{"ً":{"ٌ":457,"ٍ":"رسالة في الكلام على أحكام خبر الواحد وشرائطه - ضمن «آثار المعلمي»","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"files":["https://archive.org/download/moalemee/19_137199s.pdf"]},"ّ":"الكتاب: رسالة في الكلام على أحكام خبر الواحد وشرائطه\n[آثار عبد الرحمن بن يحيى المعلمي اليماني (١٩)]\nالمؤلف: عبد الرحمن بن يحيى المُعَلِّمي اليماني (١٣١٣ - ١٣٨٦ هـ)\nالمحقق: محمد عزير شمس\nراجعه: محمد أجمل الإصلاحي - عبد الرحمن بن حسن بن قائد\nالناشر: دار عالم الفوائد للنشر والتوزيع\nالطبعة: الأولى، ١٤٣٤ هـ\nقدمه للشاملة: مؤسسة «عطاءات العلم»، جزاهم الله خيرا\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":178,"ٕ":10,"ٖ":1780758643,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["19"],"ٚ":[{"title":"مقدمة المؤلف","level":1,"page":2},{"title":"الباب الأول: في بعض ما يتعلق بخبر الواحد","level":1,"page":3},{"title":"الفصل الأول في وجوب العمل بخبر الواحد","level":2,"page":3},{"title":"حجة أخرى","level":3,"page":4},{"title":"حجة ثالثة","level":3,"page":7},{"title":"شبهة المخالف (أن العقل لا يجوز أن يتعبد الله عباده بخبر الواحد)","level":3,"page":8},{"title":"شبهة أخرى (أن الشرع منع العمل بخبر الواحد لأنه إنما يفيد الظن)","level":3,"page":10},{"title":"شبهة ثالثة (دعوى جماعة من العقلاء أن عامة الأخبار المروية عن النبي - ﷺ - بطرق الآحاد غير مستجمعة للشروط)","level":3,"page":12},{"title":"ومن هؤلاء: كتاب الإفرنج في العصور المتأخرة وأذنابهم","level":3,"page":13},{"title":"ومنهم: بعض الفرق الغالية، كالخوارج والروافض","level":3,"page":14},{"title":"ومنهم: أفراد من المعتزلة والجهمية","level":3,"page":15},{"title":"ومنهم: بعض الغلاة في الرأي","level":3,"page":16},{"title":"أثر اتباع الهوى في توهين الأخبار وردها","level":3,"page":16},{"title":"الفصل الثاني فيما يفيده خبر الواحد","level":2,"page":20},{"title":"الفصل الثالث المعنى الذي لأجله وجب العمل بخبر الواحد","level":2,"page":23},{"title":"الفصل الرابع المقابلة بين الرواية والشهادة","level":2,"page":27},{"title":"استشكال التخفيف في الرواية بالاكتفاء بخبر واحد بخلاف الشهادة","level":3,"page":27},{"title":"الوجه الأول في الجواب","level":4,"page":27},{"title":"الوجه الثاني","level":4,"page":29},{"title":"الوجه الثالث","level":4,"page":32},{"title":"الباب الثاني: في شرائط حجية خبر الواحد","level":1,"page":35},{"title":"ما يشترط في المخبر حال الإخبار","level":2,"page":35},{"title":"فصل (نقد من جعل رواية العدل عن رجل تعديلا له)","level":2,"page":39},{"title":"الشرط الثاني: الضبط","level":2,"page":45},{"title":"فصل (اعتبار أحاديث الراوي لمعرفة تثبته وضبطه)","level":2,"page":47},{"title":"مذهب ابن حبان في تعديل الرواة","level":2,"page":48},{"title":"مذهب أحمد بن عبد الله العجلي في ذلك","level":2,"page":50}],"ٛ":{"19,121":1,"19,123":2,"19,124":3,"19,125":4,"19,126":5,"19,127":6,"19,128":7,"19,129":8,"19,130":9,"19,131":10,"19,132":11,"19,133":12,"19,134":13,"19,135":14,"19,136":15,"19,137":16,"19,138":17,"19,139":18,"19,140":19,"19,141":20,"19,142":21,"19,143":22,"19,144":23,"19,145":24,"19,146":25,"19,147":26,"19,148":27,"19,149":28,"19,150":29,"19,151":30,"19,152":31,"19,153":32,"19,154":33,"19,155":34,"19,156":35,"19,157":36,"19,158":37,"19,159":38,"19,160":39,"19,161":40,"19,162":41,"19,163":42,"19,164":43,"19,165":44,"19,166":45,"19,167":46,"19,168":47,"19,169":48,"19,170":49,"19,171":50},"ٜ":{"19":[121,171]},"ٝ":["19,121","19,123","19,124","19,125","19,126","19,127","19,128","19,129","19,130","19,131","19,132","19,133","19,134","19,135","19,136","19,137","19,138","19,139","19,140","19,141","19,142","19,143","19,144","19,145","19,146","19,147","19,148","19,149","19,150","19,151","19,152","19,153","19,154","19,155","19,156","19,157","19,158","19,159","19,160","19,161","19,162","19,163","19,164","19,165","19,166","19,167","19,168","19,169","19,170","19,171"],"ٞ":{"2":[1],"3":[2,3],"4":[4],"7":[5],"8":[6],"10":[7],"12":[8],"13":[9],"14":[10],"15":[11],"16":[12,13],"20":[14],"23":[15],"27":[16,17,18],"29":[19],"32":[20],"35":[21,22],"39":[23],"45":[24],"47":[25],"48":[26],"50":[27]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"الرسالة الثانية\nرسالة في الكلام على أحكام خبر الواحد وشرائطه","vol":"19","page":121},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\nالحمد لله حمدًا يوافي نِعمَه، ويكافئ مزيده، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، وسلِّمْ تسليمًا كثيرًا.\nأما بعد، وجدتُ كلام المتقدمين في أحكام الجرح والتعديل قليلًا ومنتشرًا، وكلام من بعدهم مختلفًا غير وافٍ بالتحقيق. ورأيت لبعض المتأخرين كلامًا حاد فيه عن الصواب، ويُسِّر لي في تحقيق بعض المسائل ما لم أعثر عليه في كتب القوم ــ والله المستعان ــ؛ فأردت أن أقيِّدَ ذلك، ثم رأيت أن أضمَّ إلى ذلك شيئًا من الكلام على أحكام خبر الواحد وشرائطه، فجمعتُ هذه الرسالة، ورتبتُها على ثلاثة أبواب، ومِن الله تعالى أسأل الإعانة والتوفيق.","vol":"19","page":123},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>الباب الأول\nفي بعض ما يتعلق بخبر الواحد</span>\nوفيه فصول:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3>الفصل الأول\nفي وجوب العمل بخبر الواحد</span>\nهذا أمر مشروح في كتب أهل العلم، وإنما أنبه فيه على ما لم أقف عليه في كتبهم ابتداء، أو رأيتُه غير مستوفًى.\nفأقول: أمر الله ﵎ بطاعة رسوله - ﵌ -، والتحذير من معصيته في عدة آيات من كتابه:\nمنها قوله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠]. ولا مخالفَ في ذلك من الأمة، والعرب لا تفرِّق في إطلاق الطاعة والمعصية بين أن يَثبُتَ الأمر عند المأمور يقينًا وأن يثبت ظنًّا، بل كما يقولون لمن واجهه أبوه بالأمر فامتثل: إنه أطاع أباه، وإن لم يمتثل: إنه قد عصى أباه؛ فكذلك يقولون لمن بلغه من وجهٍ يُوثَق به أن أباه أمره، كمن أخبره رجل ثقة عن أبيه، أو ثقة عن ثقة عن أبيه.\nوهذا أمر لا يجهله من يعرف لسان العرب، بل والأمر كذلك في سائر الألسنة.\nفإذا ثبت هذا ثبت وجوبُ العملِ بخبر الواحد المفيد للظن، وأن من بلغه من وجهٍ يفيد الظن، إن امتثل فقد أطاع، وإلا فقد عصى.","vol":"19","page":124},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4>حجة أخرى:</span> قال الله ﵎: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ [النساء: ١٠٥].\nوواضح أن قوله: ﴿بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ معناه: بما عرَّفكه وفهَّمكه من الكتاب (^١).\nوقد قال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٧٩].\nونعت الله سبحانه التوراة بقوله: ﴿تَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٥٤، الأعراف: ١٤٥]، ثم أنزل القرآن مهيمنًا على ما قبله.\nوقال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النساء: ٥٩].\nوقال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥].\n[ص ٢] وكل من له حظٌّ من العلم، يعلم أنه لا يمكن العالمَ أن يعرف من القرآن وحده، أو منه ومن السنن المتواترة جميع الأحكام التي يحتاج إليها الناس فيما يشجر بينهم، ويختلفون فيه، ويريدون العمل به.\nوعُلِم كذلك أن محمدًا - ﵌ - خاتم الأنبياء، وشريعتهُ خالدةٌ إلى يوم القيامة، وأن الله تعالى لا يُخلِي الأرضَ عن الحجة (^٢). وقد قال تعالى:\n_________\n(^١) انظر: \"تفسير القرطبي\" (٥/ ٣٢١).\n(^٢) يريد علماء أهل السنة من قولهم: إن الله لا يُخلي الأرض عن الحجة، أو عن القائم لله بالحجة: أهلَ الحق القائمين بكتاب الله، ولا يخلو منهم زمان كما ورد في أحاديث الطائفة المنصورة والفرقة الناجية، وتجديد أمر الدين على رأس كل مئة عام، خلافًا لما يدعيه أهل البدع من الرافضة وغيرهم. \"فتح الباري\" (٦/ ٤٩٤)، \"مجموع فتاوى شيخ الإسلام\" (٢٥/ ١٣٠)، \"إعلام الموقعين\" (٢/ ٢٧٦).","vol":"19","page":125},{"text":"﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحِجر: ٩]، والذكر يشمل أحكام النبي - ﵌ -، إن لم يكن بلفظه فبمعناه، لأن المقصود من حفظ القرآن هو أن تبقى الحجة قائمة إلى يوم القيامة، وأحكامه - ﵌ - مما يُحتاج إليه في قيام الحجة في فروع الشريعة.\nوقد قيل لابن المبارك: هذه الأحاديث المصنوعة؟ فقال: تعيش لها الجهابذة، ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] (^١). فاحتج بالآية على أنه لا يمكن أن يُلْصَقَ بالشريعة ما ليس منها، بحيث لا يتيسر لعالم بيانُ أنه ليس منها. فكذلك يُحتجُّ بها على أنه لا يمكن أن يسقط من الشريعة شيء، بحيث لا يبقى لعالمٍ طريقٌ إلى إثبات أنه منها (^٢).\nفنحن نسأل المخالف أو المرتاب: هل كانت جميع الأحكام التي حكم بها النبي - ﵌ - مما ليس بظاهر لنا من القرآن خاصةً بأصحابه، أم عامةً لهم ولمن بعدهم؟\nفإن قال: خاصة، فقد كابر وجحد ما هو معلوم من الإسلام بالضرورة.\nوإن قال: ما ثبت ثبوتًا قطعيًّا فهو لازم لمن بعد الصحابة، وما لم يثبت\n_________\n(^١) \"الكفاية\" (ص ٧٧)، \"فتح المغيث\" (١/ ٢٦٠).\n(^٢) انظر في هذا الوجه من الاستدلال: \"الإحكام\" (٣/ ٧٤٦)، \"الموافقات\" (٢/ ٥٩).","vol":"19","page":126},{"text":"كذلك فليس بلازم، سألناه عمَّا لم يثبت قطعًا: أمقطوعٌ عنده بكذبٍ كلُّ ما رُوِي من ذلك؟\nفإن قال: نعم، كابر.\nوإن قال: لا، بل منه ما هو صحيح في نفس الأمر.\nقلنا: فما كان منه صحيحًا في نفس الأمر، هل كان من الشريعة في حق الصحابة الذين ثبت عندهم قطعًا لسماعهم من النبي - ﵌ - مواجهةً، وفي حق من تواتر عنده من التابعين، أو قَطَعَ بصحته لقرائنَ اقترنت بالخبر عنده؟\nفإن قال: لا، كابر.\nوإن قال: نعم.\nقلنا: فهذه الأمور التي كانت من الشريعة لو لم تبقَ الآن من الشريعة لكانت الشريعة الآن ناقصة، ولكانت الحجة مفقودة في كثير من الأحكام التي يحتاج إليها الناس، وذلك خلاف وعد الله ﵎، وخلاف حكمته في ختم النبوة، وغير ذلك.\nفإن قال: فما تقولون أنتم في الأحاديث الضعيفة؟\nقلنا: ما كان ضعيفًا اتفاقًا وانفرد بأمر ليس عليه دليلٌ آخر تقوم به الحجة فذاك الضعيف باطلٌ قطعًا، وأحسن أحواله أن يكون: كان شيءٌ فَنُسِخَ؛ لأن ما تكفَّلَ به الرب ﷿ من حفظ الشريعة إنما يحصل المقصود منه بحفظ أحكامها حفظًا تقوم به الحجة، والضعيف لا تقوم به الحجة. وقد أوضحتُ هذا في رسالة \"الكلام في العمل بالضعيف\" (^١)، فليُطلَب تمامُه من هناك.\n_________\n(^١) ضمن \"مجموع الرسائل الحديثية\" (ص ١٥١ - ٢١٣).","vol":"19","page":127},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5>حجة ثالثة:</span>\nقال الله ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة: ٦٧] (^١).\nوقد تواتر تواترًا معنويًّا أن النبي - ﵌ - كان يكتفي في كثير من الأحكام بإخبار الواحد أو الاثنين، فلو كان خبر الواحد لا تقوم به الحجة لما حصل به مقصود التبليغ، إذ المقصود تبليغ يتيسَّرُ علم الناس به، ويُبلِّغه الحاضرُ الغائبَ، ثم يتناقله الناس إلى يوم القيامة؛ لما تقدم (^٢). ولو كان كذلك (^٣) لما اكتفى - ﵌ - بذلك، ولا أقرَّه ربه ﷿ عليه.\nفإن قيل: فإن الذي سمع ذلك إن كان واحدًا أو اثنين قد يموت قبل أن يُخبر غيره، وقد ينسى، وقد يرتدُّ أو يَفسُق، فكيف يكتفي النبي - ﵌ - بإخباره؟\n[ص ٣] فالجواب: أنه - ﵌ - كان يعلم أن ربه ﷿ حافظ له، وحافظ لدينه، وأنه إن علم ﷿ من ذلك الرجل الذي بلَّغه شيئًا مما مرَّ لنبَّه سبحانه نبيَّه، وهداه إلى تبليغ غيره ممن يعلم أنه سيبلِّغ مَن بعده على وجهٍ تقوم به الحجة.\n_________\n(^١) في المخطوط: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ فا﴾ وترك بعده بياض.\n(^٢) انظر في هذا الوجه من الاستدلال: \"قواطع الأدلة\" (١/ ٣٢٢)، \"رفع الحاجب\" (٢/ ٣٣٨).\n(^٣) أي: ولو كان خبر الواحد لا تقوم به الحجة.","vol":"19","page":128},{"text":"هذا، وفي كتب أهل العلم حجج كثيرة في هذه المسألة، وإنما نبَّهتُ على ما لا أعلمه في كتبهم مشروحًا، كما سلف، والله الموفق (^١).\nفإن فُرِض أنه ليس في الحجج على وجوب العمل بخبر الواحد ما يفيد القطعَ بمفردها، فلا ريب أنها باجتماعها تفيد القطع، كما حققه الشاطبي في \"الموافقات\" (^٢).\nشبهة المخالف:\nذكروا أن بعض من خالف في هذا زعم أن العقل لا يُجوِّز أن يتعبد الله ﷿ عباده بخبر الواحد.\nوظهور بطلان هذا أغناني عن البحث عن توجيه هذا القول، إلا أنه يخطر لي أن وجهه: أن الخبر قد يكون باطلًا، بأن يكون الراوي غلِطَ، أو يكون بخلاف ما ظهر لنا من ثقته فكذبَ، وإذا احتمل البطلان كان التعبد به في صورة بطلانه تعبدًا بالباطل، وذلك محال على الله ﷿.\nوالجواب عن هذه الشبهة وغيرها: أنها في معارضة ما ثبت قطعًا، فلا يُعتدُّ بها، وإن كانت قد تُشكِّك الناظر حتى يكاد يرتاب في أن تلك الحجج تفيد القطع، فإن هذا شأن الشُّبه، كما رأينا السوفسطائية يثيرون شبهًا على\n_________\n(^١) انظر في أدلة حجية خبر الواحد: \"الرسالة\" (٣٨٣)، \"الإحكام\" لابن حزم (١/ ١١٢)، \"البرهان\" (١/ ٣٨٨)، \"أصول السرخسي\" (١/ ٤٩٠)، \"المحصول\" لابن العربي (٥٤٣)؛ \"التحبير شرح التحرير\" (٤/ ١٨٠١).\n(^٢) (١/ ٢٩، ٣٠) ط. مشهور.","vol":"19","page":129},{"text":"المحسوسات والمعقولات الأولية وغيرها مما هو من أجلى القطعيات، فإذا سمع الناظر تلك الشبهات تزلزلَ اعتقادُه قطعيةَ تلك القطعيات أو كاد يتزلزل. ولهذا كان حكماء الأئمة من سلف الأمة يتجنبون سماع الشبهات، وينهون الناس عن مخالطة أهلها وسماع كلامهم.\nوحلُّ هذه الشبهة أن من أصل المخالف وغيره من مثبتي الحكمة: أنه لا يُعتدُّ بالشر القليل الناشئ عما ينشأ عنه الخير الكثير، ولا تُترك المصلحة الكبرى لانطوائها على مفسدة صغرى.\nفالتعبد بخبر الواحد ــ بشرطه ــ فيه خير كثير ومصالح عظمى، فلا ينظر إلى احتمال أن يكون في بعض الجزئيات باطلًا. وأمثلة ذلك في خلق الله ﷿ معروفة مشهورة. وقد قال تعالى: ﴿لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف: ٥٤]. وكذلك له أمثلة فيما اتفق عليه من أمره سبحانه، وهو الشريعة، كالتعبد بما يظهر للعالم من دلالة القرآن، وتعبُّدِ القاضي بأن يحكم بالاعتراف وشهادةِ عدلين، والتعبد بركوب البحر وغيره وإن احتمل أن يؤدي إلى الهلاك، وتعبُّدِ المرأة بتمكينها مَن عهدته زوجَها أو سيدَها، وإن احتمل أنه قد طلق أو أعتق، إلى غير ذلك.\nولو اشتُرِط في ذلك وأمثاله حصولُ القطع بالعلم اليقيني لفسدت الأرض، إلا أن يجعل الله ﷿ جميع بني آدم أنبياء يوحى إليهم في كل شيء، وذلك خلاف الحكمة في خلقهم، كما هو مقرر في موضعه.\nعلى أننا لا نسلِّم أن العمل بخبر الواحد ــ الجامعِ للشروط ظاهرًا، الباطلِ باطنًا ــ ليس فيه مصلحة، بل فيه المصلحة العظمى، وهي طاعة الله","vol":"19","page":130},{"text":"ورسوله، وذلك هو العبادة التي خلق الله الخلق لأجلها، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]. فلا يضرُّها احتمالُ أن يكون الخبر في نفس الأمر باطلًا.\nأوَلا ترى أن المرأة إذا مكَّنتْ من عهدته زوجَها أو سيدَها امتثالًا لأمر الله ﷿، ثبت لها الأجر والثواب، حتى في صورة أن يكون ذلك البعل أو السيد لا يحلُّ لها في الباطن، كأن يكون قد طلق أو أعتق ولم تعلَمْ هي، وكأن يكون في نفس الأمر أخاها أو أباها أو ابنها وهي لا تعلم.\nعلى أننا نقول: إن الله ﵎ رقيبٌ على كل حركة تقع في العالم، فيعدِل بقضائه وقدره ما عساه أن يقع من الخلل بسبب قواعد شريعته، وعلمه سبحانه محيط، وحكمته بالغة، وعلمنا وحكمتنا ناقصان محدودان، فإذا قامت الحجة الشرعية على شيء ولم نفهم وجه الحكمة فيه، أو رأينا أنه خلاف الحكمة فذلك ثمرة قصور علمنا، والله أعلم.\n[ص ٤] شبهة أخرى:\nزعموا أن بعض الظاهرية زعم أن العمل بخبر الواحد وإن لم يمنعه العقل، فقد منع منه الشرع؛ لأنه إنما يفيد الظن (^١)، وقد قال الله ﷿: ﴿إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [يونس: ٣٦] وما في معناها من الآيات.\nوأجيب عنه بأجوبة:\nمنها: أن الظن في الآيتين هو الخرص، كما قال تعالى: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا\n_________\n(^١) انظر لنفي نسبة هذا القول إلى الظاهرية ما سبق في (ص ٦٤ - ٦٥).","vol":"19","page":131},{"text":"الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ [الأنعام: ١١٦]. وعلى ذلك يدُّل السياق في الآيتين، فإنهما في صدد إقامة الحجة على المشركين في قولهم: إن الملائكة بنات الله، وإنهن يشفعن عنده ويستحقِقْنَ العبادة. فإن هذا من الخرص الذي ينبني على خاطر تخيلي.\nكمن يرى إنسانًا لم يره قبل ذلك، فيقع في نفسه أنه يريد به شرًّا، فإذا تدبَّر في سبب هذا الظن وجد أن قد كان ناله شرٌّ قبل مدة من إنسان يُشبِهه هذا في الصورة بعضَ الشبه، وإذا رجع إلى عقله علم أن مثل ذلك الشبه الصوري لا يلزم منه ما ظنه، وقد قال الله ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات: ١٢].\nومنها: أن الظن هنا المراد به الظن المعارض لما هو أرجح منه، فإنَّ ظن المشركين الذي نعاه الله تعالى عليهم في الآيتين معارض للقواطع.\nومنها: أن المراد به الظن فيما لا يكفي فيه إلا القطع، كما في ظن المشركين المنْعِيِّ عليهم في الآيتين، فإنه في العقائد.\nوقد يُنظر في هذه الأجوبة بأنها تقتضي تخصيصَ الظن ببعض صوره لخصوص السبب، والمقرر في الأصول أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.\nويجاب عن هذا بأن هذا من التخصيص بالسياق لا بالسبب، وعلى كلٍّ فدلالة العام ظنية، ولاسيما في مثل هذا. فيقال للمخالف: دلالة الآيتين على خصوص خبر الواحد ظنية، فالآيتان بعمومهما تقتضيان بطلانَ هذه الدلالة.","vol":"19","page":132},{"text":"فإن قال: أما الدلالة الظنية من القرآن فقد قام الدليل على خروجها من ذلك العموم.\nقلنا: وكذلك خبر الواحد قد ذكر أهل العلم عدة حجج على وجوب العمل به، وذكرنا بعض الحجج كما مر.\nومن الأجوبة: أن العمل بخبر الواحد ليس عملًا به من حيث هو خبر واحد، ولا من حيث إنه يفيد الظن، بل من حيث إن الشارع أمر بالعمل به، وذاك الأمر ثابت قطعًا بما ذكره أهل العلم من الحجج، وما قدّمتُه منها، فالعمل به اتباع للحق المقطوع به لا للظن.\nوكذلك نقول في جميع الأدلة التي تفيد الظن وقام الدليل القاطع على وجوب العمل بها.\nأوَلا ترى أنه إذا اعترف رجل بالغ عاقل مختار عند القاضي، ولم يكن هناك ما يدل على بطلان اعترافه ولا صحته، فقضى عليه بمجرد اعترافه؛ فقد قضى بما أنزل الله قطعًا؛ لأن وجوب الحكم بالاعتراف مقطوع به، وإن كان الاعتراف لا يفيد إلا الظن. وهكذا إذا قضى بشهادة شاهدين بشرطهما.\nوعن ذلك صاروا إلى أن أصول الفقه قطعية، والأمر كذلك، إلا أن من الأصول ما يكون فرعًا لأصلٍ أعلى منه، فيكفي القطع للأصل الأعلى.\nشبهة ثالثة:\nعرف جماعة من العقلاء أن الطعن في وجوب العمل بخبر الواحد المستجمع للشروط مكابرة لا تُجدِي، فعدلوا إلى دعوى أن عامة الأخبار المروية عن النبي - ﵌ - بطرق الآحاد غير مستجمعةٍ للشروط.","vol":"19","page":133},{"text":"فمن هؤلاء: كتّاب الإفرنج في العصور المتأخرة وأذنابهم.\nوشبهتهم: أن المسلمين فشتْ فيهم من القرن الأول الأهواءُ السياسية، والحزبية، والمذهبية، والقومية، والوطنية، وغيرها. واستخدم كلٌّ منهم الأحاديث في ما يوافق هواه ويخالف خصمه، [ص ٥] وكان فيهم من يضع الأحاديث احتسابًا، ومن يضعها لنصرة الحق في زعمه، ومن يضعها لترغيب العامة، دَعْ وضع الزنادقة المتظاهرين بالإسلام والزهد والتقوى، الساعين سرًّا في هدم الإسلام وتشويهه.\nوالجواب عن هذه الشبهة: أنها بمنزلة من يقول: إن الناس قد أكثروا من صنع ما يُشبِه المسك والعنبر، وتفننوا في ذلك كثيرًا، فلم يبقَ وثوقٌ بوجود مسك وعنبر حقيقي، وكذلك السمن والعسل، وكذلك الذهب والجواهر الثمينة. ولو خالط أهل الخبرة، وأطال مِن صحبتهم، لعلم أن عندهم من العلم والمعرفة والخبرة الفنية ما يميِّزون به بين الحقيقي من تلك الأشياء وبين غيره.\nومن أدوى الأدواء في كتّاب الإفرنج أنهم يقيسون أئمة المسلمين على أنفسهم، فكما يعلمون من أنفسهم أنهم لا يُحجِمون عن الكذب والافتراء إذا كان وسيلةً إلى تحصيل أغراضهم؛ يظنون أن أئمة المسلمين كذلك.\nولم يعلموا أن في المسلمين الآن رجالًا ــ رغمًا عن بُعدِهم من العهد النبوي، وتقصيرهم في الواجبات، وركوبهم لكثير من المحرمات ــ لأن يُلقَى أحدهم هو وولده وأهله وقبيلته في النار أحبُّ إليه من أن يكذِب على رسول الله - ﵌ -.\nومن ذاق طعم الإيمان، ومارس كتب الحديث والرجال، علم يقينًا أن في رجال الحديث عددًا لا يُحصى كانوا أحرصَ على الصدق منهم على الحياة،","vol":"19","page":134},{"text":"وكانوا في البعد عن الكذب بحيث نرى أنه يستحيل عليهم أن يتعمَّدوه.\nومع ذلك، فإن أئمة الحديث كانوا لا يكادونَ يقنَعون بالعدالة الظاهرة حتى يسألوا عنه، ويتتبعوا سيرته. قال الحسن بن صالح (^١): [كنا إذا أردنا أن نكتب عن الرجل سألنا عنه حتى يقال لنا: أتريدون أن تزوِّجوه؟].\nوإذا علموا حسن سيرته لم يكتفوا بذلك حتى يختبروا حديثه، فيسألونه عن الحديث مرة بعد أخرى. قال شعبة (^٢): [سمعت من طلحة بن مصرّف حديثًا واحدًا، وكنتُ كلما مررتُ به سألته عنه. فقيل له: لِمَ يا أبا بسطام؟ قال: أردتُ أن أنظر إلى حفظه، فإن غيَّر فيه شيئًا تركتُه].\nثم لا يكتفون بذلك حتى يعتبروا حديثه، فلا يعتمدونه حتى يجدوا أن غيره من الثقات قد روى عن شيخه مثل ما روى، أو أن غير شيخه قد روى عن شيخ شيخه كما روى.\nثم لا يَقْنَعون بذلك في حديث أو حديثين، بل لا يُقنِعهم منه إلا أن يكون ذلك في أحاديث كثيرة، بحيث يستقر في أنفسهم أن الصدق والضبط ملكة له.\nعلى أن غالب الأحاديث الصحيحة طرقها متعددة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-10>ومنهم: بعض الفرق الغالية، كالخوارج والروافض</span>، فإن هؤلاء يزعمون أن مخالفيهم كفَّار؛ فلا تقبل روايتهم.\nوالجواب عن هذا معروف.\n_________\n(^١) بعده بياض في الأصل، والنصّ في \"الكفاية\" (ص ٩٣).\n(^٢) بعده بياض في الأصل. والنصّ في \"الكفاية\" (ص ١١٣).","vol":"19","page":135},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-11>ومنهم: أفراد من المعتزلة والجهمية</span>، رأوا في الأحاديث ما يرد عليهم كثيرًا من آرائهم، ولم يقنعوا بما وافقهم عليه أهل الحديث من أن الحديث إذا خالف صريح العقل لا يقبل؛ لعلمهم بأن آراءهم التي تخالف السنن ليست مبنية على عقل صريح، بل ولا قريبٍ من الصراحة، وإنما هي شبهات مشكِّكة. فاحتاجوا إلى الطعن في الأحاديث، فعَمَدوا إلى الطعن في بعض الصحابة، ثم في أئمة الحديث، حتى حاول بعضهم الطعنَ في شعبة بأنه كثير الغلط، وفي حماد بن سلمة بأنه كان له ربيبٌ زنديق يدُسُّ في كتبه. وعَمَدوا إلى بعض الأحاديث التي ظاهرها الإشكال والتعارض، فجمعوها يشنِّعون بها على أهل الحديث.\nوقد أجاب أهل الحديث عنها بأن منها ما لا يصح عندهم، فلا يحتاجون إلى الجواب عنه. [ص ٦] ومنها ما ليس بمشكل وإن استشكله أهل الأهواء، وأمثلته في كتاب الله تعالى موجودة، وباقيها يوجد في كتاب الله ﷿ نظيره في أنه يظهر أنه مشكل أو معارض لغيره مما يثبت، فيفسَّر بنحو ما تُفسَّر نظائره من القرآن، ولا يدل ذلك على عدم صحته.\nوأسرف بعض الجهمية فوضع أحاديث باطلة، ورواها عن أهل الحديث لما أعجزه أن يجد في صحاح الأحاديث وفي مرويات الأثبات ما يُعلم بطلانه قطعًا. ومن وضع أهل الأهواء حديث: \"إن الله تعالى خلق الفرس ثم أجراه حتى عرِقَ، فخلق سبحانه نفسه من ذلك العرق\" (^١).\n_________\n(^١) وضعه محمد بن شجاع الثلجي، كما في \"الكامل\" لابن عدي (٦/ ٢٩١) و\"الأسماء والصفات\" للبيهقي (ص ٣٧٣) و\"الموضوعات\" لابن الجوزي (١/ ١٠٥) و\"ميزان الاعتدال\" (٣/ ٥٧٩). قال الحافظ في \"اللسان\" (٣/ ٩٦): حديث إجراء الخيل موضوع، وضعه بعض الزنادقة ليشنع به على أصحاب الحديث في روايتهم المستحيل، فحمله بعض مَن لا عقل له، ورواه، وهو مما يُقطع ببطلانه عقلًا وشرعًا.","vol":"19","page":136},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-12>ومنهم: بعض الغلاة في الرأي</span>، حاولوا أن يثبتوا أن في الأحاديث التي يصححها أهل الحديث ما هو معارض للقرآن، أو معارض للقواعد الشرعية.\nولم يصنعوا شيئًا.\nوبالجملة، فهذه الأقوال الأخيرة ليست طعنًا في حجية خبر الواحد من حيث هو، وإنما هي محاولة توهينه في الجملة، ليسهُلَ على أولئك المحاولين ردُّ ما يخالف أهواءهم.\nوحقيقة الحال أنهم يحاولون أن يزيدوا في شروط قبول خبر الواحد.\nوذلك أن من الشروط المتفق عليها: أن لا يخالف صريح المعقول. وأهل الأهواء يحاولون زيادة: أن لا يخالف ما زعم أئمتهم ــ كجهم، والجبائي، وابن سينا، وأضرابهم ــ أنه معقول. حتى يحاول الأشاعرة أن لا يخالف قول الأشعري، ولا قول الباقلاني، إلى غير ذلك. وجرى مثل ذلك للمقلدين في الفروع.\nومن الشروط المتفق عليها في الجملة: أن لا يخالف نصًّا قطعيًّا من كتاب الله ﷿. وبعض الفقهاء حاولوا توسيع دائرة القطعية في دلالة الكتاب، وللكلام معهم موضع آخر.\nفأما النزاع في الجزئيات، كطعن بعض الجهمية في حماد بن سلمة؛ فليس هذا موضع الكلام فيه، ولكن هاهنا تنبيه كلي، وهو أن من هذا الضرب أن تكون أشعريًّا مثلًا، فتنظر في مسألة قد خُولِف فيها الأشاعرة، وأنت","vol":"19","page":137},{"text":"تذهب إليها، وتجد مخالفيهم قد احتجوا بحديث، وأجاب بعض الأشاعرة بالطعن في بعض رواته، كحماد بن سلمة.\nفحقُّك إن أردتَ الله والدار الآخرة أن تقوم للحق على نفسك، فتتدبر حجة الأشاعرة، فإذا وجدتها ليست بالقاطعة فرضتَ مسألة أخرى قد ذهب إليها الأشاعرة وخالفهم غيرهم، وليست حجة الأشاعرة بالقاطعة، ولكنهم احتجوا بحديث، فنظرتَ في رواية ذلك الحديث، فإذا هو من رواية ذلك الرجل أو مثله. ثم وازِنْ بين حالَيْك: حالك وأنت تنظر في حال ذلك الرجل بسبب روايته الحديث المخالف للأشاعرة، وحالك وأنت تنظر في حاله أو في حال نظيره بسبب روايته للحديث الموافق للأشاعرة.\nفإذا وجدت نفسك تميل إلى توهينه في الأولى وتثبيته في الثانية، فاعلم أن لهوى نفسِك تأثيرًا شديدًا عليك، فاعرِفْه وجاهِدْ نفسك، فإن لم تستطع فعلى الأقل ينبغي أن تكُفَّ نفسك عن الكلام في مثل ذلك، وتَعذِرَ مخالفك عالمًا أنه أحد رجلين:\nإما رجل بريء من الهوى، يتبيَّنُ الحقَّ من حيث يصدُّك هواك عن تبيُّنِه.\nوإما رجل له هوى مخالفٌ لهواك، فحاله مثل حالك، فكما تجنَحُ إلى عذرِ نفسك ورجاءِ أن يُغفَر لك، وتقبيح شناعة من شنَّع عليك؛ فكذلك ينبغي أن ترى لمخالفك، فترجو له العذر والمغفرة، ولا ترضى بتشنيع عليه.\nوفي الحديث: \" [لا يؤمن أحدكم] حتى يحبَّ لأخيه ما يحبُّ لنفسه\" (^١).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٣) ومسلم (٤٥) من حديث أنس بن مالك. وما بين المعكوفتين منهما.","vol":"19","page":138},{"text":"وإن من أبين الظلم وأشنعِه أن ترجو لنفسك العذر والمغفرة، وتأبى ذلك لمن حاله مثل حالك في الجملة. ومثل هذا الظلم واقع كثيرًا، وإظهار شناعته يحتمل كلامًا أكثر من هذا، ولكن لذلك موضع آخر.\nوقد وجدتُ من نفسي ومن غيري دليلَ وجود الهوى المشار إليه. وحسبك أن تكون شافعيًّا مثلًا، فتجد الشافعيةَ قد احتجوا بحديث، ومخالفيهم كالحنفية قد احتجوا بآخر، وأنت تريد النظر في الحديثين، هل تجد نفسَك تتمنَّى أن تجد حديثَ أصحابك قويًّا وحديثَ مخالفيهم ضعيفًا؟ فإذا وجدتَها كذلك فهذا هو الهوى.\nوقد ترى أنه لا يضرك وجوده، وقد أوافقك على هذا، لكنك إذا نظرت أثر ذلك الهوى في نظرك، فحملك على الطعن في حديث الحنفية بوجهٍ يوجد مثلُه أو أشدُّ منه في حديث أصحابك، وأنت تعمى أو تتعامى عنه في حديث أصحابك، أو تدفعه أو تتأوله بدافعٍ أو تأويلٍ قد يوجد مثله أو أقوى منه لحديث الحنفية، ولكنك تعمى عنه أو تتعامى أو لا تراه شيئًا.\nهذا وقد انفتح لك الباب، فإن كنت تحبُّ الحق فأَنْعِم النظر واعملْ بما ينبغي.\nوكذلك إذا كنت عثمانيًّا تميل إلى تفضيل عثمان ﵁، ثم وجدتَ حديثين، أحدهما فيه فضيلة لعثمان، والآخر فيه غضاضة عليه، فإنك قد تكتفي في الأول بأن أئمة الحديث صححوه، ثم لا تكتفي في الثاني بمثل ذلك، بل يبقى في نفسك منه حزازةٌ، فإذا نظرتَ في حال رواته وجدته ينفرد به رجل قد عُرِف بشيء من التشيع، فتقدح فيه بذلك، ولعلك تكتفي بذلك. ولعلك لو نظرت في رواة الأول لوجدته ينفرد به رجل كان فيه ميلٌ ما عن أهل البيت.","vol":"19","page":139},{"text":"بل قد يغلو بك الهوى فتتلمس الاعتذار عن راوي الفضيلة، والطعن على راوي الغضاضة. بل وقد لا يكون راوي الغضاضة موصوفًا بالتشيع، فتحاول أنت أن تدلَّ على اتصافه بذلك بوجهٍ يمكن إثبات مثله أو أقوى منه في الدلالة على ميل راوي الفضيلة عن أهل البيت.\nبل وقد تميل إلى الطعن في راوي الغضاضة لمجرد تفرده بذلك الحديث، وقد تحاول إبداء دلالةٍ على بُعْد أن يكون الحديث صحيحًا وينفرد به ذلك الرجل، ولا تلتفت إلى مثل ذلكَ أو أقوى منه في راوي الفضيلة.\nوبالجملة فهذا باب واسع جدًّا، قد انفتح لمن يريد أن يناقش نفسَه الحسابَ، ويحرِص على نجاتها من العذاب، والتوفيق بيد الله سبحانه.","vol":"19","page":140},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-14>الفصل الثاني\nفيما يفيده خبر الواحد</span>\nالجمهور على أن خبر الواحد المستجمع للشروط، وإن كان وجوب العمل به ثابتًا قطعًا، فدلالة اجتماع الشرائط على نسبته إلى النبي - ﵌ - ظنية قطعًا.\nونظير ذلك أذان المؤذن الثقة، وفتوى العالم الثقة، وشهادة العدلين؛ وجوب العمل بها ثابت قطعًا، وإن كان يمكن في هذا المؤذن أن يؤذن قبل دخول الوقت لغلطٍ أو غيره، وفي هذا العالم أن يفتي بغير الحق لغلطٍ أو غيره، وفي هذين الشاهدين أن يكونا شهدا بغير الحق كذلك.\nونُقِل عن بعض أهل العلم ــ كالإمام أحمد بن حنبل، والحسين الكرابيسي، والحارث المحاسبي ــ أنه يفيد العلم (^١).\nوقد شنَّع بعض الناس على هذا القول، [ص ٧] ولعل القائلين بأنه يفيد العلم لم يريدوا ما ظنَّه المشنِّع، وهناك معانٍ يمكن أنهم أرادوا واحدًا منها:\nالأول: أنه يفيد العلم بلزوم الحكم الذي تضمَّنه لمن ثبت عنده.\nوحاصل هذا أنك قد علمت أن الأدلة على وجوب العمل بخبر الواحد ــ بشرطه ــ قطعية، أي تفيد العلم، فعلى هذا أيُّ مجتهدٍ بلغه خبر واحد بشرطه فقد لزمه العمل به قطعًا. فذاك الخبر بمعونة الأدلة العامة يفيد العلم بأنه يلزم ذاك المجتهدَ الحكمُ بما تضمَّنه.\n_________\n(^١) انظر \"إرشاد الفحول\" (ص ٤٣).","vol":"19","page":141},{"text":"ونظيره: شهادة شاهدين مستجمعة للشرائط، بأن زيدًا هو قتل عمرًا المكافئ له عمدًا وعدوانًا. فإنه إذا طلب الورثة كلُّهم القصاص كانت تلك الشهادة بمعونة الحجة القاطعة على وجوب العمل بمثلها تفيد العلم بوجوب الحكم بقتل زيد، فتدبَّر.\nالثاني: أنه يفيد العلم بالمعنى الذي يقوله متأخرو الحنفية، تبعًا لمشايخ العراق من متقدميهم، في نحو دلالة العموم الذي لم يخص من الكتاب أنها قطعية تفيد العلم.\nويُفسِّرون ذلك بأن احتمال خلافها احتمال غير ناشئ عن دليل. يريدون أن المجتهد إذا وقف على آية تفيد حكمًا عامًّا، وبحثَ فلم يجد ما يدل على أن ذاك عام مراد به الخصوص، أو عام مخصوص= لم يبقَ بينه وبين اليقين الباتِّ إلا احتمالُ أن يكون هناك دليل لم يقف عليه، أو لم يتنبه له. فلم يعتدُّوا بهذا الاحتمال، وقالوا: إن دلالة العموم حينئذٍ قطعية تفيد العلم.\nفالحاصل أنهم أرادوا قطعًا وعلمًا غير المشهورينِ، ثم قالوا: لا يجوز تخصيصُ عامٍّ في القرآن بخبرِ واحدٍ؛ لأن خبر الواحد إنما يفيد الظن.\nفكأن القائلين بأنه يفيد العلم أرادوا دفْعَ كلام أولئك، فقالوا: بل إن خبر الواحد ــ بشرطه ــ يفيد العلم، أي علمًا كالعلم الذي يفيده العموم.\nوذلك أن وجوب العمل بخبر الواحد قطعي، وإنما لا يفيد هو اليقينَ لاحتمال أن بعض الرواة أخطأ أو غلط، وهذا احتمال غير ناشئ عن دليل، فكما لم يعتدُّوا بالاحتمال الناشئ عن غير دليل في دلالة العام، فكذلك في ثبوت خبر الواحد بشرطه. وتخصيص العمومات أكثر من غلط الثقات،","vol":"19","page":142},{"text":"والمخالفون في حجية العام أكثر وأشهر من المخالفين في وجوب العمل بخبر الواحد.\nالثالث: أنه يفيد العلم اليقيني في بعض الصور، كالمتلقَّى بالقبول، والمحتفَّةِ به قرائن. والله أعلم.","vol":"19","page":143},{"text":"[ص ٨]<span data-type=\"title\" id=toc-15> الفصل الثالث\nالمعنى الذي لأجله وجب العمل بخبر الواحد</span>\nلا نزاعَ أن مدار وجوب العمل بخبر الواحد على إفادته الظن.\nوقد دلَّ عليه قول الله ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: ٦]. فعلّل وجوب التبيُّن في خبر الفاسق بأن العمل به بلا تبيُّن أخذٌ بجهالة، والجهالة عدم العلم، وهي هاهنا عدمُ العلم الذي هو الظن؛ لأن الآية قد دلّت على أنه لا يجب التبيُّن في خبر العدل، فدلَّ ذلك أن الأخذ به ليس أخذًا بجهالة، وقد عُلِم أنه يفيد الظن.\nولكن هنا احتمالان:\nالأول: أن تكون إفادة الظن هي العلة.\nالثاني: أن تكون هي الحكمة، والعلة ضابطها، وهو نفس إخبار الثقة.\nوذكر بعض أهل العلم أن الأول قد يُنقَض بخبر بعض الصبيان المميّزين، وبعض الكفّار، وبعض الفسّاق. فقد يكون الصبي المميّز أديبًا ذكيًّا نشأ على الصدق والأمانة والتدين، يُعرف منه شدةُ الحرص على الصدق والتباعد عن الكذب. وكذلك بعض الفسّاق بنحو شرب الخمر، قد يكون معروفًا بالصدق، شديدَ الحرصِ عليه والتباعدِ عن الكذب في أمور الناس، فضلًا عن الكذب على النبي - ﵌ -. وكذلك بعض الكفار قد يكون معروفًا بتحرِّي الصدق وتجنُّب الكذب.","vol":"19","page":144},{"text":"وأجاب: بأن ردَّ خبر الصبي والفاسق والكافر مطلقًا من تخصيص العلة، وهو غير قادح عند جماعة من علماء الأصول، كما هو رأي الحنفية.\nقال عبد الرحمن: الحق أن العلة لا بدَّ من سلامتها من النقض، لكن قد ينتفي الحكم مع وجودها، لفقد شرطٍ أو لوجود مانعٍ منعَ من تأثيرها. فإذا عُرِف في الصورة التي ينتفي فيها الحكم مع وجود العلة أنه انتفى فيها شرطٌ أو وُجِد مانع= لم يكن ذلك نقضًا. وذلك كالزوجية علة للإرث، ولا ينقضها أن أحد الزوجين إذا قتل الآخر لم يرِثْه، لأن ذاك لمانع، وهو القتل.\nفأما أن تنتفي مع وجودها بشروطها وعدمِ مانعٍ، فلا يجوز. فإن اعتُرِض على علة بمثل هذا فهو قادح فيها البتةَ.\nفإن كانت منصوصةً فلا تخلو عن وجوه:\nأحدها: أن يكون هناك وصف لا بد أن يُضمَّ إليها، وهو غير موجود في صورة النقض.\nالثاني: أن يكون لها شرط كذلك، أي غير موجود في صورة النقض.\nالثالث: أن يكون في صورة النقض مانع.\nوقبل أن يتبين واحد من هذه الثلاثة لا يمكن الجزمُ بأنها علة تامة.\nوعلى هذا، فقد يجاب عن المذكور بجواب أصح مما ذكر:\nفيقال: أما الصبي فلا نسلِّم أن خبره يفيد الظن في الأمور المهمة، وذلك أن المانع من الكذب إمّا خشية الله والخوف من عذاب الآخرة، وإمّا الخوف من الضعة عند الناس، والصبي خالٍ من الأول، لعلمِه أن القلم مرفوع عنه. وعن الثاني لأنه لم يبلغ المبلغ الذي يكون للشرف عند صاحبه","vol":"19","page":145},{"text":"قيمةٌ، بل يرى أنه إن تبيَّن كذبُه فالناس يعذرونه بالصغر.\nوأما الفاسق فقد تبين بظهور فسقه ضعفُ خشيته من الله، وخوفِه من عذاب الآخرة، وضعفُ خوفه من الضعة عند الناس. ومع ذلك، فالفسق مانع من قبول خبره، زجرًا له وتنفيرًا له ولغيره عن الفسق؛ لأن الإنسان إذا رأى أن الفسق يحطُّه عن درجة من يُقبَل خبره كان ذلك مما يردعه ويزجره.\nوأما الكافر فلا يصدُّه عن الكذب على المسلمين خشيةٌ من الله ولا من عذاب الآخرة.\nوخشية الضعة عندهم إذا ظهر كذبه يعارضها رجاؤه الرفعةَ عند إخوانه من الكفار؛ لأنه هو وهم أعداء للإسلام وأهله، ومع ذلك فهذه العداوة مانع من قبول خبره، والمانع الذي ذكرناه في الفاسق قائم هنا أيضًا.\n[ص ٩] وقد يُخدَش في بعض هذا الجواب بما قد يمكن دفعه، وقد يُعترض بغير ما ذكر، وبسط ذلك يطول. وعلى كل حال، فلا يخلو الاحتمال الأول من خدشةٍ، فلننظر في الاحتمال الثاني.\nفأقول: قد يشهد له ما عُرف من تفاوت درجات الظن، ومن ضبط الشارع له في الشهادة ضوابط مختلفة، تارة بأربعة رجال بشرطهم، وتارة برجلين كذلك، وتارة برجل وامرأتين، إلى غير ذلك.\nوقد يُعترض عليه باتفاق أهل العلم في الجملة على رد بعض أخبار الثقات، والحكمِ عليها بأنها خطأ، وتوقفهم فيها، مع اختلافهم في ما علل بالمظنة، وهي ضابط الحكمة: هل يثبت الحكم مع ثبوته حتى في الصور التي يتبين فيها عدم الحكمة، كلحوق نسب ولد المرأة بزوجها الذي لم يجتمع بها قطعًا؟","vol":"19","page":146},{"text":"والجواب: أنه إن صح أن من المجتهدين من كان يجزم بهذه القاعدة بإطلاق، وهي أن العبرة بوجود الضابط، وإن علم انتفاء الحكمة قطعًا= فلعله غفل عن أصله هنا، أو رأى أن العلة هنا هي مجرد إفادة الظن، أو رأى زيادة وصف في الضابط، كأن يقال: خبر الثقة خبرًا لم يتبين خطؤه. وهذا معنى قول أهل الحديث: \"من غير شذوذ ولا علة قادحة\". فالشذوذ والعلة القادحة بمعنى قولي: \"لم يتبين خطؤه\". فالذي يتحرر رجحان الاحتمال الثاني، لكن بهذا القيد، والله الموفق.","vol":"19","page":147},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-16>الفصل الرابع\nالمقابلة بين الرواية والشهادة</span>\nقد تقرر في الشهادة أنه لا يثبت الزنا إلا بأربعة شهود بشرطهم، وفي الدماء ونحوها برجلين بشرطهما، وفي الأموال برجلين أو رجل وامرأتين بشرطهم، واكتفى جماعة فيها برجل ويمين المدعي، واختلفوا في نحو الولادة، فاشترط بعضهم أربع نسوة بشرطهن، واكتفى بعضهم بامرأة واحدة بشرطها.\nواستشكل بعضهم التخفيف في الرواية بالاكتفاء بخبر واحدٍ بشرطه: رجلٍ أو امرأةٍ، مع أن القياس عكسه؛ فإن الشهادة إنما تثبت بها قضية واحدةٌ، وأما الراوية فإنها تكون دينًا يُعمل به إلى يوم القيامة، في قضايا لا تحصى. ونقل عن بعض المتكلمين أنه يشترط في الرواية اثنان كما في الشهادة.\nوالجواب من أوجه:\nالأول: أن الزنا ــ مثلًا ــ يتعارض فيه أمران:\nالأول: اقتضاء الحكمة للزجر عنه.\nالثاني: كراهية أن يُحدَّ من ليس بزانٍ.\nفالأول يقتضي أن لا يُشترط في ثبوته القطعُ أو ما يقرب منه؛ لأنه إذا اشتُرِط ذلك لم يكد يقع حدٌّ في الأرض، ولم يحصل مقصود الزجر.\nوالثاني يقتضي الاحتياط في ثبوته، حتى لا يُحدَّ من ليس بزانٍ. وعلى هذا فقِسْ.","vol":"19","page":148},{"text":"وإذا نظرتَ وجدت أن هذين الأمرين المتعارضين ليسا على درجة واحدة في جميع الأمور. فأما في الزنا فالثاني أرجح من الأول؛ لأن المفسدة العظمى في الزنا إنما هي في المجاهرة به، فأما وقوعه في الجملة فهو وإن كان فسادًا إلا أنه لا ينافي حكمة الخلق، بل يوافقها.\nولما كان في ثبوته عند الحاكم وإقامةِ الحد إعلانٌ له صار ذلك في حكم المجاهرة، فاقتضت الحكمة المنعَ من ذلك ما لم تحصل المجاهرة بغيره. فاشتُرِط أربعة رجال بشرطهم؛ لأن الغالب أن الزانيين بموضع يحتمل أن يكون فيه أو يطرقه أربعة بتلك الشروط= قد جاهرا أو كادا.\nوأما القتل ــ مثلًا ــ فالأول أرجح؛ إذ لو اشتُرِط في شهوده أن يكونوا أربعة مثلًا لعزَّ إثباتُ القتل، وإذا عزَّ إثباته والقصاص به استرسل الناس في القتل، وجرَّ القتل إلى القتل، وهكذا، وذلك أشدُّ من الاسترسال في الزنا، مع أن القتل أشدُّ من الزنا.\nفلو فرضنا بلدين متساويين في السكّان وأخلاقهم وطباعهم، في أحدهما حاكم يُثبِت القتل بشاهدين ويُقيم به القصاص، وفي الآخر حاكم لا يُثبته إلّا بأربعة شهود، وأنه في سنة من السنين قُتل في البلد الأول عشرة، وثبَّت القاضي القصاصَ في سبع، وقع العفو في قضيتين، وأقيد خمسة. [ص ١٠] فكان مجموع من قُتِل في ذلك البلد خمسة عشر. ثم حدَسْنا كيف الحال في البلد الثاني= لظننا (^١) أنه وقع فيه من القتل عدوانًا أكثر من هذا، حتى لو قال قائل: لعله قُتِل فيه عدونًا أربعون أو خمسون لما أبعد.\nوأما الأموال فالتظالم فيها أكثر من القتل، وقد يطول عليها العهد ويموت\n_________\n(^١) جواب \"فلو فرضنا ... \".","vol":"19","page":149},{"text":"بعض الشهود، مع أنه ليس هناك فرق كبير بين رجلين ورجل وامرأتين.\nوإنما لم تُقبل شهادة النساء في الزنا والقتل ونحوه لقلة تثبتهن، وسرعة تأثرهن، وغير ذلك مما عبِّر عنه في الحديث بنقص عقولهن.\nفأما الاكتفاء بشاهد ويمين المدعي فمختلف فيه، إلا أن ما عورض به الدليل على ذلك يختص بما إذا كان أحد الخصمين مدّعيًا والآخر منكرًا، فأما إذا تداعيا شيئًا ليس في يد أحدهما، فأقام أحدهما شاهدًا وأراد أن يحلف معه فالحكم بذلك قوي جدًّا.\nفأما الرواية فالحاجة داعية إلى معرفة الحكم الشرعي للعمل به، وهذا يقتضي التوسعة في ما يُعرَف به. وعارض ذلك خشيةُ غلطِ الراوي، أو أن يكون في نفس الأمر بخلاف ما ظهر من عدالته، فيُخشى من التوسعة أن يدخل في الدين ما ليس منه، ويُخشى من التشديد أن يتعذر على كثير من الناس ثبوت الحكم الشرعي، فيلزمه الحكم بخلافه أو التوقف. والموازنة بين هذين مما يصعب على الناظر، فلا يسعُه إلا أن يَكِلَ الأمر إلى عالم الغيب والشهادة الحكيم الخبير.\n\n[ص ١١]<span data-type=\"title\" id=toc-19> الوجه الثاني:</span> أن العارف إذا نظر وتدبر تبين له أن الظن الحاصل بخبر الثقة الواحد الذي يقبله أئمة الحديث لا ينقص عن الظن الحاصل بشهادة العدلين التي تقضي بها الحكّام، بل لعله أقوى منه، وذلك لأمور:\nالأول: أن الدواعي إلى الكذب أو التساهل في الحديث أقلُّ وجودًا وأضعف تأثيرًا في النفوس، ولاسيما نفوس من جمع شرائط القبول، بخلاف الدواعي إلى الكذب أو التساهل في الشهادة، فإنها كثيرة الوجود","vol":"19","page":150},{"text":"قوية التأثير حتى في نفوس مَن ظاهرُهم العدالة، وذلك كالعداوة والبغضاء المحتمل وجودها بين الشهود والمشهود عليه، وإن لم تظهر، وكالميل والعصبية منهم للمشهود له، وكالرشوة التي يحتمل أنهم أخذوها منه.\nالأمر الثاني: أن شرائط قبول الرواية للحديث أشد وأحوط من شرائط قبول الشهادة، كما يُعلم بمراجعة الموضعين. ونخص بالذكر منها التعديل، فإن معدِّل الشاهد يكتفي بأنه قد جاوره أو عامله أو رافقه في السفر فلم ير منه ما يُسقط عدالتَه، وأما معدِّل الراوي فإنه لا يكتفي بذلك حتى ينظر في كثير من أحاديث الراوي، وينظر عمن روى، وكيف روى، إلى غير ذلك مما يعلم من محله.\nالأمر الثالث: أن الرواة غالبًا من أهل العلم والدين الذين اعتنوا بطلب العلم، وكثرت مجالستهم لأهله، وأما الشهود فيكثر أن يكونوا من عامة الناس.\nالأمر الرابع: أن معدِّلي الرواة أئمة مشهورون بالعلم والدين والتحقيق والزهد والتقوى، ومعدِّلو الشهود ليسوا في الغالب كذلك.\nالأمر الخامس: أن المنفِّرات عن الكذب والتساهل في الرواية عن النبي - ﵌ - أكثر وأشدُّ من المنفِّرات عن الكذب والتساهل في الشهادة:\nأولًا: أن الكذب على النبي - ﵌ - كفر، كما ذهب إليه جماعة من أهل العلم، وأوضحتُه في موضع آخر (^١)، وليس الكذب في الشهادة كذلك.\nثانيًا: لأن الراوي يعلم عظم المفسدة إن كذب أو تساهل، وهي أن يُتديَّن بما رواه ويُعمل به ويُحكم به في قضايا لا تحصى، والشاهد يعلم خفة المفسدة إن كذب أو تساهل في شهادته، وإنما هي ــ مثلًا ــ أن يحكم لهذا\n_________\n(^١) في \"كتاب العبادة\".","vol":"19","page":151},{"text":"الرجل بهذه الدار التي لعلها ليست له، وكلما عظمت المفسدة في الأمر كان الامتناع عن ارتكابه أشد.\nثالثًا: أن الإنسان يكره أشدَّ الكراهية أن يظهر أنه كذب أو تساهل، والمحدث أبلغُ في ذلك من الشاهد؛ لأن الغالب في راوي الحديث أن تكون الرواية هي مهمّته التي يصرف أكثر عمره فيها، وفضيلته التي تُبنى عليها مكانته بين الناس، وهو يعلم أن الكذب أو التساهل يُبطل عليه تلك الفضيلة، ويُضيع عليه ذلك التعب كله، ويُسقطه من عيون الناس، ويجعله لُعْنةً فيما بينهم.\nولهذا جاء عن ابن المبارك أنه سئل عن بعض من روى، فقال: لم يكن الحديث بِيْشَقَه (^١). يعنى لم يكن صناعته التي يعتدُّ بها، وإنما اتفق أن روى حديثًا أو حديثين مثلًا.\nوأما الشهود فالغالب أن لا تكون الشهادة صناعتهم، فكراهيتهم لظهور أنهم كذبوا أو تساهلوا أضعفُ.\nوكان هذا [١٢] من جملة الأسباب التي حملت القضاة في العصور السابقة على أن يتخذوا شهودًا معينين تكون حرفتهم الشهادة.\nرابعًا: أن الطرق التي يوقف بها على كذب الراوي أو تساهله كثيرة، لا يمكنه أن يحيط بها حتى يأمن من ظهور كذب أو تساهلٍ وقع منه، بخلاف الشهود.\n_________\n(^١) انظر \"معرفة علوم الحديث\" للحاكم (ص ١٤٩). و\"بيشق\" بمعنى الصنعة تعريب الكلمة الفهلوية \"پيشك\"، وهي بالفارسية الحديثة: \"پيشه\".","vol":"19","page":152},{"text":"خامسًا: أن المقت الذي يتوقعه الراوي إذا ظهر كذبه أو تساهله أشدُّ من المقت الذي يتوقعه الشاهد؛ لأن قولهم: \"كذب على النبي - ﵌ - \" أفحشُ وأغلظ من قولهم: \"شهد زورًا\".\nولأن كذب الشاهد إن ظهر قد لا يطلع عليه إلا القاضي وبعض من حضر، وكذب الراوي إذا ظهر يتناقله أهل العلم، ويكتبون به إلى البلدان، ويخلِّدونه في الكتب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-20>الوجه الثالث:</span> أن الله ﵎ تكفَّل بحفظ الدين.\nقال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]. والذكر يتناول السنة، إن لم يكن بلفظه فبمعناه؛ لأن المقصود من حفظ القرآن هو أن تبقى الحجة قائمة، بحيث ينالها من طلبها إلى يوم القيامة؛ لأن الله تعالى إنما خلق الخلق ليعبدوه، ولذلك بعث الأنبياء، وأنزل الكتب، وجعل محمدًا - ﵌ - خاتم الأنبياء، فلا بد أن تُحفظ شريعته إلى يوم القيامة.\nوقد قيل لابن المبارك (^١): هذه الأحاديث المصنوعة؟ فقال: تعيش لها الجهابذة، ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾.\nوقال الله ﷿: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة: ١٧ - ١٩]. فالبيان الذي تكفَّل الله تعالى به يعمُّ البيانَ للنبي - ﵌ - بأن يُفهِمه ما يَغمُض من معاني القرآن بإلهام أو وحي، والبيانَ للناس بلسانه - ﵌ -، وتلك السنة.\n_________\n(^١) تقدم.","vol":"19","page":153},{"text":"قال ابن جرير: \"ثم إنَّ علينا بيان ما فيه من حلاله وحرامه وأحكامه لك مفصلةً ... عن ابن عباس: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ يقول: حلاله وحرامه، فذلك بيانه، ... عن ابن عباس: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ قال: تبيانه بلسانك\". \"تفسيره\" (٢٩/ ١٠٣) (^١).\nوإذ كان كذلك، فمن المحال أن يُلصَق بالشريعة ما ليس منها على وجهٍ لا يمكن أهلَ العلم نفيُه عنها؛ لأن ذلك منافٍ للحفظ الذي تكفّل الله ﷿ به.\nغاية الأمر أنه قد يشتبه الأمر على بعض أهل العلم، ويبينه الله تعالى لغيره.\nفإذا استمر الحال على توثيق رجل ولم يطعن فيه أحد بحجة، فقد يقال: إنه من المحال أن يكون ذلك الرجل ممن قد يكذب في الحديث. إذ لو كان كذلك لفضحَه الله تعالى؛ لِما يلزم من سَترِه من التصاقِ مرويِّه بالشريعة، وهو خلاف ما تكفَّل الله ﷿ به من حفظِهَا.\nنعم، يبقى احتمال الغلط في بعض ما روى، ولكنه لا بد أن ينبه الله ﷿ عليه بعض أهل العلم. فإن استمر الحال على إثبات حديث ولم يتبين فيه خطأ فقد يقال: إنه صار مقطوعًا بصحته.\nوهذا بخلاف الشهادة؛ فإنها قد تكون باطلة في نفس الأمر ولا يفضحها الله ﷿؛ لأنها في واقعة واحدة لا تقتضي الحكمة أن لا يقع الحكم بها، كما في الحديث عن النبي - ﵌ -: \"إنكم تختصمون إليَّ [ولعلَّ بعضكم ألحنُ بحجته من بعض، فمن قضيتُ له بحقّ أخيه شيئًا بقوله فإنما أقطعُ له\n_________\n(^١) (٢٣/ ٥٠٤) ط. هجر.","vol":"19","page":154},{"text":"قطعةً من النار، فلا يأخذْها\"] (^١).\nفأما ما ورد من تسديد الله ﷿ للقاضي العدل (^٢) فهو حق، ولكنه إنما يقتضي أن لا يقع منه ما يأثم به، وغايته أن لا يقع منه غلطٌ في الحكم، والقاضي إذا تداعى عنده رجلان ولم تكن للمدعي بيِّنة، فقضى القاضي بيمين المدعى عليه، فحلف، فهذا حكمه حق قطعًا، سواء أكانت يمين المدعى عليه بارَّة أو فاجرة. فهكذا إذا شهد عنده رجلان وعُدِّلا، فقضى بشهادتهما، فحكمه حق قطعًا، سواء أكان الشاهدان صادقين في نفس الأمر أم لا. والله الموفق.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٦٨٠) ومسلم (١٧١٣) من حديث أم سلمة. وترك المؤلف بياضًا بين المعكوفتين.\n(^٢) انظر: \"نصب الراية\" (٤/ ٦٨)، و\"البدر المنير\" (٩/ ٥٢٨).","vol":"19","page":155},{"text":"[ص ١٣]<span data-type=\"title\" id=toc-21> الباب الثاني\nفي شرائط حجية خبر الواحد</span>\nهي على ثلاثة أنواع:\n\nالنوع الأول:<span data-type=\"title\" id=toc-22> ما يشترط في المخبر حال الإخبار</span>.\nقال الله ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: ٦].\nدلت الآية بمنطوقها على وجوب التبيُّن في خبر الفاسق، فعُلِم من ذلك أنه لا يكفي للحجة، وبمفهومها على أن خبر من ليس بفاسق على خلاف ذلك، فعُلِم منه أنه يكفي للحجة.\nوظاهر الآية أن المدار على الفسق في نفس الأمر، وعليه فلا يتبين لنا الحكم إلا فيمن أخبر وهو متلبس بمفسِّقٍ نعلمه، فأما غيره فلا نعلم حاله؛ لأننا إن كنا قد صحبناه طول عمره ولم نر منه إلا الخير والصلاح فإننا لا ندري لعله ــ إذا لم يكن معصومًا ــ يرتكب في السرِّ ما يفسُق به، بل لعله فاسق بنفس ذلك الخبر على احتمال كذبه وتساهله. ومن علمناه قد ارتكب عدة مفسِّقاتٍ ولكنه حالَ الإخبار غيرُ متلبس بشيء منها، لعله قد تاب منها.\nوالحاصل أنه لو كان المراد الفسق في نفس الأمر على التحقيق لكان الحكم منوطًا في هذا الثاني بما لا يمكننا علمه، وهذا منافٍ للحكمة، غير معهود في الشريعة، بل المعهود في الشريعة في الأخبار ــ كخبر المؤذن وغيره، وفي الشهادات، وفي سائر الأحكام ــ أن المدار على الظاهر، فوجب","vol":"19","page":156},{"text":"حمل الآية على أن المراد الفسقُ في نفس الأمر بحسب ما يظهر لنا. وقد دلَّت الآية بفحواها على ذلك، لأن المعقول منها أن المدار على كون الخبر موثوقًا به يغلب صدقه.\nونحن نعلم أن من عُلم فسقه ولم تظهر توبته لا يحصل الوثوق بخبره، ولا يغلب صدقه، وأن من صحبناه وخَبَرْناه فلم نطلع منه إلا على الصدق وأعمال الخير والصلاح فإنه يحصل الوثوق بخبره، ويكون الغالب على الظن صدقُه. وكذلك من لم نَخْبُره نحن، ولكن أخبرنا من خَبَرْناه أنه قد خَبَرَه فلم يرَ منه إلا الخير، وهكذا وإن تعددت الوسائط على هذا الشرط.\nويبقى النظر فيمن لا خَبَرْناه ولا أُخبِرْنا عنه، فاعلم أن لمن بلغه خبرُ مثلِ هذا حالين:\nالأولى: أن يمكنه البحثُ والسؤال عن حال ذلك المخبر، فيلزمه ذلك، ويتوقف في الحكم حتي يبحث؛ لأنه إذا وجب التبيُّن في خبر من عُلِم فسقه فهذا أولى. ولا يعمل بخبره لأنه مشكوك، ولا يحصل الوثوق بخبره.\nالحال الثانية: أن لا يمكن البحث ولا السؤال.\n[ص ١٤] فقد يقال: إن مفهوم الآية أنه يُشترط للقبول أن يكون المخبر غير فاسق في نفس الأمر. وقدّمنا أن المراد أن يكون كذلك فيما ظهر لنا بالخبرة أو إخبار الثقة، وهذا مفقود هنا. ويؤكِّده أن المدار كما مرَّ على الوثوق، وهذا لا يحصل به وثوق.\nوقد يُدفَع هذا بأن حصْر الدلالة على عدم الفسق في نفس الأمر في الخبرة أو إخبار الثقة غير مسلَّم. لماذا لا يُكتفَى بالأصل والظاهر؟","vol":"19","page":157},{"text":"أما الأصل فإن أطفال المسلمين يولدون غير متلبسين بمفسِّق، فيبقى الحكم على ذلك ما لم يثبت خلافه.\nوأما الظاهر فلأن غالب المسلمين في العصور الأولى عدول.\nوما ذكرتم من عدم الوثوق فيه نظر من وجهين:\nالأول: أن لنا أن نقول: قد دلت الآية على قبول خبرِ من كان في الحكم غير فاسق. ونختار أن العلة هي إخبار من ذكر، لا الظن. غاية الأمر أنه قد يُشترط مع إخبار من ذكر أن لا يتبين خطؤه، فإذا حصل هذا فقد لزم الحكم وإن لم يتحقق الظن. وذلك كما قالوا: إن القصر في السفر أصل الحكمة فيه المشقة، ولكنه ضُبِط بالسفر، ثم صار المدار على السفر وإن لم تتحقق المشقة.\nالوجه الثاني: أننا نشاهد في زماننا هذا أن من لم نعرف حاله يخبر بخبر، فيحصل لنا وثوق بالخبر في الجملة إذا لم تكن هناك قرائنُ تدفعه. فلَأن يحصلَ مثل هذا الوثوق ــ وأقوى منه ــ في المخبر من أهل القرون الأولى أولى.\nنعم، قد يتزلزل الوثوق بقرائن، كأن يقال: إن هذا المخبر انفرد بهذا الخبر عن الزهري مثلًا، وقد كان الزهري حريصًا على نشر الحديث، وله تلامذة كثيرون معتنون بالرواية، فمن البعيد أن يكون الخبر صحيحًا عن الزهري ولا يُروى إلا من طريق هذا المجهول.\nولكن هذا لا يضرنا؛ لأننا إنما ندعي حصول الوثوق عند التجرد عن القرائن، فأما مع القرائن المنافية فقد يتزلزل خبر من اتفق الناس على توثيقه.","vol":"19","page":158},{"text":"وقد يجاب عن هذا فيقال:\nأما الأصل المذكور فقد عارضه أصل آخر، وهو أن البالغ تلزمه أفعال يفسُق بتركها، كالصلاة والصوم، والأصل عدم فعله لها. ويقدح في ذاك الأصل أنه طرأ على المحل ما هو مظنة قوية لتغيُّر الحال، وهو الهوى والشهوة والكسل. وفي الحديث: \"حُفَّت الجنةُ بالمكاره، وحُفَّت النار بالشهوات\" (^١).\nوأما الظاهر المذكور فلا يتبين فيمن بعد الصحابة غلبةُ العدالة في المسلمين، وهذا حذيفة يقول: \" ... \" (^٢).\nوأما قولكم: \"قد دلت الآية\" إلى قولكم: \"فقد لزم الحكم وإن لم يتحقق الظن\"= فمسلَّم إذا سُلِّم لكم أن العلة هي ما ذكرتم، ولكنه لا يفيدكم مع ما ذكرنا.\nوأما قولكم: \"إننا نشاهد في زماننا هذا ...\n\" فغير مسلَّم، وإنما يحصل لنا وثوق ما إذا احتفَّتْ بالخبر قرائنُ تقوِّيه، كأن يكون المخبر حسن الهيأة، والأمر الذي أخبر به مظنة الوقوع، وكانت القضية بحيث يغلب أن يطلع عليها جماعة تسهل مراجعتهم، أو كانت خبرًا عن أمر يتيسر للسامعين الاطلاعُ عليه بعد الخبر؛ فإنه قد يبعد أن يكذب الرجل مع علمه أو خشيته أن\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٨٢٢) من حديث أنس بن مالك.\n(^٢) ترك المؤلف هنا بياضًا، وهو يشير إلى حديث رفع الأمانة الذي أخرجه البخاري (٦٤٩٧) ومسلم (١٤٣). وفيه من قول حذيفة: \"ولقد أتى عليَّ زمانٌ وما أُبالي أيكم بايعتُ، لئن كان مسلمًا ردَّه عليَّ الإسلام، وإن كان نصرانيًّا ردَّه عليَّ ساعيه. فأما اليوم فما كنتُ أبايعُ إلا فلانًا وفلانًا\".","vol":"19","page":159},{"text":"يظهر كذبه بعد قليل، إلى غير ذلك من القرائن.\nفإذا فرضنا تجردَ الخبر عن القرائن التي تعضُده أو تُبعِده، أو وُجِدتْ معه قرائن متعارضة، فغاية ما يحصل به احتمالٌ لا وثوق معه، ولذلك لا يَبني العقلاءُ على مثله مصالحَ دنياهم، ومثلُه أو أقوى منه قد يحصل بخبر الفاسق؛ ولهذا أمرت الآية بالتبيُّن فيه، ولم تأمر بعدم الالتفات إليه البتة، فافهم.\n[ص ١٥] فصل\nحُكي عن قوم الموافقةُ على اشتراط التعديل، لكن قالوا: إذا روى العدل عن رجل ولم يجرحه فقد عدَّله.\nقال الخطيب في \"الكفاية\" (ص ٨٩): \"احتج من زعم أن رواية العدل عن غيره تعديل له، بأن العدل لو كان يعلم فيه جرحًا لذكره، وهذا باطل؛ لأنه يجوز أن يكون العدل لا يعرف عدالته، ... كيف وقد وُجِد جماعة من الثقات رووا عن قوم أحاديث أمسكوا في بعضها عن ذكر أحوالهم مع علمهم بأنها غير مرضية، وفي بعضها شهدوا عليهم بالكذب ... \".\nثم أسند إلى الشعبي قال: \"حدثني الحارث وكان كذابًا\"، وآثارًا أخرى نحوه، ثم قال (^١): \"فإن قالوا: هؤلاء قد بينوا حال من رووا عنه بجرحهم له، فلذلك لم تثبت عدالته، وفي هذا دليل على أن من روى عن شيخ ولم يذكر من حاله أمرًا يجرحه به فقد عدَّله= قلنا: هذا خطأ؛ لما قدّمنا ذكره من تجويز كون الراوي غير عارف بعدالة من روى عنه، ولأنه لو عرف جرحًا منه\n_________\n(^١) (ص ٩١).","vol":"19","page":160},{"text":"لم يلزمه ذكره، وإنما يلزم الاجتهاد في معرفة حاله العامل بخبره، ولأن ما قالوه بمثابة من قال: لو علم الراوي عدالة من روى عنه لزكّاه\".\nثم أسند إلى أبي غسّان أنه قال: نا جرير عن أبي فهر قال: صليت خلف الزهري شهرًا، وكان يقرأ في صلاة الفجر: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، فقلت لجرير: من أبو فهر هذا؟ فقال: لص ... \".\nثم أسند إلى شعبة قال: \"سفيان ثقة يروي عن الكذابين\".\nوعن عمرو بن علي: \"قال لي يحيى: لا تكتبْ عن معتمر إلا عمن تعرف؛ فإنه يحدِّث عن كلٍّ\".\nثم قال: \"فإن قالوا: إذا روى الثقة عمن ليس بثقة ولم يذكر حاله كان غاشًّا في الدين، قلنا: نهاية أمره أن يكون حاله كذلك مع معرفته بأنه غير ثقة، وقد لا يعرفه بجرح ولا تعديل، فبطل ما ذكروه\".\nقال عبد الرحمن: أما من بيَّن جرحَ من روى عنه أو أنه لا يعرفه، فلا كلام فيه، وكذلك من لم يبيِّن مرةً وقد بيَّن في أخرى؛ إذ الظنُّ به أنه اتكل على بيانه السابق، ولم ير حاجة لإعادة البيان عند كل رواية، وقد يكون هذا حال شعبة في روايته عن جماعة قد قدح فيهم، مع ما اشتهر عنه أنه لا يروي إلا عن ثقة. يعني ــ والله أعلم ــ فإذا روى عن غير ثقة فإنه يبين ذلك.\nوكذلك من روى عن رجل قد اشتهر بين الناس أنه مجروح، وإن لم يُنقل عنه أنه جرحه؛ إذ لعله اكتفى باشتهار حاله.\nفأما من روى ــ ولم يبيِّن ــ عن رجل لم يجرحه هو ولم يشتهر بالجرح فالكلام فيه.","vol":"19","page":161},{"text":"احتج القائل إن ذلك تعديل بأنه لو كان مجروحًا لبيَّن الراوي ذلك، وإلا كان غاشًّا في الدين.\nوأجاب الخطيب بثلاثة أجوبة:\nالأول: أنه قد يكون الراوي جاهلًا بحال الشيخ، لا يعرِف منه عدالةً ولا جرحًا.\nالثاني: أنه لو علم منه جرحًا لم يلزمه بيانه، وإلا للزمه إذا روى عن عدل أن يبين عدالته.\nالثالث: أن جماعة من أهل العلم قد رووا عمن علموا جرحه ولم يجرحوه.\nوقد يُدفَع الجواب الأول بأنه لو كان لا يعرف حاله لبيَّن ذلك، نصيحةً لله ولدينه ولعباده، وفي الحديث: \"الدين النصيحة\" (^١).\nوبهذا عُلِم ما في الجواب الثاني. أما قوله: \"لو لزمه ذلك لزمه إذا روى عن عدل أن يبيِّن\" فمدفوع بأن ظاهر الراوية مع السكوت يُفهِم العدالة، فجاز الاكتفاء بذلك.\nوأما الجواب الثالث فغاية ما يثبت به فعل بعض من العلماء، فحال ذلك كحال التدليس، [ص ١٦] وعامةُ الناس على أن رواية الثقة عمن عاصره ــ وشرطَ البخاريُّ وشيخه ابن المديني مع المعاصرة اللقاء ــ محمولةٌ على السماع وإن لم يصرِّح به، إلا أن يُعرف بالتدليس. وذلك كأن يقول البخاري: حدثنا الحميدي عن سفيان. فهذه الصيغة عندهم مثل قوله: حدثنا الحميدي\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٥٥) من حديث تميم الداري.","vol":"19","page":162},{"text":"قال حدثنا سفيان.\nقالوا: لأن الحميدي قد لقي سفيان، ولم يُتَّهم الحميدي بالتدليس، وهو ثقة، والظاهر من حال الثقة التنزهُ عن التدليس.\nثم قالوا: التدليس لا يُسقِط الثقة، فإذا صرح المدلس الثقة بالسماع فهو حجة.\nوحاصل كلامهم أن التدليس ــ من جهة أنه مخالفٌ للأمانة والنصيحة مخالفةً مّا ــ لا يجوز أن يُتهم به من لم يثبت عنه من الثقات، ومن جهة أن تلك المخالفة خفيفة لا يُسقِط العدالة. فكذلك نقول: إن الرواية عن غير ثبتٍ حالها كحال التدليس، فهي مخالِفة للأمانة والنصيحة مخالَفةً مّا، فلا يُتهم بها من لم تثبت عنه، ولا تسقط العدالة.\nوقد عقد الخطيب نفسه أبوابًا للتحذير من الرواية عن غير الأثبات. راجع \"الكفاية\" (ص ٣١، وص ٣٢ - ٣٤، وص ١٣٢، وص ١٣٥، و١٥٦).\n[ص ١٧] هذا، واعلم أن المعروف عن غالب أهل العلم من التابعين وأتباعهم تجنُّب الرواية عمن لا يُعتدُّ بروايته، لكونه كذابًا أو مشهورًا بالفسق أو شديد الغفلة، فإن اضطُرَّ أحدهم إلى الرواية عمن هذا شأنه بيَّن حاله، إلا أن يكون المروي عنه مشهورًا بذلك، فقد يستغني الراوي عنه بالشهرة عن البيان.\nفالثقة المعروف بالعلم من التابعين أو أتباعهم إذا لم يوصف بالتساهل في الرواية عمن لا يُعتدُّ به، وكذلك الثقة المشهور ممن بعدهم إذا عُرِف بتجنبه الروايةَ عمن لا يُعتدُّ به= إذا روى أحد هذين عن شيخ ولم يبيِّن حاله،","vol":"19","page":163},{"text":"ولم يشتهر ذاك الشيخ بالكذب أو الفسق أو شدة الغفلة؛ فهو عند الراوي عنه إما عدل وإما مجهول الحال.\nثم قد تقوم قرينةٌ تُبعد الثاني:\nمنها: أن تتعدد رواية الثقة عن ذاك الشيخ، فيظهر من ذلك أنه طال أو تعدد اجتماعه به.\nومنها: أن يذكر الثقة أنه كان جاره أو نحو ذلك.\nومنها: أن يروي عن ذلك الشيخ ثقتان؛ إذ قد يبعد أن لا يعرفا ولا واحدٌ منهما حالَه.\nوهذا، والذي عليه جهابذة الحديث في الغالب هو أن ينظروا فيما روى هذا الشيخ، ويعتبروا روايته بما روى الثقات المشهورون، وبما عُرِف من الشريعة، فإن كان إنما روى حديثًا أو حديثين نظروا، فإن كان قد روى ذلك الحديث أو الحديثين غيرُه من الثقات قبلوه، وربما أخرجوا له في الصحيح على سبيل المتابعة والاستشهاد. وإن لم يروِ غيرُه من الثقات مثلَ ما روى، ولكن ليس هناك قرينة تُوهِن مرويَّه توقَّفوا فيه، وربما أخرجوا له فيما ليس فيه حكم. وإن كانت هناك قرينة تُوهِن مرويَّه غمزوه بأنه روى ما لا يتابع عليه. فإن روى ما يخالف رواية الثقات أو يخالف ما عُرِف من الشريعة ضعفوه.\nفأما من كثرت روايته ولم يتكلم فيه أهل العلم من أهل عصره وما قرب منه فإن في ذلك دلالةً على أنه عدل؛ لأن الظاهر أن أهل العلم من أهل بلده وما قرب منه قد عرفوا أنه يروي، وذلك يدعوهم إلى تعرُّفِ حاله، فيبعُد","vol":"19","page":164},{"text":"لذلك أن يستمروا على الجهل بحاله، فالظاهر أنهم عرفوا حاله بالعدالة؛ إذ لو عرفوه بالجرح لما سكتوا عنه.\nولكن الجهابذة لا يكتفون بهذا لوجهين:\nالأول: أنه قد يكون عدلًا غير ضابط.\nالثاني: أن دلالة ما تقدم على عدالته ليست بقاطعة.\nفلهذا يعتمد الجهابذة النظر في ما رواه على نحو ما تقدم، فإن وجدوا غالب حديثه موافقًا لما رواه الرواة حكموا بأنه ثقة، وإلا ضعَّفوه. وللتوثيق والتضعيف مراتب بحسب مبلغ أحاديث الشيخ، وما وافق فيه الثقات وما انفرد به أو خالف.\nوسيأتي إن شاء الله تعالى تمام الكلام في العدالة.","vol":"19","page":165},{"text":"[ص ١٨] فصل\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-24>الشرط الثاني: الضبط</span>\nمن الواضح أن الكذب قد يكون عمدًا ويكون خطأ، وأنه قد يكون كليًّا ويكون جزئيًّا. وأريد بالكلي: أن يكون الخبر كله كذبًا سندًا ومتنًا، وبالجزئي: أن يكون فيه ما هو حق وما هو باطل، فقد يكون السند حقًّا والخبر باطلًا، إما البتَّةَ وإما بذلك السند. وذلك كمن يسمع حديثًا بسندٍ، فيغلَط، فيتوهم أن الذي سمعه بذلك السند كلام آخر، فيروي ذلك الكلام بذلك السند. وقد يكون ذلك الكلام صحيحًا في نفسه، لكن بسند آخر، وقد يكون باطلًا.\nوقد يكون الكذب الجزئي بإسقاط رجل من السند، أو زيادته، أو إبدال اسم بآخر، أو نحو ذلك. وكذلك يكون في المتن بتغييرٍ فيه يُغيِّر المعنى بزيادة أو نقص، أو تقديم وتأخير، أو إبدال كلمةٍ بأخرى، ونحو ذلك.\nومن المعروف المشاهد أيضًا أن صلاح الإنسان في نفسه إنما يحصل به الوثوق أنه لا يتعمد الكذب. ويبقى احتمال الكذب خطأ، فهذا لا يندفع إلا بأمر زائد على صلاح الراوي في نفسه، وهو الضبط. وهو عبارة عن حالٍ تحصلُ للإنسان باجتماع أمرين: ثبات، وتثبُّت.\nوتوضيحه: أن الرجل إذا سمع كلامًا من رجل، فقد يسمعه كما ينبغي، ويحفظه كما ينبغي، ويفهمه كما ينبغي، ويكون عارفًا أن المتكلم هو فلان بن فلان كما ينبغي. وإنْ كتبه كتبه كما ينبغي، وحفظ كتابه كما ينبغي.\nوقد لا يكون بعض هذا كما ينبغي؛ فمن الناس من لا يسمع كما ينبغي،","vol":"19","page":166},{"text":"ولكنه يتوهم أنه سمع كما ينبغي، وكذلك في الحفظ وغيره، فهذا غير ضابطٍ إذا كانت هذه عادته وكثرت منه.\nومنهم من هو ضابط لميزان نفسه، يعرف غالبًا متى سمع كما ينبغي، ومتى لم يسمع كما ينبغي، وهكذا في الباقي. ثم إذا أراد أن يحدِّث بذلك الخبر، فقد يكون غيرَ ذاكرٍ للقصة كما ينبغي، ولكنه يتوهم أنه ذاكر لها كما ينبغي، وقد يكون ضابطًا لميزان نفسه، يعرف حال ذكره للقصة أكما ينبغي أم لا؟\nفكون الإنسان ضابطًا لميزان نفسه عند التلقي وعند الأداء هو الثبات.\nثم قد يكون للإنسان ثباتٌ في نفسه ولكنه لا يتفقَّدها عند الأداء، فيخبر بما لم يضبطه، ولو تفقَّد نفسَه لعلم أنه لم يضبطه، فهذا غير متثبِّت، إذ لا فائدة في ثباتٍ في النفس لا يستعمله صاحبه.\nوقد يكون مع ثباته في نفسه يتفقد نفسه عند الأداء، فيعرف حقيقة الحال، فيحدث بحسبها، فهذا هو المتثبت.\nفاجتماع الثبات والتثبت هو الضبط.\nهذا، ومن أهل العلم من أدرج الضبط في العدالة، فجعل العدالة هي الصلاح في الدين والضبط، والخطبُ سهل.\nومما يدل على اشتراط الضبط ــ مع الاتفاق عليه ــ الآية السابقة، فقد بينت أن وجوب التبيُّن في نبأ الفاسق إنما هو لأنه لا يُوثَق بخبره، وإذا لم يُوثَق به فالعمل به عمل بجهالة. وخبر المغفَّل والمتساهل كذلك. ويدل عليه قوله تعالى في الشهود: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢].","vol":"19","page":167},{"text":"فصل\nقد يقال: أما ثبات النفس فهو الغالب في الناس، وأما التثبت فهو من تمام العدالة، وقد تقدم الكلام في ثبوت العدالة، فعلى هذا يقال: إذا ثبتت العدالة ثبت الضبط ما لم يثبت خلافه.\n[ص ١٩] أقول: أما الثبات عند التلقي فقد يُسلَّم أنه الغالب، وأما عند الأداء ففيه نظر، ولاسيما بعد طول الزمان وبُعد العهد بالقصة، حتى لقد يكون بين سماع الرجل الحديثَ وأدائه سبعون سنة وأكثر.\nوأما التثبت فمسلَّم أنه من تمام العدالة، ولكن إذا قلنا: إن العدالة تثبتُ بكون الرجل من أهل القرون الأولى فإنما يثبت منها عدم تعمد الفسق فقط، والتثبت أمر زائد على ذلك.\nوكذلك إذا قلنا: إنها تثبت بكثرة رواية الثقة عن الرجل، أو برواية الثقتين، أو إكثارهما عن الرجل، أو اشتهار الرجل بالتحديث ولم يتكلم فيه أهل عصره؛ لأننا إذا تتبعنا أحوال السلف وجدناهم كثيرًا ما يروون عن الرجل وتشتهر روايته ولا يتكلم فيه أهل عصره، ثم نجد أحاديثه تدل على أنه لم يكن ضابطًا.\nوبالجملة فغالب ما في كتب الجرح والتعديل من الكلام مبني على اعتبار حديث الراوي، فإن غالب ذلك من كلام الإمام أحمد وابن معين وأقرانهما وتلامذتهم، وهؤلاء كثيرًا ما يحكمون على من لم يدركوه، وبعض من لم يدركوا من أدركه. وكثير من كلامهم صريح في أنهم إنما بَنوه على اعتبار أحاديث الراوي.","vol":"19","page":168},{"text":"[ص ٢٠] والذي تحرَّر لي باستقراء كثير من كلامهم أن لهم مذاهب:\nالأول: مذهب ابن حبان، وقد ذكره في \"الثقات\" (^١)، قال: [العدل من لم يُعرَف منه الجرح ضد التعديل، فمن لم يُعلم بجرحٍ فهو عدل إذا لم يبيّن ضدّه، إذ لم يُكلَّف الناس من الناس معرفة ما غاب عنهم، وإنما كُلِّفوا الحكمَ بالظاهر من الأشياء غيرِ المغيب عنهم].\nفعنده أن المسلمين محمولون على العدالة، فكل راوٍ لم يُجرح فالظاهر أنه عدل، ولم يبق على المحدث إلا أن ينظر في حديث ذلك الراوي، فإن وجد فيه ما يدل على كذبه أو غلطه أو ضعفه فقد يتبين له بذلك جرحه فيجرحه، وإلا وثَّقه.\nوهذا مذهب ضعيف، أما العدالة فقد مرَّ الكلام فيها، وبقي مع ذلك الضبط، وقد مرَّ الكلام فيه. وأما الاعتبار فإذا لم يقف المحدث للراوي إلا على حديث واحد مثلًا، فأقصى ما هناك أن يكون ذلك الحديث قد ثبت من رواية غيره، وأقصى ما في هذا هو الدلالة على أن ذلك الراوي صدق في ذلك الحديث وضبطه. وذلك لا يدل على أن الصدق والضبط شيمة له وعادة حتى يستحق التوثيق.\nثم ما يُدرِيك؟ لعل له حديثًا آخر لم تقف عليه أنت، ولو وقفت عليه لضعَّفته، ولعل من بعدك يرى توثيقك له فيحتج بذلك الحديث الذي لم تقف عليه!\n_________\n(^١) (١/ ١٣). وما بين المعكوفتين منه، وترك المؤلف هنا بياضًا.","vol":"19","page":169},{"text":"فأما إذا كان الحديث الواحد الذي وقفت عليه لم يثبت من جهة أخرى فالتوثيق أبعد وأبعد؛ إذ ليس في رواية ذلك الراوي ذلك الحديثَ دلالةٌ ما على صدقه وضبطه.\nثم ما يُدرِيك؟ لعلك فهمت من ذلك الحديث معنى لم تنكره، ولعل من بعدك يفهم منه ما ينكر، ثم يحتج به على ذلك، عملًا بتوثيقك ذلك الراوي.\nوهكذا الكلام فيما إذا وقف المحدث للراوي على حديثين فقط، ويبقى النظر فيما زاد. وسيأتي.\nولِما ذكرنا ونحوِه تجد ابن حبان ربما يذكر الرجل في \"الثقات\"، ثم يذكره في \"الضعفاء\"، وربما يجعل الواحد اثنين، فيذكره في \"الثقات\" برواية، ويذكره في \"الضعفاء\" بأخرى.\nوالذي تبيَّن لي أن ابن حبان لم يلتزم الاعتبار، بل أخذ \"التاريخ الكبير\" للبخاري، ونقل غالبه إلى \"الثقات\". وكثير ممن أخذه عن \"تاريخ البخاري\" وذكره في \"الثقات\" لم يعرفه ابن حبان، ولا عرف ما روى، بل وكثير منهم لم يعرف عمن رووا ولا من روى عنهم.\nوعادته فيمن ذكره البخاري ولم يذكر عمن روى ولا من روى عنه أن يقول: \"روى المراسيل، روى عنه أهل بلده\". كما أن عادة ابن أبي حاتم في بعض هؤلاء أن يدع بياضًا.\nفإنما يقوى توثيق ابن حبان في حق المشاهير الذين يغلب على الظن أنه اطلع على الكثير من حديثهم.","vol":"19","page":170},{"text":"المذهب الثاني: مذهب أحمد بن عبد الله بن صالح العجلي. ولم أره منقولا عنه، وإنما تتبعت جماعة من الرواة الذين وثَّقهم، فوجدته انفرد بتوثيق كثير من التابعين الذين لم يذكر لكلٍّ منهم إلا راوٍ واحد ثقة. ومنهم: أربدة، وأسماء بن الحكم الفزاري، وأقرع مؤذن عمر، والبراء بن ناجية، والحارث بن لقيط، وحبيب بن أبي سُبَيعة، وحسان بن الضمري، والربيع بن البراء بن عازب، وربيعة بن ناجذ، ورجاء بن أبي رجاء الباهلي، وغيرهم.\nووافقه ابن حبان في هؤلاء أو أكثرهم، على قاعدته.","vol":"19","page":171}]}