{"ً":{"ٌ":459,"ٍ":"مسائل القراءة في الصلاة، والرد على أحد شراح الترمذي - ضمن «آثار المعلمي»","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"files":["https://archive.org/download/moalemee/18_137198s.pdf"]},"ّ":"الكتاب: مسائل القراءة في الصلاة، والرد على أحد شراح الترمذي\n[آثار عبد الرحمن بن يحيى المعلمي اليماني (١٨)]\nالمؤلف: عبد الرحمن بن يحيى المُعَلِّمي اليماني (١٣١٣ - ١٣٨٦ هـ)\nالمحقق: محمد عزير شمس\nراجعه: محمد أجمل الإصلاحي - سليمان بن عبد الله العمير\nالناشر: دار عالم الفوائد للنشر والتوزيع\nالطبعة: الأولى، ١٤٣٤ هـ\nقدمه للشاملة: مؤسسة «عطاءات العلم»، جزاهم الله خيرا\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":178,"ٕ":19,"ٖ":1780758644,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["18"],"ٚ":[{"title":"مناسبة تأليفها","level":1,"page":2},{"title":"المسألة الأولى","level":1,"page":3},{"title":"الحديث القدسي: «قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين. . .»","level":2,"page":3},{"title":"حديث رفاعة بن رافع في المسيء صلاته","level":2,"page":3},{"title":"دلالتهما على وجوب قراءة الفاتحة للمأموم وعدم الزيادة عليها","level":2,"page":5},{"title":"«لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب فما زاد» لا يدل على وجوب الزيادة","level":2,"page":6},{"title":"سؤالان عن حديث المسيئ صلاته، وجوابهما","level":2,"page":6},{"title":"١) لماذا قال: «لا تتم صلاة أحدكم. . .» و«إن انتقصت منه شيئا انتقصت من صلاتك»؟","level":3,"page":6},{"title":"٢) إذا كانت الصلاة التي صلاها الرجل باطلة فلماذا لم يبين له النبي - ﷺ - في أثنائها؟","level":3,"page":10},{"title":"زيادة «فصاعدا» في حديث عبادة غير ثابت، ولو ثبت لم يدل على وجوب الزيادة","level":2,"page":12},{"title":"الرد على شارح الترمذي في استدلاله لنسخ ركنية الفاتحة","level":2,"page":14},{"title":"ترتيب نزول الأحكام المتعلقة بالقراءة في الصلاة","level":2,"page":16},{"title":"أحاديث وجوب الفاتحة متأخرة عن آية القراءة وآية الإنصات وآية القنوت","level":2,"page":21},{"title":"معنى حديث «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» و«لا صلاة بحضرة الطعام»","level":2,"page":22},{"title":"الكلام على معنى «الخداج» في حديث أبي هريرة","level":2,"page":27},{"title":"استدلال الشارح على عدم ركنية الفاتحة بحديث أبي بكرة، ورد المؤلف عليه","level":2,"page":31},{"title":"استدلال الشارح على النهي عن القراءة خلف الإمام بحديث ابن أكيمة وبالإجماع","level":2,"page":32},{"title":"رد المؤلف عليه","level":2,"page":33},{"title":"المسألة الثانية: هل تجب القراءة في كل ركعة؟","level":1,"page":35},{"title":"المسألة الثالثة: هل تجب الزيادة على الفاتحة؟","level":1,"page":36},{"title":"الكلام على زيادة «فصاعدا» في حديث عبادة","level":2,"page":37},{"title":"الاستدلال به على وجوب الزيادة على الفاتحة تأباه اللغة","level":2,"page":42},{"title":"استدلال الشارح على وجوب الزيادة بحديث أبي سعيد «أمرنا أن نقرأ بفاتحة الكتاب وما تيسر»، والرد عليه","level":2,"page":45},{"title":"الأحاديث الأخرى التي استدل بها الشارح، وبيان درجتها ومعناها","level":2,"page":46},{"title":"ادعاء الشارح أن آية الإنصات نزلت بعد الأمر بالقراءة في حديث عبادة، والرد عليه","level":2,"page":53},{"title":"المسألة الرابعة: قراءة المأموم الفاتحة","level":1,"page":57},{"title":"(١) أدلة الموجبين للقراءة، والكلام عليها","level":2,"page":57},{"title":"من الأدلة التي تنص على قراءة المأموم في الجهرية","level":3,"page":62},{"title":"(٢) حجج القائلين بأن المأموم لا يقرأ فيما يجهر فيه إمامه","level":2,"page":71},{"title":"الكلام على حديث «وإذا قرأ فأنصتوا»","level":3,"page":71},{"title":"فصل: في تفسير آية الإنصات وما قبلها وبعدها","level":3,"page":75},{"title":"نقد الآثار الواردة في سبب نزولها","level":3,"page":76},{"title":"آية الإنصات منعت من رفع الصوت والكلام","level":3,"page":83},{"title":"معنى قوله تعالى: ﴿واذكر ربك في نفسك﴾","level":3,"page":89},{"title":"تفسير آية الإنصات بالنظر إلى السياق، وأن الخطاب فيها للكفار","level":3,"page":90},{"title":"تفصيل الكلام على حديث «وإذا قرأ فأنصتوا»","level":3,"page":97},{"title":"الكلام على حديث ابن أكيمة الليثي عن أبي هريرة في منازعة القرآن، وزيادة «فانتهى الناس عن القراءة. . .»","level":3,"page":108},{"title":"ذكر جماعة من الصحابة كانوا يقرؤون ويفتون بالقراءة خلف الإمام","level":3,"page":118},{"title":"التوفيق بين حديث عبادة وحديث ابن أكيمة","level":3,"page":121},{"title":"معنى المخالجة والمنازعة","level":3,"page":124},{"title":"الكلام على حديث أبي إسحاق السبيعي عن الأرقم عن ابن عباس في صلاة النبي - ﷺ - في مرضه، وأخذه من القراءة من حيث بلغ أبو بكر","level":3,"page":126},{"title":"قول الإمام أحمد: ما سمعنا أحدا من أهل الإسلام يقول: إن الإمام إذا جهر بالقراءة لا تجزئ صلاة من خلفه","level":3,"page":128},{"title":"تعقيب المؤلف عليه","level":3,"page":128},{"title":"دعوى الإجماع على ذلك لا تصح","level":3,"page":130},{"title":"الإجماع إنما يتحقق في الفرائض القطعية، وأما ما عداها فإنما يحصل العالم منه على عدم العلم بمخالف","level":3,"page":131},{"title":"(٣) حجج من يقول: إن المأموم لا يقرأ مطلقا","level":2,"page":132},{"title":"الرد على الاستدلال بآية الإنصات، ومعنى الإنصات عند أهل اللغة","level":3,"page":135},{"title":"لم تقم حجة على إدراك الركعة بإدراك الركوع","level":3,"page":139},{"title":"الكلام على حديث أبي بكرة ومعناه، والزيادة التي رويت فيه","level":3,"page":139},{"title":"تفصيل الكلام على حديث «من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة»","level":3,"page":149},{"title":"حديث مالك عن وهب بن كيسان عن جابر «من صلى ركعة لم يقرأ فيها بأم القرآن لم يصل، إلا وراء الإمام» موقوف، لا يصح رفعه","level":3,"page":157},{"title":"أثر آخر عن جابر: «لا يقرأ خلف الإمام» لا يصح","level":3,"page":158},{"title":"ثبوت الأمر بالقراءة خلف الإمام عن علي وابن مسعود","level":3,"page":160},{"title":"المسألة الخامسة: هل يزيد المأموم في الأوليين من الظهر والعصر على الفاتحة؟","level":3,"page":163},{"title":"الاستدلال على المنع بالأحاديث المتقدمة","level":3,"page":163},{"title":"الجواب عنه","level":3,"page":163},{"title":"المسألة السادسة: إذا كان المأموم أصم أو بعيدا عن الإمام لا يسمع قراءته، فهل يقرأ غير الفاتحة والإمام يجهر؟","level":3,"page":168},{"title":"ظواهر الأحاديث المتقدمة المنع","level":3,"page":168},{"title":"ملاحق","level":2,"page":170},{"title":"١) هل حديث أبي هريرة مختصر من حديث عبادة والواقعة واحدة؟ وما علة النهي؟","level":3,"page":170},{"title":"٢) الكلام على حديث «من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة» ودعوى الإجماع على ما يستفاد منه","level":3,"page":178},{"title":"٣) مناقشة الشارح في كلامه على حديث عبادة وأبي هريرة","level":3,"page":186},{"title":"٤) في الكلام على معنى المنازعة","level":3,"page":200},{"title":"٥) الجمع بين الأحاديث المختلفة في الباب","level":3,"page":205}],"ٛ":{"18,4":1,"18,5":2,"18,6":3,"18,7":4,"18,8":5,"18,9":6,"18,10":7,"18,11":8,"18,12":9,"18,13":10,"18,14":11,"18,15":12,"18,16":13,"18,17":14,"18,18":15,"18,19":16,"18,20":17,"18,21":18,"18,22":19,"18,23":20,"18,24":21,"18,25":22,"18,26":23,"18,27":24,"18,28":25,"18,29":26,"18,30":27,"18,31":28,"18,32":29,"18,33":30,"18,34":31,"18,35":32,"18,36":33,"18,37":34,"18,38":35,"18,39":36,"18,40":37,"18,41":38,"18,42":39,"18,43":40,"18,44":41,"18,45":42,"18,46":43,"18,47":44,"18,48":45,"18,49":46,"18,50":47,"18,51":48,"18,52":49,"18,53":50,"18,54":51,"18,55":52,"18,56":53,"18,57":54,"18,58":55,"18,59":56,"18,60":57,"18,61":58,"18,62":59,"18,63":60,"18,64":61,"18,65":62,"18,66":63,"18,67":64,"18,68":65,"18,69":66,"18,70":67,"18,71":68,"18,72":69,"18,73":70,"18,74":71,"18,75":72,"18,76":73,"18,77":74,"18,78":75,"18,79":76,"18,80":77,"18,81":78,"18,82":79,"18,83":80,"18,84":81,"18,85":82,"18,86":83,"18,87":84,"18,88":85,"18,89":86,"18,90":87,"18,91":88,"18,92":89,"18,93":90,"18,94":91,"18,95":92,"18,96":93,"18,97":94,"18,98":95,"18,99":96,"18,100":97,"18,101":98,"18,102":99,"18,103":100,"18,104":101,"18,105":102,"18,106":103,"18,107":104,"18,108":105,"18,109":106,"18,110":107,"18,111":108,"18,112":109,"18,113":110,"18,114":111,"18,115":112,"18,116":113,"18,117":114,"18,118":115,"18,119":116,"18,120":117,"18,121":118,"18,122":119,"18,123":120,"18,124":121,"18,125":122,"18,126":123,"18,127":124,"18,128":125,"18,129":126,"18,130":127,"18,131":128,"18,132":129,"18,133":130,"18,134":131,"18,135":132,"18,136":133,"18,137":134,"18,138":135,"18,139":136,"18,140":137,"18,141":138,"18,142":139,"18,143":140,"18,144":141,"18,145":142,"18,146":143,"18,147":144,"18,148":145,"18,149":146,"18,150":147,"18,151":148,"18,152":149,"18,153":150,"18,154":151,"18,155":152,"18,156":153,"18,157":154,"18,158":155,"18,159":156,"18,160":157,"18,161":158,"18,162":159,"18,163":160,"18,164":161,"18,165":162,"18,166":163,"18,167":164,"18,168":165,"18,169":166,"18,170":167,"18,171":168,"18,172":169,"18,173":170,"18,174":171,"18,175":172,"18,176":173,"18,177":174,"18,178":175,"18,179":176,"18,180":177,"18,181":178,"18,182":179,"18,183":180,"18,184":181,"18,185":182,"18,186":183,"18,187":184,"18,188":185,"18,189":186,"18,190":187,"18,191":188,"18,192":189,"18,193":190,"18,194":191,"18,195":192,"18,196":193,"18,197":194,"18,198":195,"18,199":196,"18,200":197,"18,201":198,"18,202":199,"18,203":200,"18,204":201,"18,205":202,"18,206":203,"18,207":204,"18,208":205,"18,209":206,"18,210":207},"ٜ":{"18":[4,210]},"ٝ":["18,4","18,5","18,6","18,7","18,8","18,9","18,10","18,11","18,12","18,13","18,14","18,15","18,16","18,17","18,18","18,19","18,20","18,21","18,22","18,23","18,24","18,25","18,26","18,27","18,28","18,29","18,30","18,31","18,32","18,33","18,34","18,35","18,36","18,37","18,38","18,39","18,40","18,41","18,42","18,43","18,44","18,45","18,46","18,47","18,48","18,49","18,50","18,51","18,52","18,53","18,54","18,55","18,56","18,57","18,58","18,59","18,60","18,61","18,62","18,63","18,64","18,65","18,66","18,67","18,68","18,69","18,70","18,71","18,72","18,73","18,74","18,75","18,76","18,77","18,78","18,79","18,80","18,81","18,82","18,83","18,84","18,85","18,86","18,87","18,88","18,89","18,90","18,91","18,92","18,93","18,94","18,95","18,96","18,97","18,98","18,99","18,100","18,101","18,102","18,103","18,104","18,105","18,106","18,107","18,108","18,109","18,110","18,111","18,112","18,113","18,114","18,115","18,116","18,117","18,118","18,119","18,120","18,121","18,122","18,123","18,124","18,125","18,126","18,127","18,128","18,129","18,130","18,131","18,132","18,133","18,134","18,135","18,136","18,137","18,138","18,139","18,140","18,141","18,142","18,143","18,144","18,145","18,146","18,147","18,148","18,149","18,150","18,151","18,152","18,153","18,154","18,155","18,156","18,157","18,158","18,159","18,160","18,161","18,162","18,163","18,164","18,165","18,166","18,167","18,168","18,169","18,170","18,171","18,172","18,173","18,174","18,175","18,176","18,177","18,178","18,179","18,180","18,181","18,182","18,183","18,184","18,185","18,186","18,187","18,188","18,189","18,190","18,191","18,192","18,193","18,194","18,195","18,196","18,197","18,198","18,199","18,200","18,201","18,202","18,203","18,204","18,205","18,206","18,207","18,208","18,209","18,210"],"ٞ":{"2":[1],"3":[2,3,4],"5":[5],"6":[6,7,8],"10":[9],"12":[10],"14":[11],"16":[12],"21":[13],"22":[14],"27":[15],"31":[16],"32":[17],"33":[18],"35":[19],"36":[20],"37":[21],"42":[22],"45":[23],"46":[24],"53":[25],"57":[26,27],"62":[28],"71":[29,30],"75":[31],"76":[32],"83":[33],"89":[34],"90":[35],"97":[36],"108":[37],"118":[38],"121":[39],"124":[40],"126":[41],"128":[42,43],"130":[44],"131":[45],"132":[46],"135":[47],"139":[48,49],"149":[50],"157":[51],"158":[52],"160":[53],"163":[54,55,56],"168":[57,58],"170":[59,60],"178":[61],"186":[62],"200":[63],"205":[64]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"الرسالة الخامسة والعشرون\nمسائل القراءة في الصلاة\nوالرد على أحد شرَّاح الترمذي","vol":"18","page":4},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\nالحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلَاّ الله وحده لا شريك له ولا معين، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله إلى الناس أجمعين، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه والتابعين بإحسان إلى يوم الدين.\nأما بعد؛ فإني وقفت على شرح لبعض أجلة علماء العصر من الحنفية لـ \"جامع الترمذي\"، اعتنى فيه بالمسائل الخلافية، وسرد الأدلة وتنقيحها رواية ودراية، ولم يتقيَّد بأقوال المتقدمين في طرق التأويل والاستدلال، وإن تقيَّد بمذهبه في الأحكام.\nوقد طالعت منه من أوله إلى أواخر كتاب الصلاة، وكان يظهر لي عند المطالعة مواضع تحتمل التعقب والمناقشة؛ فقيَّدتُ بعض ذلك.\nثم رأيت أنَّ الكلام في مسائل القراءة في الصلاة يطول؛ فأفردته مرتبًا في هذه الورقات، وقد علمت أنَّ التآليف في هذه المسائل كثيرة، وأنَّ من لم يعرف مقدار حسن ظن الإنسان بنفسه وبتأليفه وشعره لابد أن يُسدِّد إليَّ وإلى أمثالي سهام الملام. ولكني أرجو أن لا أَعدَمَ مَنْ عسى أن يَعْذِرني؛ بل أكاد أجزم أنَّ من طالع رسالتي هذه اضطرَّه الإنصافُ إلى أن يشكرني.\nوإلى الله تعالى أَضْرَع أن يُطهِّر قلبي من الهوى والعصبية، ويخلص عملي كلَّه لوجهه الكريم ونصرةِ شريعته المرضية، وهو حسبي ونعم الوكيل.\n[...............................................................] (^١)\n_________\n(^١) سقط من هنا إحدى عشرة صفحة.","vol":"18","page":5},{"text":"[ص ١٢] فإن كان الواقع هو الأول فقد ثبتت الفاتحة نصًّا، وإن كان الثاني فتثبت استدلالًا، لما عُرِف (^١) أنَّ هذا الحديث إنما اشتمل على الواجبات، وليس بين تكبيرة الإحرام وقراءة ما تيسَّر حمد وثناء وتمجيد يحتمل الوجوب إلَاّ الفاتحة، وهذا ظاهر.\nومما يؤيده: حديث مسلم (^٢) وغيره، عن أبي هريرة ﵁: سمعت رسول الله - ﵌ - يقول: قال الله تعالى: \"قَسَمْتُ الصلاةَ بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل؛ فإذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين، قال الله تعالى: حمِدَني عبدي، وإذا قال: الرحمن الرحيم، قال الله تعالى: أثنى عليَّ عبدي، وإذا قال: مالك يوم الدين، قال: مجَّدني عبدي .. \" الحديث.\nنصَّ فيه على أنَّ الفاتحة: حمد وثناء وتمجيد.\nوجاء في حديث رفاعة (^٣) تارة الأمر بالفاتحة، وتارة الأمر بالحمد والثناء والتمجيد، فتدبَّر.\nوقد وجدت متابعًا لمحمد بن عمرو (^٤)، وهو: بُكَير بن عبد الله بن الأشجّ، رواه عن علي بن يحيى، أخرجه البخاري في \"جزء القراءة\" (^٥)،\n_________\n(^١) تحتمل: \"كما عرف\".\n(^٢) رقم (٣٩٥). وأخرجه أيضًا مالك في \"الموطأ\" (١/ ٨٤، ٨٥) وأبو داود (٨٢١) والترمذي (٢٩٥٣) والنسائي (٢/ ١٣٥، ١٣٦).\n(^٣) أخرجه أحمد في \"المسند\" (١٨٩٩٥) وأبو داود (٨٦١) والترمذي (٣٠٢) والنسائي (٢/ ١٩٣) وغيرهم.\n(^٤) الكلام متعلق بحديث المسيء صلاته من رواية محمد بن عمرو، عن علي بن يحيى بن خلَّاد، عن رفاعة بن رافع. وقد أخرجه أحمد في \"مسنده\" (١٨٩٩٥).\n(^٥) (ص ٢٣٤ - ٢٣٦) بتعليقه \"تحفة الأنام\" ط. الهند.","vol":"18","page":6},{"text":"وسنده على شرط الصحيح، إلَاّ عبد الله بن سُويد، وهو صدوق كما قال أبو زرعة (^١)، وذكره ابن حبان في \"الثقات\" (^٢)، ولا مخالفَ لهما.\nولكن فيه: عن علي بن يحيى، عن أبي السائب ــ رجل من أصحاب النبي - ﵌ - ــ وفيه: \"ابدأ فكبِّر، وتحمد الله، وتقرأ بأم القرآن، ثم تركع\" الحديث.\nوذكر الحافظ في \"الإصابة\" (^٣) أنَّ ابن منده ذكر أبا السائب هذا في الصحابة، وقال: عداده في أهل المدينة.\nقال الحافظ: \"وتعقبه أبو نعيم (^٤) بأنَّ المحفوظ رواية إسحاق بن عبد الله ... وغيرهم كلهم عن علي بن يحيى عن أبيه عن عمه رفاعة بن رافع. انتهى، ولا يمتنع أن يكون لعلي بن يحيى فيه شيخان\".\nأقول: فعلى هذا، هذه رواية صحابي ثالث مصرِّحة بالفاتحة بلا خلاف.\nوأقوى الأجوبة بعد هذا: احتمال النسخ؛ فإنَّ الأحاديث الصريحة في إيجاب الفاتحة منها ما صرَّح فيه أبو هريرة بسماعه من النبي - ﵌ -، وكان إسلام أبي هريرة سنة سبع. وقصة المسيء صلاته كانت قبل ذلك ببضع سنوات، أي قبل غزوة بدر؛ لأنَّ صاحب القصة مدني أنصاري بدري\n_________\n(^١) انظر \"الجرح والتعديل\" (٥/ ٦٦).\n(^٢) (٨/ ٣٤٣).\n(^٣) (١٢/ ٢٨٤). وانظر \"معرفة الصحابة\" لابن منده (٢/ ٩٠٥).\n(^٤) في \"معرفة الصحابة\" له (٤/ ٤٩٢).","vol":"18","page":7},{"text":"اتفاقًا (^١)، ومثل هذا لا يُعقل أن يبقى مع النبي - ﵌ -؛ يجالسه، ويصلي معه، ويغزو معه سنة أو سنتين ولا يُحسِن الصلاة، فضلًا عن ست أو سبع سنوات!\nوهذا واضح جدًّا، مستغنٍ عن قول ابن الكلبي: إن صاحب القصة استشهد ببدر (^٢).\nوإذا صحَّ النسخ فكأنه قبل الأمر بالفاتحة كان الواجب الحمد والثناء والتمجيد مطلقًا، ثم قراءة ما تيسَّر من القرآن؛ على ظاهر رواية إسحاق بن أبي طلحة (^٣). ثم جمع الله تعالى لهم الأمرين في الفاتحة.\nولما علم رفاعة أو من بعده ذلك عبَّر تارةً بأصل الحديث، وتارةً بما آل إليه الأمر من فرض الفاتحة، وإنما زاد: \"ثم اقرأ ما شئت\" ظنًّا أنَّ الفاتحة إنما جاءت بدلًا عن الحمد والثناء والتمجيد.\nوقد بيَّنت الأحاديث الأخرى الثابتة في الاقتصار على الفاتحة أنَّ الفاتحة جامعة للأمرين: الحمد والثناء والتمجيد، والقراءة.\nومما يبيِّن ما قدَّمناه: أنَّ أبا هريرة ــ راوي الحديث ــ مذهبه الذي كان يفتي به أنَّ الفاتحة بعينها واجبة، ولا يجب غيرها.\n_________\n(^١) هو خلَّاد بن رافع، كما في \"الفتح\" (٢/ ٢٧٧). وانظر \"الإصابة\" (٣/ ٣١١).\n(^٢) انظر \"نسب معد واليمن الكبير\" (١/ ٤٢٤). قال الحافظ في \"الإصابة\" (٣/ ٣١٠): لم يذكره في شهداء البدريين غيره.\n(^٣) التي أخرجها البخاري في \"جزء القراءة\" (ص ٢٤٥) وأبو داود (٨٥٨) والنسائي (٢/ ٢٢٥، ٢٢٦) وابن ماجه (٤٦٠) وغيرهم.","vol":"18","page":8},{"text":"[ص ١٣] وفي \"الصحيحين\" (^١) وغيرهما عنه: \"وإن لم تَزِدْ على أمِّ القرآن أجزأتْ، وإن زدتَ فهو خير\".\nوفي \"سنن أبي داود\" (^٢) وغيره عن أبي هريرة أن النبي - ﵌ - أمره فنادى: \"أن لا صلاة إلَّا بفاتحة الكتاب فما زاد\".\nوهذا مما يقوي احتمال النسخ؛ إلَاّ أنَّ في سنده جعفر بن ميمون، مختلف فيه، وقال العقيلي (^٣) في حديثه هذا: \"لا يتابع عليه\".\nوسيأتي ــ إن شاء الله تعالى ــ الكلام على قوله: \"فما زاد\"، وأنها لا تدلُّ على وجوب الزيادة.\nفأما الجواب باحتمال أنَّ النبي - ﵌ - قد كان علم أنَّ الرجل لا يحفظ الفاتحة فليس بذاك، وإن ساعده لفظ \"معك\".\nولما كان النزاع إنما هو مع الحنفية، والحديث وارد عليهم، كما هو وارد علينا فلا حاجة إلى التطويل، وفيما قدمناه كفاية لطالب الحق إن شاء الله تعالى.\n[ص ١٤] سؤالان وجوابهما:\nالأول: وقع في بعض روايات حديث رفاعة (^٤) الصحيحة: فقال النبي\n_________\n(^١) البخاري (٧٧٢) ومسلم (٣٩٦).\n(^٢) رقم (٨٢٠). وأخرجه أيضًا أحمد في \"المسند\" (٩٥٢٩) والدارقطني (١/ ٣٢١) والحاكم في \"المستدرك\" (١/ ٢٣٩) والبيهقي (٢/ ٣٧).\n(^٣) في \"الضعفاء الكبير\" (١/ ١٩٠).\n(^٤) أخرجه أبو داود (٨٥٧) والنسائي (٢/ ١٩٣) وأحمد (١٨٩٩٧) وغيرهم.","vol":"18","page":9},{"text":"- ﵌ -: \"إنه لا تتمُّ صلاةٌ لأحدٍ من الناس حتى يتوضأ\" وذكر الحديث، وفي آخره ــ في رواية (^١) ــ: \"فإذا فعل ذلك فقد تمَّتْ صلاته\".\nوفي رواية (^٢): \"لا تتمُّ صلاةُ أحدِكم حتى يفعلَ ذلك\".\nوفي أخرى (^٣): \"فإذا لم يفعلْ هكذا لم تَتِمَّ صلاتُه\".\nوفي أخرى (^٤): \"فإذا صنعتَ ذلك فقد قضيتَ صلاتك، وما انتقصتَ من ذلك فإنما تَنقُصُه من صلاتك\".\nوفي رواية يحيى بن علي بن يحيى عن جده عن رفاعة بن رافع: \"أنَّ رسول الله - ﵌ - بينما هو جالس في المسجد يومًا ــ قال رفاعة: ونحن معه ــ إذ جاء رجلٌ كالبدوي، فصلَّى فأخفَّ صلاته\"، ثم ساق الحديث، إلى أن قال: \"فخاف الناس، وكَبُر عليهم أن يكون من أخفَّ صلاته لم يُصلِّ\"، ثم ذكر الحديث، وقال في آخره: \"فإذا فعلتَ ذلك فقد تمَّتْ صلاتك، وإن انتقصْتَ منه شيئًا انتقصْتَ من صلاتك\". قال: \"وكان هذا أهونَ عليهم من الأول: أنه مَن انتقصَ من ذلك شيئًا انتقص من صلاته، ولم تذهبْ كلها\".\nرواه الترمذي (^٥)، وقال عقبه: حديث رفاعة حديث حسن.\nوقد روي عن رفاعة هذا الحديث من غير وجهٍ (^٦).\n_________\n(^١) هي رواية أبي داود (٨٥٧).\n(^٢) عند أبي داود (٨٥٨).\n(^٣) عند النسائي (٢/ ٢٢٦).\n(^٤) عند النسائي (٢/ ١٩٣).\n(^٥) رقم (٣٠٢).\n(^٦) انظر تعليق المحققين على \"المسند\" (١٨٩٩٥).","vol":"18","page":10},{"text":"وقال في \"الفتح\" (^١): \"وقع في حديث رفاعة بن رافع عند ابن أبي شيبة في هذه القصة: دخل رجلٌ، فصلَّى صلاةً خفيفةً، لم يتم ركوعها ولا سجودها\".\nفقد يقال: إنما قال النبي - ﵌ -: \"لا تتمُّ صلاة لأحدٍ\"، ولم يقل: \"لا تصحُّ\"، وقال له: \"وإن انتقصتَ منه شيئًا انتقصتَ من صلاتك\" أو نحوه؛ فهذا يدلُّ على أنَّ فيما أمره به أشياء تصحُّ الصلاة بدونها. وقد فهم الصحابة ذلك؛ كما صرَّح به في رواية يحيى بن علي بن يحيى.\nويؤخذ من قوله: \"فأخفَّ صلاته\"، وقوله: \"وكبُر عليهم أن يكون من أخفَّ صلاتَه لم يُصَلِّ\" أنَّ تلك الأشياء هي ما كان من قبيل التخفيف؛ فيدخل فيها تخفيف القيام بتقصير القراءة، وتخفيف الركوع والسجود بعدم الاطمئنان. وفي رواية ابن أبي شيبة ما يظهر منه التخفيف في الركوع والسجود.\nالجواب: أما رواية يحيى بن علي فلا تقوم بما زاده فيها حجة؛ لجهالته، ولا يُلتفت إلى أنَّ ابن حبَّان ذكره في \"الثقات\" (^٢)؛ لأنَّ من أصل ابن حبَّان إيراد المجاهيل فيها. والترمذي إنما حسَّن الحديث من حيث هو، وأشار إلى ذلك بقوله: \"وقد رُوي من غير وجهٍ\"، ولا يلزم من هذا توثيق يحيى بن علي. والزيادة إنما تقبل من الثقة الضابط.\nوأما قوله: \"إنه لا تتمُّ\" وما يُشبِه ذلك، فإنه يقال لمن صلَّى من الظهر ثلاث ركعات، ثم قطع الصلاة عمدًا: إنه لم يُتِمَّ صلاته. ويقال لمن صلَّى\n_________\n(^١) (٢/ ٢٧٧). والحديث في \"المصنف\" (١/ ٢٨٧).\n(^٢) (٧/ ٦١٢).","vol":"18","page":11},{"text":"وترك بعض المستحبَّات: لم يُتِمَّ صلاته. ويظهر لي أنَّ المعنى الأول هو المتبادر.\nوأما قوله: \"وما انتقصتَ من ذلك فإنما تنقُصُه من صلاتك\" فهي عند النسائي من رواية ابن عجلان عن علي بن يحيى، وابن عجلان يدلِّس؛ كما يأتي بيان ذلك في حديث الإنصات. فيُخشى أن يكون سمع الحديث بهذه الزيادة من يحيى بن علي، وقد مرَّ ما فيه.\nوعلى فرض ثبوت هذه الزيادة فالانتقاص مقابل لعدم الإتمام، وقد مرَّ ما فيه.\nوعلى فرض أنَّ قوله: \"لا تتمُّ\"، وقوله: \"فإنما تنقصه من صلاتك\" ــ على فرض ثبوتها ــ يُشِعر أو يدلُّ على أنه إذا ترك شيئًا مما أمره به لا تبطل صلاته، فيجب إلغاء هذا الإشعار؛ لأنه قد أمره ــ في جملة ما أمره به ــ بالفرائض القطعية إجماعًا، ومن انتقص شيئًا منها فصلاته باطلة قطعًا.\nودعوى حمل هذا على ما كان من قبيل التخفيف مردودة فإنه ساق تحت قوله: \"لا تتمُّ صلاة أحدٍ منكم حتى ... \" جميع الأعمال، واسم الإشارة في قوله \"وما انتقصت من ذلك\" يعود إلى جميع الأعمال.\nوإذا قلنا: إنَّ الذي أساء فيه هذا الرجل هو عدم الاطمئنان في الركوع والسجود، بدليل رواية ابن أبي شيبة= وجب أن لا يدخل ذلك فيما يشعر به قوله: \"لا يتم\"، وقوله: \"تنقصه من صلاتك\"؛ لأنه قد قال له باتفاق الروايات كلها: \"ارجعْ فصَلِّ فإنك لم تصلِّ\". ونفيُ الشارع للصلاة صريح في نفي وجودها الشرعي، وهو إنما يكون بصحتها. والله أعلم.","vol":"18","page":12},{"text":"[ص ١٥] السؤال الثاني:\nإذا كانت الصلاة الأولى التي صلاها هذا الرجل باطلة فلمَ لمْ يبيِّن له النبي - ﵌ - في أثنائها؟ وكيف تركه يتعبد عبادة باطلةً؟\nوهكذا يقال في الثانية والثالثة، بل أولى.\nأَوَ لا يكون إقرار النبي - ﵌ - إياه على الاستمرار فيها دالًّا على صحتها؟\nالجواب: هذا سؤال لا يخلو من صعوبة، وقد ذكر الحافظ في \"الفتح\" (^١) أجوبة:\nمنها: قول ابن دقيق العيد: \"ليس التقرير بدليل على الجواز مطلقًا؛ بل لا بد من انتفاء الموانع، ولا شكَّ أنَّ في زيادة قبول المتعلِّم ما يُلقى إليه بعد تكرار فعله واستجماعِ نفسه وتوجُّهِ سؤاله مصلحةً مانعةً من وجوب المبادرة إلى التعليم؛ لاسيَّما مع عدم خوف الفوات؛ إما بناءً على ظاهر الحال، وإما بوحي خاص\".\nأقول: أما دلالته على الجواز فلا مفرَّ منها؛ ولكن لا يلزم من الدلالة على الجواز الدلالةُ على الصحة، وشاهده ما في \"الصحيحين\" (^٢) عن ابن المنكدر قال: رأيت جابر بن عبد الله يحلف بالله أنَّ ابن الصيَّاد الدجال، قلت: تحلف بالله؟! قال: إني سمعت عمر يحلف على ذلك عند النبي - ﵌ -؛ فلم ينكره النبي - ﵌ -.\n_________\n(^١) (٢/ ٢٨١). وكلام ابن دقيق العيد في \"الإحكام\" (٢/ ١١).\n(^٢) البخاري (٧٣٥٥) ومسلم (٢٩٢٩).","vol":"18","page":13},{"text":"وقد صحَّ عن النبي - ﵌ - أنه كان أولًا يشكُّ في ابن صيَّاد أهو الدجال أم لا (^١).\nفأقول: إنَّ العبادة الباطلة إنما يكون التلبُّس بها معصيةً إذا علم المتلبِّس بها أنها باطلة، ولم يتحقَّق هذا في المسيء صلاته؛ فلذلك أقرَّه النبي - ﵌ - على التلبُّس بها، ثم بيَّن له بطلانها.\nفالتقرير مجمل؛ لأنه يحتمل أن يكون لأنها صحيحة، ويحتمل أن يكون لما ذكرنا. وتأخير بيان مثل هذا جائز، والحجج عليه كثيرة، ولم يأت من نازع فيه بحجة.\nوهكذا قوله - ﵌ -: \"صلِّ فإنك لم تصلِّ\" مجمل؛ لأنه لم يبيِّن فيه وجه البطلان، ثم بيَّنه أخيرًا.\nفإن قيل: فهلَاّ بيَّن له أوَّل مرَّة؟\nقلت: في الأجوبة التي نقلها في \"الفتح\" (^٢): أجاب المازري بأنه أراد استدراجه بفعل ما يجهله مرَّات؛ لاحتمال أن يكون فعله ناسيًا أو غافلًا؛ فيتذكَّره فيفعله من غير تعليم، وليس ذلك من باب التقرير على الخطأ؛ بل من باب تحقُّق الخطأ.\nوقال النووي (^٣) نحوه، قال: وإنما لم يعلِّمه أولًا ليكون أبلغ في تعريفه وتعريف غيره بصفة الصلاة المُجزِئة.\n_________\n(^١) هنا في الهامش عبارة بخط دقيق أصابها طمس.\n(^٢) (٢/ ٢٨١).\n(^٣) \"شرح صحيح مسلم\" (٤/ ١٠٩).","vol":"18","page":14},{"text":"وقال ابن الجوزي (^١): يحتمل أن يكون ترديده لتفخيم الأمر وتعظيمه عليه، ورأى أنَّ الوقت لم يَفُتْه فرأى إيقاظ الفطنة للمتروك.\nوقال ابن دقيق العيد: .... (^٢).\nوقال التوربشتي: إنما سكت عن تعليمه أولًا لأنه لما رجع لم يستكشف الحال من مورد الوحي، وكأنه اغترَّ بما عنده من العلم، فسكت عن تعليمه؛ زجرًا له وتأديبًا وإرشادًا إلى استكشاف ما استبهم عليه، فلما طلب كشف الحال من مورده أرشد إليه.\nأقول: أما المرة الأولى فلِمَا قال المازري.\nوأما في الثانية والثالثة فلِمَا قاله النووي وابن الجوزي وابن دقيق العيد، ولما قاله التوربشتي معًا، والله أعلم.\nوقد خلط الشارح الكلام على مسألة ركنية الفاتحة بالكلام على وجوب الزيادة عليها مع الكلام على ركنيتها على المأموم، وسألخِّص هنا ما يتعلَّق بهذه المسألة خاصة:\nزعم أنَّ زيادة \"فصاعدًا\" في حديث عبادة ثابت، وأنه يقتضي ركنية الزيادة. ثم كرَّ على هذا الحديث بأنه متروك العمل باتفاق، وأن ترك العمل به دليل [على] نسخه، أو على خطأ وقع من بعض رواته، وكأنه يريد أنَّ ذلك دليل على نسخ ركنية الفاتحة.\nوالجواب: أنَّ زيادة \"فصاعدًا\" غير ثابت، ولو ثبت لم يدلَّ على وجوب\n_________\n(^١) \"كشف مشكل الصحيحين\" (١/ ٩٣٩).\n(^٢) هكذا بيَّض المؤلف لكلام ابن دقيق العيد. وقد نقله فيما مضى.","vol":"18","page":15},{"text":"الزيادة، ولو دلَّ على وجوب الزيادة فقد قال بذلك بعضُ أهل العلم كما يأتي، نعم ذاك متروك باتفاق الحنفية والشافعية، ولكنَّ المتروك هو الزيادة فقط. فترك الأخذ بها إنما يدلُّ على الخطأ فيها خاصة، وإن دلَّ على نسخٍ فلها خاصة، ودلالته على الخطأ أولى؛ لأنَّ ثَمَّ دلائل أخرى على الخطأ؛ كما يأتي إن شاء الله تعالى.\nوقد ادعى الشارحُ أنَّ الزيادة نُسِخَت أولًا، وهذا اعتراف بأنَّ نسخ الزيادة لا يلزم منه نسخ المزيد عليه.\nثم لو فُرِضَ سقوط الاحتجاج على وجوب الفاتحة بحديث عبادة فالأحاديث على وجوبها كثيرة، على أنَّ زَعْم الاتفاق على عدم وجوب الزيادة غير مسلَّم؛ فقد حكاه الحافظ في \"الفتح\" (^١) عن بعض الصحابة وغيرهم، وهو رواية في مذهب أحمد؛ بل هو قول الحنفية، وإن لم يجعلوه فرضًا.\n_________\n(^١) (٢/ ٢٤٣).","vol":"18","page":16},{"text":"[ص ١٦] واستدلَّ الشارحُ على نسخ ركنية الفاتحة بحديث المسيء صلاته، وقد مرَّ الكلام عليه، وبيَّنا أن تلك القصة كانت قبل بدر، وأحاديث إيجاب الفاتحة متأخرة عن هذا التاريخ، وأنَّ في بعض طرقه تعيين الفاتحة، فإن ثبَّتنا تلك الزيادة فذاك، وإن ادَّعينا النسخَ فأحاديث إيجاب الفاتحة هي الناسخة لتأخرها.\nثم قال الشارح: (وأيضًا يدلُّ عليه ما رواه مسلمٌ (^١) بسند صحيح عن أبي هريرة: \"لا صلاة إلَاّ بقراءة\").\nأقول: هو مرفوع، وغاية ما فيه أنه مطلقٌ وأحاديث إيجاب الفاتحة تُقيِّده.\nفإن زعم زاعمٌ أنه إنما يقول بالتقييد في مثل هذا إذا كان متصلًا، فإن لم يكن متصلًا فالمتأخر ناسخٌ، فإن جُهل التاريخ فالترجيح.\nقلنا له: مذهب أبي هريرة تعيين الفاتحة، وذلك يدلُّ إنْ كان نسخٌ على أنَّ المطلق هو المنسوخ.\nويؤكِّد هذا أننا لو قلنا: إنَّ المطلق هو الناسخ لزم من يحتجُّ بالإطلاق في حديث المسيء صلاته أنَّ الحكم كان على الإطلاق، ثم نُسخ بتعيين الفاتحة، ثم نسخ تعيين الفاتحة بالإطلاق. ومثل هذا إن وُجِد في الشريعة فنادر، والحمل على الغالب أولى.\nثم قال: (وأيضًا روى مسلمٌ (^٢) عن أبي هريرة قال: \"في كل صلاةٍ\n_________\n(^١) رقم (٣٩٦/ ٤٢).\n(^٢) رقم (٣٩٦/ ٤٤).","vol":"18","page":17},{"text":"قراءةٌ، ومن قرأ بأم القرآن أجزأتْ عنه\" لعلَّه أراد: أجزأت عن قراءة القرآن، وفتوى الراوي خلاف روايته دليلٌ على نسخ روايته).\nأقول: لفظ مسلم: \"قال أبو هريرة: في كل صلاةٍ قراءة؛ فما أسْمَعَنا النبي - ﵌ - أسمَعْناكم، وما أخفَى منا أخفيناه منكم، ومن قرأ بأم الكتاب فقد أجزأتْ عنه، ومن زاد فهو أفضل\".\nوكأنَّ مراد الشارح أنَّ قوله: \"في كل صلاة قراءة\" يدلُّ على أنَّه يُجزئ ما يحصل به اسم القراءة؛ لأنَّ لفظ \"قراءة\" مطلقٌ، وأنَّ قوله: \"ومن قرأ بأم الكتاب فقد أجزأتْ عنه\" لا ينافي الإطلاق.\nوإنما المعنى: أنه يحصل بها ما يسمَّى \"قراءة\" كما يحصل بغيرها، وهذا قريب؛ ولكن قوله: \"ومن زاد فهو أفضل\" يُبطِل هذا الاحتمال، وإنما وِزانُه وِزانُ قولك لخادمك: اشترِ لنا فاكهة العنب وحده يكفي، وإن زدتَ فهو أحسن. فمدلول هذا الكلام: أنَّ العنب لا بد منه على كل حال، ويحسنُ زيادة فاكهة أخرى معه.\nوتحريره: أنَّ النكرة قد ترِدُ للإطلاق، وقد تردُ للإبهام. وقولك: \"اشترِ لنا فاكهة\" مبهم فسَّرته بآخر كلامك؛ فكذا لفظ \"قراءة\" في كلام أبي هريرة.\nومع ذلك فمذهب أبي هريرة في تعيين الفاتحة مشهور، فإذا ورد عنه فتوى [ص ١٧] بصورة الإطلاق وجب تقييدها بما عُرِفَ من مذهبه.\nثم ذكر الشارح قول ابن حجر: إنَّ أقوى أجوبة الشافعية عن حديث المسيء صلاته حملُه على العاجز عن تعلُّم الفاتحة؛ جمعًا بينه وبين حديث: \"لا تُجزِئ صلاةٌ لا يَقرأ الرجل فيها بأمِّ القرآن\" (^١).\n_________\n(^١) أخرجه ابن خزيمة (٤٩٠) وابن حبان (١٧٨٩، ١٧٩٤) وغيرهما من حديث أبي هريرة.","vol":"18","page":18},{"text":"ثم اعترضه الشارح بأنه لا يتعيَّن ذلك، قال: (ويمكن أن يكون الأمر كما قلنا: إنَّ ركنية الفاتحة وضمِّ شيءٍ معها من القرآن كان في أول الأمر، وفيه حديث: \"لا تجزيء صلاةٌ لا يَقرأ الرجل فيها بأم القرآن\"، وغيره من الأحاديث التي تدلُّ بهذا المعنى. ثم لمَّا وقعت المنازعة مع النبي - ﵌ - والمخالجة في قراءته - ﵌ - أمر النبي - ﵌ - بترك السورة والاكتفاء على الفاتحة. ثم لما نزلت: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ ...﴾ إلخ [الأعراف: ٢٠٤] أمر النبي - ﵌ - بترك القراءة مطلقًا. وعلى هذا تتوافق جميع الأحاديث بدون تعارضٍ فيها، والتوافق هو المتعيِّن عند التعارض لو يمكن. ومن هذا الوقت نُسِخت فرضية الفاتحة لما نزل فيه: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠])، فأمر النبي - ﵌ - بعده للمسيء: \"واقرأ ما تيسَّر معك من القرآن\").\n[ص ١٨] أقول: أما حديث المسيء صلاته فقد مرَّ الكلام عليه بما يغني، والحمد لله.\nوأما ما أبداه الشارح من التوفيق فأقلُّ ما فيه أنه (لَخْبطة).\nفإنه زعم أنَّ ترتيب نزول الأحكام هكذا: أحاديث وجوب الفاتحة وشيءٍ معها، ثم أحاديث نهي المأموم عن الزيادة، ومنها حديث عمران (^١) وأبي هريرة في المخالجة والمنازعة، ثم نزول آية الإنصات، ثم نهي النبي - ﵌ - المأموم عن القراءة مطلقًا، ثم نزول آية القراءة، ثم قصة المسيء صلاته.\nوالترتيب الصحيح الثابت بالأدلة العلمية هكذا:\nآية القراءة؛ فإنها من سورة المزَّمل، وسورة المزَّمل مكية اتفاقًا.\n_________\n(^١) كذا في الأصل، ولعل الصواب \"عبادة\".","vol":"18","page":19},{"text":"وفي \"الإتقان\" (^١) عن جابر بن زيد: \"أنَّ أول ما نزل (اقرأ)، ثم (ن والقلم)، ثم المزمل، ثم المُدثِّر، ثم الفاتحة\"، ثم ذكر ثلاثًا وثلاثين سورة، ثم قال: \"ثم الأعراف\"، وذكر الباقي.\nوفي \"الصحيحين\" (^٢) عن جابر قال: قال رسول الله - ﵌ -: \"إني جاورتُ بحراءَ؛ فلما قضيتُ جِواري نزلتُ، فاستبطنتُ الوادي، فنظرت أمامي وخلفي، وعن يميني وشمالي، ثم نظرت إلى السماء؛ فإذا هو ــ يعني: جبريل ــ فأخذتْني رجفةٌ، فأتيت خديجة، فأمرتُهم فدثَّروني؛ فأنزل الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ [المدثر: ١، ٢] \".\nوهذا ظاهر أنَّ سورة المدثر نزلت في أوائل النبوَّة، وقد قال جابر بن زيد: \"إنَّ سورة المزمِّل نزلت قبل سورة المدَّثر\".\nوفي \"صحيح مسلم\" و\"مسند أحمد\" (^٣) وغيرهما عن عائشة: ذكرتْ سورة المزمِّل، ثم قالت: \"فإنَّ الله افترض قيام الليل في أول هذه السورة؛ فقام نبي الله وأصحابه حولًا، وأمسك الله خاتمتها اثني عشر شهرًا في السماء، حتى أنزل الله تعالى في آخر السورة التخفيف، وصار قيام الليل تطوُّعًا\".\nوقد زعم بعضهم أنَّ آية القراءة وما بعدها مدنيٌّ؛ ذكره الحافظ في \"الفتح\" (^٤) في أول كتاب الصلاة، وردَّه، فإن شئت فارجع إليه.\n_________\n(^١) (١/ ١٦٨).\n(^٢) البخاري (٤٩٢٢، ٤٩٢٤) ومسلم (١٦١/ ٢٥٧).\n(^٣) \"صحيح مسلم\" (٧٤٦) و\"المسند\" (٢٤٢٦٩). وانظر تعليق المحققين عليه.\n(^٤) (١/ ٤٦٥).","vol":"18","page":20},{"text":"ثم بعدها آية الإنصات؛ لأنها من سورة الأعراف، وهي متأخرة عن سورة المزمل بكثير، على ما تقدَّم عن جابر بن زيد. واحتمالُ أن يكون ترتيب نزول الآيتين على عكس ترتيب نزول السورتين فيه بُعدٌ. والذي لا نشكُّ فيه أنَّ آية الإنصات مكيَّة اتفاقًا، وسيأتي إيضاح ذلك في مسألة قراءة المأموم، إن شاء الله تعالى.\nثم آية القنوت، وحديث المسيء صلاته.\nأما آية القنوت فلِما يأتي في الكلام على آية الإنصات. ولم يذكر الشارح آية القنوت، وإنما زدتها تتميمًا للفائدة.\nوأما قصة المسيء صلاته فإنها وقعت قبل بدر؛ كما مرَّ تحقيقه، ولم يتبيَّن لي أيُّ هذين كان قبلُ: آية القنوت أم قصة المسيء صلاته؟ فالله أعلم.\nثم أحاديث إيجاب الفاتحة وبقية الأحاديث، ولم يقم عندي دليل على ترتيبها. ولعلَّ من أحاديث وجوب الفاتحة ما تقدَّم على قصة المسيء صلاته؛ بناءً على صحَّة [ص ١٩] زيادة الأمر بالفاتحة بعينها في حديث المسيء صلاته، ويمكن خلاف ذلك؛ على ما قدَّمناه في الكلام على حديث المسيء صلاته.\nوالذي لا نشكُّ فيه أنَّ حديث أبي هريرة في وجوب الفاتحة متأخر؛ لأنَّ إسلامه كان سنة سبعٍ أيامَ خيبر، وقد صرَّح بالسماع.\nولفظه عند البيهقي (^١) من طريق إسحاق بن راهويه والحميدي عن ابن\n_________\n(^١) في \"السنن الكبرى\" (٢/ ٣٨).","vol":"18","page":21},{"text":"عيينة بسنده عن أبي هريرة قال: سمعتُ رسول الله - ﵌ - يقول: \"كل صلاةٍ لا يُقرأ فيها بأمِّ الكتاب فهي خِداجٌ، ثم هي خِداجٌ، ثم هي خِداجٌ\". فقال: يا أبا هريرة! فإني أكون أحيانًا وراء الإمام؟، قال: يا فارسي! اقرأ بها في نفسك؛ فإني سمعتُ رسول الله - ﵌ - يقول: قال الله ﷿: \"قَسَمتُ الصلاةَ بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل؛ فإذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين، قال الله: حمدني عبدي\". وذكر الحديث، وهو في \"صحيح مسلم\" (^١).\nوفي حديث أبي داود (^٢) وغيره من طريق جعفر بن ميمون عن أبي عثمان النهدي عن أبي هريرة قال: قال لي رسول الله - ﵌ -: \"اخرُجْ، فنادِ في المدينة أنه لا صلاةَ إلَاّ بقرآنٍ، ولو بفاتحة الكتاب فما زاد\".\nوفي روايةٍ لأبي داود (^٣): \"أمرني رسول الله - ﵌ - أن أناديَ أنه لا صلاة إلَاّ بقراءة فاتحة الكتاب فما زاد\".\nوجعفر بن ميمون مختلفٌ فيه.\nوفي \"الصحيحين\" (^٤) وغيرهما عن عبادة قال: قال رسول الله - ﵌ -: \"لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن\".\nوفي روايةٍ لابن حبان (^٥) وغيره: \"لا تُجزِئ صلاةٌ لا يُقرأ فيها بفاتحة\n_________\n(^١) رقم (٣٩٥).\n(^٢) رقم (٨١٩).\n(^٣) رقم (٨٢٠).\n(^٤) البخاري (٧٥٦) ومسلم (٣٩٤).\n(^٥) رقم (١٧٨٩، ١٧٩٤). وأخرجه ابن خزيمة (٤٩٠) وغيره.","vol":"18","page":22},{"text":"الكتاب\".\nوفي روايةٍ لأبي داود والترمذي وأحمد وابن حبان في \"صحيحه\" (^١)، عن عبادة قال: \"كنا خلف رسول الله - ﵌ - في صلاة الفجر؛ فقرأ رسول الله - ﵌ - فثقلت عليه القراءة؛ فلما فرغ قال: \"لعلكم تقرءون خلف إمامكم؟ ! \" قلنا: نعم هَذًّا يا رسول الله، قال: \"لا تفعلوا إلَاّ بفاتحة الكتاب؛ فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها\".\nوفي روايةٍ لأبي داود (^٢) وغيره: \" ... هل تقرءون إذا جهرتُ بالقراءة؟ فقال بعضنا: إنا نصنع ذلك، قال: \"فلا، وأنا أقول: مالي ينازعني القرآن، فلا تقرؤوا بشيءٍ من القرآن إذا جهرتُ إلَاّ بأم القرآن\".\nوفي \"سنن أبي داود\" (^٣) وغيره: عن أبي هريرة قال: \"صلَّى بنا رسول الله - ﵌ - صلاةً نظنُّ أنها الصبح؛ فلما قضاها قال: \"هل قرأ منكم أحد؟ \" فقال رجلٌ: نعم أنا يا رسول الله، فقال رسول الله - ﵌ -: \"إني أقول مالي أُنازَع القرآن\".\nوذكر البيهقي (^٤) عن سفيان: فنظرت في شيءٍ عندي؛ فإذا هو: \"صلى بنا رسول الله - ﵌ - صلاة الصبح\"؛ بلا شكٍّ.\n_________\n(^١) أبو داود (٨٢٣) والترمذي (٣١١) وأحمد (٢٢٧٤٥، ٢٢٧٤٦، ٢٢٧٥٠) وابن حبان (١٧٨٥، ١٧٩٢، ١٨٤٨).\n(^٢) رقم (٨٢٤) وأخرجه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٢/ ١٦٤).\n(^٣) رقم (٨٢٧).\n(^٤) \"السنن الكبرى\" (٢/ ١٥٧).","vol":"18","page":23},{"text":"[ص ٢٠] والحفَّاظ يرون أنَّ حديث عبادة الذي في الصحيحين وغيرهما مختصر من حديثه الذي ذكر فيه القصة.\nوقد قيل: إنَّ حديث أبي هريرة في المنازعة هو في واقعة حديث عبادة بعينها؛ لاتفاقهما في أكثر الأمور. ويشهد لذلك مذهب أبي هريرة في وجوب قراءة الفاتحة على المأموم في الجهرية وغيرها، وهذه القرائن كافية في إفادة الظنِّ عند أهل العلم، فلا التفاتَ إلى قول الشارح: \"لا نسلِّم\".\nفعلى ما تقدَّم يكون حديث عبادة متأخرًا عن حديث المسيء صلاته جزمًا؛ لأنَّ أبا هريرة شهد القصة.\nوفي الاتحاد نظر؛ كما سيأتي إن شاء الله تعالى.\nولكن سيأتي في المسألة الرابعة حديث عبد الله بن عمرو بن العاص قال: \"صلَّينا مع النبي - ﵌ -؛ فلما انصرف قال: \"هل تقرءون إذا كنتم معي في الصلاة؟ \"، قلنا: نعم، قال: \"فلا تفعلوا إلَاّ بأم القرآن\" (^١). وإسلام عبد الله بن عمرو بن العاص متأخر، والظاهر أنَّ قصته هي قصة عبادة، وذلك كافٍ في الدلالة على تأخُّر حديث عبادة.\nوحديث عبادة وحديث أبي هريرة أشهر الأحاديث في وجوب الفاتحة. وبقيتْ أحاديث أخرى عن جماعة من الصحابة قد جمع أكثرها البخاري رحمه الله تعالى في \"جزء القراءة\".\nفقد ثبت أنَّ أحاديث وجوب الفاتحة متأخرة عن الآيات الثلاث: آية القراءة، وآية الإنصات، وآية القنوت، ومتأخرة عن حديث المسيء صلاته.\n_________\n(^١) \"جزء القراءة\" للبخاري (ص ١٧٤ - ١٧٦).","vol":"18","page":24},{"text":"فلم يبق بيد الشارح ما يستدلُّ به على نسخ أحاديث فرضية الفاتحة، وقد تقدَّم الجواب عن حديث مسلم: \"لا صلاة إلَاّ بقراءة\"؛ فثبتت فرضية الفاتحة على الإطلاق.\nفأما أحاديث المخالجة والمنازعة وما ورد في نهي المأموم عن القراءة، فسنتكلَّم عليها في مسألة قراءة المأموم، إن شاء الله تعالى.\nثم إنَّ الشارح لم تطب نفسه بما كانت سمحت به من الاعتراف بأنَّ حديث عبادة يدلُّ على الركنية، فقال: (يحتمل حديث: \"لا صلاة إلَاّ بفاتحة الكتاب\" معنى غير معنى الركنية؛ كما في حديث عائشة الذي رواه مسلم (^١)، قالت: سمعت رسول الله - ﵌ - يقول: \"لا صلاةَ بحضرة الطعام، ولا وهو يدافعه الأخبثانِ\". وفي \"الشرح الكبير\" (^٢): قال ابن عبد البر: أجمعوا على أنه لو صلَّى بحضرة الطعام فأكمل صلاته أنَّ صلاته تُجزِئه، كذلك إذا صلَّى حاقنًا).\nأقول: لفظ الحديث عند الترمذي (^٣): \"لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب\".\nثم اعلم أنه لا يرتاب مسلمٌ أنَّ كلمة التوحيد (لا إله إلَاّ الله) صريحةٌ في نفي وجود إله غير الله تعالى، وقوله: \"لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب\" مثلها؛ فهي صريحةٌ في نفي وجود صلاة لمن لم يقرأ الفاتحة.\n_________\n(^١) رقم (٥٦٠).\n(^٢) للشمس المقدسي (٣/ ٥٩٥). وانظر \"التمهيد\" (٢٢/ ٢٠٦) و\"الاستذكار\" (٦/ ٢٠٦).\n(^٣) رقم (٢٤٧).","vol":"18","page":25},{"text":"ومن توهَّم أنَّ نفي وجود الصلاة بدون الفاتحة لا يصحُّ وإن قلنا بأنها ركنٌ، لأنها قد توجد في الخارج بدون الفاتحة وإن كانت باطلة= فقد غفل غفلةً شديدة؛ لأنَّ الصلاة في لسان الشارع إنما تصدُق على الصحيحة [ص ٢١]، وهذا إجماع.\nحتى قال الحنفية: إنَّ نهي الشارع عن صلاة مخصوصة يقتضي صحتها؛ لأنها لو كانت لا تصحُّ لما قدر المكلَّف على تحصيلها، فكيف ينهى عنها؟\nفقيل لهم: إنما نهى الشارع عن الصورة الظاهرة من الصلاة الباطلة، وهو قادرٌ على تحصيلها. فردُّوه بأنَّ الصلاة في لسان الشارع محمولة على الصحيحة، هذه حقيقتها، فلا يجوز صرفها عنها بغير حجة.\nإذا تقرَّر هذا ثبت أنَّ وجود الصورة الباطلة لا يقدح في نفي وجود الصلاة، وهذا واضحٌ جدًّا.\nفحديث عبادة صريح في نفي وجود الصلاة بدون قراءة فاتحة الكتاب، وذلك صريح في أنها ركنٌ فيها، لا تصحُّ بدونها.\nوهكذا نقول في حديث: \"لا صلاة بحضرة الطعام، ولا وهو يدافعه الأخبثان\" بأنه صريح في أنَّ الصلاة لا تصحُّ في هذين الموضعين. وإنما لم يعملوا بهذا الحديث لقيام الإجماع القطعي عندهم على خلافه؛ فقالوا: إنَّ الإجماع يدلُّ على نسخ الحديث، أو على أنَّ النبي - ﵌ - لما تكلَّم به كانت هناك قرائن فهم منها السامعون صرف اللفظ عن حقيقته.\nولا يرتاب ذو علم أنَّ الكلمة إذا صُرِفت عن حقيقتها لدليل ثم وقعت تلك الكلمة بعينها في كلام آخر لا يسوغ صرفها عن حقيقتها فيه لغير دليل،","vol":"18","page":26},{"text":"ولو ساغ ذلك لسقطت ظواهر الكلام كلها؛ لأنه ما من كلمة إلَاّ وقد استعملت أو يجوز استعمالها في خلاف ظاهرها مع نصب القرينة على ذلك، ولا يقول بذلك مسلمٌ، بل ولا عاقلٌ.\nعلى أنَّ حديث: \"لا صلاة بحضرة الطعام\" قد ورد بلفظ: \"لا يصلي أحدكم بحضرة الطعام\" إلخ. كذا هو في \"صحيح ابن حبان\" (^١)، ذكره الحافظ في \"الفتح\" (^٢) ثم قال: \"أخرجه مسلمٌ من طريق حاتم بن إسماعيل وغيره عن يعقوب بن مجاهد عن القاسم. وابن حبان من طريق حسين بن علي وغيره عن يعقوب به. وأخرج له ابن حبان (^٣) أيضًا شاهدًا من حديث أبي هريرة بهذا اللفظ\". يعني بلفظ: \"لا يصلي أحدكم\".\nوقوله: \"لا يصلي\" إما نهي وإما نفي بمعنى النهي، فلا يكون صريحًا في البطلان، بل يدلُّ عند الحنفية على الصحة، ويحمل عليه لفظ: \"لا صلاةَ بحضرة الطعام\" جمعًا بين الروايات. بخلاف \"لا صلاة بفاتحة الكتاب\"، فإنه صريحٌ في النفي المقتضي للبطلان اتفاقًا. ولم يقم دليلٌ يُسوِّغ صرفَه عن ظاهره إلى معنى النهي، والله أعلم.\nوقد زعم بعضهم أنَّ نفي الشيء شاع استعماله في المجاز، وهو نفي الكمال؛ حتى صار هذا المجاز حقيقة عرفية، وهذا بهتان عظيم! وكيف يجعل الله ﵎ (لا إله إلَاّ الله) عنوان التوحيد إذا كان ظاهرها لا يفيد التوحيد\n_________\n(^١) رقم (٢٠٧٤).\n(^٢) (٢/ ٢٤٢).\n(^٣) رقم (٢٠٧٢). وفيه: \"لا يُصلِّ\" بصيغة النهي.","vol":"18","page":27},{"text":"على زعم ذلك القائل؟ ونعوذ بالله من حبٍّ للمذهب يؤدِّي إلى مثل هذا.\nعلى أنَّ مذهب أبي حنيفة رحمه الله تعالى أنَّ الحقيقة المستعملة أولى من المجاز المتعارف الأسبق منها، ذكروه في أصولهم (^١).\nفإن قيل: إنَّ عموم الحديث مخصوص اتفاقًا، فإنَّ الأبكم ومن لا يُحسِن الفاتحة تصحُّ صلاتهما بدونها، وجمهور العلماء يقولون: إنَّ من أدرك الإمام راكعًا تصحُّ ركعته مع أنه لم يقرأ. وقال الشافعية: إنَّ ذلك قد يتفق في الصلاة كلها، وتصوير ذلك موجود في كتبهم.\nوكثير من العلماء أو أكثرهم يقولون: لا قراءة على المأموم في جهرية الإمام. وطائفة منهم قالوا: لا قراءة على المأموم مطلقًا. ودلالة العموم المخصوص على بقية أفراده ضعيفة [ص ٢٢] حتى ردَّها بعض النظَّار.\nقلت: أما دعوى أنَّ المأموم لا قراءة عليه مطلقًا أو في ما جهر به الإمام فلا نسلِّمه، وسيأتي بيان هذه المسألة، إن شاء الله تعالى.\nوأما المسبوق فقد اختار الإمام البخاري رحمه الله تعالى، ونقله عن بعض الصحابة: أنه لا يدرك الركعة. وهو قول جماعة من أصحابنا الشافعية، وبه أعمل (^٢).\nومع ذلك فالقائلون بسقوط القراءة عن المأموم مطلقًا أو في ما جهر به الإمام يرون أنَّ قراءة الإمام الفاتحةَ أجزأتْ عن ذلك المأموم، وعلى هذا فيصدق على صلاة هذا المأموم أنه قرأ فيها بفاتحة الكتاب؛ فلا يكون هذا\n_________\n(^١) نصَّ عليه ابن الهمام في \"التحرير\". انظر \"تيسير التحرير\" لأمير بادشاه (٢/ ٥٧).\n(^٢) للمؤلف رسالة في هذا الباب نُشِرت ضمن هذه المجموعة (١/ ١٠١ - ١٣٣).","vol":"18","page":28},{"text":"تخصيصًا للحديث، وإنما فيه لزوم تأويل \"يقرأ\" في الحديث بما يعمُّ قراءته بنفسه وما يقوم مقامها من قراءة إمامه، وهذا تأويل للفظ \"يقرأ\"، لا تخصيص للعموم.\nوأما الأبكم ومن لا يُحسِن الفاتحة فإنهما مُستثنيان بالعقل، لامتناع تكليف ما لا يُطاق، وقد قال الله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].\nوحقَّق صدر الشريعة من أئمة الحنفية أنَّ التخصيص بالعقل لا يُضعف دلالة العام. وعبارته في \"التنقيح\" و\"توضيحه\" (^١): \"لكن يجب هناك فرق؛ وهو أنَّ المخصوص بالعقل ينبغي أن يكون قطعيًّا؛ لأنه في حكم الاستثناء، لكنه حذف الاستثناء مُعْتَمِدًا على العقل، على أنه مفروغ عنه (^٢)، حتى لا نقول: إنَّ قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ [المائدة: ٦] ونظائرَه دليلٌ فيه شبهة، وهذا فرق قد تفرَّدتُ به، وهو واجب الذكر؛ حتى لا يُتوهَّم أنَّ خطابات الشرع التي خصَّ منها الصبي والمجنون بالعقل دليل فيه شبهةٌ؛ كالخطابات الواردة بالفرائض، فإنه يكفر جاحدها مع كونها مخصوصة عقلًا، فإنَّ التخصيص بالعقل لا يورث شبهة، فإنَّ كل ما يوجب العقلُ تخصيصَه يخصُّ، وما لا فلا\".\nفإن قلت: العقل إنما يدلُّ على أنَّ العاجز لا تلزمه الفاتحة، ولا يدلُّ على صحة صلاته، لأن كونه لا تلزمه الفاتحة يصدق بأحد حكمين: إما أن\n_________\n(^١) (١/ ٤٤).\n(^٢) في الأصل: \"مفرغ فيه\". والتصويب من المصدر المذكور.","vol":"18","page":29},{"text":"تصحَّ صلاته بدونها، وإما أن لا تلزمه الصلاة أصلًا.\nقلت: الاحتمال الثاني كان منتفيًا عند الصحابة الذين خُوطبوا بالحديث، وكذا عند غيرهم من الأمة؛ بما علموه من القاعدة الشرعية المقرَّرة للصلاة؛ وهي أنَّ من عجز عن شيءٍ من أركانها كان عليه أن يصلِّي، ويأتي بما قدر عليه. وإذا كان هذا مقرَّرًا عندهم فهو في قوَّة الاستثناء؛ لأنه دليل مقارن للنص، فهو كالعقل فيما ذكره صدر الشريعة.\n[ص ٢٣] وقد حاول بعضهم (^١) أن يجيب عن حديث أبي هريرة، فقال: إنَّ الخِداج معناها الناقصة، ويوضِّح ذلك تفسيره بقوله: \"غير تمام\"، وهذا يدلُّ أنها صحيحة.\nوالجواب: أنَّ الخِداج عند أهل اللغة: إلقاء الناقة ولدها لغير تمام الأيام، وإن كان تامَّ الخلق. وقيل: إلقاؤها إياه ناقصًا قبل الوقت. وقيل: إلقاؤها إياه دمًا. وقيل: إلقاؤها إياه أملطَ، لم ينبتْ عليه شعر. قال الأزهري (^٢): ويقال إذا ألقتْه دمًا: قد خَدجتْ وهو خِداج.\nوعلى كل حال فالمعنى: إلقاؤها إياه ميتًا، ولم يصرِّحوا فيما رأيت بقولهم \"ميتًا\" لأنَّ الإلقاء يدلُّ عليه؛ فإنهم لا يقولون: ألقتْ ولدها إلَاّ إذا كان ميتًا. وفي \"اللسان\" (^٣): \"أجهضت الناقةُ إجهاضًا وهي مُجهِضٌ: ألقت\n_________\n(^١) انظر \"فتح الملهم\" للشيخ شبير أحمد العثماني (٣/ ٢٥٢) ط. دار إحياء التراث العربي.\n(^٢) \"تهذيب اللغة\" (٧/ ٤٥).\n(^٣) \"لسان العرب\" (٨/ ٤٠٠، ٤٠١).","vol":"18","page":30},{"text":"ولدها لغير تمام ... أبو زيد: إذا ألقت الناقة ولدها قبل أن يستبين خلقُه قيل: أجهضت. وقال الفرَّاء: خِدْجٌ، وخَدِيجٌ، وجِهْضٌ، وجَهِيضٌ: للمُجْهَض\".\nوفيه (^١): \"أسقطت المرأة ولدها إسقاطًا، وهي مُسقِط: ألقتْه لغير تمام ... وأسقطت الناقةُ وغيرها: إذا ألقت ولدها\".\nوفيه (^٢): \"أَزلقَتِ الفرسُ والناقةُ: أسقطتْ، وهي مُزْلِق: ألقتْه لغير تمام\".\nوفيه (^٣): \"غَضَنتِ الناقةُ بولدها وغضَّنَتْ: ألقتْه لغير تمام، قبل أن ينبت الشعر عليه ويستبينَ خلقُه\".\nوقولهم: \"وإن كان تامَّ الخلق\" لا ينافي الموت كما لا يخفى. فأما إذا كان حيًّا فإنما يقولون: ولدتْ، وضعتْ.\nوفي \"جزء القراءة\" للبخاري (^٤): \"قال أبو عبيد: يقال: أخدجت الناقةُ: إذا أسقطتْ، والسقط ميت، لا ينتفع به\".\nفحاصل الحديث: أنَّ الصلاة التي لا تقرأ فيها الفاتحة مثل السقط المُلقَى ميتًا، ولا يرتاب منصفٌ أنَّ حياة الصلاة هي صحتها. فأما على ما قاله الأزهري من أنَّ الخداج \"إلقاؤها إياه دمًا\" فدلالته على البطلان أصرح وأوضح. فأما قوله: \"غير تمام\" فهو مجملٌ؛ لأنه يقال لمن صلَّى من الظهر\n_________\n(^١) المصدر نفسه (٩/ ١٨٨).\n(^٢) المصدر نفسه (١٢/ ١٠).\n(^٣) المصدر نفسه (١٧/ ١٩٠).\n(^٤) (ص ٣٦٢). وانظر \"غريب الحديث\" لأبي عبيد (١/ ٦٦).","vol":"18","page":31},{"text":"ثلاث ركعاتٍ ثم قطعَها: لم يتمَّ صلاته، ومنه حديث \"الصحيحين\" (^١): \"فما أدركتم فصلُّوا، وما فاتكم فأتمُّوا\". ويقال لمن صلَّى وترك بعض السنن: لم يُتِمَّ صلاتَه. وعلى هذا فلا ينافي ما اقتضاه قوله: \"فهي خداج\" من معنى البطلان؛ بل يجب حمله على المعنى الموافق لذلك.\nوفي \"جزء القراءة\" (^٢) للبخاري: عن عائشة قالت: سمعت رسول الله - ﵌ - يقول: \"من صلَّى صلاةً لم يقرأ فيها بأمِّ القرآن فهي خداج، فهي خداج\".\nوفيه (^٣): عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدِّه: أنَّ النبي - ﵌ - قال: \"كل صلاة لم يقرأ فيها بأم الكتاب فهي مُخدِجة\".\nليس في روايتهما \"غير تمام\". وكذا في بعض روايات حديث أبي هريرة ليس فيها \"غير تمام\". فيحتمل ــ والله أعلم ــ أنَّ يكون أبو هريرة زادها مرَّةً تفسيرًا، وقد عُلِمَ مذهبه في وجوب الفاتحة، والله أعلم.\nوحديثه الآخر في قول الله تعالى: \"قَسَمتُ الصلاةَ بيني وبين عبدي\" صريح في الركنية؛ لأنه جعل الفاتحة هي الصلاة، وهو يقتضي أنَّ الفاتحة أعظم ما في الصلاة، ولهذا أكّد به أبو هريرة الحديث الأول، والله أعلم.\nولعلَّ قائلًا يقول: لكن لفظ \"صلاة\" في كلام الشارع يُحمَل على الصحيحة.\nفأقول: أرأيتَ لو قال: \"هذه صلاة باطلة\" أتحتجُّ بذلك على صحتها؟\n_________\n(^١) البخاري (٦٣٦، ٩٠٨) ومسلم (٦٠٢) من حديث أبي هريرة.\n(^٢) (ص ١٧٣).\n(^٣) (ص ٦٧، ٦٨).","vol":"18","page":32},{"text":"فإن قال: لا، بل أقول: إنَّ قوله: \"باطلة\" دليل على أنه استعمل لفظ \"صلاة\" مجازًا في الصورة الخارجة، بقرينة قوله: \"باطلة\".\nقلت: فكذلك تقول في الحديث، بقرينة قوله: \"فهي خداج\"، وقد مرَّ معناه، وأنه في قوَّة قوله: \"فهي باطلة\"، والله أعلم.\n[ص ٢٤] ثم رأيت الطحاوي (^١) احتجَّ على أنَّ قوله: \"خداج\" لا يدلُّ على البطلان؛ بما روي عن النبي - ﵌ - أنه قال: \"الصلاة مثنى مثنى؛ تَشَهَّدُ في كل ركعتين، وتَخشَّعُ، وتَضرَّعُ، وتَمَسْكَنُ، وتُقْنِعُ بيديك، يقول: ترفعُهما إلى ربك، مستقبلًا ببطونهما وجهك، وتقول: يا ربِّ يا ربِّ، ومن لم يفعل ذلك فهو كذا وكذا\". وفي رواية: \"فهو خداج\" (^٢).\nوهذا حديث مضطرب اضطرابًا شديدًا، قد بين الطحاوي بعض ذلك في \"مشكل الآثار\" (ج ٢ ص ٢٣) (^٣). ومع ذلك ففي سنده عبد الله بن نافع بن العمياء؛ قال ابن المديني: مجهول، وقال البخاري: لم يصحَّ حديثه. يعني هذا الحديث.\nولو فرضنا أنَّ الحديث صحَّ، وأنَّ الأمة أجمعت على صحَّة صلاة من ترك جميع ما ذكر فيه؛ فذلك من قبيل صرف اللفظ عن ظاهره بدليل، ولا\n_________\n(^١) في \"مشكل الآثار\" (٣/ ١٢٤) ط. مؤسسة الرسالة.\n(^٢) أخرجه أحمد (١٧٥٢٥) والترمذي (٣٨٥) من حديث الفضل بن عباس. وأخرجه أحمد (١٧٥٢٣) وأبو داود (١٢٩٦) وابن ماجه (١٣٢٥) من حديث المطلب بن ربيعة. وفي إسنادهما عبد الله بن نافع بن العمياء، وهو مجهول. وانظر كلام الإمام البخاري عليه عند الترمذي.\n(^٣) (٣/ ١٢٦ وما بعدها) ط. مؤسسة الرسالة.","vol":"18","page":33},{"text":"يسوغ بذلك صرف ذلك اللفظ إذا وقع في كلام آخر عن ظاهره بغير دليل كما قدمناه.\nوذكر الطحاوي (^١) حديث صلاة النبي - ﵌ - في مرض موته، وسنذكره إن شاء الله في حججهم في المسألة الرابعة.\nثم قال الشارح: (ويدلُّ أيضًا على أنَّ الفاتحة ليست بركن ...)، وذكر حديث أبي بكرة أنه انتهى إلى النبي - ﵌ - وهو راكع؛ فركع قبل أن يصل إلى الصف؛ فقال له النبي - ﵌ -: \"زادك الله حرصًا ولا تعد\" (^٢).\nثم قال الشارح: (وفيه دلالة على أنَّ من أدرك الركوع فقد أدرك الركعة ... وبإدراك الركعة من إدراك الركوع ثبت أنَّ الفاتحة ليست بركن، ولو كانت ركنًا لفاتت الركعة بفوتها.\nوأيضًا ثبت أنَّ قراءة الإمام قراءة له؛ بعين هذا الدليل؛ لأنَّ القراءة فرض بالاتفاق، عند البعض الفاتحة، وعند البعض مطلقًا).\nأقول: فإذا كانت القراءة فرضًا بالاتفاق فكيف يدلُّ هذا الحديث على أنَّ الفاتحة ليست بركن، ولا يدلُّ على أنَّ القراءة ليست بركن، والمسبوق قد ترك القراءة كما ترك الفاتحة.\nفالصواب أن يقتصر في الاستدلال بهذا الحديث على ما ذكره ثانيًا بقوله: \"وأيضًا ثبت ... \" إلخ.\n_________\n(^١) في \"مشكل الآثار\" (١٠٩٩).\n(^٢) أخرجه البخاري (٧٨٣).","vol":"18","page":34},{"text":"فإن قيل: لعلَّه ذكر الاستدلال الأول على سبيل الإلزام؛ أي: أنَّ المسبوق صحَّت ركعته ولم يقرأ الفاتحة، فيلزمكم معشرَ الشافعية أن تقولوا: إن الفاتحة ليست بركن؛ بدليل صحة ركعة المسبوق بدونها. وليس لكم أن تقولوا: يحمل الإمامُ الفاتحةَ عن المسبوق؛ لإنكم لا تقولون بأنَّ قراءة الإمام قراءة للمأموم.\nقلت: لو كان مراده هذا لما أردفه بالاستدلال الآخر؛ بل كان حق العبارة أن يقول: يلزمكم معشر الشافعية أحد أمرين: إما أنَّ الفاتحة ليست بركن، وإما أنَّ قراءة الإمام قراءة للمأموم.\nإذا تقرَّر هذا فمن قال من الشافعية: إنَّ من أدرك الركوع أدرك الركعة يختار الشق الثاني في هذه الصورة فقط، فيقول: قراءة الإمام قراءة للمأموم الذي لم يدركه إلَاّ في الركوع. فإن طُولِبَ بالفرق بين المسبوق وغيره فهذا من موضوع مسألة قراءة المأموم، وستأتي إن شاء الله تعالى.\n[ص ٢٦] (^١) وذكر الشارح في باب ما جاء في القراءة خلف الإمام حديث ابن أُكَيمة، ودلالته على النهي عن القراءة خلف الإمام. ثم قال: (فثبت بحديث أبي هريرة النهي عن قراءة الفاتحة خلف الإمام، وهو دليل على نسخ ركنيتها، وعلى هذا إجماع.\nقال ابن قدامة في \"المغني\" (^٢): وأيضًا فإنه إجماع، قال أحمد: ما سمعنا أحدًا من أهل الإسلام يقول: إنَّ الإمام إذا جهر بالقراءة لا تجزئ\n_________\n(^١) ملاحظة: ورقة (٢٥) فارغة لم يكتب فيها الشيخ شيئًا. وفي رأس الورقة (٢٦) عنوان هو: (ذكر الصلاة خلف الإمام).\n(^٢) (٢/ ٢٦٢) ط. هجر.","vol":"18","page":35},{"text":"صلاة من خلفه إذا لم يقرأ. وقال: هذا النبي - ﵌ -، وأصحابه، والتابعون، وهذا مالك في أهل الحجاز، وهذا الثوري في أهل العراق، وهذا الأوزاعي في أهل الشام، وهذا الليث في أهل مصر؛ ما قالوا لرجل صلّى وقرأ إمامه ولم يقرأ هو: صلاته باطلة. انتهى).\nأقول: سيأتي الكلام على حديث ابن أُكيمة في المسألة الرابعة إن شاء الله تعالى، وهناك يتضح لك أنه إن صحَّ فليس فيه النهي عن قراءة الفاتحة، وأنه لو دلَّ على ذلك لكان إما منسوخًا وإما مطَّرحًا؛ لمعارضته ما هو أرجح منه.\nوننبِّه هاهنا أنه لو صحَّ ودلَّ على نهي المأموم عن قراءة الفاتحة، ولم يكن منسوخًا ولا مطَّرحًا لما لزم من ذلك نسخ ركنية الفاتحة مطلقًا؛ بل تبقى على ركنيتها، ولكن يكفي المأمومَ فاتحةُ إمامه؛ كما يقول الحنفية في مطلق القراءة.\nوأما الإجماع المزعوم فسيأتي نقضه في المسألة الرابعة إن شاء الله تعالى، ولو ثبت لما لزم منه نسخ الركنية؛ بل غايته الدلالة على أنَّ فاتحة الإمام تكفي المأمومَ في الجهرية؛ كما يقوله الحنفية في القراءة أيضًا.\nثم قال الشارح في ذلك الباب: (وإذا ثبت أنَّ صلاة من لم يقرأ خلف إمامه في الجهرية لم تبطل، فعُلِم به أنَّ الفاتحة ليست بركن؛ لأنها لو كانت ركنًا لبطل صلاة من لم يقرأ في الجهرية أيضًا؛ لأنَّ الجهرية والسريَّة سواء في حق الركن. وإذا لم تبق الفاتحة على ركنيتها فلا تجوز قراءتها خلف الإمام مطلقًا؛ لأن قراءتها خلف الإمام كانت مبنية على الركنية؛ كما هو مصرَّحٌ في حديث عبادة).","vol":"18","page":36},{"text":"أقول: فيلزمك على هذا أنَّ مطلق القراءة ليست بركن؛ لأنَّ المأموم إذا لم يقرأ لم تبطل صلاته الخ.\nفإن قال: قراءة الإمام عندنا قراءة للمأموم.\nقلنا: وهكذا يقول من يزعم أنَّ المأموم لا يقرأ في الجهرية، يقول: قراءة الإمام في الجهرية قراءة للمأموم.\nوقولك: \"لأنَّ الجهرية والسريَّة سواء في حقِّ الركن\" دعوى لا يسلِّمونها لك.\nبل يقولون: دلَّ الدليل على أنَّ الفاتحة ركن، ودلَّ الدليل على أنه يكفي المأمومَ فاتحةُ إمامه إذا جهر لمصلحة الاستماع، فإذا أسرَّ الإمام زالت هذه المصلحة؛ فرجع إلى الأصل.\nولا نطيل النزاع معه، فإننا سنثبت إن شاء الله تعالى أنَّ قراءة الفاتحة لا بد منها للمأموم وإن جهر إمامه.","vol":"18","page":37},{"text":"[ص ٢٨] المسألة الثانية\nهل تجب الفاتحة في كل ركعة؟\nفي حديث المسيء صلاته في \"الصحيحين\" (^١) وغيرهما: \"إذا قمت إلى الصلاة فكبِّر، ثم اقرأ ما تيسَّر معك من القرآن ... \"؛ فوصف له ركعة، ثم قال: \"ثم اصنع ذلك في صلاتك كلها\".\nوفي رواية لأحمد وابن حبان ــ كما في الفتح (^٢) ــ: \"ثم افعل ذلك في كل ركعة\".\nوقد تقدَّم في الكلام على هذا الحديث بيان زيادة الفاتحة في بعض الروايات الصحيحة، وأوضحنا أنه إما أن يكون النبي - ﵌ - ذكر الفاتحة نصًّا؛ بدليل تلك الزيادة، وإما أن يكون لم يذكرها، وإنما ذكر الحمد والثناء والتمجيد وقراءة ما تيسَّر. ولكن الصحابي علم أنَّ ذلك نُسِخ أخيرًا بالفاتحة.\nوعلى كلا الأمرين يثبت الأمر بالفاتحة في كل ركعة؛ أما على الاحتمال الأول فظاهر، وأما على الثاني فلأنَّ الفاتحة جُعلت بدلًا عن الحمد والثناء والتمجيد وقراءة ما تيسَّر. والمبدل منه ثابت في كل ركعة؛ فكذا البدل، ويؤكِّده ما تواتر عن النبي - ﵌ - من مواظبته على قراءة الفاتحة في كل ركعة، والله أعلم.\n_________\n(^١) سبق تخريجه.\n(^٢) (٢/ ٢٧٩). وانظر \"المسند\" (١٨٩٩٥) و\"صحيح ابن حبان\" (١٧٨٧).","vol":"18","page":38},{"text":"[ص ٢٩]<span data-type=\"title\" id=toc-20> المسألة الثالثة\nهل تجب الزيادة على الفاتحة</span>؟\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\nقال (^١) في شرح الترمذي: (باب ما جاء أنه لا صلاة إلَاّ بفاتحة الكتاب)، ثم ذكر حديث: \"لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب\"، وزيادة: \"فصاعدًا\"، وأنها صحيحة؛ لأنَّ مسلمًا ذكرها في \"صحيحه\" (^٢)، وسكت عليها أبو داود (^٣).\nثم قال: (ولم أقف على علَّة فيه؛ فهذا الحديث يدلُّ على أنَّ فاتحة الكتاب فصاعدًا ركن الصلاة، لاتجوز الصلاة بدونها، وما نُقل عن الإمام البخاري (^٤) ﵀ بأنه ورد لدفع توهُّم قصر الحكم على الفاتحة ففيه أنه ليس في الحديث حكم إلَاّ أنَّ الفاتحة ركن. فيكون معنى الحديث على هذا: أنَّ الركنية ليست منحصرةً في الفاتحة؛ بل تتجاوز عنها إلى زائد عليها؛ فتكون الفاتحة مع زائد ركنًا لها.\nولو قيل: إنَّ معناه أنَّ القراءة ليست مقصورة على الفاتحة؛ بل لابد من\n_________\n(^١) كتب بعده \"مولانا المفتي\" ثم ضرب عليها.\n(^٢) رقم (٣٩٤/ ٣٧).\n(^٣) رقم (٨٢٢).\n(^٤) هذا ليس من كلام البخاري، بل هو عبارة الحافظ في \"الفتح\" (٢/ ٢٤٣). وسيأتي التنبيه عليه من المؤلف.","vol":"18","page":39},{"text":"الفاتحة، ولو زاد عليها يجوز.\nقلنا: ليس الحكم ههنا بقراءة الفاتحة في الصلاة مطلقًا؛ بل الحكم أنَّ القراءة ركن الصلاة، لا تجوز الصلاة بدونها).\nأقول: زيادة \"فصاعدًا\" قال فيها إمام الفن محمد بن إسماعيل البخاري (^١) رفع الله درجته: \"وقال معمر عن الزهري: \"لا صلاة لمن لم يقرأ بأم الكتاب فصاعدًا\"، وعامة الثقات لم يتابع معمرًا في قوله: \"فصاعدًا\"، مع أنه قد أثبت فاتحة الكتاب، وقوله: \"فصاعدًا\" غير معروف ما أردته [ما أريد به] حرفًا أو أكثر من ذلك؛ إلَاّ أن يكون كقوله: \"لا تقطع اليد إلَاّ في ربع دينار فصاعدًا\" (^٢)، فقد يُقطع اليد في دينار وفي أكثر من دينار. قال البخاري: \"ويقال: إنَّ عبد الرحمن بن إسحاق تابع معمرًا، وإنَّ عبد الرحمن ربما روى عن الزهري، ثم أدخل بينه وبين الزهري غيره، ولا نعلم أنَّ هذا من صحيح حديثه أم لا\". (جزء القراءة ص ١).\nوحاصله أنه أورد على هذه الزيادة أمورًا:\nالأول: أنَّ معمرًا تفرَّد بها، ولم يذكرها الأكثر، ومنهم من هو أجلُّ منه وأفقه، ومنهم من هو مثله.\nوأجاب عن متابعة عبد الرحمن بن إسحاق بما يعلم منه أنه يدلِّس؛ فلا يؤمن أن يكون بينه وبين الزهري ضعيف، لا يصلح للمتابعة.\n_________\n(^١) في \"جزء القراءة خلف الإمام\" (ص ٤٦ - ٥١) كما سيأتي. ورواية معمر أخرجها مسلم في الموضع المذكور.\n(^٢) أخرجه بهذه الزيادة مسلم (١٦٨٤) من حديث عائشة.","vol":"18","page":40},{"text":"وقد ذكر البخاري عبد الرحمن في موضع آخر من هذا الجزء (^١)، وأورد له عدَّة مخالفات، يخالف فيها الثقات.\nويجاب عن هذا الأمر بما اشتهر من قبول زيادة الثقة، ويدفع هذا بأنَّ قبولها مطلقًا غير متفق عليه؛ ففي \"فتح المغيث\" (ص ٨٨) (^٢): \"وقيَّده ابن خزيمة باستواء الطرفين في الحفظ والاتقان، فلو كان الساكت عددًا أو واحدًا أحفظ منه، أو لم يكن هو حافظًا ولو كان صدوقًا فلا، وممن صرَّح بذلك ابن عبد البر؛ فقال في \"التمهيد\" (^٣): \"إنما تُقبل إذا كان راويها أحفظ وأتقنَ ممن قصَّر أو مثله في الحفظ ... \".\nومن قال بقبولها ولو كان المقصِّر أحفظ أو أكثر لا ينكر أن سكوت الأكثر أو الأحفظ عنها يوهِّنها، وهذا مما لا يخفى على ذي معرفةٍ.\nوعليه؛ فإذا انضمَّ إلى ذلك موهِّن آخر لم ينكر على المجتهد في هذا الفن الماهر فيه أن يردَّها بمجموع [ص ٣٠] الأمرين، وإن كان كل منهما لا يكفي على انفراده.\nوقد ذكر البخاري ﵀ موهِّنًا آخر لهذه الزيادة.\nوهو الأمر الثاني: أنَّ معناها مجمل، لا يُدرى أحرفٌ واحدٌ أم أكثر؛ يعني: والشارع شأنه البيان لا الإجمال.\nولها موهِّنٌ ثالثٌ: أنَّ الحديث من رواية الزهري عن محمود بن الربيع\n_________\n(^١) (ص ٢٨٥ وما بعدها).\n(^٢) (١/ ٢٤٦، ٢٤٧) ط. الهند.\n(^٣) (٣/ ٣٠٦).","vol":"18","page":41},{"text":"عن عبادة، وقد ثبت هذا الحديث نفسه بهذا الإسناد نفسه (^١) في قصَّة، ولفظه: صلى رسول الله - ﵌ - الصبح؛ فثقلت عليه القراءة، فلما انصرف قال: \"أراكم تقرءون وراء إمامكم؟ \" قال: قلنا: إي والله يا رسول الله، قال: \"أما لا تفعلوا إلَاّ بأم القرآن؛ فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها\".\nوقد جزم بعض الحفَّاظ (^٢) بأنه حديث واحدٌ جرَّده الراوي تارةً عن قصته، وذكره أخرى بقصته. ولا يخفى على من مارس صناعة الحديث، وعرف تصرُّف الرواة أنَّ هذا هو الظاهر. فقول الشارح فيما يأتي: \"إنه لا دليل عليه\" ليس مما يلتفت إليه. فإذا عرف هذا عرف أن زيادة \"فصاعدًا\" لا موقعَ لها في الحديث، بل هي مناقضة له، والله أعلم.\nثم إنَّ الإمام البخاري رحمه الله تعالى لم يبتَّ الحكم في ردِّ هذه الزيادة؛ بل ذكر الأمر الثالث؛ وهو أنَّ هذه الزيادة إن صحَّت فلا تقتضي أنه لا صلاة لمن لم يزد على الفاتحة.\nكما أنَّ هذه اللفظة قد ثبتت في قوله - ﵌ -: \"لا تُقطع اليدُ إلَاّ في ربع دينار فصاعدًا\"، ولم يفهم منه أحد أنها لا تقطع اليد فيما لم يزد على ربع دينار؛ بل فهموا منه أنها لا تقطع إلَاّ في ربع دينار أو فيما زاد على ربع دينارٍ.\nوأما ما نقله المفتي عن البخاري فتلك عبارة \"فتح الباري\"، وكأنها\n_________\n(^١) بل من طريق مكحول عن محمود بن الربيع عن عبادة، كما رواه أبو داود (٨٢٣) والترمذي (٣١١).\n(^٢) منهم الترمذي، قال عقب رواية مكحول عن محمود بن الربيع عن عبادة (٣١١): \"وروى هذا الحديث الزهري عن محمود بن الربيع عن عبادة ... \". وانظر \"فتح الباري\" (٢/ ٢٤٢، ٢٤٣).","vol":"18","page":42},{"text":"تفسير لتنظير البخاري الزيادة في حديث الفاتحة بها في حديث القطع.\nوهذا لفظ \"الفتح\" (^١): \"زاد معمر ... واستدل به على وجوب قدر زائد على الفاتحة، وتعقِّب بأنَّه ورد لدفع توهم قصر الحكم على الفاتحة. قال البخاري في \"جزء القراءة\" (^٢): هو نظير قوله: \"تقطع اليد في ربع دينار فصاعدًا\".\nواعتراض المفتي على تلك العبارة بأنها تقتضي أنَّ الركنية ليست قاصرة على الفاتحة يجيء مثله في حديث القطع، فيقال: إنَّ تلك الزيادة إذا قيل إنها لدفع توهُّم قصر الحكم على ربع دينار، اقتضى ذلك أنَّ نصاب السرقة ليس قاصرًا على ربع دينار.\nولعلَّ المفتي يُقْدِم على الاعتراض على حديث القطع أيضًا، والله المستعان.\nوتحقيق الحق: أنه ليس المراد بالحكم في قولهم (دفع توهُّم قصر الحكم) هو النصاب والركنية؛ بل المراد ما يُقطع فيه، وما تصح به الصلاة. وهذا وإن لم يكن هو الحكم المنصوص إلَاّ أنَّ المنصوص يتضمَّنه.\nوفائدة هذه الزيادة في حديث القطع ظاهرة؛ لأنها لو لم تزد لكان ظاهر اللفظ أنَّ من سرق أكثر من ربع دينار لا يُقطع.\nوأما في حديث الفاتحة فقد يقال هكذا، وهو أنه لو لم يُؤتَ بها لأمكن أن يتوهَّم متوهِّمٌ أنَّ المراد من لم يقرأ بفاتحة الكتاب فقط؛ فيفهم منه أن من\n_________\n(^١) (٢/ ٢٤٣).\n(^٢) (ص ٤٨).","vol":"18","page":43},{"text":"لم يقتصر على فاتحة الكتاب فلا صلاة له. ولكن في هذا ضعف.\nوالأولى أن يقال: الفائدة الإشارة إلى أنَّ الزيادة على الفاتحة مرغَّب فيها؛ كما تقول لعُمَّالك: \"لا أجرة لمن لم يعمل إلى العصر فصاعدًا\". تنبِّههم بقولك (فصاعدًا) على أنَّ الزيادة في العمل بعد العصر مرغوبٌ لك، وإن لم يكن شرطًا لاستحقاق الأجرة.\nولو فرضنا صحة ما ذكره المفتي فذلك لا يفيده؛ لأننا نقول: إنَّ الخمس من الإبل نصابٌ، والست نصابٌ، وهكذا السبع والثمان والتسع؛ والواجب في كل ذلك شاةٌ فقط. من كان له خمسٌ وجبت عليه الشاة، ومن كان عنده تسع وجبت عليه الشاة، وهكذا ما بينهما، ومن كانت عنده تسع فالشاة عنها جميعًا، لا عن خمس منها فقط.\nفأنت ترى أنَّ كون التسع نصابًا تجب فيه الشاة لا يستلزم أن تكون الخمس ليست [ص ٣١] بنصاب تجب فيه الشاة.\nفهكذا نقول: إنَّ ربع دينار نصاب يجب في سرقته القطع، وإنَّ ثلث دينار ــ مثلًا ــ نصاب، يجب بسرقته القطع.\nوهكذا نقول: إنَّ قراءة الفاتحة ركن تتم به الصلاة، وإنَّ قراءة الفاتحة وسورة البقرة ــ مثلًا ــ ركن تتم به الصلاة.\nوالسرُّ في هذا أننا نقول: القراءة مثل القيام؛ فكما أنه إذا قام مقدار دقيقة كان قيامه ركنًا، وإذا قام مقدار ساعةٍ كان قيامه ركنًا؛ فكذا القراءة. وكأنه - ﵌ - ــ إن كان تكلَّم بهذه الكلمة ــ زادها دفعًا لما يُتوهَّم من تعيين الفاتحة أنها هي الركن، حتى لو زاد عليها شيئًا من القرآن لا يكون حكمه حكم الركن.","vol":"18","page":44},{"text":"وثمرة كون القيام كله ركنًا وإن طال، وأنَّ ما قُرئ من القرآن بعد الفاتحة حكمه حكم الركن ــ على ما تقدَّم ــ هي زيادة الثواب؛ فإنَّ ثواب الفرض أعظم من ثواب النفل، والله أعلم.\nواعلم أنَّ ما فهمه الشارح وبعض من تقدَّمه من أنَّ زيادة \"فصاعدًا\" في حديث الفاتحة يقتضي وجوب الزيادة على الفاتحة= فَهْمٌ تأباه اللغة.\nقال إمامها أبو عمرو سيبويه في \"كتابه\" (^١): \"هذا باب ما ينتصب على إضمار الفعل المتروك إظهاره في غير الأمر والنهي؛ وذلك قولك: أخذته بدرهمٍ فصاعدًا، أو أخذته بدرهمٍ فزائدًا، حذفوا الفعل لكثرة استعمالهم إياه، ولأنهم أمنوا أن يكون على الباء. لأنك لو قلت: \"أخذته بدرهم فصاعدٍ\" كان قبيحًا؛ لأنه صفة، ولا يكون في موضع الاسم؛ كأنه قال: أخذته بدرهمٍ، فزاد الثمن صاعدًا، أو فذهب الثمن صاعدًا. ولا يجوز أن تقول: \"وصاعدٍ\"؛ لأنك لا تريد أن تخبر أنَّ الدرهم مع صاعدٍ ثمنٌ لشيء؛ كقولك: بدرهمٍ وزيادة. ولكنك أخبرت بأدنى الثمن؛ فجعلته أولًا، ثم قرَّرت شيئًا بعد شيءٍ لأثمان شتى ... \".\nأقول: إيضاح عبارته: أنَّ قوله: \"أخذته بدرهمٍ فصاعدًا\" يقال على ما ذكر الرضي (^٢) في \"ذي أجزاء أخذ بعضها بدرهمٍ، والبواقي بأكثر\". فكأنَّ تقديره: أخذت هذا الزيت رطلًا بدرهمٍ فصاعدًا؛ تريد أنَّ بعض الأرطال بحساب الرطل بدرهمٍ فقط، وبعضها بحساب الرطل بدرهمٍ وزيادة.\n_________\n(^١) (١/ ١٤٦، ١٤٧) طبعة بولاق. وسيبويه أبو بشر عمرو بن عثمان، لا أبو عمرو.\n(^٢) \"شرح الرضي على الكافية\" (١/ ٦٨٣) ط. جامعة الإمام.","vol":"18","page":45},{"text":"أقول: ويحتمل أن يقال المثال المذكور في شيءٍ واحدٍ، ولكن عند الشك أو التشكيك؛ كأنه يقول: أخذته بدرهمٍ فقط، أو بدرهمٍ وزيادة. فإذا قلت: بِعْهُ [ص ٣٢] بدرهمٍ فصاعدًا، وهو شيءٌ واحدٌ، كان للتخيير؛ كأنك قلت: بعْهُ بدرهمٍ فقط، أو بدرهمٍ وزيادة.\nهذا أصل المعنى، وإن كان بين العبارتين فرق من وجهين:\nالأول: أنَّ قولك: \"بِعْهُ بدرهمٍ فصاعدًا\" لا يُشعِر باستواء الأمرين عندك، بل يرجع إلى القرائن، والقرينة في هذا المثال تقتضي رغبتك في الزيادة.\nوفي قولك لوكيلك: \"اشتره بدرهمٍ فصاعدًا\" تُشعِر برغبتك في عدم الزيادة.\nوقولك: \"بِعْهُ بدرهمٍ فقط\" أو \"بدرهمٍ وزيادة\"، \"واشتره بدرهمٍ فقط\" أو \"بدرهمٍ وزيادة\" يشعر باستواء الأمرين.\nالوجه الثاني: أنَّ قولهم: \"فصاعدًا\" يقتضي زيادة مترقِّية من قليل إلى كثير.\nوقولنا: \"أو بدرهمٍ وزيادة\" لا يشعر لفظ \"زيادة\" بالترقِّي، وإن كان صالحًا له.\nوفي \"لسان العرب\" (^١): \"وقولهم: صنع أو بلغ كذا وكذا فصاعدًا؛ أي: فما فوق ذلك، وفي الحديث: \"لا صلاة ... \" أي: فما زاد عليها؛ كقولهم: اشتريته فصاعدًا، قال سيبويه: ... \".\n_________\n(^١) (٤/ ٢٤١) ط. بولاق.","vol":"18","page":46},{"text":"وفي \"القاموس\" (^١): \"وبلغ كذا فصاعدًا؛ أي: فما فوق ذلك\".\nوقد رُوي حديث القطع بلفظ: \"فما فوق\" (^٢) بدل \"فصاعدًا\"، وقد قال الله ﵎: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ [البقرة: ٢٦]. وليس المعنى بعوضة مع ما فوقها.\nوهكذا ما في \"صحيح مسلم\" (^٣) عن عائشة ﵂ ترفعه: \"ما من مسلمٍ يُشاك شوكةً فما فوقها إلَاّ كُتِبتْ له بها درجة، ومُحِيتْ عنه بها خطيئة\". المعنى: يصيبه شوكة أو ما هو فوقها، وليس المعنى: تصيبه شوكة مع زيادة فوقها، أعني أنَّ الأجر المذكور متحقِّقٌ بإصابة الشوكة فقط، وليس المعنى: أنه لا يتحقَّق إلَاّ إذا انضمَّ إلى الشوكة زيادة.\nواعلم أنَّ قولهم: \"فما فوقه\" يجيء على وجهين:\nالأول: أن يكون المراد ما هو أعظم مما قبل الفاء، بدون أن يتضمَّن ما قبل الفاء؛ كما في الآية والحديث.\nوالثاني: أن يكون المراد به ما هو أزيد مما قبل الفاء؛ أي: بحيث يتضمَّن ما قبل الفاء وزيادة؛ كما في حديث القطع؛ لأنَّ المراد بربع دينار فيه ما يساوي ربع دينار اتفاقًا. فكل مالٍ يكون فوق ما يساوي [ص ٣٣] ربع دينار فهو عبارة عما يساوي ربع دينار مع زيادة.\nفأما قولهم: \"فصاعدًا\" فإنما تصلح في الوجه الثاني؛ كما يعرف من\n_________\n(^١) (١/ ٣٠٧).\n(^٢) عند مسلم (١٦٨٤/ ٣).\n(^٣) رقم (٢٥٧٢).","vol":"18","page":47},{"text":"موارد استعمالها.\nفإن زعم زاعمٌ أنها تستعمل على الوجه الأول أيضًا قلنا له: هب أنّ ذلك كذلك؛ إلَاّ أنها في حديث الفاتحة على الوجه الثاني؛ بدليل الأحاديث الكثيرة في تعين الفاتحة، والإجماعِ على ترك القول بأنَّ الواجب إما الفاتحة وإما سورة أكبر منها أو بعض سورة يكون أكبر منها، والله أعلم.\nثم ذكر الشارح حديث أبي داود (^١) عن قتادة عن أبي نضرة عن أبي سعيد: \"أُمِرْنا أن نقرأ بفاتحة الكتاب وما تيسَّر\"، وذكر ما يطعن به على هذا الحديث من أنَّ قتادة مدلِّس، وقد عنعن، وأجاب عنه بأنَّ أبا مسلمة قد رواه عن أبي نضرة.\nوذكر ما يدفع به هذا الجواب؛ من أنَّ أبا مسلمة روى الحديث موقوفًا (^٢)، وأجاب عن هذا الدفع بما معناه: أنَّ رواية قتادة بيَّنت كون الحديث مرفوعًا، ورواية أبي مسلمة بيَّنت أنَّ أبا نضرة حدَّث بهذا الحديث؛ فكل من الروايتين تَجبُر ما في الأخرى من الخلل.\nوهذا جوابٌ عجيبٌ، وردُّه واضحٌ؛ وهو أنه إذا ثبتت رواية أبي مسلمة عن أبي نضرة فإنما يثبت بها أنَّ أبا نضرة روى هذا الحديث موقوفًا، ورواية قتادة لا يثبت بها شيءٌ؛ لأننا لا نأمن أن يكون قتادة سمع الحديث من رجل ضعيف، وهذا الضعيف سمع هذا الحديث من أبي نضرة موقوفًا، كما سمعه أبو مسلمة؛ ولكنه زاد الرفع من عنده كذبًا أو غلطًا.\n_________\n(^١) رقم (٨١٨). قال الحافظ في \"الفتح\" (٢/ ٢٤٣): سنده قوي.\n(^٢) انظر \"العلل\" للدارقطني (١١/ ٣٢٥).","vol":"18","page":48},{"text":"وقد أجاب الشارح عن تدليس قتادة بأنَّ النووي (^١) ذكر أنَّ ما كان في \"الصحيحين\" وشِبْههما من عنعنة المدلِّسين محمول على السماع.\nويُرَدُّ بأنَّ مراد النووي بقوله: \"وشبههما\" الكتب التي اقتصر جامعوها على إيراد الصحيح فيها، وليس \"سنن أبي داود\" من ذلك. وهذا أمر معروفٌ بين أهل الفن، مبيَّنٌ في كتبهم.\nعلى أنَّ ابن دقيق العيد ناقش في حمل ما في \"الصحيحين\" من ذلك على السماع (^٢)، وكذلك الذهبي أشار إلى التوقُّف في ذلك؛ في ترجمة أبي الزبير من \"الميزان\" (^٣).\nوأوضح من هذا أنَّ إمام الفن محمد بن إسماعيل البخاري قد طعن في هذا الحديث بقوله: \"ولم يذكر قتادة سماعًا من أبي نضرة في هذا\". \"جزء القراءة\" (ص ١١) (^٤).\nثم ذكر الشارح حديث أبي داود (^٥) وغيره؛ عن أبي هريرة: أنَّ النبي - ﵌ - أمره فنادى: \"أن لا صلاة إلَاّ بفاتحة الكتاب فما زاد\".\n_________\n(^١) في \"التقريب والتيسير\". انظره مع شرحه \"تدريب الراوي\" (١/ ٢٣٠).\n(^٢) انظر \"النكت على كتاب ابن الصلاح\" لابن حجر (٢/ ٦٣٥، ٦٣٦).\n(^٣) (٤/ ٣٩) قال: \"وفي صحيح مسلم عدة أحاديث مما لم يوضح فيها أبو الزبير السماع عن جابر، وهي من غير طريق الليث عنه، ففي القلب منها شيء\".\n(^٤) (ص ٢٤١) ط. الهند ١٤٣٠.\n(^٥) رقم (٨٢٠). وأخرجه أيضًا أحمد (٩٥٢٩) والدارقطني (١/ ٣٢١) والحاكم في \"المستدرك\" (١/ ٢٣٩). وتساهل الحاكم فصححه ووثَّق جعفر بن ميمون.","vol":"18","page":49},{"text":"والجواب عنه: بأنَّ جعفرًا ضعَّفه المتقدمون من جهة حفظه (^١)، وقال العقيلي في حديثه هذا: لا يتابع عليه (^٢).\nعلى أنَّ قوله: \"فما زاد\" في معنى قوله: \"فصاعدًا\"، وقد تقدَّم معناها، وأنها لا تدلُّ على وجوب الزيادة.\nويشهد لذلك أنَّ مذهب أبي هريرة الذي كان يفتي به أنه لا يجب [ص ٣٤] إلَاّ الفاتحة.\nثم ذكر الشارح حديث ابن ماجه (^٣) عن أبي سعيد الخدري ﵁ يرفعه: \"لا صلاة لمن لم يقرأ في كل ركعة بالحمد لله وسورة في فريضة أو غيرها\".\nوالجواب عنه: أنه من رواية أبي سفيان السعدي؛ مجمع على ضعفه، وعبارة الإمام أحمد: ليس بشيء، ولا يكتب حديثه (^٤).\nووجوب سورة مع الفاتحة لم يُنقل عن أحد.\nوقوله: \"في كل ركعة\" تردُّه الأحاديث الصحيحة في اقتصار النبي - ﵌ - على الفاتحة في الركعتين الأخريين.\nفإن قيل: هَبْ أن كلَّ حديث من هذه الأحاديث لا يتمُّ الاستدلال به على انفراده؛ أفلا يتمُّ الاستدلال بمجموعها؟\n_________\n(^١) انظر \"تهذيب التهذيب\" (٢/ ١٠٨، ١٠٩).\n(^٢) \"الضعفاء الكبير\" (١/ ١٩٠).\n(^٣) رقم (٨٣٩).\n(^٤) انظر \"تهذيب التهذيب\" (٥/ ١٢).","vol":"18","page":50},{"text":"قلت: كلا؛ أما حديث ابن ماجه فلا يصلح متابعًا ولا شاهدًا.\nوأما زيادة \"فصاعدًا\" ورواية \"فما زاد\" فلا دلالة فيها على وجوب الزيادة حتى يستشهد بها لهذه المسألة. بل إذا تأملت ما قدَّمنا عرفت أنها تدلُّ على عدم الوجوب.\nفلم يبق إلَاّ حديث قتادة وحده، وهو لا يصلح حجَّةً، على أنه لو صحَّ لأمكن تأويله؛ بأنَّ المراد بقوله: \"أمرنا\" القدر المشترك بين الأمر الموجب، والأمر المرغَّب؛ بدليل ما ثبت من أدلة قصر الوجوب على الفاتحة.\nوهذا التأويل أولى عند أهل العلم من دعوى النسخ التي صار إليها الشارح، والله أعلم.\nثم جاء الشارح بالفِتَكْرِيْن (^١)؛ فقال: حديث عبادة متروك العمل باتفاق.\nيريد أنه قد ثبت فيه زيادة \"فصاعدًا\"، وهي تقتضي وجوب الزيادة على الفاتحة، ووجوب الزيادة متروك باتفاق؛ فلزم أن يكون الحديث كله متروكًا باتفاق، وهذا كما ترى.\nوالطريق المستقيم المعروف بين أهل العلم أن يكون الاتفاق على ترك العمل بهذه الزيادة دليلًا على سقوطها فقط، كيف وقد انضمَّ إلى ذلك ما تقدَّم من توهينها.\nبل لو اتفق الرواة جميعًا على إثبات هذه الزيادة لما لزم من ترك العمل بها وحدها ترك العمل بالحديث كله، ولا مِن وهن الاحتجاج بها وهنُ\n_________\n(^١) أي الداهية أو الأمر العجب العظيم. وتُضبط هذه الكلمة بأوجه، انظر \"القاموس\" (٢/ ١٠٧).","vol":"18","page":51},{"text":"الاحتجاج بالحديث كله.\n[ص ٣٥] ثم ذكر الشارح قولهم: (إنَّ اتفاق الأمة على ترك حديث دليل نسخه أو خطأ رواته).\nأقول: إنما يصلح هذا لدفع وجوب الزيادة على الفاتحة؛ لأنَّ الأمة اتفقت ــ فيما زعم الشارح ــ على عدم القول بها. فأما الفاتحة فجمهور الأمة قائلون بفرضيتها، وقال الحنفية بوجوبها؛ مع أنَّ دعوى الشارح اتفاق الأمة على عدم القول بما تضمَّنته تلك الأحاديث من الزيادة عجيب، فإنَّ مذهب أصحابه الحنفية أنفسهم أنَّ الزيادة على الفاتحة واجبة.\nفإن قال: ظاهر الحديث أنها فرض؛ قلت: الحديث عندكم خبر واحد لا يثبت به إلَاّ الوجوب، وإن كان نصًّا في الفرضية.\nوفي \"الفتح\" (^١): \"وصحَّ إيجاب ذلك عن بعض الصحابة ــ كما تقدَّم ــ وهو عثمان بن أبي العاص، وقال به بعض الحنفية، وابن كنانة من المالكية، وحكاه القاضي الفرَّاء الحنبلي في الشرح الصغير رواية عن أحمد\".\nثم إنَّ الشارح اختار أنَّ الزيادة نسخت أولًا، واحتجَّ بحديث \"الصحيحين\" (^٢)، عن أبي قتادة، وفيه: \"أنَّ النبي - ﵌ - كان يقرأ في الظهر في الأوليين بأم الكتاب وسورتين، وفي الركعتين الأخريين بأم الكتاب\" الحديث.\nوعليه تعقبات:\nالأول: أنَّ الزيادة لم تثبت كما تقدَّم، وتوهين الرواية التي لم تثبت ثبوتًا\n_________\n(^١) (٢/ ٢٥٢).\n(^٢) البخاري (٧٧٦) ومسلم (٤٥١).","vol":"18","page":52},{"text":"واضحًا أو تأويلها أولى من دعوى النسخ.\nالثاني: أنها لو ثبتت فليس في الأحاديث التي ساقها الشارح لإثبات الزيادة تصريح بأنها في كل ركعة؛ بل ظاهرها أنها في جملة الصلاة، وفي مذهب الحنفية أنفسهم ما يوافق هذا.\nالثالث: أنَّ تلك الأحاديث قولية، وحديث أبي قتادة فعلي.\nثم ذكر دليلًا آخر؛ وهو حديث عبادة (^١): \"صلى رسول الله - ﵌ - الصبح؛ فثقلت عليه القراءة، فلما انصرف قال: أراكم تقرءون وراء إمامكم؟ قال: قلنا: يا رسول الله إي والله، قال: أما لا تفعلوا إلَاّ بأم القرآن؛ فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها\".\nوحديث مسلم (^٢) وغيره؛ عن عمران: \"أنَّ رسول الله - ﵌ - صلَّى الظهر؛ فجعل رجلٌ يقرأ خلفه: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١]؛ فلما انصرف قال: \"أيكم قرأ، أو أيكم القارئ\"، قال رجلٌ: أنا، قال: \"قد ظننت أنَّ بعضكم خالجنيها\".\n[ص ٣٧] (^٣) أقول: أما حديث عبادة فلفظه في بعض الروايات (^٤): \"لا\n_________\n(^١) سبق تخريجه (ص ٤٢).\n(^٢) رقم (٣٩٨). وأخرجه أيضًا أحمد (١٩٨١٥) وأبو داود (٨٢٨) والنسائي (٢/ ١٤٠) وغيرهم.\n(^٣) ملاحظة: ورقة (٣٦) ضرب عليها الشيخ بعد أن نقَّح ما سوَّده فيها في الصفحة التالية.\n(^٤) عند الدارقطني (١/ ٣٢٠) والبيهقي (٢/ ١٦٥)، قال الدارقطني: هذا إسناد حسن، ورجاله ثقات كلهم.","vol":"18","page":53},{"text":"يقرأنَّ أحدُكم إذا جهرتُ بالقراءة إلَاّ بأمِّ القرآن\". وبقية الروايات بيَّنت أنَّ تلك الصلاة كانت جهرية، وأنَّ القراءة ثقلت على النبي - ﵌ -. فالحديث حجَّة أنَّه - ﵌ - نهى المقتدين به أن يقرأوا إذا جهر إلَاّ بأم القرآن.\nويظهر من ذلك أنَّ الزيادة على الفاتحة ليست بمرتبة الفاتحة، وهذا عندنا مبيَّنٌ؛ لما قدمناه أنَّ وجوب زيادةٍ على الفاتحة لم يثبت وجوبه أصلًا، وشاهدٌ لما قدمنا في حديث المسيء صلاته؛ من احتمال أنه كان الواجب أولًا الحمد والثناء والتمجيد، وقراءة شيءٍ من القرآن، ثم نسخ ذلك بالفاتحة؛ فكانت هي الواجبة وحدها.\nوأما الشارح فعنده أنَّ هذا ناسخ الأحاديث الآمرة بالزيادة على الفاتحة. وأنت خبيرٌ أنَّ دعوى النسخ مفتقر (^١) إلى إثبات تأخُّر هذا الحديث عن تلك، وليس بيد الشارح دليل؛ إلَاّ أنه يقول: دلَّ هذا الحديث أنهم كانوا يقرءون غير الفاتحة، ولا يُظَنُّ بهم أن يقرءوا إلَاّ بإذن شرعي؛ فيظهر أنَّ الإذن هو تلك الأحاديث.\nولقائل أن يقول: لا يتعيَّن هذا، لاحتمال أنهم كانوا يقرءون؛ لِما علموا من أنَّ الصلاة موضع القراءة وذكر الله تعالى في الجملة، أو قياسًا على الإمام، أو غير ذلك.\nويدلُّ على هذا سؤاله - ﵌ - إياهم بقوله: \"أراكم تقرءون وراء إمامكم\"، قالوا: إي والله يا رسول الله، ولو كان قد أمرهم بالقراءة قبل ذلك صريحًا لما اقتضى الحال الاستفهام؛ بل كان حق الكلام أن يقول: كنت أمرتكم بقراءة\n_________\n(^١) كذا في الأصل بالتذكير، وقد ضرب المؤلف على هاء التأنيث في آخر الكلمة.","vol":"18","page":54},{"text":"الفاتحة وما تيسَّر إذا كنتم تصلُّون معي؛ فلا تفعلوا إلَاّ بأم القرآن؛ كما قال: \"كنت نهيتكم عن زيارة القبور؛ فزوروها\" الحديث (^١).\nفالتعارض بين هذا الحديث وبين أحاديث الزيادة من باب العموم والخصوص، مع الجهل بالتاريخ.\nومذهب الجمهور حمل العام على الخاص؛ تخصيصًا لا نسخًا.\nومذهب الإمام أبي حنيفة وأكثر أصحابه رحمهم الله تعالى التوقُّف أو الترجيح.\nوعلى قول الجمهور فإنَّ الذي يصحُّ من أحاديث الزيادة إنما يفيد الندب، وهذا الحديث مخصِّصٌ لها، مخرج عنها المقتدي برسول الله - ﵌ - فيما يجهر به - ﵌ -، هذا ما يدلُّ عليه هذا الحديث.\nفأما دلالته على أنَّ غير النبي - ﵌ - مثله في ذلك فلا يصحُّ بالقياس؛ لأنَّ العلَّة هي ثقل القراءة، وهذا أمرٌ روحاني كان يدركه النبي - ﵌ -، ولا ندرك نحن.\n[ص ٣٨] (^٢) وأما على القول بالتوقُّف فيرجع إلى الأصل؛ وهو عدم الوجوب، وأما على القول بالترجيح فالأحاديث المبينة لعدم ندب الزيادة أرجح وأثبت، والله أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٩٧٧) من حديث بريدة.\n(^٢) ملاحظة: ضرب الشيخ على أكثر ما في الورقة (٣٨) ولم يبق فيها غير هذين السطرين.","vol":"18","page":55},{"text":"[ص ٣٩] وأما حديث عمران فليس فيه نهيٌ، وإنما فيه أنه - ﵌ - قرأ بسبِّح اسم ربِّك الأعلى فأحسَّ بأنه يُخالَج فيها؛ فعرف أنَّ بعض المأمومين قرأها أيضًا، فسألهم لتظهر لهم هذه المعجزة.\nوهذه المخالجة أمر روحاني كان يحسُّ به النبي - ﵌ -؛ ففي حديث عبادة نهاهم عن قراءة غير الفاتحة، لا للمخالجة فقط، بل لها ولإخلالها باستماع القراءة لغير موجب؛ لأنَّ الصلاة جهرية كما علمت.\nوفي حديث عمران لم ينههم؛ لأنَّ المخالجة وحدها ليست علَّة تامة، ولأنها إنما تحصل إذا قرأ المأموم عين السورة التي يقرؤها النبي - ﵌ -، وهذا لا يتفق دائمًا.\nوقد ذكر البخاري في \"جزء القراءة\" (ص ٩) (^١) هذا الحديث من رواية شعبة عن قتادة، ثم قال: \"قال شعبة: فقلت لقتادة: كأنه كرهه؛ فقال: لو كرهه لنهانا عنه\".\nومع هذا ففي بعض روايات حديث عمران ما يدلُّ أنَّ ذلك القارئ رفع صوته، وسيأتي بيان ذلك، إن شاء الله تعالى. وعليه فيصح قول البيهقي: \"وكأن النبي - ﵌ - إن كره من القاريء خَلْفَه شيئًا كره الجهر بالقراءة\" (سنن ج ٢ ص ١٦٢).\nثم قال الشارح: (وعُلم من هذا الحديث ــ يعني حديث عبادة ــ أنَّ آية: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤] نزلت بعد هذا؛\n_________\n(^١) (ص ٢١٤) طبعة الهند.","vol":"18","page":56},{"text":"لأنَّ فيها نهيًا عن القراءة مطلقًا إذا قُريءَ القرآن، وبعيدٌ عن الصحابة القراءة في الصلاة حال قراءته - ﵌ -، وكذا إجازته - ﵌ - بقراءة أم القرآن خلفه مطلقًا بعد نزول الآية ...).\nأقول: الآية مكية اتفاقًا، وحديث عبادة ونحوه وقع بالمدينة اتفاقًا، وسأعقد للآية فصلًا مستقلًّا إن شاء الله تعالى. وإنما أذكر هاهنا ما يردُّ على استدلال الشارح على تأخر نزول الآية.\nفأقول: قد كان الصحابة ﵃ يقرؤون خلف الإمام بعد وفاته - ﵌ -، وسنثبت ذلك فيما يأتي إن شاء الله تعالى. والظاهر البيِّن أنهم كانوا يقرؤون خلف النبي - ﵌ - إلى أن توفَّاه الله - ﷿ -، ولا شكَّ أنَّ ذلك بعد نزول الآية؛ فكيف يستبعد هذا الأمر الذي قام الدليل على وقوعه؟\nثم من الجائز أن يكونوا فهموا أنَّ الآية خاصة بمن ليس في صلاة؛ بدليل قوله تعالى: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ [الإسراء: ٧٨]؛ حيث سمَّى الصلاة قرآنًا.\nأو فهموا أنَّ المراد الإنصات عن الكلام الأجنبي لا عن القراءة نفسها؛ ظنًّا أنَّ المقصود من الإنصات فهم القرآن وتدبُّره. فإذا كان السامع نفسه يقرأ القرآن فقد حصل له تدبُّر ما يقرأه بنفسه مع زيادة التلاوة.\nأو فهموا أنَّ المراد بالإنصات ترك رفع الصوت؛ لقوله بعدها: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ﴾ الآية [الأعراف: ٢٠٥]، كما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى، والاحتمالات كثيرة.","vol":"18","page":57},{"text":"وأما استبعاد أنَّ يأمر النبي - ﵌ - بقراءة الفاتحة بعد نزول الآية فخيال عجيب، أَوَلا يكون - ﵌ - علمَ أنَّ هذه الآية مُخَصَّصة بقوله تعالى: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ وغيرها.\n[ص ٤٠] مع قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ [الحجر: ٨٧]، والمراد بالسبع المثاني والقرآن العظيم: الفاتحة؛ كما في \"الصحيح\" (^١).\nوقوله تعالى في الحديث القدسي المشهور: \"قسمت الصلاة بيني وبين عبدي ... \" الحديث (^٢). فسَّر الصلاة فيه بالفاتحة.\nأو علمَ أنَّ المراد بالإنصات ترك رفع الصوت.\nفأما الفاتحة فالمأموم مأمور بقراءتها سرًّا؛ لقوله تعالى عقب آية الإنصات: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ﴾ الآية؛ كما يأتي تحقيقه إن شاء الله تعالى.\nوفوق هذا كلِّه لا يمتنع أنَّ الله ﷿ أعلم رسوله بما يفيد تخصيص الآية، ولو لم يدلَّ على ذلك قرآن. والآية مخصصة اتفاقًا فدلالتها على بقية الأفراد ضعيفة؛ حتى قال بعضهم: إنَّ دلالة العام المخصوص على بقية أفراده لا يحتجُّ بها أصلًا، وقال الحنفية: إنَّها دلالة ضعيفة؛ بحيث يرجَّح خبر الواحد عليها.\n_________\n(^١) البخاري (٤٧٠٣) من حديث أبي سعيد بن المعلى، و(٤٧٠٤) من حديث أبي هريرة.\n(^٢) أخرجه مسلم (٣٩٥) من حديث أبي هريرة.","vol":"18","page":58},{"text":"وبالجملة فقضيَّة استدلال الشارح أنه إذا تعارض دليلان عام وخاص، ولم يعلم التاريخ يرجَّح العام مطلقًا. وهذا عكس قول أكثر أهل العلم، وخلاف قول الإمام أبي حنيفة وأصحابه، فالله المستعان.","vol":"18","page":59},{"text":"[ص ٤١] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-26>المسألة الرابعة\nقراءة المأموم الفاتحة</span>\nيستدلُّ من أوجبها بقول الله ﷿: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠]، وقوله ﷿: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾، وبحديث المسيء صلاته، فإنَّ في رواية أبي هريرة: \"ثم اقرأ بما تيسَّر معك من القرآن\"، وفي بعض روايات حديث رفاعة: \"ثم اقرأ بأم القرآن\" (^١).\nفإنَّ الحنفية احتجُّوا بما ذُكر على فرضية القراءة في الصلاة، وقد قدَّمنا أنَّ أحاديث فرضية الفاتحة إما متواترة وإما مشهورة؛ يلزمهم تقييد القرآن بها، ولو لم تكن متواترة ولا مشهورة لكانت كافية في تقييد القرآن بها عند الشافعية وغيرهم.\nوأما حديث المسيء صلاته فإذا ثبت فيه ذكر الفاتحة فذاك، وإلَاّ فقد قدَّمنا أنَّ ما فيه من قراءة ما تيسَّر نُسِخ بقراءة الفاتحة. ولما كانت قراءة ما تيسَّر في كلِّ ركعة فكذلك الفاتحة؛ لأنها بدلٌ من ذلك. والنبي - ﵌ - علَّم الرجل أركان الصلاة، ولم يبيِّن له أنه إذا كان مأمومًا لا يقرأ.\nوفيه في بعض الروايات: \"إنها لا تتم صلاة رجلٍ حتى ... \"، وعلى هذه الرواية يكون اللفظ عامًّا يتناول صلاة المأموم.\n_________\n(^١) سبق تخريج الحديثين.","vol":"18","page":60},{"text":"ومما يستدلُّون به أحاديث فرضية الفاتحة، وقد تقدَّم بعضها، وهي عامة تتناول صلاة المأموم.\nومما يستدلُّون به ما رواه البخاري في \"جزء القراءة\" والإمام أحمد وابن حبان في \"صحيحه\" (^١) وغيرهم بسند صحيح، عن أبي قلابة عن محمد بن أبي عائشة عن رجل من أصحاب النبي - ﵌ - قال: صلى النبي - ﵌ -، فلما قضى صلاته قال: \"أتقرؤون والإمام يقرأ؟ \" قالوا: إنا لنفعل، قال: \"فلا تفعلوا؛ إلَاّ أن يقرأ أحدكم بفاتحة الكتاب في نفسه\".\nالحديث على شرط مسلم، وفي \"سنن البيهقي\" (^٢) تصريح أبي قلابة بالسماع؛ فزالت تهمة تدليسه.\nومن ذلك: ما أخرجه ابن حبان (^٣) وغيره بسند صحيح إلى أبي قلابة عن أنس بن مالك: أنَّ النبي - ﵌ - لما قضى صلاته أقبل عليهم بوجهه؛ فقال: أتقرؤون في صلاتكم والإمام يقرأ؟ فسكتوا؛ فقال لهم ثلاث مرَّات؛ فقال قائل أو قائلون: إنا لنفعل، قال: فلا تفعلوا [ص ٤٢]، ليقرأ أحدكم بفاتحة الكتاب في نفسه.\nقال ابن حبان في \"صحيحه\" (^٤): \"سمعه ــ يعني أبا قلابة ــ من أنس،\n_________\n(^١) \"جزء القراءة\" (ص ١٩١ - ١٩٣) و\"المسند\" (٢٠٧٦٥) و\"صحيح ابن حبان\" (عقب الحديث ١٨٥٢).\n(^٢) (٢/ ١٦٦). وليس فيه التصريح بالسماع، بل الرواية بالعنعنة.\n(^٣) في \"صحيحه\" (١٨٤٤، ١٨٥٢). وأخرجه أيضًا الدارقطني (١/ ٣٤٠) والبيهقي (٢/ ١٦٦).\n(^٤) عقب الحديث (١٨٥٢).","vol":"18","page":61},{"text":"وسمعه من ابن أبي عائشة؛ فالطريقان محفوظان\".\nقلت: وجَزْم ابن حبان بأنَّ أبا قلابة سمعه من أنس ربما يرفع تهمة التدليس، وأما البيهقي (^١) فزعم أنَّ المحفوظ رواية أبي قلابة عن محمد بن أبي عائشة. والراجح كلام ابن حبان، ولا يجوز الحكم على الثقة بالغلط إلَاّ بحجة بيِّنة.\nومن ذلك: قال البخاري في \"جزء القراءة\" (^٢): \"حدثنا شجاع بن الوليد قال: حدثنا النضر قال: حدثنا عكرمة قال: حدثني عمرو بن سعد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدِّه قال: قال رسول الله - ﵌ -: تقرؤون خلفي؟ قالوا: نعم، إنا لنهذُّ هذًّا، قال: فلا تفعلوا إلَاّ بأم القرآن\".\nالنضر هو ابن محمد بن موسى الجُرَشي: ثقة. وعكرمة هو ابن عمَّار: ثقة إذا حدَّث عن غير يحيى بن أبي كثير، وإنما يخشى تدليسه، وقد صرَّح هنا بالسماع. وعمرو بن شعيب عن أبيه عن جدِّه فيه كلام، والراجح توثيقه، وإن صحَّ ما قالوه: إنَّ حديثه عن أبيه عن جدِّه غالبه من صحيفة جدِّه عبد الله بن عمرو، فإنَّ صحيفة عبد الله بن عمرو كتبها بإذن النبي - ﵌ -، ثم بقيت محفوظة عند ذرِّيته؛ فهي حجَّة بلا شبهة.\nوقد عدَّ ابن حجر (^٣) عَمْرًا وأباه من المدلِّسين؛ لأنهما كانا يرويان من الصحيفة ولا يبيِّنان، ومثل هذا التدليس لا يضرُّ. فالحديث حسنٌ ولا يعلَّل هذا الحديث بالذي بعده؛ إذ لا يجوز تغليط الثقة إلَاّ بحجة بيِّنة.\n_________\n(^١) في \"السنن الكبرى\" (٢/ ١٦٦).\n(^٢) (ص ١٧٤ - ١٧٦).\n(^٣) في \"تعريف أهل التقديس\" (ص ١٢٣، ١٢٠).","vol":"18","page":62},{"text":"ومن ذلك: قال البخاري في \"جزء القراءة\" (^١) أيضًا: حدثنا عتبة بن سعيد عن إسماعيل عن الأوزاعي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: قال النبي - ﵌ - لأصحابه: \"تقرؤون القرآن إذا كنتم معي في الصلاة؟ \" قالوا: نعم يا رسول الله نهذُّ هذًّا، قال: \"فلا تفعلوا إلَاّ بأم القرآن\".\nإسماعيل هو ابن عيَّاش؛ وثَّقه الأئمة فيما رواه عن ثقات الشاميين، وحديثه هذا عن الأوزاعي، وهو إمام أهل الشام؛ فالحديث حسن.\nومنها: ما في \"الجوهر النقي\" (^٢) قال: \"وقال عبد الحق: رواه الأوزاعي عن مكحول [عن رجاء بن حيوة] عن عبد الله بن عمرو قال: صلينا مع النبي - ﵌ -؛ فلما انصرف قال: \"هل تقرؤون إذا كنتم معي في الصلاة؟ \"، قلنا: نعم، قال: \"فلا تفعلوا إلَاّ بأم القرآن\". وفي \"التمهيد\": خُولِفَ فيه ابن إسحاق؛ فرواه الأوزاعي عن مكحول عن رجاء بن حَيوَة عن عبد الله بن عمرو؛ فذكره.\nومنها: قال الإمام أحمد (^٣): ثنا يزيد بن هارون أنا سليمان ــ يعني ــ التيمي قال: حُدِّثتُ عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه أنَّ رسول الله - ﵌ - قال: \"تقرؤون خلفي؟ \" قالوا: نعم، قال: \"فلا تفعلوا إلَاّ بأم الكتاب\".\n_________\n(^١) (ص ١٨٩ - ١٩٠).\n(^٢) (٢/ ١٦٤). وانظر \"الأحكام الوسطى\" لعبد الحق (١/ ٣٧٧)، ومنه ما بين المعكوفتين. و\"التمهيد\" (١١/ ٤٦). والحديث أخرجه الطبراني في \"مسند الشاميين\" (٢٠٩٩، ٣٥٥٩). وفي إسناده مسلمة بن علي، وهو متروك.\n(^٣) \"المسند\" (٢٢٦٢٥).","vol":"18","page":63},{"text":"وشيخ التيمي مبهم، والاعتماد على ما تقدَّم. والله أعلم (^١).\nومن ذلك: قال البخاري في \"جزء القراءة\" (^٢): حدثنا يحيى بن صالح قال حدثنا فليح عن هلال عن عطاء بن يسار عن معاوية بن الحكم السلمي ﵁ قال: دعاني النبي - ﵌ -؛ فقال: \"إنما الصلاة لقراءة القرآن، ولذكر الله، ولحاجة المرء إلى ربِّه؛ فإذا كنت فيها فلْيَكُن ذلك شأنك\".\nفليح هو ابن سليمان، اعتمد عليه الشيخان في \"صحيحيهما\"، وضعَّفه جماعة.\nوالحديث في \"صحيح مسلم\" (^٣) من طريق يحيى بن أبي كثير عن هلال مطوَّلًا. وفيه بيان السبب، وهو: أنَّ معاوية بن الحكم صلَّى مع النبي - ﵌ - فعطس رجلٌ؛ فقال معاوية بن الحكم: يرحمه الله؛ فزجره الصحابة - ﵃ -[ص ٤٣]، فسكت؛ فلمَّا سلَّم النبي - ﵌ - دعاه؛ فقال: \"إنَّ هذه الصلاة لا يصلُح فيها شيءٌ من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن\"، أو كما قال رسول الله - ﵌ -.\nففي الحديث أمره بالقراءة في الصلاة، مع أنه كان في تلك الصلاة مأمومًا.\n_________\n(^١) ملاحظة: من قوله: \"ومنها ما في ... \" إلى هنا ملحق في هامش (ص/٤٤)، وأشار إلى ذلك اللحق هنا بقوله: (حاشية ص ٤٤)، وأحال عليها هناك بقوله: (ينقل إلى ص ٤٢).\n(^٢) (ص ١٩٤، ١٩٥).\n(^٣) رقم (٥٣٧).","vol":"18","page":64},{"text":"فهذه الأحاديث تنصُّ على أمر المأموم بالقراءة، وهي مؤكِّدة لعموم أحاديث إيجاب الفاتحة وغيرها مما تقدَّم. وهذه الأحاديث تعمُّ الصلاة السريَّة والجهريَّة.\nولهم أدلَّةٌ تنصُّ على الجهرية؛ فمنها قول الله ﵎: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٢٠٤) وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [الأعراف: ٢٠٤، ٢٠٥].\nوسيأتي إن شاء الله تعالى تفسير الآيات مفصَّلًا، وفيه ــ نقلًا ــ عن ابن جرير (^١): \"يقول تعالى ذكره: ﴿وَاذْكُرْ﴾ أيها المستمع المنصت للقرآن إذا قُرِئ في صلاة أو خطبة ﴿رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ ... وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ يقول: ودعاءٌ باللسان لله في خفاء لا جهار، يقول: ليكن ذكر الله عند استماعك القرآن؛ في دعاء ــ إن دعوت ــ غير جهار؛ ولكن في خفاء من القول\".\nوفي \"روح المعاني\" (^٢): \"ويُشعر كلام ابن زيد أنَّ المراد بالجهر مقابل الذكر في النفس، والآية عنده خطاب للمأموم المأمور بالإنصات؛ أي: اذكر ربَّك أيها المنصت في نفسك، ولا تجهر بالذكر\".\nأقول: وعلى هذا يكون المراد بالإنصات ترك الجهر.\n_________\n(^١) \"تفسيره\" (١٠/ ٦٦٧، ٦٦٨).\n(^٢) (٩/ ١٥٤).","vol":"18","page":65},{"text":"وسيأتي عن الواحدي (^١) قوله: \"والعرب تسمِّي تارك الجهر منصتًا، وإن كان يقرأ في نفسه؛ إذا لم يُسمع أحدًا\".\nوفي \"الصحيحين\" (^٢) عن أبي هريرة قال: \"كان رسول الله - ﵌ - إذا كبَّر في الصلاة سكت هُنيَّةً قبل أن يقرأ؛ فقلت: يا رسول الله! بأبي أنت وأمي، أرأيتَ سكوتك بين التكبير والقراءة ما تقول؟ قال: \"أقول: اللهم باعدْ بيني وبين خطاياي\" الحديث، وهذا لفظ مسلم.\nففيه إطلاق السكوت على الحال التي يتكلَّم فيها سرًّا، وسيأتي إيضاح أنَّ الاستماع والإنصات إنما يكون لما يجهر به؛ فإذا كان المراد بقوله: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ﴾ أي في الصلاة ــ كما عليه أكثر المفسِّرين ــ فالمراد به الصلاة التي يجهر الإمام فيها بالقراءة قطعًا، وسيأتي إيضاح هذا كله إن شاء الله تعالى.\nوالمقصود هنا أنَّه مع أمر المأموم أن يستمع وينصت لجهر إمامه بالقراءة أمره بأن يذكر الله تعالى في نفسه؛ تضرُّعًا وخيفة ودون الجهر، ويجب حمل هذا الذكر على قراءة الفاتحة؛ لأنَّ غيرها من الأذكار سواء أكان قرآنًا أو غيره لا ينبغي للمأموم [ص ٤٤] حين يسمع جهر إمامه بالقراءة إجماعًا.\nفإن ثبت أنَّ الواجب أولًا في القيام كان الجهر والثناء والتمجيد وقراءة ما تيسَّر غير مقيَّد بالفاتحة، وأنَّ الفاتحة إنما وجبت بعد ذلك على احتمال\n_________\n(^١) (ص ٨٦). وكلامه في \"البسيط\" (٩/ ٥٦٨).\n(^٢) البخاري (٧٤٤) ومسلم (٥٩٨).","vol":"18","page":66},{"text":"تقدَّم في الكلام على حديث المسيء صلاته، وأنَّ الآية نزلت قبل إيجاب الفاتحة بمدَّة= فإنا نقول: الذكر المأمور به في الآية هو ذلك الواجب، ولما نسخ أحلَّت الفاتحة محلَّه. فلما كان مأمورًا به المأموم عند جهر إمامه بالقراءة، فكذلك يكون مأمورًا ببدله وهو الفاتحة. والله أعلم.\nومن الأدلة التي تنصُّ على الجهرية: قال الإمام أحمد (^١): ثنا يعقوب ثنا أبي عن ابن إسحاق حدثني مكحول عن محمود بن الربيع الأنصاري عن عبادة بن الصامت قال: \"صلَّى بنا رسول الله - ﵌ - الصبح، فثقلت عليه فيها القراءة؛ فلما انصرف رسول الله - ﵌ - من صلاته أقبل علينا بوجهه فقال: \"إني لأراكم تقرؤون خلف إمامكم إذا جهر\"، قال: قلنا: أجلْ والله إذن يا رسول الله، إنه لهذًّا؛ فقال رسول الله - ﵌ -: \"لا تفعلوا إلَاّ بأمِّ القرآن؛ فإنه لا صلاة إلَاّ بها\" (مسند ج ٥ ص ٣٢٢).\nوأخرجه الدارقطني (^٢) من طرق عن ابن إسحاق.\nوابن إسحاق ثقة، إنما يخشى تدليسه، وقد صرَّح بالسماع. ومكحول إمام؛ ولكن قال البخاري: إنه لم يذكر سماعًا، وهذا من البخاري ــ بناءً على رأيه ــ أنه يشترط للاتصال العلم باللقاء. وقد ردَّ مسلمٌ في مقدِّمة \"صحيحه\" (^٣) هذا القول، وحكى الإجماع على أنه يكفي إمكان اللقاء إذا لم يكن الراوي مدلسًا.\n_________\n(^١) \"المسند\" (٢٢٧٤٥).\n(^٢) (١/ ٣١٨ - ٣١٩) بأربعة طرق عن ابن إسحاق، قال عقب أولاها: هذا إسناد حسن.\n(^٣) (١/ ٢٩ وما بعدها).","vol":"18","page":67},{"text":"وإمكان لقاء مكحول لمحمود واضح؛ لأنَّ مكحولًا سكن الشام، ومحمود كان بإيلياء.\nوفي \"تهذيب التهذيب\" (^١) عن مكحول: \"عتقت بمصر فلم أدعْ فيها علمًا إلا احتويت عليه فيما أدري، ثم أتيت العراق والمدينة والشام؛ فذكر كذلك\". وعنه قال: \"طفت الأرض كلها في طلب العلم\". وعن الزهري قال: \"العلماء أربعة ــ فذكرهم؛ فقال: ــ ومكحول بالشام\".\nوقد طُعِن في هذا الحديث بمطاعن واهية أشفُّها (^٢) أنَّ ابن حبَّان (^٣) قال: \"إنَّ مكحولًا ربما دلَّس\"، وتبعه الذهبي (^٤).\nفقال الحافظ ابن حجر في \"طبقات المدلِّسين\" (^٥): \"مكحول الشامي الفقيه المشهور، تابعيٌ؛ يقال إنه لم يسمع من الصحابة إلَاّ عن نفر قليل، ووصفه بذلك ابن حبَّان، وأطلق الذهبي أنه كان يدلِّس، ولم أره للمتقدِّمين إلَاّ في قول ابن حبَّان\".\nأقول: إنما أراد ابن حبَّان أنَّ مكحولًا روى عمن لم يلقه؛ فإنَّ علماء الفنِّ ذكروا ذلك في ترجمة مكحولٍ مفصَّلًا، واقتصر ابن حبان على قوله: \"وربما دلَّس\". وعند ابن حبان والذهبي أن الرواية عمَّن لم يلقه تسمَّى تدليسًا.\n_________\n(^١) (١٠/ ٢٩١).\n(^٢) ولعل المعنى: أحسنها وأقواها أو أوضحها، من الشفافية.\n(^٣) \"الثقات\" (٥/ ٤٤٧).\n(^٤) في \"ميزان الاعتدال\" (٤/ ١٧٧).\n(^٥) \"تعريف أهل التقديس\" (ص ١٥٦).","vol":"18","page":68},{"text":"وقد بيَّن الأئمة أسماء الذين روى عنهم مكحول ولم يسمع منهم، ولم يذكروا محمودًا؛ وهذا يدلُّك أنَّ مكحولًا إنما كان يروي عمن لم يلقه حيث يعلم الناس أنه لم يلقه، وليس هذا بالتدليس المتعارف (^١)؛ إذ ليس فيه إيهام.\nوالحديث صحَّحه ابن حبان والحاكم (^٢) وغيرهما، وتصحيح ابن حبان له مما يدلُّك على تأويل قوله في مكحول: \"ربما دلَّس\" بنحو ما قلنا، أو على أنه اطلع على سماع مكحول من محمود لهذا الحديث، والله أعلم.\n[ص ٤٥] ومنها: ما رواه الدارقطني (^٣) وغيره بسند صحيح عن زيد بن واقد عن حرام بن حكيم ومكحول عن نافع بن محمود بن ربيعة (^٤) قال نافع: \"أبطأ عبادة عن صلاة الصبح؛ فأقام أبو نعيم المؤذِّنُ الصلاة، وكان أبو نعيم أول من أذَّن في بيت المقدس، فصلى بالناس أبو نعيم، وأقبل عبادة وأنا معه، حتى صففنا خلف أبي نعيم، وأبو نعيم يجهر بالقراءة؛ فجعل عبادة يقرأ بأمِّ القرآن، فلما انصرف قلت لعبادة: قد صنعت شيئًا، فلا أدري أسنة هي أم سهو كانت منك؟ قال: وما ذاك؟ قال: سمعتك تقرأ بأم القرآن وأبو نعيم يجهر. قال: أجل، صلَّى بنا رسول الله - ﵌ - بعض الصلوات التي يجهر فيها بالقراءة؛ فالتبست عليه القراءة؛ فلما انصرف أقبل علينا بوجهه؛ فقال: \"هل تقرؤون إذا جهرت بالقراءة؟ \" فقال بعضنا: إنا لنصنع ذلك، قال: \"فلا تفعلوا،\n_________\n(^١) بل هو الإرسال الخفي في اصطلاح المحدثين.\n(^٢) انظر \"صحيح ابن حبان\" (١٧٨٥، ١٧٩٢، ١٨٤٨) و\"المستدرك\" (١/ ٢٣٨).\n(^٣) (١/ ٣١٩، ٣٢٠).\n(^٤) في \"سنن الدارقطني\": \"الربيع\"، وكلاهما صواب كما سيأتي التنبيه عليه. وانظر \"التقريب\".","vol":"18","page":69},{"text":"وأنا أقول مالي أنازع القرآن؛ فلا تقرؤوا بشيءٍ من القرآن إذا جهرت إلَاّ بأمِّ القرآن\".\nقال الدارقطني: هذا إسناد حسنٌ ورجاله ثقات كلهم، ثم رواه من طرقٍ أخرى ضعيفة.\nوقد تكلَّموا في هذا السند بأنَّ نافع بن محمود بن الربيع ــ ويقال: ابن ربيعة ــ مجهول الحال؛ لم يوثقه إلَاّ ابن حبان والدارقطني.\nوابن حبان يوثِّق كل من روى عن ثقةٍ فأكثر، وروى عنه ثقةٌ فأكثر، ولم يكن حديثه منكرًا؛ كما بيَّن ذلك في كتاب \"الثقات\" (^١).\nوالدارقطني نُقِلَ عنه في \"فتح المغيث\" (^٢) أنه قال: \"من روى عنه ثقتان فقد ارتفعت جهالته، وثبتت عدالته\".\nوالجواب أنَّ الحنفية يوافقون الدارقطني في توثيق المستور؛ فالحديث إذن حجَّةٌ عليهم، وأما نحن فلم نحتجَّ به وحده؛ بل به مع ما انضمَّ إليه من الحجج المتقدِّمة، والله أعلم.\nوقال ابن حبان في \"الثقات\" (^٣): \"نافع بن محمود بن ربيعة، من أهل إيلياء، يروي عن عبادة بن الصامت، روى عنه حرام بن حكيم ومكحول، مَتْنُ خَبَرِه في القراءة خلف الإمام يخالف متنَ خبرِ محمود بن الربيع عن\n_________\n(^١) (١/ ١٢، ١٣). والردّ عليه في مقدمة \"لسان الميزان\" (١/ ٢٠٨ - ٢١٠).\n(^٢) (٢/ ٥١) طبعة الهند. وفي \"سنن الدارقطني\" (٣/ ١٧٤): \"وارتفاع اسم الجهالة عنه أن يروي عنه رجلان فصاعدًا، فإذا كان هذه صفته ارتفع عنه اسم الجهالة\".\n(^٣) (٥/ ٤٧٠).","vol":"18","page":70},{"text":"عبادة، كأنهما حديثان أحدهما أتمُّ من الآخر، وعند مكحول الخبران جميعًا عن محمود بن الربيع ونافع بن محمود بن ربيعة، وعند الزهري الخبر عن محمود بن الربيع مختصرٌ غير مستقصى\".\nومن الغريب ما قاله البخاري في \"جزء القراءة\" (^١): \"والذي زاد مكحول وحرام بن معاوية ورجاء بن حيوة عن محمود بن الربيع عن عبادة فهو تبعٌ لما روى الزهري؛ لأنَّ الزهري قال: حدثنا محمود، وهؤلاء لم يذكروا سماعًا\".\nوهذا من البخاري بناءً على رأيه في اشتراط العلم باللقاء؛ ولكن لم نقف على رواية حرام بن معاوية في هذا الحديث، وكأنه أراد حرام بن حكيم؛ فإنه يقال فيه حرام بن معاوية. فيدلُّ هذا على أنهما عند البخاري رجلٌ واحدٌ، وإن فصل لهما ترجمتين في \"التاريخ\" (^٢).\nوبهذا [ص ٤٦] يندفع قول الخطيب ــ كما في \"تهذيب التهذيب\" (^٣) ــ: \"وهم البخاري في فصله بين حرام بن حكيم وبين حرام بن معاوية؛ لأنه رجلٌ واحدٌ، اختلف على معاوية بن صالح في اسم أبيه\".\nبقي أنَّ حرام بن حكيم لم يروِ عن محمود بن ربيعة، وإنما روى عن نافع بن محمود بن ربيعة؛ فهل يرى البخاري أنَّ نافع بن محمود بن ربيعة هو محمود بن الربيع؛ أخطأ بعض الرواة في اسمه؟ وقد يشهد لهذا أنَّ\n_________\n(^١) (ص ٣٠٧).\n(^٢) \"التاريخ الكبير\" (٣/ ١٠١، ١٠٢).\n(^٣) (٢/ ٢٢٢). وقول الخطيب في \"الموضح\" (١/ ١٠٨). وانظر تعليق المعلمي على \"التاريخ الكبير\" (٣/ ١٠٢، ١٠٣).","vol":"18","page":71},{"text":"البخاري لم يذكر نافع بن محمود في \"تاريخه\". فإن صحَّ هذا فالحديث صحيح والله أعلم.\nوقد راجعت \"تاريخ البخاري\" فوجدته ذكر في ترجمة حرام بن حكيم أنه روى عن محمود بن ربيعة (^١).\nووقع في \"جزء القراءة\" (^٢): \"حدثنا محمود حدثنا البخاري حدثنا صدقة بن خالد حدثنا زيد بن واقد عن حرام بن حكيم ومكحول عن ربيعة الأنصاري ... \".\nكذا قال (^٣)، وقد سقط من النسخة رجلٌ أو رجلان، بين البخاري وصدقة (^٤)؛ فإنَّ صدقة مات قبل أن يولد البخاري بأربع عشرة سنة.\nولم أجد في \"تاريخ البخاري\" ترجمة لربيعة الأنصاري (^٥)، ولا لمحمود بن ربيعة، ولا لنافع بن محمود؛ إلَاّ أنه في ترجمة حرام بن حكيم ذكر أنه روى عن محمود بن ربيعة، فالله أعلم.\nوقد روى الدارقطني (^٦) الحديث من طريق الوليد بن مسلم حدثني غير\n_________\n(^١) (٣/ ١٠١).\n(^٢) (ص ١٨٥ - ١٨٧).\n(^٣) وفي بعض النسخ: \"أبي ربيعة\" مكان \"ربيعة\".\n(^٤) الساقط هو \"هشام بن عمار\" كما في النسخة الصحيحة من الكتاب ومطبوعة الهند.\n(^٥) قال المؤلف في مسوّدات هذا الكتاب: \"وقوله [في \"جزء القراءة\"]: (عن ربيعة الأنصاري) الصواب: (عن نافع بن محمود بن ربيعة) كما في سنن الدارقطني وغيرها، وهذا من تحريف النساخ\".\n(^٦) (١/ ٣١٩).","vol":"18","page":72},{"text":"واحد منهم سعيد بن عبد العزيز عن مكحول عن محمود عن أبي نعيم أنه سمع عبادة بن الصامت عن النبي - ﵌ - قال: \"هل تقرؤون في الصلاة معي؟ قلنا: نعم، قال: فلا تفعلوا إلَاّ بفاتحة الكتاب\".\nثم قال الدارقطني: \"وقال ابن صاعد: قوله \"عن أبي نعيم\" إنما كان أبو نعيم المؤذن، وليس هو كما قال الوليد: عن أبي نعيم عن عبادة\".\nأقول: محمود بن الربيع كنيته أبو نعيم، فالله أعلم.\n* * * *","vol":"18","page":73},{"text":"حجج القائلين بأنَّ المأموم لا يقرأ فيما يجهر فيه إمامه\nقال الله ﵎: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٤].\nقالوا: اتفق السلف على أنَّ هذه الآية نزلت في القراءة في الصلاة. ولما كان الاستماع والإنصات إنما يكون لما يسمع، علمنا أنها خاصة بما جهر فيه الإمام.\nوقد أخرج مسلم (^١) حديث قتادة عن يونس بن جبير عن حطان بن عبد الله الرقاشي عن أبي موسى مرفوعًا: \"إذا صليتم فأقيموا صفوفكم، ثم ليؤمَّكم أحدكم؛ فإذا كبر فكبروا\" الحديث، عن جماعة.\nثم رواه (^٢) من طريق جرير عن سليمان التيمي عن قتادة، ثم قال: \"وفي حديث جرير عن سليمان عن قتادة من الزيادة: \"وإذا قرأ فأنصتوا\" ... \".\nوفي بعض النسخ (^٣) زيادة أدرجها أبو إسحاق إبراهيم بن سفيان راوي \"الصحيح\" عن مسلم؛ لفظها: \"قال أبو إسحاق: قال أبو بكر ابن أخت أبي النضر في هذا الحديث، فقال مسلم: تريد أحفظَ من سليمان؟ فقال له أبو بكر: فحديث أبي هريرة؟ فقال: هو صحيح؛ يعني: \"وإذا قرأ فأنصتوا\". فقال: هو عندي صحيح. فقال: لِمَ لمْ تضعه ههنا؟ قال: ليس كل شيء عندي صحيح وضعته ههنا؛ إنما وضعتُ ههنا ما أجمعوا عليه\".\n_________\n(^١) رقم (٤٠٤/ ٦٢).\n(^٢) رقم (٤٠٤/ ٦٣).\n(^٣) انظر طبعة محمد فؤاد عبد الباقي (١/ ٣٠٤).","vol":"18","page":74},{"text":"قالوا: وقد تُوبع سليمان؛ فرواه الدارقطني (^١) من طريق سالم بن نوح ثنا عمر بن عامر وسعيد بن أبي عروبة عن قتادة فذكره، ومتنه: \"إنما جُعل الإمام ليؤتمَّ به؛ فإذا كبَّر فكبِّروا، وإذا قرأ فأنصتوا\".\nوأما حديث أبي هريرة فرواه أبو داود والنسائي وغيرهما.\nفروى أبو داود (^٢) الحديث من طريق مصعب بن محمد عن أبي صالح بدون هذه الزيادة، ثم قال (^٣): \"حدثنا محمد بن آدم المصيصي ثنا أبو خالد عن ابن عجلان عن زيد بن أسلم عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي - ﵌ - قال: \"إنما جُعل الإمام ليُؤتمَّ به\" بهذا الخبر، زاد: \"وإذا قرأ فأنصتوا\".\nقال أبو داود: وهذه الزيادة \"وإذا قرأ فأنصتوا\" ليست بمحفوظة، الوهم من أبي خالد\".\nقالوا: قد تُوبِع أبو خالد؛ فرواه النسائي (^٤) عن محمد بن عبد الله المخرَّمي عن محمد بن سعد ــ هو الأنصاري الأشهلي ــ[ص ٤٧] عن ابن عجلان به، والأشهلي ثقة.\n_________\n(^١) (١/ ٣٣٠). قال الدارقطني: سالم بن نوح ليس بالقوي.\n(^٢) رقم (٦٠٣). وأخرجه أيضًا أحمد (٨٥٠٢) بهذا الإسناد. ووقع في الأصل: \"محمد بن مصعب\" خطأ.\n(^٣) رقم (٦٠٤). وأخرجه أيضًا أحمد (٩٤٣٨) والنسائي (٢/ ١٤١، ١٤٢) وابن ماجه (٨٤٦) والدارقطني (١/ ٣٢٧) وغيرهم من طريق أبي خالد به.\n(^٤) (٢/ ١٤٢). وأخرجه أيضًا بهذا الطريق الدارقطني (١/ ٣٢٨) والخطيب في \"تاريخ بغداد\" (٥/ ٣٢٠).","vol":"18","page":75},{"text":"وذكروا متابعات أخرى ساقطة لا نعرِّج عليها (^١).\nقالوا: وقد روى مالك (^٢) عن ابن شهاب عن ابن أُكيمة الليثي عن أبي هريرة: أنَّ رسول الله - ﵌ - انصرف من صلاةٍ جَهَر فيها بالقراءة؛ فقال: \"هل قرأ معي أحدٌ منكم آنفًا؟ \" فقال رجل: نعم يا رسول الله، قال: \"إني أقول مالي أُنازَع القرآن\". قال: فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله - ﵌ - فيما جهر فيه النبي - ﵌ - بالقراءة من الصلوات؛ حين سمعوا ذلك من رسول الله - ﵌ -.\nورواه أبو داود (^٣) عن جماعة منهم ابن السرح، قالوا: ثنا سفيان عن الزهري قال: سمعت ابن أُكيمة يحدِّث سعيد بن المسيِّب قال: سمعت أبا هريرة يقول: \"صلَّى بنا رسول الله - ﵌ - صلاةً نظنُّ أنها الصبح ــ بمعناه إلى قوله ــ: مالي أنازع القرآن\".\nقال أبو داود: قال مسدَّد في حديثه: قال معمر: \"فانتهى الناس ... \"، وقال ابن السرح في حديثه: قال معمر عن الزهري قال أبو هريرة: \"فانتهى الناس ... \".\n_________\n(^١) منها متابعة محمد بن ميسَّر الصاغاني، أخرجها أحمد (٨٨٨٩) والدارقطني (١/ ٣٣٠) والبيهقي في \"القراءة خلف الإمام\" (٣١٢). ومتابعة إسماعيل بن أبان الغنوي، أخرجها الدارقطني (١/ ٣٢٩) والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٢/ ١٥٦). وكلاهما ضعيف.\n(^٢) في \"الموطأ\" (١/ ٨٦). ومن طريقه أبو داود (٨٢٦) والترمذي (٣١٢) والنسائي (٢/ ١٤٠، ١٤١).\n(^٣) رقم (٨٢٧).","vol":"18","page":76},{"text":"قالوا: وقد قال يحيى بن معين ــ وهو هو ــ: كفاك قول الزهري: سمعت ابن أُكيمة يحدِّث سعيد بن المسيِّب. وقال الدوري عن يحيى: عمارة بن أكيمة ثقة، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، مقبول، وقال يعقوب بن سفيان: هو من مشاهير التابعين بالمدينة (^١).\nوقد عمل الراوي عنه ــ وهو الإمام الزهري ــ بحديثه؛ فإنَّ مذهب الزهري أن لا يقرأ المأموم فيما جهر به إمامه؛ سواءٌ أسمع القراءة أم لم يسمع. وهذا يدلُّ أنَّ ابن أكيمة عنده ثقة.\nقالوا: وقد أخرج الإمام أحمد وابن ماجه (^٢) وغيرهما بأسانيد صحيحة من طريق أبي إسحاق السَّبيعي عن الأرقم بن شُرحبيل عن ابن عباسٍ ﵄ قال: \"لمَّا مرض رسول الله - ﵌ - مرضَه الذي مات فيه\"، فذكر الحديث إلى أن قال: \"فخرج أبو بكر فصلَّى بالناس، ووجد النبي - ﵌ - من نفسه خِفَّةً؛ فخرج يُهادَى بين رجلين، ورِجْلاه تَخُطَّان في الأرض؛ فلمَّا رآه الناس سبَّحوا أبا بكر؛ فذهب يتأخَّر، فأومأ إليه أيْ مكانَك؛ فجاء النبي - ﵌ - حتى جلس، قال: وقام أبو بكر عن يمينه، وكان أبو بكر يأتمُّ بالنبي - ﵌ -، والناسُ يأتمُّون بأبي بكر، قال ابن عباس: وأخذ النبي - ﵌ - من القراءة من حيث بلغ أبو بكر ... الحديث.\nقالوا: فهذا ظاهر أنَّ الصلاة كانت جهرية، وأنَّ النبي - ﵌ - بنى على قراءة أبي بكر، ولابد أن يكون أبو بكر قد قرأ الفاتحة أو بعضها. ففيه دلالة\n_________\n(^١) انظر \"تهذيب التهذيب\" (٧/ ٤١١).\n(^٢) \"المسند\" (٣٣٥٥) وابن ماجه (١٢٣٥). وأخرجه أيضًا الطحاوي في \"معاني الآثار\" (١/ ٤٠٥) والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٣/ ٨١).","vol":"18","page":77},{"text":"واضحةٌ أنَّ قراءة الإمام في الجهرية كافية لمن يستخلفه؛ فأن تكفي قراءتُه المأمومين من باب أولى.\nقالوا: فهذه الأدلة تخصِّص أدلَّتكم العامة، وتعارض الخاصة، وعند المعارضة يترجَّح ما عليه جمهور الأمة.\nوقد قال الإمام أحمد (^١): ما سمعنا أحدًا من أهل الإسلام يقول: إنَّ الإمام إذا جهر بالقراءة لا تجزئ صلاة من خلفه. وقال: هذا النبي، وأصحابه، والتابعون، وهذا مالك في أهل الحجاز، وهذا الثوري في أهل العراق، وهذا الأوزاعي في أهل الشام، وهذا الليث في أهل مصر ما قالوا لرجلٍ صلَّى وقرأ إمامه ولم يقرأ هو: صلاته باطلة.\n[ص ٤٨] ولنشرع في الجواب، وتقدَّم الكلام على آية الإنصات، ونسأل الله تعالى التوفيق (^٢).\n[ص ٤٩] فصل\nقال الله ﷿: ﴿وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٢٠٣) وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٢٠٤) وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ (٢٠٥) إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ\n_________\n(^١) انظر \"المغني\" لابن قدامة (٢/ ٢٦٢).\n(^٢) لم يكتب الشيخ في هذه الصفحة غير هذا السطر.","vol":"18","page":78},{"text":"يَسْجُدُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٣ ــ ٢٠٦].\nقال الشارح: (قال ابن قدامة في \"المغني\" (^١): قال أحمد: فالناس على أنَّ هذا في الصلاة. وعن سعيد بن المسيب والحسن وإبراهيم ومحمد بن كعب والترمذي: أنها نزلت في شأن الصلاة. وقال زيد بن أسلم وأبو العالية: كانوا يقرؤون خلف الإمام فنزلت ... وقال أحمد في رواية أبي داود: أجمع الناس على أنَّ هذه الآية نزلت في الصلاة).\nأقول: روى ابن جرير في \"تفسيره\" (^٢) عن ابن عباس أنه كان يقول في هذه: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً﴾ هذا في المكتوبة، وأما ما كان من قصص أو قراءة بعد ذلك فإنما هي نافلة. إنَّ نبي الله - ﵌ - قرأ في صلاة مكتوبة، وقرأ أصحابه وراءه فخلطوا عليه. قال: فنزل القرآن: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾. فهذا في المكتوبة.\nوفي سنده ابن لهيعة معنعنًا.\nوأخرج (^٣) من طريق أشعث ــ هو ابن سوَّار ــ عن الزهري قال: نزلت هذه الآية في فتًى من الأنصار، كان رسول الله - ﵌ - كلما قرأ شيئًا قرأه، فنزلت: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾.\nأشعث بن سوَّار ضعيف.\n_________\n(^١) (٢/ ٢٦١).\n(^٢) (١٠/ ٦٦٤).\n(^٣) (١٠/ ٦٥٩).","vol":"18","page":79},{"text":"ولكن في \"سنن البيهقي\" (^١) بسند جيِّد عن مجاهد قال: كان رسول الله - ﵌ - يقرأ في الصلاة؛ فسمع قراءة فتى من الأنصار؛ فنزلت: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾.\nوفي \"أسباب النزول\" (^٢) للسيوطي: \"وقال سعيد بن منصور في \"سننه\": ثنا أبو معشر عن محمد بن كعب قال: كانوا يتلقَّفون من رسول الله - ﵌ -؛ إذا قرأ شيئًا قرؤوا معه حتى نزلت هذه الآية التي في الأعراف: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾.\nأقول: أبو معشر ضعيف؛ إلَاّ أنه فيما يرويه عن محمد بن كعب من التفسير أحسن حالًا منه في غير ذلك.\nوقال السيوطي (^٣) عقب هذا الحديث: \"قلت: ظاهر هذا أنَّ الآية مدنية\".\nأقول: والمعروف بين علماء القرآن أنّها مكية. وقد ذكر في النوع الأول من \"الإتقان\" (^٤) نصوصَهم على أنَّ سورة الأعراف مكية، واستثنى بعضهم منها آياتٍ ليس هذه منها.\n[ص ٥٠] وقد قال ابن جرير (^٥): حدثنا أبوكريب قال ثنا أبو بكر بن عيَّاش\n_________\n(^١) (٢/ ١٥٥).\n(^٢) \"لباب النقول\" (ص ١٠٥، ١٠٦). وانظر \"سنن سعيد بن منصور\" (٩٧٨ - تفسير).\n(^٣) في المصدر السابق.\n(^٤) (١/ ٤٩، ٨٦) ط. مجمع الملك فهد.\n(^٥) في \"تفسيره\" (١٠/ ٦٥٨).","vol":"18","page":80},{"text":"عن عاصم عن المسيّب بن رافع قال: كان عبد الله يقول: كنا يُسلِّم بعضُنا على بعض في الصلاة، سلامٌ على فلان، وسلامٌ على فلان، قال: فجاء القرآن: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾.\nأقول: أبو بكر بن عيَّاش ثقة يغلط إذا حدَّث من حفظه؛ ولكن هذا من روايته عن عاصم بن بهدلة، شيخه في القراءة، وهذا مما يتعلَّق بها؛ فالظاهر أنَّه أتقنه، إلَاّ أنه منقطعٌ، المسيّب بن رافع لم يسمع من ابن مسعود، قاله أبو حاتم وغيره (^١). ولكن ثبوت هذا الأثر عن المسيّب عمن أخبره عن عبد الله كافٍ في معارضة الآثار المتقدِّمة.\nوقد أخرج أحمد وأبوداود والنسائي وصحَّحه وابن حبان (^٢) وغيرهم من طريق عاصم بن بهدلة عن أبي وائل عن ابن مسعود قال: كنَّا نُسلِّم في الصلاة، ونأمر بحاجتنا؛ فقدِمتُ على رسول الله - ﵌ - وهو يصلِّي، فسلَّمت عليه فلم يردَّ عليَّ السلام، فأخذَني ما قَدُمَ وما حَدُثَ، فلما قضى صلاته قال: \"إنَّ الله يُحدِث مِن أمره ما شاء، وإنَّ الله قد أحدث أن لا تَكَلَّموا في الصلاة\".\nوفي روايةٍ (^٣): \"كنا نتكلَّم في الصلاة، ويُسلِّم بعضنا على بعض، ويُومئ أحدنا بالحاجة\" الحديث.\n_________\n(^١) انظر \"تهذيب التهذيب\" (١٠/ ١٥٣).\n(^٢) \"المسند\" (٣٥٧٥) وأبو داود (٩٢٤) والنسائي (٣/ ١٩) وابن حبان (٢٢٤٣، ٢٢٤٤). وأخرجه أيضًا الطحاوي في \"معاني الآثار\" (١/ ٤٥٥) والبيهقي (٢/ ٢٤٨، ٣٥٦) وغيرهما.\n(^٣) عند أحمد (٤١٤٥) والبيهقي (٢/ ٢٤٨).","vol":"18","page":81},{"text":"وأصل الحديث في \"الصحيحين\" (^١)، وسيأتي إن شاء الله تعالى. وفيه دلالة على صحة حديث المسيّب بن رافع، والله أعلم.\nوقال البخاري في \"جزء القراءة\" (^٢): حدثنا محمد بن مقاتل قال حدثنا النضر قال أنبأنا يونس عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن عبد الله قال: قال النبي - ﵌ - لقوم كانوا يقرؤون القرآن فيجهرون: \"خلَّطتم عليَّ القرآن\". وكنا نسلِّم في الصلاة؛ فقيل لنا: \"إنَّ في الصلاة لشُغلًا\".\nوروى ابن جرير (^٣) أيضًا بسند صحيح إلى عبد الله بن عامر قال: ثني زيد بن أسلم عن أبيه عن أبي هريرة عن هذه الآية: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾، قال: نزلت في رفع الأصوات وهم خلف رسول الله - ﵌ - في الصلاة.\nأقول: عبد الله بن عامر أظنه الأسلمي، ضعيف.\nوأخرج ابن جرير (^٤) وغيره عن أبي هريرة قال: كانوا يتكلَّمون في الصلاة؛ فلما نزلت هذه الآية: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ﴾، والآية الأخرى\n_________\n(^١) البخاري (١١٩٩، ١٢١٦، ٣٨٧٥) ومسلم (٥٣٨).\n(^٢) (ص ٤٠٠ - ٤٠١). وأخرجه أيضًا أحمد (٤٣٠٩) والبزار (٤٨٨ ــ زوائد) وأبو يعلى (٥٣٩٧) والدارقطني (١/ ٣٤١) وغيرهم.\n(^٣) \"تفسيره\" (١٠/ ٦٦٠). وأخرجه أيضًا ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٥/ ١٦٤٥) والدارقطني (١/ ٣٢٦).\n(^٤) (١٠/ ٦٥٩). وأخرجه أيضًا ابن المنذر في \"الأوسط\" (٣/ ١٠٥) والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٢/ ١٥٥).","vol":"18","page":82},{"text":"أُمِروا بالإنصات.\nوإبراهيم الهَجَري ضعيف.\nوأخرج ابن أبي حاتم (^١) عن عبد الله بن مغفَّل نحوه. ذكره السيوطي في \"أسباب النزول\" (^٢).\nوأخرج ابن جرير (^٣) بسند صحيح عن قتادة: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ قال: كان الرجل يأتي وهم في الصلاة، فيسألهم: كم صلَّيتم؟ كم بقي؟ فأنزل الله: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾.\nوأخرج (^٤) بسند رجاله ثقات عن قتادة أيضًا: قوله: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ قال: كانوا يتكلَّمون في صلاتهم بحوائجهم أولَ ما فُرضت عليهم؛ فأنزل الله ما تسمعون: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾.\nوأخرج البيهقي في \"السنن\" (^٥) عن عون بن موسى قال: سمعت معاوية بن قرَّة قال: أنزل الله هذه الآية: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾، قال: كان الناس يتكلمون في الصلاة.\n_________\n(^١) في \"تفسيره\" (٥/ ١٦٤٦).\n(^٢) \"لباب النقول\" (ص ١٠٥).\n(^٣) (١٠/ ٦٦٢).\n(^٤) (١٠/ ٦٦١).\n(^٥) (٢/ ١٥٥).","vol":"18","page":83},{"text":"قال البيهقي: ورواه سعيد بن منصور عن عون، وزاد فيه: \"فأنزلها القصَّاص في القصص\".\nأقول: وعون بن موسى ذكره ابن حبان في \"الثقات\" (^١).\n[ص ٥١] ومجموع هذه الآثار أثبت من مجموع ما تقدَّم.\nبقي أن يقال: دلَّت هذه الآثار على أنَّ هذه الآية نزلت عند تحريم الكلام في الصلاة. وقد ثبت في \"الصحيحين\" (^٢) عن زيد بن أرقم قال: كنا نتكلَّم في الصلاة؛ يكلِّم أحدُنا صاحبَه وهو إلى جنبه في الصلاة؛ حتى نزلت: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨] فأُمرنا بالسكوت، ونُهينا عن الكلام. هذا لفظ مسلم.\nلا مانع أن تنزل آيتان من سورتين في وقت واحد متفقتان في الدلالة على حكم، ولكن آية الإنصات مكية باتفاق، وآية القنوت مدنية باتفاق؛ فكيف تنزل آية الإنصات بالمنع من الكلام، ويبقى حلالًا بعد ذلك حتى تنزل آية القنوت؟\nوالجواب: أنَّ جماعة من أهل العلم تأولوا حديث زيد بن أرقم كما في \"فتح الباري\" (^٣)، ورجَّحوا أن تحريم الكلام كان بمكة قبل الهجرة بثلاث سنين قبل نزول آية القنوت بزمان؛ لأنها مدنية.\n_________\n(^١) (٧/ ٢٨٠).\n(^٢) البخاري (١٢٠٠، ٤٥٣٤) ومسلم (٥٣٩).\n(^٣) (٣/ ٧٤).","vol":"18","page":84},{"text":"وحجَّتهم حديث ابن مسعود في \"الصحيحين\" (^١) وغيرهما قال: كنَّا نسلِّم على النبي - ﵌ - فيردُّ علينا؛ فلمَّا رجعنا من عند النجاشي سلَّمنا عليه فلم يردَّ علينا؛ فقلنا: يا رسول الله كنا نسلِّم عليك في الصلاة فتردَّ علينا؛ فقال: \"إنَّ في الصلاة شغلًا\".\nوقد تقدَّم في رواية النسائي (^٢) وغيره: \"فلما قضى صلاته قال: إنَّ الله يُحدِث من أمره ما شاء، وإنَّ الله قد أحدث ألَاّ تكلَّموا في الصلاة\".\nفعلى هذا لا إشكال.\nولكن جمع ابنُ حجر بين الحديثين بأنَّ ابن مسعود توجَّه إلى الحبشة مرتين؛ رجع من الأولى قبل الهجرة، ثم توجَّه إلى الحبشة أيضًا، ثم رجع منها بعد الهجرة قبل بدر، فالرجوع الذي ذكره في حديثه هو هذا الثاني. وحديث زيد بن أرقم على ظاهره؛ فعلى هذا يبقى الإشكال بحاله.\nوالجواب ما في \"حواشي الشيخ زاده على البيضاوي\" (^٣)، قال: \"قال الإمام الواحدي في \"الوسيط\" (^٤): ولا تدلُّ الآية على ترك القراءة خلف الإمام؛ لأنَّ هذا الإنصات المأمور به نهي عن الكلام في الصلاة، لا عن القراءة أو عن ترك الجهر بالقراءة خلف الإمام. كما روي عن ابن عباس (^٥) أنه قال: قرأ رسول الله - ﵌ - في الصلاة المكتوبة، وقرأ أصحابه وراءه رافعي\n_________\n(^١) البخاري (١١٩٩، ١٢١٦) ومسلم (٥٣٨).\n(^٢) سبق تخريجه.\n(^٣) (٢/ ٣٩٣).\n(^٤) (٢/ ٤٤٠). وانظر \"البسيط\" (٩/ ٥٦٨).\n(^٥) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" (١٠/ ٦٦٤). وقد سبق ذكره.","vol":"18","page":85},{"text":"أصواتهم؛ فنزلت هذه الآية. وهذا قول أبي حنيفة وأصحابه. والعرب تسمِّي تارك الجهر \"منصتًا\"، وإن كان يقرأ في نفسه إذا لم يُسمِع أحدًا\". (ملحق الجلد الأول ص ٢٩٣).\nوعليه فآية الإنصات إنما منعت من رفع الصوت؛ سواء أكان بقراءة، أم بذكر، أم بدعاء، أم بكلام الناس بعضهم بعضًا. وآية القنوت منعت من كلام الناس بعضهم بعضًا مطلقًا ولم تتعرض للقراءة والذكر والدعاء.\nفالمراد بالإنصات في الآية الإسرار؛ بدليل قوله بعدُ: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ﴾ الآية.\nقال ابن جرير (^١): \"يقول تعالى ذكره: واذكرْ أيها المستمع المنصت للقرآن ــ إذا قريء في صلاة أو خطبة ــ ربَّك في نفسك ... ﴿وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ يقول: ودعاء باللسان لله في خفاء لا جهار، يقول: ليكنْ ذكر الله عند استماعك القرآن في دعاء إن دعوت غير جهار؛ ولكن في خفاء من القول\".\nوفي \"روح المعاني\" (^٢): \"ويُشعر كلام ابن زيد أنَّ المراد بالجهر مقابل الذكر في النفس، والآية عنده خطاب للمأموم المأمور بالإنصات؛ أي: اذكر ربك أيها المنصت في نفسك، ولا تجهر بالذكر\".\nأقول: وفي \"الصحيحين\" (^٣) عن أبي هريرة قال: كان رسول الله - ﵌ -\n_________\n(^١) (١٠/ ٦٦٧، ٦٦٨).\n(^٢) (٩/ ١٥٤).\n(^٣) البخاري (٧٤٤) ومسلم (٥٩٨).","vol":"18","page":86},{"text":"إذا كبَّر في الصلاة سكت هُنَيَّةً قبل أن يقرأ؛ فقلت: يا رسول الله! بأبي أنت وأمي، أرأيتَ سكوتك بين التكبير والقراءة؛ ما تقول؟ قال: \"أقول: اللهم باعِدْ بيني وبين خطاياي\"؛ فذكر الحديث، وهذا لفظ مسلم.\nفأطلق على تلك الحال سكوتًا؛ مع العلم بأنه - ﵌ - كان يتكلَّم فيها ولكن سرًّا.\n[ص ٥٢]، وإنما قال في الآية: ﴿وَأَنْصِتُوا﴾ ليدلَّ ــ والله أعلم ــ على أنه ينبغي المبالغة في الإسرار. وقال: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ﴾ فأفرد بعد أن كان الكلام على الجمع ليدلَّ ــ والله أعلم ــ على أنه ينبغي المبالغة بالإسرار حتى يُسمِع الإنسان نفسه فحسب. ولو قال: \"واذكروا ربكم في أنفسكم\" لتوهَّم أنه لا بأ س بأن يرفع صوته قليلًا بحيث يُسمِع أصحابَه.\nوإنما جاز لهم بعد هذا أن يكلِّم أحدهم صاحبه إلى جنبه لأنَّ المقصود من كلام بعضهم بعضًا لا يحصل إلَاّ بهذا؛ بخلاف القراءة والذكر والدعاء.\nومما يشهد لهذا المعنى أثر ابن عباس المتقدِّم (^١): أنه كان يقول في هذه ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ﴾ ... إلخ.\nوهذا هو السرُّ في ذكره الآية الثانية. فقوله فيه: \"وقرأ أصحابه وراءه فخلَّطوا عليه\" أراد قرؤوا رافعين أصواتهم؛ فتدبَّر!\nومثله قول محمد بن كعب (^٢): \"كانوا يتلقَّفون من رسول الله - ﵌ -؛ إذا\n_________\n(^١) في \"تفسير الطبري\" (١٠/ ٦٦٤). وقد سبق ذكره.\n(^٢) أخرجه سعيد بن منصور في \"سننه\" (٩٧٨ - تفسير). وسبق ذكره.","vol":"18","page":87},{"text":"قرأ شيئًا قرؤوا معه\".\nوعليه يحمل ما قاله ابن قدامة في \"المغني\" (^١)؛ حيث قال: \"وقال زيد بن أسلم وأبو العالية: كانوا يقرؤون خلف الإمام فنزلت\". هذا إن صحَّ عنهما. وكذا ما تقدَّم عن ابن مسعود (^٢): \"كنَّا يسلِّم بعضُنا على بعض في الصلاة\" إلخ.\nفأما ما تقدَّم عن أبي هريرة (^٣) قال: \"نزلت في رفع الأصوات، وهم خلف رسول الله - ﵌ - في الصلاة\"؛ فظاهر.\nوأما ما مرَّ عنه من قوله (^٤): كانوا يتكلَّمون في الصلاة؛ فلما نزلت هذه الآية: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ﴾، والآية الأخرى أُمِروا بالإنصات؛ فمراده بالإنصات هو ما حملناه عليه في الآية. ويدلُّ على هذا قوله: \"والآية الأخرى\"، وقد علمت أنَّ الآية الأخرى قرينة ظاهرة على ذلك.\nونحوه قول ابن مغفَّل (^٥).\nفأما قول قتادة (^٦): \"كان الرجل يأتي وهم في الصلاة، فيسألهم: كم\n_________\n(^١) (٢/ ٢٦١).\n(^٢) سبق تخريجه.\n(^٣) في \"تفسير الطبري\" (١٠/ ٦٦٠) و\"سنن الدارقطني\" (١/ ٣٢٦).\n(^٤) أي قول أبي هريرة في \"تفسير الطبري\" (١٠/ ٦٥٩) والبيهقي (٢/ ١٥٥).\n(^٥) في \"تفسير ابن أبي حاتم\" (٥/ ١٦٤٦).\n(^٦) في \"تفسير الطبري\" (١٠/ ٦٦٢).","vol":"18","page":88},{"text":"صليتم؟ كم بقي\" إلخ. وقوله (^١): \"كانوا يتكلَّمون في صلاتهم بحوائجهم أولَ ما فُرِضت عليهم\". وقول معاوية بن قرَّة (^٢): \"كان الناس يتكلَّمون في الصلاة\"= فالمراد بذلك كلِّه السؤال والكلام جهرًا، وهو الذي منعتهم منه هذه الآية، وبقي الكلام مسارَّةً مباحًا لهم حتى نزلت آية القنوت.\nولذلك قال زيد (^٣): \"فيكلِّم أحدُنا صاحبَه وهو إلى جنبه في الصلاة\"؛ وهذا ظاهر في المسارَّة.\nفأما ما مرَّ عن مجاهد (^٤): كان رسول الله - ﵌ - يقرأ في الصلاة، فسمع قراءة فتى من الأنصار؛ فنزلت: وذكر الآية= فإن صحَّ فيحتمل أن يكون النبي صلى الله عليه [ص ٥٣] وآله وسلَّم لما سمع ذلك الفتى يرفع صوته تلا الآية بعد السلام؛ تنبيهًا لذلك الفتى بأنَّ الآية منعت المأموم عن رفع الصوت؛ فسمعه بعض صغار الصحابة، فظنَّ أنَّ الآية إنما نزلت حينئذٍ.\nولهذا نظائر في أسباب النزول. ومن يجيز تعدد نزول الآية الواحدة يجيء احتماله هنا، والله أعلم.\nوهكذا ما تقدَّم عن الزهري (^٥)؛ إن صحَّ.\nوقال البخاري في \"جزء القراءة\" (^٦): \"وقال مجاهد: إذا لم يقرأ خلف\n_________\n(^١) في المصدر السابق (١٠/ ٦٦١).\n(^٢) في \"السنن الكبرى\" (٢/ ١٥٥).\n(^٣) عند البخاري (١٢٠٠) ومسلم (٥٣٩).\n(^٤) في \"السنن الكبرى\" (٢/ ١٥٥).\n(^٥) في \"تفسير الطبري\" (١٠/ ٦٥٩، ٦٦٢).\n(^٦) (ص ١١٩).","vol":"18","page":89},{"text":"الإمام أعاد الصلاة\".\nوأخرج ابن جرير (^١) عن يُسَير بن جابر قال: صلَّى ابن مسعود فسمع ناسًا يقرؤون مع الإمام؛ فلما انصرف قال: أما آن لكم أن تفقهوا؟ أما آن لكم أن تعقلوا؟ ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ كما أمركم الله.\nيحتمل أنه إنما أنكر عليهم رفع أصواتهم حتى سمعهم، والرفع مخالف للآية كما علمت.\nوأخرج (^٢) أيضًا من طرقٍ عن مجاهد وغيره في هذه الآية قالوا: في الصلاة.\nوهذا مجملٌ، ليس فيه مخالفة لما اخترناه، والله أعلم. على أنَّ مذهب مجاهد أنَّ من لم يقرأ خلف الإمام يعيد الصلاة؛ ذكره البخاري في \"جزء القراءة\" (^٣)؛ كما مرَّ.\nوأخرج (^٤) عن الزهري أنَّ المأمومين يقرؤون فيما أسرَّ به الإمام، ولا يقرؤون فيما جهر به سرًّا ولا علانيةً، وتلا الآية.\nوهذا مذهب الزهري، معروفٌ عنه، وقد وهم في حمل الآية عليه، والله المستعان.\n_________\n(^١) \"تفسيره\" (١٠/ ٦٥٩).\n(^٢) (١٠/ ٦٦٠، ٦٦١).\n(^٣) (ص ١١٩).\n(^٤) أي ابن جرير في \"تفسيره\" (١٠/ ٦٦٤).","vol":"18","page":90},{"text":"ويحتجُّ من يرى أنَّ الإنصات في الآية السكوت للاستماع بأنه الحقيقة، وبحديث: \"إنما جُعِلَ الإمام ليؤتمَّ به\"، وفيه: \"وإذا قرأ فأنصتوا\". يقول: لا يحتمل تأويل قوله: \"فأنصِتوا\" بأنَّ المراد فأَسِرُّوا؛ لأنَّ حكم المأموم الإسرار مطلقًا؛ فكيف يقيِّده بقوله: \"وإذا قرأ\"؟ وإذا ثبت أنَّ المراد في الحديث حقيقة الإنصات دلَّ هذا على أنَّ الإنصات في الآية على حقيقته؛ لأنَّ الظاهر أنه - ﵌ - إنما قال ذلك إشارة إلى الآية.\nوالجواب عن الأول: أننا قد قدَّمنا بيان القرائن والأدلة الصارفة عن الحقيقة.\nوعن الثاني: بأنَّ الحديث مختلف في صحَّته؛ كما يأتي تحقيقه إن شاء الله تعالى.\nوعلى القول بصحَّته فإن قلنا: إنه إشارة إلى الآية فذلك قرينة على أنَّ المراد بالإنصات: الإسرار، وإنما قال - ﵌ -: \"وإذا قرأ\" [ص ٥٤] لأنه موضع الحاجة؛ لأنه لما قال لهم: \"إنما جُعل الإمام ليؤتمَّ به؛ فإذا كبَّر فكبِّروا\" احتمل أن يفهموا من ذلك: \"وإذا جهر بالقراءة فاجهروا\"؛ فاحتيج إلى إزالة هذا الوهم.\nفإن قيل: فإنَّ الإمام يجهر بالتكبيرات، فإذا أمكن أن يتوهَّموا الجهر بالقراءة أمكن أن يتوهَّموا الجهر بالتكبيرات.\nقلت: لكن احتمال الوهم في التكبيرات دون احتماله في القراءة؛ لأنه لا يخفى أن جهْرَ الإمام بالتكبيرات إنما هو للإعلام بالانتقالات؛ ولهذا يجهر الإمام بها دائمًا، والمأموم لا يحتاج إلى أن يُعلِم غيره.","vol":"18","page":91},{"text":"فأما القراءة فليس المقصود بالجهر بها الإعلام، واحتمال أن يكون المقصود بالجهر بها إسماعَ المقتدين يدفعه أنَّ المنفرد يجهر أيضًا، وأنهم قد علموا أنَّ المؤتمَّ يقرأ أيضًا.\nولا يدفع هذا الوهم أن الآية قد سبق نزولها بالأمر بالإنصات؛ لاحتمال أن يتوهَّموا أنَّ قوله: \"إنما جعل الإمام ليؤتمَّ به\" تخصيص للآية بالنسبة إلى القراءة.\nمع أنَّ مثل هذا وارد على المخالف؛ إذ يقال له: إذا كان الإنصات في الآية ينافي القراءة سرًّا فلماذا قال النبي - ﵌ -: \"وإذا قرأ فأنصتوا\"؟ وهلَاّ اكتفى بالآية؟ وجوابه: بأنه زاده تنبيهًا على الدليل، وتأكيدًا له. وهكذا نقول مع زيادة دفع الإيهام.\nوكأني بك لا يطمئنُّ قلبك إلى هذا التأويل؛ ولكنك إذا تأملت ما تقدَّم، وعلمت أنَّ الآية مكية اتفاقًا، وأنَّ تحريم الكلام في الصلاة إنما كان بالمدينة علمت الاحتياج إلى التأويل.\nوقد فُتِحَ عليَّ بمعنًى آخر لعلَّه أقرب من الأول؛ وهو أن يقال: الإنصات على ظاهره، والآية إنما منعت من الكلام حال قراءة الإمام جهرًا، وبقي الكلام مباحًا في غير ذلك من الحالات، كحال قراءته سرًّا، وحال الركوع والسجود وغير ذلك؛ حتى حرم ذلك بالمدينة.\nوعلى هذا فيقال: الأمر بالإنصات يعمُّ الإنصات عن كلام الناس، وعن القراءة، وعن الذكر.\nولكن دلَّ قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ﴾ إلخ على اختصاص النهي بكلام الناس، وأما ذكر الله تعالى بقرآن أو غيره فلم ينه عنه، ولكن أمر","vol":"18","page":92},{"text":"بالإسرار به.\nفإن قلت: هذا أقرب لإبقائه اللفظ على حقيقته؛ ولكن بقي فيه شيءٌ من حيث المعنى، وهو أنَّ الاستماع والإنصات إنما فائدته تفهُّم ما يقرأه الإمام وتدبُّره، وهذه الفائدة تزول بالاشتغال بالذكر ولو سرًّا.\nقلت: أما زوالها ففيه نظر؛ فقد يقرأ الإنسان سرًّا وهو مع ذلك يفهم قراءة غيره في الجملة. نعم إذا لم يشتغل بالقراءة كان فهمه لكلام غيره أتمَّ.\nولكن قد يقال: دلَّ قوله: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ﴾ أنَّ تفهُّم قراءة الإمام إنما أمر به من يريد الاشتغال عنه بكلام الناس. فأما من يريد الاشتغال عنه بقراءة أو ذكر فلا؛ لأنه قد حصل له ما هو أتمُّ من الاستماع.\nويؤكِّد هذا أن تفهُّم قراءة الإمام لم يقل أحدٌ بوجوبه، حتى لو اشتغل المأموم بالتفكر في شيء من أمر معاشه لم يقل أحدٌ بأنه آثم. ومع هذا فنحن نَقْصُر الذكر المأمور به على الذكر الواجب، وهو قراءة الفاتحة، وأنت خبير أن تحصيل الواجب أولى من تحصيل المستحب.\nهذا مع أن أدلة وجوب الفاتحة تساعد على التخصيص الذي ذكرنا، بل تعيِّنه. وسيأتي تقرير هذا إن شاء الله تعالى.\nهذا تحقيق الكلام في معنى الآية؛ مع التقيُّد بما نُقل عن السلف. فأما إذا صرفنا النظر عما نقل عنهم فسقوط الاحتجاج بها أوضح، ودونك البيان:\nقال في \"الكشَّاف\" (^١): \"وقيل معناه: وإذا تلا عليكم الرسول القرآن عند\n_________\n(^١) (٢/ ١١١) ط. دار المعرفة.","vol":"18","page":93},{"text":"نزوله فاستمعوا له\".\nوكذا قال أبو السعود، ثم قال: \"والآية إما من تمام القول المأمور به أو استئناف من جهته تعالى؛ فقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ﴾ على الأول عطف على ﴿قل﴾ \". (ج ١ ص ٥٤٦) (^١).\n[ص ٥٥] وحاصل ذلك أنَّ الآية من جملة ما أمر النبي - ﵌ - أن يقوله للكفار الذين يطلبون، الذين تقدَّم أنه إذا لم يأتهم النبي - ﵌ - بآية قالوا: ﴿لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا﴾. فالخطاب بقوله: ﴿فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ للكفَّار.\nوقد أوضح ذلك في \"روح المعاني\" (^٢) قال: \"وقال بعضهم: إنَّ الخطاب فيها للكفَّار؛ وذلك أنَّ كون القرآن بصائر وهدى ورحمة لا يظهر إلَاّ بشرط مخصوص وهو أن النبي ﵊ إذا قرأ عليهم القرآن عند نزوله استمعوا له وأنصتوا؛ ليقفوا على معانيه ومزاياه، فيعترفوا بإعجازه، ويستغنوا بذلك عن طلب سائر المعجزات. وأيَّد هذا بقوله ﷾ في آخر الآية: ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾؛ بناء على أن ذلك للترجي، وهو إنما يناسب حال الكفار، لا حال المؤمنين؛ الذين حصل لهم الرحمة جزمًا في قوله تعالى: ﴿وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾.\nوأجيب بأنَّ هذه الرحمة المرجُوَّة غير تلك الرحمة، ولئن سُلِّم كونها إياها فالإطماع من الكريم واجب، فلم يبق فرق\".\n_________\n(^١) \"إرشاد العقل السليم\" (٣/ ٣١٠) ط. دار الفكر.\n(^٢) (٩/ ١٥٣).","vol":"18","page":94},{"text":"وقال بعد ذلك بأسطر (^١): \"والجملة على ما يدل عليه كلامهم يحتمل أن تكون من القول المأمور به، ويحتمل أن تكون استئنافًا من جهته تعالى\".\nأقول: أما \"لعلَّ\" فقد قال تعالى: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: ٤٤] فقيل: إنها للترجية؛ أي: اذهبا على رجائكما. وقيل: للتعليل. فهكذا يقال في قوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾؛ أي راجين أن تُرحَموا، أو لكي تُرحَموا.\nفإن قيل: وهل تُرْجَى الرحمة للكفار بمجرَّد استماعهم وإنصاتهم؟\nقلت: يُرجى من استماعهم وإنصاتهم أن يؤمنوا؛ فإذا آمنوا رُحِموا.\nوفي الآية إشارة إلى قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ [فصِّلت: ٢٦].\nونظيرها في إحالتهم على القرآن إذا طلبوا آية معجزةً قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [العنكبوت: ٥٠، ٥١].\nوفي هذه الآية ذكر الرحمة، وقال أكثر المفسِّرين إنَّ المعنيَّ بقوله ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾: لقومٍ مُوطِّنين أنفسَهم على الإيمان إذا تبيَّن لهم الحق؛ بخلاف المعاندين.\n_________\n(^١) (٩/ ١٥٤).","vol":"18","page":95},{"text":"أقول: والظاهر أنَّ يقال في آية الأعراف مثل ذلك.\nومن نظائر الآية قوله سبحانه: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى﴾ [طه: ١٣٣].\n[ص ٥٦] وقوله تبارك اسمه: ﴿... فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ (٥) ... لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [الأنبياء ٥ ــ ١٠].\nأقول: وتفسير الآية على هذا القول هكذا:\n﴿وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ﴾ أي المشركين؛ وهذا متفق عليه، ﴿بِآيَةٍ﴾ بمعجزةٍ؛ كما رُوِيَ عن ابن عباس والجبَّائي وأبي مسلم؛ على ما في \"روح المعاني\" (^١)، ويشهد له الآيات المتقدِّمة.\nوقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ٣٧].\nوقوله سبحانه: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ [الرعد: ٧].\nوقوله ﷿: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ﴾ [الرعد: ٢٧].\nوقوله ﵎: ﴿وَيَقُولُونَ لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ\n_________\n(^١) (٩/ ١٤٩).","vol":"18","page":96},{"text":"إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾ [يونس: ٢٠].\n﴿قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا﴾ اصطفيتها واخترتها واقترحتها على ربِّك.\nأخرج ابن جرير (^١) عن ابن عباس: قوله: ﴿لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا﴾ يقول: لولا تقبلتها من الله. وعن قتادة: لولا تلقَّيتها من ربِّك.\nوقال آخرون: لولا اخترعتها؛ وأيَّدوه بقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي﴾ [الأعراف: ٢٠٣]، وهو مناسبٌ للأول؛ أي: ليس لي أن أقترح على ربِّي، وإنما عليَّ أن أتَّبع ما يوحيه إليَّ (^٢).\nثم علم أنهم سيقولون: فهلَّا أنزلها ربُّك بدون طلبك؟ كما تقدَّم نحو ذلك في الآيات التي تلوناها. فأجيبوا عن ذلك بقوله تعالى: ﴿هَذَا﴾ أي القرآن، ﴿بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ أي: كفى به آيةً لمن كان موطِّنًا نفسه على أن يتَّبع الحق إذا ظهر له.\nثم علِمَ الله تعالى أنهم سيقولون: فما بالنا لم يحصل لنا ذلك؟ ولا نسلِّم أننا معاندون؛ فقال تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ أي: أنَّ السبب في كون ذلك لم يحصل لكم هو عنادكم؛ والدليل [ص ٥٧] على عنادكم قولكم: ﴿لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ [فصلت: ٢٦]. فاستمعوا له وأنصتوا، فلا تَلْغَوا، ولا تأمروا باللغو؛ فإن فعلتم\n_________\n(^١) في \"تفسيره\" (١٠/ ٦٥٦).\n(^٢) في الأصل: \"إليه\".","vol":"18","page":97},{"text":"ذلك رُجِيَ أن يحصل لكم البصائر والهدى والرحمة. واقتصر على الرحمة لدلالتها على الباقي، مع أنها المقصود الأعظم للإنسان.\nولا مانع من تسليم ما تقدَّم عن \"روح المعاني\"؛ من أنَّ الإطماع من الكريم واجبٌ؛ فإنَّ الإطماع في الآية مشروط بالاستماع والإنصات.\nولنا أنَّ نقول: لو استمعوا وأنصتوا لهداهم الله تعالى للإيمان؛ فتحصل لهم الرحمة قطعًا. قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ (٦٨) وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٨، ٦٩].\nوالكافر إذا استمع للقرآن وأنصت إليه، راغبًا في العلم به أهو حق أم لا، مصمِّمًا على أنه إذا عرف أنه الحق اتبعه، موطِّنًا نفسه على ذلك، منشرحًا صدره مطمئنًا قلبه، لا يجد في نفسه عداوةً لما يتبيَّن له أنه الحق= فهو مجاهدٌ في الله بلا ريب.\nوبهذا تنحلُّ المعضلة المشهورة في الكافر إذا اجتهد في طلب الحق، وبذل وُسعَه في ذلك، راغبًا في معرفته، مُحِبًّا له، عازمًا على اتباعه إذا ظهر له، ولكنه لم يظهر له حقِّيَّة الإسلام= أيكون ناجيًا لأنَّ الله تعالى يقول: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ أم لا؟\nحُكي الإجماع على أنه لا ينجو، وخالف فيه بعض أهل العلم. وآية المجاهدة تدلُّ أنَّ مثل هذا لا يوجد؛ لأنه إذا كان بهذه الصفة هداه الله تعالى للإسلام، ولله الحمد.\nويحتمل أن يكون قوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ قيدًا لما قبله، أي","vol":"18","page":98},{"text":"استمعوا للقرآن وأنصتوا له، راجين أن يهديكم الله تعالى للحق فيرحمكم، أي أنه لا يكفيكم الاستماع والإنصات بدون توطين النفوس على الرضا بالحق إذا تبيَّن، والله أعلم.\nولما علم الله تعالى أن نبيَّه - ﵌ - قد يفهم مما تقدَّم، ومِن أمْرِ الله تعالى له في آيات كثيرة بالتبليغ أنَّ عليه أن يجهر بالقراءة دائمًا، ويؤكّد هذا عنده - ﵌ - شدَّةُ حرصه على إيمان قومه= لما علم الله تعالى ذلك [ص ٥٨] نبَّه رسوله على أنه لا يلزمه ذلك؛ فقال سبحانه: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾، وقوله سبحانه: ﴿وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾؛ أي: ولا يحمِلْك حرصُك على إيمان قومك واشتغالك بدعوتهم على أن تغفل عن مناجاة ربك وذكره، وتلاوة كتابه، وإن لم يكن هناك من يسمع. ولا يحزنْك إعراضُ الكفار وإصرارهم على كفرهم واستكبارهم عن عبادة ربهم؛ فإنهم لا يضرُّون الله تعالى شيئًا. وقد وكَّل بعبادته من لا يعلم عددَهم غيرُه من جنوده: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٦].\nولا يخفى أنه على هذا التفسير لا يكون في آية الإنصات ما يتعلَّق بقراءة المأموم في الصلاة، والله أعلم.\nقال الشارح: (ويشهد لهذا المعنى ــ يعني أنَّ الآية نزلت في الصلاة أو لعمومها شاملة للصلاة ــ ما رواه أحمد ومسلم (^١) عن أبي موسى قال: علَّمنا رسول الله - ﵌ - قال: \"إذا قمتم إلى الصلاة فلْيؤمَّكم أحدُكم، وإذا قرأ الإمام\n_________\n(^١) \"المسند\" (١٩٧٢٣) و\"صحيح مسلم\" (٤٠٤).","vol":"18","page":99},{"text":"فأنصتوا\".\nوما رواه الخمسة (^١) سوى الترمذي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﵌ -: \"إنما جُعِلَ الإمام ليؤتم به؛ فإذا كبَّر فكبِّروا، وإذا قرأ فأنصتوا\").\nأقول: إذا حُمِلت الآية على المعنى الثاني فلا حاجة للجواب عن هذا؛ لأنها في وادٍ والحديث في وادٍ، والاتفاق في بعض اللفظ لا يستلزم الاتفاق في المعنى.\nوإذا حملت على المعنى الأول تمسُّكًا بأقوال السلف، واعتصامًا بآثارهم فقد مرَّ الجواب.\nولنبحث عن صحَّة هذا الحديث، ونسأل الله تعالى الإعانة والتوفيق.\nأما حديث أبي موسى فمداره على قتادة، ورواه عنه أبو عوانة وهشام ومعمر وهمَّام والحجَّاج بن الحجَّاج وغيرهم بدون تلك الزيادة، ورواه عنه سليمان التيمي بها (^٢). فمال مسلمٌ (^٣) إلى إثباتها؛ فإنه ذكرها وقال لمن كلَّمه فيها: \"تريد أحفظ من سليمان! \".\nوفي \"الجوهر النقي\" (^٤) عن \"علل الخلَاّل\": أنَّ الإمام أحمد قال: \"من قال أخطأ التيمي فقد بَهَتَ التيمي\".\n_________\n(^١) \"المسند\" (٩٤٣٨) وأبو داود (٦٠٤) والنسائي (٢/ ١٤١، ١٤٢) وابن ماجه (٨٤٦).\n(^٢) انظر \"علل الدارقطني\" (٧/ ٢٥٢ - ٢٥٤).\n(^٣) عقب الحديث رقم (٤٠٤).\n(^٤) (٢/ ١٥٥).","vol":"18","page":100},{"text":"وقال أبو داود في \"السنن\" (^١): وقوله: \"فأنصتوا\" ليس بمحفوظ؛ لم يجئ بها إلَاّ سليمان التيمي في هذا الحديث.\nوقال الدارقطني (^٢): هذه اللفظة [ص ٥٩] لم يتابَع سليمان التيمي فيها عن قتادة، وخالفه الحفَّاظ فلم يذكروها.\nقال: وإجماعهم على مخالفته يدلُّ على وهمه.\nوقال الحافظ أبوعلي النيسابوري (^٣): خالف جرير عن التيمي أصحابَ قتادة كلَّهم في هذا الحديث، والمحفوظ عن قتادة رواية هشام الدستوائي وهمَّام ... ورواه سالم بن نوح عن ابن أبي عروبة، وعمر بن عامر عن قتادة؛ فأخطأ فيه.\nذكر هذا كلَّه البيهقي في \"سننه\" (^٤)، ثم ذكر رواية سالم بن نوح من طريق الدارقطني، وذكر قول الدارقطني: سالم بن نوح ليس بالقوي.\nاعترضه صاحب \"الجوهر النقي\" (^٥) فقال: \"سالم هذا وإن قال الدارقطني: ليس بالقوي، فقد أخرج له مسلمٌ وابن خزيمة وابن حبان ... \".\nأقول: لم ينفرد الدراقطني بتوهين سالم؛ فقد قال الدوري عن ابن معين: ليس بشيءٍ، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتجُّ به، وقال النسائي:\n_________\n(^١) عقب الحديث رقم (٩٧٣).\n(^٢) انظر \"العلل\" (٧/ ٢٥٢ - ٢٥٤) و\"سنن الدارقطني\" (١/ ٣٣١).\n(^٣) كما نقل عنه البيهقي في \"السنن\" (٢/ ١٥٦).\n(^٤) في الموضع المذكور.\n(^٥) (٢/ ١٥٥).","vol":"18","page":101},{"text":"ليس بالقوي، وقال ابن عدي: عنده غرائب وأفراد، وأحاديثه محتملة متقاربة (^١).\nومع هذا فسالمٌ يرويه عن ابن أبي عروبة وعمر بن عامر، فأما ابن أبي عروبة فإنه ثقة، ولكنه اختلط بأخرة، ولا يُدرى متى سمع منه سالم، إن كان سمع. ثم هو ــ أعني ابن أبي عروبة ــ مدلس، فلا يُؤمَن أن يكون سمع الحديث من قتادة بدون هذه الزيادة كما أخرجه مسلمٌ، ثم سمع التيمي يذكر الحديث بتلك الزيادة؛ فسمعه منه بها ودلَّسه. وعمر بن عامر مختلفٌ فيه؛ ضعَّفه النسائي وغيره، وقوَّاه آخرون (^٢).\nفانحصر الأمر في زيادة التيمي، وهي زيادة ثقة على جماعة، والمشهور قبولها. وخالف في ذلك قومٌ؛ منهم ابن خزيمة.\nوقال السخاوي في \"فتح المغيث\" (^٣) في فصل تعارض الوصل والإرسال: \"فالحق حسب الاستقراء من صنيع متقدِّمي الفن ــ كابن مهديٍّ والقطَّان وأحمد والبخاري ــ عدمُ اطراد حكم كلِّي؛ بل ذلك دائرٌ مع الترجيح. فتارة يترجَّح الوصل، وتارة الإرسال، وتارة يترجَّح عدد الذوات على الصفات، وتارةً العكس. ومن تتبَّع أحكامهم الجزئية تبيَّن له ذلك ... مع أنَّ الشافعي يقول: العدد الكثير أولى بالحفظ من الواحد ... هذا حاصل ما أفاده شيخنا مع زيادة.\n_________\n(^١) يراجع \"تهذيب التهذيب\" (٣/ ٤٤٣).\n(^٢) انظر المصدر السابق (٧/ ٤٦٧).\n(^٣) (١/ ٢٠٣، ٢٠٤) ط. الهند.","vol":"18","page":102},{"text":"وسبقَه لكون ذلك مقتضى كلام الأئمة: العلائيُّ، ومِن قبله ابن دقيق العيد وغيرهما\".\nأقول: ومثل ذلك يقال في الزيادة والنقصان؛ فإنَّ الوصل زيادة، والإرسال نقصان.\n[ص ٦٠] وهذا هو الذي يظهر من صنيع المتقدِّمين؛ أنَّ العبرة عندهم بالترجيح؛ فتارةً تترجَّح الزيادة، وإن كان الذين لم يذكروها أكثر، وتارةً بالعكس. وذلك منوطٌ بنظر المجتهد الماهر في الفنِّ؛ فقد يقوم لديه من القرائن ما يجهله من ليس في درجته؛ بل ربَّما صعب على المجتهد التعبير عن تلك القرائن؛ كما ذكروه في المعلَّل.\nإذا تقرَّر هذا فقد اختلف الحفَّاظ في هذه الزيادة؛ زيادة: \"وإذا قرأ فأنصتوا\". فالذي أختاره التوقُّف عن قبولها وردِّها، والله الموفق.\nثم رأيت في \"جزء القراءة\" (^١) للبخاري، في الكلام على هذه الزيادة: \"ولم يذكر سليمان في هذه الزيادة سماعًا من قتادة، ولا قتادة من يونس بن جبير\". يعني: وسليمان وقتادة يدلِّسان.\nأقول: ولكن سليمان صرَّح بالتحديث في رواية ابنه المعتمر عنه، عند أبي داود (^٢).\nفأما قتادة فلم أقف على تصريحه بالتحديث؛ فإن كان صرَّح في بعض الروايات الخالية عن هذه الزيادة لم يكف ذلك؛ لأنه يحتمل أن يسمع\n_________\n(^١) (ص ٤١٣).\n(^٢) رقم (٩٧٣).","vol":"18","page":103},{"text":"الراوي الحديث من الشيخ ثم يسمعه من آخر عنه. فلعلَّ قتادة سمع الحديث من أبي غلاب بدون الزيادة، وسمعه من آخر عنه بالزيادة؛ فرواه مرَّةً بهذه الزيادة عن أبي غلاب؛ يريد: حدثني رجل عن أبي غلاب؛ كما عُرِفَ في التدليس.\nفإن قيل: فإنَّ ذِكْر مسلم له في \"صحيحه\" (^١)، وقد قالوا: إنَّ ما كان في \"الصحيحين\" من عنعة المدلِّسين محمول على السماع (^٢).\nقلت: قد ناقش في ذلك ابن دقيق العيد وغيره، ومن قال بذلك يخصُّه بغير المتابعات والشواهد.\nوبعدُ، فلا حاجة لتفصيل ذلك، بعد أن طعن إمام الفن البخاري في هذه الزيادة بتهمة التدليس، والله أعلم.\nوقد وقعت هذه الزيادة بعينها في حديث أبي هريرة كما ذكره الشارح؛ فرواه أبو داود (^٣) من طريق أبي خالد الأحمر عن ابن عجلان عن زيد بن أسلم عن أبي صالح عن أبي هريرة.\nقال أبو داود: \"زاد \"وإذا قرأ فأنصتوا\"، قال أبو داود: وهذه الزيادة \"إذا قرأ فأنصتوا\" ليست بمحفوظة، الوهم عندنا من أبي خالد\".\nأقول: أبو خالد قال فيه ابن معين: صدوق، وليس بحجَّة. وقال ابن عدي: له أحاديث صالحة، وإنما أُتيَ من سوء حفظه؛ فيغلط ويخطئ، وهو\n_________\n(^١) رقم (٤٠٤). وخبر \"إنّ\" مفهوم مما يأتي.\n(^٢) \"تدريب الراوي\" (١/ ٢٣٠).\n(^٣) رقم (٦٠٤).","vol":"18","page":104},{"text":"في الأصل كما قال ابن معين: صدوق وليس بحجَّة. وقال أبو بكر البزَّار في كتاب \"السنن\": ليس ممن يلزم بزيادته حجة؛ لاتفاق أهل العلم بالنقل أنه لم يكن حافظًا، وأنه قد روى أحاديث عن الأعمش وغيره لم يتابع عليها (^١).\nولكن قد تابع أبا خالد محمدُ بن سعد الأنصاري الأشهلي عند النسائي (^٢)، والأشهلي ثقة.\nوتابعه أيضًا إسماعيل بن أبان ــ هو الغنوي ــ عند البيهقي (^٣). ولكن إسماعيل متفق على تركه؛ رماه ابن معين وابن حبان بوضع الحديث، وقال أحمد: روى أحاديث موضوعة، وقال أبو داود: كان كذَّابًا (^٤).\nوتابعه أبو سعد محمد بن ميسَّر الصاغاني عند الدارقطني (^٥)، وقال: ضعيف.\nفالعمدة على متابعة الأنصاري.\nوقد روى البيهقي (^٦) عن الحاكم عن الدوري قال: سمعت يحيى بن معين يقول في حديث ابن عجلان \"إذا قرأ فأنصتوا\": ليس بشيءٍ.\nوعن أحمد بن محمد بن الحارث عن أبي الشيخ عن ابن أبي حاتم\n_________\n(^١) \"تهذيب التهذيب\" (٤/ ١٨١، ١٨٢).\n(^٢) (٢/ ١٤٢).\n(^٣) في \"السنن الكبرى\" (٢/ ١٥٦).\n(^٤) \"تهذيب التهذيب\" (١/ ٢٧١).\n(^٥) في \"السنن\" (١/ ٣٣٠).\n(^٦) في \"السنن الكبرى\" (٢/ ١٥٦، ١٥٧).","vol":"18","page":105},{"text":"قال: سمعت أبي، وذكر هذا الحديث؛ فقال أبي: ليست هذه الكلمة محفوظة؛ هي من تخاليط ابن عجلان (^١).\nقلت: ابن عجلان ثقةٌ عندهم؛ ولكن حكى عنه القطَّان حكايةً (^٢) تدلُّ على سوء حفظه في الجملة، وعلى تدليس.\nوفي \"الميزان\" (^٣): قال الحاكم: أخرج له مسلمٌ في كتابه ثلاثة عشر حديثًا كلها شواهد، وقد تكلَّم المتأخرون من أئمتنا في سوء حفظه.\nوقال الذهبي (^٤): وقد روى عن أنس؛ فما أدري هل شافه أنسًا، أو دلَّس عنه.\n[ص ٦١] وذكره الحافظ ابن حجر في \"طبقات المدلِّسين\" (^٥) في الطبقة الثالثة في من أكثر من التدليس؛ فلم يحتجَّ الأئمة من أحاديثهم إلَاّ بما صرَّحوا فيه بالسماع. وقال: وصفه ابنُ حبان بالتدليس.\nوذكر البيهقي (^٦) أنَّ خارجة بن مصعب ويحيى بن العلاء الرازي تابعا ابن عجلان، وهذا لا يفيد؛ فإنهما هالكان. ولعلَّ ابن عجلان دلَّس الحديث عن أحدهما أو غيرهما.\n_________\n(^١) المصدر السابق.\n(^٢) انظر \"تهذيب التهذيب\" (٩/ ٣٤٢).\n(^٣) (٣/ ٦٤٤).\n(^٤) في \"الميزان\" (٣/ ٦٤٧). وقال في \"السير\" (٦/ ٣١٨): \"قيل إنه روى عن أنس بن مالك، وذلك ممكن إن صح\".\n(^٥) (ص ١٤٩ - ١٥٠).\n(^٦) في \"السنن الكبرى\" (٢/ ١٥٧).","vol":"18","page":106},{"text":"فالراجح ردّ هذه الزيادة.\nفأما مسلمٌ ــ ﵀ ــ فإنه وقع في بعض نُسَخ \"صحيحه\" زيادة زادها الراوي عنه أبو إسحاق إبراهيم بن سفيان، بعد ذكر حديث التيمي (^١).\nوحاصلها: أنَّ أبا بكر بن [أخت] أبي النضر تكلَّم في زيادة التيمي؛ فقال له مسلم: تريد أحفظ من سليمان؟ فسأله عن حديث أبي هريرة ــ يعني بزيادة ابن عجلان ــ فقال: هو عندي صحيح، فقال: لِمَ لَمْ تضعه ههنا؟ يعني في \"الصحيح\"؛ فقال: ليس كل شيءٍ عندي صحيح وضعتُه ههنا، إنما وضعت ما أجمعوا عليه.\nأقول: فهذه مذاكرة، والعالم لا يحتاط في المذاكرة احتياطه في التصنيف ونحوه، ومع ذلك فقوله: \"إنما وضعت ههنا ما أجمعوا عليه\" مشكلٌ.\nوقد ذكر النووي في مقدمة \"شرح مسلم\" (^٢) أنَّ ابن الصلاح أجاب عنه بجوابين، ثم قال ابن الصلاح: \"ومع هذا فقد اشتمل كتابه على أحاديث اختلفوا في إسنادها ومتنها لصحتها عنده، وفي ذلك ذهولٌ منه عن هذا الشرط أو سبب آخر، وقد استُدرِكت وعُلِّلت\".\nأقول: وعبارة مسلم المذكورة تدلُّ أنَّ هذه الزيادة عنده أنزلُ درجةً من كل ما ذكره في \"الصحيح\"؛ حتى على سبيل المتابعة والشواهد، وهذا كما ترى.\n_________\n(^١) رقم (٤٠٤/ ٦٣).\n(^٢) (١/ ١٦). وانظر \"صيانة صحيح مسلم\" (ص ١٣).","vol":"18","page":107},{"text":"وعلى كل حال فالراجح ردُّ هذه الزيادة، والله أعلم.\nثم اعلم أنَّ حديث أبي هريرة في \"الصحيح\" (^١) من طرقٍ بدون هذه الزيادة، وفي \"الصحيح\" أيضًا من حديث عائشة (^٢) وأنس (^٣) وجابر (^٤) نحو حديثه بدون هذه الزيادة، وفي حديث هؤلاء ما حاصله أنَّ النبي - ﵌ - اشتكى؛ فصلَّى جالسًا فصلُّوا خلفه، فأشار إليهم أن يقعدوا، فلمَّا سلَّم قال: فذكروا الحديث.\nوبيَّن أنس سبب الشكوى، وهو أنه - ﵌ - سقط عن فرس؛ فجُحِشَ شِقُّه الأيمن.\nقال في \"الفتح\" (^٥): وأفاد ابن حبان أنَّ هذه القصة كانت في ذي الحجة سنة خمس من الهجرة.\nوإذا صحَّ هذا فأبو هريرة لم يشهد القصة؛ لأنه إنما أسلم سنة سبع، وإنما سمعها من غيره من الصحابة المتقدمين؛ كما يقع مثل ذلك كثيرًا. ولم يصرِّح أبو هريرة بالسماع من النبي - ﵌ -.\nإذا تقرَّر هذا فلو صحَّت تلك الزيادة وصحَّت دلالتها على نهي المأموم عن القراءة مطلقًا، أو في الجهرية فقط، لأمكن أن يقال: هي منسوخة\n_________\n(^١) البخاري (٧٢٢، ٧٣٤) ومسلم (٤١٤).\n(^٢) البخاري (٦٨٨، ١١١٣، ١٢٣٦) ومسلم (٤١٢).\n(^٣) البخاري (٦٨٩، ٧٣٢ ومواضع أخرى) ومسلم (٤١١).\n(^٤) مسلم (٤١٣).\n(^٥) (٢/ ١٧٨). وانظر \"صحيح ابن حبان\" (٥/ ٤٩٢).","vol":"18","page":108},{"text":"بأحاديث إيجاب الفاتحة [ص ٦٢]؛ فإنَّ منها ما يُعلم أنه متأخر عن هذا التأريخ؛ كما تقدَّم في المسألة الأولى.\nوأما حديث أبي موسى فهو متأخر عن هذا التاريخ حتمًا؛ لأنه إنما قدم على النبي - ﵌ - أيام خيبر، وقد صرَّح في حديثه بقوله (^١): \"إنَّ رسول الله - ﵌ - خطبنا؛ فبيَّن لنا سنَّتنا، وعلَّمنا صلاتنا؛ فقال ... \" الحديث.\nفإن صحَّت تلك الزيادة فيه فالإنصات عند أهل اللغة قد يطلق على ترك الجهر؛ كما تقدَّم عن الواحدي مع شواهده.\nنعم، الظاهر أنَّه بهذا الإطلاق مجاز ولكن قد قدمنا بيان القرينة الدالة عليه في الآية، فلنا: أن نقول بأنه في الحديث ــ إن صحَّ ــ مجاز، جمعًا بينه وبين أدلَّة وجوب الفاتحة. ومثل هذا الجمع أولى من النسخ.\nولنا أن نسلِّم أنه على حقيقته؛ وهي السكوت لأجل الاستماع، ثم نقول: السكوت الذي تضمنه الإنصات عبارة عن ترك الكلام. فقوله: \"أنصتوا\" في قوة قولنا: \"اتركوا الكلام لكي تسمعوا\". والكلام في هذا عام، قراءة الفاتحة فردٌ من أفراده، وحديث مكحول عن محمود ونافع عن عبادة عن النبي - ﵌ - خاص، وقد عضدَه عمومات كثيرة وما قدمناه عن الصحابة ﵃؛ فوجب العمل به.\nعلى أنه لو لم يصحَّ حديث مكحول لوجب أيضًا تخصيص الكلام الذي نُهِي عنه في قوله: ﴿وَأَنْصِتُوا﴾ بتلك العمومات الكثيرة؛ لأنَّ تخصيص عموم دليل أولى من تخصيص عموم دليلين، وتخصيص عموم\n_________\n(^١) \"صحيح مسلم\" (٤٠٤).","vol":"18","page":109},{"text":"دليلين أولى من تخصيص عموم ثلاثة أدلة، وهكذا. ولأنَّ الأمر بالفاتحة مشدَّدٌ فيه بأنه لا صلاة إلَاّ بها، ونحو ذلك، والأمر بالإنصات غير مشدَّدٍ فيه للاتفاق أنه لو لم ينصت لم تبطل صلاته.\nلا يقال: إنَّ لعموم الكلام المنهي عنه بالإنصات مرجحًا أيضًا؛ وهو أنه لم يخصَّص قبل هذا.\nفإننا نقول: بل قد خُصِّص بحديث \"الصحيحين\" (^١): \"من نابَه شيءٌ في صلاته فليسبِّح\"، وأحاديث الفتح على الإمام.\nمع أنَّنا نختار ما اختاره البخاري وجماعة من الشافعية أنَّ المأموم إذا لم يقرأ الفاتحة لا يدرك الركعة وإن أدرك الإمام راكعًا (^٢). وعلى هذا فتكون أحاديث إيجاب الفاتحة غير مخصَّصة إلَاّ بما هو في قوة الاستثناء المتصل كما قدَّمنا ذلك، وذلك لا يضر.\nوهذا الكلام بعينه يجيء في تخصيص آية الإنصات؛ على تسليم أنَّ الإنصات فيها على حقيقته، وأنها في أمر المأمومين بالإنصات للإمام، والله أعلم.\n[ص ٦٣] وأما حديث ابن شهاب عن ابن أكيمة الليثي عن أبي هريرة: أنَّ النبي - ﵌ - انصرف من صلاةٍ جهر فيها بالقرآن؛ فقال: هل قرأ معي أحدٌ منكم آنفًا؟ فقال رجل: نعم، أنا يا رسول الله؛ فقال رسول الله - ﵌ -: \"إني\n_________\n(^١) البخاري (٦٨٤، ١٢٣٤) ومسلم (٤٢١) من حديث سهل بن سعد الساعدي.\n(^٢) للمؤلف في هذا الموضوع رسالة ضمن هذه المجموعة.","vol":"18","page":110},{"text":"أقول مالي أُنازَع القرآن\" (^١).\nوبُيِّن في روايةٍ (^٢): أنَّ تلك الصلاة كانت الصبح.\nوفي بعض الروايات (^٣) زيادة: \"فانتهى الناس عن القراءة فيما جهر به رسول الله - ﵌ - \".\nوقد أخرج [ص ٦٤] أبو داود (^٤) هذا الحديث عن القعنبي عن مالك عن ابن شهاب قال في آخره: \"فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله - ﵌ - فيما جهر فيه النبي - ﵌ - بالقراءة من الصلوات؛ حين سمعوا ذلك من رسول الله - ﵌ - \".\nثم أخرجه (^٥) عن مسدَّد، وأحمد بن محمد المروزي، ومحمد بن أحمد بن أبي خلف، وعبد الله بن محمد الزهري، وابن السرح عن سفيان عن الزهري؛ فذكره بدون هذه الزيادة. ثم قال: قال مسدَّد في حديثه: قال معمر: \"فانتهى الناس ... \"، وقال ابن السرح في حديثه: قال معمر عن الزهري قال أبو هريرة: \"فانتهى الناس\". وقال عبد الله بن محمد الزهري من بينهم: قال سفيان: \"وتكلَّم الزهري بكلمة لم أسمعها\"؛ فقال معمر: \"إنه قال: فانتهى الناس\".\n_________\n(^١) سبق تخريجه.\n(^٢) هي رواية أبي داود (٨٢٧).\n(^٣) في \"الموطأ\" (١/ ٨٦) وغيره.\n(^٤) رقم (٨٢٦).\n(^٥) أي أبو داود (٨٢٧).","vol":"18","page":111},{"text":"قال أبو داود: ورواه عبد الرحمن بن إسحاق عن الزهري، وانتهى حديثه إلى قوله: \"مالي أُنازع القرآن\". ورواه الأوزاعي عن الزهري قال فيه: قال الزهري: \"فاتعظ المسلمون بذلك؛ فلم يكونوا يقرؤون معه فيما يجهر به - ﵌ - \".\nقال أبو داود: سمعت محمد بن يحيى بن فارس قال: قوله: \"فانتهى الناس\" من كلام الزهري.\nوأخرجه البخاري في \"جزء القراءة\" (^١) عن عبد الله بن محمد عن الليث عن يونس عن ابن شهاب، وفيه: \"قال: فانتهى الناس ... \".\nقال البخاري (^٢): وقوله: \"فانتهى الناس\" من كلام الزهري، وقد بيَّنه لي الحسن بن صبَّاح قال: حدثنا مبشِّر عن الأوزاعي قال الزهري: فاتعظ المسلمون ... وقال مالك: قال ربيعة للزهري: \"إذا حدثتَ فبيِّنْ كلامك من كلام النبي - ﵌ - \".\nثم رواه (^٣) عن [أبي] الوليد عن الليث عن الزهري؛ فذكره بدون تلك الزيادة.\nأقول: يبقى النظر في ما قاله ابن السرح، والظاهر أنه سمع سفيان يقول ما ذكره عبد الله بن محمد الزهري. ففهم من ذلك أنَّ تلك الزيادة من تمام الحديث، وخشي إن قال كما قال مسدَّد، أن يكون ظاهر ذلك أنَّ هذه الزيادة\n_________\n(^١) (ص ٢٢٧).\n(^٢) (ص ٢٣٠).\n(^٣) (ص ٢٣١).","vol":"18","page":112},{"text":"من قول معمر؛ فعبَّر عبارة صريحة بما فهمه، بناءً على جواز الرواية بالمعنى.\nوفي صحَّة هذا الحديث كلام؛ قال البيهقي (^١): \"راويه ابن أُكيمة الليثي، وهو رجلٌ مجهولٌ لم يحدِّث إلَاّ بهذا الحديث وحده، ولم يحدِّث عنه غير الزهري، ولم يكن عند الزهري من معرفته أكثر من أنْ رآه يحدِّث سعيد بن المسيِّب\".\nثم أسند (^٢) عن الحميدي شيخ البخاري [ص ٦٥] قال: \"هذا حديث رواه رجل مجهول، ولم يرو عنه غيره قطُّ\".\nاعترضه صاحب \"الجوهر\" (^٣)؛ فقال: \"أخرج حديثه ابن حبان في \"صحيحه\" (^٤)، وحسَّنه الترمذي (^٥)، وقال: اسمه عُمارة، ويقال: عمرو. وأخرجه أيضًا أبو داود (^٦)، ولم يتعرَّض له بشيءٍ، وذلك دليل على حسنه عنده؛ كما عُرِف.\nوفي \"الكمال\" لعبد الغني: روى عن ابن أُكيمة مالك ومحمد بن عمرو، وقال ابن سعد (^٧): توفي سنة إحدى ومئة، وهو ابن تسع وسبعين.\n_________\n(^١) \"السنن الكبرى\" (٢/ ١٥٩).\n(^٢) المصدر نفسه.\n(^٣) \"الجوهر النقي\" (٢/ ١٥٨).\n(^٤) رقم (١٨٤٩).\n(^٥) عقب الحديث رقم (٣١٢).\n(^٦) رقم (٨٢٦).\n(^٧) \"الطبقات\" (٥/ ٢٤٩).","vol":"18","page":113},{"text":"وقال ابن أبي حاتم (^١): سألت أبي عنه؛ فقال: صحيح الحديث، حديثه مقبول.\nوقال ابن حبان في \"صحيحه\" (^٢) اسمه عَمْرو، هو وأخوه عُمر ثقتان.\nوقال ابن معين (^٣): روى عنه محمد بن عمرو وغيره، وحسبك برواية ابنِ شهاب عنه.\nوفي \"التمهيد\" (^٤): كان يحدِّث في مجلس سعيد بن المسيِّب؛ وهو يصغي إلى حديثه، وبحديثه قال ابن شهاب (^٥)، وذلك دليل على جلالته عندهم وثقته\" (^٦).\nقلت: وتتمة عبارة ابن سعد (^٧): روى عنه الزهري حديثًا واحدًا؛ ومنهم من لا يحتج بحديثه، ويقول: هو [شيخ] مجهول.\nوفي \"التهذيب\" (^٨): وقال أبو بكر البزَّار: ابن أكيمة ليس مشهورًا بالنقل، ولم يحدِّث عنه إلَاّ الزهري.\n_________\n(^١) \"الجرح والتعديل\" (٦/ ٣٦٢).\n(^٢) (٥/ ١٥٩).\n(^٣) انظر \"التمهيد\" (١١/ ٢٢، ٩٠).\n(^٤) (١١/ ٢٢، ٢٣).\n(^٥) في الأصل تبعًا للجوهر النقي: \"وتحديثه قال هو ابن شهاب\" والتصويب من \"التمهيد\".\n(^٦) إلى هنا انتهى النقل من \"الجوهر النقي\".\n(^٧) في \"الطبقات\" (٥/ ٢٤٩).\n(^٨) \"تهذيب التهذيب\" (٧/ ٤١١).","vol":"18","page":114},{"text":"وقد حقَّق في \"تهذيب التهذيب\" (^١) أنَّ الذي روى عنه الزهري اسمه عمارة بن أكيمة، ولم يرو عنه غير الزهري، وأما الذي روى عنه مالك ومحمد بن عمرو؛ فذاك حفيده عَمْرو بن مسلم بن عمارة.\nأقول: والحق أنه وإن لم يرو عنه إلَاّ ابن شهاب؛ فإنَّ ذلك مع شهرة الرجل كافٍ في معرفته، رافع لجهالة عينه، وتبقى جهالة حاله.\nوقد قال ابن معين: كفاك بقول الزهري: سمعت ابنَ أُكيمة يحدِّث سعيدَ بن المسيِّب.\nوقال الدوري عن يحيى: ثقة، وقال أبو حاتم: صالح الحديث مقبول؛ كذا في \"تهذيب التهذيب\" (^٢).\nوقال صاحب \"الجوهر\" (^٣): \"صحيح\" بدل: \"صالح\".\nوذكره ابن حبان في \"الثقات\" (^٤)، وأخرج له في \"صحيحه\" (^٥)، وإن خبط في اسمه ونسبه، وزعم أنَّ حفيده أخوه. وحسَّن الترمذيُّ حديثَه.\nومنشأ ما قاله هؤلاء أمران:\nالأول: أنَّ الزهري سمعه يحدِّث سعيد بن المسيِّب؛ فاستدلَّ ابن معين\n_________\n(^١) في الموضع السابق.\n(^٢) (٧/ ٤١٠، ٤١١).\n(^٣) (٢/ ١٥٨). وفي \"الجرح والتعديل\" (٦/ ٣٦٢) كما في \"الجوهر النقي\".\n(^٤) (٥/ ٢٤٢).\n(^٥) (٥/ ١٥٩). قال: \"اسم ابن أُكيمة: عمرو بن مسلم بن عمّار بن أُكيمة، وهما أخوان: عمرو بن مسلم وعمر بن مسلم\". وهذا خطأ لم يوافقه عليه أحد.","vol":"18","page":115},{"text":"بهذا على أنه كان مقبولًا عند ابن المسيِّب.\nفأما رواية الدوري فيردُّ عليها أنَّ ابن معين كان يظنُّ أنَّ هذا الرجل ــ أعني ابن أُكيمة ــ هو وحفيده واحد؛ ولذلك قال: \"روى عنه محمد بن عمرو وغيره\". ويحتمل أنه إنما عرف الثقة في الذي روى عنه محمد بن عمرو، وظنَّه شيخ الزهري. وهذا الاحتمال مانع من العمل بتوثيقه.\nالثاني: أنهم لم يستنكروا حديثه، وهذا الأمر هو حاصل عبارة أبي حاتم، وعمدة ابن حبَّان؛ فإنه يوثِّق المجهول الذي يروي عن ثقة، ويروي عنه ثقة؛ إذا كان حديثه غير منكر، ويُخرِّج له في \"صحيحه\". وأما الترمذي فإنه متساهلٌ في التحسين؛ حتى قال الذهبي في تصحيحه وتحسينه ما قال.\n[ص ٦٦] فأما الأمر الأول فالمنصف يعلم أنَّ مثله لا يكفي في التوثيق؛ فقد يكون ابن المسيِّب يجهل حال هذا الرجل، ورأى أنَّ حديثه يمكن أن يكون صحيحًا بالتأويل الذي سنذكره إن شاء الله تعالى، ومنعه تواضعه وكرم أخلاقه أن يستقبل ابن أكيمة بما يكره مع احتمال صحَّة حديثه.\nوقد وقع لغير ابن أكيمة كما وقع له فلم يُعدَّ ذلك توثيقًا؛ فقد روى الزهري عن أبي الأحوص مولى بني ليث عن أبي أيوب وأبي ذر وغيرهما. وقال الزهري في بعض الروايات الصحيحة عنه: سمعت أبا الأحوص مولى بني ليث في مجلس ابن المسيِّب، ومع ذلك قال الدوري عن ابن معين: ليس بشيء.\nفقال ابن عبد البر (^١): قد تناقض ابن معين، وذكر قوله في ابن أكيمة؛\n_________\n(^١) كما في \"تهذيب التهذيب\" (١٢/ ٥).","vol":"18","page":116},{"text":"قال: فيلزمه مثل هذا في أبي الأحوص.\nأقول: ليس هذا اللزوم بأولى من عكسه؛ بل العكس أولى، وهو أنه يلزمه أن يقول في ابن أكيمة مثل قوله في أبي الأحوص، والله أعلم.\nوأما الأمر الثاني فالاستناد إليه في التوثيق ضعيف جدًا؛ فإنَّ الضعيف والكذَّاب قد يروي حديثًا ليس بمنكر. فإذا لم يروِ الرجل إلَاّ حديثًا واحدًا، وكان غير منكر؛ فأنَّى يُعلَمُ بذلك أنه ثقة؟\nعلى أنَّ الأفهام تختلف في الحكم بالنُّكْرة، وقد لا يستنكر العالم الحديث؛ لأنه ينزِّله على معنى معروف، فيصحِّحه بناءً على ذلك؛ فيجيء من يتمسَّك بالحديث وينزِّله على معنى آخر.\n[ص ٦٧] وإن حكمنا بتوثيق ابن أكيمة فقد علمتَ أنَّ زيادة \"فانتهى الناس\" إلخ مدرج من قول الزهري؛ فلا يبقى إلَاّ سؤال النبي - ﵌ - أصحابه: \"هل قرأ معي أحدٌ منكم آنفًا؟ \"، وقول أحدهم: نعم، أنا يا رسول الله، وقوله - ﵌ -: \"وأنا أقول مالي أنازع القرآن\".\nفقوله - ﵌ -: \"هل قرأ ... \" إلخ، صريح في أنهم لم يكونوا قبل ذلك مأمورين بالقراءة التي سألهم عنها؛ إذ لو كانوا مأمورين لما كان للسؤال وجهٌ؛ لأنه - ﵌ - يعلم أنهم لا يذرون ما هو واجبٌ عليهم.\nويؤيِّد هذا قوله: \"أحدٌ\"، فإنه ظاهرٌ أنهم لم يكونوا مأمورين؛ بل ظاهر أنهم كانوا منهيين عن القراءة التي سألهم عنها. ولهذا علم النبي - ﵌ - أنهم لا يقرؤون تلك القراءة، وإنما ظنَّ أنَّ بعضهم لم يبلغه النهي أو نسي.\nويؤكِّد ذلك أنه لم يجبه إلَاّ رجلٌ واحدٌ، قال: نعم، أنا يا رسول الله.","vol":"18","page":117},{"text":"ويزيده وضوحًا قوله - ﵌ -: \"وأنا أقول مالي أنازع القرآن\"؛ فإنَّ هذا تعجُّبٌ؛ كما قاله أهل المعاني وغيرهم في قوله تعالى: ﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ﴾ [النمل: ٢٠].\nولا يخفى أنَّ النبي - ﵌ - كان يعلم أنَّ القراءة معه تقتضي المنازعة، فلو كان يعلم أنهم مأمورون بالقراءة لعلم أنهم قرأوا، وأن المنازعة حصلت بسبب قراءتهم؛ فكيف يتعجَّب.\nفقد بان أنَّ القراءة التي حصلت بها المنازعة وسألهم عنها قراءة لم يكونوا مأمورين بها قبل ذلك.\nوقد زعم الشارح أنَّ الاستفهام الأول للإنكار، وقد يقول هو أو غيره في الثاني ــ أعني قوله: ﴿مَا لِيَ﴾ ــ إنه للإنكار أيضًا.\nوهذا مدفوع؛ أما في الأول فلأنه إخراج للاستفهام عن حقيقته بدون حجة، ولأنه لو كان إنكاريًّا لما أجابه أحدهم بقوله: نعم، أنا يا رسول الله؛ لأنَّ الاستفهام الإنكاري لا يستدعي الجواب.\nوأما الثاني فلأنَّ قوله: \"وأنا أقول\" يدفع احتمال الإنكار؛ لأنَّ ظاهره: وأنا أقول حال المنازعة في نفسي، وذلك ظاهرٌ في التعجُّب.\nوهبْ أنَّ الاستفهامين للإنكار فلا بد من القول بأنهم لم يكونوا مأمورين بتلك القراءة؛ لأنَّ الاستفهام الإنكاري على ضربين.\nالأول: الإبطالي، وهو يقتضي أنَّ ما بعد أداة الاستفهام غير واقع، وأنَّ مدَّعيه كاذبٌ.","vol":"18","page":118},{"text":"والضرب الثاني: التوبيخي؛ وهو يقتضي أنَّ ما بعد أداة الاستفهام واقعٌ، وأنَّ فاعله ملومٌ [ص ٦٨]، قاله ابن هشام في \"المغني\" (^١) وغيره. وهو معلومٌ من تتبُّع موارد الاستفهام الإنكاري في الكتاب والسنة وكلام العرب.\nوالضرب الأول لا معنى لادعائه هنا؛ فلم يبقَ إلَاّ الضرب الثاني، ولا ريب أنهم لو كانوا مأمورين بتلك القراءة التي أوجبت المنازعة لما استحقُّوا أن يوبّخوا عليها. بل إذا طرأ النسخ حينئذٍ يقول لهم - ﵌ -: \"كنت أمرتكم فلا تفعلوا\" أو نحو ذلك؛ كقوله: \"كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها\" (^٢).\nفتبيَّن أنه على تقدير الاستفهام إنكاريًّا يلزم من ذلك أنهم لم يكونوا مأمورين بتلك القراءة.\nإذا تقرَّر هذا فهناك احتمالان:\nأحدهما: أن يكون المراد بالقراءة في قوله: \"هل قرأ\" ما يصدق بالفاتحة، ويكونوا لم يؤمروا بقراءة الفاتحة معه إذا جهر أصلًا، أو يكونوا قد أُمِروا أولًا، ثم نُهوا عنها قبل هذه الواقعة.\nالثاني: أن يكون المراد بالقراءة غير الفاتحة.\nقد يرجَّح الاحتمال الأول بأنَّ ظاهر السؤال الإطلاق، ويرد بأنَّ الصرف عن مثل هذا الظاهر متعيِّنٌ إذا كانت هناك قرينةٌ.\nفإن قيل: وما القرينة؟\n_________\n(^١) (١/ ١١، ١٢).\n(^٢) أخرجه مسلم (١٩٧٧) من حديث بريدة.","vol":"18","page":119},{"text":"قلت: ما قدَّمناه من الأدلة على وجوب الفاتحة على المأموم وإن جهر إمامُه. فإذا كان الصحابة عالمين بأنَّ الفاتحة واجبة عليهم، وأنَّ النبي - ﵌ - يعلم أنهم لا يَدَعونها، ثم سمعوه يسألهم ذلك السؤال ويتعجَّب ذلك التعجُّب؛ فإنهم يفهمون أنه لا يريد الفاتحة، وإنما يريد قراءة لم يكونوا مأمورين بها.\nفإن قيل: قد يجوز أن يكون قد سبق قبل هذه الواقعة نصٌّ يخصِّص الأدلة العامة وينسخ الخاصة.\nقلت: مجرَّد احتمال؛ مع أنَّ من النصوص الخاصة قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ﴾ كما تقدَّم، والقرآن لا يُنسخ بخبر الواحد الصريح؛ فضلًا عن مجرَّد الاحتمال. لعلك لا تسلم دلالة الآية فلا حرج، ولكن عموم الأدلة العامة لا تستطيع إنكاره، وتخصيص تلك الأدلة المتضافرة بمجرَّد هذا الاحتمال لا يسوغ.\nفإن قلت: لكن هذا الاحتمال يؤيده إطلاق اللفظ.\nقلت: إنما يلزمنا التشدُّد في المحافظة على ظاهر اللفظ إذا كان من القواعد التشريعية العامة؛ كقوله: \"لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب\"، وقوله: \"كل صلاة لا يُقرأ فيها بأمِّ القرآن فهي خداج\"، ونحو ذلك. فأما ما كان محاورة مع المخاطبين مثل هذا السؤال فلا.\nوكلام النبي - ﵌ - كله حقٌ؛ ولكن النصوص التشريعية العامة يُحتاط لها ما لا يُحتاط للمحاورات الخاصة. [ص ٦٩] فإنه - ﵌ - يعتمد في هذه على القرائن التي يعلمها المخاطب، وإن لم يكن في ظاهر اللفظ دلالةٌ عليها.","vol":"18","page":120},{"text":"فإن قيل: الظنُّ بالراوي أنه لو كانت هناك قرينة لبيَّنها.\nقلت: والظنُّ به أنه لو لم تكن قرينة لما خالف ظاهر اللفظ. وقد ثبت في \"صحيح مسلم\" (^١) وغيره عن أبي هريرة أنه كان يفتي بوجوب القراءة على المأموم وإن جهر الإمام، ومع ذلك فلعلَّه اتكل على الأدلة المتضافرة في وجوب الفاتحة فرأى أنها تغني عن القرينة.\nفإن قيل: الأصل عدم القرينة.\nقلت: والأصل عدم التخصيص والنسخ.\nهذا، وقد عُلم من القصة أنه لم يقرأ تلك القراءة في تلك الواقعة إلَاّ رجلٌ واحد؛ فما ظنك بالصحابة ﵃ بعد هذه الواقعة؛ أظنك تجزم بأنه لا يعود لتلك القراءة أحدٌ منهم، فاسمع الآن:\nثبت عن جماعةٍ من الصحابة ﵃ أنهم كانوا يقرؤون ويفتون بالقراءة بعد الإمام في الجهرية بعد وفاة النبي - ﵌ - (^٢). منهم: أبو هريرة راوي القصة، وأمير المؤمنين عمر بن الخطَّاب، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، وراوي حديث: \"لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب\" عبادة بن الصامت؛ شهد العقبتين وبدرًا والمشاهد، وهو أحد النقباء.\nوعن جماعة من الصحابة ــ ﵃ ــ القراءة خلف الإمام مطلقًا. منهم: أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وأمّ المؤمنين عائشة، وسيِّد\n_________\n(^١) رقم (٣٩٥) و(٣٩٦).\n(^٢) سيأتي ذكر مصادر هذه الآثار مجتمعةً بعد صفحتين.","vol":"18","page":121},{"text":"المسلمين أُبي بن كعب، وصاحب السرِّ حذيفة بن اليمان، وأبو سعيد الخدري، وأنس بن مالك، وهشام بن عامر.\nوعن جماعةٍ منهم القراءة خلف الإمام في الظهر والعصر، ولم ينفوا ما سوى ذلك. منهم: عبد الله بن مغفَّل، وعبد لله بن الزبير، وعبد الله بن عَمْرو بن العاص.\nواختلفت الرواية عن الحبر عبد الله بن مسعود، والبحر عبد الله بن عباس، والقانت عبد الله بن عمر بن الخطاب، وجابر بن عبد الله، وأبي الدرداء.\nوجاء عن زيد بن ثابت وحده أنه قال: \"لا قراءة مع الإمام في شيءٍ\"، ولم يُنقل عنه خلاف ذلك، وقد يحتمل أنه أراد قراءة ما عدا الفاتحة.\nوقال القاسم بن محمد: كان ابن عمر لا يقرأ خلف الإمام؛ جهر أو لم يجهر. وكان رجال أئمة يقرؤون وراء الإمام.\nقلت: وقد روي عن ابن عمر القراءة؛ فهي ممن اختلفت عنه الرواية، وقد يحتمل أنه أراد: لا يقرأ زيادة على الفاتحة. وكذا يحتمل ما نقل عن ابن مسعود وابن عباس وأبي الدرداء.\nفأما ما صحَّ عن جابر من قوله: \"من صلَّى ركعةً لم يقرأ فيها بأم القرآن فلم يصلِّ، إلَاّ وراء الإمام\"؛ فقد يجوز أن يكون أراد بالاستثناء المسبوق فقط. وهذا الحمل خلاف الظاهر؛ ولكن يجوز ارتكابه جمعًا بين ما ثبت عنهم وعن غيرهم، وتوفيقًا بين قولهم وبين ما ثبت عن النبي - ﵌ -.","vol":"18","page":122},{"text":"وقال البخاري (^١): \"وقال ابن خُثيم: قلت لسعيد بن جبير: أَقْرأُ خلف الإمام؟ [ص ٧٠]، قال: نعم، وإن كنت تسمع قراءته؛ فإنهم قد أحدثوا ما لم يكونوا يصنعونه، إنَّ السلف كان إذا أمَّ أحدهم الناس كبَّر ثم أنصت حتى يظنَّ أنَّ من خلفه قرأ بفاتحة الكتاب، ثم قرأ وأنصتوا\".\nانظر أسانيد هذه الآثار في \"جزء القراءة\" للبخاري (^٢) و\"سنن الدارقطني\" (^٣) و\"السنن الكبرى\" للبيهقي (^٤).\nفقل لي الآن: أتراهم كانوا قد نُهوا عن قراءة الفاتحة خلف الإمام إذا جهر قبل واقعة حديث ابن أُكَيمة؛ فامتثلوا حتى لم يقرأ في تلك الصلاة إلَاّ رجل واحدٌ، ثم أكَّد النهي في ذلك الحديث، ثم خالفوه كما رأيت؟\nفإن جوَّزتَ ذلك عليهم فبأيٍّ عقلٍ تمنع أن يسكت أحدهم عن بيان القرينة الصارفة، اتكالًا على ما تكاثر وتضافر من الأدلة على ما يخالف ذلك الظاهر الضعيف، وعلى ما عُرِفَ من مذهبه ومذهب غيره؟\nولعلَّه ذكر القرينة ولكن أهملها ابن أُكيمة ذلك الرجل الذي لم يحدِّث إلَاّ بهذا الحديث الواحد، ولم يُعرف من عدالته أكثر من كونه حدَّث في مجلس سعيد بن المسيِّب، وهذا إن دلَّ على عدالته بعد اللتيا والتي لا يدلُّ على ضبطه.\n_________\n(^١) في \"جزء القراءة\" (ص ٤٢٨).\n(^٢) (ص ١١٥ وما بعدها، وص ١٤٧ وما بعدها).\n(^٣) (١/ ٣١٧ وما بعدها). وانظر \"مسائل الكوسج\" (٩/ ٤٦٣٧) و\"مسائل حرب\" (ص ١٣١).\n(^٤) (٢/ ١٦٧ وما بعدها). وانظر أيضًا \"المصنّف\" لابن أبي شيبة (١/ ٣٧٣ وما بعدها) \"والقراءة خلف الإمام\" للبيهقي (ص ٩٠ وما بعدها).","vol":"18","page":123},{"text":"أبمثل هذا تُنْطَح جبال الأدلة، وتُرْجَم أركانُ الملَّة؟ هيهات، هيهات!\nونقل الحازمي في \"الاعتبار\" (^١) عن الحميدي كلامًا ذكر فيه أنَّ حديث ابن أكيمة عن أبي هريرة ــ يعني على فرض صحَّته ــ منسوخ بحديث عبادة؛ لأنَّ فتوى أبي هريرة بعد النبي - ﵌ - بوجوب القراءة خلف الإمام ولو جهر دليلٌ على تقدُّم حديثه على حديث عبادة.\nأقول: ويؤيده عمل عبادة، وفتواه طبق حديثه، وكذا جمهور الصحابة ﵃ كما تقدَّم.\nوقد زعم الشارح أنه يبعد أن يكون حديث عبادة متأخرًا؛ لأنَّ فيه أنهم كانوا يقرؤون الفاتحة وغيرها هذًّا؛ فكيف يُظنُّ بهم أن يفعلوا ذلك بعد حديث ابن أكيمة.\nوالجواب: بأنَّهم قد بَقُوا يقرؤون الفاتحة ويأمرون بها ولو في الجهرية بعد وفاة النبي - ﵌ -، ومنهم أبو هريرة نفسه. فإذا وقع ذلك منهم بالفعل، وأنت تجوِّز أن يكون حديث ابن أكيمة متأخرًا مطلقًا لم يُنسخ؛ فكيف تستبعد أن يقع من بعضهم مثل ذلك؟\nومع هذا فالأولى ما قدَّمناه، ويظهر منه أنَّ حديث عبادة متقدِّم؛ فلما سمعوه انتهوا عن قراءة غير الفاتحة وحافظوا على الفاتحة؛ لقوله - ﵌ - في حديث عبادة: \"لا تفعلوا ــ أي لا تقرؤوا فيما جهرت به ــ إلَاّ بفاتحة الكتاب؛ فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها\"، ثم في واقعة حديث ابن أكيمة قرأوا كلهم الفاتحة، وزاد أحدهم فقرأ غيرها مع النبي - ﵌ - السورةَ التي قرأها بعدها؛\n_________\n(^١) (ص ٧٣ - ٧٥).","vol":"18","page":124},{"text":"[ص ٧١] كأنَّ هذا الرجل لم يبلغه حديث عبادة أو غفل عنه؛ فأحسَّ النبي - ﵌ - بأنه ينازع في السورة؛ فدلَّه ذلك على أنَّ رجلًا ممن بعده يقرأ معه السورة. كما وقع نظير ذلك في حديث عمران بن حصين في \"صحيح مسلم\" (^١): صلى بنا رسول الله - ﵌ - صلاة الظهر أو العصر؛ فقال: \"أيكم قرأ خلفي بسبِّح اسم ربِّك الأعلى؟ \"؛ فقال رجلٌ: أنا، ولم أُرِدْ بها إلَاّ الخير، قال: \"قد علمتُ أنَّ بعضكم خالجنيها\". ولكنه - ﵌ - في واقعة حديث ابن أكيمة استبعد أن يقرأ معه أحدٌ السورة وهو يجهر بها بعد أن نهاهم عن ذلك في واقعة حديث عبادة؛ فلهذا تعجَّب من المنازعة.\nوإنما نصَّ في حديث عمران على عين السورة؛ لأنَّ الصلاة كانت سريَّة، والنبي - ﵌ - قرأ بسبِّح اسم ربِّك الأعلى سرًّا، ولم يسمعوه، فلو اكتفى بقوله: \"أيكم قرأ معي؟ \" لم يعلموا المقصود؛ لأنَّ كلًا منهم قرأ بالفاتحة وغيرها؛ فاحتاج أن ينصَّ لهم على نفس السورة التي قرأها، واستدلَّ بالمخالجة على أنَّ بعضهم قرأها معه.\nوأما في واقعة ابن أكيمة فكانت الصلاة جهرية؛ قد علموا السورة التي قرأ بها نبي الله - ﵌ - بعد الفاتحة، فاكتفى بقوله: \"هل قرأ معي أحدٌ منكم آنفًا\"؟ فعلموا أنه لا يسألهم عن الفاتحة لما تقدَّم، وأنه إنما يسألهم عن قراءة السورة التي قرأ بها؛ فأجابه الذي قرأ: نعم، أنا يا رسول الله.\nوإنما قلت: إن ذلك القارئ قرأ السورة التي قرأها النبي - ﵌ - عينها؛ لأمرين:\n_________\n(^١) رقم (٣٩٨).","vol":"18","page":125},{"text":"الأول: حديث عمران؛ فإنه يدلُّ أنَّ المنازعة لم تكن تحصل إلَاّ إذا قرأ المأموم السورة التي قرأها النبي - ﵌ - بعد الفاتحة. إذ لو كانت تحصل بمطلق القراءة بعد الفاتحة، لما استدلَّ النبي - ﵌ - بالمخالجة إلَاّ على أنَّ بعض من خلفه قرأ سورة ما بعد الفاتحة؛ فلمَّا نصَّ على السورة علمنا أنَّ المنازعة إنما كانت تحصل إذا قرأ المأموم السورة التي قرأ بها النبي - ﵌ -. وقوله - ﵌ -: \"خالجنيها\" ظاهرٌ في ذلك.\nالثاني: قوله في حديث ابن أُكيمة: \"قرأ معي\"، فإنك إذا قلتَ: قرأت سورة كذا، وقرأ معي فلانٌ كان الظاهر أنه قرأ معك تلك السورة التي قرأتَها.\nوبما قدَّمناه تتفق الأدلة، ونَسْلَم من سوء الظن بالصحابة، ومن دعوى النسخ [ص ٧٢] ونحوه؛ فإنَّ أحاديث الزيادة على الفاتحة لم تصحَّ كما تقدَّم، وإنما عُلمت الزيادة من فعله - ﵌ -؛ إذ كان يقرأ الفاتحة، ويزيد عليها إمامًا أو منفردًا. فكأنَّ أصحابه ﵃ قاسوا المأموم على الإمام والمنفرد؛ فكانوا يقرؤون زيادة على الفاتحة خلفه - ﵌ -، فأقرَّهم على ذلك في السريِّة؛ كما في حديث عمران.\nفقد روى البخاري في \"جزء القراءة\" (^١) حديث عمران، من طريق شعبة عن قتادة، وزاد: \"قال شعبة: فقلت لقتادة: كأنه كرهه، فقال: لو كرهه لنهانا عنه\".\nوسيأتي ما يؤيده إن شاء الله تعالى.\nوبيَّن لهم بطلان ذلك القياس فيما جهر به، وذلك في حديث عبادة.\n_________\n(^١) (ص ٢١٤).","vol":"18","page":126},{"text":"ووجه ذلك ــ والله أعلم ــ أنه قياسٌ مع الفارق؛ فإنَّ قراءة المأموم مع النبي - ﵌ - فيما يجهر به تُخِلُّ باستماع قراءته - ﵌ -، وتوجب منازعته في قراءته؛ بخلاف قراءة الإمام والمنفرد؛ فافترقا. فأما في السريّة فإنه لا إخلال بالاستماع، ولا تحصل المنازعة إلَاّ نادرًا بدون تعمُّدٍ من المأموم لقراءة السورة التي يقرأ بها النبي - ﵌ -؛ لأنه لا يسمع قراءة النبي - ﵌ - حتى يمكن منه تعمُّد قراءة تلك السورة، فإن اتفق ذلك فبلا عمدٍ.\nولهذا ــ والله أعلم ــ عبَّر النبي - ﵌ - بالمخالجة، وفي حديث عبادة بالمنازعة، والمخالجة أخفُّ من المنازعة.\nوإنما أخبرهم النبي - ﵌ - في حديث عمران ليعلموا تلك المعجزة.\nفعُلِمَ أنَّ قراءة الصحابة ﵃ زيادةً على الفاتحة في الجهرية خلف النبي - ﵌ - كما في واقعة حديث عبادة إنما كان اجتهادًا منهم أخطأوا فيه. فنهيه - ﵌ - ليس بنسخ ولا تخصيص، وإنما هو بيان لخطأ القياس، وليس فيما ذكر سوء ظنٍّ بالصحابة؛ لأنهم كانوا يفعلون ذلك اجتهادًا، والمجتهد إذا أخطأ كان معذورًا مأجورًا.\nثم لما نهاهم انتهوا عن قراءة غير الفاتحة مع النبي - ﵌ - فيما جهر به؛ حتى كانت واقعة ابن أكيمة؛ ففعل ذلك رجل منهم كأنه لم يبلغه حديث عبادة؛ فاجتهد كما اجتهدوا أولًا؛ فبيَّن له النبي - ﵌ - الحكم.\nوقوله - ﵌ - في حديث عبادة: \"إني أراكم تقرؤون\" إن كانت الرواية بفتح همزة \"أراكم\" فمعناه: أعلمكم. أو بضمها؛ فمعناه: أظنكم. وكلاهما محتملٌ من حيث المعنى.","vol":"18","page":127},{"text":"أما كونه - ﵌ - علم أنهم يقرؤون؛ فلأنه يعلم أنهم يعلمون أنَّ الفاتحة فرضٌ عليهم [ص ٧٣]، وأنهم لا يذرونها. ودلَّته المنازعة على أنهم قرأوا معه غيرها، ولم يستبعد ذلك؛ لأنهم لم يكونوا قد نهوا عن ذلك.\nوعلم أنهم قاسوا المأموم في الجهرية على الإمام والمنفرد والمأموم في السرية.\nوما جاء في بعض الروايات من زيادة: \"وأنا أقول مالي أنازع القرآن\" في حديث عبادة محمول ــ إن صحَّ ــ على أنه - ﵌ - استبعد أولًا أن يقرأوا معه غير الفاتحة، ولم يأمرهم بذلك، ثم تبيَّن له أنهم قاسوا كما ذكرنا.\nوأما كونه ظنَّ أنهم قرأوا معه ظنًّا فقط، فكأنَّ ثِقلَ القراءة لم يكن دليلًا كافيًا للعلم بقراءتهم معه غير الفاتحة؛ كأنه كان قد يحصل بسبب ذلك، وقد يحصل لسبب آخر.\nوعلى هذا فلا تكون الفاتحة داخلة في قوله: \"إني أراكم تقرأون\"، وإنما قال - ﵌ -: \"فلا تفعلوا إلَاّ بأمَّ القرآن؛ فإنه لا صلاة إلَاّ بها\" فاستثناها احتياطًا لئلا يتوهموا دخولها في النهي، وقال: \"فإنه لا صلاة إلا بها\" تنبيهًا على الفرق بينها وبين غيرها.\nفأما حديث ابن أكيمة فليس فيه نهيٌ صريح يُتوهَّم دخول الفاتحة فيه حتى يُحتاج إلى الاستثناء.\nوقد علموا بحديث عبادة أنه لا يصحُّ قياسها على غيرها، وظهر من سكوتهم عن الجواب ــ إلَاّ ذلك الرجل الواحد ــ أنهم فهموا أنَّ النبي - ﵌ - إنما سألهم عن قراءة غير الفاتحة معه؛ فعلم - ﵌ - أنهم إذا فهموا نهيًا يعلمون","vol":"18","page":128},{"text":"أنه متوجِّهٌ إلى ذلك فقط، والله أعلم.\nوقد ذهب بعض أهل العلم إلى أنَّ حديث عبادة وحديث ابن أكيمة عن أبي هريرة كلاهما حكاية عن قصة واحدة؛ لأنَّ في كل منهما أنَّ الصلاة كانت صلاة الصبح، وأنَّ النبي - ﵌ - سألهم عن القراءة معه، وأنَّ بعضهم أجاب بنعم، وأنَّ النبي - ﵌ - قال: \"وأنا أقول مالي أنازع القرآن\".\nوزاد عبادة قوله - ﵌ -: \"فلا تفعلوا إلَاّ بأمِّ القرآن؛ فإنه لا صلاة إلَاّ بها\". وكأنَّ أبا هريرة كان بعيدًا فلم يسمع هذه الكلمة إلَاّ أنه قد علم بها؛ فساق الحديث سياقًا يفهم منه النهي عن غيرها دونها، بمعونة الأدلة الأخرى، وبما عُرِفَ من مذهبه.\nوهذا محتمل، ولكن يبعده اختلاف السؤال والجواب. فالذي يظهر أنهما واقعتان، وقد علمت أنَّ حديث ابن أكيمة موافقٌ لحديث عبادة وغيره من الأدلة الثابتة بلا نسخ ولا تخصيص ولا خروج عن الظاهر بغير حجة، والحمد لله الذي بنعمته تتمُّ الصالحات.\n[ص ٧٤] وأما حديث أبي إسحاق السبيعي (^١) عن الأرقم بن شرحبيل عن ابن عباس في صلاة النبي - ﵌ - في مرض موته= فالسبيعي على جلالته مشهورٌ بالتدليس؛ وصفه بذلك شعبة وابن المديني وأبوجعفر الطبري وحسين الكرابيسي وابن حبان وغيرهم. قال ابن المديني في \"العلل\" (^٢): قال شعبة: سمعت أبا إسحاق يحدِّث عن الحارث بن الأزمع بحديث؛\n_________\n(^١) سبق تخريجه (ص ٧٧)، ومن هنا يبدأ الكلام عليه عند المؤلف.\n(^٢) انظر \"تهذيب التهذيب\" (٨/ ٦٦).","vol":"18","page":129},{"text":"فقلت له: سمعت منه؟ فقال: حدثني به مجالد عن الشعبي عنه.\nومما يبيِّن ضعف هذا الحديث ما في الصحيحين (^١) وغيرهما عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال: دخلت على عائشة، فقلت: ألا تحدِّثيني عن مرض رسول الله - ﵌ -؟ قالت: بلى، ثَقُلَ النبي - ﵌ -؛ فذكرت الحديثَ إلى أن قالت: ثم إن النبي - ﵌ - وجد من نفسه خفَّةً، فخرج بين رجلين أحدهما العبَّاس لصلاة الظهر، وأبو بكر يصلِّي بالناس. فلما رآه أبو بكر ذهب ليتأخر، فأومأ إليه النبي - ﵌ - أن لا يتأخر. قال: أَجْلِساني إلى جنبه؛ فأجلَساه إلى جنب أبي بكر، الحديث.\nقال عبيد الله: فدخلتُ على عبد الله بن عباس، فقلت له: ألا أَعرِض عليك ما حدثتني عائشة عن مرض رسول الله - ﵌ -؟ قال: هات؛ فعرضتُ عليه حديثها؛ فما أنكر منه شيئًا؛ غير أنه قال: أسمَّتْ لك الرجل الذي كان مع العبَّاس؟ قلت: لا، قال: هو علي بن أبي طالب ﵁.\nوصلاة الظهر سريَّةٌ فأنى يعلم كيف قرأ النبي - ﵌ -؟\nوفي \"مسند أحمد\" (ج ١ ص ٢٣٤) (^٢): ثنا وكيع ثنا سفيان عن سلمة عن الحسن ــ يعني العُرَني ــ قال: قال ابن عباس: \"ما ندري أكان رسول الله - ﵌ - يقرأ في الظهر والعصر؛ ولكنا نقرأ\".\nوأخرج نحوه من طرق أخرى (^٣).\n_________\n(^١) البخاري (٦٨٧) ومسلم (٤١٨).\n(^٢) رقم (٢٠٨٥).\n(^٣) برقم (٢٢٤٦، ٢٣٣٢).","vol":"18","page":130},{"text":"وقد يحتمل أن تكون الواقعة المذكورة في حديث أبي إسحاق السبيعي غير الواقعة الثابتة في \"الصحيحين\"؛ ولكن حديثه لم يصحَّ حتى تتكلَّف له الاحتمالات.\nومع هذا فليس في الحديث نفي الفاتحة، فقد يجوز أن تكون الصلاة جهرية، ويكون النبي - ﵌ - لما دخل في الصلاة قرأ الفاتحة في نفسه ولم يجهر بها؛ لأنَّ الإمام قبله قد جهر بها، ثم أخذ النبي - ﵌ - في قراءة السورة من حيث وقف أبو بكر.\nولم يذكر ابن عباس قراءة النبي - ﵌ - الفاتحة؛ [ص ٧٥] لأنه لم يسمعه يقرأها. ولا يستبعد هذا؛ فقد صحَّ عن ابن عباس أنه سئل: هل كان النبي - ﵌ - يقرأ في الظهر والعصر؟ قال: لا، فقيل: فلعلَّه كان يقرأ في نفسه؟ فقال: خمشا؛ إنَّ رسول الله - ﵌ - كان عبدًا مأمورًا، بلَّغ ما أُمِر به، الحديث. \"مسند أحمد\" (ج ١ ص ٢٤٩) (^١).\nبقي ما نُقِلَ عن الإمام أحمد ﵀؛ فأما قوله: \"ما سمعنا أحدًا من أهل الإسلام يقول: إنَّ الإمام إذا جهر بالقراءة لا تجزئ صلاة من خلفه\"؛ يعني: إذا لم يقرأ. ثم قال: \"هذا النبي وأصحابه والتابعون\".\nفيقال له: يغفر الله لك أبا عبد الله؛ أما النبي - ﵌ - فقد تقدَّمت نصوصه العامة والخاصة القاضية بأنَّ هذا الرجل لا صلاة له، ولا تجزئه صلاته، وأن صلاته كالخِدْج الذي تُلقِيه الناقة ميتًا مستقذرًا لا حياة له، ولا ينتفع به في شيء، إلى غير ذلك.\n_________\n(^١) رقم (٢٢٣٨).","vol":"18","page":131},{"text":"وأما أصحابه والتابعون فقد رووا أحاديثه وأفتوا بها، ولا داعي لاتهامهم بأنهم حملوها على غير ما تقتضيه. فإن صحَّ عن بعضهم ما يخالفها فقد صحَّ عن جمهورهم ما يوافقها.\nوإذا كانت الأدلة تقتضي بطلان صلاة من لم يقرأ الفاتحة وإن جهر إمامه، وقد رواها الصحابة ﵃، واحتجُّوا بها على وجوب الفاتحة في هذه الصورة وغيرها، وأمروا بقراءة الفاتحة في هذه الصورة وغيرها= فقد ظهر من ذلك أنهم كانوا يرون بطلان من لم يقرأ بها، وإن جهر إمامه، وهذا كافٍ في إثبات ذلك؛ فمن ادعى خلافه فعليه البيان.\nوفي حديث عبادة (^١) أنه قرأ الفاتحة خلف الإمام في الجهرية، ثم احتجَّ بأنَّ النبي - ﵌ - أمر بقراءتها خلف الإمام في الجهرية، وقال: لا صلاة إلَاّ بها.\nوحكى البخاري في \"جزء القراءة\" (^٢) عن علي ابن المديني أنه لم يُجِز إدراك الركعة بإدراك الركوع مع الإمام من الصحابة إلا من كان لا يرى القراءة خلف الإمام.\nفيؤخذ من هذا أنَّ الذين كانوا يرون قراءة الفاتحة خلف الإمام كانوا يرون أنها لا تجزئ الصلاة بدونها، وقد تقدَّم ذكر بعضهم.\nوقال البخاري في \"جزء القراءة\" (^٣): \"وقال الحسن وسعيد بن جبير وميمون بن مهران وما لا أُحصي من التابعين وأهل العلم: إنه يقرأ خلف\n_________\n(^١) سبق تخريجه.\n(^٢) (ص ٢٦٩، ٢٧٠).\n(^٣) (ص ١١٧، ١١٩).","vol":"18","page":132},{"text":"الإمام وإن جهر. وكانت عائشة ﵂ تأمر بالقراءة خلف الإمام ... وقال مجاهد: إذا لم يقرأ خلف الإمام أعاد الصلاة. وكذلك قال عبد الله بن الزبير\".\nوذكر ممن كان يرى القراءة خلف الإمام وإن جهر من التابعين: القاسم بن محمد وأبا سلمة بن عبد الرحمن وحميد بن هلال وعطاء بن أبي رباح.\nوقد مرَّ قول البخاري: \"ومن لا أحصي من التابعين وأهل العلم\". وظاهر أنَّ من قال: يقرأ، يعترف بأنه داخل في النصوص العامة؛ وهي مقتضية للفرضية الموجبة أنَّ الصلاة لا تصحُّ إلَاّ بها.\nوإن صحَّ عن بعضهم الأمر بالقراءة مع التصريح بأنه لو لم يقرأ أجزأته صلاته= لم يكن ذلك مسوِّغًا للجزم بأنَّ القائلين بالقراءة كلهم يقولون بذلك؛ [ص ٧٦] لأنَّ ذلك خلاف الظاهر.\nفأما مالك والأوزاعي وسفيان والليث فقد كان مع كل واحد منهم عدة من المجتهدين في بلده؛ فضلًا عن غيرها من أقطار المسلمين المتباعدة. فهل نقل عن كل عالم كان في ذلك العصر مثل ما نقل عن هؤلاء مما يخالف الأدلة العامة والخاصة التي تقدَّمت؟\nوقد زاد ابن قدامة فادَّعى أنَّ ذلك إجماع.\nوقد قال الإمام أحمد نفسه: \"ما يدَّعي فيه الرجلُ الإجماعَ فهو كذب، من ادَّعى الإجماع فهو كاذبٌ؛ لعلَّ الناس اختلفوا، ما يُدريه، ولم ينتهِ إليه؟ فلْيقل: لا نعلم الناس اختلفوا، هذه دعوى بشر المريسي والأصمّ، ولكنه","vol":"18","page":133},{"text":"يقول: لا نعلم الناسَ اختلفوا، ولم يبلغني ذلك\". \"إعلام الموقعين\" (ج ١ ص ٣٣) (^١).\nوللشافعي رحمه الله تعالى كلام في معنى هذا، وفي إبطال ما يسمَّى الإجماع السكوتي، انظر \"الأم\" (ج ١ ص ١٣٤ ــ ١٣٥) (^٢).\nوقد تتبعت ما جاء من الكتاب والسنة وآثار الصحابة ﵃ في الإجماع، ثم تأملت ما نقل عن الإمامين الشافعي وأحمد؛ فتحرَّر لي من ذلك كله: أنَّ الإجماع إنما يتحقَّق في الفرائض القطعية كفرضية الصلوات الخمس ونحوها. وأما ما عدا ذلك فإنما يحصل العالم منه على عدم العلم بمخالف.\nوهذا في نصوص الصحابة ثم في نصوص الإمامين حجة اضطرارية؛ أي: أنه يكون حجة إذا لم يوجد من كتاب الله تعالى ولا سنة رسوله حجة. فإن ثبت من كتاب الله تعالى أو سنة رسوله حجة مخالفة له لم يلتفت إليه، ولكنه إذا وجدت من الكتاب والسنة نصوص كثيرة ظاهرة في معنى، متظافرة عليه، ثم لم نعلم أحدًا من السلف صرفها عن ذلك الظاهر= كان ذلك عاضدًا لتلك الظواهر؛ ربما يبلغه درجة القطع، حتى يكفر من يخالف ذلك، والله أعلم.\n* * * *\n_________\n(^١) (١/ ٣٠) ط. محمد محيي الدين عبد الحميد.\n(^٢) ضمن \"اختلاف الحديث\" (١٠/ ١٠٩ - ١١٣) ط. دار الوفاء.","vol":"18","page":134},{"text":"ما يحتجُّ به من يقول بأنَّ المأموم لا يقرأ مطلقًا\nاحتجُّوا بآية الإنصات، وبزيادة \"وإذا قرأ فأنصتوا\" [في حديث أبي موسى وحديث أبي هريرة]؛ بناءً على أنَّ الإنصات هو السكوت مطلقًا.\nوبحديث ابن أُكيمة؛ بناءً على أنَّ ما يشعر به من النهي يعمُّ الجهرية والسرية؛ لأنَّ النهي متوجِّهٌ إلى ما سألهم عنه. وإنما قال في السؤال: \"هل قرأ معي أحدٌ منكم آنفًا؟ \". فقوله \"آنفًا\" أي: وأنا إمام وهو مأموم؛ فيؤخذ من هذا نهي المأموم أن يقرأ مع إمامه.\nقالوا: ويؤيد هذا قوله: \"وأنا أقول مالي أنازع القرآن؟ \"؛ فإنَّ هذا في قوة تعليل النهي بالمنازعة، والمنازعة تحصل بالقراءة خلفه في السرية؛ بدليل حديث عمران.\nقالوا: وزيادة \"فانتهى الناس ... إلخ\" من كلام الزهري؛ كما قلتم.\nواحتجُّوا بحديث أبي إسحاق السبيعي عن الأرقم بن شرحبيل؛ وعسى أن يقولوا: فإن تلك الصلاة [ص ٧٧] هي الظهر؛ كما في \"الصحيحين\". ولعلَّ أبا بكر كان يعلم أنَّ السنة أن يبني الإمام الثاني على قراءة الأول؛ فرفع صوته بالآية ليسمعه النبي - ﵌ -، فيبني على قراءته. ولعلَّ النبي - ﵌ - رفع صوته بالآية التي بعدها؛ ليعلم الناس السنة في ذلك، فسمعها ابن عباس أو بلغه ذلك.\nواحتجُّوا بالإجماع الذي ادعاه ابن قدامة. قالوا: لأنه يدلُّ على نسخ فرضية الفاتحة؛ لأنَّ في حديث عبادة أن النبي - ﵌ - أمرهم بقراءة الفاتحة خلفه إذا جهر؛ معلِّلًا ذلك بأنه لا صلاة إلَاّ بها. وقد دلَّ الإجماع على نسخ هذا الحكم؛ فدلَّ ذلك على زوال علَّته.","vol":"18","page":135},{"text":"هذا توضيح استدلال الشارح بهذا الإجماع.\nواحتجُّوا بسقوط الفاتحة عن المسبوق، قالوا: فسقوطها عنه يدلُّ على أنها ليست فرضًا عليه أصلًا؛ إذ لو كانت فرضًا عليه لما تحمَّلها عنه كما لا يتحمَّل عنه غيرها.\nواحتجُّوا بما رواه الإمام أبو حنيفة (^١) ــ رحمه الله تعالى ــ عن موسى بن أبي عائشة عن عبد الله بن شدَّاد بن الهاد عن جابر بن عبد الله: أنَّ النبي صلى اله عليه وآله وسلَّم صلَّى ورجلٌ خلفه يقرأ؛ فجعل رجلٌ من أصحاب النبي - ﵌ - ينهاه عن القراءة في الصلاة، فلمَّا انصرف أقبل عليه الرجل؛ قال: أتنهاني عن القراءة خلف رسول الله - ﵌ -؟ ! فتنازعا، حتى ذكر ذلك للنبي - ﵌ -، فقال - ﵌ -: \"من صلَّى خلف إمام فإنَّ قراءة الإمام له قراءة\".\nوفي رواية عن أبي حنيفة (^٢) ﵀: أنَّ رجلًا قرأ خلف رسول الله - ﵌ - في الظهر أو العصر؛ فأومأ إليه رجلٌ فنهاه؛ فلما انصرف قال: أتنهاني؟ الحديث.\nقالوا: وقد تابع أبا حنيفة على وصله سفيان وشريك.\nنقل ابن الهمام (^٣) عن \"مسند أحمد بن منيع\": أخبرنا إسحاق الأزرق حدثنا سفيان وشريك عن موسى بن أبي عائشة عن عبد الله بن شدَّاد عن\n_________\n(^١) أخرجه من طريقه الدارقطني (١/ ٣٢٤، ٣٢٥) والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٢/ ١٥٩). وسيأتي الكلام على هذا الحديث عند المؤلف.\n(^٢) أخرجها الدارقطني (١/ ٣٢٥).\n(^٣) في \"فتح القدير\" (١/ ٣٣٨). وسيأتي كلام المؤلف عليه، وأن كونه موصولًا بهذا الإسناد خطأ.","vol":"18","page":136},{"text":"جابر عن رسول الله - ﵌ -: \"من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة\".\nثم قال: وحدثنا جرير عن موسى عن عبد الله عن النبي - ﵌ -؛ فذكره ولم يذكر جابرًا.\nقالوا: وقد روى الإمام أحمد في \"مسنده\" (^١) عن أسود بن عامر، وروى عبد بن حميد في \"مسنده\" (^٢) عن أبي نعيم، وروى ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (^٣) عن مالك بن إسماعيل= ثلاثتهم عن الحسن بن صالح [ص ٧٨] عن أبي الزبير عن جابر عن النبي - ﵌ -: \"من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة\".\nقالوا: وقد صحَّ من رواية مالك (^٤) عن وهب بن كيسان عن جابر أنه قال: \"من صلَّى ركعةً لم يقرأ فيها بأمِّ القرآن فلم يصلِّ؛ إلَاّ وراء الإمام\".\nقالوا: وقد رويَ هذا عن جابر مرفوعًا (^٥). قال البيهقي (^٦): وقد رفعه\n_________\n(^١) رقم (١٤٦٤٣).\n(^٢) رقم (١٠٥٠).\n(^٣) (١/ ٣٧٧). والحسن بن صالح لم يسمعه من أبي الزبير، بينهما فيه جابر الجعفي، وهو ضعيف. انظر طرق الحديث والكلام عليها في تعليق \"المسند\" (١٤٦٤٣).\n(^٤) في \"الموطأ\" (١/ ٨٤).\n(^٥) أخرجه الطحاوي (١/ ٢٢٨) والدارقطني (١/ ٣٢٧) والبيهقي في \"القراءة خلف الإمام\" (٣٤٩) من طريق يحيى بن سلام عن مالك. قال الدارقطني: يحيى بن سلام ضعيف، والصواب موقوف.\n(^٦) في \"السنن الكبرى\" (٢/ ١٦٠).","vol":"18","page":137},{"text":"يحيى بن سلام وغيره من الضعفاء عن مالك.\nقال صاحب \"الجوهر النقي\" (^١): \"ذكر البيهقي في \"الخلافيات\" أنه روي عن إسماعيل بن موسى السدِّي أيضًا عن مالك مرفوعًا، وإسماعيل صدوق، وقال النسائي: ليس به بأس، وقال ابن عدي: احتمله الناس ورووا عنه، وإنما أنكروا عليه الغلو في التشيُّع\".\nوقال ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (^٢): ثنا وكيع عن الضحاك بن عثمان عن عبيد الله بن مِقْسم عن جابر قال: \"لا يقرأ خلف الإمام\".\nقال في \"الجوهر النقي\" (^٣): وهذا أيضًا سند صحيح متصل على شرط مسلم.\nقالوا: وهذا من قوله يشهد بصحة ما تقدَّم عنه عن النبي - ﵌ -.\nالجواب:\nأما آية الإنصات وزيادة \"وإذا قرأ فأنصتوا\"، فقد تقدَّم الكلام عليها.\nوقولهم إنَّ الإنصات عند أهل اللغة: السكوت مطلقًا غير صحيح، وإنما الإنصات: السكوت للاستماع. هذا هو المعروف في اللغة، ولهذا يقال: أنصَتَ له، وأنصَت إليه؛ كما يقال: استمع له واستمع إليه، ولا يقال: سكتَ له، ولا سكتَ إليه.\n_________\n(^١) (٢/ ١٦٠).\n(^٢) (١/ ٣٧٦).\n(^٣) (٢/ ١٦١).","vol":"18","page":138},{"text":"[ص ٧٩] ويقرب من قولهم: أصغى إليه؛ لأنهم قد قالوا: أنصت للَّهو: إذا مال. ومن تتبَّع موارد هذه اللفظة، وكان له دُربة بالعربية وذوق فيها، لم يشكَّ أنَّ الإنصات هو السكوت لأجل الاستماع.\nوأئمة اللغة منهم من أوضح ذلك، ومنهم من أطلق في بعض كلامه تفسير الإنصات بالسكوت، وبيَّن في موضع آخر من كلامه أنَّه السكوت للاستماع. وأهل اللغة كثيرًا ما يفعلون ذلك؛ يطلقون ما هو مقيد اعتمادًا على أنهم قد قيَّدوا في موضع آخر، أو اكتفاءً بأنَّ التقييد مشهور عند من يعرف اللغة، أو إشارةً إلى أنَّ الكلمة قد تُستعمل في ذلك المعنى بدون القيد مجازًا.\nونحن لا ننكر أنَّ الإنصات قد يستعمل في مطلق السكوت مجازًا، ولكن الأصل الحقيقة.\nوقال البخاري في \"جزء القراءة\" (^١): \"وقال أبو مريم: سمعت ابن مسعود ﵁ يقرأ خلف الإمام. وقال أبو وائل عن ابن مسعود: \"أنصِتْ للإمام\". قال ابن المبارك: دلَّ أنَّ هذا في الجهر\".\nفأنت ترى ابن المبارك فهم من الإنصات أنه إنما يكون إذا جهر الإمام. وكلام السلف في ذلك كثير.\nوقد جاء الإنصات في موضعين من القرآن؛ الأول: الآية المتقدِّمة. الثاني: قوله تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ [الأحقاف: ٢٩].\n_________\n(^١) (ص ١١٦).","vol":"18","page":139},{"text":"وواضح أنَّ معناه في آية الأحقاف متضمِّنٌ للاستماع، وأما في الآية المتقدِّمة فقد قدَّمنا أننا إذا تقيَّدنا بتفسير السلف كان معنى قوله ﴿وَأَنْصِتُوا﴾: ودَعُوا الجهر بالكلام لكي تستمعوا. وإن نظرنا إلى ظاهر القرآن رجَّحنا ما قاله بعض الخلف؛ فيكون المعنى عليه: واسكُتوا مستمعين.\nفإن قيل: فلماذا قال: ﴿وَأَنْصِتُوا﴾ بعد أن قال: ﴿فَاسْتَمِعُوا﴾؟\nقلت: لأنَّ الاستماع لا يلزم منه إخفاء المستمع كلامه أو سكوته، وإن لزم من الكلام وقوع الخلل في الاستماع. وأنت ترى الناس عند حضورهم الخطب والقصص يتكلَّمون وهم يستمعون.\nوإذا حملنا الآية على المعنى الثاني فيكون لذكرِ ﴿وَأَنْصِتُوا﴾ بعد ﴿فَاسْتَمِعُوا﴾ نكتةٌ أخرى؛ وهي الإشارة إلى قولهم الذي حكاه الله تعالى عنهم بقوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ [فصلت: ٢٦].\nفقوله: ﴿فَاسْتَمِعُوا﴾ في مقابل قولهم: ﴿لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ﴾.\nوقوله: ﴿وَأَنْصِتُوا﴾ في مقابل قولهم: ﴿وَالْغَوْا فِيهِ﴾.\nولما كان معنى كلامهم: ﴿وَالْغَوْا فِيهِ﴾ لئلا تسمعوه ولا يسمعه غيركم= وجب أن يكون معنى: ﴿وَأَنْصِتُوا﴾: واسكتوا لتسمعوه أنتم وغيركم.\n[ص ٨١] (^١) ولو فُرِض أن معنى الإنصات هو السكوت مطلقًا، وأنَّ تلك\n_________\n(^١) ضرب المؤلف ﵀ على صفحة (٨٠) كلها.","vol":"18","page":140},{"text":"الزيادة صحيحة، فيجب تخصيصها بحديث مكحول عن محمود ونافع عن عبادة، مع ما اعتضد به من النصوص العامة.\nوكذا آية الإنصات لو فرض أنَّ معناها أمر المأموم بالسكوت حين يقرأ إمامه، فإنَّ عمومها مخصَّصٌ اتفاقًا كما تقدَّم. فتُخصُّ منها قراءته سرًّا بدليل حديث عمران وشواهده. مع القياس أنَّ فائدة السكوت إنما هي الاستماع، ولا معنى لسكوت المأموم في السريَّة.\nوتُخصُّ منها الفاتحة مطلقًا لحديث مكحول، مع ما اعتضد به من النصوص العامة في إيجاب الفاتحة، وعموم قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩]، وقوله تعالى: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وغيرها من الآيات، التي تقتضي أنه لا يحسب للمأموم ما يصنعه إمامه، والله أعلم.\nوأما حديث ابن أكيمة فقد مرَّ الكلام عليه، وقولهم إنه يعمُّ الجهرية والسريَّة خطأ؛ كما يأتي في المسألة الخامسة إن شاء الله تعالى.\n[ص ٨٢] ومرَّ الكلام أيضًا على حديث السبيعي، وعلى الإجماع الذي ادَّعاه ابن قدامة.\nوأما استدلالهم بسقوط الفاتحة عن المسبوق، فالذي أختاره لنفسي ما اختاره جماعةٌ من أصحابنا الشافعية، واختاره الإمام البخاري، ونقله هو وشيخه علي ابن المديني عن بعض الصحابة. بل قال (^١): إنَّ كل من قال من الصحابة بأنَّ المأموم يقرأ الفاتحة قائل بأنه لا يدرك الركعة بدون قراءة\n_________\n(^١) \"جزء القراءة\" (ص ٢٦٩، ٢٧٠).","vol":"18","page":141},{"text":"الفاتحة، وقد تقدم أن القول بأن المأموم يقرأ الفاتحة هو قول جمهور الصحابة.\n\nو<span data-type=\"title\" id=toc-48>لم تقم حجة على إدراك الركعة بإدراك الركوع</span>، فإنَّ أقوى ما بأيديهم حديث الحسن عن أبي بكرة في ركوعه دون الصف. وهذا لفظه عند البخاري في \"صحيحه\" (^١): عن أبي بكرة أنه انتهى إلى النبي - ﵌ - وهو راكعٌ؛ فركع قبل أن يصل إلى الصف؛ فذكر ذلك للنبي - ﵌ -؛ فقال: \"زادك الله حرصًا، ولا تَعُدْ\".\nورواه أبو داود (^٢) وغيره بمعناه، ووقع للحافظ ابن حجر سهو في \"نصب الراية\" (^٣)، تبع فيه الزيلعي؛ فلا يُغترُّ به.\nوليس في الحديث دلالة على إدراك الركعة؛ لأنه قد يكون الصحابي حَرَصَ على إدراك فضيلة الركوع مع النبي - ﵌ -. فإنَّ من أدرك الإمام في السجود مثلًا فسجد معه، كان له أجر ذلك وإن لم تحسب له الركعة، فكذا\n_________\n(^١) رقم (٧٨٣).\n(^٢) رقم (٦٨٣، ٦٨٤). وأخرجه أيضًا أحمد (٢٠٤٠٥) والنسائي (٢/ ١١٨) والطحاوي في \"معاني الآثار\" (١/ ٣٩٥) والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٣/ ١٠٦) وغيرهم.\n(^٣) يقصد \"الدراية\" (١/ ١٧١) فقد طبع في الهند بهذا العنوان. وانظر \"نصب الراية\" للزيلعي (٢/ ٣٩). والسهو الذي أشار إليه المؤلف هو أن الزيلعي نقل هذا الحديث بسياق غريب طويل، وعزاه إلى البخاري في \"الصحيح\"، ولا وجود له فيه بهذا السياق. وتبعه الحافظ في \"الدراية\" في هذا الوهم، وهو مختصر \"نصب الراية\" مع زيادات.","vol":"18","page":142},{"text":"إدراك الركوع تحصل به الفضيلة قطعًا. والحرص على إدراك الفضيلة لا يُنكر؛ بل لعله هذا هو الذي يقتضيه حسن الظن بالصحابي مع قول النبي - ﵌ -: \"زادك الله حرصًا\"؛ فإنه لو حرص على إدراك الركوع لأجل إدراك الركعة لكان في ذلك تهمة أنه إنما فعل ذلك لئلا تذهب أعماله بعد الركوع غير محسوبة له، ويلزمه بعد السلام ركعة تامة.\nنعم ذكر الحافظ في \"الفتح\" (^١) أنَّ في رواية الطبراني من طريق يونس بن عبيد عن الحسن عن أبي بكرة: \"فقال: أيكم صاحب هذا النفس؟ قال: خشيتُ أن تفوتني الركعة معك\"؛ فيجب النظر في إسناده.\nعلى أنَّ الحسن ــ على جلالته وإمامته ــ كان يدلِّس تدليسًا صعبًا. قال البزَّار (^٢): كان يتأول فيقول: \"حدَّثنا وخَطَبنا\"؛ يعني: قومه الذين حُدِّثوا وخُطِبوا بالبصرة.\nوقال ابن حجر: في \"طبقات المدلِّسين\" (^٣): \"كان مكثرًا من الحديث، وكان يرسل كثيرًا عن كل أحد، وصفه بتدليس الإسناد النسائي وغيره\".\nوفي \"تهذيب التهذيب\" (^٤) في ترجمة الحسن: \"وقال ابن حبان: ... وكان يدلِّس\".\n_________\n(^١) (٢/ ٢٦٨).\n(^٢) انظر \"تهذيب التهذيب\" (٢/ ٢٦٩).\n(^٣) (ص ١٠٢).\n(^٤) (٢/ ٢٧٠).","vol":"18","page":143},{"text":"وفيه (^١): قال: \"قال ابن عون: قلت له: عَمَّن تُحَدِّث هذه الأحاديث؟ قال: عنك، وعن ذا، وعن ذا\".\nوفي ترجمته في \"تهذيب التهذيب\" (^٢) أيضًا: \"ووقع في \"سنن النسائي\" من طريق أيوب عن الحسن عن أبي هريرة في المختلعات، قال الحسن: لم أسمع عن أبي هريرة غير هذا الحديث. أخرجه عن إسحاق بن راهويه عن المغيرة بن سلمة عن وهيب عن أيوب، وهذا إسناد لا مطعن في أحد من رواته\".\nأقول: وقد روى عن أبي هريرة عدة أحاديث بالعنعنة، وهذا هو التدليس.\nوقال في \"الفتح\" (^٣) في الكلام على هذا الحديث: \"وقد أعلَّه بعضهم بأنَّ الحسن عنعنه، وقيل: إنه لم يسمع من أبي بكرة، وإنما يروي عن الأحنف عنه. وردَّ هذا الإعلال برواية سعيد بن أبي عروبة عن الأعلم قال: حدثني الحسن أنَّ أبا بكرة حدَّثه، أخرجه أبو داود والنسائي\".\nقلت: الذي في \"سنن أبي داود\" (^٤): \"أنَّ أبا بكرة حدَّث\" بدون هاء، وهذه صيغة تدليس، ومع هذا فسعيد بن أبي عروبة مدلس أيضًا.\n_________\n(^١) الموضع السابق.\n(^٢) (٢/ ٢٦٩، ٢٧٠). وفي \"سنن النسائي\" (٦/ ١٦٨، ١٦٩): \"لم أسمعه من غير أبي هريرة. قال أبو عبد الرحمن: لم يسمع من أبي هريرة شيئًا\".\n(^٣) (٢/ ٢٦٨).\n(^٤) رقم (٦٨٣).","vol":"18","page":144},{"text":"وفي \"مسند أحمد\" (^١) أحاديث من طريق المبارك بن فضالة عن الحسن؛ مصرَّحٌ فيها بسماعه من أبي بكرة.\nوالمبارك بن فضالة مختلف فيه، وأنكروا عليه رواياته عن الحسن ثنا عمران بن حصين، وثنا معقل.\nقلت: فهذا من ذاك. وذكر جماعة أنَّ المبارك كان يدلِّس. وقال أبو داود: كان شديد التدليس.\nوفي \"المسند\" (^٢): ثنا سفيان عن أبي موسى ــ ويقال له إسرائيل ــ قال: سمعت الحسن قال: سمعت أبا بكرة. وقال سفيان مرَّة: عن أبي بكرة؛ فذكر حديثًا.\nقلت: فكأنَّ سفيان شكَّ، والله أعلم.\nفإن قيل: فإنَّ البخاري قد أخرج هذا الحديث في \"صحيحه\" (^٣)، ومذهبه اشتراط ثبوت اللقاء؛ فلا يقبل إعلال الحديث بعدم اللقاء ولا بالتدليس؛ كما عرف.\nقلت: أما ثبوت اللقاء فلعلَّه اعتمد ما تقدَّم. وأما التدليس فقد تقدَّم الكلام في هذا.\nوعلى تسليمه فالبخاري لم يخرِّج تلك الزيادة التي نقلها ابن حجر عن الطبراني، ومن الجائز أن يكون الحسن سمع الحديث من أبي بكرة، بدون\n_________\n(^١) بأرقام (٢٠٣٩١، ٢٠٤٢٩، ٢٠٤٤٨، ٢٠٥١٦).\n(^٢) رقم (٢٠٣٩٢).\n(^٣) رقم (٧٨٣).","vol":"18","page":145},{"text":"تلك الزيادة، وسمعها من غيره عنه بتلك الزيادة؛ [ص ٨٣] كما تقدَّم عن البخاري في حديث قتادة عن أبي غلاب (^١).\nفإن قيل: هب الحسن دلَّسه فقد علم أنَّ الواسطة هو الأحنف، والأحنف ثقة.\nقلت: لم يعلم في هذا الحديث بعينه أنَّ الواسطة هو الأحنف، وإن كان الحسن قد حدَّث بأحاديث أخر عن الأحنف عن أبي بكرة. إذ لا يلزم من ذلك أنه لم يسمع غير الأحنف يحدِّث عن أبي بكرة.\nوقد قال أبو زرعة وأبو حاتم في قول الحسن \"خطبنا ابن عباس بالبصرة\": إنما أراد خطبَ أهل البصرة (^٢).\nوقال ابن المديني: رُوِي عن علي بن زيد بن جدعان عن الحسن: أنَّ سراقة حدثهم، وهذا إسناد ينبو عنه القلب؛ أن يكون الحسن سمع من سراقة؛ إلَاّ أن يكون معنى \"حدَّثهم\": حدَّث الناسَ، فهذا أشبه.\nوقال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يقول وذكر حديثًا حدَّثه مسلم بن إبراهيم، قال: ثنا ربيعة بن كلثوم قال: سمعت الحسن يقول: حدثنا أبو هريرة. قال أبي: لم يعمل ربيعة شيئًا، لم يسمع الحسن من أبي هريرة شيئًا\".\nأقول: وربيعة ثقة؛ فالظاهر إن كان هذا الحديث غير حديث المختلعات الذي عند النسائي (^٣) أنَّ الحسن قال: حدثنا أبو هريرة؛ يريد حدَّث الناسَ أو\n_________\n(^١) انظر \"جزء القراءة\" (ص ٤١٣).\n(^٢) انظر \"تهذيب التهذيب\" (٢/ ٢٦٧). وفيه الأقوال الآتية.\n(^٣) (٦/ ١٦٨).","vol":"18","page":146},{"text":"نحو ذلك، كعادته.\nفإن قلت: فإنَّ الحافظ ابن حجر ذكر الحسن وابن أبي عروبة في الطبقة الثانية من طبقات المدلِّسين، وقد ترجم هذه الطبقة بقوله (^١): \"من احتمل الأئمة تدليسه وأخرجوا له في الصحيح، لإمامته وقلة تدليسه في جنب ما روى؛ كالثوري، أو كان لا يدلِّس إلَاّ عن ثقة؛ كابن عيينة\". وعلى هذا فتُحتَمل عنعنة الحسن، وتُصحَّح، ويحتجُّ بها، ولا يلتفت إلى أنه كان يدلِّس، وكذا ابن أبي عروبة.\nقلت: هذا مشكلٌ جدًّا، لا يتمشَّى على [ص ٨٤] القواعد. وقد نصَّ الشافعي في \"الرسالة\" على أنَّ التدليس يثبت بمرَّة، وعبارته (^٢): \"ومن عرفناه دلَّس مرَّة فقد أبان لنا عورته في روايته، وليست تلك العورة بكذب فنردَّ بها حديثه، ولا النصيحة في الصدق؛ فنقبل منه ما قبلنا من أهل النصيحة في الصدق، فقلنا: لا نقبل من مدلِّسٍ حديثًا، حتى يقول فيه: حدثني أو سمعت\".\nوجلالة الرجل وإمامته إذا عُرِف بالتدليس لا تنافي أن يدلِّس رجلًا يُحْسِن الظنَّ به، وغيرُه يعرف أنه مجروح، وتُقوِّي التهمة بالتدليس؛ لأنَّ مما يبعث عليه أن يكون الشيخ غير مرضي عند الناس. ولو كانت جلالة الرجل وإمامته توجب اغتفار تدليسه لأوجبت اغتفار إرساله، وليس هذا مذهب أهل الحديث.\n_________\n(^١) (ص ٦٢).\n(^٢) \"الرسالة\" (ص ٣٧٩).","vol":"18","page":147},{"text":"وقد عدَّ ابن حجر سليمان التيمي في الطبقة الثانية (^١)؛ مع أنَّ البخاري طعن في زيادته في حديث قتادة عن أبي غلاب؛ بقوله: \"ولم يذكر سليمان في هذه الزيادة سماعًا من قتادة، ولا قتادة من يونس بن جبير\". ذكره في \"جزء القراءة\" (^٢).\nوقال البزَّار (^٣) في سعيد بن أبي عروبة: \"يحدِّث عن جماعة لم يسمع منهم؛ فإذا قال: \"سمعت وحدثنا\" كان مأمونًا على ما قال\".\nمفهومه أنه ليس مأمونًا فيما عنعنه.\nوقال فيه ابن عدي (^٤): \"كان ثبتًا عن كل من روى عنه؛ إلَاّ من دلَّس عنهم\".\nفجعله غير ثبت إذا دلَّس.\nوقد تأوَّل السخاويُّ في \"فتح المغيث\" كلامَ شيخه ابن حجر؛ فإنه ذكر عباراتهم في اغتفار عنعنة المدلِّس إذا وقعت في \"الصحيحين\"، ثم قال (^٥): \"وأحسن من هذا كلِّه قول القطب الحلبي في \"القدح المعلَّى\": أكثر العلماء أنَّ المعنعنات التي في \"الصحيحين\" منزَّلة منزلة السماع؛ يعني: إما لمجيئها من وجهٍ آخر بالتصريح، أو لكون المعنعن لا يدلِّس إلَاّ عن ثقةٍ أو عن بعض\n_________\n(^١) (ص ١١٧).\n(^٢) (ص ٤١٣).\n(^٣) انظر \"تهذيب التهذيب\" (٤/ ٦٤).\n(^٤) المصدر نفسه (٤/ ٦٦).\n(^٥) (١/ ٢١٨، ٢١٩) ط. الهند.","vol":"18","page":148},{"text":"شيوخه، أو لوقوعها من جهة بعض الحفَّاظ النقَّاد المحققين سماع المعنعن\".\nثم قال بعد ذلك: \"وما أشار إليه شيخنا من إطلاق تخريج أصحاب الصحيح لطائفةٍ منهم حيث جعل منهم قِسمًا احتمل الأئمةُ تدليسَه، وخرَّجوا له في الصحيح لإمامته وقلة تدليسه كالثوري، يتنزَّل على هذا؛ لاسيَّما وقد جعل من هذا القسم: من كان لا يدلِّس إلَاّ عن ثقة كابن عيينة. وكلام الحاكم يساعده؛ فإنه قال: ومنهم جماعة من المحدثين المتقدِّمين والمتأخرين، مخرَّج حديثهم في الصحيح؛ لأنَّ المتبحِّر في هذا العلم يميِّز بين ما سمعوه وبين ما دلَّسوه\".\nفكلام السخاوي ينبِّهك على أنَّ اغتفار عنعنة تلك الطبقة مخصوص بأحاديثهم التي في \"الصحيحين\".\nوكلام الحلبي والحاكم ظاهر في أنَّ الاغتفار إنما هو للظنِّ بأنَّ صاحب الصحيح اطَّلع على روايةٍ مصرَّحٍ فيها بالسماع. أو يكون المعنعن لا يدلِّس إلَاّ عن ثقة؛ يعني: ثقة متفق عليه كما صرَّحوا به، وقد ذكر ابن حبَّان أنَّ هذا خاص بابن عيينة. أو على أنه كان لا يدلِّس إلَاّ عن بعض شيوخه، أي ولم يكن يدلِّس عن شيخه هذا. أو لوقوعها من جهة بعض الحفاظ النقاد؛ أي الذين صرَّحوا بأنهم لا يروون عن ذلك المدلِّس إلَاّ ما اطلعوا على أنه سمعه.\nأقول: ومع هذا فقد ناقش ابن دقيق العيد وغيره في المسألة من أصلها كما ذكره السخاوي. وقد نُقِل عنه أنه قال (^١): \"هذه إحالة على جهالة،\n_________\n(^١) نقله الحافظ عن ابن دقيق العيد في \"النكت على ابن الصلاح\" (٢/ ٦٣٥).","vol":"18","page":149},{"text":"وإثبات أمر بمجرَّد الاحتمال\".\nأقول: وقد يجوز في بعض المواضع أنَّ صاحب الصحيح لم يطلع على أنَّ الشيخ كان يدلِّس.\nوالحاصل: قد يقال (^١) اختصاص اغتفار عنعنة الحسن وابن أبي عروبة وأهل تلك الطبقة بما وقع في \"الصحيحين\"؛ فلا يدخل في ذلك ما وقع من عنعنتهم في غيرهما؛ كالسنن والمسانيد ومعاجم الطبراني، والله أعلم.\nولعلنا لو اطلعنا على إسناد الطبراني لهذا الحديث بتلك الزيادة لاستغنينا عن هذا التطويل (^٢).\nثم رأيت في \"جزء القراءة\" (^٣) للبخاري: حدثنا محمد بن مرداس أبو عبد الله الأنصاري قال: حدثنا عبد الله بن عيسى أبو خلف الخزاز عن يونس عن الحسن عن أبي بكرة: أنَّ النبي - ﵌ - صلَّى صلاة الصبح، فسمع نَفَسًا شديدًا أو بُهْرًا من خلفه، فلما قضى رسول الله - ﵌ - الصلاة قال لأبي بكرة: أنت صاحب هذا النَّفَس؟ قال: نعم، جعلني الله فداءك، خشيتُ أن تفوتني ركعةٌ معك، فأسرعتُ المشي؛ فقال رسول الله - ﵌ -: \"زادك الله حرصًا ولا تَعُدْ، صلِّ ما أدركتَ واقضِ ما سبق\".\nوأظنُّ الطبراني إنما رواه من هذه الطريق (^٤).\n_________\n(^١) تحتمل: يتبين.\n(^٢) لم يصل إلينا مسند أبي بكرة من \"المعجم الكبير\".\n(^٣) (ص ٣٤٠).\n(^٤) هو كذلك، فقد عزاه إليه الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (٢/ ٧٦) وقال: \"فيه عبد الله بن عيسى الخزاز وهو ضعيف\". وهو كما نرى في هذا الإسناد.","vol":"18","page":150},{"text":"ومحمد بن مرداس مجهول؛ قاله أبو حاتم، ولا يدفع ذلك ذِكْرُ ابن حبان إياه في \"الثقات\" كما عرف (^١).\nوعبد الله بن عيسى (^٢)؛ قال أبو زرعة: منكر الحديث، وقال النسائي: ليس بثقة، وقال ابن القطان: لا أعلم له موثقًا.\nثم إن الحسن كان يروي بالمعاني؛ كما قاله هشيم عن ابن عون؛ فلا يبعد أن لا يكون تثبت عنده تلك الزيادة بذلك اللفظ، ولكنه فهم من القصة ذلك المعنى؛ كما فهمه منها كثيرون؛ فلما روى بالمعنى جاءت تلك العبارة، والله أعلم.\nوفي \"المسند\" (^٣): عن عبد العزيز بن أبي بكرة أن أبا بكرة جاء والنبي - ﵌ - راكعٌ، فسمع النبي ﵌ صوتَ نعلِ أبي بكرة، وهو يُحْضِر يريد أن يدرك الركعة؛ فلما انصرف النبي - ﵌ - قال: من الساعي، قال أبو بكرة: أنا، قال: \"زادك الله حرصًا ولا تَعُدْ\".\nوفي سنده بشار الخيّاط (^٤) ضعَّفه ابن معين، على أنَّ ظاهره الإرسال، والله أعلم.\nهذا، ومن قال بأنَّ الركعة تدرك بإدراك الركوع، ويتحمَّل الإمام الفاتحة\n_________\n(^١) انظر \"تهذيب التهذيب\" (٩/ ٤٣٤) و\"الثقات\" (٩/ ١٠٧).\n(^٢) \"تهذيب التهذيب\" (٥/ ٣٥٣).\n(^٣) رقم (٢٠٤٣٥).\n(^٤) هكذا في الطبعة القديمة من \"المسند\" و\"تبصير المنتبه\"، وفي الطبعة الجديدة من \"المسند\" و\"تعجيل المنفعة\": \"الحنَّاط\". ولم نجد أحدًا نصَّ على ضبطه.","vol":"18","page":151},{"text":"عنه، لا يلزمه أنَّ الإمام يتحمَّل عن الموافق؛ للفرق الواضح. فإن له أن يقول: إنَّ الشارع لما أمر المسبوق أن يدخل في الصلاة فورًا، سواءٌ أكان الإمام راكعًا أم ساجدًا أم جالسًا أم غير ذلك، فقد ألزم هذا المسبوق إذا أدرك الإمام راكعًا أن يركع معه، ثم نظر فإذا هو قد أدرك معظم الركعة، وأدرك الأركان التي تتميَّز بها الصلاة تميُّزًا واضحًا؛ وهي الركوع والسجود، وعلم الشارع أنَّ تكليفه المسبوق بالموافقة، وتكليفه بقضاء تلك الركعة يشقُّ عليه، وهذه المشقة وإن كانت خفيفة إلَاّ أنه يحتمل تكرُّرها مرارًا كل يوم، فناسبَ أن يسقط عنه فاتحة تلك الركعة، وإن كانت ركنًا؛ كما أسقط القراءة عن الأبكم والأمي وإن كان منفردًا، وكما أسقط القيام عن المأمومين إذا كان الإمام لا يستطيع القيام، وكما أسقط القيام والركوع والسجود عن العاجز. ولم يَلزم المسبوقَ بدلُ الفاتحة؛ لأنه لا يمكن له بدلٌ إذا كان عليه الموافقة في الركوع فورًا؛ فكان مشغولًا بعد ذلك بأعمال أخرى.\nفإن قيل: فإنَّ من أدرك الإمام في الاعتدال لا تحسب له ركعة مع أنَّ المشقة عليه قريب من المشقة على من أدركه في الركوع.\nقلت: ولكنها أخفُّ بالنسبة، ومع ذلك فليس العلة هي المشقة وحدها؛ بل المشقة مع إدراك معظم الركعة، وإدراك الأركان التي تتميَّز بها الصلاة تميُّزًا واضحًا. وأما الموافق فلا مشقة عليه؛ فكيف يقاس على المسبوق؟\n[ص ٨٥] وأما حديث موسى بن أبي عائشة عن عبد الله بن شدَّاد فقد أطلق الحفَّاظ المتقدِّمون أنه لم يجئ موصولًا بذكر جابر إلَاّ من رواية الإمام أبي حنيفة ــ رحمه الله تعالى ــ والحسن بن عمارة، ولم يناقش في ذلك أحد من الحفاظ الحنفية وغيرهم.","vol":"18","page":152},{"text":"وقد رُوي الحديث من طريق سفيان وشريك في عدَّة كتب (^١) بدون ذكر جابر.\nوقد كان \"مسند أحمد بن منيع\" مشهورًا متداولًا بينهم؛ فيبعد غاية البعد أن يكون فيه الحديث موصولًا عن سفيان وشريك، ولا ينبِّه عليه أحد من المتقدمين. فهذا يبيِّن أنَّ ما نقله ابن الهمام (^٢) عن \"مسند أحمد بن منيع\" خطأ في تلك النسخة، ولا يُعلم بخط من هي، وكيف حالها؟\nوالظاهر أنه وقع فيها سقط أو تحريف؛ فإنَّ إسحاق الأزرق ــ الذي وقع في النسخة الروايةُ عنه عن سفيان وشريك ــ يروي هذا الحديث بعينه عن الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى.\nقال الدارقطني (^٣): \"حدثنا علي بن عبد الله بن مبشر ثنا محمد بن حرب الواسطي ثنا إسحاق الأزرق عن أبي حنيفة عن موسى بن أبي عائشة عن عبد الله بن شدَّاد عن جابر قال: قال رسول الله - ﵌ -: \"من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة\".\nوالإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى عَدْل رضًا مأمون، وأكبر من ذلك، ولكن أئمة الحديث من أصلهم إذا تعارض الوصل والإرسال الاجتهادُ\n_________\n(^١) انظر \"مصنف ابن أبي شيبة\" (١/ ٣٧٦) و\"معاني الآثار\" للطحاوي (١/ ٢١٧) و\"السنن الكبرى\" للبيهقي (٢/ ١٦٠).\n(^٢) في \"فتح القدير\" (١/ ٣٣٨). وقد سبق نقل الحديث ضمن حجج القائلين بأن المأموم لا يقرأ مطلقًا.\n(^٣) في \"السنن\" (١/ ٣٢٣).","vol":"18","page":153},{"text":"بالترجيح؛ كما تقدَّم عن \"فتح المغيث\" (^١). ومن المرجحات عندهم الكثرة.\nوقد رواه الدارقطني (^٢) من طريق ابن أخي ابن وهب ثنا عمي ثنا الليث بن سعد عن يعقوب عن النعمان عن موسى بن أبي عائشة عن عبد الله بن شدَّاد عن أبي الوليد عن جابر؛ فذكره، في قصة ستأتي.\nثم قال الدارقطني: \"أبو الوليد هذا مجهول\".\nوالظاهر أنَّ \"عن\" في قوله \"عن أبي الوليد\" زائدة، والصواب عن عبد الله بن شدَّاد أبي الوليد؛ فإنَّ عبد الله بن شدَّاد كنيته أبو الوليد. أو أنَّ قوله \"عن أبي الوليد\" بدلٌ من قوله \"عن عبد الله بن شدَّاد\".\nثم رأيت الطحاوي أخرج الحديث في \"معاني الآثار\" (^٣) عن أبي بكرة قال: ثنا أبو أحمد قال: ثنا إسرائيل عن موسى بن أبي عائشة عن عبد الله بن شدَّاد عن رجل من أهل البصرة عن رسول الله - ﵌ - نحوه.\nوجابر بن عبد الله بن حرام الأنصاري لم يكن من أهل البصرة.\nثم وجدت في \"الإصابة\" (^٤) ترجمةً لفظها: \"جابر بن عبد الله الراسبي، قال صالح جزرة: نزل البصرة. وقال أبو عمر (^٥): روى عنه أبو شدَّاد. وروى\n_________\n(^١) (١/ ٢٠٣).\n(^٢) (١/ ٣٢٥).\n(^٣) (١/ ٢١٧).\n(^٤) (٢/ ١٢٤) ط. التركي.\n(^٥) في \"الاستيعاب\" (١/ ٢٢١).","vol":"18","page":154},{"text":"ابن منده من طريق عمر بن برقان (^١) عن أبي شدّاد عن جابر بن عبد الله الراسبي عن النبي - ﵌ - حديثًا قال: \"من عفا عن قاتله دخل الجنة\" (^٢). قال: هذا حديث غريب، إن كان محفوظًا. قال أبو نعيم: قوله \"الراسبي\" وهمٌ، وإنما هو الأنصاري\".\nفأخشى أن يكون جابر بن عبد الله الذي وقع في سند الحديث من رواية الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى هو هذا البصري. وبهذا التقدير يتم قوله في رواية إسرائيل: \"عن رجل من أهل البصرة\". ويجوز أن تكون كنية هذا الرجل أبا الوليد؛ فتكون رواية الدارقطني على ظاهرها، وإن كان زيادة \"عن جابر\" يعكِّر على ذلك.\nوأخشى أن لفظ \"أبي شدَّاد\" الواقع في السند المذكور في ترجمة هذا الرجل صوابه \"ابن شدَّاد\".\nوفي \"لسان الميزان\" (^٣): \"أبو شدَّاد عن مجاهد ... وأخرج أبو يعلى (^٤) من طريق عمر بن نبهان عن أبي شدَّاد عن جابر حديثًا؛ فما أدري هو هذا أم لا؟ ولم أقف على ترجمته عند الحاكم أبي أحمد\".\nقلت: وعمر بن نبهان يروي عن الحسن البصري ونحوه؛ فلا يبعد أن يروي عن عبد الله بن شدَّاد.\n_________\n(^١) وفي بعض النسخ \"نبهان\".\n(^٢) أخرجه أبو يعلى في \"مسنده\" (١٧٩٤) وأبو نعيم في \"معرفة الصحابة\" (١٥٤٣).\n(^٣) (٩/ ٩٢).\n(^٤) هو الحديث المذكور، وسبق تخريجه.","vol":"18","page":155},{"text":"وعبد الله بن شدَّاد غير معروف بالرواية عن جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام، [ص ٨٦] وحديث جابر في \"مسند أحمد\" في أربعٍ وخمسين ورقة (^١) ليس فيه شيء من رواية ابن شدَّاد عنه.\nوجابر بن عبد الله الراسبي البصري لم تثبت له صحبة، وهو رجلٌ مجهول.\nويحتمل أن يكون جابر الواقع في رواية الإمام أبي حنيفة هو الأنصاري على ما هو المتبادر، ويكون ابن شدَّاد لم يسمع هذا الحديث منه؛ بل سمعه عن رجل من أهل البصرة يقال له أبو الوليد عن جابر. ولعلَّ ابن أبي عائشة إنما اختار الإرسال غالبًا لأحد هذين الاحتمالين، أو لأنه كان يشكُّ.\nوقد روى ابن المبارك الحديث عن أبي حنيفة مرسلًا (^٢) كالجماعة؛ فهو المتيقِّن، ولا يصح الحكم بوصله لاضطراب ابن أبي عائشة فيه كما رأيت.\nفأما زيادة \"في الظهر أو العصر\" فما إخالها إلَاّ مدرجة، فقد أخرج الدارقطني (^٣) من طريق ابن أخي ابن وهب بسنده المتقدِّم، عن عبد الله بن شدَّاد بن الهاد عن جابر بن عبد الله أنَّ رجلًا قرأ خلف رسول الله - ﵌ - بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، فلما انصرف النبي - ﵌ - قال: \"من قرأ منكم بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾؟ \" فسكت القوم، فسألهم ثلاث مرات، كلَّ ذلك يسكتون، ثم\n_________\n(^١) (٣/ ٢٩٢ - ٤٠٠) من الطبعة الميمنية سنة ١٣١٣.\n(^٢) كما في \"السنن الكبرى\" للبيهقي (٢/ ١٦٠).\n(^٣) (١/ ٣٢٥).","vol":"18","page":156},{"text":"قال رجل: أنا، قال: \"قد علمت أنَّ بعضكم خالجنيها\".\nوقال (^١) عبد الله بن شدَّاد عن أبي الوليد عن جابر بن عبد الله: أنَّ رجلًا قرأ خلف النبي - ﵌ - في الظهر والعصر، فأومأ إليه رجل فنهاه، فلما انصرف قال: أتنهاني أن أقرأ خلف النبي - ﵌ -؛ فتذاكرا ذلك حتى سمع النبي - ﵌ -، فقال رسول الله - ﵌ -: \"من صلَّى خلف الإمام فإنَّ قراءته له قراءة\".\nفالحديث الأول هو حديث عمران بن الحصين عينه، ولفظه عند مسلم (^٢) في روايةٍ: عن عمران بن حصين قال: صلَّى بنا رسول الله - ﵌ - صلاة الظهر أو العصر؛ فقال: \"أيكم قرأ خلفي بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾؟ \"، فقال رجل: أنا، ولم أُرِدْ بها إلَاّ الخير، قال: \"قد علمتُ أنَّ بعضكم خالجنيها\".\nوسقط ذكر الظهر أو العصر من حديث ابن شدَّاد الأول، وأدرج في الثاني. فكأنَّ الأصل ــ والله أعلم ــ أنَّ لفظ: \"في الظهر والعصر\" مدرج في الثاني، وأصل موضعه في الأول.\nومما يدلُّ على هذا أنَّ محمد بن الحسن أخرج الحديث الثاني في \"كتاب الآثار\" (^٣)، وليس فيه لفظ: \"في الظهر أو العصر\".\nوكذلك رواه الحاكم والبيهقي (^٤) من طريق مكي بن إبراهيم عن أبي\n_________\n(^١) في \"سنن الدارقطني\" عقب الحديث السابق.\n(^٢) رقم (٣٩٨).\n(^٣) رقم (٨٦) ط. دار النوادر.\n(^٤) لم يخرجه الحاكم في \"المستدرك\"، وهو في \"السنن الكبرى\" (٢/ ١٥٩) من طريقه.","vol":"18","page":157},{"text":"حنيفة، وليس فيه ذكر الظهر أو العصر. وهكذا روي من طرق أخرى بدونها.\nوأما رواية الأسود بن عامر ومن معه عن الحسن بن صالح عن أبي الزبير (^١)؛ فقد رواه يحيى بن أبي بكير وإسحاق بن منصور وغيرهما عن الحسن بن صالح عن جابر الجعفي وليث بن أبي سليم عن أبي الزبير (^٢)، وهذا هو الراجح.\nقال العراقي في خَفِيِّ الإرسال (^٣):\nفعدم السماع واللقاءِ ... يبدو به الإرسال ذو الخفاء\nكذا زيادة اسم راوٍ في السند ... إن كان حذفه بعَنْ فيه ورد\nويؤكِّده أنَّ الحسن بن صالح لم يثبت له لقاء أبي الزبير، وإن كان أدركه.\nوأما قول مسلم [ص ٨٧] ﵀: إنه يكفي في الحكم بالاتصال المعاصرة لغير المدلس؛ فذاك خاص بما إذا لم يرد الحديث من جهة أخرى بذكر واسطة كما هنا.\nولعلَّ الحسن بن صالح علم أنَّ الأسود ومن وافقه يعلمون أنه لم يلق أبا الزبير؛ فلذلك أرسل الحديث عن أبي الزبير.\n_________\n(^١) سبق تخريجها من \"مسند أحمد\" (١٤٦٤٣) و\"مسند عبد بن حميد\" (١٠٥٠) و\"مصنف ابن أبي شيبة\" (١/ ٣٧٧).\n(^٢) أخرجه كذلك الطحاوي (١/ ٢١٧) والدارقطني (١/ ٣٣١) والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٢/ ١٦٠) وفي \"القراءة خلف الإمام\" (٣٤٣، ٣٤٥).\n(^٣) في \"ألفيته\" بشرحها \"فتح المغيث\" (٤/ ٦٩).","vol":"18","page":158},{"text":"وجابر الجُعفي متروك، خصوصًا إذا قال \"عن\"؛ فإنه يدلِّس عن الوضَّاعين.\nوفي \"تهذيب التهذيب\" (^١) عن مسعر قال: كنت عند جابر فجاءه رسول أبي حنيفة: ما تقول في كذا وكذا؟ قال: سمعت القاسم بن محمد وفلانًا وفلانًا، حتى عدَّ سبعةً؛ فلما مضى الرسول قال جابر: إن كانوا قالوا.\nوقال أبو يحيى الحِمَّاني عن أبي حنيفة: ما لقيتُ فيمن لقيت أكذب من جابر الجعفي، ما أتيته بشيء من رأيي إلَاّ جاءني فيه بأثر (^٢).\nوأما ليث بن أبي سليم فصدوق، كثير الغلط، واختلط بأخرة.\nولو ثبت الحديث عن أبي الزبير فأبو الزبير مشهور بالتدليس، وقد عنعن.\nوأجاب الشارح عن هذا بأنَّ أبا الزبير مكثر عن جابر؛ فتُحمل عنعنته عنه على السماع؛ كما قال الذهبي في \"الميزان\" (^٣) في ترجمة الأعمش، ولفظه: \"قلت: هو مدلِّس، وربما دلَّس عن ضعيف، ولا يدري به؛ فمتى قال: \"ثنا فلان\" فلا كلام، ومتى قال: \"عن\" تطرَّق إليه احتمال التدليس؛ إلَاّ في شيوخ له أكثر عنهم؛ كإبراهيم وأبي وائل وأبي صالح السمَّان؛ فإنَّ روايته عن هذا الصنف محمولة على الاتصال\".\nقلت: فيما قاله الذهبي نظر، ومع ذلك فلا يصحُّ قياس أبي الزبير على\n_________\n(^١) (٢/ ٥١).\n(^٢) \"تهذيب التهذيب\" (٢/ ٤٨).\n(^٣) (٢/ ٢٢٤).","vol":"18","page":159},{"text":"ذلك؛ لأنه قد ثبت عنه التدليس عن جابر. قال ابن أبي مريم عن الليث بن سعد: قدمت مكة، فجئت أبا الزبير، فدفع إليَّ كتابين، فانقلبت بهما، ثم قلت في نفسي: لو عاودته فسألته هل سمع هذا كله من جابر؟ فقال: منه ما سمعت، ومنه ما حُدِّثت عنه، فقلت له: أعلِمْ لي على ما سمعت، فأعلَمَ لي على هذا الذي عندي (^١).\nوأما ما رواه مالك (^٢) عن وهب بن كيسان عن جابر فهو صحيح من قوله، وما ذكره صاحب \"الجوهر\" (^٣) عن البيهقي في \"الخلافيات\" لا يصحُّ. فقد أخرج الطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (^٤) من طريق يحيى بن سلام عن مالك، فرفعه.\nثم قال: \"حدثنا يونس قال أنا ابن وهب أنَّ مالكًا حدَّثه عن وهب بن كيسان عن جابر مثله، ولم يذكر النبي - ﵌ -.\nحدثنا فهد قال: ثنا إسماعيل بن موسى ابن ابنة السدِّي قال: ثنا مالك، فذكر مثله يإسناده. قال: فقلت لمالك: أَرَفَعَه؟ فقال: خذوا برجله\".\nولو فُرِض أنَّ إسماعيل رفعه عن مالك، فإسماعيل وإن كان صدوقًا فليس مثله بالذي يقبل فيما يزيده على أصحاب مالك الحفّاظ، والله أعلم.\n_________\n(^١) انظر \"تهذيب التهذيب\" (٩/ ٤٤٢).\n(^٢) في \"الموطأ\" (١/ ٨٤).\n(^٣) \"الجوهر النقي\" (٢/ ١٦٠).\n(^٤) (١/ ٢١٨). قال ابن عبد البر في \"التمهيد\" (١١/ ٤٨): انفرد يحيى بن سلام برفعه عن مالك، ولم يتابع على ذلك، والصحيح فيه أنه من قول جابر.","vol":"18","page":160},{"text":"[ص ٨٨] وأما الأثر الآخر عن جابر (^١)، ففي سنده الضحاك بن عثمان؛ وثَّقه الأكثر. وقال أبو زرعة: ليس بقوي، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتجُّ به، وهو صدوق. وقال ابن عبد البر: كان كثير الخطأ، ليس بحجَّة (^٢).\nوقد أخرج ابن ماجه والبيهقي (^٣) بسند صحيح عن يزيد الفقير ــ وهو ثقة، احتجَّ به الشيخان وغيرهما ــ عن جابر بن عبد الله قال: \"كنا نقرأ في الظهر والعصر خلف الإمام في الركعتين الأُولَيين بفاتحة الكتاب وسورة، وفي الأخريين بفاتحة الكتاب\".\nوأخرجه البيهقي في موضع آخر (^٤) بسند صحيح أيضًا، ولفظه: \"سمعت جابر بن عبد الله ﵄ يقول: يقرأ في الركعتين ــ يعني الأُولَيين ــ بفاتحة الكتاب وسورة، وفي الأخريين بفاتحة الكتاب، قال: وكنا نتحدَّث أنه لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب فما فوق ذاك، أو قال: ما أكثر من ذاك\".\nقال صاحب \"الجوهر النقي\" (^٥): \"مضطرب المتن\".\nأقول: ليس هذا باضطراب؛ بل سمع يزيد من جابر هذا اللفظ مرة، واللفظ الآخر مرة أخرى، وليس بين اللفظين تناقض حتى يقال: مضطرب.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (١/ ٣٧٦)، ولفظه: \"لا يقرأ خلف الإمام\".\n(^٢) انظر \"تهذيب التهذيب\" (٤/ ٤٤٧).\n(^٣) ابن ماجه (٨٤٣) و\"السنن الكبرى\" (٢/ ١٧٠).\n(^٤) (٢/ ٦٣).\n(^٥) (٢/ ١٦١).","vol":"18","page":161},{"text":"وقد جمع البيهقي (^١) بين ما رُوِيَ عن جابر بأنه كان يرى القراءة خلف الإمام فيما لا يجهر فيه، ولا يراها فيما يجهر فيه.\nأقول: وهذا محتمل، ويحتمل أن يكون هذا فيما دون الفاتحة؛ بدليل قوله: \"وكنا نتحدَّث أنه لا صلاة إلَاّ بفاتحة الكتاب\".\nفأما قوله في رواية وهب بن كيسان: \"من صلَّى ركعةً لم يقرأ فيها بأم القرآن إلَاّ وراء الإمام فيمكن أن يحمل قوله: \"إلَاّ وراء الإمام\" على المسبوق، والله أعلم.\nوقد عُلِم بما مرَّ عن جابر ما يدلُّ على بطلان زيادة: \"في الظهر أو العصر\" في حديث ابن شدّاد؛ إن صحَّ كونه من رواية جابر المشهور. إذ كيف يكون هذا الحديث بتلك الزيادة عن جابر، ثم يقول: \"كنا نقرأ في الظهر والعصر خلف الإمام\" إلى آخره، ولا يبيِّن ما يخالفه؟\nوبما ذُكِر يترجَّح ــ على فرض صحة تلك القصة ــ أنها كانت في صلاة جهرية، وعلم جابر بالقرائن أنَّ قوله: \"من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة\" خاص بالجهرية.\nثم يحمل ــ كما قاله البخاري وغيره ــ على ما عدا الفاتحة؛ للأدلة المتكاثرة على وجوب الفاتحة على المأموم، ومنها حديث مكحول عن محمود عن عبادة، وهو نصٌّ يُخصَّص به عموم هذا مع ما يعضد حديث عبادة من النصوص العامة والخاصة التي تقدَّم بعضها، والله أعلم.\n_________\n(^١) في \"السنن الكبرى\" (٢/ ١٦٠).","vol":"18","page":162},{"text":"هذا على فرض صحَّة الحديث، وقد علمت ما فيه.\nوفي \"التعليق المغني على سنن الدارقطني\" (^١)، نقلًا عن \"معرفة السنن\" للبيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: سمعت سلمة بن محمد الفقيه [ص ٨٩] يقول: سألت أبا موسى الرازي الحافظ عن حديث: \"من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة\"؛ فقال: لم يصحَّ عن النبي - ﵌ - فيه شيءٌ؛ إنما اعتمد مشايخنا فيه على الروايات عن علي وابن مسعود وغيرهما من الصحابة. قال أبو عبد الله الحافظ: أعجبني هذا لما سمعته؛ فإنَّ أبا موسى أحفظ من رأينا من أصحاب الرأي على أديم الأرض.\nأقول: والثابت عن أمير المؤمنين علي ﵁ الأمر بالقراءة خلف الإمام (^٢).\nوأما ابن مسعود فقال البخاري في \"جزء القراءة\" (^٣): \"وقال لنا إسماعيل بن أبان: حدثنا شريك عن أشعث بن أبي الشعثاء عن أبي مريم: سمعت ابن مسعود ﵁ يقرأ خلف الإمام\".\nوأخرجه البيهقي (^٤) من طريق علي بن حُجر ثنا شريك عن أشعث بن سليم عن عبد الله بن زياد الأسدي قال: صلَّيت إلى جنب عبد الله بن مسعود ﵁ خلف الإمام؛ فسمعته يقرأ في الظهر والعصر.\n_________\n(^١) (١/ ٣٢٦). وانظر \"معرفة السنن والآثار\" (٣/ ٧٩، ٨٠).\n(^٢) انظر \"السنن الكبرى\" (٢/ ١٦٨) و\"القراءة خلف الإمام\" للبيهقي (ص ٩٢ - ٩٣).\n(^٣) (ص ١٦٣، ١٦٤).\n(^٤) (٢/ ١٦٩).","vol":"18","page":163},{"text":"وفي \"الجوهر النقي\" (^١): \"وقال ابن أبي شيبة ثنا أبو الأحوص عن منصور عن أبي وائل قال: جاء رجلٌ إلى عبد الله فقال: أَقْرَأُ خلف الإمام؟ فقال: إنَّ في الصلاة شغلًا، وسيكفيك قراءة الإمام\".\nوقدح صاحب \"الجوهر\" (^٢) في الأثر الأول بأنَّ في سنده شريكًا، وذكر كلام البيهقي فيه.\nأقول: شريك إمام. قال ابن معين: هو أحبُّ إليَّ من أبي الأحوص. وقال أيضًا: ولم يكن شريك عند يحيى ــ يعني القطان ــ بشيء، وهو ثقة ثقة. وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن شريك وأبي الأحوص أيهما أحبُّ إليك؟ قال: شريك، وقد كان له أغاليط (^٣).\nوأبو الأحوص هو الواقع في سند الأثر الثاني. وقد أخطأ فيه، وخالفه الطَّوْدان سفيانُ وشعبةُ؛ رواه البيهقي (^٤) من طريقهما عن منصور عن أبي وائل أنَّ رجلًا سأل ابن مسعود عن القراءة خلف الإمام؛ فقال: أنصت للقرآن؛ فإنَّ في الصلاة شغلًا، وسيكفيك ذاك الإمام.\nقال البخاري في \"جزء القراءة\" (^٥): \"وقال أبو وائل، عن ابن مسعود: أَنصِتْ للإمام. وقال ابن المبارك: دلَّ أنَّ هذا في الجهر، وإنما يُقرأ خلف\n_________\n(^١) (٢/ ١٧٠). وانظر \"المصنف\" (١/ ٣٧٦).\n(^٢) (٢/ ١٧٠).\n(^٣) انظر \"تهذيب التهذيب\" (٤/ ٣٣٤، ٣٣٥).\n(^٤) (٢/ ١٦٠).\n(^٥) (ص ١١٦، ١١٧).","vol":"18","page":164},{"text":"الإمام فيما سكت الإمام\".\nأقول: ومع ذلك فليس نصًّا في ترك الفاتحة؛ فقد يجوز أن يكون أراد الإنصات عما عداها للعلم بوجوبها.\nوقال صاحب \"الجوهر النقي\" (^١): قال البزَّار: ثنا محمد بن بشَّار وعمرو بن علي قالا: ثنا أبو أحمد أنا يونس بن أبي إسحاق عن أبيه عن أبي الأحوص عن عبد الله قال: كانوا يقرؤون خلف النبي - ﵇ -؛ فقال: \"خلَّطتم عليَّ القرآن\".\nأقول: قد تقدَّم في الكلام على آية الإنصات نقلُ هذا الحديث عن \"جزء القراءة\" (^٢) للبخاري، رواه عن محمد بن مقاتل قال: حدثنا النضر قال أنبأنا يونس بسنده هذا، ولفظه: قال النبي - ﵌ -[ص ٩٠] لقوم كانوا يقرؤون القرآن، فيجهرون به: \"خلَّطتم عليَّ القرآن\". وكنا نسلِّم في الصلاة، فقيل لنا: \"إنَّ في الصلاة لشغلًا\".\n_________\n(^١) (٢/ ١٦٢).\n(^٢) (ص ٤٠٠، ٤٠١).","vol":"18","page":165},{"text":"[ص ٩١]<span data-type=\"title\" id=toc-54> المسألة الخامسة\nهل يزيد المأموم في الأُولَيين من الظهر والعصر على الفاتحة</span>\nقد يستدلُّ على المنع بالأحاديث المتقدِّمة (^١) في أوائل المسألة الرابعة.\nولفظ الحديث الأول منها: صلى النبي - ﵌ -؛ فلما قضى صلاته قال: \"أتقرؤون والإمام يقرأ؟ \" قالوا: إنا لنفعل، قال: \"فلا تفعلوا إلَاّ أن يقرأ أحدكم بفاتحة الكتاب في نفسه\".\nوقال في الثاني نحوه.\nوفي الثالث: \"تقرؤون خلفي؟ \" قالوا: نعم، إنا لنهُذُّ هذًّا، قال: \"فلا تفعلوا إلَاّ بأمِّ القرآن\".\nوفي الرابع: \"تقرؤون القرآن إذا كنتم معي في الصلاة؟ \" قالوا: نعم يا رسول الله، إنا لنهذُّ هذًّا، قال: \"فلا تفعلوا إلَاّ بأم القرآن\".\nوفي الخامس: \"هل تقرؤون إذا كنتم معي في الصلاة؟ \" قلنا: نعم، قال: \"فلا تفعلوا إلَاّ بأم القرآن\".\nوفي السادس: \"تقرؤون خلفي؟ \" قالوا: نعم، قال: \"فلا تفعلوا إلَاّ بأم الكتاب\".\nويجاب عن هذا بأنَّ في حديث عبادة: \"إني لأراكم تقرؤون خلف إمامكم إذا جهر\". وفي الرواية الأخرى: \"هل تقرؤون إذا جهرت بالقراءة؟ \"\n_________\n(^١) سبق ذكر هذه الأحاديث وتخريجها.","vol":"18","page":166},{"text":"فقال بعضنا: إنا لنصنع ذلك، قال: \"فلا تفعلوا، وأنا أقول: مالي أُنازَع القرآنَ، فلا تقرؤوا بشيءٍ من القرآن إذا جهرتُ؛ إلَاّ بأمِّ القرآن\". فقيَّد النهي بما إذا جهر؛ فتُحْمَل عليه تلك الأحاديث المطلقة.\nفإن قيل: حديث عبادة وإن كان مقيَّدًا بما إذا جهر فهو من حيث المعنى يدلُّ أنَّ مثل ذلك ما إذا أسرَّ؛ لأنه علَّل بالمنازعة، واستثنى الفاتحة؛ معلِّلًا بأنها فرضٌ؛ كأنه يقول: تُغتفر المنازعة بالفاتحة لأنها فرض. وقد ثبت بحديث عمران أنَّ المنازعة تكون في السريِّة أيضًا، والزيادة في السرِّية ليست فرضًا على المأموم اتفاقًا؛ فيفهم من هذا المنعُ منها.\nقلت: لا نسلِّم أنَّ المنازعة تكون في السرية، وإنما تلك المخالجة، وهي أخفُّ من المنازعة. وحديث عمران دليل لنا.\nسلَّمنا أنهما واحد، ولكن لا نسلِّم أنَّ المنازعة كانت تحصل بمطلق القراءة خلفه - ﵌ -، وإنما كانت تحصل بقراءة نفس السورة التي يقرأها بعد الفاتحة. وحديث عمران واضحٌ في ذلك؛ لأنَّ النبي - ﵌ - استدلَّ بالمخالجة على أنَّ بعض المقتدين به قرأ بسورة سبِّح اسم ربِّك الأعلى. ولو كانت المخالجة تحصل بالقراءة مطلقًا لما دلته المخالجة إلَاّ على قراءة بعضهم فقط.\nويوضِّح هذا قوله: \"خالجنيها\"؛ فإنه ظاهر في أنَّ النبي - ﵌ - قرأها، وذلك الرجل يقرؤها معه؛ فتخالجاها.\n[ص ٩٢] وهكذا قوله في حديث ابن أُكيمة: \"هل قرأ معي أحدٌ منكم آنفًا\".","vol":"18","page":167},{"text":"فقوله: \"معي\" يدلُّ أنَّ المراد: قرأ معي نفس السورة التي قرأتها. ألا ترى أنك لو قلت: قرأت سورة الكهف، وقرأ معي فلان؛ فَهِم السامع أنَّ فلانًا قرأ معك سورة الكهف عينها.\nوإنما لم يُسمَّ في حديث ابن أُكيمة السورة كما سمَّاها في حديث عمران لأنَّ قصة حديث ابن أكيمة في صلاة الصبح وهي جهرية؛ فقد سمعوا قراءة النبي - ﵌ -، وعلموا السورة التي قرأها. فاكتفى بقوله: \"هل قرأ معي أحد منكم\"؛ فعُلِمَ أنه أراد نفس السورة التي قرأها هو - ﵌ -، فأجابه الذي قرأها معه بقوله: نعم، أنا يا رسول الله.\nوأما في حديث عمران فكانت الصلاة سريَّة؛ فلو اقتصر على قوله: \"من قرأ معي\" لما علموا أيَّ سورة قرأ، وكلّ واحد منهم قد قرأ بسورة؛ فلهذا سمَّاها لهم، فتدبَّر.\nفإن قلت: فمقتضى هذا الكلام أن يُمنع المأموم في السريَّة من قراءة غير الفاتحة مطلقًا؛ لأنه لا يدري لعله يقرأ السورة التي يقرأها النبي - ﵌ -. ولا يُمنَع في الجهرية إلَّا من قراءة السورة التي يقرؤها النبي - ﵌ -، وله أن يقرأ غيرها.\nقلت: إنما يأتي هذا إذا قلنا إنَّ المنازعة هي العلَّة، ولسنا نقول ذلك، وإنما العلَّة عندنا هي الإخلال باستماع القراءة لغير موجب. وإنما ذكر - ﵌ - المنازعة إعلامًا لهم بالدليل الذي استدلَّ به على أنَّ بعضهم قرأ معه.\nوفي ذلك معجزة يفيدهم الاطلاعُ عليها، فإنَّ المنازعة لا تحصل لغيره","vol":"18","page":168},{"text":"- ﵌ -، فهي أمرٌ روحاني مختصٌّ به، بأبي هو وأمي. وذلك نظير إخباره إياهم بالمخالجة في حديث عمران.\nولو كانت العلَّة هي المنازعة للزم أن لا يمنع المقتدي بغير النبي - ﵌ - من القراءة مطلقًا؛ لأنَّ المنازعة لا تحصل لغيره - ﵌ -، والحكم يدور مع علَّته، والله أعلم.\nومن أدلتنا الحديث الصحيح (^١) عن جابر: \"قال: كنا نقرأ في الظهر والعصر خلف الإمام في الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب وسورة، وفي الأخريين بفاتحة الكتاب\".\nوقد تقدَّم وصحَّ عن أمير المؤمنين عليٍّ أنه كان يأمر بذلك.\nوصحَّ عن مجاهد قال: سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص يقرأ خلف الإمام في صلاة الظهر من سورة مريم (^٢).\nوروى البيهقي (^٣) من طريق العوام بن حمزة (^٤) عن ثابت عن أنس قال (^٥): كان يأمرنا بالقراءة خلف الإمام. [ص ٩٣] قال: وكنت أقوم إلى جنب أنس؛ فيقرأ بفاتحة الكتاب وسورةٍ من المفصَّل، ويُسْمِعنا قراءته لنأخذ عنه.\n_________\n(^١) سبق ذكره والكلام عليه.\n(^٢) أخرجه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٢/ ١٦٩).\n(^٣) (٢/ ١٧٠).\n(^٤) عند البيهقي في هذا الإسناد: \"العوام بن حوشب\". ثم ذكر إسنادًا آخر وفيه: \"العوام وهو ابن حمزة\"، وقال: هذا أصح.\n(^٥) أي ثابت: كان أنس يأمرنا ...، وكذا \"قال\" الآتي.","vol":"18","page":169},{"text":"اعترضه التركماني (^١) بأنَّ العوَّام بن حمزة قال فيه ابن الجوزي في كتاب \"الضعفاء\": قال يحيى: ليس حديثه بشيء، وقال أحمد: له أحاديث مناكير.\nقلت: في \"فتح المغيث\" (^٢): عن ابن القطان أنَّ ابن معين إذا قال في الراوي: \"ليس بشيء\" إنما يريد أنه لم يرو حديثًا كثيرًا.\nوفي \"تهذيب التهذيب\" (^٣) عن يحيى القطان: ما أَقْربَه من مسعود بن علي، ومسعود لم يكن به بأس. وعن أحمد: له ثلاثة أحاديث مناكير. وعن ابن معين: ليِّن. وقال إسحاق بن راهويه: بصري ثقة. وعن أبي زرعة: شيخ، قيل: فكيف ترى استقامة حديثه؟ قال: لا أعلم إلَاّ خيرًا. وقال الآجريُّ عن أبي داود: ما نعرف له حديثًا منكرًا، وقال مرَّةً: ثقة. وقال النسائي: لا بأس به.\nأقول: وقول أحمد \"له ثلاثة أحاديث مناكير\" كأنَّ الحمل فيها على من فوقه؛ بدليل قول أبي داود. فحديث الرجل لا ينزل عن درجة الحسن، والله أعلم.\n_________\n(^١) (٢/ ١٧٢).\n(^٢) (٢/ ١٢٣).\n(^٣) (٨/ ١٦٣).","vol":"18","page":170},{"text":"[ص ٩٤]<span data-type=\"title\" id=toc-57> المسألة السادسة\nإذا كان المأموم أصمَّ أو بعيدًا عن الإمام لا يسمع قراءته؛ فهل يقرأ غير الفاتحة والإمام يجهر</span>؟\n<span data-type=\"title\" id=toc-58>ظواهر الأحاديث المتقدمة المنع </span>من ذلك؛ هذا من حيث ألفاظها.\nوأما من حيث المعنى فالظاهر عدم المنع؛ لأنَّ علة المنع هي ــ كما تقدَّم ــ كون القراءة تُخِلُّ باستماع قراءة الإمام، وهذه العلة منتفية ههنا. ومن قال: العلة المنازعةُ فعدم المنع أظهر، لما قدَّمنا أنَّ المنازعة لا تحصل لغير النبي - ﵌ -.\nوترجيح دلالة المعنى هنا من باب تخصيص الحكم لخصوص علته. والعلماء رحمهم الله تعالى يترددون في ذلك.\nوفي \"سنن البيهقي\" (^١) بسند صحيح عن أبي شيبة المَهرْي قال: سأل رجلٌ معاذ بن جبل عن القراءة خلف الإمام، قال: إذا قرأ فاقرأ بفاتحة الكتاب وقل هو الله أحد، وإذا لم تسمع فاقرأ في نفسك، ولا تؤذي مَن عن يمينك ولا مَن عن شمالك.\nوالذي أختاره لنفسي عدم القراءة بغير الفاتحة؛ لظواهر الأحاديث، ولأنه قد يُخِلُّ باستماع غيره من المقتدين الذين يسمعون، وهذا ظاهر في الأصم، وممكن في البعيد.\n_________\n(^١) (٢/ ١٦٩).","vol":"18","page":171},{"text":"ولأنه يُرجى أنه إذا أنصت تمام الإنصات سمع. ولسدِّ الذريعة. والله ﵎ أعلم.","vol":"18","page":172},{"text":"ــ ١ ــ (^١)\n[ص ٩] ولو كان الذي قرأ رفع صوته حتى سمعه النبي - ﵌ - لما كان للاستفهام والتعجب وجه، والله أعلم.\nثم قال الشارح: (وكذا القول بأنَّ حديث أبي هريرة مختصر من حديث عبادة، والواقعة واحدة= لا يصحُّ؛ لأنه قول بلا دليل).\nأقول: القائل ذلك رأى اتفاق الحديثين في أمور:\nمنها: أنَّ الصلاة كانت الصبح.\nومنها: في حديث عبادة ثقل القراءة والتباسها، وفي حديث ابن أكيمة المنازعة، والمعنى واحد؛ لأن المنازعة تُوجب الثقل والالتباس.\nمع أنَّ في رواية من روايات حديث عبادة: فقال رسول الله - ﵌ -: «وأنا أقول: مالي أنازع القرآن، فلا يقرأنَّ أحد منكم شيئًا من القرآن إذا جهرتُ؛ إلَاّ بأم القرآن». أخرجه الدارقطني، وقال: هذا إسناد حسن، ورجاله ثقات كلهم. وهذا اللفظ ــ أعني قوله: «وأنا أقول: مالي أنازع القرآن» ــ هو عين اللفظ الواقع في حديث ابن أكيمة.\nومنها: الاستفهام عن القراءة.\nومنها: الجواب بالإثبات.\n_________\n(^١) من هنا إلى (ص ٢١٠) أوراق متفرقة كتبها المؤلف في الرد على شارح الترمذي ووضعها في أثناء الكتاب في مواضع، فأفردناها وألحقناها بآخره، ورقمنا كل مجموعة برقم مستقل، أما الأحاديث والآثار فقد سبق تخريجها، فلا نعيدها.","vol":"18","page":173},{"text":"ومنها: في حديث عبادة: «فلا تفعلوا»، وحديث ابن أكيمة يُشعِر بذلك كما تقدَّم.\nوزاد عبادة استثناء الفاتحة، وليس ذلك في حديث ابن أكيمة، ولكن ذلك ينجبر بما عُرِف من مذهب أبي هريرة. على أنَّ حديث ابن أكيمة لم تدخل فيه الفاتحة أصلًا، كما يأتي تحقيقه إن شاء الله تعالى.\nفرأى ذلك القائل أنَّ هذا الاتفاق يحصل به غلبة الظن بأنَّ الحديثين واقعة واحدة، هذا دليله.\nومع ذلك ففي النفس شيءٌ من ذلك؛ لأنَّ في حديث عبادة في رواية: «إني أراكم تقرؤون وراء إمامكم، قلنا: أجل والله يا رسول الله، إنا لنفعل هذًّا». وفي حديث ابن أكيمة: «هل قرأ معي أحد منكم آنفًا؟ فقال رجل: نعم، أنا يا رسول الله». فالاستفهام مختلف، والجواب مختلف، وسيتضح ذلك قريبًا إن شاء الله تعالى.\nثم قال الشارح: (وحملُ حديث أبي هريرة على ما عدا الفاتحة تعسُّفٌ، بل علَّة الشارع فيه العموم؛ لأنَّ الشارع منع عن القراءة مطلقًا، وبيَّن علة النهي المنازعة، وقراءة الفاتحة وغيرها مشتركة في المنازعة سواء فيها، بدون فرق؛ فهذه العلة تجري في قراءة الفاتحة كما تجري في قراءة غيرها سواء بسواء).\nأقول: الحديث من رواية أبي هريرة، ومذهبه الذي كان يفتي به كما في «صحيح مسلم» وغيره وجوب القراءة على المأموم سواء أسرَّ الإمام أم جهر، ومذهب الإمام أبي حنيفة ﵀ أنَّ فتوى الراوي على خلاف","vol":"18","page":174},{"text":"روايته قادح في ما رواه. والشارح عافاه الله حنفي، وقد احتجَّ بمثل هذا كما يأتي.\nوالشافعي والمحدثون وإن قالوا: العبرة بما روى دون ما رأى؛ فإنهم لا ينكرون أنَّ فتوى الراوي بخلاف ما روى تُورِث شبهة ما فيما روى، فإذا انضمَّ إلى ذلك وهنٌ في السند أو نحوه قويت الشبهة؛ فقد تبلغ إلى حدِّ يتعيَّن بسببه ردُّ الرواية أو تأويلها.\nوقد انضمَّ إلى فتوى أبي هريرة لِينُ ابن أكيمة. فقد قال الحميدي وغيره: مجهول، لم يروِ عنه إلَاّ ابن شهاب هذا الحديث وحده.\nوالذين قوَّوه إنما استندوا إلى أنَّ الزهري سمعه يحدِّث سعيد بن المسيِّب؛ فاستدلُّوا بذلك [ص ١٠] على أنه كان مقبولًا عند سعيد.\nوهذا الاستدلال لا يكفي مثله في تثبيت حديث يلزم منه نسخ الأحاديث الصحيحة.\nوانضمَّ إلى ذلك أيضًا اتفاقُ هذا الحديث مع حديث عبادة في أكثر الأمور. فلو لم يكن إلَاّ هذا لكان كافيًا في وجوب حمل القراءة في حديث ابن أكيمة على غير الفاتحة، أو على الأقل في منع أن يقال لهذا الحمل تعسُّف، فكيف وعندنا برهان واضح على هذا الحمل، فدونكه:\nقد ثبت بالأوجه الثلاثة التي قدمناها في الكلام على قول الشارح أن الاستفهام للإنكار، والتمسنا منك التحفظ بها، وقلنا: إنه سيكون لها نبأ.\nإنَّ الاستفهام والجواب والتعجُّب في هذا الحديث يدلُّ على أنهم لم يكونوا قبله مأمورين بالقراءة التي سألهم عنها، بل إما أن يكونوا لم يؤمروا","vol":"18","page":175},{"text":"بها قط، وإما أن يكونوا أُمروا بها اولًا ثم نُهوا عنها قبل هذا الحديث؛ فارجع إلى تلك الأوجه، وتدبَّرها جيدًا.\nثم إنك تعلم أنَّ أحاديث وجوب الفاتحة عامة تتناول المأموم وإن جهر الإمام، وقد ثبت ذلك نصًّا بحديث عبادة وشواهده.\nفحديث ابن أكيمة لا يخلو أن يكون قبلها أو بعدها.\nفإن كان قبلها فهو منسوخ بها أو محمول عليها، وانقطع النزاع.\nوإن كان بعدها ــ كما اختاره الشارح ــ فالأوجه الثلاثة المتقدمة توجب أحد أمرين:\nإما أن يكون المراد بالقراءة التي سألهم عنها يصدق بالفاتحة، ويكون قد سبقه ناسخٌ لوجوبها؛ حتى صحَّ ذلك الاستفهام والجواب والتعجُّب.\nوإما ان يكون المراد قراءة غير الفاتحة؛ وكأنَّ ذلك الرجل لم يبلغه حديث عبادة في النهي عن قراءة غير أم القرآن وراء الإمام إذا جهر، وتكون القرينة علمهم أنَّ النبي - ﵌ - يعلم أن الفاتحة واجبة عليهم، وأنهم لا يدعونها كلُّهم، فيعلمون أنه لا يقول لهم: هل قرأ معي أحدٌ منكم آنفًا؛ ويريد ما يصدق بالفاتحة، وأنه لا يتعجَّب من المنازعة التي تحصل بقراءتهم الفاتحة إن كانت تحصل بها. فهذه قرينة واضحة؛ تدلُّهم أنه - ﵌ - إنما أراد قراءة غير الفاتحة؛ فتدبَّر هذا الكلام جيدًا.\nوإذ قد انحصر الواقع في هذين الاحتمالين فما بقي علينا إلَاّ أن ننظر أيهما أرجح، سائلين الله تعالى التوفيق.\nقد يرجح الأول بأنَّ فيه إبقاء لفظ «قرأ» على إطلاقه.","vol":"18","page":176},{"text":"ويرجح الثاني بأنَّ الآثار عن الصحابة تدلُّ أنه لما وقع هذا السؤال لم يفهموا منه الإطلاق، وإنما ذلك لقيام القرينة.\nوبيان ذلك: أنَّ مذهب أبي هريرة نفسه ــ كما تقدَّم ــ وجوب القراءة خلف الإمام ولو جهر. ووافقه على ذلك جمهور الصحابة؛ منهم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، [ص ١١] وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، وراوي حديث: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» عبادة بن الصامت، شهد العقبتين وبدرًا، وهو أحد النقباء.\nوجاء عن جماعة من الصحابة القراءة خلف الإمام مطلقًا؛ منهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وأم المؤمينن عائشة، وسيِّد المسلمين أبي بن كعب، وصاحب السرِّ حذيفة بن اليمان، وأبو سعيد الخدري، وأنس بن مالك، وهشام بن عامر.\nوجاء عن بعضهم القراءة خلف الإمام في الظهر والعصر، ولم ينفوا ما سوى ذلك؛ منهم: عبد الله بن مغفَّل، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمرو بن العاص.\nواختلفت الرواية عن الحبر عبد الله بن مسعود، والبحر عبد الله بن عباس، والناسك عبد الله بن عمر، وجابر، وأبي الدرداء.\nوجاء عن زيد بن ثابت أنه قال: «لا قراءة مع الإمام في شيء»، ولم يُنقل عنه خلاف ذلك.\nوقال القاسم بن محمد: كان ابن عمر لا يقرأ خلف الإمام جهر أولم يجهر، وكان رجال أئمة يقرؤون وراء الإمام.","vol":"18","page":177},{"text":"قلت: وقد روي عن ابن عمر خلاف هذا.\nوقال البخاري: وقال ابن خُثيم: قلت لسعيد بن جبير: أقرأُ خلف الإمام؟ قال: نعم وإن كنت تسمع قراءته؛ فإنهم قد أحدثوا مالم يكونوا يصنعونه، إنَّ السلف كان إذا أمَّ أحدهم الناس كبَّر ثم أنصت، حتى يظنَّ أنَّ من خلفه قرأ بفاتحة الكتاب، ثم قرأ وأنصتوا.\nانظر أسانيد هذه الآثار في «جزء القراءة» للبخاري، و«السنن الكبرى» للبيهقي.\nوفي حديث ابن أكيمة ما يُعلم منه أنه لم يقرأ في تلك الواقعة تلك القراءة التي سأل عنها إلَاّ رجلٌ واحدٌ من الصحابة؛ فما ظنك بهم بعد ذلك وقد سمعوا هذا الحديث؟ لا أراك ترتاب أن الظن بهم أن لا يعود أحد منهم لتلك القراءة التي سأل عنها النبي - ﵌ -.\nوقد جاء في آخر حديث ابن أكيمة في بعض الروايات زيادة: «فانتهى الناس عن القراءة فيما جهر فيه الإمام، وقرؤوا في أنفسهم سرًّا فيما لا يجهر فيه الإمام». وقد حقَّق الأئمة محمد بن يحيى والبخاري وغيرهما أنَّ هذا من كلام الزهري.\nوأنا أقول: هَبْهُ من كلام أبي هريرة فإنه يؤكِّد ذلك الظن. فكيف تجمع بين هذا وبين ما سمعته عن راوي هذا الحديث نفسِه وعن جمهور الصحابة؟ فهل هناك جامع غير أن يقال: إنَّ السؤال عن القراءة في حديث ابن أكيمة متوجِّهٌ إلى قراءة غير الفاتحة؟ وكانت عند الصحابة ﵃ عندما خاطبهم النبي - ﵌ - قرينة مبيِّنة لذلك. وأظهر القرائن هو ما تقدَّم،","vol":"18","page":178},{"text":"وزيادة «فانتهى الناس ...» إلخ لو ثبتت تبع لذلك، والمعنى: فانتهى الناس عن القراءة بغير الفاتحة.\nوإذا ثبتت القرينة الصارفة عن الإطلاق سقط ما يرجح به الاحتمال الأول من إبقاء اللفظ على إطلاقه.\n[ص ١٦] فأما قول الشارح: (إنَّ علَّة النهي هي المنازعة؛ وهي تحصل بالفاتحة كما تحصل بغيرها) ففيه نظر.\nفالجواب: أنَّ المنازعة قد حصلت في حديث عمران، وإن سمَّاها «المخالجة»، وفي حديث عبادة لثقل القراءة والتباسها؛ وذلك نتيجة المنازعة. مع أنه قد جاء في روايةٍ في حديث عبادة: «... فقال رسول الله - ﵌ -: «وأنا أقول مالي أنازع القرآن، فلا يقرأنَّ أحد منكم شيئًا من القرآن إذا جهرتُ إلَاّ بأم القرآن». أخرجه الدارقطني، وقال: هذا إسناد حسن، ورجاله ثقات كلهم.\nوالشارح يوافقنا أنهم في واقعتي عمران وعبادة كانوا يقرؤون الفاتحة؛ فهل كانت تحصل المنازعة بقراءتهم لها أم لا؟\nأما حديث عمران فلا دليل فيه على ذلك، وإنما فيه حصول المخالجة بقراءة: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، ولا يلزم من حصول المنازعة بقراءة غير الفاتحة حصولها بقراءة الفاتحة؛ لأنَّ المنازعة أمرٌ روحاني لا يُدرك بالقياس.\nوأما حديث عبادة فقد يقال: إنَّ قوله - ﵌ -: «إني أراكم تقرؤون» مطلقٌ يتناول الفاتحة، ولذلك استثناها لما قال: «فلا تفعلوا إلَاّ بأم القرآن». وقد قال الراوي: إنَّ القراءة التبست على النبي - ﵌ -؛ وذلك دليل المنازعة، وقد","vol":"18","page":179},{"text":"أوضحت ذلك رواية الدارقطني السابقة. فلما كانت المنازعة حصلت بسبب القراءة التي سألهم عنها بقوله: «إني أراكم تقرؤون»، وهذه القراءة شاملة للفاتحة كما مرَّ، فقد يؤخذ منه أنَّ المنازعة كانت تحصل بسبب قراءة الفاتحة، وإنما استثناها من النهي لأنها كانت واجبة، وأداء الواجب مقدَّمٌ على ترك المنازعة. وقد نصَّ - ﵌ - على هذه العلَّة بقوله: «فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها».\nهذا أقصى ما يحتجُّ به لحصول المنازعة بقراءة الفاتحة، وفيه بعد ذلك نظر يظهر بالتأمل.\nولكننا نقول: هَب المنازعة كانت تحصل بقراءة الفاتحة؛ فإننا قد أثبتنا فيما تقدَّم أن السؤال في حديث ابن أكيمة إنما وقع عن قراءة غير الفاتحة. فإن ثبت أنه نهى فالنهي متوجِّهٌ إلى ذلك.\nوإذا نهى عن قراءة غير الفاتحة معلِّلًا بالمنازعة لم يكن لهم ولا لنا أن نقيس الفاتحة على غيرها بجامع المنازعة؛ لتقدُّم حديث عبادة بالنصِّ على أنَّ المنازعة إنما تمنع القراءة بغير الفاتحة. فأما الفاتحة فلا؛ لأنه لا قراءة لمن لم يقرأ بها؛ فأداؤها لا بد منه. وإن لزم منه المنازعة. فهذا نصٌّ مبطلٌ للقياس، مبيِّنٌ للفرق الواضح.\nبل لو لم يتقدَّم حديث عبادة لكفى في منع القياس ما علموه من فرضية الفاتحة دون غيرها، فهذا كافٍ لمنع القياس؛ لأنَّ منعه لهم من القراءة المندوبة لمفسدة المنازعة لا يلزم منه منعُه لهم من القراءة الواجبة؛ للفرق المعلوم بين الفرض والنفل، وهذا واضحٌ جدًّا، والله أعلم.","vol":"18","page":180},{"text":"ــ ٢ ــ\n[ص ٧] وأما حديث: «من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة» فالحفَّاظ مجمعون على ضعفه، وسيأتي توجيه ذلك إن شاء الله تعالى بما لا يمسُّ عظمة الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى.\nوقد تأوَّله البخاري رحمه الله تعالى على فرض صحَّته: بأنه عام مخصوص بحديث عبادة، فتخرج منه الفاتحة.\nأقول: وتخرج أيضًا الزيادة على الفاتحة في السرية بحديث عمران بن حصين الذي تقدَّم.\nوقد روى الإمام أبو حنيفة عن موسى بن أبي عائشة عن عبد الله بن شدَّاد بن الهاد عن جابر بن عبد الله: أن رجلًا قرأ خلف رسول الله - ﵌ - بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾؛ فلما انصرف النبي - ﵌ - قال: من قرأ منكم بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾؛ فسكت القوم، فسألهم ثلاث مرات، كل ذلك يسكتون، ثم قال رجل: أنا، قال: قد علمتُ أنَّ بعضكم خالجنيها.\nوقال عبد الله بن شدَّاد عن أبي الوليد عن جابر بن عبد الله: أنَّ رجلًا قرأ خلف النبي - ﵌ - في الظهر والعصر فأومأ إليه رجلٌ فنهاه؛ فلما انصرف قال: أتنهاني أن أقرأ خلف النبي - ﵌ -، فتذاكرا ذلك حتى سمع النبي - ﵌ -؛ فقال رسول الله - ﵌ -: من صلَّى خلف الإمام فإن قراءته له قراءة.\nهكذا في «سنن الدارقطني»: حدثنا أبو بكر النيسابوري عن أحمد بن عبد الرحمن بن وهب ثنا عمِّي ثنا الليث بن سعد عن يعقوب عن النعمان، فذكره.","vol":"18","page":181},{"text":"ثم قال الدارقطني: أبو الوليد هذا مجهول.\nأقول: كنية عبد الله بن شدَّاد أبو الوليد، فالله أعلم.\nوقد أخرج الطحاوي الحديث الثاني في «شرح معاني الآثار»، ولفظه: حدثنا أحمد بن عبد الرحمن قال ثنا عمي عبد الله بن وهب قال أخبرني الليث عن يعقوب عن النعمان عن موسى بن أبي عائشة عن عبد الله بن شدَّاد عن جابر بن عبد الله أنَّ النبي - ﵌ - قال: «من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة».\nأخرجه من طريق الثوري، ولم يذكر جابر.\nوأخرجه من طريق إسرائيل عن موسى بن أبي عائشة عن عبد الله بن شدَّاد عن رجل من أهل البصرة عن رسول الله - ﵌ - نحوه.\nفالحديث الأول في قراءة سبح اسم ربك الأعلى هو حديث عمران بن الحصين بعينه. ولفظه عند مسلم: عن عمران بن حصين قال: صلى بنا رسول الله - ﵌ - صلاة الظهر أو العصر؛ فقال: أيكم قرأ خلفي بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾؟ فقال رجل: أنا، ولم أُرِدْ بها إلَاّ الخير، قال: قد علمتُ أنَّ بعضكم خالجنيها.\nوقد روى محمد بن الحسن في «كتاب الآثار» الحديث الثاني عن أبي حنيفة ﵀، وليس فيه ذكر الظهر والعصر. وكذا رواه البيهقي وغيره من طريق مكي بن إبراهيم عن أبي حنيفة.\nوالذي يغلب على الذهن أنَّ قوله «في الظهر والعصر» إنما هي","vol":"18","page":182},{"text":"في الحديث الأول، كما ثبتت في حديث عمران؛ فحذْفها من الحديث الأول وإدراجها في الثاني سهو لعلَّه [ص ٨] من ابن أخي ابن وهب، أو من أبي بكر النيسابوري، أو غيرهما، والله أعلم.\nفالحديث الأول يدلُّ على مثل ما دلَّ عليه حديث عمران من جواز قراءة المأموم غير الفاتحة في السرية.\nوأما الحديث الثاني فإن كان الأمر ما ظنناه من أنَّ ذكر «الظهر أو العصر» فيه مدرج، فقد تقدَّم الكلام عليه أنه عام وحديث عمران مع حديث جابر الأول خاص. وإلَاّ فالجمع بين الحديثين بأنَّ المأموم إذا لم يقرأ غير الفاتحة في السرية كَفتْه قراءة الإمام في حصول الثواب، وإن قرأ فلا حرج. ولهذا لم ينهَ النبي - ﵌ - الرجل عن القراءة، ولا ذكر له أنها تُخِلُّ بالصلاة، واقتصر على قوله: «قراءة الإمام له قراءة»، وهذا لا يُشعِر بالنهي عن القراءة، وإنما يشعر بأنه إذا لم يقرأ كَفتْه قراءة الإمام؛ أي: فيما سوى الفاتحة كما علمْت. والله أعلم.\nثم حكى الشارح عن ابن قدامة في «الشرح الكبير» قوله: (وممن كان لا يرى القراءة خلف الإمام: علي وابن عباس وابن مسعود وأبو سعيد وزيد بن ثابت وعقبة بن عامر وجابر وابن عمر وحذيفة بن اليمان. وبه يقول الثوري وابن عيينة وأصحاب الرأي ومالك والزهري والأسود وإبراهيم وسعيد بن جبير).\nقلت: أكثر هؤلاء اختلفت الرواية عنهم؛ فروي عن بعضهم إيجاب الفاتحة على المأموم ولو في الجهرية. وعن بعضهم إيجابها في السرية فقط. وروي إيجابها ولو في الجهرية عن جماعة من الصحابة غير من ذكر.","vol":"18","page":183},{"text":"قال البخاري في «جزء القراءة»: (وقال عمر بن الخطاب: اقرأْ خلف الإمام، قلت: وإن قرأتَ، قال: نعم وإن قرأتُ.\nوكذلك قال أبي بن كعب وحذيفة بن اليمان وعبادة ﵃.\nويُذكر عن علي بن أبي طالب وعبد الله بن عمرو وأبي سعيد الخدري وعدَّة من أصحاب النبي - ﵌ -.\nوقال القاسم بن محمد: كان رجال أئمة يقرؤون خلف الإمام.\nوقال أبو مريم: سمعت ابن مسعود ﵁ يقرأ خلف الإمام.\nوقال أبو وائل عن ابن مسعود: أنصِتْ للإمام.\nوقال ابن المبارك: دلَّ أنَّ هذا في الجهر، وإنما يقرأ خلف الإمام فيما سكت الإمام.\nوقال الحسن وسعيد بن جبير وميمون بن مهران وما لا أحصي من التابعين وأهل العلم: إنه يقرأ خلف الإمام وإن جهر.\nوكانت عائشة ﵂ تأمر بالقراءة خلف الإمام ...\nوقال مجاهد: إذا لم يقرأ خلف الإمام أعاد الصلاة.\nوكذلك قال عبد الله بن الزبير ...\nوقال ابن خُثَيم: قلت لسعيد بن جبير: أَقرأُ خلف الإمام؟ قال: نعم وإن كنت تسمع قراءته؛ فإنهم قد أحدثوا ما لم يكونوا يصنعونه، إنَّ السلف كان إذا أمَّ أحدهم الناس كبَّر، ثم أنصتَ حتى يظنَّ أنَّ من خلفه قرأ بفاتحة الكتاب، ثم قرأ وأنصتوا.","vol":"18","page":184},{"text":"وقال أبو هريرة ﵁: كان النبي - ﵌ - إذا أراد أن يقرأ سكت سكتةً.\nوكان أبو سلمة بن عبد الرحمن وميمون بن مهران وغيرهم وسعيد بن جبير يرون القراءة عند سكوت الإمام إلى نون ﴿نَعْبُدُ﴾ ...\nوقال الحسن وسعيد بن جبير [ص ٦] وحميد بن هلال: اقرأْ بالحمد يوم الجمعة.\nوكان سعيد بن المسيب، وعروة، والشعبي، وعبيد الله بن عبد الله، ونافع بن جبير، وأبوالمليح، والقاسم بن محمد، وأبو مجلز، ومكحول، ومالك، وابن عون، وسعيد بن أبي عروبة= يرون القراءة.\nوكان أنس وعبد الله بن يزيد الأنصاري يسبحان خلف الإمام).\nثم أسند عن جابر: اقرأْ في الظهر والعصر خلف الإمام، وعن ابن عمر وقد سئل عن القراءة خلف الإمام؛ فقال: ما كانوا يرون بأسًا أن يقرأ بفاتحة الكتاب في نفسه.\nثم أسند بعد ذلك كثيرًا من هذه الآثار، وأسند عن أمير المؤمنين علي: أنه كان يأمر ويحب أن يقرأ خلف الإمام في الظهر والعصر بفاتحة الكتاب وسورة سورة، وفي الأخريين بفاتحة الكتاب.\nوأسند عن عبد الله بن مغفَّل أنه كان يفعل ذلك.\nثم قال الشارح: (وقال ابن قدامة في «المغني»: وأيضًا فإنه إجماع؛ قال أحمد: ما سمعنا أحدًا من أهل الإسلام يقول: إنَّ الإمام إذا جهر بالقراءة لا","vol":"18","page":185},{"text":"تُجزئ صلاةُ من خلفه إذا لم يقرأ. وقال: هذا النبي وأصحابه والتابعون، وهذا مالك في أهل الحجاز، وهذا الثوري في أهل العراق، وهذا الأوزاعي في أهل الشام، وهذا الليث في أهل مصر = ما قالوا لرجل صلَّى وقرأ إمامه ولم يقرأ هو: صلاته باطلة).\nأقول: يريد: وقرأ إمامه جهرًا، كما لا يخفى. وبعد أن تواترت السنة عن النبي - ﵌ - الدالة على أنه لا تُجزئ صلاة من لم يقرأ بالفاتحة، ولم يثبت ما يُخرِج المأموم من هذا العموم؛ بل ثبت ما ينصُّ على أنه داخلٌ فيه، وثبت عن جماعة من الصحابة النصُّ على ذلك، وثبت مثل ذلك عن جماعة من أئمة التابعين، فلا معنى لكونهم لم ينصُّوا على أنَّ صلاة المأموم إذا لم يقرأها في الجهرية باطلة؛ لأنَّ ذلك من السنة المتوترة التي احتجُّوا بها.\nفمن زعم أنهم كلهم كانوا يقولون بوجوبها، ويقولون مع ذلك إذا تركها المأموم في الجهرية لا يعيد الصلاة= فعليه البيان، وإلَاّ فالظاهر بيد خصمه. نعم، لم يكونوا يشدِّدون على من رأوه لا يقرأ؛ لعلمهم أنَّ المسألة من مسائل الاجتهاد.\nوقد تقدَّم قول البخاري: «وقال مجاهد: إذا لم يقرأ خلف الإمام أعاد الصلاة»، وقال في موضع آخر: «وقال ابن عُليَّة عن ليث عن مجاهد: إذا نسي فاتحة الكتاب: لا تعدّ تلك الركعة».\nأقول: وأما مذهب أبي هريرة فمشهور.\nثم إنَّ من أصل الإمام أحمد الثابت عنه: أنَّ الإجماع لا يمكن العلم به، وإنما للعالم أن يقول: لا أعلم مخالفًا، ومن أصله: أن هذا لا يكون حجة يُردُّ بها كتاب الله تعالى وسنة رسوله - ﵌ -، والله تعالى أعلم.","vol":"18","page":186},{"text":"[ص ٥] ثم قال ابن قدامة: «ولأنها قراءة لا تجب على المسبوق؛ فلم تجب على غيره، كالسورة».\nأقول: إنما يصحُّ القياس لو ثبت أنَّ السقوط عن المسبوق لا علة له إلَاّ عدم الوجوب، وليس هذا بمسلَّم؛ بل العلَّة في سقوط الفاتحة عن المسبوق عند من يقول به هي التخفيف عنه، لئلَاّ تلزمه المشقة، مع أنه قد أدرك معظم الأركان. وعلى كل حال فهذا القياس معارض للنص؛ فهو فاسد الاعتبار.\nمع انَّ البخاري رحمه الله تعالى اختار أنَّ من أدرك الإمام راكعًا فركع معه لم تُحسَب له ركعة، ونقله عن جماعةٍ من الصحابة، وسيأتي تحقيقه إن شاء الله تعالى.\nقال الشارح: (ولأنَّ الفاتحة وسائر القرآن سواء في سائر الأحكام، فكذلك في الصلاة).\nأقول: يُطلَب جواب هذا القياس من الذي قال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ [الحجر: ٨٧]، والمراد بالسبع المثاني والقرآن العظيم: الفاتحة كما في الصحيح. والقائل: «قسمتُ الصلاة بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل»، ثم فسَّر الصلاة بالفاتحة. ومن القائل: «لا تُجزِي صلاةٌ لا يُقرأ فيها بأم القرآن».\nثم قال الشارح: (وقال الإمام أحمد ﵀ وغيره: إنه يُستحب أن يقرأ في سكتات الإمام وفيما لا يجهر فيه، وإنما ذهبوا إلى أن يقرأ فيما يجهر في سكتات الإمام، لئلا تلزم القراءة حين قراءة الإمام. وفي السر لم يطَّلِع المأموم على سكتات الإمام فيجب عليه أن لا يقرأ في السرِّ مطلقًا؛ لأنه","vol":"18","page":187},{"text":"يمكن أن تقع قراءته في وقت قراءة الإمام، وقد نُهِي عنه).\nقلت: قد بيَّنا فيما تقدَّم أنه لم يثبت دليل على منع المأموم من القراءة إلَاّ حديث عبادة: أنَّ النبي - ﵌ - قال: «لا تقرؤوا بشيءٍ من القرآن إذا جهرتُ، إلَاّ بأم القرآن؛ فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها».\nوأما ذهاب من ذهب إلى أنه يقرؤها في سكتات الإمام فذلك استحباب لاستماع قراءة الإمام مع التدبُّر التام ــ واستماع القرآن مع التدبُّر أمرٌ مستحبٌّ إجماعًا ولو في غير الصلاة ــ ولظنهم أنَّ في الآية أو بعض الأحاديث التي تقدّمت دلالة على إيجاب الإنصات.\nوقد بيَّنا أنه إن كان في الآية دلالة على وجوب الإنصات، فالمراد به أن يستمع جهرَ الإمام ولا يجهر، وقد عقَّبها ببيان ذلك، فأمرَ المأمورَ بالإنصات أن يذكر الله تعالى في نفسه دون الجهر. وكذلك تلك الزيادة: «وإذا قرأ فأنصتوا» إن صحَّت. ونحن نستحبُّ ذلك، ولكن إذا قصَّر الإمام في السكوت لم نترك الفريضة لأجل المستحب.","vol":"18","page":188},{"text":"ــ ٣ ــ\n[الأوراق بين: ٨٦ ــ ٨٧]\n[ص ١] بسم الله الرحمن الرحيم\nقد قدّمنا الكلام على ما أدرجه الشارح في الكلام على المسألة الأولى، من الكلام على المسألة الرابعة. وقد تكلَّم عليها ثانيًا في بابها الذي ترجم له الترمذي بقوله: (باب ما جاء في القراءة خلف الإمام) والباب الذي يليه، فسأقتصُّ أثره في هذين البابين، وأسأل الله تعالى التوفيق.\nقال عافاه الله: (قوله: «لا تفعلوا إلَاّ بأمِّ القرآن» فيه دلالةٌ على أنهم كانوا يقرؤون خلف الإمام غير أم القرآن ...، فنسخ من هذا اليوم قراءة غير أم القرآن خلف الإمام؛ أعني: فرضية غير أم القرآن الذي كان قراءته فرضًا قبل هذا).\nأقول: قد تقدَّم أنَّ قراءة شيءٍ من القرآن مع الفاتحة لم يكن فرضًا قط.\nوتقدَّم أنَّ حديث عبادة إنما نُهي فيه (^١) عن قراءة غير أم القرآن إذا جهر النبي - ﵌ -.\nوفي «سنن الدارقطني»: أخبرنا ابن صاعد ثنا عبيد الله بن سعد ثنا عمي ثنا أبي عن ابن إسحاق حدثني مكحول بهذا، وقال فيه: «إني لأراكم تقرؤون خلف إمامكم إذا جهر؟» قلنا: أجل والله يا رسول الله، هذًّا، قال: «فلا تفعلوا إلَاّ بأمِّ القرآن؛ فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها».\n_________\n(^١) في الأصل: «فيها».","vol":"18","page":189},{"text":"وكذا في روايات أخرى التقييد بالجهر.\nوسنعقد لهذا الحديث فصلًا مستقلًّا، إن شاء الله تعالى.\nوزَعْم الشارح أنَّ هذا الحديث ناسخٌ، فيه كلامٌ سيأتي قريبًا، إن شاء الله تعالى.\nقال الشارح: (قوله: «فإنه لا صلاة ...» إلخ؛ فيه دلالة على أنَّ قراءة أم القرآن خلف الإمام إنما هو لكونها فرضًا ... ثم نُسِخت فرضيتها أيضًا في الصلاة فيما بعد؛ كما رواه ... عن أبي هريرة: «أنَّ رسول الله - ﵌ - انصرف من صلاةٍ جهرَ فيها بالقراءة؛ فقال: هل قرأ معي أحدٌ منكم آنفًا؟ قال رجلٌ: نعم يا رسول الله، قال: إني أقول مالي أُنازَع القرآن». هذا لفظ النسائي).\nأقول: هذا حديث ابن أُكيمة، وقد تقدَّم الكلام عليه، وسأتتبَّعُ هنا كلام الشارح.\nقال: (الاستفهام فيه للإنكار).\nأقول: هذا إخراجٌ له عن حقيقته بلا دليل، وقد أجابه الرجل بقوله: نعم، أنا يا رسول الله. والاستفهام الإنكاري لا يستدعي الجواب.\nوالمتقدِّمون إنما فهموا النهي من الحديث من وجوهٍ أخر.\nأحدها: أنَّ الاستفهام يدلُّ أنهم لم يكونوا مأمورين بالقراءة قبل ذلك؛ إذ لو كانوا مأمورين بها لكان - ﵌ - عالمًا بأنهم يقرؤون، فكيف يستفهمهم؟\nوهذا الوجه يردُّ دعوى الشارح أنَّ هذا الاستفهام إنكاري؛ إذ كيف ينكر عليهم أمرًا عملوه طاعةً لله ورسوله، فلو أراد النسخ لقال: «كنتُ أمرتكم بالقراءة فلا تفعلوا» أو نحو ذلك.","vol":"18","page":190},{"text":"الوجه الثاني: قوله: «هل قرأ معي أحدٌ منكم»، ولو كانوا مأمورين قبل ذلك بالقراءة لَعَلِم - ﵌ - أنهم قرأوا كلهم؛ فكيف يقول: «هل قرأ معي أحدٌ منكم؟».\nالوجه الثالث: قوله: «وأنا أقول مالي أنازع القرآن»؛ وهذا تعجُّبٌ؛ كما قاله أهل المعاني وغيرهم في قوله تعالى: ﴿فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ﴾ [النمل: ٢٠].\nوهذا يدلُّ أنهم لم يكونوا مأمورين من قبل؛ إذ لو كان - ﵌ - يعلم أنهم كانوا مأمورين بالقراءة لعلم بأنهم [ص ٢] يقرؤون، ولو علم أنهم يقرؤون مع علمه أنّ القراءة توجب المنازعة لما كان هناك وجه للتعجُّب.\nفهذه الوجوه تدلُّ على أنهم لم يكونوا مأمورين بالقراءة قبل.\nفإما أن لا يكونوا أُمِروا قطُّ، وإما أن يكونوا أُمِروا أولًا ثم نُسِخ ذلك قبل هذه الواقعة. وعلى الثاني فيكون هذا الحديث دليلًا على سَبْقِ ناسخٍ، لا ناسخًا بنفسه كما زعمه الشارح.\nعلى أنه لو كان الاستفهام إنكاريًّا كما قاله الشارح لكان هذا المعنى بحاله؛ لأنَّ الاستفهام الإنكاري يُطلق في معنيين:\nالأول: الإنكار الإبطالي؛ وهو يقتضي أنَّ ما بعد أداة الاستفهام واقع، وأنّ مدَّعيه كاذب.\nالثاني: الإنكار التوبيخي؛ وهو يقتضي أنّ ما بعد أداة الاستفهام واقع، وأنَّ فاعله ملوم؛ قاله ابن هشام في «المغني» وغيره.","vol":"18","page":191},{"text":"فلو كان الاستفهام في الحديث إنكاريًّا كما قاله الشارح لكان فيه توبيخ وملامة للقاريء. وكيف يجوز أن يوبِّخهم ويلومهم على القراءة التي أُعْلِموا قبل ذلك بوجوبها عليهم، ولم يُنهَوا عنها إلى وقت الاستفهام؟\nفيجب إذنْ ما قدَّمناه؛ أنه إما أن لا يكونوا أُمِروا بالقراءة قطُّ، وإما أن يكونوا أُمِروا أولًا ثم نُسخ ذلك قبل هذه الواقعة، والله أعلم.\nالوجه الرابع: ما فيه من أنَّ قراءتهم معه - ﵌ - موجبة لأن ينازع القرآن، وإعلامه لهم بهذا ربّما يشعِر بالنهي. وفي هذا الأخير نظر، وإلَاّ لكان قوله في حديث عمران: «قد علمتُ أنَّ بعضكم خالجنيها» مُشعِرًا بالنهي أيضًا، والشارح لا يقول بذلك. وقد مرَّ قول قتادة: «لو كرهها لنهى عنها».\nوعندي أنَّ بينهما فرقًا سيأتي في المسألة الخامسة إن شاء الله تعالى.\nثم قال الشارح: (وفيه النهي عن القراءة مطلقًا).\nأقول: سيأتي الكلام على هذا قريبًا إن شاء الله تعالى.\nقال: (وحديث أبي هريرة هذا لا بدَّ أن يكون بعد حديث عبادة؛ لأنه لو كان حديث أبي هريرة قبل حديث عبادة يلزم أنَّ الصحابة يقرؤون خلف النبي - ﵌ - بعد نهيه عنها مطلقًا، وهو بعيد).\nأقول: ومتى ثبت أنَّ النهي في حديث ابن أُكيمة عن القراءة مطلقًا؟\nقال: (والقول بأنَّ المنازعة إنما تكون مع جهر المؤتمّ لا مع إسراره [لا يصحُّ]؛ لما روى مسلمٌ عن عمران بن حصين ...، والقراءة في الظهر تكون سرًّا باتفاق الأمة).","vol":"18","page":192},{"text":"أقول: لا حاجة إلى هذا الاستدلال؛ فإنَّ القائلين بأنَّ المؤتمَّ يقرأ يقولون: يقرأ سرًّا مطلقًا. والقائل بأنَّ المنازعة إنما تكون إذا جهر المأموم يقول: قد يخالف المأموم السنة فيرفع صوته.\nوقد مرَّ في الكلام على آية الإنصات ما رُوِي عن مجاهد: «كان رسول الله - ﵌ - يقرأ في الصلاة فسمع قراءة فتى من الأنصار ...».\nوما رُوي عن ابن مسعود: قال النبي - ﵌ - لقوم كانوا يقرؤون القرآن فيجهرون: «خلَّطتم عليَّ القرآن».\nوفي «سنن البيهقي»: عن أبي هريرة أنَّ ابن حذافة صلَّى فجهر بالقراءة؛ فقال له رسول الله - ﵌ -: «يا ابن حذافة! لا تُسمِعْني وأَسْمِع الله ﷿».\nوفي بعض روايات حديث عمران في «صحيح مسلم» ما يُشعِر بأنَّ الرجل رفع صوته بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، قال عمران: إنّ رسول الله - ﵌ - صلّى الظهر، فجعل رجلٌ يقرأ بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ الحديث.\nورأى القائل بأنَّ المنازعة لا تكون إلَاّ إذا جهر المأموم أنَّ المنازعة هي ما جرت به العادة، أنَّ الرجل إذا قرأ وكان رجلٌ آخر يقرأ بحيث يسمعه تختلط عليه القراءة.\nوفي هذا نظر. والذي يظهر أنَّ المخالجة والمنازعة والالتباس المذكورات في حديث عمران وابن أكيمة وعبادة أمرٌ روحاني كان يعرض للنبي - ﵌ - إذا قرأ سورة غير الفاتحة، وقرأها معه أحدٌ ممن يصلِّي خلفه. وسيأتي إيضاح هذا قريبًا، إن شاء الله تعالى.","vol":"18","page":193},{"text":"والدليل على أنَّ ذلك الأمر الروحاني كان يحصل ولو لم يرفع المأموم صوته قولُه - ﵌ - في حديث عبادة: «هل تقرؤون إذا جهرتُ بالقراءة؟» وفي حديث ابن أُكيمة: «هل قرأ معي أحدٌ منكم آنفًا؟» ثم قوله: «وأنا أقول مالي أُنازَع القرآن»\n[ص ٣] يريد ــ والله أعلم ــ: فأَنْصِتوا عما سوى الفاتحة، وقوله: «وإذا قرأ» أي: جهرًا؛ بحيث تسمعون صوته؛ بقرينة قوله: «فأنصتوا»، فإنَّ الإنصات عند أهل اللغة هو السكوت للاستماع، كما يأتي تحقيقه إن شاء الله تعالى.\nوبهذا تتفق الأدلة، ولله الحمد.\nما يحتجُّ به من قال: إنَّ المأموم لا يقرأ أصلًا\nاحتجُّوا بآية الإنصات، وبزيادة: «وإذا قرأ فأنصتوا» في حديث أبي موسى وحديث أبي هريرة.\n[ص ٢] ثم قال الشارح: (وكذا القول بأنَّ حديث أبي هريرة مختصر من حديث عبادة، والواقعة واحدة= لا يصحُّ؛ لأنه قول بلا دليل).\nأقول: دليله اتفاق الحديثين في أمور:\nالأول: في أنَّ الصلاة كانت الصبح.\nالثاني: في حديث عبادة: أنَّ القراءة ثقلت أو التبست على النبي - ﵌ -، وفي حديث أبي هريرة قوله - ﵌ -: «وأنا أقول مالي أنازع القرآن».\nوالمعنى واحد؛ في أنَّها ثقلت أو التبست عليه، وأنه نوزع فيها.","vol":"18","page":194},{"text":"الثالث والرابع: في حديث عبادة: «إني أراكم تقرءون وراء إمامكم؟ قال: قلنا: أجل والله يا رسول الله، إنا لنفعل هذًّا».\nوفي روايةٍ: «فلما انصرف أقبل علينا بوجهه؛ فقال: هل تقرءون إذا جهرت بالقراءة؛ فقال بعضنا: إنا نصنع ذلك».\nوفي روايةٍ عن النبي - ﵌ - أنه قال: «هل تقرءون في الصلاة معي؟، قلنا: نعم».\nوفي روايةٍ: «فلما انصرف قال: منكم من أحدٍ يقرأ شيئًا من القرآن إذا جهرت بالقراءة؟ قلنا: نعم».\nوفي حديث أبي هريرة: «هل قرأ معي أحدٌ منكم آنفًا؟، قال رجلٌ: نعم، أنا يا رسول الله».\nوفي روايةٍ: «هل قرأ منكم أحدٌ؟؛ فقالوا: نعم يا رسول الله».\nفها أنت ترى أنَّ المعنى واحدٌ. هو أن النبي - ﵌ - سألهم فأجابوا أو بعضهم بنعم.\nالخامس: في حديث عبادة: «فثقلت عليه القراءة».\nوفي روايةٍ: «فالتبست عليه القراءة».\nوفي حديث عبادة: «وأنا أقول مالي أنازع القرآن».\nوالمعنى واحدٌ؛ لأنه إذا نُوزِعَ القرآن ثقلت عليه القراءة والتبست.\nالسادس: في حديث عبادة: «فلا تفعلوا»، وفي حديث أبي هريرة: «وأنا أقول مالي أنازع القرآن؟»؛ والمعنى متقاربٌ؛ لما قدَّمنا أنَّ هذا التعجُّب","vol":"18","page":195},{"text":"مشعرٌ بالنهي.\nولم يختلف الحديثان إلَاّ في أمرٍ واحدٍ؛ وهو أنَّ في حديث عبادة استثناء الفاتحة، ولم يذكر هذا في حديث أبي هريرة.\nولكن حديث أبي هريرة بيَّن أنَّ النبي - ﵌ - إنما سألهم: هل قرأ أحد منهم معه السورة بعد الفاتحة؟\nوهذا مما فتح الله به عليَّ، ولله الحمد.\nوهو واضحٌ جدًّا، وذلك أنَّ قراءة الفاتحة كانت مفروضة على المأمومين قبل ذلك، والشارح معترفٌ بهذا.\nفمن المحال أن يكون النبي - ﵌ - يعلم أنَّ الفاتحة مفروضة عليهم، ومع ذلك يسألهم: هل قرأ أحدٌ منكم معي آنفًا؛ يريد هل قرأ الفاتحة أو غيرها.\nفتعيَّن أنَّ المراد: هل قرأ أحدٌ منكم معي ما قرأته بعد الفاتحة؛ لأنهم لم يكونوا مأمورين بقراءة غير الفاتحة، كما بيَّناه من قبل.\nفكان محتملًا فقط أنَّ بعضهم قرأ؛ فلهذا سألهم النبي - ﵌ - ذلك السؤال، فعلم الصحابة ﵃ أنَّ النبي - ﵌ - لم يكن ليسألهم هل قرؤوا قراءةً مطلقًا، كيف وهو - ﵌ - يعلم أنَّ الفاتحة فرضٌ عليهم، لا بد أن يقرؤوها.\nفعلموا أنه إنما يريد: هل قرأ أحدٌ منكم معي ما قرأته بعد الفاتحة؛ فقال رجلٌ: نعم أنا يا رسول الله؛ فقال: وأنا أقول: مالي أنازع القرآن؛ فأشعرَ هذا بالنهي عن أن يتحرَّى إنسانٌ فيقرأ مع النبي - ﵌ - ما يقرأه بعد الفاتحة.","vol":"18","page":196},{"text":"فإنَّ قوله «معي» يشعر بأنَّ المراد: قرأ عين ما قرأته، ويؤيِّد ذلك ما تقدَّم في الكلام على حديث عمران.\nوإنما صرَّح في حديث عمران بقوله: «هل قرأ أحدٌ منكم بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾» لأنه - ﵌ - قرأها سرًّا، لأن الصلاة كانت ظهرًا، فلو قال: هل [قرأ] أحدٌ منكم معي؟ لما عُلِم المقصود.\nوأما في حديث أبي هريرة فإنَّ قراءته - ﵌ - كانت جهرًا، فاكتفى بقوله: هل قرأ أحدٌ منكم معي؛ لأنهم يعلمون ما قرأ، بأبي هو أمي.\nينجبر ذلك بما عُرِف من مذهبه، وفي «صحيح مسلم»: «... فقيل لأبي هريرة: إنا نكون وراء الإمام؟ قال: اقرأ بها في نفسك ...».\nوفي روايةٍ للحميدي على شرط مسلمٍ: «... قلت يا أبا هريرة: إني أسمع قراءة الإمام، فقال: يا فارسي، أو يا ابن الفارسي، اقرأ بها في نفسك».\nومذهبه في ذلك مشهور.\nومذهب أبي حنيفة رحمه الله تعالى أنَّ فتوى الراوي بخلاف ما روى يمنع الاستدلال بما روى.\nوأما الشافعي وأئمة الحديث فالعبرة عندهم بما روى، ولكنهم لا ينكرون أنَّ مخالفته لمرويِّه تُورِث فيه شبهةً.\n[الأوراق بين: ٩٠ ــ ٩١]\nفإذا انضمَّ إلى رأيه دليل آخر لم يمتنعوا من ردِّ روايته حينئذٍ أو تأويلها.\nوالقرائن التي قدَّمناها يحصل بها أو بدونها غلبة الظن باتحاد القصة، ومثل ذلك كافٍ في الدلالة عند أهل العلم.","vol":"18","page":197},{"text":"وغاية الأمر أنَّ عبادة زاد زيادة سكت عنها أبو هريرة، ولكنه كان يفتي بمقتضاها.\nهذا مع أنَّ ابن أكيمة ليس بالمشهور.\nوقد قال فيه ابن سعد: «روى عنه الزهري حديثًا واحدًا، ومنهم من لا يحتجُّ بحديثه، ويقول هو مجهول».\nوقال أبو بكر البزَّار: «ابن أُكيمة ليس مشهورًا بالنقل، ولم يحدِّث عنه إلَاّ الزهري، وقال الحميدي: هو رجلٌ مجهول».\nوقدَّمنا أنَّ من قوَّاه استند إلى مستند ضعيف؛ وهو أنه حدَّث سعيد بن المسيِّب والزهري يسمع.\nفمثل هذا إذا روى حديثًا عن صحابي، وكان ذلك الحديث مخالفًا لمذهب ذلك الصحابي، وكان لمذهب ذلك الصحابي دليل ثابت لم يشكَّ متدبِّر في وجوب ردِّ تلك الرواية أو تاويلها، والتأويل هنا قريب.\nوكأنَّ أبا هريرة كان بعيدًا في تلك القصة؛ فسمع بعض كلام النبي - ﵌ -، وخفي عليه آخره، فأخبره غيره من الصحابة بحاصله.\nولذلك ــ والله أعلم ــ ترك رواية القصة فلم يروِها عنه أصحابه المشهورون، وعددهم لا يحصى، وروايتهم عنه مملوءة بها كتب الحديث.\nوحدَّث بها مرَّةً واحدةً سمعها منه هذا الرجل إن كان سمعها، وعسى أن يكون أبو هريرة لما ذكرها ذكر معها ما يدلُّ على استثناء الفاتحة، فلم يحفظه ابن أكيمة، والله أعلم.","vol":"18","page":198},{"text":"فإن قيل: هب أنَّ القصة واحدة فإنَّ في حديث عبادة زيادة معارضة لما يفهم من حديث أبي هريرة من الإطلاق.\nقلت: غايته أنه يجب الترجيح بينهما، ولا ريب أنَّ حديث عبادة أرجح؛ لأنَّ سنده أثبت، ولأنَّ راويه ــ وهو عبادة ــ كان يعمل ويفتي على وفقه، وأبو هريرة كان يعمل ويفتي على خلاف إطلاق حديثه.\nوحديث عبادة موافق لقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ﴾ [الأعراف: ٢٠٥]، على ما تقدَّم في الكلام على آية الإنصات.\nوموافق لحديث عمران بن الحصين.\nوموافق لعموم دلائل وجوب الفاتحة، وغير ذلك.\nوله شواهد من حديث أنس، وعبد الله بن عمرو، وغيرهما، سنذكرها فيما بعد إن شاء الله تعالى.\nفإن لم تقنعك الدلائل المتقدِّمة على اتحاد القصة أو ردِّ رواية ابن أكيمة فلا علينا أن نجاريك في ذلك؛ فنقول: هب أنَّ حديث ابن أكيمة ثابت، وأنهما واقعتان.\nفلا يخلو أن يكون حديث عبادة متقدِّمًا أو متأخرًا.\nفإن كان متقدِّمًا فهو مخصِّص لحديث أبي هريرة؛ على قول الشافعية والجمهور إن العام المتأخر لا ينسخ الخاص المتقدِّم؛ بل يُعمل بهما معًا، فيُحمَل الخاص على خصوصه، والعام على ما بقي.\nوإن كان حديث عبادة متأخرًا فهو ناسخٌ لحديث أبي هريرة عند","vol":"18","page":199},{"text":"الحنفية، وناسخٌ أو مخصِّصٌ عند غيرهم.\nفإن قلت: أنا أختار أنه متقدِّمٌ، وأقول بمذهب الحنفية؛ أنَّ العام المتأخر ينسخ الخاص [ص ٢٠] المتقدَّم.\nقلنا: فما دليلك على تقدُّم حديث عبادة؟\nقال الشارح: (لأنه لو كان أبو هريرة قبل حديث عبادة يلزم أنَّ الصحابة يقرؤون خلف النبي - ﵌ - بعد نهيه عنها، وهو بعيد).\nقلنا: فقد بقي أبو هريرة نفسه يفتي بالقراءة بعد النبي - ﵌ -، هذا وهو راوي الحديث. وهكذا عبادة؛ بقي بعد النبي - ﵌ - يقرأ وراء الإمام في ما يجهر فيه الإمام، ويفتي بذلك. فما بالك بغيرهما؟\nولعلهم لم يفهموا مما رواه أبو هريرة نهيًا؛ لأنه ليس بصريح. ولعلَّ من قرأ منهم في حديث عبادة لم يكن سمع الحديث الذي رواه أبو هريرة، وقد بقي بعد النبي - ﵌ - طائفة من جلَّة الصحابة ــ منهم أمير المؤمنين عمر، وسيِّد المسلمين أبي بن كعب، وغيرهما ــ يقرؤون خلف أئمتهم ويفتون بذلك. وقد تقدَّم كلام البخاري رحمه الله تعالى، وسيأتي زيادة عليه إن شاء الله تعالى.\nوفي كتاب «الاعتبار» للحازمي فصل نقله عن الحميدي، أوضح فيه أنَّ حديث عبادة هو الناسخ لحديث أبي هريرة؛ فانظره فيه إن شئت.\nوأنت إذا تدبَّرت ما ذكرناه وآثرت الحق فلا أقلَّ من أن تتوقَّف عن الحكم لأحد الحديثين بالتقدُّم.\nوعلى هذا فمذهب الشافعي وجمهور العلماء رحمهم الله تعالى حمل","vol":"18","page":200},{"text":"العام على الخاص؛ فيعمل بالخاص في خصوصه، وبالعام فيما سواه، ومذهب الحنفية التوقُّف، والعمل بالراجح. وقد قدَّمنا أنَّ حديث عبادة هو الراجح.\nهذا كلَّه مجاراة، والصواب ما قدَّمناه: أنَّ الحديثين عن قصة واحدة، والله أعلم.\nثم قال الشارح: (وحملُ حديث أبي هريرة على ما عدا الفاتحة تعسُّف؛ بل علة الشارع فيه العموم؛ لأنَّ الشارع منع عن القراءة مطلقًا، وبيَّن علَّة النهي المنازعة. وقراءة الفاتحة وغيرها مشتركة في المنازعة؛ سواء فيها بدون فرق، فهذه العلَّة تجري في قراءة الفاتحة كما تجري في قراءة غيرها، سواء بسواء).\nأقول: إنما التعسُّف ما كان بغير حجَّة، وقد قدَّمنا الحجة في ذلك، ولو لم يكن على الحمل المذكور دليل إلَاّ ما عُرِف من فتوى أبي هريرة لكان كافيًا لمنع الشارح عن أن يقول: تعسف؛ لأنَّ مذهب إمامه أنَّ فتوى الراوي بخلاف مرويِّه تمنع الاحتجاج بمرويِّه. والشارح نفسه قد احتجَّ بمثل هذا؛ كما سيأتي نقله إن شاء الله تعالى.\nوأما قوله: (إنَّ الشارع بيَّن أنَّ العلَّة المنازعة، وهي موجودة في قراءة الفاتحة)؛ فهذه دعوى لا دليل عليها؛ لأنّ المنازعة على ما يقتضيه صنيع الشارح فيما مرَّ، وهو الذي يظهر لي أمرٌ روحاني كان يعرض للنبي - ﵌ - عندما يقرأ المأمومون معه.\nولسنا ندري هل كان يعرض له إذا قرأ المأمومون الفاتحة، أم كان لا يعرض له إلَاّ إذا قرأوا غيرها، أم كان لا يعرض له إلَاّ إذا قرأ أحد المأمومين","vol":"18","page":201},{"text":"عين السورة التي يقرأها النبي - ﵌ - بعد الفاتحة؛ كما يؤخذ من حديث عمران، على القول بأنَّ الذي قرأ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ قرأها سرًّا. فمن أين له الجزم بأنَّ المنازعة تقع بقراءة الفاتحة كما تقع بغيرها؟\n[ص ١٩] فإن قال: أخذته من إطلاق الحديث، فإنه سألهم: هل قرأ معي أحد منكم آنفًا؟ فقال رجل: نعم يا رسول الله، قال: إني أقول مالي أنازع القرآن.\nفالجواب: أنَّ النبي - ﵌ - ليسألهم هذا السؤال (^١).\n_________\n(^١) بعده بياض كبير في بقية الصفحة.","vol":"18","page":202},{"text":"ــ ٤ ــ\n[ص ١٢] مع أنَّ قوله - ﵌ -: «هل قرأ معي أحدٌ منكم آنفًا» مخاطبة لهم في قضية عرضت، وليس من الكلام الذي يُقصد به تأسيس أصل شرعي، كقوله: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب»، وقوله: «كل صلاة لا يُقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج»، ونحو ذلك.\nوكلام النبي - ﵌ - كله حقٌّ، ولكن الكلام الذي تؤسَّس به قاعدة شرعية يحتاط له مالا يحتاط لما كان من المخاطبات العارضة. فإنه قد يعتمد في هذه على قرائن يعلمها المخاطب، وإن لم يدلَّ عليها اللفظ.\nوقد علمت أنَّ ترك لفظ «قرأ» على إطلاقه يستدعي افتراض ناسخ ينسخ تلك القواعد الشرعية الكلية. ومثل هذا الافتراض لا يثبت بمجرد ذلك الظاهر الضعيف؛ فقد بان الصبح لذي عينين.\nفإن لم يُقنِعك ما ذكرنا فأقل ما يجب عليك أن تعلم أنك إذا لم تستبعد أن يكون حديث ابن أُكيمة ناسخًا لوجوب الفاتحة، وناهيًا عنها وراء الإمام، مع أنَّ جمهور الصحابة ــ ومنهم أبو هريرة راويه ــ لم يزالوا بعده يقرؤون الفاتحة وراء الإمام ويفتون بذلك= فليس لك أن تستبعد أن يبقى بعضهم بعده يقرؤون غير الفاتحة بعد الإمام، وإذا لم يكن لك أن تستبعد هذا لم يبق بيدك دليل على تأخر حديث ابن اكيمة عن حديث عبادة؛ لأنك إنما احتججت على تأخره بقولك: (لأنه لو كان حديث أبي هريرة قبل حديث عبادة يلزم أن الصحابة يقرؤون خلف النبي - ﵌ - بعد نهيه عنها مطلقًا، وهو بعيد).","vol":"18","page":203},{"text":"وإذا سقط دليلك على تأخره فقد احتجَّ الحميدي على تقدُّمه ــ كما نقله الحازمي في الاعتبار ــ بأنَّ مذهب راويه أبي هريرة يدلُّ على تقدُّمه، ويقوِّيه ما عرفت من موافقة جمهور الصحابة له.\nلعلك تقول: هذا هو الدليل الأول الذي لم أقنع به.\nفنقول: لا حرج، هَبْ أنه لم يقم دليل على تقدّمه ولا تأخره؛ فإنه يُرجع حينئذٍ إلى الترجيح. ولا شكَّ أنَّ حديث عبادة وشواهده أرجح مع ما يعضده من النصوص العامة الثابتة في الصحيحين أو أحدهما.\nفأما قول الشارح: (إنَّ علة النهي المنازعة، وهي تحصل بالفاتحة كما تحصل بغيرها)؛ فإن كان مقصوده تأكيد ما قاله من أنَّ لفظ «قرأ» مطلق، فالذي قدمناه من أنَّ المراد به قراءة غير الفاتحة أقوى وأوضح. مع أنَّ المنازعة كانت موجودة في حديث عبادة، وقد صرَّح فيه باستثناء الفاتحة.\nوإن كان مقصوده أنه إن سلَّم أن لفظ «قرأ» عنى به قراءة غير الفاتحة؛ فتلحق الفاتحة بالنهي قياسًا؛ لأنَّ علة النهي المنازعة، وهي موجودة في قراءة الفاتحة. فالجواب: لا نسلَّم أن المنازعة هي علة النهي.\nلِم لا تكون العلة هي الإخلال بالاستماع لغير موجب، وإنما ذكر المنازعة في الحديث لأنه استدلّ بها على أنَّ بعض من خلفه قرأ بغير الفاتحة.\nأو يكون كل من المنازعة والإخلال المذكور جزء علَّة، والعلَّة مجموعهما.\nولو سلَّمنا أنَّ المنازعة هي العلَّة فنقول: قد أثبتنا أنَّ القراءة المنصوصة","vol":"18","page":204},{"text":"هي قراءة غير الفاتحة، وقراءة غير الفاتحة غير واجبة؛ فينبغي أن يُلحظ هذا الوصف؛ فيقال: المنازعة لغير موجب.\nولو سلَّمنا إلغاء هذا الوصف، وثبوت أنَّ العلَّة هي المنازعة مطلقًا فلا نسلِّم أنها كانت تحصل منازعة بسبب قراءة الفاتحة.\nولا يلزم من حصول المنازعة بغير الفاتحة حصولها بالفاتحة؛ لأنَّ المنازعة أمرٌ روحاني لا يدرك بالقياس.\nولو سلَّمنا حصول المنازعة بالفاتحة فغايته أن ينتظم القياس، ولكنه يكون فاسد الاعتبار؛ لمعارضته النص في حديث عبادة على وجوب الفاتحة، ولو أدَّت إلى المنازعة، والقياس لا ينسخ النص.\nولو فرضنا أنَّ النبي - ﵌ - نهى المقتدين به عن قراءة الفاتحة معللًا ذلك بالمنازعة فلا يلزم من ذلك عدم وجوب الفاتحة على المأموم مطلقًا؛ لاحتمال أنها سقطت عنهم دفعًا للمنازعة، كما يسقط القيام عن العاجز.\nوعلى هذا فلا يدلُّ ذلك إلا على سقوط الفاتحة عن المقتدي برسول الله - ﵌ -؛ لأنَّ المنازعة مخصوصة به - ﵌ -، فأما غيره فإنه لا يحسُّ بمنازعة، كما هو مشاهد.\nوالحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، والله أعلم.\nثم قال الشارح: (وكذا القول بنسخ حديث أبي هريرة لا يصحُّ؛ لما بيَّنا أنَّ حديث أبي هريرة بعد حديث عبادة).\nأقول: قد تقدَّم أنَّ ما استُدِلَّ به على تأخر حديث أبي هريرة يدلُّ على وجوب حمله على ما دون الفاتحة؛ بل دلالته على هذا أوضح.","vol":"18","page":205},{"text":"فإن أصرَّ على الاستدلال بذلك الدليل لزمه حملُ الحديث على ما دون الفاتحة، وإن ترك الاستدلال لزمه نسخ حديث أبي هريرة أو تأويله أو سقوطه لرجحان معارضه، (أشقرُ إن تقدّم تُنحَرْ، وإن تأخر تُعقَرْ).\nثم قال: (وأما ما قيل إنَّ أبا هريرة أفتى بقراءة الفاتحة خلف الإمام ففيه أن لا حجة في قول أحد بمقابلة الحديث المرفوع، ولا يكون عمل الراوي خلاف روايته دليلًا على ضعفه ...).\nأقول: لم يعارض ذلك القائل الحديث بقول الصحابي، وإنما استدلَّ بمذهب أبي هريرة على ضعف الحديث أو تأويله أو نسخه.\nومثل هذا الاستدلال صحيح عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى.\nوأما الشافعي والمحدِّثون فالعبرة عندهم بما روى دون ما رأى، ولكنهم لا ينكرون أنَّ فتوى الراوي بخلاف روايته يورث الرواية وهنًا ما؛ فإذا انضمَّ إليه موهنٌ آخر قوي الوهَن، إلى أن تسقط الرواية أو تؤوَّل، وقد تقدَّم هذا المعنى.\nثم قال: (فثبت بحديث أبي هريرة النهي عن قراءة الفاتحة خلف الإمام، وهو دليل على نسخ ركنيتها).\nأقول: قد علمت جوابه، وقد أسلفنا في أواخر الكلام على المسألة الأولى أنه لو فُرِض ثبوت نهي المأموم عن قراءة الفاتحة لما دلَّ ذلك على نسخ ركنيتها مطلقًا؛ كمطلق القراءة عند الحنفية.\n[ص ٣١] ثم قال: (وعلى هذا إجماع، قال ابن قدامة في المغني: وأيضًا فإنه إجماع، قال أحمد: ما سمعنا أحدًا من أهل الإسلام ...).","vol":"18","page":206},{"text":"أقول: قد تقدَّم نقل هذا الكلام وجوابه.\nثم قال: (وإذا ثبت أنَّ صلاة من لم يقرأ خلف إمامه في الجهرية لم تبطل فعلم به أنَّ الفاتحة ليست بركن).\nوقد مرَّ جوابه في الكلام على المسألة الأولى.\nثم ذكر زيادة: «وإذا قرأ فأنصتوا».\nوقد مرَّ بيانُ ضعفها من الطريقين، وأنها لو صحَّت في حديث أبي هريرة تكون منسوخة بحديث عبادة وغيره، وأما في حديث أبي موسى فعلى أصول الحنفية تسقط لمعارضتها لعموم الأحاديث الصحيحة في إيجاب الفاتحة، والتاريخ مجهول. وأما على أصول الشافعية وغيرهم فيكون الأمر بالإنصات محمولًا على الإنصات عن غير الفاتحة، وإنما يكون الإنصات إذا سمع قراءة الإمام كما قدمناه.\nوالشافعية يقولون بهذا: إنَّ المأموم إذا كان يسمع صوت الإمام في الجهرية يقرأ الفاتحة فقط، ثم ينصت لقراءة الإمام.\nوبذلك يحصل الجمع بين هذه الزيادة إن صحَّت وبين سائر الأدلة، والله أعلم.\nثم أعاد الاستدلال بآية الانصات، وحديث المسيء صلاته، وحديث أبي هريرة: «لا صلاة إلَاّ بقراءة» على نسخ ركنية الفاتحة.\nوقد مرَّ الكلام على ذلك كله.\nثم ذكر حديث: «من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة».","vol":"18","page":207},{"text":"ــ ٥ ــ\nفاستمع الآن ما يلقى إليك:\nقد ثبت بالثلاثة الوجوه الأولى أن هذا الحديث يدل أنَّهم لم يكونوا قبله مأمورين بالقراءة؛ بل إما أن لا يكونوا أُمِروا بها قط، وإما أن يكونوا أُمروا بها أولًا، ثم نُهوا عنها قبل هذا الحديث.\nإذا تقرَّر هذا فقد علمت أنَّ أحاديث وجوب الفاتحة عامة تتناول المأموم وإن جهر الإمام.\nوقد نصَّ على وجوبها على المأموم وإن جهر الإمام في حديث عبادة.\nفحديث ابن أُكيمة لا يخلو أن يكون قبلها أو بعدها؛ فإن كان قبلها فهو منسوخٌ بها قطعًا، وإن كان بعدها فلا.\nفالثلاثة الوجوه المتقدمة توجب أحد أمرين:\nإما أن يكون المراد بالقراءة التي سألهم عنها ما يصدق على الفاتحة، ويكون قد سبقه ناسخٌ لوجوب الفاتحة.\nوإما أن يُحمل قوله: «هل قرأ معي أحد منكم» على قراءة غير الفاتحة، وتكون القرينة علمهم بأن النبي - ﵌ - يعلم أنَّ الفاتحة كانت واجبةً عليهم، وأنهم لا يدعونها.\nفهذا يمنع أن يستفهمهم هل قرأ أحد منهم ويريد الفاتحة أو ما يصدق بها، ويمنع أن يتعجَّب من المنازعة التي تحصل بقراءتهم الفاتحة.\nوإذن يعلمون أنه - ﵌ - إنما عنى غير الفاتحة؛ فتدبَّر هذا الكلام جيدًا.","vol":"18","page":208},{"text":"وإذ قد تعيَّن أحد هذين الاحتمالين فلْننظر أيهما أرجح، سائلين الله تعالى التوفيق.\nقد يقال: مما يرجِّح الأول أنَّ فيه إبقاء لفظ «قرأ» على إطلاقه.\nوفيه نظر من وجهين:\nالأول: أنَّ من كلامه - ﵌ - ما يُساق مساق التشريع العام؛ كقوله: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب».\nوقوله: «كل صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج»، ونحو ذلك.\nومنه ما يكون محاورة لبعض أصحابه؛ كهذا الحديث.\nفما كان من قبيل الأول فهو الذي ينبغي أن يحافظ على إطلاقه وعمومه وغير ذلك.\nوما كان من الثاني فالمدار فيه على العلم بالقرائن التي كانت عند المخاطب.\nالوجه الثاني: أنَّ إبقاءه على إطلاقه يتوقَّف على افتراض تقدُّم ناسخ ينسخ تلك النصوص.\nولا شك أنَّ صرفه عن إطلاقه أهون من ذلك الافتراض.\nومما يرجِّح الثاني أنَّ أبا هريرة راوي الحديث ممن يفتي بوجوب الفاتحة خلف الإمام وإن جهر.\nوهذا يدلُّ أنه كان عنده حين سماعه قرينة صارفة عن الإطلاق.\nووافقه جماعة من الصحابة؛ منهم أمير المؤمنين عمر، وأمير المؤمنين","vol":"18","page":209},{"text":"علي في إحدى الروايتين عنه، وأم المؤمنين عائشة، وسيِّد المسلمين أبي بن كعب، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، والإمام الجليل عبد الله بن مسعود في إحدى الروايتين، وحبر الأمة عبد الله بن عباس، وأنس بن مالك، وعبد الله بن عمرو، وعبد الله بن مغفَّل.","vol":"18","page":210}]}