{"ً":{"ٌ":483,"ٍ":"الاستعداد للموت وسؤال القبر","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"الرقاق والآداب والأذكار/الإستعداد للموت وسؤال القبر - المليباري - ت الدرعمي -  ط ابن خلدون","files":["esmoswka.pdf"]},"ّ":"الكتاب: الاستعداد للموت وسؤال القبر\nالمؤلف: زين الدين بن عبد العزيز بن زين الدين ابن علي بن أحمد المعبري المليباري الهندي (ت ٩٨٧هـ)\nالمحقق: أبو المنذر سعد كريم الدرعمي\nالناشر: دار ابن خلدون - اسكندرية\nعدد الصفحات: ٨٨\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":435,"ٕ":23,"ٖ":1780758645,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"التحذير من الاغترار بالدنيا","level":1,"page":1},{"title":"الاستعداد لنزول الموت","level":1,"page":5},{"title":"ذم طول الأمل","level":1,"page":9},{"title":"قصر الأمل","level":1,"page":12},{"title":"سكرات الموت","level":1,"page":16},{"title":"عذاب القبر للكفار وبعض عصاة المؤمنين","level":1,"page":20},{"title":"أحوال الموتى","level":1,"page":24},{"title":"أشراط الساعة وأحوالها","level":1,"page":28},{"title":"النفخ في الصور","level":1,"page":32},{"title":"شفاعة النبي ﷺ","level":1,"page":35},{"title":"الحساب","level":1,"page":37},{"title":"فصل في الميزان","level":1,"page":41},{"title":"المرور على الصراط والحوض","level":1,"page":45},{"title":"الشفاعة الكبرى","level":1,"page":50},{"title":"عذاب الكافرين في جهنم","level":1,"page":55},{"title":"الخلود في النار للكافرين","level":1,"page":62},{"title":"الجنة وما لأهلها من النعيم","level":1,"page":68},{"title":"صفة الحور العين","level":1,"page":75},{"title":"رؤية الله ﵎ في الجنة","level":1,"page":80}],"ٛ":{"1,7":1,"1,8":2,"1,9":3,"1,10":4,"1,11":5,"1,12":6,"1,13":7,"1,14":8,"1,15":9,"1,16":10,"1,17":11,"1,18":12,"1,19":13,"1,20":14,"1,21":15,"1,22":16,"1,23":17,"1,24":18,"1,25":19,"1,26":20,"1,27":21,"1,28":22,"1,29":23,"1,30":24,"1,31":25,"1,32":26,"1,33":27,"1,34":28,"1,35":29,"1,36":30,"1,37":31,"1,38":32,"1,39":33,"1,40":34,"1,41":35,"1,42":36,"1,43":37,"1,44":38,"1,45":39,"1,46":40,"1,47":41,"1,48":42,"1,49":43,"1,50":44,"1,51":45,"1,52":46,"1,53":47,"1,54":48,"1,55":49,"1,56":50,"1,57":51,"1,58":52,"1,59":53,"1,60":54,"1,61":55,"1,62":56,"1,63":57,"1,64":58,"1,65":59,"1,66":60,"1,67":61,"1,68":62,"1,69":63,"1,70":64,"1,71":65,"1,72":66,"1,73":67,"1,74":68,"1,75":69,"1,76":70,"1,77":71,"1,78":72,"1,79":73,"1,80":74,"1,81":75,"1,82":76,"1,83":77,"1,84":78,"1,85":79,"1,86":80,"1,87":81,"1,88":82},"ٜ":{"1":[7,88]},"ٝ":["1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88"],"ٞ":{"1":[1],"5":[2],"9":[3],"12":[4],"16":[5],"20":[6],"24":[7],"28":[8],"32":[9],"35":[10],"37":[11],"41":[12],"45":[13],"50":[14],"55":[15],"62":[16],"68":[17],"75":[18],"80":[19]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1>التحذير من الاغترار بالدنيا</span>\nقال الله تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُلهِكُم أَموَلُكُم وَلاَ أَولاَدُكُم عَن ذِكْرِ الله وَمَن يَفعَلْ ذَلِكَ فَأْوْلَئِكَ هُمُ الخَاسِرُونَ. وَأَنفِقُواْ مِن مَّا رَزَقنَكُم مِّن قَبلِ أَن يَأْتِي أَحَدَكُمُ المَوتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَولاَ أَخَّرتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مّنَ الصَّالِحِينَ. وَلَن يُؤَخِّرَ الله نَفسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَالله خَبِيرُ بِمَا تَعْمَلُونَ.).\nوفي كتاب الترمذي قال النبي ﷺ: \" أكثروا ذكر هازم اللذات الموت \".\nوفي الصحيحين عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: \" ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده \" وفي رواية مسلم: \" يبيت ثلاث ليال \" قال ابن عمر ﵄ ما مرت عليَّ ليلة منذ سمعت رسول الله ﷺ قال ذلك إلا وعندي وصيتي.\nوفي صحيح البخاري عن ابن عمر ﵄ قال: \" أخذ رسول الله ﷺ بمنكبي وقال: كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل وعدّ نفسك من أصحاب القبور \" أي لا تركننّ إليها ولا تتخذها وطنًا ولا تحدث نفسك بطول البقاء فيها ولا بالاعتناء بها ولا تتعلق منها بما لا يتعلق به الغريب في غير وطنه. لا تشتغل فيها به الغريب الذي يريد الذهاب إلى أهله، وكان ابن عمر ﵄ يقول: إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك ومن حياتك لموتك.\nوقال رسول الله ﷺ: \" اثنتان يكرهما ابن آدم يكره الموت والموت خير","vol":"1","page":7},{"text":"للمؤمن من الفتنة ويكره قلة المال وقلة المال أقل الحساب \".\nوقال حاتم الأصم: لكل شيء زينة وزينة العبادة الخوف وعلامة الخوف قصر الأمل.\nوقيل للحسن ألا تغسل قميصك فقال الأمر أعجل من ذلك.\nأعلم أنه يسن لكل واحد من المكلَّفين إكثار ذكر الموت وينبغي أن يستعد له بالتوبة إلى الله تعالى ورد المظالم والمريض أكد لأنه يرق به قلبه ويخاف فيرجع عن المظالم ويقبل على الطاعات.\nواعلم أن بني آدم طائفتان طائفة نظروا إلى شاهد خيال الدنيا وتمسكوا بتأميل العمر الطويل ولم يتفكروا في النفس الأخير، وطائفة عقلاء جعلوا النفس الأخير نصب أعينهم لينظروا ماذا يكون مصيرهم، وكيف يخرجون من الدنيا ويفارقونها وإيمانهم سالم وما الذي ينزل معهم من الدنيا في قبورهم وما الذي يتركونه لأعدائهم ويبقى عليهم وباله ونكاله وهذه الفكرة واجبة على كافة الخلق وهي على الملوك وأهل الدنيا أوجب لأنهم كثيرًا ما أزعجوا قلوب الخلق وأدخلوا في قلوبهم الرعب فإن الحقِّ تعالى ذكره ملاكًا يعرف بملك الموت لا مهرب لأحد من مطالبته ونشبته وكل موكلي الملوك يأخذون جعلهم ذهبًا وطعامًا، وهذا الوكيل لا يأخذ سوى الروح جعلًا وسائر موكلي السلاطين تنفع عندهم الشفاعة وهذا الموكل لا تنفع عنده شفاعة شافع وجميع الموكلين يمهلون من يوكلون به اليوم والساعة وهذا الموكل لا يهمل نفسًا واحدًا.\nويروى أنه كان ملك كثير المال قد جمع مالًا عظيمًا واحتشد من كل نوع خلقه الله تعالى من متاع الدنيا ليرفه نفسه ويتفرغ لأكل ما جمعه، فجمع نعمًا طائلة وبنى قصرًا عاليًا مرتفعًا ساميًا يصلح للملوك والأمراء والأكابر والعظماء وركَّب عليه بابين محكمين وأقام عليه الغلمان والأجلاد والحرسة","vol":"1","page":8},{"text":"والأجناد والبوابين كما أراد وأمر بعض الأنام أن يصطنع له من أطيب الطعام وجمع أهله وحشمه وأصحابه وخدمه ليأكلوا عنده وينالوا رفده، وجلس على سرير مملكته واتكأ على وسادته وقال يا نفس قد جمعت أنعم الدنيا بأسرها فالآن أفرغي لذلك وكلي هذه النعم مهنأة بالعمر الطويل، والحظ الجزيل، فلم يفرغ مما حدث نفسه حتى أتى رجل من ظاهر القصر عليه ثياب خلقة ومخلاته في عنقه معلقة على هيئة سائل يسأل الطعام فجاء وطرق حلقة الباب طرقة عظيمة هائلة بحيث تزلزل القصر وتزعزع السرير وخاف الغلمان ووثبوا إلى الباب وصاحوا بالطارق وقالوا يا ضيف ما هذا الحرص وسوء الأدب اصب إلى أن نأكل ونعطيك مما يفضل، فقال لهم قولوا لصاحبكم أن يخرج إليّ فلي إليه شغل مهم وأمر ملم فقالوا له تنح أيها الضيف من أنت حتى نأمر صاحبنا بالخروج إليك، فقال: أنتم عرِّفوه ما ذكرت لكم فلما عرَّفوه قال هلا نهرتموه وجرتم عليه وزجرتموه ثم طرق حلقة الباب أعظم من طرقته الأولى فنهضوا من أماكنهم بالعصي والسلاح وقصدوه ليحاربوه فصاح بهم صيحة وقال: ألزموا أماكنكم فأنا ملك الموت وطاشت حلومهم وارتعدت فرائضهم وبطلت عن الحركة جوارحهم فقال الملك قولوا له ليأخذ بدلًا مني وعوضًا عني فقال ما آخذ إلا روحك ولا أتيت إلا لأجلك لأفرق بينك وبين النعم التي جمعتها والأموال التي حويتها وخزنتها فتنفس الصعداء وقال لعن الله هذا المال الذي غرني وأبعدني ومنعني من عبادة ربي وكنت أظن أنه ينفعني فاليوم صار حسرتي وبلائي وخرجت صفر اليدين منه وبقي لأعدائي فأنطق الله تعالى المال حتى قال لأي سبب تلعنني العن نفسك فإن الله تعالى خلقني وإياك من تراب وجعلني في يدك لتتزود بي إلى آخرتك وتتصدق بي على الفقراء وتزكي بي على الضعفاء ولتعمر بي الربط والمساجد والجسور والقناطر لأكون عونًا لك في اليوم الآخر جمعتني وخزنتني وفي هواك أنفقتني ولم تشكر حقي بل كفرتني فالآن تركتني لأعدائك وأنت بحسرتك وبلائك فأي ذنب لي فتسبني وتلعنني، ثم إن ملك الموت قبض روحه قبل أكل الطعام فسقط على سريره صريع الحمام:","vol":"1","page":9},{"text":"تجهز إلى الأجداث ويحك والرمس ... جهازًا من التقوى لأطول ما حبس\nفإنك لا تدري إذا كنت مصبحًا ... بأحسن ما ترجو لعلك لا تمسي\nسأتعب نفسي كي أصادف راحة ... فإن هوان النفس أكرم للنفس\nوأزهد في الدنيا فإن مقيمها ... كظا عنها ما أشبه اليوم بالأمس","vol":"1","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>الاستعداد لنزول الموت</span>\nقال الله تعالى: (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ المَوُتُ قَالَ رَبِّ ارجِعُونِ. لَعَلّى أَعمَلُ صَلِحًا فِيما تَرَكْتُ كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ. فَإِذَا نُفِخَ فيِ الصَّورِ فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَاءَلُونَ.) إلى آخر السورة.\nوعن أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ غرز عودًا بين يديه وآخر إلى جبينه وآخر أبعد منه فقال: \" أتدرون ما هذا؟ \" قالوا: الله ورسوله أعلم قال: \" هذا الإنسان وهذا الأجل وهذا الأمل فيتعاطى الأمل فيلحقه الأجل دون الأمل \".\nوروي عن ابن عباس ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال لرجل وهو يعظه: \" اغتنم خمسا قبل خمس: شبابك قبل هرمك وصحتك قبل سقمك وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك وحياتك قبل موتك \" وكتب الإمام أبو حامد الغزالي إلى الشيخ أبي الفتح بن سلامة \" قرع سمعي بأنك تلتمس مني كلامًا وجيزًا في معرض النصح والوعظ وإني لست أرى نفسي أهلا له فإن الوعظ زكاة نصابها الاتعاظ فمن لا نصاب له كيف يخرج الزكاة وفاقد النور كيف يستنير به غيره ومتى يستقيم الظل والعود أعوج \".\nوقد أوصى الله تعالى عيسى بن مريم ﵉: يا ابن مريم عظ نفسك فإن اتعظت فعظ الناس وإلا فاستحي مني، وقال نبينا ﷺ: \" تركت فيكم ناطقًا وصامتًا \" فالناطق هو القرآن والصامت هو الموت وفيهما كفاية لكل متعظ ومن لم يتعظ بهما كيف يعظ غيره، ولقد وعظت نفسي بهما وقبلت وصدقت قولًا وعملًا وأبت وتمردت تحقيقًا وفعلًا فقلت لنفسي أما أنت مصدقة","vol":"1","page":11},{"text":"بان القرآن هو الواعظ الناطق وأنه كلام الله المنزل الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه فقالت: بلى فقلت لها قد قال الله تعالى: (مَن كَانَ يُرِيدُ الحَيَاةَ للدُّنيَا وَزِنَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَالاَ يُبْخَسُونَ. أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَبْسَ لَهُمْ فيِ الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ.).\nفقد وعد الله بالنار على إرادة الدنيا وكل ما لا يصحب بعد الموت فهو من الدنيا فهل تنزهت عن حب الدنيا وإرادتها ولو أن طبيبًا نصرانيًا وعدك بالموت أو بالمرض على تناول ألذ الشهوات لتحاميتها واتقيت وأنفت منها، أفكان النصراني عندك أصدق من الله تعالى فإن كان كذلك فما أكفرك أم كان المرض أشد عليك من النار فإن كان كذلك فما أجهلك فصدقت فما انتفعت بل أصرت على الميل إلى العاجلة واستمرت ثم أقبلت عليها فوعظتها بالواعظ فقلت لها قد اخبر الناطق عن الصامت.\nقال الله تعالى: (قُلْ إِنَّ المَوْتَ الذَّي تَفِرُّونَ مِنْهُ مُلاَقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إلَى عَالِمِ الغَيْبِ وَالشَّهَادةِ فَيُنَبِئُكُم بِما كُنتُم تَعمَلُونَ).\nوقلت لها هبي أنك ملت إلى العاجلة أفلست مصدقة بأن الموت لا محالة يأتيك قاطعًا عليك ما أنت متمسكة به وسالبًا منك كل ما أنت راغبة فيه وأن كل ما هو آت قريب وأن البعيد ما ليس بآت.\nوقد قال الله تعالى: (أَفَرَأَيْتَ إِن مَّتَّعْناهُمْ سِنِينَ. ثُمَّ جَاءهُم مَّا كانُواْ يُوعَدُونَ. ما أَغْنَى عَنْهُم مَّا كانُوْا يُمَتَّعُوَن).\nفكأنك مخرجة بهذا الوعظ عن جميع ما أنت فيه قالت صدقت فكان منها قولًا لا يحصل وراءه ولم تجتهد قط في تزود الآخرة كاجتهادها في تدبير العاجلة ولم تجتهد في رضى الله تعالى كاجتهادها في طلب رضاها وطلب","vol":"1","page":12},{"text":"رضى الخلق ولم تستحي من الله تعالى كما تستحي من واحد من الخلق ولم تشمر لاستعداد الآخرة كتشميرها في الصيف لأجل الشتاء وفي الشتاء لأجل الصيف فإنها لا تطمئن في أوائل الشتاء ما لم تتفرغ عن جميع ما تحتاج إليه فيه مع إن الموت ربما يخطفها والشتاء لا يدركها والآخرة عندها يقين فلا يتصور أن تختطف منها، فقلت لها ألست تستعدين للصيف بمقدار طوله وتصنعين آلة الصيف بقدر صبرك على الحر قالت نعم قلت فاعصي الله بقدر صبرك على النار واستعدي للآخرة بقدر بقائك فيها فقالت هذا هو الواجب الذي لا يرخص في تركه إلا الحمق ثم استمرت على سجيتها ووجدتني كما قال بعض الحكماء في الناس من ينزجر نصفه ثم لا ينزجر نصفه الآخر وما أراني إلا منهم ولما رأيتها متمادية في الطغيان غير منتفعة بمواعظ الموت والقرآن رأيت أهم الأمور التفتيش عن سبب تماديها مع اعترافها وتصديقها فإن ذلك من العجائب العظيمة فطال تفتيشي عنه حتى وقفت على سببه وها أنا موص نفسي وإياك بالحذر منه هو الداء العظيم وهو السبب الداعي إلى الغرور والإهمال وهو اعتقاد تراخي الموت واستبعاد هجومه على القرب فإنه لو أخبر صادق في بياض نهاره أنه يموت في ليله أو يموت إلى أسبوع أو شهر لاستقام على الصراط المستقيم وترك جميع ما هو فيه مما يظن أنه يتعاطاه لله تعالى وهو فيه مغرور فضلًا عما ليس لله تعالى فانكشف لي تحقيقًا أن من أصبح وهو يؤمل أنه يمسي أو أمسى وهو يؤمل أنه يصبح لم يخل من الفتور والتسويف ولم يقدر إلا على سير ضعيف.\nفأوصيك ونفسي بما أوصى به رسول الله ﷺ حيث قال: \" صل صلاة مودع \" ولقد أوتي جوامع الكلم وفصل الخطاب ولا ينتفع بوعظ إلا به ومن غلب على ظنه في كل صلاة أنها آخر صلاته حضر معه خوفه من الله تعالى وخشيته منه ومن لم يخطر بمخاطره قصر عمره وقرب أجله وغفل قلبه عن صلاته وسئمت نفسه فلا يزال في غفلة دائمة وفتور مستمر وتسويف متتابع إلى أن يدركه الموت ويهلكه حسرة الفوت وأنا مقترح عليه أن يسأل الله تعالى أن يرزقني هذه الرتبة فإني طالب لها وقاصر عنها وأوصيه أن لا يرضى من نفسه إلا","vol":"1","page":13},{"text":"بها وأن يحذر مواقع الغرور فيها ويحترز من خداع النفس فإن خداعها لا يقف عليه إلا الأكياس وقليل ما هم والوصايا وإن كانت كثيرة والمذكورات وإن كانت كبيرة فوصية الله أكملها وأنفعها وأجمعها وقد قال الله ﷿ في محكم القرآن: (وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُواْ الكِتابَ مِن قَبْلِكُمْ وإيَّاكُمْ أَنِ اتَّقوُا الله).\nفما أسعد من قبل وصية الله تعالى وعمل بها وادخرها لنفسه ليجدها يوم مردها ومنقلبها وقال يزيد الرقاشي كان في بني إسرائيل جبار من الجبابرة وكان في بعض الأيام جالسًا على سرير مملكته فرأى رجلا قد دخل من باب الدار ذا صورة منكرة وهيئة هائلة فاشتد خوفه من هجومه وهيئته وقدومه فوثب في وجهه وقال له: \" من أنت أيها الرجل ومن أذن لك في الدخول إلى داري فقال أذن لي صاحب الدار وأنا الذي لا يحجبني حاجب ولا أحتاج في دخولي على الملوك إلى إذن ولا أرهب سياسة السلطان ولا يفزعني جبار ولا أحد من قبضتي فرار فلما سمع هذا الكلام خر على وجهه ووقعت الرعدة في جسده وقال: أنت ملك الموت قال: نعم قال أقسم عليك بالله إلا أمهلتني يومًا واحدًا لأتوب من ذنبي وأطلب العذر من ربي وأرد الأموال التي أودعتها خزائني إلى أربابها ولا أتحمل مشقة عذابها، فقال كيف أمهلك وأيام عمرك وأيام عمرك محسوبة وأوقاتها مثبتة مكتوبة فقال أمهلني ساعة، فقال إن الساعات في الحساب وقد عبرت وأنت غافل وانقضت وأنت ذاهل وقد استوفيت أنفاسك ولم يبق لك نفس واحد، فقال من يكون عندي إذا نقلتني إلى لحدي فقال لا يكون عندك سوى عملك فقال ما لي عمل؟ فقال لا جرم يكون مقيلك في النار ومصيرك إلى غضب الجبار \" وقبض روحه، فخر عن سريره وعلا الضجيج من أهل مملكته وارتفع ولو عملوا ما يصير إليه من سخط ربه لكان بكاؤهم عليه أكثر وعويلهم أوفر.","vol":"1","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3>ذم طول الأمل</span>\nقال الله تعالى: (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوَاْ أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ الله وَمَا نَزَلَ مِنَ اْلحَقِّ وَلاَ يَكُونُواْ كَالَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ.).\nوعن أبي بن كعب ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا ذهب ثلث الليل قام فقال: \" يا أيها الناس اذكروا الله جاءت الراجفة تتبعها الرادفة جاء الموت بما فيه \"، وعن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ: كان يهريق الماء فيتيمم بالتراب فأقول يا رسول الله إن الماء منك قريب فيقول \" ما يدريني لعلي لا أبلغه \"، وعن أنس قال النبي ﷺ: \" يهرم ابن آدم ويشب فيه اثنتان الحرص على المال والحرص على العمر \" وقال رسول الله ﷺ: \" مثل ابن آدم إلى جنبه تسع وتسعون منية إن أخطأته المنايا وقع في الهرم \". وروي أن الحسن قيل له أن فلانًا مات بغتة فقال ما يعجبكم من ذلك لو لم يمت بغتة مرض بغتة ثم مات. قال الغزالي رحمة الله عليه \" عليك أن تجتنب طول أملك فإنه إذا طال هاج أربعة أشياء: الأول ترك الطاعة والكسل فيها يقول سوف أفعل والأيام بين يدي. والثاني ترك التوبة وتسويفها يقول سوف أتوب وفي الأيام سعة وأنا شاب وسني قليل والتوبة بين يدي وأنا قادر عليها متى رمتها وربما اغتاله الحمام على الإصرار واختطف الأجل صلاح العمل. والثالث الحرص على جمع الأموال والاشتغال بالدنيا عن الآخرة يقول أخاف الفقر في الكبر وربما أضعف عن الاكتساب ولا بد لي من شيء فاضل أدخره لمرض أو هرم أو فقر هذا ونحوه يحرك إلى الرغبة في الدنيا والحرص عليها والاهتمام للرزق تقول إيش آكل وإيش ألبس هذا الشتاء وهذا الصيف ومالي شيء، ولعل العمر يطول فأحتاج والحاجة مع الشيب شديدة ولا بد لي من قوت وغنية عن الناس وهذه","vol":"1","page":15},{"text":"وأمثالها تحرك إلى طلب الدنيا والرغبة فيها والجمع لها والمنع لما عندك منها. والرابع القسوة في القلب والنسيان للآخرة لأنك إذا أملت العيش الطويل لا تذكر الموت والقبر \".\nوعن علي بن أبي طالب ﵁ \" أخوف ما أخاف عليكم اثنان: طول الأمل واتباع الهوى ألا إن طول الأمل ينسي الآخرة واتباع الهوى يصدك عن الحق فإذن يصير فكرك في حديث الدنيا وأسباب العيش في صحبة الخلق نحوها فيقسو القلب فبسبب طول الأمل تقل الطاعة وتتأخر التوبة وتكثر المعصية ويشتد الحرص ويقسو القلب وتعظم الغفلة فتذهب والعياذ بالله إن لم يرحم الله فأي حال أسوأ من هذه وأي آفة أعظم من هذه، وإنما رقة القلب وصفوته بذكر الموت ومفاجأته والقبر والثواب والعقاب وأحوال الآخرة \".\nويروى إن ذا القرنين اجتاز بقوم لا يملكون شيئًا من أسباب الدنيا وقد حفروا قبور موتاهم على باب دورهم وهم في كل وقت يتعهدون تلك القبور وينظفونها ويزورونها ويتعبدون الله تعالى بينها وما لهم طعام إلا الحشيش ونبات الأرض، فبعث إليهم ذو القرنين رجلًا يستدعي ملكهم فلم يجبه، وقال ما لي إليه حاجة فجاء ذو القرنين إليه وقال كيف حالكم فأني لا أرى شيئًا من ذهب ولا فضة ولا أرى عندكم شيئًا من نعم الدنيا فقال نعم لأن الدنيا لا يشبع منها أحد قط فقال لم حفرتم القبور على أبوابكم فقال لتكون نصب أعيننا فالنظر إليها يتجدد ذكر الموت ويبرد حب الدنيا في قلوبنا فلا نشتغل بها عن عبادة ربنا فقال كيف تأكلون الحشيش فقال لأنا نكره أن نجعل بطوننا مقابر للحيوان ولأن لذة الطعام لا تتجاوز الحلق، ثم مد يده فأخرج منها قحف رأس آدمي فوضعه بين يديه وقال يا ذا القرنين تعلم من كان هذا، فقال: لا، قال: كان صاحب هذا القحف ملكًا من ملوك الدنيا وكان يظلم رعيته ويجور على الضعفاء ويستفرغ زمانه في جمع الدنيا فقبض الله روحه وجعل النار مقره وهذا رأسه ثم مد يده ووضع قحفًا آخر بين يديه وقال له أتعرف هذا فقال لا فقال كان هذا ملكًا عادلًا مشفقًا على رعيته محبًا لأهل مملكته فقبض الله روحه وأسكنه جنته ورفع درجته، ثم وضع يده على رأس ذي القرنين وقال","vol":"1","page":16},{"text":"ترى أي هذين الرأسين يكون هذا الرأس فبكى ذو القرنين بكاء شديدًا وضمه إلى صدره وقال له إن رغبت في صحبتي فإنني أسلِّم إليك وزارتي وأقاسمك مملكتي فقال هيهات ما ليفي ذلك رغبة فقال لم قال لأن جميع الخلق كلهم أعداؤك بسبب المال والمملكة وجميعهم أصدقائي بسبب القناعة والصعلكة ولله در القائل:\nدليلك أن الفقر خير من الغنى ... وإن قليل المال خير من المثرى\nلقاؤك عبدًا قد عصى الله بالغنى ... ولم تلق عبدًا قد عصى الله بالفقر","vol":"1","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4>قصر الأمل</span>\nاعلم أن تقصير الأمل مع حب الدنيا متعذر وانتظار الموت مع الاكباب عليها غير متيسر إذا كان مملوءًا بشيء لا يكون لشيء آخر محل فيه ولأن الدنيا والآخرة كضرتين إذا أرضيت إحداهما أسخطت الأخرى وكالمشرق والمغرب بقدر ما من أحدهما تبعد من الآخر.\nقال الله تعالى: (مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَن نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا).\nوقال الله تعالى: (فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلاَ يَغُرَّنَّكُم بِالله آلْغَروُرُ).\nوقال رسول الله ﷺ: \" إن الدنيا حلوة خضرة وإن الله مستخلفكم فيها فينظر كيف تعلمون فاتقوا الدنيا واتقوا النساء فإن أول فتنة بني إسرائيل النساء \". وقال النبي ﷺ: \" ما ذئبان جائعان أرسلا في زريبة غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه \"، وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \" إن مما أخاف عليكم من بعدي ما يفتح عليكم من زهرة الدنيا وزينتها \" فقال رجل يا رسول الله أو يأتي الخير بالشر فسكت النبيُّ حتى ظننا أنه ينزل عليه فقال فمسح عنه الرحضاء وقال \" أين السائل \" وكأنه حمده، وقال \" إنه لا يأتي الخير بالشر وأن مما ينبت الربيع يقتل أو يلم إلا أكلة الخضر أكلت حتى إذا امتدت خاصرتاها استقبلت عين الشمس فثلطت وبالت ثم عادت فأكلت وإن هذا المال خضرة حلوة فمن أخذه بحقه ووضعه في حقه فنعم المعونة، ومن أخذه بغير حقه كان كالذي يأكل ولا يشبع ويكون شهيدًا عليه يوم القيامة \" ويعني مثال كثرة المال كمثال ما","vol":"1","page":18},{"text":"ينبت في فصل الربيع فإن بعض النبات حلوة في فم الدابة وهي حريصة على أكله لكن ربما تأكل كثيرًا فيحصل بها داء من كثرة الأكل فتموت من ذلك الداء أو تقرب، فإن لم تأكل الدابة إلا بقدر ما يطيقه كرشها فتأكل وتترك الأكل حتى ينهضم ما أكلت وحتى تبول وتروث روثًا وتحصل لها خفة من خروج الروث والبول منها فلا يضرها الأكل فكذلك من يحصل له مال كثير فإن الحص على المال وتكثير الأكل والشرب والتجمل فيقسو قلبه وتتكبر نفسه ويرى نفسه أفضل من غيره ويحتقر الناس ويؤذيهم ولا يخرج حقوق المال من الزكاة وأداء الكفارات والنذور وإطعام السائلين والأضياف وحقوق الجار فمن كانت هذه صفته لا شك أن المال شر له ويبعده عن الجنة ويقربه من النار ومن أدى حقوق المال ولا يحتقر الناس ولا يفتخر عليهم ولا يشتغل بجمع المال بحيث يفوت عنه طاعة ويحسن إلى الناس فماله خير له كما قال ﵇: \" نعم المال الصالح للرجل الصالح \" فإذا عرفت هذا فقد عرفت أن الخير والشر لا يحصل للرجل من المال بل نفس الرجل التي هي تصرف المال فيما فيه خير له أو شر له، قاله المظهري وقال ﷺ: \" لكل أمة فتنة وفتنة أمتي المال \" وقال ﷺ: \" إن الله تعالى يقول: ابن آدم تفرغ لعبادتي أملأ صدرك غنى وأسد فقرك وإن لم تفعل ملأت يدك شغلًا ولم أسد فقرك \". وحكي أن رابعة العدوية ﵂ كانت تقول \" لكل يوم ليلة وهذه ليلتي أموت فيها فلا تنام حتى تصبح وتقول للنهار كذا فلا تنام حتى تمسي. وقال أبو بكر بن عياش: ختمت القرآن في هذه الزاوية ثمانية عشر ألف ختمة، وصام ابن المعتمر أربعين سنة وقام ليلها، ولم يضع سليمان التيمي جنبه عشرين سنة. وصلى عبد القادر الجيلاني رحمة الله عليه الصبح بوضوء العشاء أربعين سنة، ولزم الغزالي الأنقطاع ووظائف أوقاته على وظائف الخير بحيث لا يمضي لحظة منها إلا في طاعة من التلاوة والتدريس والنظر في الأحاديث خصوصًا البخاري، وإدامة الصيام والتهجد ومجالسة أهل القلوب إلى","vol":"1","page":19},{"text":"أن أنتقل إلى رحمة الله تعالى، ولم يضع النووي ﵀ جنبه على الأرض نحو سنتين وكان لا يضيع له وقتًا في ليل ولا نهار إلا في وظيفة من الأشتغال بالعلم حتى في ذهابه في الطريق ومجيئه يشتغل في التكرار والمطالعة.\nوحكاياتهم في المبادرة الى الخيرات كثيرة يكفي من وفقه الله ما ذكرنا وكل ذلك من نتيجة قصر الأمل.\nاعلم أن مما يعينك على ذكر الموت أن تذكر من مضى من أقاربك وإخوتك وأصحابك وأترابك الذين مضوا قبلك كانوا يحرصون حرصك، ويسعون سعيك ويعملون في الدنيا عملك فقصفت المنون أعناقهم، وقلعت أعراقهم وقصمت أصلابهم، وفجعت فيهم أحبابهم فأفردوا في قبورهم موحشة وصاروا جيفًا مدهشة والأحداق سالت والألوان حالت والفصاحة زالت والرؤوس تغيرت ومالت مع فتان يقعدهم ويسألهم عما كانوا يعتقدون، ثم يكشف لهم من الجنة والنار مقعدهم إلى يوم يبعثون، فيرون أرضًا مبدلة وسماء مشققة وشمسًا مكورة ونجومًا منكدرة وملائكة منزلة وأهوالًا مذعرة وصحفًا منتشرة ونارًا زفرة وجنة مزخرفة فعد نفسك منهم ولا تغفل عن زاد معادك ولا تهمل نفسك سدى كالبهائم ترتع ولا تدري (ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ وَيُلْهِهِمُ الأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ).\n(إِذِ الأَغْلاَلُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلاَسِلُ يُسْحَبُونَ. فِي الْحَمِيِم ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ)\nيا باني القصر الكبير ... بين الدساكر والقصور\nومجرد الجيشَ الذي ... ملأ البسيطة والصدور\nومدوخ الأرض التي ... أعيت على مر الدهور\nأما فرغت فلا تدع ... بنيان قبرك في القبور","vol":"1","page":20},{"text":"وانظر إليه تراه كي ... ف إليك معترضًا يشير\nواذكر رقادك وسطه ... تحت الجنادل والصخور\nقد بددت تلك الجيو ... ش وغيرت تلك الأمور\nواعتضت من بين الحري ... ر خشونة الحجرالكبير\nوتركت مرتهنًا به ... لا مال ويلك ولا عشير\nحيران تعلن بالأسى ... لهفان تدعو بالثبور\nودعيت باسمك بعدما ... قد كنت تدعى بالأمير","vol":"1","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5>سكرات الموت</span>\nقال الله تعالى: (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ).\nوقال تعالى: (وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ).\nروي البخاري في صحيحه أن عائشة ﵂ قالت: \" إن رسول الله ﷺ كان بين يديه علبة فيها ماء فجعل يدخل يديه في الماء فيمسح بهما وجهه ويقول لا إله إلا الله إن للموت لسكرات ثم نصب يديه فجعل يقول إلى الرفيق الأعلى حتى قبض \" وفي صحيحه: \" لما ثقل ﷺ جعل يتغشاه الكرب فجعلت فاطمة ﵂ تقول واكرب أبتاه فقال ﷺ لا كرب على أبيك بعد اليوم \" ويروى أن النبي ﷺ دخل على مريض فقال \" إني لأعلم ما يلقى ما فيه عرق إلا وهو يألم بالموت على حدته \". ويروى عن مكحول عن النبي ﷺ أنه قال \" لو أن شعرة من شعرات الميت وقعت على أهل السماوات والأرض لماتوا بأذن الله تعالى \" وقال عمر بن الخطاب ﵁ يا كعب حدثنا عن الموت فقال نعم يا أمير المؤمنين \" هو كغصن كثير الشوك أدخل في جوف رجل فأخذت كل شوكة بعرق ثم جذبه رجل شديد الجذب فأخذ ما أخذ وأبقى ما أبقى \" وكان علي ﵁ يحض على القتال في سبيل الله ويقول \" إن لم تقتلوا تموتوا والذي نفس محمد بيده لألف ضربة بالسيف أهون من موت على فراش \". وقال شداد بن أوس: الموت أفظع هول في الدنيا والآخرة على المؤمن وهو أشد من نشر بالمنشير وقرض بالمقاريض وغلي في القدور ولو أن الميت نشر فأخبر أهل الدنيا بألم الموت ما انتفعوا بعيش ولا التذوا بنوم، ويروى أن إبراهيم صلوات الله عليه وسلامه لما مات قال الله ﷿ له \" كيف وجدت الموت \" قال كسفود جعل في صوف رطب ثم جذب فقال: \"","vol":"1","page":22},{"text":"أما إنا قد هونا عليك \". وعن موسى صلوات الله عليه أنه لما صارت روحهإلى الله ﷿ قال له \" يا موسى كيف وجدت الموت \" قال: وجدت نفسي كشاة حية بيد القصاب تسلخ.\nوذكر أبو بكر بن أبي شيبة عن جابر ﵁ عن النبي ﷺ قال: \" تحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج فإنهم كانت فيهم أعاجيب \" ثم أنشأ يحدث قال \" خرجت طائفة فأتوا مقبرة من مقابرهم فقالوا لو صلينا ركعتين ودعونا الله يخرج لنا بعض الأموات يخبرنا عن الموت، قال: ففعلوا فبينما هم كذلك إذ أطلع رجل رأسه من قبر تلاشى بين عينيه أثر السجود فقال: يا هؤلاء ما أردتم إلي فوالله لقد مت منذ مائة سنة فما سكنت عني حرارة الموت حتى الآن فادعوا الله أن يعيدني كما كنتُ وكأن عمرو بن العاص ﵁ يقول لوددت لو أني رأيت رجلًا لبيبًا حازمًا قد نزل به الموت فيخبرني عن الموت فلما أنزل به الموت قيل له يا أبا عبد الله كنت تقول أيام حياتك لوددت أني رأيت رجلًا لبيبًا حازمًا قد نزل به الموت يخبرني عن الموت وأنت ذلك الرجل اللبيب الحازم وقد نزل بك الموت فأخبرنا عنه. فقال: أجد كأن السماوات انطبقن على الأرض وأنا بينهما وكأن نفسي تخرج على ثقب إبرة \".\nويروى أن إبراهيم الخليل قال لملك الموت هل تستطيع أن تريني الصورة التي تقبض فيها روح الفاجر؟ قال أتطيق ذلك؟ قال بلى فأعرض ثم التفت فإذا هو رجل أسود الثياب قاتم الشعر منتن الريح يخرج من فيه ومناخره لهب النار والدخان فغشى على إبراهيم ثم أفاق وقد عاد ملك الموت إلى صورته الأولى فقال يا ملك الموت لو لم يلق الفاجر إلا صورة وجهك لكان ذلك حسبه.\nوروى عن أسلم مولى عمر بن الخطاب ﵄ قال: إذا بقي على","vol":"1","page":23},{"text":"المؤمن من ذنوبه شيء لم يبلغه عمله شدد عليه الموت ليبلغ بسكرات الموت وشدته درجته في الجنة وإن الكافر إذا كان عمله معروفًا في الدنيا هون عليه الموت ليستكمل ثواب معروفه في الدنيا ثم يصير إلى النار.\nوروي البخاري أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: \" لو أن لي طلاع الأرض ذهبًا لافتديت به من قبل أن أراه \". وقيل لم يلق ابن آدم أشد من الموت وما بعده أشد منه.\nوفي الوسيط للواحدي بإسناده عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: \" الأمراض والأوجاع كلها بريد الموت ورسل الموت فإذا حان الأجل أتى ملك الموت بنفسه وقال أيها العبد كم خبر بعد وكم رسول بعد رسول وكم بريد بعد بريد أنا الخبر ليس بعدي خبر وأنا الرسول ليس بعدي رسول أجب ربك طائعًا أو مكروهًا فإذا قبض روحه وتصارخوا عليه قال على من تصرخون وعلى من تبكون؟ فوالله ما ظلمت له أجلًا ولا أكلت له رزقًا بل دعاه ربه فليبك الباكي على نفسه فإن لي فيكم عودات وعودات حتى لا أبقي منكم أحدًا \". وعن أنس بن مالك قال: \" لقي جبريل ملك الموت بنهر فارس فقال يا ملك الموت كيف تستطيع قبض الأنفس عند الوباء هاهنا عشرة آلاف وهاهنا كذا وكذا؟ فقال ملك الموت تزوى لي الأرض حتى كأنهم بين فخذي فألتقطهم بيدي \".\nاعلم لو أنا انتظرنا ضربة شرطي لتكدر عيشنا وفي نفس يمكن مجيء الموت بشدائده وهو أمر من ضرب بالسيوف ونشر بالمناشير ويود لو قدر على صياح وأنين ويجذب روحه من كل عضد وعرق فتبرد قدماه، ثم فخذاه وهكذا حتى يبلغ الحلقوم فعنده ينقطع نظره إلى دنياه ويغلق عنه باب توبته فقد قال رسول الله ﷺ: \" إن الله تعالى يقبل توبة عبده ما لم يغرغر \".\nيا فرقة الأحباب لا بد لي منك ... ويا دار دنيا إنني راحل عنك","vol":"1","page":24},{"text":"ويا قصر الأيام مالي وللمنى ... ويا سكرات الموت مالي وللضحك\nفما لي لا أبكي لنفسي بعبرة ... إذا كنت لا أبكي لنفسي فمن يبكي\nألا أي حي ليس بالموت موقنًا ... وأي يقين أشبه اليوم بالشك","vol":"1","page":25},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-6>عذاب القبر للكفار وبعض عصاة المؤمنين</span>\nقال الله ﷾: (النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُوْمُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوَاْ آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ).\nوفي كتاب الترمذي كان عثمان بن عفان ﵁ إذا وقف على قبر بكى حتى يبل لحيته فقيل له تذكر الجنة والنار ولا تبكي وتبكي من هذا؟ فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: القبر أول منزل من منازل الآخرة فأن نجا منه صاحبه فما بعده أيسر منه وإن لم ينج منه فما بعده أشد منه \". وسمعت رسول الله ﷺ يقول: \" ما رأيت منظرًا قط إلا والقبر أفظع منه \". وفي كتاب أبي داود والنسائي عن البراء بن عازب عن رسول الله ﷺ قال: يأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له: من ربك فيقول ربي الله فيقولان له ما دينك فيقول ديني الإسلام فيقولان له ما هذا الرجل الذي بعث فيكم فيقول هو رسول الله ﷺ فيقولان وما يدريك فيقول قرأت كتاب الله فآمنت به وصدقت فذلك قوله تعالى: (يُثَبِّتُ الله الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ).\nقال فينادي مناد من السماء أن صدق عندي فافرشوه من الجنة وألبسوه من الجنة وافتحوا له بابًا إلى الجنة فيأتيه من روحها وطيبها ويفسح له فيها مد بصره.\nوأما الكافر فذكر موته قال ويعاد روحه في جسده ويأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان من ربك فيقول هاه هاه لا أدري فيقولان ما دينك؟ فيقول هاه هاه لا أدري فيقولان ما هذا الرجل الذي بعث فيكم فيقول هاه هاه لا أدري فينادي مناد من السماء أن كذب فافرشوه من النار وألبسوه من النار وافتحوا له بابًا إلى النار قال فيأتيه من حرها وسمومها قال ويضيق عليه قبره حتى تختلف عليه","vol":"1","page":26},{"text":"أضلاعه ثم يقبض له أعمى أصم معه مرزبة من حديد لو ضرب بها جبلًا لصار ترابًا فيضربه بها ضربة يسمعها ما بين المشرق والمغرب إلا الثقلين فيصير ترابًا ثم يعاد فيه الروح.\nوفي كتاب الترمذي عن أبي سعيد الخدري قال دخل رسول الله ﷺ لصلاة فرأى ناسًا كأنهم يكثرون قال: أما إنكم لو أكثرتم ذكر هازم اللذات لشغلكم عما أرى فأكثروا ذكر هازم اللذات الموت فإنه لم يأتِ على القبر يوم إلا تكلم فيه فيقول أنا بيت الغربة وأنا بيت الوحدة وأنا بيت التراب وأنا بيت الدود فإذا دفن العبد المؤمن قال له القبر مرحبًا وأهلًا أما إن كنت لأحب من يمشي على ظهري إلي فإذا وليتك وصرت إلي فسترى صنعي بك قال فيتسع له مد بصره ويفتح له باب من الجنة.\nوإذا دفن العبد الفاجر أو الكافر قال له القبر لا مرحبًا ولا أهلًا أما إن كنت لأبغض من يمشي على ظهري إلي فإذا وليتك اليوم صرت إلي فسترى صنعي بك قال فليتم عليه حتى يلتقي عليه وتختلف أضلاعه. قال وقال رسول الله ﷺ بأصابعه فأدخل بعضها في جوف بعض قال ويقبض له سبعون تنينًا لو أن واحدًا منها نفخ في الأرض ما أنبتت شيئًا ما بقيت الدنيا فينهشنه ويخدشنه حتى يفضي به إلى الحساب. قال وقال رسول الله ﷺ: \" القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار \" ويروى أن رجلًا دخل على عمر بن عبد العزيز ﵁ فرآه قد تغير لونه من كثرة العبادة فجعل يتعجب من تغير لونه واستحالة صفته فقال له عمر: يا ابن أخي وما يعجبك مني فكيف لو رأيتني بعد دخول قبري بثلاث وقد خرجت الحدقتان فسالتا على الخدين وتقلصت الشفتان عن الأسنان وخرج الصديد والدود من المناخر والفم وانتفخ البطن فعلا على الصدر وخرج الدبر من الصلب لرأيت إذ ذاك شيئًا أعجب مما رأيته الآن.\nوكان بكر العابد يقول لأمه يا أمه ليتك كنت بي عقيمًا إن لابنك في القبر حبسًا طويلًا وإن له من بعد ذلك رحيلًا.","vol":"1","page":27},{"text":"وقال حاتم الأصم من مر بفناء القبور ولم يتفكر في نفسه ولم يدع لهم فقد خان نفسه وخانهم. قال القشيري سمعت أبا علي الدقاق يقول دخلت على الإمام أبي بكر بن فورك عائدًا فلما رآني دمعت عيناه فقلت له إن الله يعافيك ويشفيك فقال لي تراني أخاف من الموت إنما أخاف مما وراء الموت.\nوسمعت بعض الفقراء يقول إن سبب زهد داود بن نصر الطائي أنه سمع نائحة تنوح: بأي خديك تبدي البلا وأي عينيك إذا سالا واعجبا لو وصف طبيب لك داءك ودواءك لاستمعت إليه ولأطعته وهذا دواء دائك العظيم الدفين الذي يصلي صاحبه نار جهنم فلا تسمع إليه حق الاستماع وربما إن طال المجلس نعست أو تكلمت مع أنه ورد ذم المتكلم. ولو كنت في لهو أو أمر دنيا لم تنعس بل ارتحت له وما ذاك إلا لخبث سريرتك وضعف إيمانك أين آباؤك وأين إخوانك وأحبائك سكنوا بطون الأرض وصاروا أكلًا للهوام ولا يقدرون على دفع ما يلقون من العذاب:\nهو الدهر فاصبروا ما على الدهر معتب ... ليس لنا من خطة الموت مهرب\nولا بد من كأس الحمام ضرورة ... ومن ذا الذي من كأسه ليس يشرب\nوما يعمر الدنيا الدنية حازم ... إذا كان فيها عامر العمر يخرب\nوإن عليًا ذمها في كلامه ... وطلقها والجاهل الغر يخطب\nولما أتى بالكوز والناس حضر ... فقال لهم يا للرجال تعجبوا\nألا إن هذا الكوز فيه مواعظ ... لمتعظ من ظلمة القبر يرهب\nفكم فيه من ثغر وعين كحيلة ... وخد أسيل كان يهوى ويطلب\nوكم من عظيم القد صارت عظامه ... إناء ومنه الماء يا قوم يشرب","vol":"1","page":28},{"text":"وينقل من أرض لأخرى هدية ... فواعجًا بعد البلا يتغرب\nاللهم أصلحنا وأصلح فساد قلوبنا وأصلح فساد أعمالنا وأصلح فساد ولاة أمورنا وأصلحنا بما أصلحت به عبادك الصالحين.","vol":"1","page":29},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-7>أحوال الموتى</span>\nقال ابن عباس ﵄: \" مر النبي ﷺ بقبرين فقال: إنهما يعذبان وما يعذبان في كبير أما أحدهما فكان لا يسبرئ من البول وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة ثم أخذ جريدة رطبة فشقها نصفين ثم غرز في كل قبر واحدة فقال لعله أن يخفف عنهما ما لم تيبسا \". ورؤى بعض الموتى في المنام فقيل له كيف كان حالك فقال صليت يومًا بلا وضوء فوكل عليَّ ذئب يروعني في قبري فحالي معه أسوأ حال. ورؤى آخر في النوم فقيل له ما فعل الله بك فقال: دعني فإني لم أتمكن من الغسل يومًا من الجنابة فألبسني الله ثوبًا من النار أتقلب فيه ليلًا ونهارًا. ومر عيسى بن مريم ﵇ بمقبرة فنادى رجلًا منهم فأحياه الله فقال من أنت فقال كنت جَّمالًا أنقل الناس فنقلت يومًا لإنسان حطبًا وكسرت منه خلالًا وتخللت به فأنا مطالب به منذ مت. ورؤى سفيان الثوري في المنام وله جناحان يطير بهما في الجنة من شجرة إلى شجرة فقيل له بم نلت هذا فقال بالورع. ووقف حسان بن أبي سنان على أصحاب الحسن فقال أي شيْ أشد عليكم فقالوا الورع فقال ولا شيء أخف عليّ منه فقالوا فكيف؟ فقال لم أرو من نهركم أربعين سنة. وكان حسان بن أبي سنان لا ينام مضطجعًا ولا يأكل سمينًا ولا يشرب باردًا ستين سنة فرؤي في المنام بعدما مات فقيل له ما فعل الله بك فقال خيرًا إلا أني محبوس عن الجنة بإبرة استعرتها فلم أردها. وكان لعبد الواحد بن زيد غلام خدمه سنين ويعبد ربه أربعين سنة وكان في ابتداء الأمر كيالًا فلما مات رؤي في المنام فقيل له ما فعل الله بك فقال خيرًا غير أني محبوس عن الجنة وقد خرج عليَّ من غبار القفيز أربعون قفيزًا.\nويروى أن رجلًا جاء إلى القبور فصلى ركعتين ثم اضطجع على شقه فنام","vol":"1","page":30},{"text":"فرأى صاحب القبر في المنام فقال هذا إنكم تعملون ولا تعلمون ونحن نعلم ولا نعمل ولأن تكون ركعتان في صحيفتي أحب إليّ من الدنيا وما فيها. وقال بعض الصالحين مات لي أخ في الله فرأيته في النوم فقلت له يا فلان عشت الحمد لله رب العالمين قال لي لأن أقدر أن أقولها يعني الحمد لله رب العالمين أحب إليّ من الدنيا وما فيها ثم قال ألم تر حيث كانوا يدفنوني فإن فلانًا جاء فصلى ركعتين لأن أقدر أن أصليهما أحب إليّ من الدنيا وما فيها. وذكر أبو سبرة أن منكرًا ونكيرًا أتيا رجلًا إلى قبره وقالا إنا ضاربوك مائة ضربة فقال الميت إني كنت كذا وكذا وتشفع ببعض أعماله الصالحة حتى حطا عنه عشرًا ولم يزل يتشفع حتى حطا الجميع إلا ضربة فضرباه ضربة فالتهب القبر عليه نارًا فقال لم ضربتماني فقالا مررت بمظلوم فاستغاث بك فلم تغثه. وقال عبد الله بن عمر وجماعة من أهل بيته إنا كنا ندعو الله تعالى ليرينا عمر في المنام فرأيته في المنام بعد اثنتي عشرةٌ سنة كأنه قد اغتسل وهو متلفع بإزار فقلت يا أمير المؤمنين كيف وجدت ربك وبأي حسناتك جازاك فقال يا عبد الله كم لي منذ فارقتكم فقلت اثنتي عشرة سنة فقال منذ فارقتكم كنت في الحساب وخفت أن أهلك إلا أن الله غفور رحيم جواد كريم فهذا حال عمر ولم يكن له في دنياه شيء من أسباب الولاية سوى درة.\nوروي أنه زنى أبو شحمة ولد عمر بن الخطاب ﵁ فجلده مائة جلدة فمات فلما كان بعد أربعين يومًا قال حذيفة بن اليمان رأيت رسول الله ﷺ في المنام وإذا الفتى معه وعليه حلتان خضراوان وقال رسول الله ﷺ أقرئ عمر مني السلام وقل له هكذا آمرك أن تقرأ القرآن وتقيم الحدود وقال الغلام يا حذيفة أقرئ أبي مني السلام وقل له طهرك الله كما طهرني والسلام.\nوروى عن أبي بكر بن أبي الدنيا عن أصحابه أنه قال لنباش بعد توبته ما سبب توبتك ورجوعك إلى الله قال نبشت إنسانًا فوجدته قد سمر بمسامير في جميع جسده ومسمار كبير في رأسه وآخر في رجليه وقال الآخر ما سبب توبتك قال رأيت جمجمة إنسان قد صب فيها الرصاص.","vol":"1","page":31},{"text":"ويروى أن بعض النباشين نبش ذات ليلة قبرًا فلما كشف عن الميت إذا بنار تحرق الميت فأهوت إليه منها شرارة فهرب وتاب إلى الله تعالى وقيل رؤي الأوزاعي في المنام فقال ما رأيت هاهنا درجة أرفع من درجة العلماء ثم المحزونين. ورؤي أبو عبد الله النداد في المنام فقيل له ما فعل الله بك فقال أوقفني وغفر لي كل ذنب أقررت به في الدنيا إلا واحدًا استحييت أن أقر به فوقفني في العرق حتى سقط لحم وجهي فقيل له وما ذاك فقال نظرت إلى شخص جميل فاستحييت أن أذكره.\nوروى عن هاشم بن حسان أنه قال مات لي ابن حدث فرأيته في النوم فإذا شيب رأسه فقلت يا بني ما هذا الشيب قال لما قدم علينا فلان زفرت جهنم لقدومه زفرة لم يبق أحد منا إلا شاب. وقيل لما مات كرز بن وبرة رؤي في المنام كأن أهل القبور خرجوا من قبورهم وعليهم ثياب جدد بيض وقيل ما هذا؟ فقالوا إن أهل القبور كسوا لباسًا جددًا لقدوم كرز عليهم.\nوروي أن بعض الصالحين قال كان لي ابن استشهد فلم أره في المنام إلى ليلة توفي عمر بن عبد العزيز ﵁ إذ تراءى لي تلك الليلة فقلت يا بني ألم تك ميتًا فقال لا ولكني استشهدت وأنا حي عند الله تعالى أرزق فقلت ما جاء بك فقال نودي في أهل السماوات أن لا يبقى نبي ولا صديق ولا شهيد إلا ويحضر الصلاة على عمر بن عبد العزيز فجئت لأشهد الصلاة ثم جئتكم لأسلم عليكم.\nوروي أن عبد الواحد بن عبد المجيد الثقفي قال رأيت جنازة يحملها ثلاثة رجال وامرأة فأخذت مكان المرأة وذهبنا إلى المقبرة فصلينا عليها ودفناها فقلت للمرأة من كان هذا منك قالت ابني أو لم يكن لك جيران قالت نعم ولكنهم صغروا أمره فقلت وإيش كان هذا فقالت هو مخنث قال فرحمتها","vol":"1","page":32},{"text":"وذهبت بها إلى منزلي وأعطيتها دراهم وحنطة وثيابًا ونمت تلك الليلة فرأيت كأنه أتاني آت كأنه القمر ليلة البدر وعليه ثياب بيض فجعل يشكرني فقلت من أنت قال أنا المخنث الذي دفنتموني اليوم رحمني ربي باحتقار الناس إياي تزود لنفسك يا أخي بالتقوى ومن عرف ما بين يديه لم يؤثر الهوى ومن تفكر في رحيل من كان لديه صار النهوض مستيقنًا عليه كم مغرور بشبابه وصحة حاله اختطفه الموت من خلاله كم من مائل إلى جمع ماله تركه تركة ومر بأثقاله هل رحم الموت مريضًا لضعف أوصاله هل ترك كاسبًا لأجل أطفاله:\nلقد أخبرتك الحدثات نزولها ... ونادتك ألا إن سمعك ذو وقر\nتنوح وتبكي للأحبة إن مضوا ... ونفسك لا تبكي وأنت على الأثر\nاللهم ارحمنا ولا تعذبنا وانصرنا ولا تخذلنا وعافنا ولا تمرضنا وأكرمنا ولا تهنا وآثرنا ولا تؤثر علينا إنك على كل شيء قدير.","vol":"1","page":33},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-8>أشراط الساعة وأحوالها</span>\nقال الله تعالى: (اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ. مَا يَأْتِيهِم مِنّ ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ إِلاَّ اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ. لاَهِيَةً قُلُوبُهُمْ).\nوروى الشيخان أن رسول الله ﷺ قال: \" إن من أشراط الساعة أن يرفع العلم ويكثر الجهل ويكثر الزنى ويكثر شرب الخمر ويقل الرجال ويكثر النساء حتى يكون لخمسين امرأة القيم \".\nوروي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \" إذا اتخذ الفيء دولًا والأمانة مغنمًا والزكاة مغرمًا وتعلم لغير دين الله وأطاع الرجل امرأته وعق أمه وأدنى صديقه وأقصى أباه وظهرت الأصوات في المساجد وساد القبيلة فاسقهم وكان زعيم القوم أرذلهم وأكرم الرجل مخافة شره وظهرت القينات والمعازف وشربت الخمور ولعن آخر هذه الأمة أولها فارتقبوا ريحًا حمراء وزلزلة وخسفًا وقذفًا وآيات تتابع كنظام قطع سلكه فتتابع \".\nوعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: ذكر رسول الله ﷺ بلاء يصيب هذه الأمة حتى لا يجد الرجل ملجأ يلجأ إليه من الظلم فيبعث الله رجلًا من عترتي وأهل بيتي فيملأ به الأرض قسطًا وعدلًا كما ملئت جورًا وظلمًا يرضى عنه ساكن السماء وساكن الأرض لا تدع السماء من قطرها شيء إلا صبته مدرارًا ولا تدع الأرض من نباتها شيئًا إلا أخرجته حتى يتمنى الأحياء الموت، يعيش في ذلك سبع سنين أو ثماني سنين أو تسع سنين.\nوفي صحيح مسلم عن حذيفة بن أسيد الغفاري قال أطلع النبي ﷺ علينا ونحن نتذاكر فقال \" ما تذاكرون \" قالوا نذكر الساعة قال \" إنها لن تقوم حتى","vol":"1","page":34},{"text":"تروا قبلها عشر آيات فذكر الدخان والدجال والدابة وطلوع الشمس من مغربها ونزول عيسى بن مريم ويأجوج ومأجوج وثلاثة خسوف خسف في المشرق وخسف في المغرب وخسف بجزيرة العرب وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم \".\nوفي صحيح مسلم قال: \" ثلاث إذا خرجن لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل طلوع الشمس من مغربها والدجال ودابة الأرض \".\nواختلف في أول الآيات فقيل أولها طلوع الشمس من مغربها وخروج الدابة وجاء من رواية ابن أبي شيبة عن عبد الله بن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال \" وأيتهما كانت قبل صاحبتها فالأخرى على أثرها \".\nودابة الأرض طولها ستون ذراعًا ذات قوائم ووبر وقيل مختلفة الخلقة تشبه عدة من الحيوانات تتصدع بجبل الصفا فتخرج منه ليلة جمع والناس نزول إلى منى وقيل تخرج من أرض الطائف ومعها عصا موسى وخاتم سليمان ﵉ لا يدركها طالب ولا يعجزها هارب تضرب المؤمن بالعصا فينكت في وجهه مؤمن وتطبع الكافر بالخاتم فينكت في وجهه كافر.\nوفي صحيح مسلم عن النواس بن سمعان قال وذكر رسول الله ﷺ الدجال فقال \" إن يخرج وأنا فيكم فأنا حجيجه وإن يخرج ولست فيكم فامرؤ حجيج نفسه والله خليفتي على كل مسلم إنه شاب قطط عينه طافية كأني أشبهه بعبد العزى بن قطن فمن أدركه منكم فليقرأ عليه بفواتح سورة الكهف فإنها جوازكم من فتنته انه خارج خِلَّةٌ بين الشام والعراق فعاث يمينًا وعاث شمالًا يا عباد الله فاثبتوا \" قلنا يا رسول الله وما لبثه في الأرض قال \" أربعون يومًا يوم كسنة ويوم كشهر ويوم كجمعة وسائر أيامه كأيامكم \" قلنا فذلك اليوم الذي كسنة أتكفينا فيه صلاة يوم قال \" لا أقدروا له قدره \" قلنا يا رسول الله وما","vol":"1","page":35},{"text":"إسراعه في الأرض قال \" كالغيث استدبرته الريح فيأتي القوم فيدعوهم فيؤمنون به فيأمر السماء فتمطر والأرض فتنبت فتروح عليهم سارحتهم أطول ما كانت ذرى وأسبغه ضروعًا وأمده خواصر ثم يأتي القوم فيدعوهم فيردون عليه قوله فينصرف عنهم فيصبحون ممحلين ليس بأيديهم شيء من أموالهم ويمر بالخربة فيقول لها أخرجي كنوزك فتتبعه كنوزها كيعاسيب النحل ثم يدعو رجلًا ممتلئًا شبابًا فيضربه بالسيف فيقطعه جزلتين رمية الغرض ثم يدعوه فيقبل ويتهلل وجهه يضحك فبينما هو كذلك إذ بعث الله المسيح بن مريم فينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق بين مهرودتين واضعًا كفيه على أجنحة ملكين إذ طأطأ رأسه قطر وإذا رفعه تحدر منه مثل جمان كاللؤلؤ فلا يحل لكافر يجد ريح نفسه إلا مات ونفسه ينتهي حيث ينتهي طرفه فيطلبه حتى يدركه بباب لد فيقتله ثم يأتي عيسى قوم قد عصمهم الله منه فيمسح عن وجوههم ويحدثهم في الجنة بدرجاتهم فبينما هو كذلك إذ أوحى الله إلى عيسى أني قد أخرجت عبادًا لي لا يدان لأحد بقتالهم فأحرز عبادي إلى الطور ويبعث الله يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون فيمر أوائلهم على بحيرة طبرية فيشربون ما فيها ويمر آخرهم فيقول لقد كان بهذه مرة ماء ثم يسيرون حتى ينتهوا إلى جبل الخمر وهو جبل بيت المقدس فيقولون قد قتلنا من في الأرض هلم فلنقتل من في السماء فيرمون بنشابهم إلى السماء فيرد الله إليهم نشابهم مخضوبة خضوبة دمًا ويحصر نبي الله وأصحابه حتى يكون رأس الثور لأحدهم خيرًا من مائة دينار لأحدكم اليوم فيرغب الله عيسى وأصحابه فيرسل الله عليهم النغف في رقابهم فيصبحون فرسى كموت نفس واحدة ثم يهبط نبي الله وأصحابه إلى الأرض فلا يجدون في الأرض موضع شبر إلا ملأه زهمهم \" وروي زهمهم بضم الزاي وفتح الهاء وموضع زهمة وهي الريح المنتنة \" ونتنهم فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه إلى الله فيرسل عليهم طيرًا كأعناق البخت فتحملهم فتطرحهم حيث شاء الله \" ويروي تطرحهم بالسهيل \" ويستوقد المسلمون من قسيهم ونشابهم وجعباتهم سبع سنين ثم يرسل الله مطرًا لا يكن","vol":"1","page":36},{"text":"منه بيت مد ولا وبر فيغسل الأرض حتى يتركها كالزلفة ثم يقال للأرض انبتي ثمرتك وردي بركتك فيومئذ تأكل العصابة منت الرمانة ويستظلون بقحفها ويبارك في الرسل حتى أن اللقحة من الإبل لتكفي الفئام من الناس واللقحة من البقر لتكفي القبيلة من الناس واللقحة من الغنم لتكفي الفخذ من الناس فبينما هم كذلك إذ بعث الله ريحًا طيبة فتأخذهم تحت آباطهم فتقبض روح كل مؤمن وتبقي شرار الناس يتهارجون تهارج الحمير فعليهم تقوم الساعة \" وأنشد بعضهم:\nمثل لقلبك أيها المغرور ... يوم القيامة والسماء تمور\nقد كورت شمس النهار وأضعفت ... حرًا على رأس العباد تفور\nوإذا الجبال تقلعت بأصولها ... فرأيتها مثل السحاب تسير\nوإذا العشار تعطلت عن أهلها ... خلت الديار فما بها مغرور\nوإذا النجوم تساقطت وتناثرت ... وتبدلت بعد الضياء كدور\nوإذا الوحوش بعد القيامة أحضرت ... وتقول للأملاك أين نسير\nفيقال سيروا تشهدون فضائحًا ... وعجائبًا قد أحضرت وأمور\nوإذا الجنين بأمه متعلق ... خوف الحساب وقلبه مذعور\nهذا بلا ذنب يخاف لهوله ... كيف المقيم على الذنوب دهور","vol":"1","page":37},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-9>النفخ في الصور</span>\nقال الله تعالى:\n(وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الأَرْضِ إِلاَّ مَن شَاءَ الله ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ. وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّنَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالحَقِّ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ. وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ. وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوَاْ إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءوهَا فُتِحَتْ أَبْوَبُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِكُمْ وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُواْ بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ. قِيلَ ادْخُلُوَاْ أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى آلْمُتَكَبِرِينَ. وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْاْ رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّىَ إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَبُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ. وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ. وَتَرَى الْمَلاَئِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَولِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِىَ بَيْنَهُم بِالْحَقِ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.).\nوفي كتاب النسائي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \" كيف أنعم وصاحب القرن قد التقم القرن وأصغى بسمعه وحنى جبهته ينتظر متى يؤمر بالنفخ فينفخ \". قالوا يا رسول الله وكيف نقول قال: \" قولوا سبحان الله ونعم الوكيل على الله توكلنا \".\nوفي صحيح مسلم عن عائشة ﵂ قالت سمعت رسول الله ﷺ","vol":"1","page":38},{"text":"يقول: \" يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلًا \". قلت يا رسول الله النساء والرجال جميعًا ينظر بعضهم إلى بعض؟ قال: \" يا عائشة الأمر أشد من أن ينظر بعضهم إلى بعض \". وفي كتاب الترمذي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \" يحشر الناس يوم القيامة على ثلاثة أصناف صنفًا مشاة وصنفًا ركبانًا وصنفًا على وجوههم \". قيل يا رسول الله وكيف يمشون على وجوههم قال: \" إن الذي أمشاهم في الدنيا على أقدامهم قادر على أن يمشيهم على وجوههم أما أنهم يتقون بوجوههم كل حدب وشوك \".\nوفي صحيح البخاري عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: \" يحشر الناس يوم القيامة على ثلاثة أصناف طرائق راغبين وراهبين واثنان على بعير وثلاثة على بعير وأربعة على بعير وعشرة على بعير وتحشر بقيتهم النار تقيل معهم حيث قالوا وتبيت معهم حيث باتوا وتصبح معهم حيث أصبحوا وتمسي معهم حيث أمسوا \".\nوفيه قال ﷺ: \" يقبض الله الأرض يوم القيامة ويطوي السماء بيمينه ثم يقول أنا الملك أين ملوك الأرض \".\nوفيه قال يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء صفراء كقرصة النقي قال سهل أو غيره وليس فيها معلم لأحد وصح أن رسول الله ﷺ قال: \" يبعث الميت في ثيابه التي مات فيها \" قيل المراد بالثياب العمل وحمله أبو سعيد الخدري على ظاهره.\nوفي صحيح مسلم عن المقداد بن الأسود قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \" تدنو الشمس يوم القيامة من الخلق حتى تكون كمقدار ميل \". قال سليم بن عامر فوالله ما أدري ما يعني بالميل المسافة الأرض أو الميل الذي يكتحل به العين قال: \" فيكون الناس على قدر أعمالهم في العرق فمنهم من يكون إلى كعبيه ومنهم من يكون إلى ركبتيه ومنهم من يكون إلى حقويه ومنهم من يلجمهم العرق إلجامًا وأشار بيده ﷺ إلى فيه \".\nوفي مسند أبي بكر البزار عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ إن","vol":"1","page":39},{"text":"العرق يلزم المرء في الموقف حتى يقول يا رب إرسالك بي إلى النار أهون علي مما أجد وهو يعلم ما فيها من شدة العذاب.\nوقال بعض السلف لو طلعت الشمس على الأرض كهيئتها يوم القيامة لأحرقت الأرض وأذابت الصخر ونشفت الأنهار.\nوقال رسول الله ﷺ: \" سبعة يظلُّهم الله تعالى في ظله يوم لا ظل إلا ظله إمام عادل وشاب نشأ في عبادة الله ورجل قلبه متعلق بالمسجد إذا خرج منه حتى يعود إليه ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه ورجل ذكر الله تعالى خاليًا ففاضت عيناه ورجل دعته امرأة ذات حسن وجمال فقال إني أخاف الله ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه \".\nقال الحسن البصري ﵀ فما ظنكم بيوم قاموا فيه على أقدامهم مقدار خمسين ألف سنة لم يأكلوا فيها أكلة ولم يشربوا شربة حتى انقطعت أعناقهم عطشًا واحترقت أجوافهم جوعًا ثم انصرف بهم إلى النار فسقوا من عين آنية أي متناهية في الحرارة أوقدت عليها جهنم منذ خلقها.","vol":"1","page":40},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-10>شفاعة النبي ﷺ</span>\nقال الله تعالى: (َمن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إَّلاَّ بِإِْذنِهِ).\nوفي صحيح البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ أتى النبي ﷺ بلحم فرفع إليه الذراع وكانت تعجبه فنهس منها نهسة ثم قال: \" أنا سيد الناس يوم القيامة وهل تدرون مم ذلك؟ يجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد يسمعهم الداعي وينفذهم البصر وتدنو الشمس فيبلغ الناس من الغم والكرب ما لا يطيقون ولا يحتملون فيقول الناس ألا ترون ما بلغكم ألا تنظرون إلى من يشفع لكم إلى ربكم: فيقول بعض الناس لبعض أبوكم آدم فيأتون آدم فيقولون أنت أبو البشر خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه وأمر الملائكة فسجدوا لك اشفع لنا إلى ربك ألا ترى ما نحن فيه ألا ترى ما قد بلغنا فيقول آدم إن ربي قد غضب اليوم غضبًا لم يغضب مثله قبله ولن يغضب مثله بعده وإنه قد نهاني عن الشجرة فعصيته نفسي نفسي نفسي اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى نوح فيأتون نوحًا فيقولون أنت أول الرسل إلى الأرض وقد سماك الله عبدًا شكورًا أما ترى إلى ما نحن فيه ألا ترى إلى ما بلغنا ألا تشفع لنا إلى ربك؟ فيقول إن ربي قد غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله وإنه كانت لي دعوة دعوت بها على قومي نفسي نفسي نفسي اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى إبراهيم فيأتون إبراهيم فيقولون يا إبراهيم أنت نبي الله وخليله من أهل الأرض اشفع لنا إلى ربك أما ترى ما نحن فيه فيقول لهم إن ربي غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله وإني كذبت ثلاث كذبات نفسي نفسي نفسي اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى موسى فيأتون موسى فيقولون يا موسى أنت رسول الله فضَّلك الله برسالته وبكلامه على الناس اشفع لنا إلى ربك أما ترى إلى ما نحن فيه فيقول إن ربي قد غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله وإني قد قتلت نفسًا لم أؤمر بقتلها نفسي نفسي نفسي اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى عيسى فيأتون عيسى فيقولون يا عيسى أنت رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه وكلمت الناس في المهد اشفع لنا إلى ربك ألا ترى ما نحن فيه فيقول عيسى إن ربي غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله ولم يذكر ذنبًا فيأتون محمدًا ﷺ \".\nوفي رواية \" فيأتونني فيقولون يا محمد أنت رسول الله وخاتم الأنبياء وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر اشفع لنا إلى ربك ألا ترى إلى ما نحن","vol":"1","page":41},{"text":"فيه فانطلق وآتي تحت العرش فأقع ساجدًا لربي ثم يفتح الله علي من محامده حسن الثناء عليه ما لم يفتحه على أحد قبلي ثم يقال يا محمد ارفع رأسك سل تعط واشفع تُشَفَّع فأرفع رأسي فأقول أمتي يا رب أمتي يا رب أمتي يا رب فيقول: يا محمد ادخل من أمتك من لا حساب عليهم من الباب الأيمن من أبواب الجنة وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب ثم قال: والذي نفسي بيده إن ما بين المصراعين من مصاريع الجنة كما بين مكة وهجر أو كما بين مكة وبصرى \".\nوفي الصحيحين \" يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفًا بغير حساب هم الذين لا يسترقون ولا يتطيرون ولا يكتوون وعلى ربهم يتوكلون \".\nوفي رواية في صحيح مسلم سبعون ألفًا مع كل واحد منهم سبعون ألفًا قال في المفاتيح: التوكل نوعان خاص وهو أن يترك التداوي والاسترقاء والكي لغاية ثقته بأنه لا يصيبه إلا ما كتب الله له من النفع والضر وهو المراد هنا. وعام يجب على الكل وهو أن يعلم أن لا مؤثر إلا الله فالطعام لا يشبع والأدوية لا تشفي إلا بأمره، ومن له هذا الاعتقاد جاز له التداوي والاسترقاء. وكسب المال بالتجارة والحرف.","vol":"1","page":42},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-11>الحساب</span>\nقال الله تعالى: (وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ. وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ. وَقِلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ. مِن دُونِ الله هَلْ يَنصُرُونَكُمْ أَوْ يَنتَصِرُونَ. فَكُبِكْبُواْ فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُنَ. وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ.).\nوقال الله تعالى: (فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرسَلِينَ. فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ.).\nوفي صحيح مسلم عن شقيق بن عبد الله قال النبي ﷺ: \" يؤتي بجهنم يوم القيامة لها سبعون ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها \".\nوفي صحيح البخاري \" يجاء بنوح يوم القيامة فيقال هل بلغت فيقول نعم يا رب فيسأل أمته هل بلغكم فيقولون ما جاءنا من نذير فيقال من شهودك فيقول محمد وأمته فقال رسول الله ﷺ فيجاء بكم فتشهدون ثم قرأ رسول الله ﷺ: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةً وَسَطًا) قال: عدولًا، (لِّتَكُونُواْ شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا).\nوقال مقاتل في قوله تعالى: (وَامْتَازُواْ الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ) أي اعتزلوا اليوم يعني في الآخرة من الصالحين وقال السدي كونوا على حدة.\nوفي الصحيحين قال رسول الله ﷺ: \" يقول الله يا آدم قم فابعث بعث النار فيقول لبيك وسعديك والخير في يديك وما بعث النار؟ فيقول من كل ألف","vol":"1","page":43},{"text":"تسعمائة وتسعة وتسعين قال فحينئذ يشيب الوليد وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب ربك شديد \" فاشتد ذلك عليهم فقالوا يا رسول الله أين ذلك الرجل فقال رسول الله ﷺ \" تسعمائة وتسعة وتسعون من يأجوج ومأجوج ومنكم واحد \" فقال الناس الله أكبر فقال رسول الله ﷺ \" والله إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة والله إني لأرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة والله إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة \" فكبر الناس فقال رسول الله ﷺ \" ما أنتم يومئذ في الناس إلا كالشعرة البيضاء في الثور الأسود أو كالشعرة السوداء في الثور الأبيض \".\nوفي صحيح مسلم قال ﷺ: \" لتؤدن الحقوق إلى أهلها حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء \" قال الكلبي يقول الله ﷿ للبهائم والوحوش والطيور والسباع كن ترابًا فسوى بهن الأرض فعند ذلك يتمنى الكافر أن لو كان ترابًا لما قال الله تعالى: (وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَبَا).\nوفي كتاب الترمذي وغيره عن أبي برزة الأسلمي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \" لا تزول قدما عبد يوم القيامة من بين يدي الله تعالى حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيم أفناه وعن جسده فيم أبلاه وعن علمه فيم عمل به وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه \". وفي صحيح مسلم عن أنس ﵁ قال كنا عند رسول الله ﷺ فضحك فقال \" أتدرون مم أضحك؟ \" قلنا الله ورسوله أعلم قال \" من مخاطبة العبد ربه يقول يا رب ألم تجرني من الظلم قال يقول بلى فيقول إني لا أجيز على نفسي إلا شاهدًا مني فيقول كفى بنفسك اليوم عليك حسيبًا وبالكرام الشاهدين عليك شهودًا قال فيختم على فيه ويقال لأركانه انطقي قال فتنطق بأعماله ثم يخلي بينه وبين الكلام فيقول بعدًا لكن وسحقًا فعنكن كنت أناضل \".\nوفي الصحيحين عن عدي بن حاتم قال. قال رسول الله ﷺ: \" ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبين ربه ترجمان فينظر أيمن منه فلا يرى","vol":"1","page":44},{"text":"إلا ما قدم وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه فاتقوا ولو بشق تمرة \".\nوفي الصحيحين عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: \" من حوسب يوم القيامة عذب \" فقلت أليس قد قال الله تعالى: (فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا) قال \" ليس ذلك الحساب إنما ذلك العرض من نوقش الحساب يوم القيامة عذب \".\nفتفكر رحمك الله سؤال ربك لك بغير واسطة على كل قليل وكثير ونقير وقطمير وقول الملائكة يا فلان هلم إلى الموقف وقد روي عنه ﵇: إن لله ملكًا ما بين شفرتي عينيه مسيرة مائة عام فما ظنك بنفسك إذا شاهدت مثل هؤلاء الملائكة أرسلوا إليك ليأخذوك إلى مقام العرض فترتعد فرائضك وتضطرب جوارحك وتتمنى حملك إلى جهنم ولا تعرض قبائحك على ربك تعالى فتوهم نفسك في أيدي الموكلين بك حتى انتهوا بك إلى عرش الرحمن فرموك من أيديهم وناداك الله ﷿ بعظيم كلامه يا ابن آدم ادن مني فدنوت بقلب خافق محزون وجل وطرف خاشع ذليل وأعطيت كتابك الذي لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها فليت شعري بأي قدم تقف بين يدي الله وبأي لسان تجيب وبأي قلب تعقل ما تقول وماذا تقول إذا قال: أما استحييت مني ظننت أني لا أراك.\nوعن الفضيل: إني لا أغبط أن أكون ملكًا مقربًا ولا نبيًا مرسلًا ولا عبدًا صالحًا أليس هؤلاء يعاقبون في القيامة إنما أغبط من لم يخلق.\nوأنشد بعضهم:\nمثل وقوفك يوم الحشر عريانا ... مستعطفًا قلق الأحشاء حيرانا\nالنار تزفر من غيظ ومن حنق ... على العصاة وتلقى الرب غضبانا\nاقرأ كتابك يا عبدي على مهل ... وانظر إليه ترى هل كان ما كانا","vol":"1","page":45},{"text":"لما قرأت كتابًا لا يغادر لي ... حرفًا وما كان في سر وإعلانًا\nقال الجليل خذوه يا ملائكتي ... مروا بعبدي إلى النيران عطشانا\nيا رب لا تحزنا يوم الحساب ولا ... تجعل لنا فينا اليوم سلطانا","vol":"1","page":46},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-12>فصل في الميزان</span>\nقال الله تعالى: ﴿الْقَارِعَةُ (١) مَا الْقَارِعَةُ (٢) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ (٣) يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ (٤) وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ (٥) فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (٦) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٧) وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (٨) فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (٩) وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ (١٠) نَارٌ حَامِيَةٌ (١١)﴾.\nوذكر أبو بكر البزار ﵁ عن النبي ﷺ قال: \" ملك موكل بالميزان فيؤتي بابن آدم فيوقف بين كفتي الميزان فإن ثقل ميزانه نادى ملك بصوت يسمع الخلائق سعد فلان سعادة لا يشقى بعدها أبدًا وإن خفت ميزانه نادى ملك بصوت يسمع الخلائق شقي فلان شقاوة لا يسعد بعدها أبدًا \".\nوفي سنن أبي داود عن عائشة ﵂ أنها ذكرت النار فبكت فقال ﷺ \" ما يبكيك؟ \" قالت ذكرت النار فبكيت فهل تذكرون أهليكم يوم القيامة فقال ﷺ \" أما ثلاثة مواطن فلا يذكر فيها أحد أحدًا: عند الميزان حتى يعلم أيخف ميزانه أم يثقل وعند الكتاب حين يقال هاؤم أقرؤا كتابيه حتى يعلم أين يقع كتابه أفي يمينه أم في شماله أم من وراء ظهره وعند الصراط إذا وضع بين ظهراني جهنم \".\nوفي الوسيط عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \" ليعتذرن الله إلى آدم ثلاث معاذير يقول الله يا آدم لولا أني لعنت الكذابين وأبغضت الكذاب والخلف وأوعدت لرحمت اليوم ولدك أجمعين من شدة ما أعددت لهم من العذاب ولكن حق القول مني لئن كذبت رسلي وعصي أمري لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين. ويقول الله ﷿: يا آدم اعلم أني لا أدخل من ذريتك النار أحدًا ولا أعذب منهم بالنار أحدًا إلا من قد علمت بعلمي أني لو رددته إلى الدنيا لعاد إلى شر مما كان فيه ولم يرجع ولم يعتب. ويقول ﷿: \" قد جعلت حكمًا بيني وبين ذريتك","vol":"1","page":47},{"text":"قم عند الميزان فانظر ما يرفع إليك من أعمالهم فمن رجح منهم خيره على شره مثقال ذرة فله الجنة حتى تعلم أني لا أدخل منهم النار إلا ظالمًا \".\nوفي الصحيح عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: \" أتدرون من المفلس \" قالوا المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع فقال \" إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وزكاة وصيام ويأتي قد شتم هذا وقذف هذا وأكل مال هذا وسفك دم هذا وضرب هذا فيعطي هذا من حسناته وهذا من حسناته فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار \".\nوفي الصحيح \" إن أول ما يقضى في الدماء \".\nوفي معالم التنزيل روي عن عبد الله بن مسعود قال: إذا كان يوم القيامة جمع الله الأولين والآخرين ثم نادى مناد من كان يطلب مظلمة فليجئ إلى حقه فليأخذه فيفرح المرء أن يكون له الحق على والده أو ولده أو زوجته أو أخيه فيأخذ منه وإن كان صغيرًا ومصداق ذلك في كتاب الله ﷿: (فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَاءَلُونَ. فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ. وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَلِدُونَ.).\nويؤتى بالعبد وينادي مناد على رؤوس الأولين والآخرين هذا فلان ابن فلان من كان له عليه حق فليأت إلى حقه ثم يقال آت هؤلاء حقوقهم فيقول يا رب من أين وقد ذهب الدنيا فيقول الله ﷿ للملائكة انظروا في أعماله الصالحة فأعطوهم منها فإن بقي مثقال ذرة من حسنة قالت الملائكة يا ربنا بقي له مثقال ذرة من حسنة فيقول الله ﷿ ضعفوها لعبدي وأدخلوه بفضل رحمتي الجنة ومصداق ذلك في كتاب الله ﷿: (إِنَّ الله لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَعِفْهَا).","vol":"1","page":48},{"text":"وإن كان عبدًا شقيًا قالت الملائكة إلهنا فنيت حسناته وبقي طالبون فيقول الله ﷿ خذوا من سيئاتهم فأضيفوها إلى سيئاته ثم صكوا له صكًا إلى النار.\nوذكر الترمذي من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: إن الله سيخلص رجلًا من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة فينشر عليه تسعة وتسعين سجلًا كل سجل مثل مد البصر ثم يقول الله أتنكر من هذا شيئًا، أظلمك كتبتي الحافظون؟ فيقول لا يا رب فيقول الله أفلك عذر فيقول لا يا رب فيقول بلى إن لك عندنا حسنة فإنه لا ظلم عليك اليوم فتخرج له بطاقة فيها أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله فيقول أحضر وزنك فيقول يا رب ما هذه البطاقة مع هذه السجلات فيقال: إنك لا تظلم قال فتوضع السجلات في كفة والبطاقة في كفة فطاشت السجلات وثقلت البطاقة قال فلا يثقل مع أسم الله شيء: أي من كان معه ذكر الله فلا يقاومه شيء يترجح من المعاصي بل يترجح الذكر على المعاصي.\nفتفكر رحمك الله في ميزانك واحترز من خسرانك واعلم أن من لا سيئة له فله الجنة ومن لا حسنة له فله النار ومن خلط فالعدل بالميزان فاتقوا الله عباد الله ومظالم العباد بأخذ أموالهم والتعرض لأعراضهم وتضييق قلوبهم وإساءة الخلق في معاشرتهم فإن ما بين العبد وبين الله خاصة فالمغفرة إليه أسرع.\nوقيل إذا تعلق المظلوم بالظالم الأواب وهو الذي أقلع عن الذنب فلم يعد إليه ولم يتمكن من الاستحلال قال الله للمظلوم ارفع رأسك فيرفع راسه فإذا بقصر عظيم يلوح فيقول: ما هذا يا رب؟ فيقول: إنه للبيع فاشتره مني فيقول ما معي ثمنه فيقول: أن تبرئ مظلمة أخيك فالقصر لك فيقول قد فعلت يا رب.\nوحكي أنه لما حضرت لقمان الحكيم الوفاة بكى فقال له ابنه ما يبكيك يا أبت؟ فقال يا بني لست أبكي على الدنيا ولا على نعيمها ولكن على ما أمامي من الشقة البعيدة والمفازة السحيقة والعقبة الكئود والزاد القليل والحمل الثقيل ولا أدري أيحط عني ذلك الحمل حتى أبلغ الغاية أم أثقل حتى أساق إلى النار","vol":"1","page":49},{"text":"فلهذا أبكي فمات ﵀.\nوأنشد بعضهم:\nأراني إذا حدثت نفسي بتوبة ... تعرض لي من دون ذلك عائق\nتقضت حياتي في اشتغال وغفلة ... وأعمال سوء كلها لا توافق\nطردت وغيري بالصلاح مقرب ... ودون بلوغي مسلك متضايق\nوكيف وزلات المسيء كثيرة ... أيقرب عبد عن مواليه آبق\nإلى الله أشكو قلب سوء قد احتوى ... عليه الهوى واستأصلته العلائق\nولي حزن يزداد في كل لحظة ... ودمع جفوني للبكاء يسابق\nفإن تغفر الذنب الذي قد أتيته ... فذاك رجائي والظنون توافق\nعلامة ما يولي من الفضل إن أنا ... هجرت الدنا أو قلت إنك طالق\nهنالك يبدو كل سر معظم ... لعيني وتغشاني هناك الحقائق","vol":"1","page":50},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-13>المرور على الصراط والحوض</span>\nقال الله تعالى: (فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا. ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا. ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا. وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا. ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا.).\nواختلف في ورودها فقيل هو الدخول فيها وهي خامدة فيعبرها المؤمنون وتنهار بغيرهم وقيل هو الجواز على الصراط فإنه ممدود عليها وصححه النووي ﵀.\nوفي صحيح مسلم عن أبي هريرة أو حذيفة بعد ما ذكر حديث الشفاعة التي لجأ الناس إليه ﷺ فيها وهي الإراحة من الموقف والفصل بين العباد قال فيأتون محمدًا فيقوم ويؤذن له وترسل الأمانة والرحم فتنبي الصراط يمنًا وشمالًا فيمر أولكم كالبرق ثم كمر الطير وأشد الرجال تجري بهم أعمالهم ونبيكم ﷺ قائم على الصراط يقول رب سلم ربِّ سلَّم حتى يجيء الرجل فلا يستطيع السير إلا زحفًا قال: وفي حافظتي الصراط كلاليب معلقة مأمورة بأخذ من أمرت فمخدوش ناج ومكدوس في النار والذي نفس أبي هريرة إن قعر جهنم لسبعون خريفًا.\nقال في إكمال العلم تفسير الحديث الآخر: \" إن الصخرة العظيمة لتلقى في شفير جهنم فتهوى فيها سبعون عامًا حتى تفضي إلى قرارها \".\nوفي صحيح البخاري قال: رسول الله ﷺ \" يخلص المؤمنون من النار فيحبسون على قنطرة بين الجنة والنار فيقتص لبعضهم من بعض مظالم كانت","vol":"1","page":51},{"text":"بينهم في الدنيا حتى إذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة فو الذي نفس محمد بيده لأحدهم أهدى لمنزلة في الجنة منه لمنزلة كان في الدنيا.\nوفي رسالة القشيري قال معاذ بن جبل: إن المؤمن لا يطمئن قلبه ولا تسكن روعته، حتى يخلف جسر جهنم.\nوكان أبو ميسرة ﵁، إذ أوى إلى فراشه قال: يا ليت أمي لم تلدني، ثم يبكي، فقيل ما يبكيك؟ فقال: أخبرنا أنا واردوها ولم نخبر أنا صادرون عنها.\nوبكى عبد الله بن رواحة وقال: آية أنزلت ينبئني فيها ربي، إني وارد النار، ولم ينبئني أني صادر عنها، فذلك الذي أبكاني.\nوقال الحسن: كيف لا يحزن المؤمن وقد حدث عن الله أنه وارد جهنم ولم ينبئه بأنه صادر عنها.\nوفي صحيح مسلم عن أنس قال: بينما رسول الله ﷺ ذات يوم بين أظهرنا، إذ أغفى إغفاءة ثم رفع رأسه متبسمًا، فقيل: ما أضحكك يا رسول الله؟ قال: \" نزلت على آنفًا سورة يقرأ فيها: بسم الله الرحمن الرحيم: (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ. فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ. إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ.) \".\nثم قال: \" أتدرون ما الكوثر؟ \" فقلنا: الله ورسوله أعلم، قال: \" فأنه نهر وعدنية ربي عليه خير كثير، وهو حوض ترد عليه أمتي يوم القيامة آنيته عدد النجوم فيختلج العبد منهم فأقول ربي إنه من أمتي فيقول: ما تدري ما حدث بعدك \".\nوقوله يختلج بلفظ المجهول أي يعدل به عن الحوض، وهو إما المرتد وإما العاصي.\nوفي كتاب الترمذي عن سمرة بن جندب قال: قال رسول الله ﷺ: \" إن","vol":"1","page":52},{"text":"لكل نبي حوضًا وإنهم ليتباهون أيهم أكثر واردة وأني لأرجو أن أكون أكثرهم واردة \".\nوفي صحيح البخاري عن سهل بن سعد قال: قال النبي ﷺ: \" أنا فرطكم على الحوض من مر علي شرب ومن شرب لم يظمأ أبدًا، ليردن علي أقوام أعرفهم ويعرفوني، ثم يحال بيني وبينهم \".\nوزاد أبو سعيد الخدري فقال: \" فأقول إنهم مني فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول: سحقًا سحقًا لمن غير بعدي \".\n\" قوله لم يظمأ \" أي لم يعطش وفيه أن الشرب منه يكون بعد الحساب والنجاة من النار، وفيه أن الواردين المارين عليه كلهم يشربون، وإنما يمنع الذين يزادون عن الورود والمرور عليه، وسحقًا: أي بعدًا، وهذا مشعر بأنهم مرتدون عن الدين، لأنه يشفع للعصاة، ويهتم بأمرهم، ولا يقول لهم مثل ذلك.\nوفي صحيح البخاري عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: \" بينما أنا قائم عند الحوض، إذ زمرة حتى إذا عرفتهم، خرج رجل من بيني وبينهم، فقال هلم فقلت: إلى أين؟ قال إلى النار والله قلت: ما شأنهم، قال إنهم ارتدوا بعدك على أدبارهم القهقري، ثم إذا زمرة إذا عرفتهم، خرج رجل من بيني وبينهم، فقال هلم فقلت إلى أين قال: إلى النار والله، قلت: ما شأنهم، قال: إنهم ارتدوا على أدبارهم القهقري، فلا أراه يخلص فيهم إلا مثل همل النعم \".\nقال الكرماني في الكواكب الدراري والهمل بفتحتين ما يترك مهملًا لا يتعهد ولا يرعى، حتى يضيع ويهلك، أي لا يخلص منهم من النار، إلا قليل وهذا مشعر بانهم صنفان كفار وعصاة.\nوفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: إن رسول الله ﷺ أتي المقبرة فقال: \" السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، ووددت أنا قد رأينا إخواننا قالوا أولسنا إخوانك يا رسول الله؟ قال بل أنتم","vol":"1","page":53},{"text":"أصحابي، وإخواننا الذين لم يأتوا بعد \". قالوا: وكيف تعرف من لم يأتي بعد من أمتك يا رسول الله؟ قال: أرأيت لو أن رجلًا له خيل غر محجلة بين ظهري خيل دهم بهم، ألا يعرف خيله؟ قالوا: بلى يا رسول الله قال: \" فإنهم يأتون غرًا محجلين من الوضوء، وأنا فرطهم على الحوض ألا ليذادن رجال عن حوضي، كما يذاد البعير الضال أناديها ألا هلم ألا هلم، فيقال إنهم قد بدلوا بعدك فأقول سحقًا سحقًا \".\nوفي كتاب الترمذي عن ثوبان عن النبي ﷺ \" حوضي من عدن إلى عمان البلقاء، ماؤه اشد بياضًا من اللبن، وأحلى من العسل، وآنيته عدد نجوم السماء، من شربة شربة لم يظمأ بعدها أبدًا، أول الناس ورودًا عليه فقراء المهجرين، الشعت رؤوسًا، الدنس ثيابًا، الذين لا ينكحون المتنعمات، ولا تفتح لهم السدد \" فقال عمر بن عبد العزيز لكني نكحت متنعمات، وفتحت لي السدد نكحت فاطمة بنت عبد الملك، لا جرم أن لا أغسل رأسي، حتى يتشعت، ولا أغسل ثوبي الذي يلي جسدي حتى يتسخ.\nوفي صحيح البخاري كان ابن أبي مليكة يقول: اللهم إنا نعوذ بك أن نرجع على أعقابنا أو نفتن عن ديننا. واعلم أن الحوض بيد النبي ﷺ، على باب الجنة، يسقى منه المؤمنون، وهو مخلوق اليوم، فتب يا أخي إلى ربك واتقه ليخرجك من همك، واسأله أن يبقيك فتنة تقع في دينك، فتذاد عن حوض نبيك قيل إن الله ستر ثلاثًا في ثلاث، ستر رضاه في طاعته فلا يحقرن أحدكم من الطاعة شيئًا فرب محتقر من الطاعة فيه رضا الله، وستر غضبه في معصيته فلا يحقرن أحدكم شيئًا من المعصية، فرب محتقر من المعصية فيه غضب الله، وستر وليه في خلقه فلا يحقرن أحدكم أحدًا من خلق الله، فرب من لا يؤبه له وهو ولي الله، وستر أيضًا رابعًا، وهو الإِجابة في الدعاء، فلا يحقرن أحدكم شيئًا من الدعاء، على أي حال كان، وفي أي موطن كان.\nقف على الباب طالبًا ... وذر الدمع ساكبًا","vol":"1","page":54},{"text":"وتوسل إليه وار ... جع عن الذنب تائبًا\nتلق من حسن صنعه ... عند ذاك العجائبا\nلاتخف أن ترد عن ... كرم الله خائبا\nفهو يجزي على اليسي ... ر ويعطي الرغائبا\nشرف المرء بالتقى ... فاجعل الصدق صاحبا\nواحتشم أن يراك رب ... ك للذنب راكبا\nإن للدهر أسهما للرزايا صوائبا\nوخطوبًا تتابعت ... فأثارت نوائبا\nفارض بالله واعتصم ... واسأل الله راغبا","vol":"1","page":55},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-14>الشفاعة الكبرى</span>\nقال الله تعالى: (يَوْمَئِذٍ لاَّ تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ).\nذكر أبو بكر البزار عن النبي ﷺ قال: \" يحمل الناس يوم القيامة على الصراط فيتفادع بهم جنبا الصراط تفادع الفراش في النار ثم يؤذن للملائكة والنبيين والشهداء والصالحين فيشفعون ويخرجون من في النار \".\nوروي في الصحيح: \" إن أول من يشفع المرسلون ثم النبيون ثم العلماء \".\nوفي كتاب الترمذي قال: قال رسول الله ﷺ: \" يدخل الجنة بشفاعة رجل من أمتي أكثر من بني تميم \". قيل: يا رسول الله سواك، قال: \" سواي \".\nوفي مسند البزار: قال: رسول الله ﷺ: \" إن من أمتي من يشفع للفئام من الناس ومنهم من يشفع للعصبة ومنهم من يشفع للقبيلة، ومنهم من يشفع للرجل وأهل بيته \".\nوروى الدارقطني عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ: \" نعم الرجال أنا لشرار أمتي \". قالوا كيف لخيارها، قال: \" أما خيارها فيدخلون الجنة بأعمالهم، وأما شرار أمتي، فيدخلون الجنة بشفاعتي \".\nوروي عن عوف بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: \" أتاني آت من عند الله فيخبرني بين أن يدخل نصف أمتي الجنة وبين الشفاعة فاخترت الشفاعة وهي لمن مات لا يشرك بالله شيئًا \".\nوفي الوسيط للواحدي عن جابر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \" إن الرجل يقول في الجنة ما فعل صديقي وصديقه في الجحيم فيقول الله ﷿ أخرجوا له صديقه إلى الجنة فيقول من بقي فيها فما لنا من شافعين ولا صديق حميم \".","vol":"1","page":56},{"text":"وفي صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري قال: إن ناسًا قالوا يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة، قال: رسول الله ﷺ: \" نعم \". قال هل: \" تضارون في رؤية الشمس بالظهيرة صحوًا ليس معها سحاب، وهل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر صحوًا ليس فيها سحاب \". قالوا: لا يا رسول الله. قال \" ما تضارون في رؤية الله ﵎ يوم القيامة إلا كما تضارون في رؤية أحدهما، إذا كان يوم القيامة أذن مؤذن ليتبع كل أمة ما كانت تعبد، فلا يبقى أحد كان يعبد غير الله سبحانه من الأصنام والأنصاب إلا يتساقطون في النار حتى إذا لم يبق إلا من كان يعبد الله من بر وفاجر وغُبَّرِ أهل الكتاب فيدعى اليهود فيقال لهم ما كنتم تعبدون؟ قالوا: كنا نعبد عزير بن الله فيقال: كذبتم ما اتخذ الله من صاحبة ولا ولد فماذا تبغون؟ قالوا: عطشنا ربنا فاسقنا، فيشار إليهم ألا تردون فيحشرون إلى النار كأنها سراب يحطم بعضها بعضًا، فيتساقطون في النار، ثم يدعى النصارى فيقال لهم ما كنتم تعبدون؟ قالوا: كنا نعبد المسيح ابن الله، فيقال لهم: كذبتم ما اتخذ الله من صاحبة ولا ولد، فيقال لهم: ماذا تبغون، فيقولون عطشنا يا ربنا فاسقنا قال فيشار إليهم ألا تردون فيحشرهم إلى جهنم كأنها سراب يحطم بعضها بعضًا فيتساقطون في النار حتى إذا لم يبق إلا من كان يعبد الله تعالى من بر وفاجر أتاهم رب العالمين ﷾ في أدنى صورة من التي رواه فيها، قال فما تنتظرون تتبع كل أمة ما كانت تعبد قالوا: يا ربنا فارقنا الناس في الدنيا أفقر ما كنا إليهم ولم نصاحبهم، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: نعوذ بالله منك لا نشرك بالله شيئًا \" مرتين أو ثلاثًا \" حتى أن بعضهم ليكاد أن ينقلب فيقول: هل بينكم وبينه آية فتعرفونه بها، فيقولون: نعم. فيكشف عن ساق فلا يبقى من كان يسجد لله من تلقاء نفسه إلا أذن الله له بالسجود، ولا يبقى من كان يسجد اتقاء ورياء، إلا جعل الله ظهره طبقة واحدة كلما أراد أن يسجد خرَّ على قفاه، ثم يرفعون رؤوسهم وقد تحول في صورته التي رأوه فيها أول مرة، فقال أنا ربكم فيقولون أنت ربنا، قد أخذت النار إلى نصف ساقية وإلى ركبتيه ثم يضرب الجسر على جهنم وتحل الشفاعة، ويقولون اللهم سلم سلم، قيليا رسول الله وما الجسر؟ قال: دَحضٌ","vol":"1","page":57},{"text":"مزلة فيه خطاطيف، وكلاليب وحسكٌ تكون بنجد فيه شويكة يقال لها السعدان، فيمر المؤمنون كطرفة العين وكالبرق وكالريح وكالطير وكأجاويد الخيل والركاب فناج مسلم ومخدش مرسل ومكدوس في نار جهنم حتى إذا خلص المؤمنون من النار فو الذي نفسي بيده ما منكم من أحد منكم بأشد منشدة لله في استقصاء الحق من المؤمنين لله يوم القيامة لإِخوانهم الذين في النار يقولون: ربنا كانوا يصومون معنا ويصلون ويحجون، فيقال لهم أخرجوا من عرفتم، فتحرم صورهم على النار، فيخرجون خلقًا كثيرًا قد أخذت النار إلى نصف ساقيه وإلى ركبتيه ثم يقولون: ربنا ما بقى فيها أحد ممن أمرتنا به، فيقول: ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار من خير فأخرجوه خلقًا كثيرًا، ثم يقولون ربنا لم نذر فيها أحدًا ممن أمرتنا ثم يقول: ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال من خير فأخرجوه، فيخرجون خلقًا كثيرًا، ثم يقولون: ربنا لم نذر فيها خيرًا، فيقول الله: شفعت الملائكة، وشفع النبيون، وشفع المؤمنون، ولم يبق إلا أرحم الراحمين فيقبض قبضة من النار فيخرج منها قومًا لم يعلموا خيرًا قط، قد عادوا حممًا فيلقيهم في نهر في أفواه الجنة، يقال له نهر الحياة، فيخرجون كما تخرج الحبة في حميل السيل، ألا ترونها تكون إلى الحجر أو إلى الشجر ما يكون إلى الشمس أصيفر وأخيضر وما يكون منها إلى الظل يكون أبيض فقالوا يا رسول الله كأنك كنت ترعى بالبادية قال: فيخرجون كاللؤلؤ في رقابهم الخواتمن فيعرفهم أهل الجنة هؤلاء عتقاء الله الذين أدخلهم الله الجنة بغير بعمل عملوه ولا خير قدموه، فيقال لهم لكم ما رأيتم ومثله معه.","vol":"1","page":58},{"text":"أعلم أن الشفاعات خمس: أولها: الإِراحة من هول الموقف وتعجيل الحساب وهي مختصة بمحمد ﷺ.\nوالثانية: في إدخال قوم الجنة بغير حساب، وهي أيضًا وردت له ﷺ.\nوالثالثة: قوم استوجبوا النار فيشفع فيهم نبيا ومن شاء الله يشفع له.\nوالرابعة: في زيادة الدرجات في الجنة لأهلها.\nوالخامسة: فيمن دخل النار من المذنبين فيشفع فيهم نبيًا وغيره من الأنبياء والملائكة وإخوانهم المؤمنين، ثم يخرج الله كل من قال لا إله إلا الله من غير شفاعة شافع حتى لا يبقى فيها إلا الكافرون كما في حديث عن أنس: \" ثم أعود الرابعة فأحمده بتلك المحامد ثم أخرُّ له ساجدًا، فيقال يا محمد ارفع رأسك وقل تسمع وسل تعطه واشفع تشفع، فأقول يا رب ائذن لي فيمن قال لا إله إلا الله، قال ليس ذلك إليك لكن وعزتي وكبريائي وعظمتي وجبروتي، لأخرجن من قال لا إله إلا الله \" أي أتفضل بإخراجهم دون شفاعة شافع فهؤلاء هم الذين معهم مجرد الإيمان وهم الذين لم يؤذن في الشفاعة فيهم وإنما دلت الآثار أنه أذن لمن عنده شيء زائد على الإيمان من عمل صالح أو ذكر خفي، أو عمل من أعمال القلب، من شفقة على مسكين وخوف من الله ونية صادقة في عمل فاته، وجعل للشافعين من الملائكة والنبيين دليل عليه، وتفرد الله بعلم","vol":"1","page":59},{"text":"ما تكنه القلوب، والرحمة لمن ليس عنده سوى الإيمان، فقوله مثقال ذرة من إيمان ومن خير الصحيح أن معناه شيء زائد على مجرد الإيمان لأن مجرد الإيمان الذي هو تصديق لا يتجزأ، فعليك يا أخي بالإيمان، بأن تعتقد بقلبك دين الإسلام وتنطق مع ذلك بالشهادتين، فإن اقتصرت على أحدهما خلدت في نار جهنم التي وقودها الناس والحجارة، ولا تنفعك شفاعة شافع ثم عليك أن تحترز من المعاصي، فإن المعاصي بريد الكفر.\nفقد حكي أن تلميذًا للفضيل بن عياض حضرته الوفاة فدخل عليه الفضيل وجلس عند رأسه، وقرأ سورة يس. فقال يا أستاذ لا تقرأ هذه السورة فسكت ثم لقنه، فقال قل لا إله إلا الله، فقال لا أقولها لأني بريء منها ومات على ذلك فدخل الفضيل منزله وجعل يبكي أربعين يومًا لم يخرج من البيت ثم رآه في النوم وهو يسحب به إلى جهنم. فقال: بأي شيء نزع الله المعرفة عنك وكنت اعلم تلاميذتي؟ فقال بثلاثة أشياء: أولها: بالنميمة، فإني قلت لأصحابي بخلاف ما قلت لك.\nوثانيًا: بالحسد، حسدت أصحابي.\nوثالثًا: كان بي علة فجاء إلى طبيب فسألته عنها فقال: اشرب في كل سنة قدحًا من خمر فإن لم تفعل تبقى بك العلة فكنت أشربه نعوذ بالله من السخط الذي لا طاقة لنا به.\nقال بعضهم:\nإذا أبقيت الدنيا على المرء دينه ... فما فاته منها فليس بضائر\nاللهم ارحمنا ولا تعذبنا، ووفقنا ولا تخذلنا، ولا تسلب منا الإيمان عند خواتيمنا، فإنه لا ملجأ لنا إلا إليك، ولا معول لنا إلاعليك يا أرحم الراحمين.","vol":"1","page":60},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-15>عذاب الكافرين في جهنم</span>\nقال الله تعالى: (فَالَّذِينَ كَفَرُواْ قُطِعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُؤوسِهِمُ الْحَمِيمُ. يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ. وَلَهُم مَّقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ. كُلَّمَا أَرَادُاْ أَن يَخْرُجُواْ مِنْهَا مِنْ غَمٍ أُعِيدُواْ فِيهَا وَذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيقِ.).\n(تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ).\n(إِذ الأَغْلاَلُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلاَسِلُ يُسْحَبُونَ. فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ).\n(وَالَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لاَ يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُواْ وَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِى كُلَّ كَفُورٍ. وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَ لَمْ نُعَمِرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وجاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ).\n(إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّوِم طَعَامُ الأثِيِم كَالْمُهْلِ يَغْلىِ فيِ الْبُطُونِ كَغَلْيِ الْحَمِيمِ خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إلَى سَوَاءِ الْجَحِيِم ثُمَّ صُبُّواْ فَوْقَ رَأسِهِ مِنْ عَذَابِ الحَمِيِم ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الْكَرِيمُ).\n(وَأَصْحَابُ الشِمَالِ مَا أَصْحابُ الشِمَالِ. فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ. وَظِلٍّ مِن يَحْمُومٍ. لاَّ بَارِدٍ وَلاَ كَرِيمٍ. إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتَرَفِينَ. وَكَانُواْ يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنثِ الْعَظِيمِ. وَكَنُواْ يَقُولُونَ أَئِذا مِتْنَا وكُنَّا تُرَابًا وعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ. أَوَ آبَاؤُنَا الأَوَّلُونَ. قُلْ إِنَّ الأَوَلِينَ وَالآخِرينَ. لَمَجْمُوعُونَ","vol":"1","page":61},{"text":"إلى مِيقَاتِ يَومٍ مَعْلُومٍ. ثُّمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالْونَ الْمُكَذِّبُونَ. لآكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِن زَقُومٍ. فَمَالِؤنَ مِنْهَا البُطُونَ. فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الحَمِيمِ. فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ. هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ. نَحْنُ خَلَقْنكُمْ فَلَولا تُصَدِّقُونَ.) (خُذُوهُ فَغُلُّوهُ. ثُّمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ. ثُّمَّ في سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلِكُوهُ. إِنَّهُ كَانَ لاَ يُؤمِنُ بِالله الْعَظِيمِ. وَلاَ يَحَضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكينِ. فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ. وَلاَ طَعَامٌ إلاَّ مِنْ غِسْلِينٍ. لاَّ يَأكُلُهُ إِلاَّ الْخَاطِؤُنَ.).\n(هل أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ. وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ. عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ. تَصْلَى نَارًا حَامِيَةٌ. تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ. لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلاَّ مِن ضَرِيعٍ. لاَّ يُسْمِنُ وَلاَ يُغْنِى مِن جُوعٍ).\nوفي كتاب الترمذي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ لما خلق الله الجنة قال لجبريل اذهب فانظر إليها، فذهب فنظر إليها وإلى ما أعد الله لأهلها فيها، ثم جاء فقال أي رب وعزتك لا يسمع بها أحد إلا دخلها، ثم حفها بالمكاره، ثم قال يا جبريل اذهب فانظر إليها، فذهب فنظر إليها ثم جاء، فقال: أي رب وعزتك لقد خشيت أن لا يدخلها أحد.\nقال فلما خلق الله النار، قال يا جبريل اذهب فانظر إليها، فذهب فنظر إليها، فقال: أي رب وعزتك لا يسمع بها أحد فيدخلها، فحفها بالشهوات، ثم قال يا جبريل اذهب فانظر إليها، فذهب فنظر إليها، فقال: أي رب وعزتك لقد خشيت أن لا يبقى أحد إلا دخلها.\nوفي صحيح مسلم قال رسول الله ﷺ: \" ناركم هذه التي يوقدها ابن آدم جزء من سبعين جزءًا من نار جهنم \"، قالوا والله إن كانت لكافية يا رسول","vol":"1","page":62},{"text":"الله. قال: \" إنها فضلت عليها بتسعة وستين جزءًا كلها مثل حرها \".\nوذكر سفيان بن عيينة عن أبي هريرة. قال رسول الله ﷺ: \" ناركم هذه جزء من سبعين جزءًا من نار جهنم ولولا أنها ضربت بالماء مرتين ما كان لأحد فيها منفعة \".\nوفي كتاب الترمذي، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \" أوقد على النار ألف سنة حتى احمرت ثم أوقد عليها ألف سنة حتى ابيضت، ثم أوقد عليها ألف سنة حتى اسودت فهي سوداء مظلمة \".\nوفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: كنا مع رسول الله ﷺ إذ سمع وجبة فقال النبي ﷺ: \" أتدرون ما هذا؟ \" قال: قلنا الله ورسوله أعلم قال: \" هذا حجر رُميَ به في النار منذ سبعين خريفًا فهو يهوي في النار الآن حتى انتهى إلى قعرها فسمعتم وجبتها \".\nوفي كتاب الترمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله ﷺ: \" لو أن رضاضة مثل هذه وإشارة إلى مثل الجمجمة، أرسلت من السماء إلى الأرض، في مسيرة خمسمائة سنة لبلغت الأرض قبل الليل، ولو أنها أرسلت من رأس السلسلة لسارت أربعين خريفًا الليل والنهار قبل أن تبلغ أصلها أو قعرها \".\nوفي صحيح البخاري عن أنس عن النبي ﷺ قال: \" يقول الله: لأهون أهل النار عذابًا يوم القيامة، لو أن لك ما في الأرض من شيء، أكنت تفتدي به؟ فيقول نعم، فيقول: قد أردت منك أهون من هذا وأنت في صلب آدم أن لا تشرك بي شيئًا فأبيت إلا أن تشرك \".\nوفي صحيح مسلم عن النعمان بن بشير ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"","vol":"1","page":63},{"text":"إن أهون أهل النار عذابًا من له نعلان وشراكان من نار يغلي منهما دماغه كما يغلي المرجل ما يرى أن أحدًا أشد منه عذابًا وإنه لأهونهم عذابًا \".\nوفيه عن سمرة بن جندب أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: \" إن منهم من تأخذه النار إلى كعبيه ومنهم من تأخذه إلى حجزته ومنهم من تأخذه إلى عنقه \".\nوفي مسند البزار عن هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \" لو كان في المسجد مائة ألف أو يزيدون ثم تنفس رجل من أهل النار لأحرقهم \".\nوفي كتاب الترمذي عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: \" لو أن قطرة من الزقوم قطرت في الدنيا لأفسدت على أهل الدنيا معايشهم فكيف بمن يكون طعامه؟ \".\nوعن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ قال: \" لسرادق النار أربعة جدر، وكثف كل جدار مسيرة أربعين سنة \".\nقالصَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: \" لو أن دلوًا من غساق تهراق في الدنيا لأنتن أهل الدنيا \".\nقال العلماء: عرق أهل النار وصديدهم.\nوقيل دموعهم يسقونها مع الحميم.\nوقال ﷺ: \" ويل واد في جهنم يهوى الكافر فيه أربعين خريفًا قبل أن يبلغ قعره والصعود جبل من نار يصعد فيه سبعين خريفًا ويهوى كذلك أبدًا \".\nوقال ﷺ: \" لو أن مقمعًا من حديد وضع على الأرض فاجتمع الثقلان ما نقلوه من الأرض. وقال: لو ضرب بمقمع من حديد الجبل لتفتت وصار غبارًا \".\nوفي كتاب الترمذي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \" يخرج عنق من النار يوم القيامة له عينان تبصران وأذنان تسمعان ولسان ينطق يقول إني قد وكلت بثلاث، بكل جبار عنيد، وبكل من دعا مع الله إلهًا آخر، وبالمصورين \".\nوفي كتاب الترمذي عن أبي أمامة ﵁، عن النبي ﷺ في قوله: (","vol":"1","page":64},{"text":"وَيُسْقَى مِن مَّاءٍ صَدِيدٍ. يَتَجَرَّعُهُ وَلاَ يَكَادُ يُسِيغُهُ).\nقال يقرب إلى فيه فإذا أدنى منه شوى وجهه ووقعت فروة رأسه فإذا شربه قطع أمعاءه حتى يخرج من دبره.\nيقول الله تعالى: (وَسُقُواْ مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءهُمْ).\nويقول جل وعلا: (وَإِن يَسْتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِى الْوُجُوهَ).\nوفيه عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: \" إن الحميم ليصب على رؤوسهم فينفذ الحميم حتى يخلص إلى جوفه فيسلت ما في جوفه حتى يمرق من قدميه وهو الصهر، ثم يعاد كما كان \".\nوفيه عن أبي سعيد الخدري ﵁، عن النبي ﷺ قال: \" وهم فيها كالحون: قال تشويه النار فتتقلص شفته العليا حتى تبلغ وسط رأسه وتسترخي شفته السفلى حتى تضرب سرته \".\nوفي كتاب الترمذي قال: قال رسول الله ﷺ: \" إن غلظ جلد الكافر اثنان وأربعون ذراعًا، وإن ضرسه مثل أُحد، وإن مجلسه في جهنم كما بين مكة والمدينة \".\nوفي صحيح مسلم قال: ضرس الكافر أو ناب الكافر مثل أُحد وغلظ جلده مسيرة ثلاث.\nوقال: ما بين منكبي الكافر في النار مسيرة ثلاث للراكب المسرع.\nوروي عن ابن عمر ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ: \" إن الكافر ليسحب لسانه الفرسخ والفرسخين يتوطؤه الناس \".\nوفي كتاب الترمذي وغيره عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: \" أيها الناس ابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا فإن أهل النار يبكون في النار حتى تسيل دموعهم","vol":"1","page":65},{"text":"على وجوههم كأنها جداول حتى تنقطع الدموع فتسيل الدماء فتقرح العيون فلو أن سفنًا أجريت فيها لجرت \".\nوحكي عن شقيق البلخي أنه كان يومًا يعاتب نفسه ويوصيها ويقول: يا شقيق لا تعص الله إلا على حسب ما تطيق من عذابه واعمل لآخرتك على قدر حوائجك إليها، واطلب الرزق على قدر مقامك في الدنيا، واعمل لدار لا نفاذ لها فسوف ترى إذا انجلى الغبار أفرس تحتك أم حمار.\nوروي أن الربيع بن خثيم كان يذهب إلى ابن مسعود فمر بحانوت حداد فرأى الحديدة المحماة في الكير فغشي عليه، ولم يفق إلى الغد، فلما أفاق سئل عن ذلك؟ فقال: تذكرت كون أهل النار في النار.\nإخواني صححوا الإِيمان: وهو تصديق القلب، ولا يعتبر إلا مع التلفظ بالشهادتين حتى تنجوا من خلود نار جهنم واحرصوا كل الحرص على الإِتيان بكمال خصال الإِسلام حتى تنجوا من دخولها رأسًا.\nأيا عاملًا للنار جسمك لين ... فجربه لتمرينا بحرِّ الظهيرة\nودرجه في لسع الزنابير تجتري ... على نهش حيات هناك عظيمة\nفإن كنت لا تقوى فويلك ما الذي ... دعاك إلى إسخاط رب البرية\nتبارز بالنكرات عشية ... وتصبح في أثواب نسك وعفة\nفأنت عليه منك أجرى على الورى ... بما فيك من جهل وخبث طوية\nتقول مع العصيان ربي غافر ... صدقت ولكن غافر بالمشيئة\nوربك رزاق كما هو غافر ... فلم لم تصدق فيهما بالسوية\nفإنك ترجو العفو من غير توبة ... ولست ترجى الرزق إلا بحيلة\nعلى أنه بالرزق كفل نفسه ... لكل ولم يكفل لكل بجنة\nإلهي أجرنا من عظيم ذنوبنا ... ولا تخزنا وانظر إلينا برحمة","vol":"1","page":66},{"text":"وخذ بنواصينا إليك وهب لنا ... يقينًا يُقينا كل شك وريبة\nإلهي اهدنا فيمن هديت وخذ بنا ... إلى الحق نهجًا في سواء الطريقة\nوكن شغلنا عن كل شغل وهمنا ... وبغيتنا عن كل هم وبغية\nوصل صلاة لا تناهي على الذي ... جعلت به مسكًا ختام النبوة","vol":"1","page":67},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-16>الخلود في النار للكافرين</span>\nقال الله تعالى: (وَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ).\nوفي كتاب الترمذي عن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \" يلقى على أهل النار الجوع فيعدل ما هم فيه من العذاب فيستغيثون بالطعام فيغاثون بطعام من ضريع لا يسمن ولا يغني من جوع، فيستغيثون بالطعام فيغاثون بطعام ذي غصة فيذكرون أنهم كانوا يجيزون الغصص في الدنيا بالشراب، فيستغيثون بالشراب فيرفع إليهم الحميم بكلاليب الحديد فإذا دنت من وجوههم شوت وجوههم فإذا دخلت بطونهم قطعت ما في بطونهم فيقولون ادعوا خزنة جهنم، فيقولون أو لم تك تأتيكم رسلكم بالبينات، قالوا: بلى، قالوا: فادعوا وما دعاء الكافرين إلا في ظلال، قال: فيقولون ادعوا مالكًا فيقولون يا مالك ليقض علينا ربك، قال فيجيبهم إنكم ماكثون.\nقال الأعمش: ثبت أن بين دعائهم وإجابة مالك إياهم ألف عام، قال: فيقولون ادعوا ربكم، فلا أحد خير من ربكم فيقولون ربنا غلبت شقوتنا وكنا قومًا ضالين، ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون، قال فيجيبهم: (اخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ) قال: فعند ذلك يئسوا من كل خير وعند ذلك يأخذون في الزفير والحسرة والويل.\nوروى أن لهب النار يرفع أهل النار حتى يطيروا كما يطير الشرر فإذا رفعهم أشرفوا على الجنة وبينهم حجاب فنادى أصحاب الجنة أصحاب النار أن قد","vol":"1","page":68},{"text":"وجدنا ما وعدنا ربنا حقًا فهل وجدتم ما وعدكم ربكم حقًا؟ قالوا: نعم، فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله على الظالمين ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله قالوا: إن الله حرمها على الكافرين، فتردهم ملائكة العذاب بمقامع الحديد إلى قعر جهنم.\nقال: بعض المفسرين: هو معنى قول الله ﷿: (كُلَّمَا أَرَادُواْ أَن يَخْرُجُواْ مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُواْ عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ).\nوفي الكشاف وأنوار التنزيل عن ابن عباس ﵄: إن لهم ست دعوات إذا دخلوا النار، يقولون ألف سنة: (رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَلِحًا).\nفيجابون: (وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي).\nفيقولون ألفًا: (قَالُواْ رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ).\nفيجابون: (ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ الله وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ).\nفيقولون ألفًا: (يَمَلِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ).\nفيجابون: (إِنَّكُم مَّاكِثُونَ).\nفيقولون ألفًا: (رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُّجِبْ دَعْوَتَكَ).\nفيجابون: (أَوَ لَمْ تَكُونُواْ أَقْسَمْتُم مِّن قَبلُ مَالَكُم مِّن زَوَالٍ).","vol":"1","page":69},{"text":"فيقولون ألفًا: (رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَلِحًا).\nفيجابون: (أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ).\nفيقولون ألفًا: (رَبِّ ارْجِعُونِ. لَعَلِّى أَعْمَلُ صَالِحًَا فِيمَا تَرَكْتُ كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا).\nفيجابون: (اخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ).\nثم لا يكون لهم فيها إلا زفير وشهيق وعواء.\nوفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: \" إذا صار أهل الجنة إلى الجنة وصار أهل النار إلى النار أتى بالموت حتى يجعل بين الجنة والنار ثم يذبح ثم ينادي منادٍ يا أهل الجنة لا موت ويا أهل النار لا موت فيزداد أهل الجنة فرحًا إلى فرحهم ويزداد أهل النار حزنًا إلى حزنهم \".\nوفي كتاب الترمذي: فلو أن أحدًا مات فرحًا لمات أهل الجنة، ولو أن أحدًا مات حزنًا لمات أهل النار.\nفاتق الله يا أخي ولا تصغر ذنبًا ولا تلق مثل هذا خلف ظهرك ظنًا منك أنه إِنما يلحق الكفار.\nفقد روي البخاري في صحيحه أن النبي ﷺ قال: \" يا بلال قم فأذن لا يدخل الجنة إلا مؤمن \".\nوإنه قال ﷺ: \" إن العبد ليعمل عمل أهل النار وإنه من أهل الجنة ويعمل عمل أهل الجنة وإنه من أهل النار وإنما الأعمال بالخواتيم \".","vol":"1","page":70},{"text":"وقال الغزالي ﵀ وكان شيخنا يقول: إذا بحال الكفار وخلودهم في النار فلا تأمن على نفسك فإن الأمر على الخطر ولا تدري ماذا يكون من العاقبة وماذا سبق لك في حكم الغيب ولا تغتر بصفاء الأوقات فإن تحتها غوامض الآفات.\nوعن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ).\nهي الموت غير الشهادة.\nنصف دينار من خير فأخرجوه فيخرجون خلقًا كثيرًا ثم يقولون ربنا لم نذر فيها ممن أمرتنا أحدًا، ثم يقول: ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة قال أبو حفص الحداد: بريد الكفر كما أن الحمَّى بريد الموت.\nوقال حاتم الأصم: لا تغتر بموضع صالح فلا مكان أصلح من الجنة، فلقي آدم فيها ما لقي، ولا تغتر بكثرة العبادة فإن إبليس بعد طول تعبده لقي ما لقي، ولا تغتر بكثرة العلم فإن بلعام كان يحسن اسم الله الأعظم، فانظر ماذا لقي، ولا تغتر برؤية الصالحين فلا شخص أكبر من المصطفى فلم ينتفع بلقائه أقاربه وأعداؤه.\nوعن أبي بكر الوراق ﵀، أنه قال: أكثر ما ينزع الإِيمان من العبد عند الموت، فنظرنا في الذنوب فلم نجد أنزع للإِيمان من ظلم العباد.\nأقنع فديتك بالقليل ... والزم مقارنة الخمول\nواملك هواك مجاهدًا ... وتنح عن قال وقيل","vol":"1","page":71},{"text":"فلسوف تسأل يوم يح ... شرك المليك عن الفتيل\nوالمرء في شغل بذا ... ك عن المصاحب والخليل\nلابد تجزى ما صنع ... ت من الدقيق وبالجليل\nتنح ما استطعت على ذنوبك بالغدو وبالأصيل إن كنت ترغب في الجنان، وظل مولاك الظليل.\nقال في إكمال المعلم: اعلم أن الإِجماع قد وقع على أن الكفار لا تنفعهم أعمالهم ولا يثابون عليها بتخفيف عذاب، ولا بنعيم لكنهم بإضافة بعضهم إلى الكفر كبائر المعاصي وأعمال الشر وأذى المؤمنين يزدادون عذابًا.\nكما قال الله تعالى: (مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ. قَالُواْ لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ. وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ. وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ آلْخَائِضِينَ. وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ. حَتَّى أَتَنَا الْيَقِينُ. فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَعَةُ الشَّافِعِينَ) فليس إذن عذاب أبي طالب كعذاب أبي جهل.\nوذكر عن الحسن أن آخر من يخرج من النار يقال له هناد عذب ألف عام ينادي: يا حنان، يا منان، فبكى الحسن وقال: يا ليتني كنت هنادًا، فتعجبوا منه، فقال: ويحكم أليس يومًا يخرج ولاشك أنه ﵀ كان عالمًا بأحكام الآخرة.\nوقال يحيى بن معاذ: لا تدري أي المصيبتين أعظم، أفوت الجنان، أم","vol":"1","page":72},{"text":"دخول النيران، أما الجنة فلا صبر عنها وأما النار فلا صبر عليها وعلى كل حال، فوت النعيم أيسر من مقاساة الجحيم، ثم الطامة الكبرى، والمصيبة العظمى هي في الخلود إذ أي قلب يحتمله وأي نفس تصبر عليه.","vol":"1","page":73},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-17>الجنة وما لأهلها من النعيم</span>\nقال الله تعالى: (وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُواْ هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَبِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَلِدُونَ).\nوالسابقون أي إلى الهجرة أو الخير.\n(وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُون. أُوْلئِكَ الْمُقَرَّبُونَ. فِي جَنَّتِ النَّعِيِم. ثُلَّةٌ مِّنَ الأَوَّلِينَ. وَقَلِيلٌ مِّنَ الآخِرِينَ. عَلَى سُرُرٍ مَّوْضُونَةٍ).\nأي منسوجة بالذهب مشبكة بالجواهر (مُّتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَبِلِينَ) وجوه بعضهم إلى بعض ليس أحد وراء أحد.\n(يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَنٌ مُّخَلَّدُونَ) ولا يشيبون ولا يتغيرون.\n(بِأَكْوَابٍ) جمع كوب إناء لا عروة ولا خرطوم له.\n(وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ. لاَّ يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلاَ يُنزِفُونَ) أي لا ينشأ عنها صداعهم ولا ذهاب عقلهم.\n(وَفَاكِهَةٍ مِّمَّا يَتَخَيَّرُونَ. وَلَحْمِ طَيْرٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ. وَحُورٌ عِينٌ. كَأَمْثَلِ الُّلؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ) أي المصون عما يضر به.\n(جَزَاءَ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ. لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا) عبثًا باطلًا.\n(وَلاَ تَأْثِيمًا) أي ما يوقع في الإِثم.\n(إِلاَّ قِيلا سَلاَمًا سَلاَمًا) أي إلا التسليم منهم بعضهم على بعض.","vol":"1","page":74},{"text":"(وَأَصْحَابُ الْيِمَينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ) وهم الأبرار دون المقربين.\n(فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ) أي لا شوك له أو مثنى الغصن من كثرة الحمل.\n(وَطَلْحٍ) موز.\n(مَّنضُودٍ) متراكم قد نضد بالحمل من أسفله إلى أعلاه.\n(وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ) أي منبسط أو دائم.\nوفي الحديث: \" إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام ما يقطعها (وَمَاءٍ مَّسْكُوبٍ) أي مصبوب يجري على وجه الأرض من غير أخدود.\n(وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ. لاَّ مَقْطُوعَةٍ) في زمان (وَلاَ مَمنْوُعَةٍ) من أحد (وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ) كما بين السماء والأرض (وُجُوهٌ يَوَمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ) ذات بهجة (لّسَعْيِها) في الدنيا (رَاضِيَةٌ) في الآخرة لما رأت من ثوابها (في جَنَّةٍ عَالِيَة) المحل أو القدر (لاَّ تَسْمَعُ فِيهَا لَغِيَةً) لغوًا (فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ. فِيَها سُرُرٌ مَّرْفُعَةٌ) رفيعة السمك إذا أراد أن يجلس عليها صاحبها تواضعت له ثم ترتفع (وَأَكْوَابٌ مَّوْضُوعَةٌ) بين أيديهم (وَنَمَارِقُ) وسائد (مَصْفُوفَةٌ) بعضها بجنب بعض (وَزَرَابِىُّ) بسط فاخرة. (مَبْثُوثَةٌ) مبسوطة.","vol":"1","page":75},{"text":"وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \" قال الله تعالى: (أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر).\nاقرءوا إن شئتم: (فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ).\nقال أهل اللغة قرة أعين يعبر بها عن المسرة، ورؤية ما يحب الإِنسان ويوافقه.\nوفي صحيح البخاري عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ: \" إن في الجنة لشجرة يسير الراكب في ظلها مائة سنة \" اقرءوا إن شئتم (وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ) ولقاب قوس أحدكم في الجنة خير مما طلعت عليه الشمس أو تغرب \".\nوفي كتاب الترمذي: ما في الجنة شجرة إلا وساقها من ذهب.\nوفي كتاب الترمذي عن أبي هريرة قال: قلت يا رسول الله مم خلق الخلق؟ قال: \" من الماء \". قلنا الجنة ما بناؤها؟ قال: \" لبنة من ذهب، ولبنة من فضة، وملاطها المسك الأذفر، وحصباؤها اللؤلؤ والياقوت، وترابها الزعفران، من يدخلها ينعم ولا ييأس، ويخلد ولا يموت ولا يفنى شبابهم، ولا تبلى ثيابهم \".\nوفي صحيح مسلم: قال رسول الله ﷺ: \" إن أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر، والتي تليها على أضواء كوكب دري في السماء،","vol":"1","page":76},{"text":"لكل امرئ منهم زوجتان اثنتان يرى مخ سوقهما من وراء اللحم، وما في الجنة أعزب \".\nوفيه أيضًا: \" ... لا يبولون، ولا يتغوطون، ولا يمتخطون، ولا يتفلون أمشاطهم الذهب، ورشحهم المسك، ومجامرهم الألوة، وأزواجهم الحور العين، أخلاقهم على خلق رجل واحد، على صورة أبيهم آدم، ستون ذراعًا في السماء \".\nوفيه أيضًا: \" ... لا اختلاف بينهم ولا تباغض، قلوبهم قلب واحد، يسبحون الله بكرة وعشية \".\nوفيه قال: يأكل أهل الجنة فيها ويشربون، ولا يتفلون، ولا يبولون ولا يتغوطون، ولا يمتخطون، قالوا: فما بال الطعام؟ قال: جشاء ورشح كرشح المسك يلهمون التسبيح والتحميد كما تلهمون النفس.\nوفي الصحيحين قال: \" إن أهل الجنة يتراؤون أهل الغرف من فوقهم كما يتراؤون الكوكب الدري الغابر في الأفق من المشرق والمغرب لتفاضل ما بينهم \" قالوا: يا رسول الله تلك منزل الأنبياء لا يبلغها غيرهم، قال: \" بلى والذي نفسي بيده رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين \".\nوفي مسند البراز عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: \" إنك لتنظر إلى الطير في الجنة فتشتهيه فيجيء مشويًا بين يديك \".\nوفي كتاب الترمذي عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \" إن في الجنة لغرفًا يرى ظهورها من بطونها، وبطونها من ظهورها \" فقام إليه أعرابي فقال: لمن هي يا رسول الله فقال: \" هي لمن أطاب الكلام وأطعم الطعام وأدام الصيام، وصلى بالليل والناس نيام \".","vol":"1","page":77},{"text":"وفي كتاب الترمذي عن سعد بن أبي وقاص عن النبي ﷺ قال: \" لو أن ما يقل ظفر مما في الجنة بدا لتزخرف له ما بين خوافق السموات والأرض، ولو أن رجلًا من أهل الجنة اطلع فبدا أساوره لطمس ضوؤه ضوء الشمس كما تطمس الشمس ضوء النجوم \".\nوفي كتاب الترمذي عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \" إن في الجنة لسوقًا متجمعًا ما فيها شراء ولا بيع إلا صور من الرجال والنساء فإذا اشتهى الرجل صورة دخل فيها \".\nوفي كتاب الترمذي عن سليمان بن بريدة عن أبيه أن رجلًا قال يا رسول الله هل في الجنة من خيل؟ قال: \" إن الله أدخلك الجنة فلا تشاء أن تحمل فيها على فرس من ياقوتة حمراء تطير بك في الجنة، حيث شئت إلا حملت \" وسأله رجل فقال: يا رسول الله هل في الجنة من إبل فقال: \" إن يدخلك الله الجنة يكن لك فيها ما اشتهت نفسك ولذت عينك \".\nوفي كتاب الترمذي قال ﷺ: \" من مات من أهل الجنة من صغير أو كبير يردون بني ثلاث وثلاثين في الجنة لا يزيدون عليها أبدًا، وكذلك أهل النار \" وقال: \" إن عليهم التيجان أدنى لؤلؤة منها لتضيء ما بين المشرق والمغرب \".\nوفي كتاب الترمذي قال: \" إن في الجنة مائة درجة ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض والفردوس أعلاها درجة، منها تفجر أنهار الجنة الأربعة ومن فوقها يكون العرش، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس \".\nوحكي أن أصحاب الثوري كلموه فيما كانوا يرون من خوفه واجتهاده ورثة حاله، فقالوا: يا أستاذ لو نقصت من هذا الجهد نلت مرادك أيضًا إن شاء الله تعالى، فقال سفيان كيف لا أجتهد وقد بلغني أن أهل الجنة يكونون في منازلهم فيتجلى لهم نور يضيء له الجنان الثمان فيظنون أن ذلك نور من عند","vol":"1","page":78},{"text":"الرب ﷾ فيخرون ساجدين فينادون أن ارفعوا رؤوسكم ليس الذي تظنون إنما هو نور جارية تبسمت في وجه صاحبها ثم أنشد يقول:\nما ضر من كان الفردوس مسكنه ... ماذا تحمل من بؤس وإقتار\nتراه يمشي كئيبًا خائفًا وجلا ... إلى المساجد يمشي بين أطمار\nيا نفس مالك من صبر على النار ... قد حان أن تقبلي من بعد إدبار\nوقيل لوهب بن منبه: أليس لا إله إلا الله مفتاح الجنة؟ قال بلى ولكن ليس مفتاح إلا له أسنان فإن جئت بمفتاح له أسنان فتح لك وإلا لم يفتح لك، ذكره البخاري في صحيحه.\nوروي أن الله ﷿ أوحى إلى موسى: (ما أقل حياء من يطمع في جنتي بغير عمل، كيف أجود برحمتي على من بيخل بطاعتي ....).\nوعن شهر بن حوشب: طلب الجنة بلا عمل ذنب من الذنوب وانتظار الشفاعة بلا سبب نوع من الغرور، وارتجاء الرحمة ممن لا يطاع حمق وخذلان. وعن رابعة البصرية أنها كانت تنشد:\nترجو النجاة ولم تسلك مسالكها ... إن السفينة لا تجري على اليبس\nوقال الشيخ اليافعي رحمة الله عليه:\nفيا عجبًا ندري بنار وجنة ... وليس لذي نشتاق أو تلك نحذر\nإذا لم يكن خوف وشوق ولا حيا ... فماذا بقي فينا من الخير يذكر\nولسنا لحر صابرين ولا بلى ... فكيف على النيران يا قوم نصبر\nوفوت جنان الخلد أعظم حسرة ... على تلك فليتحسر المتحسر","vol":"1","page":79},{"text":"فأف لنا أف كلاب مزابل ... إلى نتنها نغدو ولا نتدبر\nنبيع خطيرًا بالحقير عماية ... وليس لنا عقل وقلب منور\nفطوبى لمن يؤتى القناعة والتقى ... وأوقاته في طاعة الله يعمر\nاللهم اجعلنا من المتقين الوارثين للجنة ولا تحرمنا من رفدك ورحمتك يا عظيم المنة.","vol":"1","page":80},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-18>صفة الحور العين</span>\nقال الله تعالى: (وَحُورٌ عِينٌ. كَأمْثَالِ الُّلؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ جَزَاءَ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ).\nوقال تعالى: (كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ).\nوقال: (إِنَّا أَنشَأْنَهُنَّ إِنشَاءً. فَجَعَلْنَهُنَّ أَبْكَارًا. عُرُبًا أَتْرَابًا. لأَصْحَبِ الْيَمِينِ).\nوفي صحيح مسلم: قال رسول الله ﷺ: \" إن للمؤمن في الجنة لخيمة من لؤلؤة واحدة مجوفة طولها ستون ميلًا في كل زاوية منها للمؤمن أهل لا يراهم الآخرون يطوف عليهم المؤمن، وجنتان من فضة آنيتهما وما فيهما، وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما، وما بين القوم، وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن: أي صفة الكبرياء والعظمة فهو بكبريائه وعظمته لا يريد أن يراه أحد من خلقه حتى يأذن لهم في دخول جنة عدن فيرونه فيها \".\nوفي صحيح مسلم قال: \" إن في الجنة لسوقًا يأتونها كل جمعة فتهب ريح الشمال فتحثو في وجوههم وثيابهم فيزدادون حسنًا وجمالًا، فيرجعون إلى أهليهم وقد ازدادوا حسنًا وجمالًا، فيقول لهم أهلوهم، والله لقد ازددتم حسنًا وجمالًا \".","vol":"1","page":81},{"text":"وفي كتاب الترمذي قال: \" إن أول زمرة يدخلون الجنة يوم القيامة ضوء وجوههم على مثل ضوء القمر ليلة البدر، والزمرة الثانية على مثل أحسن كوكب دري في السماء لكل رجل منهم زوجتان على كل زوجة سبعون حلة يرى مخ ساقها من ورائها \".\nوفي كتاب النسائي عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: \" يعطى المؤمن في الجنة قوة كذا وكذا من الجماع \" قيل يا رسول الله أو يطيق ذلك قال: \" يعطى قوة مائة \".\nوفي كتاب الترمذي عن علي قال: قال رسول الله ﷺ: \" إن في الجنة لمجتمعًا للحور العين بأصوات لم يسمع الخلائق مثلها يقلن: نحن الخالدات فلا نبيد، ونحن الناعمات فلا نبؤس، ونحن الراضيات فلا نسخط، فطوبى لمن كان لنا وكنا له \".\nوفي كتاب الترمذي: قال رسول الله ﷺ: \" لغدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها ولقاب قوس أحدكم أو موضع يده في الجنة خير من الدنيا وما فيها ولو ان من نساء أهل الجنة اطلعت إلى أهل الأرض لأضاءت ما بينهما ولملأت ما بينهما ريحًا ولنصيفها على رأسها خير من الدنيا وما فيها \".\nقال في الصحاح النصيف: الخمار.\nوفي كتاب الترمذي قال: رسول الله ﷺ \" أدنى أهل الجنة الذي له ثمانون ألف خادم واثنتان وسبعون زوجة وتنصب له قبة من لؤلؤ وزبرجد وياقوت، كما بين الجابية إلى صنعاء \".\nوفي مسند البزار عن أبي هريرة ﵁ قال: قيل يارسول الله انفضي إلى نسائنا في الجنة؟ فقال \" أي والذي نفسي بيده إن الرجل ليفضي في اليوم الواحد إلى مائة عذراء \".\nوعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: \" أهل الجنة إذا جامعوا نساءهم عادوا أبكارًا \".\nوفي صحيح مسلم عن المغيرة بن شعبة، عن النبي ﷺ قال: \" سأل موسى","vol":"1","page":82},{"text":"﵇ ربه ما أدنى أهل الجنة منزلة؟ قال: هو رجل يجئ بعد ما أدخل أهل الجنة الجنة، فيقال له ادخل الجنة، فيقول: أي رب وكيف وقد نزل الناس منازلهم، وأخذوا أخذاتهم، فيقال له أترضى أن يكون لك مثل ملك من ملوك الدنيا فيقول رضيت رب، فيقول هذا لك وعشرة أمثاله، ولك ما اشتهت نفسك ولذت عينك، فيقول رضيت رب، قال: رب فأعلاهم منزلة، قال: أولئك الذين غرست كرامتهم بيدي وختمت عليها فلم تر عين، ولم تسمع أذن، ولم يخطر على قلب بشر \".\nقال ومصداقه من كتاب الله تعالى: (فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ).\nوفي صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \" إن الله تعالى يقول لأهل الجنة يا أهل الجنة، فيقولون: لبيك ربنا وسعديك والخير في يديك فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى يا رب وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدًا من خلقك فيقول ألا أعطيكم أفضل من ذلك، فيقولون ياربنا وأي شيء أفضل من ذلك؟ فيقول: أحل لكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدًا \".\nإخواني: اتركوا الدنيا واكدحوا للآخرة وارفضوا حب نساء الدنيا واشتروا الحور الفاخرة فإنها تدرك بأيسر الأثمان وتكون معكم مخلدة في الجنان.\nوروي عن مالك بن دينار ﵁ أنه كان يومًا ماشيًا في أزقة البصرة، فإذا هو بجارية من جواري الملوك راكبة ومعها الخدم، فلما رآها مالك نادى أيتها الجارية: أيبيعك مولاك؟ فقالت: كيف قلت يا شيخ؟ قال: أيبيعك مولاك؟ قالت: ولو باعني أكان مثلك يشتريني قال: نعم وخيرًا منك، فضحكت وأمرت به أن يحمل إلى دارها، فحمل فدخلت إلى مولاها فأخبرته فضحك وأمر أن يدخل به إليه، فأدخل، فألقيت له الهيبة في قلب السيد،","vol":"1","page":83},{"text":"قال: ما حاجتك، فقال بعني جاريتك، قال: أو تطيق أداء ثمنها؟ قال ثمنها عندي نواتان مسوستان فضحكوا، قال وكيف كان ثمنها عندك هذا؟ قال: لكثرة عيوبها، قال: وما عيوبها. قال: إن لم تتعطر دفرت، وإن لم تستك بخرت، وإن لم تتمشط وتدهن قملت وشعنت، وإن تعمرت عن قليل هرمت، ذات حيض وغائط وبول وأقذار وحزن وغم وأكدار، ولعلها أن لا تودك إلا لنفسها، ولا تحبك إلا لتنعمها، لا تفي بعهدك، ولا تصدق في ودك، ولا يخلف عليها أحد بعدك إلا رأته مثلك، وأنا آخذ بون ما سألت في جاريتك من الثمن جارية خلقت من سلالة الكافور ومن المسك والجوهر والنور لو مزج ريقها أجاج البحر لطاب، ولو دعي بكلامها ميت لأجاب، ولو بدا معصمها للشمس لأظلمت دونه وكسفت، ولو بدا في الظلماء لأنارت به وأشرقت، ولو واجهت الآفاق بحليها وحللها لتعطرت به وتزخرفت، نشأت من بين رياض المسك والزعفران وقضبان الياقوت والمرجان، وقصرت في خيام النعيم وغذيت بماء التسنيم، لا تخلف عهدها، ولا تبدل ودها فأيهما أحق برفع الثمن؟ قال التي وصفت، قال فإنها الموجودة الثمن القريبة الخطب من كل زمن قال فما ثمنها رحمك الله؟ قال أيسر المبذول لنيل الخير المأمول أن تتفرغ ساعة في ليلك فتصلي ركعتين تخلصهما لربك وأن يوضع طعامك فتذكر جائعًا فتؤثره لله تعالى على شهوتك وأن ترفع حجرًا أو قذرًا وأن تقطع أيامك بالبلغة والقلة وترفع همك عن دار الغرور والغفلة فتعيش الدنيا بعز القناعة وتأتي إلى موقف الكرامة آمنًا غدًا وتنزل الجنة دار النعيم في جوار المولى الكريم مخلدًا.\nفقال يا جارية أسمعت ما قال شيخنا هذا؟ قالت نعم قال أفصدق أم كذب قالت بل صدق وبر ونصح قال فأنت إذًا حرة لله تعالى، وضيعة كذا وكذا","vol":"1","page":84},{"text":"صدقة عليك، وأنتم أيها الخدم أحرار وضيعة كذا وكذا لكم، وهذه الدار بما فيها صدقة مع جميع مالي في سبيل الله، ثم مد يده إلى ستر خشن كان على بعض أبوابها فاجتذبه وخلع جميع ما كان عليه واستتر به فقالت الجارية لا عيش بعدك يا مولاي فرمت بكسوتها ولبست ثوبًا خشنًا وخرجت معه فودعهما مالك بن دينار ودعا لهما وأخذ طريقًا وأخذا طريقًا غيره فتعبدا جميعًا حتى جاء الموت فنقلهما على حال العبادة.\nرحمهما الله ورضي الله عنهما ونفعنا بهما وبسائر الصالحين، اللهم يسر علينا متابعتهم وأوصل إلينا فتوحاتهم وأدم لنا بركاتهم وألحقنا بهم وأحشرنا في زمرتهم وأدنا هداهم وأسلكنا طريقهم آمين.","vol":"1","page":85},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-19>رؤية الله ﵎ في الجنة</span>\nقال الله تعالى: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ. إلَى رَبِّها نَاضِرةٌ. وَوُجُوهٌ يَوْمَئذٍ بَاسِرَةٌ. تَظُنُّ أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ).\nوفي صحيح مسلم عن صهيب عن النبي ﷺ قال: \" إذا دخل أهل الجنة الجنة يقول الله ﵎ أتريدون شيئًا أزيدكم؟ فيقولون ألم تبيض وجوهنا، ألم تدخلنا الجنة وتنجينا من النار، قال فيرفع الحجاب فينظرون إلى وجه الله تعالى فما أعطوا شيئًا أحب إليهم من النظر إلى ربهم ثم تلا (لِلَّذينَ أحْسَنُوا الحُسْنى وَزِيَادَةٌ)\nقال العلماء الحسنى الجنة والزيادة هي النظر إلى وجه الله تعالى الكريم اللهم ارزقنا ذلك بفضلك.\nوروى الإمام أحمد والترمذي عن ابن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ \" إن أدنى أهل الجنة منزلة لمن ينظر إلى جنانه وزوجاته ونعيمه وخدمه وسرره مسيرة ألف سنة، وأكرمهم على الله من ينظر الى وجهه تعالى غدوة وعشية ثم قرأ: (وُجُوهٌ يَوْمِئّذٍ نَاضِرَةٌ. إلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ).\nوفي الصحيحين عن جرير بن عبد الله قال: \" نظر رسول الله إلى القمر ليلة البدر قال إنكم سترون ربكم عيانًا كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته فإن استطعتم أن لا تغلبوا عن صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوه ثم قرأ: (وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا).\nوفي كتاب الترمذي عن","vol":"1","page":86},{"text":"سعيد بن المسيب أنه لقي أبا هريرة فقال اسأل الله أن يجمع بيني وبينك في سوق الجنة فقال سعيد أفيها سوق؟ قال نعم أخبرني رسول الله ﷺ \" أن أهل الجنة إذا دخلوها نزلوا فيها بفضل أعمالهم ثم يؤذن لهم في مقدار يوم الجمعة من أيام الدنيا فيزورون ربهم لهم عرشه ويتبدى لهم في روضة من رياض الجنة فتوضع لهم منابر من نور ومنابر من لؤلؤ ومنابر من ياقوت ومنابر من زبرجد ومنابر من ذهب ومنابر من فضة ويجلس أدناهم وما فيهم دنئ على كثبان المسك والكافور ما يرون أن أصحاب الكراسي بأفضل منهم مجلسًا \".\nقال أبو هريرة: قلت يا رسول الله وهل نرى ربنا قال \" نعم هل تتمارون في رؤية الشمس والقمر ليلة البدر؟ \" قلنا لا، قال \" كذلك لا تتمارون في رؤية ربكم ولا يبقى في ذلك المجلس إلا حاضرة الله محاضرة حتى يقول للرجل منهم يا فلان ابن فلان أتذكر يوم قلت كذا وكذا فيذكره ببعض غدراته في الدنيا فيقول أفلم تغفر لي فيقول فبسعة مغفرتي بلغت منزلتك هذه فبينما هم على ذلك غشيتهم سحابة من فوقهم فأمطرت عليهم طيبًا لم يجدوا مثل ريحه شيئًا قط ويقول ربنا قوموا إلى ما أعددت لكم من الكرامة فخذوا ما اشتهيتم فيأتون سوقًا قد حفت بهم الملائكة فيها ما لم تنظر العيون إلى مثله ولم تسمع الآذان ولم يخطر على القلوب فيجمع لنا ما اشتهينا ليس يباع فيها ولا يشتري وفي ذلك السوق يلقى أهل الجنة بعضهم بعضًا \".\nقال \" فيقبل الرجل ذو المنزلة المرتفعة فيلقى من دونه وما فيهم دنئ فيروعه ما يرى من اللباس فما ينقضي آخر حديثه حتى يتخيل عليه ما هو أحسن منه، وذلك أنه لا ينبغي لأحد أن يحزن فيها ثم ننصرف إلى منازلنا فتتلقانا أزواجنا فيقلن مرحبًا وأهلًا لقد جئت وإن بك من الجمال أفضل مما فارقنا فنقول إنا جالسًا اليوم ربنا الجبار ويحق لنا أن ننقلب بمثل ما انقلبنا.\nقال بعض السادات رأيت غلامًا في البرية وهو قائم يتعبد وليس معه أحد قد انقطع عن العمارة والناس فسلمت عليه وقلت له يا فتى أنت بلا معين","vol":"1","page":87},{"text":"ولا رفيق، فقال بلى وعزته معي المعين والرفيق، فقلت فأين المعين والرفيق؟ فقال هو فوقي بقدرته ومعي بعلمه وحكمته وبين يدي بهدايته وعن يميني بنعمته وعن شمالي بعصمته، قال فلما سمعت منه هذا الكلام قلت له هل لك في المرافقة فقال هيهات مرافقتك تشغلني عن خدمته وما أحب أن يكون هذا لي ولي ملك الدنيا من شرقها إلى غربها فقلت له أما تستوحش في هذا المكان فقال لي يا هذا من كان المولى حبيبه وأنيسه كيف يستوحش، فقلت من أين تأكل؟ فقال يا هذا الذي غذائي برفقه في ظلمة الأحشاء صغيرًا تكفل بي كبيرًا ولي عنده رزق معلوم وله وقت محتوم فسألته الدعاء فقال لي حجب الله طرفك عن معصيته وملأ قلبك بخشيته ولا جعلك ممن يشتغل بغيره عن خدمته ثم ذهب ليقول فتعلقت به وقلت له يا أخي متى ألقاك فتبسم وقال أما بعد يومك هذا فلا تحدث به نفسك في الدنيا ويوم القيامة يوم يجتمع فيه الناس فإن كنت ممن تلقاني فاطلبني في جملة الناظرين إلى الله فقلت له: ومن أين عرفت ذلك؟ فقال به وعدني ربي، ذلك أني غضضت طرفي عن النظر إلى المحرمات ومنعت نفسي من تناول الشهوات وخلوت بخدمته في الليالي المظلمات، ثم غاب عني فما رأيته.\nاللهم اجعلنا ممن اتصفت بهذه الصفات الثلاث فنظفر بلقائك يوم الدين ومن الذين يقول لهم خزنة الجنة إذا جاؤوها: (سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ).\nوصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.\nتم بحمد الله وتوفيقه.","vol":"1","page":88}]}