{"ً":{"ٌ":486,"ٍ":"رسالة في أصول الفقه - ضمن «آثار المعلمي»","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"files":["https://archive.org/download/moalemee/19_137199s.pdf"]},"ّ":"الكتاب: رسالة في أصول الفقه\n[آثار عبد الرحمن بن يحيى المعلمي اليماني (١٩)]\nالمؤلف: عبد الرحمن بن يحيى المُعَلِّمي اليماني (١٣١٣ - ١٣٨٦ هـ)\nالمحقق: محمد عزير شمس\nراجعه: محمد أجمل الإصلاحي - عبد الرحمن بن حسن بن قائد\nالناشر: دار عالم الفوائد للنشر والتوزيع\nالطبعة: الأولى، ١٤٣٤ هـ\nقدمه للشاملة: مؤسسة «عطاءات العلم»، جزاهم الله خيرا\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":178,"ٕ":11,"ٖ":1780758645,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["19"],"ٚ":[{"title":"مقدمة المؤلف","level":1,"page":2},{"title":"الفصل الأول في معنى قولهم: «أصول الفقه»","level":1,"page":4},{"title":"المبحث الأول: «العلم» في أصل الوضع العربي هو المعرفة القطعية","level":2,"page":4},{"title":"فوائد","level":3,"page":5},{"title":"المبحث الثاني: «الأصول»","level":2,"page":7},{"title":"المبحث الثالث: «الفقه»","level":2,"page":7},{"title":"المبحث الرابع: «أصول الفقه»","level":2,"page":8},{"title":"المبحث الخامس: «علم أصول الفقه»","level":2,"page":9},{"title":"الفصل الثاني في أن أصول الفقه لا بد أن تكون قطعية","level":1,"page":10},{"title":"الفصل الثاني في الأحكام","level":1,"page":14},{"title":"الضرب الأول: التكليفي","level":2,"page":14}],"ٛ":{"19,295":1,"19,297":2,"19,298":3,"19,299":4,"19,300":5,"19,301":6,"19,302":7,"19,303":8,"19,304":9,"19,305":10,"19,306":11,"19,307":12,"19,308":13,"19,309":14,"19,310":15,"19,311":16,"19,312":17},"ٜ":{"19":[295,312]},"ٝ":["19,295","19,297","19,298","19,299","19,300","19,301","19,302","19,303","19,304","19,305","19,306","19,307","19,308","19,309","19,310","19,311","19,312"],"ٞ":{"2":[1],"4":[2,3],"5":[4],"7":[5,6],"8":[7],"9":[8],"10":[9],"14":[10,11]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"الرسالة الرابعة\nرسالة في أصول الفقه","vol":"19","page":295},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\nالحمد لله الذي هدانا لدينه الذي ارتضاه، وعلَّمنا من أصول الفقه ما أوضح لنا سبيلَ هداه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه.\nأما بعد، فإني ممن عُدَّ لقلة العلماء عالمًا، فصار ينتابني بعض طلبة العلم، فلا يَسَعُني إلا أن أُسعِفهم بمرادهم، لا على أنني عالم معلِّمٌ، بل على أنِّي طالبُ علمٍ من جملتهم، أذاكرهم على حسب وُسْعي.\nومن جملة ما التمس مني القراءة في علم أصول الفقه، فوجدتُ الكتب التي بين أيدي الناس في هذا العلم على ضربين:\nالضرب الأول: كتب الغزالي ومن بعده.\nالضرب الثاني: بعض مختصرات لمن قبله، كاللمع للشيخ أبي إسحاق، والورقات للجويني.\nفأما الضرب الأول فإنه قد مُزِجَ بمباحثَ كثيرةٍ من علم الكلام والأصول المنطقية. وأنا وإن كان لا يتعسَّر عليَّ فهمُ كثيرٍ من هذين الفنين راغبٌ بنفسي عنهما، متحرِّجٌ من الخوض فيهما.\nوأما الضرب الثاني فإنه بغاية الاختصار، ولا يخلو مع ذلك عن تعقيد.\nفرأيتُ أن أجمع رسالة، أعدُّها لمن يرغب من طلبة العلم في مطالعة هذا العلم معي، أُسهِّل فيها أمهاتِ المطالب بقدر ما أستطيع، معرضًا عن كثير من الاصطلاحات والتدقيقات، مقتصرًا من المباحث الكلامية على ما","vol":"19","page":297},{"text":"لا بدَّ منه، سالكًا ــ على قلَّة بضاعتي ــ مسلكَ التحقيق.\nوأنا أنصح طلبة العلم دائمًا أن لا يعدُّوني عالمًا، وأن لا يعتمدوا على قولي، إلا أنني أقول لهم: من اختبرني منكم زمانًا، ثم رأى من قولي ما هو موافق لإمام من أئمة العلم، وفهم الدليلَ، وقوِيَ في نظره= فلا حرجَ عليه إن شاء الله تعالى من اعتماده، وأسأل الله تعالى لي ولهم التوفيق.","vol":"19","page":298},{"text":"المقدمة\nوفيها فصول:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2>الفصل الأول\nفي معنى قولهم: \"أصول الفقه</span>\"\nفيه خمس (^١) مباحث:\nالأول\nالعلم في أصل الوضع العربي هو المعرفة القطعية\nمثال ذلك: أن تُسأل في أواخر النهار: هل غَرَبتِ الشمسُ؟ فتكون قد رأيتها بعينك تغربُ، أو تراها لم تغربْ، أو ترى شعاعَها الذي لا مِريةَ فيه، فأنت هنا عالم بغروبها أو بعدم غروبها. ووراء ذلك حالان:\nالأولى: أن لا تكون رأيتَها تغرب، ولا أنت بحيث تراها، ولكن ترى من حال الجوّ ظلمةً وإنارةً ما يُرجِّح في ظنِّك غروبَها أو عدمَ غروبها، أو يخبرك ثقةٌ بأنها غربت أو أنها لم تغرب، أو تكون عندك ساعةٌ فتستدلُّ بها على الغروب أو عدمه. فالحكم الذي في نفسك في هذه الحال يُسمى \"ظنًّا\"، ومقابله يُسمى \"وهمًا\".\nالثانية: أن لا يحصل لك ما يوجب علمًا ولا ظنًّا، وتكون مترددًا، وهذا يسمى \"شكًّا\" و\"جهلًا\".\n_________\n(^١) كذا في الأصل بدون هاء.","vol":"19","page":299},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-4> فوائد:</span>\nالأولى: قد يطلق العلم على ما يعمُّ الظنَّ.\nالثانية: ينقسم العلم إلى قسمين:\nالأول: ما لا يقبل تشكيكًا البتةَ، مثل العلم بأنَّ الاثني عشر إذا قُسِّمتْ بين اثنين على السواء بدون تكسير كان لكل منهما ستة، أو بين ثلاثةٍ كان لكل منهم أربعة، أو بين أربعةٍ كان لكل منهم ثلاثة، أو بين ستةٍ كان لكل منهم اثنان، أو بين خمسة أو سبعة أو تسعة لم تنقسم.\nالثاني: ما يقبل التشكيك في الجملة، كمن يرى الشمسَ رائعةَ النهار، فيقال له: لعلك مسحور، فأنت تتوهم أنك ترى الشمس توهُّمًا، أو لعلك مُصابٌ في عقلك، فإنَّ المصاب في عقله يتراءى له ما لا حقيقة له، ولا يشعر بأنه مصاب.\nوأمثال هذه التشكيكات لا تقدح في القطع.\nقال الله ﵎: ﴿وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ (١٤) لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ﴾ [الحجر: ١٤، ١٥]، أخبر ﷾ بأنَّ هذا التشكُّك عِنادٌ منهم وحمقٌ وجهلٌ.\nالفائدة الثالثة: كثيرًا ما يشتبه الظن بالعلم، كأن تُحضِر بدويًّا لم يسمع بالحاكي \"الفونغراف\"، ولا المذياع \"الراديو\"، وتُقعِده عند باب حجرة فيها مذياع فيسمعه، فإنه يقطع بأنَّ في الحجرة إنسانًا يتكلَّم.\nومن تفكَّر في هذا وأمثاله خاف أن يكون كثير من الأمور التي يقطع بها","vol":"19","page":300},{"text":"ويرى أنه عالمٌ بها، إنما هي ظنونٌ قد تتخلف. وطريق الخلاص من هذا مشروحةٌ في موضع آخر.\n[ص ٢] الفائدة الرابعة: حكم الذهن الجازم يسمَّى \"اعتقادًا\"، وقد يكون عن علمٍ، وقد يكون عن ظنٍّ غالبٍ.\nوالفصل بينهما أنَّ الحكم إن كان خطأً فهو عن ظنٍّ، وهذا هو الذي يُسمَّى بالجهل المركب؛ لأنَّ صاحبه يجهل، ويجهل أنه يجهل، أي لا يعلم حقيقة الحال، ويرى أنه عالمٌ. وأما الجهل البسيط فهو أن يجهل حقيقة الحال، ويعلم أنه جاهل بها.\nوإن كان الحكم صوابًا، فللمعتقد حالان:\nالأول: أن يكون بنى اعتقاده على دليل يفيد العلم؛ سواءٌ أكان دليلًا معيَّنًا، أم مجموعَ أمورٍ إنما يفيد كلٌّ منها بانفراده ظنًّا ما، ولكنها بمجموعها تفيد القطع، وسواءٌ استطاع المعتقد أن يُعبِّر عن ذلك الدليل أم لم يستطع، وهذا كله علم.\nالحال الثانية: أن يكون بنى اعتقاده على دليل يجوز أن يتخلَّف، ولكنه لم يشعر بجواز تخلُّفه؛ كالبدوي الذي تقدم آنفًا، إذا وَقَفْتَه قريبًا من حجرة يسمع فيها غناءً، فإنه يقطع أنَّ فيها إنسانًا يُغنِّي. ودليله قد يتخلَّف كما مر، فهذا اعتقادٌ ليس بعلم، وإن صادف الواقع.\nالفائدة الخامسة: كثيرًا ما يطلق الظنّ على الخرْص والتخمين، وهو ما يُبنَى فيه الحكم على أمارة ضعيفة محتملةٍ للتخلُّف احتمالًا ظاهرًا.\nوالعاقل لا يبني على مثله إلَّا حيث لا خطر، ولكن كثيرًا ما يتقوَّى مثل","vol":"19","page":301},{"text":"هذا الأمر بجهل الخطر، ثم بهوًى أو عصبية، فيمنع صاحبه بحرصه عليه عن أن يسمح لنفسه بالتشكك فيه، فيُبنَى عليه أمرٌ عظيم الخطر، فيسمَّى \"اعتقادًا\".\nالفائدة السادسة: كثيرًا ما يطلق العلم ويراد به الفن، يقال: هذا الكتاب في علم المعاني، أي: في فن المعاني.\n* * * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5>المبحث الثاني\nالأصول </span>جمع أصل، وأصل الشيء ما يقوم أي ينبني عليه؛ كأصل الشجرة، وهو جُرثومتها النابتة في الأرض، وأصل الجدار، وهو أساسه.\nقال الراغب (^١): \"أصل الشيء: قاعدته التي لو توهمت مرتفعةً لارتفع بارتفاعه سائره لذلك، قال تعالى: ﴿أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾ [إبراهيم: ٢٤] \".\n* * * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-6>المبحث الثالث\nالفقه </span>في اللغة: العلم وحسن الفهم.\nقال الراغب (^٢): \"هو التوصل إلى علم غائب بعلمٍ شاهد، وهو أخصُّ من العلم، قال: ﴿لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٧٨] \".\n_________\n(^١) \"مفردات القرآن\" (ص ٧٩).\n(^٢) المصدر نفسه (ص ٦٤٢).","vol":"19","page":302},{"text":"والفقه في العرف: العلم بالأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية.\nقالوا: والمراد بالعلم هنا ما يشمل الظن؛ لأنَّ غالب أدلَّة الأحكام الشرعية ظني.\nتنبيه: عُلِم مما ذُكِر أنَّ الفقيه هو المجتهد، فالمقلِّد ليس بفقيه، ولكن الفقه كثيرًا ما يطلق على كلام المجتهد، وما بُنِي عليه. فإذا عرف المقلِّد ذلك قيل له: \"فقيه\"؛ بمعنى أنه عارف بما حصل عن فقه المجتهد.\nفائدة: الدليل فعيل بمعنى فاعل، مِن \"دلَّ على كذا\" أي: أوصل إلى معرفته. ومنها: دللتُ فلانًا على الطريق، والدخان يدلُّ على النار، وعرضُ القفا يدلُّ على البلادة.\nوقد تكون الدلالة قاطعة، وقد تكون ظنية، وتخصيص بعضهم الدليلَ بما يُعطِي القطعَ اصطلاح.\n* * * *\nالمبحث الرابع\nقولهم: \"أصول الفقه\"، معناه: الأشياء التي ينبني عليها الفقه.\nوالفقه ينبني على أمور:\nأولها: أصول الدين.\nثانيها: علم اللسان.\nثالثها: الكتاب والسنة وما دلَّا عليه من الأدلة الإجمالية، وما اشتمل عليه ذلك من الأدلة التفصيلية.","vol":"19","page":303},{"text":"رابعها: قواعد كلية يتوقَّف عليها فهم الأحكام من الأدلة التفصيلية. وهذه هي (^١) أصول الفقه اصطلاحًا، وذلك كقولنا: \"ظاهر القرآن حجة\"، و\"الأمر يقتضي الوجوب\"، و\"النهي يقتضي التحريم\"، و\"الخاصّ يخصُّ العام\"، و\"العامُّ حجة فيما بقي\"، وأشباه ذلك.\n* * * *\nالمبحث الخامس (^٢)\nقد عُرِف مما تقدَّم معنى قولهم: \"علم أصول الفقه\"، فلا نُطيل ببيانه.\n_________\n(^١) في الأصل: \"هو\".\n(^٢) في الأصل: \"الرابع\".","vol":"19","page":304},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-9>الفصل الثاني\nفي أنَّ أصول الفقه لا بدَّ أن تكون قطعيةً </span>(^١)\nشاع بين أهل العلم أنَّ أصول الفقه لا يكفي فيها غلبةُ الظن، بل لا يصحُّ البناء عليها حتى تكون قطعية. ونازع فيه بعض أهل العلم؛ بأنَّ كثيرًا من القواعد التي تُذكَر في أصول الفقه ظنّي.\n[ص ٣] كيف وغالبها مختلف فيه بين أهل العلم، ونجد العالم منهم إنما يحتج لقوله بحجة ظنية، وكثيرًا ما يعبِّرون بما يفيد أنه ليس عندهم إلَّا الظن، كقولهم: الأصح، الظاهر، الراجح، وغير ذلك.\nوقد أُجيب بأنَّ من القواعد ما هو قطعي بمجموع أدلّةٍ كلٌّ منها بانفراده\n_________\n(^١) كتب المؤلف صفحة حول هذا الموضوع ضمن المجموع رقم [٤٦٥٨]، وهو ما يلي: اعلم أنَّ مسألتنا هذه أصل من أصول الفقه، وقد نصّ العلماء أنَّ أصول الفقه لا تثبت إلا بالقطع. ونظر فيه بعض المتأخرين قال: في الأصول مسائل لا يتحقق فيها القطع. وجوابه: أنّ أصول الفقه ما هو مستند إلى أصلٍ فوقه قطعي، فيكون الثاني قطعيًّا بهذا المعنى، وهكذا المسائل الفرعية الظنية المستندة إلى الأصول القطعية تكون قطعية بهذا المعنى، فلو شافه ملك زيدًا وعمرًا قائلًا: من جاء منكما إلى رجل فبلّغه عني أمرًا، فإن ظنَّ صدقَه فواجب عليه العمل بذلك الأمر، وإن ظنَّ كذبه فواجب عليه أن لا يعمل به، ثم جاءهما رجلٌ فبلّغهما أمرًا عن الملك فظنَّه زيد صادقًا وظنَّه عمرو كاذبًا، فإن العمل واجب على زيد وإن كان ثبوت ذلك الأمر بخصوصه عن الملك ظنيًّا، وحرام على عمرو وإن كان عدم صحة ذلك الأمر بخصوصه عن الملك ظنيًّا ..","vol":"19","page":305},{"text":"ظني؛ فيعترض بعضُ الناس كلَّ دليلٍ منها بانفراده، فيتوهم أن تلك القاعدة ظنية.\nوهذا جواب قد يصحُّ في بعض القواعد لا جميعها، فإنَّ كثيرًا منها لا ترتفع دلالةُ أدلتِه بمجموعها عن الظن.\nوقد يجاب بأن تلك القواعد وإن لم تكن قطعية في صحتها، فهي قطعية في وجوب الأخذ بها.\nفقولنا: \"الأمر يقتضي الوجوب\" إذا لم يتيسَّر للمجتهد القطعُ بصحتها، فإنه قد يتتبع عدةَ أوامرَ خاليةٍ عن القرينة المقتضية للوجوب والصارفة عنه، فيستظهر اقتضاءها الوجوبَ، وأنَّ اقتضاء الوجوب مقتضَى الأمر، فيلزمه قطعًا الأخذُ بذلك؛ لاندراجه تحت أصل قطعي، وهو وجوب حمل الكلام على ظاهره ما لم يَصرِفْ عنه صارف. ولا شك أن المراد بالظاهر هنا ما يشمل الظاهر للمجتهد: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق: ٧].\nوقد يُقدَح في هذا الجواب بوجهين:\nالأول: أن ظاهر عبارات مشترطي قطعية الأصول، وصريحَ كلام بعضهم أنَّ مرادهم قطعية الصحة، لا قطعية وجوب الأخذ.\nالوجه الثاني: أن قطعية وجوب الأخذ عامة في جزئيات الشريعة، فلا وجه لتخصيص الأصول منها.\nوبيانه أنه ليس للمجتهد أن يقول في الدين إلا بما رآه دليلًا شرعيًّا، والأخذ بما رآه دليلًا شرعيًّا واجب قطعًا. فيقول في كل جزئية: أرى هذا دليلًا شرعيًّا، والأخذ بما أراه دليلًا شرعيًّا واجبٌ عليّ قطعًا.","vol":"19","page":306},{"text":"نعم، قد يستفاد من هذا جواب آخر، وهو أنَّ القواعد التي تُذكر في أصول الفقه على ضربين:\nالأول: الأصول الحقَّة.\nالثاني: ضوابط تحيط بجزئياتٍ تندرج تحت أصل من الضرب الأول؛ فكما أنَّ المجتهد إذا سمع قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ [الْكِتَابَ] ...﴾ [النور: ٣٣]. فرأى أنَّ ظاهر الكلام وجوب المكاتبة بشرطها، لزمه القول بها قطعًا؛ للقطع بوجوب حمل الكلام على ظاهره ما لم يصرف عنه صارف.\nفقد وجب الأخذ هنا قبل استحضار قولنا: \"الأمر يقتضي الوجوب\"، غاية الأمر أنه قد يتبع عدة أوامر إلى آخر ما تقدم، فيضع هذا الضابط: \"الأمر يقتضي الوجوب\".\nوعلى هذا فتسمية هذه الضوابط أصولًا لا يخلو من تسمُّح.\n[ص ٤] ويجاب بأنَّ كثيرًا من القواعد إنما هي ضوابط لجزئيات كثيرة تندرج كلها في أصول قطعية.\nفمن هذا قولهم: \"الأمر يقتضي الوجوب\"، و\"النهي يقتضي التحريم\"؛ فإنَّ الجزئيات التي تدخل تحت كل منهما تدخل تحت أصل \"الكلام محمول على ظاهره ما لم يَصرِفْ عنه صارف\". ولا ريب أنَّ الظاهر هنا يشمل الظاهر عند المجتهد ــ وقد خالفه غيره ــ، ويشمل الظاهر عنده ظنًّا، ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾.\nفإذا نظر المجتهد في نص فيه أمرٌ، فوجد الظاهر اقتضاء الوجوب، علم أنَّ تلك الجزئية داخلة في أصل \"الكلام محمول على ظاهره ... إلخ\"، فلزمه","vol":"19","page":307},{"text":"القول فيها بالوجوب. ثم ينظر في أوامر أخرى فكذلك، فينظر في سبب ظهور اقتضاء الوجوب في تلك النصوص، فيجده الأمر، فينتظم له ضابطُ: \"الأمر يقتضي الوجوب\". فإن تيسر القطع في هذا فذاك، وإلَّا كفى فيه الظن.\nوقِسْ على هذا قولهم: \"النهي يقتضي التحريم\".\nوربما يندرج تحت الأصل القطعي قاعدة، وتندرج تحت هذه القاعدة قاعدة أخرى، وقد تتعدَّدُ الوسائط.","vol":"19","page":308},{"text":"[ص ٥]<span data-type=\"title\" id=toc-10> الفصل الثاني (^١)\nفي الأحكام</span>\nالحكم في الأصل: القضاء، والمراد به هنا: قضاء الله تعالى على عباده إيجابًا أو تحريمًا أو غيرهما مما يأتي.\n* والأحكام على ضربين:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-11>الضرب الأول: التكليفي:</span> وهو خمسة:\nالأول: الوجوب، وهو الأمر المحتَّم، على معنى أنه إن لم يفعل كان عاصيًا.\nالثاني: الندب، وهو المرغَّب فيه، على أنه إن فعل فقد أحسن، وإلَّا فليس بعاصٍ.\nالثالث: الإباحة، وهو الإذن على وجهٍ يُعلَم به استواءُ الفعل والترك.\nالرابع: الكراهية، وهي التنفير عن الفعل، على أنَّه إن فعل فقد أساء، ولم يبلغ أن يكون عاصيًا.\nالخامس: التحريم، وهو حظر الفعل، على أنَّه إن فعل فهو عاصٍ.\nوهنا مسائل:\nالأولى: لا خلاف أن الوجوب له درجات، يتفاوت بها ما للعامل من الأجر، وما على التارك من الوزر. فوجوب ردِّ السلام ليس كوجوب الصلوات الخمس.\n_________\n(^١) كذا في الأصل ..","vol":"19","page":309},{"text":"والفرض والوجوب يتواردان على معنى واحد، إلَّا أنَّ الفرض يُشعِر بتأكد الوجوب. وقد اصطلح الحنفية على تخصيص الفرض لما ثبت بدليل قاطع، والواجب لما ثبت بدليل ظني. كذا نُقل عنهم، ولهم تفصيل، قيل: والخلاف لفظي.\nأقول: لكنه يتعلق به خلاف معنوي، سنُلِمُّ به في محله إن شاء الله تعالى.\nالمسألة الثانية: الوجوب منه عيني؛ وهو ما لا يسقط الحرج عن المكلَّف بفعل غيره له. وإما كفائي؛ وهو ما يطلب حصوله، فإذا قام به بعض المكلَّفين لم يأثم الباقون بتركه.\nالمسألة الثالثة: ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وذلك كغسل شيء من حدود الوجه مع الوجه، والسفر لأداء الحج، وتحصيل ما يستر العورة وسترها للصلاة، ونحو ذلك.\nفإنَّ الرجل إذا كان هو وولده خارجَ حجرةٍ مقفلةٍ فيها مصحف، وهو يعلم ذلك كله، وقال لولده: ناوِلْني المصحف؛ عُلِم من هذا الأمر أمرُه بالحركة إلى الحجرة وفتحها ونحو ذلك مما لا بدَّ منه للتوصُّل إلى مناولة المصحف.\nفأما ما لا يتم الوجوب إلَّا به فلا يجب؛ فالتوبة من الذنب واجبة، ولا يتم وجوبها إلَّا بإتيان الذنب، وليس بواجب. وقضاء الدين واجب، ولا يتمُّ وجوبه إلَّا بأخذ الدين، وليس بواجب. وهكذا تحصيل النصاب للزكاة، وغيره.","vol":"19","page":310},{"text":"المسألة الرابعة: الواجب المخيَّر، يكفي المكلَّفَ أن يأتي بواحدٍ مما خُيِّر فيه، وهذا مقطوعٌ به متّفق عليه.\nواختلف في الثواب والعقاب إذا فعل اثنين منها فأكثر معًا، أو تركها كلها.\nومما يدل على الحق فيها: أنه لو أتلف زيد سلعةً لعمرو تساوي عشرة دراهم مثلًا، وكان عمرو محتاجًا إلى سكنى دارٍ لزيد، وأجرتها في الشهر نحو ثلاثة عشر درهمًا، وكان الصرف: الدينار (^١) باثني عشر درهمًا = جاز أن يقول الحاكم لزيد: أَسكِنْ عمرًا دارَك شهرًا، أو ادفَعْ إليه دينارًا أو عشرة دراهم. فلا ريب أنَّ الواجب في نفس الأمر هو عشرة دراهم أو ما يعدِلُها، والتخيير بين ذلك وبين ما زاد عليه هو على طريق الفضل، فإذا لم يفعل شيئًا مما ذُكِر لم يكن عليه إثم إلا بمقدار عشرة دراهم، كما لا يخفى.\nالمسألة الخامسة: الندب تختلف درجاته في التأكيد وعدمه، وهو والمسنون والمستحبُّ والمرغَّب فيه بمعنى.\nواصطلح الحنفية على تخصيص كل منها بدرجة، ولا يتعلَّق بذلك خلافٌ معنوي فيما أعلم.\nالمسألة السادسة: المكروه تختلف درجاته، وكثيرًا ما يطلق على الحرام، ويميِّزون بينهما بقولهم: \"مكروه تنزيهًا\" و\"مكروه تحريمًا\".\nوفي المنقول عن السلف ما يقتضي أنهم إنما يطلقون المكروه بمعنى الحرام حيث لم يكن التحريم منصوصًا؛ يتباعدون عن مقتضى قوله تعالى:\n_________\n(^١) كذا في الأصل.","vol":"19","page":311},{"text":"﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ﴾ الآية [النحل: ١١٦].\nالمسألة السابعة: الحرمة تختلف درجاتها، ويقسم في الجملة إلى قسمين: لَمَم أو صغائر، وكبائر. وجاء في بعض الذنوب أنها من أكبر الكبائر.\nالمسألة الثامنة: في التحريم المخيَّر، هناك ثلاث صور:\nالأولى: ما يحدث بتعاطي أحد الشيئين مفسدةٌ في تعاطي الآخر، كالمرأة وابنتها في النكاح؛ فإنه إذا نكح البنتَ حرمتْ عليه الأم، وإذا نكح الأم ودخل بها حرمتْ عليه البنتُ.\nالصورة الثانية: ما تكون المفسدة في الجمع، كالأختين في النكاح.\nومعلوم في هاتين الصورتين أنه قبلَ تعاطِي أحدِ الأمرين يكون تعاطِيْ كلٍّ منهما حلالًا.","vol":"19","page":312}]}