{"ً":{"ٌ":461,"ٍ":"صيام ستة أيام من شوال - ضمن «آثار المعلمي»","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"files":["https://archive.org/download/moalemee/18_137198s.pdf"]},"ّ":"الكتاب: صيام ستة أيام من شوال\n[آثار عبد الرحمن بن يحيى المعلمي اليماني (١٨)]\nالمؤلف: عبد الرحمن بن يحيى المُعَلِّمي اليماني (١٣١٣ - ١٣٨٦ هـ)\nالمحقق: محمد عزير شمس\nراجعه: محمد أجمل الإصلاحي - سليمان بن عبد الله العمير\nالناشر: دار عالم الفوائد للنشر والتوزيع\nالطبعة: الأولى، ١٤٣٤ هـ\nقدمه للشاملة: مؤسسة «عطاءات العلم»، جزاهم الله خيرا\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":178,"ٕ":19,"ٖ":1780758644,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["18"],"ٚ":[{"title":"مناسبة تاليفها","level":1,"page":2},{"title":"الرد على من يقول: إن صيامها بدعة، وإن حديثها موضوع","level":2,"page":2},{"title":"لم ينقل عن أحد من أهل العلم أنه أنكر صحة الحديث","level":2,"page":2},{"title":"ذكر عشرة من الصحابة روي عنهم هذا الحديث","level":2,"page":3},{"title":"الفصل الأول: في حديث أبي أيوب","level":1,"page":4},{"title":"الكلام على أحد رواته سعد بن سعيد الأنصاري","level":2,"page":5},{"title":"الفصل الثاني: في حكم الحديث","level":1,"page":11},{"title":"تصحيح الحديث عن الأئمة","level":2,"page":11},{"title":"كلام الإمام الترمذي وغيره","level":2,"page":11},{"title":"الفصل الثالث: في المتابعات","level":1,"page":14},{"title":"سردها والكلام عليها","level":2,"page":14},{"title":"الفصل الرابع: حديث ثوبان","level":1,"page":23},{"title":"الكلام على أحد رواته يحيى بن حمزة، ومتابعاته","level":2,"page":24},{"title":"الفصل الخامس: حديث أبي هريرة","level":1,"page":30},{"title":"الفصل السادس: في حديث جابر","level":1,"page":34},{"title":"الفصل السابع: في بقية الأحاديث","level":1,"page":38},{"title":"الفصل الثامن: في الآثار","level":1,"page":42},{"title":"الفصل التاسع: في مذاهب الفقهاء","level":1,"page":44},{"title":"قول الإمام مالك: إنه لم ير أحدا من أهل العلم والفقه يصومها","level":2,"page":44},{"title":"ترك أكثر الناس العمل بالشيء لا يدل على أنه ليس بسنة","level":2,"page":47},{"title":"الفصل العاشر: في معنى الحديث","level":1,"page":51}],"ٛ":{"18,219":1,"18,221":2,"18,222":3,"18,223":4,"18,224":5,"18,225":6,"18,226":7,"18,227":8,"18,228":9,"18,229":10,"18,230":11,"18,231":12,"18,232":13,"18,233":14,"18,234":15,"18,235":16,"18,236":17,"18,237":18,"18,238":19,"18,239":20,"18,240":21,"18,241":22,"18,242":23,"18,243":24,"18,244":25,"18,245":26,"18,246":27,"18,247":28,"18,248":29,"18,249":30,"18,250":31,"18,251":32,"18,252":33,"18,253":34,"18,254":35,"18,255":36,"18,256":37,"18,257":38,"18,258":39,"18,259":40,"18,260":41,"18,261":42,"18,262":43,"18,263":44,"18,264":45,"18,265":46,"18,266":47,"18,267":48,"18,268":49,"18,269":50,"18,270":51,"18,271":52,"18,272":53,"18,273":54},"ٜ":{"18":[219,273]},"ٝ":["18,219","18,221","18,222","18,223","18,224","18,225","18,226","18,227","18,228","18,229","18,230","18,231","18,232","18,233","18,234","18,235","18,236","18,237","18,238","18,239","18,240","18,241","18,242","18,243","18,244","18,245","18,246","18,247","18,248","18,249","18,250","18,251","18,252","18,253","18,254","18,255","18,256","18,257","18,258","18,259","18,260","18,261","18,262","18,263","18,264","18,265","18,266","18,267","18,268","18,269","18,270","18,271","18,272","18,273"],"ٞ":{"2":[1,2,3],"3":[4],"4":[5],"5":[6],"11":[7,8,9],"14":[10,11],"23":[12],"24":[13],"30":[14],"34":[15],"38":[16],"42":[17],"44":[18,19],"47":[20],"51":[21]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"الرسالة السابعة والعشرون\nصيام ستة أيام من شوال","vol":"18","page":219},{"text":"[ص ١] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\nالحمد لله رب العالمين حمدًا يُوافي نِعَمَه ويكافئ مزيدَه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه.\nأما بعد، فإنني سُئلتُ عن صيام ستة أيام من شوال، وذُكِر لي عن رجلٍ من ذوي الفضل والصلاح أنه يقول: إن صيامها بدعة، وإن حديثها موضوع، لأنه تفرد به سعد بن سعيد الأنصاري، وقد طعن فيه أئمة الحديث.\nفأقول: أما قوله: \"إن صيامها بدعة\" فيُبطله ما ستعلمه من صحةِ الحديث وعملِ بعض الصحابة والتابعين به، وإطباقِ المذاهب على استحباب صيامها.\nوأما قوله: \"إن الحديث موضوع\" فعجيب، فإن أئمة الحديث منهم من صرَّح بصحته، ومنهم مَن عمل به وأفتى واقتضى ذلك تصحيحَه له، ومنهم من رواه ووثَّق رواته، ومنهم من بلغه ذلك ولم يأتِ عنه إنكارٌ له، اللهم إلّا عبارة لمالك ﵀ يُعلَم بتدبُّرها أنها لا تُخالف ذلك. ولم أر في كتب فقه الحديث نقلًا عن أحدٍ من أهل العلم أنه أنكر صحةَ الحديث فضلًا عن القول بأنه ضعيف، إلَّا أن يتردّد فيه بعضهم بالنظر إلى طُرقه. نعم قال التقي السبكي: \"قد طعن في هذا الحديث مَن لا فهمَ له، مغترًّا بقول الترمذي: إنه حسن\". ذكره في \"سبل السلام\" (^١)، ثم قال: فوجهُ الاغترار أن الترمذي لم\n_________\n(^١) (٢/ ١٦٧) ط. دار الفكر.","vol":"18","page":221},{"text":"يصفه بالصحة بل بالحسن، وكأنه في نسخةٍ، والذي رأيناه في \"سنن الترمذي\": \" ... حديث أبي أيوب حديث حسن صحيح\" (^١).\nأقول: وهكذا هو في النسخ المطبوعة على اختلاف طبعها: \"حسن صحيح\". والظاهر اتفاق النسخ على ذلك. وكأنَّ المغترَّ إنما بنى اغتراره على ما قيل: إن كلمة \"حسن صحيح\" دون كلمة \"صحيح\" فقط، والصواب أنها مثلها بل أعلى منها. وتقرير ذلك له موضع آخر.\nفأما القول بأنه موضوع فلا يُتصوَّر أن يصدر عن عارفٍ بالحديث، وأعجب من ذلك توجيه وضعه بأنه تفرد به سعد بن سعيد. وستعلم حالَ سعد وتعلم طرقَ الحديث.\nفأقول: قد رُوي هذا الحديث عن جماعة من الصحابة ﵃ عن النبي - ﵌ -، وقفتُ على رواية عشرةٍ منهم، وهم: أبو أيوب الأنصاري، وثوبان مولى رسول الله - ﵌ -، وأبو هريرة حافظ الأمة، وجابر بن عبد الله، والبراء بن عازب، وابن عمر، وابن عباس، وغنَّام والد عبد الرحمن بن غنّام، ورجل لم يُسمَّ، وأم المؤمنين عائشة. وأرتِّب الكلام على فصول:\n_________\n(^١) \"سبل السلام\" (ج ١ ص ٢٣٦). [المؤلف].","vol":"18","page":222},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5>الفصل الأول\nفي حديث أبي أيوب</span>\nقال الإمام مسلم بن الحجاج في \"صحيحه\" (^١): حدثنا يحيى بن أيوب وقتيبة بن سعيد وعلي بن حُجر جميعًا عن إسماعيل، قال ابن أيوب: حدثنا إسماعيل بن جعفر أخبرني سعد بن سعيد بن قيس عن عمر بن ثابت بن الحارث الخزرجي عن أبي أيوب الأنصاري ﵁ أنه حدَّثه أن رسول الله - ﵌ - قال: \"من صام رمضان ثم أَتبعَه ستًّا من شوال كان كصيام الدهر\".\nوحدثنا ابن نمير حدثنا أبي حدثنا سعد بن سعيد أخو يحيى بن سعيد أخبرنا عمر بن ثابت أخبرنا أبو أيوب الأنصاري ﵁ قال: سمعتُ رسول الله - ﵌ - يقول بمثله.\nوحدثناه أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا عبد الله بن المبارك عن سعد بن سعيد قال: سمعت عمر بن ثابت قال: سمعتُ أبا أيوب ﵁ يقول: قال رسول الله - ﵌ - بمثله (^٢).\nأقول: أما عمر بن ثابت فتابعي، ولد في عهد النبي - ﵌ -، وهو ثقة باتفاقهم. والحديث متواتر إلى سعد، قال السبكي: \"وقد اعتنى شيخنا أبو محمد الدمياطي بجمع طُرقه، فأسنده عن بضعة وعشرين رجلًا رووه عن\n_________\n(^١) رقم (١١٦٤).\n(^٢) \"صحيح مسلم\" طبعُ العامرة بإسلامبول تحت نظر نظارة المعارف (ج ٣ ص ١٦٩). [المؤلف].","vol":"18","page":223},{"text":"سعد بن سعيد، وأكثرهم حفَّاظ ثقات، منهم السفيانان\" (^١).\n[ص ٢] وأما سعد بن سعيد فتابعي، احتج به أئمة عصره الذين عرفوه وصحبوه، منهم الإمام الجليل عبد الله بن المبارك، روى عنه هذا الحديث كما تقدم، وذهب إليه وأفتى به كما يأتي عن الترمذي. ومنهم الإمام الكبير أبو الجرح والتعديل المعروف بالتشدد في نقد الرجال إلى حدّ التعنت شعبة بن الحجاج، روى عنه مع ما عُرِف عنه أنه لا يروي إلّا عن ثقة، أي فإذا روى عن ضعيف بيَّن حاله. وبهذا يندفع تشكيك السخاوي (^٢).\nوقد سمع من سعد جماعةٌ من الأئمة، وأخذوا عنه هذا الحديث وغيره وحدَّثوا بذلك، ولم يطعن فيه أحدٌ منهم. وأما الذين لم يدركوه فقد وثَّقه منهم جماعة (^٣): منهم الإمام أحمد بن عبد الله بن صالح العجلي، ذكره عباس الدوري فقال: كنا نعدُّه مثل أحمد ويحيى بن معين (^٤). ومنهم محمد بن عبد الله بن عمار الذي كان الإمام علي بن المديني يقدِّمه، وقال بعض الحفاظ: هو مثل علي ابن المديني (^٥). ومنهم محمد بن سعد صاحب \"الطبقات\"، وهو من الأئمة الثقات. وينبغي أن يُعدَّ منهم من صحَّح حديثه كمسلم والترمذي.\n_________\n(^١) \"سبل السلام\" (ج ١ ص ٢٣٦). [المؤلف]. وهو في طبعة دار الفكر (٢/ ١٦٧).\n(^٢) في \"فتح المغيث\" (ص ١٣٤) [المؤلف]. انظر طبعة الجامعة السلفية (٢/ ٤٢).\n(^٣) راجع \"تهذيب التهذيب\" (٣/ ٤٧٠، ٤٧١).\n(^٤) \"تذكرة الحفاظ\" (ج ٢ ص ١٢٧). [المؤلف]. انظر الطبعة التي بتحقيق المؤلف (٢/ ٥٦١).\n(^٥) راجع \"تهذيب التهذيب\" (ج ٩ ص ٢٦٥). [المؤلف]. والنص في (٩/ ٢٦٦).","vol":"18","page":224},{"text":"وليَّنه منهم جماعة. قال أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي في كتاب \"الجرح والتعديل\" (^١): \"نا صالح بن أحمد قال قال أبي: سعد بن سعيد أخو يحيى بن سعيد ضعيف (^٢). ذكره أبي عن إسحاق بن منصور عن يحيى بن معين أنه قال: سعد بن سعيد صالح (^٣). سمعتُ أبي يقول: سعد بن سعيد الأنصاري مؤدّي. قال أبو محمد: يعني أنه كان لا يحفظ، يؤدّي ما سمع\" (^٤).\nوذكر في \"التهذيب\" (^٥) قول أحمد \"ضعيف\" ثم قال: \"وكذا قال ابن معين في رواية، وقال في رواية أخرى: صالح. وقال النسائي: ليس بالقوي ... وقال ابن أبي حاتم: سمعتُ أبي يقول: سعد بن سعيد الأنصاري يؤدي، يعني أنه كان لا يحفظ ويؤدي ما سمع. وقال ابن عدي: له أحاديث صالحة تقرب من الاستقامة، ولا أرى بحديثه بأسًا بمقدار ما يرويه. وذكره ابن حبان في \"الثقات\" وقال: كان يخطئ\".\nزاد ابن حجر: \"وزاد ــ يعني ابن حبان ــ لم يفحش خطاؤه، فلذلك\n_________\n(^١) (٤/ ٨٤).\n(^٢) في النسخة هنا زيادة \"نا عبد الرحمن قال\". وهي من زيادة الراوي عن المؤلف. عبد الرحمن هو المؤلف. [المعلمي].\n(^٣) وضع المؤلف هنا وفي موضع الحاشية السابقة نفس الرقم للإشارة إلى أن التعليق في الموضعين واحد.\n(^٤) نسخة في دائرة المعارف مأخوذة بالتصوير الشمسي عن نسخة بإسلامبول. [المؤلف].\n(^٥) (٣/ ٤٧٠). وانظر \"الثقات\" (٤/ ٢٩٨ و٦/ ٣٧٩).","vol":"18","page":225},{"text":"سلكناه مسلكَ العدول .... وقال ابن أبي حاتم في \"الجرح والتعديل\": ذكر أبي عن إسحاق بن منصور عن يحيى بن معين أنه قال: سعد بن سعيد الأنصاري مؤدي. قال أبو الحسن ابن القطان الفاسي: اختُلِف في ضبط هذه اللفظة، فمنهم من يُخفِّفها أي هالك، ومنهم من يشدِّدها أي حسن الأداء. وقال الترمذي: تكلموا فيه من قبل حفظه\" (^١).\nأقول: أما قول أحمد \"ضعيف\" فيحتمل أنه أراد الضعف النسبي، أي بالنسبة إلى أخيه يحيى، فإن يحيى أوثق وأثبت. وقد قال السخاوي: \"ومما يُنبَّه عليه أنه ينبغي أن تُتأمَّل أقوال المزكّين ومخارجها، فقد يقولون: فلان ثقة أو ضعيف، ولا يريدون أنه ممن يُحتجُّ بحديثه ولا ممن يُردُّ، وإنما ذلك بالنسبة لمن قُرِن معه\". ثم ذكر شاهدًا لذلك (^٢).\nوعلى هذا يُحمل قول ابن معين مرةً \"ضعيف\" بدليل قوله مرةً \"صالح\"، والحمل هنا أظهر، فقد قال السخاوي بعد ما تقدم (^٣): \"وعلى هذا يُحمَل أكثرُ ما ورد من اختلاف كلام أئمة الجرح والتعديل ممن وثَّق رجلًا في وقتٍ وجرحه في آخر\".\nوأما قول أبي حاتم \"مؤدي\" فقد فسَّرها ابنُه كما سمعتَ بما يفيد التوثيق مع تليينٍ يسير لا يضرُّ. وتفسيرُ ابنه لها بذلك صريح في أنه سمعها من أبيه بهمزة مفتوحة ودالٍ مشدَّدة. وبذلك يُرَدُّ على ما قاله الذهبي في \"الميزان\"،\n_________\n(^١) \"تهذيب التهذيب\" (ج ٣ ص ٤٧٠ - ٤٧١). [المؤلف].\n(^٢) \"فتح المغيث\" (ص ١٦٣). [المؤلف]. انظر طبعة الجامعة السلفية (٢/ ١٢٧، ١٢٨).\n(^٣) المصدر السابق.","vol":"18","page":226},{"text":"قال: \"قال أبو حاتم: سعد بن سعيد مود، قال شيخنا ابن دقيق العيد: اختُلِف في ضبط مود، فمنهم من خفَّفها أي هالك، ومنهم من شدَّدها أي حسن الأداء\" (^١).\n[ص ٣] وقد علمتَ أن أبا حاتم إنما قالها مشدَّدة، بدليل تفسير ابنه الذي سمعها منه وحكاها عنه. فأما ما زاده ابن حجر على أصل \"التهذيب\" بقوله: \"وقال ابن أبي حاتم في \"الجرح والتعديل\": ذكر أبي عن إسحاق بن منصور عن يحيى بن معين أنه قال: سعد بن سعيد الأنصاري مؤدي\"= فليس هذا في \"الجرح والتعديل\"، ولا نقله عنه أحدٌ ممن تقدم ابنَ حجر، مع نقْلهم عنه غير هذه العبارة كما تقدم. فقد راجعوا هذه الترجمة فيه، فكيف يُهملون (^٢) عبارة مهمة كهذه لو كانت فيه؟ وإنما نقلوا هم \"مؤدي\" أو \"يؤدي\" على أنها من قول أبي حاتم، كما تقدم عن \"الميزان\" وأصل \"التهذيب\". فكأنه كان في نسخة ابن حجر من \"الجرح والتعديل\" سقطٌ، كأنه كان فيها: \"ذكره أبي عن إسحاق بن منصور عن يحيى بن معين أنه قال: سعد بن سعيد (سقط) الأنصاري مؤدي\". فسقط بعد \"سعيد\" العبارة الآتية: \"صالح. سمعتُ أبي يقول: سعد بن سعيد\". والعبارة مظِنَّة السقط بانتقال النظر من \"سعد بن سعيد\" إلى مثلها. ويؤيد ذلك أن كلمة \"صالح\" هي من رواية أبي حاتم عن إسحاق بن منصور عن يحيى بن معين، فلو كان عند إسحاق عن ابن معين كلمة أخرى مخالفة لها لكان الظاهر أن يقرنهما فيقول: قال يحيى مرةً \"صالح\" ومرةً \"مؤدي\"، أو على الأقل يقرنهما أبو حاتم.\nفإن قلت: لو كان في نسخة ابن حجر العسقلاني سقطٌ كما ذكرتَ\n_________\n(^١) \"الميزان\" طبع مصر (ج ١ ص ٣٧٢). [المؤلف]. انظر طبعة البجاوي (٢/ ١٢٠).\n(^٢) في الأصل \"يعملون\" سهوًا.","vol":"18","page":227},{"text":"لاعترض على العبارة التي في أصل \"التهذيب\"، بأن يقول: لم أرها في كتاب ابن أبي حاتم.\nقلت: اكتفى بالإشارة إلى ذلك لاحتمال السقط (^١)، واحتمال أن تكون العبارة التي في أصل \"التهذيب\" منقولةً عن كتاب آخر غير \"الجرح والتعديل\". فتدبَّرْ.\nعلى أننا لو فرضنا أن العبارة التي ذكرها ابن حجر هي ثابتة في \"الجرح والتعديل\" وسقطت من نسختنا، فإننا نقول: اختيار أبي حاتم تلك الكلمة الغريبة \"مود\" إنما يكون حينئذٍ اتباعًا لابن معين. وقد عرفت أن أبا حاتم قالها بالهمزة المفتوحة وتشديد الدال، فيظهر بذلك أنه سمعها من إسحاق بن منصور كذلك، وأن إسحاق سمعها من ابن معين كذلك. وهذا هو المتعيِّن على فرض صحتها عن ابن معين، فإنه قد قال مرةً \"صالح\"، وبين هذه الكلمة وبين \"مُوْدي\" ــ بسكون الواو أي هالكٌ بمرَّةٍ ــ بونٌ بعيد، ولم يُنقَل عن أحدٍ أنه قال في سعد مثلَ ذلك ولا قريبًا منه. فتدَّبْر، وقد مرَّت عبارة \"الجرح والتعديل\".\nوأما الترمذي فإنما قال (^٢): \"وقد تكلَّم بعضُ أهل الحديث في سعد بن سعيد من قِبَلِ حفظه\" كما يأتي. وبين العبارتين فرقٌ، مع أنه صحَّح الحديث وثبَّته، فدلَّ ذلك أنه لا يرى في كلام من تكلَّم ما يقدح في ثقة الرجل.\nهذا، وفي \"سبل السلام\" عن ابن دِحْية: \"وقال أبو حاتم: لا يجوز\n_________\n(^١) الكلام الذي بعده في ركن صفحة أخرى.\n(^٢) عقب الحديث رقم (٧٥٩).","vol":"18","page":228},{"text":"الاشتغال بحديث سعد بن سعيد\" (^١).\nأقول: ابن دِحْية اسمه عمر بن الحسن، له ترجمة في \"الميزان\" و\"لسانه\" (^٢). قال الذهبي: \"متَّهم في نقله. وجرحَه الحافظ الضياء. وقال ابن واصل: كان ابن دحية مع فرط معرفته بالحديث وحفظه الكثير له متَّهمًا بالمجازفة في النقل\". ثم ذكر قصةً تدلُّ على ذلك. والكلام فيه كثير (^٣).\nوأما قول النسائي \"ليس بالقوي\" فهذه الكلمة أرفع من كلمة \"ضعيف\" كما لا يخفى، وقد نصُّوا عليه (^٤). وقد يقال: إن كلمة \"ضعيف\" ونحوها جرح غير مفسَّر، والمرجَّح عندهم أنه لا يُقبَل إذا عارضه توثيق كما هنا. والحقُّ أنه مفسَّر، ومعنى هذه الكلمة ونحوها عند الإطلاق ضعفُ الحفظ والضبط، وقد بيَّن ذلك هنا قولُ أبي حاتم بتفسير ابنه وقول الترمذي وقول ابن حبان وقول ابن عدي.\nوهؤلاء المليِّنون لسعدٍ كلُّهم لم يصحبوه ولا أدركوه، وإنما وُلِدوا بعد وفاتِه بمدة، فغايةُ ما عندهم أنهم تتبعوا رواياته واعتبروها بروايات الثقات الأثبات، فظهر لهم أن في رواياته خطأ، وقد اختلف اجتهادهم كما رأيتَ. وخالفهم معاصروهم من الموثِّقين، وتأيَّد قولُ الموثِّقين بما قدَّمنا عن أئمة عصره الذين صحبوه وعرفوه وأخذوا عنه.\n_________\n(^١) \"سبل السلام\" (ج ١ ص ١٣٦). [المؤلف]. وطبعة دار الفكر (٢/ ١٦٧).\n(^٢) \"الميزان\" (٣/ ١٨٦ - ١٨٩) و\"لسان الميزان\" (٦/ ٨٠ - ٨٨) ط. أبي غدة.\n(^٣) راجع \"لسان الميزان\" (ج ٤ ص ٢٩٢ - ٢٩٨). [المؤلف].\n(^٤) انظر \"الجرح والتعديل\" (٢/ ٣٧) و\"الكفاية\" (ص ٢٣) و\"علوم الحديث\" (ص ١١٣) و\"الميزان\" (١/ ٤).","vol":"18","page":229},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-7>الفصل الثاني\nفي حكم الحديث</span>\nقد صحَّحه مسلم والترمذي وغيرهما، ومقتضى النظر أن يقال: إذا ثبت رجحانُ التوثيق فلا كلامَ في صحته، وإذا بقي التردُّد لموضع التليين فصنيعُ أئمة الحديث يقتضي أنه بعد النظر في جميع ما قيل في سعد ينبغي أن يُنظَر في الحديث، فإذا كان له متابعات وشواهد صحَّ، وإلَّا بانَ [أنه] انفرد به، فإن قامت قرينة على خطائه ضُعِّف الحديث، وإن قامت قرينة على صحته صحّ، وإلّا حُكِم بحسنه، وقد يتوقف فيه بعضهم.\nفعلى فرض أن سعدًا تفرد بهذا الحديث فلم تقُمْ قرينة على خطائه فيه، وقد أيَّده أهل العلم بوجوهٍ سوى المتابعات. ساقه الترمذي ثم قال (^١): \"قال أبو عيسى: حديث أبي أيوب حديث حسن صحيح. قد استحبَّ قوم صيامَ ستة أيام من شوال بهذا الحديث. قال ابن المبارك: هو حسن، هو مثل صيام ثلاثة أيام من كل شهر. قال ابن المبارك: ويُروى في بعض الحديث: \"ويُلْحق هذا الصيام برمضان\". واختار ابن المبارك أن تكون ستة أيام من أول الشهر. وقد رُوي عن ابن المبارك أنه قال: إن صام ستة أيام من شوال متفرقًا فهو جائز. قال: وقد روى عبد العزيز بن محمد عن صفوان بن سُليم وسعد بن سعيد عن عمر بن ثابت عن أبي أيوب عن النبي - ﵌ - هذا. وروى شعبة عن ورقاء بن عمر عن سعد بن سعيد هذا. وقد تكلم بعض أهل\n_________\n(^١) عقب الحديث رقم (٧٥٩).","vol":"18","page":230},{"text":"الحديث في سعد بن سعيد [من] قِبَلِ حفظه\" (^١).\nفأيَّد صحةَ الحديث باحتجاج قوم من أهل العلم به، وخاصة ابن المبارك، فإنه ــ مع علمه وفقهه وتثبُّتِه ونقده وجلالته وإمامته ــ ممن صحب سعدًا وخَبَرَه، وسمع منه هذا الحديث وغيره كما مرَّ.\nثم أيَّده بمتابعة صفوان، وستأتي.\n[ص ٤] وأيَّده برواية شعبة عن ورقاء عن سعد له، مع أن شعبة على جلالته وشدة نقده ومعرفته قد روى عن سعد نفسه، ثم روى هذا الحديث عن رجلٍ عنه. ورواية شعبة هذه في \"مسند أحمد\"، قال: \"ثنا محمد بن جعفر ثنا شعبة قال: سمعتُ ورقاء يحدِّث عن سعد بن سعيد ... \" (^٢).\nوذكر الطحاوي رواية شعبة هذه ثم قال: \"فكان هذا الحديث مما لم يكن بالقوي في قلوبنا من سعد بن سعيد مثله في الرواية عند أهل الحديث ومن رغبتهم عنه، حتى وجدناه قد أخذه عنه من قد ذكرنا أخْذَه إياه عنه من أهل الجلالة في الرواية والتثبت\" (^٣).\nثم قال: \"وممن حدَّث به عنه أيضًا: قرة بن عبد الرحمن، وعسى أن يكون سنّه كسنّه ... وممن حدَّث به عنه سفيان بن عيينة\".\n_________\n(^١) \"سنن الترمذي\" طبع مصر سنة ١٢٩٢ (ج ١ ص ١٤٦). [المؤلف]. وانظر (٣/ ١٣٢ - ١٣٣) بتحقيق محمد فؤاد عبد الباقي.\n(^٢) \"مسند أحمد\" (ج ٥ ص ٤١٩). [المؤلف]. رقم (٢٣٥٥٦) ط. الرسالة. وبهذا الطريق أخرجه النسائي في \"الكبرى\" (٢٨٧٧) والطحاوي في \"مشكل الآثار\" (٢٣٤٠) والطبراني في \"الكبير\" (٣٩٠٣).\n(^٣) \"مشكل الآثار\" (ج ٣ ص ١١٧). [المؤلف]. وانظر (٦/ ١٢١) ط. الرسالة.","vol":"18","page":231},{"text":"ثم ذكر رواية حفص بن غياث، ثم ذكر المتابعات والشواهد، وستأتي.\nوقال السبكي: \"وقد اعتنى شيخنا أبو محمد الدمياطي بجمع طرقه، فأسنده عن بضعة وعشرين رجلًا رووه عن سعد بن سعيد، وأكثرهم حفَّاظ ثقات، منهم السفيانان\" (^١).\nأقول: وموضع التأييد في رواية الحفّاظ الأثبات أنهم من أئمة النقد والمعرفة بالرجال والحديث وعلله، وقد كان من عادة كثير منهم الامتناع عن أن يحدِّث بالحديث إذا خاف أن يكون خطأً، يَعرف ذلك مَن مارسَ كتب الرجال. فاتفاقُهم على رواية هذا الحديث عن هذا الرجل وسكوتُهم عن بيان الطعن فيه أو الشك ــ بل مع تصريح بعضهم بالاحتجاج به ــ يدلُّ دلالةً واضحةً أنهم لم يشكُّوا في الحديث ولم يستنكروه، فاتفاقُهم على ذلك فيه تأييد واضح.\n_________\n(^١) \"سبل السلام\" (ج ١ ص ٢٣٦). [المؤلف]. وطبعة دار الفكر (٢/ ١٦٧).","vol":"18","page":232},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-10>الفصل الثالث\nفي المتابعات</span>\nقد ذكر الترمذي كما تقدم عنه متابعة صفوان بن سليم، وأخرجه أبو داود في \"سننه\": \"حدثنا النُّفيلي نا عبد العزيز بن محمد عن صفوان بن سليم وسعد بن سعيد عن عمر بن ثابت ... \" (^١).\nوقال السبكي: \"وتابعَ سعدًا على روايته أخواه يحيى وعبد ربه وصفوان بن سليم وغيرهم\" (^٢).\nوذكر الطحاوي هؤلاء وزاد: زيد بن أسلم ومحمد بن عمرو بن علقمة. قال: \"ووجدنا هذا الحديث أيضًا قد حدَّث به عن عمرو بن ثابت صفوانُ بن سليم وزيد بن أسلم، كما حدثنا يوسف بن يزيد قال: ثنا سعيد بن منصور قال: ثنا عبد العزيز بن محمد قال: أخبرني صفوان بن سليم وزيد بن أسلم عن عمرو بن ثابت ... \" (^٣).\nكذا يقع في كتابه \"عمرو\" (^٤)، وإنما هو \"عمر\". وفي \"التهذيب\" أنه وقع كذلك في بعض الطرق عند النسائي، قال: \"ونبَّه على أنه خطأ، قال:\n_________\n(^١) \"سنن أبي داود\" طبعة المطبع الفاروقي بدهلي الهند سنة ١٢٧٢. [المؤلف]. رقم (٢٤٣٣).\n(^٢) \"سبل السلام\" (ج ١ ص ٢٣٦). [المؤلف]. وطبعة دار الفكر (٢/ ١٦٧).\n(^٣) \"مشكل الآثار\" (ج ٣ ص ١١٨). [المؤلف]. وطبعة الرسالة (٦/ ١٢٢).\n(^٤) في طبعة الرسالة \"عمر\" على الصواب هنا وفي جميع المواضع الآتية.","vol":"18","page":233},{"text":"والصواب عمر بن ثابت\" (^١).\nقال (^٢): \"وكما حدثنا أحمد بن عبد الله البرقي ثنا الحميدي قال ثنا عبد العزيز بن محمد الدراوردي عن صفوان بن سليم وسعد بن سعيد عن عمرو بن ثابت ... \".\nوقال الدارمي: \"حدثنا نعيم بن حماد ثنا عبد العزيز بن محمد ثنا صفوان وسعد بن سعيد عن عمرو بن ثابت ... \" فذكره (^٣).\nقال الطحاوي (^٤): \"ووجدنا ممن رواه عن عمرو بن ثابت: يحيى بن سعيد الأنصاري، كما حدثنا أحمد بن شعيب ــ هو الإمام النسائي ــ قال: ثنا هشام بن عمار عن صدقة ثنا عُتبة (^٥) حدثني عبد الملك بن أبي بكر حدثني يحيى بن سعيد عن عمرو بن ثابت قال: غزونا يعني مع أبي أيوب الأنصاري، فصام رمضان وصمنا، فلما أفطرنا قام في الناس فقال: إني\n_________\n(^١) \"تهذيب التهذيب\" (ج ٨ ص ١٠). [المؤلف]. وانظر \"السنن الكبرى\" رقم (٢٨٧٥) حيث نبَّه على ذلك النسائي. ونبَّه عليه أيضًا الدارقطني في \"العلل\" (٦/ ١٠٩).\n(^٢) أي الطحاوي في \"مشكل الآثار\" رقم (٢٣٤٤). وهو في \"مسند الحميدي\" برقم (٣٨١).\n(^٣) \"مسند الدارمي\" طبع دمشق (ج ٢ ص ٢١). [المؤلف]. رقم (١٧٦١) طبعة عبد الله هاشم اليماني، وفيها \"عمر\" على الصواب.\n(^٤) \"مشكل الآثار\" (٦/ ١٢٣، ١٢٤) والحديث في \"السنن الكبرى\" للنسائي (٢٨٧٩) بهذا الإسناد.\n(^٥) في الأصل \"عبيد\" تحريف. والتصويب من \"مشكل الآثار\" طبعة الرسالة. وهو عتبة بن أبي حكيم. قال النسائي في \"الكبرى\" (٢٨٧٩): عتبة بن أبي حكيم هذا ليس بالقوي.","vol":"18","page":234},{"text":"سمعتُ رسول الله - ﵌ - يقول: من صام رمضان ... \".\nقال (^١): \"ووجدنا ممن رواه أيضًا عن عمرو هذا عبد الله (كذا) (^٢) بن سعيد الأنصاري، كما حدثنا أحمد بن شعيب قال: ثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم قال ثنا أبو عبد الرحمن المقرئ قال ثنا شعبة بن الحجاج عن عبد ربه بن سعيد عن عمرو بن ثابت عن أبي أيوب الأنصاري ــ ولم يرفعه ــ أنه قال: من صام ... \".\nوذكر الطحاوي (^٣) قبل ذلك متابعة محمد بن عمرو من طريقين: الأولى ابن خزيمة عن [ص ٥] حجاج بن المنهال، والثانية إبراهيم بن مرزوق عن حبَّان بن هلال، كلاهما عن أبي سلمة حماد بن سلمة عن محمد بن عمرو عن عمرو بن ثابت قال: ولم يذكر سعدًا.\nوذكر في موضع آخر (^٤) أن محمد بن عمرو رواه مرةً عن سعد بن سعيد عن عمر بن ثابت.\nفأما صفوان وزيد بن أسلم فتابعيان ثقتان مأمونان، والثناء عليهما كثير،\n_________\n(^١) \"مشكل الآثار\" (٦/ ١٢٤). والحديث في \"السنن الكبرى\" للنسائي (٢٨٧٨) بهذا الإسناد.\n(^٢) من المؤلف، إشارة إلى أنه خطأ في طبعة دائرة المعارف من \"مشكل الآثار\"، والصواب \"عبد ربه\" كما سيأتي في الإسناد. وهو على الصواب في طبعة الرسالة.\n(^٣) \"مشكل الآثار\" رقم (٢٣٣٨، ٢٣٣٩). اختصر المؤلف الطريقين، وسعد غير مذكور في الطريق الثاني فقط، أما الطريق الأول فحجاج بن المنهال ذكر سعدًا، وهو كذلك من طريقه عند الطبراني في \"الكبير\" (٣٩٠٤).\n(^٤) \"مشكل الآثار\" (٦/ ١٢١) إشارةً إلى طريق الحجاج بن المنهال السابق.","vol":"18","page":235},{"text":"وهما أكبر سنًّا وأقدم وفاةً من سعد، ولم يذكروا لهما سماعًا، فلا يقال: لعلهما إنما سمعا هذا الحديث منه.\nهذا، مع أن صفوان لم يوصف بتدليس البتَّةَ، وزيد كذلك، إلّا أن ابن حجر ذكر قصة قال: إنها تُشعر بأنه دلَّس حديثًا (^١). وليس ذلك بالبيِّن. والرواية إلى الراوي عنهما ــ وهو عبد العزيز بن محمد الدراوردي ــ بغاية الصحة.\nوأما عبد العزيز فقد روى عنه شعبة والثوري وابن مهدي والشافعي. وروى ابن أبي حاتم (^٢) بأسانيده الصحيحة عن مصعب الزبيري قال: مالك بن أنس يوثِّق الدراوردي. وعن يحيى بن معين أنه قال: الدراوردي أثبت من فليح وابن أبي الزناد وأبي أويس. وعنه أيضًا: عبد العزيز الدراوردي صالح ليس به بأس. وعن أحمد بن حنبل أنه سئل عن عبد العزيز الدراوردي فقال: معروف بالطلب، وإذا حدَّث من كتابه فهو صحيح، وإذا حدَّث من كتب الناس وَهِم، كان يقرأ من كتب الناس فيخطئ، وربما قلب [حديث] عبد الله بن عمر العمري يرويه عن عبيد الله بن عمر. قال ابن أبي حاتم: سئل أبي عن عبد العزيز بن محمد ويوسف بن الماجشون فقال: عبد العزيز محدث، ويوسف شيخ. سمعتُ أبا زرعة يقول: عبد العزيز الدراوردي سيئ الحفظ، فربما حدَّث من حفظه الشيء فيخطئ.\n_________\n(^١) \"تعريف أهل التقديس\" (ص ٨١) تحقيق المباركي.\n(^٢) في \"الجرح والتعديل\" (٥/ ٣٩٥، ٣٩٦).","vol":"18","page":236},{"text":"ونحو هذا في \"التهذيب\" (^١)، وزاد عن ابن معين: ثقة حجة. وعن النسائي ليس بالقوي، وفي موضع آخر: ليس به بأس، وحديثه عن عبيد الله بن عمر منكر. وعن ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث يغلط. وذكر أن ابن حبان ذكره في \"الثقات\" (^٢) وقال: كان يخطئ. وقال العجلي: هذا ثقة. وقال الساجي: كان من أهل الصدق والأمانة، إلَّا أنه كثير الوهم. انتهى. وذكروا أنه كان يلحن.\nوذكره الحافظ في \"مقدمة الفتح\" (^٣)، وذكر أن ابن المديني وثقه، وأن أبا حاتم قال: لا يُحتج به.\nوقال الذهبي في \"الميزان\" (^٤): قال أحمد بن حنبل: \"إذا حدَّث من حفظه يهم ليس بشيء، وإذا حدَّث من كتابه فنعم، وإذا حدَّث جاء ببواطيل\". وقال: وأما ابن المديني فقال: ثقة ثبت.\nهذا، واحتجَّ به مسلم في \"صحيحه\"، وأخرج له البخاري في \"صحيحه\" مقرونًا بغيره ومفردًا بصيغة التعليق في المتابعات، واحتج به الباقون. كذا في \"مقدمة الفتح\".\nأقول: أما العدالة والصدق والأمانة فثابتة لهذا الرجل اتفاقًا. وأما الحفظ والضبط فما رواه من كتابه فلا شكَّ فيه، وما قرأه من كتاب غيره يُخشَى فيه التصحيف والتحريف، كان يقرأ \"عبد الله\" \"عبيد الله\" وشِبْه ذلك.\n_________\n(^١) \"تهذيب التهذيب\" (٦/ ٣٥٤، ٣٥٥).\n(^٢) (٧/ ١١٦).\n(^٣) \"هدى الساري\" (ص ٤٢٠).\n(^٤) (٢/ ٦٣٣، ٦٣٤).","vol":"18","page":237},{"text":"وربما حدَّث من حفظه الشيء فيُخطئ، كما قال أبو زرعة. وعلى هذا يُحمل كلام من أطلق، كابن سعد والنسائي وغيرهما.\nوأما ما في \"الميزان\" عن أحمد فلا أدري أيصحُّ أم لا، لأن صاحب \"التهذيب\" لم يذكرها، إنما ذكر ما أسنده ابن أبي حاتم، فالله أعلم.\nوبالجملة فإطلاق إمام الجرح والتعديل يحيى بن معين أنه ثقة حجة، وإطلاق ابن المديني حافظ عصره أنه ثقة ثبت= يدلُّ على أحد أمرين: إما أن عبد العزيز كان لا يكاد يُحدِّث من حفظه، وإما أنه كان إذا حدَّث من حفظه لا يكثر وهمه، وإنما كان ربما وهم. وعبارة أبي زرعة صريحة في الأول، فإنه قال: \"فربما حدَّث من حفظه\"، فدلَّ أن ذلك قليل، والغالب أنه لا يحدِّث إلَّا من كتاب.\n[ص ٦] وإذا ثبت أنه كان لا يحدِّث من حفظه إلا قليلًا فالغالب أنه حدَّث بهذا الحديث من كتاب، فإن كان من كتابه فلا كلام، وإن كان من كتاب غيره فكذلك، لأنه ليس مظنَّة التصحيف والتحريف. ويؤكِّد هذا أن الذين رووه عنه أئمة حفَّاظ متثبتون (^١):\nمنهم: ابن المبارك (^٢)، على ما يظهر من عبارة الترمذي وقد مرَّت. وابن\n_________\n(^١) ممن رواه عنه ولم يذكره المؤلف: أحمد بن عبدة عند ابن خزيمة (٢١١٤)، وإسحاق بن إبراهيم (ابن راهويه) عند ابن حبان (٣٦٣٤)، وخلاد بن أسلم عند النسائي في \"الكبرى\" (٢٨٧٦)، ومحمد بن عباد عند الهيثم بن كليب الشاشي في \"مسنده\" (١١٤٣)، ويحيى الحماني وضرار بن صُرَد عند الطبراني في \"الكبير\" (٣٩١١).\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٣/ ٩٧) ومسلم (٢/ ٨٢٢) رقم (١١٦٤) من طريق ابن المبارك عن سعد بن سعيد به. وليس عن عبد العزيز.","vol":"18","page":238},{"text":"المبارك ابن المبارك.\nومنهم: النفيلي عند أبي داود (^١) كما مرَّ، واسمه عبد الله بن محمد بن علي بن نفيل، كان يُقرَن بأحمد، وكان أحمد يعظِّمه. وقال أبو داود: ما رأيت أحفظ منه (^٢).\nومنهم: الحميدي عند الطحاوي (^٣) كما مرَّ، واسمه عبد الله بن الزبير بن عيسى. قال أحمد: الحميدي عندنا إمام. وقال يعقوب بن سفيان: ما لقيتُ أنصحَ للإسلام وأهله منه (^٤).\nومنهم: نعيم بن حماد عند الدارمي (^٥) كما مرَّ. ونعيم إمام في السنة، ثقة له أوهام (^٦). وهذا من صحيح حديثه.\nهؤلاء كلهم رووه عن عبد العزيز عن صفوان وسعد.\nورواه سعيد بن منصور (^٧) عن عبد العزيز عن صفوان وزيد بن أسلم. وسعيد إمام، كان أحمد يُحسِن الثناء عليه ويُفخّم أمره. وقال أبو حاتم: ثقة، من المتقنين الأثبات (^٨).\n_________\n(^١) رقم (٢٤٣٣).\n(^٢) انظر \"تهذيب التهذيب\" (٦/ ١٧).\n(^٣) في \"مشكل الآثار\" (٢٣٤٤). وهو في \"مسند الحميدي\" (٣٨١).\n(^٤) انظر \"تهذيب التهذيب\" (٥/ ٢١٥).\n(^٥) في \"سننه\" (١٧٦١).\n(^٦) انظر \"تهذيب التهذيب\" (١٠/ ٤٥٨ وما بعدها).\n(^٧) كما في \"مشكل الآثار\" (٢٣٤٣).\n(^٨) انظر \"تهذيب التهذيب\" (٤/ ٨٩).","vol":"18","page":239},{"text":"وبالجملة فصاحبا الصحيح البخاري ومسلم قد عرفا حال عبد العزيز، وعرفا ما قيل فيه، فاتفقا على الإخراج له في الصحيح. أما مسلم فيحتج به مطلقًا، وأما البخاري فيقرِنه بغيره، ويُفرِده في المتابعات والشواهد، وحديثه هذا متابعة.\nوأما متابعة يحيى بن سعيد الأنصاري (^١) لأخيه سعد فقد يقال: لعله إنما سمعه من سعد فدلَّسَه (^٢)، وفيه نظر لوجهين:\nالأول: أن يحيى لم يشتهر بالتدليس، وإن كان قد نُسِب إليه.\nالثاني: أن في روايته زيادةً على الرواية المتواترة عن أخيه، كما يُعلم بمقابلتهما.\nوأما متابعة عبد ربه بن سعيد (^٣) لأخيه فهي بغاية الصحة، لأنها من رواية شعبة عن عبد ربه، وعبد ربه مع ثقته لم يُنسَب إلى تدليس البتَّةَ، وليس فيها إلّا أنه لم يصرِّح بالرفع إلى النبي - ﵌ -، وهذا لا يضرُّ هنا، لأنّ مثل هذا لا يمكن أن يقوله أبو أيوب ﵁ برأيه، فهو مرفوع حكمًا. نعم رواه الطحاوي (^٤) من طريق ابن لهيعة عن عبد ربه عن أخيه سعد بسنده، ورفعه.\n_________\n(^١) أخرجها الحميدي في \"مسنده\" (٣٨٢) والنسائي في \"الكبرى\" (٢٨٧٩) والطحاوي في \"مشكل الآثار\" (٢٣٤٦) والطبراني في \"الكبير\" (٣٩١٤، ٣٩١٥).\n(^٢) مما يدلُّ على أن يحيى سمعه من أخيه سعد: أن الطبراني أخرجه في \"الكبير\" (٣٩١٢) و\"الأوسط\" (٤٩٧٦) من طريق حفص بن غياث عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن سعد بن سعيد به.\n(^٣) أخرجها النسائي في \"الكبرى\" (٢٨٧٨) والطحاوي في \"مشكل الآثار\" (٢٣٤٧).\n(^٤) في \"مشكل الآثار\" (٢٣٣٧).","vol":"18","page":240},{"text":"وابن لهيعة ضعيف لا يعتمد عليه.\nوأما متابعة محمد بن عمرو (^١) ففيها نظر، فإن محمدًا قد لُيِّن. والراوي عنه حماد بن سلمة، وقد قيل: إن حفظه ضعُفَ بأَخَرةٍ. ومع ذلك فقد روى محمد الحديث مرةً عن سعد (^٢). والله أعلم.\nتتمة:\nيتلخص مما تقدم ثبوت صحة الحديث كما حكم به الإمام مسلم بن الحجاج والترمذي وغيرهما.\n_________\n(^١) أخرجها الطحاوي في \"مشكل الآثار\" (٢٣٣٩).\n(^٢) كما في \"المعجم الكبير\" للطبراني (٣٩٠٤) و\"مشكل الآثار\" (٢٣٣٨) و\"مسند الهيثم بن كليب الشاشي\" (١١٤٢، ١١٤٥).","vol":"18","page":241},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-12>الفصل الرابع\nحديث ثوبان</span>\nقال الدارمي: حدثنا يحيى بن حسّان ثنا يحيى بن حمزة ثنا يحيى بن الحارث الذِّماري عن أبي أسماء الرحبي عن ثوبان أن رسول الله - ﵌ - قال: \"صيام شهرٍ بعشرة أشهرٍ، وستةُ أيام بعدهن بشهرين، فذلك تمام سنة\" يعني شهر رمضان وستة أيام بعده (^١).\nثوبان صحابي جليل.\nوأبو أسماء الرحبي اسمه عمرو بن مرثد، قال العجلي: شامي تابعي ثقة. وذكره ابن حبان في \"الثقات\" (^٢). وأخرج له مسلم وابن خزيمة وابن حبان في صحاحهم، ولم يقدح فيه أحد (^٣).\nويحيى بن الحارث الذِّماري تابعي أيضًا، روى عن واثلة بن الأسقع ﵁، وقرأ عليه القرآن. ووثقه ابن معين ودُحيم. وقال أبو داود: كان ثقةً عالمًا بالقراءة. وأخرج له ابن خزيمة وابن حبان في صحيحهما، ولم يقدح فيه أحد (^٤).\n_________\n(^١) \"مسند الدارمي\" (ج ٢ ص ٢١). [المؤلف]. برقم (١٧٦٢). وأخرجه أيضًا من طريق يحيى بن حمزة: البزار في \"مسنده\" (٤١٧٨) والنسائي في \"الكبرى\" (٢٨٧٣) وابن خزيمة (٢١١٥) والطحاوي في \"مشكل الآثار\" (٢٣٤٨) والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٤/ ٢٩٣) والخطيب في \"تاريخ بغداد\" (٢/ ٣٦٢).\n(^٢) (٥/ ١٧٩).\n(^٣) انظر \"تهذيب التهذيب\" (٨/ ٩٩).\n(^٤) المصدر السابق (١١/ ١٩٣، ١٩٤).","vol":"18","page":242},{"text":"[ص ٧] ويحيى بن حمزة وثقه ابن معين ودحيم والعجلي وأبو داود والنسائي ويعقوب بن شيبة، ولم يقدح في روايته أحدٌ، وإنما نُسِب إلى القدر (^١)، ولا يقدح ذلك في روايته، فقد نُسِب إلى القدر جماعة من أئمة السلف وأركان السنة المجمع عليهم، كقتادة وحسان بن عطية وسعيد بن أبي عروبة وعبد الوارث وغيرهم. وقد تابعه جماعة كما يأتي.\nويحيى بن حسّان هو التنِّيسي، من رجال الصحيحين، وثَّقه أحمد والعجلي والنسائي ومطيَّن وابن يونس وغيرهم (^٢). ويروي الإمام الشافعي عن الثقة عن الليث بن سعد، فقال الربيع بن سليمان صاحب الشافعي: يعني الشافعي بالثقة يحيى بن حسَّان (^٣).\nالمتابعات:\nتابع يحيى بن حمزة جماعةٌ رووه عن يحيى بن الحارث:\nمنهم: محمد بن شعيب بن شابور، قال الطحاوي: حدثنا أحمد بن شعيب قال: أخبرني محمود بن خالد قال: ثنا محمد بن شعيب بن شابور قال: أنا يحيى بن الحارث حدثنا أبو أسماء الرحبي عن ثوبان مولى رسول الله - ﵌ - أنه سمع رسول الله - ﵌ - يقول: \"جعل الله الحسنة بعشرٍ، فشهرٌ بعشرة أشهر، وستة أيام بعد الفطر تمام السنة\" (^٤).\n_________\n(^١) انظر \"تهذيب التهذيب\" (١١/ ٢٠٠، ٢٠١).\n(^٢) المصدر السابق (١١/ ١٩٧).\n(^٣) انظر \"فتح المغيث\" (٢/ ٣٧) و\"تدريب الراوي\" (١/ ٣١٢).\n(^٤) \"مشكل الآثار\" (ج ٣ ص ١١٩). [المؤلف]. انظر طبعة الرسالة برقم (٢٣٤٩). والحديث في \"السنن الكبرى\" للنسائي (٢٨٧٤).","vol":"18","page":243},{"text":"أحمد بن شعيب هو الإمام النسائي صاحب \"السنن\".\nومحمود بن خالد ثقةٌ رِضًا متفق على توثيقه (^١).\nومحمد بن شعيب بن شابور روى عنه ابن المبارك ووثَّقه، وكذا وثَّقه غيره، إلّا أن ابن معين قال: كان مرجئًا، وليس به في الحديث بأس (^٢).\nأقول: الإرجاء الذي يُنسَب إلى علماء السلف خفيف لا يقدح في الرواية، كما هو مقرر في موضعه.\nومنهم: إسماعيل بن عياش، قال الإمام أحمد: ثنا الحكم بن نافع ثنا ابن عياش عن يحيى بن الحارث الذماري عن أبي أسماء الرحبي عن ثوبان عن النبي - ﵌ - قال: \"من صام رمضان فشهر بعشرة أشهر، وصيام ستة أيام بعد الفطر فذلك تمام صيام السنة\" (^٣).\nالحكم بن نافع هو من رجال الصحيحين متفق على توثيقه، إلَّا أنه قيل: إنه روى كتاب شعيب بن أبي حمزة بالإجازة، وذلك إن صحَّ لا يضرّ، ولهذا اتفق الأئمة على تصحيح حديثه عن شعيب وغيره (^٤).\nوإسماعيل بن عياش ثقة جليل يُحتج به إذا حدَّث عن أهل الشام، وذلك أنها بلده، حفظ حديث أهلها وأتقنه، فأما إذا روى عن غيرهم ففيه\n_________\n(^١) انظر \"تهذيب التهذيب\" (١٠/ ٦١).\n(^٢) المصدر السابق (٩/ ٢٢٣).\n(^٣) \"مسند أحمد\" (ج ٥ ص ٢٨٠). [المؤلف]. رقم (٢٢٤١٢). وأخرجه أيضًا الطبراني في \"مسند الشاميين\" (٩٠٣) من طريق إسماعيل بن عياش به.\n(^٤) انظر \"تهذيب التهذيب\" (٢/ ٤٤١، ٤٤٢).","vol":"18","page":244},{"text":"لين، لأنه لم يُتقِنه، فكان يهم فيه (^١). وحديثُه هذا شامي، لأن يحيى بن الحارث شامي.\nومنهم: صدقة بن خالد، قال ابن ماجه: ثنا هشام بن عمّار ثنا بقية ثنا صدقة بن خالد ثنا يحيى بن الحارث الذماري قال: سمعت أبا أسماء الرحبي عن ثوبان مولى رسول الله ﵌ عن رسول الله - ﵌ - قال: \"من صام ستة أيام بعد الفطر كان تمام السنة، ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠] \" (^٢).\nهشام بن عمار من شيوخ البخاري، وثَّقه ابن معين وغيره. وغمزَه أبو داود وغيره بأنه لما كبر كان يُلقَّن فيتلقن (^٣).\nوبقية هو ابن الوليد، من رجال مسلم، وفيه كلام طويل. والمحققون [على] أنه ثقة في نفسه لكنه يدلِّس عن الضعفاء، فإذا صرَّح بالسماع فهو حجة (^٤). وقد صرَّح هنا بالسماع.\nأما صدقة بن خالد فمن رجال البخاري، وثَّقه أحمد وابن معين وجماعة، ولم يُقدح فيه بشيء (^٥).\n[ص ٨] ومنهم: الوليد بن مسلم، قال ابن حبّان في \"صحيحه\": أخبرنا\n_________\n(^١) المصدر السابق (١/ ٣٢١ وما بعدها).\n(^٢) \"سنن ابن ماجه\" طبع مصر (ج ١ ص ٢٦٩). [المؤلف]. رقم (١٧١٥).\n(^٣) انظر \"تهذيب التهذيب\" (١١/ ٥٢ وما بعدها).\n(^٤) انظر المصدر السابق (١/ ٤٧٤ وما بعدها).\n(^٥) المصدر السابق (٤/ ٤١٤، ٤١٥).","vol":"18","page":245},{"text":"الحسين بن إدريس الأنصاري ثنا هشام بن عمَّار حدثنا الوليد بن مسلم ثنا يحيى بن الحارث الذِّماري عن أبي أسماء الرحَبي عن ثوبان عن رسول الله - ﵌ - قال: \"من صام رمضان وستًّا من شوال فقد صام السنة\" (^١).\nالحسين بن إدريس له ترجمة في \"تذكرة الحفاظ\" (^٢)، روى له ابن حبان في \"صحيحه\" كما رأيت، وذكره في \"الثقات\" وقال: كان ركنًا من أركان السنة في بلده (^٣). ووثَّقه الدارقطني. وقال ابن ماكولا: كان من الحفَّاظ المكثرين (^٤).\nوهشام بن عمار تقدم.\nوالوليد بن مسلم إمام يدلِّس (^٥)، وقد صرَّح بالسماع.\nفهؤلاء خمسة رووه عن يحيى بن الحارث الذماري: يحيى بن حمزة ومحمد بن شعيب بن شابور، وإسماعيل بن عياش، وصدقة بن خالد، والوليد بن مسلم. ولعلَّك لو فتَّشتَ وجدتَ غيرهم (^٦).\n_________\n(^١) \"موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان\" (نسخة قلمية بالمكتبة الآصفية، ص ١٧٠). [المؤلف]. وهو في المطبوعة برقم (٩٢٨)، وفي \"صحيح ابن حبان\" بترتيب ابن بلبان برقم (٣٦٣٥).\n(^٢) (٢/ ٢٣٨). [المؤلف]. وهو في الطبعة التي بتحقيق المعلمي (٢/ ٦٩٥).\n(^٣) \"الثقات\" (نسخة قلمية للمكتبة الآصفية). [المؤلف]. وهو في المطبوعة (٨/ ١٩٣).\n(^٤) راجع \"لسان الميزان\" (ج ٢ ص ٢٧٢). [المؤلف]. وطبعة أبي غدة (٣/ ١٤٧، ١٤٨).\n(^٥) انظر \"تعريف أهل التقديس\" (ص ١٧٠).\n(^٦) منهم ثور بن يزيد، أخرجه الطبراني في \"المعجم الكبير\" (١٤٥١) من طريقه.","vol":"18","page":246},{"text":"وتابع يحيى بن حسَّان عبدُ الله بن يوسف عند البيهقي (^١)، رواه بسند صحيح عن عبد الله بن يوسف عن يحيى بن حمزة بسنده.\nوعبد الله بن يوسف من شيوخ البخاري، متفق على أنه ثقة ثبت (^٢).\nوممن تابع الدارميَّ ــ وإن كان غنيًّا عن المتابعة ــ: سليمان بن شعيب الكيساني، قال الطحاوي: حدثنا سليمان بن شعيب الكيساني قال: ثنا يحيى بن حسَّان ... (^٣).\nسليمان بن شعيب ذكره ابن السمعاني وقال: مولده بمصر سنة ١٨٤، وتوفي في صفر سنة ٢٧٣، وكان ثقة (^٤).\nومنهم: سعد بن عبد الله بن عبد الحكم والحسين بن نصر بن المعارك المصري، أخرجه عنهما إمام الأئمة محمد بن إسحاق بن خزيمة في \"صحيحه\" (^٥) كلاهما عن يحيى بن حسَّان.\nفأما سعد فقال ابن أبي حاتم: سمعتُ منه بمكة وبمصر، وهو\n_________\n(^١) \"سنن البيهقي\" (ج ٤ ص ٢٩٣). [المؤلف]. وأخرجه البزار في \"مسنده\" (٤١٧٨) من طريق يحيى بن حسان وعبد الله بن يوسف كلاهما عن يحيى به.\n(^٢) هو التنِّيسي، انظر \"تهذيب التهذيب\" (٦/ ٨٦ - ٨٨).\n(^٣) \"مشكل الآثار\" (ج ٣ ص ١١٩). [المؤلف]. في طبعة الرسالة برقم (٢٣٤٨).\n(^٤) \"الأنساب\" (الورقة ٤٩٣ الوجه الأول). [المؤلف]. هو في طبعة الهند (١١/ ١٩٥).\n(^٥) رقم (٢١١٥): وفيه \"سعيد بن عبد الله\" وهو تصحيف. وفيه: \" ... بن المبارك\"، وهو أيضًا تحريف. وفي الأصل: \"نصير\" بدل \"نصر\" تصحيف. وفيما يلي مصادر ترجمتهما.","vol":"18","page":247},{"text":"صدوق ... سئل أبي عنه فقال: صدوق (^١).\nوأما الحسين فقال ابن أبي حاتم: سمعتُ منه، ومحلُّه الصدق (^٢). وذكره ابن حبان في \"الثقات\" وقال: حدثنا عنه ابن خزيمة، وزعم أنه كان صدوقًا (^٣).\nحكم الحديث:\nحديث ثوبان صححه ابن خزيمة وابن حبان وغيرهما، وصحته واضحة جليَّة، والحمد لله.\n_________\n(^١) كتاب ابن أبي حاتم (نسخة محفوظة بدائرة المعارف، تقدمت الإشارة إليها). [المؤلف]. وهو في المطبوعة (٤/ ٩٢).\n(^٢) كتاب ابن أبي حاتم (نسخة ...). [المؤلف]. وهو في المطبوعة (٣/ ٦٦).\n(^٣) \"الثقات\" (نسخة قلمية). [المؤلف]. وهو في المطبوعة (٨/ ١٩٢). وله ترجمة في \"تاريخ بغداد\" (٨/ ١٤٣).","vol":"18","page":248},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-14>الفصل الخامس\nحديث أبي هريرة</span>\nقال البزّار: حدثنا حفص بن عمر الشيباني ثنا أبو عامر ثنا زهير عن العلاء عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي - ﵌ - قال: \"من صام رمضان وأتبعَه بستٍّ من شوال فكأنما صام الدهر\". هكذا رواه أبو عامر، ورواه عمرو بن أبي سلمة عن زهير عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة، ثناه محمد بن مسكين ثنا عمرو به. قال البزار: ولم أسمعه عن أبي عامر إلا من عمر بن حفص، ورأيته في كتاب أحمد بن ثابت مكتوبًا فقال: لم يقرأه علينا أبو عامر (^١).\nأقول: كذا وقع في النسخة أولًا \"حفص بن عمر\" وثانيًا \"عمر بن حفص\"، وكأن الثاني هو الصواب (^٢). وفي \"التهذيب\" (٧/ ٤٣٤): عمر بن حفص بن صبيح، ويقال بزيادة \"عمر\" بين حفص وصبيح، أبو الحسن الشيباني اليماني البصري ... ذكره ابن حبان في \"الثقات\" (^٣). مات في حدود سنة خمسين ومائتين، واحتج به ابن خزيمة في \"صحيحه\".\nوأبو عامر هو عبد الملك بن عمرو العقدي البصري، ثقة جليل باتفاقهم (^٤). وكتابة أحمد بن ثابت الحديثَ في كتابه على أنه من حديث\n_________\n(^١) \"زوائد مسند البزار\" (نسخة قلمية بالمكتبة الآصفية ص ١٣٠). [المؤلف]. انظر المطبوعة (١/ ٤٠٥)، و\"كشف الأستار\" (١٠٦٠) و\"مسند البزار\" (٨٣٣٤).\n(^٢) هو على الصواب في \"كشف الأستار\" و\"مسند البزار\".\n(^٣) (٨/ ٤٤٧).\n(^٤) انظر \"تهذيب التهذيب\" (٦/ ٤٠٩، ٤١٠).","vol":"18","page":249},{"text":"أبي عامر متابعة قوية. وقول أحمد بن ثابت \"إن أبا عامر لم يقرأه عليهم\" كأنه لأنه لم يتيسَّر لهم سؤاله أن يقرأه عليهم، وقد يحتمل أنه توقف عنه، إما لأنه بلغه أن غيره روى عن زهير بخلاف روايته، وإما لأنه لم يجد لزهير متابعًا. وعلى كل حال فقد ثبت أن الحديث من حديث أبي عامر عن زهير.\nوزهير هو ابن محمد التميمي (^١)، قال أحمد مرةً: ثقة، ومرةً: لا بأس به، ومرةً: مستقيم الحديث، ومرةً: مقاربه. ثم صحح رواية أبي عامر العقدي وأشباهه عنه، وضعَّف رواية عمرو بن [أبي] سلمة وأهل الشام عنه. قال الأثرم عن أحمد [ص ٩] في رواية الشاميين عن زهير: يروون عنه مناكير، ثم قال: أما رواية أصحابنا عنه فمستقيمة، عبد الرحمن بن مهدي وأبي عامر. وأما أحاديث أبي حفص (هو عمرو بن أبي سلمة) ذاك التنيسي عنه فتلك بواطيل ــ موضوعة أو نحو ذلك ــ، أما بواطيل فقد قاله. وقال البخاري: قال أحمد: كأن زهيرًا الذي روى عنه أهل الشام زهير آخر. قال البخاري: ما روى عنه أهل الشام فإنه مناكير، وما روى عنه أهل البصرة فإنه صحيح.\nوعمرو بن أبي سلمة ثقة يخطئ، ولاسيما فيما رواه عن زهير. قال أحمد: روى عن زهير أحاديث بواطيل كأنه سمعها من صدقة بن عبد الله، فغلِط فقلَبَها عن زهير (^٢).\nفقد بان أن ما رواه أبو عامر عن زهير صحيح، فقد صحَّ الحديث عن العلاء عن أبيه. والعلاء وأبوه تابعيان ثقتان، أما أبوه فلم يقدح فيه أحد، وأما\n_________\n(^١) \"تهذيب التهذيب\" (٣/ ٣٤٨ - ٣٥٠).\n(^٢) انظر المصدر السابق (٨/ ٤٣، ٤٤).","vol":"18","page":250},{"text":"هو فقال أحمد: ثقة لم أسمع أحدًا ذكره بسوءٍ. وليَّنه ابن معين وغيره. وقال الترمذي: هو ثقة عند أهل الحديث (^١).\nوالحاصل أن حديثه إذا لم تقم قرينة على خطائه إما صحيح وإما حسن. وقد قال المنذري في هذا الحديث: \"رواه البزار، وإحدى طرقه عنده صحيحة\" (٣/ ٩٦) (^٢). كأنه يعني هذه الطريق.\nوأما الطريق الأخرى فالراوي عن عمرو بن أبي سلمة ــ وهو محمد بن مسكين ــ ثقة اتفاقًا (^٣).\nوعمرو بن أبي سلمة، قد علمت الكلام في روايته عن زهير. على أنه لا مانع أن يكون لزهير طريقان: عن العلاء عن أبيه عن أبي هريرة، وعن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة. وسهيل وأبوه ثقتان، وفي سهيل كلام لا يُسقِطه، وقد احتج به مسلم في \"صحيحه\"، وعاب النسائي على البخاري عدم الاحتجاج به (^٤).\nوفي \"التلخيص\" (^٥): وأخرجه أبو نعيم من طريق المثنى بن الصباح ــ أحد الضعفاء ــ عن المحرر بن أبي هريرة عن أبيه. ورواه الطبراني في \"الأوسط\" من أوجه أخرى ضعيفة (^٦).\n_________\n(^١) \"تهذيب التهذيب\" (٦/ ٣٠١ و٨/ ١٨٦، ١٨٧).\n(^٢) \"الترغيب والترهيب\" رقم (١٤٥٩). ط. مكتبة المعارف.\n(^٣) انظر \"تهذيب التهذيب\" (٩/ ٤٣٩، ٤٤٠).\n(^٤) راجع \"تهذيب التهذيب\" (٤/ ٢٦٣، ٢٦٤).\n(^٥) \"التلخيص الحبير\" (٢/ ٢٢٧).\n(^٦) أخرجه من حديث جابر (٣١٩٢، ٨٩٧٩) وسيأتي الكلام عليه، ومن حديث ابن عباس وجابر (٤٦٤٢) ومن حديث ابن عمر (٨٦٢٢).","vol":"18","page":251},{"text":"أقول: المثنى بن الصباح كان من العبَّاد، وقد وثَّقه ابن معين مرةً والصحيح أنه ضعيف (^١)، ولكن لا تخلو روايته عن تقويةٍ لحديث البزار، وكذلك الوجوه الأخرى التي ذكرها الحافظ. فحديث أبي هريرة هذا إن لم يرتقِ إلى درجة الصحيح فلا ينزل عن درجة الحسن. والله أعلم.\n_________\n(^١) انظر \"تهذيب التهذيب\" (١٠/ ٣٥ - ٣٧).","vol":"18","page":252},{"text":"[ص ١٠]<span data-type=\"title\" id=toc-15> الفصل السادس\nفي حديث جابر</span>\nأما حديث جابر فقال الإمام أحمد: ثنا عبد الله بن يزيد ثنا سعيد يعني ابن أبي أيوب حدثني عمرو بن جابر الحضرمي قال: سمعتُ جابر بن عبد الله الأنصاري يقول: سمعتُ رسول الله - ﵌ - يقول: \"من صام رمضان وستًّا من شوال فكأنما صام السنة كلَّها\".\nثم أعاده في موضع آخر: ثنا أبو عبد الرحمن ثنا سعيد ...\nثم أعاده في موضع ثالث: ثنا أبو عبد الرحمن ثنا سعيد بن أبي أيوب ... (^١).\nوعبد الله بن يزيد هو أبو عبد الرحمن المقرئ، ثقة باتفاقهم (^٢)،\n_________\n(^١) \"مسند أحمد\" (ج ٣ ص ٣٠٨ و٣٢٤ و٣٤٤). [المؤلف]. بأرقام (١٤٣٠٢، ١٤٤٧٧، ١٤٧١٠). وفي الموضع الأول ذكر له إسنادًا آخر فقال: \"حدثناه الحسن أخبرنا ابن لهيعة حدثنا عمرو بن جابر الحضرمي ... فذكر معناه\" برقم (١٤٣٠٣). وقد أخرجه عبد بن حميد في \"مسنده\" (١١١٦) والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٤/ ٢٩٢) من طريق عبد الله بن يزيد المقرئ بهذا الإسناد. وأخرجه البيهقي (٤/ ٢٩٢) من طريق ابن وهب عن سعيد بن أبي أيوب به. وأخرجه البزار كما في \"كشف الأستار\" (١٠٦٢) والطبراني في \"الأوسط\" (٣١٩٢، ٨٩٧٩) والبيهقي (٤/ ٢٩٢) من طريق بكر بن مضر عن عمرو بن جابر به. وأخرجه البيهقي (٤/ ٢٩٢) من طريق ابن وهب عن ابن لهيعة عن عمرو بن جابر به. وسيأتي ما في \"مشكل الآثار\" من هذه الطرق.\n(^٢) انظر \"تهذيب التهذيب\" (٦/ ٨٣، ٨٤).","vol":"18","page":253},{"text":"وكذلك سعيد بن أبي أيوب (^١).\nوقال الطحاوي (^٢): حدثنا الربيع المرادي قال ثنا عبد الله بن وهب قال: أخبرني ابن لهيعة وبكر بن مضر وسعيد بن أبي أيوب عن عمرو بن جابر ...، فذكره.\nثم قال (^٣): حدثنا سليمان بن شعيب قال: ثنا يحيى بن حسان قال: ثنا ابن لهيعة وبكر بن مضر كلاهما عن عمرو بن جابر ....، فذكره (^٤).\nالربيع وبكر بن مضر ثقتان باتفاقهم (^٥).\nوعبد الله بن وهب إمام.\nوسليمان بن شعيب ويحيى بن حسان تقدَّما.\nفالحديث ثابت بلا شك عن عمرو بن جابر.\nوعمرو بن جابر مختلف فيه، ذكروا أنه كان يقول: إن عليًّا ﵁ في السحاب. فجرحَه جماعة مطلقًا، ووثَّقه آخرون في الحديث. ذكره البرقي فيمن ضُعِّف بسبب التشيع وهو ثقة. وذكره يعقوب بن سفيان في جملة الثقات. وصحح الترمذي حديثه. وقال أحمد: بلغني أن عمرو بن جابر كان يكذب، قال: وروى عن جابر أحاديث مناكير. كذا في\n_________\n(^١) \"تهذيب التهذيب\" (٤/ ٧، ٨).\n(^٢) في \"مشكل الآثار\" (٢٣٥٠).\n(^٣) برقم (٢٣٥١).\n(^٤) \"مشكل الآثار\" (ج ٣ ص ١٢٠). [المؤلف]. وهو في طبعة الرسالة (٦/ ١٢٦).\n(^٥) انظر \"تهذيب التهذيب\" (٣/ ٢٤٥، ٢٤٦ و١/ ٤٨٧، ٤٨٨).","vol":"18","page":254},{"text":"\"التهذيب\" (^١).\nأقول: الظاهر أن قول أحمد \"وبلغني ... \" إنما بلغه ذلك من وجه لا يصح، ولذلك أخرج حديثه في \"مسنده\" كما رأيت. أو لعله أراد بالكذب ما حُكِي أنه كانت تمرُّ السحابة فيقول: هذا عليٌّ قد مرَّ في هذه السحابة. فقد جاء عن الشعبي وغيره في الحارث الأعور: كان كذابًا. ثم أثنى عليه الشعبي وغيره، ووثقه أحمد بن صالح المصري، فقيل له: فقد قال الشعبي: إنه كان يكذب، قال: لم يكن يكذب في الحديث، إنما كان كذبه في رأيه. يعني إفراطه في التشيع. \"التهذيب\" (٢/ ١٤٥ - [١٤٧]). ولهذا نظائر.\nوأما المناكير فلعل النكارة فيها خفيفة، أو لعلها من الراوي عنه. وقد أخرج ابن أبي حاتم (^٢) عن الأثرم صاحب أحمد قال: ذُكِر لأبي عبد الله أحمد بن حنبل عمرو بن جابر الحضرمي، فقال: \"يروي أحاديث مناكير ابنُ لهيعة عنه\". وابن لهيعة ضعيف عندهم ومدلِّس. قال ابن أبي حاتم: سألتُ أبي عن عمرو بن جابر فقال: عنده نحوه عشرين حديثًا، هو صالح الحديث.\nوفي ترجمته من \"الميزان\" (^٣) حديثه عن جابر مرفوعًا: \"الفارّ من الطاعون [كالفارّ يوم الزحف، ومن صبرَ فيه كان له كأجرِ شهيد] \".\nوفي أحاديث الطاعون المتفق على صحتها ما يشهد لهذا المعنى. وعادة صاحب \"الميزان\" أن يذكر في ترجمة الرجل أنكرَ ما روى. فإذا كان\n_________\n(^١) (٨/ ١١).\n(^٢) في \"الجرح والتعديل\" (٦/ ٢٢٤).\n(^٣) (٣/ ٢٥٠). وما بين المعكوفتين منه، وقد ترك المؤلف هنا بياضًا.","vol":"18","page":255},{"text":"هذا أنكر ما روى هذا الرجل فلا وجهَ للطعن فيه بأنه يروي مناكير.\nوأما قول الأزدي: \"كذاب\"، فالأزدي نفسه واهٍ لا يُعتمد عليه. وهو محمد بن الحسين الأزدي، له ترجمة في \"لسان الميزان\" (٥/ ١٣٩) (^١)، فراجعها إن شئت.\nوأما قول عمرو بن جابر في علي ﵁: \"إنه في السحاب\" فأمرٌ توهَّمه، ولم يُنقَل عنه غيرُه مما فيه غلوٌّ مفرط أو طعنٌ في الصحابة ﵃.\nومما يؤيد ما ذكرته في كلام الإمام أحمد أنه ﵀ روى حديث عمرو هذا وكرَّره في \"المسند\" مرارًا كما رأيتَ، ثم احتج به مع غيره فيما حكى أصحابه عنه أنه قال في صيام ستة أيام من شوال: \"رُوي هذا عن النبي - ﵌ - بثلاثة أوجه\". ذكره ابن قدامة في \"المغني\" (٣/ ٩٥) (^٢).\nومراده بالثلاثة: حديث أبي أيوب وحديث ثوبان وحديث جابر، فإنها هي التي خرَّجها في \"مسنده\".\nوبالجملة فحديثه هذا يصلح شاهدًا على الأقل.\n_________\n(^١) (٧/ ٩٠، ٩١) ط. أبي غدة.\n(^٢) (٤/ ٤٣٩) ط. التركي.","vol":"18","page":256},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-16>الفصل السابع\nفي بقية الأحاديث</span>\n• [ص ١١] حديث البراء، لفظه كما في \"كنز العمال\" (ج ٤ ص ٣٢٠) (^١): \"من صام رمضان وستة أيام من شوَّال كان كصيام السنة كلها، الحسنة بعشر أمثالها\". ونسبه إلى ابن النجار و\"مشيخة ابن البنّاء\"، ونسبه ابن حجر في \"التلخيص\" (^٢) وغيره إلى الدارقطني.\n• وحديث ابن عمر، لفظه كما في \"الترغيب والترهيب\" (^٣) للمنذري: \"من صام رمضان وأتبعَه ستًّا من شوال خرج من ذنوبه كيومِ ولدتْه أمُّه\". ونسبه إلى \"المعجم الأوسط\" للطبراني (^٤).\n• وحديث ابن عباس، لم أقف على لفظه، ونسبوه إلى \"المعجم الأوسط\" للطبراني (^٥) أيضًا.\n_________\n(^١) (٨/ ٥٧٠) ط. مؤسسة الرسالة.\n(^٢) (٢/ ٣٢٧). قال الدارقطني في \"العلل\" (٦/ ١٠٨): \"رواه إسحاق بن أبي فروة عن يحيى بن سعيد عن عدي بن ثابت عن البراء، ووهم فيه وهمًا قبيحًا، والصواب حديث أبي أيوب\".\n(^٣) رقم (١٤٦٠).\n(^٤) برقم (٨٦٢٢). قال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (٣/ ١٨٤): فيه مسلمة بن علي الخشني وهو ضعيف.\n(^٥) برقم (٤٦٤٢) من طريق يحيى بن سعيد المازني عن عمرو بن دينار عن مجاهد عن ابن عباس وجابر أن النبي - ﷺ - قال: \"من صام رمضان وأتبعه ستًّا من شوال صام السنة كلها\". قال الطبراني: لم يروِ هذا الحديث عن عمرو بن دينار إلا يحيى بن سعيد المازني، تفرد به بكار بن الوليد الضبي. وقال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (٣/ ١٨٤): فيه يحيى بن سعيد المازني وهو متروك.","vol":"18","page":257},{"text":"• وحديث غنّام أشار إليه ابن أبي حاتم في كتابه \"الجرح والتعديل\"، ولفظه في ترجمة غنّام: \"غنّام والد عبد الرحمن بن غنّام، روى عن النبي - ﵌ - أنه قال: \"من صام ستة أيام من شوَّال ... \". روى حاتم بن إسماعيل عن إسماعيل المؤذن عن عبد الرحمن بن غنام عن أبيه\" (^١).\nولغنّام ترجمة في \"الإصابة\" (^٢)، وقال: ذكره ابن أبي حاتم عن أبيه في الصحابة ...، رواه حاتم بن إسماعيل عن إسماعيل المؤذن مولى عبد الرحمن بن غنام عن عبد الرحمن بن غنام عن أبيه.\nثم قال الحافظ: \"قلت: ووصله ابن مندة من رواية حاتم، ولفظه: \"من صام رمضان وأتبعه ستًّا من شوّال فكأنما صام السنة\". وأخرجه أبو نعيم (^٣) بنحوه. ووقع عند البغوي: غنام الأنصاري، سكن المدينة وروى عن النبي - ﵌ - حديثًا ... \".\nوذكره في \"الإصابة\" في موضع آخر (^٤): \"وعِنان رجل من الصحابة، له حديث واحد. كذا ذكره علي بن سعيد العسكري، وساق من طريق إسماعيل المؤذن عن عبد الرحمن بن عنان عن أبيه رفعه: \"من صام ستًّا بعد يوم الفطر فكأنما صام الدهر\" كذا قال، وهو تصحيف، وإنما هو غنَّام بالغين المعجمة\n_________\n(^١) \"الجرح والتعديل\" مطبوع (ج ٣ قسم ٢ ص ٥٨). [المؤلف].\n(^٢) (٨/ ٤٨٥، ٤٨٦).\n(^٣) في \"معرفة الصحابة\" (٥٦٨١).\n(^٤) (٨/ ٤٦٢).","vol":"18","page":258},{"text":"وتشديد النون وآخره ميم، وسيأتي على الصواب في مكانه\".\nوذكره الذهبي في \"التجريد\" (^١) وقال: \"إسناد حديثه غريب\".\nأقول: أما حاتم بن إسماعيل فثقة مشهور من رجال الصحيحين (^٢).\nوأما إسماعيل المؤذن فلا أدري من هو.\nوعبد الرحمن بن غنام لم أجد له ترجمة فيما وقفت عليه من الكتب (^٣). والله أعلم.\n• وأما عائشة أم المؤمنين فكأن حديثها في \"جزء الدمياطي\"، فإن السبكي قال: \"وقد اعتنى [شيخنا أبو محمد الدمياطي بجمع طرقه، فأسنده عن بضعة وعشرين رجلًا رووه عن سعد بن سعيد، وأكثرهم حفّاظ ثقات ... ورواه أيضًا عن النبي - ﷺ -: ثوبان وأبو هريرة وجابر وابن عباس والبراء بن عازب وعائشة] (^٤).\n_________\n(^١) (٢/ ٣).\n(^٢) انظر \"تهذيب التهذيب\" (٢/ ١٢٨).\n(^٣) قال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (٣/ ١٨٤): عبد الرحمن بن غنام لم أعرفه.\n(^٤) ما بين المعكوفتين بيَّض له المؤلف. وأضفناه نقلًا عن \"سبل السلام\" (٢/ ١٦٧). وقال ابن الملقن في \"البدر المنير\" (٥/ ٧٥٢ طبعة دار الهجرة): \"وقد روى هذا الحديث عن سعد بن سعيد تسعة وعشرون رجلًا أكثرهم ثقات حفَّاظ أثبات، وقد ذكرتُ كل ذلك عنهم موضّحًا في \"تخريجي لأحاديث المهذّب\"، مع الجواب عمن طعن في سعد بن سعيد، وأنه لم ينفرد به وتوبع عليه. وذكرتُ له ثمان شواهد، وأجبتُ عن كلام ابن دحية الحافظ فإنه طعن فيه. فراجعْ ذلك جميعه منه، فإنه من المهمات التي يُرحل إليها\".","vol":"18","page":259},{"text":"وفي \"فتح الملهم شرح صحيح مسلم\" (٣/ ١٨٧) (^١): قال الشيخ الجزري: حديث أبي أيوب هذا لا يُشَكّ في صحته .... ورواه أيضًا عن النبي - ﷺ - أبو هريرة وجابر وثوبان والبراء بن عازب وابن عباس وعائشة.\nورأيت في \"الجامع الصغير\" (^٢) حديث: \"من صام رمضان وستًّا من شوال والأربعاء والخميس دخل الجنة\". مح (^٣) عن رجل.\nو\"مح\" علامة لـ\"مسند أحمد\"، ورأيتُ في \"المسند\" (^٤) من حديث عريفٍ من عُرفاء قريش عن أبيه: \"من صام رمضان وشوالًا والأربعاء والخميس دخل الجنة\".\nوهناك أحاديث أخرى في صوم شوال إجمالًا، وفيما ذُكِر كفاية. والله الموفق.\n_________\n(^١) (٥/ ٣٢٧) طبعة دار القلم. وقد نقل الكلام المذكور عن \"مرقاة المفاتيح\" للقاري (٢/ ٥٤٢). والجزري هو شمس الدين محمد بن محمد الشهير بابن الجزري (ت ٨٣٣) شيخ الإقراء في زمانه. وهو ممن شرح \"مصابيح السنة\" للبغوي في ثلاثة مجلدات، وسماه \"تصحيح المصابيح\" (أو) \"التوضيح في شرح المصابيح\". انظر: \"كشف الظنون\" (٢/ ١٦٩٩). وبلغني أن منه نسخة في إحدى المكتبات الشخصية بالهند.\n(^٢) (٦/ ١٦١ بشرحه \"فيض القدير\").\n(^٣) كذا في الأصل. وفي \"الجامع الصغير\": \"حم\". وهو المعروف، وقد صرَّح السيوطي بذلك في أول \"الجامع\" (١/ ٢٥).\n(^٤) رقم (١٥٤٣٤). وأخرجه أيضًا عبد الله بن أحمد في \"زوائد المسند\" (١٦٧١٤) والبيهقي في \"شعب الإيمان\" (٣٨٧٠). قال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (٣/ ١٩٠): \"فيه من لم يسمَّ، وبقية رجاله ثقات\".","vol":"18","page":260},{"text":"[ص ١٢]<span data-type=\"title\" id=toc-17> الفصل الثامن\nفي الآثار</span>\nبحسْبِك من آثار الصحابة ﵃ رواية هذه السنة عن النبي - ﵌ -، وقد تقدم في رواية يحيى بن سعيد الأنصاري أن أبا أيوب ﵁ قام في الناس عقبَ الفطر، فخطَبهم بهذا الحديث يُرغِّبهم في الصوم.\nوأما التابعون فبحسْبِك من آثارهم رواية السنة كما سمعتَ. وروى الترمذي عن الحسن البصري \"كان إذا ذُكِر عنده صيام ستة أيام من شوال فيقول: والله لقد رضي الله بصيام هذا الشهر عن السنة كلها\" (١/ ١٤١) (^١).\nوهذا الأثر يدلُّ على استفاضة هذه السنة في زمن الحسن، وأنه لا يرى بها بأسًا، وإنما بيَّن أنها ليست بفرض، فإن قوله: \"لقد رضي الله ... \" معناه: رضي الله بها أداءً للفرض. ولا يصح أن يُحمل كلامه على معنى أن الله رضي بها فلم يشرع غيرها، لأن هناك أيامًا غير رمضان مشروعٌ صومُها قطعًا، كالاثنين والخميس ويوم عرفة وثلاثة أيام من كل شهر وغيرها.\nفإن قيل: يحتمل أنه أراد إنكار الحديث أن صومها مع رمضان يَعدِل صومَ السنة، فيكون قوله: \"لقد رضي الله ... \" مراد به أن الله تعالى رضي برمضان وحده، فجعل صيامه يَعدِل صيامَ السنة.\nقلت: هذا باطل، فأيُّ حجة على أن صيام رمضان وحده يعدِل صيامَ\n_________\n(^١) (٣/ ١٣٣) تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي. وأخرجه أيضًا ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٣/ ٩٧).","vol":"18","page":261},{"text":"السنة؟ بل الأدلة القطعية في أن الحسنة بعشْرِ أمثالها تُنافي ذلك، وتشهد لحديث الستّ. وما ورد من أن المضاعفة قد تزيد على العشر إلى سبعمئة أو أكثر فذلك غير موعود به وعدًا باتًّا، بل موكولٌ إلى فضل الله ﷿، بخلاف العشر فإن الوعد بها مبتوت.\nعلى أنه لو كان على ذلك حجة لما كان ذلك صريحًا في منافاة حديث الست، ولاسيما رواية \"فكأنما صام الدهر\".\nوقال ابن قدامة في \"المغني\": \"وجملة ذلك أن صوم الستّ مستحب عند كثير من أهل العلم، روي ذلك عن كعب الأحبار والشعبي وميمون بن مهران ... \". (٣/ ٩٥) (^١).\n_________\n(^١) (٤/ ٤٣٨) ط. التركي.","vol":"18","page":262},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-18>الفصل التاسع\nفي مذاهب الفقهاء</span>\nأما الشافعي وأحمد وداود الظاهري وأصحابهم ــ وفيهم مجتهدون كابن جرير وابن خزيمة وابن حبان وابن المنذر وغيرهم ــ فلا خلاف في استحبابها عندهم.\nوأما أبو حنيفة فقد ذُكِرت عنه رواية بكراهيتها، والصحيح عند أصحابه استحبابها، وذكر ابن عابدين منهم عدة نصوص من كتبهم على استحبابها ثم قال: \"وتمام ذلك في رسالة \"تحرير الأقوال في صوم الست من شوال\" للعلامة قاسم، وقد ردَّ فيها على ما في \"منظومة التباني\" وشرحها من عَزْوه الكراهة مطلقًا إلى أبي حنيفة وأنه الأصح، بأنه على غير رواية الأصول، وأنه صحح ما لم يسبقه أحدٌ إلى تصحيحه، وأنه صحَّح الضعيفَ وعَمَدَ إلى تعطيل ما فيه الثواب الجزيل بدعوى كاذبة بلا دليل، ثم ساق كثيرًا من نصوص كتب المذهب\" (٢/ ١٣٦) (^١).\nوأما مالك بن أنس فقد قال يحيى بن يحيى الأندلسي (^٢): \"سمعتُ مالكًا يقول في صيام ستة أيام بعد الفطر من رمضان: إني لم ير (كذا) (^٣) أحدًا من أهل العلم والفقه يصومها، ولم يبلغني ذلك عن أحدٍ من السلف،\n_________\n(^١) \"حاشية ابن عابدين\" (٢/ ٤٣٥) ط. دار الفكر.\n(^٢) في \"الموطأ\" بروايته (١/ ٣١١).\n(^٣) من المؤلف للإشارة إلى ما في النسخة التي رجع إليها. وفي طبعة محمد فؤاد عبد الباقي: \"إنه لم ير\" على الصواب.","vol":"18","page":263},{"text":"وإن أهل العلم يكرهون ذلك ويخافون بدعته، وأن يُلْحِقَ برمضان ما ليس منه أهلُ الجهالة والجفاء، لو رأوا في ذلك خفَّةً على أهل العلم (^١) ورأوهم يعملون ذلك\".\nأقول: قوله: \"في صيام ستة أيام بعد الفطر من رمضان\" ظاهره أن المراد عقب الفطر، بأن يصام ثاني شوال إلى سابعه، ويشهد له قوله بعد ذلك: \"وأن يلحق برمضان ما ليس منه أهل الجهالة والجفاء\"، فإن توهُّمَ العامة أن حكمها حكم رمضان في الفرضية إنما يقرب إذا صِيْمتْ عقبَ الفطر.\nوعلى هذا حمل كثير من المالكية كلام مالك، قال القاضي عياض المالكي: \"ويحتمل أنه إنما كره وصلَ صومها بيوم الفطر، وأما لو صامها في أثناء الشهر فلا، وهو ظاهر كلامه في قوله: صام ستة أيام بعد يوم الفطر\" (٣/ ٢٧٩) (^٢).\nوسيأتي نحوه عن الباجي وغيره.\nوقوله إنه لم ير أحدًا من أهل العلم والفقه يصومها، ولا بلغه عن أحد من السلف= نفيٌ غير حاصر، لاحتمال أن جماعة منهم كانوا يصومونها ويُخفون ذلك، كما هو المشروع في صيام التطوع.\n[ص ١٣] ثم إن كان الكلام في صومها عقب الفطر، فليس فيه نفْي صومهم إياها في أثناء الشهر. وإن كان على إطلاقه فلعلَّ جماعة كانوا\n_________\n(^١) في طبعة محمد فؤاد عبد الباقي: \"رخصة عند أهل العلم\".\n(^٢) لعل المؤلف أحال هنا إلى طبعةٍ من \"شرح الزرقاني على الموطأ\". والنصّ في طبعة دار الفكر منه (٢/ ٢٠٣). وأصله في \"إكمال المعلم\" (٤/ ١٤٠).","vol":"18","page":264},{"text":"يصومونها ولم يبلغ مالكًا، ولاسيما من غير أهل المدينة. ومن كان لا يصومها: فقد كان جماعة منهم يسردون الصوم، وجماعة يصومون كلَّ اثنين وخميس، وجماعة يصومون ثلاثة أيام من كل شهر، وبعضهم يصومون من ذي الحجة والمحرم وغيرهما ما يزيد على ستة أيام.\nفأما الذين يسردون فقد دخل صوم الستّ في صيامهم.\nوأما الذين يصومون كل اثنين وخميس فلعلهم كانوا لا يرون اشتراطَ تتابعها، بل يكفي أن تكون من شوّال، ورأوا أنه يحصل لهم بصيام الاثنين والخميس صيام الستّ وزيادة.\nوأما الذين يصومون ثلاثة أيام من كل شهر، أو يصومون في ذي الحجة والمحرم وغيرهما ما يزيد على ستة أيام= فلعلهم حملوا الحديثَ على أن أصل المطلوب صيام ستة أيام من بقية السنة، وأنه لا اختصاص للأجر بكونها مُتْبَعةً برمضان من شوال، على ما يأتي تقريره في الفصل العاشر إن شاء الله تعالى.\nعلى أن في كلام مالك نفسه الاعتذارَ عنهم بأنهم إنما كانوا يتركون صومها ويكرهونه خوفَ البدعة، بأن يُلحِق بعض أهل الجهالة والجفاء برمضان ما ليس منه، فيظنون أن صومها فرضٌ كرمضان.\nوقد كان النبي - ﵌ - ربما يترك العمل الذي هو في نفسه مستحب إعلامًا للناس أنه ليس بفرضٍ ولا قريبًا منه، بأن يكون استحبابه بغاية التأكيد، وربما يفعل الشيء الذي في نفسه مكروه إعلامًا للناس أنه ليس بحرامٍ ولا شديد الكراهة. واقتدى به أصحابه، فكان أبو بكر وعمر وابن عباس لا","vol":"18","page":265},{"text":"يُضحُّون (^١)، لأنهم كانوا يرون الأضحية مندوبة، ويخافون أن يعتقد الناس وجوبها أو تأكُّدها، ويواظبون عليها ويشقُّ ذلك عليهم.\nويشهد لذلك قوله: \"ويخافون بدعته\"، إذ لو كانوا يرون أن صيامها ليس بسنةٍ أصلًا لكان صيامها عندهم بدعةً البتّةَ، وحقُّ التعبير عنه أن يقال: \"ويرونه بدعة\". فلما قال: \"ويخافون ... \" عُلِم أنهم لا يرون صيامها بدعةً، ولكن يخشَون أن ينجرَّ الأمرُ إلى البدعة، وهي اعتقاد أن حكمها حكم رمضان في الفرضية. فتدبَّرْ.\nوبعدُ، فتَرْكُ أكثر الناس العملَ بالشيء ــ ولو لم يظهر لهم عذرٌ ــ لا يدلّ على أنه ليس بسنة. هذا التكبير عند الخفض والرفع في الصلاة تركه الناس في عهد عثمان، حتى أحياه علي بالكوفة، فقال أبو موسى: \"ذكَّرَنا عليٌّ صلاةً كنَّا نصلِّيها مع رسول الله - ﵌ -، إما نسيناها وإما تركناها عمدًا\" (^٢). وقال عمران بن حصين: \"ذكَّرَنا هذا الرجل صلاةً كنّا نصلِّيها مع رسول الله - ﵌ -، كان يكبِّر كلما رفع وكلما وضع\" (^٣). (راجع البخاري مع شرحه \"فتح الباري\" (^٤) كتاب الصلاة، باب إتمام التكبير في الركوع). وأحياه أبو هريرة بمكة، فأنكره عكرمة حتى قال لمولاه ابن عباس: إنه أحمق، فقال ابن\n_________\n(^١) انظر \"مصنّف عبد الرزاق\" (٤/ ٣٨١، ٣٨٢) و\"السنن الكبرى\" للبيهقي (٩/ ٢٦٥).\n(^٢) أخرجه أحمد في \"المسند\" (١٩٤٩٤) والطحاوي في \"معاني الآثار\" (١/ ٢٢١) وغيرهما.\n(^٣) أخرجه البخاري (٧٨٤).\n(^٤) (٢/ ٢٦٩، ٢٧٠) ط. السلفية.","vol":"18","page":266},{"text":"عباس: \"ثَكِلَتْك أمُّك! تلك صلاة أبي القاسم - ﵌ - \" (^١). (أيضًا باب التكبير إذا قام من السجود).\nومالك ﵀ له أصلان يبالغ فيهما:\nالأول: شدة التحرُّز من البدعِ حتى ربما يقع في ترك السنة، ومن الحرامِ حتى ربما يقع في تحريم الحلال، وهذا هو الأصل المعروف بسدّ الذرائع.\nالثاني: الاحتجاج بعمل أهل المدينة حتى يقع في مخالفة بعض السنن الثابتة، وربما يحتج بعمل أهل المدينة ويكون عمل كثير من أهل المدينة على خلاف ما قال.\nوقد نازعه في هذين الأصلين من هو أجلُّ أصحابه ومن أشدِّهم ــ أو هو أشدُّهم ــ حبًّا له ومعرفةً بقدره، وهو الشافعي.\nوعلى كل حال فإن أصحاب مالك قد كَفَونا، فقرَّروا استحباب صيام الستّ في الجملة، وذكروا قيودًا أخذوها من كلام مالك، فقالوا: إنما يُكره صومها لمن يجتمع فيه خمسةُ أمور:\nالأول: أن يكون مقتدى به.\nالثاني: أن يُظهِر صومها.\nالثالث: أن يصومها متصلةً برمضان.\nالرابع: أن يتابعها.\nالخامس: أن يعتقد سنية اتصالها ــ أي في حقّه ــ مع اجتماع الأربعة الأولى.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٧٨٨). وانظر \"الفتح\" (٢/ ٢٧٢).","vol":"18","page":267},{"text":"قالوا: فإذا انتفى واحدٌ فأكثر من هذه الخمسة لم يُكْرَه صومُها، أي بل يُستحبُّ كما يأتي.\nفأما المحدّثون منهم فمنهم من قال: لعله لم يبلغ مالكًا الحديثُ، قاله الحافظ أبو عمر ابن عبد البر (^١) وغيره. ومنهم من قال: لعله لم يبلغه من وجهٍ يصحُّ، وقد بلغ غيرَه. ومنهم مَن قال: لعله إنما بلغه عن سعد بن سعيد، فلم يعتمد عليه، وإن كان لم يتكلم هو في سعد بن سعيد ولا أحدٌ من أهل عصره كما مرَّ.\nوذكر المازري المالكي في \"شرح صحيح مسلم\" (^٢) [ص ١٤] كلامَ مالك، ثم قال: \"قال شيوخنا: ولعل مالكًا إنما كره صومها لهذا، وأما صومها على ما أراده الشرع فجائز. وقال آخرون: لعله لم يبلغه الحديث أو لم يثبت عنده، وإنما وجد العمل بخلافه\". نقله عنه الأُبِّي (^٣).\nوقال الباجي في \"شرح الموطأ\": \"وإنما كره ذلك مالك لما خاف من إلحاق عوامّ الناس ذلك برمضان، وأن لا يميِّزوا بينها وبينه حتى يعتقدوا جميع ذلك فرضًا\". ثم ذكر رواية سعد بن سعيد ثم قال: \"وسعد بن سعيد هذا ممن لا يحتمل الانفراد بمثل هذا، فلما ورد الحديث على مثل هذا، ووجد مالك علماء المدينة منكرين العمل بهذا احتاط. فتركه لئلا يكون\n_________\n(^١) انظر \"الاستذكار\" (٣/ ٣٨٠) ط. دار الكتب العلمية. و\"إكمال المعلم\" (٤/ ١٣٩، ١٤٠)، و\"شرح الزرقاني على الموطأ\" (٢/ ٢٠٣).\n(^٢) لم أجد كلامه في \"المعلم بفوائد مسلم\" المطبوع. ولكن القاضي عياض نقله في \"إكمال المعلم\" (٤/ ١٣٩، ١٤٠).\n(^٣) \"شرح مسلم\" للأبّي المالكي (ج ٣ ص ٢٧٩). [المؤلف].","vol":"18","page":268},{"text":"سببًا لما قاله. قال مطرف: إنما كره مالك صيامها لئلا يُلحِق أهل الجهل ذلك برمضان، وأما من رغب في ذلك لما جاء فيه فلم يَنْهَه، والله أعلم وأحكم. وقد قال الشيخ أبو إسحاق: أفضل صيام التطوع ثلاثة أيام من كل شهر، وصيام ستة أيام متوالية بعد الفطر، ذلك كصيام الدهر\" (^١).\n_________\n(^١) \"المنتقى شرح الموطأ\" للباجي المالكي (ج ٢ ص ٧٦). [المؤلف]. وانظر \"المفهم\" للقرطبي (٣/ ٢٣٧، ٢٣٨).","vol":"18","page":269},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-21>الفصل العاشر\nفي معنى الحديث</span>\nقوله: \"فكأنما صام السنة\" قد فُسِّر في حديث ثوبان، وحاصله أن الله ﷿ قال: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [سورة الأنعام: ١٦٠]، فعُلِم منه أن من صام شهر رمضان عشرةَ أمثالِه فكأنه صام عشرةَ أشهر بغير تضعيف، فيبقى من السنة شهران، فإذا صام ستة أيام من شوال كانت بعشرة أمثالها، وذلك ستون يومًا، فذلك تمام السنة ..\nوأما قوله: \"فكأنما صام الدهر\" فالمراد بالدهر هنا عمره من حين تكليفه إلى وفاته، وذلك يحصل له بأن يصوم في كل سنةٍ من عمره رمضانَ وستة أيام.\nبقي أن يقال: فلو صام ستة أيام من غير شوال من الشهور أو فرَّقها، لحصل له أيضًا ستون بمقتضى الآية، فلماذا قُيِّدت في الحديث بقوله: \"وأتبعَه بستٍّ من شوال\"؟\nوقد أُجيب عن هذا بما حاصله: أن الحسنات وإن كانت سواءً في أن كلًّا منها بعشر أمثالها، فإنها تتفاوت في القدر، فاليوم من رمضان وإن كان كاليوم من جمادى في تعشير الجزاء، لكن اليوم من رمضان حسنة عظيمة، فهو بعشرة أمثاله كلها عظيمة، واليوم من جمادى حسنة دون تلك، فعشرةُ أمثالها كلها دون تلك.\nفمعنى الحديث أن الله ﷿ تفضَّل على عباده فجعل صوم ستٍّ من","vol":"18","page":270},{"text":"شوال بحسب ما ورد في السنُّة يُساوي ستًّا من رمضان في الفضل لا في الفرض، أي أن الثواب كالثواب في القدر. وعلى هذا فصيام ستة أيامٍ غيرِها لا يحصل بها المقصود، بل لو صام ستين غيرَ مشتملةٍ على المنصوصة لم يحصل له مثلُ ثواب من صام الستَّ المنصوصة.\nوبناءً على هذا المعنى استُشْكِل الحديث، قال الطحاوي: \"فقال قائل: وكيف يجوز لكم أن تقبلوا مثلَ هذا عن رسول الله - ﵌ - مما فيه أن صوم غير رمضان يَعدِلُ صومَ رمضان ... \" (٣/ ١٢٠) (^١).\nثم أجاب عن ذلك بما حاصله: أن فضل الله ﷿ واسعٌ، لا حَجْرَ عليه.\nأقول: وقد يقال في حكمة ذلك: إن الصيام زكاة البدن، وقد تكون الزكاة العُشر كما في زكاة الزروع والثمار، فكأنه في علم الله ﷿ أن الحكمة تقتضي أن يُفْرَض على المكلف صيامُ عُشرِ عمرِه. [ص ١٥] ولما كان المشروع في الصيام التتابع، فلو وجبتْ لوجب وصلُها برمضان، ولكن عارض ذلك من الرحمة والحكمة ما اقتضى التخفيف، فخفَّف سبحانه ستة أيام فلم يفرضها، بل ندبَ الناسَ إلى صيامها. ولكن لما اقتضت الحكمة إيجابَ فِطر العيد أوجبَ فِطْرَه، وندبَهم إلى صيامها عقبَه، واقتضى فضلُه وكرمه أن لا يخفِّف من ثوابها، بل من صامها يكون له مثلُ أجرها لو كانت مفروضةً.\nونظير ذلك ما ورد أن فضل الفرض يَعدِل سبعين من فضل النفل، وقد\n_________\n(^١) (٦/ ١٢٦) ط. الرسالة. وانظر \"المفهم\" للقرطبي (٣/ ٢٣٦، ٢٣٧).","vol":"18","page":271},{"text":"ورد أن صلاةً بسواكٍ تعدِل سبعين صلاةً بغير سواك (^١). وسِرُّه: أنه كان حقُّ السِّواك الوجوب، كما صحَّ عنه - ﵌ - أنه قال: \"لولا أن أشُقَّ على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة\" (^٢) أي أمرَ إيجاب، فخفَّف الله ﷿ على الأمة، فلم يُوجب السِّواك ولكنه أبقى أجره على حاله لو كان واجبًا.\nوقريبٌ منه شأن العيد، وقد كتبتُ فيه مقالةً (^٣) حاصلُها: أن العيد يوم زينة كما سُمِّي في كتاب الله ﷿ (^٤)، والزينة يَلْحقُها اللهو، وقد عُرِف من الشريعة أنها رخَّصت في اللهو ــ كضرب الدفّ والغناء الذي لا رِيبةَ فيه وغير ذلك ــ في النكاح والختان والقدوم من الغزْو. والسرُّ في ذلك: أن هذه المواضع يحصل لأصحابها فرح طبيعي، فاقتضت الحكمة أن يُرخَّصَ لهم فيما يقتضيه فرحُهم. ولما كان يوم العيد يومَ زينة ولهوٍ اقتضت الحكمة أن يُختار له يوم يحدث فيه بطبيعة الحال فرحٌ عام، وهذا متحقق في عيد الفطر، فإنه يحدث فيه بطبيعة الحال فرحٌ عام، لخروج الناس من حبْس الصوم.\nثم نظرتُ في عيد الأضحى، فلم أره يتحقق فيه ذلك إلا للحجّاج، لخروجهم من ضيق الإحرام. ثم ذكرتُ ما صحَّ أن النبي - ﵌ - لما خطب الناس فقال: \"إن الله قد فرضَ عليكم الحج فحُجُّوا\". قال رجل: أكلَّ عامٍ يا رسولَ الله؟ فسكتَ، ثم عاد فعادَ الرجل، حتى كانت الثالثة قال: \"لا، ولو\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٢٦٣٤٠) وابن خزيمة (١٣٧) والحاكم في \"المستدرك\" (١/ ١٤٥، ١٤٦) والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (١/ ٣٨) من حديث عائشة. وإسناده ضعيف.\n(^٢) أخرجه البخاري (٨٨٧) ومسلم (٢٥٢) من حديث أبي هريرة.\n(^٣) بعنوان \"فلسفة الأعياد في الإسلام\" ضمن هذه المجموعة.\n(^٤) في سورة طه: ٥٩ ﴿قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ﴾.","vol":"18","page":272},{"text":"قلتُ نعم لوجبتْ\" (^١).\nفظهر لي أن الحكمة كانت تقتضي وجوبَ الحج على كل مسلمٍ كلَّ سنة، وأيَّد ذلك إيجاب الاجتماع على أهل المحلة في الجماعة كل يوم خمس مرات، وعلى أهل البلدة في الجمعة، فكان يناسب ذلك إيجابَ اجتماع جميع المسلمين ولو مرةً في السنة وذلك الحج، ولكن عارضَ ذلك ما فيه من المشقَّة وضياع كثير من المصالح، فخفَّف الله ﷿ عنهم وجعل الفرض على كلٍّ منهم مرةً في العمر، لأنه يحصل بذلك اجتماعُ جمعٍ كبير مشتمل على جماعةٍ من كلِّ جهة. واقتضى فضلُه وكرمه أن لا يمنع غيرَ الحجاج مما كانوا يستحقون الترخيصَ فيه ــ لو وجبَ عليهم الحجُّ فحجُّوا ــ من الزينة واللهو.\nويظهر من قضية السواك والحج أنه لِتعارُضِ الحكمة في اقتضاء الوجوب وعدمه جعل الله ﵎ الخِيرَةَ لرسولِه: إن شاء اختار الوجوب فيكون ذلك واجبًا بإيجاب الله تعالى، وإن شاء خفَّف. فاختار - ﵌ - التخفيف، ولذلك علَّق - ﵌ - الوجوبَ فيهما على مجرد أمره وقوله، فتدبَّرْ. وتمام هذا في مقالة العيد.\nوقد يظهر من هذا أن أجر حجّ التطوع مثل أجر حج الفريضة، ولا حَجْرَ على فضل الله ﷿. ويدلُّ عليه إطلاق الأحاديث في فضل الحج، بخلاف الصلاة والصيام، فإن فيها أحاديث في فضل الفرض وأحاديث في فضل النفل، والله أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٣٣٧) من حديث أبي هريرة.","vol":"18","page":273}]}