{"ً":{"ٌ":485,"ٍ":"إرشاد العامه إلى معرفة الكذب وأحكامه - ضمن «آثار المعلمي»","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"files":["https://archive.org/download/moalemee/19_137199s.pdf"]},"ّ":"الكتاب: إرشاد العامه إلى معرفة الكذب وأحكامه\n[آثار عبد الرحمن بن يحيى المعلمي اليماني (١٩)]\nالمؤلف: عبد الرحمن بن يحيى المُعَلِّمي اليماني (١٣١٣ - ١٣٨٦ هـ)\nالمحقق: محمد عزير شمس\nراجعه: محمد أجمل الإصلاحي - عبد الرحمن بن حسن بن قائد\nالناشر: دار عالم الفوائد للنشر والتوزيع\nالطبعة: الأولى، ١٤٣٤ هـ\nقدمه للشاملة: مؤسسة «عطاءات العلم»، جزاهم الله خيرا\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":178,"ٕ":11,"ٖ":1780758645,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["19"],"ٚ":[{"title":"مقدمة المؤلف","level":1,"page":2},{"title":"الخبر","level":1,"page":3},{"title":"الصدق والكذب","level":1,"page":4},{"title":"الخبر المحتمل لمعنيين أو أكثر","level":1,"page":5},{"title":"إرادة المخبر وإضماره","level":1,"page":6},{"title":"القرينة","level":1,"page":14},{"title":"المطلب الثاني: في محط المطابقة","level":1,"page":16},{"title":"المطلب الثالث: في المجاز","level":1,"page":18},{"title":"أقسام الكلمة المستعملة فيما لم توضع له في اصطلاح به التخاطب","level":2,"page":22},{"title":"الفرق بين المجاز والكذب","level":2,"page":29},{"title":"القطعة الثانية من الكتاب","level":3,"page":32},{"title":"افتقار الإنسان إلى الكلام في جميع ما يحتاج إلىه من العلم","level":3,"page":32},{"title":"المطلب الأول في تعريف الصدق والكذب","level":4,"page":33},{"title":"المطلب الثاني فيمن يلحقه معرة الكذب","level":4,"page":34},{"title":"المطلب الثالث في إرادة المتكلم","level":4,"page":34},{"title":"المطلب الرابع في القرينة","level":4,"page":39},{"title":"تنزيه النصوص عن أن يكون المراد منها ما يخالف الظاهر مع عدم نصب قرينة تدل على ذلك","level":5,"page":40},{"title":"معنى الإضلال بالقرآن","level":5,"page":41},{"title":"القطعة الثالثة من الكتاب: رد شبهة المشركين في قوله تعالى: ﴿إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم﴾","level":5,"page":44},{"title":"خطأ الخوارج وبعض المفسرين في معنى عبادة الشيطان","level":5,"page":44},{"title":"الشواهد على أن المشركين كانوا يفهمون معنى «العبادة»","level":5,"page":45},{"title":"الوجه الثاني لدفع شبهة المشركين في قوله تعالى: ﴿إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم﴾","level":5,"page":50},{"title":"الضرب الثاني من المجمل: التورية","level":5,"page":54},{"title":"ما يأتي الخلل في فهمه من تقصير المخاطب","level":4,"page":58},{"title":"المثال الأول: ﴿وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود﴾","level":5,"page":58},{"title":"المثال الثاني: قوله - ﷺ -: «أسرعكن لحاقا بي أطولكن يدا»","level":5,"page":62},{"title":"المثال الثالث: ما يروى من مزاحه - ﷺ -","level":5,"page":65},{"title":"في المعاريض وكلمات إبراهيم","level":4,"page":69},{"title":"المطلب العاشر: ما رخص فيه مما يقول الناس: إنه كذب","level":4,"page":80},{"title":"معنى حديث «ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس. . .»","level":5,"page":85},{"title":"توجيه قول الزهري: «ولم أسمع يرخص في شيء مما يقول الناس: إنه كذب، إلا في ثلاث. .»","level":5,"page":89},{"title":"توجيه إذن النبي - ﷺ - لمحمد بن مسلمة وللحجاج بن علاط أن يقولا","level":5,"page":90},{"title":"توجيه أمر الله في المهاجرات مدة هدنة الحديبية أن لا يرجعن إلى الكفار","level":5,"page":95},{"title":"توجيه اتفاق العلماء على جواز الكذب عند الاضطرار","level":5,"page":100},{"title":"المطلب الحادي عشر فيما ورد من التشديد في الكذب","level":4,"page":104},{"title":"قطعة أخرى: حقيقة الكذب","level":2,"page":107},{"title":"توجيه الأحاديث الواردة في سهو النبي - ﷺ - وخطائه","level":2,"page":108},{"title":"الظاهر","level":2,"page":113},{"title":"القرينة","level":2,"page":114},{"title":"المراد بالظهور","level":2,"page":115},{"title":"كيف الاقتران","level":2,"page":115},{"title":"قطعة في الكلام على الفرق بين الاستعارة والدعوى الباطلة والكذب","level":2,"page":117}],"ٛ":{"19,173":1,"19,175":2,"19,176":3,"19,177":4,"19,178":5,"19,179":6,"19,180":7,"19,181":8,"19,182":9,"19,183":10,"19,184":11,"19,185":12,"19,186":13,"19,187":14,"19,188":15,"19,189":16,"19,190":17,"19,191":18,"19,192":19,"19,193":20,"19,194":21,"19,195":22,"19,196":23,"19,197":24,"19,198":25,"19,199":26,"19,200":27,"19,201":28,"19,202":29,"19,203":30,"19,204":31,"19,205":32,"19,206":33,"19,207":34,"19,208":35,"19,209":36,"19,210":37,"19,211":38,"19,212":39,"19,213":40,"19,214":41,"19,215":42,"19,216":43,"19,217":44,"19,218":45,"19,219":46,"19,220":47,"19,221":48,"19,222":49,"19,223":50,"19,224":51,"19,225":52,"19,226":53,"19,227":54,"19,228":55,"19,229":56,"19,230":57,"19,231":58,"19,232":59,"19,233":60,"19,234":61,"19,235":62,"19,236":63,"19,237":64,"19,238":65,"19,239":66,"19,240":67,"19,241":68,"19,242":69,"19,243":70,"19,244":71,"19,245":72,"19,246":73,"19,247":74,"19,248":75,"19,249":76,"19,250":77,"19,251":78,"19,252":79,"19,253":80,"19,254":81,"19,255":82,"19,256":83,"19,257":84,"19,258":85,"19,259":86,"19,260":87,"19,261":88,"19,262":89,"19,263":90,"19,264":91,"19,265":92,"19,266":93,"19,267":94,"19,268":95,"19,269":96,"19,270":97,"19,271":98,"19,272":99,"19,273":100,"19,274":101,"19,275":102,"19,276":103,"19,277":104,"19,278":105,"19,279":106,"19,280":107,"19,281":108,"19,282":109,"19,283":110,"19,284":111,"19,285":112,"19,286":113,"19,287":114,"19,288":115,"19,289":116,"19,290":117,"19,291":118,"19,292":119,"19,293":120,"19,294":121},"ٜ":{"19":[173,294]},"ٝ":["19,173","19,175","19,176","19,177","19,178","19,179","19,180","19,181","19,182","19,183","19,184","19,185","19,186","19,187","19,188","19,189","19,190","19,191","19,192","19,193","19,194","19,195","19,196","19,197","19,198","19,199","19,200","19,201","19,202","19,203","19,204","19,205","19,206","19,207","19,208","19,209","19,210","19,211","19,212","19,213","19,214","19,215","19,216","19,217","19,218","19,219","19,220","19,221","19,222","19,223","19,224","19,225","19,226","19,227","19,228","19,229","19,230","19,231","19,232","19,233","19,234","19,235","19,236","19,237","19,238","19,239","19,240","19,241","19,242","19,243","19,244","19,245","19,246","19,247","19,248","19,249","19,250","19,251","19,252","19,253","19,254","19,255","19,256","19,257","19,258","19,259","19,260","19,261","19,262","19,263","19,264","19,265","19,266","19,267","19,268","19,269","19,270","19,271","19,272","19,273","19,274","19,275","19,276","19,277","19,278","19,279","19,280","19,281","19,282","19,283","19,284","19,285","19,286","19,287","19,288","19,289","19,290","19,291","19,292","19,293","19,294"],"ٞ":{"2":[1],"3":[2],"4":[3],"5":[4],"6":[5],"14":[6],"16":[7],"18":[8],"22":[9],"29":[10],"32":[11,12],"33":[13],"34":[14,15],"39":[16],"40":[17],"41":[18],"44":[19,20],"45":[21],"50":[22],"54":[23],"58":[24,25],"62":[26],"65":[27],"69":[28],"80":[29],"85":[30],"89":[31],"90":[32],"95":[33],"100":[34],"104":[35],"107":[36],"108":[37],"113":[38],"114":[39],"115":[40,41],"117":[42]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"الرسالة الثالثة\nإرشاد العَامِه إلى معرفة الكذب وأحكامه","vol":"19","page":173},{"text":"الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد.\nأما بعد، فإنني لما نظرت في ما وقع من الاختلاف في العقائد والأحكام، ورأيت كثرة التأويل للنصوص الشرعية، تبين لي في كثير من ذلك أنه تكذيبٌ لله ﷿ ورسله، ثم رأيت في كلام بعض الغلاة ما هو صريح في نسبة الكذب إلى الله تعالى ورسله، وفي كلام من دونهم ما يقرب من ذلك، ووقع التلبيس على أكثر المسلمين لالتباسٍ في حقيقة الكذب، فجرَّني البحث إلى تحقيق معنى الكذب، فرأيت أن أفرد ذلك في رسالتي هذه، وأسأل الله تعالى التوفيق.","vol":"19","page":175},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>الخبر</span>\nالخَبَر بفتحتين: الاسم من الإخبار، والإخبار: إفعالٌ، من الخُبْر بضم فسكون.\nوقد اتفقوا على أن الخُبْر ــ بضم فسكون ــ العلم ببواطن الأمور، وعلى أن الأصل في همزة «أفعلَ» أن تكون للتعدية، فقضية هذا أن يكون معنى قولهم: «أخبرت فلانًا» جعلته ذا خبرٍ، أي ذا علمٍ بباطن. فالظاهر أن هذا هو الأصل، ولكن خُصَّ بما يكون بالقول.\nوعلى هذا فالخَبَر ــ بفتحتين ــ كان ينبغي أن يخص بالقول الذي يحصل به جعْلُ المخاطب ذا خُبْرٍ ــ بضم فسكون ــ، فيختص بما يطابق الواقع، لكنهم توسعوا فيه، فأطلقوه على ما يخالف الواقع أيضًا.\nوقال أهل العلم: الخبر ما يحتمل الصدق والكذب لذاته.\nوقال الراغب في «المفردات» (^١): الخُبْر ــ بضم فسكون ــ العلم بالأشياء المعلومة من جهة الخبر.\nكذا قال! وهو عكس التحقيق، ومما يدفعه تسمية الله ﷿ نفسه خبيرًا، فتدبر.\n_________\n(^١) (ص ٢٧٣).","vol":"19","page":176},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3>الصدق والكذب</span>\nحكوا (^١) عن أهل السنة والجمهور: أن الصدق مطابقة الخبر للواقع في نفس الأمر، والكذب عدم مطابقته له في نفس الأمر.\nوحكوا عن النظَّام: أن الصدق هو مطابقة الخبر للواقع في اعتقاد المخبِر، والكذب عدم مطابقته له في اعتقاده.\nوعن الجاحظ: أن الصدق مطابقة الخبر للواقع في نفس الأمر وفي اعتقاد المخبِر، والكذب عدم مطابقته له فيهما، وما دون ذلك لا يسمى صدقًا ولا كذبًا.\nوذهب الراغب (^٢) إلى نحو هذا، إلا أنه قال: إن ما دون ذلك صدقٌ من جهةٍ، كذبٌ من جهةٍ.\nوزعم بعض المتأخرين أن الصدق والكذب إذا نسبا إلى الخبر فكما قاله الجمهور، وإن نسبا إلى المخبر فكما قاله النظَّام.\nوالصواب مع الجمهور، لكن غلب في العرف أن لا يقال للكذب خطأً «كذب»، بل يقال: خطأ وغلط، إلا حيث يقصد نسبة المخبر إلى التقصير، أو يقصد التنفير عن اتباعه.\nوعلى هذا يُحمل ما روي عن النبي - ﵌ - من قوله: «كذب\n_________\n(^١) يراجع في هذا الموضوع: «شرح جمع الجوامع» للمحلي (٢/ ١١١ وما بعدها) و«إرشاد الفحول» (ص ٣٩، ٤٠) و«شروح التلخيص» (١/ ١٧٣ وما بعدها).\n(^٢) «المفردات» (ص ٤٧٨، ٤٧٩).","vol":"19","page":177},{"text":"أبو السنابل» (^١)، وبقية الأمثلة التي ذكرها ابن عبد البر (^٢) وغيره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4>الخبر المحتمل لمعنيين أو أكثر</span>\nلم يتعرض أهل البيان عند كلامهم في تعريف الصدق والكذب لفرقٍ بين الخبر الذي لا يحتمل إلا معنى واحدًا، والخبر المحتمل لمعنيين فأكثر.\nووجه ذلك أن المحتمل لمعنيين مثلًا، إن كان احتماله لهما على السواء بدون رجحان، فذلك راجع إلى معنى واحد.\nألا ترى أنه لو كان لك أخوان غائبان، فجاءك رجل فقال: «مات أحد أخويك» كان هذا معنى واحدًا؟ فهكذا إذا قال ــ حيث لا قرينة ترجِّح أحدهما ــ: «مات أخوك». فهكذا الخبر المحتمل لمعنيين بدون رجحان.\nوإن كان ظاهرًا راجحًا في أحد المعنيين، والآخر مرجوحٌ، فقد اتفقوا على أن المعنى الذي يجب أن يبنى عليه ويُحكم به هو الظاهر الراجح. فإذا قيل لك: «مات أخوك»، ولا قرينة، فالمعنى الذي يقضى به لهذا الخبر هو أن أخاك الحقيقي قد مات موتًا حقيقيًّا، ولا يلتفت إلى احتمال غير ذلك. فالصدق والكذب في هذا الخبر مدارهما على ذاك المعنى الظاهر الراجح.\nثم رأيت في «البيان والتبيين» للجاحظ (١/ ١٨٣ (^٣) طبعة القاهرة سنة\n_________\n(^١) أخرجه أحمد في «المسند» (٤٢٧٣) من حديث ابن مسعود، وأعلَّه في كتاب «العلل» (٤٧٩٥) بالإرسال.\n(^٢) «جامع بيان العلم وفضله» (٢/ ١١٠٢ - ١١٠٥). وانظر: «التمهيد» (٩/ ٢٨٩، ٢٩٠).\n(^٣) (١/ ٣٣٧، ٣٣٨) تحقيق عبد السلام هارون. والنص طويل، ولذا لم يثبته الشيخ ولم نثبته، فليراجع هناك.","vol":"19","page":178},{"text":"١٣٣٢) ما لفظه: «وسئل (ابن شُبرمة) عن رجل ... كلامًا يطول»، فجَزْم النظَّام بأن ذلك كذبٌ ــ أي حيث لا قرينة ــ موافقٌ لما تقدم، وأما الجاحظ فإنه جزم بأن أدنى منازلِه أن لا يسمى صدقًا، وتوقف عن الجزم بأنه يسمى كذبًا.\nوكأن علماء البيان لم يلتفتوا إلى هذا التوقف؛ لأن الجاحظ موافقٌ على أن الخبر إذا خالف الواقع ولم يعتقد المخبر مطابقته فهو كذب، وموافقٌ على أن المعنى الذي يُقضى به للخبر هو الظاهر الراجح، فلزمه الجزم بأن ذلك كذبٌ، فلا عبرة بتوقفه.\nوقد يقال: لعله إنما توقف لأن هناك قرينة قد يعرفها بعض السامعين دون بعض، فلا يطلق على الخبر: كذب؛ لأن منهم من يعرف القرينة فلا يفهم خلاف الواقع، ولا يطلق عليه: صدق؛ لأن منهم من لا يعرف القرينة فيفهم خلاف الواقع.\nفإن كان إنما لحظ هذا فلا نزاع في ذلك؛ فإن الخبر صدقٌ بالنظر إلى من يعرف القرينة، وكذبٌ بالنظر إلى من لا يعرفها، فليس بصدقٍ مطلقًا، ولا كذبٍ مطلقًا، والجمهور لا ينازعون في هذا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5>إرادة المخبر وإضماره</span>\nإذا كان للخبر معنى ظاهر راجح، ويحتمل احتمالًا مرجوحًا معنًى آخر، وقد أراد المخبر عند بناء الخبر أن يكون كذلك= فلا ريب أنه أراد أن يكون المعنى الذي حقه أن يفهم من الخبر هو الظاهر الراجح، ثم قد يضمر في نفسه المعنى الراجح، وقد يضمر المرجوح.\nومعنى الإضمار: أن يخيّل لنفسه عند تلفظه بالخبر أنه يقصد به هذا","vol":"19","page":179},{"text":"المعنى أو ذاك، فإن أضمر الراجح فلا خفاء أنه إن كان هو الواقع فالخبر صدق، وإلا فكذبٌ. وإن أضمر المرجوح، فقد يكون خلاف الواقع، وقد يكون هو الواقع، فانظر فيما إذا كان خلاف الواقع، هل يصير الخبر كذبًا، وهل يَلزمُ المخبرَ قبحُ الكذب وذمُّه وإثمه؟\nوذلك كأن تعلم أن والد زيد مات في ليلة ولم ينم فيها، فتُبكِّر إلى زيد قاصدًا أن تخبره خبرًا يكون ظاهره الراجح هو الواقع أي الموت، ويحتمل خلاف الواقع وهو النوم، فتقول له: مات أبوك البارحة، وتضمر في نفسك عند قولك: «مات» معنى «نام»، وليس هناك قرينة.\nأقول: لا يخفى على من يتدبر أن هذا الإضمار لا يصير به الخبر كذبًا، ولا يلزم المخبرَ اسمُ الكذب ولا قبحه ولا ذمه ولا إثمه. نعم، قد يُكره له ذاك التخيل، كما يكره للرجل تخيلُ أنه يلابس معصية، هذا أشد ما قد يقال فيه.\nونظيره أن تَعمِد إلى عصير تفاح ــ مثلًا ــ تعلم أنه حلال، فتصبَّه في كأسٍ تُشبه في الجملة الكأسات التي يشرب الفجار فيها الخمر، وتخيِّل لنفسك أنه خمر، وتشربه مع ذاك العلم وذاك التخيل. أو تَعمِد إلى امرأتك فتكسوها ثوبًا يشبه في الجملة ثوبًا رأيته على أجنبية، ثم تواقعها عالمًا بأنها امرأتك، متخيلًا أنها تلك الأجنبية.\nفهل يلزمك بهذا اسم شرب الخمر والزنا وإثمهما؟\nفانظر الآن في عكس هذا، وهو أن يكون المعنى الظاهر الراجح من الخبر هو المخالف للواقع، والمعنى المرجوح مطابق للواقع، وأضمره المخبر، وذلك كأن يكون الواقع أن والد زيدٍ لم يمت وإنما نام، فقصدتَ زيدًا عازمًا على أن تخبره خبرًا يكون الظاهر الراجح منه هو الموت الذي تعلم أنه","vol":"19","page":180},{"text":"خلاف الواقع، ويكون محتملًا احتمالًا مرجوحًا لمعنى مطابق للواقع، وهو النوم، فقلتَ له: «مات أبوك البارحة»، وأضمرت في نفسك معنى «نام»، ولا قرينة. فهل تخرج بهذا عن اسم الكذب وقبحه وذمه وإثمه؟\nونظير هذا أن تعمد إلى خمر تعلم أنها خمر محرمة، فتصبَّها في قعبٍ وتشربها، مخيِّلًا لنفسك أنها حليب. أو تعمد إلى امرأة جارك وأنت بها عارف، فتلقي عليها ثوبًا من ثياب امرأتك، وتواقعها مخيلًا لنفسك أنها امرأتك. فهل يخرجك هذا عن اسم شرب الخمر والزنا وإثمهما؟\nوبهذا يتضح أننا إن سمينا تخيل المتكلم للمعنى المرجوح إرادةً، فليست هي إرادة المتكلم التي ينبغي أن يُناط بها الحكم، وإنما إرادته التي ينبغي أن يناط بها الحكم هي إرادته عند بناء الخبر أن يكون ظاهرًا راجحًا في معنى، فإن كان يعتقد أن ذاك المعنى حق وصدق فلم يرد إلا الصدق، وإن كان لا يعتقد ذلك فقد أراد الكذب ولا بدَّ.\nوقد حصل بيدنا مثالٌ للدعوى الباطلة، لكن إنما يظهر البطلان حيث يظهر عدم التأويل، وإنما يتم ذلك في مثالٍ غير صالح للتأويل، وذلك كأن تشير لصاحبك إلى حصاةٍ وتقول: «أرى أسدًا»، فهذه دعوى باطلةٌ وكذب.\nأما البطلان؛ فلأن الحصاة لا تكون أسدًا حقيقة، كما هو واضح، ولا مجازًا؛ لفقد العلاقة المعتبرة التي يترتب عليها التأويل.\nوأما الكذب؛ فلأن الخبر مخالف للواقع، لأن المجاز لا يصح، فيبقى اللفظ على حقيقته، أي أن الحصاة أسد حقيقي، وظهور بطلان هذا لا يوجب العدول عنه، إذ ليس هنا معدلٌ صحيح، فلا معنى للعدول عن باطلٍ","vol":"19","page":181},{"text":"إلى باطل.\nنعم، قد يقال: الأشبه أن المتكلم لم يرد أن الحصاة أسد حقيقة، وإنما أراد أنها أسد مجازًا، جهلًا منه بوجه المجاز، وظنًّا لصحته في مثل ذلك، فإن احتمال الجهل المركب في هذا أقرب من احتمال دعوى أنها أسد حقيقة. وعلى هذا فالكذب بحاله، فإن حاصل الخبر: «أرى أسدًا مجازيًّا» وهذا أيضًا باطل، ومخالف للواقع.\nوبالجملة، فهذا الاستعمال لا هو حقيقة ولا مجاز، فهو كما قال السعد في «المطول» (^١): من قبيل ما لا يعتدُّ به، ولا يعدُّ في الحقيقة ولا في المجاز، بل ينسب قائله إلى ما يكره، كما صرح به في «المفتاح».\nوقريب منه قول عبد الحكيم (^٢): كلامٌ لغوٌ لا يصدر عن عاقل، فضلًا عن أن يكون صادقًا أو كاذبًا.\nأقول: فكأن السكاكي لاحظ ذلك فسمى نحو قولك ــ مشيرًا إلى حصاة ــ: «أرى أسدًا» دعوى باطلة، ولم يسمها كذبًا.\nوقريب منه تفسير الشارح العلامة (^٣) للدعوى الباطلة بأنها ما يكون على خلاف الواقع.\n_________\n(^١) انظر «فيض الفتاح» (ج ٢/ ١٦٠). [المؤلف].\n(^٢) «فيض الفتاح» (ج ٢/ ١٧٢). [المؤلف].\n(^٣) المصدر السابق (٤/ ١٥٢). والشارح العلَّامة هو القطب الشيرازي (ت ٧١٠).","vol":"19","page":182},{"text":"وأما تفسير السيد (^١) لها بالجهل المركب، فقد مر وجهه.\nوأما ما سمّاه السكاكي كذبًا، فيحتاج بيانه إلى تمهيد.\nفأقول: إذا قلت: «رأيتُ أسدًا»، وأضمرتَ في نفسك أن تريد بقولك: «أسدًا» رجلًا شجاعًا، ولم تنصب قرينة، فالخبر إنما يعطي أسدًا حقيقيًّا، وهذا مخالف لما أضمرته على كل حال.\nثم قد يكون الخبر مخالفًا للواقع في نفس الأمر وفي اعتقادك، كأن يكون الواقع أنك رأيت رجلًا شجاعًا، واعتقدت ذلك وتعمدت ترك القرينة، وقد يكون مخالفًا للواقع في نفس الأمر فقط، كأن تكون رأيت لصًّا رجلًا شجاعًا مختبئًا في غار بعيد، فعرفت ذلك وأردت الإخبار به، وظننت أن هناك قرينة والواقع أنه لا قرينة، أو تكون حسبته أسدًا حقيقيًّا، ولكن أحببت أن تخبر بأنه رجل شجاع، وغفلت عن نصب القرينة.\nوقد يكون موافقًا للواقع في نفس الأمر فقط، كأن تكون رأيت أسدًا حقيقيًّا في غار، فعرفت ذلك، ولكن أردت الإخبار بأنه رجل شجاع، وغفلت عن نصب القرينة، أو حسبته رجلًا شجاعًا وأردت الإخبار بذلك، وغفلت عن نصب قرينة، أو حسبته رجلًا شجاعًا، ولكن أردت إيهامَ أنه أسد حقيقي، فتأولت في نفسك، وتركت نصب القرينة عمدًا.\nوأغلب هذه الصور وقوعًا وأقربها إلى الاشتباه بالاستعارة هي الأولى، وهي كذبٌ عمدٌ.\n_________\n(^١) انظر «فيض الفتاح» (٤/ ١٥٢).","vol":"19","page":183},{"text":"فبنى السكاكي عليها فعبَّر بالكذب، وكذلك بنى عليها السيد الجرجاني، ففسَّر الكذب بالكذب العمد.\nأما الشارح العلامة فكأنه لاحظ تلك الصور كلها، ورأى أن المشترك بينها جميعًا هو مخالفة الخبر لما في الضمير، أي للمعنى الذي يضمره المتكلم في نفسه، ففسر الكذب بذلك.\nثم جاء صاحب «تلخيص المفتاح»، فعدل عن عبارة «المفتاح»، إلى قوله (^١): [والاستعارة تفارق الكذب بالبناء على التأويل ونصبِ القرينة على إرادة خلاف الظاهر].\nوالظاهر أنه بنى على تسمية الدعوى الباطلة كذبًا، وقد تقدم وجه ذلك، ثم ضم هذا الكذب إلى الذي سماه السكاكي كذبًا، فكأنه قال: والاستعارة تفارق الكذب الذي سماه السكاكي دعوى باطلة، والكذب الذي سماه كذبًا، بالتأويل والقرينة.\nوعبارته تحتمل معنيين:\nالأول: أن يكون أراد أنها تفارق الكذب الذي هو الدعوى الباطلة بالتأويل، وتفارق الكذب الآخر بالقرينة.\nالمعنى الثاني: أن يكون بنى على أن التأويل والقرينة متلازمان، إذا وُجِد أحدهما وجد الآخر، فالاستعارة تفارق كلًّا من الكذب بقسميه بكلٍّ من التأويل والقرينة.\n_________\n(^١) (ص ٣٠٦ بشرح البرقوقي)، وانظر «شروح التلخيص» (٤/ ٦٨).","vol":"19","page":184},{"text":"وبيان استلزام التأويل للقرينة ما نبه عليه شارحه السعد التفتازاني في الكلام على التأويل في المجاز العقلي، فإنه قال (^١): «ومعنى التأويل: طلب ما يؤول إليه من الحقيقة، أو الموضع الذي يؤول إليه من العقل، وحاصله أن تنصب قرينة».\nقال الدسوقي في حواشيه (^٢): «المراد ملاحظة الحقيقة أو الموضع ملاحظة يعتدُّ بها، وهي إنما تكون مع القرينة ...».\nفالحاصل أن التأويل الذي يعتد به هو ما كان مع القرينة، فلا اعتداد بالتأويل الذهني الذي لا قرينة معه.\nوأما استلزام القرينة للتأويل، فلأن القرينة هي الدليل الذي يمنع من إرادة المتكلم للظاهر، ويدل على إرادته غيره، وهذا إنما يتحقق في نحو قولك ــ مشيرًا إلى رجلٍ ــ: «أرى أسدًا»؛ لأمرين:\nالأول: أن المخاطب يرى أنك عاقل لا تكابر ولا تعبث، فيبعد أن تريد أن الرجل أسد حقيقة.\nالثاني: أن هناك مسوغًا واضحًا للتأويل، بأن تكون أردت أن الرجل شجاع، فشبهته بالأسد، وادعيت وتأولت على ما هو معروف.\nفأما إذا أشرت إلى حصاةٍ قائلًا: «أرى أسدًا» فالأمر الثاني منتفٍ، وبانتفائه يضعف الأمر الأول.\nفالمشاهدة والإشارة قرينة في المثال الأول؛ لأنها مانعة من إرادة\n_________\n(^١) انظر «شروح التلخيص» (١/ ٢٣٤).\n(^٢) المصدر السابق.","vol":"19","page":185},{"text":"الظاهر، دالة على إرادة غيره إرادةً سائغة، وليست في المثال الثاني كذلك.\nفإن قيل: فإذا كان صاحب «التلخيص» بنى على تلازم التأويل والقرينة كما زعمتَ، فهلّا اكتفى بأحدهما؟\nقلت: كأنه أراد أن ينبِّه على أن كلًّا منهما مقصودٌ لذاته، فالتأويل هو الذي يدفع الدعوى الباطلة، والقرينة كالشرط له، والقرينة هي التي تدفع الكذب، والتأويل كالشرط لها.\nوذكر ابن السبكي في «جمع الجوامع» (^١)\nما نُسب إلى بعض الظاهرية من نفي وقوع المجاز في الكتاب والسنة، فقال المحلي في شرحه (^٢): «قالوا: لأنه كذب بحسب الظاهر، كما في قولك للبليد: هذا حمار، وكلام الله ورسوله منزه عن الكذب. وأجيب بأنه لا كذب مع اعتبار العلاقة».\nاعترضه بعضهم (^٣) بأن الذي يدفع الكذب هو القرينة، فكان ينبغي أن يقول: لا كذب مع وجود القرينة.\nويجاب عن هذا بأجوبة:\nالأول: أن القرينة عند الأصوليين شرط، فالمراد اعتبار العلاقة على الوجه المعتدّ به، وإنما يكون ذلك بوجود الشرط، وهو القرينة.\nالثاني: أن يقال: مراده باعتبار العلاقة اعتبارها من كلٍّ من المتكلم والمخاطب، فاعتبار المتكلم لها ملاحظته لها بالتشبيه والدعوى والتأويل،\n_________\n(^١) (١/ ٣٠٨) بشرح المحلي ..\n(^٢) المصدر السابق.\n(^٣) هو البناني صاحب الحاشية على شرح المحلي في الموضع المذكور.","vol":"19","page":186},{"text":"على ما هو معروف في علم البيان. وملاحظة المخاطب لها تصوره لها على حسب ذلك، ومعلوم أن المخاطب إنما يلاحظها إذا كان هناك ما يدل عليها، وهذا الدليل هو<span data-type=\"title\" id=toc-6> القرينة</span>.\nالثالث ــ وهو التحقيق ــ: أن الكذب الذي زعمه الظاهري إنما هو الكذب بحسب الظاهر، ومقصوده به ما يتراءى في نحو المثال الذي ذكره، وهو قولك للبليد: «هذا حمار».\nوالذي يتراءى هنا ليس هو الكذب الحقيقي، فإن العلاقة موجودة مشهورة، والقرينة واضحة، وهي المشاهدة والإشارة، فالسامع يعلم أن المتكلم لم يدَّعِ أن ذاك الإنسان حمار حقيقة، وإنما أراد وصفه بشدة البلادة، ولكنه مع ذلك يتراءى له أن لفظ الخبر مخالف للواقع؛ لأن الإنسان لا يكون حمارًا، وهذا الترائي لم يأت من غفلة عن القرينة، بل هي بغاية الوضوح، والسامع عارف لها، ولم يأت من عدم العلاقة، فإن العلاقة موجودة معروفة، وإنما يأتي من عدم ملاحظة العلاقة على ما ينبغي، بالتشبيه والدعوى والتأويل، على ما هو مشروح في كتب البيان.\nفأراد المحلِّي أن المتكلم إذا اعتبر العلاقة على ذاك الوجه لم يكن الخبر كذبًا حقيقيًّا، ولا ظاهرًا، والسامع إذا لاحظ ذلك على ما ينبغي زال ما كان يتراءى له، فإن لم يلاحظ فمن تقصيره أُتي.\nالقرينة\nأجمع أهل العلم على أنه لا بد للمجاز من قرينة، سواءً من قال منهم: هي ركن، ومن قال: هي شرط.","vol":"19","page":187},{"text":"وأجمعوا أنه إذا لم يكن هناك قرينة فالكلام على حقيقته، وإن كان معناه الحقيقي مخالفًا للواقع فأهل السنة والجمهور يسمونه كذبًا، وغيرهم يشترط في تسميته كذبًا أن لا يكون المتكلم يعتقد أنه مطابق للواقع.\nوالقرينة الصحيحة هي الدليل الصحيح الذي يكون المتكلم عالمًا به وبدلالته على خلاف الظاهر، وبأن من شأنه أن لا يخفى على السامع.","vol":"19","page":188},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-7>المطلب الثاني (^١)\nفي محطِّ المطابقة</span>\nالمتكلم قد يعتقد الواقعة على ما هي عليه، وقد يعتقدها على خلاف ما هي عليه، ثم قد يريد أن يخبر بها على ما اعتقده، وقد يريد أن يخبر بها على خلافه، وقد يريد أن يكون الخبر صالحًا ولو على بعدٍ لما يعتقده، مفهمًا ظاهرًا لخلاف ما يعتقده.\nومدار الصدق والكذب إنما هو على الواقع في نفس الأمر من جهة، وعلى مدلول الخبر نفسه من الجهة الأخرى، فإن تطابقا فصدقٌ، وإلا فكذبٌ.\nومدلول الخبر هو ما حقُّه أن يفهم منه مع ملاحظة القرائن، فإذا سمعنا خبرًا، فنظرنا فيه، ولاحظنا القرائن فوجدناه مفهمًا لمعنى، فزعم زاعم أنه بذاك المعنى غير مطابق للواقع= كان بزعمه هذا زاعمًا أن الخبر كذب، وأن المخبر به كاذبٌ.\nولا يدفع هذا أن يقول: لعل المتكلم أراد بهذا الخبر غير ظاهره، ونقول له: إن كان المتكلم لم يجهل ولم يخطئ، فقد أراد ــ ولا بدَّ ــ أن يكون خبره هذا مفهمًا لما هو مفهم له، فإن كان مع ذلك تأول في نفسه معنى آخر فلا شأن لنا به؛ لأن الكلام إنما وضع للإفهام، وحق المتكلم أن يكون كلامه مع ما ينصبه من القرائن صورة مطابقة للمعنى الذي في نفسه.\nولا ريب أن الخبر إنما يطابق حق المطابقة ما أراد المتكلم أن يكون\n_________\n(^١) كتب قبله: «بسم الله الرحمن الرحيم».","vol":"19","page":189},{"text":"مفهمًا له، فهذا هو المعنى النفسي الذي حق أن يعتد به، وعليه ينبغي أن يحمل ما يقع في كلام أهل العلم «المراد كذا»، «لعل المراد كذا»، ونحو ذلك، ومن قال غير هذا فقد غلط.","vol":"19","page":190},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-8>المطلب الثالث\nفي المجاز</span>\nليس المراد هنا الإفاضة في أحكام المجاز، وإنما نُلِمُّ منه بما يتعلق بموضوعنا على الاختصار.\nاتفق القائلون بالمجاز على أن المجاز المفرد هو: «الكلمة المستعملة في غير ما وُضِعت له في اصطلاحٍ به التخاطب على وجهٍ يصح، وذلك بأن يكون بين المعنى الموضوع له والمعنى المستعمل فيه علاقة معتبرة» (^١).\nهذا أصح تعريف استقر عليه الأمر. وبقية التعريفات تحوم حول هذا المعنى.\nثم اتفقوا على أنه لا بد للمجاز من قرينة معتبرة، إلا أن كثيرًا من الأصوليين يجعلون القرينة شرطًا لصحة الاستعمال بقصد الإفهام، وصحة الحمل في فهم الكلام.\nفعندهم أن من رأى إنسانًا مشؤومًا فقال: «رأيت غرابًا» مريدًا بالغراب ذاك الإنسان= كان هذا مجازًا، لكنه يجب على المتكلم إذا أراد الإفهام أن ينصب قرينة.\nوكذلك لا يسوغ لمن يسمع آخر يقول: «رأيت غرابًا» أن يحمله على معنى «رأيت إنسانًا مشؤومًا» إلا إذا كانت هناك قرينة معتبرة.\nوعُلم من هذا ــ مع ما تقدم ــ أن من لم ير غرابًا، ولكن رأى إنسانًا\n_________\n(^١) انظر «فيض الفتاح» (٤/ ١٣٢) و«شروح التلخيص» (٤/ ٢٢ - ٢٦).","vol":"19","page":191},{"text":"مشؤومًا، فقال مخبرًا لغيره: «رأيت غرابًا»، وأراد إنسانًا مشؤومًا، ولكن لم ينصب قرينة= يكون كاذبًا، ويكون الكلام كذبًا؛ لأن المعنى المفهوم منه غير مطابق للواقع.\nوهؤلاء قد لا يذكرون القرينة عند تعريف المجاز؛ لأنها عندهم ليست ركنًا له، ولكن يعلم من مواضع أخرى من كلامهم أنه لا بد منها، على حسب ما ذكرنا.\nونقلوا عن الظاهرية منع وقوع المجاز في كلام الله ﷿ وكلام رسوله. قال المحلي في «شرح جمع الجوامع» (^١): «قالوا: لأنه كذبٌ بحسب الظاهر، كما في قولك للبليد: هذا حمار، وكلام الله ورسوله منزه عن الكذب».\nثم قال: «وأجيب: بأنه لا كذب مع اعتبار العلاقة».\nاعترضه بعضهم (^٢)، فقال: «إذا تأملت قول المجيب: مع اعتبار العلاقة، وقول المستدل: بحسب الظاهر= وجدت الجواب غير ملاقٍ للدليل، والمناسب سوق الدليل مجردًا عن قوله: بحسب الظاهر».\nأقول: سوق الدليل مجردًا عنها لا وجه له؛ لأنها من كلام المستدل، فأنى يجوز للحاكي إسقاطها؟\nثم قال المعترض (^٣): «ثم الكذب لازم لإرادة المعنى الحقيقي،\n_________\n(^١) (١/ ٣٠٨) مع حاشية البناني.\n(^٢) هو البناني في حاشيته.\n(^٣) أي البناني في الموضع المذكور.","vol":"19","page":192},{"text":"فارتفاعه إنما هو بإرادة المعنى المجازي، والدال عليه هو القرينة، فانتفاء الكذب لأجل وجود القرينة».\nأقول: الظاهرية يعرفون ويعترفون أن في الكتاب والسنة ما لا يحصى من الكلمات المستعملة في معانٍ لولا القرينة لكانت ظاهرة في غيرها، ولكنهم يزعمون أن ذلك كله من الحقيقة، ويقولون: غاية الأمر أن العرب وضعت الكلمة لهذا المعنى بحيث يفهم منها مطلقًا، ووضعتها لهذا المعنى الثاني بحيث يفهم منها مع القرينة، ككلمة «أسد» للسبع المعروف وللرجل الشجاع، وهي على كلا الحالين حقيقة، إذ لم تستعمل إلا فيما وضعت له.\nفمحطُّ إنكارهم إنما هو أن تأتي في الكتاب والسنة كلمة مستعملة في معنى لم توضع له في أصل اللغة.\nوقولهم: «لأنه كذب بحسب الظاهر» يعنون به أن العربي المخاطب بلغة العرب إنما يحمل الكلمة على ما وضعت له في أصل اللغة، فإذا سمع كلمة «أسد» عرف أنها موضوعة للسبع المعروف وللرجل الشجاع، فإذا رآها مجردة عن القرينة عرف أن المراد بها السبع المعروف، وإذا رآها مع القرينة عرف أن المراد بها الرجل الشجاع، فهي عنده بمنزلة حروف (ج ح خ) في الكتابة، الشكل موضوع لكل من الثلاثة، فإذا أهمل عرف أنه الحاء المهملة، وإذا نقط من تحته عرف أنه الجيم، وإذا نقط من فوقه عرف أنه الخاء المعجمة، ومع ذلك فالشكل مشترك بين الحروف الثلاثة، أصلٌ في كل منها.\nفعلى هذا فإذا أشرت لعربي إلى رجلٍ، فقلت: «هذا أسد» عرف فورًا أنك تريد أنه شجاع، لكن إذا أشرت إلى رجلٍ، فقلت: هذا حمار، فإنه","vol":"19","page":193},{"text":"يتراءى له أن هذا كذب بمنزلة أن تشير له إلى كتابٍ، وتقول: هذا فرس. ثم إذا علم أنك إنما أردت البلادة فهمها، ولكنه كما يفهم المراد من الكلمة الأعجمية.\nفيقول الظاهرية: إنه ليس في قولك للرجل: «هذا أسد» كذبٌ في الظاهر، فإن الكلمة موضوعة للرجل الشجاع بشرط القرينة، وقد وُجِدت، بخلاف قولك: «هذا حمار» فإنه كذبٌ في الظاهر، لأن الكلمة لم توضع في أصل اللغة لذلك.\nونظير قولك: «هذا أسد» أن تشير لكاتبٍ إلى حرف «ح» قائلًا: هذا جيم.\nونظير قولك: «هذا حمار» أن تشير له إلى رقم (٣) قائلًا: هذا جيم. فإنه يتراءى له أن هذا كذبٌ، حتى يتنبه للمناسبة بأن حرف (ج) يُعدُّ في حساب الجُمَّل بثلاثة.\nفتدبر ما قدمناه وتحقَّقْه، وبذلك يظهر لك أن جواب المحلي ــ تبعًا لمن تقدمه ــ هو المناسب لقول الظاهرية.\nوقد ذكر هذا الجواب عينه البهاء السبكي في «عروس الأفراح» (^١).\nوحاصله: أنه قد عُرِف عن العرب أنها إذا وجدت علاقة معتبرة بين المعنيين، يطلقون لفظ أحدهما على الآخر، وينصبون قرينة، وإن لم يسمعوا من تقدمهم استعمل تلك الكلمة في ذاك المعنى.\nوبهذا عُلِم أن الكلمات كما هي موضوعة لمعانيها الخاصة، فهي\n_________\n(^١) انظره ضمن «شروح التلخيص» (٤/ ٦٨ - ٦٩).","vol":"19","page":194},{"text":"موضوعة أيضًا لتستعمل مع القرينة في كل ما بينها وبينه علاقة معتبرة.\nوإذا ثبت وجود الوضع صارت كلمة «حمار» على فرض أنها لم تُسمع عن المتقدمين مستعملة في البليد، بمنزلة كلمة «أسد»؛ لثبوت أن تلك موضوعة، كما أن هذه موضوعة، وإذا ثبت الوضع بحجته لم يلتفت إلى عدم السماع، كما في صيغ اسم الفاعل والمفعول وغيرها.\nأما البيانيون وغيرهم فعندهم أن نصب القرينة ركنٌ للمجاز، لا شرطٌ فقط، وزادوا في التعريف قولهم (^١): «مع قرينة عدم إرادة المعنى الموضوع له».\nثم ذكروا أن الكلمة المستعملة فيما لم توضع له في اصطلاحٍ به التخاطب تكون على أقسام:\nالأول: المجاز، وهو ما لُوحِظت فيه علاقة معتبرة، ونُصبت معه قرينة معتبرة دالة على عدم إرادة المعنى الموضوع له.\nالثاني: الكناية، وهي كالمجاز، إلا أن القرينة فيها لا تدل على عدم إرادة المعنى الموضوع له، بل تدل على إرادة غيره.\nالثالث: الارتجال، وهو أن تطلق الكلمة على وجه استئناف وضع جديد، كمن يشير إلى طفل ولد له، فيقول: هذا طلحة، ويريد تسميته بذلك.\nالرابع: الغلط، كأن تشير إلى كتاب، تريد أن تقول: «هذا كتاب» فيجري على لسانك: «هذا فرس».\n_________\n(^١) انظر «فيض الفتاح» (٤/ ١٣٢) و«شروح التلخيص» (٤/ ٢٥).","vol":"19","page":195},{"text":"الخامس: اللغو، كأن تشير لبصيرٍ إلى كتاب، قائلًا: «هذا فرس»، قاصدًا هذا القول، مع عدم ملاحظتك لعلاقة معتبرة، ومع علمك بالقرينة الدالة للمخاطب على أن المشار إليه ليس بفرس.\nأقول: وهذا الخامس يصدق عليه تعريف الكذب.\nفإن قيل: فلماذا لم يذكروا في الأقسام ما إذا استعملت الكلمة في غير ما وضعت له لعلاقة معتبرة، ولكن لم تُنصب قرينة معتبرة، كما إذا كنت لم تر غرابًا، وإنما رأيت رجلًا مشؤومًا، فقلت لمن لا يعرف الواقع: «رأيت غرابًا»، ولم تنصب قرينة.\nقلت: هذه الصورة غير واردة عليهم؛ لأنهم يحكمون فيها بأن الكلمة إنما استعملت فيما وضعت له، ولذلك إذا تبين لهم الواقع جزموا بأن هذا الخبر كذب. فقد ذكروا في الكلام على الإسناد العقلي أن من أقسام الحقيقة قولك: «جاء زيد» وأنت تعلم أنه لم يجئ.\nوقال السعد في «المطول» (^١) بعد هذا المثال: «فهذا أيضًا إسنادٌ إلى ما هو له عنده في الظاهر؛ لأن الكاذب لا ينصب قرينة على خلاف إرادته».\nثم ذكر بعد ذلك ما يؤخذ منه أنه لو كانت مع هذا قرينة، فإن كانت هناك علاقة فمجازٌ، وإلا فمن القسم الخامس الذي سميناه لغوًا.\nفعُلِم من هذا أنه عند عدم القرينة يكون كذبًا، سواءً لوحظت علاقة، أم لا.\n_________\n(^١) انظر «فيض الفتاح» (٢/ ١٥٩).","vol":"19","page":196},{"text":"وذكروا في الفرق بين الاستعارة والكذب ما يفيد هذا أيضًا، ووقع لبعضهم تخليط هناك، فلا بأس بتحرير المقام.\nذكر السكاكي في «المفتاح» (^١) أن الاستعارة ــ وهي مجاز كما لا يخفى - تفارق الدعوى الباطلة ببناء الدعوى في الاستعارة على التأويل، أي بملاحظة العلاقة المعتبرة، وتفارق الكذب بنصب القرينة المانعة عن إرادة الظاهر، يعني: والدعوى الباطلة لا تأويل معها، والكاذب لا ينصب قرينة.\nوهذا صريح ــ كما لا يخفى ــ في أنها إذا فقدت القرينة، والكلام بظاهره غير مطابق للواقع، فهو كذبٌ، سواءٌ أوُجِد تأويل أم لا.\nوقد فُسِّرت عبارة «المفتاح» على ثلاثة أوجه:\nالأول: نقل عن شارحه العلامة القطب الشيرازي (^٢)، ذكروا أنه فسر «الباطل» بما يكون على خلاف الواقع، والكذب بما يكون على خلاف ما في الضمير.\nالثاني: تفسير شارحه السيد الشريف الجرجاني (^٣)، ذكر أن السكاكي أراد بالدعوى الباطلة الجهل المركب، وصاحبه مصرٌّ على دعواه، متبرئٌ عن التأويل، فضلًا عن نصب القرينة، وأراد بالكذب: الكذب العمد، وصاحبه لا ينصب القرينة، بل يروج ظاهره، لكن لا مانع من قصد التأويل في ذهنه، فلذا\n_________\n(^١) (ص ٣٧٣).\n(^٢) انظر «فيض الفتاح» (٤/ ١٥٢).\n(^٣) المصدر السابق.","vol":"19","page":197},{"text":"خص التأويل بمفارقة الباطل، و[خص] (^١) نصب القرينة بمفارقة الكذب. هكذا نقله عبد الحكيم في «حواشي المطول» (^٢).\nالثالث: تفسير عبد الحكيم، قال (^٣): «الأظهر عندي أن الاستعارة من حيث المعنى تشابه الدعوى الباطلة، ومن حيث اللفظ تشابه الكلام الكاذب، فتبيين الفرق بأن مبنى معناها على التأويل، بخلاف الدعوى الباطلة، وأن مبنى لفظها على نصب القرينة، بخلاف الكذب».\nواعترض السعد في «المطول» كلام العلامة، قال (^٤): «وأنت تعلم أن تفسيره الكذب خلاف ما عليه الجمهور واختاره السكاكي».\nواعترض عبد الحكيم كلام السيد الشريف فقال (^٥): «فيه أنه مع كونه خلاف ظاهر العبارة، إذ لا قرينة على تخصيص الدعوى الباطلة بالجهل المركب، والكذب بالكذب العمد، أنه لا وجه لتخصيص مفارقة الاستعارة بهذين، فإنها تفارق الدعوى الباطلة مطلقًا ــ سواءٌ كان مع اعتقاد المطابقة أو لا ــ بالتأويل، وعن الكذب مطلقًا ــ سواءٌ كان عمدًا أو خطأً ــ بنصب القرينة».\nأقول: هناك صور:\n_________\n(^١) المعكوفتان من المؤلف.\n(^٢) «فيض الفتاح» (٤/ ١٥٢).\n(^٣) انظر المصدر السابق.\n(^٤) المصدر السابق.\n(^٥) المصدر السابق.","vol":"19","page":198},{"text":"الأولى: أن ترى إنسانًا من بعيد، فتظنه غرابًا، فتقول: «رأيت غرابًا»، مريدًا بذلك وفق ما ظننته.\nالثانية: أن تعلم أنه إنسان، ومع ذلك تقول لمن تراه لا يعرف الواقع: «رأيت غرابًا»، وتتأول في نفسك الغراب بإنسانٍ مشؤومٍ، ولا قرينة.\nالثالثة: أن تعلم أنه إنسانٌ، ومع ذلك تقول لمن تراه لا يعرف الواقع: «رأيت غرابًا»، ولا تتأول في نفسك.\nفكل من هذه الصور يصدق عليه أنه دعوى باطلة، وأنه كذب. أما الأولى والثالثة؛ فظاهر، وأما الثانية؛ فبحسب الظاهر المحكوم به، إذ لا عبرة بالتأويل النفسي مع عدم القرينة.\nلكن الصورة الأولى أولى بأن تسمى دعوى باطلة؛ لأنها كما شاركت الأُخريين في ظهور الدعوى بحسب ظاهر اللفظ، امتازت عنهما بتحقق الدعوى في الاعتقاد.\nوالأولى أبعد عن الكذب؛ لأن صاحبها مخطئ، وقد تقدم أن الغالب في العرف أن لا يقال فيمن كذب خطأً: «كذب»، وإنما يقال: «أخطأ»، ومن الناس من لا يسمي ذلك كذبًا البتة.\nوالاعتقاد أمرٌ معنوي، وكذلك التأويل في النفس. وظاهر الكلام يتعلق باللفظ، وكذلك القرينة. والاستعارة تشتبه من حيث المعنى باعتقاد الباطل؛ لأنها مبنية على دعوى دخول المشبه في جنس المشبه به، وتخيل ذلك في النفس، فهي من هذه الجهة مشابهة للصورة الأولى، ولكنها تفارقها ببناء الدعوى في الاستعارة على التأويل.","vol":"19","page":199},{"text":"والاستعارة تشتبه بالكذب الذي لا خطأ فيه؛ لأن القائل: «رأيت أسدًا يرمي» يعلم أن الرجل ليس بأسد، فهي من هذه الجهة مشابهة للصورتين الأخريين، لكنها تفارقهما بالقرينة.\nفقد بان بهذا وجه صنيع السكاكي، وبان به توجيه التفاسير الثلاثة، بل واتفاقها في المآل، فإن العلّامة حمل الدعوى الباطلة على الاعتقاد المخالف للواقع، وهذه هي الصورة الأولى، وحمل الكذب على خلاف ما في الضمير، وذلك في الصورتين الأخريين، فإن ظاهر الكلام فيهما كما هو مخالفٌ للواقع، فهو مخالفٌ لما في الضمير؛ لعلم المتكلم بخلاف ما أفهمه كلامه. وإنما خصَّ السكاكي ثم العلّامة الكذب بذلك لأنه كذبٌ اتفاقًا، لغةً وعرفًا.\nوالسيد فسّر الدعوى الباطلة بالجهل المركب، وهي الصورة الأولى، والكذب بالعمد، وذاك في الصورتين الأخريين، فاتفقا.\nوعبد الحكيم ذكر أن الاستعارة من حيث المعنى تشابه الدعوى الباطلة، وقد علمت أن ذلك إنما يتحقق في الصورة الأولى؛ لتحقق الدعوى في الاعتقاد، وهو أمر معنوي.\nوذكر أنها من حيث اللفظ تشابه الكلام الكاذب، والأَولى بملاحظة ذلك الصورتان الأخريان؛ لأنهما كذبٌ اتفاقًا، لغةً وعرفًا، وكذب الكلام فيهما آكد لمخالفته لما في الواقع ولما عند المتكلم، ومدار الكذب فيهما على اللفظ فقط لمطابقة علم المتكلم للواقع.\nوالمقصود أن هؤلاء اتفقوا على أن الصورة الثانية كذبٌ، وأن إضمار التأويل لا يدفع الكذب.","vol":"19","page":200},{"text":"أما صاحب «التلخيص» فقال (^١): «الاستعارة تفارق الكذب بالبناء على التأويل ونصب القرينة على إرادة خلاف الظاهر».\nقال السعد في «المطول» (^٢): «يعني أن في الاستعارة دعوى ... مبنية على تأويل ... ولا تأويل في الكذب. وأيضًا لا بد في الاستعارة من قرينة مانعة من إرادة المعنى الحقيقي الموضوع له، دالةٍ على أن المراد خلاف الظاهر، بخلاف الكذب، فإنه لا تُنصب فيه قرينة على إرادة خلاف الظاهر، بل يُبذل المجهود في ترويج ظاهره».\nوهذا الكلام إذا تُدبِّر وقورِن بكلام هذين الرجلين في مواضع أخرى ــ كما سبق لهما في الكلام على الإسناد العقلي ــ تبين أنه غير مخالف لما تقدم، فإن الدعوى الباطلة التي تشابه الدعوى التي في الاستعارة هي ما في الصورة الأولى، كما تقدم.\nفغاية الأمر أن صاحب «التلخيص» أدرج الصورة الأولى في الكذب، ثم بين أن الفرق بوجهين:\nالأول: التأويل، وهذا يختصُّ بالصورة الأولى.\nالثاني: بالقرينة، وهي تعمُّ الصور الثلاث.\nفكأنه يقول: إن الفرق بين الاستعارة وبين الكذب خطأً ــ وذلك في الصورة الأولى ــ بالتأويل والقرينة. فالتأويل يدفع خطأ الاعتقاد، والقرينة تدفع الأمرين، أي: الخطأ في الاعتقاد ومخالفة الكلام للواقع.\n_________\n(^١) (ص ٣٠٦ بشرح البرقوقي). وانظر «شروح التلخيص» (٤/ ٦٨).\n(^٢) (ص ٥٨٤)، وهو في «فيض الفتاح» (٤/ ١٥٢).","vol":"19","page":201},{"text":"والفرق بينها وبين الكذب عمدًا ــ وذلك في الصورتين الأخريين ــ بالقرينة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-10>الفرق بين المجاز والكذب</span>\nأجمعوا على أنه لابد للمجاز من علاقة وقرينة، وإنما اختلفوا في القرينة: أركن هي أم شرط؟\nولا ريب أن الخبر إذا كان فيه مجازٌ صحيح العلاقة، ظاهر القرينة= يكون المعنى الظاهر الراجح منه هو المعنى المجازي، فإذا كان المعنى المجازي هو الواقع؛ فالخبر صدق حتمًا.\nوالنظر هنا في أمور:\nالأول: إذا تجوَّز المخبر في نفسه ولم ينصب قرينة، فلا ريب أن ذلك لا يكون مجازًا؛ لفقد القرينة التي هي ركن أو شرط، وهل يكون حينئذٍ كذبًا؟\nلا ريب أنه عند فقد القرينة يكون المعنى الظاهر الراجح غير المعنى المجازي، وأنه إذا كان ذاك الظاهر الواضح غير مطابق للواقع كان الخبر كذبًا، وقد ذكر علماء البيان في بحث الاستعارة أنها مجاز علاقته المشابهة، وأنها مبنية على دعوى دخول المشبه في جنس المشبه به، وأن هذه الدعوى مبنية على تأويلٍ، وهو جعل أفراد المشبه به نوعين، على ما هو مشروح في كتب البيان.\nوبعد أن ذكر السكاكي في «المفتاح» ذلك، ذكر (^١) أن الاستعارة تفارق\n_________\n(^١) راجع للنقول الآتية: «فيض الفتاح» (ج ٤/ص ١٥١ وما بعدها).","vol":"19","page":202},{"text":"الدعوى الباطلة؛ لبناء الدعوى فيها ــ أي في الاستعارة ــ على التأويل، وتفارق الكذب بنصب القرينة المانعة عن إرادة الظاهر.\nوشارحه العلامة القطب الشيرازي فسر الباطل بما يكون على خلاف الواقع، وفسر الكذب بما يكون على خلاف ما في الضمير.\nوذكر السيد الجرجاني في «شرح المفتاح» أن المراد بالدعوى الباطلة الجهل المركب، قال: «وصاحبه مصرٌّ على دعوى، متبرئ عن التأويل، فضلًا عن نصب القرينة، وأن المراد بالكذب الكذب العمد، وصاحبه لا ينصب القرينة، بل يروج ظاهره، لكن لا مانع من قصد التأويل في ذهنه».\nنقل هذا عبد الحكيم في حواشي «المطول»، ثم قال: «لا وجه لتخصيص مفارقة الاستعارة بهذين؛ فإنها تفارق الدعوى الباطلة مطلقًا .. بالتأويل، وعن الكذب مطلقًا، سواء كان عمدًا أو خطأ، بنصب القرينة».\nوقال عبد الحكيم قبل ذلك: «الأظهر عندي أن الاستعارة من حيث المعنى تشابه الدعوى الباطلة، ومن حيث اللفظ تشابه الكلام الكاذب، فتبين الفرق بأن مبنى معناها على التأويل، بخلاف الدعوى الباطلة، وأن مبنى لفظها على نصب القرينة، بخلاف الكذب».\nوذكر بعد ذلك قولهم: «رأيت اليوم حاتمًا»، وما ذكره بعضهم من أن الاستعارة فيه مبنية على دعوى جعل المرئي عين حاتم الطائي، وقوله: «فإن المقصود من قولك: رأيت اليوم حاتمًا، أنه عين ذلك الشخص، لا أنه فرد من الجواد».\nوتعقبه عبد الحكيم قائلًا: «إن كان لا عن قصدٍ فهو غلط، وإن كان","vol":"19","page":203},{"text":"قصدًا فإن كان بإطلاقه عليه ابتداءً فهو وضع جديد، وإن كان بمجرد ادعاء من غير تأويل فهو دعوى باطلة، وكذب محض، فلا بد من التأويل».\nأقول: تفسير هذا أنك إذا رأيت رجلًا اسمه زيدٌ مثلًا، فأخبرت عن ذلك قائلًا: «رأيت اليوم حاتمًا»، فلك أربع أحوال:\nالأولى: أن تكون أردت أن تقول: «رأيت اليوم زيدًا»، فسبق لسانك بغير قصد إلى قولك: «حاتمًا»، فهذا هو الغلط.\nالثانية: أن تكون وضعت لزيدٍ هذا الاسم «حاتم»، كما تضع هذا الاسم لولدك مثلًا، فهذا وضع جديد.\nالثالثة: أن تكون ادعيت أن زيدًا هو حاتم الطائي عينه، بدون تأويل، فهذه دعوى باطلة، وكذبٌ محضٌ.\nالرابعة: أن تكون شبهت زيدًا بحاتم الطائي، وتأولت في لفظ «حاتم»، فجعلته كأنه موضوع للجواد، سواء كان ذلك الرجل المعهود من طيء أو غيره. فهذه ــ إذا صحبتها القرينة ــ هي الاستعارة.","vol":"19","page":204},{"text":"[ص ٣٣] (^١) إذا فكرنا في حال الإنسان وجميع ما يحتاج إلى العلم به لتحصيل نفعٍ أو دفعِ ضرٍّ في دينه ودنياه، وجدناه في معظم ذلك مفتقرًا إلى الكلام.\nوقد امتنَّ الله ﷿ على عباده بالسمع والأبصار والأفئدة في عدة آيات، منها: قوله سبحانه: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل: ٧٨].\nوأكثر ما ينتفع بالسمع في سمع الكلام؛ وينتفع بالبصر في أشياء منها رؤية المتكلم، ورؤية إشارته، وقراءة الكتب؛ وبالأفئدة في أشياء: منها معرفة معاني الكلام حتى يعبر عما في نفسه عبارة صحيحة، ويفهم كلام غيره فهمًا صحيحًا.\nوامتنَّ الله ﷿ بتعليم الكتابة، وإنما منفعتها أن تنوب عن النطق والحفظ، فيكتب الإنسان الكلامَ المعبِّر عما في نفسه، أو الكلامَ الذي سمعه من غيره، أو الذي رآه في كتاب غيره، ويقرأ كتابَه غيرُه فيفهم المراد. قال تعالى في أول سورة أنزلها على خاتم أنبيائه ﵌: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [أول سورة العلق]. وقال سبحانه: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (١) مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (٢)﴾ [أول سورة القلم].\nوكذلك امتنَّ الله ﷿ بتعليم الكتاب المبين، قال سبحانه أولَ سورة الرحمن: ﴿الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (٣) عَلَّمَهُ\n_________\n(^١) من هنا تبدأ<span data-type=\"title\" id=toc-11> القطعة الثانية من الكتاب</span>، وفي آخرها نقص.","vol":"19","page":205},{"text":"الْبَيَانَ﴾ [الرحمن: ١ - ٤]. قال بعض المفسرين من السلف: البيان الكلام. وظاهرٌ أن المراد الكلام المبين، فليس كل كلام بيانًا.\nولا يخفى أن إفادة المعلومات بالكلام واستفادتها منه إنما تحصل إذا كان الكلام المنطوق به أو المكتوب مبيِّنًا للمعنى المراد إفهامُه، وكان ذاك المعنى واقعًا ينفع علمهُ الذي (^١) يسمع [ص ٣٤] أو يقرأ، عارفًا بالكلام المبين. والكلام المُفهِم معنًى غيرَ واقعٍ لا يدخل في «البيان» الذي امتنَّ الله تعالى به، لأن الامتنان به إنما هو من جهة أنه يُتوصَّل به إلى تحصيل العلوم النافعة، والمُبِين لما ليس بواقع إنما يحصل به جهلٌ لا علمٌ، ومن شأنه أن يضرَّ وتترتَّبَ عليه المفاسد.\nوههنا مطالب:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-13>المطلب الأول في تعريف الصدق والكذب</span>\nجمهور أهل العلم على أن الخبر إن طابقَ الواقع فصِدْق، وإلَّا فكذب، وهذا قول أهل السنة كما في «المصباح» (^٢). وأدلَّته كثيرة، لكن غلب في العرف أن لا يقال لمن كذبَ خطأً: «كذبَ فلان»، بل يقال: «أخطأ فلان» أو «غَلِط فلان»، إلَّا أن تُقصَد نسبتُه [ص ٣٥] إلى التقصير زجرًا له عن مثل ذلك، أو يُقصَد تأكيد الحكم ببطلان الخبر، أو يُقصَد إظهار التشنيع على المخبر كفًّا للناس عن اتباعه. وعلى هذه الثلاثة تدور الأمثلة التي ذكرها ابن عبد البر في كتاب «العلم» من إطلاق الكذب على الخطأ.\n_________\n(^١) لعل «العلم» فاعل، و«الذي» مفعول به، و«عارفًا» حال من الذي.\n(^٢) «المصباح المنير» (كذب).","vol":"19","page":206},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-14>المطلب الثاني فيمن يلحقه معرَّة الكذب</span>\nالعيب والإثم لا يَلحقانِ كلَّ من أخبر بخبرٍ مخالفٍ للواقع، بل يُعذَر المخطئ إذا لم يقصِّر، ويَلحقان المجازفَ. وقد يَلحقُ المخبرَ عارُ الكذب وإثمه مع أن الخبر في نفسه صدقٌ، وذلك إذا جزم بالخبر وهو يراه كذبًا أي غير واقع، أو لا يدري أنه واقع، فيلحقه العيبُ والإثم، كما يلحق من أتى امرأةً يراها أجنبيةً فبانَ أنها امرأتُه، أو كانت له أمةً لا يقربها، فصادف أمةً لا يدري أنها أمتُه فوقع عليها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-15>المطلب الثالث في إرادة المتكلم</span>\nلا يخفى أن المقصود من الكلام الإفهام، وأن إرادة المتكلم أمر خفيٌّ في نفسه، وإنما يُستدلُّ\nعليها بنفس الكلام أو بما يقترن به من القرائن الظاهرة، وإنما يوضع الكلام ليصير معربًا [عمَّا] في النفس. فإذا كان الخبر في نفسه أو بمعونة القرائن ظاهرًا بيِّنًا في معنى، وليس هناك قرينةٌ تَصرِف عنه= وجب القضاء بأن ذلك المعنى هو الذي أراده المتكلم. ولهذا قضى أهلُ العلم على الخبر نفسِه فقالوا: إن طابقَ الواقع فصِدْق، وإلَّا فكذب. ثم بينوا أن القرائن معتدٌّ بها في فهم الكلام. فتحرَّر من ذلك أن كل خبر تبيَّن من تدبُّرِه وتأمُّلِ القرائن التي معه إن كانت: أنه ظاهر في معنًى، فذاك المعنى إن كان واقعًا فالخبر صدقٌ، وإلَّا فكذبٌ.\nوفي «الزواجر» لابن حجر الهيتمي (ص ٢٦): «نقل إمام الحرمين عن الأصوليين أن من نطق بكلمة الردة وزعم أنه [أضمر توريةً] (^١) كفرَ ظاهرًا وباطنًا، وأقرَّهم على ذلك».\n_________\n(^١) خرم في الأصل مكان الكلمتين.","vol":"19","page":207},{"text":"[ص ٣٧] هذا، وقد نقل أهل العلم عن الظاهرية منع وقوع المجاز في كلام الله ﷿ وكلام رسوله. قال المحلي في «شرح جمع الجوامع»: «قالوا: لأنه كذب بحسب الظاهر، كما في قوله للبليد: هذا حمار. وكلام الله ورسوله منزَّه عن الكذب» ثم قال: «وأجيب بأنه لا كذبَ مع اعتبار العلاقة».\nوالظاهر أن الظاهرية إنما كلامهم في المجاز الصحيح، وهو ما جمع العلاقة والقرينة كما هو شرطه، فزعموا أنه وإن لم يكن كذبًا في التحقيق فلا يكون المتكلم به كاذبًا، ولا يلزمه قبحٌ ولا إثمٌ، لكن صورته في بادئ النظر صورة الكذب، فإن الإنسان لا يكون حمارًا.\nيدلُّك على هذا أن الظاهرية إنما منعوا وقوعه في كلام الله تعالى وكلام رسوله، ولم يقولوا أنه كذبٌ مطلقًا يوجب القبح والإثم، وقالوا: «كذبٌ بحسب الظاهر» ولم يقولوا: كذب مطلقًا، وعَنَوا بقولهم «بحسب الظاهر» ما يتراءى منه في بادئ النظر.\nويوضِّح ما قلناه تمثيلُهم بقولهم: «كما في قولك للبليد: هذا حمار»، فذكروا مثالًا صريحًا في وجود العلاقة ووجود القرينة كما لا يخفى.\nفالجواب بأنه «لا كذبَ مع اعتبار العلاقة» كأنه مبني على توهُّم أن الظاهرية غفلوا عن شأن العلاقة وتكلموا في المجاز الموجود معه القرينة، فزعموا أن قولك في البليد: «هذا حمار» كقولك في الكتاب: «هذا فرسٌ». وهذا غلطٌ عليهم لما قدمناه.\nوأبعدُ منه ما اعتُرِض به على المحلِّي، [ص ٣٨] قال البنَّاني في «حواشيه»: قال العلامة: إذا تأملتَ قولَ المجيب مع اعتبار العلاقة، وقولَ المستدلّ بحسب الظاهر= وجدتَ الجواب غيرَ ملاقٍ للدليل، والمناسب","vol":"19","page":208},{"text":"سوق الدليل مجرَّدًا عن قوله بحسب الظاهر. ثم قال: ثم الكذب لازم لإرادة المعنى الحقيقي، فارتفاعه إنما هو بإرادة المعنى المجازي، والدال عليه هو القرينة، فانتفاء الكذب لأجل وجود القرينة.\nأقول: أولُ كلامه مستقيم، فأما قوله: «والمناسب ...» فعجيب، فإن الشارح حكى استدلال المستدل ليجيب عنه، واستدلال المستدل مبيِّن لدعواه، فأنَّى يكون للشارح أن يتصرف في استدلال المستدل فيغيِّره ويُعمِّي مقصودَه، ثم يجيب بحسب ذلك؟ وأما آخر كلام المعترض فقد عُلِم ما فيه مما تقدم.\nهذا، والجواب الصحيح عن قول الظاهرية هو أن يقال: ما ذكرتموه من أن المجاز كذب بحسب الظاهر تريدون به أن صورته في بادئ النظر صورة الكذب= ليس مما يقتضي قبحًا في الكلام ولا عيبًا للمتكلم ما دام المقصود واضحًا، بل إنه إذا وقع المجاز موقعَه كان ذاك التصوير أو التخييل من أوكد الوجوه في بلاغة الكلام وقوة تأثيره في المخاطب، وهذه مصلحة عظيمة لا يحسن إهمالها توقِّيًا مما يتراءى في بادئ النظر من المشابهة للكذب.\nكيف وهذا الترائي لا يشتبه على عاقل؟\nنعم، المقال الذي مثّلتم به ــ وهو قولك للبليد: «هذا حمار» ــ فيه شناعة وبشاعة يَجِلُّ عن مثلها الكتابُ والسنة، وليست هي أن الصورة صورة الكذب، بل هي أن فيه تحقيرًا وإهانةً للبليد لا يستحقها، لأن البلادة أمرٌ جِبلِّي لا كسبي، ألا ترى أنه لو قيل: «مثلُه كمثل الحمار» أو «كأنه حمار» لكانت الشناعة والبشاعة بحالها، لكن لما وقع هذا التشبيه [ص ٣٩] موقعَه في قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة: ٥]، وقوله سبحانه:","vol":"19","page":209},{"text":"﴿كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ﴾ [المدثر: ٥٠]، وقوله ﷿: ﴿كَمَثَلِ الْكَلْبِ﴾ [الأعراف: ١٧٦] = اندفعت تلك الشناعة عن الكلام والمتكلم، وانحطَّتْ على المشبَّه لاستحقاقه لها.\nواعلم أننا إذا فرضنا في كلام أنه يُفهِم خلافَ الواقع، وأنه لم تكن معه قرينة تصرف عن ذلك، ولم يكن هناك وجهٌ لاحتمال أن يكون المتكلم عجزَ أو جهلَ أو أخطأ، فإنه يلزم من ذلك أن يكون المتكلم أراد أن يكون كلامه ذاك مُفهِمًا خلافَ الواقع، وهذه إرادة تبعها العمل بمقتضاها، وهو الإتيان بذاك الكلام، وأقام المتكلم عليها الدليل، وهو ذاك الكلام. فهبْ أنه تأوَّل في نفسه لذاك الكلام معنًى واقعًا، فهل حقُّه أن يؤاخَذ بإرادته التي عمل بمقتضاها وأقام عليها الدليلَ، أم بتأويله في نفسه؟ وتأويله في نفسه غيبٌ عن المخاطب، ومع ذلك فقد أقام المتكلم الدليل على خلافه، ولو ساغ للمتكلم أن يعتدَّ على المخاطب بمثل هذا لساغ من باب أولى أن يعتدَّ عليه بأمرٍ في نفسه لم يتكلَّم به. وهذا هو التكليف بعلم الغيب والتكليف بما لا يُطاق، فإذا كان غيرَ جائز فأولى منه ما أقام المتكلم الدليلَ على خلافه.\nوما مثل ذاك التأويل إلّا مثل من يَعمِد إلى خمرٍ يعلم أنها خمر محرمة، فيخيِّل لنفسه أنها شراب تفاح أو نحوه من الأشربة المباحة، ثم يشربها مع ذلك العلم وذاك التخيل.\nويَعمِد إلى امرأة أجنبية يعلم أنها أجنبية لا تحلُّ له، فيخيِّل لنفسه أنها امرأته، فيواقعها مع ذاك العلم وذاك التخيل، فهل ينفعه ذاك التخيل عند الله تعالى وعند عباده، فلا يُحكَم عليه بأنه شاربُ خمرٍ زانٍ؟\nفإن قيل: فلماذا تأول إبراهيم ﵇ في كلماته، فأراد بقوله «هي","vol":"19","page":210},{"text":"أختي» الأخوة في الدين؟ ولماذا قال جمعٌ من أهل العلم في الكذب المرخَّص فيه: إن شرطه أن يتأول المتكلم في نفسه معنًى صحيحًا؟\nقلت: أما كلمات إبراهيم ﵇ فسيأتي النظر فيها ونوضِّح أن حاله كانت قرينة تدافع ظاهر الخبر، فيبقى معها مجملًا، وتلك الحال هي أنه كان يرى أنه إن [ص ٤٠] لم يُوهِمْهم أن المرأة أخته بطشوا به، وذاك الإيهام لدفع مفسدة، ولا تترتب عليه مفسدة، فهذه الحال مظنة الترخّص في الكلام. فلو لاحظَ المخاطبون هذا لصار الخبر عندهم في معنى المجمل فلا يكون كذبًا، وإذا لم يلاحظوا كانوا هم المقصرون.\nوهذا إنما يفيد المباعدة عن الكذب الصريح إذا تأوَّل في نفسه تأويلًا قريبًا، وذلك لوجهين:\nالأول: أنه إن لم يتأوله تأويلًا قريبًا لم تُخرِجْه القرينة ــ وإن كانت صريحة ــ عن أن يكون كاذبًا، كما في قولك مشيرًا إلى كتاب: «هذا فرس»، ومثله ما لو أشرت إلى رجل فقلت: «هذا حمار»، ولم تتأول حتى لو كان الرجل بليدًا في نفس الأمر، فإن هذا لا ينفعك لأنك لم تبْنِ عليه.\nالوجه الثاني: أن التزام التأويل القريب في النفس يستلزم أن يجيء الكلام قريبَ الاحتمال للمعنى الصحيح، فإذا تنبَّه المخاطب لحال المتكلم ــ وقد قدّمناها ــ قوِي عنده احتمالُ التأويل، وإن كانت تلك الحال كأنها قرينة ضعيفة. وإذا لم يتأول المتكلم في نفسه تأويلًا صحيحًا قريبًا، فقد يجيء الكلام بعيدًا عن احتمال التأويل، فلا يباعده عن الكذب الصريح حتى القرينة الواضحة، فضلًا عن تلك الحال الذي ذكرناها.","vol":"19","page":211},{"text":"ومع هذا كله فسيأتي أن إبراهيم ومحمدًا عليهما الصلاة والسلام قضيا على تلك الكلمات بأنها كذباتٌ وخطايا، وأن إبراهيم ﵇ يرى يوم القيامة أن صدورها منه يُقصِّر به عن رتبة الشفاعة، ويقضي عليه بأن يستحيي من الله ﷿ لأجلها.\nفأما ما قاله بعض أهل العلم من الكذب المرخّص فيه، فسيأتي الكلام فيه، والسرّ في قولهم باشتراط التأويل في النفس يُعلَم مما قلناه في حقّ إبراهيم ﵇.\n\n[ص ٤١]<span data-type=\"title\" id=toc-16> المطلب الرابع في القرينة</span>\nأجمع أهل العلم على أنه لابدَّ للمجاز من قرينة، فمنهم من قال: إنها ركن كالبيانيين، ومنهم من قال: شرط، ونُسِب هذا إلى الأصوليين. وأجمعوا أنه إذا لم تكن هناك قرينة فالكلام على حقيقته، فإن كان معناه الحقيقي مخالفًا للواقع فهو كذب. ومن الناس مَن يشترط في تسميته كذبًا أن لا يكون المتكلم مخطئًا يعتقد أنه واقع.\nواعلم أنه إذا دلّ الخبر بظاهره على معنى، وكان هناك دليلٌ يخالف ذاك الظاهر، فذاك على أوجه:\nالأول: أن (^١) ...\n_________\n(^١) يوجد بعده بياض في الصفحة. والكلام غير متصل بما بعدها.","vol":"19","page":212},{"text":"الدنيا، وليس في تلك الجهة غِربانٌ البتةَ، وأهل تلك الجهة سود، ولعل المخاطب أن يعرف ذلك ولو بعد سنين، أو يعرفه مَن بعده ولو بمئات السنين. فمن يبلغه هذا الخبر فحينئذٍ يتبيَّن أنني إنما قصدتُ بالغراب رجلًا أسود، فعلى هذا المخاطب إن راعى هذا الاحتمال [ألَّا] يقطع بظاهر الخبر.\nوبعدُ، فلو احتمل هذا لاحتمل مثله في نصوص الأحكام من الحلال والحرام وغيرها، إذ لا فرقَ بين أن يعتدّ في القرينة بعقلٍ غير حاصل للمخاطب، وبين أن يعتد بقرينة أخرى غير حاصلة له.\nومعلوم بالضرورة أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لم يكونوا يتوقفون عن العمل بما ينزله الله تعالى عليهم مما له معنى ظاهر بيِّن، لاحتمال أن يكون هناك [تأويل] وإن لم يظهر لهم، وأن الصحابة ﵃ لم يكونوا يتوقفون عن اعتقاد ظاهر الكتاب والسنة إذا لم يظهر لهم بعد التدبر قرينة صارفة عن ذلك، ولا كانوا يسألون النبي ﵌ هل المراد بهذا الكلام هذا الظاهر؟ بل لو كلِّفوا بذلك لاحتمل مثل ذلك في الكلام الثاني، وهكذا ويتسلسل، ولو كان يلزم الناسَ شيء من ذلك لكان من أحق ما ينبِّههم عليه الله ورسوله، إذ كيف يُقِرُّهم عليه طولَ أعمارهم وهو غلط يؤدي إلى اعتقاد الباطل؟\nوفوق هذا فكثيرًا ما يكون في سياق الكلام وسباقه ما يصير به نصًّا في المعنى لا يحتمل التجوُّز أصلًا، وقد يحتمل النص الواحد التجوّزَ ولكنه إذا ورد ذلك المعنى في مواضع كثيرة وكلها تفيد ذلك الظاهر متفقة عليه= استفيد من مجموعها القطعُ بذاك الظاهر.\nفإن قيل: فإن الله تبارك كما وصف نفسه بأنه يهدي، فقد وصف نفسه بأنه يُضلّ، وكما وصف كتابه بأنه هُدًى، فقد وصفه بأنه يُضلّ به.","vol":"19","page":213},{"text":"قلت: أخبر الله تعالى بأنه يُضِلُّ من يشاء، ثم أخبر بأنه يُضلّ مَن هو مسرف كذاب، ويضل الكافرين، ويضل الظالمين، وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١٥]، يعني ــ والله أعلم ــ فإذا لم يتقوا تعرضوا لإضلال الله ﷿.\nوقال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾ [البقرة: ٢٦].\nوقال تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٤ - ١٢٥].\nوقال تعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٤].\nفالإضلال بالقرآن ليس منه أن ينزل ﷿ آية لها ظاهر لا يفهم المخاطبون منها غيره، ويكون ذلك المعنى في نفس الأمر باطلًا، فإن هذا ــ مع ما فيه من التلبيس والكذب الذي يتعالى الله ﷿ عنه ــ من شأنه أن","vol":"19","page":214},{"text":"يضل المؤمنين قبلَ غيرهم، لأنهم هم الذين يسارعون إلى تصديق القرآن والعمل به.\nوإنما الإضلال بالقرآن على وجهين:\nالأول: أن يكون فيه ما يستنكره مَن في قلبه ريب، أو يخالف هواه لتقليدٍ أو إعجابٍ برأي أو غير ذلك.\nالثاني: أن يُنزِل الله تعالى آية إذا سمعها المؤمن وتدبَّرها، ونظر في سياقها وفي الآيات الأخرى، عرف المراد بها فاهتدى بها، وإذا سمعها الكافر أو الضال رأى أنها تحتمل ما يُوافق هواه، فتمسَّك بها اتباعًا لهواه لا إيمانًا بكتاب الله.\nفتدبَّر الآيات المتقدمة، وانظر ما فتح الله عليَّ، تجدْه هو الحق بحمد الله ﷿، فإياك أن تكون من القسم الأخير، فتضلَّ بقوله ﷿: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا﴾، فتكونَ من ذلك الكثير.\nثم ارْجعِ النظرَ، فانظر مَن هو المستحق لأن يهديه الله تعالى وأن يكون القرآن له هدًى، ومَن هو المستحق أن يضلَّه وأن يكون القرآن له عَمًى؟ وقد قال تعالى: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [أول سورة البقرة]، فهل الأحق بالهدى والاهتداء بالقرآن مَن يؤمن بالله وكتابه ورسوله، ويجعله إمامًا لا يطلب منه بدلًا، ولا يرضى بغيره حَكمًا، ولا يطلب على صدقِ خبر الله ﷿ دليلًا، ولا يتوقف عن الأخذ به لاحتمال أن يكون تلبيسًا، ولا يردُّه لمخالفته قولَ أفلاطون وأرسطو، والفارابي","vol":"19","page":215},{"text":"وابن سينا، وفلان وفلان، وفلان وفلان، أم مَن هو على خلاف ذلك؟ والله يهدي مَن يشاء إلى صراط مستقيم.","vol":"19","page":216},{"text":"[ص ٩٢] (^١) أحبارهم ورهبانهم أربابًا.\nهذا، وقد أخطأ في معنى عبادة الشيطان فرقتان:\nالأولى: الخوارج؛ زعموا أن الآيات المتقدمة أو بعضها تدل على أن طاعة الشيطان شرك بالله، وحملوا ذلك على الإطلاق، فقالوا: إن كل من ارتكب كبيرة فقد أطاع الشيطان، فهو مشرك.\nوقد كان يلزمهم أن يطردوا ذلك في جميع المعاصي حتى الصغائر.\nوقد علمت الحق، وهو أن الشرك هو طاعة الشيطان في شرع الدين، بأن يوسوس للإنسان أن هذا حلال وهذا حرام، وهذا مقرب إلى الله، وأشباه ذلك، فيطيعه الإنسان، ويتخذ ذلك دينًا بغير سلطان من الله ﷿.\nفأما من يطيعه في شرب الخمر مثلًا، إيثارًا لشهوته، عارفًا معترفًا بأن ذلك الفعل معصية لله ﷿، ضارٌّ في الدين، سببٌ للخسران المبين، راجيًا أن يوفّقه الله للتوبة= فهذا ليس من الشرك في شيء؛ فإنه لم يطلب بترك الطاعة وارتكاب ذاك الفعل نفعًا غيبيًّا، بل هو عارف معترف بأن ذلك مقتضٍ للضرر الغيبي.\nالفرقة الثانية: جماعة من المفسرين وغيرهم؛ لم يحققوا معنى «العبادة»، ولا تدبروا الآيات حق تدبرها، فقالوا: إن هذه الآيات مما جاء على طريق التشديد، وإلا فطاعة الشيطان لا تكون عبادة له، ولا شركًا بالله ﷿، إلا أن يطيعه في السجود لصنم مثلًا، فيكون ذلك شركًا،\n_________\n(^١) من هنا تبدأ القطعة الثالثة، وفيها استطراد في ردّ شبهة المشركين في قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾. وفي آخره ذكر تأخير البيان عن وقت الحاجة، ثم الضرب الثاني من المجمل (التورية).","vol":"19","page":217},{"text":"ومع ذلك [ص ٩٣] فليس عبادة للشيطان.\nوقد علمت الحق، ولله الحمد.\nوقال الله ﷿: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ [القصص: ٥٠].\nأي ــ والله أعلم ــ: أنه لا أحد أضلُّ ممن اتبع هواه في أمر الدين، فتديَّن بالباطل لأنه يهواه، ورفض الدين الحق لأنه لا يهواه.\nوقال سبحانه: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ [الجاثية: ٢٣].\nوقال تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾ [الفرقان: ٤٣].\nفمن سوَّلتْ له نفسه شيئًا فهوِيَه، فاتخذه دينًا، فقد أطاع هواه تلك الطاعة التي هي عبادة، كما تقدم.\nواعلم أن المشركين كانوا يعلمون معنى «العبادة» والتأليه، كيف والشرع إنما خاطبهم بلغتهم، ولكن قد يغفلون عن بعض الفروع حتى ينبههم الشرع. ويتضح ذلك بما يأتي:\n١ - كانوا يتخذون الأصنام تماثيل للإناث الغيبيات، التي يزعمون أنها الملائكة، ثم يكرمون تلك الأصنام، ويتبركون بها، ويتمسحون بها، ويعكفون عندها، ونحو ذلك، ويسمون ذلك عبادةً وتأليهًا للأصنام ولتلك الإناث اللواتي جعلت الأصنام تماثيل لهن.","vol":"19","page":218},{"text":"٢ - [ص ٩٤] كانوا يدعون تلك الإناث، يسألون منها أن تنفعهم، ويقولون: إنهم إنما يطلبون منها أن تشفع لهم عند الله ﷿ الذي بيده ملكوت كل شيء، ويسمون مع ذلك دعاءهم ذاك عبادةً وتأليهًا لتلك الإناث، أو قل: للملائكة؛ فإنهم كانوا يزعمون أن تلك الإناث هي الملائكة.\n٣ - كانوا يطيعون أسلافهم ورؤساءهم في شرع الدين، كا تخاذ الأصنام، والتحليل والتحريم، وغير ذلك، ولا يسمون تلك الطاعة عبادة وتأليهًا لمن أطاعوه، فنبههم القرآن والسنة على أنها عبادة وتأليه لمن أطاعوه، وبين لهم أنهم يطيعون بتلك الطاعة الشياطين التي توسوس لهم بأن تلك الأمور من الدين، وأهواءهم التي تزين لهم اتخاذ تلك الأمور دينًا، وأن ذلك عبادة وتأليه للشياطين والأهواء.\n٤ - كانوا يحترمون الكعبة أبلغ من احترام الأصنام، ويرون ذلك عبادة لله، لا عبادة وتأليهًا للكعبة، وكانوا يرون النبي - ﵌ - والمسلمين يحترمون الكعبة، يطوفون بها، ويقبِّلون الحجر الأسود، ونحو ذلك، ولم يتشبث بذلك أحد من المشركين بأن يقول مثلًا: إن محمدًا يعبد الكعبة، ويتخذها إلهًا، فكيف يزعم أنه لا إله إلا الله، وأنه لا ينبغي أن يعبد سواه؟\nما ذلك إلا لأنه كان من الواضح المكشوف عندهم أن تلك الأعمال عبادة لله ﷿، لا للكعبة.\n٥ - كانوا يعلمون أن المسلمين مما يخاطب أحدهم النبي - ﵌ -، وهو بحيث يسمع كلامه عادةً، قائلًا: يا رسول الله، ادع الله لنا. ونحو ذلك. ولم يتشبث أحدٌ منهم بهذا، كأن يقول: [ص ٩٥] إن محمدًا يقر أصحابه أن يدعوه ليشفع لهم إلى الله ﷿، فكيف ينكر علينا أن ندعو الملائكة؛ ليشفعوا","vol":"19","page":219},{"text":"لنا إلى الله ﷿؟\nوما ذاك إلا لوضوح الفرق عندهم، وعلمهم بأن سؤالهم من الملائكة دعاءٌ وعبادةٌ للملائكة، وأن ما يقع من المسلمين ليس من الدعاء الذي هو عبادة لغير الله تعالى.\n٦ - كانوا يعلمون طاعة المسلمين للنبي - ﵌ - في الأحكام الدينية، ويعلمون أن النبي - ﵌ - يدعو الناس إلى طاعته فيها. ولم يتشبث أحد منهم بذلك، كأن يقول: إن محمدًا يزعم أننا نعبد ونؤلِّه رؤساءنا والشياطين والأهواء بطاعتنا لهم في أمور الدين، فكيف يدعو الناس إلى طاعته في الدين، ويقر من اتبعه عليها، ثم يزعم أنه لا إله إلا الله، ولا تنبغي العبادة لغيره تعالى؟\nما ذلك إلا لعلمهم بوضوح الفرق بين الطاعتين، وأن ما وقع منهم مما ذكر حريٌّ أن يكون عبادة وتأليهًا لمن أطاعوه تلك الطاعة، واتخاذًا له ربًّا وندًّا، وأن ما يدعو إليه النبي - ﵌ - ويقرّ عليه من طاعته في الدين ليس عبادة له ولا تأليهًا.\nهذا كله يوضح أنهم كانوا يعرفون أن العبادة هي الخضوع، طلبًا للنفع الغيبي. فما كان كذلك، فإن كان الله تعالى أنزل به سلطانًا، وأقام عليه برهانًا، فهو عبادة لله سبحانه، ولو كان يتراءى من ظاهره أن فيه خضوعًا لغيره تعالى. وإن لم يُنزل به الله سلطانًا، فهو عبادة وتأليه لغيره.\nفقد عرفوا أن الثلاثة الأمور الأولى عبادة؛ لأنها خضوعٌ يُطلَب به نفع غيبي.\nأما الأول والثالث؛ فظاهر.","vol":"19","page":220},{"text":"وأما الثاني؛ فلأن الملائكة أنفسهم غيب؛ لأنهم لا يعلمون بطريق عادية أنهم منهم بحيث يسمعون خطابهم، أو بحيث يبلغهم بطريقٍ عاديةٍ كما يعلم الإنسان أن صاحبه حي بهذه الحياة الدنيا قريب منه، [ص ٩٦] بحيث يسمع كلامه في العادة، فيخاطبه بكلام يسمعه، أو بعيد عنه فيرسل إليه رسولًا، أو يكتب إليه كتابًا، أو يرفع صوته بمحضر الناس لعل بعضهم يبلغه.\nوأما الأمر الرابع؛ فقد عرفوا أنه عبادة، كما مرّ.\nوأما الأمر الخامس؛ فقد عرفوا أنه ليس بعبادة؛ لأن المسلمين إنما كانوا يسألون من النبي - ﵌ - الدعاء وهو حي هذه الحياة الدنيا، وبطريق عادية على نحو ما مرَّ قريبًا، حتى كانوا إذا كانوا بعيدًا منه - ﵌ - ولم يمكنهم الإرسال والكتابة، وأحبوا أن يعلم بأمرهم، قالوا: «اللهم بلِّغ عنا رسولك»، كما قال عاصم بن ثابت (^١)، أو كما قال الخزاعي (^٢):\nاللهم إني ناشدٌ محمدًا ... حِلْفَ أبينا وأبيه الأتلدا\n\nوكما قال خبيب بن عدي لما أراد المشركون قتله: «اللهم إني لا أجد من يُبلِّغ رسولَك مني السلام، فبلِّغْه» (^٣).\nوفي رواية (^٤): «اللهم إنا قد بلَّغنا رسالة رسولك، فبلِّغه الغداةَ ما يُصنع\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٩٨٩، ٤٠٨٦) من حديث أبي هريرة ضمن قصة قتله.\n(^٢) هو عمرو بن سالم الخزاعي، والرجز في «سيرة ابن هشام» (٢/ ٣٩٤).\n(^٣) انظر «فتح الباري» (٧/ ٣٨٣).\n(^٤) انظر «سيرة ابن هشام» (٢/ ١٧٣) و«حلية الأولياء» (١/ ١١٣).","vol":"19","page":221},{"text":"بنا». انظر «فتح الباري» (^١) عند شرح باب غزوة الرجيع، قوله: «ثم قال: اللهم أَحْصِهم عددًا ...». وانظر «سيرة ابن هشام» (^٢)، ذكر يوم الرجيع.\nأما ما يروى أن خُبيبًا نادى: «يا محمد»، فإنما أخرجه أبو نعيم في «الحلية» (^٣) من طريق الهيثم بن عدي، وهو كذَّاب، كذبه ابن معين والبخاري وغيرهما، وفي السند علل أخرى.\nودعاء الإنسان الحي هذه الحياة، أعني أن يدعو الله تعالى لإنسان= ليس هو نفسه نفعًا غيبيًّا؛ لأن قدرته على ذلك واختياره فيه معروف في العادة، كسائر كلامه، والسائل إنما سأل الدعاء، لا ما يرجو أن يترتب عليه من النفع الغيبي. فإذا كان السؤال بطريق عادية، كما كان يقع من الصحابة، فليس من العبادة في شيء، [ص ٩٧] وإنما هو سؤال نفعٍ عادي. بخلاف دعاء المشركين الملائكة ليشفعوا لهم؛ فإن الملائكة غيبٌ، وطريق السؤال مبني على الغيب، فتكون الشفاعة المطلوبة نفعًا غيبيًّا.\nوأما السادس؛ فقد علموا أنه عبادة.\nلكن كانوا ــ أعني المشركين ــ قد عرفوا أن الثلاثة الأولى عبادة لم ينزل الله تعالى بها سلطانًا، إنما هي مبنية على الخرص والهوى والتقليد لمن لم ينزل الله سلطانًا باتباعه.\nوأن الرابع أنزل الله تعالى به سلطانًا مبينًا، يتناقلونه خلفًا عن سلف، عن\n_________\n(^١) (٧/ ٣٨٣).\n(^٢) (٢/ ١٧٣).\n(^٣) (١/ ٢٤٥، ٢٤٦).","vol":"19","page":222},{"text":"خليل الله ورسوله إبراهيم الذي أنزل الله سلطانًا بتصديقه، والأمر باتباعه.\nوأن الخامس ليس بعبادة، كما مرّ.\nوأن السادس عبادة، لكن لما كان محمد - ﵌ - يقول: إنه رسول الله، وأن الله أنزل سلطانًا بتصديقه والأمر باتباعه، والمسلمون يقولون ذلك، علم المشركون أنهم إن اعترضوا على النبي - ﵌ - والمسلمين أجابوهم بهذا، فلذلك تركوا ذاك الاعتراض، واقتصروا على التكذيب.\nالوجه الثاني لدفع شبهة المشركين في قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [الأنبياء: ٩٨]: أن المشركين كانوا يعبدون إناثًا غيبيات يزعمون أنهن بنات الله، وأنهن يحببن أن يُعبَدن، وأنهن يشفعن عند الله ﷿ لعبّادهن، ويسمونهن تسمية الأنثى: اللات، العزى، مناة، ويقولون: إنهن هن الملائكة.\nولا ريب أن الملائكة ليسوا بهذه الصفة، فصح بهذا الوجه أيضًا أنهم لم يكونوا يعبدون الملائكة.\nفأما عبادتهم لتلك الإناث، فتارة يجعلها القرآن [ص ٩٨] عبادة لما لا وجود له، وتارة يجعلها عبادة للشياطين.\nقال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [العنكبوت: ٤٢].\nوقال سبحانه: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (٢٠) أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (٢١) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى (٢٢) إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ","vol":"19","page":223},{"text":"وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى (٢٣) أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى (٢٤) فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولَى (٢٥) وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى (٢٦) إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلَائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثَى﴾ [النجم: ١٩ - ٢٧].\nفالمراد هنا باللات والعزى ومناة: تلك الإناث الخياليات التي يزعمون أنها بنات الله، وأنها الملائكة، فوبَّخهم الله ﷿ على نسبة الولد إليه، مع اختيارهم له تعالى الإناث.\nثم بين أنه لا وجود لتلك الإناث، وإنما يوجد منها الأسماء، كما قال في آية العنكبوت: ﴿مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ﴾.\nثم بيَّن أنه على فرض وجود إناث هن الملائكة، فالملائكة لا يستحقون العبادة؛ لأنهم لا يملكون نفعًا ولا ضرًّا، حتى الشفاعة فإنهم إنما يشفعون بعد إذنه ورضاه، وقال في آية أخرى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨]، وفي ذلك آيات كثيرة.\nثم بين أن زعمهم أن الملائكة إناث، وتسميتهم إياهم تسمية الإناث، من جهلهم وضلالهم.\nفبهذا يتبيَّن استقامة الكلام، وانتظامه، وائتلافه.\nلكن كان المشركون قد جعلوا لتلك الإناث الخياليات [ص ٩٩] تماثيل، وسموها بأسمائها، كما هي عادة المشركين إلى الآن في الهند والصين","vol":"19","page":224},{"text":"وغيرها، وكما جاء في «الصحيح» (^١) في شأن ودّ وسُواع ويغوث ويعوق ونسر: أنها أسماء رجالٍ صالحين كانوا في قوم نوح فهلكوا، فاتخذ لهم مَن بعدهم تماثيل، وسمَّوها بأسمائهم وعبدوها، وكما هي العادة العامة في الصور والتماثيل، فيقال في صورة الفرس: «هذا فرس»، ويقال في صورة الرجل المعروف أو تمثاله: «هذا فلان» باسم ذلك الرجل، فاشتهرت تلك الأسماء: اللات والعزى ومناة في تلك التماثيل، وتُنوسِيَ أمر الجاهلية، فظن كثير من المفسرين أنها المرادة في آيات النجم، فوقعوا في خبط شديد.\nوقد أوضحت هذا المقام في «كتاب العبادة» ولله الحمد، وذكرت أدلته من السنة والتاريخ وغيرهما.\nوقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١١٦) إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا﴾ [النساء: ١١٦ - ١١٧].\nوقد مر أن عبادة الشيطان هي طاعته في شرعِ الدين، ولعبادته وجه آخر، وهو: أن من شأنه أن يتعرض لعبادة البشر، لتكون في الصورة له. ولذلك جاء في الحديث: «إن الشمس تطلع بين قرني شيطان، وحينئذٍ يسجد لها الكفار» (^٢).\nفالشمس لا تزال طالعة، تطلع على قطعة من الأرض، ثم على التي غربيها، وهكذا. فإذا طلعت على قطر [ص ١٠٠] انتصب الشيطان بين أهل ذلك القطر وبينها؛ لأن من أهل ذاك القطر من يسجدون لها عند طلوعها،\n_________\n(^١) البخاري (٤٩٢٠).\n(^٢) أخرجه مسلم (٨٣٢) من حديث عمرو بن عبسة.","vol":"19","page":225},{"text":"فيخيل الشيطان أنهم إنما سجدوا له، مع أنهم عابدون له من جهة الطاعة، كما مر.\nولكنه لا يقف عند ذلك، بل يتعرض لعبادة الله ﷿، فإذا رأى من يصلي لله ﷿ حاول أن يقف أمامه، ولذلك أمر النبي - ﵌ - باتخاذ السترة، مع الاستعاذة.\nوتحقيق هذا يطول، وقد أوضحته في «كتاب العبادة».\nفلما رأى الشياطين أن المشركين يعبدون إناثًا غيبيات، وسموها: اللات والعزى ومناة، ونصبوا لها التماثيل= قال الشياطين: ليس هناك إناث غيبيات عن الناس يحببن أن يُعبدن إلا من الشياطين، فعمدوا إلى شيطانةٍ سموها «العزى»، ووكلوها بتمثال «العزى»، وهكذا ...\nويوضح ذلك ما روي في الحديث في قصة هدم «العزى»، وفيه (^١): «فأتاها خالد، وكانت ثلاث سَمُرات، فقطع السمرات، وهدم البيت الذي كان عليها، ثم أتى النبي - ﵌ - فأخبره، فقال: ارجع، فإنك لم تصنع شيئًا فرجع خالد، فلما أبصرته السدنة مضوا وهم يقولون: يا عزَّى! يا عزَّى! فأتاها فإذا امرأة عريانة ناشرة شعرها، تحثو التراب على رأسها، فجعل يضربها بالسيف حتى قتلها، ثم رجع إلى رسول الله - ﵌ - فأخبره، فقال ﵊: تلك العزى». راجع «الدر المنثور» (^٢)، وغيره.\n_________\n(^١) أخرجه النسائي في «السنن الكبرى» (١١٥٤٧) والبيهقي في «دلائل النبوة» (٥/ ٧٧) من حديث أبي الطفيل.\n(^٢) (١٤/ ٣٠، ٣١).","vol":"19","page":226},{"text":"[ص ١٠١] وفي رواية (^١): «فقطعها، فخرجت منها شيطانة ناشرة شعرها ...».\nففي هذا أن السدنة كانوا يقولون بعد الهدم وقطع الشجر: «يا عزّى! يا عزّى» فالعزّى عندهم غير ما هُدِم وقُطِع.\nوفيه قول النبي - ﵌ - في تلك الشيطانة: «تلك العزى». وهو واضح فيما تقدم.\nهذا، وتمام الكلام في «كتاب العبادة»، وإنما المقصود أن المشركين تمسكوا بتلك الشبهة في قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ ...﴾\nمع ضعفها (^٢).\nفلو لم يكن معروفًا عندهم، مشهورًا بينهم أن تأخير البيان إلى وقت الحاجة لا يعد كذبًا ولا تلبيسًا ولا تناقضًا؛ لشنَّعوا في النصوص التي جاءت من هذا القبيل.\nومع هذا فقد ذهب كثير من أهل العلم إلى منع تأخير البيان عن وقت الخطاب، وأجابوا عن تلك النصوص بما هو معروف.\nومن الضرب الثاني من المجمل: ما روي أن النبي - ﵌ - كان إذا أراد غزوةً ورَّى بغيرها (^٣).\n_________\n(^١) «طبقات ابن سعد» (٢/ ١٤٦).\n(^٢) هنا وضع المؤلف خطًّا فاصلًا، وكتب في آخره في الهامش: «آخر الاستطراد».\n(^٣) أخرجه البخاري (٢٩٤٧) ومسلم (٢٧٦٩/ ٥٤) من حديث كعب بن مالك.","vol":"19","page":227},{"text":"ومثلوا لتلك التورية بأن يسأل عن جهة أخرى غير التي يريدها، كيف طرقها ومياهها، وغير ذلك من أحوالها.\nوذلك أنه كان إذا أراد غزوة أمر الناس أن يتجهزوا ويستعدوا، فيخشى أن يكون هناك من يتجسس للقوم الذي يريد غزوَهم، فيذهب فينذرهم، فيستعدوا ويتحرزوا، فيسأل - ﵌ - عن جهةٍ أخرى عسى أن يسمع المتجسسون سؤاله.","vol":"19","page":228},{"text":"[ص ٤٧] (^١) فقد كانوا يتشبثون بأوهن الشبهات، فلولا أنه كان معروفًا عندهم، مشهورًا بينهم أن تأخير البيان إلى وقت الحاجة لا يُعدُّ كذبًا ولا تلبيسًا ولا تناقضًا؛ لشنَّعوا في النصوص التي جاءت على ذلك الوجه.\nومع هذا فقد ذهب كثير من أهل العلم إلى منع تأخير البيان عن وقت الخطاب، وأجابوا عن تلك النصوص بما هو معروف.\nومن الضرب الثاني من المجمل: ما روي أن النبي - ﵌ - كان إذا أراد غزوة ورَّى بغيرها (^٢).\nومثَّل أهل العلم لتلك التورية بأن يسأل عن جهة أخرى غير التي يريدها، أي بأن يسأل عن طرقها ومياهها، وغير ذلك من أحوالها.\nوذلك أنه كان إذا أراد غزوة أمر أصحابه بأن يستعدوا ويتجهزوا، فيخشى أن يكون هناك من يتجسس للقوم الذين يريد غزوهم، فيذهب فينذرهم فيستعدوا ويتحرزوا، فيسأل - ﵌ - عن جهة أخرى عسى أن يسمع المتجسسون سؤاله، [ص ٤٨] فيستنبطوا منه احتمال أنه إنما يريد غزو تلك الجهة التي سأل عنها.\nففي هذا أولًا: أن سؤاله عن الجهة ليس بخبر.\nوثانيًا: الخبر الذي يدل عليه محتمل، فقد يسأل عن تلك الجهة خوفًا من أهلها أن يسمعوا بخروجه من المدينة إلى الجهة التي قصدها، فيخالفوه إلى المدينة، فيسأل عن جهتهم؛ ليعلم أيخشى منهم ذلك أم لا.\n_________\n(^١) من هنا تبدأ القطعة الرابعة من الكتاب. والكلام الذي قبلها في القطعة الثانية، وتكرَّر جزء منه لأن المؤلف كتبه مرةً ثانية.\n(^٢) سبق تخريجه قريبًا.","vol":"19","page":229},{"text":"وقد يسأل عنها ليغزوها يومًا من الدهر، لا ليغزوها بذاك الاستعداد الحاضر.\nوقد يسأل عنها ليعرفها، لعل معرفتها تفيد يومًا من الدهر، مع صرف أوهام المتجسسين عن الجهة التي يريد غزوها، وظاهر الحال مع ذلك تدافع أنه إنما سأل عن تلك الجهة ليغزوها من فوره، وذلك أن من شأن الإمام المحارب أن يحرص على كتمان مقصوده.\nفمن تدبر هذا تبين له أن ذاك السؤال لا يظهر منه للمتدبر ما هو خلاف الواقع، بل يبقى عنده محتملًا.\n* * * *","vol":"19","page":230},{"text":"(^١)<span data-type=\"title\" id=toc-24> ما يأتي الخلل في فهمه من تقصير المخاطب</span>\nقد يكون الكلام بحيث يتراءى منه ظهوره في معنى، فإن قصَّر المخاطب فهم ذلك المعنى، وإن تدبَّر بان له أن الظاهر الحقيقي خلاف ما ظهر أولًا، أو يتدافع الاحتمالان، فيبقى الكلام مجملًا.\nفمن أمثلة ذلك التي فتح الله ــ وله الحمد ــ عليّ بكشف جلية الحال فيها بما لم أره في كلام أحدٍ من أهل العلم:\n[ص ٤٩] ما في «الصحيح» (^٢)\nعن سهل بن سعد: «نزلت ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، ولم ينزل: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾، فكان رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجليه الخيط الأبيض والخيط الأسود، ولا يزال يأكل حتى يتبين له رؤيتهما، فأنزل الله بعدُ: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾، فعلموا أنه إنما يعني الليل والنهار».\nأقول: يُعلم من مجموع الأخبار في هذا الأمر أنه كان من المقرر عند المسلمين قبل نزول هذه الآية حكمان:\nأحدهما: أن الصائم يحرم عليه الأكل والشرب والجماع في النهار، وهو ما بين طلوع الفجر الصادق وغروب الشمس.\nهذا هو المعروف في الشرع، وهو الراجح في اللغة.\n_________\n(^١) كتب المؤلف هنا «المطلب السادس»، ثم شطب عليه وكتب «الثامن»، ثم شطب عليه أيضًا.\n(^٢) البخاري (١٩١٧، ٤٥١١) ..","vol":"19","page":231},{"text":"وخالف في هذا قوم فقالوا: إنما هو من الإسفار إلى غروب الشمس. فعند هؤلاء لا يحرم على الصائم الأكل وغيره بطلوع الفجر، وإنما يحرم بالإسفار، مع موافقتهم على أن وقت صلاة الصبح يدخل بطلوع الفجر.\nالحكم الثاني: أنه يحرم على الصائم ذلك كلُّه ليلةَ الصيام بعد النوم فيها، فمن نام بعد المغرب ثم استيقظ وهو يريد أن يصبح صائمًا لم يحل له الأكل ولا الشرب ولا الجماع بقيةَ ليلته، ثم يحرم عليه ذلك أيضًا في تمام اليوم بمقتضى الحكم الأول. ومن لم ينم لم يحرم عليه شيء في ليلته، وإنما يحرم عليه في نهاره بمقتضى الحكم الأول.\nفكان الأمر كذلك حتى ظهرت في الناس شدة الحكم الثاني ومشقته عليهم، فكان من ذلك أن بعضهم كان يعود إلى بيته في أثناء الليل، فيريد امرأته، فتأبى عليه زاعمة أنها قد نامت في ليلتها تلك، وهي ليلة صيام، تريد أنه بنومها يحرم عليها ما يريده [ص ٥٠] منها، وأنه ليس له أن يوقعها في ما يحرم عليها، وإن كان هو لم ينم، فلم يلتفت بعضهم إلى قول أزواجهم ووقعوا عليهن.\nوكان بعضهم تغلبه عيناه بعد المغرب قبل أن يأكل، فيمتنع من الأكل بقية ليلته، ويصبح صائمًا، فيشق ذلك عليه، مع أن أكثرهم كانوا أهل عمل، يعملون بأيدهم في حوائطهم وغيرها، فغُشي على بعضهم نصفَ النهار، فأنزل الله ﷿: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ","vol":"19","page":232},{"text":"الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ [البقرة: ١٨٧].\nفمن عرف الحكمين السابقين، وعرف أن الليل ما بين غروب الشمس إلى طلوع الفجر، ثم رأى في أثناء الآية ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ = علم أن الكلام مختص بالحكم الثاني، وهو حكم الوقاع ليلة الصيام، وحرمته على من قد نام فيها، وأن هذا ترخيص في ذلك.\nوإذا فكّر علم أن الأكل والشرب في معنى الوقاع، من جهة منافاته للصوم، ومن جهة شدة تحريمه عليهم في ليلة الصيام على من قد نام فيها. فإذا بلغ قوله: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ استقر عنده ذلك. أي: أن الله ﷿ نسخ الحكم الثاني، فرخص في الوقاع والأكل والشرب في ليلة الصيام، وهي ما بين غروب الشمس إلى طلوع الفجر، لمن قد نام فيها.\nفإذا سمع قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾، فإنه إن رأى أن تبيُّن الخيطين من الغزل لا يكون إلا بعد خروج الليل بمدة= علم أنه إن حملت الآية على ذلك كان مخالفًا لما دل عليه ما تقدم أن النسخ مختص بالحكم الثاني، [ص ٥١] مع ما دل عليه أولها وسياقها وسبب النزول، كما مر، فيحمله ذلك على تطلُّب معنى آخر، فيجده على طرف الثُّمام، فإن الكلام دائرٌ على وقت الفجر الذي يختلط فيه بياض النهار بسواد الليل، ويبدو ذلك جليًّا على ما يقرب من صورة الخيطين في الأفق الشرقي، وقد عبروا عنه في أشعارهم بالخيط.","vol":"19","page":233},{"text":"قال أبو دُواد الإيادي (^١) ــ وهو جاهلي ــ:\nفلما تبدَّتْ لنا سُدْفةٌ ... ولاح من الصبح خيطٌ أنارا\n\nفيتضح له أن هذا هو المعنى الصحيح، وإن احتمل عنده أن يتبين الخيطان من الغَزْل أول دخول النهار، فقد يتوقف، لكن يبعد عنده ذلك [من] وجوه:\nالأول: أن الليالي المقمرة يتبين فيها الخيطان من الغزل في أثناء الليل.\nالثاني: أن هذا يكون مخالفًا لما تقرر سابقًا في الشرع في ما يعرف به خروج الليل ودخول النهار، وليس هناك ما يدعو إلى هذا؛ لأن ما تقرر سابقًا هو الأيسر والأظهر.\nالثالث: أن من سنة الشرع أن ينوط الأحكام بعلامات جلية، كما في أوقات الصلوات، وليس تبيُّن الخيطين من الغزل مما يشبه ذلك. فيحمله ذلك على تطلُّب معنى آخر، فيجده من كَثَبٍ كما مر.\nوالظاهر أن جمهور الصحابة لم يَخْفَ عليهم الصواب، وإنما وقع في الخطأ أفراد، لعلهم كما قال عياض (^٢) وتبعه النووي (^٣): ممن قرب عهده بالإسلام، وكأنهم أخذوا آخر الآية من قوله: ﴿وَكُلُوا﴾، ولم يتأملوا أولها.\n_________\n(^١) «ديوانه» (ص ٣٥٢) و«لسان العرب» (خيط).\n(^٢) «إكمال المعلم» (٤/ ٢٥).\n(^٣) «شرح صحيح مسلم» (٧/ ٢٠١).","vol":"19","page":234},{"text":"[ص ٥٢] فقوله تعالى بعد ذلك: ﴿مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ ليس هو بيانًا لمجمل، كما توهمه بعضهم، فإن البيان كان حاصلًا قبله، ولكنه زيادة بيان وإيضاح.\nوفي هذا دليل على عناية الله ﷿ بعباده؛ إذ يبين لهم ما اشتبه على بعضهم، وإن كان بينًا بنفسه لمن تدبر، وفي ذلك ما يوضح قبح دعوى ابن سينا ومن وافقه، كما يأتي.\nهذا، وإن كان الحكم كان سابقًا ــ كما يقوله بعض أهل العلم ــ أنه إنما كان يحرم الأكل وغيره بالإسفار، فلم يترتب على خطأ الذين أخطأوا مفسدةٌ؛ لأن تبيُّن الخيطين من الغزل في غير الليالي المقمرة لا يتأخر عن الإسفار.\nوقد زعم بعضهم (^١) أن الحكم كان هكذا، فنسخ بقوله: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾. وهذا باطل، كما أوضحه ابن حجر في «الفتح» (^٢) وغيره.\nنعم، لو قيل: كان الحكم سابقًا إلى الإسفار، ثم نسخ بقوله: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ ...﴾؛ لكان أقرب. والله الموفق.\nالمثال الثاني: ما روي أن نساء النبي - ﵌ - اجتمعن عنده يومًا، فقلن له: أيتنا أسرعُ لحوقًا بك؟ فقال: «أطولكن يدًا» (^٣). فكن بعد ذلك إذا اجتمعن\n_________\n(^١) مثل الطحاوي في «معاني الآثار» (٢/ ٥٣ - ٥٤).\n(^٢) (٤/ ١٣٥).\n(^٣) أخرجه البخاري (١٤٢٠) ومسلم (٢٤٥٢) من حديث عائشة.","vol":"19","page":235},{"text":"يتطاولن في الجدار، ثم كانت أولهن لحوقًا به - ﵌ - زينب بنت جحش، وكانت من أقصرهن، ولكنها كانت أكثرهن صدقة، فعلمن أنه - ﵌ - إنما عنى بطول اليد كثرة الصدقة.\nأقول: من تدبر أصل القصة بان له أن قوله: «أطولكن يدًا» ليس بظاهر في طول اليد الحقيقي، [ص ٥٣] بل هو ظاهر في كثرة الصدقة، فمن لم يدقق تدافع عنده الاحتمالان، فيبقى الكلام مجملًا.\nوبيان ذلك بأوجه:\nالأول: أن التصريح بأن فلانة ستموت قبل صواحبها مخالفٌ للحكمة الشرعية، ما لم تتعلق به مصلحة، ولا تظهر هنا مصلحة. وقوله: «أطولكن يدًا» لو أراد به الحقيقة، لكان تصريحًا؛ لأنهن يتطاولن فيعرفن التي هي أطولهن يدًا.\nالثاني: أنهن كن معتدلات الخلق، فأطولهن يدًا لابد أن تكون أطولهن مطلقًا، فلو أراد الطول الحقيقي لقال: «أطولكن»، واكتفى به. فما فائدة زيادة «يدًا»؟ !\nالثالث: أنه لو أراد الطول الحقيقي لكان تصريحًا، كما مر، فلماذا عدل عن أن يسميها باسمها إلى قوله: «أطولكن يدًا»، وحملُهن على التطاول لا تظهر فيه مصلحة؟ !\nالرابع: أن سرعة اللحاق به كانت عندهن فضيلة مرغوبة لهن، فالظاهر أن ترتب على عمل صالح، وليس الطول الحقيقي كذلك.","vol":"19","page":236},{"text":"وفي «صحيح مسلم» (^١) أن النبي - ﵌ - أخبر ابنته فاطمة بموته، فبكت، فأخبرها أنها أسرع أهله لحوقًا به، فضحكت. فإخباره لها كان لمصلحة، وهي بشارتها بما تحبه؛ ليخفف ذلك من شدة حزنها، ويعينها على الصبر، وترتب ذلك على عمل صالح، وهو حسن الصبر، ففي بعض الروايات (^٢) أنه قال لها: «فاتقي الله واصبري».\nفمن تدبر ما تقدم حمله ذلك على تطلُّب معنى آخر، فيجده قريبًا، فإن الكناية بطول اليد عن كثرة الإنفاق قريبة جدًّا، والمناسب هنا هو الإنفاق في الخير، وهذا المعنى ينفي التصريح المخالف للحكمة، ولا يؤديه أن يقال: «أطولكن»، [ص ٥٤] فلم يكن بدٌّ من زيادة «يدًا»، وليس فيه حملٌ لهن ــ لو تدبرن فعرفنه ــ على التطاول في الجدار، أو غيره مما لا مصلحة فيه. وكثرة الصدقة عمل صالح تناسب أن ترتب عليها تلك الفضيلة المرغوبة.\nويُشبه ــ والله أعلم ــ أن لا يكون خفي عليهن هذا كله، ولكن تدافع عندهن الاحتمالان، فتطاولن بناء على أحدهما، وإن كان غير متعين عندهن، فلما ماتت زينب تعين أحد الاحتمالين قطعًا.\nفإن قيل: ولماذا لم يصرح لهن النبي - ﵌ - بأن يقول: «أكثركن صدقة» أو نحو ذلك؟\nقلت: قد يكون خشي عليهن أن يعتقدن أنها غير معينة، وإنما المدار على كثرة الصدقة، فيحملهن ذلك على التباري في كثرة الصدقة، فيضر ذلك\n_________\n(^١) رقم (٢٤٥٠) من حديث عائشة.\n(^٢) رقم (٢٤٥٠/ ٩٨).","vol":"19","page":237},{"text":"بهن، لشدة رغبتهن في سرعة اللحاق به - ﵌ -، ومع أنه ما فيهن إلا من كانت كثيرة الصدقة.\nفإن قيل: فعلى هذا يكون - ﵌ - أحب أن لا يفهمهن أن طول اليد معناه كثرة الصدقة.\nقلت: لا بأس بهذا، فيكون أحب أن يبقى الكلام عندهن محتملًا للمعنيين.\nفإن قيل: فيكون مجملًا تأخر بيانه إلى أن ماتت زينب بعد موته بمدة.\nقلت: ليس هو بمجمل في الحقيقة، ورغبته - ﵌ - في أن يبقى الكلام عندهن محتملًا للمعنيين لا تضر، مع سلامة الكلام في نفسه من الإجمال، على أنه لو كان مجملًا محتملًا فليس في أمر الدين، فلا يضر تأخر بيانه.\nالمثال الثالث: ما يروى من مزاحه - ﵌ -.\nكان رسول الله - ﵌ -[ص ٥٥] ربما لاطف بعض أصحابه بمزاحٍ تدعو إليه مصلحة، ولا يخرج عن الحق.\nوقد قال له بعض أصحابه: إنك تداعبنا؟ فقال - ﵌ -: «إني لا أقول إلا حقًّا» (^١).\nإنما قال هذا لأن أكثر الناس لا يحسنون المزاح بالحق، أو لا يكتفون به.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد في «مسنده» (٨٤٨١) والبخاري في «الأدب المفرد» (٢٦٥) من حديث أبي هريرة. وإسناده صحيح.","vol":"19","page":238},{"text":"رُوي عن أنس: أن رجلًا أتى النبي - ﵌ -، فاستحمله، فقال: «إنا حاملوك على ولد ناقة». قال: يا رسول الله، ما أصنع بولد ناقة؟ فقال رسول الله - ﵌ -: «وهل تلد الإبلَ إلا النوقُ؟». انظر «مسند أحمد» (٣/ ٢٦٧) (^١).\n«استحمله»: أي سأله بعيرًا يركبه، ويحمل عليه متاعه وزاده في السفر.\nو«ولد الناقة»: أصله في اللغة ما ولدته الناقة، صغيرًا كان أو كبيرًا، لكن من الحيوان ما لا يعرف للصغير من أولادها اسم خاص، فيقال مثلًا: «ولد زرافة» يراد الصغير، كما يقال: «ابن زرافة». فأما «الإبل» فللكبير منها اسم خاص، كبعير وجمل وناقة، وللصغير اسم خاص كفَصِيل. فقوله - ﵌ -: «ولد ناقة» قد يتبادر منه الصغير، كما في «ولد زرافة»، والوجه أن يكون محتملًا؛ لأنه إن قيل: لو أراد الكبير لقال: «على بعير» أو «على جمل»، قيل: ولو أراد الصغير لقال: «على فصيل». وإذا كان الأمر كذلك، فقوله - ﵌ -: «إنا حاملوك» ظاهره بيِّن في أنه إنما أراد الكبير؛ لأن الصغير لا يحمل عليه، والرجل إنما سأل الحملان لحاجته إليه في الحال، والصغير لا يغني عنه شيئًا في حاجته، لكن لما كان لا يكاد الناس يقولون: «ولد ناقة»، ويقولون: «ولد زرافة» ونحوه في الصغير= استعجل الرجل، ففهم الصغير.\nوأراد النبي - ﵌ - أولًا ملاطفة الرجل؛ ليخفَّ عنه ما أصابه من غمّ الانقطاع، ولينبهه إذا أخطأ، فيكون في ذلك تعليم له، ليحتاط بعد ذلك فلا يستعجل في البناء على ما يتراءى له من الكلام حتى يتدبره.\n_________\n(^١) رقم (١٣٨١٧). وأخرجه أيضًا البخاري في «الأدب المفرد» (٢٦٨) وأبو داود (٤٩٩٨) والترمذي (١٩٩١) وغيرهم، وإسناده صحيح.","vol":"19","page":239},{"text":"[ص ٥٦] ومما قد يدخل في هذا القبيل: ما روي في إرشاد من أحدث وهو في صلاة الجماعة أن يأخذ بأنفه ويخرج من المسجد (^١).\nقالوا (^٢): والحكمة في ذلك إيهام أنه رُعِف.\nوأقول: الأخذ بالأنف هنا عملٌ ليس بكلام، ولكنه يدل على خبر، كأنه يقول: إني رُعِفت.\nوقد يقال: إن هذا داخلٌ في معنى الكذب.\nوأقول: أما من علم بما روي في الإرشاد إلى ذلك، فإنه إذا رأى إنسانًا فعله لم يفهم منه معنى «إني رُعِفت»، بل يحتمل عنده أنه رعف، ويحتمل أنه أحدث وإنما أخذ بأنفه اتباعًا للمروي في ذلك، وبهذا يخرج ذاك الفعل عن معنى الكذب البتة. وأما من جهل ما روي في ذلك، فقد ينسب التقصير إليه بجهله.\nومن عادة الناس أنهم يعيبون من أحدث في صلاته، ويضحكون منه، فقد يُخشى على من أحدث في صلاته أن يستمر فيها ظاهرًا خوفًا من عيب الناس وضحكهم، ففي الأخذ بالأنف ما يدفع المفسدتين، فإن الناس لا يعيبون من أصابه الرعاف في الصلاة، فإذا علم الإنسان أن أخذه بأنفه يدفع عنه عيب الناس وضحكهم لم يشق عليه قطع الصلاة والخروج.\n_________\n(^١) أخرج أبو داود (١١١٤) وابن ماجه (١٢٢٢) وابن خزيمة (١٠١٨) وابن حبان (٢٢٣٨) وغيرهم عن عائشة أن رسول الله   - ﷺ -  قال: «إذا أحدث أحدكم وهو في الصلاة فليأخذ على أنفه، ثم لينصرفْ». وإسناده صحيح.\n(^٢) انظر «معالم السنن» (٢/ ٢٢).","vol":"19","page":240},{"text":"ففي ذاك الفعل دفع مفسدتين، ولا مفسدة فيه، فإنه إذا لوحظ مع ذلك ما روي في أمر من أحدث بأن يأخذ بأنفه، انتفى الكذب البتة، كما مر، والله أعلم (^١).\n* * * *\n_________\n(^١) وللمؤلف كلام على هذه المسألة ضمن «فوائد المجاميع» (ص ١٣٨ - ١٤١) في شرح حديث «الحياء لا يأتي إلا بخير».","vol":"19","page":241},{"text":"[ص ٥٧] (^١)<span data-type=\"title\" id=toc-28> في المعاريض وكلمات إبراهيم</span>\nيروى عن النبي - ﵌ -: «إن في المعاريض لمندوحةً عن الكذب» (^٢).\nوعن عمر: «أما في المعاريض ما يغني المسلم عن الكذب؟» (^٣).\nوعن ابن عباس: «ما أحبُّ بمعاريض الكلام حُمْر النعم» (^٤).\nقال بعض أهل العلم: وهو كلام يشبه بعضه بعضًا في المعاني، كالرجل تسأله: هل رأيت فلانًا؟ فيكره أن يكذب وقد رآه، فيقول: إن فلانًا لَيُرَى.\nأقول: كثيرًا ما يحتاج الإنسان إلى الجواب ويكره التصريح، كالمثال المذكور، فإن المسؤول لما سئل احتاج إلى الجواب، وهو لا يريد الإخبار بالصدق، كأن يقول: نعم، ولا بالكذب فيقول: لا. فسلك طريقًا ثالثًا فقال: «إنه لَيُرى»، وعدوله إلى هذا يدل السائل على كراهيته التصريح، ولكنه كره أن يعرض عنه، أو يقول: لا أخبرك، أو لا تسألني؛ لما في ذلك من الإيحاش وخشونة الخلق، وقد يؤدي ذلك إلى ما لا يحمد.\n_________\n(^١) كتب المؤلف قبله: «المطلب السابع» ثم شطب عليه، وكتب «التاسع» ثم شطب عليه أيضًا.\n(^٢) أخرجه البيهقي في «السنن الكبرى» (١٠/ ١٩٩) من حديث عمران بن حصين مرفوعًا، وقال: تفرد برفعه داود بن الزبرقان، وروي من وجه آخر ضعيف عن علي مرفوعًا.\n(^٣) أخرجه البخاري في «الأدب المفرد» (٨٨٤) والطبري في «تهذيب الآثار ــ مسند علي» (٢٤٢).\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة في «المصنف» (٨/ ٥٣٥) والطبري في «تهذيب الآثار» (٢٤٥) بنحوه.","vol":"19","page":242},{"text":"وقوله: «إنه ليرى» ليس بظاهر في أنه رآه، ولا أنه لم يره، لكن كأنه أقرب إلى الأول، وهو الواقع. فما كان من الكلام هكذا فليس من الكذب في شيء، كما لا يخفى.\nفأما إذا كان المسؤول لم ير فلانًا، فلما سئل أجاب بما ذكر، فإنه إن صح أن ذلك أقرب إلى الإثبات كان فيه رائحة الكذب.\nفالحاصل أن الخبر إذا كان أقرب إلى الدلالة على الواقع، أو تعادل الاحتمالان، فهو غير مذموم، بل هو محمودٌ بلا ريب، للتخلص به عن الإيحاش وخشونة الخلق، كما مرَّ. وعلى ذلك ينبغي حمل ما تقدم من الآثار.\n[ص ٥٨] وعدَّ جماعة من أهل العلم كلمات إبراهيم [عليه] السلام الثلاث من المعاريض (^١)، وهي: أنه لما سئل عن امرأته قال: «هي أختي». ولما عرض عليه قومه الخروج معهم إلى زينتهم نظر نظرة في النجوم، فقال: إني سقيم. ولما سألوه في شأن تحطيم أصنامهم: أنت فعلتَ هذا؟ قال: بل فعله كبيرهم هذا، فاسألوهم إن كانوا ينطقون.\nوفي عدِّها من المعاريض نظرٌ من وجهين:\nالأول: أن تلك الكلمات ظاهرة في خلاف الواقع، وإن كان الظهور ليس بالواضح.\n_________\n(^١) انظر «أحكام القرآن» لابن العربي (٣/ ١٢٥٣) و«تفسير القرطبي» (١٤/ ٢٢١) ط. التركي، و«فتح الباري» (٦/ ٣٩١).","vol":"19","page":243},{"text":"وفي «الصحيحين» (^١)\nمن حديث أبي هريرة مرفوعًا: «لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات ...»، فذكر تلك الكلمات.\nوفي «مسند أحمد» (^٢) من حديث ابن عباس مرفوعًا نحوه.\nوفي «الصحيحين» (^٣) من حديث أنس مرفوعًا في ذكر فزع الناس إلى الأنبياء يوم القيامة يسألونهم الشفاعة، فيأتون آدم، ثم نوحًا، ثم إبراهيم، ثم موسى، فيعتذر كل من هؤلاء بتقصير كان منه في الدنيا، فيذكر آدم أكله من الشجرة، وموسى قتله النفس، وفيه في عذر إبراهيم: «فيقول: لست هناكم، ويذكر خطيئته»، زاد مسلم: «التي أصاب، فيستحيي ربه منها».\nوفي رواية للبخاري (^٤) في كتاب التوحيد: «فيقول: لست هناكم، ويذكر خطاياه التي أصابها».\nوفي أخرى (^٥): «ويذكر ثلاث كذبات كذبهن».\nوفي «الصحيحين» (^٦) من حديث أبي هريرة مرفوعًا نحوه، وفيه في قول إبراهيم في عذره: «إن ربي قد غضب اليوم ... وإني قد كنت كذبت ثلاث كذبات». لفظ البخاري في تفسير سورة الإسراء، ولفظ مسلم: «إن\n_________\n(^١) البخاري (٣٣٥٧، ٣٣٥٨) ومسلم (٢٣٧١) ..\n(^٢) رقم (٢٥٤٦، ٢٦٩٢)، وإسناده ضعيف لضعف علي بن زيد بن جدعان.\n(^٣) البخاري (٦٥٦٥) ومسلم (١٩٣).\n(^٤) رقم (٧٤١٠).\n(^٥) عند البخاري (٧٤٤٠).\n(^٦) البخاري (٤٧١٢) ومسلم (١٩٤).","vol":"19","page":244},{"text":"ربي قد غضب اليوم ... وذكر كذباته».\nوقد جاء الحديث من رواية جماعة آخرين من الصحابة.\nفإطلاق الخليلين إبراهيم ومحمد عليهما الصلاة والسلام على تلك الكلمات «كذبات» يدفع أن تكون من المعاريض [ص ٦٠] التي لا رائحة للكذب فيها.\nويؤكده أن نبينا كان شديد التوقير لأبيه إبراهيم عليهما الصلاة والسلام. صح عنه أنه قال: «نحن أولى بالشك من إبراهيم» (^١). وقال له رجل: يا خير البرية! فقال: «ذاك إبراهيم» (^٢).\nفكيف يُظَنُّ به أن يقول: «لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات» وهو يعلم أنها ليست من الكذب في شيء؟\nمع أنه تحرى في هذا الحديث الثناء على إبراهيم، فبيَّن أنه لم يقع منه كذب إلا تلك الثلاث، ثم قال: «ثنتين منهن في ذات الله ﷿، قوله: إني سقيم، وقوله: بل فعله كبيرهم هذا. وقال: بينا هو ذات يوم وسارة (يعني امرأته) إذ أتى على جبار من الجبابرة ....».\nفإن قيل: قد يكون الكلام من تأكيد المدح بما يشبه الذم، كقول النابغة (^٣):\nولا عيبَ فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلولٌ من قِراع الكتائب\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٤٥٣٧) ومسلم (١٥١) من حديث أبي هريرة.\n(^٢) أخرجه مسلم (٢٣٦٩) من حديث أنس بن مالك.\n(^٣) «ديوانه» (ص ٤٤) ط. دار المعارف.","vol":"19","page":245},{"text":"قلت: إنما يحسن مثل هذا حيث يكون المستثنى واضح الخروج من المستثنى منه، وليس الأمر ههنا كذلك.\nوقد سماها في الحديث الآخر «خطايا»، ونظمها في سلك أكل آدم من الشجرة، وقتل موسى للنفس، وحكم إبراهيم بأنها تقصر به عن مقام الشفاعة، وتقتضي استحياءه من ربه لأجلها.\nوبالجملة، فالجواب عن تلك الكلمات بأنها ليست بكذب كما ترى (^١).\nوثَمَّ جوابٌ آخر، وهو أن الظاهر أن تلك الكلمات وقعت من إبراهيم ﵇ قبل نبوته، كما أن قتل موسى [ص ٦١] النفس كذلك، وقد قصَّ الله تعالى عنه أنه ذُكِّر بتلك الفعلة، فقال: ﴿قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ (٢٠) فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ٢٠ - ٢١].\nوقريب من ذلك حال آدم، فإن أكله من الشجرة كان في الجنة قبل النبوة المعتادة.\nوقد قال الله تعالى في القصة التي ذكر فيها قول إبراهيم: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ﴾ وهي إحدى الكلمات: ﴿قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ\n_________\n(^١) ذكر المؤلف هنا كلامًا وأحاطه بدائرة، ونصه: (فإن قيل: فما حكمها في شرعنا؟ قلت: أما من جهة الاسم فالظاهر دخولها في الكذب، وأما من جهة الإثم فلا إثم في مثلها إذا وقع ممن ليس بنبي، بل يمكن أن يقال بالاستحباب. فأما الأنبياء فالذي يظهر من الأدلة أنه ينبغي تنزههم عنها؛ لما يأتي في المطلب العاشر، إن شاء الله تعالى).","vol":"19","page":246},{"text":"الظَّالِمِينَ (٥٩) قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ (٦٠) قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ (٦١) قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَاإِبْرَاهِيمُ (٦٢) قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ﴾ [الأنبياء: ٥٩ - ٦٣].\nوالكلمة الثانية وهي قوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩] كانت قبل ذلك، فأما الثالثة وهي قوله: «هي أختي»، فالظاهر ــ والله أعلم ــ أنها بعد ذلك، لكن في سياق القصة ما قد يُشعِر بأنها كانت قبل النبوة. فإطلاقهم عليه «فتى» ظاهر في أنه يومئذٍ لم يبلغ أربعين سنة، فإن الفتى هو الشاب الحدَث، كما في «المصباح» (^١).\nوقد صرح كثير من أهل العلم أن الأنبياء إنما نُبِّئوا بعد بلوغ كل منهم أربعين سنة، كما وقع لنبينا ﵊. وجزم به القاضي أبو بكر ابن العربي وآخرون، وتأولوا ما في قصتي يحيى وعيسى.\nوقال قوم: إن ذلك هو الغالب.\nفإن قيل: فإن اثنتين من تلك الكلمات وقعتا في صدد دعوته قومه إلى التوحيد، والثالثة يظهر أنها بعد ذلك، فكيف يدعو قبل النبوة؟\nقلت: قد كان هداه الله تعالى [ص ٦٢] من صباه بتوجيه نظره إلى الآيات الكونية.\nقال الله ﷿: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ\n_________\n(^١) «المصباح المنير» (فتي).","vol":"19","page":247},{"text":"وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (٧٥) فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾.\nثم ذكر القمر والشمس ﴿فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٧٨) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٧٩) وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ﴾ [الأنعام: ٧٥ - ٨٠]. فكان يُحاجُّ قومه بما هداه الله إليه بنظره.\nفإن قيل: لو كانت تلك الثلاث قبل النبوة لَذكر معها قوله: «هذا ربي»، فإن هذا أشد.\nقلت: قد ذكر في بعض الروايات (^١)، لكن قيل: إنه خطأ من الراوي (^٢). وعلى هذا فقد يقال: إنما لم تذكر تلك الكلمة؛ لأنها كانت في الطفولة، كما قاله بعض أهل العلم (^٣)، وتلك الثلاث كانت بعد البلوغ.\nوفي هذا نظر؛ فإن قول النبي (- ﵌ -): «لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات» يعم الطفولة.\nوقد يقال: إنما لم يذكرها لأن إبراهيم لم يرد بها الإخبار، وإنما أراد الاستفهام الإنكاري.\nوهذا القول حكاه ابن جرير (^٤) عن بعض أهل النظر، وردَّه، وروى عن\n_________\n(^١) «صحيح مسلم» (١٩٤/ ٣٢٨).\n(^٢) انظر «فتح الباري» (٦/ ٣٩١).\n(^٣) انظر «تفسير القرطبي» (١٤/ ٢٢٣، ٨/ ٤٣٨) ط. التركي.\n(^٤) «تفسيره» (٩/ ٣٥٩).","vol":"19","page":248},{"text":"ابن عباس (^١) ما ينص على أن الكلام على الإخبار، وأن إبراهيم فعل ما يوافق ذلك. ولم يذكر ابن جرير عن أحدٍ من السلف خلافه.\nومع هذا، فمن مال إلى هذا التأويل من أهل النظر وجهوه بأن إبراهيم أراد في نفسه الاستفهام، وأراد في الظاهر إيهام قومه أنه موافق لهم، ليكون ذلك أقرب إلى جرِّهم إلى الحق. وعلى هذا، فهذه الكلمة بل الكلمات أشدُّ من تلك الثلاث، والحديث السابق يأبى ذلك، كما مر.\nفإن قيل: أفليس الأنبياء معصومين من الكفر مطلقًا؟\nقلت: ليس هذا بكفر في حكم الشرع؛ فإن إبراهيم ﵇ قال ذلك قبل أن يفرض عليه، فضلًا عن أن تقوم عليه [حجة] بنظرٍ ولا غيره، وهو حريصٌ على معرفة الحق، باذلٌ وُسْعه في تحصيلها، صادق العزم على اتباع الحق على كل حال، ليس في نفسه شائبة هوى في غير الحق. فإن كان ذلك في الطفولة، فالأمر واضح.\nفإن قيل: فعلى هذا أيضًا يبقى الإشكال بحاله، أو أشد؛ فإن قوله: «هذا ربي» يكون خبرًا مخالفًا للواقع ظاهرًا وباطنًا، وتلك الثلاث إن كان الخبر فيها بخلاف الواقع فظاهرًا فقط.\nقلت: تلك الثلاث كانت عمدًا، أي أن إبراهيم كان يعلم أن الظاهر غير واقع، وأما قوله: «هذا ربي» فخطأٌ محضٌ غير مُؤاخَذٍ به.\nوالمتبادر من قولهم: «لم يكذب فلان» نَفْي أن يكون وقع منه إخبارٌ بخلاف الواقع يلام عليه.\n_________\n(^١) أخرجه الطبري (٩/ ٣٥٦) وابن أبي حاتم في تفسيره (٤/ ١٣٢٨، ١٣٢٩).","vol":"19","page":249},{"text":"وفي «صحيح مسلم» (^١) في أحاديث البكاء على الميت: «فقالت عائشة: يغفر الله لأبي عبد الرحمن، أما إنه لم يكذب، ولكنه نسي أو أخطأ».\nوفي رواية (^٢): «قالت: إنكم لتحدثون عن غير كاذبين ولا مكذَّبين، ولكن السمع يخطئ».\nوقولهم: «كذب فلان»، المتبادر منه أنه تعمد، أو أخطأ خطأً حقُّه أن يلام عليه.\nومن ذلك حديث: «كذب أبو السنابل» (^٣)، وقول عبادة: «كذب أبو محمد» (^٤)، وقول ابن عباس: «كذب نوف» (^٥)، وما أشبه ذلك.\nوالكذب لغة: هو مخالفة الخبر ــ أي ظاهره الذي لم تُنصَبْ قرينة على خلافه ــ للواقع مطلقًا. لكن لشدة قبح الكذب، وأن العمد أغلب من الخطأ، كان قولنا: «كذب فلان» مشعرًا بذمه، فاقتضى ذلك أن لا يؤتى بذلك حيث ينبغي التحرز عن الإشعار بالذم. والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.\nهذا، ولم يرد إبراهيم ﵇ بقوله: «هذا ربي» رب العالمين، وإنما بنى على ما كان يقوله قومه في الكواكب، وهو أن أرواح الملائكة\n_________\n(^١) رقم (٩٣٢/ ٢٧).\n(^٢) رقم (٩٢٩/ ٢٢).\n(^٣) سبق تخريجه.\n(^٤) أخرجه مالك في «الموطأ» (١/ ١٢٣) ومن طريقه أبو داود (١٤٢٠) والنسائي (١/ ٢٣٠).\n(^٥) أخرجه البخاري (١٢٢، ٣٤٠١) ومسلم (٢٣٨٠).","vol":"19","page":250},{"text":"متعلقة بها، مدبرة بواسطتها ما أقدرها الله عليه، أو شافعة إليه، ولما رأو أن الكواكب لا تكون ظاهرة أبدًا اتخذوا الأصنام تذكاراتٍ لها، ولأرواحها، فكانوا يعظِّمون الأصنام والكواكب تقربًا لتلك الأرواح، ويقولون: [ص ٦٣] إن الله تعالى رب الأرباب، وإله الآلهة.\nوقد أوضحت هذا بدلائله من الكتاب والسنة وأقوال السلف، والآثار التاريخية، والمقالات، وغير ذلك في كتاب «العبادة». ولله الحمد.\nوعلى كل حال، فتلك الكلمات إن ترجح أنها داخلة فيما يُسمَّى كذبًا فهي من أخفِّ ذلك وأهونِه.\nولنبين ذلك في إحداها:\nدخل إبراهيم ومعه امرأته سارة بلدًا كان ملكه جبارًا، إذا سمع بامرأة جميلة أخذها، فإن كان لها زوج بطش به، فلما سمع الجبار بسارة أرسل إلى إبراهيم فسأله عنها، فخاف أن يقول: امرأتي، فيبطش به، وأن يقول: أجنبية عني، فيقال: فما شأنك معها؟ فقال: «هي أختي»، وأراد الأخوة الدينية، فإطلاق «أخ»، و«أخت» في الأخوة الدينية شائع ذائع، فاحتمال الخبر للمعنى الواقع قريب كما ترى.\nومع ذلك، فهناك قرينة من شأنها إذا تنبه لها المخاطب أن توهن الظاهر، وهي أن تلك الحال يحتاج من وقع في مثلها إلى التورية وإيهام خلاف الواقع؛ ليدفع عن نفسه الظلم، ويدفع عن مخاطبيه الوقوع في الظلم، ولا تترتب على ذاك الإيهام مفسدة.\nفقد يقال: إن هذه الحال قرينة إذا نظر إليها على هذا الوجه، ولوحظ أن","vol":"19","page":251},{"text":"الخبر محتمل احتمالًا قريبًا لغير ظاهره= صار الخبر مجملًا محتملًا لكل من المعنيين على السواء، فعلى هذا لا يكون كذبًا.\nلكن قد يرد على هذا أن تلك الحال إذا لوحظت إنما تقتضي أن من وقع فيها قد يترخص في الكذب، فالاعتداد بها لا يبرئ الخبر عن اسم الكذب.\nألا ترى أنه لو علم الجبار بالواقع لكان له أن يقول لإبراهيم: لم كذبت؟ (^١).\n_________\n(^١) أشار المؤلف بعدها إلى أن تتمة الكلام في (ص ١٩). والتتمة في «القائد» ضمن «التنكيل» (٢/ ٣٩٨)، والبحث كله هناك بنحو ما هنا.","vol":"19","page":252},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-29>المطلب العاشر (^١)\nما رُخِّص فيه مما يقول الناس: إنه كذب</span>\nفي «الصحيحين» (^٢) من طريق ابن شهاب الزهري أن حميد بن عبد الرحمن أخبره أن أمه أم كلثوم بنت عقبة أخبرته أنها سمعت رسول الله - ﵌ - يقول: «ليس الكذّاب الذي يُصلح بين الناس، فيَنْمِي خيرًا أو يقول خيرًا».\nزاد بعضهم (^٣): «قال ابن شهاب: ولم أسمع يُرخَّص في شيء مما يقول الناس إنه كذب إلا في ثلاث: الحرب، والإصلاح بين الناس، وحديث الرجل امرأته وحديث المرأة زوجها».\nولم يسمِّ ابن شهاب من سمع منه الترخيص في هذه الثلاث.\nوأدرج بعضهم هذه الزيادة في الحديث، فجعلها من كلام أم كلثوم، ولفظه: «وقالت: ولم أسمعه يُرخِّص ...». هكذا في «صحيح مسلم» (^٤)، وفي «مسند أحمد» (٦/ ٤٠٣) (^٥): «وقالت: لم أسمعه ...».\nوأشار مسلم والنسائي إلى أن الصواب أنها من قول الزهري، كما في\n_________\n(^١) كتب المؤلف أولًا «الثامن»، ثم شطب عليه وكتب «العاشر».\n(^٢) البخاري (٢٦٩٢) ومسلم (٢٦٠٥).\n(^٣) في رواية مسلم.\n(^٤) في الرواية الثانية له.\n(^٥) رقم (٢٧٢٧٢).","vol":"19","page":253},{"text":"«فتح الباري» (^١)، وفيه: «وجزم موسى بن هارون وغيره بإدراجها». أي أدرجها بعضهم في الحديث، وإنما هي من قول الزهري.\nوكان الزهري فقيهًا، يروي الحديث، ثم يذكر كلامًا من عنده في تفسير الحديث، أو فيما يستنبط منه، أو نحو ذلك، فربما توهم بعض السامعين أن ذلك من تمام الحديث.\nوفي «فتح المغيث» (ص ١٠٣) (^٢): «وقد قال أحمد: كان وكيع يقول في الحديث: «يعني».\nوربما طرح «يعني» وذكر التفسير في الحديث، وكذا كان الزهري يفسِّر الأحاديث كثيرًا، وربما أسقط أداة التفسير، فكان بعض أقرانه دائمًا يقول له: افصِلْ كلامك من كلام النبي - ﵌ -».\n[ص ٦٤] وقد أخرج أبو داود (^٣) من طريق أبي الأسود النضر بن عبد الجبار عن نافع بن يزيد عن ابن الهاد أن عبد الوهاب بن أبي بكر حدثه عن ابن شهاب عن حميد بن عبد الرحمن عن أمه أم كلثوم بنت عقبة قالت: ما سمعت رسول الله - ﵌ - يرخِّص في شيء من الكذب إلا في ثلاث، كان رسول الله - ﵌ - يقول: «لا أعدُّه كاذبًا: الرجل يُصلِح بين الناس، يقول القول لا يريد به إلا الإصلاح، والرجل يقول في الحرب، والرجل يحدّث امرأته، والمرأة تحدّث زوجها».\n_________\n(^١) (٥/ ٣٠٠).\n(^٢) (١/ ٢٨٧، ٢٨٨) ط. الهند.\n(^٣) رقم (٤٩٢١). وقد وهم عبد الوهاب في رفعه، قال الدارقطني في «العلل» (٩/ ٣٥٩ طبعة الدباسي): هذا منكر، ولم يأتِ بالحديث المحفوظ الذي عند الناس. وانظر «الفتح» (٥/ ٣٠٠).","vol":"19","page":254},{"text":"ورجاله موثقون، إلا أن النضر بن عبد الجبار اختلط عليه حديثه عن نافع بن يزيد، فكان لا يميز بين ما هو سماعٌ له منه، وما هو إجازةٌ.\nوأخرج الطبراني في «المعجم الصغير» (ص ٣٧) (^١) نحوه من طريق وهب الله بن راشد، ثنا حيوة بن شريح، ثنا يزيد بن عبد الله بن الهاد، ثنا عبد الوهاب بن أبي بكر، عن ابن شهاب، عن حميد. وقال: لم يروِه عن حيوة بن شريح إلا وهب الله بن راشد.\nووهب الله صدوق يخطئ كثيرًا.\nفإما أن يكون أحد الرواة وقع له الحديث، وفيه تلك الزيادة مدرجة، فروى بالمعنى وقدّم وأخّر.\nوإما أن يكون ابن شهاب سمع من حميد نفسه الأصل الذي في الصحيحين، وسمع من رجل عن حميد عن أمه الترخيص في الثلاث، فكان ربما اقتصر على ما سمعه من حميد، وربما أتبعه بما سمعه من رجل عن حميد على أنه من كلامه ــ أي الزهري ــ، أو على أنه أرسله عن أم كلثوم.\nوربما روى ما سمعه من رجل عن حميد فدلّسه، فإن ابن شهاب مدلس، وفي هذه الرواية: ابن شهاب عن حميد.\nفإن صح هذا الاحتمال الثاني تعين أن يكون ابن شهاب سمع تلك الزيادة من رجل عن حميد، والرجل مجهول، وابن شهاب يروي عن كل أحد.\n_________\n(^١) (١/ ٧٠) ط. المكتبة السلفية.","vol":"19","page":255},{"text":"وإن صح الاحتمال الأول، فقد يكون ابن شهاب إنما بلغه تلك الزيادة من طريق شهر بن حوشب.\nوفي «مسند أحمد» (٦/ ٤٠٤) (^١): «ثنا حجاج، قال: ثنا ابن جريج، عن ابن شهاب، عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف، عن أمه أم كلثوم بنت عقبة أنها [ص ٦٥] قالت: رخّص النبي - ﵌ - من الكذب في ثلاث: في الحرب، وفي الإصلاح بين الناس، وقول الرجل لامرأته».\nوفي هذا ــ مع عنعنة ابن شهاب ــ عنعنة ابن جريج، وهو مدلس أيضًا.\nفأما حديث شهر بن حوشب، فأخرج الترمذي في كتاب البر والصلة من «جامعه» (^٢) من طريق عبد الله بن عثمان بن خُثيم، عن شهر بن حوشب، عن أسماء بنت يزيد قالت: قال رسول الله - ﵌ -: «لا يصلُح الكذب إلا في ثلاث: يحدث الرجل امرأته ليرضيها، والكذب في الحرب، والكذب ليصلح بين الناس».\nثم قال الترمذي: وهذا حديث حسن، لا نعرفه من حديث أسماء إلا من حديث ابن خثيم، وروى داود بن أبي هند هذا [ص ٦٦] الحديث عن شهر بن حوشب عن النبي - ﵌ - مرسلًا، لم يذكر فيه: عن أسماء.\nأقول: وابن خثيم وثّقه جماعة، لكن وصفه جماعة بالغلط، حتى قال ابن المديني: إنه منكر الحديث. وداود بن أبي هند أثبت منه، فالراجح أن\n_________\n(^١) رقم (٢٧٢٧٨).\n(^٢) رقم (١٩٣٩). وأخرجه أيضًا أحمد (٢٧٥٩٧، ٢٧٦٠٨) والطبراني في «الكبير» (٢٤/ ١٦٦).","vol":"19","page":256},{"text":"الحديث مرسل، وشهر تكلم فيه شعبة وغيره، ووثَّقه غير واحد، والله أعلم.\nوترجم البخاري في كتاب الجهاد: «باب الكذب في الحرب» (^١). وأورد فيه قصة قتل كعب بن الأشرف (^٢)،\nوفيها أن محمد بن مسلمة ﵁ انتدب لقتله، فذهب وخادع كعبًا، قال له: «إن هذا ــ يعني النبي - ﵌ - ــ قد عنَّانا وسألَنا الصدقة». وذكر البخاري القصة في الباب الثاني (^٣)، وفيها في محاورة محمد بن مسلمة للنبي - ﵌ - عند الانتداب لقتل كعب: «فأْذن لي فأقول، فقال: قد فعلت».\nففي هذا أن النبي - ﵌ - أذن لمحمد بن مسلمة أن يقول، يعني أن يقول ما يحتاج إليه في التوصل إلى قتل ابن الأشرف.\nوفي «مسند أحمد» (٣/ ١٣٨) (^٤): «ثنا عبد الرزاق، ثنا معمر، قال: سمعت ثابتًا يحدث عن أنس قال: لما افتتح رسول الله - ﵌ - خيبر قال الحجاج بن عِلاط: يا رسول الله! إن لي بمكة مالًا، وإن لي بها أهلًا، وإني أريد أن آتيهم، فأنا في حلٍّ إن نلتُ منك أو قلت شيئًا؟ فأذن له رسول الله - ﵌ - أن يقول ما شاء، فأتى امرأته حين قدم، فقال: اجمعي ما كان عندك، فإني أريد أن أشتري من غنائم محمد (- ﵌ -) وأصحابه، فإنهم قد استبيحوا، أو أصيبت [ص ٦٧] أموالهم، قال: ففشا ذلك ... فجمعت امرأته ما كان عندها\n_________\n(^١) (٦/ ١٥٨) مع «الفتح».\n(^٢) رقم (٣٠٣١) ..\n(^٣) رقم (٣٠٣٢).\n(^٤) رقم (١٢٤٠٩).","vol":"19","page":257},{"text":"من حليٍّ ومتاع، فجمعتْه ثم دفعته إليه، ثم استمرَّ (^١) به ..».\nوذكر ابن إسحاق (^٢) القصة بغير إسناد، وذكر فيها عن الحجاج ما هو كذب ظاهر، فإن فيها عن الحجاج أنه لقي جماعة من قريش، فقالوا له: «بلغنا أن القاطع (يريدون النبي - ﵌ -) قد سار إلى خيبر ...»\nوأنه أجابهم بقوله: «قد بلغني»، ثم قال: «قلت: هُزِم هزيمةً لم تسمعوا بمثلها قط، وقتل أصحابه قتلًا لم تسمعوا بمثله قط، وأُسِر محمد أسرًا، وقالوا: لا نقتله حتى نبعث به إلى أهل مكة ...».\nفهذا لا يصلح للحجة، وإنما الاعتماد على حديث أنس، فإن سنده صحيح.\nأقول: أما حديث «ليس الكذاب ...» فهذا التركيب يأتي في الكلام على وجهين:\nالأول: أن يقصد به بيان أن حصول مدلول خبر «ليس» منافٍ لحصول مدلول اسمها على الكمال.\nكحديث: «ليس المؤمن بالطعّان، ولا اللعّان، ولا الفاحش البذيء» (^٣)\n_________\n(^١) كذا في الطبعة القديمة من «المسند» و«غاية المقصد» (٢٧٢٩) و«إتحاف الخيرة» (٤٥٩٧). وفي طبعة الرسالة: «انْشَمَر» أي تهيَّأ، وهو كذلك في «مصنّف عبد الرزاق» (٩٧٧١) و«المعجم الكبير» للطبراني (٣١٩٦) و«دلائل النبوة» (٤/ ٢٦٨).\n(^٢) كما في «سيرة ابن هشام» (٢/ ٣٤٥ وما بعدها).\n(^٣) أخرجه أحمد في «المسند» (٣٨٣٩) والبخاري في «الأدب المفرد» (٣٣٢) والترمذي (١٩٧٧) وغيرهم، قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، وقد روي عن عبد الله من غير هذا الوجه. وصححه الحاكم في «المستدرك» (١/ ١٢) على شرط الشيخين.","vol":"19","page":258},{"text":"فالمعنى أن كل واحدة من هذه الخصال تنافي كمال الإيمان، فكثرة الطعن في أعراض الناس تنافي كمال إيمان الطعان. وقِسْ على ذلك.\nوكحديث: «ليس المسكين الذي يطوف على الناس، تردُّه اللقمة واللقمتان، والتمرة والتمرتان، ولكن المسكين الذي لا يجد غنًى يُغنيه، ولا يُفطَن له فيتصدق عليه، ولا يقوم فيسأل الناس» (^١). فطواف الفقير على الناس من شأنه أن يحصل به ما يُعيشه، وذلك منافٍ لكمال المسكنة.\nوكحديث: «ليس المؤمن بالذي يشبع وجاره جائع إلى جنبه» (^٢).\nالوجه الثاني: أن يقصد به أن حصول مدلول خبر «ليس» لا يحصل به مدلول اسمها على الكمال.\nكحديث: «ليس الغنى عن كثرة العَرَض، ولكن الغنى غنى النفس» (^٣). فالمعنى [ص ٦٨] أن كثرة العرض لا يحصل بها الغنى الكامل.\nوكحديث: «ليس الشديد بالصُّرَعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب» (^٤).\nفأما حديث: «ليس الواصل بالمكافئ، ولكن الواصل الذي إذا قُطعَت رحِمُه وصَلَها» (^٥)، فيحتمل الوجهين، فإن أريد بالمكافئ من يكافئ على\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٤٧٦، ٤٥٣٩) ومسلم (١٠٣٩) من حديث أبي هريرة.\n(^٢) أخرجه البخاري في «الأدب المفرد» (١١٢) وأبو يعلى (٢٦٩٩) والحاكم في «المستدرك» (٤/ ١٦٧) من حديث ابن عباس.\n(^٣) أخرجه البخاري (٦٤٤٦) ومسلم (١٠٥١) من حديث أبي هريرة.\n(^٤) أخرجه البخاري (٦١١٤) ومسلم (٢٦٠٩) من حديث أبي هريرة.\n(^٥) أخرجه البخاري (٥٩٩١) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص.","vol":"19","page":259},{"text":"الوصل ويكافئ على القطع؛ فهو من الوجه الأول، وإن أريد به المكافئ على الصلة بحيث يشمل المتواصلين اللذين لم يقطع أحد منهما صاحبه قطُّ، فهو من الوجه الثاني. فالصلة الكاملة أن تصل قريبك وإن قطعك، فإن اتفق أنه لم يقطعك قط كفاك في كمال الصلة أن تكون عازمًا على أنك لا تقطعه ولو قطعك. والقطيعة الكاملة أن تقطعه وإن وصلك، فإن اتفق أنه لم يصلك قطُّ كفى في كمال القطيعة أن تكون عازمًا على أن لا تصله وإن وصلك. والمكافأة ليست بصلة كاملة، ولا قطيعة كاملة.\nإذا تقرر هذا، فحديث: «ليس الكذاب بالذي يُصلِح ...» إن حُمل على الوجه الأول، فالمعنى: أن جريان عادة الرجل بالسعي للإصلاح بين الناس، فيقول الخير، ويَنْمي الخير، ينافي أن يكون كذابًا، فإن الكذاب هو من كثر كذبه وفحش، فصار سجية له. وفي حديث «الصحيحين» (^١): «وما يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذّابًا».\nومن كان كذلك إنما يتحرى ما يراه محصِّلًا لأغراضه في الدنيا، فإذا علم برجلين أو فريقين متخاصمين أتى هذا فجاراه على هواه، فيقول في خصمه الشر، وينمي عنه الشر، ليحصل غرضه منه، وإذا جاء الآخر جاراه على هواه أيضًا، فقال في خصمه الشر ونَمى الشر، فيزيد ذات بينهما فسادًا. فحاله حال المنافق، وفي حديث «الصحيحين» (^٢) [ص ٦٩]: «علامة المنافق ثلاث: إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتُمِن خان».\n_________\n(^١) البخاري (٦٠٩٤) ومسلم (٢٦٠٧) عن ابن مسعود، واللفظ لمسلم.\n(^٢) البخاري (٣٣، ٦٠٩٥) ومسلم (٥٩) من حديث أبي هريرة.","vol":"19","page":260},{"text":"وفوق هذا، فإنما يعتاد السعي بالإصلاح من يرجو أن يتيسر له ذلك، وإنما يتيسر لمن عُرف بالصدق، واشتهر به؛ لأنه هو الحريّ بأن يقبل كل من الخصمين قوله، ويعتمد على خبره، ومن عُرف بالكذب وشُهِر به بعيد عن ذلك.\nفإن قيل: فما فائدة الحديث على هذا الوجه؟\nقلت: من فائدته إرشاد المتخاصمينِ إلى أن يقبل كلٌّ منهما كلام المصلح الذي عُرف باعتياد الإصلاح، وقول الخير، ونمي الخير، ويعتمد على خبره؛ لأن تلك الحال شاهدة له أنه ليس بكذاب.\nوعلى هذا الوجه لا يكون في الحديث ما يدل على الرخصة.\nوكما أن حديث: «ليس المؤمن بالطعان ...»، وحديث: «ليس المؤمن بالذي يشبع، وجاره جائع إلى جنبه» = لا يقتضيان نفي الإيمان البتة، ولا إثباته في الجملة، فكذلك هذا الحديث لا يقتضي نفي الكذب البتة عمن اعتاد الإصلاح وقول الخير ونمي الخير، ولا إثبات الكذب في الجملة.\nوكما أن ذينك الحديثين لا يقتضيان أنه على فرض ثبوت الإيمان في الجملة لا حكم له، والأدلة الأخرى تقتضي أن له حكمًا، وأنه نافعٌ في الدنيا والآخرة= فكذلك هذا الحديث لا يقتضي أنه على فرض ثبوت الكذب في الجملة ممن اعتاد الإصلاح لا حكم له، فيطلب حكمه من الأدلة الأخرى، والأدلة العامة في تحريم الكذب تتناوله.\nوإن حُمل على الوجه الثاني، فالمعنى أن اعتياد الرجل الإصلاحَ فيقول","vol":"19","page":261},{"text":"الخير وينمي الخير، لا يكفي وحده لأن يكون كذابًا.\nثم يكون فيه احتمالان:\nالأول: أن يكون المعنى: أن هذا ليس بالكذاب الراسخ في الكذب، وإن كان فيما يقوله وينميه من الخير ما هو كذب. فعلى هذا لا يكون في الحديث دلالة (^١).\n* * * *\n[ص ٧٤] وأما قول الزهري: «ولم أسمع يرخَّص في شيء مما يقول الناس: إنه كذب، إلا في ثلاث ..» فلا يُدرى ممن سمع الترخيص، ولعله إنما بلغه مرسلُ شهرٍ (^٢).\nوعدول الزهري عن أن يقول: «في شيء من الكذب» إلى قوله: «في شيء مما يقول الناس إنه كذب» ظاهرٌ في أن المرخَّص فيه عنده ليس هو الكذب حقيقة، وإنما هو ما قد يقرب منه من المعاريض.\nوحديث أبي داود قد مرَّ ما فيه، ومرَّ ترجيح الأئمة أن ذاك الكلام لم يسنده الزهري، فإما أن يكون الإسناد في تلك الرواية خطأ، وإما أن يكون الزهري لم يسمع ذلك من حميد، وإنما سمعه من رجل عن حميد، فدلَّسه، والثابت سماع الزهري له من حميد هو ما في الصحيحين.\nوأما حديث الترمذي؛ فقد ترجَّح أن شهرًا أرسله، وشهر مختلف فيه، فلا تقوم الحجة بهذا الحديث.\n_________\n(^١) هنا نهاية الورقة (٦٩) في الأصل، والأوراق (٧٠، ٧١، ٧٢، ٧٣) غير موجودة.\n(^٢) شهر بن حوشب.","vol":"19","page":262},{"text":"وأما إذن النبي - ﵌ - لمحمد بن مسلمة وللحجاج بن علاط أن يقولا، يعني ما يحتاجان إليه في التوصل إلى المقصود، وهو قتل محمدٍ كعبَ بن الأشرف، واستنقاذ الحجاج ماله من المشركين. فالذي كان محمد بن مسلمة يحتاج إليه هو أن يوهم أنه يميل إلى النفاق، والذي كان الحجاج يحتاج إليه هو إيهام أنه على شركه، وأن المسلمين انهزموا عن خيبر، وغنم اليهود أموالهم.\nوفي استئذان الحجاج من النبي - ﵌ - قوله: «فأنا في حلٍّ إن نِلتُ منك؟»، ونيل الرجل من صاحبه أن يعيبه وينتقصه.\nفهل أذن النبي - ﵌ - أن يقولا كل ما يحتاجان إليه، ولو كلمة الكفر، كأن يصرح أحدهما بتكذيب النبي - ﵌ - وسبِّه وسبِّ من أرسله؟\nفإن قيل: أما التصريح بالكفر، فلا يجوز إلا لمن أُكرِه عليه.\nقلت: فكما خرج هذا لعموم الأدلة المانعة من قول الكفر، فكذلك يخرج الكذب لعموم الأدلة المحرمة للكذب.\nوعلى هذا، فإنما أذن النبي - ﵌ - ــ والله أعلم ــ في ما جرت به عادة عقلاء الرجال في مثل تلك الأحوال، من الإيهام، كقول محمد بن مسلمة: «إن هذا ــ يعني النبي - ﵌ - ــ قد عنَّانا، وسألنَا الصدقة» صِدْق؛ فإن النبي - ﵌ - كان قد عنّاهم في سبيل الله، وسألهم الصدقة يأخذها من أغنيائهم، فيردها على فقرائهم. غاية الأمر أن تلك الكلمة «قد عنّانا وسألنا الصدقة» تُشعر بأن قائلها قالها على سبيل الشكوى.","vol":"19","page":263},{"text":"نعم، في بقية كلام محمد بن مسلمة في رواية البخاري في المغازي (^١): «وإني قد أتيتك أستسلفك ... وقد أردنا أن تُسلِفنا وسقًا أو وسقين ...» ثم ذكر طلب كعبٍ الرهن، وجواب محمد وأصحابه، وفيه: «ولكنا نَرْهنك اللَّأمة».\nأقول: كان مجيء محمد بن مسلمة ومن معه إلى ابن الأشرف مرتين، جاءوه أولًا وليس معهم سلاح؛ ليطمئن إليهم، وسألوه أن يُسلِفهم طعامًا، كأنهم قد علموا أنه سيطلب منهم الرهن، فيقررون معه أن يرهنوه سلاحًا، فإذا وافقهم على ذلك رجعوا، ثم عادوا إليه ومعهم السلاح؛ ليظن أنهم جاءوا به ليرهنوه، فلا يحذر منهم، فكان الأمر كما ظنوا، استسلفوه فطلب منهم الرهن، فقاولوه إلى أن قالوا: نرهنك اللأمة، أي السلاح، فقبل، فذهبوا وعادوا بسلاحهم، فدعَوه فخرج إليهم فقتلوه.\nفقول محمد: «أتيتك أستسلفك» صدق؛ لأنه جاء أولًا ليستسلفه، أي: يطلب منه أن يُسلِفه، وإن كان مقصوده بطلب السلف ما قدمنا.\nأما قوله: «وقد أردنا أن تسلفنا»، فإرادة الإنسان لفعل غيره قد تكون بمعنى الطلب، تقول: أردت من زيد أن يقوم، أي: طلبت منه أن يقوم. وقد تكون بمعنى المحبة. فإن كانت هناك بمعنى الطلب فهو صحيح؛ لأنهم طلبوا أن يسلفهم، [ص ٧٦] وإن كانت بمعنى المحبة فلا مانع من أن يكونوا يحبّون أن يُسلفهم، وإن لم يجيئوه لذلك.\n_________\n(^١) رقم (٤٠٣٧).","vol":"19","page":264},{"text":"وأما قوله: «نَرهَنُك اللأمة» فلا يخفى أن معناه: إن أعطيتنا التمر رهنَّاك، وقد علموا أن إعطاء التمر لن يكون.\nوأما قصة الحجاج بن عِلاط الثابتة بالمسند، فقوله: «فإني أريد أن أشتري من غنائم محمد وأصحابه» لا مانع من صحته على ظاهره، وأنه كان يريد أن يشتري من الغنائم التي غنمها المسلمون من خيبر.\nوقوله: «غنائم محمد وأصحابه» إنما يفهم منه أنهم غنموها، لا أن غيرهم غنمها منهم. تقول: هذه غنيمتي، فلا يفهم من هذا ــ حيث لا قرينة ــ إلا أنك غَنِمتَها، ولا يكاد يصح أن تقول ذلك وأنت تريد أنها التي غنمها غيرك منك.\nويوضحه: أنك إن قلت: «غنيمتي» بمعنى التي غنمها غيري مني، فالإضافة هنا لا تكون بمعنى «من»؛ لأن ذاك خاصٌّ بإضافة الشيء إلى جنسه، كقولك: «خاتمُ حديدٍ»، فإنما تكون الإضافة إذًا بمعنى «اللام»، كأنك قلت: «غنيمة لي»، وهذا لا يصح إلا على التجوز البعيد، بمعنى أنها قبل أن تغنم كانت مملوكة لي.\nفإذ قد ثبت أن قوله: «غنائم محمد وأصحابه» إنما يُفهِم الأموال التي غنمها محمد وأصحابه، فنقول: إنه قد كان اشتهر في تلك المدة أن النبي - ﵌ - خرج بأصحابه يقاتل أهل خيبر، فهذه قرينة أن المراد بقوله: «غنائم محمد وأصحابه» هي الأموال التي غنموها من خيبر. وكان أهل خيبر في حصونهم، فلن تُغنم أموالهم حتى يستباحوا.\nفقوله: «أريد أن أشتري من غنائم محمد وأصحابه» يدل على أن أهل خيبر قد استبيحوا، وأصيبت [ص ٧٧] أموالهم.","vol":"19","page":265},{"text":"فقوله بعد ذلك: «فإنهم قد استبيحوا وأصيبت أموالهم» إن نُظِر إليها مع الغفلة عما قبلها، سوى أن فيما قبلها ذكر محمد وأصحابه= فلا ريب أن الظاهر الواضح منها هو أن محمدًا وأصحابه استُبيحوا وغُنِمت أموالهم، وقد كان اشتهر كما تقدم ما يدل أن الذين استباحوا وغنموا هم يهود خيبر.\nوأما إن نُظِر إليها بعد فَهْم ما قبلها على الوجه، فإن السامع يتردد للتعارض، فإن قوله: «أريد أن أشتري من غنائم محمد وأصحابه» ظاهرٌ بيِّن في أن محمدًا وأصحابه استباحوا أهل خيبر، وغنموا أموالهم، وقوله: «فإنهم قد استُبيحوا ...» ظاهرٌ في عكس ذلك.\nوكما يحتمل أن يكون أراد بقوله: «غنائم محمد وأصحابه» أي الأموال التي كانت لمحمد وأصحابه قبل أن تُغنَم، فكذلك يحتمل أن يكون أراد بقوله: «فإنهم» أهل خيبر؛ لأنهم وإن لم يجرِ لهم ذكرٌ تصريحًا، فقد دل الكلام بمعونة القرينة على ذلك.\nلكن المشركين لما كانوا يتمنَّون الشرَّ لمحمدٍ وأصحابه، ويحملهم تمنِّيه على تخيله= غفل أول من سمع كلام الحجاج منهم عن معنى الجملة الأولى، فلم يستقر في ذهنه منه إلا ذكر محمدٍ وأصحابه، ففهم أنهم هم الذين استبيحوا وغُنِمت أموالهم، ثم ذهب يخبر بحسب ما فهم.\nفإن قيل: فإنه يبعد في العادة أن يقتصر المشركون على ما تخبر به امرأة الحجاج، أو من سمع الخبر معها، بل الغالب أن جماعة منهم إذا سمعوا الخبر يذهبون إلى الحجاج يستثبتونه. وفي القصة في «مسند أحمد» (^١) أن\n_________\n(^١) رقم (١٢٤٠٩).","vol":"19","page":266},{"text":"العباس ﵁ لما بلغه الخبر أرسل غلامًا له إلى الحجاج يسأله، ثم ذهب الحجاج إلى العباس وأخبره بالواقع، وسأله أن يكتم ذلك ثلاثة أيام، فلا بد أن يكون جماعة من المشركين قد ذهبوا إلى الحجاج فسألوه.\nقلت: فقد [ص ٧٨] يكون تحرَّى التورية أيضًا، فإن الكلام واسع، و«إن في المعاريض لمندوحةً عن الكذب»، فإن كان ولا بدَّ، فالكلمات الصحيحة الموهمة كما مر في كلمات محمد بن مسلمة.\nعلى أنه قد يقال: إنه بعد أن شاع عنه ما تقدم، وظهر أنه يريد أخذ ماله ويذهب به، لو سألوه فغالطهم يخشى أن يتهموه فيحبسوه، فيوشك أن يتبين لهم أنه قد أسلم، وأنه إنما قصد مخادعتهم؛ فيناله منهم شر، فرأى أنه مضطر إلى دفع ذلك، فجاز له الكذب للضرورة، كما يأتي.\nهذا، وسواء قلنا بجواز الكذب الصريح في الحرب، أو بجواز ما ظاهره كذبٌ، وتأول القائل في نفسه معنًى صحيحًا، أو بجواز الكلمات الموهمة= فإن ذلك يختص بأن لا تترتب على ذلك مفسدة، ومما تترتب عليه مفسدة أن يكون الكلام على وجه تأمين المسلم للكافر الحربي، كقوله له: «لا تخف»، فإن الكافر إذا سمع ذلك فأمن لم يحل للمسلمين الاعتداء عليه حتى يُبلِغوه مأمنه وينذروه؛ لأنهم إذا اعتدَوا عليه وقالوا: ليس ذاك بأمان، شاع عن المسلمين أنهم يغدرون بمن أمَّنوه، ثم لا يكاد كافر يثق بأمان مسلم، وفي ذلك مفسدة عظيمة.\nوهكذا ما كان على وجه المعاهدة، ولو من بعض أفراد المسلمين.","vol":"19","page":267},{"text":"وفي «صحيح مسلم» (^١) عن حذيفة: «قال: ما منعني أن أشهد بدرًا إلا أني خرجت أنا وأبي حُسَيلٌ، قال: فأخذَنا كفار قريش، قالوا: إنكم تريدون محمدًا. فقلنا: ما نريده، ما نريد إلا المدينة، فأخذوا منا عهد الله وميثاقه لننصرفنَّ إلى المدينة، ولا نقاتل معه، فأتينا رسول الله - ﵌ - فأخبرناه الخبر، فقال: انصرفا، نَفِيْ لهم بعهدهم، ونستعين الله ﷿ عليهم».\n[ص ٧٩] الظاهر من سياق الكلام أن النبي - ﵌ - حينئذٍ ببدر، فظن المشركون أن حذيفة وأباه يريدانِ أن يأتياه ببدرٍ ليقاتلا معه. ولا أدري هل كانا قاصدين لذلك، عازمين عليه، حتى في وقت قولهما: «ما نريده»، فيكون ظاهر هذا كذبًا، أم كان أصل قصدهما المدينة، وإنما بدا لهما بعد ذلك أن يمرّا على النبي - ﵌ - ببدر؟\nهذا، وكان المسلمون ببدر محتاجين إلى من يكون معهم؛ لقلة عددهم.\nفقول النبي - ﵌ -: «انصرفا، نَفِي لهم بعهدهم ...»\nواضح الدلالة على وجوب الوفاء، وهو مذهب مالك، ويؤكده مع الأدلة العامة في إيجاب الوفاء بالعهد: أنه لو رخص في عدم الوفاء لشاع ذلك عن المسلمين، وقد يتضرر به جماعة ممن يأتي بعد ذلك يريد المسلمين، فيحبسه الكفار ولا يثقون بعهده.\nفأما معاهدة الإمام، فالأمر فيها أشد، ووجوب الوفاء فيها آكد.\nوأما المهاجرات في مدة هدنة الحديبية، فإنما أمر الله ﷿ أن لا\n_________\n(^١) رقم (١٧٨٧).","vol":"19","page":268},{"text":"يرجعن إلى الكفار؛ لأنهن لم يدخلن في المعاهدة، فإن لفظها فيما اشترطه المشركون قولهم للمسلمين: «من جاء منكم لم نردَّه عليكم، ومن جاءكم منا رددتموه علينا» (^١).\nوكلمة «مَنْ» قد تأتي للذكور فقط، كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النساء: ٢٥]. وقد تأتي للإناث، كقوله تعالى: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (٣٠) وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾ [الأحزاب: ٣٠ - ٣١].\nوتأتي للجنسين معًا مبينًا ذلك، كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾ [النساء: ١٢٤]. [ص ٨٠] وقوله سبحانه: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾ [النحل: ٩٧]. وقوله ﷿: ﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾ [غافر: ٤٠].\nواختلف أهل العلم فيما إذا جاءت مطلقة، والضمائر بعدها مذكَّرة:\nفقال جماعة: تختص بالرجال ظاهرًا، ولا يدخل فيها الإناث إلا بدليل، وذلك كالاستواء في التكليف في أحكام الشرع، فإنه يدل على العموم. كيف لا، وكثير من الأحكام جاءت في حق رجلٍ بعينه، فعممت؛ للاستواء في التكليف.\nوقال آخرون: يدخل فيها الإناث ظاهرًا ولا يخرجن إلا بدليل.\n_________\n(^١) انظر «سيرة ابن هشام» (٢/ ٣١٧) و«البداية والنهاية» (٦/ ٢١٧).","vol":"19","page":269},{"text":"فإذا بنينا على الأول؛ فمعاهدة النبي - ﵌ - للمشركين باللفظ المتقدم لم تدخل فيها النساء، ويؤكد ذلك ما يأتي.\nوإن بنينا على الثاني؛ فهناك قرينتان تدلان على خروجهن:\nالأولى: أن الذي كان يهم قريشًا إنما هو أمر الرجال؛ لأن لحوق الرجال بالنبي - ﵌ - ينقص عدد المشركين، ويُكثِر عدد المسلمين، فيكون ذلك من أسباب استعلاء المسلمين على المشركين في القوة بكثرة العدد. وقد شاهدوا رغبة كثير منهم في الإسلام، فخافوا أنه في مدة الهدنة يلحق كثيرون منهم بالمسلمين، فلا تنقضي الهدنة أو تُنْقَض إلا والمسلمون كثير، والمشركون قليل.\nفأما النساء فلا شأن لهن في القتال، والغالب فيمن يظن بها اللحاق بالمسلمين بعد الهدنة هي من كان زوجها قد أسلم قبل ذلك، وهؤلاء قد كان المشركون أنفسهم قبل الهدنة يخلُّون سبيلهن إذا أرادت إحداهن [ص ٨١] أن تلحق بزوجها، ولم يكن هناك دخل كبير للغَيرة، لأن من كانت تسلم من نساء المشركين وتهاجر إلى المسلمين كان المسلمون يكرمونها ويغارون عليها أشدَّ من غَيرة أقاربها المشركين ديانةً وعصبيةً، وتجد في المسلمين جماعة من عصبتها.\nوقد روي أن النبي - ﵌ - لما تزوج أم حبيبة بنت أبي سفيان بلغ أبا سفيان، فقال: هو الفحل لا يُقدَع أنفه (^١).\nالقرينة الثانية: أن من شأن المعاهدات المكتوبة أن يُحتاط فيها، ولا\n_________\n(^١) كما في «طبقات ابن سعد» (٨/ ٩٩).","vol":"19","page":270},{"text":"يُكتفى بالاحتمال أو الظهور الضعيف، فلو قصدوا دخول الإناث في الشرط لكان الظاهر أن يصرحوا بذلك، كما صرح القرآن في الآيات المتقدمة بقوله: ﴿مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾.\nفإن قيل: فلماذا طالب المشركون بعد ذلك بردّ النساء، فأنزل الله تعالى: ﴿فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ [الممتحنة: ١٠]؟\nقلت: لما لم تكن المعاهدة صريحة في خروجهن طمعوا في زعم دخولهن، وأكمل الله ﷿ للمسلمين ما فيه المبالغة في الوفاء، فأمرهم أن لا يمسكوا بعِصَمِ الكوافر، ولم يطالبوا قريشًا برد من عسى أن ترتدّ من المسلمات فتلحق بالمشركين، وبذلك فرغت للمشركين عدة من المشركات اللاتي كن في عِصَم المسلمين.\nثم أمر الله تعالى المسلمين أن يعوِّضوا الكفار عن أزواجهم اللاتي يهاجرن بأن يدفعوا لأزواجهن من المشركين ما كانوا أنفقوا في زواجهن، فرضي المشركون وطابت نفوسهم.\nوفي تلك المدة سافر أبو سفيان بن حرب إلى الشام، فدعا به هرقل، وسأله عن النبي - ﵌ -، ومن جملة ما قال له هرقل (^١): «فهل يغدر؟ قال أبو سفيان: قلت: لا، ونحن منه في مدة لا ندري ما هو فاعل فيها». ثم قال أبو سفيان بعد إسلامه وإخباره بالقصة: «ولم يُمكنِّي كلمة أُدخِل فيها شيئًا غير هذه الكلمة». وقال أبو سفيان: «لولا الحياء من أن يَأثِروا عليّ كذبًا لكذبت». وكان يومئذٍ من أشد المشركين عداوةً للنبي - ﵌ -، فلو علم أن\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٧) من حديث ابن عباس عن أبي سفيان ضمن القصة.","vol":"19","page":271},{"text":"النبي - ﵌ - لم يرد عليهم من جاءه من النساء [ص ٨٢] في الهدنة، وأن ذلك قد يُعدُّ غدرًا= لذكر ذلك لهرقل.\nفإن قيل: فقد تكون قصته مع هرقل قبل أن تهاجر بعض النساء، فيمنعها النبي - ﵌ -.\nقلت: فكان ينبغي عند حصول المنع أن يُكثِر المشركون من التشنيع بأنه غدر، وكان الغدر عندهم من أشنع الأمور، وقد سمعوا هرقل في محاورته لأبي سفيان يقول له: «وسألتك هل يغدر، فذكرت أن لا، وكذلك الرسل لا تغدر». ولا ريب أن النساء لو كن داخلاتٍ في المعاهدة، لكان الامتناع من إرجاعهن غدرًا.\nولا يدفع ذلك ما زعمه بعضهم من أن القرآن خصص المعاهدة بعد عمومها، أو نسخها فيما يتعلق بالنساء، فإن المشركين لم يكونوا معترفين بالقرآن، ولا ملتزمين لأحكامه، ولو قيل لهم ذلك لقالوا: إن محمدًا يغدر، وينسب الغدر إلى الله ﷿، ثم يقولون: لا نثق بعهد محمد بعدها، فإنه يعاهد ثم يغدر، ويقول: إن الله خص ذلك أو نسخه.\nفالصواب ما قدمنا أن النساء لم يدخلن في المعاهدة رأسًا. فإن فرضنا أنهن دخلن، فلا بد أن يكون النبي - ﵌ - فاوض المشركين بعد ذلك في إخراج النساء، على الشرائط التي ذكرها الله ﷿ في سورة «الممتحنة»، فرضي المشركون بذلك، فكان ذلك نسخًا برضا الجانبين. ولا ريب أنه لا يسمى غدرًا، ولا رائحة للغدر فيه، وقد جاءت آثار تشير إلى هذا. راجع «تفسير ابن جرير» (٢٨/ ٤١ - ٤٧) (^١).\n_________\n(^١) (٢٢/ ٥٧٨ وما بعدها) ط. التركي.","vol":"19","page":272},{"text":"ولا يخفى أن الإخلال بالعهد تترتب عليه مفاسد عظيمة جدًّا؛ فإنه يُسقِط الثقة بعهود [ص ٨٣] المسلمين وعقودهم وذِمَمهم، ولا يخفى ما يترتب على ذلك من المفاسد التي لا تحصى.\nفأما ما ذكره ابن حجر بقوله (^١): «واتفقوا على جواز الكذب عند الاضطرار، كما لو قصد ظالم قتل رجل وهو مختفٍ عنده، فله أن ينفي كونه عنده، ويحلف على ذلك، ولا يأثم. والله أعلم».\nفالضرورة على درجات:\nمنها: أن يخاف الإنسان على نفسه الهلاك إن لم يكذب، فهذا لا شك أنه يجوز له الكذب الذي لا يضر غيره بغير حق، كالمكره يجوز له الكفر.\nومنها: أن يخشى على نفسه ضررًا، والذي يظهر أنه إن كان ذاك الضرر شديدًا، بحيث لو هُدِّد به الإنسان إن لم يفعل كذا لكان إكراهًا، فمثله يجوز له الكذب الذي لا يضر غيره بغير حق. وأما إن كان الضرر دون ذلك، ففيه نظر.\nومنها: أن لا يخاف الإنسان على نفسه، ولكنه يخاف على غيره، كالمثال الذي ذكره ابن حجر، إذا كان صاحب البيت يرى أنه لا يناله سوء إذا عثر الظالم على الرجل المطلوب مختفيًا عنده، وإنما يخاف على المختفي. والظاهر أنه إن خاف على ذلك الرجل الهلاك أو الضرر الشديد، جاز له الكذب الذي لا يضر غيره بغير حق، وإلا ففيه نظر.\n_________\n(^١) في «الفتح» (٥/ ٣٠٠).","vol":"19","page":273},{"text":"وفي «سنن أبي داود» (^١) وغيرها من طريق إبراهيم بن عبد الأعلى عن جدته عن أبيها سويد بن حنظلة قال: خرجنا نريد رسول الله - ﵌ -، ومعنا وائل بن حجر، فأخذه عدو له، فتحرَّج القوم أن يحلفوا، وحلفتُ أنه أخي، فخلَّى سبيله، فأتينا رسول الله - ﵌ -، فأخبرته أن القوم تحرّجوا أن يحلفوا، وحلفت أنه أخي، قال: صدقتَ، المسلم أخو المسلم».\nإبراهيم بن عبد الأعلى: ثقة، وجدته لا أعرفها.\nومعنى القصة: أنهم كانوا مسافرين ومعهم وائل، [ص ٨٤] فمروا بقومٍ أعداءٍ لقبيلة وائل، فعرفوا القوم أو بعضهم، وأنهم ليسوا من قبيلة وائل، وبقي وائل وهم لا يعرفونه، فقال رفقته ــ والله أعلم ــ: هو رجل منا. فاستحلفوهم على ذلك، فتحرَّجوا، وحلف سويد أنه أخوه.\nوالذي يظهر ــ والله أعلم ــ في مثل هذه الواقعة جواز الكذب.\nوقد مر الكلام على قول إبراهيم في امرأته: «هي أختي».\nوجاء أن ابنين لرِبْعي بن حِراش أحد فضلاء التابعين خرجا فيمن خرج على الحجاج، فانهزموا، فعادا، فاختفيا في بيت أبيهما، وكان الحجاج يطلب الخارجين عليه فيقتلهم، فسأل عن ابني رِبْعي، فقيل له: سل أباهما فإنه يزعم أنه لم يكذب قط، فدعا به فسأله، فقال ربعي: هما في البيت، والله المستعان.\nفحسن موقع ذلك عند الحجاج، فعفا عنهما (^٢).\n_________\n(^١) رقم (٣٢٥٦). وأخرجه أيضًا أحمد في «مسنده» (١٦٧٢٦) وابن ماجه (٢١١٩) والحاكم في «المستدرك» (٤/ ٢٩٩، ٣٠٠).\n(^٢) انظر «معرفة الثقات» للعجلي (١/ ٣٥٠) و«تاريخ بغداد» (٨/ ٤٣٣) و«وفيات الأعيان» (٢/ ٣٠٠) و«سير أعلام النبلاء» (٤/ ٣٦٠).","vol":"19","page":274},{"text":"فلا أدري أتحرَّجَ ربعي من الكذب، أم خاف أن يكون قد بلغ الحجاجَ الأمرُ، أو أن يبعث من يفتِّش البيت، فيكون الشر أشد؟\nوفي «المعجم الصغير» للطبراني (ص ٤٧) (^١): عن عبد القاهر بن السري، قال: اختفى رجل عند أبي السوَّار العدوي زمن الحجاج بن يوسف، فقيل للحجاج: إنه عند أبي السوار، فبعث إليه الحجاج فأحضره، فقال له: الرجل الذي عندك. فقال: ليس عندي. فقال: وإلا أم السوار طالق ــ يعني امرأة أبي السوار ــ. فقال: ما خرجتُ من عندها وأنا أنوي طلاقها. فقال: وإلا أنت بريء من الإسلام. قال: فإلى أين أذهب؟ فخلَّى سبيله».\nفكأن أبا السوَّار قال: «ليس عندي» يريد هاهنا، ثم كفَّ عن الطلاق خوفًا من أن يتبين الحال، فيُلزِمه الحجاج الطلاقَ، ولا يقبل عذره.\nهذا، وكلُّ ما ورد فيه الترخيص في الكذب، فإن أمثلته المنقولة كلها تبين أن ذلك فيما إذا لم تترتب على الكذب مفسدة، سوى خشية أن يُنسب القائل فيما بعد إلى الكذب.\nويبقى الكلام فيما إذا كان من شأن الكذب وما يقرب منه من الإيهام أن تترتب عليه مفسدة، فقد يقال: إنه حينئذٍ لا يرخص فيه البتة، لا في حرب ولا غيره. وقد يقال: إن كانت تلك المفسدة أخفَّ من المفسدة التي يتعيَّن الكذب لدفعها، جاز.\nوالذي يظهر أن المفسدة التي تترتب على الكذب إن كانت إنما هي\n_________\n(^١) (١/ ٨٥).","vol":"19","page":275},{"text":"[ص ٨٥] ضرر على الإنسان نفسه في دنياه جاز له أن يكذب ويتحملها، وإلا فلا.\nوتفصيل هذا يطول، غير أني أقول: لا يصح إطلاق القول الثاني، فإن قولهم: «إذا تعارضت مفسدتان تعيَّن دفع الكبرى» ليس على إطلاقه، وإن كثرت شواهده.\nفلو اتفق لك في قضية تعلم منها أنك إن كذبت قُتل رجل واحد ظلمًا، وإن لم تكذب قُتل رجلان آخران ظلمًا، فمفسدة قتل رجلين أشد من مفسدة قتل رجلٍ، ولكن لا قائلَ ــ فيما أعلم ــ بجواز الكذب.\nوقد يقرب هذا إلى الفهم بأنك لو كذبت فقُتل زيد بسبب كذبتك، فقد أثمتَ بتسبُّبِك في قتله، وإن لم تكذب فقُتل بكر وخالد ظلمًا، ولم تكن قادرًا على تخليصهما إلا بأن تعرِّض زيدًا للقتل، فلا إثم عليك؛ لأنك لم تتسبب في قتلهما، وعدم تسببك في خلاصهما إنما كان لعجزك، لأنك عاجز شرعًا عن الكذب الذي تعرِّض به زيدًا للقتل ظلمًا.\nهذا، وقد طال الكلام في هذا المطلب، ولم أبلغ منه كل ما أريد، وأرجو أن أكون قد قاربت، والله الموفق.","vol":"19","page":276},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-35>المطلب الحادي عشر (^١)\nفيما ورد من التشديد في الكذب</span>\nالكذب على وجهين:\nأحدهما: الكذب على الله ﷿، بأن تصفه بما لا علم لك به، أو بما تعلم أنه لا يتصف به، أو تنسب إليه حكمًا لا سلطان عندك بأنه حكم به، أو تعلم أنه لم يحكم به، ونحو ذلك.\nوالآيات في شدة هذا كثيرة، منها:\n١ - ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ [الأنعام: ٢١].\n٢ - ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ٩٣].\n٣ - ﴿وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٤].\n٤، ٥ - ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ﴾ [الأعراف: ٣٧،\n_________\n(^١) كتب المؤلف أولًا «التاسع»، ثم شطب عليه وكتب «الحادي عشر».","vol":"19","page":277},{"text":"يونس: ١٧].\n٦ - ﴿هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [الكهف: ١٥].\n٧ - ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا ...﴾ [هود: ١٨].\n٨ - ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الْإِسْلَامِ﴾ [الصف: ٧].\n٩ - ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٨].\n١٠ - ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ﴾ [الزمر: ٣٢].\n[ص ٨٩] (^١) الوجه الثاني: الكذب على غير الله، قال الله ﷿: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ ... إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ [النحل: ١٠١ - ١٠٥].\nيتمسك بهذه الآية الأخيرة مَن يقول إن الكذب كفر وإن كان على غير الله.\nوأجيب عن [هذا بوجوه:\nمنها:] (^٢) أن المراد هنا الكذب على الله بقرينة ما تقدم.\nومنها: أن الحصر إضافي بقرينة ما تقدم، فإن المشركين قالوا للنبي - ﵌ -: «إنما أنت مفترٍ»، فأجابهم الله ﷿ بما ذكر، كأنه قال: «إنما يفتري\n_________\n(^١) وجدنا هذه الصفحة ضمن مسوَّدات المؤلف أخيرًا.\n(^٢) هنا خرم. ولعله قريب مما أثبت.","vol":"19","page":278},{"text":"الكذبَ هم لا النبي». فالنفي المستفاد من الحصر خاص بالنبي، ويبقى غير النبي ممن يؤمن بآيات الله مسكوتًا عنه.\nومنها: أن الحصر على إطلاقه، ولكن ليس النفي على سبيل العموم المحقق، بل المعنى أن افتراء الكذب ليس من شأن مَن يؤمن بآيات الله ولا يناسبه، ولا هو مظنته، وهذا كما لو قال لك قائل وقد وقف عليكما سائل، فأردت أن تعطيه: ما أراه فقيرًا، فقلت: إنما يسأل الفقير.\nويظهر أن هذا الأخير أقرب الأجوبة، وهو وإن كان خلاف الظاهر فالأدلة الشرعية الأخرى تبيِّنه.\nوفي «الصحيحين» (^١) من حديث أبي هريرة عن النبي - ﵌ -: «آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان». زاد مسلم بعد قوله: «ثلاث»: «وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم».\nوفي «الصحيحين» (^٢) من حديث عبد الله بن عمرو عن النبي - ﵌ -: «أربع مَن كنَّ فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق».\n* * * *\n_________\n(^١) البخاري (٣٣) ومسلم (٥٩).\n(^٢) البخاري (٣٤) ومسلم (٥٨).","vol":"19","page":279},{"text":"حقيقة الكذب (^١)\nقد تكلّم أهل المعاني وغيرهم في حقيقة الكذب لغةً فلا أطيل بذلك، وإنّما أذكر معناه حكمًا، وهو الذي يتعلق به القبح والإثم.\nفأقول: يختلف معناه باختلاف النسبة إلى الخبر أو المخبر، فالخبر الكاذب هو ما كان ظاهره مخالفًا للواقع، وسيأتي تحقيق المراد بالظاهر فلا تعجلْ. والمخبر الكاذب هو من أخبر بخبر يرى أن ظاهره مخالف للواقع.\nولا يدفع عنه معرةَ الكذب خطاؤه في ظن ظاهر ذلك الخبر مخالفًا للواقع بأن يكون في نفس الأمر مطابقًا للواقع.\nوعلى هذا فقد يكون الخبر كاذبًا والمخبر صادقٌ وعكسه. هذا فيمن يجوز عليه الخطأ.\nفأمّا الله ﷿ فخبره كله صدق، فمن حمل خبرًا من أخبار الله ﷿ على معنى لو كان هو المراد لكان الخبر كاذبًا، فقد نسب الكذب إلى الله ﷿، ويلزمه حكم ذلك إذا علم أو قامت عليه الحجة بهذا، أي: بأنَّ حَمْل ذلك الخبر على ذلك المعنى يلزمه ما ذكر، وإلاّ فهو معذور كما قُرّر في موضعه، وأوضحته في «رسالة العبادة»، ولعلّه يأتي ما يتعلق به إن شاء الله تعالى.\nوأمّا الأنبياء فإنّ أخبارهم تختلف، فما كان منها تبليغًا عن الله ﷿ وبيانًا لدينه فلا يجوز الخطأ فيه، ومن العلماء من جوّز أن يبدر الخطأ من\n_________\n(^١) من هنا قطعة كتب فيها المؤلف عن حقيقة الكذب وغيرها من الموضوعات باختصار.","vol":"19","page":280},{"text":"النبي فينبهه الله ﷿ عليه فورًا فيبين ذلك للناس. وفي «الصحيحين» (^١) وغيرهما حديث ذي اليدين، وفيه قوله للنبي - ﵌ - لمّا سلّم من ركعتين في الظهر أو العصر: «أنسيتَ أم قُصِرت الصلاة؟ فقال: «لم أنسَ ولم تُقصَر»، قال: بلى، قد نسيت. وفيه سؤال النبي - ﵌ - لبقية من كان معه، وتصديقهم الرجل، وقيام النبي - ﵌ - لإتمام صلاته.\nوأحاديث سهوه - ﵌ - كثيرة مروية عن جماعة من الصحابة، منهم: أبو هريرة (^٢)، وعمران بن حصين (^٣)، وعبدالله بن مسعود (^٤)، وغيرهم. وفي حديث ابن مسعود في «صحيح مسلم»: «قالوا يا رسول الله، هل زِيدَ في الصلاة؟ قال: لا! قالوا: فإنّك قد صليت خمسًا! فانفتل ثم سجد سجدتين ثم سلّم ثم قال: إنّما أنا بشرٌ مثلكم أنسى كما تنسون» (ج ٢/ ص ٨٥) (^٥).\nقال الحافظ في «الفتح» (^٦) في شرح حديث ذي اليدين: «وهو حجة لمن قال: إنّ السهو جائز على الأنبياء فيما طريقه التشريع، وإن كان عياض نقل الإجماع على عدم جواز دخول السهو في الأقوال التبليغية وخصّ الخلاف بالأفعال، لكنّهم تعقبوه. نعم اتفق من جوّز ذلك على أنّه لا يُقَرُّ عليه، بل يقع له بيان ذلك». «الفتح» (ج ٣ ص ٦٥).\n_________\n(^١) البخاري (١٢٢٩) ومسلم (٥٧٣) من حديث أبي هريرة.\n(^٢) هو الحديث السابق.\n(^٣) أخرجه مسلم (٥٧٤).\n(^٤) أخرجه البخاري (١٢٢٦) ومسلم (٥٧٢).\n(^٥) رقم (٥٧٢/ ٩٢).\n(^٦) (٣/ ١٠١) ط. السلفية الأولى.","vol":"19","page":281},{"text":"[ص ٥] أقول: وثَمّ أحاديث أُخرى يؤخذ منها جواز ما ذكر، وفي قصص الأنبياء الثابتة في الكتاب والسنة ما يفيده، ولاستيفاء ذلك موضع آخر.\nوأمّا الأمور الدنيوية فجواز الخطأ فيها أشهر، فمن ذلك أنّ النبي - ﵌ - لما ورد المدينة رآهم يؤبِّرون النخل، فظن أن لا حاجة لذلك؛ لأنّه كان قد رأى كثيرًا من الأشجار فرآها تؤتي ثمرها بدون تأبير، فقال لبعضهم: «ما أظن يغني ذلك شيئًا» فتركوا ذلك. فخرج شِيصًا، فمرّ بهم فقال: «ما لنخلكم؟» قالوا: قلت كذا وكذا، قال: «أنتم أعلم بأمر دنياكم». وفي رواية: «إنما ظننتُ ظنًّا، فلا تؤاخذوني بالظن، ولكن إذا حدثتكم عن الله شيئًا فخذوا به، فإني لن أكذب على الله ﷿». وفي رواية: «إنّما أنا بشرٌ، إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به، وإذا أمرتكم بشيء من رأيي فإنّما أنا بشر».\nوالحديث في «صحيح مسلم» (^١) وغيره من حديث أم المؤمنين عائشة وطلحة بن عبيدالله وثابت بن قيس ورافع بن خَدِيج ﵃.\nوقوله - ﵌ -: «فإني لن أكذب على الله ﷿» يريد الكذب خطأ، فأما الكذب عمدًا فقد علم براءته منه مطلقًا، ومفهوم تلك العبارة جواز الكذب خطأً في الأمور الدنيوية كما هو واضح.\nوعُلم من هذه القصة أنّه لا يلزم تنبيه الله ﷿ على الخطأ في الأمور الدنيوية فورًا بخلاف الأمور الدينية كما مرّ.\nوعُلِم منها أيضًا أنّ المراد بالأمور الدنيوية ما كان دنيويًّا بالذات وإن تفرّع عليه أمرٌ له مساس بالدين، فترك التأبير يلزمه نقص الثمر، وفيه شبه\n_________\n(^١) بأرقام (٢٣٦١، ٢٣٦٢، ٢٣٦٣).","vol":"19","page":282},{"text":"بإضاعة المال، والدين يكره ذلك.\nوقد يُقال: القوم هم المقصِّرون؛ لأنّ النبي - ﵌ - لم ينههم عن التأبير، ولم يخبرهم بأن تركه لا يضر، وإنّما أخبرهم بأنّه يظن، ومعلوم عندهم أنّه - ﵌ - عاش بمكة، ولا نخل بها، وأنّه لو بنى على أمرٍ ديني لجزم، ولَما اكتفى بالإخبار بالظن، فيثبت من ذلك أنّه إنّما استند إلى أمرٍ عادي، فكان عليهم أن يقولوا له: إنّه معروف عندنا بالتجربة أنّ النّخلة إذا لم تؤبَّر يخرج ثمرها شِيصًا، قد جرَّبنا هذا مرارًا لا تحصى، ثم ينظرون ما يقول لهم.\nوفي «صحيح مسلم» (^١) عن جُدامة (^٢) بنت وهب قالت: حضرت رسول الله - ﵌ - في أناس، وهو يقول: «لقد هممتُ أن أنهى عن الغيلة، فنظرت في الروم وفارس، فإذا هم يغيلون أولادهم فلا يضرُّ أولادَهم ذلك شيئًا ..». الحديث.\nوفيه (^٣) عن سعد بن أبي وقاص أنّ رجلًا جاء إلى رسول الله - ﵌ - فقال: إنّي أَعزِل عن امرأتي. فقال له رسول الله - ﵌ -: لِمَ تفعل ذلك؟ فقال الرجل: أُشفِق على ولدها. فقال رسول الله - ﵌ -: «لو كان ذلك ضارًّا ضرَّ فارس والروم».\nوفي «مسند أحمد» و«سنن أبي داود» (^٤) عن أسماء بنت يزيد قالت:\n_________\n(^١) رقم (١٤٤٢).\n(^٢) قال مسلم في «صحيحه» (٢/ ١٠٦٦): «أما خلف فقال: عن جذامة الأسدية، والصحيح ما قاله يحيى بالدال».\n(^٣) رقم (١٤٤٣) عن أسامة بن زيد أنه أخبر سعد بن أبي وقاص.\n(^٤) أحمد (٢٧٥٦٢) وأبو داود (٣٨٨١). وإسناده ضعيف.","vol":"19","page":283},{"text":"سمعت رسول الله ــ - ﵌ - ــ يقول: «لا تقتلوا أولادكم سرًّا، فإنّ الغيل يدرك الفارس فيُدَعْثِره عن فرسه».\n[ص ٧] زعم الطحاوي (^١) أنّ الحديث الأخير منسوخ، وأنّ النّبي - ﵌ - قاله لما كان يظن أنّ الغيل يضرّ، ثمّ لما تبيّن له أنّه لا يضرّ ذكر الحديث الأول والثاني. هذا حاصل كلامه، والظاهر خلاف ما قال لوجوه:\nالأول: أنّ أقواله - ﵌ - التي يبنيها على الظن يصرّح أو ينبه أنّه إنّما بناها على الظن، كما تقدّم في تأبير النخل، وأمّا في حديث ذي اليدين فاكتفى بقرينة الحال؛ لأنّ الحاضرين إن كانوا علموا أنه نسي علموا أنّه إذ قال: لم أنس، إنّما يعني في ظنه واعتقاده، وحديث أسماء جزم.\nالوجه الثاني: أنّ قوله في حديث أسماء: «فإنّ الغيل يدرك الفارس فيدعثره» ظاهر في أنّه علم ذلك بالوحي، إذ لا يتأتّى علم مثل ذلك بالقياس.\nالثالث: أنّ قوله في الحديث الأول: «لقد هممت» ظاهر في أنه لم يكن قد نهى، فالصواب أنّه - ﵌ - أراد أن ينهى عن الغيل لما اشتهر بين العرب من أنّه يضرّ، ثم علم أن فارس والروم يغيلون، ولم ير ضررًا ظاهرًا يعتريهم؛ فظن أنّ الغيل لا يضر، فذكر الحديث الأول، وجاءه السائل عن العزل فنبهه على النظر في فارس والروم أيضًا، ثم أطلعه الله ﷿ على أنّ للغيل ضررًا وإن كان يخفى، فصرّح بذلك في حديث أسماء.\nولحديث أسماء شواهد، منها: أنّ النّبي - ﵌ - لمّا تزوج أمّ سلمة كانت\n_________\n(^١) في «معاني الآثار» (٣/ ٤٧).","vol":"19","page":284},{"text":"ترضع، فلم يقربْها حتى دفعت ابنتها إلى مرضعة أخرى (^١)! واسترضع - ﵌ - لابنه إبراهيم (^٢)، وجاء عن الصحابة ما يوافق هذا، فجاء عن أمير المؤمنين علي ﵇ أنّ رجلًا أخبره أنه حلف لزوجته أن لا يقربها حتى تفطم ولدها.\nفقال له: إنّ هذا ليس بإيلاء، إنّما أردت الإصلاح، أو كما قال (^٣).\nويؤخذ من هذه الأحاديث ما أخذ من حديث التأبير أنّ الخطأ في الأمور الدنيوية لا يلزم التنبيه عليه فورًا، وأنّ الحكم يتناول كل ما كان دنيويًّا بالذات، وإن نشأ عنه ما له مساس بالدين، فإنّ إلحاق الضرر بالولد لا يجوز في الدين.\n[ص ٦] وإيضاح هذا البحث أنّ من الأحكام الشرعية ما يكون مبنيًّا على معنى يوجد بوجوده، ويعدم بعدمه، ويوكل الحكم بوجود المعنى أو عدمه إلى اجتهاد المكلف، فقد ينظر النبي - ﵌ - إلى صورة من الصور بصفته مكلفًا من المكلفين فيظهر له أن ذلك المعنى موجود فيها والواقع خلافه، أو أنّه مفقود والواقع خلافه، مع إعلامه بأنّ المدار على وجود المعنى، فإضاعة المال والإضرار بالأطفال منهي عنهما في الشرع، ولا يجوز أن يقع الخطأ من النبي - ﵌ - فيخبر بأنهما جائزان، ولكن النظر في كون هذا الفعل إضاعة للمال أو يلزمه ذلك، أو ضررًا بالطفل أو يلزمه ذلك= موكول إلى المكلف، فنظر - ﵌ - بصفته مكلفًا، فظن أنّ ترك التأبير ليس فيه إضاعة للمال ولا تلزمه\n_________\n(^١) انظر «السنن الكبرى» للنسائي (٨٩٢٦).\n(^٢) كما في «صحيح مسلم» (٢٣١٦).\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في «المصنف» (١١٦٣٢) وسعيد بن منصور في «سننه» (١٨٧٤) والبيهقي في «السنن الكبرى» (٧/ ٣٨٢).","vol":"19","page":285},{"text":"إضاعة، وأن الغيل ليس فيه إضرار بالطفل، ولا يلزمه إضرار.\nومن أمثلة ذلك أنّ الحكم لأحدٍ بما لا يستحقه حرام شرعًا، ولكن العلم بأنه يستحق أو لا يستحق موكول إلى اجتهاد الحاكم. وفي «الصحيحين» (^١) عن أم سلمة أنّ رسول الله - ﵌ - قال: «إنّما أنا بشر، وإنكم تختصمون إليّ، ولعلّ بعضكم أن يكون ألحنَ بحجته من بعض، فأقضي له على نحو ما أسمع منه، فمن قضيتُ له بشيء من حق أخيه فلا يأخذنّه، فإنّما أقطع له قطعة من النار».\nوتناول السم حرام، ولكن [العلم] بأنّ هذا الطعام مسموم أو ليس بمسموم موكول إلى اجتهاد المكلف، فظن النّبي - ﵌ - أنّ الطعام الذي قدم له بخيبر [غير] مسموم فتناول منه، وأقرّ بعض أصحابه على الأكل منه، فلمّا علم أنّه مسموم كفّ وأمرهم بالكف، فمات بعضهم من ذلك، ولم يزل السم يُعادُّ النبيَّ - ﵌ - حتى كان سبب موته (^٢)، بأبي هو وأمي!\n\n[ص ٨]<span data-type=\"title\" id=toc-38> الظاهر</span>\nيقول الأصوليون في تعريف الظاهر: «ما دلّ دلالة ظنية» (^٣)، ويمثلون له بالكلمة يكون ظاهرها هو معناها الحقيقي لغة أو عرفًا أو شرعًا، ومن ذلك الكلمة العامة في معناها الشمولي.\nثم عرَّفوا التأويل بأنه «حمل الظاهر على المحتمل المرجوح»، يعنون\n_________\n(^١) البخاري (٧١٦٩) ومسلم (١٧١٣).\n(^٢) انظر «صحيح البخاري» (٤٤٢٨).\n(^٣) «شرح جمع الجوامع» للمحلي (٢/ ٥٢).","vol":"19","page":286},{"text":"اللفظ الذي له معنى ظاهر على معنى آخر يحتمله احتمالًا ضعيفًا.\nقالوا (^١): «فإن حُمِل لدليلٍ فصحيح، أو لما يُظنُّ دليلًا ففاسد، أو لا لشيء فلعب». وكلامهم صحيح في نفسه، ولكن فيه إيهامٌ تركَ للمبطلين مجالًا رحبًا؛ فلذلك آثرت مخالفتهم في التعبير، فأقول:\nينبغي أن يكون البحث عن الكلام لا عن الكلمة، وعليه فالظاهر هو المعنى الذي يدل عليه الكلام مع ملاحظة القرائن الصحيحة دلالة راجحة. ومدار التحقيق على بيان القرائن الصحيحة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-39>القرينة</span>\nهي كل شيء يقترن بالكلام ويكون له تأثير في المعنى، وذلك على ثلاثة أضرب:\nالضرب الأول: أن يكون الكلام لولا ذلك الأمر ظاهرًا في معنى مخصوص، ولكن صار بذلك الأمر مجملًا.\nالضرب الثاني: أن يكون الكلام لولا ذلك الأمر مجملًا، ولكن صار بذلك الأمر ظاهرًا في معنى مخصوص.\nالضرب الثالث: أن يكون الكلام لولا ذلك الأمر ظاهرًا في معنى مخصوص به، ولكنّه صار بذلك الأمر ظاهرًا في معنى مخصوص آخر.\n_________\n(^١) المصدر نفسه (٢/ ٥٣).","vol":"19","page":287},{"text":"[ص ٩]<span data-type=\"title\" id=toc-40> المراد بالظهور</span>\nالمراد بالظهور هو الظهور للمخاطب الذي أريد إفهامه، ومن هنا يُعلم أن القرينة الصحيحة هي التي يعلم المتكلم أو يظن إن كان ممن يجوز عليه الظن أن المخاطب يدركها، بحيث لو غفل عنها عُدّ مقصرًا.\nقال لك عاميّ أميّ: إنّي اشتريت أربع عشرة ربطةَ مناديل، في كل ربطة اثنا عشر منديلًا، ودفعت الثمن اثني عشر جنيهًا، ورجع لي البائع ثلاثين قرشًا، وأريد أبيع المناديل فرادى، فأخبِرْني كم يخص كلّ منديل من أصل الثمن؟\nوتعرف أنّ الجنيه صرفه سبعة وتسعون قرشًا، فحسَبْتَ فوجدت ثمن كل منديل ستة قروش وثلاثة أرباعٍ قرشٍ، فقلت لسائلك الأمي: يخص كل منديلٍ ستة وثمن! ونويتَ ستةً وثُمُنَ الستة وهو ثلاثة أرباع، فهل لك أن تزعم أنك بهذه التورية مع قيام الدلالة العقلية القاطعة المدركة بطريق الحساب لم تكذب على ذلك المسكين، وقد صدَّقك، ولم تغشَّه إذ ائتمنك، وأنّك غير مؤاخذ بما يناله من خيبة الأمل ونقصان رأس المال وضياع التعب، وما ينجرّ إلى ذلك من افتقاره واحتياجه وجوع أهله وعُرْيهم وغير ذلك، وأنّ لك الحق فوق ذلك أن تلوم [ص ١٠] ذلك المسكين وتوبِّخه على فهمه وما نشأ عنه، وتعاقبه إن كان أجيرك مثلًا؟\nهذا في القرينة العقلية، ومثله يقال في اللفظية، كأن قلت في الجواب: «ستة وثُمنها» ولكن أخفيتَ الهاء عمدًا، فلم يسمع إلا «ستة وثُمن». وقس على ذلك الحالية والعادية.","vol":"19","page":288},{"text":"وقد يشكل عليك تطبيق هذا في النصوص الشرعية، وسيأتي حلّ الإشكال إن شاء الله تعالى.\nكيف الاقتران\nالمتبادر من قولنا: «قرينة» أن تكون مقترنة بالكلام، ومعنى الاقتران الاجتماع، وذلك على ثلاثة أوجه:\nالأول: أن تكون موجودة قبل الكلام ومعه وبعده، وهذا يتحقق في العقلية والعادية، وقد يتحقق في الحالية، وكذا في اللفظية بالنظر إلى العلم بها؛ فإنّه إذا قدم المتكلم كلامًا يدل على أنّ زيدًا (^١)\nحي اليوم، ثم قال: إنّ زيدًا مات البارحة، والمخاطب قد سمع الكلام الأول، كان علمه بالكلام الأول قرينة يُصرف بها الكلام الثاني عن ظاهره، والعلم بها موجود قبل الكلام الثاني ومعه وبعده.\nوالثاني: أن تكون معه وبعده.\nوالثالث: أن تكون بعده متصلة به.\n_________\n(^١) في الأصل: «زيد» مرفوعًا ..","vol":"19","page":289},{"text":"وصرَّح (^١) البيانيون بأنه لابدّ للمجاز ــ سواء أكان استعارةً أم غيرها ــ من علاقة ومن قرينة، وذكروا في بحث الاستعارة أنها مجازٌ علاقته التشبيه، وأنها مبنية على دعوى دخول المشبَّه في جنس المشبَّه به.\nوبعد أن بيَّن السكّاكي في «المفتاح» (^٢) هذا، ذكر أن الاستعارة تفارق الدعوى الباطلة ببناء الدعوى فيها ــ أي الاستعارة ــ على التأويل، وتفارق الكذب بنصب القرينة المانعة عن إرادة الظاهر.\nوالذي يظهر لي أنه لما ذكر أن الاستعارة مبنية على الدعوى، أراد أن يبيِّن أن تلك الدعوى ليست بباطلة، إذ ليس المدَّعى دخول المشبَّه في جنس المشبَّه به حقيقةً فتكون دعوى باطلة، وإنما ذلك على جهة التأويل. فهذا معنى قوله: «إن الاستعارة تفارق الدعوى الباطلة ببناء الدعوى فيها على التأويل». ثم كأنه استشعر أن التأويل عمل ذهني لا يظهر في الكلام، فلا يخرج به الكلام عن البطلان الظاهر وهو الكذب.\nولعل هذا الذي قررته هو مراد عبد الحكيم بقوله في «حواشي المطول» (^٣): «الأظهر عندي أن الاستعارة من حيث المعنى تشابه الدعوى الباطلة، ومن حيث اللفظ تشابه الكلام الكاذب، فتبيَّن الفرق بأن مبنى معناها على التأويل بخلاف الدعوى الباطلة، وأن مبنى لفظها على نصب القرينة بخلاف الكذب.\nوفي «شرح المفتاح الشريفي» (يعني شرح السيد الشريف الجرجاني\n_________\n(^١) وجدنا ورقتين بخط المؤلف فيهما خرم في مواضع وتآكل في الأطراف، تحدث فيهما عن بعض الموضوعات التي تناولها في القطعة الأولى. فألحقناهما في آخر الكتاب.\n(^٢) (ص ٣٧٣).\n(^٣) انظر «فيض الفتَّاح على حواشي شرح تلخيص المفتاح» (٤/ ١٥٢).","vol":"19","page":290},{"text":"للمفتاح) أنه أراد بالدعوى الباطلة الـ[ـجهل المركب، وصاحبه مصرٌّ على دعواه متبرئ عن التأويل فضلًا عن نصب القرينة]»\nعبد الحكيم .... مع كونه خلاف ظاهر العبارة .... لا وجه لتخصيص مفارقة الاستعارة لهذين بأنها تفارق الدعوى الباطلة مطلقًا ... بالتأويل، وعن الكذب مطلقًا ... بنصب [القرينة].\nوفي «المطوّل»: «[والشارح] العلامة (يعني السعدُ شارحَ المفتاح) فسَّر الباطل بما يكون على خلاف الواقع، والكذب بما يكون على خلاف ما في الضمير. وأنت تعلم أن تفسيره الكذب خلاف ما عليه الجمهور واختاره السكاكي».\nأقول: إذا رأيت [جرمًا منيرًا على جبلٍ كأنه متصل بالجبل في رأي العين فقلت: «رأيتُ نجمًا يُصطلى به»، فقولك «يُصطلى به»] (^١) قرينة أخرجت الكلامَ عن دلالته على أنك رأيت نجمًا حقيقيًّا. فالذي يستفاد من هذا أنك أردت أن تُفهِم مخاطبك أنك رأيت نارًا تُشبه النجم، ومع ذلك فقد يكون الذي رأيته هو في نفس الأمر نجمًا حقيقيًّا، ولكنك حسبته نارًا، أو علمت أنه نجمٌ حقيقةً، ولكنك أردتَ أن تُفهم مخاطبك أنه نار. فلعل العلامة أراد بقوله: «ما في الضمير» أي ما يريد المتكلم إفهامه. وعلى هذا فلكلامه وجه.\nفإن قيل: لكن مخالفة الخبر لما يريد المتكلم إفهامَه ليست هي الكذب عند الجمهور، ومنهم السكاكي.\n_________\n(^١) ما بين المعكوفتين قد أتى التآكل في طرف الورقة على أكثره، وقد أكملناه من كلام ضرب عليه المؤلف.","vol":"19","page":291},{"text":"قلت: هذا لا يمنع أن يظن العلامة أن السكاكي أراد بالكذب في ذاك الموضع هذا المعنى، لكن قد يقال: فكذلك التأويل لا يطّرد فيه إخراجه الدعوى عن البطلان في نفس الأمر.\nففي المثال المتقدم قد يكون المرئي نجمًا في نفس الأمر، واعتقدتَ أنه نار فقلتَ: «رأيتُ نجمًا» مدّعيًا دخول تلك النار في جنس النجم.\nوهذه الدعوى ــ لولا التأويل ــ صحيحة في نفس الأمر، باطلة في اعتقادك، فالتأويل إنما أخرجها عن البطلان في اعتقادك.\nوقد يكون المرئي نجمًا وعرفت أنه نجم، ولكنك بنيتَ على زعم أنه نار، فقلتَ: رأيت نجمًا، على دعوى دخول المرئي في جنس النجم، فهذه الدعوى صحيحة في نفس الأمر، صحيحة في اعتقادك، وإنما أخرجها التأويل من الصحة إلى البطلان.\nفقد كان على العلامة أن يلاحظ ما تقدم أن تفسير الدعوى الباطلة بما يكون على خلاف ما في الضمير ويريد به زعم المتكلم أنه قد أراد إفهامه. وقد يقال: لا مانع أن يلاحظ ما تقدم في شيء ويغفل عنه في غيره.\nوقد عدل صاحب «التلخيص» عن صنيع السكاكي فقال (^١): «والاستعارة تفارق الكذب بوجهين: بالبناء على التأويل ونصب القرينة على إرادة خلاف الظاهر». كأنه فهم أن مراد السكاكي بالدعوى الباطلة الدعوة الكاذبة، وأن مراده بالكذب مطلق الكذب. وعلى هذا جرى السعد في «شرحه»، زعم أن الباطل والكذب متحدان بالذات.\n_________\n(^١) (ص ٣٠٦). وانظر «فيض الفتاح» (٤/ ١٥١ - ١٥٢).","vol":"19","page":292},{"text":"فإن قيل: فإذا كان لابدَّ من القرينة، فكان ينبغي الاكتفاء بها، والإعراض عن التأويل.\nفالجواب: أن التأويل لابد منه في الإخراج عن الكذب. وقد زعم السيِّد في «شرح المفتاح» (^١) أن الاستعارة تدخل في الاسم العلم على وجه المبالغة، بجعل المشبَّه عينَ المشبَّه به، قال: «فإن المقصود من قولك: «رأيت اليوم حاتمًا» أنه عين ذلك الشخص (أي حاتم الطائي المشهور)، لا أنه فرد من الجُوَّاد».\nاعترضه عبد الحكيم فقال: «جَعْلُه عينه ... إن كان لا عن قصدٍ فهو غلط، وإن كان قصدًا فإن كان بإطلاقه عليه ابتداءً فهو وضع جديد، وإن كان بمجرد ادعاءٍ من غير تأويل فهو دعوى باطلة وكذب محض، فلابدّ من التأويل».\nقال الشربيني: «قول المحشي: «فهو دعوى باطلة»، إذ كونُ ذاتٍ ذاتًا أخرى ظاهر البطلان، ولا معنى للمبالغة بذلك ...».\nهذا، مع أن القرينة هنا موجودة، وهي أن حاتمًا المشهور بالجود قد هلك منذ زمان.\nوهكذا قال بعضهم فيمن يشير لبصيرٍ إلى كتابٍ قائلًا: هذا فرس، إنه إن لم يكن غلطًا أو على قصْدِ وضع جديد فهو كذب. هذا مع وجود القرينة وهي المشاهدة. وإنما ذلك لأنه ليس هنا علاقة يُبنى عليها تأويل سائغ.\nفإن قيل: فعلى هذا إنما ينتفي الكذب باجتماع الأمرين: التأويل السائغ والقرينة، وعبارة صاحب «التلخيص» تُشعِر بأن كلَّ واحد منهما كافٍ في دفع الكذب، وعبارة السعد في شرحه توافق ذلك.\n_________\n(^١) انظر «فيض الفتاح» (٤/ ١٥٣).","vol":"19","page":293},{"text":"ويَرِد على ما في «التلخيص» أمران:\nالأول: أن كلًّا من التأويل والقرينة لا يطَّرد فيه الإخراج عن الكذب كما تقدم بيانه.\nوقد يجاب بأن الكلام إنما هو في دفع أن تكون الاستعارة كذبًا من جهة التعبير عن الشيء باسم غيره، فبنى على الغالب من أن يكون اعتقاد المخبر مطابقًا في نفس الأمر، وأنه إنما يريد إفهامه ولكن أتى بالاستعارة.\nمثاله: أن تفرض أنه رأى نارًا على جبلٍ، فعرف أنها نار، وأراد إفهام ذلك فقال: «رأيت نجمًا يُصطَلى به». فقد يتوهم في هذا أنه كذب، لأن الواقع أنه رأى نارًا، وفي الخبر أنه رأى نجمًا، فمقصود صاحب التلخيص دفعُ هذا الوهم فقط.\nالأمر الثاني: أن الكذب هو عدم مطابقة الخبر للواقع، والتأويل عمل ذهني لا أثر له في الخبر، فكيف يُعدُّ مخرجًا له من الكذب؟ ويتبين فيما إذا لم يُؤتَ بالقرينة بل قال في المثال المذكور «رأيت نجمًا»، فمدلول الخبر أنه رأى نجمًا على الحقيقة، والواقع أنه رأى نارًا.\nوقد فسَّر السيد الشريف الجرجاني قول صاحب «المفتاح»: «وتفارق الكذب بنصب القرينة» بقوله (^١): «أراد بالكذب الكذب العمد، وصاحبه لا ينصب القرينة، بل يروج [ظاهره]».\n_________\n(^١) «فيض الفتاح» (٤/ ١٥٢).","vol":"19","page":294}]}