{"ً":{"ٌ":51,"ٍ":"عقيدة الإيمان باليوم الآخر وآثرها في إصلاح المجتمع","َ":5,"ُ":3,"ّ":"الكتاب: عقيدة الإيمان باليوم الآخر وآثرها في إصلاح المجتمع\nالمؤلف: د. عبد المجيد بن محمد الوعلان\nعدد الصفحات: ٦٩\n[الكتاب غير مطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":2590,"ٕ":1,"ٖ":1780758345,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"المقدمة","level":1,"page":2},{"title":"خطة البحث","level":2,"page":4},{"title":"تمهيد: الأطوار التي يمر الإنسان بها من الحياة","level":1,"page":6},{"title":"١ - الطور الأول: حياته وهو جنين","level":2,"page":6},{"title":"٢ - الطور الثاني: حياته الدنيا","level":2,"page":6},{"title":"٣ - الطور الثالث: حياته وهو في البرزخ","level":2,"page":9},{"title":"٤ - الطور الرابع: حياته في الآخرة","level":2,"page":11},{"title":"الفصل الأول الإيمان باليوم الآخر","level":1,"page":13},{"title":"المبحث الأول: أهمية الإيمان باليوم الآخر","level":2,"page":13},{"title":"المبحث الثاني: أسماء اليوم الآخر","level":2,"page":18},{"title":"المبحث الثالث: علاقة الإيمان باليوم الآخر بالإيمان بالغيب","level":2,"page":21},{"title":"الفصل الثاني: أشراط الساعة","level":1,"page":22},{"title":"المبحث الأول: الساعة وأماراتها","level":2,"page":22},{"title":"أقسام أشراط الساعة","level":3,"page":22},{"title":"١ - أشراط صغرى","level":4,"page":22},{"title":"٢ - أشراط كبرى","level":4,"page":22},{"title":"المبحث الثاني: أشراط الساعة الصغرى","level":2,"page":23},{"title":"١ - بعثة النبي -ﷺ-","level":3,"page":23},{"title":"٢ - موت النبي -ﷺ-","level":3,"page":23},{"title":"٣ - فتح بيت المقدس","level":3,"page":23},{"title":"٤ - طاعون عمواس","level":3,"page":23},{"title":"٥ - استفاضة المال والاستغناء عن الصدقة","level":3,"page":24},{"title":"٦ - ظهور الفتن","level":3,"page":24},{"title":"٧ - ظهور مدعي النبوة","level":3,"page":25},{"title":"٨ - انتشار الأمن","level":3,"page":25},{"title":"٩ - ظهور نار الحجاز","level":3,"page":25},{"title":"١٠ - قتال الترك","level":3,"page":25},{"title":"١١ - قتال العجم","level":3,"page":26},{"title":"١٢ - ضياع الأمانة","level":3,"page":26},{"title":"١٣ - قبض العلم وظهور الجهل","level":3,"page":26},{"title":"١٤ - كثرة الشرط وأعوان الظلمة","level":3,"page":27},{"title":"١٥ - انتشار الزنا","level":3,"page":27},{"title":"١٦ - انتشار الربا","level":3,"page":27},{"title":"١٧ - ظهور المعازف واستحلالها","level":3,"page":27},{"title":"١٨ - كثرة شرب الخمر واستحلالها","level":3,"page":27},{"title":"١٩ - زخرفة المساجد والتباهي بها","level":3,"page":27},{"title":"٢٠ - التطاول في البنيان","level":3,"page":27},{"title":"٢١ - ولادة الأمة ربتها","level":3,"page":27},{"title":"٢٢ - كثرة القتل","level":3,"page":27},{"title":"٢٣ - تقارب الزمان","level":3,"page":27},{"title":"٢٤ - تقارب الأسواق","level":3,"page":28},{"title":"٢٥ - ظهور الشرك في هذه الأمة","level":3,"page":28},{"title":"٢٦ - ظهور الفحش وقطيعة الرحم وسوء الجوار","level":3,"page":28},{"title":"٢٧ - تشبب المشيخة","level":3,"page":28},{"title":"٢٨ - كثرة الشح","level":3,"page":28},{"title":"٢٩ - كثرة التجارة","level":3,"page":28},{"title":"٣٠ - كثرة الزلازل","level":3,"page":28},{"title":"٣١ - ظهور الخسف والمسخ والقذف","level":3,"page":28},{"title":"٣٢ - ذهاب الصالحين","level":3,"page":29},{"title":"٣٣ - ارتفاع الأسافل","level":3,"page":29},{"title":"٣٤ - أن تكون التحية للمعرفة","level":3,"page":29},{"title":"٣٥ - التماس العلم عند الأصاغر","level":3,"page":29},{"title":"٣٦ - ظهور الكاسيات العاريات","level":3,"page":29},{"title":"٣٧ - صدق رؤيا المؤمن","level":3,"page":30},{"title":"٣٨ - كثرة الكتابة وانتشارها","level":3,"page":30},{"title":"٣٩ - التهاون بالسنن التي رغب فيها الإسلام","level":3,"page":30},{"title":"٤٠ - انتفاخ الأهلة","level":3,"page":30},{"title":"٤١ - كثرة الكذب وعدم التثبت في نقل الأخبار","level":3,"page":30},{"title":"٤٢ - كثرة شهادة الزور وكتمان شهادة الحق","level":3,"page":31},{"title":"٤٣ - كثرة النساء وقلة الرجال","level":3,"page":31},{"title":"٤٤ - كثرة موت الفجاءة","level":3,"page":31},{"title":"٤٥ - وقوع التناكر بين الناس","level":3,"page":32},{"title":"٤٦ - عود أرض العرب مروجا وأنهارا","level":3,"page":32},{"title":"٤٧ - كثرة المطر وقلة النبات","level":3,"page":32},{"title":"٤٨ - جسر الفرات عن جبل من ذهب","level":3,"page":32},{"title":"٤٩ - كلام السباع والجمادات للإنس","level":3,"page":33},{"title":"٥٠ - تمني الموت من شدة البلاء","level":3,"page":33},{"title":"٥١ - كثرة الروم وقتالهم المسلمين","level":3,"page":33},{"title":"٥٢ - فتح القسطنطينية","level":3,"page":34},{"title":"٥٣ - خروج القحطاني","level":3,"page":34},{"title":"٥٤ - قتال اليهود","level":3,"page":34},{"title":"٥٥ - نفي المدينة لشرارها ثم خرابها آخر الزمان","level":3,"page":34},{"title":"٥٦ - بعث الريح الطبية لقبض أرواح المؤمنين","level":3,"page":35},{"title":"٥٧ - استحلال البيت الحرام وهدم الكعبة","level":3,"page":35},{"title":"المبحث الثالث: المهدي","level":2,"page":36},{"title":"مكان خروجه","level":3,"page":36},{"title":"المبحث الرابع: أشراط الساعة الكبرى","level":2,"page":37},{"title":"١ - المسيح الدجال","level":3,"page":38},{"title":"صفة الدجال","level":4,"page":39},{"title":"ابن صياد والدجال","level":4,"page":40},{"title":"٢ - نزول عيسى -﵇-","level":3,"page":40},{"title":"صفة نزوله -﵇-","level":4,"page":41},{"title":"بم يحكم عيسى -﵇-","level":4,"page":41},{"title":"مدة بقائه بعد نزوله ثم وفاته","level":4,"page":41},{"title":"٣ - يأجوج ومأجوج","level":3,"page":41},{"title":"٤ - الخسوفات الثلاثة","level":3,"page":43},{"title":"٥ - الدخان","level":3,"page":43},{"title":"٦ - طلوع الشمس من مغربها","level":3,"page":43},{"title":"٧ - خروج الدابة","level":3,"page":43},{"title":"٨ - النار التي تحشر الناس","level":3,"page":44},{"title":"الفصل الثالث: الحقائق التي يشتملها الإيمان باليوم الآخر","level":1,"page":45},{"title":"المبحث الأول: البعث","level":2,"page":45},{"title":"شبهة المنكرين للبعث والرد عليهم","level":3,"page":48},{"title":"الأدلة على البعث","level":3,"page":48},{"title":"أولا: إخبار العليم الخبير بوقوع القيامة","level":4,"page":49},{"title":"ثانيا: الاستدلال على النشأة الأخرى بالنشأة الأولى","level":4,"page":50},{"title":"ثالثا: القادر على خلق الأعظم قادر على خلق ما دونه","level":4,"page":50},{"title":"رابعا: قدرته ﵎ على تحويل الخلق من حال إلى حال","level":4,"page":50},{"title":"خامسا: إحياء بعض الأموات في هذه الحياة","level":4,"page":51},{"title":"سادسا: ضرب المثل بإحياء الأرض بالنبات","level":4,"page":51},{"title":"سابعا: حكمة الله تقتضي بعث العباد للجزاء والحساب","level":4,"page":51},{"title":"أهوال يوم القيامة","level":3,"page":52},{"title":"المبحث الثاني: دنو الشمس من الخلائق","level":2,"page":53},{"title":"المبحث الثالث: محاسبة الخلائق على أعمالهم","level":2,"page":53},{"title":"المبحث الرابع: الميزان","level":2,"page":54},{"title":"المبحث الخامس: نشر الكتب","level":2,"page":55},{"title":"المبحث السادس: الحوض","level":2,"page":55},{"title":"المبحث السابع: الشفاعة","level":2,"page":56},{"title":"الشفاعة الخاصة بالنبي -ﷺ-","level":3,"page":56},{"title":"الشفاعة العامة","level":3,"page":57},{"title":"المبحث الثامن: الصراط","level":2,"page":57},{"title":"المبحث التاسع: دخول الجنة أو النار","level":2,"page":58},{"title":"الفصل الرابع: آثار الإيمان باليوم الآخر في إصلاح المجتمع","level":1,"page":60},{"title":"الخاتمة","level":1,"page":64},{"title":"فهرس المصادر والمراجع","level":1,"page":65}],"ٛ":{"1,1":1,"1,2":2,"1,3":3,"1,4":4,"1,5":5,"1,6":6,"1,7":7,"1,8":8,"1,9":9,"1,10":10,"1,11":11,"1,12":12,"1,13":13,"1,14":14,"1,15":15,"1,16":16,"1,17":17,"1,18":18,"1,19":19,"1,20":20,"1,21":21,"1,22":22,"1,23":23,"1,24":24,"1,25":25,"1,26":26,"1,27":27,"1,28":28,"1,30":29,"1,31":30,"1,32":31,"1,33":32,"1,34":33,"1,35":34,"1,36":35,"1,37":36,"1,38":37,"1,39":38,"1,40":39,"1,41":40,"1,42":41,"1,43":42,"1,45":43,"1,46":44,"1,47":45,"1,48":46,"1,49":47,"1,50":48,"1,51":49,"1,52":50,"1,53":51,"1,54":52,"1,55":53,"1,56":54,"1,58":55,"1,59":56,"1,60":57,"1,61":58,"1,62":59,"1,63":60,"1,64":61,"1,65":62,"1,66":63,"1,67":64,"1,68":65,"1,69":66},"ٜ":{"1":[1,69]},"ٝ":["1,1","1,2","1,3","1,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69"],"ٞ":{"2":[1],"4":[2],"6":[3,4,5],"9":[6],"11":[7],"13":[8,9],"18":[10],"21":[11],"22":[12,13,14,15,16],"23":[17,18,19,20,21],"24":[22,23],"25":[24,25,26,27],"26":[28,29,30],"27":[31,32,33,34,35,36,37,38,39,40],"28":[41,42,43,44,45,46,47,48],"29":[49,50,51,52,53],"30":[54,55,56,57,58],"31":[59,60,61],"32":[62,63,64,65],"33":[66,67,68],"34":[69,70,71,72],"35":[73,74],"36":[75,76],"37":[77],"38":[78],"39":[79],"40":[80,81],"41":[82,83,84,85],"43":[86,87,88,89],"44":[90],"45":[91,92],"48":[93,94],"49":[95],"50":[96,97,98],"51":[99,100,101],"52":[102],"53":[103,104],"54":[105],"55":[106,107],"56":[108,109],"57":[110,111],"58":[112],"60":[113],"64":[114],"65":[115]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"عقيدة الإيمان باليوم الآخر\nوآثرها في إصلاح المجتمع\n\nد. عبدالمجيد بن محمد الوعلان","vol":"1","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1>المقدمة</span>\nإن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له.\nوأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)﴾ [آل عمران: ١٠٢]، ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٨)﴾ [الحشر: ١٨].\nأما بعد:\nفإن عقيدة الإيمان باليوم الآخر من قضايا العقيدة الأساسية التي جاء بها الإسلام، والتي يقوم عليها بناء هذه العقيدة بعد قضية وحدانية الله. والتي لا يقوم هذا الدين عقيدة وتصورًا وخلقًا وسلوكًا وشريعة ونظامًا إلا عليها وبها.\nإن الحياة الحقيقة في الإسلام تمتد في الزمان فتشمل الفترة المحدودة التي يشهدها الإنسان - فترة الحياة الدنيا - وفترة الحياة الآخرة التي يمتد مداها أبد الآبدين.\n(ولما كان الارتباط بين حياتنا هذه وحياتنا الآخرة وثيقًا، إذ كانت هذه الحياة بمثابة الحرث والزرع، وكانت الآخرة بمثابة الجني والحصاد، كان لابد للإنسان من أن يعلم عن حياته الآخرة ما يدعوه للاستعداد لها، وإقامة حياته الدنيا على النمط الذي يحقق له في الآخرة خيرًا وفضلًا.\nولما كانت الآخرة غيب لا يستطيع أصحاب العقول الثاقبة، والقلوب المبصرة اختراق حجبها فضلًا عمن دونهم، فإن الله تعالى تولى إخبارهم عن مسارهم في رحلتهم بعد الحياة، وعن مصيرهم المحتوم، ومزج الحديث عن الحياة الآخرة بالحديث عن هذه الحياة مزجًا يجعلهما متداخلين، تحقيقًا لإصلاح النفوس وتقويمها، في عالم تدأب فيه مخلوقات كثيرة بشرية وجنية على العمل لإضلال العباد وإبعادهم عن جادة الصواب) (^١).\nوتأتي أهمية هذا البحث في هذا الوقت الذي انشغل فيه كثير من الناس بالدنيا وما فيها من المتاع فنسوا اليوم الآخر. وأخذ فيه بعض الكتاب يشككون في ظهور ما أخبر به القرآن وما أخبر به الرسول -ﷺ-، أو يصرفون النصوص عن ظاهرها، أو يؤلونها ويحكّمون عقولهم فيها، بل وصل الحال ببعضهم إلى تكذيب كثير مما يجري في الآخرة مما صحت به الأخبار، وعمدتهم في ذلك مقاييس عقلية لو دققوا النظر فيها لتبين فسادها، ولو تعمقوا في علوم الآخرة لبان لهم أن الآخرة غير الدنيا، وأن مقاييس وموازين الآخرة مخالفة لما عليه الحال في الدنيا.\n_________\n(^١) انظر: عمر الأشقر - اليوم الآخر، القيامة الصغرى، ص ٧، ط. السادسة، دار النفائس، الأردن، ١٤١٥ هـ.","vol":"1","page":2},{"text":"وكذلك فإن هذا البحث دعوة للإيمان بالله تعالى وباليوم الآخر، وتصديق لما أخبر به الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى، ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ [النجم:٤]، ﷺ.\nوهو أيضًا دعوة للتأهب لما بعد الموت، فإن الأجل قريب، والإنسان لا يعلم مصيره بعد الموت، إما إلى الجنة وإما إلى النار قال تعالى: ﴿(٣٣) فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى (٣٤) يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى (٣٥) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى (٣٦) فَأَمَّا مَنْ طَغَى (٣٧) وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٣٨) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى (٣٩) وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات:٣٤ - ٤١].\nنسأل الله ﷾ أن يجعلنا من أهل الجنة، وأن يعيذنا من النار.","vol":"1","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>خطة البحث:</span>\nيشتمل هذا البحث على مقدمه، وتمهيد، وأربعة فصول، وخاتمة.\n- أما المقدمة: فتشتمل على أهمية هذا الموضوع، وخطته.\n- وأما التمهيد: فتحدثت فيه عن الأطوار التي يمر بها الإنسان. وهذه الأطوار هي:\n١ - الطور الأول: حياته وهو جنين.\n٢ - الطور الثاني: حياته الدنيا.\n٣ - الطور الثالث: حياته وهو في البرزخ.\n٤ - الطور الرابع: حياته في الآخرة.\n- وأما الفصل الأول: الإيمان باليوم الآخر: فيشتمل على ثلاثة مباحث:\nالمبحث الأول: تحدثت فيه عن أهمية الإيمان باليوم الآخر وأنه أصل من أصول الدين. وعن الحقائق التي يشتملها الإيمان باليوم الآخر. وعن معنى الإيمان في اللغة والشرع.\nالمبحث الثاني: وتحدثت فيه عن أسماء اليوم الآخر وذكرت الأدلة على ذلك، وسبب كثرة أسماء اليوم الآخر.\nالمبحث الثالث: وتحدثت فيه عن علاقة الإيمان باليوم الآخر بالإيمان بالغيب: وبينت فيه ارتباط الإيمان باليوم الآخر بالإيمان بالغيب، وأن الإيمان باليوم الآخر هو إيمان بالغيب.\n- وأما الفصل الثاني: أشراط الساعة، ويشتمل على أربعة مباحث:\nالمبحث الأول: الساعة وأمارتها: وبينت فيه أقسام أشراط الساعة وأنها تنقسم إلى قسمين:\n١ - أشراط الساعة الصغرى.\n٢ - أشراط الساعة الكبرى.\nوأن أشراط الساعة الصغرى منها ما وقع ومنها ما لم يقع.\nالمبحث الثاني: تحدثت فيه عن أشراط الساعة الصغرى.\nالمبحث الثالث: تحدثت فيه عن المهدي؛ وذلك لأن ظهوره يسبق ظهور أشراط الساعة الكبرى. وبينت مكان خروجه.\nالمبحث الرابع: تحدثت فيه عن أشراط الساعة الكبرى.\n- وأما الفصل الثالث: الحقائق التي يشتملها الإيمان باليوم الآخر: فيشتمل على تسعة مباحث:\nالمبحث الأول: البعث، وتحدثت فيه عن معنى البعث، وما المراد منه، والأدلة عليه، وطرق القرآن في تقرير المعاد، وشبهة المنكرين للبعث والرد عليهم.\nوتحدثت عن الحشر واختلاف أحوال الناس فيه، وعن الأرض التي يحشر عليها العباد وأنها غير","vol":"1","page":4},{"text":"أرضنا هذه. ثم ذكرت شيئًا من أهوال يوم القيامة.\nالمبحث الثاني: دنو الشمس من الخلائق، تحدثت فيه عن دنو الشمس من الخلائق، وحال الناس عند حدوث ذلك.\nالمبحث الثالث: محاسبة الخلائق على أعمالهم، وتحدثت فيه عن محاسبة الخلق، وأن محاسبة المؤمن محاسبة فضل وکرم وإنعام، وأن محاسبة الكافر غير ذلك.\nالمبحث الرابع: الميزان، وتحدثت فيه عن معناه، وعن اعتقاد أهل السنة والجماعة فيه، وبينت أن الذي يوزن هو العامل والأعمال والصحائف وأن العبرة في الثقل والخفة بالأعمال.\nالمبحث الخامس: نشر الكتب، وتحدثت فيه عن نشر الكتب، وأن من الناس من يأخذ كتابه بيمينه وهم المؤمنون، وأن منهم من يأخذ كتابه بشماله أو من وراء ظهره وهم الكافرون.\nالمبحث السادس: الحوض، وتحدثت فيه عن معناه، وعن اعتقاد أهل السنة والجماعة فيه، ومتى يكون، وأنه للمؤمنين فقط.\nالمبحث السابع: الشفاعة، وتحدثت فيه عن الشفاعة وأنواعها وأن منها ما هو خاص بالنبي -ﷺ-، ومنها ما تكون عامة، له ولسائر النبيين والصديقين والشهداء والصالحين. ثم ذكرت شروط الشفاعة المقبولة.\nالمبحث الثامن: الصراط، وتحدثت فيه عن معناه، وعن اعتقاد أهل السنة والجماعة فيه، وعن كيفية مرور الناس عليه.\nالمبحث التاسع: دخول الجنة أو النار، وتحدثت فيه عن نهاية المطاف يوم القيامة، وأن المصير إما إلى الجنة، وإما إلى النار.\nوبينت فيه أن الجنة والنار مخلوقتان، موجودتان، لا تفنيان، ولا تبيدان.\n- وأما الفصل الرابع: آثار الإيمان باليوم الآخر في إصلاح المجتمع، وتحدثت فيه عن أثر الإيمان باليوم الآخر، وبينت الفرق بين من يؤمن باليوم الآخر وبين من لا يؤمن باليوم الآخر.\nالخاتمة: وتحدثت فيها عن أهم النتائج التي توصلت اليها.\nفهرس المصادر والمراجع.\nفهرس الموضوعات.","vol":"1","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3>تمهيد: الأطوار التي يمر الإنسان بها من الحياة</span>\nيمر الإنسان في أربعة أطوار من الحياة (¬<span data-type=\"title\" id=toc-4>١):\n\n١ - الطور الأول: حياته وهو جنين:</span>\nفالجنين في بطن أمه كائن حي، يحس ويتحرك، ويتألم وينمو ويمرض ويصح ... إلى أن يقضي فيه الزمن المعين الذي قدر له.\nثم ينقل إلى هذه الحياة طفلًا ضعيفًا كما نراه، قال تعالى: ﴿وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾ [الحج: ٥].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5>٢ - الطور الثاني: حياته الدنيا:</span>\nثم ينتقل من ضيق الرحم، إلى هذه الحياة الفسيحة، فيحيا فيها حياة لا شبه بينها وبين حياته وهو في الطور الأول في بطن أمه. فقد أصبح يتغذى من فمه، ويبصر بعينيه، ويسمع بأذنيه، ويبطش بيديه، ويمشي على رجليه.\nحتى إذا بلغ أشده واستوي، منحه الله عقلًا، وأتاه علمًا، وبقي في هذه الدنيا إلى أجله المحتوم ... ثم يموت.\nوالموت هو القيامة الصغرى فكل من مات فقد قامت قيامته، وحان حينه، عن عائشة -﵂- قالت: كان رجال من الأعراب يأتون النبي -ﷺ- فيسألونه عن الساعة، فكان ينظر إلى أصغرهم فيقول: «إن يعش هذا، لا يدركه الهرم حتى تقوم عليكم ساعتكم» (^٢).\nقال ابن كثير (^٣): (والمراد انخرام قرنهم ودخولهم في عالم الآخرة، فإن كل من مات فقد دخل في حكم الآخرة، وبعض الناس يقول: من مات فقد قامت قيامته، وهذا الكلام بهذا المعنى صحيح) (^٤).\n_________\n(^١) انظر: الإيمان باليوم الآخر وبالقضاء والقدر، أحمد عز الدين البيانوني، ص ٧ - ١٢، ط الثانية، دار السلام، ١٤٠٥ هـ.\n(^٢) صحيح البخاري، كتاب الرقاق، باب سكرات الموت، (١١/ ٣٦١ - مع الفتح)، دار الفكر، بتعليق الشيخ عبدالعزيز بن باز، صحيح مسلم، كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب قرب قيام الساعة، (١٨ - ٩٠ - مع شرح النووي)، دار الكتاب العربي، بيروت، ١٤٠٧ هـ.\n(^٣) هو عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير الدمشقي الشافعي، الإمام الحافظ المحدث المؤرخ، من مؤلفاته: تفسير القرآن العظيم، والبداية والنهاية، واختصار علوم الحديث، توفي عام ٧٧٤. انظر: الدرر الكامنة: ١/ ٤٠٠، وشذرات الذهب: ٦/ ٢٣٢.\n(^٤) ابن كثير، النهاية في الفتن والملاحم، ص ١٣، ضبط وتصحيح: أحمد عبدالشافي، ط. الثانية، دار الكتب العلمية، بيروت، ١٤٠٧ هـ.","vol":"1","page":6},{"text":"وإذا حان الأجل وشارفت حياة الإنسان على المغيب أرسل الله رسل الموت لسل الروح المدبرة للجسد والحركة له، قال تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (٦١)﴾ [الأنعام:٦١]، وملائكة الموت تأتي المؤمن في صورة حسنة جميلة، وتأتي الكافر والمنافق في صورة مخيفة.\nوما يحدث للميت حال موته لا نشاهده ولا نراه، وإن كنا نرى آثاره، وقد حدثنا ربنا ﵎ عن حال المحتضر فقال: ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (٨٣) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (٨٤) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ (٨٥)﴾ [الواقعة:٨٣ - ٨٥]، والمتحدث عنه في الآية الروح عندما تبلغ الحلقوم في حال الاحتضار، ومن حوله ينظرون إلى ما يعانيه من سكرات الموت، وإن كانوا لا يرون الملائكة التي تَسُلُ روحه، قال تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (٦١)﴾ [الأنعام:٦١]، وقال في الآية الآخرة: ﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ (٢٦) وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ (٢٧) وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ (٢٨) وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ (٢٩) إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ (٣٠)﴾ [القيامة:٢٦ - ٣٠] والتي تبلغ التراقي هي الروح، والتراقي جمع ترقوه وهي العظام التي بين ثغرة النحر والعاتق (^١).\nوقد صرح القرآن بأن الملائكة تبشر المؤمن بالمغفرة من الله والرضوان، وتبشر الكافر بسخط الله وغضبه، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢)﴾ [سورة فصلت:٣٠ - ٣٢]. وهذا التنزل كما قال طائفة من أئمة التفسير منهم مجاهد (^٢) إنما يكون حال الاحتضار (^٣).\nأما الكفرة الفجرة فإن الملائكة تتنزل عليهم بنقيض ذلك قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ\n_________\n(^١) تفسير ابن كثير (٤/ ٤٨١).\n(^٢) هو مجاهد بن جبر بفتح الجيم وسكون الموحدة أبو الحجاج المخزومي مولاهم المكي: ثقة إمام في التفسير والعلم من الثالثة مات سنة إحدى أو اثنتين أو ثلاث أو أربع ومئة - وله ثلاث وثمانون. تقريب التهذيب لابن حجر ص ٤٥٣، ط. الأولى، بعناية: عادل مرشد، مؤسسة الرسالة، بيروت ١٤١٦ هـ.\n(^٣) تفسير ابن كثير (٤/ ١٠٧).","vol":"1","page":7},{"text":"كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (٥٠) ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [سورة الأنفال:٥٠ - ٥١].\nقال ابن كثير -﵀-: (وإن كان هذا في وقعة بدر، ولكنه عام في حق كل كافر، ولهذا لم يخصصه تعالى بأهل بدر، بل قال: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ..) (^١).\nوللموت سكرات يلاقيها كل إنسان حين الاحتضار، كما قال تعالى: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ (١٩)﴾ [ق:١٩].\nوقد عانى النبي -ﷺ- من هذه السكرات، ففي مرضه -ﷺ- كان بين يديه ركوة من ماء أو علبة فيها ماء، فجعل يدخل يده في الماء فيمسح بها وجهه، ويقول: «لا إله إلا الله، إن للموت سكرات» (^٢)، وتقول عائشة -﵂- في مرض رسول الله -ﷺ-: «ما رأيت الوجع على أحد أشد منه على رسول الله -ﷺ-» (^٣).\nثم إذا نزعت الروح صعد بها إلى السماء، عن أبي هريرة -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: «إذا خرجت روح المؤمن تلقاها ملكان يصعدانها»، قال حماد (^٤): \"فذكر من طيب ريحها، وذكر المسك، قال: \"ويقول أهل السماء: روح طيبة جاءت من قبل الأرض، صلى الله عليك وعلى جسد كنت تعمرينه، فينطلق به إلى ربه ﷿، ثم يقول: انطلقوا به إلى أخر الأجل\"، قال: \"وإن الكافر إذا خرجت روحه - قال حماد وذكر من نتنها، وذكر لعنا ويقول أهل السماء: روح خبيثة من قبل الأرض، قال فيقال: انطلقوا به إلى آخر الأجل (^٥).\nوهذان الطوران نراهما بأعيننا وندرك الفرق الشاسع بينهما.\n_________\n(^١) المرجع السابق (٢/ ٣٣٢).\n(^٢) صحيح البخاري، كتاب الرقاق، باب سكرات الموت، (١١/ ٣٦١ - مع الفتح).\n(^٣) صحيح البخاري، كتاب المرضى، باب شدة المرض، (١٠/ ١١٠ - مع الفتح).\n(^٤) هو حماد بن زيد بن درهم الأزدي الجهضمي أبو إسماعيل البصري ثقة ثبت فقيه، قيل أنه كان ضريرًا ولعله طرأ عليه لأنه صح أنه كان يكتب، من كبار الثامنة، مات سنة تسع وسبعين وله إحدى وثمانون سنة. تقريب التهذيب ص ١١٧.\n(^٥) صحيح مسلم، كتاب الجنة، باب عرض مقعد الميت عليه وإثبات عذاب القبر والتعوذ منه (١٧/ ٢٠٥).","vol":"1","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-6>٣ - الطور الثالث: حياته وهو في البرزخ:</span>\nفإذا مات انتقل من هذه الحياة، إلى حياة برزخية، تنفصل فيها الروح عن الجسد، ويتنعم فيها أو يعذب. قال الله تعالى: ﴿وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ (٤٥) النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (٤٦)﴾ [سورة غافر: ٤٥ - ٤٦] [غافر: ٤٥ - ٤٦]. ومر النبي -ﷺ- بقبرين فقال: «إنهما يعذبان، وما يعذبان في كبير: أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة، وأما الآخر فكان لايستتر من بوله» (^١).\nوالبرزخ: هو أول عالم من عوالم الآخرة.\nوالبرزخ في كلام العرب الحاجز بين الشيئين، قال تعالى: ﴿أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا﴾ [الفرقان: ٥٣]، أي حاجزًا.\nوفي الشرع: الدار التي تعقب الموت إلى البعث، قال تعالى: ﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٠٠)﴾ [سورة المؤمنون: ١٠٠]. قال مجاهد: هو ما بين الموت والبعث (^٢).\n(وأول شيء يكون بعد الموت فتنة القبر فإن الناس يفتنون - أي يختبرون - في قبورهم فما من إنسان يموت سواء دفن في الأرض، أو رمي في البحر، أو أكلته السباع، أو ذرته الرياح، إلا ويفتن هذه الفتنة فيسأل عن ثلاثة أمور: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ .\nفأما المؤمن فيقول ربي الله، وديني الإسلام، ونبي محمد، فينادي مناد من السماء أن صدق عبدي، وحينئذ يفسح له في قبره مد البصر، ويفرش له فراش من الجنة ويفتح له باب إلى الجنة فيأتيه من روحها ونعيمها.\nأما إذا كان كافرًا أو منافقًا فإنه إذا سئل من ربك؟ ما دينك؟ من نبيك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري سمعت الناس يقولون شيئًا فقلته، فيضرب بمرزبة من حديد فيصيح صيحة يسمعها كل شيء إلا الثقلين - الإنس والجن - ولو سمعها لصعق (^٣» (^٤).\nومما يدخل في الإيمان باليوم الآخر الإيمان بكل ما أخبر به النبي -ﷺ- مما يكون بعد الموت\n_________\n(^١) صحيح البخاري، كتاب الجنائز، باب عذاب القبر من الغيبة والنميمة، (٣/ ٢٤٢ - مع الفتح).\n(^٢) التذكرة للقرطبي، ص ٢٠٠، ط. الأولى، دار الريان للتراث، القاهرة، ١٤٠٧ هـ.٦\n(^٣) صحيح البخاري، كتاب الجنائز، باب ما جاء في عذاب القبر، فتح الباري (٣/ ٢٠٦).\n(^٤) ابن عثيمين، أركان الإيمان، ٣٨ - ٤٠، ط. الأولى، دار المسلم، الرياض، ١٤١٣ هـ. صحيح البخاري، كتاب الجنائز، باب الميت يسمع خفق النعال، فتح الباري (٣/ ٢٣١).","vol":"1","page":9},{"text":"فيؤمنون بفتنة القبر وبعذاب القبر ونعيمه (^١).\nيقول شارح الطحاوية: (وقد تواترت الأخبار عن رسول الله -ﷺ- في ثبوت عذاب القبر ونعيمه لمن كان لذلك أهلًا، وسؤال الملكين، فيجب اعتقاد ثبوت ذلك والإيمان به، ولا نتكلم في كيفيته؛ إذ ليس للعقل وقوف على كيفيته، لكونه لا عهد له بهذه الدار، والشرع لا يأتي بما تحيله العقول بل إن الشرع قد يأتي بما تحار فيه العقول، فإن عودة الروح إلى الجسد ليس على الوجه المعهود في الدنيا، بل تعاد اليه إعادة غير الإعادة المألوفة في الدنيا) (^٢).\nقال تعالى: ﴿يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ (٣١) الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٣٢)﴾ [سورة النحل:٣١ - ٣٢]. ووجه الدلالة في هذه الآية على نعيم القبر قوله: ﴿تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ﴾ حال توفيهم: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾، وهم وإن كانوا لم يدخلوا الجنة التي عرضها السموات والأرض لكن دخلوا القبر الذي فيه نعيم الجنة.\n(وقد وردت إشارات في القرآن تدل على عذاب القبر، وقد ترجم البخاري (^٣) في كتاب الجنائز لعذاب القبر، فقال: باب ما جاء في عذاب القبر، وساق في الترجمة قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ (٩٣)﴾ [سورة الأنعام:٩٣]، وقوله تعالى ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾ [التوبة:١٠١]، وقوله تعالى: ﴿وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ (٤٥) النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (٤٦)﴾ [سورة غافر:٤٥ - ٤٦].\n_________\n(^١) ابن تيمية، العقيدة الواسطية، ص ١٤٢، شرح صالح الفوزان، ط. السادسة، مكتبة المعارف، الرياض، ١٤١٣ هـ.\n(^٢) شرح العقيد الطحاوية لابن أبي العز (٢/ ٥٧٨)، تحقيق التركي والأرنؤوط، ط. الأولى، مؤسسة الرسالة، بيروت، ١٤٠٨ هـ.\n(^٣) محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة الجعفي، أبو عبدالله البخاري، جبل الحفظ وإمام الدنيا في فقه الحديث من الحادية عشرة، مات سنة ست وخمسين في شوال وله ٦٢ سنة. تقريب التهذيب: ٤٠٤.","vol":"1","page":10},{"text":"عن عائشة -﵂-: أن يهودية دخلت عليها فذكرت عذاب القبر، فقالت لها: أعاذك الله من عذاب القبر، فسألت عائشة الرسول -ﷺ- عن عذاب القبر، فقال: «نعم، عذاب القبر حق»، قالت عائشة -﵂-: فما رأيت رسول الله -ﷺ- بعد صلى إلا تعوذ من عذاب القبر (^١).\nوعن عبدالله بن عمر -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: «إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي: إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، فيقال هذا مقعدك حتى يبعثك الله يوم القيامة» (^٢).\nوالعذاب في القبر على الروح في الأصل وربما يتصل بالبدن، ومع ذلك فإن كونه على الروح لا يعني أن البدن لا يناله منه شيء بل لابد أن يناله من هذا العذاب أو النعيم شيء وإن كان غير مباشر. واعلم أن العذاب والنعيم في القبر على عكس العذاب أو النعيم في الدنيا، فإن العذاب أو النعيم في الدنيا على البدن، وتتأثر به الروح، وفي البرزخ يكون النعيم أو العذاب على الروح، ويتأثر به البدن (^٣).\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية (^٤): \"العذاب والنعيم على النفس والبدن جميعًا باتفاق أهل السنة والجماعة، تنعم النفس وتعذب منفردة عن البدن، وتعذب متصلة بالبدن، والبدن متصل بها، فيكون النعيم والعذاب عليهما في هذه الحال مجتمعين، كما يكون للروح منفردة عن البدن\" (^٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-7>٤ - الطور الرابع: حياته في الآخرة:</span>\nثم تقوم الساعة، ويبعث الناس ويحشرون ويحاسبون على أعمالهم: ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ (١٠٥) فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (١٠٦) خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (١٠٧) وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (١٠٨)﴾ [سورة هود: ١٠٥ - ١٠٨] [هود: ١٠٥ - ١٠٨].\nوالله تعالى حين أخبرنا بما يستقبلنا من الطورين الأخيرين ومهد للإيمان بهما بالطورين الأولين اللذين نراهما بأعيننا وهما: حياتنا ونحن أجنة في بطون أمهاتنا، وحياتنا هذه في الدنيا. فالخالق العظيم القادر الذي\n_________\n(^١) صحيح البخاري، كتاب الجنائز، باب ما جاء في عذاب القبر، فتح الباري (٣/ ٢٣١).\n(^٢) صحيح البخاري، كتاب الجنائز، باب الميت يعرض عليه مقعده بالغداة والعشي (١/ ٣٤٣ - مع الفتح).\n(^٣) أركان الإيمان، ص ٤٢ - ٤٣. القيامة الصغرى، ص ٤٩.\n(^٤) هو شيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية الحراني الدمشقي، الإمام العالم العلامة الفقيه، القدوة، وله المصنفات العظيمة، منها: منهاج السنة النبوية، ودرء تعارض العقل والنقل، والجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح، والتدمرية، والواسطية، وغيرها، توفي عام ٧٢٨ هـ. انظر: ذيل طبقات الحنابلة لابن رجب: ٢/ ٣٨٧، والبداية والنهاية: ١٤/ ١٤١، وشذرات: ٦/ ٨٠، والجامع لسيرة شيخ الإسلام ابن تيمية خلال سبعة قرون، جمع محمد عزير شمس وعلي العمران.\n(^٥) مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمة، (٤/ ٢٨٢)، جمع: عبدالرحمن بن قاسم، مكتبة ابن تيمية، مصر.","vol":"1","page":11},{"text":"جعل هذا التفاوت العجيب بين هذين الطورين من أطوار الحياة قادر أن يجعل التباين أكبر والتفاوت أعظم بين حياتنا هذه وحياتنا في البرزخ ثم بينها وبين حياتنا في الآخرة دار النعيم المقيم أو العذاب الأليم.\nفلا ينبغي أن يعظم علينا حين يخبرنا النبي -ﷺ- أن أهل الجنة يتنعمون فيها ويأكلون ويشربون ولا يتغوطون ولا يبولون ولا يمتخطون وأنهم مخلدون في هذا النعيم لا يفنى شبابهم ولا تبلى ثيابهم .. وأن أهل النار يعذبون فيها كلما نضجت جلودهم بدلهم القوي القدير جلودًا غيرها ليذوقوا العذاب خالدين فيه ... إلى غير ذلك.\nوسيأتي الكلام - إن شاء الله تعالى - عن الآخرة وبعض ما فيها من أهوال حتى دخول أهل الجنة الجنة، ودخول أهل النار النار.","vol":"1","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-8>الفصل الأول الإيمان باليوم الآخر</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-9>المبحث الأول: أهمية الإيمان باليوم الآخر:</span>\nالإيمان بيوم القيامة أصل من الأصول، لا يتم الإيمان إلا به ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ [البقرة: ١٧٧].\nوقد ساق القرآن ضروبًا متنوعة من الأساليب البيانية الراقية كي يؤكد وقوعها في نفوس العباد قال تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ (٢)﴾ [الرعد: ٢].\nففي بعض المواضع يكون الحديث عنها خبرًا مجردًا، قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (١١)﴾ [الروم: ١١]، وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا﴾ [النور: ٦٤].\nومرة يؤكد وقوعها بـ\"إن\"، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ﴾ [طه: ١٥]، ومرة بـ\"إن\" واللام، قال تعالى: ﴿وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ (٨٥)﴾ [الحِجر: ٨٥]، وقال تعالى: ﴿فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٥)﴾ [العنكبوت: ٥].\nوفي بعض المواضع ينفي الريب والشك عن وقوعها، قال تعالى: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ (٥٩)﴾ [غافر: ٥٩].\nوفي بعض الآيات يقسم الله تعالى على أنها آتية واقعة مرة بنفسه، قال تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [النساء: ٨٧]، ومرة بمخلوقاته العظيمة، قال تعالى: ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا (١) فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا (٢) فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا (٣) فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا (٤) إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ (٥) وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ (٦)﴾ [سورة الذاريات: ١ - ٦].\nوفي بعض المواضع يأمر رسوله -ﷺ- في مجال الحجج والخصام بالإقسام بربه مؤكدًا وقوعها: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ [سبأ: ٣].\nوفي بعض الآيات يخبر بأنها حق: ﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾","vol":"1","page":13},{"text":"[سورة فاطر:٥]، ومن تتبع طريقة القرآن في تأكيد الإخبار بها تحصل عنده أنواع كثيرة (^١).\nوالإيمان أمره عظيم؛ إذ هو الأساس الذي تبنى عليه السعادة في الدنيا والآخرة، فهو من أعظم مراتب الدين، فإن جبريل لما جاء إلى النبي -ﷺ- في حضرة أصحابه سأله عن الإسلام والإيمان والإحسان: «فقال يا محمد: أخبرني عن الإسلام، قال الإسلام: أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت اليه سبيلًا»\n- ففسر الإسلام على أنه الإتيان بهذه الأركان الخمسة: الشهادتين، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت- «قال: صدقت فأخبرني عن الإيمان، قال: الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله أو أن تؤمن بالقدر خيره وشره» - ففسر الإيمان على أنه الإيمان بهذه الأركان الستة: الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره - «قال أخبرني عن الإحسان قال: الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك» (^٢)، فبين أن الإحسان ركن واحد هو أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك.\nفهذه هي مراتب الدين الثلاث: الإسلام ثم الإيمان ثم الإحسان، وكل مرتبة لها أركان.\nوالركن في اللغة: بالضم الجانب الأقوى والأمر العظيم (^٣)، (فركن الشيء: جانبه الذي يقوم عليه، فركن البيت هو جانبه الذي يقوم عليه، فالإيمان يقوم على هذه الأركان الستة فإذا سقط منها ركن لم يكن الإنسان مؤمنًا به لأنه فقد ركنا من أركان الإيمان.\n_________\n(^١) انظر: اليوم الآخر – القيامة الصغرى، ص ١١٣ - ١١٤.\n(^٢) صحيح البخاري، كتاب الإيمان، باب سؤال جبريل النبي -ﷺ- عن الإيمان والإسلام والإحسان (١/ ١١٤ - مع الفتح)، وصحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان (١/ ١٥٠ - مع شرح النووي).\n(^٣) الفيروزآبادي، القاموس المحيط، (ص ١٠٨٢)، ضبط وتوثيق: يوسف الشيخ محمد البقاعي، دار الفكر، بيروت ١٤١٥ هـ.","vol":"1","page":14},{"text":"فالإيمان لا يقوم إلا على أركانه كما لا يقوم البنيان إلا على أركانه، وهذه الأركان الستة مذكورة في القرآن الكريم، تارة تذكر جميعًا وتارة يذكر بعضها، قال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ [البقرة:١٧٧] ذكر - جل وعلا- في هذه الآية خمسة أركان من أركان الإيمان، وقال تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ [البقرة:٢٨٥] ذكر منها أربعة، وتارة يذكر منها اثنين: الإيمان بالله واليوم الآخر قال جل شأنه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [البقرة:٦٢]. وأما - الإيمان بالقدر فقد ذكره في قوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩)﴾ [القمر:٤٩]، وفي قوله: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا (٢)﴾ [الفرقان:٢] (^١).\nومن الأدلة على وجوب الإيمان باليوم الآخر قوله تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥)﴾ [المؤمنون:١١٥]، وقال تعالى: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ (٦٢)﴾ [الأنعام:٦٢]، وقال تعالى: ﴿(٢٧) كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [البقرة:٢٨].\nوالإيمان باليوم الآخر يشتمل على مجموعة من الحقائق وردت في الكتاب والسنة، فلزم الإيمان بها جميعًا، ومنها: فتنة القبر وعذابه ونعيمه، والساعة وأمارتها، والبعث والحشر والحساب وما يتبعه من ثواب وعقاب والصراط والجنة والنار.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمة: (ومن الإيمان باليوم الآخر الإيمان بكل ما أخبر به -ﷺ- مما يكون بعد الموت ...) (^٢).\n(وهذا ضابط جامع يدخل فيه الإيمان بالنصوص الواردة في حالة الاحتضار وفي القبر والقيامة والجنة والنار وجميع ما احتوت عليه من التفاصيل ...) (^٣).\n_________\n(^١) صالح الفوزان، الإيمان بالملائكة وآثاره في حياة الأمة، ص ٣، ط. الأولى، دار العاصمة، الرياض، ١٤١٣ هـ.\n(^٢) العقيدة الواسطية، ص ١٤٢، شرح الشيخ صالح الفوزان.\n(^٣) ابن سعدي، التنبيهات اللطيفة على ما احتوت العقيدة الواسطية من المباحث المنيفة، ص ٦٩، ط. الأولى، ضبط وتخريج: علي حسن عبدالحميد، دار ابن القيم، العام، ١٤٠٩ هـ.","vol":"1","page":15},{"text":"وقبل أن نتحدث عن هذه النقاط نقدم مقدمة نوضح فيها بعض الأمور التي تتعلق بالإيمان باليوم الآخر، منها: تعريف الإيمان في اللغة والشرع، وتعريف اليوم الآخر، وسبب تسميته بذلك، وأسماءه، ومدة هذا اليوم، وعلاقة الإيمان باليوم الآخر بالإيمان بالغيب.\nفالإيمان في اللغة: هو التصديق، وفي لسان العرب: الإيمان بمعنى التصديق ضده التكذيب، يقال: أمن به قوم، وكذب به قوم (^١).\nقال الراغب الأصبهاني (^٢) ﵀: \"أصل الأمن طمأنينة النفس وزوال الخوف \" (^٣).\nوالإيمان مصدر آمن يؤمن إيمانًا فهو مؤمن (^٤)، وأصل آمن أأمن بهمزتين لينت الثانية (^٥)، وهو من الأمن ضد الخوف (^٦).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في تعريفه للإيمان: \" .. فإن اشتقاقه من الأمن الذي هو الإقرار والطمأنينة، وذلك إنما يحصل إذا استقر في القلب التصديق والإنقياد\" (^٧).\nقال الشيخ ابن عثيمين (^٨): (الإيمان في اللغة الإقرار بالشيء عن تصديق به. إذًا فالإيمان يتضمن معنى زائدًا على مجرد التصديق، وهو الإقرار والاعتراف المستلزم للقبول للأخبار والإذعان للأحكام) (^٩).\nوفي الشرع: (قول وعمل، قول القلب واللسان، وعمل القلب واللسان والجوارح يزيد بالطاعة وينقص بالعصيان) (^١٠).\nواليوم الآخر هو يوم القيامة الذي يبعث الناس فيه للحساب والجزاء. وسمي بذلك لأنه لا يوم بعده\n_________\n(^١) ابن منظور، لسان العرب، ١/ ١٤٠، دار المعارف، القاهرة.\n(^٢) أبو القاسم الحسين بن مفضل الأصبهاني أو الأصفهاني، المعروف بالراغب، سكن بغداد واشتهر بها، من آثاره: مفرادات ألفاظ القرآن، وغيرها، توفي سنة ٥٠٢ هـ. انظر: الوافي بالوفيات: ١٣/ ٢٩، وشذرات الذهب: ٤/ ٣٤.\n(^٣) المفردات في غريب القرآن: ٩٠.\n(^٤) تهذيب اللغة: ١٥/ ٣٦٨.\n(^٥) الصحاح: ٥/ ٢٠٧١.\n(^٦) الصحاح: ٥/ ٢٠٧١، والقاموس المحيط: ١١٧٦.\n(^٧) الصارم المسلول: ٥١٩، وانظر: الفتاوى: ٧/ ٢٨٩.\n(^٨) هو أبو عبدالله محمد بن صالح بن محمد بن عثيمين الوهيبي التميمي، ولد في عنيزة عام ١٣٤٧ هـ، إمام وخطيب الجامع الكبير بعنيزة ومحاضر بكلية الشريعة بالقصيم وعضو هيئة كبار العلماء، له مؤلفات كثيرة، توفي عام ١٤٢١. انظر ترجمته في: الجامع لحياة العلامة محمد بن صالح العثمين لوليد الحسن، ومقدمة شرح الأصول الثلاثة للشيخ ابن عثيمين، إعداد: فهد السليمان، ط. الأولى، دار الثريا، الرياض، ١٤١٤ هـ. ومقدمة شرح العقيدة الواسطية لابن عثيمين، ط. الثانية، دار ابن الجوزي، الدمام، ١٤١٥ هـ.\n(^٩) ابن عثيمين، شرح العقيدة الواسطية، ص ١/ ٥٤، ط. الثانية، دار ابن الجوزي، الدمام، ١٤١٥ هـ.\n(^١٠) العقيدة الواسطية، مع شرح الفوزان، ص ١٧٨.","vol":"1","page":16},{"text":"حيث يستقر أهل الجنة في منازلهم وأهل النار في منازلهم (^١)، ولتأخره عن الدنيا (^٢).\nومدة هذا اليوم الذ يحاسب الناس فيه خمسين ألف سنة ثم يُرى سبيلهم إما إلى جنه وإما إلى نار، ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿(٣) تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج:٤]، وعن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -صلى الله علية وسلم-: «ما من صاحب ذهب ولا فضه لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار فأحمي عليها في نار جهنم فيكوى بها جنبه وجبينه وظهره كلما بردت أعيدت له في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يُقضى بين العباد فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار» (^٣) .. الحديث.\nقال ابن عباس –﵄-: ﴿إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ قال: يوم القيامة، وإسناده صحيح (^٤).\n_________\n(^١) ابن عثيمين، شرح أصول الإيمان، ص ٤٠، ط. الأولى، دار الوطن، الرياض، ١٤١٠ هـ.\n(^٢) شرح العقيدة الواسطية، الفوزان، ص ١٤٢.\n(^٣) صحيح مسلم، كتاب الزكاة، باب إثم مانع الزكاة (٧/ ٦٧ – مع شرح النووي).\n(^٤) ابن كثير، تفسير القرآن العظيم (٤/ ٤٤٧).","vol":"1","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-10>المبحث الثاني: أسماء اليوم الآخر </span>(^١)\nسمى الله ذلك اليوم الذي يحل فيه الدمار بهذا العالم ثم يعقبه فيه البعث والنشور للجزاء والحساب بأسماء كثيرة، وقد اعتنى جمع من أهل العلم بذكر هذه الأسماء، وقد عدها بعض العلماء فبلغت ثمانين اسمًا كما يقول ابن حجر ﵀ (^٢).\nوأشهر هذه الأسماء ما يلي:\n١ - يوم القيامة: ورد هذا الاسم في سبعين آية من آيات كتاب الله، قال تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [النساء: ٨٧].\n٢ - اليوم الآخر: قال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ [البقرة: ١٧٧]، وأحيانًا يسميه بالآخرة أو الدار الآخرة، قال تعالى: ﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ﴾ [النساء: ٧٤]، وقال تعالى: ﴿الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ﴾ [القصص: ٨٣].\n٣ - الساعة: قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١)﴾ [الحج: ١].\n٤ - يوم البعث: قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ [الحج: ٥] .. الآية.\n٥ - يوم الخروج: قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ (٤٢)﴾\n_________\n(^١) انظر: اليوم الآخر، القيامة الصغرى، ص ٢٠ - ٣٠.\n(^٢) هو شهاب الدين أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد بن محمد بن علي بن حجر الكناني العسقلاني الشافعي، ولد سنة ٧٧٣ هـ ابتدأ بالتصنيف في الثالثة والعشرين من عمره واستمر في ذلك حتى قبل وفاته، ومن أهم كتبه: فتح الباري شرح صحيح البخاري، وتهذيب التهذيب، ولسان الميزان وغيرها، توفي سنة ٨٠٢. انظر ترجمته في: انظر: الضوء اللامع: ٢/ ٣٦، وشذرات الذهب: ٧/ ٢٧٠، والبدر الطالع: ١/ ٨٧، ومقدمة النكت على نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر لابن حجر، بقلم علي حسن عبد الحميد، ص ٩ - ١٤، ط. الأولى، دار ابن الجوزي، الدمام، ١٤١٣ هـ.","vol":"1","page":18},{"text":"[ق:٤٢].\n٦ - القارعة: قال تعالى: ﴿الْقَارِعَةُ (١) مَا الْقَارِعَةُ (٢) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ (٣)﴾ [سورة القارعة:١ - ٣].\n٧ - يوم الفصل: قال تعالى: ﴿هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢١)﴾ [الصافات:٢١].\n٨ - يوم الدين: قال تعالى: ﴿وَقَالُوا يَاوَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ (٢٠)﴾ [الصافات:٢٠].\n٩ - الصاخة: قال تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ (٣٣)﴾ [عبس:٣٣].\n١٠ - الطامة الكبرى: قال تعالى: ﴿(٣٣) فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى﴾ [النازعات:٣٤].\n١١ - يوم الحسرة: قال تعالى: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٣٩)﴾ [مريم:٣٩].\n١٢ - الغاشية: قال تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ (١)﴾ [الغاشية:١].\n١٣ - يوم الخلود: قال تعالى: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ (٣٤)﴾ [ق:٣٤].\n١٤ - يوم الحساب: قال تعالى: ﴿يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (٢٦)﴾ [ص:٢٦].\n١٠ - الواقعة: قال تعالى: ﴿(٧٨) إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾ [الواقعة:١].\n١٦ - يوم الوعيد: قال تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ (٢٠)﴾ [ق:٢٠].\n١٧ - يوم الآزفة: قال تعالى: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ﴾ [غافر:١٨].\n١٨ - يوم الجمع: قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [الشورى:٧].\n١٩ - الحاقة: قال تعالى: ﴿الْحَاقَّةُ مَا الْحَاقَّةُ﴾ [الحاقة:١ - ٢].","vol":"1","page":19},{"text":"٢٠ - يوم التلاق: قال تعالى: ﴿(١٤) رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ﴾ [غافر:١٥].\n٢١ - يوم التناد: قال تعالى: مخبرا عن نصيحة مؤمن آل فرعون لقومه: ﴿وَيَاقَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ (٣٢)﴾ [سورة غافر:٣٢].\n٢٢ - يوم التغابن: قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ﴾ [التغابن:٩].\nهذه هي أشهر أسماء اليوم الآخر، يقول القرطبي (^١) في السر في كثرة أسماء اليوم الآخر: (وكل ما عظم شأنه تعددت صفاته وكثرت أسماؤه وهذا جميع كلام العرب ألا ترى أن السيف لما عظم عندهم موضعه وتأكد نفعه لديهم وموقعه جمعوا له خمسمائة اسم وله نظائر، فالقيامة لما عظم أمرها وكثرت أهوالها سماها الله تعالى في كتابه بأسماء عديدة، ووصفها بأوصاف كثيرة) (^٢).\n_________\n(^١) هو أبو عبدالله محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح الأنصاري الخزرجي المالكي، صاحب التفسير المشهور الذي يدل على إمامته وكثرة اطلاعه ووفور فضله وتبحره في مختلف الفنون المتوفي سنة ٦٧١ هـ. انظر ترجمته في: الديباج المذهب لمعرفة أعيان علماء المذهب ٢/ ٢٤٣، وشذرات الذهب: ٧/ ٥٨٤، ومقدمة الجامع لأحكام القرآن، تصحيح: أحمد عبدالعليم، ص ٤، ط. الثانية.\n(^٢) التذكرة (٢٤٣ - ٢٤٤).","vol":"1","page":20},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-11>المبحث الثالث: علاقة الإيمان باليوم الآخر بالإيمان بالغيب</span>\nالإيمان باليوم الآخر هو إيمان بالغيب؛ لأن أحدًا لم يشهده بنفسه؛ وإنما أخبرنا به الله ﷾ عن طريق رسله الكرام، فسبيله هو النقل الصحيح مما جاء في الكتاب والسنة. ولكن الله الذي أخبرنا عن اليوم الآخر وأوجب علينا الإيمان به وجعله ركن من أركان الإيمان قد أودع الفطرة البشرية القدرة على الإيمان بالغيب وميّز الإنسان بهذا الأمر من بين ما ميّزه به وكرمه وفضله.\nإن الحيوان يعيش في حدود ما تدركه الحواس فحسب وعالمه محصور في ذلك النطاق.\nولكن الله ﷾ كرّم الإنسان فلم يحصره في حدود ما تدركه حواسه فحسب وإنما فسح أفاقه ووسعها ومنحه تلك الخاصية، وهي القدرة على الإيمان بما لا تدركه الحواس، فأصبحت نفسه أرحب وأعمق من الحيوان وأصبحت آفاقه أوسع وأعلى.\nوالله ﷾ كرّم الإنسان وأراد له الرفعة وجعل الإيمان بالغيب أبرز صفات المتقين، قال تعالى: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣)﴾ [سورة البقرة: ١ - ٣].\nإن الإيمان باليوم الآخر قائم على الإيمان بالغيب، ولكنه ليس الإيمان الأعمى بغير دليل، فمن صفات \"عباد الرحمن\": ﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا (٧٣)﴾ [الفرقان: ٧٣]. إنما هو الإيمان بالحق الذي تدل عليه الدلائل ولو لم تدركه الحواس).\nنعم إن الإيمان بالغيب أمر لازم من أجل الإيمان بالله واليوم الآخر ولذلك أبرزه القرآن في مقدمة صفات المؤمنين.\nفالله ﷾ وصف المؤمنين في مواضع كثيرة من القرآن بأنهم الذين يؤمنون بالغيب، فجعل هذه الصفة قاعدة من قواعد الإيمان الأساسية، قال تعالى: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤) أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥)﴾ [سورة البقرة: ١ - ٥].\nوالإيمان بالآخرة كذلك هو إيمان بالغيب، فالساعة بالقياس إلى البشر غيب وما يكون فيها من بعث وحساب وثواب وعقاب كله غيب يؤمن به المؤمن تصديقًا لخبر الله سبحانه.\n(إن كثير من أمور الدين وعقائده وأحكامه إنما هي إيمان بالغيب، فالله ﷾ بالنسبة لنا غيب، والحياة البرزخية والحياة الآخرة بمقدماتها وبموجوداتها كلها غيب من قيام الساعة إلى البعث والنشور إلى الحساب والميزان وكتابة أعمال الإنسان والصراط والجنة والنار ... الخ، كل هذا غيب يجب الإيمان به.\nوما أن يعود الإنسان إلى لحظة من لحظات التأمل الفكري ويقظة الوجدان حتى يجد نفسه يسبح بخياله في عالم الغيب الذي منه خرج أو في عالم الغيب الذي يحيط بجنباته نفسه وبالكون من حوله وبالغيب الذي ينتظره وإليه يصير.\nفالغيب يحيط به من كل جانب: في المبدأ، وفي المصير، وفيما بين المبدأ والمصير) (^١).\n_________\n(^١) عثمان جمعة ضميريه، عالم الغيب والشهادة في التصور الإسلامي، ط. الأولى، مكتبة السوادي، جدة، ١٤٠٨ هـ.","vol":"1","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-12>الفصل الثاني: أشراط الساعة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-13>المبحث الأول: الساعة وأماراتها</span>\nمن مقتضيات الإيمان باليوم الآخر: الإيمان بالساعة، وهي الساعة التي تنتهي فيها الحياة الدنيا بجميع أوضاعها وتبدأ بالقيامة بكل أهوالها. (ولما كان من العقائد التي يجب الإيمان بها: اليوم الآخر وما فيه من ثواب وعقاب، ولما كان نظر الإنسان قد لا يعدو هذه الحياة وما فيها من متاع فينسي اليوم الآخر ولا يعمل له، جعل الله بين يدي الساعة أمارات تدل على تحققها وأنها ستقع حتمًا حتى لا يخامر الناس أدنى شك فيها ولا يفتنهم شيء عنها.\nفمن المعلوم أن الصادق المصدوق -ﷺ- إذا ذكر من أشراطها شيئًا ورأى الناس وقوع ذلك الشيء علموا يقينًا أن الساعة آتية لاريب فيها، فيعملوا لها ويستعدوا لذلك اليوم ويتزودوا بالصالحات قبل فوات الأوان وانقضاء الأجل المحدود، قال تعالى: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ (٥٦) أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٥٧) أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٨)﴾ [سورة الزمر: ٥٦ - ٥٨]) (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-14>أقسام أشراط الساعة:</span>\nتنقسم أشراط الساعة إلى قسمين (^٢):\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-15>١ - أشراط صغرى:</span> وهي التي تتقدم الساعة بأزمان متطاولة، وتكون من نوع المعتاد كقبض العلم، وظهور الجهل، وشرب الخمر، والتطاول في البنيان ... ونحوها، وقد يظهر بعضها مصاحبًا للأشراط الكبرى أو بعدها.\n<span data-type=\"title\" id=toc-16>٢ - أشراط كبرى:</span> وهي الأمور العظام التي تظهر قرب قيام الساعة، وتكون غير معتادة الوقوع، كظهور الدجال، ونزول عيسى -﵇-، وخروج يأجوج ومأجوج، وطلوع الشمس من مغربها.\nوقد قسم العلماء أشراط الساعة من حيث ظهورها إلى ثلاثة أقسام:\n١ - قسم ظهر وانقضى.\n٢ - قسم ظهر ولا زال يتتابع ويكثر.\n٣ - قسم لم يظهر إلى الآن.\nفأما القسمان الأولان فهما من أشراط الساعة الصغرى، وأما القسم الثالث فيشترك فيه الأشراط الكبرى وبعض الأشراط الصغرى.\n_________\n(^١) يوسف الوابل، أشراط الساعة، ص ٩، ط. الثانية، دار ابن الجوزي، الدمام، ١٤١١ هـ.\n(^٢) انظر: أشراط الساعة، ص ٧٧ - ٧٨.","vol":"1","page":22},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-17>المبحث الثاني: أشراط الساعة الصغرى </span>(^١)\nونعني بها العلامات التي وقعت وانقضت ولن يتكرر وقوعها والتي لم تقع بعد. وهي كثيرة وسنذكر بعضا منها:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-18>١ - بعثة النبي -ﷺ</span>-:\nأخبر -ﷺ- أن بعثته دليل على قرب قيام الساعة وأنه نبي الساعة، عن سهل\n-﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «بعثت انا والساعة كهاتين» ويشير بإصبعيه فيمدهما (^٢)، وفي رواية لمسلم: «وضم السبابة والوسطى» (^٣).\nفأول أشراط الساعة بعثة النبي -ﷺ- فهو النبي الأخير فلا يليه نبي آخر، وإنما تليه القيامة كما يلي السبابة الوسطى، وليس بينهم إصبع أخرى أو يفصل إحداهما الأخرى (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-19>٢ - موت النبي -ﷺ</span>-:\nمن أشراط الساعة موت النبي -ﷺ- ففي الحديث عن عوف بن مالك -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «اعدد ستًا بين يدي الساعة: موتي، ثم فتح المقدس، ثم موتان يأخذ فيكم كقعاص الغنم، ثم استفاضة المال حتى يعطى الرجل مائة دينار فيظل ساخطًا، ثم فتنة لا يبقى بيت من العرب إلا دخلته، ثم هدنة تكون بينكم وبين بني الأصفر فيغدرون، فيأتونكم تحت ثمانين غاية، تحت كل غاية اثنا عشر ألفًا» (^٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-20>٣ - فتح بيت المقدس:</span>\nمن أشراط الساعة فتح بيت المقدس، ففي الحديث عن عوف بن مالك -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «اعدد ستًا بين يدي الساعة: ... -فذكر منها- فتح بيت المقدس» (^٦).\nوفي عهد عمر بن الخطاب -﵁- تم فتح بيت المقدس سنة ست عشرة من الهجرة كما ذهب إلى ذلك أئمة السير، فقد ذهب عمر رضي الله بنفسه وصالح أهلها وفتحها وطهرها من اليهود والنصارى، وبنى بها مسجدًا في قبلة بيت المقدس (^٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-21>٤ - طاعون عمواس </span>(^٨):\n_________\n(^١) انظر: أشراط الساعة، ص ٧٩ - ٢٣٥، واليوم الآخر - القيامة الصغرى، ص ١٣٥ - ٢٠٤.\n(^٢) صحيح البخاري، كتاب الرقاق، باب قول النبي -ﷺ- «بعثت أنا والساعة كهاتين، (١١/ ٣٤٧ - مع الفتح).\n(^٣) صحيح مسلم، كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب قرب الساعة (١٨/ ٨٩ - ٩٠ - مع شرح النووي).\n(^٤) انظر التذكرة (٧١١)، وفتح الباري (١١/ ٣٤٩).\n(^٥) صحيح البخاري، كتاب الجزية والموادعة، باب ما يحذر من الغدر (٦/ ٢٧٧ - مع الفتح).\n(^٦) المصدر السابق.\n(^٧) انظر: البداية والنهاية لابن كثير، (٧/ ٥٥ - ٥٧)، مكتبة المعارف، بيروت.\n(^٨) عمواس: بفتح العين والميم قرية بين أميال من الرملة وبيت المقدس، نسب الطاعون إليها لكونه بدأ فيها، انظر: شرح النووي لصحيح مسلم (١/ ١٠٧).","vol":"1","page":23},{"text":"جاء في حديث عوف بن مالك السابق قوله -ﷺ-: «اعدد ستًا بين يدي الساعة: ... -فذكر منها- ثم موتان (^١) يأخذ فيك كقعاص (^٢) الغنم» (^٣).\nقال ابن حجر: (يقال إن هذه الآية ظهرت في طاعون عمواس في خلافة عمر وكان ذلك بعد فتح المقدس) (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-22>٥ - استفاضة المال والاستغناء عن الصدقة:</span>\nعن أبي هريرة -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: «لا تقوم الساعة حتى يكثر فيكم المال فيفيض حتى يهم رب المال من يقبله منه صدقة، ويدعى إليه الرجل فيقول لا أرب لي فيه» (^٥).\nفقد تحقق كثير مما أخبرنا به الصادق المصدوق -ﷺ- فكثر المال في عهد الصحابة -﵃- بسبب ما وقع من الفتوح، واقتسموا أموال الفرس والروم، وفاض المال في عهد عمر بن عبدالعزيز -﵀-، فكان الرجل يعرض المال للصدقة فلا يجد من يقبله.\nوسيكثر المال في آخر الزمان حتى يعرض الرجل ماله فيقول الذي يعرضه عليه: لا أرب لي فيه، وهذا -والله اعلم - إشارة إلى ما سيقع في زمن المهدي وعيسى -﵇- (^٦) من كثرة الأموال وإخراج الأرض لبركتها وكنوزها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-23>٦ - ظهور الفتن:</span>\nوقد أخبر -ﷺ- أن من أشراط الساعة ظهور الفتن العظيمة التي يلتبس فيها الحق بالباطل، فتزلزل الإيمان حتى يصبح الرجل مؤمنًا ويمسي كافرًا، ويمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا، كلما ظهرت فتنة قال المؤمن: هذه مهلكتي، ثم تنكشف ويظهر غيرها فيقول: هذه هذه.\nولا تزال الفتن تظهر إلى أن تقوم الساعة، روى الإمام مسلم عن أبي هريرة -﵁- أن رسول الله ﷺ قال: «بادروا بالأعمال فتنا كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمنًا ويمسي كافرًا، أو يمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا، يبيع دينه بعرض من الدنيا» (^٧).\n_________\n(^١) مُوْتان: بضم الميم وسكون الواو هو الموت الكثير الوقوع، انظر فتح الباري (٦/ ٢٧٨).\n(^٢) قُعَاص بضم العين المهملة وتخفيف القاف، داء يأخذ الدواب فيسيل من أنوفها شيء فتموت فجاءة، انظر: النهاية في غريب الحديث لابن الأثير (٤/ ٧٨)، ط. الأولى، تعليق: صلاح عويطة، دار الكتب العلمية، بيروت، ١٤١٨ هـ، وفتح الباري (٦/ ٢٧٨).\n(^٣) سبق تخريجه ص ٢١.\n(^٤) فتح الباري (٦/ ٢٧٨).\n(^٥) صحيح البخاري، كتاب الفتن (١٣/ ٨١ - ٨٢ - مع الفتح)، وصحيح مسلم، كتاب الزكاة، باب كل نوع من المعروف صدقة (٧/ ٩٧ - مع شرح النووي).\n(^٦) انظر: فتح الباري (٨٧ - ٨٨).\n(^٧) صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب الحث على المبادرة بالأعمال قبل أن تظهر الفتن (٢/ ١٣٣ - مع شرح النووي).","vol":"1","page":24},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-24>٧ - ظهور مدّعي النبوة:</span>\nومن العلامات التي ظهرت، خروج الكذابين الذين يدّعون النبوة، وهم قريب من ثلاثين كذابًا، وقد خرج بعضهم في الزمن النبوي وفي عهد الصحابة ولا يزالون يظهرون.\nوليس التحديد في الأحاديث مرادا به كل من ادعى النبوة مطلقًا فإنهم كثير لا يحصون وإنما المراد من قامت له شوكة وبدت له شبهة وكثر أتباعه واشتهر بين الناس (^١). في الصحيحين عن أبي هريرة\n-﵁- عن النبي -ﷺ- قال: «لا تقوم الساعة حتى يبعث دجالون كذابون قريب من ثلاثين كلهم يزعم أنه رسول الله» (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-25>٨ - انتشار الأمن:</span>\nعن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «لا تقوم الساعة حتى يسير الراكب بين العراق ومكة لا يخاف إلا ضلال الطريق» (^٣).\nوهذا وقع في زمن الصحابة -﵄- وذلك حينما عم الإسلام والعدل البلاد التي فتحها المسلمون. وسيكون ذلك في زمن المهدي وعيسى -﵇- حينما يعم العدل مكان الجور والظلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-26>٩ - ظهور نار الحجاز:</span>\nعن أبي هريرة -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: «لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز تُضيءُ أعناق الإبل ببصرى (^٤)» (^٥).\nقال النووي (^٦) ﵀: (وقد خرجت في زماننا سنة أربع وخمسين وست مئة وكانت نارًا عظيمة من جنب المدينة الشرقي وراء الحرة، تواتر العلم بها عند جميع الشام وسائر البلدان وأخبرني من حضرها من أهل المدينة، أفاض العلماء ممن عاصر ظهورها ومن بعدهم في وصفها، وهذه النار ليست هي النار التي تخرج في آخر الزمان تحشر الناس إلى محشرهم) (^٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-27>١٠ - قتال الترك:</span>\nروى مسلم عن أبي هريرة -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: «لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون الترك،\n_________\n(^١) انظر: فتح الباري (٦/ ٦١٧).\n(^٢) صحيح البخاري كتاب المناقب باب علامات النبوة (٦ - ٦١٦ مع الفتح)، وصحيح مسلم كتاب الفتن وأشراط الساعة (١٨/ ٤٥ - ٤٦ - مع شرح النووي).\n(^٣) قال الهيثمي: رواه أحمد، رجاله رجال الصحيح، مجمع الزوائد (٧/ ٦٣٩)، تحقيق: عبد الله الدرويش، دار الفكر، بيروت، ١٤١٤ هـ. وقال محققوا المسند: إسناده صحيح (١٤/ ٤٢٧ رقم: ٨٨٣٣).\n(^٤) بُصري بضم الباء آخرها ألف مقصورة: مدينة معروفة بالشام، ويقال لها حوران وبينها وبين دمشق ثلاث مراحل. انظر: شرح النووي لمسلم (١٨/ ٣٠).\n(^٥) صحيح البخاري كتاب الفتن باب خروج النار (١٣/ ١٨ - مع الفتح)، وصحيح مسلم كتاب الفتن وأشراط الساعة (١٨/ ٣٠ - مع شرح النووي).\n(^٦) هو أبو زكريا يحيى بن شرف بن حسن بن حسين الحزامي النووي، أحد أعلام الشافعية، من مؤلفاته: المجموع شرح المهذب، شرح صحيح مسلم، رياض الصالحين، توفي سنة ٦٧٦. انظر: تذكرة الحفاظ: ٤/ ١٤٧٠، وطبقات الشافعية الكبرى: ٨/ ٣٩٥.\n(^٧) شرح النووي على صحيح مسلم (١٨/ ٢٨).","vol":"1","page":25},{"text":"قومًا وجوههم كالمَجَانّ (^١) المُطْرَقَة (^٢) يلبسون الشعر ويمشون في الشعر» (^٣).\nوقد وقع الأمر كما، أخبر الرسول -ﷺ- فقد قاتل المسلمون الترك أكثر من مرة.\nفقد قاتل المسلمون الترك من عصر الصحابة -﵃-، وذلك في أول خلافة بني أمية في عهد معاوية -﵁-.\nويقول النووي ﵀ في التتار الذين اجتاحوا العالم الإسلامي: (وقد وجدوا في زماننا -أي الترك- الذين تحدث عنهم الرسول -ﷺ- هكذا .... جميع صفاتهم التي ذكرها رسول الله -ﷺ-: صغار الأعين، حمر الوجوه، ذلف الأنوف، عراض الوجوه، كأن وجوههم المجان المطرقة، ينتعلون الشعر، فوجدوا بهذه الصفات كلها في زماننا، وقاتلهم المسلمون مرات، وقتالهم الآن، ونسأل الله الكريم إحسان العاقبة للمسلمين في أمرهم، وأمر غيرهم، وسائر أحوالهم، وإدامة اللطف بهم والحماية وصلى الله وسلم على رسوله الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحي) (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-28>١١ - قتال العجم </span>(^٥):\nعن أبي هريرة -﵁- أن النبي -ﷺ- قال: «لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا خوزًا (^٦) أو كرمان (^٧) من الأعاجم، حمر الوجوه فطس الأنوف صغار الأعين كأن وجوههم المجان المطرقة نعالهم الشعر (^٨)».\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-29>١٢ - ضياع الأمانة:</span>\nعن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «إذا ضيعت الأمانة، فانتظر الساعة» قال: كيف إضاعتها يا رسول الله؟ قال: «إذا أسند الأمر إلى غير أهله، فانتظر الساعة» (^٩).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-30>١٣ - قبض العلم وظهور الجهل:</span>\nومن أشراطها قبض العلم وفشو الجهل، في الصحيحين عن أنس بن مالك -﵁- قال: قال رسول الله -\n_________\n(^١) المجان: جمع مجن وهو الترس، والميم زائدة، لأنه من الجُنّة وهي السترة. انظر: النهاية في غريب الحديث (٤/ ٢٥٦).\n(^٢) المجان المطرقة: هي التي عليت بطارق وهي الجلد الذي يخشاه، ومنه طارق النعل: إذا اصيرها طاقًا فوق طاقي وركب بعضها فوق بعض، فشبه وجوههم في عرضها ونتوء وجناتها بالترس قد ألبست الأطرقة. انظر: نهاية غريب الحديث (٣/ ١١١)، شرح النووي لصحيح مسلم (١٨/ ٣٦ - ٣٧).\n(^٣) (صحيح مسلم) كتاب الفتن وأشراط الساعة، (١٨/ ٣٧ - مع شرح النووي).\n(^٤) شرح النووي لصحيح مسلم (١٨/ ٣٧ - ٣٨).\n(^٥) العجم: خلاف العرب مفردة عجمي كعربي جمعه عرب. انظر: لسان العرب لابن منظور (٥/ ٢٨٢٥)، تحقيق: عبدالله علي الكبير، دار المعارف.\n(^٦) خوز: بضم الخاء وسكون الواو بعدها زاي، بلاد من الأهواز وهي من عرق العجم، وقيل الخوز صنف من الأعاجم. انظر: فتح الباري (٦/ ٦٠٧).\n(^٧) كرمان بالفتح ثم السكون وآخره نون وربما كسرت الكاف والفتح أشهر بلدة مشهورة من بلاد العجم بين خراسان وبحر الهند. انظر: فتح الباري (٦/ ٦٠٧).\n(^٨) صحيح البخاري، كتاب المناقب، باب علامات النبوة (٦/ ٦٠٤ - مع الفتح).\n(^٩) صحيح البخاري، كتاب الرقاق، باب رفع الأمانة (١١/ ٣٣٣ - مع الفتح).","vol":"1","page":26},{"text":"ﷺ-: «من أشراط الساعة أن يرفع العلم ويثبت الجهل ويشرب الخمر ويظهر الزنا» (^١).\nوقبض العلم يكون بقبض العلماء، عن عبدالله بن عمرو بن العاص -﵄-، قال سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من العباد ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالمًا، اتخذ الناس رؤوسًا جهالًا فسئلوا؟ فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا» (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-31>١٤ - كثرة الشُرط وأعوان الظلمة:</span>\nعن أبي أمامة -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: «يكون في هذه الأمة في آخر الزمان رجال معهم سياط كأنها أذناب البقر يغدون في سخط الله ويروحون في غضبه» (^٣). وروى الإمام مسلم عن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «صنفان من أهل النار لم أرهما: قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس ...» (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-32>١٥ - انتشار الزنا:</span>\nومن العلامات التي ظهرت فشو الزنا وكثرته بين الناس فقد أخبر النبي -ﷺ- بأن ذلك من أشراط الساعة. ففي الصحيحين عن أنس -﵁- قال: قال رسول الله\n-ﷺ-: «إن من أشراط الساعة ... - فذكر منها- ويظهر الزنا» (^٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-33>١٦ - انتشار الربا:</span>\nومنها ظهور الربا وانتشاره بين الناس وعدم المبالاة بأكل الحرام ففي الحديث عن ابن مسعود\n-﵁- عن النبي -ﷺ- أنه قال: «بين يدي الساعة يظهر الربا» (^٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-34>١٧ - ظهور المعازف واستحلالها:</span>\nعن سهل بن سعد أن رسول الله -ﷺ- قال: «سيكون في آخر الزمان خسف وقذف ومسخ». قيل ومتى ذلك يا رسول الله؟ قال: «إذا ظهرت المعازف والقينات واستحلت الخمر» (^٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-35>١٨ - كثرة شرب الخمر واستحلالها:</span>\nروى مسلم عن أنس بن مالك -﵁- قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: «من أشراط الساعة ... -وذكر منها- ويشرب الخمر» (^٨).\nومنها ما رواه ابن ماجه عن عبادة بن الصامت، قال: قال رسول الله -ﷺ-: «يشرب ناس من أمتي الخمر باسم يسمونها إياه» (^٩).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-36>١٩ - زخرفة المساجد والتباهي بها:</span>\nعن أنس -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: «لا تقوم الساعة حتى يتباهي الناس في المساجد» (^١٠).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-37>٢٠ - التطاول في البنيان:</span>\nعن أبي هريرة -﵁- أن رسول -ﷺ- قال: «لا تقوم الساعة حتى يتطاول الناس في البنيان» (^١١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-38>٢١ - ولادة الأمةُ ربتها:</span>\nجاء في حديث جبريل الطويل قوله -ﷺ-: «وسأخبرك عن أشراطها: إذا ولدت الأمة ربتها (^١٢)». وفي رواية لمسلم: «إذا ولدت الأمة ربها» (^١٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-39>٢٢ - كثرة القتل:</span>\nعن أبي هريرة -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: «لا تقوم الساعة حتى يكثر الهرج، قالوا وما الهرج يا رسول الله؟ قال القتل القتل ..» (^١٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-40>٢٣ - تقارب الزمان:</span>\nعن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «لا تقوم الساعة .... حتى يتقارب الزمان» (^١٥).\n_________\n(^١) صحيح البخاري، كتاب العلم، باب رفع العلم وظهور الجهل (١/ ١٧٨ - مع الفتح)، وصحيح مسلم، كتاب العلم، باب رفع العلم وقبضه وظهور الجهل والفتن في آخر الزمان (١٦/ ٢٢١ - مع شرح النووي).\n(^٢) صحيح البخاري، كتاب العلم باب كيف يقبض العلم (١/ ١٩٤ - مع الفتح)، وصحيح مسلم كتاب العلم، باب رفع العلم وقبضه وظهور الجهل والفتن (١٦/ ٢٢٣ - ٢٢٤ - مع شرح النووي).\n(^٣) قال الألباني: رواه أحمد والحاكم وقال الحاكم صحيح الإسناد ووافقه الذهبي وهو كما قالا. سلسلة الأحاديث الصحيحة، الألباني، (٤٥١٧٤)، ط. الرابعة، مكتبة المعارف، الرياض، ١٤٠٨ هـ.\n(^٤) صحيح مسلم كتاب الجنة وصفة نعيمها، باب جهنم أعاذنا الله منها (١٧/ ١٩٠ - مع شرح النووي).\n(^٥) سبق تخريجه ص ٢٥.\n(^٦) قال الهيثمي في مجمع الزوائد: رواه الطبراني في الأوسط ورجاله رجال الصحيح (٤/ ٢١٣). وانظر: السلسلة الصحيحة: ٧/ ١٢٢٦ برقم ٣٤١٥/ ٢.\n(^٧) صحيح الجامع الصغير وزيادته، الألباني، (١/ ٦٨٣)، ط. الثانية، المكتب الإسلامي، بيروت، ١٤٠٦ هـ.\n(^٨) سبق تخريجه ص ٢٥.\n(^٩) صحيح سنن ابن ماجه، كتاب الأشربة، باب الخمر يسمونها بغير اسمها، الألباني (٢/ ٢٤٤)، ط. الثانية، مكتب التربية العربي لدول الخليج، الرياض، ١٤٠٨ هـ.\n(^١٠) صحيح سنن أبي داود، كتاب الصلاة، باب في بناء المساجد، الألباني (١/ ٩١)، ط. الأولى، مكتب التربية العربي لدول الخليج، الرياض، ١٤٠٩ هـ.\n(^١١) مسند أحمد (١٦/ ٤٩٩ برقم ١٠٨٥٨) وقال محققوا المسند: إسناده صحيح، والبخاري في الأدب المفرد برقم ٤٤٩.\n(^١٢) أي أن الإماء يلدن -من يكونوا أسيادًا ومالكين، فهي كانت مملوكة في الأول، وتلد من يكونوا أسيادًا مالكين. وهو كناية عن تغير الحال بسرعة. انظر شرح النووي على مسلم (١/ ١٥٨)، وشرح الأربعين النووية لابن عثيمين ص ٥٥.\n(^١٣) سبق تخريجه ص ٢٦ Error! Bookmark not defined ..\n(^١٤) صحيح مسلم، كتاب الفتن وأشراط الساعة (١٨/ ١٣ - مع شرح النووي).\n(^١٥) سبق تخريجه ص ٢٦.","vol":"1","page":27},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-41>٢٤ - تقارب الأسواق:</span>\nعن أبي هريرة -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: «لا تقوم الساعة حتى تظهر الفتن ويكثر الكذب وتتقارب الأسواق» (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-42>٢٥ - ظهور الشرك في هذه الأمة:</span>\nعن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «لا تقوم الساعة حتى تضطرب الياتُ نساء دوس حول ذي الخلصة» (^٢)، وذو الخلصة: طاغية دوس التي كانوا يعبدون في الجاهلية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-43>٢٦ - ظهور الفحش وقطيعة الرحم وسوء الجوار:</span>\nروى الإمام أحمد عن عبدالله بن عمرو -﵄- أن رسول الله -ﷺ- قال: «لا تقوم الساعة حتى يظهر الفحش والتفاحش وقطيعة الرحم وسوء المجاورة» (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-44>٢٧ - تشبب المشيخة:</span>\nعن ابن عباس -﵄- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «يكون قوم يخضبون في آخر الزمان بالسواد كحواصل الحمام لا يريحون رائحة الجنة» (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-45>٢٨ - كثرة الشح:</span>\nعن أبي هريرة -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: «يتقارب الزمان وينقص العمل ويلقى الشح» (^٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-46>٢٩ - كثرة التجارة:</span>\nروى الإمام أحمد عن عبدالله بن مسعود -﵁- عن النبي -ﷺ- أنه قال: «بين يدي الساعة تسليم الخاصة، وفشوا التجارة، حتى تعين المرأة زوجها على التجارة» (^٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-47>٣٠ - كثرة الزلازل:</span>\nعن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «لا تقوم الساعة ... حتى تكثر الزلازل ..» (^٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-48>٣١ - ظهور الخسف والمسخ والقذف:</span>\nعن عائشة -﵂- قالت: قال رسول الله -ﷺ-: «يكون في آخر هذه الأمة خسف ومسخ وقذف»\n_________\n(^١) قال الهيثمي: (هو في الصحيح دون قوله: \"ويكثر الكذب وتتقارب الأسواق\" ورواه أحمد ورجاله رجال الصحيح غير سعيد بن سمعان وهو تقه)، مجمع الزوائد (٧/ ٦٣٢).\n(^٢) صحيح البخاري، كتاب الفتن، باب تغير الزمان حتى تعبد الأوثان (١٣/ ٧٦ - مع الفتح) وصحيح مسلم، كتاب الفتن وأشراط الساعة (١٨/ ٣٢ - ٣٣ - شرح النووي).\n(^٣) إسناده صحيح، مسند الإمام أحمد (١٠/ ٢٠ - ٢٣) تحقيق أحمد شاكر، دار المعارف، مصر، ١٣٩٢ هـ.\n(^٤) سنن أبي داود برقم ٤٢١٢.\n(^٥) صحيح البخاري، كتاب الفتن، باب ظهور الفتن (٣/ ١٣ - مع الفتح).\n(^٦) مسند أحمد (٥/ ٣٣٣ - تحقيق أحمد شاكر) وقال: إسناده صحيح.\n(^٧) سبق تخريجه ص ٢٥.","vol":"1","page":28},{"text":"قالت: قلت يا رسول الله! أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: «نعم إذا ظهر الخبث» (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-49>٣٢ - ذهاب الصالحين:</span>\nعن عبدالله بن عمرو -﵄- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «لا تقوم الساعة حتى يأخذ شِريطَتَه (^٢) من أهل الأرض فيبقى عجاج (^٣) لا يعرفون معروفًا ولا ينكرون منكرًا» (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-50>٣٣ - ارتفاع الأسافل:</span>\nروى الإمام أحمد عن أبي هريرة -﵁-، قال رسول الله -ﷺ-: «إنها ستأتي على الناس سنون خدّاعة يصدق فيها الكاذب ويكذب فيها الصادق ويؤتمن فيها الخائن ويُخون فيها الأمين وينطق فيها الرويبضة (^٥)، قيل وما الرويبضة؟ قال السفيه يتكلم في أمر العامة» (^٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-51>٣٤ - أن تكون التحية للمعرفة:</span>\nعن ابن مسعود -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «إن من أشراط الساعة أن يسلم الرجل على الرجل لا يسلم عليه إلا للمعرفة» (^٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-52>٣٥ - التماس العلم عند الأصاغر:</span>\nعن أبي أمية الجمحي -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: «إن من أشراط الساعة ثلاثًا: إحداهن أن يلتمس العلم عند الأصاغر ...» (^٨).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-53>٣٦ - ظهور الكاسيات العاريات:</span>\nعن عبدالله بن عمرو -﵄- قال سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: «سيكون في آخر أمتي رجال يركبون على سروج (^٩) كأشباه الرحال (^١٠) ينزلون على أبواب المساجد نساؤهم كاسيات عاريات على رؤوسهم كأسنمة\n_________\n(^١) صحيح سنن الترمذي، كتاب الفتن، باب ما جاء في الخسف، تأليف الألباني، (٢/ ٢٣٧)، ط. الأولى، مكتب التربية العربي الدول الخليج، الرياض، ١٤٠٨ هـ.\n(^٢) شريطته: أي أهل الخير والدين والأشراط من الأضداد يقع على الأشراف والأراذل. انظر: النهاية في غريب الحديث (٢/ ٤١٢).\n(^٣) العجاج: الغوغاء والأراذل من لا خير فيه. النهاية في غريب الحديث (٣/ ١٦٧).\n(^٤) مسند أحمد (١١/ ١٨١ - ١٨٢ - تحقيق أحمد شاكر) وقال إسناده صحيح.\n(^٥) الرويبضة: تصغير الرابضة وهو العاجز الذي ربض عن معالي الأمور وقعد عن طلبها والتافه الخيس الحقير، انظر: النهاية في غريب الحديث (٢/ ١٧٠).\n(^٦) مسند أحمد (١٥/ ٣٧ - ٣٨ تحقيق أحمد شاكر) وقال: إسناده حسن ومتنه صحيح.\n(^٧) مسند أحمد (٥/ ٣٢٤ - شرح أحمد شاكر) وقال إسناده صحيح.\n(^٨) صحيح الجامع الصغير (٢/ ٤٣٩).\n(^٩) سروج: جمع سرج وهو رحل الدابة. انظر: لسان العرب (٤/ ١٩٨٣).\n(^١٠) الرحال جمع رحل وهو مركب للبعير والناقة والرحالة أكبر من السرج وتغشى بالجلود وتكون للخيل والنجائب من الإبل، ويقال لمنزل الإنسان ومسكنه رحل. النهاية في غريب الحديث (٢/ ١٩١)، ولسان العرب (٣/ ١٦٠٨).","vol":"1","page":30},{"text":"البخت العجاف (^١)؛ العنوهن فإنهن ملعونات، لو كانت وراءكم أمة من الأمم لخدمن نساؤكم نساءهم كما يخدمنكم نساء الأمم قبلكم» (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-54>٣٧ - صدق رؤيا المؤمن:</span>\nعن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المسلم تكذب وأصدقكم رؤيا أصدقكم حديثًا ورؤيا المسلم جزء من خمس وأربعين جزءًا من النبوة» هذا لفظ مسلم (¬<span data-type=\"title\" id=toc-55>٣).\n\n٣٨ - كثرة الكتابة وانتشارها:</span>\nجاء في حديث ابن مسعود -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: «إن بين يدي الساعة ... ظهور القلم (^٤)» والمراد بظهور القلم - والله أعلم - ظهور الكتابة (^٥) وانتشارها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-56>٣٩ - التهاون بالسنن التي رغب فيها الإسلام:</span>\nعن ابن مسعود -﵁- قال سمعت رسول الله -ﷺ- وهو يقول: «إن من أشراط الساعة أن يمر الرجل بالمسجد لا يصلى فيه ركعتين» (^٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-57>٤٠ - انتفاخ الأهلة:</span>\nعن عبدالله بن مسعود -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «من اقتراب الساعة انتفاخ الأهلة» (^٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-58>٤١ - كثرة الكذب وعدم التثبت في نقل الأخبار:</span>\nعن أبي هريرة -﵁- عن رسول الله -ﷺ- أنه قال: «سيكون في أخر أمتي أناس يحدثونكم ما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم فإياكم وإياهم» (^٨).\n_________\n(^١) البخت لفظه معربة، جمال طوال الأعناق (١/ ١٠١)، والعجاف جمع عجفاء وهي الهزيلة من الغنم وغيرها. النهاية في غريب الحديث (٣/ ١٦٩).\n(^٢) مسند الإمام أحمد (١٢/ ٣٦ - شرح أحمد شاكر) وقال: إسناده صحيح.\n(^٣) صحيح البخاري، كتاب التعبير، باب القيد في المنام (١٢/ ٤٠٤ - مع الفتح) وصحيح مسلم، كتاب الرؤيا (١٥/ ٢٠ - مع شرح النووي).\n(^٤) سبق تخريجه ص ٢٥.\n(^٥) انظر: مسند أحمد (٥/ ٣٣٤ - تحقيق أحمد شاكر).\n(^٦) قال الألباني في السلسة الصحيحة: (أخرجه ابن خزيمة في صحيحه وغيره من حديث عبد الله بن مسعود مرفوعًا وفي إسناده ضعف لكن الحديث له طرق أخرى عن ابن مسعود يتقوى بها) (٢/ ٢٥٣).\n(^٧) صحيح الجامع الصغير (٢/ ١٠٢٥).\n(^٨) صحيح مسلم، المقدمة، باب النهي عن الرواية عن الضعفاء (١/ ٧٨ - مع شرح النووي).","vol":"1","page":31},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-59>٤٢ - كثرة شهادة الزور وكتمان شهادة الحق:</span>\nجاء في حديث عبد الله بن مسعود -﵁- قوله -ﷺ-: «إن بين يدي الساعة ... شهادة الزور وكتمان شهادة الحق ..» (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-60>٤٣ - كثرةُ النساء وقلة الرجال:</span>\nعن أنس -﵁- قال لأحدثكم حديثًا لا يحدثكم أحد بعدي، سمعت رسول الله -ﷺ-: «من أشراط الساعة أن يقل العلم ويظهر الجهل ويظهر الزنا وتكثر النساء ويقل الرجال حتى يكون لخمسين امرأة القيم الواحد» (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-61>٤٤ - كثرة موت الفجاءة:</span>\nعن أنس بن مالك -﵁- يرفعه إلى النبي -ﷺ- قال: «إن من أمارات الساعة ... يظهر موت الفجأة» (^٣).\n_________\n(^١) سبق تخريجه ص ٢٥.\n(^٢) سبق تخريجه ص ٢٥.\n(^٣) صحيح الجامع الصغير (٢/ ١٠٢٦).","vol":"1","page":32},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-62>٤٥ - وقوع التناكر بين الناس:</span>\nعن حذيفة -﵁- قال: سئل رسول الله -ﷺ- عن الساعة! فقال: «علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إلا هو ولكن أخبركم بمشارطها وما يكون بين يديها، إن بين يديها فتنة وهرجًا»، قالوا يا رسول الله! الفتنة قد عرفناها فالهرج ما هو؟ قال: «بلسان الحبشة: القتل، ويلقي بين الناس التناكر فلا يكاد أحد أن يعرف أحدًا» (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-63>٤٦ - عود أرض العرب مروجًا وأنهارًا:</span>\nعن أبي هريرة -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: «لا تقوم الساعة حتى تعود أرض العرب مروجًا (^٢) وأنهارًا» (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-64>٤٧ - كثرة المطر وقلة النبات:</span>\nعن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «لا تقوم الساعة حتى يمطر الناس مطرًا لَا تُكِنُّ (^٤) منه بيوت المدر ولا تكن منه إلا بيوت الشعر» (^٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-65>٤٨ - جسر الفرات (^٦) عن جبل من ذهب:</span>\nعن أبي هريرة -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: «لا تقوم الساعة حتى يحسر الفرات عن جبل من ذهب يقتتل الناس عليه فيقتل من كل مائة تسعة وتسعون ويقول كل رجل منهم، لعلي أكون أنا الذي أنجو» (^٧).\n_________\n(^١) قال الهيثمي: في الصحيح طرف من أوله رواه الطبراني وفيه من لم يسم، مجمع الزوائد (٧/ ٦٢٧).\n(^٢) المروج: جمع مرج وهو الفضاء الواسع ويقال للأرض ذات الكلا: مرج ومنه قولهم مرج الدابة يمرجها إذا أرسلها ترعى في المرج. انظر: لسان العرب (٧/ ٤١٦٨).\n(^٣) صحيح مسلم، كتاب الزكاة، باب كل نوع من المعروف صدقة (٧ - ٩٧ - مع شرح النووي).\n(^٤) أي: لا تستر منه شيئًا، أي: أن ذلك المطر ينزل من بيوت المدر، ولا تمنع بيوت المدر من نزوله، ولا ينزل من بيوت الشعر، وهو تعالى قادر على كل شيء.\n(^٥) مسند الإمام أحمد (١٣/ ٢٩١ - تحقيق أحمد شاكر) وقال: إسناده صحيح، وهو في مجمع الزوائد (٧/ ٦٣٩)، قال الهيثمي: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح.\n(^٦) الفرات الماء العذب جدًا ونهر بالكوفة، القاموس المحيط ص ١٤٤.\n(^٧) صحيح البخاري، كتاب الفتن، باب خروج النار (١٣/ ٧٨ - مع الفتح) وصحيح مسلم، كتاب الفتن وأشراط الساعة (١٨/ ١٨ - مع شرح النووي).","vol":"1","page":33},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-66>٤٩ - كلام السباع والجمادات للإنس:</span>\nعن أبي هريرة -﵁- قال: جاء ذئب إلى راعي الغنم فأخذ منها شاة فطلبه الراعي حتى انتزعها منه قال فصعد الذئب على تل فأقعي (^١) واستذفر (^٢)، فقال عمدت إلى رزق رزقنيه الله ﷿ انتزعته مني، فقال الرجل: تالله إن رأيت كاليوم ذئبا يتكلم! قال الذئب: أعجب من هذا رجل في النخلات بين الحرتين يخبركم بما مضى وبما هو كائن بعدكم - وكان الرجل يهوديًا - فجاء الرجل إلى النبي -ﷺ- وَخَبره فَصَدَّقَهُ النبي -ﷺ- ثم قال النبي -ﷺ-: «إنها أمارة من أمارات بين يدي الساعة، قد أوشك الرجل أن يخرج فلا يرجع حتى تحدثه نعلاه وسوطه ما أحدث أهله بعده» (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-67>٥٠ - تمني الموت من شدة البلاء:</span>\nعن أبي هريرة -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: «لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل فيقول يا ليتني مكانه» (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-68>٥١ - كثرة الروم وقتالهم المسلمين:</span>\nقال المستورد القرشي عند عمرو بن العاص -﵄-: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: «تقوم الساعة والروم أكثر الناس، فقال له عمرو: أبصر ما تقول، قال: أقول ما سمعت من رسول الله -ﷺ-» (^٥).\nوجاء في حديث عوف بن مالك الأشجعي -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «اعدد ستًا بين يدي الساعة ... - فذكر منها - ثم هدنة تكون بينكم وبين بني الأصفر فيغدرون فيأتونكم تحت ثمانين غاية (^٦) تحت كل غاية اثنا عشر ألفًا (^٧)».\n_________\n(^١) الإقعاء أن يلصق الرجل أليته بالأرض وينصب ساقيه وفخذيه ويضع يديه على الأرض كما يقعي الكلب. النهاية في غريب الحديث (٤/ ٧٨).\n(^٢) استذفر أصلها استثفر فقلبت الثاء المثلثه ذالًا معجمه تقول استنفر الكلب إذا أدخل ذنبه بين فخذيه حتى يلزق ببطنه. انظر شرح مسند أحمد (١٥/ ٢٠٣) لأحمد شاكر.\n(^٣) مسند أحمد، (١٥/ ٢٠٢ - ٢٠٣ - شرح أحمد شاكر) وقال إسناده صحيح.\n(^٤) صحيح البخاري، كتاب الفتن (١٣/ ٨١ - ٨٢ - مع الفتح)، وصحيح مسلم، كتاب الفتن وأشراط الساعة (١٨/ ٣٤ - مع شرح النووي).\n(^٥) صحيح مسلم، كتاب الفتن وأشراط الساعة (١٨/ ٢٢ - مع شرح النووي).\n(^٦) غاية: أي راية وسميت بذلك لأنها غاية المتبع إذا وقفت وقف. انظر: فتح الباري (٦/ ٢٧٨).\n(^٧) سبق تخريجه ص ٢١.","vol":"1","page":34},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-69>٥٢ - فتح القسطنطينية:</span>\nعن أبي هريرة -﵁- أن النبي -ﷺ- قال: «سمعتم بمدينة جانب منها في البر وجانب منها في البحر؟» قالوا: نعم يا رسول الله، قال: «لا تقوم الساعة حتى يغزوها سبعون ألفًا من بني إسحاق فإذا جاؤوها نزلوا فلم يقاتلوا بسلاح ولم يرموا بسهم، قالوا: لا إله إلا الله والله أكبر فيسقط أحد جانبيها»، قال ثور (^١) - أحد رواة الحديث - لا أعلمة إلا قال الذي في البحر، ثم يقولوا الثانية: لا إله إلا الله والله أكبر فيسقط جانبها الآخر، ثم يقولوا الثالثة: لا إله إلا الله والله أكبر فيفرج لهم فيدخلوها فيغنموا، فبينما هم يقتسمون الغنائم إذ جاءهم الصريخ فقال: إن الدجال قد خرج، فيتركون كل شيء فيرجعون» (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-70>٥٣ - خروج القحطاني:</span>\nروى الشيخان عن أبي هريرة -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: «لا تقوم الساعة حتى يخرج رجل من قحطان يسوق الناس بعصاة» (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-71>٥٤ - قتال اليهود:</span>\nعن أبي هريرة -﵁- عن رسول الله -ﷺ- قال: «لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود فيقتلهم المسلمون حتى يختبئ اليهودي من وراء الحجر والشجر فيقول الحجر أو الشجر: يا مسلم! يا عبدالله: هذا يهودي خلفي فتعال فاقتله إلا الغرقد (^٤) فإنه من شجر اليهود» (¬<span data-type=\"title\" id=toc-72>٥).\n\n٥٥ - نفي المدينة لشرارها ثم خرابها آخر الزمان:</span>\nعن أبي هريرة -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: «يأتي على الناس زمان يدعو الرجل ابن عمه وقريبه: هلم إلى الرخاء، هلم إلى الرخاء، والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون، والذي نفسي بيده لا يخرج منهم أحد رغبة عنها إلا أخلف الله فيها خيرًا منه، ألا إن المدينة كالكير تخرج الخبيث، لا تقوم الساعة حتى تنفي المدينة شرارها كما ينفي الكير خبث الحديد» (^٦).\n_________\n(^١) ثور بن زيد الديلي بكسر المهملة بعدها تحتانية المدني ثقة من السادسة، مات سنة خمسة وثلاثين. تقريب التهذيب ص ٧٤.\n(^٢) صحيح مسلم، كتاب الفتن وأشراط الساعة (١٨/ ٤٣ - ٤٤ - مع شرح النووي).\n(^٣) صحيح البخاري، كتاب الفتن، باب تغير الزمان حتى تعبد الأوثان (١٣/ ٧٦ - مع الفتح)، وصحيح مسلم، كتاب الفتن وأشراط الساعة (١٨/ ٣٦ - مع شرح النووي).\n(^٤) الغرقد: نوع من شجر الشوك معروف ببلاد المقدس وهناك يكون قتل الدجال واليهود. انظر: صحيح مسلم شرح النووي (١٨ - ٤٥).\n(^٥) صحيح البخاري، كتاب الجهاد، باب قتال اليهود، (٦/ ١٠٣ - مع الفتح)، وصحيح مسلم، كتاب الفتن وأشراط الساعة (١٨/ ٤٤ - ٤٥ - مع شرح النووي).\n(^٦) صحيح مسلم، كتاب الحج، باب المدينة تنفي خبثها وتسمى طابة وطيبة (٩/ ١٥٣ - مع شرح النووي).","vol":"1","page":35},{"text":"وعن أبي هريرة -﵁- قال سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: «تتركون المدينة على خير ما كانت لا يغشاها إلا العوافي - يريد عوافي السباع والطير - وآخر من يحشر راعيان من مزينة يريدان المدينة، ينعقان بغنمهما فيجدانها وحشًا حتى إذا بلغا ثنية الوداع خرا على وجوههما» (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-73>٥٦ - بعث الريح الطبية لقبض أرواح المؤمنين:</span>\nجاء في حديث النواس بن سمعان الطويل في قصة الدجال ونزول عيسى -﵇- وخروج يأجوج ومأجوج: «إذ بعث الله ريحًا طيبة فتأخذهم تحت أباطهم، فتقبض روح كل مؤمن وكل مسلم، ويبقى شرار الناس، يتهارجون فيها تهارج الحمر فعليهم تقوم الساعة» (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-74>٥٧ - استحلال البيت الحرام وهدم الكعبة:</span>\nروى الإمام أحمد بسنده عن سعيد بن سمعان قال سمعت أبا هريرة يخبر أبا قتادة أن رسول الله\n-ﷺ- قال: «يبايع لرجل ما بين الركن والمقام، ولن يستحل البيت إلا أهله، فإذا استحلوه فلا يسأل عن ملكة العرب، ثم تأتي الحبشة فيخربونه خرابًا لا يعمر بعده أبدًا، وهم الذين يستخرجون كنزه» (^٣).\n_________\n(^١) صحيح البخاري، كتاب فضائل المدينة، باب من رغب عن المدينة (٤/ ٨٩ - ٩٠ - مع الفتح).\n(^٢) صحيح مسلم كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب ذكر الدجال (١٨/ ٧٠ - مع شرح النووي).\n(^٣) مسند الإمام أحمد (١٥/ ٣٥ - تحقيق أحمد شاكر) وقال: إسناده صحيح.","vol":"1","page":36},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-75>المبحث الثالث: المهدي </span>(^١)\nقبل ذكر هذه العلامات العشر الكبرى نتحدث عن المهدي لأن ظهوره يكون سابقًا لهذه العلامات، فهو الذي يجتمع عليه المؤمنون لقتال الدجال ثم ينزل عيسى -﵇- ويصلي خلفه.\nفي آخر الزمان يخرج رجل من أهل البيت يؤيد الله به الدين يملك سبع سنين يملأ الأرض عدلًا كما ملئت جورًا وظلمًا، وتنعم الأمة في عهده نعمة عظيمة، تخرج الأرض نباتها، وتمطر السماء قطرها، ويعطى المال بغير عدد.\nوهذا الرجل اسمه كاسم رسول الله -ﷺ- واسم أبيه كاسم أبي النبي -ﷺ- فيكون اسمه محمد أو أحمد بن عبدالله وهو من ذرية فاطمة بنت رسول الله -ﷺ- ثم من ولد الحسن بن علي -﵃- وصفته الواردة أنه أجلى الجبهة (^٢) أقني (^٣) الأنف) (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-76>مكان خروجه:</span>\nيكون ظهور المهدي من قبل المشرق فقد جاء في الحديث عن ثوبان -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «يقتتل عند كنزكم ثلاثة كلهم ابن خليفة، ثم لا يصير إلى واحد منهم، ثم تطلع الرايات السود من قبل المشرق فيقتلونكم قتلًا لم يقتله قوم، ثم ذكر شيئًا لا أحفظه-، فقال: فإذا رأيتموه فبايعوه ولو حبوا على الثلج فإنه خليفة الله المهدي» (^٥).\nقال ابن كثير (إن المهدي الممدوح الموعود بوجوده في آخر الزمان يكون أصل ظهوره وخروجه من ناحية المشرق ويبايع له عند البيت كما دل على ذلك بعض الأحاديث) (^٦).\nعن أبي سعيد الخدري -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: «يخرج في آخر أمتي المهدي، يسقيه الله الغيث، وتخرج الأرض نباتها، ويعطي المال صحاحًا، وتكثر الماشية، وتعظم الأمة، يعيش سبعًا أو ثمانية -يعني حجة-» (^٧).\n_________\n(^١) انظر: أشراط الساعة، ص ٢٤٩ - ٢٥٠. وكتاب: عقيدة أهل السنة والأثر في المهدي المنتظر لشيخ عبدالمحسن العباد.\n(^٢) الأجلي: الخفيف شعر ما بين النزعتين من الصدغين والذي انحسر الشعر عن جبهتيه، انظر: النهاية في غريب الحديث (١/ ٢٨٠).\n(^٣) القنا في الأنف طول ورفه أرنبته مع حدب في وسطه. انظر: النهاية في غريب الحديث (٤/ ١٠٢).\n(^٤) انظر: النهاية في الفتن والملاحم، ص ٢٣ - ٢٥.\n(^٥) قال الألباني (الحديث صحيح المعنى دون قوله: \"فإنه خليفة الله المهدي\"، فقد أخرجه ابن ماجه من طريق علقمة عن ابن مسعود مرفوعًا نحو رواية عثمان الثانية وإسناده حسن وليس فيه \"خليفة الله\" وهذه الزيادة \"خليفة الله\" ليس لها طريق ثابت ولا ما يصلح أن يكون شاهدًا لها فهي منكرة). سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيء في الأمة، (١/ ١٢٠)، تأليف: الألباني، ط. الخامسة، المكتب الإسلامي، بيروت، ١٤٠٥ هـ.\n(^٦) النهاية في الفتن والملاحم ص ٢٦.\n(^٧) قال الحاكم: صحيح الإسناد ووافقه الذهبي، وقال الألباني: هذا سند صحيح رجاله ثقات، سلسلة الأحاديث الصحيحة (٢/ ٣٣٦).","vol":"1","page":37},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-77>المبحث الرابع: أشراط الساعة الكبرى </span>(^١)\nهناك علامات كبرى تدل على قرب قيام الساعة، فإذا ظهرت كانت الساعة على إثرها، في صحيح مسلم عن حذيفة بن أسيد الغفاري قال: اطلع النبي -ﷺ- علينا ونحن نتذاكر. فقال ما تذاكرون؟ قالوا نذكر الساعة قال: «إنها لن تقوم حتى ترون قبلها عشر آيات، فذكر الدخان، والدجال، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها، ونزول عيسى بن مريم -ﷺ-، ويأجوج ومأجوج وثلاثة خسوف: خسف بالمشرق وخسف بالمغرب وخسف بجزيرة العرب، وأخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم» (^٢).\nوالآيات الكبرى متتابعة في وقوعها، لا يكاد يفصل بينها فاصل زمني، وهي تشبه في تتابعها إذا وقعت العقد إذا انقطع سلكه الذي ينتظم حباته، عن أنس بن مالك -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «الأمارات خرزات منظومات في سلك فإن يقطع السلك يتبع بعضها بعضًا» (^٣).\nوقد أخبر الرسول -ﷺ- أن وقوع الحرب الكبرى بين المسلمين والروم التي سماها الملحمة ستكون أولًا، ثم تفتح القسطنطينية، ثم يخرج الدجال، روى معاذ بن جبل -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «عمران بيت المقدس خراب يثرب، وخراب يثرب خروج الملحمة، وخروج الملحمة فتح القسطنطينية، وفتح القسطنطينية خروج الدجال» (^٤).\nوبعد خروج الدجال ينزل عيسى -﵇- ويقتل الدجال ثم يخرج يأجوج ومأجوج في زمن عيسى -﵇- ويهلكهم الله في زمنه والترتيب إلى هنا واضح.\nأما بقية الآيات فإن ترتيبها ليس واضحًا تمامًا، نعم خروج الشمس من مغربها وخروج دابة الأرض وخروج النار التي تحشر الناس تكون بعد خروج الدجال ونزول عيسى -﵇- وخروج يأجوج ومأجوج، ولكن أيها يسبق الآخر، أعني طلوع الشمس من مغربها وخروج الدابة وحشر النار للناس.\nإن الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه عن حذيفة صريح في أن خروج النار التي تحشر الناس من اليمن هي آخر الآيات فقد ذكر الرسول -ﷺ- الآيات العشر الكبرى وقال في الآية العاشرة وهي النار: «وآخر ذلك نار تخرج من أرض اليمن تطرد الناس إلى محشرهم» (^٥).\n_________\n(^١) انظر: أشراط الساعة، ص ٢٣٩ - ٤٢٦، واليوم الآخر - القيامة الصغرى، ص ٢١٧ - ٢٨٧.\n(^٢) صحيح مسلم، كتاب الفتن وأشراط الساعة (١٨/ ٢٧ - مع شرح النووي).\n(^٣) قال الألباني: وقال الحاكم صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي وهو كما قالا، سلسلة الأحاديث الصحيحة (٤/ ٣٦١).\n(^٤) صحيح سنن أبي دواد، كتاب الملاحم، باب في أمارات الملاحم (٣/ ٨٠٩ - ٨١٠).\n(^٥) سبق تخريجه ص ٣٧.","vol":"1","page":38},{"text":"وتبقى ست آيات طلوع الشمس من مغربها وخروج الدابة والدخان والخسوف الثلاثة.\nأما طلوع الشمس من مغربها وخروج الدابة فتكونان بعد نزول عيسى -﵇- وقتله الدجال وإهلاك يأجوج ومأجوج في عهده وبعد فساد الناس ودروس الإسلام وقبل خروج النار التي تحشر الناس؛ ولكن أيهما أسبق خروج الشمس أم خروج الدابة؟ ذلك ما لا يمكن الجزم به بسبب عدم جزم الرسول -ﷺ- بذلك، ففي حديث عبد الله بن عمرو -﵁- أنه سمع رسول الله -ﷺ- يقول: «إن أول الآيات خروجا طلوع الشمس من مغربها وخروج الدابة على الناس من ضحى وأيهما كانت قبل صاحبتها فالأخرى على إثرها قريبًا» (^١).\nولا يجوز الاستدلال بهذا الحديث على أن طلوع الشمس من مغربها يكون قبل خروج الدجال ونزول عيسى وخروج يأجوج ومأجوج لقوله: «أول الآيات خروجًا طلوع الشمس» .. الحديث.\n(فالذي يترجح من الأخبار أن خروج الدجال أول الآيات العظام المؤذنة بتغير الأحوال العامة في معظم الأرض وينتهي ذلك بموت عيسى -﵇-، وأن طلوع الشمس من مغربها هو أول الآيات العظام المؤذنة بتغير العالم العلوي وينتهي ذلك بقيام الساعة ولعل خروج الدابة يقع في ذلك اليوم الذي تطلع فيه الشمس من مغربها) (^٢). والله أعلم.\nوالذي يظهر أن طلوع الشمس من مغربها يسبق خروج الدابة ثم تخرج الدابة في ذلك اليوم أو الذي يقرب منه.\nأما بقية الآيات وهي الخسوف الثلاثة والدخان - فلا ندري ما ترتيبها في الآيات العظام، فلم نر من النصوص الصحيحة ما يحدد ذلك والله أعلم بحقيقته (^٣).\nأشراط الساعة الكبرى:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-78>١ - المسيح الدجال:</span>\nفتنة الدجال تقع في آخر الزمان وهي إحدى أشراط الساعة الكبرى، وفتنته من أعظم الفتن التي تمر على البشرية عبر تاريخها. من أجل ذلك فإن جميع الأنبياء حذروا أقوامهم من فتنته، ولكن رسولنا\n-ﷺ- كان أكثر تحذيرًا لأمته منه.\nففي صحيح البخاري عن عبدالله بن عمر -﵄-، قال: قام رسول الله صلى الله عليه في الناس، فأثنى على الله بما هو أهله، ثم ذكر الدجال، فقال: «إني لأنذركموه، وما من نبي قبلي إلا وقد أنذر قومه، ولكني سأقول لكم فيه قولًا لم يقله نبي لقومه، إنه أعور وإن الله ليس بأعور ...» (^٤).\nوسمي الدجال مسيحًا لأن عينه الواحدة ممسوحة، والمسيح: هو الذي لا يبقى على أحد شقي وجهه عين\n_________\n(^١) صحيح مسلم، كتاب الفتن، باب في خروج الدجال (١٨/ ٨٧ - مع شرح النووي).\n(^٢) فتح الباري (١١ - ٣٥٣).\n(^٣) انظر: اليوم الآخر - القيامة الصغرى ص (٢١٧ - ٢٢٠).\n(^٤) صحيح البخاري، كتاب الفتن، باب ذكر الدجال (١٨/ ٦١ - مع الفتح).","vol":"1","page":39},{"text":"ولا حاجب إلا استوى، وقيل لأنه يمسح الأرض، أما عيسى بن مريم فسمي به؛ لأنه لا يمسح بيده ذا عاهة إلا بري - بإذن الله - وقيل غير ذلك) (^١). وقد جاء في الحديث: «إن الدجال ممسوح العين» (^٢). وسمي دجالًا (لأنه يغطي الحق بباطله، ويقال: دجل البعير بالقطران إذا غطاه، والإناء بالذهب إذا طلاه ... وقال ابن دريد: سمي الدجال، لأنه يغطي الحق بالكذب، وقيل لضربه نواحي الأرض، ... وقيل: بل قيل ذلك، لأنه يغطي الأرض) (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-79>صفة الدجال:</span>\nالدجال رجل من بني آدم، له صفات كثيرة جاءت بها الأحاديث، لتعريف الناس به، وتحذيرهم من شره، حتى إذا خرج، عرفه المؤمنون فلا يفتنون به، بل يكونون على علم بصفاته التي أخبر بها الصادق -ﷺ- وهذه الصفات تميزه عن غيره من الناس، فلا يغتر به إلا الجاهل الذي سبقت عليه الشقوة، نسأل الله العافية.\nعن ابن عمر -﵄- أن رسول الله -ﷺ- قال: «بينا أنا نائم أطوف بالكعبة فإذا رجل آدم سبط الشعر ينطف - أو يهراق - رأسه ماء، قلت من هذا؟ قالوا: ابن مريم، ثم ذهبت التفت، فإذا رجل جسيم، أحمر، جعد الرأس، أعور العين، كأن عينه عنبة طافية، قالوا: هذا الدجال أقرب الناس به شبهًا ابن قطن» رجل من بني خزاعة (^٤).\nوعن أنس ﵁ عن النبي -ﷺ- قال: «ما بُعِثَ نبي إلا أنذر أمته الأعور الكذاب، ألا إنه أعور وإن ربكم ليس بأعور، وإن بين عينيه مكتوب كافر» (^٥).\nويخرج الدجال من المشرق من بلاد فارسية يقال لها: خراسان، عن أبي بكر الصديق -﵁- قال: حدثنا رسول الله -ﷺ-: «أن الدجال يخرج من أرض بالشرق، يقال لها: خراسان، يتبعه أقوام كأن وجوههم المجان المطرقة» (^٦).\nوقد سأل الصحابة الرسول -ﷺ- عن المدة التي يمكثها الدجال في الأرض، فقالوا: وما لبثه في الأرض؟ قال: «أربعون يومًا، يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة وسائر أيامه كأيامكم»، قلنا يا رسول الله: فذاك اليوم الذي كسنة، أتكفينا فيه صلاة يوم؟ قال: «لا، اقدروا له قدره» (^٧).\n_________\n(^١) انظر: النهاية في غريب الحديث (٤/ ٢٧٨ - ٢٧٩).\n(^٢) صحيح مسلم، كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب ذكر الدجال، (١٨/ ٦١ - مع شرح النووي).\n(^٣) انظر: فتح الباري (١٣/ ٩١).\n(^٤) صحيح البخاري، كتاب الفتن، باب ذكر الدجال (١٣/ ٩٠ - مع الفتح)، وصحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب ذكر المسيح ابن مريم -﵇- والمسيح الدجال (٢/ ٢٣٧ - مع شرح النووي).\n(^٥) صحيح البخاري، كتاب الفتن، باب ذكر الدجال (١٣/ ٩١ - مع الفتح).\n(^٦) صحيح سنن الترمذي، أبواب الفتن، باب ما جاء من أين يخرج الدجال (٢/ ٢٤٨).\n(^٧) صحيح مسلم، كتاب الفتن، باب ذكر الدجال (١٨/ ٦٥ - مع شرح النووي).","vol":"1","page":40},{"text":"وقد حمى الله مكة والمدينة من الدجال، عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله -ﷺ-: «ليس من بلد إلا سيطؤه الدجال إلا مكة والمدينة، ليس من نقابها نقب إلا عليه الملائكة صافين يحرسونها، ثم ترجف المدينة بأهلها ثلاث رجفات، فيخرج إليه كل كافر ومنافق» (^١).\nوأكثر أتباع الدجال اليهود والنساء، عن عثمان بن أبي العاص -﵁-، أن رسول الله -ﷺ- قال: «أكثر أتباع الدجال اليهود والنساء» (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-80>ابن صياد والدجال:</span>\nابن صياد رجل من يهود المدينة، اسمه صاف كان شبيهًا بالدجال في كثير من صفاته. وقد تضاربت أقوال العلماء في شأنه وهل هو المسيح الدجال أو لا؟ ولهذا فقد اجتهد الحافظ ابن حجر في التوفيق بين الأحاديث المختلفة، فقال: (أقرب ما يجمع به بين ما تضمنه حديث تميم وكون ابن صياد هو الدجال: أن الدجال بعينه هو الذي شاهده تميم موثقًا، وأن ابن صياد شيطان تبدى في صورة الدجال في تلك المدة، إلى أن توجه إلى أصبهان، فاستتر مع قرينه، إلى أن تجيء المدة التي قدر الله تعالى خروجه فيها) (^٣)، والله أعلم.\nقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: (الصحيح أن ابن صياد ليس هو الدجال الذي يبعث في آخر الزمان، وإنما هو دجال من الدجاجلة يشبه الكهان في تخرصه، وتخمينه، ولكنه ليس هو الدجال الذي يبعث يوم تقوم الساعة، فيقتله عيسى بن مريم ﵊) (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-81>٢ - نزول عيسى -﵇</span>-:\nصفته -﵇- جاءت بها الروايات منها ما رواه أبو هريرة -﵁-، قال: قال رسول الله -ﷺ-: «ليلة أسري بي لقيت موسى ... فنعته إلى أن قال: ولقيت عيسى ... فنعته فقال: ربعة، أحمر، كأنما خرج من ديماس - يعني: الحَمَّامَ -» (^٥).\n_________\n(^١) صحيح البخاري، كتاب فضائل المدينة، باب لا يدخل الدجال المدينة (٤٩٥ - مع الفتح).\n(^٢) قال الهيثمي: رواه الطبراني في الأوسط ورجاله رجال الصحيح غير عقبة بن مكرم بن عقبة الضبي وهو ثقة. مجمع الزوائد (٧/ ٦٦٩).\n(^٣) فتح الباري (١٣/ ٣٢٨).\n(^٤) فتاوى نور على الدرب (٤/ ٢).\n(^٥) صحيح البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، باب قول الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ﴾، (٦/ ٤٧٦ - مع الفتح)، وصحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب الإسراء برسول الله -ﷺ- وفرض الصلوات (٢/ ٢٣٢ - مع شرح النووي).","vol":"1","page":41},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-82>صفة نزوله -﵇</span>-:\nبعد خروج الدجال وإفساده في الأرض، يبعث الله عيسى -﵇- فينزل إلى الأرض، ويكون نزوله عند المنارة البيضاء شرقي دمشق الشام، وعليه مهرودتان (^١)، واضعًا كفية على أجنحة ملكين، إذا طأطأ رأسه قطر، وإذا رفعه تحدر منه جمان كاللؤلؤ، ولا يحل لكافر يجد ريح نَفَسِهِ إلا مات، وَنَفَسُهُ ينتهي حيث ينتهي طرفه.\nويكون نزوله على الطائفة المنصورة، التي تقاتل على الحق، وتكون مجتمعة لقتال الدجال، فينزل وقت إقامة الصلاة، يصلي خلف أمير تلك الطائفة. ففي حديث النواس بن سمعان الطويل في ذكر خروج الدجال ثم نزول عيسى -﵇-، قال -ﷺ-: «إذ بعث الله المسيح ابن مريم، فينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق، بين مهرودتين، واضعًا كفيه على أجنحة ملكين، إذا طأطأ رأسه قطر، وإذا رفع تحدر منه جمان كاللؤلؤ، فلا يحل لكافر يجد ريح نَفَسِهِ إلا مات، وَنَفَسُهُ ينتهي حيث ينتهي طرفه، فيطلبه -أي: يطلب الدجال- حتى يدركه بباب لد، فيقتله، ثم يأتي عيسى بن مريم قوم قد عصمهم الله منه، فيمسح وجوههم، ويحدثهم بدرجاتهم في الجنة» (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-83>بم يحكم عيسى -﵇</span>-:\nعن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «كيف أنتم إذا نزل فيكم ابن مريم وأَمَّكُم منكم؟ !». قال ابن أبي ذئب (^٣): تدري ما أَمَّكُمْ منكم؟ قلت: تخبرني؟ قال: فأمكم بكتاب ربكم ﵎ وسنة نبيكم -ﷺ (^٤) -.\nفليس المراد أنه أمهم في الصلاة، بل المراد أنه حكم فيهم كتاب الله ﵎، أي أمهم بكتاب الله ﷿) (^٥).\nوزمن عيسى -﵇- زمن أمن وسلام ورخاء يرسل الله فيه المطر الغزير، وتخرج الأرض ثمرتها وبركتها، ويفيض المال وتذهب الشحناء والتباغض والتحاسد، عن أبي هريرة رضي الله أنه قال: قال رسول الله ﷺ-: «والله لينزلن عيسى بن مريم حكمًا عادلًا، فليكسرن الصليب، وليقتلن الخنزير، وليضعن الجزية، ولتتركن القلاص (^٦) فلا يسعي عليها، ولتذهبن الشحناء والتباغض والتحاسد، وليدعون إلى المال، فلا يقبله أحد» (^٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-84>مدة بقائه بعد نزوله ثم وفاته:</span>\nوأما مدة بقاء عيسى -﵇- في الأرض بعد نزوله، فقد جاء في بعض الروايات أنه يمكث سبع سنين، وفي بعضها أربعين سنة.\nعن عبدالله بن عمرو -﵄-: «فيبعث الله عيسى بن مريم ... ثم يمكث الناس سبع سنين ليس بين اثنين عداوة، ثم يرسل الله ريحًا باردة من قبل الشام، فلا يبقى على وجه الأرض أحد وفي قلبه مثقال ذرة من خير أو إيمان إلا قبضته» (^٨).\nوفي أبي داود: «فيمكث في الأرض أربعين سنة، ثم يتوفى، ويصلي عليه المسلمون» (^٩).\nوكلا هاتين الروايتين صحيحة، وهذا مشكل؛ إلا أن تحمل رواية السبع سنين على مدة إقامته بعد نزوله، ويكون ذلك مضافًا إلى مكثه في الأرض قبل رفعه إلى السماء، وكان عمره إذ ذاك ثلاثًا وثلاثين سنة على المشهور (^١٠) والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-85>٣ - يأجوج ومأجوج:</span>\nوأصل يأجوج ومأجوج من البشر، من ذرية آدم وحواء -﵉-، والذي يدل على أنهم من ذرية آدم -﵇- ما رواه البخاري عن أبي سعيد الخدري -﵁- عن رسول الله -ﷺ- قال: «يقول الله تعالى: يا آدم! فيقول لبيك وسعديك والخير في يديك، فيقول: أخرج بعث النار، قال وما بعث النار؟ قال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين فعنده يشيب الصغير، وتضع كل ذات حمل حملها، وترى الناس سكارى وماهم بسكارى ولكن عذاب الله شديد» قالوا: وأينا ذلك الواحد؟ قال: «أبشروا فإن منكم رجلًا ومن يأجوج ومأجوج ألف» (^١١).\nوقد أخبر الله ﵎ أن السد الذي أقامه ذو القرنين مانعهم من الخروج ﴿اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا (٩٧)﴾ [الكهف: ٩٧] وأخبر أن ذلك مستمر إلى آخر الزمان عندما يأتي وعد الله، ويأذن لهم بالخروج، وعند ذلك يُدك السد، ويخرجون على الناس ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا (٩٨)﴾ [الكهف: ٩٨]، وعند ذلك يخرجون أفواجًا ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾ [الكهف: ٩٩] وذلك قرب القيامة والنفخ في الصور ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا (٩٩)﴾ [الكهف: ٩٩].\nوقد أخبر الرسول -ﷺ- أنه فتح من ردم يأجوج ومأجوج في عصره، عن زينب بنت جحش -﵁- أن رسول الله -ﷺ- دخل عليها يوما فزعًا، يقول: «لا إله إلا الله ويل للعرب من شر قد اقترب،\n_________\n(^١) مهرودتان: روي بالدال المهملة والذال المعجمة والمهملة أكثر والمعنى: لابس مهرودتين، أي: ثوبين مصبوغين بورس ثم زعفران. انظر: شرح النووي لصحيح مسلم (١٨/ ٦٧).\n(^٢) صحيح مسلم، كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب ذكر الدجال (١٨٦٧ - ٦٨ - مع شرح النووي).\n(^٣) هو محمد بن عبدالرحمن بن المغيرة بن أبي ذئب القرشي العامري أبو الحارث المدني، ثقة فقيه فاضل من السابعة، مات سنة ٥٨ وقيل سنة تسع. تقريب التهذيب ص ٤٢٧.\n(^٤) صحيح البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، باب نزول عيسى بن مريم -﵇- (٦/ ٤٩١ - مع الفتح)، وصحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب نزول عيسى بن مريم حاكمًا (٢/ ١٩٣ - مع شرح النووي).\n(^٥) انظر: اليوم الآخر - القيامة الصغرى، ص ٢٦١.\n(^٦) القلاص: بكسر القاف جمع قلوص بفتح القاف، وهي الناقة الشابة، انظر: النهاية في غريب الحديث (٤/ ٨٨).\n(^٧) صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب نزول عيسى -﵇- (٢/ ١٩٢ - مع شرح النووي).\n(^٨) صحيح مسلم كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب ذكر الدجال (١٨/ ٧٥ - ٧٦ - مع شرح النووي).\n(^٩) صحيح سنن أبي داود، كتاب الملاحم، باب خروج الدجال (٣/ ٨١٥).\n(^١٠) انظر: النهاية في الفتن والملاحم، ص ٩٩.\n(^١١) صحيح البخاري، كتاب الأنبياء، باب قصة يأجوج ومأجوج (٦/ ٣٨٢ - مع الفتح).","vol":"1","page":42},{"text":"فتح من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه» - وحلق بأصبعيه: الإبهام والتي تليها- قالت زينب، فقلت يا رسول الله، أفنهلك، وفينا الصالحون؟ قال: «نعم، إذا كثر الخبث» (^١).\nوخروجهم يقع بعد نزول عيسى -﵇- وهزيمته للدجال، عن النواس بن سمعان في حديثه الطويل، قال: قال رسول الله -ﷺ-: «ثم يأتي عيسى بن مريم قوم قد عصمهم الله منه -أي من الدجال - فيمسح وجوههم، ويحدثهم بدرجاتهم في الجنة، فبينما هو كذلك إذ أوحى الله إلى عيسى أني قد أخرجت عبادًا لي لا يدان لأحد بقتالهم (^٢)، فحرّز عبادي إلى الطور، ويبعث الله يأجوج ومأجوج، وهم من كل حدب (^٣) ينسلون، فيمر أوائلهم على بحيرة طبرية، فيشربون ما فيها، ويمر أخرهم، فيقولون: لقد كان بهذه مرة ماء، ويحصر نبي الله عيسى وأصحابه، حتى يكون رأس الثور لأحدهم خيرًا من مائة دينار لأحدكم اليوم، فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه، فيرسل الله عليهم النغف (^٤) في رقابهم، فيصيحون فرسى (^٥) كموت نفس واحدة، ثم يهبط نبي الله عيسى وأصحابه إلى الأرض، فلا يجدون في الأرض موضع شبر إلا ملأه زهمهم (^٦) ونتنهم، فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه إلى الله، فيرسل مطرًا كأعناق البخت (^٧)، فتحملهم فتطرحهم حيث شاء الله، ثم يرسل الله مطرًا، لا يكن منه بيت مدر (^٨) ولا وبر، فيغسل الأرض حتى يتركها كالزلقة» (^٩).\n_________\n(^١) صحيح البخاري، كتاب الفتن، باب يأجوج ومأجوج (١٣/ ١٠٦ - مع الفتح).\n(^٢) أي: لا قدرة ولا طاقة. انظر: شرح النووي لصحيح مسلم (١٨/ ٦٨).\n(^٣) الحدب: وهو كل موضع غليظ مرتفع، والمعنى يظهرون من غليظ الأرض ومرتفعها. انظر: النهاية في غريب الحديث (١/ ٣٣٦).\n(^٤) النغف: بالتحريك دود يكون في أنوف الإبل والغنم، واحدتها نغفة. النهاية في غريب الحديث (٥/ ٧٥).\n(^٥) فرسي بفتح الفاء، أي: قتلى، الواحد فريس من فرس الذئب الشاة وافترسها إذا قتلها. النهاية في غريب الحديث (٣/ ٣٨٤).\n(^٦) بفتح الهاء أي دسمهم ورائحتهم الكريهة. شرح النووي على مسلم (١٧/ ٦٩).\n(^٧) البخت هي جمال طوال الأعناق، وهي لفظة معربة. النهاية في غريب الحديث (١/ ١٠١).\n(^٨) أي: لا يمنع من نزول المطر بيت. المدر بفتح الميم والدال وهو الطين الصلب. شرح النووي لصحيح مسلم (١٨/ ٦٩).\n(^٩) صحيح مسلم، كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب ذکر الدجال (١٨/ ٦٨ - ٦٩ - مع شرح النووي).","vol":"1","page":43},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-86>٤ - الخسوفات الثلاثة:</span>\nمعنى الخسف: يقال: خسف المكان يخسف خسوفا إذا ذهب في الأرض، وغاب فيها (^١).\nوالخسوفات الثلاثة التي هي من أشراط الساعة جاء ذكرها في الأحاديث ضمن العلامات الكبرى. عن حذيفة بن أسيد -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: «إنها لن تقوم حتى ترون قبلها عشر آيات ... فذكر منها- وثلاثة خسوف: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب» (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-87>٥ - الدخان:</span>\nمن الآيات الكبرى التي تقع قبيل الساعة الدخان، قال تعالى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (١١)﴾ [سورة الدخان: ١٠ - ١١].\nوفي المراد بهذا الدخان؟ وهل وقع؟ أو هو من الآيات المرتقبة؟ قولان للعلماء:\nالأول: أن هذا الدخان هو ما أصاب قريشًا من الشدة والجوع عندما دعا عليه النبي\n-ﷺ- حين لم يستجيبوا له، فأصبحوا يرون السماء كهيئة الدخان.\nالثاني: أن هذا الدخان من الآيات المنتظرة التي لم تجيء بعد، وسيقع قرب قيام الساعة. ومما يدل دلالة كبرى على أن الدخان من العلامات الكبرى ما رواه مسلم عن حذيفة بن أسيد -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: «إنها لن تقوم حتى ترون قبلها عشر آيات ... - فذكر منها- الدخان» (^٣).\nعلى أن بعض العلماء ذهب إلى أنهما دخانان، ظهر أحداهما وبقي الأخر، وهو الذي سيقع في آخر الزمان (^٤). والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-88>٦ - طلوع الشمس من مغربها:</span>\nمن الآيات البينات الدالة على وقوع الساعة طلوع الشمس من مغربها، عن أبي هريرة -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: «لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت فرآها الناس آمنوا أجمعين، فذاك حين لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرًا» (^٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-89>٧ - خروج الدابة:</span>\nوهذه الدابة آية من آيات الله تخرج في آخر الزمان، عندما يكثر الشر ويعم الفساد، ويكون الخير قلة في\n_________\n(^١) القاموس المحيط ص ٧٢٣.\n(^٢) سبق تخريجه ص ٣٧.\n(^٣) سبق تخريجه ص ٣٧.\n(^٤) شرح النووي لصحيح مسلم (١٨/ ٢٧).\n(^٥) صحيح البخاري، كتاب الرقاق (١١/ ٣٥٢ - مع الفتح)، وصحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب بيان الزمن الذي لايقبل الله فيه الإيمان (٢/ ١٩٥ - مع شرح النووي).","vol":"1","page":45},{"text":"ذلك الزمان، وهذه الدابة هي التي ذكرها الله في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ (٨٢)﴾ [النمل: ٨٢].\nعن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «ثلاث إذا خرجن لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرًا: طلوع الشمس من مغربها، والدجال، ودابة الأرض» (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-90>٨ - النار التي تحشر الناس:</span>\nوهي أخر أشراط الساعة الكبرى، وأول الآيات المؤذنة بقيام الساعة. وقد جاءت الروايات بأن خروج هذه النار يكون من اليمن، من قعر عدن، جاء في حديث حذيفة بن أسيد في ذكر أشراط الساعة الكبرى قوله -ﷺ-: «وآخر ذلك نار تخرج من اليمن، تطرد الناس إلى محشرهم» (^٢).\nوعند ظهور هذه النار العظيمة من اليمن تنتشر في الأرض، وتسوق الناس إلى أرض المحشر، والذين يحشرون على ثلاث طرائق، عن أبي هريرة -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: «يحشر الناس على ثلاث طرائق: راغبين وراهبين، واثنان على بعير، وثلاثة على بعير، وأربعة على بعير، وعشرة على بعير، ويحشر بقيتهم النار، تقيل معهم حيث قالوا، وتبيت معهم حيث باتو، وتصبح معهم حيث أصبحوا، وتمسي معهم حيث أمسوا» (^٣).\nويحشر الناس إلى الشام في آخر الزمان وهي أرض المحشر، كما جاءت بذلك الأحاديث، منها ما روي عن ابن عمر –﵄- في ذكر خروج النار، وفيه: قال: يا رسول الله! فماذا تأمرنا؟ قال: «عليكم بالشام» (^٤).\nوهذا الحشر يكون في الدنيا قبل يوم القيامة، قال العلماء: (وهذا الحشر في آخر الدنيا قبيل القيامة وقبيل النفخ في الصور بدليل قوله –ﷺ-: «تحشر بقيتهم النار، تبيت معهم وتقيل وتصبح وتمسي») (^٥)، والله أعلم.\n_________\n(^١) صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب الزمن الذي لايقبل فية الإيمان (٢/ ١٩٥ – مع شرح النووي)\n(^٢) سبق تخريجه ص ٣٧.\n(^٣) صحيح البخاري، كتاب الرقاق، باب الحشر (١١/ ٣٧٧ – مع الفتح)، وصحيح مسلم، كتاب الجنة وصفة نعيمها، باب فناء الدنيا وبيان الحشر يوم القيامة (١٧/ ١٩٤ - ١٩٥ – مع شرح النووي).\n(^٤) صحيح سنن الترمذي، أبواب الفتن، باب لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من قبل الحجاز (٢/ ٢٤٣).\n(^٥) شرح النووي لصحيح مسلم (١٧/ ١٩٤ - ١٩٥).","vol":"1","page":46},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-91>الفصل الثالث: الحقائق التي يشتملها الإيمان باليوم الآخر </span>(^١)\n<span data-type=\"title\" id=toc-92>المبحث الأول: البعث </span>(^٢)\nلقد عني القرآن بمشاهد يوم القيامة: البعث والحساب، والنعيم والعذاب، فلم يعد ذلك العالم الآخر الذي وعده الناس بعد هذا العالم الحاضر موصوفًا فحسب، بل عاد مصورًا محسوسًا، وحيًا متحركًا، وبارزًا شاخصًا، وعاش المسلمون في هذا العالم عيشة كامله، رأوا مشاهده، وتأثروا بها، وخفقت قلوبهم تارة، واقشعرت جلودهم تارة، وسري في نفوسهم الفزع مرة، وعاودهم الاطمئنان أخرى ومن ثم أصبحوا يعرفون هذا العالم كما ورد في الكتاب والسنة قبل اليوم الموعود.\nهذا العالم بسيط كل البساطة، واضح وضوح العقيدة الإسلامية: موت وبعث، ونعيم وعذاب. فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم الجنة بما فيها من نعيم، وأما الذين كفروا وكذبوا بلقاء الله فلهم النار بما فيها من جحيم، ولا شفاعة هناك، ولا فدية من العذاب، ولا اختلال قيد شعرة في ميزان العدالة الدقيق، قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ [سورة الزلزلة: ٧ - ٨].\nإن القرآن يحدث المؤمنين عن اليوم الآخر، ويجسمه لهم كأنما يرونه اللحظة أمامهم، ويعيشون مشاهده الحية بوجدانهم. بل بلغ من إعجاز القرآن في تصوير مشاهد يوم القيامة أن يحس الإنسان كأنما يوم القيامة هو الحاضر الماثل، وكأنما الدنيا ماض قد انقضى وانطوى من زمان بعيد.\n(إن الإيمان بالله واليوم الأخر يتضمن الإيمان بالمبدأ والمعاد، وهو الإيمان بالخلق والبعث كما جمع بينهما في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (٨)﴾ [البقرة: ٨]، وقال تعالى: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [لقمان: ٢٨]) (^٣).\nوالمراد بالبعث المعاد الجسماني، وإحياء العباد في يوم المعاد. فإذا شاء الله ﵎ إعادة العباد وإحيائهم أمر إسرافيل فنفخ في الصور فتعود الأرواح إلى الأجساد، ويقوم الناس لرب العالمين ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ (٦٨)﴾ [الزُّمَر: ٦٨].\nوقد أخبرنا الله ﵎ عن مشهد البعث فقال: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى\n_________\n(^١) انظر: أركان الإيمان، ص ٤٤ - ٦٣.\n(^٢) انظر: عمر الأشقر، اليوم الآخر - القيامة الكبرى، ص ٥١ - ٦٨، ط. السادسة، دار النفائس، الأردن، ١٤١٥ هـ.\n(^٣) ابن تيمية، الفتوى الحموية، ص ٣٥، تقديم: محمد حمزة، مطبعة المدني، مصر.","vol":"1","page":47},{"text":"رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ (٥١) قَالُوا يَاوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ (٥٢) إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ (٥٣)﴾ [سورة يس:٥١ - ٥٣]\nوقد جاءت الأحاديث مخبرة بأنه يسبق النفخة الثانية في الصور نزول ماء من السماء فتنبت منه أجساد العباد، عن عبدالله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله -ﷺ-: «ثم ينفخ في الصور، فلا يسمعه أحد إلا أصغى ليتًا (^١) ورفع ليتًا. قال: وأول من يسمعه رجل يلوط حوض إبله، قال: فَيَصْعَقُ، وَيَصْعَقُ الناس، ثم يرسل الله - أو قال ينزل الله - مطرًا كأنه الطل أو الظل، فتنبت منه أجساد الناس، ثم ينفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون» (^٢).\nوالإنسان يتكون في اليوم الآخر من عظم صغير، هو عجب الذنب، عن أبي هريرة\n-﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «ما بين النفختين أربعون، ثم ينزل من السماء ماء، فينبتون كما ينبت البقل، وليس من الإنسان شيء إلا بلى، إلا عظمًا واحدًا، وهو عجب الذنب (^٣) منه يركب الخلق يوم القيامة» (^٤).\nومن المعلوم أن أجساد الأنبياء لا يصيبها البلى والفناء الذي يصيب أجساد العباد ففي الحديث: «أن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء» (^٥).\nوالبعث هنا إعادة وليس تجديدًا، كما قال تعالى: ﴿قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [سورة يس:٧٨ - ٧٩]، وقال تعالى: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ [الأنبياء:١٠٤]، ولأنه لو كان خلقًا جديدًا لكان الجسد الذي يعمل السيئات في الدنيا سالمًا من العذاب، ويؤتى بجسد جديد فيعذب، وهذا خلاف العدل، والنص والعقل قد دل على أن البعث ليس تجديدًا ولكنه إعادة) (^٦).\nوأول من تنشق عنه الأرض هو نبينا محمد -ﷺ- عن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-\n_________\n(^١) الليت: بكسر اللام وآخره مثناة فوق، هي صفحة العنق وهي جانبه، وأصغى أمال. شرح النووي لصحيح مسلم (١٨/ ٧٦).\n(^٢) صحيح مسلم، كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب ذكر الدجال (١٨/ ٦٨).\n(^٣) عجب الذنب: العجب بالسكون، العظم الذي في أسفل الصلب عند العجز، وهو العسيب من الدواب. النهاية في غريب الحديث (٣/ ١٦٧).\n(^٤) صحيح البخاري، كتاب تفسير القرآن، باب ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾ (٨/ ٦٨٩ - مع الفتح).\n(^٥) صحيح سنن أبي داود، كتاب الصلاة، باب فضل يوم الجمعة وليلة الجمعة (١/ ١٩٦).\n(^٦) أركان الإيمان، ص ٤٤.","vol":"1","page":48},{"text":": «أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، وأول من ينشق عنه القبر، وأول شافع وأول مشفع» (^١).\nوحيثما هلك العباد فإن الله قادر على الإتيان بهم، قال تعالى: ﴿أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة:١٤٨]. وقال تعالى: ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا (٤٧)﴾ [الكهف:٤٧].\nويحشر الله الخلائق جميعًا حفاة عراة غرلًا، أي: غير مختونين، عن عائشة -﵂- قالت: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: «يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلًا» قالت: يا رسول الله، الرجال والنساء جميعًا، ينظر بعضم إلى بعض؟ قال: «يا عائشة الأمر أشد من أن ينظر بعضهم إلى بعض ..» (^٢).\nولكن الناس ليسوا سواء في ذلك اليوم العصيب. إنما تختلف أحواهم باختلاف أعمالهم، قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ (٢٤) تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ (٢٥)﴾ [سورة القيامة:٢٢ - ٢٥]، وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ﴾ [الزُّمَر:٦٠]، وقال تعالى: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (٨٥) وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا (٨٦)﴾ [سورة مريم:٨٥ - ٨٦].\nوالأرض التي يحشر العباد عليها في يوم القيامة أرض أخرى غير هذه الأرض، قال تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (٤٨)﴾ [إبراهيم:٤٨]. وقد حدثنا الرسول -ﷺ- عن صفة هذه الأرض الجديدة التي يكون عليها الحشر، عن سهل بن سعد -﵁- قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: «يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء كقرصة النقي ليس فيها معلم لأحد (^٣)» (^٤).\nوالوقت الذي يتم فيه هذا التبديل هو وقت مرور الناس على الصراط أو قبل ذلك بقليل، عن\n_________\n(^١) صحيح مسلم، كتاب الفضائل، باب فضل نسب النبي -ﷺ- (١٥/ ٣٧ - مع شرح النووي).\n(^٢) صحيح البخاري، كتاب الرقاق، باب الحشر (١١/ ٣٧٧ - مع الفتح)، صحيح مسلم، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب فناء الدنيا وبيان الحشر يوم القيامة (١٧/ ١٩٣).\n(^٣) العفراء: بالعين المهملة والمد بيضاء إلى حمرة. والنقي بفتح النون وكسر القاف وتشديد الياء هو الدقيق الحوري وهو الدرمك وهو الأرض الجيدة. \"ليس فيها علم الأحد\" أي: ليس بها علامة سکني أو بناء ولا أثر. انظر: شرح النووي لصحيح مسلم (١٧/ ١٣٤).\n(^٤) صحيح البخاري، كتاب الرقاق، باب يقبض الله الأرض (١١/ ٣٧٢ - مع الفتح)، وصحيح مسلم، كتاب صفة القيامة والجنة والنار، باب البعث والنشور (٤/ ٢١٥ - مع شرح النووي).","vol":"1","page":49},{"text":"عائشة -﵂- قالت: سألت رسول الله -ﷺ- عن قوله ﷿: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾، فأين يكون الناس؟ فقال: «على الصراط» (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-93>شبهة المنكرين للبعث والرد عليهم:</span>\nلما كانت قضية البعث والحساب، وإعادة الحياة إلى الموتى بعد تفتت تلك الأجساد، واختلاطها بأجزاء الأرض، من القضايا الكبرى التي ضل فيها المشركون، واستبعدوا وقوعها، وقد اقتضى هذا الاستبعاد تعجب المنكرين للبعث ووقوعه، ممن يقولون به، ويؤمنون بوقوعه قال تعالى مبينًا وموضحًا تعجب هؤلاء المنكرين: ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (١) بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ (٢) أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ (٣)﴾ [سورة ق: ١ - ٣].\nوأعظم شبهة لدى المنكرين للبعث هي: استبعاد اعادة الأجسام بعد تمزقها، وتفتتها، ثم اختلاطها بأجزاء الأرض. إذ تصبح متصورة بصورة التراب فكيف يمكن اعادتها إلى حالتها التي كانت عليها من قبل؟) (^٢)\nوقد عبر شاعرهم عن ذلك الانكار، مبينًا أن الحديث عنه خرافة بقوله:\nحياة ثم موت ثم نشر ... ** ... حديث خرافة يا أم عمرو\nأيوعدني ابن كبشه أن سنحيا ... ** ... وكيف حياة أصداء وهام (^٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-94>الأدلة على البعث </span>(^٤):\nالإيمان بالمعاد دل عليه الكتاب والسنة والعقل والفطرة السليمة، ولا صحة لما يزعمه الضالون من أن العقول تنفي وقوع البعث والنشور، فإن العقول لا تمنع وقوعه والأنبياء لا يأتون بما تحيل العقول وقوعه، وإن جاؤوا بما يحير العقول.\n_________\n(^١) صحيح مسلم، كتاب صفة القيامة والجنة والنار، باب البعث والنشور (١٧/ ١٣٤ - مع شرح النووي).\n(^٢) انظر: علي الفقيهي، منهج القرآن في الدعوة إلى الإيمان، ص ٢٨٩، ط. الأولى، ١٤٠٥ هـ.\n(^٣) انظر: الشعر والشعراء (٢/ ٧٩٦)، محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء (٢/ ٤٣٦).\n(^٤) انظر: اليوم الآخر - القيامة الكبرى، ص ٧٣ - ٨٦.","vol":"1","page":50},{"text":"ومن طرق القرآن في تقرير المعاد (الإخبار بكمال قدرته الله تعالى ونفوذ مشيئته وأنه لا يعجزه شيء، فإعادة العباد بعد موتهم فرد من أفراد آثار قدرته، ومنها تذكيره العباد بالنشأة الأولى، وأن الذي أوجدهم ولم يكونوا شيئًا مذكورًا لابد أن يعيدهم كما بدأهم، ومنها إحياءه الأرض الهامدة الميتة بعد موتها وأن الذي أحياها سيحي الموتى. وقرر ذلك بقدرته على ما هو أكبر من ذلك وهو خلق السموات والأرض والمخلوقات العظيمة، وقرر ذلك بسعة علمه وكمال حكمته وأنه لا يليق به ولا يحسن أن يترك خلقه سدى مهملين لا يؤمرون ولا ينهون ولا يثابون ولا يعاقبون، وهذا طريق قرر به النبوة وأمر المعاد. ومما قرر به البعث: مجازاة المحسنين بإحسانهم والمسيئين بإساءتهم ما أخبر به من أيامه في الأمم الماضية والقرون الغابرة وكيف نجى الأنبياء وأتباعهم وأهلك المكذبين لهم المنكرين للبعث ونوع عليهم العقوبات وأحل بهم المثلات فهذا جزاء معجل ونموذج من جزاء الآخرة أراه الله عباده ليهلك من هلك عن بينه ويحيي من حي عن بينه. ومن ذلك ما أرى الله عباده من إحيائه الأموات في الدنيا، كما ذكره الله عن صاحب البقرة والألوف من بني إسرائيل، والذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها، وقصة إبراهيم الخليل والطيور، وإحياء عيسى بن مريم للأموات وغيره مما أراه الله عباده في هذه الدار ليعلموا أنه قوي ذو اقتدار وأن العباد لابد أن يردوا وأن القرار إما في الجنة أو النار، وهذه المعاني أبداها الله وأعادها في محال كثيرة والله أعلم) (^١). ومن الأدلة المثبتة للبعث والنشور ما يلي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-95>أولًا: إخبار العليم الخبير بوقوع القيامة:</span>\nأعظم الأدلة الدالة على وقوع المعاد إخبار الله ﵎ بذلك، فمن آمن بالله، وصدق برسوله الذي أرسل، وكتابه الذي أنزل فلا مناص له من الإيمان بما أخبرنا به من البعث والنشور، والجزاء والحساب، والجنة والنار. وقد نوع الله ﵎ أساليب الإخبار ليكون أوقع في النفوس وآكد في القلوب.\nففي بعض المواضع يكون الحديث عنها خبرًا مجردًا، قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (١١)﴾ [الروم: ١١]، وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا﴾ [النور: ٦٤].\nومرة يؤكد وقوعها بـ\"إن\" كقوله تعالى: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ﴾ [طه: ١٥]، ومرة بـ\"إن\" واللام، قال تعالى: ﴿وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ (٨٥)﴾ [الحِجر: ٨٥]، وقال تعالى: ﴿فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٥)﴾ [العنكبوت: ٥].\nوفي بعض المواضع ينفي الريب والشك عن وقوعها قال تعالى: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ (٥٩)﴾ [غافر: ٥٩].\nوفي بعض الآيات يقسم الله تعالى على أنها آتية واقعة مرة بنفسه، قال تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [النساء: ٨٧]، ومرة بمخلوقاته العظيمة قال تعالى: ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا (١) فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا (٢) فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا (٣) فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا (٤) إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ (٥) وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ (٦)﴾ [سورة الذاريات: ١ - ٦].\n_________\n(^١) ابن سعدي، القواعد الحسان في تفسير القرآن، ص ١٥ - ١٦.","vol":"1","page":51},{"text":"وفي بعض المواضع يأمر رسوله في مجال الحجج والخصام بالإقسام بربه مؤكدًا وقوعها: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ [سبأ: ٣].\nوفي بعض الآيات يخبر بأنها حق ﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [سورة فاطر: ٥] .. إلى غير ذلك من الأساليب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-96>ثانيًا: الاستدلال على النشأة الأخرى بالنشأة الأولى:</span>\nإن الذين يطلبون دليلًا على البعث بعد الموت يغفلون عن أن خلقهم على هذا النحو أعظم دليل، فالقادر على خلقهم، قادر على إعادة خلقهم، قال تعالى: ﴿وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا (٦٦) أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا (٦٧)﴾ [سورة مريم: ٦٦ - ٦٧]، وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٧)﴾ [الروم: ٢٧].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-97>ثالثًا: القادر على خلق الأعظم قادر على خلق ما دونه:</span>\nقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٣) وَيَوْمَ﴾ [الأحقاف: ٣٣]، وقال تعالى: ﴿(٥٦) لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ﴾ [غافر: ٥٧].\nقال ابن تيمية: (فإنه من المعلوم ببداهة العقول أن خلق السموات والأرض أعظم من خلق أمثال بني آدم، والقدرة عليه أبلغ، وأن هذا الأيسر أولى بالإمكان والقدرة من ذلك) (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-98>رابعًا: قدرته ﵎ على تحويل الخلق من حال إلى حال:</span>\nبين الله ﵎ في أكثر من موضع أن من كمال ألوهيته وربوبيته وأسمائه وصفاته قدرته على تحويل الخلق من حال إلى حال، ولذا فإنه يميت ويحيي، ويخلق ويفني، ويخرج الحي من الميت، والميت من الحي، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٩٥) فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٩٦)﴾ [سورة الأنعام: ٩٥ - ٩٦].\nإن تقليب العباد: موت فحياة، ثم موت فحياة، دليل عظيم على قدرة الله تجعل النفوس تخضع لعظمته وسلطانه قال تعالى: ﴿(٢٧) كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [البقرة: ٢٨].\n_________\n(^١) مجموع فتاوى شيخ الإسلام: ٣/ ٢٩٩.","vol":"1","page":52},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-99>خامسًا: إحياء بعض الأموات في هذه الحياة:</span>\nفقد أرى الله عباده إحياء الموتى في هذه الدنيا، ومن الأمثلة على ذلك: قوم موسى حين قالوا له: لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة، فأماتهم الله ثم أحياهم، قال تعالى: مخاطبًا بني إسرائيل: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٥) ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٦)﴾ [سورة البقرة: ٥٥ - ٥٦].\nوعيسى -﵇- كان يصنع من الطين كهيئة الطير ثم ينفخ فيه فيكون طيرًا بإذن الله، وكان يحيي الموتى بإذن الله، قال تعالى: ﴿وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [سورة آل عمران: ٤٩].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-100>سادسًا: ضرب المثل بإحياء الأرض بالنبات:</span>\nإن الأرض تكون ميتة هامدة ليس فيها شجرة خضراء، فينزل عليها المطر فتهتز خضراء حية فيها من كل زوج بهيج، والقادر على إحيائها بعد موتها، قادر على إحياء الأموات، قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٩)﴾ [فُصِّلَت: ٣٩].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-101>سابعًا: حكمة الله تقتضي بعث العباد للجزاء والحساب:</span>\nإن حكمة الله وعدله يقتضيان أن يبعث عباده ليجزيهم بما قدموا، فالله خلق الخلق لعبادته، وأرسل الرسل وأنزل الكتب البيان الطريق الذي يعبدونه به، فمن العباد من استقام على طاعة الله، وبذل نفسه وماله في سبيل ذلك. ومنهم من رفض الاستقامة على طاعة الله، وطغى وبغى، أفيليق بعد ذلك أن يموت الصالح والطالح ولا يجزي الله المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته قال تعالى: ﴿(٣٤) أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (٣٦) أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ (٣٧) إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ﴾ [سورة القلم: ٣٥ - ٣٨].\nإن الكفرة الضالين هم الذين يظنون أن الكون خلق عبثًا وباطلًا لا لحكمة، وأنه لا فرق بين مصير المؤمن المصلح والكافر المفسد، ولا بين مصير التقي والفاجر، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ (٢٧) أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ (٢٨)﴾ [سورة ص: ٢٧ - ٢٨].","vol":"1","page":53},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-102>أهوال يوم القيامة:</span>\nإن كثير من آيات القرآن تقرر أن أحداثًا فلكية ضخمة ستتم في ذلك اليوم. وكلها تشير إلى تغير كامل في النظام الذي يربط أجزاء هذا الكون المنظور وأفلاكه ونجومه. وإلى انقلاب في أوضاعه وأشكاله وارتباطاته، تكون به نهاية هذا العالم. وهو انقلاب لا يقتصر على الأرض، إنما يشمل النجوم والكواكب والأفلاك. قال تعالى: ﴿(٤٢) الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١) وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (٢) وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ (٣) وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ (٤) وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (٥) وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ (٦)﴾ [سورة التكوير: ١ - ٦]، ... ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ (١) وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ (٢) وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ (٣) وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ (٤)﴾ [سورة الانفطار: ١ - ٤]، ... ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (٢) وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ (٣) وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ (٤) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (٥)﴾ [سورة الانشقاق: ١ - ٥]، ... ﴿(٣٦) فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ﴾ [الرحمن: ٣٧]، ... ﴿(٣) إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا (٤) وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا (٥) فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا﴾ [سورة الواقعة: ٤ - ٦]، ... ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً (١٤) فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (١٥) وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ (١٦)﴾ [سورة الحاقة: ١٣ - ١٦]، ... ﴿(٧) يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ (٨) وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ﴾ [سورة المعارج: ٨ - ٩]، ... ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا (١) وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا (٢)﴾ [سورة الزلزلة: ١ - ٢]، ... ﴿يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ (٤) وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ (٥)﴾ [سورة القارعة: ٤ - ٥]، ... ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (١١)﴾ [سورة الدخان: ١٠ - ١١]، ... ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلًا (١٤)﴾ [المزَّمل: ١٤]، ... ﴿السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا (١٨)﴾ [المزَّمل: ١٨]، ... ﴿دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (٢١) وَجَاءَ﴾ [الفجر: ٢١]، ... ﴿فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ (٧) وَخَسَفَ الْقَمَرُ (٨) وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ (٩)﴾ [سورة القيامة: ٧ - ٩]، ... ﴿فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ (٨) وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ (٩) وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ (١٠)﴾ [سورة المرسلات: ٨ - ١٠]، ... ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا (١٠٥) فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا (١٠٦) لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا (١٠٧)﴾ [سورة طه: ١٠٥ - ١٠٧]، ... ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ [النمل: ٨٨]، ... ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً﴾ [الكهف: ٤٧]، ... ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ [إبراهيم: ٤٨]، ... ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾ [الأنبياء: ١٠٤]، ... ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا (٢٥) الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا (٢٦)﴾ [سورة الفرقان: ٢٥ - ٢٦].\nفهذه الآيات كلها تنبئ بأن نهاية عالمنا هذا ستكون نهاية مروعة، ترج فيها الأرض وتدك، وتنسف فيها الجبال، وتتفجر فيها البحار. كذلك تطمس فيها النجوم وتنكدر وتشقق فيها السماء وتنفطر، وتتحطم فيها الكواكب وتنتثر، وتختل فيها المسافات فيجمع الشمس والقمر، وتبدو السماء مرة كالدخان ومرة ملتهبة حمراء .. الى آخر هذا الهول الكوني الرهيب .. ﴿وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا (٢٦)﴾ [الفرقان: ٢٦] بما فيه من هول وبما فيه من عذاب.","vol":"1","page":54},{"text":"وقد وصف تعالى موقف القيامة بشدة ذلك كله (^١) كما قال تعالى: ﴿أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (٤) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (٥) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [سورة المطففين: ٤ - ٦]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (٤٢) مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ (٤٣)﴾ [سورة إبراهيم: ٤٢ - ٤٣]، وقال تعالى: ﴿إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: ٤]- إلى قوله - ﴿(٩) وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ (١١) وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ (١٢) وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ (١٣) وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنْجِيهِ (١٤)﴾ [سورة المعارج: ١٠ - ١٤]، وقال تعالى: ﴿النَّاقُورِ (٨) فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (٩) عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ﴾ [سورة المدثر: ٩ - ١٠]، وقال تعالى: ﴿وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (٧)﴾ [الإنسان: ٧]- إلى قوله - ﴿إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا (١٠) فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا (١١)﴾ [سورة الإنسان: ١٠ - ١١]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا (٢٧)﴾ [الإنسان: ٢٧]، وفي الصحيح عن ابن عمر -﵄- عن النبي -ﷺ- قال: «يوم يقوم الناس لرب العالمين، قال: يقوم أحدهم في رشحه إلى أنصاف أذنيه» (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-103>المبحث الثاني: دنو الشمس من الخلائق</span>\nومن الإيمان باليوم الآخر أن تؤمن بأن الشمس تدنو من الخلائق بمقدار ميل، والميل يحتمل أن يكون ميل المكحلة، ويحتمل أنه المسافة من الأرض، وسواء كان ميل المكحلة أو ميل المسافة فإن الشمس تكون قريبة من الرؤوس. عن المقداد -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «تُدْنَى الشمس يوم القيامة من الخلق حتى تكون منهم كمقدار ميل، فيكون الناس على قدر أعمالهم في العرق، فمنهم من يكون العرق إلى كعبيه، ومنهم من يكون العرق إلى ركبتيه، ومنهم من يكون العرق إلى حقويه (^٣)، ومنهم من يلجمه العرق إلجامًا» (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-104>المبحث الثالث: محاسبة الخلائق على أعمالهم</span>\nومما يدخل في الإيمان باليوم الآخر أن تؤمن بأن الخلائق يحاسبون على أعمالهم، وقد سمي الله يوم القيامة يوم الحساب، لأنه اليوم الذي يحاسب الإنسان فيه على عمله.\nوالحساب حساب فضل وإحسان وكرم بالنسبة للمؤمن؛ فإن الله ﷾ يحاسب المؤمن فيخلو به ويضع كنفه عليه -أي ستره- ويقرره بذنوبه فيقول له: عملت كذا في يوم كذا حتى يقر ويعترف، فإذا أقر واعترف قال الله ﷾ له: «سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم» (^٥).\nأما الكفار -والعياذ بالله- فإنهم لا يحاسبون هذا الحساب بل يقررون بأعمالهم ويقول عملتم كذا وكذا فإذا أنكروا تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون، حتى الجلود فإنها تشهد فيقولون لجلودهم: ﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢١) وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ (٢٢) وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣) فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ (٢٤)﴾ [سورة فصلت: ٢١ - ٢٤]، يقرر الكفار بأعمالهم ويخزون بها وينادي على رؤوس الأشهاد ﴿هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (١٨)﴾ [هود: ١٨].\nوينجو من هذا الحساب عالم لا يحصيه إلا الله قال النبي -ﷺ-: «إن أمته عرضت عليه، وإن منهم سبعين ألفًا يدخلون الجنة بلا حساب ولا عذاب وهم الذين لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون» (^٦).\n_________\n(^١) انظر: حافظ الحكمي، معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول، ص (٢/ ٨١٦)، ط. الثالثة، تحقيق: عمر محمود أبو عمر، دار ابن القيم، ١٤١٤ هـ.\n(^٢) صحيح مسلم، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب صفة يوم القيامة، (١٧/ ١٩٥ - مع شرح النووي).\n(^٣) حقويه: بفتح الحاء وكسرها معقد الإزار، والمراد هنا ما يحاذي ذلك الموضع من جنبه. شرح النووي لصحيح مسلم (١٧/ ١٨٠ - ١٨١).\n(^٤) صحيح مسلم، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب صفة يوم القيامة (١٧/ ١٩٦ - مع شرح النووي).\n(^٥) صحيح البخاري، كتاب المظالم، باب قوله تعالى: ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾، (٥/ ٩٦ – مع الفتح).\n(^٦) صحيح البخاري، كتاب الرقاق، باب يدخل الجنة سبعون الفًا بغير حساب (١١/ ٤٠٥ - مع الفتح).","vol":"1","page":55},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-105>المبحث الرابع: الميزان</span>\nمما يدخل في الإيمان باليوم الآخر: الميزان قال الله تعالى: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ﴾ [الأعراف: ٨]، وقال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء: ٤٧].\nوالميزان عند أهل السنة ميزان حقيقي توزن به أعمال العباد، قال ابن حجر: \" قال الزجاج: أجمع أهل السنة على الإيمان بالميزان، وأن أعمال العباد توزن به يوم القيامة، وأن الميزان له لسان وكفتان ويميل بالأعمال\" (^١).\n(وقد ورد ذكر الوزن والموازين في آيات كثيرة من القرآن وقد أفاد مجموع النصوص أنه يوزن العامل والعمل والصحف ولا منافاة بينها فالجميع يوزن ولكن الاعتبار في الثقل والخفة يكون بالعمل نفسه لا بذات العامل ولا بالصحيفة والله أعلم) (^٢).\nومجازاة الناس بأعمالهم، جنهم وإنسهم ينصب الله الموازين، ويزن بها أعمال العباد، فهذا يرجح ميزانه وهو السعيد، وهذا يخف ميزانه وهو الهالك، وهذا يعطى كتابه بيمينه وهو السعيد، وهذا يعطى كتابه بشماله وهو الشقي، نسأل الله السلامة والعافية.\nواختلف العلماء في الميزان هل هو واحد أم متعدد على قولين؛ وذلك أن النصوص جاءت بالنسبة للميزان مرة بالإفراد ومرة بالجمع مثل قوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ﴾ [الأنبياء: ٤٧]، وأفرد في مثل قوله -ﷺ-: «ثقيلتان في الميزان» (^٣). فقال بعض العلماء: إن الميزان واحد، وأنه جمع باعتبار الموزون أو باعتبار الأمم، فهذا الميزان توزن به أعمال أمة محمد، وأعمال أمة موسى، وأعمال أمة عيسى، وهكذا فجمع الميزان باعتبار تعدد الأمم، والذين قالوا إنه متعدد بذاته قالوا: لأن هذا هو الأصل في التعدد ومن الجائز أن الله تعالى يجعل لكل أمة ميزانًا أو يجعل للفرائض ميزانًا، وللنوافل ميزان. والذي يظهر -والله أعلم- أن المراد أن الميزان واحد، ولكنه متعدد باعتبار الموزون (^٤).\n_________\n(^١) انظر: فتح الباري (١٣/ ٥٣٨)، وشرح العقيدة الواسطية للشيخ صالح الفوزان ص ١٤٨.\n(^٢) شرح العقيدة الواسطية للشيخ صالح الفوزان ص ١٤٨.\n(^٣) صحيح البخاري، كتاب الدعوات، باب فضل التسبيح، (١١/ ٢٠٦ - مع الفتح).\n(^٤) أركان الإيمان: ص ٥٢.","vol":"1","page":56},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-106>المبحث الخامس: نشر الكتب</span>\nومما يدخل في الإيمان باليوم الآخر: نشر الدواوين وهي الكتب، تنشر بين الناس فيختلف الناس في أخذ هذه الكتب، منهم من يأخذها باليمين، ومنهم من يأخذها بالشمال، قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (١٩) إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ (٢٠) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٢١) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (٢٢) قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ (٢٣) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ (٢٤) وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ (٢٥) وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ (٢٦)﴾ [سورة الحاقة: ١٩ - ٢٦].\nوقال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ (١٠)﴾ [الانشقاق: ١٠]، أي: يأخذه بشماله، لكن تخلع الشمال إلى الخلف من وراء ظهره والجزاء من جنس العمل، فكما أن هذا الرجل جعل كتاب الله وراء ظهره أعطي كتابه يوم القيامة من وراء ظهره جزاءً وفاقًا.\nهذا الكتاب قد كُتب فيه ما يعمله الإنسان كما قال تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ (٩) وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١)﴾ [سورة الانفطار: ٩ - ١١] [الانفطار: ٩ - ١١]، ويقال للإنسان ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (١٤)﴾ [الإسراء: ١٤].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-107>المبحث السادس: الحوض</span>\nومما يدخل في الإيمان باليوم الآخر: الحوض، حوض النبي -ﷺ-، هذا الحوض حوض واسع طوله شهر وعرضه شهر وآنيته كنجوم السماء في كثرتها وحسنها، وماؤه أشد بياضًا من اللبن وأحلى من العسل وأطيب من رائحة المسك، ومن يشرب منه شربة لا يظمأ بعدها أبدًا، ويستمد الحوض ماءه من الكوثر، وهو نهر أعطيه النبي -ﷺ- في الجنة يصب منه ميزابان على الحوض فيبقى الحوض دائما مملوءًا، ويرده المؤمنون من أمة الرسول -ﷺ-، ويشربون منه، ويكون هذا الحوض في عرصات القيامة عند شدة الحر وتعب الناس وهمهم وغمهم، فيشربون من هذا الحوض الذي لا يظمأون بعد الشرب منه أبدًا. عن عبدالله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله -ﷺ-: «حوضي مسيرة شهر، وزواياه سواء، ماؤه أبيض من الْوَرِقِ – أي الفضة-، وريحه أطيب من المسك، وكيزانه كنجوم السماء، فمن شرب منها فلا يظمأ أبدًا» (^١).\n(وزمن الحوض قبل العبور على الصراط، لأن المقام يقتضي ذلك، حيث إن الناس في حاجة إلى الشرب في عرصات القيامة قبل عبور الصراط) (^٢).\n_________\n(^١) صحيح البخاري كتاب الرقاق، باب في الحوض (١١/ ٤٦٣)، وصحيح مسلم، كتاب الفضائل، باب حوض النبي -ﷺ- وصفته (١٥/ ٥٥).\n(^٢) شرح العقيدة الواسطية، الشيخ محمد بن عثيمين، (٢/ ١٥٨).","vol":"1","page":58},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-108>المبحث السابع: الشفاعة</span>\nومما يدخل في الإيمان باليوم الآخر: الشفاعة، وهي نوعان: أحدهما: خاص بالنبي -ﷺ-، والثاني: عام له ولسائر النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.\n\nأما<span data-type=\"title\" id=toc-109> الشفاعة الخاصة بالنبي -ﷺ</span>-:\nأولًا: الشفاعة العظمى التي تكون للقضاء بين الناس، وذلك أن الناس يوم القيامة يلحقهم من الكرب والهم والغم ما لا يطيقون، لأنهم يبقون خمسين ألف سنة، والشمس من فوق رؤوسهم، والعرق قد يلجم بعضهم فيجدون همًا وغمًا وكربًا، فيطلبون من يشفع لهم إلى الله ﷿ فينجيهم من ذلك، فيلهمهم الله ﷿ أن يذهبوا إلى آدم الذي هو أبو البشر فيأتون إليه ويسألونه الشفاعة، ولكنه يعتذر بأنه عصى ربه في أكله من الشجرة التي حرم الله عليه أن يأكل منها، لأن مقام الشفاعة مقام عظيم يحتاج أن يكون الشافع فيه نزيهًا من كل شيء، لأنه شافع يريد أن يتوسط لغيره فإذا كان مذنبًا كيف يمكن أن يكون شافع؟ .\nفيذهب الناس إلى نوح -﵊- ويطلبون منه الشفاعة، ولكنه يعتذر بأنه سأل ما ليس له به علم، وكان قد سأل الله تعالى أن ينحي ابنه الكافر من الغرق، فيعتذر، فيأتون إلى إبراهيم خليل الرحمن -﵊-، فيعتذر بأنه كذب ثلاث كذبات، فيأتون إلى موسى -﵊- بعد ذلك، فيعتذر بأنه قتل نفسًا لم يؤمر بقتلها، ثم يأتون إلى عيسى -﵊- فلا يعتذر، لكنه يعترف بفضل النبي -ﷺ- يقول لهم: اذهبوا إلى محمد\n-ﷺ- عبد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فيأتون إلى النبي -ﷺ- فيطلبون منه الشفاعة، فيشفع إلى الله ﷿، فينزل الله ﷿ للقضاء بين العباد، وهذه الشفاعة تسمى الشفاعة العظمى، وهي من المقام المحمود الذي قال الله فيه: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (٧٩)﴾ [الإسراء: ٧٩]، فيشفع النبي -ﷺ- إلى الله ﷿، فينزل الله تعالى للقضاء بين عباده ويريحهم من هذا الموقف (^١).\nثانيًا: من الشفاعة الخاصة بالرسول -ﷺ- أن يشفع لأهل الجنة أن يدخلوا الجنة، فأهل الجنة إذا عبروا الصراط ووصلوا إلى باب الجنة وجدوه مغلقًا، فيشفع النبي -ﷺ- إلى الله بأن يفتح لهم باب الجنة، وقد أشار الله إلى هذه الشفاعة فقال تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [سورة الزمر: ٧٣]، ولم يقل: حتى إذا جاءوها فتحت، كما قال في النار: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [سورة الزمر: ٧١]، أما في أهل الجنة فقال: ﴿وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾؛ لأنها لا تفتح إلا بعد الشفاعة.\nثالثًا: شفاعته -ﷺ- في عمه أبي طالب أن يخفف عنه العذاب.\n_________\n(^١) صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب الشفاعة، (٣/ ٥٣ - ٥٨ - مع شرح النووي).","vol":"1","page":59},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-110>الشفاعة العامة:</span>\nأما الذي تكون فيه الشفاعة عامة، له ولسائر النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، فهي أنواع:\nأولًا: الشفاعة في أهل النار من المؤمنين أن يخرجوا من النار.\nثانيًا: الشفاعة فيمن استحق النار من المؤمنين أن لا يدخل النار.\nثالثًا: الشفاعة في رفع درجات بعض أهل الجنة.\nرابعًا: الشفاعة فيمن استوت حسناتهم وسيئاتهم أن يدخلوا الجنة.\nخامسًا: الشفاعة في دخول بعض المؤمنين الجنة بلا حساب ولا عذاب (^١).\nولابد للشفاعة من شروط ثلاثة، أولها: رضا الله عن الشافع، ثم رضاه عن المشفوع له، ثم إذنه، قال تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى (٢٦)﴾ [النجم: ٢٦]، وقال تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-111>المبحث الثامن: الصراط</span>\nومما يدخل في الإيمان باليوم الآخر: الصراط، وهو عبارة عن جسر ممدود على النار يمر الناس عليه على قدر أعمالهم، منهم من يمر كلمح البصر، ومنهم من يمر كالبرق، ومنهم من يمر كالريح، على حسب أعمالهم، كل من كان أسرع في الدنيا لقبول الحق والعمل به كان على الصراط أسرع عبورًا، وكلما كان الإنسان أبطأ لقبول الحق والعمل به كان على الصراط أبطأ، فيمر أهل الجنة على هذا الصراط فيعبرون، أما الكفار فلا يمرون عليه، لأنه يصار بهم إلى النار -والعياذ بالله-، فيأتونها وردًا عطاشًا.\nعن أبي سعيد الخدري -﵁- في وصف المرور على الصراط، قال: قال رسول الله\n-ﷺ-: «ثم يضرب الجسر على جهنم وتحل الشفاعة ويقولون: اللهم سلم سلم، قيل: يا رسول الله! وما الجسر؟ قال: دحض مزلة (^٢) فيه خطاطيف وكلاليب وحسك (^٣) تكون بنجد فيها شويكة يقال لها السعدان فيمر المؤمنون كطرف العين وكالبرق وكالريح، وكالطير وكأجاويد الخيل والركاب فناج مسلم ومخدوش مرسل، ومكدوس في نار جهنم» (^٤).\n_________\n(^١) انظر: شرح العقيدة الواسطية، للشيخ صالح الفوزان ص ١٥٨.\n(^٢) الدحض والمزلة بمعنى واحد وهو الموضع الذي تزل فيه الأقدام ولا تستقر. شرح النووي لصحيح مسلم (٣/ ٢٩).\n(^٣) الحسك: شوك صلب من حديد. شرح النووي لصحيح مسلم (٣/ ٢٩).\n(^٤) صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب آخر أهل الجنة دخولًا (٣/ ٢٥ - ٣٤).","vol":"1","page":60},{"text":"المبحث: دخول الجنة أو النار\nوهي آخر المراحل حيث يدخل أهل الجنة الجنة، ويدخل أهل النار النار.\nوهنا نصل إلى نهاية المطاف .. نهاية الرحلة الطويلة التي بدأ طرف منها على الأرض في الحياة الدنيا، واليوم تصل إلى نهايتها بعد البعث والحشر والعرض والسؤال، قال تعالى: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (٢٩) فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ﴾ [سورة الأعراف: ٢٩ - ٣٠].\nهنا تكتمل الصورة، ويحق الحق، ويصل كل شيء إلى القرار. أما الذين استقاموا في حياتهم الدنيا على الطريق، فآمنوا بالله، والتزموا بأوامره وأيقنوا بيوم لقائه، فتجنبوا سخطه وسعوا إلى رضاه، وكدوا في سبيل ذلك وكدحوا، واحتملوا ما احتملوا من مشقة، وصبروا على ما لاقوا من الأذى والنصب في الطريق، فأولئك قد استحقوا رضوان الله وجنته، واستحقوا أن يصلوا إلى دار الأمان حيث لا شيء يقلق ولا شيء يخيف، ولا شيء ينغص النعيم: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (٥٦)﴾ [الدخان: ٥٦].\nوأما الذين كفروا وكذبوا، وأصروا على غيهم، وخالفوا أمر ربهم ورسله واستمتعوا في الحياة الدنيا بغير حق، وكدحوا ولكن للشيطان، وفرحوا بأعمالهم الخاطئة فطغوا بها وتجبروا، فقد استحقوا أن يصلوا إلى الجحيم، حيث لا موت ولا حياة، ولا يخفف عنهم ولو يوم من العذاب.\nوالجنة والنار موجودتان الآن قال تعالى -في النار-: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (١٣١)﴾ [آل عمران: ١٣١]، والإعداد بمعنى التهيئة، وفي الجنة قال الله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣)﴾ [آل عمران: ١٣٣]، والإعداد أيضأ بمعنى التهيئة.\nوفي صحيح مسلم وغيره في قصة كسوف الشمس أن النبي -ﷺ- قام يصلي فعرضت عليه الجنة والنار وشاهد الجنة حتى هم أن يتناول منها عنقودًا، ثم بدا له ألا يفعل -﵊-، وشاهد النار ورأى فيها عمرو بن لحي الخزاعي يجر قصبه -يعني أمعاءه- في النار قد اندلقت من بطنه فهو يجرها -والعياذ بالله- في نار جهنم (^١)، فدل ذلك على أن الجنة والنار موجودتان الآن.\n_________\n(^١) صحيح مسلم، كتاب الكسوف، باب ما عرض على النبي –ﷺ- في صلاة الكسوف (٦/ ٢٠٦ - مع شرح النووي).","vol":"1","page":61},{"text":"والجنة والنار تبقيان، فالجنة تبقى أبد الآبدين، والنار تبقى أبد الآبدين، قال تعالى: ﴿(٦) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (٧) عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ (٨)﴾ [سورة البينة:٧ - ٨]، وفي النار ذكر الله التأبيد في ثلاث آيات من القرآن، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [سورة النساء:١٦٨ - ١٦٩]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [سورة الأحزاب:٦٤ - ٦٥]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا (٢٣)﴾ [الجن:٢٣]. فالنار والجنة موجودتان الآن، وتبقيان، ولا تفنيان أبدًا.","vol":"1","page":62},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-113>الفصل الرابع: آثار الإيمان باليوم الآخر في إصلاح المجتمع</span>\nالإيمان باليوم الآخر ركن من أركان الإيمان، وعقيدة من عقائد الإسلام الأساسية، فإن قضية البعث في الدار الآخرة هي التي تقوم عليها بناء العقيدة بعد قضية وحدانية الله تعالى.\nوالإيمان بما في اليوم الآخر وعلاماته من الإيمان بالغيب الذي لا يدركه العقل، ولا سبيل لمعرفته، إلا بالنص عن طريق الوحي.\nوقل أن تمر على صفحة من القرآن إلا وتجد فيها حديثًا عن اليوم الآخر، وما فيه من ثواب وعقاب.\nوالحياة الحقيقية في الإسلام ليست هي الحياة الدنيا القصيرة المحدودة فقط، وليست هي عمر الإنسان القصير المحدود فقط.\nإن الحياة في الحقيقة في الإسلام تمتد طولًا في الزمان إلى أبد الآباد، وتمتدُّ في المكان إلى دار أخرى في جنة عرضها السموات والأرض، أو نار تتسع لكثير من الأجيال التي عمرت وجه الأرض أحقابًا من السنين.\nقال تعالى: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ [الحديد: ٢١]، وقال تعالى: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ (٣٠)﴾ [ق: ٣٠].\nوللإيمان باليوم الآخر أهمية بالغة في حياة الإنسان وآثار عميقة، ونستطيع أن نفهم على ضوء هذه الحقيقة أن القرآن ربط في كثير من المواضع بين الإيمان بالله والإيمان باليوم الآخر، قال تعالى: ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١١٤]، وقال تعالى: ﴿ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [الطلاق: ٢]، فالإيمان باليوم الآخر يرتبط بالإيمان بالله مباشرة.\nإن الإيمان بالله واليوم الآخر وما فيه من ثواب وعقاب هو الموجه الحقيقي لسلوك الإنسان سبيل الخير، وليس هناك أي قانون من قوانين البشر يستطيع أن يجعل سلوك الإنسان سويًا مستقيمًا كما يصنعه الإيمان باليوم الآخر.\nولهذا، فإن هناك فرقًا كبيرًا وبونًا شاسعًا بين سلوك من يؤمن بالله واليوم الآخر، ويعلم أن الدنيا مزرعة الآخرة، وأن الأعمال الصالحة زاد الآخرة، كما قال الله تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ [البقرة: ١٩٧].","vol":"1","page":63},{"text":"فالمصدّق بيوم الدين؛ يعمل وهو ناظر لميزان السماء لا لميزان الأرض، ولحساب الآخرة لا لحساب الدنيا، له سلوك فريد في الحياة، نرى فيه الاستقامة، وسعة التصور، وقوة الإيمان، والثبات في الشدائد، والصبر على المصائب، ابتغاء للأجر والثواب، فهو يعلم أن ما عند الله خير وأبقى.\nروى الإمام مسلم عن صهيب -﵁-، قال: قال رسول الله -ﷺ-: «عجبًا لأمر المؤمن! إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء، شکر، فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء، صبر، فكان خيرًا له ..» (^١).\nهذا الشعور هو من آثار الإيمان بالله واليوم الآخر، والإحساس بثقل التّبعة، وعظم الأمانة، التي تحمّلها الإنسان وأشفقت منها السموات والأرض والجبال، إذ يعلم أن كل كبيرة وصغيرة مسؤول عنها، ومحاسب بها، ومجازي عليها، إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر، ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾ [آل عمران:٣٠]، وقال تعالى: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (٤٩)﴾ [الكهف:٤٩]\nوأما الذي لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر وما فيه من حساب وجزاء، فهو يحاول جاهدًا أن يحقق مآربه في الحياة الدنيا، لاهثًا وراء متعها، متكالبًا على جمعها، مناعًا للخير أن يصل الناس عن طريقه، قد جعل الدنيا أكبر همه، ومبلغ علمه، فهو يقيس الأمور بمنفعته الخاصة، لا يهمه غيره، ولا يلتفت إلى بني جنسه، إلا في حدود ما يحقق النفع له في هذه الحياة القصيرة المحدودة، يتحرك وحدوده هي الأرض وحدود هذا العمر، ومن ثم يتغير حسابه، وتختلف نتائج موازينه، وينتهي إلى نتائج خاطئة، لأنه مستبعد للبعث ﴿بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ (٥) يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ (٦)﴾ [سورة القيامة:٥ - ٦].\nوتجد هذا الصنف من الناس من أشد الناس حرصًا على الحياة، لأنهم لا يؤمنون بالبعث بعد الموت، كما قال تعالى في وصف المشركين من اليهود وغيرهم: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ [البقرة:٩٦].\n_________\n(^١) صحيح مسلم، كتاب الزهد، باب في أحاديث متفرقة (١٨/ ١٢٥ - مع شرح النووي).","vol":"1","page":64},{"text":"فالمشرك لا يرجو بعثًا بعد الموت، فهو يحب طول الحياة، واليهودي قد عرف ماله في الآخرة من الخزي، بما صنع بما عنده من العلم (^١)، فهذا الجنس وما شاكله هم شر الناس، فتجده ينتشر بينهم: الجشع، والطمع، وقهر الشعوب، واستعبادهم، وسلب ثرواتهم، حرصًا منهم على التمتع بلذات الحياة الدنيا، ولهذا يظهر بينهم الانحلال الخلقي، والسلوك البهيمي.\nوهم إذا رأوا الحياة الدنيا تربو متاعبها وآلامها على ما يأملون من لذات عاجلة، لم يكن لديهم أي مانع من الإقدام على الموت، فهم لا يقدرون مسؤولية في حياة أخرى، فليس لديهم ما يمنع من إقدامهم على التخلّص من هذه الحياة.\nمن أجل هذا اهتم الإسلام وجاء التأكيد في القرآن على قضية الإيمان باليوم الآخر، وإثبات البعث والحساب والجزاء، فأنكر على الجاهلين استبعادهم له، وأمر نبيه أن يقسم على أنه حق: ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧)﴾ [التغابن:٧]، وذكر من أحوال يوم القيامة وما أعده لعباده المتقين من ثواب، وما أعده للعاصين من عقاب، ولفت نظر الجاحدين له إلى دلائل حقيّته، استئصالًا للشك من النفوس، وحتى يضع الناس نصب أعينهم هذا اليوم وما فيه من أهوال تقشعر لها الأبدان، ليستقيم سلوكهم في هذه الحياة، بأتباع الدين الحق الذي جاءهم به رسولهم -ﷺ-) (^٢).\nإن الإيمان الصحيح بالله وبكل ما جاء عن الله. والإيمان برسول الله وبكل ما جاء عن رسول الله له ثمرات. ثمرات يانعه، ثمرات طيبة لذيذة.\nثمرات هي بهجة النفوس وغذاء الأروح، وطمأنينة القلب. فمنها قول لا إله إلا الله محمد رسول الله عن علم ويقين وصدق وإخلاص ومحبة وقبول وانقياد.\nومن ثمرات الإيمان والتصديق فعل جميع الواجبات وترك جميع المحرمات. والحكم بقوانين الشريعة الإسلامية، وإبعاد القوانين الوضعية.\nومن الثمرات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والوفاء بالعهود والمواثيق، وأداء الأمانات، والتحلي بالصبر والصدق، والبر والإحسان، وصلة الأرحام، وبر الوالدين، ومحبة المؤمنين وبغض الكافرين، والتقوى واليقين وخشية رب العالمين، وإيفاء المكاييل والموازين، والنصح لله ولرسوله ولعباده ولأئمة المسلمين، والشفقة والعطف والرحمة بالفقراء والأيتام والمساكين، والزهد والورع، وصدق المعاملة مع الله، وبذل الندى وكف الأذى، كل ذلك من ثمرات الإيمان والتصديق.\n_________\n(^١) انظر: تفسير ابن كثير (١/ ١٨٤).\n(^٢) انظر: أشراط الساعة، ص ٢٧ - ٣٣.","vol":"1","page":65},{"text":"فما الذي جعل المسلمين يتحملون الأذى ويصبرون على البلاء؟ إنه الإيمان بالله تعالى وباليوم الآخر، الإيمان الذي نبعه من صميم القلوب.\nومن ثمرات الإيمان أن الله تعالى يتولى المؤمنين، قال تعالى: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ (٦٨)﴾ [آل عمران:٦٨]، ومن تولاه الله فهو سعيد في الدنيا والآخرة.\nومن ثمرات الإيمان ما أخبر الله به عن عباده المؤمنين قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٥) آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ (١٦) كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (١٧) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (١٨) وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (١٩)﴾ [سورة الذاريات:١٥ - ١٩].\nومن ثمرات الإيمان الرغبة في فعل الطاعة والحرص عليها رجاء لثواب ذلك اليوم.\nومن ثمرات الإيمان الرهبة من فعل المعصية والرضى بها والبعد عن المحرمات وجميع المنكرات خوفًا من عقاب ذلك اليوم.\nومن ثمرات الإيمان تسلية المؤمن عما يفوته من الدنيا بما يرجوه من نعيم الآخرة وثوابها (^١).\nومن ثمرات الإيمان أن ملائكة الرحمن يدعون ويستغفرون للمؤمنين، قال تعالى: ﴿يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (٧)﴾ [غافر:٧] (^٢)، وغيرها من الثمرات.\n_________\n(^١) انظر: شرح أصول الإيمان، محمد بن عثيمين، ص ٤٦، ط. الأولى، دار الوطن، الرياض، ١٤١٠ هـ.\n(^٢) انظر: عقيدة المسلمين والرد على الملحدين، صالح البليهي (١/ ٥٠ - ٥٥)، ط. الأولى، المطابع الأهلية، الرياض، ١٤٠١ هـ.","vol":"1","page":66},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-114>الخاتمة</span>\nوبعد فقد تبين لنا من خلال هذا البحث، أن الأساس الذي يقوم عليه صلاح الفرد الذي هو لبنة المجتمع هو العقيدة الصحيحة والإيمان الراسخ بالله تعالى وما يتبع ذلك من الإيمان بالبعث والجزاء على الأعمال التي وقعت من المكلفين في هذه الحياة، ذلك أن الإيمان باليوم الآخر له أهمية في صلاح المجتمعات، واستقرار أحوالها، فإنه لا سعادة لمجتمع لا يؤمن أفراده باليوم الآخر ويوم الجزاء والحساب.\nوقد أوضح القرآن الكريم أن وجود هذا الإنسان على هذه الأرض ليس عبثًا، وإنما أوجده الله تعالى لغاية وحكمة، قال تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا﴾ [المؤمنون: ١١٥] أي ليس الأمر كذلك، بل هناك هدف، وهناك غاية لهذه الحياة، فلا بد أن يكون بعد الرحلة لهذا الإنسان في هذه الحياة الدنيا من الرجوع إلى الله تعالى، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٥) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٧)﴾ [سورة الحج: ٥ - ٧].\nوأنه يجب على المؤمن أن يسلم ويؤمن بكل ما جاء في الكتاب والسنة من الأمور الغيبية.\nوأن العقل والفطرة السليمة تدلان على وقوع البعث والنشور.\nاللهم إنا نسألك الجنة وما قرب إليها من قول وعمل، ونعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول وعمل.\nربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.","vol":"1","page":67},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-115>فهرس المصادر والمراجع</span>\n١ - أركان الإيمان، لابن عثيمين، ط. الأولى، دار المسلم، الرياض، ١٤١٣ هـ.\n٢ - أشراط الساعة، يوسف الوابل، ط. الثانية، دار ابن الجوزي، الدمام، ١٤١١ هـ.\n٣ - الإيمان بالملائكة وأثاره في حياة الأمة، صالح الفوزان، ط. الأولى، دار العاصمة، الرياض، ١٤١٣ هـ.\n٤ - الإيمان باليوم الآخر وبالقضاء والقدر، أحمد عز الدين البيانوني، ط. الثانية، دار السلام، ١٤٠٥ هـ.\n٥ - البداية والنهاية لابن كثير، تحقيق: أحمد أبو ملحم، ط. الثالثة، دار الكتب العلمية، بيروت، ١٤٠٧ هـ. وطبعة أخرى: البداية والنهاية لابن كثير، مكتبة المعارف، بيروت.\n٦ - التذكرة للقرطبي، ط. الأولى، دار الريان للتراث، القاهرة، ١٤٠٧ هـ.\n٧ - تفسير القرآن العظيم لابن كثير، تقديم: الدكتور يوسف المرعشلي، ط. الثانية، دار المعرفة، بيروت، ١٤٠٧ هـ.\n٨ - تقريب التهذيب لابن حجر، بعناية: عادل مرشد، ط. الأولى، موسسة الرسالة، بيروت ١٤١٦ هـ.\n٩ - التنبيهات اللطيفة على ما احتوت العقيدة الواسطية من المباحث المنيفة، ابن سعدي، ط. الأولى، ضبط وتخريج: علي حسن عبدالحميد، دار ابن القيم، الدمام، ١٤٠٩ هـ.\n١٠ - الجامع لأحكام القرآن للقرطبي، تصحيح: أحمد عبدالعليم البردوني، ط. الثانية.\n١١ - سلسلة الأحاديث الصحيحة، الألباني، ط. الرابعة، مكتبة المعارف، الرياض، ١٤٠٨ هـ.\n١٢ - سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيء في الأمة، الألباني ط. الخامسة، المكتب الإسلامي، بيروت، ١٤٠٥ هـ.\n١٣ - شرح أصول الإيمان، ابن عثيمين، ط. الأولى، دار الوطن، الرياض، ١٤١٠ هـ.\n١٤ - شرح الأصول الثلاثة للشيخ ابن عثيمين، إعداد: فهد السليمان، ط. الأولى، دار الثريا، الرياض، ١٤١٤ هـ.\n١٥ - شرح العقيدة الواسطية، ابن عثيمين، ط. الثانية، دار ابن الجوزي، الدمام، ١٤١٥ هـ.\n١٦ - صحيح الجامع الصغير وزيادته، الألباني، ط. الثانية، المكتب الإسلامي، بيروت، ١٤٠٦ هـ.\n١٧ - صحيح سنن ابن ماجه، الألباني، ط. الثانية، مكتب التربية العربي لدول الخليج، الرياض، ١٤٠٨ هـ.\n١٨ - صحيح سنن أبي داود، الألباني، ط. الأولى، مكتب التربية العربي لدول الخليج، الرياض، ١٤٠٩ هـ.\n١٩ - صحيح سنن الترمذي، الألباني، ط. الأولى، مكتب التربية العربي لدول الخليج، الرياض، ١٤٠٨ هـ.\n٢٠ - صحيح مسلم بشرح النووي، دار الكتاب العربي، بيروت، ١٤٠٧ هـ.\n٢١ - عالم الغيب والشهادة في التصور الإسلامي، عثمان جمعة ضميريه، ط. الأولى، مكتبة السوادي، جدة، ١٤٠٨ هـ.","vol":"1","page":68},{"text":"٢٢ - العقيدة الطحاوية شرح ابن أبي العز، تحقيق: التركي والأرنؤوط، ط. الأولى، مؤسسة الرسالة، بيروت، ١٤٠٨ هـ.\n٢٣ - عقيدة المسلمين والرد على الملحدين، تأليف: صالح البليهي، ط. الأولى، المطابع الأهلية، الرياض، ١٤٠١ هـ.\n٢٤ - فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن حجر، بتعليق: الشيخ عبدالعزيز بن باز، دار الفكر.\n٢٥ - الفتوى الحموية لابن تيمية، تقديم: محمد حمزة، مطبعة المدني، مصر.\n٢٦ - القاموس المحيط للفيروزآبادي، ضبط وتوثيق: يوسف الشيخ محمد البقاعي، دار الفكر، بيروت ١٤١٥ هـ.\n٢٧ - القواعد الحسان في تفسير القرآن، ابن سعدي.\n٢٨ - لسان العرب لابن منظور، تحقيق: عبدالله علي الكبير، دار المعارف.\n٢٩ - مجمع الزوائد للهيثمي، تحقيق: عبدالله الدرويش، دار الفكر، بيروت، ١٤١٤ هـ.\n٣٠ - مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمة، جمع: عبدالرحمن بن قاسم، مكتبة ابن تيمية، مصر.\n٣١ - مسند الإمام أحمد، تحقيق: أحمد شاكر، دار المعارف، مصر، ١٣٩٢ هـ.\n٣٢ - معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول، لحافظ الحكمي، تحقيق: عمر محمود أبوعمر، ط. الثالثة، دار ابن القيم، ١٤١٤ هـ.\n٣٣ - منهج القرآن في الدعوة إلى الإيمان، علي الفقيهي، ط. الأولى، ١٤٠٥ هـ.\n٣٤ - النكت على نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر، لابن حجر، بقلم: علي حسن عبدالحميد، ط. الأولى، دار ابن الجوزي، الدمام، ١٤١٣ هـ.\n٣٥ - النهاية في الفتن والملاحم، لابن كثير، ضبط وتصحيح: أحمد عبد الشافي، ط. الثانية، دار الكتب العلمية، بيروت، ١٤٠٧ هـ.\n٣٦ - النهاية في غريب الحديث، لابن الأثير، تعليق: صلاح عويطة، ط. الأولى، دار الكتب العلمية، بيروت، ١٤١٨ هـ.\n٣٧ - اليوم الآخر - القيامة الصغرى، عمر الأشقر، ط. السادسة، دار النفائس، الأردن، ١٤١٥ هـ.\n٣٨ - اليوم الآخر - القيامة الكبرى، عمر الأشقر، ط. السادسة، دار النفائس، الأردن، ١٤١٥ هـ.","vol":"1","page":69}]}