":"فِيهِ\"١.\nثمَّ وضَّح أَبُو إِسْحَاق الْمَقْصُود بِالرَّأْيِ المذموم فَقَالَ: \"وَأما الرَّأْي غير الْجَارِي على مُوَافقَة الْعَرَبيَّة، أَو الْجَارِي على الْأَدِلَّة الشَّرْعِيَّة٢ فَهَذَا هُوَ الرَّأْي المذموم من غير إِشْكَال كَمَا كَانَ مذموما فِي الْقيَاس أَيْضا حَسْبَمَا هُوَ مذكورٌ فِي كتاب الْقيَاس؛ لِأَنَّهُ تَقول على الله بِغَيْر برهَان، فَيرجع إِلَى الْكَذِب على الله تَعَالَى، وَفِي هَذَا الْقسم جَاءَ من التَّشْدِيد فِي القَوْل بِالرَّأْيِ فِي الْقُرْآن مَا جَاءَ\"٣.\nثمَّ أورد أَبُو إِسْحَاق الشاطبي عَن جملَة من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ ذمّ هَذَا النَّوْع من الرَّأْي٤.\nثمَّ ختم هَذِه الْمَسْأَلَة بقوله: \"فَالَّذِي يُسْتَفَاد من هَذَا الْموضع أَشْيَاء:\nمِنْهَا: التحفظ من القَوْل فِي كتاب الله تَعَالَى إلاَّ على بَيِّنَة، فَإِن النَّاس فِي الْعلم بالأدوات الْمُحْتَاج إِلَيْهَا فِي التَّفْسِير على ثَلَاث طَبَقَات: إِحْدَاهَا: من بلغ فِي ذَلِك مبلغ الراسخين كالصحابة وَالتَّابِعِينَ، وَمن يليهم، وَهَؤُلَاء قَالُوا مَعَ التوقي والتحفظ والهيبة وَالْخَوْف من الهجوم، فَنحْن أولى بذلك مِنْهُم، إِن ظننا بِأَنْفُسِنَا أَنا فِي الْعلم والفهم مثلهم، وهيهات.\nوَالثَّانيَِة: من علم من نَفسه أَنه لم يبلغ مبالغهم وَلَا داناهم، فَهَذَا طرف لَا إِشْكَال فِي تَحْرِيم ذَلِك عَلَيْهِ.\n_________\n١ - الموافقات (٤/٢٧٦ - ٢٧٩) .\n٢ - هَكَذَا فِي النّسخ المطبوعة الَّتِي اطَّلَعت عَلَيْهَا، وَقد نبه بعض الْمُحَقِّقين للموافقات بقوله: «لَعَلَّ الصَّوَاب غير الْجَارِي» .\n٣ - الموافقات (٤/٢٧٩، ٢٨٠) .\n٤ - انْظُر الْمصدر نَفسه (٤/٢٨٠ - ٢٨٢) .","vol":"1","page":65},{"text":"وَالثَّالِثَة: من شكّ فِي بُلُوغه مبلغ أهل الِاجْتِهَاد، أَو ظن ذَلِك فِي بعض علومه دون بعض فَهَذَا أَيْضا دَاخل تَحت حكم الْمَنْع من القَوْل فِيهِ؛ لِأَن الأَصْل عدم الْعلم، فعندما يبْقى لَهُ شكّ أَو تردد فِي الدُّخُول مدْخل الْعلمَاء الراسخين فانسحاب الحكم الأول عَلَيْهِ بَاقٍ بِلَا إِشْكَال، وكل أحد فَقِيه نَفسه فِي هَذَا المجال، وَرُبمَا تعدى بعض أَصْحَاب هَذِه الطَّبَقَة طوره، فَحسن ظَنّه بِنَفسِهِ، وَدخل فِي الْكَلَام فِيهِ مَعَ الراسخين، وَمن هُنَا افْتَرَقت الْفرق، وتباينت النَّحْل، وَظهر فِي تَفْسِير الْقُرْآن الْخلَل.\nوَمِنْهَا: أَن من ترك النّظر فِي الْقُرْآن، وَاعْتمد فِي ذَلِك على من تقدّمه، ووكل إِلَيْهِ النّظر فِيهِ غير ملوم، وَله فِي ذَلِك سَعَة، إلاَّ فِيمَا لَا بُد لَهُ مِنْهُ، وعَلى حكم الضَّرُورَة، فَإِن النّظر فِيهِ يشبه النّظر فِي الْقيَاس، كَمَا هُوَ مَذْكُور فِي بَابه، وَمَا زَالَ السّلف الصَّالح يتحرجون من الْقيَاس فِيمَا لَا نَص فِيهِ، وَكَذَلِكَ وجدناهم فِي القَوْل فِي الْقُرْآن، فَإِن الْمَحْظُور فيهمَا وَاحِد، وَهُوَ خوف التقول على الله، بل القَوْل فِي الْقُرْآن أَشد، فَإِن الْقيَاس يرجع إِلَى نظر النَّاظر، وَالْقَوْل فِي الْقُرْآن يرجع إِلَى أَن الله أَرَادَ كَذَا أَو عَنى كَذَا بِكَلَامِهِ الْمنزل، وَهَذَا عَظِيم الْخطر.\nوَمِنْهَا: أَن يكون على بالٍ من النَّاظر والمفسر، والمتكلِّم عَلَيْهِ أَن مَا يَقُوله تقصيد مِنْهُ للمتكلم، وَالْقُرْآن كَلَام الله، فَهُوَ يَقُول بِلِسَان بَيَانه: هَذَا مُرَاد الله من هَذَا الْكَلَام، فليتثبت أَن يسْأَله الله تَعَالَى: من أَيْن قلت عني هَذَا؟ فَلَا يَصح لَهُ ذَلِك إِلَّا بِبَيَان الشواهد، وَإِلَّا فمجرّد الِاحْتِمَال يَكْفِي بِأَن يَقُول: يحْتَمل أَن يكون الْمَعْنى كَذَا وَكَذَا، بِنَاء أَيْضا على صِحَة تِلْكَ الِاحْتِمَالَات فِي صلب الْعلم، وإلاَّ فالاحتمالات الَّتِي لَا ترجع إِلَى أصل غير مُعْتَبرَة، فعلى كل تَقْدِير لَا بُد فِي كل قَول يجْزم بِهِ أَو يحمّل من شَاهد يشْهد لأصله، وإلاَّ كَانَ","vol":"1","page":66},{"text":"بَاطِلا وَدخل صَاحبه تَحت أهل الرَّأْي المذموم، وَالله أعلم\"١.\nقلت: لَيْت شعري أَيْن يضع نَفسه من يسْتَقلّ بتفسير الْقُرْآن فِي زَمَاننَا هَذَا؟!. إِنَّه لَا يُمكن أَن يضع نَفسه مَعَ الطَّبَقَة الأولى فِي الْعلم بأدوات التَّفْسِير، فَلم يبْق إِلَّا الطَّبَقَة الثَّانِيَة، وَالثَّالِثَة، وَكِلَاهُمَا مَمْنُوعَة من القَوْل فِي الْقُرْآن وَتَفْسِيره، كَمَا وضَّح ذَلِك أَبُو إِسْحَاق، رَحمَه الله تَعَالَى.\n_________\n١ - الموافقات (٤/٢٨٣ - ٢٨٥) .","vol":"1","page":67},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-23>المبحث التَّاسِع: مَعَ الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي فِي حكم تَرْجَمَة الْقُرْآن الْكَرِيم</span>١\nقدم أَبُو إِسْحَاق الشاطبي لهَذِهِ الْمَسْأَلَة بمقدمة بنى عَلَيْهَا حكم تَرْجَمَة الْقُرْآن، فَقَالَ فِي هَذِه الْمُقدمَة: \"للغة الْعَرَبيَّة من حَيْثُ هِيَ أَلْفَاظ دَالَّة على معَان نظران: أَحدهمَا: من جِهَة كَونهَا ألفاظا وعبارات مُطلقَة ... وَهِي الدّلَالَة الأصليّة. وَالثَّانِي: من جِهَة كَونهَا ألفاظا وعبارات مقيّدة دَالَّة على معَان خادمة، وَهِي الدّلَالَة التابعة.\nفالجهة الأولى: هِيَ الَّتِي يشْتَرك فِيهَا جَمِيع الْأَلْسِنَة، وإليها تَنْتَهِي مَقَاصِد الْمُتَكَلِّمين، وَلَا تخْتَص بِأمة دون أُخْرَى؛ فَإِنَّهُ إِذا حصل فِي الْوُجُود فعل لزيد مثلا كالقيام، ثمَّ أَرَادَ كل صَاحب لِسَان الْإِخْبَار عَن زيد بِالْقيامِ، تأتىله مَا أَرَادَ من غير كلفة، وَمن هَذِه الْجِهَة يُمكن فِي لِسَان الْعَرَب الْإِخْبَار عَن أَقْوَال الأوّلين - مِمَّن لَيْسُوا من أهل اللُّغَة الْعَرَبيَّة - وحكاية كَلَامهم، ويتأتى فِي لِسَان الْعَجم\n_________\n١ - انْظُر فِي هَذَا المبحث المهم مناهل الْعرْفَان (١/٣)، ومباحث فِي عُلُوم الْقُرْآن،\nص (٣١٣) وَمَا بعْدهَا.","vol":"1","page":67},{"text":"حِكَايَة أَقْوَال الْعَرَب والإخبار عَنْهَا، وَهَذَا لَا إِشْكَال فِيهِ.\nوَأما الْجِهَة الثَّانِيَة: فَهِيَ الَّتِي يخْتَص بهَا لِسَان الْعَرَب فِي تِلْكَ الْحِكَايَة وَذَلِكَ الْإِخْبَار، فَإِن كل خبر يَقْتَضِي فِي هَذِه الْجِهَة أمورًا خادمة لذَلِك الْإِخْبَار بِحَسب الخَبر والمُخبِر والمخبَر عَنهُ والمُخبَر بِهِ، وَنَفس الْإِخْبَار فِي الْحَال والمساق، وَنَوع الأسلوب، من الْإِيضَاح، والإخفاء، والإيجاز، والإطناب، وَغير ذَلِك\"١.\nثمَّ ضرب أَبُو إِسْحَاق أَمْثِلَة لبَيَان الْجِهَة الثَّانِيَة وتوضيحها٢.\nثمَّ قَالَ: \"وَإِذا ثَبت هَذَا، فَلَا يُمكن من اعْتبر هَذَا الْوَجْه الْأَخير أَن يترجم كلَاما من الْكَلَام الْعَرَبِيّ بِكَلَام الْعَجم على حَال، فضلا عَن أَن يترجم الْقُرْآن، ويُنقل إِلَى لِسَان غير عَرَبِيّ إلاَّ مَعَ فرض اسْتِوَاء اللسانين فِي اعْتِبَاره عينا، كَمَا إِذا اسْتَوَى اللسانان فِي اسْتِعْمَال مَا تقدّم تمثيله وَنَحْوه، فَإِذا ثَبت ذَلِك فِي اللِّسَان الْمَنْقُول إِلَيْهِ مَعَ لِسَان الْعَرَب، أمكن أَن يترجم أَحدهمَا إِلَى الآخر وَإِثْبَات مثل هَذَا بِوَجْه بَين عسير جدًّا ... وَقد نفى ابْن قُتَيْبَة إِمْكَان التَّرْجَمَة فِي الْقُرْآن - يَعْنِي على هَذَا الْوَجْه الثَّانِي - فَأَما على الْوَجْه الأوَّل فَهُوَ مُمكن، وَمن جِهَته صَحَّ تَفْسِير الْقُرْآن وَبَيَان مَعْنَاهُ للعامّة، وَمن لَيْسَ لَهُ فهم يقوى على تَحْصِيل مَعَانِيه، وَكَانَ ذَلِك جَائِزا بِاتِّفَاق أهل الْإِسْلَام، فَصَارَ هَذَا الِاتِّفَاق حجّة فِي صِحَة التَّرْجَمَة على الْمَعْنى الْأَصْلِيّ\"٣.\nالتَّعْلِيق على مَبْحَث: حكم تَرْجَمَة الْقُرْآن الْكَرِيم\nالْكَلَام على مَسْأَلَة تَرْجَمَة الْقُرْآن يطول جدًّا، وَقد بحثها الْعلمَاء بحثا\n_________\n١ - انْظُر الموافقات (٢/١٠٥) .\n٢ - انْظُر الْمصدر نَفسه (٢/١٠٥، ١٠٦) .\n٣ - الْمصدر نَفسه (٢/١٠٦، ١٠٧) .","vol":"1","page":68},{"text":"مستفيضا١؛ وَلذَلِك سَوف أقتصر فِي هَذَا المبحث على التَّعْلِيق على كَلَام أبي إِسْحَاق الشاطبي بِذكر كَلَام بعض الْعلمَاء، ثمَّ أذكر أَنْوَاع التَّرْجَمَة، وَبَيَان الْجَائِز مِنْهَا والممنوع.\n١ - قَالَ الشَّيْخ مناع الْقطَّان رَحمَه الله تَعَالَى٢ - بعد أَن نقل بعض كَلَام الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي -: \"وَمَعَ هَذَا فَإِن تَرْجَمَة الْمعَانِي الْأَصْلِيَّة لَا تَخْلُو من فَسَاد، فَإِن اللَّفْظ الْوَاحِد فِي الْقُرْآن قد يكون لَهُ مَعْنيانِ، أَو معانٍ تحتملها الْآيَة، فَيَضَع المترجم لفظا يدل على معنى وَاحِد، حَيْثُ لَا يجد لفظا يشاكل اللَّفْظ الْعَرَبِيّ فِي احْتِمَال تِلْكَ الْمعَانِي المتعددة. وَقد يسْتَعْمل الْقُرْآن اللَّفْظ فِي معنى مجازي فَيَأْتِي المترجم بِلَفْظ يرادف اللَّفْظ الْعَرَبِيّ فِي مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيّ؛ وَلِهَذَا وَنَحْوه وَقعت أخطاء كَثِيرَة فِيمَا ترْجم لمعاني الْقُرْآن. وَمَا ذهب إِلَيْهِ الشاطبي واعتبره حجّة فِي صِحَة التَّرْجَمَة على الْمَعْنى الْأَصْلِيّ لَيْسَ على إطلاقِه؛ فَإِن بعض الْعلمَاء يخص هَذَا بِمِقْدَار الضَّرُورَة فِي إبلاغ الدعْوَة بِالتَّوْحِيدِ وأركان الْعِبَادَات، وَلَا يتَعَرَّض لما سوى ذَلِك، وَيُؤمر من أَرَادَ الزِّيَادَة بتَعَلُّم\n_________\n١ - مِنْهُم مصطفى صبري فِي كِتَابه مَسْأَلَة تَرْجَمَة الْقُرْآن، وَمُحَمّد رشيد رضَا فِي رِسَالَة لَهُ باسم تَرْجَمَة الْقُرْآن وَمَا فِيهَا من الْمَفَاسِد ومنافاة الْإِسْلَام، وَمُحَمّد الشاطر فِي كِتَابه القَوْل السديد فِي حكم تَرْجَمَة الْقُرْآن الْمجِيد، والزرقاني فِي مناهل الْعرْفَان (٢/٣ - ٦٩)، ومناع الْقطَّان فِي كِتَابه مبَاحث فِي عُلُوم الْقُرْآن، ص (٣١٢ - ٣٢٢)، وَذكر الشَّيْخ أَحْمد بن مُحَمَّد شَاكر أَن لوالده كتاب - افي هَذَا الْمَوْضُوع اسْمه «القَوْل الْفَصْل فِي تَرْجَمَة الْقُرْآن الْكَرِيم إِلَى اللُّغَات الأعجمية» . انْظُر الرسَالَة للْإِمَام الشَّافِعِي، ص (٤٩) الْحَاشِيَة. وَانْظُر كتاب حدث الْأَحْدَاث فِي الْإِسْلَام فقد ذكر صَاحبه أحد عشر كتاب - افي هَذِه الْمَسْأَلَة، وَذَلِكَ فِي سنة ١٣٥٥هـ -.\n٢ - مَاتَ رَحمَه الله تَعَالَى فِي شهر ربيع الثَّانِي من سنة ١٤٢٠هـ - بعد عمر حافل بالعطاء لأمته، رَحمَه الله تَعَالَى، وكتبَه فِي الْعلمَاء العاملين.","vol":"1","page":69},{"text":"اللِّسَان الْعَرَبِيّ\"١.\nقلت: فَتبين لَك بِهَذَا أَن تَرْجَمَة الْمعَانِي الْأَصْلِيَّة غير مُمكن إِلَّا مَعَ وجود الْفساد والأخطاء الْكَثِيرَة، وَلَو كَانَ هَذَا الْفساد والأخطاء الْكَثِيرَة فِي غير الْقُرْآن لمُنع من يفعل ذَلِك، فَكيف بِالْقُرْآنِ الْكَرِيم؟!.\n٢ - أَنْوَاع التَّرْجَمَة، وَبَيَان الجائر مِنْهَا والممنوع. هِيَ ثَلَاثَة أَنْوَاع٢، بيانُها فِيمَا يَلِي:\nأ - التَّرْجَمَة اللفظية المثلية: وَهِي إِبْدَال لفظ بِلَفْظ آخر يرادفه فِي الْمَعْنى، مَعَ الاحتفاظ بِمَا للمبدل مِنْهُ من التراكيب والنسق والأسلوب، والدلائل الْأَصْلِيَّة والتبعية، وَبِمَا لَهُ من خفَّة على الأسماع وتأثير على الْقُلُوب، وَبِمَا لَهُ من إحكام وتشابه وإعجاز٣.\nوَحكم هَذَا النَّوْع أَنه محَال عقلا وَشرعا. أما عقلا؛ فَلِأَن التجارب العلمية برهنت على أَن نقل كَلَام من لُغَة إِلَى أُخْرَى بِكُل مَا فِي الأَصْل مِمَّا ذكر فِي التَّعْرِيف مُسْتَحِيل فِي كَلَام الْبشر، فَكيف بِهِ فِي كَلَام الله المعجز٤.\nوَأما شرعا فَإِنَّهُ مُسْتَحِيل أَيْضا؛ لِأَن مَعْنَاهُ الْإِتْيَان بقرآن مثل هَذَا الْقُرْآن بلغَة أُخرى، وَقد قَالَ الله تَعَالَى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا\n_________\n١ - مبَاحث فِي عُلُوم الْقُرْآن، ص (٣١٥، ٣١٦) .\n٢ - وَترجع هَذِه الثَّلَاثَة كلهَا إِلَى الْمَعْنى الاصطلاحي الْعرفِيّ، وَهُوَ نقل الْكَلَام من لُغَة إِلَى لُغَة ثَانِيَة.\n٣ - انْظُر القَوْل السديد فِي حكم تَرْجَمَة الْقُرْآن الْمجِيد، ص (١١)، وترجمات مَعَاني الْقُرْآن الْكَرِيم ص (١٤) .\n٤ - انْظُر ترجمات مَعَاني الْقُرْآن الْكَرِيم، ص (١٤، ١٥)، وَالْقَوْل السديد، ص (١٢) .","vol":"1","page":70},{"text":"بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ ١.\nب - التَّرْجَمَة المعنوية: وَهِي إِبْدَال لفظ بِلَفْظ آخر يرادفه فِي الْمَعْنى الإجمالي، أَو فِي الْمَعْنى الْقَرِيب بِصَرْف النّظر عَن الْمعَانِي التّبعِيَّة والبعيدة، وبصرف النّظر عَن الخصائص والمزايا، وَهَذِه مُمكنَة على وَجه الْإِجْمَال بِالْقدرِ المستطاع فِي بعض الْأَلْفَاظ دون بعض، وَفِي بعض اللُّغَات دون بعض، وَلَا تسلم من الْخَطَأ والبعد عَن المُرَاد٢.\nوَهَذَا النَّوْع من التَّرْجَمَة، وَإِن جَازَ فِي كَلَام النَّاس، فَإِنَّهُ يَحرُم فِي كَلَام الله الْقُرْآن الْكَرِيم؛ لأمورٍ كَثِيرَة يطول شرحُها، مِنْهَا: أَنَّهَا لن تسلم من الْخَطَأ والبعد عَن المُرَاد. وَمِنْهَا: أَن هَذِه التَّرْجَمَة تُؤدِّي إِلَى ضيَاع الأَصْل، كَمَا ضَاعَت أصُول الْكتب الْمُتَقَدّمَة. وَمِنْهَا: أَن ذَلِك يُؤَدِّي إِلَى انصراف النَّاس عَن كتاب رَبهم مكتفين بِمَا يزعمونه تَرْجَمَة لِلْقُرْآنِ. وَمِنْهَا: ضعف لُغَة الْقُرْآن وَالْقَضَاء عَلَيْهَا فِي النِّهَايَة. وَمِنْهَا: وجود الِاخْتِلَاف بَين الْمُسلمين، فكلُّ دولة تضع تَرْجَمَة لِلْقُرْآنِ وتزعمها أفضل الْمَوْجُود، وَهَكَذَا الدولة الْأُخْرَى، فَيحصل الِاخْتِلَاف بَين أمة مُحَمَّد ﷺ، ونكونُ بِهَذَا قد خَالَفنَا مَا أمرنَا الله بِهِ ونهانا، حَيْثُ قَالَ: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا﴾ ٣، وَقَالَ: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ٤. وَمِنْهَا: أَن نُصُوص عُلَمَاء الْمذَاهب تدلُّ على تَحْرِيم هَذَا النَّوْع من\n_________\n١ - سُورَة الْإِسْرَاء، الْآيَة (٨٨) وَانْظُر مناهل الْعرْفَان (٢/٤٠) ترى مَسْأَلَة الاستحالة الشَّرْعِيَّة.\n٢ - انْظُر القَوْل السديد، ص (١٢) .\n٣ - سُورَة آل عمرَان، الْآيَة: ١٠٣.\n٤ - سُورَة آل عمرَان، الْآيَة: ١٠٥. وَانْظُر القَوْل السديد، ص (١٤ - ٣٧)، ومناهل الْعرْفَان (٢/٤٣ - ٤٨) ترى مَا ذُكر من هَذِه الْأُمُور وَأكْثر.","vol":"1","page":71},{"text":"التَّرْجَمَة. قَالَ الإِمَام الألوسي: \"وَفِي مِعْرَاج الدِّرَايَة: مَن تعمّد قِرَاءَة الْقُرْآن\nأَو كِتَابَته بِالْفَارِسِيَّةِ فَهُوَ مَجْنُون، أَو زنديق. والمجنونُ يُداوى، والزنديق يُقتل\"١.\nوَقَالَ الإِمَام النَّوَوِيّ: \"مَذْهَبنَا أَنه لَا يجوز قِرَاءَة الْقُرْآن بِغَيْر لِسَان الْعَرَب، سَوَاء أمكنه الْعَرَبيَّة أَو عجز عَنْهَا، وَسَوَاء كَانَ فِي الصَّلَاة أوغيرها\"٢.\nوَقَالَ الإِمَام ابْن قدامَة: \"وَلَا تُجزئه الْقِرَاءَة بِغَيْر الْعَرَبيَّة، وَلَا إِبْدَال لَفظهَا بِلَفْظ عَرَبِيّ، سَوَاء أحسنَ قرَاءَتهَا بِالْعَرَبِيَّةِ أَو لم يحسن\"٣. وَنَحْو هَذَا قَالَ الْمَالِكِيَّة٤، وَأهل الظَّاهِر٥.\nوَقَالَ الْعَلامَة مُحَمَّد رشيد رضَا: \"المعوّل عَلَيْهِ عِنْد الْأَئِمَّة وَسَائِر الْعلمَاء أَنه لَا يجوز كِتَابَة الْقُرْآن وقراءته وَلَا تَرْجَمته بِغَيْر الْعَرَبيَّة مُطلقًا، إِلَّا فِيمَا نقل عَن أبي حنيفَة وصاحبيه من جَوَاز قِرَاءَة الْقُرْآن بِالْفَارِسِيَّةِ فِي خُصُوص الصَّلَاة\"٦.\nوَمن الْأُمُور الَّتِي تمنع جَوَاز تَرْجَمَة الْقُرْآن: أَن الْمُلْحِدِينَ الَّذين يُرِيدُونَ هدم الْإِسْلَام يضللون النَّاس بِهَذِهِ التَّرْجَمَة، ويزعمون أَنَّهَا قُرْآن، وَقد وَقع ذَلِك فِي بعض الْبِلَاد الإسلامية الَّتِي كَانَت يَوْمًا تقودُ الْعَالم الإسلامي أجمع٧.\nومَن أجَاز هَذَا النَّوْع من التَّرْجَمَة فَإِنَّمَا اعْتمد على شُبه سرعَان مَا\n_________\n١ - روح الْمعَانِي (١٢/١٧٣) .\n٢ - الْمَجْمُوع شرح الْمُهَذّب (٣/٣٧٩) .\n٣ - الْمُغنِي (١/٤٨٦) .\n٤ - انْظُر الْجَامِع لأحكام الْقُرْآن (١/١٢٦) فقد ذكر ذَلِك عَن الْجُمْهُور.\n٥ - انْظُر الْمحلى (٣/٢٥٤) .\n٦ - انْظُر تَرْجَمَة الْقُرْآن وَمَا فِيهَا من الْمَفَاسِد ومنافاة الْإِسْلَام، ص (١٩) .\n٧ - انْظُر مَسْأَلَة تَرْجَمَة الْقُرْآن، ص (٣) .","vol":"1","page":72},{"text":"انهارت أَمَام نقد الْعلمَاء، فَلَا نطيلُ بذكرها والردِّ عَلَيْهَا١.\nج - التَّرْجَمَة التفسيرية: وَهِي تَرْجَمَة تَفْسِير من التفاسير الَّتِي ألّفها الْعلمَاء باللغة الْعَرَبيَّة إِلَى لُغَة أُخرى٢.\nوَهَذِه التَّرْجَمَة عارضها بعض الْعلمَاء، وأجازها آخَرُونَ، وكأنّ الَّذين عارضوها لم يرَوا فرقا وَاضحا بَين هَذَا النَّوْع وَالَّذِي قبلَه - أَي: بَين التَّرْجَمَة المعنوية والترجمة التفسيرية - ٣، أَو رَأَوْا أَنَّهَا غطاء يُرِيد بعض من يَقُول بهَا الْوُصُول إِلَى التَّرْجَمَة المعنوية٤.\nوعَلى رَأس المجيزين لهَذَا النَّوْع من التَّرْجَمَة مشيخة الْأَزْهَر٥، ثمَّ فَتْوَى صدرت عَن دَار الْإِفْتَاء بالرياض مضمونُها جَوَاز هَذَا النَّوْع من التَّرْجَمَة بِشَرْط أَن يُفهم الْمَعْنى فهما صَحِيحا، وَأَن يعبّر عَنهُ من عالمٍ بِمَا يُحيل الْمعَانِي باللغات الْأُخْرَى تعبيرًا دَقِيقًا، يُفِيد الْمَعْنى الْمَقْصُود من نُصُوص الْقُرْآن، ونقلوا عَن شيخ الْإِسْلَام أَحْمد بن تَيْمِية مَا يُفيد جَوَاز هَذَا النَّوْع٦.\nوَقد وضعت اللجنة المنبثقة عَن فَتْوَى عُلَمَاء الْأَزْهَر قَوَاعِد خَاصَّة بالطريقة الَّتِي تتبعها فِي تَفْسِيرهَا مَعَاني الْقُرْآن الْكَرِيم - الَّذِي سيترجم - نوردُها فِيمَا يَلِي:\n_________\n١ - انظرها وَالرَّدّ عَلَيْهَا فِي كتاب مَسْأَلَة تَرْجَمَة الْقُرْآن، ص (٥) وَمَا بعدَها، وَحدث الْأَحْدَاث فِي الْإِسْلَام، ص (٢٦) وَمَا بعدَها، وَالْقَوْل السديد، ص (٧٤) وَمَا بعدَها.\n٢ - انْظُر القَوْل السديد، ص (١٢) .\n٣ - انْظُر الْفرق بَين النَّوْعَيْنِ فِي مناهل الْعرْفَان (٢/١٠ - ١٢) .\n٤ - انْظُر حدث الْأَحْدَاث فِي الْإِسْلَام، ص (٥٤) وَمَا بعْدهَا، وَالْقَوْل السديد، ص (٩٧) .\n٥ - انْظُر مناهل الْعرْفَان (٢/٦٥) .\n٦ - انْظُر مجلة البحوث الإسلامية (الْعدَد السَّادِس - ص٢٧٤، ٢٧٥) .","vol":"1","page":73},{"text":"١ - تبحث أَسبَاب النُّزُول وَالتَّفْسِير بالمأثور، فتفحص مروياتها وتنقد ويدوّن الصحيحُ مِنْهَا بالتفسير، مَعَ بَيَان وَجه قُوَّة الْقوي، وَضعف الضَّعِيف من ذَلِك.\n٢ - تبحث مُفْرَدَات الْقُرْآن الْكَرِيم بحثا لغويا، وخصائص التراكيب القرآنية بحثا بلاغيا وتدوّن.\n٣ - تبحث آراء الْمُفَسّرين بِالرَّأْيِ وَالتَّفْسِير بالمأثور، ويختار مَا تفسر الْآيَة بِهِ، مَعَ بَيَان وَجه ردّ الْمَرْدُود وَقبُول المقبول.\n٤ - وَبعد ذَلِك كُله يصاغ التَّفْسِير - مُسْتَوْفيا مَا نُص على اسْتِيفَائه فِي الْفَقْرَة الثَّانِيَة من الْقَوَاعِد السَّابِقَة١ - وَتَكون هَذِه الصياغة بأسلوب مُنَاسِب لإفهام جمهرة المتعلمين خَال من الإغراب والصنعة٢.\nقلت: ولعلّ هَذَا القَوْل أقرب من قَول المانعين - إِن شَاءَ الله تَعَالَى - لِأَن ذَلِك وَسِيلَة من وَسَائِل أَدَاء وَاجِب الْبَلَاغ، لمن لَا يعرف اللُّغَة الْعَرَبيَّة، بِشَرْط الِالْتِزَام التَّام بِمَا جَاءَ فِي الْقَوَاعِد السَّابِقَة، وبغيرها من الْقَوَاعِد الَّتِي لَا يتسعُ الْمقَام لذكرها٣.\n_________\n١ - انْظُر هَذِه الْقَوَاعِد فِي مناهل الْعرْفَان (٢/٦٦، ٦٧) .\n٢ - مناهل الْعرْفَان (٢/٦٧، ٦٨) .\n٣ - انْظُر تَرْجَمَة الْقُرْآن وَكَيف نَدْعُو غير الْعَرَب إِلَى الْإِسْلَام، ص (١٣٦، ١٣٧) فقد ذكر صَاحبه قَوَاعِد جَيِّدَة.","vol":"1","page":74},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-24>المبحث الْعَاشِر: مَعَ الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي فِي التَّفْسِير العلمي لِلْقُرْآنِ الْكَرِيم</span>١\nذكر الإِمَام الشاطبي ﵀ أَن الشَّرِيعَة الإسلاميّة أُمية وَأَنَّهَا جَارِيَة على مَذَاهِب أَهلهَا٢، ثمَّ بنى على هَذِه الْمَسْأَلَة أَشْيَاء:\n\"مِنْهَا: أَن كثيرا من النَّاس تجاوزوا فِي الدَّعْوَى على الْقُرْآن الحدَّ فأضافوا إِلَيْهِ كل علم يُذكر للْمُتَقَدِّمين أَو الْمُتَأَخِّرين من عُلُوم الطبيعيات، والتعاليم٣، والمنطق، وَعلم الْحُرُوف، وَجَمِيع مَا نظر فِيهِ الناظرون من هَذِه الْفُنُون وأشباهها؛ وَهَذَا إِذا عرضناه على مَا تقدم لم يَصح.\nوَإِلَى هَذَا فَإِن السّلف الصَّالح من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَمن يليهم كَانُوا أعرف بِالْقُرْآنِ وبعلومه وَمَا أودع فِيهِ، وَلم يبلغنَا أَنه تكلم أحد مِنْهُم فِي شَيْء من هَذَا الْمُدعى ... وَلَو كَانَ لَهُم فِي ذَلِك خوض وَنظر لبلغنا مِنْهُ مَا يدلنا على أصل الْمَسْأَلَة، إلاَّ أَن ذَلِك لم يكن؛ فَدلَّ على أَنه غير مَوْجُود عِنْدهم، وَذَلِكَ دَلِيل على أَن الْقُرْآن لم يقْصد فِيهِ تَقْرِير لشَيْء مِمَّا زَعَمُوا، نعم تضمن علوما هِيَ من جنس عُلُوم الْعَرَب، أَو مَا يَنْبَنِي على معهودها مِمَّا يتعجب مِنْهُ أولو الْأَلْبَاب، وَلَا تبلغه إدراكات الْعُقُول الراجحة دون الاهتداء بأعلامه والاستنارة بنوره، أما أَن فِيهِ مَا لَيْسَ من ذَلِك فَلَا.\nوَرُبمَا استدلوا على دَعوَاهُم بقوله تَعَالَى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ\n_________\n١ - انْظُر فِي هَذَا المبحث الإتقان (٢/٣٤٨)، ومناهل الْعرْفَان (١/٥٦٥)، ومباحث فِي عُلُوم الْقُرْآن، ص (٢٧٠)، واتجاهات التَّفْسِير فِي الْعَصْر الرَّاهِن، ص (٢٩٧)، وبحوث فِي أصُول التَّفْسِير ومناهجه، ص (٩٧) وَمَا بعْدهَا.\n٢ - انْظُر الموافقات (٢/١٠٩) وَمَا بعْدهَا.\n٣ - قَالَ عبد الله دراز: «التعاليم» الرياضيات من الهندسة وَغَيرهَا. انْظُر الطبعة الَّتِي حققها من الموافقات (٢/٧٩) حَاشِيَته.","vol":"1","page":75},{"text":"شَيْءٍ﴾ ١، وَقَوله: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ ٢، وَنَحْو ذَلِك، وبفواتح السُّور وَهِي مِمَّا لم يعْهَد عِنْد الْعَرَب، وَبِمَا نقل عَن النَّاس فِيهَا، وَرُبمَا حُكي من ذَلِك عَليّ بن أبي طَالب ﵁ وَغَيره أَشْيَاء.\nفَأَما الْآيَات فَالْمُرَاد بهَا عِنْد الْمُفَسّرين مَا يتَعَلَّق بِحَال التَّكْلِيف والتعبد٣، أَو المُرَاد بِالْكتاب فِي قَوْله: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ ٤ اللَّوْح الْمَحْفُوظ٥، وَلم يذكرُوا فِيهَا مَا يَقْتَضِي تضمنه لجَمِيع الْعُلُوم النقلية والعقلية.\nوَأما فواتح السُّور، فقد تكلم النَّاس فِيهَا بِمَا يَقْتَضِي أَن للْعَرَب بهَا عهدا كعدد الْجمل الَّذِي تعرَّفوه من أهل الْكتاب، حَسْبَمَا ذكره أَصْحَاب السّير، أَو هِيَ من المتشابهات الَّتِي لَا يعلم تَأْوِيلهَا إلاَّ الله تَعَالَى، وَغير ذَلِك، وَأما تَفْسِيرهَا بِمَا لَا عهد بِهِ فَلَا يكون، وَلم يَدعه أحد مِمَّن تقدّم، فَلَا دَلِيل فِيهَا على مَا ادعوا،\n_________\n١ - سُورَة النَّحْل، الْآيَة: ٨٩.\n٢ - سُورَة الْأَنْعَام، الْآيَة: ٣٨.\n٣ - انْظُر النكت والعيون للماوردي (٢/١١٢)، وَالْمُحَرر الْوَجِيز لِابْنِ عَطِيَّة (٦/٤٨)، وَزَاد الْمسير لِابْنِ الْجَوْزِيّ (٣/٣٥)، وَالتَّفْسِير الْكَبِير للرازي (١٢/١٧٨)، ومدارك التَّنْزِيل للنسفي (٢/١١)، وَالْبَحْر الْمُحِيط لأبي حَيَّان (٤/١٢٦)، فقد خرّجوا قَول من قَالَ: إِن المُرَاد بِالْكتاب هُنَا الْقُرْآن بِنَحْوِ مَا ذكر أَبُو إِسْحَاق هُنَا. وَذَلِكَ عِنْد آيَة الْأَنْعَام.\nوَانْظُر جَامع الْبَيَان (١٧/٢٧٨) عِنْد آيَة النَّحْل تَجِد أَن الإِمَام الطَّبَرِيّ قد أخرج عَن مُجَاهِد وَابْن جريج نَحْو مَا ذكر أَبُو إِسْحَاق هُنَا. وَقد تتبعت بعض الطّرق إِلَى مُجَاهِد فَوجدت رجال إسنادها ثِقَات. وَبِنَحْوِ مَا قَالَ أَبُو إِسْحَاق هُنَا فسّر الْآيَة أَبُو اللَّيْث فِي بَحر الْعُلُوم (٢/٢٤٦)، وَكَذَلِكَ الْبَغَوِيّ فِي معالم التَّنْزِيل (٣/٨١) .\n٤ - سُورَة الْأَنْعَام، الْآيَة: ٣٨.\n٥ - روى الطَّبَرِيّ فِي تَفْسِيره (١١/٣٤٥) بِسَنَدِهِ الثَّابِت من طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس - ﵄ - أَن معنى الْآيَة: مَا تركنَا شَيْئا إلاّ قد كتبناه فِي أم الْكتاب. وَثَبت عَن قَتَادَة نَحْو هَذَا التَّفْسِير. انْظُر تَفْسِير الْقُرْآن لعبد الرَّزَّاق الصَّنْعَانِيّ (٢/٢٠٦، ٢٠٧) .","vol":"1","page":76},{"text":"وَمَا ينْقل عَن عليّ أَو غَيره فِي هَذَا لَا يثبت١.\nفَلَيْسَ بجائز أَن يُضَاف إِلَى الْقُرْآن مَا لَا يَقْتَضِيهِ، كَمَا أَنه لَا يَصح أَن يُنكر مِنْهُ مَا يَقْتَضِيهِ، وَيجب الِاقْتِصَار فِي الِاسْتِعَانَة على فهمه على كل مَا يُضَاف علمه إِلَى الْعَرَب خاصّة فبه يُوصل إِلَى علم مَا أودع من الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة، فَمن طلبه بِغَيْر مَا هُوَ أَدَاة لَهُ ضل عَن فهمه، وَتقول على الله وَرَسُوله فِيهِ ... \"٢.\nالتَّعْلِيق على مَبْحَث: التَّفْسِير العلمي لِلْقُرْآنِ الْكَرِيم\nاخْتلف الْعلمَاء فِي التَّفْسِير العلمي لِلْقُرْآنِ الْكَرِيم، فَنقل السُّيُوطِيّ عَن ابْن أبي الْفضل المرسي٣ أَنه قَالَ: \"جمع الْقُرْآن عُلُوم الْأَوَّلين والآخرين\"٤، ثمَّ عدد أنواعا من الْعُلُوم حَتَّى ذكر الْخياطَة، والحدادة، والنجارة، والغزل، والنسج، والفلاحة، والملاحة، وَالْخبْز، والطبخ، وَالْغسْل٥.\nوَتَابعه على هَذَا الاتجاه بعض المعاصرين، وعَلى رَأْسهمْ الشَّيْخ طنطاوي جوهري فِي كِتَابه \"الْجَوَاهِر الحسان\" الَّذِي هُوَ أشبه بِكِتَاب عُلُوم مدرسي، فِيهِ صور الْحَيَوَانَات والنباتات وَغير ذَلِك مِمَّا زعم أَن الْقُرْآن دلّ عَلَيْهِ وطالبنا بالبحث فِيهِ٦.\n_________\n١ - قد أخرج الإِمَام الطَّبَرِيّ فِي تَفْسِيره (١/٢٠٧) من طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس - ﵄ - أَنه قَالَ: «هُوَ قسمٌ أقسم الله بِهِ»، وَثَبت ذَلِك عَن عِكْرِمَة أَيْضا كَمَا فِي تَفْسِير الطَّبَرِيّ (١/٢٠٧) .\n٢ - انْظُر الموافقات (٢/١٢٧ - ١٣١) .\n٣ - مُحَمَّد بن عبد الله بن مُحَمَّد بن أبي الْفضل المرسي، عَلامَة نحوي أديب زاهد مُفَسّر مُحدث فَقِيه أصولي (ت: ٦٥٥هـ -) انْظُر بغية الوعاة (١/١٤٤) .\n٤ - الإتقان (٢/٣٥٠) .\n٥ - انْظُر الْمرجع نَفسه (٢/٣٥٠ - ٣٥٥)، وَقد سبقه إِلَى هَذَا الاتجاه الْغَزالِيّ والرازي وَغَيرهمَا. انْظُر اتجاهات التَّفْسِير فِي الْعَصْر الرَّاهِن، ص (٢٤٧، ٢٥١) .\n٦ - انْظُر كِتَابه الْمَذْكُور، وَهُوَ فِي قَاعِدَة كتب الاطّلاع الْمَحْدُود، فِي المكتبة المركزيّة، فِي الجامعة الإسلامية.","vol":"1","page":77},{"text":"وَذهب أَبُو إِسْحَاق الشاطبي إِلَى خلاف هَذِه الفكرة، كَمَا رَأَيْت فِي كَلَامه، وَذهب إِلَى فكرته طَائِفَة من الْعلمَاء المعاصرين١.\nوَلكُل من الْفَرِيقَيْنِ أدلّة، أَشَارَ أَبُو إِسْحَاق الشاطبي إِلَى بَعْضهَا، وأتى على أَكْثَرهَا الْأُسْتَاذ الدكتور فَهد بن عبد الرَّحْمَن الرُّومِي٢.\nوَهُنَاكَ رَأْي يَقُول: بِقبُول التَّفْسِير العلمي لِلْقُرْآنِ الْكَرِيم بِالشُّرُوطِ التالية٣:\n١ - ألاَّ تطغى تِلْكَ المباحث عَن الْمَقْصُود الأول من الْقُرْآن الْكَرِيم، وَهُوَ الْهِدَايَة والإعجاز.\n٢ - أَن تذكر تِلْكَ الأبحاث على وَجه يدْفع الْمُسلمين إِلَى النهضة، ويلفتهم إِلَى جلال الْقُرْآن الْكَرِيم، ويحركهم إِلَى الِانْتِفَاع بقوى هَذَا الْكَوْن الْعَظِيم - الَّذِي سَخَّرَهُ الله لنا - انتفاعا يُعِيد لأمة الْإِسْلَام مجدَها.\n٣ - أَن تذكر تِلْكَ الْعُلُوم لأجل تعميق الشُّعُور الديني لَدَى الْمُسلم، والدفاع عَن العقيدة ضد أعدائها.\n٤ - أَن لَا تذكر هَذِه الأبحاث على أَنَّهَا هِيَ التَّفْسِير الَّذِي لَا يدل النَّص القرآني على سواهُ، بل تذكر لتوسيع الْمَدْلُول، وللاستشهاد بهَا على وَجه لَا يُؤثر بُطْلَانهَا فِيمَا بعد على قداسة النَّص القرآني، ذَلِك أَن تَفْسِير النَّص القرآني بنظرية قَابِلَة للتغيير والإبطال يثير الشكوك حول الْحَقَائِق القرآنية فِي أذهان النَّاس، كلما تعرضت نظرية للرَّدّ أَو الْبطلَان.\nوَهَذَا الرَّأْي الْأَخير هُوَ وسط بَين الْقَوْلَيْنِ، وَيُؤَيِّدهُ أَن فِي الْقُرْآن الْكَرِيم إشارات علمية سيقت مساق الْهِدَايَة، فالتلقيح فِي النَّبَات ذاتي وخلطي، والذاتي\n_________\n١ - انْظُر مبَاحث فِي عُلُوم الْقُرْآن ص (٢٧٠)، واتجاهات التَّفْسِير فِي الْعَصْر الرَّاهِن، ص (٢٩٧) وَمَا بعْدهَا.\n٢ - انْظُر بحوث فِي أصُول التَّفْسِير ومناهجه، ص (٩٧، ٩٨) .\n٣ - انْظُر مناهل الْعرْفَان (١/٥٦٩، ٥٧٠)، وبحوث فِي أصُول التَّفْسِير ومناهجه ص (٩٩) .","vol":"1","page":78},{"text":"مَا اشْتَمَلت زهرته على عضوي التَّذْكِير والتأنيث. والخلطي: هُوَ مَا كَانَ عُضْو التَّذْكِير فِيهِ مُنْفَصِلا عَن عُضْو التَّأْنِيث كالنخيل، فَيكون التلقيح بِالنَّقْلِ، وَمن وَسَائِل ذَلِك الرِّيَاح، وَجَاء فِي هَذَا قَول الله تَعَالَى: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾ ١\".\nو\"الأوكسجين\" ضَرُورِيّ لتنفس الْإِنْسَان، ويقل فِي طَبَقَات الجو الْعليا، فَكلما ارْتَفع الْإِنْسَان فِي أجواء السَّمَاء أحس بِضيق الصَّدْر وصعوبة التنفس، وَالله تَعَالَى يَقُول: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ \" ٢.\n_________\n١ - سُورَة الْحجر، الْآيَة: ٢٢.\n٢ - سُورَة الْأَنْعَام، الْآيَة: ١٢٥. وَانْظُر مبَاحث فِي عُلُوم الْقُرْآن، ص (٢٧٢، ٢٧٣) .\n.","vol":"1","page":79},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-25>المبحث الْحَادِي عشر: مَعَ الْأَمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي فِي أَسبَاب الِاخْتِلَاف غير الْمُؤثر فِي تَفْسِير الْقُرْآن الْكَرِيم</span>\n...\nالمبحث الْحَادِي عشر:\nمَعَ الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي فِي أَسبَاب الِاخْتِلَاف غير المؤثرة فِي تَفْسِير الْقُرْآن الْكَرِيم\nذكر الإِمَام أَبُو إِسْحَاق الشاطبي أَن من الْخلاف خلافًا لَا يعْتد بِهِ، وَهُوَ الْخلاف الَّذِي وَقع مُخَالفا لمقطوع بِهِ فِي الشَّرِيعَة١.\nثمَّ قَالَ: \"وَالثَّانِي مَا كَانَ ظَاهره الْخلاف وَلَيْسَ فِي الْحَقِيقَة كَذَلِك، وَأكْثر مَا يَقع ذَلِك فِي تَفْسِير الْكتاب وَالسّنة، فتجد الْمُفَسّرين ينقلون عَن السّلف فِي مَعَاني أَلْفَاظ الْكتاب أقوالًا مُخْتَلفَة فِي الظَّاهِر، فَإِذا اعتبرتها وَجدتهَا تتلاقى على الْعبارَة كالمعنى الْوَاحِد، والأقوال إِذا أمكن اجتماعها وَالْقَوْل بجميعها من غير إخلال بمقصد الْقَائِل فَلَا يَصح نقل الْخلاف فِيهَا عَنهُ ... وَهَذَا الْموضع مِمَّا يجب تَحْقِيقه فَإِن نقل الْخلاف فِي مَسْأَلَة لَا خلاف فِيهَا فِي الْحَقِيقَة خطأ، كَمَا أَن نقل\n_________\n١ - انْظُر الموافقات (٥/٢١٠)","vol":"1","page":79},{"text":"الْوِفَاق فِي مَوضِع الْخلاف لَا يَصح\"١.\nبعد هَذِه الْمُقدمَة الممتعة عدد لنا أَبُو إِسْحَاق أَسبَاب الِاخْتِلَاف غير المؤثرة - نورد مِنْهَا فِي هَذَا المبحث مَا نرى أَنه يخصّ التَّفْسِير - فَقَالَ:\n\"أَحدهَا: أَن يُذكر فِي التَّفْسِير عَن النَّبِي ﷺ فِي ذَلِك شَيْء، أَو عَن أحد من أَصْحَابه أَو غَيرهم، وَيكون ذَلِك الْمَنْقُول بعض مَا يَشْمَلهُ اللَّفْظ، ثمَّ يذكر غير ذَلِك الْقَائِل أَشْيَاء أخر مِمَّا يَشْمَلهُ اللَّفْظ أَيْضا، فينصهما الْمُفَسِّرُونَ على نصهما، فيظن أَنه خلاف، كَمَا نقلوا فِي \"الْمَنّ\" أَنه خبز رقاق، وَقيل: زنجبيل، وَقيل: الترنجبين٢، وَقيل: شراب مزجوه بِالْمَاءِ، فَهَذَا كُله يَشْمَلهُ اللَّفْظ؛ لِأَن الله مَنَّ بِهِ عَلَيْهِم؛ وَلذَلِك جَاءَ فِي الحَدِيث: \"الكمأة من المنِّ الَّذِي أنزل الله على بني إِسْرَائِيل\"٣. فَيكون الْمَنّ جملَة نعم، ذكر النَّاس مِنْهَا آحادًا.\nوَالثَّانِي: أَن يذكر فِي النَّقْل أَشْيَاء تتفق فِي الْمَعْنى بِحَيْثُ ترجع إِلَى معنى وَاحِد، فَيكون التَّفْسِير فِيهَا على قَول وَاحِد، ويوهم نقلهَا على اخْتِلَاف اللَّفْظ أَنه خلاف مُحَقّق، كَمَا قَالُوا فِي \"السلوى\" إِنَّه طير يشبه السماني، وَقيل: طير أَحْمَر صفته كَذَا، وَقيل: طير بِالْهِنْدِ أكبر من العصفور، وَكَذَلِكَ قَالُوا فِي \"الْمَنّ\": شَيْء يسْقط على الشّجر فيؤكل، وَقيل: صمغة حلوة، وَقيل: الترنجبين، وَقيل: مثل رب غليظ، وَقيل: عسل جامد، فَمثل هَذَا يصحّ حمله على الْمُوَافقَة وَهُوَ الظَّاهِر فِيهَا.\n_________\n١ - انْظُر الْمصدر نَفسه (٥/٢١٠) .\n٢ - الترنجبين: معرَّب «ترنكبين» فَارسي، أَي: عسل النَّدى. انْظُر قصد السَّبِيل فِيمَا فِي اللُّغَة الْعَرَبيَّة من الدخيل (١/٣٣٤) .\n٣ - أخرجه مُسلم فِي صَحِيحه، كتاب الْأَشْرِبَة (٣/١٦٢٠) رقم (٢٠٤٩) .","vol":"1","page":80},{"text":"وَالثَّالِث: أَن يذكر أحد الْأَقْوَال على تَفْسِير اللُّغَة، وَيذكر الآخر على التَّفْسِير الْمَعْنَوِيّ، وَفرق بَين تَقْرِير الْإِعْرَاب، وَتَفْسِير الْمَعْنى، وهما مَعًا يرجعان إِلَى حكم وَاحِد؛ لِأَن النّظر اللّغَوِيّ رَاجع إِلَى تَقْرِير أصل الْوَضع، وَالْآخر رَاجع إِلَى تَقْرِير الْمَعْنى فِي الِاسْتِعْمَال، كَمَا قَالُوا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾ ١ أَي للمسافرين، وَقيل: النازلين بِالْأَرْضِ القَوَاءَ وَهِي القفر.\nوَكَذَلِكَ قَوْله: ﴿تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَة﴾ ٢ أَي داهية تفجؤهم، وَقيل: سَرِيَّة من سَرَايَا رَسُول الله ﷺ، وَأَشْبَاه ذَلِك.\nوَالرَّابِع: يخْتَص بالآحاد فِي خَاصَّة أنفسهم، كاختلاف الْأَقْوَال بِالنِّسْبَةِ إِلَى الإِمَام الْوَاحِد، بِنَاء على تَغْيِير الِاجْتِهَاد وَالرُّجُوع عَمَّا أفتى بِهِ إِلَى خِلَافه، فَمثل هَذَا لَا يَصح أَن يعْتد بِهِ خلافًا فِي الْمَسْأَلَة؛ لِأَن رُجُوع الإِمَام عَن القَوْل الأوّل إِلَى القَوْل الثَّانِي اطّراح مِنْهُ للْأولِ وَنسخ لَهُ بِالثَّانِي، وَفِي هَذَا من بعض الْمُتَأَخِّرين تنَازع، وَالْحق فِيهِ مَا ذكر أَولا....\nوَالْخَامِس: أَن يَقع تَفْسِير الْآيَة أَو الحَدِيث من الْمُفَسّر الْوَاحِد على أوجه من الِاحْتِمَالَات، وَيَبْنِي على كل احْتِمَال مَا يَلِيق بِهِ من غير أَن يذكر خلافًا فِي التَّرْجِيح، بل على توسيع الْمعَانِي خَاصَّة، فَهَذَا لَيْسَ بمستقر خلافًا؛ إِذْ الْخلاف مَبْنِيّ على الْتِزَام كل قَائِل احْتِمَالا يعضده بِدَلِيل يرجحه على غَيره من الِاحْتِمَالَات حَتَّى يبْنى عَلَيْهِ دون غَيره، وَلَيْسَ الْكَلَام فِي مثل هَذَا.\nوَالسَّادِس: أَن يَقع الْخلاف فِي تَنْزِيل الْمَعْنى الْوَاحِد فيحمله قوم على الْمجَاز مثلا، وَقوم على الْحَقِيقَة، وَالْمَطْلُوب أَمر وَاحِد، كَمَا يَقع لأرباب التَّفْسِير\n_________\n١ - سُورَة الْوَاقِعَة، الْآيَة: ٧٣.\n٢ - سُورَة الرَّعْد، الْآيَة: ٣١.","vol":"1","page":81},{"text":"كثيرا فِي نَحْو قَوْله: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيّ﴾ ١، فَمنهمْ من يحمل الْحَيَاة وَالْمَوْت على حقائقهما، وَمِنْهُم من يحملهما على الْمجَاز، وَلَا فرق فِي تَحْصِيل الْمَعْنى بَينهمَا ... وَمثل ذَلِك قَوْله: ﴿فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ﴾ ٢فَقيل: كالنهار بَيْضَاء لَا شَيْء فِيهَا، وَقيل: كالليل سَوْدَاء لَا شَيْء فِيهَا، فالمقصود شَيْء وَاحِد، وَإِن شبه بالمتضادين اللَّذين لَا يتلاقيان٣.\nالتَّعْلِيق على مَبْحَث: أَسبَاب الِاخْتِلَاف غير\nالمؤثرة فِي التَّفْسِير\nهَذَا المبحث مُهِمّ جدًّا؛ لِأَن كتب التَّفْسِير قد ملئت بتعديد الْأَقْوَال الَّتِي تُذكر على سَبِيل الِاخْتِلَاف، أَو تذكر على أَنَّهَا مِمَّا جَاءَ عَن الْعلمَاء، وَعند النّظر فِيهَا وَالتَّحْقِيق على ضوء مَا ذكره الإِمَام أَبُو إِسْحَاق الشاطبي وَغَيره نجد كثيرا مِنْهَا مؤتلف، غير مُخْتَلف.\nوَمِمَّنْ نبه على هَذِه الْمَسْأَلَة شيخ الْإِسْلَام أَحْمد بن عبد السَّلَام بن تَيْمِية رَحمَه الله تَعَالَى٤.\nوَكم هُوَ جدير بالمتأخرين المعاصرين من عُلَمَاء التَّفْسِير أَن يولوا هَذِه الْمَسْأَلَة اهتماما بِالْكِتَابَةِ فِي ذَلِك وتوجيه الباحثين إِلَيْهَا، فهم بذلك يقربون تراث الْمُتَقَدِّمين إِلَى الْمُتَأَخِّرين، ويحببونهم فِيهِ، وينقونه مِمَّا شابه من الشوائب الْكَثِيرَة.\n_________\n١ - سُورَة الرّوم، الْآيَة: ١٩.\n٢ - سُورَة الْقَلَم، الْآيَة: ٢٠.\n٣ - انْظُر الموافقات (٥/٢١١ - ٢١٦) . وَقد تصرفت فِي ترقيم هَذِه الْأَسْبَاب نظرا لحذف الْأَسْبَاب الَّتِي لَا تخصّ التَّفْسِير.\n٤ - انْظُر مُقَدّمَة فِي أصُول التَّفْسِير، ص (٦٧) .","vol":"1","page":82},{"text":"وَأما أَسبَاب الِاخْتِلَاف الْحَقِيقِيَّة فَلم يذكرهَا أَبُو إِسْحَاق الشاطبي هُنَا؛ لِأَنَّهَا مَعْرُوفَة، طرقها الباحثون ضمن مؤلفاتهم١، وأفردها بَعضهم بالتأليف٢.\n_________\n١ - انْظُر التسهيل لعلوم التن - زيل (١/١٥)، وبحوث فِي أصُول التَّفْسِير ومناهجه، ص (٤٤) .\n٢ - مثل الْأُسْتَاذ الدكتور سعود الفنيسان فِي أطروحته للدكتوراه فقد كَانَت بعنوان «اخْتِلَاف الْمُفَسّرين أَسبَابه وآثاره» .","vol":"1","page":83},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-26>المبحث الثَّانِي عشر: مَعَ الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي\nفِي وجود المعرَّب فِي الْقُرْآن الْكَرِيم</span>\nأَشَارَ أَبُو إِسْحَاق إِلَى هَذِه الْمَسْأَلَة إِشَارَة تَبَعِيَّة١تَحت عنوان وَضعه بقوله: \"النَّوْع الثَّانِي فِي بَيَان قصد الشَّارِع فِي وضع الشَّرِيعَة للإفهام ويتضمن مسَائِل\"٢.\nفَقَالَ: \"وَأما كَونه جَاءَت فِيهِ أَلْفَاظ من أَلْفَاظ الْعَجم، أَو لم يَجِيء فِيهِ شَيْء من ذَلِك فَلَا يحْتَاج إِلَيْهِ إِذا كَانَت الْعَرَب قد تَكَلَّمت بِهِ، وَجرى فِي خطابها، وفهمت مَعْنَاهُ، فَإِن الْعَرَب إِذا تَكَلَّمت بِهِ صَار من كَلَامهَا، أَلا ترى أَنَّهَا لَا تَدعه على لَفظه الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ عِنْد الْعَجم، إِلَّا إِذا كَانَت حُرُوفه فِي المخارج وَالصِّفَات كحروف الْعَرَب، وَهَذَا يقل وجوده، وَعند ذَلِك يكون مَنْسُوبا إِلَى الْعَرَب، فَأَما إِذا لم تكن حُرُوفه كحروف الْعَرَب، أَو كَانَ بَعْضهَا كَذَلِك دون بعض، فَلَا بُد لَهَا من أَن تردها إِلَى حروفها، وَلَا تقبلهَا على مُطَابقَة حُرُوف الْعَجم أصلا، وَمن أوزان الْكَلم مَا تتركه على حَاله فِي كَلَام الْعَجم، وَمِنْهَا مَا\n_________\n١ - إِذْ إِن مَقْصُوده من الْكَلَام على هَذِه الْمَسْأَلَة أَن يبين أَن الْقُرْآن نزل بِلِسَان الْعَرَب على الْجُمْلَة فَطلب فهمه إِنَّمَا يكون من هَذَا الطَّرِيق خاصّة. انْظُر الموافقات (٢/١٠٢) .\n٢ - الموافقات (٢/١٠١) .","vol":"1","page":83},{"text":"تتصرف فِيهِ بالتغيير كَمَا تتصرف فِي كَلَامهَا، وَإِذا فعلت ذَلِك صَارَت تِلْكَ الْكَلم مَضْمُومَة إِلَى كَلَامهَا كالألفاظ المرتجلة والأوزان المبتدأة لَهَا، هَذَا مَعْلُوم عِنْد أهل الْعَرَبيَّة لَا نزاع فِيهِ وَلَا إِشْكَال.\nوَمَعَ ذَلِك فَالْخِلَاف الَّذِي يذكرهُ الْمُتَأَخّرُونَ فِي خُصُوص الْمَسْأَلَة لَا يَنْبَنِي عَلَيْهِ حكم شَرْعِي، وَلَا يُسْتَفَاد مِنْهُ مَسْأَلَة فقهية، وَإِنَّمَا يُمكن فِيهَا أَن تُوضَع مَسْأَلَة كلامية يبْنى عَلَيْهَا اعْتِقَاد، وَقد كفى الله مُؤنَة الْبَحْث فِيهَا بِمَا اسْتَقر عَلَيْهِ كَلَام أهل الْعَرَبيَّة فِي الْأَسْمَاء الأعجميّة\"١.\nالتَّعْلِيق على مَبْحَث: وجود المعرَّب فِي الْقُرْآن الْكَرِيم\nيُفهم من كَلَام أبي إِسْحَاق فِي هَذِه الْمَسْأَلَة أَنه لَا يستبعد وجود بعض الْكَلِمَات فِي الْقُرْآن أَصْلهَا لَيْسَ عَرَبيا، إلاَّ أَنه يرى أَن الْعَرَب بعد أَن تَكَلَّمت بهَا، وغيَّرت فِيهَا حَتَّى تتناسب مَعَ الْعَرَبيَّة أَصبَحت فِي هَذِه الْحَالة عَرَبِيَّة وَبهَا نزل الْقُرْآن الْكَرِيم.\nوَهَذَا الَّذِي ذهب إِلَيْهِ أَبُو إِسْحَاق هُوَ مَذْهَب من أَرَادَ الْجمع بَين قَوْلَيْنِ، أَحدهمَا: يَنْفِي وجود المعرَّب فِي الْقُرْآن الْكَرِيم، وَالْآخر: يثبت وجود المعرَّب.\nوَإِن أردْت الْإِحَاطَة بِهَذِهِ الْمَسْأَلَة من جَمِيع جوانبها فَانْظُر فِيهَا آراء الْأَئِمَّة: الشَّافِعِي٢، وَابْن جرير الطَّبَرِيّ٣، وَأبي عُبَيْدَة٤، وَابْن فَارس٥،\n_________\n١ - الْمصدر نَفسه (٢/١٠٢، ١٠٣) .\n٢ - انْظُر الرسَالَة، ص (٤١ - ٤٧) .\n٣ - انْظُر تَفْسِيره، (١/١٣ - ١٩) .\n٤ - انْظُر مجَاز الْقُرْآن (١/١٧، ١٨) .\n٥ - انْظُر الصاحبي، ص (٤٦) .","vol":"1","page":84},{"text":"وَابْن عَطِيَّة١، والجواليقي٢، والسيوطي٣، وَغَيرهم٤.\n_________\n١ - انْظُر الْمُحَرر الْوَجِيز (١/٣٦ - ٣٧) .\n٢ - انْظُر المعرَّب، ص (٥٣) .\n٣ - انْظُر الْمُهَذّب، ص (٦١، ٦٢) .\n٤ - انْظُر لُغَة الْقُرْآن الْكَرِيم، ص (٢٠٢ - ٢٢٢)، واستدراكات القَاضِي ابْن عَطِيَّة على الإِمَام ابْن جرير الطَّبَرِيّ فِي تَفْسِير الْقُرْآن الْكَرِيم، ص (٥٦ - ٦٤) .","vol":"1","page":85},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-27>الْفَصْل الثَّالِث: مَعَ الامام أبي إِسْحَاق الشاطبيفي مبَاحث من تَفْسِير الْقُرْآن الْكَرِيم (وَفِيه عشرَة مبَاحث)</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-28>المبحث الأول: مَعَ الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي فِي تَفْسِير الْقُرْآن بِالْقُرْآنِ</span>\n...\nتَابع مَعَ الإِمَام أبي اسحاق الشاطبي فِي مبَاحث من عُلُوم الْقُرْآن الْكَرِيم وَتَفْسِيره\nالْفَصْل الثَّالِث\nمَعَ الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي فِي مبَاحث من تَفْسِير الْقُرْآن الْكَرِيم (وَفِيه عشرَة مبَاحث)\nفِي الْفَصْل الثَّانِي صَحِبنَا الإِمَام أَبَا إِسْحَاق الشاطبي فِي مبَاحث من عُلُوم الْقُرْآن الْكَرِيم، وَفِي هَذَا الْفَصْل سنصحبه - بِإِذن الله تَعَالَى - فِي أهم المباحث التفسيريّة، الَّتِي يعْتَمد عَلَيْهَا فِي تَفْسِير الْقُرْآن الْكَرِيم، ضاربين على هَذَا أَمْثِلَة مِمَّا قَالَه فِي ثنايا مؤلّفاته، فَإلَى هَذِه المباحث نَتْرُكك، غير شاكين فِي إفادتك مِنْهَا بِإِذن الله تَعَالَى.\nالمبحث الأول: مَعَ الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي فِي تَفْسِير الْقُرْآن بِالْقُرْآنِ\nقرر أَبُو إِسْحَاق الشاطبي أَن الْقُرْآن يتَوَقَّف فهمُ بعضه على بعض، فَقَالَ: \"يتَوَقَّف - يَعْنِي الْقُرْآن الْكَرِيم - فهم بعضه على بعض بِوَجْه مَا، وَذَلِكَ أَنه يبين بعضه بَعْضًا، حَتَّى إِن كثيرا مِنْهُ لَا يُفهم مَعْنَاهُ حقّ الْفَهم إِلاَّ بتفسير مَوضِع آخر، أَو سُورَة أُخرى\"١.\nوَإِلَيْك بعض الْأَمْثِلَة مِمَّا قَالَ أَبُو إِسْحَاق فِي تَفْسِير الْقُرْآن بِالْقُرْآنِ:\n(١) يرى أَبُو إِسْحَاق أنّ قَوْله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَه﴾ ٢بَيَان لقَوْله: ﴿قُلِ الأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ ٣خلافًا لمن قَالَ: إِنَّهَا نسختها٤.\n_________\n١ - الموافقات (٤/٢٧٥) .\n٢ - سُورَة الْأَنْفَال، الْآيَة: ٤١.\n٣ - سُورَة الْأَنْفَال، الْآيَة: ١.\n٤ - انْظُر الموافقات (٣/٣٤٨) .","vol":"1","page":86},{"text":"(٢) يرى أَبُو إِسْحَاق أَن قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَو تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ ١بيّنه قَوْله تَعَالَى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا﴾ ٢خلافًا لمن قَالَ: بالنسخ بَين الْآيَتَيْنِ٣.\n(٣) يرى أَبُو إِسْحَاق أَن قَوْله تَعَالَى: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ ٤بَيَان لقَوْله تَعَالَى: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الأَرْضِ﴾ ٥، وَيُوجه قَول من قَالَ بالنسخ بَين الْآيَتَيْنِ إِلَى أَن مَقْصُوده الْبَيَان، إِذْ أَن آيَة الشورى خبر مَحْض، وَالْأَخْبَار لَا نسخ فِيهَا٦.\n(٤) يرى أَبُو إِسْحَاق أَن قَوْله تَعَالَى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ ٧تَقْيِيد - وَالتَّقْيِيد نوع من الْبَيَان - لقَوْله تَعَالَى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ ٨، وَهُوَ مُرَاد من قَالَ بالنسخ بَين الْآيَتَيْنِ٩.\nوَفِي معرض الرَّد على الْفرق الْمُخَالفَة لأهل السّنة ذكر أَبُو إِسْحَاق الشاطبي طَائِفَة من الْآيَات الَّتِي يُفسر بَعْضهَا بَعْضًا فَقَالَ: \"... عُدّت الْمُعْتَزلَة من أهل الزيغ؛ حَيْثُ اتبعُوا نَحْو قَوْله تَعَالَى: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ ١٠، وَقَوله:\n_________\n١ - سُورَة الْبَقَرَة، الْآيَة: ٢٨٤.\n٢ - سُورَة الْبَقَرَة، الْآيَة: ٢٨٦.\n٣ - انْظُر الموافقات (٣/٣٥١) .\n٤ - سُورَة غَافِر، الْآيَة: ٧.\n٥ - سُورَة الشورى، الْآيَة: ٥.\n٦ - انْظُر الموافقات (٣/٣٥٦) .\n٧ - سُورَة التغابن، الْآيَة: ١٦.\n٨ - سُورَة آل عمرَان، الْآيَة: ١٠٢.\n٩ - انْظُر: الموافقات (٣/٣٥٨) .\n١٠ - سُورَة فصلت، الْآيَة: ٤٠.","vol":"1","page":87},{"text":"﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ ١وَتركُوا مبينه وَهُوَ قَوْله: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ ٢.\nوَاتبع الْخَوَارِج نَحْو قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلا لِلَّهِ﴾ ٣، وَتركُوا مبينه وَهُوَ قَوْله: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ ٤، وَقَوله: ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ ٥.\nوَاتبع الجبرية نَحْو قَوْله: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ ٦وَتركُوا بَيَانه وَهُوَ قَوْله: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ٧وَمَا أشبهه\"٨.\n_________\n١ - سُورَة الْكَهْف، الْآيَة: ٢٩.\n٢ - سُورَة التكوير، الْآيَة: ٢٩.\n٣ - سُورَة يُوسُف، الْآيَة: ٤٠.\n٤ - سُورَة الْمَائِدَة، الْآيَة: ٩٥.\n٥ - سُورَة النِّسَاء، الْآيَة: ٣٥.\n٦ - سُورَة الصافات، الْآيَة: ٩٦.\n٧ - سُورَة التَّوْبَة، الْآيَة: ٨٢، ٩٥.\n٨ - الموافقات (٣/٣١٣) .","vol":"1","page":88},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-29>المبحث الثَّانِي: مَعَ الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي فِي تَفْسِير الْقُرْآن بِالسنةِ</span>\nيعرف أَبُو إِسْحَاق مَا لهَذَا النَّوْع من تَفْسِير الْقُرْآن الْكَرِيم من أهمية، وَلِهَذَا حرص أَن يشْرَح بِهِ الْآيَات الَّتِي احْتَاجَ إِلَى تَفْسِيرهَا فِي مؤلفاته، وَقد احتوت مؤلفاته على الشَّيْء الْكثير من هَذَا، خُصُوصا فِي كِتَابه الموافقات، وَلَكِن بِمَا أَن الْفَصْل الثَّانِي كَانَ الِاعْتِمَاد فِيهِ على كتاب الموافقات، فَسَوف نحرص فِي هَذَا الْفَصْل أَن يكون أَكثر الِاعْتِمَاد فِيهِ على غَيره من كتب أبي إِسْحَاق الشاطبي؛ ليتبين للقارئ أَن كتب هَذَا الإِمَام مشحونة بالتفسير وعلوم الْقُرْآن.\n(١) قَالَ ﵀ عِنْد قَوْله تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ...﴾ ١الْآيَة -: \"وَصَحَّ عَنْهَا (يَعْنِي عَائِشَة ﵂) أَنَّهَا قَالَت: سُئل رَسُول الله - ﷺ - عَن هَذِه الْآيَة: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ ...﴾ إِلَى آخر الْآيَة فَقَالَ رَسُول الله - ﷺ -: \"إِذا رَأَيْتُمْ الَّذين يتبعُون مَا تشابه مِنْهُ، فَأُولَئِك الَّذين سمى الله فاحذروهم٢\" ٣.\nثمَّ أَطَالَ - ﵀ - بِذكر الرِّوَايَات الَّتِي جَاءَت عَن الرَّسُول - ﷺ - فِي بَيَان معنى الْآيَة٤.\n_________\n١ - سُورَة آل عمرَان، الْآيَة: ٧.\n٢ - أخرجه الإِمَام البُخَارِيّ فِي صَحِيحه - مَعَ الْفَتْح - (٨/٢٠٩)، كتاب تَفْسِير الْقُرْآن، بَاب (مِنْهُ آيَات محكمات) ح (٤٥٤٧) وَفِيه: \"تَلا رَسُول الله - ﷺ - هَذِه الْآيَة\" بدل \"سُئل رَسُول الله - ﷺ - عَن هَذِه الْآيَة\".\n٣ - الِاعْتِصَام (١/٧٠، ٧١) .\n٤ - انْظُر الْمصدر نَفسه (١/٧٠ - ٧٤) .","vol":"1","page":89},{"text":"(٢) وَقَالَ - رَحمَه الله تَعَالَى، عِنْد قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ ١ -: \"وَفِي التِّرْمِذِيّ عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: \"إِن رجلا أَتَى النَّبِي - ﷺ - فَقَالَ: يَا رَسُول الله إِنِّي إِذا أصبت اللَّحْم انتشرت للنِّسَاء وأخذتني شهوتي فَحرمت عليَّ اللَّحْم فَأنْزل الله الْآيَة\" ٢٣.\nوَقد أَطَالَ رَحمَه الله تَعَالَى بِذكر الرِّوَايَات الأُخر الَّتِي قيل: إِنَّهَا سَبَب نزُول الْآيَة٤.\n(٣) وَقَالَ رَحمَه الله تَعَالَى - عِنْد قَوْله تَعَالَى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ ٥ -: \"فخرَّج التِّرْمِذِيّ عَن عَدي بن حَاتِم قَالَ: أتيت النَّبِي - ﷺ - وَفِي عُنُقي صَلِيب من ذهب فَقَالَ: \"يَا عَدي اطرَح عَنْك هَذَا الوثن\"، وسمعته يقْرَأ فِي سُورَة بَرَاءَة: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ ٦قَالَ: \"أما إِنَّهُم لم يَكُونُوا يَعْبُدُونَهُمْ وَلَكِن\n_________\n١ - سُورَة الْمَائِدَة، الْآيَة: ٨٧.\n٢ - أخرجه التِّرْمِذِيّ فِي سنَنه (٥/٢٥٥)، كتاب التَّفْسِير، بَاب وَمن سُورَة الْمَائِدَة، ح (٣٠٥٤)، وَابْن جرير الطَّبَرِيّ فِي تَفْسِيره (١٠/٥٢٠)، وَالطَّبَرَانِيّ فِي المعجم الْكَبِير (١١/٣٥٠)، والواحدي فِي أَسبَاب الن - زول، ص (٢٠٤، ٢٠٥) كلهم من طَرِيق عُثْمَان بن سعد، وَهُوَ ضَعِيف كَمَا فِي تقريب التَّهْذِيب، ص (٣٨٣) .\n٣ - الِاعْتِصَام (١/٤١٨) .\n٤ - انْظُر الْمصدر نَفسه (١/٤١٧ - ٤٢٣) .\n٥ - سُورَة التَّوْبَة، الْآيَة: ٣١.\n٦ - سُورَة التَّوْبَة، الْآيَة: ٣١.","vol":"1","page":90},{"text":"إِذا أحلُّوا لَهُم شَيْئا اسْتَحَلُّوهُ، وَإِذا حرمُوا عَلَيْهِم شَيْئا حرَّموه\" ١حَدِيث غَرِيب\"٢.\n_________\n١ - أخرجه الترمدي فِي سنَنه (٥/٢٧٨)، كتاب تَفْسِير الْقُرْآن، بَاب وَمن سُورَة التَّوْبَة، ح (٣٠٩٥) وَقَالَ: هَذَا حَدِيث غَرِيب لَا نعرفه إِلَّا من حَدِيث عبد السَّلَام بن حَرْب، وغطيف بن أعين لَيْسَ بِمَعْرُوف فِي الحَدِيث.\nوَأخرجه الطَّبَرِيّ فِي تَفْسِيره (١٤/٢٠٩)، وَالْبَيْهَقِيّ فِي السّنَن الْكُبْرَى (١٠/١١٦)، وَقَالَ سليم الْهِلَالِي: هُوَ حسن لغيره. انْظُر الِاعْتِصَام (٢/٨٧١) حَاشِيَته.\n٢ - الِاعْتِصَام (٢/٨٧١) .","vol":"1","page":91},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-30>المبحث الثَّالِث: مَعَ الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي فِي تَفْسِير الْقُرْآن بأقوال الصَّحَابَة ﵃</span>\nاهتم أَبُو إِسْحَاق الشاطبي بِنَقْل تَفْسِير الصَّحَابَة فِي الْآيَات الَّتِي احْتَاجَ إِلَى تَفْسِيرهَا فِي مؤلفاته، وَمَا ذَلِك إلاَّ دراية مِنْهُ بأهمية ذَلِك، فالصحابة هم الَّذين حَضَرُوا التن - زيل، وتلقوا علومهم من رَسُول الله ﷺ، وهم الْعَرَب الَّذين يحْتَج بكلامهم فِي فهم مَعَاني الْقُرْآن الْكَرِيم.\nوَإِلَيْك بعض الْأَمْثِلَة مِمَّا نَقله أَبُو إِسْحَاق رَحمَه الله تَعَالَى:\n(١) قَالَ ﵀ - عِنْد قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ ١ -: \"وَفِي رِوَايَة يَا أَبَا عبد الرَّحْمَن مَا الصِّرَاط الْمُسْتَقيم؟ قَالَ: تركنَا رَسُول الله ﷺ فِي أدناه، وطرفه فِي الْجنَّة، وَعَن يَمِينه جوادٌّ، وَعَن يسَاره جوادٌّ، وَعَلَيْهَا رجال يدعونَ من مر بهم: هَلُمَّ لَك، هَلُمَّ لَك، فَمن أَخذ مِنْهُم فِي تِلْكَ الطّرق انْتَهَت بِهِ إِلَى\n_________\n١ - سُورَة الْأَنْعَام، الْآيَة: ١٥٣.","vol":"1","page":91},{"text":"النَّار، وَمن استقام إِلَى الطَّرِيق الْأَعْظَم انْتهى بِهِ إِلَى الْجنَّة، ثمَّ تَلا ابْن مَسْعُود: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ...﴾ ١الْآيَة كلهَا\"٢.\n(٢) وَقَالَ أَبُو إِسْحَاق - رَحمَه الله تَعَالَى -: \"وخرَّج هُوَ٣وَغَيره عَن عبد الله بن عَبَّاس ﵁ فِي قَول الله: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾ ٤قَالَ: \"مَا قدمت من عمل خير أَو شَرّ، وَمَا أخرت من سنة يَعمل بهَا من بعده\"\"٥.\n(٣) وَقَالَ أَبُو إِسْحَاق - نقلا عَن ابْن عَبَّاس ﵄ أَنه قَالَ -: \"كنت لَا أَدْرِي مَا ﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْض﴾ ٦حَتَّى أَتَانِي أَعْرَابِيَّانِ يختصمان فِي بِئْر فَقَالَ أَحدهمَا: أَنا فطرتها، أَي ابْتَدَأتهَا\"٧.\n_________\n١ - سُورَة الْأَنْعَام، الْآيَة: ١٥٣.\n٢ - الِاعْتِصَام (١/٧٧) .\nوالأثر أخرجه عبد الرَّزَّاق الصَّنْعَانِيّ فِي تَفْسِير الْقُرْآن (٢/٢٢٣) عَن أبان بن أبي عَيَّاش أَن رجلا سَأَلَ ابْن مَسْعُود، والطبري فِي تَفْسِيره (١٢/٢٣٠) من طَرِيق عبد الرَّزَّاق. فَهَذَا السندُ لَا يَصح عَن ابْن مَسْعُود؛ لِأَن فِيهِ رجلا مُبْهما؛ وَلِأَن أبان بن أبي عَيَّاش مَتْرُوك. انْظُر التَّقْرِيب رقم (١٤٢) .\n٣ - يَعْنِي عبد بن حميد.\n٤ - سُورَة الانفطار، الْآيَة: ٥.\n٥ - الِاعْتِصَام (١/٩٠) .\nوالأثر أوردهُ السُّيُوطِيّ فِي الدّرّ المنثور (٦/٣٢٢) وَنسب إِخْرَاجه إِلَى عبد بن حميد. وَلم أَقف على إِسْنَاده فِيمَا بَين يَدي من المراجع. وَأخرج قَرِيبا مِنْهُ عبد الله بن الْمُبَارك فِي الزّهْد (٢/٨٥٠، ٨٥١) عَن عبد الله ابْن مَسْعُود. قَالَ مُحَقّق كتاب الزّهْد: مَوْقُوف بِسَنَد صَحِيح.\n٦ - سُورَة يُوسُف، الْآيَة: ١٠١.\n٧ - الِاعْتِصَام (٢/٨١٠) . والأثر أخرجه ابْن أبي حَاتِم فِي تَفْسِير الْقُرْآن الْعَظِيم (١٠/٣١٧٠)، وَأوردهُ السُّيُوطِيّ فِي الدّرّ المنثور (٥/٢٤٤)، وَنسب إِخْرَاجه إِلَى أبي عبيد، وَعبد بن حميد، وَابْن الْمُنْذر، وَابْن أبي حَاتِم، وَالْبَيْهَقِيّ. قَالَ ابْن حجر: رَوَاهُ أَبُو عبيد فِي غَرِيب الحَدِيث، وَفِي فَضَائِل الْقُرْآن بِإِسْنَاد حسن لَيْسَ فِيهِ إلاّ إِبْرَاهِيم ابْن مهَاجر. انْظُر الْكَاف الشاف، ص (٦١) فِي أول سُورَة الْأَنْعَام.","vol":"1","page":92},{"text":"(٤) \"وَفِيمَا يرْوى عَن عمر ﵁ أَنه سَأَلَ وَهُوَ على الْمِنْبَر عَن معنى قَوْله تَعَالَى: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ﴾ ١فَأخْبرهُ رجل من هُذَيْل أَن التخوف عِنْدهم هُوَ التنقص\"٢.\n_________\n١ - سُورَة النَّحْل، الْآيَة: ٤٧.\n٢ - الِاعْتِصَام (٢/٨١٠، ٨١١) . والأثر لم أَقف على من أخرجه بِهَذَا اللَّفْظ. وَأخرج الطَّبَرِيّ فِي تَفْسِيره (١٧/٢١٤) نَحوه. وَقَالَ ابْن حجر فِي الْفَتْح (٨/٣٨٦): ورَوى بِإِسْنَاد فِيهِ مَجْهُول عَن عمر أَنه سَأَلَ عَن ذَلِك فَلم يجب.","vol":"1","page":93},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-31>المبحث الرَّابِع: مَعَ الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي فِي تَفْسِير الْقُرْآن بأقوال التَّابِعين وأتباعهم</span>\nاعتنى أَبُو إِسْحَاق الشاطبي - رَحمَه الله تَعَالَى - بِنَقْل أَقْوَال التَّابِعين وأتباعهم فِي الْآيَات الَّتِي فَسرهَا فِي كتبه، وَمَا ذَلِك إلاَّ معرفَة مِنْهُ بأهميّة أَقْوَالهم؛ لأَنهم - التَّابِعين ﵏ - أخذُوا غَالب علمهمْ عَن الصَّحَابَة، فحري بهم إِصَابَة الْحق فِي تَفْسِير كَلَام الله تَعَالَى.\nوهاك بعض الْأَمْثِلَة نسوقها تقريرًا لهَذَا المبحث:\n(١) قَالَ أَبُو إِسْحَاق: \"وَعَن مُجَاهِد: ﴿قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ ١أَي: المقتصد مِنْهَا بَين الغلو وَالتَّقْصِير\"٢، وَذَلِكَ يُفِيد أَن الجائر هُوَ الغالي أَو المقصر، وَكِلَاهُمَا من أَوْصَاف الْبدع\"٣.\n(٢) وَقَالَ أَيْضا: \"وَعَن عِكْرِمَة: ﴿وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ ٤يَعْنِي فِي الْأَهْوَاء ﴿إِلا مَنْ رَحِمَ رَبُّك﴾ ٥هم أهل السّنة\"٦.\n_________\n١ - سُورَة النَّحْل، الْآيَة: ٩.\n٢ - أخرج مَعْنَاهُ الطَّبَرِيّ فِي تَفْسِيره (١٧/١٧٥) عَن مُجَاهِد وَابْن أبي حَاتِم فِي تَفْسِيره (٧/٢٢٧٨) وَكَذَلِكَ أورد هَذَا الْمَعْنى النّحاس فِي مَعَاني الْقُرْآن الْكَرِيم (٤/٥٧) . ويبدو أَن هَذَا الْمَعْنى ثَابت عَن مُجَاهِد؛ فَإِن ابْن جرير أخرجه من عدَّة طرق، عَن ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد، وَأخرجه أَيْضا من طَرِيق ابْن جريج عَن مُجَاهِد. وَأما تَفْسِير ابْن أبي حَاتِم المطبوع فَلم أَجِدهُ فِيهِ مُسْندًا.\n٣ - الِاعْتِصَام (١/٧٨، ٧٩) .\n٤ - سُورَة هود، الْآيَة: ١١٨.\n٥ - سُورَة هود، الْآيَة: ١١٩.\n٦ - الِاعْتِصَام (١/٨٣) . والأثر أخرج بعضه الطَّبَرِيّ فِي تَفْسِيره (١٥/٥٣٣) من طَرِيق سماك عَن عِكْرِمَة. وَأخرج بَعْضًا بِالْمَعْنَى عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس. انْظُر تَفْسِير الطبرى الْموضع الْمُتَقَدّم. وَكَذَلِكَ أخرج هَذَا الْبَعْض ابْن أبي حَاتِم فِي تَفْسِيره (٦/٢٠٩٣) من طَرِيق سماك عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس: \"لَا يزالون مُخْتَلفين فِي الْهوى\". وَسماك الْمَذْكُور، قَالَ فِيهِ ابْن حجر: صَدُوق وَرِوَايَته عَن عِكْرِمَة خَاصَّة مضطربة، وَقد تغير بأخَرَة فَكَانَ رُبمَا تلقّن. التَّقْرِيب رقم (٢٦٢٤) .","vol":"1","page":94},{"text":"(٣) وَقَالَ أَيْضا: \"وَعنهُ١ أَيْضا فِي قَول الله تَعَالَى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ ٢قَالَ: \"كتب الله صِيَام رَمَضَان على أهل الْإِسْلَام كَمَا كتبه على من كَانَ قبلهم، فَأَما الْيَهُود فرفضوه، وَأما النَّصَارَى فشق عَلَيْهِم الصَّوْم فزادوا فِيهِ عشرا، وأخروه إِلَى أخف مَا يكون عَلَيْهِم فِيهِ الصَّوْم من الْأَزْمِنَة\"\"٣.\n(٤) وَقَالَ رَحمَه الله تَعَالَى: \"وَخرج ابْن وهب عَن زيد بن أسلم فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ ٤فَهَذَا يَوْم أَخذ ميثاقهم، لم يَكُونُوا أمة وَاحِدَة غير ذَلِك الْيَوْم\"٥.\n(٥) وَقَالَ أَيْضا: \"وَخرج ابْن وهب عَن عمر بن عبد الْعَزِيز أَنه قَالَ\nفِي قَوْله: ﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ ٦خلق أهل الرَّحْمَة ألاَّ يَخْتَلِفُوا\"٧.\n_________\n١ - عَن الْحسن الْبَصْرِيّ.\n٢ - سُورَة الْبَقَرَة، الْآيَة: ١٨٣.\n٣ - الِاعْتِصَام (١/١١٢) . والأثر لم أَقف عَلَيْهِ بهذ النَّص مُسْندًا، وَلَكِن أخرج بعضه - بِالْمَعْنَى - ابْن أبي حَاتِم فِي تَفْسِيره (١/٣٠٥)، وَأورد بعضه ابْن كثير فِي تَفْسِيره (١/٢١٤)، وَكَذَلِكَ السُّيُوطِيّ فِي الدّرّ المنثور (١/١٧٧) كِلَاهُمَا عَن الْحسن. وَأورد الرَّازِيّ مَعْنَاهُ فِي تَفْسِيره (٥/٦٠) عَن الْحسن أَيْضا. وَسَنَد ابْن أبي حَاتِم فِيهِ عبّاد بن مَنْصُور، تكلم فِيهِ الْعلمَاء بِمَا يُفِيد أَنه لَا يحْتَج بِهِ. انْظُر تَهْذِيب التَّهْذِيب (٥/١٠٣ - ١٠٥) .\n٤ - سُورَة الْبَقَرَة، الْآيَة: ٢١٣.\n٥ - الِاعْتِصَام (٢/٦٧٣) . والأثر أخرجه الطَّبَرِيّ فِي تَفْسِيره (٤/٢٧٨) من طَرِيق ابْن وهب قَالَ: قَالَ ابْن زيد، فَذكره. وَإسْنَاد رجال هَذَا الْأَثر إِلَى زيد بن أسلم ثِقَات.\n٦ - سُورَة هود، الْآيَة: ١١٩.\n٧ - الِاعْتِصَام (٢/٦٧٢) . والأثر أخرجه ابْن أبي حَاتِم فِي تَفْسِيره (٦/٢٠٩٥) من طَرِيق ابْن وهب عَن عمر بن عبد الْعَزِيز بِإِسْنَاد لم يتبيّن لي حَاله، وَأخرج مَعْنَاهُ عبد الرَّزَّاق فِي تَفْسِير الْقُرْآن (٢/٣١٦) عَن ابْن عَبَّاس. وَذكر هَذَا الْمَعْنى ابْن كثير فِي تَفْسِيره (٢/٤٦٦) عَن طَاوس فِيمَا قَالَ ابْن وهب.","vol":"1","page":95},{"text":"٦ - وَذكر الإِمَام أَبُو إِسْحَاق عَن الإِمَام مَالك أَنه قَالَ فِي قَوْله تَعَالَى: \" ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ﴾ ١إِلَى آخر الْآيَات ... قَالَ: فهم أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ الَّذين هَاجرُوا مَعَه، وأنصاره ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالأِيمَانِ﴾ ٢فَمن عدا هَؤُلَاءِ فَلَا حق لَهُم فِيهِ\"٣.\n_________\n١ - سُورَة الْحَشْر، الْآيَة: ٨.\n٢ - سُورَة الْحَشْر، الْآيَة: ١٠.\n٣ - انْظُر الِاعْتِصَام (٢/٥٩٢) . والأثر بِمَعْنَاهُ فِي كثير من كتب التَّفْسِير، انْظُر مِنْهَا معالم التَّنْزِيل (٤/٣٣١)، وَزَاد الْمسير (٨/٢١٦)، وَالْجَامِع لأحكام الْقُرْآن (١٨/٣٢)، وَتَفْسِير ابْن كثير (٤/٣٤٠) . فقد اشْتهر عَن الإِمَام مَالك أَنه قَالَ: من يبغض أحدا من أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ فَلَا حَظّ لَهُ فِي فَيْء الْمُسلمين.","vol":"1","page":96},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-32>الْبَحْث الْخَامِس: مَعَ الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي فِي شيئ من تعقيباته وآرائه فِي التَّفْسِير</span>\n...\nالمبحث الْخَامِس: مَعَ الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي فِي شَيْء من تعقيباته وآرائه فِي التَّفْسِير\n(١) قَالَ الإِمَام أَبُو إِسْحَاق الشاطبي - فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ ٤ -: \"فالمغضوب عَلَيْهِم هم الْيَهُود؛ لأَنهم كفرُوا بعد معرفتهم نبوّة مُحَمَّد ﷺ، أَلا ترى إِلَى قَول الله فيهم: ﴿الَّذِينَ\n_________\n٤ - سُورَة الْفَاتِحَة، الْآيَة: ٧.","vol":"1","page":96},{"text":"آتَيْنَاهُم الكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ ١يَعْنِي الْيَهُود. والضالون هم النَّصَارَى؛ لأَنهم ضلوا فِي الْحجَّة فِي عِيسَى ﵇، وعَلى هَذَا التَّفْسِير أَكثر الْمُفَسّرين٢، وَهُوَ مَرْوِيّ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم٣وَيلْحق بهم فِي الضلال الْمُشْركُونَ الَّذين أشركوا مَعَ الله إِلَهًا غَيره؛ لأنّه قد جَاءَ فِي أثْنَاء الْقُرْآن مَا يدل على ذَلِك؛ ولأنّ لفظ الْقُرْآن فِي قَوْله: ﴿وَلا الضَّالِّينَ﴾ يعمهم وَغَيرهم، فَكل من ضل عَن سَوَاء السَّبِيل دَاخل فِيهِ. وَلَا يبعد أَن يُقَال: إِن ﴿الضَّالِّينَ﴾ يدْخل فِيهِ كل من ضل عَن الصِّرَاط الْمُسْتَقيم، كَانَ من هَذِه الْأمة أَو لَا، إِذْ قد تقدم فِي الْآيَات الْمَذْكُورَة قبل هَذَا مثله، فَقَوله تَعَالَى: ﴿وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ ٤عَام فِي كل ضال كَانَ ضلاله كضلال الشّرك أَو النِّفَاق، أَو كضلال الْفرق المعدودة فِي الْملَّة الإسلامية، وَهُوَ أبلغ وَأَعْلَى فِي قصد حصر أهل الضلال، وَهُوَ اللَّائِق بكليّة فَاتِحَة الْكتاب والسبع المثاني وَالْقُرْآن الْعَظِيم، الَّذِي أُوتيه مُحَمَّد ﷺ\"٥.\n_________\n١ - سُورَة الْبَقَرَة، الْآيَة: ١٤٦.\n٢ - انْظُر تَفْسِير ابْن أبي حَاتِم (١/٢٣) فقد قَالَ عبد الرَّحْمَن بن أبي حَاتِم: \"وَلَا أعلم بَين الْمُفَسّرين فِي هَذَا الْحَرْف اخْتِلَافا\" يَعْنِي تَفْسِير \"المغضوب عَلَيْهِم\" باليهود، و\"الضَّالّين\" بالنصارى.\n٣ - أخرجه التِّرْمِذِيّ (٥/٢٠٢، ٢٠٣) كتاب تَفْسِير الْقُرْآن، بَاب وَمن سُورَة فَاتِحَة الْكتاب، تَحت رقم (٢٩٥٣)، وَالْإِمَام أَحْمد فِي الْمسند (٤/٣٧٨، ٣٧٩)، وَابْن جرير فِي تَفْسِيره (١/١٨٥) وَمَا بعْدهَا، وَابْن أبي حَاتِم فِي تَفْسِيره (١/٢٣)، وَابْن حبَان فِي صَحِيحه - مَعَ الْإِحْسَان - (١٦/١٨٣، ١٨٤) . والْحَدِيث صحّح أَحْمد شَاكر إِسْنَاده. انْظُر تَفْسِير ابْن جرير الْموضع الْمُتَقَدّم.\n٤ - سُورَة الْأَنْعَام، الْآيَة: ١٥٣.\n٥ - الِاعْتِصَام (١/١٨٤، ١٨٥) .","vol":"1","page":97},{"text":"(٢) وَقَالَ - رَحمَه الله تَعَالَى، فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ١الْآيَة -: \"فوصفهم الله تَعَالَى بأوصاف، مِنْهَا: أَنهم أحْصرُوا فِي سَبِيل الله، أَي: منعُوا وحبسوا حِين قصدُوا الْجِهَاد مَعَ نبيه ﷺ، كَأَن الْعذر أحصرهم، فَلَا يَسْتَطِيعُونَ ضربا فِي الأَرْض؛ لاتخاذ الْمسكن، وَلَا للمعاش؛ لِأَن الْعَدو قد كَانَ أحَاط بِالْمَدِينَةِ، فَلَا هم يقدرُونَ على الْجِهَاد حَتَّى يكسبوا من غنائمه، وَلَا هم يتفرغون للتِّجَارَة أَو غَيرهَا لخوفهم من الْكفَّار؛ ولضعفهم فِي أوّل الْأَمر، فَلم يَجدوا سَبِيلا للكسب أصلا.\nوَقد قيل: إِن قَوْله تَعَالَى: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الأَرْضِ﴾ ٢أَنهم قوم أَصَابَتْهُم جراحات مَعَ رَسُول الله ﷺ فصاروا زمنى٣.\nوَفِيهِمْ أَيْضا نزل قَوْله تَعَالَى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ [الْمُهَاجِرِينَ] ٤ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ﴾ ٥أَلا ترى كَيفَ قَالَ: \"أُخرجوا\" وَلم يقل: (خَرجُوا من دِيَارهمْ وَأَمْوَالهمْ)؟! فَإِنَّهُ قد كَانَ يُحتمل أَن يخرجُوا اخْتِيَارا، فَبَان أَنهم إِنَّمَا خَرجُوا اضطرارًا، وَلَو وجدوا سَبِيلا أَن لَا يخرجُوا لفعلوا، فَفِيهِ مَا يدل على أَن\n_________\n١ - سُورَة الْبَقَرَة، الْآيَة: ٢٧٣.\n٢ - سُورَة الْبَقَرَة، الْآيَة: ٢٧٣.\n٣ - أخرجه ابْن أبي حَاتِم فِي تَفْسِيره (٢/٥٤٠)، عَن سعيد بن جُبَير بِإِسْنَاد رِجَاله مِنْهُم الثِّقَة، وَمِنْهُم الصدوق، وَأوردهُ السُّيُوطِيّ فِي الدّرّ المنثور (١/٣٥٨) وَنسب إِخْرَاجه إِلَى ابْن أبي حَاتِم وَغَيره.\n٤ - مَا بَين المعكوفين سقط من النُّسْخَة المطبوعة الَّتِي بَين يَدي. وسقوطه سَهْو.\n٥ - سُورَة الْحَشْر، الْآيَة: ٨. وَلم أَقف على من يَقُول: إِن هَذِه الْآيَة نزلت فيهم، إلاَّ عِنْد أبي إِسْحَاق.","vol":"1","page":98},{"text":"الْخُرُوج من المَال اخْتِيَارا لَيْسَ بمقصود للشارع، وَهُوَ الَّذِي تدل عَلَيْهِ أَدِلَّة الشَّرِيعَة\"١.\n(٣) وَقَالَ أَبُو إِسْحَاق أَيْضا - بعد أَن أورد قَوْله تَعَالَى: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ﴾ ٢، وَبَعض الْآثَار فِي مَعْنَاهَا -: \"وَيحْتَمل أَن يكون الِاسْتِثْنَاء فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إِلا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ﴾ ٣مُتَّصِلا، ومنفصلًا. فَإِذا بنينَا على الِاتِّصَال، فَكَأَنَّهُ يَقُول: مَا كتبناها عَلَيْهِم إلاَّ على هَذَا الْوَجْه الَّذِي هُوَ الْعَمَل بهَا ابْتِغَاء رضوَان الله، فَالْمَعْنى أَنَّهَا مِمَّا كتبت عَلَيْهِم - أَي مِمَّا شرعت لَهُم - لَكِن بِشَرْط قصد الرضْوَان.\n﴿فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ ٤يُرِيد أَنهم تركُوا رعايتها حِين لم يُؤمنُوا برَسُول الله ﷺ، وَهُوَ قَول طَائِفَة من الْمُفَسّرين؛ لِأَن قصد الرضْوَان إِذا كَانَ شرطا فِي الْعَمَل بِمَا شُرع لَهُم، فَمن حَقهم أَن يتبعوا ذَلِك الْقَصْد، فَإلَى أَيْن سَار بهم سَارُوا، وَإِنَّمَا شرع لَهُم على شَرط أَنه إِذا نسخ بِغَيْرِهِ، رجعُوا إِلَى مَا أُحكم، وَتركُوا مَا نُسخ، وَهُوَ معنى ابْتِغَاء الرضْوَان على الْحَقِيقَة، فَإِذا لم يَفْعَلُوا وأصروا على الأول، كَانَ ذَلِك اتبَاعا للهوى، لَا اتبَاعا للمشروع، وَاتِّبَاع الْمَشْرُوع هُوَ الَّذِي يحصل بِهِ الرضْوَان، وَقصد الرضْوَان بذلك.\n_________\n١ - الِاعْتِصَام (١/٢٦١) .\n٢ - سُورَة الْحَدِيد، الْآيَة: ٢٧.\n٣ - سُورَة الْحَدِيد، الْآيَة: ٢٧.\n٤ - سُورَة الْحَدِيد، الْآيَة: ٢٧.","vol":"1","page":99},{"text":"قَالَ تَعَالَى: ﴿فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ ١فَالَّذِينَ آمنُوا هم الَّذين اتبعُوا الرهبانية ابْتِغَاء رضوَان الله، والفاسقون هم الخارجون عَن الدُّخُول فِيهَا بشرطها، إِذْ لم يُؤمنُوا برَسُول الله ﷺ.\nإِلَّا أَن هَذَا التَّقْرِير يَقْتَضِي أَن الْمَشْرُوع لَهُم يُسمى ابتداعا، وَهُوَ خلاف مَا دلّ عَلَيْهِ حدّ الْبِدْعَة.\nوَالْجَوَاب أَنه يُسمى بِدعَة من حَيْثُ أخلُّوا بِشَرْط الْمَشْرُوع، إِذْ شَرط عَلَيْهِم فَلم يقومُوا بِهِ، وَإِذا كَانَت الْعِبَادَة مَشْرُوطَة بِشَرْط، فَيعْمل بهَا دون شَرطهَا، لم تكن عبَادَة على وَجههَا، وَصَارَت بِدعَة، كالمخل قصدا بِشَرْط من شُرُوط الصَّلَاة، مثل اسْتِقْبَال الْقبْلَة، أَو الطَّهَارَة، أَو غَيرهَا، فَحَيْثُ عرف بذلك وَعلمه، فَلم يلتزمه، ودأب على الصَّلَاة دون شَرطهَا، فَذَلِك الْعَمَل من قبيل الْبدع، فَيكون ترهب النَّصَارَى صَحِيحا قبل بعث مُحَمَّد رَسُول الله ﷺ، فَلَمَّا بُعِث وَجب الرُّجُوع عَن ذَلِك كُله إِلَى مِلَّته، فالبقاء عَلَيْهِ مَعَ نسخه بقاءٌ على مَا هُوَ بَاطِل بِالشَّرْعِ، وَهُوَ عين الْبِدْعَة.\nوَإِذا بنينَا على أَن الِاسْتِثْنَاء مُنْقَطع، وَهُوَ قَول فريق من الْمُفَسّرين، فَالْمَعْنى: مَا كتبناها عَلَيْهِم أصلا، وَلَكنهُمْ ابتدعوها ابْتِغَاء رضوَان الله، فَلم يعملوا بهَا بشرطها، وَهُوَ الْإِيمَان برَسُول الله ﷺ إِذْ بعث إِلَى النَّاس كَافَّة.\nوَإِنَّمَا سميت بِدعَة على هَذَا الْوَجْه لأمرين:\nأَحدهمَا: يرجع إِلَى أَنَّهَا بِدعَة حَقِيقِيَّة٢ - كَمَا تقدم - لِأَنَّهَا دَاخِلَة تَحت حد الْبِدْعَة.\n_________\n١ - سُورَة الْحَدِيد، الْآيَة: ٢٧.\n٢ - الْبِدْعَة الْحَقِيقِيَّة هِيَ الَّتِي لم يدل عَلَيْهَا دَلِيل شَرْعِي، لَا من كتاب وَلَا سنة وَلَا إِجْمَاع. انْظُر الْبِدْعَة ضوابطها وأثرها السيء فِي الْأمة. ص (١٤) .","vol":"1","page":100},{"text":"وَالثَّانِي: يرجع إِلَى أَنَّهَا بِدعَة إضافية١؛ لأنّ ظَاهر الْقُرْآن دلّ على أَنَّهَا لم تكن مذمومة فِي حَقهم بِإِطْلَاق، بل لأَنهم أخلوا بشرطها، فَمن لم يخل مِنْهُم بشرطها، وَعمل بهَا قبل بعث النَّبِي ﷺ حصل لَهُ فِيهَا أجر، حَسْبَمَا دلّ عَلَيْهِ قَوْله: ﴿فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ﴾ ٢أَي أَن من عمل بهَا فِي وَقتهَا، ثمَّ آمن بِالنَّبِيِّ ﷺ بعد بَعثه وفيناه أجره.\nوَإِنَّمَا قُلْنَا: إِنَّهَا فِي هَذَا الْوَجْه إضافية؛ لأنّها لَو كَانَت حقيقيّة لخالفوا بهَا شرعهم الَّذِي كَانُوا عَلَيْهِ؛ لِأَن هَذَا حَقِيقَة الْبِدْعَة، فَلم يكن لَهُم بهَا أجر، بل كَانُوا يسْتَحقُّونَ الْعقَاب؛ لمخالفتهم لأوامر الله ونواهيه، فَدلَّ على أَنهم رُبمَا فعلوا مَا كَانَ جَائِزا لَهُم فعله، وَعند ذَلِك تكون بدعتهم جَائِزا لَهُم فعلهَا، فَلَا تكون بدعتهم حَقِيقِيَّة، لكنه ينظر على أَي معنى أطلق عَلَيْهَا لفظ الْبِدْعَة، وَسَيَأْتِي بعد بحول الله.\nوعَلى كل تَقْدِير: فَهَذَا القَوْل لَا يتَعَلَّق بِهَذِهِ الْأمة مِنْهُ حكم؛ لِأَنَّهُ نُسخ فِي شريعتنا، فَلَا رَهْبَانِيَّة فِي الْإِسْلَام، وَقَالَ النَّبِي ﷺ: \"من رغب عَن سنتي فَلَيْسَ مني\"٣.\nعلى أَن ابْن الْعَرَبِيّ نقل فِي الْآيَة أَرْبَعَة أَقْوَال:\n_________\n١ - الْبِدْعَة الإضافية: هِيَ مَا كَانَ أصل الْعَمَل مَشْرُوعا كَالصَّلَاةِ - مثلا - فَيدْخل المبتدع عَلَيْهَا أمرا من عِنْد نَفسه فيخرجها عَن أصل مشروعيتها. انْظُر الْمرجع السَّابِق، ص (١٥) .\n٢ - سُورَة الْحَدِيد، الْآيَة: ٢٧.\n٣ - أخرجه الإِمَام البُخَارِيّ فِي صَحِيحه - مَعَ الْفَتْح - (٩/١٠٤)، كتاب النِّكَاح، بَاب التَّرْغِيب فِي النِّكَاح، ح (٥٠٦٣)، وَمُسلم فِي صَحِيحه (٢/١٠٢٠)، كتاب النِّكَاح، ح (٥) .","vol":"1","page":101},{"text":"الأول: مَا تقدم. وَالثَّانِي: أَن الرهبانية رفض النِّسَاء، وَهُوَ الْمَنْسُوخ فِي شرعنا. وَالثَّالِث: أَنَّهَا اتِّخَاذ الصوامع للعزلة. وَالرَّابِع: السياحة.\nقَالَ: وَهُوَ مَنْدُوب إِلَيْهِ فِي ديننَا عِنْد فَسَاد الزَّمَان١.\nوَظَاهره يَقْتَضِي أَنَّهَا بِدعَة؛ لِأَن الَّذين ترهبوا قبل الْإِسْلَام إِنَّمَا فعلوا ذَلِك فِرَارًا مِنْهُم بدينهم، ثمَّ سميت بِدعَة، وَالنَّدْب إِلَيْهَا يَقْتَضِي أَن لَا ابتداع فِيهَا، فَكيف يَجْتَمِعَانِ؟!.\nوَلَكِن للمسألة فقه يذكر بحول الله.\nوَقيل: إِن معنى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا﴾ ٢أَنهم تركُوا الْحق، وأكلوا لُحُوم الْخَنَازِير، وَشَرِبُوا الْخمر، وَلم يغتسلوا من جَنَابَة، وَتركُوا الْخِتَان ﴿فَمَا رَعَوْهَا﴾ ٣يَعْنِي: الطَّاعَة وَالْملَّة، ﴿حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ ٤فالهاء رَاجِعَة إِلَى غير مَذْكُور وَهُوَ الْملَّة، الْمَفْهُوم مَعْنَاهَا من قَوْله: ﴿وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً﴾ ٥؛ لِأَنَّهُ يفهم مِنْهُ أَن ثَم مِلَّة متبعة كَمَا دلّ قَوْله: ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ﴾ ٦على الشَّمْس حَتَّى عَاد عَلَيْهَا الضَّمِير فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ ٧وَكَانَ الْمَعْنى على هَذَا القَوْل: مَا كتبناها عَلَيْهِم على هَذَا الْوَجْه الَّذِي فَعَلُوهُ، وَإِنَّمَا أمرناهم بِالْحَقِّ، فالبدعة فِيهِ إِذا حَقِيقِيَّة لَا إضافية.\n_________\n١ - انْظُر أَحْكَام الْقُرْآن (٤/١٧٤٤) .\n٢ - سُورَة الْحَدِيد، الْآيَة: ٢٧.\n٣ - سُورَة الْحَدِيد، الْآيَة: ٢٧.\n٤ - سُورَة الْحَدِيد، الْآيَة: ٢٧.\n٥ - سُورَة الْحَدِيد، الْآيَة: ٢٧.\n٦ - سُورَة ص، الْآيَة: ٣١.\n٧ - سُورَة ص، الْآيَة: ٣٢.","vol":"1","page":102},{"text":"وعَلى كل تَقْدِير فَهَذَا الْوَجْه هُوَ الَّذِي قَالَ بِهِ أَكثر الْعلمَاء، فَلَا نظر فِيهِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى هَذِه الْأمة\"١.\nتبين لنا من هَذَا المبحث أَن الإِمَام أَبَا إِسْحَاق لَهُ آراء فِي التَّفْسِير، ومناقشات، وَأَنه لَيْسَ مُجَرّد ناقل، يَأْخُذ كل مَا قيل مُسلما، بل يناقش، ويشرح، وَيَأْتِي بالجديد، وَمَا ذكرته أَمْثِلَة من كتاب وَاحِد لَهُ، هُوَ \"الِاعْتِصَام\" وَمَا ذكره من الآراء والمناقشات فِي كِتَابه \"الموافقات\" أَضْعَاف أَضْعَاف مَا جَاءَ بِهِ فِي \"الِاعْتِصَام\".\n_________\n١ - الِاعْتِصَام (١/٣٧٠ - ٣٧٤) .","vol":"1","page":103},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-33>المبحث السَّادِس: مَعَ الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي فِي نَحْو الْقُرْآن وبلاغته</span>\nالإِمَام أَبُو إِسْحَاق الشاطبي من أَئِمَّة النَّحْو، وَقد ألَّف شرحا على ألفية ابْن مَالك قَالَ عَنهُ أَحْمد بَابا التنبكتي: \"شَرحه الْجَلِيل على الْخُلَاصَة فِي النَّحْو فِي أسفار أَرْبَعَة كبار لم يؤلَّف عَلَيْهَا مثله بحثا وتحقيقا فِيمَا أعلم\"١.\nوإمامته فِي النَّحْو ظَاهِرَة فِي أثْنَاء مؤلفاته، ولكنني سأقتصر على ذكر بعض الْأَمْثِلَة - من بعض مؤلفاته - الَّتِي تتَعَلَّق بِنَحْوِ الْقُرْآن وبلاغته مِمَّا نَقله عَن الْأَئِمَّة والشيوخ، أَو قَالَه هُوَ:\n(١) قَالَ رَحمَه الله تَعَالَى: \"ذكر لي الْفَقِيه الْأُسْتَاذ الْفَاضِل أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن البكا عَن بَعضهم، وَحَكَاهُ ابْن مَالك فِي شرح التسهيل٢أَنه أعرب\n_________\n١ - نيل الابتهاج ص (٤٨) .\n٢ - انْظُر مِنْهُ (٤/١١٠) تَجِد بعض معنى مَا ذكر هَاهُنَا.","vol":"1","page":103},{"text":"\"نَفسه\"من قَوْله تَعَالَى: ﴿إِلا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ ١:\"نَفسه\" توكيدًا لـ\"من\" و\"مَنْ\" مَنْصُوبَة على الِاسْتِثْنَاء وَاسْتَحْسنهُ؛ لِأَن النَّاس اخْتلفُوا فِيهِ اخْتِلَافا كثيرا.\nفَقلت لَهُ: إِن الْمَعْنى على الرّفْع والتفريغ. فَقَالَ لي: أتسلم أَن فِي \"يرغب\" ضميرًا هُوَ فَاعله؟. فَقلت: نعم، لَوْلَا أَن الْمَعْنى: مَا يرغب عَن مِلَّة الْإِسْلَام إِلَّا من سفه نَفسه. فَوقف الْكَلَام هَا هُنَا، ثمَّ دلَّنِي الْأُسْتَاذ الْكَبِير أَبُو سعيد بن لب على مَا يُؤَيّد مَا ذكرته، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلا اللَّهُ﴾ ٢وَجهه الزَّمَخْشَرِيّ على التفريغ من جِهَة الْمَعْنى، أَي: مَا يغْفر الذُّنُوب إِلَّا الله ... ٣\"٤.\n(٢) وَقَالَ رَحمَه الله تَعَالَى: \"حكى لنا الْأُسْتَاذ الشهير أَبُو سعيد بن لب - أبقاه الله - أَن الْفَارِسِي قَالَ: وجدت فِي الْقُرْآن من وضع الْجُمْلَة الاسمية مَوضِع الفعلية قَوْله تَعَالَى: ﴿أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى﴾ ٥، فَقَوله: ﴿فَهُوَ يَرَى﴾ جملَة اسميّة فِي مَوضِع فعلية.\nوَقَالَ ابْن جني: وجدت أَنا موضعا آخر، قَوْله تَعَالَى: ﴿أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ﴾ ٦. وَقَالَ أَبُو الْحسن الْأَبْهَرِيّ: وجدت أَنا موضعا آخر:\n_________\n١ - سُورَة الْبَقَرَة، الْآيَة: ١٣٠.\n٢ - سُورَة آل عمرَان، الْآيَة: ١٣٥.\n٣ - نَص كَلَام الزَّمَخْشَرِيّ فِي النُّسْخَة الَّتِي بَين يَدي هَكَذَا \"وَالْمعْنَى أَنه وَحده مَعَه مصححات الْمَغْفِرَة\" الْكَشَّاف (١/٤٦٤) .\n٤ - انْظُر الإفادات والإنشادات، ص (١٠٨، ١٠٩) .\n٥ - سُورَة النَّجْم، الْآيَة: ٣٥.\n٦ - سُورَة الطّور، الْآيَة: ٤١، وَسورَة الْقَلَم، الْآيَة ٤٧.","vol":"1","page":104},{"text":"قَوْله تَعَالَى: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ﴾ ١.\nوَقَالَ الْأُسْتَاذ أَبُو سعيد: وجدت أَنا موضعا آخر، قَوْله تَعَالَى: ﴿أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾ ٢.\nقلت: وَوجدت أَنا موضعا آخر، قَوْله تَعَالَى: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾ ٣على أَنِّي وجدت بعد هَذَا لأبي عَليّ الْفَارِسِي فِي \"التَّذْكِرَة\" موضعا آخر، قَوْله تَعَالَى: ﴿هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾ ٤\"٥.\n(٣) وَقَالَ الإِمَام أَبُو إِسْحَاق الشاطبي - فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾ ٦ -: \"فحُذف الْمَجْرُور الثَّانِي لدلَالَة الأول عَلَيْهِ ...\"٧.\n(٤) وَقَالَ أَيْضا - فِي بَاب الْمَفْعُول الْمُطلق -: \"وَفِي التَّنْزِيل: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الأَرْضِ نَبَاتًا﴾ ٨وَهُوَ مصدر عِنْد سِيبَوَيْهٍ جَار على غير الْفِعْل، فَكَانهُ نَائِب عَن قَوْله: (إنباتا) ٩، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ ١٠ فـ\"تبتيلًا\" لَيْسَ بمصدر لِتبتَّلَ، وَإِنَّمَا هُوَ مصدر (بَتَّلَ)، وَفِي\n_________\n١ - سُورَة الْأَعْرَاف، الْآيَة: ١٩٣.\n٢ - سُورَة الرّوم، الْآيَة: ٣٥.\n٣ - سُورَة الطّور، الْآيَة: ٤٠.\n٤ - سُورَة الرّوم، الْآيَة: ٢٨.\n٥ - الإفادات والإنشادات، ص (١١٩، ١٢٠) .\n٦ - سُورَة مَرْيَم، الْآيَة: ٣٨.\n٧ - انْظُر الْمَقَاصِد الشافية (١/١٦٨) .\n٨ - سُورَة نوح، الْآيَة: ١٧.\n٩ - انْظُر الْكتاب (٤/٨١) .\n١٠ - سُورَة المزمل، الْآيَة: ٨.","vol":"1","page":105},{"text":"قِرَاءَة ابْن مَسْعُود: ﴿وأُنْزِلَ الملائكةُ تَنْزِيلا﴾ ١ومصدر (أُنزل، إنزالًا، وتنزيلًا مصدر نَزَّلَ كَقِرَاءَة الْجَمَاعَة ... \"٢.\n(٥) وَقَالَ - فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ ٣ -: \"تَقْدِيره: فإمَّا تمنون منا وَإِمَّا تفادون فدَاء، إلاَّ أَنهم حذفوا الْفِعْل وعوضوا الْمصدر مِنْهُ؛ فَلَا يَجْتَمِعَانِ مَعًا ... \"٤.\n(٦) وَقَالَ الإِمَام أَبُو إِسْحَاق الشاطبي - فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ ٥ -: \"التَّقْدِير: وَلِأَن هَذِه أمتكُم، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ٦على قِرَاءَة الْفَتْح٧، أَي: بِأَنِّي لكم نَذِير مُبين، وَمثله قَوْله: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ ٨\n_________\n١ - سُورَة الْفرْقَان، الْآيَة: ٢٥. وَهِي قِرَاءَة شاذّة؛ لِأَن ابْن الْجَزرِي لم يذكرهَا عَن أحد من الْعشْرَة. انْظُر النشر (٢/٣٣٤)، ونسبها ابْن عَطِيَّة إِلَى ابْن مَسْعُود وَالْأَعْمَش. انْظُر: الْمُحَرر الْوَجِيز (١٢/٢٠) .\n٢ - انْظُر الْمَقَاصِد الشافية (١/٢٢٦) .\n٣ - سُورَة مُحَمَّد ﷺ، الْآيَة: ٤.\n٤ - انْظُر الْمَقَاصِد الشافية (١/٢٤٣) .\n٥ - سُورَة الْمُؤْمِنُونَ، الْآيَة: ٥٢. وَفتح الْهمزَة من قَوْله: \"وَأَن هَذِه\" قِرَاءَة متواترة. انْظُر النشر (٢/٣٢٨) .\n٦ - سُورَة هود، الْآيَة: ٢٥.\n٧ - وَبهَا قَرَأَ أَبُو جَعْفَر وَأَبُو عَمْرو وَابْن كثير وَالْكسَائِيّ وَيَعْقُوب وَخلف. انْظُر: الْمَبْسُوط فِي الْقرَاءَات الْعشْر، ص (٢٣٨)، وَانْظُر النشر (٢/٢٨٨) .\n٨ - سُورَة الْجِنّ، الْآيَة: ١٨.","vol":"1","page":106},{"text":"حمله سِيبَوَيْهٍ على تَقْدِير اللَّام١. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾ ٢ ... \"٣.\nوالحقيقة أَن الإِمَام أَبَا إِسْحَاق الشاطبي قد أَكثر من المباحث النحوية الْمُتَعَلّقَة بِالْقُرْآنِ الْكَرِيم، وَلَا أُبالغ إِن قلت: إِن هَذِه المباحث لَو جُرّدت لبلغت مجلدَين.\n_________\n١ - انْظُر الْكتاب لسيبويه (٣/١٢٧) فقد ذكر هَذِه الْآيَات كلهَا وَغَيرهَا وأعربها بِمَا قَالَه أَبُو إِسْحَاق هُنَا.\n٢ - سُورَة الْقَمَر، الْآيَة: ١٠. وَيُرِيد الشاطبي أَن يَقُول: التَّقْدِير: لِأَنِّي مغلوب.\n٣ - انْظُر الْمَقَاصِد الشافية فِي شرح الْخُلَاصَة الكافية (١/١٤٧) .","vol":"1","page":107},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-34>المبحث السَّابِع: مَعَ الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي فِي ذكر الْقرَاءَات وتوجيهها</span>\nاشْتهر أهل الْمغرب والأندلس بملازمة علمين عظيمين، والتبحر فيهمَا، هما علم الْعَرَبيَّة والقراءات.\nوَالْإِمَام أَبُو إِسْحَاق الشاطبي قد أثَّر فِيهِ هَذَا الاتجاه، فَهُوَ أحد عُلَمَاء الْعَرَبيَّة الَّذين يشار إِلَيْهِم بالبنان، وَكتابه \"الْمَقَاصِد الشافية فِي شرح الْخُلَاصَة الكافية\" شَاهد بإمامته فِي فن الْعَرَبيَّة.\nأما الْقرَاءَات فَهُوَ عَالم بهَا مُتَمَكن فِيهَا، خُصُوصا الْقرَاءَات السَّبع، فقد ذكر تِلْمِيذه المجاري أَن الإِمَام الشاطبي قَرَأَ الْقرَاءَات السَّبع على شَيْخه مُحَمَّد بن الفخار البيري - الَّذِي كَانَ من أحسن قراء الأندلس تِلَاوَة وَأَدَاء - فِي سبع ختمات١.\n_________\n١ - انْظُر برنامج المجاري، ص (١١٩) .","vol":"1","page":107},{"text":"وَقد تعرض أَبُو إِسْحَاق الشاطبي - فِي أثْنَاء مؤلفاته - لذكر الْقرَاءَات السَّبع وتوجيهها، وهاك بعض الْأَمْثِلَة فِي ذَلِك:\n(١) قَالَ أَبُو إِسْحَاق الشاطبي - فِي أثْنَاء الْكَلَام على أَن النكرَة قد يتخصص بِالْإِضَافَة -: \"وَفِي الْقُرْآن الْكَرِيم ... ﴿وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا﴾ ١على قِرَاءَة غير نَافِع وَابْن عَامر٢، هُوَ جمع قبيل، أَي: قبيلًا قبيلًا، وصِنْفا صِنْفا، وَإِنَّمَا سَاغَ هُنَا الْحَال من النكرَة المُخصَّصة كَمَا سَاغَ الِابْتِدَاء بالنكرة إِذا خُصِّصت؛ لِأَنَّهَا بذلك تقرب من الْمعرفَة، فعوملت مُعَاملَة الْمعرفَة فِي صِحَة نصب الْحَال عَنْهَا\"٣.\n(٢) وَقَالَ - أَيْضا -: \" ... إِلَّا أَنه قد حكى فِي التسهيل٤أَن الْوَاو قد تدخل على الْمُضَارع الْمَنْفِيّ بـ (لَا)، وَاسْتشْهدَ عَلَيْهِ بقوله تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾ ٥فِي قِرَاءَة غير نَافِع٦، فَقَوله: \"وَلَا تُسْألُ\" جملَة حَالية دخلت عَلَيْهَا الْوَاو.\n_________\n١ - سُورَة الْأَنْعَام، الْآيَة: ١١١.\n٢ - إِذْ قراءتهما بِكَسْر الْقَاف، وَفتح الْبَاء. انْظُر إرشاد الْمُبْتَدِي وَتَذْكِرَة المنتهي، ص (٣١٦) .\n٣ - انْظُر الْمَقَاصِد الشافية (٢/٣٥) .\n٤ - يَعْنِي ابْن مَالك. انْظُر تسهيل الْفَوَائِد (ص/١١٣) .\n٥ - سُورَة الْبَقَرَة، الْآيَة: ١١٩. وَلم أر الْآيَة - فِي النُّسْخَة الَّتِي اطَّلَعت عَلَيْهَا من التسهيل - فِي الْموضع الْمشَار إِلَيْهِ.\n٦ - يَعْنِي من السَّبْعَة، وَإِلَّا فَإِن يَعْقُوب أَيْضا من الْعشْرَة يقْرَأ بِالْجَزْمِ. انْظُر إرشاد الْمُبْتَدِي، ص (٢٣٢) .","vol":"1","page":108},{"text":"وَهَذَا الشَّاهِد لَا شَاهد فِيهِ؛ لعطفه على \"بشيرًا\" و\"نذيرًا \" فالواو عاطفة، وَإِنَّمَا الشَّاهِد فِي قِرَاءَة ابْن ذكْوَان: \"وَلَا تتبعَانِ\"١بتَخْفِيف النُّون٢، فالنون فِيهِ نون الرّفْع، وَهُوَ خبر لَا نهي، وَالْجُمْلَة فِي مَوضِع الْحَال، أَي: فاستقيما غير متبعين ... \"٣.\n(٣) وَقَالَ - فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ ٤ -: \"على قِرَاءَة من قَرَأَ بذلك٥ أَي: اقتدِ اقْتِدَاء ... فتضمر الْمصدر ثمَّ تبنيه لما لم يُسمَّ فَاعله،\nمضمرًا فِيهِ اسْم الْمَفْعُول كَمَا أضمرته فِي بِنَاء الْفَاعِل٦\".\n(٤) وَقَالَ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا﴾ ٧ -: \"فنصب \"السَّمَاء\" بِاعْتِبَار \"يسجدان\" وَلَو اعْتبر أوَّل الْجُمْلَة لجاء: (والسماءُ رَفعهَا)\nوَفِي الْقُرْآن أَيْضا: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ﴾ ٨قَرَأَ الحرميان٩وَأَبُو عَمْرو بِالرَّفْع فِي\n_________\n١ - سُورَة يُونُس، الْآيَة: ٨٩.\n٢ - هِيَ قِرَاءَة ابْن ذكْوَان عَن ابْن عَامر الشَّامي. انْظُر إتحاف فضلاء الْبشر، ص (٢٥٣) .\n٣ - انْظُر الْمَقَاصِد الشافية (٢/١٠٣) .\n٤ - سُورَة الْأَنْعَام، الْآيَة: ٩٠.\n٥ - وَهِي قِرَاءَة ابْن عَامر. انْظُر علل الْقرَاءَات (١/١٩٠)، والمبسوط فِي الْقرَاءَات الْعشْر، ص (١٩٨) .\nونسبها أَبُو حَيَّان أَيْضا إِلَى أحد رُوَاة ابْن عَامر وَهُوَ ابْن ذكْوَان. انْظُر الْبَحْر (٤/١٧٦) .\n٦ - انْظُر الْمَقَاصِد الشافية فِي شرح الْخُلَاصَة الكافية (١/٣٤) .\n٧ - سُورَة الرَّحْمَن، الْآيَة: ٦، ٧.\n٨ - سُورَة يس، الْآيَة: ٣٨، ٣٩.\n٩ - هما ابْن كثير الْمَكِّيّ، وَنَافِع الْمدنِي.","vol":"1","page":109},{"text":"\"الْقَمَر\" وَبَاقِي السَّبْعَة بِالنّصب١، فالرفع على اعْتِبَار \"والشمسُ تجْرِي\" وَالنّصب على اعبتار \"تجْرِي\" ٢.\n_________\n١ - انْظُر الْكَشْف عَن وُجُوه الْقرَاءَات السَّبع (٢/٢١٦) .\n٢ - انْظُر الْمَقَاصِد الشافية فِي شرح الْخُلَاصَة الكافية (١/١٠٤) . وَمن أشكل عَلَيْهِ شيءٌ من كَلَام أبي إِسْحَاق فَلْينْظر الدّرّ المصون (٩/٢٧٠) و(١٠/١٥٤) .","vol":"1","page":110},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-35>المبحث الثَّامِن: مَعَ الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي فِي تَفْسِير آيَات العقيدة</span>\nالعقيدة السليمة المستقيمة على منهاج الْكتاب وَالسّنة وَسلف الْأمة هِيَ أهم شَرط يَنْبَغِي أَن يُوجد فِيمَن أَرَادَ تَفْسِير كتاب الله تَعَالَى١.\nوالمفسرون الْمُحَقِّقُونَ لهَذَا الشَّرْط هم كثير فِي السّلف، قَلِيل فِي الْخلف.\nوالمصنفات التفسيرية الَّتِي نهج أَصْحَابهَا الْمنْهَج القويم تخْتَلف فِي الاهتمام بالناحية العقدية، فَمِنْهَا المكثر، وَمِنْهَا الْمقل، مَعَ عدم خلوها - جمعا وإفرادًا - من هَذَا الْمَقْصد الْأَعْظَم عِنْد تَفْسِير كتاب الله تَعَالَى.\nوَالْإِمَام أَبُو إِسْحَاق الشاطبي قد اهتم بالناحية العقدية من خلال الْآيَات الَّتِي رَأَيْته فَسرهَا، فَهُوَ يبين - رَحمَه الله تَعَالَى - مَقْصُود الْآيَة على الْمنْهَج الصَّحِيح٢، وَيرد على من خَالف ذَلِك من الْفرق الضَّالة، ويستدل بالأحاديث والْآثَار وأقوال السّلف كثيرا فِي هَذِه النَّاحِيَة.\nوتلمح اهتمامه بِهَذَا الْمَوْضُوع من خلال أَكثر مؤلفاته؛ إِلَّا أَن كِتَابه الْعَظِيم \"الِاعْتِصَام\" قد تميز فِي هَذِه النَّاحِيَة.\nوَإِلَيْك بعض الْأَمْثِلَة على هَذَا المبحث:\n_________\n٣ - انْظُر الإتقان (٢/٤٩٨) .\n٤ - إِلَّا مَوَاطِن مِمَّا يتَعَلَّق بِالصِّفَاتِ، وَانْظُر مَا تقدم فِي تَرْجَمته (مذْهبه) .","vol":"1","page":110},{"text":"(١) قَالَ أَبُو إِسْحَاق الشاطبي - رَحمَه الله تَعَالَى -: \"وَمثله مَا خرجه مُسلم عَن سُفْيَان، قَالَ: \"سَمِعت رجلا يسْأَل جَابر بن يزِيد الْجعْفِيّ١عَن قَوْله: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾ ٢فَقَالَ جَابر: لم يَجِيء تَأْوِيل هَذِه الْآيَة. قَالَ سُفْيَان: وَكذب. قَالَ الْحميدِي: فَقُلْنَا لِسُفْيَان: مَا أَرَادَ بِهَذَا؟. فَقَالَ: إِن الرافضة تَقول: إِن عليا فِي السَّحَاب، فَلَا يخرج - يَعْنِي مَعَ من خرج من وَلَده - حَتَّى يُنَادي منادٍ من السَّمَاء - يُرِيد عليا أَنه يُنَادي -: اخْرُجُوا مَعَ فلَان. يَقُول جَابر: فَذا تَأْوِيل هَذِه الْآيَة، وَكذب كَانَت فِي إخْوَة يُوسُف\"٣.\nفَهَذِهِ الْآيَة أمرهَا وَاضح، وَمَعْنَاهَا ظَاهر يدل عَلَيْهِ مَا قبل الْآيَة وَمَا بعْدهَا، كَمَا دلّ الْخَاص على معنى الْعَام، وَدلّ الْمُقَيد على معنى الْمُطلق، فَلَمَّا قطع جَابر الْآيَة عَمَّا قبلهَا وَمَا بعْدهَا٤ ... صَار الْموضع بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ من الْمُتَشَابه، فَكَانَ من حَقه التَّوَقُّف، لكنه اتبع فِيهِ هَوَاهُ، فزاغ عَن معنى الْآيَة\"٥.\n(٢) وَقَالَ - فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ﴾ ٦ -: \"وتأملوا هَذِه الْآيَة، فَإِنَّهَا صَرِيحَة فِي أَن من لم يتبع هدى الله فِي هوى نَفسه\n_________\n١ - جَابر بن يزِيد الْجعْفِيّ، من أكبر عُلَمَاء الشِّيعَة، وَثَّقَهُ شُعْبَة، فشذ، وَتَركه الْحفاظ (ت: ١٢٨هـ -) . انْظُر الكاشف (١/١٢٢) .\n٢ - سُورَة يُوسُف، الْآيَة: ٨٠.\n٣ - أخرجه الإِمَام مُسلم فِي مُقَدّمَة صَحِيحه (١/٢٠، ٢٠) .\n٤ - فِي النُّسْخَة الْمَنْقُول مِنْهَا: \"عَمَّا قبلهَا مَا بعْدهَا\"، والتصحيح من النُّسْخَة الَّتِي حققها دراز (٣/٩٣) .\n٥ - الموافقات (٣/٣١٧، ٣١٨) .\n٦ - سُورَة الْقَصَص، الْآيَة: ٥٠.","vol":"1","page":111},{"text":"لَا أحد أضلّ مِنْهُ، وَهَذَا شَأْن المبتدع؛ فَإِنَّهُ اتبع هَوَاهُ بِغَيْر هدى من الله، وَهدى الله هُوَ الْقُرْآن ... \"١.\n(٣) وَقَالَ - رَحمَه الله تَعَالَى -: \"وَعَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ﴾ ٢قَالَ: تبيض وُجُوه أهل السّنة، وَتسود وُجُوه أهل الْبِدْعَة\"٣.\n(٤) وَقَالَ رَحمَه الله تَعَالَى - فِي معرض الرَّد على المبتدعة -: \"أَلا ترى إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ ٤فَأثْبت لَهُم الزيغ أَولا - وَهُوَ الْميل عَن الصَّوَاب - ثمَّ اتِّبَاع الْمُتَشَابه، وَهُوَ خلاف الْمُحكم الْوَاضِح٥الْمَعْنى، الَّذِي هُوَ أمّ الْكتاب ومعظمه، ومتشابهه على هَذَا قَلِيل، فتركوا اتِّبَاع الْمُعظم إِلَى اتِّبَاع الْأَقَل الْمُتَشَابه الَّذِي لَا يُعْطي مفهوما وَاضحا؛ ابْتِغَاء تَأْوِيله، وطلبا لمعناه الَّذِي لَا يُعلمهُ إِلَّا الله، أَو يُعلمهُ الله والراسخون فِي الْعلم، وَلَيْسَ إلاَّ برده إِلَى الْمُحكم، وَلم يفعل المبتدعة ذَلِك ... \"٦.\n_________\n١ - انْظُر الِاعْتِصَام (١/٦٧) .\n٢ - سُورَة آل عمرَان، الْآيَة: ١٠٦. وَلَو أكمل نَص الْآيَة لَكَانَ أوضح وَأحسن.\n٣ - الِاعْتِصَام (١/٧٥) . والأثر أخرجه ابْن أبي حَاتِم فِي تَفْسِيره (٣/٧٢٩)، واللالكائي فِي شرح أصُول اعْتِقَاد أهل السّنة (١/٧٢)، كِلَاهُمَا من طَرِيق فِيهِ مجاشع بن عَمْرو. قَالَ فِيهِ الإِمَام البُخَارِيّ: مُنكر مَجْهُول. انْظُر ميزَان الِاعْتِدَال (٣/٤٣٦)، وَأوردهُ السُّيُوطِيّ فِي الدّرّ المنثور (٢/٦٣) وَنسب إِخْرَاجه إِلَى هذَيْن وَإِلَى غَيرهمَا.\n٤ - سُورَة آل عمرَان، الْآيَة: ٧.\n٥ - فِي النُّسْخَة الَّتِي نقلت عَنْهَا «الْوَاضِع\" بِالْعينِ بدل الْحَاء.\n٦ - انْظُر الِاعْتِصَام (١/١٩٠) .","vol":"1","page":112},{"text":"(٥) وَقدم أَبُو إِسْحَاق الشاطبي بعض الْأَوْجه الإعرابية لكَونهَا مُوَافقَة لقَوْل أهل السّنة فِي الْقدر، فَقَالَ - نقلا عَن ابْن مَالك مستدركا بِهِ عَلَيْهِ حَيْثُ لم يذكرهُ فِي الألفية -: \"وَمن مرجحات النصب أَن يكون مخلِّصا من إِيهَام غير الصَّوَاب، وَالرَّفْع بِخِلَاف ذَلِك، كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ ١ فَنَصْبُ \"كل شَيْء\" رفعٌ لتوهم كَون \"خلقناه\" صفة؛ إِذْ لَو كَانَ صفة لم يفسِّر ناصبا لما قبله.\nوَإِذا لم يكن صفة كَانَ خَبرا فَيلْزم عُمُوم خلق الْأَشْيَاء بِقدر خيرا كَانَت أَو شرًّا. وَهَذَا قَول أهل السّنة. قَالَ: وَلَو قُرئ (كلُّ شَيْء) بِالرَّفْع لاحتمل أَن يكون \"خلقناه\" صفة مَحْضَة، وَأَن يكون خَبرا، فَكَانَ النصب لرفعه احْتِمَال غير الصَّوَاب أولى. فَهَذِهِ ثَلَاثَة مَوَاضِع كَانَ من حَقه التَّنْبِيه عَلَيْهَا هُنَا\"٢.\nوالأمثلة على هَذَا الاتجاه فِي تَفْسِيره كَثِيرَة جدًّا، أكتفي بِمَا ذكرت، وَمن أَرَادَ الْوُقُوف عَلَيْهَا فَليُرَاجع مؤلفات أبي إِسْحَاق الشاطبي، رَحمَه الله تَعَالَى، خُصُوصا الِاعْتِصَام٣، والموافقات٤.\n_________\n١ - سُورَة الْقَمَر، الْآيَة: ٤٩.\n٢ - انْظُر: الْمَقَاصِد الشافية (١/٩٩، ١٠٠) .\n٣ - لَا يكَاد يمر خمس صفحات مِنْهُ إِلَّا وَيَأْتِي بِشَيْء من هَذَا.\n٤ - انْظُر مِنْهَا (٣/٣١٣، ٣٣٣) (٤/٢٢٥، ٢٢٦، ٢٢٧، ٢٢٩، ٢٣٢، ٢٣٣) .","vol":"1","page":113},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-36>المبحث التَّاسِع: مَعَ الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي فِي أَحْكَام الْقُرْآن الْكَرِيم</span>\nلم يُغفل الإِمَام أَبُو إِسْحَاق الشاطبي أَحْكَام الْقُرْآن فِي آيَات الْأَحْكَام الَّتِي تعرض إِلَى تَفْسِيرهَا، وَكَيف يغفلها وَهُوَ الْفَقِيه الأصولي الَّذِي سَارَتْ بفتاواه الركْبَان؟.\nوَالْإِمَام أَبُو إِسْحَاق الشاطبي - على عَادَته - قد جَاءَ بالفوائد، والاستنباطات البديعة، الَّتِي قد لَا تُوجد عِنْد كبار الْمُفَسّرين المعتنين بِأَحْكَام الْقُرْآن، وَلَا عِنْد من خصّه بمؤلف.\nوَإِلَى جَانب مَا تقدم فقد نقل عَن أَئِمَّة من الْمَالِكِيَّة وَغَيرهم، كتبهمْ فِي عداد الْمَفْقُود، وَمَا وُجد مِنْهَا لم يطبع حَتَّى الْآن، مثل أَحْكَام الْقُرْآن للْقَاضِي إِسْمَاعِيل الْمَالِكِي الْبَغْدَادِيّ١.\nإلاّ أَن الإِمَام أَبَا إِسْحَاق الشاطبي لم يكن مكثرًا فِي تَفْسِير أَحْكَام الْقُرْآن إِذا قورن هَذَا المبحث بالمباحث الأُخر الَّتِي ذكرتها فِي هَذَا الْفَصْل.\nوَقد اسْتَفَادَ فِي هَذَا الْجَانِب من الإِمَام أبي بكر مُحَمَّد بن عبد الله ابْن الْعَرَبِيّ، فَإِنَّهُ قد رَجَعَ إِلَى كِتَابه أَحْكَام الْقُرْآن٢.\nوَإِلَيْك بعض الْأَمْثِلَة على هَذَا المبحث:\n_________\n١ - أَبُو إِسْحَاق إِسْمَاعِيل بن إِسْحَاق الْأَزْدِيّ - مَوْلَاهُم - الْفَقِيه الْمَالِكِي القَاضِي الْعَلامَة، من مؤلفاته \"الْقرَاءَات\" و\"مَعَاني الْقُرْآن وَإِعْرَابه\" و\"أَحْكَام الْقُرْآن\" وتوجد مِنْهُ قِطْعَة فِي تونس (ت: ٢٨٢هـ -) انْظُر العبر (١/٤٠٥)، وطبقات الْمُفَسّرين للداودي (١/١٠٦)، وتاريخ التراث الْعَرَبِيّ (١/٣/١٦٣) .\n٢ - انْظُر الموافقات (٤/١٩٥)، وَأَحْكَام الْقُرْآن لِابْنِ الْعَرَبِيّ (٤/١٩٥٥) .","vol":"1","page":114},{"text":"(١) قَالَ - رَحمَه الله تَعَالَى -: \" ... وكاستدلالهم على تَقْدِير أقل مُدَّة الْحمل سِتَّة أشهر أخذا من قَوْله تَعَالَى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾ ١مَعَ قَوْله: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ ٢فالمقصد فِي الْآيَة الأولى بَيَان مُدَّة الْأَمريْنِ جَمِيعًا من غير تَفْصِيل، ثمَّ بيَّن فِي الثَّانِيَة مُدَّة الفصال قصدا، وَسكت عَن بَيَان مُدَّة الْحمل وَحدهَا قصدا، فَلم يذكر لَهُ مدّة؛ فَلَزِمَ من ذَلِك أَن أقلهَا سِتَّة أشهر\"٣.\n(٢) وَقَالَ - رَحمَه الله تَعَالَى -: \" ... قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا ...﴾ إِلَى قَوْله: ﴿وَلا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾ ٤ ... فُسّرت بِأَن الله حرم على الرجل أَن يرتجع الْمَرْأَة يقْصد بذلك مضارتها، بِأَن يطلقهَا، ثمَّ يُمْهِلهَا حَتَّى تشارف انْقِضَاء الْعدة ثمَّ يرتجعها، ثمَّ يطلقهَا حَتَّى تشارف انْقِضَاء الْعدة، وَهَكَذَا لَا يرتجعها لغَرَض لَهُ فِيهَا سوى الْإِضْرَار بهَا\"٥.\n(٣) وَقَالَ - أَيْضا -: \"فصل، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ ٦رُوي فِي سَبَب نزُول هَذِه الْآيَة أخبارٌ جُمْلَتهَا تَدور على معنى وَاحِد، وَهُوَ تَحْرِيم مَا أحل الله من الطَّيِّبَات تدينا أَو شبه التدين، وَالله نهى عَن ذَلِك، وَجعله اعتداء، وَالله لَا يحب الْمُعْتَدِينَ، ثمَّ قرر\n_________\n١ - سُورَة الْأَحْقَاف، الْآيَة: ١٥.\n٢ - سُورَة لُقْمَان، الْآيَة: ١٤.\n٣ - انْظُر الموافقات (٢/١٥٤) .\n٤ - سُورَة الْبَقَرَة، الْآيَة: ٢٣١.\n٥ - انْظُر الموافقات (٣/١١٠، ١١١) .\n٦ - سُورَة الْمَائِدَة، الْآيَة: ٨٧، ٨٨.","vol":"1","page":115},{"text":"الْإِبَاحَة تقريرًا زَائِدا١على مَا تقرر بقوله: ﴿وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّبًا﴾ ٢ثمَّ أَمرهم بالتقوى؛ وَذَلِكَ مشْعر بِأَن تَحْرِيم مَا أحل الله خَارج عَن دَرَجَة التَّقْوَى.\nفخرَّج إِسْمَاعِيل القَاضِي من حَدِيث أبي قلَابَة، قَالَ: أَرَادَ نَاس من أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ أَن يرفضوا الدُّنْيَا، وَتركُوا النِّسَاء، وترهبوا، فَقَامَ رَسُول الله ﷺ فغلظ عَلَيْهِم الْمقَالة، فَقَالَ: \"إِنَّمَا هلك من كَانَ قبلكُمْ بِالتَّشْدِيدِ، شَدَّدُوا على أنفسهم فَشدد الله عَلَيْهِم، فَأُولَئِك بقاياهم فِي الديار والصوامع، اعبدوا الله وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئا، وحجوا واعتمروا، واستقيموا يستقم بكم\"٣قَالَ: وَنزلت فيهم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ ٤ ... \"٥.\n_________\n١ - فِي النُّسْخَة الَّتِي نقلتُ مِنْهَا النَّص \"زَائِدَة\".\n٢ - سُورَة الْمَائِدَة، الْآيَة: ٨٨.\n٣ - هَذِه الرِّوَايَة أخرجهَا عبد الرَّزَّاق فِي تَفْسِير الْقُرْآن (١/١٩٢)، وَمن طَرِيق عبد الرَّزَّاق أخرجهَا الطَّبَرِيّ فِي تَفْسِيره (١٠/٥١٥) . وَأَبُو قلَابَة لم يدْرك الْقِصَّة، فَالْحَدِيث مُرْسل. لَكِن أصل الحَدِيث فِي الصَّحِيحَيْنِ، من رِوَايَة أنس.\n٤ - سورةن الْمَائِدَة، الْآيَة: ٨٧.\n٥ - الِاعْتِصَام (١/٤١٧، ٤١٨) .","vol":"1","page":116},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-37>المبحث الْعَاشِر: مَعَ الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي فِي الإفادة من أصُول الْفِقْه فِي تَفْسِير الْقُرْآن الْكَرِيم</span>\nعلم أصُول الْفِقْه من الْعُلُوم المهمة، وَلَو لم يكن كَذَلِك لما شُغل بِهِ عُلَمَاء الْمُسلمين تعلما وتعليما وتأليفا، ومجاله فِي علم الْفِقْه وَاضح لَا غُبَار عَلَيْهِ.\nوأمَّا أهميته فِي تَفْسِير الْقُرْآن الْكَرِيم فَهِيَ لَا تقل عَن أهميته فِي الْفِقْه؛ إِذْ بِهِ يُعرف وَجه الِاسْتِدْلَال على الْأَحْكَام والاستنباط.\nولأهمية هَذَا الْعلم للمفسر عدّه الإِمَام السُّيُوطِيّ مِمَّا يجب على الْمُفَسّر أَن يتقنه قبل أَن يبْدَأ فِي تَفْسِير كَلَام الله تَعَالَى١.\nوَالْإِمَام أَبُو إِسْحَاق الشاطبي فِي هَذَا الْفَنّ - أصُول الْفِقْه - نَسِيج وَحده، وَإِمَام عصره، وَكتابه \"الموافقات\" لَا نظيرله فِي هَذَا الْفَنّ٢. فَهُوَ الْمرجع لتصوير مَا يَقْتَضِيهِ الدّين من استجلاب الْمصَالح، وتفصيل طرق الملاءمة بَين حَقِيقَة الدّين الخالدة، وصور الْحَيَاة الْمُخْتَلفَة المتعاقبة٣.\nوعندما تعرض الإِمَام أَبُو إِسْحَاق الشاطبي لتفسير الْقُرْآن الْكَرِيم أَفَادَ من علم أصُول الْفِقْه لإِظْهَار مَعَاني الْقُرْآن الْكَرِيم، فَهُوَ تَارَة يطبق قَوَاعِده فتظهر الْمعَانِي وتزول الإشكالات٤.\nوَتارَة يَجْعَل مَا يفهمهُ من الْقُرْآن الْكَرِيم مُسْتَندا لَهُ فِي بِنَاء بعض الْقَوَاعِد الأصوليّة وتوضيحها. وَإِلَيْك بعض الْأَمْثِلَة فِي هَذَا المبحث:\n_________\n١ - انْظُر الإتقان (٢/٥١٠، ٥١٢) .\n٢ - انْظُر نيل الابتهاج، ص (٤٨)\n٣ - انْظُر أَعْلَام الْفِكر الإسلامي ص (٧٦) .\n٤ - من أَمْثِلَة زَوَال الْإِشْكَال بتطبيق الْقَوَاعِد الْأُصُولِيَّة مَا ذكره فِي بَاب النّسخ وَأَن للْمُتَقَدِّمين فِيهِ اصْطِلَاحا غير مَا عرف عِنْد الْأُصُولِيِّينَ. انْظُر: الموافقات (٣/٣٤٤) وَمَا بعْدهَا.","vol":"1","page":117},{"text":"(١) قَالَ رَحمَه الله تَعَالَى - فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ ١ -: \"وَقَوله: \"فِي شَيْء\" نكرَة فِي سِيَاق الشَّرْط، فَهِيَ صِيغَة من صِيغ الْعُمُوم، فتنتظم كل تنَازع على الْعُمُوم، فالرد فِيهَا لَا يكون إِلَّا أَمر وَاحِد، فَلَا يسع أَن يكون أهل الْحق فرقا\"٢.\n(٢) وَقَالَ - رَحمَه الله تَعَالَى - فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ ٣: \"وَمَفْهُوم الشَّرْط أَن من لَا يَتَّقِي الله لَا يَجْعَل لَهُ مخرجا\"٤.\n(٣) وَقَالَ رَحمَه الله تَعَالَى: \"وَقَالَ تَعَالَى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ ٥وَمَفْهُومه من لم يطع الرَّسُول لم يطع الله\"٦.\n(٤) وَقَالَ رَحمَه الله تَعَالَى: \" ... فَقَوْل الله تَعَالَى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ٧لما نزلت أَولا كَانَت مقررة لحكم أُصَلِّي منزل على منَاط أُصَلِّي من الْقُدْرَة وَإِمْكَان الِامْتِثَال - وَهُوَ السَّابِق - فَلم يتنزل حكم أولي الضَّرَر، وَلما اشْتبهَ ذُو الضَّرَر ظن أَن عُمُوم نفي الاسْتوَاء يَسْتَوِي فِيهِ ذُو الضَّرَر وَغَيره فخاف من ذَلِك وَسَأَلَ الرُّخْصَة، فَنزل ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ ٨ ... \"٩.\n_________\n١ - سُورَة النِّسَاء، الْآيَة: ٥٩.\n٢ - الِاعْتِصَام (٢/٧٥٥) .\n٣ - سُورَة الطَّلَاق، الْآيَة: ٢.\n٤ - انْظُر الموافقات (١/٥٣٢) .\n٥ - سُورَة النِّسَاء، الْآيَة: ٨٠.\n٦ - الموافقات (٢/٤٣٠) .\n٧ - سُورَة النِّسَاء، الْآيَة: ٩٥.\n٨ - سُورَة النِّسَاء، الْآيَة: ٩٥.\n٩ - الموافقات (٣/٢٩٣) وَهَذَا الْمِثَال يصلح لما قلته سَابِقًا من أَن أَبَا إِسْحَاق يَجْعَل مَا يفهمهُ من الْقُرْآن مُسْتَندا لَهُ فِي بِنَاء بعض الْقَوَاعِد الْأُصُولِيَّة. انْظُر الْمَسْأَلَة من أَولهَا فِي الموافقات (٣/٢٩٢ - ٢٩٥) .","vol":"1","page":118},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-38>الخاتمة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-39>أهم النتائج الي ظَهرت للْإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي من خلال هَذَا الْبَحْث</span>\n...\nتَابع مَعَ الإِمَام أبي اسحاق الشاطبي فِي مبَاحث من عُلُوم الْقُرْآن الْكَرِيم وَتَفْسِيره\nالخاتمة\nأهم النتائج - الَّتِي ظَهرت لي من خلال هَذَا الْبَحْث - والتوصيات\n١ - أَن الإِمَام أَبَا إِسْحَاق الشاطبي عَالم بعلوم الْقُرْآن وَتَفْسِيره، وَهُوَ لَا يقل فِي هَذَا الْعلم عَن مَعْرفَته بالفقه وأصوله.\n٢ - أَن مؤلفات الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي قد حوت دررًا نفيسة، لَا غنى لأهل الْقُرْآن من الرُّجُوع إِلَيْهَا.\n٣ - أَن الإِمَام أَبَا إِسْحَاق الشاطبي قد دوّن فِي عُلُوم الْقُرْآن مبَاحث قيمَة، بَعْضهَا لَا يُوجد عِنْد الزَّرْكَشِيّ، وَلَا عِنْد السُّيُوطِيّ، وَلَا عِنْد غَيرهمَا مِمَّن اطَّلَعت على مؤلفاته.\n٤ - أَن كتب الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي لم تُدرس وَينْتَفع بِمَا فِيهَا فِي مجَال عُلُوم الْقُرْآن الْكَرِيم، فَهِيَ لَا زَالَت بكرا فِي هَذِه النَّاحِيَة، وَكَذَلِكَ فِي نَاحيَة اللُّغَة الْعَرَبيَّة.\n٥ - ظهر لي أَن الإِمَام أَبَا إِسْحَاق الشاطبي يستشهد أَحْيَانًا بالروايات الضعيفة من الْأَحَادِيث والْآثَار.\n٦ - أُوصي بِأَن ينبري ثَلَاثَة باحثين - من أهل الْقُرْآن الْكَرِيم وعلومه - إِلَى العكوف على مؤلفات الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي، وَيكون مهمة أحدهم جمع مَا سطّره الإِمَام أَبُو إِسْحَاق الشاطبي فِي تَفْسِير الْقُرْآن الْكَرِيم ومقارنته بأقوال الْمُفَسّرين وَالتَّعْلِيق عَلَيْهِ.","vol":"1","page":119},{"text":"٧ - أُوصي جَمِيع الباحثين فِي عُلُوم الْقُرْآن الْكَرِيم وأصول التَّفْسِير وقواعده بِالرُّجُوعِ إِلَى مؤلفات الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي والاستفادة مِنْهَا وخصوصا كِتَابه الْعَظِيم «الموافقات» .\n٨ - أشكر الباحثين - من أهل الْقُرْآن الْكَرِيم وعلومه - الَّذين رجعُوا فِي أبحاثهم الْمُتَعَلّقَة بِالْقُرْآنِ الْكَرِيم إِلَى مؤلفات الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي، وأعتب عَلَيْهِم أَنهم لم يشيدوا بِالْإِمَامِ أبي إِسْحَاق الشاطبي فِي هَذَا المجال، حَتَّى وَلَو فِي مقَالَة علمية.\n٩ - أحث إخْوَانِي الباحثين فِي كليات اللُّغَة الْعَرَبيَّة إِلَى دراسة كتب الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي، وَإِظْهَار آرائه النحوية وتعقيباته على الإِمَام ابْن مَالك، خُصُوصا فِي كِتَابه الممتاز «الْمَقَاصِد الشافية فِي شرح الْخُلَاصَة الكافية» .","vol":"1","page":120},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-40>مصَادر ومراجع</span>\n...\nفهرس المصادر والمراجع\n- الْقُرْآن الْكَرِيم.\n- اتجاهات التَّفْسِير فِي الْعَصْر الرَّاهِن، لعبد الْمجِيد عبد السَّلَام. منشورات مكتبة النهضة الإسلامية، عمان، الْأُرْدُن، الطبعة الثَّانِيَة، ١٤٠٠هـ.\n- إتحاف فضلاء الْبشر فِي الْقرَاءَات الْأَرْبَع عشر، للبنا، تَعْلِيق: الضبَّاع. دَار الندوة الجديدة.\n- الإتقان فِي عُلُوم الْقُرْآن، للسيوطي، تَحْقِيق: مُحَمَّد شرِيف سكر، ومصطفى الْقصاص. دَار إحْيَاء الْعُلُوم، بيروت، مكتبة المعارف، الرياض، الطبعة الأولى، ١٤٠٧هـ.\n- الْإِحَاطَة فِي أَخْبَار غرناطة، للسان الدّين بن الْخَطِيب، تَحْقِيق: مُحَمَّد عبد الله عنان. الناشر مكتبة الخانجي بِالْقَاهِرَةِ، الطبعة الثَّانِيَة، ١٣٩٣هـ.\n- أَحْكَام الْقُرْآن، لِابْنِ الْعَرَبِيّ، تَحْقِيق: عَليّ مُحَمَّد البجاوي. دَار الْفِكر.\n- اخْتِلَاف الْمُفَسّرين أَسبَابه وآثاره، لسعود بن عبد الله الفنيسان. مَرْكَز الدراسات والإعلام، دَار إشبيليا، الطبعة الأولى، ١٤١٨هـ.\n- إرشاد الْمُبْتَدِي وَتَذْكِرَة المنتهي فِي الْقرَاءَات الْعشْر، للقلانسي، تَحْقِيق: عمر حمدَان الكبيسي. المكتبة الفيصليّة، الطبعة الأولى، ١٤٠٤هـ.\n- أزهار الرياض فِي أَخْبَار عِيَاض، لِأَحْمَد بن مُحَمَّد الْمقري التلمساني، تَحْقِيق: أَحْمد أَعْرَاب، وَمُحَمّد بن تاويت. صندوق إحْيَاء التراث الإسلامي الْمُشْتَرك بَين المملكة المغربية والإمارات الْعَرَبيَّة المتحدة.\n- أَسبَاب النُّزُول، لِلْوَاحِدِيِّ، تَحْقِيق: عِصَام بن عبد المحسن. دَار الْإِصْلَاح، الطبعة الأولى، ١٤١١هـ.","vol":"1","page":121},{"text":"- استدراكات القَاضِي ابْن عَطِيَّة على الإِمَام ابْن جرير الطَّبَرِيّ فِي تَفْسِير الْقُرْآن الْكَرِيم، لشايع بن عَبده الأسمري. مطبوع على الكمبيوتر، ١٤١٧هـ، وَمِنْه نُسْخَة فِي المكتبة المركزية بالجامعة الإسلامية.\n- الْإِصَابَة فِي تَمْيِيز الصَّحَابَة، لِابْنِ حجر الْعَسْقَلَانِي، تَحْقِيق: طه مُحَمَّد الزيني. الناشر: مكتبة ابْن تَيْمِية، الْقَاهِرَة، ١٤١١هـ.\n- الِاعْتِصَام، لأبي إِسْحَاق الشاطبي، تَحْقِيق: سليم بن عيد الْهِلَالِي. نشر دَار ابْن عَفَّان، الطبعة الأولى، ١٤١٢هـ.\n- أَعْلَام الْفِكر الإسلامي فِي تَارِيخ الْمغرب الْعَرَبِيّ، لِابْنِ عَاصِم مُحَمَّد الأندلسي. مكتبة النجاح تونس.\n- الْأَعْلَام، لخير الدّين الزركلي. دَار الْعلم للملايين بيروت، الطبعة السَّابِعَة، ١٩٨٦م.\n- أَعْلَام الْمغرب الْعَرَبِيّ، لعبد الْوَهَّاب بن مَنْصُور. المطبعة الملكية بالرباط، ١٣٩٨هـ.\n- الإفادات والإنشادات، لأبي إِسْحَاق الشاطبي، تَحْقِيق أبي الأجفان. مؤسسة الرسَالَة، الطبعة الأولى، ١٤٠٣هـ.\n- إِيضَاح الْمكنون فِي الذيل على كشف الظنون عَن أسامي الْكتب والفنون، لإسماعيل باشا. طبع بعناية وكَالَة المعارف الجليلة فِي مطبعتها البهيّة، ١٣٦٦هـ.\n- بَحر الْعُلُوم، لأبي اللَّيْث السَّمرقَنْدِي، تَحْقِيق: عَليّ مُحَمَّد وعادل أَحْمد وزَكَرِيا عبد الْمجِيد. دَار الْكتب العلمية، الطبعة الأولى ١٤١٣هـ.\n- الْبَحْر الْمُحِيط، لأبي حَيَّان. تَصْوِير دَار الْفِكر بيروت، الطبعة الثَّانِيَة، ١٤٠٣هـ.\n- بحوث فِي التَّفْسِير ومناهجه، لفهد بن عبد الرَّحْمَن الرُّومِي. نشر مكتبة التَّوْبَة، ١٤١٦هـ.\n- بدعُ التفاسير فِي الْمَاضِي والحاضر. مؤسسة الْأَنْوَار للنشر والتوزيع، الرياض،","vol":"1","page":122},{"text":"١٣٩٠ - هـ.\n- الْبِدْعَة ضوابطها وأثرها السيءُ فِي الأمّة، لعَلي نَاصِر فقيهي. مطابع الجامعة الإسلامية بِالْمَدِينَةِ المنوّرة.\n- برنامج المجاري، لمُحَمد المجاري الأندلسي، تَحْقِيق: أبي الأجفان. دَار الغرب الإسلامي، بيروت، الطبعة الأولى، ١٩٨٢م.\n- الْبُرْهَان فِي عُلُوم الْقُرْآن، للزركشي، تَحْقِيق: مُحَمَّد أبي الْفضل إِبْرَاهِيم. دَار الْفِكر، الطبعة الثَّانِيَة، ١٤٠٠هـ.\n- بغية الوعاة فِي طَبَقَات اللغويين والنحاة، للسيوطي، تَحْقِيق: مُحَمَّد أبي الْفضل. المكتبة العصرية للطباعة والنشر، بيروت.\n- تَارِيخ التراث الْعَرَبِيّ، لفؤاد سزكين، تَرْجَمَة فَهِيَ أبي الْفضل. طبع جَامِعَة الإِمَام مُحَمَّد ابْن سعود الإسلامية.\n- التَّحْرِير والتنوير، لِابْنِ عاشور. لم يذكر مَعْلُومَات عَن الطَّبْع.\n- ترجمات مَعَاني الْقُرْآن الْكَرِيم وتطور فهمه عِنْد الغرب، لعبد الله عَبَّاس الندوي. دَار الْفَتْح، الطبعة الأولى، ١٣٩٢هـ.\n- تَرْجَمَة الْقُرْآن وَكَيف نَدْعُو غير الْعَرَب إِلَى الْإِسْلَام، لعبد الْوَكِيل الدروبي. مكتبة دَار الْإِرْشَاد، حمص.\n- تَرْجَمَة الْقُرْآن وَمَا فِيهَا من الْمَفَاسِد ومنافاة الْإِسْلَام، لمُحَمد رشي رضَا. مطبعة الْمنَار بِمصْر، الطبعة الأولى ١٣٤٤هـ.\n- تسهيل الْفَوَائِد وتكميل الْمَقَاصِد، لِابْنِ مَالك، تَحْقِيق: مُحَمَّد كَامِل بَرَكَات. دَار الْكَاتِب الْعَرَبِيّ بِمصْر، ١٣٨٧هـ.\n- التسهيل لعلوم التَّنْزِيل، لِابْنِ جزي الْكَلْبِيّ، تَحْقِيق: مُحَمَّد عبد الْمُنعم وَإِبْرَاهِيم عطوة. الناشر: أم الْقرى للطباعة والنشر، الْقَاهِرَة.\n- تَفْسِير سُورَة الْعَصْر، لعبد الْعَزِيز عبد الفتاح قَارِئ. مكتبة الدَّار، الطبعة الأولى،","vol":"1","page":123},{"text":"٤١٤ - هـ.\n- تَفْسِير الْقُرْآن الْعَظِيم، لِابْنِ كثير. دَار الْفِكر، الطبعة الأولى، ١٤٠٠هـ.\n- تَفْسِير الْقُرْآن الْعَظِيم مُسْندًا عَن رَسُول الله ﷺ وَالصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ، لعبد الرَّحْمَن بن أبي حَاتِم، تَحْقِيق: أسعد مُحَمَّد الطّيب. نشر مكتبة نزار مصطفى الباز، مَكَّة المكرمة، الطبعة الأولى، ١٤١٧هـ.\n- تَفْسِير الْقُرْآن، لعبد الرَّزَّاق الصَّنْعَانِيّ، تَحْقِيق: مصطفى مُسلم. مكتبة الرشد الرياض، الطبعة الأولى، ١٤١٠هـ.\n- التَّفْسِير الْكَبِير، للرازي. دَار الْكتب العلمية، الطبعة الأولى، ١٤١١هـ.\n- التَّفْسِير والمفسرون، لمُحَمد حُسَيْن الذَّهَبِيّ. دَار الْكتب الحديثة، الطبعة الثَّانِيَة، ١٣٩هـ.\n- تقريب التَّهْذِيب، لِابْنِ حجر الْعَسْقَلَانِي، تَحْقِيق: مُحَمَّد عوَّامة. دَار البشائر الإسلامية، وَدَار الرشد، الطبعة الأولى، ١٤٠٦هـ.\n- تَهْذِيب التَّهْذِيب، لِابْنِ حجر الْعَسْقَلَانِي. تَصْوِير دَار الْكتاب الإسلامي، لإحياء وَنشر التراث الإسلامي\n- الْجَامِع لأحكام الْقُرْآن، للقرطبي، تَحْقِيق: إِبْرَاهِيم اطفيش. دَار الْكتب المصرية.\n- جَامع الْبَيَان عَن تَأْوِيل آي الْقُرْآن، لِابْنِ جرير الطَّبَرِيّ، تَحْقِيق: أَحْمد\nومحمود شَاكر. دَار المعارف بِمصْر، الطبعة الثَّانِيَة.\n- حدث الْأَحْدَاث فِي الْإِسْلَام الْإِقْدَام على تَرْجَمَة الْقُرْآن، لمُحَمد بن سُلَيْمَان، مطبعة جَرِيدَة مصر الْحرَّة، الطبعة الثَّانِيَة ١٣٥٥هـ.\n- درة الحجال فِي أَسمَاء الرِّجَال، للمقري، تَحْقِيق: أبي النُّور مُحَمَّد الأحمدي. نشر دَار التراث الْقَاهِرَة، والمكتبة العتيقة بتونس.\n- الدّرّ المصون فِي عُلُوم الْكتاب الْمكنون، للسمين الْحلَبِي، تَحْقِيق: أَحْمد مُحَمَّد الْخَرَّاط. دَار الْقَلَم دمشق، الطبعة الأولى، ١٤١٤هـ.\n- الدّرّ المنثور فِي التَّفْسِير بالمأثور، للسيوطي. تَصْوِير دَار الْمعرفَة.\n- الرسَالَة، للْإِمَام الشَّافِعِي، تَحْقِيق: أحمدبن مُحَمَّد شَاكر. دارالكتب العلمية، بيروت.","vol":"1","page":124},{"text":"- روح الْمعَانِي فِي تَفْسِير الْقُرْآن والسبع المثاني، للألوسي. دَار الْفِكر، ١٤٠٨هـ.\n- زَاد الْمسير فِي علم التَّفْسِير، لِابْنِ الْجَوْزِيّ، الْمكتب الإسلامي، الطبعة الثَّالِثَة، ١٤٠٤هـ.\n- الزّهْد وَالرَّقَائِق، لعبد الله بن الْمُبَارك، تَحْقِيق: أَحْمد فريد. دَار الْمِعْرَاج الدولية للنشر، الطبعة الأولى١٤١٥هـ.\n- سنَن ابْن ماجة، لِابْنِ مَاجَه، تَحْقِيق: مُحَمَّد فؤاد عبد الْبَاقِي. دَار الْفِكر.\n- سنَن أبي دَاوُد، لأبي دَاوُد، تَحْقِيق: مُحَمَّد مُحي الدّين. دَار الْفِكر.\n- سنَن التِّرْمِذِيّ، لِلتِّرْمِذِي، تَحْقِيق: إِبْرَاهِيم عطوة عوض. دَار إحْيَاء التراث الْعَرَبِيّ، بيروت لبنان.\n- السّنَن الْكُبْرَى، للبيهقي. دَار الْمعرفَة، بيروت.\n- سير أَعْلَام النبلاء، للذهبي، تَحْقِيق: جمَاعَة بإشراف شُعَيْب الأرنؤوط. مؤسسة الرسَالَة، الطبعة الأولى، ١٤٠٣هـ.\n- شَجَرَة النُّور الزكية فِي طَبَقَات الْمَالِكِيَّة، لمُحَمد مخلوف. الناشر دَار الْكتاب الْعَرَبِيّ بيروت.\n- شرح أصُول اعْتِقَاد أهل السّنة وَالْجَمَاعَة، لللالكائي، تَحْقِيق: أَحْمد سعد حمدَان، الناشر: دَار طيبَة للنشر والتوزيع، الرياض، الطبعة الثَّانِيَة، ١٤١١هـ.\n- شرح التسهيل، لِابْنِ مَالك، تَحْقِيق: عبد الرَّحْمَن السَّيِّد، وَمُحَمّد بدوي المختون. هجر للطباعة والنشر، الطبعة الأولى، ١٤١٠هـ.\n- الصاحبي، لِابْنِ فَارس، تَحْقِيق: أَحْمد صقر. مكتبة ومطبعة دَار إحْيَاء الْكتب الْعَرَبيَّة، الطبعة الأولى، ١٩٧٤م.\n- صَحِيح ابْن حبَان - مَعَ الْإِحْسَان - لِابْنِ حبَان، تَحْقِيق: شُعَيْب الأرنؤوط. مؤسسة الرسَالَة بيروت، الطبعة الأولى، ١٤١٢هـ.\n- صَحِيح البُخَارِيّ – مَعَ فتح الْبَارِي - للْإِمَام البُخَارِيّ. الناشر دَار الْمعرفَة.\n- صَحِيح سنَن ابْن ماجة، لناصر الدّين الألباني. الْمكتب الإسلامي، الطبعة الثَّالِثَة،","vol":"1","page":125},{"text":"١٤٠٨ - هـ.\n- صَحِيح مُسلم، للْإِمَام مُسلم، تَحْقِيق: مُحَمَّد فؤاد عبد الْبَاقِي. دَار إحْيَاء التراث الْعَرَبِيّ.\n- الصَّحِيح الْمسند من أَسبَاب النُّزُول، لمقبل بن هادي الوادعي. نشر مكتبة المعارف الرياض، ١٤٠٠هـ.\n- الضَّوْء اللامع لأهل الْقرن التَّاسِع، للسخاوي. منشورات دَار مكتبة الْحَيَاة، بيروت لبنان.\n- طَبَقَات الْمُفَسّرين للداوودي. دَار الْكتب العلمية، بيروت.\n- العبر فِي خبر من غبر، للذهبي، تَحْقِيق: مُحَمَّد السعيد بسيوني. دَار الْكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤٠٥هـ.\n- علل الْقرَاءَات، لأبي مَنْصُور الْأَزْهَرِي، تَحْقِيق: نوال بنت إِبْرَاهِيم الحلوة، الطبعة الأولى، ١٤١٢هـ\n- فَتَاوَى الإِمَام الشاطبي، حققها وَقدم لَهَا مُحَمَّد أَبُو الأجفان. مطبعة الْكَوَاكِب، تونس، الطبعة الثَّانِيَة، ١٤٠٦هـ.\n- فتح الْبَارِي شرح صَحِيح البُخَارِيّ، لِابْنِ حجر. دَار الْمعرفَة للطباعة والنشر.\n- الْفرق بَين الْفرق، لعبد القاهر الْبَغْدَادِيّ، تَحْقِيق: مُحَمَّد محيي الدّين. الناشر دَار الْمعرفَة بيروت.\n- فهرس الفهارس والأثبات ومعجم المعاجم والمشيخات والمسلسلات، للكتاني، باعتناء إِحْسَان عَبَّاس. دَار الغرب الإسلامي، بيروت.\n- الْقُرْآن الْعَظِيم، هدايته وإعجازه فِي أَقْوَال الْمُفَسّرين، لمُحَمد الصَّادِق عرجون.\nالناشر مكتبة الكليات الأزهرية، ١٣٨٦هـ.\n- قصد السَّبِيل فِيمَا فِي اللُّغَة الْعَرَبيَّة من الدخيل، لمُحَمد الْأمين المحبي، تَحْقِيق: عُثْمَان مَحْمُود الصيني، مكتبة التَّوْبَة الرياض، الطبعة الأولى، ١٤١٥هـ.\n- قَوَاعِد التَّفْسِير جمع - اودراسة، لخَالِد بن عُثْمَان السبت. دَار ابْن عَفَّان للنشر","vol":"1","page":126},{"text":"والتوزيع، الطبعة الأولى، ١٤١٧هـ.\n- القَوْل السديد فِي حكم تَرْجَمَة الْقُرْآن الْمجِيد، لمُحَمد مصطفى الشاطر. مطبعة حجازي بِالْقَاهِرَةِ، ١٣٥٥هـ.\n- الكاشف فِي معرفَة من لَهُ رِوَايَة فِي الْكتب السِّتَّة، للذهبي، تَحْقِيق: لجنة من الْعلمَاء. دَار الْكتب العلمية بيروت، الطبعة الأولى، ١٤٠٣هـ.\n- الْكَاف الشاف فِي تَخْرِيج أَحَادِيث الكشّاف - مُلْحق بآخر الكشّاف - لِابْنِ حجر. دَار الْمعرفَة.\n- كتاب سِيبَوَيْهٍ، لسيبويه، تَحْقِيق: عبد السَّلَام هَارُون، مكتبة الخانجي بِالْقَاهِرَةِ.\n- الْكَشَّاف عَن حقائق التَّنْزِيل وعيون الْأَقَاوِيل فِي وُجُوه التَّأْوِيل، للزمخشري.\nدَار الْفِكر للطباعة والنشر، الطبعة الأولى، - كشف الظنون عَن أسامي الْكتب والفنون، لحاجي خَليفَة. منشورات مكتبة المتنبي بِبَغْدَاد.\n- الْكَشْف عَن وُجُوه الْقرَاءَات السَّبع وعللها ١٣٩٧هـ.\nوحججها، لمكي بن أبي طَالب، تَحْقِيق: مُحي الدّين رَمَضَان. مؤسسة الرسَالَة، الطبعة الرَّابِعَة، ١٤٠٧هـ.\n- لِسَان الْعَرَب، لِابْنِ مَنْظُور، تَعْلِيق: عَليّ شيري. دَار إحْيَاء التراث الْعَرَبِيّ، الطبعة الأولى، ١٤٠٨هـ.\n- لُغَة الْقُرْآن الْكَرِيم، لعبد الْجَلِيل عبد الرَّحِيم. مكتبة الرسَالَة، الطبعة الأولى، ١٤٠١هـ.\n- مبَاحث فِي عُلُوم الْقُرْآن، لمناع الْقطَّان. مؤسسة الرسَالَة، الطبعة الثَّامِنَة، ١٤٠١هـ -.\n- الْمَبْسُوط فِي الْقرَاءَات الْعشْر، لِأَحْمَد بن الْحُسَيْن الْأَصْبَهَانِيّ، تَحْقِيق: سبيع حَمْزَة. مطبوعات مجمع اللُّغَة الْعَرَبيَّة بِدِمَشْق.\n- مجَاز الْقُرْآن، لأبي عُبَيْدَة، تَحْقِيق: مُحَمَّد فؤاد سزكين. الناشر مكتبة الخانجي بِالْقَاهِرَةِ.\n- المجددون فِي الْإِسْلَام من الْقرن الأول إِلَى الرَّابِع عشر، لعبد المتعال الصعيدي، نشر: مكتبة الْآدَاب ومطبعتها بالجماميز.","vol":"1","page":127},{"text":"- مجلة البحوث الإسلامية، الرِّئَاسَة الْعَامَّة لإدارة البحوث العلمية، الْعدَد (٦) ١٤٠٢هـ.\n- الْمَجْمُوع شرح الْمُهَذّب، للنووي. دَار الْفِكر.\n- محَاسِن التَّأْوِيل، للقاسمي، تَحْقِيق: مُحَمَّد فؤاد عبد الْبَاقِي. مؤسسة التَّارِيخ الْعَرَبِيّ، الطبعة الأولى، ١٤١٥هـ.\n- الْمُحَرر الْوَجِيز فِي تَفْسِير الْكتاب الْعَزِيز، لِابْنِ عَطِيَّة، تَحْقِيق: الْمجْلس العلمي بفاس، ١٤١٣هـ.\n- مدارك التَّنْزِيل وحقائق التَّأْوِيل، للنسفي. الناشر: دَار الْكتاب الْعَرَبِيّ.\n- مدرسة التَّفْسِير فِي الأندلس، لمصطفى إِبْرَاهِيم المشني. مؤسسة الرسَالَة، الطبعة الأولى، ١٤٠٦هـ.\n- الْمحلى لِابْنِ حزم، تَحْقِيق لجنة إحْيَاء التراث الْعَرَبِيّ. دَار الْآفَاق الجديدة، بيروت.\n- مَسْأَلَة تَرْجَمَة الْقُرْآن، لمصطفى صبري. المطبعة السلفية ومكتبتها، الْقَاهِرَة، ١٣٥١هـ.\n- الْمسند، للْإِمَام أَحْمد. الْمكتب الإسلامي، الطبعة الْخَامِسَة، ١٤٠٥هـ.\n- المُصَنّف، لعبد الرَّزَّاق الصَّنْعَانِيّ، تَحْقِيق: حبيب الرَّحْمَن الأعظمي، الطبعة الأولى ١٣٩٢هـ.\n- معالم التَّنْزِيل، لِلْبَغوِيِّ، تَحْقِيق: خَالِد عبد الرَّحْمَن العك ومروان سوار. دَار الْمعرفَة، الطبعة الأولى، ١٤٠٦هـ.\n- مَعَاني الْقُرْآن الْكَرِيم، لأبي جَعْفَر النّحاس، تَحْقِيق: مُحَمَّد عَليّ الصَّابُونِي. نشر معهد البحوث العلمية وإحياء التراث الإسلامي بجامعة أم الْقرى.\n- مُعْجم الْبلدَانِ، لياقوت الْحَمَوِيّ، تَحْقِيق: ريد عبد الْعَزِيز الجندي، دَار الْكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤١٠هـ.\n- المعجم الْكَبِير، للطبراني، تَحْقِيق: حمدي عبد الْمجِيد السلَفِي. مطبعة الزهراء الحديثة، الطبعة الثَّانِيَة.\n- مُعْجم المؤلفين، لعمر رضَا كحالة. الناشر مكتبة الْمثنى بيروت، وَدَار إحْيَاء التراث الْعَرَبِيّ بيروت.","vol":"1","page":128},{"text":"- المُعرَّب من الْكَلَام الأعجمي على حُرُوف المعجم، للجواليقي، تَحْقِيق:\nأَحْمد بن مُحَمَّد شَاكر. مطبعة دَار الْكتب، الطبعة الثَّانِيَة، ١٣٨٩هـ.\n- المعيار المعرب وَالْجَامِع الْمغرب عَن فَتَاوَى عُلَمَاء إفريقية والأندلس وَالْمغْرب، لِأَحْمَد ابْن يحيى النوشريسي، خرجه جمَاعَة من الْفُقَهَاء، بإشراف مُحَمَّد حجي.\n- الْمُغنِي، لِابْنِ قدامَة. مكتبة الرياض الحديثة.\n- الْمَقَاصِد الشافية فِي شرح الْخُلَاصَة الكافية، لأبي إِسْحَاق الشاطبي، تَحْقِيق: عياد الثبيتي، نشر: مكتبة دَار التراث، الطبعة الأولى، ١٤١٧هـ.\n- مُقَدّمَة فِي أصُول التَّفْسِير، لِابْنِ تَيْمِية. دَار الصَّحَابَة للتراث، الطبعة الأولى، ١٤٠٩هـ.\n- مناظرات فِي أُصول الشَّرِيعَة الإسلامية بَين ابْن حزم والباجي، لعبد الْمجِيد تركي، تَرْجَمَة عبد الصبور شاهين. دَار الغرب الإسلامي، الطبعة الأولى، ١٤٠٦هـ.\n- مناهل الْعرْفَان فِي عُلُوم الْقُرْآن، لمُحَمد عبد الْعَظِيم الزّرْقَانِيّ. دَار إحْيَاء الْكتب الْعَرَبيَّة.\n- مَنْهَج ابْن عَطِيَّة فِي تَفْسِير الْقُرْآن الْكَرِيم. لعبد الْوَهَّاب فَايِد. الْهَيْئَة العامّة لشئون المطابع الأميرية، ١٣٩٣هـ.\n- الْمُهَذّب فِيمَا وَقع فِي الْقُرْآن من المعَرَّب، للسيوطي، تَحْقِيق: التهامي الراجي الْهَاشِمِي.\nمطبعة المحمدية الْمغرب.\n- الموافقات، للشاطبي، تَحْقِيق: مَشْهُور بن حسن. نشر دَار ابْن عَفَّان، الطبعة الأولى، ١٤١٧هـ.\n- الموافقات فِي أصُول الشَّرِيعَة، للشاطبي، تَحْقِيق: عبد الله دراز. دَار الْمعرفَة بيروت.\n- ميزَان الِاعْتِدَال فِي نقد الرِّجَال، للذهبي، تَحْقِيق: عَليّ البجاوي. دَار المرفعة، بيروت.\n- النَّاسِخ والمنسوخ فِي الْقُرْآن الْعَزِيز وَمَا فِيهِ من الْفَرَائِض وَالسّنَن، للقاسم بن سلاَّم، تَحْقِيق: مُحَمَّد بن صَالح المديفر. مكتبة الرشد للنشر والتوزيع، الرياض، الطبعة الأولى، ١٤١١هـ.\n- النَّاسِخ والمنسوخ فِي كتاب الله ﷿ وَاخْتِلَاف الْعلمَاء فِي ذَلِك، لأبي جَعْفَر النّحاس، تَحْقِيق: سُلَيْمَان بن إِبْرَاهِيم اللاحم. مؤسسة الرسَالَة، الطبعة الأولى","vol":"1","page":129},{"text":"، ١٤١٢هـ.\n- النشر فِي الْقرَاءَات الْعشْر، لِابْنِ الْجَزرِي، تَحْقِيق: الضباع. دَار الْكتب العلمية.\n- نفح الطّيب من غُصْن الأندلس الرطيب، للمقّري التلمساني، تَحْقِيق: إِحْسَان عَبَّاس. دَار صادر بيروت.\n- نكت الْقُرْآن الدالّة على الْبَيَان فِي أَنْوَاع الْعُلُوم وَالْأَحْكَام، لمُحَمد بن عَليّ القصاب، تَحْقِيق: شايع بن عَبده الأسمري. يُوجد من الْكتاب نسخ فِي المكتبة المركزية، قسم المخطوطات.\n- النكت والعيون، للماوردي، تَحْقِيق: السَّيِّد بن عبد الْمَقْصُود. دَار الْكتب العلمية، الطبعة الأولى ١٤١٢هـ.\n- النِّهَايَة فِي غَرِيب الحَدِيث والأثر، لِابْنِ الْأَثِير، تَحْقِيق: طَاهِر الزاوي، ومحمود الطناحي. المكتبة العلمية بيروت.\n- نواسخ الْقُرْآن، لِابْنِ الْجَوْزِيّ، تَحْقِيق: مُحَمَّد أشرف. نشر الْمجْلس العلمي بالجامعة الإسلامية، الطبعة الأولى، ١٤٠٤هـ.\n- نيل الابتهاج بتطريز الديباج، لِأَحْمَد بَابا التنبكتي. مُلْتَزم طبعه عَبَّاس بن عبد السَّلَام ابْن شقرون، بالفحامين بِمصْر، الطبعة الأولى ١٣٥١هـ.","vol":"1","page":130}]}