{"ً":{"ٌ":510,"ٍ":"أصول التصحيح العلمي - المبيضة - ضمن «آثار المعلمي»","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"files":["https://archive.org/download/moalemee/23_137203s.pdf"]},"ّ":"الكتاب: أصول التصحيح العلمي (المبيضة)\n[آثار عبد الرحمن بن يحيى المعلمي اليماني (٢٣)]\nالمؤلف: عبد الرحمن بن يحيى المُعَلِّمي اليماني (١٣١٣ - ١٣٨٦ هـ)\nالمحقق: محمد أجمل الإصلاحي\nراجعه: علي بن محمد العمران - محمد عزير شمس\nالناشر: دار عالم الفوائد للنشر والتوزيع\nالطبعة: الأولى، ١٤٣٤ هـ\nقدمه للشاملة: مؤسسة «عطاءات العلم»، جزاهم الله خيرا\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":178,"ٕ":37,"ٖ":1780758647,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["23"],"ٚ":[{"title":"[فاتحة الكتاب]","level":1,"page":2},{"title":"المقدمة","level":1,"page":3},{"title":"العلم في صدر الإسلام","level":2,"page":3},{"title":"أحوال كتب العلماء بحسب وجوه التحمل","level":2,"page":3},{"title":"توسع الناس في الإجازة بعد كثرة المصنفات","level":2,"page":5},{"title":"درجات الثقة بالنسخة","level":2,"page":5},{"title":"أسباب مخالفة الفرع للأصل","level":2,"page":6},{"title":"١ - التصحيف","level":3,"page":6},{"title":"كلمة (بثينته) إذا لم تنقط احتملت أكثر من ثلاثة آلاف وجه","level":4,"page":6},{"title":"٢ - كثير من الأصول يشتبه فيها حرف بآخر وكلمة بأخرى لتعليق الخط أو رداءته أو قرمطته. وأمثلة ذلك من تاريخ البخاري","level":3,"page":8},{"title":"٣ - الأحرف الخمسة الأولى من «بثينته» صورة كل منها نبرة واحدة، فكثيرا ما تخفى النبرة أو تترك أو يكتفى منها بمدة بين الحرفين","level":3,"page":10},{"title":"٤ - خطأ الناقل في إثبات العبارة التي بحاشية الأصل أو بين السطور، على أوجه","level":3,"page":10},{"title":"٥ - تكرار النساخ لبعض العبارات أو إسقاطها، والإحالة لأمثلة ذلك على كتاب الجرح والتعديل","level":3,"page":10},{"title":"٦ - التحريف السمعي لتقارب مخارج الحروف أو اتحادها في ألسنة بعض العرب والأعاجم","level":3,"page":11},{"title":"٧ - تصرف الناسخ أو المملى عليه برأيه، وأمثلة ذلك من «لسان الميزان»، و«ثقات ابن حبان»","level":3,"page":11},{"title":"٨ - التحريف الذهني","level":3,"page":12},{"title":"[٩]- تصرف الجهلة أو الخونة من القارئين والمطالعين واحتياط السلف خوفا منه","level":3,"page":13},{"title":"الكتاب في دور الطباعة","level":2,"page":14},{"title":"وصف مراحل تصحيح الطبع في المطابع","level":2,"page":14},{"title":"طريقة مطبعة دائرة المعارف العثمانية","level":2,"page":15},{"title":"اختلاف درجات صحة الكتاب المطبوع بحسب أحوال ناسخ المسودة والمقابلين والمصحح والمنضدين ومصححي التجارب","level":2,"page":15},{"title":"قد يكون المطبوع أردأ أو أكثر أغلاطا من النسخة الخطية","level":2,"page":16},{"title":"الباب الأول في الأعمال التي قبل التصحيح العلمي","level":1,"page":17},{"title":"العمل الأول: انتخاب كتاب للطبع","level":2,"page":17},{"title":"ينبغي عند اتخاذ الكتب للطبع الرجوع إلى هيئة علمية من كبار العلماء المتفننين، وحبذا لو أن الأزهر يقوم بهذه المهمة","level":3,"page":17},{"title":"عمل هذه الهيئة","level":3,"page":17},{"title":"الأمور التي ينبغي مراعاتها في الانتخاب","level":3,"page":18},{"title":"العمل الثاني: انتخاب نسخة للنقل، وصفاتها","level":2,"page":18},{"title":"العمل الثالث: انتخاب ناسخ للمسودة، وصفاته","level":2,"page":19},{"title":"العمل الرابع: نسخ المسودة، والأمور التي يلزم الناسخ بها، وهي (١٢) أمرا","level":2,"page":19},{"title":"العمل الخامس: مقابلة المسودة على الأصل","level":2,"page":23},{"title":"صفات المقابلين والأمور التي ينبغي أن يلتزما بها وهي (١١) أمرا","level":3,"page":23},{"title":"تنبيه: هل يكتفى بمقابلة رجل واحد مع نفسه؟","level":3,"page":25},{"title":"العمل السادس: مقابلة المسودة على أصل آخر فأكثر","level":2,"page":25},{"title":"الباب الثاني: تصحيح الكتاب","level":1,"page":27},{"title":"الخلط بين التصحيح العلمي وتصحيح الطبع","level":2,"page":27},{"title":"اصطلاح المصريين أخيرا على تسمية التصحيح العلمي «تحقيقا»، وهو المعقود عليه هذا الباب","level":2,"page":28},{"title":"المبحث الأول: في الحاجة إليه","level":3,"page":28},{"title":"الرأي الأول في التصحيح، وهو تطبيق المطبوع على نسخة خطية","level":4,"page":28},{"title":"طبع النسخة الخطية بالزنكوغراف ومفسدته","level":5,"page":29},{"title":"في الطبع بالحروف على هذا الرأي مفسدة أكبر مع السابقة، وهي أنه لا يمكن تطبيق المطبوع على الأصل العلمي","level":5,"page":30},{"title":"أسباب عدم إمكان هذا التطبيق، وهي خمسة","level":5,"page":30},{"title":"الرأي الثاني: أن تجعل نسخة أصلا، وينبه في الحواشي على مخالفات الأخرى","level":4,"page":33},{"title":"الرأي الثالث: كالذي قبله، ولكن مع مراجعة الكتب الأخرى والتنبيه على الاختلافات","level":4,"page":33},{"title":"الرأي الرابع: الاقتصار على الصواب وإغفال التنبيه على مخالفة الأصل أو بعض الأصول. وفيه خلل من ثلاث جهات","level":4,"page":33},{"title":"الرأي المختار: لصحة المطبوع ثلاثة اعتبارات، وحق التصحيح العلمي مراعاة الثلاثة.","level":4,"page":36},{"title":"العمل عند اختلاف هذه الاعتبارات أو اختلاف الأصول","level":5,"page":36},{"title":"تنبيه: إذا حكى المؤلف عن غيره كلاما فلا بد من رعاية ما عند المحكي عنه وإن خالف ما عند المؤلف","level":5,"page":38},{"title":"فصل: الأمور الضامنة للوفاء بالتصحيح","level":3,"page":39},{"title":"١ - صفات المصحح","level":4,"page":39},{"title":"٢ - أن يكون العمل في المسودة قد جرى على ما تقدم في الباب الأول","level":4,"page":39},{"title":"٣ - أن يحضر عنده ما أمكن إحضاره من كتب الفن وما يقرب منها","level":4,"page":39}],"ٛ":{"23,3":1,"23,5":2,"23,6":3,"23,7":4,"23,8":5,"23,9":6,"23,10":7,"23,11":8,"23,12":9,"23,13":10,"23,14":11,"23,15":12,"23,16":13,"23,17":14,"23,18":15,"23,19":16,"23,20":17,"23,21":18,"23,22":19,"23,23":20,"23,24":21,"23,25":22,"23,26":23,"23,27":24,"23,28":25,"23,29":26,"23,30":27,"23,31":28,"23,32":29,"23,33":30,"23,34":31,"23,35":32,"23,36":33,"23,37":34,"23,38":35,"23,39":36,"23,40":37,"23,41":38,"23,42":39,"23,43":40},"ٜ":{"23":[3,43]},"ٝ":["23,3","23,5","23,6","23,7","23,8","23,9","23,10","23,11","23,12","23,13","23,14","23,15","23,16","23,17","23,18","23,19","23,20","23,21","23,22","23,23","23,24","23,25","23,26","23,27","23,28","23,29","23,30","23,31","23,32","23,33","23,34","23,35","23,36","23,37","23,38","23,39","23,40","23,41","23,42","23,43"],"ٞ":{"2":[1],"3":[2,3,4],"5":[5,6],"6":[7,8,9],"8":[10],"10":[11,12,13],"11":[14,15],"12":[16],"13":[17],"14":[18,19],"15":[20,21],"16":[22],"17":[23,24,25,26],"18":[27,28],"19":[29,30],"23":[31,32],"25":[33,34],"27":[35,36],"28":[37,38,39],"29":[40],"30":[41,42],"33":[43,44,45],"36":[46,47],"38":[48],"39":[49,50,51,52]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"الرسالة الأولى\nأصول التصحيح العلمي","vol":"23","page":3},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\nالحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، وأشهد ألَّا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد.\nأما بعد:\nفهذه رسالة فيما على المتصدِّين لطبع الكتب القديمة مما إذا وفوا به فقد أدَّوا ما عليهم من خدمة العلم والأمانة فيه، وإحياء آثار السلف على الوجه اللائق، وتكون مطبوعاتهم صالحة لأن يثق بها أهل العلم. وهي مُرتَّبة على مقدمة و... (^١) أبواب وخاتمة.\n* * * *\n_________\n(^١) ترك المؤلف هنا بياضًا لعدد الأبواب.","vol":"23","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>المقدمة</span>\nكان<span data-type=\"title\" id=toc-3> العلم في صدر الإسلام </span>يُتَلقَّى من أفواه العلماء، ويُحفَظ في الصدور. وكان الناس مختلفين في الكتابة، منهم مَن يثق بجودة حفظه فلا يكتب شيئًا، ومنهم مَن يكتب ما يسمع ليتحفظه ثم يمحو الكتاب، ومنهم مَن يكتب ويحفظ كتابه حتى يراجعه عند الحاجة.\nثم اتسع العلم، وطالت الأسانيد، وصُنِّفت بعض الكتب، فأطبق الناس على الكتابة. وكان أكثرهم يحرصون على الحفظ، وإنما يكتبون ويحفظون كتبهم ليتحفظوا منها، ثم يراجعونها عند الحاجة. ومنهم مَن لا يحفظ، فإذا احتيج للأخذ عنه روى من كتابه.\nوكانوا يبالغون في حفظ كتبهم، فلا يمكِّن أحدهم أحدًا من كتابه إلا أن يكون بحضرته، [ص ٢] أو يشتد وثوقه برجل فيسمح له.\nوفي \"صحيح البخاري\" في كتاب الحج، باب: من أين يخرج من مكة [١٥٧٦]: \"سمعت يحيى بن معين يقول: سمعت يحيى بن سعيد يقول: لو أن مسددًا أتيتُه في بيته فحدثتُه لاستحق ذلك، وما أبالي كُتُبي كانت عندي أو عند مسدد\".\nوكانت كتب العلماء التي يعتمدون عليها بخط أيديهم، وذلك على أوجه:\n- قد يملي الشيخ، والطالب يكتب ثم يحفظ ذاك الكتاب نفسه، أو ينقله إلى كتاب آخر فيحفظه.","vol":"23","page":6},{"text":"- وقد يثق الطالب بجودة حفظه، فيحضر إملاء الشيخ فيحفظ، ثم يرجع إلى بيته فيكتب ما حفظه.\n- وقد يسمح له الشيخ بكتابه بحضرته فينقل منه، أو ينقل من نسخة أخرى قد كتبها صاحبها عن الشيخ، ثم يقرأ ما كَتبه على الشيخ؛ فإن كان الشيخ حافظًا اكتفى باستماع ما كتبه الطالب، وأصلح ما يحتاج إلى إصلاحه من حفظه، أو أخذ كتابَ الطالب وأملاه عليه. وإن لم يكن الشيخ يحفظ أخَذَ أصلَه، فقابل له (^١) ما كتبه الطالب؛ إما بأن يملي الشيخ من أصله والطالبُ ينظر في نقله، وإما بأن يقرأ الطالب من نقله والشيخ ينظر في أصله.\n- وربما تسامح بعضهم، فحضر إملاءَ الشيخ أو القراءةَ عليه ولم يكتب هو، ولكن كان معه مَن يكتب عند السماع أو كتَبَ قبل ذلك. ثم بعد ذلك يعتمد ذاك الذي لم يكتب على كتاب صاحبه، فينقل عنه.\n- وربما لم يكن هناك سماع ولا قراءة، وإنما ينقل الطالب من أصل الشيخ، أو من فرع قد قرأه الشيخ أو قرئ عليه، ثم يعرض على الشيخ؛ فإذا كان الشيخ حافظًا لعلمه تصفَّحَ هذا النقلَ، [ص ٣] وأصلح ما يحتاج إلى الإصلاح، ثم ناوله الطالبَ وأذن له بروايته عنه.\n- وربما استغنى الشيخ عن بعض كتبه، فوهبه لبعض أصحابه، وأذن له أن يرويه عنه.\n- وربما أوصى الشيخ بكتابه لبعض أصحابه، وأذن له أن يرويه عنه.\n- وأشد تسامحًا من هذا أن ينقل الطالب من كتاب طالب آخر ما رواه\n_________\n(^١) كذا في الأصل، والمقصود: \"به\" أو \"عليه\".","vol":"23","page":7},{"text":"عن شيخ حي، ثم يجيء إلى الشيخ بكتابه فيقول: هذا من روايتك، فأرويه عنك؟ فيقول: نعم؛ مع أنه لم ير الكتاب، ولم يقرأه، ولا قرئ عليه. وكان مثل هذا نادرًا، وإنما يتفق مثله إذا كان الطالب كبيرًا من أهل العلم والثقة، فإذا وثق بكتاب صاحبه لثقته عنده، ووثق الشيخ بعلمه وإتقانه ومعرفته= أجازه.\nلكن لما كثرت المصنفات، واشتهرت نسخُها، وطالت الأسانيد وتعددت، وضعفت الهمم= توسع الناس في الإجازة. يجيز الشيخ للطالب الكتابَ وإن لم يكن عنده نسخة منه، ولا قرأه، ولا سمعه، ولا رأى نسخة منه. ثم إذا طال عمر هذا الطالب احتاج الناس إلى الرواية عنه، فبحثوا عن نسخة يوثق بها من ذلك الكتاب، فقرأوا عليه، ورووه عنه.\nوربما اكتفى بعضهم بالاستجازة منه. فقد يجيز رجلًا، ويجيز هذا الثاني ثالثًا، فيظفر هذا الثالث بنسخة من الكتاب فيمليها على الناس أو يقرؤونها عليه، ويعتمد عليها في القضاء والفتوى والنقل في مصنفاته وغير ذلك؛ مع أن شيخه وشيخ شيخه لم يريا تلك النسخة، بل ولا نسخة [ص ٤] من الكتاب.\nوتوسعوا في ذلك حتى كانوا يجيزون للأطفال وللرجل ولمن يولد له بعد، ويجيز أحدهم لجميع أهل عصره جميع مصنفاته ومروياته!\nوبالجملة صارت الرواية في الآخر صورة لا روح لها، وانحصر الأمر في أن تكون النسخة موثوقًا بها. والثقة بالنسخة على درجات:\n- أعلاها: أن تكون بخط المصنف وقرئت عليه، أو قرأها هو على الناس، أو كرر النظر فيها.\n- ودون ذلك: أن تكون فرعًا عن أصل المصنف، وقابله ثقة مع المصنف.","vol":"23","page":8},{"text":"- ودون هذا: أن تكون فرعًا عن أصل المصنف، وقابله ثقة على أصل المصنف مع ثقة آخر غير المصنف.\n- ودونه: أن تكون فرعًا قد قابله ثقتان على فرع قابله ثقة مع المصنف.\nثم هكذا، كلما بعُدَ الفرعُ عن أصل المصنف ضعفت الثقة به بالنسبة إلى ما قبله. وذلك لما قضت به العادة من أن الفرع وإن قوبل على الأصل لا يخلو عن مخالفة للأصل في مواضع. ولذلك أسباب، منها:\n\nالتصحيف؛ فإنَّ أكثر الحروف تتحد صورة الحرفين منها، وإنما يميز بينهما النقط. وذلك الجيم والخاء مع الحاء، والدال مع الذال، والراء مع الزاي، والسين مع الشين، والصاد مع الضاد، والطاء مع الظاء، والعين مع الغين، وثلاثة من أحرف \"بثينته\" مع السين. ومنها ما يتحد الحرفان فأكثر في الصورة، وإنما التمييز بصورة النقط. وذلك الجيم [ص ٥] مع الخاء، والفاء مع القاف، وكل من أحرف \"بثينته\" مع الباقي، وثلاثة منها مع الشين؛ حتى إن هذه ال<span data-type=\"title\" id=toc-9>كلمة \"بثينته\" إذا لم تنقط احتملت أكثر من ثلاثة آلاف وجه</span>.\nفإن قيل: أكثر تلك الوجوه لا معنى لها في اللغة، والسياق قد يُعيِّن أحد المحتملات التي لها معنى.\nقلت: كثير من المحتملات لها معنى في هذا المثال وفي غيره، والسياق كثيرًا ما يحتمل وجهين أو أكثر. والناظر إذا كان متحريًا لا يأمن أن يكون في الوجوه المحتملة ما له معنى يناسب السياق، وإن جهله هو لعدم إحاطته باللغة؛ ولاسيما إذا كان السياق إنما يقتضي أن تلك الكلمة اسم شجرة أو علم موضع أو علم إنسان، فإن هذا السياق لا يغني شيئًا، لكثرة أسماء الشجر والأماكن والناس، وكثرة الغريب منها.","vol":"23","page":9},{"text":"قال ابن قتيبة في كتاب \"الشعر والشعراء\" (ص ٩) (^١): \"كلُّ العلم محتاج إلى السماع (يعني التلقي من أفواه العلماء الضابطين)، وأحوجُه إلى ذلك علم الدين، ثم الشعر لما فيه من الألفاظ الغريبة واللغات المختلفة والكلام الوحشي، وأسماء الشجر والنبات والمواضع والمياه؛ فإنك لا تفصل في شعر الهذليين ــ إذا أنت لم تسمعه ــ بين \"شَابَة\" و\"سايَة\" وهما موضعان، ولا تثق بمعرفتك في حَزْم نُبايِع (^٢)، [ص ٦] وعرْوان (^٣) الكَرَاث، وشَسَّي عبقر (^٤)، وأُسْد حَلْيَة، وأُسْد تَرْجٍ، ودُفاقٍ (^٥) وتُضارِ ع (^٦) [وأشباه هذا]؛ لأنه لا يلحق بالفطنة والذكاء كما يلحق مشتق الغريب ... \".\nثم ذكر أمثلة مما يقع فيه الخطأ في بعض الألفاظ.\nوقال عبد الغني بن سعيد المصري في أول كتابه \"المؤتلف والمختلف\" (ص ٢): \"أنبأنا أبو عمران موسى بن عيسى الحنيفي قال: سمعت أبا إسحاق إبراهيم بن عبد الله النَّجِيرَمي يقول: أولى الأشياء بالضبط أسماء الناس، لأنه شيء لا يدخله القياس، ولا قبله شيء ولا بعده شيء يدل عليه\".\n_________\n(^١) طبعة أحمد شاكر (١/ ٨٢ - ٨٣) وما بين الحاصرتين منها.\n(^٢) \"نُبايع\" بضم النون. ضبطه ياقوت وغيره. ووقع في المنقول عنه كأنه \"تبايع\". [المؤلف].\n(^٣) بضم العين. وقيل: بفتحها. [المؤلف].\n(^٤) قالوا: عبقر بوزن جعفر. لكن جاء في الشعر بفتح العين وفتح الباء وضم القاف وتشديد الراء. انظر توجيه ذلك في معجم البلدان. [المؤلف].\n(^٥) في الأصل: \"دقاق\" خطأ. [المؤلف].\n(^٦) كذا ضبط في الأصل بكسر الراء. والوجه الثاني ضمُّها، نقله ياقوت عن ابن حبيب.","vol":"23","page":10},{"text":"هذا، وكان القدماء كثيرًا ما يتركون نقط ما حقه أن ينقط، كما هو مشاهد في كثير من النسخ القديمة؛ وإنما يدَعُونه إيثارًا لسرعة الكتابة، واتكالًا على أن أهل العلم يأخذون الكتب بالسماع من أفواه العلماء، فيحفظون الأسماء بضبطها. وقد يكون بعض العلماء كان يتعمد ترك النقط إلجاءً لطالبي العلم إلى السماع من أفواه العلماء، كيلا يتكلوا على الصحف. وما كان منقوطًا من النسخ القديمة كثيرًا ما يشتبه فيه النقط، فتشتبه النقطة بالنقطتين، والنقطتان بالثلاث. ويقع كثير من النقط بعيدًا عن الحرف الذي [ص ٧] هو له، فيظن أنه لحرف آخر عن يمين ذلك الحرف، أو يساره، أو فوقه في السطر الأعلى، أو تحته في الأسفل.\nوالناقل قد ينقط بعض ما لم يُنْقَط في الأصل برأيه، فيخطئ. وقد يترك نقطَ ما هو منقوط، فيكون ذلك سببًا لخطأ مَن بعده. وقد يجعل نقط حرف لغيره عن يمينه أو يساره أو فوقه أو تحته، بناءً على ما تراءى له من الأصل لبعد النقط عن الحرف الذي هو له.\nالسبب الثاني: أن كثيرًا من الأصول يَشتبه فيها حرف بآخر وكلمة بأخرى، وإن كانت صور الحروف في أصل وضع الخط مختلفة. وذلك لتعليق الخط، أو رداءته، أو قرمطته، فيلتصق منه ما حقُّه الافتراق، ويفترق ما حقُّه الالتصاق؛ أو لأن لكاتب الأصل اصطلاحًا لا يعرفه الناقل، أو غير ذلك. ولبيان هذا أُثبت هنا بعض الكلمات التي وقع فيها التحريف في نسخ \"تاريخ البخاري\"، ونبهت عليها في التعليق عليه، التقطتها من التعاليق على القسم الأول من المجلد الأول من \"التاريخ\" المطبوع. أذكر أولًا صورة ما","vol":"23","page":11},{"text":"وقع في النسخ خطأً في سطر، ثم أكتب في السطر الثاني تحت الكلمة ما هو الصواب فيها:\nهشام ... النمر ... عثمن ... السجود ... الحنفي ... يماني ... طويح ... عقية ... [ص ٨]\nمسافر ... اليمن ... عمر ... السحور ... الجعفي ... يمامي ... طريح ... عتبة\nالذهلي ... فقال ... وائل ... يزيد بن نشيط ... عمر ... اليمامي ... علي بن قدامة (^١)\nالدَّهَكي ... يقال ... ليلى ... يزيد وابن قسيط ... عم ... اليماني ... علي عن قدامة\nسمع ... معلى ... ست ... السكري ... يشفى ... العنزي ... محمد ... الهدير ... نمير\nمع ... يعلى ... ثنتين ... اليشكري ... تسع ... القنوي ... نجيح ... الهرير ... شمير\nصيح ... السعيدي ... أبو ... الزبير ... ميثم ... محمد ... قيس ... سعيد ... جعفر\nصبيح ... السعدي ... ابن ... الزبيدي ... ضيثم ... عمرو ... عتيق ... سفي؟ ن ... جعدة\nجبير ... أبيه ... الحدسين ... أخبرنا ... محمد ... العامري ... محمد ... عقبة (^٢) ... وقران سأله\nحنين ... أمه ... المجذمين ... أبا ... عمر ... المعافري ... محمود ... عتبة ... وقرأ رسالة\nمعاذ ... معتمر ... وثمانين ... عبد الرحمن بسام ... عبد الملك ... العدوية ... ثقة\nمعان ... معشر ... ومأتين ... عبد الرحيم هشام ... عبد الله ... العذرية ... يعد\nقرير ... قريم ... سالم ... مسلمة ... مسلم ... عقبة ... محمد وزيد ... شيبة\nقرين ... قرين ... بسام ... سلمة ... سلمة ... عصمة ... محمد بن وزير ... سمينة\nالحضرة ... التميمي ... دليم ... يعفور ... زيد ... شعبة ... الطفيل ... سويد ... [ص ٩]\nالحكرة ... التيمي ... دليلة ... يعقوب ... زبر ... سعيد ... الفضيل ... شعوذ\nسليمن ... المخزومي ... سليم ... بشر ... إسمعيل ... البصريين ... عبد الرحيم\nسلمى ... المخرمي ... سليم؟ ن ... مبشر ... إسحاق ... المصرين ... عبد الرحمن\nالمِنهَال ... كدير ... القطان ... عكرمة عن سيعد ... أبو بكير ... عنبسة ... عبد الحميد\nالموال ... كريز ... القصاب ... عكرمة وسعير ... أبو مكين ... عبسة ... عبد الصمد\nمزيد ... الأنباري ... عبد الله ... خثعم ... القطيعي\nبديل ... الأبناوي ... عبد الملك ... جعثم ... الغطيفي\n_________\n(^١) يتكرر مثل هذا كثير [كذا في الأصل] من وقوع \"بن\" والصواب: \"عن\"، وكذا عكسه. [المؤلف].\n(^٢) سبق في السطر الأول.","vol":"23","page":12},{"text":"السبب الثالث: أن الخمسة الأحرف الأول من \"بثينته\" صورة كل منها كما تراه نبرة واحدة، فكثيرًا ما تخفى النبرة، وكثيرًا ما تُترك، وكثيرًا ما يُكتفى عنها بمدة بين الحرفين: الذي قبلها والذي بعدها، فيشتبه أسد وأسيد، وبشر وبشير، وجبر وجبير، وحسن وحسين، وسعد وسعيد، وعبد الله وعبيد الله، وغير ذلك.\n[ص ١٠] السبب الرابع: أن الناقل قد يرى بحاشية الأصل أو بين السطور عبارة فيظنها لحقًا فيُدرجُهَا في المتن، أو يراها حاشية فيدعها. وقد يخطئ في ظنه: يظنها لحقًا وهي حاشية، أو عكسُه. وقد يصيب في ظنه أنها لحق، ولكن يخطئ في موضعها من المتن، فيضعها في غير موضعها.\nالسبب الخامس: أن النُسَّاخ كثيرًا ما يكررون بعض العبارات، وكثيرًا ما يسقطون. والغالب أن يكون ذلك عن زيغ النظر من كلمة إلى نظيرتها: ينظر الناسخ أو المُمْلي عليه في الأصل فيأخذ عبارة، ثم يصرف نظره عن الأصل فتُكتب تلك العبارة في النقل؛ ثم يكُرُّ ببصره على الأصل، فيقع بصره على كلمة مثل الكلمة التي انتهى إليها في الكتابة، فيظنها إياها، فيأخذ ما بعدها. وأكثر ما يتفق مثل هذا إن كانت كلمة في سطر، وبإزائها في السطر الذي يليه نظيرتها. وقد يحتاط بعض النساخ، فلا يكتفي بكلمة بل ينظر جملة، ولكن كثيرًا ما يتفق في الأصول إعادة الجملة الواحدة مرارًا.\nتصفَّحْ ــ إن أحببت ــ أوراقًا من القسم الأول من المجلد الثالث من كتاب ابن أبي حاتم المطبوع بدائرة المعارف، وتأمل المواضع التي نبه المصحح على سقوطها من أحد الأصلين يتضح لك ما تقدم، وعلى الأخص صفحات ٩ و١١ و١٢ و١٥ و١٦ و١٨ و٢٢ و٢٣ و٢٦.","vol":"23","page":13},{"text":"فأما التكرار فلم ينبه عليه المصحح، ولكن يمكنك قياسه على الإسقاط؛ لأن سببهما واحد.\n[ص ١١] السبب السادس: التحريف السمعي. وذلك بما إذا كان الأصل بيد رجل يُملي على الناسخ، والناسخُ يكتب؛ فإن كثيرًا من الحروف تتقارب مخارجها بل تتحد في ألسنة بعض الناس ولاسيما الأعاجم، كالهمزة مع العين ومع القاف، والباء مع الفاء، والتاء مع الدال والطاء، والثاء مع السين والصاد، والجيم مع القاف والكاف، والحاء مع الهاء، وغير ذلك. فقد يُملي المملي \"أطعنا\"، فيكتبها الناقل \"أتانا\"، وقس على ذلك.\nوقد يتحد لفظ كلمة بكلمتين، وإنما التمييز بالفصل والوصل، فيُملي المملي مثلًا \"إن جاز\"، فيكتبها الناسخ \"إنجاز\"، أو عكسه.\nوحروف المد تسقط في الوصل، فيتحد لفظ \"سمعا القول\" و\"سمع القول\"، وكذا \"ادعوا القوم\" و\"ادع القوم\"؛ وقس على ذلك.\nالسبب السابع: أن الناسخ أو المملى عليه قد يتصرف برأيه، فيزيد أو ينقص أو يُغيِّر.\nوقع في \"لسان الميزان\" (٣/ ٦) في الكلام على سالم بن هلال: \"ذكره ابن حبان في \"الثقات\" وقال فيه: الناجي يروي عن أبي بكر الصديق رضي الله [ص ١٢] تعالى عنه، روى عنه يحيى بن سعيد القطان\".\nوالذي في \"الثقات\" (^١): \"سالم بن هلال الناجي، يروي عن أبي الصديق الناجي، روى عنه يحيى بن سعيد القطان\". وأبو الصديق الناجي\n_________\n(^١) طبعة حيدراباد (٦/ ٤٠٩).","vol":"23","page":14},{"text":"تابعي مشهور اسمه بكر بن عمرو.\nووقع في \"الميزان\" (^١) في ترجمة محمد بن عمر الجعابي: \"حدَّث عن أبي حنيفة ومحمد بن الحسن وابن سماعة وأبي يوسف القاضي\".\nوفي \"لسان الميزان\" (٥/ ٣٢٢): \"حدَّث عن أبي حنيفة ﵁ ومحمد بن الحسن بن سماعة وأبي يوسف القاضي\".\nوالصواب إنما هو: \"حدَّث عن أبي خليفة ومحمد بن الحسن بن سماعة ويوسف القاضي\".\nوفي \"تذكرة الحفاظ\" (٣/ ١٣٠): \"سمع محمد بن الحسن بن سماعة ويوسف بن يعقوب القاضي و... وأبا خليفة الجمحي\".\n\nالسبب الثامن: التحريف الذهني. قد تستولي كلمة على فكر الإنسان وتشغله، فإذا حاول أن يملي غيرها أو يكتب سبقت هي إلى لسانه أو قلمه، فينطق بها أو يكتبها، وهو لا يشعر. وقد جرى لي مثل هذا مرارًا.\nفهذه الأسباب وغيرها تُوقع الناسخ في الغلط. فإن لم يقابل الفرع على الأصل بقيت الأغلاط في الفرع، وإن قوبل فالمقابلة تختلف باختلاف درجة المقابلين في العلم والمعرفة والتثبت والاحتياط. ومع ذلك كله، فالغالب أنها تبقى أغلاط.\nوإذا أنت تدبرت الأسباب المتقدمة علمت أنها قد تتفق للمقابل، كما تتفق للناسخ. والبرهان على ذلك أننا نجد النسخ القديمة التي قوبلت على\n_________\n(^١) طبعة الخانجي سنة ١٣٢٥ (٣/ ١١٣).","vol":"23","page":15},{"text":"أصول المصنفين، أو على فروع قوبلت على تلك الأصول، ثم نجد فيها من الأغلاط ما نعلم أنه ليس من المصنف. وإذا أردت عين اليقين فاعمد إلى أصل قديم، واستنسخ منه نسخة، وكلِّف رجلين بمقابلتها على الأصل، ثم قابلها أنت على الأصل مرة أخرى بالتدقيق التام، وانظر النتيجة!\nهذا، والنُسخ القديمة بعد نسخها ومقابلتها لابد أن تكون قد تناقلتها الأيدي [ص ١٣] وتعاورتها أنظار القارئين والمطالعين، وقد يكون بعضهم تصرَّف فيها بما يراه إصلاحًا وتصحيحًا، وقد يخطئ في ذلك، بل وربما يكون قد غيَّر فيها بعض الجهلة أو الخونة. أوَ لا ترى أنه ليس بين الإثبات والنفي إلا حرف النفي وقد يسهل زيادته أو حكُّه ولا يظهر ذلك، بل ربما قلب المعنى زيادةُ ألف أو نبرة أو نقطة.\nوقد رأيت من تَصرُّف الجهلة ما وقع في النسخة المحفوظة بخزانة كوبريلي في إستانبول تحت رقم [٢٧٨] في الورقة [٥٢٨] (^١) وذلك في ترجمة الإمام أبي حنيفة ﵀، وذلك في موضعين، حاول جاهل أن يطمس ما في الأصل، ويكتب محله ما يخالفه؛ فلم يتم له ذلك، بل بقي ما في الأصل لائحًا. ولكن مثل هذا قليل، فقد رأينا عدة من الأصول قد اطلع عليها من ينكر بعض ما فيها، وغاية أمره أن يكتب عليه حاشية يُظهر فيها إنكاره لما في الأصل. وهذا ــ إذا تدبرت ــ من آيات الله ﷿ مصداقًا لوعده سبحانه بحفظ الذكر، و\"الذكر\" يتناول السنة إن لم يكن بلفظه فبمعناه، ويلزم من ذلك حفظهُ كلَّ ما فيه حفظٌ للشريعة كاللغة وغيرها، ولله الحمد.\n_________\n(^١) من كتاب \"الجرح والتعديل\" لابن أبي حاتم. وقد ترك المؤلف بياضًا لرقم النسخة والورقة. وانظر المطبوع بتحقيق المؤلف (٤/ ١/٤٤٩، ٤٥٠).","vol":"23","page":16},{"text":"وكأنه لاحتمال تصرُّف بعض الخونة أو الجهلة كان السلف يحتاطون في شأن الكتب. وفي ترجمة الأوزاعي من \"تهذيب التهذيب\": \"وقال الوليد بن مسلم فيما رواه أبو عوانة في صحيحه: احترقت كتبه (يعني الأوزاعي) زمن الرجفة [ص ١٤] فأتى رجل بنُسَخها (يعني بنسخٍ نُقلت من تلك الكتب) وقال له (يعني للأوزاعي): هو إصلاحك بيدك (يعني أنَّ هذه النُسخ نُقلت من كُتبِك، وقابلتَها أنت، وأصلحتَ فيها ما فيه من مخالفة) فما عرض لشيء منها حتى مات\".\nيعني أن الأوزاعي ﵀ لم يعتدَّ بتلك النسخ، ولا روى منها شيئًا. وإنما ذلك لأنها قد بَقيت مُدةً تحت يدِ غيره ممن لعله لا يعرفه بالثقة، فلم يأمن أن يكون وقع فيها تغيير وإن لم يظهر.\nهذا حال النسخ الخطية، ثم يجيء دور الطبع. والعادة أنه ينتسخ من الأصل القلمي نسخة تكون مسودة للطبع، ثم تقابل على أصلها، ثم إن وجد أصل آخر قُوبلَت المسودة عليه، وقد تقابل على أكثر من أصلين، ثم ينظر فيها المصحح، ثم تدفع إلى مُرَكِّبي الحروف فيركِّبون كل يوم ثماني صفحات مثلًا، ويطبعون عليها التجارب (بروف). وتُرسل التجارب إلى رجلين يقابلانها على المسودة ويصلحان فيها، ثم يَكُرَّانها إلى المركِّبين، فيتتبعون ما أصلحه المصحح في التجارب، فيصلحونه في ألواح الحروف. وبعد الإصلاح يطبَعُون على تلك الألواح تجارب أخرى، ويرسلونها إلى المصحح مع التجارب الأولى. فيتتبع المصحح ما أصلحه في التجارب الأولى وينظر أأُصْلِحَ في الثانية؟ فإن وجد من المواضع ما لم يُصلَح أصلحه، وأعاد التجارب الثانية [ص ١٥] إلى المُرَكِّبين. فإن كان فيها إصلاح","vol":"23","page":17},{"text":"أصلحوه في ألواح الحروف، ثم طبعوا عليها تجارب ثالثة وأرسلوها إلى المصحح.\nوالعادة في مطبعتنا (^١) أن يُعيد المصححون مقابلة هذه الثالثة على المسودة، فإن بقي ما يحتاج إلى الإصلاح أصلحوه، ثم ردوا التجارب الثالثة إلى المُركِّبين. فإن وجدوا فيها إصلاحًا أصلَحُوه في ألواح الحروف، ثم طبعوا على الألواح تجربة رابعة، ثم بعثوا بها مع التجارب الثالثة إلى المصحح، فينظُر في التجارب الثالثة يتتبع المواضع التي أُصلِحَت فيها وينظرها في الرابعة؛ فإن رأى تلك المواضع قد أصلحت كلها كتب على تلك الكراسة أنه قد تم تصحيحها، فترسل إلى المدير فيحكم بالطبع الأخير.\nوأنت إذا تدبرت ما تقدم في حال النُسخ الخطية علمت أن ناسخ المسودة من أحد الأصول لابد أن يخطئ في مواضع كثيرة، ولاسيَّما إذا كان قليل العلم أو كان الأصل المنقول عنه رديء الخط. وتعلم أيضًا أن مقابلة هذه المسودة على أصلها تختلف باختلاف حال المقابلين في العلم والمعرفة والأمانة والتثبت، وأن المقابلة على أصل آخر كذلك، ولا تدري ماذا عسى أن يصنع باختلاف النسخ. ثم يتجه النظر إلى المصحح، فترحمه لما يكون قد اجتمع من أغلاط النُسخ وأغلاط ناسخ المسودة التي لعلها بقيت بعد المقابلة. ثم تشفق على الكتاب أن يكون [ص ١٦] المصحح ناقص المعرفة، ولاسيما إذا كان مع ذلك عريض الدعوى، أو ضعيف الأمانة، أو لم يدفع له المعاوضة الكافية، أو لم يفسح له الوقت الكافي. ثم تلتفت إلى ما عسى أن يصنعه المُركِّبون وكيف تكون مقابلة التجارب على المسودة.\n_________\n(^١) يعني: مطبعة دائرة المعارف العثمانية.","vol":"23","page":18},{"text":"والحاصل أنه كما يرجى أن يجيء المطبوع أصح وأولى بالثقة من جميع الأصول الخطية، فإنَّه يخشى أن يكون أردأ أو أكثر أغلاطًا من أصل واحد منها. وقد جرَّبتُ هذا. نظرت في بعض الكتب المطبوعة فهالني ما فيه من كثرة الأغلاط، ثم ظفرت بالأصل الخطي الذي طبع عنه ذاك الكتاب؛ فإذا هو بريء من كثير مما في المطبوع من الأغلاط، إن لم أقُل مِن أكثرها.\nفإذا أراد المُتصدي لطبع الكُتب القديمة السلامةَ من مثل هذا، والحصولَ على الغاية المنشودة، من خدمة العلم وحسن السُّمعة ورواج المطبوعات= فما عليه إلا أن يتبع النظام الآتي إن شاء الله تعالى.","vol":"23","page":19},{"text":"[ص ١٧]<span data-type=\"title\" id=toc-23> الباب الأول\nفي الأعمال التي قبل التصحيح العلمي</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-24> العمل الأول: انتخاب كتاب للطبع</span>\nأغراض الناس في طبع الكتب القديمة مختلفة: فالتاجر يؤثر الربح، ومن كان من ذرية مؤلف أو قبيلته أو أهل مذهبه همُّه أن يطبع كتب ذاك المؤلف، والمغرم بفن من الفنون يرجِّح كتب فنه، وقد تكون في ملك الرجل نسخة من كتاب فيدعو إلى طبعه لتُشترى منه النسخة بثمن غال؛ ومن كان له غرض من هذه الأغراض يسعى في حمل غيره على مساعدته. فينبغي عند انتخاب الكتب للطبع الرجوع إلى هيئة علمية من كبار العلماء المتفننين.\nوحبذا لو أن الأزهر بمصر يقوم بهذه المهمة العظمى، وذلك بالإيعاز بجمع فهرس عام للكتب المهمة التي لم تُطبع، وبيان موضعها من مكاتب العالم مع ما تيسر من وصف النسخ؛ ثم يُعرض على هيئة كبار العلماء لترتيبها على مراتب في الأهمية واستحقاق تقديم الطبع، ثم يُنشر الفهرس مرتبًا ذاك الترتيب، ويُتقدَّم إلى الراغبين في طبع الكتب أن يجروا على حسب ذلك. ثم كل مَن أراد طبع كتاب كان عليه أن يراجع الهيئة لتُقيِّد اسمه عندها وتُعرِّفه بما يلزم، مثل إبلاغه أن غيره قد التزم طبع الكتاب، أو تنبيهه على اطلاع الهيئة على نسخة أو أكثر زيادةً على ما في الفهرس، وغير ذلك.\nوبهذا يأمن الراغبون في الطبع من الخطأ في الانتخاب، ومن الغلط في ظن أن الكتاب لم يطبع، ويعرفون مواضع النسخ. وفي ذلك مصلحة للعلم","vol":"23","page":20},{"text":"وأهله ولأصحاب المطابع. ويمكن توسيع دائرة التعاون إلى حد بعيد.\nهذا، وينبغي أن يراعى في الانتخاب أمور:\n١ - أن يكون الكتاب عظيم النفع، كثير الفائدة، يرجى أن يكون لنشره أثر عظيم في إحياء العلم ونشره. ومِن لازم ذلك أن لا يكون قد طُبع ونُشر كتاب يغني عنه.\n٢ - أن يقدَّم الأهم فالأهم.\n٣ - أن يكون في متناول ملتزم الطبع من نُسخ الكتاب القلمية نسختان جيدتان على الأقل، اللهم إلَّا الكتب العزيزة التي لا توجد منها إلا نسخة واحدة في العالم.\n٤ - أن يكون الملتزم مستعدًّا لبذل النفقات التي يقتضيها أداء الواجب في استحضار النسخ، وتصحيحه كما ينبغي، وغير ذلك. فإن من الناس مَن يتصدى لطبع بعض الكتب المهمة، فيشرع في العمل، ثم يقعد به ضيق ذات اليد أو النفس عن توفية ما يجب، فيطبع الكتاب على هيئة يضجُّ منها الكتاب والعلم وأهله.\n* العمل الثاني: انتخاب نسخة للنقل\nالعادة أن تُنتسخ من بعض الأصول القلمية نسخة تكون مسودة للتصحيح فالطبع. فقد تنتسخ المسودة من نسخة رديئة، فيؤدي ذلك إلى كثرة العمل وصعوبته فيما بعد ذلك من المقابلة على النسخ الأخرى والتصحيح، وقد يؤدي إلى ما هو أشد ضررًا؛ فينبغي أن تكون النسخة التي تنتسخ منها المسودة:","vol":"23","page":21},{"text":"١ - واضحة الخط.\n٢ - سليمة من الخروم والبياضات ما أمكن.\n٣ - جيدة الصحة.\nوإنما يوثق بهذا بأن يتصفحها عالم عارف بالفن خبير بأعمال الطباعة.\n* [ص ١٩] العمل الثالث: انتخاب ناسخ للمسودة\nينبغي أن يكون:\n١ - واضح الخط.\n٢ - موثوقًا بأمانته.\n٣ - مشاركًا في العلم وعلى الأخص في فن الكتاب.\n٤ - يسهل عليه قراءة الأصل الذي ينقل منه على الصحة.\n٥ - إذا كان مستأجرًا فينبغي أن يسمح له بالأجرة الكافية والوقت الكافي، فإن قلة الأجرة يحمل على التهاون، وضيق الوقت يحمل على الاستعجال وهو مظنة الإخلال.\n* العمل الرابع: نسخ المسودة\nيلزم الناسخَ أمور:\n١ - أن يدع في الحواشي وبين السطور بياضًا كافيًا يسع التخاريج والإلحاق وغيرها، وينبغي أن يراجع المصححَ في مقدار ذلك.\n٢ - أن تكون الكتابة واضحة مفصلة يؤمن فيها الاشتباه. فقد يشتبه حرف بآخر، وعلامة بغيرها، والنقط بالعلامة، والنقطة بالنقطتين؛ ويقع","vol":"23","page":22},{"text":"الاشتباه في موضع بعض الحروف أو النقاط أو العلامات= فعليه أن يتوقى ذلك.\n٣ - ليكن همه النقل على الوجه. فلا يزيد شيئًا باجتهاده، ولا ينقصه، ولا يغيِّره حتى الشكل والنقط والعلامات مثل كلمة التصويب (صح) والتضبيب وهو علامة الشك (صـ)، وعلامة الإهمال، وعلامة تمام الجملة، وعلامة التقديم والتأخير، وعلامة النفي (لا ــ إلى)، وعلامات اختلاف النسخ وغير ذلك.\n٤ - [ص ٢٠] لا يوضح مشتبهًا، بل إن تيسر له أن يصوِّر كما في الأصل فليفعل وإلَّا فليدع بياضًا.\n٥ - إذا وجد في الأصل كلمة أو عبارة مضروبًا عليها، فليثبتها ولينبِّه في الحاشية على أنها مضروب عليها في الأصل. وكذلك إذا رأى حكًّا أو محوًا وتغييرًا نبَّه عليه في الحاشية. وكذلك إذا ارتاب في كلمة أو جملة يخشى أن تكون بخطٍ غير خط الأصل، فلينبِّه عليها أيضًا.\n٦ - إذا وجد زيادة بين السطور أو بالهامش فلا يدرجها في الأصل، بل يثبتها في مثل موضعها، وينبه بالحاشية على أنها كذلك في الأصل، اللهم إلا أن يثق بأنها لحق صحيح كأن تكون بخط كاتب الأصل بلا ريب وبعدها \"صح أصل\" أو نحوها، وعلامة موضع الإلحاق من الأصل واضحة.\n٧ - ينبغي أن يكون نقله من الأصل مباشرة. فإن إملاء إنسان وكتابة آخر يخشى منه الخطأ السمعي الذي تقدم بيانه في المقدمة في السبب السادس، ويخشى منه غير ذلك كما يأتي في العمل الخامس.","vol":"23","page":23},{"text":"٨ - مرَّ في المقدمة في السبب الخامس ما يخشى على الناظر في الأصل ــ سواءً كان الناسخ أو المملي ــ من الخطأ، فينبغي أن يكون للناظر علامة يؤمن من تحولها عن موضعها بدون إرادته. وحبذا لو اتخذ مسطرة هكذا ـا يكون طولها بمقدار عرض ورقة الأصل، وتكون معها صفيحة بطولها تُضَمُّ إليها بلولب في الطرف. فتدخل الصفيحة تحت الصفحة التي يراد نقلها، والمسطرة فوقها، فتكون المسطرة أسفل من السطر [ص ٢١] الذي ينتهي إليه، وطرفها المنتصب عقب الكلمة التي ينتهي إليها فيما يتحفظه الناسخ ليكتبه. وهكذا تحول بعد كل نظرة.\n٩ - إن اشتبه على الناسخ الموضع الذي انتهى إليه من الأصل فلا ينبغي أن يكتفي بأن يرى في الأصل مثل الكلمة الأخيرة التي هي آخر ما كتبه بل ولا الجملة، فإن مثل ذلك قد يقع في موضعين أو أكثر من الكلام، بل يستظهر بمقابلة سطر أو سطرين أو أكثر.\n١٠ - إذا انتهى وقت الكتابة وأراد أن يطوي الأصل ثم يعود في الوقت الثاني للكتابة، فالأولى أن يدع المسطرة بحالها، ويحفظ الأصل في موضع يأمن فيه من تحوُّل المسطرة عن موضعها، أو يعُدَّ سطور صفحة الأصل، ويُقيِّد في مذكرته السطر الذي انتهى إليه، مع رقم الصفحة وتاريخ اليوم والوقت. فإن لم يكن الأصل مرقم الصفحات وضع ورقة خاصة يكتب فيها ما ذكر من عدد السطر والتاريخ، ووضع الأصل في موضع يأمن فيه من ضياع تلك العلامة أو سقوطها أو تحويلها.\n١١ - كثيرًا ما تسقط من النسخ أوراق، أو يقع في الأوراق تقديم وتأخير، أو تلتصق ورقة بأخرى؛ فينبغي للناسخ أن لا ينتقل من صفحة إلى","vol":"23","page":24},{"text":"أخرى حتى يثق بأنها هي التي تليها. فإن اتضح له عدم الاتصال بدأ فتصفح أوراق الكتاب، فإن تبيَّن له بيانًا واضحًا أن في الأوراق تقديمًا وتأخيرًا راجَعَ المصحح أو رجلًا آخر من أهل العلم ويعمل بقوله، [ص ٢٢] ويشرح ذلك في هامش النقل. وإن بان له أن بعض الأوراق سقط راجَعَ ملتزم الطبع. فإن أمَره بمواصلة الكتابة عَمِل بذلك وبيَّن في موضع السقط من هامش النقل أن هناك سقطًا لبعض الأوراق. وإن لم يتبين له شيء، وشكَّ في الاتصال وعدمه، راجَعَ المصحح أو رجلًا آخر من أهل العلم.\nوأولى من هذا كله أن يبدأ المصحح أو رجل من أهل العلم بتصفح النسخة قبل النسخ، فإن وجدها متصلة الأوراق، لا سقط فيها ولا تقديم وتأخير، فذاك؛ وإلّا أرشد الناسخ إلى ما يلزم.\nولا يكتفي لمعرفة الاتصال بمطابقة \"التَّرْك\" (^١) (وهو الكلمة التي تكتب على طرف آخر الورقة) لأول الورقة التي تليها، فإنه قد يتفق الترك في ورقة مع أول ورقة أخرى غير التي حقها أن تليها. وربما سقط بعض الأوراق أو يقع تقديم وتأخير، فيجيء مالك النسخة التي يريد بيعها، فيكتب على طرف آخر الورقة مثل الكلمة في أول الورقة التي تليها في تلك النسخة إما جهلًا وإما غشًّا. وكذلك لا يكتفي بتسلسل الأرقام فإنه قد يقع الغلط فيها والاشتباه، وقد تكون كتابتها حديثة بعد وقوع السقط أو التقديم والتأخير إما جهلًا وإما غشًّا، بل الدليل القوي اتصال الكلام وتسلسل العبارة، وأقوى من ذلك مراجعة نسخة أخرى.\n_________\n(^١) يعني التعقيبة. وهو من مصطلحات علماء الهند، ومثله \"الركاب\". انظر \"فرهنك آصفيه\" (١/ ٦١٠) وقد تمَّ تأليفه سنة ١٨٩٥ م.","vol":"23","page":25},{"text":"١٢ - ينبغي للناسخ أن يبين في النقل مبادئ الصفحات. [ص ٢٣] والمستشرقون ومن تبعهم يلتزمون بيان ذلك في المطبوع وإن تعددت النسخ، وهو جيد.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-31> العمل الخامس: مقابلة المسودة على الأصل</span>\nوالمقصود منه تتميم العمل الرابع، ومع ذلك فليس بالأمر الهين، فينبغي:\n١ - أن يكون كل من المقابلَين من أهل العلم والأمانة والتيقظ.\n٢ - أن يكون الذي بيده الأصل عارفًا بالخطوط القديمة واصطلاحاتها ولاسيما خط الأصل.\n٣ - أن يكونا ممارسين متيقِّظين لأسباب الغلط، وقد مرت في المقدمة ص ٤ ــ (^١).\n٤ - لِيرفَع القارئ صوته ويرتل القراءة، ويُحْسِن الآخر الإصغاء، ولا يشتغل واحد منهما بشيء غير المقابلة.\n٥ - ليكن بيد كل منهما عود أو نحوه، يقتص به المقروء كلمة كلمة. بل الأحوط استعمال كل منهما المسطرة المارَّ وصفُها في العمل الرابع ص ٢٠، فإن وقفا احتاطا لموضع الوقف بنحو ما مرَّ في العمل الرابع ص ٢١.\n٦ - لِيستفهِم السامعُ صاحبَه إذا خفي عليه شيء، ويستعيده إذا اشتبه عليه الموضع الذي انتهى إليه؛ ولا ينبغي لهما ولا لأحدهما استثقالُ ذلك. فإن كان أحدهما متكاسلًا أو متشاغلًا فأهمل الاحتياط أو أكثر من الاستفهام\n_________\n(^١) كذا وضع شرطة بعد رقم الصفحة، ويعني: الصفحة الرابعة فما بعدها. وقد استمر ذكرها إلى آخر المقدمة.","vol":"23","page":26},{"text":"والاستعادة حتى عظمت المشقة على صاحبه وجب وقف العمل. وليحذرا كل الحذر من التساهل، وإن كان الغالب في النقل الصحة، فإن من عقوبة المتساهل [ص ٢٤] أن يوافق تساهله مواضع الغلط.\n٧ - ليحذر كل منهما من أن ينطق بغير ما في الكتاب، فإن دعته حاجة احتاط كل الاحتياط بحيث يستيقن أنه لا يمكن أن يشتبه الأمر على صاحبه.\n٨ - ينبغي أن يحتاط الذي بيده النقل في الإصلاح والإلحاق وإخراج الزائد، فيتحرى البيان الواضح في ذلك بحيث يؤمن من الاشتباه فيما بعد.\n٩ - ليستحضر الذي يكون بيده الأصل ما تقدم في العمل الرابع في فرع ٣ و٤ و٥ و٦ ص ١٩ ــ (^١).\nتقدم أن على الناسخ أن لا يزيد ولا ينقص ولا يغير حتى الشكل والعلامات، ولا يحاول إيضاح مشتبه. وكثيرًا ما يخالف الناسخ في ذلك ولا تنكشف مخالفته للمقابلين إذا لم يتيقظا ويدققا، وكذلك بقية ما تقدم.\nوكما أن زلل الناسخ قد لا تكشفه المقابلة إذا لم يبالغ في الاحتياط فيها، فكذلك زلل المقابلة بالتساهل لا ينكشف للمصحح إلَّا أن يعود فيقابل مرة أخرى؛ فيجب لإتقان العمل أن يحتاط في كل عمل من الأعمال.\n١٠ - إذا رأى الذي بيده النقل اشتباهًا ما في كلمة أو حرف أو نقط أو شكل أو علامة، فعليه أن يوضحه إيضاحًا بيِّنا بحيث يؤمن من اشتباهه بعد ذلك، وكذلك يتحرى الإيضاح البيِّن في كل ما يلحقه أو يصلحه.\n_________\n(^١) انظر التعليق السابق.","vol":"23","page":27},{"text":"١١ - السماح للمقابلين بالتغيير الإصلاحي كنقط ما لم ينقط في الأصل وحقُّه النقط، يخشى منه أن يخطئا فيه؛ ومنعُهما من ذلك يؤدي إلى صعوبة المقابلة أو التقصير فيها. وذلك أن الناسخ قد يكون تصرَّف تصرُّفًا لا يظهر للمقابلين بقراءة أحدهما، كأن زاد أو نقص نقطًا أو شكلًا في موضع صالح لذلك، أو فصَلَ ما هو موصول في الأصل أو عكسه ونحو ذلك. راجع أسباب الغلط في المقدمة.\n[ص ٢٥] فالأولى: السماح لهما بما يتبين لهما صوابه بعد أن يكونا من العلم والمعرفة والتحري والممارسة بحيث يندر خطاؤهما، وليحتاطا مع ذلك جهدهما؛ ثم يكون الأصل أمام المصحح العلمي وقت التصحيح، وليكثر من مراجعته حتى كأنه يقابل عليه مرة أخرى.\nتنبيه:\nقد يُكتفى من المقابلة بأن يقابل رجل واحد مع نفسه. وهذا وإن كان أحوط من بعض الجهات فإنه مظنّة التساهل والتسامح المؤدي إلى إخلال شديد، لأن ما فيه من كثرة التعب يهوِّن على النفس التسامح. نعم، إذا وقعت المقابلة بين رجلين، ثم قابل رجل مع نفسه لمزيد التثبت، فحسنٌ.\nوإذا ابتدأ رجل فقابل مع نفسه، أو كانت المقابلة بين اثنين ولكن على وجه لا يوثق به، كأن كان أحدهما أو كلاهما ممن لا يوثق بعلمه أو بتحريه واحتياطه= وجب إعادتُها على الوجه الموثوق به.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-34> العمل السادس: مقابلة المسودة على أصل آخر فأكثر</span>\nالمقصود من هذا العمل تقييد اختلافات النسخ في المسودة، لتكون","vol":"23","page":28},{"text":"المسودة جامعة لما في تلك النسخ، ثم يتصرف فيها المصحح بما يقتضيه التصحيح، كما يأتي في بابه إن شاء الله تعالى، فيأتي هنا عامة ما تقدم في العمل السابق.\nولابد أن يكون المقابلان من أهل [ص ٢٦] العلم والمعرفة والممارسة ولاسيما لفن الكتاب، وأن يستحضرا أسباب الغلط التي مرت في المقدمة، ويحرص كل منهما على فهم عبارة الكتاب كما يجب؛ فإن ذلك مَنْبَهَةٌ على الغلط. وبالتنبُّه للغلط يستعان على تبيُّن اختلاف النسخ الاختلافَ الذي لا يظهر بالنطق إمَّا لتماثل الصورتين في النطق مثل \"منوال\" و\"من وال\"، و\"ادع الله\" و\"ادعوا الله\"؛ وإما لاشتباههما لتقارب مخارج الحروف، وإما لإسراع القارئ في القراءة، أو تسامح الناظر في تحقيق الاستماع وتحقيق النظر.\nوبالجملة فالمدار على جودة المعرفة، وطول الممارسة، وصدق التثبت، والحرص على الوفاء بالمقصود. فإذا اختل شيء من ذلك في المقابلين أو أحدهما لم يوثق بالمقابلة. وإذا توفرت الشروط، فالأولى السماح لهما باطراح الاختلافات التي يتضح لهما جدًّا أنه لا فائدة في التنبيه عليها، إذ لو كُلِّفا إثباتها زادت المشقة، وأبطأ العمل، وكثر السواد في المسودة؛ فيعسر الطبع عنها، وليحتاطا في ذلك جهدهما.","vol":"23","page":29},{"text":"[ص ٢٧]<span data-type=\"title\" id=toc-35> الباب الثاني\nتصحيح الكتاب</span>\nيطلق التصحيح على عملين:\nالأول: تصحيح الكتاب التصحيحَ العلميَّ بنفي ما في الأصل أو الأصول من الخطأ، وترتيب مسودة صحيحة.\nالثاني: تصحيح الطبع بنفي ما يقع في تركيب حروف الطبع من الخطأ المُخالف لما في المسودة، وتطبيق المطبوع على المسودة المصححة.\nوقد يخلط هذان العملان بأن لا تكون هناك مسودة مصححة، بل يحاول القائمان بتصحيح الطبع أن يقوما بالتصحيح العلمي حال تصحيح الطبع، وهذا تهويش لا يصلح لوجوه:\nمنها: أن التصحيح العلمي يستدعي التثبت والمراجعة، فمقدار العمل غير معين، فقد لا يمكن المصحح أن يصحح في اليوم إلَّا صفحة واحدة، ومثل هذا لا يتأتى وقت الطبع لأنه لابد وقت الطبع من تقدير العمل بثماني صفحات في اليوم أو أكثر، لئلّا يبقى عمَّال المطبعة بغير عمل.\nومنها: أنه كثيرًا ما يمر المصحح بالخطأ ولا يتنبه له أو لا يهتدي لصوابه، ثم يرد عليه في الكتاب نفسه أو فيما يراجعه بعد ذلك ما يرشده إلى الصواب؛ فالمصحح في المسودة إذا وقع له مثل هذا عاد فأصلح ما تركه. ولا يمكن هذا في التصحيح وقت الطبع، لأن الكراسة التي تقدم فيها الخطأ تكون قد طبعت وفرغ منها.","vol":"23","page":30},{"text":"ومنها: أنه يكثر لأجل التصحيح التغيير والإصلاح وتعليق الحواشي وهذا إذا تجدد وقت الطبع شقَّ على مُركِّبي الحروف واستدعى وقتًا [ص ٢٨] زائدًا، فلا يمكن مع الوفاء به توفية المقدار المقرر للطبع. وربما يشتغل المصحح بالتصحيح، ويشتغل الطابعون بالطبع؛ فكلما فرغ من كراسة سلَّمها إليهم للطبع. وهذا أقرب من الذي قبله ولكنه ليس بجيد، لأن فيه تضييق الوقت على المصحح؛ إذ يلزمه أن يصحح كل يوم المقدار الذي يكفي للطبع في اليوم الثاني مثلًا. وهذا لا يتأتى له مع الوفاء بحق التصحيح، إذ قد لا يُمكنه أن يتقن في اليوم إلَّا تصحيح صفحة واحدة.\nفالصواب أن لا يشرع في طبع الكتاب حتى يتم تصحيحه، أو على الأقل تصحيح قطعة كبيرة منه، يغلب على الظن أن الطابعين لا يفرغون من طبعها حتى يفرغ المصحح من بقية الكتاب أو قطعة أخرى كبيرة منه على الأقل.\nهذا، وقد اصطلح المصريون أخيرًا على تسمية التصحيح العلمي \"تحقيقًا\" تمييزًا له عن التصحيح الطباعي، والأوضح: التمييز بالصفة كما ترى. وهذا الباب معقود للتصحيح العلمي كما علمت، وفيه مباحث:\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-38> المبحث الأول: في الحاجة إليه</span>\nهاهنا آراء:\nالأول: يرى بعض الناس أن الكتب القديمة التي لم تطبع إذا وجدت منها نسخة قديمة جيدة في الجملة كفى في إحياء الكتاب ونشره أن [ص ٢٩] يطبَّق المطبوع على تلك النسخة لأن المهم إنما هو تدارك ذاك الكتاب، فإذا","vol":"23","page":31},{"text":"طبِّق المطبوع على تلك النسخة، ثم طبع منه ألف نسخة، فكأنه قد حصل من أمثال تلك النسخة ألف نسخة، وكل من وقع له نسخة من المطبوع كأنه وقعت له تلك النسخة القلمية نفسها.\nوقد طبع المستشرقون \"أنساب السمعاني\" بالزنكوغراف ونشروه، فانتفع الناس به، وراجت نسخه على غلاء ثمنها مع ما فيه من الأغلاط الكثيرة. وفي هذا الصنيع تقليل للعمل وتوفير للنفقات، وذلك مما يرغِّب ملتزمي الطبع في طبع المؤلفات القديمة. وبذلك تخف قيم المطبوعات لقلة الغرامة في طبعها، فيسهل اقتناؤها على الراغبين مع الوفاء بالأمانة كما ينبغي. فإن كان هناك في الأصل أغلاط، فكلُّ عالم تقع له نسخة من المطبوع يصحح لنفسه.\nأقول: أما إذا كان الطبع بالزنكوغراف، كما طبع \"أنساب السمعاني\"، فإن الأمر كما وصف؛ لكن في هذا الصنيع مفسدة، وهي أن الباعث على طبع الكتب القديمة أحد أمرين: إما طلب الربح وهو الغالب، وإما الرغبة في نشر ذاك الكتاب خدمةً للعلم أو إظهارًا لفضل مؤلفه أو غير ذلك؛ فإذا طبع الكتاب مرةً ضعفت الرغبة في طبعه مرةً أخرى.\nأما طالبُ الربح فإنه لا يرجو ربحًا في الطبع مرة أخرى، لأنه يرى أن أكثر الراغبين في اقتناء الكتاب قد استغنوا بالطبعة الأولى. وأما الراغبُ في [ص ٣٠] نشر الكتاب فإنه يرى أنه قد انتشر بالطبعة الأولى. فطبعُ الكتاب من شأنه أن يحرم أهلَ العلم بقية نسخه الصحيحة إلى أمد طويل على الأقل، كما هو الشأن في \"أنساب السمعاني\"؛ فإن نسخه القلمية موجودة في مكاتب العالم ولم تتجه الرغبات إلى طبعه بعد تلك الطبعة إلى الآن،","vol":"23","page":32},{"text":"مع حاجة كثير من أهل العلم إلى ذلك، لما يجدونه في تلك الطبعة من النقص والخلل.\nنعم، إذا كانت النسخة القلمية المطبوع عنها بغاية الجودة والصحة، فالطبعُ عنها بالزنكوغراف وافٍ بالمقصود، بل هو أولى من الطبع عنها وعن غيرها بالحروف؛ لأن الطبع بالحروف لا يخلو من تصرف النساخ والمصححين والمُركِّبين، فلا يوثق كل الوثوق بمطابقته للأصل القلمي الموثوق به، كما يوثق بمطابقة المطبوع بالزنكوغراف.\nأما إذا كان الطبع بالحروف على هذا الرأي، ففيه مع المفسدة المذكورة مفسدة أكبر، وهي أنه لا يمكن فيه تطبيق المطبوع على الأصل القلمي لوجوه:\nمنها: أن من الحروف ما تتحد صورها، وإنما يميز بينها النقط، كما مر تفصيله في المقدمة. والأصول القلمية كثيرًا ما يهمل فيها النقط، ولا يمكن تطبيق ذلك في الطبع بالحروف، كما إذا وقعت في الأصل كلمة \"مفيد\" بلا نقط، واحتملت أن يكون \"مفيد\" أو \"مفند\" أو \"مفتد\" أو \"مقتد\" أو \"مقيد\" أو غير ذلك، فكيف تطبع؟\nومنها: أنه قد يقع الاشتباه في [ص ٣١] النسخة في موضع النقط، فيحتمل أن يكون على هذا الحرف، أو الذي يليه، أو تحت هذا الحرف في السطر الأعلى، أو تحت الذي يوازيه في السطر الأسفل. وهذا لا يتأتى تصويره في الطبع بالحروف.\nومنها: أنه قد تشتبه في النسخة صورة النقط، فيحتمل أن تكون نقطة أو","vol":"23","page":33},{"text":"اثنتين، كما قد تشتبه النقطتان بالفتحة أو الكسرة، وتشتبه كل من (ب ت ث ن ي) في الابتداء بالميم، وأحدها يليه ميم في الابتداء بالعين والغين، وأحدها في الأثناء، وكذا العين والغين بالفاء والقاف، وتشتبه الزاي بالنون، والدال والذال بالراء والزاي، وتشتبه الفاء والقاف مفردتين أو في الأخير بالنون، إلى غير ذلك، مما يكثر جدًّا؛ فلا يتأتى التطبيق في الطبع بالحروف.\nفإن قيل: يترك في المطبوع في مواضع الاشتباه بياض، أو يطبع كما اتفق وينبه في الحاشية على الواقع ويشرح فيه بالعبارة الصورة التي وقعت في الأصل حتى كأنها مشاهدة؛ فيدفعه أنه قد يكثر في النسخة الاشتباه، فتكثر هذه الحواشي، وتزيد نفقات الطبع؛ على أن بعض الكلمات المشتبهة تحتاج في شرح صورتها بالعبارة إلى أسطر، وقد يقع الاشتباه على وجه لا يمكن بيانه بالعبارة.\nوإن قيل: أما هذه المواضع، فيبحث فيها عن الصواب، وتثبت في المطبوع على الصواب؛ فقد رجعتم إلى التصحيح العلمي. والغالب أن ملتزم الطبع الذي عزم على طبع الكتاب بمجرد التطبيق على الأصل إنما يَكِل العمل إلى من تقلُّ أجرته، والغالب أنه لا يكون أهلًا [ص ٣٢] للتصحيح العلمي فيخبط خبط عشواء. فإن كان أهلًا للتصحيح، فلماذا لا يكلَّف التصحيحَ الكاملَ، فتتم الفائدة، وتحسن سمعة المطبعة، ويوفى بحق العلم؟\nومن المفاسد: أن من عادة المطبوعات التصحيح في الجملة، فالعالم إذا رأى المطبوع ظن أنه مصحح، فاعتمد عليه؛ ولا كذلك في النسخ القلمية.\nفإن قيل: يكفي في دفع هذا أن ينبه في لوح المطبوع على أنه إنما اقتصر","vol":"23","page":34},{"text":"فيه على التطبيق على النسخة. قلت: كفى بهذا حطًّا لقيمة المطبوع، وتزهيدًا للناس فيه. ولهذا لا تجد مطبوعًا إلَّا ويدعي طابعه أنه اعتنى بتصحيحه وبالغ، رغمًا عن أن كثيرًا منها مشحون بالأغلاط. وهذه الطبعة الأولى من تفسير ابن جرير بمطبعة الميمنية بمصر مثبَتٌ في طُرة كل من أجزائها الثلاثين بعد ذكر أن الكتاب طبع عن نسختين: \"وقد بذلنا الطاقة في تصحيحها ومراجعة ما يحتاج إلى المراجعة من مظانه الموثوق بترجيحها مع عناية جمع من أفاضل علماء مصر بالتصحيح تذكر أسماؤهم في آخر الكتاب\".\nولم أر في آخر الكتاب اسم أحد من العلماء إلا \" .... مصححه محمد الزهري الغمراوي\". فكأن هذا الرجل هو القائل: \"قد بذلنا ... \" وهو نفسه الجمع من علماء مصر! وما زعمه من مراجعة المظان لا يكاد يظهر له أثر في الكتاب على طوله، وكذلك المقابلة على نسختين؛ فإن المطبوع مشحون بالأغلاط، وكثير منها جدًّا يبعد أن يتفق عليه أصلان، وكثير منها جدًّا يمكن تصحيحه بأدنى مراجعة للمظان، والله المستعان. بل إن في المطبوعات الحديثة بمصر ما يقارب هذا.\n[ص ٣٣] ومن المفاسد: أن يكثر في الأصول القلمية الأغلاط الواضحة. فإن قيل: يطبع كذلك، كان ذلك ممَّا يُرغب الناس عن المطبوع، ويسيء سُمعة المطبعة جدًّا.\nوإن قيل: أما هذا فيصحَّح، فقد رجعتم إلى التصحيح. ثم إن كان الموكول إليه ذلك أهلًا للتصحيح، فلماذا لا يكلَّف التصحيح الكامل؟ وإن لم يكن أهلًا كان في ذلك مفسدة أعظم، فإن القاصر يحسب كثيرًا من","vol":"23","page":35},{"text":"الصواب خطأ واضحًا، كما يعرفه من ابتلي بالتصحيح من أهل العلم مع هذا الضرب. فالإذن للقاصر بتصحيح ما يراه خطأً واضحًا نتيجته أن يضاف في المطبوع أغلاط كثيرة إلى أكثر أغلاط الأصل القلمي مع إيهام أنها فيه.\nالرأي الثاني: يظهر مِن تصفح كثير من الكتب المطبوعة أن طابعيها يرون قريبًا من الرأي الأول، إلا أنهم لا يقدمون على طبع كتاب حتى تحصل لهم نسختان فأكثر، فتجعل واحدة أصلًا، وينبه في الحواشي على مخالفات الأخرى. وهذا الرأي في معنى الأول إلا أنه يخف فساده إذا كانت النسختان أو النسخ كلها واضحة الخط جيدة الصحَّة، وجُعلت الأجود أصلًا؛ لكن الجودة الموثوق بها في النسخ القلمية عزيزة. ومع ذلك فعند الاختلاف قد يتفق أن يثبت الخطأ في المتن والصواب في الحاشية، وهو خلاف ما ينبغي. وقد يسأم المصحح من كثرة الاختلاف فيُغفل كثيرًا منه، وملتزم الطبع قد يحض [ص ٣٤] على تقليل الحواشي لتخف النفقات. والغالب أن يوكل إلى المصحح أن يقتصر على إثبات الاختلافات المهمة، فإن لم يكن أهلًا للتصحيح العلمي خبط خبط عشواء؛ فكثيرًا ما يثبت في المطبوع الأغلاط الفاحشة، ويكون الصواب في بعض النسخ القلمية، ولكنه أغفله لتوهمه أنه هو الخطأ.\nالرأي الثالث: الرأي الثالث كالذي قبله إلَّا أنه يزيد بمراجعة كثير من المظان من الكتب الأخرى، وينبه على الاختلافات. والحال في هذا كالذي قبله.\nالرأي الرابع: يظهر من تصفح كثير من المطبوعات أنه اعتمد فيها التصحيح العلمي، إلا أن مصححيها أغفلوا التنبيه على ما خالفوا فيه الأصل","vol":"23","page":36},{"text":"أو بعض الأصول، واقتصروا على إثبات ما رأوه الصواب. وفي هذا خلل من جهات:\nالأولى: أننا نقطع أن مُصححي تلك الكتب لم يكن عندهم دليل على صحة جميع ما أثبتوه في المطبوع، بل لابد أن يكونوا أثبتوا كثيرًا لأنه كذلك في الأصل أو الأصلين فأكثر، ولم يقم عندهم دليل على خطائه. فعلى هذا لا يتميز للناظر في المطبوع ما كان ثابتًا في الأصول مما كان الثابت فيها خلافه ولكن المصحح قضى عليه بأنه خطأ. وإذا لم يتميز ذا من ذاك ضعفت الثقة بالمطبوع، فإنها إذا اختلفت الكتب القلمية في كلمة مثلًا ولم نظفر بدليل كان الراجح ما في الأكثر. والنسخة القلمية أرجح عند العالم من مطبوع هذا الطبع [ص ٣٥] لأن من شأن النُسَّاخ اتباع الأصول، ومن شأن المصححين التصرف، وإذا لم يشتهر المصحح بسعة العلم والضبط والتثبت لم يوثق برأيه. ويزيد الاعتماد على ما طُبِعَ هذا الطبعَ ضعفًا أن العالم يجد فيه غير قليل من الأغلاط، وبعضها مما يبعد توارد النسخ عليه، بل لقد يظهر في بعضها أنه لم يكن في أصل قلمي قديم؛ وهذا يدل على أن المصحح ليس بالصفة التي تُسوِّغ أن يعتمد عليه.\nالجهة الثانية: أنه يمتنع عادة أن لا تختلف النسخ، وإذا اختلفت فيمتنع عادة أن يتبين الصواب للمصحح في جميع المواضع بيانًا واضحًا يسوغ له أن يهمل معه التنبيه على الخلاف، بل لابد أن يتردد في مواضع، ويترجح لديه أحد الوجهين أو الأوجه في بعض المواضع رجحانًا ضعيفًا، وفي هذين يجب التنبيه على الخلاف. فإذا لم يوجد بهامش المطبوع عن أصلين فأكثر شيء من التنبيه على اختلاف النسخ أو وجد قليلًا جدًّا ظهر أن مصححيه","vol":"23","page":37},{"text":"أهملوا هذا الواجب.\nالجهة الثالثة: أن في طبع الكتاب ونشره إتلافًا لأكثر نسخه القلمية، لأن الناس يستغنون بالمطبوع، فتنزل قيمة النُسخ القلمية جدًا، فيضعف الاعتناء بحفظها، فيسرع إليها التلف، ويتلف معها كثير من الفوائد التي أهملت في المطبوع. فمن الحق على من يتعاطى طبع كتاب أن يحرص على جمع نسخه الجيدة، واستيفاء ما فيها مما يحتمل أن يكون له فائدة، ومن ذلك أكثر الاختلافات بينها.","vol":"23","page":38},{"text":"[ص ٣٦] الرأي المختار\nتصحيح الكتاب معناه: جعلُه صحيحًا، ولصحة المطبوع ثلاثة اعتبارات:\nالأول: مطابقته لما في الأصل القلمي فأكثر.\nالثاني: مطابقة ما فيه لما عند المؤلف.\nالثالث: مطابقة ما فيه للواقع في نفس الأمر.\nمثال ذلك: اسم \"عرابي\" بن معاوية. صححوا أنه بعين وراء، وأن البخاري ذكره بغين معجمة وراء. فإذا وقع في أصل قلمي من \"تاريخ البخاري\" مثلًا بعين مهملة وزاي، فإن أثبت في المطبوع كذلك ساغ أن يقال أنه صحيح بالنظر إلى مطابقته للأصل القلمي لكنه خطأ بالنظر إلى ما عند المؤلف، وبالنظر إلى ما في نفس الأمر. وإن أثبت بعين مهملة وراء كان صحيحًا بالنظر إلى ما في نفس الأمر لكنه مخالف لما في الأصل، ولما عند المؤلف. وإن أثبت بغين معجمة وراء، صح أن يقال إنه صحيح بالنظر لما عند المؤلف لكنه مخالف لما في الأصل، وخطأ في نفس الأمر. وإذا ثبت في المطبوع على أحد الأوجه الثلاثة ولم ينبه على خلاف ذلك كان الظاهر أنه كذلك في الأصل القلمي، وكذلك هو عند المؤلف، وكذلك هو في نفس الأمر؛ فيكون ذلك خطأ وكذبًا من وجهين.\nفالتصحيح العلمي حقُّه مراعاةُ الأوجه الثلاثة، بأن يثبت الاسم في الأصل على أحد الأوجه، وينبَّه في الحاشية على الوجهين الأخيرين.","vol":"23","page":39},{"text":"والصواب في هذا المثال أن يثبت الاسم في المطبوع بالغين المعجمة والراء لأن الكتاب كتاب البخاري، والمقصود فيه [ص ٣٧] نقل كلامه بأمانته، وأهل العلم ينقلون عن الكتاب فيقول أحدهم: قال البخاري في التاريخ: \" .... \" فيسوق العبارة كما يجدها في المطبوع. ثم لْيُنبَّه في الحاشية على الوجهين الأخيرين، كأن يقول: \"هكذا يقوله البخاري بدليل \" ... \"، ووقع في الأصل \"عزابي\"، وقال فلان \" ... \" فيذكر ما صححه أهل العلم من أنه \"عرابي\" بالعين المهملة والراء.\nفإذا لم يعرف ما عند المؤلف فالظاهر أنه موافق لما في نفس الأمر، وإذا لم يعرف ما في نفس الأمر فالظاهر أنه موافق لما عند المؤلف، وإذا لم يعرف ذا ولا ذاك بعد البحث فالظاهر أن ما في الأصل القلمي موافق لهما؛ لكن ليس للمصحح أن يستغني بهذا الظاهر عن البحث والتنقيب. فإن اختلفت الأصول رجح بالكثرة والجودة والقياس، وينبه على الوجه الآخر في الحاشية، مع بيان وجه الترجيح إن لم يكن ظاهرًا.\nوقريب من اختلاف الأصول أن تقع الكلمة في أصل الكتاب على وجه، وفي كتاب آخر فأكثر على خلافه. لكن الأولى في هذا أن يثبت في متن المطبوع ما في أصل الكتاب، وينبه على ما خالفه في الحاشية، اللهم إلَّا أن يترجح عنده رجحانًا بيِّنًا أن ما في الأصل من خطأ النساخ؛ فحينئذ يثبت في متن المطبوع ما تبين له أنه الصواب، وينبه في الحاشية على ما وقع في الأصل مع بيان وجه ضعفه إن لم يكن ظاهرًا.\nوحيث وقع في الأصل على وجهٍ، وفي كتاب آخر فأكثر على خلافه، وترجح عند المصحح ما في [ص ٣٨] الأصل؛ فإنه يتبع ما في الأصل، ولا","vol":"23","page":40},{"text":"يلزمه التنبيه على ما في الكتب الأخرى، لأنه غير مكلف بتصحيحها؛ اللهم إلَّا أن يكون وجه صحة ما في الأصل خفيًّا، ويخشى أن يتعقبه متعقب بما في الكتب الأخرى، فينبغي في مثل هذا أن ينبه على ما في الكتب الأخرى، مع بيان الدليل على صحة ما في الأصل.\nفأما اختلاف الأصول، فلابد من التنبيه عليه على كل حال، اللهم إلَّا أن يكون منها أصل رديء كثير الأغلاط، فيشق التنبيه عليها تفصيلًا؛ فيكفيه التنبيه الإجمالي في مقدمة الطبع بأن يذكر ذاك الأصل الرديء وكثرة أغلاطه وأنه لم يلتزم التنبيه عليها تفصيلًا.\nوكذلك لا يلزمه التنبيه على الاختلافات الصورية، كالاختلاف في الرسم مثل إبراهيم بألف وبدونها، وإهمال النقط ونحو ذلك. والمردُّ إلى اجتهاده، فما رأى أن للتنبيه عليه فائدة نبَّه عليه، وما لا فلا.\n<span data-type=\"title\" id=toc-48>تنبيه:\nإذا حكى المؤلف عن غيره كلامًا فلابد من رعاية ما عند المحكى عنه وإن خالف ما عند المؤلف</span>، لأن الظاهر أن المؤلف حكى كلام ذاك الرجل بأمانته. فإذا حكى ابن أبي حاتم مثلًا في كتابه عن البخاري كلامًا يتعلق بعرابي بن معاوية، فالظاهر أن اسم عرابي يكون في ذاك الكلام بالغين المعجمة. فإن وقع في أصل كتاب ابن أبي حاتم بالمهملة وجب إثباته في متن المطبوع بالمعجمة، والتنبيه في الحاشية على ما وقع في الأصل [ص ٣٩] وعلى الحامل على مخالفته. لكن إذا احتمل احتمالًا قويًّا أن يكون ابن أبي حاتم جهل ما عند البخاري، أو تصرف في عبارته فغيَّر بعض ما فيها، ففي","vol":"23","page":41},{"text":"هذا يُثبَت في متن المطبوع كما في الأصل، وينبه في الحاشية على ما عند البخاري.\nفصل\nالوفاء بما تقدم ليس بالأمر السهل، فينبغي أن نشرح الأمور الضامنة للوفاء به:\n١ - ينبغي أن يكون المصحح متمكنًا من العربية والأدب وعلم رسم الخط، متمكنًا من فن الكتاب، مشاركًا في سائر الفنون، واسع الاطلاع على كتب الفن، عارفًا بمظان ما يتعلق به من الكتب الأخرى، كأن يعرف أن من مظان ضبط الأسماء والأنساب الغريبة: \"لسان العرب\" و\"القاموس\" و\"شرحه\"، وأن من مظان تراجم التابعين: \"الإصابة\" فإنها تقسم كل باب إلى أربعة أقسام: الأول الصحابة الثابتة صحبتهم، والثلاثة الأخرى غالبها في التابعين.\n\n٢ - ينبغي أن يكون العمل في المُسوَّدة قد جرى على ما تقدم في الباب الأول، لتكون اختلافات النسخ ماثلة أمام المصحح؛ ثم لا يغنيه ذلك عن حضور الأصول أمامه ليراجعها عند الحاجة.\n٣ - ينبغي أن يحضر عنده ما أمكن إحضاره من كتب الفن وما يقرب منها. فإذا كان الكتاب في فن الرجال احتيج إلى حضور كتب الحديث والتفسير المسند كـ\"تفسير ابن جرير\" والسير والتواريخ ــ ولاسيما المرتبة على التراجم ــ[ص ٤٠] و\"الأغاني\" و\"لسان العرب\" و\"شرح القاموس\" ومعاجم الشعراء والأدباء والنحاة والقضاة والأمراء والأشراف والبخلاء","vol":"23","page":42},{"text":"وغيرهم، ومن كتب الأدب ككتب الجاحظ و\"كامل\" المبرد و\"معارف\" ابن قتيبة و\"عيون الأخبار\" له و\"أمالي القالي\".\nوبالجملة ينبغي أن تكون بحضرته مكتبة واسعة في جميع الفنون، ويكون عارفًا بمواضع الكتب منها، ويرتبها في القرب منه على حسب ما يعرف من مقدار الحاجة إليها، فيكون أقربها إليه ما تكثر الحاجة إليه، ثم ما يلي ذلك على درجاته.","vol":"23","page":43}]}