{"ً":{"ٌ":523,"ٍ":"مزيد فتح الباري بشرح البخاري - مخطوط","َ":3,"ُ":3,"ّ":"الكتاب: مزيد فتح الباري بشرح البخاري\nالمؤلف: إبراهيم بن علي برهان الدين النعماني الشافعي (٨٢٨ - ٨٩٨ هـ)\nاعتنى به: دار الكمال المتحدة\nالناشر: عطاءات العلم - موسوعة صحيح البخاري،  https://bukhari-pedia.net\nالنشرة: الأولى، ١٤٤٠ هـ\nعدد أوراق المخطوط: ٢٨٣\nقدمه للشاملة: «عطاءات العلم» جزاهم الله خيرًا\nعمل المعتني بالكتاب: تم تنضيد القطعة الموجودة من الكتاب عن أصلها الخطي، ومقابلتها، ويجري العمل في مراجعة على مصادره، كما نسعى للحصول على قطعة مكتبة قاريونس من الكتاب.\n[الكتاب مخطوط، وترقيمه موافق لأوراق المخطوط]","ْ":"[مزيد فتح الباري بشرح البخاري]\n\n• وصف الكتاب الإمام السخاوي في «الضوء اللامع» فقال: شرع في الجمع بين شرحي شيخنا والعيني على البخاري فكتب منه جملة مع إضافة حاصل ما اشتمل عليه انتقاض الاعتراض … انتهى كلامه\n• ويفهم منه أنه لم يتمه آنذاك، قلت: ومع ذلك الجمع مناقشات علمية رصينة ومحاكمة رصينة جليلة بين كلام الإمامين مع زيادات بهيَّات ونكات لطيفات.","ٓ":"4.0","ٔ":3125,"ٕ":7,"ٖ":1770156292,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"كتاب الصلاة","level":1,"page":2},{"title":"باب سترة الإمام سترة من خلفه","level":2,"page":2},{"title":"حديث: أقبلت راكبًا على حمار أتان","level":3,"page":2},{"title":"حديث: أن رسول الله كان إذا خرج يوم العيد أمر بالحربة","level":3,"page":4},{"title":"حديث: أن النبي صلى بهم بالبطحاء وبين يديه عنزة","level":3,"page":8},{"title":"باب قدر كم ينبغي أن يكون بين المصلى والسترة","level":2,"page":11},{"title":"حديث: كان بين مصلى رسول الله وبين الجدار ممر الشاة","level":3,"page":12},{"title":"حديث: كان جدار المسجد عند المنبر ما كادت الشاة تجوزها","level":3,"page":13},{"title":"باب الصلاة إلى الحربة","level":2,"page":14},{"title":"حديث: أن النبي كان يركز له الحربة فيصلي إليها","level":3,"page":15},{"title":"باب الصلاة إلى العنزة","level":2,"page":15},{"title":"حديث: خرج علينا رسول الله بالهاجرة فأتي بوضوء","level":3,"page":15},{"title":"حديث: كان النبي إذا خرج لحاجته تبعته أنا وغلام ومعنا","level":3,"page":16},{"title":"باب السترة بمكة وغيرها","level":2,"page":17},{"title":"حديث: خرج رسول الله بالهاجرة فصلى بالبطحاء","level":3,"page":18},{"title":"باب الصلاة إلى الأسطوانة","level":2,"page":18},{"title":"حديث: رأيت النبي يتحرى الصلاة عندها","level":3,"page":19},{"title":"حديث: رأيت كبار أصحاب النبي يبتدرون السواري عند المغرب","level":3,"page":20},{"title":"باب الصلاة بين السواري في غير جماعة","level":2,"page":21},{"title":"حديث: دخل النبي البيت وأسامة بن زيد وعثمان بن طلحة وبلال","level":3,"page":21},{"title":"حديث: أن رسول الله دخل الكعبة وأسامة بن زيد","level":3,"page":22},{"title":"باب٧","level":2,"page":23},{"title":"حديث: أن عبد الله كان إذا دخل الكعبة مشى قبل وجهه","level":3,"page":23},{"title":"باب الصلاة إلى الراحلة والبعير والشجر والرحل","level":2,"page":25},{"title":"حديث: أن النبي كان يعرض راحلته فيصلي إليها","level":3,"page":25},{"title":"باب الصلاة إلى السرير","level":2,"page":27},{"title":"حديث عائشة: أعدلتمونا بالكلب والحمار لقد رأيتني","level":3,"page":28},{"title":"باب يرد المصلي من مر بين يديه","level":2,"page":29},{"title":"حديث: إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره من الناس","level":3,"page":31},{"title":"باب إثم المار بين يدي المصلي","level":2,"page":37},{"title":"حديث: لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه لكان","level":3,"page":37},{"title":"باب استقبال الرجل صاحبه أو غيره في صلاته وهو يصلي","level":2,"page":41},{"title":"حديث: لقد جعلتمونا كلابًا؟ لقد رأيت النبي يصلي","level":3,"page":43},{"title":"باب الصلاة خلف النائم","level":2,"page":44},{"title":"حديث: كان النبي يصلي وأنا راقدة معترضة على فراشه","level":3,"page":44},{"title":"باب التطوع خلف المرأة","level":2,"page":46},{"title":"حديث: قالت كنت أنام بين يدي رسول الله ورجلاي في قبلته","level":3,"page":46},{"title":"باب من قال: لا يقطع الصلاة شيء","level":2,"page":47},{"title":"حديث: شبهتمونا بالحمر والكلاب والله لقد رأيت النبي","level":3,"page":47},{"title":"حديث: لقد كان رسول الله يقوم فيصلي من الليل","level":3,"page":52},{"title":"باب إذا حمل جارية صغيرة على عنقه في الصلاة","level":2,"page":53},{"title":"حديث: كان يصلي وهو حامل أمامة بنت زينب بنت رسول الله","level":3,"page":53},{"title":"باب إذا صلى إلى فراش فيه حائض","level":2,"page":59},{"title":"حديث: كان فراشي حيال مصلى النبي فربما وقع ثوبه عليَّ","level":3,"page":59},{"title":"حديث: كان النبي يصلي وأنا إلى جنبه نائمة","level":3,"page":60},{"title":"باب هل يغمز الرجل امرأته عند السجود لكي يسجد؟","level":2,"page":60},{"title":"حديث: بئسما عدلتمونا بالكلب والحمار!","level":3,"page":60},{"title":"باب المرأة تطرح عن المصلى شيئًا من الأذى","level":2,"page":62},{"title":"حديث: اللهم عليك بقريش اللهم عليك بقريش","level":3,"page":62},{"title":"[كتاب مواقيت الصلاة]","level":1,"page":64},{"title":"حديث: مواقيت الصلاة وفضلها","level":2,"page":65},{"title":"باب: ﴿منيبين إليه واتقوه وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين﴾","level":2,"page":72},{"title":"حديث: آمركم بأربع وأنهاكم عن أربع الإيمان بالله","level":3,"page":73},{"title":"باب البيعة على إقامة الصلاة","level":2,"page":75},{"title":"حديث: بايعت رسول الله على إقام الصلاة.","level":3,"page":75},{"title":"باب الصلاة كفارة","level":2,"page":75},{"title":"حديث: فتنة الرجل في أهله وماله وولده وجاره تكفرها الصلاة","level":3,"page":75},{"title":"حديث: أن رجلًا أصاب من امرأة قبلة فأتى النبي فأخبره","level":3,"page":79},{"title":"باب فضل الصلاة لوقتها","level":2,"page":82},{"title":"حديث: الصلاة على وقتها","level":3,"page":83},{"title":"باب الصلوات الخمس كفارة","level":2,"page":87},{"title":"حديث: أرأيتم لو أن نهرًا بباب أحدكم يغتسل فيه كل يوم","level":3,"page":87},{"title":"باب تضييع الصلاة عن وقتها","level":2,"page":90},{"title":"حديث: ما أعرف شيئًا مما كان على عهد النبي","level":3,"page":90},{"title":"حديث: لا أعرف شيئًا مما أدركت إلا هذه الصلاة","level":3,"page":91},{"title":"باب المصلى يناجى ربه ﷿","level":2,"page":93},{"title":"حديث: إن أحدكم إذا صلى يناجي ربه فلا يتفلن عن يمينه","level":3,"page":93},{"title":"حديث: اعتدلوا في السجود ولا يبسط ذراعيه كالكلب","level":3,"page":94},{"title":"باب الإبراد بالظهر في شدة الحر","level":2,"page":94},{"title":"حديث: إذا اشتد الحر فأبردوا عن الصلاة.","level":3,"page":95},{"title":"حديث: شدة الحر من فيح جهنم","level":3,"page":100},{"title":"حديث: إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة","level":3,"page":102},{"title":"حديث: أبردوا بالظهر فإن شدة الحر من فيح جهنم","level":3,"page":106},{"title":"باب الإبراد بالظهر في السفر","level":2,"page":107},{"title":"حديث: إن شدة الحر من فيح جهنم فإذا اشتد الحر فأبردوا","level":3,"page":107},{"title":"باب وقت الظهر عند الزوال","level":2,"page":109},{"title":"حديث: من أحب أن يسأل عن شيء فليسأل","level":3,"page":110},{"title":"حديث: كان النبي يصلي الصبح وأحدنا يعرف جليسه","level":3,"page":111},{"title":"حديث: كنا إذا صلينا خلف رسول الله بالظهائر فسجدنا","level":3,"page":115},{"title":"باب تأخير الظهر إلى العصر","level":2,"page":116},{"title":"حديث: أن النبي صلى بالمدينة سبعًا وثمانيًا الظهر والعصر","level":3,"page":116},{"title":"باب وقت العصر","level":2,"page":120},{"title":"حديث: كان رسول الله يصلي العصر والشمس لم تخرج من حجرتها","level":3,"page":120},{"title":"حديث: أن رسول الله صلى العصر والشمس في حجرتها","level":3,"page":121},{"title":"حديث: كان النبي يصلي صلاة العصر والشمس طالعة","level":3,"page":122},{"title":"حديث: كان يصلي الهجير التي تدعونها الأولى","level":3,"page":124},{"title":"حديث: كنا نصلي العصر ثم يخرج الإنسان إلى بني عمرو","level":3,"page":126},{"title":"حديث: صلينا مع عمر بن عبد العزيز الظهر","level":3,"page":127},{"title":"بابُ وقت العصر","level":2,"page":128},{"title":"حديث: كان رسول الله يصلي العصر والشمس مرتفعة حية","level":3,"page":128},{"title":"حديث: كنا نصلي العصر ثم يذهب الذاهب منا إلى قباء","level":3,"page":129},{"title":"باب إثم من فاتته العصر","level":2,"page":131},{"title":"حديث: الذي تفوته صلاة العصر كأنما وتر أهله وماله","level":3,"page":131},{"title":"باب من ترك العصر","level":2,"page":133},{"title":"حديث: من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله","level":3,"page":133},{"title":"باب فضل صلاة العصر","level":2,"page":136},{"title":"حديث: إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر","level":3,"page":136},{"title":"حديث: يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار","level":3,"page":141},{"title":"باب من أدرك ركعة من العصر قبل الغروب","level":2,"page":147},{"title":"حديث: إذا أدرك أحدكم سجدة من صلاة العصر قبل","level":3,"page":148},{"title":"حديث: إنما بقاؤكم فيما سلف قبلكم من الأمم كما بين","level":3,"page":153},{"title":"حديث: مثل المسلمين واليهود والنصارى كمثل رجل استأجر","level":3,"page":158},{"title":"باب وقت المغرب","level":2,"page":160},{"title":"حديث: كنا نصلي المغرب مع النبي فينصرف أحدنا وإنه ليبصر","level":3,"page":161},{"title":"حديث: كان النبي يصلي الظهر بالهاجرة والعصر والشمس نقية","level":3,"page":163},{"title":"حديث: كنا نصلي مع النبي المغرب إذا توارت بالحجاب","level":3,"page":166},{"title":"حديث: صلى النبي سبعًا جميعًا وثمانيًا جميعًا","level":3,"page":167},{"title":"باب من كره أن يقال للمغرب العشاء","level":2,"page":167},{"title":"حديث: لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم المغرب","level":3,"page":168},{"title":"باب ذكر العشاء والعتمة ومن رآه واسعًا","level":2,"page":170},{"title":"حديث: أرأيتم ليلتكم هذه فإن رأس مائة سنة منها","level":3,"page":173},{"title":"باب وقت العشاء إذا اجتمع الناس أو تأخروا","level":2,"page":175},{"title":"حديث: كان النبي يصلي الظهر بالهاجرة والعصر والشمس حية","level":3,"page":176},{"title":"باب فضل العشاء","level":2,"page":176},{"title":"حديث: ما ينتظرها أحد من أهل الأرض غيركم","level":3,"page":176},{"title":"حديث: على رسلكم أبشروا إن من نعمة الله عليكم","level":3,"page":178},{"title":"باب ما يكره من النوم قبل العشاء","level":2,"page":181},{"title":"حديث: أن رسول الله كان يكره النوم قبل العشاء والحديث بعدها","level":3,"page":181},{"title":"باب النوم قبل العشاء لمن غلب","level":2,"page":182},{"title":"حديث: أعتم رسول الله بالعشاء حتى ناداه عمر: الصلاة","level":3,"page":182},{"title":"حديث: ليس أحد من أهل الأرض ينتظر الصلاة غيركم","level":3,"page":184},{"title":"باب وقت العشاء إلى نصف الليل","level":2,"page":187},{"title":"حديث: قد صلى الناس وناموا أما إنكم في صلاة ما انتظرتموها","level":3,"page":188},{"title":"باب فضل صلاة الفجر","level":2,"page":189},{"title":"حديث: أما إنكم سترون ربكم كما ترون هذا","level":3,"page":189},{"title":"حديث: من صلى البردين دخل الجنة","level":3,"page":190},{"title":"باب وقت الفجر","level":2,"page":192},{"title":"حديث زيد: أنهم تسحروا مع النبي ثم قاموا إلى الصلاة","level":3,"page":193},{"title":"حديث: أن نبي الله وزيد بن ثابت تسحرا","level":3,"page":193},{"title":"حديث سهل: كنت أتسحر في أهلي ثم يكون سرعة بي","level":3,"page":195},{"title":"حديث عائشة: كن نساء المؤمنات يشهدن مع رسول الله","level":3,"page":196},{"title":"باب من أدرك من الفجر ركعة","level":2,"page":198},{"title":"حديث: من أدرك من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس","level":3,"page":198},{"title":"باب من أدرك من الصلاة ركعة","level":2,"page":200},{"title":"حديث: من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة","level":3,"page":200},{"title":"باب الصلاة بعد الفجر حتى ترتفع الشمس","level":2,"page":201},{"title":"حديث: أن النبي نهى عن الصلاة بعد الصبح","level":3,"page":201},{"title":"حديث: لا تحروا بصلاتكم طلوع الشمس ولا غروبها","level":3,"page":206},{"title":"حديث: أن رسول الله نهى عن بيعتين وعن لبستين","level":3,"page":208},{"title":"باب: لا يتحرى الصلاة قبل غروب الشمس","level":2,"page":209},{"title":"حديث: لا يتحرى أحدكم فيصلي عند طلوع الشمس ولا عند غروبها","level":3,"page":210},{"title":"حديث: لا صلاة بعد الصبح حتى ترتفع الشمس","level":3,"page":210},{"title":"حديث: إنكم لتصلون صلاة لقد صحبنا رسول الله فما رأيناه يصليها","level":3,"page":211},{"title":"حديث: نهى رسول الله عن صلاتين بعد الفجر حتى تطلع الشمس","level":3,"page":213},{"title":"باب من لم يكره الصلاة إلا بعد العصر والفجر","level":2,"page":213},{"title":"حديث: أصلي كما رأيت أصحابي يصلون لا أنهى أحدًا","level":3,"page":214},{"title":"باب ما يصلى بعد العصر من الفوائت ونحوها","level":2,"page":216},{"title":"حديث: والذي ذهب به ما تركهما حتى لقي الله","level":3,"page":216},{"title":"حديث: ابن أختي ما ترك النبي السجدتين بعد العصر عندي قط","level":3,"page":218},{"title":"حديث: ركعتان لم يكن رسول الله يدعهما سرًا ولا علانية","level":3,"page":219},{"title":"حديث: ما كان النبي يأتيني في يوم بعد العصر إلا صلى ركعتين","level":3,"page":220},{"title":"باب التبكير بالصلاة في يوم غيم","level":2,"page":221},{"title":"حديث: من ترك صلاة العصر حبط عمله","level":3,"page":221},{"title":"باب الأذان بعد ذهاب الوقت","level":2,"page":222},{"title":"حديث: إن الله قبض أرواحكم حين شاء","level":3,"page":223},{"title":"باب من صلى بالناس جماعة بعد ذهاب الوقت","level":2,"page":227},{"title":"حديث: والله ما صليتها فقمنا إلى بطحان، فتوضأ للصلاة","level":3,"page":227},{"title":"باب من نسى صلاة فليصل إذا ذكرها ولا يعيد إلا تلك الصلاة","level":2,"page":232},{"title":"حديث: من نسي صلاةً فليصل إذا ذكرها","level":3,"page":233},{"title":"باب قضاء الصلوات الأولى فالأولى","level":2,"page":236},{"title":"حديث: ما كدت أصلي العصر حتى غربت","level":3,"page":237},{"title":"باب ما يكره من السمر بعد العشاء","level":2,"page":237},{"title":"حديث: كان يصلي الهجير وهي التي تدعونها الأولى حين","level":3,"page":238},{"title":"باب السمر في الفقه والخير بعد العشاء","level":2,"page":239},{"title":"حديث: ألا إن الناس قد صلوا ثم رقدوا وإنكم لم تزالوا في صلاة","level":3,"page":239},{"title":"حديث: أرأيتكم ليلتكم هذه فإن رأس مائة لا يبقى","level":3,"page":241},{"title":"باب السمر مع الضيف والأهل","level":2,"page":242},{"title":"حديث: من كان عنده طعام اثنين فليذهب بثالث","level":3,"page":242},{"title":"[كتاب الأذان]","level":1,"page":248},{"title":"حديث: ذكروا النار والناقوس فذكروا اليهود والنصارى","level":2,"page":252},{"title":"حديث: كان المسلمون حين قدموا المدينة يجتمعون","level":2,"page":256},{"title":"باب الأذان مثنى مثنى","level":2,"page":263},{"title":"حديث: أمر بلال أن يشفع الأذان وأن يوتر الإقامة إلا الإقامة","level":3,"page":263},{"title":"حديث: لما كثر الناس قال أن يعلموا وقت الصلاة بشيء يعرفونه","level":3,"page":265},{"title":"باب الإقامة واحدة إلا قوله: قد قامت الصلاة","level":2,"page":266},{"title":"حديث: أمر بلال أن يشفع الأذان وأن يوتر الإقامة","level":3,"page":266},{"title":"باب فضل التأذين","level":2,"page":267},{"title":"حديث: إذا نودي للصلاة أدبر الشيطان وله ضراط","level":3,"page":268},{"title":"باب رفع الصوت بالنداء","level":2,"page":273},{"title":"حديث: إني أراك تحب الغنم والبادية","level":3,"page":274},{"title":"باب ما يحقن بالأذان من الدماء","level":2,"page":277},{"title":"حديث: أن النبي كان إذا غزا بنا قومًا لم يكن يغزو بنا حتى يصبح","level":3,"page":278},{"title":"باب ما يقول إذا سمع المنادي","level":2,"page":279},{"title":"حديث: إذا سمعتم النداء فقولوا مثل ما يقول المؤذن","level":3,"page":280},{"title":"حديث: لما قال حي على الصلاة قال: لا حول ولا قوة إلا بالله","level":3,"page":284},{"title":"باب الدعاء عند النداء","level":2,"page":289},{"title":"حديث: من قال حين يسمع النداء اللهم رب هذه الدعوة التامة","level":3,"page":290},{"title":"باب الاستهام في الأذان","level":2,"page":294},{"title":"حديث: لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول","level":3,"page":294},{"title":"باب الكلام في الأذان","level":2,"page":297},{"title":"حديث: خطبنا ابن عباس في يوم ردغ فلما بلغ المؤذن","level":3,"page":298},{"title":"باب أذان الأعمى إذا كان له من يخبره","level":2,"page":302},{"title":"حديث: إن بلالًا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى ينادي","level":3,"page":303},{"title":"باب الأذان بعد الفجر","level":2,"page":308},{"title":"حديث: كان إذا اعتكف المؤذن للصبح وبدا الصبح صلى ركعتين","level":3,"page":308},{"title":"حديث: كان النبي يصلي ركعتين خفيفتين بين","level":3,"page":311},{"title":"حديث: إن بلالًا ينادي بليل فكلوا واشربوا حتى ينادي","level":3,"page":311},{"title":"باب الأذان قبل الفجر","level":2,"page":313},{"title":"حديث: لا يمنعن أحدكم أو أحدًا منكم أذان بلال من سحوره","level":3,"page":314},{"title":"حديث: إن بلالًا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم","level":3,"page":317},{"title":"باب كم بين الأذان والإقامة ومن ينتظر الإقامة","level":2,"page":321},{"title":"حديث: بين كل أذانين صلاة لمن شاء","level":3,"page":321},{"title":"حديث: كان المؤذن إذا أذن قام ناس من أصحاب النبي","level":3,"page":324},{"title":"باب من انتظر الإقامة","level":2,"page":327},{"title":"حديث: كان رسول الله إذا سكت المؤذن بالأولى من","level":3,"page":327},{"title":"باب بين كل أذانين صلاة لمن شاء","level":2,"page":330},{"title":"حديث: بين كل أذانين صلاة بين كل أذانين صلاة","level":3,"page":330},{"title":"باب من قال: ليؤذن في السفر مؤذن واحد","level":2,"page":330},{"title":"حديث: ارجعوا فكونوا فيهم وعلموهم وصلوا","level":3,"page":331},{"title":"باب الأذان للمسافر إذا كانوا جماعة والإقامة","level":2,"page":334},{"title":"حديث: كنا مع النبي في سفر فأراد المؤذن أن يؤذن","level":3,"page":335},{"title":"حديث: إذا أنتما خرجتما فأذنا ثم أقيما ثم ليؤمكما أكبركما","level":3,"page":335},{"title":"حديث: ارجعوا إلى أهليكم فأقيموا فيهم وعلموهم ومروهم","level":3,"page":336},{"title":"حديث: أن رسول الله كان يأمر مؤذنًا يؤذن ثم يقول","level":3,"page":337},{"title":"حديث: رأيت رسول الله بالأبطح فجاءه بلال فآذنه بالصلاة","level":3,"page":338},{"title":"باب هل يتتبع المؤذن فاه هاهناوهاهنا؟ وهل يلتفت في الأذان؟","level":2,"page":339},{"title":"حديث: رأى بلالًا يؤذن فجعلت أتتبع فاه هاهنا وهاهنا بالأذان","level":3,"page":343},{"title":"باب قول الرجل فاتتنا الصلاة","level":2,"page":344},{"title":"حديث: فلا تفعلوا إذا أتيتم الصلاة فعليكم بالسكينة","level":3,"page":344},{"title":"باب: لا يسعى إلى الصلاة وليأت بالسكينة والوقار","level":2,"page":347},{"title":"حديث: إذا سمعتم الإقامة فامشوا إلى الصلاة","level":3,"page":347},{"title":"باب متى يقوم الناس إذا رأوا الإمام عند الإقامة","level":2,"page":351},{"title":"حديث: إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني","level":3,"page":351},{"title":"باب: لا يسعى إلى الصلاة مستعجلًا وليقم بالسكينة والوقار","level":2,"page":353},{"title":"حديث: إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني وعليكم بالسكينة","level":3,"page":353},{"title":"باب: هل يخرج من المسجد لعلة؟","level":2,"page":354},{"title":"حديث: أن رسول الله خرج وقد أقيمت الصلاة وعدلت الصفوف","level":3,"page":354},{"title":"باب: إذا قال الإمام: مكانكم حتى إذا رجع انتظروه","level":2,"page":357},{"title":"حديث: على مكانكم","level":3,"page":357},{"title":"باب قول الرجل: ما صلينا","level":2,"page":358},{"title":"حديث: والله ما صليتها","level":3,"page":359},{"title":"باب الإمام تعرض له الحاجة بعد الإقامة","level":2,"page":360},{"title":"حديث: أقيمت الصلاة والنبي يناجي رجلًا في جانب المسجد","level":3,"page":360},{"title":"باب الكلام إذا أقيمت الصلاة","level":2,"page":362},{"title":"حديث: أقيمت الصلاة فعرض للنبي رجل فحبسه","level":3,"page":362},{"title":"باب وجوب صلاة الجماعة","level":2,"page":363},{"title":"حديث: والذي نفسي بيده لقد هممت أن آمر بحطب فيحطب","level":3,"page":364},{"title":"باب فضل صلاة الجماعة","level":2,"page":375},{"title":"حديث: صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة","level":3,"page":377},{"title":"حديث: صلاة الرجل في الجماعة تضعف على صلاته في بيته","level":3,"page":382},{"title":"باب فضل صلاة الفجر في جماعة","level":2,"page":385},{"title":"حديث: تفضل صلاة الجميع صلاة أحدكم وحده","level":3,"page":385},{"title":"حديث: ما أغضبك والله ما أعرف من أمة محمد شيئًا إلا أنهم يصلون","level":3,"page":386},{"title":"حديث: أعظم الناس أجرًا في الصلاة أبعدهم فأبعدهم ممشًى","level":3,"page":388},{"title":"باب فضل التهجير إلى الظهر","level":2,"page":389},{"title":"حديث: بينما رجل يمشي بطريق وجد غصن شوك على الطريق فأخره","level":3,"page":389},{"title":"باب احتساب الآثار","level":2,"page":393},{"title":"حديث: يا بني سلمة ألا تحتسبون آثاركم","level":3,"page":393},{"title":"حديث: ألا تحتسبون آثاركم","level":3,"page":394},{"title":"باب فضل صلاة العشاء في الجماعة","level":2,"page":396},{"title":"حديث: ليس صلاة أثقل على المنافقين من الفجر والعشاء","level":3,"page":396},{"title":"باب اثنان فما فوقهما جماعة","level":2,"page":397},{"title":"حديث: إذا حضرت الصلاة فأذنا وأقيما ثم ليؤمكما أكبركما","level":3,"page":398},{"title":"باب من جلس في المسجد ينتظر الصلاة وفضل المساجد","level":2,"page":399},{"title":"حديث: الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مصلاه","level":3,"page":399},{"title":"حديث: سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله","level":3,"page":399},{"title":"حديث: صلى الناس ورقدوا ولم تزالوا في صلاة منذ انتظرتموها","level":3,"page":413},{"title":"باب فضل من غدا إلى المسجد ومن راح","level":2,"page":413},{"title":"حديث: من غدا إلى المسجد وراح أعد الله له نزله من الجنة كلما غدا","level":3,"page":414},{"title":"باب: إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة","level":2,"page":415},{"title":"حديث: أن رسول الله رأى رجلًا وقد أقيمت الصلاة يصلي ركعتين","level":3,"page":416},{"title":"باب حد المريض أن يشهد الجماعة","level":2,"page":423},{"title":"حديث: لما مرض رسول الله مرضه الذي مات فيه","level":3,"page":424},{"title":"حديث: لما ثقل النبي واشتد وجعه استأذن أزواجه أن يمرض في بيتي","level":3,"page":435},{"title":"باب الرخصة في المطر والعلة أن يصلى في رحله","level":2,"page":436},{"title":"حديث: إن رسول الله كان يأمر المؤذن إذا كانت","level":3,"page":436},{"title":"حديث: أين تحب أن أصلي؟","level":3,"page":437},{"title":"بابٌ: هل يصلي الإمام بمن حضر؟","level":2,"page":437},{"title":"حديث: خطبنا ابن عباس في يوم ذي ردغ فأمر المؤذن","level":3,"page":438},{"title":"حديث: جاءت سحابة فمطرت حتى سال السقف","level":3,"page":439},{"title":"حديث: أكان النبي يصلي الضحى؟","level":3,"page":440},{"title":"باب إذا حضر الطعام وأقيمت الصلاة","level":2,"page":442},{"title":"حديث: إذا وضع العشاء وأقيمت الصلاة فابدؤوا بالعشاء","level":3,"page":443},{"title":"حديث: إذا قدم العشاء فابدؤوا به قبل أن تصلوا صلاة المغرب","level":3,"page":445},{"title":"حديث: إذا وضع عشاء أحدكم وأقيمت الصلاة فابدؤوا بالعشاء","level":3,"page":445},{"title":"باب إذا دعي الإمام إلى الصلاة وبيده ما يأكل","level":2,"page":448},{"title":"حديث: رأيت رسول الله يأكل ذراعًا يحتز منها","level":3,"page":449},{"title":"باب من كان في حاجة أهله فأقيمت الصلاة فخرج","level":2,"page":449},{"title":"حديث: كان يكون في مهنة أهله فإذا حضرت الصلاة خرج","level":3,"page":450},{"title":"باب من صلى بالناس وهو لا يريد إلا أن يعلمهم صلاة النبي","level":2,"page":451},{"title":"حديث مالك: إني لأصلي بكم وما أريد الصلاة","level":3,"page":451},{"title":"باب: أهل العلم والفضل أحق بالإمامة","level":2,"page":454},{"title":"حديث: مرض النبي فاشتد مرضه فقال: مروا أبا بكر","level":3,"page":454},{"title":"حديث: مروا أبا بكر يصلي بالناس","level":3,"page":457},{"title":"حديث: أن أبا بكر كان يصلي لهم في وجع النبي الذي توفي فيه","level":3,"page":458},{"title":"حديث: لم يخرج النبي ثلاثًا فأقيمت الصلاة","level":3,"page":459},{"title":"حديث: لما اشتد برسول الله وجعه قيل له في الصلاة","level":3,"page":460},{"title":"باب من قام إلى جنب الإمام لعلة","level":2,"page":462},{"title":"حديث: أمر رسول الله أبا بكر أن يصلي بالناس في مرضه","level":3,"page":462},{"title":"باب من دخل ليؤم الناس فجاء الإمام الأول فتأخر الأول","level":2,"page":463},{"title":"حديث: يا أبا بكر ما منعك أن تثبت إذ أمرتك؟","level":3,"page":464},{"title":"باب إذا استووا في القراءة فليؤمهم أكبرهم","level":2,"page":470},{"title":"حديث: لو رجعتم إلى بلادكم فعلمتموهم","level":3,"page":471},{"title":"باب إذا زار الإمام قومًا فأمهم","level":2,"page":473},{"title":"حديث عتبان: أين تحب أن أصلي من بيتك؟","level":3,"page":474},{"title":"باب إنما جعل الإمام ليؤتم به","level":2,"page":474},{"title":"حديث: ضعوا لي ماءً في المخضب","level":3,"page":476},{"title":"حديث: إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا ركع فاركعوا","level":3,"page":482},{"title":"حديث: إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا صلى قائِمًا فصلوا قيامًا","level":3,"page":486},{"title":"باب متى يسجد من خلف الإمام","level":2,"page":490},{"title":"حديث: كان رسول الله إذا قال: سمع الله لمن حمده","level":3,"page":490},{"title":"باب إثم من رفع رأسه قبل الإمام","level":2,"page":493},{"title":"حديث: أما يخشى أحدكم إذا رفع رأسه قبل الإمام أن يجعل الله رأسه","level":3,"page":494},{"title":"باب إمامة العبد والمولى","level":2,"page":499},{"title":"حديث: لما قدم المهاجرون الأولون العصبة قبل مقدم رسول الله","level":3,"page":502},{"title":"حديث: اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل حبشي كأن رأسه زبيبة","level":3,"page":503},{"title":"باب إذا لم يتم الإمام وأتم من خلفه","level":2,"page":505},{"title":"حديث: يصلون لكم فإن أصابوا فلكم","level":3,"page":505},{"title":"باب إمامة المفتون والمبتدع","level":2,"page":507},{"title":"حديث: الصلاة أحسن ما يعمل الناس","level":3,"page":508},{"title":"حديث: اسمع وأطع ولو لحبشي كأن رأسه زبيبة","level":3,"page":512},{"title":"باب: يقوم عن يمين الإمام بحذائه سواءً إذا كانا اثنين","level":2,"page":512},{"title":"حديث: بت في بيت خالتي ميمونة فصلى رسول الله العشاء","level":3,"page":513},{"title":"باب إذا قام الرجل عن يسار الإمام فحوله الإمام إلى يمينه","level":2,"page":514},{"title":"حديث: نمت عند ميمونة والنبي عندها تلك الليلة","level":3,"page":514},{"title":"باب: إذا لم ينو الإمام أن يؤم ثم جاء قوم فأمهم","level":2,"page":515},{"title":"حديث: يصلي من الليل فقمت أصلي معه فقمت عن يساره","level":3,"page":515},{"title":"باب: إذا طول الإمام وكان للرجل حاجة فخرج فصلى","level":2,"page":516},{"title":"حديث: أن معاذ بن جبل يصلي مع النبي ثم يرجع فيؤم قومه","level":3,"page":516},{"title":"باب تخفيف الإمام في القيام وإتمام الركوع والسجود","level":2,"page":524},{"title":"حديث: إن منكم منفرين فأيكم ما صلى بالناس فليتجوز","level":3,"page":525},{"title":"باب إذا صلى لنفسه فليطول ما شاء","level":2,"page":527},{"title":"حديث: إذا صلى أحدكم للناس فليخفف","level":3,"page":527},{"title":"باب من شكا إمامه إذا طول","level":2,"page":528},{"title":"حديث: يا أيها الناس إن منكم منفرين فمن أم الناس فليتجوز","level":3,"page":529},{"title":"حديث: يا معاذ أفتان أنت فلولا صليت ب ﴿سبح اسم ربك﴾","level":3,"page":530},{"title":"حديث: كان النبي يوجز الصلاة ويكملها","level":3,"page":531},{"title":"باب من أخف الصلاة عند بكاء الصبي","level":2,"page":532},{"title":"حديث: إني لأقوم في الصلاة أريد أن أطول فيها فأسمع","level":3,"page":532},{"title":"حديث: ما صليت وراء إمام قط أخف صلاةً ولا أتم من النبي","level":3,"page":534},{"title":"حديث: إني لأدخل في الصلاة وأنا أريد إطالتها","level":3,"page":535},{"title":"حديث: إني لأدخل في الصلاة فأريد إطالتها","level":3,"page":535},{"title":"باب: إذا صلى ثم أم قومًا","level":2,"page":536},{"title":"حديث: كان معاذ يصلي مع النبي ثم يأتي قومه فيصلي بهم","level":3,"page":536},{"title":"باب من أسمع الناس تكبير الإمام","level":2,"page":536},{"title":"حديث: لما مرض النبي مرضه الذي مات فيه","level":3,"page":536},{"title":"باب الرجل يأتم بالإمام ويأتم الناس بالمأموم","level":2,"page":537},{"title":"حديث: مروا أبا بكر أن يصلي بالناس","level":3,"page":538},{"title":"باب: هل يأخذ الإمام إذا شك بقول الناس؟","level":2,"page":539},{"title":"حديث: أصدق ذو اليدين","level":3,"page":539},{"title":"حديث: صلى النبي الظهر ركعتين","level":3,"page":540},{"title":"باب: إذا بكى الإمام في الصلاة","level":2,"page":540},{"title":"حديث: مروا أبا بكر يصلي بالناس قالت عائشة","level":3,"page":541},{"title":"باب تسوية الصفوف عند الإقامة وبعدها","level":2,"page":542},{"title":"حديث: لتسون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم","level":3,"page":542},{"title":"حديث: أقيموا الصفوف فإني أراكم خلف ظهري","level":3,"page":544},{"title":"باب إقبال الإمام على الناس عند تسوية الصفوف","level":2,"page":545},{"title":"حديث: أقيموا صفوفكم وتراصوا فإني أراكم من وراء ظهري","level":3,"page":545},{"title":"باب الصف الأول","level":2,"page":546},{"title":"حديث: الشهداء الغرق والمطعون والمبطون والهدم","level":3,"page":547},{"title":"باب إقامة الصف من تمام الصلاة","level":2,"page":548},{"title":"حديث: إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه","level":3,"page":548},{"title":"حديث: سووا صفوفكم فإن تسوية الصفوف من إقامة الصلاة","level":3,"page":549},{"title":"باب إثم من لم يتم الصفوف","level":2,"page":549},{"title":"حديث: ما أنكرت شيئًا إلا أنكم لا تقيمون الصفوف","level":3,"page":549},{"title":"باب إلزاق المنكب بالمنكب والقدم بالقدم في الصف","level":2,"page":551},{"title":"حديث: أقيموا صفوفكم فإني أراكم من وراء ظهري","level":3,"page":553},{"title":"باب: إذا قام الرجل عن يسار الإمام وحوله الإمام خلفه إلى يمينه","level":2,"page":553},{"title":"حديث: صليت مع النبي ذات ليلة فقمت عن يساره","level":3,"page":554},{"title":"باب المرأة وحدها تكون صفًا","level":2,"page":554},{"title":"حديث: صليت أنا ويتيم في بيتنا خلف النبي وأمي","level":3,"page":554},{"title":"باب ميمنة المسجد والإمام","level":2,"page":556},{"title":"حديث: قمت ليلةً أصلي عن يسار النبي فأخذ بيدي","level":3,"page":556},{"title":"باب إذا كان بين الإمام وبين القوم حائط أو سترة","level":2,"page":557},{"title":"حديث: إني خشيت أن تكتب عليكم صلاة الليل","level":3,"page":558},{"title":"باب صلاة الليل","level":2,"page":560},{"title":"حديث: أن النبي كان له حصير يبسطه بالنهار","level":3,"page":560},{"title":"حديث: قد عرفت الذي رأيت من صنيعكم","level":3,"page":562}],"ٛ":{"1,1":1,"1,2":3,"1,3":5,"1,4":7,"1,5":9,"1,6":11,"1,7":13,"1,8":15,"1,9":17,"1,10":19,"1,11":21,"1,12":23,"1,13":25,"1,14":27,"1,15":29,"1,16":31,"1,17":33,"1,18":35,"1,19":37,"1,20":39,"1,21":41,"1,22":43,"1,23":45,"1,24":47,"1,25":49,"1,26":51,"1,27":53,"1,28":55,"1,29":57,"1,30":59,"1,31":61,"1,32":63,"1,33":65,"1,34":67,"1,35":69,"1,36":71,"1,37":73,"1,38":75,"1,39":77,"1,40":79,"1,41":81,"1,42":83,"1,43":85,"1,44":87,"1,45":89,"1,46":91,"1,47":93,"1,48":95,"1,49":97,"1,50":99,"1,51":101,"1,52":103,"1,53":105,"1,54":107,"1,55":109,"1,56":111,"1,57":113,"1,58":115,"1,59":117,"1,60":119,"1,61":121,"1,62":123,"1,63":125,"1,64":127,"1,65":129,"1,66":131,"1,67":133,"1,68":135,"1,69":137,"1,70":139,"1,71":141,"1,72":143,"1,73":145,"1,74":147,"1,75":149,"1,76":151,"1,77":153,"1,78":155,"1,79":157,"1,80":159,"1,81":161,"1,82":163,"1,83":165,"1,84":167,"1,85":169,"1,86":171,"1,87":173,"1,88":175,"1,89":177,"1,90":179,"1,91":181,"1,92":183,"1,93":185,"1,94":187,"1,95":189,"1,96":191,"1,97":193,"1,98":195,"1,99":197,"1,100":199,"1,101":201,"1,102":203,"1,103":205,"1,104":207,"1,105":209,"1,106":211,"1,107":213,"1,108":215,"1,109":217,"1,110":219,"1,111":221,"1,112":223,"1,113":225,"1,114":227,"1,115":229,"1,116":231,"1,117":233,"1,118":235,"1,119":237,"1,120":239,"1,121":241,"1,122":243,"1,123":245,"1,124":247,"1,125":249,"1,126":251,"1,127":253,"1,128":255,"1,129":257,"1,130":259,"1,131":261,"1,132":263,"1,133":265,"1,134":267,"1,135":269,"1,136":271,"1,137":273,"1,138":275,"1,139":277,"1,140":279,"1,141":281,"1,142":283,"1,143":285,"1,144":287,"1,145":289,"1,146":291,"1,147":293,"1,148":295,"1,149":297,"1,150":299,"1,151":301,"1,152":303,"1,153":305,"1,154":307,"1,155":309,"1,156":311,"1,157":313,"1,158":315,"1,159":317,"1,160":319,"1,161":321,"1,162":323,"1,163":325,"1,164":327,"1,165":329,"1,166":331,"1,167":333,"1,168":335,"1,169":337,"1,170":339,"1,171":341,"1,172":343,"1,173":345,"1,174":347,"1,175":349,"1,176":351,"1,177":353,"1,178":355,"1,179":357,"1,180":359,"1,181":361,"1,182":363,"1,183":365,"1,184":367,"1,185":369,"1,186":371,"1,187":373,"1,188":375,"1,189":377,"1,190":379,"1,191":381,"1,192":383,"1,193":385,"1,194":387,"1,195":389,"1,196":391,"1,197":393,"1,198":395,"1,199":397,"1,200":399,"1,201":401,"1,202":403,"1,203":405,"1,204":407,"1,205":409,"1,206":411,"1,207":413,"1,208":415,"1,209":417,"1,210":419,"1,211":421,"1,212":423,"1,213":425,"1,214":427,"1,215":429,"1,216":431,"1,217":433,"1,218":435,"1,219":437,"1,220":439,"1,221":441,"1,222":443,"1,223":445,"1,224":447,"1,225":449,"1,226":451,"1,227":453,"1,228":455,"1,229":457,"1,230":459,"1,231":461,"1,232":463,"1,233":465,"1,234":467,"1,235":469,"1,236":471,"1,237":473,"1,238":475,"1,239":477,"1,240":479,"1,241":481,"1,242":483,"1,243":485,"1,244":487,"1,245":489,"1,246":491,"1,247":493,"1,248":495,"1,249":497,"1,250":499,"1,251":501,"1,252":503,"1,253":505,"1,254":507,"1,255":509,"1,256":511,"1,257":513,"1,258":515,"1,259":517,"1,260":519,"1,261":521,"1,262":523,"1,263":525,"1,264":527,"1,265":529,"1,266":531,"1,267":533,"1,268":535,"1,269":537,"1,270":539,"1,271":541,"1,272":543,"1,273":545,"1,274":547,"1,275":549,"1,276":551,"1,277":553,"1,278":555,"1,279":557,"1,280":559,"1,281":561,"1,282":563,"1,283":565},"ٜ":{"1":[1,283]},"ٝ":["1,1","1,1","1,2","1,2","1,3","1,3","1,4","1,4","1,5","1,5","1,6","1,6","1,7","1,7","1,8","1,8","1,9","1,9","1,10","1,10","1,11","1,11","1,12","1,12","1,13","1,13","1,14","1,14","1,15","1,15","1,16","1,16","1,17","1,17","1,18","1,18","1,19","1,19","1,20","1,20","1,21","1,21","1,22","1,22","1,23","1,23","1,24","1,24","1,25","1,25","1,26","1,26","1,27","1,27","1,28","1,28","1,29","1,29","1,30","1,30","1,31","1,31","1,32","1,32","1,33","1,33","1,34","1,34","1,35","1,35","1,36","1,36","1,37","1,37","1,38","1,38","1,39","1,39","1,40","1,40","1,41","1,41","1,42","1,42","1,43","1,43","1,44","1,44","1,45","1,45","1,46","1,46","1,47","1,47","1,48","1,48","1,49","1,49","1,50","1,50","1,51","1,51","1,52","1,52","1,53","1,53","1,54","1,54","1,55","1,55","1,56","1,56","1,57","1,57","1,58","1,58","1,59","1,59","1,60","1,60","1,61","1,61","1,62","1,62","1,63","1,63","1,64","1,64","1,65","1,65","1,66","1,66","1,67","1,67","1,68","1,68","1,69","1,69","1,70","1,70","1,71","1,71","1,72","1,72","1,73","1,73","1,74","1,74","1,75","1,75","1,76","1,76","1,77","1,77","1,78","1,78","1,79","1,79","1,80","1,80","1,81","1,81","1,82","1,82","1,83","1,83","1,84","1,84","1,85","1,85","1,86","1,86","1,87","1,87","1,88","1,88","1,89","1,89","1,90","1,90","1,91","1,91","1,92","1,92","1,93","1,93","1,94","1,94","1,95","1,95","1,96","1,96","1,97","1,97","1,98","1,98","1,99","1,99","1,100","1,100","1,101","1,101","1,102","1,102","1,103","1,103","1,104","1,104","1,105","1,105","1,106","1,106","1,107","1,107","1,108","1,108","1,109","1,109","1,110","1,110","1,111","1,111","1,112","1,112","1,113","1,113","1,114","1,114","1,115","1,115","1,116","1,116","1,117","1,117","1,118","1,118","1,119","1,119","1,120","1,120","1,121","1,121","1,122","1,122","1,123","1,123","1,124","1,124","1,125","1,125","1,126","1,126","1,127","1,127","1,128","1,128","1,129","1,129","1,130","1,130","1,131","1,131","1,132","1,132","1,133","1,133","1,134","1,134","1,135","1,135","1,136","1,136","1,137","1,137","1,138","1,138","1,139","1,139","1,140","1,140","1,141","1,141","1,142","1,142","1,143","1,143","1,144","1,144","1,145","1,145","1,146","1,146","1,147","1,147","1,148","1,148","1,149","1,149","1,150","1,150","1,151","1,151","1,152","1,152","1,153","1,153","1,154","1,154","1,155","1,155","1,156","1,156","1,157","1,157","1,158","1,158","1,159","1,159","1,160","1,160","1,161","1,161","1,162","1,162","1,163","1,163","1,164","1,164","1,165","1,165","1,166","1,166","1,167","1,167","1,168","1,168","1,169","1,169","1,170","1,170","1,171","1,171","1,172","1,172","1,173","1,173","1,174","1,174","1,175","1,175","1,176","1,176","1,177","1,177","1,178","1,178","1,179","1,179","1,180","1,180","1,181","1,181","1,182","1,182","1,183","1,183","1,184","1,184","1,185","1,185","1,186","1,186","1,187","1,187","1,188","1,188","1,189","1,189","1,190","1,190","1,191","1,191","1,192","1,192","1,193","1,193","1,194","1,194","1,195","1,195","1,196","1,196","1,197","1,197","1,198","1,198","1,199","1,199","1,200","1,200","1,201","1,201","1,202","1,202","1,203","1,203","1,204","1,204","1,205","1,205","1,206","1,206","1,207","1,207","1,208","1,208","1,209","1,209","1,210","1,210","1,211","1,211","1,212","1,212","1,213","1,213","1,214","1,214","1,215","1,215","1,216","1,216","1,217","1,217","1,218","1,218","1,219","1,219","1,220","1,220","1,221","1,221","1,222","1,222","1,223","1,223","1,224","1,224","1,225","1,225","1,226","1,226","1,227","1,227","1,228","1,228","1,229","1,229","1,230","1,230","1,231","1,231","1,232","1,232","1,233","1,233","1,234","1,234","1,235","1,235","1,236","1,236","1,237","1,237","1,238","1,238","1,239","1,239","1,240","1,240","1,241","1,241","1,242","1,242","1,243","1,243","1,244","1,244","1,245","1,245","1,246","1,246","1,247","1,247","1,248","1,248","1,249","1,249","1,250","1,250","1,251","1,251","1,252","1,252","1,253","1,253","1,254","1,254","1,255","1,255","1,256","1,256","1,257","1,257","1,258","1,258","1,259","1,259","1,260","1,260","1,261","1,261","1,262","1,262","1,263","1,263","1,264","1,264","1,265","1,265","1,266","1,266","1,267","1,267","1,268","1,268","1,269","1,269","1,270","1,270","1,271","1,271","1,272","1,272","1,273","1,273","1,274","1,274","1,275","1,275","1,276","1,276","1,277","1,277","1,278","1,278","1,279","1,279","1,280","1,280","1,281","1,281","1,282","1,282","1,283"],"ٞ":{"2":[1,2,3],"4":[4],"8":[5],"11":[6],"12":[7],"13":[8],"14":[9],"15":[10,11,12],"16":[13],"17":[14],"18":[15,16],"19":[17],"20":[18],"21":[19,20],"22":[21],"23":[22,23],"25":[24,25],"27":[26],"28":[27],"29":[28],"31":[29],"37":[30,31],"41":[32],"43":[33],"44":[34,35],"46":[36,37],"47":[38,39],"52":[40],"53":[41,42],"59":[43,44],"60":[45,46,47],"62":[48,49],"64":[50],"65":[51],"72":[52],"73":[53],"75":[54,55,56,57],"79":[58],"82":[59],"83":[60],"87":[61,62],"90":[63,64],"91":[65],"93":[66,67],"94":[68,69],"95":[70],"100":[71],"102":[72],"106":[73],"107":[74,75],"109":[76],"110":[77],"111":[78],"115":[79],"116":[80,81],"120":[82,83],"121":[84],"122":[85],"124":[86],"126":[87],"127":[88],"128":[89,90],"129":[91],"131":[92,93],"133":[94,95],"136":[96,97],"141":[98],"147":[99],"148":[100],"153":[101],"158":[102],"160":[103],"161":[104],"163":[105],"166":[106],"167":[107,108],"168":[109],"170":[110],"173":[111],"175":[112],"176":[113,114,115],"178":[116],"181":[117,118],"182":[119,120],"184":[121],"187":[122],"188":[123],"189":[124,125],"190":[126],"192":[127],"193":[128,129],"195":[130],"196":[131],"198":[132,133],"200":[134,135],"201":[136,137],"206":[138],"208":[139],"209":[140],"210":[141,142],"211":[143],"213":[144,145],"214":[146],"216":[147,148],"218":[149],"219":[150],"220":[151],"221":[152,153],"222":[154],"223":[155],"227":[156,157],"232":[158],"233":[159],"236":[160],"237":[161,162],"238":[163],"239":[164,165],"241":[166],"242":[167,168],"248":[169],"252":[170],"256":[171],"263":[172,173],"265":[174],"266":[175,176],"267":[177],"268":[178],"273":[179],"274":[180],"277":[181],"278":[182],"279":[183],"280":[184],"284":[185],"289":[186],"290":[187],"294":[188,189],"297":[190],"298":[191],"302":[192],"303":[193],"308":[194,195],"311":[196,197],"313":[198],"314":[199],"317":[200],"321":[201,202],"324":[203],"327":[204,205],"330":[206,207,208],"331":[209],"334":[210],"335":[211,212],"336":[213],"337":[214],"338":[215],"339":[216],"343":[217],"344":[218,219],"347":[220,221],"351":[222,223],"353":[224,225],"354":[226,227],"357":[228,229],"358":[230],"359":[231],"360":[232,233],"362":[234,235],"363":[236],"364":[237],"375":[238],"377":[239],"382":[240],"385":[241,242],"386":[243],"388":[244],"389":[245,246],"393":[247,248],"394":[249],"396":[250,251],"397":[252],"398":[253],"399":[254,255,256],"413":[257,258],"414":[259],"415":[260],"416":[261],"423":[262],"424":[263],"435":[264],"436":[265,266],"437":[267,268],"438":[269],"439":[270],"440":[271],"442":[272],"443":[273],"445":[274,275],"448":[276],"449":[277,278],"450":[279],"451":[280,281],"454":[282,283],"457":[284],"458":[285],"459":[286],"460":[287],"462":[288,289],"463":[290],"464":[291],"470":[292],"471":[293],"473":[294],"474":[295,296],"476":[297],"482":[298],"486":[299],"490":[300,301],"493":[302],"494":[303],"499":[304],"502":[305],"503":[306],"505":[307,308],"507":[309],"508":[310],"512":[311,312],"513":[313],"514":[314,315],"515":[316,317],"516":[318,319],"524":[320],"525":[321],"527":[322,323],"528":[324],"529":[325],"530":[326],"531":[327],"532":[328,329],"534":[330],"535":[331,332],"536":[333,334,335,336],"537":[337],"538":[338],"539":[339,340],"540":[341,342],"541":[343],"542":[344,345],"544":[346],"545":[347,348],"546":[349],"547":[350],"548":[351,352],"549":[353,354,355],"551":[356],"553":[357,358],"554":[359,360,361],"556":[362,363],"557":[364],"558":[365],"560":[366,367],"562":[368]},"ٟ":[],"numbers":{"493":2,"494":4,"495":8,"496":12,"497":13,"498":15,"499":15,"500":16,"501":18,"502":19,"503":20,"504":21,"505":22,"506":23,"507":25,"508":28,"509":31,"510":37,"511":43,"512":44,"513":46,"514":47,"515":52,"516":53,"517":59,"518":60,"519":60,"520":62,"521":65,"522":70,"523":73,"524":75,"525":75,"526":79,"527":83,"528":87,"529":90,"530":91,"531":93,"532":94,"533":95,"534":95,"535":100,"536":102,"537":102,"538":106,"539":107,"540":110,"541":111,"542":115,"543":116,"544":120,"545":121,"546":122,"547":124,"548":126,"549":127,"550":128,"551":129,"552":131,"553":133,"554":136,"555":141,"556":148,"557":153,"558":158,"559":161,"560":163,"561":166,"562":167,"563":168,"564":173,"565":176,"566":176,"567":178,"568":181,"569":182,"570":184,"571":185,"572":188,"573":189,"574":190,"575":193,"576":193,"577":195,"578":196,"579":198,"580":200,"581":201,"582":206,"583":207,"584":208,"585":210,"586":210,"587":211,"588":213,"589":214,"590":216,"591":218,"592":219,"593":220,"594":221,"595":223,"596":227,"597":233,"598":237,"599":238,"600":239,"601":241,"602":242,"603":252,"604":256,"605":263,"606":265,"607":266,"608":268,"609":274,"610":278,"611":280,"612":284,"613":284,"614":290,"615":294,"616":298,"617":303,"618":308,"619":311,"620":311,"621":314,"622":317,"623":317,"624":321,"625":324,"626":327,"627":330,"628":331,"629":335,"630":335,"631":336,"632":337,"633":338,"634":343,"635":344,"636":347,"637":351,"638":353,"639":354,"640":357,"641":359,"642":360,"643":362,"644":364,"645":377,"646":377,"647":382,"648":385,"649":385,"650":386,"651":388,"652":389,"653":389,"654":389,"655":393,"656":394,"657":396,"658":398,"659":399,"660":399,"661":413,"662":414,"663":416,"664":424,"665":435,"666":436,"667":437,"668":438,"669":439,"670":440,"671":443,"672":445,"673":445,"674":446,"675":449,"676":450,"677":451,"678":454,"679":457,"680":458,"681":459,"682":460,"683":462,"684":464,"685":471,"686":474,"687":476,"688":482,"689":486,"690":490,"691":494,"692":502,"693":503,"694":505,"695":508,"696":512,"697":513,"698":514,"699":515,"700":516,"701":516,"702":525,"703":527,"704":529,"705":530,"706":531,"707":532,"708":534,"709":535,"710":535,"711":536,"712":536,"713":538,"714":539,"715":540,"716":541,"717":542,"718":544,"719":545,"720":547,"721":547,"722":548,"723":549,"724":549,"725":553,"726":554,"727":554,"728":556,"729":558,"730":560,"731":562},"number_max":731,"number_pages":{"2":493,"4":494,"8":495,"12":496,"13":497,"15":499,"16":500,"18":501,"19":502,"20":503,"21":504,"22":505,"23":506,"25":507,"28":508,"31":509,"37":510,"43":511,"44":512,"46":513,"47":514,"52":515,"53":516,"59":517,"60":519,"62":520,"65":521,"70":522,"73":523,"75":525,"79":526,"83":527,"87":528,"90":529,"91":530,"93":531,"94":532,"95":534,"100":535,"102":537,"106":538,"107":539,"110":540,"111":541,"115":542,"116":543,"120":544,"121":545,"122":546,"124":547,"126":548,"127":549,"128":550,"129":551,"131":552,"133":553,"136":554,"141":555,"148":556,"153":557,"158":558,"161":559,"163":560,"166":561,"167":562,"168":563,"173":564,"176":566,"178":567,"181":568,"182":569,"184":570,"185":571,"188":572,"189":573,"190":574,"193":576,"195":577,"196":578,"198":579,"200":580,"201":581,"206":582,"207":583,"208":584,"210":586,"211":587,"213":588,"214":589,"216":590,"218":591,"219":592,"220":593,"221":594,"223":595,"227":596,"233":597,"237":598,"238":599,"239":600,"241":601,"242":602,"252":603,"256":604,"263":605,"265":606,"266":607,"268":608,"274":609,"278":610,"280":611,"284":613,"290":614,"294":615,"298":616,"303":617,"308":618,"311":620,"314":621,"317":623,"321":624,"324":625,"327":626,"330":627,"331":628,"335":630,"336":631,"337":632,"338":633,"343":634,"344":635,"347":636,"351":637,"353":638,"354":639,"357":640,"359":641,"360":642,"362":643,"364":644,"377":646,"382":647,"385":649,"386":650,"388":651,"389":654,"393":655,"394":656,"396":657,"398":658,"399":660,"413":661,"414":662,"416":663,"424":664,"435":665,"436":666,"437":667,"438":668,"439":669,"440":670,"443":671,"445":673,"446":674,"449":675,"450":676,"451":677,"454":678,"457":679,"458":680,"459":681,"460":682,"462":683,"464":684,"471":685,"474":686,"476":687,"482":688,"486":689,"490":690,"494":691,"502":692,"503":693,"505":694,"508":695,"512":696,"513":697,"514":698,"515":699,"516":701,"525":702,"527":703,"529":704,"530":705,"531":706,"532":707,"534":708,"535":710,"536":712,"538":713,"539":714,"540":715,"541":716,"542":717,"544":718,"545":719,"547":721,"548":722,"549":724,"553":725,"554":727,"556":728,"558":729,"560":730,"562":731}},"pages":[{"text":"الجزء الخامس (^١) من مزيد فتح الباري\nبشرح البخاري تأليف الشيخ الإمام\nالعالم العلامة مفتي المسلمين\nومربي المريدين ومحيي سنة سيد\nالمرسلين إبراهيم بن على\nالشافعي النعماني فسح الله\nفي مدته وأسكنه بحبوحة\nجنته والمسلمين\nآمين\n_________\nمقابلة ومراجعة: د. عبد الرزاق دراش - قاسم الحلبية - بيان الطالب\n (^١) من باب سترة الإمام سترة من خلفه إلى آخر باب صلاة الليل (الأحاديث:٤٩٣ - ٧٣١)","vol":"1","page":1},{"text":"<span id=\"b-١\"> </span>بسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ\nقَالَ الإِمِامُ البُخَارِيُّ ﵀:\n\n <span id=\"b-٢\"> </span>(٩٠) (بَابُ سُتْرَةِ الِإمَامِ سُتْرَةٌ لِمَنْ خَلْفَهُ) أي هذا باب في بيان كون سترة الإمام الذي يصلِّي وليس بين يديه جدار ونحوه سترة لمن كان يصلِّي خلفه من المصلِّين، والسُّترة -بضمِّ السِّين- ما يستتر به، والمراد ههنا عكازة، أو عصا، أو عَنَزَة ونحو ذلك، وفي بعض النسخ قبل قوله: (بَابُ سُتْرَةِ الِإمَامِ) &lt;أبوابُ سترةِ المُصَلِّي&gt;؛ أي هذه أبواب في بيان أحكام سترة المصلِّي، وجه المناسبة بين هذه الأبواب الَّتي قبلها من حيث إنَّ الأبواب السَّابقة في أحكام المساجد بوجوهها، وهذه الأبواب في بيان أحكام المصلِّين في غيرها، وهي خمسة أبواب متناسقة.\n\n٤٩٣ - <span id=\"b-٣\"> </span>قوله: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنِ ابنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْد الله بنِ عَبْدِ اللهِ بن عُتْبَة عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ عبَّاسٍ ﵄، أنَّه قَالَ: أَقْبَلْتُ رَاكِبًا عَلَى حِمَارٍ أَتَانٍ، وَأَنَا يَوْمَئِذٍ قَدْ نَاهَزْتُ الاِحْتِلَامَ، وَرَسُوْلُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي بِالنَّاسِ بِمِنَى إِلَى غَيْرِ جِدَارٍ، فَمَرَرْتُ بَيْنَ يَدَيْ بَعْضِ الصَّفِّ فَنَزَلْتُ، وَأَرْسَلْتُ الأَتَانَ تَرْتَعُ، وَدَخَلْتُ فِي الصَّفِّ، فَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَلَيَّ أَحَدٌ).\nمطابقة هذا الحديث للترجمة ظاهرة تستنبط من قوله: (إِلَى غَيْرِ جِدَارٍ)؛ لأنَّ هذا اللَّفظ مشعر بأنَّ ثمَّة سترة لأنَّ لفظة (غَيْرِ) تقع دائمًا صفة، وتقديره إلى شيءٍ غيرِ جدارٍ وهو أعمُّ من أن يكون عصًا أو عَنَزَة أو نحو ذلك. قال شيخنا: أورد في هذا الباب ثلاثة أحاديث الثَّاني والثالث منها مطابقان للترجمة لكونه ﷺ لم يأمر أصحابه أن يتَّخذوا سترة غير سترته، وأمَّا الأوَّل - وهو حديث ابن عبَّاس - ففي الاستدلال به نظر؛ لأنَّه ليس فيه أنَّه ﷺ صلَّى إلى سترة، وقد بوَّب عليه البَيْهَقي: باب من صلَّى إلى غير سترة، وقد تقدَّم في كتاب العلم في الكلام على هذا الحديث في باب متى يصحُّ سماع الصَّغير، قولُ الشَّافعي ﵀: أنَّ المراد بقول ابن عبَّاس: (إِلَى غَيْرِ جِدَارٍ) أي إلى غير سترة. وذكرنا تأييد ذلك من رواية البزَّار، وقال بعض المتأخِّرين: قوله (إِلَى غَيْرِ جِدَارٍ) لا ينفي غير الجدار، إلَّا أنَّ إخبار ابن عبَّاس عن مروره بهم وعدم إنكارهم لذلك مشعر بحدوث أمر لم يُعهد، فلو فرض هناك سترة أخرى غير الجدار لم يكن لهذا الإخبار فائدة، إذ مروره حينئذ لا ينكره أحد أصلًا.\nوكأنَّ البخاري ﵀ حمل الأمر في ذلك على المألوف المعروف من عادته","vol":"1","page":1},{"text":"ﷺ أنَّه كان لا يصلِّي في الفضاء إلَّا والعَنَزَة أمامه. ثمَّ أيَّد ذلك بحديثي ابن عُمَر وأبي جُحَيفة وفي حديث ابن عُمَر ما يدلُّ على المداومة، وهو قوله بعد ذكر الحربة: «وكَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي السَفَرِ»، وقد تبعه النَّوَوي في «شرح مسلم» في كلامه على فوائد هذا الحديث فيه أنَّ سترة الإمام سترة لمن خلفه، والله أعلم. انتهى.\n (بَابٌ) في قَوْلِهِ - يعني شيخنا -: في الاستدلال بهذا نظر؛ لأنَّه ليس فيه أنَّه ﵇ صلَّى إلى سترة، وقد بوَّب عليه البَيْهَقي: بابُ منْ صَلَّى إلى غيرِ سُتْرَةٍ، قلت: دليله لا يساعد نظره؛ لأنَّه لم يقف على دقَّة الكلام، والبَيْهَقي أيضًا لم يقف على هذه النُّكتة، والبخاري دقَّق نظره فأورد هذا الحديث في هذا الباب للوجه الذي ذكرناه على أنَّ ذلك معلوم من حال النَّبِيِّ ﷺ، قال: وهذا الحديث بعينه بهذا الإسناد قد تقدَّم في كتاب العلم في باب متى يصحُّ سماع الصَّغير، غير أنَّ هناك شيخه إسماعيل عن مالك وههنا عبد الله بن يوسف عنه، وهناك (حَدَّثَنِي مَالِكٌ)، وههنا (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ)، وهناك (فَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ) على صيغة المجهول مع طيِّ ذكر الفاعل، وههنا على صيغة المعلوم، والفاعل هو قوله: (أَحَدٌ)، وقد ذكرنا مباحث هذا الحديث هناك مستوفاة.\nقال شيخنا قوله: (نَاهَزْتُ الِاحْتِلَامَ) أي قاربته، وقد ذكرت الاختلاف في قدر عمره في باب تعليم الصِّبيان من كتاب فضائل القرآن، وفي كتاب الاختتان بعد الكبر من كتاب الاستئذان، وتوجيه الجمع بين المختلف من ذلك وبيان الرَّاجح من الأقوال ولله الحمد.\nقوله: (يُصَلِّي بِالنَّاسِ بِمِنَى) كذا قال مالك وأكثر أصحاب الزُّهْري، ووَقَعَ عند مسلم من رواية ابن عُيينة: «بِعَرَفَةَ» قال النَّوَوي: يحمل ذلك على أنَّهما قضيِّتان، وتعقِّب بأنَّ الأصل عدم التعدُّد ولا سيِّما مع اتِّحاد مخرج الحديث، فالحقُّ أن قول ابن عُيَيْنَة: «بِعَرَفَةَ» شاذٌّ، ووَقَعَ عند مسلم أيضًا من رواية مَعمَر عن الزُّهْري وذلك في (حَجَّةِ الوَدَاعِ) أو (الفَتْحِ) وهذا الشكُّ من مَعمَر لا يُعَوَّل عليه، والحقُّ أنَّ ذلك كان في (حَجَّةِ الوَدَاعِ).\nقوله: (بَعْضُ الصَّفِ) زاد المُصَنِّف في الحَجِّ من رواية ابن أخي ابن شِهَاب عن عمِّه: «حَتَّى سِرْتُ بينَ يَدَي بَعْضِ الصَّفِ الأَوَلِ». انتهى.\nوهو يعيِّن أحد الاحتمالين الذي ذكرناهما في كتاب العلم.\nقوله: (فَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَلَيَّ أَحَدٌ) قال ابن دقيق العيد: استدلَّ ابن عبَّاس بترك الإنكار على الجواز، ولم يستدلَّ بترك إعادتهم للصلاة؛ لأنَّ ترك الإنكار أكثر فائدة.\nقال شيخنا: وتوجيهه أنَّ ترك الإعادة يدلُّ على صحَّتها فقط لا على جواز المرور وصحَّة الصَّلاة معًا، ويستفاد منه","vol":"1","page":2},{"text":"أنَّ ترك الإنكار حجَّة على الجواز بشرطه، وهو انتفاء الموانع من الإنكار وثبوت العلم بالاطِّلاع على الفعل، ولا يقال لا يلزم مما ذكر اطلاع النَّبِيِّ ﷺ على ذلك؛ لاحتمال أن يكون الصفُّ حائلًا دون رؤية النَّبِيِّ ﷺ له؛ لأنَّا نقول قد تقدَّم أنَّ في رواية المُصَنِّف فِي الحَجِّ أنَّه (مَرَّ بَيْنَ يَدَي بَعْضِ الصَّفِّ الأَوَّلِ) فلم يكن هناك حائل دون الرؤية، ولو لم يرد شيء من ذلك لكان توفُّر دواعيهم عن سؤاله ﷺ عمَّا يحدث لهم كافيًا في الدلالة على اطِّلاعه على ذلك، والله أعلم.\nواستُدِلَّ به على أنَّ مرور الحمار لا يقطع الصَّلاة فيكون ناسخًا، لحديث أبي ذرٍّ الذي رواه مسلم في كون مرور الحمار يقطع الصَّلاة، وكذا المرأة والكلب الأسود، تُعُقِّب بأنَّ مرور الحمار متحقق في حال مرور ابن عبَّاس وهو راكبه، وقد تقدَّم أن ذلك لا يضرُّ لكون سترة الإمام سترة لمن خلفه وإنَّما مروره بعد أن نزل عنه فيحتاج إلى نقل، وقال ابن عبد البرِّ: حديث ابن عبَّاس هذا يخصُّ حديث أبي سعيد: «إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ يصَلِّي فَلَا يَدَعْ أَحَدًا يَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ» فإنَّ ذلك مخصوص بالإمام والمنفرد، فأمَّا المأموم فلا يضرُّه من مرَّ بين يديه، لحديث ابن عبَّاس هذا قال: وهذا كلُّه لا خلاف فيه بين العلماء، وكذا نقل عياض الاتِّفاق على أنَّ المأمومين يصلُّون إلى سترة، لكن اختلفوا هل سترتهم سترة الإمام أو سترتهم الإمام نفسه. انتهى.\nوفيه نظر لما رواه عبد الرزَّاق عن الحكم بن عَمْرو الغفاري الصحابي أنَّه صَلَّى بأصحابهِ في سفرٍ وبينَ يديهِ سُترَةٌ فمَرَّ حميرٌ بينَ يَدَي أصحابهِ فأعَادَ بهمُ الصَّلاة، وفي رواية أنَّه قالَ لَهُمْ: إنَّها لَمْ تَقْطَعْ صلاتِي ولكن قَطَعَتْ صلاتَكُمْ.\nفهذا يُعَكِّر على ما نقل من الاتِّفاق، ولفظ ترجمة الباب وردت في حديث مرفوع رواه الطَّبَرَاني في «الأوسط» من طريق سُوَيد بن عبد العزيز عن عاصم عن أَنَس مرفوعًا: «سُتْرَةُ الِإمَامِ سُترَةٌ لِمَنْ خَلْفَهُ» وقال: تفرَّد به سُوَيد عن عاصم. انتهى.\nوسويد ضعيف عندهم ووردت أيضًا في حديث موقوف على ابن عُمَر أخرجه عبد الرزَّاق ويظهر أثر الخلاف الذي نقله عياض فيما لو مرَّ بين يدي الإمام أحد، فعلى قول من يقول إنَّ سترة الإمام سترة من خلفه يضرُّ صلاته وصلاتهم، وعلى من يقول أنَّ الإمام نفسه سترة من خلفه يضرُّ صلاته ولا يضرُّ صلاتهم.\n\n٤٩٤ - <span id=\"b-٤\"> </span>قوله: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ) قال أبو علي الجَيَّاني: لم أجد إِسْحاق هذا منسوبًا من الرواة، وقال","vol":"1","page":2},{"text":"الكِرْماني: وفي بعض النسخ «إِسْحَاقُ بنُ مَنْصُوْرٍ». قال شيخنا: وقد جَزَمَ أبو نُعَيم وخَلَفٌ وغيرهُما بِأنَّه إِسْحاق بن مَنْصور وكنت أجوِّز أنَّه ابن راهويه لثبوته في «مسنده» عن الفِرْيابي إلى أن رأيت في سياقه له مغايرة، قلت: ترجمته في باب فضل من عَلِمَ وعَلَّم. انتهى.\nقوله: (قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بنُ نُمَيْرٍ) أي بضمِّ النون، ترجمته في باب الخيمة في المسجد للمرضى وغيرهم.\nقوله: (قَالَ حَدَّثَنَا عُبَيْد الله بنُ عُمَرَ) أي ابن حَفْص بن عاصم بن عُمَر بن الخطَّاب أبو عُثْمان القُرَشي العدوي المدني توفِّي سنة تسع وأربعين ومائة، قلت: تقدَّم ذكره أيضًا في باب التبرُّز في البيوت.\nقوله: (عَنْ نَافِعٍ) أي مولى بن عُمَر ترجمته في باب العلم والفُتيا في المسجد.\nقوله: (عَنِ ابنِ عُمَرَ) أي عبد الله بن عُمَر بن الخطَّاب ﵄ ترجمته في كتاب الإيمان.\nفي هذا الإسناد التَّحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع، وفيه العنعنة في موضعين، وفيه أنَّ رواته ما بين كوفيين ومدنيين، وفيه شيخه الرَّاوي عن ابن نُمَير غير منسوب.\nقوله: (أنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ كَانَ إِذَا خَرَجَ يَوْمَ العِيْدِ أَمَرَ بِالحَرْبَةِ فَتُوْضَعُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَيُصَلِّي إِلَيْهَا والنَّاسُ وَرَاءَهُ، وكانَ يَفْعَلُ ذلكَ في السَفَرِ، فَمِنْ ثمَّ اتخَذَهَا الأُمَرَاءُ) مطابقة للترجمة ظاهرة. فإن قلت: كيف الظهور والترجمة في أنَّ سترة الإمام سترة لمن خلفه وليس في الحديث ما يدلُّ على ذلك. قال العَيني: يدلُّ على ذلك من وجوه ثلاثة:\nالأوَّل: إنَّه لم ينقل وجود سترة لأحد من المأمومين ولو كان لفعل لتوفُّر الدَّواعي على نقل الأحكام الشَّرعيَّة فدلَّ على أنَّ سترته ﵇ كانت سترة لمن خلفه.\nالثاني: قوله (فَيُصَلِّي إِلَيْهَا والنَّاسُ وَرَآءَهُ) يدلُّ على دخول النَّاس في السترة؛ لأنَّهم تابعون للإمام في جميع ما يفعله.\nالثالث: إنَّ قوله (وَرَاءَهُ) يدلُّ على أنَّهم كانوا وراء السترة أيضًا، إذ لو كانت لهم سترة لم يكونوا ورآءه بل كانوا ورائها، وقد نقل القاضي عياض: الاتِّفاق على أنَّ المأمومين يصلُّون إلى سترة يعني به سترة الإمام، قال: ولكن اختلفوا ثمَّ نقل ما ذكره القاضي فيما تقدَّم آنفًا، ثمَّ ذكر ما قاله شيخنا: وفيه نظر إلى آخره، ثمَّ قال: قلت: سترة الإمام سترة مطلقًا بالحديث المذكور، فإذا وُجِدَتْ سترة لا يضرُّ صلاة الإمام ولا صلاة المأموم. انتهى.\nهذا الحديث أخرجه مسلم في الصَّلاة أيضًا عن محمَّد بن عبد الله بن نُمَير ومحمَّد بن المثَّنى وأخرجه أبو داود فيه عن الحسن بن علي الخلَّال عن عبد الله بن نُمَير قوله: (أَمَرَ بالحَرْبَةِ) أي أمر خادمه بحمل الحربة وللمصنِّف في العيدين من طريق الأوزاعي عن نافع: (كَانَ يَغْدُو إِلَى المُصلَّى وَالعَنَزَةُ تُحْمَلُ وَتُنْصَبُ","vol":"1","page":3},{"text":"بَيْنَ يَدَيْهِ، فَيُصَلِّي إِلَيْهَا). وزاد ابن ماجَهْ وابن خُزَيمَة والإسماعيلي وذلك أنَّ المصلَّى كان فضاء ليس فيه شيء يستره.\nقوله: (والنَّاسُ) بالرفع عطفًا على فاعل (فيُصَلِّي وَرَاءَهُ) منصوب على الظرفيَّة.\nقوله: (وكَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ) أي الأمر بالحربة والوضع بين يديه والصلاة إليها لم يكن مختصًّا بيوم العيد.\nقوله: (فَمِنْ ثَمَّ) -بفتح الثَّاء المثلَّثة- أي فمن أجل ذلك اتَّخذ الحربة الأمراء؛ وهو الرمح العريض النصل، يخرج بها بين أيديهم في العيد ونحوه. وهذه الجملة أعني قوله: (فَمِنْ ثمَّ اتخَذَهَا الأُمَراءُ) من كلام نافع كما أخرجه ابن ماجَهْ بدون هذه الجملة فقال: حدَّثنا محمَّد بن الصبَّاح أنبأنا عبد الله بن رجاء المكَّي عن عُبَيْد الله عن نافع عن ابن عُمَر قال: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ تُخْرَجُ لَهُ حَرْبَةٌ فِي السَّفَرِ، فَيَنْصِبُهَا، فَيُصَلِّي إِلَيْهَا». قال شيخنا: وهذه الجملة الأخيرة فصلها علي بن مُسْهِر من حديث ابن عُمَر فجعلها من كلام نافع كما أخرجه ابن ماجه، وأوضحته في كتاب «المدرج» والضمير في (اتَخَذَهَا) يعود إلى الحربة نفسها، أو إلى جنس الحربة. وقد روى عُمَر بن أبي شَبَّة في «أخبار المدينة» في حديث سعد القَرَظ أنَّ النجاشيَّ أهدى إلى النَّبِيِّ ﷺ حربة فأمسكها بنفسه فهي الَّتي يمشى بها مع الإمام يوم العيد.\nومن طريق اللَّيث أنَّه بلغه أنَّ العَنَزَةَ الَّتي كانت بين يدي النَّبِيِّ ﷺ كانت لرجل من المشركين قتله الزُّبَيْر بن العوَّام يوم أُحد فأخذها منه النَّبِيُّ ﷺ فكان ينصبها بين يديه إذا صلَّى، ويحتمل الجمع بأنَّ عَنَزَةَ الزُّبَيْر كانت أوَّلًا قبل حربة النجاشيِّ. انتهى.\nفيه الاحتياط وأخذ آلة تدفع الأعداء لاسيِّما في السفر، وفيه جواز الاستخدام وأمر الخادم، وفيه أنَّ سترة الإمام سترة لمن خلفه. وادَّعى بعضهم فيه الإجماع نقله ابن بطَّال قال: السترة عند العلماء سنَّة مندوب إليها، وقال الأبهريُّ: سترة المأموم سترة إمامه فلا يضرُّ المرور بين يديه لأنَّ المأموم تعلَّقت صلاته بصلاة إمامه، قال: ولا خلاف أنَّ السترة مشروعة إذا كان في موضع لا يأمن المرور بين يديه وفي الأمن قولان عند مالك، وعند الشَّافعي مشروعة مطلقًا لعموم الأحاديث ولأنَّها تصون البصر، فإن كان في الفضاء فهل يصلِّي إلى غير سترة؟ أجازه ابن القاسم لحديث ابن عبَّاس المذكور وقال مطرف وابن الماجشون: لا بدَّ من سترة، وذكر عن عُرْوَة وعطاء وسالم والقاسم والشعبيِّ والحسن أنَّهم كانوا يصلُّون في الفضاء إلى غير سترة. قال العَيني: قال محمَّد: يستحبُّ لمن يصلِّي في الصحراء أن يكون بين يديه شيء مثل عصا ونحوها فإن لم يجد","vol":"1","page":3},{"text":"فيستتر بشجرة ونحوها. فإن قلت: الحربة المذكورة هل لها حدٌّ في الطول؟ وما المعتبر في طول السترة؟\nقال العَيني: قال أصحابنا: أي الحنفيَّة مقدارها ذراع فصاعدًا. وأخذوا ذلك بحديث طلحة بن عُبَيْد الله قال: (قالَ رسولُ اللهِ ﷺ: إذا جعلْتَ بينَ يديكَ مثل مؤخرةِ الرحلِ فلا يضرُّكَ مَنْ يَمُرُّ بينَ يديكَ) رواه مسلم، وذكر شيخ الإسلام في «مبسوطه» من حديث أبي جُحَيفة الآتي ذكره أنَّ مقدار العَنَزَة طول ذراع في غلظ إصبع، ويؤيِّد هذا قول ابن مسعود: يجزئ من السترة السهم، وفي «الذخيرة»: طول السهم ذراع وعرضه قدر إصبع، قال: واختلف مشايخنا أي الحنفيَّة فيما إذا كانت السترة أقلَّ من ذراع، وقال شيخ الإسلام: لو وضع قناة أو جعبة بين يديه وارتفع قدر ذراع كانت سترة بلا خلاف، وإن كانت دونه ففيه خلاف، وفي غريب الرواية: النهر الكبير ليس بسترة كالطريق، وكذا الحوض الكبير، وقالت المالكيَّة: تجوز القلنسوة العالية والوسادة بخلاف السوط، وجوَّز في «العُتْبِيَّة» التستر بالحيوان الطاهر بخلاف الخيل والبغال والحمير، وجوَّز بظهر الرجل ومنع بوجهه، وتردد في جنبه، ومنع بالمرأة، واختلفوا في المحارم، ولا يتستر بنائم ولا مجنون ومأبون في دبره ولا كافر انتهى كلامهم.\nقلت: الذي قاله الشافعيَّة اتفقوا على أنَّه يستحبُّ أن يكون بين يدي المصلِّي سترة كحائط ونحوه. وحكمتها كفُّ البصر عمَّا ورائها، ومنع من يجتاز بين يديه. ويسنُّ أن لا يزيد ما بينه وبينها على ثلاثة أذرع، فإن لم يكن حائط غرز عصا ونحوها، أو جمع متاعه أو رحله، ويكون ارتفاع العصى ونحوها ثلثي ذراع، وهي قدر مؤخِّرة الرحل بحديث مسلم أي المتقدِّم، وقيل قدر ذراع اليد ولا ضابط لعرضها لقوله ﵇: «اسْتَتِرُوا فِي صَلَاتِكُمْ وَلَوْ بِسَهْمٍ» رواه الحاكم.\nقال في «البُوَيطي»: ولا يستتر بامرأة ولا دابَّة. وفي الصَّحيحين: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يصلِّي إلى رَاحِلَتِهِ». وكان ابن عُمَر يفعله، وقد أوصى الشَّافعي بالعمل بالحديث الصحيح قال الدَّمِيري: وهذا منه فهو مذهبه فإن لم يجد ساترًا استُحبَّ أن يخطَّ خطًّا لقوله ﵇ إذا صلَّى أحدكم فليجعل أمام وجهه شيئًا فإن لم يجد فليخطَّ خطَّا ثمَّ لا يضرُّه ما مرَّ أمامه رواه أبو داود بسند يعمل به في فضائل الأعمال وهذا منها. واختُلِفَ في صورة الخطِّ: فقيل: مقوس كالهلال، وقيل: بالطول من قدمه إلى القبلة وهو الأصحُّ، وقيل: من اليمين إلى الشِّمال، والاكتفاء بالخطِّ هو الأصحُّ.\nوحكمه حكم الشاخص في منع المرور وجواز الدفع، وقيل: إنَّ الشَّافعي خطَّ عليه في الجديد.\nوعبارة النَّوَوي في «المنهاج»","vol":"1","page":4},{"text":"تقتضي التخيير أي بين الجدار أو السَّارية أو العصا المغروزة أو بسط مصلَّى أو خطٍّ قباله وليس كذلك. فقد قال في «التحقيق»: فإن عجز خطَّ خطًّا، فإن عجز عن سترة بسط مصلَّى طولًا من قدميه إلى القبلة، ويستحبُّ أن يجعل السترة عن يمينه أو عن شماله. انتهى.\n\n٤٩٥ - <span id=\"b-٥\"> </span>قوله: (حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيْدِ) أي هشام بن عبد الملك الطَّيالِسي البصري، ترجمته في باب علامة الإيمان حبُّ الأنصار.\nقوله: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) أي ابن الحجَّاج، ترجمته في باب يتلو باب أمور الإيمان.\nقوله: (عَنْ عَوْنِ بنِ أَبي جُحَيْفَةَ) -أي بفتح العين المهملة وسكون الواو وبالنون- ترجمته في باب الصَّلاة في الثَّوب الأحمر.\nقوله: (قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ) أي أبو جُحَيفة -بضمِّ الجيم وفتح الحاء- مرَّ في كتابة العلم، واسمه وَهْب ابن عبد الله السُّوائي -بضمِّ السِّين المهملة-.\nفي هذا الإسناد التَّحديث بصيغة الجمع في موضعين، وفيه العنعنة في موضع واحد، وفيه السَّماع، وفيه التَّحديث بصيغة المضارع المفرد، وفيه أنَّ رواته ما بين بصري وكوفي.\nقوله: (إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى بِهِم بِالبَطْحَاءِ وَبَيْنَ يَدَيْهِ عَنَزَةٌ الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ وَالعَصْرَ رَكْعَتَيْنِ، تَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ المَرْأَةُ وَالحِمَارُ) مطابقته للترجمة من الوجه الذي ذكرناه في الحديث السَّابق. والحديث أخرجه البخاريُّ أيضًا في الصَّلاة عن آدم، وأخرجه مطَّولًا ومختصرًا في باب استعمال وضوء النَّاس، وفي ستر العورة في الصَّلاة في باب الصَّلاة في الثَّوب الأحمر وفي الأذان وفي صفة النَّبِيِّ ﷺ في موضعين، وفي اللِّباس في موضعين، وأخرجه أيضًا بعد بابين في باب الصَّلاة إلى العَنَزَة، وفي باب السترة بمكَّة وغيرها.\nقال شيخنا: ومداره عنده على بن الحكم بن عُيَيْنَة وعلى عَوْن بن أبي جُحَيفة كلاهما عن أبي جُحَيفة، وعند أحدهما ما ليس عند الآخر، وقد سمعه شُعْبَة منهما كما سيأتي واضحًا. انتهى.\nوأخرجه مسلم في الصَّلاة، وكذلك أبو داود والتِّرْمِذي وابن ماجه، وقد ذكرناه في باب الصَّلاة في الثَّوب الأحمر.\nقوله: (بِالبَطْحَاءِ) أي بطحاء مكَّة، ويقال له الأبطح أيضًا، قال شيخنا: وهو موضع خارج مكَّة، وهو الذي يقال له: الأبطح، وكذا ذكره من رواية أبي العُمَيس عن عون، وزاده من رواية آدم عن شُعْبَة عن عون أنَّ ذلك كان بالهاجرة فيُستفاد منه، كما ذكر النَّوَوي أنَّه ﵇ جمع حينئذ بين الصلاتين في وقت الأولى منهما، ويحتمل أن يكون قوله: (والعَصْرَ رَكعَتَينِ) أي بعد دخول وقتها. قلت: وقد تقدَّم","vol":"1","page":4},{"text":"الكلام على تفسير البطحاء عن قريب.\nقوله: (وبَينَ يَدَيهِ عَنَزَةٌ) جملة وقعت حالًا، والعَنَزَة تقدَّم ضبطها وتفسيرها في الطهارة في حديث أَنَس وفي رواية أبي العُمَيس: «جَاءَ بِلَالٌ فَآذَنَهُ بِالصَّلَاةِ ثمَّ خَرَجَ بِالعَنَزَةِ حتَّى رَكَزَهَا بَيْنَ يَدَيْهِ، وَأَقَامَ الصَّلَاةَ».\nوأوَّل رواية عُمَر بن أبي زائدة عن عَوْن عن أبيه: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فِي قُبَّةٍ حَمْرَاءَ مِنْ أَدَمٍ، وَرَأَيْتُ بِلَالًا أَخَذَ وَضُوءَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَرَأَيْتُ النَّاس يَبْتَدِرُونَ ذَاكَ الوَضُوءَ، فَمَنْ أَصَابَ مِنْهُ شَيْئًا تَمَسَّحَ بِهِ، وَمَنْ لَمْ يُصِبْ مِنْهُ شَيْئًا أَخَذَ مِنْ بَلَلِ يَدِ صَاحِبِهِ». وفيها أيضًا «وخَرَجَ في حُلَّةٍ حَمْرَاءَ، مُشَمِّرًا»، وفي رواية مالك بن مغول عن عون: «كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى وَبِيصِ سَاقَيْهِ»، وبيَّن فيها أيضًا أنَّ الوضوء الذي ابتدره النَّاس كان فضل الماء الذي توضَّأ به النَّبِيُّ ﷺ. وكذا هو في رواية شُعْبَة عن الحكم، وفي رواية شُعْبَة من طريق الثَّوْري عن عَوْن ما يشعر بأنَّ ذلك كان بعد خروجه من مكَّة؛ لقوله: ثمَّ لم يزل يصلِّي ركعتين حتَّى رجع إلى المدينة.\nقوله: (الظُّهْرَ) منصوب لأنَّه مفعول (صَلَّى).\nقوله: (رَكْعَتَيْنِ) نصب إما على أنَّه حال، وإما على أنَّه بدل من الظُّهر، وكذلك الكلام في قوله: (والعَصْرَ).\nقوله: (تَمُرُّ بَينَ يَدِيْهِ المَرْأَةُ والحِمَارُ) جملة وقعت حالًا، والجملة الفعليَّة إذا وقعت حالًا وكان فعلها مضارعًا يجوز فيها الواو وتركها.\nقال شيخنا: (تَمُرُّ بَيْنَ يَدَيهِ) أي بين العَنَزَة والقبلة لا بينه وبين العَنَزَة، ففي رواية عُمَر بن أبي زائدة في باب الصَّلاة في الثَّوب الأحمر: «وَرَأَيْتُ النَّاس وَالدَّوَابَّ يَمُرُّونَ بَيْنِ يَدَيِ العَنَزَةِ». انتهى.\nفيه: جعل السترة بين يديه إذا كان في الصحراء. وفيه: أنَّ مرور المرأة والحمار لا يقطع الصَّلاة، وهو قول عامَّة العلماء.\nوروي عن أَنَس ومَكْحول وأبي الأَحْوَص والحسن وعِكْرِمَة: «يَقْطَعُ الكَلْبُ وَالحِمَارُ والخِنْزِيْرُ وَالمَرْأَةُ وَاليَهُودِيُّ وَالنَّصْرَانِيُّ وَالمَجُوسِيُّ». وعن عطاء: لا يَقطَعُ إلَّا الكَلْبُ الأسودُ والمرأةُ الحائضُ. وعن أحمد في المشهور عنه: يقطع الصَّلاة مرور الكلب الأسود البهيم. وفي رواية: يقطعها أيضًا الحمار والمرأة أيضًا والبهيم الذي لا يخالط لونه لون آخر. وفي «جامع» شمس الأئمَّة: تَفسُدُ الصَّلاة بمرورِ المرأةِ بَينَ يَدَيهِ. وفي «الكافي» عند أهل العراق: تَفسُدُ بمرور الكلبِ والمرأةِ والحمارِ. والحديث المذكور حُجَّة على من يقول يقطع الصَّلاة بمرور المرأة والحمار، والحُجَّة على من يرى بقطع الصَّلاة بالأشياء المذكورة من هؤلاء المذكورين ما رواه أبو","vol":"1","page":5},{"text":"داود في «سننه» عن أبي سعيد الخُدْري قال: قال رسول الله ﷺ: «لَا يَقْطَعُ الصَّلاة شَيْءٌ وَادْرَؤُوا مَا اسْتَطَعْتُمْ فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ»، وفي الباب عن ابن عُمَر وأبي أمامة وأنس وجابر، فحديث ابن عُمَر عند الدَّارَقُطْني في «سننه»، وحديث أبي أمامة وأنس أيضًا عنده، وحديث جابر عند الطَّبَرَاني في «الأوسط». قال العَيني: أما حديث الخُدْري ففيه مقال، وأما حديث ابن عُمَر وأبي أمامة وأنس، فقال ابن الجَوْزي: لا يصحُّ منها شيء، وأما حديث جابر ففيه عيسى بن ميمون، قال ابن حبَّان: لا يحلُّ الاحتجاج به، ومستند المذكورين ما رواه مسلم: عن عبد الله بن الصامت عن أبي ذرٍّ قال: قال رسول الله ﷺ: «يَقْطَعُ صَلَاةَ الرَّجُلِ، إِذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَ يَدَيْهِ كَمؤخِرَةِ الرَّحْلِ: المَرْأَةُ وَالحِمَارُ وَالكَلْبُ الأَسْوَدُ، قُلْتُ: مَا بَالُ الأَسْوَدِ مِنَ الأَحْمَرِ؟ قَالَ: يا ابْنَ أَخِي، سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَمَا سَأَلْتَنِي، فَقَالَ: الكَلْبُ الأَسْوَدُ شَيْطَانٌ».\nوحُجَّة العامَّة ما رواه البخاري ومسلم عن عُرْوَة عن عائشة ﵂ قالت: «كَانَ رَسُولُ الله يصلِّي وَأَنَا مُعْتَرِضَةٌ بين يَدَيهِ كَاعْتِرَاضِ الجِنَازَةِ». وقد رُوي هذا بوجوه مختلفة، منها فيه: «وَأَنَا حِذَاءَهُ، وَأَنَا حَائِضٌ».\nوجه الاستدلال به أنَّ اعتراض المرأة خصوصًا الحائض بين المصلِّي وبين القبلة لا يقطع الصَّلاة، فالمارة بطريق الأولى. وبوَّب أبو داود في «سُنَنِهِ» باب من قال الكلب لا يقطع الصَّلاة، ثمَّ روى عن الفضل بن عبَّاس قال: «أَتَانَا رَسُولُ اللهِ ﷺ وَنَحْنُ فِي بَادِيَةٍ وَمَعَهُ عَبَّاسٌ، فصلَّى فِي صَحْرَاءَ لَيْسَ بَيْنَ يَدَيْهِ سُتْرَةٌ وَحِمَارَةٌ لَنَا وَكَلْبَةٌ تَعْبَثَانِ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَمَا بَالَى ذَلِكَ». وأخرجه النَّسائي أيضًا. وقال النَّوَوي: وتأوَّل الجمهور القطع المذكور في الأحاديث المذكورة على قطع الخشوع، جمعًا بين الأحاديث.\nقال العَيني: هذا جيد فيما إذا كانت الأحاديث الَّتي في هذا الباب مستوية الأقدام، وأمَّا إذا قلنا: أحاديث الجمهور أقوى وأصحُّ من أحاديث من خالفهم فالأخذ بالأقوى أولى وأقوى، فإن قلت: قال ابن القصَّار: من قال إنَّ الحمار يقطع الصلاة؟ قال: إنَّ مرور حمار عبد الله كان خلف الإمام بين يدي بعض الصفِّ، والإمام سترة لمن خلفه.\nقال العَيني: رُدَّ هذا بما رواه البزَّار أنَّ المرور كان بين يديه ﵇ فإن قلت: روى أبو داود من حديث","vol":"1","page":5},{"text":"سعيد بن غَزْوان عن أبيه: «أنَّه نَزَلَ بِتَبُوكَ وَهُوَ حَاجٌّ فَإِذَا بِرَجُلٍ مُقْعَدٍ فَسَأَلَهُ عَنْ أَمْرِهِ فَقَالَ: سَأُحَدِّثُكَ بحَدِيثٍ فَلَا تُحَدِّثْ بِهِ مَا سَمِعْتَ أَنِّي حَيٌّ، إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَزَلَ بِتَبُوكَ إِلَى نَخْلَةٍ فَقَالَ: هَذِهِ قِبْلَتُنَا، ثمَّ صلَّى إِلَيْهَا، قَالَ: فَأَقْبَلْتُ وَأَنَا غُلَامٌ أَسْعَى حتَّى مررْتُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا فَقَالَ: قَطَعَ صَلَاتَنَا قَطَعَ اللهُ أَثَرَهُ فَمَا قُمْتُ عَلَيْهَا إِلَى يَوْمِي هَذَا».\nقوله: (عَلَيْهَا) أي على رجلي، وليس بإضمار قبل الذكر لوجود القرينة.\nقال العَيني: أبو داود سكت عنه. وقال غيره: هذا حديث واهٍ، ولئن سلَّمنا صحَّته فهو منسوخ بحديث ابن عبَّاس؛ لأنَّ ذلك كان بتبوك وحديثه كان في حَجَّة الوداع بعدها والله أعلم. انتهى.\nوفيه التماس البركة مما لامسه الصَّالحون، ووضع السترة للمصلِّي حيث يخشى المرور بين يديه والاكتفاء فيها بمثل غِلَظِ العَنَزَة، وإنَّ قصر الصَّلاة في السَّفر أفضل من الإتمام؛ لما يشعر به الخبر من مواظبته ﵇، وأنَّ ابتداء القصر من حين مفارقة البلد الذي يخرج منه.\nوفيها استحباب تشمير الثياب لا سيَّما في السَّفر وفيه تعظيم الصحابة النَّبِيَّ ﷺ. قلت: واعتقاد حلول البركة في أبدانهم بحلول ما لمسه فيها. انتهى.\nوفيه استصحاب العَنَزَة ونحوها في السَّفر ومشروعية الأذان في السَّفر كما سيأتي.\nوجواز النَّظر إلى السَّاق وهو إجماع في الرجل حيث لا فتنة. وجواز لبس الثَّوب الأحمر قال شيخنا: وفيه خلاف يأتي في كتاب اللِّباس إن شاء الله تعالى.\nقال العَيني: وفيه جواز قصر الصَّلاة الرُّباعيَّة بل هو أفضل من الإتمام، وهل هو رخصة أو عزيمة؟ فيه خلاف بيننا وبين الشَّافعي على ما يأتي بيانه في موضعه إن شاء الله تعالى.\n\n <span id=\"b-٦\"> </span>(٩١) <span data-type=\"title\" id=toc-6>(بَابُ قَدْرِ كَمْ يَنْبَغِي أَنْ يَكُوْنَ بَيْنَ المُصَلِّي وَالسُّتْرَةِ)</span> أي هذا باب في بيان قدر كم ذراع ينبغي أن يكون بين المصلِّي والسترة؟ وقد علم أنَّ لفظة (كَمْ) سواء كانت استفهاميَّة أو خبريَّة لها صدر الكلام، وإنَّما قدَّم لفظ القدر عليها؛ لأنَّ المضاف والمضاف إليه في حكم كلمة واحدة، ومميز (كَمْ) محذوف لأنَّ الفعل لا يقع مميزًا، والتقدير: كَمْ ذِراعٍ ونحوه كما ذكرنا، والمصلِّي -بكسر اللَّام-: اسم فاعل.\nقال شيخنا: يحتمل أن يكون بفتح اللَّام من المصلَّى الذي يصلِّي فيه، قال العَيني: هذا احتمال أخذه قائله من كلام الكِرْماني حيث قال: فإن","vol":"1","page":6},{"text":"قلت: الحديث دلَّ على القدر الذي بين المصلَّى بفتح اللَّام والسترة، والترجمة بكسر اللَّام قلت: معناهما متلازمان. انتهى.\nقال العَيني: لا يلزم من تلازمهما عقلًا اعتبار المقدار، لأنَّ اعتبار المقدار بين المصلِّي وبين السترة لا بينها وبين المكان الذي يصلَّى فيه. انتهى.\n\n٤٩٦ - <span id=\"b-٧\"> </span>قوله: (حَدَّثَنَا عَمْرو بنُ زُرَارَةَ) أي بالواو في عَمْرو وضم الزاي ثمَّ بالراء قبل الألف وبعدها هاء أبو محمَّد النيسابوري مات سنة ثمان وثلاثين ومائتين.\nقوله: (قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيْزِ بنُ أَبِي حَازِمٍ) ترجمته في باب نوم الرِّجال في المسجد.\nقوله: (عَنْ أَبِيْهِ) أي أبو حازم -بالحاء المهملة وبالزاي- اسمه سَلَمَة بن دينار وقد تقدَّم في باب غسل المرأة أباها.\nقوله: (عَنْ سَهْلِ) أي ابن سعد الساعدي ﵁ ترجمته في الباب أيضًا.\nفي هذا الإسناد التَّحديث بصيغة الجمع في موضعين وفيه العنعنة في موضعين، وفيه القول، وفيه عن أبيه، وفي رواية أبي داود والإسماعيلي أخبرني أبي، وفيه سهل غير منسوب، وفي رواية الأَصِيلي عن سهل بن سعد.\nقوله: (قَالَ: كَانَ بَيْنَ مُصلَّى رَسُوْلِ اللهِ ﷺ وَبَيْنَ الجِدَارِ مَمَرُّ الشَّاةِ) مطابقته للترجمة ظاهرة.\nوالحديث أخرجه مسلم في الصَّلاة عن يعقوب الدَّوْرَقي وأبو داود فيه عن النُّفَيلي والقَعْنَبي قوله: «بَيْنَ مُصَلَّى» -بفتح اللَّام- وهو المكان الذي يصلِّي فيه، والمراد به مقامُه ﵇ في صلاته. وكذا هو في رواية أبي داود قال: حدَّثنا القَعنَبي والنُّفَيلي، قالا: حدَّثنا عبد العزيز بن أبي حازم قال: أخبرني أبي عن سهل قال: «كَانَ بَيْنَ مَقامِ النَّبِيِّ ﷺ وبينَ القِبْلةِ ممرُّ عَنْزٍ». وقال الكِرْماني: المراد بالمصلَّى موضع القدم. قال العَيني: يتناول ذلك موضع القدم وموضع السُّجود أيضًا.\nقوله: (مَمَرُّ الشَّاةِ) وهو موضع مرورها وهو منصوب لأنَّه خبر كان، والاسم قدر المسافة أو الممرِّ، والسِّياق يدلُّ عليه. كذا قاله الكِرْماني ثمَّ قال: وفي بعضها بالرَّفع.\nقال العَيني: وجه الرَّفع أن تكون (كَانَ) تامَّة ويكون (مَمَرُّ الشَّاةِ) اسمها، ولا يحتاج إلى خبر أو تكون ناقصة والخبر هو الظَّرف، وفي رواية أبي داود: «مَمَرُّ العَنَزِ» كما ذكرنا والعَنَز هو الماعز. انتهى.\nفيه ما قال القُرْطُبي: إنَّ بعض المشايخ حمل حديث مَمَرُّ الشَّاةِ على ما إذا كان قائمًا، وحديث بلال ﵁ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لما صلَّى في الكعبة جعل بينه وبين القبلة","vol":"1","page":6},{"text":"قريبًا من ثلاثة أذرع على ما إذا ركع أو سجد قال: ولم يحدَّ مالك في هذا حدًّا إلَّا إن ذلك بقدر ما يركع فيه ويسجد ويتمكَّن من دفع من يمرُّ بين يديه، وقيَّده بعض النَّاس بشبر، وآخرون بثلاثة أذرع، وبه قال الشَّافعي وأحمد، وهو قول عطاء وآخرون بستَّة أذرع. وذكر السَّفَاقُسيُّ قال أبو إِسْحاق: رأيت عبد الله بن مُغَفَّل يصلِّي بينه وبين القبلة ستة أذرع وفي نسخة ثلاثة أذرع، وفي «مُصَنَّف ابن أبي شَيْبة» بسند صحيح نحوه. وقد استقصينا الكلام في الباب السَّابق.\n\n٤٩٧ - <span id=\"b-٨\"> </span>قوله: (حَدَّثَنَا المكَّي بنُ إِبْرَاهِيْمَ قَالَ: حدَّثنا يَزِيْدُ بنُ أَبِي عُبَيْدٍ عَنْ سَلَمَةَ) هؤلاء الثلاثة قد سبقوا بهذا الإسناد في باب إثم من كذب على النَّبِيِّ ﷺ. وسَلَمَةَ بفتح اللام هو ابن الأكوع الصحابي ﵁، وهذا من ثلاثيَّات البخاري.\nقوله: (قَالَ: كَانَ جِدَارُ المَسْجِدِ عِنْدَ المِنْبَرِ مَا كَادَتِ الشَّاةُ تَجُوْزُهَا) مطابقته ظاهرة من حيث أنَّه ﵇ كان يقوم بجنب المنبر؛ لأنَّه لم يكن لمسجده محراب فتكون مسافة ما بينه وبين الجدار نظير ما بين المنبر والجدار فكأنه قال: الذي ينبغي أن يكون بين المصلِّي وسترته قدر ما كان بين منبره والجدار القبلي.\nقال شيخنا: وأوضح من ذلك ما ذكره ابن رُشَيْد أنَّ البخاري أشار بهذه الترجمة إلى حديث سهل بن ساعدة الذي تقدَّم في باب الصَّلاة على المنبر والخشب فإنَّ فيه أنَّه ﵇ قام على المنبر حين عُمِلَ وصلَّى عليه، فاقتضى ذلك أنَّ ذكر المنبر يؤخذ منه موضع قيام المصلِّي، فإن قيل أنَّ في ذلك الحديث أنَّه لم يسجد على المنبر وإنَّما نزل فسجد في أصل المنبر، وبين أصل المنبر وبين الجدار أكثر من ممرِّ الشاة، أجيب بأنَّ أكثر أجزاء الصَّلاة قد حصل في أعلا المنبر ويحصل به المقصود، وإنَّما نزل عن المنبر؛ لأنَّ الدرجة لم تتسع لقدر سجوده، وأيضًا فإنَّه لما سجد في أصل المنبر صارت الدرجة الَّتي فوقه سترة له وهو قدر ما تقدَّم. انتهى.\nوالحديث أخرجه مسلم أيضًا وهو موقوف على سَلَمَةَ ولكنَّه في الأصل مرفوع، يدلُّ عليه ما رواه الإسماعيليُّ من طريق أبي عاصم عن يزيد بن أبي عُبَيْد بلفظ: «كانَ المنبرُ على عهدِ رسولُ اللهِ ﷺ ليسَ بينَه وبينَ حائطِ القبلةِ إلَّا قدرَ ما مرَّ العنز».\nقوله: (المَسْجِدِ) أي مسجد النَّبِيِّ ﷺ.\nقوله: (عِنْدَ المِنْبَرِ) من تتمَّة اسم كان أي الجدار الذي عند منبر رسول الله ﷺ أو خبر","vol":"1","page":7},{"text":"كان، الجملة أعني قوله: (ما كَادَتِ الشَّاةُ تَجُوْزُهَا) ويجوز أن يكون الخبر هو قوله: (عِنْدَ المِنْبَرِ)، وقوله: (مَا كَادَتِ الشَّاةُ) استئنافًا تقديره: إذا كان الجدار عند المنبر فما مقدار المسافة بينهما؟ فأجاب: (مَا كَادَتِ الشَّاةُ تَجُوْزُهَا)، أي مقدار ما كادت الشاة تجوز المسافة، وليس بإضمارٍ قبل الذكر؛ لأنَّ سوق الكلام يدلُّ عليه.\nقال العَيني: ثمَّ اعلمْ أنَّ كادَ من أفعال المقاربة، وخبره يكون فعلًا مضارعًا بغير أن كما في هذه الرواية، ويروى: &lt;أنْ تَجُوْزَهَا&gt; فإن قلت: ما وجه دخول أن؟ قال العَيني: قد تدخل أن على خبر كاد كما تحذف من خبر عسى؛ إذ هما أخوان يتعارضا. فإن قلت: إذا دخل حرف النَّفي على كاد يكون للنفي كما في سائر الأفعال، فما حكمه ههنا؟ أجاب: القواعد النحويَّة تقتضي النفي، والموافق ههنا الإثبات للحديث الأوَّل، وهذا الحديث والذي قبله يدلان على أنَّ القرب من السترة مطلوب.\nوقال ابن القاسم عن مالك: ليس من الصَّواب أن يصلِّي وبينه وبين السترة صفان. وروى ابن المنذر عن مالك: أنَّه تباعد عن سترته، وأنَّ شخصًا قال له: أيها المصلِّي ألا تَدْنُ من سترةٍ! فمشى الإمام إليها وهو يقول: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَم تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ عَظِيْمًا﴾ [النساء: ١١٣].\nقال شيخنا: وقد ورد الأمرُ بالدُّنوِّ منها، وفيه بيان الحكمة في ذلك، وهو ما رواه أبو داود وغيره من حديث سهل بن أبي حَثْمَةَ مرفوعًا: «إِذَا صلَّى أَحَدُكُمْ إِلَى سُتْرَةٍ فَلْيَدْنُ مِنْهَا، لَا يَقْطَعُ الشَّيطان عَلَيْهِ صَلَاتَهُ».\nقال ابن بطَّال: أقل ما يكون بين المصلِّي وسترته قدر ممرِّ الشاة. وقيل: أقل ذلك ثلاثة أذرع؛ لحديث بلال: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صلَّى فِي الكَعْبَةِ وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ الجِدَارِ ثَلَاثَةُ أَذْرُعٍ» كما سيأتي قريبًا بعد خمسة أبواب. وجمع الدَّاُودي: بأنَّ أقلَّه ممرُّ الشَّاة، وأكثره ثلاثة أذرع. وجمع بعضهم: بأنَّ الأوَّل في حال القيام والقعود، والثاني في حال الركوع والسُّجود. وقال ابن الصَّلاح: قدَّروا ممرَّ الشَّاة بثلاثة أذرع. قال شيخنا: ولا يخفى ما فيه. وقال البَغَويُّ: استَحَبَّ أهل العلم الدُنُوَّ من السترة بحيث يكون بينه وبينها قدر إمكان السُّجود، وكذلك بين الصُّفوف.\n\n <span id=\"b-٩\"> </span>(٩٢) <span data-type=\"title\" id=toc-9>(بَابُ الصَّلاة إِلى الحَرْبَةِ)</span> أي هذا بابٌ في بيان الصَّلاة إلى جهة الحربة المركوزة بينه وبين القبلة، وقد بيَّنا: أنَّ الحربة دون الرمح العريضِ النَّصْلِ. وقال أهل السِّير: كانت للنَّبِيِّ ﷺ حربة","vol":"1","page":7},{"text":"دون الرمح يقال لها: العَنَزَة، فكأنها بالغلبة صارت عَلَمًا لها.\n\n٤٩٨ - <span id=\"b-١٠\"> </span>قوله: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قالَ: حَدَّثَنَا يَحيَى عَن عُبَيْدِ اللهِ قَالَ: أَخبَرَني نافِعٌ عَن عَبدِ اللهِ بنِ عُمَر ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُرْكَزُ لَهُ الحَربَةُ، فَيُصَلِّي إِلَيهَا).\nمطابقته للترجمة ظاهرة، ساق هذا الحديث في الباب الذي قبل السابق، وذكره ههنا مختصرًا، ويحيى: هو القطَّان، وعُبَيْد الله بن عُمَر بن حَفْص بن عاصم بن عُمَر بن الخطَّاب ﵁.\nقوله: (يُرْكَزُ) مِن الركز بالزَّاي في آخره: وهو الغَرز في الأرض.\n\n <span id=\"b-١١\"> </span>(٩٣) <span data-type=\"title\" id=toc-11>(بَابُ الصَّلاة إِلى العَنَزَةِ)</span> أي: هذا باب في بيان الصَّلاة إلى جهة العَنَزَة المركوزة بينه وبين القبلة، وقد مرَّ تفسير العَنَزَة.\nقال شيخنا: اعتُرِضَ عليه في هذه الترجمة؛ فإنَّ فيها تكرارًا؛ فإنَّ العَنَزَة هي الحربة، لكن قيل: إنَّ الحربة إنَّما تقال: عَنَزَة إذا كانت قصيرة، ففي ذلك جهة مغايرة. انتهى. قلت: لا شكَّ أنَّ التغاير بالاعتبار أيضًا كافٍ في المغايرة.\n\n٤٩٩ - <span id=\"b-١٢\"> </span>قوله: (حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَة قَالَ: حَدَّثَنَا عَوْنُ بنُ أَبي جُحَيْفَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبي قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُوْلُ اللهِ ﷺ بِالهَاجِرَةِ، فَأُتِيَ بِوَضُوْءٍ، فَتَوَضَّأَ فصَلَّى بِنَا الظُّهْرَ وَالعَصْرَ وَبَينَ يَدَيْهِ عَنَزَةٌ، وَالمرأَةُ وَالحِمَارُ يَمرُّوْنَ مِنْ وَرَائِهَا).\nمطابقته للترجمة ظاهرة، وقد تقدَّم حديث أبي جُحَيفة وَهْب بن عبد الله السُّوائي في الباب الذي بينه وبين هذا بابان، وهناك رواه عن أبي الوليد عن شُعْبَة، وههنا عن آدم بن أبي إِياس عن شُعْبَة.\nقوله: (بِالهَاجِرَةِ) وهي اشتداد الحرِّ عند الظهيرة. قوله: (فَأُتِيَ) على صيغة المجهول.\nقوله: (بَوَضُوْءٍ) بفتح الواو، وهو الماء الذي يُتوضَّأ به.\nقوله: (وَبَينَ يَدَيْهِ عَنَزَةٌ) جملة حاليَّة.\nقوله: (يَمرُّوْنَ) كان القياس في ذلك أن يقال: يَمرَّان، بلفظ التَّثنية؛ لأنَّ المذكور تثنية، وهي المرأة والحمار، ووجَّهوا هذا بوجوه؛ فقال شيخنا: كأنَّه أراد الجنس، ويؤيِّده رواية: «وَالنَّاسُ والدَّوابُ يَمُرُّوْنَ». قال العَيني: هذا ليس بشيء؛ لأنَّه إذا أُريد الجنس يُراد به جنس المرأة وجنس الحمار، فيكون تثنيةً فلا يُطابق الكلام. قال شيخنا: أو فيه حذف تقديره: وغيرهما، وقد تقدَّم بلفظ: (يَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ المَرْأَةُ والحِمَارُ)، فالظَّاهر: أنَّ الذي وَقَعَ هنا من تصرُّف الرواة. قال العَيني: قوله: من تصرُّف الرواة، وهذا أيضًا ليس بشيء؛ لأنَّ فيه نسبتهم إلى ذكر ما يخالف القواعد. انتهى.\nقال ابن التِّين:","vol":"1","page":8},{"text":"الصَّواب: يَمُرَّان، أو في (يَمُرُّوْنَ) إطلاق صيغة الجمع على الاثنين. قال العَيني: وهذا أوجه من غيره؛ لأنَّ مثلَ هذا وَقَعَ في الكلام الفصيح.\nوقال ابن مالك: أعاد ضمير الذكور العقلاء على مؤنَّث ومذَّكر غير عاقل، وهو مشكل، والوجه فيه: إنَّه أراد المرأة والحمار وراكبَه، فحذف الراكب لدلالة الحمار عليه، ثمَّ غلَّب تذكير الراكب المفهوم على تأنيث المرأة، وذا العقل على الحمار، وقد وَقَعَ الإخبار عن مذكور ومحذوف في قولهم: راكب البعير طليحان، أي البعير وراكبه. قال العَيني: هذا فيه تعسُّف وبُعد.\nقوله: (مِن وَرَائِها) أي من وراء العَنَزَة.\n\n٥٠٠ - <span id=\"b-١٣\"> </span>قوله: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ حَاتِمِ بنِ بَزِيْعٍ) -بالحاء المهملة وبالتَّاء المُثَنَّاة من فوق-، وبَزِيع -بفتح الباء الموحَّدة وبكسر الزَّاي وسكون الياء آخر الحروف وبالعين المهملة- أبو سعيد، مات ببغداد في سنة تسع وأربعين ومائتين.\nقوله: (قَالَ حَدَّثَنَا شَاذَانُ) أي بالشِّين المعجمة، تقدَّم في باب حمل العَنَزَة في الاستنجاء.\nقوله: (عَنْ شُعْبَةَ) تقدَّم في بابٍ يتلو باب أمور الإيمان.\nقوله: (عَنْ عَطَاءِ بنِ أَبِي مَيْمُوْنَةَ) تقدَّم في باب الاستنجاء بالماء.\nقوله: (قَالَ: سَمِعْتُ أَنَس بنَ مَالِكٍ ﵁ يَقُوْلُ) تقدَّم في بابِ: من الإيمان أن يحبَّ لأخيه ما يحبُّ لنفسه. في هذا الإسناد: التَّحديث بصيغة الجمع في موضعين، وفيه العنعنة في موضعين، وفيه السماع، وفيه القول.\nقوله: (كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا خَرَجَ لحاجَتِهِ تَبِعْتُهُ أَنَا وَغُلامٌ مَعَنَا عُكَّازَةٌ أَو عَصًى أَو عَنَزَةٌ، وَمَعَنَا إِداوَةٌ، فَإِذا فَرَغَ مِنْ حَاجَتِهِ نَاوَلْنَاهُ الإِدَاوَةَ). مطابقته للترجمة ظاهرة على ما وجد في أكثر النسخ. (أَوْ عَنَزَةٌ) بالعين المهملة والنون والزاي، وفي بعض النسخ: &lt;أَوْ غَيْرُهُ&gt; بالغين المعجمة والياء آخر الحروف، أي أو غير كلِّ واحد من العصا والعكازة. قال العَيني: فإن صحَّ هذا فليس فيه ما يطابق الترجمة. فإن قلت: الضَّمير في (غَيْرُهُ) يرجع إلى ماذا، والمذكور شيئان وهما العكَّازة والعصا؟ قال العَيني: تقديره: أو غير كلِّ واحد منهما.\nقال شيخنا: وفي رواية المُسْتَمْلي والحموي: &lt;أَوْ غَيْرُهُ&gt; بالمعجمة والياء والراء، أي سواه أي المذكور، والظاهر إنَّه تصحيف. قال العَيني: كيف يكون تصحيفًا وهي رواية المُسْتَمْلي والحموي، فكأنَّ هذا القائل ارتكب هذا لئلَّا يقال: إنَّ الحديث لا يطابق الترجمة.\nوهذا الحديث قد مرَّ في كتاب الوضوء، في باب حمل العَنَزَة مع الماء في الاستنجاء، ولكن هناك","vol":"1","page":8},{"text":"أخرجه عن محمَّد بن شاذان عن محمَّد بن جعفر عن شُعْبَة، وههنا أخرجه عن محمَّد بن حاتم.\nقوله: (تَبِعْتُهُ أَنَا) وإنما أتى بضمير الفصل؛ ليصحَّ العطف، وهذا على مذهب البصريين.\nو(الإِدَاوَةَ) -بكسر الهمزة- قلت: إناء من جلد كالسطيحة. انتهى.\nقال ابن بطَّال: فيه الاستنجاء بالماء. قال العَيني: هذا ليس بصريح؛ لأنَّ قوله: (فَإذَا فَرِغَ مِنْ حَاجَتِهِ) يشمل الاستنجاء بالحجر ونحوه، وتكون مناولته الماء لأجل الوضوء. انتهى. قلت: وَقَعَ التصريح بذلك في حديث أَنَس، في باب جمع العَنَزَة مع الماء، وهو قوله: (يَستَنجِي بالمَاءِ) فابن بطَّال أشار إلى ذلك. انتهى.\nوقال ابن بطَّال: فيه خدمة السُّلطان والعالم. قال العَيني: حصره للاثنين لا وجه له، والأحسن أن يقال: فيه خدمة الكبير. انتهى. قلت: راعى ابن بطَّال أولًا غيرَ اللَّفظ الوارد هنا فاعتُرض عليه، وراعى ثانيًا اللَّفظ الوارد هنا فاعترض عليه، وهو في الحالين مصيب. انتهى.\n\n <span id=\"b-١٤\"> </span>(٩٤) <span data-type=\"title\" id=toc-14>(بَابُ السُّترَةِ بِمَكَّةَ وَغَيرِهَا)</span> أي هذا باب في بيان استحباب السترة لدرء المارّ، سواء كان بمكَّة أو غير مكَّة، وإنما قُيِّد بمكَّة دَفعًا لتوهُّم من توهَّم أنَّ السترة قِبلة، ولا ينبغي أن يكون لمكَّة قِبلة إلَّا الكعبة، فلا يُحتاج فيها إلى سترة، وكل من يصلِّي في مكان واسع فالمستحبُّ له أن يصلِّي إلى سترة، بمكَّة كان أو غيرها، إلَّا أن يصلِّي بمسجد مكَّة بقرب القبلة حيث لا يمكن لأحد المرور بينه وبينها فلا يحتاج إلى سترة؛ إذ قبلة مكَّة سترة له، فإن صلَّى في مؤخَّر المسجد بحيث يمكن المرور بين يديه، أو في سائر بقاع مكَّة إلى غير جدار أو شجرة أو ما أشبههما، فينبغي أن يجعل أمامه سترة من المرور بين يديه كما فعل الشَّارع حين صلَّى بالبطحاء إلى عَنَزَة، والبطحاء خارج مكَّة.\nقال شيخنا: والذي أظنُّه أنَّ البخاري أراد أن يُنَكِّت على ما ترجم عليه عبد الرزَّاق؛ فإنَّه قال: بابٌ لا يقطع الصَّلاة بمكَّة شيء، ثمَّ أخرج عن ابن جُرَيج عن كثير بن كثير بن المطَّلب عن أبيه عن جدِّه، قال: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يُصَلِّي في المَسْجِدِ الحَرَامِ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ -أي الناس- سُتْرَةٌ» وأخرجه من هذا الوجه أيضًا أصحاب السُّنن، ورجاله موثَّقون، إلَّا أنَّه معلول، فقد رواه أبو دواد عن أحمد عن ابن عُيَيْنَة، قال: كان ابن جُرَيج أخبرنا به هكذا، فلقيت كثيرًا فقال: ليس من أبي سمعته، ولا من بعض أهلي عن جدِّي. فأراد البخاري التنبيه على ضعف هذا الحديث، وأن لا فرق بين مكَّة وغيرها في مشروعيِّة السترة، واستُدِلَّ","vol":"1","page":9},{"text":"على ذلك بحديث جُحَيفة، وقد قدَّمنا وجه الدلالة منه، وهذا هو المعروف عند الشافعيِّة، وأن لا فرق في منع المرور بين يدي المصلِّي بين مكَّة وغيرها، واغتفر بعض الفقهاء ذلك للطائفين دون غيرهم للضرورة، وعن بعض الحنابلة: جوازُ ذلك في جميع مكَّة.\n\n٥٠١ - <span id=\"b-١٥\"> </span>قوله: (حَدَّثَنَا سُلَيمان بنُ حَرْبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَة عَنِ الحَكَمِ) أي بفتح الحاء المهملة والكاف. (عَنْ أَبي جُحَيفَةَ) قلت: بضمِّ الجيم، وفتح الحاء المهملة، وسكون الياء آخر الحروف، وبالفاء. انتهى.\n (قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالهَاجِرَةِ، فَصَلَّى بِالبَطْحَاءِ الظُّهْرَ وَالعَصْرَ رَكعَتَيْنِ، وَنَصَبَ بَيْنَ يَدَيْهِ عَنَزَةً وَتَوَضَّأَ، فَجَعَلَ النَّاس يَتَمَسَّحُونَ بِوَضُوئِهِ).\nمطابقته للترجمة في قوله: (فَصَلَّى بالبَطْحَاءِ) لأنَّها في مكَّة، ولما كان فضاءً نُصِبَ له بين يديه عَنَزَة فصلَّى إليها. والحديث قد مرَّ في الباب الذي قبله، وفي الباب الذي فيه سترة الإمام سترة لمن خلفه، وفيه زيادة وهي قوله: (فَجَعَلَ النَّاسُ...) إلى آخره.\nقوله: (بِالبَطْحَاءِ) أي بطحاء مكَّة، قلت: وقد تقدَّم تفسير البطحاء.\nقوله: (رَكْعَتَيْنِ) متعلِّق بكلِّ واحد من الظهر والعصر، لا يقال: نصب العَنَزَة والوضوء قبل الصَّلاة، فكيف عكس هنا؛ لأنَّا نقول: إنَّ الواو إن كانت للعطف فلا تدلُّ على الترتيب، بل لمطلق الجمع، وإن كانت للحال فلا إيراد.\nقوله: (بِوَضُوْءٍ) -بفتح الواو- والمعنى: يتمسَّحون بفضلة وضوئه، أو بالماء الذي يتقاطر حين التوضُّؤ.\n\n <span id=\"b-١٦\"> </span>(٩٥) <span data-type=\"title\" id=toc-16>(بابُ الصَّلاة إِلى الأُسْطُوَانَةِ)</span> أي هذا باب في بيان استحباب الصَّلاة إلى جهة الأسطوانة إذا كان في موضع فيه أسطوانة.\nو(الأُسْطُوَانَةُ) -بضمِّ الهمزة-: معروفةٌ، والنون أصليَّة، ووزنها أُفعوالة مثل أُقحوانة؛ لأنَّه يقال: أساطين مُسطنة. وقال الأَخْفَش: وزنها فُعلوانة. وهذا يدلُّ على زيادة الواو والألف والنون، وقال قوم: وزنها أُفعلانة. قال العَيني: وهذا ليس بشيء؛ لأنَّه لو كان كذلك لما جُمع على أساطين؛ لأنَّه ليس في الكلام أفاعين. قال شيخنا: الأسطوانة السَّاريةُ، -وهي بضمِّ الهمزة وسكون السِّين المهملة وضمِّ الطاء- بوزن أُفعَوانة على المشهور، وقيل: بوزن فعلوانة، والغالب إنَّها تكون من بناءٍ، بخلاف العمود فإنه من حجر واحد. قال العَيني: قيدُ الغالب لا طائل تحته، ولا نسلِّم أنَّ العمود يكون من حجر واحد؛ لأنَّه ربَّما يكون أكثر من واحد، ويكون من خشب أيضًا.\nقوله: (وَقَالَ عُمَر ﵁) أي ابن الخطَّاب، ترجمته في بدء الوحي.\nقوله: (المُصَلُّونَ أَحَقُّ بِالسَّوَارِي مِنَ المتَحَدِّثِينَ إِلَيْهَا). مطابقة هذا الأثر للترجمة ظاهرة؛ لأنَّ السواري هي الأساطين،","vol":"1","page":9},{"text":"والسواري جمعُ سَاريةٍ، وقال ابن الأثير: الساريةُ الأُسطوانةُ، وذكره الجوهري في بَابِ سَرَا، ثمَّ ذكر فيه المادَّة الواويَّة والمادَّة اليائيَّة، قال العَيني: والظاهر أنَّ السارية من ذوات الياء.\nوهذا الذي علَّقه البخاري وصله أبو بكر بن أبي شَيْبَة والحميديُّ من طريق همدانَ بريدِ عُمَر ﵁، أي رسوله إلى أهل اليمن، عن عُمَر به، وهَمْدان بفتح الهاء وسكون الميم، وبالدال المهملة.\nقوله: (المُصَلُّونَ أَحَقُّ) وجه الأَحقيَّة: أنَّ المصلِّين والمتحدثين مشتركان في الحاجة إلى السارية؛ المتحدِّثون إلى الاستناد، والمصلُّون لجعلها سترة، لكن المصلِّين في عبادة فكانوا أحقَّ.\nقوله: (المتَحَدِّثِينَ) أي المتكلِّمين.\nقوله: (وَرَأَى ابنُ عُمَرَ) أي عبد الله بن عُمَر بن الخطَّاب، ترجمته في كتاب الإيمان، وقد وَقَعَ بإثبات &lt;ابنُ&gt; في رواية أبي ذرٍّ والأَصِيلي وغيرهما، وعند البعض: (رَأَى عُمَرَ) بحذف (ابن)، قال شيخنا: وهو أشبه بالصواب؛ فقد رواه ابن أبي شَيْبَة في «مصنَّفه» من طريق معاوية بن قرَّة بن إياس المزني عن أبيه، وله صحبة، قال: رآني عُمَر وأنا أصلِّي، فذكرَ مثلَه سواء، ولكن زاد: فأَخَذَ بِقَفاي، وعُرِفَ بذلك تسمية المبهم المذكور في التعليق، قال العَيني: رواية الأكثر أشبه بالصواب، مع احتمال أن يكون قضيتان: إحداهما عن عمر، والأخرى عن ابنه، ولا مانع لذلك، قال وقال هذا القائل - يعني شيخنا -: وعُرِفَ بذلك... إلى آخره. قلت: هذا إنَّما يكون إذا تحقق اتِّحاد القضيَّة. انتهى.\nقوله: (فَأَدْنَاهُ) أي قرَّبه، من الإدناء وهو التقريب، وادَّعى ابن التِّين: إنَّ عُمَر إنَّما كره ذلك لانقطاع الصفوف، وقيل: أراد بذلك أن تكون صلاته إلى سترة، قال شيخنا: وأراد البخاري بإيراد أثر عُمَر هذا أنَّ المراد بقول سلمة: (يَتَحَرَّى الصَّلاة عِنْدَهَا) أي إليها، وكذا قول أنس: (يَبْتَدِرُوْنَ السَّوَارِيَ) أي يصلُّون إليها.\n\n٥٠٢ - <span id=\"b-١٧\"> </span>قوله: (حَدَّثَنَا المَكِّيُّ) أي ابن إبراهيم، ترجمته في باب من أجاب الفيتا بإشارة اليد.\nقوله: (حَدَّثَنَا يَزِيْدُ بنُ أَبِي عُبَيْدٍ) أي سَلَمَة بن الأكوع، ترجمته في باب إثم من كذبَ على النَّبِيِّ ﷺ.\nقوله: (قَالَ: كُنْتُ آتي مَعَ سَلَمَةَ بنِ الأَكْوَعِ) ترجمته في الباب أيضًا.\nفي هذا الإسناد: التَّحديث بصيغة الجمع في موضعين، وفيه القول، وفيه أنَّه من ثلاثيات البخاري ﵀. قال شيخنا: وهذا ثالث ثلاثيٍّ للبخاري، وقد ساوى فيه البخاريُّ شيخَه أحمد بن حنبل؛ فإنه أخرجه في «مسنده» عن مكِّي بن إبراهيم. انتهى.\nقوله: (فَيُصَلَّي عِنْدَ الأُسْطُوَانَةِ الَّتي عِنْدَ المُصْحَفِ. فَقُلْتُ: يَا بَا مُسْلِمٍ، أَرَاكَ تَتَحَرَّى الصَّلاة عِنْدَ هَذِهِ الأُسْطُوَانَةِ؟ قَالَ: فَإِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَتَحَرَّى الصَّلاة عِنْدَهَا).\nمطابقتُه للترجمة في قوله: (فيُصَلِّي عِنْدَ الأُسْطُوَانَةِ)، وقوله: (يَتَحَرَّى الصَّلاة عِنْدَهَا) هذا الحديث أخرجه مسلم في الصَّلاة أيضًا عن أبي موسى عن مكِّي به، وعن إِسْحاق","vol":"1","page":10},{"text":"بن إبراهيم ومحمَّد بن المثنَّى، وأخرجه ابن ماجَهْ فيه عن يعقوب بن حُميد.\nقوله: (كُنْتُ) أي بصيغة المتكلِّم.\nقوله: (الَّتِي عِنْدَ المُصْحَفِ) هذا يدلُّ على أنَّه كان في مسجد رسول الله ﷺ موضعٌ خاصٌّ للمصحف الذي كان ثَمَّةَ من عهد عُثْمان ﵁، ووَقَعَ عند مسلم بلفظ: «يُصلِّي وراءَ الصُّندوق» وكأنَّه كان للمصحف صندوق يوضع فيه.\nوالأسطوانة المذكورة فيه معروفةٌ بأسطوانة المهاجرين، قال شيخنا: والأسطوانة المذكورة حقق لنا بعض مشايخنا إنَّها المتوسطة في الروضة المكرمة، وأنها تُعرف بأسطوانة المهاجرين. قال: وروي عن عائشة إنَّها كانت تقول: لو عرفها النَّاس لاضطربوا عليها بالسِّهام. وأنَّها أَسرَّتها إلى ابن الزبير، فكان يكثر الصَّلاة عندها. ثمَّ وجدتُ ذلك في «تاريخ المدينة» لابن النجَّار، وزاد: أنَّ المهاجرين من قريش كانوا يجتمعون عندها. وذكر قبله محمَّد بن الحسن في «أخبار المدينة». انتهى.\nقوله: (يَا بَا مُسْلِمٍ) أصله: يا أبا مسلم، حُذفت الهمزة للتخفيف، وهو كنية سلمة بن الأكوع.\nقوله: (أَرَاكَ) أي أُبصِرك.\nقوله: (يَتَحَرَّى) أي يجتهد ويختار، وقال ابن بطَّال: لما كان رسول الله ﷺ يستتر بالعَنَزَة في الصحراء، كانت الأسطوانة أَولى بذلك؛ لأنَّها أشد سترةً منها.\nقوله: (يَتَحَرَّى الصَّلاة عِنْدَها) أي عند الأسطوانة المذكورة، ينبغي أن تكون الأسطوانة أمامه ولا تكون إلى جنبه؛ لئلَّا يتخلَّل الصُّفوف شيء، ولا تكون له سترة.\n\n٥٠٣ - <span id=\"b-١٨\"> </span>قوله: (حَدَّثَنا قَبِيْصَةُ) أي ابن عُقْبَة الكوفي، ترجمته في باب علامات المنافق، في كتاب الإيمان.\nقوله: (قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) أي الثَّوْري، ترجمته في الباب أيضًا.\nقوله: (عَنْ عَمْرو بنِ عَامِرٍ) أي بالواو، الكوفي الأنصاري، وليس هو عَمْرو بن عامر البصري؛ فإنَّه سلمي، ولا والد أسدٍ فإنَّه بجليٌّ، ترجمته في باب الوضوء من غير حدث.\nقوله: (عَنْ أَنَسٍ) أي ابن مالك، ترجمته في باب من الإيمان.\nفي هذا الإسناد: التَّحديث بصيغة الجمع في موضعين، وفيه العنعنة في موضعين، وفيه أنَّ رواته كوفيُّون ما خلا أنس.\nقوله: (قَالَ: لَقَدْ أَدرَكْتُ كِبَارَ أَصحَابِ محمَّد ﵇ يَبتَدِرُونَ السَّوَارِيَ عِنْدَ المَغْرِبِ) هذا الأثر أخرجه البخاري هنا عن قبيصة، وعن بُنْدار عن غُندر عن شُعْبَة، وأخرجه النَّسائي فيه عن إِسْحاق بن إبراهيم عن أبي عامر عن سُفْيان عنه، وفي نسخة: &lt;عَنْ شُعْبَةَ&gt; بدل سُفْيان.\nقوله: (لَقَد أَدرَكْتُ) هذا رواية المُسْتَمْلي والحموي، وفي رواية غيرهما: &lt;لَقَدْ رَأَيْتُ&gt;.\nقوله: (كِبَارَ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ) الكبار: جمع كبير، والأصحاب: جمع صاحب، مثل رَكب وراكب.\nقوله: (يَبتَدِرُوْنَ السَّوَارِيَ) يتسارعون إليها.\nقوله: (عِنْدَ المَغْرِبِ) أي عند أذان المغرب، وصرَّح بذلك الإسماعيلي من طريق ابن مهدي عن سفيان، ولمسلم من طريق عبد العزيز","vol":"1","page":10},{"text":"بن صُهَيب عن أَنَس نحوه.\nقوله: (وَزادَ شُعْبَةُ) أي ابن الحجَّاج، ترجمته في بابٍ يتلو باب أمور الإيمان.\nقوله: (عَنْ عَمْرٍو) أي المذكور عن أنس: (حَتَّى يَخْرُجَ النَّبِيُّ ﷺ)، هذا التعليق وصله المصنِّف في كتاب الأذان من طريق غُندر عن شُعْبَة عن عَمْرو بن عامر الأنصاري، وزاد فيه أيضًا: (يُصَلُّوْنَ الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ المَغْرِبِ)، قال شيخنا: وسيأتي الكلام عليه هناك مع بقيَّة مباحثه وتعيين مَن وقفنا عليه من كبار الصحابة المشار إليهم فيه إن شاء الله تعالى.\nقوله: (حَتَّى يَخْرُجَ النَّبِيُّ ﷺ)، ويُروى: &lt;حِيْنَ يَخْرُجُ النَّبِيُّ ﷺ&gt; قال العَيني: وسيأتي الكلامُ في حكم الصَّلاة قبل المغرب بعد الغروب في موضعه إن شاء الله تعالى.\n\n <span id=\"b-١٩\"> </span>(٩٦) <span data-type=\"title\" id=toc-19>(بابُ: الصَّلاة بَينَ السَّواري في غَيرِ جَماعَةٍ)</span> أي هذا باب في بيان حكم الصَّلاة بين السواري، أي الأساطين والأعمدة.\n (فِي غَيْرِ جَمَاعَةٍ) يعني: إذا كان منفردًا لا بأس بالصلاة بين الساريتين إذا لم يكن في جماعة، وقُيِّد بغير جماعة؛ لأنَّ ذاك يقطع الصُّفوف، وتسوية الصُّفوف في الجماعة مطلوبة. قال شيخنا: وقال الرَّافعي في «شرح المسند»: أخرج البخاري بهذا الحديث -أي حديث ابن عُمَر- عن بلال على أنَّه لا بأسَ بالصَّلاة بين السَّاريتين إذا لم يكن في جماعة. وأشار إلى أنَّ الأولى للمنفرد أن يصلِّي إلى السَّارية، ومع هذه الأولويَّة فلا كراهة في الوقوف بينهما، وأمَّا في الجماعة فالوقوف بين السَّاريتين كالصَّلاة إلى السَّارية. انتهى كلامه. قال شيخنا: وفيه نظر؛ لورود النَّهي الخاصِّ بين السَّواري كما رواه الحاكم من حديث أَنَس بإسناد صحيح، وهو في السُّنن الثلاثة، وحسَّنه التَّرْمِذيُّ، قال المحبُّ الطَّبَري: كره قومٌ الصفَّ بين السَّواري؛ للنَّهي الوارد عن ذلك، ومحلُّ الكراهة: عند عدم الصَّفِّ، والحكم فيه إما لانقطاع الصَّفِّ، أو لأنَّه موضع النِّعال. انتهى. وقال القُرْطُبي: روي في سبب كراهة ذلك: أنَّه مُصلَّى الجنِّ المؤمنين.\nقوله: (حَدَّثَنَا مُوسَى بنُ إِسْمَاعِيْلَ) أي أبو سَلَمَة المِنقَري البصري المدني التَّبوذَكي، ترجمته في بدء الوحي.\n\n٥٠٤ - <span id=\"b-٢٠\"> </span>قوله: (قَالَ حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ) أي -بضمِّ الجيم مُصَغَّر الجارية- ابن أسماء الضَّبعي البصري، ترجمته في باب: الجنب يتوضَّأ ثمَّ ينام.\nقوله: (عَنْ نَافِعٍ) أي مولى ابن عُمَر، ترجمته في باب العلم والفتيا في المسجد.\nقوله: (عَنِ ابنِ عُمَر ﵄) أي عبد الله، ترجمته في كتاب الإيمان.\nفي هذا الإسناد: التَّحديث بصيغة الجمع في موضعين، وفيه العنعنة في موضعين، وفيه القول، وفيه أنَّ نصف الرُّواة بصري والنِّصف مدني، وفيه من الغريب: أنَّ جُوَيرية أصلها للمؤنَّث، ثمَّ اشترك فيها الرجال والنَّساء، وكذلك اسم أبيه بهذه الحالة، يعني أسماء.\nقوله: (قَالَ: دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ البَيْتَ وَأُسَامَةُ بنُ زَيدٍ، وَعُثمَانُ بنُ طَلحَةَ، وَبِلَالٌ، ﵃، فَأَطَالَ ثمَّ خَرَجَ، وَكُنْتُ أوَّل النَّاس دَخَلَ عَلَى أَثَرِهِ، فَسَأَلْتُ بِلَالًا: أَينَ صَلَّى؟ فَقَالَ: بَيْنَ العَمُودَينِ المُقَدَّمَيْنِ) قد ذكرنا في باب الأبواب والغلق للكعبة والمساجد تعدُّدَ موضع هذا الحديث ومَن أخرجَه، وذكرنا أيضًا أكثر ما يتعلَّق به من المعنى وغيره.\nقوله: (وَكُنْتُ أوَّل النَّاسِ) كذا في رواية الأَصِيلي وابن عساكر، وفي رواية","vol":"1","page":11},{"text":"أبي ذرٍّ وكريمة: &lt;كُنْتُ&gt; بلا واو، وهذه الجملة مقول ابن عُمَر، قال شيخنا: في رواية الأَصِيلي وابن عساكر: &lt;وَكُنْتُ&gt; بزيادة واو في أوَّله، وهي أشبه، ورواه الإسماعيلي من هذا الوجه، فقال بعد قوله: «ثُمَّ خَرَجَ ودَخَلَ عَبْدُ اللهِ عَلَى أَثَرِهِ أوَّل النَّاسِ».\nقوله: (دَخَلَ) جملة حاليَّة، وكلمة (قَدْ) مقدَّرة.\nقوله: (عَلَى أَثَرِهِ) بفتح الهمزة، وبالثاء المثلثة، ويروى بكسر الهمزة وسكون الثاء.\nقوله: (بَينَ العَمُوْدَيْنِ المُقَدَمَيْنِ) وفي رواية الكُشْمِيهَني: &lt;المُتَقَدِّمَتَيْنِ&gt;.\n\n٥٠٥ - <span id=\"b-٢١\"> </span>قوله: (حَدَّثَنا عَبْدُ اللهِ بنُ يُوْسُفَ) أي التِّنِّيسي.\nقوله: (قَالَ: أَخْبَرَنا مَالِكُ بنُ أَنَسٍ) ترجمتهما في بدء الوحي.\nقوله: (عَنْ نَافِعٍ) أي المذكور في السند المتقدِّم.\nقوله: (عَنِ ابنِ عُمَرَ) أي عبد الله المذكور أيضًا.\nفي هذا الإسناد: التَّحديث بصيغة الجمع في موضع، وفيه الإخبار بصيغة الجمع في موضع، وفيه العنعنة في موضعين.\nقوله: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ دَخَلَ الكَعبَةَ وَأُسامَةُ بنُ زَيدٍ، وَبِلالٌ، وَعُثمَانُ بنُ طَلحَةَ الحَجَبِيُّ، فَأَغلَقَهَا عَلَيهِ وَمَكَثَ فِيها، فَسَأَلْتُ بِلَالًا حِيْنَ خَرَجَ: ما صَنَعَ النَّبِيُّ ﷺ؟ قَالَ: جَعَلَ عَمُوْدًا عَنْ يَسَارِهِ، وَعَمُوْدًا عَنْ يَمِينِهِ، وَثَلاثَةَ أَعمِدَةٍ وَرَاءَهُ، وَكَانَ البَيْتُ يَومَئِذٍ عَلى سِتَّةِ أَعْمِدَةٍ، ثمَّ صَلَّى).\nقوله: (وَقالَ لَنَا إِسْمَاعِيْلُ) أي ابنُ أَبي أُوَيسٍ، ترجمته في باب تفاضل أهل الإيمان.\nقوله: (حَدَّثَنِي مَالِكٌ فَقالَ: عَمُودَينِ عَنْ يَمينِهِ) مطابقته للترجمة في قوله: (جَعَلَ عَمُوْدًا...) إلى آخره.\nقوله: (وَأُسَامَةَ) بالنَّصب عطفًا على رسول الله ﷺ، ويجوز رفعه عطفًا على فاعل (دَخَلَ).\nقوله: (الحَجَبِيُّ) بفتح الحاء المهملة، ثمَّ بالجيم والباء الموحَّدة المكسورة.\nقوله: (فَأَغَلَقَهَا) أي أغلق عُثْمان الكعبة، أي بابها.\nفإن قلت: في رواية مالك إشكال؛ لأنَّه قال: (جَعَلَ عَمُوْدًا عَنْ يَسَارِهِ وَعَمُوْدًا عَنْ يَمِيْنِهِ) وهذان اثنان، ثمَّ قال: (وَثَلَاثَةَ أَعْمِدَةٍ وَرَاءَهُ) فيكون الجملة خمسة، ثمَّ قال: (وَكَانَ البَيْتُ يَوْمَئِذٍ عَلَى سِتَّةِ أَعْمِدَةٍ) أجاب الكِرْماني عنه: بأنَّ لفظ العمود جنس يحتمل الواحد والاثنين، فهو مجمل بيَّنه مالك في رواية إسماعيل بن أبي أويس عنه، وهي قوله: «وقَالَ لنَا إِسْمَاعِيْلُ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ» فقال: عمودين عن يمينه، فحينئذ تكون الأعمدة ستة. وقال خلف: لم أجده من حديث إسماعيل، وقد اختُلِفَ عن مالك في لفظه، فرواه مسلم: «عمودَينِ عَنْ يسارِهِ، وعمودًا عَنْ يمينِهِ» عكس رواية إسماعيل، وفي رواية البخاري: (عَمُوْدًا عَنْ يَسَارِهِ، وَعَمُوْدًا عَنْ يَمِيْنِهِ) قال البَيْهَقي: وهو الصحيح، وفي رواية: «جَعَلَ عَمُودًا عَنْ يمينِهِ، وعمودينِ عَنْ يسارِهِ» عكس ما سبق.\nوقد ذكر الدَّارَقُطْني الاختلاف عن مالك فيه، فوافق الجمهور عبد الله بن يوسف في قوله: «عَمُوْدًا عَنْ يمينِهِ» ووافق إسماعيل في قوله: «عَمُودَيْنِ عَنْ يمينِهِ» ابن القاسم والقَعنَبي وأبو مُصْعب ومحمَّد بن الحسن وأبو حُذَافة، وكذلك الشَّافعي وابن مهدي في إحدى الروايتين عنهما، وأجاب قوم عنه","vol":"1","page":11},{"text":"باحتمال تعدُّد الواقعة.\nوروى عُثْمان بن عُمَر عن مالك: «جَعَلَ عَمُوَدَيْنِ عَنْ يمينِهِ، وعَمُوَدَيْنِ عَنْ يَسَارِهِ» فعلى هذا تكون الأعمدة سبعة، ويردُّها قولُه: (وكانَ البيتُ يومئذٍ على سبعةِ أعمدةٍ) بعد قوله: (وَثَلَاثَةَ أَعْمِدَةٍ وَرَاءَهُ)، وعن هذا قال الدَّارَقُطْني: لم يتابَع عُثْمان بن عُمَر على ذلك. وأجاب الكِرْماني بجوابين آخرين:\n\nالأوَّل: هو أنَّ الأعمدة الثلاثة المقدَّمة ما كانت على سمت واحد، بل عمودان مسامتان، والثالث على غير سمتهما، ولفظ: «المُقَدَّمَيْنِ» في الحديث السَّابق يشعر به، فيعرض للعمودين المسامتين، وسكت عن ثالثهما. قال شيخنا: ويؤيِّده رواية مجاهد عن ابن عُمَر الَّتي تقدَّمت في باب: ﴿واتَخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيْمَ مُصَلَّى﴾ [البقرة: ١٢٥]، فإنَّ فيها بَيْنَ السَّارِيَتَيْنِ اللَّتين عَنْ يَسَارِ الدَّاخِلِ، وهو صريح في أنَّه كان هناك عمودان على اليسار، وإنَّه صلَّى بينهما، فيحتمل أنَّه كان ثمَّ عمود آخر عن اليمين، لكنَّه بعيد أو على غير سمت العمودين، فيصحُّ قول من قال: جَعَلَ عَنْ يَمِيْنِهِ عَمُودَين، وقولُ من قال: جَعَلَ عمودًا عن يمينِه.\nالثَّاني من الجوابين: أن تكون الثلاثة على سمت واحد، وقام رسول الله ﷺ عند الوسطاني، فمن قال: جعل عمودًا عن يمينه وعمودًا عن يساره، لم يعتبر الذي صلَّى إلى جنبه، ومن قال: عمودين، اعتبره.\nقال شيخنا: ثمَّ وجدت الكِرْماني مسبوقًا بهذا الاحتمال، وأبعدُ منه قول من قال: انتقل في الركعتين من مكان إلى مكان، ولا تبطل الصَّلاة بذلك لقلَّته. ويمكن الجمع بين الروايتين: بأنه حيث ثَنَّى أشار إلى ما كان عليه البيت في زمن النَّبِيِّ ﷺ، وحيث أفرد أشار إلى ما صار إليه بعد ذلك، ويرشد إلى ذلك قوله: (وَكَانَ البَيْتُ يُوْمَئِذٍ) لأنَّ فيه إشعارًا بأنَّه يُعَبِّرُ عن هيئته الأولى. انتهى.\nقوله: (وَقَالَ لَنَا إِسْمَاعِيْلُ) وهو المذكور، وهو ابن أخت مالك بن أَنَس، وهذا موصول بواسطة.\nقوله: (وَقالَ لَنَا) وهي رواية كريمة، وفي رواية أبي ذرٍّ والأَصِيلي: &lt;وقَالَ إِسْمَاعِيْلُ&gt; بدون لفظ (لَنَا) ورواية: (قَالَ لَنَا) أحطُّ درجة من (حَدَّثَنا).\nقوله: (حَدَّثَني مَالِكٌ) يعني: بهذا الحديث.\n\n <span id=\"b-٢٢\"> </span>(٩٧) (بَابٌ) أي هذا بابٌ، فإذا لم يقدر شيئًا لا يكون معرَبًا؛ لأنَّ الإعراب يكون بالعقد والتركيب، وكذا وَقَعَ لفظ (باب) بلا ترجمة في رواية الأكثرين، وليس لفظ (باب) في رواية الأَصِيلي، وعلى قول الأكثرين: هو كالفصل من الباب الذي قبله، وإنما فصل لأنَّه ليس فيه تصريح بكون الصَّلاة وقعت بين السواري، لكن فيه زيادةٌ، وهي مقدار ما كان بينه وبين الجدار من المسافة.\n\n٥٠٦ - <span id=\"b-٢٣\"> </span>قوله: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيْمُ بنُ المُنْذِرِ) أي أبو إِسْحاق الحِزامي المديني، ترجمته في باب من سُئِلَ علمًا وهو مشتغلٌ.\nقوله: (قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو ضَمْرَةَ) -أي بفتح الضَّاد المعجمة، وسكون الميم، وبالرَّاء- واسمه: أَنَس بن عياض، مرَّ في بابِ التبرُّز في البيوت.\nقوله: (قَالَ حَدَّثَنَا مُوسَى بنُ عُقْبَةَ) أي ابن أبي عيَّاش المديني، مات سنة إحدى وأربعين ومئة، تقدَّم في باب إسباغ الوضوء.\nقوله: (عَنْ نَافِعٍ) أي","vol":"1","page":12},{"text":"مولى ابن عمر، ترجمته في بابِ العلم والفتيا في المسجد.\nقوله: (أَنَّ عَبْدَ اللهِ) أي ابن عُمَر ﵄، ترجمته في كتاب الإيمان.\nفي هذا الإسناد: التَّحديث بصيغة الجمع في ثلاث مواضع، وفيه العنعنة في موضع واحد، وفيه أنَّ شيخ البخاري من أفراده.\nقوله: (كَانَ إِذا دَخَلَ الكَعبَةَ مَشَى قِبَلَ وَجهِهِ حِينَ يَدخُلُ جَعَلَ البابَ قِبَلَ ظَهرِهِ، فَمَشَى حتَّى يَكُونَ بَينَهُ وَبَينَ الِجدارِ الَّذِيِ قِبَلَ وَجهِهِ قَريبًا مِن ثَلاثَةِ أَذرُعٍ صلَّى يَتَوَخَّى المكَانَ الَّذِي أَخبَرَهُ بِهِ بِلالٌ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى فِيْهِ، قَالَ: وَلَيْسَ عَلَى أَحَدٍ بَأسٌ إِنْ صَلَّى فِي أَيِّ نَواحِي البَيتِ شَيئًا).\nمطابقته للترجمة بطريق الاستلزام، وهو أنَّ الموضع المذكور من كونه مقابلًا للباب قريبًا من الجدار يستلزم كون صلاته بين السَّواري.\nقوله: (قِبَلَ وَجْهِهِ) -بكسر القاف وفتح الباء الموحَّدة- أي مقابل وجهه، وكذلك الكلام في (قِبَلَ ظَهْرِهِ) وفي (قِبَلَ وَجهِهِ) الذي بعده.\nقوله: (قَرِيْبًا) كذا وَقَعَ بالنصب، ويروى بالرَّفع، وهو الأصل؛ لأنَّه اسم كان، ووجه النَّصب أن يكون اسمه محذوفًا، والتقدير: يكون القدر أو المكان قريبًا من ثلاثة أذرع، ولفظة: (ثَلاثَةِ) بالتأنيث في رواية الأكثرين، وفي رواية أبي ذرٍّ: &lt;مِنْ ثَلَاثِ أَذْرُعٍ&gt; بلا تاء، فإن قلت: الذِّراع مذكَّر، فما وجه ترك التَّاء؟ قال العَيني: أجاب بعضهم: أنَّ الذِّراع يُذكَّر ويُؤنَّث، وليس كذلك على الإطلاق بل الذِّراع الذي يذرع به يذكر وذراع اليد يُذكَّر ويُؤنَّث، وههنا شبَّهه بذراع اليد.\nقوله: (صَلَّى) جملة استئنافيَّة.\nقوله: (يَتَوَخَّى) أي يتحرَّى (^١)، يقال: توخَّيت مرضاتِك، أي تحرَّيت وقصدتُ.\nقوله: (قَالَ) أي ابن عُمَر ﵄.\nقوله: (إِنْ صَلَّى) بكسر الهمزة، و(صَلَّى) بلفظ الماضي، وفي رواية الكُشْمِيهَني: &lt;أَنْ يُصَلِّي&gt; بفتح الهمزة ولفظِ المضارع، والتقدير: ولا بأس مِن أن يصلِّي، وحذفُ حرفِ الجرِّ سائغٌ.\nقال شيخنا: ومراد ابن عُمَر: إنَّه لا يشترط في صحَّة الصَّلاة في البيت موافقةُ المكان الذي فيه النَّبِيُّ ﷺ، بل موافقة ذلك أولى وإن كان يحصل الغرض بغيره. انتهى.\nفيه جواز الصَّلاة في نفس البيت، وفيه الدُّنو من السترة، وقد أمر الشَّارع بالدُّنوِّ منها؛ لئلَّا يتخلَّل الشَّيطان ذلك. وفيه أنَّ السترة بين المصلِّي والقبلة ثلاثة أذرع، وادعى ابن بطَّال: أنَّ الذي واظب عليه الشَّارع في مقدار ذلك (ممُرُّ الشَّاةِ) كما جاء في الآثار. وفيه إنَّه لا يشترط، وقد ذكرنا: أنَّ الحديث لا يدلُّ صريحًا على الصَّلاة بين السَّواري، وإنَّما دلالته على ذلك بطريق الاستلزام، وقد بيَّناه.\nوقد اختلف السَّلف في الصَّلاة بين السَّواري: فكرهه أَنَس بن مالك؛ لورود النَّهي بذلك، رواه الحاكم وصحَّحه، وقال ابن مسعود: لا تصفُّوا بين الأساطين وأتمُّوا الصُّفوف. وأجازه الحسن وابن سيرين، وكان سعيد بن جُبَير وإبراهيمُ التَّيمي وسُوَيد بن غَفَلَة يؤمُّون قومَهم بين الأساطين، وهو قول الكوفيين. وقال مالك في «المدونة»: لا بأس بالصَّلاة بينها لضيق المسجد. وقال ابن حبيب: ليس النَّهي عن تقطيع الصُّفوف إذا ضاق المسجد، وإنما نُهي عنه\n_________\n(^١) في المخطوط: «يتحرك» والصَّواب ما أثبت.","vol":"1","page":12},{"text":"إذا كان المسجد واسعًا. وقال القُرْطُبي: وسبب الكراهة بين الأساطين: إنَّه رُوي: إنَّه مُصلَّى الجنّ المؤمنين.\n\n <span id=\"b-٢٤\"> </span>(٩٨) <span data-type=\"title\" id=toc-24>(بَابُ الصَّلاة إِلى الرَّاحِلَةِ وَالبَعِيرِ وَالشَّجَرِ وَالرَّحْلِ)</span> أي هذا بابٌ في بيان حكم الصَّلاة بالتوجُّه إلى الراحلة... إلى آخره، والراحلة: الناقة الَّتي يختارها الرجل لمركبه ورحله على النجابة وتمام الخلق وحسن المنظر، فإذا كانت في جماعة الإبل عُرِّفت، والهاء فيه للمبالغة كما يقال: رجل داهية وراوية، وقيل: إنَّما سُمِّيت راحلة؛ لأنَّها ترحل، كما قال الله تعالى: ﴿في عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٢١] أي مرضيَّة، والبعير من الإبل بمنزلة الإنسان من النَّاس، يقال للجمل: بعير، وللناقة: بعير، وبنو تميم يقولون: بِعير وشِعير بكسر الباء والشين، والفتح هو الفصيح، وإنما يقال له: بعيرٌ إذا أجذع، أي دخل في السنة الخامسة، والجمع: أَبعِرةٌ في أدنى العدد، وأَباعِرُ في الكثير، وأَباعِير وبعران، وهذه عن الفرَّاء.\nفإن قلت: إذا أُطلق البعير على الناقةِ والراحلةُ هي الناقة، فما فائدة ذكر البعير؟ قال العَيني: ذهب بعضهم إلى أنَّ الرَّاحلة لا تقع إلَّا على الأنثى، ولأجل ذلك أردفه بالبعير؛ فإنَّه يقع عليهما.\nقوله: (وَالشَّجَرُ) هو المعروف، وفي حديث علي ﵁ قال: «لقدْ رأيتُنا يومَ بدرٍ وما فينا إنسانٌ إلَّا نائمٌ، إلَّا رسولَ اللهِ ﷺ، فإنَّهُ كَانَ يصلِّي إلى شجرةٍ يدعو حتَّى أصبحَ» رواه النَّسائي بإسناد حسن.\nقوله: (وَالرَّحْلُ) -بفتح الرَّاء وسكون الحاء المهملة- وهو للبعير أصغر من القتب، وهو الذي يُركَب عليه، وهو الكُور -بضمِّ الكاف-.\nفإن قلت: حديث الباب لا يدلُّ على الصَّلاة إلى البعير والشَّجر؟ قال العَيني: كأنَّه وضع الترجمة على أنَّه يأتي لكلِّ جزء منها بحديث، فلم يجد على شرطه إلَّا حديث الباب، وهو يدلُّ على الصَّلاة إلى الرَّاحلة والرَّحل، واكتفى به عن بقيَّة ذلك بالقياس على الرَّاحلة، وقد روى غيره في الصَّلاة إلى البعير والشَّجر.\nأمَّا الصَّلاة إلى البعير فرواه أبو داود عن عُثْمان بن أبي شَيْبَة ووهبِ بن منبِّه وعبدِ الله بن سعيد، قال عثمانُ: أخبرنا أبو خالد قال: أخبرنا عُبَيْد الله عن نافع عن ابن عُمَر: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يصلِّي إلى بعيرِه»، وأمَّا الصَّلاة إلى الشَّجر فقد ذكرناه الآن من حديث علي ﵁ في النَّسائي.\nقال شيخنا: المذكور في حديث الباب الرَّاحلةُ والرَّحل، وكأنَّه ألحق البعير بالرَّاحلة للمعنى الجامع بينهما، ويحتمل أن يكون أشار إلى ما ورد في بعض طرقه، فقد رواه أبو خالد الأحمر عن عبد الله بن عُمَر عن نافع بلفظ: «كانَ يصلِّي إلى بعيرِه». انتهى. فإن كان هذا حديثًا آخر حصل المقصود، وإن كان مختصرًا من الأوَّل كأن يكون المرادُ: يصلِّي إلى مؤخِّرة رحل بعيره، اتَّجه الاحتمال الأوَّل، ويؤيِّد الاحتمال الثاني: ما أخرجه عبد الرزَّاق: أنَّ ابن عُمَر كان يكره أن يصلِّي إلى بعير إلَّا وعليه رَحل، ذكره بعدُ. وأَلحق بالشجر الرحل بطريق الأولويَّة، ويحتمل أن يكون أشار بذلك إلى حديث علي، أي المتقدِّم. انتهى.\n\n٥٠٧ - <span id=\"b-٢٥\"> </span>قوله: (حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بنُ أَبي بَكْرٍ المُقَدَّمِيُّ البَصْرِيُّ) ترجمته في باب المساجد الَّتي على طرق المدينة.\nقوله: (قَالَ حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ بنُ سُلَيْمَانَ) ترجمته في باب مَنْ خصَّ بالعلم قومًا.","vol":"1","page":13},{"text":"قوله: (عَنْ عُبَيدِ اللهِ عَنْ نافِعٍ عَنِ ابنِ عُمَرَ) تقدَّم التنبيه عليهم في السند السابق.\nفي هذا الإسناد: التَّحديث بصيغة الجمع في موضعين، والعنعنة في ثلاث مواضع.\nقوله: (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: أنَّه كَانَ يُعَرِّضُ رَاحِلَتَهُ فَيُصَلِّي إِلَيهَا، قُلْتُ: أَفرَأَيتَ إِذا هَبَّتِ الرِّكَابُ؟ قَالَ: كَانَ يَأخُذُ الرَّحْلَ فَيُعَدِّلَهُ لِيُصَلِّيَ إِلى آخِرَتِهِ، أَوْ قَالَ: مُؤَخِّرَتِهِ، وَكَانَ ابنُ عُمَر يَفعَلُهُ).\nمطابقته للترجمة في قوله: (يُعَرِّضُ (^١) رَاحِلَتَه فَيُصَلِّي إِلَيْهَا) وفي قوله: (كَانَ يَأْخُذُ الرَّحْلَ...) إلى آخره، وأمَّا ذكر البعير والشَّجر في الترجمة فقد ذكرنا وجهه آنفًا.\nوالحديث أخرجه مسلم أيضًا في الصَّلاة عن أحمد بن حنبل ولفظه: «آخِرَةَ الرَّحْلِ»، وأخرجه أيضًا من حديث أبي ذرٍّ وأبي هريرة، وأخرج النَّسائي من حديث عائشة: «سُئِلَ رسولُ اللهِ ﷺ في غزوة تبوك عن سُترة المصلِّي فقال: مِثلُ مُؤخِّرة الرَّحْلِ».\nقوله: (يُعَرِّضُ) -بتشديد الرَّاء- من التعريض، أي يجعلها عرضًا.\nقوله: (قُلْتُ: أَفَرَأَيْتَ) هكذا هو في روايتنا وشرح شيخنا لكن وَقَعَ في خطِّ العيني: «أَفَرَأَيْتَ» بدون قول الرَّاوي، قلت: وهو قال: «فيُصَلِّي إليها، أَفَرَأَيْتَ» ثمَّ قال: الفاء عاطفة على مقدَّر بعد الهمزة، أي أرأيت في تلك الحالة، فرأيت في هذه الحالة الأخرى، والمعنى: أخبرني عن هذه، وفي بعض النُّسخ: «أَرَأَيْتَ» بدون الفاء.\nفإن قلت: من السَّائل هنا ومن المسؤولُ؟ أُجيبَ: الذي يدلُّ عليه الظَّاهر إنَّه كلام نافع وهو السَّائل، والمسؤول عنه هو ابن عُمَر، ولكن وَقَعَ في رواية الإسماعيلي من طريق عُبَيْدَة بن حُمَيْد عن عُبَيْد الله بن عُمَر: إنَّه كلام عُبَيْد الله، والمسؤول نافع، فعلى هذا يكون هذا مرسلًا؛ لأنَّ فاعل (يَأْخُذُ) هو النَّبِيُّ ﷺ، ولم يدركه نافع.\nقوله: (إِذَا هَبَّتِ الرِّكَابُ) هَبَّت بمعنى: هاجت وتحرَّكت، يقال: هَبَّ الفَحل إذا هاج وتحرَّك، وَهْب البعير في السير إذا نشط، وقال ابن بطَّال: هَبَّت، أي زالت عن موضعها وتحرَّكت، يقال: هَبَّ النَّائم من نومه إذا قام. وقيَّده الأَصِيلي بضمِّ الهاء، قال العَيني: والفتح أصوب. والرِّكَابُ -بكسر الرَّاء وتخفيف الكاف- الإبل الَّتي يُسار عليها، والواحدة الراحلة، ولا واحد لها من لفظها، والجمع: الرُّكُبُ مثل الكتب.\nقوله: (فَيُعَدِّلُهُ) من التعديل: وهو تقويم الشيء، يقال: عدَّلته فاعتدل، أي قوَّمته فاستقام، والمعنى: يقيمه تلقاء وجهه؛ لأنَّ الإبل إذا هاجت شوَّشت على المصلِّي لعدم استقرارها، فحينئذ كان ﵇ يعدل عنها إلى الرحل فيجعله سترة. قال شيخنا: (فَيَعْدِلُهُ) بفتح أوَّله وسكون العين وكسر الدال، أي يقيمه تلقاء وجهه، ويجوز التشديد. قال العَيني: الصَّواب ما ذكرناه؛ لأنَّه من باب فَعَّل بالتشديد، لكنَّه يأتي بمعنى فَعَل بالتخفيف، كما يقال: زِلْتُه وزَيَّلتُه، وكلاهما بمعنى: فَرَّقْتُه.\nقوله: (إِلى آخِرَتِهِ) بفتح الهمزة والخاء والراء بلا مد، أي يصلِّي إلى آخرةِ الرحل، ويجوز المدُّ في الهمزة ولكن بكسر الخاء، وهي الخشبة الَّتي يستند إليها الراكب.\nقوله:\n_________\n(^١) في المخطوط: «فيعرض» والمثبت هو الموافق لما في الحديث.","vol":"1","page":13},{"text":"(أَوْ قَالَ: مُؤَخِّرَتِهِ) في ضبطه وجوه، الأوَّل: بضمِّ الميم وكسر الخاء وهمزة ساكنة، قاله النَّوَوي. والثاني: بفتح الهمزة وفتح الخاء المشدَّدة. والثالث: إسكان الهمزة وتخفيف الحاء. وقال أبو عُبَيْد: يجوز كسر الخاء وفتحها. وأنكر ابن قُتَيْبَة الفتح، وقال ابن مكِّي: لا يقال مُقدِّم ومُؤخِّر بالكسر إلَّا في العِير خاصَّة، وأما في غيرها فلا يقال إلَّا بالفتح فقط. وقال الجَوْهَري: مؤخِّرة الرَّحل لغة في آخرته. وقال ابن التِّين: رُوِّيناه بفتح الهمزة وتشديد الخاء وفتحها. وقال القُرْطُبي: مؤخِّرة الرَّحل هو العود الذي يكون في آخر الرَّحل، بضمِّ الميم وكسر الخاء. والرابع: روى بعضهم بفتح الهمزة وتشديد الخاء.\nقوله: (وَكَانَ ابنُ عُمَر يَفعَلُهُ) مقول نافع، والضَّمير المنصوب في (يَفْعَلُهُ) يرجع إلى كلِّ واحد من التَّعريض والتَّعديل اللذين يدلُّ عليهما قوله: (يُعَرِّضُ)، وقوله: (فَيُعْدِّلَهُ) من قبيل قوله تعالى: ﴿اعدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨] أي العدل أقرب للتَّقوى، فافهم.\nقال الخطَّابيُّ: فيه دليل على جواز السترة بما يثبت من الحيوان. وقال ابن بطَّال: وكذلك تجوز الصَّلاة إلى كلِّ شيء طاهر. وقال القُرْطُبي: في هذا الحديث دليل على جواز الستر بالحيوان، ولا يعارضه النَّهي عن الصَّلاة في معاطن الإبل؛ لأنَّ المعاطن مواضع إقامتها عند الماء، وكراهة الصَّلاة حينئذ عندها إما لشدَّة نتنها، وإما لأنَّهم كانوا يتخلَّون بها متسترين بها. وقيل: علَّة النَّهي في ذلك كون الإبل خلقت من الشياطين. قال شيخنا: تقدَّم ذلك، فيحمل على ما وَقَعَ منه في السَّفر في الصَّلاة إليها على حالة الضرورة، ونظير صلاته إلى السَّرير الذي عليه المرأة لكون البيت كان ضيقًا، وعلى ذلك فقول الشَّافعي في «البُوَيطي»: لا يستتر بامرأة ولا دابة، أي في حال الاختيار، وروى عبد الرزَّاق عن ابن عُيَيْنَة عن عبد الله بن دينار: أنَّ ابن عُمَر كان يكره أن يصلِّي إلى بعير إلَّا وعليه رحل، وكأنَّ الحكمة في ذلك: إنَّها في حال شدِّ الرحل عليها أقرب إلى السُّكون من حال تجريدها.\nتكملة: اعتبر الفقهاء مؤخِّرة الرَّحل في مقدار أقلِّ السترة، واختلفوا في تقديرها بفعل ذلك، فقيل: ذراع، وقيل: ثلثا ذراع وهو أشهر، لكن في «مصنَّف عبد الرزَّاق» عن نافع: أنَّ مؤخِّرة رحل ابن عُمَر كانت قدر ذراع. انتهى. وقد مرَّ الكلام فيه مستوفى في باب الصَّلاة في مواضع الإبل.\n\n <span id=\"b-٢٦\"> </span>(٩٩) <span data-type=\"title\" id=toc-26>(بَابُ الصَّلاة إِلَى السَّرِيْرِ)</span> أي هذا باب في بيان حكم الصَّلاة إلى السرير، ومراده: على السَّرير؛ لأنَّ لفظ الحديث: (فَيَتَوَسَّطُ السَّرير فَيُصَلِّي) فهذا يدلُّ على أنَّه يصلِّي على السَّرير، على أنَّ في بعض النُّسخ: «بَابُ الصَّلاة عَلَى السَّرِيْرِ» نبَّه عليه الكِرْماني وقال: حروف الجرِّ يقام بعضها مقام البعض، فإن قلت: قوله: (فَيَتَوَسَّطُ السَّرِيْرَ) يشمل ما إذا كان فوقه أو أسفل منه؟ قلت: لا نسلِّم ذلك؛ لأنَّ معنى قوله: (فَيَتَوَسَّطُ السَّرِيْرَ): يجعل نفسه في وسط السَّرير، فإن قلت: ذكر البخاري في الاستئذان حديث الأَعْمَش عن مسلم","vol":"1","page":14},{"text":"عن مَسْروق عن عائشة: «كَانَ يصلِّي والسَّرير بَيْنَه وَبَيْنَ القِبْلَةِ» فهذا يبيِّن أنَّ المراد من حديث الباب: أسفل السَّرير؟ قلت: لا نسلِّم ذلك؛ لاختلاف العبارتين مع احتمال كونهما في الحالتين، فإذا علمت هذا علمت أنَّ قول الإسماعيلي: بأنَّه دالٌّ على الصَّلاة على السَّرير لا إلى السَّرير غيرُ وارد، يظهر ذلك بالتأمُّل، قاله العَيني.\nوقال شيخنا: ولا حاجة إلى الحمل المذكور؛ فإنَّ قولها: (فَيَتَوَسَّطُ السَّرِيْرَ) يشمل ما إذا كان فوقه أو أسفل منه، وقد بان من رواية مَسْروق عنها أنَّ المراد الثَّاني.\n\n٥٠٨ - <span id=\"b-٢٧\"> </span>قوله: (حَدَّثَنا عُثْمان بنُ أَبي شَيْبَةَ) أي عُثْمان بن محمَّد بن أبي شَيْبَة، واسم أبي شَيْبَة: إبراهيم بن عثمان، أبو الحسن العَبْسي الكوفي، أخو أبي بكر بن أبي شيْبَة، مات في المحرَّم سنة تسع وثلاثين ومائتين، وهو أكبر من أبي بكر بثلاث سنين، قلت: أعاد العَيني ترجمة عُثْمان هذا، وقد تقدَّمت في باب مَن جعل لأهل العلم يومًا معلومًا.\nقوله: (حَدَّثَنَا جَرِيْرٌ) أي -بفتح الجيم- ابن عبد الحميد الرَّازي، كوفي الأصل، ترجمته في باب من جعل لأهل العلم أيَّامًا أيضًا.\nقوله: (عَنْ مَنْصُورٍ) أي ابن المُعتَمِر السُّلَمي الكوفي، ترجمته في الباب أيضًا.\nقوله: (عَنْ إِبرَاهِيْمَ) أي ابن يزيد النَّخَعي الكوفي، ترجمته في باب ظلم دون ظلم، في كتاب الإيمان.\nقوله: (عَنِ الأَسْوَدِ) أي ابن يزيد النَّخَعي الكوفي، خال إبراهيم المذكور، ترجمته في باب من ترك بعض الاختيار في كتاب العلم.\nقوله: (عَنْ عَائِشَةَ) أي أمُّ المؤمنين ﵂، ترجمتها في بدء الوحي.\nفي هذا الإسناد: التَّحديث بصيغة الجمع في موضعين، والعنعنة في أربع مواضع، وفيه القول، وفيه أنَّ رواته كوفيُّون، وفيه رواية التَّابعي عن التَّابعي عن الصحابية.\nقوله: (قَالَتْ: أَعَدَلْتُمُوْنَا بِالكَلْبِ والحِمَارِ؟! لَقَد رَأَيْتُني مُضْطَجِعَةً عَلى السَّريرِ، فَيَجِيءُ النَّبِيُّ ﷺ فَيَتَوسَّطُ السَّرير فَيُصَلِّي، فَأَكرَهُ أَنْ أَسْنَحَهُ، فَأَنْسَلُّ مِنْ قِبَلِ رِجْلَيِ السَّرِيرِ حتَّى أَنْسَلَّ مِنْ لِحَافِي).\nوجه مطابقته للترجمة قد ذكرناه الآن، وهذا الحديث أخرجه البخاري أيضًا بعد خمسة أبواب عن عُمَر بن حَفْص بن غياث عن أبيه عن الأَعْمَش عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة، وأخرجه مسلم في الصَّلاة أيضًا عن إِسْحاق بن إبراهيم عن جرير، وأخرجه أيضًا فيه عن عَمْرو الناقد وأبي سعيد الأشج وعمر بن حَفْص بن غياث به.\nقوله: (أَعَدَلْتُمُوْنَا) الهمزة فيه للاستفهام على سبيل الإنكار، أي لِمَ عدلتمونا؟ وقالت ذلك حيث قالوا: يقطع الصَّلاة الكلب والحمار والمرأة.\nقوله: (لَقَدْ رَأَيْتُنِي) -بضمِّ التَّاء المُثَنَّاة من فوق- وقال الكِرْماني: «رَأَيْتَني» بلفظ المتكلِّم، وكون ضميري الفاعل والمفعول عبارتين عن شيء واحد من جملة خصائص أفعال القلوب، قال العَيني: المعنى: رأيت نفسي، حتَّى لا يقال: فيه كون الفاعل والمفعول","vol":"1","page":14},{"text":"واحدًا.\nقوله: (مُضْطَجِعَةً) نصب على الحال؛ لأنَّ الرؤية ههنا من رؤية العين.\nقوله: (أَنْ أَسْنَحَهُ) -بفتح النُّون والحاء المهملة- وقال الخطَّابيُّ: هو من قولك: سنح لي الشيء إذا عرض، تريد: إني أكره أن أستقبله ببدني في صلاته، ومن هذا: سوانح الظباء، وهو ما يعترض المسافرين فيجيء عن مياسرهم، ويجوز إلى ميامنهم، وقال ابن الجَوْزي وغيره: السَّانح عند العرب ما يمرُّ بين يديك عن يمينك وكانوا يتيمنون به، ومنهم من قال: عن يسارك إلى يمينك؛ لأنَّه أمكن للرَّمي، والبارح عكسه، والعرب تتطيَّر به، وقال صاحب «العين»: أسنحه، أي أظهر له، وكل ما عرض لك فهو سنح.\nقوله: (فَأَنْسَلُّ) بصيغة المتكلِّم من المضارع عطفًا على (أَكْرَهُ) أي أخرج بخفية أو برفق.\nقوله: (مِنْ قِبَلِ) -بكسر القاف- قوله: (رِجْلَيِ السَّرِيْرِ) بلفظ التثنية مضافًا إلى السَّرير.\nفي الحديث: جواز الصَّلاة على السَّرير، وفيه دلالة على أنَّ مرور المرأة بين يدي المصلِّي لا يقطع صلاته؛ لأنَّ انسلالها من لحافها كالمرور بين يدي المصلِّي، وقد استوفينا الكلام فيه فيما مضى.\n\n <span id=\"b-٢٨\"> </span>(١٠٠) <span data-type=\"title\" id=toc-28>(بَابٌ يَرُدُّ المُصَلِّي مَنْ مَرَّ بَينَ يَدَيِهِ)</span> أي هذا بابٌ ترجمتُه: يَرُدُّ المُصَلِّي مَنْ مرَّ بين يديه، وسنبيِّن هل الرد إذا مرَّ بين يديه في موضع سجوده، أو يردُّه مطلقًا، أو له حدٌّ معلوم، وأنَّ الردَّ واجب أم سنَّة؟ - قال العَيني: أم مستحبٌّ؟ - وإنَّه مقيَّد بمكان مخصوص أو في جميع الأمكنة، على ما نذكره مفصَّلًا إن شاء الله تعالى.\nقال شيخنا: يردُّ من مرَّ بين يديه، سواء كان آدميًا أم غيره.\nقوله: (وَرَدَّ ابنُ عُمَرَ) أي عبد الله بن عُمَر بن الخطَّاب ﵄، ترجمته في كتاب الإيمان.\nقوله: (في التَّشَهُّدِ وفِي الكَعْبَةِ، وَقالَ: إِنْ أَبَى إلَّا أَنْ تُقَاتِلَهُ قَاتِلْهُ) الكلام فيه على أنواع:\nالأوَّل: في وجه مطابقته للترجمة، وهي ظاهرة؛ لأنَّ ابن عُمَر ردَّ المارَّ بين يديه وهو في الصلاة.\nالثاني: في معنى التركيب، فقوله: (وَرَدَّ ابنُ عُمَرَ) أي ردَّ عبد الله بن عُمَر المارَّ بين يديه حال كونه في التشهُّد، وكان هذا المارَّ هو عَمْرو بن دينار، نبَّه عليه عبد الرزَّاق وابن أبي شَيْبَة في «مصنَّفيهما»، قوله: «وَفِي الكَعْبَةِ» أي وردَّ أيضًا في الكعبة، وقال الكِرْماني: هو عطف على مقدَّر، أي ردَّ المارَّ بين يديه عند كونه في الصَّلاة وفي غير الكعبة وفي الكعبة أيضًا، ويحتمل أن يُراد به كونُ الردِّ في حالة واحدة جمعه بين كونه في التشهد وفي الكعبة، فلا حاجة إلى مقدَّر، وقال أبو محمَّد الإشبيلي في كتابه «الجمع بين الصحيحين» كذا وقع: «وفي الكعبةِ» وقال ابن قرقول: «وَرَدَّ ابنُ عُمَر فِي التَّشَهُّدِ وَفِي الكَعْبَةِ». وقال القابسي: «وَفِي الرَّكْعَةِ» بدلًا من: (الكَعْبَةِ) أشبه، وكذا وَقَعَ في بعض الأصول: «الرَّكْعَةِ»، وقال صاحب «التلويح»: والظاهر أنَّه: «وَفِي الكَعْبَةِ» وهو الصَّواب؛ لما في كتاب «الصَّلاة» لأبي نُعَيم: حدَّثنا عبد العزيز بن الماجِشُون عن صالح بن كَيْسان قال: «رَأيْتُ ابنَ عُمَر يصلِّي في الكعبةِ، فلا يدع أحدًا يمرُّ بين يديهِ","vol":"1","page":15},{"text":"يبادِره. قال: يردُّه».\nحدَّثنا فطر بن خليفة حدَّثنا عَمْرو بن دينار قال: مررت بابن عُمَر بعدما جلس في آخر صلاة حتَّى أنظر ما يصنع، فارتفع من مكانه فدفع في صدري. وقال ابن أبي شَيْبَة: أخبرنا ابن فضيل عن فطر عن عَمْرو بن دينار قال: مررت بين يدي ابن عُمَر وهو في الصَّلاة، فارتفع من قعوده ثمَّ دفع في صدري. وفي كتاب «الصلاة» لأبي نُعَيم: فانتهزني بتسبيحة.\nقال شيخنا: ورواية الجمهور متَّجهة، وتخصيص الكعبة بالذِّكر؛ لئلَّا يُتخيَّل أنَّه يُغْتَفَرُ فيها المرور لكونها محل المزاحمة. انتهى. قال العَيني: الواقع في نفس الأمر عن ابن عُمَر في الردِّ في غير الكعبة وفي الكعبة أيضًا، فلا يقال فيه: التخصيص والتعليل فيه بكون الكعبة محلَّ المزاحمة غير موجَّه؛ لأنَّ في غير الكعبة أيضًا توجد المزاحمة، سيَّما في أيَّام الجمع في الجوامع ونحو ذلك، قال شيخنا في «انتقاض الاعتراض» ما حاصله: إنَّ العَيني لا يزال يأخذ كلامه ويضعه في شرحه، فإذا عثر بما يظنُّه ساقطًا فيبالغ في التشنيع، وهذا مبلغ علمه، والسَّلام. انتهى.\nقلت: لكن التخصيص على الردِّ في الكعبة لا بدَّ له من نكتة، والذي يظهر لي: أنَّ المصلِّي في الكعبة قد يصلِّي لبابها فيُظنُّ لهذا أنَّه لا يردُّ من أراد المرور بين يدي هذا المصلِّي للباب، للدُّخُول إليها أو الخروج منها، فذكرها لدفع هذا الظنّ، والله أعلم.\nقوله: (وَإِنْ أَبَى) أي المارُّ إن امتنع بكلِّ وجه إلَّا بأن يُقاتل المصلِّي المارَّ قاتله.\nقوله: (إِلَّا أَنْ يُقَاتِلَهُ) وقوله: (قَاتَلَهُ) على وجهين:\nأحدهما: أن يكون لفظ (قَاتَلَهُ) بصيغة الفعل الماضي، وهذا عند كون لفظ: (إِلَّا أَنْ يُقَاتِلَهُ) بصيغة الفعل المضارع المعلوم، والضمير المرفوع فيه يرجع إلى المارِّ الذي هو فاعل لفظة (أَبَى)، والمنصوب يرجع إلى المصلِّي، والضمير المرفوع في (قَاتَلَهُ) يرجع إلى المصلِّي، والمنصوب يرجع إلى المارِّ.\nوالوجه الآخر: أن تكون لفظة (إلَّا أَنْ تُقَاتِلَهُ) بصيغة المخاطب، أي &lt;إِلَّا أَنْ تُقَاتِلَ المارَّ فَقَاتِلْهُ&gt;، بكسر التَّاء وسكون اللَّام على صيغة الأمر للحاضر، وهذه رواية الكُشْمِيهَني، والأوَّل رواية الأكثرين، قال شيخنا: وهذه الجملة الأخيرة من كلام ابن عُمَر، وقد وصلها عبد الرزاق، ولفظه عن ابن عُمَر قال: «لا تدعْ أحدًا يمرُّ بينَ يديكَ وأنتَ تُصلِّي، فإنْ أَبَى إلَّا أنْ تقاتلَهُ فقاتلْهُ» وهذا أمر موافق لسياق الكُشْمِيْهَني. انتهى.\nفإن قلت: لفظة (قَاتِلْهُ) في الوجه الثَّاني جملة أمريَّة، والجملة الأمريَّة إذا وقعت جزاء للشرطيَّة فلا بدَّ فيها من الفاء، قال العَيني: تقدير الكلام: فأنت قاتله، قال الكِرْماني: ويجوز حذف الفاء منها، نحو:\nمَن يفعلِ الحسناتِ اللهُ يشكرُها، قال العَيني: حذف الفاء منها لضرورة الوزن فلا يُقاس عليه، ويروى: (فَقَاتِلْهُ) بالفاء على الأصل.\nالنوع الثالث: في أنَّ المروي عن ابن عُمَر ههنا على سبيل التعليق ثلاثة أشياء:\nالأوَّل: ردُّه المارَّ في التشهُّد، وقد وصله أبو نُعَيم وابن أبي شَيْبَة كما ذكرناه عن قريب.\nالثاني: ردُّه في الكعبة، وقد وصله أبو نُعَيم أيضًا كما ذكرناه، وفي حديث يزيد الفقير: صلِّيتُ إلى جنب ابن عُمَر بمكَّة، فلم أرَ رجلًا أكره أن يمرَّ بين يديه منه.\nالثالث: أمرُه بالمقاتلة عند عدم امتناع","vol":"1","page":15},{"text":"المارِّ من المرور بين يدي المصلِّي، وقد وصله عبد الرزَّاق كما ذكرناه أيضًا.\n\n٥٠٩ - <span id=\"b-٢٩\"> </span>قوله: (حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ) -أي بفتح الميم- واسمه: عبد الله بن عَمْرو بن أبي الحجَّاج المقعد البصري، مات بالبصرة سنة أربع وعشرين ومائتين، وقد تقدَّم في باب قول النَّبِيِّ ﷺ: اللهمَّ علِّمه الكتاب.\nقوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا عَبدُ الوَارِثِ) أَي ابن سعيد، تقدَّم أيضًا في الباب.\nقوله: (حَدَّثَنا يُوْنُسُ) أي ابن عُبَيْد بالتصغير، ابن دينار، أبو عبد الله البصري، مات سنة تسع وثلاثين ومائة.\nقوله: (عَنْ حُمَيْدِ بنِ هِلَالٍ) أي -بضمِّ الحاء تصغير الحمد، وكسر الهاء وتخفيف اللَّام- ابن هلال العدوي، بفتح العين والدَّال المهملتين، التَّابعي الجليل.\nقوله: (عَنْ أَبي صَالحٍ) أي ذكوان السَّمَّان، وقد تكرر ذكره، ترجمته في باب أمور الإيمان.\nقوله: (أَنَّ أَبا سَعِيدٍ) أي الخدري.\nقوله: (ح: وَحَدَّثَنا آدَمُ) أي ابن أبي إِياس، ترجمته في بابٍ يتلو باب أمور الإيمان.\nقوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ) أي ابن المغيرة القَيسي البصري، ترجمته في باب القراءة والعرض على العالم.\nقوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بنُ هِلالٍ، حَدَّثَنَا أَبُو صَالحٍ السَّمَّانُ، قَالَ: رَأيْتُ أَبَا سَعِيْدٍ الخُدْرِيَّ).\nفيه التَّحديث بصيغة الجمع في سبع مواضع، وفيه العنعنة في موضعين، وفيه القول والرؤية، وفيه رواية التَّابعي عن التَّابعي عن الصحابي، وفيه أنَّ رواته كلَّهم بصريُّون إلَّا أبا صالح فإنَّه مدني، وآدم فإنه عسقلاني، وفيه أنَّ آدم من أفراد البخاري، وفيه أنّض البخاري لم يخرِّج لسُلَيمان بن المغيرة شيئًا موصولًا إلَّا هذا الحديث ذكره أبو مسعود وغيره، وفيه التحويل من إسناد إلى إسناد آخر قبل ذكر الحديث، وعلامته حرف الحاء المفردة، وفيه في الإسناد الأوَّل: حُمَيْد عن أبي صالح أنَّ أبا سعيد، وفي الثَّاني رأيت أبا سعيد والثَّاني أقوى، وفيه أنَّ في الثَّاني ذكر قصَّة ليست في الأوَّل.\nوقد ساق البخاري هذا الحديث في كتاب بدء الخلق بالإسناد الذي ساقه هنا من رواية يُونُس بعينه، وههنا من لفظ سُلَيمان بن المغيرة لا من لفظ يُوُنس، قال شيخنا: وقد قرن البخاري رواية يُونُس برواية سُلَيمان بن المغيرة، وبَيِّنٌ من إيراده: أنَّ القصَّة المذكورة في رواية سُلَيمان لا في رواية يونس، ولفظ المتن الذي ساقه هنا هو لفظ سُلَيمان أيضًا لا لفظ يونس، وإنما ظهر لنا ذلك من المُصَنِّف حيث ساق الحديث في بدء الخلق بالإسناد الذي ساقه هنا من رواية يُونُس بعينه، ولفظ المتن مغاير للفظ الذي ساقه هنا من رواية يُونُس، وليس فيه تقييد الدفع بما إذا كان المصلِّي يصلِّي إلى سترة، وذكر الإسماعيلي: أنَّ سُلَيم بن حبَّان تابع يُونُس عن حُمَيْد على عدم التقييد، والمطلق في هذا محمول على المقيَّد؛ لأنَّ الذي يصلِّي إلى غير سترة مقصِّر بتركها، ولا سيَّما إن صلَّى في مشارع المشاة، وقد روى عبد الرزَّاق عن عُمَر التفرقةَ بين من يصلِّي إلى سترة أو إلى غير سترة، وفي «الرَّوضة» تبعًا لأصلها: ولو صلَّى إلى غير سترة، أو كانت وتباعد منها، فالأصحُّ: إنَّه","vol":"1","page":16},{"text":"ليس له الدفع لتقصيره، ولا يحرُم المرور حينئذ بين يديه، ولكن الأَولى تركُه. انتهى.\nقوله: (في يَوْمِ جُمُعَةٍ يُصَلِّي إِلى شَيْءٍ يَسْتُرُهُ مِنَ النَّاس، فَأَرادَ شَابٌّ مِنْ بَنِي أَبي مُعَيط أَنْ يَجتَازَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَدَفَعَ أَبُو سَعِيْدٍ في صَدْرِهِ، فَنَظَرَ الشَّابُّ فَلَم يَجِد مَسَاغًا إلَّا بَينَ يَدَيهِ، فَعَادَ لِيَجْتَازَ فَدَفَعَهُ أَبُو سَعِيْدٍ أَشَدَّ مِنَ الأُوْلَى، فَنَالَ مِن أَبي سَعِيْدٍ، ثمَّ دَخَلَ عَلَى مَرَوَانَ، فَشَكَا إِلَيهِ مَا لَقِيَ مِن أَبي سَعِيْدٍ، وَدَخَلَ أَبُو سَعيْدٍ خَلْفَهُ عَلَى مَرَوَانَ، فَقَالَ: مَا لَكَ وَلِابنِ أَخِيْكَ يَا أَبا سَعيْدٍ؟ قالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقولُ: إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ إِلى شَيْءٍ يَسْتُرُهُ مِنَ النَّاس، فَأَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَجتَازَ بَينَ يَدَيهِ فَليَدفَعْهُ، فَإِنْ أَبَى فَليُقَاتِلْهُ فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ). مطابقته للترجمة ظاهرة.\nوهذا الحديث أخرجه البخاري أيضًا عن أبي مَعْمَر في صفة إبليس، وأخرجه مسلم في الصَّلاة أيضًا عن شَيْبان بن فرُّوخ، وأخرجه أبو داود فيه عن موسى بن إسماعيل.\nقوله: (فَأَرادَ شَابٌّ مِنْ بَني أَبي مُعَيْطٍ) ووَقَعَ في كتاب «الصلاة» لأبي نُعيم الفَضْل بن دُكَين، قال: حدَّثنا عبد الله بن عامر عن زيد بن أسلم قال: بينما أبو سعيد قائم يصلِّي في المسجد، فأقبل الوليد بن عُقْبَة بن أبي مُعَيط، فأراد أن يمرَّ بين يديه فدرأه، فأبى إلَّا أن يمرَّ فدفعه ولَكَمَه. فهذا يدلُّ على أنَّ هذا الشاب هو الوليد بن عُقْبَة.\nوفي «المصنَّف» لابن أبي شَيْبَة: حدَّثنا أبو معاوية عن عاصم عن ابن سيرين قال: كان أبو سعيد قائمًا يصلِّي، فجاء عبد الرحمن بن الحارث بن هشام يمرُّ بين يديه فمنعه، فأبى إلَّا أن يجيء، فدفعه أبو سعيد فطرحه، فقيل له: تصنع هذا بعبد الرحمن؟! فقال: والله لو أبى إلَّا أن آخذ شعره لأخذت.\nوروى عبد الرزَّاق حديث الباب عن داود بن قيس عن زيد بن أسلم عن عبد الرحمن بن أبي سعيد عن أبيه، فقال فيه: إذ جاء شابٌّ، ولم يسمِّه، وعن مَعْمَر عن زيد بن أسلم فقال فيه: فذهب ذو قرابة لمروان. ومن طريق أبي العلانية عن أبي سعيد فقال فيه: مرَّ رجل بين يديه من بني مروان، وللنَّسائي من وجه آخر: فمرَّ ابن لمروان، وسمَّاه عبد الرزَّاق من طريق سُلَيمان بن موسى: داود بن مروان، ولفظه: أراد داود بن مروان أن يمرَّ بين يدي أبي سعيد، ومروان يومئذ أمير بالمدينة، فذكر الحديث، وبه جزم ابن الجَوْزي.\nقال العَيني: وهذا كما رأيت الاختلاف في تسمية المبهم الذي في الصحيح، والأحسنُ: أن يقال بتعدُّد الواقعة لأبي سعيد مع غير واحد؛ لأنَّ في تعيين واحد من هؤلاء مع كون اتَّحاد الواقعة نظر لا يخفى. انتهى.\nقال شيخنا: وفي تفسير الذي وَقَعَ في «الصحيح» بأنَّه الوليد، نظرٌ؛ لأنَّ فيه: أنَّه دخل على مروان، زاد الإسماعيلي: ومروان يومئذ على المدينة. انتهى قول الإسماعيلي.\nقال شيخنا: ومروان إنَّما كان أميرًا على المدينة في خلافة معاوية، ولم يكن الوليد حينئذ بالمدينة؛ لأنَّه لما قُتِلَ عُثْمان تحوَّل إلى الجزيرة فسكنها حتَّى مات في خلافة معاوية، ولم يحضر شيئًا من الحروب الَّتي كانت بين علي ومن خالفه، وأيضًا فلم يكن الوليد يومئذ شابًّا، بل كان في عشر الخمسين، فلعلَّه كان فيه","vol":"1","page":16},{"text":"فأقبل ابن الوليد بن عُقْبَة فيُتَّجَهُ، وجزم ابن الجَوْزي ومن تبعه: بأنَّه داود بن مروان، وفيه نظر؛ لأنَّ فيه: إنَّه من بني أبي معيط، وليس مروان من بنيه، بل أبو مُعَيط ابن عم والد مروان؛ لأنَّه أبو مُعَيط بن أبي عَمْرو بن أميَّة، ووالد مروان هو الحكم بن أبي العاص بن أميَّة، وليست أمُّ داود ولا أمُّ مروان ولا أمُّ الحكم من ولد أبي مُعَيط، فيحتمل أن يكون داود نسب إلى أبي مُعَيط من جهة الرضاعة، أو لكون جدِّه لأمِّه عُثْمان بن عفَّان كان أخًا للوليد بن عُقْبَة بن أبي مُعَيط لأمِّه فنُسب داود إليه مجازًا، وفيه والأقرب الواقعة تعدَّدت، وأيضًا فعبد الرحمن مخزومي ما له من أبي مُعَيط نسبةٌ، والله أعلم. انتهى.\nقوله: (مُعَيْطٍ) -بضمِّ الميم وفتح العين المهملة، وسكون الياء آخر الحروف، وفي آخره طاء مهملة- تصغير أمعط، وهو الذي لا شعر عليه، فالأمعط والأمرط سواء، وأبو مُعَيط في قُرَيش، واسمه: أبان بن أبي عمر، وذكوان بن أميَّة الأكبر هو والد عُقْبَة بن أبي مُعَيط الذي قتله رسول الله ﷺ صبرًا.\nقوله: (أَن يَجْتَازَ) بالجيم من الجواز.\nقوله: (فَلَمْ يَجِدْ مَسَاغًا) -بفتح الميم وبالغين المعجمة- أي طريقًا عليه المرور منها، يقال: ساغ الشراب في الحلق إذا نزل من غير الضَّرر، وساغ الشيء طابَ.\nقوله: (مِنَ الأُوْلَى) أي من المرَّة الأولى، أو الدفعة الأولى.\nقوله: (فَنَالَ مِنْ أَبي سَعِيدٍ) بالنُّون، أي أصاب من عِرضه بالشَّتم، وهو من النَّيل وهو الإصابة.\nقوله: (ثُمَّ دَخَلَ عَلى مَرْوَانَ) وهو مروان بن الحكم -بفتح الكاف- الأموي أبو عبد الملك، يقال: إنَّه رأى النَّبِيَّ ﷺ، قاله الواقدي، ولم يحفظ عنه شيئًا، وتوفِّي النَّبِيُّ ﷺ وهو ابن ثمان سنين، مات بدمشق لثلاث خلون من رمضان سنة خمس وستين وهو ابن ثلاث وستين سنة، وقد تقدَّم ذكره في باب البصاق والمخاط ونحوه في الثَّوب.\nقوله: (فَقَالَ مَا لَكَ وَلِابنِ أَخِيْكَ) أي فقال مروان، فكلمة (مَا) مبتدأ، و(لَكَ) خبره، (وَلِابنِ أَخِيْكَ) عطف عليه بإعادة الخافض، وأطلق الأخوَّة باعتبار أنَّ المؤمنين إخوة، وفيه تأييد لقول من قال: إنَّ المارَّ بين يدي أبي سعيد الذي دفعه غير الوليد؛ لأنَّ أباه عُقْبَة قُتل كافرًا، واستدلَّ الرافعيُّ بهذه القصَّة على مشروعيَّة الدفع ولو لم يكن هناك مسلك غيره خلافًا لإمام الحرمين، ولابن الرِّفعة فيه بحث سنشير إليه في الحديث الذي بعده إن شاء الله تعالى، فإن قلت: لم يقل: ولأخيك، بحذف الابن. قال العَيني: نظرًا إلى إنَّه كان شابًّا أصغر منه.\nقوله: (فَليَدْفَعْهُ) وفي رواية مسلم: «فليدفع في نحره». قال القُرْطُبي: أي بالإشارة ولطيف المنع.\nقوله: (فَليُقاتِلْهُ) بكسر اللام الجازمة وبسكونها.\nقوله: (فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ) هذا من باب التشبيه حُذف منه أداة التشبيه للمبالغة، أي إنَّما هو كشيطان، أو يُراد به شيطان الإنس، وإطلاق الشَّيطان على المارد من الإنس سائغ شائع، وقد جاء في القرآن قوله تعالى: ﴿شَيَاطِينَ الإِنْسِ وَالجِنَّ﴾ [الأنعام: ٢١١] وقال الخطَّابيُّ: معناه أنَّ الشَّيطان يحمله على ذلك ويحرِّكه إليه، وقد يكون أراد بالشَّيطان المارُّ بين يديه نفسه، وذلك أنَّ الشَّيطان هو المارد الخبيث من الجنِّ والإنس. وقال القُرْطُبي: ويحتمل أن يكون معناه الحامل له على ذلك الشيطانُ، يؤيِّده حديث ابن عُمَر عند مسلم: «لا يدعْ أحدًا يمرُّ بينَ يدَيهِ، فإنْ","vol":"1","page":17},{"text":"أَبى فليُقاتِلْهُ؛ فإنَّ مَعَهُ القَرِيْنَ»، وعند ابن ماجه: «فإنَّ مَعَهُ القَرِيْنَ»، وقال المُنْكَدِري: «فإنَّ مَعَهُ العُزَّى»، وقيل: معناه: إنَّما هو فعل الشَّيطان؛ لشغل قلب المصلِّي كما يخطر الشَّيطان بين المرء ونفسه.\nوقال ابن بطَّال: في هذا الحديث جواز إطلاق لفظ الشَّيطان على من يفتن في الدِّين، وأنَّ الحكم للمعاني دون الأسماء؛ لاستحالة أن يصير المارُّ شيطانًا بمجرَّد مروره. قال شيخنا: وهذا مبنيٌّ على لفظ الشَّيطان، يُطلق حقيقة على الجنِّي ومجازًا على الإنسي، وفيه بحث واستنبط ابن أبي جمرة من قوله: (فإنَّما هو شَيْطَانٌ) أنَّ المراد بقوله: (فَلْيُقَاتِلْهُ) المدافعةُ اللطيفة، لا حقيقة القتال، قال: لأنَّ مقاتلة الشَّيطان إنَّما هي بالاستعاذة والتستر عنه بالتسمية ونحوها، وإنما جاز الفعل اليسير في الصَّلاة للضرورة، فلو قاتله حقيقة المقاتلة لكان أشدّ على صلاته من المارِّ، قال: وهل المقاتلة لخلل يقع في صلاة المصلِّي من المرور، أو لدفع الإثم عن المارِّ؟ الظَّاهر الثاني. انتهى. وقال غيره: بل الأوَّل أظهر؛ لأنَّ إقبال المصلِّي على صلاته أولى له من اشتغاله بدفع الإثم عن غيره، وقد روى ابن أبي شَيْبَة عن ابن مسعود: «أنَّ المرورَ بينَ يَدَي المصلِّي يَقطَع نِصفَ صَلاتِه»، وروى أبو نُعَيم عن عمر: «لَو يعلمُ المصلِّي ما ينقُصُ مِنْ صلاتِه بالمرورِ بينَ يَدَيهِ ما صلَّى إلَّا إلى شَيءٍ يَستُرهُ مِنَ الناسِ»، فهذان الأثران يقتضيان أن الدفع لخلل يتعلَّق بصلاة المصلِّي ولا يختص بالمارِّ، وهما وإن كانا موقوفين لفظًا فحكمهما حكم الرفع؛ لأنَّ مثلهما لا يقال بالرأي. انتهى.\nقلت: وما المانع من أن يكون الدفع لخلل يقع في صلاته ولدفع الإثم عن المارِّ؟ لأنَّه ورد أنَّ عليه إثم كما ورد أنَّ المرور يقطع نصف الصَّلاة. انتهى.\nفيه اتِّخاذ السترة للمصلِّي وزَعَمَ ابن العربيِّ أنَّ النَّاس اختلفوا في وجوب وضع السترة بين يدي المصلِّي على ثلاثة أقوال:\nالأوَّل: إنَّه واجب، فإن لم يجد وضع خطًّا، وبه قال أحمد، كأنَّه اعتمد حديث ابن عُمَر الذي صححه الحاكم: «لا تصلُّوا إلَّا إلى سترةٍ، ولا تدعْ أحدًا يمرُّ بينَ يديكَ»، وعند أبي نُعَيم في كتاب «الصَّلاة»: حدَّثنا سُلَيمان - أظنُّه عن حُمَيْد بن هلال - قال عُمَر بن الخطَّاب: «لو يعلمُ المصلِّي ما ينقصُ» الحديثَ المتقدِّم.\nالثاني: إنَّها مستحبَّة، ذهب إليه أبو حنيفة ومالك والشافعي.\nوالثالث: جواز تركها، روي ذلك عن مالك، قال العَيني: قال أصحابنا - أي الحنفيَّة -: الأصل في السترة إنَّها مستحبَّة، وقال إبراهيم النخعيُّ: كانوا يستحبُّون إذا صلَّوا في الفضاء أن يكون بين أيديهم ما يسترهم، وقال عطاء: لا بأس بترك السترة، وصلَّى القاسم وسالم في الصَّحراء إلى غير سترة، ذكر ذلك كلَّه ابن أبي شَيْبَة في «مصنَّفه»، واعلم أنَّ الكلام في هذا على عشرة أنواع:\nالأوَّل: أنَّ السترة واجبة أو لا، وقد مرَّ الكلام فيها الآن.\nوالثاني: مقدار موضع يكره المرور فيه قيل موضع سجوده، وهو اختيار شمس الأئمَّة السرخسي وشيخ الإسلام وقاضي خان، وقيل: مقدار صفَّين أو ثلاثة، وقيل: بثلاثة أذرع، وقيل: بخمسة أذرع، وقيل: بأربعين ذراعًا، وقدَّر الشَّافعي وأحمد بثلاثة أذرع، ولم يحدَّ مالك في ذلك حدًّا، إلَّا أنَّ ذلك بقدر ما يركع فيه ويسجد","vol":"1","page":17},{"text":"ويتمكَّن من دفع من يمرُّ بين يديه.\nوالثالث: إنَّه يستحبُّ لمن يصلِّي في الصحراء أن يتخذ أمامه سترة، وروى أبو داود من حديث أبي هريرة ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال: «إذا صلَّى أحدُكم فليجعلْ تلقاءَ وجهِهِ شيئًا، فإنْ لمْ يجدْ فلينصبْ عصًا، فإنْ لمْ يكنْ معهُ عصًا فليخطَّ خطًّا، ولا يضرُّه ما مرَّ أمامَه»، وخرَّجه ابن حبَّان في «صحيحه»، وذكر عبد الحقِّ: أنَّ ابن المديني وأحمد بن حنبل صحَّحاه، وقال عياض: هذا الحديث ضعيف وإن كان قد أخذ به أحمد، وقال سُفْيان بن عيينة: لم نجد شيئًا نَشُدُّ به هذا الحديث. وكان إسماعيل بن أميَّة إذا حدَّث بهذا الحديث يقول: عندكم شيء تشدُّون به، وأشار الشَّافعي إلى ضعفه، وقال النَّوَوي: فيه ضعف واضطراب، وقال البَيْهَقي: ولا بأس به في مثل هذا الحكم.\nالرابع: مقدار السترة قدر ذراع، وقد ذكرنا الكلام فيه مستوفى فيما مضى عن قريب.\nالخامس: ينبغي أن تكون في غلظ الإصبع؛ لأنَّ ما دونه لا يبدو للناظر من بعيد.\nالسادس: يقرب من السترة، وقد مرَّ الكلام فيه مستوفى في باب سترة الإمام سترة لمن خلفه.\nالسابع: أن يجعل السترة على حاجبه الأيمن أو على الأيسر، وأخرج أبو داود من حديث المقداد بن الأسود قال: «ما رأيتُ رسولَ اللهِ ﷺ يصلِّي إلى عودٍ ولا عمودٍ ولا شجرةٍ إلَّا جعلَهُ على حاجبِهِ الأيمنَ أو الأيسرَ ولا يصمدُ لهُ صمدًا» يعني: لم يقصده قصدًا بالمواجهة، والصَّمْد: القصد في اللغة.\nالثامن: أنَّ سترة الإمام سترة للقوم، وقد مرَّ الكلام فيه.\nالتاسع: ذكر أصحابنا - أي الحنفيَّة - أنَّ المعتبر الغرز دون الإلقاء والخطِّ؛ لأنَّ المقصود هو الدرء، فلا يحصل بالإلقاء ولا بالخطِّ، وفي «مبسوط» شيخ الإسلام: إنَّما يغرز إذا كانت الأرض رخوة، فأما إذا كانت صلبة لا يمكنه فيضع وضعًا؛ لأنَّ الوضع قد روي كما روي الغرز، لكن يضع طولًا لا عرضًا، وروى أبو عصمة عن محمَّد: إذا لم يجد سترة قال: لا يخطُّ بين يديه؛ فإنَّ الخطَّ وتركه سواء؛ لأنَّه لا يبدو للناظر من بعيد، وقال الشَّافعي بالعراق - أي في القول القديم-: إن لم يجد ما يغرز يخطُّ خطًّا طولًا، وبه أخذ بعض المتأخِّرين، وفي «المحيط» للحنفيَّة: الخطُّ ليس بشيء، وفي «الذخيرة» للقرافيِّ من المالكيَّة: الخطُّ باطل، وهو قول الجمهور، وجوَّزه أَشْهَب في «العتبية» وهو قول سعيد بن جُبَير والأوزاعيُّ والشافعيُّ بالعراق، ثمَّ قال بمصر - أي في القول الجديد -: لا يخطُّ، والمانعون أجابوا عن حديث أبي هريرة المذكور: إنَّه ضعيف، وقال عبد الحقِّ: ضعَّفه جماعة، وقال ابن حزم في «المحلَّى»: لم يصحَّ في الخطِّ شيء، ولا يجوز القول به.\nالعاشر: أنَّ السترة إذا كانت مغصوبة فهي معتبرة عندنا - أي الحنفيَّة - وعن أحمد: تبطل صلاته، ومثله الصَّلاة في الثَّوب المغصوب عنده. انتهى. قلت: وعند الشَّافعي تصحُّ الصَّلاة في الثَّوب والدَّار المغصوبين. انتهى.\nوفيه: أنَّ الدرء، وهو دفع المارِّ بين يدي المصلِّي، هل هو واجبٌ أم نَدْبٌ؟ فقال النَّوَوي: هذا الأمر أعني قوله: (فَلْيَدْفَعْهُ) أمرُ نَدْبٍ","vol":"1","page":18},{"text":"متأكّد، ولا أعلم أحدًا من الفقهاء أوجبه. قال العَيني: قال أهل الظَّاهر بوجوبه لظاهر الأمر، فكأن النَّوَوي ما اطلع على هذا، أو ما اعتدَّ بخلافهم.\nوقال ابن بطَّال: اتفقوا على دفع المارِّ إذا صلَّى إلى سترة، فأمَّا إذا صلَّى إلى غير السترة فليس له؛ لأنَّ التصرف والمشي مباح لغيره في ذلك الموضع الذي يصلِّي فيه، فلم يستحق أن يمنعه إلَّا ما قام الدليل عليه، وهي السترة الَّتي وردت السنَّة بمنعها.\nوفيه: إنَّه لا يجوز له المشي إليه من موضعه ليردَّه، وإنَّما يدافعه ويردُّه من موضعه؛ لأنَّ مفسدة المشي في الصَّلاة أعظم من مروره بين يديه، وإنَّما أبيح له قدر ما يناله من موقفه، وإنَّما يردُّه إذا كان بعيدًا منه بالإشارة والتَّسبيح ولا يجمع بينهما، وقال إمام الحرمين: لا ينتهي دفع المارِّ إلى منع محقق، بل يُومئ ويشير برفق في صدر من يمرُّ به. وفي «الكافي» للرُّويانيِّ: يدفعه ويصبر على ذلك وإن أدَّى إلى قتله، وقيل: يدفعه دفعًا شديدًا أشدّ من الدرء، ولا ينتهي إلى ما يفسد صلاته، وهذا هو المشهور عند مالك وأحمد، وقال أشهب في «المجموعة»: إن قرب منه درأه ولا ينازعه، فإن مشى له ونازعه لم تبطل صلاته، وإن تجاوزه لا يردُّه؛ لأنَّه مرور ثانٍ. وكذا رواه ابن القاسم من أصحاب مالك، وبه قال الشَّافعي وأحمد، وقال ابن مسعود وسالم: يردُّه من حيث جاء، وإذا مرَّ بين يديه ما لا تؤثر فيه الإشارة كالهرَّة قالت المالكية: دفعه برجله أو ألصقه إلى السُّترة.\nوفيه: فإن أبى فليقاتله، قال عياض: أجمعوا على أنَّه لا يلزمه مقاتلته بالسلاح ولا بما يؤدِّي إلى هلاكه، فإن دفعه بما يجوز فهلك من ذلك فلا قَوَد عليه باتِّفاق العلماء، وهل تجب ديَّته أم يكون هدرًا؟ فيه مذهبان للعلماء، وهما قولان في مذهب مالك، قال ابن سُفْيان: عليه الدية في ماله كاملة، وقيل: هي على عاقلته، وقيل: هدر. ذكره ابن التِّين.\nواختلفوا في معنى: (فَلْيُقَاتِلْهُ) والجمهور على أنَّ معناه: الدفع بالقهر، لا جواز القتل، والمقصود: المبالغة في كراهة المرور، وأطلق جماعة من الشافعيَّة: أنَّ له أن يقاتله حقيقةً، وردَّ ابن العربيِّ ذلك وقال: المراد بالمقاتلة المدافعة، وقال بعضهم: معنى (فَلْيُقَاتِلْهُ): فليلعنه، قال الله تعالى: ﴿قُتِلَ الخَرَّاصُوْنَ﴾ [الذاريات: ١٠] أي لعنوا، وأنكره بعضهم، وقال ابن المنذر: يدفع في نحره أوَّل مرَّة، ويقاتله في الثانية وهي المدافعة وقيل: المقاتلة بعد الثالثة، وقيل: يؤاخذه على ذلك بعد إتمام الصَّلاة ويؤنِّبه، وقيل: يدفعه دفعًا أشدّ من الردِّ مُنْكِرًا عليه، وفي «التَّمهيد»: العمل القليل في الصَّلاة جائز، نحوَ قتل البرغوث، وحكِّ الجسد، وقتل العقرب بأخفِّ من الضرب، ما لم تكن المتابعة والطول والمشي إلى الفُرَج إذا كان ذلك قريبًا، ودرء المصلِّي، وهذا كلُّه ما لم يكثر، فإن كثر فسد، قلت: إذا قتل برغوثًا في صلاته بطلت إذا كان قتله على شيء من جسده أو ثيابه. انتهى.\nوفيه: أنَّ المارَّ كالشَّيطان في إنَّه شغل قلبه عن مناجاة ربِّه.\nوفيه: إنَّه يجوز أن يقال للرجل إذا","vol":"1","page":18},{"text":"فتن في الدين: إنَّه شيطان، كما مرَّ عن ابن بطَّال.\nوفيه: أنَّ الحكم للمعاني لا للأسماء؛ لأنَّه يستحيل أن يصير المارُّ شيطانًا بمروره بين يديه، وقد علمت ما فيه مما مرَّ.\nوفيه: دفع الأمور إنَّما هو بالأسهل فالأسهل.\nوفيه: أنَّ في المنازعات لا بدَّ من الرَّفع إلى الحاكم، ولا ينتقم الخصم بنفسه.\nوفيه: أنَّ رواية العدل مقبولة وإن كان الرَّاوي له منتفعًا به.\nقلت: وفيه سؤال الحاكم من المدَّعى عليه برفق وإن كان الكلام الفاحش في المجاوزة لا يُؤاخذ به إذا لم يعلم المتكلِّم أنَّ الحقَّ غيره. انتهى.\n\n <span id=\"b-٣٠\"> </span>(١٠١) <span data-type=\"title\" id=toc-30>(بَابُ إِثمِ المَارِّ بَينَ يَدَي المُصَلِّي)</span> أي هذا بابٌ في بيان إثم المارِّ بين يدي المصلِّي، وأصل المارٍّ: مارِرٌ، فأسكنت الرَّاء الأولى وأُدغمت في الثَّانية، والإدغام في مثله واجب.\n٥١٠ - <span id=\"b-٣١\"> </span>قوله: (حَدَّثَنَا عَبدُ اللهِ بنُ يُوسُفَ) أي التَّنِّيسي.\nقوله: (أَخْبَرَنا مَالِكٌ) أي الإمام، ترجمتهما في بدء الوحي.\nقوله: (عَنْ أَبي النَّضْرِ مَوْلَى عُمَر بنِ عُبَيْدِ اللهِ) -أي بفتح النُّون وسكون الضَّاد المعجمة- اسمه: سالم، ترجمته في باب المسح على الخفَّين.\nقوله: (عَن بُسْرِ بنِ سَعِيْدٍ) أي -بضمِّ الباء الموحَّدة وسكون السين المهملة- الحضرمي المدني الزَّاهد، مات ولم يخلِّف كفنًا.\nقوله: (إِنَّ زَيْدَ بنَ خَالِدٍ) أي الجُهَني الصَّحابي، ترجمته في باب الغضب في الموعظة والتعليم إذا رأى ما يكره.\nقوله: (أَرْسَلَهُ إِلى أَبِي جُهَيْمٍ) أي عامر بن حُذَيفة العدوي القُرَشي، ترجمته في باب إذا صلَّى في ثوب لها أعلام ونظر إلى علمها. قوله: (يَسْأَلُهُ).\nوفي هذا الإسناد التَّحديث بصيغة الجمع في موضع واحد، والإخبار كذلك، وفيه العنعنة في موضعين، وفيه تابعي وصحابيان، وفيه أبو جُهَيم بالتصغير، مرَّ في باب التيمم في الحضر، وقال ابن عبد البرِّ: راوي حديث المرور هو غير راوي حديث التيمم، وقيل غير ذلك، وقد تقدَّم ذلك كلُّه.\nقوله: (مَاذَا سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ في المارِّ بَينَ يَدَي المُصَلِّي؟ فَقَالَ أَبُو جُهَيْمٍ: قَالَ رَسُولِ اللهِ ﷺ: لَوْ يَعْلَمُ المارُّ بَينَ يَدَي المُصَلِّي مَاذَا عَلَيهِ، لَكَانَ أَنْ يَقِفَ أَربَعِيْنَ خَيْرًا لَهُ مِنْ أَنْ يَمُرَّ بَينَ يَدَيْهِ. قالَ أَبو النَّضْرِ: لَا أَدْرِي أَقَالَ: أَربَعِيْنَ يَوْمًا أَو شَهْرًا أَوْ سَنَةً). مطابقته للترجمة ظاهرة.\nوهذا الحديث أخرجه بقيَّة الستَّة، وقال ابن ماجه: حدَّثنا هشام بن عمَّار حدَّثنا ابن عُيَيْنَة عن أبي النَّضْر عن بُسر قال: أرسلوني إلى زيد بن خالد أسأله عن المرور بين يدي المصلِّي فأخبرني عن النَّبِيِّ ﷺ قال: «لَأَنْ يقومَ أربعينَ خيرًا لَهُ مِنْ أنْ يمرَّ بينَ يديهِ»، قال سفيان: ولا أدري أربعين سنة أو شهرًا أو صباحًا أو ساعةً.\nوفي «مسند البزَّار»: أخبرنا أحمد بن عَبْدَة حدَّثنا سُفْيان به، وفيه: أرسلني أبو جُهَيم إلى زيد بن خالد فقال: «لأنْ يقومَ أربعينَ خريفًا خيرٌ لهُ مِنْ أنْ يقومَ بينَ يديهِ»، وقال أبو عُمَر في «التَّمهيد»: رواه ابن عُيَيْنَة مقلوبًا، والقول عندنا قول مالك ومَن تابعه. وقال","vol":"1","page":19},{"text":"ابن القطَّان في حديث البزَّار: خَطِئ فيه ابن عُيَيْنَة، وليس خطؤه بمتعين؛ لاحتمال أن يكون أبو جُهيم بعث بُسرًا إلى زيد، وزيد بعثه إلى أبي جُهَيم يستثبت كلُّ واحد ما عند الآخر، فأخبر كلٌّ منهما بمحفوظه، فشكَّ أحدُهما وجزم الآخر، واجتمع ذلك كلُّه عند أبي النَّضْر. انتهى.\nقال شيخنا: تعليل الأئمَّة للأحاديث مبني على غلبة الظنِّ، فإذا قالوا: أخطأ فلان في كذا، لم يتعيَّن خطؤه في نفس الأمر، بل هو راجح الاحتمال فيُعتمد، ولولا ذلك لما اشترطوا انتفاء الشاذِّ، وهو ما يخالف الثقةُ فيه من هو أرجحُ منه في حدِّ الصحيح. انتهى.\nقال العَيني: قول مالك في «الموطأ»: لم يُختلف عليه فيه أنَّ المرسل هو زيد، وأنَّ المرسل إليه هو أبو جُهيم. وتابعه سُفْيان الثَّوْري عن أبي النَّضْر عند مسلم وابن ماجَهْ وغيرهما، وخالفهما ابن عُيَيْنَة عن أبي النَّضْر فقال: عن بُسر بن سعيد قال: أرسلني أبو جُهَيم إلى زيد بن خالد أسأله، فذكر هذا الحديث. قلت: هذا عكس متن «الصحيحين»؛ لأنَّ المسؤول فيهما هو أبو الجُهَيم، وهو الرَّاوي عن النَّبِيِّ ﷺ، وعند البزَّار: المسؤول زيد بن خالد. انتهى.\nقوله: (مَاذَا عَلَيْهِ) أي من الإثم والخطيئة، وفي رواية الكُشْمِيهَني: &lt;مَاذَا عَلَيْهِ مِنَ الإِثْمِ&gt; وليس هذه الزيادة في شيء من الروايات غيره، وكذا في «الموطأ» ليست هذه الزيادة وكذا في سائر المسندات والمستخرجات، غير أنَّه وَقَعَ في «مصنَّف ابن أبي شَيْبَة»: «ماذا عليه» يعني: من الإثم. انتهى.\nقال شيخنا: فيحتمل أن يكون ذكرت حاشية فظنَّها الكُشْمِيْهَني أصلًا؛ لأنَّه لم يكن من أهل العلم ولا من الحفَّاظ، وقد عزاها المحبُّ الطَّبَري في «الأحكام» للبخاريِّ وأطلق، فعيب ذلك عليه وعلى صاحب «العمدة» في إيهامه إنَّها في «الصحيحين»، وأنكر ابن الصَّلاح في «مشكل الوسيط» على من أثبتها في الخبر فقال: لفظ الإثم ليس في الحديث صريحًا، ولما ذكره النَّوَوي في «شرح المهذب» بدونها قال: وفي رواية رُوِّيناها في «الأربعين» لعبد القادر الرَّهاوي: «ماذا عليه من الإثم». انتهى.\nقال العَيني: قوله: (مَاذَا عَلَيْهِ) كلمة (ما) استفهام، ومحلُّه الرَّفع على الابتداء، وكلمة (ذا) إشارة خبره، والأَولى أن تكون (ذا) موصولة بدليل افتقاره إلى شيء بعده؛ لأنَّ تقديره: ماذا عليه من الإثم، ثمَّ إن (مَاذَا عَلَيْهِ) في محلِّ النَّصب على أنَّه سدَّ مسدَّ المفعولين لقوله: (لَوْ يعْلَم) وقد عُلِّق عمله بالاستفهام.\nقوله: (بَيْنَ يَدَي المُصَلِّي) أي أمامه بالقرب منه، وعبر باليدين لكون أكثر الشغل يقع بينهما، وقد تقدَّم حدُّ ذلك، فقيل: إذا مرَّ بينَه وبين مقدار سجوده، وقيل: بينَه وبين مقدار ثلاثة أذرع، وقيل: بينَه وبين قدر رميةٍ بحجر.\nقوله: (لَكَانَ أَنْ يَقِفَ أَربَعِيْنَ) وقد ذكرنا: أنَّ في رواية ابن ماجه: «أربعين سنة أو شهرًا أو صباحًا أو ساعةً»، وفي رواية البزَّار: «أربعين خريفًا»، وفي «صحيح ابن حبَّان» عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «لو يعلمُ أحدُكم ما لهُ في أن يمرَّ بين يدي أخيه معترضًا","vol":"1","page":19},{"text":"في الصَّلاة، كان لَأَن يقيمَ مائةَ عامٍ خيرٌ لهُ مِنَ الخطوةِ الَّتي خطَا»، وفي «الأوسط» للطبرانيِّ عن عبد الله بن عَمْرو مرفوعًا: «إن الذي يمرُّ بين يدي المصلِّي عمدًا يتمنَّى يومَ القيامةِ إنَّه شجرةٌ يابسةٌ»، وفي «المصنَّف» عن عبد الحميد عاملِ عُمَر بن عبد العزيز ﵁ قال ﵇: «لوْ يعلمِ المارُّ بينَ يدي المصلِّي ما عليهِ، لَأَحبَّ أنْ تنكسرَ فخذَه ولا يمرَّ بينَ يديه»، وقال ابن مسعود: المارُّ بين يدي المصلِّي أبغض من الممرِّ عليه. وكان إذا مرَّ أحد بين يديه التزمه حتَّى يردَّه. وقال ابن بطَّال: قال عُمَر ﵁: لكان يقوم حولًا خير له من مروره. وقال كعب الأحبار: لكان أن يخسف به خير له من أنْ يمرَّ بين يديه.\nقال العَيني: قوله: (لكان) جواب لو، وكلمة (أن) مصدريَّة، والتقدير: لو يعلم المارُّ ما الذي عليه من الإثم من مروره بين يدي المصلِّي، لكان وقوفه أربعين خيرًا له من أن يمرَّ، أي من مروره بين يديه. وقال الكِرْماني: جواب لو ليس هو المذكور؛ إذ التقدير: لو يعلم ماذا عليه لوقف أربعين، ولو وقف أربعين لكان خيرًا له. قال العَيني: لا ضرورة إلى هذا التقدير، وهو تصرف فيه تعسُّف، وحقُّ التركيب ما ذكرناه. انتهى.\nقال شيخنا: قوله: (خَيْرًا لَهُ) في روايتنا بالنَّصب على أنَّه خبر كان، ولبعضهم: «خَيْرٌ» بالرفع، وهي رواية الترمذي، وأعربها ابن العربيِّ على إنَّها اسم كان، وأشار إلى أنَّ تسويغ الابتداء بالنكرة لكونها موصوفة، ويحتمل أن يقال: إنَّ اسمها ضمير الشأن، والجملة خبرها. انتهى.\nقوله: (قَالَ أَبُو النَّضْرِ) قال الكِرْماني: إما من كلام مالك فهو مسند، وإما تعليق من البخاري، قال شيخنا: هو كلام مالك، وليس من تعليق البخاري؛ لأنَّه ثابت في «الموطأ» من جميع الطرق، وكذا ثبت في رواية النَّوَوي وابن عُيَيْنَة كما ذكرنا.\nقوله: (أَقَالَ) الهمزة فيه للاستفهام، وفاعله بُسرٌ أو رسول الله ﷺ، كذا قاله الكِرْماني، وقال العَيني: الظَّاهر إنَّه بُسر بن أبي أميَّة.\nقوله: (لَا أَدْرِي أَقَالَ أَربَعِينَ يَومًا أَو شَهرًا أَو سَنَةً) لأنَّه ذكر العدد - أعني أربعين- ولا بدَّ له من مميِّز؛ لأنَّه لا يخلو عن هذه الأشياء، وقد أبهم ذلك ههنا، فإن قلت: ما الحكمة فيه؟ قال الكِرْماني: وأبهم الأمر؛ ليدلَّ على الفخامة، وإنَّه مما لا يُقادَر قَدْره ولا يدخل تحت العبارة. قال العَيني: الإبهام ههنا من الراوي، وفي نفس الأمر العدد معيَّن، ألا ترى كيف تعيَّن فيما رواه ابن ماجَهْ من حديث أبي هريرة: «لكانَ أنْ يقفَ مائةَ عامٍ» الحديث كما ذكرنا؟ وكذا عين في «مسند البزَّار» من طريق سُفْيان بن عُيَيْنَة: «لكان أن يقف أربعين خريفًا»، وقال الكِرْماني: فإن قلت: هل للتخصيص بالأربعين حكمة معلومة؟ قلت: أسرار أمثالها لا يعلمها إلَّا الشَّارع، ويحتمل أن يكون ذلك؛ لأنَّ الغالب في أطوار الإنسان أنَّ كمال كلِّ طور بأربعين كأطوار النطفة، فإنَّ كلَّ طور منها بأربعين، وكمال عدل الإنسان في أربعين سنة، ثمَّ الأربعة","vol":"1","page":20},{"text":"أصل جميع الأعداد؛ لأنَّ أجزاءه هي عشرة، ومن العشرات المئات، ومنها الألوف، فلما أُريد التكثير ضُوعف كلٌّ إلى عشرة أمثاله. انتهى.\nقال العَيني: غفل الكِرْماني عن رواية المائة حيث قصر في بيان الحكمة. قال بعضهم: في التنكيت على الكِرْماني: بأن هذه الرواية تشعر بأن إطلاق الأربعين للمبالغة في تعظيم الأمر، لا لخصوص عدد معين. قال العَيني: لا ينافي رواية المائة عن بيان وجه الحكمة في الأربعين، بل ينبغي أن يطلب وجه الحكمة في كلِّ منهما؛ لأنَّ لقائل أن يقول: لم أطلق الأربعين للمبالغة في تعظيم الأمر ولِمَ لَمْ يذكر الخمسين أو ستين أو نحو ذلك؟ والجواب الواضح الشافي في ذلك: أنَّ تعيين الأربعين للوجه الذي ذكره الكِرْماني، وأمَّا وجه ذكر المائة فما ذكره الطَّحاوي: إنَّه قيد بالمائة بعد التقييد بالأربعين لزيادة تعظيم الأمر على المار؛ لأنَّ المقام مقام زجر وتخويف وتشديد. فإن قلت: من أين علم أنَّ التقييد بالمائة بعد التقييد بالأربعين؟ قال العَيني: وقوعها معًا مستبعد؛ لأنَّ المائة أكثر من الأربعين، وكذا وقوع الأربعين بعد المائة؛ لعدم الفائدة، وكلام الشَّارع كلُّه حكمة وفائدة، والمناسبة أيضًا تقتضي تأخير المائة عن الأربعين. قال شيخنا: ومميز الأربعين إن كان هو السنة ثبت المدعى، أو ما دونها من باب إطلاق الأولى. انتهى.\nفإن قلت: قد علم فيما مضى وجه الحكمة في الأربعين، فما وجه الحكمة في تعيين المائة؟ قال العَيني: المائة وسط بالنسبة إلى العشرات والألوف، وخير الأمور أوساطها، وهذا مما تفرَّد به العَيني كما قاله.\nقال النَّوَوي: فيه دليل على تحريم المرور؛ فإنَّ معنى النَّهي الأكيد والوعيد الشديد يدلُّ على ذلك. انتهى. ومقتضى ذلك: أن يعدَّ المرور من الكبائر.\nوفيه أخذ القرين على قرينه ما فاته واستثباته فيما سمع معه. وفيه الاعتماد على خبر الواحد؛ لأنَّ زيدًا اقتصر على النزول مع القدرة على العلو اكتفاء برسوله المذكور. وفيه استعمال لو في باب الوعيد، ولا يدخل ذلك في النهي؛ لأنَّ محلَّ النهي: أن يشعر بما يعاند المقدور كما سيأتي حيث أورده المصنِّف إن شاء الله تعالى.\nتنبيهات:\nأحدها: استنبط ابن بطَّال من قوله: (لَوْ يَعْلَمُ) أنَّ الإثم يختصُّ بمن يعلم بالنَّهي وارتكبه، قال شيخنا: وأخذه من ذلك فيه بعدٌ، لكن هو معروف من أدلَّة أخرى. قال العَيني: ليس فيه بعد؛ لأنَّ لو للشرط، فلا يترتب الحكم المذكور إلَّا عند وجوده.\nثانيها: ظاهر الحديث أنَّ الوعيد المذكور يختصُّ بمن مرَّ، لا بمن وقف عامدًا بين يدي المصلِّي أو قعد أو رقد، إن كانت العلَّة فيه التشويش على المصلِّي فهم في معنى المارَّ.\nثالثها: ظاهر عموم النَّهي في كلِّ مصلِّي، وخصَّه بعض المالكيَّة بالإمام والمنفرد؛ لأنَّ المأموم لا يضرُّه من مرَّ بين يديه؛ لأنَّ سترة إمامه له سترة له، أو إمامه سترة له. انتهى. قال شيخنا: والتعليل المذكور لا يطابق المدَّعى؛ لأنَّ السترة تفيد رفع الحرج عن المصلِّي لا عن","vol":"1","page":20},{"text":"المارِّ، فاستوى الإمام والمأموم والمنفرد.\nرابعها: ذكر ابن دقيق العيد: أنَّ بعض الفقهاء -أي المالكيَّة- قسم أحوال المارِّ والمصلِّي في الإثم وعدمه إلى أربعة أقسام: يأثم المارُّ دون المصلِّي، وعكسه يأثمان جميعًا، وعكسه، فالصورة الأولى: أن يصلِّي إلى سترة في غير مشرع وللمارِّ منه وجهٌ، فيأثم دون المصلِّي. الثانية: أن يصلِّي في مشرع مسلوك بغير سترة، أو متباعدًا عن السترة ولا يجد المارُّ منه وجه، فيأثم المصلِّي دون المارِّ. الثالثة مثل الثانية، لكن يجد المارُّ منه وجه، فيأثمان جميعًا، الرابعة مثل الأولى، لكن لا يجد المارُّ منه وجه، فلا يأثمان جميعًا. انتهى.\nوظاهر الحديث يدلُّ على منع المرور مطلقًا ولو لم يجد مسلكًا، بل يقف حتَّى يفرغ المصلِّي من صلاته، قال شيخنا: ويؤيَّده قصَّة أبي سعيد السابقة؛ فإن فيها: (فنظر الشَّابُّ فلم يجد مساغًا) وقد تقدَّمت الإشارة إلى قول إمام الحرمين: أنَّ الدفع لا يُشرع للمصلِّي في هذه الصُّورة، وتبعه الغزالي، ونازعه الرافعي، وتعقَّبه ابن الرِّفعة بما حاصله: أنَّ الشاب إنَّما استوجب من أبي سعيد الدفع لكونه قصر في التأخُّر عن الحضور إلى الصَّلاة حتَّى وَقَعَ الزحام. انتهى. وما قاله محتمل، لكن لا يدفع الاستدلال؛ لأنَّ أبا سعيد لم يعتذر بذلك؛ لأنَّه متوقف على أنَّ ذلك وَقَعَ قبل صلاة الجمعة أو فيها، مع احتمال أن ذلك وَقَعَ بعدها، فلا يتجه ما قاله من التقصير بعدم التبكير، بل كثرة الزحام حينئذ أوجه، والله أعلم.\nخامسها: وَقَعَ في رواية أبي العبَّاس السرَّاج من طريق الضَّحَّاك بن عُثْمان عن أبي النَّضْر: «لو يعلم المارُّ بين يدي المصلِّي والمصلَّى»، فحمله بعضهم على ما إذا قصَّر المصلِّي في دفع المارِّ، أو بأن صلَّى في الشارع، ويحتمل أن يكون قوله: (والمُصَلَّى) -بفتح اللَّام- أي بين يدي المصلِّي من داخل سترته، وهذا أظهر، والله أعلم. انتهى.\nقال العَيني: وفيه طلب العلم والإرسال لأجله، وفيه جواز الاستنابة. انتهى.\nقلت: وفيه وعظ الإمام الرعيَّة، وفيه أنَّ النَّبِيَّ يختصُّ بالاطلاع على أمور تخفى على غيره، وفيه الترهيب من ارتكاب الإثم، وفيه الاهتمام بشأن الصَّلاة، وفيه الإشارة إلى ترك التشويش على المصلِّي بما يشغله عن صلاته. انتهى.\n\n <span id=\"b-٣٢\"> </span>(١٠٢) (بَابُ استِقبَالِ الرَّجُل ِالرَّجُلَ وَهُوَ يُصَلِّي) أي هذا بابٌ في بيان حكم استقبال الرجلِ الرجلَ والحال إنَّه يصلِّي، يعني: هل تكره أم لا؟\nوالرجل الأوَّل مضافٌ إليه الاستقبالُ، والرجل الثَّاني منصوب؛ لأنَّه مفعول، وقال الكِرْماني: في بعض النسخ: «بابُ: استقبالِ الرجلِ صاحبَهُ أوْ غيرَهُ»، وفي بعضها: «استقبالُ الرجلِ وهو يصلِّي»، وفي بعضها لفظ الرجل مكرر، ولفظ (هو) يحتمل عوده إلى الرجل الثاني، فيكون الرجلان متواجهين، وإلى الأوَّل فلا يلزم التواجه. وقال شيخنا: في نسخة الصَّغاني: &lt;استقبالُ الرجلِ صاحبَهُ أو غيرَهُ في صلاتِهِ&gt;.\nقوله: (وَكَرِهَ عُثْمَانُ) أي ابن عفَّان، أحد الخلفاء الأربعة الراشدين، ترجمته في باب الوضوء ثلاثًا ثلاثًا.\nقوله: (أَنْ يُسْتَقبَلَ الرَّجُلُ وَهُوَ يُصَلِّي) مطابقته للترجمة","vol":"1","page":21},{"text":"ظاهرة، وقوله: (يُسْتَقبَلُ) بضمِّ الياء على صيغة المجهول، والرجلُ مرفوع لنيابته عن الفاعل، ويجوز فتح الياء على صيغة المعلوم، ولا مانع من ذلك، والكِرماني اقتصر على الوجه الأول.\nقوله: (وَهُوَ يُصَلِّي) جملة اسميَّة وقعت حالًا عن الرجل، قال شيخنا: ولم أر هذا الأثر عن عُثْمان إلى الآن، وإنما رأيته في «مصنَّفَي عبد الرزَّاق وابن أبي شَيْبَة» وغيرهما من طريق هلال بن يَساف عن عُمَر ﵁: إنَّه زجر عن ذلك، وفيهما أيضًا عن عُثْمان ما يدلُّ على عدم كراهية ذلك، فليتأمَّل؛ لاحتمال أن يكون فيما وَقَعَ في الأصل تصحيف من عُمَر إلى عثمان، قال العَيني: لا يلزم من عدم رؤيته هذا الأثر عن عُثْمان ألَّا يكون منقولًا عنه، فليس بسديد زَعَمَ الاحتمال الناشئ من غير دليل. فإن قلت: رواية عبد الرزَّاق وابن أبي شَيْبَة عن عُثْمان بخلاف ما ذكره البخاري عنه دليل الاحتمال، قال العَيني: لا يُسلَّم ذلك؛ لاحتمال أن يكون المنقول عنه آخرًا بخلاف ما نقل عنه أوَّلًا؛ لقيام الدَّليل عنده بذلك. انتهى.\nقال شيخنا: هكذا يكون التحامل؛ فإنِّي لم أنفِ وقوع نقل ذلك عن عثمان، واحتمال التصحيف لا ينكر. انتهى.\nقوله: (وَهَذَا إِذا اشتَغَلَ بِهِ) فأمَّا إذا لم يشتغل به فقد قال زيد بن ثابت ﵁: ما باليت أنَّ الرجل لا يقطع صلاة الرَّجل.\n (زَيْدُ بنُ ثَابِتٍ) أي الأنصاري النَّجَّاري الفرضي الخزرجي أبو سعيد، ويقال: أبو خارجة، واسم جدِّه الضَّحَّاك، سمع زيد النَّبِيَّ ﷺ، روى عنه ابن عُمَر وأنس بن مالك وعبد الله بن يزيد الخطمي ومروان بن الحكم وبشر بن سعيد وعطاء بن يَسار وابنه خارجة بن زيد في الصَّلاة وغيرِ موضع، قال البخاري: قال علي بن المديني: مات سنة أربع أو خمس وخمسين. وقال خليفة وأبو عيسى: مات سنة خمس وأربعين. وقال الذُّهْلي: وقال أحمد بن حنبل: بلغني مات زيد بن ثابت سنة إحدى أو اثنين وخمسين، وصلَّى عليه مروان. وقدم النَّبِيُّ ﷺ وهو ابن إحدى عشرة سنة.\nقال صاحب «التَّوضيح» - أي ابن المُلَقِّن ـ: قوله: (هَذَا إِذَا اشْتَغَلَ بِهِ...) إلى آخره، من كلام البخاري، يشير به إلى أنَّ مذهبه ههنا بالتفصيل، وهو أنَّ استقبال الرجل الرجل في الصَّلاة إنَّما يكره إذا اشتغل المستقبل المصلِّي؛ لأنَّ علَّة الكراهة هي كفُّ المصلِّي عن الخشوع وحضور القلب، وأمَّا إذا لم يشغله فلا بأس به، والدليل عليه قول زيد بن ثابت: (مَا بَالَيْتُ) أي بالاستقبال المذكور، ويقال: لا أباليه أي لا أكترث له.\nقوله: (إِنَّ الرَّجُلَ) بكسر إنَّ؛ لأنَّه استئناف ذكر لتعليل عدم المبالاة، وروى أبو نُعَيم في «كتاب الصَّلاة» حدَّثنا مسْعَر قال: أُراني أوَّل من سمعه من القاسم قال: ضرب عُمَر ﵁ رجلين أحدهما مستقبلٌ والآخر يصلِّي، وحدَّثنا سُفْيان حدَّثنا رجل عن سعيد بن جُبَير: أنَّه كره أن يصلِّي وبين يديه مخنَّث محدث، وحدَّثنا سُفْيان","vol":"1","page":21},{"text":"عن أشعث بن أبي الشَّعثاء عن ابن جُبَير قال: إذا كانوا يذكرون الله تعالى فلا بأس، وقال ابن بطَّال: أجاز الكوفيُّون والثَّوْري والأوزاعي الصَّلاة خلف المتحدِّثين، وكرهه ابن مسعود، وكان ابن عُمَر لا يستقبل من يتكلَّم إلَّا بعد الجمعة، وعن مالك: لا بأس أن يصلِّي إلى ظهر الرَّجل، وأما إلى جنبه فلا. ورويَ عنه التخفيف في ذلك قال: لا تصلُّوا إلى المتحلِّقين لأنَّ بعضهم يستقبله، قال: وأرجو أن يكون واسعًا. وذهبت طائفة من العلماء إلى أنَّ الرَّجل يستر إلى الرَّجل إذا صلَّى، وقال الحسن وقتادة: يستره إذا كان جالسًا. وعن الحسن: يستره. ولم يشترط الجلوس ولا تولية الظهر، وأكثر العلماء على كراهة استقباله بوجهه، وقال نافع: كان ابن عُمَر إذا لم يجد سبيلًا إلى سارية المسجد قال لي: ولِّ ظهرك. وهو قول مالك، وقال ابن سيرين: لا يكون الرَّجل سترةً للمصلِّي.\n\n٥١١ - <span id=\"b-٣٣\"> </span>قوله: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيْلُ بنُ خَلِيْلٍ) أي أبو عبد الله الخزَّاز الكوفي، تقدَّم في باب مباشرة الحائض.\nقوله: (قَالَ: أَنْبَأَنَا عَلِيُّ بنُ مُسْهِرٍ) تقدَّم في الباب أيضًا.\nقوله: (عَنِ الأَعْمَشِ) أي سُلَيمان الكوفي، ترجمته في باب ظلم دون ظلم.\nقوله: (عَنْ مُسْلِمٍ) أي البَطين ظاهرًا، قاله الكِرْماني، وقال العَيني: الظاهر: إنَّه مسلم بن صُبَيح أبو الضُّحى. انتهى. وقال شيخنا: وأمَّا ظنُّ الكِرْماني أنَّ مسلمًا هو البَطين فلم يُصِبْ في ظنِّه ذلك. قلت: الأوَّل مسلم بن أبي عِمْران أبو عبد الله البَطين الكوفي، حدَّث عن سعيد بن جُبَير ومَسْروق، وعنه الأَعْمَش، قاله أحمد بن محمَّد الكلاباذي، وقال محمَّد بن طاهر المَقْدِسي: ويقال: مسلم بن عِمْران، ويقال: ابن أبي عبد الله البَطين، يُكنى أبا عبد الله، سمع سعيد بن جُبَير عند البخاري ومسلم، أو مسروقًا عند البخاري وعطاءَ بن أبي رباح ومجاهدًا عند مسلم، روى عنه الأَعْمَش عندهما، ومخول بن أسد وإسماعيل بن مسلم وسلَّمة بن كُهَيل عند مسلم. انتهى. وقال الذَّهَبي: مسلم بن عِمْران البَطين عن أبي وائل وعلي بن الحسين وأبي عبد الرحمن السُّلَمي، وعنه الأَعْمَش وابن عَوْن. انتهى. والثاني ترجمته في باب الصَّلاة في الجبة الشامية.\nقوله: (عَنْ مَسْرُوْقٍ) أي ابن الأجدع الكوفي، ترجمته في باب علامات المنافق.\nقوله: (عَنْ عَائِشَةَ) أي أمُّ المؤمنين ﵂، ترجمتها في بدء الوحي.\nفي هذا الإسناد: التَّحديث بصيغة الجمع في موضع، وكذلك الإخبار، وفيه العنعنة في ثلاث مواضع،\nقوله: (ذُكِرَ عِندَهَا مَا يَقطَعُ الصَّلاة، فَقَالُوا: يَقطَعُهَا الكَلبُ وَالحِمَارُ وَالمَرأَةُ، فَقَالَت: لَقَد جَعَلتُمُونَا كِلَابًا، لَقَد رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يُصَلِّي، وَإِني لَبَينَهُ وَبَينَ القِبْلَةِ، وَأَنَا مُضطَجِعَةٌ عَلَى السَّرِيرِ، فَتَكُونُ لِي الحَاجَةُ، فَأَكرَهُ أَنْ أَستَقبِلَهُ، فَأَنسَلَّ انسِلَالًا) وجه مطابقة هذا الحديث للترجمة على وجوه:\nالأوَّل: ما قاله الكِرْماني: حكم الرجال والنِّساء واحد في الأحكام الشرعيَّة إلَّا ما خصَّصه الدَّليل. قال العَيني: بيان ذلك أنَّ عائشة ﵂ كانت مضطجعة على السَّرير، وكانت بين النَّبِيِّ صلَّى الله عليه","vol":"1","page":22},{"text":"وسلَّم وبين القبلة، فيكون استقبال الرجل المرأة في الصَّلاة، ولم تكن تشغل النَّبِيَّ ﷺ، فدلَّ على عدم الكراهة، ولا يقال: الترجمة استقبال الرجل الرجل، وفيما ذكر استقبال الرجل المرأة؛ لأنَّا نقول: حكم الرجال والنِّساء واحد إلى آخر ما ذكرنا، وقد ذكرنا: أنَّ الترجمة رويت على ثلاثة أوجه، وهذا الذي ذكرنا في الوجه الواحد، وهو باب استقبال الرجل الرجل وهو يصلِّي، وأما في الوجهين الآخرين فالتطابق ظاهر، فلا يحتاج إلى التكلُّف، قال شيخنا: واتسع الكِرْماني بأنَّ حكم الرجل والمرأة واحد للأحكام الشرعيَّة، ولا يخفى ما فيه. انتهى.\nالوجه الثاني: ذكره ابن المنير فقال: لأنَّه يدلُّ على المقصود بطريق الأولى وإن لم يكن تصريح بأنهَّا كانت مستقبلة، فلعلَّها كانت منحرفة أو مستدبرة.\nالوجه الثالث: ذكره ابن رُشَيْد فقال: فصَّل البخاريُّ أنَّ شغل المصلِّي بالمرأة إذا كانت في قبلته على أي حالة كانت أشدُّ من شغله بالرجل، ومع ذلك فلم يضرَّ صلاته ﵊؛ لأنَّه غير مشتغل بها، كذلك لا تضرُّ صلاة من لم يشتغل بها، وبالرجل من باب أولى، والكلام على الحديث قد مرَّ في باب الصَّلاة إلى السَّرير؛ لأنَّه أخرجه هناك من وجه آخر.\nقوله: (كِلَابًا) أي كالكلاب في حكم قطع الصلاة.\nقوله: (رَأَيْتُ) أي أبصرت.\nقوله: (وَإِنِّي لَبَيْنَهُ) أي بين النَّبِيِّ ﷺ، وهذه الجملة في محلِّ النَّصب على الحال، وكذلك: (وَأَنَا مُضْطَجِعَةٌ).\nقوله: (وَأَكْرَهُ) كذا هو بالواو في رواية الأكثرين، وفي رواية الكُشْمِهيني: &lt;فَأَكْرَهُ&gt; بالفاء.\nقوله: (فَأَنْسَلُّ) أي أخرج بالخِفية.\nقوله: (وَعَنِ الأَعْمَشِ) أي سُلَيمان المذكور في السَّند السَّابق.\nقوله: (عَنْ إِبْرَاهِيْمَ) أي النَّخَعي، ترجمته في باب ظلم دون ظلم.\nقوله: (عَنِ الأَسْوَدِ) أي ابن يزيد النَّخَعي، ترجمته في باب من ترك بعض الاختيار في كتاب العلم.\nقوله: (عَنْ عَائِشَةَ) أي أمُّ المؤمنين ﵂، ترجمتها في بدء الوحي.\nقوله: (نَحْوَهُ) قلت: النَّحو في اللُّغة: القَصْدُ والقِسْمُ والجِهَةُ والقَدْرُ والمِثْلُ، وهو المراد هنا. انتهى.\nقال الكِرْماني: قوله: (وَعَنِ الأَعْمَشِ) يحتمل التعليقَ وكونَه من كلام ابن مُسْهِر أيضًا، قال العَيني: خرَّجه بعد البابين في باب: مَن قال: لا يقطع الصَّلاة شيء، والحاصل: أنَّ هذا معطوف على الإسناد الذي قبله، ونبَّه به على أنَّ عليَّ بن مُسْهِر قد روى هذا الحديث عن الأَعْمَش بإسنادين إلى عائشة، أحدهما: عن مسلم عن مَسْروق عن عائشة باللَّفظ المذكور، والآخر: عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة بالمعنى، وأشار إليه بقوله: (نَحْوَه) وهو بالنَّصب، فإن قلت: كيف يقول: (نَحْوَه) ولفظ النحو يقتضي المماثلة بينهما من كلِّ الوجوه، وههنا ليس كذلك؟ قال العَيني: لا نسلِّم إنَّه كذلك، بل يقتضي المشاركة في أصل المعنى المقصود فقط. انتهى.\n\n <span id=\"b-٣٤\"> </span>(١٠٣) <span data-type=\"title\" id=toc-34>(بَابُ الصَّلاة خَلْفَ النَّائِمِ)</span> أي هذا باب في بيان حكم الصَّلاة خلف النَّائم، يعني: تجوز ولا تكره، على ما سنبيِّنه إن شاء الله تعالى.\n٥١٢ - <span id=\"b-٣٥\"> </span>قوله: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) أي ابن مُسَرْهَد،","vol":"1","page":22},{"text":"ترجمته في باب من الإيمان أن يحبَّ لأخيه ما يحبُّ لنفسه.\nقوله: (قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى) أي القطَّان، ترجمته في الباب أيضًا.\nقوله: (قَالَ حَدَّثَنَا هِشَامٌ) أي ابن عروة. قوله: (قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي) أَي عُرْوَة بن الزبير. قوله: (عَنْ عائِشَةَ) أي زوج النَّبِيِّ ﷺ، ترجمة هؤلاء الثلاثة في بدء الوحي.\nفي هذا الإسناد: التَّحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع، وبصيغة الإفراد في موضع، وفيه العنعنة في موضع.\nقوله: (قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي وَأَنَا رَاقِدَةٌ مُعتَرِضَةٌ عَلَى فِراشِهِ، فِإِذا أَرادَ أَنْ يُوتِرَ أَيقَظَني فَأَوتَرْتُ) مطابقته للترجمة ظاهرة، فإن قلت: كيف الظُّهور والترجمة خلف النَّائم، والحديث خلف النَّائمة؟ قال العَيني: قد ذكرنا أنَّ الرِّجال والنِّساء واحد في الأحكام الشَّرعيَّة إلَّا ما خصَّه الدليل، أو إنَّه إذا جاز خلف النائمة فخلف النَّائم بالطريق الأولى، أو أراد بالنَّائم الشَّخص النَّائم ذكرًا كان أو أنثى. انتهى.\nقلت: قال شيخنا: توسَّع الكِرْماني في قوله: الرِّجال والنِّساء واحد في الأحكام الشَّرعيَّة، ولا يخفى ما فيه. انتهى.\nقوله: (كَانَ النَّبِيُّ يُصَلِّي) مثلَ هذا التركيب يفيد التكرار.\nقوله: (وَأَنا رَاقِدَةٌ) جملة حالية، وقوله: (مُعْتَرِضَةٌ) صفة بعد صفة.\nقوله: (أَنْ يُوْتِرَ) أي إذا أراد أن يصلِّي الوتر.\nقوله: (أَيْقَظَنِي) من الإيقاظ.\nقال ابن بطَّال: الصَّلاة خلف النَّائم جائزة، إلَّا أنَّ طائفة كرهتها خوفَ ما يحدث من النَّائم، فيشتغل المصلِّي به أو يضحكه فتفسد صلاته، وقال مالك: لا يصلَّى إلى النَّائم إلَّا أن يكون دونه سترة. وهو قول طاوس، وقال مجاهد: أصلِّي وراء قاعد أحبُّ إليَّ من أن أصلِّي وراء نائم.\nفإن قلت: روى أبو داود عن ابن عبَّاس أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: «لا تصلُّوا خلف النَّائم ولا المتحدِّث»، وأخرجه ابن ماجَهْ أيضًا، وروى البزَّار عنه أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: «نُهيتُ أنْ أصلِّيَ إلى النيَّام والمتحدِّثين»، وروى ابن عَدِي عن ابن عُمَر نحوَه، وروى الطَّبَرَاني في «الأوسط» عن أبي هريرة نحوه.\nقال العَيني: قال أبو داود: طرق حديث ابن عبَّاس كلُّها واهية، وقال الخطَّابيُّ: هذا الحديث - يعني حديث ابن عبَّاس - لا يصحُّ عن النَّبِيِّ ﷺ لضعف سنده. قال العَيني: وفي سند أبي داود رجل مجهول، وفيه عبد الله بن يعقوب لم يُسَمَّ من حَدَّثَه، قلت: وفي سند ابن ماجَهْ أبو المقدام هشام بن زياد البصري لا يحتجُّ بحديثه، وحديث ابن عُمَر وأبي هريرة ﵄ واهيان أيضًا، وروى البزَّار أيضًا: حدَّثنا أحمد بن يحيى الكوفي حدَّثنا إسماعيل بن صبيح حدَّثنا إسرائيل عن عبد الأعلى الثعلبي عن محمَّد بن الحنفيَّة عن علي ﵁: «أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ رأى رجلًا يصلِّي إلى رجلٍ، فأمرَه أنْ يعيدَ الصَّلاة، قالَ: يا رسولَ اللهِ، إنِّي صلِّيتُ وأنتَ تنظرُ إليَّ»، قال: هذا حديث لا نحفظه إلَّا بهذا الإسناد، وكأنَّ هذا المصلِّي كان مستقبل الرجل بوجهه فلم يتنح عن حياله. وقال أبو بكر بن أبي شَيْبَة: حدَّثنا إسماعيل بن عليَّة عن ليث عن مجاهد يرفعه قال: «لا يأتمُّ بنائم ولا متحدِّث»،","vol":"1","page":23},{"text":"وحدَّثنا وكيع حدَّثنا سُفْيان عن عبد الكريم أبي أميَّة عن مجاهد: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ نهى أنْ يُصلَّى خلفَ النوَّامِ والمتحدِّثين»، وعبد الكريم متروك الحديث.\nقال شيخنا: أورد البخاري في هذا الباب حديث عائشة أيضًا من وجهٍ آخر بلفظ آخر للإشارة إلى إنَّه قد يُفَرِّق مُفَرِّقٌ بين كونها نائمة أو يقظى، وكأنَّه أشار أيضًا إلى تضعيف الحديث الوارد في النَّهي عن الصَّلاة خلف النَّائم ذكره مجاهد وطاوس ومالك الصَّلاة إلى النَّائم خشية ما يبدو منه مما يُلهي المصلِّي عن صلاته، وظاهر تصرُّف المصنِّف عدم الكراهة حيث يحصل الأمن من ذلك. انتهى.\n\n <span id=\"b-٣٦\"> </span>(١٠٤) <span data-type=\"title\" id=toc-36>(بَابُ التَّطَوُّعِ خَلْفَ المَرْأَةِ)</span> أي هذا باب في بيان حكم الصَّلاة التطوُّع خلف المرأة يعني يجوز.\n٥١٣ - <span id=\"b-٣٧\"> </span>قوله: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بنُ يُوسُفَ) أي التِّنِّيسي.\nقوله: (قَالَ: أَنْبَأَنَا مَالِكٌ) أي الإمام.\nقوله: (عَنْ أَبي النَّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ) أي بغير واو، (ابنِ عُبَيْدِ اللهِ) أي أبو النَّضْر سالم بن أبي أميَّة.\nقوله: (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بنِ عَبدِ الرَّحمنِ) أي ابن عَوْف.\nقوله: (عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ إنَّها قَالَتْ: كُنْتُ أَنَامُ بَيْنَ يَدَي رَسُولِ اللهِ ﷺ وَرِجْلَايَ في قِبلَتِهِ، فَإِذا سَجَدَ غَمَزَني فَقَبَضْتُ رِجْلَيَّ، فَإِذا قامَ بَسطْتُهُما، قالَتْ وَالبُيوتُ يَومَئِذٍ لَيسَ فِيها مَصَابِيحُ).\nهذا الحديث بعينه بهذا الإسناد مرَّ في باب الصَّلاة على الفراش، غير أنَّ هناك أخرجه عن إسماعيل عن مالك، وههنا عن عبد الله بن يوسف عن مالك، قال العَيني: وقد نبهنا على ما يتعلَّق به مستوفى مستقصى، ومطابقته للترجمة ظاهرة. انتهى.\nقال شيخنا: أورد فيه حديث عائشة أيضًا، ودلالة الحديث على التَّطوُّع من جهة أنَّ صلاته هذه في بيته باللَّيل، وكانت صلاته الفرائض بالجماعة في المسجد. وقال الكِرْماني: لفظ الترجمة يقتضي أن يكون ظهر المرأة إليه، ولفظ الحديث لا تخصيص فيه بالظَّهر، ثمَّ أجاب: بأنَّ السنَّة للنائم أن يتوجَّه إلى القبلة، والغالب من حال عائشة ذلك. انتهى. قال شيخنا: ولا يخفى تكلُّفه، وسنَّة ذلك للنائم في ابتداء النَّوم لا في دوامه؛ لأنَّه يتقلَّب وقد لا يشعر، والذي يظهر أنَّ معنى خلف المرأة: وراءها، فتكون هي نفسها أمام المصلِّي، لا خصوص ظهرها، ولو أراده لقال: خلف ظهر المرأة، والأصل عدم التقدير، وفي قولها: (البُيُوْتُ يَوْمَئِذٍ لَيْسَ فِيْهَا مَصَابِيْحُ) إشارة إلى عدم الاستقبال بها، ولا يعكر على ذلك كونه فغمزها عند السُّجود، ثمَّ يسجد مكان رجليها كما وَقَعَ صريحًا في رواية لأبي داود؛ لأنَّ الشُّغل بها مأمون في حقِّه ﷺ، فمن أمن ذلك لم يكره في حقِّه.\nتنبيه: الظَّاهر أنَّ هذه الحالة غير الحالة الَّتي تقدَّمت في صلاته ﷺ إلى جهة السَّرير الَّتي كانت عليه؛ لأنَّه في تلك الحالة غير محتاج لأن يسجد مكان رجليها، ويمكن أن يوحِّد بين الحالتين بأن يقال: كانت صلاته فوق السَّرير لا أسفل منه، كما احتجَّ به الإسماعيلي","vol":"1","page":23},{"text":"فيما سبق، لكن حمله على حالتين أولى، والله أعلم. انتهى.\n\n <span id=\"b-٣٨\"> </span>(١٠٥) <span data-type=\"title\" id=toc-38>(بَابُ مَنْ قَالَ لَا يَقْطَعُ الصَّلاة شَيْءٌ)</span> أي هذا باب في بيان قول من قال: (لَا يَقْطَعُ الصَّلاة شَيْءٌ)، ومعناه: مِن فعل غير المصلِّي.\n٥١٤ - <span id=\"b-٣٩\"> </span>قوله: (حَدَّثَنا عُمَر بنُ حَفْص بنِ غِيَاثٍ). قوله: (قَالَ حَدَّثَنَا أَبِي) أَي حفص، ترجمتها في باب المضمضة والاستنشاق من الجنابة.\nقوله: (قَالَ حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) أي سُلَيمان بن مِهْران.\nقوله: (قَالَ حَدَّثَنَا إِبراهِيْمُ) أي النَّخَعي ترجمتهما في باب ظلم دون ظلم.\nقوله: (عَنِ الأَسوَدِ) أي ابن يزيد النَّخَعي، ترجمته في باب من ترك بعض الاختيار في كتاب العلم.\nقوله: (عَنْ عَائِشَةَ) أي الصِّدِّيقة.\nقوله: (وَقالَ الأَعْمَشُ) أي سُلَيمان المتقدِّم في السند.\nقوله: (حَدَّثَني مُسْلِمٌ) أي أبو الضُّحَى، ذكر في باب الصَّلاة في الجبَّة الشاميَّة.\nقوله: (عَنْ مَسْرُوْقٍ) أي ابن الأجدع الكوفي، في باب علامات المنافق، وزيد في ترجمته في باب التيمُّن في الوضوء والغسل.\nقوله: (عَنْ عَائِشَةَ) أي أمُّ المؤمنين ﵂، ترجمتها في بدء الوحي.\nفي هذا الإسناد: التَّحديث بصيغة الجمع في أربع مواضع، وبصيغة الإفراد في موضع واحد، وفيه العنعنة في أربع مواضع، وفيه إسنادان أحدهما عن عُمَر بن حَفْص عن أبيه حَفْص بن غياث عن الأَعْمَش عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة، والآخر عن الأَعْمَش عن مسلم عن مَسْروق عن عائشة، وأشار إليه بقوله: (وَقَالَ الأَعْمَشُ: حَدَّثَنِي مُسْلِمُ) قال الكِرْماني: هذا إما تعليق، وإما داخل تحت الإسناد الأول، وهذا تحويل، سواء كان بكلمة (ح) كما في بعض النُّسخ، أو لم يكن. قال شيخنا: قوله: (قَاَل الأَعْمَشُ) هو مقول حَفْص بن غياث وليس بتعليق، وهو نحو ما تقدَّم من رواية علي بن مُسْهِر. قال العَيني: أراد به الردَّ على الكِرْماني، وليس له وجه؛ لأنَّه ذكر التعليق بالنَّظر إلى ظاهر الصُّورة، وذكر أيضًا: إنَّه داخل تحت الإسناد الأوَّل. انتهى. قلت: لم ينفِ شيخُنا أنَّ ظاهر الصُّورة لا يحتمل التعليق، بل نفى ما يحتمله ظاهر الصُّورة حتَّى لا يتردَّد النَّاظر في ذلك. انتهى.\nقوله: (ذُكِرَ عِندَهَا مَا يَقطَعُ الصَّلاة الكَلبُ وَالحِمَارُ وَالمرأَةُ، فَقَالَتْ: شَبَّهْتُمُونَا بِالحُمُرِ وَالكِلَابِ؟! وَاللهِ لَقَدْ رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يُصَلِّي وَأَنَا عَلَى السَّرير بَيْنَهُ وَبَيْنَ القِبْلَةِ مُضطَجِعَةً، فَتَبدُو [لي الحاجة] (^١) فَأَكْرَهُ أَنْ أَجْلِسَ فَأُوْذِي النَّبِيَّ ﷺ، فَأَنْسَلُّ مِنْ عِنْدِ رِجْلَيْهِ).\nمطابقة هذا الحديث للترجمة من حيث إنَّه يدلُّ على الصَّلاة لا يقطعها شيء، بيان ذلك: أنَّ عائشة ﵂ أنكرت على من ذكر عندها أنَّ الصَّلاة يقطعها الكلب والحمار والمرأة، بكونها كانت على السَّرير بين النَّبِيِّ ﷺ وبين القبلة وهي مضطجعة، ولم يجعل ﵇ ذلك قطعًا لصلاته، فهذه الحالة أقوى من المرور، فإذا لم تقطع ففي المرور بالطريق الأولى، ثمَّ المرور عام من أي حيوان كان؛ لأنَّ الشَّارع جعل كلَّ مارٍّ بين يدي المصلِّي شيطانًا، وذلك في حديث\n_________\n(^١) [لي الحاجة]: ليست في الأصل، وقد أثبتت موافقة لأصل الحديث.","vol":"1","page":24},{"text":"أبي سعيد الخُدْري أخرجه مسلم عن يحيى بن يحيى عن مالك، وأبو داود عن القَعنَبي عن مالك عن زيد بن أسلم عن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخُدْري عن أبي سعيد الخُدْري أنَّ رسول الله ﷺ قال: «إذا كانَ أحدُكم يُصلِّي فلا يَدْعنَّ أحدًا يَمرُّ بين يديه، وليدرأه ما استطاع، فإنْ أبى فليقاتلْه فإنَّما هو شيطان» وهو بعمومه يتناول بني آدم وغيرَهم، فجعل نفس المرور قاطعًا، وإنما ذمَّ المارَّ حيث جعله شيطانًا من باب التشبيه.\nقال العَيني: وحديث الباب قد تكرر ذكره مطوَّلًا ومختصرًا بوجوه شتَّى وطرق مختلفة، ذُكر في باب الصَّلاة إلى السَّرير، وفي باب استقبال الرجل الرجل في الصَّلاة، وفي باب الصَّلاة خلف النَّائم، وفي باب التطوُّع خلف المرأة، وفي هذا الباب في موضعين. انتهى.\nقوله: (ذُكِرَ عِنْدَهَا) أي ذُكر عند عائشة.\nقوله: (مَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ) كلمة (ما) موصولة، ويجوز فيه وجهان، الأول: أن يكون مبتدأ وخبره قولُه: (الكلْبُ) والجملة في محلَّ النصب؛ لأنَّه مفعول ما لم يسمِّ فاعله، ويكون قوله: (الكُلْبُ) بدلًا منه.\nقوله: (وَأَنَا عَلَى السَّرير بَيْنَهُ وَبَيْنَ القِبْلَةِ مُضْطَجِعَةٌ) ثلاثة أخبار مترادفة. قاله الكِرْماني، وقال أيضًا: أو خبران وحال، أو حالان وخبر، وفي بعضها «مُضْطَجِعَةً» بالنَّصب، فالأوَّلان خبران، أو أحدهما حال والآخر خبر. قال العَيني: التحقيق فيه أن قوله: (وَأَنَا عَلَى السَّرِيْرِ) جملة اسميَّة وقعت حالًا من عائشة، وكذا قوله: (بَيْنَهُ وَبَيْنَ القِبْلَةِ) حال، وقوله: (مُضْطَجِعَةٌ) بالرفع خبر مبتدأ محذوف تقديره: وأنا مضطجعة، وعلى هذا التقدير تكون هذه الجملة أيضًا حالًا، ويجوز أن تكون (مُضْطَجِعَةٌ) بالرفع خبرًا لقوله: (وَأَنا) أي والحال أنا مضطجعة على السَّرير، فعلى هذا لا يحتاج إلى تقدير مبتدأ، وأما وجه النَّصب في «مُضْطَجِعَةً» فعلى إنَّه حال من عائشة أيضًا، ثمَّ يجوز أن يكون هذان الحالان مترادفان، ويجوز أن يكونا متداخلين.\nقوله: (شَبَّهتُمُونَا بِالحُمُرِ وَالكِلَابِ؟!) قال شيخنا: قال ابن مالك: في هذا الحديث جواز تعدي المشبَّه بالباء. وأنكره بعض النَّحويين حتَّى بالغ فخطَّأ سيبويه في قوله: شبَّه كذا بكذا، وزعم: إنَّه لا يوجد في كلام من يُوثق بعربيته، وقد وجد في كلام من هو فوق ذلك، وهي عائشة ﵂، والحقُّ: إنَّه جائز وإن كان سقوطُها أَشهَرُ في كلام المتقدِّمين، وثبوتها لازم في عُرف العلماء المتأخِّرين. انتهى.\nقلت: هذا الذي نقله شيخنا عن ابن مالك ذكره في كتاب «شواهد التوضيح والتصحيح لمشكلات الجامع الصحيح» المشهور تعدِّيه شَبَّه إلى مشبَّه ومشبَّه به دون باء؛ لقول امرئ القيس:\nفشبَّهتهم في الآل لما تكمَّشوا... حدائقَ دوم أو سفينًا مقيرًا\nويجوز أن يعدَّى بالباء فيقال: شبَّهت كذا بكذا، ثمَّ ذكر له تتمَّة. انتهى.\nوفي رواية للبخاري: (لَقَدْ جَعَلْتُمُوْنَا كِلَابًا) وهي في باب استقبال الرجل الرجل وهو يصلِّي، وفي رواية مسلم قالت: «عدلتُمونا بالكلابِ والحمر؟!»، وفي رواية أخرى له: «قد شبَّهتُمونا بالحمرِ والكلابِ!» ورواية الطَّحاوي: «لقدْ عدلتُمونا بالكلابِ والحميرِ!»، وقد","vol":"1","page":24},{"text":"أخرج الطَّحاوي هذا الحديث من سبع طرق صِحاح، وفي رواية سعيد بن مَنْصور قالت عائشة: «يا أهلَ العراقِ قدْ عدلتمونا...» الحديث، وقد أخرج العراق: حدَّثنا عن أبي ذرٍّ ﵁ أخرجه مسلم، وقال: حدَّثنا ابن أبي شَيْبَة قال: حدَّثنا إسماعيل بن عليَّة، وحدَّثني زُهَير بن حرب قال: حدَّثنا إسماعيل بن إبراهيم عن يُونُس عن حُمَيْد بن هلال، وحدَّثني زُهَير بن حرب قال: حدَّثنا إسماعيل بن إبراهيم عن يُونُس عن حُمَيْد بن هلال عن عبد الله بن الصامت عن أبي ذرٍّ قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا قامَ أحدُكم يصلِّي فإنَّه يسترُه إذا كانَ بينَ مثلِ آخرةِ الرَّحل، فإذا لمْ يكنْ بين يديه مثلُ آخرةِ الرَّحل فإنَّه يقطعُ صلاتَه الحمارُ والمرأةُ والكلبُ الأسودُ». قلت: يا أبا ذرٍّ، ما بال الكلب الأسود من الكلب الأحمر ومن الكلب الأصفر؟ قال: يا ابن أخي، سألتُ رسول الله ﷺ كما سألتني فقال: «الكلبُ الأسودُ شيطانٌ»، وأخرجه الأربعة أيضًا مطولًا ومختصَرًا، وقيَّد الكلب في روايته بالأسود، وروى ابن ماجَهْ من حديث ابن عبَّاس عن النَّبِيِّ ﷺ قال: «يقطعُ الصَّلاةُ الكلبُ الأسودُ والمرأةُ الحائضُ»، وقيَّد المرأة في روايته بالحائض، قال شيخنا: وهو عند ابن ماجَهْ من طريق الحسن البصري عن عبد الله بن معقل، وعند الطَّبَرَاني من طريق الحسن أيضًا عن الحكم بن عَمْرو نحوه من غير تقييد، وعند مسلم من طريق أبي هريرة كذلك.\nقوله: (فَتَبْدُو ليَ الحَاجَةُ) أي تظهر، وفي «مسند السَّرَّاج»: «فتكون لي الحاجة».\nقوله: (فَأَكْرَهُ أَنْ أَجْلِسَ) أي أستقبل رسول الله، وذكر في باب الصَّلاة على السَّرير: (فأكرَه أنْ أسنَحَه) وفي باب استقبال الرحل: (فَأكرَهُ أنْ أَسْتَقَبِلَهُ)، والمقصود من ذلك كلِّه واحد، لكن لاختلاف المقامات اختلفت العبارات.\nقوله: (فَأُوْذِي) بلفظ المتكلِّم من المضارع، وفاعله الضَّمير فيه، و(النَبِّيَ) بالنَّصب مفعوله، وفي النَّسائي من طريق شُعْبَة عن مَنْصور عن الأسود عن عائشة في هذا الحديث: «فأكرهُ أنْ أقومَ، فأمرَّ بينَ يديهِ».\nقوله: (فَأَنْسَلُّ) بالرَّفع عطفًا على (فَأُوْذِي) ومعنى: (فَأَنْسَلُّ) أي أمضي بتأنٍّ وتدريج، وقد ذكرناه مرَّة، وفي رواية الطَّحاوي: «فَأَنْسَلُّ انْسِلَالًا» وكذا في رواية للبخاري.\nقال الطَّحاوي دلَّ حديث عائشة على أنَّ مرور بني آدم بين يدي المصلِّي لا يقطع الصَّلاة، وكذلك دلَّ حديث أمِّ سلمة وميمونة بنت الحارث، فأخرج الطَّحاوي حديث أمِّ سلمة عن زينب بنت أبي سلمة عن أمِّ سلمة قالت: «كانَ يفرشُ لي حيالَ مصلَّى رسولِ الله ﷺ، كان يصلِّي وإنِّي حياله»، وأخرجه أحمد في «مسنده» نحوه، غير أنَّ في لفظه: «حيال مسجد رسول الله ﷺ» أي تلقاء وجهه، وأخرج الطَّحاوي أيضًا حديث ميمونة عن عبد الله بن شدَّاد قال: حدَّثتني خالتي ميمونة بنت الحارث قالت: «كانَ فراشي حيالَ مصلَّى رسول اللهِ ﷺ، فربَّما","vol":"1","page":25},{"text":"وَقَعَ ثوبُه عليَّ وهو يصلِّي»، وأخرجه أبو داود ولفظه: «كانَ رسولُ اللهُ ﷺ يصلِّي وأنا حِذاءَه وأنا حائض، وربَّما أصابني ثوبُه إذا سجد، وكان يصلِّي على الخمرةِ».\nقوله: (مُصَلَّى رَسُوْلِ اللهِ ﷺ) -بفتح اللَّام- وهو الموضع الذي كان يصلِّي فيه ﵇ في بيته، وهو مسجده الذي عيَّنه للصلاة فيه، و(الخُمْرَةُ) -بضمِّ الخاء المعجمة- حصير صغير يُعمل من سَعَفِ النَّخل وينسج بالسيور والخيوط، وهي على قدر ما يوضع عليه الوجه والأنف، فإذا كبرت عن ذلك تسمَّى حَصِيرًا. قلت: وفيها خلاف تقدَّم في باب الصَّلاة على الخمرة. انتهى.\nوقال الطَّحاوي: فقد تواترت هذه الآثار عن رسول الله ﷺ بما يدلُّ على أنَّ بني آدم لا يقطعون الصَّلاة، وقد جُعل كلُّ مارٍّ بين يدي المصلِّي في حديث ابن عُمَر وأبي سعيد شيطانًا، وأخبر أبو ذرٍّ: أنَّ الكلب الأسود إنَّما يقطع الصَّلاة لأنَّه شيطان، فكانت العلَّة الَّتي جُعلت لقطع الصَّلاة قد جُعلت في بني آدم أيضًا، وقد ثبت عن النَّبِيِّ ﷺ: أنَّهم لا يقطعون الصَّلاة، فدلَّ على أنَّ كلَّ مارٍّ بين يدي المصلِّي مما سوى بني آدم كذلك أيضًا لا يقطع الصَّلاة، والدليل على صحَّة ما ذكرنا: أنَّ ابن عُمَر مع روايته ما ذكرنا عنه قد رُوي عنه قوله من بعده ما حدَّثنا يُونُس قال: حدَّثنا سُفْيان عن الزُّهْري عن سالم قال: قيل لابن عُمَر: إنَّ عبد الله بن عيَّاش بن أبي ربيعة يقول: يقطع الصَّلاة الكلب والحمار، فقال ابن عمر: لا يقطع صلاة المسلم شيء. فقد دلَّ هذا على ثبوت نسخ ما كان سمعه من رسول الله ﷺ، حتَّى صار ما قال به أولى عنده من ذلك. انتهى. قال شيخنا: وتُعقِّب كلام الطَّحاوي بأنَّ النَّسخ لا يُصار إليه إلَّا إذا علم التَّاريخ وتعذَّر الجمع، والتَّاريخ هنا لم يتحقق والجمع (^١) لم يتعذَّر، قال العَيني: لا نسلِّم ذلك؛ لأنَّ مثل ابن عُمَر ﵄ بعدما روي عنه أنَّ المرور يقطع قال: لا يقطع صلاة المسلم شيء، فلو لم يثبت عنده نسخ ذلك لم يقل بما قال من عدم القطع، ومن الدليل على ذلك: أنَّ ابن عياش الذي هو (^٢) أحد رواة القطع روي عنه أنَّه حمله على الكراهة، قال البَيْهَقي: روى سماك عن عكرمة، قيل لابن عياش: أيقطع الصَّلاة المرأةُ والكلبُ والحمارُ؟ فقال: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالعَمَلُ الصَّالحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠] فما يقطع هذا ولكن يكره. وقال الطَّحاوي: وقد رُوي عن نفر من أصحاب رسول الله ﷺ: أنَّ مرور بني آدم وغيرهم بين يدي المصلِّي لا يقطع الصَّلاة، ثمَّ أخرج عن سعيد بن المُسَيَّب بإسناد صحيح: أنَّ عليًا وعثمان قالا: «لا يقطع صلاة المسلم شيء، وادرؤوا ما استطعتم»، وأخرجه أيضًا ابن أبي شَيْبَة في «مصنَّفه» عن ابن المُسَيَّب عن علي وعُثْمان قالا: «لا يقطعُ الصَّلاةَ شيءٌ، فادرؤوهم عنكم ما استطعتم»، وأخرج الطَّحاوي عن كعب بن عبد الله عن حُذَيفة بن اليمان يقول: «لا يقطع الصَّلاة شيء»، وأخرجه ابن أبي شَيْبَة\n_________\n(^١) والجمع: ليس في الأصل، وإنما أثبتت لاستقامة السياق.\n (^٢) هو: ليس في الأصل، وإنما أثبتت لاستقامة السياق.","vol":"1","page":25},{"text":"أيضًا، وأخرج الطَّبَرَاني من حديث علي ﵁ مرفوعًا: «لا يقطع الصَّلاة شيء إلَّا الحدث».\nوقال الكِرْماني: القائلون بقطع الصَّلاة بمرورهم من أين قالوا به؟ قلت: باجتهادهم، ولفظ: (شَبَّهْتُمُوْنَا) يدلُّ عليه؛ إذ نسبت التشبيه إليهم، وإما بما ثبت عندهم من قول الرسول ﵇. قال العَيني: هذا السؤال سؤال مَن لم يقف على الأحاديث الَّتي فيها القطع، وأحد شقي الجواب غير موجَّه؛ لأنَّه لا مجال للاجتهاد عند وجود النصِّ. ثمَّ قال الكِرْماني: فإن قال الرسول به فلم لا يُحكم بالقطع؟ قلتُ: إما لأنَّها رجحت خبرها على خبرهم من جهة إنَّها صاحبة الواقعة، أو من جهة أخرى، أو إنَّها أوَّلت القطع بقطع الخشوع ومواطأة القلب اللسان في التلاوة، لا قطع أصل الصَّلاة، أو جعلت حديثها وحديث ابن عبَّاس من مرور الحمار والأتان ناسِخَين له، وكذا حديث أبي سعيد الخُدْري حيث قال: (فَلْيَدْفَعْهُ) و(فَلْيُقَاتِلْهُ) من غير حكم بانقطاع الصَّلاة بذلك. فإن قلت: لِمَ لَمْ يعكس بأن يجعل الأحاديث الثلاثة منسوخة به؟ قلت: للاحتراز عن كثرة النسخ؛ إذ نسخ حديث واحد أهون من نسخ ثلاثة، أو لأنَّها كانت عارفة بالتاريخ وتأخُّرها عنه. انتهى.\nقال شيخنا: ومال الشَّافعي ﵁ وغيرُه إلى تأويل القطع في حديث أبي ذرٍّ؛ فإن المراد به: نقص الخشوع لا الخروج من الصَّلاة، ويؤيِّد ذلك: أنَّ الصحابي راوي الحديث سأل عن الحكمة في التقييد بالأسود، فأجيب: بأنه شيطان، وقد عُلم أنَّ الشَّيطان لو مرَّ بين يدي المصلِّي لم تفسد صلاته كما سيأتي في «الصحيح»: (إذا ثُوِّب بالصلاة أدبرَ الشيطان، فإذا قُضي التثويبُ أقبلَ حتَّى يخطُر بينَ المرء ونفسِه) الحديث، وسيأتي في باب العمل في الصَّلاة حديثُ: (إنَّ الشَّيطان عَرَض لي فشدَّ عليَّ) الحديث، وللنَّسائي من حديث عائشة: «فأخذتُه فصرعتُه فخنقتُه» ولا يقال: قد ذُكر في هذا الحديث: إنَّه جاء ليقطع صلاته؛ لأنّا نقول: قد بين في رواية مسلم سبب القطع، وهو إنَّه جاء بشهاب من نار ليجعله في وجهه، وأما سجود المرور فقد حصل ولم تفسد به الصلاة. وقال بعضهم: حديث أبي ذرٍّ مقدَّم؛ لأنَّ حديث عائشة على أصل الإباحة. انتهى. وهو مبني على أنهما متعارضان، ومع إمكان الجمع المذكور لا تعارض.\nوقال أحمد: يقطع الصَّلاة الكلب الأسود، وفي النَّفس من المرأة والحمار شيءٌ. ووجَّه ابن دقيق العيد وغيرُه بأنه لم يجد في الكلب الأسود ما يعارضه، ووجد في الحمار حديثَ ابن عبَّاس، يعني الذي تقدَّم في مروره وهو راكب بمنى، ووجد في المرأة حديث عائشة، يعني حديث الباب، وسيأتي الكلام في دلالته على ذلك بعدُ. قال: واستدلَّ بقول عائشة: (فأكرَهُ أنْ أجلِسَ فَأُوذي النَّبِيَّ ﷺ) على أنَّ التشويش بالمرأة وهي قاعدة يحصل منه ما لا يحصل","vol":"1","page":26},{"text":"بها وهي راقدة، والظَّاهر: أنَّ ذلك من جهة الحركة والسُّكون، وعلى هذا فمرورها أشدُّ، وقد تقدَّم حديث النَّسائي: «فأكره أنْ أقومَ فأمرَّ بين يديه» فالظَّاهر أنَّ عائشة إنَّما أنكرت إطلاق كون المرأة تقطع الصَّلاة في جميع الحالات لا المرور بخصوصه.\n\n٥١٥ - <span id=\"b-٤٠\"> </span>قوله: (حَدَّثَنَا إِسْحاق بنُ إِبْرَاهِيْمَ) أي الحنظلي المعروف بابن راهويه، ترجمته في باب فضل من علم وعلَّم.\nقوله: (قَالَ: أَخبَرَنَا يَعْقُوْبُ بنُ إِبْرَاهِيْمَ بنِ سَعْدٍ) أي القُرَشي المدني الزُّهْري، في باب ما ذكر في ذهاب موسى في البحر.\nقوله: (قَالَ: أَخْبَرَنا ابنُ أَخِي ابنُ شِهَابٍ) أي محمَّد بن عبد الله بن مسلم في باب ما يستر من العورة.\nقوله: (أَنَّهُ سَأَلَ عَمَّهُ) أي محمَّد بن مسلم بن شهاب الزُّهْري، ترجمته في باب إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة.\nقوله: (عَنِ الصَّلاة يَقْطَعُها شَيءٌ؟ فَقَالَ: لَا يَقْطَعُها شَيءٌ، أَخبَرَني عُرْوَة بنُ الزُّبَيْرِ: أَنَّ عَائِشَةَ زَوجَ النَّبِيِّ ﷺ وَرَضِيَ عَنْهَا) ترجمتهما في بدء الوحي.\nفي هذا الإسناد: التَّحديث بصيغة الجمع في موضع واحد، وفيه الإخبار كذلك في موضعين، وبصيغة الإفراد في موضع، وفيه السؤال والقول، وفيه رواية الرجل عن عمه، وفيه رواية التَّابعي عن التَّابعي عن الصحابية، وفيه إنَّه وَقَعَ في رواية أبي ذرٍّ: &lt;إِسْحَاقُ بنُ إِبْرَاهِيْمَ الحَنْظَلِي&gt; المعروف بابن راهويه، وفي رواية غيره وقع: &lt;إِسْحَاقُ&gt; غيرَ منسوب، وزَعَمَ أبو نعيم: إنَّه إِسْحاق بن مَنْصور الكوسج، وجزم ابن السَّكَن بأنَّه ابن راهويه وقال: كلُّ ما في «البخاري» عن إِسْحاق غير منسوب فهو ابن راهويه، وقال الكلاباذي: إِسْحاق بن إبراهيم وإِسْحاق بن مَنْصور كلاهما يرويان عن يعقوب. قال شيخنا: وما جزم به ابن السَّكَن أَولى. انتهى.\nقلت: قال شيخنا: في غير هذا المحلِّ وكنت أجوِّز إنَّه ابن راهويه لثبوته في «مسنده» عن الفِرْيابي إلى أن رأيت في سياقه له مغايرة. انتهى.\nقوله: (قَالَتْ: لَقَد كَانَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ يَقُوْمُ فَيُصَلِّي مِنَ اللَّيل وَإِنِّي لَمُعتَرِضَةٌ بَينَهُ وَبَينَ القِبْلَةِ عَلى فِراشِ أَهلِهِ).\nمطابقة الحديث للترجمة صريح في قول الزُّهْري، وقال شيخنا: وجه الدلالة من حديث عائشة الذي احتجَّ به ابن شِهاب: أنَّ حديث (يقطع الصَّلاة المرأة...) إلى آخره يشمل ما إذا كانت مارَّةً أو قائمة أو قاعدة أو مضطجعة، فلمَّا ثبت إنَّه ﷺ صلَّى وهي مضطجعة أمامَه دلَّ ذلك على نسخ الحكم في المضطجع، وفي الباقي بالقياس عليه، وهذا يتوقف على إثبات المساواة بين الأمور المذكورة، وقد تقدَّم ما فيه، فلو ثبت أنَّ حديثها متأخِّر عن حديث أبي ذرٍّ لم يدلَّ إلَّا على نسخ الاضطجاع فقط، وقد نازع بعضهم في الاستدلال به مع ذلك من أوجهٍ أخرى:\nأحدها: أنَّ العلَّة في قطع الصَّلاة بها ما يحصل من التَّشويش، وقد قالت: إنَّ البيوت يومئذ لم يكن فيها مصابيح، فانتفى المعلول بانتفاء علَّته.\nثانيها: أنَّ المرأة في حديث أبي ذرٍّ مطلقةٌ، وفي حديث عائشة مقيَّدة بكونها زوجته، فقد يحمل المطلق على المقيَّد، ويقال بتقييد القطع بالأجنبيَّة لخشية الافتتان بها، بخلاف الزوجة فإنَّها حاصلة.\nثالثها: أنَّ حديث عائشة","vol":"1","page":26},{"text":"واقعة حال يتطرَّق إليها الاحتمال، بخلاف حديث أبي ذرٍّ فإنَّه مسوق مساق التشريع العام، وقد أشار ابن بطَّال إلى أنَّ ذلك كان من خصائصه ﷺ؛ لأنَّه كان يَقدِر من مِلْكِ إربه على ما لا يَقْدِر عليه غيرُه، وقال بعض الحنابلة: يعارض حديث أبي ذرٍّ وما وافقه أحاديثُ صحيحة غير صريحة وصريحة غير صحيحة، فلا يترك العمل بحديث أبي ذرٍّ الصريح بالمحتمل، يعني حديث عائشة وما وافقه، والفرق بين المار وبين النَّائم في القبلة: أنَّ المرور حرام بخلاف الاستقرار، نائمًا كان أو غيره، فهكذا المرأة يقطع مرورها دون لُبثها. انتهى.\nقوله: (لَا يَقْطَعُهَا) أي لا يقطع الصَّلاة شيء، وهذا عام مخصوص بالأمور الثلاثة الَّتي وَقَعَ النزاع فيها؛ لأنَّ القواطع في الصَّلاة كثيرة، مثل القول والفعل الكثير وغيرهما، وما من عام إلَّا وقد خُصِّص إلَّا: ﴿وَاللهُ بِكُلِّ شَيءٍ عَليمٌ﴾ [البقرة: ١٣٢] ونحوُه، فإن قلت: قوله تعالى: ﴿اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيءٍ﴾ [الزمر: ٦٢] عامٌّ مطلقًا أم مخصوص؟ قلت: هو مخصوص بالحادث؛ لأنَّ القرآن شيء وليس مخلوقًا، وهو تعالى يسمَّى شيئًا وليس خالقًا لنفسه، والمخصص قد يكون عقليًّا وقد يكون عُرفيًّا، فالمخصص في الآية عقليًّا. انتهى.\nقوله: (أَخَبَرَنِي) من تتمَّة مقول ابن شهاب.\nقوله: (وَإِنِّي لَمُعْتَرِضَةٌ) جملة اسميَّة مؤكَّدة بإنَّ واللَّام في موضع النَّصب على الحال.\nقوله: (عَلَى فِرَاشِ) كذا في رواية الأكثرين، وفي رواية المُسْتَمْلي: &lt;عَنْ فِرَاشِ&gt; قال شيخنا: والأوَّل يقتضي أن تكون صلاته كانت واقعة على الفراش، بخلاف الثَّاني ففيه احتمال، وقد تقدَّم في باب الصَّلاة على الفراش من رواية عقيل عن ابن شهاب مثل الأوَّل. انتهى. وعلى الروايتين هو متعلِّق بـ (يقوم) مع أنَّ الرواية الأولى يحتمل تعلُّقها بلفظ (يصلِّي) أيضًا.\nقال العَيني: استدلَّت بهذا الحديث عائشةُ والعلماءُ بعدَها على أنَّ المرأة لا تقطع صلاة الرجل، وفيه جواز صلاة الرجل إليها، وكرهه البعض لغير النَّبِيِّ ﷺ لخوف الفتنة بها وبذكرها واشتغال القلب بها بالنظر إليها، والنَّبِيُّ ﷺ منزَّه عن هذا كلِّه، مع إنَّه كان في اللَّيل والبيوت يومئذ ليست فيها مصابيح، وفيه استحباب صلاة اللَّيل، وفيه جواز الصَّلاة على الفراش.\n\n <span id=\"b-٤١\"> </span>(١٠٦) (بابُ: مَن حَمَلَ جَارِيَةً صَغِيرَةً عَلَى عُنِقِهِ) أي هذا باب في بيان من حمل جارية صغيرة على عنقه، يعني لا تفسد صلاته، وقال ابن بطَّال: أدخل البخاري هذا الحديث هنا ليدلَّ أنَّ حمل المصلِّي الجارية على العنق لا يضرُّ صلاته؛ لأنَّ حملها أشدُّ من مرورها بين يديه، فلمَّا لم يضرّ حملها كذلك لا يضرّ مرورها. قال شيخنا: وأشار إلى نحو هذا الاستنباط الشَّافعي ﵁، لكن تقييد المُصَنِّف بكونها صغيرة قد يشعر بأن الكبيرة ليست كذلك. انتهى. قال العَيني: فكذلك، أي كون حملها لا يضرُّ فكذلك مرورها. ترجم هذا الباب بهذه الترجمة، وبينه وبين الأبواب الَّتي قبله مناسبة من هذا الوجه.\n\n٥١٦ - <span id=\"b-٤٢\"> </span>قوله: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بنُ يُوْسُفَ) أي التَّنِّيسي.\nقوله: (قَالَ: أَخْبَرَنا","vol":"1","page":27},{"text":"مَالِكٌ) أي ابن أنسٍ.\nقولُه: (عَنْ عَامِرِ بنِ عَبدِ اللهِ بنِ الزُّبَيْرِ) أي ابنِ العَوَّام.\nقولُه: (عَنْ عَمْرو بنِ سُلَيْمٍ الزُّرَقيِّ) -أي بضمِّ السِّينِ من سُليمٍ والزَّاي من الزُّرَقيِّ وفتحِ الرَّاء منه- وهو نسبه في الأنصارِ إلى زُرَيقِ بنِ عامرِ بنِ زُرَيقِ بنِ عبدِ حارِثةَ بنِ مالكِ بنِ عصبِ بنِ جُشَمِ بنِ الخَزرجِ.\nقولُه: (عَنْ أَبِي قَتَادَة الأَنْصَارِيِّ) أي الحارثِ أو النُّعْمانِ أو عَمْرو بنِ رِبعيِّ بنِ بَلدَمَةَ السُّلَمِيِّ، قال الهيثمُ بنُ عَدِيٍّ: إنَّ عليًا ﵁ صلَّى عليه بالكوفةَ في سنةِ ثمانٍ وثلاثينَ.\nفي هذا الإسناد التَّحديث بصيغةِ الجمعِ في موضعٍ واحدٍ، وكذلكَ الإخبارُ والعَنعَنةُ في ثلاثِ مَواضعَ، وفيه في روايةِ عبدِ الرزَّاق عن مالك: سمعتُ أبا قَتَادة، وكذا في روايِة أحمدَ من طريقِ ابن جُرَيج عن عامرٍ عن عَمْرو بنِ سُليمٍ: إنَّه سمعَ أبا قَتَادَةَ، وفيه: أنَّ رجالَه كلَّهُم مدنيُّون ما خلا شيخ البخاريِّ، وفيه: روايةُ التَّابعي عنِ التَّابعي عنِ الصَّحابيِّ.\nقوله: (أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّي وَهُوَ حَامِلٌ أُمَامَةَ بِنْتِ زَينَبَ بِنْتِ رَسولِ اللهِ ﷺ، وَلأَبِي العَاصِ بنِ الرَّبِيْعِ بنِ عَبْدِ شَمْسٍ، فَإِذَا سَجَدَ وَضَعَها، وَإِذَا قَامَ حَمَلَهَا) مطابقته للترجمة ظاهرةٌ، فإن قلتَ: أينَ الظُّهورُ وقد خُصِّصَ الحملُ بكونِه على العُنُق، ولفظُ الحديث أعمُّ من ذلك؟ أُجيب بأنَّه أشارَ بذلك إلى أنَّ الحديثَ له طرقٌ أخرى؛ منها لمسلم ٍمن طريق بُكيرِ بنِ الأَشجِّ عن عَمْرو بنِ سُليم، وصرَّح فيه: «عَلَى عُنُقِهِ»، وكذا في روايةُ أبي داود، وفي روايةٍ له: «يصلِّي رسول الله ﷺ وهي على عاتقه». وفي روايةٍ لأحمدَ من طريقِ ابنِ جُريجٍ: «على رقبته».\nهذا الحديثُ أخرجه البخاريُّ في الأدب عن أبي الوليد الطّيالسيِّ، وأخرجه مسلمٌ في الصَّلاة عن القَعنَبي ويحيى بنِ يحيى وقُتَيْبَةَ ثلاثتُهم عن مالكٍ به، وعن قُتَيْبَة عن ليثٍ به، وعن ابن أبي عُمَر عن سُفْيان بن عُيَيْنةَ، وعن محمَّد بن المثنَّى عن أبي بكرٍ الحنفيِّ، وعن أبي الطاهرِ بنِ السَّرح وهارونَ بنِ سعيدٍ كلاهما عن ابن وَهْبٍ.\nوأخرجه أبو داود فيه عن القَعنَبي به، وعن قُتَيْبَة عن اللَّيث به، وعن محمَّد بن سَلَمَةَ عن ابن وَهْب به، وعن يحيى بن خَلَفٍ عن عبد الأعلى عن محمَّد بن إِسْحاق.\nوأخرجَه النَّسائي فيه عن قُتَيْبَة عن مالك به، وعن قُتَيْبَة عن اللَّيث به، وعن قُتَيْبَة عن سُفيانَ، وعن محمَّد بن صَدقةَ الحمصيِّ عن محمَّد بن حربٍ.\nقولُه: (وَهُوَ حَامِلٌ أُمَامَةَ) جملةٌ اسميّةٌ في محلِّ النَّصب على الحال، ولفظُ: (حَامِلٍ) بالتنوين، و(أُمَامَةَ) بالنَّصبِ، وهو المشهور، ويروى بالإضافة كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ بَالِغُ أَمْرِهِ﴾ [الطلاق: ٣] بالوجهين في القراءة، وقال الكِرْماني: فإن قلتَ: قالتِ النُّحَاةُ: فإن كان اسمُ الفاعل للماضي وجبَتِ الإضافةُ، فما وجهُ عملِه؟ قلتُ: إذا أُريد حكايةُ الحال الماضيةِ جاز إعماله كما في قوله تعالى ﴿وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْه﴾ [الكهف: ١٨].\nو(أُمَامَةَ) -بضمِّ الهمزة وتخفيف الميمين- بنتُ زينبَ ﵂، وكانت زينبُ أكبرَ بناتِ رسول الله ﷺ، وكانت فاطمةُ أصغرَهُنَّ وأَحبَّهنَّ إلى رسول الله ﷺ، وكان أولادُ النَّبِيِّ ﷺ كلَّها من خديجةَ ﵃ سوى إبراهيمَ فإنَّه من ماريةَ القِبْطِيَّةِ، تزوج ﵇ خديجةَ قبلَ البعثة، قال الزُّهْرِي: وكان عمرُه ﵇ يومئذٍ إحدى وعشرين سنةً. وقيل: خمسًا وعشرين سنةً، زمانَ بُنِيَتِ الكعبةُ، قاله الواقديُّ وزادَ: ولها من العمر خمسٌ وأربعون سنة، وقيل: كان عمرُه ﵇ ثلاثين سنة وعمرُها أربعين سنة، فولدتِ له","vol":"1","page":27},{"text":"القاسمَ وبه كان يكنَّى، والطاهرَ وزينبَ ورُقَيَّةَ وأمَّ كُلثومٍ وفاطمةَ.\nوتزوَّجَ بزينبَ أبو العاصِ بنُ الربيع، فولدَت منه عليًا وأُمامةَ هذه المذكورةَ في الحديث، وتزوَّجها عليُّ بنُ أبي طالبٍ بعد موت فاطمةَ بوصيَّةٍ منها فولدَت منه محمدًا، وكانت وفاةُ زينبَ في ثمانٍ، قاله الواقديُّ. وقال قتادةُ: في أوَّل سنةِ ثمانٍ.\nقولُه: (بِنْتِ زَيْنَبَ) قال الكِرْماني: الإضافةُ فيه بمعنى اللّام، فأظهرَ في المعطوف وهو قوله: (ولأبي العاصِ) ما هو مقدَّرٌ في المعطوف عليه. انتهى.\nقال شيخُنا: وأشار ابنُ العطَّار إلى أنَّ الحكمةَ في ذلك كونُ والدِ أُمامةَ كان إذ ذاك مشركًا، فنُسبت إلى أمها تنبيهًا على أنَّ الولد يُنسب إلى أشرف أبويه دينًا ونسبًا، ثمَّ بيَّن إنَّها من أبي العاصِ تبيينًا لحقيقة نسبتِها. انتهى.\nوقال شيخُنا أيضًا: وهذا السِّياق لمالكٍ وحدَه، وقد رواه غيره عن عامرِ بنِ عبد الله، فنسبوها إلى أبيها ثمَّ بينوا إنَّها بنتُ زينبَ كما هو عند مسلمٍ وغيره، ولأحمدَ من طريق المغيرةِ عن عَمْرو بن سُليم: «يحمل أُمامةَ بنتَ أبي العاصِ وأمُّها زينب بنت رسول الله ﷺ على عاتقه».\nقوله: (وَلأَبِي العَاصِ بنِ الرَّبِيْعِ بنِ عَبْدِ شَمْسٍ)، وفي «أحاديث الموطَّأ» للدَارَقُطنيِّ: قال ابنُ نافعٍ وعبدُ الله بنُ يوسفَ والقَعنَبي في رواية إِسْحاق عنه، وابنُ وَهْب وابنُ بُكيرٍ وابنُ القاسم وأيُّوبُ بنُ صالحٍ عن مالكٍ: «ولأبي العاصِ بنِ ربيعةَ بنِ عبدِ شمسٍ»، وقال محمَّد بنُ الحسن: «ولأبي العاصِ بنِ الرَّبيع» مثلَ قولِ مَعنٍ وأبي مُصعبٍ، وفي «التمهيد» رواه يحيى: «ولأبي العاصِ بنِ ربيعةَ» بهاء التأنيث، وتابعه الشَّافعي ومُطرِّفٌ وابنُ نافعٍ، والصَّوابُ: ابنُ الربيع. وكذا أصلحَه ابن وضّاح في رواية يحيى، قال عياضٌ: وقال الأَصِيلي: هو ابنُ ربيعِ بنِ ربيعةَ، فنسبَه مالكٌ إلى جدِّه. قال عياضٌ وغيرُه: هذا غيرُ معروفٍ، ونسبُه عند أهل الأخبار بإثباتهم: أبو العاصِ بنُ الربيعِ بنِ عبدِ العُزّى بنِ عبدِ شمسِ بنِ عبدِ مَنافٍ. وقال الكِرْماني: البخاريُّ نسبَه مخالفًا للقوم من جهتين؛ قال: ربيعة بحرف التأنيث، وعندَهم: الرّبيع بدونه، وقال: ربيعةَ بنِ عبد شمس، وهم قالوا: ربيعِ بنِ عبدِ العُزّى بنِ عبدِ شمسٍ. قال العَيني: لو اطَّلع الكِرْماني على كلام القوم لما قال: نسبه البخاريُّ مخالفًا للقوم من وجهين، على أنَّ الذي عندنا في نسختنا: الربيع بنِ عبد شمس، بالنسبة إلى جدِّه.\nواختُلف في اسم أبي العاصِ؛ فقيل: لَقيط، وقيل: بهشَم، قال الزُّبَيْر عن محمَّد بنِ الضَّحّاك عن أبيه: اسمه القاسم، وهو أكثر في اسمه، وقال أبو عمرٍو: الأكثرُ لَقيط، ويُعرف بجرو البطحاء، وربيعةُ عمُّه، وأمُّ أبي العاصِ: هدلة، وقيل: هندُ بنتُ خُويلد أختُ خديجةَ ﵂ لأبيها وأمها.\nوأبو العاص أسلمَ قبلَ الفتح وهاجرَ، وردَّ عليه النَّبِيُّ ﷺ ابنته زينبَ وماتت معه، وقال ابنُ إسحاقَ: وكان أبو العاصِ من رجال مكَّة المعدودين مالًا وأمانةً وتجارةً، وكانت خديجةُ هي الَّتي سألت رسول الله ﷺ أن يزوّجَه بابنتها زينبَ، وكان لا يخالفُها، وذلك قبل الوحي، والإسلام فرَّق بينَهما. وقال ابنُ كثير: إنَّما حرَّم الله المسلماتِ على المشركين عامَ الحُديبيةِ سنةَ ستٍّ من الهجرة، وكان أبو العاص في غزوة بدرٍ مع المشركين ووَقَعَ في الأسر. وقال ابنُ هشامٍ: وكان الذي أسرَه خِراش بنُ الصِّمة أحد بني حَرَام.\nوقال ابنُ إِسْحاق","vol":"1","page":28},{"text":"عن عائشة ﵂: لما بعثَ أهلُ مكَّة في فداء أسراهُم بعثت زينبُ بنتُ رسول الله ﷺ في فداء أبي العاصِ بمالٍ، وبعثَت فيه بقلادةٍ لها كانت خديجةُ ﵂ أدخلَتها بها على أبي العاصِ حين بنى عليها، قالت: فلمّا رآها رسول الله ﷺ رقَّ لها رِقّةً شديدةً وقال: «إنْ رأيتُم أنْ تُطْلِقوا لها أسيرَها وتَردّوا عليها الذي لها فافعلوا»، قالوا: نعم يا رسول الله، فأطلقوه وردُّوا عليها الذي لها. وقال ابنُ إسحاقَ: وقد كان رسول الله ﷺ قد أخذَ عليه أن يُخلّي سبيلَ زينبَ- يعني أن تهاجرَ إلى المدينة - فوفّى أبو العاص بذلك ولحقت بأبيها، وأقام أبو العاصِ بمكةَ على كفره، واستمرت زينبُ عند أبيها بالمدينة، ثمَّ آخرَ الأمر أسلمَ وخرجَ حتَّى قدم على رسول الله ﷺ. وعن ابنِ عبَّاسٍ: ردَّ عليه رسول الله ﷺ ابنتَه زينبَ على النِّكاح الأوَّل لم يُحدِث شيئًا. وسنذكر حقيقةَ هذا الكلام في موضعه إن شاء الله تعالى.\nقوله: (فَإِذَا سَجَدَ وَضَعَهَا) في رواية مسلم من طريق عُثْمان بن أبي سُلَيمان ومحمَّد بن عجلان، والنَّسائي من طريق الزُّبَيدي، وأحمدَ من طريق ابن جُرَيج، وابنِ حبَّان من طريق أبي العُمَيس، كلُّهم عن عامرِ بن عبد الله شيخِ مالكٍ فقالوا: «إذا ركعَ وضعها»، وفي رواية أبي داودَ من طريق المَقبُري عن عَمْرو بن سُلَيم: «حتَّى إذا أراد أنْ يركعَ أخذَها فوضعَها ثمَّ ركع وسجد، حتَّى إذا فرغَ من سجوده فقام أخذها فردَّها في مكانها».\nقال العَيني: تكلّمَ النَّاس في حكم هذا الحديث؛ فقال النَّوَوي: هذا يدلُّ لمذهب الشَّافعي ومن وافقَه: إنَّه يجوز حملُ الصَّبيِّ والصّبيَّة وغيرِهما من الحيوان في صلاة الفرض وصلاةِ النَّافلة، ويجوزُ للإمام والمنفردِ والمأموم، أما مذهبُ أبي حنيفةَ في هذا ما ذكره صاحبُ «البدائع» في بيان العمل الكثيرِ الذي يفسدُ الصَّلاة والقليلِ الذي لا يفسدُها، فالكثيرُ ما يُحتاج فيه إلى استعمال اليدين، والقليلُ ما لا يُحتاج فيه إلى ذلك، وذكر لهما صورًا حتَّى قال: إذا أخذ قوسًا ورمى فسدت صلاتُه، وكذا لو حملتِ امرأة صبيَّها فأرضعته؛ لوجود العمل الكثير، وأمّا حملُ الصَّبيِّ بدون الإرضاع فلا يوجب الفسادَ. ثمَّ روى الحديثَ المذكورَ ثمَّ قال: وهذا الصّنيع لم يُكره منه ﵇؛ لأنَّه كان محتاجًا إلى ذلك لعدم من يحفظُها، أو لبيانه الشرعَ بالفعل، وهذا غيرُ موجبٍ فسادَ الصَّلاة، ومثل هذا أيضًا في زماننا لا يُكره لواحدٍ منّا لو فعل عند الحاجة، أمَّا بدون الحاجة فمكروه. انتهى.\nوذكر أشهبُ عن مالكٍ: أنَّ ذلك كان من رسول الله ﷺ في صلاة النَّافلة، وأنَّ مثلَ هذا الفعل غيرُ جائزٍ في الفريضة. وقال أبو عمرَ: حسبُك بتفسير مالكٍ، ومن الدَّليل على صحَّة ما قاله في ذلك أنِّي لا أعلم خلافًا أنَّ مثلَ هذا العمل في الصَّلاة مكروه. وقال النَّوَوي: هذا التأويلُ فاسدٌ؛ لأنَّ قوله: (يؤمَ النَّاس) صريحٌ أو كالصّريح في إنَّه كان في الفريضة. قال العَيني: هو ما رواه سُفْيان بن عُيَيْنَة بسنده إلى أبي قَتَادَة الأنصاريِّ قال: «رأيت النَّبِيَّ ﷺ يؤمَ النَّاس وأُمامةُ بنتُ أبي العاصِ وهي بنتُ زينبَ ابنةِ رسول الله ﷺ على عاتقه»، ولأنَّ الغالبَ في إمامةِ رسول الله ﷺ كانت في الفرائض","vol":"1","page":28},{"text":"دونَ النوافل، وفي رواية أبي داودَ عن أبي قَتَادَة صاحبِ رسول الله ﷺ قال: «بينما نحنُ ننتظرُ رسولَ الله ﷺ للصَّلاة في الظُّهر أو العصر وقد دعاه بلالٌ ﵁ للصَّلاة، إذ خرجَ إلينا وأمامةُ بنتِ أبي العاصِ بنتُ ابنته على عُنقه، فقام رسول الله ﷺ في مُصلّاه وقُمنا خلفَه» الحديث.\nوفي كتاب «النسب» للزُّبير بنِ بكّار عن عَمْرو بن سُلَيم: أنَّ ذلك كان في صلاة الصُّبح. وقال النَّوَوي: وادَّعى بعضُ المالكيَّة إنَّه منسوخٌ، وقال الشيخُ تقيُّ الديّن: وهو مرويٌّ عن مالكٍ أيضًا. وقال أبو عمر: ولعلَّ هذا نُسخ بتحريم العمل والاشتغال بالصَّلاة، وقد رُدَّ هذا بأنَّ قوله ﵇: «إنَّ في الصَّلاة لشُغلًا» كان قبلَ بدرٍ عند قدوم عبد الله بن مسعود من الحبشة، وأنَّ قدوم زينبَ وابنتِها إلى المدينة كان بعدَ ذلك، ولو لم يكنِ الأمرُ كذلك لكان فيه إثباتُ النَّسخ بمجرّد الاجتهاد. وروى أشهبُ وابن نافع عن مالك: أنَّ هذا كان للضرورة. وادعى بعضُ المالكيَّة: إنَّه خاصٌّ بالنَّبِيّ ﷺ. ذكره القاضي عياض، وقال النَّوَوي: وكلُّ هذه الدعاوي باطلة ومردودةٌ؛ فإنَّه لا دليلَ عليها ولا ضرورةَ إليها، بل الحديثُ صحيحٌ صريحٌ في جواز ذلك، وليس فيه ما يخالفُ قواعد الشرع؛ لأنَّ الآدميَّ طاهر وما في جوفه من النجاسة معفوٌّ عنه لكونه في معدتِه، وثياب الأطفال وأجسادهُم على الطهارة، ودلائلُ الشرع على أنَّ هذه الأفعالَ في الصَّلاة لا تُبطلها إذا قَلَّت أو تَفرَّقت، وفعلَ النَّبِيُّ ﷺ هذا بيانًا للجواز وتنبيهًا عليه. قال العَيني: وقد قال بعضُ أهل العلم: إنَّ فاعلًا لو فعل مثل ذلك لم أرَ عليه إعادةً من أجل هذا الحديث، وإن كنتُ لا أحبُّ لأحد فِعلَه. وقد كان أحمدُ بن حنبلَ يُجيز هذا، قال الأثرم: سُئل أحمدُ: أيأخذُ الرجلُ ولدَه وهو يصلِّي؟ قال: نعم. واحتجَّ بحديث أبي قتادة.\nوقال الخطَّابيُّ: يشبه أن يكون هذا الصنيع من رسول الله ﷺ عن قصدٍ وتعمُّدٍ له في الصَّلاة، ولعلَّ الصبيّةَ لطولِ ما ألفَتْه واعتادَتْه من مُلابسته في غير الصَّلاة كانت تتعلَق به حتَّى تلابسَه وهو في الصَّلاة، فلا يدفعُها عن نفسه ولا يبعدُها، فإذا أراد أن يسجُد وهي على عاتقه وضعَها بأنْ يحطَّها أو يرسلَها إلى الأرض حتَّى يفرغ من سجوده، فإذا أراد القيامَ وقد عادتِ الصبيةُ إلى مثل الحالة الأولى لم يدافعها ولم يمنعها، حتَّى إذا قام بقيَت محمولةً معه، هذا عندي وجهُ الحديث، ولا يكاد يتوهَّم ﵇ إنَّه كان يتعمَّد حملَها ووضعَها وإمساكَها في الصَّلاة تارةً بعدَ أخرى؛ لأنَّ العملَ في ذلك قد يكثُر فيتكرر، والمصلِّي يشتغلُ بذلك عن صلاته، وإذا كان عَلَمُ الخَميصة يشغلُه عن صلاته حتَّى يستبدلَ بها الأَنبجانيّةَ، فكيف لا يشتغل عنها بما هذا صفته من الأمر؟! وفي ذلك بيانُ ما تأوّلناه.\nوقال ابنُ دقيقٍ العيد: من المعلوم أنَّ لفظ (حمل) لا يساوي لفظ (وضع) فعلى هذا: فالفعل الصادرُ منه هو الوضع لا الرَّفع فيَقلّ العملُ، قال: وقد","vol":"1","page":29},{"text":"كنت أحسبُ هذا حسنًا، إلى أن رأيت في بعض طُرقه الصحيحة: (فإذا قامَ أعادَها).\nوقال النَّوَوي بعد أن نقلَ ملخَّص كلامِ الخطَّابيُّ: هذا الذي ذكره هذا باطلٌ ودعوى مجرّدةٌ، ومما يرد قوله في «صحيح مسلم»: «فإذا قام حملَها»، وقوله: «فَإذا رَفَعَ مِنَ السُّجود أَعادَها»، وقوله في غير رواية مسلم: «خَرَجَ عَلينا حَامِلًا أُمامةَ فصَلَّى» وذكر الحديث، وأمّا قضيّةُ الخَميصة فلأنها تشغلُ القلب بلا فائدة، وحملُ أُمامةَ لا نسلِّم إنَّه يُشْغِلُ القلب، وإن شَغَلَه فيترتب عليه فوائدُ وبيانُ قواعد ما ذكرناه وغيره، فاحتمل ذلك الشُّغل لهذه الفوائد بخلاف الخميصة، فالصَّواب الذي لا يُعدل عنه: أنَّ الحديثَ كان لبيان الجواز والتنبيهِ على هذه الفوائد، فهو جائزٌ لنا وشرعٌ مستمرٌ للمسلمين إلى يوم الدين.\nوقال العَيني: وجهٌ آخرُ لردِّ كلام الخطَّابيُّ، قولُهُ: (وَقامَ فَأخذَها فردَّها في مَكَانها) وهذا صريحٌ في أنَّ فعلَ الحمل والوضع كان منه ﵇ لا من أُمامةَ. وقال بعضُ أصحابِ مالك بن أنسٍ: لأنَّه ﵇ لو تركها لبكَت وشغَلت سِرَّه في صلاته أكثرَ من شُغله بحملها. وفرَّق بعضُ أصحابه بين الفريضة والنافلة، وقال الباجيُّ: إن وَجَدَ من يكفيه أمرَها جاز في النافلة دونَ الفريضة، وإن لم يجد جاز فيهما.\nوحمل أكثرُ أهل العلم هذا الحديث على أنَّه عملٌ غيرُ مُتوالٍ؛ لوجود الطُّمأنينة في أركان صلاته، وقال الفاكهانيُّ: كان السِّرُّ في حمله أُمامةَ في الصَّلاة دفعًا لما كانت العرب تألفُه من كراهة البناتِ وحملِهنَّ، وخالفَهم في ذلك حتَّى في الصَّلاة للمبالغة في ردعِهم، والبيانُ بالفعل قد يكون أقوى من القول.\nومن فوائد هذا الحديث: جوازُ إدخال الصِّغار في المساجد، ومنها: جوازُ صحَّةِ صلاة مَن حمل آدميًا، وكذا من حملَ حيوانًا طاهرًا. وللشافعية تفصيلٌ بين المستجمِر وغيره، ومنها: أنَّ فيه تواضعَ النَّبِيِّ ﷺ وشفقتَه على الصِّغار وإكرامَه لهم جبرًا لهم ولوالديهم.\nقلتُ: وفيه جوازُ حملِ مَن لا يَتوقّى النجاسةَ إذا احتُمل إنَّه طاهرٌ حالَ الحمل. انتهى.\nوروى عبدُ الله بن يوسفَ التِّنِّيسيُّ عن مالكٍ: أنَّ الحديثَ منسوخٌ. قال شيخُنا: روى ذلك الإسماعيليُّ عَقِبَ روايتِه للحديث من طريقه، لكنَّه غيرُ صريحٍ، ولفظه: قال التِّنِّيسيُّ: قال مالكٌ: في حديث النَّبِيِّ ﷺ ناسخٌ ومنسوخٌ، وليس العملُ على هذا. وقال ابنُ عبد البرِّ: لعلَّه نُسخ بتحريم العمل في الصَّلاة. وتُعقِّب بأنَّ النَّسخَ لا يثبتُ بالاحتمال، وبأنَّ هذه القضيَّةَ كانت بعد قوله ﵇: «إنَّ في الصَّلاة لشُغْلًا»؛ لأنَّ ذلك كان قبلَ الهجرة، وهذه القصَّةُ كانت بعد الهجرة قطعًا بمدَّة مديدة. وذكر عياضٌ عن بعضهم: أنَّ ذلك كان من خصائصه؛ لكونه كان معصومًا من أن تبولَ وهو حاملُها. ورُدَّ بأنَّ الأصلَ عدمُ الاختصاص، وبأنَّه لا يلزم من ثبوت الاختصاصِ في أمرٍ ثبوتُه في غيره بغير دليلٍ، ولا مدخلَ للقياس في مثل ذلك،","vol":"1","page":29},{"text":"ولابن دقيقٍ العيد هنا بحث من جهة أنَّ حكاياتِ الأحوال لا عمومَ لها، وقد يُجاب عن هذه القضيَّة بأنها واقعةُ حالٍ، فيَحتمل أن تكونَ أُمامَةُ كانت حينئذٍ قد غُسلت، كما يَحتمل أنَّه كان ﷺ يمسُّها بحائل.\n\n <span id=\"b-٤٣\"> </span>(١٠٧) <span data-type=\"title\" id=toc-43>(بَابٌ إِذَا صَلَّى إِلَى فِرَاشٍ فِيهِ حَائِضٌ)</span> أي هذا بابٌ فيه إذا صلَّى، وجواب (إذا) محذوفٌ تقديره: صحَّت صلاتُه، أو معناه: بابُ هذه المسألة، وهي: ما يقولُه الفقهاء إذا صلَّى كذا وكذا كيف كان حكمه؟ فصارَ الجزء الأوَّل منها علمًا لها، قاله الكِرْمانيُّ. قال العَيني: هذا فيه تعسُّفٌ، ولو قال: معناه إذا صلَّى إلى فراش فيه حائضٌ كيف يكون حكمُه، يُكره أم لا؟\nوحديثُ الباب يدلُّ على عدم الكراهة، قال شيخُنا: وتقدَّم الكلامُ عليه في أبواب سَتر العَورة في باب إذا أصابَ ثوبُ المصلِّي امرأتَه، وهذه الترجمةُ أخصُّ من تلك، وتقدَّمت له طرقٌ أخرى في آخر كتاب الحيض.\n\n٥١٧ - <span id=\"b-٤٤\"> </span>قوله: (حَدَّثَنا عَمْرو بنُ زُرَارَةَ) أي بالواو، وزُرارةُ -بضمِّ الزاي ثمَّ بالرَّاء المكررة- وقد تقدَّم في باب قدرُ كم ينبغي أن يكونَ بينَ المصلِّي والسُّترة.\nقوله: (قَالَ: أَخْبَرَنا هُشَيْمٌ) -أي مُصَغَّرًا- ابنُ بُشيرٍ بضمِّ الباء الموحَّدة، أبو معاويةَ الواسطي، مات ببغداد سنةَ ثلاثٍ وثمانين ومائة، تقدَّم في كتاب التيمم.\nقوله: (عَنِ الشَّيْبَانيِّ) أي أبو إِسْحاق سُلَيمان بنُ أبي سُلَيمان فيروزٍ الكوفيُّ، تقدَّم في باب مباشرة الحائض.\nقوله: (عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ شَدَّادِ بنِ الهَادِّ) أي بتشديد الدّال، واسمُ شدّادٍ أسامةُ الكوفيُّ تقدَّم في الباب أيضًا.\nقوله: (قالَ: أَخْبَرَتْنِي خَالَتِي مَيْمُوْنَةُ بِنْتُ الحَارِثِ) أي إحدى زوجاتِ النَّبِيِّ ﷺ، ترجمتها في باب السَّمَر بالعلم.\nفي هذا الإسناد التَّحديث بصيغة الجمع في موضعٍ واحد، وفيه الإخبارُ كذلك، وفيه الإخبار بصيغة الإفراد من الماضي في موضعٍ واحد، وفيه العنعنةُ في موضعين، وفيه القولُ، وفيه أنَّ رواتَه ما بين واسطيٍّ وكوفيٍّ.\nقوله: (قَالَتْ: كَانَ فِراشِي حِيَالَ مُصَلَّى رَسُوْلِ اللهِ ﷺ، فَرُبَّما وَقَعَ ثَوبُهُ عَلَيَّ وَأَنا عَلَى فِرَاشِي وَأَنَا حَائِضٌ) مطابقتُه للترجمة ظاهرةٌ عند التأمُّل، ولكنِ اعتُرض فيه بوجهين؛ الأوَّل: كيف دلَّ على الترجمة الَّتي هي كونُ المصلِّي مُنتهيًا إلى الفراش؛ لأنَّه قال: إذا صلَّى إلى فراش، وكلمة (إلى) لانتهاء الغاية، والثاني: أنَّ هذا الحديث يدلُّ على اعتراض المرأة بين المصلِّي وقبلتِه، فهذا يدلُّ على جواز القعود لا على جواز المرور.\nوأُجيبَ عنِ الأوَّل: بأنَّه لا يلزمُ أن يكونَ الانتهاءُ من جهة القِبلة، وكما إنَّها مُنتهيةٌ إلى جَنب رسولِ الله ﷺ فرسولُ الله ﷺ أيضًا مُنتهٍ إليها وإلى فراشها. وعن الثاني: بأنَّ ترجمةَ الباب ليسَت معقودةً للاعتراض؛ فإنَّ المتعلِّق بالاعتراض قد تقدَّم، والذي قَصَدَ البخاريُّ بيانُ صحةِ الصَّلاة ولو كانت بجنبِ المصلِّي ولو أصابَتها ثيابُه، لا كونَ الحائض بينَ المصلِّي وبينَ القِبلة.\nقال: قد ذكرنا تعدُّد موضعِ هذا الحديث ومَن أخرجه غيرُه ومعناه وما يتعلقُ به من الأحكام في باب إذا أصاب ثوبُ المصلِّي امرأتَه في السُّجود، فإنه أخرج هذا الحديثَ هناك عن مسدَّد عن خالدٍ عن الشَّيبانيِّ. انتهى.\nقال شيخُنا: (حِيَالَ) -بكسر المهمَلة بعدَها تحتانيّةٌ- أي بجنبه كما ذكره في الطريق","vol":"1","page":30},{"text":"الثانية.\n\n٥١٨ - <span id=\"b-٤٥\"> </span>قوله: (حَدَّثَنا أَبُو النُّعْمَانِ) أي بضمِّ النُّون، محمَّد بنُ الفضل.\nقوله: (قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ بنُ زِيَادٍ) أي العبديُّ، ويُعرف بالثَّقَفِيِّ.\nقوله: (قَالَ حَدَّثَنَا الشَّيْبَانيُّ) سليمان؛ أي ابن فيروز.\nقوله: (قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بنُ شَدَّادٍ) أي ابن أسامة اللَّيثيّ.\nقوله: (قَالَ: سَمِعْتُ مَيْمُوْنَةَ) أي أمُّ المؤمنين ﵂، هذا الإسنادُ بعينه مرَّ في باب مباشرة الحائض في أوائل كتابِ الحيض.\nقوله: (تَقُوْلُ: كَانَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي وَأَنَا إِلَى جَنْبِهِ نائِمَةٌ، فَإِذا سَجَدَ أَصابَني ثَوبُهُ وَأَنَا حَائِضٌ) لفظُ الحديث في باب مباشرةِ الحائض، قالت - يعني ميمونةَ -: (كَانَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ إِذَا أَرَادَ أنَّ يُبَاشِرَ امرأةً مِنْ نِسَائِهِ أَمَرَهَا فَاتَّزَرَتْ وَهِيَ حَائِضٌ).\nقوله: (ثَوبُهُ) كذا للأكثر، وللمُسْتَمْلي والكُشْمِيهَني: &lt;ثِيَابُهُ&gt;، وللأَصِيلي: &lt;أَصَابَتْنِي ثِيَابُهُ&gt;.\nقوله: (وَأَنَا حَائِضٌ) قال الكِرْماني: فإن قلتَ: قالوا: إذا أُريد الحدوثُ يقال: حائضةٌ، وإذا أُريد الثُّبُوتُ وأنَّ من شأنها الحيضَ يقال: حائضٌ، ولا شكَّ أنَّ المراد ههنا كونُها في حالة الحيض. قلت: معناه أنَّ الحائضةَ مختصَّةٌ بما إذا كانت فيه، والحائضَ أتمُّ منه. انتهى.\nقال العَيني: لا فرق بين الحائض والحائضة، يقال: حاضتِ المرأةُ تحيضُ حَيضًا ومَحيضًا فهيَ حائضٌ وحائضةٌ، عن الفرَّاء وأنشد:\nكحائضةٍ يزنى بها غير حائضِ\nوفي اللُّغة لم يُفرَّق بينَهما، غيرَ أنَّ الأصلَ فيه التأنيثُ، ولكن لخصوصيَّة النِّساءِ به وعدمِ الالتباسِ ترك التَّاء.\nقال ابن بطَّال: هذا الحديث وشِبهُه من الأحاديث الَّتي فيها اعتراضُ المرأة بين المصلِّي وقِبلتِه يدلُّ على جواز القعود لا على جواز المرور. انتهى. وتُعقِّب بأنَّ ترجمة الباب ليست معقودةً للاعتراض، بل مسألةُ الاعتراض تقدَّمت، والظَّاهر: أنَّ المصنِّفَ قصدَ بيانَ صحّةِ الصَّلاة ولو كانتِ الحائضُ بجنبِ المصلِّي ولو أصابَتها ثيابُه، لا كونَ الحائضِ بينَ المصلِّي وبينَ قِبلته، وتعبيرُه بقوله: (إلى) أعمُّ من أن يكون بينَه وبينَ القِبلة، فإنَّ الانتهاءَ يصدُق على ما إذا كانت نائمةً إلى جنبه أو عن يمينه أو عن شماله، وقد صرَّح في الحديث بكونها كانت إلى جنبه.\nقال شيخُنا: قوله: (وَأَنَا حَائِضٌ) كذا لأبي ذرٍّ، وسقطت هذه الجملةُ لغيره، لكن في رواية كريمةَ بعد قوله: (أَصَابَنِي ثوبُهُ) زاد مُسَدَّد عن خالد عن الشَّيبانيِّ: «وَأَنَا حَائِضٌ» ورواية مُسَدَّد هذه ساقَها المصنِّفُ في بابِ إذا أصابَ ثوبُ المصلِّي، وفيها هذه الزيادة، وهي أصرحُ لمراد الترجمة، والله أعلم.\n\n <span id=\"b-٤٦\"> </span>(١٠٨) <span data-type=\"title\" id=toc-46>(بَابٌ هَلْ يَغْمِزُ الرَّجُلُ امْرَأَتِهِ عِندَ السُّجود لِكَي يَسْجُدَ)</span> أي هذا بابٌ فيه: هل يغمزُ الرجلُ... إلى آخره، يعني: نعم، إذا غمزَها فلا شيءَ يترتبُ عليه من فساد الصَّلاة.\nفي الترجمة الَّتي قبلَها بيانُ صحَّة الصَّلاة ولو أصابَت المرأةَ بعضُ ثيابِ المصلِّي، وفي هذه الترجمة بيانُ صحَّتِها ولو أصابها بعضُ جسدِه.\n\n٥١٩ - <span id=\"b-٤٧\"> </span>قوله: (حَدَّثَنا عَمْرو بنُ عَلِيٍّ) أي بالواو، الفَلَّاسُ البَاهِليُّ، ترجمتُه في باب الدِّينُ يُسرٌ.\nقوله: (قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى) أي القطَّان، ترجمتُه في باب من الإيمان أن يُحبَّ.\nقوله: (حَدَّثَنا عُبَيْدُ اللهِ) أي العُمَرِيُّ، ترجمتُه في باب التَّبرُّز في البيوت.\nقوله: (قَالَ حَدَّثَنَا القَاسِمُ)","vol":"1","page":30},{"text":"أي ابنُ محمَّد بنِ أبي بكرٍ، ترجمتُه في باب مَن بدأ بالحِلاب أو الطِّيب في كتاب الطَّهارة.\nقوله: (عَنْ عَائِشَةَ) أي الصِّدِّيقة ﵂، في هذا الإسناد التَّحديث بصيغة الجمع في أربع مواضعَ، وفيه العنعنةُ في موضع واحدٍ، وفيه أنَّ رواتَه ما بين بصريٍّ ومَدنيٍّ.\nقوله: (قَالَتْ: بِئْسَمَا عَدَلتُمُوْنَا بِالكَلْبِ وَالحِمَارِ، لَقَدْ رَأَيْتُني وَرَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي وَأَنا مُضْطَجِعَةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ القِبْلَةِ، فَإِذا أَرَادَ أَنْ يَسْجُدَ غَمَزَ رِجلَيَّ فَقَبَضْتُهُمَا) مطابقةُ الحديث للترجمة ظاهرةٌ.\nقوله: (بِئْسَمَا) كلمةُ بِئْسَ من أفعال الذمِّ كما أنَّ كلمة نِعْمَ من أفعال المدح، وشرطُهما: أن يكون الفاعل المظهَر فيهما معرَّفًا باللَّام، أو مضافًا إلى المعرَّف بها، أو مُضمَرًا مميَّزُه نكرةٌ منصوبةٌ، وههنا يجوز الوجهان، الأول: أن تكون (مَا) بمعنى الذي وتكون فاعلًا لبئس، والجملة - أعني قوله: عدلتُمونا - صِلةٌ له، ويكون المخصوص بالذمِّ محذوفًا، والتقديرُ: بئسَ الذي عدلتُمونا بالحمار ذلك الفعل، والوجه الثاني: أن يكون فاعل بِئْسَ مُضمَرًا مُميَّزًا، وتكون الجملةُ بعدَه صفةً له والمخصوص أيضًا محذوفًا، والتقدير: بئس شيئًا ما عدلتُمونا بالحمار شيءٌ، وفي الوجهين المخصوصُ بالذمِّ مبتدأ وخبرُه الجملة الَّتي قبلَه.\nومعنى (عَدَلتُمُوْنَا): جعلتُمونا مثلَه، قال شيخُنا: (عَدَلْتُمُوْنَا) بتخفيف الدّال، و(مَا) نكرةٌ مُفسّرة لفاعل (بئس) والمخصوص بالذَّم محذوف تقديره: عدلُكم، أي تسويَتُكم إيَّانا بما ذكر.\nوقد تقدَّم الكلامُ على مباحث الحديث في باب التَّطوُّع خلفَ المرأة، وقال العَيني: وقد مرَّ الكلامُ عليه مُستوفىً في باب الصَّلاة على الفراش، ثمَّ قال: قولُها: (لَقَدْ رَأَيْتُنِي) بضمِّ التَّاء، وكونُ الفاعل والمفعول ضميرين لشيء واحدٍ من خصائص أفعال القلوب، وفي التقدير: لقد رأيتُ نفسي. وقال الكِرْماني: إن كان الرؤيةُ بمعناها الأصليِّ فلا يجوز حذفُ أحد مفعولَيه، وإن كانت بمعنى الإبصار فلا يجوز اتحادُ الضميرين، ثمَّ أجاب بقول الزمخشريِّ؛ فإنَّه قال في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا﴾ [آل عمران: ١٦٩] جازُ حذفُ أحدِهما؛ لأنَّه مبتدأٌ في الأصل فيحذفُ كالمبتدأ، ثمَّ قال الكِرْماني: هذا مخالفٌ لقوله في «المفصَّل»: وفي سائر مواضع «الكَشَّاف»: لا يجوزُ الاقتصارُ على أحد مفعولَي الِحسبان، ثمَّ أجاب عنه بأنه رويَ عنه أيضًا: إنَّه إذا كان الفاعل والمفعولُ عبارةً عن شيءٍ واحد جازَ الحذفُ، وأمكن الجمعُ بينهما بأنَّ القولَ بجواز الحذف فيما إذا اتحدَ الفاعلُ والمفعولُ معنىً، والقولَ بعدمِه فيما إذا كان بينهما الاختلاف، والحديثُ هو من القسم الأوَّل؛ إذ تقديرُه: رأيتُ نفسي مُعترضَةً؛ إذ أُعطي للرؤية الَّتي بمعنى الإبصار حُكمَ الرؤية الَّتي من أفعال القلوب.\nقولُها: (وَرُسُوْلُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي) جملةٌ اسميّةٌ وقعت حالًا على الأصل، أعني بالواو، وكذلك قولُها: (وَأَنَا مُضْطَجِعَةٌ).\nقولُها: (غَمَزَ رِجلَيَّ) قال الجوهريُّ: غمزتُ الشَّيءَ بيدي، وقال الشاعر:\nوكنتُ إذا غَمَزْتُ قَناةَ قَومٍ... كَسَرْتُ كُعوبَها أو تَستَقيما\nوغمزتُه بعيني، قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ﴾ [المطففين: ٣٠] والمراد هنا الغَمزُ باليد، وفي رواية للبخاريِّ: «فَإِذَا سَجَدَ غَمَزَنِي فَقَبَضْتُ بِرِجْلَيَّ، وإِذَا قَامَ بَسَطْتُهُمَا»، وفي رواية الطَّحاوي: «فإذا سجدَ غَمَزَني فرفعتُهما فقبضتُهما، فإذا قامَ مددْتُهما»، وفي روايةٍ: «غَمَزَها برِجله فقال: تَنَحَّي» وفي رواية لأبي داودَ: «فإذا أرادَ أنْ يسجدَ ضربَ رِجليَّ فقبضتُهما فسجد»، وفي رواية له: «فإذا أرادَ أنْ يسجدَ","vol":"1","page":31},{"text":"غَمَزَ رِجْلِي فضممْتُها إليَّ ثمَّ سجدَ».\n\n <span id=\"b-٤٨\"> </span>(١٠٩) <span data-type=\"title\" id=toc-48>(بابٌ المرأَةُ تَطْرَحُ عَنِ المُصَلِّي شَيئًا مِنَ الأَذَى)</span> أي هذا بابٌ فيه المرأةُ تطرحُ... إلى آخره، ولفظُ (بَابٌ) منوَّن؛ لأنَّه خبر لمبتدأ، و(تَطْرَحُ) خبرُه، وكلمةُ (مِنَ) بيانيّة.\nقال ابن بطَّال: هذه الترجمةُ قريبةٌ من التراجم الَّتي قبلَها، وذلك أنَّ المرأةَ إذا تناوَلَت ما على ظهر المصلِّي فإنَّها تقصِدُ إلى أخذِهِ من أيِّ جهةٍ أمكَنها تناوُلُه؛ فإن لم يكن هذا المعنى أشدَّ من مرورها بين يدَيه فليس بدونِه.\nوقد ترجَم على حديث هذا الباب في الطهارة قبلَ الغسل بقوله: (بابٌ: إِذَا أُلْقِيَ عَلَى ظَهْرِ المُصَلِّي قَذَرٌ أَوْ جِيْفَةٌ لَمْ تَفْسُدْ عَلَيْهِ صَلَاتُهُ)، قال العَيني: وقد ذكرنا هناك ما يتعلَّق بهذا الحديث مُستَوفىً من كلِّ وجه، فلنذكرْ ههنا ما يُحتاج إليه من غير ما ذكرنا.\n\n٥٢٠ - <span id=\"b-٤٩\"> </span>قوله: (حَدَّثَنا أَحْمَدُ بنُ إِسْحَاقَ) أي السِّرْماريُّ -بكسر السِّين المهملةِ وفتحها وسكونِ الرَّاء الأولى- نسبةً إلى سِرْمار من قُرى بُخارى، وهو الذي يُضربُ بشجاعته المثلُ، قتلَ ألفًا من التُّرك، ماتَ سنةَ اثنينِ وأربعين ومائتين، وهو من صغار شُيوخ البخاريِّ، وقد شاركَه في روايته عن شيخِه عُبَيْد الله بنِ موسى المذكور.\nقوله: (قَالَ حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بنُ مُوْسَى) أي الكوفيُّ، في باب دعاؤكُم إيمانكُم.\nقوله: (قَالَ حَدَّثَنَا إِسْرَائِيْلُ) أي ابنُ يُونُسَ، ترجمتُه في باب مَن ترك بعضَ الاختيار في كتاب العلم.\nقوله: (عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) أي عمرٍو، ترجمته في باب الصَّلاة من الإيمان، وهذا الحديث لا يُروى إلَّا بإسناده.\nقوله: (عَنْ عَمْرو بنِ مَيْمُوْنَ) ترجمتُه في باب غسل المني.\nقوله: (عَنْ عَبْدِ اللهِ) أي ابنِ مسعود، ترجمتُه في باب قول النَّبِيِّ ﷺ: بُني الإسلامُ على خمسٍ.\nفي هذا الإسناد التَّحديث بصيغةِ الجمعِ في ثلاثةِ مواضع، وفيه: العنعنةُ في موضعين، وفيه: أنَّ رجالَه كلُّهم كوفيّون ما خلا أحمدَ بنَ إسحاقَ.\nقوله: (قَالَ: بَينَمَا رَسُوْلُ اللهِ ﷺ قَائِمٌ يُصَلِّي عِنْدَ الكَعْبَةِ وَجَمْعُ قُرَيْشٍ فِي مَجَالِسِهِم إِذْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ ألا تَنْظُرُوْنَ إِلَى هَذَا المُرَائِي أَيُّكُمْ يَقُوْمُ إِلَى جَزُورِ آلِ فُلَانٍ فَيَعْمِدُ إِلَى فَرْثِهَا وَدَمِهَا وَسَلَاهَا فَيَجِيءُ بِهِ ثمَّ يُمْهِلُهُ حتَّى إِذَا سَجَدَ وَضَعَهُ بَينَ كَتِفَيهِ، فَانبَعَثَ أَشْقَاهُمْ، فَلَمَّا سَجَدَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَضَعَهُ بَينَ كَتِفَيهِ، وَثَبَتَ النَّبِيُّ ﷺ سَاجِدًا، فَضَحِكُوا حتَّى مَالَ بَعضُهُم إِلَى بَعضٍ مِنَ الضَّحِكِ، فَانطَلَقَ مُنطَلِقٌ إِلَى فَاطِمَةَ - وَهِيَ جُوَيْرَةُ - فَأَقبَلَتْ تَسْعَى، وَثَبَتَ النَّبِيُّ ﷺ سَاجِدًا حتَّى أَلقَتْهُ عَنْهُ وَأَقبَلَتْ عَلَيْهِمْ تَسُبُّهُمْ، فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ الصَّلاة قَالَ: اللَّهُمَّ عَلَيكَ بِقُرَيْشٍ، اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيشٍ، اللَّهُمَّ عَلَيكَ بِقُرَيشٍ. ثمَّ سَمَّى: اللَّهُمَّ عَلَيكَ بِعَمْرِو بنِ هِشَامٍ، وَعُتبَةَ بنِ رَبِيعَةَ، وَشَيْبَةَ بنِ رَبِيْعَةَ، وَالوَلِيْدِ بنِ عُتْبَةَ، وَأميَّة بنِ خَلَفٍ، وَعُقبَةَ بنِ أَبِي مُعَيطٍ، وَعُمَارَةَ بنِ الوَلِيدِ. قَالَ عَبدُ اللهِ: فَوَاللهِ لَقَدْ رَأَيتُهُمْ صَرْعَى يَوْمَ بَدْرٍ، ثمَّ سُحِبُوا إِلَى القَلِيْبِ قَلِيْبِ بَدرٍ، ثمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: وَأُتْبِعَ أَصْحَابُ القَلِيْبِ لَعْنَةً).\nمطابقتُه للترجمة ظاهرةٌ، وهذا الحديثُ لا يُروى إلَّا بإسناد عَمْرو بنِ مَيمونٍ، مر في باب: إذا أُلقيَ على ظهرِ المصلِّي قَذَرٌ.\nقوله: (بَينَمَا رَسُوْلُ اللهِ) وفي روايته هناك:","vol":"1","page":31},{"text":"(بَيْنَا)، وقد ذكرناه هناك، والعاملُ فيه معنى المفاجأةِ الَّتي في (إِذْ) قال: ولا يجوزُ أنْ يَعمل فيه (يُصَلِّي) لأنَّه حالٌ عن رسول الله ﷺ المضافِ إليه (بين) فلا يعمل فيه.\nقوله: (أَلَا تَنْظُرُوْنَ إِلَى هَذَا المُرَائِي) مأخوذ من الرياء، وهو التعبد في الملأ دون الخلوة ليُرى.\nقوله: (جَزُوْرِ آلِ فُلَانٍ) قال شيخُنا: لم أقفْ على تعيينهِم، لكن يُشبِه أن يكونوا آلَ أبي مُعَيط، لمبادرة عُقْبَة بنِ أبي مُعَيط إلى إحضار ما طلبوه منه، وهو المعنيُّ بقوله: (أَشْقَاهُمْ). انتهى.\nقلتُ: وقد تقدَّم الكلامُ في قوله: (أَشْقَاهُمْ) مع أنَّ أبا جهلٍ أشقى من المنبعِث. انتهى.\nقوله: (فَانْطَلَقَ مُنْطَلِقٌ) قال شيخُنا أيضًا: لم أقف على اسمه، ويحتمل أن يكون هو ابنَ مسعود.\nقوله: (فَيَعْمِدُ) بالرفع عطفًا على (يقوم)، ويروى بالنَّصب؛ لأنَّه وَقَعَ بعدَ الاستفهام.\nقوله: (فَانْبَعَثَ أَشْقَاهُمْ) أي انتهضَ أشقى القوم، وهو عُقْبَة بنُ أبي مُعَيط كما تقدَّم.\nقوله: (جَوَيْرَةٌ) أي صغيرة، وهو تصغير جاريةٍ.\nقوله: (عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ) أي بهلاكهم.\nقوله: (بِعَمْرِو بنِ هِشَامٍ) هو أبو جهلٍ عليه اللَّعنةُ.\nقوله: (وَعُمَارَةَ بنِ الوَلَيْدِ) هو السَّابع، ولم يذكره الرَّاوي هناك - أي في باب إذا أُلقي - وههنا ذكره؛ لأنَّه هناك نسيَه وهنا يذكره.\nقوله: (أُتْبِعَ) -بضمِّ الهمزة- إخبارٌ من الرسول ﷺ بأنَّ الله أَتبَعَهم اللَّعنةَ؛ أي كما أنَّهم مقتولون في الدُّنْيا مطرودون عن رحمة الله في الآخرة، ويُروى: «وأَتْبِعَ» بفتح الهمزة، ويُروى بلفظ الأمر، فهو عطف على (عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ) أي قال في حياتهم: اللَّهمَّ أهلِكْهم، وقال في هلاكهم: أَتْبِعهُم لعنةً. قال شيخنا: وقد تقدَّم الكلام على فوائد هذا الحديث في الطَّهارة قبل الغسل بقليل.\nخاتمة\nاشتملت أبوابُ استقبالِ القِبلة وما معها من أحكام المساجد وسُترة المصلِّي من الأحاديث المرفوعة على ستةٍ وثمانين حديثًا، المكرَّر منها ستةٌ وثلاثون حديثًا، عشرةٌ تقدَّمت وستةٌ وعشرون فيها الخالصُ منها خمسون حديثًا، وافقَه مسلمٌ على تخريج أصولها سوى حديثِ أنسٍ: «مَنِ اسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا»، وحديث ابن عبَّاس في الصَّلاة في قبل الكعبة، لكنْ أوضحنا أنَّ مسلمًا أخرجَه عن ابن عبَّاس عن أسامةَ، وحديث جابرٍ في الصَّلاة على الراحلَة، وحديث عائشةَ في قصَّة الوَليدة صاحبةِ الوِشَاح، وحديث أبي هريرةَ: رأيت سبعين من أصحاب الصفَّة، وحديث ابنِ عمرَ: كان المسجدُ مَبنيًّا باللَّبِنِ، وحديث ابنِ عبَّاس في قصَّة عَمَّارٍ في بناء المسجد، وحديثه في الخُطبة في خَوخَة أبي بكرٍ، وحديث عُمَر في رفع الصَّوت في المسجد، وحديث ابنِ عُمَر في المساجد الَّتي على طُرِق المدينة، وهو مشتمِلٌ على عشرة أحاديثَ، وحديث عائشةَ: لم أعقْل أَبَوَيَّ إلَّا وهما يَدِينان الدِّين، وفيها من المعلَّقاتِ ثمانيةَ عشرَ حديثًا كلُّها مُكرَّرة إلَّا حديثَ أَنَس في قصَّة العبَّاس ومال البَحرين، وهو من أفراده أيضًا عن مسلم، جملةُ ما فيها من الأحاديث بالمكرَّر مائةٌ وأربعةُ أحاديثَ، وفيها من الآثار ثلاثةٌ وعشرون، كلُّها معلَّقاتٌ إلَّا أثرَ مساجدِ ابنِ عبَّاسٍ، وأثرَ عُمَر وعثمانَ: أنّهما كانا يستلقيان في المسجد، وأثرَهما: أنّهما زادا في المسجد، فإنَّ هذه","vol":"1","page":32},{"text":"موصولةٌ، والله أعلم.\n\n <span id=\"b-٥٠\"> </span>أبوابُ المواقيتِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-50>كتابُ مواقيتِ الصَّلاةِ</span>\nبسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ\nقال شيخُنا: كذا للمُسْتَمْلي وبعدَه البَسملةُ، ولرفيقيه البسملةُ مقدَّمةٌ وبعدَها بابُ مواقيتِ الصَّلاة وفضلِها، وكذا في نسخة الصَّغَانيِّ، وكذا لكريمةَ لكن بلا بسملةٍ، وكذا للأَصِيلي لكن بلا باب. وقال العَيني: أي هذا كتابٌ في بيان أحكامِ مَواقيت الصَّلاة.\nولما فرغَ من بيانِ الطّهارةِ بأنواعِها الَّتي هي شرطُ، شرعَ في بيان الصَّلاة بأنواعِها الَّتي هيَ المشروطةُ، والشّرطُ مقدَّمٌ على المشروطِ، وقدَّمها على الزَّكاةِ والصَّوم وغيرهِما لما إنَّها تاليةٌ للإيمان وثانيتُه في الكتاب والسُّنَّة، ولشدَّةِ الاحتياج وعمومِه إلى تعلُّمِها لكثرةِ وقوعِها ودوَرانها بخلاف غيرها من العباداتِ.\nوهي في اللُّغة: من تحريك الصَّلَوين، وهما العظمانِ الناتئانِ عند العَجِيزة، وقيلَ: من الدُّعاء، فإن كانت من الأوَّل تكون من الأسماء المغيَّرة شرعًا المقرَّرة لغةً، وإن كانت من الثَّاني تكون من الأسماء المنقولة، وفي الشَّرع عبارة عن الأركان المعلومة والأفعال المخصوصة.\nوالمواقيتُ جمع مِيقاتٍ على وزن مِفعال، وأصلُه مُوقات، قلبَت الواو ياءً لسكونها وانكسار ما قبلها من: وَقَتَ الشيءَ يَقِتُه إذا بيَّن حدَّه، وكذا وقتُه وقتٌ مخصوص، وهو بيانُ مِقدارِ المدَّة، وكذلك التأقيتُ، وقال السَّفَاقُسي: الميقاتُ هوَ الوقتُ المضروبُ للفعل والموضِعُ، وفي «المنتهى»: كلُّ ما جُعل له حينٌ وغايةٌ فهو مُوَقَّتٌ، ووقَّتَه ليوم كذا، أي أجَّلَه، وفي «المحكَم»: وَقْتٌ موقوتٌ ومُوَقَّتٌ محدودٌ، وفي «نوادر الهَجريِّ»: قال القردِي: أيقتوا مَوْقتًا آتيكُم فيه.\nثم قال العَيني أيضًا: قولُه: (بَابُ مَوَاقِيْتِ الصَّلاة وفَضْلِهَا) أي على رواية رفيقي المُسْتَمْلي، من العادة المستمرَّة عند المصنِّفين أن يذكروا الأبوابَ بعدَ لفظ الكتاب، فإِنَّ الكتبَ تشمَلُ الأبواب والفُصولَ، والبابُ هو النَّوع، وأصلُه البَوب، قُلِبت الواوُ ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلَها، ويجمع على أبوابٍ، وقد قالوا: أَبوِبةٌ، وإنّما جُمع أبوبةً للازدواج، ولو أفردَه لم يَجُز، ويقال: أبوابٌ مُبَوَّبة كما يقال: أصنافٌ مُصنَّفة، والبَابَةُ: الخَصْلةُ، والبَابَاتُ: الوُجوه، وقال ابن السِّكِّيت: البَابَةُ عند العرب الوَجْهُ.\nقوله: «وقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ الصَّلاة كَانَتْ عَلَى المُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوْتًا﴾ [النساء: ١٠٣]» وَقَّتَه عليهم.\nقوله: مجرورٌ عطفًا على مواقيت الصَّلاة، أي هذا بابٌ في بيانِ مَواقيت الصَّلاة وبيانِ قوله: ﴿إِنَّ الصَّلاة كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء ١٠٣]، وفَسَّرَ ﴿مَوْقُوْتًا﴾ بقوله: (وَقَّتَه عليهم) أي وقَّتَ اللهُ الكتابَ - أي المكتوبَ الذي هو الصَّلاة - عليهم، أي على المسلمين، وليسَ بإضمار قبلَ الذكر لوجود العربيَّة، ووَقَعَ في أكثر الرِّوايات: ﴿مَوْقُوتًا﴾ مُوَقّتًا عليهم، وليس في بعض النُّسخ لفظُ: «مُوَقَّتًا» يعني بالتشديد، واستشكل ابن التِّين تشديدَ القاف من (وَقَّتَه) وقال: المعروف في اللُّغة التَّخفيفُ. قال العَيني: ليس فيه إشكالٌ؛ لأنَّه جاء في اللُّغة: وَقَتَه بالتخفيف ووقَّتَه بالتشديد، فكأنَّه ما اطَّلع في «المحكم» وغيره، وقال شيخُنا:","vol":"1","page":32},{"text":"والظَّاهر أنَّ المصنِّف أرادَ بقوله: (مُوَقَّتًا) بيانَ قوله: (مَوْقُوْتًا) من التوقيت، فقد جاء عن مجاهد في معنى قوله: ﴿مَوْقُوْتًا﴾ قال: مفروضًا، وعن غيره: محدودًا. انتهى.\nقال العَيني: أراد بقوله: (مُوَقَّتًا) بيانَ قوله: ﴿مَوْقُوْتًا﴾ هذا كلامٌ واهٍ، وليس في لفظ (مَوْقُوْتًا) إيهامٌ حتَّى ينبِّه بقوله: (مُوَقَّتًا). انتهى.\n\n٥٢١ - <span id=\"b-٥١\"> </span>قوله: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بنُ مَسْلَمَةَ) أي القَعنَبي، ترجمتُه في باب من الدِّين الفِرارُ من الفتن.\nقوله: (قَرَأْتُ عَلى مَالِكٍ) أي الإمام، ترجمتُه في كتاب الوحي.\nقوله: (عَنِ ابنِ شِهَابٍ) أي محمَّد بن مُسلم، ترجمته في باب إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة.\nقوله: (أَنَّ عُمَر بنَ عَبْدِ العَزِيْزِ) أي ابن مروان، أميرُ المؤمنين من الخلفاء الراشدين، ترجمته ﵁ في كتاب الإيمان.\nقوله: (عُرْوَة بنُ الزُّبَيْرِ) أي ابن العَوَّام، ترجمته في بَدء الوَحي.\nقوله: (المُغِيْرَةُ بنُ شُعْبَةَ) أي الصَّحابي، ترجمته في باب الدِّين النَّصيحة.\nقوله: (أَبُو مَسْعُوْدٍ الأَنْصَارِيُّ) أي عُقْبَة بن عَمْرو بنِ ثَعْلَبَةَ الخزرجيُّ الأنصاريُّ ﵁، ترجمته في باب ما جاء أنَّ العملَ بالنيَّة والحِسبة.\nقوله: (بَشَيْرُ بنُ أَبِي مَسْعُوْدٍ) أي ابن عُقْبَة المذكور، قال شيخُنا: هو بفتح الموحَّدة بعدَها معجَمة، بوزن فعيل، وهو تابعي جليلٌ، وذُكر في الصحابة لكونه وُلد في عهد النَّبِيِّ ﷺ ورآه. انتهى.\nقلتُ: ذكر أبو عيسى التِّرْمِذي في «تاريخه» في باب مَن وُلد في حياة رسول الله ﷺ أو بعد وفاته بشير، ولم يذكر له قصةً. انتهى.\nفي هذا الإسناد التَّحديث بصيغة الجَمع في مَوضع واحدٍ، والإخبارُ بصيغة الإفراد من الماضي، وفيه القراءةُ على الشيخ، وفيه العنعنةُ في موضع واحدٍ، وفيه أنَّ رجالَه كلُّهم مدنيّون، وفيه ما قاله ابنُ عبد البَّرِّ، وهو أنَّ هذا السِّياق منقطع عند جماعة من العلماء؛ لأنَّ ابنَ شِهابٍ لم يقل: حضرتُ مراجعةَ عُرْوَة لعمرَ بن عبد العزيز، وعُرْوَة لم يقل: حدَّثني بشير، لكن الاعتبار عند الجمهور بثبوت اللقاء والمجالسة لا بالصِّيَغ.\nوقال الكِرْماني: اعلم أنَّ هذا الحديث بهذا الطريق ليس بمتصِل الإسناد؛ إذ لم يقل أبو مسعودٍ: شاهدتُ رسول الله ﷺ، ولا قال: قال رسول الله ﷺ. انتهى.\nقال شيخُنا: هذا لا يُسمّى منقطعًا اصطلاحًا، وإنما هو مرسلُ صحابي؛ لأنَّه لم يدرك القصة، فاحتمل أن يكون سمع ذلك من النَّبِيِّ ﷺ أو بلغه عنه بتبليغ مَن شاهدَه أو سمعه لصحابي آخر، على أنَّ رواية اللَّيث عند المصنِّف تزيل الإشكالَ كلَّه، ولفظُه: فقال عروةُ: سمعت بشير بنَ أبي مسعود يقول: سمعت أبي يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول، فذكر الحديث، وكذا سياقُ ابن شِهاب ليس فيه التصريحُ بسماعه له من عُرْوَةَ، وابنُ شهابٍ قد جُرِّب عليه التدليسُ، لكن وَقَعَ في رواية عبد الرزَّاق عن مَعْمَر عن ابن شِهابٍ قال: كنّا مع عُمَر بن عبد العزيز، فذكره، وفي رواية شُعَيب عن الزهريِّ: سمعت عُرْوَة يحدِّث عُمَر بن عبد العزيز، الحديث. انتهى.\nقال العَيني: قولُ هذا القائل: رواية اللَّيث عند المُصَنِّف تزيل الإشكالَ كلَّه إلى آخره، غيرُ مُسلَّمٍ","vol":"1","page":33},{"text":"في الرواية الَّتي ههنا؛ لأنَّها غيرُ متَّصلةُ الإسناد بالنَّظر إلى الظَّاهر، وإن كانت في نفس الأمر متصلةَ الإسناد، وكلامُ الكِرْماني بحسب الظَّاهر وإن كان الإسناد في نفس الأمر متَّصلًا. انتهى.\nقال شيخنا: لم أقل: إنَّها متَّصلةٌ لفظًا، بل هي متَّصلةٌ اصطلاحًا بدليل رواية اللَّيث، فالذي لا يُسلِّم هذا - يعني العَيني - لا يُلام؛ لأنَّه لا يدري الاصطلاح، وما زال الأئمةُ يحرصون على بيان الاتصال فيما يوهِم الإرسالَ وتسميةِ مَن أُبهم ونحو ذلك من النُّكت الحديثيَّة، وبالله التَّوفيق. انتهى.\nقوله: (أَنَّ عُمَر بنَ عَبْدِ العَزِيْزِ أَخَّرَ الصَّلاة يَومًا وهو بالعراق، فَدَخَلَ عَلَيْهِ عُرْوَة بنُ الزُّبَيْر فَأَخبَرَهُ: أَنَّ المُغِيْرَةَ بنَ شُعْبَة أَخَّرَ الصَّلاة يَوْمًا وَهُوَ بِالعِرَاقِ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ أَبُو مَسْعُوْدٍ الأَنْصَارِيُّ فَقَالَ: مَا هَذَا يَا مُغِيرَةُ؟ أَلَيْسَ قَدْ عَلِمْتَ أَنَّ جِبْرِيْلَ ﵇ نَزَلَ فَصَلَّى، فَصَلَّى رَسُوْلُ اللهِ ﷺ، ثمَّ صَلَّى فَصَلَّى رَسُوْلُ اللهِ ﷺ، ثمَّ صَلَّى فَصَلَّى رَسُوْلُ اللهِ ﷺ، ثمَّ صَلَّى فَصَلَّى رَسُوْلُ اللهِ ﷺ، ثمَّ صَلَّى، فصلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ، ثمَّ قَالَ: بِهَذَا أُمِرْتُ؟! فَقَالَ عُمَر لِعُرْوَةَ: اعْلَمْ مَا تُحَدِّثُ بِهِ، أَوَ إِنَّ جِبرِيلَ هُوَ أَقَامَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ وَقْتَ الصَّلَاَةِ؟ قَالَ عُرْوَةُ: كَذَلِكَ كَانَ بَشِيْرُ بنُ أَبِي مَسْعُودٍ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيْهِ).\nقَالَ عُرْوَةُ: (وَلَقَدْ حَدَّثَتْنِي عَائِشَةُ ﵂: أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّي العَصْرَ وَالشَّمْسُ فِي حُجْرَتِهَا قَبْلَ أَنْ تَظْهَرَ).\nمطابقته للترجمة في قوله: (أَنَّ جِبْرِيْلَ نَزَلَ فَصَلَّى...) إلى آخره، وهي خمسُ مرَّات، فدلَّ أنَّ الصَّلوات مؤقَّتة بخمسة أوقات، فإن قلت: الحديث لا يدلُّ إلَّا على عدد الصلوات، لأنَّه لم يذكر الأوقات. قال العَيني: وقوعُ الصَّلاة خمس مرَّات يستلزم كونَ الأوقات خمسةً، واقتصر أبو مسعود على ذكر العدد؛ لأن الوقت كان معلومًا عند المخاطبة.\nهذا الحديثُ أخرجه البخاريُّ أيضًا في بدء الخلق عن قُتَيْبَة عن ليثٍ، وفي المغازي عن أبي اليمان عن شُعَيب ثلاثتُهم عن الزُّهْري عن عُرْوَة عنه به، وأخرجه مسلم في الصَّلاة عن قُتَيْبَة ومحمَّد بن رُمحٍ كلاهُما عن ليثٍ به، وعن يحيى بن يحيى عن مالك به، وأخرجه أبو داود فيه عن محمَّد بن مسلمةَ عن ابن وَهْب عن أسامة بن زيد عن الزُّهْري عن عُرْوَة عنه به، وأخرجه النَّسائي فيه عن قُتَيْبَة به، وأخرجه ابن ماجَهْ فيه عن محمَّد بن رُمحٍ به.\nقوله: (أَخَّرَ الصَّلاة يَوْمًا) وفي رواية للبخاري في بدء الخلق: أخَّر العصرَ شيئًا، وقوله: (يَوْمًا) بالتنكير؛ ليدلَّ على التعليل، ومرادُه يومًا ما، لا أنَّ ذلك كان سَجيةً كما كانت ملوكُ بني أميَّة تفعل لا سيَّما العصرَ، فقد كان الوليد بن عُتْبَة يؤخِّرها في زمان عُثْمان ﵁، وكان ابنُ مسعود يُنكِر عليه، وقال عطاء: أخَّر الوليد مرَّةً الجمعةَ حتَّى أمسى، وكذا كان الحجَّاج يفعل، وسيأتي بيان ذلك قريبًا في باب تضييع الصَّلاة عن وقتها.\nوفي رواية الطَّبَرَاني من طريق أبي بكر بن حَزم: أنَّ عُرْوَة حدَّث عُمَر بن عبد العزيز","vol":"1","page":33},{"text":"وهو يومئذٍ أميرُ المدينة في زمان الوليد بن عبد الملك، وكان ذلك زمانٌ يؤخِّرون فيه الصلاة، يعني بني أميَّة، قال ابن عبد البرِّ: المرادُ إنَّه أخَّرها حتَّى خرج الوقتُ المستحبُّ، لا إنَّه أخَّرها حتَّى غربت الشمس. انتهى.\nقال شيخنا: ويؤيِّده سياقُ رواية اللَّيث المتقدِّمة.\nقال العَيني: أخرَّها عن الوقت المستحبِّ المرغَّب فيه، لا عن الوقت، ولا يُعتقد ذلك فيه لجلالته، وإنكارُ عُرْوَة عليه إنَّما وَقَعَ لتركه الوقتَ الفاضلَ الذي صلَّى فيه جبريلُ ﵇.\nفإن قلت: روى الطَّبَرَاني من طريق يزيد بن أبي حبيبٍ عن أسامةَ بن زيد اللَّيثيِّ عن ابن شهاب في هذا الحديث قال: دعا المؤذنُ لصلاة العصر، فأمسى عُمَر بن عبد العزيز قبل أن يصلِّيها. أجيب بأنَّ معناه: قارَب المساءَ. لا إنَّه دخل فيه.\nقال شيخنا: وقد رجع عُمَر بن عبد العزيز عن ذلك، فروى الأوزاعي عن عاصم بن رجاء بن حَيوَة عن أبيه: أنَّ عُمَر بن عبد العزيز - يعني في خلافته - كان يصلِّي الظُّهر في السَّاعة الثامنة، والعصرَ في السَّاعة العاشرة حين تدخل.\nقوله: (أَنَّ المُغِيْرَةَ بنَ شُعْبَة أَخَّرَ الصَّلاة يَومًا) بيَّن عبدُ الرزَّاق في روايته عن ابن جُرَيج عن ابن شِهَاب: أنَّ الصَّلاة المذكورة العصرُ أيضًا، ولفظه: «مَسَّى المغيرةُ بنُ شُعْبَة بصلاةِ العصرِ».\nقوله: (وَهُوَ بِالعِرَاقِ) جملةُ اسميَّة وقعت حالًا عن المغيرة، وأراد به عراقَ العرب، وهو من عبَّادان إلى الموصل طولًا، ومن القادسيَّة إلى حُلوان عرضًا، وفي رواية القَعنَبي وغيره عن مالك في الموطأ: وهو بالكوفة. وكذا أخرجه الإسماعيلي عن أبي خليفة عن القَعْنَبي، والكوفةُ من جملة عراق العرب، فالتعبير بها أخصُّ من التعبير بالعراق، وكان المغيرة إذ ذاك أميرًا عليها من قِبل معاويةَ بن أبي سفيان.\nقوله: (مَا هَذَا) أي التأخير.\nقوله: (أَلَيْسَ) الرواية وقعت كذا (أَلَيْسَ) وكأنَّ مقتضى الكلام: (أَلَيْسَتْ) بالخطاب، قال القُشَيري: قال بعض فضلاء الأدب: كذا الرواية، وهي جائزة، إلَّا أنَّ المشهور في الاستعمال (أليست) يعني بالخطاب.\nوقال عياض: يدلُّ ظاهر قوله: (قَدْ عَلِمْتَ) على علم المغيرة بذلك، ويحتمل أن يكون ذلك على سبيل الظنِّ من أبي مسعود؛ لعلمه بصحبة المغيرة. قال العَيني: لأجل ذلك ذكره بلفظ الاستفهام في قوله: (أَلَيْسَ) ولكن يؤيِّد الوجه الأوَّل رواية شُعَيب عن ابن شهاب عند البخاري أيضًا في غزوة بدر بلفظ: فقال: (لَقَدْ عَلِمْتَ) بغير حرف الاستفهام، ونحوُه عن عبد الرزَّاق عن مَعْمَر وابن جُرَيج جميعًا.\nقوله: (أَنَّ جِبْرِيْلَ نَزَلَ) قلت: قد قدَّمنا الكلام على جبريل ﵇ مستقصىً في كتاب الوحي. انتهى. بيَّن ابن إِسْحاق في المغازي: أنَّ ذلك كان صبيحة اللَّيلة الَّتي فرضت فيها الصلاة، وهي ليلة الإسراء.\nقال شيخنا: قال ابن إسحاق: حدَّثني عُقْبَة بن مسلم عن نافع بن جُبَير، وقال عبد الرزَّاق: عن ابن جُرَيج قال: قال نافع بن جُبَير وغيره: «لما أَصبحَ النَّبِيُّ ﷺ منَ الليلةِ الَّتي أُسريَ بِهِ لم يرُعْهُ إلَّا جبريلُ نزلَ حِينَ زاغَتِ الشَّمس - ولذلك سمِّيت الأولى؛ أي صلاة الظُّهر - فأمرَ","vol":"1","page":34},{"text":"فَصِيحَ بأصحابِه: الصَّلاة جامعَة، فاجتمعُوا فصلَّى بهِ جبريلُ، وصلَّى النَّبِيُّ ﷺ بالناسِ» فذكر الحديث، وفيه ردٌّ على من زَعَمَ أنَّ بيانَ الأوقات إنَّما وَقَعَ بعد الهجرة، والحقُّ: أنَّ ذلك وَقَعَ قبلها ببيان جبريل، وبعدها ببيان النَّبِيِّ ﷺ. انتهى.\nقلت: اليوم الذي يسفر عن ليلتها، ورُدَّ: أنَّ الإسراء كان ليلة الجمعة، وكأنَّ بعضهم يقول: ليلة السَّبت، قال ابن دِحْيَة: وهذا نقلٌ مَحضٌ يُطلب فيه الصِّحَّة، ثمَّ قال: يكون إن شاء الله تعالى يوم الاثنين. وذكر الدَّليل على ذلك بمقدمات حساب من تاريخ الهجرة، وحاصل الأمر: إنَّه استنبط وحاول موافقةَ كون المولد الشريف يوم الاثنين، وكون المبعث يوم الاثنين، وكون المعراج يوم الاثنين، وكون الهجرة يوم الاثنين، وكون الوفاة يوم الاثنين، قال: فإن هذه أطوارُ الانتقالاتِ النبوية وجودًا ونبوَّةً وهجرةً ومعراجًا ووفاةً، فيكون يوم الاثنين في حقِّه ﵇ كيوم الجمعة في حقِّ آدم ﵇، فيه خُلق وفيه تِيب عليه وفيه مات ﵇. انتهى. ذكره في كتاب «الابتهاج».\nقوله: (فَصَلَّى فَصَلَّى رَسُوْلُ اللهِ ﷺ) قال العَيني: الكلام هنا في موضعين؛ أحدهما: في كلمة (ثُمَّ صَلَّى فَصَلَّى)، والآخر: في كلمة الفاء، أما الأوَّل فقد قال الكِرْماني: فإن قلت: لِمَ قال في صلاة جبريل: (ثُمَّ صَلَّى) بلفظ (ثم)، وفي صلاة الرَّسول: (فَصَلَّى) بالفاء، قلت: لأنَّ صلاة الرسول كانت متعقبة لصلاة جبريل ﵇ بخلاف صلاته؛ فإن بينَ كلِّ صلاتين زمانًا، فناسب كلمة التراخي. انتهى. قلت: وقد علمت مما قاله الكِرْماني: إنَّه ليس بين نزوله وصلاته تراخي؛ لأنَّه قال: (فَصَلَّى فَصَلَّى رَسُوْلُ اللهِ ﷺ). انتهى.\nوأما الثَّاني فقد قال عياض: ظاهره أنَّ صلاته كانت بعد فراغ صلاة جبريل، لكن المنصوص في غيره: أنَّ جبريل أَمَّ النَّبِيَّ ﷺ، فيحمل قوله: (فَصَلَّى فَصَلَّى) على أنَّ جبريل كان كلما فعل جزءًا من الصَّلاة تابعه النَّبِيُّ ﷺ بفعله. وقال النَّوَوي: (صَلَّى فَصَلَّى) مكرِّرًا خَمْس هكذا خمس مرات، معناه: إنَّه كلما فعل جزءًا من أجزاء الصَّلاة فعله النَّبِيُّ ﷺ حتَّى تكاملت صلاتهما. انتهى.\nقال العَيني: مبنى كلام عياض على أنَّ الفاء في الأصل للتعقيب، فيدلُّ على أنَّ صلاة النَّبِيِّ ﵇ كانت عُقيب فراغ جبريل من صلاته، وحاصل جوابه: إنَّه جعل الفاء على أصله، وأوَّله بالتأويل المذكور، وبعضهم ذهب إلى أنَّ الفاء هنا بمعنى الواو؛ لأنَّه ﵊ إذا ائتم بجبريل يجب أن يكون مصلِّيًا معه لا بعده، وإذا حملت الفاء على حقيقتها وجب ألَّا يكون مصلِّيًا معه، واعترض عليه بأن الفاء إذا كان بمعنى الواو يحتمل أن يكون النَّبِيُّ ﷺ صلَّى قبل جبريل؛ لأن الواو لمطلق الجمع، والفاء لا تحتمل ذلك، قلت: مجيء الفاء بمعنى الواو لا يُنكر كما في قوله:\n* بين الدخول فحَوْمل\nفإن الفاء فيه بمعنى الواو، والاحتمال الذي ذكره المعترض يدفع بأن جبريل ﵇ هنا مبيِّن لهيئة الصَّلاة","vol":"1","page":34},{"text":"الَّتي فرضت ليلة الإسراء، فلا يمكن أن تكون صلاته بعد صلاة النَّبِيِّ ﷺ، وإلا لانتفى أن يكون لصلاة جبريل فائدة، ويمكن أن تكون الفاء هنا سببيَّة كما في قوله تعالى: ﴿فَوَكَزَهُ مُوْسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ [القصص: ١٥]. انتهى.\nقال شيخنا: وفي رواية اللَّيث عند المُصَنِّف وغيره: «نَزَلَ جِبريلُ فَأَمَّني فَصَلَّيتُ مَعَهُ»، وفي رواية عبد الرزَّاق عن معمر: «نَزَلَ فَصَلَّى، فصَلَّى رَسُوْلُ اللهِ ﷺ فصلَّى النَّاس مَعَهُ»، وهذا يؤيِّد رواية نافع بن جُبَير المتقدِّمة، وإنَّما دعاهم إلى الصَّلاة بقوله: «الصَّلاةُ جامِعَةٌ» لأنَّ الأذان لم يكن شرع حينئذ. انتهى.\nقال القُرْطُبي: قول عروة: (أَنْ جِبْرِيْلَ نَزَلَ) ليس فيه حجَّة واضحة على عُمَر بن عبد العزير؛ إذ لم يعين له الأوقات، قال: وغاية ما يتوَّهم عليه أنَّه ينبِّهه، وذكره بما كان يعرفه من تفاصيل الأوقات، قال: وفيه بعد؛ لإنكار عُمَر على عُرْوَة حيث قال له: اعلم ما تحدِّثُ [به] (^١) يا عُرْوَة، قال: وظاهر هذا الإنكار إنَّه لم يكن عنده علم من إمامة جبريل، قال شيخنا: لا يلزم من كونه لم يكن عنده علم منها أن لا يكون عنده علم بتفاصيل الأوقات المذكورة من جهة العمل المستمرِّ، لكن لم يعرف أنَّ أصله بتبيين جبريل ﵇ بالفعل، فلهذا استثبت فيه، وكأنَّه كان يرى أن لا مفاضلة بين أجزاء الوقت الواحد، وكذا يحمل عمل المغيرة وغيره من الصحابة، ولم أقف على شيء من الرِّوايات على جواب المغيرة لأبي مسعود، والظَّاهر إنَّه رجع إليه.\nقوله: (بِهَذَا) أي بأداء الصَّلاة في هذه الأوقات.\nقوله: (أُمِرْتُ) رُوِيَ بضمِّ التَّاء وفتحها، وعلى الوجهين هو على صيغة المجهول، قال ابن العربي: نزل جبريل ﵇ إلى النَّبِيِّ ﷺ مأمورًا مكلَّفًا بتعليم النَّبِيِّ ﷺ لا بأصل الصَّلاة، وأقوى الروايتين فتح التَّاء، يعني: أنَّ الذي أُمرت به من الصَّلاة البارحة مجملًا هذا تفسيره اليوم مفصَّلًا، قال العَيني: فعلى هذا الوجه يكون الخطاب من جبريل للنَّبيِّ ﷺ، وأمَّا وجه الضمِّ فهو أنَّ جبريل ﵇ يُخبر عن نفسه إنَّه أُمِرَ به هكذا، فعلى الوجهين الضَّمير المرفوع في قوله: (ثَمَّ قَالَ) يرجع إلى جبريل ﵇، ومن قال في وجه الضمِّ: إنَّ النَّبِيَّ أخبر عن نفسه إنَّه أُمِرَ به هكذا، وأن الضَّمير في (قَالَ) يرجع إلى النَّبِيِّ ﷺ فقد أبعد وإن كان التركيب يقتضي هذا أيضًا. انتهى.\nقوله: (اعْلَمْ مَا تَحَدَّثُ بِهِ) بصيغة الأمر، تنبيه من عُمَر بن عبد العزيز لعُرْوَة على إنكاره إيَّاه، وقال القُرْطُبي: ظاهره الإنكار؛ لأنَّه لم يكن عنده خبر من إمامة جبريل ﵇، إمَّا لأنَّه لم يبلغه، أو بلغه فنسيه، والأولى عندي: أنَّ حجَّة عُرْوَة عليه إنَّما هي فيما رواه عن عائشة، وذكر له حديث جبريل موطِّئًا له ومُعلمًا بأنَّ الأوقات إنَّما ثبت أصلها بإيقاف جبريل ﵇ للنَّبيِّ ﷺ عليها.\nقوله: (أَوَأَنَّ جِبْرِيْلَ) قال السَّفَاقُسي: الهمزة حرف الاستفهام دخلت على الواو فكان ذلك تقريرًا، وقال\n_________\n(^١) به: ليست في الأصل.","vol":"1","page":35},{"text":"النَّوَوي: الواو مفتوحة، وأنَّ ههنا تُفتح وتُكسر، وقال صاحب «الاستقضاب» (^١): كسر الهمزة أظهر؛ لأنَّه استفهام مستأنف إلَّا إنَّه ورد بالواو والفتح على تقدير: أو علمت أو حدَّثت أنَّ جبريل نزل؟ قال العَيني: لم يذكر أحد منهم أنَّ الواو أي واو هي، وهي واو العطف على ما ذكره بعضهم، ولكنَّه قال: والعطف على شيء مُقَدَّر، ولم يبيِّن ما هو المُقَدَّر. انتهى.\nقلت: أراد العَيني بقوله: (بَعْضُهم) شيخَنا، فإنَّه قال: (أَوَ أَنَّ) بفتح الهمزة، وهي للاستفهام، والواو وهي العاطفة، والعطف على شيء مُقَدَّر. انتهى.\nقلت: يجوز أن يكون التقدير بعد قوله: اعلم ما تحدِّث إذ حدَّثت، أي أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان مأمومًا، أو علمت أو حدَّثت أنَّ جبريل هو أقام. انتهى.\nقوله: (وُقُوْتَ) كذا للمستملي بصيغة الجمع، وللباقين: «وَقْتَ الصَّلَاةِ» بالإفراد وهو للجنس.\n٥٢٢ - قوله: (قَالَ عُرْوَةُ) قال الكِرْماني: هذا إما مقول ابن شهاب، أو تعليق من البخاري.\nقال شيخنا: الاحتمال الثَّاني على بعده مغاير للواقع كما سيظهر في باب وقت العصر قريبًا؛ فقد ذكره مسندًا عن ابن شهاب عن عُرْوَة عن عائشة، فهو مقوله: وليس بتعليق، وسنذكر الكلام على فوائده هناك إن شاء الله تعالى. انتهى.\nقوله: (كَذَلِكَ كانَ بَشِيْر) تقدَّم الكلام على هذا في الكلام على الإسناد.\nقوله: (فِي حُجْرَتِها) قال ابن سِيدًه: الحجرة من البيوت معروفة، وقد سمِّيت بذلك لمنعها الداخل من الوصول إليها، يقال: استحجر القوم واحتجروا اتخذوا حجرةً، وفي «المنتهى» و«الصحاح»: الحجرة: حظيرة الإبل، ومنه حجرة الدَّار، تقول: احتجرت حجرة، أي اتَّخذتها، والجمع حُجَر مثل غرفة وغُرَف، وحُجُرات بضمِّ الجيم.\nقوله: (أَنْ تَظْهَرَ) ذكر في «الموعب»: يقال: ظهر فلان السَّطح إذا علاه. وعن الزَّجَّاجِ في قوله تعالى: ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ﴾ [الكهف: ٩٧] أي ما قدروا أن يعلوا عليه لارتفاعه وانملاسه. وفي «المنتهى»: ظهرتُ البيتَ علوتُه، وأظهرتُ بفلان أعليتُ به، وفي «كتاب ابن التين» وغيره: ظهر الرجل فوق السطح إذا علا فوقه. قيل: وإنَّما قيل له ذلك؛ لأنَّه إذا علا فوقه فقد ظهر شخصُه لمن تأمّله، وقيل: معناه: أن يخرج الظلُّ من قاعة حجرتها فيذهب، وكل شيء خرج فقد ظهر. قال العَيني: والتفسير الأوَّل أقرب وأليق بظاهر الحديث؛ لأنَّ الضَّمير في قوله: (تَظْهَرَ) إنَّما هو راجع إلى الشمس، ولم يتقدَّم للظلِّ ذكرٌ في الحديث. وسنستوفي الكلام في حديث عائشة عن قريب في باب وقت العصر إن شاء الله تعالى.\nفيه دليل على أنَّ وقت الصَّلاة من فرائضها، وأنَّها لا تجزئ قبل وقتها، وهذا لا خلافَ فيه بين العلماء إلَّا شيءٌ روي عن أبي موسى الأشعري وعن بعض التَّابعين أجمع العلماء على خلافه، قال العَيني: ولا وجه لذكره ههنا؛ لأنَّه لا يصحُّ عنهم، وصحَّ عن أبي موسى خلافه مما وافق الجماعة فصار اتفاقًا صحيحًا.\nوفيه المبادرة بالصلاة في أوَّل وقتها، وهذا هو الأصل وإن روي الإبراد بالظهر والإسفار بالفجر بالأحاديث الصحيحة، وفيه دخول العلماء على الأمراء وإنكارهم عليهم ما يخالف السنَّة، وفيه جواز مراجعة العالم لطلب البيان، والرجوع عند التنازع إلى السنَّة.\nوفيه أنَّ الحجَّة في الحديث المسند دون المنقطع، ولذلك لم يقنع عُمَر به، فلما أسند إلى بشير بن أبي مسعود قنع به.\nوفيه ما استدلَّ به قوم منهم ابن العربي على جواز صلاة المفترض\n_________\n(^١) كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: الاقتضاب، كذا في عمدة القاري: ٥/ ٥، وهو: الاقتضاب في شرح أدب الكتاب، لعبد الله بن محمد بن السيد البطليوسي (٥٢١ هـ)، ويحتمل أن يكون: الاستيعاب لابن عبد البرِّ، والأول أرجح.","vol":"1","page":35},{"text":"خلف المتنفِّل من جهة أنَّ الملائكة ليسوا مكلَّفين بمثل ما كلِّف به الإنس، قال العَيني: هذا الاستدلال غير صحيح؛ لأنَّ جبريل كان مكلَّفًا بتبليغ تلك الصَّلوات ولم يكن متنفِّلًا، فتكون صلاةَ مفترضٍ خلف مفترض. وقال عياض: يحتمل ألَّا تكون تلك الصَّلاة كانت واجبة على النَّبِيِّ ﷺ حينئذ، ورُدَّ بأنها كانت صبيحة ليلة فرض الصَّلاة، واعترض عليه باحتمال أنَّ الوجوب عليه كان معلَّقًا بالبيان، فلم يتحقق الوجوب إلَّا بعد تلك الصَّلاة.\nوفيه جواز البنيان، ولكن ينبغي الاقتصاد فيه، ألا ترى أنَّ جدار الحجرة كان قصيرًا؟! قال الحسن: كنت أدخل في بيوت النَّبِيِّ ﷺ وأنا محتلم وأنا أسقفها بيدي.\nوفيه ما استدلَّ به من يرى بجواز الائتمام بمن يأتم بغيره، والجواب عنه: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان مُبَلِّغًا فقط كما في قصَّة أبي بكر في صلاته خلف النَّبِيِّ ﷺ وصلاة النَّاس خلفه، وسيأتي مزيد الكلام فيه في أبواب الإمامة.\nوفيه فضيلة عُمَر بن عبد العزيز، وفيه ما قال ابن بطَّال: فيه دليل على ضعف الحديث الوارد: «أنَّ جبريلَ ﵇ أمَّ بالنَّبِيِّ ﷺ في يومَين لوقتَين مختَلفين لكُلِّ صلاةٍ» قال: لأنَّه لو كان صحيحًا لم ينكر عُرْوَة على عُمَر صلاتَه في آخر الوقت محتجًّا بصلاة جبريل، مع أنَّ جبريل قد صلَّى في اليوم الثَّاني في آخر الوقت وقال: «الوقتُ ما بينَ هَذَين» وأجيب عن هذا: بأنه يحتمل أن تكون صلاة عُمَر كانت خرجت عن وقت الاختيار، وهو مصير ظلِّ الشيء مثله، لا عن وقت الجواز وهو مغيب الشَّمس، فحينئذ يتَّجه إنكارُ عُرْوَةَ، ولا يلزم منه ضعف الحديث، أو يكون إنكار عُرْوَة لأجل مخالفة عُمَر ما واظب عليه النَّبِيُّ ﷺ وهو الصَّلاة في أوَّل الوقت، ورأى أنَّ الصَّلاة بعد ذلك إنَّما هي لبيان الجواز، فلا يلزم منه ضعف الحديث أيضًا، وفي قوله: (مَا وَاظَبَ عَليْهِ النَّبِيُّ ﷺ وَهوَ الصَّلاة فِي أَوَّلِ الوَقْتِ) نظر لا يخفى قاله العَيني، وقال ابن المنيِّر: قد يتعلق به من يُجَوِّز صلاة مفترض بفرض خلف مفترض بفرض آخر. قال شيخنا: كذا قال، وهو مسلَّم له في صورة المؤدَّاة مثلًا خلف المؤدَّاة، لا في صورة الظهر خلف العصر مثلًا. انتهى.\nوفيه قبول خبر الواحد المثبِت، واستدلَّ عياض على جواز الاحتجاج بمرسَل الثقة؛ لصنع عُرْوَة حين احتجَّ على عمر، وإنما راجعه عُمَر ليثبته فيه لا لكونه لم يرضَ به مرسَلًا، فإن قلت: ذكرُ حديث عائشة بعد ذكر حديث أبي مسعود ما وجهه؟ قال العَيني: لأن عُرْوَة احتجَّ بحديث عائشة في كونه ﵇ كان يصلِّي العصر في أوَّل الوقت، وحديث أبي مسعود يشعر بأنَّ أصل بيان الأوقات كان بتعليم جبريل ﵇.\nقال العَيني: فإن قلت: ما معنى قولها: (قَبلَ أَنْ تَظهَرَ) والشمسُ ظاهرة على كلِّ شيء من أوَّل طلوعها إلى غروبها؟ قلت: إنَّها أرادت: والفيء في حجرتها قبل أن تعلو على البيوت، فكَنَّتْ بالشمس عن الفيء؛ لأن الفيء عن الشَّمس كما سُمِّي المطر سماء لأنَّه من السَّماء ينزل، ألا ترى جاء في رواية:","vol":"1","page":36},{"text":"«لم يَظهَرِ الفَيءُ مِن حُجرَتِها»، وفي لفظ: «وَالشَّمسُ طالِعَةٌ في حُجرَتي» فافهم.\nقال شيخنا: زاد عبد الرزَّاق في «مصنَّفه» عن الزُّهْري في هذه القصة، قال: فلم يزل عُمَر يُعَلِّمُ الصَّلاة بعلامة حتَّى فارق الدنيا. ورواه أبو الشيخ في كتاب «المواقيت» له من طريق الوليد عن الأوزاعي عن الزُّهْري قال: ما زال عُمَر بن عبد العزير يتعلم مواقيت الصَّلاة حتَّى مات. ومن طريق إسماعيل بن حكيم: أنَّ عُمَر بن عبد العزير جعل ساعاتٍ ينقضين مع غروب الشمس. زاد من طريق ابن إِسْحاق عن الزهري: فما أخَّرها حتَّى مات. وكلُّه يدل على أنَّ عُمَر لم يكن يحتاط في الأوقات كثير احتياط إلَّا بعد أن حدَّثه عُرْوَة بالحديث المذكور، والله أعلم.\nتنبيه: ورد في هذه القصَّة من وجه آخر عن الزُّهْري بيانُ أبي مسعود للأوقات، وفي ذلك ما يرفع الإشكال، ويوضح توجيه احتجاج عُرْوَة بالحديث، فروى أبو داود وغيره وصحَّحه ابن خُزَيمَة وغيره من طريق ابن وَهْب، والطَّبَراني من طريق يزيد بن أبي حبيب كلاهما عن أسامة بن زيد عن الزُّهْري هذا الحديث بإسناده وزاد في آخره: قال ابن مسعود: «فرأيت رسول الله ﷺ يصلِّي الظهر حين تزول الشَّمس» فذكر الحديث. وذكر أبو داود أنَّ أسامة بن زيد تفرَّد بتفسير الأوقات فيه، وأنَّ أصحاب الزُّهْري لم يذكروا ذلك. قال: وكذا رواه هشام بن عُرْوَة وحبيب بن أبي مرزوق عن عُرْوَة لم يذكرا تفسيرًا. انتهى. ورواية هشام أخرجها سعيد بن مَنْصور في «سُنَنِهِ»، وقد وجدت ما يعضد رواية أسامةَ ويزيدُ عليها أنَّ البيان من فعل جبريل، وذلك فيما رواه البَاغَنْدي في «مسند عُمَر بن عبد العزيز» والبَيْهَقي في «السُّنَن الكبرى» من طريق يحيى بن سعيد الأنصاري عن أبي بكر بن حزم إنَّه بلغه عن أبي مسعود، فذكره منقطعًا، لكن رواه الطبراني من وجه آخر عن أبي بكر عن عروة، فرجع الحديث إلى عُرْوَة ووضح إنَّه له أصلًا، وأن في رواية مالك ومن تابعه اختصارًا، وبذلك جزم ابن عبد البرِّ، وليس في رواية مالك ومن تابعه ما ينفي الزيادة المذكورة، فلا توصف والحالة هذه بالشذوذ. وقد روى سعيد بن مَنْصور من طريق طَلْق بن حبيب مرسلًا قال: «إن الرجلَ ليُصلِّي الصَّلاة وفاتَته، ولَمَا فاتَه من وقتِها خيرٌ له مِن أهلِه ومالِه» ورواه أيضًا عن ابن عُمَر من قوله، ويؤيِّد ذلك احتجاج عُرْوَة بحديث عائشة في كونه ﷺ كان يصلِّي العصر والشَّمس في حجرتها، وهي الصَّلاة الَّتي وَقَعَ الإنكار بسببها. انتهى.\n\n <span id=\"b-٥٢\"> </span>(٢) <span data-type=\"title\" id=toc-52>(بابُ ﴿مُنِيْبِيْنَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوْهُ وَأَقِيْمُوا الصَّلاة وَلَا تَكُوْنُوا مِنَ المُشْرِكِينَ﴾</span> [الروم: ٣١]) أي هذا باب. فبابٌ بالتنوين خبر مبتدأ محذوف، وهكذا هو في رواية أبي ذرٍّ، وفي رواية غيره: بابُ قوله تعالى بالإضافة، ثمَّ الكلام في هذه الآية على أنواع:\nالأوَّل: أنَّ هذه الآية الكريمة من سورة الروم، وقبلها قوله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلْدِّيْنِ حَنِيْفًا فِطْرَتَ اللهِ﴾ [الروم: ٣٠] الآية.\nالثاني: في معناها وإعرابها، فقوله: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلْدِّيْنِ﴾ [الروم: ٣٠] أي قوِّم وجهك له غير ملتفتٍ يمينًا وشمالًا، قاله الزمخشري، وعن الضَّحَّاك والكلبي: أي أقم عملك.\nقوله: (حَنِيْفًا) أي مسلمًا، قاله الضحَّاك، وقيل:","vol":"1","page":36},{"text":"مخلصًا، وانتصابه على الحال من الدين.\nقوله: (فِطْرَتَ اللهِ) أي وعليكم فطرةَ الله، أي الزموا فطرة الله وهي الإسلام، وقيل: عهد الله في الميثاق.\nقلت: الفطرة تطلق على الإسلام، وتطلق على أصل الخِلقة، فمن المعنى الأوَّل قوله ﵇: «كلُّ مولودٍ يولدُ على الفطرةِ حتَّى يكونَ أبواهُ يهوِّدانهِ وينصِّرانهِ ويمجِّسانِه»، وقول جبريل ﵇ للنَّبيِّ ﷺ ليلة الإسراء لما أخذ اللبن: «هِيَ الفِطرةُ الَّتي أَنتَ عَلَيها» أي دين الإسلام، ومن المعنى الثاني: ﴿فِطْرَتَ اللهِ الَّتي فَطَرَ النَّاس عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠] وقوله تعالى: ﴿فَاطِرَ السَّمَواتِ وَالأَرضِ﴾ [الأنعام: ١٤]. انتهى.\nقوله: (﴿مُنِيْبِيْنَ﴾) نصب على الحال من المقدر وهو: الزموا فطرة الله، معناه: منقلبين، واشتقاقه من: ناب ينوب إذا رجع، وعن قَتَادَة معناه: تائبين، وعن ابن زيد معناه: مطيعين، والإنابة: الانقطاع إلى الله تعالى بالإنابة، أي الرجوع عن كلِّ شيء.\nالثالث: في بيان وجه عطف قوله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] هو الإعلام بأن الصَّلاة من جملة ما يستقيم به الإيمان؛ لأنَّها عماد الدين، فمن أقامها فقد أقام الدين، ومن تركها فقد هدم الدين، قال شيخنا: وهذه الآية مما استدلَّ به من يرى بتكفير تارك الصلاة؛ لما يقتضيه مفهومها. وأجيب بأن المراد: أنَّ ترك الصَّلاة من أفعال المشركين، فورد النَّهي عن التشبُّه بهم، لا أن من وافقهم في الترك صار مشركًا، وهي من أعظم ما ورد في القرآن في فضل الصلاة. انتهى.\n\n٥٢٣ - <span id=\"b-٥٣\"> </span>قوله: (حَدَّثَنا قُتَيْبَةُ) ابن سعيد الأنصاري، ترجمته في باب السَّلام من الإسلام.\n (قَالَ: حَدَّثَنَا عَبَّادٌ، وَهُوَ ابنُ عَبَّادٍ) أي المهلَّبي البصري، وهو ممن وافق اسمه اسم أبيه، قلت: قال الذهبي في «الكاشف»: عبَّاد بن عبَّاد بن حبيب بن المُهَلَّب المهلَّبي أبو معاوية عن أبي جمرة ويونس بن خباب، وعنه أحمد ومسدَّد وابن عرفة وخلق، ثقة، قال أبو حاتم: لا يحتجُّ به، مات سنة إحدى وثمانين. وقال شيخنا في «المقدِّمة»: وثَّقه ابن معين وأبو داود والنَّسائي والعجلي وغيرهم، وقال أبو حاتم: لا يحتجُّ بحديثه، وقال ابن سعد: كان ثقة وربَّما غلط، وقال مرَّةً: ليس بالقوي، قلت: ليس له في البخاري سوى حديثين، أحدهما في الصَّلاة عن أبي جمرة عن ابن عبَّاس من حديث وفد عبد القيس بمتابعة شُعْبَة وغيرِه، والثاني في الاعتصام عن عاصم الأحول بمتابعة إسماعيل بن زكريا، واحتجَّ به الباقون.\nقوله: (عَنْ أَبِي جَمْرَةَ) أي بالجيم والراء، واسمه نصر بن عِمْران.\nقوله: (عَنِ ابنِ عبَّاس ﵄) في هذا الإسناد التَّحديث بصيغة الجمع في موضعين، وفيه العنعنة في موضعين، وفيه القول، وفيه: (وَهُوَ ابنُ عَبَّادٍ)، كذا وَقَعَ في رواية أبي ذرٍّ بالواو، وفي رواية غيره: &lt;عبَّاد هو ابن عبَّاد&gt; بدون الواو، وفيه من وافق اسمه اسم أبيه كما نبَّهنا عليه، وفيه إنَّه من رباعيات البخاري، وفيه أنَّ رواته ما بين بَغْلاني - وبَغْلان من بلخ - وهو قُتَيْبَة، وبصري وهو عبَّاد وأبو جمرة.\nقوله: (قَالَ: قَدِمَ وَفْدُ عَبْدِ القَيْسِ عَلَى رَسُوْلِ اللهِ ﷺ قَالُوا: إِنَّا هَذَا الحَيَّ مِنْ رَبيْعَةَ، وَلَسْنَا نَصِلُ إِلَيْكَ إلَّا فِي الشَّهْرِ الحَرَامِ، فَمُرْنَا بِشَيءٍ نَأخُذُهُ عَنْكَ وَنَدْعُو إِليهِ مَنْ وَرَاءَنَا، فَقَالَ: آمُرُكُمْ بِأَرْبَعٍ وَأَنْهَاكُمُ عَنْ أَربَعٍ: الإِيمانِ بِاللهِ - ثمَّ فَسَّرَهَا لهُمْ - شَهَادَةُ ألَّا إِلَهَ إلَّا اللهُ وَأَنِّي رَسُوْلُ اللهِ، وَإِقَامُ الصَّلَاةِ، وَإِيْتَاءُ الزَّكَاةِ، وَأَن تُؤَدُّوا إِليَّ خُمُسَ","vol":"1","page":37},{"text":"مَا غَنِمْتُمْ، وَأَنْهَى عَنِ الدُّبَّاءِ وَالحَنْتَم ِوَالنَّقِيْرِ والمُقَيَّرِ).\nمطابقة هذا الحديث للترجمة من حيث إنَّ في الآية المذكورة اقتران نفي الشرك بإقامة الصَّلاة، وفي الحديث اقتران إثبات التوحيد بإقامتها، فإن قلت: كيف المناسبة بين النَّفي والإثبات؟ قال العَيني: من جهة التضاد؛ لأنَّ ذِكْرَ أحد المتضادين في مقابلة الآخر يعدُّ مناسبة من هذه الجهة.\nقال العَيني: هذا الحديث قد أمعنا الكلام فيه في باب أداء الخمس من الإيمان؛ لأنَّ هذا الحديث ذكر فيه، لكنَّه رواه هناك عن علي بن الجعد عن شُعْبَة عن أبي جمرة، قال: كنت أقعد مع ابن عبَّاس فيجلسني على سريره، فقال: أقم عندي حتَّى أجعل لك سهمًا من مالي، فأقمت معه شهرين، ثمَّ قال: «إِنَّ وَفْدَ عَبْدِ القَيْسِ» الحديث، وقد ذكرنا هناك: إنَّه أخرج هذا الحديث في عشرة مواضع، وذكرنا أيضًا من أخرجه.\nقوله: (إِنَّ وَفْدَ عَبْدِ القَيْسِ)، الوفد: قوم يجتمعون فيردُّون البلاد، وقال القاضي: هم القوم يأتون الملك ركابًا، وهو اسم الجمع، وقيل: الجمع، وعبد القيس أبو قبيلة، وهو ابن أفصى - بالفاء - ابن دُعمى -بالضمِّ- ابن جَديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار.\nقوله: (إِنَّا هَذَا الحَيَّ) بالنَّصب على الاختصاص.\nقوله: (مِنْ رَبِيْعَةَ) خبر، لأنَّ ربيعة هو ابن نزار بن معد بن عدنان، وإنَّما قالوا: ربيعة؛ لأنَّ عبد القيس من أولاده.\nقوله: (إِلَّا فِي الشَّهْرِ الحَرَامِ) المراد به الجنس، فيتناول الأشهر الحرم الأربعة: رجب وذو القعدة وذو الحجَّة والمحرَّم. قلت: وفي أوَّل الأشهر الحرم خلاف، وتظهر فائدته فيما لو نذر أن يصوم أوَّل الحرم، أو يؤجِّل المال إلى آخرها ونحو ذلك. انتهى.\nقوله: (نَأخُذُهُ) بالرَّفع على أنَّه استئناف، وليس جوابًا للأمر بقرينة عطف (نَدْعُوا) عليه مرفوعًا.\nقوله: (مَنْ وَرَاءَنَا) في محلِّ النَّصب على أنَّه مفعول ندعوا.\nقوله: (ثُمَّ فَسَّرَهَا) إنَّما أنَّث الضَّمير نظرًا إلى أنَّ المراد من الإيمان الشَّهادة وإلى إنَّه خصلة؛ إذ التقدير: آمركم بأربع خصال، فإن قلت: لم يذكر الصَّوم ههنا، مع إنَّه ذكر في باب أداء الخمس من الإيمان حيث قال: «وَإِقَامُ الصَّلاةِ، وَإِيَتَاءُ الزَّكَاةِ، وَصِيَامُ رَمَضَانَ» والحال أنَّ الصَّوم كان واجبًا حينئذ؛ لأنَّ وفادتهم كانت عام الفتح، وإيجاب الصَّوم في السنة الثانية من الهجرة، قال ابن الصلاح: وأما عدم ذكر الصَّوم فيه فهو إغفال من الراوي، وليس من الاختلاف الصادر عن رسول الله ﷺ.\nقوله: (الدُّبَّاءِ) -بضمِّ الدال المهملة وتشديد الباء الموحَّدة وبالمدِّ وقد يقصر، وقد تُكسر الدَّال- وهو اليقطين اليابس، وهو جمع والواحدة دباءة، ومَن قَصَر قال: دُباة.\nو(الحَنْتَمِ) -بفتح الحاء المهملة وسكون النُّون وفتح التَّاء المُثَنَّاة من فوق- وهي الجِرار الخضر تَضرب الى الحُمرة، و(النَّقِيْرِ) -بفتح النُّون وكسر القاف- وهو جذع ينقر وسطُه ويُنبذ فيه، و(المُقَيَّرِ) -بضمِّ الميم وفتح القاف وتشديد الياء آخر الحروف- وهو المطلي بالقارِ وهو الزفت، وفي باب أداء الخمس من الإيمان: «الحَنْتَم والدّبَاء والنَّقِيْر والمُزَفَّت» وربما قال: «المُقَيَّرِ».\nفإن قلت: ما مناسبة نهيه ﵇ عن الظروف المذكورة، وأمرِه بأداء الخمس بمقارنة أمره بالإيمان وما ذكره معه؟ قال العَيني: كان هذا الوفد يكثرون الانتباذ في الظُّروف المذكورة، فعرفهم ما يهمُّهم ويُخشى منهم مواقعته، وكذلك كان يخاف منهم الغلول في الفيء فلذلك نصَّ عليه. انتهى.\nقلت: وفيه مناسبة","vol":"1","page":37},{"text":"أخرى، فإنَّ الحقوق قد تتعلَّق بالله، وقد تتعلَّق بنفس العبد، وقد تتعلَّق بغيره من العباد، فأرشدهم بهذه الأمور إلى القيام بحقِّ الله وبحق النفس وبحقِّ الإخوان، فالإيمان من حقوق الله، وترك الانتباذ من حقوق النَّفس؛ فإنَّ الإنسان إذا انتبذ شرب فسكر فزال حكم عقله فصار كالبهائم الَّتي لا تعقل، وحقُّ الإخوان بإعطاء ما يستحقُّونه. انتهى.\n\n <span id=\"b-٥٤\"> </span>(٣) <span data-type=\"title\" id=toc-54>(بَابُ البَيْعَةِ عَلَى إِقامَةِ الصَّلَاةِ)</span> أي هذا باب في بيان البيعة على إقامة الصَّلاة.\nوقوله: (إِقَامَةِ الصَّلَاةِ) بالتَّاء رواية كريمة، وفي روايةٍ غيرها: &lt;بابُ البيعةِ على إقامِ الصَّلاةِ&gt;، بدون التَّاء وهو الأصل.\nوالبيعة: المبايعة على الإسلام، وقال ابن الأثير: البيعة عبارة عن المعاقدة على الإسلام والمعاهدة، كأنَّ كلَّ واحد منهما باع ما عنده من صاحبه وأعطاه خالصة أمره.\nقال شيخنا: وكان ﷺ أوَّل ما يشترط بعد التوحيد إقامة الصلاة؛ لأنَّها رأس العبادات البدنية، ثمَّ أداء الزكاة؛ لأنَّها رأس العبادات المالية، ثمَّ يُعلِّم كلَّ قوم ما حاجتهم إليه أمسُّ، فبايع جريرًا على النصيحة؛ لأنَّه كان سيَّد قومه، فأرشده إلى تعليمهم بأمره بالنصيحة لهم، وبايع وفدَ عبد القيس على أداء الخُمُس؛ لكونهم كانوا أهلَّ محاربة مع من يليهم من كفَّار مُضر. انتهى.\n\n٥٢٤ - <span id=\"b-٥٥\"> </span>(حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ المُثَنَّى) أي بفتح النُّون المشدَّدة.\nقوله: (قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى) أي القطَّان.\nقوله: (قَالَ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيْلُ) أي ابن خالد.\nقوله: (قَيْسٌ) أي ابن أبي حازم -بالحاء المهملة والزاي- (^١).\nقوله: (عَنْ جَرِيْرِ بنِ عَبدِ اللهِ قالَ: بَايَعْتُ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ عَلَى إِقَام ِالصَّلَاةِ، وَإِيْتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ).\nمطابقته للترجمة ظاهرة، والحديث يشمل ثلاثة أشياء، والترجمة على الجزء الأوَّل منها.\nوهذا الحديث بعينه مع هذا الإسناد غير محمَّد بن المثنَّى قد مضى في باب قول النَّبِيِّ ﷺ: «الدَّيْنُ النَّصِيْحَةُ للهِ وَلِرَسُوْلِهِ» في آخر كتاب الإيمان، ورواه هناك عن مُسَدَّد عن يحيى، وقد ذكرنا ثمَّ ما يتعلَّق بلطائف الإسناد ومعنى الحديث وغير ذلك مُستوفىً مستقصىً.\n\n <span id=\"b-٥٦\"> </span>(٤) <span data-type=\"title\" id=toc-56>(بَابٌ الصَّلاة كَفَّارَةٌ)</span> أي هذا باب يذكر فيه الصَّلاة كفارةٌ، هكذا الصَّلاة كفارة في أكثر الرِّوايات، وفي رواية المُسْتَمْلي: باب تكفير الصَّلاة.\nقال العَيني: الكفَّارة عبارة عن الفِعلة والخصلة الَّتي من شأنها أن تكفِّر الخطيئة، أي تسترها وتمحوها، وهي على وزن فَعَّالة بالتشديد للمبالغة كقتّالة وضرّابة، وهي من الصفات الغالبة في باب الاسميَّة، واشتقاقها من الكَفر -بالفتح- وهو تغطية الشَّيء بالاستهلاك، والتكفير مصدر من كفَّر بالتشديد.\n\n٥٢٥ - <span id=\"b-٥٧\"> </span>قوله: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) أي ابن مُسَرْهَد.\nقوله: (قَالَ حَدَّثَنَا يَحيَى) أي القطَّان.\nقوله: (عَنِ الأَعْمَشِ) أي سُلَيمان.\nقوله: (قَالَ: حَدَّثَنِي شَقِيْقٌ) أي ابن سلمة الأسدي أبو وائل الكوفي.\nقوله: (قَالَ: حَدَّثَنِي حُذَيْفَةُ) أي ابن اليمان ﵁.\nفي هذا الإسناد التَّحديث بصيغة الجمع في موضعين، وبصيغة الإفراد في الموضعين، وفيه العنعنة في موضع واحد، وفيه: &lt;حَدَّثَنِي حُذَيْفَةُ&gt; رواية المُسْتَمْلي، وفي رواية غيره: &lt;سَمِعْتُ حُذَيْفَةَ&gt;، وفيه\n_________\n(^١) في المخطوط: (والراء) ولعل الصَّواب ما أثبت.","vol":"1","page":38},{"text":"بصريان، وهما مُسَدَّد ويحيى، وكوفيان الأَعْمَش وشَقيق.\nقوله: (قَالَ: كُنَّا جُلُوْسًا عِنْدَ عُمَر ﵁ فَقَالَ: أَيُّكُمْ يَحفَظُ قَوْلَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي الفِتْنَةِ؟ قُلْتُ: أَنَا أَحْفَظُهُ كَمَا قَالَهُ، قَالَ: إِنَّكَ عَلَيْهِ أَو عَلَيْهَا لَجَرِيءٌ! قُلْتُ: فِتْنَةُ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ وَمَالِهِ وَوَلَدِهِ وَجَارِهِ تُكَفِّرُها الصَّلاة وَالصَّوْمُ وَالصَّدَقَةُ وَالأَمْرُ وَالنَّهْيُ. قَالَ: لَيْسَ هَذَا أُرِيْدُ، وَلَكِنِ الفَتْنَةُ الَّتي تَمُوْجُ كَمَا يَمُوْجُ البَحْرُ. قَالَ: لَيْسَ عَلَيْكَ بَأْسٌ مِنْهَا يَا أَمِيْرَ المُؤْمِنِيْنَ؛ إِنَّ بَيْنَكَ وَبَينَهَا لَبَابًا مُغْلَقًا، قالَ: أَيُكَسَرُ أَمْ يُفتَحُ؟ قالَ: يُكْسَرُ. قَالَ: إِذًا لا يُغلَقُ أَبَدًا. قُلْنَا: أَكَانَ عُمَر يَعْلَمُ البَابَ؟ قَالَ: نَعَمْ، كَمَا أَنَّ دُوْنَ الغَدِ اللَّيْلَةَ، إِنِّي حَدَّثتُهُ بِحَدِيثٍ لَيْسَ بِالأَغَالِيْطِ، فَهِبْنَا أَنْ نَسْأَلَ حُذَيْفَةَ، فَأَمَرْنَا مَسْرُوْقًا فَسَأَلَهُ فَقَالَ: البَابُ عُمَر ﵁).\nمطابقة هذا الحديث للترجمة في قوله: (تُكَفِّرُهَا الصَّلَاةُ).\nهذا الحديث أخرجه البخاري أيضًا في الزكاة عن قُتَيْبَة عن جرير، وفي علامات النبوَّة عن عُمَر بن حفص، قاله المزِّي في «الأطراف». قال العَيني: وهو وهم، وإنما أخرجه عن عُمَر بن حَفْص في الفتن، وفي الصَّوم عن علي بن عبد الله، وأخرجه مسلم في الفتن عن ابن نُمَير وأبي بكر كلاهما عن أبي معاوية، قاله المزِّي. قال العَيني: وهو وهم، إنَّما رواه مسلم من طريق أبي معاوية عن ابن نُمَير وأبي كُرَيب ومحمَّد بن المثنَّى ثلاثتهم عن أبي معاوية، فوهم في ذكره لأبي بكر وفي إسقاطه لابن المثنَّى، وأخرجه التِّرْمِذي في الفتن أيضًا عن محمود بن غيلان، وأخرجه ابن ماجَهْ فيه أيضًا عن ابن نُمَير عن أبيه وأبي معاوية كلاهما عن الأَعْمَش به.\nقوله: (جُلُوْسًا) أي جالسين.\nقوله: (فِي الفِتْنَةِ) وهي الخِبْرَة والإعجاب بالشيء، فَتَنَه يَفْتِنَه فَتْنًا وفُتُونًا وأَفْتَنَه. قال العَيني: وأباها الأصمعي، وقال سيبويه: فتنه جعل فيه فتنة، وأفتنه أوصل الفتنة إليه، قال: إذا قال: أفتنته فقد تعرَّض لفتن، وإذا قال: فتنه فلم يتعرَّض لفتن، وحكى أبو زيد: أُفتِن الرجلُ بصيغة ما لم يسمَّ فاعله، أي فُتِنَ.\nوالفتنة: الضلال والإثم، وفَتَنَ الرجلَ: أماله عما كان عليه، قال تعالى: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ [الإسراء: ٧٣]، والفتنة: الكفر، قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حتَّى لَا تَكُوْنَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٣]، والفتنة: الفضيحة، والفتنة: العذاب، والفتنة: ما يقع بين النَّاس من القتال، ذكره ابن سِيدَه، والفتنة: البليَّة، وأصل ذلك كلُّه من الاختبار، وإنَّه مِنْ فتنت الذهب في النَّار إذا اختبرته، وفي الغريبين: الفتنة الغلو في التأويل المظلم، وقال ابن طريف: فتنته وأفتنته، وفتِن بكسر التَّاء فتونًا: تحول من حسن إلى قبيح، وفتن إلى النِّساء وفتن فيهنَّ: أراد الفجور بهنَّ، وفي «الجمهرة»: فتنت الرجل أفتنه وأفتَنْتُه إفتانًا. وفي «الصِّحاح» قال الفرَّاء: أهل الحجاز يقولون: ﴿مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِيْنَ﴾ [الصافات: ١٦٣]، وأهل نجد يقولون: (بِمُفْتِنِيْنَ).\nوقال عياض: إنَّها الابتلاء والامتحان، قال: وقد صار في عرف الكلام لكلِّ أمر كشفه الاختبار عن سوء، وتكون في الخير والشرِّ، قال تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالخَيْرِ [فِتْنَة] (^١)﴾ [الأنبياء: ٣٥].\nقوله: (أَنَا [أَحْفَظُهُ] (^٢) كَمَا قَالَهُ) أي أنا أحفظه كما قاله رسول الله ﷺ، فإن قلت:\n_________\n(^١) فتنة: ليست في الأصل.\n (^٢) أحفظه: ليس في الأصل.\nقوله: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) أي ابن سعيد.","vol":"1","page":38},{"text":"الكاف لماذا وهو حافظ لنفس قول رسول الله ﷺ لا كمثله؟ قال العَيني: يجوز أن تكون الكاف ههنا للتعليل؛ لأنَّها اقترنت بكلمة ما المصدريَّة، أي أحفظ لأجل حفظ كلامه، ويجوز أن تكون للاستعلاء، بمعنى: أحفظ على ما عليه قوله. وقال الكِرْماني: لعله نقله بالمعنى، فاللفظ مثل لفظه في أداء ذلك المعنى. قال العَيني: حاصل كلامه يؤول إلى معنى المثليَّة، وهو في سؤاله نفى المثلية، فانتفى بذلك أن تكون الكاف للتشبيه. وقال شيخنا: الكاف زائدة للتأكيد، أو هي بمعنى على، وتحتمل أن يُراد بها المثليَّة، أي أقوله مثل ما قاله.\nقال العَيني: قوله: الكاف زائدة، أخذه من الكِرْماني، ولم يبين واحد منهما أنَّ الكاف إذا كانت زائدة ما تكون فائدته. انتهى. قلت: قد بين شيخنا الفائدة بقوله: للتأكيد، فلعل العَيني رأى النُّسخة الَّتي لم يبين شيخنا فيها الفائدة، وإنَّما ترك الكِرْماني ذلك وشيخنا أولًا لوضوحه. انتهى.\nفإن قلت: لفظ أنا مفرد، وهو مقول قوله: قلت، وقد علم أنَّ مفعول القول يكون جملة. قال العَيني: أنا مبتدأ، وخبره محذوف تقديره: أنا أحفظ أو أضبط أو نحوهما.\nقوله: (عَلَيْهِ) أي قول رسول الله ﷺ.\nقوله: (أَوْ عَلَيْهَا) أي أو على مقالته، والشك من حذيفة، قاله الكِرْماني. قال العَيني: يجوز أن يكون ممن دونه. وقال شيخنا: (عَلَيْهِ) أي على النَّبِيِّ ﷺ أو (عَلَيْهَا) أي المقالة، والشك من أحد رواته.\nقوله: (وَالأَمْرُ) أي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما صرَّح به البخاري في الزكاة.\nقوله: (لَجَرِيْءٌ) خبر إنَّ من قوله: (إِنَّكَ) واللَّام فيه للتأكيد، والجريء على وزن فعيل من الجُرأة، وهي الإقدام على الشَّيء.\nقوله: (فِتْنَةُ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ) قال ابن بطَّال: أن يأتيَ من أجلِّهم ما لا يحلُّ له من القول والعمل مما لم يبلغ كبيرة. وقال المُهَلَّب: يريد ما يعرض له معهنَّ من شرٍّ أو حزن وشبهه.\nقوله: (وَمَالِهِ) فتنة الرجل في ماله: أن يأخذه من غير مأخذه، ويصرفه في غير مصرفه، أو يفرط بما يلزمه من حقوق المال فتكثر عليه المحاسبة.\nقوله: (وَوَلَدِهِ) فتنة الرجل في ولده: فرط محبَّتهم وشغله بهم عن كثير من الخير، أو التوغُّل في الاكتساب لأجلِّهم من غير اكتراث من أن يكون من حلال أو حرام.\nقوله: (وَجَارِهِ) فتنة الرجل في جاره: أن يتمنَّى أن يكون حاله مثل حاله إن كان مُتَّسِعًا، قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً﴾ [الفرقان: ٢٠].\nقوله: (تُكُفِّرُهَا الصَّلَاةُ) أي يكفِّر فتنة الرجل في أهلِّه وماله وولده وجاره أداءُ الصَّلاة، قال تعالى: ﴿إِنَّ الحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤] يعني الصَّلاة الخمس إذا اجتنبت الكبائر، هذا قول أكثر المفسِّرين، وقال مجاهد: هي قول العبد: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلَّا الله، والله أكبر.\nوقال ابن عبد البرِّ: قال بعض المنتسبين إلى العلم من أهلِّ عصرنا: إنَّ الكبائر والصغائر تكفِّرها الصَّلوات والطَّهارة، استدلَّ بظاهر هذا الحديث، وبحديث الصُّنَابِحي: «إذا توضَّأَ خرجَتِ الخطايا مِنْ فيهِ» الحديث وغيره. قال العَيني: قال أبو عُمَر:\nهذا جهل وموافقة للمرجئة، وكيف يجوز أن تحمل هذه الآثار على عمومها وهو يسمع قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا","vol":"1","page":39},{"text":"إِلَى اللهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ [التحريم: ٨] في آي كثير؟! فلو كانت الطهارة والصَّلوات وأعمال البرِّ مكفِّرة لما احتاج إلى التَّوبة، وكذلك الكلام في الصَّوم والصدقة والأمر والنَّهي، فإن المعنى: إنَّها تكفِّر إذا اجتنبت الكبائر.\nقوله: (وَالأَمْرُ) أي الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر كما صرَّح به في الزكاة، وتقدَّم هذا عن قريب، فإن قلت: ما النُّكتة في تعيين هذه الأشياء الخمسة؟ قال العَيني: الحقوق لما كانت في الأبدان والأموال والأقوال فذكر من أفعال الأبدان أعلاها وهو الصَّلاة والصَّوم، قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إلَّا عَلَى الخَاشِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٥]، وذكر من حقوق الأموال أعلاها وهي الصَّدقة، ومن الأقوال أعلاها وهي الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر.\nقوله: (تَمُوْجُ) من ماج البحر، أي تضطرب ويدفع بعضها بعضًا لعظمها، وكلمة ما في (كَمَا تَمُوْجُ) مصدريَّة، أي كموج البحر، وهو تشبيه بليغ.\nقوله: (قَالَ) أي قال حُذَيفة.\nقوله: (بَأْسَ) أي شِدَّة.\nقوله: (لَبَابًا) ويروى: «بَابًا» بدون اللَّام.\nقوله: (مُغْلَقًا) صفة الباب، قال ثعلب في «الفصيح»: أغلقت الباب فهو مغلق، وقال ابن دُرُسْتويه: العامَّة تقول: غلَّقت بغير ألف وهو خطأ، وذكره أبو علي الدِّيْنَوَرِيُّ في باب ما يحذف منه العامَّة الألف، وقال ابن سيده في «العَويص» والجوهري في «الصَّحاح»: غَلَقت، قال الجَوهَري: وهي لغة متروكة رديئة. وقال ابن هشام في شرحه: الأفصح غلَّقت بالتشديد، قال الله تعالى: ﴿وَغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ﴾ [يوسف: ٢٣]، قال العَيني: وفيه؛ لأنَّ غلَّقت مشدَّدة للتكثير، قاله الجَوهَري وغيره، وفي «المحكم»: غلق الباب وأغلقه وغلَّقه، الأولى من ابن دُرَيد عزاها إلى أبي زيد وهي نادرة.\nوالمقصود من هذا الكلام: أنَّ تلك الفتن لا يخرج منها شيء في حياتك.\nقوله: (قَالَ: أَيُكْسَرُ) أي قال عُمَر ﵁: أيكسر هذا الباب أم يفتح؟\nقوله: (قَالَ: يُكْسَرُ) أي قال حُذَيفة: يكسر.\nقوله: (قَالَ: إِذًا لَا يُغْلَقُ أَبَدًا) أي قال عُمَر ﵁: إذن لا يُغلق أبدًا هذا الباب، وإذن هو جواب وجزاء، أي إن انكسر لا يغلق أبدًا؛ لأنَّ المكسور لا يعاد بخلاف المفتوح، والكسر لا يكون غالبًا إلَّا عن إكراه وغلبة وخلاف عادةٍ.\nولفظ: (لَا يُغْلَقُ) رُوي مرفوعًا ومنصوبًا، وجه الرَّفع أن يقال: إنَّه خبر مبتدأ محذوف، والتقدير: الباب إذًا لا يُغلق، ووجه النَّصب: ألَّا يقدر ذلك، فلا يكون ما بعده معتمدًا على ما قبله، والحاصل: إنَّه فعل مستقبل منصوب بإذًا، وإذا عملَ النَّصب في الفعل المستقبل لعدم ثلاثة أشياء، وهي: أن يعتمد ما قبلها على ما بعدها، وأن يكون الفعل فعل حال، وألَّا يكون معها واو العطف، وهذه الثلاثة معدومة في النَّصب.\nقوله: (قُلْنَا) هو مقول شَقيق.\nقوله: (كَمَا أَنَّ دُوْنَ الغَدِ اللَّيْلَةَ) أي كما يعلم أنَّ الغد أبعدُ فينا من اللَّيلة، يقال: هو دون ذاك، أي أقرب منه.\nقوله: (إِنِّي حَدَّثْتُهُ) مقول حُذَيفة.\nقوله: (لَيْسَ بِالأَغَالِيْطِ) جمع أغلوطة، وهي: ما يغالط بها، قال النَّوَوي: معناه: حدَّثته حديثًا صدقًا محقَّقًا من أحاديث رسول الله ﷺ لا من اجتهاده، أي ونحوه، وغرضه: أنَّ ذلك الباب رجل يقتل أو يموت كما جاء في بعض الروايات، قال: ويحتمل أن يكون حُذَيفة","vol":"1","page":39},{"text":"علم أنَّ عُمَر يقتل ولكنَّه كره أن يخاطب عُمَر بالقتل؛ فإن عُمَر كان يعلم إنَّه هو الباب، فأتى بعبارة يحصل منها الغرض ولا تكون إخبارًا صريحًا بقتله، قال: والحاصل: أنَّ الحائل بين الفتنة والإسلام عُمَر ﵁ وهو الباب، فما دام حيًا لا تدخل الفتن فيه، فإذا مات دخلت، وكذا كان قوله: (فَهِبْنَا) أي خفنا، مِن هاب، وهو مقول شَقيق أيضًا.\nقوله: (مَسْرُوقًا) هو مَسْروق بن الأجدع، وقد تقدَّم ذكره، قلت: ترجمته في باب علامات المنافق. انتهى.\nفقوله: (فَقَالَ: البَابُ عُمَرُ) أي قال مَسْروق: الباب هو عمر، فإن قلت: قال أوَّلًا: (إِنَّ بَينَكَ وَبيَنَها بَابًا) فالباب يكون بين عُمَر وبين الفتنة، وهنا يقول: (البَابُ عُمَرُ) وبين الكلامين مغايرة. قال العَيني: لا تغاير بينهما؛ لأن المراد بقوله: (بَيْنَكَ وَبَيْنَهَا) أي بين زمانك وبين زمان الفتنة وجود حياتك. وقال الكِرْماني: أو المراد بين نفسك وبين الفتنة بدنُك؛ إذ الرُّوح غير البدن، أو بين الإسلام والفتنة.\nوقال أيضًا: فإن قلت: من أين علم حُذَيفة أنَّ الباب عُمَر، وهل علم من هذا السِّياق إنَّه مسند إلى رسول الله ﷺ، بل كلُّ ما ذكر في هذا الموضع لم يسند منه شيء إلى النَّبِيِّ ﷺ؟\nقلت: الكلُّ ظاهر مسند إليه ﵇ بقرينة السُّؤال والجواب، ولأنَّه قال: (حدَّثته بحديث)، ولفظ الحديث المطلق لا يستعمل إلَّا في حديثه ﵊.\nفإن قلت: كيف سأل عُمَر ﵁ عن الفتنة الَّتي تأتي بعده خوفًا أن يدركها مع علمه بأنَّه هو الباب؟ قال العَيني: من شدَّة خوفه خشي أن يكون نسي فسأل مَنْ يذكره.\n\n٥٢٦ - <span id=\"b-٥٨\"> </span>قوله: (قَالَ حَدَّثَنَا يَزيْدُ بنُ زُرَيْعٍ) أي من الزيادة، وزُرَيع -بضمِّ الزاي وفتح الرَّاء وسكون الياء آخر الحروف، وفي آخره عين مهملة-.\nقوله: (عَنْ سُلَيمان التَّيْمِيِّ) أي ابن طَرْخان أبو المُعتَمِر، وقد مرَّ في باب من خصَّ بالعلم.\nقوله: (عَنْ أَبِي عُثْمان النَّهْدِيِّ) أي عبد الرحمن بن مِلَّ بكسر الميم وضمِّها وتشديد اللام، النَّهْدي بفتح النُّون وسكون الهاء وكسر الدَّال المهملة نسبةً إلى نهد بن زيد بن ليث بن أسلم -بضمِّ اللَّام- ابن الحاف بن قُضاعة، أسلم على عهد رسول ﷺ ولم يلقَه، ولكنَّه أدَّى إليه الصَّدقات، عاش نحوًا من مائة وثلاثين سنة، ومات سنة خمس وتسعين، وإنَّه كان يصلِّي حتَّى يُغشى عليه.\nفإن قلت: ورد النَّهي عن ذلك بقوله: (اكلَفُوا مِنَ العَمَلِ ما تُطِيقونَ) فما هذا؟ قلت: الجواب إنَّه كان مطيقًا، وإنَّما هذا حال يطرقه فيُغشى عليه، فليس من باب ما لا يطاق من العمل. انتهى.\nقوله: (عَنِ ابنِ مَسْعُوْدٍ) أي عبد الله ﵁.\nفي هذا الإسناد التَّحديث بصيغة الجمع في موضعين، وفيه العنعنة في ثلاث مواضع، وفيه رواية التَّابعي عن التَّابعي عن الصَّحابي، وفيه أنَّ رواته بصريُّون ما خلا قَتَيْبَة.\nقوله: (أَنَّ رَجُلًا أَصَابَ مِنِ امرَأَةٍ قُبْلَةً، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَأَخْبَرَهُ، فَأَنزَلَ اللهُ تَعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلاة طَرَفَيِ النَّهار وَزُلَفًا مِنَ اللَّيل إِنَّ الحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَات﴾ [هود: ١١٤]،","vol":"1","page":40},{"text":"فَقالَ الرَّجُلُ: يَا رَسولَ اللهِ، أَلِي هَذَا؟ قَالَ: لجَمِيْعِ أُمَّتِي كُلِّهِمْ).\nمطابقته للترجمة في قوله: ﴿إِنَّ الحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤]، لأنَّ المراد من الحسنات الصَّلوات الخمس، فإذا أقامها تكفِّر عن الذُّنوب إذا اجْتُنِبَتِ الكبائر كما ذكرنا.\nهذا الحديث أخرجه البخاري أيضًا في التفسير عن مُسَدَّد عن يزيد بن زرع (^١)، وأخرجه مسلم في التَّوبة عن قُتَيْبَة وابن كامل كلاهما عن يزيد بن زُرَيع، وعن محمَّد بن عبد الأعلى عن مُعتَمِر بن سُلَيمان، وعن عُثْمان بن جرير، وأخرجه التِّرْمِذي في التفسير عن محمَّد بن بشَّار عن يحيى، وأخرجه النَّسائي فيه عن قُتَيْبَة وابن أبي عَدِي، وعن إسماعيل بن مسعود عن يزيد بن زُرَيع، وأخرجه ابن ماجَهْ في الصَّلاة عن سُلَيمان بن وكيع، وفي الزهد عن إِسْحاق بن إبراهيم عن مُعتَمِر بن سُلَيمان.\nقوله: (أَنَّ رَجُلًا) هو أبو اليسر -بفتح التحتانية والسِّين المهملة- وقد صرَّح به التِّرْمِذي في روايته: حدَّثنا عبد الله بن عبد الرحمن قال: أخبرنا يزيد بن هارون، قال: أخبرنا قيس بن الرَّبيع عن عُثْمان بن عبد الله بن موهب عن موسى بن طلحة عن أبي اليسر قال: «أتتني امرأةٌ تبتاعُ تمرًا، فقلتُ: إنَّ في البيتِ تمرًا أطيبَ منه، فدخلَت معي في البيتِ فأهويت إليها فقبَّلتها، فأتيتُ أبا بكرِ ﵁ فذكرْت ذلكَ له فقالَ: استرْ وتبْ، فأتيت عُمَر ﵁ فذكرتُ ذلكَ له فقالَ: استرْ على نفسِك وتبْ ولا تخبرْ أحدًا، فلم أصبرْ، [فأتيتُ] (^٢) رسولَ اللهِ ﷺ فذكرتُ ذلكَ له فقالَ: أخلفت غازيًا في سبيلِ اللهِ في أهلهِ بمثل هذا؟! حتَّى تمنَّى إنَّه لم يكن أسلَّم إلَّا تلك الساعة، حتَّى ظنَّ إنَّه منْ أهلِ النَّار، قال: فأطرقَ رسولُ اللهِ ﷺ طويلًا حتَّى أوحى الله إليه: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاة طَرَفَي النَّهار وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ [هود: ١١٤] إلى قوله: ﴿ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِيْنَ﴾ [هود: ١١٤]، قال أبو اليسر: فأتيته فقرأها عليَّ رسولُ اللهِ ﷺ فقالَ أصحابُه: يا رسولَ الله، ألهذا خاصَّة أم للنَّاسِ عامَّة؟ قالَ: بل للنَّاس عامَّة».\nثمَّ قال: هذا حديث حسن غريب، وقيس بن الرَّبيع ضعّفه وكيع وغيره، وقال الذَّهَبي: أبو اليسر كعب بن عُمَر السُّلَمي بدريٌّ. انتهى.\nواعلم إنَّه وَقَعَ خلاف في كون الرجل في الحديث المذكور أبا اليسر على ستَّة أقوال:\nأحدها: هذا، وهو الأصحُّ.\nالثاني: إنَّه عُمَر بن غزيَّة بن عَمْرو الأنصاري أبو حبَّة بالباء الموحَّدة التَّمَّار، رواه عن ابن عبَّاس: «جاءتِ امرأة إلى عَمْرو بن غزيَّة تبتاع تمرًا، فقالَ: إنَّ في بيتِي تمرًا فانطلقِي أبيعَكِ منهُ، فلما دخلتِ البيتَ بطشَ بها فصنعَ بها كلَّ شيءٍ إلَّا أنَّه لم يقعْ عليها، فلما ذهبَ عنه الشَّيطان ندمَ على ما صنعَ، وأتى النَّبِيُّ ﷺ فقالَ: يا رسولَ اللهِ، تناولتِ امرأة فصنعتُ بها كلَّ شيءٍ يصنعُ الرجلُ بامرأتِهِ إلَّا أني لم أقعْ عليها، فقالَ النَّبِيّ ﷺ: ما أدري. ولم يردَّ عليه شيئًا، فبينما همْ كذلك إذ حضرتِ الصَّلاة فصلَّوا، فنزلت: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ﴾ [هود: ١١٤]».\nالثالث: إنَّه ابن مُعَتِّب رجل من الأنصار، ذكره ابن أبي خَيثَمَة في «تاريخه» من حديث إبراهيم النَّخَعي، قال: «أتى النَّبِيُّ ﷺ رجلٌ منَ الأنصارِ يقالُ لهُ: ابنُ مُعَتِّب» فذكر الحديث.\nالرابع:\n_________\n(^١) كذا في الأصل، ولعل الصَّواب (زريع).\n (^٢) فأتيت: ليست في الأصل، أثبتت لاستقامة السياق، وهي مثبتة في (عمدة القاري).","vol":"1","page":40},{"text":"إنَّه أبو مُقْبِل عامر بن قيس الأنصاري، ذكره مقاتل في «بوادر التفسير»، وقال: هو الذي نزل فيه ﴿وأَقِمِ الصَّلَاةَ﴾ [هود: ١١٤].\nالخامس: هو نبهان التَّمَّار، وذكر الثَّعْلَبي: أنَّ نبهان لم ينزل فيه إلَّا قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٣٥] الآية.\nالسادس: إنَّه عبَّاد، ذكره القُرْطُبي في تفسيره. انتهى.\nقوله: (أَصَابَ مِنِ امْرَأَةٍ) قال شيخنا: لم أقف على اسم المرأة المذكورة، ولكن جاء في بعض الروايات إنَّها من الأنصار.\nقوله: (فَأَتَى النَّبِيَّ) أي أتى الرجل النَّبِيَّ ﷺ فأخبره بما أصابه.\nقوله: (فَأَنزَلَ اللهُ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ﴾ [هود: ١١٤]) يشير بهذا إلى أنَّ سبب نزول هذه الآية في أبي اليسر المذكور.\nوفي «تفسير ابن مردويه» عن أبي أمامة: «أنَّ رجلًا جاءَ إلى النَّبِيِّ ﷺ فقالَ: يا رسولَ اللهِ، أقمْ فيَّ حدَّ اللهِ، مرَّةً أو مرَّتين، فأعرضَ عنهُ، ثمَّ أُقيمتِ الصلاةُ، فأنزلَ اللهُ تعالى الآيةَ».\nوروى أبو علي الطوسي في «كتاب الأحكام» من طريق عبد الرحمن بن أبي ليلى عن معاذ ﵁ قال ولم يسمع منه: «أتى النَّبِيَّ ﵇ رجل فقال: يا رسول الله، أرأيت رجلًا لقي امرأة وليس بينهما معرفة، فليس يأتي الرجل شيئًا إلى امرأته إلَّا قد أتاه إليها إلَّا أنَّه لم يجامعها، فأنزل الله الآية، فأمره أن يتوضَّأ ويصلِّي، قال معاذ: فقلت: يا رسول الله، أهي له خاصَّة أم للمؤمنين عامَّة؟ قال: بل للمؤمنين عامَّة».\nوروى مسلم من حديث ابن مسعود ﵁: «يا رسول الله، إنِّي عالجتُ امرأةً في أقصى المدينةِ، وإنِّي أصبت منها ما دون أن أمسّها، فأنا هذا فاقض فيَّ بما شئتَ، فقالَ عُمَر ﵁: لقدْ ستركَ اللهُ لو سترتَ على نفسِك، ولمْ يردَّ عليه النَّبِيُّ ﷺ شيئًا، فانطلقَ الرجلُ فأتبعه رجلًا فتلا عليه هذه الآية».\nقوله: (﴿طَرَفَي النَّهَارِ﴾ [هود: ١١٤]) قال القُرْطُبي: طرفا النَّهار: الغداة والعَشي، وقال ابن عبَّاس: يعني صلاة الصُّبح وصلاة المغرب، وقال مجاهد: صلاة الفجر وصلاة العشي، وقال الضَّحَّاك: الفجر والعصر، وقال مقاتل: صلاة الفجر والظُّهر طرف، وصلاة المغرب والعصر طرف. وانتصاب (طرفي النَّهار) على الظَّرف؛ لأنَّهما مضافان إلى الوقت كقولك: أقمت عنده جميع النَّهار، وهذا على إعطاء المضاف حكم المضاف إليه.\nقوله: (﴿وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ [هود: ١١٤]) صلاة العتمة، وقال الحسن: هما المغرب والعشاء، وقال الأَخْفَش: يعني صلاة اللَّيل، وقال الزَّجَّاج: معناه الصَّلاة القريبة من أوَّل اللَّيل.\nوالزُلَف: جمع زُلفة، وقراءة الجمهور: بضمِّ الزاي وفتح اللَّام، وقرأ أبو جعفر: بضمِّها، وقرأ ابن مُحَيصِن: بضمِّ الزَّاي وجزم اللَّام، وقرأ مجاهد: ﴿زُلْفَى﴾ مثل قُرْبى، وفي «المحكم»: زلف اللَّيل: ساعات من أوَّله، وقيل: هي ساعات اللَّيل الأخيرة من النَّهار، وساعات النَّهار الأخيرة من اللَّيل. وفي «جامع القزَّاز»: الزلفة القربة من الخير والشَّرِّ.\nوانتصاب (زُلَفًا) على أنَّه عطف على الصَّلاة، أي أقم الصَّلاة طرفي النَّهار، وأقم زلفًا من اللَّيل.\nقوله: (﴿إِنَّ الحَسَنَاتِ﴾ [هود: ١١٤]) قال القُرْطُبي: لم يختلف أحد من أهل التأويل أنَّ الصَّلاة في هذه الآية يراد بها الفرائض.\nقوله:","vol":"1","page":41},{"text":"(أَلي هَذَا؟) الهمزة للاستفهام، وقوله: (هذا) مبتدأ، وقوله: (لي) مقدِّمًا خبره، وفائدة التقديم التخصيصُ.\nقوله: (لِجَمِيْعِ أُمَّتِي كُلِّهِمْ) فيه مبالغة في التأكيد، وسقط (كُلِّهِمْ) من رواية المُسْتَمْلي.\nفيه عدم وجوب الحدِّ في القُبلة وشبهها من اللَّمس ونحوه من الصَّغائر، وهو من اللَّمم المعفوِّ عنه باجتناب الكبائر بنصِّ القرآن، وقال صاحب «التَّوضيح»: وقد يستدلَّ به على أنَّه لا حدَّ ولا أدب على الرجل والمرأة وإن وجدا في ثوب واحد، وهو اختيار ابن المنذر. انتهى.\nقال العَيني: سلَّمنا في نفي الحدِّ ولا نسلِّم في نفي الأدب سيَّما في هذا الزمان. انتهى.\nقال شيخنا: واحتجَّ المرجئة بظاهره وظاهر الذي قبله على أنَّ أفعال الخير مكفِّرة للكبائر والصغائر، وجملة جمهور أهل السنَّة على الصغائر عملًا بحمل المطلق على المقيَّد كما سيأتي بسطه في أواخر تفسير هود إن شاء الله تعالى. انتهى.\nوفيه: أنَّ إقامة الصَّلوات الخمس تجري مجرى التَّوبة في ارتكاب الصَّغائر، وفيه: أنَّ باب التَّوبة مفتوح والتَّوبة مقبولة.\nقال العَيني: وفي الآية المذكورة دليل على قول أبي حنيفة في أنَّ التَّنوير بصلاة الفجر أفضل، وأنَّ تأخير العصر أفضل؛ وذلك لأنَّ ظاهر الآية يدل على وجوب إقامة الصَّلاة في طرفي النَّهار، وبيَّنا أنَّ طرفي النَّهار الزَّمان الأوَّل بطلوع الشَّمس، والزمانَ الأوَّل بغروبها، وأجمعت الأمَّة على أنَّ إقامة الصَّلاة في ذلك الوقت من غير ضرورة غير مشروع، فقد تعذَّر العمل بظاهر هذه الآية ووجب حملها على المجاز، وهو أن يكون المراد إقامة الصَّلاة في الوقت الذي يقرب من طرفي النَّهار؛ لأنَّ ما يقرب من الشيء يجوز أن يطلق عليه اسمه، فإذا كان كذلك فكلُّ وقت كان أقرب إلى طلوع الشَّمس وإلى غروبها كان أقرب إلى ظاهر اللفظ، وإقامة صلاة الفجر عند التَّنوير أقرب إلى وقت الطُّلوع من إقامتها عند الغَلَس، وكذلك إقامة صلاة العصر عندما يصير ظل ُّكلِّ شيء مثليه أقرب إلى وقت الغروب من إقامتها عندما صار ظلُّ كلِّ شيء مثليه، والمجاز كلَّما كان أقرب إلى الحقيقة كان حمل اللَّفظ عليه أولى. انتهى.\nقلت: هذا كلُّه مسلَّم من حيث لم يرد النصُّ بخلافه، فإذا ورد النصُّ بالتَّفسير كان هو المراد. انتهى.\nقال العَيني: وفيها دليل أيضًا على وجوب الوتر؛ لأنَّ قوله: ﴿وَزُلَفًا﴾ [هود: ١١٤] يقتضي الأمر بإقامة الصَّلاة في زلف من اللَّيل؛ وذلك لأنَّه عطف على الصَّلاة في قوله: ﴿أَقِمِ الصَّلاة طَرَفَيِ النَّهَار﴾ [هود: ١١٤] فيكون التقدير: وأقم الصَّلاة في زلف من اللَّيل، والزلف جمع وأقلُّ الجمع ثلاثة، فالواجب إقامة الصَّلاة في الأوقات الثلاثة، فالوقتان للمغرب والعشاء، والوقت الثالث للوتر، فيجب الحكم بوجوبه. وقال صاحب «التَّوضيح»: ذكر هذا شيخنا قطب الدِّين، وتبعه شيخنا علاء الدِّين، وهي نزغة ولا نسلِّم لهما. قال العَيني: لا نسلِّم له؛ لأنَّ عدم التسليم بعد إقامة الدَّليل مكابرة. انتهى.\nقلت: هو كما قال صاحب «التَّوضيح»؛ لأنَّه مخالف للنَّصِّ من قوله: ﷺ للسائل لما قال: هل عليَّ غيرها؟ يعني الصَّلوات الخمس «لَا، إلَّا أَنْ تَطَوَّعَ». انتهى.\n\n <span id=\"b-٥٩\"> </span>(٥) <span data-type=\"title\" id=toc-59>(بَابُ فَضْلِ الصَّلاة لَوَقْتِهَا)</span> أي هذا باب في بيان فضل الصَّلاة لوقتها، وكأنَّ الأصل","vol":"1","page":41},{"text":"أن يقال: فضل الصَّلاة في وقتها؛ لأنَّ الوقت ظرف لها، ولذكره هكذا وجهان، الأوَّل: أنَّ عند الكوفيين حروف الجر يقام بعضها مقام البعض، والثاني: اللام هنا مثل اللَّام في قوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنّ﴾ [الطلاق: ١] أي مستقبلات لعدِّتهنَّ، ومثل قوله: لقيته لثلاثٍ بقين من الشَّهر، وتسمَّى بلام التأقيت والتأريخ، وأمَّا قيام اللَّام مقامَ في ففي قوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ القِيَامَةِ﴾ [الأنبياء: ٤٧]، وقوله: ﴿لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إلَّا هُو﴾ [الأعراف: ١٨٧]، وقولهم: مضى لسبيله، فإن قلت: ففي حديث الباب على وقتها، فالترجمة لا تطابقه؟ أجيب: بأن اللَّام تأتي بمعنى على أيضًا نحو قوله تعالى: ﴿يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَان﴾ [الإسراء: ١٠٩]، وقوله: ﴿دَعَانَا لِجَنْبِه﴾ [يونس: ١٢] ﴿وَتَلَّهُ لِلْجَبِين﴾ [الصافات: ١٠٣].\nوعلى الأصل جاء أيضًا في الحديث أخرجه ابن خُزَيمَة في «صحيحه» عن بُنْدار قال: حدَّثنا عُثْمان بن عُمَر حدَّثنا مالك بن مِغْوَل عن الوليد بن العَيزار عن أبي عَمْرو عن عبد الله قال: «سألتُ رسولَ اللهِ ﷺ: أيُّ العملِ أفضل؟ قالَ: الصَّلاةُ في أوَّل وقتِها»، وأخرجه ابن حبَّان أيضًا في «صحيحه»، وكذا أخرجه البخاري في التوحيد بلفظ الترجمة، وأخرجه مسلم باللَّفظين، أي باللَّام وعلى.\n\n٥٢٧ - <span id=\"b-٦٠\"> </span>قوله: (حَدَّثَنا أَبُو الوَلَيْدِ هِشَامُ بنُ عَبْدِ المَلِكِ) أي الطَّيالِسي البصري.\nقوله: (قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) أي ابن الحجَّاج.\nقوله: (قَالَ: قَالَ الوَلِيْدُ بنُ العَيْزَارِ) أي -بفتح العين المهملة وسكون الياء آخر الحروف وبالزَّاي قبل الألف وبالرَّاء بعدها- ابن حُرِيْث -بضمِّ الحاء المهملة- الكوفيُّ.\nقوله: (أَخْبَرَنِي) فيه تقديم وتأخير تقديره: حدَّثنا شُعْبَة أخبرني الوليد بن العَيزار.\nقوله: (سَمِعْتُ أَبَا عَمْرو الشَّيْبَانيَّ يَقُوْلُ) أي سعيد بن إِياس -بكسر الهمزة وتخفيف الياء آخر الحروف- المخضرمَ، أدرك الجاهليَّة والإسلام، عاش مائة وعشرين سنة، قال: أذكر أنِّي سمعتُ بالنَّبِيَّ ﷺ وأنا أرعى إبلًا لأهلي بكاظمة -بالظاء المعجمة- وتكامل شبابي يوم القادسيَّة فكنت ابن أربعين سنة يومئذ. وكان من أصحاب عبد الله بن مسعود، قلت: قد تقدَّم الكلام على الخضرمة في باب: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات: ٩]. انتهى.\nقوله: (يَقُوْلُ: حَدَّثنا صاحِبُ هَذِهِ الدَّارِ، وَأَشارَ إِلى دَارِ عَبدِ اللهِ) أي ابن مسعود.\nفي هذا الإسناد التَّحديث بصيغة الجمع في ثلاث مواضع، وفيه الإخبار بلفظ الإفراد من الماضي، وفيه القول والسَّماع والسُّؤال، وفيه أنَّ رواته ما بين بصري وكوفي وفيه تقديم وتأخير في قوله: (أخبرني) كما تقدَّم.\nقوله: (قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ: أَيُّ العَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللهِ تَعَالَى؟ قَالَ: الصَّلاة عَلَى وَقْتِهَا. قَالَ: ثمَّ أَيُّ؟ قَالَ: بِرُّ الوَالِدَينِ. قَالَ: ثمَّ أَيُّ؟ قالَ: الجِهادُ في سَبِيْلِ اللهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي بِهِنَّ، وَلَوِ استَزَدتُهُ لَزَادَنِي).\nهذا الحديث أخرجه البخاري أيضًا في الأدب عن أبي الوليد، وفي التوحيد عن سُلَيمان بن حرب، وفي الجهاد عن الحسن بن الصبَّاغ، وفي التوحيد أيضًا عن عبَّاد بن العوَّام، وأخرجه مسلم في الإيمان عن عُبَيْد الله بن معاذ وعن محمَّد بن يحيى وعن أبي بكر بن أبي شَيْبَة وعن عُثْمان بن أبي شَيْبَة، وأخرجه التِّرْمِذي في الصَّلاة عن قُتَيْبَة، وفي البرِّ والصِّلة عن أحمد بن محمَّد المروزي،","vol":"1","page":42},{"text":"وأخرجه النَّسائي في الصَّلاة عن عَمْرو بن علي وعن عبد الله بن محمد.\nقوله: (حَدَّثَنَا صَاحِبُ هَذِهِ الدَّارِ) لم يصرِّح فيه شُعْبَة باسم عبد الله، بل رواه مبهمًا، ورواه مالك بن مِغْوَل عند البخاري في الجهاد، وأبو إِسْحاق الشَّيباني في التوحيد عن الوليد مصرِّحًا باسم عبد الله، وكذا رواه النَّسائي من طريق أبي معاوية عن أبي عَمْرو الشَّيباني، وأحمد من طريق أبي عُبَيْدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه، ومع هذا في قوله: (وَأَشارَ بَيَدِهِ إِلى دارِ عَبدِ اللهِ) اكتفاء عن التَّصريح؛ لأنَّ المراد من عبد الله هو ابن مسعود.\nقوله: (أَيُّ العَمَلِ أَحَبُّ إِلى اللهِ؟) وفي رواية مالك بن مِغْوَل: «أَيُّ العَمَلِ أَفْضَلُ؟»، وكذا لأكثر الرُّواة.\nقوله: (عَلَى وَقْتِهَا) استعمال لفظة على ههنا بالنظر إلى إرادة الاستعلاء على الوقت والتمكن على أدائها في أيِّ جزء من أجزائها، واتفق أصحاب شُعْبَة على اللَّفظ المذكور، وخالفهم علي بن حَفْص فقال: «الصَّلَاةُ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا»، وقال الحاكم: روى هذا الحديث جماعة عن شُعْبَة ولم يذكر هذه اللفظة غير حجَّاج عن علي بن حفص، وحجَّاج حافظ ثقة، وقد احتجَّ مسلم بعلي بن حفص، قال شيخنا: وعلي بن حَفْص شيخ صدوق من رجال مسلم، أخرجه الحاكم والدَّارَقُطْني والبَيْهَقي من طريقه، قال الدَّارَقُطْني: ما أحسبه حفظه؛ لأنَّه كبر وتغير حفظه. ورواه الحسن بن علي المعمري في «اليوم والليلة» عن أبي موسى محمَّد بن المثنَّى عن غُندر عن شُعْبَة كذلك، قال الدَّارَقُطْني: تفرَّد به المَعْمري، فقد رواه أصحاب أبي موسى عنه بلفظ: «عَلَى وَقْتِهَا»، ثمَّ أخرجه الدَّارَقُطْني عن المُحاملي عن أبي موسى كرواية الجماعة، وهكذا رواه أصحاب غُندر عنه، والظَّاهر أنَّ المَعْمري وهم فيه؛ لأنَّه كان يُحدِّث من حفظه، وقد أطلق النَّوَوي في «شرح المهذب»: أنَّ رواية «فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا» ضعيفة. انتهى. لكن لها طريق أخرى أخرجها ابن خُزَيمَة في «صحيحه» والحاكم وغيرهما من طريق عُثْمان بن عُمَر عن مالك بن مِغْوَل عن الوليد وتفرَّد عُثْمان بذلك، والمعروف عن مالك بن مِغْوَل كرواية الجماعة، كذا أخرجه المصنِّف وغيره، وكان من رواها كذلك ظنَّ أنَّ المعنى واحد، ويمكن أن يكون أخذه من لفظةِ على؛ فإنها تقتضي الاستعلاء على جميع الوقت فيتعيَّن أوَّله. انتهى.\nقوله: (ثُمَّ أَيُّ؟) قال الفاكهاني: إنَّه غير منوَّن؛ لأنَّه موقوف عليه في الكلام والسائلُ ينتظر الجواب، والتنوين لا يوقف عليه، فتنوينه ووصله بما بعده خطأ، فيوقف عليه وقفة لطيفة ثمَّ يؤتى بما بعده، وقال ابن الجوزي: في هذا الحديث (أَيٌّ) مشدَّد منوَّن كذلك سمعت من ابن الخَشَّاب، وقال: لا يجوز إلَّا تنوينه؛ لأنَّه معرب غير مضاف. وقال شيخنا: وتُعُقِّب بأنَّه مضاف تقديرًا، والمضاف إليه محذوف لفظًا، والتقدير: ثمَّ أيُّ العمل أحب؟ فيوقف عليه بلا تنوين، وقد نصَّ سيبويه على إنَّها معرب ولكنَّها تُبنى إذا أُضيفت، واستشكله الزَّجَّاج، قال العَيني: قالت النحاة: إنَّ أيًّا الموصولة والشرطيَّة والاستفهاميَّة معربة دائمًا، فإذا كانت أيُّ هذه معربة عند الإفراد فكيف يقال: إنَّها مبنيَّة عند الإضافة؟! ولما نقل عن سيبويه هذا هكذا أنكر عليه الزَّجَّاج فقال: ما تبيَّن لي أنَّ سيبويه غلط إلَّا في موضعين هذا أحدهما؛ فإنه يسلِّم إنَّها تعرب إذا أفردت، فكيف يقول ببنائها إذا أُضيفت؟!\nقوله: (قَالَ: بِرُّ الوَالِدَيْنِ) هكذا هو عند الأكثر من الرُّواة، وفي رواية","vol":"1","page":42},{"text":"المُسْتَمْلي: «قَالَ: ثمَّ بِرُّ الوَالِدَيْنِ» بزيادة كلمة (ثُمَّ)، والبرُّ بكسر الباء الموحَّدة: الإحسان، و(بِرُّ الوَالِدَيْنِ): الإحسان إليهما والقيام بخدمتهما وترك العقوق والإساءة إليهما، من برَّ يَبرُّ فهو بارٌّ وجمعُه بَرَرَةٌ.\nقوله: (الجِهَادُ فِي سَبِيْلِ اللهِ) وهو المحاربة مع الكفَّار لإعلاء كلمة الله وإظهار شعائر الإسلام بالنفس والمال، فإن قلت: ما الحكم في تخصيص الذكر بهذه الأشياء الثلاثة؟ قال العَيني: هذه الثلاثة أفضل الأعمال بعد الإيمان، من ضيع الصَّلاة الَّتي هي عماد الدين مع العلم بفضيلتها كان لغيرها من أمر الدين أشدَّ تضييعًا وأشدَّ تهاونًا واستخفافًا، وكذا من ترك برَّ والديه فهو لغير ذلك من حقوق الله أشدُّ تركًا، وكذا الجهاد من تركه مع قدرته عليه عند تعيُّنه فهو لغير ذلك من الأعمال الَّتي يُتقرب بها إلى الله أشدُّ تركًا، فالمحافظ على هذه الثلاثة حافظ على ما سواها، والمضيِّع لها كان لما سواها أضيع.\nقوله: (حَدَّثَنِي بِهِنَّ) مقول عبد الله بن مسعود، أي بهذه الأشياء الثلاثة، وإنَّه تأكيد وتقرير لما تقدَّم، وإنَّه باشر السؤال وسمع الجواب؛ إذ لا ريب أنَّ اللَّفظ صريح في ذلك، وهو أرفع درجات التحمُّل.\nقوله: (وَلَوِ اسْتَزَدتُهُ) أي ولو طلبت منه الزيادة في السُّؤال لزادني رسول الله ﷺ في الجواب، ثمَّ طلبُه الزيادة يحتمل أن يكون أرادها من هذا النَّوع وهي مراتب أفضل الأعمال، ويحتمل أن يكون أرادها من مطلق المسائل المحتاج إليها، وفي رواية التِّرْمِذي من طريق المسعودي عن الوليد: «فسكت عنِّي رسول الله ﷺ ولو استزدته لزادني»، فكأنَّه فهم منه السآمة، فلذلك قال ما قاله، ويؤيِّده ما في رواية مسلم: «فما تركت أستزيده إلَّا إرعاء عليه» أي شفقة عليه لئلَّا يسأم.\nفيه: أنَّ أعمال البرِّ يفضل بعضها على بعض عند الله تعالى، فإن قلت: ورد أنَّ إطعام الطعام خير أعمال الإسلام، وورد أنَّ أحبَّ الأعمال إلى الله أدومه وغيرُ ذلك، فما وجه التوفيق فيها؟ قال العَيني: أجاب النَّبِيُّ ﷺ لكلِّ من سأل بما يوافق غرضه، أو بما يليق به، أو بحسب الوقت، فإن الجهاد كان في ابتداء الإسلام أفضل الأعمال؛ لأنَّه كان الوسيلة إلى القيام بها والتمكُّن من أدائها، أو بحسب الحال؛ فإن النصوص تعاضدت على فضل الصَّلاة على الصدقة، وربَّما تجدَّد حالٌ يقتضي مواساة مضطر فتكون الصَّدقة حينئذ أفضل.\nويقال: إن أفعل في أفضل الأعمال ليس على بابه، بل المراد به الفضل المطلق، ويقال: التقدير: إنَّ من أفضل الأعمال، فحذفت كلمة مِن، وهي مرادة. قال العَيني: وفيه نظر. قلت: من جهة أنَّ السائل على هذا التقدير لم يحصل له الجواب عن جميع ما سأل عنه، وأيضًا إذا قلنا: البيان لا يتأخَّر عن وقت الحاجة، وأيضًا فقد أتى في اللَّفظ بثُمَّ الَّتي لا تقتضي مشاركة الثَّاني للأوَّل في الرتبة.\nوقال ابن بطَّال: فيه أنَّ البدار إلى الصَّلاة في أوَّل وقتها أفضل من التراخي فيها؛ لأنَّه إنَّما شرط فيها أن تكون أحبَّ الأعمال إذا أُقيمت لوقتها المستحبِّ. قال العَيني: لفظ الحديث لا يدلُّ على ما ذكره على ما لا يخفى. وقال ابن دقيق العيد: ليس في هذا اللَّفظ - أي قوله ﵇-: (على وقتها) ما يقتضي أولًا ولا آخرًا، وكأنَّ المقصود به الاحتراز عما إذا وقعت قضاء. قال شيخنا: وتُعُقِّبَ بأنَّ إخراجها عن وقتها محرَّم، ولفظ (أحبُّ) يقتضي المشاركة في الاستحباب، فيكون المراد الاحتراز","vol":"1","page":43},{"text":"عن إيقاعها آخر الوقت. وأجيب: بأنَّ المشاركة إنَّما هي بالنسبة إلى الصَّلاة وغيرها من الأعمال، فإن وقعت الصَّلاة في وقتها كانت أحبَّ إلى الله تعالى من غيرها من الأعمال، فوقع الاحتراز عما إذا وقعت خارج وقتها من معذور كالنَّائم والناسي؛ فإن إخراجه لها عن وقتها لا يوصف بالتحريم، ولا يوصف بكونه أفضل الأعمال مع كونه محبوبًا، لكن إيقاعها في الوقت أحبُّ.\nوقال العَيني: الذي يدلُّ ظاهر اللَّفظ أنَّ الصَّلاة مشاركة لغيرها من الأعمال في المحبَّة، فإذا وقعت الصَّلاة في وقتها كانت أحبَّ إلى الله من غيرها، فيكون الاحتراز عن وقوعها خارج الوقت.\nفإن قلت: روى التِّرْمِذي من حديث ابن عُمَر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: «الوقت الأوَّل من الصَّلاة رضوان الله، والوقت الأخير عفو الله»، والعفو لا يكون إلَّا عند التقصير. قال العَيني: قال ابن حبَّان لمَّا رواه في «كتاب الضعفاء»: تفرَّد به يعقوب بن الوليد، وكان يضع الحديث. وقال أبو حاتم الرازي: هو موضوع. وقال الميموني: سمعت أبا عبد الله يقول: لا أعرف شيئًا ثبت في أوقات الصَّلاة أوَّلها كذا وأوسطها كذا، يعني مغفرة ورضوانًا. انتهى.\nقلت: لكن الحديث الذي أخرجه ابن خُزَيمَة في «صحيحه» عن بُندار يدلُّ على أنَّ الصَّلاة في أوَّل وقتها أفضل، وقال علماؤنا: ويسنُّ تعجيل الصَّلاة لأوَّل وقتها، ولا شكَّ أنَّ تارك السنَّة مقصِّر، ولم يزل الصالحون مثابرين على إقامة الصَّلاة في أوَّل الوقت، ولا يخفى أنَّ من قام بالمأمور به عند أوَّل وقتٍ من تعلَّق الخطاب به أحبُّ إلى الآمر ممن يتراخى في القيام به؛ لأنَّ الأوَّل يدلُّ على شدَّة محبَّته للآمر وحرِصه على القيام بحقِّه ونشاطِه، وإن كان التراخي لا يدلُّ على عدم هذه الأشياء غير أنَّ الأوَّل دلَّ فعلُه على هذا. انتهى.\nوفيه تعظيم الوالدين وبيان فضله، ويجب الإحسان إليهما ولو كانا كافرين.\nوفيه السؤال عن مسائل شتَّى في وقت واحد، وجواز تكرير السؤال.\nوفيه الرِّفق بالعالم والتوقُّف عن الإكثار عليه خشية مَلاله.\nوفيه ما كان هو ﵇ من إرشاد المسترشد ولو شقَّ عليه ﷺ.\nوفيه أنَّ الإشارة تنزل منزلة التصريح إذا كانت معيِّنة للمشار إليه مميزةً له على غيره، ألَّا ترى أنَّ الأخرس إذا طلَّق امرأته بالإشارة المفهمة يقع طلاقه بحسب الإشارة وكذا سائر تصرفاته؟!\nوقال ابن بَزيزَة: الذي يقتضيه النظر تقديم الجهاد على جميع أعمال البدن؛ لأنَّ فيه بذل النفس، إلَّا أنَّ الصبر على المحافظة على الصَّلوات وأدائها في أوقاتها والمحافظة على برِّ الوالدين أمر لازم متكرر دائم لا يصبر على مراقبته أمر الله فيه إلَّا الصدِّيقون، والله أعلم.\nقلت: وفي الحديث أنَّ طالب العلم يبدأ في تعلمه من العلم بما يدلُّ على أفضل الأعمال عند الله، فإن قلت: فعلى هذا تكون البداءة بالعلم المتعلِّق بذات الله وصفاته؟ قلت: هو كذلك، ولكن لما علم ﵇ أنَّ السائل عنده ذلك أجابه بمراده. فإن قلت: هل لعلم التوحيد عمل؟ قلت: علمُه عملُه وعملُه علمُه إذا قلنا: إنَّ اعتقاد القلب كان في ذلك دون النطق باللسان، فإن قلنا:","vol":"1","page":43},{"text":"لا بدَّ من النطق باللسان فهو العمل على ما لا يخفى. انتهى.\n\n <span id=\"b-٦١\"> </span>(٦) <span data-type=\"title\" id=toc-61>(بَابٌ الصَّلوات الخَمْسُ كَفَّارَةٌ </span>لِلخَطَايَا) (بَابٌ) منوَّن تقديره: هذا باب يذكر فيه الصَّلوات الخمس كفَّارة، وهكذا وَقَعَ في أكثر الروايات، وهي أخصُّ من الترجمة السابقة على الَّتي قبلها، وفي بعض الروايات الترجمة سقطت، وعليه مشى ابن بطَّال ومن تبعه، وفي رواية الكُشْمِيهَني: &lt;بَابٌ الصَّلوات الخَمْسُ كَفَّارَةٌ للخَطَايَا إَذَا صَلَاهُنَّ لِوَقْتِهِنَّ فِي الجَمَاعَةِ وَغِيْرِهَا&gt;.\nوقوله: (الصَّلَوَاتُ) مبتدأ، و(الخَمْسُ) صفته، و(كَفَّارَةٌ) خبره، وقد مرَّ تفسير الكفَّارة في الباب السَّابق للباب الذي قبله.\nوالخطايا جمع خطيئة، وهي الإثم، يقال: خطئ يخطأ خطأ وخطأة على وزن فِعلة بكسر الفاء، والخطيئة على وزن فعيلة: الإثم، ولك أن تُشدِّد الياء؛ لأنَّ كلَّ ياء ساكنة قبلها كسرة أو واو ساكنة قبلها ضمَّة، وهما زائدتان للمدِّ لا للإلحاق، ولا هما من نفس الكلمة، فإنَّك تقلب الهمزة بعد الواو واوًا وبعد الياء ياء وتدغمُ وتقول في مقروء: مقروٌّ، وفي خطيئة: خطيَّة، وأصل الخطايا خطائي على وزن فعائل، فلما اجتمعت الهمزتان قلبت الثانية ياء؛ لأنَّ قبلها كسرة ثمَّ استثقلت، والجمع ثقيل، وهو معتلٌّ مع ذلك قلبت الياء ألفًا، ثمَّ قلبت الهمزة الأولى ياء لخفائها بين الألفين.\n\n٥٢٨ - <span id=\"b-٦٢\"> </span>قوله: (حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيْمُ بنُ حَمْزَةَ) أي بالحاء المهملة، مرَّ في كتاب الإيمان، قلت: في باب سؤال جبريل ﵇ النَّبِيَّ ﷺ عن الإيمان. انتهى.\nقوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا ابنُ أَبِي حَازِمٍ) أي عبد العزير بن أبي حازم -بالحاء المهملة- وقد مرَّ في باب نوم الرجال في المسجد.\nقوله: (وَالدَّرَاوَرْدِيُّ) أي عبد العزير بن محمَّد الدراوردي، نسبةً إلى دراورد -بفتح الدَّال والراء المهملتين ثمَّ ألف ثمَّ واو مفتوحة ثمَّ راء ساكنة ثمَّ دال مهملة- وهي قرية بخراسان، وقال أكثرهم: منسوب إلى دار بجرد مدينة بفارس، وهي من شواذِّ النسب.\nقوله: (عَنْ يَزيْدَ بنِ عَبْدِ اللهِ) أي من الزيادة، ابن أسامة بن الهاد اللَّيثي الأعرج، مات سنة تسع وثلاثين ومائة.\nقوله: (عَنْ مُحَمَّدِ بنِ إِبْرَاهِيْمَ) التيمي، مات سنة عشرين ومائة.\nقوله: (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) أي ابن عوف.\nقوله: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) قال العَيني: سمَّاه البخاري: عبد الله، وقال عَمْرو بن علي: لا يُعرف له اسم. قلت: قد تقدَّم الخلاف في اسمه في باب أمور الإيمان. انتهى.\nفي هذا الإسناد التَّحديث بصيغة الإفراد في موضع واحد، وبصيغة الجمع في موضع، وفيه العنعنة في أربع مواضع، وفيه السَّماع، وفيه اثنان اسم كلُّ منهما عبد العزيز، وفيه ثلاثة تابعيون وهم: يزيد وهو تابعي صغير، قال شيخنا: ولم أرَ هذا الحديث بهذا الإسناد إلَّا من طريقه، وأخرجه مسلم أيضًا من طريق اللَّيث بن سعد وبكر بن مضر كلاهما عنه، نعم روي من طريق الأَعْمَش عن أبي صالح عن أبي هريرة، أخرجه البَيْهَقي في «الشعب» من طريق محمَّد بن عُبَيْد عنه، لكنَّه شاذٌّ؛ لأن أصحاب الأَعْمَش إنَّما رووه عنه عن أبي سُفْيان عن جابر، وهو عند مسلم أيضًا من هذا الوجه. انتهى. ومحمَّد وأبو سلمة.\nوفيه: أنَّ رواته كلُّهم مدنيُّون، وفيه أنَّ شيخ البخاري من أفراده.\nقوله: (أَنَّهُ سَمِعَ رَسُوْلَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ","vol":"1","page":44},{"text":"وَسَلَّم يَقُوْلُ: أَرَأَيتُمْ لَوْ أَنَّ نَهَرًا بِبَابِ أَحَدِكُم يَغتَسِلُ فيهِ كُلَّ يَومٍ خَمْسًا، مَا تَقُوْلُ ذَلِكَ يُبْقِي مِنْ دَرَنِهِ؟ قَالُوا: لَا يُبْقِي مِنْ دَرَنِهِ شَيْئًا، قَالَ: فَذَلِكَ مَثَلُ الصَّلوات الخَمْسِ يَمحُو اللهُ بِهَا الخَطَايَا).\nهذا الحديث أخرجه مسلم في الصَّلاة عن قُتَيْبَة عن ليث وبكر بن مضر عن ابن الهاد، وأخرجه التِّرْمِذي في الأمثال عن قُتَيْبَة به، وأخرجه النَّسائي في الصَّلاة عن قُتَيْبَة عن اللَّيث وحدَه به.\nقوله: (أَرَأَيْتُمْ) الهمزة للاستفهام على سبيل التقرير، والتاء للخطاب، ومعناه: أخبروني هل يبقي؟ ويروى: «أَرَأَيْتُكُمْ» فالكاف والميم لا محلَّ لهما من الإعراب.\nقوله: (لَوْ أَنَّ نَهَرًا) قال الطِّيبي: لفظ لو يقتضي أن يدخل على الفعل وأن يجاب، لكنَّه وضِعَ الاستفهامُ موضعَه تأكيدًا وتقريرًا، والتقدير: لو ثبت نهر صفته كذا لما بقي كذا، والنهر بفتح الهاء وسكونها: ما بين جنبي الوادي، سمِّي بذلك لسعته، وكذلك سمِّي النَّهار لسعة ضوئه.\nقوله: (مَا تَقُوْلُ) قال شيخنا: كذا في النُّسخ المعتمدة بإفراد المخاطب، والمعنى: ما تقول أيُّها السامع؟ ولأبي نُعَيم في «المستخرج» على مسلم، وكذا للإسماعيلي والجَوْزَقي: «ما تقولون؟» بصيغة الجمع. انتهى. قلت: لفظ الجمع أوفق لقوله: (أَرَأَيْتُمْ) لكن في الإفراد التفات. انتهى.\nقال شيخنا: لم أرَ في شيء من طرقه عند أحد من الأئمَّة الستَّة وأحمد بلفظ: (ما تقول) إلَّا عند البخاري، وليس هو عند أبي داود أصلًا، وهو عند ابن ماجَهْ من حديث عُثْمان لا من حديث أبي هريرة، ولفظ مسلم: «أرأيتَ لو أنَّ نهرًا ببابِ أحدِكم يغتسلُ فيه كلَّ يومٍ خمسَ مرَّات، هل ْكانَ يبقى من درنه شيء؟»، وعلى لفظه اقتصر عبد الحقِّ في الجمع بين «الصحيحين»، وكذا الحُمَيدي، ووَقَعَ في كلام بعض المتأخِّرين بعد أن ساقه بلفظ: «مَا تَقُوْلُونَ؟» إنَّه في «الصَّحيحين» و«السُّنن الأربعة»، وكأنَّه أراد أصل الحديث، لكن يردُّ عليه: إنَّه ليس عند أبي داود أصلًا، ولابن ماجَهْ من حديث أبي هريرة، ووَقَعَ في بعض النسخ المتأخِّرة من البخاري بالياء التحتانية آخر الحروف: «من تقول؟»، فزعم بعض أهل العصر إنَّه غلط، وإنَّه لا يصحُّ من حيث المعنى، واعتمد على ما ذكره ابن مالك، أي من قوله: فيه شاهد على إجراء الفعل مجرى فعل الظنِّ، وشرطه: أن يكون مضارعًا إلى آخره كما سيأتي، وأخطأ في ذلك، بل له وجه وجيه، والتقدير: ما يقول أحدكم في ذلك؟ والشرط الذي ذكره ابن مالك وغيره من النُّحاة إمَّا لإجراء فعل القول مجرى فعل الظنِّ، وإما إذا ترك القول على حقيقته فلا، وهذا ظاهر، وإنَّما نبهت عليه؛ لئلَّا يُغتر به. انتهى.\nقوله: (ذَلِكَ) إشارة إلى الاغتسال، وقال ابن مالك: فيه شاهد على إجراء فعل القول مجرى فعل الظنِّ، والشرط فيه: أن يكون فعلًا مضارعًا مسندًا إلى المخاطب متَّصلًا باستفهام كما في هذا الحديث، ولغة سُليم إجراء فعل القول مجرى الظنِّ بلا شرط، فيجوز على لغتهم أن يقال: قلْتُ زيدًا منطلقًا ونحوه.\nوقوله: (مَا تَقُوْلُ) كلمة ما الاستفهاميَّة في موضع نصب بلفظ يبقي، وقُدم لأن الاستفهام له صدر الكلام، والتقدير: أيُّ شيء تظنُّ ذلك الاغتسال مبقيًا من درنه؟ و(تَقُوْلُ) يقتضي مفعولين أحدهما هو قوله: (ذَلِكَ)، والآخر وهو المفعول الثاني.\nقوله: (يُبْقِي) وهو بضمِّ الياء من الإبقاء.","vol":"1","page":44},{"text":"قوله: (مِنْ دَرَنِهِ) -بفتح الدَّال المهملة والراء- وهو الوسخ، قال شيخنا: زاد مسلم «شيئًا»، وقد يطلق الدرن على الحبِّ الصِّغار الَّتي تحصل في بعض الأجساد، ويأتي البحث في ذلك. انتهى.\nقوله: (قَالُوا لَا يُبْقِي مِنْ دَرَنِهِ شَيْئًا) قال العَيني: (شَيْئًا) منصوب؛ لأنَّه مفعول (لَا يُبْقِي) بضمِّ الياء أيضًا وكسر القاف، وفي رواية مسلم: «لا يبقى من درنه شيء»، فشيءٌ مرفوع؛ لأنَّه فاعل.\nقوله: (لَا يَبْقَى) بفتح الياء والقاف.\nقوله: (فَذَلِكَ) الفاء فيه جواب شرط محذوف، أي إذا أقررتم ذلك وصحَّ عندكم فهو مثل الصَّلوات؟ وفائدة التمثيل التقييدُ وجعلُ المعقول كالمحسوس، وقال ابن العربي: وجه التمثيل: أنَّ المرء كما يتدنس بالأقذار المحسوسة في بدنه وثيابه ويطهِّره الماء الكثير، فكذلك الصَّلوات تطهِّر العبد عن أقذار الذنوب حتَّى لا تبقي له ذنبًا إلَّا أسقطته وكفَّرته.\nفإن قلت: ظاهر الحديث يتناول الصَّغائر والكبائر؛ لأن لفظ الخطايا يطلَّق عليها.\nقال العَيني: روى مسلم من حديث العلاء عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعًا: «الصَّلواتُ الخمسُ كفَّارةٌ لما بينها ما اجتنبت الكبائر»، وقال ابن بطَّال: يؤخذ من الحديث: أنَّ المراد الصَّغائر خاصَّة؛ لأنَّه شبَّه الخطايا بالدرن، والدَّرن صغير بالنسبة إلى ما هو أكبر منه من القروح والجراحات.\nفإن قلت: لم لا يجوز أن يكون المراد بالدَّرن الحبُّ؟ قال العَيني: لا، بل المراد به الوسخ؛ لأنَّه هو الذي يناسبه التنظيف والتطهير، ويؤيِّد ذلك ما رواه أبو سعيد الخُدْري ﵁ إنَّه سمع رسول الله ﷺ يقول: «أرأيتَ لو أنَّ رجلًا كان له معتمَل، وبينَ منزلِه ومعتملِه خمسة أنهار، فإذا انطلقَ إلى معتملِه عمل ما شاءَ الله فأصابه وسخ أو عرق، فكلَّما مرَّ بنهر اغتسل منه» الحديث، رواه البزَّار والطَّبَراني بإسناد لا بأس به من طريق عطاء بن يَسار عنه.\nفإن قلت: الصَّغائر مكفّرة بنصِّ القرآن باجتناب الكبائر، فما الذي تكفِّره الصَّلوات الخمس؟ أُجيب: لا يتمُّ اجتناب الكبائر إلَّا بفعل الصَّلوات الخمس، فإذا لم يفعلها لم يكن مجتنبًا للكبائر؛ لأن تركها من الكبائر، فيتوقف التكفير على فعلها. قال شيخنا: وقد أجاب عنه شيخنا البُلْقِيني بأنَّ السؤال غير وارد؛ لأنَّ مراد الله: أن تجنبوا، أي في جميع العمر، ومعناه الموافاة على هذه الحالة من وقت الإيمان أو التكليف إلى الموت، والذي في الحديث: أنَّ الصَّلوات الخمس تكفِّر ما بينها - أي في يومها - إذا اجتنبت الكبائر في ذلك اليوم، فعلى هذا لا تعارض بين الآية والحديث. انتهى.\nوقد فصَّل الإمام البلقيني أحوال الإنسان بالنسبة إلى ما ينحصر في خمسة:\nأحدها: ألَّا يصدر منه شيء البتَّة، فهذا يعاوض-أي: يعوض - برفع الدَّرجات.\nثانيها: يأتي بصغائر بلا إصرار، فهذا تكفَّر عنه جزمًا.\nثالثها: مثله، لكن مع الإصرار، فلا يكفَّر إذا قلنا: الاصرار على الصَّغائر كبيرة.\nرابعها: أن يأتي بكبيرة واحدة وصغائرَ.\nخامسها: أن يأتي بكبائر وصغائر، وهذا فيه نظر محتمل إذا لم يجتنب الكبائر ألَّا تكفِّر الكبائر بل تكفِّر الصَّغائر، ويحتمل ألَّا تكفِّر شيئًا أصلًا، والثاني أرجح؛ لأنَّ مفهوم المخالفة إذا لم تتعين جهة لا يُعمل به، فهنا لا يكفِّر شيء، إما لاختلاط الكبائر والصغائر، أو لتمحض الكبائر، أو تكفِّر الصغائر فلم تتعين جهة مفهوم المخالفة لدورانه بين الفصلين","vol":"1","page":45},{"text":"فلا يعمل به، ويؤيِّده: أنَّ مقتضى تجنب الكبائر أنَّ هناك كبائر، ومقتضى (ما اجتُنِبَت الكبائر) أنَّ لا كبائر، فيُصان الحديث عنه.\nقوله: (بِهَا) أي بالصلوات، ويروى: (بِهِ) بتذكير الضَّمير، أي بأداء الصَّلوات.\nقلت: فيه استحباب الوعظ، وأن الواعظ يمثل بالأشياء المحسوسة للمعاني المعقولة ليفهم السَّامع، وفيه أنَّ الذُّنوب تؤثِّر في الإنسان كما يؤثِّر الوسخ في الثَّوب، قال الله تعالى: ﴿بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوْبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُوْنَ﴾ [المطففين: ١٤]، والرين يعلو القلب كالصدأ، فإن تداركه الإنسان بالجلاء بالتوبة والذكر انجلى، وإن تركه حتَّى تراكم وكثر ولم يتب يخاف عليه ألَّا يصلحه إلَّا النَّار كالحديدة إذا تراكم عليها الصَّدأ، وانظر في الحديث تجد الصَّلوات الخمس فيها تداركٌ مع قرب عهد، والله أعلم.\nوفيه أنَّ المتكلِّم بالعلم مع غيره يطلب منه الموافقة على المقدِّمات المتَّفق عليها ليفهم القياس، وفيه أنَّ الحسنات يذهبن السيئات، وفيه ردٌّ على من يوجب العقاب على العاصي بقدر معصيته. انتهى.\n\n <span id=\"b-٦٣\"> </span>(٧) (بَابٌ في تَضيِيعِ الصَّلاة عَن وَقْتِها) أي هذا باب في بيان تضييع الصَّلاة عن وقتها، وتضييعها: تأخيرها إلى أن يخرج وقتها، وقيل: تأخيرها عن وقتها المستحبِّ، قال العَيني: والأوَّل أظهر؛ لأن التضييع إنَّما يظهر فيه، وهذه الترجمة إنَّما تثبت في رواية الحموي والكُشْمِيهَني، وليست بثابتة في رواية الباقين.\n\n٥٢٩ - <span id=\"b-٦٤\"> </span>قوله: (حَدَّثَنِي مُوْسَى بنُ إِسْمَاعِيْلَ) أي المِنقَري التَّبوذكي.\nقوله: (قَالَ حَدَّثَنَا مَهْدِيٌّ) أي -بفتح الميم وسكون الهاء وكسر الدَّال المهملة- ابن ميمون أبو يحيى، مات بالمدينة سنة اثنتين وسبعين ومائة.\nقوله: (عَنْ غَيْلَانَ) أي -بفتح الغين المعجمة- ابن جرير.\nقوله: (عَنْ أَنَسٍ) أي ابن مالك ﵁.\nفي هذا الإسناد التَّحديث بصيغة الإفراد في موضع، وبصيغة الجمع في موضع، وفيه العنعنة في موضعين، وفيه أنَّ إسناده كلُّهم بصريون.\nقوله: (قَالَ: مَا أَعْرِفُ شَيْئًا ممَّا كَانَ عَلى عَهْدِ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ قَبْلَ الصَّلَاةِ، قَالَ: أَلَيْسَ صَنَعْتُمْ مَا صَنَعْتُمْ فِيْهَا؟).\nوجه مطابقته للترجمة في قوله: (أَلَيْسَ صَنَعْتُمْ مَا صَنَعْتُمْ فِيْهَا؟) يعني: من التضييع.\nهذا الحديث من أفراد البخاري.\nقوله: (قِيْلَ: الصَّلَاةُ) أي قيل له: الصَّلاة هي شيء مما كان على عهد النَّبِيِّ ﷺ وهي باقية، فكيف تصدق القضيَّة السالبة عامَّة. قال شيخنا: وهذا الذي قال لأنس ذلك يقال له: أبو رافع، بيَّنه أحمد بن حنبل في روايته لهذا الحديث عن رَوْح عن عُثْمان بن سعد عن أَنَس فذكر نحوه، فقال أبو رافع: يا أبا حمزة، ولا الصلاة؟ فقال له أنس: قد علمتم ما صنع الحجَّاج في الصَّلاة. انتهى. فأجاب أَنَس بقوله: أليس صنعتم ما صنعتم فيها؟ يعني: من تضييعها، وهو خروجها عن وقتها. وقال المُهَلَّب: المراد بتضييعها تأخيرها عن وقتها المستحبِّ، لا أنَّهم أخرجوها عن الوقت، وتبعه على هذا جماعة.\nقال العَيني: الأصحُّ ما ذكرناه؛ لأنَّ أنسًا ﵁ إنَّما قال ذلك حين علم أنَّ الحجَّاج والوليد بن عبد الملك وغيرهما كانوا يؤخِّرون الصَّلاة عن وقتها، والآثار في ذلك مشهورة، منها ما رواه عبد الرزَّاق عن ابن جُرَيج عن عطاء قال: أخَّر الوليد الجمعة حتَّى أمسى، فجئت فصلِّيت الظُّهر","vol":"1","page":45},{"text":"قبل أن أجلس، ثمَّ صلِّيت العصر وأنا جالس إيماءً وهو يخطب. وإنَّما فعل ذلك عطاء خوفًا على نفسه.\nومنها ما رواه أبو نُعَيم شيخ البخاري في «كتاب الصلاة» من طريق أبي بكر بن عُتْبَة قال: صلِّيت إلى جنب أبي جُحَيفة، فمشى الحجَّاج للصلاة، فقام أبو جُحَيفة فصلَّى، ومن طريق أبي عُمَر: إنَّه كان يصلِّي مع الحجَّاج، فلما أخَّر الصَّلاة ترك أن يشهدها معه، ومن طريق محمَّد بن إسماعيل قال: كنت بمنى وصحفُ تُقرأ للوليد فأخَّروا الصلاة، فنظرت إلى سعيد بن جُبَير وعطاء يومئان إيماءً وهما قاعدان.\nومما يؤيِّد ما ذكرناه قولُه تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ﴾ [مريم: ٥٩] قال أبو مسعود ﵁: أخَّروها عن مواقيتها وصلُّوها لغير وقتها.\nقوله: (أَلَيْسَ) اسمه ضمير الشأن.\nقوله: (أَلَيْسَ صَنَعتُمْ مَا صَنَعْتُمْ فِيْهَا؟) بصادين مهملتين والنُّون في رواية الأكثرين، وفي رواية النَّسَفي بالمعجمتين وتشديد الياء آخر الحروف، قال ابن قُرقول: رواية العُذْري: «صنعتم» بالصَّاد المهملة، ورواية النَّسَفي بالمعجمة والياء المُثَنَّاة من تحت، قال: والأوَّل أشبه، يريدُ ما أحدثوا من تأخيرها، قال العَيني: إلَّا إنَّه جاء في نفس الحديث ما يبين إنَّه بالضَّاد المعجمة وهو قوله: (ضيعت) في الحديث الآتي. انتهى. قال شيخنا: ورواية النَّسَفي واضحة في مطابقة الترجمة.\nويؤيِّد الأوَّل ما رواه أحمد بن حنبل عن روح عن عُثْمان بن سعد - أي الَّتي تقدَّمت آنفًا - وما رواه التِّرْمِذي من طريق أبي عِمْران الجوني عن أنس، فذكر نحو هذا الحديث وقال في آخره: أولم تصنعوا في الصَّلاة ما قد علمتم؟\nوروى ابن سعد في «الطبقات» سببَ قول أَنَس هذا القول، فأخرج في ترجمة أَنَس من طريق عبد الرحمن بن العريان الحارثي: سمعت ثابتًا البناني قال: كنا مع أَنَس بن مالك، فأخرج الحجَّاج الصلاة، فقام أَنَس يريد أن يكلِّمه فنهاه إخوانه شفقةً عليه منه، فخرج فركب دابته فقال في مسيره ذلك: والله ما أعرف شيئًا مما كنا على عهد رسول الله ﷺ إلَّا شهادة إلَّا إله إلَّا الله، فقال رجل: فالصَّلاة يا أبا حمزة؟ قال: قد جعلتم الظُّهر عند المغرب، أفتلك كانت صلاة رسول الله ﷺ؟! وأخرجه ابن أبي عُمَر في «مسنده» من طريق حمَّاد عن ثابت مختصرًا.\n\n٥٣٠ - <span id=\"b-٦٥\"> </span>قوله: (حَدَّثَنا عَمْرو بنُ زُرَارَةَ) أي بضمِّ الزاي وبالراءين المهملتين، مرَّ في باب: قدرُ كم ينبغي أن يكون بين المصلِّي والسترة.\nقوله: (قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ بنُ وَاصِلٍ) أبو عُبَيْدة الحدَّاد أي السُّدوسي البصري، مات سنة تسع ومائة.\nقوله: (عَنْ عُثْمان بنِ أَبِي رَوَادٍ أَخِي عَبْدِ العَزِيْزِ) أي بفتح الرَّاء المهملة وتشديد الواو وبالدَّال المهملة، واسمه ميمون.\nقوله: (قَالَ: سَمِعْتُ الزُّهْري يَقُوْلُ) أي محمَّد بن مسلم بن شِهاب، قوله: (دَخَلْتُ عَلَى أَنَس بنِ مَالِكٍ بِدِمَشْقَ).\nفي هذا الإسناد التَّحديث بصيغة الجمع في موضع، وفيه الإخبار بصيغة الجمع في موضع، وفيه العنعنة في موضع، وفيه القول في خمس مواضع، وفيه أنَّ رواته ما بين نيسابوري وخراساني وبصري ومدني، وفيه (أخو عبد العزيز) في رواية الأكثرين، أي هو أخو عبد العزيز، وفي رواية","vol":"1","page":46},{"text":"الكُشْمِيهَني: &lt;أَخِي عَبْدِ العَزِيْزِ&gt; بدل من عثمان.\nقوله: (وَهُوَ يَبْكِي، فَقُلْتُ: مَا يُبْكِيْكَ؟ فَقَالَ: لَا أَعْرِفُ شَيْئًا مِمَّا أَدْرَكْتُ إلَّا هَذِهِ الصَّلَاةَ، وَهَذِهِ الصَّلاة قَدْ ضُيِّعَتْ).\nمطابقته للترجمة في قوله: (ضُيِّعَتْ) وهذه المطابقة أظهر من مطابقة الحديث السَّابق إلَّا في الرواية بالضاد كما تقدَّم.\nقوله: (بِدِمَشْقَ) -بكسر الدَّال المهملة وفتح الميم بعدها شين معجمة ساكنة- وزَعَمَ الكلبي في كتابه «أسماء البلدان» تأليفه: إنَّما سمِّيت دمشق؛ لأنَّه بناها دماشق بن قاني بن مالك بن أرفخشذ بن سام بن نوح ﵇. وقال أهل الأثر: سمِّيت بدماشق بن نمرود بن كنعان، وهو الذي بناها، وكان مع إبراهيم، كان دفعه نمرود إليه بعد أن نجاه الله تعالى من النَّار. وعن إِسْحاق بن أيُّوب: الشَّيطان الذي بناه كان اسمه جيرون، وكان من بناء سُلَيمان ﵇.\nوقال ابن عساكر: قيل: إنَّ نوحًا ﵇ اختطها. وقيل: بناها العازر، واسمه دمشق غلام إبراهيم ﵇ وكان حبشيًا وهبه له نمرود. وقيل: إنَّ الذي بناها بيوراسب. وعن البكري عن الحسن بن أحمد الهَمْداني: نزل جيرون بن سعد بن عاد دمشق وبنى مدينتها، فسمِّيت باسمه جيرون، قال: وهي إرم ذات العماد، ويقال: إنَّ بها أربع مائة ألف عمود من حجارة.\nوقال أهل اللُّغة: اشتقاق دمشق من قولهم: ناقة دمشق اللحم إذا كانت خفيفة اللحم، والدَّمْشقة الخفة، قال شيخنا: كان قدوم أَنَس دمشق في إمارة الحجَّاج على العراق، قدمها شاكيًا من الحجَّاج للخليفة وهو إذ ذاك الوليد بن عبد الملك.\nقوله: (وَهُوَ يَبْكِي) جملة اسميَّة وقعت حالًا من أنس.\nقوله: (مِمَّا أَدْرَكْتُ) أي في عهد رسول الله ﷺ.\nقوله: (إِلَّا هَذِهِ الصَّلَاةَ) بالنَّصب لا غير، سواء جعلته استثناء أو بدلًا من قوله: (شيئًا) قال شيخنا: والمراد إنَّه لا يعرف شيئًا موجودًا من الطَّاعات معمول به على وجهه غير الصَّلاة.\nقوله: (وَهَذِهِ الصَّلَاةُ) جملة اسميَّة.\nقوله: (قُدْ ضُيِّعَتْ) وقعت حالًا من الصَّلاة.\nقوله: (وَقَالَ بَكْرُ بنُ خَلَفٍ) أي بالخاء المعجمة واللَّام المفتوحتين، قال الغَسَّاني: بكر بن خلف البُرْساني أبو بِشر، ذكره البخاري مستشهدًا به في كتاب الصَّلاة بعد حديثٍ ذكره عن أبي عُبَيْدة الحدَّاد، وهو ختن عبد الله بن يزيد المقرئ، مات سنة أربعين ومائتين.\nقوله: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ بَكْرٍ البُرْسَانيُّ) أي بضمِّ الباء الموحدة وسكون الراء، وبالسِّين المهملة وبالنُّون، البصري منسوب إلى بُرْسان بطنٍ من أزد، مات سنة ثلاث ومائتين.\nقوله: (أَخْبَرَنَا عُثْمان بنُ أَبِي رَوَادٍ) أي المذكور في السند المتقدِّم.\nقوله: (نَحْوَهُ) أي مثل الحديث، هذا التعليق وصله الإسماعيلي فقال: أخبرنا محمود بن محمَّد الواسطي، حدَّثنا أبو بشر بكر بن خلف، حدَّثنا محمَّد بن بكر. ورواه أيضًا أبو نُعَيم عن أبي بكر بن خَلَّاد، حدَّثنا أحمد بن علي الخراز، حدَّثنا بكر بن خلف، حدَّثنا محمَّد ختن المقرئ، حدَّثنا محمَّد بن بكر فذكره.\nقوله: (نَحْوَهُ) أي نحو سَوق عَمْرو بن زُرَارة عن عبد الواحد عن عُثْمان بن أبي رَوَّاد... إلى آخره، والذي ذكره الإسماعيلي موافق للذي قبله، وفيه زيادة، وهي: لا أعرف شيئًا مما كنا عليه في عهد رسول الله ﷺ، والباقي","vol":"1","page":46},{"text":"سواء، قال شيخنا زاد فيه: وهو وحده... إلى آخره.\nتنبيه: إطلاق أَنَس محمول على ما شاهده من أمراء الشَّام والبصرة خاصَّة، وإلا فسيأتي في هذا الكتاب إنَّه قدم المدينة فقال: ما أنكرت شيئًا إلَّا أنكم لا تقيمون الصُّفوف، والسبب فيه: إنَّه قدم المدينة وعمرُ بن عبد العزيز أميرها حينئذ، وكان على طريقة أهل بيته، حتَّى أخبره عُرْوَة عن بشر بن أبي مسعود عن أبيه بالنصَّ على الأوقات، فكان يحافظ بعد ذلك على عدم إخراج الصَّلاة عن وقتها، كما تقدَّم بيانه في أوائل الصَّلاة، ومع ذلك كان يراعي الأمر معهم فيأخِّر الظُّهر إلى آخر وقتها، وقد أنكر ذلك أَنَس أيضًا كما في حديث أبي أمامة بن سهل عنه. انتهى.\n\n <span id=\"b-٦٦\"> </span>(٨) (بَابٌ المُصَلِّي يُنَاجِي رَبَّهُ) أي هذا باب يذكر فيه المصلِّي يناجي ربَّه، مِنْ ناجاه يناجيه مناجاة فهو مناجٍ، وهو المخاطِب لغيره والمحدِّث له، وثلاثيُّه مِن نجا ينجو نجاةً إذا أسرع، ونجا من الأمر إذا خَلَص، وأنجاه غيرُه.\nومناسبة هذا الباب بالأبواب الَّتي قبله الَّتي تضمَّنها كتاب مواقيت الصَّلاة من حيث إنَّ فيه بيان أنَّ أوقات أداء الصَّلاة [أوقاتُ] (^١) مناجاة الله تعالى، ومناجاة الله تعالى لا تحصل للعبد إلَّا فيها خاصَّة، والأحاديث السَّابقة دلَّت على مدح من صلَّى في وقتها وذمِّ من أخَّرها عن وقتها، وأورد البخاري أحاديث هذا الباب ترغيبًا للمصلِّي في تحصيل هذه الفضيلة على الوجه المذكور في أحاديث هذا الباب؛ لئلَّا يحرم عن هذه المنزلة السنيَّة الَّتي يخشى فواتها على المقصر في ذلك.\n\n٥٣١ - <span id=\"b-٦٧\"> </span>قوله: (حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بنُ إِبْرَاهِيْمَ) أي أبو عَمْرو البصري.\nقوله: (قَالَ حَدَّثَنَا هِشَامٌ) أي ابن أبي عبد الله الدَّسْتُوائي بفتح الدَّال.\nقوله: (عَنْ قَتَادَةَ) أي ابن دِعامة بكسر الدَّال.\nقوله: (عَنْ أَنَسٍ) أي ابن مالك ﵁ (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا صَلَّى يُنَاجِي رَبَّهُ فَلَا يَتْفُلَنَّ عَنْ يَمِيْنِهِ، وَلَكِنْ تَحْتَ قَدَمِهِ اليُسْرَى).\nمطابقته للترجمة ظاهرة، وهذا الإسناد بعينه قد مرَّ في الحديث الأوَّل في باب زيادة الإيمان ونقصانه حيث قال: حدَّثنا مسلم بن إبراهيم حدَّثنا هشام حدَّثنا قَتَادَة عن أَنَس قال: «يخرج من النَّار من قال: لا إله إلَّا الله» الحديث، وهذا الحديث قد مضى في باب حكِّ البزاق باليد من المسجد بأطولَ منه، رواه عن قُتَيْبَة عن إسماعيل بن جعفر عن حُمَيْد عن أنس: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ رأى نُخَامَةً» الحديث، وأخرجه أيضًا في باب لا يبصق عن يمينه في الصَّلاة عن أبي هريرة وأبي سعيد الخُدْري ﵄، وأخرج أيضًا عن أَنَس من حديث شُعْبَة عن قَتَادَة عنه من طرق مختلفة، وأخرجه أيضًا عن أبي هريرة، وقد مرَّ الكلام فيه مستوفىً.\nقوله: (وَقَالَ سَعِيْدٌ) أي ابن أبي عَرُوبَة.\nقوله: (عَنْ قَتَادَةَ) أي قال سعيد عن قَتَادَة بالإسناد المذكور: «لَا يَتْفِلُ قُدَّامَهُ أَوْ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَلَكِنْ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمَيْهِ».\nطريقه موصولة عند الإمام أحمد وابن حبَّان، وقوله فِيها: (أَوْ بَيْنَ يَدَيِهِ) شكٌّ من الراوي، ومعناه: قدَّامه.\nقوله: (وَقَالَ شُعْبَةُ) أي ابن الحجَّاج: (لَا يَبْزُقَنَّ بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَا عَنْ يَمِيْنِهِ، وَلَكِنْ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ) أي قال شُعْبَة عن قَتَادَة بالإسناد أيضًا، وقد أوصله البخاري فيما تقدَّم\n_________\n(^١) أوقات: ليست في الأصل، وأثبتت لصحة السياق، وهي مثبتة في (عمدة القاري).","vol":"1","page":47},{"text":"عن آدم عنه.\nقال شيخنا: وأراد بهذين التعليقين بيان اختلاف أصحاب قَتَادَة عنه في رواية هذا الحديث، ورواية شُعْبَة أتمُّ الروايات، لكن ليس فيها المناجاة. انتهى.\nقوله: (وَقالَ حُمَيْدٌ عَن أَنَس عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: لَا يَبْزُقَنَّ فِي القِبْلَةِ وَلَا عَنْ يَمِيْنِهِ، وَلَكِنْ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ)، أوصله البخاري أيضًا فيما تقدَّم، ولكن ليس في تلك الطريقة قوله: (وَلا عَنْ يَمِيْنِهِ).\nوقال الكِرْماني: هذه تعليقات، لكنَّها ليست موقوفة على شُعْبَة ولا على قَتَادَة، يعني: بل هي مرفوعة، ويحتمل الدُّخُول تحت الإسناد السَّابق بأن يكون معناه مثلًا: حدَّثنا مسلم، حدَّثنا شُعْبَة عن قَتَادَة عن أَنَس عن النَّبِيِّ ﷺ، قال شيخنا: وهو احتمال ضعيف بالنِّسبة لشُعْبَة؛ فإنَّ مسلم بن إبراهيم سمع منه، وباطل بالنِّسبة لسعيد؛ فإنَّه لا رواية له عنه، والذي ذكرته هو المعتمد، وكذا طريق حُمَيْد وصلها المؤلِّف في أوائل أبواب المساجد من طريق إسماعيل بن جعفر عنه، لكن ليس فيها قوله: (وَلَا عَنْ يَمِيْنِهِ).\nقوله: (حَدَّثَنَا حَفْص بنُ عُمَرَ، قالَ: حَدَّثنا يَزيْدُ بنُ إِبْرَاهِيْمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا قَتَادَة عَنْ أَنَس عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: اعتَدِلُوا في السُّجُوْدِ، وَلا يَبْسُطْ ذِرَاعَيهِ كَالكَلْبِ، وَإِذَا بَزَقَ فَلا يَبْزُقْ بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَا عَنْ يَمِيْنِهِ فَإِنَّمَا يُنَاجِي رَبَّهُ).\nمطابقته للترجمة ظاهرة، ورجاله تقدَّموا، وفي إسناده التَّحديث بصيغة الجمع في ثلاث مواضع، والعنعنة في موضعين، وفيه القول.\n\n٥٣٢ - <span id=\"b-٦٨\"> </span>قوله: (اعْتَدِلُوا فِي السُّجُوْدِ) يأتي الكلام عليه في أبواب صفة الصلاة، وقال العَيني: المقصود من الاعتدال فيه: أن يضع كفَّه على الأرض ويرفع مرفقيه عنها وعن جنبيه ويرفع البطن عن الفخذ، والحكمة فيه: إنَّه أشبه بالتواضع وأبلغ في تمكين الجبهة من الأرض وأبعد من هيئات الكسالى، فإن المنبسط يشبه الكلب ويشعر حاله بالتهاون بالصلاة وقلَّة الاعتناء بها والإقبال عليها.\nوالاعتدال من عدلته فاعتدل، أي قوَّمته فاستقام، قاله الجَوْهري.\nقوله: (وَلَا يَبْسُطْ ذِرَاعَيْهِ) بسكون الطَّاء، وفاعله مضمَر، أي المصلِّي، وفي بعض النُّسخ: «أَحَدُكُمْ» بإظهار الفاعل، والذِّراع: السَّاعد.\nقوله: (فَإِنَّمَا يُنَاجِي رَبَّهُ) وفي رواية الكُشْمِيهَني: &lt;فَإِنَّهُ يُنَاجِي رَبَّهُ&gt; وسأل الكِرْماني ههنا ما ملخَّصه: أنَّ فيما مضى جعل المناجاة علَّة لنهي البزاق في القدَّام فقط لا في اليمين حيث قال: (فَلَا يَبْصُقْ أَمَامَهُ فَإِنَّمَا يُنَاجِي اللهَ) وقال: (وَلَا عَنْ يَمِيْنِهِ، فَإِنَّ عَنْ يَمِيْنِهِ مَلَكًا) وأجاب: بأنَّه لا محذور بأن تعلل الشيء بعلَّتين منفردتين أو مجتمعتين؛ لأنَّ العلَّة الشرعيَّة معرّفة، وجاز تعدد المعرّفات، فعلل نهي البزاق عن اليمين بالمناجاة وبأنَّ ثمَّة ملكًا، وقال أيضًا: عادة المناجي أن يكون في القدَّام، وأجاب بأنَّ المناجي الشَّريف قد يكون قدَّامًا وقد يكون يمينًا.\n\n <span id=\"b-٦٩\"> </span>(٩) <span data-type=\"title\" id=toc-69>(بابُ الإِبْرَادِ بِالظُّهْرِ فِي شِدَّةِ الحَرِّ)</span> أي هذا باب في بيان فضل الإبراد بصلاة الظُّهر عند شدَّة الحرِّ، وسنفسِّر الإبراد في الحديث، وإنما قدَّم باب الإبراد بالظُّهر","vol":"1","page":47},{"text":"على باب وقت الظُّهر للاهتمام به، وقال شيخنا: لأنَّ لفظ الإبراد يستلزم أن يكون بعد الزَّوال لا قبله؛ إذ وقت الإبراد هو ما إذا انحطَّت قوَّة الوهج من حرِّ الظَّهيرة، فكأنَّه أشار إلى أوَّل وقت الظُّهر، أو أشار إلى حديث جابر بن سَمُرَة قال: كان بلال يؤذِّن الظُّهر إذا دحضت الشَّمس. أي مالت\n\n٥٣٣ - <span id=\"b-٧٠\"> </span>٥٣٤ - قوله: (حَدَّثَنَا أيُّوْبُ بنُ سُلَيْمَان بنِ بِلَالٍ) أي المدني، مات سنة أربع وثلاثين ومائتين.\nقوله: (قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ) أي عبد الحميد بن أبي أُويس الأَصْبَحي، توفِّي سنة ثنتين ومائة.\nقوله: (عَنْ سُلَيْمَانَ) أي ابن بلال والد أيُّوب المذكور.\nقوله: (قَالَ صَالِحٌ) أي ابن كيْسان.\nقوله: (حَدَّثَنَا الأَعْرَجُ) أي عبد الرحمن بن هُرمُز.\nقوله: (وَغَيْرُهُ) أي غير الأعرج، قال شيخنا: هو أبو سلمة بن عبد الرحمن فيما أظنُّ، وقد رواه أبو نُعَيم في «المستخرج» من وجه آخر عن أيُّوب بن سُلَيمان فلم يقل فيه: وغيره. انتهى.\nقوله: (عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ) أي عبد الرحمن بن صخر ﵁.\nقوله: (وَنافِعٌ مَولَى عَبْدِ اللهِ بنِ عُمَرَ) بالرفع عطف على الأعرج.\nقوله: (عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ عُمَرَ) أي ابن الخطَّاب ﵄.\nقوله: (أَنَّهُمَا حَدَّثَاهُ) أي أبو هريرة وابن عُمَر.\nفي هذا الإسناد التَّحديث بصيغة الجمع في ثلاث مواضع، وبصيغة التثنية من الماضي في موضع واحد، وفيه العنعنة في أربع مواضع، وفيه القول في ثلاث مواضع، وفيه أنَّ رواته كلُّهم مدنيُّون، وفيه صحابيان وثلاثة من التَّابعين، وهم صالح بن كَيْسان، فإنَّه رأى عبد الله بن عُمَر، قاله الواقدي والأعرج ونافع، وفيه أنَّ أبا بكر من أقران أيُّوب، وفيه أنَّ أيُّوب روى عن والده سُلَيمان هنا بواسطة، قال شيخنا: تارة يروي عنه بواسطة، وتارة بلا واسطة. انتهى.\nقوله: (عَنْ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ إنَّه قَالَ: إِذَا اشْتَدَّ الحَرُّ فَأَبْرِدُوا بِالصَّلَاةِ؛ فَإِنَّ شِدَّةَ الحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ).\nمطابقته للترجمة من حيث إنَّ المراد بقوله: (فَأَبْرِدُوا بِالصَّلَاةِ) هي صلاة الظُّهر؛ لأنَّ الإبراد إنَّما يكون في وقت يشتدُّ الحرُّ فيه، وذلك وقت الظُّهر، ولهذا صرَّح بالظُّهر في حديث أبي سعيد حيث قال: «أَبْرِدُوا بالظُّهْرِ؛ فَإِنَّ شِدَّةَ الحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ» على ما يأتي في آخر هذا الباب، والبخاري حمل المطلق على المقيَّد في هذه الترجمة.\nقوله: (أَنَّهُمَا حَدَّثَاهُ) أي أبو هريرة وابن عُمَر حدَّثا من حدَّث صالح بن كَيْسان، ويحتمل أن يعود الضَّمير في (أَنَّهُمَا) إلى الأعرج ونافع، أي أنَّ الأعرج ونافعًا حدَّثاه، أي صالح بن كَيْسان عن شيخيهما بذلك، ووَقَعَ في رواية الإسماعيلي أنهما حدَّثا بغير ضمير، فلا يحتاج إلى التقدير المذكور.\nقوله: (إِذَا اشَتَدَّ الحَرَّ) من الاشتداد من باب الافتعال، وأصله: اشتدد، أدغمت الدَّال الأولى في الثانية.\nقوله: (فَأَبْرِدُوا) -بفتح الهمزة- من الإبراد، قال الزَّمَخشَري في «الفائق»: حقيقة الإبراد الدخول في البرد، والباء للتعدية، والمعنى: إدخال الصَّلاة في البرد، ويقال: معناه: افعلوها في وقت البرد، وهو الزَّمان الذي يتبيَّن فيه شدَّة انكسار الحرِّ؛ لأنَّ شدَّة الحرِّ تذهب الخشوع. وقال السَّفَاقُسي: (أَبْرِدُوا) أي ادخلوا في وقت الإبراد مثل أظلم: دخل في الظَّلام، وأمسى:","vol":"1","page":48},{"text":"دخل في المساء، قال شيخنا: وأظهر إذا دخل في الظَّهيرة، ومثله في المكان: أنجد إذا دخل نجدًا، وأَتْهَم إذا دخل تِهامة. انتهى.\nوقال الخطَّابيُّ: الإبراد: انكسار شدَّة حرِّ الظَّهيرة، وذلك أنَّ فتور حرِّها بالإضافة إلى وقت الهاجرة بردٌ، وليس ذلك بأن يؤخِّر إلى آخر بردَي النَّهار وهو برد العشي؛ إذ فيه الخروج عن قول الأئمَّة.\nقوله: (بِالصَّلَاةِ) وفي حديث أبي ذرٍّ الذي يأتي بعد هذا الحديثُ عن الصلاة، والفرق بينهما: أنَّ الباء هو الأصل، وأما (عَنْ) ففيه تضمين معنى التأخير، أي تأخَّروا عنها مبرِّدين، وقيل: هما بمعنى واحد؛ لأن عَنْ تأتي بمعنى الباء كما يقال: رميت عن القوس، أي بالقوس، وقيل: الباء زائدة، والمعنى: أبردوا الصَّلاة.\nوقوله: (بِالصَّلَاةِ) بالباء هو رواية الأكثرين، وفي رواية الكُشْمِيهَني: &lt;عَنِ الصَّلَاةِ&gt; كما في حديث أبي ذرٍّ، وقال شيخنا: قوله: (بِالصَّلَاةِ) الباء للتعدية، وقيل: زائدة، ومعنى (أَبْرِدُوا): أخِّروا، على سبيل التضمين، أي أخَّروا الصلاة.\nقال العَيني: قوله: للتعدية غيرُ صحيح؛ لأنَّه لا يجمع في تعدية اللازم بين الهمزة والباء، فافهم، وقوله: على سبيل التَّضمين أيضًا غير صحيح؛ لأنَّ معنى التَّضمين في رواية (عَنْ) كما ذكرنا، لا في رواية الباء، فافهم، وقد ذكرنا: أنَّ المراد من الصَّلاة هي صلاة الظُّهر. انتهى.\nقلت: ما قاله شيخنا صحيح يشهد له قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء: ١] فإن قلت: قال العلماء باللَّغة: إنَّ سرى وأسرى بمعنىً واحد، أقول: قال صاحب المفردات: وقيل: أسرى ليست من لفظة سَرَى، إنَّما هي من السَّراة وهو أرض واسعة، فقوله: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء: ١] أي ذهب به في سَراةٍ من الأرض، وقوله: على سبيل التَّضمين، لم يقل فيه على رواية الباجي يُعترض بهذا. انتهى.\nقوله: (فَإِنَّ شِدَّةَ الحَرِّ) الفاء فيه للتعليل، أراد أنَّ علَّة الأمر بالإبراد هي شدَّة الحرِّ، واختلف في حكمة هذا التأخير، فقيل: دفع المشقَّة لكون شدَّة الحرِّ مما يذهب الخشوع، وقيل: لأنَّه وقت تسجر فيه جهنَّم كما روى مسلم من حديث عَمْرو بن عَبَسَةَ حيث قال له ﵇: «اقصرْ عنِ الصَّلاة عندَ استواءِ الشَّمسِ؛ فإنَّها ساعةٌ تسجرُ فيها جهنَّمُ». انتهى. فهذه الحالة ينتشر فيها العذاب.\nفإن قلت: الصَّلاة سبب الرحمة، وإقامتها مظنَّة دفع العذاب، فكيف أمر ﵇ بتركها في هذه الحالة؟ أجيب عنه بجوابين، أحدهما قاله اليعمري: بأن التعليل إذا جاء من جهة الشَّارع وجب قبوله وإن لم يفهم معناه، والآخر من جهة أهل الحكمة، وهو استنباط ابن المنيِّر، وهو أنَّ هذا الوقت وقت ظهور الغضب، فلا ينجع فيه الطلب إلَّا ممن أُذن له في ذلك كما في حديث الشَّفاعة، حيث اعتذر الأنبياء كلُّهم للأمم بذلك سوى رسول الله ﷺ؛ فإنَّه أُذن له في ذلك.\nقلت: في تعليل أهل الحكمة هذا نظر؛ فإنَّه ﵇ قال في الكسوف: «إنَّ اللهَ يُخَوْفُ بِهِ عِبَادَهُ»، وقال: «إِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَافزَعُوا إلى الصَّلَاةِ»، والذي يظهر أنَّ تعليله بذلك إرشادٌ إلى تحقيق المشقَّة، قال شيخنا: ويمكن أن يقال: سَجْر جهنَّم سبب فتحها، وفتحُها سبب وجود شدَّة الحرِّ،","vol":"1","page":48},{"text":"وهو مظنَّة المشقَّة الَّتي هي مظنَّة سلب الخشوع فناسب ألَّا يُصلَّى فيها، لكن يردُّ عليه أنَّ سجرها مستمرٌّ في جميع السنة، والإبراد مختصٌّ بشدَّة الحرِّ فيها متغايران، فحكمة الإبراد دفع المشقَّة، وحكمة الترك وقت سَجْرها لكونه وقت ظهور أثر الغضب، والله أعلم. انتهى.\nقوله: (مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ) -بفتح الفاء وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره حاء مهملة- وهو سطوع الحرِّ وفورانه، وقال شيخنا: فيح جهنم سِعَة انتشارها وتنفُّسها، ومنه: مكان أفيح، أي متسع، وهذا كناية عن شدِّة استعارها. انتهى. ويقال بالواو: فَوَح، وفاحت القدرة تفوح إذا غلت، وقال ابن سيده: فاح الحرُّ يفيح فيحًا سطع وهَاجَ، قال شيخنا: وظاهره أنَّ مَثار وهج الحرِّ في الأرض من فيح جهنَّم حقيقة، وقيل: هو من مجاز التشبيه، أي كأنَّه نار جهنَّم في الحرِّ، والأوَّل أولى، ويؤيِّده الحديث الآتي: «اشتكت النَّار إلى ربِّها، فأذِّن لها بنفسين» وسيأتي البحث فيه. انتهى.\nوأما لفظ جهنَّم فقد قال قُطْرُب: زَعَمَ يُونُس إنَّه اسم أعجمي، وفي «الزاهر» لابن الأَنْباري: قال أكثر النَّحويين: هي أعجميَّة لذا لا تجري للتعريف والعجمة، وقيل: إنَّه عربي، ولم تجرِ للتعريف والتأنيث، وفي «المغيث»: هي تعريف (^١) كهنَّام بالعبرانيَّة، وذكره في «الصِّحاح» في الرُّباعي ثمَّ قال: هو ملحق بالخماسي لتشديد الحرف الثالث، وفي «المحكم»: سُمِّيت جهنَّم لبعد قعرها، ولم يقولوا فيها: جهنام، ويقال: بئر جهنام بعيدة القعر، وبه سُمِّيت جهنَّم، وقال أبو عمرو: جهنام اسم وهو الغليظ البعيد القعر. انتهى.\nفيه: الأمر بالإبراد في صلاة الظهر، واختلفوا في كيفيَّة هذا الأمر، فحكى القاضي عياض وغيره: أنَّ بعضهم ذهب إلى أنَّ الأمر فيه للوجوب، وقال شيخنا: وغفل الكِرْماني فنقل الإجماع على عدم الوجوب، قال العَيني: لا يقال: إنَّه غفل، بل الذين نقل عنهم فيه الإجماع كأنَّهم لم يعتبروا كلام من ادَّعى الوجوب فصار كالعدم، وأجمعوا على أنَّ الأمر للاستحباب، قال شيخنا: والأمر بالإبراد أمر استحباب، وقيل: أمر إرشاد، وقيل: بل هو للوجوب.\nوقال جمهور أهل العلم: يستحبُّ تأخير الظهر في شدَّة الحرِّ إلى أن يبرد الوقت وينكسر الوهج، وخصَّه بعضهم بالجماعة، فأما المنفرد فالتعجيل في حقِّه أفضل، وهذا قول أكثر المالكيَّة والشافعي، لكن خصَّه أيضًا بالبلد الحارِّ، وقيد الجماعة بما إذا كانوا ينتابون مسجدًا من بُعد، فلو كانوا مجتمعين أو كانوا يمشون في كُنٍّ فالأفضل في حقِّهم التعجيل، والمشهور عن أحمد التسوية من غير تخصيص ولا قيد، وهو قول إِسْحاق والكوفيين وابن المنذر، واستدلَّ له التِّرْمِذي بحديث أبي ذرٍّ الآتي بعد هذا؛ لأنَّ في روايته أنَّهم كانوا في سفر، وهي رواية للمصنِّف أيضًا ستأتي قريبًا، قال: فلو كان على ما ذهب إليه الشافعي لم يأمر بالإبراد لاجتماعهم في السَّفر وكانوا لا يحتاجون إلى أن ينتابوا من البعد، قال التِّرْمِذي: والأوَّل أولى بالاتباع. وتعقَّبه الكِرْماني بأن العادة في العسكر الكثير تفرُّقهم في أطراف المنزل للتخفيف وطلب المرعى، فلا نسلِّم اجتماعهم في تلك\n_________\n(^١) كذا في الأصل، ولعل الصواب: تعريب.","vol":"1","page":49},{"text":"الحال. انتهى.\nقال شيخنا: وأيضًا فلم تجر عادتهم باتِّخاذ خِباء كبير يجمعهم، بل كانوا يتفرَّقون في ظلال الشجر، وليس هناك كنٌّ يمشون فيه، فليس في سياق الحديث ما يخالف ما قاله الشافعي، وغايته إنَّه استنبط من النصِّ العامِّ - وهو الأمر بالإبراد - معنى يخصِّصه، وذلك جائز على الأصحِّ في الأصول، لكنَّه مبني على أنَّ العلَّة في ذلك تأذِّيهم بالحرِّ في طريقهم، وللمتمسِّك بعمومه أن يقول: العلَّة فيه تأذِّيهم بحرِّ الرمضاء في جباههم حالة السجود، ويؤيِّده حديث أنس: «كنَّا إذا صلَّينا خلفَ النَّبِيِّ ﷺ بالظَّهائرِ سجدنا على ثيابِنا اتِّقاءَ الحرِّ» وسيأتي قريبًا. والجواب عن ذلك: أنَّ العلَّة الأولى أظهر، فإن الإبراد لا يزيل الحرَّ عن الأرض، وذهب بعضهم إلى أنَّ تعجيل الصَّلاة أفضل مطلقًا، وقالوا: معنى (أَبْرِدُوا): صلُّوا في أوَّل الوقت، أخذًا من برد النَّهار وهو أوَّله، وهو تأويل بعيد، ويرده قوله: (فَإِنَّ شِدَّةَ الحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ) إذ التعليل بذلك يدلُّ على أنَّ المطلوب التأخير، وحديث أبي ذرٍّ الآتي صريح في ذلك حيث قال: (انتظر)، والحامل لهم على ذلك حديث خباب «شَكَوْنَا إِلَى رَسُوْلِ اللهِ ﷺ حَرَّ الرَّمْضَاءِ فَلَمِ يُشْكِنَا» أي لم يزل شكوانا، وهو حديث صحيح رواه مسلم، وتمسَّكوا أيضًا بالأحاديث الدالة على فضيلة أوَّل الوقت، وبأنَّ الصَّلاة حينئذ أكثر مشقَّة فتكون أفضل.\nوالجواب عن حديث خَبَّاب: إنَّه محمول على أنَّهم طلبوا تأخيرًا زائدًا عن وقت الإبراد، وهو زوال حرِّ الرمضاء، وذلك قد يستلزم خروج الوقت، فلذلك لم يجبهم، أو هو منسوخ بأحاديث الإبراد؛ فإنها متأخِّرة عنه، واستدلَّ له الطَّحاوي بحديث المغيرة بن شُعْبَة قال: (كنَّا نصلِّي معَ رسولِ اللهِ ﷺ الظُّهرَ بالهاجرةِ، ثمَّ قالَ لنا: أبردوا بالصَّلاة) الحديث، وهو حديث رجاله ثقات، رواه أحمد وابن ماجَهْ وصحَّحه ابن حبَّان، ونقل الخَلَّال عن أحمد إنَّه قال: هذا آخر الأمرين من رسول الله ﷺ، وجمع بعضهم بين الحديثين بأنَّ الإبراد رخصة والتعجيل أفضل، وهو قول من قال: إنَّه أمر إرشاد، وعكسه بعضهم فقال: الإبراد أفضل، وحديث خباب يدلُّ على الجواز.\nوالجواب عن أحاديث أوَّل الوقت: إنَّها عامَّة أو مطلقة، والأمر بالإبراد خاصٌّ، ولا التفات إلى من قال: التعجيل أكثر مشقَّة فيكون أفضل؛ لأنَّ الأفضليَّة لم تنحصر في الأشقِّ، بل قد يكون الأخفُّ أفضل كما في قصر الصَّلاة في السَّفر. انتهى.\nقال العَيني: فإن قلت: ما القرينة الصارفة للأمر عن الوجوب وظاهر الكلام يقتضيه؟\nقلت: لما كانت العلَّة فيه دفع المشقَّة عن المصلِّي لشدَّة الحرِّ، وكان ذلك للشفقة عليه فصار من باب النَّفع له، فلو كان للوجوب يصير عليه ويعود الأمر على موضعه بالنَّقض.\nوقال شيخنا: وحديث خَبَّاب هو الصارف للأمر عن الوجوب، كذا قيل، وفيه نظر؛ لأن ظاهره المنع من التأخير، وقيل: معنى قول خَبَّاب: (فَلَمْ يُشْكِنَا) أي لم يحوجنا إلى شكوى بل أذَّن لنا في الإبراد. حُكِي عن ثعلب، ويردُّه أنَّ في الخبر زيادة رواها ابن المنذر بعد قوله: (فَلَمْ يُشْكِنَا) وقال: «إِذَا زَالَتِ الشَّمس فَصَلُّوا». انتهى.\nوفي «التَّوضيح»:","vol":"1","page":49},{"text":"اختلف الفقهاء في الإبراد بالصَّلاة، فمنهم من لم يردَّه، وتأوَّل الحديث على إيقاعها في برد الوقت وهو أوَّله، والجمهور من الصحابة والتَّابعين وغيرهم على القول به، ثمَّ اختلفوا فقيل: إنَّه عزيمة، وقيل: واجب تعويلًا على صيغة الأمر، وقيل: رخصة، ونصَّ عليه في «البويطي»، وصحَّحه الشيخ أبو علي من الشافعيَّة، وأغرب النَّوَوي فوصفه في «الروضة» بالشذوذ، لكنَّه لم يحكِه قولًا، وبنوا على ذلك: أنَّ من صلَّى في بيته أو مشى في كُنٍّ إلى المسجد هل يسنُّ له الإبراد؟ إن قلنا: رخصة، لم يسنَّ له؛ إذ لا مشقَّة عليه في التعجيل، وإن قلنا: سنَّة، أبرد وهو الأقرب لورود الأثر به مع ما اقترن به من العلَّة من أنَّ شدَّة الحرِّ من فيح جهنَّم، وقال صاحب «الهداية» من أصحابنا: يستحبُّ الإبراد بالظُّهر في أيَّام الصَّيف، ويستحبُّ تقديمه في أيَّام الشِّتاء.\nفإن قلت: يعارض حديث الإبراد حديث إمامة جبريل ﵇؛ لأنَّ إمامته في العصر في اليوم الأوَّل فيما إذا صار ظلُّ كلِّ شيء مثله، فدلَّ ذلك على خروج وقت الظُّهر، وحديث الإبراد دلَّ على عدم خروج وقت الظُّهر؛ لأنَّ اشتداد الحرِّ في ديارهم في ذلك الوقت، قال العَيني: الآثار إذا تعارضت لا ينقضي الوقت الثابت بيقين بالشكِّ، وما لم يكن ثابتًا بيقين هو وقت العصر لا يثبت بالشكِّ.\nفإن قلت: هل في الإبراد تحديد؟ قلت: روى أبو داود والنَّسائي والحاكم من حديث ابن مسعود ﵁ قال: «كان قدر صلاة رسول الله ﷺ الظُّهر في الصَّيف ثلاثة أقدام إلى خمسة أقدام، وفي الشِّتاء خمسة أقدام إلى سبعة أقدام»، فهذا يدلُّ على التحديد.\nاعلم أنَّ هذا الأمر مختلف في الأقاليم والبلدان، ولا يستوي في جميع المدن والأمصار، وذلك لأنَّ العلَّة في طول اللَّيل وقصره هو زيادة ارتفاع الشَّمس في السَّماء وانحطاطها، فكلَّما كانت أعلى وإلى محاذاة الرؤوس في مجراها أقرب كان الظلُّ أقصر، وكلَّما كانت أخفض ومن محاذاة الرؤوس أبعد كان الظلُّ أطول، وكذلك ظلال الشِّتاء تراها أبدًا أطول من ظلال الصَّيف في كلِّ مكان، وكانت صلاة رسول الله ﷺ بمكَّة والمدينة - وهما من الإقليم الثَّاني - ثلاثةَ أقدام، ويذكرون أنَّ الظلَّ فيهما في أوَّل الصَّيف في شهر آذار ثلاثة أقدام وشيء، ويشبه أن تكون صلاته إذا اشتدَّ الحرُّ متأخِّرة من الوقت المعهود قبله، فيكون الظلُّ عند ذلك خمسة أقدام، وأما الظلُّ في الشِّتاء فإنَّهم يذكرون إنَّه في تشرين الأوَّل خمسة أقدام أو خمسة وشيء، وفي الكانون سبعة أقدام أو سبعة وشيء، فقول ابن مسعود منزَّل على هذا التقدير في ذلك الإقليم دون سائر الأقاليم والبلدان الَّتي هي خارجة عن الإقليم الثَّاني. انتهى.\nقلت: الأقاليم سبعة: فالأوَّل من جهة خطِّ الاستواء، والإقليم الثَّاني ثلاثة، ففي الأوَّل بحر الصِّين وبحر الهند والنوبة والحبشة، وفي الثَّاني الصِّين والهند والسند ومكران وكرمان وخليج فارس وجزيرة العرب وغير ذلك، وكلُّ إقليم يمتدُّ ما بين الخافقين طولًا، أي يكون كلُّ إقليم من الأقاليم السبعة على شكل طولي فيكون عرضه قدرًا قليلًا، وهو ما يوجب تفاضل نصف ساعة في مقادير النَّهار الأطول. انتهى.\nوفي «التَّوضيح»: اختلف","vol":"1","page":50},{"text":"في مقدار وقت الإبراد، فقيل: أن يؤخِّر الصَّلاة عن أوَّل الوقت مقدارًا يظهر للحيطان ظلٌّ، وظاهر النصِّ: أنَّ المعتبر أن ينصرف من الصَّلاة قبل آخر الوقت، ويؤيِّده حديث أبي ذرٍّ: «حَتَّى رَأَيْنَا فَيْءَ التُّلُوْلِ»، وقال مالك: إنَّه يؤخِّر الظُّهر إلى أن يصير الفيء ذراعًا، وسواء في ذلك الصَّيف والشِّتاء، وقال أَشْهَب في «مدونته»: لا يؤخِّر الظُّهر إلى آخر وقتها، وقال ابن بَزيزَةَ: ذكر أهل النَّقل عن مالك: إنَّه كره أن يصلِّي الظُّهر في أوَّل الوقت، وكان يقول: هي صلاة الخوارج وأهل الأهواء، وأجاز ابن عبد الحكم التأخير إلى آخر الوقت، وحكى أبو الفَرَج عن مالك: أوَّل الوقت أفضل في كلِّ صلاة إلَّا الظُّهر في شدَّة الحرِّ. وعن أبي حنيفة والكوفيين وأحمد وإِسْحَاق: يؤخِّرها حتَّى يبرد الحرِّ.\nوقد استدلَّ بعض الثَّاني (^١) بقوله: «أَبْرِدُوا بِالصَّلَاةِ» على أنَّ الإبراد يشرع في الجمعة أيضًا؛ لأنَّ لفظ الصَّلاة يطلق على الظُّهر والجمعة، والتعليل مستمرٌّ فيهما، وفي «التَّوضيح»: اختلف في الإبراد بالجمعة على وجهين لأصحابنا، أصحُّهما عند جمهورهم: لا يُشرع، وهو مشهور مذهب مالك أيضًا، فإنَّ التبكير سنَّة فيها. انتهى.\nقال العَيني: مذهب الحنفيَّة أيضًا التبكير يوم الجمعة؛ لما ثبت في الصحيح: أنَّهم كانوا يرجعون من صلاة الجمعة وليس للحيطان ظلٌّ يستظلُّون به من شدَّة التبكير لها أوَّل الوقت، فدلَّ على عدم الإبراد، والمراد بالصلاة في الحديث الظُّهر كما ذكرناه، فعلى هذا لا يبرد بالعصر إذا اشتدَّ الحرُّ فيه. وقال ابن بَزيزةَ: إذا اشتدَّ الحرُّ في العصر هل يبرد بها أم لا؟ المشهور نفي الإبراد بها، وتفرَّد أشهب بإبراده وقال أيضًا: وهل يبرد الفَذُّ أم لا؟ والظاهر: أنَّ الإبراد مخصوص بالجماعة. وهل يبرد في زمن الشِّتاء أم لا؟ فيه قولان، والظَّاهر نفيه، وهل يبرد بالجمعة أم لا؟ المشهور نفيه. انتهى.\nوقال شيخنا: وقد حمل بعضهم الصَّلاة على عمومه بناءً على أنَّ المفرد المعرَّف يَعُمُّ، فقال به أشهب في العصر، وقال به أحمد في رواية عنه في العشاء حيث قال: يؤخِّر في الصَّيف دون العشاء، ولم يقل به أحد في المغرب ولا في الصُّبح لضيق وقتهما. انتهى.\nوفيه دليل على وجود جهنَّم الآن، قلت: وفيه دليل على أنَّ جهنَّم في هذا العالم. انتهى.\n\n٥٣٥ - <span id=\"b-٧١\"> </span>قوله: (حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ) أي الملقَّب بُنْدَار.\nقوله: (حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ) أي محمَّد بن جعفر ابن امرأة شعبة، لقبه غُنْدَر.\nقوله: (قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) أي ابن الحجَّاج.\nقوله: (عَنِ المهَاجِرِ أبي الحَسَنِ) أي بلفظ اسم الفاعل من باب المفاعلة، ويُكنى بأبي الحسن.\nقوله: (سَمِعَ زَيدَ بنَ وَهْبٍ) أي أبو سُلَيمان الهَمْداني الجُهَني، قال: رحلت إلى رسول الله ﷺ فقُبض وأنا في الطَّريق، مات زمن الحجَّاج.\nقوله: (عَن أَبِي ذَرٍّ) أي الغفاري الصحابي المشهور، واسمه جُنْدُب بن جُنَادة على المشهور.\nفي هذا الإسناد التَّحديث بصيغة الجمع في ثلاث مواضع، وفيه العنعنة في موضعين، وفيه السَّماع، وفيه أنَّ رواته ما بين بصري وكوفي، وفيه ذكر أحد الرُّواة بلقبه والآخر بكنيته وهو المهاجر فإنَّ كنيته أبو الحسن ذُكرت للتمييز، فإنَّ في الرُّواة المهاجرُ بنُ مِسْمار المدني من أفراد مسلم، والألف واللَّام فيه للمح الصفة كما في العبَّاس؛ فإنه في الأصل صفة ولكنَّه صار علمًا وسيأتي في الباب الذي بعده\n_________\n(^١) كذا في الأصل، وفي عمدة القاري: وعن أبي حنيفة والكوفيين وأحمد واسحاق يؤخرها حتَّى يبرد الحر، الوجه الثَّاني أن بعض النَّاس استدلوا بقوله.","vol":"1","page":50},{"text":"بغير ألف ولام\nقوله: (أَذَّنَ مُؤَذِّنُ النَّبِيِّ ﷺ الظُّهْرَ فَقَالَ: أَبْرِدْ أَبْرِدْ، أَوْ قَالَ: انْتَظِرِ انْتَظِرْ، وَقَالَ: شِدَّةُ الحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ، فَإِذَا اشْتَدَّ الحَرُّ فَأَبْرِدُوا عَنِ الصَّلاة حتَّى رَأَيْنَا فَيْءَ التُّلُوْلِ).\nمطابقته للترجمة ظاهرة.\nهذا الحديث أخرجه البخاري أيضًا في الصَّلاة عن آدم وعن مسلم بن إبراهيم، وفي صفة النَّار عن أبي الوليد، كلِّهم عن شُعْبَة عن مهاجر أبي الحسن، وأخرجه مسلم في الصَّلاة عن أبي موسى عن غندر به، وأخرجه أبو داود فيه عن أبي الوليد، وأخرجه التِّرْمِذي فيه عن محمود بن غيلان عن أبي داود عن شُعْبَة بمعناه.\nقوله: (أَذَّنَ مُؤَذِّنُ النَّبِيِّ ﷺ) هو بلال كما سيأتي قريبًا، وقال العَيني: لأنَّه جاء في بعض طرقه: «أَذَّنَ بِلَالٌ» أخرجه أبو عَوانة، وفي أخرى له: «فأرادَ أنْ يؤذِّنَ فقالَ: مه يا بلال».\nقوله: (الظُّهْرَ) بالنصب، أي أذَّن وقت الظُّهر، ولما حذف المضاف المنصوب على الظَّرفيَّة أقيم المضاف إليه مقامه، ورواية الإسماعيلي بلفظ: «أَرَادَ أَنْ يُؤَذِّنَ بِالظُّهْرِ» وسيأتي بلفظ الظهر وهما واضحان.\nقوله: (فَقَالَ: أَبْرِدْ أَبْرِدْ) يعني مرَّتين، وفي لفظ أبي داود: «فأرادَ المؤذِّنُ أنْ يؤذِّنَ الظهرَ فقالَ: أبردْ ثمَّ أبرد، ثمَّ أرادَ أنْ يؤذِّنَ فقالَ: أبردْ. مرَّتين أو ثلاثًا».\nقوله: (عَنِ الصَّلَاةِ) قد ذكرنا وجهَ (عَنْ) هنا في الحديث السابق.\nقوله: (حَتَّى رَأَيْنَا فَيْءَ التُّلُوْلِ) التُّلُول -بضمِّ المُثَنَّاة من فوق واللام جمع تَلٍّ بفتح المُثَنَّاة وتشديد اللام- قال ابن سِيدَه: من التُّراب معروف، والتَّل من الرَّمل: كَوْمَة منه، وكلاهما من التَّلِّ الذي هو إلقاء ذي جثة، والتلُّ: الرابية، وفي «الجامع» للقزَّاز: التَّلُّ من التُّراب وهو الرابية منه يكون مكدوسًا وليس بحلقة، والفيء فيما ذكره ثعلب في «الفصيح» يكون بالعشي كما أنَّ الظلَّ يكون بالغداة، وأنشد:\nالظلُّ من برد الضحى تستطيعه... ولا الفيء من برد العشي تذوق\nقال: وقال أبو عُبَيْدَة: قال رُؤْبَة بن العَجَّاج: كلُّ ما كانت عليه الشَّمس فزالت فهو فيء وظلٌّ، وما لم يكن عليه شمس فهو ظلُّ. وعن ابن الأعرابي: الظلُّ ما نسخته الشَّمس، والفيء ما نسخ الشَّمس، وقال القزاز: الفيء رجوع الظلِّ من جانب المشرق إلى جانب المغرب، وفي «المخصص»: والجمع أفياء وفيوء، وقد فاء الفيء فيأً: تحوَّل، وهو ما كان شمسًا فنسخه الظلُّ، وقيل: الفيء لا يكون إلَّا بعد الزَّوال، وأمَّا الظلُّ فيطلق على ما قبل الزَّوال وبعده، ويروى: «فيٌّ» بتشديد الياء.\nقال شيخنا: قوله: (حَتَّى رَأَيْنَا فَيْءَ التُّلُوْلِ) كذا وَقَعَ هنا مؤخَّرًا عن قوله: (شِدَّةُ الحَرِّ) إلى آخره، وفي غير هذه الرواية وَقَعَ ذلك عقب قوله: (أَبْرِدْ) وهو أوضح في السياق؛ لأنَّ الغاية متعلِّقة بالإبراد، وسيأتي في الباب الذي بعده بقيَّة مباحثه إن شاء الله تعالى. انتهى.\nقال العَيني: واعلم أنَّ كلمة حتَّى للغاية، ولا بدَّ لها من المغيَّا، وهو متعلِّق بقال، أي كان يقول إلى زمان الرؤية: أبرد مرَّةً بعد أخرى، أو هو متعلِّق بالإبراد، أي أبرد إلى أن ترى الفيء وانتظر إليه، ويجوز أن يكون متعلِّقًا بمقدَّر محذوف تقديره: أخَّرنا حتَّى رأينا فيء التلول. انتهى.\nفيه دلالة على أنَّ الأمر بالإبراد كان بعد التأذين، ولكن في لفظ آخر للبخاري: «فَأَرَادَ أَنْ يُؤَذِّنْ لِلْظُّهْرِ» وظاهر هذا أنَّ الأمر بالإبراد وَقَعَ قبل الأذان، وقال شيخنا: يجمع بينهما على أنَّه شرع في الآذان فقيل له: (أَبْرِدْ) فترك، فمعنى (أَذَّنَ) شرع في الأذان، ومعنى: (أَرَادَ أَنْ يُؤَذِّنَ) أي يتمُّ الأذان، والله أعلم.\nقال العَيني: هذا غير سديد؛ لأنَّه لا يؤمر","vol":"1","page":51},{"text":"بتركه بعد الشروع فيه، ولكن معناه: أراد أن يشرع في الأذان فقيل له: أبرد، فترك الشروع، والدليل عليه لفظ أبي عوانة: «فأرادَ أنْ يؤذِّنَ فقالَ: مه يا بلال» كما ذكرناه، ومعناه: اسكت، لا تشرعْ في الأذان، والأقرب في هذا أن يحمل اللفظان على حالتين فلا يحتاج إلى ذكر الجمع بينهما. انتهى.\nقلت: ما قاله شيخنا هو الأقرب؛ لأنَّ الأصل عدم التعدُّد، والظَّاهر من هذا الحديث إنَّه بعد التأذين، وما أوَّله العَيني لا يحتاج معه إلى جمع؛ لأنَّه جعل معنى (أَذَّنَ) أراد أن يؤذِّن كما في الرواية الأخرى، فعلى هذا ما فائدة قوله: على حالتين، لأنَّ الحالتين على تأويله كالحالة الواحدة، وإلا فيكون معنى هذه الرواية أنَّه أمره بالإبراد بعد الأذان، وقد قال: إنَّه لا يؤمر بتركه بعد الشروع فتأمَّله. انتهى.\n\n٥٣٦ - <span id=\"b-٧٢\"> </span>قوله: (حَدَّثَنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ اللهِ) المديني، أي الإمام المُبَرِّز.\nقوله: (قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) أي ابن عُيَيْنَة.\nقوله: (قَالَ: حَفِظْنَاهُ مِنَ الزُّهْرِيِّ) أي محمَّد بن مسلم.\nقوله: (عَنْ سَعِيْدِ بنِ المسَيِّبِ) أي ابن حَزن، أبو محمَّد القُرَشي المَخزُومي المديني، ختن أبي هريرة على ابنته وأعلم النَّاس بحديثه.\nقوله: (عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ) أي عبد الرحمن بن صخر ﵁.\nفي هذا الإسناد التَّحديث بصيغة الجمع في موضعين، وفيه القول والحفظ في هذه الرواية وفي رواية الإسماعيلي عن جعفر الفِرْيابي عن علي بن المديني شيخ المصنِّف فيه بلفظ: (حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ) موضعَ (حَفِظْنَاهُ مِنَ الزُّهْرِيِّ)، ورواية البخاري أبلغ؛ لأن حفظ الحديث من الشيخ فوق مجرد سماعه منه، وفيه العنعنة في ثلاثة مواضع، وقوله: (عَنْ سَعِيْدِ بنِ المُسَيِّبِ)، كذا رواه أكثر أصحاب سُفْيان عنه، ورواه أبو العبَّاس السرَّاج عن أبي قدامة عن سُفْيان عن الزُّهْري عن سعيد أو أبي سلمة أحدهما أو كلاهما، ورواه أيضًا من طريق سعيد بن أبي حمزة عن الزُّهْري عن أبي سلمة وحدَه، والطريقان محفوظان، فقد رواه اللَّيث وعَمْرو بن الحارث عند مسلم، ومَعْمَر وابن جُرَيج عند أحمد وابن أخي الزُّهْري وأسامة بن زيد عند السرَّاج ستتهم عن الزُّهْري عن سعيد وأبي سلمة كلاهما عن أبي هريرة.\nقوله: (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: إِذَا اشْتَدَّ الحَرُّ فَأَبرِدُوا بِالصَّلَاةِ؛ فَإِنَّ شِدَّةَ الحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ، وَاشتَكَتِ النَّار إِلى رَبِّها فَقَالَتْ: رَبِّ أَكَلَ بَعْضِي بَعْضًا، فَأَذِنَ لَها بِنَفَسَينِ، نَفَسٍ فِي الشِّتاء وَنَفَسٍ فِي الصَّيْفِ، أَشَدِّ مَا تَجِدُونَ مِنَ الحَرِّ، وَأَشَدِّ ما تَجِدُونَ مِنَ الزَّمْهَرِيْرِ).\nمطابقته للترجمة ظاهرة.\nهذا الحديث أخرجه النَّسائي في الصَّلاة أيضًا عن قُتَيْبَة ومحمَّد بن عبد الله كلاهما عن علي بن المديني.\n٥٣٧ - قوله: (اشتَكَتِ النَّارُ) قيل: إنَّه موقوف، وقيل: معلَّق، وهو غير صحيح، بل هو داخل في الإسناد المذكور، والدليل عليه: أنَّ في رواية الإسماعيلي قال: «واشْتَكَتِ النَّارُ» أي قال النَّبِيُّ ﷺ: «اشْتَكَتِ النَّارُ»، قال شيخنا: وقد أفرده أحمد في «مسنده» عن سفيان، وكذلك السَّرَّاج من طريق سُفْيان وغيره. انتهى.\nوشكوى النَّار إلى ربِّها يحتمل وجهين، أحدهما: أن يكون بطريق الحقيقة، أي بلسان القال، والثاني: بطريق المجاز، أي لسان الحال، قال ابن عبد البرِّ: لكلا القولين وجه ونظائر، والأوَّل أرجح، وإليه ذهب عياض، وقال القُرْطُبي: لا إحالة في حمل اللَّفظ على الحقيقة؛ لأنَّ المخبر الصادق بأمر جائز","vol":"1","page":51},{"text":"لا يحتاج إلى تأويله، فحمله على حقيقته أولى. وقال النَّوَوي نحو ذلك ثمَّ قال: حمله على حقيقته هو الصواب. وقال نحو ذلك الشيخ التُّورِبِشتي، وقال ابن المنيِّر: حمله على الحقيقة هو المجاز؛ لصلاحيَّة القدرة لذلك، ولأنَّ استعارة الكلام للحال وإن عهدت وسمعت لكن الشَّكوى وتفسيرها والتَّعليل والإذن والقبول والتَّنفُّس وقصره على اثنين فقط بعيد من المجاز خارج عما أُلِفَ من استعماله، وقال العَيني: قدرة الله أعظم من ذلك؛ لأنَّه يخلق فيها آلة الكلام كما خلق لهُدهُد سُلَيمان ما خلق من العلم والإدراك كما أخبر الله تعالى عن ذلك في كتابه الكريم، وحكى عن النَّار حيث تقول: ﴿هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ [ق: ٣٠]، وورد: أنَّ الجنَّة إذا سألها عبد أمَّنت على دعائه، وكذا النَّار. انتهى.\nقلت: ويمكن أن يكون نطقها من غير خلق آلة للنطق، وقد اختلفوا في كيفيَّة نطق الحصى الَّتي سبَّحت في يده ﵇، وكذلك في نطق ذراع الشَّاة الَّتي سمَّتها اليهوديَّة، قال القاضي عياض: واختلف أئمَّة أهل النظر في هذا الباب، فمن قائل يقول: هو كلام يخلقه الله في الشَّاة الميتة أو الحجر أو الشجرة، وحروف وأصوات يُحْدِثُها الله تعالى فيها ويسمعها منها دون تعبير أشكالها ونقلها عن هيئتها، وهو مذهب الشيخ أبي الحسن والقاضي أبي بكر رحمهما الله تعالى وآخرون ذهبوا إلى إيجاد الحياة بها أولًا ثمَّ الكلام بعده، وحكي هذا أيضًا عن شيخنا أبي الحسن، وكلٌّ محتمل، والله أعلم، إذا لم يجعل الحياة شرطًا لوجود الحروف والأصوات؛ إذ لا يتخيَّل وجودها مع عدم الحياة بمجرَّدها، فأمَّا إذا كانت عبارة عن الكلام النَّفسي فلا بدَّ من شرط الحياة لها؛ إذ لا يوجد كلام النَّفس إلَّا من حيٍّ خلافًا للجَبَّائي من بين سائر متكلِّمي الفرق في إحالة وجود الكلام اللَّفظي والحروف والأصوات إلَّا من حيٍّ مركب تركيب من يصحُّ منه النطق بالحروف والأصوات، والتزم ذلك الحصا والجذع والذِّراع وقال: إنَّ الله خلق فيها حياة وخرق لها فمًا ولسانًا وآلة وأمكنها بها من الكلام، وهذا لو كان لكان نقله، والتهمُّم به آكد من التهمُّم بفعل تسبيحه أو حنينه، ولم ينقل أحد من أهل السير والرواية شيئًا من ذلك، فدلَّ على سقوط دعواه مع إنَّه لا ضرورة إليه في النظر، والله الموفق. انتهى.\nوقال الدَّاوُدي: وكلام النَّار يدلُّ على إنَّها تفهم وتعقل، وقد جاء: إنَّه ليس شيء أسمع من الجنَّة والنَّار، وقد ورد: أنَّ النَّار تخاطب سيَّدنا رسول الله ﷺ، وتخاطب المؤمن بقولها: جُز يا مؤمن فقد أطفأ نورك لهبي، ورجَّح البَيْضَاوي حمله على المجاز فقال: شكواها مجاز عن غليانها، وأكلها بعضها بعضًا مجاز عن ازدحام أجزائها، وتنفُّسها مجاز عن خروج ما يبرز منها، قال عنترة:\nوشكى إليَّ بعبرةٍ وتحمحُم\nوقال آخر:\nيشكي إليَّ جملي طول السُّرى... مهلًا [جميلًا] (^١) فكلانا مبتلى\nقوله: (بِنَفَسَينِ) تثنية نفس -بفتح الفاء- وهو ما يخرج من الجوف ويدخل فيه من الهواء.\nقوله: (نَفَسٍ) في الموضعين بالجرِّ على البدل أو البيان، ويجوز فيهما الرَّفع على أنَّه خبر مبتدأ محذوف والتقدير: أحدهما نفس في الشِّتاء والآخر نفس في الصَّيف، ويجوز\n_________\n(^١) جميلًا: ليس في الأصل.","vol":"1","page":52},{"text":"فيهما النَّصب على تقدير: أعني نفسًا في الشِّتاء ونفسًا في الصَّيف.\nقوله: (أَشَدِّ مَا تَجِدُونَ) بجرِّ (أشدِّ) على أنَّه بدل من نفس أو بيان، ويروى بالرَّفع على أنَّه خبر مبتدأ محذوف، أي هو (أَشَدُّ مَا تَجِدُوْنَ)، قال شيخنا: هو في روايتنا بالرَّفع، قال البَيْضَاوي: هو خبر مبتدأ محذوف تقديره: فذلك أشدُّ. وقال الطِّيبيُّ: جَعْلُ أشدُّ مبتدأ محذوف الخبر أولى والتقدير: أشدُّ ما تجدون من الحرِّ من ذلك النَّفس، ويؤيِّد رواية (^١) الوجه الأوَّل رواية الإسماعيلي من هذا الوجه بلفظ: «فَهُوَ أَشَدُّ»، ويؤيِّد الوجه الثَّاني رواية النَّسائي من وجه آخر بلفظ: «فأشدُّ ما تجدُون مِنَ الحَرِّ مِنْ حَرِّ جهنَّم» وفي اللَّفظ الذي رواه البخاري لفٌ ونشرٌ على غير الترتيب، قلت: لأنَّه لو كان على الترتيب لقال: فأشدُّ ما تجدون من الزمهرير، وأشدُّ ما تجدون من الحرِّ. انتهى. قال شيخنا وهو مرتب في رواية النَّسائي. انتهى.\nقال العَيني: ولا مانع من حصول الزمهرير من نفس النَّار؛ لأنَّ المراد من النَّار محلُّها وهو جهنَّم وفيها طبقة زمهريريَّة. انتهى. قلت: يدلُّ على ذلك حديث مرفوع رواه عُثْمان الدَّارمي وغيره: «إذا كان يوم شديد الحرِّ فقال العبد: لا إله إلَّا الله ما أشدَّ حرَّ هذا اليوم! اللَّهمَّ أجرني من حرِّ جهنَّم، قال الله تعالى لجهنَّم: إنَّ عبدًا من عبادي قد استجار بي منك وقد أجرته، وإذا كان يوم شديد البرد فقال العبد: لا إله إلَّا الله ما أشدَّ برد هذا اليوم! اللَّهمَّ أجرني من زمهرير جهنَّم، قال الله تعالى لجهنَّم: إنَّ عبدًا من عبادي قد استجار بي من زمهريرك، وإنِّي أشهدك أني قد أجرته، قالوا: ما زمهرير جهنَّم؟ قال: بيت يلقى فيه الكافر فيتمزَّق من شدَّة برده». انتهى.\nويقال: لا منافاة في الجمع بين الحرِّ والبرد في النَّار؛ لأنَّ النَّار عبارة عن جهنَّم، وقد ورد: أنَّ في بعض زواياها نارًا وفي أخرى الزمهرير، وليس محلًّا واحدًا يستحيل أن يجتمعا فيه. قال العَيني: الذي خلق الملك من ثلج ونار قادر على جمع الضدَّين في محلٍّ واحد، وأيضًا فالنَّار من أمور الآخرة، والآخرة لا تقاس على أمر الدنيا. انتهى.\nقلت: قد أرانا الله تعالى في الدُّنْيا من جمع النَّار والماء أنواعًا، منها الصَّواعق الَّتي تنزل مع المطر الشديد، وقد أحرقت هذه النَّار أماكن كثيرة مع نزولها مع الماء، وأيضًا ترى النَّار في الماء الحارِّ - أعني المالح - على هيئة السُّرُج على وجه الماء، وأيضًا إذا أخذ الماء من البحر المالح ونُثر تراه يطير شرارًا، وقد نبه الله تعالى على هذه القدرة بقوله: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَارًا﴾ [يس: ٨٠]. انتهى.\nوفي «التَّوضيح» قال ابن عبَّاس: خلق الله النَّار على أربعة، فنار تأكل وتشرب، ونار لا تأكل ولا تشرب، ونار تشرب ولا تأكل، وعكسه، فالأولى منها الملائكة، والثانية الَّتي في الحجارة، وقيل: الَّتي رجعت لموسى ليلة المناجاة، والثالثة الَّتي في البحر، وقيل: الَّتي خُلقت منها الشَّمس، والرابعة نار الدُّنيا، ونار جهنَّم تأكل لحومهم وعظامهم ولا تشرب دموعهم ولا دماءهم، بل يسيل ذلك إلى عين الخبال، وأخبر الشارع: أنَّ عصارة أهل النَّار شراب من مات مُصرًّا على شرب الخمر، والذي في الصحيح: أنَّ نار الدُّنْيا خلقت من نار جهنَّم، وقال: قال ابن عبَّاس: ضربت بالماء سبعين مرَّة، ولولا ذلك ما انتفع بها الخلائق. وإنَّما خلقها الله تعالى؛ لأنَّها\n_________\n(^١) كذا في الأصل، ولعلها زائدة.","vol":"1","page":52},{"text":"من تمام الأمور الدنيويَّة، وفيها تذكرة لنار الآخرة وتخويف من عذابها. انتهى.\nفيه استحباب الإبراد بالظهر عند اشتداد الحرِّ في الصَّيف، قال شيخنا: تنبيهان الأوَّل: قضية التعليل المذكور قد يتوهَّم منها مشروعية تأخير الصَّلاة عن وقت شدَّة البرد، ولم يقل به أحد؛ لأنَّها تكون غالبًا في وقت الصبح، فلا يزول إلَّا بطلوع الشمس، فلو أخِّرت يخرج الوقت الثَّاني التَّنفُّس المذكور ينشأ عنه أشدُّ الحرِّ في الصَّيف، وإنما لم يقتصر في الأمر بالإبراد على أشده لوجود المشقَّة عند شديدِه أيضًا، فالأشدِّية تحصل عند التَّنفُّس، والشدَّة مستمرَّة بعد ذلك فيستمرُّ الإبراد إلى أن تذهب الشدَّة، والله أعلم. انتهى.\nوفيه أنَّ الجنَّة مخلوقة الآن خلافًا لمن يقول من المعتزلة: إنَّها تخلق يوم القيامة.\nوفيه أنَّ الشكوى تُتصوَّر من جماد وحيوان أيضًا كما جاء في معجزات النَّبِيِّ ﷺ شكوى الجذع وشكوى الجمل على ما عُرف في موضعه، قلت: شكوى الجذع ستأتي في «الصحيح»، وأمَّا شكوى الجمل فأخبرني بها جماعة من المشايخ، منهم شيخي وقدوتي السيِّد الشريف شِهاب الدِّين أحمد بن حسن العطيطي النُّعْماني قراءةً مني عليه، قال: أخبرنا الشيخ مهنَّا بن أبي بكر سماعًا قال: أخبرنا الشيخ الإمام تاج الدِّين أبي الفضل محمَّد سماعًا، قال: قرأت على الشيخ أبي عبد الله محمَّد بن أحمد الشَّافعي بمنزله بمصر سنة خمس وأربعين وسبع مائة، وعمَّة والدي ستِّ العرب، قال: أخبرنا الشيخ أبو عبد الله محمَّد بن النُّعْمان، ح: وأخبرني به غالبًا الشيخ محمَّد بن عُمَر الملتوتي عن السُّويداوي عن الفارقي عن ابن النُّعْمان قال: أخبرنا أبو المعالي عبد الرحمن بن علي القُرَشي، أنبأنا الشيخان أبو طاهر أحمد بن محمَّد الأَصْبَهاني وأبو العلاء محمَّد بن جعفر البصري قالا: أخبرنا أبو محمَّد جعفر بن أحمد بن الحسين وأبو مَنْصور محمَّد بن أحمد بن علي إجازة قالا: أخبرنا أبو القاسم عُبَيْد الله بن عُمَر بن أحمد حدَّثنا أبي، حدَّثنا عبد الله بن محمَّد بن شَيْبان عن فَرُّوخ حدَّثنا مهدي بن ميمون حدَّثنا محمَّد بن عبد الله بن أبي يعقوب عن الحسن بن سعد مولى الحسن بن علي عن عبد الله بن جعفر ﵄ قال: «أردفَني رسولُ الله ﷺ ذاتَ يومٍ خلفَه فأسرَّ إليَّ حديثًا لا أحدِّثه أحدًا منَ النَّاس، قال: وكان أحبُّ ما استترَ بهِ رسولُ الله ﷺ لحاجتِه هدف أو حائش نخلِ، فدخلَ حائط رجلٍ منَ الأنصارِ فإذا جَمَلٌ، فلمَّا رأى النَّبِيَّ ﷺ حنَّ وذرفَت عيناه، فأتاه النَّبِيُّ ﷺ فمسحَ سراته وذفراه فسكت، -وفي رواية: فسكن- ثمَّ قال: منْ ربُّ هذا الجمل، لمن هذا الجمل؟ فجاءَ فتى منَ الأنصارِ فقالَ: هذا لي يا رسولَ اللهِ، فقال: أفلا تتقي اللهَ ﷿ في هذِه البهيمة الَّتي ملَّكك إيَّاها؟! فإنَّه شكا إليَّ أنَّك تُجِيعُه وتُدْئِبُه» أخرجه ابن شاهين في «دلائله»، كذلك قال الأستاذ محمَّد بن النُّعْمان، وهو حديث صحيح روى منه مسلم في «صحيحه» من أوَّله إلى قوله: «حائش نخل» عن عبد الله بن محمَّد بن أسماء، ورواه أبو داود بطوله عن موسى بن إسماعيل عن مهدي بن ميمون، وروى أبو عبد الله بن ماجَهْ أوَّله عن محمَّد بن يحيى عن أبي النُّعْمان عن مهدي. انتهى.","vol":"1","page":53},{"text":"وفيه أنَّ المراد من قوله: (فأَبْرِدُوا بِالصَّلاةِ) هو صلاة الظُّهر كما ذكرناه.\nقلت: وفيه أنَّ النَّار مؤمنة؛ لقولها: (رَبِّ)، وفيه ردٌّ على من يقول بقدم العالم؛ لتصريح النَّار بأنَّ لها ربًّا ربَّاها. انتهى.\n\n٥٣٨ - <span id=\"b-٧٣\"> </span>قوله: (حَدَّثَنا عُمَر بنُ حَفْص بنِ غِيْاثُ) أي ابن طَلْق بن معاوية، أبو حَفْص النَّخَعي الكوفي.\nقوله: (قَالَ حَدَّثَنَا أَبِي) أي حَفْص المذكور.\nقوله: (قَالَ حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) أي سُلَيمان بن مِهْران.\nقوله: (قَالَ حَدَّثَنَا أَبو صَالِحٍ) أي ذكوان.\nقوله: (عَنْ أَبِي سَعِيْدٍ الخُدْرِيِّ) أي سعد بن مالك ﵁.\nفي هذا الإسناد التَّحديث بصيغة الجمع في أربع مواضع، وفيه العنعنة في موضع واحد، وفيه القول، وفيه رواية الابن عن الأب.\nقوله: (قَالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ: أَبْرِدُوا بِالظُّهْرِ، فَإِنَّ شِدَّةَ الحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ).\nمطابقته ظاهرة.\nقال العَيني: اختلف العلماء في الجمع بين هذه الأحاديث المذكورة وبين حديث خباب: «شَكَوْنَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ حَرَّ الرَّمْضَاءِ فَلَمْ يُشْكِنَا» رواه مسلم، فقال بعضهم: الإبراد رخصة والتقديمُ أفضل، وقال بعضهم: حديث خباب منسوخ بالإبراد، وإلى هذا مال أبو بكر الأثرم في كتابه «الناسخ والمنسوخ» وأبو جعفر الطَّحاوي وقال: وجدنا ذلك في حديثين، أحدهما حديث المغيرة: «كُنَّا نُصَلِّي بَالهَاجِرَةِ، فَقَاَل لَنَا ﵇: أَبْرِدُوا» فبيَّن هذا أنَّ الإبراد كان بعد التهجير، وحديث أَنَس ﵁: «إِذَا كَانَ البَرْدُ بَكِّرْ، وَإِذَا كَاَن الحَرُّ أَبْرِدْ».\nقال شيخنا: يُحمل حديث خباب على أنَّهم طلبوا تأخيرًا زائدًا على قدر الإبراد. وقال أبو عُمَر في قول خباب: «فَلَمْ يَشْكُنَا»: يعني لم يحوجنا إلى الشكوى، وقيل: لم يُزِلْ شكوانا، ويقال: حديث خَبَّاب كان بمكَّة، وحديث الإبراد بالمدينة، فإن فيه من رواية أبي هريرة، وقال الخلَّال في «عِلَلِه» عن أحمد: آخر الأمرين من رسول الله ﷺ الإبرادُ.\nقوله: (تَابَعَهُ سُفْيَانُ) أي الثوري.\nقال شيخنا: وقد وصفه المصنِّف في صفة النَّار من بدء الخلق ولفظه: (بِالصَّلَاةِ)، ولم أره من طريق سُفْيان بلفظ: (بِالظُّهْرِ)، وفي إسناده اختلاف على الثَّوْري، رواه عبد الرزَّاق عنه بهذا الإسناد فقال: عن أبي هريرة بدل أبي سعيد، أخرجه أحمد عنه والجَوْزَقي من طريق عبد الرزَّاق أيضًا، ثمَّ روي عن الذُّهْلي قال: هذا الحديث رواه أصحاب الأَعْمَش عنه عن أبي صالح عن أبي سعيد، وهذه الطريق أشهر، ورواه زائدة - وهو متقن - عنه فقال: عن أبي هريرة، قال: والطريقان عندي محفوظان؛ لأنَّ الثَّوْري رواه عن الأَعْمَش بالوجهين. انتهى.\nقال العَيني: قوله: (تَابَعَهُ سُفْيَانُ) أي تابع حَفْص بن غياث والد عُمَر المذكور سُفْيان الثَّوْري، وقد وصله المصنِّف في صفة الصَّلاة عن الفِرْيابي عن سُفْيان بن سعيد.\nقوله: (وَيَحْيَى) أي تابع حفصًا أيضًا يحيى بن سعيد القطَّان، وقد وصله أحمد في «مسنده» عنه بلفظ: (بالصَّلَاةِ)، ورواه الإسماعيلي عن أبي يعلى عن المُقَدَّمي عن يحيى بلفظ: (بِالظُّهْرِ)، وروى الخلال عن الميموني عن أحمد عن يحيى ولفظه: (فَوْحِ)، قال أحمد: ما أعرف أحدًا قال بالواو غير الأعمش.\nقوله: (وَأَبُو عَوَانَةَ) أي تابع حفصًا أيضًا أبو عَوانة الوضَّاح بن عبد الله، قال شيخنا: لم أقف على من وصله","vol":"1","page":53},{"text":"عنه، وقد أخرجه السرَّاج من طريق محمَّد بن عُبَيْد، والبَيْهَقي عن وكيع كلاهما عن الأَعْمَش أيضًا بلفظ: (الظهر). انتهى. قال العَيني: وأراد بمتابعة سُفْيان الثَّوْري ويحيى القطَّان وأبي عَوانة لحفص بن غياث في روايتهم عن الأَعْمَش في لفظ: (أَبْرِدُوا بِالظُّهْرِ). انتهى.\nقال شيخنا: فائدةٌ: رتبَّ المصنِّف أحاديث الباب ترتيبًا حسنًا، فبدأ بالحديث المطلق، وثنَّى بالحديث الذي فيه الإرشاد إلى غاية الوقت الَّتي ينتهي إليها الإبراد، وهو ظهور فيء التلول، وثلَّث بالحديث الذي فيه بيان العلَّة في كون ذلك المطلق محمولًا على المقيد، وربَّع بالحديث المفصح بالتقييد، والله الموفق.\n\n <span id=\"b-٧٤\"> </span>(١٠) <span data-type=\"title\" id=toc-74>(بَابُ الإِبْرَادِ بِالظُّهْرِ فِي السَّفَرِ)</span> أي هذا باب في بيان الإبراد بصلاة الظُّهر في حالة السَّفر، وأشار بهذا إلى أنَّ الإبراد بالظهر لا يختصُّ بالحضر، قال شيخنا: لكن محلَّ ذلك ما إذا كان المسافر نازلًا، أما إذا كان سائرًا أو على سير ففيه جمع التقديم أو التأخير كما سيأتي في بابه. انتهى.\n٥٣٩ - <span id=\"b-٧٥\"> </span>قوله: (حَدَّثَنَا آدَمُ) أي ابن أبي إِيَاس، وهو من أفراد البخاري.\nقوله: (قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ).\nقوله: (قَالَ حَدَّثَنَا مُهاجِرٌ أَبو الحَسَنِ مَولَىً لِبَني تَيمِ اللهِ).\nقوله: (قَالَ: سَمِعْتُ زَيْدَ بنَ وَهْبٍ).\nقوله: (عَنْ أَبي ذَرٍّ الغِفَارِيِّ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ في سَفَرٍ، فَأَرَادَ المُؤَذِّنُ أَنْ يُؤَذِّنَ لِلْظُّهْرِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: أَبْرِدْ، ثمَّ أَرَادَ أَنْ يُؤَذِّنَ فَقالَ لَهُ: أَبرِدْ، حتَّى رَأَيْنَا فَيْءَ التُّلُوْلِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: إِنَّ شِدَّةَ الحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ، فَإِذا اشتَدَّ الحَرَّ فَأَبْرِدُوا بِالصَّلَاةِ).\nهذا الحديث مضى في الباب الذي قبله، غير أنَّ هناك أخرجه عن محمَّد بن بشَّار عن غُنْدَر عن شُعْبَة، وههنا عن آدم عن شُعْبَة، وفي هذا من الزِّيادة ما ليست هناك فاعتبرها، وهذا مقيَّد بالسَّفر، وذلك مطلق، وأشار بذلك إلى أنَّ المطلق محمول على المقيَّد؛ لأنَّ المراد من الإبراد التسهيل ودفع المشقَّة، فلا تفاوت بين السَّفر والحضر. انتهى. قلت: بل السَّفر من باب أولى لأنَّ فيه مشقَّة أيضًا. انتهى.\nقوله: (فَأَرَادَ المؤَذِّنُ) في رواية أبي بكر بن أبي شَيْبَة عن شَبَابَة ومُسَدَّد عن أميَّة بن خالد، والتِّرْمِذي من طريق أبي داود الطَّيالِسي، وأبو عَوانة من طريق حَفْص بن عُمَر ووَهْب بن جرير، والطَّحاوي والجَوْزَقي من طريق وَهْب أيضًا، كلُّهم عن شُعْبَة التصريحُ بأنَّه بلال.\nقوله: (ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُؤَذِّنَ فَقَالَ لَهُ: أَبْرِدْ) وفي رواية أبي داود عن أبي الوليد عن شعبة: مرَّتين أو ثلاثًا، وفي رواية البخاري عن مسلم بن إبراهيم في باب الأذان للمسافرين في هذا الحديث: «فَأَرَادَ المُؤَذِّنُ أَنْ يُؤَذِّنَ فَقَالَ لَهُ: أَبْرِدْ، ثمَّ أَرَادَ أَنْ يُؤَذِّنَ فَقَالَ لَهُ: أَبْرِدْ، ثمَّ أَرَادَ أَنْ يُؤَذِّنَ فَقَالَ لَهُ: أَبْرِدْ، حتَّى سَاوَى الظِّلُّ التُّلُوْلَ».\nقال شيخنا: فإن قيل: الإبراد للصلاة، فكيف أمر المؤذِّن به للأذان؟ فالجواب: أنَّ ذلك يبنى على أنَّ الأذان هل هو للوقت أو للصلاة؟ وفيه خلاف مشهور، والأمر المذكور يقوِّي القول بأنَّه للصلاة.\nوقال الكِرْماني: فإن قلت: الإبراد إنَّما هو في الصَّلاة لا في الأذان، قلت: كانت عادتهم أنَّهم لا يتخلَّفون عند سماع الأذان عن الحضور إلى الجماعة، فالإبراد بالأذان إنَّما هو لغرض الإبراد بالصلاة، أو المراد بالتأذين الإقامة. انتهى.\nويشهَّد للجواب الثَّاني","vol":"1","page":54},{"text":"رواية التِّرْمِذي حيث قال: حدَّثنا محمود بن غيلان قال: حدَّثنا أبو داود قال: أنبأنا شُعْبَة عن مهاجر أبي الحسن عن زيد بن وَهْب عن أبي ذرٍّ: «أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ كانَ في سفرٍ ومعَه بلالٌ فأرادَ أنْ يقيمَ فقالَ: أبردْ، ثمَّ أرادَ أنْ يقيمَ فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ: أبردْ في الظُّهرِ، قال: حتَّى رأينا فيء التُّلُولِ، ثمَّ أقامَ فصلَّى فقالَ رسول ُاللهِ ﷺ: إنَّ شدَّة الحرِّ منْ فيحِ جهنَّم فأبردُوا عنِ الصَّلاة» قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.\nفإن قلت: في «صحيح أبي عوانة» من طريق حَفْص بن عُمَر عن شُعْبَة: «فأرادَ بلالٌ أنْ يؤذِّنَ بالظهرِ» وفيه بعد قوله: فيء التُّلُول «ثمَّ أمرَه فأذَّنَ وأقامَ» فيجمع بينهما بأن إقامته ما كانت تتخلف عن الأذان، فرواية التِّرْمِذي: «فأرادَ أنْ يقيمَ» يعني بعد الأذان، ورواية أبي عَوانَة: «فأرادَ بلالٌ أنْ يؤذِّنَ» يعني أن يؤذِّن ثمَّ يقيم.\nقوله: (حَتَّى رَأَيْنَا فَيْءَ التُّلُوْلِ) قال شيخنا: هذه الغاية متعلِّقة بقوله: (فَقاَلَ لَهُ: أَبْرِدْ) أي كان يقول له في الزَّمان الذي قبل الرؤية أبرد، أو متعلِّقة بأبرد، أي قال له: أبرد إلى أن ترى أو متعلِّقة بمقدار، أي قال له: أبرد إلى أن رأينا.\nوالفيء: -بفتح الفاء وسكون الياء بعدها همزة- وهو ما بعد الزَّوال من الظلِّ، والتُّلُول: جمع تلٍّ -بفتح المُثَنَّاة وتشديد اللام-كلُّ ما اجتمع على الأرض من تراب أو رمل أو نحو ذلك، وهي في الغالب مسطحة غير شاخصة، فلا يظهر لها ظلٌّ إلَّا إذا ذهب أكثر وقت الظُّهر.\nوقد اختلف العلماء في غاية الإبراد، فقيل: حتَّى يصير الظلُّ ذراعًا بعد ظلِّ الزوال، وقيل: ربع قامة، وقيل: ثلثها، وقيل: نصفها، وقيل غير ذلك، ونزَّلها المَاوَرْدي على اختلاف الأوقات، والجاري على القواعد إنَّه يختلف باختلاف الأحوال بشرط ألَّا يمتدَّ إلى آخر الوقت، وأمَّا ما وَقَعَ عند المصنِّف في الأذان عن مسلم بن إبراهيم عن شُعْبَة بلفظ: «حَتَّى سَاوَى الظِّلُّ التُّلُوْلَ» فظاهره يقتضي إنَّه أخَّرها إلى أن صار ظلُّ كلِّ شيء مثله، ويحتمل أن يُراد بهذه المساواة ظهور الظلِّ بجنب التَّلِّ بعد أن لم يكن ظاهرًا فساواه في الظهور لا في المقدار، أو يقال: قد كان ذلك في السَّفر، فلعله أخَّر الظهر حتَّى يجمعها مع العصر. انتهى.\nقال العَيني: وقال التِّرْمِذي في «جامعه»: وقد اختار قوم من أهل العلم تأخير صلاة الظُّهر في شدَّة الحرِّ، وهو قول ابن المبارك وأحمد وإسحاق، وقال الشافعي: إنَّما الإبراد بصلاة الظُّهر إذا كان مسجدًا ينتاب أهله من البعد، فأمَّا المصلِّي وحدَه والذي يصلِّي في مسجد قومه فالذي أحبُّ له ألَّا يؤخِّر الصَّلاة في شدَّة الحرِّ. قال أبو عيسى: ومعنى من ذهب إلى تأخير الظُّهر في شدَّة الحرَّ هو أولى وأشبه بالاتباع، وأمَّا ما ذهب إليه الشَّافعي أنَّ الرخصة لمن انتاب من البعد والمشقَّة على النَّاس؛ فإنَّ في حديث أبي ذرٍّ ما يدلُّ على خلاف ما قال الشافعي: قال أبو ذرٍّ: «كنَّا معَ رسولِ اللهِ ﷺ في سفرِ، فأذَّنَ بلال بصلاةِ الظُّهر فقالَ النَّبِيُّ ﷺ: يا بلال أبردْ» فلو كان الأمر على ما ذهب إليه الشَّافعي لم يكن للإبراد في ذلك الوقت معنى؛ لاجتماعهم في السَّفر وكانوا لا يحتاجون أن ينتابوا","vol":"1","page":54},{"text":"من البعد.\nوقال الكِرْماني: أقول: لا نُسلِّم اجتماعهم؛ لأنَّ العادة في القوافل سيَّما في العساكر الكثيرة تفرُّقهم في أطراف المنزل لمصالح مع التخفيف على الأصحاب وطلب المرعى وغيره، خصوصًا إذا كان فيه سلطان جليل القدر فإنهم يتباعدون عنه احترامًا وتعظيمًا له.\nقال العَيني: هذا ليس برد موجه لكلام التِّرْمِذي؛ فإنَّ كلامه على الغالب، والغالب في المسافرين اجتماعهم في موضع واحد؛ لأنَّ السَّفر مظنة الخوف، سيَّما إذا كان عسكر خرجوا لأجل الحرب مع الأعداء. انتهى.\nوقال شيخنا: وأيضًا فلم تجر عادتهم باتخاذ خباء كبير يجمعهم، بل كانوا يتفرَّقون في ظلال الشجر وليس هناك كنٌّ يمشون فيه، فليس في سياق الحديث ما يخالف ما قاله الشافعي، وغايته إنَّه استنبط من النصِّ العامِّ معنى يخصَّصه. انتهى.\nقال العَيني: هذا أكثر بعدًا من كلام الكِرْماني؛ لأنَّ فيه إسقاط العمل بعموم النصوص الواردة في الإبراد بالظُّهر بأشياء ملفقة من الخارج، وقوله: وليس في سياق الحديث إلى آخره غيرُ صحيح؛ لأنَّ الخلاف لظاهر الحديث صريح لا يخفى لأنَّ ظاهره عامَّ، والتقييد بالمسجد الذي ينتاب أهله من البعد خلافُ ظاهرِ الحديث، والاستنباط من النصِّ العامِّ معنى يخصص لا يجوز عند الأكثرين، ولئن سلَّمنا فلا بدَّ من دليل للتخصيص ولا دليل لذلك ههنا. انتهى.\nقلت: غالب ما ذكره العَيني ههنا قد تقدَّم في باب الإبراد بالظُّهر في شدَّة الحرِّ، وكذا بعض ما ذكره شيخنا، وقول العَيني: ولا دليل لذلك ههنا غيرُ مُسَلَّم؛ لأنَّ الدِّليل مراعاة المعنى، فإن قال: أردت بالدَّليل النصَّ من الشَّارع قلنا: فإذًا لا يكون هذا من باب الاستنباط وإنما هو من حمل المطلق على المقيَّد. انتهى.\nقوله: (وَقالَ ابنُ عَبَّاسٍ) أي عبد الله.\nقوله: (في تَفسِيْرِ قَولِهِ تَعَالى: ﴿يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ﴾ [النحل: ٤٨]: أنَّ مَعْنَاهُ تَتَمَيَّلُ) كأنَّه أراد أنَّ الفيء سُمِّي بذلك؛ لأنَّه ظلٌّ مالَ من جهة إلى أخرى، وقال الجَوْهَري: تفيأت الظِّلال، أي تقلَّبت، ويتفيأ بالياء آخر الحروف، أي وفاعله محذوف تقديره: يتفيأ الظِّلَّ، ويروى: ﴿تتفيأ﴾ بالتاء المُثَنَّاة من فوق، أي الظِّلال، قال شيخنا: في روايتنا بالمُثَنَّاة الفوقانيَّة، والقراءتان شهيرتان.\nوهذا التعليق في رواية المُسْتَمْلي وكريمة، وقد وصله ابن أبي حاتم في «تفسيره»، ومناسبته ذكر هذا عن ابن عبَّاس لأجل ما في حديث الباب من قوله: (حَتَّى رَأَيْنَا فَيْءَ التُّلُوْلِ).\n\n <span id=\"b-٧٦\"> </span>(١١) <span data-type=\"title\" id=toc-76>(بَابُ وقت الظُّهر عِنْدَ الزَّوَالِ)</span> أي هذا باب، ويجوز في باب التنوين على أنَّه خبر مبتدأ محذوف كما قدَّرنا، ويجوز أن يكون بالإضافة والتقدير: هذا باب يذكر فيه أنَّ وقت الظُّهر - أي ابتداؤه - عند زوال الشَّمس عن كبد السَّماء وميلها إلى جهة الغرب.\nقال شيخنا: وأشار بهذه الترجمة إلى الردِّ على من زَعَمَ من الكوفيين: أنَّ الصَّلاة لا تجب بأوَّل الوقت كما سيأتي.\nقوله: (وَقَالَ جَابِرٌ) أي ابن عبد الله ﵁ (كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي بِالهَاجِرَةِ).\nهذا التعليق طرف من حديث جابر ذكره البخاري موصولًا","vol":"1","page":55},{"text":"في باب وقت المغرب، رواه عن محمَّد بن بشَّار وفيه: «فَسَأَلْنَا جَابِرَ بنَ عَبْدِ اللهِ فَقَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي بِالهَاجِرَةَ» والهَاجِرَةَ: نصف النَّهار عند اشتداد الحرِّ، ولا يعارض هذا حديث الإبراد؛ لأنَّه ثبت بالفعل، وحديثُ الإبراد بالفعل والقول فيرجَّح على ذلك، وقيل: إنَّه منسوخ بحديث الإبراد؛ لأنَّه متأخِّر عنه، وقال البَيْضاوي: الإبراد تأخير الظُّهر أدنى تأخير بحيث يقع الظلُّ، ولا يخرج بذلك عن حدِّ التهجير؛ فإن الهاجرة تُطلق على الوقت إلى أن تفوت العصر، قال العَيني: بأدنى التأخير لا يُحصل الإبراد، ولم يقل أحد: إنَّ الهاجرة تمتدُّ إلى قرب العصر.\n\n٥٤٠ - <span id=\"b-٧٧\"> </span>قوله: (حَدَّثَنا أَبو اليَمَانِ) أي الحكم بن نافع.\nقوله: (قَالَ: أَخْبَرَنا شُعَيْبٌ) أي ابن أبي حمزة.\nقوله: (عَنِ الزُّهْرِيِّ) أي محمَّد بن مسلم.\nقوله: (قَالَ: أَخْبَرَني أَنَس بنُ مَالِكٍ) أي خادم رسول الله ﷺ.\nقوله: (أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ خَرَجَ حِيْنَ زَاغَتِ الشَّمس فَصَلَّى الظُّهْرَ، فَقَامَ عَلى المِنْبَرِ فَذَكَرَ السَّاعَةَ، فَذَكَرَ أَنَّ فِيْهَا أُمُوْرًا عِظَامًا ثمَّ قَالَ: مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَسْأَلَ عَنْ شَيْءٍ فَليَسْأَلْ، فَلَا تَسْأَلُوْنِي عَنْ شَيْءٍ إلَّا أَخْبَرْتُكُمْ بِهِ مَا دُمْتُ فِي مَقَامِي. فَأَكْثَرَ النَّاس في البُكَاءِ، وَأَكثَرَ أَنْ يَقُوْلَ: سَلُوْنِي، فَقَامَ عَبْدُ اللهِ بنُ حُذَافَةَ السَّهْمِيُّ ﵁ فَقالَ: مَنْ أَبِي؟ قَالَ: أَبُوكَ حُذَافَةُ. ثمَّ أَكْثَرَ أَنْ يَقُوْلَ: سَلُوْنِي، فَبَرَكَ عُمَر ﵁ عَلى رُكبَتَيهِ فَقالَ: رَضِيْنَا بِاللهِ رَبًّا وَبِالإِسلامِ دِيْنًا وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا، فَسَكَتَ ثمَّ قَالَ: عُرِضَتْ عَلَيَّ الجنَّة وَالنَّارُ آنِفًا فِي عُرْضِ هَذا الحَائِطِ فَلَمْ أَرَ كَالخَيْرِ وَالشَّرِّ).\nمطابقته للترجمة في قوله: (خَرَجَ حِيْنَ زَاغَتِ الشَّمس فَصَلَّى الظُّهْرَ) وهذا الإسناد بعينه مضى في كتاب العلم في باب من برك على ركبتيه عند الإمام أو المحدِّث، ومتن الحديث أيضًا مختصرًا، والزيادة هنا من قوله: (خَرَجَ حِيْنَ زَاغَتِ الشَّمْسُ) إلى قوله: (فَقَامَ عَبْدُ اللهِ بنُ حُذَافَةَ) وكذا قوله: (ثُمَّ قَالَ: عُرِضَتْ) إلى آخره.\nقال شيخنا: وسيأتي الكلام على فوائده مستوعَبًا إن شاء الله تعالى في كتاب الاعتصام.\nقوله: (حِيْنَ زَاغَتِ) أي حين مالت، وفي رواية التِّرْمِذي بلفظ: «زالَتِ» والغرض منه هنا صدر الحديث وهو قوله: (خَرَجَ حِيْنَ زَاغَتِ الشَّمس فَصَلَّى الظُّهْرَ) فإنَّه يقتضي أنَّ أوَّل زوال الشَّمس أوَّل وقت الظهر، إذ لم يُنقل إنَّه ﷺ صلَّى قبله، وهذا هو الذي استقر عليه الإجماع، وكان فيه خلاف قديم عن بعض الصحابة: إنَّه جوَّز صلاة الظُّهر قبيل الزوال، وعن أحمد وإسحاق مثله في الجمعة كما سيأتي في بابه.\nوقال ابن المنذر: أجمع العلماء على أنَّ أوَّل وقت الظُّهر زوال الشمس، وذكر ابن بطَّال عن الكرخي عن أبي حنيفة: أنَّ الصَّلاة في أوَّل الوقت تقع نفلًا، قال: والفقهاء بأسرهم على خلاف قوله. قال العَيني: ذكر أصحابنا - أي الحنفيَّة - أنَّ هذا القول ضعيف نقل عن بعض أصحابنا وليس منقولًا عن أبي حنيفة، والصحيح عندنا: أنَّ الصَّلاة تجب بأوَّل الوقت وجوبًا موسَّعًا، وذكر القاضي عبد الوهَّاب","vol":"1","page":55},{"text":"في «الكتاب الفاخر» فيما ذكره ابن بطَّال وغيره عن بعض الناس: يجوز أن يفتتح الظهر قبل الزوال. وقال شمس الأئمَّة في «المبسوط»: لا خلاف أنَّ أوَّل وقت الظُّهر يدخل بزوال الشَّمس إلَّا شيء نقل عن بعض النَّاس إنَّه يدخل إذا صار الفيء بقدر السِّراج، وصلاة النَّبِيِّ ﷺ حين زاغت الشَّمس دليل على أنَّ ذلك من وقتها.\nقوله: (فَلْيَسْأَلْ) أي فليسألني عنه.\nقوله: (فَلَا تَسْأَلُونِي) بلفظ النَّفي، وحذف نون الوقاية منه جائز.\nقوله: (إِلَّا أَخْبَرْتُكُمْ) أي إلَّا أخبركم، فاستعمل الماضي موضع المستقبل إشارةً إلى تحققه وإنَّه كالواقع، وقال المُهَلَّب: إنَّما خطب النَّبِيُّ ﷺ بعد الصَّلاة وقال: سلوني؛ لأنَّه بلغه أن قومًا من المنافقين يسألون منه ويعجزونه عن بعض ما يسألونه فتغيَّظ وقال: لا تسألوني عن شيء إلَّا أنبأتكم به.\nقوله: (وَأَكْثَرَ النَّاس في البُكَاءِ) إنَّما كان بكاؤهم خوفًا من نزول عذاب لغضبه ﵇ كما كان ينزل على الأمم عند ردِّهم على أنبيائهم ﵈، والبكاء يُمدُّ ويُقصر، إذا مددت أردت الصَّوت الذي يكون مع البكاء، وإذا قصرت أردت الدموع وخروجها.\nقوله: (وَأَكْثَرَ أَنْ يَقُوْلَ) وكلمة أن مصدرية تقديره: وأكثر ﵇ القولَ بقوله: (سَلُوْنِي)، وأصله: اسألوني، فنقلت حركة الهمزة إلى السين فحذفت، واستغني عن همزة الوصل فقيل: سلوني على وزن فلوني.\nقوله: (فَقَامَ عَبْدُ اللهِ بنُ حُذَافَةَ) قال الواقدي: إن عبد الله بن حذافة كان يُطعن في نسبه، فأراد أن يُبين له ذلك فقالت له أمُّه: أما خشيت أن أكون قد قارفت بعض ما كان يُصنع في الجاهليَّة أكنتَ فاضحي عند رسول الله ﷺ؟! فقال: والله لو ألحقني بعبد للحقت به.\nقلت: ترجمة عبد الله بن حُذَافة في باب ما يذكر في المناولة في كتاب العلم. انتهى.\nقوله: (آنِفًا) أي في أوَّل وقت يقرب منِّي، ومعناه هنا: الآن، وانتصابه على الظرفيَّة لأنَّه متضمِّن معنى الظَّرف.\nقوله: (فِي عُرْضِ هَذَا الحَائِطِ) -بضمِّ العين المهملة- يقال: عُرض الشيء بالضمِّ ناحيتُه من أيِّ وجه جئته، وقال شيخنا: أي جانبه أو وسطه.\nقوله: (فَلَمْ أَرَ كَالخَيْرِ) أي ما أبصرت قط مثل هذا الخير الذي هو الجنَّة وهذا الشرُّ الذي هو النَّار، أو ما أبصرت شيئًا مثل الطاعة والمعصية في سبب دخول الجنَّة والنَّار، وقال شيخنا: كالخير والشرِّ، أي المرئي في ذلك المقام.\n\n٥٤١ - <span id=\"b-٧٨\"> </span>قوله: (حَدَّثَنَا حَفْص بنُ عُمَرَ) أي ابن غياث.\nقوله: (قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) أي ابن الحجَّاج.\nقوله: (عَنْ أَبِي المِنْهَالِ) -أي بكسر الميم وسكون النون- واسمه سيَّار بن سلامة الرياحي -بكسر الرَّاء وتخفيف الياء آخر الحروف وبالحاء المهملة- البصري.\nقوله: (عَنْ أَبِي بَرْزَةَ) أي -بفتح الباء الموحَّدة وسكون الرَّاء ثمَّ بالزاي- الأَسْلَمي، واسمه نَضْلَة -بفتح النُّون وسكون الضَّاد المعجمة- ابن عُبَيْد مصغَّر، أسلَّم قديمًا وشهد فتح مكَّة، ولم يزل يغزو مع رسول الله ﷺ حتَّى قُبض، فتحوَّل ونزل البصرة، ثمَّ غزا خراسان، ومات بمرو أو بالبصرة أو بمفازة سجستان سنة أربع وستين، روى له البخاري أربعة أحاديث.\nفي هذا الإسناد التَّحديث بصيغة الجمع في موضعين، والعنعنة","vol":"1","page":56},{"text":"في موضعين، وفيه القول، وفي رواية الكُشْمِيهَني: &lt;حَدَّثنا أَبُو المِنْهَالِ&gt;، وفيه أنَّ رواته ما بين بصري وواسطي، قال العَيني: ويجوز أن يقال: كلُّهم بصريون؛ لأنَّ شُعْبَة وإن كان من واسط فقد سكن البصرة ونُسب إليها.\nقوله: (قَالَ: كَانَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي الصُّبح وَأَحَدُنَا يَعْرِفُ جَلِيْسَهُ، وَيَقْرَأُ فِيْهَا مَا بَيْنَ السِّتِّيْنَ إِلَى المَائَةِ، وَيُصَلِّي الظُّهْرَ إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ، وَالعَصْرَ وَأَحَدُنَا يَذْهَبُ إِلَى أَقْصَى المَدِيْنَةِ وَيَرجِعُ وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ، وَنَسِيْتُ مَا قَالَ فِي المَغْرِبِ، وَلَا يُبَالِي بِتَأَخِيْرِ العِشَاءِ إِلى ثُلُثِ اللَّيْلِ، ثمَّ قَالَ: إِلَى شَطْرِ اللَّيْلِ، وكَانَ يَكْرَهُ النَّوم قَبْلَهَا وَالحَدِيْثَ بَعَدَهَا، وَقَالَ مُعَاذٌ: قَالَ شُعْبَةُ: ثمَّ لَقِيْتُهُ مَرَّةً فَقَالَ: أَوْ ثُلُثَ اللَّيْلِ). مطابقته للترجمة في قوله: (وَيصَلِّي الظُّهْرَ إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ).\nهذا الحديث أخرجه البخاري أيضًا عن آدم بن أبي إِياس عن شُعْبَة، وعن محمَّد بن مُقاتل عن عبد الله، وعن مُسَدَّد عن يحيى كلاهما عن عَوْف نحوه، وأخرجه مسلم فيه عن يحيى بن حبيب وعن عُبَيْد الله بن معاذ عن أبيه كلاهما عن شعبة، وعن أبي كُرَيب عن سُوَيد بن عَمْرو الكلبي، وأخرجه أبو داود فيه عن حفض بن عُمَر بتمامه وفي موضع آخر ببعضه، وأخرجه النَّسائي فيه عن محمَّد بن عبد الأعلى وعن محمَّد بن بشَّار وعن سُوَيد بن نَصْر، وأخرجه ابن ماجَهْ فيه عن محمَّد بن بشَّار بُنْدار به.\nقوله: (وَأَحَدُنَا) الواو فيه للحال.\nقوله: (جَلِيْسَهُ) الجليس على وزن فعيل بمعنى المجالس، وأراد به الذي إلى جنبه، وفي رواية الجَوْزَقي من طريق وَهْب بن جرير عن شُعْبَة: «فينظرُ الرجلُ إلى جليسِهِ إلى جنبِهِ فيعرفُ وجهَهُ»، وفي رواية أحمد: «فينصرفُ الرجلُ فيعرفُ وجهَ جليسِهِ»، وفي رواية لمسلم: «فينظرُ إلى وجهِ جليسِه الذي يعرفُ فيعرفُهُ»، وله في أخرى: «وينصرفُ حينَ يعرفُ بعضُنا وجهَ بعضٍ».\nقوله: (مَا بَيْنَ السِّتِّيْنَ إِلَى المائَةِ) يعني: من آيات القرآن الكريم، قال الكِرْماني: فإن قلت: لفظ (بَيْنَ) يقتضي دخوله على متعدد، فكان القياس أن يقال: والمائة، بدون حرف الانتهاء، قلت: تقديره ما بين الستين وفوقها إلى المائة، فحذف لفظ فوقها لدلالة الكلام عليه.\nقوله: (وَالعَصْرَ) بالنَّصب، أي ويصلِّي العصر، والواو في (وَأَحَدُنَا) للحال.\nقوله: (إِلَى أَقْصَى المَدِيْنَةِ) أي إلى آخرها.\nقوله: (رَجَعَ) كذا وَقَعَ بلفظ الماضي بدون الواو، في رواية أبي ذرٍّ والأَصِيلي وفي رواية غيرهما: &lt;وَيَرْجِعُ&gt; بواو العطف وصيغة المضارع، وعليها شرح الخطَّابي، ومحلُّه الرَّفع على أنَّه خبر للمبتدأ الذي هو قوله: (وَأَحَدُنَا) فعلى هذا يكون لفظ (يَذْهَبُ) حالًا بمعنى ذاهبًا، ويجوز أن يكون (يَذْهَبُ) في محلِّ الرَّفع على أنَّه خبر لقوله: (أَحَدُنَا) وقوله: (رَجَعَ) يكون في محلِّ النَّصب على الحال، وقَدْ فيه مقدَّرة؛ لأن الجملة الفعليَّة الماضية إذا وقعت حالًا فلا بدَّ فيها من كلمةِ قَدْ إما ظاهرة وإما مقدَّرة كما في قوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءُوْكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ [النساء: ٩٠] أي قد حصرت، ولكن تكون حالًا منتظرة مقدَّرة والتقدير: وأحدنا يذهب إلى أقصى المدينة حال كونه مُقدرًا الرجوع إليها والحالُ أنَّ الشَّمس حيَّة.\nوقال شيخنا: يحتمل أن تكون الواو في قوله: (وَأَحَدُنَا) بمعنى ثمَّ على قول من قال: إنَّها ترد للترتيب","vol":"1","page":56},{"text":"مثل ثمَّ، وفيه تقديم وتأخير والتقدير: ثمَّ يذهب أحدنا، أي ممن صلَّى معه، وأما قوله: (رَجَعَ) فيحتمل أن يكون بمعنى يرجع ويكون بيانًا لقوله: (يَذْهَبُ).\nقال العَيني: هذا فيه ارتكاب المحذور من وجوهٍ: الأوَّل: كون الواو بمعنى ثمَّ لم يقل به أحد، الثاني: إثبات التقديم والتأخير من غير احتياج إليه، والثالث قوله: (يَرْجِعُ) بيان لقوله: (يَذْهَبُ) فلا يصحُّ ذلك؛ لأنَّ معنى يرجع ليس فيه غموض حتَّى يبيِّنه بقوله: يذهب، ومحذور آخر وهو أنَّ المعنى يكون: وأحدنا يرجع إلى أقصى المدينة، وهو مخلٌّ بالمقصود. انتهى.\nقلت: مراد شيخنا بقوله: الواو بمعنى ثمَّ أي أنَّ الواو تُفيد الترتيب مثل ثمَّ، فإن قلت: قال السِّيرافي: إنَّ النَّحويين واللُّغويين أجمعوا على أنَّ الواو لا ترد للترتيب، فنقول: قال قُطْرُب والفَرَّاء وثعلب وأبو عُمَر الزَّاهد وهشام والشافعي وغيرهم: إنَّها تفيده. انتهى.\nقال العَيني: وزَعَمَ الكِرْماني أنَّ فيه وجهًا آخر، وفيه تعسُّف جدًّا، وهو أن رجع بمعنى يرجع عطف على يذهب، والواو مقدَّرة، وفيه محذور آخر أقوى من الأوَّل، وهو أنَّ المراد بالرجوع هو الرجوع إلى أقصى المدينة لا الرجوع إلى المسجد، فعلى هذا التقدير يكون الرجوع إلى المسجد، والدليل على أنَّ المراد هو الذهاب إلى أقصى المدينة والرجوع إليها رواية عَوْف الأعرابي عن سَيَّار بن سلامة الآتية عن قريب: (ثَمَّ يَرْجِعُ أَحَدُنَا إِلَى رَحْلِهِ فِي أَقْصَى المَدَيْنَةِ وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ)، واقتصر ههنا على ذكر الرجوع لحصول الاكتفاء به؛ لأنَّ المراد بالرجوع الذهاب إلى المنزل، وإنما سُمِّي رجوعًا؛ لأن ابتداء المجيء كان من المنزل إلى المسجد، فكان الذهاب منه إلى المنزل رجوعًا.\nقوله: (وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ) وحياة الشَّمس عبارة عن بقاء حرِّها لم يفتر وبقاء لونها لم يتغيَّر، وإنما يدخلها التغيُّر بدنو المغيب، كأنَّه جعل مغيبها لها موتًا.\nقوله: (وَنَسِيْتُ) أي قال أبو المِنْهال: نسيت ما قال أبو بَرزَة في المغرب.\nقوله: (وَلَا يُبَالِي) عطف على قوله: (يُصَلِّي) أي ولا يبالي النَّبِيُّ ﷺ، وهو من المبالاة وهو الاكتراثُ بالشيء.\nقوله: (إِلَى شَطْرِ اللَّيْلِ) أي نصفه، ولا يقال: إنَّ الذي يفهم منه أنَّ وقت العشاء لا يتجاوز النِّصف؛ لأنَّ الأحاديث الأخر تدلُّ على بقاء وقتها إلى الصُّبح، وإنما المراد بالنِّصف ههنا هو الوقت المختار، وقد اختلف فيه، والأصحُّ الثلث.\nقوله: (قَبْلَهَا) أي قبل العشاء.\nقوله: (قَالَ مُعَاذٌ) هو معاذ بن معاذ بن نصر بن حسَّان العَنْبَري التَّميمي قاضي البصرة، سمع شُعْبَة وغيره، مات سنة ست وتسعين ومائة.\nقال الكِرْماني: هذا تعليق قطعًا؛ لأنَّ البخاري لم يدركه، قال العَيني: هو مسند في «صحيح مسلم» قال: حدَّثنا عُبَيْد الله بن معاذ عن أبيه عن شعبة، فذكره.\nقوله: (ثُمَّ لَقِيْتُهُ) أي أبا المِنْهال مرَّةً أخرى بعد ذلك.\nقوله: (فَقَالَ: أَوْ ثُلُثِ اللَّيْلِ) ردَّد بين الشَّطر والثلث، قال شيخنا: وجزم حمَّاد بن سلمة عن أبي المِنْهال عند مسلم بقوله: (إلى ثُلُثِ اللَّيلِ) وكذا لأحمد عن حمَّاد عن شعبة.\nقال العَيني: فيه الحجَّة للحنفيَّة؛ لأنَّ قوله: (وَأَحَدُنَا يَعْرِفُ جَلَيْسَهُ) يدلُّ على الإسفار، ولفظ النَّسائي والطَّحاوي فيه: «كانَ رسولُ اللهِ ﷺ","vol":"1","page":57},{"text":"ينصرفُ من الصُّبح فينظرُ الرجلُ إلى الجليسِ الذي يعرفه فيعرفه»، ولكن قوله: (وَيَقْرَأُ فِيْهَا مَا بَيْنَ السِّتِّيْنَ إِلَى المَائَةِ) يدلُّ على أنَّه كان يشرع في الغلس ويمدُّها بالقراءة إلى وقت الإسفار، وإليه ذهب الطَّحاوي. انتهى.\nقلت: قد أجاب العَيني عن مذهبنا، وقد تقدَّمَتْ عن ذلك أجوبة لنا. انتهى.\nوفيه أنَّ وقت الظُّهر من زوال الشَّمس عن كبد السَّماء.\nوفيه أنَّ الوقت المستحبَّ للعصر أن يُصَلَّى ما دامت الشَّمس حيَّة، وهذا يدلُّ على أنَّ المستحبَّ تعجيلها كما ذهب إليه مالك والشافعي وأحمد، وفي رواية أبي داود: «كانَ يصلِّي العصرَ والشَّمسُ بيضاءُ مرتفعةٌ حيَّةٌ، ويذهبُ الذاهبُ إلى العوالي والشَّمسُ مرتفعةٌ» والعوالي: أماكن بأعلى أراضي المدينة، قال ابن الأثير: وأدناها من المدينة على أربعة أميال، وأبعدها من جهة نجد ثمانية، ولكن في رواية الزهري: أدناها من المدينة على ميلين كما ذكره أبو داود.\nوقال النَّوَوي: وأراد بهذا الحديث المبادرة بصلاة العصر أوَّل وقتها؛ لأنَّه لا يمكن أن يذهب بعد صلاة العصر ميلين وثلاثة والشَّمسُ بعدُ لم تتغير، ثمَّ قال: وفيه دليل لمالك والشافعي وأحمد والجمهور: أنَّ وقت العصر يدخل إذا صار ظلُّ كلِّ شيء مثله، وقال أبو حنيفة: لا يدخل حتَّى يصير ظلُّ كلِّ شيء مثليه، وهذا حجَّة للجماعة عليه.\nقال العَيني: والجواب من جهة أبي حنيفة: أنَّه ﵇ أمر بإبراد الظهر بقوله: (أَبْرِدُوا بِالظُّهْرِ) يعني: صلُّوها إذا سكنت شدَّة الحرِّ، واشتداد الحرِّ في ديارهم يكون في وقت صيرورة ظل ُّكلِّ شيء مثله، ولا يفتر الحرُّ إلَّا بعد المثلين، فإذا تعارضت الآثار يبقى ما كان على ما كان، ووقت الظهر ثابت بيقين فلا يزول بالشكِّ، ووقت العصر ما كان ثابتًا فلا يدخل بالشك. انتهى.\nقلت: قوله: (وَاشْتِدَادُ الحَرَّ...) إلى آخره، فيه نظر؛ لأنَّ الشَّمس كلما كانت إلى المشرق والمغرب أقرب كان حرُّها أنقص، وهذا أمر محسوس، وإذا كان الأمر كذلك بطل ما قاله؛ لأنَّ مراده أنَّ وقت الظُّهر يبقى إلى أن يذهب اشتداد الحرِّ، فعلى ما قرّره يمتدُّ إلى مصير ظلِّ كلِّ الشيء مثليه؛ لأنَّه ﵇ أمر بالإبراد، والإبراد لا يحصل إلَّا أن يؤخِّر المصلِّي إلى ذلك الوقت، يعلم أنَّ وقت الظُّهر باقٍ لم يخرج، ولو لم يكن الوقت باقٍ لم يأمر بالتأخير إليه. انتهى.\nوفيه أنَّ الوقت المستحبَّ للعشاء تأخيره إلى ثلث اللَّيل أو إلى شطره، وهو حجَّة على من فضَّل التقديم، وقال الطَّحاوي: تأخير العشاء إلى ثلث اللَّيل مستحبٌّ، وبه قال مالك وأحمد وأكثر الصحابة والتَّابعين ومن بعدهم، قاله الترمذي، وإلى النِّصف مباح وما بعده مكروه، وحكى ابن المنذر: أنَّ المنقول عن ابن مسعود وابن عبَّاس إلى ما قبل ثلث الليل، وهو مذهب إِسْحاق واللَّيث أيضًا، وبه قال الشَّافعي في كتبه الجديدة، وفي «الإملاء» والقديم تقديمها، وقال النَّوَوي: وهو الأصحُّ.\nوفيه كراهة النَّوم قبل العشاء؛ لأنَّه يعرض لفواتها باستغراق النوم، قلت: وسمعت بعض مشايخي يقول: إنَّه إذا تيقَّن الفوات بالنَّوم يحرم عليه. انتهى.\nوفيه كراهة الحديث بعدها؛","vol":"1","page":57},{"text":"وذلك لأنَّ السهر في اللَّيل سبب للكسل في النَّوم عمَّا يتوجَّه من حقوق الدِّين والطاعات ومصالح الدين، قالوا: المكروه منه ما كان في الأمور الَّتي لا مصلحة فيها، أمَّا ما فيه مصلحة وخير فلا كراهة فيه، وذلك كمدارسة العلم وحكايات الصالحين، ومحادثة الضَّيف والعروس للتأنيس، ومحادثة الرجل أهله وأولاده للملاطفة والحاجة، ومحادثة المسافرين لحفظ متاعهم أو أنفسهم، والحديث في الإصلاح بين النَّاس والشَّفاعة إليهم في خير، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإرشاد إلى مصلحة ونحو ذلك، وكلُّ ذلك لا كراهة فيه.\n\n٥٤٢ - <span id=\"b-٧٩\"> </span>قوله: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ مُقَاتِلٍ) أي -بضمِّ الميم- أبو الحسن المَرْوَزي.\nقوله: (قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) أي ابن المبارك الحنظلي المَرْوَزي.\nقوله: (قَالَ: أَخْبَرَنَا خَالِدُ بنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) أي ابن بكير السُّلَمي البصري.\nقلت: قال الحافظ أبو نصر أحمد بن محمَّد بن الحسين الكَلاباذي، والحافظ محمَّد بن طاهر المَقْدِسي: خالد بن عبد الرحمن حدَّث عن غالب القطَّان، روى عنه عبد الله غيرَ منسوب وهو ابن المبارك في الصلاة، وقد تابعه محمَّد بن يحيى الذُّهْلي فرواه عن عُبَيْد الله بن موسى عن إسرائيل عن خالد بن عبد الرحمن عن غالب نحوه. انتهى ما قالاه، وهذه مبالغة ناقضة، وقال الذَّهَبي: خالد بن عبد الرحمن عن الحسين ومحمَّد وعنه ابن مهدي وأبو الوليد صدوقٌ مُقِلٌّ. انتهى.\nقوله: (قَالَ: حَدَّثَنِي غَالِبٌ القَطَّانُ) أي -بالغين المعجمة- ابن خطَّاب المشهور بابن أبي غيلان -بفتح الغين المعجمة وسكون الياء آخر الحروف- تقدَّم في باب السُّجود على الثوب.\nقوله: (عَنْ بَكْرِ بنِ عَبْدِ اللهِ المُزَنيِّ) تقدَّم في باب عرق الجنب.\nقوله: (عَنْ أَنَس بنِ مَالِكٍ ﵁) تقدَّم في باب من الإيمان أن يحبَّ.\nفي هذا الإسناد التَّحديث بصيغة الجمع في موضع واحد، وبصيغة الإفراد، وبصيغة الماضي في موضع واحد، وفيه الإخبار بصيغة الجمع في موضعين، وفيه العنعنة في موضعين، وفيه محمَّد بن مقاتل من أفراد البخاري، ووَقَعَ للأَصِيلي وغيره: &lt;حَدَّثَنا مُحَمَّدُ&gt; من غير نسبة، وفي رواية أبي ذرٍّ: &lt;حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بنُ مُقَاتِلٍ&gt; بنسبته إلى أبيه، وفيه وَقَعَ خالد بن عبد الرحمن على هذه الصورة، وهو السُّلَمي، واسم جدِّه بُكَير كما ذكرنا، قال شيخنا: وثبت الأمران في «مستخرج الإسماعيلي»، وفي طبقته خالد بن عبد الرحمن الخراساني نزيل دمشق، وخالد بن عبد الرحمن الكوفي العبدي، ولم يخرج لهما البخاري شيئًا، وأما خالد السُّلَمي المذكور هنا فليس له ذكر في هذا الكتاب إلَّا في هذا الموضع، وهو من أفراد البخاري. وفيه أنَّ رواته مروزيَّان والبقيَّة بصريُّون.\nقوله: (قَالَ: كُنَّا إِذا صَلَّيْنَا خَلْفَ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ بِالظَّهَائِرِ سَجَدْنَا عَلَى ثِيَابِنَا اتِّقَاءَ الحَرِّ).\nمطابقته للترجمة من حيث إنَّ صلاتهم خلف رسول الله ﷺ بالظهائر تدلُّ على أنَّهم كانوا يصلُّون الظهر في أوَّل وقته، وهو وقت اشتداد الحرِّ عند زوال الشَّمس كما مرَّ في أوَّل الباب عن جابر قال: (كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي بِالهَاجِرَةِ) ولا يعارض حديث الأمر بالإبراد؛ لأن هذا لبيان الجواز وحديث الأمر بالإبراد لبيان الفضل.","vol":"1","page":58},{"text":"هذا الحديث أخرجه البخاري أيضًا في الصَّلاة عن أبي الوليد هشام بن عبد الملك ومسدَّد فرقهما كلاهما عن بشر بن المُفَضَّل، وأخرجه مسلم فيه عن يحيى بن يحيى، وأخرجه أبو داود فيه عن أحمد بن حنبل، وأخرجه التِّرْمِذي فيه عن أحمد بن محمَّد عن ابن المبارك، وأخرجه النَّسائي فيه عن سُوَيد بن نصر عن ابن المبارك، وأخرجه ابن ماجَهْ فيه عن إِسْحاق بن إبراهيم عن بشر بن المفضل.\nقوله: (بِالظَّهَائِرِ) جمع ظهيرة، وهي الهاجرة، وأراد بها الظهر، وجمعَها نظرًا إلى ظهر الإمام.\nقوله: (سَجَدْنَا عَلى ثِيَابِنَا) كذا في رواية أبي ذرٍّ والأكثرين، وفي رواية كريمة: &lt;فَسَجَدْنَا&gt; بالفاء العاطفة على مقدَّر نحو: فرشنا الثياب فسجدنا عليها.\nقوله: (اتِّقَاءَ الحَرِّ) أي لأجل اتقاء الحرِّ، وانتصابه على التعليل والاتقاء مصدر من اتقى يتقي، وأصله اوتقى؛ لأنَّه مِن وقى، فنقل إلى باب الافتعال فقلبت الواو تاء وأدغمت التَّاء في التَّاء فصار اتقى، وأصل الاتقاء الاوتقاء ففُعل به ما فعل بفعله، وقال الكِرْماني: والاتقاء مشتقٌّ من الوقاية، أي وقاية لأنفسنا من الحرِّ، أي احترازًا منه. قال العَيني: المصدر يشتقُّ منه الأفعال ولا يقال له: مشتقٌّ؛ لأنَّه موضع صدر الفعل كما تقرر في موضعه. انتهى. قلت: هذا على الصحيح، فليعلم أنَّ المسألة مختلف فيها. انتهى.\nقال شيخنا: وقد روى هذا الحديث بشر بن المُفَضَّل عن غالب القطَّان كما مضى، ولفظه مغاير للفظه لكن المعنى متقارب، وقد تقدَّم الكلام عليه في باب السُّجود على الثَّوب في شدة الحرِّ وفيه الجواب عن استدلال من استدلَّ به على جواز السُّجود على الثَّوب ولو كان يتحرَّك.\nوفيه المبادرة لصلاة الظُّهر ولو كان في شدة الحرِّ. انتهى. وقد تقدَّم آنفًا الجواب عن حديث الأمر بالإبراد.\n\n <span id=\"b-٨٠\"> </span>(١٢) <span data-type=\"title\" id=toc-80>(بَابُ تَأْخِيْرِ الظُّهْرِ إِلَى العَصْرِ)</span> أي هذا باب في بيان تأخير صلاة الظُّهر إلى أوَّل وقت العصر.\nوالمراد إنَّه لما فرغ عن صلاة الظُّهر دخل وقت صلاة العصر، وليس المراد إنَّه جمع بينهما في وقت واحد كما سيأتي عن أبي الشَّعثاء راوي الحديث، وقال الزَّين بن المنيِّر: أشار البخاري إلى إثبات القول باشتراك الوقتين، لكن لم يُصرِّح بذلك على عادته في الأمور المحتملة؛ لأنَّ لفظ الحديث يحتمل ذلك ويحتمل غيره، قال: والترجمة مشعرة بانتفاء المفاصلة بين الوقتين، وقد نقل ابن بطَّال عن الشَّافعي وتبعه غيره فقالوا قال الشافعي: بين وقت الظُّهر وبين وقت العصر فاصلة لا تكون وقتًا للظُّهر ولا للعصر. انتهى.\nقال شيخنا: ولا يعرف ذلك في كتب المذهب عن الشافعي، وإنما المنقول عنه: إنَّه كان يذهب إلى أنَّ آخر وقت الظُّهر ينفصل عن أوَّل وقت العصر، ومراده نفيُ القول بالاشتراك، ويدلُّ عليه إنَّه احتجَّ بقول ابن عبَّاس وقت الظُّهر إلى العصر والعصر إلى المغرب، وكما إنَّه لا اشتراك بين العصر والمغرب فكذا لا اشتراك بين الظهر والعصر. انتهى.\nقلت: لعلَّهم نظروا إلى أن من لم يدرك ركعة من صلاة الظُّهر قبل دخول وقت العصر يصير ظُهره قضاء، ولو أحرم بصلاة العصر في ذلك الزمن الذي لم يسع ركعة من الظُّهر لم يصحَّ له العصر، فرأوا ذلك الوقت لا يصحُّ فيه أداء الظهر ولا الإحرام بصلاة العصر، جعلوه فاصلة بهذا الاعتبار، والله أعلم. انتهى.\n\n٥٤٣ - <span id=\"b-٨١\"> </span>قوله: (حَدَّثَنا أَبُو النُّعْمَانِ) أي محمَّد بن الفَضْل، ترجمته في باب قول النَّبِيِّ ﷺ: الدِّين النصيحة.\nقوله: (حَدَّثَنا حَمَّاد بنُ زَيدٍ) أي ابن درهم، ترجمته في باب:","vol":"1","page":58},{"text":"﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات: ٩] في كتاب الإيمان.\nقوله: (عَنْ عَمْرو وَهُوَ ابنُ دِيْنَارٍ) أي أبو محمَّد أحد الأئمَّة، ترجمته في باب كتابة العلم.\nقوله: (عَنْ جَابِرِ بنِ زَيْدٍ) أي أبو الشَّعثاء الأزدي، تقدَّم في باب الغسل بالصاع.\nقوله: (عَنِ ابنِ عبَّاس ﵄) ترجمته في بدء الوحي.\nفي هذا الإسناد التَّحديث بصيغة الجمع في موضعين، وفيه العنعنة في ثلاثة مواضع، وفيه أنَّ رواته بصريُّون ما خلا عَمْرو بن دينار فإنَّه مكِّي، قلت: وَقَعَ في «شرح العيني» بخطِّه: عن جابر بن زيد عن ابن عبَّاس في سند الحديث، ولمَّا تكلَّم على رجال السند أبدل ابن عبَّاس بأنس بن مالك، وهو سهو منه ﵀.\nقوله: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى بِالمَدِيْنَةِ سَبْعًا وَثَمانِيًا الظُّهْرَ وَالعَصْرَ وَالمَغْرِبَ وَالعِشَاءَ. فقالَ أَيُّوْبُ: لَعَلَّهُ في لَيْلَةٍ مَطِيرَةٍ؟ قَالَ: عَسَى) أيُّوب هو السِّخْتياني.\nمطابقته للترجمة في قوله: (سَبْعًا وثَمَانِيًا) لأنَّ المراد من (سَبْعًا) المغرب والعشاء، ومن (ثَمَانِيًا) الظُّهر والعصر على ما نذكره إن شاء الله تعالى، وذلك إنَّه أخَّر المغرب إلى آخر وقته، فحين فرغ منه دخل وقت العشاء، وكذلك أخَّر الظُّهر إلى آخر وقته، فلمَّا صلَّاها وخرج وقته ودخل وقت العصر صلَّى العصر، قال العَيني: فهذا الجمع الذي قاله أصحابنا - أي الحنفيَّة - إنَّه جمع فعلًا لا وقتًا، وقيل: أشار البخاري إلى إثبات القول باشتراك الوقتين، قال: لا نُسلِّم ذلك؛ لأن تأخير الظُّهر إلى العصر لا يُفهم ذلك ولا يستلزمه. انتهى. قلت: أشار العَيني بهذا إلى قول ابن المنيِّر الذي قدَّمناه، وكل منهما راعى في قوله مذهبه. انتهى.\nقوله: (سَبْعًا) أي سبع ركعات، ثلاثة للمغرب وأربعة للعشاء.\nقوله: (وَثَمَانِيًا) أي أربعة للظُّهر وأربعة للعصر، وفي الكلام لفٌّ ونشر، قال شيخنا: (سَبْعًا وَثَمَانِيًا)، أي سبعًا جميعًا وثمانيًا جميعًا كما صرَّح به في باب وقت المغرب من طريق شُعْبَة عن عَمْرو بن دينار. انتهى.\nقوله: (الظُّهْرَ) وما عطف عليه منصوبات، إما بدل أو بيان، أو على الاختصاص، أو على نزع الخافض، أي الظُّهر والعصر.\nقوله: (قَالَ أَيُّوبُ: لَعَلَّهُ...) إلى آخره (قَالَ: عَسَى) القائل الثَّاني هو جابر بن زيد؛ لأنَّه المقول له، وقول الأوَّل: (لَعَلَّهُ) أي لعل هذا التأخير كان في ليلة مَطيرة -بفتح الميم- أي كثيرة المطر.\n (قَالَ جَابِرُ: عَسَى) أي قال: عسى ذلك كان في اللَّيلة المطيرة، فاسم عسى وخبره محذوفان.\nقلت: وسيأتي أنَّ أبا الشَّعثاء قال بخلاف هذا القول، لكنَّه لم يجزم بواحد منهما ولا استمرَّ. انتهى.\nقال العَيني: تكلمت العلماء في هذا الحديث، فأوَّله بعضهم على أنَّه جمعَ بعذر المطر، ويؤيد هذا ما رواه أبو داود: حدَّثنا القَعنَبي عن مالك عن أبي الزُّبَيْر المكَّي عن سعيد بن جُبَير عن عبد الله بن عبَّاس قال: «صلَّى رسولُ اللهِ ﷺ الظهرَ والعصرَ جميعًا، والمغربَ والعشاءَ جميعًا في غيرِ خوفٍ ولا سفرٍ»، قال مالك: أرى ذلك كان في مطر، وأخرجه مسلم والنَّسائي وليس فيه كلام مالك ﵀.\nوقال الخطَّابيُّ: وقد اختلف النَّاس في جواز الجمع بين الصَّلاتين في المطر وفي الحضر، فأجازه جماعة من السَّلف، روي ذلك عن ابن عمر، وفعله عُرْوَة بن الزُّبَيْر وابن المُسَيَّب وعمر بن عبد العزيز وأبو بكر بن عبد الرحمن وأبو سلمة وعامة فقهاء المدينة، وهو قول مالك والشافعي وأحمد بن","vol":"1","page":59},{"text":"حنبل، غير أنَّ الشَّافعي اشترط في ذلك أن يكون المطر قائمًا في وقت افتتاح الصلاتين معًا، وكذلك قال أبو ثور، ولم يشترط ذلك غيرهما، وكان مالك يرى أن يجمع الممطور في الطين وفي حال الظلماء، وهو قول عُمَر بن عبد العزيز، وقال الأوزاعي وأصحاب الرأي: يصلِّي الممطور كلَّ صلاة في وقتها. قال العَيني: هذا التأويل تردُّه الرواية الأخرى: «مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ وَلَا مَطَرٍ» وأوَّله البعض على أنَّه كان في غيم، فصلَّى الظهر ثمَّ انكشفت وبان أنَّ أوَّل وقت العصر دخل فصلَّاها، قال النَّوَوي: وهذا باطل؛ فإنَّه وإنْ كان فيه أدنى احتمال في الظهر والعصر فلا احتمال فيه في المغرب والعشاء. انتهى. قال شيخنا: وكأنَّ نفيه الاحتمال مبنيٌّ على أنَّه ليس للمغرب إلَّا وقت واحد، والمختار عنده خلافه، وهو أنَّ وقتها يمتد إلى العشاء، فعلى هذا فالاحتمال قائم. انتهى.\nوأوَّله آخرون على أنَّه كان بعذر المرض أو نحوه مما هو في معناه من الأعذار، وقال النَّوَوي: وهو قول أحمد بن حنبل والقاضي الحسين من أصحابنا، واختاره الخطَّابي والمتولِّي والروياني من أصحابنا، وهو المختار لتأويله لظاهر الحديث، ولأنَّ المشقَّة فيه أشقُّ من المطر. انتهى. قال العَيني: هذا أيضًا ضعيف؛ لأنَّه مخالف لظاهر الحديث، وتقييده بعذر المطر ترجيح بلا مرجح وتخصيص بلا مخصص، وهو باطل. انتهى.\nوقال شيخنا: وجوَّز بعضهم أنَّ الجمع لعذر المرض، وقوَّاه النووي، وفيه نظر؛ لأنَّه لو كان جمعه ﵇ بين الصلاتين لعارض المرض لما صلَّى معه إلَّا من له نحو ذلك العذر، والظَّاهر أنَّه ﵇ جمع بأصحابه، وقد صرَّح بذلك ابن عبَّاس في روايته. انتهى.\nقال النَّوَوي: ومنهم من تأوَّله على أن الجمع المذكور صوريٌّ بأن يكون أخَّر الظهر إلى آخر وقتها وعجَّل العصر في أوَّل وقتها، قال: وهو احتمال ضعيف أو باطل؛ لأنَّه مخالف للظاهر مخالفة لا تحتمل. انتهى.\nقال شيخنا: وهذا الذي ضعفه استحسنه القُرْطُبي ورجَّحه قبله إمام الحرمين، وجزم به من القدماء ابن الماجِشُون والطَّحاوي، وقوَّاه ابن سيِّد النَّاس بأن أبا الشَّعثاء - وهو راوي الحديث عن ابن عبَّاس - قد قال به، وذلك فيما رواه الشيخان من طريق ابن عُيَيْنَة عن عَمْرو بن دينار، فذكر هذا الحديث وزاد: قلت: يا أبا الشعثاء، أظنُّه أخَّر الظُّهر وعجَّل العصر وأخَّر المغرب وعجَّل العشاء، قال: وأنا أظنُّه. قال ابن سيَّد النَّاس: وراوي الحديث أدرى بالمراد من غيره.\nقلت لكن لم يجزم بذلك، بل لم يستمرَّ عليه، فقد تقدَّم كلامه لأيُّوب، وتحريره: أن يكون الجمع بعذر المطر، لكن يقوي ما ذكره من الجمع الصُّوري أنَّ طرق الحديث كلِّها ليس فيها صفة الجمع، فإمَّا أن تُحمل على مطلقها فتستلزم إخراج الصَّلاة عن وقتها المحدود بغير عذر، وإمَّا أن تُحمل على صفة مخصوصة ولا تستلزم الإخراج، ويجمع بها بين مفترق الأحاديث، والجمع الصُّوري أولى. انتهى.\nقال العَيني: وأحسن التأويلات في هذا وأقربها إلى القبول إنَّه على تأخير الأولى إلى آخر وقتها فصلَّاها فيه، فلمَّا فرغ منها دخلت الثانية فصلَّاها، ويؤيِّد هذا التأويل ويُبطل غيره ما رواه البخاري ومسلم من حديث","vol":"1","page":59},{"text":"عبد الله بن مسعود قال: «ما رأيْتُ رسولَ اللهِ ﷺ صلَّى صلاةَ لغيرِ وقتِها إلَّا بجمعٍ، فإنَّه جمعَ بينَ المغربِ والعشاءِ بجمعٍ، وصلَّى صلاةَ الصُّبح منَ الغدِ قبلَ وقتِها»، وهذا الحديث يبطل العمل بكلِّ حديث فيه جواز الجمع بين الظُّهر والعصر والمغرب والعشاء، سواء كان في حضر أو سفر أو غيرهما. انتهى.\nقلت: لم ينفِ عبد الله إلَّا الرؤية، فكيف يقال: إنَّ قوله: يبطل العمل بقول من أثبته؟!. انتهى.\nوقال العَيني أيضًا: فإن قلت: في حديث ابن عمر: «إذا جَدَّ بهِ السَّيرُ جمعَ بينَ المغربِ والعشاءِ بعدَ أنْ يغيبَ الشَّفقِ» رواه أبو داود وغيره، وهذا صريح في الجمع في وقت إحدى الصَّلاتين، وقال النَّوَوي: وفيه إبطال تأويل الحنفيَّة في قولهم: إنَّ المراد بالجمع تأخير الأولى إلى آخر وقتها وتقديم الثانية إلى أوَّل وقتها، ومثله في حديث أنس: «إذا ارتحلَ قبلَ أنْ تزيغَ الشَّمسُ أخَّرَ الظهرَ إلى وقتِ العصرِ ثمَّ نزلَ فجمعَ بينَهما»، وهو صريح في الجمع بين الصَّلاتين في وقت الثانية، والرواية الأخرى أوضح دلالة وهي قوله: «إذا أرادَ أنْ يجمعَ بينَ الصلاتَين في السَّفر أخَّرَ الظهرَ حتَّى يدخلَ أوَّلُ وقتِ العصرِ ثمَّ يجمعُ بينَهما»، وفي الرواية الأخرى: «ويؤخِّرُ المغربَ حتَّى يجمعَ بينَها وبينَ العشاءِ حتَّى يغيبَ الشَّفقُ»، قلت: الجواب عن الأوَّل أنَّ الشَّفق نوعان: أحمر وأبيض، كما اختلف العلماء من الصحابة وغيرهم فيه، ويحتمل أنَّه جمع بينهما بعد غياب الأحمر، فتكون المغرب في وقتها على قول من يقول: الشَّفق هو الأبيض، وكذلك العشاء تكون في وقتها على قول من يقول: الشَّفق هو الأحمر، ويطلق عليه إنَّه جمع بعد غياب الشَّفق، والحال إنَّه صلَّى كلَّ واحدة منهما في وقتها على اختلاف القولين في تفسير الشَّفق، وهذا مما فُتح لي من الفيض الإلهي! وفيه إبطال لقول من ادعى بطلان تأويل الحنفيَّة. انتهى.\nقلت: يلزم على قول من يقول: الشَّفق هو الأبيض إخراجُ المغرب عن وقتها إن أوقعها بعد غيابه، وكذلك على قول من يقول: الشَّفق هو الأحمر، ويلزم على قول من يقول: الشَّفق هو الأبيض إخراج العشاء عن وقتها إن أوقعها قبل غيابه، ولا يتأتَّى لأحد أن يعتقد صحَّة المذهبين، فما هذا التأويل؟! ولهذا قال شيخنا: لا يشكُّ من تأمَّل كلام العَيني وفهمه بمقدار فهمه في تصرُّفه أنَّ هذا الفيض مختصٌّ به، فلذلك لا يرضى به من له أدنى تمييز. انتهى.\nثم قال: والجواب عن الثاني: أنَّ معنى قوله: «أخَّرَ الظهرَ إلى وقتِ العصرِ» أخَّره إلى آخر وقته الذي متصل به وقت العصر، فيصلِّي الظُّهر في آخر وقته، ثمَّ يصلِّي العصر متصلًا به في أوَّل وقت العصر، فيطلق عليه إنَّه جمع بينهما، لكنَّه فعلًا وقتًا، والجواب عن الثالث: أنَّ أوَّل وقت العصر مختلف فيه، وهو إمَّا بصيرورة ظلِّ كلِّ شيء مثله أو مثليه، فيحتمل أنَّه أخَّر الظُّهر إلى أن صار ظلُّ كلِّ شيء مثله، ثمَّ صلَّاها وصلَّى عقبها العصر، فيكون قد صلَّى الظُّهر في وقتها على قول من يرى أنَّ آخر وقت الظُّهر بصيرورة ظلِّ كلِّ شيء مثليه، ويكون قد صلَّى العصر في وقتها على قول من يرى أنَّ أوَّل وقتها بصيرورة ظلِّ كلِّ شيء مثله، ويصدق على من فعل هذا إنَّه جمع بينهما في أوَّل وقت العصر، والحال إنَّه قد صلَّى كلَّ واحدة منهما في وقتها على اختلاف القولين في أوَّل وقت العصر، ومثل هذا لو فعل المقيم يجوز فضلًا عن المسافر الذي يحتاج إلى التخفيف.","vol":"1","page":60},{"text":"انتهى.\nقلت: يقال ههنا ما قلناه بعد جوابه الأوَّل. انتهى.\nقال: فإن قلت: قد ذكر البَيْهَقي في باب الجمع بين الصلاتين في السَّفر عن حمَّاد بن زيد عن أيُّوب عن نافع عن ابن عُمَر: «أنَّه سارَ حتَّى غابَ الشَّفق فنزلَ فجمعَ بينَهما» رواه أبو داود وغيره، وفيه: «أخَّرَ المغربَ بعدَ ذهابِ الشَّفق حتَّى ذهبَ هُوِيٌّ منَ الليلِ، ثمَّ نزلَ فصلَّى المغربَ والعشاءَ» قلت: لم يذكر سنده حتَّى ننظر فيه، وروى النَّسائي بخلاف هذا، وفيه: «كانَ ﵇ إذا جدَّ بهِ أمرٌ أو جدَّ بهِ السيرُ جمعَ بينَ المغربِ والعشاءِ»، قال: فإن قلت: قد قال البَيْهَقي: ورواه يزيد بن هارون عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن نافع، فذكر: إنَّه سار قريبًا من ربع اللَّيل ثمَّ نزل فصلَّى، قلت: أسنده في «الخلافيات» من حديث يزيد بن هارون بسنده المذكور، ولفظه: «فسرْنا أميالًا، ثمَّ نزلَ فصلَّى» قال يحيى: فحدَّثني نافع هذا الحديث مرَّة أخرى فقال: «سرْنا حتَّى إذا كانَ قريبًا مِنْ ربعِ اللَّيلِ نزلَ فصلَّى» فلفظه مضطرب كما ترى قد رُوي على وجهين، فاقتصر البَيْهَقي في «السنن» على ما يوافق مقصوده.\nواستدلَّ جماعة من الأئمَّة إلى الأخذ بظاهر هذا الحديث على جواز الجمع في الحضر للحاجة مطلقًا، لكن بشرط ألَّا يُتخذ عادة، وممن قال به ابن سيرين وربيعة وأشهب وابن المنذر والقفَّال الكبير، وحكاه الخطَّابي عن جماعة من أصحاب الحديث، واستدلَّ لهم بما وَقَعَ عند مسلم في هذا الحديث من طريق سعيد بن جُبَير قال: فقلت لابن عبَّاس: لم فعل ذلك؟ قال: أراد ألَّا يحرج أحدًا من أمَّته.\nوللنَّسائي من طريق عَمْرو بن هَرِم عن أبي الشَّعثاء: أنَّ ابن عبَّاس صلَّى بالبصرة الأولى والعصر ليس بينهما شيء، والمغرب والعشاء ليس بينهما شيء، فعل ذلك من شُغل، وروى مسلم من طريق عبد الله بن شَقيق: أنَّ شُغل ابن عبَّاس ﵄ المذكور كان بالخطبة، وإنَّه خطب بعد صلاة العصر إلى أن بدت النُّجوم، ثمَّ جمع بين المغرب والعشاء.\nوالذي ذكره ابن عبَّاس من التعليل بنفي الحرج جاء مثله عن ابن مسعود مرفوعًا أخرجه الطَّبَرَاني ولفظه: «جمعَ رسولُ اللهِ ﷺ بينَ الظهرِ والعصرِ، وبينَ المغربِ والعشاءِ، فقيلَ لهُ في ذلك فقالَ: صنعْت هذا لئلَّا تُحرجَ أمَّتِي»، قال شيخنا: وإرادة نفي الحرج تقدح في حمله على الصُّوري؛ لأنَّ القصد إليه لا يخلو عن حرج. انتهى.\nقال العَيني: قال الخطَّابي في الحديث الذي رواه مسلم عن ابن عبَّاس: هذا حديث لا يقول به أكثر الفقهاء. وقال الترمذي: ليس في كتابي حديث أجمعت الأمم على ترك العمل به إلَّا حديث ابن عبَّاس في الجمع بالمدينة من غير خوف ولا مطر، وحديث قتل شارب الخمر في المرَّة الرابعة، وأمَّا الذي أخرجه الطَّبَرَاني فيردُّه ما رواه البخاري ومسلم من حديث ابن مسعود: «ما رأيتُ رسولَ اللهِ ﷺ صلَّى صلاةً لغيرِ وقتِها» الحديث، وقد ذكرناه عن قريب. انتهى. قلت: وقد ذكرنا جوابنا للعَيني هناك. انتهى.\n\n <span id=\"b-٨٢\"> </span>(١٣) <span data-type=\"title\" id=toc-82>(بَابُ وَقْتِ العَصْرِ)</span> أي هذا باب في بيان وقت صلاة العصر، والمناسبة بين هذه الأبواب ظاهرة خصوصًا بين هذا الباب والذي قبله.\n٥٤٤ - <span id=\"b-٨٣\"> </span>قوله: (حَدَّثَنا إِبْرَاهِيْمُ بنُ المُنْذِرِ) أي ابن عبد الله القُرَشي، ترجمته في باب من سُئل علمًا.\nقوله: (قَالَ حَدَّثَنَا أَنَس بنُ عِيَاضٍ) أي أبو ضمرة اللَّيثي، ترجمته في باب التبرُّز في البيوت.\nقوله: (عَنْ هِشَامٍ) أي ابن عُرْوَة.\nقوله: (عَنْ أَبِيْهِ)","vol":"1","page":60},{"text":"أي عُرْوَة بن الزُّبَيْر، ترجمتهما في بدء الوحي.\nقوله: (أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ) أي أمُّ المؤمنين ﵂، ترجمتها في البدء أيضًا.\nفي هذا الإسناد التَّحديث بصيغة الجمع في موضعين، وفيه العنعنة في موضعين، وفيه القول، وفيه أنَّ رواته كلُّهم مدنيُّون.\nقولها: (كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي العَصْرَ وَالشَّمْسُ لَم تَخرُجْ مِنْ حُجْرَتِهَا).\nمطابقته للترجمة ظاهرة، وهذا الحديث مضى في باب مواقيت الصَّلاة في آخر حديث المغيرة بن شُعْبَة معلقًا حيث قال: قال عروة: ولقد حدَّثتني عائشة ﵂: «أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ كانَ يصلِّي العصرَ والشَّمسُ في حجرتِها قبلَ أنْ تظهرَ» وقد ذكرنا هناك معنى الحديث.\nقوله: (وَالشَّمْسُ) الواو فيه للحال.\nقوله: (مِنْ حُجْرَتِهَا) أي من حُجرة عائشة، قال العَيني: وكأنَّ القياس أن يقال: من حُجرتي. انتهى. قال شيخنا: زاد أبو أسامة - أي كما سيأتي - التقييد بقعر الحجرة، وهو أوضح في تعجيل العصر من الرواية المطلقة، وقد وصل الإسماعيلي طريق أبي أسامة في «مستخرجه» لكن لفظه: «والشَّمسُ واقعةٌ في حجرتِي» وعُرف بذلك أنَّ الضَّمير لعائشة، وفيه نوع التفات. انتهى. قال العَيني: ليس التفات هنا ولا يصدق عليه حدُّ الالتفات، وإنَّما هو من باب التجريد، فكأنَّها جردت واحدة من النِّساء وأثبتت لها حجرة، وأخبرت: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان يصلِّي العصر والشَّمس لم تخرج من حجرتها، وفيه المجاز أيضًا؛ لأنَّ المراد من الشَّمس ضوؤها؛ لأنَّ عين الشَّمس لا تدخل حتَّى تخرج. انتهى.\n\n٥٤٥ - <span id=\"b-٨٤\"> </span>قوله: (قُتَيبَةُ) أي ابن سعيد، ترجمته في باب السَّلام من الإسلام.\nقوله: (قَالَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) أي ابن سعد، ترجمته في بدء الوحي.\nقله (عَنِ ابنِ شِهَابٍ) أي محمَّد بن مسلم الزُّهْري.\nقوله: (عَنْ عُرْوَةَ) أي [ابن] (^١) الزُّبَيْر بن العوَّام.\nقوله: (عَنْ عَائِشَةَ) أي زوج النَّبِيِّ ﷺ، ترجمة هؤلاء في بدء الوحي.\nفي هذا الإسناد التَّحديث بصيغة الجمع في موضعين، وفيه العنعنة في ثلاث مواضع، وفيه أنَّ رواته ما بين بلخي ومصري ومدني.\nقوله: (أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ صَلَّى العَصْرَ وَالشَّمْسُ فِي حُجْرَتِهَا لَم يَظْهَرِ الفَيْءُ مِنْ حُجْرَتِهَا). مطابقته للترجمة ظاهرة.\nقوله: (وَالشَّمْسُ فِي حُجْرَتِهَا) أي باقية، والواو فيه للحال.\nقوله: (لَمْ يَظْهَرِ الفَيْءُ) أي الظل في الموضع الذي كانت الشَّمس فيه، وقد مرَّ في باب المواقيت: «والشَّمْسُ فِي حُجْرَتِهَا قَبْلَ أَنْ تَظْهَرَ» معنى الظهور هنا: الصعود، يقال: ظهرت على الشيء إذا علوته، وحجرة عائشة كانت ضيِّقة الرقعة والشمس تَقلص عنها سريعًا، وما كان ﵇ يصلِّي العصر قبل أن تصعد الشَّمس عنها.\nفإن قلت: ما المراد بظهور الشَّمس وبظهور الفيء؟ أجيب: بأن المراد بظهور الشَّمس خروجها من الحجرة، وبظهور الفيء انبساطه في الحجرة، وليس بين الروايتين اختلاف؛ لأن انبساط الفيء لا يكون إلَّا بعد خروج الشمس.\nقوله: (وَقَالَ أَبُو أُسَامَةَ) أي حمَّاد بن أسامة اللَّيثي، ترجمته في باب فضل من عَلِمَ وعَلَّمَ.\nقوله: (عَنْ هِشَامٍ) أي ابن عُرْوَة المذكور في الباب.\nقوله: (فِي قَعْرِ حُجْرَتِهَا) قال العَيني: هذا التعليق وَقَعَ في رواية أبي ذرٍّ والأَصِيلي وكريمة على رأس الحديث الذي عقب الباب، والصَّواب وقوعه ههنا، وأسنده الإسماعيلي عن ابن ناجية وغيره عن أبي عبد الرحمن قال: حدَّثنا أبو أسامة عن هشام عن أبيه عن عائشة قالت: «كانَ رسولُ اللهِ ﷺ يصلِّي العصرَ والشَّمسُ في قعرِ\n_________\n(^١) ابن: ليس في الأصل.","vol":"1","page":61},{"text":"حجرتِي». انتهى.\nقال شيخنا: والصَّواب تأخير التعليق عن الإسناد الموصول كما جرت به عادة البخاري، والحاصل: أنَّ أَنَس بن عياض وأبا أسامة رويا الحديث عن هشام عن أبيه عن عائشة.\nوالمراد بالحُجرة، وهي -بضمِّ المهملة وسكون الجيم-: البيت. انتهى.\n\n٥٤٦ - <span id=\"b-٨٥\"> </span>قوله: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) أي الفَضْل بن دُكَين، ترجمته في باب فضل من استبرأ لدينه في كتاب الإيمان.\nقوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا ابنُ عُيَيْنَةَ) أي سُفْيان، ترجمته في بدء الوحي.\nقوله: (عَنِ الزُّهْرِيِّ) أي محمَّد بن مسلم بن شِهاب، وفي «مسند الحُمَيدي» عن ابن عُيَيْنَة: حدَّثنا الزُّهْري، أي عكس ما ههنا، وفي رواية محمَّد بن مَنْصور عند الإسماعيلي عن سُفْيان: سمعته أذناي ووعاه قلبي عن الزُّهْري.\nقوله: (عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي العَصْرَ وَالشَّمْسُ طَالِعَةٌ فِي حُجْرَتِي لَمْ يَظْهَرِ الفَيءُ بَعْدُ).\nقوله: (وَالشَّمْسُ طَالِعَةٌ) أي ظاهرة، والواو فيه للحال.\nقوله: (بَعْدُ) بالضمِّ بلا تنوين، قال العَيني: (بَعْدُ) مبني على الضمِّ؛ لأنَّه من الغايات المقطوع عنها الإضافة المنويِّ بها، ولو لم تنوِ الإضافة لقلت: من بعد بالتنوين.\nقوله: (قَالَ أَبُو عَبْدَ اللهِ) أي البخاري نفسُه.\nقوله: (وَقَالَ مَالِكٌ) أي ابن أَنَس الإمام.\nقوله: (وَيحَيَى بنُ سَعِيْدٍ) أي الأنصاري.\nقوله: (وَشُعَيْبٌ) أي ابن أبي حمزة بالمهملة.\nقوله: (وَابنُ أَبِي حَفْصَةَ) أي محمَّد بن ميسرة.\nقوله: (وَالشَّمْسُ قَبْلَ أَنْ تَظْهَرَ) قال شيخنا: يعني أنَّ الأربعة المذكورين رووه عن الزُّهْري بهذا الإسناد، فجعلوا الظُّهور للشَّمس، وابن عُيَيْنَة جعله للفيء، وقد قدَّمنا توجيه ذلك وطريق الجمع بينهما، وأنَّ طريق مالك وصلها المؤلِّف في أوَّل المواقيت، وأمَّا طريق يحيى بن سعيد فوصلها الذُّهْلي في «الزُّهْريات»، وأمَّا طريق سعيد - هو ابن أبي حمزة - فوصلها الطَّبَرَاني في «مسند الشَّاميين»، وأمَّا طريق ابن أبي حفصة فرُوِّيناها من طريق ابن عَدِي في نسخة إبراهيم بن طَهْمان عن ابن أبي حفصة.\nوالمستفاد من هذا الحديث تعجيلُ صلاة العصر في أوَّل وقتها، وهذا هو الذي فهمته عائشة وكذا الرَّاوي عنها عروةُ، واحتجَّ به على عُمَر بن عبد العزيز في تأخِّيره صلاة العصر كما تقدَّم، وشذَّ الطَّحاوي فقال: لا دلالة فيه على التعجيل؛ لاحتمال أنَّ الحجرة كانت قصيرة الجدار فلم تكن تحتجب عنها إلَّا بقرب غروبها، فيدلُّ على التأخير لا على التعجيل؟ وتُعُقِّب بأنَّ الذي ذكره من الاحتمال إنَّما يتصوَّر مع اتِّساع الحجرة، وقد عُرف بالاستفاضة والمشاهدة أنَّ حُجر أزواج النَّبِيِّ ﷺ لم تكن متَّسعة، ولا يكون ضوء الشَّمس باقيًا في قعر الحجرة الصغيرة إلَّا والشَّمس قائمة مرتفعة، وإلَّا متى مالت جدًا ارتفع ضوؤها عن قاع الحجرة ولو كانت الجُدُر قصيرة، قال النَّوَوي: كانت الحُجَر ضيِّقة العَرَصَة قصيرة الجدار بحيث كان طول جدارها أقلَّ من مسافة العَرَصَة بشيء يسير، فإذا صار ظلُّ الجدار مثله كانت الشَّمس بعد في أواخر العَرَصَة. انتهى.\nقال العَيني: لا وجه للتعقُّب فيه؛ لأنَّ الشَّمس لا تحتجب عن الحجرة القصيرة الجدار إلَّا بقرب غروبها، وهذا يُعلم بالمشاهدة فلا يحتاج إلى المكابرة، ولا دخل هنا لاتساع الحجرة ولا لضيقها، وإنما الكلام في قِصَرِ جُدُرِها، بالنظر على هذا فالحديث حُجَّة على من يرى بتعجيل العصر في أوَّل وقتها. انتهى.\nقلت: التحقيق ما قاله شيخنا، وهذا الكلام هو","vol":"1","page":61},{"text":"المكابرة؛ لأنَّ الحسَّ يشهد على أنَّ ساحة الحجرة إذا كانت تقارب مسافة الجدار، فإنَّ الشَّمس لا تكون في ذلك القدر الزائد على مسافة الجدار إلَّا عند ارتفاع الشمس، فقول العيني: وهذا يُعلم بالمشاهدة، غير مسلَّم؛ لأنَّ المعلوم بالمشاهدة خلاف ما قاله، فالحديث حُجَّة على من خالف ذلك، والله أعلم. انتهى.\nفإن قلت: عقد البخاري بابًا لوقت العصر، وذكر فيه أحاديث لا يدلُّ واحد منها على أنَّ أوَّل وقته بماذا يكون؟، بصيرورة ظلِّ كلِّ شيء مثليه أو مثله.\nقال شيخنا: كأنَّ المؤلف لما لم يقع له حديث على شرطه من تعيين أوَّل وقت العصر، وهو مصير ظلِّ كلِّ شيء مثله، استغنى بهذا الحديث الدال على ذلك بطريق الاستنباط. انتهى.\nوقد أخرج مسلم عدة أحاديث مصرحة بالمقصود، ولم ينقل عن أحد من أهل العلم مخالفة في ذلك إلَّا عن أبي حنيفة، فإنَّ المشهور عنه أنَّه قال: أوَّل وقت العصر مصير ظلِّ كلِّ شيء مثليه بالتثنية، قال القُرْطُبي: خالفه النَّاس كلَّهم في ذلك حتَّى أصحابه - يعني الآخذين عنه - وإلَّا فقد انتصر جماعة ممن جاء بعدهم فقالوا: ثبت الأمر بالإبراد، ولا يحصل إلَّا بعد ذهاب اشتداد الحرِّ، ولا يذهب في تلك البلاد إلَّا بعد أن يصير ظلُّ الشيء مثله، فيكون أوَّل وقت العصر عند مصير ظلِّ الشيء مثليه. وحكاية مثل هذا يُغني عن ردِّه. انتهى.\nوقال العَيني: لا يلزم من عدم وقوعه له ألَّا يقع لغيره في تعيين ذلك.\nوقد روى جماعة من الصحابة في هذا الباب منهم ابن عبَّاس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: «أمَّني جبريلُ ﵇ عندَ البيتِ مرَّتَين» الحديث، وفيه: «صلَّى بِي العصرَ حينَ كانَ ظلُّه مثلَه» هذا في المرَّة الأولى، وقال في الثانية: «وصلَّى بي العصرَ حينَ كانَ ظلُّه مثليه» أخرجه أبو داود والتِّرْمِذي وقال: حديث حسن، وأخرجه ابن حبَّان في «صحيحه» والحاكم في «مستدركه» وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. ورواه ابن خُزَيمَة في «صحيحه»، وقال ابن عبد البرِّ في «التمهيد»: وقد تكلَّم بعض النَّاس في حديث ابن عبَّاس هذا بكلام لا وجه له، ورواته كلُّهم مشهورون بالعلم، قال العَيني: هذا الحديث هو العمدة في هذا الباب.\nوقوله: «حِيْنَ كَانَ ظِلُّهُ مِثْلَيْهِ» بالتثنية، وهذا آخر وقت الظُّهر عند أبي حنيفة؛ لأنَّ عنده إذا صار ظلُّ كلِّ شيء مثليه سوى فيء الزوال يخرج وقت الظُّهر ويدخل وقت العصر، وعند أبي يوسف ومحمَّد: إذا صار ظلُّ كلِّ شيء مثله يخرج وقت الظُّهر ويدخل وقت العصر، وهي رواية الحسن بن زياد عنه، وبه قال مالك والشافعي وأحمد والثوري وإسحاق، ولكن قال الشافعي: آخر وقت العصر إذا صار ظلُّ كلِّ شيءٍ مثله لمن ليس له عذر، وأما أصحاب العذر والضرورات فآخر وقتها لهم غروب الشَّمس. وإذا كان استدلال أبي حنيفة بالحديث فما يضرُّه مخالفة النَّاس له، ويؤيِّد ما قاله أبو حنيفة حديث علي بن شَيْبان قال: «قدمْنا على رسولِ اللهِ ﷺ المدينةَ، فكانَ يؤخِّر العصرَ ما دامَتِ الشَّمس بيضاءٌ نقيةٌ» رواه أبو داود وابن ماجه، وهذا يدلُّ على أنَّه كان يصلِّي العصر عند صيرورة ظلِّ كلِّ شيء مثليه، وهو حُجَّة على خصمه، وحديث جابر: «صلَّى بنا رسولُ اللهِ ﷺ العصرَ حينَ صارَ","vol":"1","page":62},{"text":"ظلُّ كلِّ شيءٍ مثليه قدرَ ما يسيرُ الراكبُ إلى ذي الحليفةِ العَنَقَ» رواه ابن أبي شَيْبَة بسند لا بأس به. انتهى.\nقلت: ما استدلَّ به العَيني من الأحاديث لا يقاوم الأحاديث الذي استدلَّ الخصم عليه، ولو فعل هذا مخالفه لاستصرخ عليه. انتهى.\n\n٥٤٧ - <span id=\"b-٨٦\"> </span>قوله: (حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بنُ مُقَاتِلٍ) أي أبو الحسن، ترجمته في باب ما يذكر في المناولة في كتاب العلم.\nقوله: (قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللهِ) أي ابن مبارك، ترجمته في بدء الوحي.\nقوله: (قَالَ: أَخْبَرَنَا عَوْفٌ) أي الأعرابي، ترجمته في باب اتباع الجنائز من الإيمان.\nقوله: (عَنْ سَيَّارِ بنِ سَلَامَةَ) أي أبو المِنْهال الرِّياحي البصري عن أبيه وأبي زرعة، وعنه شُعْبَة وحمَّاد بن سلمة.\nقوله: (قَالَ: دَخَلْتُ أَنَا وَأَبِي) أي سلمة، قال شيخنا: سلامة حكى عنه ولده هنا، ولم أجد من ترجمه، وقد بعث لابنه رواية عنه في «الطَّبَراني الكبير» في ذكر الحوض. انتهى.\nفي هذا الإسناد التَّحديث بصيغة الجمع في موضع واحد، وفيه الإخبار بصيغة الجمع في موضعين، وفيه ذكر فعل الرَّاوي ورفيقه، وفيه سؤال الراوي.\nقوله: (عَنْ أَبِي بَرْزَةَ الأَسْلَمِيِّ) -أي بفتح الباء الموحدة- واسمه نَضْلَة، وترجمته في باب وقت الظُّهر عند الزَّوال.\nقوله: (فَقَالَ لَهُ أَبِي: كَيْفَ كَانَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي المَكْتُوْبَةَ؟ فَقَالَ: كَانَ يُصَلِّي الهَجِيْرَ الَّتي تَدْعُوْنَهَا الأُوْلَى حِيْنَ تَدْحَضُ الشَّمْسُ، وَيُصَلِّي العَصْرَ ثمَّ يَرجِعُ أَحَدُنَا إِلى رَحْلِهِ في أَقْصَى المَدِيْنَةِ وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ، وَنَسِيْتُ مَا قَالَ في المَغْرِبِ، وَكَانَ يَسْتَحِبُّ أَنْ يُؤَخِّرَ العِشَاءَ الَّتي تَدْعُوْنَهَا العَتَمَةَ، وَكَانَ يَكْرَهُ النَّوم قَبْلَهَا وَالحَدِيْثَ بَعْدَهَا، وَكَانَ يَنفَتِلُ مِنْ صَلَاةِ الغَدَاةِ حِينَ يَعرِفُ الرَّجُلُ جَلِيسَهُ، وَيَقْرَأُ بِالسِّتِّينَ إِلى المائَةِ).\nمطابقته للترجمة في قوله: (وَيُصَلِّي العَصْرَ ثمَّ يَرْجِعُ أَحَدُنَا إِلَى رَحْلِهِ فِي أَقْصَى المَدِينَةِ) وأخرج البخاري هذا الحديث أيضًا في باب وقت الظُّهر عند الزوال عن حَفْص بن عُمَر عن شُعْبَة عن أبي المِنْهال وهو سيَّار بن سلامة، وههنا عن محمَّد بن مقاتل عن عبد الله بن المبارك عن عَوْف الأعرابي عن سَيَّار بن سلامة عن أبي بَرزَة نَضْلَة بن عُبَيْد، وفيه تقديم وتأخير وزيادة ونقصان يظهر ذلك بالمقابلة، وقد ذكرنا هناك بما فيه الكفاية، ونذكر ههنا ما لم نذكر هناك.\nقوله: (قَالَ: دَخَلْتُ أَنَا وَأَبِي) القائل هو سَيَّار وأبوه سلامة، وكان دخولهما على أبي بَرزَة زمن أُخرج ابن زياد من البصرة، قال شيخنا: وكان ذلك في سنة أربع وستين كما سيأتي في كتاب العتق، وقال الإسماعيلي: لما كان زمن أخرج ابن زياد من البصرة ووثب مروان بالشام، قال أبو المِنْهال: انطلق بي أبي إلى أبي بَرزَة وانطلقت معه، فإذا هو قاعد في ظل عُلوٍ له من قصب في يوم شديد الحرِّ، فذكر الحديث.\nقوله: (المَكْتُوْبَةَ) أي الصَّلاة المفروضة الَّتي كتبها الله على عباده، قال شيخنا: استدلَّ به على أنَّ الوتر ليس من المكتوبة؛ لكون أبي بَرزَة لم يذكره، وفيه بحث. انتهى.\nقال العَيني: عدم ذكره إياه لا يستلزم نفي وجوب الوتر، وقد ثبت وجوبه بدلائل أخرى.\nقوله: (يُصَلِّي الهَجِيْرَ) وهو الهاجرة؛ أي صلاة الهجير، وهو وقت شدَّة الحرِّ، وسمِّي الظُّهر بذلك لأنَّ وقتها يدخل حينئذ.","vol":"1","page":62},{"text":"قوله: (الَّتِي تَدْعُوْنَهَا الأُوْلَى) وتأنيث الضَّمير إما باعتبار الهاجرة، وإمَّا باعتبار الصَّلاة، ويروى: (يُصَلِّي الهَجِيْرَةَ) وإنما قيل لها: الأولى؛ لأنَّها أوَّل صلاة صلِّيت عند إمامة جبريل ﵇ حين بيَّن له الصَّلاة الخمس، وقال البَيْضاوي: لأنَّها أوَّل صلاة النَّهار.\nقوله: (حِيْنَ تَدْحَضُ الشَّمْسُ) أي حين تزول عن وسط السَّماء إلى جهة المغرب، من الدحض، وهو الزلق، ومقتضى ذلك: إنَّه كان يُصلِّي الظهر في أوَّل وقتها، ولكن لا يعارض حديث الإبراد؛ لما ذكرنا وجه ذلك مستقصىً.\nقال شيخنا: وفي رواية لمسلم: «حينَ تزولُ الشمسُ» ومقتضى ذلك: إنَّه كان يصلِّي الظُّهر في أوَّل وقتها ولا يخالف ذلك الأمر بالإبراد لاحتمال أن يكون زمن البرد وقبل الأمر بالإبراد، أو عند فقد شروط الإبراد؛ لأنَّه لا يختصُّ بشدَّة الحرِّ، أو لبيان الجواز، وقد تمسَّك بظاهره من قال: إنَّ فضيلة الوقت لا تحصل إلَّا بتقديم ما يمكن تقديمه من طهارةٍ وسترٍ وغيرها قبل دخول الوقت، ولكن الذي يظهر أنَّ المراد بالحديث التقريب، فتحصل الفضيلة لمن لم يتشاغل عند دخول الوقت بغير أسباب الصَّلاة. انتهى.\nقوله: (إِلَى رَحْلِهِ) -بفتح الرَّاء وسكون الحاء المهملة- وهو مسكن الرجل وما يستصحبه من الأثاث.\nقوله: (فِي أَقْصَى المَدِيْنَةِ) صفة لرحل، وليس ظرف للفعل.\nقوله: (وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ) أي بيضاء نقية، والواو فيه للحال، قال شيخنا: قال الزَّين ابن المنيِّر: المراد بحياتها قوة أثرها حرارةً ولونًا وشعاعًا وإنارةً، وذلك لا يكون بعد مصير ظلِّ كلِّ شيءٍ مثليه، وفي «سنن أبي داود» بإسناد صحيح عن خيثمة أحد التَّابعين قال: حياتها أن تجد حرَّها. انتهى.\nقوله: (وَنَسِيْتُ مَا قَالَ فِي المَغْرِبِ) قائل ذلك هو سَيَّار، بيَّنه أحمد في روايته عن حجَّاج عن شُعْبَة به.\nقوله: (وَكَانَ) أي رسول الله ﷺ.\nقوله: (يَسْتَحِبُّ أَنْ يُؤَخِّرَ العِشَاءَ) أي صلاة العشاء، قال ابن دقيق العيد: فيه دليل على استحباب التأخير قليلًا؛ لأنَّ التنصيص يدلُّ عليه، وتُعُقِّب بأنَّه بعضٌ مطلقٌ لا دلالة فيه على قلَّةٍ ولا كثرة، وسيأتي من باب وقت العشاء من حديث جابر: أنَّ التأخير إنَّما كان لانتظار من يجيء لشهود الجماعة. انتهى.\nقوله: (الَّتِي تَدْعُوْنَهَا العَتَمَةَ) -بفتح العين المهملة والتاء المُثَنَّاة من فوق- والعتمة من الليل: بعد غيبوبة الشَّفق، وقد عتم اللَّيل؛ أي أظلم، وفيه إشارة إلى ترك تسميَّتها بذلك، قال شيخنا: وسيأتي الكلام عليه في باب مفرد. قال الطِّيبي: ولعل تقييده الظُّهر والعشاء دون غيرهما للاهتمام بأمرهما، فتسمية الظهر بالأولى يشعر بتقديمها، وتسمية العشاء بالعتمة يشعر بتأخيرها.\nقوله: (وَالحَدِيثَ بَعدَهَا) أي التحديث، قال شيخنا: وسيأتي الكلام على كراهة النَّوم قبلها في باب مفرد. انتهى.\nقوله: (وَكَانَ يَنْفَتِلُ) أي ينصرف من الصَّلاة، أو يلتفت إلى المأمومين.\nقوله: (مِنْ صَلَاةِ الغَدَاةِ) أي الصبح، وفيه: إنَّه لا كراهة في تسمية الصُّبح بذلك.\nقوله: (حِيْنَ يَعْرِفُ الرَّجُلُ جَلِيْسَهُ) تقدَّم الكلام على اختلاف ألفاظ الرُّواة فيه، واستدلَّ بذلك على التعجيل بصلاة الصبح؛ لأنَّ ابتداء معرفة الإنسان وجه جليسه يكون في أواخر الغلس، وقد صرَّح بأنَّ ذلك كان عند فراغ الصلاة، ومن المعلوم من عادته ﷺ ترتيل القراءة وتعديل الأركان، بمقتضى ذلك إنَّه كان يدخل","vol":"1","page":63},{"text":"فيها مُغلسًا، وادعى الزَّين ابن المنيِّر: إنَّه مخالف لحديث عائشة الآتي حيث قالت فيه: (لَا يُعْرَفْنَ مِنَ الغَلَسِ) وتعقِّب بأن الفرق بينهما ظاهر، وهو أنَّ حديث أبي برزة متعلِّق بمعرفة من هو مستقرٌّ جالس إلى جنب المصلِّي فهو ممكن، وحديث عائشة متعلِّق بمن هو متلفِّف مع إنَّه على بعد فهو بعيد.\nقوله: (وَيَقْرَأُ) أي في الصُّبح (بِالسِّتِّيْنَ إِلَى المَائَةِ) أي من الآي، وقدَّرها في الطَّبَرَاني بسورة الحاقَّة ونحوها، وتقدَّم في باب وقت الظُّهر بلفظ: (مَا بَيْنَ السِّتِيْنَ إِلَى المَائَةِ) وأشار الكِرْماني إلى أنَّ القياس أن يقول: ما بين الستين والمائة؛ لأنَّ لفظ (بَيْنَ) يقتضي الدخول على متعدِّد، قال: ويحتمل أن يكون التقدير: ويقرأ ما بين الستين أو فوقها إلى المائة، فحذف لفظ (فوقها) لدلالة الكلام عليه.\nوفي السِّياق تأدب الصغير مع الكبير، ومسارعة المسؤول بالجواب إذا كان عارفًا به.\nوقال النَّوَوي: هذا الحديث حُجَّة على الحنفيَّة حيث قالوا: لا يدخل وقت العصر حتَّى يصير ظلُّ الشيء مثليه. قال العَيني: لا نسلِّم أنَّ الحنفيَّة قالوا ذلك، وإنما هو روايةُ أسد بن عَمْرو عن أبي حنيفة وحدَه، وروى الحسن عنه: أنَّ أوَّل وقت العصر إذا صار ظلُّ كلِّ شيء مثله، وهو قول أبي يوسف وزُفر واختاره الطَّحاوي، وروى المعلى عن أبي يوسف عن أبي حنيفة: إذا صار الظلُّ أقلُّ من قامتين يخرج وقت الظُّهر، ولا يدخل وقت العصر حتَّى يصير قامتين. وصحَّحه الكَرْخي، وفي رواية الحسن أيضًا: إذا صار ظلُّ كلِّ شيءٍ قامة خرج وقت الظُّهر، ولا يدخل وقت العصر حتَّى يصير قامتين، وبينهما وقت مهمل وهو الذي يسمِّيه الناس: بين الصلاتين.\nوحكى ابن قُدامة في «المغني» عن ربيعة: أنَّ وقت الظُّهر والعصر إذا زالت الشَّمس، وعن عطاء وطاوس: إذا صار كلُّ شيءٍ مثله دخل وقت الظُّهر، وما بعده وقتٌ لهما على سبيل الاشتراك حتَّى تغرب الشَّمس. وقال ابن راهويه وأبو ثور والمُزَني والطَّبَرني: إذا صار ظلُّ كلِّ شيء مثله دخل وقت العصر، ويبقى وقت الظُّهر قدرَ ما يصلِّي أربع ركعات، ثمَّ يتمحَّض الوقت للعصر، وبه قال مالك. انتهى.\n\n٥٤٨ - <span id=\"b-٨٧\"> </span>قوله: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بنُ مَسْلَمَةَ) أي القَعنَبي، ترجمته في باب من الدِّين الفرار من الفتن.\nقوله: (عَنْ مَالِكٍ) أي الإمام، ترجمته في بدء الوحي.\nقوله: (عَنْ إِسْحاق بنِ عَبْدِ اللهِ بنِ أَبِي طَلْحَةَ) واسمه: زيد بن سهل الأنصاري، ابنُ أخي أَنَس بن مالك، يكنَّى أبا يحيى، مات سنة أربع وثلاثين ومائة، قال الواقدي: كان مالك لا يُقَدَّمُ عليه أحدًا في الحديث. قلت: أعاد العَيني ترجمة إسحاق، وقد تقدَّمت في باب من قعد حيث ينتهي به المجلس.\nقوله: (عَنْ أَنَسٍ) أي ابن مالك ﵁، ترجمته في باب من الإيمان أن يحبَّ لأخيه ما يحبُّ لنفسه.\nفي هذا الإسناد: التَّحديث بصيغة الجمع في موضع واحد، وفيه العنعنة في ثلاثة مواضع، وفيه القول.\nقوله: (قَالَ: كُنَّا نُصَلِّي العَصْرَ، ثمَّ يَخْرُجُ الإِنْسَانُ إِلى بَنِي عَمْرو بنِ عَوْف فَيَجِدُهُمْ يُصَلُّوْنَ العَصْرَ).\nمطابقته هذا الحديث ومطابقة بقيَّة أحاديث هذا الباب للترجمة من حيث إنَّ دلالتهما على تعجيل العصر، وتعجيله لا يكون إلَّا في أوَّل وقته، وهو عند صيرورة ظلِّ كلِّ شيء مثله، قال العَيني: أو مثليه على الخلاف.\nهذا الحديث أخرجه","vol":"1","page":63},{"text":"البخاري أيضًا عن عبد الله بن يوسف، وأخرجه مسلم في الصَّلاة أيضًا عن يحيى بن يحيى، وأخرجه النَّسائي فيه عن سُوَيد بن نصر عن ابن المبارك.\nفإن قلت: هذا الحديث مسند أو موقوف؟ قال شيخنا: وإخراج المُصَنِّف لهذا الحديث مشعر بأنَّه كان يرى أنَّ قول الصحابي: كنَّا نفعل كذا، مسندٌ ولو لم يصرِّح بإضافته إلى زمن النَّبِيِّ ﷺ، وهو اختيار الحاكم، وقال الدَّارَقُطْني والخطيب وغيرهما: هو موقوف، والحقُّ: إنَّه موقوف لفظًا مرفوع حُكمًا؛ لأنَّ الصحابي أورده في مقام الاحتجاج، فيُحمل على أنَّه أراد كونه في زمن النَّبِيِّ ﷺ.\nوقد روى ابن المبارك هذا الحديث عن مالك فقال فيه: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ يصلِّي العصر» الحديث أخرجه النسائي.\nقوله: (إِلَى بَنِي عَمْرو بنِ عَوْفٍ) -بفتح العين وسكون الواو وبالفاء- وكانت منازلهم على ميلين من المدينة بقباء، قال النَّوَوي: وكانوا يصلُّون العصر في وسط الوقت؛ لأنَّهم كانوا يشتغلون بأعمالهم وحروثهم، فدلَّ الحديث على تعجيل النَّبِيِّ ﷺ بصلاة العصر في أوَّل وقتها. وسيأتي في طريق الزُّهْري عن أنس: أنَّ الرجل كان يأتيهم والشمس مرتفعة. قال العَيني: إنَّما يدلُّ ذلك على ما ذكره إذا كان الحديث مرفوعًا قطعًا، وقد ذكرنا أنَّ في مثل هذا خلافًا: هل هو موقوف أو في حكم المرفوع؟\n\n٥٤٩ - <span id=\"b-٨٨\"> </span>قوله: (حَدَّثَنَا ابنُ مُقَاتِلٍ) أي محمَّد أبو الحسن المَرْوَزي المجاور بمكَّة شرَّفها الله تعالى، وقد تقدَّم عن قريب.\nقوله: (قَالَ: أَخْبَرَنا عَبْدُ اللهِ) أي ابن المبارك المتقدِّم قريبًا أيضًا.\nقوله: (قَالَ: أَخْبَرَنا أَبُو بَكْرِ بنُ عُثْمَانَ) أي ابن سهل بن حُنيف -بضمِّ الحاء المهملة وفتح النُّون وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره فاء- الأنصاريُّ الأوسيُّ، سمع عمَّه أبا أمامة، مات سنة مائة.\nقوله: (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا أُمَامَةَ) -أي بضمِّ الهمزة- واسمه: أسعد بن سهل، المولود في عهد النَّبِيِّ ﷺ، وهو صحابي على الأصحِّ.\nفي هذا الإسناد: التَّحديث بصيغة الجمع في موضع واحد، والإخبار كذلك في موضعين، وفيه القول والسَّماع، وفيه رواية الصَّحابي عن الصَّحابي، وفيه راويان مروزيان والبقية مدنيون.\nقوله: (يَقُوْلُ: صَلَّيْنَا مَعَ عُمَر بنِ عَبْدِ العَزِيْزِ الظُّهْرَ) ترجمته في كتاب الإيمان.\nقوله: (ثُمَّ خَرَجْنَا حتَّى دَخَلْنَا عَلَى أَنَس بنِ مَالِكٍ) أي خادم رسول الله ﷺ، ترجمته في باب من الإيمان أن يحبَّ.\nقوله: (فَوَجَدْنَاهُ يُصَلِّي العَصْرَ، فَقُلْتُ: يَا عَمِّ، مَا هَذِهِ [الصَّلَاةُ] (^١) الَّتي صَلَّيتَ؟ قَالَ: العَصْرُ، وَهَذِهِ صَلاةُ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ الَّتي كُنَّا نُصَلِّي مَعَهُ) مطابقته للترجمة ظاهرة.\nوهذا الحديث أخرجه مسلم في الصَّلاة عن مَنْصور بن أبي مُزاحم، وأخرجه النَّسائي فيه عن سُوَيد بن نصر كلاهما عن عبد الله بن المبارك.\nقوله: (دَخَلْنَا عَلَى أَنَس بنِ مَالِكٍ) وداره كانت بجنب المسجد.\nقوله: (يَا عَمِّ) بكسر الميم، وأصله: يا عمي، فحذفت الياء، وهذا من باب التوقير والإكرام لأنس، ولكونه أكبر سنًّا منه، مع أنَّ نسبهما يجتمع في الأنصار، ولكنَّه ليس عمَّه على الحقيقة.\nقوله: (مَا هَذِهِ الصَّلَاةُ) أي ما هذه الصَّلاة في هذا الوقت؟ والإشارة فيه بحسب\n_________\n(^١) الصلاة: ليس في الأصل.","vol":"1","page":64},{"text":"تلك الصَّلاة لا بحسب شخصها، قال النَّوَوي: هذا الحديث صريح في التبكير لصلاة العصر في أوَّل وقتها؛ فإن وقتها يدخل بمصير ظلِّ كلِّ شيء مثله، ولهذا كان الآخرون يؤخِّرون الظهر إلى ذلك الوقت، وإنما أخَّرها عُمَر بن عبد العزيز ﵁ على عادة الأمراء قبله قبل أن تبلغه السنَّة في تقديمها، ويحتمل أنَّه أخَّرها لعذرٍ عرضَ له، وهذا كان حين ولي عُمَر المدينة نيابةً، لا في خلافته؛ لأنَّ أنسًا توفي قبل خلافته بنحو تسع سنين. انتهى. قال العَيني: ليس فيه تصريح في التبكير لصلاة العصر، ومثل عُمَر بن عبد العزيز كان يتبع الأمراء ويترك السنَّة. انتهى.\nقلت: لم يقل: إنَّه تبع الأمراء وترك السنَّة، وإنما قال: قبل أن تبلغه السنَّة في تقديمها، وإن لم يكن فيه صراحةً بالتبكير، لكن يلزم من كون صلاتهم مع عُمَر ثمَّ دخولهم على أَنَس ودارُه بجنب المسجد فوجدوه يصلِّي العصر إنَّه بكَّر بها. انتهى.\nقال شيخنا: وفي القصَّة دليل على أنَّ عُمَر بن عبد العزيز كان يصلِّي الصَّلاة في آخر وقتها تبعًا لسلفه إلى أن أنكر عليه عُرْوَة فرجع إليه كما تقدَّم، وإنما أنكر عليه عُرْوَة في العصر دون الظهر؛ لأن وقت الظُّهر لا كراهةَ فيه بخلاف وقت العصر، وفيه دليل على صلاة العصر في أوَّل وقتها أيضًا، وهو عند انتهاء وقت الظهر، ولهذا تشكَّك أبو أمامة في صلاة أَنَس أهي الظهر أو العصر، فيدلُّ أيضًا على عدم المفاصلة بين الوقتين.\n\n <span id=\"b-٨٩\"> </span>(١٣ م) <span data-type=\"title\" id=toc-89>(بَابُ وَقْتِ العَصْرِ)</span> كذا في رواية المُسْتَمْلي دون غيره، قال شيخنا: وهو خطأ؛ لأنَّه تكرار بلا فائدة. انتهى.\n٥٥٠ - <span id=\"b-٩٠\"> </span>قوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) أي الحكم بن نافع البَهراني الحمصي، ترجمته في كتاب الوحي.\nقوله: (قَالَ: أَخْبَرَنا شُعَيْبٌ) أي ابن أبي حمزة، ترجمته في بدء الوحي أيضًا.\nقوله: (عَنِ الزُّهْرِيِّ) أي محمَّد بن مسلم، ترجمته في باب إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة.\nقوله: (قَالَ: حَدَّثَنِي أَنَس بنُ مَالِكٍ) تقدَّم آنفًا ﵁.\nفي هذا الإسناد: التَّحديث بصيغة الجمع في موضع واحد، وبصيغة الإفراد من الماضي في موضع آخر، وفيه الإخبار بصيغة الجمع في موضع، وفيه العنعنة في موضع، وفيه القول، وفيه من الرُّواة حمصيَّان ومدني.\nقوله: (قَالَ: كَانَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي العَصْرَ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ حَيَّةٌ، فَيَذْهَبُ الذَّاهِبُ إِلى العَوَالِي فَيَأْتِيْهِمْ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ، وَبَعْضُ العَوَالِي مِنَ المَدِينَةِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَمْيَالٍ ونَحْوِهِ).\nمطابقته للترجمة ظاهرة، وهذا الحديث أخرجه مسلم عن هارون بن سعيد عن ابن وَهْب عن عَمْرو بن الحارث عن الزُّهْري عن أَنَس، وأخرجه أيضًا عن قُتَيْبَة ومحمَّد بن رمح، وأخرجه أبو داود والنَّسائي عن قتيبة، وأخرجه ابن ماجَهْ عن محمَّد بن رمح.\nقوله: (وَالشَّمْسُ) الواو فيه للحال، وقد مرَّ في تفسير قوله: (حَيَّةٌ).\nقال شيخنا: وقوله بعد ذلك: (فَنَأْتِيْهِمْ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ) أي دون ذلك الارتفاع، ولكنها لم تصل إلى الحدِّ الذي توصف به لأنَّها منخفضة، وفي ذلك دليل على تعجيله ﷺ بصلاة العصر لوصف الشَّمس بالارتفاع بعد أن تمضي مسافة أربعة أميال.\nوروى النَّسائي والطَّحاوي واللفظ له من طريق أبي الأبيض عن","vol":"1","page":64},{"text":"أَنَس قال: «كانَ رسولُ اللهِ ﷺ يصلِّي بنا العصرَ والشَّمسُ بيضاءٌ محلقةٌ، ثمَّ أرجعُ إلى قومي في ناحيةِ المدينةِ فأقولُ لهم: قومُوا فصلُّوا؛ فإنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قَدْ صلَّى» قال الطَّحاوي: نحن نعلم أنَّ أولئك - يعني قوم أنس- لم يكونوا يصلُّونها إلَّا قبل اصفرار الشَّمس، فدلَّ ذلك على أنَّه ﷺ كان يعجلها. انتهى.\nقوله: (العَوَالِي) جمع عالية، وهي القرى الَّتي حول المدينة من جهة البحر، وأما من جهة تهامة فيقال لها: السافلة.\nقوله: (وَبَعْضُ العَوَالِي مِنَ المَدِيْنَةِ...) إلى آخره، قال الكِرْماني: إما كلام البخاري وإما كلام أنس، قال العَيني: الظَّاهر إنَّه من الزهري. وجزم شيخنا إنَّه مدرج من كلام الزهري، في حديث أَنَس بيَّنه عبد الرزَّاق عن مَعْمَر عن الزُّهْري في هذا الحديث فقال فيه بعد قوله: (والشَّمْسُ حَيَّةٌ) قال الزُّهْري: والعوالي من المدينة على ميلين أو ثلاثة، ولم يقف الكِرْماني على هذا فقال ذلك على عادته. انتهى.\nوروى البَيْهَقي حديث الباب من طريق أبي بكر الصَّغاني عن أبي اليمان شيخ البخاري فيه، وقال في آخره: «وبُعْدُ العَوَالِي» -بضمِّ الباء الموحدة وبالدال المهملة- وكذلك أخرجه المُصَنِّف في الاعتصام تعليقًا، ووصله البَيْهَقي من طريق اللَّيث عن يُونُس عن الزُّهْري لكن قال: «أربعة أميال أو ثلاثة».\nوروى هذا الحديث أبو عَوانة في «صحيحه» وأبو العبَّاس السَّرَّاج جميعًا عن أحمد بن الفَرَج أبي عُتْبَة عن محمَّد بن حِمير عن إبراهيم بن أبي عَبْلة عن الزُّهْري ولفظه: «والعوالي منَ المدينةِ على ثلاثةِ أميالٍ»، وأخرجه الدَّارَقُطْني عن المُحاملي عن أبي عُتْبَة المذكور بسنده المذكور، فوقع عنده: «على ستَّة أميالٍ»، ورواه عبد الرزَّاق عن مَعْمَر عن الزُّهْري فقال فيه: «على مِيلَين أو ثلاثة»، فيحصل من ذلك أنَّ أقرب العوالي من المدينة مسافة ميلين، وأبعدها مسافة ستَّة أميال إن كانت رواية المُحاملي محفوظة، ووَقَعَ في «المدونة» عن مالك: أبعد العوالي مسافة ثلاثة أميال، قال عياض: كأنَّه أراد تعظيم عمارتها، وإلا ما بعدها ثمانية أميال. انتهى. وبذلك جزم ابن عبد البرِّ وغير واحد آخرهم صاحب «النِّهاية»، ويحتمل أنَّه يكون أراد إنَّه أبعد الأمكنة الَّتي يذهب إليها الذاهب في هذه الواقعة.\nقال العَيني: عُلِمَ من هذه الاختلافات أنَّ أقرب العوالي من المدينة مسافة ميلين، وأبعدها ثمانية أميال، وأمَّا الثلاثة والأربعة والستَّة باعتبار القرب والبعد من المدينة، وبهذا الوجه يحصل التوفيق بين هذه الرِّوايات.\nوالميل: ثلث فرسخ، أربعة آلاف ذراع بذراع محمَّد بن فرج الشَّاشي، طولها أربعة وعشرون إصبعًا بعدد حروف (لا إله إلَّا الله محمَّد رسول الله) وعرض الإصبع ستّ حبات شعير ملصقة ظهرًا لبطن وزنة الحبة من الشعير سبعون حبَّة خردل، وفسَّر أبو شجاع الميل بثلاثة آلاف ذراع وخمسمائة دراهم إلى أربعة آلاف ذراع، وفي «الينابيع»: الميل ثلث الفرسخ، أربعة آلاف خطوة، كلُّ خطوة ذراع ونصف بذراع العامَّة، وهو أربعة وعشرون إصبعًا.\n\n٥٥١ - <span id=\"b-٩١\"> </span>قوله: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بنُ يُوْسُفَ) أي التَّنِّيسي، ترجمته في بدء الوحي.\nقوله: (قَالَ: أَخْبَرَنا مَالِكٌ) أي ابن أنس، ترجمته في البدء أيضًا.\nقوله: (عَنِ ابنِ شِهَابٍ) أي محمَّد بن مسلم،","vol":"1","page":65},{"text":"تقدَّم عن قريب.\nقوله: (عَنْ أَنَس بنِ مَالِكٍ) تقدَّم عن قريب أيضًا.\nفي هذا الإسناد: التَّحديث بصيغة الجمع في موضع واحد، والإخبار كذلك، وفيه العنعنة في موضعين، وفيه القول.\nقوله: (كُنَّا نُصَلِّي العَصْرَ، ثمَّ يَذهَبُ الذَّاهِبُ مِنَّا إِلَى قُبَاءٍ فَنَأْتِيْهِمْ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ).\nقوله: (كُنَّا نُصَلِّي العَصْرَ) أي مع النَّبِيِّ ﷺ كما يظهر ذلك من الطرق الأخرى، وقد رواه خالد بن مَخْلَد عن مالك كذلك مصرحًا به، أخرجه الدَّارَقُطْني في «غرائبه».\nقوله: (ثُمَّ يَذْهَبُ الذَّاهِبُ مِنَّا إِلَى) وكأنَّ أنسًا أراد بالذاهب نفسَه كما تُشعر بذلك رواية أبي الأبيض المتقدِّمة، وقال ابن عبد البرِّ: لم يختلف على مالك أنَّه قال في هذا الحديث: (إلى قباء)، ولم يتابعه أحد من أصحاب الزُّهْري، بل كلُّهم يقولون: «إِلَى العَوَالِي»، وهو الصَّواب عند أهل الحديث، قال: وقول مالك: (إِلَى قُبَاءٍ) وَهْمٌ لا شكَّ فيه، وتعقِّب بأنَّه روي عن ابن أبي ذئب عن الزُّهْري: «إِلَى قُبَاءٍ» كما قال مالك، نقله الباجي عن الدَّارَقُطْني، فنسبة الوهم فيه إلى مالك منتفي؛ فإنَّه إن كان وهمًا احتمل أن يكون منه، واحتمل أن يكون من الزُّهْري حين حدَّث به مالكًا، وقد رواه خالد بن مَخْلَد عن مالك فقال فيه: «إِلَى العَوَالِي» كما قال الجماعة، فقد اختلف فيه على مالك، وتوبع عن الزُّهْري، بخلاف ما جزم به ابن عبد البرِّ، وأما قوله: الصَّواب عند أهل الحديث: (العَوَالِي) فصحيح من حيث اللفظ، ومع ذلك فالمعنى متفاوت، لكن رواية مالك أخصُّ؛ لأنَّ قباء من العوالي وليس العوالي كلَّ قباء، ولعل مالكًا لما رأى في رواية الزُّهْري إجمالًا حملها على الرواية المفسِّرة، وهي روايته المتقدِّمة عن إِسْحاق حيث قال فيها: «ثُمَّ يَخْرُجُ الإنْسَانُ إِلَى بَنِي عَمْرو بنِ عَوْفٍ» وقد تقدَّم أنَّهم أهل قباء، فبنى مالك على أنَّ القصَّة واحدة؛ لأنَّهما جميعًا حدَّثاه عن أَنَس والمعنى متقارب.\nقال شيخنا: فهذا الجمع أولى من الجزم بأن مالكًا وهم فيه وأمَّا استدلال ابن بطَّال على أنَّ الوهم فيه ممن دون مالك برواية خالد بن مَخْلَد المتقدِّمة الموافقة لرواية الجماعة عن الزُّهْري ففيه نظرٌ لأن مالك أثبته في «الموطأ» باللَّفظ الذي رواه عنه كافة أصحابه، فرواية خالد بن مَخْلَد عنه شاذَّة، فكيف تكون دالة على أنَّ رواية الجماعة وهمٌ؟! بل إن سلَّمنا إنَّها وهمٌ فهو من مالك كما جزم به البخاري والدَّارَقُطْني ومن تبعهما، أو من الزُّهْري حين حدَّث به، والأولى سلوك طريق الجمع الَّتي أوضحناها، والله الموفق. قال ابن رُشْد: قضى البخاري بالصَّواب لمالك بأحسن إشارة وأوجز عبارة؛ لأنَّه قدَّم أولًا المجمل ثمَّ أتبعه بحديث مالك المفسِّر المُعَيِّن.\nقوله: (إِلَى قُبَاءٍ) تقدَّم ضبطه في باب ما جاء في القبلة.\nقوله: (فَنَأْتِيْهِمْ) أي فيأتي أهل قُباء، وهو على حدِّ قوله: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَة﴾ [يوسف: ٨٢] والله أعلم.\nقوله: (وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ) الواو فيه للحال، قال النَّوَوي: في الحديث المبادرة بصلاة العصر في أوَّل وقتها؛ لأنَّه لا يمكن أن يذهب بعد صلاة العصر ميلين أو أكثر والشمس لم تتغير، ففيه دليل للجمهور في أنَّ أوَّل وقت العصر مصير كلِّ شيء مثله خلافًا لأبي حنيفة ﵀، وقد مضى ذلك في الباب","vol":"1","page":65},{"text":"الذي قبله.\n\n <span id=\"b-٩٢\"> </span>(١٤) (بَابُ إِثْمِ مَنْ فَاتَهُ العَصْرُ) أي هذا باب في بيان إثم من فاتته صلاة العصر، والمراد بفواتها: تأخيرها عن وقت الجواز بغير عذر؛ لأنَّ ترتب الإثم على ذلك، وسيأتي البحث في ذلك.\n\n٥٥٢ - <span id=\"b-٩٣\"> </span>قوله: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنا مَالِكٌ) تقدَّم التنبيه عليهما في الباب السابق.\nقوله: (عَنْ نَافِعٍ) أي ابن جرجس مولى ابن عمر، ترجمته في باب العلم والفتيا في المسجد.\nقوله: (عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ عُمَرَ) أي ابن الخطَّاب، ترجمته في كتاب الإيمان.\nفي هذا الإسناد التَّحديث بصيغة الجمع في موضع واحد، والإخبار كذلك، وفيه العنعنة في موضعين.\nقوله: (أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ قَالَ: الَّذِي تَفُوْتُهُ صَلَاةُ العَصْرِ كَأَنَّمَا وُتِرَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ).\nهذا الحديث أخرجه مسلم وأبو داود والنَّسائي أيضًا من طريق مالك، وأخرجه الكَشِّي من حديث حمَّاد بن سلمة عن نافع وزاد في آخره: «وهو قاعدٌ»، وكذا رواه النَّسائي عن نَوفَل بن معاوية كرواية ابن عُمَر، وفي «الأوسط» للطَّبَراني: أنَّ نوفلًا رواه عن أبيه معاوية بلفظ: «لأنْ يوتَر أحدُكم أهلَه ومالَه خيرٌ له من أن تفوتَه صلاةُ العصرِ»، وقال الذَّهَبي: نَوفَل بن معاوية الدِّيلي شهد الفتح، وتوفِّي بالمدينة زمن يزيد، روى عنه جماعة، وقال في باب الميم: معاوية بن نَوفَل الدِّيلي صحابي روى عنه أبيه.\nقوله: (الَّذِي تَفُوْتُهُ) قال ابن بَزبزَة: فيه ردٌّ على من كره أن يقول: فاتتنا الصلاة.\nقوله: (صَلَاةُ العَصْرِ) في رواية الكُشْمِيهَني، وفي رواية غيره:&lt;يَفُوْتُهُ العَصْرُ&gt;.\nقوله: (كَأَنَّمَا) كذا هو في رواية الأكثرين، وفي رواية الكُشْمِيهَني: &lt;فَكَأَنَّمَا&gt; بالفاء، قال العَيني: والمبتدأ إذا تضمَّن معنى الشرط جاز في خبره الفاء وتركها. انتهى.\nقوله: (وُتِرَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ) بنصب اللَّامين في رواية الأكثرين؛ لأنَّه مفعول ثان لقوله: (وُتِرَ) وهو على صيغة المجهول، والضمير فيه يرجع إلى قوله: (الَّذِي تَفُوْتُهُ صَلَاةُ العَصْرِ) وهو المفعول الأوَّل، قلت: قول العيني: والضمير فيه يرجع إلى قوله: (الَّذِي) إذا نظر إليه من ليس له إلمام كبير بتراكيب الكلام يظنُّ أنَّ الضَّمير يرجع إلى الجملة الداخل عليها (إِلَى) وليس كذلك، وإنما الضَّمير يرجع إلى (الَّذِي) فقط، وقد سلم شيخنا من ذلك، فإنَّه قال: وأضمر في (وُتِرَ) مفعولٌ لم يُسَمَّ فاعلُه، وهو عائد على الذي فاتته، فالمعنى: أصيب بأهله وماله، وهو متعدٍّ إلى مفعولين، ومثله قوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٥] وإلى هذا أشار المُصَنِّف فيما وَقَعَ في رواية المُسْتَمْلي، قال أبو عبد الله: (يَتِرَكُمْ). انتهى.\nفإن قلت: الفعل الذي يقتضي مفعولين يكون من أفعال القلوب، و(وُتِرَ) ليس منها، قال العَيني: إذا كان أحد المفعولين غير صريح يأتي أيضًا من غير أفعال القلوب وههنا كذلك، و(وُتِرَ) ههنا متعدٍّ إلى مفعولين بهذا الوجه، وذلك كما في قوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٥] أي لن ينقصكم أعمالكم، فعلى هذا المعنى في (وُتِرَ) نُقِصَ، من: وترته إذا نقصته، فكأنَّك جعلته وترًا بعد أن كان كثيرًا، وقيل: معناه هنا: سُلب أهلَه وماله فبقي وترًا ليس له أهل ولا مال، وقال النَّوَوي: روي برفع اللامين. قال العَيني: هي رواية المُسْتَمْلي ووجها: إنَّه لا يضمر شيء في (وُتِرَ)، بل يقوم الأهل مقام ما لم يُسم فاعله، وماله عطف عليه. وقال ابن الأثير: مَن ردَّ النقصَ","vol":"1","page":66},{"text":"إلى الرجل نصبها، ومن رده إلى الأهل والمال رفعهما، وقيل: معناه: وتر في أهله، فلمَّا حذف الخافض انتصب، وقيل: إنَّه بدل اشتمال أو بدل بعض، ومعناه: انتزع منه أهله وماله. وقال الجوهري: الموتَر: الذي قتل له قتيل فلم يدرك بدمه، تقول منه: وتَره يتِره وَترًا ووِترًا وتِرَةً.\nقال العَيني: أصل تِرة وِترة، فحذفت منها الواو تبعًا لفعله المضارع وهو يَتِر؛ لأنَّ أصله يوتر، فحذفت الواو لوقوعها بين الياء والكسرة، فلما حذفت الواو في المصدر عوض عنها التَّاء كما في عدة.\nوتكلَّموا في معنى هذا الحديث، فقال الخطَّابيُّ: نقص هو وأهله وماله وسلبهم فبقي بلا أهل ولا مال، فالتحذر من تفويتها كحذره من ذهاب أهله وماله. وقال أبو عُمَر: معناه: كالذي يصاب بأهله وماله إصابة يطلب بها وترًا، وهي الجناية الَّتي تطلب ثأرها، فيجتمع عليه غمّان: غمُّ المصيبة ومقاساة طلب النَّار. وقال الداودي: يتوجَّه عليه من الاسترجاع ما يتوجَّه على من فقد أهله وماله، فيتوجَّه عليه النَّدم والأسف لتفويته الصَّلاة. وقيل: معناه: فاته من الثواب ما يلحقه من الأسف كما يلحق من ذهب أهله وماله.\nثم اختلفوا في المراد بفوات العصر في هذا الحديث، فقال ابن وَهْب وغيره: هو فيمن لم يصلِّها في وقتها، وقال الأَصِيلي وسَحْنون: هو أن تفوته بغروب الشَّمس، وقيل: أن يفوتها إلى أن تصفرَّ الشَّمس، قال العَيني: وقد ورد مفسَّرًا من رواية الأوزاعي في هذا الحديث، قال: وفواتها أن تدخل الشَّمس صفرةٌ.\nقال شيخنا: ومما يدلُّ على أنَّ المراد بتفويتها إخراجها عن وقتها ما وَقَعَ في رواية عبد الرزاَّق، فإنَّه أخرج هذا الحديث عن ابن جُرَيج عن نافع فذكر نحوه وزاد: قلت لنافع: حتَّى تغيب الشَّمس؟ قال: نعم. وتفسير الرَّاوي إذا كان فقيهًا أولى من غيره. انتهى.\nوروى سالم عن أبيه إنَّه قال: هذا فيمن فاتته ناسيًا. وقال الدَّاوُدي: هو في العامد، وكأنَّه أظهرُ؛ لما في البخاري: «مَنْ تَرَكَ صَلَاةَ العَصْرِ حَبِطَ عَمَلُهُ»، وهذا ظاهر في العمد.\nقلت: تعليل العَيني بهذا الحديث فيه نظر؛ لأنَّ معناه غير معنى حديث الباب، فلا شكَّ أنَّ فقد الأهل والمال أهون من أن يحبط العمل، والله أعلم. انتهى.\nوقال المُهَلَّب: هو فواتها في الجماعة؛ لما يفوته من شهود الملائكة اللَّيلية والنَّهاريَّة، ولو كان فواتها بغيبوبة أو اصفرار لبطل الاختصاص؛ لأنَّ ذهاب الوقت كلِّه موجود في كلِّ صلاة. وقال أبو عُمَر: يحتمل أن يكون تخصيص العصر لكونه جوابًا لسائل سأل عن صلاة العصر، وعلى هذا يكون حكم من فاته الصُّبح بطلوع الشَّمس والعشاء بطلوع الفجر كذلك.\nوخصَّت العصرُ لفضلها ولكونها مشهودة، وقيل: خُصَّتْ بذلك تأكيدًا وحضًّا على المثابرة عليها؛ لأنَّها تأتي في وقت اشتغال الناس، وقيل: يحتمل إنَّها خُصَّتْ بذلك لأنَّها على الصحيح إنَّها الصَّلاة الوسطى وبها تختم الصلوات، واعترض النَّوَوي لابن عبد البرِّ في قوله: فعلى هذا يكون حكم من فاته الصُّبح إلى آخره؛ أنَّ غير المنصوص إنَّما يلحق بالمنصوص إذا عرفت العلَّة واشتركا فيها، قال: والعلَّة في هذا الحكم لم تتحقق فلا يلحق غير العصر بها. انتهى.\nقال العَيني: لقائل أن يحتجَّ لابن","vol":"1","page":66},{"text":"عبد البرِّ بما رواه ابن أبي شَيْبَة وغيره من طريق أبي قِلابة عن أبي الدرداء مرفوعًا: «مَنْ تركَ صلاةً مكتوبةً حتَّى تفوتَهُ» الحديث، قال شيخنا: في إسناده انقطاع؛ لأن أبا قِلابة لم يسمع من أبي الدرداء، وقد روى أحمد حديث أبي الدرداء بلفظ: «مَنْ تركَ العصرَ» فرجع حديث أبي الدرداء إلى تعيين العصر.\nقلت: روى ابن حبَّان وغيره عن نَوفَل بن معاوية مرفوعًا: «مَنْ فاتتَهُ الصَّلاة فكأنَّما وترَ أهلَه ومالَه» وهذا يشمل جميع الصَّلوات المكتوبات، ولكن روى الطَّبَرَاني هذا الحديث - أعني حديث الباب- من وجه آخر وزاد فيه عن الزُّهْري: قلت لأبي بكر - يعني ابن عبد الرحمن -وهو الذي حدَّثه به: ما هذه الصلاة؟ قال: العصر. ورواه ابن أبي خيثمة من وجه آخر، فصرَّح بكونها العصر في نفس الخبر، ورواه الطَّحاوي والبَيْهَقي من وجه آخر، وفيه أنَّ التفسير من قول ابن عُمَر ﵄.\nواعترض ابن التِّين على قول المُهَلَّب المذكور عن قريب: بأنَّ الفجر أيضًا فيها شهود الملائكة اللَّيليَّة والنَّهاريَّة، فلا يختصُّ العصر بذلك، قال: والحقُّ أنَّ الله تعالى يخصُّ ما شاء من الصَّلوات بما شاء من الفضيلة.\nوبوَّب التِّرْمِذي على حديث الباب: ما جاء في السَّهو عن وقت العصر، فحمله على السَّاهي، قال العَيني: لا تطابق بين ترجمته وبين الحديث؛ فإنَّ لفظ الحديث (الَّذِي تَفُوْتُهُ) أعمُّ من أن يكون ساهيًا أو عامدًا، وتخصيصه بالساهي لا وجه له، بل القرينة دالة على أنَّ المراد بهذا الوعيد في العامد دون السَّاهي. قال شيخنا: ويؤخذ منه التنبيه على أنَّ أسف العامد أشدُّ؛ لاجتماع فقد الثواب وحصول الإثم.\nقال ابن عبد البرِّ: في هذا الحديث إشارة إلى تحقير الدُّنْيا وأنَّ قليل العمل خير من كثير منها وقال ابن بطَّال: لا يوجد حديث يقوم مقام هذا الحديث؛ لأنَّ الله تعالى قال: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾ [البقرة: ٢٣٨] قال: ولا يوجد حديث فيه تكييف المحافظة غير هذا الحديث. انتهى.\nقوله: (قَالَ: أَبُو عَبْدِ اللهِ) أي البخاري نفسه، ترجمته في مقدِّمة الشَّرح.\nقوله: (يَتِرَكُمْ) وترت الرجل إذا قتلت له قتيلًا وأخذت ماله، وقد تقدَّم أنَّ البخاري أشار بهذا إلى لفظة (يَتِرَكُمْ) في قوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُم﴾ [محمد: ٣٥] حيث نصب (يَتِرَ) مفعولين أحدهما كاف الخطاب والثاني لفظ: (أعمالَكم) وإنَّه متعدٍّ إلى مفعولين، وهذا يؤيِّد نصب اللَّامين في الحديث، وأشار بقوله: وترت الرجل، إلى أنَّه يتعدَّى إلى مفعول واحد، وهو يؤيِّد رواية المُسْتَمْلي.\n\n <span id=\"b-٩٤\"> </span>(١٥) (بَابُ إِثْمِ مَنْ تَرَكَ العَصْرَ) أي هذا باب في بيان إثم من ترك صلاة العصر، قيل: لا فائدة في هذا التبويب؛ لأنَّ الباب السَّابق يغني عنه، وكان ينبغي أن يذكر حديث هذا الباب في الباب الذي قبله؛ لأنَّ كلًّا منهما في الوعيد، قال العَيني: بينهما فرَّق دقيق، وهو أنَّهم قد اختلفوا في المراد في معنى التفويت. قال ابن رُشَيد: أجاد البخاري ﵀ حيث اقتصر على صدر الحديث فأبقى فيه محلًّا للتأويل. انتهى. قلت: أي اقتصر في الترجمة على صدر الحديث. انتهى.\n\n٥٥٣ - <span id=\"b-٩٥\"> </span>قوله: (حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بنُ إِبْرَاهِيْمَ) أي الأَزْدي الفراهيدي البصري القصَّاب، يكنَّى أبا عَمْرو، ترجمته.","vol":"1","page":67},{"text":"في باب زيادة الإيمان\nقوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ) أي ابن أبي عبد الله الدَّسْتُوائي، ترجمته في الباب أيضًا.\nقوله: (قالَ: أَخْبَرَنا يَحْيَى بنُ أَبِي كَثِيْرٍ) أي صالح بن المتوَّكل، ترجمته في باب كتابة العلم.\nقوله: (عَنْ أَبِي قِلَابَةَ) أي -بكسر القاف- عبد الله بن زيد الجَرْمي، ترجمته في باب حلاوة الإيمان.\nقوله: (عَنْ أَبِي المَلِيْحِ) -أي بفتح الميم وكسر اللَّام وبالحاء المهملة- واسمه عامر بن أسامة الهُذَلي، مات سنة ثمان وتسعين.\nقوله: (قَالَ: كُنَّا مَعَ بُرَيْدَةَ) أي -بضمِّ الباء الموحَّدة وفتح الرَّاء وسكون الياء آخر الحروف، وبالدَّال المهملة- ابن الحُصَيب -بضمِّ الحاء المهملة وفتح الصَّاد المهملة وسكون الياء آخر الحروف، وفي آخره باء موحَّدة- الأَسْلمي، رُوي له عن رسول الله ﷺ مائة حديث وأربعة وستون حديثًا، للبخاري منها ثلاثة، مات غازيًا بمرو وهو آخر من مات من الصحابة بخراسان سنة اثنتين وستين.\nفي هذا الإسناد: التَّحديث بصيغة الجمع باتفاق الرُّواة عن مسلم بن إبراهيم، وفيه التَّحديث بصيغة الجمع عن هشام عند أبي ذرٍّ، وعند غيره: (أَخْبَرَنَا) بصيغة الجمع، وفيه الإخبار بصيغة الجمع عن يحيى عند أبي ذرٍّ، وعند غيره: (حَدَّثَنَا) وفيه العنعنة عن أبي قِلابة عن أبي المليح، وعند ابن خُزَيمَة من طريق أبي داود الطَّيالِسي عن هشام عن يحيى: أنَّ أبا قِلابة حدَّثه، وعند البخاري في باب التبكير بالصلاة في يوم الغيم عن حمَّاد بن فَضَالة عن هشام عن يحيى عن أبي قِلابة: (أنَّ أَبَا المَلِيْحِ حَدَّثَهُ). قال شيخنا: وسقط عند الأَصِيلي ابن إبراهيم من قوله: حدَّثنا مسلم بن إبراهيم.\nوفيه ثلاثة من التَّابعين على الولاء، وفيه أنَّ الرُّواة كلُّهم بصريون، وفيه القول في ثلاثة مواضع.\nقوله: (فِي غَزْوَةٍ فِي يَوْمٍ ذِيْ غَيْمٍ، فَقَالَ: بَكِّرُوا بِصَلَاةِ العَصْرِ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: مَنْ تَرَكَ صَلَاةَ العَصْرِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ).\nهذا الحديث أخرجه البخاري أيضًا عن معاذ بن فَضَالة، وأخرجه النَّسائي في الصَّلاة أيضًا، عن عُبَيْد الله بن سعيد عن يحيى عن هشام به، ورواه ابن خُزَيمَة كما رواه البخاري، وأخرجه ابن ماجَهْ وابن حبَّان من حديث الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي قِلابة عن أبي المهاجر عنه، قال ابن حبَّان: وهم الأوزاعي في تصحيفه عن يحيى فقال: عن أبي المهاجر، وإنما هو أبو المُهَلَّب عمُّ أبي قِلابة عن عمِّه عنه على الصَّواب. واعترض عليه أيضًا المقدسي فقال: الصَّواب أبو المَليح عن أبي بُرَيدة.\nقوله: (ذِيْ غَيْمٍ) صفة يوم، ومحلُّ (فِي غَزْوَةٍ) و(فِي يَوْمٍ) نصب على الحال، وإنَّما خصَّ يوم الغيم لأنَّه مظنَّة التأخير؛ لأنَّه ربَّما يشتبه عليه فيخرج الوقت بغروب الشَّمس.\nقال شيخنا: قيل: خُصَّ يوم الغيم بذلك لأنَّه مظنَّة التأخير، أمَّا المتنطع يحتاط لدخول الوقت فيبالغ في التأخير حتَّى يخرج الوقت أو لمتشاغل بأمر آخر فيظنُّ بقاء الوقت فيسترسل في سلعة إلى أن يخرج الوقت. انتهى. قلت: المتنطع: المتغالي في الأمور، المشدِّد في غير موضع التشديد. انتهى.\nقوله: (بَكِّرُوا) أي أسرعوا وعجِّلوا وبادروا، وكلَّ من بادر إلى الشيء فقد بكَّر وأبكَّر إليه أيَّ وقت كان، فقال بكِّروا بصلاة المغرب؛ أي صلُّوها عند سقوط القرص. قال شيخنا: التبكير","vol":"1","page":67},{"text":"يطلق لكلِّ من بادر بأيِّ شيء ٍكان في أي وقت كان، وأصله المبادرة بالشيء أوَّل النَّهار.\nقوله: (فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ) الفاء للتعليل، وقد استُشكل معرفة تيقن دخول الوقت مع وجود الغيم؛ لأنَّهم لم يكونوا يعتمدون فيه إلَّا على الشَّمس، وأجيب باحتمال أنَّ بريدة قال ذلك عند معرفة الوقت؛ لأنَّه لا مانع في يوم الغيم من أن تظهر الشَّمس أحيانًا، ثمَّ إنَّه لا يشترط إذا احتجبت الشَّمس اليقين، بل يكفي الاجتهاد. انتهى.\nقوله: (مَنْ تَرَكَ صَلَاةَ العَصْرِ) زاد مَعْمَر في روايته: «متعمدًا» وكذا أخرجه أحمد من حديث أبي الدرداء، قال العَيني: كلمة (مَنْ) موصولة تتضمَّن معنى الشرط في محل الرَّفع على الابتداء، وخبره (فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ) ودخول الفاء فيه لأجل تضمُّن المبتدأ الشرط.\nقوله: (فَقَدْ حَبِطَ) سقط من رواية المُسْتَمْلي، وفي رواية مَعمَر: «أَحْبَطَ اللهُ عملَهُ». انتهى.\nوقال العَيني: و(حَبِطَ) -بكسر الباء الموحدة- أي بطل، يقال: حَبِط يَحبَط من باب عَلِم يَعلَم، فقال: حبط عملُه وأَحبَطه غيرُه، وهو من قولهم: حَبِطَت الدابة حَبَطًا بالتحريك إذا أصابت مرعىً طيبًا فأفرطت في الأكل حتَّى تنتفخ فتموت. انتهى.\nاحتجَّ الحنفيَّة بهذا الحديث على أنَّ المستحبَّ تعجيل العصر يوم الغيم، واحتجَّ به الخوارج وجماعة من غيرهم على تكفير أهل المعاصي، قالوا: وهو نظير قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُه﴾ [المائدة: ٥]، وردَّ عليهم أبو عُمَر بن عبد البرِّ بأن مفهوم الآية: أنَّ من لم يكفر بالإيمان لم يحبط عمله، فيتعارض مفهوم الآية ومنطوق الحديث، فإذا كان كذلك يتعيَّن تأويل الحديث؛ لأنَّ الجمع إذا كان ممكنًا كان أولى من الترجيح.\nقال شيخنا: فتأوَّل الجمهور الحديث وافترقوا في تأويله فرقًا؛ فمنهم من أوَّل سبب الترك، ومنهم من أوَّل الحبط، ومنهم من أوَّل العمل، فقيل: المراد من تركها جاحدًا لوجوبها أو معترفًا لكن مستخفًّا مستهزئًا لمن أقامها، وتعقِّب بأن الذي فهمه الصحابي إنَّما هو التفريط، وبهذا أمر بالمبادرة إليها، وفهمه أولى من فهم غيره كما تقدَّم، وقيل: المراد مِن تركها متكاسلًا، لكن خرج الوعيد مخرج الزَّجر الشديد وظاهره غير مراد كقوله: «لا يزني الزَّاني حينَ يزني وهوَ مؤمنٌ»، وقيل: هو من مجاز التشبيه، كأنَّ المعنى: فقد أشبه من حبط عمله. وقيل: معناه كاد أن يحبط عمله.\nوقيل: المراد بالحبط نقصان العمل في ذلك الوقت الذي ترفع فيه الأعمال إلى الله، وكأنَّ المراد بالعمل الصَّلاة خاصة، أي لا يحصل على أجر من صلَّى العصر ولا يرتفع له عملها حينئذ، وقيل: المراد بالحبط الإبطال، أي يبطل انتفاعه بعمله في وقتٍ ما ثمَّ ينتفع به، كمن رجحت سيئاته على حسناته فإنَّه موقوف في المشيئة، فإن غفر له فمُجَرَّد الوقوف إبطال نفع الحسنة إذ ذاك، وإن عدت ثمَّ غفر له فكذلك، قال معنى ذلك القاضي أبو بكر بن العربي، وقد تقدَّم مبسوطًا في كتاب الإيمان في باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله، ومحصَّل ما قال: أنَّ المراد بالحبط في الآية غير المراد بالحبط في الحديث.\nوقال في «شرح الترمذي»: الحبط على قسمين: حبط إسقاط، وهو إحباط الكفر للإيمان وجميع الحسنات، وحبط موازنة، وهو إحباط المعاصي للانتفاع بالحسنات عند رجحانها عليها إلى أن تحصل النَّجاة فيرجع إليه جزاء حسناته.\nوقيل: المراد بالعمل في الحديث","vol":"1","page":68},{"text":"عمل الدُّنْيا الذي سبَّب الاشتغال به ترك الصَّلاة، بمعنى: إنَّه لا ينتفع به ولا يُمتع، وأقرب هذه التأويلات قول من قال: إنَّ ذلك خرج مخرج الزَّجر الشديد، وظاهره غير مراد، والله أعلم. انتهى. قال العَيني: وهو قول ابن بَزيزَة. وعلَّله العَيني بأنَّ الأعمال لا يحبطها إلَّا الشرط، كذا رأيته بخطه، وصوابه: إلَّا الشِّرك. انتهى.\nواحتجَّ به بعض الحنابلة من أنَّ تارك الصَّلاة يكفر، وردَّ بأنَّ ظهره متروك، والمراد به التغليظ والتهديد، والكفر ضدُّ الإيمان، وتارك الصَّلاة لا ينفى عنه الإيمان، وأيضًا: لو كان الأمر كما قالوا لما اختُصَّتِ العصر بذلك، ووجه اختصاص العصر بذلك فلأنه وقت ارتفاع الأعمال، ووقت اشتغال النَّاس بالبيع والشِّراء في هذا الوقت بأكثر من وقت غيره، ووقت نزول ملائكة اللَّيل. قلت: ويمكن أن يقال: اختصاص العصر بذلك لأنَّه وقت تجلِّي؛ لأنَّ الله ينظر إلى أهل الدُّنْيا في هذا الوقت، وعلى هذا يكون المراد بحبط العمل سقوط عمله لصلاة العصر في هذا الوقت من نظر الله، والله أعلم. انتهى.\n\n <span id=\"b-٩٦\"> </span>(١٦) <span data-type=\"title\" id=toc-96>(بَابُ فَضْلِ صَلَاةِ العَصْرِ)</span> أي هذا باب في بيان فضل صلاة العصر، والمناسبة بين هذه الأبواب ظاهرة.\nقال شيخنا: فضل صلاة العصر، أي على جميع الصَّلوات إلَّا الصُّبح، وإنَّما حملته على ذلك؛ لأنَّ حديثي الباب لا يظهر منهما رجحان العصر عليها، ويحتمل أن يكون المراد: أنَّ العصر ذات فضيلة لا ذات أفضليَّة. انتهى.\nقال العَيني: هذا التقدير فيه تَعَسُّف، ولأنَّ جميع الصَّلوات منزلة في الفضل، غاية ما في الباب: أنَّ لصلاة الفجر والعصر مزية على غيرهما، وإنما خُصَّ العصر بالذكر للاكتفاء كما في قوله تعالى: ﴿سَرَابِيْلَ تَقِيْكُمُ الحَرَ﴾ [النحل: ٨١] أي والبرد أيضًا.\n\n٥٥٤ - <span id=\"b-٩٧\"> </span>قوله: (حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ) -أي بضمِّ الحاء المهملة- واسمه عبد الله بن الزُّبَيْر بن عيسى بن عبد الله بن الزُّبَيْر بن عبد الله بن حُمَيْد، ونسبه إلى جدِّه حُمَيْد القُرَشي المكِّي، مات سنة تسع عشرة ومائتين. قلت: تقدَّمت ترجمته في بدء الوحي، وأعاد العَيني بعضها ههنا. انتهى.\nقوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا مَرَوَانُ بنُ مُعَاوِيَةَ) أي ابن الحارث الفَزَاري، مات بدمشق سنة ثلاث وتسعين ومائة.\nقوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيْلُ) أي ابن أبي خالد -بالخاء المعجمة- ترجمته في باب يتلو باب أمور الدِّين.\nقوله: (عَنْ قَيْسٍ) أي ابن أبي حازم -بالحاء المهملة- ترجمته في باب الدين النصيحة.\nقوله: (عَنْ جَرِيْرِ بنِ عَبْدِ اللهِ) أي ابن جابر البجلي ﵁، ترجمته في الباب أيضًا.\nفي هذا الإسناد: التَّحديث بصيغة الجمع في ثلاث مواضع، والعنعنة في موضعين، وفيه القول، ووَقَعَ عند ابن مردويه من طريق شُعْبَة عن إسماعيل التصريح بسماع إسماعيل من قيس وسماع قيس عن جرير، وفيه ذكر الحُميدي فنسبه إلى أحد أجداده، وإنَّه من أفراد البخاري، وفيه أنَّ رواته ما بين مكي وكوفي، وفيه رواية التَّابعي عن التابعي، وهما إسماعيل وقيس، وفيه أنَّ أحد الرُّواة من المخضرمين. قلت: تقدَّم الكلام على الخضرمة في باب: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات: ٩] في كتاب الإيمان. انتهى.\nقوله: (قَالَ: كُنَّا","vol":"1","page":68},{"text":"عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ، فَنَظَرَ إِلى القَمَرِ لَيلَةً فَقَالَ: إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَونَ هَذَا القَمَرَ لَا تُضَامُوْنَ في رُؤيَتِهِ، فِإِنِ استَطَعْتُمْ إلَّا تُغلَبُوا عَلَى صَلَاةٍ قَبْلَ طُلُوْعِ الشَّمس وَقَبْلَ غُرُوبِهَا فَافعَلُوا. ثمَّ قَرَأَ: ﴿فسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمس وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ [ق: ٣٩]) قَالَ إِسْمَاعِيْلُ: افْعَلُوا لا تَفُوْتَنَّكُمْ.\nمطابقته للترجمة تأخذ من قوله (قَبْلَ غُرُوْبِهَا) أي قبل غروب الشَّمس، والصَّلاة في هذا الوقت هي صلاة العصر، قال العَيني: ولو قال باب فضل صلاة الفجر والعصر لكان أولى؛ لأنَّ المذكور في الحديث والآية صلاة الفجر والعصر.\nهذا الحديث أخرجه البخاري أيضًا عن مُسَدَّد عن يحيى بن سعيد في الصَّلاة أيضًا، وأخرجه في التفسير عن إِسْحاق بن إبراهيم عن جرير، وفي التَّوحيد عن عَمْرو بن عَوْف عن خالد وهُشَيم، وعن يوسف بن موسى عن عاصم، وعن عَبْدَة بن عبد الله، وأخرجه مسلم في الصَّلاة عن زُهَير بن حرب عن مروان به، وعن أبي بكر بن أبي شَيْبَة عن عبد الله بن نُمَير وأبي أسامة ووكيع ثلاثتهم عن إسماعيل به، وأخرجه أبو داود في السنَّة عن عُثْمان بن أبي شَيْبَة عن جرير ووكيع وأبي أسامة به، وأخرجه النَّسائي عن يحيى بن كثير وعن يعقوب بن إبراهيم، وأخرجه ابن ماجَهْ في السُّنَّة عن محمَّد بن عبد الله بن نُمَير عن أبيه ووكيع، وعن علي بن محمَّد عن خالد يعلى بن عُبَيْد ووكيع وأبي معاوية أربعتهم عن إسماعيل به.\nقوله: (فَنَظَرَ إِلَى القَمَرِ لَيْلَةً) زاد مسلم: «ليلة البدر»، وكذا للمُصَنِّف من وجه آخر، وهو حال من العنعنة أيضًا كما سيأتي في باب صلاة الفجر، وسنذكر اختلاف الروايات فيه. قال العَيني: الظَّاهر أنَّ (لَيْلَةً) نصب على الظرفية، والتقدير: نظر إلى القمر في ليلة من الليالي. قال الكِرْماني: الظَّاهر إنَّه من باب تنازع الفعلين عليه.\nقوله: (لَا تُضَامُونَ) رُوي بضمِّ التَّاء وتخفيف الميم من الضَّيم وهو التعب، وبتشديدها من الضمِّ، وفتح التَّاء وتشديد الميم، قال الخطَّابيُّ: يروى على وجهين: أحدهما مفتوحةَ التَّاء مشددة الميم، وأصله: تتضامون، حذفت إحدى التاءين، أي لا يضام بعضكم بعضًا كما يفعله النَّاس في طلب الشيء الخفي الذي لا يسهل دركه، فيتزاحمون عنده يريد أنَّ كلَّ واحد منهم دارع مكانه لا ينازعه في رؤيته أحد، والآخر: لا تضامون من الضيم، أي لا يضيم بعضكم بعضًا في رؤيته.\nوقال التَّيْمي: (لا تُضَامُّونَ) -بتشديد الميم- مراده أنَّكم لا تختلفون إلى بعض فيه حتَّى تجتمعوا للنظر وينضم بعضكم إلى بعض فيقول واحد: هو ذاك، ويقول الآخر: ليس كذلك كما يفعله النَّاس عند النظر إلى الهلال أوَّل الشَّهر، وبتخفيفها معناه: لا يضيم بعضكم بعضًا بأن يدفعه عنه أو يستأثر به دونه، وقال ابن الأَنْباري: أي لا يقع لكم في الرؤية ضَيم وهو الذلُّ، وأصله: تضيمون، فألقيت حركة التَّاء على الضاد، فصارت الياء ألفًا لانفتاح ما قبلها.\nوقال ابن الجوزي: لا تضامون بضمِّ التَّاء المُثَنَّاة من فوق وتخفيف الميم، وعليه أكثر الرواة، والمعنى: لا ينالكم ضيم، والضيم أصله الظلم، وهذا الضيم يلحق الرائي من وجهين: أحدهما من مزاحمة الناظرين له، أي لا تزدحمون في رؤيته فيراه بعضكم دون بعض، ولا يظلم بعضكم بعضًا، والثاني من تأخره","vol":"1","page":69},{"text":"عن مقام الناظر المحقق، فكأنَّ المتقدِّمين ضاموه، ورؤية الله ﷿ يستوي فيها الكلُّ بلا ضيم ولا ضرر ولا مشقَّة.\nوفي رواية: «لَا تُضَامُوْنَ أَوْ لَا تُضَاهون» يعني على الشكِّ، أي لا يشتبه عليكم وترتابون فيعارض بعضكم بعضًا في رؤيته، وقيل: لا تسهونه في رؤيته بغيره من المرئيات، وروي: «تُضَارُّوْنَ» -بالرَّاء المشدَّدة والتَّاء مفتوحة ومضمومة- قال الزَّجَّاج: معناهما لا تتضارون، أي لا يضار بعضكم بعضًا بالمخالفة. وعن ابن الأَنْباري: هو تتفاعلون من الضرار، أي لا تتنازعون وتختلفون، ورُوي: «تُضَارُوْنَ» -بضمِّ التَّاء وتخفيف الراء- أي لا يقع للمرء في رؤيته ضير ما بالمخالفة والمنازعة أو الخفاء، وروي: «تُمَارُوْنَ» براء مخفَّفة، يعني تجادلون، أي لا يدخلكم شكٌّ.\nقوله: (فَإِنِ استَطَعْتُمْ إلَّا تُغْلَبُوا) بلفظ المجهول، وكلمة أن مصدريَّة، والتقدير: من إلَّا تغلبوا، أي من الغلبة بالنَّوم والاشتغال بشيء من الأشياء المانعة عن الصلاة.\nقوله: (قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمس وَقَبْلَ غُرُوْبِهَا) زاد مسلم: «يعني العصر والفجر»، ولابن مردويه من وجه آخر عن إسماعيل: «قبل طلوع الشَّمس صلاة الصبح، وقبل غروبها صلاة العصر». قال شيخنا: فيه إشارة إلى قطع أسباب الغلبة المنافية للاستطاعة كالنَّوم والشغل ومقاومة ذلك بالاستعداد له.\nوقال ابن بطَّال: قال المُهَلَّب: قوله: (فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ ألَّا تُغْلَبُوا عَنْ صَلَاةِ) أي في الجماعة، قال وخصَّ هذين الوقتين لاجتماع الملائكة فيهما ورفعهم أعمال العباد؛ لئلَّا يفوتهم هذا الفضل العظيم.\nقال شيخنا: وعرف بهذا مناسبة إيراد حديث: (يَتَعَاقَبُونَ) عقب هذا الحديث، لكن لم يظهر لي وجه تقييد ذلك بكونه في جماعة من سياق الحديث وإن كان فضل الجماعة معلومًا من أحاديث أخر، بل ظاهر الحديث يتناول من صلاهما ولو منفردًا؛ إذ مقتضاه التحريض على فعلهما أعمُّ من كونه في جماعة أو لا.\nقوله: (افْعَلُوا لَا تَفُوْتَنَّكُمْ) أي افعلوا هذه الصَّلاة لا تفوتنَّكم، والضمير المرفوع فيه يرجع إلى الصلاة، وهو بنون التوكيد، وهو مدرج من كلام إسماعيل، وكذا (ثمَّ قرأ) مدرج.\nقال الكِرْماني: فإن قلت: ما المراد بلفظ (افْعَلُوا) إذ لا يصحُّ أن يراد: افعلوا الاستطاعة أو افعلوا عدم المغلوبيَّة؟ قلت: عدم المغلوبيَّة كناية عن الإتيان بالصَّلاة؛ لأنَّه لازم الإتيان، فكأنَّه قال: فأتوا بالصلاة فاعلين لها. انتهى. قال العَيني: لو قُدِّر مفعول (افْعَلُوا) مثل ما قدَّرنا لكان استغنى عن هذا السؤال والجواب. قال الخطَّابيُّ: هذا يدلُّ على أنَّ الرؤية يُرتجى نَيلُها بالمحافظة على هاتين الصلاتين. انتهى. قال شيخنا: وقد يستشهد لذلك بما أخرجه التِّرْمِذي من حديث ابن عُمَر رفعه قال: «إنَّ أدنى أهلِ الجنَّةِ منزلةً» فذكر الحديث، وفيه: «وأكرمُهم على اللهِ مَنْ ينظرُ إلى وجهِه غدوةً وعشيةً» وفي سنده ضعف. انتهى.\nقوله: (ثُمَّ قَرَأَ) قال شيخنا: كذا في جميع روايات الجامع، وأكثر الروايات في غيره بإبهام فاعل (قَرَأَ) وظاهره أنَّه النَّبِيُّ ﷺ، وحمله عليه جماعة من الشرَّاح، لكن لم أر ذلك صريحًا، ووَقَعَ عند مسلم عن زُهَير بن حرب","vol":"1","page":69},{"text":"عن مروان بن معاوية بإسناد حديث هذا الباب: (ثمَّ قرأَ جريرُ) أي الصحابي، وكذا أخرجه أبو عَوانة في «صحيحه» يعلى بن عُبَيْد عن إسماعيل بن خالد، فظهر إنَّه وَقَعَ في سياق حديث الباب وما وافقه إدراج.\nقال العلماء: وجه مناسبة ذكرها بين الصلاتين عند ذكر الرواية أنَّ الصَّلاة أفضل الطاعات، وقد ثبت لها بين الصلاتين من الفضل على غيرهما ما ذكر من اجتماع الملائكة فيهما ورفع الأعمال وغير ذلك، فهما أفضل الصلوات، فناسب أن يجازى المحافظ عليهما بأفضل العطايا وهو النَّظر إلى الله تعالى. وقيل: لما حقق رؤية الله تعالى برؤية القمر والشَّمس، وهما آيتان عظيمتان شرعت لكسوفهما الصَّلاة والذكر، ناسب من يحب رؤية الله أن يحافظ على الصَّلاة عند غروبها. انتهى.\nقوله: (فَسَبَّحْ) التلاوةُ: ﴿وَسَبِّحْ﴾ بالواو لا بالفاء. قلت: وقد اختلف المحدِّثون في أنَّه إذا رُوي شيء على خلاف الصَّواب هل يصلح أو يقرأ كما هو؟ الأكثرون على أنَّه يقرأ على الصواب، وهذه المسألة لم يتعرض لها شيخنا ولا العَيني ههنا، وكان ينبغي التنبيه عليها. انتهى. والمراد بالتسبيح الصلاة.\nوهذا ما سبق الوعد به من ذكر اختلاف الروايات في قوله: (إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا القَمَرَ لَا تُضَامُوْنَ فِي رُؤْيَتِهِ)، وفي لفظ للبخاري: «إِذْ نَظَرَ إِلَى القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ فَقَالَ: أَمَا إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ» وفي التفسير: «فَنَظَرَ إِلَى القَمَرِ لَيْلَةَ أَرْبَعَ عَشَرَةَ»، وعند اللالكائي عن البخاري: «إِنَّكُمْ سَتُعْرَضُوْنَ عَلَى رَبِّكُمْ وَتَرَوْنَهُ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا القَمَرَ»، وعند الدَّارَقُطْني: وقال زيد بن أبي أُنَيْسَة: «فتنظرُونَ إليهِ كما تنظرُونَ إلى هذا القمرِ»، وقال وكيع: «ستعاينُونَ»، وسيأتي عند البخاري عن أبي هريرة وأبي سعيد: «هَلْ تُضَارُّوْنَ فِي رُؤْيَةِ الشَّمس فِي الظَّهِيْرَةِ لَيْسَتْ فِي سَحَابَةٍ؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: هَلْ تُضَارُّوْنَ فِي رُؤْيَةِ القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ لَيْسَ فِيْهِ سَحَابَةٌ؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَا تُضَارُّوْنَ فِي رُؤْيَتِهِ إلَّا كَمَا تُضَارُّوْنَ فِي رُؤْيَةِ أَحَدِهِمَا»، وعن أبي موسى عنده بنحوه.\nوعن أبي رَزِين العُقَيلي: «قلتُ: يا رسولَ اللهِ، أَكُلُّنَا يرى ربَهُ مَخليًّا بهِ يومَ القيامةِ؟ قالَ: نعم، قالَ: وما آيةُ ذلكَ في خلقهِ؟ قالَ: يا أبا رَزِين، أليس كلُّكم يرى القمرَ ليلةَ البدرِ مَخليًّا بهِ؟ قالَ: فاللهُ أعظمُ وأجلُّ، وذلكَ آيتهُ في خلقهِ».\nوعند ابن ماجَهْ عن جابر: «بينا أهلُ الجنَّةِ في نعيمِهم إذ سطعَ لهمْ نورٌ فرفعُوا رؤوسَهم، فإذا الربُّ قدْ أشرفَ عليهم، فينظر إليهم وينظرون إليه»، وعن صُهَيب عند مسلم فذكر حديثًا فيه: «فيكشف الحجاب فينظرون إليه، فوالله ما أعطاهم الله تعالى شيئًا أحبُّ إليهم من النظر إليه».\nوفي «سنن اللَّالَكائي» عن أَنَس وأُبَي بن كعب وكعب بن عُجْرَة: «سئلَ رسولُ اللهِ ﷺ عنِ الزيادةِ في كتابِ اللهِ تعالى، قالَ: النَّظرُ إلى وجهِه». انتهى.\nاستدلَّ بهذه الأحاديث وبالقرآن وإجماع الصحابة ومن بعدهم على إثبات رؤية الله تعالى في الآخرة للمؤمنين، وقد روى أحاديث الرؤية أكثر من عشرين صحابيًا، وقال أبو القاسم: روى رؤية المؤمنين لربِّهم ﷿ في القيامة: أبو بكر، وعلي بن أبي طالب، ومعاذ بن جبل، وابن مسعود، وأبو موسى، وابن عباس، وابن عمر، وحذيفة، وأبو أُمامة،","vol":"1","page":70},{"text":"وأبو هريرة، وجابر، وأنس، وعمَّار بن ياسر، وزيد بن ثابت، وعبادة بن الصَّامت، وبُرَيدة بن حَصِيب، وجُنادة بن أبي أُميَّة، وفَضَالة بن عُبَيْد، ورجل له صحبة من النَّبِيِّ ﷺ، ثمَّ ذكر أحاديثهم بأسانيد غالبها جيدة.\nوذكر أبو نُعَيم الحافظ في كتاب «تثبيت النظر»: أبا سعيد الخدري، وعُمارة بن رُؤيبة، وأبا رَزِين العُقَيلي، وأبا بَرزة، وزاد الآجري في كتاب «الشريعة»، وأبو محمَّد عبد الله بن محمَّد المعروف بأبي الشيخ في كتاب «السنَّة الواضحة» تأليفِهما: عديَّ بن حاتم الطَّائي بسند جيد.\nوالرؤية مختصَّة بالمؤمنين ممنوعة من الكفَّار، وقيل: يراه منافقو هذه الأمَّة، قال العَيني: وهذا ضعيف، والصحيح: أنَّ المنافقين كالكفَّار باتِّفاق العلماء، وعن ابن عُمَر وحُذَيفة: من أهل الجنَّة من ينظر إلى وجهه تعالى غدوة وعشيَّة. انتهى.\nقلت: فائدةٌ: رؤية الله تعالى في الدُّنْيا جائزة عقلًا وشرعًا لنبيِّنا ﵊، ولغيره عقلًا فقط، وفي الآخرة جائزة عقلًا وشرعًا له ولغيره. انتهى.\nومنع من ذلك المعتزلة والخوارج وبعض المرجئة، واحتجُّوا في ذلك بوجوه:\nالأوَّل: قوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ﴾ [الأنعام: ١٠٣]، وقالوا: يلزم من نفي الإدراك بالبصر نفي الرؤية.\nالثاني: قوله تعالى: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف: ١٤٣]، و(لن) للتأبيد بدليل قوله تعالى: ﴿قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا﴾ [الفتح: ١٥]، وإذا ثبت في حقِّ موسى عدم الرؤية ثبت في حقِّ غيره.\nالثالث: قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولً﴾ [الشورى: ٥١] الآية، فالآية دلَّت على أنَّ كلَّ من يتكلَّم الله معه فإنَّه لا يراه، فإذا ثبت عدم الرؤية في وقت الكلام ثبت عدم الرؤية في غير وقت الكلام ضرورةَ إنَّه لا قائل بالفصل.\nالرابع: أنَّ الله تعالى ما ذكر في طلب الرؤية في القرآن إلَّا وقد استعظمه وذم عليه، وذلك في آيات، منها قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حتَّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ [البقرة: ٥٥].\nالخامس: لو صحَّت رؤية الله تعالى لرأيناه الآن، فالتالي باطل والمقدَّم مثله.\nلنا أهل السنَّة ما ذكرناه من الأحاديث الصحيحة، وقوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَة﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣]، وقوله تعالى: ﴿كَلَّا أنَّهم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ٥٥]، فهذا يدلُّ على أنَّ المؤمنين لا يكونون محجوبين.\nوالجواب عن قوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣]: أنَّ المراد من الإدراك الإحاطةُ، ونحن أيضًا نقول به، وعن قوله: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف: ١٤٣]: أنَّا لا نسلِّم أنَّ (لن) تدلُّ على التأبيد بدليل قوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا﴾ [البقرة: ٩٥]، مع أنَّهم يتمنَّونه في الآخرة، وعن قوله: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إلَّا وَحْيًا﴾ [الشورى: ٥١] الآية: أنَّ الوحي كلام يسمع بالسرعة، وليس فيه دلالة على كون المتكلِّم محجوبًا عن نظر السامع أو غير محجوب عن نظره، وعن قوله: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى﴾ [البقرة: ٥٥] الآية: أنَّ الاستعظام لم لا يجوز أن يكون لأجل طلبهم الرؤية على سبيل التعنُّت والعناد، بدليل الاستعظام في نزول الملائكة في قوله: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا المَلَائِكَةُ﴾ [الفرقان: ٢١]، ولا نزاع في جواز ذلك.\nوالجواب عن قولهم: لو صحَّت رؤية الله تعالى... إلخ، أنَّ عدم الوقوع لا يستلزم عدم الجواز، فإنَّ قالوا: الرؤية لا تتحقَّق إلَّا بثمانية أشياء: سلامة الحاسة، وكون الشيء بحيث يكون جائز الرؤية، وأن يكون المرئي مقابلًا للرائي أو في حكم المقابل، فالأوَّل كالجسم المحاذي للرائي، والثاني","vol":"1","page":70},{"text":"كالأعراض المرئية، فإنها ليست مقابلة للرائي؛ إذ العرض لا يكون مقابلًا للجسم، ولكنها حالة في الجسم المقابل للرائي، فكان في حكم المقابل، وألَّا يكون المرئي في غاية القرب ولا في غاية البعد، وألَّا يكون في غاية الصغر ولا في غاية اللطافة، وألَّا يكون بين الرائي والمرئي حجاب.\nقلنا: الشرائط الستُّ الأخيرة لا يمكن اعتبارها إلَّا في رؤية الأجسام، والله تعالى ليس بجسم، فلا يمكن اعتبار هذه الشرائط في رؤيته تعالى، ولا يعتبر في حصول الرؤية إلَّا الأمران: سلامة الحاسَّة، وكونه بحيث يصحُّ أن يرى، وهذان الشرطان حاصلان.\nفإن قلت: الكاف في (كَمَا تَرَوْنَ) للتشبيه، ولا بدَّ أن تكون مناسبة بين الرائي والمرئي، قال العَيني: معنى التشبيه فيه: أنَّكم ترونه رؤية محقَّقة لا شكَّ فيها ولا مشقة ولا خفاء كما ترون القمر كذلك، فهو تشبيه للرؤية بالرؤية لا المرئي بالمرئي. انتهى.\nفي حديث الباب أيضًا: زيادة شرف الصلاتين، وذلك لتعاقب الملائكة في وقتيهما، ولأنَّ وقت صلاة الصُّبح وقت لذَّة النَّوم كما قيل:\nألذُّ الكَرى عند الصَّباح يطيبُ\nوالقيامُ فيه أشقُّ على النَّفس من القيام في غيره، وصلاة العصر وقت الفراغ عن الصناعات وإتمام الوظائف، والمسلم إذا حافظ عليها مع ما فيه من التثاقل والتشاغل، فلأنْ يحافظ على غيرها بالطريق الأَولى.\nقلت: وفيه ترغيب النَّاس وحثُّهم على العبادة وضرب المثال بالشاهد على الغائب، وحضور الرغبة عند الإمام في اللَّيل وتعلُّمهم العلم باللَّيل، وفيه: أنَّ الأعمال الشاقَّة على النَّفس ينال بها العبد أعظم الثواب من الله. انتهى.\n\n٥٥٥ - <span id=\"b-٩٨\"> </span>قوله: (حَدَّثَنَا عَبدُ اللهِ بنُ يُوسُفَ) أي التِّنِّيسي، ترجمته في كتاب الوحي.\nقوله: (قَالَ: أَخْبَرَنا مَالِكٌ) أي ابن أنس، ترجمته في البدء أيضًا.\nقوله: (عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) أي عبد الله بن ذكوان، ترجمته في باب حبِّ الرسول من الإيمان.\nقوله: (عَنِ الأَعْرَجِ) أي عبد الرحمن بن هُرمُز، ترجمته في الباب أيضًا.\nقوله: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) أي عبد الرحمن بن صخر، ترجمته في باب أمور الإيمان.\nفي هذا الإسناد: التَّحديث بصيغة الجمع في موضع واحد، والإخبار كذلك، وفيه العنعنة في ثلاثة مواضع، ورواته مدنيُّون ما خلا عبد الله بن يوسف فإنه تِنِّيسي، وهو من أفراد البخاري.\nقوله: (أَنْ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ، قَالَ: يَتَعَاقَبُوْنَ فِيْكُمْ: مَلَائِكَةٌ بِاللَّيل وَمَلَائِكَةٌ بِالنَّهار، وَيَجتَمِعُونَ فِي صَلَاةِ الفَجْرِ وَصَلَاةِ العَصْرِ، ثمَّ يَعرُجُ الَّذِيْنَ بَاتُوا فِيْكُمْ فَيَسْأَلُهُم وَهُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ، فَيَقُولُ: كَيفَ تَرَكتُم عِبَادِي؟ فَيَقُولُونَ: تَرَكنَاهُم وَهُم يُصَلُّونَ، وَأَتَينَاهُم وَهُم يُصَلُّونَ).\nمطابقته للترجمة في قوله: (وَيَجْتَمِعُوْنَ فِي صَلَاةِ الفَجْرِ وَصَلَاةِ العَصْرِ) وقد ذكرنا أنَّ اقتصاره في الترجمة على العصر من باب الاكتفاء.\nهذا الحديث أخرجه البخاري أيضًا في التوحيد عن إسماعيل وقتيبة، وأخرجه مسلم في الصَّلاة عن يحيى بن يحيى، وأخرجه النَّسائي فيه وفي البعوث عن قُتَيْبَة وعن الحارث بن مسكين عن ابن القاسم الكلُّ عن مالك.\nقوله: (يَتَعَاقَبُوْنَ) قال العَيني: فاعل (يَتَعَاقَبُوْنَ) مضمر، والتقدير: ملائكة يتعاقبون، وقوله: (ملائكة) بدل من الضَّمير الذي فيه أو بيان، كأنَّه","vol":"1","page":71},{"text":"قيل: من هم؟ فقيل: ملائكة، وهذا مذهب سيبويه فيه وفي نظائره، وقال الأَخْفَش ومن تابعه: إنَّ إظهار ضمير الجمع والتثنية في الفعل إذا تقدَّم جائز وهي لغة بني الحارث، وقالوا: هو نحو أكلوني البراغيث، وكقوله تعالى: ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِيْنَ ظَلَمُوا﴾ [الأنبياء: ٣]، وقال القُرْطُبي: هذه لغة فاشية، ولها وجه من القياس صحيح، وعليها حمل الأَخْفَش قوله تعالى: ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِيْنَ ظَلَمُوا﴾ [الأنبياء: ٣].\nوقيل: هذا الطريق المذكور هنا اختصره الراوي، وأصله: «الملائكة يتعاقبون، ملائكة باللَّيل وملائكة بالنهار» وبهذا اللَّفظ رواه البخاري في بدء الخلق من طريق شُعَيب بن أبي حمزة عن أبي الزناد، وأخرجه النَّسائي أيضًا من طريق موسى بن عُقْبَة عن أبي الزناد بلفظ: «إن الملائكة يتعاقبون فيكم»، فاختلف فيه على أبي الزناد، فالظاهر: إنَّه كان تارةً يذكره هكذا وتارةً هكذا، وهذا يقوِّي قول هذا القائل، ويؤيِّد ذلك: أنَّ غير الأعرج من أصحاب أبي هريرة قد رووه تامًا، فأخرجه أحمد ومسلم من طريق همام بن منبه عن أبي هريرة مثل رواية موسى بن عُقْبَة لكن بحذف (إنَّ) من أوَّله، وأخرجه ابن خُزَيمَة والسرَّاج من طريق أبي صالح عن أبي هريرة بلفظ: «إنَّ للهِ ملائكةً يتعاقبُونَ» وهذه الطريقة أخرجها البزَّار أيضًا، وأخرجه أبو نُعَيم في «الحلية» بإسناد صحيح من طريق أبي يُونُس عن أبي هريرة بلفظ: «إنَّ الملائكةَ فيكُم يعتقبُونَ».\nوقال شيخنا: وتوارد جماعة من الشرَّاح على أنَّ حديث الباب من قبيل قوله: ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى﴾ [الأنبياء: ٣]، ووافقهم ابن مالك، وناقشه أبو حيان زاعمًا أنَّ هذه الطريق اختصرها الراوي، واحتجَّ لذلك بما رواه البزَّار من وجه آخر عن أبي هريرة - أي كما تقدَّم - وقد شُوحح في العزو إلى «مسند البزار» مع أنَّ الحديث بهذا اللَّفظ في «الصحيحين» فالعزو إليهما أولى، وذلك أنَّ هذا الحديث رواه عن أبي الزناد مالك في «الموطَّأ» ولم يختلف عليه باللفظ المذكور، وهو قوله: (يتعاقَبون فيكُم)، وتابعه على ذلك عبد الرحمن بن أبي الزِّناد عن أبيه أخرجه سعيد بن مَنْصور عنه، ثمَّ ذكر شيخنا الأحاديث الَّتي تقدَّمت ثمَّ قال: وإذا عرف ذلك فالعزو إلى الطريق الَّتي تتحد مع الطريق الَّتي وَقَعَ القول فيها أولى من طريق مغايرة لها، فليعزُ إلى تخريج البخاري والنَّسائي من طريق أبي زناد كما أوضحته. انتهى.\nومعنى: (يَتَعاقَبونَ) تأتي طائفة عقيب طائفة، ومنه تعقيب الجيوش، وهو أن يذهب قوم ويجيء آخرون، وقال ابن عبد البرِّ: وإنما يكون التعاقب بين طائفتين أو رجلين يأتي هذا مرَّة ويعقبه هذا، ومنه تعقيب الجيوش أن يجهز الأمير بعثًا إلى مدَّة، ثمَّ يأذن لهم في الرجوع بعد أن يجهز غيرهم إلى مدَّة، ثمَّ يأذن لهم في الرجوع بعد أن يجهز الأولين.\nفإن قلت: ما وجه تبكير ملائكة؟ قال العَيني: ليدلَّ على أنَّ الثانية غير الأولى لقوله تعالى: ﴿غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾ [سبأ: ١٢].\nقوله: (فِيْكُمْ) أي المصلِّين أو مطلق المؤمنين، قال العَيني: الخطاب يعود في قوله: (يَتَعَاقَبُوْنَ فِيْكُمْ) للمصلِّين، ولا يصحُّ أن يكون لمطلق المؤمنين؛ لأن هذه الفضيلة للمصلِّين، والدليل على ذلك قوله: (يجتمعونَ في صلاةِ الفجرِ وصلاةِ العصرِ). انتهى. قلت: على قول من يقول: إنَّ المراد من الملائكة هنا الحفظة، يلزم من قول العَيني أنَّ غير المصلِّين من المؤمنين لا يكون معهم حفظة. انتهى.\nقوله: (مَلَائِكَةٌ)","vol":"1","page":71},{"text":"قال العَيني: عند أكثر العلماء هم الحفظة، فسؤاله لهم إنَّما هو سؤال عما أمرهم به من حفظهم لأعمالهم وكتبهم إياها عليهم. وقال عياض: وقيل يحتمل أن يكونوا غير الحفظة، فسؤاله لهم إنَّما هو على جهة التوبيخ لمن قال: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾ [البقرة: ٣٠]، وإنَّه أظهر لهم ما سبق في علمه بقوله: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠].\nقال القُرْطُبي: وهذه حكمة اجتماعهم في هاتين الصلاتين. أو يكون سؤاله لهم استدعاء لشهادتهم له، ولذلك قالوا: (أتيناهُم وهُم يصَلُّون، وتركناهُم وهُم يصَلُّون) وهذا من خفي لطفه ﷿ وجميل ستره إذ لم يطلعهم إلَّا على حالة عبادتهم، ولم يطلعهم على حالة شهواتهم وما يشبهها. انتهى.\nقال العَيني: هذا الذي قاله يعطي أنَّهم غير الحفظة؛ لأنَّ الحفظة يطَّلعون على أحوالهم كلِّها، اللَّهمَّ إلَّا أن تكون الحفظة غير الكاتبين فيتجه ما قاله، والظَّاهر أنَّهم غيرهما؛ لأنَّه قد جاء في بعض الأحاديث: «إذا ماتَ العبدُ جلسَ كاتباهُ عندَ قبرِهِ يستغفرانِ لهُ ويصلِّيانِ عليهِ إلى يومِ القيامةِ» يوضحه ما روى ابن المنذر بسند له عن أبي عُبَيْدَة بن عبد الله عن أبيه أنَّه كان يقول: يتداول الحارسان من ملائكة الله تعالى حارس اللَّيل وحارس النَّهار عند طلوع الفجر.\nوعن الضَّحَّاك في قوله تعالى: ﴿وَقُرْآنَ الفَجْرِ﴾ [الإسراء: ٧٨] قال: تشهده ملائكة اللَّيل وملائكة النَّهار، يشهدون أعمال بني آدم. وفي «تفسير ابن أبي حاتم»: تشهده الملائكة والجنُّ. انتهى.\nقال شيخنا عقبه: كلام القاضي عياض: وفيه شيء؛ لأنَّه رجَّح أنَّهم الحفظة، ولا شكَّ أنَّ الذين يصعدون كانوا مقيمين عندهم مشاهدين لأعمالهم في جميع الأوقات، فالأولى أن يقال: الحكمة في كونه تعالى لا يسألهم إلَّا عن الحالة الَّتي تركوهم عليها ما ذُكر، ويحتمل أن يقال: إنَّ الله تعالى يستر عنهم ما يعملونه في هاتين الوقتين، لكنَّه بناء على أنَّهم غير الحفظة. وفيه إشارة إلى الحديث الآخر: أنَّ «الصلاةَ إلى الصَّلاة كفارةٌ لما بينَهما» فمن ثمَّ وَقَعَ السؤال من كلِّ طائفة عن آخر شيء فارقوهم عليه. انتهى.\nوتردَّد ابن بَزِيزَة: هل هم الحفظة أو غيرهم؟ وقال القُرْطُبي: الأظهر عندي أنَّهم غيرهم، ويقوِّيه: إنَّه لم ينقل أنَّ الحفظة يفارقون العبد، ولأنَّ حفظة اللَّيل غير حفظة النَّهار، وبأنَّهم لو كانوا هم الحفظة لم يقع الاكتفاء في السؤال منهم عن حالة الترك دون غيرها في قوله: (كيف تركتم عبادي).\nقوله: (وَيَجْتَمِعُوْنَ) قال الزَّين بن المنيِّر: التعاقب مغاير للاجتماع، لكن ذلك منزل على حالتين. قال شيخنا: وهو ظاهر، وقال ابن عبد البرِّ: الأظهر أنَّهم يشهَّدون معهم الصَّلاة في الجماعة، واللفظ محتمل للجماعة وغيرها، كما يحتمل أنَّ التعاقب يقع بين طائفتين دون غيرهم، وأن يقع التعاقب بينهم في النوع لا في الجنس.\nقلت: وقد تقدَّم آنفًا أنَّ اجتماعهم في هاتين الصلاتين من لطف الله تعالى بعباده المؤمنين أن جعل اجتماعهم عندهم ومفارقتهم لهم في أوقات عبادتهم واجتماعهم على طاعة ربِّهم، فتكون شهادتهم لهم بما شاهدوه من الخير.\nوقال ابن حبَّان في «صحيحه»: فيه بيان أنَّ ملائكة اللَّيل تنزل والنَّاس في صلاة العصر، وحينئذ تصعد ملائكة النَّهار، وهذا ضدُّ قول من زَعَمَ أنَّ ملائكة اللَّيل تنزل بعد غروب الشَّمس.","vol":"1","page":72},{"text":"قوله: (ثُمَّ يَعَرُجُ الَّذِيْنَ بَاتُوا فِيْكُمْ) من: عرج يعرُج عروجًا، من باب قصر يقصُر، والعروج: الصعود، ويقال: عرج يعرج عروجًا إذا عجز من شيء أصابه، وعرج يعرج عرجًا إذا صار أعرج أو كان خِلقةً فيه، وعرَّج بالتشديد تعريجًا إذا قام.\nوقد تقدَّم الكلام على قوله: (الَّذِيْنَ بَاتُوا فِيْكُمْ) قال شيخنا: اختلف في الاقتصار على سؤال الذين باتوا دون الذين ظلوا أي أقاموا في النَّهار فقيل هو من باب الاكتفاء بذكر أحد المثلين عن الآخر كقوله تعالى ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ [الأعلى: ٩] أي وإن لم تنفع وقوله: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: ٨١] أي والبرد وإلى هذا أشار ابن التِّين وغيره قيل الحكمة في الاقتصار على هذا الشقِّ دون الآخر أنَّ ملائكة اللَّيل مظنة المعصية فلما لم يقع منه عصيان مع إمكان دواعي الفعل مع إمكان الإخفاء ونحوه واشتغلوا بالطاعة كان النَّهار أولى بذلك فكان السؤال عن اللَّيل أبلغ من السؤال عن النَّهار لكون النَّهار محلِّ الاشتهار وقيل: الحكمة في ذلك أنَّ ملائكة اللَّيل إذا صلَّوا الفجر عرجوا في الحال وملائكة النَّهار إذا صلَّوا العصر لبثوا إلى آخر النَّهار لضبط بقيَّة عمل النَّهار. قال شيخنا: وهذا ضعيف؛ لأنَّه يقتضي أنَّ ملائكة النَّهار لا يسألون عن وقت العصر، وهو خلاف ظاهر الحديث كما سيأتي. قال العَيني: هذا الذي ذكره ضعيف؛ لأنَّ لبث ملائكة النَّهار لضبط بقيَّة عمل النَّهار لا يستلزم عدم السؤال. انتهى. ثمَّ هو مبني على أنَّهم الحفظة، وفيه نظر؛ لما سنبيِّنه، وقيل: بناء أيضًا على أنَّهم الحفظة أنَّهم ملائكة النَّهار فقط، وهم لا يبرحون عن ملازمة بني آدم، وملائكة اللَّيل هم الذين يعرجون ويتعاقبون، ويؤيِّده ما رواه أبو نُعَيم في «كتاب الصلاة» له من طريق الأسود بن يزيد النَّخَعي قال: يلتقي الحارسان - أي ملائكة اللَّيل وملائكة النَّهار- عند صلاة الصُّبح، فيسلِّم بعضهم على بعض، فتصعد ملائكة اللَّيل وتلبث ملائكة النَّهار.\nوقيل: يحتمل أن يكون العروج إنَّما يقع عند صلاة الفجر خاصَّة، وأمَّا النُّزول فيقع في الصَّلاتين معًا وفيه التَّعاقب، وصورته: أن تنزل طائفة عند العصر وتبيت، ثمَّ تنزل طائفة ثانية عند الفجر، فتجتمع الطائفتان في صلاة الفجر، ثمَّ يعرج الذين باتوا فقط، ويستمرُّ الذين نزلوا وقت الفجر إلى العصر، فتنزل الطائفة الأخرى فيحصل اجتماعهم عند العصر أيضًا، ولا يصعد منهم أحد، بل تبيت الطائفتان أيضًا، ثمَّ تعرج إحدى الطائفتين ويستمرُّ ذلك، فتصحُّ صورة التَّعاقب مع اختصاص النُّزول بالعصر والعروج بالفجر، فلهذا خصَّ السؤال بالذين باتوا. والله أعلم.\nوقيل: إنَّ قوله في هذا الحديث: (وَيَجْتَمِعُوْنَ فِي صَلَاةِ الفَجْرِ وَصَلَاةِ العَصْرِ) وهمٌ؛ لأنَّه ثبت من طرق كثيرة: أنَّ الاجتماع في صلاة الفجر من غير ذكر صلاة العصر كما في «الصحيحين» من طريق سعيد بن المُسَيَّب عن أبي هريرة في أثناء حديث فإن فيه: «ويجتمع ملائكة اللَّيل وملائكة النَّهار في صلاة الفجر»، قال أبو هريرة: واقرأوا إن شئتم: ﴿وَقُرْآنَ الفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨]، وفي التِّرْمِذي والنَّسائي من وجه آخر بإسناد صحيح عن أبي هريرة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ قُرْآنَ","vol":"1","page":72},{"text":"الفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨] قال: تشهَّده ملائكة اللَّيل والنهار. وروى ابن مردويه من حديث أبي الدرداء مرفوعًا نحوه، قال ابن عبد البرِّ: ليس في هذا دفع للرواية الَّتي فيها ذكر العصر؛ إذ لا يلزم من عدم ذكر العصر في الآية والحديث الآخر عدمُ اجتماعهم في العصر؛ لأنَّ السكوت فيه قد يكون في حكم المذكور بدليل آخر، قال: ويحتمل أن يكون الاقتصار وَقَعَ في الفجر لكونها جهريَّة.\nقال شيخنا: وبحثه الأوَّل متَّجه؛ لأنَّه لا سبيل إلى ادعاء توهُّم الرَّاوي الثِّقة مع إمكان التوفيق بين الروايات، ولا سيَّما أنَّ الزيادة من العدل الضابط مقبولة، ولم لا يقال: إنَّ رواية من لم يذكر سؤال الذين أقاموا في النَّهار وَقَعَ من تقصير بعض الرواة، أو يحتمل قوله: (ثُمَّ يَعْرُجُ الَّذِيْنَ بَاتُوا) على ما هو أعمُّ من المبيت باللَّيل والإقامة بالنَّهار، فلا يختص ذلك بليل دون نهار ولا عكسه، بل كلُّ طائفة منهم إذا صعدت سئلت، وغاية ما فيه إنَّه استعمل لفظ (باتَ) في (أقامَ) مجازًا، ويكون قوله: (فيسألُهم) أي كلُّ من الطائفتين في الوقت الذي يصعد فيه، ويدلُّ على هذا الحمل رواية موسى بن عُقْبَة عن أبي الزناد عند النَّسائي ولفظه: «ثُمَّ يَعْرُجُ الَّذِيْنَ كَانُوا»، فعلى هذا لم يقع في المتن اختصار ولا اقتصار، وهذا أقرب الأجوبة.\nوقد وَقَعَ لنا هذا الحديث من طريق أخرى واضحًا، وفيه التصريح بسؤال كلٍّ من الطائفتين، وذلك فيما رواه ابن خُزَيمَة في «صحيحه» وأبو العبَّاس السراج جميعًا عن يوسف بن موسى عن جرير عن الأَعْمَش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «تجتمعُ ملائكةُ اللَّيلِ وملائكةُ النَّهار في صلاةِ الفجرِ وصلاةِ العصرِ، فيجتمعُونَ في صلاةِ الفجرِ، فتصعدُ ملائكةُ اللَّيلِ وتبيتُ ملائكةُ النهارِ، ويجتمعُونَ في صلاةِ العصرِ، فتصعدُ ملائكةُ النَّهار وتبيتُ ملائكةُ الليلِ، فيسألُهم ربهُّم: كيفَ تركْتُم عبادِي؟» الحديث، وهذه الرواية تزيل الإشكال وتغني عن كثير من الاحتمالات المتقدمة، فهي المعتمدة، ويحمل ما نقص منها على تقصير بعض الرواة. انتهى.\nقوله: (فَيَسْأَلُهُمْ) قيل الحكمة فيه: استدعاء شهادتهم لبني آدم بالخير، واستنطاقهم لما يقتضي التعطف عليهم بذلك، وذلك لإظهار الحكمة في خلق نوع الإنسان في مقابلة من قال من الملائكة: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠] أي قد وجد فيهم من يسبِّح ويقدِّس مثلكم بنصِّ شهادتكم. وقال عياض: هذا السؤال على سبيل التعبُّد للملائكة كما أمروا أن يكتبوا أعمال بني آدم، وهو ﷾ أعلم من الجميع بالجميع.\nقوله: (كَيْفَ تَرَكْتُمْ) قال ابن أبي حمزة: وَقَعَ السؤال عن آخر الأعمال بخواتيمها، قال: والعباد المسؤول عنهم هم الذين ذكروا في قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الإسراء: ٦٥]. انتهى. قلت: اعلم أنَّ العبد هو القائم إلى أوامر سيِّده على حدِّ النَّشاط حيث جعله محلَّ أمره وقد كثرت عبارات القوم في حدِّ العبد والعبوديَّة والعبودة بألفاظ مختلفة ومعاني متقاربة وقد أشبعت الكلام فيها في كتابي «السراج الوهَّاج في حقائق المعراج» فمن أراد تحقيقها فليراجعه. انتهى.\nقوله: (تَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّوْنَ، وَأَتَيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّوْنَ) قال شيخنا: لم يراعوا","vol":"1","page":73},{"text":"الترتيب الوجودي؛ لأنَّهم بدؤوا بالترك قبل الإتيان، والحكمة فيه: أنَّهم طابقوا السؤال؛ لأنَّه قال: (كَيْفَ تَرَكْتُمْ) ولأن المُخبَر به صلاة العباد والأعمالُ بخواتيمها، فناسب ذلك إخبارهم عن آخر أعمالهم قبل أوَّله.\nقوله: (تَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ) ظاهره أنَّهم فارقوهم عند شروعهم في الصلاة، سواء تمَّت أو منع مانعٌ من إتمامها، وسواء شرع الجميع فيها أم لا؛ لأنَّ المنتظر في حكم المصلِّي، ويحتمل أن يكون المراد بقولهم: (وَهُمْ يُصَلُّوْنَ) أي ينتظرون صلاة المغرب.\nوقال ابن التِّين: الواو في قوله: (وهم يصلُّون) واو الحال، أي تركناهم على هذه الحال، ولا يقال: يلزم منه أنَّهم فارقوهم قبل انقضاء الصَّلاة فلم يشهَّدوها معهم، والخبر ناطق بأنَّهم يشهَّدوها؛ لأنَّا نقول هو محمول على أنَّهم شهدوا الصَّلاة مع من صلَّاها في أوَّل وقتها، وشهِّدوا من دخل فيها بعد ذلك ومن شرع في أسباب ذلك. انتهى.\nفإن قيل: ما الفائدة في قولهم: (وَأَتَيْنَاهُمْ) وكأنَّ السؤال عن كيفية الترك؟ وأجيب بأنَّهم زادوا في الجواب إظهارًا لبيان فضيلتهم، وحرصًا على ذِكر ما يوجب مغفرتهم كما هو وظيفتهم فيما أخبر الله عنهم بقوله: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافر: ٧]. انتهى.\nقال شيخنا: ووَقَعَ في «صحيح ابن خُزَيمَة» من طريق الأَعْمَش عن أبي صالح عن أبي هريرة في آخر هذا الحديث: «فاغفرْ لهُمْ يوم الدين».\nنكتة: استنبط منه بعض الصُّوفيَّة: إنَّه يستحبُّ ألَّا يفارق الشخص شيئًا من أموره إلَّا وهو على طهارة؛ كشعره إذا حلقه، وظفره إذا قلَّمه، وثوبه إذا أبدله، ونحو ذلك.\nقال ابن خُزَيمَة: ويستفاد من الحديث أنَّ الصَّلاة أعلى العبادات؛ لأنَّها عليها وَقَعَ السؤال والجواب، وفيه الإشارة إلى عظم هاتين الصلاتين؛ لكونهما يجتمع فيهما كلا الطائفتين وفي غيرهما طائفة واحدة، وفيه الإشارة إلى شرف الوقتين المذكورين، وقد ورد: أنَّ الرزق يُقسم بعد صلاة الصُّبح، وأنَّ الأعمال تُرفع آخر النَّهار، فمن كان في طاعة بورك في رزقه وفي عمله، والله ﷾ أعلم.\nويترتب عليه حكمة الأمر بالمحافظة عليهما والاهتمام بهما، وفيه تشريف هذه الأمَّة على غيرها، ويستلزم تشريف نبيها عليه أفضل الصَّلاة والسَّلام على غيره من الأنبياء، وفيه الإخبار بالغيوب ويترتَّب عليه زيادة الإيمان وفيه الإخبار بما نحن فيه من ضبط أحوالنا حتَّى نتيقَّظ ونتحفَّظ في الأوامر والنَّواهي، ونفرح في هذه الأوقات بقدوم رسل ربِّنا وبسؤال ربِّنا عنَّا.\nقلت: وقد كنت أسمع شيخي وقدوتي السيِّد الشريف أحمد النُّعْماني ﵀ يقول عند صلاة الفجر: مرحبًا بملائكة النَّهار، مرحبًا برسل ربِّي، السَّلام عليكم ورحمة الله وبركاته. انتهى.\nوفيه إعلامنا بحبِّ ملائكة الله لنا؛ لنزداد فيهم حبًّا ونتقرَّب إلى الله بذلك، وفيه كلام الله تعالى مع ملائكته، وغير ذلك من الفوائد.\nقال شيخنا: استدلَّ بالحديث بعض الحنفيَّة على استحباب تأخير صلاة العصر؛ ليقع عروج الملائكة إذا فرغ منها آخر النَّهار، وتُعُقِّب بأن ذلك غير لازم؛ إذ ليس في الحديث ما يقتضي أنَّهم لا يصعدون إلَّا ساعة الفراغ من الصلاة، بل جائز أن تفرغ الصَّلاة ويتأخَّروا","vol":"1","page":73},{"text":"بعد ذلك إلى آخر النَّهار، ولا مانع أيضًا من أن تصعد ملائكة النَّهار وبعضُ النَّهار باقٍ ويقيم ملائكة اللَّيل، ولا يردُّ على ذلك وصفهم بالمبيت بقوله: (بَاتُوا فِيْكُمْ) لأنَّ اسم المبيت صادق عليهم ولو تقدَّمت إقامتَهم باللَّيل إقامتُهم قطعةً من النَّهار، ويحتمل أن يكون أنَّهم لا يصعدون حتَّى يفرغ الوقت؛ ليعلموا من صلَّى ومن لم يصلِّ، وهو ظاهر. انتهى.\nقال العَيني: هذا القائل ذكر في هذا الموضع ناقلًا عن البعض أنَّ ملائكة اللَّيل إذا صلَّوا الفجر عرجوا في الحال، وملائكة النَّهار إذا صلَّوا العصر لبثوا إلى آخر النَّهار لضبط بقيَّة عمل النَّهار، ثمَّ قال: وهذا ضعيف؛ لأنَّه يقتضي أنَّ ملائكة النَّهار لا يُسألون، وهو خلاف ظاهر الحديث، فالعجب منه إنَّه ناقَضَ كلامَه الذي ذكره في التَّعَقُّب على ما لا يخفى، وبمثل هذا التَّصرُّف لا يتوجَّه الردُّ على المستدلِّين بقوله: (ثُمَّ يَعْرُجُ الَّذِيْنَ بَاتُوا فِيْكُمْ) على استحباب تأخير صلاة العصر. انتهى.\nقلت: لم يناقض شيخُنا كلامَه؛ لأنَّه ناقل في الموضعين، واعترض على أحد القولين وردَّ العَيني اعتراضَه، فقد قوَّى قول المُتَعَقِّب هنا، والله أعلم. انتهى.\nقال شيخنا: وسيأتي الكلام على فوائد الحديث في باب قوله: (ثُمَّ يَعْرُجُ) في كتاب التوحيد إن شاء الله تعالى. انتهى.\n\n <span id=\"b-٩٩\"> </span>(١٧) <span data-type=\"title\" id=toc-99>(بَابُ مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ العَصْرِ قَبْلَ الغُرُوْبِ)</span> أي هذا باب في بيان حكم من أدرك ركعة من صلاة العصر قبل غروب الشَّمس، قيل: جواب (مَنْ) الَّتي تضمَّن معنى الشرط محذوف، قال العَيني: لا نسلِّم أنَّ (مَنْ) هذه شرطيَّة، ولكنَّها موصولة، يوضح ذلك ما قدَّرناه. انتهى. قلت: للعَيني في هذا التقدير غرضٌ، وسيتَّضح ذلك فيما في الحديث من الأحكام. انتهى.\nوقال شيخنا: أورد فيه حديث أبي سلمة عن أبي هريرة: «إِذَا أَدْرَكَ أَحَدُكُمْ سَجْدَةً مِنْ صَلَاةِ العَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمس فَلْيُتِمَّ صَلَاتُهُ»، فكأنه أراد تفسير الحديث، وأن المراد بقوله فيه: (سَجْدَةً) أي ركعة، وقد رواه الإسماعيلي من طريق حُسَين بن محمَّد بن شَيْبان بلفظ: «مَنْ أدركَ مِنْكُم ركعةً» فدلَّ على أنَّ الاختلاف في اللَّفظ وَقَعَ من الرواة، وستأتي رواية مالك في أبواب وقت الصُّبح بلفظ: «مَنْ أَدْرَك َرَكْعَةً» ولم يختلف على راويها في ذلك، فكان عليها الاعتماد. وقال الخطَّابيُّ: المراد بالسجدة الركعة بركوعها وسجودها، والركعة إنَّما يكون تمامها بسجودها، فسمِّيت على هذا المعنى سجدة. انتهى كلام الخطابي.\nوقد روى البَيْهَقي هذا الحديث من طريق محمَّد بن الحسين بن الحنفي عن الفَضْل بن دُكَين، وهو أبو نُعَيم شيخ البخاري فيه، بلفظ: «إذا أدركَ أحدُكم أوَّلَ سجدةٍ منْ صلاةِ العصرِ» وإنَّما لم يأتِ المُصَنِّف في الترجمة بجواب الشرط؛ لما في لفظ المتن الذي أورده من الاحتمال، وهو قوله: (فليُتِمَّ صَلَاتُهُ) لأن الأمر بالإتمام أعمُّ من أن يكون ما يتمُّه أداءً أو قضاءً، فحذف جواب الشرط لذلك، ويحتمل أن تكون (مَنْ) في الترجمة موصولة، وفي الكلام حذف تقديره: باب حكم من أدرك إلى آخره، لكن سيأتي من حديث مالك بلفظ: «قَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ» وهو يقتضي أن تكون أداءً، وستأتي مباحثه هناك إن شاء الله تعالى. انتهى.\nقال العَيني: لا بدَّ للشرط من جواب، سواء كان ملفوظًا أو مقدَّرًا، والجواب","vol":"1","page":74},{"text":"في الحديث مذكورٌ، وكون الأمر بالإتمام أعمَّ ليست قرينةً لترك جواب الشرط في الترجمة، وكان ينبغي أن يقول: جواب الشرط في الترجمة محذوف تقديره: فليتمَّ، يبيِّنه جواب الشرط الذي في متن الحديث، ولكن التقدير الذي قدَّرناه لا يحوجنا إلى تقدير جواب الشرط ولا إلى القول بأنَّ مَن شرطيَّة. انتهى.\n\n٥٥٦ - <span id=\"b-١٠٠\"> </span>قوله: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) أي الفَضْل بن دُكَين، ترجمته في باب من استبرأ لدينه في كتاب الإيمان.\nقوله: (حَدَّثَنَا شَيْبَانُ) أي ابن عبد الرحمن التَّميمي، ترجمته في باب كتابة العلم.\nقوله: (عَنْ يَحْيَى) أي ابن أبي كثير، ترجمته في الباب أيضًا.\nقوله: (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) أي عبد الله بن عبد الرحمن بن عَوْف، ترجمته في بدء الوحي.\nقوله: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) أي عبد الرحمن بن صخر، ترجمته في باب أمور الإيمان.\nفي هذا الإسناد: التَّحديث بصيغة الجمع في موضعين، وفيه العنعنة في ثلاث مواضع، وفيه القول، وفيه أنَّ رواته ما بين كوفي وبصري ومدني.\nقوله: (قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ: إِذَا أَدْرَكَ أَحَدُكُمْ سَجْدَةً مِنْ صَلَاةِ العَصْرِ، قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ، فَليُتِمَّ صَلَاتَهُ، وَإِذَا أَدرَكَ سَجدَةً مِنْ صَلَاةِ الصبحِ، قَبلَ أَن تَطلُعَ الشمسُ، فَليُتِمَّ صَلَاتَهُ).\nمطابقته للترجمة ظاهرة في قوله: (إِذَا أَدْرَكَ أَحَدُكُمْ سَجْدَةً مِنْ صَلَاةِ العَصْرِ) فإن قلت: المذكور في الترجمة ركعة وفي الحديث سجدة، والترجمة في الإدراك في العصر، والحديث في العصر والصُّبح، فلا تطابق! قال العَيني: المراد من السجدة الركعة على ما يجيء إن شاء الله تعالى، وترك الصُّبح فيها من باب الاكتفاء.\nوقد وَقَعَ في ألفاظ هذا الحديث اختلاف، أخرج البخاري أيضًا عن أبي هريرة ﵁ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ: «مَنْ أَدْرَكَ مِنَ الصُّبح رَكْعَةً قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمس فَقَدْ أَدْرَكَ الصُّبْحَ، وَمَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ العَصْرِ قَبْلَ أَنْ تغْرُبَ الشَّمس فَقَدْ أَدْرَكَ العَصْرَ»، أخرجه في باب من أدرك من الفجر ركعة، وفي رواية النسائي: «إذا أدركَ أحدُكم أوَّلَ السجدةِ مِن صلاةِ العصرِ قبلَ أنْ تغربَ الشَّمس فليتمَّ صلاتَه»، وكذا أخرجه ابن حبَّان في «صحيحه»، ورواه أحمد بن مَنِيع، ولفظه: «مَن أدركَ منكم أوَّلَ ركعةً مِن صلاةِ العصرِ قبلَ أنْ تغربَ الشَّمسُ فليتمَّ صلاتَه، ومَنْ أدركَ ركعةً مِنْ صلاةِ الصُّبح قبلَ أنْ تطلعَ الشَّمسُ فقدْ أدركَ»، وفي رواية أبي داود: «إذا أدركَ أحدُكم أوَّلَ السجدةِ مِنْ صلاةِ العصرِ».\nوعند السَّرَّاج: «مَنْ صلَّى سجدةً واحدةً مِن العصرِ قبلَ غروبِ الشَّمسِ، ثمَّ صلَّى ما بقي بعدَ غروبِ الشَّمسِ فلمْ يفُتْه العصرَ، ومَن صلَّى سجدةً واحدةً مِن الصُّبح قبلَ طلوعِ الشمسِ، ثمَّ صلَّى ما بقي بعدَ طلوعِها فلمْ يفُتْه الصُّبحَ»، وفي لفظٍ: «مَن أدركَ ركعةً مِن الفجرِ قبلَ أنْ تطلعَ الشَّمسُ، وركعةً بعدَ ما تطلعُ فقدْ أدركَ»، وفي لفظٍ: «منْ أدركَ ركعةً منْ صلاةِ الصُّبحِ ثمَّ طلعَتِ الشَّمسُ فليتمَّ صلاتَه»، وفي لفظٍ: «منْ أدركَ ركعةً منَ الجمعةِ فليضمَّ إليها أخرى»، وفي لفظٍ: «منْ صلَّى سجدةً واحدةً منَ العصرِ قبلَ غروبِ الشَّمسِ، ثمَّ صلَّى ما بقي بعدَ الغروبِ فلمْ تفُتْه العصرَ»، وفي لفظٍ: «منْ أدركَ قبلَ طلوعِ الشَّمسِ","vol":"1","page":74},{"text":"سجدةً فقدْ أدركَ الصَّلاةَ، ومنْ أدركَ قبلَ غروبِ الشَّمسِ سجدةً فقدْ أدركَ الصلاةَ»، وفي لفظٍ: «منْ أدركَ ركعةً أو ركعتينِ منْ صلاةِ العصرِ»، وفي لفظٍ: «ركعتين» من غير تردُّد، غير إنَّه موقوف، وهو عند ابن خُزَيمَة مرفوع بزيادة: «أو ركعةً منْ صلاةِ الصُّبحِ».\nوعند الطَّيالِسي: «منْ أدركَ منَ العصرِ ركعتينِ أو ركعةً - الشكُّ من أبي بشر- قبل أنْ تغربَ الشَّمسُ فقدْ أدركَ، ومنْ أدركَ منَ الصُّبحِ ركعةً قبلَ أنْ تطلعَ الشَّمسُ فقدْ أدركَ»، وعند أحمد: «منْ أدركَ ركعةً منْ صلاةِ الصُّبحِ قبلَ أنْ تطلعَ الشَّمسُ فقدْ أدركَ، ومنْ أدركَ ركعةً أو ركعتينِ منْ صلاةِ العصرِ قبلَ أنْ تغربَ الشَّمسُ فقدْ أدركَ»، وفي رواية النَّسائي: «منْ أدركَ منْ صلاةٍ ركعةً فقدْ أدركَ»، وعند الدَّارَقُطْني: «قبلَ أنْ يقيمَ الإمامُ صُلْبَه فقدْ أدركَها»، وعنده أيضًا: «فقدْ أدركَ الفضيلةَ، ويتمُّ ما بقي» وضعَّفه.\nوفي «سنن الكَجِّي»: «منْ أدركَ منْ صلاةٍ ركعةً فقدْ أدركَها»، وفي «الصلاة» لأبي نعَيم: «منْ أدركَ ركعتينِ قبلَ أنْ تغربَ الشَّمسُ وركعتينِ بعدما غابَتِ الشَّمسُ فلمْ تفتْه العصرَ»، وعند مسلم: «منْ أدركَ ركعةً منَ الصَّلاةِ معَ الإمامِ فقدْ أدركَ الصَّلاةَ»، وعند النَّسائي بسند صحيح: «منْ أدركَ ركعةً منَ الصَّلاةِ معَ الإمامِ فقدْ أدركَ الصَّلاةَ كلَّها إلَّا أنَّه يقضي ما فاتَه»، وعند الطَّحاوي: «منْ أدركَ ركعةً منَ الصَّلاةِ فقدْ أدركَ الصَّلاة وفضلَها» قال: وأكثر الرُّواة لا يذكرون فضلَها، قال: وهو الأظهر، وعند الطَّحاوي في حديث عائشة نحوُ حديث أبي هريرة. وأخرجه النَّسائي وابن ماجَهْ أيضًا. انتهى.\nقوله: (إِذَا أَدْرَكَ) كلمة إذا تتضمَّن معنى الشرط، فلذلك دخلت الفاء في جوابها وهو قوله: (فَليُتِمَّ صَلَاتَهُ).\nقوله: (سَجْدَةً) أي ركعة، تدلُّ عليه الرواية الأخرى للبخاري: «مَنْ أَدْرَكَ مِنَ الصُّبح رَكْعَةً» وكذلك فسَّرها في رواية مسلم: حدَّثني أبو الطَّاهر وحَرْمَلَة، كلاهما عن ابن وَهْب، والسِّياق لحرملة قال: أخبرني يُونُس عن ابن شهاب، أنَّ عُرْوَة بن الزُّبَيْر حدَّثه عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: «منْ أدركَ منَ العصرِ سجدةً قبلَ أنْ تغربَ الشَّمسُ، أو منَ الصُّبحِ قبلَ أنْ تطلعَ فقدْ أدركَها» والسجدة إنَّما هي الركعة، وفسَّرها حَرْمَلَة، وكذا فسَّر في «الأم» لأنَّه يعبَّر بكلِّ واحد منهما عن الآخر، وأيًّا ما كان فالمراد بعضُ الصَّلاة وإدراك شيءٍ منها، وهو يطلق على الركعة والسجدة وما دونها مثل تكبيرة الإحرام.\nفإن قلت: ما الفرق بين قوله: (مَنْ أَدْرَكَ مِنَ الصُّبح سَجْدَةً) و(مَنْ أَدْرَكَ سَجْدَةً مِنَ الصُّبْحِ)؟ قال العَيني: رواية تقديم السجدة هي السبب الذي به الإدراك، ومن قدَّم الصُّبح أو العصر قبل الركعة فلأنَّ هذين الاسمين هما اللذان يدلَّان عن هاتين الصلاتين دلالةً خاصة تتناول جميع أوصافها، بخلاف السجدة فإنَّها تدلُّ على بعض أوصاف الصلاة، فقُدِّم اللَّفظ الجامع. انتهى.\nفيه دليل صريح أنَّ من صلَّى ركعة من العصر، ثمَّ خرج الوقت قبل سلامه لا تبطل صلاته، بل يتمُّها، قال العَيني: وهذا بالإجماع. وأمَّا في الصُّبح فكذلك","vol":"1","page":75},{"text":"عند الشَّافعي ومالك وأحمد، وعند أبي حنيفة تبطل صلاة الصُّبح بطلوع الشَّمس فيها، وقالوا: الحديث حجَّة على أبي حنيفة، وقال النَّوَوي: أبو حنيفة يبطل صلاة الصُّبح بطلوع الشَّمس فيها؛ لأنَّه دخل وقت النَّهي عن الصَّلاة بخلاف الغروب، والحديث حجَّة عليه.\nقال العَيني: من وقف على ما أسس عليه أبو حنيفة عرف أنَّ الحديث ليس بحجَّة عليه، وعرف أنَّ غير هذا من الأحاديث حجَّة عليهم، فنقول: لا شكَّ أنَّ الوقت سبب للصلاة وظرف لها، ولكن لا يمكن أن يكون كلُّ الوقت سببًا؛ لأنَّه لو كان كذلك يلزم تأخير الأداء عن الوقت، فتعيَّن أن يجعل بعض الوقت سببًا، وهو الجزء الأوَّل؛ لسلامته عن المزاحم، فإن اتصل به الأداء تقرَّرت السَّببيَّة، وإلَّا تنتقل إلى الجزء الثَّاني والثالث والرابع وما بعده إلى أن يتمكَّن فيه من عند التحرية إلى آخر جزء من آخر الوقت، ثمَّ هذا الجزء إن كان صحيحًا بحيث لم ينسب إلى الشيطان، ولم يوصف بالكراهة كما في الفجر وجب عليه كاملًا، حتَّى لو عرض له الفساد في الوقت بطلوع الشَّمس في خلال الصَّلاة فسد خلافًا لهم؛ لأنَّ ما وجب كاملًا لا يتأدَّى بالناقص كالصَّوم المنذور المطلق أو صوم القضاء لا يتأدَّى في أيَّام النَّحْر والتَّشريق، وإن كان هذا الجزء ناقصًا كان منسوبًا إلى الشَّيطان كالعصر وقت الاحمرار وجب ناقصًا؛ لأنَّ نقصان السبب مؤثِّر في نقصان المتسبِّب، فيتأدَّى بصفة النقصان؛ لأنَّه أُدّي كما لزم، كما إذا أنذر صوم النَّحْر وأداه فيه، فإذا غربت الشَّمس في أثناء الصَّلاة لم يفسد العصر؛ لأنَّ ما بعد الغروب كامل فيتأدَّى فيه؛ لأنَّ ما يجب ناقصًا يتأدَّى كاملًا بالطريق الأولى.\nفإن قلت: يلزم أن تفسد العصر إذا شرع فيه في الجزء الصحيح ومدَّها إلى أن غربت. قلت: لما كان الوقت مُتَّسِعًا جاز له شغل كلِّ الوقت، فيعفى الفساد الذي يتصل به بالبناء؛ لأنَّ الاحتراز عنه مع الإقبال على الصَّلاة متعذِّر.\nوأمَّا الجواب عن الحديث المذكور: فهو ما ذكره الإمام الحافظ أبو جعفر الطَّحاوي ﵀، وهو أنَّه يحتمل أن يكون معنى الإدراك في الصبيان الذين يدركون -يعني يبلغون قبل طلوع الشَّمس- والحيِّض اللاتي يطهرن، والنَّصارى الذين يسلمون؛ لأنَّه لما ذكر في هذا الإدراك ولم يذكر الصَّلاة فيكون هؤلاء الذين سمَّيناهم ومن أشبههم مدركين لهذه الصَّلاة، فيجب عليهم قضاؤها وإن كان الذي بقي عليهم من وقتها أقلُّ من المقدار الذي يصلُّونها فيه.\nفإن قلت: ما تقول فيما رواه أبو سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «إِذَا أَدْرَكَ أَحَدُكُمْ سَجْدَةً مِنْ صَلَاةِ العَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمسُ فليُتِمَّ صَلَاتَهُ، وَإِذَا أَدْرَكَ سَجْدَةً مِنْ صَلَاةِ الصُّبح قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمسُ فليُتِمَّ صَلَاتَهُ» رواه البخاري والطَّحاوي أيضًا، فإنه صريح في ذكر البناء بعد طلوع الشَّمس.\nقلت: قد تواترت الآثار عن النَّبِيِّ ﷺ بالنَّهي عن الصَّلاة عند طلوع الشَّمس ما لم تتواتر بإباحة الصَّلاة عند ذلك، فدلَّ ذلك أنَّ ما كان فيه الإباحة كان منسوخًا بما فيه التواتر بالنَّهي.\nفإن قلت: ما حقيقة النَّسخ في هذا","vol":"1","page":75},{"text":"والذي تذكره احتمال، وهل يثبت النَّسخ بالاحتمال؟\nقلت: حقيقة النَّسخ هنا إنَّه اجتمع في هذا الموضع محرِّم ومبيح، وقد تواترت الأخبار والآثار في باب المحرِّم ما لم تتواتر في باب المبيح، وقد عرف من القاعدة: أنَّ المحرِّم أو المبيح إذا اجتمعا يكون العمل للتحريم، ويكون المبيح منسوخًا؛ وذلك لأنَّ الناسخ هو المتأخِّر، ولا شكَّ أنَّ الحرمة متأخِّرة عن الإباحة؛ لأنَّ الأصل في الأشياء الإباحةُ والتحريمُ عارضٌ، ولا يجوز العكس؛ لأنَّه يلزم النَّسخ مرَّتين، فافهم؛ فإنَّه كلام دقيق قد لاح لي من الأنوار الإلهيَّة.\nفإن قلت: إنَّما ورد النَّهي المذكور عن الصَّلاة في الطُّلوع خاصَّة، وليس بنهي عن قضاء الفرائض. قلت: دلَّ حديث عِمْران بن حُصَين الذي خرجه البخاري ومسلم وغيرهما على أنَّ الصَّلاة الفائتة قد دخلت في النَّهي عن الصَّلاة عند طلوع الشَّمس وعند غروبها، وعن عِمْران أنَّه قال: «سَرَيْنَا مَعَ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ فِي غَزْوَةٍ، أَوْ قَالَ: فِي سَرِيْةٍ، فَلَمَا كَانَ آخِرُ السَّحَرِ عَرَّسْنَا، فَمَا اسْتَيْقَظْنَا حتَّى أَيْقَظَنَا حَرُّ الشَّمْسِ» الحديث، وفيه أنَّه ﵇ أخَّر صلاة الصُّبح حين فاتت عنهم إلى أن ارتفعت الشَّمس، ولم يصلِّها قبل الارتفاع، فدلَّ ذلك أنَّ النَّهي عامٌّ يشمل الفرائض والنوافل، والتخصيص بالتطوع ترجيح بلا مرجح. هذا كلُّه كلام العيني.\nقلت: وفي هذا الحديث الذي استدلَّ به على أنَّ النَّهي عامٌّ ما يبطل قوله، وهو قول عِمْران: (فَمَا اسْتَيْقَظَنَا حتَّى أَيْقَظَنَا حَرُّ الشَّمْسِ) وحرُّها لا يكون إلَّا بعد ارتفاعها، وهو لا يقول: إنَّ النَّهي يكون في حالة الارتفاع، وتأخيره ﵇ لم يكن لأجل طلوع الشَّمس، إنَّما هو لأجل الشَّيطان الذي في ذلك الوادي، وقول العَيني: كالصَّوم المنذور المطلق إلى آخره، معارضّةٌ لنصٍّ بالقياس، وفي غالب ما قاله نظر، ولا شكَّ أنَّ حديث الباب حجَّةٌ عليه كما قاله النَّوَوي وغيره؛ لأنَّه ﵇ أمر بإتمامها بعد طلوع الشَّمس، ونهيه عن الصَّلاة عند الطلوع هو أن يبتدئ المصلِّي الصَّلاة في حالة الطُّلوع، لا أن يبتدئ قبل الطُّلوع، فقد روى مسلم عن عُقْبَة بن عامر ﵁ قال: «ثلاثُ ساعاتٍ كانَ رسولُ اللهِ ﷺ ينهَانا أنْ نصلِّي فيهنَّ أو نقبُرَ فيهنَّ موتَانا: حينَ تطلعُ الشَّمسُ بازغةً حتَّى ترتفعَ، وحينَ يقومُ قائمُ الظهيرةِ حتَّى تميلَ الشَّمسُ، وحينَ تضيَّفُ للغروبِ» فالظهيرة: شدَّة الحرِّ، وقائمها: البعير يكون باركًا فيقوم من شدَّة حرِّ الأرض، وتضيّف للغروب: أي مالت إليه، ومنه الضيف؛ لميله إلى المضيف وميلِ المضيف إليه، والله أعلم.\nقال العَيني: وفيه أنَّ أبا حنيفة ومن تبعه استدلُّوا بالحديث المذكور أنَّ آخر وقت العصر هو غروب الشَّمس؛ لأنَّ من أدرك منه ركعة أو ركعتين مدركٌ له، فإذا كان مدركًا يكون ذلك الوقت من وقت العصر؛ لأنَّ معنى قوله: (فَقَدْ أَدْرَكَ) وجوبها، حتَّى إذا أدرك الصبي قبل غروب الشمس، أو أسلَّم الكافر أو أفاق المجنون أو طهرت الحائض تجب عليه صلاة العصر ولو كان الوقت الذي أدركه جزأ يسيرًا لا يسع فيه الأداء، وكذلك الحكم قبل طلوع الشَّمس. انتهى.\nقلت: هذا الذي قاله العَيني معناه صحيح، وأمَّا تفسيره الحديث بذلك فغير مسلَّم. انتهى.\nقال: وقال زُفَر رحمه","vol":"1","page":76},{"text":"الله: لا يجب ما لم يجد وقتًا يسع الأداء فيه حقيقةً، وعن الشَّافعي ﵀ قولان فيما إذا أدرك دون ركعة كتكبيرة مثلًا، أحدهما: لا يلزمه، والآخر: يلزمه، وهو أصحُّهما. انتهى.\nوفيه: أنَّهم اختلفوا في معنى الإدراك، هل هو للحكم أو للفضل أو للوقت من أقلِّ من ركعة؟ فذهب مالك وجمهور الأئمة، وهو أحد قولي الشافعي، إلى أنَّه لا يدرك شيئًا من ذلك بأقلِّ من ركعة، متمسكين بلفظ الركعة، وبما في «صحيح ابن حبَّان» عن أبي هريرة: «إذا جئتم إلى الصَّلاة ونحن سجود فاسجدوها ولا تعدُّوها شيئًا، ومن أدرك الركعة فقد أدرك الصَّلاة»، وذهب أبو حنيفة وأبو يوسف والشافعي في قولٍ إلى إنَّه يكون مدركًا لحُكم الصَّلاة.\nفإن قلت: قيَّد في الحديث ركعة، فينبغي ألَّا يعتبر أقلَّ منها، قال العَيني: قيَّد الركعة فيه خرج مخرج الغالب، فإنَّ غالب ما يمكن معرفة الإدراك به ركعة ونحوها، حتَّى قال بعض الشافعيَّة: إنَّما أراد رسول الله ﷺ بذكر الركعة البعض من الصَّلاة؛ لأنَّه رُوي عنه: «منْ أدركَ ركعةً منَ العصرِ» و«منْ أدركَ ركعتينِ منَ العصرِ» و«منْ أدركَ سجدةً منَ العصرَ» والتكبيرة في حكم الركعة؛ لأنَّها بعض الصَّلاة، فمن أدركها فكأنَّه أدرك ركعة. انتهى. قلت: هذا التفسير يوافق مذهبه، وقد علمت ما فيه مما تقدَّم. انتهى.\nوقال القُرْطُبي: واتَّفق هؤلاء - يعني أبا حنيفة وأبا يوسف والشافعي في قول - على إدراكهم العصر بتكبيرة قبل الغروب، واختلفوا في الظُّهر، فعند الشَّافعي في قول: هو مدرك بالتكبيرة لها؛ لاشتراكهما في الوقت، وعنه: إنَّه بتمام القيام للظُّهر يكون قاضيًا لها، واختلفوا في الجمعة، فذهب مالك والثَّوْري والأوزاعي واللَّيث وزُفَر ومحمَّد والشافعي وأحمد إلى أنَّ من أدرك ركعة منها أضاف إليها أخرى، وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: إذا أحرَّم في الجمعة قبل سلام الإمام صلَّى ركعتين، وهو قول النَّخَعي والحكم وحمَّاد، وأغرب عطاء ومكحول وطاوس ومجاهد فقالوا: من فاتته الخطبة يوم الجمعة يصلِّي أربعًا؛ لأنَّ الجمعة إنَّما قصرت من أجل الخطبة. وحمل أصحاب مالك قوله: «منْ أدركَ ركعةً منَ العصرِ» على أصحاب الأعذار كالحائض والمغمى عليه وشبههما.\nثمَّ هذه الركعة الَّتي يدركون بها الوقت هي بقدر ما يكبِّر فيها للإحرام، ويقرأ أمَّ القرآن قراءة معتدلة، أو يركع ويسجد سجدتين يفصل بينهما ويطمئن في كلِّ ذلك على قول من أوجب الطمأنينة، وعلى قول من لا يوجب قراءة أمِّ القرآن في كلِّ ركعة يكفيه تكبيرة الإحرام والوقوف لها، وأشهب لا يراعي إدراك السجدة بعد الركعة.\nوسبب الخلاف: هل المفهوم من اسم الركعة الشرعيَّةُ أو اللغويَّةُ. وأمَّا الَّتي يدرك بها فضيلة الجماعة، فحكمها بأن يكبِّر لإحرامها، ثمَّ يركع ويمكِّن يديه من ركبتيه قبل رفع الإمام رأسه، وهذا مذهب الجمهور، ورُوي عن أبي هريرة: إنَّه لا يعتدُّ بالركعة ما لم يدرك الإمام قائمًا قبل أن يركع. ورُوي معناه عن أَشْهَب، وروى جماعة من السَّلف: إنَّه متى أحرم والإمام راكع أجزأه وإن لم","vol":"1","page":76},{"text":"يدرك الركوع وركع بعد الإمام، وقيل: تجزئه وإن رفع الإمام رأسه ما لم يرفع النَّاس، ونقله ابن بَزيزَة عن الشَّعْبي قال: وإذا انتهى إلى الصَّف الآخر ولم يرفعوا رؤوسهم، أو بقي منهم واحد لم يرفع رأسه وقد رفع الإمام رأسه فإنَّه يركع وقد أدرك الصَّلاة؛ لأنَّ الصَّف الذي هو فيه إمامه. وقال ابن أبي ليلى وزُفَر والثَّوْري: إذا كبَّر قبل أن يرفع الإمام رأسه فقد أدرك، وإن رفع الإمام قبل أن يضع يديه على ركبتيه فإنه لا يُعتد بها. وقال ابن سيرين: إذا أدرك تكبير يدخل فيها في الصَّلاة وتكبيرة للركوع فقد أدرك تلك الركعة، وقال القُرْطُبي: وقيل: تجزئه إن أحرم قبل سجود الإمام. وقال ابن بَزيزَة: قال أبو العالية: إذا جاء وهم سجود يسجد معهم، فإذا سلَّم الإمام قام فركع ركعة ولا يسجد، ويعتدُّ بتلك الركعة. وعن ابن عُمَر ﵄: إنَّه كان إذا جاء والقوم سجود سجد معهم، فإذا رفعوا رؤوسهم سجد أخرى ولا يعتدُّ بها. وقال ابن مسعود: إذا ركع ثمَّ مشى فدخل في الصفِّ قبل أن ترفعوا رؤوسكم اعتدَّ بها، وإن رفعوا رؤوسهم قبل أن يصل إلى الصفِّ فلا يعتدُّ بها.\nوأمَّا حكم هذه الصَّلاة، فالصحيح: إنَّها كلُّها أداء، قال بعض الشافعية: كلُّها قضاء، وقال بعضهم: تلك الركعة أداء وما بعدها قضاء، وتظهر فائدة الخلاف في مسافر نوى القصر وصلَّى ركعة في الوقت، فإن قلنا: الجميع أداءٌ، فله قصرها، وإن قلنا: كلُّها قضاء أو بعضها، وجب إتمامها أربعًا إن قلنا: إنَّ فائتة السَّفر إذا قضاها في السَّفر يجب إتمامها، وهذا إن أدرك ركعة في الوقت، فإن كان دون ركعة فقال الجمهور: كلُّها قضاء.\n\n٥٥٧ - <span id=\"b-١٠١\"> </span>قوله: (حَدَّثَنا عَبْدُ العَزِيْزِ بنُ عَبْدِ اللهِ) أي الأويسيُّ -بضمِّ الهمزة- نسبة إلى أويس أحد أجداده، مرَّ في كتاب الحرص على الحديث.\nقوله: (قَالَ: حَدَّثَنِي إِبراهِيْمُ بنُ سَعْدٍ) أي ابن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عَوْف أبو إِسْحاق الزُّهْري القُرَشي المدني، ترجمته في باب تفاضل أهل الإيمان.\nقوله: (عَنِ ابنِ شِهَابٍ) أي محمَّد بن مسلم بن شهاب الزُّهْري، ترجمته في باب إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة.\nقوله: (عَنْ سَالمِ بنِ عَبْدِ اللهِ) أي ابن عُمَر بن الخطَّاب، ترجمته في باب الحياء من الإيمان.\nقوله: (عَنْ أَبِيْهِ إنَّه أَخْبَرَهُ) أي عبد الله، ترجمته في كتاب الإيمان.\nفي هذا الإسناد: التَّحديث بصيغة الجمع في موضع، وبصيغة الإفراد من الماضي في موضع، وفيه العنعنة في ثلاث مواضع، وفيه الإخبار بصيغة الماضي، وفيه القول، وفيه السَّماع، وفيه أنَّ رواته كلُّهم مدنيُّون، وفيه أنَّ شيخ البخاري من أفراده، وفيه رواية التَّابعي عن التَّابعي وهما ابن شهاب وسالم.\nقوله: (أَنَّهُ سَمِعَ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ يَقُوْلُ: إنَّما بَقَاؤُكُمْ فِيْمَا سَلَفَ مِنَ الأُمَمِ قَبْلَكُمْ كَمَا بَينَ صَلَاةِ العَصْرِ إِلَى غُرُوْبِ الشَّمْسِ، أُوتِيَ أَهْلُ التورَاةِ التورَاةَ، فَعَمِلُوا بها حتَّى إِذَا انتَصَفَ النَّهار عَجَزُوا، فَأُعْطُوا قِيرَاطًا قِيرَاطًا، ثمَّ أُوْتِيَ أَهْلُ الإِنجِيلِ الإِنجِيلَ، فَعَمِلُوا إِلَى صَلَاةِ العَصرِ، ثمَّ عَجَزُوا، فَأُعْطُوا قِيرَاطًا قِيرَاطًا، ثمَّ أُوتِيْنَا","vol":"1","page":77},{"text":"القُرآنَ، فَعَمِلنَا إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ، فَأُعطِينَا قِيرَاطَينِ قِيرَاطَينِ، فَقَالَ: أَهلُ الكِتَابَينِ: أَي رَبُّ، أَعْطَيْتَ هَؤُلَاءِ قِيرَاطَينِ قِيرَاطَينِ، وَأَعْطَيْتَنَا قِيْرَاطًا قِيْرَاطًا، وَنَحنُ كُنَّا أَكْثَرَ عَمَلًا؟ قَالَ اللهُ ﷿: هَلْ ظَلَمْتُكُمْ مِنْ أَجرِكُم مِنْ شَيءٍ؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: هُوَ فَضْلِي أُوتِيْهِ مَنْ أَشَاءُ).\nمطابقة هذا الحديث للترجمة في قوله: (إِلَى غُرُوْبِ الشَّمْسِ) فدلَّ على أنَّ وقت العصر إلى غروب الشمس، وأنَّ من أدرك ركعة من العصر قبل الغروب فقد أدرك، وفيها فليتمَّ ما بقي.\nقال العَيني: وهذا المقدار بطريق الاستئناس الإقناعي، لا بطريق الأمر البرهاني، ولهذا قال ابن المنيِّر: هذا الحديث مثال لمنازل الأمم عند الله تعالى، وإنَّ هذه الأمَّة أقصرها عمرًا وأقلُّها عملًا وأعظمها ثوابًا.\nويستنبط منه للبخاري بتكلُّف في قوله: (فَعَمِلْنَا إِلَى غُرُوْبِ الشَّمْسِ) فدلَّ أنَّ وقت العمل ممتدٌّ إلى غروب الشَّمس، وإنَّه لا يفوت، وأقرب الأعمال المشهور بهذا الوقت صلاة العصر، وهو من قبيل الأخذ بالإشارة، لا من صريح العبارة، فإن الحديث مثال، وليس المراد عملًا خاصًا بهذا الوقت، بل المراد سائر أعمال الأمَّة من سائر الصَّلوات وغيرها من سائر العبادات في سائر مدَّة بقاء الأمَّة إلى قيام السَّاعة، وكذا قال أبو المعالي الجُوَيني: فإن الأحكام لا تتعلَّق بالأحاديث الَّتي تأتي لضرب الأمثال، فإنه موضع تجوُّزٍ.\nقال شيخنا: وما أبداه مناسب لإدخال هذا الحديث في أبواب أوقات العصر لا بخصوص الترجمة، وهي: (مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ العَصْرِ قَبْلَ الغُرُوْبِ) بخلاف ما أبداه المُهَلَّب. وقال المُهَلَّب: إنَّما أدخل البخاري هذا الحديث والحديث الذي بعده في هذا الباب لقوله: (ثُمَّ أُوْتِيْنَا القُرْآنَ فَعَمِلْنَا إِلَى غُرُوْبِ الشَّمْسِ، فَأُعْطِيْنَا قِيْرَاطَيْنِ) ليدلَّ على أنَّه يستحقُّ بعمل البعض أجر الكلِّ مثل الذي أعطي من العصر إلى اللَّيل أجر النَّهار كلِّه، فمثله كالذي أعطي على ركعة أدرك وفيها أجر الصَّلاة كلِّها في آخر الوقت.\nقال شيخنا: وتكملة ذلك أن يقال: إنَّ فضل الله الذي أقام به عمل ربع النَّهار مقام عمل النَّهار كلِّه هو الذي اقتضى أن يقوم إدراك الركعة الواحدة من الصَّلاة الرباعيَّة الَّتي هي العصر مقامَ إدراك الأربع في الوقت، فاشتركا في كون كلٍّ منهما ربع العمل، وحصل بهذا التقرير الجواب عمَّن استشكل وقوع الجميع أداءً مع أنَّ الأكثر إنَّما وَقَعَ خارج الوقت، فيقال في هذا ما أجيب به أهل الكتابين: ذلك فضل الله يُؤتيه من يشاء. انتهى.\nوقال صاحب «التلويح» فيه بعدٌ: فإنه لو قال: إنَّ هذه الأمَّة أعطيت ثلاثة قراريط لكان أشبه، ولكنها ما أعطيت إلَّا بعض أجر جميع النَّهار، نعم عملت هذه الأمَّة قليلًا فأخذت كثيرًا، ثمَّ هو أيضًا منفك عن محلِّ الاستدلال؛ لأنَّ عمل هذه الأمَّة آخر النَّهار كان أفضل من عمل المتقدِّمين قبلها، ولا خلاف أنَّ صلاة العصر متقدِّمة أفضل من صلاتها متأخِّرة، ثمَّ هذا من الخصائص المستثناة عن القياس، فكيف يقاس عليه؟ ألا ترى أن صيام آخر النَّهار لا يقوم مقام جملته؟ وكذا سائر العبادات. انتهى.\nقال العَيني: كلُّ ما ذكروا ههنا لا يخلو عن تعسُّف، وقوله: لا خلاف، غير موجَّه؛ لأنّ الخلاف موجود في تقديم صلاة العصر وتأخيرها، وقياسه على الصَّوم","vol":"1","page":77},{"text":"كذلك؛ لأنَّ وقت الصَّوم لا يتجزَّأ بخلاف الصَّلاة. انتهى\nوقال شيخنا: استبعد غير مستبعد، وليس في كلام المُهَلَّب ما يقتضي أنَّ إيقاع العبادة في آخر وقتها أفضل من إيقاعها في أوَّله، وأمَّا إجزاء عمل البعض عن الكلِّ فمن قبيل الفضل، فهو كالخصوصيَّة سواء. انتهى.\nهذا الحديث أخرجه البخاري أيضًا في باب الإجارة إلى نصف النَّهار، عن سُلَيمان بن حرب عن حمَّاد عن أيُّوب عن نافع به، وأخرجه أيضًا في باب فضل القرآن، عن مُسَدَّد عن يحيى عن سُفْيان عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر، وأخرجه أيضًا في التوحيد عن أبي اليمان عن شُعَيب عن الزُّهْري عن سالم بن عبد الله، وأخرجه أيضًا في باب ما ذكر عن بني إسرائيل، عن قُتَيْبَة عن ليث عن نافع به، وأخرجه مسلم والتِّرْمِذي أيضًا.\nقوله: (إِنَّمَا بَقَاؤُكُمْ فِيْمَا سَلَفَ مِنَ الأُمَمِ قَبْلَكُمْ) ظاهره ليس؛ لأنَّ ظاهره أنَّ بقاء هذه الأمَّة وَقَعَ في زمان الأمم السَّالفة، وليس كذلك، وإنَّما معناه: أنَّ نسبتكم إليهم كنسبة وقت العصر إلى تمام النَّهار، وفي رواية التِّرْمِذي: «إنَّما أجلكم في أجلِ منْ خلا منَ الأممِ كما بينَ صلاةِ العصرِ إلى غروبِ الشَّمسِ»، قال شيخنا: وحاصله: أنَّ (فِي) بمعنى (إلى) وحذف المضاف وهو لفظ (نسبة)، وقد أخرج المُصَنِّف هذا الحديث، وكذا حديث أبي موسى الآتي بعده في أبواب الإجارة، ويقع استيفاء الكلام عليهما هناك إن شاء الله تعالى، والغرض هنا بيان مطابقتهما للترجمة والتوفيق بين ما ظاهره الاختلاف منهما. انتهى.\nقوله: (إِلَى غُرُوْبِ الشَّمْسِ) كان القياس أن يقال: وغروب الشَّمس بالواو؛ لأن بين يقتضي دخوله على متعدد، ولكن المراد من الصَّلاة وقت الصَّلاة وله أجزاء، فكأنَّه قال: بين أجزاء وقت صلاة العصر.\nقوله: (أُوْتِيَ أَهْلُ التَّوْرَاةِ التَّوْرَاةَ) قال العَيني: (أُوْتِيَ) على صيغة المجهول، أي أُعطي، فالتوراة الأولى مجرورة بالإضافة والثانية منصوبة على مفعول ثانٍ، قيل اشتقاق التوراة من الوَرْي ووزنها تفعلة، وقال الزَّمَخشَري: التوراة والإنجيل اسمان أعجميان، وتكلَّف اشتقاقهما من الوَرْي والنَّجْل ووزنهما بتَفْعلة وإفعيل إنَّما يصحُّ بعد كونهما عربيين. وقرأ الحسن: ﴿الأنجيل﴾ بفتح الهمزة، وهو دليل على العجمة؛ لأنَّ أفعيل بفتح الهمزة عديم في أوزان العرب. انتهى.\nقال شيخنا: ظاهره أنَّ هذا كالشرح والبيان لما تقدَّم من تقريره مدَّة الزَّمانين، وقد زاد المُصَنِّف في رواية عبد الله بن دينار عن ابن عُمَر في فضائل القرآن هنا: «مَثَلُكُمْ مَثَلُ اليَهُوْدِ والنَّصَارَى» إلى آخره، وهو يُشعر بأنهما قضيتان.\nقوله: (قِيْرَاطًا قِيْرَاطًا) قال العَيني: القيراط نصف دانق، والمراد منه النَّصيب والحصة، وقد استوفينا الكلام فيه في باب اتباع الجنائز من الإيمان. قال شيخنا: كرَّر (قِيْرَاطًا) ليدلَّ على تقسيم القراريط على جميعهم؛ لأنَّ العرب إذا أرادت تقسيم الشيء على متعدِّد كررته كما يقال: اقسم هذا المال على بني فلان درهمًا درهمًا.\nقوله: (عَجِزُوا) قال الدَّاوُدي: هذا مشكل؛ لأنَّه إن كان المراد من مات منهم مسلِّمًا فلا يوصف بالعجز لأنَّه عمل ما أمر به، وإن كان ممن مات بعد التغيير والتبديل","vol":"1","page":78},{"text":"فكيف يعطى القيراط من حبط عمله بكفره؟! وأورده ابن [التِّين] (^١) قائلًا: قال بعضهم: ولم ينفصل عنه، وأجيب بأنَّ المراد من مات منهم مسلمًا قبل التبديل والتغيير، وعبَّر بالعجز لكونهم لم يستوفوا عمل النَّهار كلِّه وإن كانوا قد استوفوا عمل ما قدِّر لهم، فقوله: (عَجِزُوا) أي عن إحراز الأجر الثَّاني دون الأوَّل، لكن من أدرك منهم النَّبِيَّ ﷺ وآمن به أعطي الأجر مرَّتين كما سبق مصرَّحًا به في كتاب الإيمان.\nقوله: (ثُمَّ أُوْتيَ أَهْلُ الإِنْجِيْلِ الإِنْجِيْلَ) الأوَّل مجرور بالإضافة، والثاني منصوب على المفعوليَّة.\nقوله: (فَقَالَ أَهلُ الكِتابَينِ) أي التوراة والإنجيل.\nقوله: (أَيْ رَبَّنَا) كلمة (أَيْ) من حروف النِّداء، يعني: يا ربَّنا، ولا تفاوت في إعراب المنادى بين حروفه.\nقوله: (وَنَحْنُ كُنَّا أَكْثَرَ عَمَلًا) قال الإسماعيلي: إنَّما قالت النَّصارى: نحن أكثر عملًا؛ لأنَّهم آمنوا بموسى وعيسى ﵉. قال العَيني: النَّصارى لم يؤمنوا بموسى ﵇، على ذلك جماعة الإخباريين، وأيضًا قوله: (وَنَحْنُ أَكْثَرَ عَمَلًا) حكاية عن قول أهل الكتابين.\nوقال الكِرْماني: قول اليهود ظاهر؛ لأنَّ الوقت من الصُّبح إلى الظهر أكثر من وقت العصر إلى المغرب، وقول النَّصارى لا يصحُّ إلَّا على مذهب الحنفيَّة حيث يقولون: العصر هو مصير ظلِّ الشيء مثليه، وهذا من جملة أدلَّتهم على مذهبهم. قال العَيني: هذا الذي ذكره هو قول أبي حنيفة وحدَه، وغيره من أصحابه يقولون: مثله. انتهى.\nقال شيخنا: تمسَّك به بعض الحنفيَّة كأبي زيد - أي الدَّبُوسي - في «كتاب الأسرار» إلى أنَّ وقت العصر من مصير ظلِّ كلِّ شيء مثليه؛ لأنَّه إذا كان كذلك كان قريبًا من أوَّل العاشرة، فيكون إلى الغروب ثلاثة ساعات غير شيء يسير، ويكون النَّصارى عملوا أيضًا ثلاث ساعات وشيئًا يسيرًا، وهو من أوَّل الزَّوال إلى أوَّل السَّاعة العاشرة، وهو إذا صار ظلُّ الشيء مثله؛ لأنَّه لو كان من مصير ظلِّ كلِّ شيء مثله لكان مساويًا لوقت الظُّهر وقد قالوا: (كُنَّا أَكْثَرَ عَمَلًا) فدلَّ على أنَّه دون وقت الظُّهر، وأجيب بمنع المساواة، وذلك معروف عند أهل العلم بهذا الفن، وهو أنَّ المدَّة الَّتي بين الظُّهر والعصر أطول من المدَّة الَّتي بين العصر والمغرب.\nقال العَيني: لا يخفى على كلِّ أحدٍ أنَّ وقت العصر لو كان بمصير ظلِّ كلِّ شيء مثله يكون وقت الظُّهر الذي إلى مصير ظلِّ كلِّ شيء مثليه وقت العصر الذي يقول وقته بمصير ظل ِّكلِّ شيء مثله، ومع هذا أبو زيد ما ادَّعى المساواة بالتحقيق. انتهى.\nقال شيخنا: وأمَّا ما نقله بعض الحنابلة عن الإجماع على أنَّ وقت العصر ربع النَّهار، فمحمول على التقريب إذا فرعنا على أنَّ وقت العصر مصير الظلِّ مثله كما قال الجمهور، فأما على قول الحنفيَّة فالذي من الظُّهر إلى العصر أطول قطعًا، وعلى التنزل لا يلزم من التمثيل والتشبيه التسوية من كلِّ جهة. قال العَيني: ما ادعي هو التسوية من كلِّ جهة حتَّى يعترض عليه.\nقال شيخنا: وبأن الخبر إذا ورد في معنىً مقصودٍ لا يؤخذ منه المعارضة لما ورد في ذلك\n_________\n(^١) التِّين: ليس في الأصل، وإنما أثبتت من فتح الباري.","vol":"1","page":78},{"text":"المعنى بعينه مقصودًا في أمر آخر وبأنَّه ليس في الخبر نصَّ على أنَّ كلًّا من الطائفتين أكثر عملًا؛ لصدقَ أنَّ كلَّهم مجتمعين أكثر عملًا من المسلمين، وباحتمال أن يكون أطلق ذلك تغليبًا، وباحتمال أن يكون ذلك قول اليهود خاصَّة، فيندفع الاعتراض من أصله كما جزم به بعضهم، ويكون نسبة ذلك للجميع في الظَّاهر غيرَ مرادةٍ، بل هو عموم أريد به الخصوص، وبأنه لا يلزم من كونهم أكثر عملًا أن يكونوا أكثر زمانًا؛ لاحتمال كون العمل في زمهم كان أشقَّ، ويؤيده قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]. انتهى.\nفي حديث الباب تفضيل هذه الأمَّة وتوقير أجرها مع قلَّة العمل، وإنَّما فُضِّلت لقوَّة يقينها ومراعاة أصل دينها، فإن زلَّت فأكثر زلَلِها في الفروع بخلاف من كان قبلهم، كقولهم: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا﴾ [الأعراف: ١٣٨] وكامتناعهم من أخذ الكتاب حين نتق الجبل فوقهم، و﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا﴾ [المائدة: ٥٤].\nقال شيخنا: ومما يؤيِّد كون المراد كثرة [العمل] (^١) وقلَّته لا بالنسبة إلى طول الزَّمان وقصره، كون أهل الأخبار متفقين على أنَّ المدَّة الَّتي بين عيسى ونبينا ﵇ دون المدَّة الَّتي بين نبينا وقيام [السَّاعة] (^٢) لأنَّ جمهور أهل المعرفة قالوا: إنَّ مدَّة الفترة بين عيسى ونبيِّنا ستمائة سنة وسيأتي الخلاف فيه، وهذه مدَّة المسلمين بالمشاهدة أكثر من ذلك، فلو تمسَّكنا بأن المراد التمثل بطول الزمانين وقصرهما للزم أن يكون وقت العصر أطول من وقت الظُّهر ولا قائل به، فدلَّ على المراد كثرة العمل وقلَّته، والله أعلم. انتهى.\nوفيه ما استنبطه بعضهم: أنَّ مدَّة المسلمين من حين ولد سيدنا رسول الله ﷺ إلى قيام السَّاعة ألف سنة، وذلك أنَّه جعل النَّهار نصفين، الأوَّل لليهود فكانت مدَّتهم ألف سنة وستمائة سنة وزيادة في قول ابن عبَّاس رواية أبي صالح عنه، وفي قول ابن إِسْحاق ألف سنة وتسعمائة سنة وتسع عشرة سنة، وللنصارى كذلك، فكانت مدَّة النصارى الَّتي لا يختلف النَّاس إنَّه كان بين عيسى ونبيِّنا ﵇ ستمائة سنة، فبقي للمسلمين ألف سنة وزيادة.\nقال شيخنا: قال جمهور أهل المعرفة بالأخبار: إنَّ مدَّة الفترة بين عيسى ونبيِّنا ﵈ ستمائة سنة، وثبت ذلك في صحيح البخاري عن سلمان، وقيل: إنَّها دون ذلك، حتَّى جاء عن بعضهم: إنَّه مائة وخمس وعشرون سنة. انتهى.\nقال العَيني: وفيما قاله: أي من قوله: (التي لا تختلف الناس) إلى آخره، نظر من حيث إنَّ الخلاف في مدَّة الفترة، فذكر الحاكم في «الإكليل»: إنَّها مائة وخمس وعشرون سنة، وذكر: إنَّها أربعمائة سنة، وقيل: خمسمائة وأربعون سنة، وعن الضَّحَّاك: أربعمائة وبضع وثلاثون سنة، وقد ذكر السُّهَيلي أنَّ جعفر بن عبد الواحد الهاشمي حدَّث بحديث مرفوع: «إنْ أحسنَت أمَّتي فبقاؤها يومٌ من أيَّام الدُّنْيا وذلك ألف سنة، وإنْ أساءت فنصف يوم»، وفي حديث زمل الخزاعي قال: «رأيتك يا رسول الله على منبر له سبع\n_________\n(^١) العمل: ليس في الأصل، وإنما أثبتت من فتح الباري.\n (^٢) الساعة: ليس في الأصل، وإنما أثبتت من فتح الباري.","vol":"1","page":79},{"text":"درجات، إلى جنبك ناقة عجفاء كأنَّك تبعتَها، ففسَّر له النَّبِيُّ ﷺ الناقة بقيام السَّاعة الَّتي أنذر بها، ودرجات المنبر عدة الدُّنْيا سبعة آلاف سنة، بعُث في آخرها ألفًا» قال السُّهَيلي: والحديث وإن كان ضعيف الإسناد فقد روي موقوفًا على ابن عبَّاس من طرقٍ صحاح إنَّه قال: «الدنيا سبعة أيَّام كلُّ يوم ألف سنة»، وصحح الطَّبَري هذا الأصل وعضده بآثار.\nقال العَيني: وفيه ما استدلَّ به بعض أصحابنا على أنَّ آخر وقت الظُّهر ممتد إلى أن يصير ظلُّ كلِّ شيء مثليه، وذلك إنَّه جعل لنا من الزَّمان من الدُّنْيا في مقابلة مَن كان قبلنا من الأمم بقدر ما بين صلاة العصر إلى غروب الشَّمس، وهو يدُّل أنَّ بينهما أقل من ربع النَّهار؛ لأنَّه لم يبق من الدُّنْيا ربع الزمان؛ لقوله ﵇: «بُعِثْتُ أَنَا والسَّاعَةَ كَهَاتَيْنِ» وأشار بالسبَّابة والوسطى، فشبَّه ما بقي من الدُّنْيا إلى قيام السَّاعة مع ما انقضى بقدر ما بين السبَّابة والوسطى من التفاوت، قال السُّهَيلي: وبينهما نصف سبع؛ لأنَّ الوسطى ثلاثة أسباع، كلُّ مفصل منها سبع، وزيادتها على السبَّابة نصف سبع، والدُّنْيا على ما قدَّمناه عن ابن عبَّاس سبعة آلاف سنة، فلكل سبع ألفا سنة، وفضلت الوسطى على السبَّابة بنصف الأَنملة، وهو ألف سنة فيما ذكره أبو جعفر الطَّبَري وغيره، وزَعَمَ السُّهَيلي أنَّ بحساب الحروف المقطَّعة أوائل السور تكون تسعمائة سنة وثلاث سنين، وهل هي من مبعثه أو هجرته أو وفاته؟ والله أعلم.\n\n٥٥٨ - <span id=\"b-١٠٢\"> </span>قوله: (حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ) أي بضمِّ الكاف، واسمه محمَّد بن العلاء، ترجمته في باب فضل من عَلِمَ وعَلَّمَ.\nقوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) أي حمَّاد بن أسامة، ترجمته في الباب أيضًا.\nقوله: (عَنْ بُرَيْدٍ) أي بضمِّ الباء الموحدة، ابن عبد الله بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري الكوفي، يكنَّى أبا بردة، ترجمته في باب أيُّ الإسلام أفضل.\nقوله: (عَنْ أَبِي بُرْدَةَ) أي عامر، وهو جدُّ بريد المذكور، ترجمته في الباب أيضًا.\nقوله: (عَنْ أَبِي مُوْسَى) أي عبد الله بن قيس ﵁، ترجمته في الباب أيضًا.\nفي هذا الإسناد التَّحديث بصيغة الجمع في موضعين، وفيه العنعنة في أربع مواضع، وفيه القول، وفيه رواية الرجل عن جدِّه ورواية الابن عن أبيه، وفيه أنَّ رواته ما بين كوفي وبصري، وفيه ثلاثة بالكُنى.\nقوله: (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: مَثَلُ المُسلِمِينَ، وَاليَهُودِ، وَالنَّصَارَى، كَمَثَلِ رَجُلٍ استَأجَرَ قَومًا يَعمَلُونَ عَمَلًا إِلَى اللَّيْلِ، فَعَمِلُوا إِلَى نِصْفِ النَّهار، وقَالُوا: لَا حَاجَةَ لَنَا إِلَى أَجْرِكَ، فاسْتَأجَرَ آخَرِيْنَ، فَقَالَ: أَكْمِلُوا بقيَّة يَومِكُمْ وَلَكُمُ الَّذِي شَرَطْتُ، فَعَمِلُوا حتَّى إِذَا كَانَ حِينُ صَلَاةِ العَصْرِ، قَالُوا: لَكَ مَا عَمِلْنَا، فاسْتَأجَرَ قَومًا عَمَلُوا بقيَّة يَومِهِم، حتَّى غَابَتِ الشَّمْسُ، وَاسْتَكْمَلُوا أَجْرَ الفَرِيْقَيْنِ).\nمطابقة هذا الحديث للترجمة بطريق الإشارة لا بالتصريح، بيان ذلك: أنَّ وقت العمل ممتد إلى غروب الشمس، وأقرب الأعمال المشهورة بهذا الوقت صلاة العصر، وإنما قلنا: بطريق الإشارة؛ لأن هذا الحديث قصد","vol":"1","page":79},{"text":"به بيان الأعمال لا بيان الأوقات. هذا الحديث أخرجه البخاري في الإجارة أيضًا.\nقوله: (مَثَلُ المُسْلِمِيْنَ) المَثل -بفتح الميم- في الأصل بمعنى المِثل -بكسر الميم- وهو النظير، يقال: مِثل ومَثَل ومَثيل كشِبه وشَبَه وشبيه، ثمَّ قيل للقول السائر الممثل مضربه بمورده مِثل، ولم يضربوا مثلًا إلَّا لقول فيه غرابة، وهذا تشبيه المركب بالمركب، فالمشبه والمشبه به هما المجموعان الحاصلان من الطرفين، وإلا كان القياس أن يقال: كمثل أقوام استأجرهم رجل، ودخول كاف التشبيه على المشبه به في تشبيه المفرد بالمفرد، وهذا ليس كذلك.\nقوله: (لَا حَاجَةَ لَنَا إِلَى أَجرِكَ) الخطاب إنَّما هو للمستأجر، والمراد منه لازم هذا القول، وهو ترك العمل.\nقوله: (فَقَالَ: أَكْمِلُوا) كذا للأكثر بهمزة القطع، وبالكاف من الإكمال، وكذا وَقَعَ في رواية البخاري في الإجارة، ووَقَعَ هنا في رواية الكُشْمِيهَني: &lt;اعْمَلُوا&gt; بهمزة الوصل وبالعين من العمل.\nقوله: (حِيْنَ) منصوب بأنه خبر كان؛ أي كان الزَّمان زمان الصلاة، ويجوز أن يكون مرفوعًا بأنَّه اسم كان وتكون تامة.\nوحاصل المعنى من قوله: (وَقَالُوا: لَا حَاجَةَ لَنَا فِي أَجْرِكَ...) إلى آخره، لا حاجة في أجرتك الَّتي شرطت لنا وما عملنا باطل، فقال لهم: لا تفعلوا، اعملوا بقيَّة يومكم وخذوا أجرتكم كاملًا، فأبوا وتركوا ذلك كلَّه، فاستأجر قومًا آخرين فقال لهم: اعملوا بقيَّة يومكم ولكم الذي شرطت لهؤلاء من الأجر، فعملوا حتَّى حان العصر قالوا: لك ما عملنا، باطل ذلك الأجر الذي جعلت لنا، لا حاجة لنا فيه، فقال لهم: اكملوا بقيَّة عملكم، فإنما بقي من النَّهار شيء يسير وخذوا أجركم، فأبوا عليه فاستأجر قومًا آخرين، فعملوا بقيَّة يومهم، حتَّى إذا غابت الشَّمس واستكملوا أجر الفريقين كلَّه، مثل اليهود والنصارى تركوا ما أمرهم الله ﷿ ومثل المسلمين الذين قبلوا هدى الله وما جاء به رسول الله ﷺ.\nوالمقصود من هذا الحديث: ضرب المثل للنَّاس الذين شرع لهم دين موسى ﵇ ليعملوا الدهر كلَّه بما يأمرهم به وينهاهم، إلى أن بعث الله عيسى ﵇ فأمرهم باتباعه، فأبوا وتبرؤوا مما جاء به، وعمل آخرون بما جاء به عيسى على أن يعملوا بما يؤمرون به باقي الدَّهر، فعملوا حتَّى بُعِث سيِّدنا رسول الله ﷺ، فدعاهم إلى العمل بما جاء به فأبوا وعصوا، فجاء الله تعالى بالمسلمين فعملوا بما جاء به وتكملوا إلى قيام السَّاعة، فلهم أجر من عمل الدَّهر كلَّه بعبادة الله تعالى كإتمام النَّهار الذي استؤجر عليه كلَّه أوَّل طبقة.\nوفي حديث ابن عمر: قدَّر لهم مدَّة أعمال اليهود، ولهم أجرهم إلى أن نسخ الله تعالى شريعتهم بعيسى ﵇، وقال عند مبعث عيسى ﵇: من يعمل إلى مدَّة هذا الشَّرع وله أجر قيراط؟ فعملت النَّصارى حتَّى نسخ الله تعالى ذلك بمحمَّد ﷺ، ثمَّ قال متفضلًا على المسلمين: من يعمل بقيَّة النَّهار إلى اللَّيل وله قيراطان؟ فقال المسلمون: نحن نعمل إلى انقطاع الدَّهر، فمن عمل من اليهود إلى أن آمن بعيسى ﵇ وعمل بشريعته له أجره مرَّتين، وكذلك النَّصارى إذا آمنوا بمحمَّد ﷺ كما جاء في الحديث: «وَرَجُلٌ آمَنَ بِنَبِيِّهِ وَآمَنَ بِي يُؤْتَى أَجْرَهُ مَرَّتَيْنِ».","vol":"1","page":80},{"text":"فإن قلت: حديث أبي موسى دلَّ على أنَّ الفريقين لم يأخذوا شيئًا، وحديث ابن عُمَر دلَّ على أنَّ كلًّا منهما أخذ قيراطًا، قال العَيني: ذلك فيمن ماتوا منهم قبل النسخ، وهذا فيمن حرَّف أو كفر بالنَّبِيِّ الذي بعث بعد نبيِّه. وقال ابن رُشَيد ما محصَّله: إنَّ حديث ابن عُمَر ذكر مثالًا لأهل الأعذار؛ لقوله: «فعجزوا» فأشار إلى أنَّ من عجز عن استيفاء العمل من غير أن يكون له صنيع في ذلك أنَّ الأجر يحصل له تامًّا فضلًا من الله، وذكر حديث أبي موسى مثالًا لمن أخَّر من غير عذر، وإلى ذلك الإشارة بقوله عنهم: (لَا حَاجَةَ لَنَا إِلَى أَجْرِكَ) فأشار بذلك إلى أنَّ من أخَّر عامدًا لا يحصل له ما حصل لأهل الأعذار.\nوقال الخطَّابي: دلَّ حديث ابن عُمَر أنَّ مبلغ أجرة اليهود بعمل النَّهار كلِّه قيراطان، وأجرة النصارى للنصف الثَّاني من النَّهار إلى اللَّيل قيراطان، ولو تمَّموا العمل إلى آخر النَّهار لا يستحقوا تمام الأجرة وأخذوا قيراطين، إلَّا أنَّهم انخزلوا ولم يفوا بما ضمنوه فلم يصيبوا إلَّا ما خصَّ كلَّ فريق منهم من الأجرة وهو قيراط، ثمَّ إنَّ المسلمين لما استوفوا أجرة الفريقين معًا حاسدوهم وقالوا... إلى آخره، يعني قولهم: (أَيْ رَبَّنَا، أَعْطَيْتَ هَؤُلَاءِ قِيْرَاطَيْنِ...) إلى آخره، ولو لم تكن صورة الأمر على هذا لم يصحَّ هذا الكلام، ومن طريق أبي موسى زيادة بيان له، وقولهم: (لَا حَاجَةَ لَنَا) إشارة إلى تحريفهم الكتب وتبديلهم الشرائع وانقطاع الطريق بهم عن بلوغ الغاية، فحرموا تمام الأجرة لجنايتهم على أنفسهم حين امتنعوا من تمام العمل الذي ضمنوه.\n\n <span id=\"b-١٠٣\"> </span>(١٨) <span data-type=\"title\" id=toc-103>(بابُ وَقْتِ المَغْرِبِ)</span> أي هذا باب في بيان وقت صلاة المغرب، ووجه المناسبة بين هذا الباب والباب الذي قبله ظاهر لا يخفى.\nقوله: (وَقَالَ عَطَاءٌ) أي ابن أبي رباح، ترجمته في باب عظة الإمام النساء.\nقوله: (يَجْمَعُ المَرِيْضُ بَيْنَ المَغْرِبِ وَالعِشَاءِ) هذا التعليق وصله عبد الرزَّاق في «مصنَّفه» عن ابن جُرَيج عنه.\nقال شيخنا: وأشار - أي البخاري - بهذا الأثر في هذه الترجمة إلى أنَّ وقت المغرب يمتدُّ إلى العشاء، وذلك إنَّه لو كان مضيَّقًا لانفصل عن وقت العشاء، ولو كان منفصلًا لم يجمع بينهما كما في الصُّبح والظهر، وبهذه النكتة ختم الباب بحديث ابن عبَّاس الدال على أنَّه ﷺ جمع بين الظهر والعصر في وقت إحداهما، وبين المغرب والعشاء في وقت إحداهما، وأما الأحاديث الَّتي أوردها في الباب فليس فيها ما يدلُّ على أنَّ الوقت مضيّق؛ لأنَّه ليس فيها إلَّا مجرد المبادرة إلى الصَّلاة في أوَّل وقتها، وكانت تلك عادته ﷺ في جميع الصَّلوات إلَّا فيما ثبت فيه خلاف ذلك كالإبراد وتأخير العشاء إذا أبطؤوا كما في حديث جابر والله أعلم.\nواختُلِفَ في المريض، هل يجوز له أن يجمع بين الصلاتين كالمسافر لما فيه من الرفق به أو لا؟ فجوَّزه أحمد وإسحاق مطلقًا، وأجازه بعض الشافعيَّة، وجوزه مالك بشرطه، والمشهور عن الشَّافعي وأصحابه المنع، ولم أر في المسألة نقلًا عن أحد","vol":"1","page":80},{"text":"من الصحابة. انتهى.\nقال العَيني: وقال عياض: الجمع بين الصَّلوات المشتركة في الأوقات يكون تارة سنَّة وتارة رخصة، فالسنَّة الجمع بعرفة والمزدلفة، وأمَّا الرُّخصة فالجمع في المرض والسَّفر والمطر، فمن تمسَّك بحديث صلاة النَّبِيِّ ﷺ مع جبريل ﵇ وقدَّمه لم يرَ الجمع في ذلك، من خصَّه أثبت جواز الجمع في السَّفر بالأحاديث الواردة فيه وقاس المرض عليه، فنقول: إذا أبيح للمسافر الجمع لمشقَّة السَّفر فأحرى أن يباح للمريض، وقد قرن الله المريض بالمسافر في الترخيص له في الفطر والتيمم، وأمَّا الجمع في المطر فالمشهور من مذهب مالك إثباته في المغرب والعشاء، وعنه قولةٌ شاذةٌ: إنَّه لا يجمع إلَّا في مسجد الرسول ﵇، ومذهب المخالف جواز الجمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء في المطر. انتهى.\nقلت: الجديد من قولي الشَّافعي جواز الجمع بالمطر تقديمًا ومنعه تأخيرًا، وشرط في التقديم وجود المطر أوَّل الصَّلاة الأولى وعند سلامها ليُصلِّ بأوَّل الثانية، ولا يضرُّ انقطاعه في أثناء الأولى أو الثانية أو بعدها، وسواء قويُّ المطر وضعيفُه إذا بل الثَّوب، والثلج والبرد كمطر إن ذابا لبلهما الثَّوب، والأظهر من قولي الشَّافعي تخصيص الرُّخصة بالمصلِّي جماعة بمسجد بعيد يتأذَّى بالمطر في طريقه، بخلاف من يصلِّي في بيته منفردًا أو جماعة أو يمشي في كُنٍّ أو كان المسجد بباب داره فلا يترخص؛ لانتفاء المشقة، والثاني يترخص لإطلاق الحديث، روى الشيخان عن ابن عبَّاس ﵄: «أنَّه ﵇ صلَّى بالمدينة سبعًا جميعًا وثمانيًا جميعًا الظهر والعصر والمغرب والعشاء» وفي رواية لمسلم: «منْ غيرِ خوفٍ ولا سفرٍ»، قال الإمام مالك: أرى ذلك بعذر المطر. انتهى.\n\n٥٥٩ - <span id=\"b-١٠٤\"> </span>قوله: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ مِهْرَانَ؟) أي الجمَّال -بالجيم- الحافظ الرَّازي أبو جعفر، مات سنة ثمان وثلاثين ومائتين.\nقوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيْدِ) أي ابن مسلم -بكسر اللام الخفيفة- أبو العبَّاس الأموي، عالم أهل الشام، مات سنة خمس وتسعين ومائة.\nقوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ) أي عبد الرحمن بن عُمَر، وقد مرَّ في باب الخروج في طلب العلم.\nقوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو النَّجَاشِيِّ مَوْلَى رَافِعٍ) هو عطاء بن صُهَيب النَّجَاشيِّ -بفتح النُّون وتخفيف الميم وبالشين من المعجمة- وصُهَيب بضمِّ الصَّاد المهملة، ورافع بن خُدَيج شيخ عطاء، قال ابن حبَّان: صحبه ستَّ سنين.\nقوله: (قَالَ: سَمِعْتُ رَافِعَ بنَ خَدِيْجٍ يَقُوْلُ) رافع بالفاء، وخَدِيج -بفتح الخاء المعجمة وكسر الدَّال المهملة وبالجيم- الأنصاري الأوسي المدني ﵁.\nفي هذا الإسناد التَّحديث بصيغة الجمع في ثلاث مواضع، وفيه التَّحديث بصيغة الإفراد من الماضي في موضع واحد، وفيه القول في خمس مواضع، وفيه السَّماع، وفيه أنَّ رواته ما بين رازي وشامي ومدني.\nقوله: (كُنَّا نُصَلِّي المَغْرِبَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ، فَيَنْصَرِفُ أَحَدُنَا وإنَّه لَيُبْصِرُ مَواقِعَ نَبْلِهِ).\nمطابقته للترجمة من حيث إنَّه يدلُّ بالإشارة لا بالتصريح، فإنَّ المفهوم منه ليس إلَّا مُجَرَّد المبادرة إلى صلاة المغرب خوفًا أن يتأخَّر إلى اشتباك النُّجوم، وقد روى ابن خُزَيمَة والحاكم من حديث","vol":"1","page":81},{"text":"العبَّاس بن عبد المطلب: «لَا تَزَالُ أُمْتَي عَلَى الفِطْرَةِ مَا لَمْ يُؤْخِّرُوا المَغْرِبَ إِلَى النُّجُوْمِ».\nهذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا في الصَّلاة عن محمَّد بن مِهْران به، وعن إِسْحاق بن إبراهيم عن شُعَيب بن إِسْحاق عن الأوزاعي به، وأخرجه ابن ماجَهْ فيه عن دُحَيم عن الوليد به.\nقوله: (لَيُبْصِرُ) -بضمِّ الياء آخر الحروف- من الإبصار، واللام فيه للتأكيد.\nقوله: (مَوَاقِعَ نَبْلِهِ) المواقع: جمع موقع، وهو موضع الوقوع، والنَّبْل -بفتح النُّون وسكون الباء الموحَّدة-: السِّهام العربيَّة، قال شيخنا: وروى أحمد في «مسنده» من طريق علي بن بلال عن ناس من الأنصار قالوا: «كنَّا نصلِّي مع رسول الله ﷺ المغربَ، ثمَّ نرجع فنترامى حتَّى نأتي ديارنا فما يخفى علينا مواقع سهامنا» إسناده حسن.\nقال العَيني: النَّبْل مؤنَّثة، وقال ابن سِيدَه: لا واحد له من لفظه، وقيل: واحدتها نَبْلة مثل تمر وتمرة، وفي «المغيث» لأبي موسى: هو سهم عربي لطيف غير طويل لا كسهام النُّشَّاب، والحُسبان أصغر من النَّبْل يرمي بها على القِسي الكِنانة في مجاري الخشب.\nومعنى الحديث: أنَّه ﵇ يبكر بالمغرب في أوَّل وقتها بمُجَرَّد غروب الشَّمس، حتَّى ينصرف أحدنا ويرمي النَّبْل عن قوسه ويبصر موقعه لبقاء الضَّوء.\nفيه: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ صلَّى المغرب عند غروب الشَّمس، وبادر بها بحيث إنَّه لما فرغ منها كان الضوء باقٍ، وهو مذهب الجمهور، وذهب طاوس وعطاء ووَهْب بن مُنَبِّه إلى أنَّ أوَّل وقت المغرب حين طلوع النجم، واحتجُّوا في ذلك بحديث أبي بَصْرة الغفاري قال: «صلَّى بنا رسولُ اللهِ ﷺ العصر بالمَحْمَض فقال: إنَّ هذه الصَّلاة عرضت على من كان قبلكم فضيَّعوها، فمنْ حافظَ عليها كانَ لهُ أجره مرَّتين، ولا صلاة بعدها حتَّى يطلع الشاهد»، والشاهد: النَّجم. أخرجه مسلم والنَّسائي والطَّحاوي، وأجاب الطَّحاوي ﵀ عنه بأن قوله: (ولا صلاةَ بعدها حتَّى يرى الشاهد) يحتمل أن يكون هو آخر قول النَّبِيِّ ﷺ كما ذكره اللَّيث، ولكن الذي رواه غيره تأوَّل أنَّ الشاهد هو النَّجم، فقال ذلك برأيه لا عن النَّبِيِّ ﷺ، على أنَّ الآثار قد تواترت عن النَّبِيِّ ﷺ: «أنَّهُ كانَ يصلِّي المغربَ إذا توارَتِ الشَّمسُ بالحجابِ».\nو(أَبُو بَصْرَةَ) -بفتح الباء الموحَّدة وسكون الصَّاد المهملة- واسمه: حُميل -بضمِّ الحاء المهملة وفتح الميم وسكون الياء آخر الحروف- وقيل: جُميل -بالجيم-، قال العَيني: والأوَّل أصحُّ، و(المَحْمَض) -بفتح الميمين وسكون الحاء المهملة وفي آخره ضاد معجمة- وهو الموضع الذي ترعى فيه الإبل الحمض، وهو ما حمض وملح وأمر من النبات كالرمث والأثل والطرفاء ونحوها، والخُلَّة من النبت ما كان حلوًا، تقول العرب: الخُلَّة خبز الإبل والحمض فاكهتها.\nوقد وَقَعَ اختلاف في ألفاظ هذا الحديث ورواته، رواه أبو داود من حديث أَنَس ﵁: «كنا نصلِّي المغربَ ثمَّ نرمي فيرى أحدُنا موضعَ نَبْلِه»، وعن كعب بن مالك: «كان النَّبِيُّ ﷺ","vol":"1","page":81},{"text":"يصلِّي المغربَ، ثمَّ يرجع النَّاس إلى أهليهم ببني سلمة وهم يبصرون مواقع النَّبْل حين يُرمى بها»، قال أبو حاتم: الصحيح مرسل.\nوعن أبي طَريف: «كنتُ معَ النَّبِيِّ ﷺ حينَ حاصرَ الطائفَ، فكانَ يصلِّي بنا صلاةَ البصر، حتَّى لو أنَّ رجلًا رمى بسهمٍ لرأى موضعَ نَبْلِه»، قال أحمد بن حنبل: صلاة البصر المغربُ. وعند أحمد من حديث جابر ﵁ ولفظه: «نأتي بني سلمةَ ونحنُ نبصرُ مواقعَ النَّبْل»، وعند الشَّافعي من حديثه عن إبراهيم: «ثمَّ نخرجُ نتناضل حتَّى ندخل بيوت بني سلمة فننظر مواقعَ النَّبْل من الإسفار»، وعند النَّسائي بسند صحيح عن رجل من أسلَّم: «أنَّهم كانوا يصلُّون مع النَّبِيِّ ﷺ المغرب، ثمَّ يرجعون إلى أهليهم إلى أقصى المدينة، ثمَّ يرمون فيبصرون مواقع نَبْلِهم»، وعند الطَّبَرَاني في «المعجم الكبير» من زيد بن خالد: «كنَّا نصلِّي معَ النَّبِيِّ ﷺ المغربَ ثمَّ ننصرف حتَّى نأتي السوقَ وإنَّا لنرى مواضعَ النَّبْل»، وعن أمِّ حبيبة بنت أبي سُفْيان نحوه، ذكره أبو علي الطُّوسي في «الأحكام». فإن قلت: وردت أحاديث تدلُّ على تأخيره إلى قرب سقوط الشَّفق. قال العَيني: هذه لبيان جواز التأخير.\nثمَّ اختلفوا في خروج وقت المغرب، فقال الثَّوْري وابن أبي ليلى وطاوس ومَكْحول والحسن بن حيٍّ والأوزاعي ومالك والشافعي وأحمد وإِسْحاق وداود: إذا غاب الشَّفق، وهو الحمرة، خرج وقتها. وممن قال ذلك أبو يوسف ومحمَّد، وقال عُمَر بن عبد العزيز وعبد الله بن المبارك والأوزاعي في رواية، ومالك في رواية، وزُفَرُ بن الهُذَيل وأبو ثور والمبرِّد والفرَّاء: لا يخرج حتَّى يغيب الشَّفق الأبيض، ورُوي ذلك عن أبي بكر الصِّدِّيق ﵁ وعائشة وأبي هريرة ومعاذ بن جبل وأُبَي بن كعب وعبد الله بن الزُّبَيْر ﵃، وإليه ذهب أبو حنيفة، وقال ابن المنذر: كان مالك والأوزاعي والشافعي يقولون: لا وقت لها إلَّا وقتًا واحدًا إذا غابت الشَّمس. وقد رُوِّينا عن طاوس إنَّه قال: لا تفوت المغرب والعشاء حتَّى الفجر، ورُوِّينا عن عطاء إنَّه قال: لا تفوت المغرب والعشاء حتَّى النَّهار.\n\n٥٦٠ - <span id=\"b-١٠٥\"> </span>قوله: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ) أي بُنْدَار، ترجمته في باب ما كان النَّبِيُّ ﷺ يتخوَّلهم بالموعظة كيلا ينفروا.\nقوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ جَعْفَرٍ) أي غُنْدَر، ترجمته في باب ظلم دون ظلم.\nقوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) أي ابن الحجَّاج، ترجمته في باب يتلو باب أمور الإيمان.\nقوله: (عَنْ سَعْدِ بنِ إِبْرَاهِيْمَ) أي ابن عبد الرحمن بن عَوْف، ترجمته في باب الرجل يوصي صاحبه.\nقوله: (عَنْ مُحَمَّدِ بنِ عَمْرو بنِ الحَسَنِ بنِ عَلِيٍّ) أي أبو عبد الله ﵃ أجمعين، ترجمته في باب (^١).\nقوله: (قَدِمَ الحَجَّاجُ) أي -بفتح الحاء المهملة وتشديد الجيم وآخره جيم- ابن يوسف الثَّقَفي والي العراق. قال شيخنا: وصدَّر الكِرْماني كلامه أنَّ الرواية بضمِّ أوَّله، قال: وهو حاجٌّ، وهو تحريف بلا خلاف؛ فقد وَقَعَ في رواية أبي عَوانة في «صحيحه» من طريق أبي النَّضر عن شُعْبَة: سألنا جابر بن عبد الله في زمن الحجَّاج وكان يؤخِّر الصَّلاة عن وقت الصلاة. وفي رواية مسلم من طريق معاذ\n_________\n(^١) لم يذكر اسم الباب في المخطوط، بل ترك بياضًا بمقدار كلمتين أو ثلاثة.","vol":"1","page":82},{"text":"عن شُعْبَة: كان الحجَّاج يؤخِّر الصَّلوات. انتهى.\nقال العَيني: لم يقل الكِرْماني: إنَّ الرواية بضمِّ أوَّله، وإنما قال: الحجَّاج بضمِّ الحاء جمع الحاجِّ، وفي بعضها بفتحها، وهو ابن يوسف الثَّقَفي، وهذا أصحُّ ذكره مسلم، ولم يقف الكِرْماني على الضمِّ، بل نبَّه على الفتح ثمَّ قال: وهذا أصحُّ. انتهى.\nقال شيخنا: أخذ العَيني كلامي بعينه - أي في الكلام على هذا المحل - ونسبه لنفسه، وتعقَّب كلامي بما يضحك منه؛ لأنَّ حاصله: لم يقل الكِرْماني إنَّ الرواية بالضمِّ، بل نبَّه على الفتح ثمَّ قال: وهذا أصحُّ، فكأن العَيني لا يدري أنَّ من قال الحجَّاج بضمِّ الحاء جمع حاج، وفي بعضها بالفتح، قال: إنَّ الرواية وقعت بالضمِّ وبالفتح، وهي بالفتح أصحُّ، وإلَّا فما معنى أصحُّ؟! والرواية في هذا الحديث بالضمِّ لا تؤخذ عن موثوق به من أهل الرواية ولا غير موثوق به إلَّا ما وَقَعَ في عبارة الكِرْماني، أفما يستحي العَيني من هذا الانتصار البارد، ثمَّ لا يكتفي بالردِّ على السَّابق حتَّى يجعل مصحوبًا بالإغارة على كلام من نبَّه على ما يقع في كلام غيره من الخطأ؟! فإذا كان عنده لا يوثق به فكيف يأخذ كلامه بعينه ويرتضيه ويجزم به وينسبه لنفسه؟! وإن كان يوثق به فكيف يبالغ في التَّعسُّف في ردِّ كلامه مع ظهور صوابه؟! ومن أراد العجب فليتأمَّل ما استعلنه في هذا الشرح خصوصًا في هذا الباب. انتهى.\nوكان قدوم الحجَّاج المذكور ههنا إلى المدينة واليًا من قِبل عبد الملك بن مروان سنة أربع وسبعين، وذلك عُقيب قتل ابن الزُّبَيْر ﵄، فأمَّره عبد الملك على الحرمين، ثمَّ نقله بعد هذا إلى العراق.\nقوله: (فَسَأَلَنا جَابرُ بنُ عَبْدِ اللهِ) أي ابن زيد، ترجمته في بدء الوحي، قال العَيني: لم يبيِّن المسؤول ما هو تقديره، فسألنا جابر بن عبد الله عن وقت الصلاة، وقد فسَّره في حديث أبي عَوانة في «صحيحه» من طريق أبي النصر عن شعبة: سألنا جابر بن عبد الله في زمن الحجَّاج وكان يؤخِّر وقت الصلاة.\nقوله: (بِالهَاجِرَةِ) الهاجرة: شدَّة الحرِّ، والمراد بها نصف النَّهار بعد الزوال، سمِّيت بها لأنَّ الهجرة هي الترك، والناس يتركون التصرف حينئذ لشدَّة الحرِّ لأجل القيلولة وغيرها، فإن قلت: ظاهره يعارض حديث الإبراد؛ لأنَّ قوله: (كَانَ يُصَلِّي الظُّهْرَ بِالهَاجِرَةِ) يشعر بالكثرة والدوام عرفًا.\nقال ابن دقيق العيد: ويُجمع بين الحديثين بأن يكون أطلق الهاجرة على الوقت بعد الزوال مطلقًا لأن الإبراد كما تقدَّم مفيد بحال شدَّة الحرِّ وغير ذلك كما تقدَّم، فإن وُجِدَتْ شروط الإبراد أبرد، وإلا عجَّل، فالمعنى: كان يصلِّي الظهر بالهاجرة إلَّا إنَّ احتاج إلى الإبراد. قال شيخنا: وتعقِّب بأنَّه لو كان ذلك مُرَاده لفصَّل كما فصَّل في العشاء، والله أعلم. انتهى.\nقوله: (وَالعَصْرَ) بالنَّصب، أي ويصلِّي العصر.\nقوله: (وَالشَّمْسُ نَقِيَّةٌ) أي بالنُّون، جملة اسميَّة وقعت حالًا على الأصل بالواو، ومعنى نقيَّة: أي خالصة صافية لم يدخلها بعدُ صفرة وتغيَّر. قلت: قال ابن الأثير في «النهاية»: والنقي المخ، يقال: نقيِّت العظم وانتقيته","vol":"1","page":82},{"text":"ونقوته، قال: وفيه: «المدينة كالكير تنفي خبثها» الرواية المشهورة بالفاء، وقد جاء في رواية بالقاف، فلو كانت مخفَّفة فهو من إخراج المخ، أي يستخرج خبثها، وإن كانت مشدَّدة فهو من التنقية، وهو إفراد الجيد من الرديء. انتهى.\nقوله: (وَالمَغْرِبَ) أي بالنَّصب أيضًا، والتقدير: وكان يصلِّي المغرب.\nقوله: (إِذا وَجَبَتْ) أي إذا غابت الشَّمس، وأصل الوجوب السقوط، والمراد سقوط قرص الشَّمس، وفاعل وجبت مستتر وهو الشَّمس، وفي رواية أبي داود عن مسلم بن إبراهيم: «والمغرب إذا غربت الشَّمس»، ولأبي عَوانة من طريق أبي النَّضر عن شُعْبَة: «والمغرب حين تجب الشَّمس» أي حين تسقط، وفيه دليل على أنَّ سقوط قرص الشَّمس يدخل به وقت المغرب، ولا يخفى أنَّ محلَّه ما إذا كان لا يحول بين رؤيتها غاربة وبين الرائي حائل، والله أعلم. انتهى.\nقوله: (وَالعِشَاءَ) بالنَّصب أيضًا، أي وكان يصلِّي العشاء.\nقوله: (أَحْيَانًا وَأَحْيَانًا) أي منصوبان على الظرفيَّة، والأحيان جمع حين، وهو اسم مبهم يقع على القليل والكثير من الزمان، وهو المشهور، وهو المراد ههنا وإن كان جاء بمعنى أربعين سنة وبمعنى ستَّة أشهر، والمعنى: كان يصلِّي العشاء في أحيان بالتقديم وفي أحيان بالتأخير، قال شيخنا: وسيأتي الكلام على حكم وقت العشاء في بابه.\nقوله: (إِذَا رَآهُمُ اجْتَمَعُوا عَجَّلَ) هذا بيان لقوله: (أَحْيَانًا) يعني: إذا رأى الجماعة اجتمعوا عجَّل بالعشاء؛ لأنَّ في تأخيرها تنفيرهم.\nقوله: (وَإِذَا رَآهُم أَبطَؤُوا أَخَّرَ) هذا بيان لقوله: (وَأَحْيَانًا) يعني: إذا رأى الجماعة تأخُّروا أخَّر العشاء لإحراز فضيلة الجماعة، وأبطؤوا على وزن أفعلوا بفتح الطاء وضم الهمزة، قال الكِرْماني: والجملتان الشرطيتان في محلِّ النَّصب حالًا من الفاعل. أي يصلِّي العشاء معجِّلًا إذا اجتمعوا ومؤخِّرًا إذا تباطؤوا، ويحتمل أن يكونا من المفعول والراجع إليه محذوف؛ إذ التقدير: عجَّلها وأخّرها، قال العَيني: لا نسلِّم أنَّ إذا ههنا للشرط بل على أصلها للوقت، والمعنى: كان يصلِّي العشاء أحيانًا بالتعجيل إذا رآهم اجتمعوا، وكان يصلِّي أحيانًا بالتأخير إذا رآهم تأخَّروا، والجملتان بيانيتان كما ذكرنا، وكل واحد من عجَّل وأخَّر جواب إذا.\nقوله: (وَالصُّبْحَ) أي بالنَّصب أيضًا، والتقدير كما تقدم.\nقوله: (كَانُوا أَوْ كَانَ) أي بكلمة الشك، قال الكِرْماني: الشك من الرَّاوي عن جابر، ومعناهما متلازمان؛ لأنَّ أيهما كان يدخل فيه الآخر، إن أراد النَّبِيُّ ﷺ فالصحابة في ذلك كانوا معه، وإن أراد الصحابة ﵃ فالنَّبِيُّ ﵇ كان إمامهم، وخبر (كَانُوا) محذوف يدلُّ عليه (يُصَلِّيْها) أي كانوا يصلُّون، وقال ابن بطَّال: ظاهره أنَّ الصُّبح كان يصلِّيها بغلس اجتمعوا أو لم يجتمعوا، ولا يفعل فيها كما يفعل في العشاء، وهذا من فصيح الكلام، وفيه حذفان: حذف خبر كان وهو جائز كحذف خبر المبتدأ كقوله تعالى: ﴿وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: ٤] والمعنى: واللائي لم يحضن فعدَّتهنَّ مثل ذلك ثلاثة أشهر، والحذف الثَّاني حذف الجملة الَّتي هي الخبر لدلالة ما تقدَّم عليه، وحذف الجملة الَّتي بعد أو مع كونها مقتضية لها، وقال السَّفَاقُسي: تقديره: أَوَلم يكونوا مجتمعين، ويصحُّ أن تكون كان تامة غير ناقصة، فتكون بمعنى الحضور والوقوع، ويكون المحذوف","vol":"1","page":83},{"text":"ما بعد أو خاصَّة، وقال ابن المنيِّر: يحتمل أن يكون شكًّا من الرَّاوي هل قال: كان النَّبِيُّ ﷺ أو كانوا، ويحتمل أن يكون تقديره: والصُّبح كانوا مجتمعين مع النَّبِيِّ ﷺ، أو كان النَّبِيُّ ﷺ وحدَه يصلِّيها بغَلَس.\nقال شيخنا: والتقدير الأوَّل أولى، أي تقدير الكِرْماني، والحقُّ إنَّه شكٌّ من الراوي، فقد وَقَعَ في رواية مسلم: والصُّبح كانوا أو قال: كان النَّبِيُّ ﷺ، وفيه حذف واحد: والصُّبح كانوا يصلُّونها، أو كان النَّبِيُّ ﷺ يصلِّيها بغلس.\nقوله: (يُصَلِّيهَا بِغَلَسٍ) هذا إضمار على شريطة التفسير، قال العَيني: وقد علم أنَّ الإضمار على شريطة التفسير كلُّ اسم بعده فعل أو شبهه مشتغَل عنه بضميره أو متعلَّقه، لو سُلِّطَ عليه لنصبه، وههنا الاسم هو قوله: (والصُّبْحَ)، وقوله: (يُصَلِّيْها) فعل وَقَعَ بعده (قَالُوا)، وقوله: (بِغَلَسٍ) متعلق بقوله: (كَانُوا) أو (كَانَ) باعتبار الشكِّ، فإن علَّقها بقوله: (كَانُوا) لا يلزم منه ألَّا يكون النَّبِيَّ ﷺ معهم وإن علَّقها بـ (كَانَ) لا يلزم ألَّا يكون أصحابه معه. والغَلَس بفتحتين: ظلمة آخر اللَّيل. انتهى.\nفيه بيان معرفة أوقات الصَّلوات الخمس، وفيه بيان المبادرة إلى الصَّلاة في أوَّل وقتها إلَّا ما ورد فيه الإبراد بالظهر، قال العَيني: والإسفار بالصُّبح وتأخير العشاء عند تأخُّر الجماعة، قلت: قد علمت مما تقدَّم ما في قول العَيني والإسفار بالصُّبح. انتهى. قال ابن دقيق العيد: إذا تعارض في شخص أمران، أحدهما أن يقدِّم الصَّلاة في أوَّل الوقت منفردًا، أو يؤخُّرها في الجماعة، أيهما أفضل؟ والأقرب عندي أنَّ التأخير لصلاة الجماعة أفضل، وحديث الباب يدلُّ عليه لقوله: (وإذا رآهم أبطؤوا أخَّر) فيؤخِّر لأجل الجماعة مع إمكان التقديم.\nقال شيخنا: ورواية مسلم بن إبراهيم الَّتي تقدَّمت تدلُّ على أخصَّ من ذلك، وهو أنَّ انتظار تكثر بهم الجماعة أولى من التقديم، ولا يخفى أنَّ محلَّ ذلك إذا لم يفحش التأخير، والله أعلم. انتهى.\nوفيه السؤال عن أهل العلم، وفيه تعيَّن الجواب على المسؤول عنه إذا علم بالمسؤول.\n\n٥٦١ - <span id=\"b-١٠٦\"> </span>قوله: (حَدَّثَنا المكِيُّ بنُ إِبْرَاهِيْمَ) أي ابن بشير، ذكره في باب من أجابه المفتي بإشارة اليد.\nقوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيْدُ بنُ أَبِي عُبَيْدٍ) أي مولى سلمة، ترجمته في باب إثم من كذب على النَّبِيِّ ﷺ.\nقوله: (عَنْ سَلَمَةَ) أي ابن الأكوع الصحابي الذي ينسب ولاء يزيد الرَّاوي عنه إليه، ترجمته في باب إثم من كذب أيضًا.\nفي هذا الإسناد التَّحديث بصيغة الجمع في موضعين، وفيه العنعنة في موضع واحد، وفيه القول في موضعين، وفيه أنَّ هذا من ثلاثيَّات البخاري، وفيه اسم شيخ البخاري على صورة المنسوب، وربَّما يتوهَّم إنَّه شخص منسوب إلى مكَّة وليس كذلك.\nقوله قال: (كُنَّا نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ المَغْرِبَ إِذَا تَوَارَتْ بِالحِجَابِ).\nمطابقته للترجمة ظاهرة؛","vol":"1","page":83},{"text":"لأنَّه يعلم منه أنَّ وقت المغرب بغيبوبة الشمس.\nوهذا الحديث أخرجه أيضًا مسلم في الصَّلاة عن قتيبة، وأبو داود عن عَمْرو بن علي، والتِّرْمِذي عن قتيبة، وابن ماجَهْ عن يعقوب بن حُميد.\nقوله: (المَغْرِبَ) أي صلاة المغرب.\nقوله: (إِذَا تَوَارَتْ) أي الشَّمس، قال الخطَّابيُّ: لم يذكرها اعتمادًا على أفهام السَّامعين، معنى (تَوَارَتْ): استترت، ولا يقال: إنَّ الضَّمير فيه مبهم لا يعلم مرجعه؛ لأن قوله: (المَغْرِبَ) قرينة تدلُّ على أنَّ الضَّمير فيه يرجع إلى الشَّمس كما في قوله تعالى: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالحِجَابِ﴾ [ص: ٣٢]، قال العَيني: والظَّاهر أنَّ طي ذكر الفاعل فيه من شيخ البخاري، قال شيخنا: وقد رواه مسلم من طريق حاتم بن إسماعيل عن يزيد بن أبي عُبيد بلفظ: «إذا غربَت وتوارَت بالحجابِ» فدلَّ على أنَّ الاختصار في المتن من شيخ البخاري وقد صرَّح بذلك الإسماعيلي، ورواه عبد بن حُمَيْد عن صَفْوان بن عيسى، وأبو عَوانة والإسماعيلي من طريق صَفْوان أيضًا عن يزيد بن أبي عُبَيْد بلفظ: «كانَ يصلِّي المغربَ ساعةَ تغربُ الشَّمسُ حينَ يغيبَ حاجبُها»، والرواية الَّتي فيها «توارت» أصرح في المراد، والمراد حاجبها الأعلى الذي يبقى بعد أن يغيب أكثرها.\nقال العَيني: وحاجب الشَّمس طرفُها الأعلى من قرصها، وحواجبها نواحيها، وقيل: سمِّي بذلك؛ لأنَّه أوَّل ما يبدو منها كحاجب الإنسان، فعلى هذا يختص الحاجب بالحرف الأعلى البادي أوَّلًا، ولا يسمَّى جميع نواحيها حواجب. وفي رواية أبي داود عن سلمة: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ يصلِّي المغربَ ساعةَ تغربُ الشَّمسُ إذا غاب حاجبُها».\nقوله: (سَاعَةَ) نصب على الظرف، ومضاف إلى الجملة.\nقوله: (إِذا غَابَ حَاجِبُهَا) بدل من قوله: (سَاعَةَ تَغْرُبُ الشَّمْسُ).\nومما يستفاد منه: أنَّ أوَّل وقت المغرب حين تغرب الشمس، وفي خروج وقته اختلاف، وقد ذكرناه عن قريب. قلت: وفيه الاختصار في اللَّفظ إذا فهم المراد. انتهى.\n\n٥٦٢ - <span id=\"b-١٠٧\"> </span>قوله: (حَدَّثَنَا آدَمُ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَة، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرو بنُ دِينَارٍ، قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بنَ زَيدٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ عَبَاسٍ، قَالَ: صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ سَبْعًا جَمِيْعًا وَثَمَانِيًا جَمِيْعًا).\nمطابقته للترجمة إنَّما تأتي إذا حمل الجمع في هذا على جمع التأخير. قاله العَيني مراعاةً لمذهبه، وقد تقدَّم الكلام على هذا الحديث في باب الجمع بين الظهر والعصر في وقت الظهر، والله أعلم.\nقال شيخنا: واستدلَّ بهذه الأحاديث على ضعف حديث أبي بصرة - بالموحدة ثمَّ المهملة - رفعه في أثناء حديث: «وَلَا صَلَاةَ بَعْدَهَا حتَّى يَرَى الشَّاهِدَ» والشاهد: النَّجم، قال العَيني: وقد مرَّ حديث ابن عبَّاس في باب تأخير الظُّهر إلى العصر، رواه عن أبي النُّعْمان عن حمَّاد بن زيد عن عَمْرو بن دينار، فاعتبر التفاوت بينهما في المتن والسند.\nقوله: (سَبْعًا) أي سبع ركعات، وهي المغرب والعشاء.\nقوله: (وَثَمانِيًا) أي ثمان ركعات، وهي الظهر والعصر.\n\n <span id=\"b-١٠٨\"> </span>(١٩) <span data-type=\"title\" id=toc-108>(بَابُ مَنْ كَرِهَ أَنْ يُقَالَ لِلمَغْرِبِ: العِشَاءَ)</span> أي هذا باب في بيان قول من كره أن يقال للمغرب: العشاء،","vol":"1","page":84},{"text":"وإنما لم يجزم بقوله: باب كراهية كذا؛ لأن لفظ الحديث لا يقتضي نهيًا مطلقًا؛ لأن النَّهي فيه عن غلبة الأعراب على ذلك، فكأنَّه رأى جواز إطلاقه بالعشاء على وجه لا يترك التسمية الأخرى كما ترك الأعراب، والمشروع أن يقال لها: المغرب؛ لأنَّه اسم يُشعر بمسماها وبابتداء وقتها، ووجه كراهة إطلاق العشاء عليها لأجل الالتباس بالصَّلاة الأخرى، فعلى هذا لا يكره أن يقال للمغرب: العشاء الأولى، ويؤيُّده قولهم: «العشاء الآخرة» كما ثبت في الصحيح، ونقل ابن بطَّال عن بعضهم: إنَّه لا يقال للمغرب: العشاء الأولى، ويحتاج إلى دليل؛ لأنَّه لا حجَّة له من حديث الباب، وقال المُهَلَّب: إنَّما كره أن يقال للمغرب: العشاء؛ لأنَّ التسمية من الله تعالى ورسوله، قال تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة: ٣١].\n\n٥٦٣ - <span id=\"b-١٠٩\"> </span>قوله: (حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، هُوَ عَبْدُ اللهِ بنُ عَمْرٍو) أي -بفتح الميمين- ابن الحجَّاج المِنقَري المُقعَد البصري، ترجمته في باب قول النَّبيِّ: اللَّهمَّ علِّمه الكتاب.\nقوله: (قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الوَارِثِ) أي ابن سعيد التنُّوري، ترجمته في الباب أيضًا.\nقوله: (عَنِ الحُسَيْنِ) أي ابن ذكوان المُعَلِّم، ترجمته في... (^١).\nقوله: (قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بنُ بُرَيْدَةَ) أي -بضمِّ الباء الموحَّدة وفتح الرَّاء وسكون الياء آخر الحروف، وبالدَّال المهملة- قاضي مرو، ومات بها سنة خمس عشرة ومائة.\nقوله: (قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ المزَنيُّ) أي ابن مُغَفَّل -بضمِّ الميم وفتح الغين المعجمة وتشديد الفاء- من أصحاب الشجرة، قال: كنت أرفع أغصانها عن رسول الله ﷺ، روي له ثلاثة وأربعون حديثًا، للبخاري منها خمسة، وهو أوَّل من دخل تستر وقت الفتح، مات سنة ستِّين ﵁.\nفي هذا الإسناد التَّحديث بصيغة الجمع في موضعين، وبصيغة الإفراد من الماضي في موضعين، وفيه العنعنة في موضع واحد، وفيه القول في أربع مواضع، وفيه أنَّ رواته كلُّهم بصريُّون، وفيه إنَّه وَقَعَ عند الأكثرين عبد الله المزَني لم يذكر اسم أبيه، وفي رواية كريمة ابن مُغَفَّل، وكذلك وَقَعَ منسوبًا بذكر أبيه في رواية عبد الصَّمد بن عبد الوارث عن أبيه عند الإسماعيلي وغيره.\nقوله: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: لَا تَغْلِبَنَّكُمُ الأَعرَابُ عَلَى اسْمِ صَلَاتِكُمُ) قال وتقول الأعراب: هي العشاء.\nمطابقته للترجمة ظاهرة؛ لأنَّه ﵇ نهاهم أن يسمُّوا المغرب بالاسم الذي تسمِّيه الأعراب وهو العشاء، وهذا الحديث من أفراد البخاري.\nقوله: (لَا تَغْلِبَنَّكُمُ الأَعْرَابُ) قال الأزهري: معناه لا يغرنَّكم فعلهم هذا عن صلاتكم فتؤخِّروها، ولكن صلُّوها إذا كان وقتها، والعشاء: أوَّل ظلام الليل، وذلك من حين تكون غيبوبة الشَّفق، فلو قيل في المغرب: عشاء لأدَّى إلى اللَّبس بالعشاء الآخرة، والكراهة في ذلك إلَّا تتبع الأعراب في هذه التسمية، وقيل: إنَّ الأعراب يسمُّونها العتمة لكونهم يؤخِّرون الحلب إلى شدَّة الظلام، وقال القُرْطُبي: لئلَّا يُعدل بها عما سمَّاها الله تعالى، فهو إرشاد إلى ما هو الأولى، لا على التحريم ولا على أنَّه لا يجوز، ألا تراه ﵇ قد قال:\n_________\n(^١) لم يذكر المصنف اسم الباب، بل ترك بياضًا بمقدار كلمتين أو ثلاث.","vol":"1","page":84},{"text":"«ولو يعلمون ما في العتمةِ والصُّبحِ» وقد أباح تسميتها بذلك أبو بكر وابن عبَّاس ﵃ فيما ذكره ابن أبي شَيْبَة.\nوقال الطِّيبي: يقال غَلَبه على كذا غَصَبه منه أو أخذه منه قهرًا، والمعنى: لا تتعرضوا لما هو من عادتهم من تسمية المغرب بالعشاء والعشاء بالعتمة، فيغصب منكم الأعراب اسم العشاء الَّتي سمَّاها الله تعالى بها، قال: فالنَّهي على الظَّاهر للأعراب وعلى الحقيقة لهم، وقال غيره: معنى الغلبة أنَّكم تسمُّونها اسمًا وهم يسمُّونها اسمًا، فإن سمِّيتموها بالاسم الذي يسمُّونها به وافقتموهم، وإذا وافق الخصم خصَمه صار كأنَّه انقطع له حتَّى غلبه، ولا يحتاج إلى تقدير غَصَب ولا أَخَذ.\nقال العَيني: لما فسَّر الطِّيبي الغلبة بالغصب يحتاج إلى هذا التقدير ليتَّضح المعنى.\nقلت: مراده إنَّه لا يفسِّر الغلبة بالغصب فلا يحتاج إلى هذا التقدير، ولكن يفسِّر الغلبة بما فسَّر به. انتهى. وقال التَّوْرِبِشْتي شارح «المصابيح»: المعنى: لا تطلقوا هذا الاسم على ما هو متداول بينهم، فيغلب مصطلحهم على الاسم الذي شرعته لكم.\nقوله: (الأَعرَابُ) قال القُرْطُبي: الأعراب مَن كان من أهل البادية وإن لم يكن عربيًا، والعربي من يُنسب إلى العرب ولو لم يسكن البادية. وقال ابن الأَثِير: الأعراب ساكنو البادية من العرب الذين لا يقيمون في الأمصار ولا يدخلونها إلَّا لحاجة، والعرب اسم لهذا الجيل من النَّاس ولا واحد له من لفظه، وسواء أقام بالبادية أو المدن، والنسبة إليهما أعرابي وعربي. انتهى.\nقلت: فعلى ما قاله القُرْطُبي تسمَّى الأعجام المقيمون بالبادية أعرابًا لا على ما قاله ابن الأثير. انتهى.\nقوله: (عَلى اسْمِ صَلَاتِكُمُ المَغْرِبِ) كلمة (عَلَى) تتعلَّق بقوله: (لَا يَغْلِبَنَّكُمْ)، و(المَغْرِبِ) بالجرِّ صفة الصلاة، وهذه اللفظة تردُّ تفسيرَ الأزهري: لا يغلبنَّكم الأعراب، وهو الذي ذكرناه عن قريب، قال شيخنا: وكذا قول ابن المنيِّر: السر في النَّهي سدُّ الذريعة لئلَّا تسمَّى عشاءًا، فيظن امتداد وقتها عن غروب الشَّمس أخذًا من لفظه، وكأنَّه أراد تقوية مذهبه في أنَّ وقت المغرب مضيق، وفيه نظر؛ إذ لا يلزم من تسمِّيتها المغرب أن يكون وقتها مضيقًا، فإن الظهر سمِّيت بذلك لأنَّ ابتداء وقتها عند الظهيرة وليس وقتها مضيقًا بلا خلاف.\nقوله: (قَالَ: وَتَقُوْلُ الأَعْرابُ: هِيَ العِشاءُ) قال الكِرْماني: أي قال عبد الله المزني: وكان الأعراب يقولون ويريدون به المغرب، فكان يشتبه ذلك على المسلمين بالعشاء الآخرة، فنهى عن إطلاق العشاء على المغرب دفعًا للالتباس، قال شيخنا: وقد جزم الكِرْماني بأن فاعل (قَالَ) هو عبد الله المزني راوي الحديث، ويحتاج إلى نقل خاص لذلك، وإلا فظاهر إيراد الإسماعيلي إنَّه من تتمة الحديث، فإنه أورد بلفظ: «فَإِنَّ الأَعْرَابَ تُسَمِّيْهَا» والأصل في مثل هذا أن يكون كلامًا واحدًا حتَّى يقوم دليل على إدراجه.\nقال العَيني: لم يجزم الكِرْماني بذلك، وإنما قال: قال عبد الله، بناءً على ظاهر الكلام، فإنه فصل بين الكلامين بلفظة: (قال) والظاهر أنَّه الراوي، على أنَّه يحتمل أن تكون هذه اللفظة مطوية في رواية الإسماعيلي.","vol":"1","page":85},{"text":"قال شيخنا: انظر تحامله في قول الكِرْماني وقوله: لم يجزم الكِرْماني إلى آخره، فإذا لم يكن قول القائل: قال فلان كذا جزمًا بالنقل عن فلان مع عدم تجويز شيء آخر، فما هو الجزم؟!. انتهى.\nقوله: (هِيَ العِشَاءُ) -بكسر العين وبالمدِّ- وهو من المغرب إلى العتمة، وقيل: من الزوال إلى طلوع الفجر، قال شيخنا: سرُّ النَّهي عن موافقتهم على ذلك: أنَّ لفظة العشاء لغة وهو أوَّل ظلام الليل، وذلك من غيبوبة الشَّفق، فلو قيل للمغرب عشاء لأدى ذلك إلى أنَّ أوَّل وقتها غيبوبة الشفق.\nفائدة: لا يتناول النَّهي تسمية المغرب عشاءًا على سبيل التغليب كمن قال مثلًا: صلِّيت العشاءين، إذا قلنا: إنَّ حكمة النَّهي عن تسمِّيتها عشاءًا خوفُ اللبس؛ لزوال اللبس في الصيغة المذكورة، والله أعلم.\nتنبيه: أورد الإسماعيلي حديث الباب من طريق عبد الصَّمد بن عبد الوارث عن أبيه، واختلف عليه في لفظ المتن، فقال هارون الحمَّال عنه لرواية البخاري، قلت: وكذلك رواه أحمد بن حنبل في «مسنده»، وأبو خَيثَمَة زُهَير بن حرب عند أبي نُعَيم في «مستخرجه» وغير واحد عن عبد الصَّمد، وكذلك رواه ابن خُزَيمَة في «صحيحه» عن عبد الصَّمد بن عبد الوارث عن أبيه، وقال ابن مسعود الرَّاوي عن عبد الصَّمد: «لا يغلبنَّكم الأعرابُ على اسمِ صلاتِكم، فإنَّ الأعرابَ تسمِّيها عتمة»، وكذلك رواه علي بن عبد العزيز البَغَوي عن أبي مَعْمَر شيخ البخاري فيه أخرجه الطَّبَرَاني عنه، وأخرجه أبو نُعَيم في «مستخرجه» عن الطَّبَرَاني كذلك، وجنح الإسماعيلي إلى ترجيح رواية أبي مسعود لموافقته حديث ابن عمر، يعني الذي رواه مسلم كما سنذكره في صدر الباب الذي يليه، والذي يتبيَّن لي أنهما حديثان أحدهما في المغرب والآخر في العشاء كانا جميعًا عند عبد الوارث بسند واحد، والله أعلم.\nقلت: فيه سدُّ الذريعة خوفًا من اللَّبس، وفيه مراعاة العرف الشَّرعي وإن خالفه العرف اللُّغوي. انتهى.\n\n <span id=\"b-١١٠\"> </span>(٢٠) <span data-type=\"title\" id=toc-110>(بَابُ ذِكْرِ العِشَاءِ وَالعَتَمَةِ وَمَنْ رَآهُ وَاسِعًا)</span> أي هذا باب في بيان ذكر العشاء والعتمة في الآثار، ومَن رأى إطلاق اسم العتمة على العشاء واسعًا، أي جائزًا.\nقال شيخنا: غاير المصنِّف بين هذه الترجمة والتي قبلها مع أنَّ سياق الحديثين الواردين فيهما واحد، وهو النَّهي عن غلبة الأعراب عن التسميتين؛ وذلك لأنَّه لم يثبت عن النَّبِيِّ ﷺ إطلاق اسم العشاء على المغرب، وثبت عليه إطلاق اسم العتمة على العشاء، فتصرَّف المُصَنِّف في الترجمة بحسب ذلك، والحديث الذي ورد في العشاء أخرجه مسلم من طريق أبي سلمة بن عبد الرحمن عن ابن عُمَر بلفظ: «لا يغلبنَّكم الأعرابُ على اسمِ صلاتِكم؛ فإنَّها في كتابِ الله العشاء، وإنَّكم تعتمون بخلاف الإبل»، ولابن ماجَهْ نحوه من حديث أبي هريرة وإسناده حسن، ولأبي يعلى والبَيْهَقي من حديث عبد الرحمن بن عَوْف كذلك، زاد الشَّافعي في روايته في حديث ابن عمر:","vol":"1","page":85},{"text":"وكان ابن عُمَر إذا سمعهم يقولون: العتمة صاح وغضب. وأخرج عبد الرزَّاق هذا الموقوف من وجه آخر عن ابن عمر.\nو(العَتَمَة) -بفتح العين المهملة والتاء المُثَنَّاة من فوق- وقت صلاة العشاء الآخرة، وقال الخليل: هي بعد غيبوبة الشَّفق، وأَعتَمَ: إذا دخل في العتمة، والعتم: الإبطاء، يقال: أعتم الشيءَ وعتَّمه إذا أخَّره، وعتمتِ الحاجةُ وأعتمت إذا تأخَّرت.\nقال شيخنا: ومعنى العتمة في الأصل: تأخير مخصوص، وقال الطَّبَرَاني: العتمة بقيَّة اللبن تغبق لها الناقة بعد هوي من اللَّيل، سمِّيت الصَّلاة بذلك لأنَّهم كانوا يصلُّونها في تلك السَّاعة، وروى ابن أبي شَيْبَة من طريق ميمون بن مِهْران قال: قلت لابن عُمَر: من أوَّل من سمَّى صلاة العشاء العتمة؟ قال: الشيطان.\nواختلف السَّلف في ذلك، فمنهم من كرهه كابن عُمَر راوي الحديث، ومنهم من أطلق جوازه، نَقَله ابن أبي شَيْبَة عن أبي بكر الصِّدِّيق وغيره، ومنهم من جعله خلاف الأولى وهو الرَّاجح وسيأتي للمُصَنِّف، وكذا نقله ابن المنذر عن مالك والشافعي واختاره، ونقل القُرْطُبي عن غيره: إنَّما نُهي عن ذلك تنزيهًا لهذه العبادة الشرعيَّة الدينيَّة من أن يطلق عليها ما هو اسم لفعلة دنيويَّة، وهي الحلبة الَّتي كانوا يحلبونها في ذلك الوقت ويسمُّونها العتمة وذكر بعضهم أنَّ تلك الحلبة إنَّما كانوا يعتمدونها في زمان الجدب خوفًا من السؤال والصعاليك، فعلى هذا فهي فعلة دنيويَّة مكروهة لا تطلق على فعلة دينيَّة محبوبة. انتهى.\nقوله: (وَقالَ أَبو هُرَيرَةَ) أي عبد الرحمن بن صخر، ترجمته في باب أمور الإيمان.\nقوله: (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: أَثْقَلُ الصَّلاة عَلَى المُنَافِقِيْنَ العِشَاءُ وَالفَجْرُ. وَقالَ: لَو تَعلَمُونَ مَا فِي العَتَمَةِ وَالفَجْرِ).\nقال شيخنا: شَرَع المُصَنِّف في إيراد أطراف أحاديث محذوفة الأسانيد كلَّها صحيحة في أمكنة أخرى، حاصلها ثبوت تسمية هذه الصَّلاة تارة عتمة وتارة عشاءًا، وأمَّا الأحاديث الَّتي لا تسمية فيها بل فيها إطلاق الفعل لقوله: أعتم النَّبِيُّ ﷺ، ففائدة إيراده لها الإشارة إلى أنَّ النَّهي عن ذلك إنَّما هو لإطلاق الاسم لا لمنع تأخير هذه الصَّلاة عن أوَّل الوقت، وحديث أبي هريرة المذكور وصله المُصَنِّف باللَّفظ الأوَّل في باب صلاة العشاء جماعة، وباللَّفظ الثَّاني وهو العتمة في باب الاستهام في الأذان، قال العَيني: والشهادات. وقد أباح تسمِّيتها بالعتمة أيضًا أبو بكر وابن عبَّاس ﵃، ذكره ابن أبي شَيْبَة. انتهى.\nقوله: (وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) أي البخاري نفسه، ترجمته في مقدِّمة هذا الشَّرح.\nقوله: (وَالاختيارُ أَنْ يَقُولَ: العِشَاءُ؛ لِقُوْلِ اللهِ تَعَالى: ﴿وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ العِشَاءِ﴾ [النور: ٥٨]) قال الزَّين بن المنيِّر: هذا لا يتناوله لفظ الترجمة، لأن لفظ الترجمة يُفهم التسوية، وهذا ظاهر في الترجيح، قال شيخنا: لا تنافي بين الجواز والأولويَّة، فالشيئان إذا كانا جائزي الفعل قد يكون أحدهما أولى من الآخر، وإنما صار عنده أولى منه لموافقته لفظ القرآن، ويترجَّح أيضًا بأنَّه أكثر ما ورد عن النَّبِيِّ ﷺ، وبأنَّ تسميتها عشاء يُشعر بأول وقتها بخلاف تسميتها عتمة لأنَّه يُشعر بخلاف ذلك، وبأن لفظه في الترجمة","vol":"1","page":86},{"text":"لا ينافي ما ذكر إنَّه الاختيار وهو واضح لمن نظره؛ لأنَّه قال: من كره، فأشار إلى الخلاف، ومن نقل الخلاف لا يمتنع عليه أن يختار. انتهى.\nقال العَيني: لا نسلِّم أنَّ لفظ الترجمة يُفهم التسوية، غاية ما في الباب إنَّها تفهم الجواز عند من رآه، والجواز لا يستلزم التسوية.\nقوله: (وَيُذْكَرُ عَنْ أَبِي مُوْسَى) أي الأشعري، ترجمته في باب أيُّ الإسلام أفضل.\nقوله: (كُنَّا نَتَنَاوَبُ النَّبِيَّ ﷺ عِنْدَ صَلَاةِ العِشَاءِ، فَأَعتَمَ بِهَا) هذا التعليق وصله البخاري في باب فضل العشاء مطوَّلًا، وسيأتي بعد باب، ولفظه فيه: (وَكَانَ يَتَنَاوَبُ النَّبِيَّ ﷺ عِنْدَ صَلَاةِ العِشَاءِ كُلَّ لَيْلَةٍ نَفَرٌ مِنهْمُ فَوَافَقْنَا النَّبِيَّ ﷺ أَنَا وَأَصْحَابِي وَلَهُ بَعْضُ الشُّغْلِ فِي بَعْضِ أَمْرِهِ فَأَعْتَمَ بِالصَّلَاةِ) الحديث، فإن قلت: هذا صحيح عنده، فكيف ذكره بصيغة التمريض؟ قال شيخنا: وكأنَّه لم يجزم به؛ لأنَّه اختصر لفظه، نبَّه على ذلك شيخنا الحافظ أبو الفضل، وأجاب به عمَّن اعترض على ابن الصَّلاح حيث فرَّق بين الصِّيغتين، وحاصل الجواب: أنَّ صيغة الجزم تدلُّ على القوَّة، وصيغة التمريض لا تدلُّ، ثمَّ بيَّن مناسبة العدول في حديث أبي موسى عن الجزم مع صحَّته إلى التمريض: بأن البخاري قد يفعل ذلك لمعنى غير التضعيف، وهو ما ذكره من إيراد الحديث بالمعنى، وكذا الاقتصار على بعضه لوجود الاختلاف في جوازه وإن كان المُصَنِّف يرى الجواز. انتهى.\nقوله: (وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ) أي عبد الله، ترجمته في بدء الوحي.\nقوله: (وَعَائِشَةُ) أي أمُّ المؤمنين، ترجمتها في البدء أيضًا.\nقولهما: (أَعْتَمَ النَّبِيُّ ﷺ بِالعَتَمَةِ بِالعِشَاءِ) هذا التعليق ذكره بصيغة التصحيح، وحديث ابن عبَّاس وصله في باب النَّوم قبل العشاء، وهو الباب الرابع بعد هذا الباب، ولفظه فيه: قلت لعطاء فقال: سمعت ابن عبَّاس يقول: «أَعْتَمَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ لَيْلَةً بِالعِشَاءِ حتَّى رَقَدَ النَّاسُ» الحديث، وأما حديث عائشة فوصله في باب فضل العشاء، ولفظه: عن عُرْوَة أنَّ عائشة أخبرته قال: «أَعْتَمَ النَّبِيُّ ﷺ لَيْلَةً بِالعِشَاءِ» الحديث.\nقال شيخنا: حديث عائشة بلفظ: «أَعْتَمَ بِالعِشَاءِ»، فوصله في باب فضل العشاء من طريق عقيل، وفي الباب الذي بعده من طريق صالح بن كَيْسان، كلاهما عن الزُّهْري عن عُرْوَة عنها، وأما حديثها بلفظ: «أعتم بالعتمة» فوصله المُصَنِّف أيضًا في باب خروج النِّساء إلى المساجد باللَّيل بعد باب وضوء الصِّبيان من كتاب الصَّلاة أيضًا من طريق شُعَيب عن الزُّهْري بالسند المذكور، وأخرجه الإسماعيلي من طريق عقيل أيضًا، ويُونُس وابن أبي ذئب وغيرهم عن الزُّهْري بلفظ: «أَعْتَمَ النَّبِيُّ ﷺ ليلة بالعشاء، وهي الَّتي تدعو النَّاس العتمة» وهذا يشعر بأن السِّياق المذكور من تصرُّف الراوي. انتهى.\nقوله: (أَعْتَمَ النَّبِيُّ ﷺ بِالعَتَمَةِ) أي أخَّر صلاة العتمة وأبطأ بها.\nقوله: (بِالعِشَاءِ) بدل اشتمال من قوله: (بَالعَتَمَةِ) قال شيخنا:","vol":"1","page":86},{"text":"(أَعْتَمَ) دخل في وقت العتمة، ويطلق (أَعْتَمَ) بمعنى آخر، لكن الأوَّل هنا أظهر. انتهى.\nقوله: (وَقَالَ جَابِرٌ) أي ابن عبد الله الأنصاري ﵁، ترجمته في بدء الوحي.\nقوله: (كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي العِشَاءَ).\nقال العَيني: لما ذكر ثلاث تعليقات عن ثلاثة من الصحابة، وهم أبو موسى وابن عبَّاس وعائشة فيها ذكر العتمة وأعتم، شرع يذكر عن خمسة من الصحابة بالتعليق فيها ذكر العشاء الأوَّل عن جابر، وهذا التعليق طرف من حديث وصله البخاري في باب وقت المغرب عن محمَّد بن بشَّار عن محمَّد بن جعفر عن شُعْبَة عن سعد بن إبراهيم إلى آخره، وفيه: «والعِشَاءُ أَحْيَانًا وَأَحْيَانًا» الحديث، ووصله أيضًا في باب وقت العشاء الذي يلي الباب الذي نحن فيه.\nقوله: (وَقَالَ أَبُو بَرْزَةَ) أي نَضْلَة الأَسْلَمي، ترجمته في باب وقت الظُّهر عند الزوال.\nقوله: (كَانَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ يُؤَخِّرُ العِشَاءَ).\nهذا التعليق طرف من حديث وصله البخاري في باب وقت العصر الذي مضى قبل هذا الباب بستَّة أبواب من حديث سيَّار بن سلامة قال: دخلت أنا وأبي على أبي بَرزَة، الحديثَ، وفيه: وكان يستحبُّ أن يؤخِّر العشاء.\nقوله: (وَقَالَ أَنَسٌ) أي ابن مالك ﵁، ترجمته في باب من الإيمان أن يحبَّ لأخيه.\nقوله: (أَخَّرَ النَّبِيُّ ﷺ العِشَاءَ الآخِرَةَ).\nهذا التعليق طرف من حديث وصله البخاري في باب وقت العشاء إلى نصف اللَّيل، وهو بعد الباب الذي نحن فيه بأربعة أبواب من حديث حُمَيْد الطَّويل عن أَنَس قال: «أَخَّرَ النَّبِيُّ ﷺ صَلَاةَ العِشَاءِ إِلَى نِصْفِ اللِّيْلِ».\nقوله: (وَقَالَ ابنُ عُمَرَ) أي عبد الله، ترجمته في كتاب الإيمان.\nقوله: (وَأَبُو أَيُّوْبَ) أي خالد بن زيد الأنصاري، ترجمته في باب لا يستقبل القبلة بغائط.\nقوله: (وَابنُ عَبَّاسٍ) أي عبد الله، تقدَّم آنفًا قولهم ﵃: «صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ المَغْرِبَ وَالعِشَاءَ».\nهذا التعليق فيه ثلاثة من الصحابة، أمَّا حديث ابن عُمَر فوصله البخاري في الحجِّ بلفظ: «صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ المَغْرِبَ والعِشَاءَ بِالمُزْدَلِفَةِ»، وأمَّا حديث أبي أيُّوب فوصله أيضًا بلفظ: «جَمَعَ النَّبِيُّ ﷺ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ بَيْنَ المَغْرِبِ وِالعِشَاءِ»، وأمَّا حديث ابن عبَّاس فوصله في باب تأخير الظُّهر إلى العصر، وكذا أسنده أبو داود وابن ماجَهْ.\n\n٥٦٤ - <span id=\"b-١١١\"> </span>قوله: (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) أي بفتح العين المهملة وسكون الباء الموحَّدة، وهو لقب عبد الله بن عُثْمان المَروَزي، ترجمته في بدء الوحي.\nقوله: (قَالَ: أَخْبَرَنا عَبْدُ اللهِ) أي ابن المبارك، ترجمته في البدء أيضًا.\nقوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ) أي ابن يزيد الأَيْلي، ترجمته في كتاب الوحي أيضًا.\nقوله: (عَنِ الزُّهْرِيِّ) أي محمَّد بن مسلم بن شِهاب، ترجمته في باب إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة.\nقوله: (قَالَ سَالِمٌ) أي ابن عبد الله بن عُمَر بن الخطَّاب ﵁، ترجمته في باب الحياء من الإيمان.\nقوله: (أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللهِ) أي أبو سالم هذا ترجمته تقدَّم آنفًا.\nفي هذا الإسناد التَّحديث بصيغة الجمع في موضعين، وفيه الإخبار بصيغة الجمع في","vol":"1","page":87},{"text":"موضع، وبصيغة الإفراد من الماضي في موضع، وفيه العنعنة في موضع، وفيه القول في أربع مواضع، وفيه رواية الابن عن أبيه بذكر اسمه وهو قوله: قال سالم أخبرني عبد الله، فإنَّ سالمًا هو ابن عبد الله، وشيخه هنا هو أبوه عبد الله بن عمر، وفيه أنَّ رواته ما بين مروزي وأيلي ومدني، وفيه رواية التَّابعي عن التَّابعي عن الصحابي.\nقوله: (قَالَ: صَلَّى لَنَا النَّبِيُّ ﷺ لَيْلَةً صَلَاةَ العِشَاءِ، وَهِيَ الَّتي يَدْعُو النَّاس العَتَمَةَ، ثمَّ انْصَرَفَ فَأَقبَلَ عَلَيْنَا فَقَالَ: أَرأَيْتَكُمْ لَيْلَتَكُمْ هَذِهِ؟ فَإِنَّ رَأسَ مائة سَنَةٍ فِيْهَا لَا يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ أَحَدٌ)، مطابقته للترجمة ظاهرة، فإن فيه ذكر العشاء والعتمة.\nهذا الحديث أخرجه البخاري في باب السَّمر بالعلم عن سعيد بن عُفَير عن اللَّيث عن عبد الرحمن بن خالد عن ابن شِهاب هو الزُّهْري عن سالم وأبي بكر بن سُلَيمان بن أبي حَثْمَة، أنَّ عبد الله بن عُمَر قال: «صَلَّى لَنَا رَسُوْلُ اللهِ ﷺ فِي آخِرِ حَيَاتِهِ، فَلَمَّا سَلَّمَ قَالَ: أَرَأَيْتُكُمْ» الحديث، وأخرجه عن أبي اليمان عن شُعَيب عن الزُّهْري، وأخرجه مسلم في الفضائل عن عبد الله بن عبد الرحمن عن شُعَيب به، وعن أبي رافع، وعند ابن حُمَيْد عن عبد الرزَّاق عن مَعمَر.\nقوله: (صَلَّى لَنَا) أي لأجلنا؛ إذ اللام بمعنى الباء، وقد رُوي: &lt;صَلَّى بِنَا&gt;، ومعنى اللام: صلَّى إمامًا لنا، وإلَّا فالصلاة لله لا لهم.\nقوله: (لَيْلَةً) أي في ليلة من اللَّيالي.\nقوله: (وَهِيَ الَّتي يَدْعُو النَّاس العَتَمَةَ) فيه إشعار بغلبة هذه التسمية عند النَّاس ممن لم يبلغهم النَّهي، وأما من عرف النَّهي عن ذلك يحتاج إلى ذكره لقصد التعريف، وقد مرَّ نظيره في حديث أبي بَرزَة في قوله: وكان يستحبُّ أن يؤخُّر من العشاء الَّتي يدعونها النَّاس العتمة. قال شيخنا: وقد تقدَّم الكلام على متن الحديث في باب السَّمر في العلم.\nقوله: (ثُمَّ انْصَرَفَ) قال العَيني: أي من الصَّلاة.\nقوله: (أَرَأَيْتَكُمْ) بفتح الرَّاء [وتاء] (^١) الخطاب.\nقوله: (فَإِنَّ رَأْسَ) وفي رواية الأَصِيلي: &lt;فإنَّ على رأسِ مائة سنة&gt;.\nقوله: (مِنْهَا) أي من تلك اللَّيلة.\nقوله: (لَا يَبْقَى) خبر إنَّ، والتقدير: لا يبقى عنده أو فيه، وقال النَّوَوي: المراد أنَّ كلَّ من كان تلك الليلة على الأرض لا يعيش بعدها أكثر من مائة سنة، سواء قلَّ عمره بعد ذلك أو لا، وليس فيه نفي بعيش أحد بعد تلك اللَّيلة فوق مائة سنة، وقال ابن بطَّال: إنَّما أراد رسول الله ﷺ أنَّ هذه المدَّة تخرم الجيل الذي هم فيه، فوعظهم بقصر أعمارهم وأعلمهم أنَّ أعمارهم ليست كأعمار من تقدَّم من الأمم ليجتهدوا في العبادة، وقيل: أراد النَّبِيُّ ﷺ بالأرض البلدة الَّتي هو فيها، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ [النساء: ٩٧] يريد المدينة.\nقوله: (مِمَّنْ هُوَ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ) احتراز عن الملائكة، قال العَيني: وقد أمعنا الكلام فيه في باب السَّمر بالعلم. انتهى.\nاحتجَّ بهذا الحديث البخاري ومن قال بقوله على موت الخضر، والجمهور على خلافه، وقال السُّهَيلي عن أبي عُمَر بن عبد البرِّ: قد ترادفت الأخبار باجتماع الخضر بسيِّدنا رسول الله ﷺ،\n_________\n(^١) وتاء: ليست في الأصل، وأضيفت من عمدة القاري لتمام المعنى.","vol":"1","page":87},{"text":"وهذا يردُّ قول من قال: لو كان الخضر حيًّا لاجتمع بنبيِّنا ﵇، وأيضًا عدم إتيانه إلى النَّبِيِّ ﷺ ليس مؤثرًا في الحياة ولا غيرها؛ لأنَّا عهدنا جماعة آمنوا به ولم يروه مع الإمكان، قال العَيني: وزَعَمَ ابن عبَّاس ووهب أنَّ الخضر كان نبيًّا مرسلًا، وممن قال بنبوته أيضًا مقاتل وإسماعيل بن أبي زياد، وقيل: كان وليًّا، وقال أبو الفرج: والصحيح إنَّه نبيٌّ، ولا يعترض على الحديث بعيسى؛ لأنَّه ليس على وجه الأرض، ولا بالخضر؛ لأنَّه في البحر، ولا بهاروت وماروت؛ لأنَّهما ليسا ببشر، وكذا الجواب في إبليس.\nويقال: معنى الحديث: لا يبقى ممن ترونه وتعرفونه، فالحديث عام أريد به الخصوص، والجواب الأوجه في هذا أن نقول: إنَّ المراد ممن هو على ظهر الأرض أُمَّتُه، وكلُّ من هو على ظهر الأرض أُمَّته، المسلمون أُمَّة إجابة، والكفَّار أمَّة دعوة، وعيسى والخضر ليسا داخلين في الأمَّة، والشَّيطان ليس من بني آدم. انتهى.\n\n <span id=\"b-١١٢\"> </span>(٢١) <span data-type=\"title\" id=toc-112>(بَابُ وَقْتِ العِشَاءِ إِذَا اجْتَمَعَ النَّاس أَوْ تَأَخَّرُوا)</span> أي هذا باب في بيان وقت العشاء عند اجتماع الجماعة وعند تأخُّرهم، فوقتها عند الاجتماع أوَّل الوقت، وعند التأخُّر التأخير، وأما حدُّ التأخير ففي حديث عَمْرو بن العاص وقتها إلى نصف اللَّيل الأوسط، وفي رواية بُرَيدة: إنَّه صلَّى في اليوم الثَّاني بعدما ذهب ثلث اللَّيل، وفي رواية: عندما ذهب ثلث اللَّيل، ومثله في حديث أبي موسى: حين كان ثلث اللَّيل، وفي حديث جبريل ﵇: حين ذهب ساعة من اللَّيل، وفي رواية ابن عبَّاس: إلى ثلث اللَّيل، وفي حديث أبي بَرزَة: إلى نصف اللَّيل أو ثلثه، وقال مرَّة: إلى نصف اللَّيل ومرَّة إلى ثلث اللَّيل، وفي حديث أنس: شطره، وفي حديث ابن عُمَر: حين ذهب ثلثه، وفي حديث جابر: إلى شطره، وعنه: إلى ثلثه، وفي حديث عائشة: حتَّى ذهب عامَّة اللَّيل.\nواختلف العلماء بحسب هذا، وقال عياض: وبالثلث قال مالك والشافعي في قول، وبالنصف قال أصحاب الرأي وأصحاب الحديث والشافعي في قول وابن حبيب من الحنفيَّة، وعن النَّخَعي الربع، وقيل: وقتها إلى طلوع الفجر، وهو قول داود، قال العَيني: وهذا عند مالك وقت الضرورة، ومذهب أبي حنيفة: التأخير أفضل إلَّا في ليالي الصيف، وفي «شرح الهداية»: تأخيرها إلى نصف اللَّيل مباح، وقيل: تأخيرها بعد الثلث مكروه، وفي «الغنية»: تأخيرها إلى النِّصف مكروه كراهة تحريم.\nقال شيخنا: أشار بهذه الترجمة إلى الردِّ على من قال: إنَّها تسمَّى العشاء إذا عُجِّلت والعتمةَ إذا أُخِّرت أخذًا من اللَّفظين، وأراد هذا القائل بوجه غير الأوجه المتقدِّمة، فاحتجَّ عليه المُصَنِّف بأنَّها قد سمِّيت في حديث الباب في حال التقديم والتأخير باسم واحد. انتهى.\nقال العَيني: هذا كلام واهٍ؛ لأنَّ الترجمة لا تدلُّ على هذا أصلًا، وإنَّما أشار بهذا إلى أنَّ اختياره في وقت العشاء التقديم عند الاجتماع، والتأخير عند التأخُّر، وهو نصَّ الشَّافعي أيضًا في «الأم» إنَّه إذا اجتمعوا عجَّل، وإذا أبطؤوا أخَّر. انتهى.\nقلت: ليس بكلام واهٍ، وإنما هو نظر دقيق أفاد فيه ما لم","vol":"1","page":88},{"text":"يسبق مثله. انتهى.\n\n٥٦٥ - <span id=\"b-١١٣\"> </span>قوله: (حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بنُ إِبْرَاهِيْمَ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَة عَنْ سَعْدِ بنِ إِبْرَاهِيْمَ عَنْ مُحَمَّدِ بنِ عَمْرو وَهُوَ ابنُ الحَسَنِ بنِ عَلِيٍّ، قَالَ: سَأَلْنَا جَابِرَ بنَ عَبْدِ اللهِ عَنْ صَلَاةِ النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ: كَانَ يُصَلِّي الظُّهْرَ بِالهَاجِرَةِ وَالعَصْرَ وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ وَالمَغْرِبَ إِذَا وَجَبَتْ وَالعِشَاءَ إِذَا كَثُرَ النَّاس عَجَّلَ وَإِنْ أَبْطَؤُوا أَخَّرَ وَالصُّبح بِغَلَسٍ) قد تقدَّم هذا الحديث في باب وقت المغرب عن قريب، رواه عن محمَّد بن بشار عن محمَّد بن جعفر عن شُعْبَة، قال العَيني: فانظر بينهما في التفاوت في الرُّواة ومتن الحديث، وقد مرَّ الكلام فيه هناك مستقصى.\n\n <span id=\"b-١١٤\"> </span>(٢٢) <span data-type=\"title\" id=toc-114>(بَابُ فَضْلِ العِشَاءِ)</span> أي هذا باب في بيان فضل العشاء ووجه المناسبة بين البابين ظاهرة.\n\n٥٦٦ - <span id=\"b-١١٥\"> </span>قوله: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بنُ بُكَيْرٍ) أي الأنصار.\nقوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا اللِّيْثُ) أي ابن سعد.\nقوله: (عَنْ عُقَيْلٍ) أي بضمِّ العين ابن خالد الأيلي، ترجمة هؤلاء في بدء الوحي.\nقوله: (عَنِ ابنِ شِهَابٍ) أي محمَّد بن مسلم الزُّهْري، ترجمته في باب إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة.\nقوله: (عَنْ عُرْوَةَ) أي ابن الزُّبَيْر بن العوَّام.\nقوله: (أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ أَخْبَرَتْهُ) ترجمتها في بدء الوحي.\nفي هذا الإسناد التَّحديث بصيغة في موضعين، وفيه العنعنة في ثلاث مواضع، وفيه الإخبار بتأنيث الفعل المفرد من الماضي، وفيه القول، وفيه عن عُرْوَة وعنه مسلم في رواية يُونُس عن ابن شهاب أخبرني عروة، وفيه رواية التَّابعي عن التابعية عن الصحابية. قلت: هكذا رأيته بخطِّ العيني، ورواية التَّابعي عن التابعية ولم أرَ في السند تابعية. انتهى.\nقوله: (قَالَتْ: اعْتَمَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ بِالعِشَاءِ وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَفْشُوا الإِسْلَامُ، فَلَمْ يَخْرُجْ حتَّى قَالَ عُمَر ﵁: نَامَ النِّسَاءُ وَالصَّبْيَانُ، فَخَرَجَ فَقَالَ لِأَهْلِ المَسْجِدِ: مَا يَنْتَظِرُهَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ غَيْرُكُمْ) قال شيخنا: لم أرَ من تكلَّم على هذه الترجمة فإنه ليس في الحديثين اللذين ذكرهما في هذا الباب ما يقتضي اختصاص العشاء بفضيلة ظاهرة، وكأنَّه مأخوذ من قوله: (مَا يَنْتَظِرُهَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ غَيْرُكُمْ) فعلى هذا في الترجمة حذف تقديره باب فضل انتظار العشاء.\n\nقال العَيني: هذا القائل نفى أوَّلًا كلام النَّاس على هذه الترجمة. ثمَّ ذكر شيئًا ادَّعى كأنَّه تفرَّد به، وهو ليس بشيء لأنَّ كلامه آل إلى الفضل لانتظار العشاء لا للعشاء، والترجمة في أنَّ الفضل للعشاء. فنقول: مطابقته للترجمة من حيث إنَّ العشاء عبادة قد اختصَّت بالانتظار لها من بين سائر الصَّلوات، وبهذا ظهر فضلها فحسن قوله: باب فضل العشاء.\nقال شيخنا: عفل العَيني عن مراده وهو أنَّ العبادة إذا ثبت الفضل لمن ينتظر دخول وقتها ليؤدِّها ثبت لها الفضل بذلك إذ لولا وجود الفضل فيها ما ثبت الفضل لانتظارها وظاهر كلام العَيني أولًا أنَّ النَّاس تتكلَّم على هذا الترجمة وأني لم أنفرد بالمناسبة المذكورة ثمَّ لم يذكر شيء على ما أوهمه كلامه ثمَّ قال: مطابقة","vol":"1","page":88},{"text":"الحديث للترجمة من حيث إلى آخره. وهذا يؤخذ من كلامي الذي عابه. انتهى.\nهذا الحديث أخرجه البخاري أيضًا في باب النَّوم قبل العشاء لمن غلب وأخرجه مسلم أيضًا بإسناد الباب ولفظ مسلم: (أعتمَ رسولُ اللهِ ﷺ ليلةً من الليالي بصلاةِ العشاءِ وهي الَّتي تُدعى العتمةَ) قال ابن شهاب: وذُكر لي أنَّ رسول الله ﷺ قال: (وما كان لكم أن تَنْزُرُوا رسول الله ﷺ على الصَّلاة، وذلك حين صاح عُمَر رضي الله تعالى عنه)، قال ابن شهاب، ولا يصلَّى يومئذ إلَّا بالمدينة قال: وكانوا يصلُّون فيما بين أن يغيب الشَّفق إلى ثلث اللَّيل الأوَّل، وأخرج مسلم من حديث أمِّ كلثوم عن عائشة: (أعتمَ النَّبِيُّ ﷺ، ذاتَ ليلةٍ حتَّى ذهبَ عامَّةُ اللَّيلِ، وحتَّى نامَ أهلُ المسجدِ ثمَّ خرجَ فصلَّى، وقالَ: إنَّه لوقتُها لولا أنْ أشقَّ على أمَّتي).\nقوله: (أَعْتَمَ): أي: دخل في العتمة، ومعناه: أخَّر صلاة العتمة، وذكر ابن سِيدَه: العتمة ثلث اللَّيل الأوَّل بعد غيبوبة الشَّفق، وقيل: عن وقت صلاة العشاء الآخرة، وقيل: هي بقيَّة اللَّيل، وفي «المصنَّف»: حدَّثنا وكيع حدَّثنا شريك عن أبي فَزارة عن ميمون بن مِهْران، قال: قلت لابن عُمَر: من أوَّل من سمَّاها العتمة؟ قال: الشيطان. قلت: هذا الأثر ذكره شيخنا في باب ذكر العشاء والعتمة لكن ذكره العَيني في هذا الباب وذكره هناك أنسب. انتهى.\nقوله: (وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَفْشُو الإِسْلَامُ) أي: قبل أن يظهر، يعني: في غير المدينة، وإنَّما فشا الإسلام في غيرها بعد فتح مكَّة.\nقوله: (حَتَّى قَالَ عُمَر رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ:) قال شيخنا: زاد المُصَنِّف من رواية صالح عن ابن شهاب في باب النَّوم قبل العشاء «حَتَّى نَادَاهُ عُمَر الصَّلَاةَ» وهي بالنَّصب بفعل مضمر تقديره: مثلًا صلِّ الصَّلاة وشاع هذا الحذف لدلالة السِّياق عليه.\nقوله: (نَامَ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ) أي الحاضرون في المسجد لا النائمون في بيوتهم، وإنما خصَّهم بالذكر لأنَّهم مظنَّة قلَّة الصَّبر على النَّوم ومحلُّ الشَّفقة والرحمة بخلاف الرجال، وسيأتي قريبًا في حديث ابن عُمَر في هذه القصَّة حتَّى رقدنا في المسجد ثمَّ استيقظنا، ونخوه في حديث ابن عبَّاس وهو محمول على أنَّ الذي رقد بعضهم لا كلُّهم، ونسب الرقاد إلى الجميع مجازًا، قال شيخنا: وسيأتي الكلام على بقيَّة هذا الحديث في باب النَّوم قبل العشاء لمن غلب.\nقوله: (مَا يَنْتَظِرُهَا) أي الصَّلاة في هذه الساعة، وذلك إما أنَّه لا تصلَّى حينئذ إلَّا بالمدينة، وإما أنَّ سائر الأقوام ليست في أديانهم صلاة في هذا الوقت.\nقوله: (غَيْرُكُمْ) بالرفع: صفة لأحد، ووَقَعَ صفة للنكرة لأنَّه لا يتعرَّف بالإضافة إلى المعرفة لتوغله في الإبهام، اللهم إلَّا إذا أضيف إلى المشتهر بالمغايرة، ويجوز أن يكون بدلًا من لفظ: أحد، ويجوز أن ينتصب على الاستثناء فيه.\nقوله: (أَعْتَمَ لَيْلَةً) يدلُّ على أنَّ غالب أحوال النَّبِيِّ ﷺ كان تقديم العشاء. وفيه: جواز النَّوم قبل العشاء، وهو الذي بوَّب عليه البخاري: باب النَّوم قبل العشاء لمن غلب. قلت: لكن النَّوم قبلها مكروه والجواز لا ينافي الكراهة.","vol":"1","page":89},{"text":"انتهى.\nفيه الدلالة على فضيلة العشاء كما بيَّناها في أوَّل الباب. وفيه جواز الإعلام للإمام بأنَّ يخرج إلى الصَّلاة إذا كان في بيته، وفيه لطف النَّبِيِّ ﷺ وتواضعه حيث لم يقل شيئًا عند مناداة عُمَر رضي الله تعالى عنه.\nقلت: وفيه إعلام الإمام بما حصل للمصلِّين بسبب انتظاره من المشقَّة وفيه شفقة الصَّحابة بعضهم على بعض وفيه شفقة القويِّ على الضعيف. وفيه ذكر ما يرويه المسؤول على المسؤول له وفيه جواز نظر الرجل إلى حركة شخص المرأة الأجنبيَّة إذا قلنا إنَّ إخبار عُمَر عن غير محارمه وزوجاته وهو الظاهر. انتهى.\n\n٥٦٧ - <span id=\"b-١١٦\"> </span>قوله: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ العَلَاءِ) أي أبو كُرَيب الهَمْداني، ترجمته في باب من عَلِمَ وعَلَّمَ.\nقوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أَسَامَةَ) أي حمَّاد بن أسامة، ترجمته في الباب أيضًا.\nقوله: (عَنْ بُرَيْدٍ) أي بضمِّ الباء الموحَّدة والرَّاء بلفظ التصغير، ترجمته في باب أي الإسلام أفضل.\nقوله: (عَنْ أَبِي بُرْدَةَ) أي عامر جدُّ بُريد هذا، ترجمته في الباب أيضًا.\nقوله: (عَنْ أَبِي مُوْسَى) أي عبد الله بن قَيْس الأشعري، ترجمته في الباب أيضًا.\nفي هذا الإسناد: التَّحديث بصيغة الجمع في موضعين، وفيه: العنعنة في ثلاثة مواضع، وفيه: القول، وفيه: رواية الرجل عن جدِّه، وفيه: ثلاثة بالكنى، وفيه: أنَّ رواته ما بين كوفي ومدني، وهذا الإسناد بعينه تقدَّم في باب من أدرك من العصر ركعة، غير أنَّ هناك ذكر محمَّد بن العلاء بكنيته وههنا باسمه.\nقوله: (قَالَ: كُنْتُ أَنَا وَأَصْحَابِي الَّذِيْنَ قَدِمُوا مَعِي فِي السَّفِيْنَةِ نُزُوْلًا فِي بَقِيْعِ بُطْحَانَ وَالنَّبِيُّ ﵇ بِالمَدِيْنَةِ فَكَانَ يَتَنَاوَبُ النَّبِيَّ ﷺ عِنْدَ صَلَاةَ العِشَاءِ كُلَّ لَيْلَةٍ نَفَرٌ مِنْهُمْ فَوَافَقْنَا النَّبِيَّ ﷺ أَنَا وَأَصْحَابِي وَلَهُ بَعْضُ الشُّغْلِ فِي بَعْضِ أَمْرِهِ فَأَعْتَمَ بِالصَّلَاةِ حتَّى ابْهَارَّ اللَّيل ثمَّ خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ فَصَلَّى بِهِمْ فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ قَالَ: لِمَنْ حَضَرَ عَلَى رِسْلِكُمْ أَبْشِرُوا أَنَّ مِنْ نِعْمَتِ اللهِ عَلَيْكُمْ إنَّه لَيْسَ أَحَدٌ مِنَ النَّاس يُصَلِّى هَذِهِ السَّاعة غَيْرُكُمْ، أَوْ قَالَ: مَا صَلَّى أَحَدٌ غَيْرُكُمْ لَا نَدْرِي أَيَّ الكَلِمَتَيْنِ قَالَ، قَالَ أَبُو مُوسَى: فَرَجَعْنَا فَفَرِحْنَا بِمَا سَمِعْنَا مِنْ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ).\nمطابقته للترجمة مثل مطابقة الحديث السَّابق وهذا الحديث أخرجه مسلم في الصَّلاة أيضًا عن أبي بكر بن أبي شَيْبَة وعبد الله بن بَرَّاد وأبي كُرَيب، ثلاثتهم عن أبي أسامة عنه به، وروى أحمد وأبو داود والنَّسائي وابن خُزَيمَة وغيرهم، من حديث أبي سعيد الخُدْري رضي الله تعالى عنه: (صلِّينا معَ رسولِ اللهِ ﷺ صلاةَ العتمةِ فلمْ يخرجْ حتَّى مضى نحو مِنْ شطرِ اللَّيلِ، فقالَ: إنَّ النَّاس قد صلَّوا وأخذُوا مضاجعَهم، وإنَّكم لن تزالُوا في صلاةٍ ما انتظرْتُم الصَّلاة، ولولا ضعفُ الضعيفِ وسقمُ السقيمِ وحاجةُ ذي الحاجةِ لأخَّرْتُ هذهِ الصَّلاة إلى شطرِ اللَّيلِ).\nوأخرجه ابن ماجَهْ عن أبي سعيد: (أنَّ النَّبِيَّ ﷺ صلَّى المغربَ ثمَّ لمْ يخرجْ حتَّى ذهبَ شطرُ اللَّيلِ، ثمَّ خرجَ فصلَّى","vol":"1","page":89},{"text":"بهم، وقالَ: لولا الضعيفُ والسقيمُ لأحببْتُ أنْ أؤخِّرَ هذهِ الصَّلاة إلى شطرِ اللَّيلِ).\nوروى التِّرْمِذي من حديث أبي هريرة: (لولا أنْ أشقَّ على أمَّتي لأمرْتُهم أنْ يؤخِّرُوا العشاءَ إلى ثلثِ اللَّيلِ أو نصفِه). وروى أبو داود من حديث معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه يقول: (بَقَينا رسولَ اللهِ ﷺ في صلاةِ العتمةِ فتأخَّرَ حتَّى ظنَّ ظانٌّ إنَّه ليسَ بخارجٍ، والقائلُ منَّا يقولُ: صلَّى وأنا كذلك حتَّى خرجَ النَّبِيّ ﷺ فقالُوا له كما قالُوا، فقال: أعتمُوا بهذِه الصَّلاة فإنَّكم قد فُضِّلْتُمْ بها على سائرِ الأممِ، ولم تُصَلِّها أمَّة قبلَكم).\nقوله في رواية أبي داود: (بَقَينا) -بفتح القاف- أي انتظرناه، يقال: بقيت الرجل أبقيته إذا انتظرته، وأخرج أبو داود أيضًا عن عبد الله بن عُمَر: «مَكَثْنَا ذَاتَ ليلةٍ ننتظرُ رسولَ اللهِ ﷺ لصلاةِ العشاء: فخرجَ إلينا حينَ ذهبَ ثُلُثُ اللَّيلِ أو بعده، فلا ندري أشيء شغله أم غير ذلك؟ فقالَ حينَ خرجَ: أتنتظرون هذِه الصَّلاة؟ لولا أن تثقل على أمَّتي لصلَّيت بهم هذه الساعة، ثمَّ أمر المؤذِّن فأقام الصَّلاة». وأخرجه مسلم والنَّسائي أيضًا.\nقوله: (نُزُوْلًا) جمع: نازل، كشهود جمع شاهد.\nقوله: (فِي بَقِيْعِ بُطْحَانَ) البقيع -بفتح الباء الموحَّدة وكسر القاف وسكون الياء آخر الحروف وبالعين المهملة- وهو من الأرض: المكان المُتَّسِع، ولا يسمَّى بقيعًا إلَّا وفيه شجر أو أصولها، و(بُطْحَانَ) -بضمِّ الباء الموحَّدة وسكون الطَّاء المهملة وبالحاء المهملة، غير منصرف-: وادٍ بالمدينة، وقال ابن قرقول: (بُطْحَانَ) بضمِّ الباء، يرويه المحدِّثون أجمعون، وحكى أهل اللغة فيه بُطحان، بفتح الباء وكسر الطاء، وكذلك قيَّده أبو المعالي في (تاريخه) وأبو حاتم، وقال البَكْري: بفتح أوَّله وكسر ثانيه، على وزن: فعلان، لا يجوز غيره.\nقوله: (نَفَرٌ) مرفوع لأنَّه فاعل: يتناوب، والنَّفَر عدَّة رجال من ثلاثة إلى عشرة.\nقوله: (فَوَافَقْنَا النَّبِيَّ ﵇) بلفظ المتكلِّم.\nقوله: (وَلَهُ بَعْضُ الشُّغْلِ) جملة حاليَّة، وجاء تفسير: بعض الشُّغل، في «معجم الطَّبَرَاني» من وجه صحيح عن الأَعْمَش عن أبي سُفْيان عن جابر: (كانَ في تجهيزِ جيش)، قال شيخنا: ففيه دلالة على أنَّ تأخير النَّبِيِّ ﷺ إلى هذه الغاية لم يكن قصدًا ومثله قوله في حديث ابن عُمَر الآتي قريبًا «شُغِلَ عَنْهَا لَيْلَةً» وكذا قوله في حديث عائشة ﵂ «فَاعْتَمَ بِالصَّلَاةِ لَيْلَةً» يدلُّ على أنَّ ذلك لم يكن من شأنه. والفيصل في هذا حديث جابر: «كَانُوا إِذَا اجْتَمَعُوا عَجَّلَ وَإِذَا أَبْطَؤُوا أَخَّرَ». انتهى.\nقوله: (فَأَعْتَمَ بِالصَّلَاةَ) أي: أخَّرها عن أوَّل وقتها.\nقوله: (حَتَّى ابْهَارَّ اللَّيْلُ) -بالموحَّدة وتشديد الرَّاء على وزن: إفعال إحمار- أي طلعت نجومه واشتبكت، والباهر الممتلئ نورًا، قاله أبو سعيد الضَّرير.\nوعن سيبويه: ابهارَّ اللَّيل كثرة ظلمته، وابهارَّ القمر، كثر ضوؤه، ذكره في «الموعب» وفي «المحكم»: إبهار اللَّيل إذا تراكمت ظلمته، وقيل: إذا ذهبت عامَّته، وفي «الصِّحاح»: إبهار اللَّيل ابهيرارًا: إذا ذهب معظمه وأكثره، وإبهارَّ علينا اللَّيل أي: طال.\nوعند مسلم من رواية أمِّ كلثوم عن عائشة: «حتى ذهب عامَّة اللَّيل» قال الأَصْمَعي: ابهارَّ انتصف، مأخوذ من بهور الشيء وهو وسطه ويؤيِّده أنَّ في بعض الروايات حتَّى إن كان قريبًا","vol":"1","page":90},{"text":"من اللَّيل، وهو في حديث أبي سعيد كما سيأتي، وسيأتي في حديث أَنَس عند المٌصَنِّف «إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ».\nوفي «الكتاب الواعي»: إبهيرار اللَّيل طلوع نجومه.\nوقال الدَّاُودي: انهار اللَّيل، يعني بالنُّون، موضع الباء، تقول: كسر منه وانهزم، ومنه قوله تعالى: ﴿فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾ [التوبة: ١٠٩] قال العَيني: وفيه نظر، ولم يقله أحد غيره.\nقوله: (عَلَى رِسْلِكُمْ) -بكسر الرَّاء وفتحها- قال العَيني: أي: على هيئتكم، -والكسر أفصح- وقال شيخنا: والمعنى تأنُّوا.\nقوله: (أَبْشِرُوا) من: أبشر إبشارًا، يقال: بشَّرت الرجل وأبشرته وبشَّرته بالتشديد، ثلاث لغات بمعنى، ويقال: بشَّرته بمولود فأبشر إبشارًا أي: سُرَّ.\nقوله: (إِنَّ مِنْ نِعْمَةِ اللهِ) كلمة: (مِنْ) للتبعيض، وهو اسم: إنَّ، قال شيخنا: إنَّ بالكسر، ووهم من ضبطها بالفتح.\nوأما قوله: (أَنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ) فهو بفتح إنَّه للتعليل، قال العَيني: ليس كذلك على ما لا يخفى، أي ليس للتعليل. انتهى.\nقوله: (فَفَرِحْنَا) بلفظ المتكلِّم، عطف على قوله: (فَرَجَعْنَا)، هذا في رواية الكُشْمِيهَني، وفي رواية غيره: &lt;فَرَجَعْنَا فَرْحَى&gt; على وزن: فعلى، قال شيخنا كذا عند مسلم. انتهى.\nقال الكِرْماني: إما جمع الفريح على غير قياس، وإما مؤنَّث الأفرح، وهو نحو: الرجال فعلت. قال العَيني: بل هو جمع: فرحان، كعطشان يجمع على: عطشى، وسكران على سكرى، ويروى (فَرَجَعْنَا فَرَحًا) بفتح الرَّاء بمعنى الفرحين، وهو نحو: الرجال فعلوا، وعلى الوجهين أعني: فرحى وفرحًا، نصب على الحال من الضَّمير الذي في (رَجَعْنَا) فإن قلت: المطابقة بين الحال وذي الحال شرط في الواحد والتثنية والجمع والتذكير والتأنيث، وفي رواية: (فَرَحًا) غير موجود. قلت: الفرح مصدر في الأصل ويستوي فيه هذه الأشياء.\nقوله: (بِمَا سَمِعْنَا) الباء: تتعلَّق (بِفَرِحْنَا)، وكلمة: (مَا) موصولة، والعائد محذوف تقديره: بما سمعناه. فإن قلت: ما سبب فرحهم؟ أجيب: علمهم باختصاصهم بهذه العبادة الَّتي هي نعمة عظمى مستلزمة للمثوبة الحسنى، قاله الكِرْماني، وقال شيخنا: مع ما انضاف إلى ذلك من تجميعهم فيها خلف رسول الله ﷺ، وقال العَيني: مع كونه مشغولًا بأمر الجيش خرج إليهم وصلَّى بهم، فحصل لهم الفرح بذلك، وازدادوا فرحًا ببشارته بتلك النعمة العظيمة. انتهى.\nفيه جواز الحديث بعد صلاة العشاء، قلت: مذهبنا كراهة النَّوم قبل العشاء والحديث بعدها كما يأتي. انتهى. وفيه إباحة تأخير العشاء إذا علم أنَّ بالقوم قوَّة على انتظارها ليحصل لهم فضل الانتظار، ولأنَّ المنتظر للصلاة في الصلاة. وقال ابن بطَّال: وهذا لا يصلح اليوم لأئمَّتنا، لأنَّه ﵇ لما أمر الأئمَّة بالتخفيف وقال: «إنَّ فيهم الضعيف والسقيم وذا الحاجة» كان ترك التطويل عليهم في انتظارها أولى، وقال مالك: تعجيلها أفضل للتخفيف، قلت: والتعجيل عند الشَّافعي أفضل أيضًا. انتهى.\nوقال ابن قُدامة - أي من الحنابلة - يستحبُّ تأخيرها للمنفرد، ولجماعة يرضون بذلك، وإنما نقل التأخير عنه ﵇ مرَّة أو مرَّتين لشغل حصل له. وقال","vol":"1","page":90},{"text":"العَيني: قال أصحابنا - أي الحنفيَّة ـ: إن كان القوم كسالى يستحبُّ التعجيل، وإن كانوا راغبين يستحبُّ التأخير. انتهى. وفيه: أنَّ التأنِّي في الأمور مطلوب، وفيه: أنَّ التبشير لأحد بما يسره محبوب لأنَّ فيه إدخال السرور في قلب المؤمن، قلت: وفيه انتظار الإمام الراتب، وفيه التذكير بنعم الله على عباده وفيه أنَّ الانفراد بالعمل له فضيلة ولهذا وَقَعَ الترغيب في إحياء ما بين المغرب والعشاء لأنَّه وقت غفلة. انتهى.\n\n <span id=\"b-١١٧\"> </span>(٢٣) <span data-type=\"title\" id=toc-117>(بَابُ مَا يُكْرَهُ مِنَ النَّوم قَبْلَ العِشَاءِ)</span> أي هذا باب في بيان كراهة النَّوم قبل صلاة العشاء.\n٥٦٨ - <span id=\"b-١١٨\"> </span>قوله: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ سَلَامٍ) ترجمته في باب قول النَّبِيِّ ﷺ أنا أعلمكم بالله.\nقوله: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ) أي ابن عبد الحميد بن الصَّلْت بن عُبَيْد الله بن الحكم بن أبي العاص، أبو محمَّد الحافظ أحد أشراف البصرة، روى عن أيُّوب ويُونُس وحُمَيْد وعنه أحمد وإِسْحاق وابن عَرَفَة، وثَّقه ابن معين وقال: اختلط بأخرة، ولد سنة (١٠٨) مات سنة (١٩٤).\nقوله: (حَدَّثَنَا خَالِدٌ الحَذَّاءُ) أي ابن مِهْران، ترجمته في باب قول النَّبِيِّ ﷺ اللَّهمَّ علِّمه الكتاب.\nقوله: (عَنْ أَبِي المِنْهَالِ) -أي بكسر الميم- واسمه سيَّار بن سلامة الرِّياحي، بالياء آخر الحروف، ترجمته في باب وقت العصر.\nقوله: (عَنْ أَبِي بَرْزَةَ) -أي بفتح الباء الموحَّدة وسكون الرَّاء وفتح الزاي المعجمة- اسمه نَضْلَة بن عُبَيْد الأَسْلَمي، ترجمته في باب أيُّ الإسلام أفضل؟\nفي هذا الإسناد التَّحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع، وفيه: العنعنة في موضعين، وفيه: محمَّد بن سلَام كذا وَقَعَ بذكر أبيه في رواية أبي ذرٍّ ووافقه ابن السَّكَن أنَّه: ابن سلام، ووَقَعَ في أكثر الروايات: «حدَّثنا محمَّد» غير منسوب، وقد تعيَّن من رواية أبي ذرٍّ وابن السَّكَن، وقال أبو نصر: إنَّ البخاري يروي في «الجامع» عن محمَّد بن سلَام ومحمَّد بن بشَّار ومحمَّد بن المثنَّى عن عبد الوهَّاب، قال العَيني: وسلام، هذا بتخفيف اللام. انتهى.\nقوله: (أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ كَانَ يَكْرَهُ النَّوم قَبْلَ العِشَاءِ وَالحَدِيْثَ بَعْدَهَا) مطابقته للترجمة ظاهرة.\nقوله: (قَبْلَ العِشَاءِ) أي قبل صلاة العشاء.\nقوله: (وَالحَدِيْثَ) بالنَّصب عطف على قوله: (النَّوْمَ) أي وكان يكره الحديث، أي: المحادثة بعدها، أي بعد العشاء، وهذا محمول على المحادثة الَّتي لا مصلحة فيها والتي فيها المصلحة الدينية أو الدنيوية فلا كراهة فيه، وبهذا يندفع الاعتراض عليه بما ورد أنَّه ﵇: (كَانَ يُحدِّث بعدَ العشاءِ). وأما سبب كراهة النَّوم قبلها فلأنَّ فيه تعرُّضًا لفوات وقتها باستغراق النَّوم، ولئلَّا يتساهل النَّاس في ذلك فيناموا عن صلاتها جماعة. وأمَّا كراهة الحديث بعدها فلأنَّه يؤدِّي إلى السَّهر، ويخاف منه غلبة النَّوم عن قيام اللَّيل أو الذِّكر فيه، أو عن صلاة الصُّبح، ولأنَّ السَّهر سبب الكسل في النَّهار عمَّا يتوجَّه من حقوق الدِّين ومصالح الدنيا، وقال الترمذي: كره أكثر أهل العلم النَّوم قبل صلاة العشاء ورخَّص فيه بعضهم، ورخَّص بعضهم فيه في رمضان خاصَّة، وحمل الطَّحاوي الرُّخصة على ما قبل دخول وقت العشاء، والكراهة على ما بعد","vol":"1","page":91},{"text":"دخوله. وفي «التَّوضيح»: واختلف السَّلف في ذلك، فكان ابن عُمَر يسبُّ الذي ينام قبلها فيما حكاه ابن بطَّال، ولكن رُوي عنه إنَّه كان يرقد قبل، وذكر عنه إنَّه كان ينام ويوكِّل من يوقظه. روى مَعْمَر عن أيُّوب عن نافع عنه: إنَّه كان ربَّما ينام عن العشاء الآخرة ويأمر أن يوقظوه. وعن أَنَس رضي الله تعالى عنه: إنَّا نجتنب الفرش قبل العشاء. وكتب عُمَر ﵁: لا ينام قبل أن يصلِّيها، فمن نام لا نامت عينه. وكره ذلك أبو هريرة وابن عبَّاس وعطاء وابراهيم ومجاهد وطاوس ومالك والكوفيون، وروي عن علي رضي الله تعالى عنه إنَّه ربَّما أغفى قبل العشاء، وعن أبي موسى وعبيدة ينام ويوكل من يوقظه، وعن عُرْوَة وابن سيرين والحكم: أنَّهم كانوا ينامون نومة قبل الصَّلاة، وكان أصحاب عبد الله يفعلون ذلك، وبه قال بعض الكوفيين، واحتجَّ لهم بأنه إنَّما كره ذلك لمن خشي الفوات في الوقت والجماعة، أما من وكَّل به من يوقظه لوقتها فمباح، فدلَّ على أنَّ النَّهي ليس للتحريم لفعل الصحابة، لكن الأخذ بظاهر الحديث أحوط، قال شيخنا: وسيأتي بعد أبواب شيء يتعلَّق بهذا. انتهى.\n\n <span id=\"b-١١٩\"> </span>(٢٤) <span data-type=\"title\" id=toc-119>(بَابُ النَّوم قَبْلَ العِشَاءِ لِمَنْ غُلِبَ)</span> أي هذا باب في بيان حكم النَّوم قبل صلاة العشاء، لمن غُلِب، على صيغة المجهول، أي لمن غلب عليه النَّوم، وتمام الكلام مقدَّر، يعني: لا بأس به، والحديث الثَّاني في هذا الباب يدلُّ على هذا، في الترجمة إشارة إلى أنَّ الكراهة مختصَّة بمن تعاطى ذلك مختارًا وقيل: ذلك مستفاد من ترك إنكاره ﵇ على من رقد من الذين كانوا ينتظرون خروجه لصلاة العشاء، ولو قيل: بالفرق بين من غلبه النَّوم في مثل هذه الحالة وبين من غلبيه وهو في منزله مثلًا لكان متَّجهًا. انتهى.\n٥٦٩ - <span id=\"b-١٢٠\"> </span>قوله: (حَدَّثَنَا أَيُّوْبُ بنُ سُلَيْمَان بنِ بِلَالٍ) أي مولى عبد الله بن أبي عَتيق، واسمه: محمَّد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصِّدِّيق، مات سنة أربع وعشرين ومائتين.\nقوله: (قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ) أي عبد الحميد بن أبي أُوَيس، واسمه: عبد الله أخو إسماعيل، شيخ البخاري، ويعرف بالأَعْشَى.\nقوله: (عَنْ سُلَيمان هُوَ ابنُ بِلَالٍ) أي أبو أيُّوب، ويقال: أبو محمَّد القُرَشي التَّميمي، مولى عبد الله بن أبي عَتيق المذكور آنفًا، ترجمته في باب أمور الإيمان.\nقوله: (قَالَ: أَبُو مُحَمَّدٍ) ويقال: الحارث الغفاري مولاهم، ترجمته في بدء الوحي.\nقوله: (قَالَ: أَخْبَرَنِي بنُ شِهَابٍ) أي محمَّد ين مسلم بن شهاب الزُّهْري، ترجمته في باب إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة.\nقوله: (عَنْ عُرْوَةَ) أي ابن الزُّبَيْر، ترجمته في بدء الوحي.\nقوله: (عَنْ عَائِشَةَ) أي أمُّ المؤمنين ﵂، ترجمتها في البدء أيضًا.\nفي هذا الإسناد: التَّحديث بصيغة الجمع في موضعين، وبصيغة الإفراد من الماضي في موضع، وبصيغة الإخبار المفردة من الماضي، وفيه: العنعنة في ثلاثة مواضع، وفيه: شيخ البخاري من الأفراد، وفيه: رواية الرجل","vol":"1","page":91},{"text":"عمَّن روى عن أبيه، وفيه: رواية التَّابعي عن التَّابعي عن الصحابيَّة، وفيه: القول في أربعة مواضع.\nقوله: (قَالَتْ: أَعْتَمَ الرَّسُوْلُ ﷺ بِالعِشَاءِ حتَّى نَادَاهُ عُمَر ﵁: الصَّلاة، نَامَ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ، فَخَرَجَ فَقَالَ: مَا يَنْتَظِرُهَا مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ أَحَدٌ غَيْرُكُمْ، قَالَ: وَلَا تُصَلَّى يَوْمَئِذٍ إلَّا بِالمَدِيْنَةِ، قَالَ: وَكَانُوا يُصَلُّوْنَ فِيْمَا بَيْنَ أَنْ يَغِيْبَ الشَّفق إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ).\nمطابقته للترجمة في قوله نام النِّساء والصِّبيان فإنَّه ﵇ لم ينكر على من نام من الذين كانوا ينتظرون صلاة العشاء، ولم يكن نومهم إلَّا حين غلب النَّوم عليهم.\nقوله: (أَعْتَمَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ) قد مرَّ معناه في باب فضل العشاء لأنَّ الحديث قد تقدَّم فيه، رواه عن يحيى بن بكير عن اللَّيث عن عقيل عن ابن شهاب.\nقوله: (الصَّلَاةَ) نصب على الإغراء.\nقوله: (نَامَ النِّسَاءُ) من تتمَّة كلام عُمَر ﵁.\nقوله: (وَلَا تُصَلَّى) على صيغة المجهول، أي: بالتاء المُثَنَّاة الفوقانيَّة المشدَّدة، ومعناه لا تصلَّى الصَّلاة بالهيئة المخصوصة بالجماعة إلَّا بالمدينة، وبه صرَّح الدَّاُودي، لأنَّ من كان بمكَّة من المستضعفين لم يكونوا يصلُّون إلَّا سرًّا، وأما غير مكَّة والمدينة من البلاد فلم يكن الإسلام دخلها.\nقوله: (قَالَ) أي الرَّاوي، ولم يقل: قالت، نظرًا إلى الرَّاوي سواء كان القائل به عائشة أو غيرها.\nقوله: (وَكَانُوا) أي النَّبِيُّ ﷺ وأصحابه.\nقوله: (بَيْنَ أَنْ يَغِيْبَ الشَّفَقُ) لا بدَّ من تقدير أجزاء المغيب حتَّى يصحَّ دخول: بين عليه، و(الشَّفَقُ) البياض دون الحمرة عند أبي حنيفة، وعند أبي يوسف ومحمَّد والشافعي هو: الحمرة.\nقوله: (الأَوَّلِ) بالجرِّ صفة الثلث، وفي رواية مسلم عن يُونُس عن ابن شِهاب زيادة في هذا الحديث، وهي: قال ابن شِهاب: (وذكرَ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ: وما كانَ لكُمْ أنْ تنزرُوا رسولَ اللهِ ﷺ للصلاةِ، وذلكَ حينَ صاحَ عُمَرُ).\nقوله: (تَنْزُرُوا) -بفتح التَّاء المُثَنَّاة من فوق وسكون النُّون وضمِّ الزاي بعدها راء- أي: تلحُّوا عليه، وروي بضمِّ أوَّله بعدها باء موحَّدة ثمَّ راء مكسورة ثمَّ زاي أي: تحرجوا.\nفي هذا الحديث ما ذكرنا في الحديث الأوَّل في باب فضل العشاء، قال شيخنا: وفي هذا بيان الوقت المختار لصلاة العشاء لما يشعر به السِّياق من المواظبة على ذلك.\nوقد ورد بصيغة الأمر في هذا الحديث عند النَّسائي من رواية إبراهيم بن أبي عبلة عن الزُّهْري ولفظه: ثمَّ قال: صلُّوها فيما بين أن يغيب الشَّفق إلى ثلث اللَّيل، وليس بين هذا وبين قوله في حديث أَنَس إنَّه أخَّر الصَّلاة إلى نصف اللَّيل معارضة لأنَّ حديث عائشة محمول على الأغلب من عادته ﷺ. انتهى.\nقال العَيني: فيه تذكير الإمام، وفيه إنَّه إذا تأخَّر عن أصحابه أو جرى منه ما يظنُّ إنَّه يشقُّ عليهم، يعتذر إليهم ويقول لهم: لكم فيه مصلحة من جهة كذا، وكان لي عذر ونحوه. انتهى. قلت: ليس في هذا الحديث ما يدلُّ على أنَّه اعتذر لتأخُّره. انتهى.","vol":"1","page":92},{"text":"٥٧٠ - <span id=\"b-١٢١\"> </span>قوله: (حَدَّثَنَا مَحْمُودٌ) أي ابن غَيْلان -بفتح الغين المعجمة وسكون الياء آخر الحروف- الحافظ المَرْوَزي، قلت: أبو أحمد الهروي مولاهم سمع أبا أسامة وأبا أحمد الزُّبَيْري وسعيد بن عامر وشَبَابَة عند البخاري، وأبا النَّصر هاشم والنَّضر بن سُهَيل والفضل بن موسى وبشر بن السَّرِي عند مسلم، وعبد الرزَّاق عندهما، قال الذَّهَبي: روى عن الفضل الشَّيباني وابن عُيَيْنَة، وعند ابن خُزَيمَة والبَغَوي: مات في رمضان سنة تسع وثلاثين ومائتين. انتهى.\nقوله: (قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ) أي اليماني بن همَّام، تقدَّم أي في باب حسن إسلام المرء.\nقوله: (قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ) أي عبد الملك، ترجمته في باب غسل المرأة رأس زوجها وترجيله.\nقوله: (قَالَ: أَخْبَرَنِي نَافِعٌ) أي مولى ابن عُمَر، ترجمته في باب العلم والفتيا في المسجد.\nقوله: (قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ) أي ابن الخطَّاب، ترجمته في كتاب الإيمان.\nفي هذا الإسناد: التَّحديث بصيغة الجمع في ثلاث مواضع، وفيه الإخبار بصيغة الجمع في موضع، وبصيغة الإفراد من الماضي في موضع، وفيه القول في أربع مواضع، وفيه: أنَّ رواته ما بين مروزي ويماني ومكِّي ومدني.\nقوله: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ شُغِلَ عَنْهَا لَيْلَةً، فَأَخَّرَهَا حتَّى رَقَدْنَا فِي المَسْجِدِ، ثمَّ اسْتَيْقَظْنَا ثمَّ رَقَدْنَا، ثمَّ اسْتَيْقَظْنَا ثمَّ خَرَجَ عَلَيْنَا النَّبِيُّ ﷺ، ثمَّ قَالَ: لَيْسَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ يَنْتَظِرُ الصَّلاة غَيْرُكُمْ). وكان ابنُ عُمَر لَا يُبَالِي أَقَدَّمَهَا أَمْ أَخَّرَهَا، إِذَا كَانَ لَا يَخْشَى أَنْ يَغْلِبَهُ النَّوم عَنْ وَقْتِهَا، وَقَدْ كَانَ يَرْقُدُ قَبْلَهَا. قَالَ ابنُ جُرَيْجٍ: قُلْتُ لِعَطَاءٍ: يُقَالَ: سَمِعْتُ ابنَ عبَّاس يَقُولُ: (أَعْتَمَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ لَيْلَةً بِالعِشَاءِ حتَّى رَقَدَ النَّاس وَاسْتَيْقَظُوا، فَقَامَ عُمَر بنُ الخَطَّابِ، فَقَالَ: الصَّلَاةَ. قَالَ عَطَاءٌ: قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: فَخَرَجَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ الآنَ يَقْطُرُ رَأْسُهُ مَاءً، وَاضِعًا يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ، فَقَالَ: لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لأَمَرْتُهُمْ أَنْ يُصَلُّوهَا هَكَذَا. فَاسْتَثْبَتُّ عَطَاءً: كَيْفَ وَضَعَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى رَأْسِهِ يَدَهُ كَمَا أَنْبَأَهُ ابنُ عَبَّاسٍ؟ فَبَدَّدَ لِي عَطَاءٌ بَيْنَ أَصَابِعِهِ شَيْئًا مِنْ تَبْدِيدٍ، ثمَّ وَضَعَ أَطْرَافَ أَصَابِعِهِ عَلَى قَرْنِ الرَّأْسِ، ثمَّ ضَمَّهَا يُمِرُّهَا كَذَلِكَ عَلَى الرَّأْسِ، حتَّى مَسَّتْ إِبْهَامُهُ طَرَفَ الأُذُنِ مِمَّا يَلِي الْوَجْهَ عَلَى الصُّدْغِ وَنَاحِيَةِ اللِّحْيَةِ، لَا يُقَصِّرُ وَلَا يَبْطُشُ إلَّا لِذَلِكَ، وَقَالَ: لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي أَمَرْتُهُمْ أَنْ يُصَلُّوها هَكَذَا)\nمطابقته للترجمة في قوله: (حَتَّى رَقَدْنَا فِي المَسْجِدِ) وفي قوله: (رَقَدَ النَّاسُ) وفي قوله: (وَكَانَ يَرْقُدُ قَبْلَهَا) أي كان ابن عُمَر يرقد قبل العشاء، وحمله البخاري على ما إذا غلبه النوم، وهو اللائق بحال ابن عُمَر ﵄.\nهذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا في الصَّلاة عن محمَّد بن رافع، وأخرجه أبو داود في الطهارة عن أحمد بن حنبل إلى قوله: (لَيْسَ أَحَدٌ يَنْتَظِرُ الصَّلاة غَيْرُكُمْ) وأخرجه مسلم عن عطاء مفردًا مفصولًا من حديث نافع بلفظ: «قلت لعطاء: أي حين أحبُّ إليك أن أصلِّي العشاء؟ فقال: سمعت ابن عبَّاس...» الحديث. قلت","vol":"1","page":92},{"text":"لعطاء: كم ذكر لك أنَّ النَّبِيَّ ﷺ، أخَّرها ليلتئذ؟ قال: لا أدري. قال عطاء: وأحبُّ إليَّ أن تُصلِّيها إمامًا وخِلْوًا مؤخرة، كما صلَّاها النَّبِيُّ ﷺ ليلتئذ، فإن شقَّ ذلك عليك خلوا، أو على النَّاس في الجماعة وأنت إمامهم فصلِّها وسطًا لا معجَّلة ولا مؤخرة. وعند النَّسائي: عن عطاء عن ابن عبَّاس وعن ابن جُرَيج عن عطاء عن ابن عباس: (أخَّر النَّبِيُّ ﷺ العشاء ذات ليلة حتَّى ذهب من الليل، فقام عُمَر ﵁ فنادى: الصَّلاة يا رسول الله، رقد النِّساء والولدان. فخرج رسول الله ﷺ والماء يقطر من رأسه، فقال: إنَّه للَوَقْتُ، لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَصَلَّيْتُ بِهِمْ هَذِهِ السَّاعَةَ).\nقوله: (شُغِلَ) بلفظ المجهول، قال الجوهري: يقال: شغلت عنك بكذا، على ما لم يسمَّ فاعله.\nقوله: (عَنْها) أي عن وقتها، أي متجاوزًا عنه.\nقوله: (لَيْلَةً فَأَخَّرَهَا) قال شيخنا: هذا التأخير متغاير للتأخير المذكور في حديث جابر وغيره، المقيَّد بتأخير اجتماع المصلِّين، وسياقه يُشعر بأنَّ ذلك لم يكن من عادته.\nقوله: (حَتَّى رَقَدْنَا فِي المَسْجِدِ) قلت: سيأتي في فقه الحديث الكلام على هذا.\nقوله: (وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ) أي عبد الله.\nقوله: (لَا يُبَالِي) أي لا يكترث.\nقوله: (أَقَدَّمَ العِشَاءَ أَمْ أَخَّرَهَا) عند عدم خوفه من غلبة النَّوم عن وقت العشاء، (وَقَدْ كَانَ يَرْقُدُ قَبْلَهَا) أي قبل العشاء، قلت: وقد تقدَّم تفصيل الكلام على هذا.\n٥٧١ - قوله: (قَالَ ابنُ جُرَيْجٍ) أي عبد الملك بن جُرَيج بالإسناد الذي قبله، وهو محمود بن غيلان عن عبد الرزَّاق عن ابن جُرَيج، وليس هو بتعليق، قال شيخنا: ووهم من زَعَمَ إنَّه معلَّق، وقد أخرجه عبد الرزَّاق في «مصنَّفه» بالإسنادين، وأخرجه من طريقه الطبراني، وعند أبو نُعَيم في «مستخرجه».\nقوله: (فَقَامَ عُمَر فَقَالَ: الصَّلَاةَ) وفي رواية للبخاري زاد: «رَقدَ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ» كما في حديث عائشة الماضي، قال العَيني: والصلاةَ منصوبة على الإغراء.\nقوله: (يَقْطُرُ رَأْسُهُ مَاءً) جملة فعليَّة مضارعة وقعت حالًا بدون الواو، والمعنى: يقطر ماء رأسه، لأنَّ التمييز في حكم الفاعل.\nقوله: (وَاضِعًا يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ) أيضًا حال، كذا للأكثر وللكُشْمِيهَني: &lt;عَلَى رَأْسي&gt;، وهو وهم لما ذكر بعده من هيئة عصره ﷺ شعره من الماء، وكأنَّه كان اغتسل قبل أن يخرج.\nقوله: (فَاسْتَثْبَتُّ) مقول ابن جُرَيج بلفظ المتكلِّم، والاستثبات: طلب التثبُّت، وهو التأكيد في سؤاله.\nقوله: (عَطَاءً) منصوب بقوله: (فَاسْتَثْبَتُّ) وقد تردَّد الكِرْماني فيه بين عطاء بن يسار وعطاء بن أبي رباح، والحامل له عليه كون كلٍّ منهما يروي عن ابن عبَّاس. قال شيخنا: هو ابن أبي رباح، ووهم من زَعَمَ إنَّه ابن يسار. قال العَيني: أراد به الكِرْماني، ولكنَّه ما جزم إنَّه ابن يسار، بل قال: الظَّاهر أنَّه عطاء بن يسار، ويحتمل عطاء بن أبي رباح. قال شيخنا: انظر وتعجَّب من أين للعينيِّ الاطلاع على الإرادة مع توجيه احتمال أن يكون بعض من تكلَّم على البخاري أنَّه عطاء بن يسار على أنَّ ــ زَعَمَ ــ يشمل من يجزم ومن يتردَّد. انتهى.\nقوله: (كَمَا أَنْبَأَهُ ابنُ عَبَّاسٍ) أي مثل ما أخبره ابن عبَّاس.\nقوله: (فَبَدَّدَ) أي فرَّق، والتبديد: التفريق.\nقوله: (عَلَى","vol":"1","page":93},{"text":"قَرْنِ الرَّأْسِ) القرن -بسكون الرَّاء المهملة- جانب الرأس.\nقوله: (ثُمَّ ضَمَّهَا) أي ضمَّ أصابعه، كذا للبخاري بالضاد المعجمة والميم، ولمسلم: وصبَّها -بالمهملة والموحدة-، وصوَّبه عياض، قال: لأنَّه يصف عصر الماء من الشعر باليد، قال شيخنا: ورواية البخاري موجهة لأن ضمَّ اليد صفة العاصر. انتهى.\nقوله: (حَتَّى مَسَّتْ إِبْهَامُهُ طَرَفَ الأُذُنِ) فإبهامه مرفوع بالفاعليَّة، وطرف الأذن منصوب على المفعوليَّة. وهكذا وَقَعَ في رواية الكُشْمِيْهَني بإفراد الإبهام، وفي رواية غيره إبهاميه بالتثنية والنصب، ووجهها أن يكون قوله: إبهاميه منصوبًا على المفعوليَّة، وطرف الأذن مرفوعًا بالفاعليَّة، قال شيخنا: ويؤيِّد رواية الأكثرين رواية حجَّاج عن ابن جُرَيج عن النَّسائي وأبي نُعَيم: حتَّى مسَّت إبهاماه طرف الأذن. انتهى. فإن قلت: في رواية الأكثرين كيف أُنِّث الفعل المسند إلى الظرف وهو مذكَّر؟ قال العَيني: لأن المضاف اكتسب التأنيث من المضاف إليه لشدَّة الاتصال بينهما، فأُنِّث لذلك.\nقوله: (لَا يُقَصِّرُ) بالقاف من التقصير، ومعناه لا يبطئ. وفي رواية الكُشْمِيهَني: &lt;لا يعصر&gt; بالعين، قال شيخنا: والأوَّل أصوب.\nقوله: (وَلَا يَبْطُشُ) أي لا يستعجل.\nقوله: (لأَمَرْتُهُمْ أَنْ يُصَلُّوهَا هَكَذَا) أي انتفاء الأمر لوجود المشقَّة، بُيِّن ذلك في كتاب التمنِّي عند المصنِّف من رواية سُفْيان بن عُيَيْنَة عن ابن جُرَيج وغيره في هذا الحديث، وقال: (إِنَّهُ لَلْوَقْتُ لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي).\nفائدة: وَقَعَ في الطَّبَرَاني من طريق طاوس عن ابن عبَّاس في هذا الحديث بمعناه، قال: وذهب النَّاس إلَّا عُثْمان بن مظعون في ستة عشر رجلًا فخرج النَّبِيُّ ﷺ، فقال: (مَا صَلَّى هَذِهِ الصَّلاة أُمَّةٌ قَبْلَكُمْ).\nفيه إباحة النَّوم قبل العشاء لمن يغلب عليه النوم، ولمن تعرض له ضرورة لازمة، وفي الدلالة على فضيلة صلاة العشاء، وفيه تذكير الإمام والإعلام بالصلاة، وفيه استحباب حضور النساء والصبيان الصَّلاة بالجماعة، وفيه أنَّ النَّوم من القاعد لا ينقض الوضوء إذا كان مقعده مُمَكَّنًا، قال العَيني: وهذا هو محمل الحديث، وهو مذهب الأكثرين، والصحيح من مذهب الشافعي، والدليل عليه إنَّه لم يذكر أحد من الرُّواة أنَّهم توضَّؤوا من ذلك النوم، ولا يدلُّ لفظ: (ثُمَّ وَاسْتَيْقَظُوا) على النَّوم المستغرق الذي يزيل العقل، لأن العرب تقول: استيقظ من سنته وغفلته، وفيه ردٌّ على المزني حيث يقول: قليل النَّوم وكثيره حَدَثٌ ينقض الوضوء، لأنَّه محال أن يذهب على أصحابه أنَّ النَّوم حدث فيصلُّون به، ثمَّ اعلم أنَّ العلماء اختلفوا في النَّوم، فمذهب البعض أنَّ النَّوم لا ينقض الوضوء على أي حال كان، وهذا محكي عن أبي موسى الأشعري وسعيد بن المُسَيَّب وأبي مِجْلَز وحُمَيْد الأعرج والشيعة، ومذهب البعض إنَّه ينقض بكل حال، وهو مذهب الحسن البصري والمزني وأبي عُبَيْد القاسم بن سلَّام وإسحاق بن راهويه،","vol":"1","page":93},{"text":"وهو قول غريب للشافعي، وقال ابن المنذر: وبه أقول. قال: وقد رُوي معناه عن ابن عبَّاس وأبي هريرة. ومذهب البعض أنَّ كثيره ينقض بكلِّ حال، وقليله لا ينقض بكلِّ حال، وهو مذهب الزُّهْري وربيعة والأوزاعي ومالك وأحمد في رواية. ومذهب البعض إنَّه إذا نام على هيئة من هيئات المصلِّين كالراكع والساجد والقائم والقاعد لا ينتقض وضوؤه سواء كان في الصَّلاة أو لم يكن، وإن نام مضطجعًا أو مستلقيًا على قفاه انتقض، وهو مذهب أبي حنيفة وداود وقول غريب للشافعي، ومذهب البعض أنَّه لا ينقض النَّوم إلَّا نوم الساجد، ورُوي هذا عن أحمد أيضًا، ومذهب البعض أنَّه لا ينقض النَّوم في الصَّلاة بكلِّ حال، وينقض خارج الصَّلاة، وهو قول ضعيف للشافعي، ومذهب البعض إنَّه إذا نام جالسًا مُمَكِّنًا مقعدته من الأرض لم ينقض، وإلا انتقض سواء قل أو كثر، وسواء كان في الصَّلاة أو خارجها، وهو مذهب الشَّافعي ﵀.\n\n <span id=\"b-١٢٢\"> </span>(٢٥) <span data-type=\"title\" id=toc-122>(بَاب وَقْتِ العِشَاءِ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ)</span> أي هذا باب في بيان أنَّ وقت العشاء إلى نصف اللَّيل، وهذه الترجمة تدلُّ على أنَّ اختياره في آخر وقت العشاء إلى نصف اللَّيل، والدليل عليه حديث الباب، قال العَيني: وقد تكلَّمنا بما فيه الكفاية في باب وقت العصر فيما مضى. وقال الكِرْماني: ظاهر الترجمة تشعر بأن مذهب البخاري أنَّ وقت العشاء إلى النصف فقط، ولهذا لم يذكر حديثًا يدلُّ على امتداد وقته إلى الصبح. وقال العَيني: مُرَادُه من هذا وقت الاختيار لا وقت الجواز، وهو صرَّح به قبل كلامه هذا بأن المراد من الترجمة الوقت المختار من العشاء. وقال الكِرْماني أيضًا: فإن قلت: قد تقدَّم أنَّ الوقت المختار إلى الثلث، كما قال في الباب السابق: وكانوا يصلُّون فيما بين أن يغيب الشفق، إلى ثلث اللَّيل؟ قلت: لا منافاة بينهما إذ الثلث داخل في النصف. انتهى.\nقال شيخنا: في هذه الترجمة حديث صريح أخرجه مسلم من حديث عبد الله بن عَمْرو بن العاص في بيان أوَّل الأوقات وآخرها وفيه: (فَإِذَا صَلَّيْتُمُ العِشَاءَ فَإِنَّهُ وَقَّتَ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ)، قال النَّوَوي: معناه وقَّت لأدائها اختيارًا، وأما وقت الجواز فيمتدُّ إلى طلوع الفجر، لحديث أبي قَتَادَة عند مسلم: (إِنَّمَا التَّفْرِيطُ عَلَى مَنْ لَمْ يُصَلِّ الصَّلاة حتَّى يَجِيءَ وَقْتُ الصَّلاة الْأُخْرَى) وقال الإِصْطَخْري: إذا ذهب نصف اللَّيل صارت قضاء. قال: ودليل الجمهور حديث أبي قَتَادَة المذكور، قال شيخنا أيضًا: وعموم حديث أبي قَتَادَة مخصوص بالإجماع في الصبح، وعلى قول الشَّافعي الجديد في المغرب أن يقول أنَّه مخصوص بالحديث المذكور وغيره من الأحاديث في العشاء، والله أعلم.\nقوله: (وَقَالَ أَبُو بَرْزَةَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَسْتَحِبُّ تَأْخِيْرَهَا) هذا طرف من حديث أبي برزة الذي تقدَّم في باب وقت العصر، وهو الذي رواه عن محمَّد بن مُقَاتل، وفيه: وكان يستحبُّ أن يؤخِّر العشاء الَّتي تدعونها العتمة. فإن قلت: هذا لا يطابق","vol":"1","page":94},{"text":"الترجمة لأنَّه لم يذكر فيه (إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ)، قال العَيني: لما وردت أحاديث في هذا الباب بعضها مقيَّد بالثلث وبعضها بالنصف، كان النصف غاية التأخير، فدلَّ على الترجمة دلالةً لا تصريحًا، قال شيخنا: ولم أرَ في امتداد وقت العشاء إلى طلوع الفجر حديثًا صريحًا يثبت.\n\n٥٧٢ - <span id=\"b-١٢٣\"> </span>قوله: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ المُحَارِبِيُّ) أي ابن عبد الرحمن بن محمَّد الكوفي، يكنَّى أبا زياد، وهو من قدماء شيوخ البخاري، مات سنة إحدى عشرة ومائتين، وليس للبخاري في الصحيح عنه غير هذا الحديث الواحد، والمحاربي: بضمِّ الميم وإهمال الحاء وكسر الرَّاء وبالباء الموحدة، نسبة إلى محارب بن عَمْرو بن وديعة بن لُكيز بن أفصى بن عبد القيس.\nقوله: (قَالَ حدَّثنا زَائِدَةُ) أي ابن قُدامة بضمِّ القاف، ترجمته في باب غسل المذي والوضوء منه.\nقوله: (عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيْلِ) أي بضمِّ الحاء، ترجمته في باب خوف المؤمن أن يحبط عمله وهو لا يشعر في كتاب الإيمان.\nقوله: (عَنْ أَنَسِ) أي ابن مالك ﵁، ترجمته في باب من الإيمان أن يحبَّ.\nفي هذا الإسناد التَّحديث بصيغة الجمع في موضعين، وفيه العنعنة في موضعين، وفيه القول في موضعين، وفيه أنَّ شيخ البخاري ليس [له] (^١) ههنا إلَّا هذا الحديث، وفيه أنَّ رواته ما بين كوفي وبصري، قال شيخنا: وفيه أنَّ في رواية أبي ذرٍّ: &lt;حَدَّثَنا حُمَيْدٌ&gt;، وفي رواية أبي الوقت وغيره: «حُمَيْد» بغير صيغة «حدَّثنا».\nقوله: (قَالَ أَخَّرَ النَّبِيُّ ﷺ صَلَاةَ العِشَاءِ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ، ثمَّ صلَّى ثمَّ قَالَ: قَدْ صلَّى النَّاس وَنَامُوا أَمَا إِنَّكُمْ فِي صَلَاةٍ مَا انْتَظَرْتُمُوهَا) مطابقته للترجمة ظاهرة صريحًا.\nقوله: (صَلَاةَ الْعِشَاءِ) زاد مسلم: «لَيْلَةً» وفيه إشعار بأنه ﵇ لم يكن يواظب على ذلك.\nقوله: (قَدْ صلَّى النَّاسُ) أي المعهودون من المسلمين إذ ذاك.\nقوله: (أَمَا إِنَّكُمْ) بتخفيف الميم حرف التنبيه.\nقوله: (مَا انْتَظَرْتُمُوْهَا) أي مدَّة انتظاركم، والمعنى أنَّ الرجل إذا انتظر الصَّلاة فكأنَّه في نفس الصلاة.\nقوله: (وَزَادَ ابنُ أَبِي مَرْيَمَ) أي سعيد بن الحكم المصري، ترجمته في باب البصاق والمخاط ونحوه في الثَّوب في كتاب الصلاة.\nقوله: (أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ) أي المصري، ترجمته في الباب أيضًا.\nقوله: (قَالَ: حدَّثني حُمَيْدٌ) أي الطويل.\nقوله: (سَمِعَ أَنَسًا) أي ابن مالك.\nقوله: (كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى وَبِيصِ خَاتَمِهِ لَيْلَتَئِذٍ) قال شيخنا: مراده بهذا التعليق بيان سماع حُمَيْد للحديث من أَنَس، وذكر هذا التعليق أيضًا في اللباس بلفظ: وقال يحيى بن أيُّوب عن حُمَيْد فذكره، وأخرجه مسلم. قال شيخنا: ووَقَعَ لنا هذا التعليق موصولًا عاليًا من طريق أبي طاهر المخلص في الجزء الأوَّل من فوائده، قال: حدَّثنا البَغَوي حدَّثنا أحمد بن مَنْصور حدَّثنا ابن أبي مريم بسنده، وأوَّله: سئل أَنَس، هل اتخذ النَّبِيُّ ﷺ خاتمًا؟ قال: نعم، أخَّر العشاء فذكره وفي آخره: وكأني أنظر إلى وبيص خاتمه ليلتئذ. انتهى. والوَبِيص -بفتح الواو وكسر الباء الموحدة وبالصاد المهملة-:\n_________\n(^١) (له) ليست في المخطوط، وأضيفت لتمام المعنى من عمدة القاري.","vol":"1","page":94},{"text":"البريق واللمعان، والخاتم فيه أربع لغات: كسر التَّاء وفتحها وخاتام وخيتام.\nقوله: (لَيْلَتَئِذٍ) أي ليلة إذ أخَّر الصَّلاة، والتنوين عوض عن المضاف إليه، قال شيخنا: وسيأتي الكلام على فضل انتظار الصَّلاة في أبواب الجماعة، وعلى الخاتم ولبسه في كتاب اللباس إن شاء الله تعالى.\n\n <span id=\"b-١٢٤\"> </span>(٢٦) <span data-type=\"title\" id=toc-124>(بَابُ فَضْلِ صَلَاةِ الفَجْرِ </span>وَالحَدِيثُ) أي هذا باب في بيان فضل صلاة الفجر.\n\nقوله: (وَالحَدِيْثُ) قال شيخنا: كذا وَقَعَ في رواية أبي ذرٍّ ولم يظهر لقوله: (وَالحَدِيْثُ) توجيه في هذا الموضع، ووجهه الكِرْماني بأن الغرض منه باب كذا وباب الحديث الوارد في فضل صلاة الفجر، قال شيخنا: ولا يخفى بُعْدُهُ، ولم أر هذه الزيادة في شيء من المستخرجات، ولا عرج عليها أحد من الشرَّاح، فالظاهر إنَّها وهم، ويدلُّ لذلك إنَّه ترجم لحديث جرير أيضًا: باب فضل صلاة العصر، من غير زيادة، ويحتمل أنَّه كان فيه: باب فضل صلاة الفجر والعصر، فتحرَّفت الكلمة الأخيرة، والله أعلم. قال العَيني: استبعاد كلام الكِرْماني بعيد، لأنَّه لا يبعد أن يقال: تقدير كلامه: باب في بيان فضل الفجر وفي بيان الحديث الوارد فيه، وهذا أوجه من ادِّعاء الوهم، ولا يلزم من تركه لفظ الحديث في باب صلاة الفجر، كذا وَقَعَ في خطِّ العيني: صلاة الفجر، والذي ذكره شيخنا إنَّما هو صلاة العصر. انتهى. أن تكون هذه اللفظة ههنا وهمًا، والاحتمال الذي ذكره بعيد جدًّا، فإن قلت: فما وجه خصوصيَّة هذا الباب بهذه اللفظة دون سائر الأبواب الَّتي يذكر فيها فضائل الأعمال؟ قال العَيني: يحتمل أن يكون وجه ذاك أنَّ صلاة الفجر إنَّما هي عقيب النوم، والنوم أخُ الموت، إلَّا ترى كيف ورد أن يقال عند الاستيقاظ من النوم: الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا وإليه النشور. فإذا كان كذلك ينبغي أن يجتهد المستيقظ على أداء صلاة الفجر شكرًا لله على حياته وإعادة روحه إليه، ويعلم أنَّ لإقامتها فضلًا عظيمًا لورود الأحاديث فيه، فنبَّه على ذلك بقوله: والحديث، وخصَّ هذا الباب بهذه الزيادة. انتهى. قلت: ولا يخفى أنَّ هذا الذي ذكره العَيني أبعد مما قاله شيخنا ﵀، والذي ظهر لي أنَّ لفظة والحديث صحيحة ليس فيها تحريف، وإنَّما نصَّ عليها المصنِّف للتنبيه على عظم الحديث المحثِّ على المحافظة على صلاة الفجر، فإن فيه رؤية الله تعالى الَّتي هي قرَّة أعين العارفين وأقصى مراد المحبِّين، فالتقدير: باب فضل صلاة الفجر والحديث العظيم الوارد فيه. انتهى.\n٥٧٣ - <span id=\"b-١٢٥\"> </span>قوله: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) أي ابن مُسَرْهَد، ترجمته في باب من الإيمان أن يحبَّ.\nقوله: (قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى) أي القطَّان، ترجمته في الباب أيضًا.\nقوله: (عَنْ إِسْمَاعِيلَ) أي ابن أبي خالد، ترجمته في باب يتلو باب أمور الإيمان.\nقوله: (قَالَ حَدَّثَنَا قَيْسٌ) أي ابن أبي حازم، ترجمته في باب الدين النصيحة.\nقوله: (قَالَ: قَالَ لِي جَرِيْرُ بنُ عَبْدِ اللهِ) ترجمته في الباب أيضًا.\nفي هذا الإسناد: التَّحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع، وفيه العنعنة في موضع واحد، وفيه القول في ثلاثة مواضع، وفيه أنَّ هنا قال: قال لي جرير وفي باب فضل","vol":"1","page":95},{"text":"صلاة العصر: عن جرير.\nقوله: (كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ إِذْ نَظَرَ إِلَى الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، فَقَالَ: أَمَا إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا لَا تُضَامُّونَ أَوْ لَا تُضَاهُوْنَ فِي رُؤْيَتِهِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لَا تُغْلَبُوا عَلَى صَلَاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمس وَقَبْلَ غُرُوبِهَا فَافْعَلُوا ثمَّ قَالَ: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمس وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ [طه: ١٣٠]).\nمطابقته للترجمة في قوله: (عَلَى صَلَاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ) وقد مرَّ هذا الحديث في باب فضل صلاة العصر، رواه هناك عن الحميد عن مروان بن معاوية عن إسماعيل عن قيس عن جرير، وههنا عن مُسَدَّد عن يحيى عن إسماعيل عن قيس عن جرير، وقد ذكرنا هناك متعلَّقات الحديث كلِّها، قوله: (أَوْ لَا تُضَاهُوْنَ) من المضاهاة وهي المشابهة، قال النَّوَوي: معناه لا يُشَبَّه عليكم ولا ترتابون فيه.\n\n٥٧٤ - <span id=\"b-١٢٦\"> </span>قوله: (حَدَّثَنَا هُدْبَة بْنُ خَالِدٍ) أي -بضمِّ الهاء وسكون الدال المهملة وبالباء الموحدة- ابن خالد القيسي البصري الحافظ، مات سنة خمس وثلاثين ومائتين.\nقوله: (قَالَ حَدَّثَنَا هَمَّامٌ) أي ابن يحيى، ترجمته في باب ترك النَّبِيِّ ﷺ والناس الأعرابي حتَّى يفرغ من بوله في المسجد.\nقوله: (قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو جَمْرَةَ) أي -بالجيم والراء- نصر بن عِمْران الضبعي البصري، ترجمته في باب أداء الخمس من الإيمان.\nقوله: (عَنْ أَبِي بَكْرِ بنِ أَبِي مُوسَى) أي الأشعري.\nقوله: (عَنْ أَبِيهِ) أي عبد الله بن قيس أبو موسى الأشعري، ترجمته في باب أي الإسلام أفضل.\nفي هذا الإسناد: التَّحديث بصيغة الجمع في موضعين، وبصيغة الإفراد من الماضي في موضع، وفيه العنعنة في موضعين، وفيه القول في موضعين، وفيه رواية التَّابعي عن التَّابعي عن الصحابي، وفيه رواية الابن عن أبيه، وفيه ثلاثة بصريون بالتوالي، وفيه في أبي بكر اختلفوا فقال الدَّارَقُطْني قال بعض أهل العلم: هو أبو بكر بن عُمارة بن رُؤَيبة الثَّقَفي، وهذا الحديث محفوظ عنه، وقال البزَّار: لا نعلمه يروى عن أبي موسى إلَّا من هذا الوجه، وإنما يعرف عن أبي بكر بن عُمارة بن رُؤَيبة عن أبيه، ولكن هكذا قال همَّام، يعنيان بذلك حديث أبي بكر بن عُمارة بن رُؤَيبة المخرَّج عند مسلم، بلفظ قال عُمارة: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لَنْ يَلِجَ النَّار أَحَدٌ صَلَّى قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمس وَقَبْلَ غُرُوبِهَا) يعني الفجر والعصر، وروى الطَّبَرَاني من حديث السَّرِي بن إسماعيل عن الشَّعْبي عن عُمارة بن رُؤَيبة: «لَنْ يَدْخُلَ النَّار مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِك بِاللهِ شَيْئًا، وَكَانَ يُبَادِرُ بِصَلَاتِهِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمس وَقَبْلَ غُرُوبِهَا». انتهى.\nولنرجع إلى حديث الباب، قوله: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: مَنْ صلَّى البَرْدَيْنِ دَخَلَ الجَنَّةَ) مطابقته للترجمة ظاهرة، لأنَّ أحد البَرْدَين صلاة الفجر.\nقوله: (البَرْدَيْنِ) تثنية بَرْد، بفتح الباء الموحدة وسكون الرَّاء، والمراد صلاة الفجر والعصر، وقال القُرْطُبي: قال كثير من العلماء: البردان الفجر والعصر، وسُمِّيا بذلك لأنَّهما يفعلان في وقت البرد، وقال الخطَّابيُّ: لأنهما يصلِّيان في بردي النَّهار، وهما طرفاه حين يطيب الهواء ويذهب سورة الحرِّ، وقال السَّفَاقُسي","vol":"1","page":95},{"text":"عن أبي عُبيد: المراد الصُّبح والعصر والمغرب، وفيه نظر لأنَّ المذكور تثنية، ومع هذا لم يتابعه على هذا أحد، وقال البزَّار في توجيه اختصاص هاتين الصلاتين بدخول الجنَّة دون غيرهما من الصَّلوات ما محصَّله: إنَّ لفظة (مَنْ) في الحديث موصولة لا شرطيَّة، والمراد الذين صلُّوهما أوَّل ما فرضت الصَّلاة ثمَّ ماتوا قبل فرض الصَّلوات الخمس، لأنَّها فرضت أوَّلًا ركعتين بالغداة وركعتين بالعشي، ثمَّ فرضت الصَّلوات الخمس، فهو خبر عن ناس مخصوصين لا عموم فيه، قال شيخنا: ولا يخفى ما فيه من النظر، والأوجه أنَّ (مَنْ) في الحديث شرطيَّة، وقوله: (دَخَلَ) جواب الشرط، وعُدل عن الأصل وهو فعل المضارع كأن تقول: يدخل الجنَّة إرادة للتأكيد في وقوعه بجعل ما سيقع كالواقع، قال العَيني: كلامه يؤدِّي إلى أنَّ هذا مخصوص لأناس معينين ولا عموم فيه وإنَّه منسوخ، وليس كذلك من وجوه: الأوَّل: أنَّ راويه أبا موسى سمعه في أواخر الإسلام، وإنَّه فهم العموم وكذا غيره فهم ذلك، لأنَّه خير فضل لمحمَّد ﵇ ولأمَّته، والثاني: أنَّ الفضائل لا تنسخ، والثالث: أنَّ كلمة (مَنْ) شرطيَّة، وقوله: (دَخَلَ الجَنَّةَ) جواب الشرط، فكلُّ من أتى بالشرط فقد استحقَّ المشروط لعموم كلمة الشرط، ولا يقال إنَّ مفهومه يقتضي أنَّ من [لم] (^١) يصلِّيهما لم يدخل الجنَّة، لأنا نقول المفهوم ليس بحجَّة، وأيضًا إنَّ قوله: (دَخَلَ الجَنَّةَ) خرج مخرج الغالب، لأن الغالب من صلَّاهما وراعاهما. انتهى. عمَّا ينافيهما من فحشاء ومنكر، لأنَّ الصَّلاة تنهى عنهما، أو يكون آخر أمره دخول الجنَّة، وأمَّا وجه التخصيص بهما فهو لزيادة شرفهما وترغيبًا في حفظهما لشهود الملائكة فيهما كما تقدَّم، وقد مضى ما رواه الطَّبَرَاني فيه، وروى أبو القاسم الجَوْزي من حديث ابن مسعود ﵁ موقوفًا: «يُنَادِي مُنَادِي عِنْدَ صَلاةِ الصُّبْحِ، يا بَنِي آدَم قُومُوا فَأَطْفِئوا مَا أَوْقَدْتُّم عَلَى أَنْفُسِكُم، ويُنَادَى عِنْدَ العَصْرِ كَذَلِكَ، فَيَتَطَهَّرونَ وَيَنامُونَ وَلَا ذَنْبَ لَهُمْ» ثمَّ ذكر العَيني ما ذكره شيخنا في توجيه العدول عن الأصل، وقال: كما في قوله تعالى: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٤٤]\nقوله: (وَقَالَ ابنُ رَجَاءٍ) أي -بفتح الرَّاء والجيم والمد- عبد الله البصري الغُداني، وهو أحد شيوخه.\nقوله: (حَدَّثَنَا هَمَّامٌ عَنْ أَبِي جَمْرَةَ أَنَّ أَبَا بَكْرِ بْنَ عَبْدِ اللهِ بنِ قَيْسٍ أَخْبَرَهُ بِهَذَا) تقدَّم الكلام على هؤلاء الثلاثة في السند السابق، وأفاد البخاري بإيراد هذا التعليق أنَّ نسبة أبي بكر إلى أبيه أبي موسى الأشعري، لأنَّ النَّاس اختلفوا فيه، كما ذكرناه عن قريب، قال شيخنا: وقد وصله محمَّد بن يحيى الذُّهْلي: حدَّثنا عبد الله بن رجاء، ورُوِّيناه عاليًا من طريقه في الجزء المشهور المروي عنه من طريق السلفي ولفظ المتن واحد، وقال العَيني: وقد وصله الطَّبَرَاني في معجمه، فقال: حدَّثنا عُثْمان بن عُمَر الضَّبِّي، قال: حدَّثنا عبد الله بن رجاء، فذكره.\nقوله: (أَخْبَرَهُ بِهَذَا) أي بهذا الحديث، وهو مرسل لأنَّه لم يقل عن أبيه، إلَّا أن يقال: المراد بالمشار إليه الحديث وبقيَّة الإسناد كلاهما.\nقوله: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ) هو ابن منصور، وقال أبو علي الغسَّاني في «كفاية التقييد»: لعلَّه إِسْحاق بن مَنْصور الكوسج، وقال\n_________\n(^١) لم: ليس في الأصل، وإنما أضيفت ليستقيم المعنى من عمدة القاري.","vol":"1","page":96},{"text":"في موضع آخر منه: قال ابن السكن: كلُّ ما في كتاب البخاري عن إِسْحاق غير منسوب فهو ابن راهويه، قال شيخنا: ولم يقع منسوبًا في شيء من الروايات، واستدلَّ الغسَّاني على أنَّه ابن مَنْصور بأن مسلمًا روى عن إِسْحاق بن مَنْصور عن حبَّان بن هلال حديثًا غير هذا. قال شيخنا: ورأيت في رواية أبي علي الشَّبُّوِيِّ عن الفربري في باب البيعان بالخيار: حدَّثنا إِسْحاق بن منصور، حدَّثنا حبَّان بن هلال، فذكر حديثًا، فهذه القرينة أقوى من القرينة الَّتي في رواية مسلم. وقال العَيني: الأصحُّ إنَّه إِسْحاق بن منصور. انتهى.\nقوله: (حَدَّثَنَا حَبَّانُ) أي بفتح الحاء المهملة وتشديد الباء الموحدة، ابن هلال الباهلي، مات سنة ست عشرة ومائتين.\nقلت: فائدة يعرف بها الفتح والكسر في الحاء من حبَّان، قال شيخنا في المقدِّمة: حِبَّان بالكسر وباء موحَّدة مثقَّلة، حِبَّان بن موسى، وأحمد بن سُفْيان بن حِبَّان القطَّان، وهما من شيوخ البخاري، وأما حِبَّان بن عطيَّة، وحِبَّان بن العَرِقَة فلهما ذكر بلا رواية، وبفتح الحاء واسع بن حَبَّان، وابن أخيه محمَّد بن يحيى بن حَبَّان، وحَبَّان بن هلال، ومن عدا هؤلاء بالياء المُثَنَّاة من تحت، وكلُّ ما فيه أبو حيَّان، فهو بالياء المُثَنَّاة من تحت. انتهى.\nقوله: (قَالَ حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو جَمْرَةَ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بنِ عَبْدِ اللهِ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَهُ) أشار البخاري بهذا أيضًا بأنَّ شيخ أبي جَمْرَة هو أبو بكر بن عبد الله بن قيس، وهو أبو موسى الأشعري ردًّا على من زَعَمَ إنَّه ابن عُمارة رُؤَيبة، وقد ذكرنا أنَّ حديث عُمارة أخرجه مسلم وغيره، فظهر من هذا أنَّهما حديثان، أحدهما عن أبي موسى والآخر عن عُمارة بن رُؤَيبة، قال شيخنا: فاجتمعت الروايات عن همام، بأن شيخ أبي جمرة هو أبو بكر بن عبد الله بخلاف من زَعَمَ إنَّه عن عُمارة، وحديث عُمارة أخرجه مسلم وغيره من طرق عن أبي بكر بن عُمارة عن أبيه، لكن لفظه: (لَنْ يَلِجَ النَّار أَحَدٌ صَلَّى قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمس وَقَبْلَ غُرُوبِهَا) وهذا اللَّفظ مغاير للفظ حديث أبي موسى وإن كان معناهما واحدًا، فالصَّواب أنَّهما حديثان.\nقوله: (مِثْلَهُ) أي مثل الحديث المذكور، ويروى: بمثله بزيادة الباء.\n\n <span id=\"b-١٢٧\"> </span>(٢٧) <span data-type=\"title\" id=toc-127>(بَاب وَقْتِ الفَجْرِ)</span> أي هذا باب في بيان وقت صلاة الفجر، قال شيخنا: ذكر فيه حديث (تَسَحَّرَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ) من وجهين عن أَنَس، فأمَّا رواية همَّام عن قَتَادَة، فهي عن أَنَس، أنَّ زيد بن ثابت حدَّثه، فجعله من مسند زيد بن ثابت، ووافقه هشام عن قتادة، كما سيأتي في الصيام، وأما رواية سعيد: وهو ابن أبي عروبة عن قَتَادَة عن أنس: (أَنَّ نَبِيَّ اللهِ ﷺ وَزَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ تَسَحَّرَا) وفي رواية السَّرَخْسي والمُسْتَمْلي «تَسَحَّرُوا» فجعله من مسند أَنَس، وأمَّا قوله: «تَسَحَّرُوا» بصيغة الجمع فشاذَّة، قلت: وستأتي تتمَّة لهذا من كلام","vol":"1","page":96},{"text":"شيخنا قريبًا إن شاء الله تعالى.\n\n٥٧٥ - <span id=\"b-١٢٨\"> </span>قوله: (حَدَّثَنَا عَمْرو بنُ عَاصِمٍ) أي بفتح العين وفي آخره واو، الحافظ البصري، مات سنة ثلاث وعشرين ومائتين.\nقوله: (قَالَ حَدَّثَنَا هَمَّامٌ) أي ابن يحيى المتقدِّم.\nقوله: (عَنْ قَتَادَةَ) أي ابن دعامة، ترجمته في باب من الإيمان أن يحبَّ.\nقوله: (عَنْ أَنَسِ) أي ابن مالك، ترجمته في الباب أيضًا.\nقوله: (أَنَّ زَيْدَ بنَ ثَابِتٍ حَدَّثَهُ) أي الأنصاري، ترجمته في باب استقبال الرجل الرجل وهو يصلِّي.\nفي هذا الإسناد: التَّحديث بصيغة الجمع في موضعين، وبصيغة الإفراد من الفعل الماضي في موضع، وفيه العنعنة في موضعين، وفيه القول في موضع واحد، وفيه رواية الصحابي عن الصحابي، وفيه أنَّ رواته بصريون.\nقوله: (أَنَّهُمْ تَسَحَّرُوا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ثمَّ قَامُوا إِلَى الصَّلاة، قُلْتُ: كَمْ كَانَ بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: قَدْرُ خَمْسِينَ أَوْ سِتِّينَ يَعْنِي آيَةً) مطابقته للترجمة من حيث أنَّهم قاموا إلى الصَّلاة بعد أن تسحَّروا بمقدار خمسين آية أو نحوها، وذلك أوَّل ما يطلع الفجر، وهو أوَّل وقت الصبح، واستدلَّ البخاري بهذا أن أوَّل وقت الصُّبح هو طلوع الفجر، فحصل التطابق بين الحديث والترجمة.\nوهذا الحديث أخرجه البخاري في الصَّوم عن مسلم بن إبراهيم عن هشام الدَّسْتُوائي عن قَتَادَة، وأخرجه مسلم فيه عن أبي بكر بن أبي شَيْبَة عن وكيع عن هشام به، وعن عَمْرو النَّاقد عن يزيد بن هارون عن همَّام به، وعن محمَّد بن المثَّنى عن سالم بن نوح عن عَمْرو بن عامر عن قَتَادَة به. وأخرجه التِّرْمِذي فيه، عن يحيى بن موسى عن أبي داود الطَّيالِسي وعن هنَّاد عن وكيع عن همَّام به. وأخرجه النَّسائي فيه عن إِسْحاق بن إبراهيم عن وكيع به، وعن إسماعيل بن مسعود عن خالد بن الحارث عن همَّام به. وأخرجه ابن ماجَهْ فيه عن علي بن محمَّد الطَّنَافِسي عن وكيع به.\nقولهم: (أَنَّهُمْ) أي إنَّه وأصحابه (تَسَحَّرُوا) أي أكلوا السحور وهو بفتح السين، اسم ما يتسحَّر به من الطعام والشراب، وبالضمِّ المصدر، والفعل نفسه. وأكثر ما يُروى بالفتح، وقيل: إن الصَّواب بالضمِّ، لأنَّه بالفتح الطعام والبركة والأجر والثَّواب في الفعل لا في الطعام.\nقوله: (إِلَى الصَّلَاةِ) أي صلاة الفجر.\nقوله: (قُلْتُ: كَمْ كَانَ بَيْنَهُمَا؟) سقط لفظ كَان من رواية السَّرَخْسي والمُسْتَمْلي، ووَقَعَ عند الإسماعيلي من رواية عفَّان، عن همام: قلنا لزيد. ومن رواية خالد بن الحارث عن سعيد قال خالد: أَنَس القائل: كم كان بينهما. ووَقَعَ عند المُصَنِّف، من رواية روح عن سعيد: قلت لأنس، فهو مقول قَتَادَة. قال الإسماعيلي: والروايتان صحيحتان، بأن يكون أَنَس سأل زيدًا، وقتادة سأل أنسًا. قال العَيني: فاعل قلت هو أَنَس، والضمير في بينهما يرجع إلى التسحُّر، والقيام إلى الصَّلاة، من قبيل: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨].\nقوله: (قَالَ) أي زيد بن ثابت.\nقوله: (قَدْرُ خَمْسِيْنَ) مرفوع على الابتداء، وخبره محذوف تقديره قدر خمسين آية بينهما، والتمييز محذوف أشار إليه بقوله: (يَعْنِي آيَةً).\nومما يستفاد منه: استحباب التسحُّر وتأخيره إلى قريب طلوع الفجر.\n\n٥٧٦ - <span id=\"b-١٢٩\"> </span>قوله: (حَدَّثَنَا","vol":"1","page":97},{"text":"الحَسَنُ بنُ صبَّاحِ) -بتشديد الباء- الفرَّار، بالراء ثمَّ الرَّاء، أحد الأعلام، وقد تقدَّم في باب زيادة الإيمان ونقصانه.\nقوله: (سَمِعَ رَوْحَ بنَ عُبَادَةَ) أي بفتح الرَّاء من روح، وضمِّ العين، وتخفيف الباء الموحدة من عبادة، ترجمته في اتباع الجنائز من الإيمان.\nقوله: (قَالَ حَدَّثَنَا سَعِيْدٌ) أي ابن أبي عَرُوبة -بفتح العين المهملة- ترجمته... (^١).\nقوله: (عَنْ قَتَادَةَ) أي ابن دِعامة، تقدَّم ذكره في السند السابق.\nقوله: (عَنْ أَنَسٍ) أي ابن مالك، تقدَّم قريبًا.\nفي هذا الإسناد: التَّحديث بصيغة الجمع في موضعين، وفيه السماع، وفيه العنعنة في موضعين، والفرق بين سند هذا الحديث وسند الحديث السَّابق أن هذا الحديث من مسانيد أَنَس، وذاك من مسانيد زيد بن ثابت كما تقدَّم؛ قال شيخنا: وترجَّح عند مسلم رواية همام فإنَّه أخرجها وأعرض عن رواية سعيد، ويدلُّ على رجحانها أيضًا أنَّ الإسماعيلي أخرج رواية سعيد من طريق خالد بن الحارث عن سعيد فقال: «عَنْ أَنَس عَنْ زيدِ بنِ ثابتٍ» والذي يظهر لي في الجمع بين الروايتين أنَّ أنسًا حضر ذلك لكنَّه لم يتسحَّر معهما، ولهذا سأل زيدًا عن مقدار وقت السحور؛ ثمَّ وجدت ذلك صريحًا في رواية النَّسائي وابن حبَّان، ولفظهما: «عَنْ أَنَس بنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ: يَا أَنَس إنِّيْ أُرِيْدُ الصِّياَمَ أَطْعِمنِيْ شَيْئًا، فَجِئْتُهُ بِتَمْرٍ وَإِنَاءٍ فِيْهِ مَاء وَذَلِكَ بَعْدَ مَا أَذَّنَ بِلَالٌ قَالَ: يَا أَنَس انظُرْ رَجُلًا يَأْكُلُ مَعِيْ، فَدَعَوْتُ زَيْدَ بنَ ثَابِتٍ فَجَاءَ فَتَسَحَّرَ مَعَهُ ثمَّ قَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ»؛ فعلى هذا فالمراد بقوله: (كمْ كانَ بينَ الأذانِ والسحورِ؟) أي أذان ابن أمِّ مكتوم، لأنَّ بلالًا كان يؤذِّن قبل الفجر، والآخر يؤذِّن إذا طلع. انتهى.\nقال العَيني: خرَّج الطَّحاوي من حديث هشام الدستوائي عن قَتَادَة عن أَنَس وزيد بن ثابت قالا: (تسحَّرنا...) الحديث، فكيف يقول هذا القائل أنَّ أنسًا حضر ذلك لكنَّه لم يتسحَّر معهما. انتهى. قال شيخنا: في تأليفه المسمَّى «بانتقاض الاعتراض» قول العيني: أنَّ الطَّحاوي رواه غلط منه، وإنَّما رواه الطَّحاوي كما رواه غيره من الأئمَّة، فقد أخرجه أحمد والبخاري ومسلم والدَّارمي والطَّيَالسي والتِّرْمِذي والنَّسائي وأبو عَوانة وابن خُزَيمَة وابن ماجه، كلُّهم من طريق هشام عن قَتَادَة عن أَنَس عن زيد بن ثابت قال: (تَسَحَّرْنَا)، والقائل (تَسَحَّرْنَا) هو زيد بن ثابت، تحرَّفت عن إلى الواو فلم يتأمَّل لما ظفر بشيء يعترض به، فصار هو المعترض عليه. انتهى.\n_________\n(^١) لم يذكر المصنف اسم الباب، بل ترك بياضًا بمقدار أربع كلمات.","vol":"1","page":97},{"text":"قوله: (أَنَّ نَبِيَّ اللهِ ﷺ وَزَيْدَ بنَ ثَابِتٍ: تَسَحَّرَا، فَلَمَّا فَرَغَا مِنْ سَحُورِهِمَا، قَامَ نَبِيُّ اللهِ ﷺ إِلَى الصَّلاة، فَصَلَّيَا، قُلْتُ لِأَنَسٍ: كَمْ كَانَ بَيْنَ فَرَاغِهِمَا مِنْ سَحُورِهِمَا وَدُخُولِهِمَا فِي الصَّلَاةِ؟ قَالَ: قَدْرُ مَا يَقْرَأُ الرَّجُلُ خَمْسِيْنَ آيَةً). مطابقته للترجمة مثل مطابقة الحديث السابق.\nقوله: (سَمِعَ رَوْحَ بنَ عُبَادَةَ) جملة وقعت حالًا، وكلمة قد مقدَّرة فيه كما في قوله: ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ [النساء: ٩٠]، أي قد حصرت.\nقوله: (تَسَحَّرَا) بالتثنية، وفي رواية السَّرَخْسي والمُسْتَمْلي &lt;تَسَحَّرُوا&gt; بالجمع.\nقوله: (فَصَلِّيْنَا) بصيغة الجمع عند الأكثرين، وفي رواية الكُشْمِيْهَني بصيغة التثنية؛ ويُروى (فَصَلَّى) بالإفراد.\nقوله: (قُلْتُ لَأَنَسٍ) القائل قَتَادَة، ويُروى: (قُلْنَا) بصيغة الجمع.\nفيه بيان أوَّل وقت الصبح، وهو طلوع الفجر، لأنَّه الوقت الذي يحرم فيه الطعام والشراب للصائم، والمدَّة الَّتي بين الفراغ من السُّحور والدخول في الصَّلاة هي قراءة الخمسين أية أو نحوها، وهي قدر ثلث خمس ساعة، قال شيخنا: ولعلَّها مقدار ما يتوضَّأ.\nواختلفوا في آخر وقت الفجر؛ فذهب الجمهور إلى أنَّ آخره طلوع أوَّل جرم الشمس، وهو مشهور مذهب مالك، وروى عنه ابن القاسم وابن عبد الحكم أنَّ آخر وقتها الإسفار الأعلى؛ وعن الإصطخري من صلَّاها بعد الإسفار الشديد يكون قاضيًا لا مؤدِّيًا، وإن لم تطلع الشمس؛ قال شيخنا: وسيأتي الكلام على بقيَّة فوائد هذا الحديث في كتاب الصيام إن شاء الله تعالى.\n\n٥٧٧ - <span id=\"b-١٣٠\"> </span>قوله: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيْلُ بنُ أَبِي أُوَيْسٍ) واسم أبي أويس عبد الله الأصبحي المدني، ابن أخت أَنَس بن مالك ﵁، ترجمته في باب تفاضل أهل الإيمان في الأعمال.\nقوله: (عَنْ أَخِيْهِ) أي عبد الحميد بن أبي أويس، يكنَّى أبا بكر، ترجمته في باب حفظ العلم.\nقوله: (عَنْ سُلَيْمَاْنَ) أي ابن بلال أبو أيُّوب، ترجمته في باب أمور الإيمان.\nقوله: (عَنْ أَبِي حَازِمٍ) أي سلمة بن دينار الأعرج من عبَّاد أهل المدينة، ترجمته في باب غسل المرأة أباها الدم عن وجهه.\nقوله: (أَنَّهُ سَمِعَ سَهْلَ بنَ سَعْدٍ) أي ابن مالك الأنصاري، ترجمته في الباب أيضًا.\nفي هذا الإسناد: التَّحديث بصيغة الجمع في موضع واحد، وفيه العنعنة في ثلاثة مواضع، وفيه السماع، وفيه أن رواته كلُّهم مدنيون، وفيه رواية الأخ عن الأخ.\nقوله: (كُنْتُ أَتَسَحَّرُ فِي أَهْلِي ثمَّ يَكُوْنُ لِي سُرْعَةٌ بِي أَنْ أُدْرِكَ صلاةَ الفَجْرِ مَعَ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ) مطابقته الترجمة بطريق الإشارة أن أوَّل وقت صلاة الفجر طلوع الفجر، وقال شيخنا: وسيأتي الكلام على حديث سهل بن سعد في الصيام، والغرض منه الإشارة إلى مبادرة النَّبِيِّ ﷺ بصلاة الصُّبح في أوَّل الوقت، قال العَيني: الترجمة في بيان وقت الفجر، لا فيما قاله: يعني شيخنا، فلا تطابق حينئذٍ بين الترجمة والحديث، وأيضًا لا يستلزم سرعة سهل لإدراك","vol":"1","page":98},{"text":"الصَّلاة مبادرة النَّبِيِّ ﷺ بها. انتهى. قلت: هذا التَّعقُّب لا يستحقُّ تضييع الزَّمان في ردِّه، وتأمَّل قوله: في المطابقة أنَّه قال بطريق الإشارة، أنَّ أوَّل وقت صلاة الفجر طلوع الفجر، وأيضًا لولا مبادرة النَّبِيِّ ما كان سهل يسرع. انتهى.\nقوله: (ثُمَّ يَكُوْنُ سُرْعَةٌ) يجوز في (سُرْعَةٌ) الرَّفع والنصب، أمَّا الرَّفع فعلى أنَّ كان تامَّة، يعني يوجد سرعة، ولفظة (بِي): يتعلَّق به؛ وأمَّا النَّصب فعلى أن يكون: كان ناقصة، ويكون اسم كان مضمرًا فيه، و(سُرْعَةً) خبره، والتقدير: يكون السرعة سرعةً حاصلة بي، وهكذا قدَّره الكِرْماني، وقال: والاسم ضمير يرجع إلى ما يدلُّ عليه لفظ السرعة؛ قال العَيني: فيه تعسُّف، والأوجه أن يقال أَنَّ كان ناقصة و(سُرْعَةً) بالنَّصب اسمها، وقوله: (بِي) في محلِّ الرَّفع على إنَّها صفة (سُرْعَةٌ)، وقوله: (أَنْ أُدْرِكَ) خبر كان، وكلمة (أَنْ) مصدريَّة، والتقدير: وتكون سرعة حاصلة بي لإدراك صلاة الفجر مع النَّبِيِّ ﷺ، وأما نصب (سُرْعَةً) فقد ذكر الكِرْماني فيه وجهين: أحدهما: ما ذكرناه، والآخر: إنَّه نصب على الاختصاص، فالأوَّل فيه التَّعسُّف لما ذكرناه، والثاني لا وجه له يظهر بالتأمُّل. انتهى.\nقلت: بل ما قاله الكِرْماني موجَّه، لأنَّه لما قال (سُرْعَةٌ) وهي نكرة شملتَ القائل وغيره، فلمَّا قال (بِي) خُصِّصت. انتهى.\n\n٥٧٨ - <span id=\"b-١٣١\"> </span>قوله: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بنُ بُكَيْرٍ) أي الأنصاري، ترجمته في بدء الوحي.\nقوله: (قَالَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) أي ابن سعد، ترجمته في البدء أيضًا.\nقوله: (عَنْ عُقَيْلٍ) أي -بضمِّ العين- ابن خالد الأَيْلي، ترجمته فيه أيضًا.\nقوله: (عَنِ ابنِ شِهَابٍ) أي محمَّد بن مسلم، ترجمته في باب إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة.\nقوله: (قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَة بنُ الزُّبَيْرِ) أي ابن العوَّام.\nقوله: (أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهُ) أي أمُّ المؤمنين ﵂، ترجمتها في بدء الوحي.\nفي هذا الإسناد: التَّحديث بصيغة الجمع في موضعين، والعنعنة في موضعين، والإِخبار بصيغة الإفراد من الماضي المذكور في موضع، ومثله في موضع، لكن بالتأنيث.\nقوله: (قالت: كُنَّ نِسَاءُ المُؤْمِنَاتِ يَشْهَدْنَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ صَلَاةَ الفَجْرِ مُتَلَفِّعَاتٍ بِمُرُوطِهِنَّ، ثمَّ يَنْقَلِبْنَ إلى بُيُوتِهِنَّ حِينَ يَقْضِينَ الصَّلاة لَا يَعْرِفُهُنَّ أَحَدٌ مِنَ الغَلَسِ)، قال العَيني: ذكر هذا الحديث ههنا لا يطابق الترجمة؛ فإن قلت فيه دلالة على استحباب المبادرة بصلاة الصُّبح في أوَّل الوقت، قلت: سلَّمنا هذا، ولكن لا يدلُّ هذا على أن وقت الفجر عند طلوع الفجر، لأنَّ المبادرة تحصل ما دام الغلس باقيًا. انتهى. قلت: هذا من العَيني محاماة لمذهبه؛ قال شيخنا: في الحديث السابق: أنَّ الغرض منه الإشارة إلى مبادرة النَّبِيِّ ﷺ بصلاة الصُّبح في أوَّل الوقت، وحديث عائشة تقدَّم في أبواب ستر العورة، ولفظه أصرح","vol":"1","page":98},{"text":"في مراده في هذا الباب من جهة التغليس بالصبح، ولأنَّ سياقه يقتضي المواظبة على ذلك، وأصرح منه ما أخرجه أبو داود من حديث ابن مسعود: «أنَّه ﵇ أسفر بالصُّبح مرَّة ثمَّ كانت صلاته بعدُ بالغلس، حتَّى مات لم يعد إلى أن يسفر»؛ أمَّا ما رواه أصحاب السُّنن وصحَّحه غير واحد من حديث رافع بن خديج قال: قال رسول الله ﷺ: «أَسْفِرُوا بَالفَجْرِ فَإِنَّهُ أَعْظَمُ لِلأجْرِ»، فقد حمله الشَّافعي وغيره على أنَّ المراد الأمر بذلك تحقق طلوع الفجر، وحمله الطَّحاوي على أنَّ المراد الأمر بتطويل القراءة فيها حتَّى يخرج من الصَّلاة مسفرًا، وأبعد من زَعَمَ إنَّه ناسخ للصلاة في الغلس، وأما حديث ابن مسعود الذي أخرجه المُصَنِّف وغيره إنَّه قال: «مَا رَأيتُ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ صَلَّاها فِي غَيْرِ وَقْتِهَا غَيْرَ ذَلِكَ اليَوْمِ يَعنِي الفَجْرَ يَوْمَ المُزْدَلِفَةِ»، فمحمول على أنَّه دخل فيها مع طلوع الفجر من غير تأخير، فإنَّ في حديث زيد بن ثابت وسهل بن سعد ما يُشعر بتأخير يسير، لا أنَّه صلَّاها قبل أن يطلع الفجر؛ والله ﷾ أعلم. انتهى. روى البَغَوي التفصيل بين الشِّتاء والصَّيف، فيغلس في الشِّتاء.\nهذا الحديث أخرجه البخاري في باب كم تصلِّي المرأة من الثياب، عن أبي اليمان عن شُعَيب عن الزُّهْري، وتكلَّمنا هناك بما فيه الكفاية في جميع متعلّقات الحديث؛ ولنتكلَّم هنا بعض شيء زيادة الإيضاح قوله: (كُنَّ) أي النِّساء، والقياس أن يقال كانت نساء المؤمنات؛ ولكن هو من قبيل أكلوني البراغيث، في أنَّ البراغيث إمَّا بدل وإمَّا بيان، وإضافة النِّسَاءِ إلى المؤمنات مُؤَوَّلة، لأنَّ إضافة الشيء إلى نفسه لا يجوز، والتقدير نساء لأنفس المؤمنات أو الجماعة المؤمنات، وقيل: إنَّ النِّسَاءَ ههنا بمعنى الفاضلات أي فاضلات المؤمنات، كما يقال: رجال القوم أي فضلاهم ومقدَّموهم.\nقوله: (يَشْهَدُوْنَ) أي يحضرون.\nقوله: (صَلَاةَ الفَجْرِ) بالنَّصب إمَّا مفعول به أو مفعول فيه، وكلاهما جائزان لأنَّها مشهودة ومشهود فيها.\nقوله: (مُتَلَفِّعَاتٍ) حال أي متلحِّفات من التلفُّع، وهو شدُّ اللفاع، وهو ما يُغطِّي الوجه ويُتلحَّف به.\nقوله: (بِمُرُوْطِهِنَّ) يتعلَّق بـ (مُتَلَفِّعَاتٍ) وهو جمع مِرْط بكسر الميم، وهو كساء من صوف أو خزٍّ يُؤتزر به، قال شيخنا: يعلَّم من صوف أو خزٍّ أو غير ذلك، وقيل لا يُسمَّى مِرْطًا إلَّا إذا كان أخضر ولا يلبسه إلَّا النِّساء وهو مردود بقوله: (مِرْط شعر أسود). انتهى.\nقوله: (لَمْ يَنْقَلِبْنَ) أي يرجعن إلى بيوتهن.\nقوله: (لَا يَعْرِفُهُنَّ أَحَدٌ) قال الدَّاوُدي: معناه لا يعرف أنساء أم رجال؟ يعني لا يظهر للرَّائي إلَّا الأشباح خاصَّة، وقيل لا يعرف أعيانهنَّ، فلا يفرّق بين فاطمة وعائشة؛ وقال النَّوَوي: فيه نظر، لأنَّ المتلفِّعة بالنَّهار لا ُيعرف عينها فلا يبقى في الكلام فائدة؛ قال العَيني: ورد بأنَّ المعرفة","vol":"1","page":99},{"text":"إنَّما تتعلَّق بالأعيان فلو كان المراد غيرها لنفى الرؤية بالعلم، قال شيخنا: وما ذكره من أنَّ المتلفِّعة بالنَّهار لا يُعرف عينها فيه نظر، لأنَّ لكلِّ امرأة هيئة غير هيئة الأخرى في الغالب، ولو كان بدنها مُغطَّى؛ وقال الباجي: هذا يدلُّ على أنَّهنَّ كنَّ سافرات؛ إذ لو كنَّ متنقِّبات لمنع تغطية الوجه من معرفتهنَّ لا الغلس؛ قال العَيني: قوله: لأنَّ لكلِّ امرأة هيئة غير هيئة الأخرى... إلى آخره، هذا غير موجَّه لأنَّ الرَّائي من أين يعرف هيئة كلِّ امرأة حين كنَّ مغطَّاة، والرجل لا يعرف هيئة امرأته اذا كانت بين المغطِّيات إلَّا بدليل من الخارج. انتهى.\nقلت بل يعرف الرجل النبيه المرأة ولو كانت مغطَّاة وهي بين النِّساء، وكلُّ من عنده هذا التمييز يعرف ذلك، حتَّى إنِي لأعرف المرأة الَّتي كانت لها هيئة وتغيَّرت هيئتها في حالة التغيُّر، كما كنت أعرفها قبل التغيير هذا، والصحابة أصحاب المعرفة التامَّة، والذكاء المفرط، والفراسة البالغة، ومنهم العامَّة، ولهم في هذا النمط من الحكايات الأشياء المشهورة. انتهى.\nقوله: (مِنَ الغَلَسِ) كلمة (مِنَ) ابتدائية أو تعليلية، ولا معارضة بين هذا الحديث وبين حديث أبي برزة الذي مضى أنَّه كان ينصرف من الصَّلاة حين يعرف الرجل جليسه، لأنَّ هذا إخبار عن رؤية المتلفِّعة على بعد، وذاك إخبار عن رؤية الجليس.\nقال شيخنا: وفي الحديث استحباب المبادرة بصلاة الصُّبح في أوَّل الوقت، وجواز خروج النساء إلى المساجد لشهود الصَّلاة في الليل، ويؤخذ منه جوازه في النَّهار من باب أولى لأن اللَّيل مظنَّة الريبة أكثر من النَّهار، ومحلُّ ذلك إذا لم يخشَ عليهنَّ أو بهنَّ فتنة، واستَدلَّ به بعضهم على جواز صلاة المرأة مخمَّرة الأنف والفم، فكأنَّه جعل التلفُّع صفة لشهود الصَّلاة، وتعقَّبه عياض: بأنَّها إنَّما أخبرت عن هيئة الانصراف، والله أعلم.\n\n <span id=\"b-١٣٢\"> </span>(٢٨) <span data-type=\"title\" id=toc-132>(بَابُ مَنْ أَدْرَكَ مِنَ الفَجْرِ رَكْعَةً)</span> أي هذا باب بيان حكم من أدرك ركعة من صلاة الفجر، وقد أشبعنا الكلام فيه في بيان من أدرك ركعة من العصر فليراجع إليه، وتقدَّم أيضًا الكلام على الحكمة في حذف جواب الشرط من الترجمة.\n٥٧٩ - <span id=\"b-١٣٣\"> </span>قوله: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بنُ مَسْلَمَةَ) أي القَعنَبي، ترجمته في باب من الدين الفرار.\nقوله: (عَنْ مَالِكٍ) أي ابن أَنَس، ترجمته في بدء الوحي.\nقوله: (عَنْ زَيْدِ بنِ أَسْلَمَ) أي أبو أسامة مولى عُمَر بن الخطَّاب، ترجمته في باب كفران العشير.\nقوله: (عَنْ عَطَاءِ بنِ يَسَارٍ) أي القاضي المدني الهلالي، ترجمته في الباب أيضًا.\nقوله: (وَعَنْ بُسْرِ بنِ سَعِيْدٍ) أي بضمِّ الباء الموحدة وسكون السين المهملة وبالراء، ترجمته في باب إثم المارِّ بين يدي المصلِّي.\nقوله: (وَعَنِ الأَعْرَجِ) أي عبد","vol":"1","page":99},{"text":"الرحمن بن هُرْمُز، ترجمته في باب حبِّ الرسول من الإيمان.\nفي هذا الإسناد التَّحديث بصيغة الأفراد في موضع، والعنعنة في ستَّة مواضع منها خمسة المراد بها التَّحديث في قوله: (يُحَدِّثُوْنَهُ)، والضمير فيه يرجع إلى زيد بن أسلم، ورجاله كلُّهم مدنيون.\nقوله: (أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ قال: مَنْ أَدْرَكَ مِنَ الصُّبح رَكْعَةً قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ، فَقَدْ أَدْرَكَ الصُّبْحَ، وَمَنْ أَدْرَكَ مِنَ العَصْرِ رَكْعَةً قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ، فَقَدْ أَدْرَكَ العَصْرَ).\nقوله: (مِنَ الصُّبْحِ) أي من وقت الصُّبح؛ أو من نفس صلاة الصُّبح.\nقوله: (رَكْعَةً) أي قدر ركعة، والإدراك الوصول إلى الشيء، قاله العَينيُّ، وقد ذكرنا المراد من الإدراك في باب من أدرك ركعة من العصر، واستوفينا الكلام فيه هناك.\nقال شيخنا: قوله: (فَقَدْ أَدْرَكَ الصُّبْحَ) ظاهره إنَّه يكتفي بذلك، وليس ذلك مرادًا بالإجماع؛ فقيل يُحمل على أنَّه أدرك الوقت فإذا صلَّى ركعة أخرى فقد كملت صلاته، وهذا قول الجمهور وقد صرَّح بذلك في رواية الدَّراوَرْدي عن زيد بن أسلم أخرجه البَيْهَقي من وجهين، ولفظه (مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصُّبح قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَرَكْعَةً بَعدَ مَا تَطْلُعَ الشَّمْسُ، فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ)، وأصرح منه رواية أبي غسَّان محمَّد بن مطرف عن زيد بن أسلم عن عطاء وهو ابن يسار عن أبي هريرة بلفظ: «مَنْ صلَّى رَكْعَةً مِنَ العَصرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ، ثمَّ صلَّى مَا بَقِيَ بَعدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، فَلَمْ تَفُتُهُ العَصْرُ»، وقال مثل ذلك في الصبح، وقد تقدَّمت رواية المُصَنِّف في باب من أدرك من العصر ركعة من طريق أبي سلمة عن أبي هريرة وقال فيها (فَلْيُتِمَّ صَلاتَهُ)، وللنَّسائي من وجه آخر: «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلاة فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلاة إلَّا إنَّه يَقْضِي مَا فَاتَهُ»، وللبَيْهَقي من وجه آخر: «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصُّبح قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمس فَلْيُصَلِّ إِلَيْهَا أُخْرَى»، ويُؤخذ من هذا الردُّ على الطَّحاوي، حيث خصَّ الإدراك باحتلام الصبي، وطهر الحائض، وإسلام الكافر ونحوها، وأراد بذلك نصرة مذهبه في أنَّ من أدرك من الصُّبح ركعة تفسد صلاته، لا يكملها إلَّا في وقت الكراهة، وهو مبني على أنَّ الكراهة تتناول الفرض والنفل وهي خلافية مشهورة؛ قال التِّرْمِذي: وبهذا يقول الشَّافعي وأحمد وإِسْحاق، وخالف أبو حنيفة فقال: من طلعت عليه الشَّمس وهو في صلاة الصُّبح بطلت صلاته، واحتجَّ كذلك بالأحاديث الواردة في النَّهي عن الصَّلاة عند طلوع الشمس، وادَّعى بعضهم أن أحاديث النَّهي ناسخة بهذا الحديث، وهو دعوى تحتاج إلى دليل فإنَّه لا يصار إلى النسخ بالاحتمال، والجمع بين الحديثين ممكن بأن تحمل أحاديث النَّهي على ما لا سبب له من النَّوافل، ولا شكَّ أنَّ التخصيص أولى من ادِّعاء النسخ، ومفهوم الحديث أنَّ من أدرك أقل من ركعة لا يكون مدركًا للوقت، وللفقهاء في ذلك تفاصيل بين أصحاب الأعذار، كمن أفاق من إغماء، أو طهرت من حيض وغيرهم، وبين مدرك الجماعة ومدرك الوقت، وكذا مدرك الجمعة، ومقدار هذه الركعة قدر ما يكبر للإحرام، ويقرأ القرآن، ويركع ويرفع، ويسجد سجدتين، بشروط كلِّ ذلك، قال الرَّافِعي: المعتبر فيها أخفُّ ما يقدر عليه أحد، ونقل بعضهم الاتِّفاق على أنَّه لا يجوز لمن ليس له عذرٌ تأخير الصَّلاة حتَّى لا يبقى منها إلَّا هذا القدر؛","vol":"1","page":100},{"text":"وقد قال قوم: يكون ما أدرك في الوقت أداء وبعده قضاء، وقيل: يكون كذلك لكنَّه يلتحق بالأداء حكمًا والمختار أنَّ الكلَّ أداء.\nلطيفة: أورد المُصَنِّف في باب من أدرك من العصر طريق أبي سلمة عن أبي هريرة، وفي هذا الباب طريق عطاء بن يسار ومن معه عن أبي هريرة، لأنَّه قدَّم في طريق أبي سلمة ذكر العصر، وقدَّم في هذا ذكر الصُّبح، فناسب أن يذكر في كلِّ منها ما قدَّم، لما يشعر به التقديم بالاهتمام؛ والله الهادي للصواب. انتهى.\nقلت: وفيه لطيفة أخرى، وهو تقديم العصر على الصُّبح في فعل جبريل ﵇، فناسب أن يذكر في ذلك الباب الحديث الذي فيه تقديم العصر على الصُّبح، وذكر ههنا ما فيه تقديم الصُّبح على العصر، لأنَّ الصُّبح أوَّل الصَّلوات النَّهاريَّة، ولعلَّ هذا هو السِّرُّ في كونه ﵇ قدَّم هذا مرَّة وهذا مرَّة، على تقدير أن يكون ذلك القول وَقَعَ منه في زمنين، فإن لم يكن ففيه إشارة لأحد المعنيين، فإن كان المقدَّم العصر فلأنَّه الأوَّل من فعل جبريل، وإن كان الصُّبح فلأنه أوَّل صلوات النَّهار، والله أعلم. انتهى.\n\n <span id=\"b-١٣٤\"> </span>(٢٩) <span data-type=\"title\" id=toc-134>(بَابُ مَنْ أَدْرَكَ مِنَ الصَّلاة رَكْعَةً)</span> أي هذا باب في بيان حكم من أدرك من الصَّلاة ركعة؛ وقال الكِرْماني: الفرق بين البابين أعني هذا الباب والذي قبله، أن الأوَّل فيمن أدرك من الوقت قدر ركعة، وهذا فيمن أدرك من نفس الصَّلاة ركعة، قال العَيني: ذلك الباب أخصُّ، وهذا الباب أعمُّ لأنَّ قوله: (مِنَ الصَّلَاةِ) يشمل الصَّلوات الخمس، وأورد البخاري في الباب السَّابق عن عطاء ومن معه عن أبي هريرة، وأورد في هذا الباب عن سلمة عن أبي هريرة، وكذا باب من أدرك من العصر عن سلمة عن أبي هريرة، والأحاديث الثلاثة عن أبي هريرة، والرواية مختلفة، ولما كان ذكر العصر مقدَّمًا على الصُّبح في حديث باب من أدرك من العصر، قال في الترجمة باب من أدرك من العصر، وفي الباب السَّابق لما كان ذكر الصُّبح مقدَّمًا في الحديث الذي فيه، قال في الترجمة: باب من أدرك من الفجر، فراعى المناسبة في التقديم والتأخير، وكذلك في هذا الباب لما كان ذكر الصَّلاة غير مقيَّدة بشيء.\nذكر الترجمة بقوله: (بَابُ مَنْ أَدْرَكَ مِنَ الصّلَاةِ) وهذه نكتة مليحة تدلُّ على إمعان نظره في التصرُّفات.\n\n٥٨٠ - <span id=\"b-١٣٥\"> </span>قوله: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بنُ يُوْسُفَ) أي التِّنِّيسي، ترجمته في بدء الوحي.\nقوله: (قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكُ) أي الإمام، ترجمته فيه أيضًا.\nقوله: (عَنِ ابنِ شِهَاب) أي محمَّد بن مسلم، ترجمته فيه أيضًا.\nقوله: (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) أي ابن عَوْف، ترجمته فيه أيضًا.\nقوله: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) أي عبد الرحمن بن صخر ﵁، ترجمته في باب أمور الإيمان.\nفي هذا الإسناد التَّحديث بصيغة الجمع في موضع، وفيه الإخبار كذلك، وفيه العنعنة في ثلاثة مواضع.\nقوله: (أنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ قَالَ: مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلاة فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ). مطابقته للترجمة ظاهرة.\nقال العَيني: قد ذكرنا في باب","vol":"1","page":100},{"text":"من أدرك من العصر اختلاف الألفاظ والرُّواة في هذا الحديث، وذكرنا ما يتعلَّق به هناك من جميع التعلُّقات. انتهى.\nقال شيخنا: سياق الحديث بلفظ (مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلاة فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ)، وقد رواه مسلم من رواية عُبَيْد الله العُمَري عن الزُّهْري، وأحال به على حديث مالك، وأخرجه البَيْهَقي وغيره من الوجه الذي أخرجه مسلم، ولفظه كلفظِ ترجمة هذا الباب، قدَّم قوله: (مِنَ الصَّلَاةِ) على قوله: (رَكْعَةً)، وقد وضح لنا بالاستقراء أن جميع ما يقع في تراجم البخاري مما يترجم بلفظ الحديث لا يقع فيه شيء مغاير للفظ الحديث الذي يورده إلَّا وقد وردَ من وجه آخر بذلك اللَّفظ المغاير فلِلَّهِ درُّه ما أكثر اطلاعه. والظاهر أنَّ هذا أعمّ من حديث الباب الماضي قبل عشرة أبواب، ويحتمل أن تكون اللَّام عهديَّة فَيَتَّحِدَا، ويؤيِّده أنَّ كلًّا منهما من رواية أبي سلمة عن أبي هريرة، وهذا مطلق وذاك مقيَّد، فيحمل المطلق على المقيَّد؛ وقد تقدَّم كلام الكِرْماني في الفرق بين الحديثين، وقال بعد ذلك وفي الحديث: أنَّ من دخل الصَّلاة فصلَّى ركعة، وخرج الوقت كان مدركًا لجميعها، وتكون كلُّها أداء، وهو الصحيح. انتهى. وهذا يدلُّ على اتحاد الحديثين عنده لجعلهما متعلِّقين بالوقت، بخلاف ما قال أوَّلًا. وقال التيمي: معناه أنَّ من أدرك مع الإمام ركعة فقد أدرك فضل الجماعة. وقيل: المراد بالصلاة الجمعة، وقيل: غير ذلك.\nوقوله: (فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ) ليس على ظاهره بالإجماع لما قدَّمناه، من إنَّه لا يكون بالركعة الواحدة مدركًا لجميع الصَّلاة، بحيث يحصل براءة ذمَّته من الصَّلاة، فإذًا فيه إضمار تقديره: فقد أدركا وقت الصَّلاة، أو حكم الصَّلاة، أو نحو ذلك، ويلزمه إتمام بقيَّتها.\nوقد تقدَّم بقيَّة مباحثه في الباب الذي قبله، ومفهوم التقييد بالركعة: أنَّ من أدرك دون الركعة لا يكون مدركًا لها، وهو الذي استقرَّ عليه الاتفاق، وكان فيه شذوذ قديم منها: إدراك الإمام راكعًا يُجزئ ولو [لم] (^١) يدرك معه الركوع، ولو رفع الإمام رأسه ما لم يرفع بقيَّة من ائتمَّ به رؤوسهم ولو بقي واحد، وعن الثَّوْري وزفر: إذا كبَّر قبل أن يرفع الإمام رأسه أدرك إن وضع يديه على ركبتيه قبل رفع الإمام، وقيل: من أدرك تكبيرة الإحرام وتكبيرة الركوع أدرك الركعة، وعن أبي العالية: اذا أدرك السُّجود وأكمل بقيَّة الركعة معهم، ثمَّ يقوم فيركع فقط وتُجزئه، والله أعلم.\n\n <span id=\"b-١٣٦\"> </span>(٣٠) <span data-type=\"title\" id=toc-136>(بَابُ الصَّلاة بَعْدَ الفَجْرِ حتَّى تَرْتَفِعَ الشَّمْسُ)</span> أي هذا باب في بيان حكم الصَّلاة بعد صلاة الصُّبح إلى أن ترتفع الشمس، قال الزَّين بن المنيِّر: لم يثبت حكم النَّهي لأنَّ تعيين المنهي عنه في هذا الباب مما كثر فيه الاختلاف، وخصَّ الترجمة بالفجر مع اشتمال الأحاديث على الفجر والعصر، لأنَّ الصُّبح هي المذكورة أوَّلًا في سائر أحاديث الباب؛ قال شيخنا: أو لأنَّ العصر ورد فيها كونه ﵇ صلَّى بعدها بخلاف الفجر. انتهى.\n٥٨١ - <span id=\"b-١٣٧\"> </span>قوله: (حَدَّثَنَا حَفْص بنُ عُمَرَ) أي الحَوْضي، ترجمته في باب التيمُّن في الوضوء.\nقوله: (قَالَ حَدَّثَنَا هِشَامٌ) أي الدَّسْتُوائي،\n_________\n(^١) لم: ليس في الأصل، وأضيفت لتمام المعنى من فتح الباري.","vol":"1","page":101},{"text":"ترجمته في باب زيادة الإيمان ونقصانه.\nقوله: (عَنْ قَتَادَةَ) أي ابن دِعامة؛ ترجمته في باب من الإيمان أن يحبَّ لأخيه ما يحبُّ لنفسه.\nقوله: (عَنْ أَبِي العَالِيَةِ) أي الرِّياحي، بالياء آخر الحروف، واسمه رُفَيع -بالتصغير-، ووَقَعَ مصرَّحًا به عند الإسماعيلي من رواية غُنْدَر عن شُعْبَة، ترجمته في أوَّل كتاب العلم.\nقوله: (عَنِ ابنِ عبَّاسٍ) أي عبد الله، ترجمته في بدء الوحي.\nفي هذا الإسناد التَّحديث بصيغة الجمع في موضعين، وفيه العنعنة في ثلاثة مواضع، وفيه القول في موضعين؛ وفيه أن شيخ البخاري من أفراده، وفيه رواية التَّابعي عن التَّابعي عن الصحابي.\nقوله: (قَالَ: شَهِدَ عِنْدِي رِجَالٌ مرضِيُّونَ، وَأَرْضَاهُمْ عِنْدِي عُمَر أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنِ الصَّلاة بَعْدَ الصُّبح حتَّى تَشْرُقَ الشَّمْسُ، وَبَعْدَ العَصْرِ حتَّى تَغْرُبَ). مطابقته للترجمة ظاهرة.\nوهذا الحديث أخرجه مسلم وأخرجه أبو داود: «حَدَّثَنا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حدَّثنا أَبَانُ حدَّثنا قَتَادَة عَنْ أَبِي العَالِيَةِ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ: شَهِدَ عِنْدِي رِجَالٌ مرضِيُّونَ وفِيهِمْ عُمَر بن الخطَّاب وَأَرْضَاهُمْ عِنْدِي عُمَر أَنَّ نَبِيَّ اللهِ ﷺ قَالَ: لَا صَلَاةَ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبح حتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَلَا صَلَاةَ بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ حتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ»، وأخرجه التِّرْمِذي: «حَدَّثنا أَحْمَدُ بنُ مَنِيعٍ قَالَ: حدَّثنا هُشَيْمٌ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَنْصور وَهُوَ ابنُ زَاذَانَ عَنْ قَتَادَة قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو العَالِيَةِ، عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ قَال: سَمِعْتُ غَيْرَ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْهُمْ عُمَر بنُ الخَطَّابِ، وكَانَ مِنْ أَحَبِّهِمْ إِلَيَّ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنِ الصَّلاة بَعْدَ الفَجْرِ حتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَعَنِ الصَّلاة بَعْدَ العَصْرِ حتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ»، وأخرجه النَّسائي: «أَنبأنا أَحْمَدُ بنُ مَنِيعٍ، قَالَ: حَدَّثنا هُشَيْمٌ، قَالَ: أَنبأنا مَنْصُورٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: حَدَّثنا أَبُو العَالِيَةِ وَاسْمُهُ رُفَيْعٌ، عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ» نحو حديث التِّرْمِذِي، وأخرجه ابن ماجه: «حَدَّثَنَا محمَّد بنُ بَشَّارٍ حدَّثنا محمَّد بنُ جَعْفَرٍ حدَّثنا شُعْبَة عَنْ قَتَادَةَ؛ ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بنُ أَبِي شَيْبَة حدَّثنا عَفَّانُ حدَّثنا هَمَّامٌ حدَّثنا قَتَادَة عَنْ أَبِي العَالِيَةِ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ» نحو حديث أبي داود، ورواه مُسَدَّد في «مسنده»، ومن طريقه رواه البَيْهَقي ولفظه: «حَدَّثني ناسٌ أعجبُهم إليَّ عُمَر ﵁»، ولما رواه التِّرْمِذي قال: وفي الباب عن علي وابن مسعود وأبي سعيد وعُقْبَة بن عامر وأبي هريرة وابن عُمَر وسَمُرَة بن جُندُب وسَلَمَة بن الأكوع وزيد بن ثابت وعبد الله بن عُمَر ومعاذ بن عَفْراء والصُّنابِحي ولم يسمع من النَّبِيِّ ﷺ وعائشة وكعب بن مرَّة وأبي أمامة وعَمْرو بن عَبَسَة ويَعْلى بن أميَّة ومعاوية ﵃؛ قال العَيني: وفي الباب أيضًا عن سعد بن أبي وقَّاص وأبي ذرِّ الغفاري وأبي الدرداء وحفصة، فحديث علي ﵁ أخرجه إِسْحاق بن راهويه في «مسنده»، ثمَّ البَيْهَقي من جهته عنه: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي رَكعَتَيْنِ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ إلَّا الفَجْرَ وَالعَصْرَ»، وحديث ابن مسعود أخرجه إِسْحاق بن","vol":"1","page":101},{"text":"راهويه أيضًا بإسناده عن ابن مسعود قال: «بينما نحنُ عندَ رسولِ اللهِ ﷺ» الحديث، وفيه: «إِذَا صَلَّيْتَ المَغْرِبَ فَالصَّلَاةُ مَقْبُولَةٌ مَشْهُودَةٌ حتَّى تُصَلِّيَ الفَجْرَ، ثمَّ اجْتَنِبِ الصَّلاة حتَّى تَرْتَفِعَ الشَّمس وَتَبْيَضَّ؛ فَإِنَّ الشَّمس تَطْلُعُ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ»، وفيه: «إِذَا مَالَتِ الشَّمس فَالصَّلَاةُ مَقْبُولَةٌ مَشْهُودَةٌ حتَّى تَصْفَرَّ الشَّمْسُ؛ فَإِنَّ الشَّمس تَغْرُبُ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ»، وحديث أبي مسعود (^١) الخُدْري أخرجه البخاري ومسلم عنه قال: «سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: لا صَلَاةَ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبح حتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَلَا صَلَاةَ بَعْدَ العَصْرِ حتَّى تَغِيبَ الشَّمْسُ»، وحديث عُقْبَة بن عامر أخرجه مسلم عنه يقول: «ثَلَاثُ سَاعَاتٍ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَنْهَانَا أَنْ نُصَلِّيَ فِيهِنَّ، أَوْ أَنْ نَقْبُرَ فِيهِنَّ مَوْتَانَا: حِينَ تَطْلُعُ الشَّمس بَازِغَةً حتَّى تَرْتَفِعَ، وَحِينَ يَقُومُ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ حتَّى تَمِيلَ الشَّمْسُ، وَحِينَ تَضَيَّفُ الشَّمس لِلْغُرُوبِ حتَّى تَغْرُبَ»، وحديث أبي هريرة أخرجه البخاري على ما يأتي عن قريب إن شاء الله تعالى، وحديث ابن عُمَر أخرجه البخاري عنه قال: «قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: لَا تَتَحَرَّوْا بِصَلَاتِكُمْ طُلُوعَ الشَّمس وَلَا غُرُوبَهَا» الحديث، وحديث سَمُرَة بن جُندُب أخرجه عنه أحمد في «مسنده» عنه: «عن النَّبِيِّ ﷺ: لَا تُصَلُّوا عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ؛ فَإِنَّهَا تَطْلُعُ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ، وَلَا حين تغرُبُ؛ فَإِنَّهَا تَغْيبُ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ»، وحديث سلمة بن الأكوعٍ أخرجه عنه إِسْحاق بن راهويه في «مسنده» قال: «كُنْتُ أُسَافِرُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَمَا رَأيتُهُ صلَّى بَعْدَ العَصْرِ وَلَا بَعْدَ الصُّبْحِ»، وحديث زيد بن ثابت أخرجه عنه أبو يعلى المَوْصلي: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نهى عَنِ الصَّلاة إِذا طَلَعَ قَرْنُ الشَّمس أَو غَابَ قرنُهَا فَإِنَّهَا تَطلُعُ بَين قَرْني شَيْطَانٍ»، وحديث عبد الله بن عُمَر أخرجه عنه ابن أبي شَيْبَة قال: «قالَ رسولُ اللهِ ﷺ: لَا صَلَاة بعدَ الفَجْر إلَّا رَكْعَتَيْنِ»، وحديث معاذ بن عَفْراء أخرجه عنه [البخاري على ما يأتي عن قريب إن شاء الله تعالى] (^٢)، وحديث الصُّنابِحي، ولم يسمع من النَّبِيِّ ﷺ... (^٣)، وحديث عائشة ﵂ أخرجه عنها أبو يعلي الموصلي، قالت: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ينْهَى عَن الصَّلاة حِين تطلع الشَّمس حتَّى ترْتَفع فَإِنَّهَا تطلع بقرن الشَّيْطَان، وَينْهى عَن الصَّلاة حِين تقَارب الغُرُوب حتَّى تغيبَ»، وحديث كعب بن مرَّة أخرجه عنه... (^٤)؛ وحديث أبي أمامة أخرجه عنه الحارث بن محمَّد بن أبي أسامة عن النَّبِيِّ ﷺ قال: «لَا تصلُّوا عِنْد طُلُوع الشَّمس فَإِنَّهَا تطلعُ بينَ قَرْني شَّيْطَان فَيسْجُدُ لَهَا كل ُّكَافِر» الحديث؛ وَحَدِيث عَمْرو بن عبسة أخرجه عَنهُ عبد بن حُمَيْد فِي حَدِيث طَوِيل، وَفِيه: «إِذا صلَّيتَ الفَجْرَ فَأَمْسِكْ عَنِ الصَّلاة حتَّى تطلعَ الشَّمْسُ، فَإِنَّهَا تطلعُ فِي قَرْني الشَّيْطَان، فَإِنَّ الكفَّارَ يُصَلُّونَ لَهَا» الحَدِيث؛ وَحَدِيث أَبُو يعلى بن أميَّة أخرجه عَنهُ [(ذكر معناه)] (^٥).\nقوله: (شَهِدَ عِنْدِي رِجَالٌ) يعني بيَّنوا لي وأعلموني به، قال الله تعالى: ﴿شَهِدَ اللهُ إنَّه لَا إِلَهَ\n_________\n(^١) كذا في الأصل، ولعل الصواب: سعيد.\n (^٢) في الأصل بياض بمقدار كلمتين، والزيادة بين معقوفتين من عمدة القاري.\n (^٣) في الأصل بياض بمقدار أربع كلمات.\n (^٤) في الأصل بياض بمقدار أربع كلمات.\n (^٥) في الأصل بياض بمقدار أربع كلمات، والزيادة بين معقوفتين من عمدة القاري.","vol":"1","page":102},{"text":"إلَّا هُوَ﴾ [آل عمران: ١٨] قال الزَّجَّاج: معناه بيَّن، وقال شيخنا: أي أعلمني أو أخبرني، ولم يُرد شهادة الحكم، وقال الكِرْماني: المراد من الشَّهادة لازمها وهو الإعلام، أي أعلمني رجال عدول، قلت: والرجال جمع رجل، وقد مرَّ الكلام عليه في بدء الوحي عند قوله: (فيَتَمَثَّلُ لِيَ المَلَكُ رَجُلًا). انتهى.\nقوله: (مَرْضِيُّوْنَ) أي لا شكَّ في صدقهم ودينهم.\nقوله: (وَأَرْضَاهُمْ عِنْدِي عُمَرُ) أفعَل التفضيل للمفعول، قال شيخنا: لم يقع لنا تسمية الرجال المرضيون الذين حدَّثوا ابن عبَّاس بهذا الحديث، وبلغني أنَّ بعض من تكلَّم على العمدة تجاسر، وزَعَمَ أنَّهم المذكورون فيها عند قول مصنِّفها، وفي الباب عن فلان وفلان، ولقد أخطأ هذا المتجاسر خطأً بينًا فلا حول ولا قوَّة إلَّا بالله. انتهى.\nقوله: (بَعْدَ الصُّبْحِ) أي بعد صلاة الصبح، لأنَّه لا جائز أن يكون الحكم فيه معلَّقًا بالوقت، إذ لا بدَّ من أداء الصبح.\nقوله: (حَتَّى تُشْرِقَ) -بضمِّ التاء- من الإشراق، يقال: أشرقت الشَّمس ارتفعت وأضاءت؛ ويؤيِّده حديث أبي سعيد الآتي في الباب بعده بلفظ: (حَتَّى تَرتَفِعَ الشَّمسُ)، ويرُوى بفتح أوَّله وضمِّ ثانيه بوزن تغرب؛ يقال: شَرقت الشَّمس أي طلعت؛ ويؤيِّده رواية البَيْهَقي من طريق أخرى عن ابن عُمَر شيخ البخاري منه بلفظ: «حَتَّى تُشْرِقَ الشَّمس أَوْ تَطْلُعُ» على الشكِّ، وقد ذكرنا أن في رواية مُسَدَّد: «حَتَّى تَطْلُعَ» بغير شكَّ، وكذا هو في حديث أبي هريرة الآتي آخر الباب بلفظ: (حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ) بالجزم، ويُجمع بين الحديثين بأنَّ المراد بالطلوع طلوع مخصوص، أي حتَّى تطلع مرتفعة، وفي «المحكم»: أشرقت الشَّمس أضاءت وانبسطت، وقيل: شرقت وأشرِقت أضاءت، وشرقت بالكسر دنت للغروب، وكذا حكاه ابن القطَّاع في أفعاله، وزَعَمَ إنَّه قول الأصمعي، وابن خالويه في كتاب «ليس»، وقطرب في كتاب «الأزمنة»، وقال عياض: المراد من الطلوع ارتفاعها وإشراقها وإضاءتها، لا مجرَّد طلوع قرصها، قال العَيني: احتجَّ به أبو حنيفة على أنَّه يكره أن يتنفَّل بعد صلاة الفجر حتَّى تطلع الشمس، وبعد صلاة العصر حتَّى تغرب الشمس، وبه قال الحسن البصري وسعيد بن المُسَيَّب والعلاء بن زياد وحُمَيْد بن عبد الرحمن، وقال النخعي: كانوا يكرهون ذلك، وهو قول جماعة من الصحابة، وقال ابن بطَّال: تواترت الأحاديث عن النَّبِيِّ ﷺ: «أَنَّهُ نَهَى عَنِ الصَّلاة بَعْدَ الصُّبح وَبَعْدَ العَصْر»، وكان عُمَر ﵁ يضرب على الركعتين بعد العصر بمحضر من الصحابة من غير نكير، فدلَّ أنَّ صلاته ﵇ مخصوصة به دون أمَّته، وكره ذلك علي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود وأبو هريرة وسَمُرَة بن جُندُب وزيد بن ثابت وسَلَمَة بن عُمَر وكعب بن مرَّة وأبو أمامة وعَمْرو بن عبسة وعائشة والصُّنابِحي واسمه عبد الرحمن بن عقيلة وعبد الرحمن بن عُمَر وعبد الله بن عمرو،","vol":"1","page":102},{"text":"وفي «مصنَّف» ابن أبي شَيْبَة عن أبي العالية قال: «لَا تَصلحُ الصَّلاة بعد العَصْرِ حتَّى تغيبَ الشَّمس وَبَعْدَ الصُّبح حتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ»، قال: وكان عُمَر يضرب على ذلك، وعن الأَشْتَر قال: كان خالد بن الوليد يضرب النَّاس على الصَّلاة بعد العصر، وكرهها سالم ومحمَّد بن سيرين، وعن ابن عُمَر قال: صلِّيت مع النَّبِيِّ ﷺ ومع أبي بكر وعمر وعثمان، فلا صلاة بعد الغداة حتَّى تطلع الشمس، وقال أبو سعيد: تمر يأتي بزبد أحبُّ إليَّ من صلاة بعد العصر، وعن ابن مسعود: كنا نُنهى عن الصَّلاة عند طلوع الشَّمس وعند غروبها، وقال بلال: لم ينه عن الصَّلاة إلَّا عند غروب الشمس، لأنَّها تغرب في قرن شيطان؛ ورأى أبو مسعود رجلًا يصلِّي عند طلوع الشَّمس فنهاه، وكذا شُرَيح، وقال الحسن: كانوا يكرهون الصَّلاة عند طلوع الشَّمس حتَّى ترتفع، وعند غروبها حتَّى تغيب، وحكاه ابن حزم عن أبي بكرة، وفي «فوائد أبي الشيخ» رأى حُذَيفة رجلًا يصلِّي بعد العصر فنهاه، فقال: أَوَ يعذِّبني الله عليها، قال: يعذِّبك على مخالفة السنَّة، فإن قلت: أخرج البخاري ومسلم عن الأسود عن عائشة قالت: «لم يكنْ رَسُول اللهِ ﷺ يدعهما سرًّا وَلَا عَلَانيَةً رَكْعَتَانِ قبل الصُّبح وركعتان بعد العَصْرِ»، وَفِي لفظ لَهما: «مَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يأتيني فِي يَوْم بعد العَصْر إلَّا صلَّى رَكْعَتَيْنِ»، وروى أبو داوود من حديث قيس بن عَمْرو قال: «رأى رسولُ اللهِ ﷺ رجلًا يٌصلِّي بعدَ صلاةِ الصُّبح ركعتينِ، فقال ﵇: الصُّبح رَكْعَتَانِ، فقال الرجل: إنِّي لمْ أكنْ صلِّيتُ الركعتين اللتين قبلها فصلَّيتهما الآن، فسكتَ رسولُ اللهِ ﷺ»، هكذا رواه أبو داود وقال: قيس بن عمرو، وفي رواية: قيس بن قَهْد بالقاف؛ قال العَيني: استقرَّت القاعدة أنَّ المبيح والحاظر إذا تعارضا جُعِل الحاظر متأخِّرًا، وقد وَرَد نهي كثير في أحاديث كثيرة، وأمَّا حديث الأسود عن عائشة فإن صلاته ﵇ فيه مخصوصة به، والدليل عليه ما ذكرنا أنَّ عُمَر ﵁ كان يضرب على الركعتين بعد العصر بمحضر من الصحابة من غير نكير، وذكر الماوَرْدي من الشافعيَّة وغيره أيضًا أن ذلك من خصوصياته ﵇، وقال الخطَّابي أيضًا: كان النَّبِيُّ ﷺ مخصوصًا بهذا دون الخلق، وقال ابن عقيل: لا وجه له إلَّا هذا الوجه، وقال الطَّبَرِي: فعل ذلك تنبيهًا لأمَّته، أنَّ نهيه كان على وجه الكراهة لا التحريم، وقال الطَّحاوي: الذي يدلَّ على الخصوصيَّة أنَّ أمَّ سلمة ﵂ هي الَّتي روت صلاته إيَّاهما، قيل لها: أفنقضيهما إذا فاتتنا بعد العصر، قالت: لا.\nوأما حديث قَيْس بن عَمْرو فقال في «الإمام»: إسناده غير متَّصل، ومحمَّد بن إبراهيم لم يسمع من قَيْس، وقال ابن حبَّان لا يحلُّ الاحتجاج به، وقد أكَّد النَّهي حديث علي بن أبي طالب ﵁، وقال أبو حفص: «حدَّثنا محمَّد بن نُوح حدَّثنا شُعَيب بن أيُّوب حدَّثنا أَسْباط بن محمَّد وأبو نُعَيم عن سُفْيان عن أبي إِسْحاق عن عاصم بن ضُمرة عن علي ﵁، قال: كَانَ رَسُول الله ﷺ لَا يصلِّي صَلَاة مَكْتُوبَة إلَّا صلَّى بعْدهَا رَكْعَتَيْنِ","vol":"1","page":103},{"text":"إلَّا الفجْر وَالعصر»، وزَعَمَ ابن العَرَبي: أنَّ الصَّلاة في هذين الوقتين تؤدَّى الفريضة دون النافلة، وعند مالك وعند الشافعي: تؤدَّى فيهما الفريضة والنافلة الَّتي لها سبب، ومذهب آخر: لا يصلِّي فيهما بحال لا فريضة ولا نافلة، ومذهب آخر: يجوز بمكَّة دون غيرها، وقال الشَّافعي في كتاب «اختلاف الحديث»: وذكر الصَّلاة الَّتي لها سبب وعددها، ثمَّ قال: وهذه الصَّلوات وأشباهها تصلَّى في هذه الأوقات بالدلالة عن رسول الله ﷺ، حيث قال: «مَنْ نَسِيَ [صَلَاةً] (^١) فَلْيُصَلِهَا إِذا ذكرهَا، وَصلَّى رَكْعَتَيْنِ كَانَ يُصَلِّيهمَا بعد الظّهْر شُغِل عَنْهُمَا بعد العَصْر، وَأمر أَن لَا يُمْنَع أحد طَاف بِالبَيْتِ أي سَاعَة شَاءَ»، والاستثناء الوارد في حديث عُقْبَة إلَّا بمكَّة، وله في الجمعة حديث أبي سعيد: «أَنَّهُ ﵊ نَهَى عَنِ الصَّلاة فِي نِصْفِ النَّهار إلَّا يَومَ الجُمُعَةِ»، قال العَيني: والجواب عن الحديث من نسي أنَّه مخصوص بحديث عُقْبَة، وعن قوله: «صلَّى ركعتين كان يصلِّيهما»، أنَّه من خَواصه ﵇ كما ذكرناه،\nوقوله: (إِلَّا بِمَكَّةَ) غريب لم يرد في المشاهير، أو كان قبل النَّهي، ثمَّ قال: فإن قلت: رُوي عن أَنَس، كان المؤذِّن إذا أذَّن قام ناس من أصحاب رسول الله ﷺ يبتدرون السَّواري، حتَّى يخرج النَّبِيُّ ﷺ، وهم كذلك يصلُّون ركعتين قبل المغرب، ولم يكن قبل الأذان والإقامة شيء، قلت: حمل ذلك أوَّل الأمر قبل النَّهي، وقبل أن يعلم ذلك رسول الله ﷺ، وقال أبو بكر بن العَرَبي: اختلفت [الصحابة] (^٢) فيهما ولم يفعله بعدهم أحد، وقال النَّخَعي: بدعة، قال شيخنا: وقال أبو حنيفة: تحرم الفرائض والنوافل سوى عصر يومه، وتحرم المنذورة أيضًا، وقال مالك: تحرم النوافل دون الفرائض ووافقه أحمد، لكن استثنى ركعتي الطَّواف. انتهى.\n\n٥٨٢ - <span id=\"b-١٣٨\"> </span>قوله: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) أي ابن مُسَرْهَد.\nقوله: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) أي القطَّان.\nقوله: (عَنْ شُعْبَةَ) أي ابن الحجَّاج.\nقوله: (عَنْ قَتَادَةَ) أي ابن دِعامة.\nقوله: (سَمِعْتُ أَبَا العَالِيَةَ) أي الرِّياحي.\nقوله: (عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ) أي عبد الله.\nقوله: (قَالَ: حَدَّثَنِي نَاسٌ بِهَذَا).\nفي هذا الإسناد التَّحديث بصيغة الجمع في موضعين، وفيه العنعنة في ثلاث مواضع، وفيه الإِخبار بصيغة الإفراد في موضع واحد، هذا طريق آخر في الحديث المذكور عن مًسَدَّد عن يحيى القطَّان إلى آخره، وذكر هذه الطريقة ليبيِّن أن قَتَادَة سمع هذا الحديث من أبي العالية، ولم يصرِّح بالسَّماع في طريق الحديث الأوَّل، ولمتابعة شُعْبَة هشامًا، فإن قلت: كان ينبغي أن يبدأ بالحديث الذي فيه سماع قَتَادَة من أبي العالية، قال العَيني: إنَّما قدَّم ذلك الحديث لعلُّوه، انتهى.\nقوله: (حَدَثَنَا مُسَدَّد قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بنُ سَعِيْدٍ عَنْ هِشَامٍ قَالَ: أخبرَني أَبِي - أَي عُرْوَة بنُ الزُّبَيْر - قَالَ أَخْبرنِي ابنُ عُمَر - أَي عَبْدَ اللهِ - قَالَ: قَالَ رسولُ الله ﷺ: لَا تَحَرَّوْا بِصَلَاتِكُمْ طُلُوعَ الشَّمس ولَا غُرُوبَهَا). مطابقته\n_________\n(^١) ليس في الأصل، وأضيفت لتمام المعنى من عمدة القاري.\n (^٢) ليس في الأصل، وأضيفت لتمام المعنى من عمدة القاري.","vol":"1","page":103},{"text":"للترجمة ظاهرة.\nوفيه التَّحديث بِصِيغَة الجمع في موضِعين، وفيه العنعنة فِي مَوضِع وَاحِد، وفيه الإِخبار بصيغة الإفراد في موضعين، وفيه القَوْل فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع، وفيه رواية الابن عن الأب.\nهذا الحديث أخرجه البُخَارِيُّ أيضًا فِي صفة إِبْلِيس عن محمَّد بن عَبدة.\nوأخرجه مسلم فِي الصَّلاة مُقَطَّعًا عَن أبي بكر بن أبي شَيْبَة عن وَكِيع وعن محمَّد بن عبد الله بن نُمَير عن أَبِيه وَمحمَّد بن بشر، وأخرجه النَّسائي فيه أيضًا مُقَطَّعًا أيضًا عن عَمْرو بن عليّ عن يحيى.\nقوله: (لَا تَحَرَّوا) أَصله: لَا تتحرَّوا، بالتاءين، فحُذفت إِحْدَاهمَا والمعنى لا تقصدوا؛ قَالَ الجَوْهَرِي: فلَان يتحَرَّى الأَمر، أي يتوخَّاه ويقصده، وتحرَّى فلَان بِالمَكَانِ أي مكث، قَالَ التَّيْمِيّ: قَالَ قوم: أَرَادَ بِهِ: لَا تقصدوا وَلَا تبتدروا بهَا ذَلِك الوَقْت. وَأما من انتبه من نَومه وذكر مَا نَسيَه فَلَيْسَ بقاصد إِلَيْهَا وَلَا مُتَحَرًّ، وَإِنَّمَا المتحرِّي القاصد إِلَيْهَا، وَقيل: إِنَّ قومًا كَانُوا يتحرَّون طُلُوع الشَّمس وغروبها فيسجدون لَهَا عبَادَة من دون الله تَعَالى، فَنهى النَّبِيُّ ﷺ عَنهُ كَرَاهَة أَن يتشبَّهوا بهم.\nقال العَيني: قوله: (لَا تحرَّوا) نهي مُسْتَقل فِي كَرَاهَة الصَّلاة فِي الوَقْتَيْنِ المَذْكُورين، سَوَاء قصد لَهَا أم لم يقْصد، وَمِنْهُم من جعل هَذَا تَفْسِيرًا للْحَدِيث السَّابق ومبيِّنًا للمراد بِهِ، فَقَالَ: لَا تكره الصَّلاة بعد الصُّبح وَلَا بعد العَصْر، إلَّا لمن قصد بِصَلَاتِهِ طُلُوع الشَّمس وغروبها، وَإِلَيْهِ ذهب الظَّاهِرِيَّة، وَمَال إِلَيْهِ ابن المُنْذر وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِك بِمَا رَوَاهُ مُسلم من طَرِيق طَاوُس عَن عَائِشَة قَالَت: «وَهِمَ عُمَر ﵁، إنَّما نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يتحَرَّى طُلُوعَ الشَّمس وغروبِها»؛ ومنهم من قوَّى ذَلِك بِحَدِيث: «منْ أدْركَ رَكْعَةً منَ الصُّبح قبلَ أَنْ تطلعَ الشَّمس فليضفْ إِلَيْهَا أُخْرَى»، فَأمر بِالصَّلَاةِ حِينَئِذٍ، فدلَّ على أَنَّ الكَرَاهَة مُخْتَصَّةٌ بِمن قصد الصَّلاة فِي ذَلِك الوَقْت لَا بِمن وَقَعَ لَهُ اتِّفَاقًا.\nوَقال البَيْهَقي: إنَّما قَالَت ذَلِك عَائِشَة لأنَّها رَأَتِ النَّبِيَّ ﷺ يُصَلِّي بعد العَصْر، فحملت نَهْيَه على من قصد ذلك لَا على الإِطْلَاق؛ وأجِيب عن هذا: بأن صلاته ﵇ تلك كانت قضاء كما ذكرنَا، وقيل: كانت خُصُوصِيَّة لَهُ، وأما النَّهي مُطلقًا فقد ثَبت بأحادِيث كَثِيرَة عن جماعة من الصَّحَابَة ﵃، فلا اختصاص له بالوهم، والله أعلم.\n٥٨٣ - قوله: (قَالَ: وَحَدَّثَنِي ابنُ عُمَر قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ: إذَا طَلَعَ حاجِبُ الشَّمس فأخِّرُوا الصَّلاة حتَّى تَرْتَفِعَ وَإذَا غابَ حَاجِبُ الشَّمس فأخِّرُوا الصَّلاة حتَّى تَغِيْبَ)، أي قال عُرْوَة: وحدَّثني ابن عمر، فإن قلت: قال عُرْوَة في الحديث السابق: أخبرني ابن عُمَر، وفي هذا قال: حدَّثني، قال العَيني: رعاية للفرق الَّذِي بَينهمَا عنده، ولا فرق بين: حدَّثنا وأخْبرنَا عِنْد الأَكْثَرين، وجعل الخَطِيب: سمعت أرفعهما، وابن الصَّلاح دونهَا. انتهى.\nوقال شيخنا: هذا حديث آخر، وقد أفرده الإسماعيلي وذكر أنَّه وَقَعَ له الحديثان معًا من رواية عليّ بن مُسْهِر وعِيسَى بن يُونُس وَمحمَّد بن بشر ووكيع وَمَالك بن سعيد ومحاضر","vol":"1","page":104},{"text":"كلُّهم عَن هِشَام، وأنَّه وَقَعَ له الحديث الثَّاني فقط من رواية عبد الله بن نُمَير عَن هِشَام.\nقوله: (حَاجِبَ الشَّمْسِ) قيل: هُوَ طرف قرص الشَّمس الَّذِي يَبْدُو عِنْد الطُّلُوع وَلَا يغيب عِنْد الغُرُوب، وَقيل: النيازك الَّتي تبدو إِذا حَان طُلُوعها، وَقَالَ الجَوْهَرِي: حواجب الشَّمس: نَوَاحِيهَا.\nقوله: (حَتَّى تَرْتَفِعَ) جعل ارتفاعها غاية النهي، قال شيخنا: وهو يقوِّي رواية من روى الحديث الماضي بلفظ حتَّى تشرق من الإشراق؛ وهو الارتفاع كما تقدَّم. انتهى.\nقوله: (تابَعَهُ عَبْدَةُ) يعني ابن سُلَيمان، أي تَابع عَبدة يحيى بن سعيد القطَّان على رِوَايته لهَذَا الحَدِيث عَن هِشَام، وَرواية عَبدة هذه أوصلها البخاري فِي بَدْء الْخلق، وَفِيه الحديثان مَعًا وَقَالَ فِيهِ: «حَتَّى تَبْرُزَ» بدل (ترْتَفِعَ)، وَقَالَ فِيهِ: «لَا تَحَيَّنُوا» بِاليَاءِ آخر الحروف المُشَدّدَة وبالنُّون، وَزَاد فِيهِ: «فَإِنَّهَا تَطْلُعُ بَيْنَ قَرْنِي شَيْطَانٍ»، وَفِيه إِشَارَة إلى عِلّة النَّهي عَن الصَّلاة فِي هذَيْن الْوَقْتَيْنِ، وَزَاد مُسلم من حَدِيث عَمْرو بن عبسة وحِينَئِذٍ: «تسْجدُ لَهَا الكفَّار»، فالنهي حِينَئِذٍ لترك مشابهة الكفَّار.\nقال العَيني: وَفِيه ردٌّ على أبي محمَّد البَغَوي حَيْثُ قَالَ: إِن النَّهي عَن ذَلِك لَا يدْرك مَعْنَاهُ، وَجعله من قبيل الأُمُور التعبدية الَّتي يجب الإيمان بهَا.\n\n٥٨٤ - <span id=\"b-١٣٩\"> </span>قوله: (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بنُ إِسْمَاعِيلَ) أي بضمِّ العين، تقدَّم في باب نقض المرأة شعرها.\nقوله: (عَنْ أبِي أُسَامَةَ) أي حمَّاد بن أسامة؛ ترجمته في باب فضل من عَلِمَ وعَلَّمَ.\nقوله: (عَنْ عُبَيْدِ الله) أي ابن عُمَر بن حَفْص العُمَري، ترجمته في باب الصَّلاة في مواضع الإبل.\nقوله: (عَنْ خُبَيْبِ بنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) أي -بضمِّ الخاء المعجمة وفتح الباء الموحدة وسكون الياء آخر الحروف- أبو الحارث الأنصاري الخزرجي؛ ترجمته في... (^١)\nقوله: (عَنْ حَفْص بنِ عَاصِمٍ) أي ابن عُمَر بن الخطَّاب جدُّ عُبَيْد الله المذكور آنفًا، ترجمته في... (^٢).\nقوله: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَة) أي عبد الرحمن بن صخر؛ ترجمته في باب أمور الإيمان.\nفي هذا الإسناد: التَّحديث بصيغة الجمع في موضع واحد، وفيه العنعنة في خمسة مواضع، وفيه شيخ البخاري من أفراده، واسمه في الأصل عبد الله، يكنَّى أبا محمَّد القُرَشي، وفيه أن رواته ما بين كوفي وهو عَبدة، ومدني وهو خُبَيب، والبقيَّة مدنيُّون، وفيه: رواية الرجل عن عمِّه وهو عُبَيْد الله فإنَّه ابن أخي خُبَيب.\nقوله: (أنَّ رسُولَ الله ﷺ نَهَى عنْ بَيْعَتَيْنِ وعنْ لِبْسَتَيْنِ وعَنْ صَلَاتَيْنِ نَهَى عنِ الصَّلاة بَعْدَ الفَجْرِ حتَّى تَطْلُعَ الشَّمس وبَعْدَ العَصْرِ حتَّى تَغْرُبَ الشَّمس وعَنِ اشْتِمَالِ الصَّمَّاءِ وعنِ الاحْتِبَاءِ فِي ثَوْبٍ واحِدٍ يُفْضِي فَرْجِهِ إلى السَّماء وعَنِ المُنَابَذَةِ وَالمُلَامَسَةِ).\nمطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَهِي فِي قوله: (وَعَن صَلَاتَيْنِ) إلى قوله: (حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ).\nهذا الحديث أخرجه البخاري أيضًا عن محمَّد بن عَبدة بن سُلَيمان، وأخرجه في اللِّباس عن محمَّد بن بشَّار عن عبد الوهَّاب الثَّقَفي؛ وأخرجه مسلم في البيوع عن أبي بكر بن أبي شَيْبَة وعن محمَّد بن عبد الله بن\n_________\n(^١) في الأصل بياض بمقدار أربع كلمات.\n (^٢) في الأصل بياض بمقدار أربع كلمات.","vol":"1","page":104},{"text":"نُمَير عن أبيه وعن محمَّد بن مثَّنى؛ وأخرجه النَّسائي فيه عن محمَّد بن عبد الأعلى؛ وأخرجه ابن ماجَهْ عن أبي بكر بن أبي شَيْبَة به مُقَطَّعًا، في الصَّلاة وفي التِّجارات.\nقوله: (عَنْ بَيْعَتَيْنِ) تثنية: بيعة -بفتح الباء الموحدة وكسرها-، والفرق بينهما أنَّ: فعلة، بالفتح للمرة، وبالكسر للهيئة، وأراد بهما: اللِّماس والنِّباذ -بكسر اللام وبكسر النون- وقد مرَّ تفسيرهما في باب ما يستر من العورة في حديث أبي هريرة ﵁.\nقوله: (وَعَنْ لُبْسَتَيْنِ) -بكسر اللام-: الهيئة والحالة، وقال ابن الأثير: وروي بالضمِّ على المصدر، والأوَّل هو الوجه.\nقوله: (وَعَنْ صَلَاتَيْنِ) قال شيخنا: محصَّل ما في الباب أربعة أحاديث، الأوَّل والأخير يتعلَّقان بالفعل، والثاني والثالث يتعلَّقان بالوقت، وقد تقدَّم اختلاف العلماء في ذلك، وسيأتي في الكلام على البيعتين في كتاب البيع، وعلى اللبستين في كتاب اللِّباس.\nقوله: (بَعْدَ الفَجْرِ) أي بعد صلاة الفجر وبعد صلاة العصر.\nقوله: (وَعَنِ اشْتِمَالِ الصَّمَّاءِ) -بالصَّاد المهملة وبالمدِّ- قال ابن الأثير: هو التخلُّل بالثَّوب وإرساله من غير أن يرفع جانبه، وفي تفسيره اختلاف قد ذكرناه في باب ما يستر من العورة، وأمعنا الكلام فيه هناك.\nقوله: (وَعَنِ الاحْتِبَاءِ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ) قال الخطَّابيُّ: الاحتباء هو أن يحتبي الرجل بالثَّوب ورجلاه متجافيتان عن بطنه، فيبقى هناك إذا لم يكن الثَّوب واسعًا قد أسبل شيئًا منه على فرجه فرجة تبدو عورته منها، قال: وهو منهي عنه.\nقوله: (يُفْضِي) من الإفضاء.\nقوله: (فَرْجَهُ) ويروى: (بِفَرْجِهِ) بالباء.\nقوله: (وَعَنِ المُنَابَذَةِ) -بالذال المعجمة- مُفاعلة، نابذ منابذة ونباذًا، وصورتها: أن يطرح الرجل ثوبه بالبيع إلى الرجل قبل أن يقلِّبه أو ينظر إليه.\nقوله: (وَالمُلَامَسَةِ) مُفاعلة من: لامس ملامسة ولماسًا، وهو: أن يلمس الثَّوب بلا نظر إليه، قال العَيني: قال أصحابنا: الملامسة والمنابذة وإلقاء الحجر كانت بيوعًا في الجاهلية، وكان الرجلان يتساومان المبيع فإذا ألقى المشتري عليه حصاة أو نبذه البائع إلى المشتري أو لمسه المشتري لزم البيع، وقد نهى الشَّارع ﵇ عن ذلك كلِّه.\nقال العَيني: استفيد منه: منع الشخص من عشرة أشياء وهي: البيعتان، واللبستان، والصلاتان في الوقتين المذكورين، واشتمال الصَّمَّاء، والاحتباء على الصُّورة المذكورة فيه، والمنابذة، والملامسة؛ وسيأتي مزيد الكلام فيه في باب البيوع واللِّباس إن شاء الله تعالى؛ كما أحال عليه شيخنا.\n\n <span id=\"b-١٤٠\"> </span>(٣١) <span data-type=\"title\" id=toc-140>(بَابُ لَا يُتَحَرَّى الصَّلاة قَبْلَ غُرُوْبِ الشَّمْسِ)</span> أي هذا باب يذكر فيه أن الشخص لا يتحرَّى أي لا يقصد الصَّلاة قبل غروب الشَّمس، وفي بعض النُّسخ: باب لا تتحرَّوا.\nوقوله: (لَا يتُحَرَّى) على صيغة المجهول، و(الصَّلَاةُ) بالرفع، لأنَّه نائب عن الفاعل، قال شيخنا: أو بفتح المُثَنَّاة التحتانيَّة، والصَّلاة بالنَّصب، والفاعل محذوف، أي المصلِّي.","vol":"1","page":105},{"text":"انتهى. وهذا يشعر بأنه إذا وَقَعَ منه اتِّفاقًا لا بأس به، وقد وَقَعَ الكلام فيه في الباب السَّابق مُستَقصىً.\n\n٥٨٥ - <span id=\"b-١٤١\"> </span>قوله: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهُ بنُ يُوْسُفَ) أي التَّنِّيسي المصري.\nقوله: (قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) أي الإمام، ترجمتهما في بدء الوحي.\nقوله: (عَنْ نَافِعٍ) أي ابن جرجس مولى ابن عَمْر؛ ترجمته في باب العلم والفتيا في المسجد.\nقوله: (عَنِ ابنِ عُمَرَ) أي عبد الله، ترجمته في كتاب الإيمان.\nفي هذا الإسناد التَّحديث بصيغة الجمع في موضع، والإخبار كذلك، وفيه العنعنة في موضعين.\nقوله: (أنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ قَالَ: لَا يَتَحَرَّى أحَدُكُمْ فَيُصَلِّي عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمس وَلَا عِنْدَ غُروبِهَا).\nمطابقته للترجمة في قوله: (وَلَا عِنْدَ غُرُوْبِها)، قال الكِرْماني: فإن قلت: الترجمة قبل الغروب. والحديث عند الغروب؟، قال العَيني: المراد منهما واحد، والحديث مضى في الباب الذي قبله، قال شيخنا: ولا تنافي بين قوله في الترجمة: قبل الغروب، وبين قوله في الحديث: (عِنْدَ الغُرُوبِ) لما سنذكره قريبًا.\nقوله: (لَا يَتَحَرَّى) كذا وَقَعَ بلفظ الخبر. قال السُّهَيلي: يجوز الخبر عن مستقرِّ أمر الشرع، أي لا يكون إلَّا هذا.\nقوله: (فَيُصَلِّي) بالنَّصب وهو نحو: ما تأتينا فتحدَّثنا، في أن يُراد به نفي التحرِّي والصلاة كليهما، وأن يُراد به نفي الصَّلاة فقط، ويجوز الرَّفع من جهة النحو، أي لا يتحرَّى أحدكم الصَّلاة في وقت كذا، فهو يصلِّي فيه؛ وقال الطيبي: «لَا يَتَحَرَّى» وهو نفي بمعنى النهي، و(يُصَلِّي) هو منصوب بأنَّه جوابه، ويجوز أن يتعلَّق بالفعل المنهي أيضًا، فالفعل المنهي معلل في الأوَّل والفعل المعلل منهي في الثاني، والمعنى على الثاني: (لَا يَتَحَرَّى أَحَدُكُمْ) فعلًا يكون سببًا لوقوع الصَّلاة في زمان الكراهة؛ وعلى الأوَّل كأنَّه قيل: لا يتحرَّى فقيل: لم ينهانا عنه؟ فأجيب: خيفة أن يصلُّوا، أو أنَّ الكراهة، ويحتمل أن يقدَّر غير ذلك، وقد وَقَعَ في رواية القَعنَبي في «الموطأ»: «لا يتحرَّى أحدُكم أنْ يصلِّي» ومعناها لا يتحرَّى الصلاة؛ وقال ابن حروف: يجوز في (فَيُصَلِّي)، ثلاثة أوجه: الجزم على العطف، أي لا تتحرَّ ولا تصلِّ، والرفع على القطع أي لا تتحرَّى فهو يصلِّي، والنَّصب على جواب النهي، والمعنى: لا تتحرَّى مصلِّيًا.\n\n٥٨٦ - <span id=\"b-١٤٢\"> </span>قوله: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيْزِ) أي ابن عبد الله بن يحيى بن عَمْرو القُرَشي الأوسي المدني ترجمته في باب الحرص على الحديث.\nقوله: (قَالَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيْمُ بنُ سَعْدٍ) أي ابن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عَوْف الزُّهْري القُرَشي المدني، ترجمته في باب تفاضل أهل الإيمان في الأعمال.\nقوله: (عَنْ صَالِحٍ) أي ابن كَيْسان الغفاري، مؤدِّب ولد عُمَر بن عبد العزيز، ترجمته في بدء الوحي.\nقوله: (عَنِ ابنِ شِهَابٍ) أي محمَّد بن مسلم الزُّهْري، ترجمته في باب إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة.\nقوله: (قَالَ: حَدَّثَنِي عَطَاءُ بنُ يزيدَ الجُنْدَعِيُّ) -بضمِّ الجيم وسكون النُّون وفتح الدَّال المهملة وضمِّها بعدها عين مهملة- نسبة إلى جُندَع بن ليث بن بكر بن عبد مَناة بن كنانة ترجمته","vol":"1","page":105},{"text":"في باب لا يستقبل القبلة بغائط.\nقوله: (أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيْدٍ الخُدْري ﵁) أي سعد بن مالك، ترجمته في باب من الدين الفرار من الفتن.\nفي هذا الإسناد التَّحديث بصيغة الجمع في موضعين، وبصيغة الإفراد في موضع، وفيه: العنعنة في موضعين، وفيه: السماع في موضعين، وفيه: القول في ثلاثة مواضع، وفيه: أن رواته كلُّهم مدنيُّون، وفيه: أنَّ شيخ البخاري من أفراده، وفيه: رواية التَّابعي عن التَّابعي عن الصحابي ﵁ قوله: (يقولُ: سَمِعْتُ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ يقولُ: لَا صَلَاةَ بَعْدَ الصُّبح حتَّى تَرْتَفِعَ الشَّمس ولَا صَلَاةَ بَعْدَ العَصْرِ حتَّى تَغِيبَ الشَّمْسُ.).\nمطابقته للترجمة بطريق الإشارة لأنَّه يلزم من نفي الصَّلاة بعد الصُّبح قبل ارتفاع الشَّمس، وبعد العصر قبل غروبها أن لا يتحرَّاها في هذين الوقتين.\nهذا الحديث أخرجه مسلم في الصَّلاة أيضًا عن حَرْمَلَة عن ابن وَهْب عن يُونُس؛ وأخرجه النَّسائي فيه عن عبد الحميد بن محمَّد الحرَّاني عن مَخْلَد بن يزيد وعن محمود بن خالد.\nقوله: (لَا صَلَاةَ) كلمة (لا) لنفي الجنس، أي لا صلاة حاصلة بعد الصُّبح، أي بعد صلاة الصُّبح، ويقال: هذا نفي بمعنى النَّهي، والتقدير: لا تصلُّوا؛ ثمَّ قيل: إنَّ النَّهي للتحريم، والأصحُّ أنَّه للكراهة؛ وبالنظر إلى صورة نفي الجنس قال أبو طلحة: المراد بذلك كلُّ صلاة، ولا يثبت ذلك عنه؛ قال الحنفيَّة: ولا بأس أن يصلِّي في هذين الوقتين الفوائت، ويسجد للتلاوة، ويصلِّي على الجنازة.\nوقال ابن دقيق العيد: صيغة النَّهي في ألفاظ الشَّارع إذا دخلت على فعل كان الأولى حملها على نفي الفعل الشرعي لا الحسي، لأنَّا لو حملناه على نفي الحسِّي لاحتجنا في تصحيحه إلى إضمار، والأصل عدَمُه؛ واذا حملناه على الشَّرعي لم يحتج إلى إضمار؛ فهذا وجه الأولوية وعلى هذا فهو نفي بمعنى النَّهي والتقدير: لا تصلُّوا.\nوحكى أبو الفتح اليَعْمري عن جماعة من السَّلف أنَّهم قالوا: أن النَّهي عن الصَّلاة بعد الصُّبح وبعد العصر إنَّما هو إعلام بأنها لا يتطوَّع بعدهما، ولم يقصد الوقت بالنَّهي كما قصد به وقت طلوع ووقت الغروب، ويؤيِّد ذلك ما رواه أبو داود والنَّسائي بإسناد حسن عن علي عن النَّبِيِّ ﷺ قال: «لَا تُصَلُّوا بَعْدَ الصُّبح وَلَا بَعْدَ الْعَصْرِ إلَّا أَنْ تَكُونَ الشَّمس نَقِيَّةً» وفي رواية: «مُرتَفِعَةً» فدلَّ على أنَّ المراد بالتعدية ليس على عمومه، وإنَّما المراد وقت الطُّلوع ووقت الغروب وما قرابهما، والله أعلم.\n\n٥٨٧ - <span id=\"b-١٤٣\"> </span>قوله: (قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ أَبَانَ) أي بفتح الهمزة وتخفيف الباء الموحدة، البلخي أبو بكر مستملي وكيع المعروف بحَمْدويه، مات سنة أربع وأربعين ومائتين؛ وقال بعضهم: هو محمَّد بن أبان الواسطي لا المذكور، ولكلٍّ من القولين مرجِّح، وكلاهما ثقة.\nقوله: (قَالَ حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ) أي محمَّد بن جعفر، ترجمته في باب ظلم دون ظلم.\nقوله: (قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) أي ابن الحجَّاج، ترجمته في باب يتلو باب أمور الإيمان.","vol":"1","page":106},{"text":"قوله: (عَنْ أَبِي التَيَّاحِ) أي بفتح التَّاء المُثَنَّاة من فوق وتشديد الياء آخر الحروف وفي آخره حاء مهملة، واسمه يزيد بن حُمَيْد الضُّبَعي البصري، ترجمته في باب ما كان النَّبِيُّ ﷺ يتخوَّلهم.\nقوله: (سَمِعْتُ حُمْرَانَ بنَ أَبَانَ يُحَدِّثُ) أي بضمِّ الحاء المهملة وسكون الميم، مرَّ في باب الوضوء أي ثلاثًا ثلاثًا.\nقوله: (عَنْ مُعَاوِيَةَ) أي ابن أبي سُفْيان، ترجمته في باب من يُرِدِ الله به خيرًا يفقِّه في الدين.\nفي هذا الإسناد التَّحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع، وبصيغة الإفراد من الفعل المضارع في موضع واحد، وفيه: العنعنة في موضعين، وفيه: السماع، وفيه: القول في أربعة مواضع، وفيه: أنَّ شيخ البخاري من أفراده، وفيه: أنَّ رواته ما بين بلخي وواسطي وبصري ومدني، وفيه: عن معاوية، وفي رواية الإسماعيلي: من طريق معاذ وغيره عن شعبة: خطبنا معاوية ﵁، وخالفهم عُثْمان بن عَمْرو وأبو داود الطَّيالِسي فقالا: عن أبي التيَّاح عن مَعْبَد الجُهَني عن معاوية، وطريق البخاري أرجح، ويجوز أن يكون لأبي التيَّاح شيخان: أحدهما: حُمران، والآخر: معبد الجُهَني.\nقوله: (قَالَ: إنَّكُمْ لَتُصَلُّونَ صَلَاةَ لَقَدْ صَحِبْنَا رَسُوْلَ اللهِ ﷺ فَمَا رَأينَاهُ يُصَلِّيهَا وَلَقَدْ نَهَى عَنْهُمَا يَعْنِي الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ العَصْرِ).\nقوله: (لَتُصَلُّوْنَ): اللَّام فيه مفتوحة للتأكيد، وكذلك اللام في كلمة لقد.\nقوله: (يُصَلِّيْهِمَا) -بضمير التثنية- أي يصلِّي الركعتين، وللحموي: «يُصَلِّيها» بإفراد الضَّمير أي يصلِّي تلك الصَّلاة، وكذا وَقَعَ الخلاف بين الرُّواة في قوله: (عَنْهَا) أو (عَنْهُمَا)، قال شيخنا: وكلام معاوية مشعرٌ بأنَّ من خاطبهم كانوا يصلُّون بعد العصر ركعتين على سبيل التطوعُّ الراتب لها، كما يصلِّي بعد الظهر، وما نفاه من رؤيته صلاة النَّبِيِّ ﷺ لهما قد أثبته غيره، والمثبت مقدَّم على النافي؛ وسيأتي في الباب الذي بعده قول عائشة: «كَانَ لَا يُصَلِّيْهِمَا فِي المَسْجِدِ»، لكن ليس في رواية الإثبات معارضة للأحاديث الواردة في النَّهي، لأنَّ رواية الإثبات لها سبب، كما سيأتي في الباب الذي بعده، فألحق بها ما له سبب وبقي ما عدا ذلك على عمومه والنهي فيه محمول على ما لا سبب له؛ وأما من يرى عموم النَّهي ولا يخصُّه بما له سبب فيحمل إنكار معاوية على من يتطوَّع، ويحمل الفعل على الخصوصية، ولا يخفي رجحان الأوَّل؛ والله أعلم. انتهى.\nقال العَيني: نفي معاوية يرجع إلى صفة النَّبِيِّ ﷺ لا إلى ذاتها، لأنَّه ﵇ كان يصلِّيهما على وجه الخصوصية له، كما قد ذكرناه عن قريب؛ وهؤلاء كانوا يصلُّون على سبيل التطوُّع الراتب لهما، كما كانوا يصلُّون بعد الظهر، فأنكر معاوية عليهم من هذا الوجه، لأنَّه ثبت عنده ورُود النَّهي عن النَّبِيِّ ﷺ عن ذلك، كما ورد عن غيره عن جماعة من الصحابة ﵃، على ما قد ذكرناه، وقول هذا القائل يعني شيخنا: لكن ليس في رواية الإثبات معارضة إلى","vol":"1","page":106},{"text":"آخره؛ قلت: الأحاديث الواردة في النَّهي عامَّة فلا يترك العمل بعمومها للأحاديث الواردة الَّتي لها سبب الَّتي لا تقاومها، على أنَّا نقول: إنَّ أحاديث النَّهي متأخِّرة، فالعمل للمتأخِّر دون المتقدِّم. انتهى.\nقال شيخنا: ولا يخفى أن حمل إنكار معاوية على هذا بعيد جدًّا، أي على سبيل التطوُّع الراتب لها، كما كانوا يصلُّون بعد الظهر. انتهى.\n\n٥٨٨ - <span id=\"b-١٤٤\"> </span>قوله: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ سَلَّامٍ) أي بتشديد اللَّام، السَّكَندَري، ترجمته في باب قول النَّبِيِّ ﷺ أَنَا أَعلَمُكُمْ بِاللهِ.\nقوله: (حَدَّثَنَا عَبْدَةُ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ عَنْ خُبَيْبٍ عَنْ حَفْص بنِ عاصمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قال: نَهَى رَسُوْلُ اللهِ ﷺ عَنْ صَلَاَتَيْنِ بَعْدَ الفَجْرِ حتَّى تَطْلُعَ الشَّمس وبعْدَ العَصْرِ حتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ) هذا الحديث قد تقدَّم بأتمِّ سياق في الباب الذي قبله، أخرجه عن عبد بن سُلَيمان عن عُبَيْد الله بن عُمَر بن حَفْص عن خُبيب بضمِّ الخاء المعجمة... إلى آخره.\n\n <span id=\"b-١٤٥\"> </span>(٣٢) <span data-type=\"title\" id=toc-145>(بَابُ مَنْ لَمْ يَكْرَهِ الصَّلاة إلَّا بَعْدَ العَصْرِ وَالفَجْرِ)</span> أي هذا باب في بيان رواية من لم يكره الصَّلاة إلَّا بعد صلاة العصر وبعد صلاة الصبح، ثمَّ بيَّن هؤلاء الذين لم يكرهوا الصَّلاة إلَّا في الوقتين المذكورين بقوله: (رَوَاهُ عُمَر وابنُ عُمَر وأَبُو سَعِيْدٍ وأَبُو هُرَيْرَةَ ﵃ أَجْمَعِيْنَ)\nقال شيخنا: قيل: آثر البخاري الترجمة بذكر المذاهب على ذكر الحكم، للبراءة من عهدة بتِّ القول في موضع كَثُرَ فيه الاختلاف، ومحصَّل ما ورد من الأخبار في تعيين الأوقات الَّتي يكره فيها الصَّلاة إنَّها خمسة: عند طلوع الشَّمس وعند غروبها، وبعد صلاة الصُّبح وبعد صلاة العصر، وعند الاستواء، ويرجع بالتحقيق إلى ثلاثة من بعد صلاة الصُّبح إلى أن ترتفع الشَّمس فيدخل فيه الصَّلاة عند طلوع الشَّمس، وكذا من بعد صلاة العصر إلى أن تغرب، ولا يُعكِّر على ذلك أنَّ من لم يُصلِّ الصُّبح مثلًا حين بزغت الشَّمس يكره له التنفُّل حينئذٍ، لأنَّ الكلام إنَّما هو جار على الغالب المعتاد، وأمَّا هذه الصور النادرة فليست مقصودة، وفي الجملة عدّها أربعة أجود وبقي خامس وهو الصَّلاة وقت استواء الشَّمس، وعلَّه لم يصحَّ عند المؤلِّف على شرطه فترجم لنفيه، وفيه أربعة أحاديث: حديث عُقْبَة بن عامر وهو عند مسلم ولفظه: «وَحِينَ يَقُومُ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ حتَّى تَرْتَفِعَ»، وحديث عَمْرو بن عَبَسَة وهو عند مسلم أيضًا ولفظه: «حَتَّى يَسْتَقِلَّ الظِّلُّ بِالرُّمْحِ، فَإِذَا أَقْبَلَ الفَيْءُ فَصَلِّ» وفي لفظ لأبي داوود: «حَتَّى يَعْدِلَ الرُّمْحَ ظِلُّهُ»، وحديث أبي هريرة وهو عند ابن ماجَهْ والبَيْهَقي ولفظه: «حَتَّى تَسْتَوِيَ الشَّمس عَلَى رَأْسِكَ كَالرُّمْحِ فَإِذَا زَالَتْ فَصَلِّ»، وحديث الصُّنابِحي وهو في «الموطأ» ولفظه: «ثُمَّ إِذَا اسْتَوَتْ فارَقهَا فَإِذَا زَالَتْ قارَنهَا»، وَفِي آخِرِهِ: «وَنَهَى رَسُولِ اللهِ ﷺ عَنِ الصَّلاة فِي تِلْكَ السَّاعَة»، وهو حديث مرسل مع قوَّة رجاله، وفي الباب أحاديث أُخر ضعيفة، وبقضية هذه الزيادة قال عُمَر بن الخطَّاب: منهي عن الصَّلاة","vol":"1","page":107},{"text":"نصف النَّهار، وعن ابن مسعود قال: كنا نُنهى عن ذلك، وعن أبي سعيد المَقْبُرِيّ قال: أدركت النَّاس وهم يتَّقون ذلك، وهو مذهب الأئمَّة الثلاثة والجمهور، وخالف مالك فقال: ما أدركت أهل الفضل إلَّا وهم يجتهدون ويصلُّون نصف النَّهار، قال ابن عبد البرِّ: وقد روى مالك حديث الصُّنابِحي، فإما إنَّه لم يصحَّ عنده، وإمَّا أنَّه ردَّه بالعمل الذي ذكره. انتهى. وقد استثنى الشَّافعي ﵁ ومن وافقه كأبي يوسف من ذلك يوم الجمعة، أي خاصَّة، لأنَّ جهنَّم لا تسجر فيه، وفيه حديث لأبي داود أن جهنَّم تسجر فيه إلَّا يوم الجمعة، وفيه انقطاع واستثنى مكحول المسافر، قال شيخنا: وحجَّة الشَّافعي ومن وافقه أنَّه ﷺ ندب النَّاس إلى التبكير يوم الجمعة ورغَّب في الصَّلاة إلى خروج الإمام كما سيأتي في بابه، وجعل الغاية خروج الإمام وهو لا يخرج إلَّا بعد الزوال، فدلَّ على عدم الكراهة، وجاء فيه حديث عن أبي قَتَادَة مرفوعًا أنَّه ﵇ كره الصَّلاة نصف النَّهار إلَّا يوم الجمعة، في إسناده انقطاع، وقد ذكر له البَيْهَقي شواهد ضعيفة، إذا ضُمَتْ قَوِيَ الخَبَرُ، والله أعلم. انتهى.\nقال العَيني: وكانت الصحابة يتنفلون يوم الجمعة في المسجد حتَّى يخرج عُمَر ﵁، وكان لا يخرج حتَّى تزول الشمس، وروى ابن أبي شَيْبَة عن مَسْروق إنَّه كان يصلِّي نصف النَّهار، فقيل له: إن الصَّلاة في هذه السَّاعة تُكره، فقال: ولمَ؟ قال: قالوا: إنَّ أبواب جهنَّم تُفتح نصف النَّهار، فقال: الصَّلاة أحقُّ ما أستعيذ به من جهنَّم حين تفتح أبوابها. انتهى.\nقال شيخنا: فرَّق بعضهم بين حكمة النَّهي عن الصَّلاة بعد الصُّبح والعصر، وعن الصَّلاة عند طلوع الشَّمس وعند غروبها فقال: يكره في الحالتين الأوليتين، ويحرم في الحالتين الأخيرتين، وممن قال بذلك: محمَّد بن سيرين ومحمَّد بن حريث الطبري، واحتجَّ بما ثبت عنه ﷺ إنَّه صلَّى بعد العصر، فدلَّ على أنَّه لا يحرم، وكأنَّه حمل فعله على بيان الجواز، وسيأتي ما فيه في الباب الذي بعده، وروي عن ابن عُمَر تحريم الصَّلاة بعد الصبح، حتَّى تطلع الشَّمس، وأباحها بعد العصر حتَّى تصفرَّ، وبه قال ابن حزم واحتجَّ بحديث علي إنَّه ﷺ نهى عن الصَّلاة بعد العصر إلَّا والشَّمس مرتفعة، رواه أبو داود بإسناد صحيح قوي، والمشهور إطلاق الكراهة في الجميع، فقيل: هي كراهة تحريم، وقيل: كراهة تنزيه، وقوله: (رواه عُمَر) ... إلى آخره، يريد أنَّ أحاديث هؤلاء الأربعة وهي الَّتي قُدِّمَ إيرادها في البابين السابقين، ليس فيها تعرُّض للاستواء، لكن لمن قال به أن يقول إنَّه زيادة من حافظ ثقة، فيجب قبولها. انتهى.\n\n٥٨٩ - <span id=\"b-١٤٦\"> </span>قوله: (حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ) أي محمَّد بن الفضل السَّدُوسي، ترجمته في باب قول النَّبِيِّ ﷺ","vol":"1","page":107},{"text":"الدين النصيحة.\nقوله: (حَدَّثَنَا حمَّاد بنُ زَيْدٍ) وفي بعض النُّسخ: «حمَّاد» غير منسوب، ترجمته في باب ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات: ٩].\nقوله: (عَنْ أَيُّوْبَ) أي كَيْسان السِّخْتِياني، ترجمته في باب حلاوة الإيمان.\nقوله: (عَنْ نَافِعٍ) أي مولى ابن عُمَر، ترجمته في باب العلم والفتيا في المسجد.\nقوله: (عَنِ ابنِ عُمَرَ) أي عبد الله، ترجمته في كتاب الإيمان.\nفي هذا الإسناد التَّحديث بصيغة الجمع في موضعين، وفيه العنعنة في ثلاثة مواضع، وفيه القول في موضعين، وفيه أنَّ رواته الثلاثة بصريون ونافع مدني، وفيه رواية المولى عن سيِّده.\nقوله: (قَالَ: أُصَلِّي كَما رَأيتُ أصْحَابي يُصَلُّونَ لَا أَنْهَى أحَدًا يصلِّي بِلَيْلٍ أو نَهَارٍ مَا شاءَ غَيْرَ أَنْ لَا تَحَرَّوا طُلُوعَ الشَّمس ولَا غُرُوبَهَا).\nمطابقته للترجمة في قوله: (غَيْرَ أَنْ لَا تَحَرَّوا...) إلى آخره، قال في «التوضيح»: غرض البخاري بهذا الباب ردُّ قول من منع الصَّلاة عند الاستواء، وهو ظاهر.\nقوله: (لَا أَمْنَعُ أَحَدًا يُصَلِّي بِلَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ) وقال العَيني: عدم منع ابن عُمَر عن الصَّلاة عام في جميع اللَّيل والنَّهار، غير إنَّه منع التحرِّي في هذين الوقتين. انتهى.\nقوله: (أُصَلِّي) زاد الإسماعيلي في أوَّله من وجهين عن حمَّاد بن زيد: (كانَ لا يصلِّي من أوَّل النَّهارِ حتَّى تزولَ الشَّمسُ، ويقول: أصلِّي...) إلى آخره.\nقوله: (أَصْحَابِي) قال الكِرْماني: فإن قلت: ما وجه الدلالة فيه؟ قلت: إمَّا تقرير رسول الله ﵇ أصحابه عليه إن أراد الرؤية في حياته ﵇، وإمَّا إجماعهم إن أراد بعد وفاته، إذ الإجماع لا يتصوَّر حجِّيته إلَّا بعد وفاته، وإلَّا فقوله وحده حجَّة قاطعة.\nقوله: (بِلَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ) ويُروى: «بليل ولا نهارٍ»، ويُروى: «بليلٍ ونهارٍ» بالواو فقط.\nقوله: (غَيْرَ أَنْ لَا تَحَرَّوا) أصله: أن لا تتحرَّوا، فحذفت إحدى التاءين، أي غير أن لا تقصدوا، وزاد عبد الرزَّاق في آخر هذا الحديث عن ابن جُرَيج عن نافع: «فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنْ ذَلكَ، وقال: إنَّه يَطلُعُ قَرنُ الشَّيطان مَعَ طُلُوعِ الشَّمسِ»، وقال الكِرْماني: فيه دليل لمالك حيث قال: لا بأس بالصلاة عند استواء الشَّمس؛ وقال الشَّافعي ﵁: الصَّلاة عند الاستواء مكروهة إلَّا يوم الجمعة، لما ثبت أنَّه ﵇ كره الصَّلاة نصف النَّهار، وعن الحسن وطاوس: مثله؛ والذين منعوا الصَّلاة عند الاستواء: عُمَر وابن مسعود والحكم؛ وقال الكوفيون: لا يصلَّى فيه فرض ولا نفل، واستثنى الشَّافعي وأبو يوسف يوم الجمعة خاصَّة لأنَّ جهنَّم لا تسجر فيه، وقد تقدَّم هذا اتفاقًا، قال شيخنا: قال بعض العلماء: المراد بحصر الكراهة في الأوقات الخمسة، إنَّما هو بالنسبة إلى الأوقات الأصلية، وإلا فقد ذكروا أنَّه يكره التنفُّل وقت إقامة الصَّلاة، ووقت صعود الإمام لخطبة الجمعة، في حالة الصَّلاة المكتوبة جماعة لمن يصلِّيها، وعند المالكيَّة كراهة التنفُّل بعد الجمعة حتَّى ينصرف النَّاس، وعند الحنفيَّة كراهة التنفُّل قبل صلاة المغرب، وسيأتي ثبوت الأمر به في هذا","vol":"1","page":108},{"text":"الجامع الصحيح. انتهى.\n\n <span id=\"b-١٤٧\"> </span>(٣٣) (بَابُ مَا يُصَلَّى بَعْدَ العَصْرِ مِنَ الفَوَائِتِ وَغَيْرِهَا) أي هذا باب في بيان الذي يُصَلَّى بعد العصر، و(يُصَلَّى) على صيغة المجهول، و(بَعْدَ العَصْرِ)، أي من بعد صلاة العصر، وكلمة (مِنَ) بيانيَّة.\nقوله: (وغيرها) في بعض النُّسخ: «ونحوها»، وقال الزَّين بن المنيِّر: السرُّ في قوله: «ونحوها» ليدخل فيه رواتب النوافل وغيرها؛ وقال أيضًا: ظاهر الترجمة إخراج النافلة المحضة الَّتي لا سبب لها. انتهى.\nقال العَيني: لا نسلِّم أنَّ قوله: (ونحوها) لدخول رواتب النَّفل، بل المراد من ذلك دخول مثل صلاة الجنازة إذا حضرت في ذلك الوقت، وسجدة التلاوة، والنَّهي الوارد في هذا الباب عام يتناول النَّوافل الَّتي لها سبب، والتي ليس لها سبب، وقد ذكرنا أن حديث عُقْبَة بن عامر يمنع الكلَّ.\nقوله: (وَقَال: كُرَيْبٌ) أي -بضمِّ الكاف- مولى ابن عبَّاس؛ ترجمته في باب التخفيف في الوضوء.\nقوله: (عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ) أي هند بنت أبي أميَّة بن المغيرة بن عبد الله بن عَمْرو بن مَخزُوم القُرَشيَّة المَخزُوميَّة، زوج النَّبِيِّ ﷺ؛ ترجمتها في باب العلم والعظة باللَّيل؛ وقد أعاد العَيني ترجمتها ههنا.\nقوله: (صلَّى النَّبِيُّ ﷺ بَعْدَ العَصْرِ رَكْعَتَيُنِ، وقال: شَغَلَنِي ناسٌ مِنْ عَبْد القَيْسِ عَنِ الرَّكْعَتَيْنِ بعْدَ الظُّهْرِ)، هذا التعليق أخرجه مسندًا في السَّهو في باب إذا تكلَّم وهو يصلِّي فأشار بيده، قبيل كتاب الجنائز؛ وفي وفد عبد القيس عن يحيى بن سُلَيمان عن ابن وَهْب عن عَمْرو بن الحارث عن بكير عن كُرَيب أنَّ ابن عبَّاس والمِسْوَر وعبد الرحمن بن أَزْهَر أرسلوه إلى عائشة؛ الحديث بطوله وفيه قال: (يَا بنتَ أبي أُميَّةَ، سَأَلتِ عَن الرَّكْعَتَيْنِ بعدَ العَصْرِ، وإنَّه أَتَانِي نَاسٌ مِنْ عَبْدِ القَيْسِ فَشَغَلُونِيْ عَنِ الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ بَعدَ الظّهْرِ، فَهُمَا هَاتَانِ)، وعند مسلم: «نَاسٌ مِنْ عبدِ القَيْسِ بِالإِسْلَامِ من قَومِهِمْ»، وعند البَيْهَقي: «قَدِمَ عَليَّ وَفدُ بَنِي تَمِيمٍ أَو صَدَقَةٍ شَغَلُونِيْ عَنْهُمَا، هما هَاتَانِ الرَّكعَتَانِ».\nقوله: (بَعْدَ الظّهْرِ) صفة رَكْعَتَيْنِ أي المندوبتين بعد الظّهْر؛ قَالَ الكِرْماني: وَهَذَا دليل الشَّافعي فِي جَوَاز صَلَاة لَهَا سَبَب بعد العَصْر بِلَا كَرَاهَة؛ قال العَيني: هَذَا لَا يصلح أَن يكون دليلًا، لِأَنَّ صلَاته ﵇ هَذِه كَانَت من خَصَائِصه كَمَا ذكرنَا، فَلَا يكون حجَّة لذلك. انتهى.\nقلت: قال البَيْهَقي: الذي اختصَّ به المداومة على ذلك لا أصل القضاء، وأمَّا [ما] (^١) روي عن ذكوان عن أمِّ سلمة في هذه القصَّة إنَّها قالت: «فقلتُ يا رسولَ اللهِ أنقضيهما إذا فاتتنا؟ قالَ: لا» فهي رواية ضعيفة لا تقوم بها حجَّة. انتهى.\n\n٥٩٠ - <span id=\"b-١٤٨\"> </span>قوله: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) أي الفضل بن دُكَيْن، ترجمته في باب فضل من استبرأ لدينه في كتاب الإيمان.\nقوله: (قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ بنُ أَيْمَنَ) أي بفتح الهمزة، تقدَّم أي في باب الاستعانة بالنجَّار والصنَّاع في أعواد المنبر.\nقوله: (قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي) أي أيمن الحبشي مولى ابن أبي عَمْرو المخزومي القُرَشي المكِّي، ترجمته في الباب أيضًا.\nقوله: (أَنَّهُ سَمِعَ عَائِشَةَ) أي أم\n_________\n(^١) لم: ليس في الأصل، وأضيفت لتمام المعنى من فتح الباري.","vol":"1","page":108},{"text":"المؤمنين ﵂، ترجمتها في بدء الوحي.\nفي هذا الإسناد التَّحديث بصيغة الجمع في موضعين، وبصيغة الإفراد في موضع، وفيه السماع، وفيه القول في ثلاثة مواضع؛ وفيه أن أيمن من أفراد البخاري، وفيه أن رُواته ما بين كوفي ومكِّي.\nقوله: (قَالَتْ: والَّذِي ذَهَبَ بِهِ مَا تَرَكَهُمَا حتَّى لَقِيَ الله، وَمَا لَقِيَ الله حتَّى ثَقُلَ عنِ الصَّلاة، وكَانَ يصلِّي كَثِيرًا مِنْ صَلَاتِهِ قاعِدًا، يَعْنِي الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ العَصْرِ، وكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّيهِمَا ولَا يُصَلِّيهِمَا فِي المَسْجِدِ مَخَافَةَ أنْ يُثَقِّلَ عَلَى أُمَّتِهِ، وكَانَ يُحِبُّ مَا يُخَفِّفُ عَنْهُمْ)؛ مطابقته للترجمة ظاهرة.\nذكر اختلاف الألفاظ في هذا الحديث وفي لفظ للبخاري: (مَا ترك السَّجْدَتَيْنِ بعد العَصْر عِنْدِي قطّ)، وفي لفظ: (رَكْعَتَانِ لم يكن يدعهما سرًا وَلَا عَلَانيَة: رَكْعَتَانِ قبل الصُّبْح، وركعتان بعد الْعَصْر)، وَفِي لفظ: (مَا كَانَ يأتيني فِي يَوْم بعد العَصْر إلَّا صلَّى رَكْعَتَيْنِ)، وَعند مُسلم: «كَانَ يُصَلِّيهمَا قبل العَصْرِ ثمَّ إنَّه شغل عَنْهُمَا أَو نسيهما فصلَّاهما بعد العَصْر، ثمَّ أثبتهما؛ وكَانَ إِذا صلَّى صَلَاةً أثبتها»، وَعند الدَّارَقُطْني: «كَانَ لَا يدع رَكْعَتَيْنِ قبل الفجْر وَرَكْعَتَيْنِ بعد الْعَصْر»، وَفِي لفظ: «دَخَلَ عَلَيْهَا بَعدَ العَصْرِ فصلَّى رَكْعَتَيْنِ، فَقلت: يَا رَسُول اللهِ أحدث بِالنَّاسِ شَيْء؟ فقالَ: لَا، إلَّا أَن بِلَالًا عَجَّلَ الْإِقَامَة فَلم أصلِ الرَّكْعَتَيْنِ قبل الْعَصْرِ فَأَنا أقضيهما الآن؛ قلت: يَا رَسُول الله! أفنقضيهما إِذا فاتتا؟ قَالَ: لَا»؛ وقد تقدَّم آنفًا أن هذا حديث ضعيف، قال شيخنا: أخرجه الطَّحاوي واحتجَّ بها على أن ذلك كان من خصائصه ﷺ وفيه ما فيه وَفِي لفظ: «كَانَ يصلِّي الرَّكْعَتَيْنِ بعد العَصْر وَينْهى عَنْهُمَا»، وَفِي لفظ: «وَلم أره عَاد لَهما»، وَفي لَفظ محمَّد بن عَمْرو بن عَطاء عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي سُفْيَان: أَن مُعَاوِيَة أرسل إِلَيْهَا يسْأَلهَا عَن هَاتين الرَّكْعَتَيْنِ، فَقَالَت: لَيْسَ عِنْدِي صَلَّاهُمَا، وَلَكِنَّ أمَّ سَلمَةَ حَدَّثتنِي، فَذكره.\nقوله: «والَّذِي ذَهَبَ بِهِ»، وفي رواية الإسماعيلي والبَيْهَقي: «والذي ذَهَبَ بنفسِهِ»، أي برسول الله ﷺ، حلفت عائشة بالله على أنَّ رسول الله ﷺ ما ترك الركعتين بعد العصر حتَّى مات.\nقوله: (ثَقُلَ) بضمِّ القاف.\nقوله: (قَاعِدًا) نصب على الحال.\nقوله: (مَخَافَةَ) نصب على التعليل أي لأجل المخافة، وهو مصدر ميمي بمعنى: الخوف. وكلمة: (أَنْ) في: (أَنْ يُثقِّلَ) مصدريَّة أي مخافة التثقيل على أمَّته، و(يُثقِّلَ)، بضمِّ الياء وتشديد القاف المكسورة من التثقيل، ويروى بفتح الياء وضمِّ القاف.\nقول: (مَا يُخَفِّفُ عَنْهُمْ)، أي عن أمَّته، و(يُخفِّفُ) [بضمِّ الياء] (^١) وكسر الفاء المشددة من التخفيف، هذه رواية المُسْتَمْلي، وغيره روى: ما خفَّف، بصيغة الماضي؛ وسيأتي الكلام على ذلك في أعلام النُّبوَّة إن شاء الله تعالى.\nقالوا: احتجَّ بهذا الأحاديث من أجاز التنفُّل بعد العصر مطلقًا ما لم يقصد الصَّلاة عند غروب الشمس، وأورده البخاري في قضاء الفائتة بعد العصر، ولهذا ترجم عليه به، قال العَيني: ونحن نقول أي الحنفيَّة كما قلنا غير مرة: إن هذا كان من خصائصه ﵇، ومن الدليل عليه ما رواه أبو داود من حديث ذكوان مولى عائشة أنَّها حدَّثته أنَّه ﵇: «كَانَ يصلِّي بعد العَصْر وَينْهى عَنْهَا، ويواصل وَيُنْهِي عَن الوِصَال»، وروى التِّرْمِذي من طريق جرير عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جُبَير عن ابن عبَّاس قال: «إِنَّمَا صلَّى النَّبِيُّ ﷺ الرَّكْعَتَيْنِ بعد العَصْرِ لأنَّه أَتَاهُ مَالٌ فَشَغلهُ عَن الرَّكْعَتَيْنِ بعد الظّهْر فصلَّاهما بعد العَصْرِ، ثمَّ لم يَعدْ»، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيث حسن. قال شيخنا: هو من رواية جرير عن عطاء، وقد سمع منه\n_________\n(^١) ليس في الأصل، وأضيفت لتمام المعنى من عمدة القاري.","vol":"1","page":109},{"text":"بعد اختلاطه، وإن صحَّ فهو شاهد لحديث أمِّ سلمة لكن ظاهر قوله: (ثمَّ لم يعد)، معارض لحديث عائشة المذكور في هذا الباب، فيحمل النَّفي على علم الرَّاوي فإنَّه لم يطلِّع على ذلك، والمثبت يقدَّم على النافي، وكذا ما رواه النَّسائي من طريق أبي سلمة عن أمِّ سلمة: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ صلَّى فِي بَيْتِهَا بَعْدَ العَصْرِ رَكْعَتَيْنِ مرةً وَاحِدَةً» الحديث، وفي رواية له عنها: «لم أره يصلِّيها قبل ولا بعد»، فيجمع بين الحديثين بأنَّه ﵇ لم يكن يصلِّيهما إلَّا في بيته، فلذلك لم يرَه ابن عبَّاس ولا أمُّ سلمة، ويشير إلى ذلك قول عائشة في الرواية الأولى، وكان لا يصلِّيهما في المسجد مخافة أن يُثقل على أمَّته، قَالَ: وَقد روي عن غير وَاحِد: «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: إنَّه صلَّى بَعدَ العَصْرِ رَكْعَتَيْنِ»، وَهَذَا خلاف مَا رُوِيَ أَنه نهى عَن الصَّلاة بعد العَصْر حتَّى تغرب الشَّمْس، وحديث ابن عبَّاس أصحُّ، حَيْثُ قَالَ: لم يعد لَهما.\nقال شيخنا: وقد تقدَّم نقل المذاهب في ذلك، وأجاب عنه من أطلق الكراهة بأنَّ فعله هذا يدلُّ على جواز استدراك ما فات من الرواتب من غير كراهة، وأمَّا مواظبته ﵇ على ذلك فهو من خصائصه، والدليل عليه رواية ذكوان مولى عائشة أي المتقدِّمة، قال شيخنا أيضًا قوله: (أنَّهُ سَمِعَ عَائِشَةَ...) إلى آخره، وللإسماعيلي من طريق أبي زُرْعَة عن أبي نُعَيم شيخ البخاري فيه: إنَّه دخل عليها فسألها عن ركعتين بعد العصر، فقالت: والذي ذهب بنفسه يعني رسول الله ﷺ، وزاد فيه أيضًا فقال لها أيمن: أنَّ عُمَر كان ينهى عنهما ويضرب عليهما، فقالت: صدقت، ولكن كان رسول الله ﷺ يصلِّيهما فذكره؛ والخبر بذلك عن عُمَر أيضًا ثابت في رواية كُرَيب عن أمِّ سلمة؛ الَّتي ذكرنا أنَّها في باب اذا كلَّم وهو يصلِّي؛ ففي أوَّل الخبر عن كُرَيب: أنَّ ابن عبَّاس والمِسْوَر بن مَخرَمَة وعبد الرحمن بن أَزْهَر أرسلوه إلى عائشة فقال: «اقرأْ ﵍ منَّا جميعًا، وسلْها عنِ الركعتينِ بعدَ صلاةِ العصرِ، وقلْ لها أُخبرنا أنَّكِ تصلِّيهما، وقدْ بلغَنا أنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عنهما»، وقال ابن عبَّاس: وقدْ كنتُ أضربُ النَّاس معَ عُمَر عليها الحديث.\nتنبيه: روى عبد الرزَّاق من حديث زيد بن خالد: سبب ضرب عُمَر النَّاس على ذلك، فقال عن زيد بن خالد: أنَّ عُمَر رآه وهو خليفة ركع بعد العصر فضربه، فذكر الحديث، وفيه فقال عمر: يا زيد لولا أنَّي أخشى أن يتخذها النَّاس سُلَّمًا إلى الصَّلاة حتَّى اللَّيل لم أضرب فيهما، فلعلَّ عُمَر كان يرى أن النَّهي عن الصَّلاة بعد العصر إنَّما هو خشية إيقاع الصَّلاة عند غروب الشَّمس، وهو موافق قول ابن عُمَر الماضي، وما نقلناه عن ابن المنذر وغيره، وقد روى يحيى بن بكير عن اللَّيث عن أبي الأسود عن عُرْوَة عن تميم الدَّاري نحو رواية زيد بن خالد وجواب عُمَر له وفيه: ولكني أخاف أن يأتي بعدكم قوم يصلُّون ما بين العصر إلى الغروب، حتَّى يمرُّوا بالسَّاعة الَّتي نهى رسول الله ﷺ أن يصلَّى فيها، وهذا أيضًا يدلُّ لما قلناه والله أعلم.\n\n٥٩١ - <span id=\"b-١٤٩\"> </span>قوله: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) أي","vol":"1","page":109},{"text":"ابن مُسَرْهَد، ترجمته في باب من الإيمان أن يحبَّ.\nقوله: (قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى) أي ابن سعيد القطَّان، ترجمته في الباب أيضًا.\nقوله: (قَالَ حَدَّثَنَا هشام) أي ابن عُرْوَة بن الزُّبَيْر، ترجمته في بدء الوحي.\nقوله: (قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي) أي عُرْوَة بن الزُّبَيْر بن العوَّام، ترجمته في البدء أيضًا.\nقوله: (قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ) أي أمُّ المؤمنين ﵂، ترجمتها فيه أيضًا.\nفي هذا الإسناد التَّحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع، وفيه القول في ثلاثة مواضع، وفيه الإِخبار بصيغة الإفراد في موضع واحد.\nقوله: (ابنَ أُخْتِي: مَا تَرَكَ رسولُ اللهِ ﷺ السَّجْدَتَينِ بَعْدَ العَصْرِ عِنْدِي).\nمطابقته للترجمة ظاهرة، والحديث أخرجه النَّسائي أيضًا في الصَّلاة عن أبي قدامة عبيد بن سعيد عن يحيى القطَّان.\nقوله: (ابنَ أُخْتِي) حذف حرف النِّداء منه، يعني: يا ابن أختي، وأثبته الإسماعيلي في روايته؛ وهو عُرْوَة، لأنَّ أمَّ عُرْوَة أسماء بنت أبي بكر الصِّدِّيق ﵂.\nقوله: (السَّجْدَتَيْنِ) يعني: الركعتين، من باب إطلاق اسم الجزء على الكلِّ.\n\n٥٩٢ - <span id=\"b-١٥٠\"> </span>قوله: (حَدَّثَنَا مُوْسَى بنُ إِسْمَاعِيْلَ) أي المِنقَري؛ ترجمته في بدء الوحي.\nقوله: (قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ) أي ابن زياد، ترجمته في باب الجهاد من الإيمان.\nقوله: (قَالَ حَدَّثَنَا الشَّيْبَانِيُّ) أي سُلَيمان بن أبي سُلَيمان؛ ترجمته في باب مباشرة الحائض.\nقوله: (قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ الأَسْوَدِ) أي أبو حَفْص النَّخَعي، ترجمته في باب لا يستنجى بروث.\nقوله: (عَنْ أَبِيْهِ) أي الأسود بن يزيد النَّخَعي الكوفي، ترجمته في باب من ترك بعض الاختيار في كتاب العلم.\nقوله: (عَنْ عَائِشَةَ) أي أمُّ المؤمنين ﵂.\nفي هذا الإسناد التَّحديث بصيغة الجمع في أربعة مواضع، وفيه القول في أربعة مواضع، وفيه العنعنة في موضعين.\nقوله: (قالت: رَكْعَتَانِ لَمْ يَكُنْ رسُولُ اللهِ ﷺ يَدَعُهُمَا سِرًّا وَلَا عَلَانِيَّةً رَكْعَتَانِ قَبْلَ صَلَاة الصُّبح ورَكْعَتَانِ بَعْدَ العَصْرِ) هذا طريق آخر، وأخرجه مسلم في الصَّلاة أيضًا عن أبي بكر بن أبي شَيْبَة وعلي بن حجر كلاهما عن علي بن مُسْهِر كلاهما عن الشَّيباني، وأخرجه النَّسائي فيه عن علي بن حجر به.\nقوله: (رَكْعَتَانِ) أي صلاتان، لأنَّه فسَّرها بأربع ركعات، وهو من باب إطلاق الجزء وإرادة الكلِّ؛ أو: هو من باب الإضمار، أي وكذا ركعتان بعد العصر، والوجهان جائزان بلا تفاوت، لأن المجاز والإضمار متساويان؛ أو المراد بالركعتين جنس الركعتين الشامل للقليل والكثير.\nقوله: (لَمْ يَكُنْ يَدَعُهُمَا فِي بَيْتِي) قال الصرفيُّون: لم يستعمل: ليدع ماض، وكذا: ليذر، وأورد عليهم قراءة: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [الضحى: ٣] بالتخفيف. قال شيخنا: فهمت عائشة ﵂ من مواظبته ﵇ على الركعتين بعد العصر، أن نهيه عن الصَّلاة بعد العصر حتَّى تغرب الشَّمس مختصٌّ بمن قصد الصَّلاة عند غروب الشَّمس لا إطلاقه، فلهذا قالت ما تقدَّم نقله عنها، وكانت تتنفَّل بعد العصر، وقد أخرج المصنِّف في الحجِّ من طريق عبد العزيز بن رفيع قال: «رأيت ابن الزُّبَيْر يصلِّي ركعتين بعد العصر، ويخبر أن عائشة حدَّثته: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ: لم يدخل بيتها إلَّا صلَّاهما، وكأنَّ ابن الزُّبَيْر فهمِ منْ ذلكَ ما فهمته خالته عائشة» والله أعلم.\nوقد روى النَّسائي أنَّ معاوية سأل ابن الزُّبَيْر عن ذلك،","vol":"1","page":110},{"text":"فردَّ الحديث إلى أمِّ سلمة، فذكرت أمُّ سلمة قصَّة الركعتين، حيث شُغل عنهما، فرجع الأمر إلى ما تقدَّم.\n\n٥٩٣ - <span id=\"b-١٥١\"> </span>قوله: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ عَرْعَرَةَ) أي بالمهملتين، ترجمته في باب خوف المؤمن أن يحبط عمله في كتاب الإيمان.\nقوله: (قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) أي ابن الحجَّاج، ترجمته في باب يتلو باب أمور الإيمان.\nقوله: (عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) أي عمرو، وربَّما يلبس على القارئ تمييز هذا عن أبي إِسْحاق المذكور في السند السابق، فإن هذا أبو إِسْحاق السَّبيعي وذاك أبو إِسْحاق الشَّيباني؛ وترجمته في باب الصَّلاة من الإيمان.\nقوله: (قَالَ: رَأَيْتُ الأَسْوَدَ) أي ابن يزيد المذكور في السند السابق.\nقوله: (وَمَسْرُوْقًا) أي ابن الأجدع، ترجمته في باب علامات المنافق في كتاب الإيمان، وزيد في ترجمته في باب التيمُّن في الوضوء.\nقوله: (شَهِدَا عَلَى عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: مَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَأْتِينِي فِي يَوْمٍ بَعْدَ العَصْرِ إلَّا صلَّى رَكْعَتَيْنِ)، هذا طريق آخر، وأخرجه أيضًا مسلم في الصَّلاة عن محمَّد بن مثنَّى ومحمَّد بن بشَّار، كلاهما عن غُنْدَر؛ وأبو داود أيضًا عن حَفْص بن عُمَر؛ والنَّسائي أيضًا عن إسماعيل بن مسعود عن خالد بن الحارث أربعتهم عن شُعْبَة به.\nقوله: (إلَّا صَلَّى) أي بعد الإتيان، وهو الاستثناء، أي ما كان يأتيني بوجه أو حاله إلَّا بهذا الوجه أو بهذه الحالة.\nوقال الكِرْماني: فإن قلت: ما وجه الجمع بين هذه الأحاديث وما تقدَّم أنَّه ﵇ نهى عن الصَّلاة بعد صلاة العصر؟\nقلت: أجيب عنه بأنَّ النَّهي كان في صلاة لا سبب لها، وصلاة رسول الله ﷺ كانت بسبب قضاء فائتة الظهر، وبأن النَّهي هو فيما يتحرَّى فيها، وفعله كان بدون التحرِّي؛ وبأنَّه كان من خصائصه، وبأنَّ النَّهي كان للكراهة فأراد ﵇ بيان ذلك ودفع وهم التحريم، وبأنَّ العلَّة في النَّهي هو التشبيه بعبدة الشَّمس، والرسول منزَّه عن التشبيه بهم. وبأنَّه ﵇ لما قضى فائتة ذلك اليوم وكأنَّ في فواته نوع تقصير واظب عليها مدَّة عمره جبرًا لما وَقَعَ منه؛ والكلُّ باطل.\nأمَّا أوَّلًا: فلأن الفوات كان في يوم واحد، وهو يوم اشتغاله بعبد القيس، وصلاته بعد العصر كانت مستمرَّة دائمًا.\nوأمَّا ثانيًا: فلأن رسول الله ﷺ كان يداوم عليها، ويقصد أداءها كلَّ يوم، وهو معنى التحرِّي.\nوأمَّا ثالثًا: فلأن الأصل عدم الاختصاص ووجوب متابعته ﵇ لقوله تعالى: ﴿فَاتَّبِعُوهُ﴾ [الأنعام: ١٥٣].\nوأمَّا رابعًا: فإن بيان الجواز يحصل بمرَّة واحدة، ولا يحتاج في دفع وهم الحرمة إلى المداومة عليها.\nوأمَّا خامسًا: فلأنَّ العلَّة في كراهة صلاة بعد فرض العصر ليس للتشبُّه بهم، بل هي العلَّة لكراهة الصَّلاة عند الغروب فقط.\nوأمَّا سادسًا: فلأنَّا لا نسلِّم أنَّه كان تقصيرًا، لأنَّه كان مشتغلًا في ذلك الوقت بما هو أهم، وهو إرشادهم إلى الحقِّ؛ أو لأنَّ الفوات كان بالنسيان، ثمَّ إنَّ الجبر يحصل بقضائه مرَّة واحدة على ما هو حكم أبواب القضاء في جميع العبادات؛ بل الجواب الصحيح أنَّ النَّهي قول، وصلاته فعل، والقول والفعل إذا تعارضا يقدَّم القول ويعمل به. انتهى.\nقال العَيني: قول الكِرْماني والكلُّ باطل لا يمشي في الكلِّ، بل فيه شيءٌ موجَّهٌ،","vol":"1","page":110},{"text":"وشيءٌ غير موجَّهٍ، وكذلك في كلامه ودعواه ببطلان الكلِّ؛ أما الذي هو غير موجَّه فهو قوله: أنَّ النَّهي كان في صلاة لا سبب لها وهذا غير صحيح، لأنَّ النَّهي عام وتخصيصه بالصلاة الَّتي لا سبب لها تخصيص بلا مخصص وهذا باطل، وقد استقصينا الكلام فيه فيما مضى.\nوأمَّا الذي هو غير موجَّه من كلام الكِرْماني فهو قوله: لأنَّ الأصل عدم الاختصاص وهذا غير صحيح على إطلاقه، لأنَّه إذا قام الدليل على الاختصاص فلا يُنكر، وههنا قد قامت دلَّائل من الأحاديث وأفعال الصحابة في أنَّ هذا الذي صلَّى ﵇ بعد العصر كان من خصائصه، وقد ذكرناها فيما مضى.\nوقول الكِرْماني وصلاته ﵇ بعد العصر كانت مستمرة، يردُّه دعواه عدم التخصيص، إذ لو لم يكن من خصائصه لأمر بقضائها إذا فاتت، ولم يأمر ذلك، ألا ترى في حديث أمِّ سلمة المذكور قالت: (قُلْتُ يا رَسُوْلَ اللهِ أفنقضيهما إذا فاتَتَا؟ قَالَ: لا) فدلَّ ذلك على أن حكم غيره فيهما إذا كانتا خلاف حكمه، فليس لأحد أن يصلِّيهما بعد العصر، وههنا شيء آخر يلزمهم وهو أنَّه ﵇ يداوم عليهما، وهم لا يقولون به في الأصحِّ الأشهر، فإن عورضوا يقولون هذا من خصائص رسول الله ﷺ، ثمَّ في الاستدلال بالحديث يقولون الأصل عدم التخصيص، وهذا كما يقال فلان مثل الظليم، يستحمل عند الاستطارة، ويستطير عند الاستحمال.\nوقوله: ليس التشبُّه بهم غير صحيح فإنَّ حديث أبي أمامة على التشبُّه بهم، وهو الذي رواه مسلم وفيه: «فقلت يا رسول الله أخبرني عن الصَّلاة قال: صلِّ الصُّبح ثمَّ اقصرْ عَنِ الصَّلاة حِينَ تَطْلُعُ الشَّمس حتَّى ترْتَفعَ فَإِنَّهَا تَطْلُعُ بَينَ قَرْنَي الشَّيطان وَحِينَئِذٍ يَسْجُدُ لَهَا الكفَّارُ» الحديث؛ وفيه أيضًا: «فَإِنَّهَا تَغْرُبُ بَينَ قَرْنَي الشَّيْطَانِ»، والشارع أخبر بأنَّ الشَّيطان يحاذي الشَّمس بقرنيه عند الطلوع وعند الغروب، والكفار يسجدون لها حينئذ، فنهى الشَّارع عن الصَّلاة في هذين الوقتين حتَّى لا يكون المصلُّون فيهما كالساجدين لها، وقوله: والقول والفعل إذا تعارضا يقدم القول ليس على إطلاقه، فإنَّ أحدهما إذا كان حاظرًا والآخر مبيحًا يقدم الحاظر على المبيح سواء كان قولًا أو فعلًا فافهم. انتهى.\nقلت: وفيما قاله العَيني شيء غير موجه دعاه إليه الدفع عن مذهبه، وقد أجبنا عنه فيما تقدَّم، وهو أنَّ الاختصاص إنَّما هو المداومة لا أصل القضاء، وأنَّ الحديث المروي عن أم سلمة في النَّهي عن قضاء الركعتين إذا فاتتا ضعيف والله أعلم. انتهى.\n\n <span id=\"b-١٥٢\"> </span>(٣٤) (بَابُ التَّبْكِيْرِ فِي الصَّلاة فِي يَوْمِ غَيْمٍ) أي هذا باب في بيان التبكير أي المبادرة والإسراع إلى الصَّلاة في اليوم الذي فيه الغيم، خوفًا من وقوعها خارج الوقت.\n\n٥٩٤ - <span id=\"b-١٥٣\"> </span>قوله: (حَدَّثَنا مُعَاذُ بنُ فَضَالَةَ) أي بضمِّ الميم وفتح الفاء، ترجمته في باب النَّهي عن الاستنجاء باليمين.\nقوله: (قَالَ حَدَّثَنَا هِشَامٌ) أي المتقدِّم.\nقوله: (عَنْ يَحْيَى) هو ابن كثير، ترجمته في كتاب العلم.\nقوله: (عَنْ أَبِي قِلَابَةَ) أي بكسر القاف، هو عبد الله بن زيد الجَرميِّ، ترجمته في باب حلاوة الإيمان.","vol":"1","page":111},{"text":"قوله: (أَنَّ أَبَا المَلِيْحِ حَدَّثَهُ) أي عامر بن أسامة الهذلي، ترجمته في باب إثم من ترك العصر.\nقوله: (قَالَ: كُنَّا مَعَ بُرَيْدَةَ) أي بضمِّ الباء الموحَّدة، ابن الحُصَيب -بضمِّ الحاء المهملة وفتح الصَّاد المهملة- الأَسْلَمي، ترجمته في الباب أيضًا.\nفي هذا الإسناد التَّحديث بصيغة الجمع في موضعين وفيه العنعنة في موضعين وفيه القول في ثلاثة مواضع، وفيه التَّحديث بصيغة الإفراد من الماضي في موضع.\nقوله: (كُنَّا فِي يَوْمٍ ذِي غَيْمٍ فَقَالَ بِكِّرُوا بِالصَّلَاةِ فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: مَنْ تَرَكَ صَلَاةَ العَصْرِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ).\nهذا الحديث بعينه قد مرَّ في باب إثم من ترك العصر، غير أن هناك رواه عن مسلم بن إبراهيم عن هشام إلى آخره نحوه، وفيه لفظة زائدة، وهي: (كُنَّا مَعَ بُرَيْدَةَ فِي غَزْوَةٍ فِي يَوْمٍ ذِي غَيْمٍ)، وقد استقصينا الكلام فيه هناك، فإن قلت: الترجمة في التبكير في الصَّلاة المطلقة في يوم الغيم، والحديث لا يطابقها من وجهين: أحدهما: أنَّ المطابقة لقول بريدة لا للحديث. والثاني: أن المذكور في الحديث صلاة العصر، وفي الترجمة مطلق الصلاة.\nقال العَيني: دلَّت القرينة على أنَّ قول بُرَيدة: (بَكِّرُوا بِالصَّلَاةِ) كان في وقت دخول العصر في يوم غيم، فأمر بالتبكير حتَّى لا يفوتهم بخروج الوقت بتقصيرهم في ترك التبكير، وهذا الفعل كتركهم إيَّاها في استحقاق الوعيد، ويفهم إشارته أنَّ بقيَّة الصَّلوات كذلك، لأنَّها مستوية الإقدام في الفرضيَّة، فحينئذ يفهم التطابق بين الحديث والترجمة بطريق الإشارة لا بالتصريح. انتهى. وقال شيخنا: من عادة البخاري أن يترجم ببعض ما يشتمل عليه لفظ الحديث، ولو لم يوردها بل ولو لم يكن على شرطه فلا إيراد عليه. ورُوِّينا في سنن سعيد بن مَنْصور عن عبد العزيز بن رُفَيع قال: «بلغَنا أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ: عَجِّلُوا صَلَاةَ العَصْرِ فِي يَوْمِ الغَيْمِ» إسناده قوي مع إرساله؛ قال العَيني: ليس هنا ما يشتمل على الترجمة من لفظ الحديث ولا من بعضه، وكيف لا يورد عليه إذا ذكر ترجمة ولم يورد عليها شيئًا، ولا فائدة في ذكر الترجمة عند عدم الإيراد بشيء. انتهى. قال شيخنا: في هذا الكلام مع ما فيه من القلق غفلة عما أوردته من رواية الإسماعيلي أي المذكورة، وكان العَيني لغلبة محبَّة الاعتراض لا يتأملَّ جميع الكلام والله المستعان. انتهى.\nفإن قلت: ما فائدة ذكر بريدة الحديث الذي فيه العصر مع أنَّ غيره مثله؛ قال العَيني: كان أمره بالتبكير في وقت العصر كما ذكرنا وإلا فغيره مثله، وقد روى الأوزاعي من طريق أخرى عن يحيى بن أبي كثير بلفظ: «بَكِرُوا بِالصَّلَاةِ فِي يَوْم الغَيْم فَإِنَّهُ مَنْ تَرَكَ صَلَاةَ الفجْرِ حَبطَ عَمَلُهُ»؛ وأما فائدة تعيين العصر في الحديث فقد ذكرناه. انتهى.\nقال شيخنا: المراد بالتبكير المبادرة إلى الصَّلاة في أوَّل الوقت وأصل التبكير فعل الشيء بكرة، والبكرة أوَّل النَّهار، ثمَّ استعمل في فعل الشيء في أوَّل وقته، وقيل: المراد تعجيل العصر وجمعها مع الظهر، ورُوي ذلك عن عُمَر قال: (إِذَا كَانَ يَوْمُ غَيْمٍ فَأَخِّرُوا الظُّهْرَ وَعَجِّلُوا العَصْر). انتهى.\n\n <span id=\"b-١٥٤\"> </span>(٣٥) <span data-type=\"title\" id=toc-154>(بَابُ الأَذَانِ بَعْدَ ذَهَابِ الوَقْتِ)</span> أي هذا باب في بيان","vol":"1","page":111},{"text":"حُكم الأذان بعد خروج الوقت، وفي رواية المستملي: (بَابُ الأَذَانِ بَعْدَ الوَقْتِ)، وليس فيها لفظة (ذَهَابِ)، وهي مقدَّرة أيضًا، وهذه مسألة مختلف فيها على ما يجيء عن قريب إن شاء الله تعالى.\nقال ابن المنيِّر: إنَّما صرَّح المؤلِّف بالحكم على خلاف عادته في المختلف فيه لقوَّة الاستدلال من الخبر على الحكم المذكور.\n\n٥٩٥ - <span id=\"b-١٥٥\"> </span>قوله: (حَدَّثَنَا عِمْران بنُ مَيْسَرَةَ) أي ضدُّ الميمنة، تقدَّم في باب رفع العلم.\nقوله: (قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّد بنُ فُضَيْلٍ) أي بضمِّ الفاء وفتح الضاد المعجمة، تقدَّم في باب صوم رمضان إيمانًا.\nقوله: (قَالَ حَدَّثَنَا حُصَيْنٌ) أي -بضمِّ الحاء وفتح الصاد المهملتين، وسكون الياء آخر الحروف وبالنون- ابن عبد الرحمن السلمي الكوفي، مات سنة ست وثلاثين ومائة.\nقوله: (عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ أَبِي قَتَادَةَ) تقدَّم في باب النَّهي عن الاستنجاء باليمين.\nقوله: (عَنْ أَبِيْهِ) أي أبو قَتَادَة الحارث بن رِبْعي بن بَلْدَمة الأنصاري ﵁، ترجمته في الباب أيضًا.\nفي هذا الإسناد التَّحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع، وفيه العنعنة في موضعين، وفيه القول في ثلاثة مواضع؛ وفيه أنَّ رواته ما بين كوفي ومدني؛ وفيه رواية الابن عن الأب، وفيه أنَّ شيخ البخاري من أفراده.\nقوله: (قَالَ: سِرْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ لَيْلَةً، فقالَ بَعْضُ القَوْمِ: لَوْ عَرَّسْتَ بِنَا يَا رسولَ الله، قَالَ: أخافُ أنْ تَنَامُوا عنِ الصَّلاة، قَالَ بِلَالٌ: أَنا أُوقِظُكُمْ، فاضْطَجَعُوا، وأسْنَدَ بِلالٌ ظِهْرَهُ إلى رَاحِلَتِهِ، فَغَلَبَتْهُ عَيْنَاهُ فَنَامَ؛ فاسْتَيْقَظَ رسولُ اللهِ ﷺ وقَدْ طَلَعَ حاجِبُ الشَّمس فَقَالَ: يَا بِلَالُ أين مَا قُلْتَ؟ قَالَ: مَا أُلْقِيَتْ عَلَيَّ نَوْمَةٌ مِثْلُهَا قَط! قالَ: إنَّ الله قَبَضَ أَرْوَاحَكُمْ حِين شاءَ وَرَدَّها عَلَيْكُمْ حِينَ شاءَ يَا بِلَالُ قُمْ فَأَذِّنْ بِالنَّاسِ بِالصَّلَاةِ فَتَوَضَّأَ، فَلَمَّا ارْتَفَعَتِ الشَّمس وابْيَاضَّتْ قامَ فَصَلَّى).\nمطابقته للترجمة في قوله: (يَا بِلَالُ قُمْ فَأَذِّنْ) هذا الحديث أخرجه البخاري أيضًا في التوحيد عن محمَّد بن سلَام عن هُشَيم؛ وأخرجه أبو داود في الصَّلاة عن عَمْرو بن عَوْن عن خالد بن عبد الله وعن هناد عن عَبْثَر بن القاسم؛ وأخرجه النَّسائي فيه عن هنَّاد به، وفي التفسير عن محمَّد بن كامل المَرْوَزي عن هشيم به.\nقوله: (سِرْنَا مَعَ النَّبِيِّ لَيْلَةً) من: سار يسير سيرًا، وفي رواية عِمْران بن حُصَين: «إنَّا أَسْرَينا»، ويروى: «سَرَينا»، وقد مضى الكلام فيه في باب الصَّعِيد الطَّيِّب وَضُوء المُسْلِمِ مستوفىً، وذكرنا أنَّ هذه الليلة في أي سفرة؛ قال شيخنا: كان ذلك في رجوعه من خيبر، كذا جزم به بعض الشرَّاح معتمدًا على ما وَقَعَ عند مسلم من حديث أبي هريرة، وفيه نظر لما بيَّنه في باب الصَّعِيد الطَّيِّب وَضُوء المُسْلِمِ من كتاب التيمم، ولأبي نعيم في «المستخرج» من هذا الوجه في أوَّله: «كنَّا مع النَّبِيِّ ﷺ وهو يسير بنا»، وزاد مسلم: من طريق عبد الله بن رباح عن أبي قَتَادَة في أوَّل الحديث قصَّة له في مسيره مع النَّبِيِّ ﷺ، وأنَّه ﷺ نعس حتَّى مال عن راحلته، وأنَّ أبا قَتَادَة دعمه ثلاث مرَّات، وأنَّ في الصخرة مال عن الطريق فنزل في سبعة أنفس، فوضع رأسه ثمَّ قال: احْفَظُوا عَلَيْنَا صَلاتَنَا، ولم يذكر ما وَقَعَ عند البخاري من قول","vol":"1","page":112},{"text":"بعض القوم: (لو عرَّسْتَ بِنَا)، ولا قول بلال: (أَنَا أُوْقِظُكُمْ)، ولم أقف على تسمية هذا السائل.\nقوله: (لَوْ عَرَّسْتَ بِنَا يَا رَسُوْلَ اللهِ) جواب: لو، محذوف تقديره: لكان أسهل علينا، أو هو للتمنِّي وعَرَّست - بتشديد الرَّاء - من التعريس، وهو نزول القوم في السَّفر آخر اللَّيل للاستراحة. قال شيخنا: والتعريس نزول المسافر لغير إقامة، وأصله نزول آخر الليل.\nقوله: (أَنَا أَوْقِظُكُمْ) وفي رواية مسلم في حديث أبي هريرة: «فمَنْ يوقظُنَا؟ قالَ بلالٌ: أَنا».\nقوله: (فَاضْطَجَعُوا) قال العَيني: يجوز أن يكون بصيغة الماضي، ويجوز أن يكون بصيغة الأمر.\nقوله: (إِلَى رَاحِلَتِهِ) أي إلى مركبه.\nقوله: (فَغَلَبَتْهُ عَيْنَاهُ) أي عينا بلال، وفي رواية السَّرَخْسي: «فغلبَتْ» بغير ضمير.\nقوله: (فَنَامَ) أي بلال.\nقوله: (فَاسْتَيْقَظَ النَّبِيُّ ﷺ وَقَدْ طَلَعَ حَاجِبُ الشَّمْسِ) أي طرفها، وحواجب الشَّمس نواحيها؛ وفي رواية مسلم: «فكانَ أوَّلُ مَنِ استيقظَ النَّبِيُّ ﷺ والشمسُ في ظهرِهِ».\nقوله: (أَيْنَ مَا قُلْتَ؟) يعني: أين الوفاء بقولك أنا أوقظكم؟.\nقوله: (مَا أُلْقِيَتْ) على صيغة المجهول.\nوقوله: (نَوْمَةٌ) مفعول ناب عن الفاعل.\nقوله: (مِثْلُهَا) أي مثل هذه النومة الَّتي كانت في هذا الوقت، ومثل لا يتعرف بالإضافة، ولهذا وَقَعَ صفة للنكرة.\nقوله: (إِنَّ اللهَ قَبَضَ أَرْوَاحَكُمْ) زاد مسلم إلَّا أنَّه ليس في النوم.\nتقريظ الحديث، الأرواح: جمع روح يذَّكر ويؤنَّث، وهو: جوهر لطيف نوراني يكدره الغذاء والأشياء الرديئة الدنية، مدرك للجزئيَّات والكلِّيَّات، حاصل في البدن متصرِّف فيه غنى عن الاغتذاء، بريء عن التحلل والنماء، ولهذا يبقى بعد فناء البدن إذ ليست له حاجة إلى البدن، ومثل هذا الجوهر لا يكون من عالم العنصر، بل من عالم الملكوت، فمن شأنه أن لا يضرُّه خلل البدن ويلتذُّ بما يُلائمه ويتألَّم بما يُنافيه، والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ﴾ [آل عمران: ١٦٩] الآية، وقوله ﵇: (إِذَا وُضِعَ المَيِّتُ عَلَى نَعْشِهِ رَفْرَفَ رُوحُهُ فَوقَ َنعْشِهِ، وَيَقُول: يَا أَهلِيْ وَيَا وَلَّدِيْ) فإن قلت: كيف يُفَسِّرُ الرُّوحَ وقد قال يقال: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء: ٨٥]، قال العَيني: معناه من الإبداعات الكائنة: بكن من غير مادة وتولد من أصل، على السؤال كان من قدمه وحدوثه، وليس فيه ما ينافي جواز تفسيره. انتهى. قلت: وَقَعَ الاختلاف في أنَّه هل وَقَعَ جواب؟ فما قاله العَيني: هو على قول من قال وَقَعَ الجواب، وقد أشبعت الكلام على الروح في كتابي المسمَّى بـ «السراج الوهَّاج في حقائق المعراج» عند الكلام على لقيه لأرواح الأنبياء ﵈. انتهى. فإن قلت: إذا قبض الروح يكون الشخص ميتًا، لكنَّه نائم لا ميت؟ قالوا: المعنى من قبض الروح هنا قطع تعلُّقه عن ظاهر البدن فقط، والموت قطع تعلُّقه بالبدن ظاهرًا وباطنًا، فمعنى قوله: (إنَّ اللهَ قَبَضَ أرواحَكُمْ)، مثل قوله تعالى: ﴿اللهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ","vol":"1","page":112},{"text":"مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ [الزمر: ٤٢].\nقوله: (حِيْنَ شَاءَ) في الموضعين ليس لوقت واحد، فإنَّ نومَ القوم لا يتفق غالبًا في وقت واحد، بل يتتابعون فيكون حين الأولى جزأ من أحيان متعددة.\nقوله: (قُمْ فَأَذِّنْ بِالنَّاسِ بالصَّلَاةِ) قال شيخنا: كذا هو بتشديد ذال أذِّن بالموحدة فيهما، والكُشْمِيهَني: &lt;فآذن&gt; بالمد وحذف الموحدة من النَّاس، وآذن معناه أعلم، وسيأتي ما فيه بعد. انتهى.\nقوله: (فَتَوَضَّأَ) أي النَّبِيُّ ﷺ، زاد أبو نُعَيم في «المستخرج»: «فتوضأَ الناسُ».\nقوله: (فَلَمَّا ارْتَفَعَتِ) وفي رواية المصنِّف في التوحيد من طريق هشيم عن حصين فقضوا حوائجهم، فتوضؤوا إلى أن طلعت الشمس، وهو أبين سياقًا ونحوه، ولأبي داود من طريق خالد عن حصين ويستفاد منه أن تأخير الصَّلاة إلى أن طلعت الشَّمس وارتفعت، كان بسبب الشغل بقضاء حوائجهم لا لخروج وقت الكراهة.\nقوله: (وابياضَّت) على وزن افعالَّ بتشديد اللَّام، مثل احمارَّ وانهارَّ من الابيضاض وهذه الصيغة تدلُّ على المبالغة، يقال: ابيضَّ الشيء اذا صار ذا بياض، ثمَّ اذا أرادوا المبالغة يثقِّلوه إلى باب الإفعلال، فيقولون ابيياض، وكذلك احمرَّ واحمارّ، قال شيخنا: وقيل إنَّما يقال ذلك في كلِّ لون بين لونين فأمَّا الخالص من البياض فإنَّما يقال له أبيض. قال العَيني: هذا القول صادر ممن ليس له ذوق في علم الصرف، ولا اطِّلاع فيه. انتهى. قلت: شيخنا لم يقله بل ساقه بصيغة التضعيف. انتهى.\nقوله: (فَصَلَّى) زاد أبو داود بالنَّاس، وفي الحديث من الفوائد جواز التماس الأتباع ما يتعلَّق بمصالحهم الدنيوية وغيرها، لكن بصيغة العرض لا بصيغة الاعتراض، وأنَّ على الإمام أن يراعي المصالح الدينيَّة والاحتراز عما يحتمل فوات العبادة عن وقتها بسببه، وجواز التزام الخادم القيام بمراقبة ذلك، والاكتفاء في الأمور المهمَّة بالواحد، وقبول العذر ممن اعتذر بأمر شائع، وتسويغ المطالبة بالوفاء بالالتزام، وتوجَّهت المطالبة على بلال بذلك تنبيهًا له على اجتناب الدعوى، والثقة بالنفس وحسن الظنِّ بها، لا سيَّما في مظان الغلبة وسلب الاختيار، وإنَّما بادر بلال إلى قوله: (أَنَا أُوْقِظُكُمْ) اتِّباعًا لعادته في الاستيقاظ في مثل ذلك الوقت لأجل الأذان، وفيه خروج الإمام بنفسه في الغزوات والسرايا، وفيه الردُّ على منكري القدر، وإنَّه لا دافع في الكون إلَّا بقدر، وفيه الأذان للفائتة، ولأجله ترجم البخاري للباب.\nواختلف العلماء فيه فقال العَيني: قال أصحابنا - أي الحنفيَّة -: يُؤَذَّنُ للفائتة ويقيم، واحتجُّوا في ذلك بحديث عِمْران بن حُصَين رواه أبو داود وغيره وفيه: «ثمَّ أمَرَ مؤذِّنًا فأذَّن فصلَّى ركعتين قبلَ الفجرِ، ثمَّ أقامَ ثمَّ صلَّى الفَجْرَ»، وبه قال الشَّافعي في القديم وأحمد وأبو ثور وابن المنذر، وإن فاتته صلوات أذَّن للأولى وأقام، وهو مخيَّر في الباقي، إن شاء أذَّن وأقام لكلِّ صلاة من الفوائت، وإن شاء اقتصر على الإقامة، لما روى التِّرْمِذي عن ابن مسعود: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ فاتته يوم الخندقِ أربع صلوات حتَّى ذهبَ منَ اللَّيل ما شاءَ اللهُ، فأمرَ بلالًا فأذَّن ثمَّ أقام فصلَّى الظهر، ثمَّ أقام","vol":"1","page":113},{"text":"فصلَّى العصر، ثمَّ أقام فصلَّى المغرب، ثمَّ أقامَ فصلَّى العشاء»، فإن قلت: إذا كان الأمر كذلك فمن أين التخيير؟، قال العَيني: جاء في روايةٍ قضاهنَّ ﵇ بأذان وإقامة، وفي روايةٍ بأذان وإقامة للأولى، وإقامة لكلِّ واحدة من البواقي، ولهذا الاختلاف خيرنا في ذلك؛ وفي «التحفة» وروي في غير رواية الأصول عن محمَّد بن الحسن: إذا فاتته صلوات يقضي الأولى بأذان وإقامة والباقي بالإقامة دون الأذان، وقال الشافعي: في الجديد يقيم لهنَّ ولا يؤذَّن، وفي القديم: يؤذِّن للأولى ويقيم ويقتصر في البواقي على الإقامة، وقال النَّوَوي في «شرح المهذب»: يقيم لكلِّ واحدة بلا خلاف ولا يؤذَّن لغير الأولى منهنَّ، وفي الأولى ثلاثة أقوال في الأذان، أصحُّها يؤذَّن؛ ولا يغترَّ بتصحيح الرافعي منع الأذان، والأذان للأولى مذهب مالك والشافعي وأحمد وأبي ثور، وقال ابن بطَّال: لم يذكر في الأولى عن مالك والشافعي، وقال الثَّوْري والأوزاعي وإِسْحاق: لا يؤذَّن لفائتة. انتهى.\nقال شيخنا: وقال الشَّافعي في الجديد: لا يؤذَّن لها، والمختار عند كثير من أصحابه أن يؤذَّن لصحَّة الحديث، وحمل الأذان هنا على الإقامة ضعيف، فإنه عقب الأذان بالوضوء، ثمَّ بارتفاع الشَّمس، فلو كان المراد به الإقامة لما أخَّر الصَّلاة عنها، نعم يمكن حمله على المعنى اللغوي وهو محض الإعلام، ولا سيَّما على رواية الكُشمِيهَني، وقد روى أبو داود وابن المنذر في حديث عِمْران بن حُصَين في نحو هذه القصة، فأمر بلالًا فأذَّن فصلِّينا ركعتين ثمَّ أمره فأقام فصلَّى الغداة، وسيأتي الكلام على الحديث الذي احتجَّ به، من لم يرَ التأذين في الباب الذي بعد هذا. انتهى.\nوفيه دليل على أن قضاء الفوائت بعذر ليس على الفور، وأمَّا الفائتة بلا عذر فالأصحُّ قضاؤها على الفور، وهو الصحيح لكن يستحبُّ قضاؤها على الفور، وحكى البَغَوي وجهًا عن الشَّافعي إنَّه على الفور، وأمَّا الفائتة بلا عذر فالأصحُّ قضاؤها على الفور، وقيل له التأخير كما في الأوَّل.\nقال العَيني: وفيه أنَّ الفوائت لا تُقضى في الأوقات المنهي عن الصَّلاة فيها، واختلف أصحابنا أي الحنفيَّة في قدر الوقت الذي يُباح فيه الصَّلاة بعد الطلوع، قال في الأصل حتَّى ترتفع الشَّمس قدر رمح أو رمحين، وقال أبو بكر محمَّد بن الفضل: ما دام الإنسان يقدر على النظر إلى قرص الشَّمس لا تباح فيه الصَّلاة، فإذا عجز عن النظر يباح. انتهى. قلت: هذا على قاعدة مذهبه، وقدم البحث معه في ذلك. انتهى.\nوفيه دليل على جواز قضاء الفائتة بالجماعة، واحتجَّ المُهَلَّب به على أنَّ الصَّلاة الوسطى هي صلاة الصُّبح، لأنَّه ﵇ لم يأمر أحدًا بمراقبة وقت صلاة غيرها، وفيه نظر لا يخفى، قلت: لأنَّ أمره بمراقبة وقتها ليس لذلك، إنَّما هو لأجل إنَّه يُوقظ للصلاة. انتهى. قال ويدلُّ على إنَّها هي المأمور بالمحافظة عليها، إنَّه ﷺ لم تفته صلاة غيرها","vol":"1","page":113},{"text":"لغير عذر شغله عنها، قال شيخنا: وهو كلام متدافع فأي عذر أبين من النَّوم. انتهى.\nوفيه دليل على قبول خبر الواحد، واستدلَّ به قوم على ذلك، وقال [ابن] (^١) بَزِيزَةَ: وليس هو بقاطع فيه لاحتمال أنَّه ﵇ لم يرجع إلى قول بلال بمجرَّده، بل بعد النظر إلى الفجر لو استيقظ مثلًا، واستدلَّ به مالك ﵀ في عدم قضاء سنَّة الفجر، لأنَّه لم يذكر فيه أنَّهم صلَّوا ركعتي الفجر، قال شيخنا: ولا دلالة فيه لأنَّه لا يلزم من عدم الذكر عدم الوقوع، لا سيَّما وقد ثبت إنَّه ركعهما في حديث أبي قَتَادَة هذا عند مسلم، وسيأتي في باب مفرد لذلك في أبواب التَّطوُّع، وقال أَشْهَب: سئل مالك هل ركع ﵇ ركعتي الفجر حين نام عن صلاة الفجر حتَّى طلعت الشمس، قال: ما بلغني؛ وقال أشهب: بلغني أنَّه ﵇ ركع، وقال علي بن زياد: وقاله غير مالك، وهو أحبُّ إليَّ أن يركع؛ وهو قول الكوفيين والثَّوْري والشافعي، وقد قال مالك إن أحبَّ أن يركعهما من فاتته بعد طلوع الشَّمس فعل؛ قال العَيني: مذهب محمَّد بن الحسن: إذا فاتته ركعتا الفجر يقضيهما إذا ارتفع النَّهار إلى وقت الزوال، وعند أبي حنيفة وأبي يوسف لا يقضيهما هذا إذا فاتت وحدها، وإذا فاتت مع الفرض يقضي اتفاقًا، قال العَيني أيضًا: وفيه أقوى دليل لنا على عدم جواز الصَّلاة عند طلوع الشَّمس، لأنَّه ﵇ ترك الصَّلاة حتَّى ابياضت الشَّمس، ولورود النَّهي فيه أيضًا. انتهى.\nقال شيخنا: وفيه جواز تأخير قضاء الفائتة عن وقت الانتباه مثلًا، وقد تقدَّم ذلك مع بقيَّة فوائده في باب الصعيد الطَّيِّب من كتاب التيمم. انتهى.\n\n <span id=\"b-١٥٦\"> </span>(٣٦) <span data-type=\"title\" id=toc-156>(بَابُ مَنْ صَلَّى بالنَّاسِ جَمَاعَةً بَعْدَ ذَهَابِ الوَقْتِ)</span> أي هذا باب يذكر فيه من صلَّى بالنَّاس الفائتة بعد خروج الوقت.\nقال شيخنا: قال الزَّين بن المنيِّر: إنَّما قال البخاري بعد ذهاب الوقت، ولم يقل مثلًا من صلَّى صلاة فائتة للإشعار بأن إيقاعها كان قرب خروج وقتها، لا كالفوائت الَّتي جهل يومها أو شهرها. انتهى.\nقوله: (جَمَاعَةً) نصب على الحال من النَّاس يعني مجتمعين.\n\n٥٩٦ - <span id=\"b-١٥٧\"> </span>قوله: (حَدَّثَنَا مُعَاُذ بنُ فَضَالَةَ) أي بضمِّ الميم، الزَّهْراني، ويقال القُرَشي مولاهم البصري؛ ترجمته في النَّهي عن الاستنجاء باليمين.\nقوله: (قَالَ حَدَّثَنَا هِشَاٌم) أي ابن أبي عبد الله الدَّسْتُوائي، ترجمته في باب زيادة الإيمان ونقصانه.\nقوله: (عَنْ يَحْيَى) أي ابن أبي كثير؛ ترجمته في باب كتابة العلم.\nقوله: (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) أي ابن عبد الرحمن، ترجمته في كتاب الوحي.\nقوله: (عَنْ جَابِرَ بنِ عَبْدِ اللهِ) أي الأنصاري، ترجمته في الكتاب أيضًا.\nقوله: (أَنَّ عُمَر بنَ الخَطَّابِ ﵁) ترجمته في البدء أيضًا.\nفي هذا الإسناد التَّحديث بصيغة الجمع في موضعين، وفيه العنعنة في ثلاثة مواضع، وفيه القول في موضع واحد، وفيه أن شيخ البخاري من أفراده، وفيه أنَّ رواته ما بين كوفي ومدني، قال شيخنا: قد اتَّفق الرُّواة على أنَّ هذا الحديث من رواية جابر عن النَّبِيِّ ﷺ إلَّا حجَّاج بن نُصَير، فإنَّه رواه عن علي بن المبارك عن يحيى بن أبي كثير، فقال فيه: عن جابر عن عُمَر؛ جَعْلُهُ من [مسند] (^٢) عُمَر تفرَّد به حجَّاج وهو ضعيف. انتهى.\nقوله: (جَاءَ يَوْمُ الخَنْدَقِ بَعْدَ مَا غَرَبَتِ الشَّمس فَجَعَلَ يَسُبُّ كُفَّارَ [قُرَيْشٍ] (^٣)، قَالَ يَا رَسُول الله: مَا كِدْتُ أُصَلِّي العَصْرَ\n_________\n(^١) ليس في الأصل، وأضيفت لتمام المعنى من عمدة القاري.\n (^٢) ليس في الأصل، وأضيفت لتمام المعنى من فتح الباري.\n (^٣) ليس في الأصل، وأضيفت لتمام المعنى من صحيح البخاري.","vol":"1","page":114},{"text":"حتَّى كَادَتِ الشَّمس تَغْرُبُ. قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: وَاللهِ مَا صَلَّيْتُهَا؛ فَقُمْنَا إِلَى بُطْحَانَ، فَتَوَضَّأَ لِلصَّلاةِ، وَتَوَضَّأْنَا لَهَا، فصلَّى الْعَصْرَ بَعْدَ مَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ، ثمَّ صَلَّى بَعْدَهَا المَغْرِبَ).\nمطابقته للترجمة استفيدت من اختصار الرَّاوي في قوله: (فَصَلَّى العَصْرَ) إذ أصله فصلَّى بنا العصر وكذا رواه الإسماعيلي من طريق يزيد بن زُرَيع عن هشام.\nوقال الكِرْماني: فإن قلت: كيف دلَّ الحديث على الجماعة؟ قلت: إمَّا لأنَّ البخاري استفاده من بقيَّة الحديث الذي هذا مختصره، وإمَّا من إجراء الرَّاوي الفائتة الَّتي هي العصر، والحاضرة الَّتي هي المغرب مجرىً واحدًا، ولا شكَّ أنَّ المغرب كان بالجماعة كما هو معلوم من عادة رسول الله ﷺ.\nقال العَيني: الوجه الأوَّل هو الذي ذكرناه، وهو الذي كان في نفس الأمر. وأمَّا الوجه الثَّاني فلا وجه له، لأنَّه يردُّه ما رواه أحمد في «مسنده» من حديث أبي سعيد قال: «حُبِسْنَا يَوْمَ الخَنْدَقِ عَنِ الصَّلاة حتَّى كَانَ بَعْدَ المَغْرِبِ بِهَوِيٍّ مِنَ اللَّيْلِ حتَّى كُفِيْنَا، فَدَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بِلَالًا فَأَقَامَ صلاة الظُّهر فَصلَّاها كَمَا كَانَ يُصَلِّيهَا فِي وَقْتِهَا، ثمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ العَصْرَ فَصلَّاها كَذَلِكَ ثمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ المَغْرِبَ فَصلَّاها كَذَلِكَ ثمَّ أَقَامَ العِشَاءَ فَصلَّاها كَذَلِكَ قَالَ: وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُنَزِّلَ اللهُ ﷿ فِي صَلَاةِ الخَوْفِ ﴿فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩]». انتهى. وقال شيخنا: الاحتمال الأوَّل أي في كلام الكِرْماني هو الواقع في نفس الأمر، فقد وَقَعَ في رواية الإسماعيلي ما يقتضي أنَّه ﵇ صلَّى بهم، أخرجه من طريق يزيد بن زريع عن هشام بلفظ: «فصلَّى بنا العصر». انتهى.\nهذا الحديث أخرجه البخاري أيضًا عن مسدَّد عن يحيى وعن أبي نُعَيم عن شيبان، وفي صلاة الخوف عن يحيى عن وكيع، وأخرجه في المغازي عن مكِّي بن إبراهيم، وأخرجه مسلم أيضًا في الصَّلاة عن أبي موسى وأبي غسان وأبي بكر بن أبي شَيْبَة، وأخرجه التِّرْمِذي فيه عن محمَّد بن بشَّار عن معاذ بن هشام، وأخرجه النَّسائي فيه عن إسماعيل بن مسعود ومحمَّد بن عبد الأعلى.\nقوله: (يَوْمَ الخَنْدَقَ): أي يوم حفر الخندق، وهو أعجمي تكلَّمت به العرب، وكان في السنة الرابعة من الهجرة، ويسمَّى بغزوة الأحزاب؛ قال شيخنا: وسيأتي شرح أمره في كتاب المغازي. انتهى.\nقوله: (بَعْدَمَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ) وفي رواية البخاري عن شَيْبان عن يحيى: (بعدَما أفطرَ الصائمُ) والمعنى واحد.\nقوله: (فَجَعَلَ) أي عُمَر، (يَسُبُّ كُفَّارَ قُرَيْشٍ)، لأنَّهم كانوا السبب لاشتغال المسلمين بحفر الخندق الذي هو سبب في تأخيرهم الصَّلاة عن وقتها، إما المختار كما وَقَعَ لعُمَر، وإمَّا مطلقًا كما وَقَعَ لغيره.\nقوله: (مَا كِدْتُ أُصَلِّي العَصْرَ) اعلم أنَّ كاد من أفعال المقاربة، وهي على ثلاثة أنواع:\nنوع منها: وضع للدلالة على قرب الخبر وهو كاد وكرب وأوشك، فإذا قلت كاد زيد يقوم، فُهم منها: إنَّه قارب القيام ولم يقم، والراجح في كاد أن لا يقرن بأن عكس عسى، فإنَّ الراجح فيها أن تقرن، وقد وَقَعَ في رواية مسلم: «حتَّى كادَتِ الشَّمْسُ أنْ تغربَ»؛ قال شيخنا: وفي البخاري في باب غزوة الخندق أيضًا، وهو","vol":"1","page":114},{"text":"من تصريف الرواة. وهل يسيغ الرُّواة بالمعنى مثل هذا أو لا؟، الظَّاهر الجواز لأن المقصود الإخبار عن صلاته العصر كيف وقعت، لا الإخبار عن عُمَر هل تكلَّم بالراجحة أو المرجوحة. انتهى. قال اليعمري: وإذا تقرر أنَّ معنى كاد المقاربة، فقول عُمَر: مَا كِدْتُ أُصَلِّي العَصْرَ حتَّى كَادَتِ الشَّمس تَغْرُبُ، معناه: أنَّه صلَّى العصر قرب غروب الشَّمس، لأنَّ نفي الصَّلاة تقتضي إثباتها وإثبات الغروب يقتضي نفيه، فيحصل من ذلك لعمر ثبوت الصَّلاة ولم يثبت الغروب. انتهى.\nوقال الكِرْماني: لا يلزم من هذا السِّياق وقوع الصَّلاة في وقت العصر، بل يلزم منه أنَّ لا تقع الصَّلاة لأنَّه يقتضي أن كيدودته كانت عند كيدودتها؛ قال: وحاصله عرفًا ما صلِّيت حتَّى غربت الشمس. انتهى.\nقال شيخنا: ولا يخفى ما بين التقريرين من الفرق، وما ادَّعاه من الفرق ممنوع وكذلك العنديَّة، للفرق الذي أوضحه اليَعْمري من الإثبات والنَّفي، لأنَّ كاد إذا أثبتت نفت، وإذا نفت أثبتت، كما قال فيها اليَعْمري ملغزًا: وإذا نفيت والله أعلم أثبتت، وإن أثبتت قامت مقام جحود؛ هذا إلى ما في تعبيره بلفظ كيدودة من الثقل والله الهادي إلى الصواب. انتهى.\nقال العَيني: كلُّ ذلك لا يشفي العليل، ولا يروي الغليل، والتحقيق في هذا المقام أنَّ كاد إذا دخل عليه النَّفي فيه ثلاثة مذاهب:\nالأوَّل: إنَّها كالأفعال إذا تجرَّدت من النَّفي كان معناه إثباتًا، وإن دخل عليها نفي كان معناها نفيًا، لأن قولك كاد زيد يقوم معناه إثبات قرب القيام لا إثبات نفس القيام، فإذا قلت: ما كاد زيد يفعل فمعناه نفي قرب الفعل.\nالثاني: إنَّه إذا دخل عليها النَّفي كانت للإثبات.\nالثالث: إذا دخل عليها حرف النَّفي نُظِرَ هل دخل على الماضي أو على المستقبل؟ فإن كان ماضيًا فهي للإثبات، وإن كان مستقبلًا فهي كالأفعال؛ والأصحُّ هو المذهب الأوَّل، نصَّ عليه ابن الحاجب، وإذا تقرر هذا فكاد ههنا دخل عليه النَّفي فصار معناه نفيًا يعني نفي قرب الصَّلاة، كما في قولك ما كاد زيد يفعل نفى قرب الفعل.\nوقوله: (حَتَّى كَادَتِ الشَّمْسُ تَغْرُبُ) حال من النَّفي، فهي كسائر الأفعال؛ وقول اليَعْمري يشير إلى المذهب الثالث وهو غير صحيح، ولا يمشي هنا أيضًا؛ فإن قلت: قوله تعالى: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة: ٧١] يساعد المذهب الثالث، لأنَّ كاد ههنا دخل عليها النَّفي وهو ماض فاقتضى الإثبات، لأنَّ فعل الذَّبح واقع بلا شكٍّ، قال العَيني: ليس فعل الذَّبح مستفادًا من كاد بل من قوله: ﴿فَذَبَحُوْهَا﴾ والمعنى فذبحوها مجبرين، وما قاربوا فعل الذَّبح مختارين، أو تقول: فذبحوها بعد التراخي وما كادوا يفعلون على الفور، بدليل أنَّهم سألوا سؤالًا بعد سؤال، ولم يبادروا إلى الذَّبح من حين أُمروا به. انتهى.\nقال شيخنا: فإن قيل الظَّاهر أن عُمَر كان مع النَّبِيِّ ﷺ، فكيف اختُصَّ بأن أدرك صلاة العصر قبل غروب الشَّمس بخلاف بقيَّة الصحابة، والنَّبِيُّ ﷺ","vol":"1","page":115},{"text":"معهم، فالجواب: أنَّه يحتمل أن يكون الشغل وَقَعَ بالمشركين إلى غروب الشمس، وكان عُمَر حينئذ متوضِّأً فبادر، فأوقع الصَّلاة، ثمَّ جاء النَّبِيُّ ﷺ فأعلمه بذلك، في الحال الذي كان النَّبِيُّ ﷺ فيها قد شرع يتهيَّأ للصلاة، ولهذا قام عند الإخبار هو وأصحابه إلى الوضوء.\nوقد اختلف في سبب تأخير النَّبِيِّ ﷺ الصَّلاة ذلك اليوم، فقيل: كان ذلك نسيانًا، واستبعد أن يقع ذلك من الجميع، ويمكن أن يستدلَّ له بما رواه أحمد من حديث أبي جمعة: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ صلَّى المغرب يوم الأحزاب فلما سَلَّمَ قال: هَلْ عَلِمَ رَجُلٌ مُسلِمٌ أَنِّي صَلَّيْتُ الْعَصْرَ؟ قَالُوا: لَا يَا رَسُولَ اللهِ، فصلَّى الْعَصْرَ ثمَّ صلَّى المَغْرِبَ» وفي صحَّة هذا الحديث نظر، لأنَّه مخالف لما في الصحيحين من قوله: «ﷺ لعُمَرَ: وَاللهِ مَا صَلَّيْتُهَا»، ويمكن الجمع بينهما بتكلُّف. انتهى. قلت: هو أن يقال أن قوله هذا كان بعد أن سأل، وقالوا له: لا يا رسول الله. انتهى.\nوقيل كان عمدًا، لأنَّهم شغلوه فلم يمكنوه من ذلك وهو أقرب؛ لا سيَّما وقد وَقَعَ عند أحمد والنَّسائي من حديث أبي سعيد: أنَّ ذلك كان قبل أن يُنزل الله في صلاة الخوف ﴿فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩]؛ وقد اختُلِفَ في هذا الحكم هل نسخ أو لا؛ كما سيأتي في صلاة الخوف إن شاء الله تعالى. قال العَيني: اليوم لا يجوز تأخيرها عن وقتها بل نصلِّي صلاة الخوف وكان ذاك الاشتغال عذرًا في التأخير لأنَّه كان قبل نزول صلاة الخوف. انتهى.\nقوله: (بُطْحَانَ) بضمِّ الباء الموحدة وسكون الطاء، وقيل بفتح أوَّله وكسر ثانيه، حكاه أبو عُبَيْد اليَشْكُري وهو وادٍ بالمدينة.\nقوله: (فَصَلَّى العَصْرَ): أي صلاة العصر، ووَقَعَ في «الموطأ» من طريق أخرى أنَّ الذي فاتهم الظهر والعصر، وفي حديث أبي سعيد الخُدْري الذي ذكرناه عن قريب: الظهر والعصر والمغرب؛ وفي لفظ للنَّسائي: حُبسنا في صلاة الظُّهر والعصر والمغرب والعشاء، وعند التِّرْمِذي من حديث أبي عُبَيْدَة عن أبيه «أنَّ المشركين شغلُوا النَّبِيَّ ﷺ عنْ أربعِ صلواتٍ يومَ الخندقِ» الحديث.\nقال شيخنا: وفي قوله: (أربع) يجوز لأنَّ العشاء لم تكن فاتت. انتهى. قال العَيني: معناه أنَّ العشاء فاتته عن وقتها الذي كان يصلِّيها فيه غالبًا، وليس معناه إنَّها فاتته عن وقتها المعهود؛ وقال ابن العَرَبي: الصحيح أنَّ الصَّلاة الَّتي شغل عنها واحدة وهي العصر، ويؤيِّد ذلك ما رواه مسلم من حديث علي ﵁: «شَغَلُونَا عَنِ الصَّلاة الوُسْطَى صَلَاةِ العَصْرِ»؛ قال ابن العَرَبي: ومنهم من جمع بأنَّ الخندق كانت وقعته أيَّامًا، فكان ذلك في أوقات مختلفة في تلك الأيَّام، قال وهذا أولى.\nفيه جواز سبِّ المشركين، ولكن المراد ما ليس بفاحش، إذ هو اللائق بمنصب عُمَر ﵁.\nوفيه جواز الحلف من غير استحلاف، اذا ثبت على ذلك مصلحة دينيَّة؛ وقال النَّوَوي: هو مستحبٌّ إذا كان فيها مصلحة من توكيد الأمر، أو زيادة طمأنينة، أو نفي توهُّم نسيان، أو غير ذلك من المقاصد الصالحة؛ وإنَّما حلف النَّبِيُّ ﷺ تطييبًا لقلب عُمَر لما شقَّ عليه تأخيرها، وقيل: يحتمل أنَّه تركها نسيانًا لاشتغاله بالقتال، فلمَّا قال عُمَر ذلك تذكَّر، وقال: (واللهِ مَا صَلِّيْتُهَا)، وفي رواية مسلم: «والله إن صلِّيتها»، وإن بمعنى (ما)، وفيه أنَّ الظَّاهر إنَّه صلَّاها بجماعة، فيكون فيه دلالة على مشروعيَّة الجماعة في الفائتة،","vol":"1","page":115},{"text":"قال العَيني: وهذا بالإجماع، وشذَّ اللَّيث فمنع من ذلك، ويردُّ عليه هذا الحديث وحديث الوادي. انتهى.\nقال شيخنا: مع أنَّ اللَّيث أجاز صلاة الجمعة جماعة إذا فاتت، والإقامة للصلاة الفائتة. انتهى. وفيه ما كان النَّبِيُّ ﷺ عليه من مكارم الأخلاق، وحسن التأنِّي مع أصحابه وبالفهم، وما ينبغي الاقتداء به في ذلك؛ قلت: جواز النسيان عليه في الفرائض إذا قلنا: إنَّه ترك الصَّلاة نسيانًا، وقد صرَّح بذلك كما سيأتي في قوله: (إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ). انتهى. وفيه دليل على عدم كراهة من يقول ما صلِّيت، وروى البخاري عن ابن سيرين: إنَّه كره أن يقال: فاتتنا وليقل لم يدرك، وقال البخاري: وقول النَّبِيِّ ﷺ أصحُّ.\nوفيه احتجاج من يرى امتداد وقت المغرب إلى مغيب الشَّفق، لأنَّه قدَّم العصر عليها، ولو كان ضيِّقًا لبدأ بالمغرب لئلَّا يفوت وقتها أيضًا، قال العَيني: وهو حجَّة على الشَّافعي في قوله الجديد في وقت المغرب إنَّه مضيَّق. انتهى.\nقلت: ليس فيه حجَّة عليه ﵁، فإنَّه يمكن أن يصلِّي بعد غروب الشَّمس العصر والمغرب وتكون المغرب أداءً، يعلم ذلك من يعرف من مذهبه ما يضيع وقت المغرب على الجديد من الأفعال. انتهى.\nوفيه وجوب الترتيب بين الصَّلاة الوقتية والفائتة، وهو قول النَّخَعي والزُّهْرِي وربيعة ويحيى الأنصاري واللَّيث، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه ومالك وأحمد وإسحاق، وهو قول عبد الله بن عُمَر.\nوقال طاوس: الترتيب غير واجب، وبه قال الشَّافعي وأبو ثور وابن القاسم وسَحْنُون، وهو مذهب الظاهريَّة.\nومذهب مالك: وجوب الترتيب كما قلنا، ولكن لا يسقط بالنسيان، ولا بضيق الوقت، ولا بكثرة الفوائت، كذا في شرح «الإرشاد»؛ وفي شرح «المجمع»، والصحيح المعتمد عليه من مذهب مالك سقوط الترتيب بالنسيان، كما نطقت به كتب مذهبه.\nوعند أحمد: لو تذكَّر الفائتة في الوقتيَّة يتمُّها، ثمَّ يصلِّي الفائتة، ثمَّ يعيد الوقتيَّة، وذكر بعض أصحابه إنَّها تكون نافلة، وهذا يفيد وجوب الترتيب. وعند زُفَر: من ترك صلاة شهر بعد المتروكة لا تجوز الحاضرة. وقال ابن أبي ليلى: من ترك صلاة لا يجوز صلاة سنة بعدها.\nواستدلَّ «صاحب الهداية» وغيره في مذهب الحنفيَّة بما رواه الدَّارَقُطْني ثمَّ البَيْهَقي في سننهما عن ابن عُمَر ﵄ قال: «قالَ رسولُ اللهِ ﷺ: مَنْ نَسِيَ صَلَاةً فَلَمْ يَذكرهَا إلَّا وَهُوَ مَعَ الإِمَامِ فليتمَ صلَاتَهُ، فَإِذا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ فليُعِدِ الَّتي نَسِيَ، ثمَّ ليعدِ الَّتي صلَّاها مَعَ الإِمَام»، وقال الدَّارَقُطْني: الصحيح إنَّه من قول ابن عُمَر، لذا رواه مالك عن ابن عُمَر من قوله، وقال عبد الحقِّ وقد وقفه سعيد بن عبد الرحمن، ووثَّقه يحيى بن معين، قال العَيني: وأخرجه أبو حَفْص بن شاهين مرفوعًا، واستدلَّ أيضًا من يرى بوجوب الترتيب بقوله ﵇: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ عَلَيْهِ صَلَاةٌ»، قال أبو بكر هو باطل، وتأوَّله جماعة على معنى لا نافلة لمن عليه فريضة، وقال ابن الجَوْزي: هذا نسمعه على ألسنة النَّاس وما","vol":"1","page":116},{"text":"عرفنا له أصلًا، وقال إبراهيم الحَرْبي: قيل لابن حنبل: ما معنى قوله: ﵇ لَا صَلَاةَ لِمَنْ عَلِيْهِ صَلَاةٌ؟ قال لا أعرف هذا البتَّة. انتهى.\nوقال شيخنا: الأكثر على وجوب الترتيب مع الذكر لا مع النسيان، وقال الشافعي: لا يجب الترتيب فيها، واختلفوا فيما إذا تذكَّر فائتة في وقت حاضرة ضيِّق هل يبدأ بالفائتة وإن خرج وقت الحاضرة؟ أو يبدأ بالحاضرة؟ أو يتخيَّر؟ فقال بالأوَّل مالك، وقال بالثاني الشَّافعي وأصحاب الرأي وأكثر أصحاب الحديث، وقال بالثالث أَشْهَب. وقال عياض: محلُّ الخلاف إذا لم تكثر الصَّلوات الفوائت، فأمَّا إذا كثرت فلا خلاف إنَّه يبدأ بالحاضرة. واختلفوا في حدِّ القليل فقيل: صلاة يوم، وقيل أربع صلوات. انتهى.\nواستُدِلَّ به على عدم مشروعية الأذان للفائتة، وأجاب من اعتبره بأن المغرب كانت حاضرة، ولم يذكر الرَّاوي الأذان لها، وقد عُرِفَ من عادته ﵇ الأذان للحاضرة، فدلَّ على أنَّ الرَّاوي ترك ذكر ذلك، لا إنَّه لم يقع في نفس الأمر؛ وتعقِّب باحتمال أن يكون المغرب لم يتهيَّأ إيقاعها إلَّا بعد خروج وقتها على رأي من يذهب إلى القول بتضييقه، وعكس ذلك بعضهم، فاستدلَّ بالحديث على أن وقت المغرب مُتَّسِع لأنَّه قدَّم العصر عليها، ولو كان ضيِّقًا لبدأ بالمغرب، ولا سيَّما قول الشَّافعي في قوله بتقديم الحاضرة، وهو الذي قال بأن وقت المغرب ضيِّق، فيحتاج إلى الجواب عن هذا الحديث، وهذا في حديث جابر، وأمَّا حديث أبي سعيد فلا يأتي فيه هذا لما تقدَّم أن فيه: (أنَّه صلَّى بعدَ مُضي بِهَوِيٍّ مِنَ الليلِ) والله أعلم. انتهى. قلت: وفيه ذكر القصص الَّتي فيها معرفة الأحكام الشرعيَّة.\nوفيه ذكر ما يقع للمرء في أمر دينه لمن يُقتدَى به، ليعلم ما عليه في ذلك مع إظهار المشقَّة عليه من ذلك. انتهى.\n\n <span id=\"b-١٥٨\"> </span>(٣٧) (بَابُ مَنْ نَسِيَ صَلَاةً فَلْيُصَلِّ إِذّا ذَكَرَ) ولا يعيد إلَّا تلك الصلاة: أي هذا باب يذكر فيه أنَّ من نسي صلاة حتَّى خرج وقتها فليصلِّها إذا ذكرها، ولا يعيد إلَّا تلك الصلاة: أي يقضيها، وفي بعض النسخ ولا يعد، والفرق بينهما أن الأوَّل نفي، والثاني نهي.\nقال شيخنا: قال علي بن المنيِّر: صرَّح البخاري بإثبات هذا الحكم مع كونه مما اختلف فيه لقوَّة دليله، ولكونه على وفق القياس، إذ الواجب خمس صلوات لا أكثر، فمن قضى الفائتة كَمُلَ عدد المأمور به، ولكونه على مقتضى ظاهر الخطاب، لقول الشارع: فليصلِّها، ولم يذكر زيادة، وقال أيضًا: لا كفارة لها إلَّا ذلك، فاستُفيد من هذا الحصر أن لا يجب غير إعادتها.\nقوله: (وَقَاَل إِبْرَاهِيْمُ) أي النَّخَعي، ترجمته في باب ظلم دون ظلم.\nقوله: (مَنْ تَرَكَ صَلَاةَ واحدةً عشرينَ سنةً لَمْ يُعِدْ إلَّا تِلكَ الصَّلاة الوَاحِدَةَ) مطابقة هذا الأثر للترجمة ظاهرة لأنَّ قوله: (مَنْ نَسِيَ صَلَاةً فَلْيُصَلِّ إِذَا ذَكَرَ)، أعمُّ من أن يكون ذكره إيَّاها بعد النسيان بعد شهر أو سنة أو أكثر من ذلك، وقيده بعشرين سنة للمبالغة، والمقصود أنَّه لا يجب عليه إلَّا إعادة الصَّلاة","vol":"1","page":116},{"text":"الَّتي نسيها خاصَّة في أي وقت ذكرها؛ وأخرج الثَّوْري هذا الأثر في «جامعه» موصلًا عن مَنْصور وغيره عن إبراهيم، وأشار البخاري بهذا إلى تقوية قوله: (وَلَا يُعِيْدُ إلَّا تَلْكَ الصَّلَاةَ)، ويحتمل أنَّه أشار إلى تضعيف ما وَقَعَ في بعض طرق حديث أبي قَتَادَة عند مسلم في قصَّة النَّوم عن الصَّلاة، حيث قال: «فَإِذَا كَانَ الْغَدُ فَلْيُصَلِّهَا عِنْدَ وَقْتِهَا»، فبعضهم زَعَمَ أنَّ ظاهره إعادة المقضية مرَّتين عند ذكرها، وعند حضور مثلها من الوقت الآتي، وأجيب عن هذا: بأن اللَّفظ المذكور ليس نصًّا في ذلك، لأنَّه يحتمل أن يُريد بقوله: «فَلْيُصَلِّهَا عِنْدَ وَقْتِهَا»، أي الصَّلاة الَّتي تحضر، لا أنَّه يُريد أن يُعيد الَّتي صلَّاها بعد خروج وقتها؛ فإن قلت: روى أبو داود من حديث عِمْران بن حُصَين في هذه القصَّة: «مَنْ أَدْرَكَ مِنْكُمْ صَلَاةَ الغَدَاةِ مِنْ غَدٍ صَالِحًا فَلْيَقْضِ مَعَهَا مِثْلَهَا» قال العَيني: قال الخطَّابيُّ: لا أعلم أحدًا قال بظاهره وجوبًا، قال: ويشبه أن يكون الأمر فيه للاستحباب ليحرز فضيلة الوقت في القضاء. انتهى.\nوحكى التِّرْمِذي عن البخاري أنَّ هذا غلط من راويه، ويؤيِّد ذلك ما رواه النَّسائي من حديث عِمْران بن حُصَين أيضًا: «أَنهم قَالُوا: يَا رَسُول الله، إلَّا نقضها لوَقْتهَا من الغَد؟ فَقَالَ ﵇: لَا يَنْهَاكُم الله عَن الرِّبَا وَيَأْخُذهُ مِنْكُم».\n\n٥٩٧ - <span id=\"b-١٥٩\"> </span>قوله: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) أي الفَضْل بن دُكَيْن، تقدَّم عن قريب.\nقوله: (وَمُوْسَى بنُ إِسْمَاعِيْلَ المنْقري التَّبُوذَكِي) تقدَّم أيضًا عن قريب.\nقوله: (قَالَا: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ) أي ابن يحيى، ترجمته في باب ترك النَّبِيِّ ﷺ والناس الأعرابي حتَّى يفرغ من بوله في المسجد.\nقوله: (عَنْ قَتَادَةَ) أي ابن دِعامة، ترجمته في باب من الإيمان أن يحبَّ لأخيه ما يحبُّ لنفسه.\nقوله: (عَنْ أَنَسٍ) ابن مالك ترجمته في الباب أيضًا.\nفي هذا الإسناد التَّحديث بصيغة الجمع في موضعين؛ وفيه العنعنة في ثلاثة مواضع، وفيه أن البخاري روى هذا الحديث عن شيخين أحدهما كوفي وهو أبو نُعَيم، وبقيَّة الرُّواة بصريُّون، وفيه القول في موضعين؛ قال شيخنا: والإسناد كلُّه بصريُّون.\nقوله: (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: مَنْ نَسِيَ صَلَاةً فَلْيُصَلِّ إِذا ذَكَرَ لَا كَفَّارَةَ لَهَا إلَّا ذلِكَ أقِمِ الصَّلاة الذِكْرَى). قال موسى: قال همَّام: سمعته يقول بعد ﴿وَأَقِمِ الصَّلاة لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤]، هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا في الصَّلاة عن هُدْبَة بن خالد، وأخرجه أبو داود فيه عن محمَّد بن كثير عن همام قوله: «مَنْ نَسِيَ صَلَاةً فَليصلِّ» كذا وَقَعَ في جميع الروايات: «فَلْيُصَلِّ» بحذف الضَّمير الذي هو المفعول؛ ورواه مسلم عن هَدَّاب بن خالد بلفظ: «فَلْيُصَلِّهَا». قال شيخنا: وهو أبين للمراد؛ وزاد أيضًا من رواية سعيد عن قَتَادَة: «أَوْ نَامَ عَنْهَا» ولمسلم أيضًا من رواية أخرى: «إِذَا رقدَ أحدكُم عَنِ الصَّلاة أَو غفلِ عَنْهَا فَلْيُصَلِّها إِذا ذَكَرهَا فَإِن الله يَقُول: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاة لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤]» وعند النسائي: «أَو يغْفل عَنْهَا، فَإِن كفارتها أَن يُصلِّيهَا إِذا ذكرهَا»، وعند ابن ماجه: «سُئِلَ عَن الرجلِ يغْفلُ عَن الصَّلاة","vol":"1","page":117},{"text":"أَو يرقدُ عَنْهَا، قَالَ: يُصليهَا إِذا ذكرهَا» وفي معجم أبي الحسين محمَّد بن جميع الغسَّاني عن قَتَادَة عن أنس: «إِذا ذكرهَا أَو استيقظ».\nقوله: (إذا ذكر) أي إذا ذكرها؛ فإن قلت: هذا يقتضي أن يلزم القضاء في الحال إذا ذكر، مع أنَّ القضاء من جملة الواجبات الموسعة اتفاقًا؟\nقال العَيني: أجيب عنه بأنه لو تذكَّرها ودام ذلك التذكُّر مدَّة، وصلَّى في أثناء تلك المدَّة، صدق إنَّه صلَّى حين التذكُّر، وليس بلازم أن يكون في أوَّل حال الذكر.\nوجواب آخر: أن (إذا) للشرط كأنَّه قال: فليصلِّ إذا ذكر، يعني: لو لم يذكره لا يلزم عليه القضاء، أو: جزاؤه مقدَّر يدلُّ عليه المذكور أي إذا ذكر فليصلِّها، والجزاء لا يلزم أن يترتَّب عليه الشرط في الحال، بل يلزم أن يترتَّب عليه في الجملة.\nقوله: (لَا كَفَّارَةَ لَهَا إلَّا ذَلِكَ) أي لا كفَّارة لتلك الصَّلاة المنسيَّة إلَّا فعلها، وذلك إشارة إلى القضاء الذي يدلُّ عليه قوله: (فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا)، لأن الصَّلاة عند الذكر هي القضاء، والكفَّارة عبارة عن الخصلة الَّتي من شأنها أن تكفِّر الخطيئة، أي تسترها، وهي على وزن: فعالة للمبالغة، وهي من الصفات الغالبة في الاسميَّة. وقال الخطَّابيُّ: هذا يحتمل وجهين: أحدهما: إنَّه لا يكفِّرها غير قضائها.\nوالآخر: إنَّه لا يلزمه في نسيانها غرامة، ولا صدقة ولا زيادة تضعيف لها، إنَّما يصلِّي ما ترك.\nقوله: (أَقِمِ الصَّلاة الذِّكْرَى) بالألف واللام وفتح الرَّاء بعدها ألف مقصورة، ووزنها: فعلى، مصدر من ذكر يذكر، كذا ضبطه العيني؛ وقال شيخنا: للذِّكْرَى بلامين وفتح الرَّاء بعدها ألف مقصورة. انتهى.\nوفي رواية مسلم من طريق يُونُس أن الزُّهْري كان يقرؤها كذلك، والقراءة المشهورة: ﴿لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤]، بلام واحدة وكسر الرَّاء، كما يجيء الآن، وعلى القراءتين اختلفوا في المراد بهذا فقيل: المعنى لتذكرني فيها، وقيل: لأذكرك بالمدح والثَّناء، وقيل: لأوقات الذِّكرى، وهي مواقيت الصَّلاة، وقيل: لذكري لأنَّي ذكرتها في الكتب وأمرت بها، وقيل: لذكري خاصَّة لا ترائي بها ولا تشبُّهًا بذكر غيري، وقيل: لتذكيري لك إيَّاها وهذا يقصده قراءة من قرأ: ﴿للذِّكرى﴾ وقيل: شكرًا لذكري. وقيل: أي ذكر أمري، وقيل: إذا ذكرت الصَّلاة فقد ذكرتني، فإن الصَّلاة عبادة الله، فهي ذكر المعبود فكأنَّه أراد لذكر الصَّلاة.\nوقال التُّورِبِشْتي: هذه الآية تحتمل وجوها كثيرة من التأويل، لكن الواجب أن تصار إلى وجه يوافق الحديث، فالمعنى: أقم الصَّلاة لذكرها لأنَّه إذا ذكرها فقد ذكر الله تعالى، أو: يقدَّر المضاف أي لذكر صلاتي، أو: وَقَعَ ضمير الله تعالى في موضع ضمير الصَّلاة لشرفها وخصوصيَّتها. انتهى.\nفيه الأمر بقضاء النَّاسي من غير إثم، وكذلك النَّائم سواء كَثُرَتِ الصَّلاة أو قلَّت، وهذا مذهب العلماء كافَّة، وشذَّ بعضهم فيمن زاد على خمس صلوات أنَّه","vol":"1","page":117},{"text":"لا يلزمه قضاء، حكاه القُرْطُبي، ولا يعتدُّ به؛ فإن تركها عامدًا فالجمهور على وجوب القضاء أيضًا؛ وحكي عن داود وجمع يسير عدهم ابن حزم، منهم خمسة من الصحابة، عدم وجوب قضاء الصَّلاة على العامد لأنَّ انتفاء الشرط يستلزم انتفاء المشروط، فيلزم منه أنَّ من لم ينسَ لا يصلِّي إذا ذكر، والخمسة الذين ذكرهم ابن حزم من الصحابة: عُمَر بن الخطَّاب وابنه عبد الله وسعد بن أبي وقَّاص وابن مسعود وسَلْمان ﵃، وغيرهم: القاسم بن محمَّد وبُدَيل بن مَيْسَرَة ومحمَّد بن سِيرين ومُطَرِّف بن عبد الله وعُمَر بن عبد العزيز وسالم بن أبي الجَعْد وأبو عبد الرحمن الأشعري، قال شيخنا: والقائل بأن العامد لا يقضي، لم يُرد أنَّه أخفُّ حالًا من النَّاسي، بل يقول: إنَّه لو شُرع له القضاء لكان هو والنَّاسي سواء، والنَّاسي غير مأثوم بخلاف العامد، فالعامد أسوأ حالًا من النَّاسي، فكيف يستويان؟ ويمكن أن يقال: إنَّ إثم العامد بإخراج الصَّلاة عن وقتها باقٍ عليه، ولو قضاها، بخلاف النَّاسي فإنَّه لا إثم عليه مطلقًا، ووجوب القضاء على العامد بالخطاب الأوَّل، لأنَّه قد خوطب بالصلاة، وترتَّبت في ذمَّته، فصارت دينًا عليه، والدَّيْنُ لا يسقط إلَّا بأدائه، فيأثم بإخراجه لها عن الوقت المحدود لها، ويسقط عنه الطلب بأدائها، فمن أفطر من رمضان عامدًا، فإنَّه يجب أن يقضيه مع بقاء إثم الإفطار عليه؛ والله أعلم. انتهى.\nقال العَيني: ليس على إطلاقه بل فيه خلاف بين الأصوليين في أنَّ وجوبه بأمر جديد أو بالأمر الأوَّل، قال: وأجيب عن قول من قال: يقدم وجوب القضاء بأنَّ القيد بالنسيان فيه بخروجه على الغالب، أو لأنَّه ما ورد على السبب الخاص مثل: أن يكون ثمَّة سائل عن حكم قضاء الصَّلاة المنسية، أو إنَّه إذا وجب القضاء على المعذور فغيره أولى بالوجوب، وهو من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى، وشرط اعتبار مفهوم المخالف عدم الخروج وعدم وروده على السبب الخاص وعدم مفهوم الموافق، وادعى ناس بأن وجوب القضاء على العامد يؤخذ من قوله: (نَسِيَ) لأنَّ النسيان يطلق على الترك سواءً كان من ذهول أم لا، ومنه قوله تعالى: ﴿نَسُوا اللهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾ [الحشر: ١٩] ﴿نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧] أي تركوا أمره فتركهم في العذاب، قالوا: ويقوِّي ذلك قوله: (لَا كَفَّارَةَ لَهَا) والنَّائم والناسي لا إثم عليه، قال شيخنا: وهو بحث ضعيف لأنَّ خبر النَّائم ثابت، وقد قال فيه: (لَا كَفَّارَةَ لَهَا)، والكفَّارة قد تكون عن الخطأ كما تكون عن العمد.\nقال العَيني: كما قيل الخطأ فإن فيه الكفَّارة، ويجاب بهذا أيضًا عن اعتراض معترض بقوله: ﵇: (رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ)، وأيضًا أنَّهم لما توهموا أنَّ في هذا الفعل كفَّارة، بيّن لهم أنَّ لا كفَّارة فيها، وإنَّما يجب القضاء فقط من غير شيءٍ آخر. انتهى.\nوفيه دليل على أن أحدًا لا يصلِّي عن أحد؛ قال العَيني: وهو حجَّة على الشافعي، وفيه دليل أيضًا أن الصَّلاة","vol":"1","page":118},{"text":"لا تجبر بالمال كما يجبر الصَّوم وغيره. قال العَيني: اللهمَّ إلَّا إذا كانت عليه صلوات فائتة، فحضره الموت، فأوصى بالفدية عنها فإنَّه يجوز كما بيَّن في الفروع، وفيه أنَّ بعضهم احتجَّ بقوله: (إِذَا ذكَر) على جواز قضاء الفوائت في الوقت المنهي عن الصَّلاة فيه.\nقال العَيني محاماة لمذهبه: ليس بلازم أن يصلِّي في أوَّل حال الذكر، غاية ما في الباب أنَّ ذكره سبب لوجوب القضاء، فإذا ذكرها في الوقت المنهي، وأخَّرها إلى أن يخرج ذلك وصلَّى؛ يكون عاملًا بالحديثين أحدهما هذا والآخر حديث النَّهي في الوقت المنهي عنه. انتهى. وفيه أنَّ شرع من قبلنا شرع لنا، لأنَّ المخاطب بالآية المذكورة موسى ﵇، وهو الصحيح في الأصول ما لم يرد ناسخ.\nقوله: (قَالَ مُوْسَى) أي دون أبي نُعَيم، قَالَ هَمَّامٌ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ بعدُ: ﴿وأَقِمِ الصَّلاة لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤] أي قال موسى بن إسماعيل وهو أحد شيخي البخاري المذكورين في أوَّل الحديث.\n (سَمِعْتُهُ) يعني سمعت قَتَادَة (يَقُولُ بَعْدُ) -بضمِّ الدال- أي بعد زمان رواية الحديث، قال العَيني: حاصله أنَّ همامًا سمعه من قَتَادَة مرَّة بلفظ: ﴿للذكرى﴾ يعني بقراءة ابن شهاب الَّتي ذكرناها، ومرَّة بلفظ: ﴿لِذِكْرِي﴾ بالقراءة المشهورة وقد اختُلِفَ في هذه هل هي من كلام قَتَادَة أو هي من قول النَّبِيِّ ﷺ؟ وفي رواية مسلم عن هَدَّاب قال قَتَادَة: ﴿وأَقِمِ الصَّلاة لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤]، وفي روايته الأخرى من طريق المثنَّى عن قَتَادَة قال رسول الله ﷺ: «إِذَا رَقَدَ أَحَدُكُمْ عَنِ الصَّلاة، أَوْ غَفَلَ عَنْهَا، فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا، فَإِنَّ اللهَ يَقُولُ: ﴿وأَقِمِ الصَّلاة لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤]». وهذا ظاهره أن الجميع من كلام النَّبِيِّ ﷺ.\nقوله: (وَقَالَ حَبَّانُ) أي -بفتح الحاء المهملة وتشديد الباء الموحَّدة- ابن هلال، قلت: الباهِلي، ويقال: الكِناني البصري، يكنَّى أبا حَبَيب سمع همَّام بن يحيى عندهما، وشُعْبَة وداود بن أبي الفرات وهارون بن المقرئ عند البخاري، وسُلَيمان بن المغيرة وأَبان بن يزيد ووَهَيْبًا وحمَّاد بن سلمة وأبا عَوانة عند مسلم، روى عنه أحمد الدَّارمي عندهما، وعبد الله المُسْنِدي ويحيى بن محمَّد بن السَّكَن وعلي بن مسلم عند البخاري، وإِسْحاق بن مَنْصور وأحمد بن خِراش وزُهَير وعبد بن حُمَيْد وعبد الله الدَّارمي عند مسلم، قال الواقدي: مات في شهر رمضان سنة ستَّ عشرة ومائتين. انتهى.\nقوله: (حَدَّثَنَا هَمَّامُ قَالَ: حَدَّثَنَا قَتَادَة حَدَّثَنَا أَنَس عَن النَّبِيِّ ﷺ نَحْوَهُ) أشار بهذا التعليق إلى بيان سماع قَتَادَة من أَنَس، لأنَّه صرَّح فيه بالتحديث، لأنَّ قَتَادَة من المدلِّسين، وروي عنه أوَّلًا بلفظ عن أَنَس، فأراد أنَّ يقوِّيه بالرواية عنه بلفظ: (حَدَّثَنَا أَنَسٌ)، وهذا التعليق وصله أبو عَوانة في «صحيحه» عن عمَّار بن رجاء عن حبَّان، وفيه أن همَّام بن يحيى سمعه من قَتَادَة مرَّتين، كما في رواية موسى بن إسماعيل.\n\n <span id=\"b-١٦٠\"> </span>(٣٨) <span data-type=\"title\" id=toc-160>(بَابُ قَضَاءِ الصَّلوات الأُوْلَى فَالأُوْلَى)</span> أي هذا باب في بيان حكم قضاء الصَّلوات الفائتة","vol":"1","page":118},{"text":"والصَّلوات بالجمع رواية الكُشْمِيهَني، وفي رواية غيره: &lt;قَضَاءِ الصَّلَاةِ&gt; بالإفراد.\nقوله: (الأُوْلَى) -بضمِّ الهمزة- أي حال كون الصَّلاة الأولى في القضاء من الصَّلوات الفائتة، أراد إنَّه يقدِّم الأولى ثمَّ الثانية الَّتي هي الأولى أيضًا بالنسبة إلى الثالثة، ثمَّ الثالثة الَّتي هي الأولى بالنسبة إلى الرابعة، وهلمَّ جرًّا، قال شيخنا: وهذه الترجمة عبَّر عنها بعضهم بقوله: باب ترتيب الفوائت.\n\n٥٩٨ - <span id=\"b-١٦١\"> </span>قوله: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى هُوَ ابنُ أَبِي كَثِيْرٍ) قلت كذا بخطِّ العيني: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى هُوَ ابنُ أَبِي كَثِيْرٍ) وليس كذلك في الأصل وإنما فيه: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حدَّثنا يَحْيَى عَنْ هِشَامٍ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى هُوَ ابنُ أبي كَثِيرٍ). انتهى.\n (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عنْ جَابِرٍ قَالَ: جعَلَ عُمَر ﵁ يَوْمَ الخَنْدَقِ يَسُبُّ كُفَّارَهُمْ، فَقَالَ: مَا كِدْتُ أصَلِّي العَصْرَ حتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ، قَالَ فَنَزَلْنَا بُطْحَانَ فصلَّى بَعْدَمَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ، ثمَّ صَلَّى المَغْرِبَ) قال العَيني: هذا الحديث قد مرَّ في باب من صلَّى بالناس جماعة قبل هذا الباب بباب، وأخرجه هناك عن معاذ بن فَضَالة عن هشام عن يحيى، وههنا عن مُسَدَّد عن هشام الدَّسْتُوائي عن يحيى بن أبي كثير. انتهى. قلت: وليس كذلك أيضًا بل هو كما قلنا اتِّفاقًا، قال شيخنا والكِرْماني: يحيى المذكور فيه هو القطَّان، قال العَيني: هو غلط، لأنَّ البخاري صرَّح فيه بقوله: يحيى هو ابن أبي كثير ضدُّ القليل، واسم أبي كثير صالح بن المتوكِّل، وقيل غيره، وإنَّما قال البخاري: بلفظ هو لأنَّه ليس من كلام هشام، بل من كلام البخاري ذكره تعريفًا له، وهو غاية الاحتياط في رعاية ألفاظ الشيوخ. انتهى. قال شيخنا: حذف العَيني من السند أوَّلًا رجلين، ثمَّ أثبت أحدهما ثانيًا والذي عرف به يحيى بين مُسَدَّد وهشام، فإن الذي عند البخاري هكذا: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ هِشَامٍ عَنْ يَحْيَىَ هُوَ ابنُ أَبِي كَثِيْرٍ)، فإن كان يحيى الأوَّل غير منسوب بيَّنت إنَّه القطَّان، ولم أعرِّج على الثَّاني لأنَّه قد نسب في أصل الرواية. انتهى. قلت: غلَّط العَيني شيخنا وهو الغالط، لأنَّ شيخنا إنَّما عرف يحيى الذي يروي عنه مسدَّد، لا يحيى الذي يروي عنه هشام، فانظر السند من الصحيح يعرف ذلك. انتهى.\nقوله: (جَعَلَ عُمَرَ) قال العَيني: (جَعَلَ) هنا من أفعال المقاربة الَّتي وضعت للشروع في الخبر، وهو يعمل عمل كان، إلَّا أن خبره يجب أن يكون جملة.\nقوله: (يَسُبُّ) جملة خبره.\nقوله: (كُفَّارَهُمْ) أي كفَّار قُرَيش، ولكونه معلومًا جاز عود الضَّمير إليه من غير سبق ذكره، وفي رواية معاذ بن فضالة: (فَجَعَلَ يَسُبُّ كُفَّارَ قُرَيْشٍ).\nقوله: (حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ) هذه الرواية صريحة في فوات العصر عنه، وقد استوفينا الكلام فيه بجميع تعلُّقاته هناك فراجع إليه.\n\n <span id=\"b-١٦٢\"> </span>(٣٩) <span data-type=\"title\" id=toc-162>(بَابُ مَا يُكْرَهُ منَ السَّمَرِ بَعْدَ العِشَاءِ)</span> أي هذا باب في بيان ما يكره من السَّمر بعد صلاة العشاء، ومراده السَّمر ما يكون في أمر مباح، وأمَّا المحرَّم فلا اختصاص له بوقت بل هو حرام في جميع الأوقات، والسَّمر -بفتح الميم-","vol":"1","page":119},{"text":"من المسامرة وهي الحديث باللَّيل، وقال أبو مروان بن سِراج: الصَّواب سكونها لأنَّه اسم الفعل، وأما بالفتح فهو اعتماد السمر للمحادثة، وأصله من لون ضوء القمر لأنَّهم كانوا يتحدَّثون فيه، قوله السامر: من السمر، والجمع السمَّار، والسامر ههنا في موضع الجمع هذا، هكذا وَقَعَ في رواية أبي ذرٍّ وحده، قال شيخنا: واستُشكِل ذلك لأنَّه لم يتقدَّم للسَّامر ذكر في الترجمة، والذي يظهر لي أن المُصَنِّف أراد تفسير قوله تعالى: ﴿سَامِرًا تَهْجُرُونَ﴾ [المُؤْمِنُونَ: ٦٧]، وهو المشار إليه بقوله: ههنا أي في الآية، والحاصل إنَّه لما كان الحديث بعد العشاء يسمَّى السَّمر، والسَّمر والسَّامر مشتقٌّ من السَّمرة، وهو يطلق على الجمع والواحد، ظهر وجه مناسبة ذكر هذه اللفظة هنا، وقد أكثر البخاري من هذه الطريقة، إذا وَقَعَ في الحديث لفظة تطابق لفظة من القرآن يستغني بتفسير تلك اللفظة، وقد استُقرئ للبخاري إنَّه إذا مرَّ له لفظة من القرآن يتكلَّم على غريبه. انتهى.\nقال العَيني: لا إشكال في ذلك أصلًا، ودعوى ذلك من قصور الفهم، والتعليل بقوله لأنَّه لم يتقدم للسَّامر ذكر في الترجمة غير موجه ولا تحته طائل، وذلك لأنَّه لما ذكر لفظ السَّمر الذي هو إمَّا اسم وإمَّا مصدر كما ذكرنا، أشار إلى أن لفظ السَّامر مشتقٌّ من السَّمر، وهو المراد من قوله: السَّامِر مِنَ السَّمَرِ، ثمَّ أشار إلى أن لفظ السامر تارة يكون مفردًا، ويكون جمعه سُمَّار -بضمِّ السين وتشديد الميم- كطالب وطُلَّاب، وكاتب وكُتَّاب، وتارة يكون جمعًا، أشار إليه بقوله: والسَّامر ههنا، يعني في هذا الموضع في موضع الجمع، وذلك كالباقر والجامل للبقر والجمال، يقال: سمر القوم وهم يسمرون باللَّيل أي يتحدَّثون فهم سُمّار وسامر، وقول هذا القائل والذي يظهر لي إلى آخره أخذه من كلام الكِرْماني، وكلاهما تائه. ومتى ذكرت الآية ههنا حتَّى يقول: وهو المشار إليه بقوله: ههنا أي في الآية، وهذا كلام صادر من غير تفكُّر ولا بصيرة، والتحقيق ما ذكرناه الذي لم يطلع عليه شارح ولا مرَّ بفكره قادح. انتهى.\n\n٥٩٩ - <span id=\"b-١٦٣\"> </span>قوله: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) أي ابن مُسَرْهَد.\nقوله: (قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى) أي القطَّان.\nقوله: (قَالَ حَدَّثَنَا عَوْفٌ) أي الأعرابي، ترجمته في باب اتباع الجنائز من الإيمان.\nقوله: (قَالَ حَدَّثَنَا أبُو المِنْهَالِ) أي سَيَّار بن سَلَامة، ترجمته في باب وقت العصر.\nقوله: (قَالَ: انْطَلَقْتُ مَعَ أَبِي سَلَامَةَ).\nقوله: (إِلَى أَبِي بَرْزَةَ الأَسْلَمِيِّ) أي -بفتح الباء الموحَّدة وسكون الرَّاء وفتح الزاي- نَضْلَة بن عُبَيْد، ترجمته في باب وقت الظُّهر عند الزوال.\nقوله: (فَقَالَ لَهُ أَبِي: حَدِّثْنَا كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يصلِّي المكْتُوبَةَ؟ قال: كَانَ يُصَلِّي الهَجِيْرَ وَهِيَ الَّتي تَدْعُونَهَا الأُولَى حِيْنَ تَدْحَضُ الشَّمْسُ، وَيُصَلِّي العَصْرَ، ثمَّ يَرْجِعُ أَحَدُنَا إِلَى أَهْلِهِ فِي أَقْصَى المَدِينَةِ وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ وَنَسِيتُ مَا قَالَ","vol":"1","page":119},{"text":"فِي المغْرِبِ قَالَ: وكَانَ يَسْتَحِبُّ أَنْ يُؤَخِّرَ العِشَاءَ، قَالَ: وكَانَ يَكْرَهُ النَّوم قَبْلَهَا، وَالحَدِيثَ بَعْدَهَا، وكَانَ يَنْفَتِلُ مِنْ صَلَاةِ الغَدَاةِ، حِينَ يَعْرِفُ أَحَدُنَا جَلِيسَهُ، وَيَقْرَأُ مِنَ السِّتِّينَ إِلَى المِائَةِ).\nمطابقته للترجمة في قوله: (وَكَانَ يَكْرَهُ النَّوم قَبْلَهَا، وَالحَدِيْثَ بَعْدَهَا) والحديث بعد العشاء هو السَّمر، وهذا الحديث إلى قوله: (وَنَسِيْتُ مَا قَالَ فِي المَغْرِبِ) قد مرَّ في باب وقت الظُّهر عند الزوال رواه عن حَفْص بن عُمَر عن شُعْبَة عن أبي المِنْهال، وههنا عن مُسَدَّد عن يحيى القطَّان عن عَوْف عن أبي المِنْهال، وقد مرَّ الكلام مستوفىً هناك بجميع تعلقاته.\nقوله: (حَدِّثنَا كَيفَ كَانَ) بلفظ الأمر، قال شيخنا: وموضع الحاجة من الحديث هنا قوله: (وَكَانَ يَكْرَهُ النَّوم قَبْلَهَا، وَالحَدِيثَ بَعْدَهَا) لأنَّ النَّوم قبلها قد يؤدِّي إلى إخراجها عن وقتها مطلقًا، أو عن المختار، والسَّمر بعدها قد يؤدِّي إلى النَّوم عن الصُّبح، أو عن وقتها المختار، أو عن قيام اللَّيل، وكان عُمَر بن الخطَّاب ﵁ يضرب النَّاس على ذلك، ويقول: أسهرًا أوَّل اللَّيل ونومًا آخره. وإذا تقرر أنَّ علَّة النَّهي ذلك، فقد يفرِّق فارق بين اللَّيالي الطِّوال والقصار، ويمكن أن تحمل الكراهة على الإطلاق حسمًا للمادَّة، لأنَّ الشيء إذا شرع لكونه مظنَّة قد يستمرُّ فيصير سنَّة، والله أعلم.\n\n <span id=\"b-١٦٤\"> </span>(٤٠) <span data-type=\"title\" id=toc-164>(بَابُ السَّمَرِ فِي الفِقْهِ والخَيْرِ بَعْدَ العِشَاءِ)</span> أي هذا باب في بيان حكم السَّمَر في الفقه، بأن يتباحثوا فيه، وإنَّما خصَّه بالذكر وإن كان داخلًا في الخير، تنويهًا بذكره وتنبيهًا على قدره.\nقوله: (بَعْدَ العِشَاءِ) أي بعد صلاة العشاء، وروى التِّرْمِذي من حديث عُمَر رضي الله تعالى عنه: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَسْمرُ هُوَ وَأَبُو بَكْرٍ ﵁ فِي الأَمر من أَمر المُسْلِمِين» وقال: حديث حسن.\n\n٦٠٠ - <span id=\"b-١٦٥\"> </span>قوله: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بنُ صَبَّاحٍ) أي بتشديد الباء الموحَّدة، ويروى الصبَّاح بالألف واللَّام، ويجوز دخول الألف واللَّام على العلم إذا كان في الأصل صفة للمح الوصفيَّة، وهو العطاء، مات سبع ومائتين.\nقوله: (قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيٍّ الحَنَفِيُّ) أي عُبَيْد الله بن عبد المجيد، مات سنة أربع وخمسين ومائة.\nقوله: (قَالَ حَدَّثَنَا قُرَّةُ بنُ خَالِدٍ) أي -بضمِّ القاف وتشديد الرَّاء- السدوسي، مات سنة أربع وخمسين ومائة.\nقوله: (انْتَظَرْنَا الحَسَنَ) أي البصري، في باب: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات: ٩].\nقوله: (وَرَاثَ عَلَيْنَا حتَّى قَرِيبًا مِنْ وَقْتِ قِيامِه، فَجَاءَ وقالَ: دَعَانَا جِيرَانُنَا هَؤُلَاءِ، ثمَّ قَالَ: قَالَ أَنَسُ) أي ابن مالك ﵁، ترجمته في باب من الإيمان أن يحبَّ.\nفي هذا الإسناد التَّحديث بصيغة الجمع في ثلاث مواضع، وفيه القول في خمس مواضع، وفيه أن رواته كلُّهم بصريُّون.\nقوله: (نَظَرْنَا النَّبِيَّ ﵇، ذَاتَ لَيْلَةٍ حتَّى كَانَ شَطْرُ اللَّيل يَبْلُغُهُ، فَجَاءَ فصلَّى لَنَا، ثمَّ خَطَبَنَا فَقَالَ: ألا إِنَّ النَّاس قَدْ صَلَّوْا ثمَّ رَقَدُوا، وَإِنَّكُمْ لَنْ تَزَالُوا فِي صَلَاة مَا انْتَظَرْتُمُ الصَّلَاةَ) قال الحسن: (وَإِنَّ القَوْمِ لَا يَزَالُوْنَ فِي خَيْرٍ مَا انْتَظَرُوا الخَيْرَ). قال قرَّة: هو من حديث أَنَس عن النَّبِيِّ ﵇، مطابقته للترجمة في قوله: (ثُمَّ خَطَبَنَا) هذا الحديث أخرجه مسلم من حديث قرَّة عن قَتَادَة عن أَنَس، والبخاري أبدل قَتَادَة بالحسن.\nقوله: (وَرَاثَ عَلَيْنَا) جملة حالية","vol":"1","page":120},{"text":"فعلية وفعلها ماض، فيكون بالواو، ومعنى راث -بالثَّاء المثلَّثة مميز مهموز-: أبطأ، يقال: راث يريث ريثًا.\nقوله: (حَتَّى قَرِيْبًا) أي حتَّى كان الزَّمان أو ريثه قريبًا من وقت قيام الحسن، أي الذي جرت عادته بالقعود معهم فيه كلَّ ليلة في المسجد، لأخذ العلم عنه، أو من النَّوم لأجل التهجُّد، ويروى: (حَتَّى قَرُبْنا) من قَرُب يَقْرُب، جملة فعليَّة.\nقوله: (جِيْرَانُنَا) -بكسر الجيم- جمع جار، وإنَّما قال الحسن هذه المقالة في معرض الاعتذار عن تخلُّفه عن القعود على عادته.\nقوله: (ثُمَّ قَالَ) أي الحسن.\nقوله: (نَظَرْنَا النَّبِيَّ ﵇) وفي رواية الكُشْمِيْهَني: &lt;انْتَظَرْنَا&gt;، وكلاهما بمعنى، والنظر يجيء بمعنى الانتظار.\nقوله: (ذَاتَ لَيْلَةٍ) أي في ليلة، والمعنى قطعة من الزمان، وإضافة ذات إلى ليلة من قبيل إضافة المسمَّى إلى الاسم، وهي قليلة لأنَّها تفيد بدون المضاف ما تفيد معه.\nقوله: (حَتَّى كَانَ شَطْرُ اللَّيْلِ) شطر بالرَّفع، وكان تامَّة ويجوز أن تكون كان ناقصة.\nوقوله: (يَبْلُغُهُ) استئنافًا أو جملة مؤكدة، ومعناه يصل اللَّيل، أو الانتظار إلى الشَّطر، يقال: بلغت المكان بلوغًا، إذا وصلت إليه، وكذلك إذا شارفت عليه وقاربته.\nقوله: (مَا انْتَظَرْتُمُ الصَّلَاةَ) أي مدَّة انتظار الصلاة.\nقوله: (فِي خَيْرٍ) ويروى: بخير بالباء، يعني عمم الحسن الحكم في كلِّ الخيرات، وذكر ذلك لأصحابه مؤنسًا لهم ومعرفًا أنَّهم وإن كان فاتهم الأجر على ما يتعلَّمونه منه في تلك اللَّيلة على ظنِّهم فلم يفتهم الأجر مطلقًا، لأن منتظر الخير في خير، فيحصل له الأجر بذلك، قال الكِرْماني: فإن قلت: المنتظر للصلاة جاز له الكلام والأكل ونحوهما، فما معنى كونه في الصلاة؟ قلت: من جهة حصول الثواب له لا من جميع الجهات.\nقوله: (قَالَ قُرَّة) أي ابن خالد.\nقوله: (هُوَ مِنْ حَدِيْثِ أَنَس) أي قول الحسن: (وَإِنَّ القَوْمَ لَا يَزَالُوْنَ فِي خَيْرٍ...) إلى آخره، من حديث أَنَس لا من حديث النَّبِيِّ ﷺ، لأن الحسن لم يصرِّح برفعه ولا بوصله، بخلاف الكلام الأول، فإنه ظاهر أنَّه عن النَّبِيِّ ﷺ، فأراد قرَّة الذي اطلع على كونه في نفس الأمر موصولًا مرفوعًا، أن يعلم من رواه عنه بذلك، قال شيخنا: تنبيه أخرج مسلم وابن خُزَيمَة في صحيحهما عن عبد الله بن الصبَّاح شيخ البخاري، بإسناده هذا، حديثًا خالف البخاري فيه في بعض الإسناد والمتن، فقالا: عن أبي علي الحنفي عن قرَّة بن خالد عن قَتَادَة عن أَنَس قال: (نَظَرْنَا النَّبِيَّ ﷺ لَيْلَةً، حتَّى كَانَ قَرِيبًا مِنْ نِصْفِ اللَّيْلِ، فَجَاءَ النَّبِيُّ ﷺ فَصَلَّى، قَالَ: فَكَأَنَّمَا أَنْظُرُ إِلَى وَبِيضِ خَاتَمِهِ حَلْقَةُ فِضَّةٍ). انتهى.\nوأخرجه الإسماعيلي في «مستخرجه» عن عُثْمان بن سهل عن عبد الله بن الصبَّاح، كذلك من رواية قرَّة عن قَتَادة، ولم يُصب في ذلك، فإن الذي يظهر لي أنَّه حديث آخر كان عند أبي علي الحنفي عن قرَّة أيضًا، وسمعه منه عبد الله بن الصبَّاح، كما سمع منه الحديث الآخر عن قرَّة عن الحسن، ويدلُّ على ذلك أنَّ في كلِّ من الحديث ما ليس في الآخر، وقد أورد أبو نُعَيم في «مستخرجه» الحديثين من الطريقين، فأورد حديث قرَّة عن قَتَادَة من طريق، منها عن يزيد بن عُمَر، وعن أبي علي الحنفي، وحديث قرَّة عن الحسن،","vol":"1","page":120},{"text":"من رواية حجَّاج بن نُصَير عن قرَّة، وهو في التحقيق حديث واحد عند أَنَس، اشترك الحسن وقَتَادَة في سماعه منه، واقتصر الحسن على موضع حاجته منه فلم يذكر قصَّة الخاتم، وزاد مع ذلك على قَتَادَة ما لم يذكره، والله أعلم.\n\n٦٠١ - <span id=\"b-١٦٦\"> </span>قوله: (حَدَّثَنَا أبُو اليَمَانِ) أي الحكم بن نافع، ترجمته في بدء الوحي.\nقوله: (قَاَل: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) أي ابن أبي حمزة الحمصي، ترجمته في البدء أيضًا.\nقوله: (عَنِ الزُّهْرِيِّ) أي محمَّد بن مسلم، ترجمته في باب إذا لم يكن الإسلام.\nقوله: (قَالَ: حَدَّثَنِي سَالِمُ بنُ عَبْدِ اللهِ بنِ عُمَرَ) أي ابن الخطَّاب، ترجمته في باب الحياء من الإيمان.\nقوله: (وأبُو بَكْرِ بنُ أبي حَثْمَةَ) أي بفتح الحاء المهملة وسكون الثَّاء المثلَّثة، وهو ينتسب إلى جدِّه، قال شيخنا: نسبه إلى جدِّه، وهو أبو بكر بن سُلَيمان بن أبي حَثْمَة، وقد تقدَّم ذلك في باب السمر بالعلم في كتاب العلم. انتهى.\nقوله: (أنَّ عَبْدَ الله بنَ عُمَرَ) أي أبوه، ترجمته في كتاب الإيمان.\nقوله: (قَالَ: صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ صَلَاةَ العِشَاءِ فِي آخِرِ حَيَاتِهِ، فَلَمَّا سَلَّمَ قامَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: أَرَأَيْتَكُمْ لَيْلَتَكُمْ هَذِهِ، فَإِنَّ عَلَى رَأْسِ مِائَةِ سَنَةٍ، لَا يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ اليَوْمَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ أَحَدٌ فَوَهِل النَّاس فِي مقَالَة النَّبِيِّ ﷺ إِلَى مَا يتحدثون من هَذِه الْأَحَادِيث عن مائة سنة، وإِنّما قالَ النَّبِيُّ ﷺ: لَا يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ اليَوْمَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ يُرِيدُ بِذَلِكَ إنَّها تَخْرِمُ ذَلِكَ القَرْنَ).\nمطابقته للترجمة في قوله: (فَلَمَّا سَلَّم قَامَ النَّبِيُّ ﵇) إلى قوله: (فَوَهِلَ النَّاسُ) قال العَيني: روي هذا الحديث في باب السَّمر بالعلم، في كتاب العلم عن سعيد بن عُفَير عن اللَّيث عن عبد الرحمن بن خالد بن مُسافر عن ابن شِهاب عن سالم وأبي بكر بن أبي حَثْمَة أن عبد الله بن عُمَر ﵄ قال: «صلَّى لنا رسول الله ﷺ العشاء في آخر حياته»، إلى قوله «أحد»، ومن قوله: (فَوَهِلَ النَّاسُ...) إلى آخره، زاده هنا في هذه الرواية.\nقوله: (أَرَأَيْتَكُمْ)، معناه أعلموني، والكاف للخطاب ولا محلَّ لها من الإعراب، والميم تدلُّ على الجماعة، وهذه موضعه نصب، والجواب محذوف، والتقدير: أرأيتكم ليلتكم هذه فاحفظوها واحفظوا تاريخها.\nقوله: (فَوَهِلَ) -بفتح الهاء وكسرها- أي قال ابن عمر: (فَوَهِلَ النَّاسُ)، قال الجَوْهَري: وَهِل من الشيء وعن الشيء إذا غلط فيه، وَوَهَلَ إليه بالفتح إذا ذهب وهمه إليه وهو يريد غيره، مثل وهم، وقال الخطَّابيُّ: أي توهموا وغلطوا في التأويل، وقال النَّوَوي: يقال وَهَلَ -بالفتح- يِهِلُّ وَهْلًا، كضرب يضرب ضربًا، أي غلط وذهب وهمه إلى خلاف الصواب، وَوَهِلَ -بالكسر- يوهِل وهلًا، كحذر يحذر حذرًا، أي فزع، قال شيخنا: فوهل النَّاس أي غلطوا أو توهَّموا أو فزعوا أو نسوا، والأوَّل أقرب. انتهى.\nقوله: (فِي مَقَالَةِ النَّبِيِّ ﷺ) وفي رواية المُسْتَمْلي والكُشْمِيهَني: &lt;مِنْ مَقَالَةِ النَّبِيِّ ﷺ&gt;.\nقوله: (إِلَى مَا يَتَحَدَّثُوْنَ منْ هَذِه الأَحَادِيث) أي حيث يؤوِّلونها بهذه التأويلات الَّتي كانت مشهورة بينهم، مشارًا إليها عندهم في المعنى المراد عن مائة سنة، مثل إنَّ المراد بها انقراض العالم بالكليَّة ونحوه، لأن بعضهم كان يقول: إن السَّاعة تقوم عند انقضاء مائة سنة، كما روى ذلك الطَّبَرَاني وغيره من حديث أبي مسعود البدري، وردَّ عليه علي بن أبي طالب","vol":"1","page":121},{"text":"﵁، وعرض ابن عمر: أن النَّاس ما فهموا ما أراد رسول الله ﷺ من هذه المقالة، وحملوها على محامل كلِّها أوهام، وبيَّن في هذا الحديث أن رسول الله ﷺ أراد بذلك انخرام القرن عند انقضاء مائة سنة من مقالته تلك، وهو الذي كان هو فيه بأن ينقضي أهاليه، ولا يبقى منهم أحد بعد مائة سنة، وليس مراده أن ينقرض العالم بالكليَّة، وكذلك وَقَعَ بالاستقراء، فكان آخر من ضبط عمره ممن كان موجودًا حينئذ أبو الطفيل عامر بن واثلة، وقد أجمع أهل الحديث على أنَّه كان آخر الصحابة موتًا، وغاية ما قيل فيه إنَّه بقي إلى سنة عشر ومائة، وهي رأس مائة سنة من مقالة النَّبِيِّ ﷺ، وهذا إعلام من رسول الله ﷺ بأن أعمار أمَّته ليست تطول كأعمار من تقدَّم من الأمم السالفة، ليجتهدوا في العمل.\nقوله: (يُرِيْدُ) أي يريد النَّبِيُّ ﷺ، (بِذَلِكَ) أي بقوله هذا، (أَنَّهَا) أي مائة سنة يعني مضيها.\nقوله: (تَخْرِمُ) من الإخرام بالخاء المعجمة.\nقوله: (ذَلِكَ القَرْنَ) أي القرن الذي هو فيه، والقرن -بفتح القاف- كلُّ طبقة مقترنين في وقت، ومنه قيل لأهل كلِّ مدَّة أو طبقة بعث فيها نبي قرن، قلَّتِ السنون أو كثرت.\nومما يستنبط من هذا الحديث والذي قبله، أنَّ السَّمر المنهي عنه بعد العشاء، إنَّما هو فيما لا ينبغي، وكان ابن سيرين والقاسم وأصحابه يتحدَّثون بعد العشاء يعني في الخير، وقال مجاهد: يكره السَّمر بعد العشاء إلَّا لمصلٍّ أو مسافرٍ أو دارس علم.\n\n <span id=\"b-١٦٧\"> </span>(٤١) (بَابُ السَّمَرِ مَعَ الأَهْلِ وَالضَّيْفِ) أي هذا باب في بيان السَّمر مع الأهل، وأهل الرجل خاصَّته وعياله وحاشيته، فإن قلت: ما وجه إفراد هذا الباب من الباب السَّابق مع اشتماله عليه ودخوله فيه، قال علي بن المنيِّر: ما محصَّله: اقتطع البخاري هذا الباب من باب السَّمر في الفقه والخير لانحطاط رتبته عن مسمَّى الخير، لأنَّ الخير متمحِّض للطاعة، لا يقع على غيرها، وهذا النوع من السَّمر خارج عن أصل الضيافة والصلة المأمور بهما، فقد يكون مستغنى عنه في حقِّهما، فليلتحق بالسَّمر الجائز والمتردد بين الإباحة والندب.\n\n٦٠٢ - <span id=\"b-١٦٨\"> </span>قوله: (حَدَّثَنَا أَبو النُّعْمَانِ) أي محمَّد بن الفضل السَّدُوسي، ترجمته في باب قول النَّبِيِّ ﷺ الدين النصيحة.\nقوله: (قَالَ حَدَّثَنَا مُعْتَمِرُ بنُ سُلَيْمَانَ) أي التَّيْمي، ترجمته في باب من خص بالعلم قومًا.\nقوله: (قَالَ حَدَّثَنَا أَبِي) أي سُلَيمان بن طَرْخان، ترجمته في الباب أيضًا.\nقوله: (قَالَ حَدَّثَنَا أبُو عُثْمَانَ) أي عبد الرحمن بن ملّ بن عَمْرو النَّهْدي، مات سنة خمس وتسعين، وهو ابن ثلاث ومائة سنة، وكان قد أدرك الجاهلية تقدَّم في باب الصَّلاة كفَّارة.\nقوله: (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ أَبِي بَكْرٍ) أي الصِّدِّيق ﵄، ترجمته في باب نوم الرجال في المسجد.\nفي هذا الإسناد التَّحديث بصيغة الجمع في أربع مواضع، وفيه العنعنة في موضع واحد، وفيه القول في ثلاث مواضع، وفيه راوٍ من المخضرمين، وهو أبو عُثْمان، وفيه رواية الصحابي عن الصحابي ابن الصحابي، وهو عبد الرحمن.\nقوله: (إَنَّ أَصْحَابَ الصُّفَّةِ، كَانُوا أُنَاسًا فُقَرَاءَ، وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: مَنْ كَانَ عِنْدَهُ طَعَامُ اثْنَيْنِ فَلْيَذْهَبْ بِثَالِثٍ، وَإِنْ أَرْبَعٌ فَخَامِسٌ أَوْ سَادِسٌ وَأَنَّ أَبَا بَكْرٍ","vol":"1","page":121},{"text":"﵁ جَاءَ بِثَلَاثَةٍ، وَانْطَلَقَ النَّبِيُّ ﷺ بِعَشَرَةٍ، قَالَ: فَهُوَ أَنَا وَأَبِي وَأُمِّي وَلَا أَدْرِي هَلْ قَالَ: وَامْرَأَتِي وَخَادِمٌ بَيْنَ بَيْتِنَا وَبَيْتِ أَبِي بَكْرٍ، وَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ تَعَشَّى عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ، ثمَّ لَبِثَ حَيْثُ صُلِّيَتِ العِشَاءُ، ثمَّ رَجَعَ، فَلَبِثَ حتَّى تَعَشَّى النَّبِيُّ ﷺ، فَجَاءَ بَعْدَ مَا مَضَى مِنَ اللَّيل مَا شَاءَ اللهُ، قَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ: مَا حَبَسَكَ عَنْ أَضْيَافِكَ أَوْ قَالَتْ: ضَيْفِكَ قَالَ: أَوَ مَا عَشَّيْتِهِمْ؟ قَالَتْ: أَبَوْا حتَّى تَجِيءَ، قَدْ عُرِضُوا فَأَبَوْا، قَالَ: فَذَهَبْتُ أَنَا فَاخْتَبَأْتُ، فَقَالَ: يَا غُنْثَرُ فَجَذَّعَ وَسَبَّ، وَقَالَ: كُلُوا لَا هَنِيئًا، فَقَالَ: وَاللهِ لَا أَطْعَمُهُ أَبَدًا، وَايْمُ اللهِ، مَا كُنَّا نَأْخُذُ مِنْ لُقْمَةٍ إلَّا رَبَا مِنْ أَسْفَلِهَا أَكْثَرُ مِنْهَا قَالَ: شَبِعُوا وَصَارَتْ أَكْثَرَ مِمَّا كَانَتْ قَبْلَ ذَلِكَ، فَنَظَرَ إِلَيْهَا أَبُو بَكْرٍ فَإِذَا هِيَ كَمَا هِيَ أَوْ أَكْثَرُ، فَقَالَ لِامْرَأَتِهِ: يَا أُخْتَ بَنِي فِرَاسٍ مَا هَذَا؟ قَالَتْ: لَا وَقُرَّةِ عَيْنِي، لَهِيَ الآنَ أَكْثَرُ مِنْهَا قَبْلَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مراتٍ، فَأَكَلَ مِنْهَا أَبُو بَكْرٍ، وَقَالَ: إنَّما كَانَ ذَلِكَ مِنَ الشَّيطان يَعْنِي يَمِينَهُ ثمَّ أَكَلَ مِنْهَا لُقْمَةً، ثمَّ حَمَلَهَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَصْبَحَتْ عِنْدَهُ، وكَانَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمٍ عَقْدٌ، فَمَضَى الأَجَلُ، فَفَرَّقَنَا اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا، مَعَ كُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ أُنَاسٌ، اللهُ أَعْلَمُ كَمْ مَعَ كُلِّ رَجُلٍ، فَأَكَلُوا مِنْهَا أَجْمَعُونَ، أَوْ كَمَا قَالَ).\nمطابقته للترجمة تؤخذ من قول أبي بكر ﵁ لزوجته: أو ما عشيتهم، ومراجعته لخبر الأضياف، وقوله لأضيافه: كلوا، وكلُّ ذلك في معنى السَّمر المباح، هذا الحديث أخرجه البخاري أيضًا في علامات النُّبوَّة، عن موسى بن إسماعيل، وفي الأدب عن أبي موسى محمَّد بن المثنَّى، وأخرجه مسلم في الأطعمة عن عُبَيْد الله بن معاذ وحامد بن عُمَر ومحمَّد بن عبد الأعلى وعن محمَّد بن مثنَّى، وأخرجه أبو داود في الكفَّارة والنُّذُور عن محمَّد بن مثنَّى وعن مؤمَّل بن هشام.\nقوله: (إِنَّ أَصْحَابَ الصُّفَّةِ) قال النَّوَوي: هم زهَّاد من الصحابة فقراء غرباء، كانوا يأوون إلى مسجد النَّبِيِّ ﷺ وكانت لهم في آخره صفَّة، وهي مكان مقتطع من المسجد مظلل عليه، يبيتون فيه وكانوا يقلُّون ويكثرون، وفي وقت كانوا سبعين، وفي وقت غير ذلك، فيزيدون بمن يقدم عليهم، وينقصون بمن يموت أو يسافر أو يتزوج، وفي التلويح الصفَّة: موضع مظلل في المسجد كان للمساكين والغرباء، وهم الأوفاض أي الفرق والأخلاط من النَّاس، يأوون إليه، وعد منهم أبو نُعَيم في «الحلية» مائة ونيفًا.\nقوله: (كَانُوا أُنَاسًا) وفي رواية الكُشْمِيهَني: &lt;كَانُوا نَاسًا&gt; بلا ألف، والنَّاس والأناس بمعنى واحد، قلت: النَّاس هم الجماعة من الحيوان المتميِّزة بالصور الإنسانيَّة. انتهى.\nقوله: (فَلْيَذْهَبْ بِثَالِثٍ) أي من أصحاب الصُّفة، هذا هو الصَّواب وهو الأصحُّ من رواية مسلم فليذهب بثلاثة، لأنَّ ظاهرها صيرورتهم خمسة، وحينئذ لا يمسك رمق أحد، بخلاف الواحد مع الاثنين، وقال القُرْطُبي: لو حملَ رواية مسلم على ظاهرها فسد المعنى، وذلك أن الذي عنده طعام اثنين إذا أكله في خمسة لم يكف أحدًا منهم ولا يمسك رمقه، بخلاف الواحد، قال النَّوَوي: والذي في مسلم أيضًا له وجه تقديره وليذهب بمن يتم ثلاثة أو بتمام ثلاثة، كما قال تعالى: ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ﴾ [فصلت: ١٠] أي في تمام أربعة أيام، وقال ابن العَرَبي: لم يقل ﵇ أنَّ طعام الاثنين يشبع الثلاثة،","vol":"1","page":122},{"text":"إنَّما قال يكفي وهو غير الشِّبَع، وكانت المواساة إذ ذاك واجبة لشدة الحال. انتهى. قلت: قد وَقَعَ الشبع وزاد الطعام في قصَّة أضياف أبي بكر الكرام، فلو ذهب المضيف بأكثر من خمسة وعنده طعام اثنين لكفاهم، لبركة إشارته، وإجابة أمره، وقنع الأضياف الزهاد، وتسميتهم على طعامه، فلا استبعاد بقضيَّة الأمر المعتاد. انتهى.\nقوله: (وإنْ أرْبَعٌ فَخَامِسٌ أوْ سَادِسٌ) أي وإن كان عنده طعام أربع فليذهب بخامس أو بسادس، هذا وجه الجرِّ في خامس أو سادس، ويروى برفعهما فوجهه كذلك، لكن بإعطاء المضاف إليه وهو أربع، إعراب المضاف وهو طعام، وبإضمار مبتدأ للفظ خامس، وفي رواية مسلم من كان عنده طعام أربعة فليذهب بخامس بسادس، وقال الكِرْماني: فإن قلت: كيف يتصوَّر السادس إذا كان عنده طعام أربع؟ قلت: معناه فليذهب بخامس أو بسادس مع الخامس، والعقل يدلُّ عليه، إذ السادس يستلزم خامسًا، فكأنه قال: فليذهب بواحدٍ أو باثنين، والحاصل أن أو لا يدلُّ على منع الجمع بينهما، ويحتمل أن يكون معنى أو سادس، وإن كان عنده طعام خمس فليذهب بسادس، فيكون من باب عطف الجملة على الجملة، وقال ابن مالك: هذا الحديث مما حذف فيه بعد أن والفاء فعلان وحرفا جرٍّ باقٍ عملهما، وتقديره وإن قام أربعة فليذهب بخامس أو سادس، وفي التوضيح: كلمة أو للتنويع، وقيل: للإباحة.\nقوله: (وانْطَلَقَ النَّبِيُّ ﷺ) قال: هنا انطلق، وعن أبي بكر: (جَاءَ) لأنَّ المجيء هو المشي المقرب إلى المتكلِّم، والانطلاق المشي المبعد عنه.\nقوله: (قَالَ) أي عبد الرحمن، &lt;فَهُوَ أَنَا وَأَبِي وَأُمِّي&gt; هذه رواية الكُشْمِيهَني، وفي رواية المُسْتَمْلي &lt;فَهُوَ أَنَا وَأُمِّي&gt;.\nوقوله: (هُوَ) ضمير الشأن، وأنا مبتدأ، وأبي وأمي عطف عليه، والخبر محذوف يدلُّ عليه الشأن.\nقوله: (ولَا أدْرِي) كلام أبي عُثْمان النَّهْدي الراوي.\nقوله: (وخَادِمٌ) بالرفع عطف على امرأتي على تقدير أن يكون لفظ امرأتي موجودًا فيه، وإلَّا فهو عطف على أمَّي.\nقوله: (بَيْنَ بَيْتِنا وَبَيْتِ أَبِي بِكْرٍ) هكذا هو في رواية أبي ذرٍّ، والرواية المشهورة: «بيننا وبين أبي بكر»، يعني مشتركة خدمتها بيننا وبين أبي بكر.\nقوله: (بَيْنَ) ظرف لخادم.\nقوله: (تَعَشَّى) أي أكل العشاء، وهو بفتح العين، الطعام الذي يؤكل آخر النّهار.\nقوله: (ثُمَّ لَبِثَ) أي في داره.\nقوله: (حَتَّى صُلِّيَتِ) بلفظ المجهول، وهذه رواية الكُشْمِيهَني، يعني لفظ &lt;حَتَّى&gt;، وفي رواية غيره: &lt;حَيْث صُلِّيَت&gt;.\nقوله: (العِشَاءُ) أي صلاة العشاء.\nقوله: (ثُمَّ رَجَعَ) أي أتى إلى رسول الله، وفي صحيح الإسماعيلي: ثمَّ ركع بالكاف، أي صلَّى النافلة بعد العشاء، يدلُّ هذا على أنَّ قول البخاري: ثمَّ رجع ليس مما اتَّفق عليه الرواة.\nقوله: (حَتَّى تَعَشَّى النَّبِيُّ ﷺ) وعند مسلم: «حتَّى نعس النَّبِيُّ ﷺ».\nقوله: (قَالَتْ لَهُ) أي لأبي بكر، امرأته وهي أمُّ رومان -بضمِّ الرَّاء وفتحها- وقال السُّهَيلي: اسمها دَعْد، وقال غيره: زينب، وهي من بني فراس","vol":"1","page":122},{"text":"بن غَنْم بن مالك بن كِنانة.\nقوله: (أَوْ ضَيْفِكَ) شكٌّ من الراوي، وقال الكِرْماني: قوله (ضَيْفِكَ)، فإن قلت: هم كانوا ثلاثة، فلم أفرد؟ قلت: هو لفظ الجنس يطلق على القليل والكثير، أو مصدر يتناول المثنى والجمع، قال العَيني: بُني هذا السؤال على أن نسخته كانت ضيفك، بدون قوله أضيافك، لكن قوله: (أو) مصدر غير صحيح لفساد المعنى.\nقوله: (أَوَ مَا عَشَّيْتِهِمْ؟) الهمزة للاستفهام والواو للعطف على مقدَّر بعد الهمزة، ويروى: «عشيتيهم» بالياء الحاصلة من إشباع الكسرة.\nقوله: (أَبَوْا) أي امتنعوا وامتناعهم من الأكل رفقًا به، لظنِّهم إنَّه لا يجد عشاء، فصبروا حتَّى يأكل معهم.\nقوله: (قَدْ عَرَضُوا) -بفتح العين- أي الأهل والمرأة والخادم، وفي رواية: &lt;فَعَرَضْنَا&gt; عليهم، ويروى: &lt;عَرَصُوا&gt; -بالصَّاد المهملة- وقال ابن التِّين: لا أعلم له وجهًا، ويحتمل أن يكون من عرص إذا نشط، فكأنَّ أهل البيت نشطوا في العزيمة عليهم، وقال الكِرْماني: وفي بعض النُّسخ بضمِّ العين، أي عُرض الطعام على الأضياف، فحذف الجار وأوصل الفعل، إذ هو من باب القلب، نحو عرضت الحوض على النَّاقة.\nقوله: (فَذَهَبْتُ) أي قال عبد الرحمن.\nقوله: (فَاخْتَبَأْتُ) أي اختفيت، وكان اختفاؤه خوفًا من خصام أبيه، لأنَّه لم يكن في المنزل من الرجال غيره، أو لأنَّه أوصاه بهم.\nقوله: (فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يا غُنْثَرُ) -بضمِّ الغين المعجمة وسكون النُّون وفتح الثاء المثلثة وضمِّها أيضًا- قال ابن قُرْقُول: معناه يا لئيم يا دنيء، وقيل: الثَّقيل الرخم، وقيل: الجاهل، من الغثارة وهي الجهل، والنُّون زائدة، وقيل: مأخوذ من الغثر وهو السُّقوط، وقال عياض: وعن بعض الشيوخ: يا عَنْتَر -بفتح العين المهملة وسكون النُّون وفتح التَّاء المُثَنَّاة من فوق- وهو الذُّباب الأزرق، شبَّهه به تحقيرًا له، والأوَّل هي الرواية المشهورة، قاله النَّوَوي.\nقوله: (فجَدَّعَ) -بفتح الجيم وتشديد الدَّال المهملة، وفي آخره عين مهملة- أي دعا بالجدع وهو قطع الأنف أو الأذن أو الشفَّة وهو بالأنف أخصُّ، وقيل: معناه السبُّ، وقال القُرْطُبي: فيه البعد لقوله فجدَّع وسبَّ، قال ابن قُرْقُول: وعند المَرْوَزي بالزَّاي، قال: وهو وهم، وقال القُرْطُبي: وكل ذلك من أبي بكر ﵁ على ابنه، ظنًا منه إنَّه فرط في حق الأضياف، فلمَّا تبيَّن له أنَّ ذلك كان من الأضياف أدبَّهم بقوله: كلُّوا لا هنيئًا، وحلف أن لا يطعمه، وقيل: إنَّه ليس بدعاء عليهم إنَّما خبر، أي لم تتهنوا به في وقته، وقال السَّفَاقُسي: إنَّما خاطب بذلك أهله لا أضيافه، وهنيئًا منصوب على أنَّ فعله محذوف واجب حذفه في السَّماع والتقدير، هنَّاك الله هنيئًا، وههنا دخل عليه حرف النَّفي.\nقوله: (وَايْمُ الله) مبتدأ وخبره محذوف، أي وايم الله قسمي، وهمزته همزة وصل لا يجوز فيها القطع عند الأكثرين، والأصل فيه يمين الله ثمَّ جمع اليمين على أيمن، ولما كثر استعماله في كلامهم خفَّفوا بحذف النُّون فقالوا: ايم الله، وفيه لغات قد ذكرناها في باب الصعيد الطَّيِّب وضوء المسلم.\nقوله: (إلَاّ رَبَا) أي زاد.\nقوله: (وَصَارَتْ) الأطعمة.\nقوله: (أكْثَرَ مِمَّا كَانَتْ) بالثَّاء المثلَّثة ويروى بالباء الموحَّدة.\nقوله: (فإذَا هِي كَمَا هِيَ) أي فإذا الأطعمة","vol":"1","page":123},{"text":"كما هي على حالها لم تنقص شيئًا، والفاء فيه فاء المفاجأة.\nقوله: (فَقَالَ لاِمْرَأَتِهِ) أي قال أبو بكر لزوجته، وهي أمُّ عبد الرحمن أمُّ رُوْمَان.\nقوله: (يَا أُخْتَ بَنِي فِرَاسٍ) إنَّما قال كذلك لأنَّها بنت عبد دُهمان -بضمِّ الدَّال المهملة وسكون الهاء- أحد بني فراس بن غَنْم بن مالك بن كنانة كما ذكرنا عن قريب، وقال النَّوَوي: معناه يا من هي من بني فراس.\nقوله: (مَا هَذَا؟) استفهام من أبي بكر عن حال الأطعمة.\nقوله: (قَالَتْ: لا وَقُرَّةِ عَيْنِي) كلمة لا زائدة للتأكيد، ونظائره مشهورة، ويحتمل أن تكون نافية وثمة محذوف، أي لا شيء غير ما أقول، وهو قولها: قرَّة عيني، والواو فيه واو القسم، وقرَّة العين بضمِّ القاف وتشديد الرَّاء، يعبَّر بها عن المسرَّة ورؤية ما يحبُّ الإنسان، قيل: إنَّما قيل ذلك لأن عينه تقرُّ لبلوغه أمنيته، ولا تَسْتَشْرِف لشيء فيكون مشتقًّا من القرار، وقيل: مأخوذ من القُرِّ -بضمِّ القاف- وهو البرد، أي إنَّ عينه باردة لسرورها وعدم تلفتها، وقال الأَصْمَعي: أقرَّ الله عينه، أي أبرد دمعه، لأنَّ دمعة الفرح باردة ودمعة الحزن حارَّة، وقال الدَاوُدي: أرادت بقرَّة عينها النَّبِيَّ ﷺ، فأقسمت به، وقال ثعلب: تقول قررت به عينًا أقرُّ، وفي «الغريب المصنَّف» و«الإصلاح»: قَرِرْت وقَرَرْت قُرَّةً وقَرُورًا، وفي كتاب المثنى لابن عديس: وقَرّةً، وحكاها ابن سِيدَه، وفي «الصِّحاح»: يقِرُّ وتقرُّ وأقرَّ الله عينه، أعطاه حتَّى يقرَّ فلا يطمح إلى من هو فوقه، وقال ابن خالويه: ضحكت فخرج من عيني ماء قرور وهو البارد، وهو ضدُّ أسخن الله عينه، قال القزَّاز وقال أبو العبَّاس: ليس كما ذكر الأَصْمَعي من أن دمعة الفرح باردة والحزن حارَّة، قال: بل كلُّ دمع حارٍّ، قالوا: ومعنى قولهم هو قرَّة عيني، إنَّما يريدون هو رضى نفسي، قال: وقرَّة العين ناقة تؤخذ من المغنم قبل أن تقسم فيطبخ لحمها ويصنع، فيجتمع أهل العسكر عليه فيأكلون منه قبل القسمة، فإن كان من هذا فكأنه دعا له بالفرج والغنيمة، وفي الكتاب الفاخر: قال أبو عمرو: معناه أنام الله عينك، المعنى صادف سرورًا أذهب سهره فنام، وحكى القالي: أقرَّ الله عينك وأقرَّ الله بعينك.\nقوله: (فأَكَلَ مِنْهَا) أي من الأطعمة.\nقوله: (إنَّمَا كَانَ ذَلِكَ مِنَ الشَّيطان يَعْنِي يَمِينَهُ) وهو قوله والله لا أطعمه أبدًا.\nقوله: (ثُمَّ أَكَلَ مِنْهَا لُقْمَةً) وتكرار الأكل مع إنَّه واحد لأجل البيان، لأنَّه لما وَقَعَ الأوَّل أراد رفع الإبهام، بأنه أكل لقمة، وأما تركه اليمين ومخالفته لأجل إتيانه بالأوصل للحديث الذي ورد فيه، أو كان مراده لا أطعمه معكم، أو في هذه السَّاعة أو عند الغضب، وهذا مبني على أنَّه يقبل التقييد إذا كان اللَّفظ عامًّا، وعلى أن الاعتبار بعموم اللَّفظ أو بخصوص السبب.\nقوله: (إنَّمَا كَانَ ذَلِكَ مِنَ الشَّيْطَانِ) وفي رواية الأولى من الشَّيطان يعني يمينه، فأخزاه بالحنث الذي هو خير، وفي بعض الروايات لما جاء بالقصعة إلى النَّبِيِّ ﷺ أكل فيها.\nقوله: (فأصْبَحَتْ عِنْدَهُ) أي أصبحت الأطعمة عند النَّبِيِّ ﷺ.\nقوله: (عَقْدٌ) أي عهد مهادنة، وفي رواية: وكانت بيننا، والتأنيث","vol":"1","page":123},{"text":"باعتبار المهادنة.\nقوله: (فَفَرَّقَنَا) الفاء فيه فاء الفصيحة، أي فجاؤوا إلى المدينة ففرَّقنا من التفريق، أي جعل كلَّ رجل مع اثني عشر فرقة، وفي مسلم: فعرَّفنا -بالعين والرَّاء المشدَّدة- أي جعلنا عرفاء نقباء على قومهم، وقال الكِرْماني: وفي بعض الرواية فقَرّينا من القِرى بمعنى الضيافة.\nقوله: (اثْنَا عَشَرَ) وفي البخاري ومعظم نسخ مسلم: اثني عشر، وكلاهما صحيح، الأوَّل على لغة من جعل المثنَّى بالألف في الأحوال الثلاثة، وقال السَّفَاقِسي: لعلَّ ضبطه ففُرِّقنا بضمِّ الفاء الثانية وبرفع اثنا عشر على أنَّه مبتدأ، وخبره مع كلِّ رجل منهم أناس.\nقوله: (واللهُ أَعْلَمُ) جملة معترضة، أي أناس الله أعلم عددهم.\nقوله: (كَمْ مَعَ كلِّ رَجَلٍ) مميز كم محذوف، أي كم رجل مع كلِّ رجل.\nقوله: (أَوْ كَمَا قَالَ) شكٌّ من أبي عثمان، وفاعل قال عبد الرحمن ابن أبي بكر ﵄.\nفيه أنَّ للسلطان إذا رأى مسغبة أن يفرِّقهم على السعة بقدر ما [لا] (^١) يجحف بهم، قال التَّيْمي: وقال كثير من العلماء: إنَّ في المال حقوقًا سوى الزكاة، وإنَّما جعل رسول الله ﷺ على الاثنين واحدًا، وعلى الأربعة واحدًا، وعلى الخمسة واحدًا، ولم يجعل على الأربعة والخمسة بإزاء ما يجب للاثنين مع الثالث، لأن صاحب العيال أولى أن يرفق به، والحاصل فيه أنَّ تشريك الزائد على الأربعة لا يضر بالباقين، وكانت المواساة إذ ذاك واجبة لشدَّة الحال، وزاد ﵇ واحدًا واحدًا رفقًا بصاحب العيال، وضيق معيشة الواحد، والاثنين أرفق بهم من ضيق معيشة الجماعات.\nوفيه فضيلة الإيثار والمواساة، وأنَّه عند كثرة الأضياف يوزِّعهم الإمام على أهل المحلَّة، ويعطي لكلِّ واحد منهم ما يعلم أنَّه يحتمله، ويأخذ هو ما يمكنه، ومن هذا أخذ عُمَر بن الخطَّاب ﵁ فِعْلَه في عام الرمادة، على أهل كلِّ بيت مثلهم من الفقراء، ويقول: لن يهلك امرؤٌ عن نصف قوَّته، وكانت الضرورة ذلك العام، وقد تأوَّل سُفْيان بن عُيَيْنَة في المواساة في المسغبة قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ المُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ﴾ [التوبة: ١١١] ومعناه أنَّ المؤمنين يلزمهم القربة في أموالهم لله تعالى عند توجُّه الحاجة إليهم، ولهذا قال كثير من العلماء: في المال حقٌّ سوى الزكاة، وورد في التِّرْمِذي مرفوعًا.\nوفيه بيان ما كان عليه الشَّارع من الأخذ بأفضل الأمور، والسبق إلى السخاء والجود، فإنَّ عياله ﵇ كانوا قريبًا من عدد ضيفانه هذه اللَّيلة، فأتى بنصف طعامه أو نحوه، وأتى أبو بكر ﵁ بثلث طعامه أو أكثر.\nوفيه الأكل عند الرئيس وإن كان عنده ضيف، إذا كان في داره من يقوم بخدمتهم. وفيه أنَّ الولد والأهل يلزمهم من خدمة الضيف ما يلزم صاحب المنزل. وفيه أنَّ الأضياف ينبغي لهم أن يتأدَّبوا وينتظروا صاحب الدار، ولا يتهافتوا على الطعام دونه. وفيه الأكل من طعام ظهرت فيه البركة، وفيه إهداء ما يُرجى بركته لأهل الفضل، وفيه أنَّ آيات النَّبِيِّ ﷺ قد تظهر على يد غيره، وفيه ما كان عليه أبو بكر من الحبِّ للنَّبِيِّ ﷺ\n_________\n(^١) ليس في الأصل، وأضيفت لتمام المعنى من عمدة القاري.","vol":"1","page":124},{"text":"والانقطاع إليه، وإيثاره في ليله ونهاره على الأهل والأضياف، وفيه كرامة ظاهرة للصِّدِّيق ﵁.\nوفيه إثبات كرامات الأولياء ﵃، وهو مذهب أهل [السنَّة] (^١)، وفيه جواز تعريف العرفاء للعساكر ونحوهم، وفيه جواز الاختفاء عن الوالد إذا خاف منه على تقصير واقع منه، وفيه جواز الدعاء بالجذع والسبِّ على الأولاد عند التقصير، وفيه ترك الجماعة لعذر، وفيه جواز الخطاب للزوجة بغير اسمها، وفيه جواز القسم بغير [الله] (^٢).\nوفيه حمل المضيف المشقَّة على نفسه في إكرام الضيفان، والاجتهاد في رفع الوحشة، وتطييب قلوبهم، وفيه جواز ادخار الطعام لغد، وفيه مخالفة اليمين إذا رأى غيرها خيرًا منها، وفيه أنَّ الرَّاوي إذا شكَّ يجب أن ينبِّه عليه، كما قال: «لا أدري هلْ قالَ وامرأتي»، ومثل لفظة: «أو كما قال» ونحوها.\nوفيه أنَّ الحاضر يرى ما لا يرى الغائب، فإنَّ امرأة أبي بكر ﵁ لما رأت أن الضيفان تأخَّروا عن الأكل تألَّمت لذلك، فبادرت حين قدم تسأله عن سبب تأخُّره مثل ذلك، وفيه إباحة الأكل للضيف في غيبة صاحب المنزل، وأن لا يمتنعوا إذا كان قد أذِن في ذلك، لإنكار الصِّدِّيق عليهم.\nقلت: وفيه أنَّ الأضياف إذا امتنعوا عن الأكل أدبًا مع صاحب المنزل، لا يلحُّ الخادم وأهل الدَّار عليهم في ذلك، وفيه أنَّ المضيف إذا عزم على الأضياف، يذهب معهم إلى المنزل إلَّا أن يكون مشغولًا بأمر يتعلَّق بالسلطان أو شيخه ونحو ذلك، لأنَّ الياء في قوله (فليذهب) تقال للمصاحبة، وفيه أنَّ الولي ليس بمعصوم، وفيه ذكر ما يقع للكبير من التقصير. انتهى.\nقال شيخنا خاتمة: اشتمل كتاب المواقيت على مائة حديث وسبعة عشر حديثًا، المعلَّق من ذلك ستة وثلاثون حديثًا، والباقي موصول، الخالص منها ثمانية وأربعون حديثًا، والمكرر منها فيه وفيما تقدَّم تسعة وستون حديثًا، وافقه مسلم على جميعها سوى ثلاثة عشر حديثًا، وهي حديث أَنَس في السُّجود على الظهائر، وقد أخرج معناه وحديثه: (ما أعرف شيئًا)، وحديثه في المعنى: هذه الصَّلاة وقد ضعف، وحديث ابن عمر: (أبردوا)، وكذا حديث أبي سعيد، وحديث ابن عمر: (إنما بقاؤكم فيما سلف قبلكم)، وحديث أبي موسى: (مثل المسلمين واليهود)، وحديث أنس: (كنا نصلِّي العصر)، وقد اتفقا على أصله، وحديث عبد الله بن مغفل: (لا تغلبنكم الأعراب)، وحديث ابن عبَّاس: (لولا أن أشقَّ على أمَّتي)، وحديث سهل بن سعد: (كنت أتسحَّر)، وحديث معاوية: (في الركعتين بعد العصر)، وحديث أبي قتادة: (في النَّوم عن الصبح)، على أن مسلمًا أخرج أصل الحديث من وجه آخر، لكن بينَّا في الشرح أنهما حديثان لقصتين، والله أعلم، وفيه من الآثار الموقوفة ثلاثة، والله ﷾ أعلم.\n\n <span id=\"b-١٦٩\"> </span>بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-169>كِتَابُ الأَذَانِ</span>\nأي هذا كتاب في بيان أحكام الأذان، وفي بعض النُّسَخ بعد البسملة: أبواب الأذان،\n_________\n(^١) في الأصل بياض مقدار كلمة، وأضيفت [السنة] من عمدة القاري.\n (^٢) ليس في الأصل، وأضيفت لتمام المعنى من عمدة القاري.","vol":"1","page":124},{"text":"قلت: وهو الذي شرح عليه شيخنا، ولم يذكر كتاب. انتهى. وسقطت البسملة في رواية القابسي وغيره.\nوالأذان لغةً: الإعلام، قال تعالى: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٣] قال شيخنا: واشتقاقه من الأَذَنِ بفتحتين، وهو الاستماع، وقال العَيني: من أذَّن يؤذِّن تأذينًا وأذانًا، مثل: كلَّم يكلِّم تكليمًا وكلامًا، فالأذان والكلام اسم المصدر القياسي، وقال الهروي: الأذان والأذين والتأذين بمعنى، وقيل: الأذين المؤذِّن، فعيل بمعنى مفعل، وأصله من الأذن، كأنَّه يلقي في آذان النَّاس بصوته ما يدعوهم إلى الصلاة.\nوفي الشريعة: الأذان إعلام مخصوص، بألفاظ مخصوصة، في أوقات مخصوصة. ويقال: الإعلام بوقت الصَّلاة الَّتي عيَّنها الشَّارع مثناة، وقال القُرْطُبي وغيره: الأذان على قلَّة ألفاظه مشتمل على مسائل العقيدة، لأنَّه بدأ بالأكبرية، وهي تتضمَّن وجود الله وكماله، ثمَّ ثنَّى بالتوحيد ونفي الشريك، ثمَّ بإثبات الرسالة بمحمَّد ﷺ، ثمَّ دعا إلى الطاعة المخصوصة عقيب الشَّهادة بالرسالة، لأنَّها لا تعرف إلَّا من جهة الرسول، ثمَّ دعا إلى الفلاح وهو البقاء الدائم، وفيه الإشارة إلى المعاد، ثمَّ أعاد ما أعاد توكيدًا، ويحصل من الأذان: الإعلام بدخول الوقت، والدُّعاء إلى الجماعة، وإظهار شعائر الإسلام، والحكمة في اختيار القول له دون الفعل، سهولة القول وتيسيره لكلِّ أحد في كلِّ زمان ومكان.\nواختلف له أيُّما أفضل الأذان أو الإقامة؟ ثالثها: إن علم من نفسه القيام بحقوق الإمامة فهي أفضل، وإلا فالأذان، وفي كلام الشَّافعي ما يومئ إليه، واختُلِفَ أيضًا في الجمع بينهما، فقيل: يكره، وفي البَيْهَقي من حديث جابر مرفوعًا: النَّهي عن ذلك لكن سنده ضعيف، وصحَّ عن عمر: لو أطيق الأذان مع الخلافة لأذَّنت، رواه سعيد بن مَنْصور وغيره، وقيل: خلاف الأولى، وقيل: مستحبٌّ وصححه النَّوَوي ﵁.\n (بَابُ بِدْءِ الأَذَانِ) أي هذا باب في بيان ابتداء الأذان، وليس في رواية أبي ذرٍّ لفظ باب.\nقوله: (وَقُوْلِ الله تَعَالَى: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاة اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [المائدة: ٥٨] وقولِهِ: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الجُمُعَةِ﴾ [الجمعة: ٩])\nقوله: (وَقَوْلِ اللهِ) مجرور لأنَّه عطف على لفظ بدء، وقوله الثَّاني عطف عليه، وإنما ذكر هاتين الآيتين إما للتبرك، أو لإرادة ما بوَّب له، وهو بدء الأذان، وإن ذلك كان بالمدينة، والآيتان المذكورتان مدنيتان، وقد ذكر أهل التفسير أن اليهود لما سمعوا الأذان، قالوا: لقد أبدعت يا محمَّد شيئًا لم يكن فيما مضى، فنزلت: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ [المائدة: ٥٨] الآية، واختلف في السنة الَّتي فُرِضَ فيها، فالراجح أن ذلك كان في السنة الأولى، وقيل بل كان في السنة الثانية، ورُوِيَ عن ابن عبَّاس: أنَّ فَرض الأذان نزل مع هذه الآية، أخرجه أبو الشيخ.\nتنبيه: الفرق بين ما في الآيتين من التعدية بإلى وباللَّام، أنَّ صلات الأفعال تختلف بحسب مقاصد الكلام، فقصد في الأولى: معنى الانتهاء، وفي الثانية: معنى الاختصاص، لأنَّ الحروف ينوب بعضها عن بعض قاله الكِرْماني، ويحتمل أن تكون اللام بمعنى إلى","vol":"1","page":125},{"text":"أو العكس، والله أعلم.\nقال العَيني: أما الآية الأولى ففي سورة المائدة، وإيراد البخاري هذه الآية ههنا، إشارة إلى أن بدء الأذان بالآية المذكورة كما ذكرنا، وعن هذا قال الزمخشري في «تفسيره» قيل: فيه دليل على ثبوت الأذان بنص الكتاب، لا بالمنام وحده.\nقوله: (﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ [المائدة: ٥٨]) يعني إذا أذَّن المؤذِّن للصلاة، وإنَّما أضاف النداء إلى جميع المسلمين، لأنَّ المؤذِّن يؤذِّن لهم ويناديهم فأضاف إليهم، فقال: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاة اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا﴾ [المائدة: ٥٨] يعني الكفَّار إذا سمعوا الأذان استهزؤوا بهم، وإذا رأوهم ركوعًا وسجودًا ضحكوا عليهم واستهزؤوا بذلك.\nقوله: ﴿ذَلِكَ﴾ [المائدة: ٥٨] يعني الاستهزاء، ﴿بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُوْنَ﴾ [المائدة: ٥٨] يعني لا يعلمون ثوابهم، وقال أسباط عن السدي قال: كان رجل من النصارى بالمدينة إذا سمع المنادي ينادي أشهَّد أنَّ محمَّدًا رسول الله قال: حُرق الكاذب، فدخلت خادمته ليلة من اللَّيالي بنار وهو نائم، فسقطت شرارة فأحرقت البيت، فاحترق هو وأهله، رواه ابن جرير وابن أبي حاتم.\nوأما الآية الثانية ففي سورة الجمعة فقوله: (﴿نُوْدِيَ لِلصَّلَاةِ﴾ [الجمعة: ٩]) أراد بهذا النداء الأذان عند قعود الإمام على المنبر للخطبة، ذكره النَّسَفي في «تفسيره».\nوحديث ابن عُمَر المذكور في هذا الباب، ظاهر في أنَّ الأذان إنَّما شرع بعد الهجرة، فإنَّه نفى النداء بالصلاة قبل ذلك مطلقًا، وقوله في آخره: (يَا بِلَالُ، قُمْ فَنَادِ بِالصَّلَاةِ)، كان ذلك قبل رؤيا عبد الله بن زيد، وسياق حديثه يدلُّ على ذلك، كما أخرجه ابن خُزَيمَة وابن حبَّان من طريق محمَّد بن إِسْحاق حدَّثني محمَّد بن إبراهيم التَّيمي عن محمَّد بن عبد الله بن زيد بن عبد ربُّه، فذكر نحو حديث ابن عمر، وفي آخره: «فَبَيْنَا هُمْ عَلَى ذَلِكَ أُرِيَ عَبْدُ اللهِ النِّدَاءَ» فذكر الرؤيا وفيها صيغة الأذان، لكن بغير ترجيع، وفيه تربيع التكبير، وإفراد الإقامة، وتثنية قد قامت الصَّلاة، وفي آخره قوله ﷺ: (إِنَّهَا لَرُؤْيَا حَقٌّ إِنْ شَاءَ اللهُ، فَقُمْ [مع] (^١) بِلَالٍ فَأَلْقِهَا عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ أَنْدَى صَوْتًا مِنْكَ).\nوفيه مجيء عُمَر ﵁، وقوله: إنَّه رأى مثل ذلك، وقد أخرج التِّرْمِذي في ترجمة بدء الأذان، حديث عبد الله بن زيد، مع حديث عبد الله بن عمر، وإنما لم يخرجه البخاري لأنَّه على غير شرطه، وقد روي عن عبد الله بن زيد من طرق، وحكى ابن خُزَيمَة عن الذهلي إنَّه ليس في طرقه أصحَّ من هذه الطريق، وشاهده حديث عبد الرزَّاق عن مَعْمَر عن الزُّهْري عن سعيد بن المُسَيَّب مرسلًا، من وصله عن سعيد عن عبد الله بن زيد، والمرسل أقوى إسنادًا. ووَقَعَ في «الأوسط» للطبراني: أنَّ أبا بكر أيضًا رأى الأذان، ووَقَعَ في «الوسيط» للغزالي: أنَّه رآه بضعة عشر رجلًا، وعبارة الجيلي في «شرح التنبيه»: أربعة عشر، وأنكره ابن الصلاح والنووي، ونقل مُغُلْطاي: أنَّ في بعض كتب الفقهاء أنَّه رآه سبعة، ولا يثبت شيء من ذلك إلَّا لعبد الله بن زيد، وقصة عُمَر جاءت في بعض طرقه، وفي مسند الحارث بن أبي أسامة بسندٍ واهٍ عن... (^٢)، قال: «أوَّل مَنْ أذَّن بالصلاةِ جبريل في السَّماء الدنيا، فسمعه عُمَر وبلال، فسبق عُمَر بلالًا، فأخبر النَّبِيَّ ﷺ، ثمَّ جاء بلال فقال له: سبقك بها عمر».\nفائدتان: وردت أحاديث تدلُّ على أنَّ الأذان شُرع بمكَّة قبل الهجرة، منها\n_________\n(^١) ليس في الأصل، وأضيفت من فتح الباري.\n (^٢) في الأصل بياض بمقدار كلمتين.","vol":"1","page":125},{"text":"للطبراني من طريق سالم بن عبد الله بن عُمَر عن أبيه قال: «لَمَّا أُسْرِيَ بِالنَّبِيِّ ﷺ أَوْحَى اللهُ إِلَيْهِ الأَذَانَ فَنَزَلَ بِهِ فَعَلَّمَهُ بِلَالًا» وفي إسناده طلحة بن زيد وهو ضعيف متروك، وللدارقطني في «الأفراد» من حديث أنس: «أَنَّ جِبْرِيلَ أَمَرَ النَّبِيَّ ﷺ بِالأَذَانِ حِينَ فُرِضَتِ الصَّلَاةُ» وإسناده ضعيف أيضًا، ولابن مردويه من حديث عائشة مرفوعًا: «لَمَّا أُسْرِيَ بِي، أَذَّنَ جِبْرِيلُ فَظَنَّتِ المَلَائِكَةُ إنَّه يصلِّي بِهِمْ، فَقَدَّمَنِي فَصَلَّيْتُ» وفيه من لا يُعرف، وللبزَّار وغيره من حديث علي قال: «لَمَّا أَرَادَ اللهُ أَنْ يُعَلِّمَ رَسُولَهُ الأَذَانَ، أَتَاهُ جِبْرِيلُ بِدَابَّةٍ يُقَالُ لَهَا البُرَاقُ فَرَكِبَهَا» فذكر الحديث، وفيه: «إِذْ خَرَجَ مَلَكٌ مِنْ [وَرَاءِ] (^١) الحِجَابِ، فَقَالَ: اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ» وفي آخره: «ثُمَّ أَخَذَ الْمَلَكُ بِيَدِهِ فَأَمَّ بِأَهْلِ السَّمَاءِ» وفي إسناده زياد بن المنذر أبو الجارود، وهو متروك أيضًا. ويمكن على تقدير الصحَّة أن يحمل على تعدُّد الإسراء، فيكون ذلك وَقَعَ بالمدينة.\nوأما قول القُرْطُبي: لا يلزم من كونه سمعه ليلة الإسراء أن يكون مشروعًا في حقِّه، ففيه نظر، قوله في أوَّله: لما أراد الله أن يعلم رسوله الأذان، وكذا قول المحبِّ الطَّبَرِي: يحمل الأذان ليلة الإسراء على المعنى اللُّغَوي وهو الإعلام، ففيه نظر أيضًا، لتصريحه بكيفيَّته المشروعة فيه، والحقُّ أنَّه لا يصحُّ شيء من هذه الأحاديث، وقد جزم ابن المنذر بأنَّه ﵊ كان يصلِّي بغير أذان منذ فرضت الصَّلاة بمكَّة، إلى أن هاجر إلى المدينة، وإلى أن وَقَعَ التشاور في ذلك، على ما في حديث عبد الله بن عُمَر، ثمَّ حديث عبد الله بن زيد. انتهى. وقد حاول السُّهَيلي الجمع بينهما فتكلَّف وتعسَّف، والأخذ بما صحَّ أولى، فقال بانيًا على صحة الحكمة في مجيء الأذان على لسان الصَّحابي: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ سمعه فوق سبع سماوات، وهو أقوى من الوحي، فلمَّا تأخَّر الأمر بالأذان عن فرض الصَّلاة، وأراد إعلامهم بالوقت، فرأى الصحابي المنام فقصَّها، فوافقت ما كان النَّبِيُّ ﷺ سمعه، فقال: إنَّها لَرُؤْيَا حَقّ وعلم حينئذ أنَّ مرادَ الله بما أراه في السَّماء أن يكون سنَّة في الأرضِ»، ويقوى ذلك بموافقة عُمر، لأنَّ السكينة تُنطق على لسانه، والحكمة أيضًا في إعلام النَّاس به على غير لسانه ﷺ للتنويه بعبده والرفع لذكره بلسان غيره، ليكون [أقوى] (^٢) لأمره وأفخم لشأنه. انتهى ملخصًا.\nوالثاني: حسن بديع، ويؤخذ منه عدم الاكتفاء برؤيا عبد الله بن زيد، حتَّى أضيف عُمَر للتقوية الَّتي ذكرها. لكن قد يقال: فلم لا اقتصر على عمر؟ فيمكن أن يجاب ليصير في معنى الشهادة، وقد جاء في رواية ضعيفة سبقت، ما ظاهره أنَّ بلالًا أيضًا رأى، لكنها مؤوَّلة فإنَّ لفظها: (سَبَقَكَ بِهَا بِلَال) فيحمل المراد بالسبق على مباشرة التأذين لرؤيا عبد الله بن زيد.\nومما يكثر السؤال عنه: هل باشر النَّبِيُّ ﷺ الأذان بنفسه؟ وقد وَقَعَ عند السُّهَيلي: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَذَّنَ فِي سَفَرٍ، وَصلَّى بِأَصْحَابِهِ وَهُمْ عَلَى رَوَاحِلِهِمُ، السَّماء مِنْ فَوْقِهِمْ وَالبِلَّةُ مِنْ أَسْفَلِهِمْ» أخرجه التِّرْمِذي من طريق تدور على عُمَر بن أبي الرماح، يرفعه إلى أبي هريرة. انتهى. وليس هو من حديث أبي هريرة، وإنَّما من حديث يعلى بن مُرَّة، وكذا جزم النَّوَوي بأنَّ النَّبِيَّ ﷺ\n_________\n(^١) ليس في الأصل.\n (^٢) ليس في الأصل، وأضيفت لتمام المعنى من فتح الباري.","vol":"1","page":126},{"text":"أذَّن مرَّة في السَّفر وعزاه للتِّرْمِذي وقوَّاه، ولكن وجدناه في مسند أحمد من الوجه الذي أخرجه التِّرْمِذي ولفظه: «فَأَمَرَ بِلَالًا فَأَذَّنَ» فعرف أنَّ في رواية التِّرْمِذي اختصارًا، وأنَّ معنى قوله: «أَذَّنَ» أمر بلالًا به، كما يقال: أعطى الخليفة العالم الفلاني ألفًا، وإنَّما باشر العطاء غيره، ونسب للخليفة لكونه أمر به.\nومن أغرب ما وَقَعَ في بدء الأذان، ما رواه أبو الشيخ بسند مجهول عن عبد الله بن الزُّبَيْر قال: «أُخِذَ الأَذَانُ مِنْ أَذَانِ إِبْرَاهيمَ ﵇: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاس بِالْحَجِّ﴾ [الحج: ٢٧] الآية. قَالَ: فَأَذَّنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ» وما رواه أبو نُعَيم، في «الحلية» بسند فيه مجاهيل: «أَنَّ جِبْرِيلَ نَادَى بِالأَذَانِ لِآدَمَ حِينَ أُهْبِطَ مِنَ الجَنَّةِ».\nالثانية: قال الزَّين بن المنيِّر: أعرض البخاري عن التصريح بحكم الأذان، لعدم إيضاح الآثار الواردة فيه عن حكم معين، فأثبت مشروعيته وسَلِمَ من الاعتراض. وقد اختلف في ذلك، ومنشأ الاختلاف أن مبدأ الأذان لما كان عن مشورة أوقعها النَّبِيُّ ﷺ بين أصحابه، حتَّى استقر برؤيا بعضهم فأقره، كان ذلك بالمندوبات أشبه، ثمَّ لما واظب على تقريره ولم ينقل إنَّه تركه، ولا رخص في تركه، كان ذلك بالواجبات أشبه. انتهى. وسيأتي بقيَّة الكلام على ذلك قريبًا إن شاء الله تعالى.\n\n٦٠٣ - <span id=\"b-١٧٠\"> </span>قوله: (حَدَّثَنَا عِمْران بنُ مَيْسَرَةَ) أي ضدُّ الميمنة، وقد تقدَّم، قلت: ترجمته في باب رفع العلم.\nقوله: (قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ) أي ابن سعيد التَّنُّوْري، ترجمته في باب قول النَّبِيِّ اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ الكِتَابَ.\nقوله: (حَدَّثَنَا خَالِدٌ) أي الحذَّاء، كما ثبت في رواية كريمة، ترجمته في الباب أيضًا.\nقوله: (عَنْ أَبِي قِلَابَةَ) أي -بكسر القاف- عبد الله بن زيد الجَرْمي، ترجمته في باب حلاوة الإيمان.\nقوله: (عَنْ أَنَسٍ) أي ابن مالك، ترجمته في باب من الإيمان أن يحبَّ.\nفي هذا الإسناد التَّحديث بصيغة الجمع في ثلاث مواضع، وفيه العنعنة في موضعين، وفيه القول في موضعين، وفيه أن شيخ البخاري من أفراده، وفيه أنَّ رواته بصريُّون.\nقوله: (قَالَ: ذَكَرُوا النَّار وَالنَّاقُوسَ، فَذَكَرُوا اليَهُودَ وَالنَّصَارَى، فَأُمِرَ بِلَالٌ أَنْ يَشْفَعَ الأَذَانَ، وَأَنْ يُوتِرَ الإِقَامَةَ).\nمطابقته للترجمة من حيث إن بدء الأذان كان بأمر النَّبِيِّ ﷺ بلالًا، لأنَّهم كانوا يصلُّون قبل ذلك في أوقات الصَّلوات بالمناداة في الطرق الصَّلاة الصَّلاة، والدليل عليه: حديث أَنَس ﵁، أيضًا رواه أبو الشيخ ابن حبَّان في كتاب الأذان، تأليفه من حديث عطاء بن ميمونة عن خالد عن أبي قِلابة عن أَنَس ﵁: «كَانَتِ الصَّلاة إِذَا حَضَرَتْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، سَعَى رَجُلٌ فِي الطَّرِيقِ فَيُنادِي: الصَّلاة الصَّلاة، فَاشْتَدَّ ذَلِك على النَّاس، فَقَالُوا: لَو اتَّخَذْنَا نَاقُوسًا، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ: ذَلِكَ لِلنَّصَارَى، فَقَالُوا: لَو اتَّخَذْنَا بوقًا، فَقَالَ: ذَاكَ للْيَهُودِ، فَقَالُوا: لَو رَفَعْنَا نَارًا، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ: ذَاكَ لِلْمَجوسِ، فَأُمِرَ بِلَالٌ...» الحديث.\nوعند الطَّبَرَاني من هذه الطريق: «فأَمَرَ بِلَالًا»، فإن قلت: قد أخرج التِّرْمِذي في ترجمة بدء الأذان،","vol":"1","page":126},{"text":"حديث عبد الله بن زيد، مع حديث عبد الله بن عُمَر ﵃، فلم اختار البخاري فيه حديث أنس؟ قال العَيني: لأنَّه لم يكن على شرطه. انتهى.\nوالحديث أخرجه البخاري أيضًا في ذكر بني إسرائيل عن عِمْران بن مَيْسَرَة وعن محمَّد بن سلَام وعن علي بن عبد الله وعن سُلَيمان بن حرب، وأخرجه مسلم في الصَّلاة عن خلف بن هشام وعن يحيى بن يحيى وعن إِسْحاق بن إبراهيم وعن محمَّد بن حاتم وعن عُبَيْد الله بن عُمَر، وأخرجه أبو داود فيه عن سُلَيمان بن حرب وعبد الله بن المبارك وعن موسى بن إسماعيل وعن حُمَيْد بن مَسْعَدة، وأخرجه التِّرْمِذي فيه عن قُتَيْبَة بن عبد الوهَّاب ويزيد بن زُرَيع، وأخرجه النَّسائي أيضًا عن قُتَيْبَة، وأخرجه ابن ماجَهْ فيه عن عبد الله بن الجرَّاح وعن نصر بن علي.\nقوله: (والنَّاقُوْسُ) وهو الذي يضربه النَّصارى لأوقات الصَّلاة، وقال ابن سِيدَه: النقس ضرب من النَّواقيس، وهو الخشبة الطويلة والوبيلة القصيرة، وقال الجَواليقي: ينظر فيه هل معرَّب أو عربي، وهو على وزن فاعول، قال ابن الأَعْرابي: لم يأت في الكلام فاعول لام الكلمة فيه سين إلَّا النَّاقوس، وذكر ألفاظًا أخرى على هذا الوزن، ولم يذكر فيه النَّاقوس والظَّاهر إنَّه معرب.\nقوله: (فَذكرُوا اليَهُود وَالنَّصَارَى) هذا لفٌّ ونشر غير مرتَّب، لأنَّ النَّاقوس للنَّصارى والبوق لليهود والنَّار للمجوس، قال الكِرْماني: يحتمل أن يكون النَّار والبوق جميعًا لليهود، جمعًا بين حديثي أَنَس وابن عُمَر. انتهى.\nقوله: (فَأُمِرَ بِلَالٌ أَنْ يَشْفَعَ الأَذَانَ، وَأَنْ يُوتِرَ الإِقَامَةَ) -بضمِّ الهمزة- على صيغة المجهول، وهذه الصيغة يحتمل أن يكون الآمر فيه غير الرسول ﵇، وفيه خلاف عند الأصوليين، قال شيخنا: هكذا في معظم الروايات على البناء للمفعول، وقد اختلف أهل الحديث وأهل الأصول في اقتضاء هذه الصيغة للرفع، والمختار عند محققي الطائفتين أنَّها تقتضيه، لأنَّ الظَّاهر أنَّ المراد بالأمر من له الأمر الشرعي، الذي يلزم اتباعه، وهو الرسول ﷺ، ويؤيِّد ذلك هنا من حيث أنَّ المعنى أن التقدير في العبادة إنَّما يوجد عن توقيف، فيقوى جانب الرَّفع جدًّا، وقد وَقَعَ في رواية روح عن عطاء: «فَأَمَرَ بِلَالًا» بالنَّصب، وفاعل أمر هو النَّبِيُّ ﷺ، وهو بيِّن في سياقه، وأصرح من ذلك رواية النَّسائي وغيره عن قُتَيْبَة عن عبد الوهَّاب بلفظ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِلَالًا» قال الحاكم: صرَّح برفعه إمام الحديث بلا مدافعة قُتَيْبَة ولم ينفرد به، فقد أخرجه أبو عَوانة من طريق عَبْدان المَرْوَزي عن قُتَيْبَة ويحيى بن معين كلاهما عن عبد الوهاب، وطريق يحيى عند الدَّارَقُطْني أيضًا، ولم ينفرد به عبد الوهَّاب، وقد رواه البَلَاذُري من طريق ابن شِهاب الخيَّاط عن أبي قِلابة، وقضية وقوع ذلك عقب المشاورة في أمر النِّداء إلى الصَّلاة ظاهر في أن الآمر بذلك هو النَّبِيُّ ﷺ","vol":"1","page":127},{"text":"لا غيره، كما استدلَّ به ابن المنذر وابن حبَّان، واستدلَّ بورود الأمر به من قال بوجوب الأذان، وتعقُّب بأنَّ الأمر إنَّما ورد بصفة الأذان لا بنفسه، وأجيب بأنَّه إذا ثبت الأمر بالصفة، لزم أن يكون الأصل مأمورًا به، قاله ابن دقيق العيد، وممن قال بوجوبه مطلقًا الأوزاعي وداود وابن المنذر، وهو ظاهر قول مالك في «الموطأ»، وحكي عن محمَّد بن الحسن، وقيل: واجب في الجمعة فقط، وقيل: فرض كفاية، والجمهور على أنَّه من السُّنن المؤكَّدة، وقد تقدَّم ذكر منشأ الخلاف في ذلك، وقد أخطأ من استدلَّ على عدم وجوبه بالإجماع لما ذكرنا، والله أعلم.\nقال الكِرْماني: والصَّواب وعليه الأكثر، أنَّه مرفوع لأنَّ إطلاق مثله ينصرف عرفًا إلى صاحب الأمر والنَّهي، وهو رسول الله ﷺ، قال العَيني: مقصوده من هذا الكلام تقوية مذهبه، وقوَّى بعضهم هذا بقوله، وقد وَقَعَ في رواية روح عن عطاء، وساق العَيني كلام شيخنا المتقدِّم ثمَّ قال: روى البَيْهَقي في «سننه» من حديث ابن المبارك عن يُونُس عن الزُّهْري عن سعيد عن عبد الله بن زيد بن عبد ربِّه وأبو عَوانة في «صحيحه» من حديث الشَّعْبي عنه ولفظه: «أَذَّنَ مَثْنَى، وَأَقَامَ مَثْنَى» وحديث أبي مَحذُورَة عند التِّرْمِذي صحيحًا: «عَلَّمَهُ الأَذَانَ مَثْنَى مَثْنَى والإِقَامَةَ مَثْنَى مَثْنَى» وحديث أبي جُحَيْفَة: «أَنَّ بِلَالًا ﵁ كَانَ يُؤَذِّنُ مَثْنَى مَثْنَى، وَيُقِيمُ مَثْنَى مَثْنَى» وروى الطَّحاوي من حديث وكيع عن إبراهيم بن إسماعيل عن مُجَمِّع بن حارثة عن عُبَيْد مولى سلمة بن الأَكوَع: «أَنَّ سَلَمَةَ بنَ الأَكْوَع كَانَ يُثَنِّي الأَذَانَ وَالإِقَامَةَ».\nحدَّثنا محمَّد بن خُزَيمَة حدَّثنا محمَّد بن سنان حدَّثنا حمَّاد بن سلمة عن حمَّاد عن إبراهيم قال: «كَانَ ثَوْبانُ ﵁ يُؤَذِّنُ مَثْنَى مَثْنَى وَيُقِيمُ مَثْنَى» حدَّثنا يزيد بن سنان حدَّثنا يحيى بن سعيد القطَّان حدَّثنا قُطْر بن خليفة عن مجاهد قال في الإقامة: مرَّة مرَّة، إنَّما هو شيء أحدثه الأمراء، وأنَّ الأصل للتثنية، قال العَيني: وقد ظهر لك بهذه الدلائل أنَّ قول النَّوَوي في «شرح مسلم» وقال أبو حنيفة: الإقامة سبع عشرة كلمة، وهذا المذهب شاذٌ قولٌ واهٍ لا يلتفت إليه، وكيف يكون شاذًا مع وجود هذه الأحاديث والأخبار الصحيحة، فإن قالوا حديث أبي مَحذُورَة لا يوازي حديث أَنَس المذكور من جهة واحدة، فضلًا عن الجهات كلِّها، مع أنَّ جماعة من الحفاظ ذهبوا إلى أنَّ هذه اللفظة في تثنية الإقامة غير محفوظة، ثمَّ رووا من طريق البخاري عن عبد الملك بن أبي مَحذُورَة إنَّه سمع أباه أبا مَحذُورَة يقول: (إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَهُ أَنْ يَشْفَعَ الأَذَانَ وَيُوتِرَ الْإِقَامَةَ) قلنا: قد ذكرنا أنَّ التِّرْمِذي صحَّحه، وكذا ابن خُزَيمَة وابن حبَّان صحَّحا هذه اللفظة، فإن قالوا: سلَّمنا أنَّ هذه اللفظة محفوظة، وأنَّ الحديث ثابت، ولكن يقول: إنَّه منسوخ، لأنَّ أذان بلال هو آخر الأذانين، قلنا: لا نسلِّم أنَّه منسوخ، لأنَّ أذان بلال","vol":"1","page":127},{"text":"إنَّما كان أوَّل ما شُرع الأذان، كما دلَّ عليه حديث أَنَس وحديث أبي مَحذُورَة كان عام حُنَين وبينهما مدَّة مديدة. انتهى. قلت: مقصود العَيني من هذا الكلام تقوية مذهبه، كما قال هو في حقِّ الكِرْماني، وفي كلامه وكلام شيخنا المتقدِّم ما يُكتفى به في الردِّ عن مذهبنا، فلا نطيل في ذلك مما لا يكون سببًا في الرجوع عن مذهب من المذهبين. انتهى.\nقال شيخنا: لذا ساق حديث الباب هذا عبد الوارث مختصرًا، ورواية عبد الوهَّاب الآتية في الباب الذي بعده أوضح دليلًا، حيث قال: (لَمَّا كَثُرَ النَّاس، ذَكَرُوا أَنْ يُعْلِمُوا لِوَقْتِ الصَّلاة بِشَيْءٍ يَعْرِفُونَهُ، فَذَكَرُوا أَنْ يُورُوا نَارًا، أَوْ يَضْرِبُوا نَاقُوسًا) وأوضح من ذلك رواية روح بن عطاء، أي المتقدِّمة. انتهى.\nفيه التصريح بأنَّ الأذان مثنى، والإقامة فرادى، وبه قال الشَّافعي وأحمد، وحاصل مذهب الشافعي: أنَّ الأذان تسع عشرة كلمة، بإثبات الترجيع، والإقامة عشرة، بإفراد كلمة الإقامة، وقال الخطَّابيُّ: والذي جرى به العمل في الحرمين والحجاز والشام واليمن ومصر والمغرب إلى أقصى بلاد الشام، أنَّ الإقامة فرادى، ومذهب عامَّة العلماء أن يكون لفظ قد قامت الصَّلاة مكررة إلَّا مالكًا، فالمشهور عنه أنَّه لا يكرره، وقال: فرَّق بين الأذان والإقامة في التثنية والإفراد، ليعلم أنَّ الأذان إعلام بورود الوقت، والإقامة أمارة لقيام الصَّلاة، ولو سوى بينهما لاشتبه الأمر في ذلك، وصار سببًا لأن يفوت كثيرًا من النَّاس صلاة الجماعة، إذا سمعوا الإقامة فظنُّوا أنَّها الأذان. انتهى.\nقال العَيني: العجب من الخطَّابي كيف يصدر عنه مثل هذا الكلام الذي تمجُّه الأسماع، ومثل هذا الفرق الذي بين [الأذان] (^١) والإقامة غير صحيح، لأنَّ الأذان إعلام الغائبين، ولهذا لا يكون إلَّا على المواضع العالية كالمنارة ونحوها، والإقامة إعلام الحاضرين من الجماعة للصَّلاة، فكيف يقع الاشتباه بينهما، فالذي يتأمَّل الكلام لا يقول هذا وأبعد من ذلك.\nقوله: إنَّ تثنية الإقامة يكون سببًا لفوات كثير من النَّاس صلاة الجماعة، لظنِّهم أنَّها الأذان، وكيف يظنُّون هذا وهم حاضرون، لأنَّ الإقامة إعلام الحاضرين، ومثل هذا الكلام يحتجُّ أحد لنصرة مذهبه وتمشية قوله، وأعجب من هذا قول الكلام (^٢): قال أبو حنيفة: تثنَّى الإقامة والحديث حجَّة عليه، وكيف يكون حجَّة عليه وقد تمسَّك فيما ذهب إليه بالأحاديث الصحيحة الدالة على تثنية الإقامة على ما ذكرنا عن قريب؟ ونحن أيضًا نقول هذه الأحاديث حجَّة على الشافعي، وروي عن علي ﵁ إنَّه مرَّ بمؤذِّن أوتر الإقامة، فقال له: اشفعها لا أمَّ لك. وروي عن النَّخَعي إنَّه قال: أوَّل من أفرد الإقامة معاوية. وقال مجاهد: كانت الإقامة في عهد النَّبِيّ ِصلَّى الله عليه وسلَّم مثنى مثنى، حتَّى استخفَّه بعض أمراء الجور لحاجة لهم، وقد ذكرناه عن قريب. انتهى.\nقلت: قول الخطَّابي صحيح، لأنَّ قد يقع بأن يكون الشخص متلهيًا حال الأذان، أو نائمًا ثمَّ استيقظ فسمع الإقامة، والحال أنَّه خلف جدار المسجد مثلًا، فظن\n_________\n(^١) في الأصل: (فرق)، والتصحيح (الأذان) من عمدة القاري.\n (^٢) كذا في الأصل، ولعل الصواب: الكِرْماني، التصويب من عمدة القاري.","vol":"1","page":128},{"text":"إنَّه الأذان، فلم يسرع للطهارة ففاته الجماعة.\nويجاب عن الكِرْماني: بما أجاب به العَيني من قوله: وكيف يكون حجَّة على أبي حنيفة، إلى آخره، وقد نفى أن يكون حجَّة ثمَّ أثبت ذلك بقوله: ونحن أيضًا نقول هذه الأحاديث، إلى آخره. انتهى.\nوقال الكِرْماني: ظاهر الأمر للوجوب لكن الأذان سنَّة، قلت: ظاهر صيغة الأمر له، لا ظاهر لفظه يعني: أمر، وههنا لم يذكر الصيغة، سلَّمنا إنَّه للإيجاب، لكنَّه لإيجاب الشفع لا لأصل الأذان، ولا شكَّ أنَّ الشفع واجب، ليقع الأذان مشروعًا، كما أن الطهارة واجبة لصحَّة صلاة النفل، ولئن سلَّمنا أنَّه لنفس الأذان، يقال: إنَّه فرض كفاية، لأنَّ أهل بلدة لو اتفقوا على تركه قاتلناهم، أو أنَّ الإجماع مانع عن الحمل على ظاهره.\nقال العَيني: كيف يقول الإجماع مانع عن الحمل على ظاهره، وقد حمله قوم على ظاهره وقالوا به، فقال ابن المنذر: إنَّه فرض في حقِّ الجماعة في الحضر والسفر، وقال مالك: يجب في مسجد الجماعة، وقال عطاء ومجاهد: لا تصحُّ صلاة بغير أذان، وهو قول الأوزاعي، وعنه يعاد في الوقت، وقال أبو علي والإِصْطَخْري: هو فرض في الجمعة، وقالت الظاهريَّة: هما واجبان لكلِّ صلاة، واختلفوا في صحَّة الصَّلاة بدونهما، وقال داود: هما فرض للجماعة، وليسا بشرط لصحَّتها، وذكر محمَّد بن الحسن ما يدلُّ على وجوبه، فإنه قال: لو أنَّ أهل بلدة اجتمعوا على ترك الأذان لقاتلتهم عليه، ولو تركه واحد ضربته وحبسته، وقيل: إنَّه عند محمَّد من فروض الكفاية، وفي «المحيط» و«التحفة» و«الهداية»: الأذان سنَّة مؤكدة، وهو مذهب الشَّافعي وإسحاق، وقال النَّوَوي: هو قول جمهور العلماء. انتهى.\n\n٦٠٤ - <span id=\"b-١٧١\"> </span>قوله: (حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بنُ غَيْلَانَ) أي بفتح الغين المعجمة، ترجمته في باب النَّوم قبل العشاء لمن غلب.\nقوله: (قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاق) أي ابن همَّام، ترجمته في باب حسن إسلام المرء.\nقوله: (قَالَ: أَخْبَرَنَا ابنُ جُرَيْجٍ) أي عبد الملك، ترجمته في باب غسل المرأة رأس زوجها وترجيله.\nقوله: (قَالَ: أَخْبرنِي نافِعٌ) أي ابن جرجس، ترجمته في باب العلم والفتيا في المسجد.\nقوله: (أَنَّ ابنَ عُمَرَ) أي عُبَيْد الله، ترجمته في كتاب الإيمان.\nفي هذا الإسناد، التَّحديث بصيغة الجمع في موضعين، والإخبار في موضعين، أحدهما بصيغة الجمع، والآخر بصيغة الإفراد من الماضي، وفيه القول في أربع مواضع.\nقوله: (كَانَ يَقُولُ: كَانَ المُسْلِمُونَ حِينَ قَدِمُوا المَدِينَةَ يَجْتَمِعُونَ، فَيَتَحَيَّنُونَ الصَّلاة، لَيْسَ يُنَادَى لَهَا، فَتَكَلَّمُوا يَوْمًا فِي ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمِ: اتَّخِذُوا نَاقُوسًا مِثْلَ نَاقُوسِ النَّصَارَى، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ بُوقًا مِثْلَ قَرْنِ اليَهُودِ، فَقَالَ عُمَرُ: أَوَلَا تَبْعَثُونَ رَجُلًا مِنْكُمْ يُنَادِي بِالصَّلاةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: يَا بِلَالُ قُمْ فَنَادِ بِالصَّلَاةِ).\nمطابقته للترجمة: في قوله: (يَا بِلَالُ قُمْ فَنَادِ بِالصَّلَاةِ) فإن قلت:","vol":"1","page":128},{"text":"كيف يطابق الترجمة، والترجمة في بدء الأذان، والحديث يدلُّ على أنَّه ﵇ أمر بلالًا بالنداء للصلاة، والنداء لا يفهم منه الأذان المعهود بالكلمات المخصوصة؟ قال العَيني: المراد بالنداء الأذان المعهود، ويدلُّ عليه أنَّ الإسماعيلي أخرج هذا الحديث، ولفظه فأذِّن بالصلاة، وكذا قال أبو بكر بن العَرَبي: إنَّ المراد الأذان المشروع. فإن قلت: قال القاضي عياض: المراد الإعلام المحض بحضور وقتها، لا خصوص الأذان المشروع، قال العَيني: يحمل أنَّه استند في ذلك على ظاهر اللفظ، ولئن سلَّمنا ما قاله، فالمطابقة بينهما موجودة باعتبار أنَّ أمره ﵇ لبلال بالنِّداء للصَّلاة كان بدء الأمر في هذا الباب فإنه لم يسبق أمر بذلك قبله، بل إنَّما قال ذلك ﵇ بعد تحينهم للصَّلاة وتشاورهم فيما بينهم، ماذا يفعلون في الإعلام بالصَّلاة.\nهذا الحديث أخرجه مسلم في الصَّلاة أيضًا عن محمَّد بن رافع عن عبد الرزَّاق وعن إِسْحاق بن إبراهيم وعن هارون بن عبد الله، وأخرجه التِّرْمِذي فيه عن أبي بكر بن أبي النَّضر، وأخرجه النَّسائي فيه عن محمَّد بن إسماعيل وإبراهيم بن الحسن.\nقوله: (أنَّ ابنَ عُمَر كانَ يَقُولُ) وفي رواية مسلم، عن عبد الله بن عُمَر، إنَّه قال.\nقوله: (حَيْنَ قَدِمُوا المَدِيْنَةَ) أي من مكَّة مهاجرين.\nقوله: (فَيَتَحَيَّنُوْنَ) -بالحاء المهملة- أي يقدرون تحينها ليأتوا إليها، وهو من التحين من باب التفعل، الذي وضع للتكلُّف غالبًا، والتحين من الحين وهو الوقت والزَّمن.\nقوله: (لَيْسَ يُنَادَى لَهَا) أي للصلاة وهو على بناء المفعول، فهو بفتح الدَّال، وقال ابن مالك: هذا شاهد على جواز استعمال ليس حرفًا، لا اسم لها ولا خبرًا، أشار إليها سيبويه، ويحتمل أن يكون اسمها ضمير الشأن، والجملة بعدها خبر، ورواية مسلم تؤيِّد ذلك، فإن لفظة ليس ينادى بها أحد.\nقوله: (فَتَكَلَّمُوا يَوْمًا فِي ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ) قال شيخنا: لم يقع في تعيين المتكلِّمين في ذلك، واختصر الجواب في هذه الرواية، ووَقَعَ لابن ماجَهْ من وجه آخر، عن ابن عُمَر: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَشَارَ النَّاس لِمَا يَجْمَعُهُمْ إِلَى الصَّلاة، فَذَكَرُوا البُوقَ فَكَرِهَهُ مِنْ أَجْلِ اليَهُودِ، ثمَّ ذَكَرُوا النَّاقُوسَ فَكَرِهَهُ مِنْ أَجْلِ النَّصَارَى) وقد تقدَّمت رواية روح بن عطاء نحوه، وفي الباب عن عبد الله بن زيد عند أبي الشيخ، وعن أبي عُمَير بن أَنَس عن عمومته عند سعيد بن منصور.\nقوله: (اتَّخَذُوا) على صورة الأمر.\nقوله: (بُوقًا) أي قال بعضهم: اتخذوا بوقًا -بضمِّ الباء الموحَّدة وبعد الواو الساكنة قاف- وهو الذي يُنفخ فيه، ووَقَعَ في بعض النُّسخ بل قرنًا، وهي رواية مسلم والنَّسائي، والبوق والقرن معروفان، والمراد إنَّه ينفخ فيه فيجتمعون عند سماع صوته، وهو من شعار اليهود، ويسمَّى أيضًا الشَبُّور -بفتح الشين المعجمة وضمِّ الباء الموحدة المثقَّلة- قلت: وللنَّصارى أيضًا شيء من نحاس على صفة القلقل، يجعلونه في أعلى موضع في الكنيس أو الدير، وفيه حبل يهزونه به في الأوقات الَّتي يجتمعون فيها في كنائسهم. انتهى.\nقوله: (فَقَالَ عُمَر","vol":"1","page":129},{"text":"﵁: أَوَلَا تَبْعَثُونَ) الهمزة للاستفهام والواو للعطف على مقدَّر، أي أتقولون بموافقتهم ولا تبعثون، وقال الطِّيبي: الهمزة إنكار للجملة الأولى أي المقدَّرة، وتقرير للجملة الثانية.\nقوله: (رَجَلًا) زاد الكُشْمِيهَني: &lt;مِنْكُمْ&gt;.\nقوله: (يُنَادِي) جملة فعليَّة مضارعة في محلِّ النَّصب على الحال من الأحوال المقدَّرة، وقال القُرْطُبي: يحتمل أن يكون عبد الله بن زيد لما أخبر برؤياه، وصدَّقه النَّبِيُّ ﷺ، بادر عُمَر ﵁ فقال: أولا تبعثون رجلًا ينادي، أي يؤذِّن بالرؤيا المذكورة، فقال النَّبِيُّ ﷺ: (قُمْ يَا بِلَالُ)، فعلى هذا فالفاء في قوله: (فَقَالَ عُمَرُ) فاء الفصيحة، والتقدير: فافترقوا فرأى عبد الله بن زيد، فجاء إلى النَّبِيِّ ﷺ فقصَّ عليه فصدَّقه، فقال عمر: أو لا تبعثون. انتهى. هذا يصرِّح أن معنى قوله ﵇: (يَا بِلَالُ فَنَادِ بِالصَّلَاةِ)، أي فأذِّن بالرؤيا المذكورة، قال شيخنا: وسياق [حديث] (^١) عبد الله بن زيد يخالف ذلك فإنَّ فيه: لما قصَّ رؤياه على النَّبِيِّ ﷺ، قال له: أَلْقِهَا عَلَى بِلَال فَلْيُؤَذِّنْ بِهَا قال: فسمعَ عُمَر الصَّوت فخرجَ فأتى النَّبِيَّ ﷺ، فقال: لقدْ رأيتُ مثلَ الذي رأى. فدلَّ على أن عُمَر لم يكن حاضرًا لما قصَّ عبد الله بن زيد رؤياه، والظاهر أن إشارة عُمَر بإرسال رجل ينادي بالصلاة كانت عقب المشاورة فيما يتعلَّق به، وأنَّ رؤيا عبد الله بن زيد كانت بعد ذلك، والله أعلم.\nقال القاضي عياض: المراد الإعلام المحضُّ بحضور وقتها لا خصوص الأذان المشروع، قال شيخنا: وأغرب القاضي أبو بكر بن العَرَبي فحمل قوله: (أذَّن) على الأذان المشروع فطعن في صحَّة حديث ابن عمر، وقال: عجبًا لأبي عيسى كيف صحَّحه، والمعنى ورد أن يشرع الأذان إنَّما كان برؤيا عبد الله بن زيد. انتهى. فلا تُدفع الأحاديث الصحيحة بمثل هذا مع إمكان الجمع كما قدَّمناه، وقد قال ابن مَندَه في حديث ابن عُمَر: إنَّه مجمع على صحَّته.\nقال العَيني: أما حديث عبد الله بن زيد فأخرجه أبو داود حدَّثنا محمَّد بن مَنْصور الطُّوسي حدَّثنا يعقوب حدَّثنا أبي عن محمَّد بن إِسْحاق حدَّثني محمَّد بن إبراهيم بن الحارث التَّيْمي عن محمَّد بن عبد الله بن زيد بن عبد ربُّه حدَّثني أبي عبد الله بن زيد قال: «لما أمرَ رسولُ اللهِ ﷺ بالناقوس ليعمل ليضرب به النَّاس لجمع الصَّلاة، طاف بي وأنا نائم رجل يحمل ناقوسًا في يده، فقلت: يا عبد الله أتبيع النَّاقوس؟ قال: وما يصنع به؟ فقلت: ندعو به إلى الصَّلاة، قال: أفلا أدلُّك على ما هو خير من ذلك؟ فقلت له: بلى، قال: فقال: تقول الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلَّا الله أشهد أن لا إله إلَّا الله، أشهد أن محمَّدًا رسول الله أشهد أن محمَّدًا رسول الله، حيَّ على الصَّلاة حيَّ على الصَّلاة، حيَّ على الفلاح\n_________\n(^١) ليس في الأصل، وأضيفت لتمام المعنى من فتح الباري وعمدة القاري.","vol":"1","page":129},{"text":"حيَّ على الفلاح، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلَّا الله. قال: ثمَّ استأخر عني غير بعيد، ثمَّ قال: ثمَّ يقول إذا أقمت الصَّلاة الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلَّا الله، أشهد أن محمَّدًا رسول الله، حيَّ على الصَّلاة، حيَّ على الفلاح، قد قامت الصَّلاة قد قامت الصَّلاة، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلَّا الله. فلما أصبحت أتيت رسول الله ﷺ، فأخبرته بما رأيته، فقال: إنَّها لَرُؤْيَا حَقٌّ إِنْ شَاءَ اللهُ، فَقُمْ مَعَ بِلَالٍ فَأَلْقِ عَلَيْهِ مَا رَأَيْتَ، فَلْيُؤَذِّنْ بِهِ، فَإِنَّهُ أَنْدَى صَوْتًا مِنْكَ فقمت مع بلال، فجعلت ألقيه عليه ويؤذِّن به قال: فسمع ذلك عُمَر بن الخطَّاب ﵁ وهو في بيته، فخرج يجرُّ رداءه يقول: والذي بعثك بالحقِّ يا رسول الله، لقد رأيت مثل ما أُري، فقال رسول الله ﷺ: فَلِلَّهِ الحَمْدُ» وأخرجه التِّرْمِذي أيضًا، فلم يذكر فيه كلمات الأذان ولا الإقامة، وقال: حديث حسن صحيح. ورواه ابن ماجَهْ أيضًا فلم يذكر فيه لفظ الإقامة وزاد فيه شعرًا، فقال عبد الله بن زيد في ذلك:\nأحمد الله ذا الجلال وذا الإكـ... رام حمدًا على الأذان كثيرًا\nإذ أتاني به البشير من اللـ... ه فأكرم به لديَّ بشيرًا\nفي ليالٍ وافى بهنَّ ثلاث... كلَّما جاءني زادني توقيرًا\nوأخرج ابن حبَّان هذا الحديث أيضًا في «صحيحه»، ورواه أحمد في «مسنده»، وقال أبو عُمَر بن عبد البرِّ: روى عن النَّبِيِّ ﷺ في قصَّة عبد الله بن زيد في بدء الأذان، جماعة من الصحابة بألفاظ مختلفة ومعانٍ متقاربة، وكلُّها تتفق على أمره عند ذلك، والأسانيد في ذلك من وجوه صحاح، وفي موضع آخر من وجوه حسان، ونحن نذكر أحسنها، فذكر ما رواه أبو داود: حدَّثنا عبَّاد بن موسى الخُتَّلِيّ وحدَّثنا زياد بن أيُّوب، وحديث عبَّاد أتمُّ، قالا: حدَّثنا هُشَيم عن أبي بشر، قال زياد: أنبأنا أبو بشر عن أبي عُمَير بن أَنَس عن عمومة له من الأنصار قال: «اهتمَّ النَّبِيُّ ﷺ للصلاة كيف يجمع النَّاس لها، فقيل له: انصب راية عند حضور الصَّلاة، فإذا رأوها آذن بعضهم بعضًا، فلم يعجبه ذلك، قال: فذكروا له القنع، يعني الشَبُّور، وقال زياد: شَبُّور اليهود، فلم يعجبه ذلك، وقال: هُوَ مِنْ أَمْرِ اليَهُودِ قال: فذكر له الناقوس، فقال: هُوَ مِنْ أَمْرِ النَّصَارَى فانصرف عبد الله بن زيد وهو مهتم لهمِّ رسول الله ﷺ، فأُري الأذان في منامه، قال: فغدا على رسول الله ﷺ فأخبره، فقال: يا رسول الله، إني لبين نائم ويقظان، إذ أتاني آت فأراني الأذان، قال: وكان عُمَر بن الخطَّاب ﵁ قد رآه قبل ذلك، فكتمه عشرين يومًا، قال: ثمَّ أخبره النَّبِيُّ ﷺ، فقال: مَا مَنَعَكَ أَنْ تُخْبِرَنَا؟ فقال: سبقني عبد الله بن زيد فاستحييت، فقال رسول الله ﷺ: قُمْ فَانْظُرْ مَا يَأْمُرُكَ بِهِ عَبْدُ اللهِ بنُ زَيْدٍ فَافْعَلْهُ فأذَّن بلال».\nفأبو داود ترجم لهذا الحديث بقوله:","vol":"1","page":130},{"text":"باب بدء الأذان، فهذا الذي هو أحسن أحاديث هذا الباب، كما ذكره أبو عُمَر يقوِّي كلام القُرْطُبي الذي ذكرناه آنفًا، لأنَّه ليس فيه ما يخالفه حديث عبد الله بن زيد بهذه الطريقة، لأنَّه لم يذكر فيها أنَّ عُمَر سمع الصوت، فخرج فأتى النَّبِيَّ ﷺ، فدلَّ بحسب الظَّاهر أنَّ عُمَر ﵁ كان حاضرًا، فهو يردُّ كلام بعضهم، الذي ذكرناه عنه، وهو قوله: فدلَّ على أن عُمَر لم يكن حاضرًا لما قصَّ عبد الله بن زيد رؤياه، إلى آخر ما ذكره، فافهم. انتهى.\nقال شيخنا: إذا سكت في رواية أبي عُمَير، عن قوله فسمع عُمَر الصَّوت فخرج، وأثبتها ابن عمر، إنَّما يكون إثبات ذلك دالًا على أنَّه لم يكن حاضرًا، فكيف يعترض بمثل هذا إلَّا من غطَّى التعصُّب بصيرته، ولا حول ولا قوَّة إلَّا بالله جلَّ وعلا. وحديث عبد الله بن زيد لا يخالف ما تقدَّم، أن عبد الله بن زيد لما قصَّ منامه فسمع عُمَر الأذان، فجاء فقال: قد رأيت، لأنَّه يحمل على أنَّه لم يخبر بذلك عقب إخبار عبد الله بل متراخيًا عنه، لقوله: ما منعك أن تخبرنا؟ أي عقب إخبار عبد الله، فاعتذر بالاستحياء، فدلَّ على أنَّه لم يخبر بذلك على الفور.\nوليس في حديث أبي عُمَير التصريح بأن عُمَر كان حاضرًا عند قصِّ عبد الله رؤياه، بخلاف ما وَقَعَ في رواية الَّتي ذكرتها، فسمع عُمَر الصَّوت فخرج، فقال فإنَّه صريح بأنه لم يكن حاضرًا عند قصِّ عبد لله. انتهى.\nفيه: أن قوله: (قُمْ يَا بِلَال فَنَادِ أَو فَأذِّنْ) يدلُّ على أنَّ مشروعية الأذان قائمًا، وإنَّه لا يجوز قاعدًا، قال عياض: وهو مذهب العلماء كافة، إلَّا أبا ثور فإنه جوَّزه، ووافقه أبو الفَرَج المالكي ﵀، وضعَّفه النَّوَوي لوجهين أحدهما: المراد بالنداء هنا الإعلام، الثاني: المراد قم واذهب إلى موضع بارز، فنادِ فيه بالصلاة، وليس فيه تعرُّض للقيام في حال الأذان، ومذهبنا ــ أي الحنفيَّة ــ المشهور أنَّه سنَّة، فلو أذَّن قاعدًا بغير عذر صحَّ أذانه، لكن فاتته الفضيلة، ولم يثبت في اشتراط القيام شيء، وفي كتاب أبي الشيخ بسند لا بأس به عن وائل بن حُجْر قال: حقٌّ وسنَّة مسنونة ألَّا يؤذِّن إلَّا وهو طاهر، ولا يؤذِّن إلَّا وهو قائم، وفي «المحيط» إن أذَّن لنفسه فلا بأس أن يؤذِّن قاعدًا من غير عذر، مراعاة لسنَّة الأذان وعدم الحاجة إلى إعلام النَّاس، وإن أذَّن قاعدًا لغير عذر صحَّ وفاتته الفضيلة، وكذا لو أذَّن قاعدًا مع قدرته على القيام صحَّ أذانه، والصَّواب ما قاله ابن المنذر: أنَّهم اتَّفقوا على أنَّ القيام سنَّة، قال شيخنا: كان اللَّفظ الذي ينادي به بلال للصلاة، قوله: الصَّلاة جامعة، أخرجه ابن سعد في «الطبقات» من مراسيل سعيد بن المُسَيَّب، وظنَّ بعضهم أنَّ بلالًا حينئذ أُمر بالأذان المعهود، فذكر مناسبة اختصاص بلال بذلك دون غيره، لكونه كان لما عذِّب ليرجع عن الإسلام، يقول: أحد أحد، فجُوزي","vol":"1","page":130},{"text":"به لأنَّه الأذان المشتمل على التوحيد في ابتدائه وانتهائه، وهي مناسبة حسنة في اختصاص بلال، إلَّا أنَّ هذا الموضع ليس هو محلُّها.\nوفيه دليل على مشروعية طلب الأحكام من المعاني المستنبطة، دون الاقتصار على الظَّواهر، وفيه منقبة ظاهرة لعُمَر بن الخطَّاب ﵁، وفيه مشروعية التَّشاور في الأمور المهمة، وإنَّه ينبغي للمتشاورين أن يقول كلٌّ منهم ما عنده، ثمَّ صاحب الأمر يفعل ما فيه المصلحة، وفيه التحين لأوقات الصَّلوات، قلت: وفيه كراهية التشبيه بأهل الكتاب، وفيه الردُّ على المستشار إذا أخطأ، وفيه أنَّ رؤيا المؤمن حقٌّ، وفيه الاستحياء ولو كان في حقٍّ.\nفوائد: منها الاستشكال في إثبات الأذان برؤيا عبد الله بن زيد، لأنَّ رؤيا غير الأنبياء لا يُبنى عليها حكم شرعي، والجواب: مقارنة الوحي لذلك، وقد تقدَّم من الأحاديث ما يدلُّ على ذلك، قال شيخنا: أو لأنَّه أمر بمقتضاهما لينظر أيقرَّ على ذلك أم لا، سيَّما لما رأى سعد دخول الوسواس فيه، وهذا ينبني على القول بجواز اجتهاده ﵇ في الأحكام، وهو المقصود في الأصول ويؤيِّد الأوَّل ما رواه عبد الرزَّاق وأبو داود في «المراسيل» من طريق عُبَيْد ابن عُمَير التَّيمي أحد كبار التَّابعين أن عُمَر ﵁ لما رأى الأذان جاء يخبر النَّبِيَّ ﵇، فوجد الوحي قد ورد بذلك، فما راعه إلَّا أذان بلال، فقال له النَّبِيُّ ﵇ سبقك بذلك الوحي، هذا أصحُّ مما حكى الدَّاوُدي: أنَّ جبريل أتى النَّبِيَّ بالأذان قبل أن يخبره عبد الله بن زيد بثمانية أيَّام، والله أعلم.\nومنها الترجيع في الأذان، وهو أن يرجع فيرفع صوته بالشهادتين بعدما خفض بهما، وبه قال الشَّافعي ومالك، إلَّا أنَّه لا يأتي بالتكبير في أوَّله إلَّا مرَّتين، وقال أحمد: إن رجع فلا بأس به، وإن لم يرجع فلا بأس به، وقال أبو إِسْحاق من أصحاب الشافعي: إنَّه إن ترك الترجيع يعتدُّ به، وحكى عن بعض أصحابه أنَّه لا يعتدُّ به، كما لو ترك سائر كلماته، كذا في «الحلية»، وفي «شرح الوجيز»، والأصحُّ إن ترك الترجيع لم يضرُّه، وحجَّة الشَّافعي حديث أبي محذورة: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَلَّمَهُ الأَذَانَ: اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللهُ، أَشْهَد أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللهُ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، حَيَّ عَلَى الصَّلاة، حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ.، حَيَّ عَلَى الفَلَاحِ، حَيَّ عَلَى الفَلَاحِ، اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، لَا إلَهَ إلَّا اللهُ» رواه الجماعة إلَّا البخاري من حديث عبد الله بن مُحَيريز عن أبي مَحذُورَة، قال العَيني: وحجَّة أصحابنا ــ أي الحنفيَّة ــ حديث عبد الله بن زيد من غير ترجيع فيه، وكان حديث أبي مَحذُورَة لأجل التعليم، فكرره فظنَّ أبو مَحذُورَة أنَّه ترجيع وأنَّه في أصل الأذان. وروى الطَّبَرَاني في «معجمه الأوسط» عن أبي مَحذُورَة أنَّه قال: «أَلْقَى عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ [الأَذَانَ] (^١) حَرْفًا حَرْفًا: اللهُ أَكْبَرُ...» إلخ. ولم يذكر فيه ترجيعًا، وأذان بلال بحضرة رسول الله ﷺ سفرًا وحضرًا، وهو مؤذِّن رسول الله بإطباق أهل الإسلام\n_________\n(^١) ليس في الأصل، والإضافة من عمدة القاري.","vol":"1","page":131},{"text":"إلى أن توفي رسول الله ﷺ ومؤذِّن أبي بكر الصِّدِّيق ﵁ إلى أن توفي من غير ترجيع.\nومنها قال العَيني: أنَّ التكبير في أوَّل الأذان مربَّع، على ما في حديث أبي مَحذُورَة، رواه مسلم وأبو عَوانة والحاكم، وهو المحفوظ عن الشَّافعي من حديث ابن زيد ﵁، وقال أبو عُمَر: ذهب مالك وأصحابه إلى أنَّ التكبير في أوَّل الأذان مرَّتين، قال: وقد روي ذلك من وجوه صحاح في أذان أبي مَحذُورَة، وأذان ابن زيد، والعمل عندهم بالمدينة على ذلك، في آل سعد القَرَظ إلى زمانهم، قال العَيني: الذي ذهبنا إليه هو أذان الملك الباري من السماء. انتهى.\nومنها في أذان الفجر الصَّلاة خير من النَّوم مرَّتين بعد الفلاح، روى الطَّبَرَاني في «معجمه الكبير» بإسناده عن بلال: «أنَّه أتى النَّبِيَّ ﷺ يؤذنه بالصبح، فوجده راقدًا فقال: الصَّلاة خير من النَّوم مرَّتين، فقال النَّبِيُّ ﷺ: مَا أَحْسَنَ هَذَا يَا بِلَال، اجْعَلْهُ فِي أَذَانِكَ» وأخرجه الحافظ أبو الشيخ في كتاب الأذان له عن ابن عُمَر قال: «جاء بلال إلى النَّبِيِّ ﷺ يؤذنه بالصُّبْح، فوجده قد أغفى، فقال: الصَّلاة خير من النَّوم، فقال له: اجْعَلْهُ فِي أَذَانِكَ إِذَا أَذَّنْتَ للصُّبْحِ فجعل بلال يقولها إذا أذَّن للصُّبْح» ورواه ابن ماجَهْ من حديث سعيد بن المُسَيَّب عن بلال: «أنَّه أتى النَّبِيَّ ﷺ يؤذِّنه بصلاة الفجر، فقيل: هو نائم، فقال: الصَّلاة خير من النَّوم الصَّلاة خير من النَّوم»، فأُقرَّت في تأذين الفجر وخصَّ الفجر به لأنَّه وقت نوم وغفلة.\nومنها معاني كلمات الأذان، ذكر ثعلب أنَّ أهل العربيَّة اختلفوا في معنى أكبر، فقال أهل اللَّغة: معناه كبير، واحتجُّوا بقوله تعالى: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧] معناه: وهو هيِّن عليه، وكما في قول الشاعر:\nتمنَّى رجال أن أموت وإن أمت... فتلك سبيل لست فيها بأوحد\nأي لست فيها بواحد، وقال الكِسائي والفرَّاء وهشام: معناه أكبر من كلِّ شيء، فحذفت (من) كما في قول الشاعر:\nإذا ما ستور البيت أُرخيت لم يكن... سراج لنا إلَّا ووجهك أنور\nأي أنور من غيره، وقال ابن الأَنْباري: وأجاز أبو العبَّاس: الله أكبر، واحتجَّ بأنَّ الأذان سُمِعَ وقفًا لا إعراب فيه.\nقوله: (أَشْهَدُ أَن لَا إِلَهَ إلَّا الله) معناه: أعلم وأبيِّن، ومن ذلك شهد الشاهد عند الحاكم، معناه قد بيَّن له وأعلمه الخبر الذي عنده، وقال أبو عبيدة: معناه أقضي كما في: ﴿شَهِدَ اللهُ﴾ [آل عمران: ١٨] معناه: قضى الله، وقال الزَّجَّاجي: ليس كذلك، وإنما حقيقة الشَّهادة هو تيقُّن الشيء وتحققه، من شهادة الشيء أي حضوره.\nقوله: (رَسُولُ اللهِ) قال ابن الأَنْباري: الرَّسُول معناه في اللُّغة: الذي يتابع الأخبار من الذي بعثه، من قول العرب قد جاءت الإبل رسلًا، إذا جاءت متتابعة ويقال في تثنيته: رسولان، وفي جمعه: رسل، ومن العرب من يوحِّده في موضع","vol":"1","page":131},{"text":"التثنية والجمع، فيقول: الرجلان رسولك والرجال رسولك، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ﴾ [طه: ٤٧] وقال في موضع آخر: ﴿إِنَّا رَسُوْلُ رَبِّ العَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٦] ففي الأوَّل خرج الكلام على ظاهره، لأنَّه إخبار عن موسى وهارون ﵉، وفي الثَّاني بمعنى الرسالة، كأنَّه قال: إنا رسالة ربِّ العالمين، قاله يُونُس، وقال أبو إِسْحاق الزَّجَّاجي: ليس ما ذكره ابن الأنباري في اشتقاق الرَّسُول صحيحًا، وإنَّما الرَّسُول المرسل: المبعَّد من أرسلت أي بعَّدت وبعثت، وإنَّما توهَّم في ذلك لأنَّه رآه على فعول، فتوهُّمه ما جاء على المبالغة، ولا يكون ذلك إلَّا لتكرار الفعل، نحو ضروب وشبهه وليس كذلك، وإنما هو اسم لغير تكثير الفعل، بمنزلة عمود وعنود، وقال ابن الأنباري: وفصحاء العرب أهل الحجاز ومن والاهم يقولون: أشهد أنَّ محمَّدًا رسول الله، وجماعة من العرب يبدلون من الألف عينًا، فيقولون: أشهد عن. انتهى.\nقوله: (حَيَّ عَلى الصَّلَاة) قال الفرَّاء: معناه هَلُمَّ، وفُتِحَت الياء من حيَّ لسكون الياء الَّتي قبلها، وقال ابن الأنباري: فيه ستِّ لغات: حيَّ هلا بالتنوين، وفتح اللَّام بغير تنوين، وتسكين الهاء وفتح اللَّام بغير تنوين، وفتح الهاء وسكون اللَّام، وحيَّ هلن، سر حيِّ هلن، قال الزَّجَّاجي: الوجه الخامس بالنُّون هو الأوَّل بعينه، لأنَّ التنوين والنون سواء، ومعنى الفلاح: الفوز، يقال: أفلح الرجل إذا فاز.\n\n <span id=\"b-١٧٢\"> </span>(٢) <span data-type=\"title\" id=toc-172>(بَابُ الأَذَانِ مَثْنَى مَثْنَى)</span> أي هذا باب يذكر فيه الأذان مثنى مثنى، و&lt;مَثْنَى&gt; هكذا مكرر رواية الكُشْمِيهَني، وفي رواية غيره: &lt;مَثْنَى&gt; مفردًا، ومثنى معدول من اثنين اثنين، وهو بغير تنوين، والعدل على قسمين: تحقيقي: وهذا منه، وعدل تقديري: كعُمَر وزُفَر، وقد عرف في موضعه، وفائدة التكرار للتوكيد، وإن كان التكرار يفهم من صيغة الثني لأنَّها معدولة عن اثنين اثنين كما ذكرنا، ويقال: الأوَّل لإفادة التفسير لألفاظ الأذان، والثاني لكلِّ أفراد الأذان، أي الأوَّل لبيان تثنية الأجزاء والثاني لبيان تثنية الجزئيات.\nقال شيخنا: لفظ الترجمة في حديث لابن عُمَر مرفوع، أخرجه أبو داود الطَّيالِسي في «مسنده» قال فيه: (مثنى مثنى)، وهو عند أبي داود والنَّسائي، وصحَّحه ابن خُزَيمَة وغيره من هذا الوجه لكن بلفظ: «مرَّتين مرَّتين». قال العَيني: ليس لفظ هذه الترجمة لفظ الحديث المذكور، وإنما هي معناه كما ذكرنا، قال شيخنا: أظنُّ النسخة الَّتي وقعت له من فتح الباري، سقط منها من أبي داود إلى أبي داود، أو ظنَّ أنهما واحد وخفي عليه أنَّ المحدِّث إذا أطلق لفظ أبي داود لا يريد إلَّا صاحب السُّنن، ولا سيَّما إن قرنه بأحد من أصحاب السُّنن كالتِّرْمِذي والنَّسائي، وإذا أراد غير صاحب السُّنن وصفه ليتميز، فجرى أي العَيني على مألوفه في إنكار ما لم يُحط به علمًا، والله المستعان. انتهى.\n\n٦٠٥ - <span id=\"b-١٧٣\"> </span>قوله: (حَدَّثَنَا سُلَيمان بنُ حَرْبٍ) أي الواشِحي -بكسر الشين المعجمة والحاء المهملة- نسبة إلى واشح بطن من الأزد، ترجمته في باب من كره أن يعود في الكفر.\nقوله: (حَدَّثَنَا حَمَّادُ بنُ زَيْدٍ) أي ابن درهم، ترجمته في باب ﴿وَإِنْ","vol":"1","page":132},{"text":"طَائِفَتَانِ مِنَ المُؤْمِنِيْنَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات: ٩].\nقوله (عَنْ سِمَاكَ بنِ عَطِيَّةَ) أي بكسر السِّين المهملة وتخفيف الميم وبالكاف، بصري ثقة، روى عن أيُّوب وهو من أقرانه، وقد روى حمَّاد بن زيد عنهما جميعًا، وقال: مات سِماك قبل أيُّوب.\nقوله: (عَنْ أَيُّوْبَ) أي السِّخْتياني، ترجمته في باب حلاوة الإيمان.\nقوله: (عَنْ أَبِي قِلَابَة) أي المتقدِّم في بدء الأذان.\nقوله: (عَنْ أَنَسٍ) أي ابن مالك، رجال إسناده كلُّهم بصريُّون.\nقوله: (أُمِرَ بِلَالٌ أَنْ يَشْفَعَ الأَذَانَ، وَأَنْ يُوتِرَ الإِقَامَةَ، إلَّا الإِقَامَةَ) مطابقته للترجمة من حيث الإشارة لا من حيث التصريح، لأنَّ لفظ يشفع يدلُّ على التثنية لكن لا بطريق التصريح، وقد تقدَّم أنَّ هذه الترجمة في حديث أبي داود، وقد ذكر البخاري هذا الحديث في الباب الذي قبله، عن عِمْران بن مَيْسَرة عن عبد الوهَّاب عن خالد عن أبي قِلابة عبد الله بن زيد عن أَنَس، فاعتبر التفاوت بينهما.\nقوله: (أَنْ يَشْفَعَ) -بفتح أوَّله وفتح الفاء- أي يأتي بألفاظه شفعًا، قال الزَّين بن المنيِّر: وصف الأذان بأنَّه شفع يفسِّره قوله: (مَثْنَى) أي مرَّتين مرَّتين، وذلك يقتضي أن تستوي جميع ألفاظه في ذلك، لكن لم يختلف في أنَّ كلمة التوحيد الَّتي في آخره مفردة، فيحمل قوله: (مَثْنَى) على ما سواها، قال شيخنا: وكأنَّه أراد بذلك تأكيد مذهبه في ترك تربيع التكبير في أوَّله، لكن لمن قال بالتربيع أن يدَّعي نظير ما ادعاه لثبوت الخبر بذلك، وسيأتي في الإقامة توجُّه يقتضي أن القائل به لا يحتاج إلى دعوى التخصيص. انتهى.\nقوله: (وَأَنْ يُوتِرَ الإِقَامَةَ، إلَّا الإِقَامَةَ) المراد بالمنفي غير المراد بالمثبت، والمراد بالمثبت جميع الألفاظ المشروعة عند القيام إلى الصَّلاة، والمراد بالمنفي خصوص قوله: (قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ) كما سيأتي ذلك صريحًا، فحصل من ذلك جناس تامٌّ، وادَّعى ابن مَندَه أنَّ قوله: «الإِقَامَةَ» من قول أيُّوب غير مسند كما في رواية إسماعيل بن إبراهيم، وأشار إلى أنَّ في رواية سِماك بن عطيَّة هذه إدراجًا، وكذا قال أبو محمَّد الأَصِيلي قوله: &lt;الإِقَامَةَ&gt; هو من قول أيُّوب وليس من الحديث، قال شيخنا: وفيما قالاه نظر، لأنَّ عبد الرزَّاق رواه عن معمر عن أيُّوب بسنده متَّصلًا بالخبر مفسَّرًا ولفظه: «كَانَ بِلَالٌ يُثَنِّي الْأَذَانَ وَيُوتِرُ الْإِقَامَةَ إلَّا قَوْلَهُ قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ» أخرجه أبو عَوانة في «صحيحه» والسرَّاج في «مسنده» وكذا هو في مصنَّف عبد الرزَّاق والإسماعيلي من هذا الوجه: «وَيَقُولُ قَدْ قَامَتِ الصَّلاة مرتَيْنِ» والأصل أن ما كان في الخبر فهو منه حتَّى يقوم دليل على خلافه، ولا دليل في رواية إسماعيل، لأنَّه إنَّما يتحصَّل منها أن خالدًا كان لا يذكر الزيادة وكان أيُّوب يذكرها، وكلٌّ منهما روى الحديث عن أبي قِلابة عن أَنَس، فكان في رواية أيُّوب زيادة من حافظ فيقبل، والله أعلم.\nوقد استشكل عدم","vol":"1","page":132},{"text":"استثناء التكبير في الإقامة، وأجاب بعض الشافعية: بأن التثنية في تكبير الإقامة بالنسبة إلى الأذان إفراد، قال النَّوَوي: ولهذا يستحبُّ أن يقول المؤذِّن كلَّ تكبيرتين بنفس واحد، وهذا إنَّما يتأتَّى في أوَّل الأذان لا في التكبير الذي في آخر. وعلى ما قاله النَّوَوي: ينبغي للمؤذِّن أن يفرد كلَّ تكبيرة من اللتين في آخره بنفس، ويظهر بهذا التقرير ترجيح قول من قال بتربيع التكبير في أوَّله على من قال بتثنيته، مع أنَّ لفظ: الشفع يتناول التثنية والتربيع، فليس في لفظ حديث الباب ما يخالف ذلك بخلاف ما يوهمه كلام ابن بطَّال.\nوأما الترجيح في الشهادتين فالأصحُّ في صورته أن يشهد بالوحدانية ثنتين، وبالرسالة ثنتين، ثمَّ يرجع فيشهد كذلك، فهو وإن كان في العدد مربعًا فهو في الصُّورة مثنى، والله أعلم. انتهى.\n\n٦٠٦ - <span id=\"b-١٧٤\"> </span>قوله: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ وَهُوَ ابنُ سَلَامٍ) هكذا وَقَعَ في رواية أبي ذرٍّ، وفي رواية غيره: &lt;حدَّثني محمَّد&gt; غير منسوب، وقال أبو علي الجياني: ذكر البخاري في مواضع حدَّثنا محمَّد غير منسوب، منها في الصَّلاة والجنائز والمناقب والطلاق والتوحيد، وفي بعضها محمَّد بن سلام، منها ههنا على الاختلاف المذكور وقال أبو نصر الكلاباذي: إن البخاري روى في «الجامع» عن محمَّد بن سلَام ومحمَّد بن بشَّار ومحمَّد بن المثنَّى ومحمَّد بن عبد الله بن حوشب عن عبد الوهَّاب الثقفي. انتهى. ترجمة محمَّد بن سلَام في باب قول النَّبِيِّ ﷺ: أَنَا أَعْلَمُكُمْ بِاللهِ.\nقوله: (قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ) ترجمته في باب ما يكره من النَّوم قبل العشاء.\nقوله: (حَدَّثَنَا خَالِدٌ الحَذَّاءُ) أي ابن مهران، ترجمته في باب قول النَّبِيِّ ﷺ: اللهمَّ علِّمه الكتاب.\nقوله: (عَنْ أَبِي قِلَابَةَ) أي المنبَّه عليه في هذا الباب.\nقوله: (عَن أَنَس بنِ مَالِكٍ) ﵁.\nفي هذا الإسناد: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ)، وفي بعض النسخ: (حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ)، وفيه: (حَدَّثَنِي عَبْدُ الوَهَّابِ)، وفي رواية كريمة: &lt;أَخْبَرَنَا&gt;، وفي رواية الأَصِيلي: &lt;حَدَّثَنَا&gt;، وفيه &lt;الثَّقَفِيُّ&gt;، وليس في رواية كريمة: &lt;الثَّقَفِيُّ&gt;، وفيه: (حَدَّثَنَا خَالِدٌ الحَذَّاءُ)، وهي في رواية أبي ذرٍّ والأَصِيلي، ولغيرهما: «أَخْبَرَنَا».\nقوله: (قَالَ: لَمَّا كَثُرَ النَّاس، قَالَ: ذَكَرُوا أَنْ يُعْلِمُوا وَقْتَ الصَّلاة بِشَيْءٍ يَعْرِفُونَهُ، فَذَكَرُوا أَنْ يُورُوا نَارًا، أَوْ يَضْرِبُوا نَاقُوسًا، فَأُمِرَ بِلَالٌ أَنْ يَشْفَعَ الأَذَانَ، وَيُوتِرَ الإِقَامَةَ) مطابقته للترجمة مثل مطابقة الحديث الأوَّل.\nقوله: (لَمَّا كَثُرَ النَّاس، قَالَ: ذَكَرُوا) قال الثانية زائدة، ذكرت تأكيدًا لقال الأولى.\nوقوله: (ذَكَرُوا) جواب لمَّا.\nقوله: (أَنْ يُعْلِمُوا) بضمِّ أوَّله، ومعناه: يجعلون له علامة يعرف بها، فهو على هذا من الإعلام، وفي رواية كريمة: بفتح الياء من العلم.\nقوله: (أَنْ يُوْرُوا نَارًا) أي يوقدوا ويشعلوا، يقال: أوريت النَّار أي شعلتها، ووَرَى الزند إذا خرجت نارها، وأوريته إذا أخرجته. ووَقَعَ في رواية مسلم: أن ينوروا نارًا، أي يظهروا نورها، والناقوس خشبة تضرب بخشبة أصغر","vol":"1","page":133},{"text":"منها فيخرج منها صوت، وهو من شعار النَّصارى، قلت: هي خشبة طولها نحو نصف ذراع، وعرضها مقدار إصبعين، يضرب عليها بخشبة أقصر منها وقد يجعل لها قطعة كهيئة رأس الدقماق، وتتخذ تارة من أبنوس وربما صنعوها من حديد كما تقدَّم. انتهى.\nقوله: (فَأُمِرَ) على صيغة المجهول.\nقوله: (أَنْ يُوتِرَ الإِقَامَةَ) أي ألفاظ الإقامة الَّتي يدخل بها في الصَّلاة، قال شيخنا: احتجَّ به من قال بإفراد قوله: (قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ)، والحديث الذي قبله حجَّة عليه، فإن احتجَّ بعمل أهل المدينة عورض بعمل أهل مكَّة ومعهم الحديث الصحيح.\n\n <span id=\"b-١٧٥\"> </span>(٣) <span data-type=\"title\" id=toc-175>(بَابُ الإِقَامَةُ وَاحِدَةٌ إلَّا قَوْلَهُ قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ)</span> أي هذا باب يذكر فيه الإقامة، أي الإقامة الَّتي تقام بها الصَّلاة، ثمَّ استثنى منها قد قامت الصَّلاة مرَّتين، وهذا لفظ مَعْمَر عن أيُّوب، كما ذكرنا من «مسند» السرَّاج عن قريب.\n٦٠٧ - <span id=\"b-١٧٦\"> </span>قوله: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ اللهِ) أي ابن المديني، ترجمته في باب الفهم في العلم.\nقوله: (قَالَ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيْلُ بنُ إبْرَاهِيْمَ) أي ابن عليَّة، ترجمته في باب حبِّ الرسول من الإيمان.\nقوله: (قَالَ حَدَّثَنَا خَالِدٌ) أي الحذَّاء المذكور في الباب السابق.\nقوله: (عَنْ أَبِي قِلَابَةَ) أي المذكور فيه أيضًا.\nقوله: (عَنْ أنَسٍ) أي ابن مالك المذكور فيه أيضًا.\nفي هذا الإسناد التَّحديث بصيغة الجمع في ثلاث مواضع، والعنعنة في موضعين، وفيه القول في ثلاث مواضع.\nقوله: (قَالَ: أُمِرَ بِلالٌ أَنْ يَشْفَعَ الأذَانَ، وَأَنْ يُوتِرَ الإقَامَةَ) مطابقته للترجمة في قوله: وأن يوتر الإقامة، أي يوحِّدوا ألفاظها، وقال ابن المنيِّر: خالف البخاري لفظ الحديث في الترجمة فعدل عنه إلى واحدة، لأن لفظ الوتر غير منحصر في المرَّة، فعدل عن لفظ فيه الاشتراك إلى ما لا اشتراك فيه، وقال شيخنا: إنَّما لم يقل واحدة واحدة، مراعاة للفظ الخبر الوارد في ذلك، وهو عند ابن حبَّان في حديث ابن عُمَر الذي أشرت إليه في الباب الماضي ولفظه: «الأَذَانُ وَالإِقَامَةُ وَاحِدَةٌ»، وروى الدَّارَقُطْني وحسَّنه في حديث لأبي محذورة: «وَأَمَرَهُ أَنْ يُقِيمَ وَاحِدَةً وَاحِدَةً».\nقوله: (إِلَّا) قوله: (قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ) هو لفظ مَعْمَر عن أيُّوب كما تقدَّم قبل، واعترضه الإسماعيلي بأنَّ إيراد حديث سِماك بن عطيَّة في هذا الباب أولى من إيراد حديث ابن عُلَيَّة، والجواب أنَّ المُصَنِّف قصد رفع وهم من يتوهَّم إنَّه موقوف على أيُّوب، لأنَّه أورده في مقام الاحتجاج به، ولو كان عنده مقطوعًا لم يحتجَّ به.\nقوله: (قَالَ إسْمَاعِيْلُ) أي المذكور في أوَّل الإسناد، وليس هو معلَّقًا.\nقوله: (فَذَكَرْتُهُ لَأَيُّوْبَ) أي السِّخْتياني هكذا بالضمير في رواية الأَصِيلي والكُشْمِيهَني، وفي رواية الأكثرين: «فَذَكَرْتُ» بحذف الضَّمير الذي هو المفعول العائد على حديث خالد، أراد أنَّه زاد في","vol":"1","page":133},{"text":"آخر الحديث هذا الاستثناء، وأراد به قوله: (قد قامت الصلاة) مرتين، وقال الكِرْماني: قالت المالكية: عمل أهل المدينة خلفًا عن سلف على إفراد الإقامة، ولو صحَّت زيادة أيُّوب، وما رواه الكوفيون من تثنية الإقامة، جاز أن يكون ذلك في وقت ما ترك لعمل أهل المدينة على الآخر الذي استقرَّ الأمر عليه، والجواب: أن زيادة الثقة مقبولة وحجَّة بلا خلاف، وأما عمل أهل المدينة فليس بحجَّة مع أنَّه معارض بعمل أهل مكَّة، وهي مجمع المسلمين في المواسم وغيرها، وقال شيخنا: وهذا الحديث حجَّة على من زَعَمَ أنَّ الإقامة مثنى مثنى مثل الأذان، وأجاب بعض الحنفيَّة: بدعوى النسخ وأنَّ إفراد الإقامة كان أولًا، ثمَّ نسخ بحديث أبي مَحذُورَة يعني الذي رواه أصحاب السُّنن وفيه تثنية الإقامة، وهو متأخِّر عن حديث أَنَس، فيكون ناسخًا، وعورض بأنَّ في بعض طرق حديث أبي مَحذُورَة المحسَّنة التربيع والترجيع، فكان يلزمهم القول به، وقد أنكر أحمد على من ادعى النَّسخ بحديث أبي مَحذُورَة واحتجَّ «بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَجَعَ بَعْدَ الفَتْحِ إِلَى المَدِينَةِ، وَأَقَرَّ بِلَالًا عَلَى إِفْرَادِ الْإِقَامَةِ، وَعَلمَهُ سَعْد القَرَظُ فَأَذَّنَ بِهِ بَعْدَهُ» كما رواه الدَّارَقُطْني والحاكم، قال العَيني: الذي رواه التِّرْمِذي من حديث عَمْرو بن مُرَّة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن عبد الله بن زيد قال: «كَانَ أَذَانُ رَسُولِ اللهِ ﷺ شَفْعًا فِي الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ» حجَّة على هذا القائل بقوله، وهذا الحديث حجَّة على من زَعَمَ أن الإقامة مثنى مثنى وكذلك رواية ابن حبَّان في «صحيحه» كلُّ هذه حجَّة عليه وعلى إمامه، وأمَّا الجواب عن وجه ترك الترجيع ووجه النَّسخ فقد ذكرناه. انتهى.\nوقال ابن عبد البرِّ: ذهب أحمد وإسحاق وداود وابن جرير، إلى أنَّ ذلك من الاختلاف المباح، فإن ربَّع التكبير الأوَّل في الأذان، أو ثنَّاه، أو رجَّع في التَّشهُّد أو لم يرجِّع، أو ثنَّى الإقامة أو أفردها كلَّها أو إلَّا (قدْ قامَتِ الصَّلاة) فالجميع جائز. وعن ابن خُزَيمَة: إن ربَّع الأذان ورجَّع فيه ثنَّى الإقامة، وإلا أفردها، وقيل: لم يقل بهذا التفصيل أحد قبله، والله أعلم. انتهى.\n\n <span id=\"b-١٧٧\"> </span>(٤) <span data-type=\"title\" id=toc-177>(بَابُ فَضْلِ التَّأذِينِ)</span> أي هذا باب في بيان فضل التأذين، وهو مصدر أذَّن بالتشديد، وهو مخصوص في الاستعمال بإعلام وقت الصَّلاة، ومنه أُخذ أذان الصَّلاة، وقال الجوهري: والأذين مثله، وقد أذَّن أذانًا، وأما الإيذان فهو من آذن على وزن أفعل، ومعناه الإعلام مطلقًا، وإنَّما قال البخاري: باب فضل التأذين ولم يقل باب فضل الأذان، مراعاةً للفظ الحديث الوارد في الباب، وقال ابن المنيِّر: التأذين يتناول جميع ما يصدر عن المؤذِّن من قول وفعل وهيئة، وحقيقة الأذان تحصل بدون ذلك، قال شيخنا: كذا قال والظَّاهر أنَّ التأذين هنا أطلق بمعنى الأذان، لقوله في الحديث: (حَتَّى لا يَسْمَعَ التَّأْذِينَ) وفي رواية لمسلم: «حَتَّى لَا يَسْمَعَ صَوْتَهُ» فالتقييد","vol":"1","page":134},{"text":"بالسَّماع لا يدلُّ على فعل ولا هيئة، مع أن ذلك هو الأصل في المصدر. انتهى. وقال العَيني: لا نسلِّم هذا الكلام يعني كلام ابن المنيِّر لأنَّ التأذين مصدر فلا يدلُّ إلَّا على حدوث فعل فقط. انتهى.\n\n٦٠٨ - <span id=\"b-١٧٨\"> </span>قوله: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بنُ يُوسُفَ) أي التِّنِّيسي، ترجمته في بدء الوحي.\nقوله: (قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) أي ابن أَنَس، ترجمته في البدء أيضًا.\nقوله: (عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) أي بالزاي والنون، واسمه عبد الله بن ذكوان، ترجمته في باب حبِّ الرسول من الإيمان.\nقوله: (عَنِ الأَعْرَجِ) أي عبد الرحمن بن هرمز، ترجمته في الباب أيضًا.\nقوله: (عَنْ أبي هُرَيْرَةَ) أي عبد الرحمن بن صخر، ترجمته في باب أمور الإيمان.\nفي هذا الإسناد التَّحديث بصيغة الجمع في موضع واحد، وفيه الإخبار كذلك، وفيه العنعنة في ثلاث مواضع.\nقوله: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ أَدْبَرَ الشَّيطان لَهُ ضُرَاطٌ حتَّى لَا يَسْمَعَ التَّأْذِين، فَإِذَا قُضِيَ النِّدَاءُ أَقْبَلَ، حتَّى إِذَا ثُوِّبَ بِالصَّلَاةِ أَدْبَرَ حتَّى إِذَا قُضِيَ التَّثْوِيبُ أَقْبَلَ، حتَّى يَخْطُرَ بَيْنَ الْمَرْءِ وَنَفْسِهِ، يَقُولُ: اذْكُرْ كَذَا اذْكُرْ كَذَا لِمَا لَمْ يَكُنْ يَذْكُرُ حتَّى يَظَلَّ الرَّجُلُ لَا يَدْرِي كَمْ صَلَّى).\nمطابقته للترجمة من حيث هروب الشَّيطان عن الأذان، فإن الأذان لو لم يكن له فضل عظيم يتأذَّى منه الشَّيطان لم يهرب منه، فمن حصول هذا الفضل للتأذين يحصل أيضًا للمؤذِّن لأنَّه لا يقوم إلَّا به.\nهذا الحديث أخرجه أبو داود، في الصَّلاة عن القَعنَبي عن مالك، وأخرجه النَّسائي أيضًا فيه عن قُتَيْبَة عن مالك بالصلاة، وهي رواية لمسلم أيضًا، وكذا في رواية أبي داود، قال شيخنا: ويمكن حملها على معنى واحد.\nقال العَيني: سكت على هذا ولم يُبيِّن وجه ما هو، قلت: تكون الباء للسببية، كما في قوله تعالى: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ﴾ [العنكبوت: ٤٠] أي بسبب ذنبه وكذلك المعنى ههنا بسبب الصَّلاة، ومعنى التعليل قريب من معنى السببية.\nقوله: (أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ) الإدبار: نقيض الإقبال، يقال: دبر وأدبر إذا ولَّى، والألف واللام في: الشيطان، للعهد، والمراد: الشَّيطان المعهود.\nقوله: (لَهُ ضُرَاطٌ) جملة اسميَّة وقعت حالًا، والأصل فيها أن تكون بالواو، وقد تقع بلا واو، كلمته فوه إلى فيَّ، ووَقَعَ في رواية الأَصِيلي: بالواو على الأصل، وهي للبخاري من وجه آخر في بدء الخلق. قال عياض: يمكن حمله على ظاهره لأنَّه جسم متغذٍّ يصحُّ منه خروج الريح، ويحتمل إنَّها عبارة عن شدَّة نفاره، ويقوِّيه رواية لمسلم: «لَهُ حُصَاصٌ» بمهملات مضموم الأوَّل، فقد فسَّره الأصمعي وغيره: بشدَّة العدو، قال العَيني: هذا تمثيل لحال الشَّيطان عند هروبه من سماع الأذان بحال من حزقه أمر عظيم، واعتراه خطب جسيم، حتَّى لم يزل يحصل له الضراط من شدَّة ما هو فيها، لأن الواقع","vol":"1","page":134},{"text":"في شدَّة عظيمة من خوف وغيره، تسترخي مفاصله، ولا يقدر على أن يملك نفسه، فينفتح منه مخرج البول والغائط، ولما كان الشَّيطان لعنه الله تعتريه شدَّة عظيمة وداهية جسيمة، عند النداء إلى الصَّلاة، فيهرب حتَّى لا يسمع الأذان، شبَّه حاله بحال ذلك الرجل، وأثبت له على وجه الادعاء الضراط الذي ينشأ من كمال الخوف الشديد، وفي الحقيقة ما ثمَّ ضراط، ولكن يجوز أن يكون ريح، لأنَّه روح ولكن لم تعرف كيفيته. انتهى. وقال الطيبي: شبَّه شغل الشَّيطان نفسه عند سماع الأذان بالصوت الذي يملأ السمع، ويمنعه عن سماع غيره ثمَّ سماه ضراطًا تقبيحًا له، فإن قلت: كيف يهرب عن الأذان، ولا يهرب عن قراءة القرآن وهي أفضل من الأذان؟ قلت: إنَّما يهرب من الأذان حتَّى لا يشهد بما سمعه إذا استُشهد يوم القيامة، لأنَّه جاء في الحديث: (لا يَسْمَعُ مَدَى صَوْتِ المُؤَذِّنِ جِنٌّ وَلا أَنَس وَلا شَيْءٌ، إلَّا شَهِدَ لَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ) والشَّيطان أيضًا شيء أو هو داخل في الجنِّ، لأنَّه من الجنِّ. فإن قلت: الشَّيطان ليس بأهل للشهادة، لأنَّه كافر، والمراد من الحديث يشهد له المؤمنون من الجنِّ والإنس، قال العَيني: إنَّه يدبر لعظم أمر الأذان، لما اشتمل عليه من قواعد الدين، وإظهار شعائر الإسلام وإعلانه. وقيل: ليأسه من وسوسة الإنسان عند الإعلان بالتوحيد. فإن قلت: كيف يهرب من الأذان ويدنو من الصَّلاة وفيها القرآن ومناجاة الحقِّ؟ قال العَيني: أيضًا هروبه من الأذان ليأسه من الوسوسة كما ذكرنا، وفي الصَّلاة تفتح له أبواب الوسواس. انتهى. قلت: التعليل بقولنا حتَّى لا يشهد إذا استُشهد، أظهر من هذا. انتهى. وقيل لأن الأذان دعاء إلى الصَّلاة المشتملة على السُّجود الذي أباه وعصى فيه، واعترض بأنه يعود قبل السجود، فلو كان هروبه لأجله لم يعد إلَّا عند فراغه، وأجيب: بأنَّه يهرب عند سماع الدعاء بذلك ليغالط نفسه بأنه لم يخالف أمرًا، ثمَّ يرجع ليفسد على المصلِّي سجوده الذي أباه، وقيل: إنَّما يهرب لاتفاق الجميع على الإعلان بشهادة الحقِّ وإقامة الشريعة، واعترض بأنَّ الاتِّفاق على ذلك حاصل قبل الأذان وبعده من جميع من يصلِّي، وأجيب: بأن الإعلان أخصُّ من الاتفاق، فإنَّ الإعلان المختصَّ بالأذان لا يشاركه فيه غيره من الجهر بالتكبير والتلاوة مثلًا، ولهذا قال لعبد الله بن زيد: (أَلْقِهِ عَلَى بِلَالٍ فَإِنَّهُ أَنْدَى صَوْتًا مِنْكَ) أي اقعد بالمدِّ والإطالة والإسماع ليعمَّ الصَّوت ويطول أمد التأذين، فيكثر الجمع ويفوت على الشَّيطان مقصوده من إلهاء الآدمي عن إقامة الصَّلاة في جماعة، أو إخراجها عن وقتها أو وقت فضيلتها فيفرُّ حينئذ، وقد يئس عن أن يردَّهم عمَّا أعلنوا، ثمَّ يرجع لما طبع عليه من الأذى إلى الوسوسة. وقال ابن الجَوْزي: على الأذان","vol":"1","page":135},{"text":"هيبة يشتدُّ بسببها انزعاج الشيطان، لأنَّه لا يكاد يقع في الأذان رياء ولا غفلة عند النطق به، بخلاف الصَّلاة فإن النفس تحضر فيها، فيفتح لها الشَّيطان أبواب الوسوسة. وقد ترجم عليه أبو عوانة: الدليل على أن المؤذِّن في أذانه وإقامته منفي عنه الوسوسة والرياء لتباعد الشَّيطان منه، وقيل: لأن الأذان إعلام بالصَّلاة الَّتي هي أفضل الأعمال، بألفاظ هي من أفضل الذكر، لا يُزاد فيها ولا يُنقص منها، بل يقع على وفق الأمر، فيفرُّ من سماعها. وأمَّا الصَّلاة فلما يقع من كثير من النَّاس فيها من التفريط فيتمكَّن الخبيث من المفرِّط، فلو قُدِرَ أن المصلِّي وفى بجميع ما أُمر به فيها لم يقربه وحده وهو نادر، وكذا إذا انضم إليه مثله فإنه يكون أندر، أشار له ابن أبي جَمْرَة نفع الله ببركته.\nقوله: (حَتَّى لَا يَسْمَعَ التَّأْذِيْنَ) الظَّاهر أن هذه الغاية لأجل إدباره، وقال شيخنا: ظاهره إنَّه يتعمد إخراج ذلك إمَّا ليشتغل بسماع الصَّوت الذي يخرجه عن سماع المؤذِّن، أو يصنع ذلك استخفافًا كما يفعله السًّفهاء، ويحتمل أن لا يتعمَّد ذلك، بل يحصل له عند سماع الأذان شدَّة خوف يحدث له ذلك الصَّوت بسببها، ويحتمل أن يتعمد ذلك ليقابل ما يناسب الصَّلاة من الطهارة بالحدث. انتهى. قلت: ومثل هذا ما يفعله بعض الكفَّار من النصارى وهو إنَّه إذا سمع المؤذِّن يصلب على وجهه، ليقابل الإيمان بكفره. انتهى. وقال شيخنا أيضًا: واستدلَّ به على استحباب رفع الصَّوت بالأذان، لأنَّ قوله: (حَتَّى لَا يَسْمَعَ) ظاهر في إنَّه يبعد إلى مكان ينتفي فيها سماعه للصوت، وقد وَقَعَ بيان الغاية في رواية لمسلم من حديث جابر فقال: (حَتَّى يَكُونَ مَكَانَ الرَّوْحَاءِ) وحكى الأَعْمَش عن أبي سُفْيان روايةً عن جابر أن بين المدينة والروحاء ستَّة وثلاثون ميلًا، هذه رواية قُتَيْبَة عن جرير عند مسلم، وأخرجه عن إِسْحاق عن جرير ولم يسق لفظه، ولفظ إِسْحاق في «مسنده»: «حَتَّى يَكُونَ بِالرَّوْحَاءِ» وهي ثلاثون ميلًا عن المدينة. فأدرجه في الخبر، والمعتمد رواية قُتَيْبَة، وسيأتي حديث أبي سعيد في فضل رفع الصَّوت بالأذان بعد، قال ابن بطَّال: يشبه أن يكون الزجر من خروج المرء من المسجد بعد أن يؤذِّن المؤذِّن من هذا المعنى، لئلَّا يكون متشبِّهًا بالشَّيطان الذي يفرُّ عند سماع الأذان.\nقوله: (فَإِذَا قُضِيَ النِّدَاءُ) بضمِّ القاف على صيغة المجهول، سند إلى فاعله وهو النداء القائم مقام المفعول، ويروى على صيغة المعلوم، ويكون الفاعل هو الضَّمير الذي فيه، وهو المؤذِّن، والنداء منصوب على المفعولية، والقضاء يأتي لمعانٍ كثيرةٍ، وههنا بمعنى: الفراغ. تقول: قضيت حاجتي أي فرغت منها أو بمعنى الانتهاء.\nقوله: (أَقْبَلَ) زاد مسلم في رواية أبي صالح عن أبي هريرة: «فَوَسْوَسَ».\nقوله: (حَتَّى إِذَا ثُوِّبَ بِالصَّلَاةِ) بضمِّ الثَّاء المثلَّثة وتشديد الواو","vol":"1","page":135},{"text":"المكسورة، أي حتَّى إذا أقيم الصَّلاة، والتثويب ههنا الإقامة، كما ذهب إليه الجمهور وبذلك جزم أبو عَوانة في «صحيحه» والخطَّابي والبَيْهَقي وغيرهم، والعامَّة لا تعرف التثويب إلَّا قول المؤذِّن في صلاة الفجر: الصَّلاة خير من النَّوم حسب، ومعنى التثويب في الأصل الإعلام بالشيء والإنذار بوقوعه، وأصله أن يلوِّح الرجل لصاحبه بثوبه فيدبره عند أمر يرهقه من خوف أو عدو، ثمَّ كثر استعماله في كلِّ إعلام يجهر به صوت، وإنما سمِّيت الإقامة: تثويبًا، لأنَّه عود للنداء، من: ثاب إلى كذا إذا عاد إليه، وقال القُرْطُبي: ثوِّب بالصَّلاة أي أقام لها، وأصله إنَّه رجع إلى ما يشبه الأذان، وكلُّ مردِّد صوتًا فهو مثوِّب، ويدلُّ عليه رواية مسلم في رواية أبي صالح عن أبي هريرة: «فَإِذَا سَمِعَ الْإِقَامَةَ ذَهَبَ» وزَعَمَ بعض الكوفيين أنَّ المراد بالتثويب قول المؤذِّن بين الأذان والإقامة: حيَّ على الصَّلاة، حيَّ على الفلاح، قد قامت الصَّلاة، وحكى ذلك ابن المنذر عن أبي يوسف عن أبي حنيفة، وزَعَمَ إنَّه تفرَّد به، لكن في «سنن أبي داود» عن ابن عُمَر: إنَّه كره التثويب بين الأذان والإقامة، فهذا يدلُّ على أن له سلفًا في الجملة، ويحتمل أن يكون الذي تفرَّد به القول الخاص.\nقوله: (حَتَّى يَخْطُرَ) -بضمِّ الطاء وكسرها- وقال عياض: ضبطناه من المتقنين بالكسر، وسمعناه من أكثر الرُّواة بالضمِّ، قال: والكسر هو الوجه، ومعناه: يوسوس، من قولهم: خطر الفحل بذَنَبِه إذا حرَّكه يضرب به فخذيه، وأمَّا الضمُّ، فمن المرور أي يدنو منه فيما بينه وبين قبلته فيشغله عمَّا هو فيه، وبهذا فسَّره الشُرَّاح، وبالأوَّل فسَّره الخليل، وقال الباجي: فيحول بين المرء وما يريد من نفسه من إقباله على صلاته وإخلاصه. قال الهجري في «نوادره»: يخْطِر بالكسر في كلِّ شيء، وبالضمِّ ضعيف.\nقوله: (بَيْنَ الْمَرْءِ وَنَفْسِهِ) أي قلبه، وكذا وَقَعَ للبخاري من وجه آخر في بدء الخلق، وبهذا التفسير يحصل الجواب عمَّا قيل، كيف يتصوَّر خطوره بين المرء ونفسه، وهما عبارتان عن شيء واحد؟ وقد يكون تمثيلًا لغاية القرب منه.\nقوله: (يَقُولُ: اذْكُرْ كَذَا اذْكُرْ كَذَا) هكذا هو بلا واو العطف في رواية الأكثرين، ووَقَعَ في رواية كريمة بواو العطف: &lt;اذْكُرْ كَذَا وَاذْكُرْ كَذَا&gt; في رواية مسلم وللبخاري أيضًا في صلاة السهو، وزاد مسلم من رواية عبد ربُّه عن الأعرج: «فَهَنَّاهُ وَمَنَّاهُ، وَذَكَّرَهُ مِنْ حَاجَتِهِ مَا لَمْ يَكُنْ يَذْكُرُ».\nقوله: (لِمَا لَمْ يَكُنْ يَذْكُرُ) أي لشيءٍ لم يكن على ذكره قبل دخوله في الصَّلاة، وفي رواية لمسلم: «لِمَا لَمْ يَكُنْ يَذْكُرُ مِنْ قَبْل» قال شيخنا: ومن ثمَّ استنبط أبو حنيفة للذي شكا إليه إنَّه دفن مالًا، ثمَّ لم يهتد لمكانه، أن يصلِّي ويحرص أن لا يُحَدِّث نفسه بشيء من أمر الدُّنْيا ففعل، فذكر مكان المال في الحال. قيل: خصَّه بما يعلم دون ما لا يعلم، لأنَّه يميل لما يعلم أكثر لتحقق وجوده، والذي يظهر إنَّه أعم من ذلك فيذكره لما سبق له به علم، ليشغل باله به، وبما لم يكن سبق له ليوقعه في الفكرة فيه، وهذا أعم من أن يكون في أمور الدُّنْيا أو في أمور الدين كالعلم، لكن هل يشمل ذلك التفكُّر في معاني الآيات الَّتي يتلوها؟","vol":"1","page":136},{"text":"لا يبعد ذلك، لأنَّ غرضه تقريب خشوعه وإخلاصه بأي وجه كان. انتهى.\nقوله: (حَتَّى يَظَلَّ الرَّجُلُ) بفتح الظاء أي حتَّى يصير الرجل ما يدري كم صلَّى من الركعات، ورواية الجمهور بالظاء المشالة المفتوحة ومعناه في الأصل اتصاف المخبر عنه بالخبر نهارًا، لكنها هنا بمعنى يصير، كما في قوله تعالى: ﴿ظَلَّ وَجْهُهُ﴾ [النحل: ٥٨] وقيل: معناه يبقى ويدوم، ووَقَعَ عند الأَصِيلي: يضِل، بالضاد المعجمة المكسورة أي ينسى ويذهب وهمه ويسهو، قال تعالى: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا﴾ [البقرة: ٢٨٢]. وقال ابن قرقول: وحكى الداودي إنَّه روي: يضِلُّ ويضَلُّ، من الضلال وهو الحيرة. قال: والكسر في المستقبل أشهر، وقال القُشَيري: ولو روى هذا الرجل حتَّى يُضِلَّ الرجل لكان وجهًا صحيحًا، يريد: حتَّى يُضِلَّ الشَّيطان الرجل عن درايته كمْ صلَّى؟ قال: ولا أعلم أحدًا رواه، لكنَّه لو روي لكان وجهًا صحيحًا في المعنى، غير خارج عن مُرَاده ﵇، وفي رواية للبخاري في صلاة السَّهو: (إِنْ يَدْرِى كَمْ صَلَّى) وكذا في رواية أبي داود. وكلمة: (إن) بالكسر نافية يعني: ما يدري، قال القاضي عياض: ورُوي بفتحها، قال: وهي رواية ابن عبد البرِّ، وادَّعى إنَّها رواية أكثرهم، وكذا ضبطه الأَصِيلي في كتاب البخاري والصحيح الكسر، قال العَيني: الفتح إنَّما يتوجَّه على رواية: يضِلُّ، بالضاد فيكون: (أن) مع الفعل بعدها بتأويل المصدر، أي يجهل درايته وينسى عدد ركعاته. فإن قلت: أثبت له الضراط في إدباره الأوَّل ولم يثبت في الثاني؟ قال العَيني: لأنَّ الشدة في الأوَّل تلحقه على سبيل الغفلة فتكون أعظم، أو يكون اكتفى بذكره في الأوَّل عن ذكره في الثاني. انتهى.\nفيه أنَّ الأذان له فضل عظيم حتَّى يلحق الشَّيطان منه أمر عظيم، كما ذكرناه، وكذلك المؤذِّن له أجر عظيم، إذا كان أذانه احتسابًا لله تعالى، وفي صحيحي ابن خُزَيمَة وابن حبَّان: «المُؤَذِّنُ يُغْفَرُ لَهُ مَدَّ صَوْتِهِ، وَيَسْتَغْفِرْ لَهُ كُلُّ رَطْبٍ وَيَابِسٍ، وَشَاهِدُ الصَّلاة، يُكْتَبُ لَهُ خَمْسٌ وَعِشْرُونَ حَسَنَةً، وَيُكَفَّرُ عَنْهُ مَا بَيْنَهُمَا» وعند أحمد ﵀: «وَيُصَدِّقُهُ كُلُّ رَطْبٍ وَيَابِسٍ سَمِعَهُ» وعند أبي الشيخ: «كُلُّ مَدَرَةٍ وَصَخْرَةٍ سَمِعَتْ صَوْتَهُ» وفي كتاب «الفضائل» لحُمَيد بن زنجويه من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: «يُكْتَبُ لِلْمُؤَذّن عِنْد أَذَانِهِ أَرْبَعُونَ وَمِائَة حَسَنَة، وَعندَ الإِقامَة عشرُون وَمِائَة حَسَنَة» وفي كتاب أبي القاسم الجوزي عن أبي سعيد وغيره: «ثَلَاثَةٌ يَوْمَ القِيَامَة عَلَى كُثُبٍ مِنْ مِسْكٍ أَسْوَد، لَا يَهُولهُم فَزَعً وَلَا يَنَالُهُم حِسَاب» الحديث وفيه: «وَرَجُلٌ أَذَّنَ وَدَعَا إِلَى اللهِ ﷿ ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللهِ» وعند السرَّاج عن أبي هريرة بسند جيد: «المُؤَذِّنُونَ أَطْوَلُ النَّاس أَعْنَاقًا، لِقَوْلِهِم: لَا إِلَهَ إلَّا اللهُ» وفي لفظ: «يُعْرَفُونَ بِطُولِ أَعْنَاقِهِمْ يَوْمَ القِيَامَةِ» خرَّجه أيضًا ابن حبَّان في صحيحه، وعند أبي الشيخ: «مَن أَذَّنَ خَمْسَ صلواتٍ إيمانًا واحتسابًا، غُفِرَ له ما تقدَّم من ذَنْبِه» وفي كتاب «الصحابة» لأبي موسى","vol":"1","page":136},{"text":"من حديث كثير بن مرَّة الحضرمي مرفوعًا: «أَوَّلُ مَنْ يُكْسَى مِنْ حلَلِ الجنَّة بعد النَّبِيين، ﵈، وَالشُّهَدَاء: بِلَال وَصَالح المؤذنين» وفي كتاب «شعب الإيمان» للبيهقيِّ من حديث أبي معاوية عن أبي يعيش السكوني عن عبادة بن نسَى يرفعه: «مَنْ حَافَظَ عَلى النِّدَاءِ بِالأَذَانِ سَنَةً أَوْجَبَ الجنَّةَ» وعند أبي أحمد بن عدي من حديث عُمَر بن حَفْص العبدي وهو متروك عن ثابت عن أنس: «يد الله تعالى على رأس المؤذِّن حتَّى يفرغ من أذانه، وإنَّه ليغفر له مَدَّ صوته وأين بلغ»، زاد أبو الشيخ من حديث النعمان: «فإذا فرغ قال الربُّ تعالى: صدقت عبدي وشهدت شهادة الحق فأبشر»، وعند أبي الفَرَج: «يُحْشرُ المؤَذِّنون عَلى نُوقٍ من نُوقِ الجنَّة يخَافُ النَّاس وَلَا يخَافُونَ ويحزنُ النَّاس وَلَا يَحْزَنُونَ»، وعند أبي الشيخ من حديث أبي موسى: «يُبْعَثُ يَوْمُ الجُمُعَة زاهرًا مُنيرًا وَأهلُ الجنَّة مَحفوفونَ بِهِ كالعروسِ تُهدى إِلَى بَيتِ زَوجِهَا، لَا يُخالطُهُم إلَّا المؤذِّنونَ المحتسِبونَ» وحديث جابر ﵁: «قِيلَ: يا رَسُولَ الله، مَنْ أوَّل النَّاس دُخُولًا الجَنَّةِ؟ قال: الأَنبِياءُ، ثمَّ الشُّهَداءُ، ثمَّ مُؤَذِّنُو الكَعبَةِ، ثمَّ مُؤَذِّنُو بَيتِ المَقدِسِ، ثمَّ مُؤَذِّنُو مَسجِدِي هَذا، ثمَّ سائِرُ المُؤَذِّنِينَ» سندهما صالح، وحديث أُبي بن كعب ﵁: «دَخَلْتُ الجنَّة فَرَأَيْتُ فِيهَا جنابذَ اللُّؤْلُؤ، فَقلتُ: لِمَنْ هَذَا يَا جِبْرِيل؟ قَالَ: لِلْمُؤذِّنينَ وَالأَئِمَّة منْ أُمَتِّكَ»، وقال أبو حاتم الرازي: هذا حديث منكر، وعند عبد الرزَّاق: من حديث عبد الرحمن بن سعيد بن عمَّار بن سعد المؤذِّن عن صفوان بن سليم عن أَنَس رفعه: «إِذَا أُذِّنَ فِي قَرْيَةٍ أَمَّنَهَا اللَّهُ مِنْ عَذَابِهِ ذَلِكَ اليَوْمَ»، وعند السرَّاج بسند صحيح: «الإِمَامُ ضَامِنٌ، وَالمُؤَذِّنُ مُؤْتَمَنٌ، اللَّهُمَّ أَرْشِدِ الأَئِمَّةَ، وَاغْفِرْ لِلْمُؤَذِّنِينَ»، قال العَيني: ومن هذا أخذ الشَّافعي ﵁ أنَّ الأذان أفضل من الإمامة، وعندنا الإمامة أفضل لأنَّها وظيفة النَّبِيِّ ﷺ. انتهى.\nوفيه: أنَّ السَّهو الذي يحصل للمصلِّي في صلاته من وسوسة الشيطان.\nتنبيهان: أحدهما: فهم بعض السلف من الأذان في هذا الحديث الإتيان بصورة الأذان وإن لم توجد فيه شرائط الأذان من وقوعه في الوقت وغير ذلك، ففي مسلم من رواية سهيل عن أبي صالح عن أبيه إنَّه قال: «إِذَا سَمِعْتَ صَوْتًا فَنَادِ بِالصَّلَاةِ» واستدلَّ بهذا الحديث، وروى مالك عن زيد بن أسلم نحوه.\nالثاني: وردت في فضل الأذان أحاديث كثيرة، ذكر المُصَنِّف بعضها في مواضع أخرى، واقتصر على هذا هنا، لأنَّ الخبر تضمَّن فضلًا لا ينال بغير الأذان، بخلاف غيره من الأخبار فإن الثواب المذكور فيها يُدرك بأنواع أخرى من العبادات، والله أعلم.\n\n <span id=\"b-١٧٩\"> </span>(٥) <span data-type=\"title\" id=toc-179>(بابُ رَفْعِ الصَّوت بالنِّدَاءِ)</span> أي هذا باب في بيان رفع الصَّوت بالنداء، أي رفع المؤذِّن صوته بالأذان، قال ابن المنيِّر: لم ينص على حكم رفع الصَّوت لأنَّه من صفة الأذان، وهو لم ينصَّ في أصل الأذان على حكم، قال العَيني: هو في الحقيقة صفة المؤذِّن لا صفة","vol":"1","page":137},{"text":"الأذان، ولا يحتاج إلى نصِّ الحكم ظاهرًا، لأنَّ حديث الباب يدلُّ على أنَّ المراد ثواب رفع الصوت، فيكون تقدير كلامه: باب في بيان ثواب رفع المؤذِّن صوته عند الأذان، كما ترجم النَّسائي باب الثواب على رفع الصَّوت بالأذان.\nقوله: (وَقَالَ عُمَر بنُ عَبْدِ العَزِيزِ) قلت: هو الإمام العادل الأموي القرشي، ترجمته في كتاب الإيمان ﵁.\nقوله: (أَذِّنْ أذانًا سَمْحًا وإلاِّ فاعْتَزِلْنَا) مطابقة الأثر للترجمة، ما قاله الداودي: لعلَّ هذا المؤذِّن لم يكن يحسن مدَّ الصَّوت إذا رفع بالأذان فعلَّمه، وليس إنَّه نهاه عن رفع الصوت، قال العَيني: كأنَّه كان يطرَّب في صوته ويتنغم، ولا ينظر إلى مدِّ الصَّوت مجرَّدًا عن ذلك، فأمره عُمَر بن عبد العزيز بالسماحة وهي السهولة، وهي أن يسمح بترك التطريب، ويمدُّ صوته، ويدلُّ على ذلك ما رواه الدَّارَقُطْني، بسندٍ فيه لين، قال شيخنا: وفيه إِسْحاق بن أبي يحيى الكعبي، وهو ضعيف عند الدَّارَقُطْني، وابن عدي، وقال ابن حبَّان: لا تحلُّ الرواية عنه، ثمَّ غفل فذكره في الثقات من حديث ابن عبَّاس (أنه ﵇ كان له مؤذِّن يطرب، فقال له ﵇: المؤَذِّنُ سَهْلٌ سَمْحٌ، فَإِنْ كَانَ أَذَانُكَ سَهْلًا سَمْحًا وَإِلا فَلا تُؤَذِّنْ) قال العَيني: ويحتمل أن هذا المؤذِّن لم يكن يفصح في كلامه ويغمغم، فأمره بالسماحة في أذانه، وهي ترك الغمغمة بإظهار الفصاحة، وهذا لا يكون إلَّا بمدِّ الصَّوت بحدَّة، وروى مجاشع عن هارون بن محمَّد عن نافع عن ابن عمر: (قالَ رسولُ اللهِ ﷺ: لَا يُؤَذِّنُ لَكُمْ إلَّا فَصِيْحٌ) وقال ابن عدي: هارون هذا لا يعرف، قال شيخنا: هذا التعليق وصله ابن أبي شَيْبَة من طريق سعيد بن أبي حسن، أي عن وكيع عن سُفْيان عن عُمَر بن سعيد: (أنَّ مُؤَذِّنًا أذَّنَ فَطَرَّبَ في أذانِهِ، فقالَ لَهُ عُمَر بن عبد العزيز: أذِّن أذانًا سمحًا وإلَّا فاعتزْلنا)، ولم أقف على اسم هذا المؤذِّن، وأظنُّه من بني سعد القَرَظ، لأن ذاك وَقَعَ حيث كان عُمَر بن عبد العزيز أميرًا على المدينة، والظاهر إنَّه خاف عليه من التطريب الخروج عن الخشوع، لا إنَّه نهاه عن رفع الصوت. انتهى.\nقوله: (أَذِّنْ) بلفظ الأمر من الفعل، وهو خطاب لمؤذِّنه.\nقوله: (سَمْحًا) أي سهلًا بلا نغمات وتطريب.\nقوله: (فاعْتَزِلْنَا) أي فاترك منصب الأذان.\n\n٦٠٩ - <span id=\"b-١٨٠\"> </span>قوله: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ) أي التِّنِّيسي، ترجمته في كتاب الوحي.\nقوله: (قَالَ: أَنْبَأَنَا مَالِكٌ) أي ابن أَنَس ترجمته فيه أيضًا.\nقوله: (عنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ عَبْدِ اللهِ بنِ عبدِ الرَّحْمَنِ بنِ أبي صَعْصَعَةَ الأنْصَارِيِّ ثمَّ المَازِنِيِّ) صعصعة بالمهملات المفتوحات، إلَّا العين الأولى فإنها ساكنة، والمازني بالزاي والنون، مات في خلافة أبي جعفر، ومنهم من ينسبه إلى جدِّه، واسم أبي صَعصَعة: عَمْرو بن زيد بن عَوْف بن مبذول بن عَمْرو بن غَنْم بن مازن بن النجَّار، مات أبو صَعصَعة في الجاهليَّة وابنه عبد الرحمن صحابي، روى ابن شاهين في «الصحابة»، من طريق قَيْس بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صَعصَعة عن أبيه عن جدِّه حديثًا سمعه من النَّبِيِّ صلَّى الله عليه","vol":"1","page":137},{"text":"وسلَّم، وفي سياقه أنَّ جدَّه كان بدريًّا، قال شيخنا: وفيه نظر لأنَ أصحاب المغازي لم يذكروه فيهم، وإنما ذكروا أخاه قَيْس بن أبي صَعصَعة. انتهى.\nقوله: (عَنْ أَبِيهِ) أي عبد الله بن عبد الرحمن، زاد ابن عُيَيْنَة: وكان يتيمًا في حجر أبي سعيد، وكانت أمُّه عند أبي سعيد، أخرجه ابن خُزَيمَة من طريقه، لكن قلبه ابن عُيَيْنَة فقال: عن عبد الرحمن بن عبد الله، والصحيح قول مالك، ووافقه عبد العزيز بن الماجِشُون، وزَعَمَ ابن مسعود في «الأطراف»: أن البخاري أخرج روايته، لكن لم نجد ذلك، ولا ذكرها خلف قاله ابن عساكر.\nقوله: (أنَّهُ أخْبَرَهُ أنَّ أَبَا سعِيدٍ الخُدْري ﵁ قَالَ لَهُ) أي سعيد بن مالك، ترجمته في باب من الدين الفرار من الفتن.\nفي هذا الإسناد: التَّحديث بصيغة الجمع في موضع واحد، والإخبار كذلك في موضع واحد، وبصيغة الإفراد في موضع واحد. وفيه العنعنة في موضعين. وفيه السماع. وفيه أنَّ عبد الرحمن من أفراد البخاري، وفيه أنَّ رواته مدنيُّون ما خلا شيخ البخاري.\nقوله: (إِنِّي أَرَاكَ تُحِبُّ الْغَنَمَ وَالبَادِيَةَ، فَإِذَا كُنْتَ فِي غَنَمِكَ -أَوْ بَادِيَتِكَ- فَأَذَّنْتَ للصَّلَاةِ فَارْفَعْ صَوْتَكَ بِالنِّدَاءِ، فَإِنَّهُ لَا يَسْمَعُ مَدَى صَوْتِ الْمُؤَذِّنِ جِنٌّ وَلَا أَنَس وَلَا شَيْءٌ إلَّا يَشهَدُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) وقَالَ أبُو سَعِيدٍ: سَمِعْتُهُ منْ رَسُولِ الله ﷺ.\nمطابقته للترجمة في قوله: (فَارْفَعْ صَوْتَكَ بِالنِّدَاءِ). هذا الحديث أخرجه البخاري أيضًا في ذكر الجنِّ عن قُتَيْبَة، وفي التوحيد عن إسماعيل وعن أبي نُعَيم عن عبد العزيز بن أبي سلمة الماجِشُون عن عبد الرحمن بن أبي صَعصَعة عن أبيه به، ذكره خلف وحده، وقال أبو القاسم: لم أجده ولا ذكره أبو مسعود، وأخرجه النَّسائي في الصَّلاة عن محمَّد بن سلمة عن أبي القاسم عن مالك به، وأخرجه ابن ماجَهْ فيه عن محمَّد بن الصبَّاح عن سُفْيان بن عُيَيْنَة عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صَعصَعة عن أبيه عن أبي سعيد به، كذا يقول سُفْيان.\nقوله: (قَالَ لَهُ) أي قال أبو سعيد لعبد الله بن عبد الرحمن.\nقوله: (تُحِبُّ الغَنَمَ والبَادِيَةَ) أي لأجل الغنم، لأن محبَّها يحتاج إلى إصلاحها بالمرعى، وهو في الغالب يكون في البادية، وهي الصحراء الَّتي لا عمارة فيها.\nقوله: (فَإذَا كُنْتَ فِي غَنَمِكَ) أي بين غنمك، وكلمة: (في)، تأتي بمعنى بين، كما في قوله: ﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي﴾ [الفجر: ٢٩]. وفي «المخصص»: الغنم جمع لا واحد له من لفظه. وقال أبو حاتم: وهي أنثى. وعن صاحب العين»: الجمع أغنام وأغانم وغنوم، وفي «المحكم»: ثنُّوه فقالوا: غنمان، وفي «الجامع»: هو اسم لجمع الضأن والمعز، وفي «الصحاح»: موضوع للجنس يقع على الذكور والإناث وعليهما جميعًا.\nقوله: (أوْ بَادِيَتِكَ) كلمة: أو، هنا تحتمل أن تكون للشكِّ من الراوي، أو تكون للتنويع، لأنَّه قد يكون في غنم بلا بادية، وقد يكون في بادية بلا غنم، وقد يكون فيهما معًا. وقد لا يكون فيهما معًا، وعلى كلِّ حال لا يترك الأذان.\nقوله: (فَأَذَّنْتَ لِلصَّلَاةِ) أي لأجل الصَّلاة، وفي رواية للبخاري في بدء الخلق: بالصلاة، والباء للسببيَّة ومعناهما قريب، أي أعلمت","vol":"1","page":138},{"text":"بوقتها.\nقوله: (فارْفَعْ صَوْتَكَ بِالنِّدَاءِ) أي الأذان، قال شيخنا: فيه إشعار بأن أذان من أراد الصَّلاة كان مقررًا عندهم لاقتصاره على الأمر بالرفع دون أصل التأذين.\nقوله: (فإِنَّهُ لَا يَسْمَعُ مَدَى صَوْتِ المُؤذِّنٌّ) أي لا يسمع غاية صوته. قال التُّوْرِبِشْتي: إنَّما ورد البيان على الغاية مع وصول الكفاية بقوله: (لا يسمع صوت المؤذِّن)، تنبيهًا على أن آخر من ينتهي إليه صوته يشهد له كما يشهد له الأولون. وقال القاضي البَيْضاوي: غاية الصَّوت يكون أخفى لا محالة، فإذا شهد له من بعد عنه ووصل إليه همس صوته، فلأنَّ يشهد له من هو أدنى وسمع مبادي صوته أولى.\nقوله: (جِنٌّ ولَا أَنَس ولَا شَيْءٌ) ظاهره يشمل الحيوانات والجمادات، فهو من العامِّ بعد الخاصِّ، ويؤيِّده ما في رواية ابن خزيمة: «لَا يَسْمَعُ صَوْتَهُ شَجَرةٌ وَلَا مَدَرٌ وَلَا حَجَرٌ وَلَا جِنٌّ وَلَا إِنْسٌ» وله ولأبي داود والنَّسائي من طريق أبي يحيى عن أبي هريرة بلفظ: «المُؤَذِّنُ يُغْفَرُ لَهُ مَدَّ صَوْتِهِ، وَيَشْهَدُ لَهُ كُلُّ رَطْبٍ وَيَابِسٍ» ونحوه للنسائيِّ، وغيره من حديث البراء، وصححه ابن السكن، فهذه الأحاديث تُبيِّن المراد من قوله في حديث الباب: (وَلَا شَيْءٌ) وقد تكلَّم بعض من لم يطلع عليها في تأويله على ما يقتضيه ظاهره، قال القُرْطُبي: قوله: (وَلَا شَيْءٌ) المراد به الملائكة. وتعقِّب بأنهم دخلوا في قوله: (جِنٌّ) لأنَّهم يستخفون عن الأبصار، وقال غيره: المراد كلُّ ما يسمع المؤذِّن من الحيوانات حتَّى ما لا يعقل دون الجمادات. ومنهم من حمله على ظاهره، وذلك غير ممتنع عقلًا ولا شرعًا. قال ابن بزيزة: تقرر في العادة أن السماع والشهادة والتسبيح لا يكون إلَّا من حيٍّ، فهل ذلك حكاية عن لسان الحال لأنَّ الموجودات ناطقة بلسان حالها بجلال بارئها، أو هو على ظاهره؟ وغير ممتنع عقلًا أن الله يخلق فيها الحياة والكلام. انتهى. وقد تقدَّم البحث في ذلك في قول النَّار: (أَكَلَ بَعْضِي بَعْضًا) وسيأتي في الحديث الذي فيه أن البقرة قالت: (إِنَّمَا خُلِقْنا لِلْحَرْثِ) وفي مسلم من حديث جابر بن سَمُرَة مرفوعًا: «إِنّي لأَعْرِفُ حَجَرًا كَانَ يُسَلّمُ عَلَيّ».\nونقل ابن التِّين عن أبي عبد الملك: إنَّ قوله هنا: «وَلَا شَيْءٌ» نظير قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤] وتعقَّبه بأن الآية مختلف فيها، قال شيخنا: وما عرفت وجه هذا التعقُّب، فإنهما سواء في الاحتمال ونقل الاختلاف، إلَّا أن يقول إنَّ الآية لم يختلف في كونها على عمومها، وإنما اختلف في تسبيح بعض الأشياء هل هو على الحقيقة أو المجاز بخلاف الحديث. والله أعلم. انتهى.\nقوله: (إلَّا شَهِدَ لَهُ) وفي رواية الكُشْمِيهَني: &lt;إلَّا يَشْهَدُ لَهُ&gt;، أي بلفظ المضارع، وتوجيههما واضح.\nقال شيخنا: السِّرُّ في هذه الشَّهادة مع إنَّها تقع عند عالم الغيب والشهادة، أن أحكام الآخرة جرت على نعت أحكام الخلق في الدُّنْيا من توجيه الدعوى والجواب والشهادة، قاله الزَّين بن المنيِّر: وقال التُّوْرِبِشْتي: المراد من هذه الشَّهادة اشتهار المشهود له يوم القيامة بالفضل وعلو الدرجة، كما أن الله يفضح بالشهادة قومًا فكذلك يكرِّم بالشهادة آخرين.\nقوله: (وَقَالَ أبُو سَعِيدٍ سَمِعْتُهُ منْ رَسُولِ اللهِ","vol":"1","page":138},{"text":"ﷺ) قال الكِرْماني: أي هذا الكلام الأخير، وهو قوله أنَّه لا يسمع، إلى آخره. قال شيخنا: وقد أورد الرَّافعي هذا الحديث في الشرح بلفظ: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال لأبي سعيد: إنك رجل تحبُّ الغنم، وساقه إلى آخره، وسبقه إلى ذلك الغزالي وإمامه والقاضي حسين وابن داود شارح المختصر وغيرهم، وتعقَّبه النَّوَويُّ، وأجاب ابن الرِّفْعَة عنهم بأنَّهم فهموا أن قول أبي سعيد: سمعته من رسول الله ﷺ، عائد على إلى ما ذكر. انتهى. ولا يخفى بُعْدَه، وقد رواه ابن خُزَيمَة من رواية ابن عُيَيْنَة ولفظه: «قال أبو سعيد: إذا كنت في البوادي فارفع صوتك بالنِّداء، فإنِّي سمعت رسول الله ﷺ يقول: لَا يَسْمَعُ بذكره»، ورواه يحيى القطَّان أيضًا عن مالك بلفظ: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: إذا أذَّنتَ فَارْفَعْ صَوْتَكَ، فَإِنَّهُ لَا يَسْمَعُ بذكره». فالظَّاهر أنَّ ذكر الغنم والبادية موقوف، والله أعلم. انتهى. قال العَيني: والصَّواب مع النَّوَوي، لما رواه ابن خُزَيمَة ويحيى القطَّان كما ذكرناه. انتهى.\nفيه: استحباب رفع الصَّوت بالأذان ليكثر من يشهد له، ما لم يجهده أو يتأذَّى به، ولو أذَّن على مكان مرتفع ليكون أبعد لذهاب الصَّوت، وكان بلال ﵁ يؤذِّن على بيت امرأة من بني النَّجَّار، بيتها أطول بيت حول المسجد، وفيه: أن حبَّ الغنم والبادية لا سيَّما عند نزول الفتن من عمل السلف الصالح، وفيه: جواز التبدِّي ومساكنة الأعراب ومشاركتهم في الأسباب، بشرط حظٍّ من العلم وأمن من غلبة الجفاء، وفيه: أن أذان الفذِّ مندوب إليه ولو كان في قفر، ولو لم يرتج حضور من يصلِّي معه، لأنَّه إن فاته دعاء المصلِّين فلم يفته استشهاد من سمعه من غيرهم.\nوللشافعي في أذان المنفرد، ثلاثة أقوال: أصحُّها نعم، لحديث أبي سعيد هذا، والثاني وهو القديم: لا يُندب، لأنَّ المقصود من الأذان الإبلاغ والإعلام، وهذا لا ينتظم في المنفرد. والثالث: إن رجى حضور جماعة أذَّن لإعلامهم، وإلَّا فلا، وحمل حديث أبي سعيد على أنَّه كان يرجو حضور غلمانه، وفيه: أن الجنَّ يسمعون أصوات بني آدم. وفيه: أنَّ بعض الخلق يشهد لبعض.\nقلت: وفيه: أنّ الكافر يشهد للمؤمن يوم القيامة، وفيه: جواز حبِّ المال، وفيه: أنَّ الله ﵎ يشهد للمؤذِّنين... (^١) يوم القيامة، ﴿وَكَفَى بِالله شَهِيْدًا﴾ [الفتح: ٢٨]. انتهى.\n\n <span id=\"b-١٨١\"> </span>(٦) <span data-type=\"title\" id=toc-181>(بَابُ مَا يُحْقَنُ بِالأَذَانِ مِنَ الدِّمَاءِ)</span> أي هذا باب في بيان ما يمنع من الدِّماء بسبب الأذان، يقال: حقنت له دمه، إذا منعت من قتله وإراقته، أي جمعته له وحبسته عليه، وأصل الحقن الحبس، ومنه الحاقن لأنَّه يحبس بوله أو غائطه في بطنه، ومنه: حقن اللبن، إذا حبسه في السقاء، والدِّماء جمع: دم.\nقال الزَّين بن المنيِّر: قصد البخاري بهذه الترجمة واللتين قبلها، استيفاء ثمرات الأذان، فالأولى: فيها فضل التأذين لقصد الاجتماع للصلاة، والثانية: فيها فضل\n_________\n(^١) في الأصل كلمة غير مقروءة طمست بالحبر.","vol":"1","page":139},{"text":"أذان المنفرد لإيداع الشَّهادة له بذلك، والثالثة: فيها حقن الدِّماء عند وجود الأذان.\nقال: وإذا انتفت عن الأذان فائدة من هذه الفوائد لم يشرع إلَّا في حكايته عند سماعه، ولهذا عقَّبه بترجمة ما يقول إذا سمع المنادي. انتهى كلامه ملخصًا.\n\n٦١٠ - <span id=\"b-١٨٢\"> </span>قوله: (حَدَّثَنِي قُتَيْبَة قَالَ: حَدَّثَنَا إسْمَاعِيْلُ بنُ جَعْفَرٍ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أنَسٍ) هذا الإسناد بعينه قد سبق في باب خوف المؤمن أن يحبط عمله.\nقوله: (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّه كانَ إِذا غَزَا بِنَا قوْمًا، لَمْ يَغْزُ بِنَا حتَّى يُصْبِحَ ويَنْظُرَ، فإنْ سَمِعَ أَذَانًا كَفَّ عَنْهُمْ، وإنْ لَمْ يَسْمَعْ أذَانًا أغَارَ عَلَيْهِمْ، قَالَ: فَخَرَجْنَا إلَى خَيْبَرَ فانْتَهَيْنَا إلَيْهِمْ لَيْلًا، فلَمَّا أصْبَحَ ولَمْ يَسْمَعْ أذَانًا رَكِبَ وَرَكِبْتُ خَلْفَ أبي طَلْحَةَ، وإنَّ قَدَمِي لَتَمَسُّ قَدَمَ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: فَخَرَجُوا إلَيْنَا بِمَكاتِلِهِمْ وَمَسَاحِيهِمْ، فلَمَّا رَأوا النَّبِيَّ ﷺ، قَالُوا مُحَمَّدٌ واللهِ مُحَمَّدٌ والجيشُ، فَلَمَّا رَآهُمُ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ، قالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ خَرِبَتْ خَيْبَرُ، إِنَّا إِذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ ﴿فَسَاءَ صَبَاحُ المُنْذَرِينَ﴾ [الصافات: ١٧٧]) مطابقته للترجمة ظاهرة.\nأخرجه البخاري أيضًا عن قُتَيْبَة في الجهاد، وروى مسلم طرفه المتعلِّق بالأذان من طريق حمَّاد بن سلمة عن ثابت عن أَنَس قال: «كَانَ رَسُوْلُ اللَّهِ ﷺ يُغِيْرُ إِذَا طَلَعَ الفَجْرُ، وكان يَسْتَمِعُ الأَذَانَ، فَإِنْ سَمِعَ الأَذَانَ أَمْسَكَ وَإِلَّا أَغَارَ».\nقوله: (إِذا غَزَا بِنَا) أي مصاحبًا للصحابة.\nقوله: (لَمْ يَغْزُ بِنَا) قال الكِرْماني: فيه خمس نسخ، قلت: الأولى: &lt;لمْ يَغْزُو&gt;، من: غزا يغزو غزوًا، والاسم: الغزاة، وكأنَّ الأصل فيه إسقاط: الواو علامة للجزم، ولكنَّه على بعض اللغات، وهو عدم إسقاط الواو، وإخراجه على الأصل، ثمَّ قيل: هذه لغة، وقيل: ضرورة، ولا ضرورة إلَّا في الشعر كما قال الشاعر: لم تهجو ولم تدع، ووروده هكذا يدلُّ على أنَّه لغة، وهذه رواية كريمة، الثانية: &lt;لمْ يَغْزُ&gt;، مجزومًا على أنَّه بدل من لفظ: لم يكن. وهي رواية المُسْتَمْلي، الثالثة: &lt;لمْ يُغِيْرَ&gt;، من الإغارة بإثبات الياء بعد الغين، وهي رواية الأَصِيلي، وهي على غير الأصل، الرابعة: &lt;لمْ يُغِرْ&gt; من الإغارة أيضًا لكنَّه على الأصل، الخامسة: &lt;لمْ يَغْدُوا&gt; -بإسكان الغين وبالدَّال المهملة- من: الغدو، ونقيض الرواح وهي رواية الكُشْمِيهَني، ورواية مسلم تشهد لرواية من رواه من الإغارة، والله أعلم.\nقوله: (ويَنْظُرَ) أي ينتظر.\nقوله: (خَرَجْنَا إلَى خَيْبَرَ) وخيبر بلغة اليهود: حصن، وقد ذكرنا تحقيق هذا في: باب ما يذكر في الفخذ، فإنَّ البخاري ذكر بعض هذا الحديث هناك عن أنس: «أنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ غَزَا خَيْبَرَ، فَصَلِّيْنَا عِنْدَهَا صَلَاةَ الغَدَاةِ بِغَلَسٍ، فَرَكِبَ نَبِيُّ اللهِ ﵇، وَرَكِبَ أَبُو طَلْحَةَ وَأَنَا رَدِيْفُ أَبِي طَلْحَةَ، فَأَجْرَى نَبِيُّ اللهِ ﷺ فِي زُقَاقِ خَيْبَرَ، وَإِنَّ رُكْبَتِي لَتَمَسُّ فَخِذَ نَبِيِّ اللهِ ﷺ، ثمَّ حَسَرَ الإِزَارَ عَنْ فَخِذِهِ، حتَّى كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى بَيَاضِ فَخِذِ نَبِيِّ اللهِ ﷺ، فَلَمَّا دَخَلَ القَرْيَةَ قَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ خَرِبَتْ خَيْبَرُ، إِنَّا إِذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ ﴿فَسَاءَ صَبَاحُ المُنْذَرِينَ﴾ [الصافات: ١٧٧]» قَالَهَا ثَلَاثًا، الحديث. وأبو طلحة وهو الصحابي المشهور، واسمه: زيد","vol":"1","page":139},{"text":"بن سهيل، وهو زوج أم أنس، وقال ﵇: «لَصوت أبي طلحة في الجيش خير من مئة» وروي: «مِن مئة رجل».\nقوله: (مَكاتِلُهُم) هو المكتل بكسر الميم وهو القُفَّة، أي: الزنبيل و(المساحي) جمع مسحاة وهي المجرفة إلا أنها من الحديد.\nقوله: (وَالجَيشُ) أي: جاء محمد والجيش، وروي بالنصب على أنه مفعول معه، ويروى: «الخميس» بفتح الخاء المعجمة وكسر الميم، هو بمعنى الجيش لكن سُمي به لأنه خمسة أقسام: قلب وميمنة وميسرة ومقدمة وساقة.\nقوله: (خَرِبَت خَيبَرُ) إنما قال بخرابها لما رأى في أيديهم من آلات الخراب من المساحي وغيرها، وقيل: أخذه من اسمها، والأصح: أنه أعلمه الله بذلك.\nقوله: (بِسَاحَةٍ) الساحة: الفِناء، وأصلها: الفضاء بين المنازل.\nقوله: (فَسَاءَ) كلمة ساء مثل بئس، من أفعال الذم. و(صَباحُ) مرفوع لأنه فاعل ساء.\nقوله: (المنذَرِينَ) بفتح الذال المعجمة.\nقال الخطابي: فيه بيان أن الأذان شعار الإسلام، وأنه أمر واجب لا يجوز تركه، ولو أن أهل بلد اجتمعوا على تركه كان للسلطان قتالهم عليه. قال شيخنا: وهذا أحد أقوال العلماء، وهو أحد الأوجه في مذهب الشافعي، وأغرب ابن عبد البر فقال: لا أعلم فيه خلافًا، وأما قول أصحابنا: مَن نطق بالتشهد في الأذان حكم بإسلامه إلا إن كان عيسويًا لا يرد عليه مطلق حديث الباب؛ لأن العيسوية طائفة من اليهود حدثت في آخر دولة بني أمية، فاعترفوا بأن محمدًا ﷺ رسول الله لكن إلى العرب فقط، وهم منسوبون إلى رجل يقال له: أبو عيسى، أحدث لهم ذلك. انتهى، وقال التيمي: وإنما يحقن الدم بالأذان؛ لأن فيه الشهادة بالتوحيد والإقرار بالنبي ﷺ، قال: وهذا لمن قد بلغته الدعوة وكان يمسك عن هؤلاء حتى يسمع الأذان ليعلم أكان الناس مجيبين للدعوة أم لا؛ لأن الله وعده إظهار دينه على الدين كله، وكان يطمع في إسلامهم، ولا يلزم اليوم الأئمة أن يكفوا عمن بلغته الدعوة لكي يسمعوا أذانًا، لأنه قد علم غائلتهم للمسلمين، فينبغي أن ينتهز الفرصة فيهم. وفيه: جواز الإرداف على الدابة إذا كانت مطيقة. وفيه: استحباب التكبير عند لقاء العدو. وفيه: جواز الاستشهاد بالقرآن في الأمور المحققة، ويكره ما كان على ضرب الأمثال في المحاورات ولغو الحديث؛ تعظيمًا لكتاب الله تعالى. وفيه: أن الإغارة على العدو يستحب كونها في أول النهار؛ لأنه وقت غفلتهم، بخلاف ملاقاة الجيوش. وفيه: أن النطق بالشهادتين يكون إسلامًا، قال العيني: وفيه خلاف مشهور.\n\n <span id=\"b-١٨٣\"> </span>(٧) <span data-type=\"title\" id=toc-183>(بابُ ما يَقولُ إِذا سَمِعَ المنادِيَ)</span> (^١) هذا لفظ أبي داود الطيالسي عن ابن المبارك عن يونس عن الزهري في حديث الباب، أي: هذا باب في بيان ما يقول الرجل إذا سمع المؤذن يؤذن، إنما لم يوضح ما يقوله السامع لأجل الخلاف فيه، ولكنه ذكر حديثين: أحدهما عن أبي سعيد الخدري، والآخر عن معاوية، فالأول عام، والثاني يخصصه، فكأنه أشار بهذا إلى أن المرجح عنده ما ذهب\n_________\n(^١) هذا الباب ليس هنا مكانه","vol":"1","page":140},{"text":"إليه الجمهور، وهو أن يقول مثل ما يقوله المؤذن إلا في الحيعلتين على ما نبينه عن قريب إن شاء الله تعالى.\n\n٦١١ - <span id=\"b-١٨٤\"> </span>قوله: (حَدَّثَنا عَبدُ اللهِ بنُ يُوسُفَ) أي: التنيسي.\nقوله: (قالَ مَالِكٌ) أي: الإمام، ترجمتهما في بدء الوحي.\nقوله: (عَن عَطاءِ بنِ يزيدٍ اللَّيثي) ترجمته في باب لا يستقبل القبلة بغائط.\nقال شيخنا: قوله: (عن عطاء بن يزيد) في رواية: ابن وهب عن مالك يونس عن الزهري، أن عطاء بن يزيد أخبره. أخرجه أبو عوانة.\nفائدة: اختُلف على الزهري في إسناد هذا الحديث وعلى مالك أيضًا، لكنه اختلاف لا يقدح في صحته، فرواه عبد الرحمن بن إسحاق عن الزهري عن سعيد عن أبي هريرة، أخرجه النسائي وابن ماجة، وقال أحمد بن صالح وأبو حاتم وأبو داود والترمذي: حديث مالك ومَن تابعه أصحُّ. ورواه يحيى القطان عن مالك عن الزهري عن السائب بن يزيد، أخرجه مسدد في «مسنده»، وقال الدارقطني: إنه خطأ، والصواب الرواية الأولى. وفيه اختلاف آخر دون ما ذكر لا نطيل به، انتهى.\nقوله: (عَن أَبي سَعيدٍ الخُدرِيِّ) أي: سعد بن مالك، ترجمته في باب من الدين الفرار من الفتن.\nفي هذ الإسناد التحديث بصيغة الجمع في موضع والإخبار كذلك، وفيه العنعنة في ثلاث مواضع.\nقوله: (أَنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قالَ: إِذا سَمِعتُمُ النِّداءَ فَقولوا مِثلَ ما يَقولُ المؤَذِّنُ).\nمطابقته للترجمة في قوله: (مِثلَ ما يقولُ المؤذنُ) فهذا يوضح الإبهام الذي قوله ما يقول إذا سمع المنادي\nهذا الحديث أخرجه مسلم في الصلاة أيضًا عن يحيى بن يحيى، وأبو داود عن القعنبي، والترمذي عن قتيبة وعن إسحاق بن موسى عن معن، والنسائي عن قتيبة وفي «اليوم والليلة» عن عمرو بن علي عن يحيى بن سعيد، وابن ماجة عن أبي بكر وأبي كريب كلاهما عن زيد بن الحباب، كلهم عن مالك عن الزهري، وقال الترمذي: حسن صحيح.\nقوله: (إِذا سَمِعتُم) ظاهره اختصاص الإجابة بمن سمع، حتى لو رأى المؤذن على المنارة مثلًا في الوقت، وعلم أنه يؤذن لكن لم يسمع أذانه لبعد أو صمم لم تشرع له المتابعة، قاله النووي في «شرح مسلم».\nقوله: (النِّداءَ) أي: الأذان.\nقوله: (فَقُولوا مِثلَ ما يَقولُ المؤَذِّنُ) مِثلَ منصوب على أنه صفة لمصدر محذوف، أي: قولوا قولًا مثل ما يقول المؤذن، وكلمة ما مصدرية، أي: مثل قول المؤذن، والمثل هو النظير، يقال: مِثل ومَثَل ومَثيل، مِثل شِبَه وشَبَه وشَبيه، والمماثلة بين الشيئين: اتحادهما في النوع كزيد وعمرو في الإنسانية. وادعى ابن وضاح أن (قول المؤذن) مدرَج، وأن الحديث انتهى عند قوله: (مِثل ما يقول) وتُعقب بأن الإدراج لا يثبت بمجرد الدعوى، وقد اتفقت الروايات في «الصحيحين» و«الموطأ» على إثباتها، ولم يُصِب صاحب «العمدة» في حذفها، قال الكرماني: قوله: (يقول) أي: بلفظ المضارع، ولم","vol":"1","page":140},{"text":"يقل: مثل ما قال؛ ليشعر بأنه يجيبه بعد كل كلمة مثل كلماتها، والصريح في ذلك ما رواه النسائي من حديث أم حبيبة: «أن النبي ﷺ إذا كان عندنا فسمع المؤذن قال كما يقول حين يسكت» وأخرجه ابن خزيمة في «صحيحه» وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين. قال العيني: قوله: على شرط الشيخين، غير جيد؛ لأن في سنده من ليس عندهما ولا عند أحدهما، وهو عبد الله بن عتبة بن أبي سفيان. ورواه أبو عمر بن عبد البر من حديث أبي عوانة عن أبي بشير عنه هكذا أبو الشيخ الأصبهاني.\nقال شيخنا: وأما أبو الفتح اليعمري فقال: ظاهر الحديث أنه يقول مثل ما يقول عقب فراغ المؤذن، لكن الأحاديث التي تضمنت إجابة كل كلمة عقبها دلت على أن المراد المساوقة يشير إلى حديث عمر بن الخطاب الذي عند مسلم وغيره، فلو لم يجاوبه حتى فرغ استحب له التدارك إن لم يطل الفصل. قاله النووي في «شرح المهذب» بحثًا، وقد قالوه فيما إذا كان له عذر كالصلاة.\nوظاهر قوله: (مثل) أنه يقول مثل قوله في جميع الكلمات، لكن حديث عمر أيضًا وحديث معاوية الآتي يدل على أنه يستثنى من ذلك حي على الصلاة وحي الفلاح، فيقول بدلهما: لا حول ولا قوة إلا بالله، لذلك استدل به ابن خزيمة وهو المشهور عند الجمهور، وقال ابن المنذر: يحتمل أن يكون ذلك من الاختلاف المباح، فيقول تارة كذا وتارة كذا، وحكى بعض المتأخرين عن بعض أهل الأصول: أن الخاص والعام إذا أمكن الجمع بينهما وجب إعمالهما، قال: فلم لا يقال: يستحب للسامع أن يجمع بين الحيعلة والحوقلة، وهو وجه عند الحنابلة؟ وأجيب عن المشهور من حيث المعنى بأن الأذكار الزائدة على الحيعلة يشترك السامع والمؤذن في ثوابها، وأما الحيعلة فمقصودها الدعاء إلى الصلاة وذلك يحصل من المؤذن، فعوض السامع عما يفوته من ثواب الحيعلة بثواب الحوقلة. ولقائل أن يقول: يحصل للمجيب الثواب لامتثاله الأمر، ويمكن أن يزداد استيقاظًا وإسراعًا إلى القيام إلى الصلاة إذا تكرر على سمعه الدعاء إليها من المؤذن نفسه ويقرب من ذلك الخلاف في قول المأموم: سمع الله لمن حمده كما سيأتي في موضعه.\nوقال الطيبي: معنى الحيعلتين هَلُّم بوجهك وسريرتك إلى الهدى عاجلًا والفوز بالنعيم آجلًا، فناسب أن يقول: هذا أمر عظيم لا أستطيع مع ضعفي القيام به إلا إذا وفقني الله بحوله وقوته، ومما لوحظت فيه المناسبة ما نقل عبد الرزاق عن بن جريج قال: حُدثت أن الناس كانوا ينصتون للمؤذن إنصاتَهم للقراءة، فلا يقول شيئًا إلا قالوا مثله، حتى إذا قال: حي على الصلاة قالوا: لا حول ولا قوة إلا بالله، وإذا قال: حي على الفلاح قالوا ما شاء الله. وإلى هذا صار بعض الحنفية، وروى بن أبي شيبة مثله عن عثمان، وروي عن سعيد بن جبير قال: يقول في جواب الحيعلة: سمعنا وأطعنا. ووراء ذلك وجوه من الاختلاف أخرى، قيل: لا يجيبه إلا في التشهدين","vol":"1","page":141},{"text":"فقط، وقيل: هما والتكبير، وقيل: يضيف إلى ذلك الحوقلة دون ما في آخره، وقيل: مهما أتى به مما يدل على التوحيد والإخلاص كفاه، وهو اختيار الطحاوي.\nوحكوا أيضًا خلافًا: هل يجيب في الترجيع أو لا؟ وفيما إذا أذن مؤذن آخر هل يجيبه بعد إجابته للأول أو لا؟ قال النووي: لم أر فيه شيئًا لأصحابنا. وقال ابن عبد السلام: يجيب كل واحد بإجابة لتعدد السبب، وإجابة الأول أفضل إلا في الصبح والجمعة فإنهما سواء؛ لأنهما مشروعان.\nوفي الحديث دليل على أن لفظ المثل لا يقتضي المساواة من كل جهة؛ لأن قوله مثلَ ما يقول لا يقصد به رفع الصوت المطلوب من المؤذن، كذا قيل وفيه بحث؛ لأن المماثلة وقعت من القول لا من صفته، والفرق بين المؤذن والمجيب في ذلك: أن المؤذن مقصوده الإعلام فاحتاج إلى رفع الصوت، والسامع مقصوده ذكر الله فيكتفي بالسر أو الجهر لا مع الرفع، نعم لا يكفيه أن يجريه على خاطره من غير تلفظ لظاهر الأمر بالقول، وأغرب بن المنير فقال: حقيقة الأذان جميع ما يصدر عن المؤذن من قول وفعل وهيئة. وتُعقب بأن الأذان معناه الإعلام لغة، وخصَّه الشرع بألفاظ مخصوصة في أوقات مخصوصة، فإذا وجدت وجد الأذان وما زاد على ذلك من قول أو فعل أو هيئة يكون من مكملاته ويوجد الأذان من دونها، ولو كان على ما أطلق لكان ما أحدث من التسبيح قبل الصبح وقبل الجمعة ومن الصلاة على النبي ﷺ من جملة الأذان، وليس كذلك لا لغة ولا شرعًا، واستدل به على جواز إجابة المؤذن من الصلاة عملًا بظاهر الأمر، ولأن المجيب لا يقصد المخاطبة، وقيل: يؤخر الإجابة حتى يفرغ؛ لأن في الصلاة شغلًا، وقيل: يجيب إلا في الحيعلتين؛ لأنهما كالخطاب للآدميين، والباقي من ذكر الله تعالى فلا يُمنع، لكن قد يقال: من يبدل الحيعلة بالحوقلة لا يمنع؛ لأنها من ذكر الله تعالى. قاله بن دقيق العيد، وفرق ابن عبد السلام في «فتاويه» بين ما إذا كان يقرأ الفاتحة فلا يجيب بناء على وجوب موالاتها، وإلا فيجيب، وعلى هذا إن أجاب في الفاتحة استأنف، وهذا قاله بحثًا، والمشهور في المذهب كراهة الإجابة في الصلاة، بل يؤخرها حتى يفرغ، وكذا في حال الجماع والخلاء، لكن إن أجاب بالحيعلة بطلت، كذا أطلقه كثير منهم، ونص الشافعي في «الأم» على عدم فساد الصلاة بذلك، واستدل به على مشروعية إجابة المؤذن في الإقامة، قالوا: إلا في كلمتي الإقامة فيقول: أقامها الله وأدامها، وقياس إبدال الحيعلة بالحوقلة في الأذان أن يجيء هنا، لكن قد يفرق بأن الأذان إعلام عام، فيعسر على الجميع أن يكونوا دعاة إلى الصلاة، والإقامة إعلام خاص وعدد مَن يسمعها محصور، فلا يعسر أن يدعو بعضُهم بعضًا، واستدل به على وجوب إجابة المؤذن، حكاه الطحاوي عن قوم من السلف وبه قال الحنفية وأهل الظاهر وابن وهب، واستدل للجمهور بحديث أخرجه مسلم وغيره: «أنه ﷺ سمع مؤذنًا، فلما كبر قال: على الفطرة، فلما تشهد قال: خرج من النار»، قال: فلما قال ﵇ غيرَ ما قال المؤذن علمنا أن الأمر به للاستحباب، وتُعقب","vol":"1","page":141},{"text":"بأنه ليس في الحديث أنه لم يقل مثل ما قال، فيجوز أن يكون قاله ولم ينقله الراوي اكتفاء بالعادة ونقل القول الزائد، وبأنه يحتمل أن يكون ذلك وقع قبل صدور الأمر، ويحتمل أن يكون لما أمر لم يرد أن يدخل نفسه في عموم مَن خوطب بذلك، قيل: ويحتمل أن يكون الرجل لم يقصد الأذان، لكن يَردُّ هذا الأخير أن في بعض طرقه أنه حضرته الصلاة.\nقال العيني: احتج أصحابنا - أي الحنفية - بقوله: حكوا أن إجابة المؤذن واجبة على السامعين لدلالة الأمر على الوجوب، ألا ترى أنه يجب عليهم قطع القراءة وترك الكلام السلام ورده وكل عمل غير الإجابة؟ فهذا كله أمارة الوجوب. وقال مالك والشافعي وأحمد وجمهور الفقهاء: الأمر في هذا الباب على الاستحباب دون الوجوب، وهو اختيار الطحاوي أيضًا. وقال النووي: تستحب إجابة المؤذن بالقول مثل قوله لكل من سمعه من متطهر ومحدث وجنب وحائض وغيرهم ممن لا مانع له من الإجابة.\nفمن أسباب المنع: أن يكون في الخلاء، أو جماع أهله أو نحوها. ومنها: أن يكون في صلاة، فمن كان في صلاة فريضة أو نافلة وسمع المؤذن لم يوافقه في الصلاة، فإذا سلم أتى بمثله، فلو فعله في الصلاة هل يكره؟ فيه قولان للشافعي، أظهرهما يكره، لكن لا تبطل صلاته، فلو قال: حي على الصلاة، والصلاة خير من النوم، بطلت صلاته إن كان عالمًا بتحريمه؛ لأنه كلام آدمي، ولو سمع الأذان وهو في قراءة وتسبيح ونحوهما قطع ما هو فيه وأتى بمتابعة المؤذن، ويتابعه في الإقامة كالأذان إلا أنه يقول في لفظ الإقامة: أقامها الله وأدامها، وإذا ثوب المؤذن في صلاة الصبح فقال: الصلاة خير من النوم، قال سامعه: صدقت وبررت. انتهى\nوقال أصحابنا: يجب على السامع أن يقول مثل ما قال المؤذن، إلا قوله: حي على الصلاة، حي على الفلاح، فإنه يقول مكان قوله: حي على الصلاة: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ومكان قوله: حي على الفلاح: ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن؛ لأن إعادة ذلك تشبه المحاكاة والاستهزاء، وكذلك إذا قال المؤذن: الصلاة خير من النوم، لا يقول السامع مثله، لكن يقول: صدقت وبررت، وينبغي ألا يتكلم السامع في حال الأذان والإقامة، ولا يقرأ القرأن، ولا يسلم ولا يرد السلام، ولا يشتغل بشيء من الأعمال سوى الإجابة، ولو كان في قراءة القرآن يقطع ويسمع الأذان ويجيب.\nوفي «فوائد الرستغفني»: لو سمع وهو في المسجد يمضي في قراءته، وإن كان في بيته فكذلك إن لم يكن أذان مسجده. وعن الحلواني: لو أجاب باللسان ولم يمشِ إلى المسجد لا يكون مجيبًا. ولو كان في المسجد ولم يجب لا يكون آثمًا، ولا تجب الإجابة على مَن لا تجب عليه الصلاة، ولا يجيب إيضًا وهو في الصلاة، وسواء كانت فرضًا أو نفلًا.\nوقال عياض: اختلف أصحابنا، أي المالكية: هل يحكي المصلي لفظ المؤذن في حالة الفريضة أو النافلة أم لا يحكيه فيهما، أم يحكي في النافلة دون الفريضة؟ على ثلاثة أقوال، انتهى.\nقال العيني: ثم اختلف أصحابنا، أي الحنفية: هل يقوله عند سماع كل مؤذن أم لأول مؤذن فقط؟ وسئل ظهير","vol":"1","page":142},{"text":"الدين عن هذه المسألة فقال: يجب عليه إجابة مؤذن مسجده بالفعل. فإن قلت: روى مسلم من حديث أنس رضي الله تعالى عنه، قال: «كان رسول الله ﷺ يغير إذا طلع الفجر، وكان يستمع الأذان، فإن سمع أذانًا أمسك وإلا أغار، قال: فسمع مناديًا وهو يقول: الله أكبر الله أكبر، فقال رسول الله ﷺ: على الفطرة، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، فقال رسول الله ﷺ: خرجت من النار، فنظروا فإذا هو راعي مِعزَى».\nوأخرج الطحاوي من حديث عبد الله قال: «كنا مع النبي ﷺ في بعض أسفاره، فسمع مناديًا وهو يقول: الله أكبر الله أكبر، فقال النبي ﷺ: على الفطرة، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، فقال رسول الله ﷺ خرجَ من النار، قال: فابتدرنا وإذا صاحب ماشية أدركته الصلاة فأذَّن لها» قال الطحاوي: فهذا رسول الله ﷺ قد سمع المنادي نادى فقال غير ما قال، فدل ذلك على أن قوله: (إذا سمعتم منادي فقولوا مثل الذي يقول) أن ذلك ليس على الإيجاب، وأنه على الاستحباب والنَدبة إلى الخير وإجابة الفضل، كما قد علم الناس من الدعاء الذي أمرهم أن يقولوا في دبر الصلوات وما أشبه ذلك.\nقال العيني: الأمر المطلق المجرد عن القرائن يدل على الوجوب، لا سيما قد تأيد ذلك بما روي من الأخبار والآثار في الحث على الإجابة، وقد روى ابن أبي شيبة في «مصنفه» عن وكيع عن سفيان عن عاصم عن المسيب بن رافع عن عبد الله قال: من الجفاء أن تسمع المؤذن ثم لا تقول مثل ما يقول، انتهى. ولا يكون من الجفاء إلا ترك الواجب، وترك المستحب ليس من الجفاء، ولا تاركه جافٍ، والجواب عن الحديثين: أنهما لا ينافي إجابة الرسول لذلك المنادي بمثل ما قال، ويكون الراوي ترك ذكره، أو يكون الأمر بالإجابة بعد هذه القضية.\nقوله في هذا الحديث: (عَلى الفِطرَة) أي: على الإسلام، إذ كان الأذان شعارهم، ولهذا كان ﵇ إذا سمع أذانًا أمسك، وإن لم يسمع أغار؛ لأنه كان فرق ما بين بلد الكفر وبلد الإسلام. فإن قلت: كيف يكون مجرد القول بلا إله إلا الله إيمانًا؟ قال العيني: هو إيمان بالله في حق المشرك، وحق من لم يكن بين المسلمين، أما الكتابي أو الذي يخالط المسلمين لا يصير مؤمنًا إلا بالتلفظ بكلمتي الشهادة، بل شرط بعضهم التبري مما كان عليه من الدين الذي يعتقده. وأما الدليل على ما ذهب إليه أصحابنا -أي في الحيعلتين والصلاة خير من النوم - فسنذكره في الحديث الآتي إن شاء الله تعالى.\n\n٦١٢ - <span id=\"b-١٨٥\"> </span>٦١٣ - قوله: (حَدَّثَنا مُعاذُ بنُ فَضَالَةَ) أي: بضم الميم وفتح الفاء، ترجمته في باب النهي عن الاستنجاء باليمين.\nقوله: (حَدَّثَنا هِشَامٌ) أي: الدستوائي، ترجمته في باب زيادة الإيمان ونقصانه.\nقوله: (عَن يَحيَى بنِ أَبي كَثيرٍ) ترجمته في باب الصلوات الخمس كفارة.\nقوله: (قالَ: حَدَّثَني عِيسَى بنُ طَلحَةَ بنِ عُبَيدِ اللهِ) التيمي القرشي، من أفاضل أهل المدينة، مات في زمن عمر بن عبد العزيز ﵁ ترجمته في باب الفتيا وهو","vol":"1","page":142},{"text":"واقف على ظهر الدابة.\nقوله: (أَنَّهُ سَمِعَ مُعَاوِيَةَ يَومًا) أي: ابن أبي سفيان، ترجمته في باب من يرد الله به خيرًا يفقه في الدين.\nهذا الإسناد التحديث بصيغة الجمع في موضعين، وبصيغة الإفراد في موضع، وفيه العنعنة في موضعين، وفيه السماع، وفيه القول في القول في موضعين، وفيه أن رواته ما بين بصري وأهوازي ويماني ومدني.\nقوله: (فَقالَ مِثلَهُ... إلى قوله: وأشهد أن محمدًا رسول الله) مطابقته للترجمة من حيث إنه يوضح الإبهام في قوله: (ما يقول إذا سمع المؤذن) وقد قلنا: إنه أبهم الترجمة لاحتمالها الوجهين، فحديث أبي سعيد أوضح الوجه الثاني. هذا الحديث أخرجه النسائي في «اليوم والليلة» عن محمود بن خالد عن الوليد بن مسلم عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير به، ولم يذكر الزيادة.\nقال شيخنا: هكذا أورد المتن هنا مختصرًا، وقد رواه أبو داود الطيالسي في «مسنده» عن هشام، ولفظه: كنا عند معاوية، فنادى المنادي بالصلاة، فقال مثل ما قال ثم قال: هكذا سمعت نبيَّكم. انتهى\nقوله: (فَقالَ مِثلَهُ) أي: مثل ما يقول المؤذن، ويروى: «بمثله» وههنا سأل الكرماني سؤالين:\nالأول: أن السماع لا يقع على الذوات إلا إذا وصف بالقول ونحوه كقوله تعالى: ﴿سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي﴾ [آل عمران: ١٩٣] وأجاب بأن القول مقدَّر، أي سمع معاوية قال يومًا، ولفظ (فقال) مفسر لقال المقدرة، ومثل هذه الفاء تسمى بالفاء التفسيرية.\nوالثاني: كلمة إلى للغاية، وحكم ما بعدها خلاف ما قبلها، فلا يلزم أن يقول في أشهد أن محمدًا رسول الله مثلَه، وأجاب: بأن إلى ههنا بمعنى المعية كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢] سلمنا أنها بمعنى الانتهاء، لكن حكمها متفاوت، فقد لا تدخل الغاية تحت المغيا. قال صاحب «الحاوي»: الإقرار بقوله مِن واحد إلى عشرة إقرار بتسعة وقد تدخل. قال الرافعي: هو إقرار بالعشرة وعليه الجمهور. وسلمنا وجوب المخالفة بين ما بعدها وما قبلها، لكن لا نسلم وجوبها بين نفس الغاية وما قبلها كما يقال: ما بعد المرفق حكمُه مخالف لحكم ما قبله لا نفس المرفق، ففي مسألتنا يجب مخالفة حكم الحيعلة لما قبلها، لا حكم الشهادة بالرسالة.\nقال العيني: الأصل في المسألة المذكورة عند أبي حنيفة أنه يدخل الابتداء ولا يدخل الانتهاء، وعند أبي يوسف ومحمد: يدخلان جميعًا. وعند زفر: لا يدخلان جميعًا، فالذي يلزمه عند أبي حنيفة تسعة، وعندهما عشرة، وعند زفر ثمانية.\nقال العيني: المستفاد من حديث معاوية في هذا الباب: أن يقول السامع من المؤذن مثل ما يقول المؤذن إلا في الحيعلتين، واختصر البخاري حديث معاوية ههنا، وقد رُوي حديثُه بألفاظ مختلفة، ولهذا قال أبو عمر: حديث معاوية في هذا الباب مضطرب الألفاظ، بيان ذلك: أنه رُوي مثل ما يقول طائفة، وهو أن يقول مثل ما يقول المؤذن من أول الأذان إلى آخره، روى هذا الطحاوي: حدثنا محمد بن خزيمة، قال: حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري، قال: حدثنا محمد بن عمرو الليثي عن أبيه عن جده، قال: كنا عند معاوية فأذن المؤذن، فقال معاوية ﵁: سمعت النبي ﷺ يقول: «إذا سمعتم المؤذن يؤذن فقولوا مثل مقالته» أو كما قال، وروى عنه: (مثل ما يقول) طائفةٌ أخرى،","vol":"1","page":143},{"text":"وهو أن يقول مثل ما يقول المؤذن في كل شيء إلا قوله: حي على الصلاة، حي على الفلاح، فإنه يقول عنهما: لا حول ولا قوة إلا بالله، ثم يُتم الأذان، وهو رواية الطبراني في «الكبير»: حدثنا معاذ بن المثنى، حدثنا مسدد، حدثنا يحيى عن محمد بن عمرو عن أبيه عن جده، قال: «أذن المؤذن عند معاوية فقال: الله أكبر الله أكبر، قال معاوية: الله أكبر الله أكبر، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، قال: أشهد أن لا إله إلا الله. قال: أشهد أن لا إله إلا الله، فقال: أشهد أن محمدا رسول الله. قال: أشهد أن محمدا رسول الله. فقال: حي على الصلاة، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، فقال: حي على الفلاح، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله. قال: الله أكبر الله أكبر، فقال معاوية: الله أكبر الله أكبر. ثم قال: هكذا سمعت رسول الله ﷺ»، ورَوى عنه: (مثل ما يقول) طائفةٌ أخرى، وهو أن يقول مثل ما يقول المؤذن في التشهد والتكبير دون سائر الألفاظ، وهو رواية عبد الرزاق في «مصنفه» عن ابن عيينة عن مجمع الأنصاري أنه سمع أبا أمامة بن سهل بن حنيف حين سمع المؤذن كبر وتشهد بما تشهد به، ثم قال: هكذا حدثنا معاوية «أنه سمع رسول الله ﷺ يقول كما يقول المؤذن، فإذا قال: أشهد أن محمدًا رسول الله، فقال: وأنا أشهد. ثم سكت». وروى عنه: (مثل ما يقول) طائفةٌ أخرى، وهو أن يقول مثل ما يقول المؤذن حتى يبلغ: حي على الصلاة، حي على الفلاح، فيقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، بدل كلمة منها مرتين، على حسب ما يقول المؤذن، ثم لا يزيد على ذلك، وليس عليه أن يختم الأذان، وهو رواية البخاري عن معاذ بن فضالة المذكور في هذا الباب إلى آخره.\nثم مذاهب العلماء في ذلك: قال النخعي والشافعي وأحمد في رواية ومالك في رواية: ينبغي لمن سمع الأذان أن يقول كما يقول المؤذن حتى يقع من أذانه، وهو مذهب أهل الظاهر أيضًا. وقال الثوري وأبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وأحمد في الأصح، ومالك في رواية: يقول سامع الأذان مثل ما يقول المؤذن إلا في الحيعلتين فإنه يقول فيهما: لا حول ولا قوة إلا بالله. واحتجوا بما رواه مسلم: حدثني إسحاق بن منصور، قال: أخبرنا أبو جعفر محمد بن جهضم الثقفي، قال: حدثنا إسماعيل بن جعفر عن عمارة بن غزية عن حبيب بن عبد الله بن أساف عن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب عن أبيه عن جده عمر بن الخطاب ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا قال المؤذن: الله أكبر الله أكبر، فقال أحدكم: الله أكبر الله أكبر، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، ثم قال: أشهد أن محمدًا رسول الله، فقال: أشهد أن محمدًا رسول الله، ثم قال: حي على الصلاة، فقال: لا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: حي على الفلاح، فقال: لا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: الله أكبر الله أكبر. فقال: الله أكبر الله أكبر. ثم قال: لا إله إلا الله، فقال: لا إله إلا الله من قلبه دخل الجنة» ورواه أبو داود والنسائي والطحاوي. قوله: (من قلبه)","vol":"1","page":143},{"text":"أي: قال ذلك خالصًا من قلبه؛ لأن الأصل في القول والفعل الإخلاص كما ورد في النص.\nقوله: (حَدَّثَنا إِسحَاقُ بنُ راهَوَيه) قال الغساني: قال ابن السكن: كل ما روى البخاري عن إسحاق غير منسوب فهو ابن راهويه، وكذلك صرح به أبو نعيم في «مستخرجه» من طريق عبد الله بن شيرويه عنه. انتهى ترجمته في باب فضل من علم وعلم.\nقوله: (حَدَّثَنا وَهبُ بنُ جَريرٍ) أي: بفتح الجيم، ترجمته في باب الخوخة والممر في المسجد.\nقوله: (حَدَّثَنا هِشامٌ) أي: الدستوائي المتقدم.\nقوله: (عَن يَحيَى بنِ أَبي كَثيرٍ) المتقدم أيضًا.\nقوله: (نحوه) أي: نحو الحديث المذكور في الإسناد المتقدم.\nقوله: (قالَ يَحيَى: وَحَدَّثَني بَعضُ إِخوَانِنا أَنَّهُ قالَ: لما قالَ: حَيَّ عَلَى الصَّلاةِ قالَ: لَا حَولَ وَلا قَوَّةَ إِلَّا بِاللهِ، وَقالَ: هَكَذا سَمِعنا نَبِيَّكُم يَقولُ).\nفي هذا الإسناد التحديث بصيغة الجمع في ثلاث مواضع، وبصيغة الإفراد في موضع. وفيه العنعنة في موضع. وفيه القول في خمس مواضع. وفيه السماع بصيغة الجمع.\nقال شيخنا: أحال بقوله: (نحوه) على الذي قبله، وقد عرفت أنه لم يَسُق لفظه كلَّه، وقد وقع لنا هذا الحديث من طرق عن هشام المذكور تامًّا، منها للإسماعيلي من طريق معاذ بن هشام عن أبيه عن يحيى، حدثنا محمد بن إبراهيم، حدثنا عيسى بن طلحة، قال: دخلنا على معاوية، فنادى مناد بالصلاة فقال: الله أكبر الله أكبر، فقال معاوية: الله أكبر الله أكبر، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، فقال معاوية: وأنا أشهد أن لا إله إلا الله، فقال: أشهد أن محمدًا رسول الله، فقال معاوية: وأنا أشهد أن محمدًا رسول الله. قال يحيى: فحدثني صاحبٌ لنا أنه لما قال: حي على الصلاة قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: هكذا سمعنا نبيكم. انتهى، فاشتمل هذا السياق على فوائد:\nأحدها: تصريح يحيى بن أبي كثير بالسماع له من محمد بن إبراهيم، فأمِن ما يخشى من تدليسه.\nثانيها: بيان ما اختصر من روايتي البخاري.\nثالثها: أن قوله في الرواية الأولى: إنه سمع معاوية يومًا فقال مثله، فيه حذف تقديره: أنه سمع معاوية سمع المؤذن يومًا فقال مثله.\nرابعها: أن الزيادة في رواية وهب بن جرير لم ينفرد بها لمتابعة معاذ بن هشام له.\nخامسها: أن قوله: قال يحيى، ليس تعليقًا من البخاري كما زعمه بعضهم، بل هو عنده بإسناد إسحاق، وأبدى الحافظ قطب الدين احتمالًا أنه عنده بالإسنادين، وأما المبهم الذي حدث يحيى به عن معاوية فلم أقف في شيء من الطرق على تعيينه، وحكى الكرماني عن غيره أن المراد به الأوزاعي، وفيه نظر؛ لأن الظاهر أن قائل ذلك ليحيى حدثه به عن معاوية، وأين عصر الأوزاعي من عصر معاوية؟! وقد غلب على ظني أنه علقمة بن وقاص إن كان يحيى بن أبي كثير أدركه، وإلا فأحد ابنيه عبد الله بن علقمة أو عمرو بن علقمة، وإنما قلت ذلك لأنني جمعت طرقه عن معاوية، فلم أجد هذه الزيادة في ذكر الحوقلة إلا من طريقين: أحدهما عن نهشل التميمي عن معاوية وهو في «الطبراني» بإسناد واهٍ، والآخر عن علقمة","vol":"1","page":144},{"text":"بن وقاص عنه، وقد أخرجه النسائي واللفظ له وابن خزيمة وغيرهما من طريق ابن جريج، أخبرني عمرو بن يحيى أن عيسى بن عمر أخبره عن عبد الله بن علقمة بن وقاص عن أبيه، قال: إني لعند معاوية إذ أذن مؤذن، فقال معاوية كما قال، حتى إذا قال: حي على الصلاة، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، فلما قال: حي على الفلاح، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، وقال بعد ذلك ما قال المؤذن، ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول ذلك. ورواه بن خزيمة أيضًا من طريق يحيى القطان عن محمد بن عمرو بن علقمة عن أبيه عن جده، قال: كنت عند معاوية، فذكر مثله وأوضح سياقًا منه، وتبين بهذه الرواية أن ذكر الحوقلة في جواب حي على الفلاح اختصر في حديث الباب بخلاف ما تمسك به بعض من وقف مع ظاهره، وأن (إلى) في قوله في الطريق الأولى: فقال مثل قوله إلى أشهد أن محمدًا رسول الله بمعنى (مع) كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢] انتهى\nقال العيني: أخرج الطحاوي حديث معاوية هذا من أربع طرق:\nالأول: من حديث محمد بن عمرو الليثي عن أبيه عن جده، قال: كنا عند معاوية... الحديث، وجدُّه علقمة بن وقاص روى له الجماعة.\nوالثاني: كذلك، ولفظه: أن معاوية قال مثل ذلك، ثم قال: هكذا قال رسول الله ﷺ.\nوالثاالث: عن عمرو بن يحيى عن عبد الله بن علقمة، قال: كنت جالسًا إلى جنب معاوية، فذكر مثله، ثم قال معاوية: هكذا سمعت رسول الله ﷺ يقول.\nوالرابع: عن عمرو بن يحيى أن عيسى بن عمرو أخبره عن عبد الله بن علقمة بن وقاص، فذكر نحوه.\nوأخرجه الدارمي في «سننه»: أخبرنا سعيد بن عامر، حدثنا محمد بن عمرو عن أبيه عن جده: أن معاوية سمع المؤذن قال: الله أكبر الله أكبر، فقال معاوية: الله أكبر الله أكبر، الحديث.\nوأخرجه الطبراني في «الكبير» من حديث داود بن عبد الرحمن العطار: حدثني عمرو بن يحيى عن عبد الله بن علقمة بن وقاص عن أبيه قال: كنت جالسًا مع معاوية... الحديث.\nوأخرجه البيهقي في «المعرفة» من حديث ابن جريج، قال: أخبرنا عمرو بن يحيى المازني، أن عيسى بن عمرو أخبره عن عبد الله بن علقمة بن وقاص، قال: إني لعند معاوية، الحديث.\nوأخرجه النسائي أيضًا من حديث عبد الله بن علقمة عن أبيه علقمة بن وقاص عن معاوية. وكذلك أخرجه ابن خزيمة، وأُخرج أيضًا من طريق يحيى القطان عن محمد بن عمرو بن علقمة عن أبيه عن جده، قال: كنت عند معاوية... الحديث. وفي هذه الطرق كلها الراوي عن معاوية هو علقمة بن وقاص، وعن علقمة ابنه عبد الله وابنه عمرو، ويحيى بن أبي كثير إن كان أدرك علقمة فالمراد من قوله: (بعض إخواننا) هو علقمة، وإن لم يدرك فالمراد غالبًا أحد ابني علقمة كما تقدم. انتهى قال شيخنا\nتنبيه: أخرج مسلم من حديث عمر بن الخطاب نحو حديث معاوية، إنما لم يخرجه البخاري لاختلاف وقع في وصله وإرساله كما أشار إليه الدارقطني، ولم يخرج مسلم","vol":"1","page":144},{"text":"حديث معاوية؛ لأن الزيادة المقصودة منه ليست على شرط الصحيح للمبهم الذي فيه، لكن إذا انضم أحد الحديثين إلى الآخر قوي جدًا.\nوفي الباب أيضًا عن الحارث بن نوفل الهاشمي وأبي رافع، وهما في «الطبراني» وغيره، وعن أنس في «البزار» وغيره، والله أعلم. انتهى\nقال العيني: وإنما لم يذكر حكم حي على الفلاح اكتفاءً بذكر إحدى الحيعلتين عن الأخرى لظهوره.\nقوله: (لَا حَولَ وَلا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ) يجوز فيه خمسة أوجه، الأول: فتحهما بلا تنوين. والثاني: فتح الأول ونصب الثاني منوّنًا. والثالث: رفعهما منوَّنين. والرابع: فتح الأول ورفع الثاني منوّنًا. والخامس: عكسه.\nوالحول: الحركة، أي: لا حركة ولا استطاعة إلا بمشيئة الله، قاله ثعلب وغيره. وقال بعضهم: لا حول من دفع شر، ولا قوة في تحصيل خير إلا بالله. وقيل: لا حول عن معصية الله إلا بعصمته، ولا قوة على طاعته إلا بمعونته. وحكي هذا عن ابن مسعود، وحكى الجوهري لغة غريبة ضعيفة أنه يقال: لا حيل ولا قوة إلا بالله، بالياء، قال: والحيل والحول بمعنى. قال العيني: لا ينسب إليه الضعف في ذلك، وقد ذكر في «الجامع» و«المنتهى» و«الموعب» و«المخصلى الله عليه وسلم» و«المحكم»: والحَول والحَيل والحول والحيلة والحويل والمحالة والاحتيال والتحول والتحيل، كل ذلك جودة النظر والقدرة على التصرف، فلا يفرد إذًا بهذه اللفظة. وقال الأزهري: يقال في التعبير عن قولهم لا حول ولا قوة إلا بالله: الحوقلة، وقال الجوهري: الحوقلة، فعلى الأول وهو المشهور الحاء والواو من الحول، والقاف من القوة، واللام من اسم الله. وعلى الثاني الحاء واللام من الحول، والقاف من القدرة، ومثلها الحيعلة والبسملة والحمدلة والهيللة والسبحلة، في حي على الصلاة، وحي على الفلاح، وبسم الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، وسبحان الله. وقال المطرز: في كتاب «اليواقيت» وفي غيره: إن الأفعال التي أُخذت من أسمائها سبعة وهي: بَسمَل الرجل، إذا قال: باسم الله، وسبحل، إذا قال: سبحان الله، وحوقل، إذا قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، وحيعل، إذا قال: حي على الفلاح. ويجيء على القياس: حيصل، إذا قال: حي على الصلاة، ولم يذكر: وحمدل، إذا قال: الحمد لله، وهيلل، إذا قال: لا أله إلا الله، وجعفل، إذا قال: جُعلت فِداك. زاد الثعالبي: الطيقلة، إذا قال: أطال الله بقاءك، والدمعزة، إذا قال: أدام الله عزك. وقال عياض: قوله: الحيصلة على قياس الحيعلة غير صحيح، بل الحيعلة تنطلق على حي على الصلاة وحي على الفلاح، كلها حيعلة، ولو كان على قياسه في الحيصلة لكان الذي يقال في: حي على الفلاح، الحيفلة بالفاء، وهذا لم يُقل، وإنما الحيعلة من قولهم: حي على كذا، فكيف وهو باب مسموع لا يقاس عليه؟ وانظر قوله: جعفل، في: جُعلت فداك، لو كان على قياس الحيعلة لقال: جعلف، إذ اللام مقدمة على الفاء، وكذلك الطيقلة، تكون اللام على القياس قبل الياء القاف.\n\n <span id=\"b-١٨٦\"> </span>(٨) <span data-type=\"title\" id=toc-186>(بابُ الدُّعاءِ عِندَ النّداءِ)</span> أي: هذا باب في بيان الدعاء عند تمام النداء، وهو الأذان. قال شيخنا:","vol":"1","page":145},{"text":"وكأن المصنف لم يقيده بذلك اتباعًا للفظ الحديث كما سيأتي الحديث فيه انتهى\nقال العيني: ليس في لفظ الحديث هذه اللفظة، وفي لفظ الحديث أيضًا مقدر، ولا يلزم أن يدعو وهو يسمع، وحالة السماع وقت الإجابة، والدعاء بعد تمام السماع.\n\n٦١٤ - <span id=\"b-١٨٧\"> </span>قوله: (حَدَّثَني عَليُّ بنُ عَيّاشٍ) أي: بفتح العين المهملة وتشديد الياء آخر الحروف، وبعد الألف غين معجمة، الأَلهاني بفتح الهمزة وسكون اللام وبالنون بعد الألف، الحمصي، مات سنة تسع عشرة ومئتين، وهو من كبار شيوخ البخاري.\nقوله: (شُعَيب بن أَبي حَمزَةَ) بالحاء المهملة والزاي، الحمصي، ترجمته في بدء الوحي.\nقوله: (عَن مُحَمَّدِ بنِ المنكَدِرِ) أي: بوزن اسم الفاعل من الانكدار، ترجمته في باب صب النبي ﷺ وضوءه على المغمى عليه.\nقوله: (عَن جابِرِ بنِ عَبدِ اللِه ﵁) ترجمته في بدء الوحي.\nفي هذا الإسناد التحديث بصيغة الجمع في موضعين، وفيه العنعنة في موضعين، وفيه القول في موضع واحد، وفيه شيخ البخاري من أفراده ولم يرو عنه أحد من الستة غيره، وقد حدث عنه القدماء بهذا الحديث، أخرجه أحمد في «مسنده» عنه، ورواه علي بن المديني شيخ البخاري مع تقدُّمه على أحمد عنه، أخرجه الإسماعيلي من طريقه، وذكر الترمذي أن شعيبًا تفرد به عن ابن المنكدر، فهو غريب مع صحته، وقد توبع ابن المنكدر عليه عن جابر، أخرجه الطبراني في «الأوسط» من طريق أبي الزبير عن جابر نحوه، ووقع في رواية الإسماعيلي: أخبرني ابن المنكدر. وفيه أن رواته ما بين حمصي ومدني.\nقوله: (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: مَن قَالَ حِينَ يَسْمَعُ النِّدَاءَ: اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعوَةِ التَّامَّةِ، وَالصَّلَاةِ القَائِمَةِ، آتِ مُحَمَّدًا الوَسِيلَةَ وَالفَضِيلَةَ، وَابعَثهُ مَقَامًا مَحمُودًا الَّذِي وَعَدتَهُ، حَلَّت لَهُ شَفَاعَتِى يَومَ القِيَامَةِ).\nمطابقته للحديث ظاهرة، وهذا الحديث أخرجه البخاري أيضا في التفسير عن علي بن عياش، وأخرجه أبو داود في الصلاة أيضًا عن أحمد بن حنبل. وأخرجه الترمذي فيه عن محمد بن سهل بن عسكر وإبراهيم بن يعقوب، وأخرجه النسائي فيه وفي «اليوم والليلة» عن عمرو بن منصور، وأخرجه ابن ماجة فيه عن محمد بن يحيى والعباس بن الوليد ومحمد بن أبي الحسين سبعتهم عن علي بن عياش به.\nقوله: (مَن قالَ حِينَ يَسمَعُ نداءَ المؤَذِّنِ) وظاهر الكلام كان يقتضي أن يقال: حين سمع، بلفظ الماضي؛ لأن الدعاء مسنون بعد الفراغ عن الأذان، لكن معناه: حين يفرغ من السماع، أو المراد من النداء تمامُه؛ إذ المطلق محمول على الكامل، ويسمع حال لا استقبال، ويؤيده حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، أخرجه مسلم بلفظ: «قولوا مثل ما يقول، ثم صلوا علي، ثم سلوا الله ليَ الوسيلة» ففي هذا أن ذلك إنما يقال عند فراغ الأذان.\nقوله: (اللَّهُمَّ) يعني: يا الله، والميم عوض عن الياء، فلذلك لا يجتمعان.\nقوله: (رَبَّ) منصوب على النداء، ويجوز رفعه على أنه","vol":"1","page":145},{"text":"خبر مبتدأ محذوف، أي أنت ربُّ هذه الدعوة، والرب: المربي المصلح للشأن، وقال الزمخشري: ربَّه يربُّه فهو ربٌّ، ويجوز أن يكون وصفًا لمصدر للمبالغة كما في الوصف بالعدل، ولم يطلقوا الربَّ إلا في الله وفي غيره على التقييد بالإضافة، كقولهم: ربُّ الدار ونحوه.\nقوله: (الدَّعوَة) بفتح الدال، وفي «المحكم»: الدَّعوة والدِّعوة بالفتح والكسر، والمدعاة: ما دعوت إليه، وخص اللَّحياني بالمفتوحة الدعاءَ إلى الوليمة. قال العيني: قالوا: الدَّعوة بالفتح في الطعام، والدِّعوة بالكسر في النسب، والدُّعوة بالضم في الحرب. والمراد بالدعوة ههنا ألفاظ الأذان التي يدعى بها الشخص إلى عبادة الله تعالى، وفي رواية البيهقي من طريق محمد بن عوف عن علي بن عياش: «اللهم إني أسألك بحق هذه الدعوة» والمراد بها دعوة التوحيد كقوله تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الحَقِّ﴾ [الرعد: ١٤].\nقوله: (التَّامَّةِ) صفة للدعوة، وُصِفت بالتمام؛ لأن الشركة نقص، وقيل: معناها التي لا يدخلها تغيير ولا تبديل، بل هي باقية إلى يوم القيامة، وقيل: وُصفت بالتمام؛ لأنها هي التي تستحق صفة التمام وما سواها بمعرض الفساد، وقال ابن التين: وُصفت بالتامة؛ لأن فيها أتم القول وهو لا إله إلا الله، وقيل: التامة الكاملة، وكمالها لا يدخلها نقص ولا عيب كما يدخل في كلام الناس، وقيل: معنى التمام كونُها محمية عن النَّسخ باقية إلى يوم القيامة، وقال الطيبي: مِن أوله إلى قوله: (محمد رسول الله) هي الدعوة التامة.\nقوله: (وَالصَّلاةِ القائِمَة) أي: الدائمة التي لا تُغيّرها مِلّة ولا تَنسخها شريعة، وأنها قائمة ما دامت السماوات والأرض. ويحتمل أن يكون المراد بالصلاة الدعاءُ، وبالقائمة الدائمةُ، مِن قام على الشيء إذا داوم عليه، وعلى هذا فقوله: (والصلاة القائمة) بيان للدعوة التامة. ويحتمل أن يكون بالصلاة المعهودة المدعو إليها حينئذ، وهو أظهر.\nقوله: (آتِ) أي: أعطِ، وهو أمر من الإيتاء وهو الإعطاء.\nقوله: (الوَسِيلَةَ) وهي في اللغة: ما يتقرب به إلى الغير والمنزلة عند الملك، يقال: وسل فلان إلى ربه وسيلة، وتوسل إليه بوسيلة إذا تقرب إليه بعمل، وهي على وزن فَعيلة، وتُجمع على وسائل ووسل، وتطلق على المنزلة العلية، ووقع ذلك في حديث مسلم: حدثنا محمد بن مسلمة المرادي، حدثنا عبد الله بن وهب عن حيوة وسعيد بن أبي أيوب وغيرهما، عن كعب بن علقمة عن عبد الرحمن بن جبير عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁، أنه سمع رسول الله يقول: «إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا عليَّ، فإنه من صلى عليَّ صلاةً صلى الله عليه بها عشرًا، ثم سلوا الله لي الوسيلة، فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي لأحد إلا لعبد من عباد الله وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل الله لي الوسيلة حَلَّت له الشفاعة» ونحوه للبزار عن أبي هريرة ﵁، وأخرجه أبو داود والنسائي أيضًا، وأخرجه الطحاوي، ولفظه: «فإنها منزلة في الجنة» فالمنزل والمنزلة واحد وهي المنهل والدار، قال شيخنا: ويمكن ردها إلى الأول؛ فإن الواصل إلى تلك المنزلة قريب من الله، فتكون كالقربة","vol":"1","page":146},{"text":"التي يتوسل بها. انتهى\nقوله: (والفَضيلة) أي: المرتبة الزائدة على سائر الخلائق، ويحتمل أن تكون الفضيلة منزلةً أخرى، قال شيخنا: أو تكون تفسيرًا للوسيلة.\nقال العيني: لا إيهام في الوسيلة مع أنها بُينت في الحديث الذي روي عن عبد الله بن عمرو. انتهى\nقلت: كلام العيني هذا يشعر بأنه لا يفسر إلا المبهم، وليس كذلك. انتهى\nقوله: (مَقامًا مَحمُودًا) نصب على الظرفية، أي: ابعثه يوم القيامة فأقمه مقامًا محمودًا، أو على أنه مفعول به، أو ضمن ابعثه معنى أقمه، ومعنى ابعثه أعطه، ويجوز أن يكون حالًا، أي: ابعثه ذا مقام محمود. قال النووي: ثبتت الرواية بالتنكير، وكأنه حكاية للفظ القرآن، وقال الطيبي: إنما نكره لأنه أفخم وأجزل، كأنه قيل: مقامًا أي مقام محمودًا بكل لسان، وقد جاء في هذه الرواية بعينها من رواية علي بن عياش شيخ البخاري فيه المقام المحمود بالألف واللام عند النسائي، وهو في «صحيح ابن خزيمة» و«ابن حبان» أيضًا، وفي «الطحاوي» والطبراني في «الدعاء» والبيهقي، وفيه تعقب على من أنكر ذلك كالنووي، قال ابن الجوزي: الأكثر على أن المراد بالمقام المحمود: الشفاعة. وقيل: إجلاسه على العرش. وقيل: على الكرسي، وقد حكى كُلًّا من القولين جماعة، وعلى تقدير الصحة لا ينافي الأول؛ لاحتمال أن يكون الإجلاس علامة الإذن في الشفاعة، ويحتمل أن يكون المراد بالمقام المحمود الشفاعة، وأن يكون الإجلاس هي المنزلة المعبر عنها بالوسيلة أو الفضيلة، وقيل: معناه: الذي يحمده القائم فيه وكلُّ مَن رآه وعرفه، وهو مطلق في كل ما يجلب الحمد من أنواع الكرامات. وعن ابن عباس: مقام يحمدك فيه الأولون والآخرون، وتشرف فيه على جميع الخلائق، تسأل فتُعطي، وتشفع فتشفع، ليس أحد إلا تحت لوائك. وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ: «هو المقام الذي أشفع فيه لأمتي».\nووقع في «صحيح ابن خزيمة» من حديث كعب بن مالك مرفوعًا: «يبعث الله الناس فيكسوني حُلَّة خضراء، فأقول ما شاء الله أن أقول، فذلك المقام المحمود» ويظهر أن المراد بالقول المذكور هو الثناء الذي يقدمه بين يدي الشفاعة، ويظهر أن المقام المحمود هو مجموع ما يحصل له في تلك الحالة.\nويشعر قوله في آخر الحديث: (حلَّت له شفاعتي) بأن الأمر المطلوب له الشفاعة، والله أعلم.\nقوله: (الَّذِي وَعَدتَهُ) زاد في رواية البيهقي: «إنك لا تخلف الميعاد» قال الطيبي: المراد بذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢] وأطلق عليه الوعد؛ لأن عسى من الله واقع لا محالة كما صح عن ابن عيينة وغيره، وليس على بابه في حق الله تعالى. فإن قلت: قد وعده الله المقام المحمود وهو لا يخلف الميعاد، فما الفائدة في دعاء الأمة بذلك؟ قال العيني: إما لطلب الدوام والثبات، وإما للإشارة إلى جواز دعاء الشخص لغيره والاستعانة بدعائه في حوائجه، ولا سيما من الصالحين انتهى\nقلت: وأيضًا فقد أمرنا بمكافأة من أحسن إلينا، فإن عجزنا عن مكافأته دعونا له، ولما عجزنا عن مكافأة سيد الأولين والآخرين أُمرنا أن ندعو","vol":"1","page":146},{"text":"له لذلك، ليكون مكافأة لإحسانه إلينا؛ إذ لا إحسان أفضل من إحسانه إلينا، كذلك دعونا له بدرجة لا درجة أفضل منها، والله أعلم. انتهى\nقال شيخنا: قوله: (الذي وعدته) بدل، أي: من قوله: (مقاما) أو عطف بيان، أو خبر مبتدأ محذوف، وليس صفة للنكرة، ووقع في رواية النسائي وابن خزيمة وغيرهما: «المقام المحمود» فيصح وصفه بالموصول، والله أعلم. قال العيني: فإن قلت: هل يجوز أن يكون صفة للمقام؟ قلت: إن قلنا: المقام المحمود، صار علمًا لذلك المقام يجوز أن يكون صفة، وإلا لا يجوز لأنه نكرة. وأما على رواية النسائي، فيجوز بلا نزاع. انتهى\nقوله: (حَلَّت لَهُ شَفاعَتي) جواب مَن، ومعنى (حلت) أي: استحقت ووجبت، ويكون من الحلال؛ لأنه مَن كان الشيءُ حلالًا له كان مستحقًا لذلك، وبالعكس، ويجوز أن يكون من الحلول بمعنى النزول، وتكون اللام بمعنى على، يقال: حَلَّ يَحُل بالضم إذا نزل، ويؤيده رواية مسلم: «حلَّت عليه»، ووقع في الطحاوي من حديث ابن مسعود: «وجبت له»، ولا يجوز أن يكون من الحِل خلاف الحُرمة؛ لأنها لم تكن قبل ذلك محرمة. فإن قيل: كيف جعل ذلك ثوابًا لقائل ذلك مع أنه ثبت أن الشفاعة للمذنبين؟ أجيب: بأن للنبي ﷺ شفاعات متعددة، كإدخال الجنة بغير حساب، ورفع الدرجات، فيشفع لكل أحد بما يناسب حاله. ونقل القاضي عياض عن بعض شيوخه: أنه كان يرى تخصيص ذلك بمن قال مخلصًا مستحضرًا إجلال النبي ﷺ، لا من قصد بذلك مجرد الثواب ونحو ذلك، وهذا مجرد تحكم غير مرضي. قال شيخنا: ولو كان أخرج بالغافل اللاهي لكان أشبه، قال العيني: وفيه نظر أيضًا على ما لا يخفى. انتهى\nفيه الحض على الدعاء في أوقات الصلاة حين تفتح أبواب السماء للرحمة، وقد جاء: «ساعتان لا يرد فيهما الدعاء: حضرة النداء بالصلاة، وحضرة الصف في سبيل الله» فدلهم ﵇ على أوقات الإجابة.\nفإن قلت: هل الإتيان بهذه الألفاظ المذكورة سبب لاستحقاق الشفاعة، أو غيرها يقوم مقامها؟ قال العيني: روى الطحاوي من حديث عبد الله بن مسعود، أن رسول الله ﷺ قال: «ما من مسلم يقول إذا سمع النداء، فيكبر المنادي فيكبر، ثم يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا رسول الله، فيشهد على ذلك ثم يقول: اللهم أعطِ محمدًا الوسيلة واجعله في الأعلَين درجته، وفي المصطفَين محبَّته، وفي المقربين ذِكره إلا وجبت له شفاعتي يوم القيامة» وأخرجه الطبراني أيضًا.\nقوله: (وَاجعَلهُ) أي: واجعل له درجة في الأعلين، وهو جمع أعلى، وهو صفة مَن يعقل ههنا؛ لأن المراد منهم الأنبياء ﵈، فلذلك جمع بالواو والنون، فإعرابه بالواو حالة الرفع وبالياء في حالَتي النصب والجر، وهذا مقصور، والضمة والكسرة فيه مقدرتان في حالتي النصب والجر.\nقوله: (المصطفَين) بفتح الفاء جمع مصطفى، وهو أيضًا كذلك بالواو حالة الرفع وبالياء حالتي النصب والجر، والمصطفى","vol":"1","page":147},{"text":"المختار من الصَّفْوة، وأصله: مصفيّ، فقلبت كما عُرف في موضعه، أي: من كتب التصريف.\nوروى الطَّحاويُّ أيضًا من حديث أم سَلَمَة ﵂ أنها قالت: علمني رسول الله ﷺ فقال: «يَا أُمَّ سَلَمَةَ، إِذَا كَانَ عِنْدَ أَذَانِ المَغْرِبِ (^١): اللَّهُمَّ (^٢) عِنْدَ اسْتِقْبَالِ لَيْلِكَ، وَإِدْبَارِ نَهَارِكَ، وَأَصْوَاتِ دُعَائِكَ، وَحُضُورِ صَلَوَاتِكَ، اغْفِرْ لِيْ» وأخرجه أبو داود، ولفظه: «اللَّهُمَّ هَذَا إِقْبَالُ لَيْلِكَ، وَإِدْبَارُ نَهَارِكَ، وَأَصْوَاتُ دُعَائِكَ، فَاغْفِرْ لِي»، وأخرجه الطَّبرانيُّ في «الكبير» وفي آخره: «وَكَانَتْ إِذَا تَعَارَّتْ مِنَ اللَّيْلِ تَقُولُ: رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ، وَاهْدِ السَّبِيلَ الأَقْوَمَ»، وروى أبو الشيخ من حديث ابن عباس يرفعه: «مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أَبْلِغْهُ الدَّرَجَةَ وَالوَسِيلَةَ عِنْدَكَ، وَاجْعَلْنَا فِي شَفَاعَتِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ، إِلَّا وَجَبَتْ لَهُ الشَّفَاعَةُ»،\nوفيه إثباتُ الشّفاعة للأمة صالحًا وطالحًا لزيادة الثواب أو إسقاط العقاب؛ لأن لفظة (فِي) عامّةٌ، فهو حُجَّةٌ على المعتزلة حيث خصَّصوها بالمطيع لزيادة درجاته فقط.\n\n <span id=\"b-١٨٨\"> </span>(٩) <span data-type=\"title\" id=toc-188>(بَابُ الِاسْتِهَامِ فِي الأَذَانِ)</span> أي: هذا بابٌ في بيان حكم الاستهام - أي: الإسراع - في الأذان، ومنه قوله تعالى: ﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾ [الصافات: ١٤١]. قال الخَطَّابيُّ: وإنما قيل له: الاستهام؛ لأنهم كانوا يكتبون أسماءهم على سهام إذا اختلفوا في الشيء، فمن خرج سهمُه غلب، والقرعةُ أصلٌ من أصول الشريعة في حال من استوتْ دعواهم في الشَّيء لترجِّحَ أحدهم، وفيها تطييبُ القلوب.\nقوله: (وَيُذْكَرُ أَنَّ أَقْوَامًا اخْتَلَفُوا فِي الأَذَانِ فَأَقْرَعَ بَيْنَهُمْ سَعْدٌ) أي: ابن أبي وقَّاص أحد العشرة المبشرة بالجنة. هذا التَّعليقُ أخرجه سعيدُ بن منصور والبيهقيُّ من طريق أبي عُبَيد كلاهما عن هُشَيم عن عبد الله بن شُبْرمةَ، قال: تشاحَّ الناسُ في الأذان بالقادسية، فاختصموا إلى سعد بن أبي وقاص فأقرع بينهم. وهذا منقطع، وقد وصله سيفُ بن عمر في «الفتوح» والطبريُّ من طريقه عنه، عن عبد الله بن شبرمة عن شَقِيق، وهو أبو وائل، قال: فتحنا القادسيةَ صدرَ النهار، فتراجعنا وقد أصيب المؤذنُ، فذكره وزاد: فخرجتِ القرعةُ لرجلٍ منهم فأذَّن.\nقوله: (فِي الأَذَانِ) أي: في منصب التَّأذين، يعني: اختلافُهم لم يكن في نفس الأذان، وإنما كان في التَّأذين، والأذانُ يأتي بمعنى التأذين، وكان ذلك عند فتح القادسية في خلافة عمر بن الخطاب ﵁ في سنة خمس عشرة، وكان سعدٌ يومئذٍ أميرًا على الناس.\nقال الصَّغّانيُّ: القادسيّةُ: قريةٌ على طريق الحاجّ على مرحلة من الكوفة، وحكى الجوهريُّ: أنَّ إبراهيم ﵇ قدَّس على ذلك المكان، فلذلك صار منزلًا للحاج، وكان بها وقعةٌ للمسلمين مشهورةٌ مع الفرس في خلافة عمر. قال العينيُّ: وقيل: مرَّ إبراهيم ﵇ بالقادسية، فوجد هناك عجوزًا، فغسلت رأسه، فقال: قُدِّستِ من أرض، فسُميت القادسية، وقيل: سُميت بذلك لنزول أهل فارس بها، وقادس: قرية بمروِالروذ، قال شيخنا: القادسيةُ: مكانٌ بالعراق معروفٌ، نسب إلى قادس، رجلٍ نزل به.\n\n٦١٥ - <span id=\"b-١٨٩\"> </span>قوله: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ) أي: التّنيسيّ.\nقوله: (قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) أي: ابن أنس، ترجمتهما في بدء الوحي.\n_________\n(^١) في «شرح معاني الآثار» زيادة: (فقولي).\n (^٢) في «شرح معاني الآثار» زيادة: (هذا).","vol":"1","page":147},{"text":"قوله: (عَنْ سُمَيٍّ) أي: بضم السين المهملة، وفتح الميم، وتشديد الياء آخر الحروف، (مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ) ابن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام القرشيّ المدنيّ، قتله الحَرُوريَّة بقُدَيدٍ سنة ثلاثين ومئةٍ.\nقوله: (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) أي: ذكوان الزَّيَّات، ترجمته في باب أمور الإيمان.\nقوله: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) أي: صخر بن عبد الرحمن، ترجمته في الباب أيضًا.\nفي هذا الإسناد: التَّحديثُ بصيغة الجمع في موضعٍ واحدٍ، والإخبارُ كذلك، وفيه العنعنةُ في ثلاثة مواضع، وفيه: أنَّ رواته مدنيون ما خلا شيخ البخاري.\nقوله: (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الأَوَّلِ، ثُمَّ لَا يَجِدُونَ إِلَّا أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لَاسْتَهَمُوا، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجِيرِ لَاسْتَبَقُوا إِلَيْهِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي العَتَمَةِ وَالصُّبْحِ لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا) مطابقتُه للترجمة في قوله: (لو يعلمُ الناسُ [ما] في النداء) وهو الأذان، وهذا الحديث أخرجه البخاريُّ أيضًا في الشهادات عن إسماعيل، وأخرجه مسلمٌ في الصلاة عن يحيى بن يحيى، وأخرجه الترمذيُّ فيه عن إسحاق بن موسى عن معن بن عيسى، وأخرجه النَّسَائيُّ فيه عن عتبة بن عبد الله وقُتَيبة فوقهما عن الحارث بن مسكين عن عبد الرحمن بن القاسم، سبعتُهم عن مالك به.\nقوله: (لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ) قال الطِّيبيُّ: وضع المضارع موضع الماضي ليفيد استمرار العلم.\nقوله: (مَا فِي النِّدَاءِ) أي: الأذان، وهي رواية بشر بن عمر عن مالك عند الشّراح.\nفإن قلت: ما الفرق بين النداء والأذان؟\nقال العيني: لفظُ الأذان أو التأذين أخصُّ من لفظ النداء لغةً وشرعًا، والفرق بين الأذان والتأذين: أنَّ التأذينَ يتناول جميع ما يصدر عن المؤذن من قولٍ وفعلٍ وهيئةٍ ونيَّةٍ، وأما الأذان فهو حقيقة تُعقَل بدون ذلك.\nقوله: (وَالصَّفِّ الأَوَّلِ) زاد أبو الشيخ في روايةٍ له من طريق الأعرج عن أبي هريرة: «من الخير والبركة» والتقدير: ولو يعلم الناسُ ما في الصف الأول، وقال الطيبيُّ: أطلق مفعولَ (يعلم) وهو كلمة (ما)؛ ليفيد ضربًا من المبالغة، وأنه مما لا يدخل تحت الوصف، والإطلاقُ إنما هو في قدر الفضيلة، وإلا؛ فقد مُيِّزتْ في الرواية الأخرى بالخير والبركة.\nقوله: (ثُمَّ لَا يَجِدُونَ) هذه رواية المستملي والحَمَوي، وفي رواية غيرهما: «ثم لم يجدوا»، وقال الكرمانيُّ: وفي بعض الروايات: «لا يجدوا» ثم قال: جوَّز بعضهم حذفَ النون بدون الناصب والجازم، قال ابنُ مالك: حذفُ نون الرفع في موضع الرفع لمجرد التخفيف ثابتٌ في اللغة في الكلام الفصيح نظمِه ونثرِه. قال شيخنا: ولم أقف على هذه الرواية.\nقوله: (إِلَّا أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ) من الاستهام، وهو الاقتراع، يقال: استهموا فسَهَمَهُم فلانٌ سهمًا إذا قَرَعَهم، وقال صاحب «العين»: القرعةُ مثال الظُّلْمة: الاقتراعُ، وقد اقترعوا وتقارعوا، وقارعته فقرعته، أي: أصابتني القرعةُ دونه، واقترعت بينهم إذا أمرتهم أن يقترعوا، وقارعت بينهم أيضًا، والأولُ أصوبُ. ذكر ابن التّيانيِّ في «المُوعِب» في «التَّهذيب» لأبي منصورٍ عن ابن الأعرابيّ: القرع والسبق والندب: الخطرُ الذي يُستبَقُ عليه.\nوقال النوويُّ: معناه: أنَّهم لو علموا فضيلةَ الأذان وعظم جزائه، ثم لم يجدوا طريقًا يحصِّلونه به لضيق الوقت","vol":"1","page":148},{"text":"لاقترعوا في تحصيله.\nوقال الطيبيُّ: المعنى: لو علموا ما في النداء والصف الأول من الفضيلة، ثم حاولوا الاستباق لوجب عليهم ذلك.\nوأتى بـ (ثم) المؤذنة بتراخي رتبة الاستباق من العلم، وقدم ذكر الأذان دلالة على تهيُّؤ المقدمة الموصلة إلى المقصود الذي هو المثول بين يدي رب العزة.\nقال شيخنا: يعني: ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا، أي: لم يجدوا شيئًا من وجوه الأولوية، أما في الأذان؛ فبأن يستووا في معرفة الوقت وحسن الصوت ونحو ذلك من شرائط المؤذن، وأما في الصف الأول؛ فبأن يصلوا دفعة واحدةً، ويستووا في الفضل، فيقرع بينهم في الحالتين، وزعم بعضهم: أن المراد بالاستهام هنا: الترامي بالسِّهام، وأنه أُخْرِجَ مخرج المبالغة، واستأنس بحديث: «لَتُجَادِلُوا عَلَيْهِ بِالسُّيُوفِ»، لكن الذي فهمه البخاري أَوْلى، ولذلك استشهد له بقصة سعد، ويدل عليه رواية لمسلم: (لَكَانَتْ قُرْعَةً) انتهى.\nقوله: (عَلَيْهِ) أي: على كلِّ واحدٍ من الأذان والصف الأول، وبذلك يصحُّ تبويبُ المصنف، وقد نازع ابنُ عبد البر والقرطبيُّ في مرجع الضمير، قال ابن عبد البرِّ: يرجع إلى الصف الأول لا إلى النداء، وهو حقُّ الكلام؛ لأنَّ الضميرَ يعود لأقرب مذكورٍ، وقال القرطبيُّ: يلزم منه أن يبقى النداء ضائعًا لا فائدة له، بل الضمير يعود على معنى الكلام المتقدم، ومثله قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ [الفرقان: ٦٨] أي: جميع ما ذكر.\nقال شيخنا: وقد رواه عبد الرزاق عن مالك بلفظ: «لَاسْتَهَمُوا عَلَيْهِمَا»، فهذا مفصحٌ بالمراد من غير تكلفٍ. انتهى.\nقال العينيُّ: الصوابُ مع القرطبيّ، وحديثُ عبد الرزاق يدلُّ على صحة التقدير الذي قدَّره. انتهى.\nقوله: (مَا فِي التَّهْجِيرِ) أي: التّبكير إلى الصلوات، قال النوويُّ: وعليه الخليلُ وغيره على ظاهره (^١) فقال: والمراد: الإتيان إلى صلاة الظهر في أول الوقت؛ لأن التهجير مشتقٌّ من الهاجرة، وهو شدَّةُ الحر نصف النهار، وهو أول وقت الظهر. قال العينيُّ: الصوابُ ما قاله الهرويّ؛ لأن اللفظ مطلقٌ، وتخصيصه بالاشتقاق لا وجهَ له.\nثم المرادُ من التبكير إلى الصلوات: التهيؤ والاستعداد لها، ولا يلزم من ذلك إقامتها في أول أوقاتها، وكيف وقد أمر الشارع بالإبراد في الظهر، والإسفار في الفجر؟! وأيضًا الهاجرةُ تطلق على وقت الظهر إلى أن يقرب العصر، فإذا أبرد يصدق عليه أنه هجَّر على ما لا يخفى. انتهى.\nقال شيخنا: وإلى قول الخليل مال البخاريُّ كما سيأتي، ولا يرد على ذلك مشروعيَّةُ الإبراد بالظهر؛ لأنه أريد به الرفقُ، وأما من ترك قائلته وقصد إلى المسجد لينتظر الصلاة فلا يخفى ما له من الفضل. انتهى.\nقوله: (لَاسْتَبَقُوا إِلَيْهِ) قال ابن أبي حمزة (^٢): المراد: الاستباق معنى لا حسًا؛ لأن المسابقة على الأقدام حسًا تقتضي السرعة في المشي، وهو ممنوعٌ منه.\nقال العيني: المراد من الاستباق: التَّبكير، بأن يسبق غيره في الحضور إلى الصلاة.\nقال شيخنا: وسيأتي الكلامُ على بقية الحديث في باب فضل صلاة العشاء في الجماعة قريبًا، ويأتي الكلامُ على المراد بالصف الأول في آخر أبواب الإمامة إن شاء الله تعالى.\nقال العيني: قوله:\n_________\n(^١) كذا في الأصل، وفي «شرح النووي على مسلم»: (التبكير إلى الصلاة أي صلاة كانت، قال الهروي وغيره، وخصه الخليل بالجمعة).\n (^٢) كذا في الأصل، والصواب: (جمرة)، والكلام في شرحه.","vol":"1","page":148},{"text":"(مَا فِي العَتَمَةِ) وهي صلاةُ العشاء، يعني: لو يعلمون ما في ثواب أدائها وأداء الصبح (لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا) أي: ولو كانوا حابين، من: حَبَا الصبيُّ إذا مشى على أربع، قاله صاحب «المجمل»، ويقال: إذا مشى على يديه وركبتيه أو استه. انتهى.\nفيه: فضيلةُ الأذان، وقد ذكرناه فيما مضى من ذلك.\nوفيه: فضيلةُ الصف الأول لاستماع القرآن إذا جهر الإمام، والتأمين عند فراغه من الفاتحة، والتكبير عقيب تكبير الإمام، وأيضًا يحتمل أن يحتاج الإمام إلى الاستخلاف عند الحدث فيكون هو خليفته، فيحصل له بذلك أجرٌ عظيمٌ، أو يضبط صفة الصلاة ويفعلها ويعلمها الناس، وروى مسلم: «خَيْرُ صُفُوفِ الرِّجَالِ أَوَّلُهَا، وَشَرُّهَا آخِرُهَا، وَخَيْرُ صُفُوفِ النِّسَاءِ آخِرُهَا، وَشَرُّهَا أَوَّلُهَا»، وفي «الأوسط» للطبراني: «استغفر للصف الأول ثلاث مرات، وللثاني مرتين، وللثالث مرة»، وعن جابر بن سمرة من حديث مسلم: «أَلَا تَصُفُّونَ كَمَا تَصُفُّ الْمَلَائِكَةُ عِنْدَ رَبِّهَا، يُتِمُّونَ الصُّفُوفَ الْأُوَلَ»، وعند ابن ماجه عن عائشة ﵂: «لَا يَزَالُ قَوْمُ يَتَأَخَّرُونَ عَنِ الصَّفِّ الأَوَّلِ حَتَّى يُؤَخِّرَهُمُ اللهُ إِلَى النَّارِ»، وعن عبد الرحمن بن عوف: «إِنَّ اللهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى الصَّفِّ الأَوَّلِ»، وعند ابن حبان عن البراء بن عازب: «إِنَّ اللهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى الصَّفِّ الأَوَّلِ».\nوقال القرطبيُّ: اختلف في الصف الأول هل هو الذي يلي الإمامَ أو المبكِّرُ؟ والصحيحُ: أنه الذي يلي الإمام، فإن كان بين الإمام والناس حائلٌ كما أحدث الناسُ المقاصيرَ فالصفُّ الأولُ الذي يلي المقصورةَ.\nوفي «التوضيح»: الصفُّ الأولُ: ما يلي الإمام ولو وقع فيه حائل خلافًا لمالك، وأبعد مَن قال: إنه المبكر، ولو جاء رجل ورأى الصف الأول مسددًا لا ينبغي أن يزاحمهم، وقد روي عن ابن عباس يرفعه: «مَنْ تَرَكَ الصَّفَّ الأَوَّلَ مَخَافَةَ أَنْ يُؤْذِيَ مُسْلِمًا أَضْعَفَ اللهُ لَهُ الأَجْرَ».\nوفيه: فضيلةُ التبكير إلى الصلوات.\nوفيه: حثٌّ عظيمٌ على حضور صلاتي العتمة والصبح، والفضل الكبير في ذلك لما فيهما من المشقة على النفس من تنغيص أول اليوم وآخره.\nوفيه: تسميةُ العشاء بالعتمة. فإن قلت: قد ثبت النهيُ عنه.\nقال العيني: هذه التسميةُ لبيان الجواز، وإنَّ النهيَ ليس للتحريم، وأيضًا استعمال العتمة ههنا لمصلحةٍ؛ لأنَّ العرب كانت تستعمل العشاء في المغرب، فلو قال: ما في العشاء؛ لحملوها على المغرب، ففسد المعنى وفات المطلوب، فاستعمل العتمة التي لا يشكون فيها، فقواعد الشرع متظاهرة على احتمال أخف المفسدتين لدفع أعظمهما.\nوفيه: أنَّ الصفَ الثاني أفضلُ من الثالث، والثالث من الرابع، وهلم جرًا.\nوفيه: دلالةٌ لمشروعية القرعة.\nوفيه: ما استدلَّ به بعضهم ممن قال بالاقتصار على مؤذنٍ واحدٍ، وهذا ليس بظاهرٍ؛ لصحة استهام أكثر من واحد.\nقلت: وفيه الوعظُ بالدليل المجمل.\nوفيه: السعيُ في تحصيل الفضائل ولو بالمشقة العظيمة. انتهى.\n\n <span id=\"b-١٩٠\"> </span>(١٠) <span data-type=\"title\" id=toc-190>(بَابُ الكَلَامِ فِي الأَذَانِ)</span>","vol":"1","page":149},{"text":"أي: هذا باب في بيان حكم الكلام في أثناء الأذان بغير ألفاظه، لكنه ما صرّح بالحكم كيف هو، أجائزٌ أم غير جائزٍ؟ قال شيخنا: وجرى المصنف على عادته في عدم الجزم بالحكم الذي دلالته غير صريحة، لكن إيراده الأثرين المذكورين فيه، وإيرادُه حديث ابن عباس يشير إلى أنه اختار الجواز كما ذهبت إليه طائفةٌ على ما نذكره عن قريب إن شاء الله تعالى.\nقوله: (وَتَكَلَّمَ سُلَيْمَانُ بْنُ صُرَدٍ فِي أَذَانِهِ) أي: سليمان بن صُرَد - بضم الصاد المهملة وفتح الراء في آخره دال مهملةر- ابن أبي الجون الخزاعيُّ الصحابيُّ، وكان اسمه في الجاهلية: يسارًا، فسماه النبي ﷺ سليمان، وكنيته: أبو المطرِّف، وكان حبرًا عابدًا ترك الكوفة، وقال ابن سعد: قتل بالجزيرة بعين الوردة في شهر ربيع الآخر سنة خمس وستين، وكان أميرًا على التوابين أربعة آلاف يطلبون بطلب الحسين بن علي ﵃.\nوهذا التعليقُ أخرجه ابن أبي شيبة من حديث موسى بن عبد الله بن يزيد بن (^١) سليمان بن صرد وكانت له صحبةٌ: كان يؤذن في العسكر، فكان يأمر غلامه بالحاجة في أذانه. ووصله أبو نعيمٍ شيخ البخاريِّ في كتاب الصلاة له، وأخرجه البخاريُّ في «التاريخ» عنه بإسناد صحيح، ولفظه مثل لفظ ابن أبي شيبة.\nقوله: (وَقَالَ الحَسَنُ) أي: البصري، ترجمته في باب: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات: ٩] في كتاب الإيمان.\nقوله: (لَا بَأْسَ أَنْ يَضْحَكَ وَهُوَ يُؤَذِّنُ أَوْ يُقِيمُ) قال العيني: وهذا الأثر المطلق غير مطابق للترجمة؛ لأنها في الكلام في الأذان، والضحكُ ليس بكلامٍ؛ لأنه صوتٌ يسمع نفس الضاحك ولا يسمع غيره، ولو علق عنه ما رواه ابن أبي شيبة في «مصنفه»: «حدثنا ابن علية قال: سألت يونس عن الكلام في الأذان والإقامة، فقال: حدثني عبيد الله بن غلاب، عن الحسن: أنه لم يكن يرى بذلك بأسًا» لكان أَوْلى وأوفق للمطابقة. انتهى.\nقال شيخنا: هذا التعليقُ لم أره موصولًا، والذي أخرجه ابن أبي شيبة وغيره من طرقٍ عنه جوازُ الكلام بغير قيد الضحك. وقيل: مطابقتُه للترجمة من جهة أن الضحك إذا كان بصوت قد يظهر منه حرف مفهم أو أكبر (^٢)، فيفسد (^٣) الصلاة، ومن منع الكلامَ في الأذان أراد أن يساويه بالصلاة، وقد ذهب الأكثر إلى أن تعمُّد الضحك يبطل الصلاة ولو لم يظهر حرف، فاستوى مع الكلام في بطلان الصلاة بعمله. انتهى.\n\n٦١٦ - <span id=\"b-١٩١\"> </span>قوله: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) أي: ابن مسرهد، ترجمته في باب: من الإيمان أن تحب.\nقوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ) أي: ابن زيد، ترجمته في باب: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات: ٩] في كتاب الإيمان.\nقوله: (عَنْ أَيُّوبَ) أي: السختياني، ترجمته في باب حلاوة الإيمان.\nقوله: (وَعَبْدِ الحَمِيدِ صَاحِبِ الزِّيَادِيِّ) أي: ابن دينار، قلت: البصريّ،\n_________\n(^١) كذا في الأصل، والصواب: (أن) كما في «المصنف».\n (^٢) كذا في الأصل، ولعل الصواب: (أكثر) بالثاء.\n (^٣) كذا في الأصل، ولعل الصواب: (فتفسد).","vol":"1","page":149},{"text":"وقال عمر بن علي: هو عبد الحميد بن واصل، سمع أنس بن مالك وعبد الله بن الحارث، روى عنه شعبة وحماد بن زيد وإسماعيل بن علية.\nقوله: (وَعَاصِمٍ الأَحْوَلِ) أي: ابن سليمان، ترجمته في باب: الماء الذي يغسل به شعر الإنسان.\nقوله: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الحَارِثِ) أي: ابن عم محمد بن سيرين وزوجُ ابنته، وهو تابعي صغير، وقال الواقدي: هو خَتَنُ محمد بن سيرين، سمع عبد الله بن العباس وأبا هريرة وأفلح مولى أبي أيوب وعبد الله بن عمرو وزيد بن أرقم، وروى عنه عاصم الأحول وأيوب وعبد الحميد صاحب الزيادي وخالد الحذاء وابنة يوسف بن عبد الله.\nقوله: (قَالَ: خَطَبَنَا ابْنُ عَبَّاسٍ) أي: عبد الله، ترجمته في بدء الوحي.\nفي هذا الإسناد: التحديثُ بصيغة الجمع في موضعين، وفيه العنعنةُ في موضعين، وفيه القولُ في موضعين. قال العينيُّ: وفيه رواية أيوب عن ثلاثة أنفس.\nقلت: ليس هو كذلك، وإنما الراوي عن ثلاثة أنفس فيه حماد، فانظره. انتهى.\nوفيه: عبد الله بن الحارث تابعيٌّ صغيرٌ كما تقدم، ورواية الثلاثة عنه من رواية الأقران؛ لأن الثلاثة من صغار التابعين.\nورجال الإسناد كلهم بصريون، وقد جمعهم حماد لمسدد كما هنا، وكذلك رواية سليمان بن صرد عنه عند أبي عوانة وأبي نعيم في «المستخرج»، وكان حماد ربما اقتصر على بعضهم كما سيأتي قريبًا في باب: يصلي الإمام بمن حضر عن عبد الله بن عبد الوهاب الحجبي عن حماد بن عبد الحميد، وعن عاصم فوقهما، ورواه مسلم عن أبي الربيع عن حماد عن أيوب وعاصم، ومن طرق أخرى، منها وهيب عن أيوب، وحكي عن وهيب: أن أيوب لم يسمعه من عبد الله بن الحارث. قال شيخنا: وفيه نظر؛ لأن في رواية سليمان بن حرب عن حماد وأيوب قالا: سمعنا عبد الله بن الحارث، كذلك أخرجه الإسماعيلي وغيره، ولمسدَّدٍ فيه شيخٌ آخر، وهو ابن علية كما سيأتي في كتاب الجمعة. انتهى.\nقوله: (فِي يَوْمِ رَدْغٍ، فَلَمَّا بَلَغَ المُؤَذِّنُ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، فَأَمَرَهُ أَنْ يُنَادِيَ «الصَّلَاةُ فِي الرِّحَالِ»، فَنَظَرَ القَوْمُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، فَقَالَ: فَعَلَ هَذَا مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ وَإِنَّهَا عَزْمَةٌ) هذا الحديث غير مطابق للترجمة على ما زعمه الداودي، فإنه قال: لا حجة فيه على جواز الكلام في الأذان، بل القول المذكور مشروع من جملة الأذان في ذلك المحل.\nقال العينيُّ: سلّمنا أنه مشروعٌ في مثل هذا الموضع، ولكنا لا نسلم أنه من جملة ألفاظ الأذان المعهودة، بل هذا حجة لمن يجوز الكلام في الأذان عند ظهور مصلحة وإن كانت الإجابة واجبة، فعلى هذا أمرُ ابن عباس المؤذن بهذا الكلام يدلُّ على أنَّه لم ير بأسًا بالكلام في الأذان، فمن هذا الوجه يحصل التطابقُ بين الترجمة والحديث، فافهم. انتهى.\nقلت: الترجمةُ في الكلام مطلقًا، وأمرُ ابن عباس في الكلام الخاصّ الذي هو من مصلحة الأذان، فكيف يدلُّ؟ انتهى.\nهذا الحديثُ أخرجه البخاريُّ أيضًا في الصلاة عن عبد الله بن عبد الوهاب الحجبي فوقهما كلاهما عن حماد بن زيد عن أيوب،","vol":"1","page":150},{"text":"وفي الجمعة عن مسدد عن إسماعيل بن علية عن عبد الحميد به. وأخرجه مسلم في الصلاة عن علي بن حجر عن إسماعيل به، وعن أبي كامل الجحدري، وعن أبي الربيع الزهراني عن حماد، وعن إسحاق بن منصور عن النضر بن شميل عن شعبة عن عبد الحميد به، وعن عبد بن حميد عن سعيد بن عامر عن شعبة، وعن عبد بن حميد عن أحمد بن إسحاق الحضرمي عن وهيب عن أيوب. وأخرجه أبو داود فيه عن مسدد عن إسماعيل به، وأخرجه ابن ماجه عن أحمد بن عبدة الضبي عن عباد بن عباد المهلبي عن عاصم به.\nقوله: (فِي يَوْمٍ رَدْغٍ) بفتح الراء وسكون الدال المهملة وبالغين المعجمة، هذه رواية ابن السَّكَن والكُشْميهنيُّ وأبي الوقت، وفي رواية الأكثرين: (رزغ) بالزاي موضع الدال، وقال القرطبي: والأول أشهر، وقال أيضًا: والصوابُ الفتحُ، يعني فتح الدال، فإنه الاسمُ، وبالسكون المصدر. وقال صاحب «التلويح»: (الردغ) بدال مهملة وغين معجمة، رواه العدوي وبعض رواية مسلم، وكذا لابن السّكن والقابسيّ، إلا أنهما فتحا الدال، قال العيني: وهي روايتنا من طريق أبي الوقت، ورواه الأصيلي والسمرقندي: (زرغ) بزاي مفتوحة بعدها غين معجمة، قال السفاقسيُّ: رويناه بفتح الزاي، وهو في اللغة بسكونها. قال الداودي: الرزغ: الغيم البارد، وفي «المحكم»: الرزغ: الماءُ القليلُ في الثماد، والرزغة أقل من الردغة، والوزغة بالفتح: الطين الرقيق، وفي «الصحاح»: الرَّزَغَة بالتحريك: الوحلُ، وكذلك الرَّدَغَة بالتحريك، وفي كتاب أبي موسى: الردغةُ بسكون الدال وفتحها: طين ووحل كثير، والجمع: رداغ، وقد يقال: ارتدع بالعين المهملة: تلطخ، والصحيح الأول.\nوقوله: (فِي يَوْمِ رَدْغٍ) بالإضافة، وفي رواية: (فِي يَوْمٍ ذِي رَزْغٍ)، قال شيخنا: هي رواية الحجبي الآتية، وأوضح (^١)، وفي رواية ابن عليَّة: (فَي يَوْمٍ مَطِيرٍ).\nوقال الكرمانيُّ: فإن قلت: اليوم أهو بالإضافة إلى الردغ أو بالتنوين على أنه موصوف؟\nقلت: الإضافةُ ظاهرةٌ، وتحتمل الوصف على أن يكون أصله: يوم ذي ردغ.\nقال العيني: لم نقف على الرواية التي ذكرناها حتى نصرف بذلك. انتهى.\nقوله: (فَأَمَرَهُ) أي: أمر ابن عباس المؤذن، وهذا عطف على مقدر، وهو جواب لـ (ما) تقديره: لما بلغ المؤذن إلى أن يقول: حي على الصلاة أراد أن يقولها، فأمرها (^٢) ابن عباس أن ينادي: الصلاة في الرحال، ويوضح ذلك رواية ابن علية: (إِذَا قُلْتَ: أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، فَلَا تَقُلْ: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ)، وابن علية هو إسماعيل، روى أبو داود عن مسدد عن إسماعيل، أخبرني عبد الحميد صاحب الزيادي، حدثنا عبد الله بن الحارث ابن عم محمد بن سيرين: أن ابن عباس قال لمؤذنه في يوم مطير: (إِذَا قُلْتَ: أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، فَلَا تَقُلْ: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، قَلْ: صَلُّوا)، قال: فكأن الناس استنكروا\n_________\n(^١) كذا في الأصل، ولعل الصواب: (أن) كما في الصحيح.\n (^٢) في المخطوط: (فأمره).","vol":"1","page":150},{"text":"ذلك، فقال: (قَدْ فَعَلَ ذَا مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي، إِنَّ الجُمُعَةَ عَزْمَةٌ، وَإِنِّي كَرِهْتُ أَنْ أُحْرِجَكُمْ فَتَمْشُونَ فِي الطِّينِ وَالمَطَرِ)، وبوَّب عليه ابنُ خزيمة، وتبعه ابن حبانَ والمحبُّ الطبري: حذفُ حيَّ على الصلاةِ في يوم المطر، وكأنَّه نظر إلى المعنى؛ لأن حيَّ على الصلاة معناه: هَلمُّوا إلى الصلاة، والصلاة في الرِّحال وصَلُّوا في بيوتكم يناقض ذلك.\nقلت: وسيأتي في فقه الحديث الاختلاف في ذلك. انتهى.\nوقوله: (الصَّلَاةَ) منصوب بعامل محذوف، تقديره: صلوا الصلاة وأدُّوها (فِي الرِّحَالِ)، وهو جمع رَحْل، وهو مسكن الرجل وما يستصحبه من الأثاث، أي: صلوها في منازلكم.\nقوله: (فَنَظَرَ القَوْمُ) أي: نظرَ إنكارٍ على تغيير وضع الأذان، وتبديل الحيعلة بذلك، وفي رواية الحجبي: (كَأَنَّهُمْ أَنْكَرُوا ذَلِكَ)، وفي رواية أبي داود: (اسْتَنْكَرُوا ذَلِكَ).\nقوله: (فَقَالَ) أي: ابن عباس (فَعَلَ هَذَا) إشارته إلى ما أمر المؤذن بأن يقول: الصلاة في الرحال موضع: حي على الصلاة.\nقوله: (مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ) قال العينيُّ: كلمة (من) في محل الرفع؛ لأنه فاعل قوله: (فعل)، والضمير في (منه) يرجع إلى ابن عباس، ومعناه: أمر به من هو خير من ابن عباس. وقال شيخنا: الضمير في (مِنْهُ) يرجع إلى المؤذن، يعني: فعله مؤذن رسول الله ﷺ، وهو خير من هذا المؤذن.\nوللكشميهنيِّ: (مِنْهُمْ)، قال العيني: ووجِّه أن يرجع الضمير إلى المؤذن والقوم جميعًا.\nوقال شيخنا: وأما رواية الكشميهنيّ ففيها نظرٌ، ولعلَّ من أذَّن كانوا جماعة إن كانت محفوظة، أو أراد جنس المؤذنين، أو أراد: خير من المصلين. انتهى.\nقال العيني: في نظره نظرٌ، وتأويله بالوجهين غيرُ صحيحٍ، أما الأول فلم يثبت أن من أذن كانوا جماعة، وهذا احتمال بعيد؛ لأن الأذان بالجماعة محدث. وأما الثاني فلأن الألف واللام في (المؤذن) للعهد، فكيف يجوز أن يراد به الجنس؟! انتهى.\nقلت: ويحتمل أنه أراد بذلك التعظيم للمؤذن، مثل قول المسلّم على الواحد: سلام عليكم. انتهى.\nوفي رواية الحجبي: (مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي) يعني: رسول الله ﷺ، وكذا وقع في رواية مسلمٍ وأبي داود.\nقوله: (وَإِنَّهَا عَزْمَةٌ) يعني: أنّ الجمعةَ عزمةٌ بسكون الزاي، أي: واجبة متحتمة، وجاء في بعض طرقه: (إِنَّ الجُمُعَةَ عَزْمَةٌ).\nفإن قلت: لم يسبق ذكرُ الجمعة، فكيف يعيده إليها؟\nقال العيني: قوله: (خَطَبَنَا) يدلُّ على أنَّهم كانوا في الجمعة، وقد صرح بذلك في رواية أبي داود حيث قال: (إِنَّ الجُمُعَةَ عَزْمَةٌ)، زاد ابن علية: (وَإِنِّي كَرِهْتُ أَنْ أُحْرِجَكُمْ، فَتَمْشُونَ فِي الطِّينِ) أي: كرهت أن أشقَّ عليكم بإلزامكم السعي إلى الجمعة في الطين والمطر، وفي رواية الحجبي من طريق عاصم: (أَنْ أُؤْثِمَكُمْ) أي: أن أكون سببًا لاكتسابكم الإثم عند ضيق صدروكم، وهي ترجّح روايةَ من روى: (أُحْرِجَكُمْ) بالحاء المهملة، ويروى: (أَنْ أُخْرِجَكُمْ) بالخاء المعجمة من الإخراج،","vol":"1","page":151},{"text":"وفي رواية جرير عن عاصم: (أَنْ أُخْرِجَ النَّاسَ وَأُكَلِّفَهُمْ أَنْ يَحْمِلُوا الحديث (^١) مِنْ طُرُقِهِمْ إِلَى مَسْجِدِهِمْ)، قال شيخنا: وسيأتي الكلام على ما يتعلق بسقوط الجمعة بعد المطر في كتاب الجمعة إن شاء الله تعالى. انتهى.\nفيه ما قاله العينيُّ: رخَّص الكلام في الأذان جماعة مستدلين بهذا الحديث، منهم أحمد بن حنبل، وحكى المنذر الجواز مطلقًا عن عروة وعطاء والحسن وقتادة، وعن النخعي وابن سيرين والأوزاعي الكراهة، وعن الثوري المنع، وعن أبي حنيفة وصاحبيه خلاف الأولى، وعليه يدل كلام الشافعي ومالك، وعن إسحاق بن راهويه: يكره إلا إن كان فيما يتعلق بالصلاة، واختاره ابن المنذر. وفيه دلالةٌ على فرضية الجمعة، قال العيني: وأبعد بعضُ المالكية حيث قال: إن الجمعةَ ليست بفرضٍ، وإنما الفرضُ الظهرُ أو ما ينوب منابه، والجماعة على خلافه.\nوقال ابن التِّين: وحكى ابنُ أبي صفرةَ عن «موطأ ابن وهب» عن مالك: أنَّ الجمعةَ سنةٌ، قال: ولعله يريد: في السفر، ولا يحتج به.\nوفيه: تخفيف أمر الجماعة في المطر ونحوه من الأعذار، وأنها متأكدة إذا لم يكن عذر.\nوقال الكرماني: وفيه: أن يقال هذه الكلمة - يعني: الصلاة في الرحال - في نفس الأذان، قال العيني: أخذه من كلام النووي، فإنه قال هذه الكلمة، فقال: في نفس الأذان، ويرد عليه حديث ابن عمر الآتي في باب الأذان للمسافر أنها تقال بعده، ونصّ الشافعيُّ على أن الأمرين جائزان، ولكن هذا أحسنُ لئلا ينخرمَ نظمُ الأذان. وقال النووي: ومن أصحابنا من قال: لا يقوله إلا بعد الفراغ، قال: وهو ضعيفٌ مخالفٌ لصريح حديث ابن عباس. قال العينيُّ: الأمران جائزان، وبعد الفراغ أحسنُ كما ذكرنا. قال العينيُّ: وكلام النوويّ يدلُّ على أنّها تزاد مطلقًا: إما في أثناء، وإما بعده؛ لأنها بدل من الحيعلة.\nقلت: حديثُ ابن عباس لم يسلكْ مسلكَ الأذان، ألا ترى أنه قال: (فَلَا تَقُلْ: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، قُلْ: صَلُّوا فِي بُيُوتِكُمْ)؟ وإنما أراد: إشعارَ الناس بالتخفيف عنهم للعذر كما فعل في التثويب الأمراء وأصحاب الولاية، وذلك لأنه ورد في حديث ابن عمر أخرجه البخاريّ وحديث أبي هريرة أخرجه ابن عدي في «الكامل»: أنه إنما يقال بعد فراغ الأذان.\n\n <span id=\"b-١٩٢\"> </span>(١١) <span data-type=\"title\" id=toc-192>(بَابُ أَذَانِ الأَعْمَى إِذَا كَانَ لَهُ مَنْ يُخْبِرُهُ)</span> أي: هذا باب في بيان حكم أذان الأعمى إذا كان عنده من يخبره بدخول الوقت؛ لأن الوقت في الأصل مبنيٌّ على المشاهدة، يعني: يجوز أذانُه حينئذٍ، وما رواه ابن أبي شيبة وابن المنذر عن ابن مسعود وابن الزبير وغيرهما أنَّهم كرهوا أن يكون المؤذن أعمى محمولٌ\n_________\n(^١) كذا في الأصل، والصواب ما في «فتح الباري»: (الخبث).","vol":"1","page":151},{"text":"على ما إذا لم يكن عنده من يخبره بدخول الوقت، ونقل النوويُّ عن أبي حنيفة: أنّ أذان الأعمى لا يصحُّ، وتعقَّبه السُّروجيُّ بأنه غلطٌ على أبي حنيفة، وكذا قال العيني. نعم، في «المحيط» للحنفية: أنه يكره، وفي «الذخيرة» و«البدائع»: غيره أَحَبُّ.\n\n٦١٧ - <span id=\"b-١٩٣\"> </span>قوله: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) أي: بفتح الميم، القعنبيُّ، ترجمته في باب: من الدين الفرار من الفتن.\nقوله: (عَنْ مَالِكٍ) أي: ابن أنس، ترجمته في بدء الوحي.\nقوله: (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) أي: محمد بن مسلم، ترجمته في باب: إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة.\nقوله: (عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) أي: ابن عمر بن الخطاب، ترجمته في باب: الحياء من الإيمان.\nقوله: (عَنْ أَبِيهِ) أي: عبد الله بن عمر ﵄، ترجمته في كتاب الإيمان.\nفي هذا الإسناد: التحديثُ بصيغة الجمعة في موضع، وفيه العنعنة في أربع مواضع.\nقوله: (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُنَادِيَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ»، ثُمَّ قَالَ: وَكَانَ رَجُلًا أَعْمَى، لَا يُنَادِي حَتَّى يُقَالَ لَهُ: أَصْبَحْتَ أَصْبَحْتَ).\nمطابقته للترجمة في قوله: (لَا يُنَادِي... إلى آخره) وهذ الحديث أخرجه الطحاوي من تسع طرق صحاح، ثمانية مرفوعة، وواحدة موقوفة:\nالأوَّلُ: عن يزيد بن سنان عن عبد الله بن مسلمة عن مالك... إلى آخره نحو رواية البخاري.\nالثاني: عن عبد الله بن صالح عن الليث عن ابن شهاب عن سالم عن ابن عمر عن النبي ﷺ مثله.\nالثالثُ: عن إبراهيم بن أبي داود عن أبي اليمان عن شعيب بن أبي حمزة عن الزهري قال: قال سالم بن عبد الله: سمعت عبد الله ابن أم مكتوم.\nالرابعُ: عن يزيد بن سنان عن أبي داود الطيالسي عن عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة عن الزهري، فذكر مثله.\nالخامسُ: عن الحسن بن عبد الله بن منصور البالسي عن محمد بن كثير عن الأوزاعي عن سالم عن أبيه عن النبي ﷺ مثله.\nالسادسُ: عن إبراهيم بن مرزوق عن وهب بن جرير عن شعبة عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر عن النبي ﷺ بإسناده مثله.\nالسابعُ: عن يونس عن ابن وهب أن مالكًا حدَّثه عن عبد الله بن دينار، فذكر بإسناده مثله.\nالثامنُ: عن علي بن شيبة عن روح بن عبادة عن مالك عن شعبة عن عبد الله بن دينار، فذكر بإسناده مثله غير أنه قال: «حَتَّى يُنَادِيَ بِلَالٌ أَوِ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ»، شك شعبةُ.\nالتاسعُ هو الموقوفُ: عن يونس عن ابن وهب أن مالكًا حدثه عن الزهري عن سالم عن النبي ﷺ مثله، ولم يذكر ابن عمر ﵄. وقال أبو عمر ابن عبد البر: هكذا رواه يحيى عن مالك مرسلًا عن سالم، لم يقل عنه عن أبيه، وتابعه على ذلك أكثر رواة «الموطأ»، وممن تابعه على ذلك ابن القاسم والشافعي وابن بُكيّر وأبو المصعب وعبد الله بن يوسف التنيسي ومصعب الزبيري ومحمد بن الحسن ومحمد بن المبارك الصُّوريّ وسعيد بن عفير ومعن بن عيسى","vol":"1","page":152},{"text":"ووصله جماعة عن مالك فقالوا فيه عن سالم عن أبيه عن النبيِّ ﷺ، وممَّن رواه مسنَدًا هكذا القعنبيُّ وعبد الرزاق وأبو قرة موسى بن طارق ورَوح بن عُبادة وعبد الله بن نافع ومطرِّف وابن أبي أويس وعبد الرحمن بن مهدي وإسحق بن إبراهيم الحنيني، ومحمد بن عمر الواقدي وأبو قتادة الحرَّاني ومحمد بن حرب الأبرش وزهير بن عباد وكامل بن طلحة وابن وهب في رواية أحمد بن صالح عنه.\nوأما أصحاب ابن شهاب فروَوه متَّصلًا مسندًا عن ابن شهاب. انتهى.\nقوله: (إِنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ) وفي رواية الطحاوي «إن بلالًا يمادي بليل» ومعناهما واحد لأن معنى قوله: «ينادي» يؤذن، والباء في (بليل) للظرفية.\nقال شيخنا: فيه أنَّ ذلك كان مِن عادته المستمرة، وزعم بعضهم أنَّه ابتدأ ذلك باجتهاد منه، وعلى تقدير صحَّته فقد أقرَّه النبي ﷺ فصار في حكم المأمور به وسيأتي الكلام في ذلك في فقه الحديث وفي تعيين الوقت الذي كان يؤذن فيه بعد باب أيضًا.\nقوله: (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا) فيه إشعار بأن الآذان كان علامة عندهم على دخول الوقت، فبين لهم أن أذان بلال بخلاف ذلك.\nقوله: (حَتَّى يُنَادِي ابنُ أمِّ مَكْتُوم) أي حتى يؤذن عمرو بن أم مكتوم. وهذا الذي عليه الأكثر في اسمه وسيأتي موصولًا في الصيام وفضائل القرآن، وقيل كان اسمه الحصين فسماه النبيُّ ﷺ عبد الله.\nقال شيخنا: ولا يمتنع أنه كان له اسمان، وهو قرشي عامري أسلم قديمًا وهاجر إلى المدينة قبل مقدم النبي ﷺ، وكان النبي ﷺ يكرمه واستخلفه على المدينة ثلاث عشرة مرة، والأشهر في اسم أبيه قيس بن زائدة، واسم أم مكتوم عاتكة بنت عبد الله بن عنكثة بن عامر بن مخزوم، وهو ابن خال خديجة بنت خويلد ﵂، وهو الأعمى المذكور في سورة عبس.\nقال العيني: ومكتوم مِن الكتم سُمِّي به لكتمان نور عينيه.\nقلت: أخذ العيني هذا مِن كلام الكرماني لأنه قال: وُلِد أعمى فكنيت أمه به لاكتتام نور بصره.\nقال شيخنا: والمعروف أنه عَمِي بعد بدر بسنتين، شهد فتح القادسية في خلافة عمر ﵁، وقُتل شهيدًا وكان معه اللواء يومئذٍ، وقيل رجع إلى المدينة ومات بها.\nقوله: (ثم قال: وكان رجلًا أعمى) قيل هذا القائل ابن عمر وبذلك جزم الشيخ الموفق في «المغني» لكن رواه الإسماعيلي عن أبي خليفة والطحاوي عن يزيد بن سنان كلاهما عن القَعْنَبي معينًا أنه ابن شهاب لأنه قال: قال ابن شهاب: وكان رجلًا أعمى، وكذلك رواه إسماعيل بن إسحق ومعاذ بن المثنى وأبو مسلم الكَجِّي الثلاثة عند الدارقطني والخُزاعي عند أبي الشيخ وتمام عند أبي نعيم وعثمان الدارمي عند البيهقي كلهم عن القَعنبي، وعلى هذا ففي رواية البخاري","vol":"1","page":152},{"text":"إدراج ويجاب عن ذلك بأنه لا يمنع كون ابن شهاب قاله أن يكون شيخه قاله وكذا شيخ شيخه.\nوقد رواه البيهقي مِن رواية الربيع بن سليمان عن ابن وهب عن يونس والليث جميعًا عن ابن شهاب. وفيه قال سالم: «وكان رجلًا ضرير البصر». ففي هذا أن شيخ ابن شهاب قاله أيضًا. وسيأتي في كتاب الصيام عند المصنف من وجه آخر عن ابن عمر ما يؤدي معناه وسنذكر لفظه قريبًا فتثبت صحة وصله. ولابن شهاب فيه شيخ آخر أخرجه عبد الرزاق عن معمر عنه عن سعيد بن المسيب وفيه الزيادة.\nقال ابن عبد البرِّ: هو حديث آخر لابن شهاب وقد وافق ابن إسحاق معمرًا فيه عن ابن شهاب.\nقوله: (أَصْبَحْتَ أَصْبَحْتَ) أي دخلتَ في الصباح. هذا ظاهره، واستُشكل لأنه جعل إذ إنه غاية للأكل فلو لم يؤذن حتى يدخل الصباح للزم منه جواز الأكل بعد طلوع الفجر والإجماع على خلافه إلا ما روي عن سليمان الأعمش جوازه بعد طلوع الفجر، قال شيحنا: وقد شذَّ الأعمش. انتهى.\nوأجاب ابن حبيب وابن عبد البرِّ والأصيلي وجماعة مِن الشُّراح أَّن المراد: قاربتَ الصباح، قال العيني: لأن قرب الشيء قد يعبَّر به عنه كما في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ [٢٣٤: البقرة]، أي قارَبن لأنَّ العدة إذا تمَّت فلا رجعة. انتهى.\nقال شيخنا: ويعكِّر على جواب أبي حبيب أن في رواية الربيع التي قدمناها «ولم يكن يؤذن حتى يقول له الناس حين ينظرون إلى بزوغ الفجر أذِّنْ». وأبلغ مِن ذلك أنَّ لفظ رواية المصنف التي في الصيام «حتى يؤذن ابن أم مكتوم فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر»، وإنما قلت إنه أبلغ لكون جميعه من كلام النبي ﷺ. وأيضًا فقوله: «إن بلالًا يؤذن بليل» يشعر أنَّ ابن أم مكتوم بخلافه لأنه لو كان قبل الصبح لم يكن بينه وبين بلال فرق لصدق أن كلًّا منهما أذَّن قبل الوقت، وهذا الموضع عندي في غاية الإشكال وأقرب ما يقال فيه: إنَّ أذانه جعل علامة لتحريم الأكل وكأن كان له مِن يراعي الوقت بحيث يكون أذانه مقارنًا لابتداء طلوع الفجر وهو المراد بالبزوغ، وعند أخذه في الأذان يعترض الفجر في الأفق ثم ظهر لي أنه لا يلزم مِن كون المراد بقولهم (أَصْبَحْتَ) أي قاربت الصباح وقوع أذانه قبل الفجر لاحتمال أن يكون قولهم ذلك يقع في آخر جزء مِن الليل وأذانه يقع في أول جزء مِن طلوع الفجر.\nوهذا وإن كان مستبعدًا في العادة فليس بمستبعد مِن مؤذن النبي ﷺ المؤيد بالملائكة فلا يشاركه فيه مَن لم يكن بتلك الصفة، وقد روى أبو قرة مِن وجه آخر عن ابن عمر حديثًا فيه: «وكان ابن أم مكتوم يتوخى الفجر فلا يخطئه». انتهى.\nفيه ما احتج به الأوزاعي وعبد الله بن المبارك ومالك والشافعي وأحمد وإسحق وداود وابن جرير الطبري فقالوا: يجوز أن يؤذن للفجر قبل دخول وقته، وممن ذهب إليه أبو يوسف. واحتجوا أيضًا بما رواه البخاري عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ أنه قال: «إنَّ بلالًا يؤذِّن بليل فكلوا واشربوا،","vol":"1","page":153},{"text":"وإذا أذَّن بلال فلا تأكلوا ولا تشربوا، وإن كانت المرأة منَّا ليبقى عليها شيء مِن سحورها فتقول لبلال: أمهِل حتى أفرغ مِن سحوري» وروى الدارِمي مِن حديث الأسود عن عائشة ﵂ قالت: «كان لرسول الله ﷺ ثلاثة مؤذنين: بلال وأبو محذورة وعمرو ابن أم مكتوم، فقال رسول الله ﷺ: إذا أذن عمرو فإنه ضرير البصر فلا يغرنكم، وإذا أذن بلال فلا يطعمن أحد». وروى النسائي أيضًا عن يعقوب عن هشيم عن منصور عن خبيب بن عبد الرحمن عن عمته أُنَيسَة نحو حديث ابن خزيمة.\nقال العيني: يجوز أن يكون النبي ﷺ قد جعل الأذان بالليل نوبًا بين بلال وعمرو فأمر في بعض الليالي بلالًا أن يؤذن أولًا بالليل فإذا نزل بلال صعد عمرو فأذن بعده بالنهار، وإذا جاءت نوبة عمرو بدأ فأذن بليل فإذا نزل صعد بلال فأذن بعده بالنهار وكانت مقالة النبي ﷺ «إن بلالًا يؤذن بليل» في الوقت الذي كانت فيه النوبة لبلال في الأذان بالليل، وكانت مقالته ﵇ «إن ابن أم مكتوم يؤذن بليل» في الوقت الذي كانت فيه النوبة في الأذان بالليل نوبة ابن أم مكتوم فكان ﵇ يُعلم الناس في كلا الوقتين: أنَّ أذان الأول منهما هو أذان بليل لا بنهار، وأنه لا يمنع مَن أراد الصوم طعامًا ولا شرابًا وأنَّ أذان الثاني إنما يمنع المطعم والمشرب إذ هو بنهار لا بليل. انتهى.\nوقال الثوري وأبو حنيفة ومحمد وزفر بن الهُذيل: لا يجوز أن يؤذَّن للفجر أيضًا إلا بعد دخول وقتها كما لا يجوز لسائر الصلوات إلا بعد دخول وقتها لأنه للإعلام به. وقيل: دخوله تجهيل وليس بإعلام، فلا يجوز. وأما الجواب عن أذان بلال الذي كان يؤذن بالليل قبل دخول الوقت فلم يكن ذلك قبل دخول الوقت فلم يكن ذلك لأجل الصلاة بل إنما كان ذلك لينتبه النائم وليستحر الصائم وليرجع الغائب، بيَّن ذلك ما رواه البخاري مِن حديث ابن مسعود عن النبي ﷺ قال: «لا يمنعن أحدَكم أو أحدًا منكم أذانُ بلال مِن سُحوره فإنه يؤذن أو ينادي بليل، ليرجع قائمكم ولينبه نائمكم» الحديث. على ما يأتي عن قريب إن شاء الله تعالى، وأخرجه مسلم أيضًا وأخرجه الطحاوي مِن ثلاث طرق ولفظه: «لا يمنعنَّ أحدَكم أذانُ بلال مِن سُحوره فإنه ينادي أو يؤذن ليرجع غائبكم ولينبه نائمكم» الحديث.\nومعنى «ليرجع غائبكم» مِن الغَيبة ورجع يتعدى بنفسه ولا يتعدى، والرواية المشهورة «ليرجع قائمكم» مِن القيام ومعناه ليكمل ويستعجل بقية وِرده ويأتي بوِتره قبل الفجر. وقال عياض ما ملخصه: إنَّ ما قاله الحنفية بعيد إذ لم يختص هذا بشهر رمضان وإنما أخبر عن عادته في أذانه ولأنه العمل المنقول في سائر الحول بالمدينة، وإليه رجع أبو يوسف حين تحققه، ولأنه لو كان للسحور","vol":"1","page":153},{"text":"لم يختص بصورة الأذان للصلاة.\nقال العيني: هذا الذي قاله بعيد لأنهم لم يقولوا بأنه مختص بشهر رمضان والصوم غير مخصوص به. فكما أن الصائم في رمضان أكثرُ ممَّن يحيي ليالي غيره، فعلى قوله إذا كان أَذَانُ بِلالٍ لِلصلاة كان ينبغي أن يجوز أداء صلاة الفجر به. بل هم يقولون أيضًا بعدم جوازه نعلم أن أذانه إنما كان لأجل إيقاظ النائم ولإرجاع القائم.\nومِن أقوى الدلائل أن أذان بلال لم يكن لأجل الصلاة ما رواه الطحاوي مِن حديث حمَّاد بن سلَمة عن أيوب عن نافع عن ابن عمر ﵄: «إن بلالًا أذن قبل طلوع الفجر فأمره النبي ﷺ أن يرجع فينادي: ألا إن العبد نام فرجع فنادى: ألا أن العبد نام» وأخرجه أبو داود أيضًا. فهذا ابن عمر روى أول الحال أنه روي عن النبي ﷺ أنه قال: «إن بلالًا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم» فثبت بذلك أن ما كان مِن ندائه قبل طلوع الفجر لم يكن للصلاة. فإن قلت: قال الترمذي: حديث حماد بن سلمة غير محفوظ، والصحيح حديثه الذي فيه: «إن بلالًا ينادي بليل..» إلى آخره.\nقال العيني: ما له لا يكون محفوظًا صحيحًا لأنه لا مخالفة بين حديثيه لأنَّا قد ذكرنا أن حديثه الذي رواه غير حمَّاد إنما كان لأجل إيقاظ النائم وإرجاع القائم فلم يكن للصلاة. وأما حديث حمَّاد فإنه كان لأجل الصلاة فلذلك أمره بأن يعود وينادي: «ألا إن العبد نام».\nومما يقوي حديث حماد ما رواه سعيد ابن أبي عروبة عن قتادة عن أنس ﵁: «إن بلالًا أذن قبل الفجر فأمره النبي ﷺ أن يصعد فينادي: إن العبد نام» رواه الدارقطني ثم قال: تفرد به أبو يوسف عن سعيد وغيره يرسله، والمرسل أصح.\nقال العيني: أيضًا أبو يوسف ثقة وهم وثقوه والرفع مِن الثقة زيادة مقبولة. ومما يقويه حديث حفصة بنت عمر ﵄ «أن رسول الله ﷺ كان إذا أذن المؤذن بالفجر قام يصلي ركعتي الفجر ثم رجع إلى المسجد وحرم الطعام وكان لا يؤذن حتى يصبح» رواه الطحاوي والبيهقي. فهذه حفصة تخبر أنهم كانوا لا يؤذنون للصلاة إلا بعد طلوع الفجر. فإن قلت: قال البيهقي: هذا مجهول إن صح على الأذان الثاني. وقال الأثرم: رواه الناس عن نافع عن ابن عمر عن حفصة ولم يذكروا فيه ما ذكره عبد الكريم عن نافع.\nقال العيني: كلام البيهقي يدل على صحة الحديث عنده ولكنه لما لم يجد مجالًا لتضعيفه ذهب إلى تأويله. وعبد الكريم ثقة أخرج له الجماعة وغيرهم، فمن كان بهذه المثابة لا ينكر عليه إذا ذكر ما لم يذكره غيره. وقال الطحاوي: يحتمل أن يكون بلالٌ كان يؤذن في وقت يرى أن الفجر قد طلع فيه ولا يتحقق لضعف بصره، والدليل على ذلك ما رواه أنس قال: «قال رسول الله ﷺ: لا يغرنكم أذان بلال فإن في بصره شيئًا» وقد ذكرناه فيما مضى، وأخرج الطحاوي تأكيدً لذلك","vol":"1","page":154},{"text":"عن أبي ذرٍّ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ لبلال: «إنك تؤذن إذا كان الفجر ساطعًا وليس ذلك الصبح إنما الصبح هذا معترضًا» والمعنى أن بلالًا كان يؤذن عند طلوع الفجر الكاذب الذي لا يخرج به حكم الليل ولا يدخل به صلاة الصبح. انتهى.\nوفيه استحباب أذان واحد بعد واحد، وأما أذان اثنين جميعًا فمنع منه قوم وقالوا: أول من أحدثه بنو أمية. قال الشافعية: لا تكره إلا إن حصل منه تهويش.\nوفيه جواز اتخاذ مؤذنَين في المسجد الواحد، قال ابن دقيق العيد: وأما الزيادة على الاثنين فليس في الحديث تعرض له. انتهى.\nونص الشافعي على جوازه ولفظه: لا يضيق إن أذن أكثر مِن اثنين.\nوفيه جواز تقليد الأعمى للبصير في دخول الوقت. وفيه أوجه، واختلف فيه الترجيح.\nوصحح النووي في كتبه أن للأعمى والبصير اعتماد المؤذن الثقة.\nوفيه الاعتماد على صوت المؤذن.\nقلت: ومما يشبه ذلك الاعتماد على المصابيح التي تعلَّق في منار المسجد في رمضان وقد نقلها الأذرعي في «القوت». انتهى.\nوفيه الاعتماد على المؤذن في الرواية إذا كان عارفًا به وإن لم يشاهد الراوي، وخالف في ذلك شعبة لاحتمال الاشتباه.\nوفيع استحباب السحور وتأخيره. وفيه جواز العمل بخبر الواحد. وفيه أن ما بعد الفجر من حكم النهار. وفيه جواز ذكر الرجل بما فيه من العاهة إذا كان لقصد التعريف. وفيه جواز نسبة الرجل إلى أمه إذا اشتهر بذلك. وفيه جواز التكنية. وفيه جواز شهادة الأعمى، وسيأتي ما فيه في كتاب الشهادات. وفيه جواز الأكل مع الشك في طلوع الفجر لأن الأصل بقاء الليل، وخالف في ذلك مالكٌ فقال: يجب القضاء.\nقلت: وفيه تعليم الناس الأحكام الشرعية وقد تقدم في أول الباب سبب أذان بلال الأول هل هو الذي ابتدأه مِن قبل نفسه أو بأمر. انتهى.\n\n <span id=\"b-١٩٤\"> </span>(١٢) <span data-type=\"title\" id=toc-194>(بَابُ الأَذَانِ بَعدَ الفَجْرِ)</span>.\nأي هذا باب في بيان الأذان المعتبر الواقع بعد طلوع الفجر، قال الزين ابن المنيِّر: قدَّم المصنف ترجمة الأذان بعد الفجر على ترجمة الأذان قبل الفجر فخالف الترتيب الوجودي لأن الأصل في الشرع أن لا يؤذن إلا بعد دخول الوقت فقدم ترجمة الأصل على ما بدر عنه.\nوأشار ابن بطال إلى الاعتراض على الترجمة بأنه لا خلاف فيه بين الأئمة وإنما الخلاف في جوازه قبل الفجر. والذي يظهر لي أن مراد المصنف بالترجمتين أن يبين أن المعنى الذي كان يؤذن لأجله بعد الفجر وأن الأذان قبل الفجر لا يكتفى به عن الأذان بعده، وأن أذان ابن أم مكتوم لم يكن يقع قبل الفجر والله أعلم، قاله شيخنا.\n\n٦١٨ - <span id=\"b-١٩٥\"> </span>قوله: (حَدَّثَنَا عبدُ اللهِ بنُ يُوسُفَ) أي التنيسي، ترجمته في بدء الوحي.\nقوله: (قَالَ: أَخْبَرنَا مَالِكٌ)","vol":"1","page":154},{"text":"أي الإمام، ترجمته فيه أيضًا.\nقوله: (عَنْ نَافِع) أي: ابن جرجس ترجمته في باب العلم والفُتيا في المسجد.\nقوله: (عَنْ عَبدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) ترجمته في كتاب الإيمان.\nقوله: (قَالَ: أَخْبَرَتْنِي حَفْصَةُ ﵂) أي أخته بنت عمر بن الخطاب القرشية العدَوية أم المؤمنين زوج النبي ﷺ، روى عنها أخوها عبد الله بن عمر ﵃. عندهما، والمطلب بن أبي وداعة وابن شكل وصفية بنت أبي عبيد وعبد الله بن صفوان والحارث بن أبي ربيعة عند مسلم. تزوجها رسول الله ﷺ سنة ثلاث وقيل سنة اثنتين مِن الهجرة، وتوفيت سنة خمس وأربعين، وكانت قبل أن يتزوجها رسول الله ﷺ تحت خنيس بن حذافة السهمي. هكذا قال قتادة وغيره.\nوقال عقيل عن الزهري حبيش. وقال يونس بن يزيد عن الزهري: حَنِيس بنصب الحاء وكسر النون. قال ابن طاهر: والأول أصح. انتهى.\nفي هذا الإسناد التحديث بصيغة الجمع في موضع واحد والإخبار كذلك في موضع وبصيغة الإفراد مِن الفعل المؤنث في موضع. وفيه العنعنة في موضعين وفيه القَول في موضعين.\nوالرواة مدنيون ما خلا عبد الله.\nقوله: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ إِذَا اعْتَكَفَ المُؤَذِّنُ لِلصُّبْحِ، وَبَدَا الصُّبْحُ، صَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ تُقَامَ الصَّلَاةُ).\nوجه مطابقة هذا الحديث للترجمة لا يستقيم إلا على ما رواه الجماعة عن مالك: «كان إذا سكت المؤذن صلى ركعتين خفيفتين» لأنه يدل على أن ركوعه كان متصلًا بأذانه ولا يجوز أن يكون ركوعه إلا بعد الفجر فلذلك كان الأذان بعد الفجر، وعلى هذا المعنى حمله البخاري وترجم عليه بالأذان بعد الفجر.\nهذا الحديث أخرجه البخاري أيضًا في الصلاة عن سليمان بن حرب وعن مسدد عن يحيى، وأخرجه مسلم فيه عن يحيى بن يحيى عن مالك به وعن قتيبة ومحمد بن رمح، وعن زهير بن حرب وعبد الله بن سعيد وعن زهير عن إسماعيل بن عُلية وعد أحمد بن عبد الله بن الحكم، وعن إسحق بن إبراهيم وعن محمد بن عباد.\nوأخرجه الترمذي فيه عن الحسن بن علي. وفي القبائل عن أحمد بن منيع وعن قتيبة عن مروان، وأخرجه النسائي فيه عن أحمد بن عبد الله بن الحكم وعن قتيبة وعن محمد بن منصور والحسين بن عيسى وعن إسحق بن منصور، وعن شعيب وعن هشام بن عمار وعن يحيى بن محمد وعن محمد بن عبد الله وعن محمد بن سلمة وعن إسماعيل بن مسعود وعن إسحق بن إبراهيم عن عبد الرزاق به. وأخرجه ابن ماجه عن محمد بن رمح به.\nقوله: (كَانَ إِذَا اعْتَكَفَ المُؤَذِّنُ لِلصُّبْحِ) هكذا رواه عبد الله بن يوسف عن مالك وهكذا هو عند جمهور الرواة عن البخاري، وخالف عبد الله سائر الرواة عن مالك فروَوه: «كان إذا سكت المؤذن من الأذان لصلاة الصبح» وهكذا رواه مسلم وغيره، وهو الصواب. وقد أصلح في رواية ابن شبويه عن الفربري كذلك. وقال ابن قُرقُول: رواية الأصيلي والقابسي وأبي ذرٍّ &lt;كان","vol":"1","page":155},{"text":"النبي ﷺ إذا اعتكف المؤذن للصبح وبدا الصبح ركع ركعتين&gt; وقال القابسي: معنى اعتكف هنا: انتصب قائمًا للأذان كأنه من ملازمته مراقبة الفجر، وفي رواية الهمداني «إذا أذن المؤذن» بدل &lt;اعتكف&gt; وهي أشبه بالرواية المصوبة.\nووقع في رواية النسفي عن البخاري بلفظ &lt;كان إذا اعتكف أذن المؤذن للصبح&gt; وهو يقتضي أن صنيعه ذلك كان مختصًا بحالة اعتكافه وليس كذلك. والظاهر أنه مِن إصلاحه.\nقال شيخنا: وقد أطلق جماعة مِن الحفاظ القول بأنَّ الوهم فيه مِن عبد الله بن يوسف شيخ البخاري.\nقال العيني: الحاصل ههنا خمس روايات ولكلها وجهٌ فلا يحتاج إلى نسبة الوهم إلى أحد منهم. الرواية الأولى رواية عبد الله بن يوسف «كان إذا اعتكف المؤذِّن للصبح» ومعنى اعتكف قد مرَّ الآن.\nالثانية: «إذا سكت المؤذن» وهي ظاهرة لا نزاع فيها.\nوالثالثة: «كان إذا أذن المؤذن» وهي أيضًا ظاهرة، وكذلك الرابعة «كان إذا اعتكف أذن المؤذن» يعني إذا اعتكف رسول الله ﷺ. وجواب (إذا) هو قوله: «صلى ركعتين» وقوله: «أذَّن المؤذن» جملة وقعت حالًا بتقدير (قد) كما في قوله: ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ [النساء: ٩٠] أي قد حصرت.\nالخامسة: «كان إذا اعتكف وأذن المؤذن» وكذلك الضمير في (اعتكف) ههنا يرجع إلى النبي ﷺ، وقوله: «أذن» عطف عليه. فإن قلت: على هذا يلزم أن يكون هذا مختصًا بحال اعتكافه ﵇ وليس كذلك كما قدمناه. أُجيب عنه أيضًا بمنع الملازمة لأنه يحتمل أنَّ حفصة راوية الحديث المذكور قد شاهدت النبي ﷺ في ذلك الوقت وهو في الاعتكاف ولا يلزم مِن ذلك الوقت وهو في الاعتكاف ولا يلزم من ذلك أن يكون ﵇ في كل هذا الوقت في الاعتكاف فافهم. انتهى. ووجَّهه ابن بطال وغيره بأنَّ معنى «اعتكف المؤذن» أي لازم ارتقابه ونظره إلى مطلع الصبح ليؤذن عند أول إدراكه.\nقالوا: وأصل العكوف لزوم الإقامة بمكان واحد، وتُعُقِّب بأنه يلزم منه أنه كان لا يصليهما إلا إذا وقع ذلك مِن المؤذن لما يقتضيه مفهوم الشرط وليس كذلك لمواظبته عليها مطلقًا.\nقال شيخنا: والحقُّ أن لفظ «اعتكف» محرف من لفظ «سكت» وقد أخرجه المؤلف في باب الركعتين بعد الظهر من طريق أيوب عن نافع بلفظ «كان إذا أذن المؤذن وطلع الفجر».\nقوله: (وَبَدَا الصُّبْحُ) بغير همز فعل ماضي مِن البَدْو وهو الظهور، وأسند إلى الصبح وهو فاعله والواو فيه واو الحال لا واو العطف.\nقال شيخنا: وأغرب الكرماني فصحح أنه بالنون المكسورة والهمزة بعد المد، وكأنه ظن أنه معطوف على قوله: (لِلصُّبْحِ) فيكون التقدير وانعكف لنداء الصبح، وليس كذلك فإن الحديث في جميع النسخ مِن «الموطأ» والبخاري ومسلم وغيرها بالباء الموحدة المفتوحة، وبعد الدال ألف مقصورة، وبذلك تتم مطابقة الحديث للترجمة وسيأتي بقية الكلام في أبواب التطوع","vol":"1","page":155},{"text":"إن شاء الله تعالى.\nقال العيني: لكلامِ الكِرماني وجه مِن جهة التركيب والأعراب، وأما مِن جهة الرواية فيحتاج إلى البيان ومع هذا كونه بالياء في جميع النسخ مِن «الموطأ» والبخاري لا يستلزم نعتها بالنون عند غيرهما. انتهى.\nقلت: قوله: لا يستلزم، صحيح في نفسه غير أنَّ التعقُّب صحيح لأن الكِرماني إنما شرح رواية البخاري لا غيره فكونه يشرح لفظ رواية البخاري بهذا لا يصح انتهى.\nقوله: (قَبْلَ أَنْ تُقَام) كلمة أنْ مصدرية أي قبل قيام الصلاة وهي الفرض.\nومما يستفاد مِن الحديث أن سنة الصبح ركعتان وأنهما خفيفتان وإن وقعت صلاة الفجر بعد طلوع الفجر ولو صلى الفرض قبلَه لم يجز وعلى هذا ترجم البخاري رحمه الله تعالى.\n\n٦١٩ - <span id=\"b-١٩٦\"> </span>قوله: (حَدَّثَنا أبُو نُعَيْم) أي بضم النون وهو الفضل بن دُكين ترجمته في باب فضل من استبرأ لدينه في كتاب الإيمان.\nقوله: (حَدَّثَنا شَيْبان) أي ابن عبد الرحمن التميمي ترجمته في باب كتابة العلم.\nقوله: (عَن يَحيَى) أي ابن أبي كثير ترجمته في الباب أيضًا.\nقوله: (عَن أَبي سَلَمة) أي بفتح اللام بن عبد الرحمن بن عوف ﵁ ترجمته في كتاب الوحي.\nقوله: (عَن عَائِشَة) أي أم المؤمنين، ترجمتهما فيه أيضًا في هذا الإسناد التحديث بصيغة الجمع في موضعين. وفيه العنعنة في ثلاث مواضع. وفيه القول في موضع.\nقوله: (قالتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ بَيْنَ النِّدَاءِ وَالإِقَامَةِ مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ) مطابقة الحديث للترجمة بطريق الإشارة وهو أنَّ صلاته ﵇ بهاتين الركعتين بين الأذان والإقامة يدلُّ على أنه صلاهما بعد طلوع الفجر، وأن النداء أيضًا كان بعد طلوع الفجر وهو الأذان بعد الفجر فطابق الترجمة.\nقال شيخنا: قاله الزين ابن المنيِّر وهو مع ما فيه ِمن التكلف غير سالم من الانتقاد والذي عندي أنَّ المصنف جرى على عادته في الإيماء إلى بعض ما ورد في طرق الحديث الذي يستدل به، وبيان ذلك فيما أورده بعد بابين مِن وجه آخر عن عائشة ولفظه: «كان إذا سكت المؤذن قام يركع ركعتين خفيفتين قبل صلاة الصبح بعد أن يستبين الفجر». انتهى.\nهذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا عن محمد بن مُثنى.\nقوله: (بَينَ النِّدَاء) أي الأذان.\n\n٦٢٠ - <span id=\"b-١٩٧\"> </span>قوله: (حَدَّثنا عَبدُ اللهِ بنُ يُوسُفَ) أي التنيسي.\nقوله: (قالَ: أَخْبَرَنا مَالِك) أي الإمام.\nقوله: (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَار) أي مولى ابن عمر.\nقوله: (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) أي ابن الخطاب ﵄ (أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَال: إِنَّ بِلَالًا يُنَادِي بِلَيْلٍ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُنَادِيَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ).\nقال شيخنا: هذا إسناد آخر لمالك في هذا الحديث، قال ابن عبد البرِّ لم يختلف عليه فيه. قد مرَّ هذا الحديث قبل هذا الباب أخرجه البخاري عن عبد الله بن مَسلمة عن مالك عن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله عن أبيه. الحديث.\nوقد استوفينا الكلام فيه هناك، ووجه مطابقته للترجمة بطريق الإشارة أيضًا لأنه قوله: (حَتَّى يُنَادِيَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ) يقتضي أن نداءه حين يطلع الفجر لأنه لو كان قبله لم يكن فرق بين أذانه وأذان بلال.","vol":"1","page":156},{"text":"قال ابن المنير: الاستدلالُ بحديث ابن عمر أوجَهُ من غيره، أي لأجل ما وُجِّهَت به المطابقة. وقال ابن منده: حديث عبد الله بن دينار مُجمَعٌ على صحته، رواه جماعة من أصحابه عنه ورواه شعبة فاختُلف عليه فيه، رواه يزيد بن هارون عنه على الشك: «أن بلالًا كما هو المشهور أو أن ابن أم مكتوم ينادي بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن بلال».\nقال: ولشعبة فيه إسناد آخر فإنه رواه أيضًا عن خُبيب بن عبد الرحمن عن عمته أُنيسة، فذكره على الشك أيضًا. أخرجه أحمد عن غندر عنه، ورواه أبو داود الطيالسي عنه جازمًا بالأول، ورواه أبو الوليد عنه جازمًا بالثاني، وكذا أخرجه ابن خزيمة وابن المنذر وابن حبان من طرق عن شعبة، وكذلك أخرجه الطحاوي والطبراني من طريق منصور بن زاذان عن خُبيب بن عبد الرحمن، وادعى ابن عبد البر وجماعةٌ من الأئمة بأنه مقلوبٌ وأن الصواب حديث الباب.\nقال شيخنا: وقد كنتُ أميل إلى ذلك إلى أن رأيتُ الحديث في «صحيح ابن خزيمة» من طريقين آخرين عن عائشة وفي بعض ألفاظه ما يُبعِد وقوع الوهم فيه وهو قوله: «إذا أذن عمرو فإنه ضرير البصر فلا يغرنَّكم، وإذا أذن بلال فلا يَطعَمَنَّ أحد». وأخرجه أحمد. وجاء عن عائشة ﵂ أيضًا: أنها كانت تذكر حديث ابن عمر وتقول: إنه غلط. أخرج ذلك البيهقي من طريق الدَّرَاوردي عن هشام عن أبيه عنها فذكر الحديث وزاد: قالت عائشة: وكان بلال يُبصر الفجر. قال: وكانت عائشة تقول: غلط ابنُ عمر. انتهى.\nوقد جمع ابنُ خزيمة والضَّبعي بين الحديثين بما حاصله أنه يَحتمل أن يكون الأذان كان نُوَبًا بين بلال وابن أم مكتوم -كما قدمنا - فكان النبي ﷺ يُعلِم الناس أن أذان الأول منهما لا يُحَرِّم على الصائم شيئًا ولا يدل على دخول وقت الصلاة بخلاف الثاني، وجزم ابنُ حبان بذلك ولم يَعُدَّهُ احتمالا. وأنكر ذلك عليه الضياء وغيره.\nوقيل: لم يكن نُوَبًا وإنما كانت لهما حالتان مختلفتان، فإنَّ بلالًا كان في أول ما شُرع الأذان يؤذِّنُ وحده ولا يؤذن الصبحَ حتى يطلُع الفجر، وعلى ذلك يحتمل روايةَ عروة عن امرأةٍ من بني النجار قالت: كان بلاٌل يجلس على بيتي وهو أعلى بيتٍ في المدينة فإذا رأى الفجر تمطَّى ثُم أَذَّنَ. أخرجه أبو داود وإسناده حسن. ورواية حُميد عن أنس: أن سائلا سأل عن وقت الصلاة «فأمر رسولُ الله ﷺ بلالًا فأذن حين طلع الفجر». الحديث. أخرجه النسائي وإسناده صحيح. ثم أُردِفَ بابن أم مكتوم وكان يؤذِّنُ بليل واستمر بلال على حالته الأولى.\nوعلى ذلك تتنزل رواية أُنيسة وغيرِها، ثم آخرَ الأمر أُخِّرَ ابنُ أمِّ مكتوم لضعفه ووُكِّل به من يراعي له الفجر، واستقر أذان بلال بليل، وكان سببُ ذلك ما روي أنه كان ربما أخطأ الفجر فأذَّنَ قبل طلوعِه، وأنه أخطأ مرة فأمره النبي ﷺ","vol":"1","page":156},{"text":"أن يرجع فيقول: ألا إن العبدَ نام -كما تقدم-، يعني: أنَّ غلبةَ النوم على عينيه منعتْهُ من تبيين الفجر. وهو حديث أخرجه أبو داود وغيره من طريق حماد بن سلمة عن أيوب عن نافع عن ابن عمر موصولًا مرفوعًا ورجاله ثقاتٌ حفاظ. ٌ\nلكن اتفقَ أئمةُ الحديث: علي بن المديني وأحمد بن حنبل والبخاري والذهلي وأبو حاتم وأبو داود والترمذي والأثرم والدارقطني على أن حمَّادًا أخطأ في رفعه، وأن الصواب وقفُه على عمر بن الخطاب أنه هو الذي وقع ذلك مع مؤذنه وأن حمادًا انفرد برفعه ومع ذلك فقد وُجِد له متابع: أخرجه البيهقي من طريق سعيد بن زَرْبِيٍّ - وهو بفتح الزاي وسكون الراء بعدها موحدة ثم ياء كياء النسب - فرواه أيوب عنه موصولًا، لكن سعيدَ ضعيفٌ.\nورواه عبدُ الرزاق عن مَعْمَر عن أيوب أيضًا لكنَّه أعضَلَه فلم يذكر نافعًا ولا ابن عمر.\nوله طريق أخرى عن نافع عند الدارقطني وغيره، اختُلِف في رفعها ووقفِها أيضًا، وأخرى مرسلةٌ من طريق يونس بن عبيد وغيره عن حُميد بن هلال، وأخرى من طريق شعبة عن قتادة مرسلةً، ووصلها أبو يوسف عن سعيد بذكر أنس. وهذه طرق تقوَّى بعضُها ببعض قوةً ظاهرة، فلهذا والله أعلم استقر بلال يؤذن الأذان الأول.\nوسنذكر اختلافهم في تعيين الوقت المراد من قوله: (يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ) في الباب الذي بعد هذا إن شاء الله تعالى.\nقوله: (بِلَيْلٍ) الباء فيه للظرفية.\n\n <span id=\"b-١٩٨\"> </span>(١٣)<span data-type=\"title\" id=toc-198> بَابُ الأَذَانِ قَبْلَ الفَجْرِ</span>\nأي هذا بابٌ في بيان حكم الأذان قبل طلوع الفجر، هل هو مشروع أم لا؟ وميلُ البخاري إلى الإعادة بدليل إيرادِه الأحاديثَ في هذا الباب الدالة على الإعادة، وقد بيَّنَّا المذاهبَ فيه مفصلةً فيما مضى.\nقال شيخنا: وإن كان إعادةً لكن لا يخلو عن فائدة، وإلى مشروعيته مطلقًا ذهب الجمهور وخالف الثوري وأبو حنيفة ومحمد، وإلى الاكتفاء مطلقًا ذهب مالك والشافعي وأحمد وأصحابهم وخالف ابنُ خزيمة وابن المنذر وطائفة من أهل الحديث، وقال به الغزالي في «الإحياء».\nوادعى بعضهم أنه لم يرد في شيء من الحديث ما يدل على الاكتفاء. وتُعُقِّب بحديث الباب، وأجيب بأنه مسكوت عنه فلا يَدُلُّ. وعلى التنَزُّلِ فمحله فيما إذا لم يَرِد نطقٌ بخِلافه، وهنا قد ورد.\nوحديث ابن عمر وعائشة ﵄ لا يُشعر بعدم الاكتفاء، وكأنَّ هذا هو السر في إيراد البخاري لحديثيهما في هذا الباب عقب حديث ابن مسعود، نعم حديثُ زياد بن الحارث عندَ أبي داود يدل على الاكتفاء، فإن فيه أنه أذَّنَ قبل الفجر بأمر النبي ﷺ، وأنه استأذنه في الإقامة فمنعه إلى أن طلع الفجر فأمره فأقام. لكن في إسناده ضعف.\nوأيضًا فهي واقعةُ عين وكانت في سفر، ومن ثَمَّ قال القرطبي: إنه مذهب واضحٌ غيرَ أن العمل المنقولَ بالمدينة على خلافِه فلم يَرُدَّهُ إلا بالعمل على قاعدة المالكية.\nوادعى بعض الحنفية كما حكاه السروجي","vol":"1","page":157},{"text":"منهم: أن النداء قبل الفجر لم يكن بألفاظ الأذان وإنما كان تذكيرًا أو تسحيرًا كما يقع للناس اليوم. وهذا مردودٌ لأن الذي يصنعه الناس اليوم مُحدَثٌ قطعًا، وقد تضافرت الطرق على التغيير بلفظ الأذان، فحمْلُه على معناه الشرعي مقدم، ولأنَّ الأذان الأول لو كان بألفاظه مخصوصةً لما الْتَبَسَ على السامعين. وسياق الخبر يقتضي أنه خشي عليهم الالتباس.\nقال العيني: لفظ الأذان يتناول معناه اللغوي والشرعي، وقد قام دليلٌ من الشارع أن المراد من أذان بلال ليسَ معناه الشرعي، وهو أذان ابنُ أمِّ مكتوم، ولو لم يكن كذلك لم يوجَد الفرقُ بين أذانيهما، والحال أن الشارع فرَّق بينهما، وقد قال: «إن أذان بلال لإيقاظ النائم وليرجع القائم»، وقال لهم: «لا يغرنكم أذان بلال». وجعل أذان ابن أم مكتوم هو الأصل كما قررناه فيما مضى، وتضافُر الطرق لا يصادم ما ذكرناه. انتهى.\nوادعى ابن القطان أن ذلك كان في رمضان خاصة (^١) وفيه نظر. انتهى.\n\n٦٢١ - <span id=\"b-١٩٩\"> </span>قوله: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ) أي المعروف بشيخ الإسلام، ترجمته في باب من قال الإيمان هو العمل.\nقوله: (قَالَ: زُهَيْرٌ) أي ابن معاوية الجعفي، ترجمته في باب الصلاة من الإيمان.\nقوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ) أي ابن طرخان، ترجمته في باب من خص بالعلم قومًا.\nقوله: (عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ) أي بفتح النون عبدُ الرحمن، وقد مر في باب الصلاة كفارة.\nقوله: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁) ترجمته في باب قول النبي ﷺ بني الإسلام على خمس.\nفي هذا الإسناد: التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع، وفيه العنعنة في ثلاثة مواضع، وفيه القول في موضعين، وفيه أحدُ الرواة من المخضرمين وهو أبو عثمان.\nقلت: وقد تقدم معنى الخضرمة في باب وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا في كتاب الإيمان. انتهى.\nقوله: (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا يَمْنَعَنَّ أَحَدَكُمْ - أَوْ وَاحَدًا مِنْكُمْ - أَذَانُ بِلَالٍ مِنْ سَحُورِهِ (^٢)، فَإِنَّهُ يُؤَذِّنُ - أَوْ يُنَادِي بِلَيْلٍ - لِيَرْجِعَ قَائِمَكُمْ، وَلِيُنَبَّهَ نَائِمَكُمْ، وَلَيْسَ أَنْ يَقُولَ الفَجْرُ - أَوِ الصُّبْحُ -» وَقَالَ بِأَصَابِعِهِ وَرَفَعَهَمَا إِلَى فَوْقُ وَطَأْطَأَ إِلَى أَسْفَلُ حَتَّى يَقُولَ هَكَذَا وَقَالَ زُهَيْرٌ: «بِسَبَّابَتَيْهِ إِحْدَيهِمَا فَوْقَ الأُخْرَى، ثُمَّ مَدَّهَمَا عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ)\nمطابقته للترجمة ظاهرة، وهي أن أذان بلالٍ كان قبل الفجر، لأنه أَخبَر أنه كان يؤذن بليل، يعني: قبل طلوع الفجر.\nوهذا الحديث أخرجه البخاري أيضًا في الطلاق عن القَعنَبي عن يزيد بن زُريع، وفي خبر الواحد عن مسدد عن يحيى القطان. وأخرجه مسلم في الصوم عن زهير بن حرب وعن محمد بن نمير وعن أبي بكر بن أبي شيبة، وعن إسحاق بن إبراهيم. وأخرجه أبو داود فيه عن أحمد بن يونس به، وعن مسدد به، وأخرجه النسائي فيه عن عمرو بن علي عن يحيى به، وفي الصلاة عن إسحاق بن إبراهيم. وأخرجه ابن ماجه في الصلاة عن يحيى بن حكيم.\nقوله: (لَا يَمْنَعَنَّ أَحَدَكُمْ) بنصب (أَحَدَكُمْ)، وفاعله هو قوله: (أَذَانُ بِلَالٍ).\nقوله:\n_________\n(^١) في (الأصل): «خصاصة» والصواب «خاصة».\n (^٢) في (الأصل): «سجوده» والصواب «سحوره».","vol":"1","page":157},{"text":"(أَوْ أَحَدًا مِنْكُمْ) شكٌّ من الراوي، وقال صاحب «التلويح» - أي مغلطاي -: يحتمل أن يكون هذا الشك من زهير، فإن جماعة رووه عن سليمان التيمي فقالوا: «لا يمنعن أحدَكم أذان بلال». وقال الكِرماني: (أَوْ وَاحَدًا مِنْكُمْ)، ثم قال: هل فَرْقٌ بين (أَحَدَكُمْ) أو (وَاحَدًا مِنْكُمْ)؟ قلتُ: كلاهُما عام، لكنَّ الأول من جهة أنه اسم جنسٍ مضاف، والثاني: أنه نكرة في سياق النفي. انتهى.\nقال العيني: الفرقُ بين أحد وواحد من جهة المعنى: أن أحدًا يرجع إلى الذات، وواحدًا يرجع إلى الصفات.\nقوله: (مِنْ سَحُورِهِ) بفتح السين، اسمٌ لما يؤكل في السُّحور، ويجوز الضَّمُّ وهو اسم الفعل أي التَسَحُّر كالوَضوء والوُضوء.\nقال العيني: وفي بعض النسخ: &lt;من سَحَرِهِ&gt;، ولم أعلم صِحَّتَه. انتهى.\nقوله: (فَإِنَّهُ) - أي فإن بلالًا - (يُؤَذِّنُ أَوْ يُنَادِي) شَكٌّ من الراوي ومعناهما واحد.\nقوله (بِلَيْلٍ) الباء للظرفية، أي في ليل.\nقوله: (لِيَرْجِعَ) بفتح الياء وكسر الجيم المخففة، يُستعمل هكذا لازمًا ومتعديًا. تقول: رجع زيدٌ ورجعتُ زيدًا، أو لا يقال في المتعدي بالتثقيل. وههنا مُتَعَدٍّ وفاعلُه: بلال.\nقوله: (قَائِمَكُمْ) بالنصب مفعولُه، وقال الكِرماني: (لِيَرْجِعَ)، إما من الرجوع وإما من الرَّجْعِ. و(قَائِمَكُمْ)، مرفوع أو منصوب؟\nقال العيني: فُهِم منه أنه جوز الوجهين ههنا: أحدُهما كونُ (لِيَرْجِعَ) لازمًا، ويكون (قَائِمَكُمْ) فاعلُه مرفوعًا، والآخر: يكون متعديًا، ويكون (قَائِمَكُمْ) منصوبًا على أنه مفعول له.\nقوله: (وَلِيُنَبَّهَ) من التنبيه وهو الإنباه، وفي بعضها: &lt;ولينتبه&gt; من الانتباه. قال العيني: جُوِّز الوجهان فيه أيضًا قال ثم قال: معناه أنه إنما يؤذن بالليل ليُعلِمكم أن الصبح قريب، فيَرُدَّ القائم المتهجدَ إلى راحته لينام لحظةً ليصبح نشيطًا، ويوقظ نائمَكم ليتأهب للصبح بفعل ما أراده من تهجدٍ قليلٍ أو تسحُّرٍ أو اغتسالِ أو لإيتارٍ إن نام عن الوتر، وهذا كما ترى جوَّز الكِرماني الوجهين في كل واحد من قوله: (لِيَرْجِعَ) و(لِيُنَبَّهَ) ولم يُبيِّن أنهما رواية أم لا، والظاهر أنه تصرف من جهة المعنى. انتهى.\nقال شيخنا فيما تقدم آنفًا: ولا يقال في المتعدي بالتثقيل، فعلى هذا من رواه بالضم والتثقيل أخطأ، فإنه يصير من الترجيع وهو الترديد وليس مرادًا هنا وإنما معناه يُرَدَّ القائمُ، أي كما تقدم. انتهى.\nقال العيني: إن كان خطؤه من جهة الرواية فيمكن، وإلا فمن جهة المعنى فليس بخطأ، وتعليل هذا القائل الخطأ بقوله: فإنه يصير من الترجيع وهو الترديد وليس مرادًا هنا. فيه نظر، لأن الذي رَوى من الترجيع يقول: ما أردت به الترديد، وإنما أردت به التعدية، فإنَّ رَجَع الذي هو لازم يجوز تعدِّيه بالتضعيف كما في سائر الألفاظ اللازمة. انتهى.\nقوله: (وَلَيْسَ أَنْ يَقُولَ) بالياء آخر الحروف، أي الشخصُ. وهذا من كلام الرسول ﷺ.\nقوله: (الفَجْرُ أَوِ الصُّبْحُ) على الشك من الراوي هل قال النبي ﷺ الفجر أو الصبح. واعلم أن قوله: (الفَجْرُ) اسمُ ليس، وخبرُه هو قوله: (أَنْ يَقُولَ).\nقوله: (وَقَالَ بِأَصَابِعِهِ وَرَفَعَهَا) أي أشار. هذه رواية الأكثر، وفي رواية الكُشْمِيهَني: &lt;بإصبعيه ورفعهما&gt;،","vol":"1","page":158},{"text":"قال الكرماني: ويروى: &lt;بإصبعه&gt; بلفظ المفرد، ولم يذكُرْهُ غيره. وفي الأصبع عشر لغات: فتح الهمزة، وضمُّها، وكسرُها، وكذلك الباء فهذه تسعة، والعاشر أُصبُوع.\nقوله: (إِلَى فَوْقُ) رُوي مبنيًا على الضم على نية الإضافة، ومنونًا بالجر على عدم نيتها، وهكذا حكم الأسفل لكنه غير منصرف فجره بالفتح، وكذا سائر الظروف التي تُقطع عن الإضافة، وقُرئ بهما في قوله تعالى: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ [الروم: ٤].\nقوله: (وَطَأْطَأَ) على وزن: دَحرَجَ، أي: خفض إصبعه إلى أسفل. وأشار به النبي ﷺ إلى الفجر الكاذب وهو الضوءُ المستطيل من العُلُوِّ إلى السُّفْلِ، وهو الذي تسميه العرب ذنبَ السِّرْحان، وهو من الليل ولا يدخل به وقت الصبح ويجوز التسحر ونحوه.\nقوله: (حَتَّى يَقُولَ هَكَذَا وَقَالَ زُهَيْرٌ بِسَبَّابَتَيْهِ إِحْدَيهِمَا فَوْقَ الأُخْرَى، ثُمَّ مَدَّهَمَا عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ) قال شيخنا: أطلقَ القولَ هُنا على الإشارة.\nفي قوله: (قَالَ زُهَيْرٌ بِسَبَّابَتَيْهِ) قال العيني: والسبابة من الأصابع التي تلي الإبهام، وسميت بذلك لأن الناس يشيرون بها عند الشتم.\nقال شيخنا: وكأنه جمع بين إصبعيه ثم فرقهما ليحكِيَ صفةَ الفجر الصادق، لأنه يطلُع معترضًا ثم يعُمُّ الأفقَ ذاهبًا يمينًا وشمالًا بخلاف الفجر الكاذب فإنه يظهر في أعلى السماء ثم ينخفض، وإلى ذلك أشار بقوله: رفع وطأطأ.\nوفي رواية الإسماعيلي من طريق عيسى بن يونس عن سليمان: «فإن الفجر ليس هكذا ولا هكذا ولكن الفجر هكذا» فكأن أصل الحديث كان بهذا اللفظ مقرونًا بالإشارة الدالة على المراد، ولهذا اختلفت عبارةُ الرواة، وأخصرُ ما وقع فيها روايةُ جرير عن سليمان عند مسلم: «ليس الفجرُ المعترضُ ولكنْ المستطيلُ».\nقال العيني: رواية مسلم: «لا يغرنكم من سحوركم أذانُ بلال، ولا بياضُ الأفق المستطيل هكذا، حتى يستطير هكذا». وحكاه حماد بن زيد، وقال: يعني معترضًا. وفي رواية أبي الشيخ من طريق شعبة عن سوادة: سمعت سَمُرة يخطب، قال رسول الله ﷺ: «لا يغرنكم أذان بلال، ولا هذا البياض حتى يبرُق الفجرُ أو ينفجر الفجر». انتهى.\nفيه: أن الأذان الذي كان يؤذِّنُه بلال ﵁ كان ليرجعَ القائم وإيقاظِ النائم، وبه قال أبو حنيفة. قال: ولا بد من أذان آخر كما فعل ابن أم مكتوم، وهو قول الثوري أيضًا، وقد ذكرنا اختلاف العلماء فيه فيما مضى.\nقال شيخنا: وتمسك الطحاوي بحديث ابن مسعود هذا لمذهبه فقال: قد أَخبَر أن ذلك النداء كان لما ذُكِر لا للصلاة، وتُعُقِّبَ بأن قوله: لا للصلاة. زيادةٌ في الخبر وليس فيه حصر فيما ذُكِر.\nفإن قيل: تقدَّمَ في تعريف الأذان الشرعي أنه إعلامٌ بدخول وقت الصلاة بألفاظ مخصوصة، والأذان قبل الوقت ليس إعلامًا بالوقت، فالجواب أن الإعلام بالوقت أعمُّ من أن يكون إعلامًا بأنه دَخَل أو قَارَبَ أن يدخل وإنما اختصت الصبح بذلك من بين الصلوات لأن الصلاة في أول الوقت مُرَغَّبٌ فيه، والصبح يأتي غالبا عقب نومٍ فناسب أن يُنَصَّب","vol":"1","page":158},{"text":"من يوقِظُ الناس قبلَ دخول وقتها ليتأهبوا ويدركوا فضيلة أول الوقت والله أعلم.\nقال أبو الفتح القشيري: الذي قالوا يجوز الأذان للصبح قبل دخول وقتِه اختلفوا في وقتِه، فذكر بعضُ الشافعية أنه يكون في وقت السحر من الفجر الصادق والكاذب، قال: ويُكره التقديم على ذلك الوقت، وعند البعض: يؤذَّن عند انقضاء صلاة العَتَمة من نصف الليل، وهو الأصح من أقوال أصحاب الشافعي.\nوالقول الثاني: عند طلوع الفجر في السحر، قال النووي: وبه قطع البغوي وصححه القاضي حسين والمتولي.\nالثالث: يؤذَّن لها في الشتاء لسُبع يبقى من الليل، وفي الصيف لنصفِ سُبع يبقى.\nوالرابع: من ثلث الليل آخر الوقت المختار.\nوالخامس: جميعُ الليل وقتٌ لِأَذان الصبح، حكاه إمامُ الحرمين وقال: لولا حكاية أبي علي له، وأنه لم يَنقل إلا ما صح عندَه لما استخرتُ نقلَه، وكيف يخشى الدعاءَ لصلاة الصبح في وقت الدعاء للمغرب؟ والسرفُ في كل شيء مطَّرَح.\nوأما السُبع ونصف السُبع فحديث باطل عند أهل الحديث، وإنما رواه الشافعي عن بعض أصحابه عن الأعرج عن إبراهيم عن محمد عن عمارة عن أبيه عن جده عن سعد (^١) القرظ، وهو مخالِفٌ لمذهبه فإنه قال: كان أذانُنا في الشتاء لسُبْعٍ ونصف سُبع يبقى من الليل، وفي الصيف لسُبع يبقى منه.\nوقال ابن الأثير في «شرح المسند»: وتقديمُ الأذان على الفجر مستحب. وبه قال مالك والأوزاعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وداود وأبو يوسف. وفيه بيانُ الفجر الكاذب والصادق وفيه زيادة الإيضاح بالإشارة باليد للتعليم.\nوقال المهلب: يؤخذ منه أن الإشارة تكون أقوى من الكلام. انتهى.\nقلتُ: وقد غلَّبَ الفقهاءُ الإشارةَ على العِبارة في مواطنَ معروفةٍ وأن الراوي يتحفظ في الرواية فلا يَجزِم بشيء مُشَكٍّ وإن كان المعنى لا يختلف.\nوفيه: تعليمُ الميقات للأحكام الشرعية، وتقريرُه لغير المؤذنين. انتهى.\n\n٦٢٢ - <span id=\"b-٢٠٠\"> </span>٦٢٣ - قوله: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ) قال شيخنا: لم أره منسوبًا، وتردد فيه الجِيَّاني، أي فقال: يحتمل أن يكون إسحاق بن إبراهيم الحنظلي أو إسحاق بن منصور الكَوْسَج. وهو عندي ابنُ إبراهيم الحنظلي المعروف بابن راهَوْيه كما جزم به المِزِّي - أي أبو الحجاج الدمشقي - في «أطرافه» أنه إسحاق بن إبراهيم، ويدل عليه تعبيره بقوله: «أخبرنا»، فإنه لا يقول قط: «حدثنا»، بخلاف إسحاق بن منصور وإسحاق بن نصر.\nوأما ما وقع بخط الدمياطي - أي على حاشية «الصحيح» - أنه هو ابن شاهين الواسطي فليس بصواب لأنه لا يُعرف له عن أبي أسامة شيءٌ لأن أبا أسامة كوفي وليس في شيوخ ابن شاهين أحدٌ من أهل الكوفة. انتهى.\nقال العيني: عدم معرفته بعدم رواية ابن شاهين عن أبي أسامة لا يستلزم العدم مطلقًا، وجهلُ الشخص بشيء لا يستلزم جهلَ غيره به. انتهى.\nقلتُ: التصرف في الرواية بالأمور العقلية لا يتمشَّى عند أهل الفن، فإن الرواية أمرٌ نقلي، ولهذا يقع للكِرماني أمورٌ يتصرف فيها بالعقل وتكون أمرُ الرواية بخلافه، فإذا قال الحافظ المطلع: ليس في شيوخ فلان كوفي. كيف ثبت له خلاف ذلك من غير دليل! انتهى.\nترجمة إسحاق بن راهَوْيه في باب فضل من علِم\n_________\n(^١) في (الأصل): «سعيد» والصواب «سعد».","vol":"1","page":159},{"text":"وعلَّم، وكذا ترجمةُ إسحاق بن منصور وإسحاق بن نصر به. فإن قلتَ: هذا الالتباس قدحٌ في الإسناد؟ قال العيني: لأنَّ أيًّا كان منهم فهو عدلٌ ضابط بشرط البخاري. انتهى.\nقوله: (قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو أُسَامَةَ) أي حمادُ بن أسامة، ترجمته في باب فضل من علِم وعلَّم أيضًا.\nقوله: (قَالَ: عُبَيْدُ اللَّهِ) بتصغير العبد، هو: عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب المدني العمري العدوي القرشي، ترجمته في باب الصلاة في مواضع الإبل.\nقوله: (حَدَّثَنَا عَنِ القَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ) أي ابن أبي بكر الصديق ﵁، ترجمته في باب من بدأ بالحِلاب أو الطيب.\nقوله: (عَنْ عَائِشَةَ) أي أم المؤمنين ﵂، ترجمتها في بدء الوحي.\nقوله: (وَعَنْ نَافِعٍ) أي جرجس، ترجمته في باب العلم والفتيا.\nقوله: (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) أي عبد الله، ترجمته في كتاب الإيمان.\nقوله: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ) قَولُهُ: (وَحَدَّثَنِي يُوسُفُ بْنُ عِيسَى) أي أبو يعقوب المرْوَزِي، ترجمته في باب من توضأ من الجنابة.\nقوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا الفَضْلُ بْنُ مُوسَى) أي السيناني. وسينان بكسر السين (^١) قرية من قرى مرو، ترجمته في (^٢).\nقوله: (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، عَنِ القَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ)\nفي هذا الإسناد: أنه أخرج هذا الحديث عن عبيد الله بن عمر من وجهين ذَكَر له في أحدهما إسنادين: نافع عن ابن عمر، والقاسم عن عائشة. والوجه الثاني اقتصر فيه على القاسم عن عائشة.\nوفيه التحديث بصيغة الإفراد عن إسحاق وعن يوسف، ويروى بصيغة الجمع عن إسحاق وبصيغة الجمع أيضًا في ثلاثة مواضع: عبيد الله عن القاسم، والفضل عن عبيد الله، ويوسف عن الفضل. وفيه الإخبار بصيغة الجمع إسحاق عن أبي أسامة. وفيه: العنعنة في سبعة مواضع، وهو ظاهر لا يخفى. وفيه: القول في أربعة مواضع: بعد إسحاق وبعد أبي أسامة وبعد يوسف وبعد الفضل.\nوفيه قوله: (قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: حَدَّثَنَا عَنِ القَاسِمِ) فاعل، هو أبو أسامة، وعبيد الله هو القائل بقوله: (حَدَّثَنَا). وفيه: تقديمٌ وتأخيرٌ، وأصلُ التركيب: قال أبو أسامة: حدثنا عبيد الله عن القاسم، وكأنه راعى لفظ شيخه ولم يذكره على الأصل.\nوفيه قوله: (وَعَنْ (^٣) نَافِعٍ) عَطْفٌ على القاسم، أي: قال عبيد الله عن نافع أيضًا.\nوفيه كلمة: (ح) في أكثر النسخ، وهي إشارةٌ إلى التحويل من إسناد إلى إسناد آخر قبلَ ذكر متن الحديث، أو إشارةٌ إلى الحائل أو إلى الحديث، وقد مرَّ في الكتاب مثلُ هذا في غير موضع.\nقوله: (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ)\nمطابقته للترجمة ظاهرة، وهو أذان بلال في الليل قبل دخول وقت الفجر.\nقوله: (حَتَّى يُؤَذِّنَ)، في رواية الكُشْمِيهَني: &lt;حتى ينادي&gt;، وقد أورده في الصيام بلفظ: «حتى يؤذن»، وزاد في آخره: «فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر». وقال القاسم: لم يكن بين أذانيهما إلا أن يرقى ذا وينزل ذا.\nقال شيخنا: وفي هذا تقييد لما أُطلِق في الروايات الأخرى من قوله: (إِنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ\n_________\n(^١) في (الأصل): «الشيباني وشيبان بكسر الشين» والصواب «السيناني وسينان بكسر السين».\n (^٢) في (الأصل): بياض بقدر كلمة بعد قوله: «ترجمته في»\n (^٣) في (الأصل): «عن» والصواب «وعن».","vol":"1","page":159},{"text":"بِلَيْلٍ)، ولا يقال إنه مرسل لأن القاسم تابعي فلمْ يدرك القصة المذكورة، لأنه ثبت عند النَّسائي من رواية حفص بن غياث وعند الطحاوي من رواية يحيى القطان كلاهما عن عبيد الله بن عمر عن القاسم عن عائشة ﵂: فذكر الحديث. قالت: ولم يكن بينهما إلا أن ينزل هذا ويصعد هذا.\nوعلى هذا فمعنى قوله في رواية البخاري: قال القاسم. أي في روايته عن عائشة. وقد وقع عند مسلم من رواية ابن نمير عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر مثلُ هذه الزيادة وفيها نظر، أو في صحته في كتاب «المدرج»، وتثبت الزيادة أيضًا في حديث أُنيسة الذي تقدمت الإشارةُ إليه.\nوفيه حجة لمن ذهب إلى أن الوقت الذي يقع فيه الأذان قبل الفجر هو وقت السحر، وهو أحد الأوجه في مذهب الشافعي واختاره السبكي في «شرح المنهاج» وحكى تصحيحه عن القاضي حسين والمتولي، قال: وقطع به البغوي، وكلام ابن دقيق العيد يُشْعِر به، فإنه قال بَعدَ أَنْ حكاه: يُرجِّح هذا بأن قوله: (إِنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ) خبرٌ يتعلق به فائدةُ السَّامعين قطعًا، وذلك إذا كان وقت الأذان مشتبهًا محتملًا لأنْ يكونَ عند طلوع الفجر، فبيَّنَ ﷺ أنَّ ذلك لا يمنع الأكل، بل الذي يمنعه طلوعُ الفجر الصادق. قال: وهذا يدل على تقارب وقت أذان بلال من الفجر.\nقال شيخنا: ويقويه أيضًا ما تقدمَ من أن الحكمة في مشروعيته التأهبُ لإدراك الصبح في أول وقتها. وصحح النووي في أكثر كتبه أنَّ مبدأه من نصف الليل الثاني، وأجاب عن الحديث في شرح مسلم فقال: قال العلماء: معناه أن بلالًا كان يؤذِّن ويتربَّصُ بعد أذانه للدعاء ونحوِه، فإذا قارب طلوعُ الفجر نزل فأخبر ابنَ أمَّ مكتوم فيتأهب للطهارة ثم يرقى ويشرع في الأذان مع أول وقت طلوع الفجر. وهذا مع وضوح لمخالفته لسياق الحديث يحتاج إلى دليل خاص لما صححه حتى يسوغ له التأويل. ووراء ذلك أقوالٌ أخرى معروفة في الفقهيات. انتهى.\nقال الكِرماني: قالت الحنفية: لا يسن الأذان قبل وقت الصبح. قال الطحاوي: إن ذلك النداء من بلال ليُنبِّه النائم ويَرجعَ القائم لا للصلاة، وقال غيرُه: إنه كان نداءً لا أذانًا، كما جاء في بعض الروايات أنه كان ينادي.\nأقول: للشافعية أن يقولوا: المقصودُ بيانُ أن وقوعَ الأذان قبل الصبح، وتقريرُ الرسول ﵊ له، وأما أنه للصلاة أو لِغرضٍ آخر، فذلك بحث آخر. وأما رواية: (كان ينادي)، فمعارَض برواية: (كان يؤذن). والترجيح معنا لأنَّ كلَّ أذانٍ نداءٌ بدون العكس، فالعمل برواية: (يُؤَذِّنُ) عملٌ بالروايتين، وجمْعٌ بين الدليلين، والعكسُ ليس كذلك. انتهى.\nقال العيني: أراد الكِرماني أن ينتصرَ لمذهبه ولكن لم يأت بشيء عليه قَبول، فقوله: قال الطحاوي: إن ذلك النداء من بلال لينبه النائم ويرجع القائم، هو من كلام الشارع، فإن أراد بذلك الاعتراض عليه فهو باطل. وقوله: لا للصلاة، مسَلَّم","vol":"1","page":160},{"text":"عندهم أيضًا، حتى لو صلى بذلك الأذان صلاة الفجر لا يجوز. وقوله: المقصود بيان أن وقوع الأذان قبل الصبح، فهذا من نازَعَهم فيه، ونحن أيضًا نقول: إنه وقع قبل الصبح، ولكن لا يُعتد به في حق الصلاة. وقوله: وتقرير الرسول ﵇ له، يردُّه قوله ﵇ لبلال: أنْ يرجع فينادي: «ألا إن العبد نام، فرجع فنادى: ألا إن العبد نام». رواه الطحاوي والترمذي من حديث حماد بن سلمة عن أيوب عن نافع عن ابن عمر، ﵄.\nفإن قلتَ: قال الترمذي: هذا حديث غيرُ محفوظ، والصحيحُ ما رَوى عبيد الله بن عمر وغيرُه عن نافع عن ابن عمر: أن النبي ﷺ قال: «إن بلالًا يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم».\nقال العيني: ما لحماد بن سلمة، وهو معه، وليس حديثُه يخالف حديث عبيد الله بن عمر، لأن حديثه لإيقاظ النائم ورجع القائم، ولم يكن لأجل الصلاة، فلذلك لم يأمره ﵇ بأن يرجع وينادي: «ألا إن العبد نام». وأما حديث حماد بن سلمة فقد كان لأجل غفلة بلال عن الوقت، وعلى كلا التقديرين: أذان بلال لم يكن معتدًا للصلاة.\nوقوله: وأما رواية: كان ينادي، فليس كذلك، لأن كلًّا من الأذان والنداء في الحقيقة يرجع إلى معنى واحد، وهو الإعلام، ولا إعلام قبل الوقت. ثم قال الكِرماني: فإن قلتَ: الأذان للإعلام بوقت الصلاة بالألفاظ التي عيَّنها الشارع، وهو لا يَصدق عليه، لأنه ليس إعلامًا بوقتها بأنَّ الإعلام بالوقت أعم من أن يكون إعلامًا بأن الوقت دخل أو قرُب أن يدخل. انتهى.\nقال العيني: فعلى ما ذكره إذا أذَّنَ عند قُرب وقت صلاةٍ أيِّ صلاة كانت ينبغي أن يُكتفى به ولا يُعاد، ويصلَّى به. ولم يقل به أحد في كل الصلوات. انتهى.\nقلتُ: فهذه مكابرة في البين، فإن الشارع خص الصبح بذلك، وقد سبق التنبيهُ على الحكمة فيه. وقد تقدم أيضًا الجواب عمَّا قاله العيني وأطال فيه بما لا تقبله الشافعيةُ منه، فلا نطيل بإعادته مع الإعادات التي وقعت في كتاب الأذان. انتهى.\nقال شيخنا: واحتج الطحاوي لعدم مشروعية الأذان قبل الفجر بقوله: لما كان بين أذانيهما من القرب، ما ذُكِر في حديث عائشة ثبت أنهما كانا وقتًا واحدًا وهو طلوع الفجر، فيخطِئُهُ بلال ويصيبُه ابنُ أم مكتوم. وتُعُقِّب بأنه لو كان كذلك لما أقره النبي ﷺ مؤذِّنًا واعتمد عليه، ولو كان كما ادعى لكان وقوعُ ذلك منه نادرًا. وظاهرُ حديث ابن عمر يدل على أن ذلك كان شأنَه وعادتَه والله أعلم. انتهى.\nقال العيني: لو اعتمد عليه في أذان الفجر لكان لم يقل: «لا يغرنكم أذان بلال»، وتقريرُه ﵇ إياه على ذلك لم يكن إلا لمعنىً بيَّنه في الحديث، وهو تنبيه النائم ورجْع القائم، لمعان مقصودة في ذلك. انتهى.\nقلت: قوله: لا يغرنكم.","vol":"1","page":160},{"text":"إنما هو في ترك الأكل والشرب، لا في اعتقادهم أنه أذان. والله أعلم. انتهى.\n\n <span id=\"b-٢٠١\"> </span>(١٤)<span data-type=\"title\" id=toc-201> بَابٌ: كَمْ بَيْنَ الأَذَانِ وَالإِقَامَةِ، وَمَنْ يَنْتَظِرُ الإِقَامَةَ</span>\nأي هذا بابٌ يُذكر فيه كم بين الأذان والإقامة، فحينئذ يكون (بابٌ) منوَّنًا مرفوعًا على أنه خبرُ مبتدأٍ محذوف.\nقال العيني (^١)، وقال شيخنا: أما (بابُ) فهو في روايتنا بلا تنوين.\nقال العيني: ليت شعري من هو الراوي له، فهل هو ممن يُعتمد عليه في تصرُّفه في التراكيب، وهذا ليس لفظ الحديث حتى يُقتصر فيه على المروي، وإنما هو كلام البخاري، فالذي له يد في تحقيق النظر في تراكيب الناس يتصرف بأي وجهٍ يأتي معه على قاعدة أهل النحو واصطلاح العلماء فيه، و(بابٌ) هنا منوَّنٌ، ووجهه ما ذكرناه. انتهى.\nقلت: شيخنا ﵀ ذكر ما رَوَى عن مشايخه العلماء الأعلام المشهورين، وذلك من تحفظه ﵀ ورضي الله عنه.\nو(كم) استفهامية، وخبرها محذوفٌ تقديره: ساعة أو صلاة أو نحو ذلك.\n\n٦٢٤ - <span id=\"b-٢٠٢\"> </span>قوله: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ الوَاسِطِيُّ) أي ابن شاهين.\nقال شيخنا: ويحتمل أن يكون هو الذي عناه الدِّمياطي ونقلناه عنه في الذي مضى، لكني رأيتُه كما نقلتُه أولًا بخط القطب الحلبي، وقد روى البخاري عن إسحاق بن وهب العلاف، وهو واسطي أيضًا لكن ليست له رواية عن خالد. انتهى. وإنما تميز إسحاق ههنا من غيره من إسحاق الحنظلي وإسحاق بن نصر السعدي وإسحاق بن منصور الكوسج بقوله: (الوَاسِطِيُّ).\nقوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ) أي ابن عبد الله الطحان، ترجمته في باب من تمضمض واستنشق من غرفة.\nقوله: (عَنِ الجُرَيْرِيِّ) أي بضم الجيم وفتح الراء الأولى وسكون الياء آخر الحروف، سعيد بن إياس.\nقال شيخنا: ووقع مسمًّى في رواية وهب بن بقية عن خالد عند الإسماعيلي، وهي إحدى فوائد المستخرجات. وهو معدود فيمن اختلط، واتفقوا على أن سماع المتأخرين منه كان بعد اختلاطه، وخالد منهم. لكن أخرجه الإسماعيلي من رواية يزيد بن زريع وعبد الأعلى وابن عُلَيَّة، وهُم ممن سمع منه قبل الاختلاط وهي إحدى فوائد المستخرجات أيضًا.\nوهو عند مسلم من طريق عبد الأعلى أيضًا، وقد قال العِجْلي: إنه من أصحهم سماعًا من الجريري، وإنه سمع منه قبل اختلاطه بثمان سنين، ولم ينفرد به مع ذلك الجريري بل تابعه عليه كهمس بن الحسن عن ابن بريدة، وسيأتي عند المصنف بعد باب.\nوفي رواية يزيد بن زريع من الفوائد أيضًا: تسمية ابن بريدة عبد الله والتصريح بتحديثه للجريري، ترجمته في باب الصلاة لوقتها.\nقوله: (عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ) أي بضم الباء الموحدة وفتح الراء وسكون الياء آخر الحروف وبالدال المهملة، وهو عبد الله بن حُصَيب الأسلمي قاضي مرو ومات بها، ترجمته في باب الصلاة على النفساء وسنتها.\nقوله: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ الْمُزَنِيِّ) أي بضم الميم وفتح الغين المعجمة وتشديد الفاء، ترجمته في باب من كره أن يقال للمغرب العشاء.\nفي هذا الإسناد: التحديث بصيغة الجمع في موضعين، وفيه: العنعنة في ثلاثة مواضع، وفيه: القول في موضع واحد وفيه من الرواة واسطيان\n_________\n(^١) كذا في (الأصل): «قال العيني» ولعل الصواب «قاله العيني».","vol":"1","page":161},{"text":"والاثنان بصريان، وفيه: أن شيخ البخاري من أفراده، وأنه لم يذكره إلا بنسبته إلى بلده واسط.\nقوله: (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلَاةٌ، ثَلَاثًا لِمَنْ شَاءَ)\nمطابقته للترجمة ظاهرة لأن معنى قوله: (بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلَاةٌ): بين الأذان والإقامة.\nوقال شيخنا: لعل المصنف أشار بذلك إلى ما روي عن جابر أن النبي ﷺ قال لبلال: «اجعل بين أذانك وإقامتك قدر ما يفرغ الآكل من أكله والشارب من شربه والمعتصر إذا دخل لقضاء حاجته». أخرجه الترمذي والحاكم، لكن إسنادَه ضعيف. وله شاهد من حديث أبي هريرة ﵁ ومن حديث سلمان، أخرجهما أبو الشيخ ومن حديث أُبَي بن كعب أخرجه عبد الله بن أحمد في زيادات المسند وكلها واهية، وكأنه أشار إلى أن التقدير بذلك لم يثبت. انتهى.\nقال العيني: هذا كلام عجيب لأنه كيف يُترجم بابًا ويورِدُ فيه حديثًا صحيحًا على شرطه ويشير بذلك إلى حديث ضعيف! فأي شيء هنا يدل على هذه الإشارة. انتهى.\nقلت: قد أفاد شيخنا بما قاله فوائد (^١) وهي ظاهرة في كلامه. انتهى.\nهذا الحديث أخرجه البخاري أيضًا في الصلاة عن عبد الله بن يزيد المقري عن كهمس بن الحسن، وأخرجه مسلم فيه عن أبي بكر بن أبي شيبة عن أبي أسامة ووكيع كلاهما عن كهمس، وعن ابن أبي شيبة عن عبد الأعلى عن الجريري، وأخرجه أبو داود فيه عن النفيلي عن إسماعيل بن عُلَيَّة عن الجريري، وأخرجه الترمذي فيه عن هناد عن وكيع به، وأخرجه النسائي فيه عن عبيد الله بن سعيد عن يحيى بن سعيد عن كهمس به، وأخرجه ابن ماجه فيه عن أبي بكر بن أبي شيبة عن أبي أسامة ووكيع به.\nقوله: (بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ) أي الأذان والإقامة، فهو من باب التغليب. وقال الخطابي: حمْلُ أحد الاسمين على الآخر شائع كقولهم: الأسودان التمر والماء، والأسود إنما هو أحدُهما. وقال الكِرماني: ويحتمل أن يكون الاسم لكل واحد منهما حقيقةً لأن الأذان في اللغة: الإعلام، والأذانُ: إعلامٌ بحضور الوقت، والإقامةُ: إعلامٌ بفعل الصلاة.\nقلتُ: الأذانُ إعلامُ الغائبين والإقامةُ إعلامُ الحاضرين. وقيل: لا يجوز حمل هذا على ظاهرِه لأن الصلاة واجبة بين كل أذاني وقتين. والحديث يخبر بالتخيير بقوله: «لِمَنْ شَاءَ».\nقال شيخنا: وأجرَى المصنفُ الترجمةَ مجرى البيان للخبر لجزمه بأن ذلك المراد، وتوارد الشراح على أن هذا من باب التغليب كقولهم: القمرين، للشمس والقمر. ويحتمل أن يكون أطلق على الإقامة أذانًا لأنها إعلامٌ بحضور فِعلِ الصلاة.\nقوله: (صَلَاةٌ) أي وقتُ صلاة، أو المراد: صلاةُ نافلة، أو نُكِّرت لتتناول كلَّ عددٍ نواه المصلي من النافلة كركعتين (^٢) أو أربع أو أكثر. ويحتمل أن يكون المراد به الحث على المبادرة إلى المسجد عند سماع الأذان لانتظار الإقامة، لأن منتظر الصلاة في صلاة، قاله الزين بن المنير. كما أن الأذانَ إعلامٌ بدخول الوقت ولا مانع من حمل قوله: (أَذَانَيْنِ) على ظاهره، لأن\n_________\n(^١) في (الأصل): «قوائد» والصواب «فوائد».\n (^٢) في (الأصل): «كرعتين» والصواب «كركعتين».","vol":"1","page":161},{"text":"يكون التقدير: بين كل أذانين صلاة نافلة غير المفروضة.\nقوله: (ثَلَاثًا) أي قالها ثلاثًا. وعند أبي داود: قالها مرتين. وسيأتي بعدُ بابُ بين كل أذانين صلاة بين كل أذانين صلاة، ثم قال في الثالثة: «لِمَنْ شَاءَ». وهل بين أنه لم يقل: (لِمَنْ شَاءَ) إلا في المرة الثالثة بخلاف ما ُيشعِر به ظاهر الرواية الأولى من أنه عند كل مرة بقوله: (لِمَنْ شَاءَ).\nولمسلم والإسماعيلي: قال في الرابعة: «لِمَنْ شَاءَ». وكأن المراد بالرابعة قوله: «لِمَنْ شَاءَ». فأطلق بعضُهم عليها رابعةً باعتبار مطلق القول. وبهذا يوافق رواية البخاري. وقد تقدم في العلم حديثُ أنس أنه ﷺ كان إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثًا وكأنه قال بعد الثالثة: (لِمَنْ شَاءَ) ليدل على أن التكرار لتأكيد الاستحباب.\nوقال ابن الجوزي: فائدةُ هذا الحديث أنه يجوز أن يُتَوهَّم أن الأذان للصلاة، ويمنع أن تُفعل سوى الصلاة التي أُذِّن لها، فبيَّن أن التطوع بين الأذان والإقامة جائز. وقد صح ذلك في الإقامة كما سيأتي. ووقع عند أحمد: «إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا التي أقيمت». وهو أخص من الرواية المشهورة: «إلا المكتوبة». انتهى.\nفيه: جواز الصلاة بين كل أذانين يعني بين الإقامة والأذان.\nقال العيني: والحاصلُ أن الوصل بينهما مكروه، لأن المقصود بالأذان إعلام الناس بدخول الوقت ليتأهبوا للصلاة بالطهارة فيحضروا المسجد لإقامة الصلاة، وبالوصل ينتفي هذا المقصود.\nثم اختلف أصحابنا في حد الفصل، فذكر التمرتاشي في «جامعه»: أن المؤذن يقعد مقدار ركعتين أو أربع أو مقدار ما يفرغ الآكلُ من أكله والشارب من شربه والحاقنُ من قضاء حاجته. وقيل: مقدارَ ما يقرأ عشر آيات ثم يثوب ثم يقيم. كذا في «المجتبى». وفي «شرح الطحاوي»: يفصِل بينهما مقدارَ ركعتين يقرأ في كل ركعةٍ نحوًا من عشرِ آيات، وينتظر المؤذن الناس ويقيم للضعيف المستعجل ولا يَنتظر رئيسَ المحلة وكبيرَها فهذا كله إلا في صلاة المغرب عند أبي حنيفة، لأن تأخيرَها مكروه فيكتفي بأدنى الفصل وهو سكتة يسكت قائمًا ساعة ثم يقيم.\nفإن قلتَ: ما مقدار السكتة عنده؟ قال العيني: قدْر ما يتمكن فيه من قراءة ثلاث آيات قصار أو آية طويلة. وروي عن أبي حنيفة: مقدار ما يخطو لثلاث خطوات. وقال أبو يوسف ومحمد: يفصل بينهما بجلسة خفيفة مقدار الجلسة بين الخطبتين. ومذهب الشافعي ما ذكره النووي فإنه قال: يُستحب أن يفصل بين أذان المغرب وإقامتها فصلًا خفيفًا بقعدةٍ أو سكوت ونحوهما، وهذا لا خلاف فيه عندنا. ونقل صاحب «الهداية» عن الشافعي أنه يفصِل بركعتين اعتبارًا بسائر الصلوات. قال العيني: وفيه نظر. انتهى.\nقلتُ: من قال فيه نظر مَا له نظر. وكيف يكون فيه نظر وقد ثبت الأمر بهما في الحديث الصحيح. انتهى.\nوقال أحمد: يفصِل بينهما بصلاة ركعتين في المغرب اعتبارًا بسائر الصلوات، واحتج بالحديث المذكور.\nقال العيني: روى الدارقطني ثم البيهقي في «سننيهما» عن حيان بن عبيد الله العدوي حدثنا عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ:","vol":"1","page":162},{"text":"«عند كل أذانين ركعتين إلا المغرب».\nفإن قلتَ: ذكر ابن الجوزي هذا الحديث في «الموضوعات» ونقل عن الفلاس أنه قال: كان حيان هذا كذَّابًا. قال العيني: الحديث رواه البزار في «مسنده» وقال: لا نعلم رواه عن ابن بريدة إلا حيان بن عبد الله وهو رجل مشهور من أهل البصرة لا بأس به. انتهى.\nقلتُ: ومع ذلك فروايته شاذة، لأنه خالف الحفاظ من أصحاب عبد الله بن بريدة في إسناد الحديث ومتنه وسيأتي لهذا تتمة في الكلام على الحديث الآتي. انتهى.\n\n٦٢٥ - <span id=\"b-٢٠٣\"> </span>قوله: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) أي على وزن فَعَّال بالتشديد والباء الموحدة والشين المعجمة، ولا يُغتر بما وقع في خط العيني أنه بالسين المهملة، ترجمته في باب ما كان النبي ﷺ يتخولهم بالموعظة.\nقوله: (قَالَ: أَخْبَرَنَاْ غُنْدَرٌ) أي بضم الغين المعجمة. لقب محمد بن جعفر ابن امرأة شعبة، ترجمته باب ظلمٌ دون ظلمٍ.\nقوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) أي ابن الحجاج، ترجمته في بابٍ يتلو بابَ أمور الإيمان.\nقوله: (قَالَ: سَمِعْتُ عَمْرَو بْنَ عَامِرٍ الأَنْصَارِيَّ) أي بفتح العين. مرَّ في باب الوضوء من غير حدث.\nقوله: (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁) ترجمته في باب من الإيمان أن يحب.\nفي هذا الإسناد: التحديث بصيغة الجمع في موضعين، والإخبار كذلك في موضع. وفيه: السماع. وفيه: العنعنة في موضع. وفيه: القول في أربعة مواضع. وفيه: أن رواته ما بين بصري ومدني وواسطي وهو شعبة.\nقوله: (كَانَ المُؤَذِّنُ إِذَا أَذَّنَ قَامَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ يَبْتَدِرُونَ السَّوَارِيَ، حَتَّى يَخْرُجَ النَّبِيُّ ﷺ وَهُمْ يُصَلُّونَ الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ المَغْرِبِ، قال: وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَ الأَذَانِ وَالإِقَامَةِ شَيْءٌ)\nمطابقته للترجمة في قوله: (وَهُمْ يُصَلُّونَ الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ المَغْرِبِ) فإن صلاتهم قبل المغرب بعد الأذان فصْلٌ بينه وبين الإقامة.\nقال شيخنا: مطابقته للترجمة من جهة الإشارة إلى أن الصحابة ﵃ إذا كانوا يبتدرون به إلى الركعتين قبل صلاة المغرب مع قِصَرِ وقتها فالمبادرة إلى التنفل قبل غيرها من الصلوات يقع من باب الأولى ولا يتقيد بركعتين إلا بما ضاهى المغرب من قِصَر الوقت كالصبح. انتهى.\nوهذا الحديث أخرجه البخاري أيضًا في الصلاة عن قبيصة عن سفيان. وأخرجه النسائي فيه عن إسحاق بن إبراهيم عن أبي عامر عن سفيان فيه نحوه، وفي نسخة: &lt;عن شعبة&gt; بدل عن سفيان.\nقوله: (إِذَا أَذَّنَ المُؤَذِّنُ) في رواية الإسماعيلي: إذا أخذ المؤذن في أذان المغرب.\nقوله: (قَامَ نَاسٌ)، في رواية النسائي: قام كبار أصحاب رسول الله ﷺ. وكذا تقدم للمؤلف في أبواب السترة.\nقوله: (يَبْتَدِرُونَ السَّوَارِيَ) أي يتسارعون ويستبقون. و(السَّوَارِي) جمع سارية وهي: الأسطوانة، وكان غرضهم بالاستباق إليها الاستتار بها ممن يمر بين أيديهم لكونهم يصلون فرادى.\nقوله: (وَهُمْ كَذَلِكَ) أي في تلك الحال، هم مبتدرون منتظرون الخروج، وفي رواية مسلم من طريق عبد العزيز (^١) بن صهيب عن أنس: فيخرج فيجيء الغريب فيحسِب أن الصلاة قد\n_________\n(^١) في (الأصل): «عبد الله العزيز» والصواب «عبد العزيز».","vol":"1","page":162},{"text":"صُلِّيَت من كثرة من يصليهما. وقال الكِرماني: وفي بعض الروايات: &lt;وهي كذلك&gt;، بدل: (وَهُمْ)، والأمران جائزان في ضمير العقلاء، نحو: الرجال فَعَلَتْ وفعلوا.\nقوله: (وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا) أي الأذان والإقامة.\nقوله: (شَيْءٌ) التنوين فيه للتعظيم أي لم يكن بينهما شيء كثير.\nقال شيخنا: وبهذا يندفع قول من زعم أن الرواية المعلقة معارِضةٌ للرواية الموصولة بل هي مبيِّنةٌ لها، ونَفيُ الكثير يقتضي إثباتَ القليل، وقد أخرجها الإسماعيلي موصولةً من طريق عثمان بن عمر عن شعبة بلفظ: وكان بين الأذان والإقامة قريبٌ. ولمحمد بن نصر من طريق أبي عامر عن شعبة نحوه.\nقال العيني: يدل عليه ما رواه عثمان بن جَبَلة وأبو داود عن شعبة: ولم يكن بينهما إلا قليل. وقال ابن المنير: يُجمع بين الروايتين بحمل النفي المطلق على المبالغة مجازًا، والإثباتِ القليل على الحقيقة. وقال الكِرماني: وجه الجمع بينهما أن هذا خاص بأذان المغرب وذاك عام، والخاص إذا عارض العام يخصصه عند الشافعية، سواء عُلِم تأخرُه أم لا، والمراد بقوله: «كُلِّ أَذَانَيْنِ» غير أذان المغرب.\nوحمل بعضُ العلماء حديثَ الباب على ظاهره فقال: دل قوله: (وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا شَيْءٌ) على أن قوله: «بين كل أذانين صلاة» مخصوص بالمغرب، فإنهم لم يكونوا يصلون بل كانوا يَشرعون في الصلاة في أثناء الأذان ويفرغون مع فراغه. قال: ويؤيد ذلك ما رواه البزار من طريق حيان بن عبيد الله - أي بفتح الحاء المهملة والياء آخر الحروف المشددة - عن عبد الله بن بريدة عن أبيه مثل الحديث الأول، زاد في آخره: «إلا المغرب».\nوفي قوله: ويَفرغون مع فراغه. نظرٌ، لأنه ليس في الحديث ما يقتضيه، ولا يلزم من شروعهم في أثناء الأذان ذلك. وأما رواية حيان فقد ذكرنا أنها شاذةٌ خالف فيها الحفاظُ من أصحاب بريدة في إسناد الحديث ومتنه، وقد وقع في بعض طرقِه عند الإسماعيلي: وكان بُريدة يصلي ركعتين قبل صلاة المغرب. فلو كان استثناءً محفوظًا لم يخالفه بريدة راويه. وقد نقل ابن الجوزي عن الفلاس ما قدمناه في حيان.\nوقال القرطبي وغيرُه: ظاهرُ حديث أنس أن الركعتين بعد الغروب وقبل صلاة المغرب كان أمرًا قَرَّر النبيُّ ﷺ أصحابَه عليه وعملوا به حتى كانوا يستبِقون إليه، وهذا يدل على الاستحباب وكأنَّ أصلَه قولُه ﷺ: «بين كل أذانين صلاة»، وأما كونه لم يصليهما فلا ينفي الاستحباب بل يدل على أنهما ليسا من الرواتب.\nوإلى استحبابهما ذهب أحمد وإسحاق وأصحاب الحديث ورُوي عن ابن عمر قال: ما رأيتُ أحدًا يصليهما على عهد النبي ﷺ. وقال النخعي: إنها بدعة. وروي عن الخلفاء الأربعة وجماعةٍ من الصحابة أنهم كانوا لا يصلونهما، وهو قول مالك والشافعي.\nوادعى بعض المالكية نسخَهما فقال: إنما كان ذلك في الأوَّل حيث نهي عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس فبيَّن لهم بذلك وقتَ","vol":"1","page":163},{"text":"الجواز ثم ندب إلى المبادرة إلى المغرب في أول وقتها، فلو استمرت المواظبة على الاشتغال بغيرِها لكان ذريعةً إلى مخالفة إدراكِ أولِ وقتِها. وتُعُقِّبَ بأن دعوى النسخ لا دليل عليها والمنقول عن ابن عمر رواه أبو داود من طريق طاوس عنه، ورواية أنس المثبِتة مقدَّمةٌ على نفيه.\nوالمنقول عن الخلفاء الأربعة رواه محمد بن نصر وغيره من طريق إبراهيم النخعي عنهم، وهو منقطعٌ ولو ثبت لم يكن فيه دليل على النسخ ولا الكراهة، وسيأتي في باب التطوع أن عقبة بن عامر سئل عن الركعتين قبل المغرب فقال: كنا نفعلهما على عهد النبي ﷺ، قيل له: فما يمنعك الآن؟ قال: الشغل. فلعل غيره أيضًا منعه الشغل. وقد روى محمد بن نصر وغيره من طرق قوية عن عبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وأبي بن كعب وأبي الدرداء وأبي موسى وغيرهم أنهم كانوا يواظبون عليهما.\nقال شيخنا: وأما قول أبي بكر بن العربي: اختلف فيها الصحابة ولم يفعله أحدٌ بعدهم. فمردود بقول محمد بن نصر: وقد روينا عن جماعة من الصحابة والتابعين أنهم كانوا يصلون ركعتين قبل المغرب. ثم أخرج ذلك بأسانيد متعددة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى وعبد الله بن بريدة ويحيى بن عقيل والأعرج وعامر بن عبد الله بن الزبير وعبد الله بن مالك، ومن طريق الحسن البصري أنه سئل عنهما فقال: حسنتين واللهِ لمن أراد الله بهما. وعن سعيد بن المسيب أنه كان يقول: حق على مؤمن إذا أذن المؤذن أن يركع ركعتين. وعن مالك قولٌ آخر باستحبابهما.\nوعند الشافعية وجهٌ رجحه النووي ومَن تبِعَهُ، وقال في شرح مسلم: قولُ من قال إنَّ فعلَهما يؤدي إلى تأخير المغرب عن أول وقتها لخيال فاسد منابِذٍ للسنة، ومع ذلك فزمُنُهُما زمنٌ يسير لا يتأخر به الصلاة عن أول وقتها، ومجموعُ الأدلة يُرشِد إلى استحباب تخفيفِهما كما في ركعتي الفجر. قيل: والحكمةُ في الندب إليهما رجاءُ إجابةِ الدعاء، لأن الدعاء بين الأذان والإقامة لا يُرَدُّ، وكلما كان الوقت أشرف كان ثواب العبادة فيه أكثر.\nقال شيخنا: واستدل بحديث أنس على امتداد وقتِ المغرب وليس بواضح. انتهى.\nقوله: (قَالَ عُثْمَانُ بْنُ جَبَلَةَ) أي بفتح الجيم والباء الموحدة، ابنُ أبي رواد، ابنُ أخي عبد العزيز ابن أبي رواد، واسمه: ميمون الأزدي، مولاهم البصري، ترجمته في باب إذا ألقي على ظهر المصلي قَذَرٌ أو جيفة.\nقوله: (وَأَبُو دَاوُدَ) أي سليمان بن داود الطيالسي، وهو من أفراد مسلم، ويقال: أبو داود هذا: عمر بن سعيد الحَفْري الكوفي، أي بفتح الحاء المهملة والفاء وحَفْر موضعٌ بالكوفة، وهو أيضًا من أفراد مسلم.\nقوله: (عَنْ شُعْبَةَ) أي ابن الحجاج.\nقوله: (لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا إِلَّا قَلِيلٌ) قال الكِرماني (^١): الظاهر أنه تعليقٌ منه، لأن البُخاري كان ابنَ عشرة عند وفاة الطيالسي.\nقال شيخنا: لم تصل لنا روايةُ عثمان بن جبلة إلى الآن، وزعم مغلطاي ومن تبعه أن الإسماعيلي وصلها في «مستخرجه» وليس كذلك، لأن الإسماعيلي إنما أخرجه\n_________\n(^١) «الكرماني» ليس في (الأصل)، والصواب إثباته.","vol":"1","page":163},{"text":"من طريق عثمان بن عمر وكذلك لم يتصل لنا روايةُ أبي داود - وهو الطيالسي - فيما يظهر لي. وقيل: هو الحفري وقد وقع لنا مقصود روايتهما من رواية عثمان بن عمر وأبي عامر ولله الحمد. انتهى.\n\n <span id=\"b-٢٠٤\"> </span>(١٥)<span data-type=\"title\" id=toc-204> بَابُ مَنِ انْتَظَرَ الإِقَامَةَ</span>\nأي هذا بابٌ في بيان من سمع الأذان وانتظر إقامة الصلاة، أَورَدَ البخاري الترجمةَ موردَ الاحتمال تنبيهًا على اختصاص ذلك بالإمام لأن المأموم مندوبٌ إلى إحراز الصف الأول، ويحتمل أن يشارك الإمامَ في ذلك مَن كان منزله قريبًا من المسجد. وقيل: يستفاد من حديث الباب أن الذي ورد من الحض على الاستباق إلى المسجد هو لمن كان على مسافةٍ من المسجد، وأما من كان يسمعُ الإقامة من داره فانتظارُه للصلاة إذا كان متهيئًا لها كانتظارِه إياها في المسجد.\nوفي مقصود الترجمة أيضًا ما أخرجه مسلم من حديث جابر بن سمرة قال: «كان بلال يؤذن ولا يقيم حتى يخرج النبي ﷺ».\n\n٦٢٦ - <span id=\"b-٢٠٥\"> </span>قوله: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) أي الحكم بن نافع، ترجمته في بدء الوحي.\nقوله: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) أي ابنُ أبي حمزة، ترجمته في البدء أيضًا.\nقوله: (عَنِ الزُّهْرِيِّ) أي محمد بن مسلم، ترجمته في باب إذا لم يكن الإسلام.\nقوله: (قَالَ: أَخْبَرَنِا عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ) أي ابن العوام.\nقوله: (أَنَّ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ) ترجمتهما في بدء الوحي.\nفي هذا الإسناد: التحديث بصيغة الجمع في موضع والإخبار كذلك في موضعين. وفيه: العنعنة في موضع واحد. وفيه: القول في موضعين، وفي رواته حمصيان ومدنيان.\nقوله: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا سَكَتَ المُؤَذِّنُ بِالأُولَى مِنْ صَلَاةِ الفَجْرِ قَامَ، فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الفَجْرِ، بَعْدَ أَنْ يَسْتَبِينَ الفَجْرُ، ثُمَّ اضْطَجَعَ عَلَى شِقِّهِ الأَيْمَنِ، حَتَّى يَأْتِيَهُ المُؤَذِّنُ لِلْإِقَامَةِ»\nمطابقته للترجمة في قوله: (ثُمَّ اضْطَجَعَ عَلَى شِقِّهِ الأَيْمَنِ) إلى آخره.\nوهذا الحديث أخرجه النسائي في الصلاة أيضًا عن عمرو بن منصور عن علي بن عياش، كلاهما عن شعيب به.\nقوله: (إِذَا سَكَتَ المُؤَذِّنُ) أي إذا فرغ من الأذان بالسكوت عنه، هكذا في رواية الجمهور المعتمدة، بالتاء المثناة من فوق. وحكى ابن التين أنه روي بالموحدة، ومعناه: صبَّ الأَذان في الآذان، جمع أُذُن، واستعير الصبُّ للإفاضة في الكلام.\nقال شيخنا: والرواية المذكورة لم تثبت في شيء من الطرق وإنما ذكرها الخطابي من طريق الأوزاعي عن الزهري قال: إن سويد بن نصر راويها عن ابن المبارك عنه ضبطها بالموحدة. انتهى.\nقال ابن قرقول: ورويناه عن الخطابي: «سكب المؤذن» بالباء الموحدة. ورأيتُ بخط أبي علي الجياني عن أبي مروان: سكب وسكت، بمعنى. وابنُ الأثير لم يذكر غيرَ الباء الموحدة، قال: أرادت: إذا أذَّنَ، فاستعير السكبُ للإفاضة في الكلام، كما يقال: أفرغ في أذني حديثًا أي: ألقي وصب.\nقال شيخنا: وأفرط الصغاني في «العباب» فجزم أنها بالموحدة وكذا ضبطها في نسخته التي ذكر أنه قابلها على نسخة الفَربْري وأن المحدثين يقولونها بالمثناة من فوق ثم ادعى أنه تصحيف وليس","vol":"1","page":164},{"text":"كما قال. انتهى.\nوقال ابن بطال والسفاقسي: إن هذه رواية ابن المبارك عن الأوزاعي عن الزهري. قالا: ولها وجه في الصواب. انتهى.\nقال العيني: بل هو عينُ الصواب، لأن (سَكَتَ) بالتاء المثناة من فوق لا يُستعمل بالباء الموحدة، بل يُستعمل كلمة «مِن»، أو «عن»، وسكب بالباء الموحدة استُعمل هنا بالباء. فإن قلتَ: الباء تجيء بمعنى «عن» كما في قوله تعالى: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٩] أي عنه. قال أيضًا: الأصلُ أن يُستعمل كلُّ حرف في بابه، ولا يُستعمل في غير بابه إلا لنكتة، وأي نكتة هنا؟ انتهى.\nقوله: (بِالأُولَى) أي عن الأُولى، وهي متعلقة بسكت، يقال: سكت عن كذا إذا تركه. ومرادُه: الأذان الأول، لأنه أولٌ بالنسبة إلى الإقامة، لكنه أنَّثَهُ باعتبار المناداة، أو جاءه التأنيث من قِبَلِ مؤاخاته للإقامة، أو أراد الدعوة التامة، والأذانُ الأول الذي يؤذَّن به عند دخول الوقت وهو أولٌ بالنسبة إلى الإقامة، وثانٍ بالنسبة إلى الأذان الذي قبل الفجر، ويجوز أن يؤوَّل: (الأولى)، بالمرة الأولى أو بالساعة الأولى.\nتنبيه: أخرج البيهقي من طريق موسى بن عقبة عن سالم أبي النضر: «أن النبي ﷺ كان يخرج بعد النداء إلى المسجد فإن رأى أهل المسجد قليلًا جلس حتى يجتمعوا ثم صلى».\nقال شيخنا: وإسناده قوي مع إرساله، وليس بينه وبين حديث الباب تعارض لأنه يُحمل على غير الصبح أو كان يفعل ذلك بعد أن يأتيه المؤذن ويخرج معه إلى المسجد.\nقوله: «بَعْدَ أَنْ يَسْتَبِينَ الفَجْرُ» بموحدة وآخره نون من الاستبانة، وهو: الظهور، وفي رواية: &lt;يستنير&gt;، بنون وآخره راء من الاستنارة. قال العيني: ويروى: &lt;يستيقن&gt;.\nقال شيخنا: وسيأتي الكلام على ركعتي الفجر في أبواب التطوع إن شاء الله تعالى.\nقوله: (عَلَى شِقِّهِ) أي: على جنبه الأيمن. قال الكِرماني: والحكمة أنه لا يستغرق في النوم لأن القلب من جهة اليسار ويُعلَّق حينئذ، وإذا نام على اليسار كان في دَعَةٍ واستراحةٍ فيَستغرق، وأيضًا يكون انحدار الثفل إلى أسفل أسهل وأكثر فيصير سببًا لدغدغة قضاء الحاجة فينتبه أسرع.\nقال العيني: لا يُستحسن هذا الكلام في حقِّه - ﵇ - وإنما يمشي في حق غيره، والنبي ﷺ كان يحب التيامن في كل شيء، وجميعُ ما صدر عنه من قول وفعل كان على أحسن الوجوه وأكملِها وأفضلِها، وأيضًا النومُ على اليمين نومُ الصالحين، وعلى اليسار نومُ الحكماء، وعلى الظهر نومُ الجبارين والمتكبرين، وعلى الوجه نوم الكفار. انتهى.\nقلتُ: معلومٌ أنه - ﵇ - كان ينام عينُه ولا ينام قلبُه، وفِعلُه هذا يقتدَى به فيحصُل المقتدي به في ذلك هذه الفوائد. انتهى.\nفيه: استحبابُ التخفيف في سنة الفجر، واستَحبَّ قومٌ تخفيفَها، وهو مذهب مالك والشافعي في آخرين. وقال النخعي - واختاره الطحاوي -: لا بأس بإطالتها.\nقال العيني: ولعلَّه أراد بذلك غير مُحرَّم. وفي «مصنف» ابن أبي شيبة: عن سعيد بن","vol":"1","page":164},{"text":"جبير: «كان النبي ﷺ ربما أطال ركعتي الفجر»، وقال مجاهد: لا بأس أن يُطيلَ ركعتي الفجر، وبالغ قومٌ فقالوا: لا قراءة فيهما، حكاه عياض والطحاوي. والحديثُ الصحيح يرُدُّ ذلك، وهو: «كان النبي ﷺ يقرأ في الأولى بفاتحة الكتاب و﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١] وفي الثانية بالفاتحة و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١]».\nوفي رواية ابن عباس: كان يقرأ فيهما: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ١٣٦] وبقوله: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾ [آل عمران: ٦٤]. واستحب مالك الاقتصار على الفاتحة، على ظاهر قول عائشة ﵂: «كان يخففهما حتى إني لأقول قد قرأ فيهما بأم الكتاب؟». وفي «فضائل القرآن العظيم» لأبي العباس الغافقي: أمر رجلًا شكى إليه شيئًا أن يقرأ في الأولى بفاتحة الكتاب وسورة ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ﴾ [الشرح: ١]، وفي الثانية بالفاتحة وسورة ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ﴾ [الفيل: ١].\nوفيه: استحباب الاضطجاع على الأيمن عند النوم، وهو سُنَّةٌ عند البعض، واجبٌ عند الحسن البصري، وذكر القاضي عياض: أن عند مالك وجمهور العلماء وجماعة من الصحابة بدعة.\nقال العيني: يعني الاضطجاع بعد ركعتي الفجر، وفي «سنن أبي داود والترمذي» بإسناد صحيح على شرط الشيخين، من حديث أبي هريرة، ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا صلى أحدكم الفجر فليضطجع على يمينه». واعلم أنه ثبت في «الصحيح»: «أنه ﵇ كان يصلي بالليل إحدى عشرة ركعة يوتر فيها بواحدة، فإذا فرغ منها اضطجع على شقه حتى يأتيه المؤذن فيصلي ركعتين خفيفتين»، فهذا الاضطجاع كان بعد صلاة الليل، وقبل صلاة ركعتي الفجر.\nقال العيني: ولم يقل أحد إن الاضطجاع قبلهما سنة، فكذا بعدَهما. وقد روي عن عائشة ﵂ قالت: «إنْ كنت مستيقظةً حدثني وإلا اضطجع». فهذا يدُلُّ على أنه ليس بسنة، وأنه تارة كان يضطجع قبل وتارة بعد وتارة لا يضطجع. انتهى.\nقلتُ: حديث أبي هريرة المتقدم آنفًا يدل على أن اضطجاع بعد ركعتي الفجر سنة. انتهى.\nوفيه: استحباب إتيان المؤذن إلى الإمام الراتب وإعلامِه بحضور الصلاة.\nوفيه: مراعاةُ الوقت للمؤذن وأن الإمام يجعل إليه ذلك.\nوفيه: دلالةٌ على أن الانتظار للصلاة في البيت كالانتظار في المسجد، ولو لم يكن كذلك لخرج النبي ﷺ إلى المسجد ليأخذ لنفسه بحظها من فضيلة الانتظار. قال الداودي: في حديث عائشة دلالة أن المؤذن لا يكون إلا عالمًا بالأوقات، أو يكون من يعرِّفُه بها.\nوفيه: تعجيلُ ركعتي الفجر عند طلوع الفجر، وقد كره جماعةٌ من العلماء - منهم الحنفية - التنفلَ بعد أذان الفجر إلى صلاة الفجر بأكثر من ركعتي الفجر، لِما في مسلم عن حفصة ﵂: «كان ﵇ إذا طلع الفجر لا يصلي إلا ركعتين خفيفتين». وعند أبي داود: عن يسار مولى ابن عمر قال: رآني عبد الله وأنا أصلي بعد طلوع الفجر، فقال: يا يسار إن رسول الله ﷺ خرج علينا ونحن نصلي هذه الصلاة فقال: «لا تصلوا بعد الفجر إلا ركعتين». وقال أبو عيسى: حديث غريبٌ لا نعرِفُه إلا من حديث قدامة بن موسى.\nوهذا مما أجمع عليه أهل العلم، كرِهوا أن يصليَ الرجل بعد طلوع الفجر إلا ركعتي الفجر،","vol":"1","page":165},{"text":"وإلى هذا ذهب أبو حنيفة ومالك وأحمد، ولأصحاب الشافعي فيه ثلاثة أوجه: أحدها: مثلُ الجماعة، الثاني: لا تدخل الكراهة حتى يصلي سنة الفجر، الثالث: لا تدخل الكراهة حتى يصلي الصبح، وقال النووي: وهو الصحيح.\n\n <span id=\"b-٢٠٦\"> </span>(١٦)<span data-type=\"title\" id=toc-206> بَابٌ: بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلَاةٌ لِمَنْ شَاءَ</span>\nأي هذا باب في بيان أنَّ بين كلِّ أذانين صلاة، وقد قلنا: إن المراد من الأذانين: الأذانُ والإقامةُ بطريق التغليب، كالقمرين والعُمرين ونحوِهما، لا يقال: هذا الباب تكرارٌ لأنه ذُكر قبل الباب الذي قبل هذا الباب، لأنَّا نقول: إنه ذُكِر هناك ببعض ما دل عليه لفظ حديث الباب، وههنا ذُكِر بلفظِ الحديث، وأيضًا لَمَّا كانَ بعضُ اختلافٍ في رواة الحديث وفي متنه ذَكَرَهُ بترجمتين بحسب ذلك.\n\n٦٢٧ - <span id=\"b-٢٠٧\"> </span>قوله: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ) أي أبو عبد الرحمن المقرئ مولى آل عمر البصري ثم المكي، مات سنة ثلاث عشرة ومائتين، روى عنه البخاري، وروى عن علي بن المديني عنه في الأحكام، وعن محمد غيرِ منسوب عنه في البيوع، وروى عنه مسلم بواسطة.\nقوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا كَهْمَسُ) أي بفتح الكاف وسكون الهاء وفتح الميم وبالسين المهملة: ابنُ الحسن مكبر النَّمَري - بالنون والميم المفتوحتين - القيسي، مات سنة تسع وأربعين ومائة، وباقي الرواة وما يتعلق بالحديث قد ذكرناه.\nفإن قلتَ: ما الفرق بين عبارة حديث ذاك الباب وعبارة حديث هذا الباب؟ قال العيني: الحديثُ الذي هنا يفسر ذاك الحديث، والأحاديثُ تفسر بعضها بعضًا.\nوقوله هناك: «ثلاثًا»، من لفظ الراوي أي: قالها ثلاث مرات، وتُبيِّنُ ذلك روايةُ النَّسائي: «بين كل أذانين صلاة، بين كل أذانين صلاة، بين كل أذانين صلاة». وقال الكِرماني: فإن (^١) قلتَ: ما التوفيقُ بينه حيث قيد الثالثة بقوله: «لمن شاء»، وبين المطلَق الذي ثَمَّةَ؟ قلتُ: هذا في الكَرَّتين الأوليين مطلقٌ، وذاك مقيد بقوله: «لمن شاء» في المرات، والمطلق يُحمل على المقيد عند الأصوليين، وأيضًا ثمة نقلُ الزيادة في الأوليين، وزيادةُ الثقة مقبولة عند المحدثين. انتهى.\nقال العيني: مشيئة الصلاة مرادة بين كل أذانين على أي وجه كان، ألا ترى أن عند الترمذي قالها مرةً، وقال في الرابعة: «لمن شاء»، وعند أبي داود قالها مرتين، وعند البخاري ثلاثًا، وعند النسائي ثلاث مرات مكررة بغير لفظ العدد.\n\n <span id=\"b-٢٠٨\"> </span>(١٧)<span data-type=\"title\" id=toc-208> بَابُ مَنْ قَالَ: لِيُؤَذِّنْ فِي السَّفَرِ مُؤَذِّنٌ وَاحِدٌ</span>\nأي هذا باب في بيان قول من قال... إلى آخره، وكأنه أشار بهذه الترجمة إلى أن واحدًا من المسافرين إذا أَذَّنَ يكفي ولا يُحتاج إلى أذان البقية، لأنه ربما كان يُتَخيَّل أنه لا يكفي الأذان إلا من جميعهم، لأن حديث الباب (^٢) يدل ظاهرًا أن الأذان في السفر لا يتكرر، سواء كان في الصبح أو غيره.\nقال شيخنا: كأنه يشير إلى ما رواه عبد الرزاق بإسناد صحيح: أن ابن عمر كان يؤذن للصبح في السفر أذانين. وهذا مصيرٌ منه إلى التسوية بين الحضر والسفر، وظاهرُ حديث الباب\n_________\n(^١) «فإن» ساقطة في (الأصل).\n (^٢) «الباب» ساقطة في (الأصل).","vol":"1","page":165},{"text":"أن الأذان في السفر لا يتكرر، لأنه لم يفرِّق بين الصبح وغيرِها، والتعليلُ الماضي في حديث ابن مسعود يؤيده، وعلى هذا فلا مفهوم لقوله: مؤذن واحد في السفر. لأن الحضر أيضًا لا يؤذِّنُ فيه إلا واحد، ولو احتيج إلى تعدُّدِهم لِتباعُدِ أقطار البلد أَذَّنَ كلُّ واحد في جهة ولا يؤذنون جميعًا. وقد قيل: إن أول من أحدث التأذين جميعًا بنو أمية.\nوقال الشافعي في «الأم»: وأُحِبُّ أن يؤذِّنَ مؤذنٌ بعدَ مؤذن ولا يؤذن جماعة معًا، وإن كان مسجدٌ كبير فلا بأس أن يؤذِّنَ في كل جهة منه مؤذن يُسمِعُ من يليه في وقت واحد.\n\n٦٢٨ - <span id=\"b-٢٠٩\"> </span>قوله: (حَدَّثَنَا (^١) مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ) أي بضم الميم وفتح العين المهملة وتشديد اللام المفتوحة: أبو الهيثم البصري العمري، أخو بهز بن أسد، مات بالبصرة في شهر رمضان سنة ثمان عشرة ومائتين، ترجمتُه أيضًا في باب المرأة تحيض بعد الإفاضة.\nقوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ) أي مُصغَّرُ وهب، ابنُ خالد البصري الكرابيسي، ترجمتُه في باب من أجاب الفتيا بإشارة اليد.\nقوله: (عَنْ أَيُّوبَ) أي السختياني، ترجمتُه في باب حلاوة الإيمان.\nقوله: (عَنْ أَبِي قِلَابَةَ) أي بكسر القاف، عبدُ الله بن زيد، ترجمتُه في باب حلاوة الإيمان.\nقوله: (عَنْ مَالِكِ بْنِ الحُوَيْرِثِ) أي مصغر الحارث، بالثاء المثلثة: ابنُ أشيم الليثي، ترجمتُه في باب تحريض النبي ﷺ وفدِ عبد القيس.\nفي هذا الإسناد: التحديث بصيغة الجمع في موضعين. وفيه: العنعنة في ثلاثة مواضع. وفيه: القول في موضعين. وفيه: أن رواته كلهم بصريون. وفيه: رواية التابعي عن التابعي على قول من قال: إن أيوب رأى أنس بن مالك.\nقوله: (قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي نَفَرٍ مِنْ قَوْمِي، فَأَقَمْنَا عِنْدَهُ عِشْرِينَ لَيْلَةً، وَكَانَ رَحِيمًا رَقِيقًا، فَلَمَّا رَأَى شَوْقَنَا إِلَى أَهْلِينَا، قَالَ: «ارْجِعُوا فَكُونُوا فِيهِمْ، وَعَلِّمُوهُمْ، وَصَلُّوا، فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ، وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ)\nمطابقته للترجمة في قوله: (فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ).\nهذا الحديثُ أخرجه البخاري أيضًا في الصلاة عن سليمان بن حرب، وفي خبر الواحد عن محمد بن المثنى، وفي الأدب عن مسدد، وفي الصلاة أيضًا عن محمد بن يوسف، وفيه وفي الأدب أيضًا عن مسدد، وفي الجهاد عن أحمد بن يونس. وأخرجه مسلم في الصلاة أيضًا عن زهير بن حرب، وعن أبي الربيع الزهراني، وخلف بن هشام، وعن إسحاق بن إبراهيم وعن أبي سعيد الأشج. وأخرجه أبو داود فيه عن مسدد. وأخرجه الترمذي فيه عن محمود بن غيلان. وأخرجه النسائي فيه عن حاجب بن الوليد وعن زياد بن أيوب وعن علي بن حجر. وأخرجه ابن ماجه فيه عن بشر بن هلال الصواف.\nقوله: (فِي نَفَرٍ) بفتح الفاء: عِدةُ رجال من ثلاثة إلى عشرة، والنفير مثلُه ولا واحدَ له من لفظِه، وسُمُّوا بذلك لأنهم إذا حَزَبَهُم أمرٌ اجتمعوا ثم نَفَروا إلى عدوِّهم. وفي «الواعي»: ولا يقولون عشرون نفرًا ولا ثلاثون نفرًا.\nقوله: (مِنْ قَوْمِي) هم بنو ليث بن بكر بن عبد مناف بن كنانة. وكان قدوم وفد\n_________\n(^١) «حدثنا» ساقطة في (الأصل).","vol":"1","page":166},{"text":"بني ليث فيما ذكره ابن سعد بأسانيد متعددة أن وائلة الليثي قدِمَ على رسول الله ﷺ وهو يجهز لتبوك.\nقوله: (فَأَقَمْنَا عِنْدَهُ) أي عند النبي ﷺ.\nقوله: (عِشْرِينَ لَيْلَةً) المراد بأيامها، بدليل الرواية الثانية في الباب: بعد عشرين يوما وليلة.\nقوله: (وَكَانَ رَحِيمًا) بمعنى: ذا رحمة وشفقة ورقة قلب.\nقوله: (رَقِيقًا) بقافين في رواية الأصيلي، وقيل: والكُشْمِيهَني أيضًا، ومعناه: كان رقيق القلب، وفي رواية غيرهما: &lt;رفيقًا&gt;. بالفاء أولًا ثم بالقاف، من الرفق. وقال النووي: رواية البخاري بوجهين: بالقافين وبالفاء والقاف، ورواية مسلم بالقافين خاصةً. وقال ابن قرقول: رواية القابسي بالفاء، والأصيلي وأبي الهيثم بالقاف.\nقوله: (إِلَى أَهْلِينَا) هو جمعُ أهل، والأهل من النوادر حيث يُجمَع مكسرًا نحو: الأهالي، ومصحَّحًا بالواو والنون نحو: الأهلون، وبالألف والتاء نحو: الأهلات.\nقوله: (ارْجِعُوا) من الرجوع لا من الرَّجع.\nقوله: (وَصَلُّوا) زاد في رواية إسماعيل بن عُلَيَّة عن أيوب: «كما رأيتموني أصلي». وهو في باب رحمة الناس والبهائم في كتاب الأدب. ومثله في باب خبر الواحد من رواية عبد الوهاب الثقفي عن أيوب.\nقوله: (فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ) يعني: إذا حان وقتها.\nقال شيخنا: وجه مطابقته للترجمة مع أن ظاهرَه يخالفُها لقوله: «كُونُوا فِيهِمْ، وَعَلِّمُوهُمْ... فَإِذَا حَضَرَتِ». فظاهره أن ذلك بعد وصولهم إلى أهليهم وتعليمهم. لكن المصنف أشار إلى الرواية الآتية في الباب الذي بعد هذا فإن فيها: «فإذا أنتما خرجتما فأذِّنا». ولا تعارُضَ بينَهُما أيضًا وبين قوله في هذه الترجمة: (مُؤَذِّنٌ)، لأن المراد بقوله: «أَذِّنَا». أي من أحب منكما أن يؤذن فليؤذن، وذلك لاستوائهما في الفضل، ولا يُعتبر في الأذان السنُّ بخلاف الإمامة، وهو واضح من سياق حديث الباب حيث قال: (فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ، وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ). انتهى.\nوقال الكِرماني: قد يقال: فلان قتله بنو تميم، مع أن القاتلَ واحدٌ منهم، وكذا في الإنشاء يقال: يا تميم قفا نبك ومراده الخطاب للواحد، وكذلك يأتي في الجمع. وقال التيمي: المراد من قوله: «أَذِّنَا» الفضلُ وإلا فأذان الواحد يجزئ. انتهى.\nواعلم أنه وقع في لفظ هذا الحديث اختلافُ الرواية ههنا: (أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي نَفَرٍ مِنْ قَوْمِي). وعن خالد عن أبي قلابة في باب الأذان للمسافرين إذا كانوا جماعة: أتى رجلان النبي ﷺ يريدان السفر، فقال: «إذا أنتما خرجتما فأذِّنا ثم أقيما ثم ليؤمكما أكبركما». وفي باب الاثنان فما فوقهما جماعة: «إذا حضرت الصلاة فأذِّنَا» الحديث.\nوفي باب إذا استووا في القراءة فليؤمهم أكبرهم: قَدِمْنَا على النبي ﷺ ونحن شَبَبَةٌ متقاربون، وفيه: «لو رجعتم إلى بلادكم","vol":"1","page":166},{"text":"فعلِّمُوهُم فلْيُصلُّوا صلاةَ كذا في حين كذا، وصلاةَ كذا في حين كذا». وفي إجازة خبر الواحد: فلمَّا ظن أنَّا قد اشتقنَا أهلَنا سألْنا عمن تركْنا بعدَنا، فأخبرناه، فقال: «ارجعوا إلى أهليكم فأقيموا فيهم وعلموهم، ومُرُوهُم - وذكر أشياء أحفظُها أو لا أحفظها - وصلُّوا كما رأيتموني أصلي» الحديث. وفي باب رحمة الناس والبهائم نحوُه.\nوعند أبي داود: «كنَّا يومئذ متقارِبِين في العلم». وفي رواية لأبي قلابة: فأين القرآن؟ قال: إنهما كانا متقارِبِين. وفي رواية ابن حزم: متقارنين، بالنون في الموضعين، من المقارنة. يقال: فلانٌ قرينُ فلان، إذا كان قرينَه في السِّنِّ، وكذا إذا كان في العلم. وقال القرطبي: يُحتمل أن تكون هذه الألفاظ المتعددة كانت في وِفادتين أو في وِفادةٍ واحدة، غير أن النقل تكرر منه، ومن النبي ﷺ. انتهى.\nفيه: قال شيخنا: استُدِلَّ بهذا على أفضلية الإمامة على الأذان وعلى وجوب الأذان وبيان خطأ من نقل الإجماع على عدم الوجوب، وسيأتي بقية الكلام على هذا الحديث في باب إذا استووا في القراءة، في أبواب الإمامة إن شاء الله تعالى. انتهى.\nفيه: الأمر بالأذان للجماعة، وهو عامٌّ للمسافر وغيره، وكافة العلماء على استحباب الأذان للمسافر، إلا عطاء فإنه قال: إذا لم يؤذِّن ولم يُقِم أعاد الصلاة، وإلا مجاهدًا فإنه قال: إذا نسي الإقامة أعاد، وأَخَذَا بظاهر الأمر، وهو: أذِّنَا وأقيما. وقيل: الإجماع صارف عن الوجوب.\nقال العيني: وفيه نظر، وحكى الطبري عن مالك أنه: يعيد إذا ترك الأذان، ومشهورُ مذهبه الاستحباب. وفي «المختصر» عن مالك: ولا أذان على مسافر، وإنما الأذان على من يُجتمَع إليه لتأذينه، وبوجوبه (^١) على المسافر قال داود. قالت طائفة: هو مخيَّر، إن شاء أذَّنَ وأقام. روي ذلك عن علي ﵁، وهو قول عروة والثوري والنخعي. وقالت طائفة: تُجزئه الإقامةُ، رُوي ذلك عن مكحول والحسن والقاسم، وكان ابن عمر يقيم في السفر لكل صلاة إلا الصبح فإنه كان يؤذن لها ويقيم.\nوقال قاضي خان من الحنفية: رجلٌ صلى في سفر أو في بيته بغير أذان وإقامة يُكره. قال: فالكراهة مقصورة على المسافر، ومَن صلَّى في بيته فالأفضل له أن يؤذِّنَ ويُقيمَ ليكون على هيئة الجماعة، ولهذا كان الجهرُ بالقراءة في حقِّه أفضل. وقال القرطبي في قوله: «ثُمَّ لْيَؤُمَّكُمَا أَكْبَرُكُمَا» يدل على تساويهما في شروط الإمامة، ورجَّحَ أحدهما بالسن.\nقال العيني: لأن هؤلاء كانوا مُستوين في باقي الخصال، لأنهم هاجروا جميعًا، وأسلموا جميعًا وصحبوا رسول الله ﷺ ولازموه عشرين ليلة، فاستوَوا في الأخذ عنه. فلم يبق ما يُقدَّم به إلا السن.\nوفيه: حجة لأصحابنا - أي الحنفية - في تفضيل الإمامة على الأذان لأنه ﵇ قال: «لْيَؤُمَّكُمَا أَكْبَرُكُمَا» خَصَّ الإمامةَ بالأكبر. انتهى.\nوفيه: دليلٌ على أن الجماعة تصِحُّ بإمام ومأموم، وهو إجماع المسلمين.\nوفيه: الحض على المحافظة\n_________\n(^١) في (الأصل): «وبجوبه» والصواب «وبوجوبه».","vol":"1","page":167},{"text":"على الأذان في الحضر والسفر.\nوفيه: أن الأذان والجماعة مشروعان على المسافرين. انتهى.\nقلت: وفيه الرحلة لطلب العلم.\nوفيه: جواز مفارقة المتعلم شيخَه لاشتياقه إلى أهله.\nوفيه: رحمةُ الشيخ لتلميذه وإعانتُه له على مطلوبه بالإذن له فيما يرومُه من أمر الدنيا المباح.\nوفيه: رحمة النبي ﷺ ورقةُ قلبه.\nوفيه: محبةُ الأهل والاشتياق إليهم.\nوفيه: جواز ترك الأفضل لأجل المفضول. انتهى.\n\n <span id=\"b-٢١٠\"> </span>(١٨) بَابُ الأَذَانِ لِلْمُسَافِرِين، إِذَا كَانُوا جَمَاعَةً، وَالإِقَامَةِ\nأي هذا باب في بيان حكم الأذان للمسافرين، وأشار بهذه الترجمة إلى أن للمسافر أن يؤذن.\nوقوله: (إِذَا كَانُوا جَمَاعَةً) هو مقتضى أحاديث الباب، ولكن ليس فيها ما يمنع أذان المنفرد. وقد روى عبد الرزاق بإسناد صحيح عن ابن عمر أنه كان يقول: إنما التأذين لجيش أو ركب عليهم أميرٌ فينادى بالصلاة فيجتمعوا لها، فأما غيرهم فإنما هي الإقامة.\nوقوله: (لِلْمُسَافِرِين) بلفظ الجمع هو رواية الكُشْمِيهَني، وهو مناسب لقوله: (إِذَا كَانُوا جَمَاعَةً)، وفي رواية الباقين: &lt;لِلْمُسَافِرِ&gt; بلفظ الإفراد، فيؤوَّل أن تكون الألف واللام فيه للجنس، وفيه معنى الجمع فحصلت المناسبة من هذا الوجه.\nقوله: (وَالإِقَامَةِ) بالجر عطفا على الأذان.\nقوله: (وَكَذَلِكَ بِعَرَفَةَ وَجَمْعٍ) أي: وكذلك الأذان والإقامة بعرفة وجمع، بفتح الجيم وسكون الميم، وهو المزدلفة، سميت بجمع لاجتماع الناس فيها ليلة العيد. وأما عرفة فإنها تطلق على التاسع من ذي الحجة، وعلى المكان وهو الموضع المعروف الذي يقف فيه الحجاج يوم عرفة.\nولم يَذكر في: جمع، حديثا، فكأنه اكتفى بحديث ابن مسعود الذي ذكره في كتاب الجمع، وفيه: أنه صلى المغرب بأذان وإقامة، والعشاء بأذان وإقامة، ثم قال: «رأيت رسول الله ﷺ يفعله»، وكذلك لم يذكر في عرفة شيئًا، وكأنه أشار إلى حديث جابر الطويل أخرجه مسلم، وفيه: «أن بلالًا أذَّن وأقام لَمَّا جمع النبي ﷺ بين الظهر والعصر يوم عرفة».\nقوله: (وَقَوْلِ المُؤَذِّنِ: الصَّلَاةُ فِي الرِّحَالِ، فِي اللَّيْلَةِ البَارِدَةِ أَوِ المَطِيرَةِ) لفظ: (قَوْلِ) مجرور أيضًا عُطِفَ على قوله: (وَالإِقَامَةِ) وإلى هنا كله من الترجمة.\nوقوله: (الصَّلَاةُ) بالنصب أي: أدُّوها، ويروى بالرفع على أنه مبتدأ وخبره قوله: (فِي الرِّحَالِ) تقديره: الصلاة تصلَّى في الرحال. وهو جمع رَحْل، ورحل الشخص.\nقوله: (وَالمَطِيرَةِ) بفتح الميم، على وزن: فعيلة، بمعنى: الماطرة. وإسناد المطر إلى الليلة بالمجاز، إذ الليل ظرفٌ له لا فاعل، وللعلماء في: أنبت الربيع البقل، أقوال أربعة: مجاز في الإسناد، أو في أنبت، أو في الربيع - وسماه السكاكي: استعارة بالكناية -، أو المجموعُ مجازٌ عن المقصود، وذكر الإمام الرازي أنه المجاز العقلي، وإنما لم يجعل المطيرة بمعنى الممطور فيها لأن فعيلة إنما تُجعل بمعنى مفعولة","vol":"1","page":167},{"text":"إذا لم يُذكر موصوفُها معها، وهنا الليلةُ موصوفُها مذكور، فلذلك دَخَلَها تاء التأنيث.\n\n٦٢٩ - <span id=\"b-٢١١\"> </span>قوله: (حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) أي الأزدي الفراهيدي القصاب البصري من أفراد البخاري، ترجمته في زيادة الإيمان ونقصانه.\nقوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ المُهَاجِرِ أَبِي الحَسَنِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ، فَأَرَادَ المُؤَذِّنُ أَنْ يُؤَذِّنَ، فَقَالَ لَهُ: «أَبْرِدْ»، ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُؤَذِّنَ، فَقَالَ لَهُ: «أَبْرِدْ»، ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُؤَذِّنَ، فَقَالَ لَهُ: «أَبْرِدْ» حَتَّى سَاوَى الظِّلُّ التُّلُولَ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِنَّ شِدَّةَ الحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ).\nفإن قلتَ: لا دلالة هنا على الإقامة، والترجمةُ مشتمِلة على الأذان والإقامة معًا؟ قال العيني: المقصود هو الدلالة في الجملة، ولا يلزم الدلالة صريحًا على كل جزء من الترجمة، ومن لا يَترك الأذان في السفر مع كونه مظنة التخفيف لا يترك الإقامة التي هي أخفُّ من الأذان. انتهى.\nمطابقته للترجمة من حيث إن المؤذن أراد أن يؤذن فأمره النبي ﷺ بالإبراد ثلاث مرات، ولم يتعرض إلى ترك الأذان، فدل أنه أذَّن بعد الإبراد الموصوف وأقام، وأنه - ﵇ - مع الصحابة كانوا في سفر، فطابق الحديثُ الترجمة من هذه الحيثية.\nوهذا الحديث بعينه ولفظِه قد مَرَّ في باب الإبراد بالظهر في شدة الحر، وفي الباب الذي يليه بابِ الإبراد بالظهر في السفر، مع اختلافٍ يسير في الرواة والمتن، فإنه في الكل عن شعبة... إلى آخره، غير أن شيخه في الأول: عن محمد بن بشار عن غُندَر عن شعبة، وفي الثاني: عن آدم عن شعبة، وههنا - كما رأيتَ - عن مسلم بن إبراهيم عن شعبة.\nقوله: (سَاوَى) أي: صار الظلُّ مساويًا التَّلَّ، أي مثلَه. وقال الكِرماني: فإن قلتَ: فحينئذ يكون أول وقت العصر عند الشافعية، ولا يجوز تأخير الظهر إليه؟ قلتُ: لا نسلم، إذْ ليس وقتُ الظهر مجردَ كون الظل مثلَه، بل هو بعد الفيء فهو مقدار الفيء وظل المثل كليهما.\nقال العيني: أول وقت العصر عند صيرورة ظل كل شيء مثليه، وبين مساواة الظل المثل وكونِ ظل كل شيء مثليه آنات عديدة. انتهى.\n\n٦٣٠ - <span id=\"b-٢١٢\"> </span>قوله: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) أي الفَريابي. قال شيخنا: وبذلك صرح أبو نعيم في «المستخرج». انتهى. ترجمته في باب ما كان النبي ﷺ يتخولهم بالموعظة.\nقوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) أي الثوري، ترجمته في باب علامات المنافق. قال شيخنا: وقد روى البخاري عن محمد بن يوسف أيضًا عن سفيان بن عيينة لكنه محمد بن يوسف البِيكَندي وليست له روايةٌ عن الثوري والفَريابي، وإن كان يروي أيضًا عن ابن عيينة لكنه إذا أَطلَقَ سفيان فإنما يريد به الثوري وإذا روى عن ابن عيينة بَيَّنَهُ","vol":"1","page":168},{"text":"وقد قدَّمْنا ذلك. انتهى.\nقوله: (عَنْ خَالِدٍ الحَذَّاءِ) ترجمته في باب قول النبي ﷺ اللهم علمه الكتاب.\nقوله: (عَنْ أَبِي قِلَابَةَ) مرّ عن قريب.\nقوله: (عَنْ مَالِكِ بْنِ الحُوَيْرِثِ) مرّ أيضًا عن قريب.\nفي هذا الإسناد: التحديث بصيغة الجمع في موضعين. وفيه: القول في موضعين. وفيه: العنعنة في ثلاثة مواضع.\nقوله: «أَتَى رَجُلَانِ النَّبِيَّ ﷺ يُرِيدَانِ السَّفَرَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: إِذَا أَنْتُمَا خَرَجْتُمَا، فَأَذِّنَا، ثُمَّ أَقِيمَا، ثُمَّ لِيَؤُمَّكُمَا َكْبَرُكُمَا».\nمطابقته للترجمة ظاهرة. فإن قلتَ (^١): الترجمةُ لجمع المسافرين، والحديث للتثنية؟ قال العيني: للتثنية حكم الجمع.\nوفيه: الأذان والإقامة صريحان، وقد مر الكلام فيه في الباب السابق.\nقوله: (رَجُلَانِ) هما مالك بن الحويرث راوي الحديث ورفيقه، وسيأتي في باب سفر الإثنين من كتاب الجهاد: «انصرفتُ من عند النبي ﷺ، أنا وصاحب لي».\nقال شيخنا: ولم أر في شيء من طرقه تسمية صاحبه. انتهى.\nقوله: «فَأَذِّنَا» قال أبو الحسن بن القصار أراد به الفضلَ وإلا فأذانُ الواحد يجزئ. وكأنه فهم منه أنه أمرهما أن يؤذِّنَا جميعًا كما هو ظاهر اللفظ. فأراد أنهما يؤذنان معًا وليس ذلك بمراد، وقد قدَّمْنا النقلَ عن السلف بخلافه. وإن أراد أنَّ كلًّا منهما يؤذِّنُ على حِدةٍ ففيه نظر، فإنَّ أذان الواحد يكفي الجماعة. نعم، يُستحب لكل أحد إجابةُ المؤذن، فالأوْلى حملُ الأمرِ على أنَّ أحدهما يؤذِّنُ والآخر يجيب. وقد تقدم له توجيهٌ آخرُ في الباب الذي قبلَه، وأنَّ الحاملَ على صرفِه عن ظاهره قولُه فيه: «فليؤذن لكم أحدكُم».\nوللطبراني من طريق حماد بن سلمة عن خالد الحذاء في هذا الحديث: «إذا كنتَ مع صاحبك فأذن وأقم وليؤمَّكُما أكبركُما».\nقوله: (ثُمَّ أَقِيمَا) قال شيخنا: فيه حجة لمن قال باستحباب إجابة المؤذن بالإقامة إنْ حُمِل الأمرُ على ما مضى وإلا فالذي يؤذِّنُ هو الذي يقيم.\nقال شيخنا: تنبيهٌ وقع هنا في رواية أبي الوقت: حدثنا محمد بن المثنى حدثنا عبد الوهاب عن أيوب، فذكر حديث مالك بن الحويرث مطولًا نحو ما مضى في الباب قبله، وسيأتي بتمامه في باب خبر الواحد، وعلى ما ذُكِر هنا اقتصر باقي الرواة. انتهى.\nقوله: (ثُمَّ لِيَؤُمَّكُمَا أَكْبَرُكُمَا) قال القرطبي: يدل على تساويهما في شروط الإمامة، ورُجِّح أحدُهما بالسن، وقال ابن بَزِيزَة: يجوز أن يكون أشار إلى كِبَر الفضل والعلم.\n\n٦٣١ - <span id=\"b-٢١٣\"> </span>قوله: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى) ترجمته في باب حلاوة الإيمان.\nقوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ) أي ابنُ عبد المجيد البصري، ترجمته في باب ما يكره من النوم قبل العشاء.\nقوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ) أي السختياني، ترجمته في باب حلاوة الإيمان.\nقوله: (عَنْ أَبِي قِلَابَةَ) أي المنبَّهِ عليه في السند السابق.\nقوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكٌ) أي المنبَّهِ عليه أيضًا.\nقوله: «قَالَ: أَتَيْنَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَنَحْنُ شَبَبَةٌ مُتَقَارِبُونَ، فَأَقَمْنَا عِنْدَهُ عِشْرِينَ يَوْمًا وَلَيْلَةً، وَكَانَ\n_________\n(^١) «قلت» ليست في (الأصل).","vol":"1","page":168},{"text":"رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَحِيمًا رَفِيقًا، فَلَمَّا ظَنَّ أَنَّا قَدِ اشْتَهَيْنَا أَهْلَنَا - أَوْ قَدِ اشْتَقْنَا - سَأَلَنَا عَمَّنْ تَرَكْنَا بَعْدَنَا، فَأَخْبَرْنَاهُ، فَقَالَ: ارْجِعُوا إِلَى أَهْلِيكُمْ، فَأَقِيمُوا فِيهِمْ وَعَلِّمُوهُمْ وَمُرُوهُمْ - وَذَكَرَ أَشْيَاءَ أَحْفَظُهَا أَوْ لَا أَحْفَظُهَا - وَصَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي، فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ، وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ».\nمطابقته للترجمة ظاهرة، والكلام في أكثر الحديث قد مضى في الباب السابق.\nقوله: (شَبَبَةٌ) على وزن: فَعَلَة. قال العيني: وهو جمعُ شاب.\nو(مُتَقَارِبُونَ) صفته أي في السن.\nقوله: (سَأَلَنَا) بفتح اللام.\nقوله: (أَوْ قَدِ اشْتَقْنَا) شكٌّ من الراوي، ويُروَى: &lt;وقد اشتقنا&gt; بواو العطف بغير شك.\nقوله: (إِلَى أَهْلِيكُمْ) ويروى: &lt;إلى أهاليكم&gt;.\nقوله: (أَوْ لَا أَحْفَظُهَا) شكٌّ من الراوي.\n\n٦٣٢ - <span id=\"b-٢١٤\"> </span>قوله: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) أي ابن مُسَرْهَد، ترجمته في باب من الإيمان أن يحب لأخيه.\nقوله: (قَالَ: حدَّثنَا يَحْيَى) أي القطان، ترجمته في الباب أيضًا.\nقوله: (عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ) أي ابن حفص، ترجمته في باب الصلاة في مواضع الإبل.\nقوله: (قَالَ: حَدَّثَنِي نَافِعٌ) أي مولى ابن عمر، ترجمته في باب العلم والفتيا في المسجد.\nقوله: (قَالَ: أَذَّنَ ابْنُ عُمَرَ) أي عبد الله، ترجمته في كتاب الإيمان.\nقوله: (فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ بِضَجْنَانَ، ثُمَّ قَالَ: صَلُّوا فِي رِحَالِكُمْ، وَأَخْبَرَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَأْمُرُ مُؤَذِّنًا يُؤَذِّنُ، ثُمَّ يَقُولُ عَلَى إِثْرِهِ: أَلَا صَلُّوا فِي الرِّحَالِ. فِي اللَّيْلَةِ البَارِدَةِ، أَوِ المَطِيرَةِ فِي السَّفَرِ).\nمطابقته للترجمة ظاهرة، لأن ابن عمر هو الذي أذن، ثم قال: صلوا في رحالكم. التي هي قوله: (وقول المؤذن الصلاة في الرحال...) إلى آخره.\nقوله: (بِضَجْنَانَ) بفتح الضاد المعجمة وسكون الجيم بعدها نونٌ وبعد الألف نون أخرى، على وزن فَعْلَان غير مصروف. قال صاحب «الصحاح» وغيرُه: وهو جبل بناحية مكة. وقال أبو موسى في (^١) «ذيل الغريبين»: وهو موضع أو جبل (^٢) بين مكة والمدينة. وقال صاحب «المشارق» ومن تبعه: هو جبل على بريد من مكة. وقال صاحب «الفائق»: بينه وبين مكة خمسة وعشرون ميلًا، وبينه وبين وادي مُريسعة أميال.\nقال شيخنا: وهذا القدْرُ أكثر من بريدين، وضبْطُه بالأميال يدل على مزيد اعتناءٍ، وصاحبُ «الفائق» ممن شهد تلك الأماكن واعتنى بها بخلاف من تقدم ذِكرُه ممن لم يرها أصلًا. ويؤيده ما حكاه أبو عبيد البلوي قال: وبين قديد وضجنان يوم، قال معبد الخزاعي:\nقد نفرت من رفقتي محمد... تَهْوِي على دين أبيها الأتلد\nقد جعلت ماء قُدَيد موعدي... وماء ضَجْنان لنا ضحى الغد\nقوله: (وَأَخْبَرَنَا) عطف على قوله: (أَذَّنَ). والمخبِر هو ابن عمر.\nقوله: (كَانَ يَأْمُرُ مُؤَذِّنًا) في رواية مسلم: «كان يأمر المؤذن».\nقوله: (ثُمَّ يَقُولُ) عطف على قوله: (يُؤَذِّنُ).\nقوله: (عَلَى إِثْرِهِ) بكسر الهمزة وسكون الثاء المثلثة وفتحها: ما بقي من رسم الشيء.\n_________\n(^١) «في» ليست في (الأصل).\n (^٢) «جبل» غير واضحة في (الأصل).","vol":"1","page":169},{"text":"قوله: (فِي اللَّيْلَةِ البَارِدَةِ) ظرفُ لقوله: (كَانَ يَأْمُرُ).\nقوله: (ثُمَّ يَقُولُ) يُشعر بأن القول به بعد الأذان.\nفإن قلتَ: قد تقدم في باب الكلام في الأذان أنه كان في أثناء الأذان؟ قال العيني: يجوز كلاهما، وهو نص الشافعي أيضًا في «الأم». لكن الأولى أن يقال: بعد الأذان. وقال القرطبي - لَمَّا ذكر رواية مسلم بلفظ: «يقول في آخر ندائه» -: يحتمل أن يكون المراد في آخره قبيل الفراغ منه جمعًا بينه وبين حديث ابن عباس.\nقال شيخنا: وقد قدمنا في باب الكلام في الأذان عن ابن خزيمة أنه حَمَل حديثَ ابن عباس على ظاهره وأن ذلك يقال بدلًا من الحيعلة نظرًا إلى المعنى، لأن معنى «حي على الصلاة»: هلموا إليها. ومعنى «الصلاة في الرحال»: تأخروا عن المجيء. فلا يناسب إيراد اللفظين معًا لأن أحدهما نقيض الآخر.\nقال: ويمكن الجمع بينهما، ولا يلزم منه ما ذُكِر بأن الصلاة نُدِبَ لمن أراد أن يستكمل (^١) الفضيلة ولو تحمل المشقة. ويؤيد ذلك حديثُ جابر عند مسلم قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في سفر فمُطرنا فقال: «لِيصلِّ من شاء منكم في رَحله». انتهى. قلتُ: وتقدم مذاهب العلماء في ذلك.\nقوله: (أَلَا) كلمة تنبيهٍ وتحضيض، ومرَّ تفسيرُ (المَطِيرَةِ) وكلمة «أو» فيه للتنويع لا للشك. وفي «صحيح أبي عوانة»: «ليلةٍ باردة أو ذاتِ مطر أو ذات ريح». وهذا يدل على أن كل واحد من هذه الثلاثة عذر في التأخر عن الجماعة. ونقل ابن بطال فيه الإجماع.\nقال العيني: لكن المعروف عند الشافعية أن الريح عذر في الليل فقط. وظاهر الحديث اختصاص الثلاثة بالليل، ولكن جاء في «السنن» من طريق ابن إسحاق عن نافع في هذا الحديث: «في الليلة المطيرة والغداة القَرَّة». وفيها بإسنادٍ صحيح من حديث أبي المليح عن أبيه: أنهم مُطِروا يومًا فرخص لهم.\nقال شيخنا: ولم أر في شيء من الأحاديث الترخصَ بعذر الريح في النهار صريحًا، لكنَّ القياس يقتضى إلحاقه. وقد نقله ابن الرِّفعة وجهًا. انتهى.\nقوله: (فِي السَّفَرِ) ظاهره اختصاص ذلك في السفر. ورواية مالك عن نافع الآتية في أبواب صلاة الجماعة مطلقةٌ وبها أخذ الجمهور، لكن قاعدةَ حمل المطلق على المقيد يقتضي أن يختص ذلك بالمسافر مطلقًا، ويلحق به من تلحقه بذلك مشقة في الحضَر دون مَن لا تلحقه. والله أعلم.\n\n٦٣٣ - <span id=\"b-٢١٥\"> </span>قوله: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ) وقع في رواية أبي الوقت أنه ابن منصور، وبذلك جزم خلف في الأطهار (^٢)، وقد تردد الكلاباذي: هل هو ابن إبراهيم أو ابن منصور؟ ورجح الجِيَّاني أنه ابن منصور، واستدل على ذلك بأن مسلمًا أخرج هذا الحديث بهذا الإسناد عن إسحاق بن منصور.\nقال العيني: وفيه نظر لا يخفى. ترجمه إسحاق بن إبراهيم في باب فضل من عَلِم وعَلَّم، وكذلك إسحاق بن منصور.\nقوله: (أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ) أي أبو عوانة المخزومي، ترجمته في باب زيادة الإيمان:\nقوله: (حَدَّثَنَا أَبُو العُمَيْسِ) أي بضم العين المهملة وفتح الميم وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره سين مهملة. واسمه (^٣).\n_________\n(^١) في (الأصل): «يستملك» والصواب «يستكمل».\n (^٢) غير واضحة في (الأصل).\n (^٣) في (الأصل) بياض بعد قوله: «واسمه».","vol":"1","page":169},{"text":"قوله: (عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ) ترجمته في باب الصلاة في الثوب الأحمر.\nقوله: (عَنْ أَبِيهِ) أي أبو جُحَيْفَة، بضم الجيم وفتح الحاء المهملة وسكون الياء آخر الحروف وفتح الفاء، وَهَبُ بن عبد الله السَّوائي، ترجمته في باب كتابة العلم.\nفي هذا الإسناد: التحديث بصيغة الجمع في موضعين، والإخبار بصيغة الجمع في موضع واحد، والعنعنة في موضعين، والقول في موضع.\nقوله: (قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِالأَبْطَحِ، فَجَاءَهُ بِلَالٌ ﵁ فَآذَنَهُ بِالصَّلَاةِ ثُمَّ خَرَجَ بِلَالٌ بِالعَنَزَةِ حَتَّى رَكَزَهَا بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالأَبْطَحِ، وَأَقَامَ الصَّلَاةَ).\nمطابقته للترجمة ظاهرة، لأن فيه الأذانُ والإقامة والنبي ﷺ مع أصحابه في السفر. والحديثُ قد مرَّ في باب سترةُ الإمام سترة لمن خلفه، وقد ذكرنا هناك أنه أخرجه في مواضع في كتاب الطهارة وكتاب الصلاة.\nقوله: (آذَنَهُ بِالصَّلَاةِ ثُمَّ خَرَجَ بِلَالٌ) اختصره المصنف، وقد أخرجه الإسماعيلي من طُرُقٍ عن جعفر بن عون فقال بعد قوله (بِالصَّلَاةِ): «فدعا بوضوء فتوضأ» فذكر القصة.\nقوله: (وَأَقَامَ الصَّلَاةَ) اختَصَرَ بقيِّتَه (^١) وهي عند الإسماعيلي أيضًا وهي: «وركزها بين يديه والظعن يمرون». الحديث.\nقوله: (بِالأَبْطَحِ) هو موضع معروف خارجَ مكة، وقد بيَّنَّاه في باب سترة الإمام سترة لمن خلفه مع الكلام على الحديث. وفهم بعضهم أن المراد بالأبطح: جَمْعٌ، فذكر ذلك في الترجمة وليس ذلك مراده بل بين جَمْعٍ والأبطح مسافة طويلة.\nوإنما أورد حديث أبي جحيفة لأنه يدخل في أصل الترجمة وهي مشروعية الأذان والإقامة للمسافر.\n\n <span id=\"b-٢١٦\"> </span>(١٩) بَابٌ: هَلْ يُتْبِعُ المُؤَذِّنُ فَاهُ هَهُنَا وَهَهُنَا، وَهَلْ يَلْتَفِتُ فِي الأَذَانِ\nأي هذا باب يُذكر فيه: هل يتبع المؤذن... إلى آخره.\nقوله: (يُتْبِعُ) بضم الياء آخر الحروف وإسكان التاء المثناة من فوق وكسر الباء الموحدة، من الإِتْبَاع، وهو رواية الأصيلي، وفي رواية غيره: بياء تحتانية ثم بتاءين مفتوحات ثم موحدة مشددة، من التَّتَبُّع.\nو(المُؤَذِّنُ) مرفوع لأنه فاعلُ (يُتْبِعُ). و(فَاهُ) منصوب على أنه مفعول. وقال الكِرماني: لفظ (المُؤَذِّن) بالنصب وفاعله محذوف تقديره: الشخص ونحوه. و(فَاهُ) بالنصب بدلٌ من المؤذن. قال: ليوافق قوله في الحديث: (فَجَعَلْتُ أَتَتَبَّعُ فَاهُ). انتهى.\nوليس ذلك بلازم لما عُرف من طريقة البخاري أنه لا يقف مع اللفظ الذي يورِده غالبا بل يترجم ببعض ألفاظه الواردة فيه. وكذا وقع (هَهُنَا) فإن في رواية عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان عند أبي عوانة في «صحيحه»: «فجعل يتبع بفيه يمينا وشمالًا». وفي رواية وكيع عن سفيان عند الإسماعيلي: «رأيت بلالًا يؤذِّنُ يتتبع بفيه» ووصَف سفيان: يميل برأسه يمينًا وشمالًا. والحاصل أن بلالا كان يتبع بفيه الناحيتين، وكان أبو جحيفة ينظر إليه وكل منهما متبع باعتبار.\nقوله: (هَهُنَا وَهَهُنَا) ظرفَا مكان، والمراد: يمينًا وشمالًا. وفي «صحيح مسلم» من حديث أبي جحيفة: «فجعلت أتتبع فاه ههنا وههنا، يقول يمينًا وشمالًا: حي على الصلاة حي على الفلاح». وعند أبي داود: «فلما بلغ: حي على الصلاة حي على الفلاح،\n_________\n(^١) غير واضحة في (الأصل).","vol":"1","page":170},{"text":"لوى عنقه يمينًا وشمالًا ولم يستدر». وعند النسائي: «فجعل يقول في أذانه هكذا، ينحرف يمينًا وشمالًا». وعند الطبراني: «فجعل يقول برأسه هكذا وهكذا يمينًا وشمالًا حتى فرغ من أذانه». عند الترمذي مصححًا من حديث عبد الرزاق: حدثنا سفيان عن عون عن أبيه. قال: «رأيت بلالًا يؤذن ويدور ويتبع فاه، ههنا وههنا».\nقوله: (وَهَلْ يَلْتَفِتُ) أي: هل يلتفت المؤذن في الأذان؟ نعم يلتفت، يدل عليه رواية الإسماعيلي ورواية أبي داود أيضًا تدل عليه، وسيأتي في رواية يحيى بن آدم لفظ: «والتفت». والمراد من الالتفات: أن يلوي عنقه ولا يحوِّل صدره عن القبلة، ولا يزيل قدميه عن مكانهما، وسواء المنارة وغيرها. وبه قال الثوري والأوزاعي وأبو ثور وأحمد في رواية.\nوقال ابن سيرين: يكره الالتفات، وهو قول مالك، إلا أن يريد إسماع الناس.\nوقال صاحب «التوضيح» من الشافعية: الالتفات في الحيعلتين سنة ليعم الناس بإسماعه، وخُص بذلك لأنه دعاء. وفي وجهٍ: يلتفت يمينًا فيُحَيْعِل، ثم يستقبل ثم يلتفت فيُحَيْعِل، وكذلك الشمال.\nقال شيخنا: واختُلف أيضًا في الحَيعلتين: هل يستدير في الأوليين مرة وفي الثانيتين مرة، أو يقول حي على الصلاة عن يمينه ثم حي على الصلاة عن شماله وكذا في الأخرى؟ ورجح الثاني، لأنه يكون لكل جهة نصيب منهما. قال: والأول أقرب إلى لفظ الحديث.\nقال: ويلتفت في الإقامة أيضًا على الأصح، ثم ذكر أبو داود في روايته: «ولم يستدر»، وتمامه: قال: حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا قيس -يعني ابن الربيع- وحدثنا محمد بن سليمان الأنباري حدثنا وكيع عن سفيان جميعًا عن عون بن أبي جُحيفة عن أبيه، قال: «أتيت النبي ﷺ بمكة وهو في قبة حمراء من أدم، فخرج بلال فأذن، وكنت اتتبع فمه ههنا وههنا»، قال: «ثم خرج النبي ﷺ، وعليه حُلَّةٌ حمراء برود يمانية قطري»، وقال موسى: قال: «رأيت بلالًا خرج إلى الأبطح فأذن، فلما بلغ: حي على الصلاة حي على الفلاح، لوى عنقه يمينًا وشمالًا ولم يستدر، ثم دخل فأخرج العَنَزة...» وساق حديثه.\nوأخرجه الترمذي مصححًا من حديث عبد الرزاق: حدثنا سفيان عن عون عن أبيه، قال: «رأيت بلالًا يؤذن ويدور ويتبع فاه ههنا وههنا». وفي رواية ابن ماجه، قال: «أتيت النبي ﷺ بالأبطح وهو في قبة حمراء، فخرج بلال فأذن فاستدار في أذانه وجعل إصبعيه في أذنيه».\nواعترض البيهقي فقال: الاستدارة في الأذان ليست في الطرق الصحيحة في حديث أبي جُحيفة، ونحن نتوهم أن سفيان رواه عن الحجاج بن أرطأة عن عون، والحجاجُ غير محتج به، وعبد الرزاق وهِم في إدراجه. ثم أسند عن عبد الله بن محمد بن الوليد عن سفيان وليس فيه الاستدارة. وقد رويناه في حديث قيس بن الربيع عن عون، وفيه: «ولم يستدر».\nوقال الشيخ في الإمام: أما كونه غير مخرج في الصحيح فليس بلازم، وقد صححه الترمذي وهو من أئمة الشأن. وأما عبد الرزاق وهم فيه فقد تابعه مؤمل، كما أخرجه أبو عوانة","vol":"1","page":170},{"text":"في «صحيحه» عن مؤمل عن سفيان به نحوه، وتابعه أيضًا عبد الرحمن بن مهدي أخرجه أبو نعيم في «مستخرجه» على كتاب البخاري.\nوقد جاءت الاستدارة من غير جهة الحجاج، أخرجه الطبراني عن زياد بن عبد الله عن إدريس الأزدي عن عون بن أبي جُحيفة عن أبيه، قال: «بينا رسول الله ﷺ وحضرت الصلاة، فقام بلال فأذن وجعل إصبعيه في أذنيه، وجعل يستدير يمينًا وشمالًا».\nوفي «سنن الدارقطني» من حديث كامل عن أبي صالح عن أبي هريرة: «أُمر أبو محذورة أن يستدير في أذانه».\nقال شيخنا: ويمكن الجمع بأن من أثبت الاستدارة عنى استدارة الرأس ومن نفاها عنى استدارة الجسد كله، ومشى ابنُ بطال ومن تبعه على ظاهره فاستدل به على جواز الاستدارة بالبدن كله.\nقوله: (وَيُذْكَرُ عَنْ بِلَالٍ) أي ابن رباح وهو ابن حمامة، ترجمته في باب عظة الإمام النساء.\nقوله: (أَنَّهُ جَعَلَ إِصْبَعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ) ذَكَر هذا التعليق بصيغة التمريض، وقد ذكرنا الآن عن ابن ماجه حديثه، وفيه: «جعل - يعني بلال - إصبعيه في أذنيه». وكذا في رواية الطبراني المذكورة الآن. وفي «كتاب أبي الشيخ» من حديث عبد الرحمن بن سعد بن عمار: حدثني أبي عن أبيه عن جده: «أن رسول الله ﷺ أمر بلالًا أن يجعل إصبعيه في أذنيه». ومن حديث ابن كاسب: حدثنا عبد الرحمن بن سعد عن عبد الله بن محمد وعمير وعمار ابني حفص عن آبائهم عن أجدادهم عن بلال: أن النبي ﷺ قال: «إذا أذنتَ فاجعل إصبعيك في أذنيك، فإنه أرفع لصوتك».\nوذكر ابن المنذر في كتاب «الأشراف»: أن أبا محذورة جعل إصبعيه في أذنيه، زاد في «شرح الهداية»: ضم أصابعه الأربع ووضعها على أذنيه، وفي «المصنف» لابن أبي شيبة عن ابن سيرين: أنه كان إذا أذن استقبل القبلة وأرسل يديه، فإذا بلغ: الصلاة والفلاح، أدخل إصبعيه في أذنيه. وفي «الصلاة» لأبي نُعيم عن سهل بن سعد (^١)، قال: «من السنة أن تدخل إصبعيك في أذنيك».\nوكان سويد بن غفلة يفعله، وكذا ابن جبير، وأمر به الشعبي وشريك. قال ابن المنذر: وبه قال الحسن وأحمد وإسحاق وأبو حنيفة ومحمد بن الحسن.\nوقال مالك: ذلك واسع. وقال الترمذي: عليه العمل عند أهل العلم في الأذان. وقال بعض أهل العلم: وفي الإقامة أيضًا، وهو قول الأوزاعي. وقال ابن بطال: وهو مباح عند العلماء، وروى أبو يوسف عن أبي حنيفة ﵁: إن جعل إحدى يديه على أذنه فحسن، وبه قال أحمد (^٢).\nقوله: (جَعَلَ إِصْبَعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ) مجاز عن الأنملة من باب إطلاق الكل وإرادة الجزء، والحكمة فيه أنه يُعينه على رفع صوته، ولهذا قال في حديث ابن كاسب المذكور: «فإنه أرفعُ لصوتك». ويقال: إنه ربما لا يسمع صوته من به صمم، فيستدل بوضع إصبعيه على أذنيه على ذلك.\nولم يبين في الحديث ما هي الإصبع، ونص النووي على أنها: المسبِّحة. ولو كان في إحدى يديه علة جعل الإصبع الأخرى في صِماخه. وصرح الروياني\n_________\n(^١) في (الأصل): «أسد» والصواب «سعد».\n (^٢) «أحمد» ليست في (الأصل) والصواب إثباتها.","vol":"1","page":171},{"text":"أن ذلك لا يستحب في الإقامة لفقد المعنى الذي عُلل به، وعن بعضهم: أنه يستحب في الإقامة، كما ذكرناه عن قريب.\nقوله: (وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ) أي عبد الله، ترجمته في كتاب الإيمان.\nقوله: (لَا يَجْعَلُ إِصْبَعَيْهِ فِي أُذُنَهِ) ذكر هذا التعليق بصيغة التصحيح، فكأن ميله إليه. ورواه عبد الرزاق وابن أبي شيبة من طريق نُسَير - بضم النون وفتح السين المهملة - ابن ذُعْلُوق - بضم الذال المعجمة وسكون العين المهملة وضم اللام وفي آخره قاف - أبو طعمة عن ابن عمر ﵄.\nقوله: (وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ) أي النَّخَعي، ترجمته في باب ظُلمٌ دون ظلمٍ.\nقوله: (لَا بَأْسَ بِأَنْ يُؤَذِّنَ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ) هذا التعليق وصله سعيد بن منصور وابن أبي شيبة عن جرير عن منصور عنه بذلك وزاد: ثم يخرج فيتوضأ ثم يرجع ليقيم.\nوعن قتادة وعبد الرحمن بن الأسود وحماد: لا بأس أن يؤذن الرجل وهو على غير وضوء. وعن الحسن: لا بأس أن يؤذن غير طاهر، ويقيم وهو طاهر.\nوقال صاحب «الهداية» من الحنفية: وينبغي أن يؤذن ويقيم على طُهر، لأن الأذان والإقامة ذِكْرٌ شريف، فيُستحب فيه الطهارة، فإنْ أذَّنَ على غير وضوء جاز، وبه قال الشافعي وأحمد وعامة أهل العلم.\nوعن مالك: أن الطهارة شرط في الإقامة دون الأذان. وقال عطاء والأوزاعي وبعض الشافعية: شرط فيهما. وقال الحنفية: ويُكره أن يقيم على غير وضوء لما فيه من الفصل بين الإقامة والصلاة بالاشتغال بأعمال الوضوء. وعن الكرخي: لا تكره الإقامة بلا وضوء.\nقال العيني: ويكره عندنا أن يؤذن وهو جنب، وذكر محمد في «الجامع الصغير»: إذا أذن الجنب أحبُّ إليَّ أن يعيد الأذان، وإن لم يُعِدْ أجزأه. وقال صاحب «الهداية»: الأشبه بالحق أن يعاد أذانُ الجنب، ولا تعاد الإقامة، لأن تكرار الأذان مشروع في الجملة.\nقوله: (وَقَالَ عَطَاءٌ) أي ابن أبي رباح، ترجمته في باب عظة الإمام النساء.\nقوله: (الوُضُوءُ حَقٌّ وَسُنَّةٌ) أي ثابت في الشرع وسنة الشرع.\nهذا التعليق وصله عبد الرزاق عن ابن جريج، قال: قال عطاء: حق وسنة مسنونة ألَّا يؤذن المؤذن إلا متوضأً، هو من الصلاة، هو فاتحة الصلاة. وروى ابن أبي شيبة في «مصنفه»: عن محمد بن عبد الله الأسدي، عن معقل بن عبيد الله، عن عطاء: أنه كره أن يؤذن الرجل وهو على غير وضوء.\nوقد جاءت هذه اللفظة مرفوعة، وذكرها أبو الشيخ عن ابن أبي عاصم: حدثنا هشام بن عمار حدثنا الوليد بن مسلم عن معاوية عن يحيى عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ، قال: «لا يؤذن إلا متوضئ».\nوقال البيهقي: كذا رواه معاوية بن يحيى الصدفي وهو ضعيف، والصحيح رواية يونس وغيره عن الزهري مرسلًا ولَمَّا ذكر الترمذي حديثَ يونس قال: هذا أصح، يعني من الحديث المرفوع الذي عنده من حديث الزهري عن أبي هريرة.\nوعند أبي الشيخ من حديث عبد الجبار بن وائل عن أبيه قال: حق وسنة مسنونة أن","vol":"1","page":171},{"text":"لا يؤذِّنَ إلا وهو طاهر. وقاله علي بن عبد الله بن عباس، ورواه عن أبيه أيضًا مرفوعًا، وعند ابن أبي شيبة: أمر مجاهد مؤذنَه ألَّا يؤذن حتى يتوضأ.\nقوله: (وَقَالَتْ عَائِشَةُ:) أي أم المؤمنين ﵂، ترجمتها في بدء الوحي.\nقوله: (كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَذْكُرُ اللَّهَ عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ) هذا التعليق وصله مسلم من حديث عبد الله البهي عن عائشة، وقال فيه الترمذي: حسن غريب. وفي إيراد البخاري له هنا إشارة إلى اختيار (^١) قول النَّخَعي كما تقدم، وهو قول مالك والكوفيين، لأن الأذان من جملة الأذكار فلا يُشترط فيه ما يُشترط في الصلاة من الطهارة ولا من استقبال القبلة، كما لا يُستحب فيه الخشوع الذي ينافيه الالتفاتُ وجَعْلُ الإصبع في الأُذُن.\nوبهذا تعرف مناسبة ذِكْرِه لهذه الآثار والترجمة، ولاختلافِ نظر العلماء فيها أوردها بلفظ الاستفهام ولم يجزم بالحكم.\nقال شيخنا وقال العيني: فإن قلتَ: ذكر البخاري هنا عن بلال وابن عمر وإبراهيم وعطاء وعائشة ﵃، فما وجه ذلك في هذا الباب وليس في الترجمة ما يشتمل على شيء من ذلك؟ قلتُ: إنه لما ترجم هذا الباب بما ترجم به وذَكَر فيه الاستفهام في موضعين ولم يجزم بشيء فيهما لأجل الاختلاف الذي ذكرناه فيهما، أشار بالخلاف الذي بين بلال وابن عمر إلى أن هذا الذي شاهد بلالًا حين يتبع فاه، رآه بالضرورة أنه جعل إصبعيه في أذنيه، والذي شاهد ابن عمر لم ير منه ذلك، فكان لذكر ذلك في هذا الباب وجهٌ من هذه الحيثية.\nثم أشار بالخلاف الذي بين إبراهيم وعطاء: إلى أن هذا المؤذن الذي يتبع فاه أو غيره يتبعه فاه كيف حاله؟ أهو في الطهارة أم لا؟ وهو أيضًا وجهٌ ما من هذه الحيثية.\nفوُجِدت المناسبة في ذِكرِ هذين الشيئين، وأدنى المناسبة كافٍ، لأن المقام إقناعي لا برهاني. وأما وجه ذِكرِ ما رُوي عن عائشة ههنا فهو لبيان عدم صحة إلحاق الأذان بالصلاة، لأن قولها: (عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ) مُتناولٌ لحين الحدث. انتهى.\nقال شيخنا: وقد تقدم الكلام على حديث عائشة في باب تقضي الحائض المناسك من كتاب الحيض.\n\n٦٣٤ - <span id=\"b-٢١٧\"> </span>قوله: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) أي الفَريابي، ترجمته في باب ما كان النبي يتخولهم بالموعظة.\nقوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) أي الثوري، ترجمته في باب علامات المنافق.\nقوله: (عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ) أي بفتح العين المهملة. وجُحَيفة بضم الجيم وفتح الحاء المهملة. واسمه وهب بن عبد الله، ترجمته في باب الصلاة في الثوب الأحمر.\nقوله: (عَنْ أَبِيهِ) أي أبو جُحيفة. ترجمته في كتابة العلم.\nقوله: (أَنَّهُ رَأَى بِلَالًا يُؤَذِّنُ فَجَعَلْتُ أَتَتَبَّعُ فَاهُ هَهُنَا وَهَهُنَا بِالأَذَانِ) مطابقته للترجمة ظاهرة.\nقوله: (هَهُنَا وَهَهُنَا بِالأَذَانِ) قال شيخنا: كذا أُورد مختصرًا، ورواية وكيع عن سفيان عند مسلم أتمُّ حيث قال: «فجعلت أتتبع فاه ههنا وههنا يمينًا وشمالًا يقول: حي على الصلاة حي على الفلاح». وهذا فيه تقييد الالتفات في الأذان وأن محلَّه عند الحيعلتين، وبوب عليه ابن خزيمة: انحرافُ المؤذن عند قوله: حي على الصلاة حي على الفلاح، بفمه لا ببدنه كله.\nقال: وإنما يمكن الانحراف\n_________\n(^١) في (الأصل): «اختيا» والصواب «اختيار».","vol":"1","page":172},{"text":"بالفم بانحراف الوجه. ثم ساقه من طريق وكيع أيضًا بلفظِ ما تقدم. وفي رواية عبد الرزاق (^١) عن الثوري في هذا الحديث زيادتان: إحداهما: الاستدارة، والأخرى: وضعُ الإصبع في الأذن.\nفأما قولُه فيه: «ويدور» فهو مدرج في رواية سفيان عن عون، بيَّن ذلك يحيى بن آدم عن سفيان عن عون عن أبيه قال: «رأيتُ بلالًا أذَّن فأتبع فاه ههنا وههنا والتفت يمينًا وشمالًا». قال سفيان: كان حجاج - يعني: ابن أرطأة - يذكره لنا عن عون أنه قال: فاستدار في أذانه، فلما لَقِينَا عونًا لم يذكر فيه الاستدارة. وقد ذكرنا اختلاف الروايات فيه في أول الباب.\n\n <span id=\"b-٢١٨\"> </span>(٢٠)<span data-type=\"title\" id=toc-218> بَابُ قَوْلِ الرَّجُلِ: فَاتَتْنَا الصَّلَاةُ</span>\nأي هذا باب في بيان قول الرجل: فاتتنا الصلاة، يعني: هل يكره أم لا؟\nقوله: (وَكَرِهَ ابْنُ سِيرِينَ) أي بكسر السين المهملة، ترجمته في باب اتباع الجنائز.\nقوله: (أَنْ يَقُولَ: فَاتَتْنَا الصَّلَاةُ، وَلِيَقُلْ: لَمْ نُدْرِكْ) هذا التعليق وصله ابن أبي شيبة في «مصنفه»: عن أزهر عن ابن عون، قال: كان محمد - يعني: ابن سيرين - يكره أن يقول: فاتتنا الصلاة، ويقول: لم أدرك مع بني فلان.\nقوله: (أَنْ يَقُولَ) أي الرجل.\nقوله: (وَلِيَقُلْ) ويروى: &lt;ولكن ليقل&gt;.\nقوله: (وَقَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ أَصَحُّ) هو بالرفع، لأنه كلامٌ إضافيٌّ مبتَدَأ.\nوقوله: (أَصَحُّ) خبره، وليس المراد منه أفعل التفضيل، لأنه إذا أريد به التفضيل يلزم أن يكون قول ابن سيرين صحيحًا وقولُ النبي ﷺ أصح منه، وليس كذلك، وإنما المراد بالأصح: الصحيح، لأنه قد يُذكر أفعل ويراد به التوضيح لا التفضيل.\nوهذا كلام البخاري رادٌّ على بن سيرين، ووجه الرد أن الشارع أطلق لفظ الفوات فدل على الجواز، وابنُ سيرين مع كونه كرهه فإنما هو من جهة اللفظ لأنه قال: (وَلِيَقُلْ لَمْ يُدْرِكْ) وهذا مُحصِّل معنى الفوات. لكن قوله: (لَمْ يُدْرِكْ) فيه نسبة عدم الإدراك إليه بخلاف: (فَاتَتْنَا).\nقال شيخنا: فلعل ذلك هو الذي لحظه ابن سيرين.\n\n٦٣٥ - <span id=\"b-٢١٩\"> </span>قوله: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) أي الفضل بن دُكين، ترجمته في باب فضل من أستبرأ لدينه في كتاب الإيمان.\nقوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ) أي بفتح الشين المعجمة وسكون الياء آخر الحروف بعدها الباء الموحدة، ابن عبد الرحمن النحوي، ترجمته في باب كتابة العلم.\nقوله: (عَنْ يَحْيَى) أي ابن أبي كثير، ترجمته في الباب أيضًا.\nقوله: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ) ترجمته في باب النهي عن الاستنجاء باليمين.\nقوله: (عَنْ أَبِيهِ) أي أبو قتادة، الحارث بن رِبْعِيٍّ الأنصاري، ترجمته في الباب أيضًا.\nفي هذا الإسناد: التحديث بصيغة الجمع في موضعين. وفيه: العنعنة في ثلاثة مواضع. وفيه: أن رواته ما بين كوفي وبصري. وفيه: القول في موضعين.\nقال شيخنا: في رواية مسلم من طريق معاوية بن سلام عن يحيى بن أبي كثير التصريحُ بإخبار عبد الله له به وبإخبار أبي قتادة لعبد الله.\nقوله: (بَيْنَمَا نَحْنُ نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ إِذْ سَمِعَ جَلَبَةَ الرِجَالِ، فَلَمَّا صَلَّى قَالَ: «مَا شَأْنُكُمْ؟» قَالُوا: اسْتَعْجَلْنَا إِلَى الصَّلَاةِ؟ قَالَ: «لَا تَفْعَلُوا، إِذَا أَتَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَعَلَيْكُمْ\n_________\n(^١) «الرزاق» ليست في (الأصل).","vol":"1","page":172},{"text":"بِالسَّكِينَةِ، فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا»).\nمطابقته للترجمة في قوله: (وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا).\nقال شيخنا: وموضع هذه الترجمة وما بعدها من أبواب الأذان والإقامة: أنَّ المرءَ عند إجابة المؤذن يُحتمل أن يدرك الصلاة كلَّها أو بعضَها أو لا يدرك شيئًا، فاحتيج إلى جواز إطلاق الفوات وكيفيةِ العمل عند فوات البعض ونحو ذلك. انتهى.\nوالحديث أخرجه مسلم أيضًا في الصلاة عن إسحاق بن منصور وعن أبي بكر بن أبي شيبة.\nقوله: (بَيْنَمَا) أصله: «بين»، فزيدت فيه الميم والألف، وربما تزاد الألف فقط، فيقال: «بينا»، وهما ظرفا زمان بمعنى المفاجأة، ويضافان إلى جملةٍ من فعل وفاعل ومبتدأ وخبر، ويحتاجان إلى جواب يَتِمُّ به المعنى، والأفصح أن لا يكون «إذ» و«إذا» في جوابهما. يقول: بينا زيد جالس دخل عليه عمرو، وإذ دخل عليه عمرو، وإذا دخل عليه عمرو.\nقوله: (جَلَبَةَ) بجيم ولام وموحدة مفتوحة.\nقوله: (الرِجَالِ) بالألف واللام، وهما للعهد الذهني، وقد سُمِّي منهم أبو بكرة فيما رواه الطبراني من رواية يونس عن الحسن عنه في نحو هذه القصة في رواية الأكثرين، وفي رواية كَريمة والأصيلي: &lt;جلبة رجال&gt; بغير ألف بدون الألف واللام، والجَلَبَة، بالفتحات: الأصوات، وذلك الصوت كان بسبب حركتهم وكلامِهم واستعجالهم.\nقوله: (مَا شَأْنُكُمْ؟) الشأنُ - بالهمز والتخفيف -: الحال، أي ما حالُكُم حيثُ وقع منكم الجَلَبَة؟\nقوله: (لَا تَفْعَلُوا) أي لا تستعجلوا، وذُكِر بلفظ الفعل لا بلفظ الاستعجال مبالغةً في النهي عنه.\nقوله: (بِالسَّكِينَةِ) بفتح السين المهملة وكسر الكاف: التأني والهِينة، ويروى: &lt;فعليكم السكينةَ&gt; بدون حرف الجر، وبالنصب نحو: عليك زيدًا، أي الزمه، ويجوز الرفعُ على أنه مبتدأٌ وخبرُه هو قوله: (عَلَيْكُمْ).\nقوله: (فَمَا أَدْرَكْتُمْ) أي القدْرُ الذي أدركتموه من الصلاة مع الإمام فصلوا معه، وما فاتكم منها فأتموه.\nوفي هذه اللفظة اختلاف، فعند أبي نعيم الأصبهاني: «وما فاتكم فاقضوا»، وكذا ذكرها الإسماعيلي من حديث شيبان عن يحيى، وفي رواية أبي داود من حديث أبي هريرة: «فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا»، وكذا هو في أكثر روايات مسلم.\nوفي رواية: «فاقضِ ما سبقك»، وفي روايةٍ لأبي داود: «فاقضوا ما سبقكم» وعند أحمد من حديث ابن عيينة عن الزهري عن سعيد عنه: «وما فاتكم فاقضوا»، وفي «المحلَّى» من حديث ابن جريج عن عطاء عن أبي هريرة أنه قال: «إذا كان أحدُكُم مقبِلًا إلى الصلاة فليمش على رِسْلِه، فإنه في صلاة، فما أدرك فليصل، وما فاته فليقضِ بعدُ». قال عطاء: وإني لأصنُعه.\nوفي «مسند أبي قرة» عن ابن جريج عن الزهري عن أبي سلمة عنه بلفظ: «فاقضوا». قال: وذكر سفيان عن سعد بن إبراهيم حدثني عمرو بن أبي سلمة عن أبيه عنه، بلفظ: «وليقض ما سبقه».\nقال العيني: اختلف العلماء في الإتمام والقضاء المذكورين: هل هما بمعنًى واحد أو بمعنيين؟ وترتب على ذلك خلافٌ فيما يدركُه الداخل مع الإمام: هل هو أولُ صلاته أو آخرُها؟ على أربعة أقوال:\nأحدُها: أنه أولُ صلاتِه، وأنَّهُ يكون بانِيًا عليه في الأفعال والأقوال، وهو قول الشافعي وإسحاق والأوزاعي، وهو مروي عن علي","vol":"1","page":173},{"text":"وابن المسيب والحسن وعطاء ومكحول، وروايةٌ عن مالك وأحمد. واستدلوا بقوله: (وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا)، لأن لفظ الإتمامِ واقعٌ على باقٍ من شيءٍ قد تقدم سائرُه، وروى البيهقي من حديث عبد الوهاب بن عطاء عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن الحارث عن علي ﵁: ما أدركتَ فهو أول صلاتك. وعن ابن عمر بسند جيدٍ مثلُه.\nالثاني: أنه أول صلاته بالنسبة إلى الأفعال فيَبني عليها، وآخرها بالنسبة إلى الأقوال فيقضيها، وهو قول مالك. وقال ابن بطال عنه: ما أدرك فهو أول صلاته إلا أنه يقضي مثل الذي فاته من القراءة بأم القرآن وسورة، وقال سُحنون: هذا الذي لم يُعرف خلافُه، دليلُه ما رواه البيهقي من حديث قتادة: أن علي بن أبي طالب قال: ما أدركتَ مع الإمام فهو أولُ صلاتِك، واقض ما سبقك به من القرآن.\nالثالث: أنَّ ما أدرك فهو أولُ صلاتِه إلا أنه يقرأ فيها بالحمد وسورةٍ مع الإمام، وإذا قام للقضاء قضى بالحمدِ وحدَها، لأنه آخرُ صلاتِه، وهو قول المزني وإسحاق وأهل الظاهر.\nالرابع: أنَّهُ آخِرُ صلاتِه وأنه يكون قاضيًا في الأفعال والأقوال، وهو قول أبي حنيفة وأحمد في رواية، وسفيان ومجاهد وابن سيرين. وقال ابن الجوزي: الأشبهُ بمذهبنا ومذهبِ أبي حنيفة أنه آخرُ صلاتِه، وقال ابن بطال: رُوي ذلك عن ابن مسعود وابن عمر وإبراهيم النخَعي والشعبي وأبي قلابة، ورواه ابنُ القاسم عن مالك، وهو قول أشهب وابن الماجِشون، واختاره ابنُ حبيب، واستدلوا على ذلك بقوله ﷺ: «وما فاتكم فاقضوا». ورواه ابنُ أبي شيبة بسندٍ صحيح عن أبي ذر، وابنُ حزم بسندٍ مثلِه عن أبي هريرة، والبيهقيُّ بسندٍ لا بأس به على رأي جماعةٍ عن معاذ بن جبل، ﵁.\nقال العيني أيضًا: والجواب عمَّا قال الشافعي ومن تبعه وهو قولُه: (فَأَتِمُّوا) أنَّ صلاةَ المأموم مرتبطةٌ بصلاة الإمام، فحُمِل قولُه: (فَأَتِمُّوا) على أنه من قضى ما فاته فقد أتمَّ، لأن الصلاة تنقُصُ بما فات، فقضاؤه إتمامٌ لما نقص.\nفإن قلتَ: قال النووي: وحجة الجمهور أن أكثر الروايات: (وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا)، وأجيب عن رواية: «واقض ما سبقك» أن المراد بالقضاءِ الفعلُ لا القضاءُ المصطلح عليه عند الفقهاء، وقد كثُرَ استعمال القضاء بمعنى الفعل، فمنه قوله تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت: ١٢]. وقوله: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٠٠]. وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ﴾ [الجمعة: ١٠]. ويقال: قضيتُ حقَّ فلان، ومعنى الجميعِ: الفعلُ.\nقال أيضًا: أما الجواب عن قوله: (فَأَتِمُّوا) فقد ذكرناه آنفا، وأما قوله: المراد بالقضاءِ الفعلُ، فمشترك الدلالة، لأن الفعل يُطلق على الأداء والقضاء جميعًا، ومعنى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ [فصلت: ١٢]: قدَّرَهُنَّ، ومعنى ﴿قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٠٠]: فرغتُم عنها، وكذا معنى ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ﴾ [الجمعة: ١٠]. ومعنى: قضيتُ حقَّ فلان، أنهيتُ إليه حقه، ولو سلمنا أنَّ القضاء بمعنى الأداء فيكون مجازًا، والحقيقةُ أولى من المجاز، ولا سيما على أصلهم أن المجازَ ضروري لا يُصار إليه إلا عند الضرورة والتعذر.\nفإن قلتَ: حكى البيهقي","vol":"1","page":173},{"text":"عن مسلم أنه قال: لا أعلم هذه اللفظة - يعني: «فاقضوا» - عن الزهري إلا ابن عيينة، وأخطأ. قال أيضًا: تابعه ابن أبي ذئب فرواها عن الزهري كذلك، وكذا وقع في رواية لمسلم وأبي داود كما ذكرنا عن قريب. انتهى.\nقلتُ: الجمهور على قول الشافعي، والروايات التي فيها لفظُ (فَأَتِمُّوا) أكثر كما قدَّمناه فكان العمل بها أولى، وما أجاب به العيني عن مذهبه ستعرفُ ما يرُدُّه من الكلامِ على الحديث في الباب الآتي إن شاء الله تعالى.\nوقال الكِرماني: (وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا)، دليلٌ للشافعية حيث قالوا: ما أدركه المسبوقُ مع الإمام فهو أولها (^١)، لأن الإتمام لا يكون إلا للآخِر، لأنه يقع على باقي شيءٍ تقدم أولُه، وعَكَس أبو حنيفة فقال: ما أدرَكَ مع الإمام فهو آخرُها. انتهى.\nقال العيني: عكس هو حيث غفل عن رواية: «فاقضوا»، وما قال فيه العلماء وقد ذكرناه، ولو تأدَّبَ لأحسن في عبارته، وليس أبو حنيفة فيما قاله وحده. انتهى.\nوفي الحديث: الحث في الإتيان إلى الصلاة بالسكينة والوقار، وسواء فيه سائرُ الصلوات، سواءٌ خاف فوْت تكبيرة الإحرام أم لا.\nوفيه: جواز قول الرجل: فاتتنا الصلاة، وأنه لا كراهة فيه عند جمهور العلماء، وقد مر الكلام فيه.\n\n <span id=\"b-٢٢٠\"> </span>(٢١) بَابُ لَا يَسْعَى إِلَى الصَّلَاةِ، وَلْيَأْتِها بِالسَّكِينَةِ وَالوَقَارِ\nأي هذا باب يذكر فيه: لا يسعى الرجل إلى الصلاة... إلى آخره، وسقطت هذه الترجمة من رواية الأصيلي ومن رواية أبي ذر عن غير السرخسي.\nقال شيخنا: وثبوتها أصوب لقوله فيها: (قَالَهُ أَبُو قَتَادَةَ) لأن الضمير يعود على ما ذُكِر في الترجمة، ولولا ذلك لعاد الضمير إلى المتن السابق فيكون ذكرُ أبي قتادة تكرارًا بلا فائدة، لأنه ساقه عنه.\nقال العيني: وفي بعض نسخ الشُّرَّاح: &lt;باب ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا، قاله أبو قتادة عن النبي ﷺ&gt;، والأوجه ما مشينا عليه.\nقوله: (وَقَالَ: «مَا أَدْرَكْتُمْ، فَصَلُّوا وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا») أي قال النبي ﷺ.\nقوله: (قَالَهُ أَبُو قَتَادَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ) الضمير المنصوب في: (قَالَهُ) يرجع إلى المذكور في الترجمة، وهو قوله: (مَا أَدْرَكْتُمْ، فَصَلُّوا وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا) والمعنى: قاله عن النبي ﷺ، وهو الذي رواه البخاري في الباب السابق.\n\n٦٣٦ - <span id=\"b-٢٢١\"> </span>قوله: (حَدَّثَنَا آدَمُ) أي ابن أبي إياس، ترجمته في باب أمور الإيمان.\nقوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ) أي محمد بن عبد الرحمن، ترجمته في باب حفظ العلم.\nقوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ) أي محمد بن مسلم، ترجمته في باب إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة.\nقوله: (عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ) ترجمته في باب من قال الإيمان هو العمل.\nقوله: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁) أي عبد الرحمن بن صخر، ترجمته في باب أمور الإيمان.\nقوله: (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ) قوله: (وَعَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، ﵁).\nفي هذا الإسناد: التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع. وفيه: العنعنة في سبعة مواضع.\nوفيه: أن الزهري حدَّثَ به عن شيخين حدثاه به عن أبي هريرة، وقد جمعهما المصنف في\n_________\n(^١) في (الأصل): «آخرها» والصواب «أولها».","vol":"1","page":174},{"text":"باب المشي إلى الجمعة عن آدم، فقال فيه: عن سعيد وأبي سلمة، كلاهما عن أبي هريرة، وكذلك أخرجه مسلم من طريق إبراهيم بن سعد عن الزهري عنهما.\nوذكر الدارقطني الاختلاف فيه على الزهري، وجزم بأنه عندَه عنهما جميعًا، قال: وكان ربما اقتصر على أحدهما، وأما الترمذي فإنه أخرجه من طريق يزيد بن زريع عن معمر عن الزهري عن ابن أبي سلمة وحده، ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن سعيد وحده. قال: وقول عبد الرزاق أصح. وأخرجه من طريق ابن عُيينة عن الزهري قال عبد الرزاق، وهذا عمل صحيح لو لم يثبت أنَّ الزهري حدَّث به عنهما.\nوقد أخرجه المصنف في باب المشي إلى الجمعة من طريق شعيب، ومسلم من طريق يونس كلاهما عن الزهري عن أبي سلمة وحده، ورَجَحَ ما قاله الدارقطني.\nوفيه: أن رواته كلهم مدنيون ما خلا شيخ البخاري فإنه عسقلاني.\nقوله: (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا سَمِعْتُمُ الإِقَامَةَ، فَامْشُوا إِلَى الصَّلَاةِ وَعَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ وَالوَقَارِ، وَلَا تُسْرِعُوا، فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا»)\nمطابقته للترجمة ظاهرة.\nقوله: (إِذَا سَمِعْتُمُ الإِقَامَةَ) قال شيخنا: هو أخصُّ من قوله في حديث أبي قتادة: «إذا أتيتم الصلاة» لكنَّ الظاهر أنه من مفهوم الموافقة، لأن الْمُسرِع إذا أقيمت الصلاة يترجَّى إدراكَ فضيلةِ التكبيرة الأولى ونحو ذلك، ومع ذلك فقد نهى عن الإسراع فغيُره ممن جاء قبل الإقامة لا يحتاج إلى الإسراع، لأنه يتحقق إدراكُ الصلاة كلِّها فيُنهى عن الإسراع من باب أولى.\nوقد لحظ فيه بعضُهم معنًى غيَر هذا فقال: الحكمةُ في التقييد بالإقامة أن المُسرع إذا أقيمت الصلاة يصلُ إليها وانبهر، فيقرأ وهو في تلك الحالة فلا يُحصِّل تمامَ الخشوع في الترتيل وغيره، بخلاف من جاء قبل ذلك فإنَّ الصلاة لا تُقام حتى يستريح. انتهى.\nوقضيةُ هذا أنه لا يُكره الإسراعُ لمن جاء قبل الإقامة، وهو مخالفٌ لصريح قوله: «إذا أتيتم الصلاة» لأنه يتناول ما قبل الإقامة، وإنما قُيِّدَ (^١) في الحديث الثاني بالإقامة لأن ذلك هو الحاصلُ في الغالب على الإسراع.\nقوله: (وَعَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ) كذا في رواية أبي ذر، ولغيره: &lt;وعليكم السكينةَ&gt; بالنصب بلا باء، وكذا في رواية مسلم من طريق يونس، وضبَطَها القرطبيُّ الشارحُ بالنصب على الإغراء، وضبطها النووي بالرفع على أنها جملةٌ في موضع الحال.\nواستشكَل بعضُهم دخولَ الباء، قال: لأنه مُتَعَدٍّ بنفسِه كقوله تعالى: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥]، ورُدَّ بأنَّها زائدةٌ للتأكيد. قال شيخنا: وفيه نظر لثبوت زيادة الباء في الأحاديث الصحيحة كحديث: «عليكم برخصة الله»، وحديث: «فعليه بالصوم فإنه له وِجاء»، وحديث: «عليك بالمرأة» قاله لأبي طلحة في قصة صفية، وحديث: عليكَ بعَيْبَتِكَ قالته عائشة لعمر، وحديث: «عليكم بقيام\n_________\n(^١) في (الأصل): «قيل» والصواب «قيد».","vol":"1","page":174},{"text":"الليل»، وحديث: «عليك بخُوَيْصَةِ نفسِك»، وغيرِ ذلك. ثم إن الذي علله به هذا المعترِضُ غيرُ مُوفٍ بمقصودِه إذْ لا يَلزمُ من كونه يتعدى بنفسِه امتناعُ تعديته بالباء. إذا ثبت ذلك فيدل على أن فيه لُغتين. والله أعلم.\nقال العيني: هذا القائل لم يَشَمَّ شيئًا من علم التصريف، ونفيُ الملازمةِ غيرُ صحيح. انتهى.\nقلتُ: يقال للعيني ﵀ ما قاله عن قريبٍ في حق الكِرماني: لو تأدَّبَ لأحسن في عبارته، وكلامُ شيخنا صحيح، لأن المتعدِّي بنفسه لا يمتنع تعديته مع الباء. انتهى.\nفائدة: الحكمةُ في هذا الأمر تستفاد من زيادةٍ وقعت في مسلم من طريق علاء عن أبيه عن أبي هريرة فذكر نحوَ حديثِ البابِ وقال في آخره: «فإنَّ أحدَكُم إذا كان يعمَد إلى الصلاة فهو في صلاة» أي أنه في حكم المصلي فينبغي له اعتمادُ ما ينبغي للمصلي اعتمادُه واجتنابُ ما ينبغي للمصلي اجتنابُه.\nقوله: (وَالوَقَارِ) قال عياض والقرطبي: هو بمعنى السكينةِ، وذُكِر على سبيل التأكيد. وقال النووي: السكينة: التأني في الحركات واجتنابُ العبث والوقارُ في الهيئة، كغضِّ البصر وخفضِ الصوت وعدم الالتفات.\nقوله: (وَلَا تُسْرِعُوا) فيه زيادةُ تأكيد، ولا منافاة بينه وبين قوله تعالى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩]، وإن كان معناه يُشعر بالإسراع، لأن المراد بالسعي الذهابُ، يُقال: سعيتُ إلى كذا أي ذهبتُ إليه، والسعي أيضًا جاء بمعنى العملِ وبمعنى القصد.\nويستفاد من قوله: (وَلَا تُسْرِعُوا (^١» الذي هو لزيادة التأكيد الردُّ على من أوَّلَ قولَه في حديث أبي قتادة: «لا تفعلوا» أي الاستعجالُ المفضي إلى عدم الوقار، وأما الإسراعُ الذي لا ينافي الوقار كمن خاف فوت التكبيرة فلا، وهذا محكيٌّ عن إسحاق بن راهويه، وقد تقدمت رواية العلاء التي فيها: «فهو في صلاة» قال النووي: نبَّهَ بذلك على أنه لو لم يدرك من الصلاة شيئًا لكان محصِّلًا لمقصوده لكونه في صلاة، وعدمُ الإسراعِ أيضًا يستلزم كثرة الخُطا، وهو معنًى مقصوٌد لذاته وَرَدت فيه أحاديث كحديث جابر عندَ مسلم أَنَّ بكل خطوة درجة.\nولأبي داود من طريق سعيد بن المسيب عن رجل من الأنصار مرفوعًا: «إذا توضأ أحدُكُم فأحسن الوُضوء ثم خرج إلى المسجد لم يرفع قدمه اليمنى إلا كتب الله له حسنةً، ولم يضع قدمه اليُسرى إلا حَطَّ الله عنه سيئة، فإنْ أتَى المسجدَ فصلَّى في جماعة غُفِر له، فإن أتى وقد صَلَّوْا بعضًا وبقي بعضٌ فصلى ما أدرك وأتم ما بقي كان كذلك، وإن أتى المسجدَ وقد صلَّوْا فأتَمَّ الصلاة كان كذلك».\nقوله: (فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا) قال الكِرماني: الفاءُ جوابُ شرطٍ محذوفٌ، أي إذا بينتُ لكم ما هو أولى بكم فما أدركتم فصلوا. قال شيخنا: أو التقدير: إذا فعلتم فما أدركتم أي فعلتم الذي أمرتُكم به من السكينة وتَرْكِ الإسراع.\nقوله: (وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا) أي أكملوا، قال شيخنا: هذا هو الصحيح في رواية الزهري، ورواه عنه ابنُ عيينة بلفظ: «فاقضوا»، وحَكَم مسلم في «التمييز» عليه بالوهم في هذه اللفظة،\n_________\n(^١) في (الأصل): «ولا تسعوا» والصواب «ولا تسرعوا».","vol":"1","page":175},{"text":"مع أنه أخرج إسناده في «صحيحه» لكن لم يسق لفظَه، وكذا روى أحمد عن عبد الرزاق عن معمر عن همام عن أبي هريرة فقال: «فاقضوا»، وأخرجه مسلم عن محمد بن رافع عن عبد الرزاق بلفظ: «فأتموا»، واختُلف أيضًا في حديث أبي قتادة، فروايةُ الجمهور، «فأتموا»، ووقع لمعاوية بن هشام عن شيبان: «فاقضوا»، كذا ذكره ابن أبي شيبة عنه.\nوأخرج مسلم إسناده في «صحيحه» عن ابن أبي شيبة فلم يسُقْ لفظهُ أيضًا، وروى أبو داود مثلَه عن سعد بن إبراهيم عن أبي سلمة عن أبي هريرة، قال: ووقعت في رواية أبي رافع عن أبي هريرة، واختُلِف في حديث أبي ذر، قال: وكذا قال ابنُ سيرين عن أبي هريرة: «وليقض». ورواية ابن سيرين عند مسلم بلفظ: «صلِّ ما أدركت واقضِ ما سَبَقَك»\nوالحاصل أن أكثر الروايات وَرَدَ بلفظ: «فأتموا»، وأقلَّها بلفظ: «فاقضوا»، وإنما تظهر فائدةُ ذلك إن جعلنا بين الإتمام والقضاء مغايرة لكن إذا كان مَخرجُ الحديث واحدًا واختُلِف في لفظةٍ منه وأمكن رَدُّ الاختلاف إلى معنًى واحدٍ كان أوْلى، وهنا كذلك، لأنَّ القضاء وإن كان يُطلَق على الفائت غالبًا لكن يُطلق على الأداء أيضًا. ويَرِدُ بمعنى الفراغ، كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا﴾ [الجمعة: ١٠]، ويَرِدُ بمعان أُخَر، فيُحمَل قولُه هنا: «فاقضوا» على معنى الأداء أو الفراغ فلا يُغايِرُ قولَه: «فأتموا».\nفلا حجة فيه لمن تمسك برواية: «فاقضوا» على أنَّ ما أدرك المأمومُ هو آخرُ صلاته حتى استُحِبَّ له الجهرُ في الركعتين الأخيرتين وقراءةُ السورة وتركُ القنوت، بل هو أوَّلُها وإن كان آخرَ صلاة إمامِه، لأن الآخِر لا يكون إلا عن شيءٍ تقدَّمَهُ، وأوضحُ دليلٍ على ذلك أنه يجب عليه أن يتشهَّدَ في آخر صلاتِه على كل حال، فلو كان ما يدرِكُ مع الإمام آخِرًا له لَمَا احتاجَ إلى إعادة التشهد.\nوقولُ ابنِ بطال إنه ما تشهد إلا لأجْلِ السلام لأنه يحتاج إلى سبْقِ التَشَهُّد. ليس بالجواب الناهضِ على دفع الإيراد المذكور، واستَدَلَّ ابنُ المنذر لذلك أيضًا أنهم أجمعوا على تكبيرة الافتتاح لا تكون إلا في الركعة الأولى، وقد عمل بمقتضى اللفظين الجمهورُ، فإنهم قالوا: إنَّ ما أدركه المأمومُ هو أولُ صلاته إلا أنه يقضي مثل الذي فاته من قراءة السور مع أم القرآن في الرباعية، لكن لم يَستَحِبُّوا له إعادة الجهرِ في الركعتين الباقيتين، وكأن الحجة فيه قول علي: ما أدركتَ مع الإمام فهو أوَّلُ صلاتك، واقض ما سبقك به من القرآن. أخرجه البيهقي.\nعن إسحاق والمزني: لا يقرأ إلا أمَّ القرآن فقط، وهو القياس، واستُدِلَّ بحديث الباب على حصول فضيلة الجماعة بإدراك جزءٍ من الصلاة لقوله: «فما أدركتم فصلُّوا»، ولم يفصِّل بين القليل والكثير، وهذا قول الجمهور، وقيل: لا تُدرَك الجماعةُ بأقل من ركعةٍ للحديث السابق: «من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك»، وقياسًا على الجمعة، وقد قدَّمنا الجوابَ عنه في موضعه، وأنه وَرَدَ في الأوقات، وأنَّ في الجمعة حديثًا خاصًّا بها.\nواستُدِلَّ به أيضًا على استحباب الدخول مع الإمام في أي حالة وُجِدَ عليها. وفيه حديثٌ أصرحُ منه أخرجه ابنُ أبي شيبة من طريق عبد العزيز بن رفيع عن رجل من الأنصار مرفوعًا: «من وجدني راكعًا أو قائمًا أو ساجدًا فليكن","vol":"1","page":175},{"text":"معي على حالتي التي أنا عليها».\nواستُدِلَّ به على أنَّ من أدرك الإمامَ راكعًا لم تحسب له تلك الركعة للأمر بإتمام ما فاته، لأنه فاته الوقوفُ والقراءةُ فيه، وهو قولُ أبي هريرة وجماعةٍ بل حكاه البخاري في القراءة خلفَ الإمام عن كل من ذهب إلى وجوبِ القراءة خلفَ الإمام، واختارَهُ ابنُ خزيمة والضبعي وغيرُهما من محدثي الشافعية، وقواه الشيخ تقي الدين السُّبكي من المتأخرين. والله أعلم.\nقال شيخنا أيضًا: وحجة الجمهور حديث أبي بكرة حيثُ ركع دونَ الصف فقال له النبيُّ ﷺ: «زادك الله حرصًا ولا تعُد»، ولم يأمره بإعادة تلك الركعة وسيأتي في أثناء صفة الصلاة إن شاء الله تعالى.\nقال العيني: وروى أبو داود من حديث معاوية بن أبي سفيان قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تبادروني بالركوع والسجود، فإنه مهما أسبِقُكُم به إذا ركعتُ تدركوني به إذا رفعتُ، وإني قد بدنت». وهذا يدل أن المقتدي إذا لَحِق الإمامَ وهو في الركوع فلو شرع معه ما لم يرفع رأسَه يصيرُ مدركًا لتلك الركعة، فإذا شَرَعَ وقد رَفَعَ رأسَه لا يصيرُ مدركًا لتلك الركعة، ولو ركع المقتدي قبل الإمام فلحِقَهُ الإمامُ قبل قيامه يجوز عندنا خلافًا لزُفَر. انتهى.\n\n <span id=\"b-٢٢٢\"> </span>(٢٢)<span data-type=\"title\" id=toc-222> بَابٌ: مَتَى يَقُومُ النَّاسُ، إِذَا رَأَوُا الْإِمَامَ عِنْدَ الْإِقَامَةِ</span>\nأي هذا باب يُذكَر فيه متى يقوم الجماعةُ إذا رأوا الإمام عند إقامة الصلاة، وحديثُ الباب يبيِّنُ ذلك.\nقيل: أوردَ الترجمة بلفظ الاستفهام لأن قولَه في الحديث: (لَا تَقُومُوا) نَهيٌ عن القيام، وقولَه: (حَتَّى تَرَوْنِي) تسويغٌ للقيام عند الرؤية، وهو مطلقٌ غيرُ مقيد بشيءٍ من ألفاظِ الإقامة، ومن ثَمَّ اختلف السلف في ذلك كما سيأتي.\n\n٦٣٧ - <span id=\"b-٢٢٣\"> </span>قوله: (حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) أي القصاب، ترجمته في باب زيادة الإيمان.\nقوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ) أي الدستوائي، ترجمته في الباب أيضًا.\nقوله: (قَالَ: كَتَبَ إِلَيَّ يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ) أي اليمامي الطائي، في باب كتابة العلم.\nقوله: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ) أي السلمي، في باب النهي عن الاستنجاء باليمين.\nقوله: (عَنْ أَبِيهِ) أي الحارث بن ربعي، ترجمته في الباب أيضًا.\nفي هذا الإسناد: التحديث بصيغة الجمع في موضعين. وفيه: العنعنة في موضعين. وفيه: الكتابة وهي طريقٌ من طرق الحديث، وهي أن يكتب بمسموعِه لغائب أو حاضر، إما أن تكون مقرونة بالإجازة أو لا، وذلك عندهم معدود في المسند الموصول.\nوظاهر قوله: (كَتَبَ إِلَيَّ يَحْيَى) أنه لم يسمعه منه، وقد رواه الإسماعيلي من طريق هشيم عن هشام وحجاج الصواف، وكلاهما عن يحيى، وهو من تدليس الصِّيَغ، وصرح أبو نعيم في «المستخرج» من وجه آخر عن هشام أن يحيى كتب إليه أن عبد الله بن أبي قتادة حدثه، فأُمِن من تدليس يحيى. وفيه: القول في أربعة مواضع.\nقوله: (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَلَا تَقُومُوا حَتَّى تَرَوْنِي»).\nمطابقته للترجمة من حيث إن معنى الحديث أن الجماعة لا يقومون عند الإقامة إلا حين يرون أنَّ الإمام قام، وقد اختلف العلماء في وقت قيام الناس على ما نُبَيِّنُهُ عن قريبٍ","vol":"1","page":176},{"text":"إن شاء الله تعالى.\nوهذا الحديث أخرجه البخاري أيضًا في الصلاة عن أبي نُعيم عن شيبان عن يحيى به، وعن عمرو بن علي عن أبي قتيبة. وأخرجه مسلم فيه عن أبي بكر بن أبي شيبة وعن إسحاق بن إبراهيم وعن ابن أبي شيبة عن إسماعيل بن عُلَيَّة وعن محمد بن حاتم وعبيد الله بن سعيد. وأخرجه أبو داود عن مسلم بن إبراهيم وموسى بن إسماعيل وعن إبراهيم بن موسى وعن أحمد بن صالح. وأخرجه الترمذي فيه عن أحمد بن محمد. وأخرجه النَّسائي فيه عن الحسين بن حريث وعن علي بن حجر.\nقوله: (أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ) أي ذُكِرتْ ألفاظُ الإقامة ونودي بها.\nقوله: (حَتَّى تَرَوْنِي) أي تبصروني خرجتُ، وصرَّحَ به عبد الرزاق وغيرُه عن معمر عن يحيى، أخرجه مسلم. ولابن حبان من طريق عبد الرزاق وحدَه: «حتى تروني خرجتُ إليكم» وفيه مع ذلك حذفٌ تقديرُه: لا تقوموا حتى تروني خرجتُ فإذا رأيتموني خرجتُ فقوموا.\nوقد اختلف السلف متى يقوم الناس إلى الصلاة؟ قال مالك في «الموطأ»: لم أسمع في قيام الناس حين تُقام الصلاة بحدٍّ محدود إلا أني أرى ذلك على طاقة الناس فإن منهم الثقيل والخفيف.\nقال العيني: ذهب مالك وجمهور العلماء إلى أنه ليس لقيامهم حدٌّ، ولكن استَحبَّ عامَّتُهم القيامَ إذا أخذ المؤذن في الإقامة، وكان أنس ﵁، يقوم إذا قال المؤذن: قد قامت الصلاةُ وكبَّرَ الإمامُ، وحكاه ابن أبي شيبة عن سويد بن غفلة، وكذا قيسُ بن أبي حازم وحماد. انتهى.\nوكذا رواه سعيدُ بن منصور من طريق إسحاق عن أصحاب عبد الله وعن سعيد بن المسيب وعمر بن عبد العزيز: إذا قال المؤذن الله أكبر وجب القيام، وإذا قال حي على الصلاة عُدِّلت الصفوف، وإذا قال لا إله إلا الله كبَّرَ الإمام.\nوذهب عامة العلماء إلى أنه لا يُكبِّرُ حتى يفرغَ المؤذن من الإقامة. وفي «المصنف»: كره هشامٌ - يعني: ابن عروة - أن يقوم حتى يقول المؤذن: قد قامت الصلاة. وعن يحيى بن وثاب: إذا فرغ المؤذن كَبَّرَ. وكان إبراهيم يقول: إذا قامت الصلاة كَبَّر، ومذهب الشافعي وطائفة أنه يستحب ألَّا يقوم حتى يفرغ المؤذن من الإقامة، وهو قول أبي يوسف.\nوعن مالك ﵀: السنةُ في الشروع في الصلاة بعد الإقامة وبداية استواء الصف. وقال أحمد: إذا قال المؤذن: قد قامت الصلاة، يقوم. وقال زفر: إذا قال المؤذن: قد قامت الصلاة، مَرَّةً قاموا، وإذا قال ثانيًا افتتحوا.\nقال العيني: وقال أبو حنيفة ومحمد: يقومون في الصف إذا قال: حي على الصلاة، فإذا قال: قد قامت الصلاة كبَّرَ الإمام، لأنه أمينُ الشرع وقد أخبر بقيامها فيجب تصديقُه، وإذا لم يكن الإمام في المسجد فذهب الجمهور إلى أنهم لا يقومون حتى يروه.\nقال شيخنا: وخالف من ذكرنا على التفصيل الذي شرحْنا وحديثُ الباب حجةٌ عليهم. انتهى.\nفإن قلتَ: روى مسلم من حديث أبي هريرة: «أقيمت الصلاة فقمنا فعدَّلنا الصفوف قَبْلَ أن يخرُجَ إلينا رسول الله ﷺ»، وفي رواية: «إن الصلاة كانت تقامُ لرسول الله ﷺ، فيأخذ الناسُ مصافَّهُم قبل أن يقوم النبيُّ ﷺ","vol":"1","page":176},{"text":"مقامَه»، وفي رواية جابر بن سمرة: «كان بلال يؤذن إذا دحضت الشمس، فلا يقيم حتى يخرج النبي ﷺ، فإذا خرج الإمامُ أقام الصلاة حين يراه»، وبين هذه الروايات معارضة.\nيقال: وجهُ الجمع بينها: أنَّ بلالًا كان يراقب خروجَ النبي ﷺ من حيث لا يراه غيرُه، أو إلا القليلُ، فعند أول خروجه يقيم، ولا يقومُ الناس حتى يروه، ولا يقوم مقامه حتى يعدِّلَ الصف. ويشهد له ما رواه عبد الرزاق عن ابن جُريج عن ابن شهاب: «أنَّ الناس كانوا ساعة يقولُ المؤذن: الله أكبر يقومون إلى الصلاة، فلا يأتي النبيُّ ﷺ مقامَه حتى تعتدل الصفوف».\nوقوله في رواية أبي هريرة: «فيأخذُ الناسُ مصافَّهم قبل خروجه» لعله كان مرةً أو مرتين ونحوهما لبيان الجواز أو لعذر، ولعل قوله ﵇: (فَلَا تَقُومُوا حَتَّى تَرَوْنِي) كان بعد ذلك. قال العلماء: والنهي عن القيام قبل أن يروه لئلَّا يشقَّ عليهم القيام، لأنه قد يعرِضُ له عارضٌ فيتأخرُ بسببه.\nقال شيخنا: وأما حديث أبي هريرة الآتي قريبًا بلفظ: «أقيمت الصلاة فسوَّى الناسُ صفوفَهم فخرج النبي ﷺ»، ولفظُه في «مستخرج أبي نعيم»: «فصفَّ الناسُ صفوفَهم، ثم خرج علينا»، ولفظه عند مسلم: «أقيمت الصلاة...». الحديث. وعنه في رواية أبي داود: «قبل أن يجيء النبيُّ ﷺ».\nفيُجمع بينه وبين حديث أبي قتادة أنَّ ذلك ربما وقع لبيان الجواز أو بأنَّ صنيعهم في حديث أبي هريرة كان سبب النهي عن ذلك في حديث أبي قتادة، وأنهم كانوا يقومون ساعةَ تقامُ الصلاة ولم يخرج النبي ﷺ فنهاهم عن ذلك لاحتمال أن يقع له شُغلٌ يُبطئ فيه عن الخروج فيشق عليهم انتظاره، ولا يَرُدُّ هذا حديثَ أنس الآتي أنه قام في مقامه طويلًا في حاجة بعض القوم، لاحتمال أن يكون ذلك وقع نادرًا أو فعله لبيان الجواز.\n\n <span id=\"b-٢٢٤\"> </span>(٢٣) بَابٌ: لَا يقوم إِلَى الصَّلَاةِ مُسْتَعْجِلًا، وَلْيَقُمْ إليها بِالسَّكِينَةِ وَالوَقَارِ\nأي هذا باب يذكر فيه: لا يقوم الشخص إلى الصلاة حال كونه مستعجلا، وليقم إلى الصلاة متلبِّسًا بالسكينة، وقد مر معناه والفرقُ بينهما.\nوهذه الترجمة رواية الحموي، وفي رواية المستملي: &lt;باب لا يسعى إلى الصلاة... &gt;. وسقط من رواية الكُشْمِيهَني، وجُمِعَا في رواية الباقين بلفظ: &lt;باب لا يسعى إلى الصلاة ولا يقوم إليها مستعجلًا... &gt; إلى آخره.\nقال شيخنا: قولُه (لا يسعى) كأنه يشير بذلك إلى رواية ابن سيرين في حديث أبي هريرة عند مسلم، ولفظُه: «إذا ثُوِّب بالصلاة فلا يسعى إليها أحدكم»، وفي رواية أبي سلمة عن أبي هريرة عند المصنف في باب المشي إلى الجمعة من كتاب الجمعة: «إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون»، وسيأتي وجه الجمع بينه وبين قوله تعالى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩] هناك إن شاء الله تعالى.\nقلتُ: وقد سبق ذلك في كلام العيني في باب لا يسعى إلى الصلاة، قبل الباب السابق. انتهى.\n\n٦٣٨ - <span id=\"b-٢٢٥\"> </span>قوله: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) أي الفضل بن دُكين.\nقوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ) أي بفتْح الشين وسكون الياء آخرِ الحروف.\nقوله: (عَنْ يَحْيَى) أي ابنِ","vol":"1","page":177},{"text":"أبي كَثير.\nقوله: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ)، قولُه: (عَنْ أَبِيهِ) أي أبو قتادة الحارث الأنصاري.\nهذا الإسناد بعينه قد مرّ في باب قول الرجل فاتتنا الصلاة.\nقوله: (قَالَ: قَالَ النبي ﷺ: «إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَلَا تَقُومُوا حَتَّى تَرَوْنِي وَعَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ)\nمطابقته للترجمة ظاهرة، وهذا الحديث قد مر في الباب السابق عن مسلم بن إبراهيم عن هشام عن يحيى، وفي هذا زيادة على ذلك وهي قولُه: (وَعَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ)، وهذا هكذا روايةُ أبي ذر وكريمة، وفي رواية الأصيلي وأبي الوقت: &lt;وَعَلَيْكُمْ السَّكِينَةِ&gt; بحذف الباء، وكذا أخرجه أبو عوانة من طرق عن شيبان، وقد ذكرنا إعراب الوجهين عن قريب.\nقوله: (تَابَعَهُ عَلَيُّ بنُ المبَارَكِ) قلتُ: الهنائي البصري سمع يحيى ابن أبي كثير، روى عنه وكيع وهارون بن إسماعيل وابن عُلَيَّة وعثمان بن عمر وسعيد بن الربيع. انتهى.\nأي تابع عليُّ بن المبارك شيبانَ عن يحيى بن أبي كثير، ومتابعته وَصَلها البخاري في كتاب الجمعة، ولفظُه: «وعليكم السكينة» بغير باء أيضًا، وقال أبو العباس الطَّرْقِي - قلت: هو بفتح الطاء المهملة وسكون الراء والقاف. انتهى. -: تفردَ شَيبان وعليُّ بن المبارك عن يحيى بهذه الزيادة. وتُعُقِّبَ بأن معاوية بن سلام تابعهما عن يحيى، ذكره أبو داود عقب رواية أبان عن يحيى، فقال: رواه معاوية بن سلام وعلي بن المبارك عن يحيى وقالا فيه: «حتى تروني وعليكم السكينة».\nقال شيخنا: وهذه الرواية المعلقة وصلها الإسماعيلي من طريق الوليد بن مسلم عن معاوية بن سلام وشيبان جميعًا عن يحيى كما قال أبو داود. انتهى.\n\n <span id=\"b-٢٢٦\"> </span>(٢٤)<span data-type=\"title\" id=toc-226> بَابٌ: هَلْ يَخْرُجُ مِنَ المَسْجِدِ لِعِلَّةٍ</span>؟\nأي هذا بابٌ يُذكر فيه: هل يخرج الرجل من المسجد بعد إقامة الصلاة لأجل علة؟ أي ضرورة، وذلك مثلُ أن يكون محدِثًا أو جُنُبًا، أو كان حاقِبًا، أو حصل به رعاف، أو كان إماما لمسجد آخر، ونحو ذلك.\nفإن قلتَ: روي عن أبي هريرة أنه رأى رجلًا يخرج من المسجد بعد أن أذن المؤذن بالعصر، قال: «أمَّا هذا فقد عصى أبا القاسم ﵇». رواه مسلم والأربعة. يُقال: هذا محمول على من خرج بغير ضرورة، وقد صرَّح بذلك في رواية الطبراني في «الأوسط»: من طريق سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عن النبي ﷺ، ولفظه: «لا يسمع النداءَ في مسجدي ثم يخرج منه إلا لحاجة ثم لا يرجع إليه إلا منافق».\n\n٦٣٩ - <span id=\"b-٢٢٧\"> </span>قوله: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) أي ابن يحيى، أبو القاسم القرشي، ترجمته في باب الحرص على الحديث في كتاب العلم.\nقوله: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ) ترجمته في باب تفاضل أهل الإيمان.\nقوله: (عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ) أي أبو محمد الغفاري، ترجمته في بدء الوحي.\nقوله: (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) أي محمد بن مسلم، ترجمته في باب إذا لم يكن الإسلام.\nقوله: (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) أي ابن عبد الرحمن، ترجمته في بدء الوحي.\nقوله: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ)","vol":"1","page":177},{"text":"أي عبد الرحمن بن صخر، ترجمته في باب أمور الإيمان.\nفي هذا الإسناد: التحديث بصيغة الجمع في موضعين: وفيه: العنعنة في أربعة مواضع. وفيه: القول في موضع واحد. وفيه: أن شيخ البخاري من أفراده. وفيه: ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض، وهم صالح والزهري وأبو سلمة، فقد رأى صالح عبدَ الله بن عمر. وفيه: أن رواته كلهم مدنيون.\nقوله: (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ وَقَدْ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، وَعُدِّلَتِ الصُّفُوفُ، حَتَّى إِذَا قَامَ فِي الصَّلَاةِ، انْتَظَرْنَا أَنْ يُكَبِّرَ، انْصَرَفَ، قَالَ: «عَلَى مَكَانِكُمْ» فَمَكَثْنَا عَلَى هَيْئَتِنَا، حَتَّى خَرَجَ إِلَيْنَا يَنْطِفُ رَأْسُهُ مَاءً، وَقَدِ اغْتَسَلَ)\nمطابقته للترجمة ظاهرة.\nقال العيني: أخرج البخاري في كتاب الغسل في باب إذا ذكر في المسجد أنه جُنُبٌ يخرج كما هو ولا يتيمَّم: حدثنا عبد الله بن محمد، قال: حدثنا عثمان بن عمر، قال: حدثنا يونس عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة، قال: أقيمت الصلاة وعدلت الصفوف قيامًا، فخرج إلينا رسول الله ﷺ، فلما قام في مصلاه ذكر أنه جنب، فقال لنا: «مكانَكم»، ثم رجع فاغتسل ثم خرج إلينا ورأسه يقطر، فكبر وصلينا معه. وقد قلنا هناك: إنه أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي، وتكلمنا بما فيه الكفاية، ولنتكلم هنا بما يتعلق بالحديث المذكور.\nفقوله: (خَرَجَ) أي من الحُجرة، قال شيخنا: قوله (خَرَجَ وَقَدْ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ) يَحتمل أن يكون المعنى: خرج في حال الإقامة، ويحتمل أن تكون الإقامة تقدمت خروجَه، وهو ظاهرٌ في الرواية التي في الباب الذي بعده لتعقيب الإقامة بالتسوية وتعقيبِ التسوية بخروجه جميعًا بالفاء، ويحتمل أن يُجمع بين الروايتين بأن الجملتين وقعتَا حالًا، أي خرجَ والحالُ أن الصلاة أقيمت والصفوفَ عُدِّلت.\nقال العيني: ليس فيه الاحتمالان اللذان ذكرهما، بل معنى الحديثين سواء، لأن الجملتين أعني قوله: (وَقَدْ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، وَعُدِّلَتِ الصُّفُوفُ) وقعتا حالين، والمعنى: أنه خرج والحال أنهم أقاموا الصلاة وعدلوا الصفوف، وكذلك معنى الحديث الثاني، لأن الفاء فيه ليست للتعقيب كما ظنَّهُ هذا القائل، وإنما هذه الفاء تسمَّى فاءَ الحال، والمعنى: حالَ إقامة الصلاة وتعديلِ الصفوف خرجَ النبي ﷺ. انتهى.\nقلتُ: ما قال شيخُنا صحيح، والاحتمالُ لا يردُّه، والفاءُ في هذا المقام يصح أن يكون للتعقيب كما يصح أن يكون للحال، ويُرجِّح ما قاله شيخنا من التعقيبِ بين الإقامة والتسوية فقط ما ذكرَه صاحب «تحفة المتهجد وغنية المتعهد» جمالُ الدين بن خليل الدمشقي: «أن النبي ﷺ كان يتولى تسويةَ الصفوف بنفسه أحيانًا حتى يتخلل الصف من ناحية إلى ناحية ويمسح بيده الشريفة مناكبَهم وصدورهم ويسوي بنفسه صفوفهم».\nواعلم أن نهيَه عن القيام حتى يروه يلزم من العمل بمقتضاه أنَّ تسوية الصفوف بعد خروجه، فعلى هذا أنه لم يخرج حال تسوية الصفوف ولا عقِب التسوية","vol":"1","page":178},{"text":"وفي هذا مجال للبحث أيضًا. انتهى.\nوقال الكِرماني: فإن قلتَ: السُّنَّة أن تكون الإقامة بنظر الإمام، فلم أقيمت قبل خروجه؟ وتقدم حديث: «لا تقوموا حتى تروني» فلِمَ عدلت الصفوف قبل ذلك؟ قلتُ: لفظ: (قَدْ) يقرِّب الماضي من الحال، فمعناه: خرج في حال الإقامة وفي حال التعديل، ولا يلزم الأمران المذكوران، أو علموا بالقرائن خروجَه وأذِن لهم في الإقامة ولهم في القيام. انتهى.\nقال العيني: لا حاجة إلى قوله: بأنَّ لفظ: (قَدْ) يقرب الماضي من الحال. لأنَّ الجملة التي دخلت عليها لفظةُ: (قَدْ) حاليَّةٌ كما ذكرنا، والأصل أن الجملة الفعلية الماضية إذا وقعت حالًا تدخل عليها: «قد»، كما تدخل «الواو» على الجملة الإسمية إذا وقعت حالًا، وإذا دخلت الجملُة الفعلية الواقعة حالًا عن لفظة: «قد» ظاهرًا تُقدَّر فيها، كما في قوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ [النساء: ٩٠] أي: قد حصرت.\nقال شيخنا: وتقدم احتمالُ أن يكون ذلك سببًا للنهي، فلا يلزم منه مخالفتُهم له، وقد تقدم الجمع بينه وبين حديث أبي قتادة: «لا تقوموا حتى تروني» قريبًا. انتهى.\nقوله: (وَعُدِّلَتِ الصُّفُوفُ) أي سويت.\nقوله: (حَتَّى إِذَا قَامَ فِي مُصَلَّاهُ) زاد مسلم من طريق يونس عن الزهري: «قبل أن يكبر فانصرف»، وقد تقدم في باب إذا ذكر في المسجد أنه جنب من أبواب الغسل من وجه آخر عن يونس بلفظ: «فلما قام في مصلاه». وهو معارِض لما رواه أبو داود وابن حِبَّان عن أبي بكرة: «أن النبي ﷺ دخل في صلاة الفجر فكبَّر ثم أومأ إليهم»، ولمالك من طريق عطاء بن يسار مرسلًا: «أنه ﷺ كبر في صلاة من الصلوات ثم أشار بيده أن امكثوا».\nويمكن الجمع بينهما بحمل قولِه: «كبَّرَ» على: «أراد أن يكبر»، أو بأنهما واقعتان. أبداهُ عياض والقرطبي احتمالًا، وقال النووي: إنه الأظهر، وجزم به ابن حبان كعادته، فإنْ ثَبَتَ وإلا فما في «الصحيح» أصحُّ، ودعوى ابن بطال أن الشافعي احتج بحديث عطاء على جواز تكبير المأموم قبل تكبير الإمام - قال: فناقضَ أصلَه فاحتج بالمرسل - مُتَعَقَّبَةٌ بأن الشافعي لا يرُدُّ المراسيل مطلقًا بل يحتج منها بما يعتضِد، والأمر هنا كذلك لحديث أبي بكرة الذي ذكرناه.\nقوله انْتَظَرْنَا جملة حالية عامل في الظرف.\nقوله: (أَنْ يُكَبِّرَ) كلمةُ: (أَنْ) مصدرية، أي انتظرنا تكبيره.\nقوله: (انْصَرَفَ) أي إلى الحجرة، وهو جواب: (إِذَا).\nقوله: (قَالَ) استئنافٌ أو حال.\nقوله: (عَلَى مَكَانِكُمْ) أي كونوا على مكانكم والزموا موضعكم.\nقوله: (فَمَكَثْنَا) مِنَ المكث، وهو: اللُّبث.\nقوله: (عَلَى هَيْئَتِنَا) بفتح الهاء وسكون الياء آخرِ الحروف وفتحِ الهمزة بعدها التاء المثناة من فوق. والمراد بذلك أنهم امتثلوا أمره ﷺ في قولِه (عَلَى مَكَانِكُمْ) فاستمرُّوا على الهيئة أي على الكيفية التي تركَهم عليها وهي قيامُهم في صفوفهم المعتدلة.\nوفي رواية الكُشْمِيهَني: &lt;على هِينَتِنَا&gt; بكسر الهاء وبعد الياء نون مفتوحة بعدها تاء مثناة من فوق مكسورة. والهِينَةُ: الرِّفقُ والتأنِّي. ورواية الجماعة أصوب وأوجَهُ.\nقوله (يَنْطِفُ) بكسر","vol":"1","page":178},{"text":"الطاء وضمها، أي يقطُر كما صرح به في الرواية التي تأتي بعد هذه. وهذه الجملة حال.\nقوله: (وَقَدِ اغْتَسَلَ) الجملةُ حال أيضًا.\nقوله: (مَاءً) نُصِبَ على التمييز، وفي رواية الدارقطني من وجه آخر عن أبي هريرة: «فقال: إني كنت جُنُبًا فنسيت أن أغتسل».\nوفي هذا الحديث من الفوائد غيرُ ما مضى في كتاب الغسل: جواز النسيان على الأنبياء في أمر العبادة لأجل التشريع. قلتُ: يدلل ﵇ في قوله ﵇: «إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون»، وحديثُ ذي اليدين لَمَّا صلى ﵇ الظهر ركعتين. انتهى.\nوفيه: طهارة الماء المستعمَل. وجوازُ الفصل بين الإقامة والصلاة، لأنَّ قوله: «فصلى» ظاهرٌ في أن الإقامة لم تُعَد، والظاهر أنه مقيد بالضرورة وأمْنِ خروج الوقت، وعن مالك: إذا بعُدت الإقامةُ من الإحرام تُعاد. وينبغي أن يُحمل على ما لم يكن عذر.\nوفيه: أنه لا حياء في أمر الدين، وسبيلُ من غُلِبَ أن يأتيَ بعذر موهِمٍ كأنْ يُمسك بأنفِه ليوهِم أنه رعِف.\nوفيه: جواز انتظار المأمومين مجيء الإمام قيامًا، وهو غير القيام المنهي عنه في حديث أبي قتادة.\nوأنه لا يجب (^١) على من احتلم في المسجد فأراد الخروج منه أن يتيمم، كما تقدم في الغسل.\nوفيه: جواز الكلام بين الإقامة والصلاة، وسيأتي في باب مفرد.\nوفيه: جواز تأخير الجنب الغسل عن وقت الحدث.\nقلتُ: وفيه جواز الخروج من المسجد بعد الأذان للضرورة الشرعية.\nوفيه: تأخيرُ تكبير المأمومين عن تكبير الإمام.\nوفيه: أمر الإمام المأمومين بانتظاره إذا أراد العَوْدَ إِليهم عن قريب. طواعيةُ الجماعة الإمام إذا أمرهم بانتظاره وقد بوَّب فيه في هذا الباب الذي بعد هذا.\nوفيه: سرعة الإمام في غسله إذا كان الجماعة ينتظرونه. انتهى.\nقال شيخنا: وقع في النسخ: قيل لأبي عبد الله - أي البخاري -: إذا وقع هذا لأحدنا يفعل هذا؟ قال: نعم. قيل (^٢): ينتظرون الإمام قيامًا أو قعودًا؟ قال: إن كان قبل التكبير فلا بأس أن يقعدوا وإن كان بعد التكبير انتظروه قيامًا. ووقع في بعضها في آخر الباب الذي بعده. انتهى.\n\n <span id=\"b-٢٢٨\"> </span>(٢٥) بَابٌ: إِذَا قَالَ الإِمَامُ: مَكَانَكُمْ حَتَّى نَرْجِعَ انْتَظَرُوهُ\nأي هذا باب يُذكر فيه إذا قال الإمام للجماعة: اِلزموا مكانكم حتى نرجع.\nقوله: (انتَظَرُوه) على صيغة الماضي جوابُ (إذَا).\nقال شيخنا: هذا اللفظ في رواية يونس عن الزهري كما مضى في الغسُل.\nقال العيني: ليس هكذا اللفظ في رواية يونس، فإنَّ لفظه: «فقال لنا: مكانَكم، ثم رجع». ولو قال: هذا اللفظ أخذَه من معنى رواية يونس. لكان أصوب. انتهى.\nقوله: (حتى نَرجِعَ) بالنون في رواية الكُشْمِيهَني، وبالهمزة: &lt;أرجع&gt; للأصيلي، والباقين: &lt;حتى يرجع&gt; بالياء آخر الحروف، وعل كل حالٍ هو منصوب بأنْ المقدَّرة.\n\n٦٤٠ - <span id=\"b-٢٢٩\"> </span>قوله: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ) هكذا وقع غيرَ منسوب في جميع الروايات، قال الغساني: لعله إسحاق بن منصور، وجوزه ابن طاهر، وجزم به\n_________\n(^١) في (الأصل): «وأنه يجب» والصواب «وأنه لا يجب».\n (^٢) «قيل» ليست في (الأصل)، والصواب إثباتها.","vol":"1","page":179},{"text":"المزي. قال شيخنا: وكنتُ أجوِّزُ أنه بن راهَوْيْه لثبوته في «مسنده» عن الفَريابي إلى أن رأيت في سياقه له مغايرة. انتهى. ترجمة إسحاق بن منصور وإسحاق بن راهويه في باب فضل من علِم وعلَّم.\nقوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) أي الفَريابي، وهو شيخ البخاري، وأكثر الرواية عنه بغير واسطة، وههنا روى عنه بواسطة، ترجمته في باب ما كان النبي ﷺ يتخولهم بالموعظة في كتاب العلم.\nقوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ) أي عبد الرحمن بن عمرو، ترجمته في باب الخروج في طلب العلم.\nقوله: (عَنِ الزُّهْرِيِّ) أي محمد بن مسلم، ترجمته في باب إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة.\nقوله: (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) أي ابنِ عوف.\nقوله: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) أي عبد الرحمن، ترجمته في كتاب الوحي.\nفي هذا الإسناد: التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع. وفيه العنعنة في ثلاثة مواضع. وفيه القول في ثلاثة مواضع.\nقال شيخنا: قولُه: (عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) صرح بالتحديث في الموضعين إسحاقُ بن راهويه.\nقوله: (قَالَ: أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَسَوَّى النَّاسُ صُفُوفَهُمْ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَتَقَدَّمَ، وَهُوَ جُنُبٌ، فَقَالَ: «عَلَى مَكَانِكُمْ» فَرَجَعَ فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ خَرَجَ وَرَأْسُهُ يَقْطُرُ مَاءً، فَصَلَّى بِهِمْ)\nمطابقته للترجمة ظاهرة. والحديث أخرجه مسلم في الصلاة أيضًا عن زهير بن حرب عن الوليد بن مسلم عن الأوزاعي نحوه: «أقيمت الصلاة وصف الناسُ صفوفَهم، وخرج رسول الله ﷺ فقام مقامه، فأومأ إليهم بيده أن: مكانكم، فخرج وقد اغتسل ورأسه يقطر الماء، فصلى بهم». وعن إبراهيم بن موسى عن الوليد بن مسلم مختصرًا.\nوأخرجه أبو داود في الطهارة عن مؤمل بن الفضل عن الوليد بن مسلم نحو حديث زهير بن حرب، وفي الصلاة عن محمود بن خالد وداود بن رشيد، كلاهما عن الوليد بن مسلم نحو حديث إبراهيم ابن موسى.\nقوله: (فَتَقَدَّمَ، وَهُوَ جُنُبٌ) يعني: في نفس الأمر، لا أنهم اطَّلعوا على ذلك منه قبل أن يُعلِمَهم، وقد مضى في رواية يونس في الغُسل: «فلما قام في مصلاه ذَكَر أنه جُنُب»، وفي رواية أبي نعيم: «ذكر أنه لم يغتسل».\nقوله: (عَلَى مَكَانِكُمْ) أي اثبُتوا في مكانكم ولا تفرقوا.\nقوله: (فَرَجَعَ) أي إلى الحجرة.\nقوله: (وَرَأْسُهُ) مبتدأ وخبره (يَقْطُرُ)، والجملة حال، و(مَاءً) نُصِب على التمييز.\nقوله: (فَصَلَّى بِهِم) ظاهرُهُ أنه لم يأمرهم بإعادة الإقامة.\nقال العيني: في بعض النسخ بعدَه: &lt;قيل لأبي عبد الله: إن بدا لأحدنا هذا يفعل كما فعل النبي ﷺ؟ قال: فأي شيء يصنع؟ فقيل: ينتظرونه قيامًا أو قعودًا؟ قال: إن كان قبل التكبير فلا بأس أن يقعُدوا، وإن كان بعد التكبير ينتظرونه قيامًا&gt;. انتهى.\n\n <span id=\"b-٢٣٠\"> </span>(٢٦)<span data-type=\"title\" id=toc-230> بَابُ قَوْلِ الرَّجُلِ: مَا صَلَّيْنَا</span>","vol":"1","page":179},{"text":"أي هذا بابٌ يُذكر فيه قول الرجل: ما صلينا، وفي بعض النسخ: &lt;باب قول الرجل للنبي ﷺ: ما صلينا&gt;.\nوقال ابن بطال: فيه رد لقول إبراهيم النخعي: يكره أن يقول الرجل: لم نصلِّ. وكراهة النخعي ليست على إطلاقها، بل إنما هي في حق منتظرِ الصلاة، ومنتظرُ الصلاة في الصلاة، فقول المنتظر: ما صلينا. يقتضي نفي ما أثبته الشارع، فلذلك كرهه. والإطلاقُ الذي في حديث الباب إنما كان من ناسٍ لها أو مشتغِلٍ عنها بالحرب كما تقدم تقريرُه في باب من صلى بالناس جماعةً بعد خروج الوقت في أبواب المواقيت فافترق حكمهُمَا وتغايرَا.\nقال شيخنا: والذي يظهر لي أن البخاري أراد أن ينبِّه على أن الكراهة المحكِيَّة عن النخعي ليست على إطلاقها لِمَا دلَّ عليه الباب، ولو أراد الردَّ على النخعي مطلقًا لأفصح كما أفصح بالرد على ابن سيرين في ترجمة: فاتتنا الصلاة.\n\n٦٤١ - <span id=\"b-٢٣١\"> </span>قوله: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) أي الفضل بن دُكَين.\nقوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ) أي ابن عبد الرحمن النحوي.\nقوله: (عَنْ يَحْيَى) أي ابن أبي كثير.\nقوله: (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ، يَقُولُ) أي ابن عبد الرحمن.\nقوله: (جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) أي أبو عمرو، وهؤلاء الرواة كلهم تقدمَ التنبيهُ عليهم عن قريب.\nفي هذا الإسنادِ: التحديثُ بصيغة الجمع في موضعين. والإخبار كذلك في موضع. وفيه: العنعنة في موضع واحد. وفيه: القول في ثلاثة مواضع. وفيه: السماع.\nقوله: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَاءَهُ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ ﵁ يَوْمَ الخَنْدَقِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَاللَّهِ: مَا كِدْتُ أَنْ أُصَلِّيَ، حَتَّى كَادَتِ الشَّمْسُ تَغْرُبُ، وَذَلِكَ بَعْدَ مَا أَفْطَرَ الصَّائِمُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «وَاللَّهِ مَا صَلَّيْتُهَا» فَنَزَلَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى بُطْحَانَ وَأَنَا مَعَهُ، فَتَوَضَّأَ ثُمَّ صَلَّى العَصْرَ بَعْدَ مَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ صَلَّى بَعْدَهَا المَغْرِبَ)\nقال الكِرماني: ما يظهر من كلامه أن مطابقة الحديث للترجمة في قوله: (مَا كِدْتُ أَنْ أُصَلِّيَ)، وهو معنى: ما صليتُ، بحسب عرف الاستعمال، فهذا قول عمر ﵁ للنبي ﷺ.\nوقال شيخنا: ثم إن اللفظ الذي أورده المؤلف وقع النفيُ فيه من قول النبي ﷺ لا من قول الرجل، لكنْ في بعض طرقه وقوعُ ذلك من الرجل أيضًا، وهو عمر ﵁ كما أورده في المغازي، وهذه عادة معروفة للمؤلف، يترجم ببعض ما وقع في طرق الحديث الذي يسوقه، ولو لم يقع في الطريق التي يوردها في تلك الترجمة، ويدخُل في هذا: ما في الطبراني من حديث جُندب في قصة النوم عن الصلاة فقالوا: يا رسول الله سَهَوْنا فلم نصلِّ حتى طلعت الشمس.\nقال العيني: الذي قاله الكِرماني هو الأوجَهُ، لأنه لا يَحسُن أن يترجم ببعض ما في حديثٍ أُورِد في غير الباب الذي تَرجَم به، والأحسن أن تقع المطابقة بين الترجمة والحديث في الباب الذي ذكره. انتهى.\nقلتُ: إذا كانت هذه عادةً معروفةً للبخاري","vol":"1","page":180},{"text":"فما قال العينيُّ ليس بالجيِّد، وكلامُ الكِرمانيِّ تأويلٌ، فما قاله شيخُنا هو الأوجَهُ الأحسن. انتهى.\nوهذا الحديث قد مر في باب من صلى بالناس جماعةً بعد ذهاب الوقت، وقد استوفينا الكلام فيه هناك.\nقوله: (مَا كِدْتُ أَنْ أُصَلِّيَ) خبرُ «كادَ» قد يُستعمل بِـ «أَنْ» استعمالَ: «عسى»، والأصلُ عدمها، وقد استُعمل ههنا على الوجهين حيث قال: (أَنْ أُصَلِّيَ) و(تَغْرُبُ).\nقوله: (وَذَلِكَ) أي القولُ.\nقوله: (بَعْدَ مَا أَفْطَرَ الصَّائِمُ) أي بعد الغروب، قال الكِرماني: فإن قلتَ: كيف يكون المجيء بعد الغروب، وقد صرَّحَ بأنه جاء يوم الخندق؟ قلتُ: أراد باليوم الزمانَ، كما يقال: رأيتُه يوم ولادة فلان، وإن كانت بالليل، والغرض منه بيان التاريخِ - أي زمانَ الخندقِ - لا خصوصيةُ الوقت.\nقال شيخنا: والذي يظهر لي أنَّ الإشارة بقوله: (وَذَلِكَ بَعْدَ مَا أَفْطَرَ الصَّائِمُ) إشارةٌ إلى أنَّ الوقت الذي خاطب به عمرُ النبيَّ ﷺ لا إلى الوقت الذي صلى فيه عمرُ العصرَ فإنه كان قُرب الغروب كما تدل عليه «كاد»، وأما إطلاق اليوم وإرادة زمان الوقعة لا خصوصَ النهار فهو لسبب.\nقوله: (بُطْحَانَ) بضم الباء الموحدة وسكون الطاء، وهو واد بالمدينة الشريفة، غيرُ مُنصرِفٍ.\n\n <span id=\"b-٢٣٢\"> </span>(٢٧)<span data-type=\"title\" id=toc-232> بَابُ الإِمَامِ تَعْرِضُ لَهُ الحَاجَةُ بَعْدَ الإِقَامَةِ</span>\nأي هذا باب يُذكر فيه الإمام تعرض... إلى آخره، و(تَعْرِضُ) - بكسر الراء - أي تظهر، وبعدَه مقدَّرٌ تقديرُه: هل يباح له التشاغل بالحاجة قبل الدخول في الصلاة أم لا؟ والحاصل: أنه يجوز. وقُيِّد بقوله: (بَعْدَ الإِقَامَةِ) لأن قبل الإقامة الجوازُ بالطريق الأولى.\n\n٦٤٢ - <span id=\"b-٢٣٣\"> </span>قوله: (حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو) أي بفتح الميم، ترجمته في باب قول النبي: اللهم علمه الكتاب.\nقوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ) أي ابن سعيد، ترجمته في الباب أيضًا.\nقوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ) هو ابْنُ صُهَيْبٍ، ترجمته في باب حب الرسول من الإيمان.\nقوله: (عَنْ أَنَس) أي ابْنِ مَالِكٍ، ترجمته في باب من الإيمان أن يحب.\nفي هذا الإسناد: التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع. وفيه: العنعنة في موضع واحد. وفيه: القول في ثلاثة مواضع. وفيه: أن رواته كلهم بصريون.\nقوله: (عَنْ أَنَس) وفي روايةٍ لمسلم: سمِعَ أنسًا.\nقوله: (قَالَ: أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ وَالنَّبِيُّ ﷺ يُنَاجِي رَجُلًا فِي جَانِبِ المَسْجِدِ، فَمَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ حَتَّى نَامَ القَوْمُ)\nمطابقته للترجمة ظاهرة، لأنه ﵇ ناجى ذلك الرجلَ والصلاةُ قد أقيمت، وأطال المناجاة فهذا هو عُروض الحاجة له، فلذلك قُيِّد في الترجمة بالإقامة.\nقال الزين بن المنير: خص المصنف الإمامَ بالذِّكر مع أن الحكم عامٌّ لأن لفظ الخبر يُشعر بأن المناجاة كانت لحاجة النبي ﷺ لقوله: (وَالنَّبِيُّ ﷺ يُنَاجِي رَجُلًا)، ولو كانت لحاجة الرجل لقال أنس: ورجلٌ يناجي النبي ﷺ.\nقال شيخنا: وهذا ليس بلازم، وفيه غفلةٌ منه عما في صحيح مسلم بلفظ: «أقيمت الصلاة فقال رجل: لي حاجة، فقام النبي ﷺ يناجيه» والذي يظهر لي أن هذا الحكم إنما يتعلق بالإمام، لأن المأموم إذا عرضت له الحاجة لا يَتقيد به","vol":"1","page":180},{"text":"غيرُه من المأمومين بخلاف الإمام. انتهى.\nهذا الحديث أخرجه مسلم في الصلاة أيضًا عن شيبان بن فروخ، وأبو داود عن مُسَدَّد.\nقوله: (أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ) وكانت صلاة العشاء، بيَّنه حماد عن ثابت عن أنس عند مسلم، ودلت القرينةُ أيضًا أنها كانت صلاة العشاء، وهي قولُه: (حَتَّى نَامَ القَوْمُ).\nقوله: (وَالنَّبِيُّ) مبتدأٌ وخبرُه: قوله: (يُنَاجِي)، والجملة حال، ومعنى يناجي رجلًا: يحادِثه. وفي رواية أبي داود: «ورسولُ الله ﷺ نَجِيٌّ في جانب المسجد» يعني: مُنَاجٍ، كنديمٍ بمعنى: مُنادِم، ووزيرٍ بمعنى: مُوازر، وإنما ذُكر من باب المفاعلة ليدل على أنَّ الرجل أيضًا يشاركه في الحديث.\nقولُه: (رَجُلًا) نصب على المفعولية. قال شيخنا: ولم أقف على اسم هذا الرجل، وذَكَر بعضُ الشُّرَّاح - أي ابنُ المُلَقِّن - أنه كان كبيرًا في قومه فأراد أن يتَأَلَّفَه على الإسلام، ولم أقف على مستندٍ لذلك، وقيل: ويحتمل أن يكون ملَكًا من الملائكة جاء بوحي من الله ﷿، رآه أنس في صورة رجل. قال شيخنا: ولا يخفى بُعدُ هذا الاحتمال. انتهى. قلت: قد تقدَّم الكلام على لفظ رجل في بدء الوحي عند قوله: «فيتمَثَّل لي الملَك رجلًا فيكلمني».\nقوله (حتى نام بعض القوم) زاد شعبة عن عبد العزيز: «ثم قام فصلى» أخرجه مسلم، وهو عند المصنف في الاستئذان، ووقع عند إسحاق بن راهويه في «مسنده» عن ابنِ عُلَيَّةَ عن عبد العزيز في هذا الحديث: حتى نعس بعضُ القوم. وكذا هو عند ابن حِبَّان من وجهٍ آخر عن أنس، وهو يدُلُّ على أن النوم المذكورَ لم يكن مستغرِقًا. وقد تقدم الكلام على هذه المسألة في باب الوضوء من النوم من كتاب الطهارة.\nقال شيخنا: وفي الحديث جواز مناجاة الواحد وغيرِه بحضرة الجماعة، وترجم عليه المؤلف في الاستئذان طول النجوى.\nقال العيني: باب المفاعلة لا يُسند إلى الواحد، ولو كان هذا القائلُ - يعني شيخنا - وَقَفَ على معاني الأفعال فقال: مُناجاة الاثنين.\nقلتُ: كأنَّ العيني لم يتأمَّل قول شيخنا، فإنه قال: مناجاة الواحد وغيره، أو وقَف على نسخةٍ سقط منها لفظة: «غيرِه» فاعترض. انتهى.\nوفيه: جواز الفصل بين الإقامة والإحرام إذا كان لحاجة، أما إذا كان لغير حاجة فهو مكروه، وقال صاحب «التلويح»: فيه جواز الكلام بعد الإقامة، وإن كان إبراهيم والزهري وتبعهما الحنفيون كرهوا ذلك، حتى قال بعض أصحاب أبي حنيفة: إذا قال المؤذن: قد قامت الصلاة وجب على الإمام التكبيرُ. وقال مالك: إذا بعُدت الإقامة رأيتُ أن تعادَ الإقامةُ استحبابًا.\nقال العيني: إنما كره الحنفيةُ الكلام بين الإقامة والإحرام إذا كان لغير ضرورة، وأما إذا كان لأمرٍ من أمور الدين فلا يكره. انتهى.\nوفيه: جواز تأخير الصلاة من أول وقتها.\nقلتُ: وفيه: جواز ذكر حاجةِ مَن له حاجةٌ للإمام بعد إقامة الصلاة ولو طال الفصلُ.\nوفيه: إجابة الإمام له وصبرُه عليه حتى يفرغ ولو شَقَّ ذلك على المأمومين.\nوفيه: تواضعه وحُسنُ خُلُقه وقضاؤه حوائج أمته ﵊. انتهى","vol":"1","page":181},{"text":"<span id=\"b-٢٣٤\"> </span>(٢٨)<span data-type=\"title\" id=toc-234> بَابُ الكَلَامِ إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ</span>\nأي هذا بابُ جوازِ الكلام لأجل مهمٍّ من الأمور عند إقامة الصلاة.\nقال العيني: وكأن البخاري أراد بذلك الرد على من كرِهَهُ مطلقًا.\nقال شيخنا: ولما أَنْ كانت مسألة الكلام بين الإقامة والإحرام تشمل المأمومَ والإمام أطْلَق المؤلفُ الترجمة ولم يقيدها بالإمام. أي كما فَعَل في الترجمة السابقة.\n\n٦٤٣ - <span id=\"b-٢٣٥\"> </span>قوله: (حَدَّثَنَا عَيَّاشُ بْنُ الوَلِيدِ) أي بفتح العين المهملة وتشديدِ الياء آخرِ الحروف وفي آخره شين معجمة، والوليدُ بفتح الواو وكسر اللام، وقد تقدَّمَ في باب الجنب يخرج.\nقوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى) أي ابنُ عبد الأعلى السامي بالسين المهملة، مَرَّ في باب المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده في كتاب الإيمان.\nقوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ) أي بضم الحاء المهملة، الطويلُ، ترجمته في باب خوف المؤمن أن يحبط عمله في كتاب الإيمان أيضًا.\nقوله: (سَأَلْتُ ثَابِتًا البُنَانِيَّ) أي بالثاء المثلثة، ابن أسلم البُناني، بضم الباء الموحدة وتخفيف النون وبعد الألف نون أخرى مكسورة، وهي نسبة إلى: بُنَانَة زوجةِ سعد بن لؤي بن غالب بن فهر. وقيل: كانت حاضنةً لبنيه فقط، وقال ابن دريد في «الوشاح» في باب من دخل في قبائل قريش وهم فيهم إلى اليوم: وهم الذين يقال لهم: بنو بُنانة، وبنانةُ حاضنتهم، وليس بنسب، ترجمته في باب القراءة والعرضِ على العالِم.\nقوله: (عَنِ الرَّجُلِ يَتَكَلَّمُ بَعْدَ مَا تُقَامُ الصَّلَاةُ، فَحَدَّثَنِي عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁) ترجمته في باب من الإيمان أن يحب.\nفي هذا الإسناد: التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع، وبصيغة الإفراد في موضع. وفيه: العنعنة في موضع واحد. وقوله: (عَنِ الرَّجُلِ) ليس له تعلق في الإسناد. وفيه: السؤال. وفيه: القول في ثلاثة مواضع. وفيه: أن حميدًا روى ههنا عن أنس بواسطة، وهو يروي عنه كثيرًا بلا واسطة. وفيه: أن رواته كلهم بصريون.\nقال شيخنا: قول حميد: (سَأَلْتُ ثَابِتًا) يُشعر بأنَّ الاختلاف في حكم المسألة كان قديمًا، ثم إنه ظاهر في كونه أخذه عن أنس بواسطة، وقد قال البزار: إن عبد الأعلى بن عبد الأعلى تفرد عن حميد بذلك ورواه عامة أصحاب حميد عنه عن أنس بغير واسطة. كذا أخرجه أحمد عن يحيى القطان وجماعةٌ عن حميد وكذا أخرجه ابن حِبَّان من طريق هشيم عن حميد، لكن لم أقف في شيء من طرقه على تصريحِ حميد بسماعه له من أنس، وهو مدلس فالظاهر أن رواية عبد الأعلى هي المتصلة. انتهى.\nقوله: (أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَعَرَضَ لِلنَّبِيِّ ﷺ رَجُلٌ، فَحَبَسَهُ بَعْدَ مَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ)\nمطابقته للترجمة في قوله: (فَحَبَسَهُ بَعْدَ مَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ)، لأن معناه: حبسه عن الصلاة بسبب الكلام معه.\nوهذا الحديث أخرجه أبو داود أيضًا في الصلاة عن حسين بن معاذ عن عبد الأعلى.\nقوله: (فَحَبَسَهُ) أي مَنَعَهُ من الدخول في الصلاة، وزاد","vol":"1","page":181},{"text":"هُشَيم في روايته: «حتى نعس بعض القوم».\nقال شيخنا: ويدخل في هذا الباب ما سيأتي في الإمامة من طريق زائدة عن حميد قال: حدثنا أنس قال: «أقيمت الصلاة فأقبل علينا رسول الله ﷺ بوجهه»، زاد ابن حِبَّان: «قبل أن يُكبِّرَ فقال: أقيموا صفوفكم وتراصُّوا» لكن لما كان هذا يتعلق بمصلحة الصلاة كان الاستدلال بالأول أظهر في جواز الكلام مطلقًا والله أعلم. انتهى.\nقال التيمي: هذا رد على من قال: إذا قال المؤذن: قد قامت الصلاة، وجب على الإمام تكبير الإحرام.\nوفيه: دليل أنَّ اتصال الإقامة بالصلاة ليس من وكيد السنن، وإنما هو مستحبها. قاله العيني.\nقال شيخنا: اشتمل كتاب الأذان وما معه من الأحاديث المرفوعة على سبعة وأربعين حديثًا، المعلق منها ستة أحاديث، المكرر فيه وفيما مضى ثلاثة وعشرون، والخالص أربعة وعشرون، وافقه مسلم على تخريجها سوى أربعة أحاديث: حديثِ أبي سعيد: «لا يسمع مدى صوت المؤذن»، وحديثِ معاوية وجابر في القول عند سماع الأذان، وحديثِ بلال في جعل إصبعيه في أذنيه. وفيه من الآثار عن الصحابة فمن بعدهم ثمانية آثار والله أعلم. انتهى.\n\n <span id=\"b-٢٣٦\"> </span>(٢٩) بسم الله الرحمن الرحيم\nأَبْوَابُ الجَمَاعَةِ وَالإِمَامَةِ\nقال شيخنا: ولم يفرِده البخاري بكتابٍ فيما رأيت من نسخِ كتابه بل أَتْبَع به كتاب الأذان لتعلقه به، لكن ترجم عليه أبو نعيم في «المستخرج»: كتابُ صلاة الجماعة. وكأنها روايةُ شيخه أبي أحمد الجرجاني\n\nقوله: <span data-type=\"title\" id=toc-236>(بَابُ وُجُوبِ صَلَاةِ الجَمَاعَةِ)</span>\nأي هذا بابٌ في بيان وجوب صلاة الجماعة.\nقال شيخنا: هكذا بَتَّ الحكم في هذه المسألة، وكأنَّ ذلك لقوة دليلها عنده، لكن أطلق الوجوب وهو أعم من كونه وجوب عين أو كفاية، إلا أن الأثر الذي ذكره عن الحسن يُشعِر بكونه يريد أنه وجوبُ عين، لِمَا عُرِف من عادته أنه يستعمل الآثار في التراجم لتوضيحها وتكميلها وتعيين أحد المحتملات في حديث الباب، وبهذا يُجاب مَن اعترَض عليه بأن قول الحسن يُستدلُّ له لا به.\nقال العيني: لا يقال: هذه القسمة إلا في الفرض، فيقال: فرض عين وفرض كفاية، اللهم إلا أن يكون عند من لم يفرق بين الواجب والفرض، ومن أين علم أن البخاري أراد وجوب العين؟ ومن أين يدل عليه أثر الحسن؟ وكيف يجوز الاستدلال على وجوب العين بالأثر المروي عن التابعي وهذا محل نظر.\nقوله: (وَقَالَ الحَسَنُ) أي البصري، ترجمته في باب وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا.\nقوله: (إِنْ مَنَعَتْهُ أُمُّهُ عَنِ العِشَاءِ فِي الجَمَاعَةِ شَفَقَةً لَمْ يُطِعْهَا) يعني: إن منعت الرجلَ أمُّه عن الحضور إلى صلاة العشاء مع الجماعة، شفقةً عليه أي لأجل الشفقة لم يطع أمه فيه، فهذا يدل على أن الصلاة بالجماعة فرض عندَه، ولهذا قال: لم يطع أمه، مع أن طاعة الوالدين فرض في غير المعصية، وإنما عيَّن العشاء، مع أن الحكم في كل الصلوات سواء لكونها من أثقل الصلاة على المنافقين. فإن قلتَ: الفجر كذلك. يقال: ذِكرُ أحدهما","vol":"1","page":182},{"text":"يغني عن الآخر.\nوإنما عين الأمَّ مع أن الأب كذلك في وجوبِ طاعتهما، لأن الأم أكثرُ شفقةً من الأب على الأولاد.\nقال العيني: ولم يذكر صاحب «التلويح» - أي مغلطاي - ولا صاحب «التوضيح» - أي ابنُ الملقن - وصْلَ هذا الأثر مع كثرة تتبُّعِ صاحب «التلويح» لمثل هذا واتساعِ اطلاعه في هذا الباب.\nقال شيخنا: ولم ينبه أحدٌ من الشراح على مَن وصَل أثر الحسن، وقد وجدتُه بمعناه وأتم منه وأصرح في كتاب «الصيام» للحسين بن الحسن المروزي بإسنادٍ صحيح عن الحسن: في رجلٍ يصوم - يعني تطوعًا - فتأمُرُه أمه أن يفطر؟ قال: فلْيفطر ولا قضاء عليه، وله أجر الصوم وأجر البِرِّ. قيل: فتنهاهُ أن يصليَ العِشاء في جماعة. قال: ليس ذاك لها، هذه فريضة.\n\n٦٤٤ - <span id=\"b-٢٣٧\"> </span>قوله: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ) أي التنيسي.\nقوله: (قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) أي الإمام، ترجمتهما في بدء الوحي.\nقوله: (عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) أي بالزاي والنون، عبدُ الله بن ذكوان، ترجمته في باب حب الرسول من الإيمان.\nقوله: (عَنِ الأَعْرَجِ) أي عبد الرحمن بن هرمز، ترجمته في الباب أيضًا.\nقوله: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) أي عبد الرحمن بن صخر، ترجمته في باب أمور الإيمان.\nفي هذا الإسناد: التحديث بصيغة الجمع في موضع، والإخبار كذلك في موضع. وفيه: العنعنة في ثلاثة مواضع. وفيه: اثنان لم يُذكَرَا باسمهما، فأحدهما ذُكِر بالكُنية، والآخرُ باللقب. وفيه: (عَنِ الأَعْرَجِ)، وفي رواية السراج من طريق شعيب عن أبي الزناد: سمع الأعرج. وفيه: أن رواتَه كلُّهم مدنيُّون ما خلا شيخ البخاري.\nقوله: (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِحَطَبٍ، فَيُحْطَبَ، ثُمَّ آمُرَ بِالصَّلَاةِ، فَيُؤَذَّنَ لَهَا، ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا لِيَؤُمَّ النَّاسَ، ثُمَّ أُخَالِفَ إِلَى رِجَالٍ، فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ يَعْلَمُ أَحَدُهُمْ، أَنَّهُ يَجِدُ عَرْقًا سَمِينًا، أَوْ مِرْمَاتَيْنِ حَسَنَتَيْنِ، لَشَهِدَ العِشَاءَ)\nمطابقته للترجمة من حيث أنه يدل على وجوب الصلاة بالجماعة لما فيه من وعيد شديد يدل على أن تاركها يدخل فيه. وهذا الحديث أخرجه البخاري أيضًا في الأحكام عن إسماعيل، وأخرجه النَّسائي في الصلاة أيضًا عن قتيبة عن مالك.\nوقد رُوِي هذا الحديث بألفاظٍ مختلفة: فعند البخاري في باب فضل صلاة العشاء في الجماعة: «ليس صلاةٌ أثقل على المنافقين من الفجر والعشاء» الحديث. وفي لفظ له: «ولقد هممت أن آمر المؤذن فيقيم»، وفيه: «ثم آخذ شُعَلًا من نار فأحرق على من لا يخرج إلى الصلاة بغير عذر». وفي لفظ: «ثم أخالف إلى أقوام لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم».\nوعند أحمد بن حنبل ﵀: «لولا ما في البيوت من النساء والذرية: أقمتُ صلاةَ العشاء وأمرتُ فتياني يحرقون ما في البيوت بالنار». وعند أبي داود: «ثم آتي قومًا يصلون في بيوتهم ليست بهم عِلَّةٌ فأحرقها عليهم».\nوفي «مسند» السراج: «آمر فتيتي إذا سمعوا الإقامة مَن تخلَّف أن يحرقوا عليهم، لو يعلمون ما فيهما لأتوهُما ولَوْ حَبْوًا». وفي لفظ آخر: أخَّرَ النبيُّ ﷺ صلاة العشاء حتى تهوَّر الليل وذهب ثلُثُه أو نحوُه، ثم خرج إلى المسجد فإذا الناس عِزُون وإذا هم","vol":"1","page":182},{"text":"قليل، فغضبَ غضبًا شديدًا، لا أعلم أنِّي رأيُته غضب غضبا أشد منه، ثم قال: «لقد هممت أن آمر رجلًا يصلي بالناس ثم أتَتَبَّع هذه الدور التي تخلف أهلوها عن هذه الصلاة فأضرمها عليهم بالنيران».\nوفي «كتاب» الطوسي مصحَّحًا: «ثم آتي قومًا يتَخلَّفون عن هذه الصلاة فأحرق عليهم» - يعني: صلاة العشاء -. وفي «مسند» عبد الله بن وهب: حدثنا ابن أبي ذئب حدثنا عجلان عنه: «لينتهِيَنَّ رجالٌ مِن حول المسجد لا يشهدون العشاء أو لَأُحرِّقَنَّ بيوتهم». وفي كتاب «الثواب» لحميد بن زنجويه: «آمر رجالا في أيديهم حُزَمُ حطبٍ لا يؤتى رجلٌ في بيته سمع الأذان إلا أُضرِم عليه بيتُه».\nوفي «الأوسط» للطبراني: «آمر رجالا إذا أقيمت الصلاة أن يتخلفوا دونَ من لا يشهد الصلاة فيُضرِموا عليهم بيوتهم»، قال: «ولو أنَّ رجلًا آذَنَ الناس إلى طعامٍ لأتَوه، والصلاةُ ينادَى بها فلا يأتوها». وفي «معجمه الصغير»: «ثم أنظر فمن لم يشهد المسجد فأحرق عليه بيته». وفي كتاب «الترغيب والترهيب» لأبي موسى المديني الأصبهاني: خرج بعدما تهوَّر الليلُ وذهب ثلثه ثم قال: «لو أن رجلًا نادَى الناسَ إلى عَرْقٍ أو مِرْمَاتَين أتوه لذلك، وهم يتخلفون عن هذه الصلاة». وعند الدارقطني في «مسنده»: «لو كان عَرْقًا سمينا أو مِغرَفتين لشهدوها».\nوفي «مصنف» عبد الرزاق - بسند صحيح -: «لقد هممتُ أن آمر فتياني أن يجمعوا إليَّ حُزمًا من حطب ثم أنطلق فأحرق على قوم بيوتهم لا يشهدون الجمعة»، رواه عن جعفر عن يزيد بن الأصم عن أبي هريرة. ولِمَا رواه البيهقي من طريق أحمد بن منصور الرمادي عن عبد الرزاق قال: كذا قال: «الجمعة»، وكذلك روي عن أبي الأحوص عن ابن مسعود. والذي يدل سائر الروايات أنه عبَّر بالجمعة عن الجماعات. وروي في «المعجم الأوسط» عن ابن مسعود بالإطلاق من غير تقييدٍ بالجمعة، والذي فيه التقييدُ بالجمعة رواه السراج عن أبي الأحوص عن عبد الله.\nقوله: (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ) أي والله الذي نفسي بيده القدرة، وهو قَسَمٌ كان النبي ﷺ كثيرًا ما يُقسِم به.\nقوله: (لَقَدْ هَمَمْتُ) جوابُ القسم، أكَّدَهُ باللام وكلمةِ «قد»، ومعنى: (هَمَمْتُ) أي قصدتُ، مِنَ الهَمِّ وهو العزمُ، وقيل: دونَه.\nقوله: (فَيُحْطَبَ) بالفاء، وهو على صيغة المجهول، وهو رواية الكُشْمِيهَني. وفي رواية الحموي والْمُستملي: &lt;لِيُحْطَبَ&gt; باللام. ورواية الكُشْمِيهَني هو روايةُ الأكثرين وروايةُ «الموطأ» أيضًا، وقال الكِرماني: وفي بعض الرواية «ليحطب» بالنصب ولام كي وبالجزم ولام الأمر. وقال أيضًا: «ليحتطب» أي ليُجمَع، يُقال: حطبتُ واحتَطبتُ إذا جمعْتُ الحطب.\nوقال بعضُهم: ومعنى «يُحطَب»: يُكسر ليسهُل إشعالُ النارِ به. قال العيني: ليس المعنى كذلك، والمعنى: أن آمُرَ بحطب فيُحطب أي فيُجمع، وكذلك معنى: «يُحتَطب» كما ذكرناه، ولم يقل أحدٌ من أهل اللغة أي معنى يُحَطب: يُكسَر.\nقوله: (ثُمَّ آمُرَ بِالصَّلَاةِ) الألف واللام فيها إن كانت للجنس فهو عام، وإن كانت للعهد ففي روايةٍ: أنها العِشاء، وفي أُخرَى: الفجرُ، وفي أُخرَى: الجمعة، وفي أخرى: يتخلفون عن الصلاة مطلقًا. ولا تضاد بينها؛ لجواز تعدُّدِ الواقعة، نعم إذا كان المرادُ الجُمعة فالجماعة شرط فيها، ومحل الخلاف إنما هو في غيرها.","vol":"1","page":183},{"text":"وقال البيهقي: والذي يدل عليه سائر الروايات أنه عبَّر بالجمعة عن الجماعة، ونوزع فيه، لأن أبا داود والطبراني روَيَا من طريق يزيد بن يزيد بن جابر عن يزيد بن الأصم فَذَكَر الحديث. قال يزيد: قلتُ ليزيد بن الأصم يا أبا عوف الجمعة عَنَى أو غيرها؟ قال: صُمَّتْ أُذُناي إن لم أكن سمعت أبا هريرة يؤثره عن رسول الله ﷺ ما ذَكَر جمعةً ولا غيرها. فظهر من ذلك أن الراجح في حديث أبي هريرة أنها غيرُ الجمعة، وظهر أن البيهقي وهِم في هذا، نعم جاء في حديث ابن مسعودٍ وأخرجه مسلم وفيه: الجزمُ بالجمعة، وهو حديث مستقل برأسه، ومَخْرَجُه مُغايرٌ لحديث أبي هريرة لا يَقدح أحدُهما في الآخر، لإمكان كونهما واقعتين كما أشرنا إلى ذلك عن قريب.\nقوله: (فَيُؤَذَّنَ لَهَا) كذا هو باللام، أي أُعلِمَ الناس لأجلها، ويُروَى بالباء أي أعلمتُ بها. والهاءُ مفعول ثانٍ.\nقوله: (ثُمَّ أُخَالِفَ) من باب المفاعَلة، قال الجوهري: قولهم: هو يخالف إلى فلان، أي يأتيه إذا غاب عنه. وقال الزمخشري: يقال: خالفني إلى كذا، إذا قصدَه وأنت مُوَلِّ عنه، قال تعالى ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ﴾ [هود: ٨٨]، والمعنى: أخالفَ المشتغلين بالصلاة قاصدًا إلى بيوت الذين لم يخرُجوا عنها إلى الصلاة فأُحرقها عليهم. ويقال: معنى أخالفَ إلى رجال: أذهبَ إليهم. والتقييدُ بالرجال يُخرِج الصبيانَ والنساء.\nقوله: (فَأُحَرِّقَ) بالتشديدِ مِنَ التحريق، والمراد به التكثيرُ، يقال: حَرَّقَه - بالتشديد - إذا بالغ في تحريقه، ويُروى: «فأُحْرِقَ» من بابِ الإحراق، وروايةُ التَّشديد أكثرُ وأشهرُ.\nقوله: (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ) أَعَادَ يمينَه لأجل المبالغةِ في التهديد.\nقوله: (عَرْقًا) بفتح العين المهملة وسكون الراء، جَمعُه عُراق، قال الأزهري في «التهذيب»: هي العظام التي يؤخذ منها هَبْرُ اللحم ويبقى عليها لحومٌ رقيقة طيِّبةٌ فتُكسر وتطبخ وتؤخذُ إِهالتُها من طُفاحتها ويؤكل ما على العظام من لحم رقيق ويُتَمَشَّشُ العظامُ، ولحمها من أطيب اللحوم عندهم. يقال: عَرَقتُ اللحمَ وتَعرَّقتُهُ وأَعْرَقْتُهُ، إذا أخذتَ اللحمَ منه نَهْشًا بأسنانك، وعظم معروق: إذا أُلقي عليه لحمُه أي قُشِر، والعُرام مثل العُراق، قاله الرياشي. وقال القُتيبي: سمعتُ الرياشي يروي عن أبي زيد أنه قال: قول الناس: ثريدةٌ كثيرة العُراقِ خطأ، لأن العُراقَ العظامُ.\nوفي «الموعِب» لابن التياني عن ابن قتيبة: تسمى عُراقًا إذا كانت جرداءَ لا لحم عليها، وتسمى عُراقًا وعليها اللحم، وزعم الكلابي أن العَرْق العظمُ الذي أخذ أكثرُ ما بقي عليه، وبقي عليه شيء يسير. وعن الأصمعي: العَرْقُ بجزم الراء: الفِدرةُ من اللحم، وجمعُها عُراق وهو من الجمع العزيز. وحكى ابن الأعرابي في جمعه: عِراق بالكسر، وهو أقيس وفي «الْمُغرِب»: العَرْقُ العظم.\nقوله (أَوْ مِرْمَاتَيْنِ) بكسر الميم وفتحها، وهي تثنية مِرماة، وقال الخليل: هي ما بين ظلفي الشاة. وحكاه أبو عبيد وقال: لا أدري ما وجهُه، ونقله المستملي في روايته في كتاب الأحكام عن الفَربري عن محمد بن سليمان","vol":"1","page":183},{"text":"عن البخاري قال: الْمِرماةُ - بِكسر الميم مثلُ مِنْسَاة ومِيضَاة -: ما بين ظلفي الشاة من اللحم. قال عياض: فالميم على هذا أصلية.\nوقال الأخفش: الْمِرْماةُ لُعبة كانوا يلعبونها بنصال محدَّدة يرمونها في كومٍ من تراب، فأيُّهم أثبتها في الكَوْمِ غَلَب، وهي المرماة والمِدحاة. وحكى الحربي عن الأصمعي: أن المرماة سهمُ الهدف. ويؤيده ما حدثني، ثم ساق من طريق أبي رافع عن أبي هريرة بلفظ: «لو أن أحدهم إذا شهد الصلاة معي كان له عظم من شاة سمينة أو سهمان لفعل». وقيل: المرماةُ سهم يُتعلَّم عليه الرمي، وهو سهم دقيق مستٍو غير محدَّد.\nوقال أبو سعيد: المِرماتان في الحديث سهمان يرمي بهما الرجل فيَحُوزُ سَبْقَه، يقول: سابَقَ إلى إحراز الدنيا وسَبْقِها ويَدَعُ سبق الآخرة.\nفإن قلتَ: لِمَ وصف العَرْق بالسِّمَن والمِرماةَ بالحُسْنِ؟ قال العيني: ليكون الباعث النفساني في تحصيلها. وقال الطيبي: الحسنتين بدلٌ مِنَ المِرماتين إذا أريد بهما العظم الذي لا لحم عليه، وإن أريد بهما السهمان الصغيران فالحسنتين بمعنى الجيدتين، صفةٌ للمِرماتين، قال: والمضاف محذوف، يعني: في قوله: (لَشَهِدَ العِشَاءَ) أي صلاةَ العشاء، فالمعنى: لو عَلِمَ أنه لو حضر الصلاة لوجد نفعًا دنيويًا وإن كان خسيسًا حقيرًا لَحَضَرها، لقُصُور همته على الدنيا ولا يحضرها لما لها من مثوبات العُقبَى ونعيمها. انتهى.\nاستُدِلَّ بهذا الحديث: على أنَّ الجماعة فرض عين، وقال صاحب «التلويح» - أي مغلطاي -: اختُلِف في صلاة الجماعة هل هي شرطٌ في صحة الصلاة - كما قال داود بن علي وأحمد بن حنبل - أو فرض على الأعيان كما قاله جماعة من العلماء وجماعة من محدثي الشافعية ابنُ حِبَّان وابن خزيمة وابن المنذر وأبو ثور، وهو الصحيح عند أحمد، وقال في «شرح المهذب»: وقيل أنه قول للشافعي، وعن أحمد واجبةٌ ليست بشرط، وقيل: سنة مؤكدة كما قاله القُدُوري.\nوفي «شرح الهداية»: عامة مشايخنا أنها واجبة، وقد سماها بعضُ أصحابنا سنةً مؤكدة. وفي «المفيد»: الجماعة واجبة، وتسميتُها سنةً لوجوبها بالسنة. وفي «البدائع»: إذا فاتته الجماعة لا يجب عليه الطلبُ في مسجد آخر بلا خلاف بين أصحابنا، لكن إن أتى مسجدًا يرجو إدراك الجماعة فيه فَحَسَنٌ، وإن صلى في مسجد حَيِّهِ فَحَسَن. وعن القُدُوري: يجمع بأهله.\nوفي «التحفة»: إنما تجب على من قدِر عليها من غير حرج، وتسقط بالعذر فلا تجب على المريض ولا على الأعمى والزَّمِنِ ونحوِهم، هذا إذا لم يجد الأعمى والزَّمِن مَن يحمله، وكذا إن وَجَد عند أبي حنيفة، وعندهما يجب. وعن شرف الأئمة وغيرِه: ترْكُها بغير عذر يوجب التعزير ويأثم الجيران بالسكوت عن تاركها. وعن بعضهم: لا تُقبَل شهادتُه، فإن اشتغل بتكرار اللغة لا يُعذَر في ترك الجماعة وبتكرار الفقه أو مطالعته يُعذر، فإن تَرَكَها أهلُ ناحية قوتلوا بالسلاح.\nوفي «الغنية»: يشتغل بتكرار الفقه ليلًا ونهارًا ولا يحضر الجماعة! لا يُعذر ولا نقبل شهادته. وقال أبو حنيفة: سها أو نام أو شغله عن الجماعة شغل جمعَ بأهله في منزله، وإن صلى وحده يجوز.\nواختلف العلماء في إقامتها في","vol":"1","page":184},{"text":"البيت، والأصح أنها كإقامتها في المسجد. وفي «شرح» خواهر زاده: هي سنةٌ مؤكدةٌ غاية التأكيد، وقيل: فرض كفاية وهو اختيار الطحاوي والكرخي وغيرهما وظاهر نص الشافعي أنها فرض كفاية، وعليه جماهير المتقدمين مِن أصحابه، وقال به كثير من الحنفية والمالكية، والمشهورُ عند الباقين أنها سنة مؤكدة. وفي «الجواهر» عن مالك: هي سنة مؤكدة. وقيل: فرض كفاية.\nاستدل من قال بفرضية عينِها بحديث الباب، وقالوا: لو كانت فرض كفاية لكان قيام النبي ﷺ وأصحابُه بها كافيًا، أو لو كانت سنةً فتارك السنة لا يحرق عليه بيتُه، إذْ سيدُنا رسول الله ﷺ لا يهِمُّ إلا بحق. ويدل على وجوبها صلاةُ الخوف إذْ فيها أعمالٌ منافية للصلاة ولا يُعمل ذاك لأجل فرض كفايةٍ ولا سنة.\nوبما في صحيح مسلم: أنَّ أعمى قال: يا رسول الله ليس لي قائد يقودني المسجد، قال: «هل تسمع النداء؟» قال: نعم، قال: «فأجب» وخرَّجه أبو عبد الله في «مستدركه» من حديث عبد الرحمن بن عباس عن ابن أم مكتوم قلتُ: يا رسول الله إن المدينة كثيرة الهوامِّ والسِّباع، قال: «تسمع حي على الصلاة حي على الفلاح؟» قال: نعم، قال: «فَحَيَّهَلَا». وقال صحيحُ الإسناد إن كان سمع من ابن أم مكتوم. وخرَّجه من حديث زائدة عن عاصم عن أبي رزين عن ابن أم مكتوم بلفظ: إني كبير شاسعُ الدار ليس لي قائد يلازمني فهل تجد لي من رخصة؟ قال: «تسمع النداء؟» قلت: نعم، قال: «ما أجد لك رخصة» قال الحاكم: وله شاهد بإسناد صحيح، فذَكَر حديث أبي جعفر الرازي عن حسين بن عبد الرحمن عن عبد الله بن شداد عنه: أن النبي ﷺ استقبل الناس في صلاة العشاء فقال: - يعني ابن أم مكتوم -: «لقد هممتُ أن آتي هؤلاء الذين يتخلفون عن هذه الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم» قال: فقلتُ: يا رسول الله لقد علمتَ ما بي... الحديث.\nوعند أحمد: أتى النبيُّ ﷺ المسجدَ فوجد في القوم رِقَّةً فقال: «إني لأهِمُّ أن أجعل للناس إمامًا ثم أخرج فلا أقدر على إنسان يتخلفُ عن الصلاة في بيته إلا أحرقه عليه»، فقال ابن أم مكتوم: يا رسول الله إن بيني وبين المسجدِ نخلًا وشجرًا ولا أقدر على قائدٍ كلَّ ساعة، أيسعني أن أصليَ في بيتي؟ فقال: «أتسمع الإقامة؟» قال: نعم، قال: «فأْتِها». وأعلَّ ابنُ القطان حديثَ ابن أم مكتومٍ فقال: لأن الراوي عنه أبو رزين وابن أبي ليلى، فأما أبو رزين فإنَّا لا نعلم سِنَّهُ ولكنْ أكبرُ ما عنده من الصحابة عليٌّ ﵁، وابنُ أم مكتوم قُتل بالقادسية زمن عمر ﵁، وابنُ أبي ليلى مولدُه لِسِتٍّ بقين من خلافة عمر ﵁. انتهى.\nقال صاحب «التلويح» مغلطاي: أما قوله: أبو رزين لا نعلم مولده. غيرُ جيد لأنَّ ابن حِبَّان ذَكَر أنه كان أكبر سِنًّا من أبي وائل، وأبو وائل قد عُلِم إدراكُه لسيدنا رسول الله ﷺ، فعلى هذا لا ُتنكَر روايته عن ابن أم مكتوم.\nالثاني: قوله: أَعلى ما له","vol":"1","page":184},{"text":"الروايةُ عن علي. مردودٌ بروايته الصحيحة عن ابن مسعود ﵁.\nالثالث: قوله: مات ابنُ أمِّ مكتومٍ بالقادسية. مردودٌ بقول ابن حِبَّان في كتاب «الصحابة»: شَهِدَ القادسية ثم رجع إلى المدينة فمات بها في خلافة عمر ﵁.\nالرابع: قوله: إنَّ سِن ابن أبي ليلى لا يقتضي له السماع من عمر. مردودٌ بقول أبي حاتم الرازي - وسأله ابنُه: هل سمع عبد الرحمن من بلال؟ - فقال: بلالٌ خرج إلى الشام قديما في خلافة عمر، فإنْ كان رآه صغيرًا فهذا أبو حاتم لم ينكِر سماعَه من بلال المتوفى سنة سبع عشرة أو ثمان عشرة، بل جوَّزه، فكيف ينكَرُ من عمر! ورواه البيهقي من حديث ابن شهاب الخياط عن العلاء بن المسيب عن ابن أم مكتوم: قلتُ: يا رسول الله إن لي قائدًا لا يُلازمني في هاتين الصلاتين العشاءِ والصبحِ. فقال: «لو يعلمُ القاعدون عنهما ما فيهما لأتوهما ولو حبوًا».\nوفي «الأوسط» من حديث البزار: أن ابن أم مكتوم شكَى إلى النبي ﷺ، وسَأَله أن يرخِّصَ له في صلاة العشاء والفجر، وقال: أن بيني وبينك أَشَبٌ، فقال: «هل تسمع الأذان؟»، قال: نعم. مرَّةً أو مرتين، فلم يرخِّص له في ذلك.\nوعنده أيضًا من حديث عَدي بن ثابت عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن كعب بن عجرة: جاء رجل ضريرٌ إلى النبي ﷺ، فقال: إني أسمع النداء فلعلِّي لا أجد قائدًا، ويشُقُّ عليَّ أن أتخذ مسجدًا في بيتي، فقال - ﵇ -: «أيبلُغُك النداء؟» قال: نعم، قال: «فإذا سمعتَ فأجِبْ». وقال: تفرَّدَ زيد بن أبي أنيسة عن عدي عن عبد الله بن مغفل. قوله: «أَشَبٌ» بفتح الهمزة وفتح الشين المعجمة وفي آخره باءٌ موحدة، وهو كثرة الشجر، يقال: بلد آشِبةٌ إذا كانت ذات شجر، وأراد ههنا النخل.\nوعند مسلم من حديث أبي هريرة: أتى النبيَّ ﷺ رجلٌ أعمى، فقال: يا رسول الله ليس لي قائدٌ يقودني إلى المسجد، فسألَ النبيَّ ﷺ أن يرخِّصَ له فيصلي في بيته فرخَّصَ له، فلما ولَّى دعاه فقال: «هل تسمع النداء بالصلاة؟» قال: نعم، قال: «فأجب». وخرَّجه السراج في «مسنده» من حديث عاصم عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: أتى ابنُ أم مكتومٍ الأعمى... الحديث.\nوبما رُويَ عن ابن عباسٍ عن النبي ﷺ: «من سمع النداء فلم يجب فلا صلاة له إلا من عذر». خرجه ابن حِبَّان في «صحيحه» من حديث سعيد بن جبير عنه. وفَسَّر العذر في حديث سلمان بن قرم بلفظ: «من سمع النداء ينادَى به صحيحًا فلم يأتِهِ من غير عُذرٍ لم يقبل الله له صلاةً غيرها»، قيل: وما العذر؟ قال: «المرض والخوف».\nوبما رواه ابن ماجه من حديث الدستوائي عن يحيى بن أبي كثير عن الحكم بن مينا أخبرني ابن عباس وابن عمر ﵃ سمعا النبيَّ ﷺ يقول على أعواده: «لينتَهِيَنَّ أقوامٌ عن وَدْعِهِم الجماعات أو لَيَخْتِمَنَّ اللهُ على قلوبهم». قلتُ: المراد بأعوادِه: منبرُه ﵇.\nوبما رواه ابن ماجه أيضًا من حديث الوليد بن مسلم عن الزِّبرِقان بن عمرو الضَّمري عن أسامة بن زيد قال: قال رسول الله ﷺ: «لينتهين رجالٌ على ترك الجماعة أو لأحرقن بيوتهم». وبما رواه أبو سعيد بن يونس في «تاريخه» من حديث واهب","vol":"1","page":185},{"text":"بن عبد الله المعافري عن ابن عمر ﵄ مرفوعًا: «لَأَنا على أمتي في غير الخمر أخوفُ عليهم من الخمر: سكنى البادية وتركِ المساجد».\nوبما رواه الطبراني في «الأوسط» بسند جيد عن أنس ﵁: «لو أن رجلا دعا الناس إلى عَرْق أو مِرمَاتين لأجابوه، وهم يُدعون إلى هذه الصلاة في جماعة فلا يأتوها! لقد هممتُ أن آمر رجلًا يصلي بالناس في جماعة فأضرمها عليهم نارًا فإنه لا يتخلف إلا منافق». وبما رواه أبو داود في «سننه» بسند لا بأس به عن أبي الدرداء مرفوعًا: «ما من ثلاثةٍ في قرية ولا بدو لا تقام فيهم الصلاة إلا قد استحوذ عليهم الشيطان فعليك بالجماعة فإنما تأكل الذئبُ القاصيةَ».\nوبما رواه أبو نعيم الدُّكَيْنِي بسندٍ صحيحٍ يرفعُه: «من سمع النداء فلم يجبْ من غير عذر فلا صلاة له». وبما رواه الكَجِّي في «سننه» عن حارثة بن النعمان يرفعه: «يخرج الرجل في غنيمته فلا يشهد الصلاة حتى يطبع على قلبه». في إسناده عمر مولى عفرة. وعن أبي زُرَارة الأنصاري قال: قال - ﷺ -: «من سمع النداء فلم يجب كُتِبَ من المنافقين». ذكره أبو يعلى أحمد بن علي المثنى في «مسنده» بسند فيه ضعف. وبما رواه الطحاوي في «شرح مشكل الآثار» عن جابر ﵁ قال - ﵇ -: «لولا شيءٌ لأمرتُ رجلًا يصلي بالناس ثم لحرقت بيوتًا على ما فيها».\nوأما استدلال من قال بأنها سنٌة أو فرض كفاية فيما تقدم في هذا الكتاب من الأحاديث التي فيها: «صلاة الجماعة تفضل على صلاة الفذِّ»، لأن صيغة «أَفْعَل» تقتضي الاشتراك في الفضل وترجيحَ أحد الجانبين، وما لا يصحُّ لا فضل فيه. ولا يجوز أن يقال: إنَّ «أفضل» قد تُستعمل بمعنى الفاضل. ولا يقال: إنَّ ذلك محمول على صلاة المعذور فذًّا؛ لأن «الفَذّ» مُعرَّفٌ بالألف واللام فيفيد العموم ويدخل تحته كلُّ فذٍّ من معذورٍ وغيرِه. ويدل أيضًا أنه أراد غيرَ المعذور بقوله: «أو في سوقه»، لأنَّ المعذور لا يروحُ إلى السوق، وأيضًا فلا يجوز أن يُحمَل (^١) على المعذور لأن المعذور في أجر الصلاة كالصحيح.\nواستدلوا أيضًا بما رواه الحاكم وصححه عن أُبَي بن كعب ﵁: «صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاتِه وحدَه، وصلاته مع رجلين أزكى من صلاته مع رجل، وما كثُرَ فهو أحب إلى الله ﷿».\nوبقوله - ﵇ - لِلَّذَين صلَّيا في رحالهما من غير جماعة: «إذا صليتُما في رحالكما ثم أتيتُما المسجد فصليا فإنَّها لكما نافلة». فلو كانت الجماعة فرضًا لأمَرَهُما بالإعادة، ومثلُ هذا جرى لمحجن الديلي. ذكره في «الموطأ».\nوأما الجواب عن حديث الباب فعلى أوجه:\nأحدها: ما قاله ابن بطال، وهو أن الجماعة لو كانت فرضًا لقال حين توعَّدَ بالإحراق من تخلَّفَ عن الجماعة: «لم تجزيه صلاتُه»، لأنه وقتُ البيان. وتعقَّبَه ابن دقيق العيد بأنَّه البيان قد يكونُ بالتنصيص وقد يكون بالدلالة، فلَمَّا قال - ﵇ -: «لقد هممتُ...» إلى آخره دَلَّ على وجوب الحضور وهو كافٍ في البيان.\nقال العيني: ليس فيه دلالة من الدلالات الثلاث: المطابقة والتضمن والالتزام،\n_________\n(^١) «يحمل» ليس في (الأصل) والصواب إثباتها.","vol":"1","page":185},{"text":"ولا فيه دلالة أصولية فافهم.\nالثاني: ما قاله الباجي، وهو أن الخبر ورد مورِد الترهيب وحقيقتُه غير مرادة، إنما المرادُ المبالغةُ، ويرشد إلى ذلك وعيدهم (^١) بالعقوبة التي يعاقَب بها الكفار، وقد انعقد الإجماعُ على منع عقوبةِ المسلمين بذلك (^٢)، قيل: إنَّ المنع وقع بعد نسخ التعذيب بالنار، وكان قبل ذلك جائزًا بدليل حديث أبي هريرة الآتي في الجهاد الدال على جواز التحريق بالنار ثم على نَسْخِه، فحَمْلُ التهديد على حقيقته غير ممتنع\nالثالث: ما قاله ابن بَزِيزَة عن بعضهم أنه استنبط من نفس الحديث عدم الوجوب، لكونه - ﵇ - هَمَّ بالتوجه إلى المتخلفين، فلو كانت الجماعةُ فرض عينٍ ما هَمَّ بتركها إذا توجه، وتعقَّبَهُ بأن الواجب يجوز تركُه لِمَا هو أوجب منه. انتهى. وقال شيخنا: وليس فيه أيضًا دليل على أنه لو فعل ذلك لم يتداركها في جماعةٍ آخرين.\nالرابع: كونه - ﷺ - ترك تحريقَهم بعد التهديد، فلو كان واجبًا لما عفا عنهم. قال القاضي عياض ومن تبعه: وليس في الحديث حجة، لأنه﵇هَمَّ ولم يفعل. زاد النووي: ولو كانت فرض عين لَمَا تركهم. قال العيني: قول النووي أقرب. وقال ابن دقيق العيد: هذا ضعيف، لأنه - ﵇ - لا يَهِمُّ إلا بما يجوز له فِعْلُهُ لو فَعَلَه، وأما الترك فلا يدل على عدم الوجوب لاحتمال أن يكونوا انزجروا بذلك وتَرَكوا التخلف الذي ذمهم بسببه، على أنه جاء في بعض الطرق بيان سبب الترك وهو فيما رواه أحمد من طريق سعيد المقبري عن أبي هريرة بلفظ: «لولا ما في البيوت من النساء والذرية» الحديث. وقد تقدم.\nالخامس: ما قيل: إنَّ المراد بالتهديد قومٌ تركوا الصلاة رأسًا لا مجرد الجماعة. وَرُدَّ بما رواه مسلم: «لا يشهدون الصلاة»، أي لا يحضرون. وفي رواية عجلان عن أبي هريرة: «لا يشهدون العِشاء في الجميع» أي في الجماعة. وفي حديث أسامة بن زيد عند ابن ماجه مرفوعًا: «ليَنتَهِيَنَّ رجالٌ عن تركهم الجماعات أو لأحرقنَّ بيوتهم».\nالسادس: ما قيل: إنَّ الحديث وَرَدَ في الحثِّ على مخالفة فِعلِ أهل النفاق والتحذيرِ من التشبه بهم، لا لخصوص ترك الجماعة، فلا يتم الدليل. أشار إليه الزين بن المنير. قال شيخنا: وهو قريب من الوجه الثاني. انتهى.\nالسابع: ما قيل: إن الحديث وَرَد في حق المنافقين، فليس التهديد به لترك الجماعة بخصوصه فلا يتم الدليل. وتعقب باستبعاد الاعتناء بتأديب المنافقين على ترك الجماعة مع العلم بأنه لا صلاة لهم، وبأنه كان مُعرِضًا عنهم وعن عقوبتِهم مع علمه بطَوِيَّتِهم، وقد قال: «لا يتحدث الناس أنَّ محمدًا يقتل أصحابه» وتعقَّب ابنُ دقيق العيد هذا التعقُّبَ بأنه لا يتم إلا إن ادَّعَى أن ترك معاقبة المنافقين كان واجبًا عليه فلا دليل على ذلك، فإذا ثبت أنه كان مخبِرًا فليس في إعراضه عنهم ما يدل على وجوب ترك عقوبتهم. انتهى.\nقلت: وأيضًا إعراضه عن عقوبة المنافقين لِمَا أظهروه من الإسلام «وحسابهم على الله» - كما قال ﵇-، وهذا الإعراضُ لا يقتضي الإعراضَ عنهم بالكلية حتى لا يُحوِجَهم على ترك ما يرجو فيه صلاح قلوبهم من الصلاة معه والقُربِ من الرحمةِ وسماعِ كلام الله الذي لو نُزِّل على جبلٍ لرأيته خاشعًا، لأنه\n_________\n(^١) في (الأصل): «وعندهم» والصواب «وعيدهم».\n (^٢) في (الأصل): «فذلك» والصواب «بذلك».","vol":"1","page":186},{"text":"- ﵇ - ربما رجا لهم التوبةَ، لقول الله تعالى: ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ [الأحزاب: ٢٤]. انتهى.\nقال شيخنا: والذي يظهر لي أن الحديث وَرَد في المنافقين، لقوله في صدر الحديث الآتي بعد أربعة أبواب: «ليس صلاةٌ أثقلُ على المنافقين من العشاء والفجر» الحديث. ولقوله: «لو يعلم أحدهم...» إلى آخره، لأن هذا الوصف لائق بالمنافقين لا بالمؤمن الكامل، لكنَّ المرادَ به نفاق المعصية لا نفاق الكفر بدليل قوله في رواية عجلان: «لا يشهدون العشاء في الجميع»، وقولِه في حديث أسامة: «لا يشهدون الجماعة»، وأصرحُ من ذلك قوله في رواية يزيد بن الأصم عن أبي هريرة عند أبي داود: «ثم آتي قومًا يُصَلُّون في بيوتهم ليست بهم علة».\nفهذا يدل على أن نفاقهم نفاق معصيةٍ لا كفر، لأن الكافر لا يصلي في بيته إنما يصلي في المسجد رياءً وسُمعةً فإذا خلا في بيته كان كما وصفه الله به من الكفر والاستهزاء. نبه عليه القرطبي. وأيضًا فقوله في رواية المقبري: «لولا ما في البيوت من النساء والذرِّية» يدل على أنهم لم يكونوا كفارًا، لأن تحريق بيت الكافر إذا تعيَّنَ طريقًا إلى الغَلَبَةِ عليه لم يمنع ذلك وجودُ النساء والذرية في بيته.\nوعلى تقدير أن يكون المراد بالنفاقِ في الحديث نفاقُ الكفر فلا يدل على عدم الوجوب، لأنه يتضمن أنَّ ترك الجماعة من صفات المنافقين وقد نُهينا عن التشبه بهم، وسياق الحديث يدل على الوجوب من جهة المبالغةِ في ذمِّ من تخلف عنها. قال الطيبي: خروج المؤمن مِن (^١) هذا الوعيد ليس من جهة أنهم إذا سمعوا النداء جاز لهم التخلُّفُ عن الجماعة، بل من جهة أن التخلفَ ليس من شأنهم بل هو من صفات المنافقين، ويدل عليه قول ابن مسعود: لقد رأيتُنا وما يتخلف عن الجماعة إلا منافق. رواه مسلم. انتهى كلامه.\nوروَى ابنُ أبي شيبة وسعيدُ بن منصور بإسنادٍ صحيح عن أبي عمير بن أنس (^٢) قال: حدثني عمومتي من الأنصار قالوا: قال رسول الله ﷺ: «ما يشهدهما منافق» -يعني العشاء والفجر -.\nقال شيخنا: ولا يقال: فهذا يدل على ما ذهب إليه صاحبُ هذا الوجه لانتفاء أن يكون المؤمن قد يتخلف، وإنما ورد الوعيدُ في حق من تخلف لأني أقول: بل هذا يُقَوِّي ما ظهر لي أولًا أنَّ المراد بالنفاق نفاقُ المعصية لا نفاق الكفر، فعلى هذا الذي خَرَجَ هو المؤمنُ الكامل لا العاصي الذي يجوز إطلاق النفاق عليه مجازًا لِمَا دل عليه مجموع الأحاديث.\nالثامن (^٣): ما ادعاه بعضهم أن فرضية الجماعة كانت في أول الأمر لأجل سد باب التخلف عن الصلاة على المنافقين، ثم نُسِخ. حكاه عياض، ويمكن أن يتقوى بثبوت نسخ الوعيد المذكور في حقهم وهو التحريقُ بالنار كما سيأتي واضحًا في كتاب الجهاد، وكذا ثبوت نسخ ما يتضمنه التحريق من جواز العقوبة بالمال، ويدل على النسخ الأحاديُث الواردة في تفضيل صلاة الجماعة على صلاة الفذ كما سيأتي بيانه في الباب الذي بعد هذا، لأن الأفضلية تقتضي الاشتراك في أصل الفعل (^٤)، ومِن لازِمِ ذلك الجواز.\nالتاسع (^٥): أن المراد بالصلاة الجمعةُ لا باقي الصلوات.\n_________\n(^١) «مِن» ليست في (الأصل) والصواب إثباتها.\n (^٢) في (الأصل): «عمير بن أنيس» والصواب «أبي عمير بن أنس».\n (^٣) في (الأصل): «السابع» والصواب «الثامن».\n (^٤) كذا في (الأصل): «الفعل» ولعل الصواب «الفضل».\n (^٥) في (الأصل): «الثامن» والصواب «التاسع».","vol":"1","page":186},{"text":"ونصره القرطبي. وتُعُقِّبَ بالأحاديث المصرِّحة بالعِشاء.\nقال شيخنا: وفيه بحثٌ، لأن الأحاديث اختلفت في تعيين الصلاة التي وقع التهديدُ بسببها هل هي الجمعة أو العشاء والفجر معًا، فإن لم تكن أحاديث مختلفة ولم يكن بعضُها أرجح من بعض وإلا وقف الاستدلال، لأنه لا يتم إلا إن تعين كونها غير الجمعة، أشار إليه ابنُ دقيق العيد، ثم قال: فليُتَأَمَّل الأحاديثُ الواردة في ذلك. انتهى.\nقال شيخنا: وقد تأملتُها فرأيتُ التعيينَ ورد في حديث أبي هريرة وابنِ أم مكتوم وابنِ مسعود، أما حديثُ أبي هريرة فحديث الباب من رواية الأعرج عنه تُومِئ إلى أنها العشاء؛ لقوله في آخره: (لَشَهِدَ العِشَاءَ)، وفي رواية مسلم: «يعني العشاء». ولهما من رواية أبي صالح أيضًا الإيماءُ إلى أنها العشاء والفجر، وعينها السراج في رواية له من هذا الوجه العشاء، حيث قال في صدر الحديث: أَخَّر العشاء ليلة فخرج فوجد الناس قليلًا فغضب... فذكر الحديث. وفي رواية ابن حبان من هذا الوجه: «يعني الصلاتين العشاء والغداة». وفي رواية عجلان والمقبري عند أحمد التصريحُ بتعيين العشاء.\nثم سائر الروايات عن أبي هريرة على الإبهام، وقد أورده مسلم من طريق وكيع عن جعفر بن بُرقان عن يزيد بن الأصم عنه فلم يسُق لفظه، وساقه الترمذي وغيرُه من هذا الوجه بإبهام الصلاة، وكذلك رواه السراج وغيره من طرق عن جعفر وخالفهم معمر عن جعفر فقال: «الجمعة» أخرجه عبد الرزاق عنه، والبيهقي من طريقه وأشار إلى ضعفها لشذوذها، ويدل على وهمِه فيها روايةُ أبي داود والطبراني في «الأوسط» من طريق يزيد بن يزيد بن جابر عن يزيد بن الأصم فذكر الحديث. قال يزيد: قلت ليزيد بن الأصم: يا أبا عوف الجمعة عنى أو غيرها؟ قال: صُمَّتْ أذناي إن لم أكن سمعت أبا هريرة يأثره عن رسول الله ﷺ ما ذكر جُمعةً ولا غيرها.\nفظهر أن الراجح في حديث أبي هريرة أنها لا تختص بالجمعة.\nوأما حديث ابنِ أمِّ مكتوم فسأذكره قريبًا وأنه موافق لأبي هريرة، وأما حديث ابن مسعود فأخرجه مسلم وفيه الجزم بالجمعة وهو حديث مستقل، لأن مخرجه مغاير لحديث أبي هريرة، ولا يقدح أحدُهما في الآخر فيُحمل على أنهما واقعتان كما أشار إليه النووي والمحب الطبري. وقد وافق ابن أم مكتوم أبا هريرة على ذكر العشاء، وذلك فيما أخرجه ابن خزيمة وأحمد والحاكم من طريق حصين بن عبد الرحمن عن عبد الله بن شداد عن ابن أم مكتوم: أن رسول الله ﷺ استقبل الناس في صلاة العشاء فقال: «لقد هممت...» الحديث.\nولابن حبان من حديث جابر قال: «أتسمع الأذان؟» قال: نعم، قال: «فأتها ولو حبوًا». وقد حمله العلماء على أن ابن أم مكتوم كان لا يشق عليه التصرف بالمشي وحده ككثير من العُميان، واعتمد ابن خزيمة وغيرُه حديث بن أم مكتوم هذا على فرضية الجماعة في الصلوات كلِّها ورجحوه بحديث الباب وبالأحاديث الدالة على الرخصة في التخلف عن الجماعة، قالوا: لأن الرخصة لا تكونُ إلا عن واجب.\nقال شيخنا: وفيه نظر ووراء ذلك أمر آخر ألزَمَ به ابن","vol":"1","page":187},{"text":"دقيق العيد من يتمسك بالظاهر ولا يتقيد بالمعنى، وهو أن الحديث وَرَد في صلاة معينة فيدل على وجوب الجماعة فيها دون غيرِها، وأشار إلى الانفصال عنه بالتمسك بدلالة العموم، لكن نوزع في كون القول لِمَا ذكر أولًا ظاهرية محضة، فإنَّ قاعدة حمل المطلق على المقيد تقتضيه، ولا يستلزم ذلك تركَ اتباعِ المعنى، لأن غير العشاء والفجر مظنة الشُّغل بالتكسب وغيِره، أما العصران فظاهر وأما المغرب فلأنها في الغالب وقتُ الرجوع إلى البيت والأكل، لا سيما للصائم مع ضيقِ وقتها، بخلاف العشاء والفجر فليس للمتخلف عنهما عذر غير الكسل المذموم، وفي المحافظة عليهما في الجماعة أيضًا انتظامُ الألفة بين المتجاورين في طرفي النهار وليختموا النهار بالاجتماع على الطاعة ويفتتحوه كذلك.\nوقد وقع في رواية عجلان عن أبي هريرة عند أحمد تخصيصُ التهديدِ بمن حول المسجد. انتهى.\nقلت: تقع الأُلفةُ باجتماع المتجاورين في هذه الصلوات الخمس، وتقع لأهل المدينة باجتماعهم في صلاة الجمعة، وتقع لأهل القرى باجتماعهم في صلاة العيدين، وتقع لأهل الدنيا باجتماعهم في الحج. انتهى.\nوسيأتي توجيهُ كون العشاء والفجر أثقلُ على المنافقين من غيرهما.\nقال شيخنا: وقد أطلتُ في هذا الموضع لارتباط بعضِ الكلام ببعض، واجتمع من الأجوبة لمن لم يقل بالوجوب أوجه لا توجد مجموعةً في غير هذا الشرح. انتهى.\nوفي الحديث من الفوائد أيضًا: تقديم الوعيد والتهديد على العقوبة، لأن المفسدة إذا ارتفعت بالأهون من الزجر اكتُفِي به عن الأعلى بالعقوبة. قال العيني: يكون هذا من باب الدفع بالأخف. انتهى.\nوفيه: جواز العقوبة بالمال بحسب الظاهر، واستدل به قوم من القائلين بذلك من المالكية، وَعَزَى ذلك أيضًا إلى الإمامِ مالك.\nقال شيخنا: وفيه نظر لِمَا أسلفناه، ولاحتمال أن التحريق من باب ما لا يتمُّ الواجب إلا به، إذْ الظاهر أن الباعثَ على ذلك أنهم كانوا يختفون في بيوتهم فلا يُتَوصل إلى عقوبتهم إلا بتحريقها عليهم.\nقال العيني: وأجاب الجمهور عنه - أي عن جواز العقوبة بالمال - بأنَّه كان ذلك في أول الإسلام ثم نُسخ. انتهى.\nوفيه: جوازُ أخذ أهل الجرائم على غِرَّة، لأنه ﷺ هَمَّ بذلك في الوقت الذي عُهِد منه فيه الاشتغالُ بالصلاة بالجماعة، فأراد أن يبغتهم في الوقت الذي يتحققون أنه لا تطرقهم فيه، وفي السياق إشعار بأنه تقدم منه زجرهم عن التخلف بالقول حتى استحقوا التهديد بالفعل. وترجم عليه البخاري في كتاب الأشخاص وفي كتاب الأحكام بابُ إخراج أهل المعاصي والرِّيَب من البيوت بعد المعرفة. يريدُ أنَّ من طُلِب منهم بحٍّق فاختفى إذا امتنع في بيته لَدَدًا (^١) أو مطلًا أُخرِج منه بكل طريق يُتوصل إليه بها، كما أراد - ﷺ - إخراجَ المتخلفين عن الصلاة بإلقاء النار عليهم في بيوتهم.\nوحكى الطحاوي في «أدب القضاء الصغير» له أن بعضهم كان يرى الهجوم على الغائب، وبعضَهم لا يرى، وبعضَهم يرى\n_________\n(^١) «لَدَدًا» غير مفهومة في (الأصل).","vol":"1","page":187},{"text":"التسمير على الأبواب، وبعضَهم لا يراه. وقال بعض الحكام: أَجلِس رجلًا على بابه ويمنع من الدخول والخروج من منزله إلا الطعامُ والشراب فإنه لا يُمنَع عنهما، ويُضَيَّقُ عليه حتى يخرُج فيُحكم عليه. قال الخصاف: ومن رأى الهجوم من أصحابنا على الخصم في منزله إذا تبيَّنَ ذلك فيكون ذلك بالنساءِ والخدم والرجال، فيُقدَّم النساءُ في الدخول ويفتَّش الدار ثم يدخل البيتَ الذي فيه النساءُ خاصَّةً، فإذا وُجِدَ أُخرِج، ولا يكون الهجومُ إلا على غفلة من غير استئمار، يدخل النساءُ أولًا كما قلنا آنفًا.\nوفيه: جوازُ أخذِ أهل الجرائم على غِرَّةٍ.\nوفيه: جواز الحلف من غير استحلاف كما في حلف النبي ﷺ.\nوفيه: جواز التخلف عن الجماعة لعذرٍ كالمرض والخوف من ظالم أو حيوان، ومنه خوفُ فواتِ الغريم.\nوفيه: جواز إمامة المفضول مع وجود الفاضل إذا كانت فيه مصلحة، قال ابنُ بزيزة: وفيه نظر، لأن الفاضل في هذه الصورة يكون غائبًا، وهذا مختَلفٌ في جوازه.\nواستدل ابنُ العربي منه في شيئين:\nأحدُهما: على جواز إعدام محل المعصية كما هو مذهب مالك. قال العيني: وبذلك روي عن بعض أصحابنا - أي الحنفية - وادعى الجمهورُ النسخَ فيه كما في العقوبة بالمال.\nوالثاني: استَدَلَّ به على مشروعية قتل تارك الصلاة تهاونًا بها، والله أعلم. قال شيخنا: ونوزع في ذلك، روايةُ أبي داود التي فيها أنهم كانوا يُصلُّون في بيوتهم كما قدمناه تُعَكِّرُ عليه، نعم يمكن الاستدلال منه بوجهٍ آخر، وهو أنَّهم إذا استحقوا التحريق بترِك صفة من صفات الصلاة خارجةٍ عنها سواء قلنا واجبة أو مندوبة كَانَ من تركها أصلًا ورأسًا أَلحَقَ بذلك لكن لا يلزم من التهديد بالتحريق حصولُ القتلِ (^١) لا دائمًا ولا غالبًا، لأنه يمكن الفرار منه أو الإخمادُ له بعد حصولِ المقصود منه من الزجر والإرهاب.\n\n <span id=\"b-٢٣٨\"> </span>(٣٠) بَابُ فَضْلِ الجَمَاعَةِ\n\nأي هذا بابٌ في بيان فضل الصلاة بالجماعة، وفي بعض النسخ: &lt;<span data-type=\"title\" id=toc-238>باب فضل صلاة الجماعة</span>&gt;، لا يقال: إن بين هذه الترجمة وبين ترجمة الباب الذي قبله منافاة، لأن هذه في بيان الفضيلة وتلك في بيان الوجوب، لأنَّا نقول: كون الشيء مُتَّصفًا بالوجوب لا ينافي اتصافه بالفضيلة.\nقال شيخنا: لكن الفضائل تتفاوت، فالمراد من الترجمة بيان زيادة ثواب الجماعة على صلاة الفذ. انتهى.\nقوله: (وَكَانَ الأَسْوَدُ) أي ابن يزيد النخعي، أحد كبار التابعين، ترجمته في باب من ترك بعض الاختيار في كتاب العلم.\nقوله: (كان إِذَا تفوتهُ الصلاة بالجَمَاعَة في مسجد يذهَبُ إِلَى مَسْجِدٍ آخَرَ ليصلي فيه بالجَمَاعَة) مطابقته للترجمة ظاهرة، وهي أنه لولا ثبوتُ فضيلة الجماعة عندَه لَمَا ترك فضيلةَ أول الوقتِ والمبادرةَ إلى خلاص الذمة وتوجه إلى مسجد آخر. كذا أشار إليه بن المنير.\nقال شيخنا: والذي يظهر لي أن البخاري قصد الإشارةَ بأثر الأسود وأنس إلى أن\n_________\n(^١) في (الأصل): «الفعل» والصواب «القتل».","vol":"1","page":188},{"text":"الفضلَ الوارد في أحاديث البابِ مقصورٌ على من جمع في المسجد دون من جمع في بيته مثلًا كما سيأتي البحثُ فيه في الكلام على حديث أبي هريرة، لأن التجميع لو لم يكن مختصًّا بالمسجد لجمع الأسودُ في مكانه ولم ينتقل إلى مسجدٍ آخر لِطلبِ الجماعة، ولَمَا جاء أنس إلى مسجد بني رِفاعة كما سنبينُه. انتهى.\nقلت: وهذا الذي قاله شيخنا يحتاج إلى أنَّ الأسود أمكنه الجماعةُ فترَكَها وطلب جماعة المسجد، وقد حصل هذا لأنس - كما سيأتي - وطَلَب المسجد، فسَانَدَ قول شيخنا. انتهى.\nووصل (^١) هذا التعليق أبو بكر بن أبي شيبة بإسناد صحيح، ولفظُه: إذا فاتته الجماعة في مسجد قومه ذهب إلى مسجد آخر. وقال صاحب «التوضيح» - أي ابن الملقن -: وقد رُوي ذلك عن حذيفة وسعيد بن جبير، وذكر الطحاوي عن الكوفيين ومالك: إن شاء صلى في مسجد وحده، وإن شاء أتى مسجدًا آخر يطلب فيه الجماعة. إلا أن مالكًا قال: إلا أن يكون في المسجد الحرام أو مسجدِ رسول الله ﷺ فلا يخرج منه ويصلي فيه وحده، لأن الصلاة في هذين المسجدين أعظمُ أجرًا ممن صلى في جماعة. انتهى.\nقلت: وعلى مقتضى هذا التعليل يكون المسجد الأقصى كذلك. انتهى.\nوقال الحسن البصري: ما رأينا المهاجرين يتبعون المساجد. وفي «مختصر ابن سفيان» عن مالك: من صلى في جماعةٍ لا يعيد في جماعةٍ إلا في مسجد مكة والمدينة.\nقلت: مذهب الشافعي: يعيد في جماعة ولو كلن صلى في جماعة، ولابن الرِّفعة فيه بحث. انتهى.\nقوله: (وَجَاءَ أَنَسُ) أي ابنُ مَالِكٍ، ترجمته في باب من الإيمان أن يحب لأخيه.\nقوله: (إِلَى مَسْجِدٍ قَدْ صُلِّيَ فِيهِ، فَأَذَّنَ وَأَقَامَ وَصَلَّى جَمَاعَةً) مطابقته للترجمة ظاهرة كالتي قبلها.\nوهذا التعليق رواه ابن أبي شيبة عن ابن عُلَيَّة عن الجعد أبي عثمان عنه، وعن هشيم أخبرنا يونس بن عبيد حدثني أبو عثمان فذكره، ووصله أيضًا أبو يعلى في «مسنده» من طريق الجعد، قال: مر بنا أنس بن مالك... فذكر نحوه. وأخرجه البيهقي من طريق أبي عبد الصمد العَمِيِّ نحوه، وقال: مسجد بني رفاعة. وقال: فجاء أنس في نحو عشرين من فتيانه. انتهى.\nواختلف العلماء في الجماعة بعد الجماعة في المسجد، فرُوي عن ابن مسعود أنه صلى بعلقمة والأسود في مسجد قد جمع فيه، وهو قول عطاء والحسن في رواية، وإليه ذهب أحمد وإسحاق وأشهب عملًا بظاهر قوله ﵇: «صلاة الجماعة تفضل على صلاة الفذ...» الحديث. وقالت طائفة: لا يجمع في مسجد جمع فيه مرتين، رُوي ذلك عن سالم والقاسم وأبي قِلابة، وهو قول مالك والليث وابن المبارك والثوري والأوزاعي وأبي حنيفة والشافعي.\nوقال بعضهم: إنما يُكره ذلك خشية افتراق الكلمة وأنَّ أهل البدع يتطرقون إلى مخالفة الجماعة. وقال مالك والشافعي: إذا كان المسجد على طريق الإمام له أن يجمع فيه قوم بعد قوم.\nقال العيني: وحاصل مذهب الشافعي أنه لا يكره في المسجد المطروق، وكذا\n_________\n(^١) «ووصل» ليست في (الأصل) والصواب إثباتها.","vol":"1","page":188},{"text":"غيره إن بعُدَ مكان الإمام ولم يخف فيه.\n\n٦٤٥ - <span id=\"b-٢٣٩\"> </span>٦٤٦ - قوله: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ) أي التنيسي، ترجمته في بدء الوحي.\nقوله: (قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) أي الإمام، ترجمته فيه أيضًا.\nقوله: (عَنْ نَافِعٍ) أي مولى ابن عمر، ترجمته في باب العلم والفتيا في المسجد.\nقوله: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ) أي ابن الخطاب ترجمته في كتاب الإيمان.\nفي هذا الإسناد: التحديث بصيغة الجمع في موضع وبصيغة الإفراد في موضعين. وفيه: العنعنة في موضعين. وفيه: القول في موضعين. وفيه: السماع. وفيه: أن رواته ما بين بصري ومدني. وفيه: أن بين مالك بن أنس والنبي ﷺ اثنان.\nقلت: وهو أصح الأسانيد على قول. انتهى.\nقوله: (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «صَلَاةُ الجَمَاعَةِ تَفْضُلُ عَلَى صَلَاةِ الفَرْدِ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً») مطابقته للترجمة ظاهرة.\nوأخرجه مسلم والنسائي أيضًا في الصلاة، ولفظ مسلم: «صلاة الرجل في الجماعة تزيد على صلاته وحده»، رواه من رواية عبيد الله بن عمر عن نافع.\nقوله: (صَلَاةِ الفَرْدِ) والرواية المشهورة: «صلاة الفَذِّ» بفتح الفاء وتشديد الذال المعجمة، ومعناه: المنفرد. يقال: فَذَّ الرجل من أصحابه إذا بقي وحده.\nقال العيني: وقد استقصينا الكلام في لفظ: (سَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً) في باب الصلاة في مسجد السوق فيما مضى. انتهى.\nقال شيخنا: سياق مسلم أوضح، ولفظه: «صلاة الرجل في الجماعة تزيد على صلاته وحده بسبع وعشرين درجة». قال الترمذي: عامة من رواه قالوا: خمسًا وعشرين، إلا ابن عمر فإنه قال: سبعًا وعشرين. قلتُ: لم يُختَلَف عليه في ذلك إلا ما وقع عند عبد الرزاق عن عبد الله العمري عن نافع فقال فيه: خمس وعشرون. لكن العمري ضعيفٌ.\nووقع عند أبي عوانة في «مستخرجه» من طريق أبي أسامة عن عبيد الله بن عمر عن نافع فإنه قال فيه: «بخمس وعشرين»، وهي شاذةٌ مخالفةٌ لرواية الحفاظ من أصحاب عبيد الله وأصحابِ نافع، وإن كان راويها ثقة، وأما ما وقع عند مسلم من رواية الضحاك بن عثمان عن نافع بلفظ: «بضع وعشرين»، فليست مغايرة لرواية الحفاظ لصدقِ البِضعِ على السبع.\nوأما غير ابن عمر فصح عن أبي سعيد وأبي هريرة كما في هذا الباب، وعن ابن مسعود عند أحمد وابن خزيمة، وعن أُبَي بن كعب عند ابن ماجه والحاكم، وعن عائشة وأنس عند السراج، وورد أيضا من طرق ضعيفة عن معاذ وصهيب وعبد الله بن زيد وزيد بن ثابت، وكلها عند الطبراني، واتفق الجميع على خمس وعشرين سِوى رواية أُبَي فقال: أربع أو خمس على الشك، وسِوى روايةٍ لأبي هريرة عند أحمد قال فيها: سبع وعشرون. وفي إسنادها شريك القاضي، وفي حفظه ضعف، وفي رواية لأبي عوانة: بضعًا وعشرين، وليست مغايرة أيضًا لصدق البضع على الخمس.\nفرجعت الروايات كلها إلى الخمس والسبع إذْ لا أثر للشك.\nواختُلِف في أيهما أرجح: فقيل: الخمس، لكثرة رواتها. وقيل: رواية السبع لأن فيها زيادةً من عدلٍ حافظٍ.\nووقع الاختلافُ في موضع آخر من الحديث وهو:","vol":"1","page":189},{"text":"مميزُ العدد المذكور، ففي الروايات كلِّها التعبيُر بقوله: «درجة» أو حذفُ المميَّز، إلا طرق حديث أبي هريرة، ففي بعضها: «ضِعفًا»، وفي بعضها: «جزءًا»، وفي بعضها: «درجة»، وفي بعضها: «صلاة». ووقع هذا الأخيرُ في بعض طرق حديث أنس، والظاهر أن ذلك من تصرف الرواة، ويحتمل أن يكون ذلك من التفنن في العبارة.\nوأما قول بن الأثير: إنما قال: «درجة» ولم يقل جزءًا ولا نصيبًا ولا حظًّا ولا يجوز (^١) ذلك، لأنه أراد الثواب من جهة العلو أو الارتفاع، فإن تلك فوق هذه بكذا وكذا درجة، لأن الدرجات إلى جهة العلو فوق فكأنه بناه على أن الأصل لفظ درجة، وما عدا ذلك من تصرف الرواة، لكن نفيه ورود الجزء مردود، فإنه ثابت، وكذلك الضِّعف.\nوقد جُمِع بين روايتي الخمس والسبع بوجوه:\nمنها: أن ذكر القليل لا ينفي الكثير. وهذا قول من لا يعتبر مفهوم العدد، لكن قد قال به جماعة من أصحاب الشافعي، وحُكِي عن نصِّه.\nوعلى هذا فقيل: - وهو الوجه الثاني - لعله ﷺ أخبرنا بخمس ثم أعلمه الله بزيادة الفضل فأخبرنا بسبع. وتُعُقِّبَ بأنه يحتاج إلى التاريخ، وبأن دخول النسخ في الفضائل مختلَفٌ فيه. لكن إذا فرَّعْنَا على المنع تعيُّنَ تقدُّمِ الخمس على السبع من جهة أن الفضل من الله يقبل الزيادة لا النقص.\nثالثها: أن اختلاف العددين باختلاف مميَّزِهما، وعلى هذا فقيل: الدرجة أصغر من الجزء، وتُعُقِّبَ بأن الذي رُوي فيه الجزء رُوي عنه الدرجة. وقال بعضهم: الجزء في الدنيا والدرجة في الآخرة. وهو مبني على التغاير.\nرابعها: الفرق بقرب المسجد وبُعدِه.\nخامسها: الفرق بحال المصلي كأن يكون أعلم أو أخشع.\nسادسها: الفرق بإيقاعها في المسجد أو في غيره.\nسابعها: الفرق بين منتظر الصلاة وغيره.\nثامنها: الفرق بين إدراك كلها أو بعضها.\nتاسعها: الفرق بكثرة الجماعة وقلتهم.\nعاشرها: السبع مختصة بالفجر والعشاء، وقيل: بالفجر والعصر، والخمسُ بما عدا ذلك.\nحادي عاشرها: السبع مختصة بالجهرية والخمس بالسرية. وهذا الوجه عندي أوجهُها لِمَا سأبينه.\nثم الحكمةُ في هذا العدد الخاص غيرُ محققةِ المعنى، ونقل الطيبي عن التوربشتي ما حاصله أن ذلك لا يُدرك بالرأي بل مرجعه إلى علم النبوة التي قصرَت علوم الألِبَّاءِ عن إدراك حقيقتها كلها، ثم قال: ولعل الفائدة هي اجتماع المسلمين مصطفين كصفوف الملائكة والاقتداء بالإمام وإظهار شعائر الإسلام وغير ذلك. وكأنه يشير إلى ما قدمتُه عن غيره، وغفل عن مراد من زعم أن هذا لا يفيد المطلوب.\nلكن أشار الكِرماني إلى احتمال أن يكون أصله كون المكتوبات خمسًا فأريد المبالغة في تكثيرها فضُرِبت في مثلها فصارت خمسًا وعشرين، ثم ذَكَر للسبع مناسبةً أيضًا من جهة عدد ركعات الفرائض ورواتبها. انتهى.\nوقال بعضهم: الحسنةُ بعشر للمصلي منفردًا فإذا انضم إليه آخر بلغت عشرين ثم زيد بقدر عدد الصلوات الخمس أو يزاد عدد أيام الأسبوع. قال شيخنا:\n_________\n(^١) كذا في (الأصل): «يجوز»، ولعل الصواب: «نحو».","vol":"1","page":189},{"text":"ولا يخفى فساد هذا. قلتُ: لأنه جعل الحسنة بعشر أمثالها للمنفرد ولم يعتبره في غيره. انتهى.\nوقيل: الأعداد عشرات ومِئينَ وألوف، وخير الأمور الوسط فاعتبرت المئة، والعدد المذكور رُبعها. وهذا أشدُّ فسادًا من الذي قبله. قلت لم يقل أحدٌ أنَّ الأقل من الأجر خير من الأكثر. انتهى.\nقال شيخنا: وقرأت بخط شيخنا البُلقيني - أي سراج الدين عمر - فيما كَتَبَ على «العمدة»: ظهرَ لي في هذين العددين شيءٌ لم أُسبَق إليه، لأن لفظ ابن عمر: «صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ»، ومعناه: الصلاة في الجماعة كما وقع في حديث أبي هريرة: «وصلاة الرجل في الجماعة»، وعلى هذا فكل واحد من المحكوم له بذلك صلى في جماعة، وأدنى الأعداد التي يتحقق فيها ذلك ثلاثةٌ، حتى يكون كلُّ واحد صلى في جماعة وكلُّ واحد منهم أتى بحسنة وهي بعشرة، فيحصل من مجموعه ثلاثون، فاقتصر في الحديث على الفضل الزائد وهو سبعة وعشرون دون الثلاثة التي هي أصل ذلك. انتهى.\nقال شيخنا: وظهر لي في الجمع بين العددين أن أقل الجماعة إمام ومأموم فلولا الإمام ما سُمي المأموم مأمومًا، وكذا عكسُه فإذا تفضل الله على من صلى جماعة بزيادة خمس وعشرين درجةً حُمِل الخبرُ الوارد بلفظها على الفضل الزائد والخبرُ الوارد بلفظ سبعة وعشرين على الأصلِ والفضلِ. انتهى.\nوقد خاض قومٌ في تعيين الأسباب المقتضية للدرجات المذكورة، قال ابن الجوزي: وما جاؤوا بطائل. وقال المحب الطبري: ذَكَر بعضُهم أن في حديث أبي هريرة (^١) - يعني ثالث أحاديث الباب - إشارةً إلى بعض ذلك، ويضاف إليه أمور أخرى وردت في ذلك، وقد فصَّلها ابن بَطَّال وتبعه جماعة من الشارحين، وتعقب الزينُ ابن المنير بعضَ ما ذكر واختار تفصيلًا آخر أورده.\nقال شيخنا: وقد نقَّحتُ ما وقفتُ عليه من ذلك وحذفتُ ما لا يختص بصلاة الجماعة.\nفأوَّلُها: إجابةُ المؤذن بنية الصلاة في جماعة، والتبكيرُ إليها في أول الوقت، والمشيُ إلى المسجد بالسكينة، ودخولُ المسجد داعيًا، وصلاة التحية عند دخوله، كلُّ ذلك بنية الصلاة في الجماعة.\nسادسها: انتظار الجماعة.\nسابعها: صلاة الملائكة عليه واستغفارهم له.\nثامنها: شهادتهم له.\nتاسعها: إجابةُ الإقامة.\nعاشرها: السلامةُ من الشيطان عند نفره عند الإقامة.\nحادي عشرها: الوقوف منتظرًا إحرام الإمام، أو الدخول معه في أي هيئة وجده عليها.\nثاني عشرها: إدراك تكبيرة الإحرام كذلك.\nثالث عشرها: تسوية الصفوف، وسد فرجها.\nرابع عشرها: جواب الإمام عند قوله: سمع الله لمن حمده.\nخامس عشرها: الأمنُ من السهو غالبًا، وتنبيه الإمام إذا سها بالتسبيح أو الفتحِ عليه.\nسادس عشرها: حصول الخشوع والسلامة عما يلهي غالبًا.\nسابع عشرها: تحسين الهيئة غالبًا.\nثامن عشرها: احتفافُ الملائكة به.\nتاسع عشرها: التدربُ على تجويد القراءة، وتعلمُ الأركان والأبعاض.\nالعشرون: إظهارُ شعائر الإسلام.\nالحادي والعشرون: إرغامُ الشيطان بالاجتماع للعبادة والتعاون على الطاعة ونشاط المتكاسل.\nالثاني والعشرون: السلامةُ من صفة النفاق ومِن\n_________\n(^١) «أبي هريرة» ليست في (الأصل) والصواب إثباتها.","vol":"1","page":190},{"text":"إساءةِ غيرِه به الظنَّ بأنه ترك الصلاة رأسًا.\nالثالث والعشرون: نيةُ ردِّ السلام على الإمام.\nالرابع والعشرون: الانتفاعُ باجتماعهم على الدعاء والذكرِ وعود برَكَة الكاملِ على الناقص.\nالخامس والعشرون: قيام نظام الأُلْفة بين الجيران وحصولُ تعاهدِهم في أوقات الصلوات.\nفهذه خمس وعشرون خَصلة وَرَدَ في كُلٍّ منها أمرٌ أو ترغيبٌ يخُصُّهُ، وبقي منها أمران يختصان بالجهرية وهما: الإنصاتُ عند قراءة الإمام والاستماعُ لها والتأمين عند تأمينه ليوافق تأمين الملائكة، وبهذا يترجح أن السبع تختص بالجهرية، والله ﷾ أعلم بالصواب.\nقال شيخنا أيضًا: تنبيهات: الأول: مقتضى الخصال التي ذكرتُها اختصاصُ التضعيف بالتجميع في المسجد وهو الراجح في نظري كما سيأتي البحث فيه، وعلى تقدير أن لا يختص بالمسجد فإنما يسقط مما ذكرتُه ثلاثةُ أشياء وهي: المشيُ والدخولُ والتحيةُ، ويمكن أن يعوضَ من بعض ما ذُكِر مما تشتمل على خصلتين متقاربتين أقيمتا مقام خصلة واحدة كالأخيرتين، لأن منفعة الاجتماع على الدعاء والذكر غير منفعة فائدةِ عود بركة (^١) الكامل على الناقص، وكذا فائدة قيام نظام الأُلفة غير فائدةِ حصول التعهد، وكذا فائدة أمن المأمومين من السهو غالبًا غير تنبيه الإمام إذا سها. فهذه ثلاثة يمكن أن يعوض بها الثلاثةُ المذكورة فيحصل المطلوبُ.\nالثاني: لا يرد على الخصال التي ذكرتُها كونُ بعض الخصال يختص ببعض من صلى جماعةً دون بعض، كالتبكير في أول الوقت وانتظار الجماعة وانتظار إحرام الإمام ونحو ذلك، لأن أجر ذلك يحصُل لقاصده بمجرد النية ولو لم يقع كما سبق والله أعلم. انتهى.\nالثالث: معنى الدرجة والجزء حصولُ مقدارِ صلاة المنفرد بالعدد المذكور للمجمع، وقد أشار ابن دقيق العيد إلى أن بعضهم زعم خلافَ ذلك، قال: والأول أظهر لأنه قد ورد مثلها في بعض الروايات. انتهى. وكأنه يشير إلى ما عند مسلم في بعض طرقه بلفظ: «صلاة الجماعة تعدِل خمسًا وعشرين من صلاة الفذِّ»، وفي أخرى: «صلاةٌ مع الإمام أفضلُ من خمسٍ وعشرين صلاةً يصليها وحده»، ولأحمد من حديث بن مسعود بإسناد رجاله ثقاتٌ نحوُه. وقال في آخره: «كلها مثل صلاته»، وهو مقتضى لفظ رواية أبي هريرة الآتية حيث قال: «تضعف» لأن الضِّعف كما قال الأزهري: المِثْلُ إلى ما زاد، ليس بمقصور على المثلين، كقوله: هذا ضِعف الشيء، مثلُه أو مِثْلَاه فصاعدًا، لكن لا يزاد على العشرة.\nوظاهر قوله: «تضعف» وكذا قوله في روايتي ابنِ عمر وأبي سعيد: «تفضُل» أي تزيد، وقولُه في رواية أبي هريرة السابقة في باب مساجد السوق يريد أن صلاة الجماعة تساوي صلاة المنفرد وتزيد عليها العددَ المذكور، فيكون لمصلي الجماعة ثوابُ سِتٍّ أو ثمانٍ وعشرين من صلاة المنفرد.\nقوله: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ) أي التنيسي المذكور في الإسناد السابق.\n_________\n(^١) في (الأصل): «تركه»، والصواب: «بركة».","vol":"1","page":190},{"text":"قوله قال: (حَدَّثَنِي اللَّيْثُ) أي ابن سعد، ترجمته في بدء الوحي.\nقوله: (قال: حَدَّثَنِي ابْنُ الهَادِ) أي يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد الليثي، ترجمته في باب الصلوات الخمس كفارة.\nقوله: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَبَّابٍ) أي بفتح الخاء المعجمة وتشديد الباء الموحدة وبعد الألف باء أخرى، الأنصاري التابعي، وليس هو بابن خباب بن الأرَتِّ صاحبِ رسول الله ﷺ، وإنما وافقه في اسمه واسم أبيه.\nقال شيخنا: لكن ليس له في الصحيحين رواية. قلتُ: هو مولى بني عدي بن النجار، سمِع أبا سعيد الخدري، روى عنه يزيد بن الهاد عندهما والقاسم بن محمد عند البخاري وبكير بن الأشجِّ عند مسلم. انتهى.\nقوله: (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ) أي سعد بن مالك ﵁، ترجمته في باب من الدين الفرارُ من الفتن.\nفي هذا الإسناد: التحديثُ بصيغة الجمع في موضع، وبصيغة الإفراد في موضعين. وفيه: العنعنة في موضعين. وفيه: القول في موضعين. وفيه: السماع. وفيه: أن رواته ما بين مصري ومدني.\nقوله: (أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «صَلَاةُ الجَمَاعَةِ تَفْضُلُ صَلَاةَ الفَذِّ بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً) مطابقته للترجمة ظاهرة.\nوهذا الحديث ساقط في بعض النسخ ثابت في الأطراف لأبي مسعود وخلف.\nقال شيخنا: هذا الحديث سقط من رواية كريمة، وثبت للباقين وأورده الإسماعيلي قبل حديث ابن عمر.\nقال العيني: وذكره أبو نعيم هنا بعد حديث ابن عمر، وهو من أفراد البخاري ﵀.\nقوله: (تَفْضُلُ صَلَاةَ الفَذِّ) كذا هو في عامة نسخ البخاري، وعزاه ابن الأثير إليه في «شرح المسند» بلفظ: «على صلاة الفذ»، ثم أَوَّلَها بأنَّ (تَفْضُلُ) لما كانت بمعنى «تزيد» وهو يتعدى بـ «على» أعطاها معناها فعدَّاها بها، وإلا فهي متعدية بنفسها. قال: وأما الذي في مسلم: «أفضل من صلاة الفذ»، فجاء بلفظ: «أفضل»، التي هي للتفضيل والتكثيرِ في المعنى المشترك، وهي أبلغ من: «تفضل»، على ما لا يخفى.\nوقد ذكرنا أن: (الفَذ) بالذال المعجمة هو المنفرد، ولغةُ عبد القيس: «الفنذ» بالنون وهي غنةٌ لا نون.\nقوله: (بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ) في رواية الأصيلي: &lt;خمسًا وعشرين&gt;، زاد ابن حبان وأبو داود من وجه آخر عن أبي سعيد: «فإن صلاها في فَلاةٍ فأتمَّ ركوعها وسجودها بلغت خمسين صلاة» وكأنَّ السر في ذلك أن الجماعة لا تتأكد في حق المسافر لوجود المشقة، بل حكى النووي أنه لا يجري فيه الخلاف في وجوبها، لكن فيه نظر فإنه خلاف نص الشارع. وحكى أبو داود قال: في هذا الحديث أن صلاة الرجل في الفلاة تُضاعَف على صلاته في الجماعة. انتهى. وكأنه أخذه من إطلاق قولِه: «فإنْ صلَّاها» لِتَناوُلِه الجماعةَ والانفرادَ، لكنَّ حْمَله على الجماعة أولى، وهو الذي يظهر من السياق.\nويلزم على ما قال النووي أن ثواب المندوب يزيد على ثواب الواجب عند من يقول بوجوب الجماعة، وقد استشكله القرافي على أصل الحديث بناء على القول بأنها سنة، ثم أَوْرَدَ عليه أن الثواب المذكورَ","vol":"1","page":191},{"text":"مُرتبٌ على صلاة الفرض وصفته من صلاة الجماعة، فلا يلزم منه زيادة ثواب المندوب على الواجب، وأجاب: بأنه تُفرَضُ المسألة فيمن صلى وحده ثم أعاد في جماعة فإن ثواب الفرض يحصل له بصلاته وحده، والتضعيفُ يحصل بصلاته في الجماعة، فبقي الإشكال على حاله. وفيه نظر، لأن التضعيف لم يحصُل بسبب الإعادة وإنما حصل بسبب الجماعة، إذْ لو أعاد منفردًا لم يحصل له إلا صلاةٌ واحدة، فلا يلزم منه زيادة ثواب المندوب على الواجب.\nورُوِي عن ابن عباس موقوفا عليه قال: فضلُ صلاة الجماعة على صلاة المنفرد خمسٌ وعشرون درجة. قال: فإن كانوا أكثر فعلى عدد من في المسجد. فقال رجل: وإن كانوا عشرة آلاف؟ فقال: نعم. وهذا له حكم الرفع، لأنه لا يقال بالرأي. قال شيخنا: لكنه غير ثابت.\nقال العيني: يحصل له أجر خمسين صلاة، وذلك يحصل له في الصلاة مع الجماعة، لأن الجماعة لا تتأكد في حق المسافر لوجود المشقة، فإذا صلَّاها منفردًا لا يحصل له هذا التضعيف وإنما يحصل له إذا صلاها مع الجماعة، خمسةٌ وعشرون لأجل أنه صلاها مع الجماعة، وخمسة وعشرون أخرى - التي هي ضعف تلك - لأجل أنه أتم ركوع صلاته وسجودها وهو في السفر الذي هو مظنة التخفيف، فمن أمعن نظره فيه علم أن الإشكال الذي أورده بعضهم فيه من لزوم زيادة ثواب المندوب على الواجب غير وارد. انتهى.\n\n٦٤٧ - <span id=\"b-٢٤٠\"> </span>قوله: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) أي المنقري، ترجمته في بدء الوحي.\nقوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ) أي ابن زياد العبدي، ترجمته في باب الجهاد من الإيمان في كتاب الإيمان.\nقوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) أي سليمان، ترجمته في باب ظلم دون ظلم في كتاب الإيمان.\nقوله: (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا صَالِحٍ) أي ذكوان، ترجمته في باب أمور الإيمان.\nقوله: (يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ) أي عبد الرحمن، ترجمته في الباب أيضًا.\nفي هذا الإسناد: التحديثُ بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع. وفيه: القول في خمسة مواضع. وفيه: السماع في موضعين.\nقوله: (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «صَلَاةُ الرَّجُلِ فِي الجَمَاعَةِ تُضَعَّفُ عَلَى صَلَاتِهِ فِي بَيْتِهِ، وَفِي سُوقِهِ، خَمْسةً وَعِشْرِينَ ضِعْفًا، وَذَلِكَ أَنَّهُ: إِذَا تَوَضَّأَ، فَأَحْسَنَ الوُضُوءَ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى المَسْجِدِ، لَا يُخْرِجُهُ إِلَّا الصَّلَاةُ، لَمْ يَخْطُ خَطْوَةً، إِلَّا رُفِعَتْ لَهُ بِهَا دَرَجَةٌ، وَحُطَّ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةٌ، فَإِذَا صَلَّى، لَمْ تَزَلِ المَلَائِكَةُ تُصَلِّي عَلَيْهِ، مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَيْهِ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ، وَلَا يَزَالُ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاةٍ مَا انْتَظَرَ الصَّلَاةَ») مطابقته للترجمة ظاهرة.\nوهذا الحديث عن أبي سعيد مضى في باب الصلاة في مسجد السوق، غير أن هناك أخرجه عن مُسدَّد عن أبي معاوية عن الأعمش إلى آخره، وفي لفظه شيء لم يُذكر هنا، وهنا شيءٌ لم يُذكر هناك، وقد ذكرنا هناك من أخرجه غيره ومعناه وما يستفاد منه.\nقوله: (فِي الجَمَاعَةِ) وفي رواية الحموي والكُشْمِيهَني: &lt;في جماعة&gt; بدون الألف واللام.\nقوله: (تُضَعَّفُ) أي: تُزاد، والتضعيف أن يُزاد على أصل","vol":"1","page":191},{"text":"الشيءِ فيُجعَلَ مثلين أو أكثر، والضِّعفُ بالكسر المثلُ.\nقوله: (خَمْسةً وَعِشْرِينَ (^١) ضِعْفًا) كذا في الروايات التي وقفنا عليها، وحكى الكِرماني وغيرُهُ أنَّ فيه: &lt;خمسًا وعشرين&gt;، ووجهه بتأويل الضعف بالدرجة أو الصلاة.\nقال العيني: توضيحه أن (ضِعْفًا) مميز مذكر فتجب التاء فقيل بالتأويل المذكور، والأحسن أن يقول: إن وجوب التاء فيما إذا كان المميز مذكورًا، وإذا لم يكن مذكورًا يستوي فيه التاء وعدمها، وههنا مميز الخمس غير مذكور فجاز الأمران. انتهى.\nقوله: (فِي بَيْتِهِ، وَفِي سُوقِهِ) مقتضاه أن الصلاة في المسجد جماعة تزيد على الصلاة في البيت وفي السوق جماعةً وفرادى. قال ابن دقيق العيد: والذي يظهر أن المراد بمقابلِ الجماعةِ في المسجدِ الصلاةُ في غيره منفردًا، لكنه خرج مخرج الغالب في أنَّ من لم يحضر الجماعةَ في المسجد صلى منفردًا، وبهذا يرتفع الإشكال عمن استشكل تسوية الصلاة في البيت والسوق. انتهى.\nولا يلزم مِن حَمْلِ الحديث على ظاهره التسويةُ المذكورة إذْ لا يلزَمُ من استوائهما في المفضولية عن المسجد أن يكون أحدهما أفضل من الآخر، وكذا لا يلزم منه أنَّ كونَ الصلاة جماعةً في البيت أو السوق لا فضل فيها على الصلاة منفردًا، بل الظاهر أن التضعيف المذكورَ مختص بالجماعة في المسجد، والصلاةُ في البيت مطلقًا أولى منها في السوق لِمَا ورد من كون الأسواق موضع الشياطين، والصلاة جماعة في البيت والسوق أولى من الانفراد.\nوقد جاء عن الصحابة قصرُ التضعيف إلى خمس وعشرين على التجميع في المسجد العام مع تقرير الفضل في غيره. وروى سعيد بن منصور بإسنادٍ حسن عن أوس المعافري أنه قال لعبد الله بن عمرو بن العاص: أرأيت من توضأ فأحسن الوضوء ثم صلى في بيته؟ قال: حسن جميل. قال: فإن صلى في مسجد عشيرته؟ قال: خمس عشرة صلاة. قال: فإن مشى إلى مسجد جماعة فصلى فيه؟ قال: خمس وعشرون. انتهى.\nوأخرج حميد بن زنجويه في كتاب «الترغيب» نحوَه من طريق واثلة، وخص الخمس والعشرين بمسجد القبائل. قال: وصلاته في المسجد الذي يجمع فيه - أي الجمعة - بخمسمئة. وسنده ضعيف.\nقوله (وَذَلِكَ أَنَّهُ: إِذَا تَوَضَّأَ) ظاهرٌ في أن الأمور المذكورة علةٌ للتضعيف المذكور إذ التقدير: «وذلك لأنه»، فكأنه يقول: التضعيفُ المذكور سبَبُه كيتَ وكيت. وإذا كان كذلك فما رُتِّبَ على موضوعات متعددة لا بوجود بعضِها إلا إذا دل الدليل على إلغاء ما ليس معتبرًا أو ليس مقصودًا لذاته.\nقال شيخنا: وهذه الزيادة التي في حديث أبي هريرة معقولةُ المعنى فالأخذ بها متوجه، والروايات المطلقة لا ُتنافيها بل يحمل مطلقُها على هذه المقيَّدة، والذين قالوا بوجوب الجماعة على الكفاية ذهب كثيرٌ منهم أن الحرج لا يسقط بإقامة الجماعة في البيوت، وكذا رُوي عن أحمد في فرض العين ووجَّهُوهُ بأن أصل المشروعية إنما كان في جماعة المساجد وهو وصف معتبر لا ينبغي إلغاؤه فيختص به المسجد ويُلحق به ما في معناه مما يحصل به إظهار الشعائر.\n_________\n(^١) في (الأصل): «وعشرون»، والصواب: «وعشرين».","vol":"1","page":192},{"text":"قوله: (لَا يُخْرِجُهُ) من الإخراج.\nقوله: (إِلَّا الصَّلَاةُ) أي قصدُ الصلاة في جماعة، واللام فيها للعهد لما بيَّنَّاه.\nقوله: (لَمْ يَخْطُ) بفتح الياء وضم الطاء.\nقوله: (خَطْوَةً) قال شيخنا: ضبطناه بضم أوله ويجوز الفتح، وجزم اليعمري أنها ههنا بالفتح. وقال القرطبي: إنها في روايات مسلم بالضم. وقال الجوهري: الخُطوة بالضم: ما بين القدمين. وبالفتح: المرة الواحدة.\nقوله: (فَإِذَا صَلَّى) قال ابنُ أبي جَمرَة - أي بالجيم والراء المفتوحتين- أي صلى صلاةً تامةً، لأنه ﷺ قال للمسيء صلاته: «ارجع فصل فإنك لم تصل». انتهى. قلتُ: المراد بالتمام هنا على مقتضى هذا التعليل التمامُ الذي لا بد منه لا التمامُ الذي تصحُّ الصلاة بدونه وهو غاية الكمال، لأنه وقع في حديث المسيء صلاته أنه لم يتم الركوع والسجود. انتهى.\nقوله: (لَمْ تَزَلِ المَلَائِكَةُ تُصَلِّي عَلَيْه) قلتُ: قد أشبعنا الكلام على ذلك وحقيقتِه في بدء الوحي.\nقوله: (مَا دَامَ فِي مُصَلَّاه) بضم الميم، المكان الذي أوقع فيه الصلاة من المسجد. وكأنه خرج مخرج الغالب، وإلا فلو قام إلى بقعة أخرى من المسجد مستمرًّا على نية انتظار الصلاة كان كذلك.\nقوله: (اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ) أي لم تزل الملائكة يصلون عليه حال كونهم قائلين: يا الله ارحمه. وزاد ابن ماجه: «اللهم تب عليه». وفي الطريق الماضية في باب مسجد السوق: «اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، فإن قام فجلس في المسجد ينتظر الصلاة لم يزل في صلاة حتى يصلي». واستدل به على أفضلية الصلاة على غيرها من الأعمال، لِمَا ذُكِرَ من صلاة الملائكة عليه ودعائهم له بالرحمة والمغفرة والتوبة، وعلى تفضيل صالحي الناس على الملائكة لأنهم يكونوا في تحصيل الدرجات بعبادتهم والملائكة مشتغلون بالاستغفار والدعاء لهم.\nقال العيني: هذا ليس على إطلاقه، فإن خواصَّ بني آدم - وهم الأنبياء ﵈ - أفضلُ من الملائكة، وعوامُّهم أفضل من عوام الملائكة، وخواصُّ الملائكة أفضلُ من عوام بني آدم. انتهى.\nواستُدِلَّ بأحاديث الباب على أن الجماعة ليست شرطًا لصحة الصلاة، لأنَّ قولَه: «على صلاته وحده» يقتضي صحةَ صلاتِه منفردًا لاقتضاء صيغة أفعل الاشتراك في أصل التفاضل، فإنَّ ذلك يقتضي وجود فضيلة في صلاة المنفرد، وما لا يصح لا فضيلة فيه.\nقال القرطبي وغيرُه: لا يقال إن لفظة «أفضل» قد تَرِد لإثبات صفة الفضل في إحدى الجهتين كقوله تعالى: ﴿وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٤]، لِأَنَّا نقول: إنما يقع ذلك على قلة حيث تَرِدُ صيغة أفعل مطلقةً غيرَ مقيدةٍ بعدد معين، فإذا قلنا هذا العدد أزيد من هذا بكذا فلا بد من وجود أصل العدد، ولا يقال: يُحمل المنفرد على المعذور، لأن قوله: «صلاة الفذ» صيغة عموم، فيشمل من صلى منفردًا بعذر وبغير عذر فحمله على المعذور يحتاج إلى دليل، وأيضًا ففضل الجماعة حاصل للمعذور لِمَا سيأتي في هذا الكتاب من حديث أبي موسى مرفوعًا: «إذا مرض العبدُ أو سافر كُتِبَ له ما كان يعمل صحيحًا مقيمًا».\nوأشار ابن عبد البر إلى أن بعضَهم حَمَلَهُ على صلاة النافلة، ثم رده بحديث: «أفضل صلاة المرء","vol":"1","page":192},{"text":"في بيته إلا المكتوبة»، واستُدِلَّ بها على تساوي الجماعات في الفضيلة سواء كثُرت الجماعات أم قَلَّتْ، لأن الحديث دل على فضيلة الجماعة على المنفرد بغير واسطة، فيدخل فيه كل جماعة. كذا قال بعض المالكية، وقواه بما رواه ابنُ أبي شيبة بسندٍ صحيح عن إبراهيم النَّخَعي قال: إذا صلى الرجلُ مع الرجل فهما جماعةٌ لهم التضعيف خمسًا وعشرين. انتهى.\nوهو مُسَلَّم في أصل الحصول، لكنه لا ينفي مزيدَ الفضلِ لِمَا كان أكثر، لا سيما لوجود النص المصرِّح به، وهو ما رواه أحمد وأصحابُ السُّنن وصححه ابنُ خزيمة وغيرُه من حديث أُبَي بن كعب مرفوعًا: «صلاةُ الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده، وصلاتُه مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل، وما كَثُرَ فهو أحب إلى الله». وله شاهدٌ قوي في الطبراني من حديث قَبَاث بن أَشْيَم، وهو بفتح القاف والموحدة وبعد الألف مُثَلَّثَة، وَأَبُوهُ بالمعجمة بعدها تحتانية بوزن: أحمر.\nويترتب على الخلاف المذكور أن من قال بالتفاوت استَحَبَّ إعادةَ الجماعة مطلقًا لتحصيل الأكثرية، ولم يَستحِبَّ ذلك الآخرون، ومنهم من فصَّل فقال: تُعاد مع الأعلم أو الأورع أو في البُقعة الفاضلة، ووافق مالك على الأخير لكنْ قَصَرَهُ على المساجد، والمشهور عنه بالمسجدين المكي والمدني، وكما أن الجماعة تتفاوت في الفضل بالقلة والكثرة وغيرِ ذلك مما ذُكِر يفوق بعضُها بعضًا، فلذلك عَقَّب المصنفُ الترجمةَ المطلقة في فضل الجماعة بالترجمة المقيَّدة بصلاة الفجر، واستدل بها على أن أصل الجماعة إمامٌ ومأموم، وسيأتي الكلامُ عليه في باب مفرد قريبًا إن شاء الله تعالى.\n\n <span id=\"b-٢٤١\"> </span>(٣١) بَابُ فَضْلِ صَلَاةِ الفَجْرِ فِي الجَمَاعَةٍ\nأي هذا باب في بيان فضل صلاة الفجر مع الجماعة، إنما ذكر هذه الترجمة مقيدة وذكر الترجمة التي قبلها مطلقة إشارةً إلى زيادة خصوصية الفجر بالفضيلة كما أشرنا إليه قبل.\n\n٦٤٨ - <span id=\"b-٢٤٢\"> </span>٦٤٩ - قوله: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) أي الحكم بن نافع، ترجمته في بدء الوحي.\nقوله: (قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) أي ابن أبي حمزة، ترجمته في البدء أيضًا.\nقوله: (عَنِ الزُّهْرِيّ) أي محمد بن مسلم، ترجمته في باب إذا لم يكن الإسلامُ على الحقيقة.\nقوله: (قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ) ترجمته في باب من قال الإيمان هو العمل.\nقوله: (وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) ترجمته في بدء الوحي.\nقوله: (أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ، قَالَ) أي عبد الرحمن، ترجمته في باب أمور الإيمان.\nفي هذا الإسناد: التحديثُ بصيغة الجمع في موضع. والإخبار كذلك في موضع، وبصيغة الإفراد في موضع. وفيه: العنعنة في موضع. وفيه: السماع. وفيه: القول في ثلاثة مواضع. وفيه: أن رواته ما بين حمصي ومدني. وفيه: ثلاثة من التابعين.\nقوله: (سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «تَفْضُلُ صَلَاةُ الجَمِيعِ صَلَاةَ أَحَدِكُمْ، بِخَمْسةٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا، وَتَجْتَمِعُ مَلَائِكَةُ اللَّيْلِ وَمَلَائِكَةُ النَّهَارِ فِي صَلَاةِ الفَجْرِ» ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿إِنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨].\nقَالَ شُعَيْبٌ: وَحَدَّثَنِي نَافِعٌ) أي مولى ابن","vol":"1","page":193},{"text":"عمر (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: «تَفْضُلُهَا بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً»)\nمطابقته للترجمة في قوله: (وَتَجْتَمِعُ مَلَائِكَةُ اللَّيْلِ وَمَلَائِكَةُ النَّهَارِ)، فإنه يدل على مزية لصلاة الفجر على غيرها.\nقوله: (تَفْضُلُ) أي تزيد. (صَلَاةُ الجَمِيعِ) الإضافة فيه بمعنى «في» لا بمعنى اللام فافهم. قاله العيني.\nقوله: (بِخَمْسةٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا) كذا هو في عامة النسخ، ونقل الزركشي في «نكته» أنه وقع في «الصحيحين»: &lt;خمس&gt; بحذف الموحدة من أوله والهاء من آخره. قال: وخَفْضُ «خمس» على تقدير الباء، كقول الشاعر:\nأشارت كليبٍ بالأكف الأصابعِ\nأي إلى كليب، وأما حذف الهاء فعلى تأويل الجزء بالدرجة\nقال العيني: وأمَّا لأن المميَّز غير مذكور، وههنا مميز «خمس» غير مذكور.\nقال شيخنا: وقد أورده المؤلف في التفسير من طريق معمر عن الزهري بلفظ: «فضل صلاة الجميع على صلاة الواحد خمسٌ وعشرون درجة».\nقوله: (وَتَجْتَمِعُ مَلَائِكَةُ اللَّيْلِ...) إلى آخره، هو الموجب لتفضيل صلاة الفجر مع الجماعة، وكذا في صلاة العصر أيضًا، فلذلك حث الشارع على المحافظة عليهما ليكون من يحضرهما ترفع الملائكة عمله وتشفع له.\nوقال ابن بطال: ويمكن أن يكون اجتماع الملائكة فيهما هما الدرجتان الزائدتان على الخمسة والعشرين جزءًا في سائر الصلوات التي لا تجتمع الملائكة فيها.\nقوله: (قُرْآنَ الفَجْرِ) كنايةٌ عن صلاة الفجر، لأن الصلاة مستلزمة للقرآن.\nقوله: (مَشْهُودًا) أي محضورًا فيه.\nقوله: (قَالَ شُعَيْبٌ) هو شعيب، المذكور في سند الحديث.\nقوله: (وَحَدَّثَنِي نَافِعٌ) قال شيخنا: أي بالحديث المذكور مرفوعًا نحوه، إلا أنه قال: (بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً). وهو موافق لرواية مالك وغيره عن نافع، وطريق شعيب هذه موصولة. وجَوَّزَ الكِرماني أن تكون معلَّقة، وهو بعيد بل هي معطوفة على الإسناد الأول، والتقدير: حدثنا أبو اليمان أخبرنا شعيب ونظائر هذا في الكتاب كثيرة، ولكن لم أر طريق شعيب هذه إلا عند المصنف ولم يستخرجها الإسماعيلي ولا أبو نعيم ولا أوردها الطبراني في «مسند الشاميين» في ترجمة شعيب. انتهى.\nقلت: هذا من الأماكن التي قال شيخنا: لا أضيع الزمان بتشاغل الرد على العيني فيها. انتهى.\n\n٦٥٠ - <span id=\"b-٢٤٣\"> </span>قوله: (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ) أي النخعي الكوفي، ترجمته في باب المضمضة والاستنشاق من الجنابة.\nقوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي) أي حفص بن غياث بن طلق، ترجمته في الباب أيضًا.\nقوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) أي سليمان، ترجمته في باب ظلم دون ظلم.\nقوله: (قَالَ: سَمِعْتُ سَالِمًا) أي ابن أبي الجعد، ترجمته في باب التسمية على كل حال وعند الوِقاع في كتاب الطهارة.\nقوله: (قَالَ: سَمِعْتُ أُمَّ الدَّرْدَاءِ تَقُولُ) أي هُجَيمة،","vol":"1","page":193},{"text":"وهي أم الدرداء الصغرى التابعية، لا الكبرى التي اسمها: خَيرة، بفتح الخاء المعجمة وسكون الياء آخر الحروف، وهي الصحابية. فإنما قلنا كذلك لأن الكبرى ماتت في حياة أبي الدرداء، وعاشت الصغرى بعده بزمان طويل، وقد جزم أبو حاتم بأن سالم بن أبي الجعد لم يدرك أبا الدرداء، فعلى هذا لم يدرك أمَّ الدرداء الكبرى.\nوقال الكِرماني: وأم الدرداء هي: خَيْرة بنت أبي حدرد الأسلمية، من فاضلات الصحابيات وعاقلاتهن وعابداتهن، ماتت بالشام في خلافة عثمان. قال شيخنا: فسَّرها الكِرماني هنا بصفات الكبرى، وهو خطأٌ لقول سالم: (سَمِعْتُ أُمَّ الدَّرْدَاءِ)\nقوله: (دَخَلَ عَلَيَّ أَبُو الدَّرْدَاءِ) أي عويمر بن مالك، ترجمته في باب من حمل معه الماء الطهور.\nفي هذا الإسنادِ: التحديثُ بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع. وفيه: السماع في موضعين. وفيه: القول في سبعة مواضع. وفيه: رواية الابن عن الأب. وفيه: رواية التابعية عن الصحابي. وفيه: رواية التابعي عن التابعية. وفيه: أن رواته (^١) الأربعة كوفيون، وهذا من أفراد البخاري.\nقوله: (وَهُوَ مُغْضَبٌ (^٢)، فَقُلْتُ: مَا أَغْضَبَكَ؟ فَقَالَ: «وَاللَّهِ مَا أَعْرِفُ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ شَيْئًا إِلَّا أَنَّهُمْ يُصَلُّونَ جَمِيعًا»).\nمطابقته للترجمة من حيث إن أعمال الذين يصلون بالجماعة قد وقع فيها النقص والتغيير ما خلا صلاتهم في الجماعة، ولم يقع فيها شيء من ذلك، فدل ذلك على أن فضل الصلاة بالجماعة عظيم.\nفإن قلتَ: الترجمة في فضل الصلاة بالجماعة في الفجر، والذي يُفهَم من الحديث أعم من ذلك، فكيف يكون التطابق؟ قال العيني: إذا طابقَ جزءٌ من الحديث الترجمة يكفي، ومثلُ هذا وقع له كثيرًا في هذا الكتاب.\nقوله: (مُغْضَبٌ) بضم أوله وفتح الضاد المعجمة.\nقوله: (مَا أَعْرِفُ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ) كذا في رواية أبي ذر وكَريمة، وفي رواية الباقين: &lt;من (^٣) محمد&gt; بدون لفظة: «أمة»، وعليه شرح ابن بطال ومَن تبعه، قال: يريدُ: من شريعة محمد شيئًا لم يتغير عما كان عليه إلا الصلاة في جماعة، فَحَذَفَ المضاف إليه لدلالة الكلام عليه، ووقع في رواية أبي الوقت: &lt;من أمر محمد&gt; بفتح الهمزة وسكون الميم وفي آخره راء، وكذا ساقه الحميدي في «جمعه»، وكذا هو في «مسند أحمد» و«مستخرجي الإسماعيلي وأبي نعيم» من طُرُقٍ عن الأعمش، وعندهم بلفظ: ما أعرف فيهم، أي: في أهل البلد الذي كان فيه أبو الدرداء، كأنَّ لفظ «فيهم» لَمَّا حُذف من رواية البخاري صَحَّف بعضُ النَّقَلة «أمر» بـ «أمة»، ليعود الضمير في: (أَنَّهُمْ) على الأمة. قال العيني: لا محذور في كون لفظة: «أمة»، بل الظاهر هذا على ما لا يخفى. انتهى.\nقوله: (يُصَلُّونَ جَمِيعًا) أي: مجتمعين، وانتصابُه على الحال، ومفعول: (يُصَلُّونَ) محذوفٌ تقديرُه: يصلون الصلاة أو الصلوات.\nقال شيخنا: مرادُ أبي الدرداء أن أعمال المذكورين حصل في جميعها النقصُ أو التغيير إلا التجميع في الصلاة، فهو أمر نسبي، لأن حال الناس في زمن النبوة كان أتمَّ مما صار إليه بعدها، ثم كان في زمن الشيخين أتم مما صار إليه بعدَهما، وكأن ذلك صدر من أبي الدرداء في أواخر عُمُرِه وكان ذلك في أواخر خلافة عثمان ﵁، ويا ليت شعري\n_________\n(^١) في (الأصل): «رواية»، والصواب: «رواته».\n (^٢) في (الأصل): «مصعب»، والصواب: «مغضَب».\n (^٣) في (الأصل): «من رواية»، والصواب: «من».","vol":"1","page":194},{"text":"إذا كان ذلك العصر الفاضلُ بالصفة المذكورة عند أبي الدرداء فكيف بمن جاء بعدهم من الطبقات إلى هذا الزمان! قلتُ: الذي قَلَّ أن يَجِدَ فيه مَن يحب لأخيه ما يحبه لنفسه ويرتضيه، مع أن القرن الذي قال فيه أبو الدرداء هذا خيرُ القرون بنص الشارع.\nوفي هذا الحديث جواز الغضب عند تغير شيءٍ من أمور الدين، وإنكارِ المنكر بإظهار الغضب إذا لم يستطع أكثرَ منه.\n\n٦٥١ - <span id=\"b-٢٤٤\"> </span>قوله: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ العَلَاءِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) أي بضم الباء الموحدة (عَنْ أَبِي بُرْدَة) بضم الباء أيضًا، عامر وقيل: الحارث (عَنْ أَبِي مُوسَى) أي عبد الله بن قيس.\nرجال هذا السند قد ذُكِروا بهذا الترتيب في باب من علم، لكنَّ ذِكْرَ أبو أسامة ثَمَّةَ باسمه حَمَّاد، وههنا بكنيته.\nقوله: (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أَعْظَمُ النَّاسِ أَجْرًا فِي الصَّلَاةِ أَبْعَدُهُمْ، فَأَبْعَدُهُمْ مَمْشًى وَالَّذِي يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ حَتَّى يُصَلِّيَهَا مَعَ الإِمَامِ أَعْظَمُ أَجْرًا مِنَ الَّذِي يُصَلِّي، ثُمَّ يَنَامُ»).\nهذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا في الصلاة.\nقوله: (أَعْظَمُ النَّاسِ أَجْرًا) أي أكثرهم ثوابًا والناس: جماعةُ الحيَوان المتميزة بالصور الإنسانية.\nقوله: (أَبْعَدُهُمْ) بالرفع خبرُ المبتدأ: أعني.\nقوله: (أَعْظَمُ النَّاسِ) ونصب أجرًا على التمييز.\nقوله: (فَأَبْعَدُهُمْ) قال الكِرماني: الفاء فيه للاستمرار، كما في قولهم: الأمثل فالأمثل.\nقال العيني: لم يذكر أحد من النُّحاةِ أن الفاء تجيء بمعنى الاستمرار، ولكن يمكن أن تكون الفاء هنا لترتيبٍ مع تفاوت من بعض الوجوه.\nقال الزمخشري: للفاء مع الصفات ثلاثة أحوال:\nأحدها: أن تدل على ترتيب معانيها في الوجود كقوله:\nيا لهف زَيَّابة للحارثِ... الصابحِ (^١) فالغانم فالآيبِ\nأي الذي صبح فغنم فآب.\nوالثاني: يدل على ترتيبها في التفاوت من بعض الوجوه، نحو قولك: خذ الأكمل فالأفضل، واعمل الأحسن فالأجمل.\nوالثالث: أن يدل على ترتيب موصوفاتها في ذلك، نحو: رحم الله الْمُحلِّقين فالمقصرين. وقيل: تقع الفاء تارة بمعنى «ثم»، كما في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا﴾ [المؤمنون: ١٤] فالفاءات فيها بمعنى «ثم»، لتراخي موصوفاتها، فعلى هذا يجوز أن تكون الفاء هنا بمعنى «ثم»، بمعنى: أبعدُهم ثم أبعدُهم (^٢).\nقوله: (مَمْشًى) بفتح الميم الأولى وسكون الثانية اسم مكان، وهو منصوب على التمييز، والمعنى: أبعدُهم مسافة إلى المسجد.\nقوله: (مَعَ الإِمَامِ) زاد مسلم: «في جماعة» وبيَّنَ أنها رواية أبي كريب وهو محمد بن العلاء الذي أخرجه البخاري عنه.\nقوله: (مِنَ الَّذِي يُصَلِّي) أعمُّ من أن يكون مع جماعة أو وحده.\nقوله: (ثُمَّ يَنَامُ) قال الكِرماني: فإن قلتَ: هذا التفضيل أمرٌ ظاهر ضروري، فما الفائدة في ذِكره؟ قلتُ: معناه أن الذي ينتظرها حتى يصليها مع الإمام آخرَ الوقت أعظمُ أجرًا من الذي يصلي في وقت الاختيار وحدَه، أو الذي ينتظرها حتى يصليها مع الإمام أعظمُ أجرًا من الذي يصليها أيضًا\n_________\n(^١) في (الأصل): «من رواية»، والصواب: «من».\n (^٢) في (الأصل): «فأبعدهم»، والصواب: «ثم أبعدهم».","vol":"1","page":194},{"text":"مع الإمام بدون الانتظار، أي كما بُعْدُ المكان مؤثرٌ في زيادة الأجر كذلك طولُ الزمان، لأنهما يتضمنان لزيادة المشقة الواقعة مقدِّمَة للجماعة.\nقال العيني: قد عُلِمَ من هذا أن السبب في تحصيل هذا الأجر العظيم انتظارُ الصلاة وإقامتُها مع الإمام، فإن وُجِد أحدُهُما دون الآخر فلا يحصل له ذلك، ويُعلَم من هذا أيضًا أن تأخير الصلاة عن وقت الاختيار لا يخلو عن أجر كما في تأخيرِ الظهر إلى أن يبرُد الوقتُ عند اشتداد الحر، وتأخيرِ العصر إلى ما قبلَ تغيُّرِ قرص الشمس، وتأخيرِ العشاء إلى ما قبل ثلُث الليل، وتأخيرِ الصبح إلى وقت الإسفار. فإن قلتَ: فما فائدة قوله: (ثُمَّ يَنَامُ)؟ قال الكِرماني: إشارةً إلى الاستراحة المقابِلة للمشقة التي في ضمن الانتظار. انتهى.\nقال شيخنا: قيل: استُشكِل إيراد حديث أبي موسى في هذا الباب، لأنه ليس فيه لصلاة الفجر ذِكرٌ، بل آخره يُشعر بأنه في العشاء، وَوَجَّهَهُ ابنُ المنير وغيرُه بأنه دل على أن السببَ في زيادة الأجر وجودُ المشقة بالمشي إلى الصلاة، وإذا كان كذلك فالمشي إلى صلاة الفجر في جماعة أشقُّ من غيرِها، لأنها وإن شاركتها العشاء في المشي في الظُّلْمة فإنها تزيد عليها مفارقة أكثر المشتهاة طبعًا.\nولم أر أحدًا من الشُّرَّاح نبَّهَ على مناسبة حديث أبي الدرداء للترجمة إلا الزينُ ابن المنير فإنه قال: تدخل صلاة الفجر في قوله: يصلون جميعًا. وهي أخص بذلك من باقي الصلوات. وذكر بن رشيد نحوَه وزاد أن استشهاد أبي هريرة في الحديث الأول بقوله تعالى: ﴿إِنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨]، يشير إلى أن الإتمامَ لها آكد.\nقال شيخنا: وأقول: تفنن المصنف بإيراد الأحاديث الثلاثة في الباب، إذْ تؤخذ المناسبة من حديث أبي هريرة بطريق الخصوص ومن حديث أبي الدرداء بطريق العموم ومن حديث أبي موسى بطريق الاستنباط، ويمكن أن يقال: لفظُ الترجمة يَحتمِل أن يُراد به فضل الفجر على غيرها من الصلوات وأن يراد به ثبوت الفضل لها في الجملة، فحديث أبي هريرة شاهدٌ للأول وحديث أبي الدرداء شاهدٌ للثاني وحديثُ أبي موسى شاهدٌ لهما والله أعلم. انتهى.\nقال العيني: ومما يستفاد من حديث أبي موسى: الدلالةُ على فضل المسجد البعيد لأجل كثرة الخطأ، وسيأتي بيان ذلك في الباب الذي يلي الباب الذي يلي هذا الباب، إن شاء الله تعالى. انتهى\n\n <span id=\"b-٢٤٥\"> </span>(٣٢)<span data-type=\"title\" id=toc-245> بابُ فَضْلِ التَّهْجِيرِ إِلَى الظُّهْرِ</span>\nأي هذا بابٌ في بيان فضل التهجير إلى صلاة الظهر.\n\nالتهجير: التبكير إلى كل شيء والمبادرةُ إليه، يقال: هجَّر يُهَجِّرُ تَهجيرًا فهو مُهَجِّر، وهي لغة حِجازيَّة، أراد المبادرة إلى أول وقت الصلاة، وإنما قال: (إِلَى الظُّهْرِ) مع أن لفظ التهجير يُغني عنه لزيادة التأكيد، وعامة نسخ البخاري: (بابُ فَضْلِ التَّهْجِيرِ إِلَى الظُّهْرِ)، وعليه شَرْحُ ابنِ التين وغيرِه، وفي بعضها: &lt;باب فضل التهجير إلى الصلاة&gt; (^١)، وعليه شرح ابن بطال، وهذه النسخة أعم وأشمل.\n٦٥٢ - <span id=\"b-٢٤٦\"> </span>٦٥٣ - ٦٥٤ - قوله: (حَدَّثَني قُتَيْبَةُ بن سعيد) ترجمته في باب السلام من الإسلام.\nقوله: (عَنْ مَالِكٍ) أي ابن أنس، ترجمته في كتاب الوحي.\nقوله:\n_________\n(^١) «وعليه شَرْحُ ابنِ التين وغيرِه، وفي بعضها: باب فضل التهجير إلى الصلاة» ليست في (الأصل) والاستدراك من عمدة القاري.","vol":"1","page":195},{"text":"(سُمَيٍّ، مَوْلَى أَبِي بَكْرِ) أي بضم السين المهملة وفتح الميم، ترجمته في باب الاستهام في الأذان.\nقوله: (عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ) أي ذكوان بالذال المعجمة، وكان يجلب السَّمْنَ والزيت إلى الكوفة، ترجمته في باب أمور الإيمان.\nقوله: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) أي عبد الرحمن، ترجمته في الباب أيضًا.\nفي هذا الإسناد: التحديث بصيغة الإفراد في موضع واحد، وفيه: العنعنة في أربعة مواضع. وفيه: أن رواته مدنيون ما خلا قتيبةَ فإنه بغلاني، بغلان بلخ من خراسان.\nقوله: (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيقٍ وَجَدَ غُصْنَ شَوْكٍ عَلَى الطَّرِيقِ فَأَخَذَهُ، فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ فَغَفَرَ لَهُ»\nثُمَّ قَالَ: «الشُّهَدَاءُ خَمْس: المَطْعُونُ، وَالمَبْطُونُ، وَالغَرِيقُ، وَصَاحِبُ الهَدْمِ، وَالشَّهِيدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﷿»\nوَقَالَ: «لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الأَوَّلِ، ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلَّا أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لَاسْتَهَمُوا عَلَيْهِ\nوَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجِيرِ لَاسْتَبَقُوا إِلَيْهِ (^١) وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي العَتَمَةِ وَالصُّبْحِ لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا»)\nمطابقته للترجمة في قوله: (وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجِيرِ لَاسْتَبَقُوا إِلَيْهِ)، وتكلف الزينُ ابنُ المنير إبداء مناسبةٍ للأول من جهة أنه دال على أن الطاعة وإن قلَّتْ فلا ينبغي أن تُترك، واعترف بعدم مناسبة الثاني. انتهى.\nقال شيخنا: في هذا المتن ثلاثة أحاديث: قصة الذي نحَّى غُصن الشوك، والشهداء، والترغيبُ في النداء وغيره ما ذُكِر، والمقصود منه ذِكرُ التهجير. وقد تقدم الحديث الثالثُ في باب الاستهام عن عبد الله بن يوسف عن مالك، ويأتي الثاني في الجهاد عنه أيضًا، والأولُ في المظالم كذلك، وكان قتيبةُ حدَّثَ به عن مالك هكذا مجموًعا فلم يتصرف فيه المصنفُ كعادته في الاختصار. انتهى.\nوقال العيني: وهذا المتن الذي ذكره مشتملٌ على خمسة أحاديث: الأول: الذي أَخَّر الغصن. الثاني: الشهداء، الثالث: الاستهام. الرابع: التهجير. الخامس: الحبو. انتهى.\nقلت: يظهر تحقيقُ ما قاله شيخُنا وما قاله العيني من مراجعة الأماكن التي قال شيخنا أنَّ الأحاديث الثلاثة فيه. انتهى.\nقال العيني: أخرج البخاري قوله: (لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ...) إلى آخره في الصلاة عن عبد الله بن يوسف، وفي الشهادات عن إسماعيل، وأخرجه النَّسائي فيه عن عتبة بن عبد الله وقتيبة فرَّقَهما، وعن الحارث بن مسكين عن عبد الرحمن بن القاسم، سبعتهم عن مالك به، وأخرج قوله: (بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي في طَرِيقٍ...) الحديث. في الصلاة عن قتيبة. وأخرجه مسلم في الأدب وفي الجهاد عن يحيى بن يحيى، كلاهما عن مالك. وأخرجه الترمذي في البِرِّ عن قتيبة به، وقال: حسن صحيح.\nقوله: (بَيْنَمَا رَجُلٌ)، قد ذكرنا غير مرةٍ أن أصل «بينما»: «بين»، فأُشبِعت الفتحةُ فصارت ألِفًا، وزيدت فيه الميم فصارت «بينما»، ويقال: «بينَا» بدون الميم أيضًا، وهما ظرفا زمان بمعنى المفاجأة، ويضافان إلى جملة من فعل وفاعل أو مبتدأ وخبر، ويحتاجان إلى جواب يتم (^٢) به المعنى.\nوالمبتدأ هنا قوله: (رَجُلٌ) خُصِّصَ بالصفة وهي قوله: (يَمْشِي)، وخبرُه قولُه: (وَجَدَ).\nقوله:\n_________\n(^١) «وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجِيرِ لَاسْتَبَقُوا إِلَيْهِ» ليست في (الأصل) والاستدراك من صحيح البخاري.\n (^٢) في (الأصل): «يعم»، والصواب: «يتم».","vol":"1","page":195},{"text":"(فَأَخَذَهُ)، وفي رواية الكُشْمِيهَنِي: &lt;فَأَخَّرَهُ&gt; أي فأخَّره عن الطريق.\nقوله (فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ) معناه: رضي فعله وتقبل منه وأثنى عليه، يقال: شكرتُه وشكرتُ له بمعنى واحد.\nقوله: (الشُّهَدَاءُ) جمع: شهيد، سُمِّيَ به لأن الملائكة يشهدون موتَه، فكان مشهودًا. وقيل: مشهودٌ له بالجنة، فعلى هذا يكون الشهيد على وزن: فعيل، بمعنى: مفعول، وقيل: لأنه حيٌّ عند الله حاضرٌ ويشهد حضر القدس ويحضرها، وقيل: لأنه شهِدَ ما أعدَّ اللهُ له من الكرامة. وقيل: لأنه ممن يستشهد مع النبي ﷺ يوم القيامة على سائر الأمم المكذِّبين، فعلى هذه المعاني يكون الشهيد بمعنى: شاهد.\nقوله: (خَمْسٌ) بدون التاء، هكذا في رواية أبي ذر عن الحموي، وفي رواية الباقين: &lt;خمسة&gt; بالتاء، وهذا هو الأصل. ولكن إذا كان المميَّز غير مذكور جاز الأمران، وفي رواية مالك في «الموطأ»: «الشهداء سبعة»، ونقص: (الشَّهِيدُ فِي سَبِيلِ اللَّه)، وزاد: «صاحب ذات الجنب، والحريق، والمرأة تموت بجمع» أي التي تموت وولدُها في بطنها. وفي رواية أبي داود والنسائي وابن حبان والحاكم من حديث جابر بن عتيك مرفوعًا: «الشهادة سبعة سوى القتل في سبيل الله: المطعون والغريق وصاحب الجنب والمبطون وصاحب الحريق والذي يموت تحت الهدم والمرأة تموت بجمع».\nوفي حديث ابن ماجه من حديث عكرمة عن ابن عباس مرفوعًا: «موت الغريب شهادة»، وإسناده ضعيف.\nوَرَوَى سُويد بن سعيد الحَدَثاني عن علي بن مُسهِر عن أبي يحيى القتات، عن مجاهد عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: «مَن عشِقَ فعفَّ وكتمه ثم مات، مات شهيدًا». وقد أنكره علَى سُويد الأئمةُ، قاله ابن عدي في «كامله»، وكذا أنكره البيهقي وابن طاهر، وقال ابن حبان: من روى مثل هذا عن علي بن مسهر تجب مجانبة روايته، وسويد بن سعيد هذا وإن كان مسلم أخرج له في «صحيحه» فقد اعتذر مسلم عن ذلك، وقال: إنه لم يأخذ عنه إلا ما كان عاليًا وتوبع عليه، ولأجل هذا أعرَضَ عن مثل هذا الحديث.\nوذكر ابنُ عساكر عن ابن عباس في تعداد الشهداء: الشريقُ وما أكله السبع. فإن الشهداء في «الصحيح»: خمسة، وفي رواية مالك: سبعة، ومع رواية ابن ماجه عن ابن عباس تكون: ثمانية، ومع رواية سويد بن غفلة عن ابن عباس تكون: تسعة، وفي رواية ابن عساكر عن ابن عباس يكون أحد عشر؟ قال العيني: لا تناقض بينها لأن الاختلاف في العدد بحسب اختلاف الوحي على رسول الله ﷺ.\nقوله: (المَطْعُونُ) هو الذي يموت في الطاعون (^١)، أي الوباء، ولم يُرِد المطعونَ بالسِّنان، لأنه الشهيد في سبيل الله، والطاعون مرض عام يفسد له الهواء فتفسد الأمزجة والأبدان.\nقوله: (وَالمَبْطُونُ) هو صاحب الإسهال، وقيل: هو الذي به الاستسقاء، وقيل: هو الذي يشتكي بطنَه. وقيل: من مات بداء بطنه مطلقًا.\nقوله: (وَصَاحِبُ الهَدْمِ) هو الذي يموت تحت الهدم، وقال ابن الجوزي: بفتح الدال المهملة، وهو اسم ما يقع، وأما بتسكين الدال فهو الفعل\n_________\n(^١) «في الطاعون» ليست في (الأصل) والاستدراك من عمدة القاري.","vol":"1","page":196},{"text":"والذي يقع هو الذي يقتل ويجوز أن يُنْسب القتل إلى الفعل.\nقوله: (والشَّهيْد في سَبيْل الله) هذا هو الخامس من الشهداء، قال الطيبي: فإنْ قلت خمسة خبر المبتدأ والمعدود هذا بيان له فكيف يصح في الخامس فإنَّه حمل الشيء على نفسه فكأنَّه قال الشهيد هو الشهيد؟ قلت هو من باب:\nأنا أبو النَّجْم وشِعْري شِعْرِي\nوقال الكرماني: الأولى أن يُقال المراد القتيل، فكأنَّه قال الشهيد كذا وكذا والقتيل في سبيل الله.\nقلت: أما السرُّ في خصوصية هؤلاء المذكورين بهذه الكرامة مع أنَّ كثيرًا من الأمراض أشدُّ ألمًا من أمراضهم، فلعلنا نذكره في كتاب الجهاد إنْ شاء الله تعالى.\nقوله: (إلا أنْ يَسْتَهِمُوا) أي إلا أن يقترعوا، وتقدم الكلام فيه في باب الاستهام في الأذان.\nقوله: (ولو حَبْوًا) الحبو: حبو الصغير على يديه ورجليه، وقال ابن الأثير: الحيوان يمشي على يديه وركبتيه أو استه، وحبا البعير إذا برك ثم زحف من الإعياء، وحبا الصغير إذا زحف على استه. فإنْ قلت بمَ انتصب حبوًا؟ قال العيني: على أنَّه صفة لمصدر محذوف، أي لأتوهما ولو كان إتيانًا حبوًا، ويجوز أنْ يكون خبر كان المقدر والتقدير ولو كان إتيانكم حبوًا. انتهى.\nذكر ما يستفاد من الحديث وهو على وجوه:\nالأول: فيه إماطة الأذى عن الطريق وهي أدنى شعب الإيمان، فإذا كان الله يشكر عبده ويغفر له على إزالة غصن شوك من الطريق فلا يدري ماله من الفضل والثواب إذا فعل ما فوق ذلك.\nالثاني: فيه بيان الشهداء؛ الشهيد عند الحنفية من قَتله المشركون، أو وجد في المعركة وبه أثر الجراحة، أو قتله المسلمون ظلمًا ولم يجب بقتله دية قاله العيني. وعند مالك والشافعي وأحمد: الشَّهيد هو الذي قتله العدو غازيًا في المعركة ثم الشهيد يكفن بلا خلاف، ولا يغسَّل.\nوفي «المغني»: إذا مات في المعْتَرك فإنه لا يغسل رواية واحدة، وهو قول أكثر أهل العلم.\nقال العيني: ولا نعلم فيه خلافًا إلا عن الحسن وابن المسيب فإنهما قالا: يغسل الشهيد ولا يعمل به. ويصلى به عند الحنفية، وهو قول ابن عباس وابن الزبير وعقبة بن عامر وعكرمة وسعيد بن المسيب والحسن البصري ومكحول والثوري والأوزاعي والمزني وأحمد في رواية واختارها الخلَّال، وقال مالك والشافعي وإسحاق: لا يُصلَّى عليه وهو قول أهل المدينة، وقال النووي في «شرح المهذب»: المذهب الجزم بتحريم الصلاة عليه، وقال ابن حزم: إنْ شاؤوا صلوا عليه وإن شاؤوا تركوها. وقال الكَرْمَاني: فإنْ قلت الشهيد حكمه أنْ لا يغسل ولا يصلى عليه وهذا الحكم غير ثابت في الأربعة الأُوَل باتفاق، قلت معناه أنه يكون لهم في الآخرة مثل ثواب الشَّهداء.\nقالوا الش «في الطاعون» ليست في (الأصل) والاستدراك من عمدة القاري. هداء على ثلاثة أقسام: شهيد الدنيا والآخرة وهو من مات في قتال الكفار بسببه، وشهيد الآخرة دون أحكام الدنيا، وهم هؤلاء المذكورين، وشهيد الدنيا دون الآخرة وهو من قتل مدبرًا أو غلَّ في الغنيمة،","vol":"1","page":196},{"text":"أو قتل لغرض ومأوى لا لإعلاء كلمة الله تعالى. فإنْ قلت فإطلاق الشَّهيد على الأربعة الأُوَلِ مجاز وعلى الخامس حقيقة ولا يجوز إرادة الحقيقة والمجاز باستعمال واحد، قلت: جوَّزه الشافعي وأما غيره فمنه من جوز في لفظ الجمع ومن منعه مطلقًا حمل مثله على عموم المجاز، أي عمل على معنى مجازي أعمَّ من ذلك المجاز والحقيقة، قال العيني: العمل بعموم المجاز هو قول أصحابنا الحنفية.\nالثالث: فضيلة السَّبق إلى الصف الأول والاستهام عليه.\nالرابع: فضيلة التهجير إلى الظهر، وعليه ترجم البخاري، ولا منافاة بينه وبين حديث الإبراد لأنَّه عند اشتداد الحرِّ، والتهجير هو الأصل وهو عزيمة وذاك رخصة.\nالخامس: فضيلة العشاء والصبح لأنهما ثقيلان على المنافقين.\n\n <span id=\"b-٢٤٧\"> </span>(٣٣)<span data-type=\"title\" id=toc-247> باب احتساب الآثار</span>.\nإي هذا باب في بيان احتساب الآثار، أي في عدد الخطوات إلى المسجد. والآثار جمع أثر، وأصله من أثر المشي في الأرض، والمراد بها عدد الخطوات كما فسَّره مجاهد علي ما يجيء. قال شيخنا: كأنَّه لم يقيدها ليشمل كل مشي إلى كل طاعة، أي لم يقيدها بالصلاة.\n\n٦٥٥ - <span id=\"b-٢٤٨\"> </span>قوله: (حَدَّثنَا مُحمَّد بن عَبْد الله بن حَوْشَب) أي بفتح الحاء المهملة وسكون الواو وفتح الشين المعجمة وفي آخره باء موحدة- الطائفي- روى عن إبراهيم بن سعيد وهشيم وعبد الوهاب الثقفي، روى عنه البخاري في تفسير سورة النساء مواضع.\nقوله: (قال حَدَّثنَا عبْدُ الوهَّاب) أي -الثقفي-ترجمته في باب ما يكره من النوم قبل العشاء.\nقوله: (قال حَدَّثَنِي حُمَيْد) أي -ابن حميد الطويل-ترجمته في باب خوف المؤمن أن يحبط عمله.\nقوله: (عن أنَسٍ) أي -ابن مالك﵁ ترجمته في باب من الإيمان أن يحب لأخيه...\nفي هذا الإسناد التحديث بصيغة الجمع في موضعين وفي صيغة الإفراد في موضع وفيه العنعنة في موضع وفيه القول في أربع مواضع، وفيه أن َّ غيره من أفراد وفيه أنَّ رواته ما بين شاميٍّ وبصري.\nقال: قال رسول الله ﷺ (يا بنَي سَلِمَة ألا تحْتَسبُون آثَاركُم) مطابقته للترجمة ظاهرة.\nقوله: (يا بني سَلِمة) بفتح السين وكسر اللام، وهم بطن كثير من الأنصار ثم الخزرج. وغفل القزَّاز وتبعه الجوهري حيث قال: ليس في العرب سلمة بكسر اللام غيرهم، فإنَّ ابن ماكولا والأشْرَاطِي [وابن] داود جماعات غيرهم كذلك، لكنْ يحتمل يكون أنْ يكون القَزَّاز أراد تقييد القبيلة أو البطن فله بعض اتجاه.\nقوله: (ألا تحْتَسبُون) كلمة ألا للتنبيه والتخصيص، ومعناه ألا تَعدون خطاكم عند مَشيكم إلى المسجد، وإثبات النون في (تحْتَسِبُون) ثابت في عامة النسخ، وصرَّح الكَرْمَاني بخلاف نون الجمع هذه، وقال: فإنْ قلت: ماوجه سقوط النون؟ قلت: جَوَّز النحاة إسقاط النون بدون ناصب وجازم، أي تخفيف. والاحتساب وإنْ كان أصله العدُّ لكنه يستعمل غالبًا في معنى تحصيل الثواب بنية خالصة، وإنَّما خاطبهم النبي ﷺ بذلك حين أرادوا النقلة إلى قرب المسجد.\nوعند مسلم","vol":"1","page":197},{"text":"من حديث جابر ﵁: «خَلَتِ البقاع حول المسجد فأراد بنو سلمة أن ينتقلوا قرب المسجد فبلغ ذلك النبي ﷺ، فقال لهم: إنَّه بلغَنِي أنَّكُم تُريْدُون أن تنْتَقِلوا إلى قرب المسجد قالُوا نعم يا رسول الله، قَدْ أرَدْنَا ذلك، فقال: يا بني سَلِمَة دياركم تكتب آثاركم، دياركم تَكْتُب آثاركم».\nوفي لفظ كانت ديارنا نائية من المسجد فأردنا أن نبيع بيوتنا فنقرب من المسجد، فنهانا رسول الله ﷺ، فقال: «إنَّ لكم بكل خطوَةٍ درجة». وعند ابن ماجه من حديث ابن عباس: كانت الأنصار بعيدة منازلهم من المسجد فأرادوا أن يقتربوا فنزلت: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ [يس: ١٢].\nقال: فثبتوا. زاد عبد بن حميد في «تفسيره» فقالوا بل نثبت مكاننا. ولمسلم من طريق أبي نصرة عن جابر «قالوا: ما يسرنا أنا كنا تحولنا».\nقوله: وقال مجاهد -أي ابن جبر أي المخزومي- ترجمته في كتاب الإيمان.\nقوله: في قوله: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ [يس: ١٢] قال: خطاهم، فسر مجاهد الآثار بالخطا، وعن مجاهد: خُطَاهُم آثارهم إذ مَشَوْا في الأرض بأرجُلِهِم.\nوفي «تفسير عبد بن حميد» عن أبي سعيد موقوفًا: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا﴾ [يس: ١٢] قال: الخطا. وعند البزَّار فقال لهم النبي ﷺ: «منازلكم منها تكتب آثاركم». وعند الترمذي عن أبي سعيد ﵁: «شكا بنو سلمة إلى النبي ﷺ بعد منازلهم من المسجد فأنزل الله تعالى: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ [يس: ١٢] فقال النبي ﷺ: منازلكم فإنهَّا تكتُبُ آثاركم». وقال: حسن غريب.\n\n٦٥٦ - <span id=\"b-٢٤٩\"> </span>قوله: (وحَدَّثَنَا ابن أبي مَرْيَم) أي سعيد بن محمد بن الحكم بن أبي مريم، ترجمته في باب من سمع شيئا فراجع حتى يفهمه في كتاب العلم.\nقوله: (قال أخبرنا يَحْيَى بن أيُّوْب) أي الشافعي المصري، ترجمته في باب البصاق والألفاظ ونحوه في الثوب.\nقوله: (قال حدثني حُمَيْد) أي الطويل ا لمذكور في السند المتقدم.\nقوله: عن (أنَسٍ) اي أبن مالك المذكور فيه أيضًا. في هذا الإسناد التحديث في صيغة الجمع في موضع والإخبار كذلك، وفيه التحديث بصيغة الإفراد في موضع، وفيه العنعنة في موضع، وفيه القول في موضعين.\nقوله: (أَن بني سَلمَة أَرَادوا أَن يَتَحَوَّلُوا عَن مَنَازِلهمْ فينزلوا قَرِيبا من النَّبِي -ﷺ َ-قَالَ فكره رَسُول الله -ﷺ َ -أَن يعروا الْمَدِينَة فَقَالَ أَلا تحتسبون آثَاركُم. قَالَ مُجَاهِد خطاهم آثَارهم أَن يمشى فِي الأَرْض بأرجلهم)، وقال مجاهد: خطاهم آثار المشي في الأرض بأرجلهم.\nقوله: (وحَدَّثَنا ابنُ أبي مَرْيَم) كذا لأبي ذر وجه، وفي رواية الباقين: وقال ابن أبي مريم وذكره صاحب الأطراف بلفظ وزاد ابن أبي مريم.\nقال أبو نعيم في» المستخرج» ذكره البخاري بالأوَّليِّة يعني مطلقا. قال شيخنا: وهذا هو الصواب وله نظائر في الكتاب في رواية يحبى بن أيوب لأنه ليس على شرطه في الأصول. انتهى.\nقال العيني: هذه دعوى بلا دليل. انتهى. قلت: قد ذكر دليل. انتهى.\nقوله: (عن أنَسٍ) هكذا هو في رواية أبي","vol":"1","page":197},{"text":"ذر وحده، وفي رواية الباقين حدثنا أنس وكذا ذكره أبو نعيم أيضًا.\nقال شيخنا: وكذا سمعناه في «الأول من فوائد المخلص» من طريق أحمد بن منصور عن ابن أبي مريم. ولفظ سمعت أنسًا: وهذا هو السر في إيراد طريق يحيى بن أيوب عقب طريق عبد الوهاب. ليبين الأمر من تدليس حميد وقد تقدم نظيره في باب وقت العشاء، وأخرجه في الحج من طريق مروان الفزاري عن حميد وساق المتن كاملًا. انتهى.\nقوله: فنزلوا قريبًا أي منزلا قريبا لأنَّ ديارهم كانت بعيدة من المسجد وقد صرح بذلك في رواية مسلم من حديث جابر بن عبد الله يقول: «كانت ديارنا بعيدة...» الحديث. وفي «مسند السراج» من طريق أبي نضرة عن جابر أرادوا أن يقتربوا من أجل الصلاة.\nوفي رواية مردويه من طريق أخرى عن أبي نضرة عنه قال: «كانت منازلنا بسلعٍ» فإنْ قلت بالاستسقاء من حديث أنسٍ: (وما بيْنَنَا وبَيْن سلْعٍ مِنْ دَارٍ) فهذا يعارضه، يقال لاتعارض لاحتمال أن ديارهم كانت من وراء سَلْعٍ، وبين سلع والمسجد قدر ميل.\nقوله: (أن يُعْرُوا المدينة) وفي رواية الكُشْمِيهَني: (أن يُعْرُوا منَازِلهم) وهو بضم راء آخر الحروف، وسكون العين المهملة، وضم أوله، أي يتركوها خالية. قال عزوجل: ﴿فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ﴾ [الصافات: ١٤٥] أي بموضعٍ خالٍ. قال ابن سيده: هو المكان الذي لا يستتر فيه شيء. وقيل: الأرض الواسعة وجمعه أعراء، في «الغريبين» الممدود المتسع من الأرض قيل له ذلك لأنه لا يستتر فيه ولا شيء يغطيه، والعرى مقصور: الناحية أي - وبالمد - الفضاء.\nوجه كراهة النبي ﷺ في منعهم من القرب من المسجد هو أنه أراد أن تبقى جهات المدينة عامرة بساكنيها.\nقوله: وقال مجاهد: (خُطَاهُم) آثار المشي في الأرض بأرجلهم كذا هو في رواية أبي ذر، وفي رواية الباقين وقال مجاهد: (﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ [يس: ١٢]) قال: خطاهم، وكذا ومثله عبد بن حميد من طريق ابن أبي نجيح عنه قال في قوله: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ [يس: ١٢] قال: أعمالهم، وفي قوله: (وآثارهم) قال: خطاهم.\nوأشار البخاري بهذا التعليق إلى أنَّ قصة بني سلمة كانت سبب نزول هذه الآية، وقد ورد مصرحا به من طريق سماك عن عكرمة عن ابن عباس أخرجه ابن ماجة وغيره، وإسناده قوي وقد ذكرناه عن قريب في الحديث أنَّ أعمال البر إذا كانت خالصة تكتب آثارها حسنات. وفيه: استحباب السكنى بقرب المسجد إلا لمن حصلت به منفعة أخرى، أو أراد تكثير الأجر مالم يكلف نفسه، ووجهه أنهم طلبوا السكنى بقرب المسجد للفضل الذي علموه منه فما أنكر عليهم النبي ﷺ ذاك.\nبل رجح درء المفسدة بإخلائهم جوانب المدينة على المصلحة المذكورة وأعلمهم بأنَّ لهم في التردد إلى المسجد من الفضل ما يقوم مقام السكنى لقرب المسجد أو يزيد عليه.\nوفيه الدلالة على كثرة الأجر بكثرة الخطا في المشي إلى المسجد.\nقال العيني: وسُئِل أبو عبد الله بن لبَابَة عن الذي","vol":"1","page":198},{"text":"يدعُ مسجده ويصلي في المسجد الجامع المفضَّل في كثرة الناس فقال: لا يدع مسجده، وإنما فضل المسجد الجامع الجمعة فقط. وعن أنس بن مالك أنَّه كان يتجاوز المساجد المحدثة إلى المساجد القديمة، وفعله مجاهد وأبو وائل، وأما الحسن فَسُئِل أيَدَع الرجل مسجد قومه ويأتي غيره؟ فقال: كانوا يحبون أنْ يكثر الرجل قومه بنفسه، وقال القرطبي: وهذه الأحاديث تدل على أنَّ البعد في المسجد أفضل فلو كان بجوار المسجد فهل له أنْ يجاوزه إلى الأبعد؟\nفكرهه الحسن قال: وهو مذهبنا، وفي تخطي مسجد إلى المسجد الأعظم قولان، واختلف فيمن كانت داره قريبة من المسجد وقارب الخطى بحيث تساوي الخطى من داره بعيدة هل تساويه في الفضل أو لا؟ وإلى المساواة مال الطَّبَرِي فإن قلت: روى ابن أبي شيبة من طريق أنس قال: مشيت مع زيد بن ثابت إلى المسجد فقارب بين الخطا وقال: أردت أنْ تكثر خطانا إلى المسجد. قال شيخنا: وهذا لا يلزم منه المساواة في الفضل، وإنْ دلَّ على أنَّ في كثرة الخطا فضيلة، لأنَّ ثواب الخطا الشاقة ليس كثواب الخطا السهلة وهو ظاهر حديث أبي موسى الماضي قبل باب حيث جعل أبعدهم ممشى أعظمهم أجرًا، واستنبط منه بعضهم استحباب قصد المسجد البعيد وإن كان بجنبه مسجد قريب، وإنما يتم ذلك إذا لم يلزم من ذهابه إلى البعيد هجر القريب وإلا فإحياؤه بذكر الله أولى.\nوكذا إذا كان في البعيد مانع من الكمال كأنْ يكون إمامه مبتدعًا أو لحَّانًا في القراءة أو قومه يكرهونه فله أنْ يتركه ويصلي في القريب، وكذلك إذا كانَ إمام القريب بهذه الصفة فله أنْ يتركه ويصلي في البعيد.\n\n <span id=\"b-٢٥٠\"> </span>(٣٤)<span data-type=\"title\" id=toc-250> باب فضل صلاة العشاء في الجماعة</span>\nأي: هذا باب في بيان فضل صلاة العشاء إلى آخره حال كونها في الجماعة.\nقوله: حدثنا (عُمر بن حَفْص) أي-ابن غياث النخعي-الكوفي ترجمته في باب المضمضة والاستنشاق من الجنابة.\nقوله: (قال حَدَّثَنا أبي) أي -حفص بن غياث بن طَلْق-ترجمته في الباب أيضًا.\nقوله: (قال حَدَّثَنا الأعْمَش) أي-سليمان-ترجمته في باب ظلم دون ظلم.\nقوله: (قال حَدَّثَني أبو صَالح) أي-زكوان -ترجمته في باب أمور الإيمان.\nقوله: (عن أبي هُرَيْرَة) أي: عبد الرحمن ترجمته في الباب أيضًا، في هذا الإسناد التحديث بصيغة الجمع في ثلاث مواضع، وبصيغة الإفراد في موضع، وفيه العنعنة في موضع، وفيه القول في خمس مواضع.\n\n٦٥٧ - <span id=\"b-٢٥١\"> </span>قوله: قال: قال النبي ﷺ: (ليسَ صَلَاةٌ أَثْقَلَ عَلَى المُنَافِقِينَ مِنَ صَلاة الفَجْرِ وَالعِشَاءِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِيهِمَا لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا، ولَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ المُؤَذِّنَ، فَيُقِيمَ، ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا يَؤُمُّ النَّاسَ، ثُمَّ آخُذَ شُعَلًا مِنْ نَارٍ، فَأُحَرِّقَ عَلَى مَنْ لَا يَخْرُجُ إِلَى الصَّلَاةِ بَعْد).\nمطابقته للترجمة في الجزء الثاني لأنَّه يدل","vol":"1","page":198},{"text":"على زيادة فضل الفجر والعشاء على غيرها من الصلوات ووضع الترجمة لبيان فضيلة صلاة العشاء، وقال شيخنا: أورد في الباب الحديث الدال على فضل العشاء والفجر فيحتمل أنْ يكون مراد الترجمة إثبات فضل العشاء في الجملة، أو إثبات أفضليتها على غيرها، والظاهر الثاني، ووجه أنَّ الفجر ثبت أفضليتها كما تقدم، وسوى في هذا بينها وبين العشاء ومساواة الأفضل يكون أفضل جزمًا.\nقوله: (ليْسَ صلاةٌ أثقَلَ) هكذا هو رواية الكُشْمِيهَنِي في رواية أبي ذر وكريمة عنه، وفي رواية الأكثرين «ليْسَ أثقلَ على المنافقين» بخلاف اسم ليس، قال العيني: وأما وجه تذكر ليس فلأن الفعل إذ؟؟؟ المسند إلى المؤنث غير الحقيقي يجوز فيه التذكير والتأنيث. انتهى.\nوقوله: (أثْقَلَ) أفعل التفضيل فيدل على أنَّ الصلوات كلها ثقيلة على المنافقين، والفجر والعشاء أثقل من غيرها؛ أمَّا الفجر فلأنه وقت لذة النوم، وأمَّا العشاء فلأنه وقت السكون والراحة، وقد قال الله تعالى في حق المنافقين: ﴿وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى﴾ [التوبة: ٥٤] وقيل وجه ذلك هو كون المؤمنين يحوزون بما يترتب عليهما من الفضل لقيامهم بحقها دون المنافقين.\nقوله: (ما فيهِمَا) أي في الفجر والعشاء من الثواب والفضل.\nقوله: (لأتَوْهُمَا) أي: لأتوا الفجر والعشاء، وقالَ شيخنا: والمراد لأتوا إلى المحل الذي يصليان فيه جماعة وهو المسجد. انتهى.\nقال العيني: هذا تفسير لا يطابق الترتيب أصلًا، والصَّحيح الذي ذكرناه. انتهى.\nقوله: (يَؤُمُّ النَّاس) بالرفع في يؤم، والنصب في الباب، والجملة في محل النصب على أنها صلة لقوله (رَجُلًَا) وهو منصوب؛ لأنه مفعول لقوله (ثُم آمُرَ) وهو منصوب لأنَّه عطف على آمر الأول المنصوب بأن.\nوقوله: (فَيُقِيْم) أيضًا منصوب عطفًا على ما قبله. قوله: (ثُمَّ آخُذَ) بالنصب لأنَّه عطف على قوله (ثُمَّ آمُرَ). قوله: (شُعَلًا) بضم الشين المعجمة، وضم العين المهملة، جمع شعلة وهي الفتيلة فيها نار نحو صحيفة وصحف، وبفتح العين جمع الشعلة من النار.\nقوله: (فأُحَرِّقَ) بالنصب عطفًا على (ثُمَّ آخُذَ).\nقوله: (بَعْدُ) نقيض قبل مبني على الضم، ويسمى غاية لانتهاء الكلام إليها، والمعنى بعد أن يسمع النداء إلى الصلاة، وفي رواية الكُشْمِيهَنِي لفظ (يَقْدِر) بدل (بَعْد) ومعناه لا يخرج إلى الصلاة حال كونه يقدر وهي أوضح من غيرها، قال شيخنا: لكن لم أقف عليها في شيء من الروايات عند غيره، ويؤيده ما في حديث أبي داود الذي رواه عن أبي هريرة في حديث يزيد بن الأصم، قال: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ: «لقَدْ هممْتَ أنْ آمر فِتْيَتِي فيجمعوا حُزَمًَا من حَطَبٍ، ثم آتي قوما يصلون في بيوتهم ليستْ بهِمْ علة فَأُحَرِّقَها عليهم...» الحديث.\nوهذا الحديث يدل على أنَّه ﵊ أطلق على المؤمنين الذين لا يحضرون الجماعة ويصلون في بيوتهم من غير (^١) عذر ولا علة يمنع على الإتيان اسم المنافقين على سبيل المبالغة في التهديد فافهم.\n\n <span id=\"b-٢٥٢\"> </span>(٣٥) باب\n_________\n(^١) قوله (غير): ليس في الأصل، وما أثبت من» عمدة القاري».","vol":"1","page":199},{"text":"اثنان فما فوقهما جماعة\nوهو لفظ حديث ورد من طرق ضعيفة منها ما رواه ابن ماجه في سننه من حديث الربيع بن بدر عن أبيه عن جده عن عمرو حرام عن أبي موسى الأشعري، قال رسول الله ﷺ: «اثنان فما فوقهما جماعة» وقال ابن حزم في «كتاب الأحكام»: هذا خبر ساقط.\nومنها ما رواه البيهقي من حديث سعيد بن زَرْبِي، وهو ضعيف، قال: حدثنا ثابت عن أنس فذكره بمثله، ومنها ما رواه الدَّارَقُطْني من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مثله.\nقال ابن حزم: لا يصح. ومنها ما روي في «الكامل» للجرجاني من حديث الحكم بن عمير مرفوعا مثله، وفي سنده: عيسى بن طَهْمان، وهو منكر الحديث.\nقال شيخنا: وفي «الأوسط «للطبراني من حديث أبي أمَامَة، وعند أحمد من حديث أبي أمامة أيضًا أنه ﷺ رأى رجلًا يصلي وحده فقال: «ألَا رَجُلٌ يتَصَدَّق على هَذا فَيُصَلِّيْ معَه» فقام رجل فصلى معه، فقال: «هذان جَمَاعَة» والقصة المذكورة من دون قوله: «هذان جماعة» أخرجها أبو داود والترمذي من وجه آخر صحيح. انتهى.\n\n٦٥٨ - <span id=\"b-٢٥٣\"> </span>قوله: (حدثنا مُسَدَّد) أي -ابن مُسَرْهَد-.\nقوله: (قال حدثنا يزيد بن زُرَيْع) قال: (حَدَّثَّنا خَالد) أي -الحَذَّاء-عن (أبي قِلابَة) أي: بكسر القاف عبد الله بن زيد عن مالك بن الحُوَيْرِث عن النبي ﷺ قال: (إذا حَضَرت الصلاة فأذِّنا وأقِيْما ثم ليَأمُّكُما أكْبَركُما). قال العيني وغيره: توجيه مطابقته حديث الباب للترجمة مشكل،\nقال شيخنا: وأول الحديث أتى رجلان النبي ﷺ يريدان السفر فقال لهما: فذكره وقد اعترض على الترجمة بأنه ليس في حديث مالك بن الحويرث تسمية صلاة الاثنين جماعة، والجواب أنَّ ذلك مأخوذ بالاستنباط من لازم الأمر بالإمامة، لأنَّه لو استوت صلاتهما معا مع صلاتهما منفردين لاكتفى بأمرهما بالصلاة، كأنْ يقول: أذِّنَا وأقيْمَا وصَلِّيَا. انتهى.\nقال العيني: هذا اللازم لا يستلزم كون الاثنين جماعة، على ما لا يخفى، فكيف يستنبط منه مطابقته للترجمة؟ ويمكن أن يذكر له وجه، وإنْ كان لا يخلو عنْ تكلف، وهو أنَّه ﵇ إنما أمرهما بإمامة أحدهما الذي هو أكبرهما ليحصل لهما فضيلة الجماعة، فكأنَّهما لما صليا وأحدهما إمام صارا كأنهما صليا مع جماعة، إذ حصل لهما ما يحصل لمن يصلي بالجماعة، فصار الاثنان ههنا كأنهما جماعة بهذا الاعتبار لا باعتبار الحقيقة. انتهى.\nقال شيخنا: واعترض أيضًا على أصل الاستدلال هذا الحديث بأنَّ مالك بن الحويرث كان مع جماعة من أصحابه فلعل الاقتصار على التسمية من تصرف الرواة، والجواب أنهما قضيتان كما تقدم. انتهى.\nوقد تقدم حديث مالك بن الحويرث في باب الأذان للمسافرين وقد مضى الكلام فيه هناك.\nقال شيخنا: واستدل به على أنَّ أقل الجماعة إمام ومأموم أعم من أن يكون المأموم رجلًا","vol":"1","page":199},{"text":"أو صبيًا أو امرأة، وتكلم ابن بطال هنا على مسألة أقل الجمع والاختلاف فيها، ورده الزين ابن المنير بأنه لا يلزم من قوله الاثنان جماعة أن يكون أقل الجمع اثنين، قال شيخنا وهو واضح. انتهى.\n\n <span id=\"b-٢٥٤\"> </span>(٣٦)<span data-type=\"title\" id=toc-254> باب من جلس في المسجد ينتظر الصلاة وفضل المساجد</span>\nأي: هذا باب في بيان فضل من جلس في المسجد حال كونه منتظر الصلاة ليصليها بالجماعة وفي بيان فضل المساجد.\n\n٦٥٩ - <span id=\"b-٢٥٥\"> </span>قوله: (حَدَّثَنَا عَبْد الله بن مَسْلَمَة عن مَالِك عَنْ أبِي الزِّنَاد) أي بالزاي والنون عبد الله (عَنِ الأعرج عن أبي هريرة أنَّ رسول الله ﷺ قَال: الملائكة تُصلِّي على أحَدِكُم ما دَام في مُصَلَّاه ما لمْ يُحْدِث، اللهمَّ اغْفِرْ له، اللَّهم ارْحمْه، لا يزَاَل أحدُكُم في صلَاٍة ما دَامَتِ الصَّلاةُ تَحِبِسُه لا يمنعه أن ينقلِبَ إلى أهْلِه إلَّا الصَّلَاة).\nمطابقته للترجمة ظاهرة.\nهذا الحديث إلى قوله: (لا يزالُ أحَدُكُم)، ذكره البخاري في: باب الحدث في المسجد، أخرجه عن عبد الله بن يوسف عن مالك إلى آخره، نحوه، غير أن هناك: (إنَّ الملائِكَة تصلي).\nوقوله: (لا يَزَالُ أَحَدُكُم) إلى آخره، أفرده مالك في «موَطَّأِه» عما قبله، وأكثر الرواة ضموه إلى الأول وجعلوه حديثًا واحدًا.\nوذكر البخاري: في: باب فضل الجماعة، حديث أبي هريرة مطولًا، وفيه: (لا يزَالُ أَحَدُكُم في صَلَاةٍ ما انْتَظرَ الصَّلَاة).\nقوله: (تُصَلِّي على أَحَدِكُم)، قد ذكرنا غير مرة أنَّ الصلاة من الملائكة الاستغفار. فإنْ قلت: ما النُّكْتة في ذكر لفظ الصلاة دون لفظ الاستغفار؟ قلت: لتقع المناسبة بين العمل والجزاء.\nقوله: (مَا دَامَ في مُصَلَّاه) كلمة: ما للمدة في الموضعين، ومعناه: ما دام في موضعه الذي يصلي فيه منتظرا للصلاة، كما صرح به البخاري في الطهارة من وجه آخر.\nقوله: (اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَه)، بيان لقوله: (تُصَلِّي)، وفيه مقدر، وهو إمَّا لفظ: تقول الملائكة: اللهم اغفر له، وإما: قائلين: اللهم، وعلى التقديرين كلاهما بالنصب على الحال.\n [قوله: (لا يزال أحدكم) إلى آخره، هذا القدر أفرده مالك في (موطأه) عما قبله، وأكثر الرواة ضموه إلى الأول وجعلوه حديثًا واحدًا.] (^١) قال شيخنا: ولا حجر في ذلك. انتهى.\nقوله: (في صَلَاةٍ) أي: في ثواب صلاة، لا في حكم الصلاة، لأنَّه يحل له الكلام وغيره مما منع الصلاة. قوله: (ما دَامَت) وفي رواية الكُشْمِيهَنِي: (ما كانت) وهو عكس ما مضى في الطهارة.\nقوله: (لا يمْنَعُه)، جملة من الفعل والمفعول.\nقوله: (أن ينْقَلِبَ)، فإنْ مصدرية في محل الرفع على الفاعلية تقديره: لا يمنعه الانقلاب، أي: إلى أهله إلا الصلاة، وهذا يقتضي أنَّه إذا صرف نيته عن ذلك صارف آخر انقطع عنه الثواب المذكور، ولذلك إذا شارك نية الانتظار أمر آخر، ويدخل في ذلك من أشبههم في المعنى ممن حبس نفسه على أفعال البر كلها. وهل يحصل ذلك لمن نيته إيقاع الصلاة في المسجد ولو لم يكن فيه؟\nقال شيخنا: الظاهر خلافه؛ لأنَّه يرتب الثواب المذكور على المجموع من النية وشغل البقعة بالعبادة، لكن للمذكور فيه أن يخصه.\n\n٦٦٠ - <span id=\"b-٢٥٦\"> </span>قوله: (حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن بَشَّار) - أي بفتح الباء الموحدة وتشديد الشين المعجمة- ترجمته في باب ما كان النبي صلى الله\n_________\n(^١) هذه الجملة مكررة في الأصل، ولا حاجة لها هنا.","vol":"1","page":200},{"text":"عليه وسلم يتَخَوَّلُنا بالموعظة.\nقوله: قال: (حَدَّثَنا يَحْيَى) أي - ابن سعيد القَطَّان- ترجمته في باب من الإيمان أن يحب.\nقوله: (عن عُبَيْد الله) -بتصغير العبد- ابن عمر العمري ترجمته في باب الصلاة في مواضع الإبل.\nقوله: قال: (حَدَّثَني خُبَيْب بن عَبْد الرَّحمن) أي - بضم الخاء المعجمة وفتح الباء الموحدة وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره بالموحدة- بن خُبَيْب بن يَسَاف أبو الحارث الأنصاري المدني وهو خال عبيد الله بن عمر المذكور.\nقوله: (عن حَفْص بن عَاصِم) أي - ابن عمر بن الخطاب- وهو جد عبيد الله المذكور لأبيه.\nقوله: (عن أبي هُرَيْرَة) أي -عبد الرحمن بن صخر- ترجمته في باب أمور الإيمان.\nفي هذا الإسناد التحديث بصيغة الجمع في موضعين، وبصيغة الإفراد في موضع، وفيه العنعنة في أربع مواضع، وفيه القول في موضعين، وفيه رواية الرجل عن خاله، وفيه أنَّ رواته ما بين بصريين وهما محمد بن بشار ويحيى والبقية مدنيون، وفيه عن حفص بن عاصم عن أبي هريرة في حديث يحيى بن يحيى، والترمذي من حديث معن قالا: حدثنا مالك عن خُبَيْب عن حفص بن عاصم عن أبي هريرة وأبي سعيد.\nقال الترمذي: كذا روى غير واحد عن مالك وشك فيه، وقال ابن عبد البر: كل من رواه عن مالك قال فيه: أو أبي سعيد إلا أبا قرة ومصعبًا فإنهما قالا: عن مالك عن خُبَيْب عن حفص بن عاصم عن أبي هريرة وأبي سعيد جميعًا، وكذا رواه أبو معاذ البلخي عن مالك، ورواه الوَقَّار زكريا بن يحيى عن ثلاثة من أصحاب مالك عن أبي سعيد وحده ولم يتابع.\nقال العيني: الثلاثة هم: عبد الله بن وهب، وعبد الرحمن بن القاسم، ويوسف بن عمرو بن يزيد.\nوفي «غرائب مالك» للدارقطني: رواه أبو معاذ عن أبي سعيد أو عن أبي هريرة أو عنهما جميعًا أنهما قالا فذكره. قلت: وفيه رد لما ذكره ابن عبد البر. انتهى.\nقال شيخنا: لم يختلف الرواة عن عبيد الله في ذلك. ورواه مالك في الموطأ عن خبيب، فقال: عن أبي سعيد أو أبي هريرة على الشك، ورواه أبو قُرَّة عن مالك فواو العطف جعله عنهما وتابعه مصعب الزبيري وشذَّ في ذلك عن أصحاب مالك، والظاهر أنَّ عبيد الله حفظه لكونه لم يشك فيه، ولكونه من رواية خاله وجده. انتهى.\nقوله: عن النبي ﷺ قال: (سَبْعَةٌ يُظِلُّهُم الله في ظِلِّه يوم لا ظل َّإلا ظله، الإمَامُ العَادِلُ وشابٌّ نَشَأ في عبادة ربِّه، ورجُلٌ قلْبُه مُعَلَّقٌ في المساجد ورجلان تحابَّا في الله اجتَمَعا عليه وتفرَّقَا عليه ورجل طلبته امْرَأةٌ ذاتُ منصِبٍ وجمَال فَقَال إنِّي أخَاف الله ورجل تصَدَّق أخفى حتَّى لا تعْلم شماله ما تنفقُ يمينه ورجُلٌ ذكرَ الله خَاليًا ففَاضَتْ عيْنَاه).\nمطابقته للترجمة في قوله: (وَرَجُلٌ قَلْبُه مُعَلَّقٌ في المَسَاجِد)، أي: متعلق، ولو لم يكن للمساجد فضل لم يكن لمن قلبه معلق فيها هذا الفضل العظيم، وهذا للجزء الثاني من الترجمة، وهو قوله: (وَفَضْلُ المَسَاجد) ويدل على هذا الجزء أيضا قوله: (وشَابٌّ نَشَأ في عِبَادة رَبِّه)،","vol":"1","page":200},{"text":"لأنَّ من هذه صفته يكون له ملازمة للمساجد بقالبه، وأما عن قلبه فلا يخلو، وإن عرض لقالبه عارض، وهذا أيضا يدل على فضل المساجد.\nهذا الحديث أخرجه البخاري أيضًا في الزكاة عن مسدد، وفي الرقاق عن محمد بن بشار، وفي المحاربين عن محمد بن سلام. وأخرجه مسلم في الزكاة عن زهير بن حرب، ومحمد بن المثنى وعن يحيى بن يحيى عن مالك. وأخرجه الترمذي في الزهد عن سَوَّارُ بن عبد الله العنبري ومحمد بن المثنى وعن إسحاق بن موسى. وأخرجه النسائي في القضاء وفي الرقاق عن سويد بن نصر عن عبد الله بن المبارك به.\nقوله: (سَبْعَةٌ) أي: سبعة أشخاص، وإنما قدرنا هكذا ليدخل فيه النساء، والأصوليون ذكروا أنَّ أحكام الشرع عامة لجميع المكلفين، وحكمه على الواحد حكم على الجماعة إلا ما دل الدليل على خصوص البعض، فإن قلت: ما وجه التخصيص بذكر هذه السبعة؟\nقال العيني: التنصيص بالعدد في شيء لا ينفي الحكم عما عداه، وقال الكرماني: وأما التخصيص بذكر هذه السبعة فيحتمل أن يقال فيه: ذلك لأن الطاعة إما تكون بين العبد وبين الله أو بينه وبين الخلق، والأول: إما أن يكون باللسان أو بالقلب أو بجميع البدن، والثاني: إما أن يكون عامًا وهو العدل، أو خاصًا وهو إما من جهة النفس وهو التحاب أو من جهة البدن، أو من جهة المال. انتهى.\nقال العيني: أراد كونه باللسان الذكر، وأراد كونه بالقلب هو المعلق بالمسجد، وأراد بجهة جميع البدن في الصورة الخاصة هي: العفة. انتهى.\nقال شيخنا: ظاهر الحديث اختصاص السبعة بالثواب المذكور.\nوقد نظم السبعة العلامة أبو شَامَة عبد الرحمن بن إسماعيل فيما أنشدناه أبو إسحاق التَّنوخي إذنًا عن أبي الهدى أحمد بن أبي شامة عن أبيه سماعًا من لفظه قال:\nوقال النبي المصطفى إنَّ سبعة... يظلُّهُم الله العظيم بظله\nمحبٌّ عفيف ناشئ متصدق... وبَاكٍ مصَلٍّ والإمام بعدله\nووقع في صحيح مسلم من حديث أبي اليسر مرفوعًا: «من أنظر معسرًا أو وضع له أظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله»، وهاتان الخصلتان غير السبعة الماضية فدل على أن العدد المذكور لا مفهوم له وقد ألقيت هذه المسألة على العالم شمس الدين الرازي المعروف بالهروي لما قدم القاهرة، وادعى أنه يحفظ صحيح مسلم، فسألته بحضرة الملك المؤيد، أيٌّ شيخ عن هذا وعن غيره فما استحضر في ذلك شيئًا قلت: ومن ثمَّ نظر الملك المؤيد لشيخنا بعين التعظيم فلم يزل مقربًا ﵀. انتهى.\nقال شيخنا: ثم تتبعت بعد ذلك الأحاديث الواردة في مثل ذلك فزادت على عشر خصال، وقد انتقيت منها سبعة وردت بأسانيد جياد ونظمتها في بيتين تذييلا على بيتي أبي شامة وهما\nوزد سبعة إظلال غازٍ وعونه... وإنظار ذي عسر وتخفيف حمله","vol":"1","page":201},{"text":"وإرفاد ذي غرم وعون مكاتب... وتاجر صدق في المقال وفعله\nفأما إظلال الغازي فرواه بن حبان وغيره من حديث عمر ﵁، وأما عون المجاهد فرواه أحمد والحاكم من حديث سَهْل بن حُنَيْف، وأما إنظار المعسر والوضيعة عنه فرواهما مسلم كما ذكرنا، وأما عون المجاهد وإرفاد الغارم وعون المكاتب فرواها أحمد والحاكم من حديث سهل بن حنيف،\nوأما التاجر الصدوق فرواه البَغَوِي في شرح السنة من حديث سلمان، وأبو القاسم التيمي من حديث أنس، والله أعلم، ونظمته مرة أخرى فقلت في البيت الثاني:\nوتحسين خلق مع إعانة غارم... خفيف يد حتى مكاتب أهله\nوحديث تحسين الخلق أخرجه الطبراني من حديث أبي هريرة بإسناد ضعيف، ثم تتبعت ذلك فجمعت سبعة أخرى ونظمتها في بيتين آخرين وهما\nوزد سبعة حزن ومشي لمسجد... وكره وضوء ثم مطعم فضله\nوآخذ حق باذل ثم كافل... وتاجر صدق في المقال وصدقه\nثم تتبعت ذلك فجمعت سبعة أخرى ولكن أحاديثها ضعيفة قلت: والسبعة السابقة أيضًا ضعيفة لأن شيخنا نظم السَّبْعَيْن في أبيات فقال في أولها: وزد مع ضعف سبعين، وهي هذه:\nوزد مع ضعف سبعين إعانة... لأخرق مع أخذ بحق وبذله\nوكره وضوء ثم مشي لمسجد... وتحسين خلق ثم مطعم فضله\nوكافل ذي يتم وأرمله وهتْ... وتاجر صدق في المقال وفعله\nوحزن وتصبير ونصح ورأفة... تربع بها السبعات من فيض فضله\nقال شيخنا: ثم أوردت الجميع في «الأمالي» وقد أفردته في جزء سميته «معرفة الخصال الموصلة إلى الظلال» انتهى.\nقلت: وقد تتبعت ذلك فزدت على ما ذكره شيخنا عشرين خصلة وأردتها في كتابي المسمى «عناية الخالق لمن وفقه من الخلائق» وذكرتها أجمع مسندة وتكلمت على الأحاديث بالحكم على الأسانيد، ثم بلغني أنَّ حافظ العصر شمس الدين السخاوي أورد ذلك في جزء وأوصل الخصال إلى نيف وسبعين خصلة بسبب سؤال ورد من دمشق، فنسب زيادة وقلت في حديث من ذلك؟؟؟ أوردها محذوفة الأسانيد خوف الإطالة، وذكر لي أنه لم يقف على الجزء الذي لشيخنا في ذلك،\nوقد نظمت ما وقفت عليه من الخصال في أبيات قد ملا عليَّ أبيات شيخنا وأبيات شيخنا قد ملا عليَّ أبيات أبي شامة فتصير قصيدة واحدة وهي:\nوزد قاصر الطرف عن حالة الزنا... وتارك منهي الربا لحله\nومن لم ير أخذ الرشا في حكومة... وحب علي ثم سبعة عدله\nومن حفظ القرآن في حال صغره... على كبر يتلوه صدقًا لأجله","vol":"1","page":201},{"text":"وصاحب ضعف؟؟؟ (^١)\nوقد نظم السبعة الولي العارف عبد الله اليافعي فيما أنْشَدْنِيْه قاضي القضاة السيد الشريف حسام الدين ابن جرير المالكي قراءةً مني عليه قال: أنشدنيه العارف بالله حسين بن الأهْدَل تجاه البيت الحرام إذنًا مشافهة قال: أنشدني أبو الحسين نور الدين بن أبي بكر بن الأزرق بن ثوب الهمداني قال: انشدني العارف بالله عبد الله بن أسعد اليافعي ﵀\nروينا حديثًا في الصحيحين سبعة... يظلهم المولى بخير ظلال\nيظلهم في ظله الله يوم لا... سوى ظله ظل فهاك مقالي\nإمام له عدل ومن في عبادة... نشأ بالتقى لله لا بضلال\nومن قلبه يهوى المساجد دائمًا... تعلقه فيها بغير زوال\nوشخصان فى الله الكريم تحابَبَا... بحال افتراق منهما ووصال\nوإني أخاف الله من قال عندما... دعت ذات عالي منصب وجمال\nومصدق أخفى التصدق لم يكن... بما أنفقت يمناه علم شمال\nومن ذكر الرب المهيمن خاليا... ففاضت به عيناه خوف نكال\nوخوف القلى والهجر بعد وصاله... وشوقا إلى رؤيا جمال جلال\nفأكرم بهن من سبعة طيبي الثَّنَا... وأكرم بها في القوم سبع خصال\nوأكرم به فخرا سما كل مفخر... ومجد فعال فوق كل فعال\nبمقعد صدق تحت عرش مَلِيْكِهِم... تجلى لهم باهي جمال كمال\nتراهم ملوكا فوق نجب من البها... وغرفات در كالنجوم عوال\nعلى سرر الياقوت في فرش سندس... وحور من النور المضيء غوال\nوما تشتهيه النفس من كل لذة... ومن زينة والكل ليس ببال\n_________\n(^١) يوجد أكثر من بيت شعر لم أستطع قراءته","vol":"1","page":202},{"text":"هنيئا لهم طوبى لهم سعدهم لقد... أَنِيْلُو نوالا خير كل نوال\nقلت: قد ذكر شيخنا من خرج الأحاديث السبعة التي أسانيدها جيدة ولم يذكر من خرج السَبْعَيْن التي أسانيدها ضعيفة وها أنا أذكرها مع الأحاديث التي زدتها فأقول: أما حديث إعانة الأخرق فرواه الطبراني في «الأوسط».\nفائدة: الأخرق الذي لا صناعة له ولا يقدر أن يتعلم صنعة.\nوأما حديث أخذ الحق ورده أخرجه ابن منيع، وأما كره الوضوء والمشي للمسجد وتحسين الخلق أخرجه ابن عدي، وأمَّا مطعم فضله وكافل اليتيم أو الأرملة والتاجر الصدوق أخرجه شيخنا في «الأمالي» أيضًا، وأما الذين لا ينظرون بأعينهم الزنا ولايَتَّبِعُون في أموالهم الربا ولا يأخذون على أحكامهم الرَّشَا والذي إذا صلى الغداة قرأ ثلاث آيات: منْ أول سورة الأنعام إلى ﴿وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ﴾ فأخرجها شيخنا في «أمَالِيه» وأمَّا من تعلم القرآن في صغره فهو يتلوه في كبره فرواه البيهقي في «شعب الإيمان»\nوأمَّا واصل الرحم وكافل أولادها الأيتام وطاعم اليتيم والمسكين لوجه الله فرواه أبو الشيخ وغيره، وأورده أبو الليث السمرقندي في «تنبيه الغافلين» له بلا إسناد.\nوأما راعي الشمس والقمر لذكر الله أخرجه أبو منصور الديلمي، المراقب أي: الذي حيث ما توجه علم أنَّ الله معه، والرجل الذي يحب الناس بجلال الله ذكره الحافظ شمس الدين في «مؤلفه» في ذلك.\nوأمَّا من أحيا سنة النبي ﷺ وأكثر الصلاة عليه ذكره صاحب «الدر المنظم في المولد المعظم» أبو العباس السبتي لكن بغير إسناد، وعزاه بعضهم «لفوائد الخِلَعِي» لكن قال من حديث أبي هريرة، وأما حامل القرآن أخرجه أبو منصور الدَّيْلَمي في «الفردوس» وأما قائد أخاه المسلم الضعيف والجالس عنده أخرجه أبو يعلى في «مسنده» وعباد بن كثير.\nوأما من تثبت بحكم وعلم أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب «الحلم» له وهو موقوف وحكمه الرفع لأن مثله لا يقال بالرأي، فإنْ قلت: ما السر في تخصيص هذا العدد بالذكر دون سائر الأعداد؟\nقلت: قال صاحب «النسمات الفائحة» السبعة أول الأعداد الكاملة لأنها جمعت العدد كله، لأَنَّ العدد أزواج وأفراد وأجمع منهما أول وثاني، فالاثنان أول الأزواج والأربعة عدد ثاني والثلاثة أول الفرد الأول والخمسة فرد ثاني، فإذا جمعت الزوج الأول مع الفرد الثاني أو الفرد الأول مع الزوج الثاني كانت سبعة وهذه الخاصية لا توجد في عدد قبل السبعة،\nقال: وواو الثَّمَانِيَة إنما أدخلتها العرب في العدد بعد السبعة لأنها عدد كامل فما بعدها مستأنف، وقال تعالى: سبعة وثامنهم كلبهم، وفي المسألة كلام ذكره","vol":"1","page":202},{"text":"صاحب «الجَنَى الدَّانِي» في واو الثمانية فقد علمت بهذا لأن الشارع ﵇ ذكر أول الأعداد الكاملة لأصحاب المقامات الكاملة.\nقلت: وقد وقع في هذا الحدث عددان باعتبارين، عدد باعتبار الأوصاف، وعدد باعتبار المتصفين، فالأوصاف سبعة والمتصفين ثمانية لأن المحبة من اثنين فكأنهما جَامِعَان لمعان السِتَّة، من عمل بمجموع الأوصاف غلقت عنه أبواب النار، وفتحت له أبواب الجنة انتهى.\nقوله: (يُظِلُّهُم الله) جملة في محل الرفع على أنَّها خبر المبتدأ وهو قوله (سَبْعَة).\nقوله: (في ظِلِّه) قال عياض: إضافة الظل إلى الله إضافة ملك، وكل ظل فهو ملكه كذا قال، وكان حقه أن يقول إضافة تشريف ليحصل امتياز هذا على غيره كما قيل للكعبة بيت الله مع أن المساجد كلها ملكه، وأما الظل الحقيقي فالله تعالى منزه عنه لأنَّه من خواص الأجسام، وقيل المراد بظله كرامته وحمايته كما يقال فلان في ظل الملك وهو قول عيسى بن دينار وقواه عياض، يقول العرب: أنَا في ظل فلان، أي في ستره وكنفه. وتسمي العرب الليل ظلًا لبرده، ويقال المراد ظل عرشه.\nويؤيده ما رواه سعيد بن منصور بإسناد حسن من حديث سلمان ﵁: «سبعة يظلهم الله في ظل عرشه...» فذكر الحديث، وإذا كان المراد ظل العرش استلزم ما ذكر من كونهم في كنف الله وكرامته من غير عكس، قال شيخنا: فهو أرجح، وبه جزم القرطبي، ويؤيد أيضًا تقييد ذلك بيوم القيامة كما صرح به عبد الله بن المبارك في روايته عن عبيد الله بن عمر وهو عنْد البخاري في كتاب الحدود، وبهذا يندفع قول من قال المراد ظل طوبى أو ظل الجنة لأنَّ ظلهما إنما يحصل لهم بعد الاستقرار في الجنة،\nثم إنَّ ذلك مشترك لجميع من يدخلها والسياق يدل على امتياز أصحاب الخصال المذكورة ولا يكون ذلك إلا يوم يقوم الناس لرب العالمين ودنت منهم الشمس ويشتد عليهم حرها ويأخذهم العرق ولا ظل إلا العرش فترجح أنَّ المراد ظل العرش.\nوروى الترمذي وحسنه من حديث أبي سعيد مرفوعا: «أحب الناس إلى الله تعالى يوم القيامة منه إمام عادل».\nقوله: (يَوْمَ لا ظِلَّ إلا ظِلُّه) أي يوم القيامة الذي ليس لأحد فيه الشفاعة لدفع مكروه عن غيره، وإنَّما الحماية له.\nقوله: (الإمَامُ العَادِلُ) خبر مبتدأ محذوف تقديره أحد السبعة الإمام العادل، والعادل اسم فاعل من العدل، وقال أبو عمر: أكثر رواة الموطأ عادل، وقد رواه بعضهم عدل وهو المختار عند أهل اللغة، يقال رجل عدل ورجال عدل وامرأة عدل، ويجوز إمام عادل على اسم الفاعل يقال عدل فهو عادل كما يقال ضرب فهو ضارب.\nوقال ابن الأثير: العدل في الأصل مصدر سمي به ووضع موضع العادل فهو أبلغ منه لأنَّه جعل المسمى نفسه عدلًا. انتهى.\nومعنى الإمام العدل الواضع كل شيء في موضعه، وقيل الوسط بين طرفي","vol":"1","page":203},{"text":"الإفراط والتفريط سواء كان في العقائد أو في الأعمال أو في الأخلاق، وقيل: الجامع بين أمهات كمالات الإنسان الثلاث.\nوهي الحكمة والشجاعة والعفة التي هي أوساط القوى الثلاث أعني القوة العقلية والغضبية والشهوانية، وقيل: المطيع لأحكام الله، وقيل: المراعي لحقوق الرعية.\nقال شيخنا: وأحسن ما فسر به العادل أنَّه الذي يتبع أمر الله بوضع كل شيء في موضعه من غير إفراط ولا تفريط والمراد به صاحب الولاية العظمى؛ وهو الخليفة أو السلطان، ويلتحق به كل من ولي شيئًا من أمور المسلمين فعدل فيه ويؤيده رواية مسلم من حديث عبد الله بن عمرو رفعه: «أنَّ المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا» قال العلماء: وبدأ به في الحديث لكثرة مصالحه وعموم نفعه، وقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام: العادل من الأئمة والولاة والحكام أعظم أجرًا من جميع الأنام بإجماع أهل الإسلام.\nقوله: (وشَابٌّ نَشَأ في عِبَادَة ربِّه) أي: والثاني من السبعة شاب آخره، يقال: نشأ الصبي ينشأ نشأ فهو ناشئ إذا كبر وشب. يقال: نشأ وأنشأ إذا خرج وابتدا، وأنشأ يفعل كذا أي: ابتدا يفعل، وفي رواية الإمام أحمد عن يحيى القطان: «شاب نشأ بعبادة ربه»، وهي رواية مسلم أيضًا، وزاد حماد بن زيد عن عبيد الله بن عمر: «حتى توفي على ذلك»، أخرجه الجَوْزَقِي.\nوفي حديث سلمان: «أفنى شبابه ونشاطه في عبادة الله». فإنْ قلت: لم خص الثاني من السبعة بالشباب، ولم يقل: ورجل نشأ في عبادة ربه؟ كما قال: ورجل قلبه متعلق، يقال: لأن العبادة في الشباب أشد وأشق لكثرة الدواعي وغلبة الشهوات، وقوة البواعث على متابعة الهوى تلازمه العبادة مع ذلك تدل على غلبة التقوى.\nقوله: (ورجُلٌ قَلْبُهٌ مُتَعلِّقٌ في المسَاجد) أي: الثالث رجل قلبه معلق أي بفتح اللام هكذا في الصحيحين وظاهره أنَّه من التعليق كأن شبهه بالشيء المعلق في المسجد كالقنديل مثلًا إشارة إلى طول الملازمة بقلبه وإن كان جسده خارجًا عنه، ويدل عليه رواية الجوزقي: «كأنما قلبه معلق في المسجد» ويحتمل أنْ يكون من العلاقة وهي شدة الحب، ويدل عليه رواية الحموي والمستملي «متعلق» بزيادة\nالتاء المثناة بعد الميم وكسر اللام، زاد سلمان «من جهة» وزاد مالك «إذا خرج منه حتى يعود إليه» وهذه الخصلة هي المقصودة من هذا الحديث للترجمة كما تقدم.\nقلت: وقد تقدم الكلام على لفظة (رَجُلٌ) في بدء الوحي عند قوله: «يتمثل إلي الملك رجلًا» انتهى.\nقوله: (ورجُلَانِ تَحَابَّا) أي: الرابع: رجلان تحابا، بتشديد الباء الموحدة، وأصله تحابَبَا، فلما اجتمع الحرفان المتماثلان أسكن الأول منهما وأدرج في الثاني وهو حد","vol":"1","page":203},{"text":"الإدغام، وهو من باب: التفاعل،\nوقال الكرماني فإن قلت: التفاعل هو للإظهار أن أصل الفعل حاصل له وهو منتف ولا يريد حصوله نحو تجاهلت، قلت: يجيء لغير ذلك نحو: باعدته فتباعد. انتهى.\nقال العيني: التحقيق في هذا أن تفاعل لمشاركة أمرين أو أكثر في أصله، يعني في مصدر فعله الثلاثي صريحًا، نحو: تضارب زيد وعمرو، فلذلك نقص مفعولًا عن فاعل.\nوحاصله أنَّ وضع فاعل لنسبة الفعل إلى الفاعل متعلقًا بغيره، مع أنَّ الغير فعل مثل ذلك، ووضع تفاعل لنسبة المشتركين فيه من غير قصد إلى تعلق له، فلذلك جاء الأول زائدًا على الثاني بمفعول أبدًا، فإذا كان الأمر كذلك كان المقام يقتضي أنْ يقال: ورجلان تحاببا، من باب: المفاعلة، لا من باب: التفاعل،\nليدل على أن الغير فعل مثل ما فعل هو، فالجواب عنه: أن تفاعل قد يجيء للمطاوعة وهو كونها دالة على معنى حصل عن تعلق فعل آخر متعد كقولك: باعدته فتباعد، فقولك: تباعد، عبارة عن معنى حصل عن تعلق تحاببا عبارة عن معنى حصل عن تعلق حابب.\nوالجواب الذي قاله الكرماني غير مستقيم، لأنَّ معنى ذاك هو الدلالة على أنَّ الفاعل أظهر أن المعنى الذي اشتق منه: تفاعل حاصل له مع أنه ليس في الحقيقة كذلك. فمعنى: تجاهل زيد أنه أظهر الجهل من نفسه، وليس عليه في الحقيقة فافهم، فإنَّه موضع دقيق. انتهى.\nقال شيخنا: (تَحَابَّا) أي: اشتركا في جنس المحبة وأحب كل منهما الآخر حقيقة لا إظهار فقط، ووقع في رواية حماد بن زيد: «ورجلان قال كل منهما للآخر إني أحبك في الله فصدرا على ذلك» ونحوه في حديث سلمان قوله: (فِي الله) أي: لأجل الله لا لغرض دنيوي، وكلمة: (في) قد تجيء للسببية كما في قوله ﵇: «في النفس المؤمنة مائة إبل» أي بسبب قتل النفس المؤمنة. قلت: وقد تقدم الكلام في الاسم العظيم الأعظم في أول كتاب الوحي. انتهى.\nقوله: (اجْتَمَعا عَلَى ذَلِك وتَفَرَّقَا عَلَيْه) في رواية الكُشْمِيهَنِي اجتمعا عليه وهي رواية مسلم أي على الحب يعني كان سبب اجتماعهما حب الله واستمروا عليه حتى تفرقا من مجلسهما، كذا قاله الكَرْمَاني.\nقال العيني: ولا نحتاج إلى قوله: (حَتَّى يَتَفَرَّقَا مِنْ مَجِلسِهِمَا) بل المعنى أنهما داما على المحبة الدينية ولم يقطعاها بعارض دنيوي سواء اجتمعا حقيقة أم لا حتى فرق بينهما الموت. انتهى.\nقال شيخنا: ووقع في «الجمع» للحميدي «اجتمعا على خير» ولم أر ذلك في شيء من نسخ «الصحيحين» ولا غيرهما من «المستخرجات» وهي عندي تحريف. انتهى.\nفإن قلت: قال ﵇: (سَبْعَةٌ) ثم قال في التفصيل: (رَجُلَان) فيكون المتصفون ثمانية لا سبعة؟ أجيب عن ذلك: بأنَّ المعنى ورجل يحب غيره في الله، والمحبة أمر نسبي فلا بد لها من المنتسبين فلذلك قال: (رجُلَان)، ولأنَّ الغرض عد الخصال لا عد جميع من اتصف بها.\nقلت: قد تقرر آنفًا أنَّ المراد الاجتماع على المحبة سواء اجتمعا حقيقة","vol":"1","page":204},{"text":"أم لا حتى لو كان أحدهما في المشرق والآخر في المغرب وسمع كل واحد منهما أنَّ الآخر من الطائعين لله فأحب كل واحد صاحبه لله كان الحكم كذلك، إذا علمت ذلك فاعلم أنَّ في هذا بشارة عظيمة لجميع الأمة لأنهم يحبون رسول الله ﷺ وهو يحبهم وذلك في الله بلا شك، ويؤيده قوله ﵇: للذي سأله عن الساعة «أنت مع من أحببت». انتهى.\nقوله: (وَرَجُلٌ طَلَبَتْهُ) أي: الخامس رجل طلبته ذات منصب، قال شيخنا: بين المحذوف أحمد في روايته عن يحيى القطان فقال: (دَعَتْهُ امْرَأةٌ) وكذا في رواية كريمة، ولمسلم وهو عند المصنف في الحدود عن ابن المبارك انتهى. وزاد ابن المبارك: (إلى نَفْسِهَا) وفي رواية البيهقي في «شعب الإيمان» من طريق أبي صالح عن أبي هريرة: (فَعَرَضَتْ نَفْسَهَا عَلَيْه) والمراد بالمنصب: الأصل أو شرف.\nوفي رواية قال: (دَعَتْه ذَاتُ حَسَبٍ) وهو يطلق أيضًا على الأصل وعلى المال أيضًا ووصفها بأكمل الأوصاف التي جرت العادة بمزيد الرغبة لمن تحصل فيه وهو المنصب الذي يستلزم الجاه والمال مع الجمال وقلَّ من يجتمع ذلك فيها من النساء.\nقال شيخنا: والظَّاهر أنها دعته إلى الفاحشة وبه جزم القرطبي ولم يحك غيره، وقيل: يحتمل أنْ تكون دعته إلى التزوج بها فخاف أن يشتغل عن العبادة بالافتتان بها، أو خاف أنْ لا يقوم بحقها لشغله بالعبادة عن التكسب لما يليق بها، والأول أظهرٌ ويؤيده وجود الكناية في قوله: (إلى نفسها) ولو كان المراد التزويج لصرح به والصبر عن الموصوفة بما ذكر من أكمل المراتب لكثرة الرغبة في مثلها وعسر تحصيلها لا سيما وقد أغنت من مشاق التوصل إليها بمراودة ونحوها.\nقلت: قد وقع هذا بعينه ليوسف ﵇، وحكي أنَّه وقع مثله لابن سيرين فرأى يوسف في المنام وقال له أنت الذي راوَدَتْك فلانةٌ عن نفسها فتركتها خوفًا من الله كما وقع لي مع زليخة، فقال: نعم، فقال: افتح فاك فخذ ما وهبني الله من العلم، ففتح فاه فتفل فيه فأوتي ما حصل له من علم التعبير. انتهى.\nقوله: (فَقَالَ إنِّي أخَافُ الله) زاد في رواية كريمة رب العالمين، قال القاضي عياض: يحتمل أنْ يقول ذلك بلسانه ويحتمل بقلبه ليزجر نفسه.\nقال القرطبي: إنما يصدر ذلك عن شدة خوف من الله والصبر عنها لخوف الله من أكمل المراتب وأعظم الطاعات.\nقوله: (ورجُلٌ تَصَدَّقَ) أي: السادس (رَجُلٌ تَصَدَّق أخفَى) بلفظ الماضي وهو جملة وقعت حالًا بتقدير: قد، ومفعول: أخفى، محذوف أي: أخفى الصدقة، ووقع في رواية أحمد: (فأخفى)، وكذا في رواية البخاري في الزكاة: عن مسدد عن يحيى: «تصدق بصدقة فأخفاها»، ومثله لمالك في «الموطأ».\nظاهر أنَّ راوي الأول حذف العاطف. ووقع في رواية الأَصِيْلِي: تصدق إخفاء، بكسر الهمزة ممدودًا","vol":"1","page":204},{"text":"على أنه مصدر منصوب، على أنه حال بمعنى مخفيًا.\nقوله: (بِصَدَقَةٍ) نكَّرها ليشمل كل ما يتصدق به من قليل وكثير، وظاهره أيضًا يشمل المندوبة والمفروضة، لكن نقل النووي عن العلماء أنَّ إظهار المفروضة أولى من إخفائها، وسيأتي في فقه الحديث طرق من ذلك.\nقوله: (حَتَّى لا تَعْلَم) بضم الميم وفتحها، نحو: مرض حتى لا يرجونه، وسرت حتى تغيب الشمس.\nقوله: (شمَالُه) مرفوع لأنه فاعل لقوله: (لا تعْلَم).\nقوله: (مَا تُنْفِقُ يَميْنُه) جملة في محل النصب على أنها مفعول. ثم اعلم أنَّ معظم الروايات في هذا الحديث في البخاري وغيره «حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه»، ووقع في صحيح مسلم مقلوبًا «حتى لا تعلم يمينه ما تنفق شماله» وهو نوع من أنواع علوم الحديث أغفله ابن الصلاح، وإن ْكان أفرد نوع المقلوب لكنه قصره على ما يقع في الإسناد.\nونبه عليه شيخ الإسلام البُلْقِيْنِي في «محاسن الاصطلاح»: ومثَّل له بحديث ابن أم مكتوم يؤذن بليل وقد قدمنا الكلام عليه في كتاب الأذان، وقال شيخ الإسلام البُلْقِيْنِي: ينبغي أنْ يسمى هذا النوع المعكوس. انتهى.\nقال شيخنا: والأولى تسميته مقلوبًا فيكون المقلوب تارة في الإسناد وتارة في المتن، كما قالوه في المدرج سواء، وقد سمَّاه بعض من تقدم مقلوبًا. قال عياض: هكذا في جميع النسخ التي وصلت إلينا من صحيح مسلم وهو مقلوب والصواب الأول أي قوله: (مَا تنْفِقُ يمِيْنُه) وهو وجه الكلام لأنَّ السنة المعهودة في الصدقة بإعطائها باليمين، وقد ترجم عليه البخاري في الزكاة باب الصدقة باليمين.\nقلت: ويحتمل أنَّه جعل التصدق بالشمال في هذه الصورة لأنه من أسباب الإخفاء لكون المعهود أنْ تكون الصدقة باليمين، فإذا بالغ في إخفائها تصدق بشماله حتى لا يتفطن لذلك. انتهى.\nقال عياض: ويشبهه أنْ يكون الوهم فيه ممن دون (^١) مسلم بدليل قوله في رواية مالك لما أوردها عقب رواية عبيد الله بن عمر، فقال: بمثل حديث عبيد الله، فلو كانت بينهما مخالفة لبينها كما نبه على الزيادة في قوله: «ورجل قلبه معلق بالمسجد إذا خرج منه حتى يعود إليه». انتهى.\nقال شيخنا: وليس الوهم فيه ممن دون مسلم ولا منه، بل هو من شيخه أو من شيخ شيخه يحيى القطان فإنَّ مسلمًا أخرجه عن زهير بن حرب وابن نمير كلاهما عن يحيى، وأشعر سياقه بأن اللفظ لزهير وكذا أخرجه أبو يعلى في مسنده عن زهير وأخرجه الجَوْزَقِي في «مستخرجه» عن أبي حامد بن الشرقي فقول يحيى القطان عندنا واهم في هذا، إنما هو: «حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه».\nقال شيخنا: والجزم بكون يحيى هو الواهم فيه نسبة نظر؛ لأنَّ الإمام أحمد قد رواه عنه على الصواب، ولذلك أخرجه البخاري هنا عن محمد بن بشار، وفي الزكاة عن مسدد.\nوكذا أخرجه الإسماعيلي من طريق يعقوب الدَّوْرَقِي وحفص بن عمر وكلهم عن يحيى، وكأنَّ أبا حامد لما رأى عبد الرحمن تابع زهيرًا ترجح عنده أنَّ\n_________\n(^١) قوله: «ممن دون» ليس في الأصل وما أثبته من الفتح.","vol":"1","page":205},{"text":"الوهم من يحيى وهو محتمل بأن يكون منه لما حدث به هذين خاصة مع احتمال أن يكون الوهم منهما تواردا عليه.\nوقد تكلف بعض المتأخرين توجيه هذه الرواية المقلوبة وليس بجيد، لأن المخرج متحد ولم يختلفوا فيه على عبيد الله بن عمر شيخ يحيى فيه ولا على شيخه خبيب ولا على مالك رفيق عبيد الله بن عمر فيه، وأمَّا استدلال عياض على أنَّ الوهم فيه ممن دون مسلم بقوله في رواية مالك مثل عبيد الله لكونهما ليستا متساويتين، والذي يظهر أنَّ مسلمًا لا يقصر لفظ المثل على المساوي في جميع اللفظ، والترتيب بل في المعظم إذا تساويا في المعنى.\nوالمعنى المقصود من هذا الموضع: إنَّما هو أخفى الصدقة، ولم نجد هذا الحديث من وجه من الوجوه إلا عن أبي هريرة إلا ما وقع عند مالك من التردد هل هو عنه أو عن أبي سعيد كما قدمناه قبل، ولم نجده عن أبي هريرة إلا من رواية حفص ولا عن حفص إلا من رواية خبيب، نعم أخرجه البيهقي في «الشعب» من طريق سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة، والراوي له عن سهيل عبيد الله بن عامر الأسلمي وهو ضعيف لكنه ليس بمتروك، وحديثه حسن في المتابعات.\nووافق في قوله: (تَصَدَّق بِيَمِيْنِه) وكذا أخرجه سعيد بن منصور من حديث سلمان الفارسي بإسناد حسن مرفوعًا: «أنَّ الملائكة قالت: رب هل من خلقك شيء أشد من الجبال؟ قال: نعم الحديد، قالت: فهل أشد من الحديد قال نعم النار قالت فهل أشد من النار قال نعم الماء، قالت فهل أشد من الماء قال نعم الريح قالت فهل أشد من الريح قال نعم بن آدم يتصدق بيمينه فيخفيها عن شماله».\nثم إن المقصود منه المبالغة في إخفاء الصدقة بحيث إنَّ شماله مع قربتها من يمينه وملازمتها بحيث لو تصور أنها تعلم لما علمت ما فعلت اليمين لشدة إخفائها، فهو على هذا من مجاز التشبيه.\nويؤيده رواية حماد بن زيد عند الجَوْزَقِي: «تصدق بصدقة كأنما أخفى يمينه من شماله»، ويحتمل أن يكون من مجاز الحذف، والتقدير حتى لا يعلم ملك شماله.\nوأبعد من زعم أنَّ المراد بشماله نفسه وأنه من تسمية الكل باسم الجزء فإنه ينحل إلى أن نفسه لا تعلم ما تنفق نفسه،\nقلت: ويمكن أنْ يراد بهذا أنَّ المتصدق لا ينظر إلى صدقته فأطلق العلم على النظر. انتهى.\nوقيل: هو من مجاز الحذف والمراد بشماله من على شماله من الناس كأنَّه قال: مجاور شماله، وقيل: المراد أنه لا يرائي بصدقته فلا يكتبها كاتب الشمال، وحكى القرطبي عن بعض مشايخه: أنَّ معناه أن يتصدق على الضعيف المكتسب في صورة الشراء لترويج سلعته أو رفع قيمتها واستحسنه.\nقال شيخنا: وفيه نظر، إن كان أراد أنَّ هذه الصورة مراد الحديث خاصة، وإنْ أراد أنَّ هذا من صور الصدقة المخفية فمُسَلَّمٌ والله أعلم. انتهى.\nقوله: (وَرَجُلٌ ذَكَرَ الله) أي: السابع رجل ذكر الله خاليًا أي خاليًا من الخلق لأنه حينئذٍ","vol":"1","page":205},{"text":"يكون أبعد من الرياء، وقيل: خاليًا من الالتفات إلى غير الله ولو كان في ملأ، ويؤيده رواية البيهقي: «ذكر الله بين يديه» ويؤيد الأول رواية ابن المبارك وحماد بن زيد: «ذكر الله في خلاء» أي: في موضع خال وهو أصح.\nوقال شيخنا: ذكر الله أي بقلبه من التذكر أو لسانه من الذكر. انتهى.\nقال العيني: ليس كذلك فإنَّ الذكر بالقلب من الذكر بضم الذال، وباللسان من الذكر بكسر الذال وأيضًا لفظ ذكر ثلاثي لا يكون مشتقًا من التذكر فمن له يد في علم التصريف يفهم هذا. انتهى.\nقال شيخنا: انظر وتعجب أي من قول العيني لأنَّ العيني أثبت أولًا الذكر بالقلب ثم جعله مشتقًا من الذكر بضم الذال وذلك بعد قوله ليس كذلك، فإن ْكان مراده أنَّ الذاكر بقلبه مع الفيض بعينه لا يعطى هذا الفضل فهو عجيب، مع أن الذكر بالقلب عمل، والمطلوب ذكر القلب.\nحتى قال بعض العارفين: اعلم أنَّ المطلوب من الذكر ذكر القلب، وإنما جعل ذكر اللسان طريقًا إليه ممن لازم ذكر الله بلسانه مخلصًا وصلت بركة الذكر إلى قلبه فعاش قلبه بذكر الله فيصير محمولًا بعد أن كان حاملًا. انتهى.\nقوله: (ففَاضَتْ عَيْنَاه) إنما أسند الفيض إلى العين مع أن العين لا تفيض، لأنَّ الفائض هو الدمع، مبالغة كأنها هو الفائض، وذلك كقوله: ﴿تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾ [المائدة: ٨٣].\nقال القرطبي: وفيض العين بحسب حال الذاكر وبحسب ما يكشف له، ففي حال أوصاف الجلال يكون البكاء من خشية الله وفي حال أوصاف الكمال يكون البكاء من الشوق إليه،\nويشهد للأول ما رواه الجَوْزَقِي في رواية حماد بن زيد: «ففاضت عيناه من خشية الله» ومثله في رواية البيهقي، ويشهد له ما رواه الحاكم من حديث أنس مرفوعًا: «من ذكر الله ففاضت عيناه من خشية الله حتى يصيب الأرض من دموعه لم يعذب يوم القيامة». انتهى.\nقلت: فإنْ قال هل يتأتى العبد في حال وصاله البكاء، وإذا تَأتَّى ذلك فهل يكون بكاؤه حال جلال أو حالة كمال؟\nفأقول: إنْ قصر نظره عن التلفت إلى ما فاته من محبوبه منْ ما لم ينله بعد فإن حالة الوصال لا تنتهي، واستشعر خوف البعد بعد الوصل فبكى يكون من خشية الله، وإن تلفت إلى ذلك فبكى يكون بكاؤه شوقًا إلى الله. انتهى.\nوفي الحديث فضيلة الإمام العادل، وقد روي عن ابن عباس: «ما أخر قوم العهد إلا سلط عليهم العذاب، وما نقص قوم المكيال إلا منعوا القطر، ولا كثر الزنا في قوم إلا سلط عليهم الوباء، وما حكم قوم بغير حق إلا سلط عليهم إمام جائر»، فالإمام العادل يصلحه الله به،\nوفيه: فضيلة الشاب الذي نشأ في عبادة ربه، وفي الحديث: «يعجب ربك من شاب ليست له صَبْوَة» وفيه: فضل منْ سلم من الذنوب واشتغل بطاعة ربه طول عمره. وقد يحتج به من قال إنَّ الملَك أفضل من البشر لأنهم يسبحون الليل والنهار لا يفترون، وقيل لابن عباس: رجل","vol":"1","page":206},{"text":"كثير الصلاة كثير القيام يقارف بعض الأشياء، ورجل يصلي المكتوبة ويصوم مع السلامة. قال: لا أعدل بالسلامة شيئًا، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾ [النجم: ٣٢].\nوفيه: فضيلة من يلازم المسجد للصلاة مع الجماعة، لأنَّ المسجد بيت الله وبيت كل تقي، وحقيق على المزور إكرام الزائر، فكيف بأكرم الكرماء؟ وفيه: فضيلة التَّحابُب في الله تعالى، فإنَّ الحب في الله والبغض في الله من الإيمان، وعند مالك من الفرائض.\nوروى ابن مسعود والبراء بن عازب مرفوعًا: «إن ذلك من أوثق عرى الإيمان»، وروى ثابت عن أنس يرفعه: «ما تحاب رجلان في الله إلا كان أفضلهما أشدهما حبًا لصاحبه».\nوروى أبو رزين، قال: «قال لي النبي ﷺ: يا أبا رزين إذا خلوت حرك لسانك بذكر الله، وحب في الله وأبغض في الله، فإن المسلم إذا زار في الله شيعه سبعون ألف ملك يقولون: اللهم وصله فيك فصله، ومن فضل المتحابين في الله أن كل واحد منهما إذا دعا لأخيه بظهر الغيب أمن الملك على دعائه». رواه أبو داود مرفوعًا.\nوفيه: فضيلة من يخاف الله قال الله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾ [النازعات: ٤٠]. وقال: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٤٦]\nوروى أبو معمر عن سلمة بن نَبيْط عن عبيد بن أبي الجعد عن كعب الأحبار، قال: إن في الجنة لدارًا، درة فوق درة، ولؤلؤة فوق لؤلؤة، فيها سبعون ألف قصر، في كل قصر سبعون ألف دار، في كل دار سبعون ألف بيت، لا ينزلها إلا نبي أو صديق أو شهيد أو محكم في نفسه أو إمام عادل.\nقال سلمة: فسألت عبيدًا عن المحكم في نفسه قال: هو الرجل يطلب الحرام من النساء أو من المال فيتعرض له، فإذا ظفر به تركه مخافة الله تعالى، فذلك المحكم في نفسه.\nوفيه: فضيلة المخفي صدقته ومصداق هذا الحديث في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧١].\nوقالت العلماء: هذا في صدقة التطوع، فالسر فيها أفضل لأنه أقرب إلى الإخلاص، وأبعد من الرياء. وأما الواجب فإعلانها أفضل ليُقْتَدى به في ذلك ويظهر دعائم الإسلام، وهكذا حكم الصوم فإعلان فرائضها أفضل.\nواختلف في السنن: كالوتر وركعتي الفجر، هل إعلانهما أفضل أو كتمانهما؟ حكاه ابن التين.\nوفيه: فضيلة ذكر الله في الخلوات مع فيضان الدمع من عينيه، وروى أبو هريرة مرفوعًا: «لا يلج النار أحد بكى من خشية الله حتى يعود اللبن في الضرع».\nوروى أبو عمران عن أبي الخَلْد، قال: قرأت في مسألة داود، عليه والسلام، ربه تعالى: إلهي ما جزاء من بكى من خشيتك حتى تسيل دموعه على وجهه؟ قال: أسَلِّمُ وجهه من لفح النار.\nتنبيهات:\nالأول: ذكر الرجال في هذا الحديث لا مفهوم له بل يشترك النساء معهم فيما ذكر","vol":"1","page":206},{"text":"إلا إنْ كان المراد بالإمام العادل الإمامة العظمى، وإلا فيمكن دخول المرأة حيث تكون ذات عيال فتعدل فيهم وتخرج خصلة ملازمة المسجد؛ لأن صلاة المرأة في بيتها أفضل كذا قالوه.\nقلت: ويتصور أيضًا دخول المرأة في هذه الخصلة بما لو بنى شخص رباط النسوة وجعل لكل امرأة بيتًا وجعل بصدر الرباط مسجدًا للنسوة خاصة وصار النسوة يصلين فيه جماعة. انتهى.\nقال شيخنا: وما عدا ذلك فالمشاركة حاصلة لهن حتى الرجل الذي دعته المرأة فإنه يتصور في امرأة دعاها ملك جميل مثلًا فامتنعت خوفًا من الله تعالى مع حاجتها، أو شاب جميل دعاه ملك إلى أن يزوجه ابنته مثلًا فخشي أن يرتكب منه الفاحشة فامتنع مع حاجته إليه.\nالثاني (^١) قال شيخنا: أليق المواضع بعد هذا الحديث كتاب الرقائق، وقد اختصره المصنف حيث أورده فيه وساقه تامًا في الزكاة والحدود فاستوعب شرحه هنا لأن للأولية وجهًا من الأولوية\n\n٦٦١ - <span id=\"b-٢٥٧\"> </span>قوله: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَة) أي-ابن سعيد-ترجمته في باب السلام من الإسلام.\nقوله: قال (حَدَّثَنَا إسْمَاعِيل بن جَعْفَر) أي -أبو إبراهيم الأنصاري-المدني ترجمته في باب تفاضل أهل الإيمان.\nقوله: (عن حُمَيْد) أي -الطويل-ترجمته في باب خوف المؤمن أن يحبط عمله.\nقوله: (سُئِلَ أنَس) أي -ابن مالك-ترجمته في باب من الإيمان أن يحب.\nفي هذا الإسناد: التحديث بصيغة الجمع في موضعين، وفيه القول في موضع، وفيه العنعنة في موضع، وفيه السؤال.\nقال شيخنا: قوله سئل أنس تقدم التصريح بسماع حميد له منه في باب وقت العشاء. انتهى.\nقوله: (هَلِ اتَّخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَاتَمًا؟ فَقَالَ: نَعَمْ أَخَّرَ لَيْلَةً صَلَاةَ العِشَاءِ إِلَى شَطْرِ اللَّيْلِ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ بَعْدَ مَا صَلَّى، فَقَالَ: صَلَّى النَّاسُ وَرَقَدُوا وَلَمْ تَزَالُوا فِي صَلَاةٍ مُنْذُ انْتَظَرْتُمُوهَا قَالَ: فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى وَبِيصِ خَاتَمِهِ).\nمطابقته للجزء الأول من الترجمة وهو قوله: (مَنْ جلَسَ في المسْجِد ينتظر الصلاة) وفي الحديث هو قوله: «ولم تزالوا في صلاة منذ انتظرتموها».\nقال العيني: وهذا الحديث قد مضى في: باب وقت العشاء إلى نصف الليل، عن عبد الرحيم المحاربي عن زائدة عن حميد عن أنس، وقد مضى الكلام فيه مستوفى.\nقوله: (إلى شطْرِ اللَّيْل) أي: نصفه، على ما صرح به في الحديث المذكور.\nقوله: (صَلَّى النَّاسُ) أي: غير المخاطبين ممن صلى في داره أو مسجد قبيلته.\nقال شيخنا: ويستأنس به لمن قال أنَّ الجماعة غير واجبة.\nقوله: (ولمْ تَزَالُوا في صَلَاة) أي: في ثواب صلاة.\nقوله: (وَبِيْص) بفتح الواو وكسر الباء الموحدة وبالصاد المهملة، وهو: بريق الخاتم ولمعانه.\nقال شيخنا: وسيأتي الكلام على الخاتم في كتاب اللباس إن شاء الله تعالى.\n\n <span id=\"b-٢٥٨\"> </span>(٣٧)<span data-type=\"title\" id=toc-258> باب فضل من غدا إلى المسجد ومن راح</span>\nأي هذا باب في بيان فضل من غدا إلى المسجد ومن راح كذا للأكثر موافقًا للفظ الحديث في الغدو والرواح،\n_________\n(^١) قوله: «الثاني» ليس في الأصل. ولكن يقتضيه السياق","vol":"1","page":207},{"text":"ولأبي ذر بلفظ (خَرَج) بدل (غَدا)، وله عن المستملي والسرخسي بلفظ (من يخْرُجْ) بصيغة المضارع، وعلى هذا فالمراد بالغدو الذهاب وبالرواح الرجوع، والأصل في الغدو المضي من بكرة النهار والرواح بعد الزوال، ثم قد يستعملان في كل ذهاب ورجوع توسعًا.\nقال العيني: وقال ابن سيده: الغدوة: البكرة علم للوقت، والغداة كالغدوة وجمعها غدوات.\nوقال ابن الأعرابي: غَدِية لغة في غدوة، كضحية لغة في ضحوة. والغدو جمع غداة نادرة، وغدا عليه غَدْوًا وغُدُوًا، واغتدى: بكَّر، وغاداه: باكره. وفي «الجامع» للقزاز: الغدوة اسم سمي به الوقت فجعل معرفة لذلك وصار اسمًا لشيء بعينه. وقال الخليل: الغُدُّو الجمع مثل الغدوات، وجمع غدوة غداوٍ،\nفي «الصحاح»: الغدوة ما بين صلاة الغداة وطلوع الشمس، والغدو نقيض الرواح، وزعم ابن قرُقُول أنه قد استعمل الغدوة والرواح في جميع النهار. وفي «المحكم»: الرواح: العشي. وقيل: من لدن زوال الشمس إلى الليل، ورحنا رواحًا وتروحنا: سرنا في ذلك الوقت، أو: عملنا.\nوفي «الصحاح»: الرواح نقيض الصباح، وهو اسم للوقت.\nويقال: الغدو: السير في أول النهار إلى زوال الشمس، والرواح من الزوال إلى آخر النهار، ويقال: غدا: خرج مبكرًا، وراح: رجع. وقد يستعملان في الخروج والرجوع مطلقًا توسعًا.\n\n٦٦٢ - <span id=\"b-٢٥٩\"> </span>قوله: (حَدَّثنا عَلي بن عَبْدِ الله) أي-ابن جعفر أبو الحسن-يقال له: ابن المديني ترجمته في باب الفهم في العلم.\nقوله: قال (حَدَّثَنَا يَزِيْد بن هَارُوْن) أي-ابن زادان الواسطي- ترجمته في باب التبرز في البيوت.\nقوله: قال (أخْبَرنَا مُحَمَّد بن مُطَرِّف) أي-بضم الميم وفتح الطاء المهملة وكسر الراء وبالفاء-أبو غسان الليثي المدني نزل عسقلان سمع زيد بن أرقم وأبا حازم سلمة عندهما، ومحمد بن المنكدر عند البخاري روى عنه يزيد بن هارون وسعيد بن أبي مريم والوليد بن مسلم عندهما، وعلي بن عثمان عند البخاري.\nقوله: (عن زيْدِ بن أَسْلَم) ترجمته في باب كفران العشير.\nقوله: (عن عَطَاءِ بن يَسَار) أي: ضد اليمين أبو محمد الهلالي مولى ميمونة بنت الحارث زوج النبي ﷺ، مات سنة ثلاث ومائة، ترجمته في باب كفران العشير.\nقوله: (عن أبِي هَرِيْرة) أي: عبد الرحمن ترجمته في باب أمور الإيمان.\nفي هذا الإسناد: التحديث بصيغة الجمع في موضعين، والإخبار كذلك في موضع، وفيه العنعنة في أربع مواضع، وفيه القول في موضعين، وفيه رواية التابعي عن التابعي عن الصحابي، وفيه أن رواته مابين بصري وواسطي ومدني.","vol":"1","page":207},{"text":"قوله: عن النبي ﷺ قال: (مَنْ غَدَا إلى المسْجِد ورَاح أعَدَّ الله لَهُ نزُلًا مَن الجَنَّة كلَّمَا غَدَا أو رَاح).\nمطابقته للترجمة ظاهرة. وهذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا عن أبي بكر بن أبي شيبة.\nقوله: (أعَدَّ) بفتح الهمزة والعين المهملة وتشديد الدال، من الإعداد وهي التهيئة.\nقوله: (نُزُلًا)، بضم النون وسكون الزاي وضمها وبالتنوين رواية الكُشْميْهَنِي، وفي رواية غيره: نزله، بالإضافة إلى الضمير، وفي رواية مسلم وابن خزيمة وأحمد مثل رواية الكُشْمِيهَنِي. وهو: ما يهيأ من الأشياء للقادم من الضيافة ونحوها هذا إذا كان بسكون الزاي، وأما إذا كان بضم الزاي فهو المكان الذي يهيئ للنزول فيه، فعلى الأول تكون من في قوله: (مِنَ الجِنَّة) للتبين، وعلى الثاني للتبعيض، ورواية مسلم وابن خزيمة وأحمد: (في الجنة) وهو محتمل للمعنيين.\nقوله: (كُلَّمَا غدَا أو رَاح) أي: بكل غدوة وروحة، وقال الكرماني: في بعض الروايات: وراح، بواو العطف، والفرق بين الروايتين أنه على: الواو، لا بد له من الأمرين حتى يعد له نزل، وعلى كلمة: أو، يكفي أحدهما في الإعداد.\nوقال بعضهم: الغدو والرواح في الحديث كالبكرة والعشي. في قوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم: ٦٢]. يراد بها: الديمومة، لا الوقتان المعينان.\nقال شيخنا: وظاهر الحديث حصول الفضل لمن أتى المسجد مطلقًا، لكن المقصود منه اختصاصه بمن يأتيه للعبادة والصلاة رأسها. والله أعلم. انتهى.\n\n <span id=\"b-٢٦٠\"> </span>(٣٨)<span data-type=\"title\" id=toc-260> باب إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة</span>\nأي: هذا باب ترجمته: إذا أقيمت إلى آخره، وهذه الترجمة بعينها لفظ حديث أخرجه مسلم في: كتاب الصلاة، من طرق كثيرة عن عمرو بن دينار المكي عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة.\nوأخرجه أبو داود عن أحمد بن حنبل، وأخرجه الترمذي عن أحمد بن منيع. وأخرجه النسائي عن أحمد بن عبد الله بن الحكم. وأخرجه ابن ماجه عن أبي بشر بن خلف.\nوأخرجه ابن خزيمة وابن حبان من رواية عمرو بن دينار عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة، فإن قلت: لأي شيء جعله البخاري جعل ترجمة ولم يخرجه؟ قيل: اختلف على عمرو بن دينار في رفعه ووقفه، ولما كان الحكم صحيحًا ذكره في الترجمة، وأخرج في الباب ما يغني عنه، لكن حديث الترجمة أعم من حديث الباب لأنَّه يشمل الصلوات كلها وحديث الباب يختص بالصبح كما سنوضحه.\nويحتمل أن يقال اللام في حديث الترجمة عهدية فيتفقان، هذا من حيث اللفظ، وأما من حيث المعنى فالحكم في جميع الصلوات واحد وقد أخرجه أحمد من وجه آخر بلفظ: «فلا صلاة إلا التي أقيمت».\nقال العيني: الحكمة في الإنكار فيه أن يتفرغ المصلي للفريضة من أولها حتى لا تفوته فضيلة الإحرام مع الإمام فهذا يعم الكل في الحقيقة انتهى.\nوقال شيخنا: قوله إذا أقيمت أي: إذا شرع في الإقامة، وصرح بذلك محمد بن جحادة عن عمرو بن دينار فيما","vol":"1","page":208},{"text":"أخرجه ابن حبان بلفظ: «إذا أخذ المؤذن في الإقامة».\nوقوله: (فَلا صَلَاة) أي: صحيحة أو كاملة والتقدير الأول أقوى؛ لأنه أقرب إلى يقين (^١) الحقيقة، لكن لما لم يقطع النبي ﷺ صلاة المصلي واقتصر على الإنكار دل على أن المراد نفي الكمال، ويحتمل أن يكون النفي بمعنى النهي أي فلا تصلوا حينئذٍ.\nويؤيده ما رواه البخاري في «التاريخ» والبزار وغيرهما من رواية محمد بن عمار عن شريك بن أبي نمر عن أنس مرفوعًا في نحو حديث الباب وفيه: «ونهى أن يصلوا إذا أقيمت الصلاة» وورد بصيغة النهي أيضًا فيما رواه أحمد من وجه آخر عن بن بحينة في قصته هذه فقال: «لا تجعلوا هذه الصلاة مثل الظهر واجعلوا بينهما فصلًا» والنهي المذكور للتنزيه كما تقدم من كونه لم يقطع صلاته.\nقوله: (إلا المكْتُوبَة) فيه منع التنفل بعد الشروع في إقامة الصلاة سواء كانت راتبة أم لا؛ لأن المراد بالمكتوبة المفروضة،\nوزاد مسلم بن خالد عن عمرو بن دينار في هذا الحديث قيل: «يا رسول الله ولا ركعتي الفجر قال: ولا ركعتي الفجر» أخرجه ابن عدي في ترجمة يحيى بن نصر بن حاجب وإسناده حسن، والمفروضة تشمل الحاضرة والفائتة لكن المراد الحاضرة، وصرح بذاك أحمد والطحاوي من طريق آخر عن أبي سلمة عن أبي هريرة بلفظ: «إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا التي أقيمت».\n\n٦٦٣ - <span id=\"b-٢٦١\"> </span>قوله: (حَدَّثَنا عبد العَزِيز بن عبد الله) أي-ابن يحيى أبو القاسم القرشي العامري الأوَيْسِي المدني-ترجمته في باب الحرص على الحديث في كتاب العلم.\nقوله: قال: (حَدَّثنا إبْراهيْم بن سَعْد) أي -ابن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف أبو إسحاق الزهري المدني-ترجمته في باب تفاضل أهل الإيمان.\nقوله: (عَنْ أبيْه) أي-سعد بن إبراهيم-ترجمته في باب الرجل يوصي صاحبه.\nقوله: (عن حَفْص بن عَاصِم) أي-ابن عمر بن الخطاب﵁ ترجمته في باب من جلس في المسجد ينتظر الصلاة.\nقوله: (عَنْ عَبْد الله بن مَالِك بن بُحَيْنَة) أي-بضم الباء الموحدة وفتح الحاء المهملة وسكون الياء آخر الحروف وفتح النون وفي آخره هاء-وهي بنت الحارث بن المطلب بن عبد مناف، وهي اسم أم عبد الله. وقال أبو نعيم الأصفهاني: بحينة أم أبيه، مالك ابن القشب بكسر القاف وسكون الشين المعجمة وفي آخره باء موحدة، وهو لقب، واسمه جندب بن نضلة بن عبد الله بن رافع الأزدي.\nوقال ابن سعد بحينة عبدة بنت الحارث، لها صحبة، وقال: قدم مالك بن القِشْب مكة في الجاهلية فحالف بني عبد المطلب بن عبد المطلب بن عبد مناف، وتزوج بحينة بنت الحارث بن المطلب، وأدركت بحينة الإسلام فأسلمت وصحبت، وأسلم ابنها عبد الله قديمًا، وحكى ابن عبد البر خلافًا لبحينة هل هي أم عبد الله أو أم مالك؟\nوالصواب أنَّها أم عبد الله وينبغي أن تكتب ابن بحينة بزيادة ألف\n_________\n(^١) الأقرب للمعنى أنها (نفي).","vol":"1","page":208},{"text":"ويعرب إعراب عبد الله كما في ابن سلول كما قلنا، ترجمة عبد الله بن مالك في باب يبدي ضبعيه.\nقوله: ح، قال: (وَحَدَّثَنِي عبْدُ الرَّحْمن) أي-ابن بشر بن الحكم أبو محمد النيسابوري-مات في سنة ستين ومائتين.\nقوله: قال: (حَدَّثَنا بَهْز بن أسَد) أي-بفتح الباء الموحدة وسكون الهاء وفي آخره زاي-العمي أبو الأسود البصري، ترجمته في باب الغسل بالصاع ونحوه.\nقوله: قال (حَدَّثَنَا شُعْبَة) أي-ابن الحجاج-ترجمته في باب يتلو باب أمور الإيمان.\nقوله: قال (حَدَّثَنِي إبْراهيْم بن سَعْد) أي -المذكور آنفًا-.\nقوله: (عنْ أبِيْه) أي-سعد المذكور أيضًا-.\nقوله: قال (سمِعْتُ حَفْصَ بن عَاصِم) أي -المذكور آنفًا أيضًا-.\nقوله: قال (سَمِعْت رجُلًا مِنَ الأَزْد يقال له مَالِك ابن بُحَيْنَة) أي-المذكور أيضًا-.\nفي هذا الحديث إسنادان: الأول: عن عبد العزيز عن إبراهيم بن سعد عن أبيه عن حفص بن عاصم عن عبد الله بن مالك.\nالإسناد الثاني: عن عبد الرحمن عن بهز عن سعيد (^١) عن سعد عن حفص عن مالك بن بحينة هكذا يقول شعبة في هذا الصحابي، وتابعه على ذلك أبو عوانة وحماد بن سلمة.\nقال العيني: وحكم الحفاظ يحيى بن معين وأحمد ومسلم والنسائي والإسماعيلي والدَّارَقُطْني وأبو مسعود وآخرون عليهم بالوهم في موضعين: أحدهما: أنَّ بحينة والدة عبد الله لا والدة مالك. والآخر: أن الصحبة والرواية لعبد الله لا لمالك. وجنح الداودي إلى أن مالكًا له صحبة حيث قال: وهذا الاختلاف لا يضر بأي الرجلين كان فهو صاحب.\nفإن قلت لمَ لمْ يسق البخاري لفظ رواية إبراهيم بن سعد وتحول إلى رواية شعبة؟\nقال العيني: كأنه أوهم أنهما متوافقتان وليس كذلك وقد ساق (^٢) مسلم رواية إبراهيم بن سعد بالسند المذكور ولفظه: «مر برجل يصلي وقد أقيمت صلاة الصبح فكلمة بشيء لا ندري ما هو فلما انصرفنا أحطنا نقول ماذا قال لك رسول الله ﷺ قال: قال لي يوشك أحدكم أن يصلي الصبح أربعًا» ففي هذا السياق مخالفة لسياق شعبة في كونه ﵇ كلم الرجل وهو يصلي، ورواية شعبة تقتضي أنَّه كلمه بعد أن فرغ.\nقال العيني: يمكن الجمع بينهما أنه كلمه أولًا سرًا، ولهذا احتاجوا أن يسألوه، ثم كلمه ثانيًا جهرًا فسمعوه، وفائدة التكرار تقرير الإنكار. انتهى.\nوفي السَّند: التحديث بصيغة الجمع في أربع مواضع، وبصيغة الإفراد في موضعين، وفيه العنعنة في ثلاث مواضع، وفيه السماع في موضعين، وفيه القول في سبع مواضع، وفيه أن رواته ما بين نيسابوري وبصري ومدني وواسطي، وفيه أن شيخه عبد العزيز من أفراد [(^٣)]، وفيه اثنان من الصحابة على قول من يقول مالك بن بحينة من الصحابة، وفيه اثنان من التابعين أحدهما: سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف\n_________\n(^١) الأقرب للمعنى أنها (شعبة).\n (^٢) مكان هذه الكلمة بياض في الأصل بمقدار كلمة وما أثبته من فتح الباري وعمدة القاري.\n (^٣) بياض في الأصل بمقدار كلمة.","vol":"1","page":209},{"text":"كان من جلة التابعين، والآخر حفص بن عاصم.\nقوله: (أنَّ رَسُول الله ﷺ َرأى رجلا وَقد أُقِيمَت الصَّلَاة يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ فَلَمَّا انْصَرف رَسُول الله ﷺ َلاث بِهِ النَّاس، فَقَالَ لَهُ رَسُول الله ﷺ آلصبح أَرْبعًا)\nمطابقته للترجمة في قوله: آلصبح أربعًا، حيث أنكر ﵇ على الرجل الذي كان يصلي ركعتين بعد أن أقيمت الصلاة ثم يصلي مع الإمام ركعتين صلاة الصبح فيكون في معنى من صلى الصبح أربعًا فدل هذا على أن لا صلاة بعد الإقامة للصلاة المكتوبة.\nهذا الحديث أخرجه مسلم في الصلاة عن القَعْنَبِي عن إبراهيم بن سعد عن أبيه، وعن قتيبة عن أبي عوانة عن سعد بن إبراهيم عن حفص بن عاصم عن ابن بحينة به قال، وقوله عن أبيه خطأ، بحينة هي أم عبد الله، قال أبو مسعود: وهذا يخطئ فيه القعنبي بقوله عن أبيه، وأسقط مسلم من أوله عن أبيه، ثم قال في عَقِبه وقال القعنبي: عن أبيه، وأهل العراق منهم شعبة وحماد بن سلمة وأبو عوانة يقولون: عن سعد عن حفص عن مالك بن بحينة، وأهل الحجاز قالوا: في نسبة عبد الله بن مالك بن بحينة وهو الأصح، وأخرجه النسائي فيه عن قتيبة به عن محمود بن غيلان عن وهب بن جرير عن شعبة بإسناده نحوه، وقال: هذا خطأ، والصواب عبد الله بن مالك ابن بحينة، وأخرجه ابن ماجة فيه عن أبي مروان محمد بن عثمان العثماني عن إبراهيم بن سعد به.\nقوله: (مِنَ الأَزْدِ) بسكون الزاي، ويقال له الأسد أيضًا، وهم أزد شنوءة وبالسين رواية الأصيلي.\nقوله: (رَأى رَجُلًا) هو عبد الله الراوي، كما رواه أحمد من طريق محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان عنه: «أن النبي ﷺ مرَّ به وهو يصلي»، وفي رواية: «خرج وابن القشب يصلي».\nوأخرج ابن خزيمة وابن حبان والبزار والحاكم وغيرهم عن ابن عباس ﵄ قال: «كنت أصلي وأخذ المؤذن بالإقامة فجذبني النبي ﷺ وقال: أتصلي الصبح أربعًا»، فإن قلت: يحتمل أن يكون الرجل هو ابن عباس، قال العيني: لا، بل هي قصتان.\nقوله: (وَقَدْ أُقِيْمَت الصَّلَاة) هي ملتقى الإسنادين، والقدر المشترك بين الطريقتين،\nإذ تقديره مرَّ النبي ﷺ برجل وقد أقيمت ومعناه وقد نودي للصلاة بالألفاظ المخصوصة.\nقوله: (فلَمَّا انْصَرَفَ) أي: من الصلاة. قوله: (لاثَ بهِ النَّاس) بالثاء المثلثة الخفيفة، أي: دار وأحاط، وقال ابن قتيبة: أصل اللوث الطي. ويقال: لاث عمامته إذا أدارها، ويقال: فلان يلوث بي أي يلوذ بي، والمقصود أن الناس أحاطوا به والتفوا حوله، والضمير في به يرجع إلى النبي ﷺ، ولكن طريق إبراهيم بن سعد المتقدمة يقتضي أنه يرجع إلى الرجل.","vol":"1","page":209},{"text":"قوله: (الصُّبْحَ أَرْبَعًا) بهمزة ممدودة في أوله، ويجوز قصرها، وهو استفهام للإنكار التوبيخي، و(الصُّبْحَ) منصوب بإضمار فعل مقدر تقديره: أتصلي الصبح، وقال الكِرماني: ويجوز الصبحُ بالرفع، أي الصبحُ تصلي أربعًا، قال العَيْنِي: يكون الصبح على هذا مبتدأً.\nوقوله: (تُصَلِّي (^١) أَرْبَعًَا) جملةٌ وقعت خبرًا والضمير محذوف لأن تقديره تصليه أربعًا، والضمير الذي يقع مفعولًا حذفه شائع ذائع، وانتصاب (أَرْبَعًَا) على الحال، قاله ابن مالك، وقال الكِرماني: على البدلية، قال العَيْنِي: يكون بدل الكل من الكل لأن الصبح صار في معنى الأربع، ويجوز أن يكون بدل الكل من البعض لأن الأربع ضِعف صلاة الصبح، ويجوز أن يكون بدل الاشتمال لأن الذي صلاها الرجل أربع ركعات في المعنى.\nذِكرُ ما يستفاد من هذا الحديث، وهو على وجوه:\nالأول: اختُلف فيمن دخل المسجد لصلاة الصبح فأقيمت الصلاة هل يصلي ركعتي الفجر أم لا؟ فكرهت طائفة أن يركع ركعتي الفجر في المسجد والإمامُ في صلاة الفجر محتجين بهذا الحديث، وروي ذلك عن ابن عمر وأبي هريرة وسعيد بن جبير وعروة وابن سيرين وإبراهيم وعطاء والشافعي وأحمد واسحاق وأبي ثور، وقالت طائفة: لا بأس أن يصليها خارج المسجد إذا تيقن أنه يدرك الركعة الأخيرة مع الإمام، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه والأوزاعي إلا أن الأوزاعي أجاز أن يركعهما في المسجد، وقال الثوري: إن خشي فوت ركعة دخل معه ولم يصليهما وإلا صلاهما في المسجد، وقال صاحب «الهداية»: ومن انتهى إلى الإمام في صلاة الفجر وهو لم يصل ركعتي الفجر إن خشي أن يفوته ركعة -يعني من صلاة الفجر- لاشتغاله بالسنة ويدرك الركعة الأخرى -وهي الثانية- يصلي ركعتي الفجر عند باب المسجد ثم (^٢) يدخل المسجد، لأنه أمكنه الجمع بين الفضيلتين، يعني فضيلة السنة وفضل الجماعة. قال العَيْنِي: وإنما قيد بقوله: عند باب المسجد، لأنه لو صلاهما في المسجد كان متنفلًا فيه مع اشتغال الإمام بالفرض وإنه مكروه، لقوله ﵇: «إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة»، وخصت سنة الفجر بقوله ﵇: «لا تدعوهما وإن طردتكم الخيل» رواه أبو داود عن أبي هريرة، هذا إذا كان عند باب المسجد موضعٌ لذلك فإن لم يكن يصليهما في المسجد خلف سارية من سواريه خلف الصفوف، وذكر فخرُ الإسلام وأشدُّها كراهةً أن يصلي مخالطًا للصف مخالفًا للجماعة، والذي يلي ذلك خلفَ الصف من غير حائلٍ بينه وبين الصف، وفي «الذخيرة»: السنةُ في سنة الفجر يعني ركعتي الفجر أن (^٣) يأتي بهما في بيته، فإن لم يفعل فعند باب المسجد إذا كان الإمام يصلي فيه، فإن لم يمكِنه ففي المسجد الجامع إذا كان الإمام في المسجد الداخل، وفي الداخل إذا كان الإمام في الجامع وفي المحيط، وقيل: يكره ذلك كله لأن ذلك بمنزلة مسجد واحد.\nوعند الظاهرية أنه قطع (^٤) الصلاة إذا أقيمت الصلاة، وفي [الخلاف] (^٥) يصليهما وإن فاتته\n_________\n(^١) في (الأصل): «يصلي» والصواب «تصلي».\n (^٢) طمس في (الأصل): ولعلها «ثم».\n (^٣) طمس في (الأصل): ولعلها «أن».\n (^٤) كذا في (الأصل): «قطع» ولعلها «يقطع».\n (^٥) كلمة غير مفهومة.","vol":"1","page":210},{"text":"الصلاة مع الإمام إذا كان الوقت واسعًا، واستدل من كره بحديث الباب وبما في مسلم من حديث عبد الله بن جرجس: جاء رجل والنبي ﷺ يصلي الصبح فصلى الركعتين ثم دخل مع النبي ﷺ في الصلاة، فلما انصرف قال له: «يا فلان أيتُهما صلاتُك التي صليتَ وحدَك أو التي صليتَ معنا»، وبما ذكره ابن خزيمة في «صحيحه» من حديث ابن عباس قال: كنت أصلي... الحديث، وقد ذكرناه عن قريب، وعند ابن خزيمة عن أنس: خرج النبي ﷺ حين أقيمت الصلاة فرأى ناسًا يصلون ركعتين بالعجلة فقال: «أصلاتان معًا» فنهى أن يُصَلَّيا في المسجد إذا أقيمت الصلاة.\nفإن قلتَ: قد روى ابن عباس أن النبي ﷺ كان يصلي عند الإقامة في بيت ميمونة، قال العَيْنِي: هذا الحديث وهّاهُ ابن القطان وغيرُه، وفي كتاب الصلاة للدُّكَيني (^١) عن سُوَيْد بن غَفَلة: كان عمر بن الخطاب ﵁ يضرب على الصلاة قبل الإقامة، ورأى ابن جبير رجلًا يصلي حين أقيمت الصلاة فقال: ليست هذه ساعة صلاة، وعن صفوان بن موهب أنه سمع مسلم بن عقيل يقول للناس وهم يصلون وقد أقيمت الصلاة: ويلكم إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة، وعند البيهقي: رأى ابن عمر رجلًا يصلي الركعتين والمؤذن يقيم فحصَبَه وقال: أتصلي الصبح أربعًا؟ وذكر أبو أمية محمد بن إبراهيم الطرسوسي في كتاب «مسند ابن عمر» يرفعه من حديث قدامة بن موسى عن رجلٍ من بني حنظلة عن أبي علقمة عن يسار بن نمير مولى ابن عمر قال: رآني وأنا أصلي الفجر فقال: يا يسار إن النبي ﷺ خرج علينا ونحن نصلي هذه الصلاة فتغيظ علينا وقال: «ليبلغ شاهدكم غائبكم لا صلاة بعد الفجر إلا ركعتين»، وذكر ابن حزم نحوَه عن ابن سيرين وإبراهيم وعند أبي نعيم الفضل عن طاوُس: إذا أقيمت الصلاة وأنت في الصلاة فدعها، وعند عبد الرزاق قال سعيد بن جبير: اقطع صلاتك عند الإقامة، وعند ابن أبي شيبة قال بَيَان: كان قيسُ بن أبي حازم يؤمُّنا فأقام المؤذن الصلاة وقد صلى ركعةً فتركها ثم تقدم فصلى بنا، و[كذا] (^٢) قال الشعبي، قلت: هذه أدلة الظاهرية. انتهى.\nواستدل من أجاز ذلك بقوله تعالى ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٣]، وبما رواه البيهقي من طريق حجاج بن نصير عن عباد بن كثير عن ليث عن عطاء عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة إلا ركعتي الفجر»، قال البيهقي: هذه الزيادة لا أصل لها وحجَّاج وعبَّاد ضعيفان، قال العَيْنِي: قال يعقوب بن شيبة: سألتُ ابن مَعين عن حجَّاج بن نُصَيْر الفساطِيطي البصري فقال: صدوق، وذكره ابن حِبان في «الثقات»، وعباد بن كثير كان من الصالحين. انتهى. قلت: كونُه من الصالحين لا ينفي وصفَه\n_________\n(^١) هو أبو نعيم الفضل بن دكين له كتاب الصلاة.\n (^٢) كلمة مستدركة في حاشية (الأصل).","vol":"1","page":210},{"text":"بالضعف، لأن كثيرًا من علل الضعف يوجد في الصالحين، وعن ابن مسعود أنه دخل المسجد وقد أقيمت صلاة الصبح فركع ركعتي الفجر إلى أسطوانة بمحضر حذيفة وأبي موسى، قال ابن بَطَّال: ورُوي مثلُه عن عمر بن الخطاب وأبي الدرداء وابن عباس، وعن ابن عمر أنه أتى المسجد لصلاة الصبح فوجد الإمام يصلي، فدخل بيت حفصة فصلى ركعتين ثم دخل في صلاة الإمام، وعند ابن أبي شيبة عن إبراهيم كان يقول: إن بقي من صلاتك شيء فأتممه، وعنه: إذا افتتحتَ الصلاة تطوعًا وأقيمت الصلاة فأتمّ.\nالثاني: من الوجوه في حكمة إنكار النبي ﷺ الصلاةَ عند إقامة الفرض، فقال عياض: لئلا يتطاول الزمانُ فيُظن وجوبُها، ويؤيده قوله ﵇ فيما رواه مسلم من حديث إبراهيم بن سعد: «يوشك أحدكم أن يصلي الصبح أربعًا»، وقد ذكرناه عن قريب، وعلى هذا إذا حصل الأمنُ لا يُكره ذلك، قال شيخنا: وهو متعقَّب بحديث الترجمة، قال العَيْنِي: قولُه تعالى ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٣] يخُص هذا، مع ما روي من هؤلاء الصحابة المذكورين آنفًا، وقال شيخنا أيضًا: وقيل لئلا تلتبس صلاةُ الفرض بالنفل، وإلى هذا جنح الطحاويُّ واحتج له، ومقتضاه أنه لو كان خارج المسجد أو في زاويةٍ منه لم يُكره، وهو متعقب أيضًا بما ذُكِر، قال العَيْنِي: دعواه التَعقُّب متعَقبةٌ لأن الأصل في النصوص التعليلُ، وهو وجهُ الحكمةِ، فالعلة في حديث الترجمة هي كونه جامعًا بين الفرض والنفل في مكان واحد، فإذا صلى خارج المسجد أو في زاوية منه لا يلزم ذلك، وهو كنهيه ﵇ من صلى الجمعة أن يصلي بعدها تطوعًا في مكان واحد، كما نهى من صلى الجمعة أن يتكلم أو يتقدم.\nقال شيخنا أيضًا: وذهب بعضهم إلى أن سبب الإنكار عدم الفصل بين الفرض والنفل لئلا تلتبسان، وإلى هذا جنح الطحاوي واحتج له بالأحاديث الواردة بالأمر بذلك، ومقتضاه أنه لو كان في زاوية المسجد لم يكره، وهو متعقب بما ذكرنا، إذ لو كان المراد مجرد الفصل بين الفرض والنفل لم يحصل إنكارٌ أصلًا، لأن ابن بُحَيْنة سلَّم من صلاته قطعًا ثم دخل في الفرض، قال العَيْنِي: ذَكَر شيئا لا يجدي لرده ما قاله الطحاوي، فلو نقل ما رواه الطحاوي أيضًا لكان علم أن رده ليس بشيء، وهو أنه رَوى بسنده أن رسول الله ﷺ مرَّ بابن بُحَيْنة وهو يصلي بين يدي نداء (^١) الصبح فقال: «لا تجعلوا هذه الصلاة كصلاة الظهر واجعلوا بينهما فصلًا»، فما بان بهذا أن الذي كرهه رسول الله ﷺ لابن بُحَيْنة وصْلُه إياها بالفريضة في مكان واحد دون أن يفصِل بينهما بشيء يسير، يُعلَم بذلك أنه ما اعتبر الفصل اليسير والسلامَ منه، وكان سببَ الكراهة الوصلُ بين الفرض والنفل في مكان واحد، والاعتبارُ بالفصل بالسلام، فمقتضى ذلك أنْ لا يُكره خارجَ المسجد ولا في زاويةٍ منه وهذا هو التحقيق\n_________\n(^١) في (الأصل): «بين نداء» والصواب «بين يدي نداء».","vol":"1","page":211},{"text":"في استنباط (^١) الأحكام من النصوص، وليس ذلك بالتحسيس من الخارج. انتهى.\nقلت: لا شك في قوة شيخنا في استنباط الأحكام من النصوص، ومن تأمل سياق كلامه في هذا الباب وفي الباب الذي قبله علم ذلك، وغالب ما قاله العَيْني ﵀ متعقِّبًا به كلامَ شيخنا فيه نظر، غيرَ أنه أطال وبِرَدِّه يطول الأمرُ لكن نُنَبِّه بشيءٍ يدل على ذلك، قال شيخنا عقب قوله لأن ابن بُحَيْنة سلَّم من صلاتِه قطعًا ثمَّ دخل في الفرض: ويدل على ذلك حديث قيس بن عمر، والذي أخرجه أبو داود وغيره أنه صلى ركعتين الفجر بعد الفراغ من صلاة الصبح متصلًا بها فدل على أن الإنكار على ابن بُحَيْنة إنما كان للتنفيل حالَ صلاةِ الفرض، وهو موافق لعموم حديث الترجمة، وقال ابن عبد البرِّ وغيرُه: الحجة عند التنازع للسنة فمن أولى بها فقد أفلح، وتَركُ التنفل عند إقامة الصلاة ويداركها (^٢) بعد قضاء الفرض أقرب إلى اتباع السنة، ويتأيد ذلك من حيث المعنى بأن قوله في الإقامة: حيَّ على الصلاة معناه هلموا إلى الصلاة، أي التي تقام لها، فأسعد الناس بامتثال هذا الأمر من لم يتشاغل عنه بغيره.\nوقال النووي: الحكمة فيه أن يتفرغ للفريضة من أولها فيشرع عقب شروع الإمام، والمحافظةُ على مكملات الفريضةِ أولى من التشاغل بالنافلة، وهذا يليق بقول من يرى بقضاء النافلة ومن ثَم قال من لا يرى بذلك إذا علم أنه يدرك الركعة الأولى مع الإمام، وقال بعضهم: الأخيرة، لم يكره له التشاغل بالنافلة بشرط الأمن من الالتباس كما تقدَّم، والأولُ عن المالكية والثاني عن الحنفية ولهم في ذلك سلفٌ عن ابن مسعودٍ وغيرِه، وكأنهم لما تعارض عندهم الأمرُ بتحصيل النافلة والنهي عن إيقاعها في تلك الحال جمعوا بين الأمرين بذلك. انتهى.\nفانظر -رحمك الله- إلى هذه العبارةِ التي جمع شيخنا فيها جُمَلًا مما قدمناه بأوجز مقالةٍ وألطف إشارةٍ وقال أيضًا واستدل بعموم قوله: «فلا صلاة إلا المكتوبة» لمن قال بقطع النافلة إذا أقيمت الفريضةُ، وقد قدمنا أنه قول الظاهرية، قال: وبه قال أبو حامد - أي الغزالي- وغيرُه من الشافعية، وخص آخرون النهيَ بمن ينشئ النافلةَ عملًا بقوله ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٣]، وقيل: يُفَرَّقُ بين من يخشى فوْت الفريضة في الجماعة فيقطَعُ وإلا فلا، واستدل بقوله: التي أقيمت، بأن المأموم لا يصلي فرضًا ولا نفلًا خلف من يصلي فرضًا آخر كالظهر مثلًا خلف من يصلي العصر، وإن جازت إعادةُ الفرض خلف من يصلي ذلك الفرض. انتهى.\nالوجه الثالث: أن قوله في الترجمة (إِلَّا المَكْتُوبَةَ) أي المفروضة، يشمل الحاضرةَ والفائتة كما تقدَّم، ولكن المراد الحاضرة، وصرح بذلك أحمد والطَّحاوي من طريقٍ أخرى عن أبي سلمة عن أبي هريرة، وقد تقدم عن قريب.\nقوله:\n_________\n(^١) كذا في (الأصل): «الاستنباط» والصواب «استنباط».\n (^٢) كذا في (الأصل): «يداركها» ولعلها «تداركها».","vol":"1","page":211},{"text":"(تَابَعَهُ غُنْدَرٌ) أي بضم الغين المعجمة وسكون النون وفتح الدال المهملة، محمد بن جعفر ترجمته في باب ظلم دون ظلم.\nقوله: (وَمُعَاذٌ) أي بضم الميم وفتح العين المهملة وفي آخره ذالٌ معجمة، ابنُ معاذٍ أيضًا أبو المثنى البصري قاضيها ترجمته في باب وقت الظهر.\nقوله: (عَنْ شُعْبَةَ) أي تابَع غندرُ ومعاذٌ بَهْزَ بن أسدٍ في روايته عن شعبة بهذا الإسناد فقالا: عن مالك بن بُحَيْنة، وفي رواية الكُشْمِيهَني عن شعبة عن مالك أي بإسناده، والأول يقتضي اختصاص المتابعةِ بقوله عن مالك بن بُحَيْنة فقط، والثاني يشمل جميعَ الإسنادِ والمتنَ وهو أولى لأنه الواقع في نفس الأمر فطريقُ غُندَر وصَلَها أحمدُ في «مسنده» عنه كذلك، وطريق معاذ وصلها الإسماعيلي من رواية عبيد الله بن معاذ عن أبيه، وقد رواه أبو داود الطيالِسي في «مسنده» عن شعبة وكذا أخرجه أحمد عن يحيى القطان وحجاج، والنسائي من رواية وهب بن جَرير، والإسماعيلي من رواية زيد بن هارون كلُّهُم عن شعبةَ كذلك.\nقوله: (وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ) أي محمد بن إسحاق صاحب «المغازي».\nقوله: (عَنْ سَعْدٍ) ابن إبراهيم (عَنْ حَفْصٍ) أي ابن عاصم، وهذه الرواية موافقةٌ لرواية إبراهيم بن سعد عن أبيه، وهي الراجحةُ، وقال أبو مسعود: أهل المدينة يقولون: عبد الله بن بُحَيْنة وأهل العراق يقولون: مالك بن بُحَيْنة، والأول هو الصواب.\nقوله: (وَقَالَ حَمَّادٌ: أَخْبَرَنَا سَعْدٌ، عَنْ حَفْصٍ، عَنْ مَالِكٍ) أي ابن سلمة، جزم به المِزِّي وجماعةٌ آخرون، وأخرجه الطحاوي وابن مندهْ موصولًا من طريقه، وقال الكِرماني: حماد أي ابن زيد، وهو وهمُ منه، والمراد أن حماد بن سلمة وافق شعبة في قوله: عن مالك بن بُحَيْنة، وقد وافقهما أبو عَوانة فيما أخرجه الإسماعيلي عن جعفر الفِريابي عن قتيبة عنه، لكن أخرجه مسلم والنسائي عن قتيبة فوقع في روايتهما عن ابن بُحَيْنة مبهمًا، وكأنَّ ذلك وقع من قتيبةَ في وقتٍ عمدًا ليكون أقربَ إلى الصواب، قال شيخنا عقب قول أبي مسعودٍ: وأهل المدينة يقولون... إلى آخره: فيُحمل أن السهو فيه من سعيد بن إبراهيم لَمَّا حدَّث به بالعراق، وقد رواه القَعْنَبي عن إبراهيم بن سعد على وجهٍ آخر من الوهم قال: عن عبيد الله بن مالك بن بُحَيْنة عن أبيه، قال مسلم: قوله عن أبيه خطأ، وأسقط مسلم في كتابه من هذا الإسناد قوله: عن أبيه، وكان لَمَّا رأى أهل العراق يقولون: عن مالك بن بُحَيْنة ظن أن رواية أهل المدينة مرسلة فوهِم في ذلك والله أعلم.\n\n <span id=\"b-٢٦٢\"> </span>(٣٩) <span data-type=\"title\" id=toc-262>(بابُ حَدِّ الْمَرِيضِ أنْ يَشْهَدَ الجَمَاعَةَ)</span>\nأي هذا بابٌ في بيان حد المريض لأنْ يشهد الجماعة، وكلمة (أنْ) مصدرية والتقدير: لشهود الجماعة، وحاصلُ المعنى: بابٌ في بيان ما يحَد للمريض أن يشهد الجماعة حتى إذا جاوز ذلك الحد لم يُستحبَّ له شهودُها، وإليه أشار","vol":"1","page":212},{"text":"ابن رشيد، وقد تكلف الشُّراحُ فيه بالتصرفِ التعسفَ، منهم ابنُ بطَّالٍ فقال: معنى الحدِّ هنا الحِدَّة كما قال عمر ﵁ في أبي بكر ﵁: كنت أُداري (^١) منه بعض الحَدِّ، أي الحِدة، وتبعه على ذلك ابن التين، والمعنى على هذا الحضُّ على شهود الجماعة، وقال ابن التين أيضًا: ويصح أن يقال أيضًا: باب جِدِّ المريض بالجيم المكسورة، يعني باب اجتهاد المريض لشهود الجماعة. ثم قال: لكن لم أسمع أحدًا رواه بالجيم. انتهى. قال شيخنا: وقد أثبتَ ابن قُرقُول رواية الجيم وعزاها للقابِسي.\n\n٦٦٤ - <span id=\"b-٢٦٣\"> </span>قوله: (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ) ترجمتُه في باب المضمضة والاستنشاق من الجنابة.\nقوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي) أي حَفص، ترجمتُه في الباب أيضًا.\nقوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) أي سليمان، ترجمته في باب ظلم دون ظلم.\nقوله: (عَنِ الأَسْوَدِ) أي ابن يزيدَ النخعي، ترجمتُه في باب من ترك بعض الاختيار في كتاب العلم.\nقوله: (قَالَ: كُنَّا عِنْدَ عَائِشَةَ) أي أمِّ المؤمنين ﵂، ترجمتها في بدء الوحي.\nفي هذا الإسناد التحديثُ بصيغة الجمع في ثلاث مواضع، وفيه العنعنة في موضع واحد، وفيه القول في أربع مواضع، وفيه أن رواته كُوفِيُّون، وفيه رواية الابن عن الأب، وفيه التصريح باسم الجد.\nقوله: (فَذَكَرْنَا الموَاظَبَةَ عَلَى الصَّلَاةِ وَالتَّعْظِيمَ لَهَا، قَالَتْ: لَمَّا مَرِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَرَضَهُ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ، فَأُذِّنَ فَقَالَ: «مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ» فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ رَجُلٌ أَسِيفٌ إِذَا قَامَ مَقَامكَ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ، وَأَعَادَ فَأَعَادُوا لَهُ، فَأَعَادَ الثَّالِثَةَ، فَقَالَ: «إِنَّكُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفَ مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ»، فَخَرَجَ أَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي فَوَجَدَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ نَفْسِهِ خِفَّةً، فَخَرَجَ يُهَادَى بَيْنَ رَجُلَيْنِ، كَأَنِّي أَنْظُرُ رِجْلَيْهِ تَخُطَّانِ الأَرضَ مِنَ الوَجَعِ، فَأَرَادَ أَبُو بَكْرٍ أَنْ يَتَأَخَّرَ، فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ مَكَانَكَ، ثُمَّ أُتِيَ بِهِ حَتَّى جَلَسَ إِلَى جَنْبِهِ، فقِيلَ لِلْأَعْمَشِ: وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي وَأَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي بِصَلَاتِهِ، وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ بِصَلَاةِ أَبِي بَكْرٍ، فَقَالَ: بِرَأْسِهِ نَعَمْ)\nمناسبتُه للترجمة من حيث إنه ﷺ خرج إلى الجماعة وهو مريض يهادَى بين رجلين، فكان هذا المقدار هو الحد لحضور الجماعة، حتى لو زاد على ذلك أو لم يجد من يحملُه إليها لا يستحب له الحضور، وأما قوله في الحديث الماضي: «لأتوهما ولو حبوًا» وقع على طريق المبالغة، ولما تحامل النبي ﷺ ذلك وخرج بين اثنين دل على تعظيم أمر الصلاة، ودل على فضل الشِّدَّة على الرخصة، وفيه ترغيب لأمته في شهود الجماعة لما لهم فيه من عظيم الأجر، ولئلا يعذُرَ أحدٌ منهم نفسَه في التخلف عن الجماعة ما أمكنه وقدر عليها.\nوقد وقع في هذه القصة اختلافٌ في الروايات فعند\n_________\n(^١) في (الأصل): «أُذاري» والصواب «أُداري».","vol":"1","page":212},{"text":"مسلم في لفظ: أول ما اشتكى ﵇ في بيت ميمونة ﵂ واستأذن أزواجه أن يمرَّض في بيتي فأذِنَّ له. قالت: فخرج ويده على الفضل بن العباس والأخرى على رجل آخر، وهو يخط برجليه في الأرض. قالت: فلما اشتد به وجعه قال: «أهريقوا عليَّ من سبع قِرَب لم تُحلل أوكيتُهنَّ لعلي أعهد إلى الناس»، فأجلسناه في مِخضَبٍ لحفصة، ثم طفقنا نصبُّ عليه من تلك القرب حتى طفق يشير إلينا أنْ قد فعلتُنَّ، ثم خرج إلى الناس فصلى بهم وخطبهم، وفي لفظٍ: قالت عائشة: إن أبا بكر إذا قام مقامك لم يُسمع الناس من البكاء، فمُرْ عمر فيصلي بالناس. ففعلت حفصة، فقال: «مه، إنكن لأنتن صواحب يوسف، مروا أبا بكر فليصل بالناس»، فقالت لعائشة: ما كنت لأصيب منكِ خيرًا.\nوفي «فضائل الصحابة» لأسد بن موسى حدثنا أبو معاوية عن عبد الرحمن بن أبي بكر عن ابن أبي مليكة عن عائشة في حديث طويل في مرضه ﵇: ورأى رسولُ الله ﷺ من نفسِه خِفَّةً، فانطلق يهادَى بين رجلين، فذهب أبو بكر يستأخر فأشار إليه النبي ﷺ بيده: مكانَك، فاستفتح النبي ﷺ من حيث انتهى أبو بكر من القراءة، وفي حديثه عن المبارك بن فضالة عن الحسن مرسلًا: فلما دخل المسجدَ ذهب أبو بكر يجلس فأومأ إليه: أنْ كما أنت، فصلى ﷺ خلف أبي بكر ليريَهم أنه صاحبُ صلاتهم من بعدِه، وتوفي رسول الله ﷺ من يومه ذلك يوم الإثنين.\nوعند ابن حبان: فأجلسناه في مِخضَبٍ لحفصة من نحاس، ثم خرج فحمد الله تعالى وأثنى عليه واستغفر للشهداء الذين قتلوا يوم أحد. وعنها ﵂: رجع ﵇ من جنازة بالبقيع وأنا أجد صداعًا في رأسي، وأنا أقول: وارأساه، فقال: «بل أنا يا عائشة وارأساه». ثم قال: «وما ضركِ لو متِّ قبلي فغسَّلتك وكفنتك وصليتُ عليك ثم دفنتك؟»، فقلت: لكأني بكَ لو فعلتَ ذلك رجعتَ إلى بيتي فأعرست فيه ببعض نسائك، فتبسَّم رسولُ الله ﷺ، ثم بدأ في وجعه الذي مات فيه. وعنها: أغمي عليه ورأسُه في حِجْري، فجعلتُ أمسحه وأدعو له بالشفاء، فلما أفاق قال: «لا، بل اسأل الله الرفيق الأعلى مع جبريل وميكائيل وإسرافيل ﵈». وفي لفظ: سمعته، وأنا مسندتُه إلى صدري يقول: «اللهم اغفر لي وارحمني وألحقني بالرفيق الأعلى».\nوفي لفظ: إن أبا بكر صلى بالناس ورسولُ الله ﷺ في الصف خلفه. ولفظه عند الترمذي: صلى خلفَ أبي بكر في مرضه الذي مات فيه قاعدًا. وقال: حسن صحيح غريب، وعنده من حديث أنس: صلى في مرضه خلف أبي بكر قاعدًا في ثوبٍ متوشحًا فيه. وقال: حسن صحيح. زاد النَّسائي: وهي آخر صلاة صلاها مع القوم. قال ابن حبان: خالف","vol":"1","page":213},{"text":"شعبةُ زائدةَ بن قدامة في متن هذا الخبر عن موسى، فجعل شعبةُ النبي ﷺ مأمومًا حيث صلى قاعدًا، والقومَ قيام، وهما متقِنان حافظان وليس بين حديثيهما تضادٌّ ولا تهاتر ولا ناسخٌ ولا منسوخ، بل مجمَل مفسَّر، وإذا ضُّمَّ بعضُها إلى بعض بطل التضادُّ بينهما، واستعمل كل خبر في موضعه، بيان ذلك أنه ﵇ صلى في علته صلاتين في المسجد جماعةً لا صلاةً واحدةً، في إحداهما كان إمامًا، وفي الأخرى كان مأمومًا، والدليل على ذلك أن في خبر عبد الله بن جريج: بين رجلين أحدهما العباس والآخر علي ﵁، وفي خبر مسروق: خرج بين بريرة ونُوبَة، فهذا يدل على أنها كانت صلاتين لا صلاةً واحدة، وكذلك التوفيقُ بين كلام أبي نُعَيم بن أبي هند، وبين كلام عاصم بن أبي النَّجود في متن خبر أبي وائل، فإنَّ فيه: وجيء بنبي الله ﷺ فوُضِع بحِذاء أبي بكرٍ في الصف.\nقال أبو حاتم: في هذه الصلاة كان النبي ﷺ مأمومًا وصلى قاعدًا خلف أبي بكر، فإن عاصمًا جعل أبا بكر مأمومًا وجعل أبو نعيمٍ أبا بكر إمامًا، وهما ثقتان حافظان متقنان. وذكر أبو حاتم أنه ﵇ خرج بين الجاريتين إلى الباب، وفي الباب أخَذه العباسُ وعليٌ ﵄ حتى دخلا به المسجد، وذكر الدارقطني في «سننه»: خرج رسول الله ﷺ يهادَى بين الرجلين: أسامةَ والفضلِ، حتى صلى خلف أبي بكر، فيما ذكره السهيلي، وقال بعضهم: طريق الجمع كانوا يتناوبون الأخذ بيده ﵇، وكان العباسُ ألزمَهم ليده، وأولئك يتناوبونها، فذكرتْ عائشةُ أكثرَهم ملازمةً ليده وهو: العباس، وعبَّرت عن أحد المتناوبِين برجلٍ آخر.\nفإن قلتَ: ليس بين المسجد الشريف وبيته ﵇ مسافة تقتضي التناوب، يقال: يحتمل أن يكون لزيادةٍ في إكرامه ﵇، أو لالتماس البركة من يده ﵇، وفي حديث حماد بن سلمة عن هشام عن أبيه عن عائشة: أن رسول الله ﷺ كان وجِعًا، فأمَر أبا بكر فصلى بالناس، فوجد رسولُ الله ﷺ خفةً فجاء فقعد إلى جنب أبي بكر، فأم رسولُ الله ﷺ أبا بكر وهو قاعد، وأم أبو بكر الناسَ وهو قائم.\nوفي حديث قيس عن عبد الله بن أبي السفر عن الأرقم بن شرحبيل عن ابن عباس عن العباس بن عبد المطلب: أن النبي ﷺ قال في مرضه: «مروا أبا بكر فليصل بالناس»، ووجد النبي ﷺ من نفسه خفةً فخرج يهادَى بين رجلين، فتأخر أبو بكر فجلس إلى جنب أبي بكر، فقرأ من المكان الذي انتهى إليه أبو بكر من السورة، وفي حديث ابن خزيمة أخرجه عن سالم بن عبيد قال: مرض رسول الله ﷺ","vol":"1","page":213},{"text":"فأغمي عليه، ثم أفاق فقال: «أحضرت الصلاة؟» قلن: نعم. قال: «مروا بلالًا فليؤذن، ومروا أبا بكر فليصل بالناس»، ثم أغمي عليه. فذكر الحديث. وفيه: «أقيمت الصلاة؟» قلن: نعم. قال: «جيئوني بإنسان أعتمد عليه»، فجاؤوا ببريرة ورجل آخر فاعتمد عليهما. ثم خرج إلى الصلاة، فأُجلِس إلى جنب أبي بكر فذهب أبو بكر يتنحى، فأمسكه حتى فرغ من الصلاة.\nوفي كتاب عبد الرزاق: أخبرني ابن جريج أخبرني عطاء قال: اشتكى رسول الله ﷺ فأمر أبا بكر فصلى بالناس، فصلى النبي ﷺ للناس يومًا قاعدًا وجعل أبا بكر وراءه بينَه وبين الناس، قال: وصلى الناسُ وراءه قياماَ، فقال النبي ﷺ: «لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما صليتم إلا قعودًا، فصلُّوا صلاة إمامكم ما كان، إنْ صلى قائمًا فصلُّوا قيامًا وإن صلى قاعدًا فصلوا قعودًا».\nوعند أبي داود من حديث عبد الله بن زمعة: فإذا عمر في الناس، وكان أبو بكرٍ غائبًا، فقال: قم يا عمر فصل بالناس، فتقدمَ فلما سمع رسول الله ﷺ صوتَه قال: «أين أبو بكر؟ يأبى الله ذلك والمسلمون». فبعث إلى أبي بكر فجاء بعد أن صلى عمر تلك الصلاة، فصلى أبو بكر بالناس. قوله: (وَالتَّعْظِيمَ لَهَا) بالنصب عطفا على المواظبة. قوله: (مَرَضَهُ الَّذِي مَاتَ فِيهِ) قال شيخنا: سيأتي الكلام عليه مبيَّنًا في آخر المغازي في سببه ووقتِ ابتدائه وقدرِه، وقد بيَّن الزهريُّ في روايته كما في الحديث الآتي من هذا الباب أن ذلك كان بعد ما اشتد به المرض واستقر في بيت عائشة ﵂. انتهى.\nقوله: (فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ) هي العشاء كما في رواية موسى بن أبي عائشة الآتية في باب إنما جعل الإمام ليؤتمَّ به، وسنذكر هناك الخلاف في ذلك إن شاء الله تعالى، قال العيني: وفي رواية أخرى أن هذه الصلاة صلاةُ الظهر، وفي مسلم: خرج لصلاة العصر.\nقوله: (فَأُذِّنَ لَهُ) على صيغة المجهول مِن التأذين. قال شيخنا: وفي رواية الأصيلي: (وَأُذِّنَ) بالواو، وهو أوجه، والمراد به أذان الصلاة ويحتمل أن يكون معناه: أُعلِمَ، ويقويه رواية أبي معاوية عن الأعمش الآتية في باب الرجل يأتم بالإمام، ولفظه: جاء بلال يؤْذِنه بالصلاة. انتهى.\nقال العيني: لم يبيِّن ما وجه الأوجهية، بل الفاء أوجه على ما لا يخفى. انتهى.\nقلت: لم يبيِّن العيني أيضًا ما وجه الأوجهية، فما تَعَقَّب به تُعُقِّب به عليه. انتهى.\nقوله: (مُرُوا أَبَا بَكْرٍ) أصلُه: اؤمروا، لأنه من أَمَرَ فحذفت الهمزة للاستثقال واستغني عن الألف فحذفت، فبقي مُروا على وزن عُلوا، لأن المحذوف فاءُ الفعل. وقال الكِرماني: وهذا أمرٌ من رسول الله ﷺ لأبي بكر، ولفظ مُروا، يدل على أنهم الآمِرون لا رسولُ الله ﷺ، ثم أجاب بقوله: الأصح عند الأصولي أن المأمور بالأمر بالشيء ليس آمرًا به، سِيَما وقد صرح النبيُّ ﷺ","vol":"1","page":214},{"text":"بقوله ههنا بلفظ الأمر، حيث قال: فليصل. قال العيني: هذه مسألة معروفة في الأصول، وفيها خلاف. فبعضهم قال: إن الأمر به بالشيء يكون أمرًا به، ومنهم من منع ذلك، وقالوا: معناه: بلِّغوا فلانًا أني أمرته. قال شيخنا: وفصْلُ النزاع أنَّ النافي إن أراد أنه ليس آمرًا حقيقةً فمُسَلَّمٌ لأنه ليس فيه صيغة أمرٍ للثاني، وإن أراد أنه لا يستلزم فمردود والله أعلم.\nقوله: (فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ) الفاء فيه للعطف، تقديره: فقولوا له قَوْلي لِيُصَلِّ.\nقوله: (فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ) قائل ذلك هي عائشة كما جاء في بعض الروايات الآتية.\nقوله: (أَسِيفٌ) على وزن: فعيل بمعنى فاعل، من الأسف وهو شدة الحزن، والمراد أنه رقيقُ القلب سريعُ البكاء، ولا يستطيع لغلبة البكاء وشدة الحزن، والأسفُ عند العرب شدة الحزن والندم، يقال منه: أسف فلان على كذا يأسف (^١) إذا اشتد حزنُه، وهو رجل أسيف وأَسوف، ومنه قول يعقوب ﵇: ﴿يَاأَسَفَا عَلَى يُوسُفَ﴾ [يوسف:٨٤] يعني: واحُزناه واجَزَعاه تأسفًا وتوجعًا لفقده، وقيل: الأسيف: الضعيفُ من الرجال في بطشه. وأما الآسف فهو: الغضبان المتلهف. قال تعالى: ﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا﴾ [الأعراف:١٥٠]، وسيأتي بعد ستة أبواب من حديث ابن عمر في هذه القصة: فقالت له عائشة: إنه رجل رقيق القلب إذا قرأ غلبه البكاء. ومن رواية مالك عن هشام عن أبيه عنها بلفظ: قالت عائشة: قلت: إن أبا بكر إذا قام في مقامك لم يُسمع الناس من البكاء، فمُرْ عمر، كما ذكرنا عن قريب.\nقوله: (وَأَعَادَ) أي رسولُ الله ﷺ، مقالته في أبي بكر بالصلاة.\nقوله: (فَأَعَادُوا لَهُ) أي من كان في البيت، يعني الحاضرون له مقالتَه (^٢) في كون أبي بكر أسيفا. قال شيخنا: والمخاطِب بذلك عائشة كما ترى، لكن جمَعَ لأنهم كانوا موافقين لها على ذلك، ووقع في حديث أبي موسى بالإفراد، ولفظه: فعادت. ولابن عمر: فعاودته. انتهى.\nقوله: (فَأَعَادَ الثَّالِثَةَ) أي فأعاد ﵇ المرةَ الثالثة من مقالته تلك. وفي رواية أخرى: فراجعتُه مرتين أو ثلاثة.\nوفي قوله: (إِنَّكُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفَ) حذفٌ بيَّنَهُ مالكُ في روايته المذكورة، وأن المخاطِب له حينئذٍ حفصةُ بنت عمر بأمرِ عائشةَ وفيه أيضًا: فمُرْ عمرَ، فقال: «مه إنكن لأنتن صواحبُ يوسف»، وصواحبُ جمع صاحبة على خلاف القياس، وهو شاذ. قاله العيني. والمراد أنهن مثلُ صواحب، في إظهار خلافِ ما في الباطن، ثم إن هذا الخطاب وإن كان بلفظ الجمع فالمراد به واحدٌ وهي عائشة فقط، كما أن صواحب صيغة جمعٍ، والمراد زليخا فقط، ووجه المشابهة بينهما في ذلك أن زليخا استدعت النسوة وأظهرتْ لهن الإكرامَ بالضيافة ومرادُها زيادةٌ على ذلك، وهو أن ينظرن إلى حُسْنِ يوسف ويعذرْنها في محبته، وأن عائشة أظهرت أن سبب إرادتها صرفُ الإمامة عن أبيها كونُه لا يُسمع المأمومين القراءةَ لبكائه،\n_________\n(^١) في (الأصل): «تأسف» والصواب «يأسف».\n (^٢) كذا في (الأصل): «مقالته» ولعل الصواب «مقالتهم».","vol":"1","page":214},{"text":"ومرادُها زيادةٌ على ذلك، وهو أنه لا يتشاءم الناسُ به، وقيل: لأنها علمت أن الناس علموا أن أباها يصلح للخلافة فإذا رأوه استشعروا بموت رسول الله ﷺ بخلاف غيره.\nقال شيخنا: وقد صرحت عائشة فيما بعدَ ذلك بقضية التشاؤم فقالت: لقد راجعتُه وما حملني على كثرة مراجعته إلا أنه لم يقع في قلبي أن يحب الناس بعدَه رجلًا قام مقامَه أبدًا. الحديث، وسيأتي بتمامه في باب وفاة النبي ﷺ في أواخر المغازي إن شاء الله تعالى، وأخرجه مسلم أيضًا، قال شيخنا: وبهذا التقدير يندفع إشكال من قال: إن صواحب يوسف لم يقع منهن إظهارٌ يخالف ما في الباطن، قلت: مراد شيخنا بقوله: وبهذا التقدير... إلى آخر قوله إن المراد بصواحب يوسف زليخا فقط. انتهى. قال: ووقع في مرسل الحسن عند ابن أبي خُثَيمة أن أبا بكر ﵁ أمر عائشة أن تكلم النبي ﷺ أنْ يَصرف ذلك عنه، فأرادت التوصُّل إلى ذلك بكل طريق فلم يَتِمَّ، ووقع في «أمالي ابن عبدالسلام» أن النسوة أتين امرأة العزيز يظهرن (^١) تعنيفها ومقصودُهن في الباطن أن يدعون يوسف إلى أنفسهن، كذا قال، وليس في سياق الآية ما يساعد ما قاله.\nفائدة: زاد حماد بن أبي سليمان عن إبراهيم في هذا الحديث أن أبا بكر هو الذي أمر عائشة أن تشير على رسول الله ﷺ بأن يأمر عمر بالصلاة، أخرجه الدورقي في «مسنده»، وزاد مالك في روايته التي ذكرناها فقالت حفصة لعائشة: ما كنت لأصيب منكِ خيرًا، ومثلُه للإسماعيلي في حديث الباب، وإنما قالت حفصةُ ذلك لأن كلامها صادف المرةَ الثالثة من المعاودة وكان ﷺ لا يراجَع بعدَ ثلاثٍ، فلما أشار إلى الإنكار عليها بما ذَكَر من أنهن صواحبُ يوسف وجدت حفصة في نفسها من ذلك لكون عائشة هي التي أمرتها بذلك، ولعلها تذكرت ما وقع لها معها أيضا في قصة المغافير كما سيأتي في موضعه. انتهى.\nقوله: (فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ) وفي رواية الكُشْمِيهَني: (لِلنَّاسِ).\nقوله: (فَخَرَجَ أَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي) فإن قلت: كيف تتصور الصلاة وقت الخروج؟ يقال: لفظُ يصلي، وقع حالا من الأحوال المنتظرة. وفي رواية: (فَصَلَّى)، بفاء العطف، وهي رواية المستملي والسَّرَخْسي، ورواية غيرهما: (يُصَلِّي) بالياء آخر الحروف، وظاهرُه أنه شرع في الصلاة، ويحتمل أنه تهيأ لها، ويؤيده رواية الأكثرين لأنه حال، ففي حالة الخروج كان متهيأً للصلاة ولم يكن مصليًا.\nفإن قلتَ: في رواية أبي معاوية عن الأعمش: فلما دخل في الصلاة، يقال: يحتمل أن يكون المعنى: فلما أراد الدخول في الصلاة، أو: فلما دخل في مكان الصلاة، وفي رواية موسى بن أبي عائشة: فأتاه الرسولُ، أي بلالٌ لأنه هو الذي أعلَمَ بحضور الصلاة. وفي رواية: فقال له: إن رسول الله ﷺ يأمرك أن تصليَ بالناس. فقال\n_________\n(^١) في (الأصل): «يظهر» والصواب «يظهرن».","vol":"1","page":215},{"text":"أبو بكرٍ -وكان رجلًا رقيقًا-: يا عمر صل بالناس. فقال له عمر: أنت أحق بذلك. وقولُ أبي بكر هذا لم يُرِدْ به ما أرادت عائشة. قال النووي: تأولَّه بعضهم على أنه قال ذلك تواضعًا وليس كذلك، بل قاله للعذر المذكور، وهو أنه رقيق القلب كثيرُ البكاء، فخشيَ ألّا يُسمع الناس. وقيل: يحتمل أن يكون فهم ﵁ من الإمامةِ الصغرى الإمامةَ الكبرى، وعلم ما في تحمُّلها من الخطر، وعلم قوة عمر ﵁ على ذلك فاختاره. ويؤيده أنه عند البيعة أشار عليهم أن يبايعوه أو يبايعوا أبا عبيدة بن الجراح.\nقلت: ويحتمل أن أبا بكر ﵁ أراد بذلك تطييب قلب عمر وتسكين خواطر المأمومين، لكون النبي ﷺ منع عمر من الإمامة مع وجود أبي بكر ﵄، فكأنه يقول له: يا عمر وإن قدمَني النبيُّ ﷺ عليك فأنا راض بتقديمك عَلَيَّ، فإنَّ قول أبي بكر: يا عمر صلِّ بالناس يدل على رضاه بأن يكون إمامًا له في الصلاة وقد عُلِم من تقديم النبي ﷺ لأبي بكر على عمر فضلُه عليه فيكون رضي مَن عمر أفضل منه من باب أولى. انتهى.\nقوله: (فَوَجَدَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ نَفْسِهِ خِفَّةً) ظاهرُه أنه ﵇ وجدها في تلك الصلاة بعينها، ويحتمل أن يكون ذلك بعدَها. وفي رواية موسى بن أبي عائشة: فصلى أبو بكر تلك الأيام، ثم إن رسول الله ﷺ وجد من نفسه خفة، فعلى هذا لا يتعين أن تكون الصلاة المذكورة هي العشاء.\nقوله: (يُهَادَى) بلفظ المجهول من المفاعلة، يقال: جاء فلان يهادَى بين اثنين، إذا كان يمشي بينهما معْتمدًا عليهما من ضعفه، متمايلًا إليهما في مشيه من شدة الضعف، والتهادي التمايل في المشي البطيء.\nقوله: (بَيْنَ رَجُلَيْنِ) سيأتي في الحديث الثاني من حديثَيْ الباب أنهما العباس بن عبد المطلب وعلي بن أبي طالب ﵄، وقد مر في بيان اختلاف الروايات: فخرج بين بَرِيرة ونُوبَة، بضم النون وفتح الباء الموحدة، وكان عبدًا أسود، ويدل عليه حديث سالم بن عبيد في «صحيح ابن خزيمة» بلفظ: فخرج بين بَرِيرة ورجلٍ آخر، قال شيخنا: وذكره بعضُهم في النساء الصحابيات فوهِم، وإنما هو عبد أسود كما وقع عند (^١) سيف في كتاب «الردة»، ويؤيده حديث سالم بن عبيد أي المذكور، قال العيني: أراد بالبعضِ الذهبيَّ، فإنه ذكر نُوبة في باب النون في الصحابيات، وقال: خرج رسول الله ﷺ، في مرضه بين بريرة ونُوبة، وإسناده جيد، وقد علمتَ أن الذهبي من جهابذة المتأخرين لا يجارىَ في فنِّه.\nقلت: هذا مشهورٌ بين أئمة الفن وغيرهم، لكن لا يلزم من ذلك عدم وهمِه، بل هذا شيء لا ينفك\n_________\n(^١) في (الأصل): «عبد» والصواب «عند»، وسيف بن عمر التميمي له كتاب الردة والفتوح.","vol":"1","page":215},{"text":"عنه غالبُ أهل العلم. انتهى.\nقوله: (تَخُطَّانِ الأَرْضَ) أي: لم يكن يَقدر على رفعهما من الأرض، وسقط لفظ الأرض من رواية الكُشْمِيهَني، وفي رواية عاصم المذكورة عند ابن حبان: إني لأنظر إلى بطون قدميه.\nقوله: (فَأَرَادَ أَبُو بَكْرٍ) زاد أبو معاوية عن الأعمش: فلما سمع أبو بكر حسَّه، وفي رواية أرقم بن شرحبيل عن ابن عباس في هذا الحديث: فلما أحس الناس به سبَّحوا، أخرجه ابن ماجه وغيرُه بإسناد حسن.\nقوله: (أَنْ مَكَانَكَ) كلمة أنْ، بفتح الهمزة وسكون النون، ومكانَك، منصوبٌ على معنى: الزم مكانك، وفي رواية عاصم: أن اثبت مكانك، وفي رواية موسى بن أبي عائشة: فأومأ إليه بأن لا يتأخر.\nقوله: (ثُمَّ أُتِيَ بِهِ) كذا هنا بضم الهمزة أي: أُتي برسول الله ﷺ. وفي رواية موسى بن أبي عائشة أن ذلك بأمرِه ولفظه، فقال: «أجلساني إلى جنبه» فأجلساه، وعيَّن أبو معاوية عن الأعمش بإسنادِ حديث الباب كما سيأتي بعد أبواب مكانَ الجلوس فقال في روايته: حتى جلس عن يسار أبي بكر، وهذا هو مقام الإمام وسيأتي القول فيه، وأغربَ القرطبيُّ شارحُ مسلم لما حكى الخلافَ: هل كان أبو بكر إمامًا أو مأمومًا؟ فقال: لم يقع في الصحيح بيانُ جلوسِه ﷺ هل كان عن يمين أبي بكر أو عن يساره. انتهى. وروايةُ أبي معاوية هذه عند مسلمٍ أيضًا، قال شيخنا: فالعجب منه كيف يغفل عن ذلك في حال شرحه له.\nقوله: (فقِيلَ لِلْأَعْمَشِ) أي سليمان، ويروى: (قِيلَ) بدون الفاء، وظاهرُ هذا أنه منقطعٌ لأن الأعمش لم يسنده، لكن في رواية أبي معاوية عنه ذكر ذلك متصلًا بالحديث، وكذا في رواية موسى بن أبي عائشة وغيرها.\nذِكْرُ ما يستفاد من هذه القصة، وهو على وجوه:\nالأول: فيه الإشارة إلى تعظيم الصلاة بالجماعة.\nالثاني: فيه تقديم أبي بكر وترجيحه على جميع الصحابة.\nالثالث: فيه فضيلة عمر بن الخطاب بعده.\nالرابع: فيه جواز الثناء في الوجه لمن أمِن على نفسه الإعجاب.\nالخامس: فيه ملاطفة النبي ﷺ لأزواجه وخصوصا لعائشة.\nالسادس: في هذه القصة وجوب القسْم على النبي ﷺ حيث قال فيها: فأذِنَّ له، أي: فأذنت نساؤه له بالتمريض في بيت عائشة على ما سيأتي.\nالسابع: جواز مراجعة الصغير للكبير.\nالثامن: المشاورة في الأمر العام.\nالتاسع: الأدب مع الكبير، حيث أراد أبو بكر التأخرَ عن الصف.\nالعاشر: البكاء في الصلاة لا يبطلها وإن كثر، وذلك لأنه ﵇ علم حال أبي بكر في رقة القلب وكثرة البكاء ولم يَعدِل عنه، ولا نهاه عن البكاء. قال العيني: وأما في هذا الزمان فقد قال أصحابنا -أي الحنفية-: إذا بكى في الصلاة فارتفع بكاؤه، فإن كان من ذِكْرِ الجنة والنار لم يقطع صلاته، وإن كان من وجعٍ في بدنه","vol":"1","page":216},{"text":"أو مصيبةٍ في ماله أو أهلِه قطعها (^١)، وبه قال مالك وأحمد، وقال الشافعي ﵁: البكاء والأنين والتأوه تبطل الصلاة إذا كانت حرفين، سواء بكى للدنيا أو الآخرة.\nالحادي عشر: أن الإيماء يقوم مقام النطق، لكن يحتمل أن اقتصار النبي ﷺ على الإشارة أن يكون لضعف صوته، ويحتمل أن يكون للإعلام بأنَّ مخاطبةَ مَن يكون في الصلاة بالإيماء أولى من النطق.\nالثاني عشر: فيه تأكيدُ أمر الجماعة والأخذ فيها بالأشد، وإن كان المرض يرخص في تركها، ويحتمل أن يكون فَعَل ذلك لبيان جواز الأخذ بالأمثل، وإن كانت الرخصة أولى.\nالثالث عشر: استدل به الشعبي على جواز ائتمام بعض المأمومين ببعض، قال العيني: وهو مختار الطبري أيضا، وأشار إليه البخاري كما يأتي إن شاء الله تعالى، ورُدَّ بأن أبا بكر ﵁ كان مبلغًا، وعلى هذا فمعنى الاقتداء اقتداؤهم بصوته، والدليل عليه أنه ﵇ كان جالسًا وأبو بكر كان قائمًا، فكان بعضُ أفعاله تخفى على بعض المأمومين، فلأجل ذلك كان أبو بكر كالإمام في حقهم.\nالرابع عشر: استدل به البعض على جواز استخلاف الإمام لغير ضرورة، لصنع أبي بكر ﵁.\nالخامس عشر: استدل به البعض على جواز مخالفة موقف المأموم للضرورة، كمن قصد أن يبلِّغ عنه، ويلتحق به من زُحِم عن الصف.\nالسادس عشر: فيه اتِّباعُ صوتَ المكبر، وصحةُ صلاة المستمع والسامع، ومنهم من شرَط في صحته تقدُّمَ إذن الإمام.\nالسابع عشر: استدل به الطبري على أن للإمام أن يقطع الاقتداء به ويقتدي هو بغيره من غير أن يقطع الصلاة.\nالثامن عشر: فيه جواز إنشاء القدوة في أثناء الصلاة.\nالتاسع عشر: استدل به البعض على جواز تقدُّم إحرام المأموم على الإمام، بناءً على أن أبا بكر كان دخل في الصلاة ثم قطع القدوة وائتم برسول الله ﷺ، والدليل عليه ما رواه أرقم بن شرحبيل عن ابن عباس: فابتدأ النبي ﷺ القراءة من حيث انتهى أبو بكر، كما قدمناه.\nالعشرون: استُدِل به على صحة صلاة القادر على القيام قائمًا خلف القاعد، خلافًا للمالكية وأحمد، حيث أوجب القعود على من يصلي خلف القاعد. وقال العيني: يصلي القائمُ خلف القاعد عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وبه قال الشافعي ومالك في رواية، وقال أحمد والأوزاعي: يصلون خلفه قعودًا، وبه قال حماد بن زيد وإسحاق وابن المنذر، وهو المروي عن أربعة من الصحابة وهم: جابر بن عبد الله وأبو هريرة وأسيد بن حضير وقيس بن فهد، حتى لو صلوا قيامًا لا يجزئهم، وعند محمد بن الحسن: لا تجوز صلاة القائم خلف القاعد، وبه قال مالك في رواية ابن القاسم عنه وزفر.\nالحادي والعشرون:\n_________\n(^١) في (الأصل): «قطعًا» والصواب «قطعها».","vol":"1","page":216},{"text":"استدل به ابنُ المسيب على أن مقام المأموم يكون عن يسار الإمام، لأنه ﵇ جلس على يسار أبي بكر، والجماعةُ على خلافه، ويتمشَّى قوله على أن الإمام هو أبو بكر، وأما من قال: الإمامُ هو النبي ﷺ فلا يتمشى قولُه. قال العيني: اختلفت الروايات: هل كان النبي ﷺ الإمامُ أو أبو بكر الصديق ﵁؟ فجماعة قالوا: الذي رواه البخاري من حديث عائشة ﵂ صريحٌ في أن النبي ﷺ كان الإمامَ إذْ جلس عن يسار أبي بكر، ولقوله: وكان رسول الله ﷺ يصلي بالناس جالسًا وأبو بكر قائمًا يقتدي به، وكان أبو بكر مبلغًا، لأنه لا يجوز أن يكون للناس إمامان. وجماعةٌ قالوا: كان أبو بكر هو الإمام، لِما رواه شعبة عن الأعمش عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة: أن النبي ﷺ صلى خلف أبي بكر، وفي رواية مسروق عنها: أنه ﵇ صلى خلف أبي بكر جالسًا في مرضه الذي توفي فيه، وروي حديثُ عائشة بطرق كثيرة في الصحيحين وغيرهما، وفيه اضطراب غير قادح. وقال البيهقي: لا تعارض في أحاديثها، فإن الصلاة التي كان فيها النبي ﷺ إمامًا هي صلاة الظهر يومَ السبت أو يومَ الأحد، والتي كان فيها مأمومًا هي صلاة الصبح من يوم الإثنين، وهي آخر صلاة صلاها ﵇ حتى خرج من الدنيا.\nوقال نُعيم بن أبي هند: الأخبار التي وردت في هذه القصة كلها صحيحة، وليس فيها معارض، فإن النبي ﷺ صلى في مرضه الذي مات فيه صلاتين في المسجد، في إحداهما كان إمامًا، وفي الأخرى كان مأمومًا. وقال الضياء المقدسي وابنُ ناصر: صح وثبت أنه ﵇ صلى خلفه مقتديًا به في مرضه الذي توفي فيه ثلاث مرات، ولا ينكِر ذلك إلا جاهلٌ لا علم له بالرواية. وقيل: إن ذلك مرتين جمعًا بين الأحاديث، وبه جزم ابن حبان. وقال ابن عبد البر: الآثار الصحاح على أن النبي ﷺ هو الإمام.\nالثاني والعشرون: فيه تقديم الأفقه الأقرأ، وقد جمع الصِّديق ﵁ القرآنَ في حياة رسول الله ﷺ، كما ذكره أبو بكر بن الطيب وأبو عمرو الداني.\nالثالث والعشرون: فيه جواز تشبيه أحد بأحد وصف (^١) مشهور بين الناس.\nالرابع والعشرون: فيه أن للمستخلَف أن يَستخلِف في الصلاة ولا يتوقف على أذن خاص له بذلك.\nقلت: وفيه شيء من دلائل النبوة وهو: كونُه ﷺ عَلِمَ ما أبطنت عائشة ﵂، وفيه خطاب الشخص بشيء والمراد به غيرُه، وفيه الصدع بالحق ولو حصل به مشقة، وفيه ذكر ما يلقاه الشخص من المشقة بسبب غيره ومعاتبةِ مَن كان السبب فيه، وفيه المشقةُ على الأب والمسارعةُ لدفع المكروه عنه، وفيه أن من عجز عن القيام صلى قاعدًا. انتهى.\nقوله: (رَوَاهُ أَبُو\n_________\n(^١) كذا في (الأصل): «وصف» ولعل الصواب «في وصف».","vol":"1","page":217},{"text":"دَاوُدَ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ بَعْضَهُ) أي روى الحديثَ المذكورَ أبو داود سليمانُ الطيالسي.\nقوله: (بَعْضَهُ) بالنصب بدلٌ من الضمير الذي في رواه، وروايته هذه وصَلها البزار، قال: حدثنا أبو موسى محمد بن المثنى حدثنا أبو داود به. ولفظه: كان رسول الله ﷺ المقدَّم بين يدي أبي بكر، هكذا رواه مختصرًا، يعني: يوم صلى بالناس وأبو بكر إلى جنبه. وهو موافق لقصة حديث الباب لكن رواه ابن خزيمة في «صحيحه» عن محمد بن بشار عن أبي داود بسنده هذا عن عائشة قالت: مِن الناس من يقول: كان أبو بكر المقدَّم بين يدي رسول الله ﷺ، ومنهم من يقول كان النبي ﷺ المقدَّم، ورواه مسلم بن إبراهيم عن شعبة بلفظ: أن النبي ﷺ صلى خلف أبي بكر. أخرجه ابن المنذر. وهذا عكس رواية أبي موسى، وهو اختلافٌ شديد، ووقع في رواية مسروق عنها أيضًا اختلافٌ فأخرجه ابن حِبَّان من رواية عاصمٍ عن شقيق عنه بلفظ: كان أبو بكر يصلي بصلاته، والناسُ يُصلُّون بصلاة أبي بكر.\nوأخرجه الترمذي والنسائي وابن خزيمة من رواية شعبة عن نُعيم بن أبي هند عن شقيق بلفظ: أن النبي ﷺ صلى خلف أبي بكر، وظاهرُ رواية محمد بن بشار أن عائشة لم تشاهد الهيئة المذكورة، لكن تضافرت الروايات عنها بالجزم بما يدل على أن النبي ﷺ كان هو الإمامَ في تلك الصلاة، منها: روايةُ موسى بن أبي عائشة التي أشرنا إليها ففيها: فجعل أبو بكرٍ يصلي بصلاة النبي ﷺ والناسُ يصلون بصلاة أبي بكر. وهذه روايةُ زائدة بن قدامة عن موسى، وخالفه شعبةُ أيضًا فرواه عن موسى بلفظ: أن أبا بكر صلى بالناس ورسولُ الله ﷺ في الصفِّ خلفه.\nفمن العلماء من سلك الترجيح فقدَّم الروايةَ التي فيه أن أبا بكر كان مأمومًا للجزم بها، ولأن أبا معاوية أحفظ من حديث الأعمش من غيره، ومنهم مَن عكس ذلك ورجح أنه كان إمامًا وتمسَّك بقول أبي بكر الآتي في باب من دخل ليؤمّ الناس حيث قال: ما كان لابن أبي قحافة أن يتقدم بين يدي رسول الله ﷺ، ومنهم من سلك الجمعَ فحمل القصةَ على التعدد وأجاب عن قول أبي بكر كما سيأتي في بابٍه، ويؤيده اختلاف النقل عن الصحابة عن عائشة، فحديث ابن عباس فيه أن أبا بكر كان مأمومًا كما سيأتي في رواية موسى ابن أبي عائشة، وكذا في رواية أرقم بن شرحبيل التي أشرنا إليها عن ابن عباس. وحيثُ أنس فيه أن أبا بكر كان إمامًا. أخرجه الترمذي وغيره من رواية حميد عن ثابت عنه بلفظ: آخرُ صلاة صلاها النبي ﷺ خلف أبي بكر في ثوب. وأخرجه النسائي من وجه آخرَ عن أنس فلم يذكر ثابتًا، وسيأتي بيان","vol":"1","page":217},{"text":"ما يترتب على هذا الاختلاف في الحكم في باب إنما جُعل الإمام ليؤتمّ به قريبًا إن شاء الله تعالى.\nقوله: (وَزَادَ أَبُو مُعَاوِيَةَ جَلَسَ عَنْ يَسَارِ أَبِي بَكْرٍ، فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي قَائِمًا) يعني روى الحديثَ المذكور أبو معاوية محمدُ بن حازم الضرير عن الأعمش كما رواه حفص بن غياث مطوَّلًا وشعبةُ مختصرًا كلهم عن الأعمش بإسناده المذكور فزاد أبو معاوية ما ذُكر، وقد تقدمت الإشارةُ إلى المكان الذي وصله المصنف فيه وهو باب الرجل يأتم بالإمام ويأتم الناسُ بالمأموم عن قتيبة عنه.\nقال شيخنا: وغفل مغلَطاي ومن تبعه فنسبوا أصله إلى رواية ابن نمير عن أبي معاوية في صحيح ابن حبان، وليس بجيد من وجهين: أحدهما: أن رواية ابن نمير ليس فيها: عن يسار أبي بكر. والثاني: أن نسبته إلى تخريج صاحب الكتاب أولى من نسبته لغيره.\n\n٦٦٥ - <span id=\"b-٢٦٤\"> </span>قوله: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى) أي ابن يزيد بن زاذان التميمي الفراء، أبو إسحاق الرازي، يعرف بالصغير، روى عنه مسلم أيضا. ترجمته في باب غسل المرأة رأس زوجها وترجيله.\nقوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ) أي أبو عبد الرحمن الصنعاني اليماني قاضيها، مات سنة سبع وتسعين ومائة. ترجمته في الباب أيضًا.\nقوله: (عَنْ مَعْمَرٍ) أ ي بفتح الميم وسكون العين: ابن راشد البصري. ترجمته في بدء الوحي.\nقوله: (عَنِ الزُّهْرِيِّ) أي محمد بن مسلم بن شهاب، ترجمته في باب إذا لم يكن الإسلامُ على الحقيقة.\nقوله: (قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) أي بتصغير عبد الأول وتكبير عبد الثاني، ابن عتبة بن مسعود أحد الفقهاء السبعة، ترجمته في بدء الوحي.\nقوله: (قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ) ﵂، ترجمتها بالبدء أيضًا.\nفي هذا الإسناد التحديث بصيغة الجمع في موضعين، وفيه العنعنة في موضع واحد، وفيه الإخبار بصيغة الإفراد، وفيه القول في أربع مواضع، وفيه هشام بن يوسف من أفراد البخاري، وفيه رواية التابعي عن التابعي عن الصحابية، وفيه أن رواته ما بين رازي ويماني وبصري ومدني.\nقوله: (: لَمَّا ثَقُلَ النَّبِيُّ ﷺ، وَاشْتَدَّ وَجَعُهُ اسْتَأْذَنَ أَزْوَاجَهُ أَنْ يُمَرَّضَ فِي بَيْتِي، فَأَذِنَّ لَهُ، فَخَرَجَ بَيْنَ رَجُلَيْنِ تَخُطُّ رِجْلَاهُ الأَرْضَ، وَكَانَ بَيْنَ عَبَّاسِ وَرَجُلٍ آخَرَ. قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: فَذَكَرْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ مَا قَالَتْ عَائِشَةُ، فَقَالَ له: وَهَلْ تَدْرِي مَنِ الرَّجُلُ الَّذِي لَمْ تُسَمِّ عَائِشَةُ؟ قُلْتُ: لَا، قَالَ: هُوَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁)\nمناسبته للترجمة ظاهرة. وهذا الحديث أخرجه البخاري أيضًا في الطهارة في باب الغسل والوضوء في المخضب والقدح والخشب والحجارة عن أبي اليمان عن شعيب عن الزهري إلى آخره مطولًا، وقد ذكرنا هناك أنه أخرجه أيضًا في المغازي وفي الطب وفي الصلاة وفي الهبة وفي الخمس وفي ذكر استئذان أزواجه. وأخرجه","vol":"1","page":218},{"text":"مسلم والنسائي وابن ماجه أيضًا، وذكرنا أيضًا هناك ما يتعلق به من الأشياء، ونذكر بعض شيء.\nفقولها (ثَقُلَ) بفتح الثاء المثلثة وبضم القاف، من الثقل وهو عبارة عن اشتداد المرض وتناهي الضعف وركود الأعضاء عن خفة الحركات.\nقوله: (اسْتَأْذَنَ) من الاستئذان وهو طلب الإذن.\nقوله: (فَأَذِنَّ) بفتح الهمزة وكسر المعجمة وتشديد النون جماعة النساء. وقال الكِرماني: (فَأُذِنَ) بلفظ المجهول، يعني بضم الهمزة وكسر الذال وتخفيف النون، قال العيني: يعني بصيغة الإفراد. ثم قال: وفي بعضها بلفظ المعروف بصيغة جمع المؤنث، وجعلها رواية.\nقوله: (لَمْ تُسَمِّ عَائِشَةُ؟ قُلْتُ: لَا، قَالَ: هُوَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ) قال الكِرماني: لم ما سمَّتْه؟ ثم قال: تحقيرًا أو عداوةً؟ حاشاها من ذلك. قال شيخنا: زاد الإسماعيلي من رواية عبد الرزاق عن معمر: ولكن عائشة لا تطيب نفسًا له بخير. ولابن إسحاق في المغازي عن الزهري: ولكن لا يقدر أن تذكره بخير. ولم يقف الكِرماني على هذه الزيادة فعبر عنها بعبارة شنيعة، وفي هذا رد على من قال: لا يجوز أن يظن ذلك بعائشة ﵂، وردٌ على من زعم أنها أبهمت الثاني لكونه لم يتعيَّن في جميع المسافة إذا (^١) كان يتوكأ على الفضل وتارة على أسامة وتارة على عليّ، وفي جميع ذلك الرجل الآخر هو العباس، واختص بذلك إكرامًا له، وهذا توهم ممن قاله والواقع خلافه لأن ابن عباس في جميع الروايات الصحيحة جازمٌ بأن المبهَمَ عليٌّ فهو المعتمد والله أعلم، ودعوى وجود العباس في كل مرة والذي يتبدلُ غيرُه مردودةٌ بدليل رواية عاصم التي تقدمت الإشارة إليها، وغيرها صريح في أن العباس لم يكن في مرة ولا في مرتين منها والله أعلم. انتهى.\n\n <span id=\"b-٢٦٥\"> </span>(٤٠) <span data-type=\"title\" id=toc-265>(بَابُ الرُّخْصَةِ فِي المَطَرِ وَالعِلَّةِ أَنْ يُصَلِّيَ فِي رَحْلِهِ)</span>\nأي هذا بابٌ في بيان الرخصة عند نزول المطر وعند حدوث علة من العلل المانعة من حضور الجماعة مثل الريح الشديدة والظلمة الشديدة والخوف في الطريق من البشر أو الحيوان ونحو ذلك، وعطْفُ العلة على المطر من عطف العام على الخاص لأنها أعم من أن تكون بالمطر أو غيره.\nقوله: (أَنْ يُصَلِّيَ) كلمةُ (أَنْ) مصدرية، واللامُ فيه مقدرةٌ أي: للصلاة في رَحله، وهو منزله ومأواه. والصلاة في الرَّحل أيضًا أعم من أن يكون جماعةً أو منفردًا لكنها مظِنة الانفراد الأصلي، وفي الجماعة إيقاعها في المسجد.\n\n٦٦٦ - <span id=\"b-٢٦٦\"> </span>قوله: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ، أَذَّنَ بِالصَّلَاةِ فِي لَيْلَةٍ ذَاتِ بَرْدٍ وَرِيحٍ، ثُمَّ قَالَ: أَلَا صَلُّوا فِي الرِّحَالِ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَأْمُرُ المؤَذِّنَ إِذَا كَانَتْ لَيْلَةٌ\n_________\n(^١) كذا في (الأصل): «إذا» ولعل الصواب «إذ».","vol":"1","page":218},{"text":"ذَاتُ (^١) بَرْدٍ وَمَطَرٍ، يَقُولُ: أَلَا صَلُّوا فِي الرِّحَالِ)\nمطابقته للترجمة ظاهرة، وإسناده بعينه مر غير مرة، والحديث قد مر في باب الأذان للمسافر عن مسدد عن يحيى عن عبيد الله بن عمر عن نافع... الحديث، وتقدم الكلام عليه هناك.\n\n٦٦٧ - <span id=\"b-٢٦٧\"> </span>قوله: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) أي ابن أبي أويس (قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ الأَنْصَارِيِّ، أَنَّ عِتْبَانَ بْنَ مَالِكٍ، كَانَ يَؤُمُّ قَوْمَهُ وَهُوَ أَعْمَى، وَأَنَّهُ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهَا تَكُونُ الظُّلْمَةُ وَالسَّيْلُ، وَأَنَا رَجُلٌ ضَرِيرُ البَصَرِ، فَصَلِّ يَا رَسُولَ اللَّهِ فِي بَيْتِي مَكَانًا أَتَّخِذُهُ مُصَلَّى، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «أَيْنَ تُحِبُّ أَنْ أُصَلِّيَ؟»، فَأَشَارَ إِلَى مَكَانٍ مِنَ البَيْتِ، فَصَلَّى فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ)\nمطابقته أيضًا للترجمة ظاهرة، وهذا الحديث قد مر مطولًا في باب المساجد في البيوت عن سعيد بن عفير عن الليث عن عقيل عن ابن شهاب عن محمود بن الربيع الأنصاري... الحديث، وإسماعيل شيخ البخاري هنا هو.\nقوله: (الرَّبِيعِ) بفتح الراء، و(عِتْبَانَ) بكسر العين المهملة وسكون التاء المثنَّاة من فوق وبالباء الموحدة.\nقوله: (إِنَّهَا) أي القصةُ أو الحالةُ.\nقوله: (تَكُونُ) تامةٌ لا تحتاج إلى الخبر.\nقوله: (وَالسَّيْلُ) سيل الماء.\nقوله: (أَتَّخِذهُ) بالرفع والجزم.\nقوله: (مُصَلَّى) بضم الميم أي موضعًا للصلاة. وقال الكِرماني: الظُّلْمة هل لها دخل في الرخصة أم السيل وحده يكفي فيها؟ فأجاب: بأنه لا دخل لها، وكذا ضرارة البصر، بل كل واحد من الثلاثة عذر كاف في ترك الجماعة، لكن عتبان جمع بين الثلاثة بيانًا لتعدد أعذاره ليَعلم أنه شديد الحرص على الجماعة لا يتركها إلا عند كثرة الموانع.\nوفيه من الفوائد: جوازُ إمامة الأعمى، وتركِ الجماعة للعذر، وفيه: دخولُ الأكابر منزل الأصاغر، واتخاذُ موضع معين من البيت مسجدًا وغيرَه.\nقوله في حديث ابن عمر: (ثُمَّ قَالَ) هذا مشعر بأنه قال بعد الأذان، وتقدم في باب الكلام في الأذان (^٢) أنه كان في أثناء الأذان، فعُلِم منه جواز الأمرين.\nوقوله: (إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَأْمُرُ المؤَذِّنَ) محتمل لهما لا تخصيص له بأحدهما.\nقوله: (ذَاتِ بَرْدٍ) بسكون الراء، وكذلك حكمه في ليلة ذات برَد، بفتح الراء. وقال الكِرماني: ابنُ عمر أذّن عند الريح والبرد، وأمْرُ رسولِ الله ﷺ كان عند المطر والبرد، فما وجه استدلاله؟ فأجاب: بأنه قاس الريح على المطر بجامع المشقة، ثم قال: هل يكفي المطر فقط أو الريح أو البرد في رخصة ترك الجماعة أم احتاج إلى ضم أحد الأمرين بالمطر؟ فأجاب: كل واحد منها عذر مستقل في ترك الحضور إلى الجماعة نظرًا إلى العلةِ، وهي المشقةُ.\n\n <span id=\"b-٢٦٨\"> </span>(٤١) <span data-type=\"title\" id=toc-268>(بَابٌ: هَلْ يُصَلِّي الإِمَامُ بِمَنْ حَضَرَ</span>؟ وَهَلْ يَخْطُبُ يَوْمَ الجُمُعَةِ فِي المَطَرِ؟)\nأي هذا باب ترجمتُه هل يصلي الإمام بمن حضر من الذين لهم العلة المرخِّصة للتخلف عن الجماعة؟ يعني يصلي بهم\n_________\n(^١) جملة: «ذات برد وريح ثم... إذا كانت ليلة» مكررة في (الأصل).\n (^٢) في (الأصل): «باب الأذان في الكلام» والصواب «باب الكلام في الأذان».","vol":"1","page":219},{"text":"ولا يُكره ذلك؟ فإن قلتَ: فحينئذ ما فائدة الأمر بالصلاة في الرحال؟ يقال: فائدته الإباحة، لأن من له العذر إذا تكلف وحضر فله ذلك ولا حرج عليه.\nقوله: (وَهَلْ يَخْطُبُ) أي الخطيبُ يوم الجمعة في المطر إذا حضر أصحاب الأعذار المذكورين، يعني يخطب ولا يترك ويصلي بهم الجمعة.\n\n٦٦٨ - <span id=\"b-٢٦٩\"> </span>قوله: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الوَهَّابِ) أي الحَجَبِي، بفتح الحاء المهملة والجيم وكسر الباء الموحدة، البصري، وقد تقدم في باب ليبلغ الشاهدُ الغائبَ في كتاب العلم.\nقوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) أي ابن درهم، ترجمته في باب وإن طائفتان في كتاب الإيمان.\nقوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الحَمِيدِ، صَاحِبُ الزِّيَادِيِّ) أي ابن دينار، ترجمته في باب الكلام في الأذان.\nقوله: (قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الحَارِثِ) ترجمته في الباب أيضًا.\nقوله: (قَالَ: خَطَبَنَا ابْنُ عَبَّاسٍ) أي عبد الله، ترجمته في بدء الوحي.\nفي هذا الإسناد التحديث بصيغة الجمع في ثلاث مواضع، وفيه السماع، وفيه القول في أربع مواضع.\nقوله: (فِي يَوْمٍ ذِي رَدْغٍ، فَأَمَرَ المؤَذِّنَ لَمَّا بَلَغَ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، قَالَ: قُلْ: الصَّلَاةَ فِي الرِّحَالِ، فَنَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، كَأَنَّهُمْ أَنْكَرُوا، فَقَالَ: كَأَنَّكُمْ أَنْكَرْتُمْ هَذَا، إِنَّ هَذَا فَعَلَهُ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي، - يَعْنِي رَسُولَ الله ﷺ - إِنَّهَا عَزْمَةٌ، وَإِنِّي كَرِهْتُ أَنْ أُخْرِجَكُمْ (^١»\nمطابقته للترجمة تفهم من قوله: (خَطَبَنَا) لأن ذلك كان يوم الجمعة، وكان يوم مطر.\nوفي قوله أيضًا: (إِنَّهَا عَزْمَةٌ) أي إن الجمعة متحتمة، ومع هذا كره ابن عباس أن يكلفهم بها لأجل الحرج، وقال شيخنا: الأمر بالصلاة في الرحال على هذا للإباحة لا للندب، ومطابقة ذلك لحديث ابن عباس من قوله فيه (فَنَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ) لَمَّا أمر المؤذن أن يقول الصلاة في الرِّحال فإنه دالٌّ على أن بعضهم حضر وبعضهم لم يحضر ومع ذلك خطب وصلَّى بمن حضر، وهذا الحديث مضى في باب الكلام في الأذان، أخرجه هناك عن مسدد عن حماد عن أيوب، وعبد (^٢) الحميد صاحب الزيادي وعاصم الأحول عن عبد الله بن الحارث قال: خطبَنا ابن عباس... الحديث. وفي متني الجزئين تفاوت يقف عليه المُعاوِد، وقد ذكرنا هناك جميع تعلقات الحديث.\nقوله: (ذِي رَدْغٍ) بفتح الراء وسكون الدال المهملة بعدها غينٌ معجمة، أي ذي وحل.\nقوله: (الصَّلَاةَ) بالنصب أي الزموها، ويجوز بالرفع، أي: الصلاةُ رخصة في الرحال.\nقوله: (كَأَنَّهُمْ)، ويروى (فَكَأَنَّهُمْ).\nقوله: (إِنَّ هَذَا فَعَلَهُ) على صيغة الماضي، ويروى: (هَذَا فِعْلُ رَسُولِ الله ﷺ).\nقوله: (أَنْ أُحْرِجَكُمْ) بضم الهمزة وسكون الحاء المهملة وكسر الراء وفتح الجيم، ومعناه أن أؤثِّمَكم من الإثم، وأحرجكم من الإحراج، وثُلاثيِّهُ من الحَرَجِ، وهو الإثم. ويروى: (أَنْ أُخْرِجَكُمْ) من الإخراج، بالخاء المعجمة.\nقوله: (وَعَنْ حَمَّادٍ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الحَارِثِ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، نَحْوَهُ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: كَرِهْتُ أَنْ أُؤَثِّمَكُمْ فَتَجِيئُونَ تَدُوسُونَ الطِّينَ إِلَى رُكَبِكُمْ).\nقوله: (وَعَنْ حَمَّادٍ)\n_________\n(^١) كذا في (الأصل): «أخرجكم» ولعل الصواب «أحرجكم».\n (^٢) في (الأصل): «وعبيد» والصواب «وعبد».","vol":"1","page":219},{"text":"عَطْفٌ على قوله: (حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) وليس بمعلق، وقد ذكرنا الآن أنه رواه في باب الكلام في الأذان عن مسدد عن حماد عن أيوب، وعبد (^١) الحميد وعاصم، وهنا عن حماد عن عاصم الأحول وحده.\nقوله: (نَحْوَهُ) أي نحو الحديث المذكور بمعظم معناه، ولهذا استثني منه لفظُ (أُحْرِجَكُمْ)، وأنّ في هذا بدَلها: (أُؤَثِّمَكُمْ) إلى آخره، ويحتمل أن يكون المراد بالاستثناء أنهما متفقان في المعنى، وفي الرواية الثانية هذه الزيادة، أي: (فَتَجِيئُونَ) وهذه اللفظة رويت على وجهين أحدهما: أن أُؤْثِمكم، من الإيثام من باب الإفعال، يقال: آثمه يؤْثِمه، إذا أوقعه في الإثم. والآخر: أن أُؤَثِّمَكُمْ من التأثيم من باب التفعيل.\nقوله: (فَتَجِيئُونَ) إلى آخره، زائد صِرف على الرواية الأولى، وتجيئون بالنون على الأصل في رواية الأكثرين، وهو على حذف مقدرٍ، وفي رواية الكُشْمِيهَني: (فَتَجِيئُوا) بحذف النون، وهو لغة للعَرب حيث يحذفون نون الجمع بدون الجازم والناصب.\nقوله (تَدُوسُونَ) من الدَّوس وهو الوطء.\n\n٦٦٩ - <span id=\"b-٢٧٠\"> </span>قوله: (حَدَّثَنَا مُسْلِمُ) أي ابْنُ إِبْرَاهِيمَ الأزدي القَصَّاب البصري، ترجمته في باب زيادة الإيمان.\nقوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ) أي الدستوائي، ترجمته في الباب أيضًا.\nقوله: (عَنْ يَحْيَى) أي ابن أبي كثير اليماني الطائي، ترجمته في باب كتابة العلم.\nقوله: (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) أي ابن عبد الرحمن، ترجمته في بدء الوحي.\nقوله: (قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ) أي سعيد بن مالك ﵁، ترجمته في باب من الدِّين الفرارُ من الفتن.\nفي هذا الإسنادِ: التحديثُ بصيغة الجمع في موضعين. وفيه: العنعنة في موضعين. وفيه: السؤال. وفيه: القول في ثلاث مواضع. وفيه: أن رواته ما بين بصري وأهوازي ويماني ومدني.\nقوله: (فَقَالَ: جَاءَتْ سَحَابَةٌ، فَمَطَرَتْ حَتَّى سَالَ السَّقْفُ، وَكَانَ مِنْ جَرِيدِ النَّخْلِ، فَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَسْجُدُ فِي المَاءِ وَالطِّينِ، حَتَّى رَأَيْتُ أَثَرَ الطِّينِ فِي جَبْهَتِهِ)\nمطابقته للترجمة في الجزء الأول منها من حيث إن العادة أن في يوم المطر بِتَخلُّفِ بعض الناس عن الجماعة، فلا شك أن صلاة الإمام تكون حينئذ مع من حضر، فينطبق على قوله: (بَابٌ: هَلْ يُصَلِّي الإِمَامُ بِمَنْ حَضَرَ؟)، وقال الكِرماني: وإن صح أن هذا كان في يوم الجمعة فدلالته على الجزء الأخير ظاهرة. قال شيخنا: وأما قول بعض الشُّراح: يحتمل أن يكون ذلك في الجمعة فمردود لأنه سيأتي في الاعتكاف أنها كانت صلاة الصبح، وحديث أنس الآتي لا ذِكْرَ للخطبة فيه ولا يلزم أن يدل كل حديث في الباب على كل ما في الترجمة.\nوهذا الحديث أخرجه البخاري أيضا في الاعتكاف عن معاذ بن فضالة، وفي الصلاة في موضعين عن مسلم بن إبراهيم، وفيه أيضا عن موسى بن إسماعيل. وفي الصوم أيضا عن عبد الله بن منير (^٢) وفي الاعتكاف أيضًا عن إسماعيل بن أبي أويس عن مالك وعن إبراهيم بن حمزة وفي الصوم أيضًا عن عبد الرحمن بن بشر وعن عبد الله بن يوسف عن مالك.\n_________\n(^١) في (الأصل): «وعبيد» والصواب «وعبد».\n (^٢) في (الأصل): «نمير» والصواب «منير» كما في الموضع المشار إليه.","vol":"1","page":220},{"text":"وأخرجه مسلم في الصوم عن قتيبة وعن ابن أبي عمرو، وعن محمد بن عبد الأعلى وعن عبد بن حميد وعن عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، وأخرجه أبو داود في الصلاة عن القَعنبي عن مالك وعن محمد بن المثنَّى وعن محمد بن يحيى وعن مؤمل بن الفضل. وأخرجه النسائي في الاعتكاف عن قتيبة به وعن محمد بن عبد الأعلى وعن محمد بن سلمة والحارث بن مسكين وعن محمد بن بشار. وأخرجه ابن ماجه في الصوم عن محمد بن عبد الأعلى عن معتمر ببعضه.\nقوله: (سَأَلْتُ أَبَا سَعِيدٍ) المسؤول عنه محذوف بيَّنه في الاعتكاف وهو قوله: أَنَّ (أَبَا سَلَمَةَ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا سَعِيدٍ، قُلْتُ: هَلْ سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، يَذْكُرُ لَيْلَةَ القَدْرِ؟ قَالَ: نَعَمِ) وسرد تمام الحديث.\nقوله: (حَتَّى سَالَ السَّقْفُ) هو إسناد مجازي لأن السقف لا يسيل، وإنما يسيل الماء الذي يصيبه، وهذا من قبيل قولهم: سال الوادي، أي ماء الوادي، وهو من قبيل ذكر المحل وإرادة الحالِّ. قوله: (وَكَانَ مِنْ جَرِيدِ النَّخْلِ) أي وكان سقف المسجد من جريد النخل، والجريد بمعنى المجرود، وهو القضيب الذي يُجرَد عنه الخُوص، يعني يقشَر، وسيأتي تمام الكلام في باب الاعتكاف.\n\n٦٧٠ - <span id=\"b-٢٧١\"> </span>قوله (حَدَّثَنَا آدَمُ) أي ابن أبي إياس، ترجمته في باب بعد باب أمور الإيمان.\nقوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) أي ابن الحَجَّاج، ترجمته في الباب أيضًا.\nقوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ سِيرِينَ) أخو محمد بن سيرين، مولى أنس بن مالك الأنصاري، مات بعد سنة عشر ومائة.\nقوله: (قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًَا يَقُولُ) أي ابن مالك، ترجمته في باب من الإيمان أن يحب.\nقوله: (قَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ)، قال شيخنا: قيل: هو عِتبان بن مالك، وهو محتمل لتقارب القصتين لكن لم أر ذلك صريحًا، وقد وقع في رواية ابن ماجه الآتية أنه بعضُ عُمومةِ أنس، وليس عِتبان عمًَّا لأنس إلا على سبيل المجاز لأنهما من قبيلة واحدةٍ وهي الخزرج، لكنْ كلٌّ منهما من بطنٍ. انتهى.\nفي هذا الإسناد: التحديثُ بصيغة الجمع في ثلاث مواضع. وفيه: السماع. وفيه: القول في خمس مواضع. وفيه: أن شيخ البخاري من أفراده. وفيه: أن رواته ما بين عسقلاني وواسطي وبصري.\nقوله: (إِنِّي لَا أَسْتَطِيعُ الصَّلَاةَ مَعَكَ، وَكَانَ رَجُلًا ضَخْمًا، يَصَنَعُ لِلنَّبِيِّ ﷺ طَعَامًا، فَدَعَاهُ إِلَى مَنْزِلِهِ، فَبَسَطَ لَهُ حَصِيرًا، وَنَضَحَ طَرَفَ الحَصِيرِ فَصَلَّى عَلَيْهِ رَكْعَتَيْنِ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ آلِ الجَارُودِ لِأَنَس: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي الضُّحَى؟ قَالَ: مَا رَأَيْتُهُ صَلَّاهَا إِلَّا يَوْمَئِذٍ)\nمطابقته للترجمة من حيث إنه ﵇ كان يصلي بسائر الحاضرين عند غيبة الرجل الضخم، فينطلق الحديث على قوله: (بَابٌ: هَلْ يُصَلِّي الإِمَامُ بِمَنْ حَضَرَ؟) وقد قلنا عن قريب أن هذا الحديث ليس للخطبة (^١) فيه ذِكرٌ، وأنه لا يلزم أن يدل كل حديث في الباب على كل الترجمة، بل لو دل البعض على البعض كفى.\nوهذا الحديث\n_________\n(^١) في (الأصل): «للخبطة» والصواب «للخطبة».","vol":"1","page":220},{"text":"أخرجه البخاري أيضًا في صلاة الضحى عن علي بن الجعد عن شعبة، وفي الأدب عن محمد بن سلام. وأخرجه أبو داود في الصلاة عن عبيد الله بن معاذ عن أبيه عن شعبة به.\nقوله: (مَعَكَ) أي: في الجماعة في المسجد.\nقوله: (ضَخْمًا) أي سمينا، والضخم الغليظ من كل شيء. زاد عبد الحميد عن أنس: وإني أحب أن تأكل في بيتي وتصليَ فيه. وسيأتي في فقه الحديث أن السِّمَن عذرٌ في ترك الجماعة.\nقوله: (حَصِيرًا) قال ابن سيده: الحصير سَقيفةٌ تصنع من بَرْدِيٍّ وأَسَلٍ ثم تفترش، سُمي بذلك لأنه يلي وجه الأرض، ووجه الأرض سمي (^١) حصيرًا. وفي «الجمهرة»: الحصير عربي، سمي حصيرًا لانضمام بعضه إلى بعض. وقال الجوهري: الحصير الباريَّةُ.\nقوله: (وَنَضَحَ طَرَفَ الحَصِيرِ) النضح بمعنى الرش إن كانت النجاسة متوهَّمة في طرف الحصير، وبمعنى الغسل إن كانت محَقَّقةً، أو يكون النضح لأجل تليينه لأجل الصلاة عليه. وقد سبق الكلام فيه في حديث أنس في باب الصلاة في الحصير.\nقوله: (فَصَلَّى عَلَيْهِ رَكْعَتَيْنِ) زاد عند الحُمَيدي: (فَصَلَّى وَصَلَّيْنَا مَعَهُ).\nقوله: (فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ آلِ الجَارُودِ) أي بالجيم وبضم الراء وفي آخره دال مهملة. وفي رواية علي بن الجعد عن شعبة الآتية للمصنف في صلاة الضحى: فقال فلان بن فلان بن الجارود النضري. قال شيخنا: وذلك أن البخاري أخرج هذا الحديث من رواية شعبة وأخرجه في موضع آخر من رواية خالد الحَذَّاء كلاهما عن أنس بن سيرين عن عبد الحميد بن المنذر بن الجارود عن أنس فاقتضى ذلك أن في رواية البخاري انقطاعًا، وهو مندفع بتصريح أنس بن سيرين بسماعه من أنس، فحينئذ رواية ابن ماجه إما من المزيد في متصل الأسانيد وإما أن يكون فيها وهمٌ لكون ابن الجارود كان حاضرًا عند أنس لَمَّا حدَّث بهذا الحديث وسأله عما سأله من ذلك فظن بعض الرواة أن له فيه رواية وسيأتي الكلام على فوائده في باب صلاة الضحى. انتهى.\nقال العيني: فيه: جواز اتخاذ الطعام لأولي الفضل ليستفيد من علمهم.\nوفيه: استحباب إجابة الدعوة، وقيل بالوجوب.\nوفيه: جواز الصلاة على الحصير من غير كراهة، وفي معناه كل شيء يُعمل من نبات الأرض، وهذا إجماعٌ إلا ما روي عن عمر بن عبد العزيز، فإنه كان يعمل لأجل التواضع، كما في قوله ﵇ لمعاذ بن جبل: «عفر وجهك بالتراب»، فإن قلتَ: ما تقول في حديث يزيد بن المقدام من عند ابن أبي شيبة: عن المقدام عن أبيه شريح أنه سأل عائشة: أكان النبي ﷺ يصلي على الحصير؟ فإني سمعت في كتاب الله ﷿ ﴿وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾ [الإسراء: ٨]. فقالت: لا لم يكن يصلي عليه. قلت: هذا الحديث ليس بصحيح لضعف يزيد، ورده الرواية الصحيحة.\nوفيه جواز التطوع بالجماعة.\nوفيه استحباب صلاة الضحى، لأن أنسًا أخبر أنه ﵇ صلاها، ولكن ما رآها إلا يومئذ، يعني يومَ كان في منزل رجل من الأنصار. وروى أبو داود من حديث أم هانئ: أن رسول الله ﷺ صلى يوم الفتح سبحة الضحى ثمان ركعات فسلم في كل ركعتين. وروى أيضًا من حديث عائشة: أن عبد الله بن شقيق\n_________\n(^١) لفظة «سمي» مستدركة في هامش (الأصل).","vol":"1","page":221},{"text":"سألها: هل كان رسول الله ﷺ يصلي الضحى؟ قالت: لا إلا أن يجيء من مغيبه... الحديث. وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي مطولًا ومختصرًا، والجمع بين حديث عائشة في نفي صلاته ﵇ الضحى وإثباتها هو: أن النبي ﷺ كان يصليها في بعض الأوقات لفضلها ويتركها في بعضها خشية أن تفرض. وتأويل قولها: لا إلا أن يجيء من مغيبه، ما رأيتَه، كما قالت في الرواية الأخرى: ما رأيتُ رسول الله ﷺ يصلي سبحة الضحى. وسببه أنه ﵇ ما كان يكون عند عائشة في وقت الضحى إلا في نادرٍ من الأوقات، وقد يكون في ذلك مسافرًا، وقد يكون حاضرًا ولكنه في المسجد أو في موضع آخر، فإذا كان عند نسائه فإنما كان لها يوم من تسعة، فيصح قولها: ما رأيته يصليها، كما في رواية مسلم، وكذا يصح قولها: لا. كما في رواية أبي داود، أو يكون معنى قولها لا: ما رأيتُه يصليها ويداومُ عليها، فيكون نفيًا للمداومة لا لأصلها. فافهم.\nفإن قلتَ: صح عن ابن عمر أنه قال في الضحى: هي بدعة. قال العيني: هو محمول على أن صلاتها في المسجد والتظاهرَ بها كما كانوا يفعلونه بدعة، لا أن أصلها في البيوت ونحوها مذموم، أو يقال: قوله: بدعة أي: المواظبة عليها، لأنه ﵇ لم يواظب عليها خشية أن تفرض. وقد يقال: إن ابن عمر لم يبلغه فعل النبي ﷺ الضحى وأمره بها، وكيف ما كان، فجمهور العلماء على استحباب الضحى، وإنما فعل التوقيف فيها عن ابن مسعود وابن عمر. وقال ابن أبي شيبة: حدثنا وكيع حدثنا شعبة عن توبة العنبري عن مورِّق العجلي، قال: قلت لابن عمر: أتصلي الضحى؟ قال: لا. قلت: صلاها عمر؟ قال: لا. قلت: صلاها أبو بكر؟ قال: لا. قلت: صلاها النبي ﷺ؟ قال: لا أخال. حدثنا وكيع حدثنا شعبة عن عمرو بن مرة عن أبي عبيدة، قال: لم يخبرني أحد من الناس أنه رأى ابن مسعود يصلي الضحى.\nوفيه: جواز ترك الجماعة لأجل السِّمَن، وزعم ابن حبان في «صحيحه»: أنه تتبع الأعذار المانعة من إثبات الجماعة من السنن فوجدها عشرًا: المرضُ المانع من الإتيان إليها، وحضورُ الطعام عند المغرب، والنسيانُ العارض في بعض الأحوال، والسِّمَنُ المفرط، ووجودُ المرء حاجتَه في نفسه، وخوفُ الإنسان على نفسه وماله في طريقه إلى المسجد، والبرد الشديد، والمطر المؤذي، ووجود الظلمة التي يخاف المرء على نفسه المشي فيها، وأكل الثوم والبصل والكراث.\n\n <span id=\"b-٢٧٢\"> </span>(٤٢) <span data-type=\"title\" id=toc-272>(بَابٌ: إِذَا حَضَرَ الطَّعَامُ وَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ)</span>\nأي هذا باب ترجم فيه إذا حضر الطعام وأقيمت الصلاة، وجواب إذا محذوفٌ تقديره: يقدَّم الطعامُ على الصلاة، وإنما لم يذكر الجواب تنبيهًا على أن الحكم بالنفي أو بالإثبات غير مجزوم به لقوة الخلاف فيه.\nقوله:","vol":"1","page":221},{"text":"(وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ: يَبْدَأُ بِالعَشَاءِ) أي بفتح العين المهملة وبالمد: الطعامُ بعينه، وهو خلاف الغداء. هذا الأثر يبين أن جواب: (إِذَا) في الترجمةِ الإثباتُ، وفيه المطابقة بينه وبين الترجمة، وهذا الأثر مذكور في الباب بمعناه مسندًا قريبًا حيث قال: (وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ: يُوضَعُ لَهُ الطَّعَامُ، وَتُقَامُ الصَّلَاةُ، فَلَا يَأْتِيهَا حَتَّى يَفْرُغَ، وَإِنَّهُ لَيَسْمَعُ قِرَاءَةَ الإِمَامِ). وفي «سنن ابن ماجه» من طريقٍ صحيحٍ: وتعشى ابنُ عمر ليلة وهو يسمع الإقامة.\nقوله: (وَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ) أي عويمر بن مالك، ترجمته في باب من حمل معه الماء لطُهوره. (مِنْ فِقْهِ المَرْءِ إِقْبَالُهُ عَلَى حَاجَتِهِ حَتَّى يُقْبِلَ عَلَى صَلَاتِهِ وَقَلْبُهُ فَارِغٌ) هذا الأثر مثل ذاك في بيان جواب (إِذَا) في الترجمة. وفيه المطابقة للترجمة، لأن معنى قوله: (إِقْبَالُهُ عَلَى حَاجَتِهِ) أعم مِن إقبالِه إلى الطعام إذا حضر، ومِن قضاءِ حاجة نفسه إذا دعته إليه.\nقوله: (وَقَلْبُهُ فَارِغٌ) أي من الشواغل الدنياوية ليقف بين يدي الرب ﷿ على أكمل حال. قال شيخنا: وكأنَّ البخاري أشار بالأثرين المذكورين إلى مَنزِع العلماء في ذلك، فإن ابن عمر حمله على إطلاقِه وأشار أبو الدرداء إلى تقييده بما إذا كان القلبُ مشغولًا بالأكلِ، وأثرُه وصله عبد الله بن المبارك في كتاب الزهد، وأخرجه محمد بن نصر المروزي في كتاب «تعظيم قدر الصلاة» من طريقه.\n\n٦٧١ - <span id=\"b-٢٧٣\"> </span>قوله: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) أي ابن مُسرْهَد بن مُسَربَل، ترجمته في باب من الإيمان أن يحب.\nقوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى) أي ابن سعيد القطان، ترجمته في الباب أيضًا.\nقوله: (عَنْ هِشَامٍ) أي ابن عروة، ترجمته في بدء الوحي.\nقوله: (قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي) أي عروة بن الزبير، ترجمته في البدء أيضًا.\nقوله: (قَالَ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ) أي زوج النبي ﷺ، ترجمتها فيه أيضًا.\nفي هذا الإسنادِ: التحديث بصيغة الجمع في موضعين، وبصيغة الإفراد في موضع، وفيه: العنعنة في موضع، وفيه: السماعُ، وفيه: القولُ في ثلاث مواضع.\nقوله: (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إِذَا وُضِعَ العَشَاءُ وَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَابْدَؤُوا بِالعَشَاءِ»).\nمطابقته للترجمة مثل ما ذكرنا في أثر ابن عمر.\nقوله: (إِذَا وُضِعَ) وقد أخرجه السراج من طريق يحيى بن سعيد الأموي عن هشام بلفظ: «إذا حضر»، وذكره المصنف في كتاب الأطعمة من طريق سليمان عن هشام بلفظ: (إِذَا حَضَرَ) وقال بعده: قال يحيى بن سعيد ووهيب عن هشيم (إِذَا وُضِعَ). انتهى. ورواية وهيب وصلها الإسماعيلي، وأخرجه مسلم من رواية بن نمير وحفص ووكيع بلفظ: (إِذَا حَضَرَ) ووافق كلًا (^١) جماعةٌ من الرواة عن هشام لكن الذين رووه بلفظ: (إِذَا وُضِعَ) كما قال الإسماعيلي أكثر، والفرق بين اللفظين أن الحضور أعمُّ من الوضع فيحمل قوله (حَضَرَ) أي بين يديه لتأتَلِفَ الروايتان لاتحاد المخرَج ويؤيده حديث أنس الآتي بعده بلفظ (إِذَا قُدِّمَ العَشَاءُ) ولمسلم: «إذا قُرِّب» وعلى هذا فلا يناط الحكم بما إذا حضر العشاء لكنه لم يقرَّب للأكل كما لو لم يُعَدَّ.\nقوله: (وَأُقِيمَتِ\n_________\n(^١) في (الأصل): «كل» والصواب «كلًا».","vol":"1","page":222},{"text":"الصَّلَاةُ) قال ابن دقيق: الألف واللام في (الصَّلَاةُ) لا تنبغي أن تحمل على الاستغراق ولا على تعريف الماهية بل ينبغي أن تحمل على المغرب، لقوله (فَابْدَؤُوا بِالعَشَاءِ) ويترجح حمله على المغرب، والحديث يفسر بعضه بعضًا. وفي رواية صحيحة: «إذا وُضع العَشاءُ وأحدُكم صائم». انتهى. وسنذكر مَن أخرج هذه الرواية في الكلام على الحديث الآتي. وقال الفاكِهاني: ينبغي حمله على العموم نظرًا إلى العلة وهو التشويش المفضي إلى ترك الخشوع، وذِكْرُ المغرب لا يقتضي حصرًا فيها لأن الجائعَ غيرَ الصائمِ قد يكون أشوقَ إلى الأكل من الصائم. انتهى. وحملُه على العموم إنما هو بالنظر إلى المعنى إلحاقًا للجائع (^١) بالصائم وللغَداء بالعَشاء لا بالنظر إلى اللفظ الوارد.\nقوله: (فَابْدَؤُوا بِالعَشَاءِ) حمل الجمهور هذا الأمر على الندب ثم اختلفوا: فمنهم من قيده بمن كان محتاجًا إلى الأكل، وهو المشهور عند الشافعية، وزاد الغزالي: ما إذا خشي فساد المأكول، ومنهم من لم يقيده، وهو قول الثوري وأحمد وإسحاق، وعليه يدل فعل ابن عمر الآتي، ولفظ (^٢) ابن حزم الظاهري فقال: (^٣) إذا حضر طعامه بين يديه وسمع الإقامة أنه يبدأ بالصلاة قبل العَشاء فإنْ فَعَلَ فصلاته باطلة، ومنهم من اختار البداءة بالصلاة إلا إن كان الطعام خفيفًا، نقله بن المنذر عن مالك، وعند أصحابه تفصيلٌ قالوا: يبدأ بالصلاة إن لم يكن متعلق النفس بالأكل أو كان متعلقًا به لكن لا يُعجِلُه، فإن كان يُعجِلُه بدأ بالطعام واستحب له الإعادة. وفي الدار قطني قال حميد: كنا عند أنس فأذن بالمغرب، فقال أنس: ابدؤوا بالعَشاء، وكان عَشاؤه خفيفًا.\nقال النووي: في أحاديث هذا الباب كراهة الصلاة بحضرة الطعام الذي يريد أكله، لما فيه من اشتغال القلب وذهاب كمال الخشوع، وهذه الكراهة إذا صلى كذلك وفي الوقت سعة، فإن ضاق بحيث لو أكل خرج الوقت لا يجوز تأخير الصلاة. ولأصحابنا وجه: أنه يأكل وإن خرج الوقت، لأن المقصود في الصلاة الخشوع فلا يفوته. وفي حديث الباب دليل على امتداد وقت المغرب، وعلى أنه يأكل حاجته من الأكل بكماله. وقال في «شرح السنة»: الابتداء بالطعام إنما هو فيما إذا كانت نفسه شديدة التوقان إلى الطعام، وكان في الوقت سَعة، وإلا فيبدأ بالصلاة لأن النبي ﷺ كان يحتَزُّ من كتف شاة، فدُعِيَ إلى الصلاة فألقاها وقام يصلي.\nوقال أحمد بن حنبل: يؤوَّل هذا الحديث بأنَّ مَن شرع في الأكل ثم أقيمت الصلاة أنه يقوم إلى الصلاة ولا يتمادى في الأكل، لأنه قد أخذ منه ما يمنعه من شغل البال، وإنما الذي أُمِر بالأكل قبل الصلاة من لم يكن بدأ به لِئلا يُشغَل بالُه به. وقال ابن بطال: ويرُدُّ هذا التأويل حديث ابن عمر: «ولا يعْجَل حتى يقضيَ حاجتَه منه». انتهى.\nقيل لا رد عليه، لأنه يقول: قد قضى حاجته، كما في الحديث، إذْ ليس\n_________\n(^١) في (الأصل): «للجامع» والصواب «للجائع».\n (^٢) كذا في (الأصل): «ولفظ» ولعل الصواب «وأفرطَ».\n (^٣) كذا في (الأصل): «إذا حضر» ولا يستقيم المعنى إلا بتقديرها: «لا يجوز إذا حضر».","vol":"1","page":222},{"text":"من شرطه أنه يستوفي أكل الكتف لا سيما قلة أكله ﷺ، وأنه يكتفي بحزة واحدة، ولكن لقائل أن يقول: ليست الصلاة التي دعي إليها في حديث عمرو بن أمية -وهو حديث الحزِّ من كتف الشاة- أنها المغرب، وإذا ثبت ذلك زال ما تُؤُوِّل به.\nوقال ابن الجوزي: وقد ظن قوم أن هذا من باب تقديم حظ العبد على حق الحق ﷿، وليس كذلك، وإنما هو صيانة لحق الحق ليدخل العِبادُ في العبادة بقلوب غير مشغولة. فإن قلتَ: روى أبو داود من حديث جابر قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تؤخر الصلاة لطعامٍ ولا لغيره». قال العيني: هذا حديث ضعيف، فبالضعيف لا يعترض على الصحيح، ولئن سلَّمنا صحتَه فله معنى غير معنى الآخر، بمعنى إذا وجبت لا تؤخر، وإذا كان الوقت باقيا يبدأ بالعَشاء فاجتمع معناهما. قلتُ: ويصح الجمعُ أيضًا بحمل قوله «لطعامٍ» أب لم يحضُر بين يديه. انتهى.\n\n٦٧٢ - <span id=\"b-٢٧٤\"> </span>قوله: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ) أي الأنصاري.\nقوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) أي الإمام ابن سعد.\nقوله: (عَنْ عُقَيْلٍ) أي ابن خالد، ترجمة هؤلاء الثلاثة في بدء الوحي.\nقوله: (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) أي محمد بن مسلم، ترجمته في باب إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة.\nقوله: (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) ترجمته في باب من الإيمان أن يحب لأخيه.\nفي هذا الإسناد: التحديثُ بصيغة الجمع في موضعين، وفيه: العنعنة في ثلاث مواضع. وفيه: عن عُقَيل، وفي رواية الإسماعيلي: حدثني عُقَيل، وفيه: ابن شهاب عن أنس، وعند الإسماعيلي أيضًا: أخبرني أنس. قلت: ووقع في هذا الموضع بخط العيني: وفيه: عُقَيل عن أنس. وهو سبق قلم. انتهى. وفيه: شيخُ البخاري منسوبٌ إلى جده وهو: يحيى بن عبد الله بن بُكَير، وفيه: الراويان الأولان مصريان، والثالث إيليٌّ وابن شهاب مدني.\nقوله: (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا قُدِّمَ العَشَاءُ، فَابْدَؤُوا بِهِ قَبْلَ أَنْ تُصَلُّوا صَلَاةَ المَغْرِبِ، وَلَا تَعْجَلُوا عَنْ عَشَائِكُمْ»).\nمطابقته للترجمة ظاهرة، لكن الترجمة أعم منه وهي تشمل المغرب وغيرها.\nهذا الحديث أخرجه البخاري في موضع آخر، ولمسلم: «إذا أقيمت الصلاة والعَشاء فابدؤوا بالعَشاء».\nقوله: (إِذَا قُدِّمَ العَشَاءُ) زاد ابن حبان والطبراني في «الأوسط» من رواية موسى بن أعين عن عمرو بن الحارث عن ابن شهاب: «وأحدُكم صائم». وقد أخرج مسلم من طريق ابن وهب عن عمرو بدون هذه الزيادة، وذكر الطبراني أن موسى بن أعين تفرد بها. انتهى. وموسى ثقة متفق عليه، ولما ذكر الدارقطني هذه الزيادة قال: ولو لم تصح هذه الزيادة لكان معلومًا من قاعدة الشرع الأمرُ بحضور القلب في الصلاة والإقبال.\nقوله: (وَلَا تَعْجَلُوا)، بفتح التاء المثناة من فوق والجيم من الثلاثي، ويروى: بضم التاء وفتح الجيم أيضًا، ويروى: بضم أوله وكسر الجيم من الإفعال.\n\n٦٧٣ - <span id=\"b-٢٧٥\"> </span>قوله: (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) أي الهباري القرش الكوفي، ترجمته في باب نقض المرأة شعرها عند غُسل المحيضِ.\nقوله: (عَنْ أَبِي أُسَامَةَ)","vol":"1","page":223},{"text":"أي حماد بن أسامة، ترجمته في باب فضل من عَلِمَ وعَلَّم.\nقوله: (عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ) أي بتصغير العبد ابنُ عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، ترجمته في باب التبرُّز في البيوت.\nقوله: (عَنْ نَافِعٍ) أي ابن جرجس، ترجمته في باب العلم والفتيا في المسجد.\nقوله: (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) أي عبد الله، ترجمته في كتاب الإيمان.\nفي هذا الإسنادِ: التحديثُ بصيغة الجمع في موضع واحد، وفيه: العنعنة في أربع مواضع، وفيه: أن شيخ البخاري من أفراده.\nقوله: (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا وُضِعَ عَشَاءُ أَحَدِكُمْ وَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَابْدَؤُوا بِالعَشَاءِ وَلَا يَعْجَلْ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْهُ» وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ: يُوضَعُ لَهُ الطَّعَامُ، وَتُقَامُ الصَّلَاةُ، فَلَا يَأْتِيهَا حَتَّى يَفْرُغَ، وَإِنَّهُ يَسْمَعُ قِرَاءَةَ الإِمَامِ)\nمطابقته للترجمة ظاهرة.\nوهذا الحديث أخرجه مسلم عن ابن أبي شيبة.\nقوله: (وَلَا يَعْجَلْ) الضمير فيه يرجع إلى الأحد في (أَحَدِكُمْ)، قال الطيبي: الأحدُ إذا كان في سياق النفي يستوي الواحد والجمع، وفي الحديث في سياق الإثبات، فكيف وُجِّه الأمرُ إليه تارة بالجمع وأخرى بالإفراد؟ أي بأنه أَفرَد (يَعْجَلْ) وجَمَع في قوله (فَابْدَؤُوا)، وأجاب: بأنه جمَع نظرًا إلى لفظ: (أَحَدِكُمْ)، وأفرد نظرًا إلى لفظ: الأحد، والمعنى: إذا وُضع عَشاء أحدكم فابدؤوا أنتم بالعَشاء، ولا يعجل هو حتى يفرغ معكم منه.\nقوله: (وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ) هو موصول عطفًا على المرفوع، وقد رواه السراج من طريق يحيى بن سعيد عن عبيد الله عن نافع فذكر المرفوع، ثم قال: قال نافع: وكان ابن عمر إذا حضر عَشاؤه وسمع الإقامة وقراءة الإمام لم يقم حتى يفرغ. ورواه بن حبان من طريق بن جريج عن نافع أن ابن عمر كان يصلي المغرب إذا غابت الشمس، وكان أحيانًا يلقاه وهو صائم فيقدَّم له عَشاؤه وقد نودي للصلاة ثم تقام وهو يسمع فلا يترك عَشاءَه، وسمع الإقامة وقراءة القرآن لم يقم حتى يفرغ. ورواه من طريق ابن جريج عن نافع أن ابن عمر كان يصلي المغرب إذا غابت الشمس، وكان أحيانًا يلقاه وهو صائم فيقدَّم له عَشاؤه وقد نودي للصلاة ثم تقام وهو يسمع فلا يترك عَشاءَه، ولا يعجل حتى يقضي عشاءه ثم يخرج فيصلي. انتهى. وهذا أصرح ما ورد عنه من ذلك.\nقوله: (وَإِنَّهُ يَسْمَعُ)، وفي رواية الكُشْمِيهَني: (لَيَسْمَعُ)، بزيادة لام التأكيد في أوله.\n٦٧٤ - قوله: (وَقَالَ زُهَيْرٌ) أي بضم الزاي ابنُ معاوية الجعفي، ترجمته في باب الصلاة من الإيمان.\nقوله: (وَوَهْبُ بْنُ عُثْمَانَ) عَطْفٌ عليه.\nقوله: (عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ)، أي ابن أبي عباس أبو محمد المدني مولى الزبير بن العوَّم، ترجمته في باب إسباغ الوضوء، يعني أن زهيرًا ووهبًا يرويان عن موسى... إلى آخره.\nقوله: (عَنْ نَافِعٍ) أي ابن جرجس.\nقوله: (عَنْ ابْنِ عُمَرَ) أي عبد الله.\nقوله: (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ عَلَى الطَّعَامِ، فَلَا يَعْجَلْ حَتَّى يَقْضِيَ حَاجَتَهُ مِنْهُ، وَإِنْ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ») هذا تعليق من البخاري، وزعْمُ","vol":"1","page":223},{"text":"الحميدي في كتابه «الجمع بين الصحيحين» أن الشيخين خرجاه من حديث موسى بن عقبة غيرُ صواب، لأن البخاري علقه كما ترى. وأما مسلم فإنه خرجه في «صحيحه» عن محمد بن إسحاق عن أنس بن عياض عن موسى، وطريقُ زهير المذكورة وَصَلها أبو عوانة في «مستخرجه». وأما رواية وهب بن عثمان فقد ذكر المصنف أن إبراهيم بن المنذر رواها عنه، وإبراهيم من شيوخ البخاري ومن أفراده، وقد وافق زهيرًا ووهبًا أبو ضمرة عند مسلم وأبو زيد عند أبي عوانة والدارَورْدي عند السراج كلهم عن موسى بن عقبة.\nقوله: (قَالَ أَبُو عَبْدِ الله) أي البخاريُّ نفسُه، ترجمته في مقدمة هذا الشرح.\nقوله: (رَوَاهُ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ وَهْبِ بْنِ عُثْمَانَ) قد قدمنا آنفًا أن البخاري ذكر ذلك.\nقوله: (وَوَهْبٌ مَدِينِيٌّ) بكسر الدال، ويروى بفتحها، وكلاهما نسبة إلى مدينة الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام. قلت: هنا ثلاثة اصطلاحات في المدني والمديني والمدائِني، وقد تقدم بيانُ ذلك. انتهى. قال العيني: القياسُ فتحُ الدال كما يقال في النسبة إلى ربيعة: ربعي، وإلى جذيمة: جذمي. فإن قلتَ: ما فائدة ذكر البخاري نسبة وهب بقوله مديني أو مدني؟ قال العيني: لم يظهر شيء يجدي إلا أنه أشار إلى أنه مدني، كما أن إبراهيم بن المنذر الذي روى عنه مدني أيضًا.\nقد قدَّمْنا حكاية النووي في كراهة الصلاة بِحضرة الطعام إذا كان في الوقت سَعَةٌ، فإن ضاق صلى وترك الطعام محافَظةً على حُرمة الوقت. وحكى المتولي من الشافعية وجهًا أنه يبدا بالأكل وإن خرج الوقتُ، لأن مقصود الصلاة الخشوعُ فلا يُفوِّتْه. قال شيخنا: وهذا إنما يجيء على قول من يوجب الخشوع، ثم فيه نظرٌ لأن المفسدتين إذا تعارضتا يُقتَصر على أخفهما، وخروج الوقت أشدُّ من ترك الخشوع بدليل صلاة الخوف والغريقِ وغيرِ ذلك، وإذا صلى لمحافظة الوقت صحت مع الكراهة وتستحب الإعادة عند الجمهور، وادعى ابنُ حزم أنَّ في الحديث دليلًا على امتداد الوقت في حق من وُضِع له الطعام ولو خرج الوقت المحدود، وقال مثلَ ذلك في حق النائم والناسي.\nواستدل النووي وغيره بحديث أنس على امتداد وقت المغرب، واعترضه ابن دقيق العيد بأنه إن أريد بذلك التوسعة إلى غروب الشفق ففيه نظر وإن أريد به مطلق التوسعة فمسلَّم، ولكن ليس محل الخلاف المشهور، فإن بعض من ذهب إلى ضيق وقتها جعله مقدَّرًا بزمن يدخل فيه مقدارُ ما يتناولُ لقيماتٍ يكسر بها سَوْرة الجوع.\nواستدل به القرطبي على أن شهود صلاة الجماعة ليس بواجب، لأنَّ ظاهره أن يشتغل بالأكل وإن فاتته الصلاة في الجماعة، وفيه نظر، لأن بعض من ذهب إلى الوجوب كابن حبان جعل حضور الطعام عذرا في ترك الجماعة، فلا دليل فيه حينئذ على إسقاط الوجوب مطلقا.\nوفيه دليل على تقديم فضيلة الخشوع في الصلاة على فضيلة","vol":"1","page":224},{"text":"أول الوقت، واستدل بعض الشافعية والحنابلة بقوله (فَابْدَؤُوا) على تخصيص ذلك بمن لم يشرع في الأكل، فأما من شرع ثم أقيمت الصلاة فلا يتمادى، وقلنا إن صنيع ابن عمر يبطل ذلك، وتُعُقِّبَ بأن صنيع ابن عمر اختيارٌ له وإلا فالنظر إلى المعنى يقتضي ما ذكروه، لأنه يكون قد أخذ من الطعام ما وقع شغلُ البال به، ويؤيد ذلك حديث عمرو بن أمية المذكور في الباب بعدَه، ولعل ذلك هو السرُّ في إيراد المصنف له عَقِبَه. وروى سعيد بن منصور وابن أبي شيبة بإسنادٍ حسن عن أبي هريرة ﵁ وابن عباس ﵄: أنهما كانا يأكلان طعامًا وفي التنور شِواءٌ فأراد المؤذن أن يقيم فقال له ابن عباس لا تعجل لِئلَاّ نقوم وفي أنفسنا منه شيء. وفي رواية بن أبي شيبة: لئلا يعرِض لنا في صلاتنا. وله عن الحسن بن علي قال: العَشاء قبل الصلاة يُذهِب النفس اللوَّامة. قلتُ: أوصاف النفس ثلاث: الأولى: أمَّارَة، الثاني: لوَّامة، الثالث: مطمئنَّة. فاللَّوَّامة (^١).\nقال شيخُنا: وفي هذا كله إشارة إلى أن العلة في ذلك تَشَوَّقُ النفس إلى الطعام فينبغي أن يدار الحكم مع علته وجودا وعدما ولا يُقيَّد بكلٍّ ولا بعضٍ، ويستثنى من ذلك الصائم فلا تكره صلاته بحضرة الطعام إذْ الممتنعُ بالشرع لا يشغل العاقلُ نفسَه به، لكن إن غُلِبَ استُحِبَّ له التحول من ذلك المكان، وهذا مثلُ من حضر طعامُ غيرِه وأقيمت الصلاة.\nفائدة: وقع في بعض كتب الفقه: «إذا حضر العِشاء والعَشاء فابدؤوا بالعَشاء»، لا أصل له في كتب الحديث بهذا اللفظ، كذا في شرح الترمذي لأبي الفضل، قال شيخُنا: لكن رأيتُ بخط الحافظ قطب الدين أنَّ ابن أبي شيبة أخرج عن إسماعيل وهو ابنُ علية عن ابن إسحاق حدثني عبد الله بن رافع عن أم سلمة مرفوعًا: «إذا حضر العَشاء وحضرت العِشاء فابدؤوا بالعَشاء»، فإن كان ضَبَطَه فذاك وإلا فقد رواه أحمد في «مسنده» عن إسماعيل بلفظ: «وحضرت الصلاة» ثم راجعتُ مصنف ابن أبي شيبة فرأيت الحديث فيه كما أخرجه أحمد والله أعلم.\n\n <span id=\"b-٢٧٦\"> </span>(٤٣) <span data-type=\"title\" id=toc-276>(بَابٌ: إِذَا دُعِيَ الإِمَامُ إِلَى الصَّلَاةِ وَبِيَدِهِ مَا يَأْكُلُ)</span>\nأي هذا باب ترجمته إذا دُعِيَ الإمام... إلى آخره، والواو في (وَبِيَدِهِ) للحال.\nوقوله: (مَا) موصولةٌ، و(يَأْكُلُ) صلتها، والعائد محذوف تقديرُه: ما يأكله، ومحلها مرفوع بالابتداء، وخبره هو قوله: (بِيَدِهِ)، ويجوز أن تكون ما مصدريةً والتقدير: وبيده الأكل، أي: المأكول.\nوإنما ذَكَر هذا الباب عقيب الباب السابق تنبيهًا على أن الأمر فيه للندب لا للإيجاب، إذْ لو كان تقديمُ العَشاء على الصلاة التي أقيمت واجبًا، لكان النبي ﷺ كَمَّلَ\n_________\n(^١) كذا في (الأصل)، وبعد قوله: «فاللَّوَّامة» فراغ.","vol":"1","page":224},{"text":"أكلَه ولا ألقى السكين في الحديث الذي يأتي في الباب، ولا قام إلى الصلاة. فإن قلتَ: العلة في تقديم العَشاء إخلاُء القلب عن الشواغل التي أكثرُها ميلُ النفس إلى الطعام الذي حضر، والنبي ﷺ كان قويًا على مدافعة قوة الشهوة، وأَيُّكُم يملِك أَرَبَه، قال الزينُ ابنُ المنير: لعله ﵇ أخذ في خاصة نفسه بالعزيمة فقدَّم الصلاة على الطعام، وأمر غيرَه بالرُّخصة. قال شيخنا: ويعكِّر على من استدل به على أن الأمر للندب احتمالُ أن يكون اتَّفَقَ في تلك الحالة أنه قضى حاجته في الأكل فلا تتم الدلالة به.\nفإن قلتَ: ما فائدة تقييد الترجمة بالإمام؟ قال أيضًا: تقييده به يحتمل أنه يرى التفصيل بين ما إذا أقيمت الصلاة قبل الشروع في الأكل أو بعده، كما ذهب إليه قوم كما ذكرنا، ثم إنه يرى بأن يكون الإمام مخصوصًا به، وغيره من المأمومين يكون الأمر متوجها إليهم على الإطلاق. قال شيخنا: ويؤيده قوله فيما سبق (إِذَا وُضِعَ عَشَاءُ أَحَدِكُمْ).\n\n٦٧٥ - <span id=\"b-٢٧٧\"> </span>قوله: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّه) أي ابن يحيى بن عمرو أبو القاسم الأُويسي المدني، ترجمته في باب الحرص على الحديث.\nقوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ) أي ابن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري القرشي المدني، ترجمته في باب تفاضل أهل الإيمان في الأعمال.\nقوله: (عَنْ صَالِحٍ) أي ابن كيسان أبو محمد، مؤدب ولد عمر بن عبد العزيز، ترجمته في بدء الوحي.\nقوله: (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) أي محمد بن مسلم الزهري، ترجمته في باب إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة.\nقوله: (قَالَ: أَخْبَرَنِي جَعْفَرُ بْنُ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ) أي الضَّمْري، ترجمته في باب المسح على الخفين.\nقوله: (أَنَّ أَبَاهُ) أي عمرو بن أمية بن خويلد، أبو أمية الضَّمْري، شهد بدرًا وأُحُدًا مشركًا، وأسلم بعدُ وعُمِّر. قال الواقدي: بقي إلى دهرِ معاوية بالمدينة ومات بها. وقد مر في باب المسح على الخفين.\nفي هذا الإسنادِ: التحديثُ بصيغة الجمع في موضعين. وفيه: الإخبار بصيغة الإفراد في موضع واحد. وفيه: العنعنة في موضعين. وفيه: القول في ثلاث مواضع. وفيه: أن شيخ البخاري من أفراده. وفيه: أن رواته كلهم مدنيون.\nقوله: (قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَأْكُلُ ذِرَاعًا يَحْتَزُّ مِنْهَا، فَدُعِيَ إِلَى الصَّلَاةِ، فَقَامَ، فَطَرَحَ السِّكِّينَ، فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ)\nمطابقته للترجمة من حيث ما يتضمنه معنى الحديث وهو ظاهر.\nوقد مر هذا الحديث في باب من لم يتوضأ من لحم الشاة، وتكلمنا هناك على جميع ما يتعلق به من الأشياء.\n\n <span id=\"b-٢٧٨\"> </span>(٤٤) <span data-type=\"title\" id=toc-278>(بَابٌ: مَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَهْلِهِ فَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَخَرَجَ)</span>\nأي هذا بابٌ في بيان شأن من كان... إلى آخره، وأشار بهذا الباب إلى أن حكم هذا خلافُ الباب السابق، إذْ لو قيس عليه كلُّ أمر تَتَشَوَّفُ النفس إليه لم يبق للصلاة وقت، وإنما حُكْمُ هذا أن من كان في حاجة","vol":"1","page":225},{"text":"بيته فأقيمت الصلاة يخرج إليها ويترك الحاجة، بخلاف ما إذا حضر العَشاء، وأقيمت الصلاة، فإنه يقدم العَشاء على الصلاة إلا إذا خاف فوْتها.\nقال شيخنا: وأيضًا فوَضْعُ الطعامٍ بين يدي الآكلِ فيه زيادة تشوُّفٍ، وكلما تأخر تناولُه ازداد بخلاف باقي الأمور، ومحل النص إذا اشتمل على وصف يمكن اعتباره بُتَعَيُّنِ عدم إلغائه.\n\n٦٧٦ - <span id=\"b-٢٧٩\"> </span>قوله: (حَدَّثَنَا آدَمُ) أي ابن إياس، ترجمته في بابٍ يتلو بابَ أمور الإيمان.\nقوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) أي ابن الحجاج، ترجمته في الباب أيضًا.\nقوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا الحَكَمُ) أي بفتح الحاء المهملة والكاف، ابن عتَيْبة، ترجمته في باب السَّمَرِ بالعلم.\nقوله: (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) أي النَّخَعِي، ترجمته في باب ظلم دون ظلم في كتاب الإيمان.\nقوله: (عَنِ الأَسْوَدِ) أي ابن يزيد النخعي، ترجمته في باب من ترك بعض الاختيار في كتاب العلم.\nقوله: (قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ) أي أم المؤمنين ﵂، ترجمتها في بدء الوحي.\nفي هذا الإسنادِ: التحديثُ بصيغة الجمع في ثلاث مواضع، وفيه: العنعنة في موضعين. وفيه: السؤال. يروي عن خاله الأسود (^١).\nقوله: (مَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَصْنَعُ فِي بَيْتِهِ؟ قَالَتْ (^٢): كَانَ يَكُونُ فِي مِهْنَةِ أَهْلِهِ - تَعْنِي خِدْمَةَ أَهْلِهِ - فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ)\nمطابقته للترجمة ظاهرة.\nوهذا الحديث أخرجه البخاري أيضًا في الأدب عن حفص بن عمر، وفي النفقات عن محمد بن عرعرة. وأخرجه الترمذي في «الزهد» عن هناد عن وكيع، وقال: صحيح.\nقوله: (مَا كَانَ) كلمة: (مَا) للاستفهام.\nقوله: (كَانَ يَكُونُ) فائدة تكرير الكونِ: الاستمرارُ وبيانُ أنه ﵇ كان يداوم عليه. واسم كان ضميرُ الشأن.\nقوله: (فِي مِهْنَةِ أَهْلِهِ)، بفتح الميم وكسرها وسكون الهاء فيهما، وقد فسرها في الحديث بالخدمة، وهي من تفسير آدمَ بن أبي إياس شيخِ المصنف لأنه أخرجه في الأدب عن حفص بن عمر وفي النفقات عن محمد بن عرعرة، وأخرجه أحمد عن يحيى القطان وغندر وإسماعيل من طريق ابن مهدي، ورواه أبو داود الطيالسي كلهم عن شعبة بدونها. وفي «الصحاح»: الْمَهنة بالفتح الخدمة. وهذا موافق لما قاله، لكن فسرها صاحب «المحكم» بأخص من ذلك فقال: المهنة الحذق بالخدمة والعمل، وقال: بفتح الميم وكسرها وبفتح الهاء أيضًا، وأنكر الأصمعي الكسر فقال: مَهَنَهُم يَمْهُنُهم مَهْنًا ومَهَنَةً مِن نصَر ينصُر، والماهِنُ الخادمُ وجمعُهُ مُهَّان ومَهَنَةٌ بفتح الميم والهاء. ووقع في رواية المستملي وحده: (فِي مِهْنَةِ بَيتِ أَهْلِهِ) وهي موجهةٌ مع شذوذها، والمراد بالأهل نفسُه أو ما هو أعم من ذلك. وقال الكِرماني: البيت تارة يضاف إلى الرسول ﷺ وتارة إلى أهله، وهو في الواقع إما له أو لهم. ثم أجاب بقوله: فيما يُثبِتُ الملكية فالإضافيَّة حقيقيَّة، وفيما لم يُثبت بالإضافة فيه بأدنى ملابسة، وهو نحو كونه مسكنًا له. وقد وقع المهنة مفسرة في «الشمائل» للترمذي، من طريق عمرة عن عائشة\n_________\n(^١) في (الأصل): «خالد الأسود» ولعل صواب العبارة كما في عمدة القاري: «وفيه: رواية الرجل عن خاله، وهو إبراهيم يروي عن خاله الأسود».\n (^٢) في (الأصل): «قال» والصواب «قالت».","vol":"1","page":225},{"text":"بلفظ: ما كان إلا بشرًا من البشر يَفْلي ثوبَه ويحلِب شاتَه ويخدم نفسَه. ولأحمد وابن حبان من رواية عروة عنها: يَخيط ثوبه ويخصف نعله. وزاد ابن حبان: ويرفع دلوه، وزاد الحاكم في «الإكليل»: وما رأيتُه ضرب بيده امرأةً ولا خادمًا.\nقوله: (فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ) في رواية بن عرعرة: فإذا سمع الأذان. وهو أخص ووقع في الترجمة (فَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ) وهي أخص، وكأنه أخذه من حديثها المتقدم في باب من انتظر الإقامة فإن فيه: (حَتَّى يَأْتِيَهُ المُؤَذِّنُ لِلْإِقَامَةِ).\nواستدل بحديث الباب على أنه لا يكره التشمير في الصلاة. وأن النهي عن كف الشعر والثياب للتنزيه، لكونها لم تَذكُر أنه أزاح عن نفسه هيئة المهنة، كذا ذكر ابنُ بطال ومن تبعه. قال شيخنا: وفيه نظرٌ، لأنه يحتاج إلى ثبوت أنه كان له هيئتان، ثم لا يلزم من ترك ذكر التهيئة للصلاة عدم وقوعه. وفيه: الترغيبُ في التواضعِ وتركِ التكبر. وخدمةُ الرجل أهلَه، وترجم عليه المؤلف في الأدب: كيف يكون الرجل في أهله (^١).\n\n <span id=\"b-٢٨٠\"> </span>(٤٥) <span data-type=\"title\" id=toc-280>(بَابٌ: مَنْ صَلَّى بِالنَّاسِ وَهُوَ لَا يُرِيدُ إِلَّا أَنْ يُعَلِّمَهُمْ صَلَاةَ النَّبِيِّ </span>ﷺ وَسُنَّتَهُ)\nأي هذا باب ترجمةِ من صلى بالناس... إلى آخره. والواو، في قوله: (وَهُوَ) للحال.\nقوله: (وَسُنَّتَهُ) بالنصب عَطفٌ على صلاة النبي ﷺ.\n\n٦٧٧ - <span id=\"b-٢٨١\"> </span>قوله: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) أي أبو سلمة التبوذكي، ترجمته في بدء الوحي.\nقوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ) أي تصغير وهب، ابن خالد صاحبُ الكرابيسي، ترجمته في باب من أجاب الفتيا بإشارة اليد.\nقوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ) أي ابن أبي تميمة السختياني، ترجمته في باب حلاوة الإيمان.\nقوله: (عَنْ أَبِي قِلَابَةَ) أي بكسر القاف عبد الله بن زيد الجرمي، ترجمته في الباب أيضًا.\nقوله: (قَالَ: جَاءَنَا مَالِكُ بْنُ الحُوَيْرِثِ) أي الليثي، ترجمته في باب تحريض النبي ﷺ وفدَ عبد القيس.\nفي هذا الإسنادِ: التحديثُ بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع. وفيه: العنعنة في موضع واحد. وفيه: القول في ثلاثة مواضع. وفيه: رواية التابعي عن التابعي عن الصحابي لأن أيوب رأى أنس بن مالك ﵁. وفيه: أن رواته كلهم بصريون، ومالك بن الحويرث سكن البصرة.\nقوله: (فِي مَسْجِدِنَا هَذَا فَقَالَ: إِنِّي لَأُصَلِّي بِكُمْ وَمَا أُرِيدُ الصَّلَاةَ، أُصَلِّي كَيْفَ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يُصَلِّي، فَقُلْتُ لِأَبِي قِلَابَةَ: كَيْفَ كَانَ يُصَلِّي؟ قَالَ: مِثْلَ شَيْخِنَا هَذَا، قَالَ: وَكَانَ الشَّيْخُ يَجْلِسُ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السُّجُودِ، قَبْلَ أَنْ يَنْهَضَ فِي الرَّكْعَةِ الأُولَى)\nمطابقته للترجمة ظاهرة.\nهذا الحديث أخرجه البخاري أيضًا في الصلاة عن مُعلَّى بن أسد، وعن سليمان بن حرب وأبي النعمان محمد بن الفضل، وأخرجه أبو داود فيه عن مسدد وزياد بن أيوب. وأخرجه النسائي فيه عن زياد بن أيوب وعن محمد بن بشار.\nقوله: (فِي مَسْجِدِنَا هَذَا)، قال العيني: الظاهر أنه مسجد البصرة.\nقوله: (إِنِّي لَأُصَلِّي)\n_________\n(^١) في (الأصل): «أهل» والصواب «أهله».","vol":"1","page":226},{"text":"اللام فيه للتأكيد، وهي مفتوحة.\nقوله: (وَمَا أُرِيدُ الصَّلَاةَ) الواو فيه للحال، أي ليس مقصودي أداءُ فرض الصلاة، لأنه ليس وقت الفرض، أو لأني صليته، بل المقصود أن أعلمكم صلاة رسول الله ﷺ وكيفيتها. وقد استُشكٍل نفيُ هذه الإرادة لِما يلزم عنها من وجوبِ صلاةٍ بغير قُربة، ومثلُها لا يصح. وأجيبَ: بأنه لم يُرَدْ نفيُ القربة، وإنما أريد بيانُ السببِ الباعث له على الصلاة في غير وقت صلاةٍ معينةٍ جماعةً. فإن قلتَ: هل تعين التعليم عليه حتى فعل ذلك؟ يقال: يحتمل ذلك لأنه أحد من خوطب بذلك في قوله: «صلوا كما رأيتموني أصلي». فإن قلتَ: فيه نوع التشريك في العبادة. قال العيني: لا، لأن قصده كان التعليم وليس للتشريك فيه دخل. قال شيخنا: لأنه رأى التعليمَ بالفعل أوضحَ من القول، ففيه دليلٌ على جواز مثل ذلك. انتهى.\nقوله: (أُصَلِّي) زاد في باب كيف يعتَمد على الأرض عن معلى عن وهيب (وَلَكن أُرِيدُ أَنْ أُرِيكُم).\nقوله: (كَيْفَ رَأَيْتُ) أي أصلي هذه الصلاة على الكيفية التي رأيت رسول الله ﷺ يصلي، وفي الحقيقة كيفَ مفعولُ فعلٍ مقدرٍ، تقديرُه: أريكم كيفَ رأيتُ، والمراد من الرؤيةِ لازمُها، وهي كيفية صلاتِه ﵇، لأن كيفية الرؤية لا يمكن أن يريَهُم إياها.\nقوله: (فَقُلْتُ لِأَبِي قِلَابَةَ) القائل هو أيوب السختياني.\nقوله: (مِثْلَ شَيْخِنَا هَذَا) أي عمرو بن سلمة كما سيأتي في باب اللبث بين السجدتين. قال شيخنا: وسياقه هناك أتم، ونذكر فوائده هناك إن شاء الله تعالى.\nقوله: (وَكَانَ الشَّيْخُ يَجْلِسُ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السُّجُودِ، قَبْلَ أَنْ يَنْهَضَ) أي قال أيوب: وكان ذلك الشيخ يتم الركوع، وإذا رفع رأسه من السجدة الثانية جلس واعتمد على الأرض ثم قام.\nقوله: (فِي الرَّكْعَةِ الأُولَى) يتعلق بقوله: (مِنَ (^١) السُّجُودِ) أي السجودِ الذي في الركعة الأولى، لا بقوله: (قَبْلَ أَنْ يَنْهَضَ)، لأن النهوض يكون منها لا فيها، ويجوز أن يكون في الركعة الأولى خبر مبتدأ محذوف، أي هو الجلوس أو هذا الحكم به كان في الركعة الأولى، ويجوز أن يكون كلمة (فِي) بمعنى: مِن. فإن قلتَ: هل جاء: في، بمعنى: مِن؟ قال العيني: نعم، كما في قول امرئ القيس:\nوَهَل يَعِمَنْ مَن كان أحدثُ عَهدِه... ثَلاثِينَ شهرًا في ثَلاثَة ِ أحوَالِ\nأي: مِن ثلاثة أحوال. فإن قلتَ: هذه ضرورة الشاعر. قال العيني: لا ضرورة هنا لأن هذا من الطويل فلو قال: مِن، لا يختل الوزن. انتهى.\nقال الشافعي محتجًَّا بهذا الحديث: إذا رفع رأسه من السجدة الثانية يجلسُ جلسةً خفيفةً ثم ينهضُ معتمدًا بيديه على الأرض. وفي «التلويح»: اختلف العلماء في هذه الجلسة التي تسمى جلسةَ الاستراحة، عقيب الفراغ من الركعة الأولى والثالثة (^٢)، فقال بها الشافعي في قول، وقال ابن الأثير: إنها مستحبة. وقال\n_________\n(^١) في (الأصل): «في» والصواب «من».\n (^٢) في (الأصل): «والثانية» والصواب «والثالثة».","vol":"1","page":226},{"text":"في «الأم»: يقوم من السجدة الثانية، ولم يأمر بالجلوس. فقال بعض أصحابه: إن ذلك على اختلاف حالين إن كان كبيرًا أو ضعيفًا جلس، وإلا لم يجلس. وقال بعض أصحابه: في المسألة قولان: أحدهما: لا يجلس، وبه قال أبو حنيفة ومالك والثوري وأحمد وإسحاق، وروي ذلك عن ابن مسعود وابن عمر وابن عباس وعمر وعلي وأبي الزناد والنخعي. وقال ابن قدامة: وعن أحمد قولٌ إنه يجلس، وهو اختيار الخلال، وقيل إنه فصَّل بين الضعيف وغيره. وقال أحمد: وترْكُ الجلوس عليه أكثر الأحاديث. وقال النعمان بن أبي عياش: أدركت غير واحد من أصحاب رسول الله ﷺ لا يجلس. قال الترمذي: وعليه العمل عند أهل العلم. وقال أبو الزياد (^١): تلك السنة، وأجابوا عن حديث مالك بن الحويرث بأنه: يحتمل ذلك أن يكون بسبب ضعف كان به ﵇. وقال السفاقسي: قال أبو عبد الملك: كيف ذهب هذا الذي أخذ به الشافعي على أهل المدينة والنبي ﷺ، يصلي بهم عشر سنين؟ وصلى بهم أبو بكر وعمر وعثمان والصحابة والتابعون، فأين كان يذهب عليهم هذا المذهب؟ قال الطحاوي: والنظر يوجب أنه ليس بين السجود والقيام جلوس، لأن من بيان الصلاة التكبير فيها والتحميد عند كل خفض ورفع وانتقال من حال إلى حال، فلو كان بينهما جلوس لاحتاج أن يكبِّر عند قيامه من ذلك الجلوس تكبيرة، كما يكبر عند قيامه من الجلوس في صلاته إذا أراد القيام إلى الركعة التي بعد الجلوس. انتهى.\nقلتُ: لا يرجع إلى هذا ثبوتُ فعله ﵇، لذلك قال صاحب «التوضيح»: وجلسة الاستراحة ثابتة في حديث أبي حُميد الساعدي، لا كما نفاها الطحاوي، بل هي ثابتة في حديث المسيء في صلاته في البخاري. قال العيني: ما نفى الطحاوي إلا كونها سنة، وقد روى الترمذي من حديث أبي هريرة: «أن النبي ﷺ كان ينهض في الصلاة معتمدا على صدور قدميه». وقال الترمذي: هذا الحديث عليه العمل عند أهل العلم. فإن قلتَ: في مسنده خالد بن إياس، وقيل: إلياس ضعَّفَه البخاري والنسائي وأحمد وابن معين. قال العيني: قال الترمذي: مع ضعفه يكتب حديثه، ويقويه ما روي عن الصحابة في ذلك على ما ذكرناه. انتهى.\nقلتُ: هذا الحديث لا يقاوم حديث مالك ولا حديث المسيء صلاته، وما نُقِل عن الصحابة لا يرقى في حديث أبي هريرة إلى رتبة الحديثين المذكورين، وحديث مالك اجتمع فيه القول والفعلُ، وما روي عن الصحابة فعلٌ وليس فيه قولٌ بنفي ما أثبتَه مالك بن الحويرث. انتهى. ونُقل عن ابن عمر أنه كان يعتمد عند قيامه، وفَعَلَه مسروق ومكحول وعطاء والحسن، وهو قول الشافعي وأحمد محتجَّيْنِ بهذا الحديث، وأجازه مالك في «العتبية» ثم كرهه\n_________\n(^١) في (الأصل): «أبو الزياد» والصواب «أبو الزناد».","vol":"1","page":227},{"text":"ورأت طائفةٌ أنه لا يعتمد على يديه إلا أن يكونَ شيخًا أو مريضًا، وقال ابن بطال: روي ذلك عن علي والنخعي والثوري، وكره الاعتمادَ ابنُ سيرين وقال صاحب «الهداية»: وما رواه الشافعي - وهو حديث مالك بن الحويرث - محمولٌ على فعله ﵇ بعدما كبر وأسن. قال العيني: فيه تأمل، لأن أنهى ما عُمِّر ﵇ ثلاث وستون سنة، وفي هذا القدر لا يعجز الرجل عن النهوض، اللهم إلا إذا كان لِعذرِ مرضٍ أو جراحةٍ ونحوهما. وفي «التوضيح»: وحمْلُ مالكٍ هذا الحديثَ على حالة الضعف بعيدٌ، وكذا قول من قال: أن مالك بن الحويرث رجل من أهل البادية أقام عند رسول الله ﷺ عشرين ليلة ولعله رآه فعل ذلك في صلاة واحدة لِعذر فظن أنه من سنة الصلاة أبعد وأبعد. انتهى.\nوفي الحديث دليل على أنه يجوز للرجل أن يعلم غيره الصلاة والوضوء، عملًا وعيانًا، كما فعل جبريل، ﵊، بالنبي ﷺ. وفيه: أن التعليم بالفعل أوضح من القول.\n\n <span id=\"b-٢٨٢\"> </span>(٤٦) <span data-type=\"title\" id=toc-282>(بَابٌ: أَهْلُ العِلْمِ وَالفَضْلِ أَحَقُّ بِالإِمَامَةِ)</span>\nأي هذا باب ترجمتُه: أهل العلم والفضل أحق بالإمامة من غيرهم ممن ليس من أهل العلم، قال شيخنا: ومقتضاه أن الأعلم والأفضل أحق من العالم والفاضل، وسيأتي الكلام على ترتيب الأئمَّة بعد بابين. قال العيني: هذا التركيب لا يقتضي أصلًا هذا المعنى، بل مقتضاه أن العالم أحق من الجاهل، والفاضل أحق من غير الفاضل. انتهى. قلتُ: إنما استحق العالِم التقديمَ لأجل ما اتَّصفَ به من الزيادة في أوصافه الحميدة إذْ لا شكَّ أن الأعلمَ فيه زيادةُ وصفٍ جميلٍ على العالم، فمقتضى هذا أن يكون أحق بالإمامة، وقد قرر الفقهاءُ هذا الحكم في الفروع. انتهى. وقال شيخنا أيضًا: وذِكرُ الفضل بعد العلمِ من العام بعد الخاص. قال العيني: هذا إنما يتَمشى إذا أريد من لفظ الفضل معنى العموم، وأما إذا أريد منه معنى خاص لا يتمشى هذا على ما لا يخفى. انتهى.\n\n٦٧٨ - <span id=\"b-٢٨٣\"> </span>قوله: (حَدَّثَني إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ) أي بفتح النون وسكون الصاد المهملة: وهو إسحاق بن إبراهيم بن نصر أبو إبراهيم، وروى عنه البخاري في غير موضع من كتابه، مرةً يقول: حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن نصر، ومرة يقول: حدثنا إسحاق بن نصر، فينسبه إلى جده، ترجمته في باب فضل من علم وعلَّم.\nقوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ) أي ابن علي بن الوليد الجعفي الكوفي، ترجمته (^١).\nقوله: (عَنْ زَائِدَةَ) أي ابن قدامة، ترجمته في باب غسل المذي والوضوء منه.\nقوله: (عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ) أي تصغير عمرو، ابن سويد الكوفي كان معروفًا بعبد الملك القبطي، لأنه كان له فرس سابق يعرف بالقبطي، فنسب إليه، وكان على قضاء الكوفة بعد الشعبي وهو أول مَن عَبَر نهر جيحون نهر بلخ على طريق سمرقند، مات\n_________\n(^١) بياض في (الأصل) بعد قوله: «ترجمته».","vol":"1","page":227},{"text":"سنة ست وثلاثين ومائة وعمره مائة سنة وثلاث سنين.\nقوله: (قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو بُرْدَةَ) أي ابن أبي موسى، ووهِمَ مَن قال: إنه أخوه. واسمه: عامر، ترجمته في باب أيُّ الإسلام أفضل.\nقوله: (عَنْ أَبِي مُوسَى) أي الأشعري، عبد الله بن قيس، ترجمته في الباب أيضًا.\nفي هذا الإسنادِ: التحديثُ بصيغة الجمع في موضع، وبصيغة الإفراد في موضعين، وفيه: العنعنة في ثلاث مواضع. وفيه: القول في ثلاث مواضع، وفيه: نسبة الراوي إلى جده وهو شيخ البخاري، وفيه: رواية التابعي عن التابعي عن الصحابي، وفيه: أن رواته كلهم كوفيون سوى شيخ البخاري. وفيه: أن شيخه من أفراده.\nقال شيخنا: والظاهر أن حديث أبي موسى من مراسيل الصحابة، ويحتمل أن يكون تلقَّاه عن عائشة أو بلال.\nقوله: (قَالَ: مَرِضَ النَّبِيُّ ﷺ، فَاشْتَدَّ مَرَضُهُ، فَقَالَ: «مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ»، قَالَتْ عَائِشَةُ: إِنَّهُ رَجُلٌ رَقِيقٌ، إِذَا قَامَ مَقَامَكَ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ، قَالَ: «مُرِي أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ»، فَعَادَتْ، فَقَالَ: «مُرِي أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ، فَإِنَّكُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفَ»، فَأَتَاهُ الرَّسُولُ، فَصَلَّى بِالنَّاسِ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ).\nمطابقته للترجمة ظاهرة، فإن أبا بكر أفضلُ الصحابة ﵃.\nوهذا الحديث أخرجه البخاري أيضًا في أحاديث الأنبياء ﵈، عن الربيع بن يحيى، وأخرجه مسلم في الصلاة عن أبي بكر بن أبي شيبة.\nقد ذكرنا أكثر معاني هذا الحديث وما يتعلق به في باب حد المريض أن يشهد الجماعة، فإنه روَى هذا الحديث هناك من حديث الأسود عن عائشة، وبَيَّنَّا هناك ما ذُكِر فيه من اختلاف الروايات.\nقوله: (رَقِيقٌ) أي رقيق القلب.\nقوله: (لَمْ يَسْتَطِعْ) أي من البكاء لكثرة الحزن ورقة القلب.\nقوله: (فَعَادَتْ) أي: عائشة إلى مقالتها الأولى.\nقوله: (فَإِنَّكُنَّ)، الخطابُ لجنس عائشة، وإلا فالقياس أن يقال: إنكِ، بلفظ المفرد.\nقوله: (فَأَتَاهُ الرَّسُولُ) أي فأتى أبا بكر رسولُ النبيِّ ﷺ بتبليغ الأمر بصلاته بالناس، وكان الرسولُ هو بلال.\nقوله: (فَصَلَّى بِالنَّاسِ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ) أي إلى أن مات، وكذا صرَّح به موسى بن عقبة في «المغازي».\nفيه: دلالة على فضل أبي بكر ﵁. وفيه: أن أبا بكر صلى بالناس في حياة النبي ﷺ، وكانت في هذه الإمامة - التي هي الصغرى - دلالة على الإمامة الكبرى.\nوفيه: أن الأحق بالإمامة هو الأعلم، واختلف العلماء فيمن هو أولى بالإمامة، فقالت طائفةٌ: الأفقهُ، وبه قال أبو حنيفة ومالك والجمهور. وقال أبو يوسف وأحمد وإسحاق: الأقرأُ، وهو قول ابن سيرين وبعضِ الشافعية، ولا شك في اجتماع هذين الوصفين في حق الصِّديق، ألا ترى إلى قول أبي سعيد:","vol":"1","page":228},{"text":"وكان أبو بكر أعلمَنا، ومراجعة الشارع بأنه هو الذي يصلي يدل على ترجيحه على جميع الصحابة وتفضيله. فإن قلتَ: في حديث أبي مسعودٍ البدري الثابت في مسلم: «يؤم (^١) القوم أقرؤهم لكتاب الله» يعارض هذا؟ قال العيني: لا، لأنه لا يكاد يوجد إذ ذاك قارئ إلا وهو فقيه. انتهى. وأجاب بعضهم: بأن تقديم الأقرأ كان في أول الإسلام حين كان حفاظ الإسلام قليلًا، وقد قُدِّمَ عمرو بن سلمة وهو صغير على الشيوخ لذلك، وكان سالم يؤم المهاجرين والأنصار في مسجد قباء حين أقبلوا من مكة لعدم الحُفَّاظِ حينئذ، وقال الحنفيةُ: أولى الناس بالإمامة أعلمهم بالسُّنَّة، أي بالفقه والأحكام الشرعية إذا كان يُحسِن من القراءة ما تجوز به الصلاة، وهو قول الجمهور، وإليه ذهب عطاء والأوزاعي ومالك والشافعي. وعن أبي يوسف: أقرأ الناس أولى بالإمامة، يعني: أعلمهم بالقراءة وكيفية أداء حروفها ووقوفها وما يتعلق بالقراءة، وهو أحد الوجوه عند الشافعية. وفي «االمبسوط» وغيرِه: إنما قدم الأقرأ في الحديث لأنهم كانوا في ذلك الوقت يتَلَقَّوْنَه (^٢) بأحكامه، حتى روي أن ابن عمر حفظ سورة البقرة في اثني عشرة سنة، فكان الأقرأ فيهم هو الأعلم بالسنة والأحكام. وعن ابن عمر أنه قال: ما كانت تنزل السورة على رسول الله ﷺ إلا ويُعلم أمرُها ونهيُها وزجرُها وحلالُها وحرامُها، والرجل اليوم يقرأ السورة ولا يعرف من أحكامها شيئًا.\nفإن قلتَ: لما كان أقرؤُهم أعلمَهم فما معنى قوله ﵇: «فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة»، وأقرؤهم هو: أعلمهم بالسنة في ذلك الوقت لا محالة على ما قالوا؟ قال العيني: المساواة في القراءة توجيهًا في العلم في ذلك الزمان ظاهرًا لا قطعًا، فجاز تصور مساواة الإثنين في القراءة مع التفاوت في الأحكام، ألا ترى أن أُبَيَّ بن كعب ﵁ كان أقرأ وابن مسعود كان أعلم وأفقه. وفي «االنهاية»: اشتغل بحفظ القرآن ستة: أبو بكر وعثمان وعلي وزيد وأُبَيَّ بن كعب وابن مسعود ﵃، وعمر ﵁ كان أعلم وأفقه من عثمان، ولكن كان يعسُر عليه حفظ القرآن، فجرى كلامه - ﵇ - على الأعم الأغلب.\nفإن قلتَ: الكلام في الأفضلية مع الاتفاق على الجواز على أي وجه كان، وقوله ﷺ: «فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة» بصيغته تدل على عدم جواز إمامة الثاني عند وجود الأول، لأن صيغته صيغة إخبار، وهو في اقتضاء الوجوب آكد من الأمر، وأيضًا فإنه ذَكَره بالشرط والجزاء فكان اعتبارُ الثاني إنما كان بعد وجود الأول لا قبله. قال العيني: صيغة الإخبار لبيان الشرعية لا أنه لا يجوز\n_________\n(^١) في (الأصل): «يقوم» والصواب «يؤم».\n (^٢) في (الأصل): «ينقلونه» والصواب «يتلقونه».","vol":"1","page":228},{"text":"غيره، لقوله: «يمسحُ (^١) المقيمُ يومًا وليلةً». ولئن سلمنا أن صيغة الإخبار محمولة على معنى الأمر، ولكن الأمر يحمل على الاستحباب لوجود الجواز بدون الاقتداء بالإجماع.\nفإن قلتَ: لو كان المراد في الحديث من قوله: «يؤم القومَ أقرؤُهم» هو الأعلم لكان يلزم تكرار الأعلم في الحديث، ويكون التقدير: يؤم القوم أعلمهم، فإن تساووا فأعلمهم؟ قال العيني: المراد من قوله: كان أقرؤهم أعلَمهم، يعني: أعلمهم بكتاب الله دون السنة. ومن قوله: «أعلمهم بالسنة» أعلمهم بأحكام الكتاب والسنة جميعًا. فكان الأعلمُ الثاني غير الأعلمِ الأول.\nفإن قلتَ: حديثُ أبي مسعود الذي أخرجه البخاري ومسلم: «يؤم القوم أقرؤهم...» الحديث، يعارضه قوله ﵇: (مُرُوا أَبَا بَكْرٍ يُصَلِّي بِالنَّاسِ)، إذْ كان فيهم من هو أقرأ منه للقرآن مثل: أُبَيٍّ وغيرِه وهو أولى. قال العيني: حديثُ أبي مسعود كان في أول الهجرة وحديثُ أبي بكر في آخر الأمر، وقد تفقهوا في القرآن، وكان أبو بكر، ﵁، أعلمَهم وأفقهَهم في كلِّ أمرِه، قال أصحابنا - أي الحنفية -: فإن تساووا في العلم والقراءة فأولاهُم أورعُهم. وفي «البدرية»: الورعُ الاجتناب عن الشبهات، والتقوَى الاجتنابُ عن المحرمات، فإن تساووا في القراءة والعلم والورع فأَسَنُّهم أولى بالإمامة لقوله ﵇: «وليؤمكما أكبركما»، وفي «المحيط»: الأسنُّ أوْلى من الأورع وإن لم يكن فيه فسق ظاهر. وقال النووي: المراد بالسنِّ سنٌّ مضى في الإسلام، فلا يُقدَّم شيخٌ أسلم قريبًا على شابٍّ نشأَ في الإسلام أو أسلم قبلَه. قال الحنفية: فإن تساوَوا في السن فأحسنُهم خُلُقًَا، وزاد بعضهم: فإن تساووا فأحسنُهم وجهًا. وفي «مختصر الجواهر»: يُرجَّح بالفضائل الشرعيةِ والخُلُقيةِ والمكانيةِ وكمالِ الصورة، كالشرف في النسبِ والسنِّ، ويُلحَقُ بذلك حسنُ اللباس. وقيل: وبصباحِيَّة الوجه وحُسْنِ الخَلْقِ وبملكِ رَقَبَةِ المكانِ أو منفعته. قال المرغيناني (^٢): المستأجِر أولى من المالك، وفي «الخلاصة»: فإن تساووا في هذه الخصال يُقرَع، أو الخيار إلى القوم. وقيل: إمامة المقيم أولى من العكس، وقال أبو الفضل الكِرماني: هما سواء، وللشافعي قولان: في القديم يُقدَّمُ الأشرف ثم الأقدم هجرة ثم الأسن، وهو الأصح. والقول الثاني: تقديمُ الأسنِّ ثم الأشرف ثم الأقدم هجرةً، وفي «التتمة»: ثم بعد الكِبَرِ والشرَف تقدم نظافة الثوب، والمراد به النظافة عن الوسخ لا عن النجاسات، لأن الصلاة مع النجاسات لا تصح، ثم بعد ذلك حسن الصوت، لأنَّ به تميل الناس إلى الصلاة خلفه فتكثر الجماعة، ثم حُسْنُ الصُّورة.\n\n٦٧٩ - <span id=\"b-٢٨٤\"> </span>قوله: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂)،\n_________\n(^١) في (الأصل): «مسح» والصواب «يمسح».\n (^٢) في (الأصل): «المرغياني» والصواب «المرغيناني».","vol":"1","page":229},{"text":"ترجمة هؤلاء الرواة في بدء الوحي.\nوفي هذا السندِ: التحديثُ بصيغة الجمع في موضع، وفيه: العنعنة في ثلاثِ مواضع، وفيه: الإخبار بصيغة الجمع في موضع، وفيه: القول في موضعين.\nقوله: (قَالَتْ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ فِي مَرَضِهِ: «مُرُوا أَبَا بَكْرٍ يُصَلِّي بِالنَّاسِ». قَالَتْ عَائِشَةُ: قُلْتُ إِنَّ أَبَا بَكْرٍ إِذَا قَامَ فِي مَقَامِكَ لَمْ يُسْمِعِ النَّاسَ مِنَ البُكَاءِ، فَمُرْ عُمَرَ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ لِحَفْصَةَ: قُولِي لَهُ: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ إِذَا قَامَ فِي مَقَامِكَ لَمْ يُسْمِعِ النَّاسَ مِنَ البُكَاءِ، فَمُرْ عُمَرَ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ، فَفَعَلَتْ حَفْصَةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَهْ إِنَّكُنَّ لَأَنْتُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفَ، مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بالنَّاسِ» فَقَالَتْ حَفْصَةُ لِعَائِشَةَ: مَا كُنْتُ لِأُصِيبَ مِنْكِ خَيْرًا)\nمطابقته للترجمة ظاهرة.\nهذا الحديث رواه جماعةٌ عن مالك موصولا، وهو في أكثر نسخ «الموطَّأ» مرسلًا ليس فيه عائشة. وأخرجه البخاري أيضًا في الاعتصام. وأخرجه الترمذي في المناقب عن إسحاق بن موسى عن معن. وأخرجه النسائي في التفسير عن محمد بن سلمة (^١) عن ابن القاسم.\nقوله: (فَلْيُصَلِّ بالنَّاسِ)، ويروى (لِلنَّاسِ)، وهي رواية الكُشْمِيهَني، ويروى (فَلْيُصَلِّي)، بالياء.\nقوله: (مَهْ) كلمةُ بُنِيت على السكون، وهو اسم سُمِّي به الفعلُ، ومعناه: اكفف، لأنه زجرٌ فإن وَصلتَ نوَّنْتَ وقلتَ: مهٍ مهْ.\nقوله: (إِنَّكُنَّ) ويروى (فَإِنَّكُنَّ) أي إن هذا الجنس هن اللاتي شوَّشْن يوسفَ وكدَّرْنَه وأوقعنه في الْمَلامة. فجُمِع باعتبار الجنس، أو لأن أقل الجمع عند طائفةٍ اثنان.\nوهذين الحديثين تقدم الكلامُ على فوائدهما في باب حد المريض أن يشهد الجماعة.\n\n٦٨٠ - <span id=\"b-٢٨٥\"> </span>قوله: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) أي الحكم بن نافع الحمصي، ترجمته في بدء الوحي.\nقوله: (قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) أي ابن أبي حمزة، ترجمته في بدء الوحي أيضًا.\nقوله: (عَنِ الزُّهْرِيِّ) أي محمد بن مسلم بن شهاب، ترجمته في باب إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة.\nقوله: (قَالَ: أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ الأَنْصَارِيُّ وَكَانَ تَبِعَ النَّبِيَّ ﷺ وَخَدَمَهُ وَصَحِبَهُ) ترجمته مِن الإيمان أن يحب لأخيه.\nفي هذا الإسنادِ: التحديثُ بصيغة الجمع في موضع، وفيه: الإخبارُ بصيغة الجمع في موضع وبصيغة الإفراد في موضع، وفيه: العنعنةُ في موضع، وفيه: القولُ في موضعين.\nقوله: (أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ يُصَلِّي بِهِمْ فِي وَجَعِ النَّبِيِّ ﷺ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمُ الِاثْنَيْنِ وَهُمْ صُفُوفٌ فِي الصَّلَاةِ، فَكَشَفَ النَّبِيُّ ﷺ سِتْرَ الحُجْرَةِ يَنْظُرُ إِلَيْنَا وَهُوَ قَائِمٌ كَأَنَّ وَجْهَهُ وَرَقَةُ مُصْحَفٍ، ثُمَّ تَبَسَّمَ يَضْحَكُ، فَهَمَمْنَا أَنْ نَفْتَتِنَ مِنَ الفَرَحِ بِرُؤْيَةِ النَّبِيِّ ﷺ، فَنَكَصَ أَبُو بَكْرٍ عَلَى عَقِبَيْهِ لِيَصِلَ الصَّفَّ، وَظَنَّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَارِجٌ إِلَى الصَّلَاةِ، «فَأَشَارَ إِلَيْنَا النَّبِيُّ ﷺ أَنْ أَتِمُّوا صَلَاتَكُمْ وَأَرْخَى السِّتْرَ فَتُوُفِّيَ مِنْ يَوْمِهِ»).\nمطابقته للترجمة في قوله (أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ يُصَلِّي بِهِمْ).\nقوله (تَبِعَ النَّبِيَّ ﷺ) ما ذُكِر المتبوعُ فيه ليُشعِرَ بالعموم، أي تبعه في\n_________\n(^١) في (الأصل): «مسلمة» والصواب «سلمة».","vol":"1","page":229},{"text":"العقائد والأقوال والأفعال والأخلاق.\nقوله: (وَخَدَمَهُ) أي وخدم النبي ﷺ، إنما ذَكَر خدمته لبيان زيادة شرفه، وهو كان خادمًا له عشر سنين ليلًا ونهارًا. وذَكَر صحبته معه - ﵇ - لأن الصحبة معه أفضلُ أحوال المؤمنين وأعلا مكاناتهم.\nقوله: (يَوْمُ الِاثْنَيْنِ) بالنصب أي كان الزمان يوم الإثنين، ويجوز أن تكون كان تامةً ويكونَ (يَوْمُ الِاثْنَيْنِ) مرفوعًا.\nقوله: (وَهُمْ صُفُوفٌ) جملةٌ اسمية وقعت حالًا.\nوكذا قوله: (يَنْظُرُ) وقعت حالًا، ويروى (فَنَظَرَ).\nقوله: (كَأَنَّ وَجْهَهُ وَرَقَةُ مُصْحَفٍ) الورقة بفتح الراء والمصحف مثلثة الميم، ووجهُ التشبيه عبارةٌ عن الجمال البارع وحُسْنِ الوجه وصفاء البشرة.\nقوله: (يَضْحَكُ (^١» جملةٌ وقعت حالًا تقديره (^٢): فتبسم ضاحكًا، وسبب تبسمِه فرحُه بما رأى من اجتماعهم على الصلاة واتفاق كلمتهم وإقامتهم شريعته ولهذا استنار وجهه. ويروى: (فَضَحِكَ) بفاء العطف.\nقوله: (فَهَمَمْنَا) أي قصدنا.\nقوله: (فَنَكَصَ أَبُو بَكْرٍ) أي رجع.\nقوله: (لِيَصِلَ الصَّفَّ) مِنَ الوُصول لا من الوَصْل. قوله (الصَّفَّ) منصوب بنزع الخافض أي إلى الصفِّ.\nقوله: (فَتُوُفِّيَ مِنْ يَوْمِهِ) ويروى: (وَتُوُفِّيَ) بالواو.\n\n٦٨١ - <span id=\"b-٢٨٦\"> </span>قوله (حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ) أي بفتح الميم، عبد الله بن عمرو، ترجمته في باب قول النبي اللهم علمه الكتاب.\nقوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ) أي ابن سعيد، ترجمته في الباب أيضًا.\nقوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ) أي ابن صهيب، ترجمته في باب حب الرسول من الإيمان.\nقوله: (عَنْ أَنَسٍ) أي ابْنِ مَالِكٍ ﵁، ترجمته في باب من الإيمان أن يحب.\nفي هذا الإسنادِ: التحديثُ بصيغة الجمع في ثلاث مواضع، وفيه: العنعنة في موضعٍ واحد، وفيه القول في ثلاث مواضع، وفيه أن رواته كلهم بصريون.\nقوله: (قَالَ: لَمْ يَخْرُجِ النَّبِيُّ ﷺ ثَلَاثًا، فَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ فَتَقَدَّمُ، فَقَالَ نَبِيُّ اللَّهِ ﵇: بِالحِجَابِ فَرَفَعَهُ، فَلَمَّا وَضَحَ وَجْهُ النَّبِيِّ ﷺ، مَا رَأَيْنَا مَنْظَرًا كَانَ أَعْجَبَ إِلَيْنَا مِنْ وَجْهِ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ وَضَحَ لَنَا، فَأَوْمَأَ النَّبِيُّ ﷺ بِيَدِهِ إِلَى أَبِي بَكْرٍ ﵁ أَنْ يَتَقَدَّمَ، وَأَرْخَى النَّبِيُّ ﷺ الحِجَابَ، فَلَمْ يُقْدَرْ عَلَيْهِ حَتَّى مَاتَ)\nمطابقته للترجمة في قوله: (فَأَوْمَأَ النَّبِيُّ ﷺ بِيَدِهِ إِلَى أَبِي بَكْرٍ) لأن إشارته إليه بالتقدم أمر له بالصلاة للقوم على سبيل الخلافة، ولم يُومِ إلا إليه لكونه أعلمهم وأفضلهم.\nوهذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا في الصلاة عن أبي موسى وهارون الجمال، كلاهما عن عبد الصمد بن عبد الوارث عن أبيه به.\nقوله: (ثَلَاثًا) أي: ثلاثة أيام، وقد قلنا غير مرة: إن المميَّز إذا لم يكن مذكورًا جاز في لفظ العددِ التاءُ وعدمُه. وكان ابتداءُ الثلاث من حين خرج فصلى بهم قاعدًا ﵇.\nقوله: (فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ فَتَقَدَّمُ) ويروى (يَتَقَدَّمُ) بياءِ المضارَعة، وموقعُها حالٌ، أي فذهب متقدمًا.\nقوله: (فَقَالَ نَبِيُّ اللَّهِ ﵇: بِالحِجَابِ فَرَفَعَهُ) أي: أخذ الحجاب فرفعه. وإجراءُ لفظِ: قال بمعنى: فَعَلَ شائعٌ في كلام العرب.\nقوله: (فَلَمَّا وَضَحَ) أي: فلما ظهر وجهُ النبي ﷺ، وقال ابن التين:\n_________\n(^١) في (الأصل): «فضحك» والصواب «يضحك».\n (^٢) كلمة غير واضحة في (الأصل): ولعلها «تقديره».","vol":"1","page":230},{"text":"أي ظهر لنا بياضُه وحُسنه، لأن الوضَّاحَ عند العرب هو الأبيضُ اللونِ الحَسَنُهُ.\nقوله: (مَا رَأَيْنَا) وفي رواية الكُشْمِيهَني: (مَا نَظَرْنَا).\nقوله: (فَأَوْمَأَ النَّبِيُّ ﷺ بِيَدِهِ إِلَى أَبِي بَكْرٍ أَنْ يَتَقَدَّمَ) كلمةُ (أَنْ) مصدريةٌ، أي فأومأ النبي ﷺ إلى أبي بكرٍ بِالتَّقَدُّم إلى الصلاة ليصلي بهم. قال شيخنا: قوله (فَأَوْمَأَ...) إلى آخره ليس مخالفًا لقوله في أول الحديث (فَتَقَدَّمُ أَبُو بَكْرٍ (^١» بل في السياق حذف يظهر من رواية الزهري حيث قال فيها: (فَنَكَصَ أَبُو بَكْرٍ)، والحاصلُ أنه تَقدَّمَ ثم ظَنَّ أن النبي ﷺ يخرُجُ فتأخر فأشار إليه حينئذ أن يرجع إلى مكانه.\nفائدة: وقع في حديث بن عباس في نحو هذه القصة أنه - ﷺ - قال لهم في تلك الحالة ألا وإني نُهيت أن أقرأ راكعًا أو ساجدًا الحديث أخرجه مسلم من رواية عبد الله بن معبد عنه. انتهى.\nقوله: (فَلَمْ يُقْدَرْ عَلَيْهِ) أي على النبي ﷺ، ويُقدَر بضم الياء وفتح الدال بلفظ المتكلم المفرد الغائب (^٢) على صيغة المجهول، ويروى (فَلَمْ نَقْدِرْ) بفتح النون وكسر الدال بلفظ المتكلم، قاله الكِرماني.\nقال العيني: ومما يستفاد منه: أن أبا بكر ﵁ كان خليفةً في الصلاة إلى موت النبي ﷺ ولم يعزله عنها كما زعمت الشيعة أنه عُزِلَ بخروج النبي ﷺ وتخلُّفِه وتقدُّمِ النبي ﷺ. وأن الإشارة باليد تقوم مقام الأمر في مثل هذا الموضع.\n\n٦٨٢ - <span id=\"b-٢٨٧\"> </span>قوله: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ) أي ابن يحيى أبو سعيد الجُعفي الكوفي، سكن مصر ومات بها سنة ثمان، ويقال: سبع وثلاثين ومائتين، ترجمته في باب كتابة العلم.\nقوله: (قَالَ: حَدَّثَني ابْنُ وَهْبٍ) أي عبد الله المصري، ترجمته في باب من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين.\nقوله: (قَالَ: حَدَّثَنِي يُونُسُ) أي ابن يزيد الأَيْلي، ترجمته في بدء الوحي.\nقوله: (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) أي محمد بن مسلم الزهري، ترجمته في باب إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة.\nقوله: (عَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) أي ابن عمر بن الخطاب، أبو عمارة أخو سالم. أَنَّهُ أَخْبَرَهُ، عَنْ أَبِيهِ، أبوه عبد الله بن عمر. قال شيخنا: في كلام ابن بطَّال ما يوهِمُ أنه حمزة بن عمرو الأسلمي، وهو خطأ. انتهى. ترجمته في كتاب الإيمان.\nفي هذا الإسنادِ: التحديثُ بصيغة الجمع في موضع وبصيغة الإفراد في موضعين، وفيه: الإخبار بصيغة الإفراد في موضع، وفيه: العنعنة في ثلاث مواضع، وفيه: القول في ثلاث مواضع، وفيه: أن شيخ البخاري من أفراده، وفيه: أن رواته ما بين كوفي وأيلي ومصري ومدني.\nقوله: (قَالَ: لَمَّا اشْتَدَّ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَجَعُهُ قِيلَ لَهُ فِي الصَّلَاةِ، فَقَالَ: «مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ» قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ رَجُلٌ رَقِيقٌ، إِذَا قَرَأَ غَلَبَهُ البُكَاءُ، قَالَ: «مُرُوهُ فَلْيُصَلِّ» فَعَاوَدَتْهُ، قَالَ: «مُرُوهُ فَلْيُصَلِّ، إِنَّكُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفَ»).\nمطابقته\n_________\n(^١) لفظ الحديث: «فذهب أبو بكر فتقدم».\n (^٢) كذا في (الأصل): «المتكلم المفرد الغائب» ولعل الصواب بدون لفظ «المتكلم».","vol":"1","page":230},{"text":"للترجمة ظاهرة.\nوالحديث أخرجه النسائي أيضًا في عِشرة النساء، عن صفوان بن عمرو عن بِشْر بن شعيب عن أبيه عن الزهري به.\nقوله: (فِي الصَّلَاةِ) أي: في شأن الصلاة وتعيينِ الإمام.\nقوله: (فَلْيُصَلِّ) ويروى: (فَلْيُصَلِّي) بالياء.\nقوله: (فَعَاوَدَتْهُ) بفتح الدال وسكون التاء أي: فعاودَتْه عائشة، ويروى: (فعاودْنَه) بسكون الدال بعدها نون الجمع، وهي: عائشة ومن معها من النساء.\nقوله: (فَقَالَ) ويروى (قَالَ) بدون الفاء.\nقوله: (فَلْيُصَلِّ)، ويروى (فَلْيُصَلِّي) بالياء.\nقوله: (تَابَعَهُ الزُّبَيْدِيُّ) أي بضم الزاي وفتح الباء الموحدة وسكون الياء آخر الحروف وبالدال المهملة، محمد بن الوليد الحمصي أبو الهذيل. قال: أقمت مع الزهري عشر سنين بالرصافة، مات بالشام سنة ثمان وأربعين ومائة، ترجمته في باب متى يصح سماع الصبي. المعنَى: تابع الزبيديُّ يونسَ بن يزيد، ومتابعتُه هذه وصلها الطبراني في «مسند الشاميين» من طريق عبد الله بن سالم الحمصي عنه موصولًا مرفوعًا، وزاد فيه قولها: فمر عمر. وقال فيه: فراجعتْه عائشةُ ﵂.\nقوله: (وَابْنُ أَخِي الزُّهْرِيِّ) أي محمد بن عبد الله بن مسلم، قتله غلمانه بأمر ولده في خلافة أبي جعفر، وقال الواقدي: وكان ولده سفيهًا شاطرًا، قتله للميراث، فوثب غلمانه بعد سِنين فقتلوه. وصل متابعة محمد هذا ليونس ابنُ عدي من رواية الدراوردي عنه، ترجمته في باب ما يُستر من العورة.\nقوله: (وَإِسْحَاقُ بْنُ يَحْيَى الكَلْبِيُّ) أي: تابع يونسَ أيضًا إسحاقُ بن يحيى الكلبي الحمصي، ووصل متابعته هذه أبو بكر بن شاذان البغدادي في نسخة إسحاق بين يحي روايةَ يحيى بن صالح عنه.\nقوله: (عَنِ الزُّهْرِيِّ) قال العيني: يتعلق بالثلاثة المذكورين. قال شيخنا: ظن بعضُهم - أي الكِرماني - أن قولَه عن الزهري أي موقوفًا عليه، وهو فاسد لما بيَّنَّاه. انتهى.\nقوله: (وَقَالَ عُقَيْلٌ) أي بضم العين ابن خالد الأيْلي، ترجمته في بدء الوحي.\nقوله: (وَمَعْمَرٌ) أي بفتح الميمين ابنُ راشد، ترجمته في بدء الوحي أيضًا.\nقوله: (عَنِ الزُّهْرِيِّ) أي المتقدم.\nقوله: (عَنْ حَمْزَةَ) أي المذكور معه أيضًا.\nقوله: (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ) أشار بهذا إلى أن عقيلًا ومعمرًا خالَفَا يونسَ ومَن تابعه فأرسَلا الحديث، قال الكِرماني: الفرق بين رواية الزُّبَيْدي عن الزهري وإسحاق بن يحيى، وبين رواية عُقَيل ومَعمَر أن الأولى متابعة والثانية مقاولة. قال شيخنا: ومراده بالمقاولةِ الإتيانُ فيها بصيغةِ قالَ، وليس في اصطلاح النحويين (^١) صيغة مقاولة، وإنما السر في تركه عطف رواية عقيل ومعمر على رواية يونس ومن تابعه أنهما أرسلا الحديث وأولئك وصلوه، فأما رواية عقيل فوصلها الذهلي في الزهريات، وأما معمر فاختلفا عليه فرواه عبد الله بن المبارك عنه مرسلًا كذلك أخرجه ابن سعد وأبو يعلى مِن طريقه، ورواه عبد الرزاق عن معمر موصولًا لكن قال: عن عائشة، بدل قوله: عن أبيه، كذلك أخرجه مسلم وكأنه تَرجَّح عنده لكون عائشة صاحبة القصة ولقاءُ حمزة لها ممكن، وترجح الأولُ عند البخاري، لأن المحفوظ\n_________\n(^١) كذا في (الأصل): «النحويين» ولعل الصواب «المحدثين» كما هو مثبت في فتح الباري.","vol":"1","page":231},{"text":"في هذا عن الزهري من حديث عائشة روايتُه كذلك عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عنها. ومما يؤيده أن في رواية عبد الرزاق عن معمر متصلًا بالحديث المذكور أن عائشة قالت: لقد عاودته وما حملني على معاودته إلا أني خشيت أن يتشاءم الناس بأبي بكر. الحديث. وهذه الزيادة إنما تُحَفظ من رواية الزهري عن عبيد الله (^١) عنها لا من رواية الزهري عن حمزة، وقد روى الإسماعيلي هذا الحديث عن الحسن بن سفيان عن يحيى بن سليمان شيخِ البخاري عنه مُفصَّلًا جَعل أولَه من رواية الزهري عن حمزة عن أبيه بالقدْر الذي أخرجه البخاري، وآخرَه من رواية الزهري عن عبيد الله عنها والله أعلم.\n\n <span id=\"b-٢٨٨\"> </span>(٤٧) <span data-type=\"title\" id=toc-288>(بَابُ مَنْ قَامَ إِلَى جَنْبِ الإِمَامِ لِعِلَّةٍ)</span>\nأي هذا باب في بيان حكم مَن قام مِن المصلين إلى جنب الإمام لأجل علة، وإنما قال هذا لأن الأصل أن يتقدم الإمام على المأموم، ولكن للمأموم أن يقف بجنب الإمام عند وجود سبب يقتضي ذلك: أحده: هو العلة التي ذكره. والثاني: ضيق الموضع، فلا يقدر الإمام على التقدم فيكون مع القوم في الصف. والثالث: جماعة العراة فإنَّ إمامهم يقف معهم في الصف. والرابع: أن يكون مع الإمام واحد فقط يقف عن يمينه، كما فعل النبي ﷺ بابن عباس إذْ أَداره من خلفه إلى يمينِه، وبهذا يُرَدُّ على التميمي حيث حصر الجواز المذكور على صورتين فقال: لا يجوز أن يكون أحد مع الإمام في صف إلا في موضعين: أحدهما: مثلُ ما في الحديث من ضيق الموضع وعدم القدرة على التقدم. والثاني: أن يكون رجلٌ واحدٌ مع الإمام، كما فعل النبي ﷺ بابن عباس.\n\n٦٨٣ - <span id=\"b-٢٨٩\"> </span>قوله: (حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ يَحْيَى) أي ابن عمر بن حُصين، ترجمته في باب إذا لم يجد ماءً ولا ترابًا في التيمم.\nقوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ) أي عبد الله، ترجمته في باب الخيمة في المسجد للمرضى وغيرهم.\nقوله: (قَالَ: أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ) أي ابن الزبير.\nقوله: (عَنْ أَبِيهِ) أي عروة بن الزبير.\nقوله: (عَنْ عَائِشَةَ) أي الصِّدِّيقة ﵂، ترجمتها هي وعروة في بدء الوحي أيضًا.\nفي هذا الإسنادِ: التحديثُ بصيغة الجمع في موضعين، والإخبارِ كذلك في موضع، والعنعنةِ في موضعين، وفيه: القول في ثلاث مواضع.\nقوله: (قَالَتْ: أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَبَا بَكْرٍ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ فِي مَرَضِهِ، فَكَانَ يُصَلِّي بِهِمْ، قَالَ عُرْوَةُ: فَوَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي نَفْسِهِ خِفَّةً، فَخَرَجَ، فَإِذَا أَبُو بَكْرٍ يَؤُمُّ النَّاسَ، فَلَمَّا رَآهُ أَبُو بَكْرٍ اسْتَأْخَرَ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ: «أَنْ كَمَا أَنْتَ»، فَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِذَاءَ أَبِي بَكْرٍ إِلَى جَنْبِهِ، فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي بِصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ بِصَلَاةِ أَبِي بَكْرٍ ﵁).\nمطابقته للترجمة ظاهرة.\nهذا الحديث أخرجه مسلم في الصلاة أيضًا عن أبي بكر بن أبي\n_________\n(^١) في (الأصل): «عبد الله» والصواب «عبيد الله».","vol":"1","page":231},{"text":"شيبة وأبي كريب ومحمد بن عبد الله بن نمير به، وأخرجه ابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة به.\nقوله: (قَالَ عُرْوَةُ...) إلى آخره، قال الكِرماني: من ههنا إلى آخره موقوف عليه، وهو من مراسيل التابعين ومن تعليقات البخاري، ويحتمل دخوله تحت الإسناد الأول. انتهى. قال شيخنا: هو بالإسناد المذكور، ووهِم من جعله معلقًا ثم إن ظاهره الإرسال من قوله (فَوَجَدَ...) إلى آخره لكن رواه ابن أبي شيبة عن ابن نمير بهذا الإسناد متصلًا بما قبله، وأخرجه ابن ماجه عنه وكذا (^١) وصله الشافعي عن يحيى بن حسان (^٢) عن حماد بن سلمة عن هشام، وكذا وصله غيرُ عروة عنها كما تقدم. انتهى.\nفإن قلتَ: إذا كان الحديثُ متصلًا فلم قطعه عروة عن القدْر الأول الذي أخذه عن عائشة؟ أجيب: بأنه يحتمل أن يكون عروة أخذه عن غير عائشة، فقطع الثاني عن القدْر الأول لذلك.\nقوله: (اسْتَأْخَرَ) أي: تأخر.\nقوله: (أَنْ كَمَا أَنْتَ) كلمةُ ما موصولةٌ. وأنتَ مبتدأٌ وخبرُه محذوف، أي كما أنت عليه أو فيه، والكافُ للتشبيه. أي كن مشابهًا لما أنت عليه، أي يكون حالك في المستقبل مشابهًا بحالك في الماضي. ويجوز أن تكون الكاف زائدة، أي اِلزَمْ الذي أنت عليه، وهو الإمامة.\nقوله: (حِذَاءَ أَبِي بَكْرٍ) أي: محاذيًا من جهة الجنب لا من جهة القُدَّام والخلف، ولا منافاة بين قوله في الترجمة: (قَامَ إِلَى جَنْبِ الإِمَامِ)، وهنا قال: (جَلَسَ... إِلَى جَنْبِهِ)، لأن القيام إلى جنب الإمام قد يكون انتهاؤه بالجلوس في جنبه، ولا شك أنه كان قائمًا في الابتداء ثم صار جالسًا، أو قاس القيام على الجلوس في جواز كونه في الجنب، أو المراد: قيامُ أبي بكر لا قيام رسول الله ﷺ، والمعنى: قام أبو بكر بجنب رسول الله ﷺ محاذيًا له لا متخلفًا عنه، لغرض مشاهدة أحوال رسول الله ﷺ.\nومما يستفاد منه: جواز الإشارة المفهِمة عند الحاجة، وجواز جلوس المأموم إلى جنب الإمام عند الضرورة والحاجة. قال شيخُنا: الأصل في الإمام أن يكون متقدمًا على المأموم إلا إن ضاق المكان أو لم يكن إلا مأمومٌ (^٣) واحدٌ، وكذا لو كانوا عراة، وما عدا ذلك يجوز ويجزئُ ولكن تفوت الفضيلة. انتهى.\nوفي الحديث إشعار بصحة صلاة المأموم وإن لم يتقدم الإمام عليه، كما هو مذهب المالكية. وأجيب: بأنه قد يكون بينهما المحاذاة مع تقدم العقِب على عقب المأموم، أو جازَ محاذاة العقبيْن لا سيما عند الضرورة أو الحاجة. وفيه: دلالة أن الأئمة إذا كانوا بحيث لا يراهم من يأتمُّ بهم جاز أن يركع المأموم بركوع المكبِّر. وفيه: أن العمل القليل لا يُفسِد الصلاة، ففي قوله: استأخر، دليل واضح أنه لم يكن عنده مستنكرًا أن يتقدم الرجل عن مَقامه الذي قام فيه في صلاته ويتأخر، وذلك عملٌ في الصلاة مِن غيرها، فكلُّ ما كان نظير ذلك فَفَعله فاعلٌ في صلاته لأمرٍ دعاه إليه فذلك جائز.\n\n <span id=\"b-٢٩٠\"> </span>(٤٨) <span data-type=\"title\" id=toc-290>(بَابُ مَنْ دَخَلَ لِيَؤُمَّ النَّاسَ، فَجَاءَ الإِمَامُ الأَوَّلُ، فَتَأَخَّرَ الأَوَّلُ </span>أَوْ لَمْ يَتَأَخَّرْ، جَازَتْ صَلَاتُهُ)\n_________\n(^١) في (الأصل): «ذكرًا» والصواب «وكذا».\n (^٢) في (الأصل): «حيان» والصواب «حسان» كما في مسند الشافعي.\n (^٣) في (الأصل): «المأموم» والصواب «إلا مأمومٌ» كما في فتح الباري.","vol":"1","page":232},{"text":"أي هذا بابٌ ترجمته من دخل... إلى آخره.\nقوله: (الإِمَامُ الأَوَّلُ) أي الراتب.\nقوله: (فَتَأَخَّرَ الأَوَّلُ) أي الذي أراد أن ينوب عن الراتب، والمعرفة إذا أعيدت إنما تكون عينَ الأُولى عند عدم القرينة الدالة على المغايَرة، وقرينةُ كونها غيرَها هنا ظاهرة، ويروى (فَتَأَخَّرَ الآخَرُ)، والمراد منه الداخل. وكلٌّ منهما أولٌ باعتبار.\nقوله: (فِيهِ عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ) أي في المذكور من قوله: (فَجَاءَ الإِمَامُ (^١) الأَوَّلُ، فَتَأَخَّرَ الأَوَّلُ...) إلى آخره، قال شيخنا: يشير بالسبق (^٢) الأول وهو ما إذا تأخر إلى رواية عروة عنها في الباب الذي قبله حيث قال: فلما رآه استأخر، والثاني وهو ما إذا لم يستأخر إلى رواية عبيد الله عنها حيث قال: فأراد أبو بكر أن يتأخر. وقد تقدمتْ في باب حد المريض، والجوازُ مستفاد من التقرير وكلا الأمرين قد وقعا في حديث الباب.\n\n٦٨٤ - <span id=\"b-٢٩١\"> </span>قوله: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ) أي التنيسي.\nقوله: (قَالَ: أَخْبَرَنَي مَالِكٌ) أي ابن أنس، ترجمتهما في بدء الوحي.\nقوله: (عَنْ أَبِي حَازِمِ بْنِ دِينَارٍ) أي بالحاء المهملة والزاي، واسمه سلمة، ترجمته في باب غسل المرأة أبَاها الدم.\nقوله: (عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ) أي الأنصاري، ترجمته في الباب أيضًا.\nفي هذا الإسنادِ: التحديثُ بصيغة الجمع في موضع واحد، وفيه: الإخبارُ بصيغة الإفراد، وفيه: العنعنة في موضعين، وفيه: القول في موضع واحد، وفيه: عن سهل، وفي رواية النسائي من طريق سفيان (^٣) عن أبي حازم سمعت سهلًا، وفيه: أن رواته ما بين تنسي ومدني.\nقوله: (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ذَهَبَ إِلَى بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ لِيُصْلِحَ بَيْنَهُمْ، فَحَانَتِ الصَّلَاةُ، فَجَاءَ المُؤَذِّنُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ، فَقَالَ: أَتُصَلِّي لِلنَّاسِ فَأُقِيمَ؟ قَالَ: نَعَمْ فَصَلَّى أَبُو بَكْرٍ، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالنَّاسُ فِي الصَّلَاةِ، فَتَخَلَّصَ حَتَّى وَقَفَ فِي الصَّفِّ، فَصَفَّقَ النَّاسُ وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ لَا يَلْتَفِتُ فِي صَلَاتِهِ، فَلَمَّا أَكْثَرَ النَّاسُ التَّصْفِيقَ التَفَتَ (^٤)، فَرَأَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَنِ امْكُثْ مَكَانَكَ»، فَرَفَعَ أَبُو بَكْرٍ يَدَيْهِ، فَحَمِدَ اللَّهَ عَلَى مَا أَمَرَهُ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ ذَلِكَ، ثُمَّ اسْتَأْخَرَ أَبُو بَكْرٍ حَتَّى اسْتَوَى فِي الصَّفِّ، وَتَقَدَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَصَلَّى، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: «يَا أَبَا بَكْرٍ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَثْبُتَ إِذْ أَمَرْتُكَ» فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: مَا كَانَ لِابْنِ أَبِي قُحَافَةَ أَنْ يُصَلِّيَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَا لِي رَأَيْتُكُمْ أَكْثَرْتُمُ التَّصْفِيقَ، مَنْ نَابَهُ شَيْءٌ فِي صَلَاتِهِ، فَلْيُسَبِّحْ فَإِنَّهُ إِذَا سَبَّحَ التُفِتَ إِلَيْهِ، وَإِنَّمَا التَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ»).\nمطابقته للترجمة في قوله: (ثُمَّ اسْتَأْخَرَ أَبُو بَكْرٍ حَتَّى اسْتَوَى فِي الصَّفِّ، وَتَقَدَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَصَلَّى).\nوهذا الحديث أخرجه البخاري في سبعة\n_________\n(^١) «الإمام» ساقطة من (الأصل).\n (^٢) كذا في (الأصل): «بالسبق» ولعل الصواب «بالشق».\n (^٣) في (الأصل): «شعبان» والصواب «سفيان».\n (^٤) «التفت» ساقطة من (الأصل).","vol":"1","page":232},{"text":"مواضع: هنا وفي الصلاة أيضًا فيما يجوز من التسبيح والحمدِ للرجال ورفعِ الأيدي فيها لأمرٍ ينزل به والإشارةِ فيها والسهو والصلح والأحكام. وأخرجه مسلم في الصلاة عن قتيبة وعن محمد بن عبد الله بن بَزِيع وعن يحيى بن يحيى. وأخرجه أبو دواد عن القَعْنَبي وعن عمرو بن عون، وأخرجه النسائي عن محمد بن عبد الله وعن أحمد بن عبده.\nقوله: (إِلَى بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ) هم من ولد مالك بن الأوس والخزرج، وبنو عمرو بن عوف بطنٌ كبير من الأوس فيه عدة أحياء منهم: بنو أمية بن زيد بن مالك بن عوف بن عمرو بن عوف، وبنو ضبيعة بن زيد، وبنو ثعلبة بن عمرو بن عوف. والسبب في ذهابه ﵇ إليهم ما رواه البخاري في الصلح من طريق محمد بن جعفر عن أبي حازم: (أَنَّ أَهْلَ قُبَاءٍ اقْتَتَلُوا حَتَّى تَرَامَوْا بِالحِجَارَةِ، فَأُخْبِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِذَلِكَ، فَقَالَ: «اذْهَبُوا بِنَا نُصْلِحُ بَيْنَهُمْ»). وروَى في الأحكام من طريق حماد بن زيد أن توجهه كان بعد أن صلى الظهر. وروى الطبراني من طريق عمر بن علي عن أبي حازم أن الخبر جاء بذلك وقد أذَّن بلال لصلاة الظهر.\nقوله: (فَحَانَتِ الصَّلَاةُ) أي صلاة العصر، وصرَّح به في الأحكام. ولفظه: (فَلَمَّا حَضَرَتْ صَلَاةُ العَصْرِ، فَأَذَّنَ بِلَالٌ وَأَقَامَ، وَأَمَرَ أَبَا بَكْرٍ فَتَقَدَّمَ) ولم يبين فاعلَ ذلك، وقد أخرجه أبو داود في «سننه» بسند صحيح، ولفظه: كان قتالٌ بين بني عمرو بن عوف فبلغ ذلك النبيَّ ﷺ فأتاهم ليصلح بينهم بعد الظهر، فقال لبلال: «إن حضرتْ صلاةُ العصر ولم آتك فمُرْ أبا بكر فليصل بالناس»، فلما حضرت صلاة العصر أذن بلال ثم أقام ثم أمر أبا بكر فتقدم. وعُلم من ذلك أن المراد من قوله: (فَجَاءَ المؤَذِّنُ) هو: بلال.\nقال شيخنا: وأخرجه أحمد وابن حبان من رواية حماد المذكورة، ونحوُه للطبراني من رواية موسى بن محمد عن أبي حازم.\nقوله: (فَقَالَ) أي المؤذن الذي هو بلال.\nقوله: (أَتُصَلِّي لِلنَّاسِ؟) الهمزة فيه للاستفهام على سبيل التقرير، وبهذا يندفع إشكال من يقول: هذا يخالف ما ذُكِر في رواية أبي داود من قوله: ثم أمَرَ أبا بكر فتقدم. لأنه يُحمل على أنه استفهمه هل يبادر أولَ الوقت أو ينتظر قليلًا ليأتي النبيُّ ﷺ، ورجح عند أبي بكر المبادرة، لأنها فضيلة محققة فلا تُترك لفضيلة متوهمة. قال شيخنا: وفي هذه الزيادة أي التي في رواية أبي داود رَدٌّ لما اختاره الروياني أن الإمام الراتب إذا غاب ولم يستنِبْ أحدًا أنَّ الحاضرين يقدمون منهم رجلًا يؤمُهم، واحتج مِن حديث الباب بفعل أبي بكر ولم ينكر النبي ﷺ ذلك، وقد أفادت الزيادة المذكورة أنَّ النبي ﷺ عَهِد إلى بلال أن يقدم أبا بكر إذا أبطأ هو عن العادة التي كان يصلي فيها، لأن محله إذا لم يقع من الإمام الراتب استنابةٌ.\nقوله: (فَأُقِيمَ) قال الكِرماني: بالرفع والنصب، وسكت على ذلك. قال العيني: وجه الرفع على أنه خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ تقديره: فأنا أقيمُ، ووجه النصب على أنه جواب الاستفهام، والتقدير: فأن أقيمَ؟","vol":"1","page":233},{"text":"قوله: (قَالَ نَعَمْ) أي قال أبو بكر: نعم أقم الصلاة، وزاد في رواية عبد العزيز (^١) عن أبي حازم عن أبيه لفظة: (إِنْ شِئْتَ). وأخرج البخاري هذه الرواية في باب رفع الأيدي، ووجه هذا التفويض إليه لاحتمال أن يكون عنده زيادةُ علمٍ من النبي ﷺ في ذلك. قلت: قال علماء اللسان: نعم بفتح العين وكذا بكسرها، وهي حرفُ تصديقٍ ووعد وإعلام: فالأول: بعد الخبر كقام زيدٌ أو ما قام زيدٌ، والثاني: بعد افعل أو لا تفعل وما في معناهما نحو: أتفعل؟ وهلَاّ لم تفعل؟ وبعد الاستفهام في نحو: هل تعطيني؟ ويحتمل أن تفسر في هذا بالمعنى. والثالث: المعنيين بعد الاستفهام في نحو: هل جاءك زيد؟ ونحو: ﴿فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا﴾ [الأعراف: ٤٤]، ﴿إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا﴾؟ [الأعراف: ١١٣]. وهي في الحديث بالمعنى الثاني. انتهى.\nقوله: (فَصَلَّى أَبُو بَكْرٍ) ليس على حقيقته، بل معناه دخل في الصلاة، ويدل عليه رواية عبد العزيز: (وَتَقَدَّمَ أَبُو بَكْرٍ فَكَبَّرَ) وفي رواية المسعودي عن أبي حازم: (فَاسْتَفْتَحَ أَبُو بَكْرٍ الصَّلَاةَ)، وهي عند الطبراني. وبهذا يجاب عن الفرق بين المقامين حيث امتنع هنا أن يستمرَّ إمامًا وحيث استمر في مرض موته ﵇ حين صلى خلفه الركعة الثانية من الصبح، كما صرح به موسى بن عقبة في «المغازي» فكأنه لَمَّا أن مضى معظم الصلاة حسُن الاستمرارُ، ولما أنْ لم يمض منها إلا اليسيرُ لم يستمر، وكذا وقع لعبد الرحمن بن عوف حيث صلى النبي ﷺ خلفه الركعة الثانية من الصبح، فإنه استمر في صلاته إمامًا لهذا المعنى، وقصة عبد الرحمن عند مسلم من حديث المغيرة بن شعبة.\nقوله: (وَالنَّاسُ فِي الصَّلَاةِ) جملة حالية، يعني: شرعوا فيها مع شروع أبي بكر.\nقوله: (فَتَخَلَّصَ) قال الكِرماني: صار خالصًا من الأشغال. قال العيني: ليس المراد هذا المعنى ههنا، بل معناه فتخلص من شق الصفوف حتى وصل إلى الصف الأول. انتهى. قال شيخنا: في رواية عبد العزيز: فجاء النبي ﷺ يمشي في الصفوف يشقها شقًا حتى قام في الصف الأول، ولمسلم: فخرَق الصفوف حتى قام عند الصف الْمُقَدَّم.\nقوله: (فَصَفَّقَ النَّاسُ) بتشديد الفاء، من التصفيق. قال الكِرماني: التصفيق الضربُ الذي يُسمَع له صوت، والتصفيق باليد التصويتُ بها. انتهى. قال العيني: التصفيق هو التصفيحُ بالحاء سواءٌ صفَّق بيده أو صفح. وقيل: هو بالحاء الضربُ بظاهر اليد إحداهما على صفحة الأخرى، وهو للإنذار والتنبيه. وبالقاف: ضرب إحدى الصفحتين على الأخرى، وهو لَّلهو واللعب. وقال أبو داود: قال عيسى بن أيوب: التصفيحُ للنساء ضربٌ بإصبعين من يمينها على كفها اليسرى. وقال الداودي: في بعض الروايات: فصفَّح القوم. وإنما التصفيح للنساء. يحتمل أنهم ضربوا أكفهم على أفخاذهم. قال العيني: في رواية عبد العزيز: فأخذ الناس في التصفيح، قال سهل: أتدرون ما التصفيح؟ هو التصفيق. قال شيخنا: وهذا\n_________\n(^١) في (الأصل): «عبد الرزاق» والصواب «عبد العزيز».","vol":"1","page":233},{"text":"يدل على ترادفهما عنده فلا يلتفت إلى ما يخالف ذلك، وسيأتي البحث فيه في باب مفرد إن شاء الله تعالى.\nقوله: (وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ لَا يَلْتَفِتُ فِي صَلَاتِهِ (^١» وذلك لعلمه بالنهي عن ذلك. وفي صحيح ابن خزيمة: سألت عائشة النبي ﷺ عن التفات الرجل في صلاته فقال: «هو اختلاسٌ يختلسه الشيطانُ من صلاة الرجل». قال شيخنا: وسيأتي في بابٍ مفرد في صفة الصلاة.\nقوله: (فَلَمَّا أَكْثَرَ النَّاسُ التَّصْفِيقَ) وفي رواية حماد بن زيد: (فَلَمَّا رَأَىْ التَّصْفِيْحَ لَا يُمْسَكُ عَنْهُ الْتَفَتَ).\nقوله: (فَأَشَارَ إِلَيْهِ أَنِ امْكُثْ مَكَانَكَ) كلمة (أَنِ)، مصدرية، والمعنى: فأشار إليه النبي ﷺ بالْمَكث في مكانه. وفي رواية عبد العزيز: (فَأَشَاْرَ إِلَيْهِ يَأْمُرُهُ بِأَنْ يُصَلِّيَ)، وفي رواية عمر بن علي: (فَدَفَعَ فِيْ صَدْرِهْ لِيَتَقَدَّمَ فَأَبَىْ).\nقوله: (فَرَفَعَ (^٢) أَبُو بَكْرٍ يَدَيْهِ فَحَمِدَ اللَّهَ). ظاهرُه أنه حمِد الله بلفظه صريحًا، لكن في رواية الحميدي عن سفيان: (فَرَفَعَ أَبُو بَكْرٍ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ شُكْرًَا لِلّهِ وَرَجَعَ القَهْقَرَى)، وادعى ابن الجوزي أنه أشار بالشكر والحمد بيده ولم يتكلم، وليس في رواية الحميدي ما يمنع أن يكون بلفظ، ويقوي ذلك ما رواه أحمد في رواية عبد العزيز الماجِشون عن أبي حازم: «يا أبا بكر لم رفعت يديك؟ وما منعك أن تثبت حين أشرت إليك؟» قال: رفعتُ يديَّ لأنِّي حمدتُ الله على ما رأيت منك. وزاد المسعودي: فلما تنحى تقدم النبي ﷺ. ونحوُه في رواية حماد بن زيد.\nقوله: (فَلَمَّا انْصَرَفَ) أي رسول الله ﷺ من الصلاة.\nقوله: (إِذْ أَمَرْتُكَ) أي حين أمرتك.\nقوله: (لِابْنِ أَبِي قُحَافَةَ) بضم القاف وتخفيف الحاء المهملة وبعد الألف فاء، واسمه عثمان بن عامر القرشي، أسلم عام الفتح، عاش إلى خلافة عمر ﵁، ومات سنة أربع عشرة، وإنما لم يقل أبو بكر: ما لي، أو: ما لأبي بكر تحقيرًا لنفسه واستصغارًا لمرتبته عند رسول الله ﷺ. وقد تقدمت ترجمته أيضًا في باب الخوخة والممر في المسجد.\nقوله: (أَنْ يُصَلِّيَ). في رواية الحمَّاديْن والماجِشون: (أَنْ يَؤُمَّ النَّبِيَّ ﷺ).\nقوله: (بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ) والمراد بين يدي: القُدَّامُ. وقال الكِرماني: أو لفظُ يدي مقحم (^٣). قال العيني: إذا كان لفظ: يدي مقحمًا لا ينتظم المعنى على ما لا يخفى.\nقوله: (أَكْثَرْتُمُ التَّصْفِيقَ) ظاهرُه أن الإنكار إنما حصل عليهم لكثرته لا لمطلقه. قال شيخنا: وسيأتي البحث فيه.\nقوله: (مَنْ نَابَهُ) أي من أصابه.\nقوله: (فَلْيُسَبِّحْ) أي فليقل: سبحان الله، وكذا هو في رواية يعقوب بن عبد الرحمن عن أبي حازم (فَلْيَقُلْ: سُبْحَانَ الله) وسيأتي في باب الإشارة في الصلاة.\nقوله: (التُفِتَ) بضم المثناة على صيغة المجهول وفي رواية يعقوب المذكورة: (فَإِنَّهُ لَا يَسْمَعُهُ أَحَدٌ حِينَ يَقُولُ سُبْحَانَ اللَّهِ إِلَاّ الْتَفَتَ).\nقوله: (وَإِنَّمَا التَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ) وفي رواية عبد العزيز: (وَإِنَّمَا التَّصْفِيحُ لِلنِّسَاءِ)، زاد الحميدي: (وَالتَّسْبِيحُ لِلرِّجَالِ). وقد روى المصنف هذه الجملة الأخيرة مقتصرا عليها من رواية الثوري عن أبي حازم كما سيأتي في باب التصفيق للنساء،\n_________\n(^١) في (الأصل): «صلاة» والصواب «صلاته».\n (^٢) في (الأصل): «فوقع» والصواب «فرفع».\n (^٣) في (الأصل): «معجم» والصواب «مقحم».","vol":"1","page":234},{"text":"ووقع في رواية حماد بن زيد بصيغة الأمر، ولفظه: (إِذَا نَابَكُمْ أَمْرٌ، فَلْيُسَبِّحِ الرِّجَالُ، وَلْيُصَفِّحِ النِّسَاءُ).\nفي هذا الحديث فضل الإصلاح بين الناس وجمع كلمة القبيلة وحسم مادة القطيعة، وتوجُّهُ الإمام بنفسه إلى بعض رعيته لذلك، وتقديمُ مثل ذلك على مصلحة الإمام بنفسه. واستُنبِط منه توجهُ الحاكم لسماع دعوى بعض الخصوم إذا رَجَحَ ذلك على استحضارهم.\nوفيه: جواز الصلاة الواحدة بإمامين أحدُهما بعد الآخر، وأَنَّ الإمام الراتب إذا غاب يستخلف غيرَه، وأنه إذا حضر بعد أن دخل نائبُه في الصلاة يتخير بين أن يأتم به أو يؤم هو ويصيرَ النائبُ مأمومًا من غير أن يقطع الصلاة، ولا يبطُل بشيءٍ من ذلك صلاةُ أحدٍ من المأمومين. وادعى ابنُ عبد البر أن ذلك من خصائص النبي ﷺ، وادعى الإجماعَ على عدم جواز ذلك لغيره ﷺ، ونوقض بأن الخلاف ثابت، فالصحيحُ المشهور عند الشافعية: الجوازُ، وعن ابن القاسم في الإمام يُحِدثُ فيستخلفُ ثم يرجع فيَخرُج المستخلَف ويُتِمُّ الأول: أن الصلاة صحيحةٌ. قال العيني: هذا خَرْقُ الإجماعِ السابقِ قَبْلَ هؤلاء الشافعية، وَخَرْقُ الإجماع باطل. انتهى.\nوفيه: جواز إحرام المأموم قبل الإمام، وأن المرء قد يكون في بعض صلاته إمامًا وفي بعضها مأمومًا، وأن من أحرم منفردا ثم أقيمت الصلاة جاز له الدخول مع الجماعة من غير قطعٍ لصلاتِه، كذا استنبطه الطبري من هذه القصة، وهو مأخوذ من لازم جواز إحرام الإمام بعد المأموم. قال العيني: هذا قول غير صحيح يَرُدُّهُ قوله ﵇: «إذا كبَّر الإمامُ فكبروا»، ولفظ البخاري: «فإذا كبَّرَ فكبروا»، وقد رَتب تكبير المأموم على تكبير الإمام فلا يصح أن يسبقه. وقال ابن بطال: لا أعلم من يقول: إن من كبر قبل إمامه فصلاته تامة إلا الشافعي بناء على مذهبه، وهو أن صلاة المأموم غير مرتبطة بصلاة الإمام، وسائر الفقهاء لا يجيزون ذلك. انتهى. قلت: الحديث حجة على من خالفَ الشافعيَّ ﵀.\nوفيه: فضل أبي بكر على جميع الصحابة، واستدل به جمع من الشرَّاح ومن الفقهاء كالروياني على أن أبا بكر كان عند الصحابة أفضلهم لكونهم اختاروه دون غيره. وعلى جواز تقديم الناس لأنفسهم إذا غاب إمامهم، قالوا: ومحل ذلك إذا أُمِنت الفتنةُ والإنكار من الإمام، وأن الذي يتقدم نيابةً عن الإمام يكون أصلحَهم لذلك الأمر وأقومَهم به، وأن المؤذن وغيره يعرِض التقدم على الفاضل، وأنَّ الفاضل يوافقُه بعد أن يعلمَ أن ذلك بِرِضَى الجماعة. انتهى. وكل ذلك مبني على أن الصحابة فعلوا ذلك بالاجتهاد وقد قدمنا أنهم إنما فعلوا ذلك بأمر النبي ﷺ.\nوفيه: أن الإقامة واستدعاء الإمامِ مِن وظيفةِ المؤذن. وأنه لا يقيم إلا بإذن الإمام. وأنَّ فِعْلَ ذلك - لا سيما العصر - مِن","vol":"1","page":234},{"text":"أول الوقت متقدم على انتظار الإمامِ الأفضلِ.\nوفيه: أن المؤذن هو الذي يقيم وهذا السنة، فإن أقام غيرُه كان خلاف السنة. قيل: يعتد بإذنه عند الجمهور. قال العيني: وبغير إذنه أيضا يُعتَدُّ به، وإذا أقام غير المؤذن أيضًا يُعتَدُّ عندنا، لقوله ﵇ لعبد الله بن زيد حين رأى الأذان: «ألقها على بلال فإنه أمدُّ صوتًا منك، وأقم أنت». وقولُه ﵇: «مَن أذَّن فهو يقيمُ» كان في حق زياد بن الحارث الصُّدائي، وكان حديث العهد بالإسلام، أمره به لئلا يدخلَه الوحشةُ.\nوفيه: جواز التسبيح والحمد في الصلاة لأنه من ذكر الله، ولو كان مرادُ المسبِّحِ إعلامُ غيره بما صدر منه، وسيأتي في باب مفرد.\nوفيه: رفع الأيدي في الصلاة عند الدعاء والثناء وسيأتي كذلك.\nوفيه: استحبابُ حمد الله لمن تجددتْ له نعمةٌ ولو كان في الصلاة. وأما إذا قال: الحمد لله، وأراد الجواب اختلف المشايخ في فساد صلاته. وفي «المحيط»: لو حمد الله العاطسُ في نفسه ولا يحرك لسانه عن أبي حنيفة لا تفسد، فلو حرك يفسد. وفي «فتاوى العتَّابي»: لو قال السامع: الحمد لله على رجاء الثواب من غير إرادة الجواب لا تفسد، وإذا فتح على إمامه لا تفسد، وعلى غيره تفسد. وقال ابن قدامة: قال أبو حنيفة: إن فتح على إمامه بطلت صلاته قال العيني: هذا غير صحيح. انتهى. ومذهبُ مالك والشافعي: إذا سبح لأعمى خوفَ أن يقع في بئرٍ أو دابةٍ أو حيةٍ أنه جائز.\nوفيه: جواز الالتفات للحاجة، وأن مخاطبة المصلي بالإشارة أَوْلَى من مخاطبته بالعِبارة، وأنها تقوم مَقام النطق لمعاتبة النبي ﷺ أبا بكر على مخالفة إشارته، قاله ابن عبد البر (^١)، وجمهور الفقهاء على أن الالتفات لا يفسد الصلاة إذا كان يسيرًا. قال العيني: هذا إذا كان لحاجة، لما رَوَى سهلُ بن الحنظلية من حديث فيه: فجعل رسول الله ﷺ يصلي وهو يلتفت إلى الشِّعبِ. وقال أبو داود: كان أَرسَلَ فارسًا إلى الشِّعْبِ يحرس. وقال الحاكم: سنده صحيح، وأما إذا كان لا لحاجة فإنه يكره، لما رُوي عن أبي ذرٍّ قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يزال الله تعالى مقبلًا على العبد وهو في صلاتِه ما لم يلتفتْ، فإذا التفَتَ انصرفَ عنه». وعند ابن خزيمة عن ابن عباس: كان - ﵇ - يلتَفِتُ يمينًا وشِمالًا ولا يَلوي عنقه خلفَ ظهرِه. وعند ابن خزيمة عن علي بن شيبان - وكان أحد الوفد - قال: صليتُ خلف النبي ﷺ فلَمَحَ بمؤخَّر عينه إلى رجل لا يقيم صلبَه في الركوع ولا في السجود. فإن قلتَ: روى أبو داود: «لا صلاة لملتفت» قال العيني: ضعَّفَه ابن القطان وغيرُه.\nوفيه: جواز شقِّ الصفوفِ والمشيِ بين المصلين لقصد الوصول إلى الصف الأول، لكنَّه مقصور على من يليق ذلك به كالإمام، أو من كان بصدد أن يحتاج الإمام إلى استخلافه، أو من أراد سد فُرجة في الصف الأول أو ما يليه مع ترْكِ من يليه سدَّها، ولا يكون ذلك معدودًا من الأذى. قال المهلب: ولا تعارض بين هذا وبين النهي عن التخطي لأن النبي ﷺ\n_________\n(^١) في (الأصل): «قال» وبعده بياض، والمثبت من عمدة القاري.","vol":"1","page":235},{"text":"ليس كغيره في أمر الصلاة ولا غيرِها، لأن له أن يتقدم بسبب ما ينزل عليه من الأحكام. وأطال في تقرير ذلك، وتُعُقِّبَ بأن هذا ليس من الخصائص، وقد أشار هو إلى المعتمد في ذلك فقال: ليس في ذلك شيء من الأذى والجفاء الذي يقع في التخطي، وليس كمن شق الصفوفَ والناسُ جلوسٌ لما فيه من تخطي رقابهم. انتهى.\nوفيه: الحمد والشكر على الوجاهة في الدِّين، وأن من أُكرِم بكرامةُ يتخَيَّر بين الَقبول والترك إذا فَهم أن ذلك الأمر على غير جهة اللزوم، وكأنَّ القرينة التي بيَّنَت لأبي بكرٍ ذلك هي كونه ﷺ شقَّ الصفوف إلى أن انتهى إليه فكأنه فهم من ذلك أن مراده أنَّ يؤمَّ الناسَ وأنَّ أمره إياه بالاستمرار في الإمامة من باب الإكرام له والتنويهِ بقدْره فسلك هو طريقَ الأدب والتواضع ورجَّح ذلك عنده احتمالُ نزول الوحي في حالة الصلاة لتغيير حكمٍ من أحكامها، وكان لأجل هذا لم يَتَعَقَّبْ ﵇ اعتذارَه بِرَدٍّ عليه.\nوفيه: جوازُ إمامة المفضولِ للفاضلِ. وفيه: سؤال الرئيس عن سببِ مخالفة أمرِه قبل الزجر عن ذلك. وفيه: إكرامُ (^١) الكبير بمخاطبته بالكنية، و[اعتماد] (^٢) ذكر الرجل لنفسه بما يُشعر بالتواضع من جهة استعمال أبي بكر خطاب الغيبة مكان الحضور إذْ كان حَدُّ الكلام أن يقول أبو بكر: ما كان لي. فعَدَل عنه إلى قوله: ما كان لابن أبي قحافة، لأنه أَدَلُّ على التواضع من الأول.\nوفيه: جواز العمل القليل في الصلاة، لتأخُّرِ أبي بكر عن مَقامه إلى الصف الذي يليه، وأَنَّ مَن احتاج إلى مثل ذلك يرجِع القَهقَرى ولا يستدبر (^٣) القبلة ولا ينحرف عنها، واستنبط ابن عبد البر منه جواز الفتح على الإمام لأن التسبيح إذا جاز جازت التلاوة من باب الأولى.\nوفيه: أن المصلي إذا نابه شيء فليسبح، أي فليقل: سبحان الله. وعن مالك: المرأةُ تُسَبِّح كالرجل، لأن كلمة (مَنْ) في الحديث تقع على الذكور والإناث. قال: والتصفيقُ منسوخٌ بقوله: (مَنْ نَابَهُ شَيْءٌ فِي صَلَاتِهِ، فَلْيُسَبِّحْ)، وأنكره بعضهم وقال: أنه لا يُختَلَف أن أول الحديث لا يَنسخ آخره، ومذهب الشافعي والأوزاعي تخصيصُ النساء بالتصفيق، وهو ظاهرُ الحديث، وفي «سنن أبي داود»: «إذا نابَكُم شيءٌ في صلاة فلْيسبِّح الرجالُ ولْيصفح النساء».\n\n <span id=\"b-٢٩٢\"> </span>(٤٩) <span data-type=\"title\" id=toc-292>(بَابٌ: إِذَا اسْتَوَوْا فِي القِرَاءَةِ فَلْيَؤُمَّهُمْ أَكْبَرُهُمْ)</span>\nأي هذا باب ترجمته: إذا استووا... إلى آخره، يعني إذا استوت الحاضرون للصلاة في القراءة فليؤمهم من كان أكبر السن منهم.\nقال شيخنا: هذه الترجمة مع ما سأبيِّنُه من زيادةٍ في بعض طرق حديث الباب منتَزعة من حديثٍ أخرجه مسلم من رواية أبي مسعود الأنصاري مرفوعًا: «يؤم القومَ أقرؤُهم لكتاب الله فإن كانت قراءَتُهم سواء فلْيؤمَّهم أقدمُهم هجرة فإن كانوا في الهجرة سواء فلْيؤمَّهم أكبرهم سنًَّا...» الحديثُ ومداره على إسماعيل بن رجاء عن أوس بن ضَمْعَجٍ عنه وليسا جميعًا مِن\n_________\n(^١) في (الأصل): «إلزام»، والصواب: «إكرام».\n (^٢) كلمة غير واضحة في (الأصل): «اعتماد».\n (^٣) في (الأصل): «يستدير»، والصواب: «يستدبر».","vol":"1","page":235},{"text":"شرط كتاب البخاري، وقد نقل ابنُ أبي حاتم في «العلل» عن أبيه أن شعبة كان يتوقف في صحة هذا الحديث، ولكن هو في الجملة يصلح للاحتجاج به عند البخاري فقد علَّق منه طرفًا بصيغة الجمع (^١) كما سيأتي، واستعملَه هنا في الترجمة وأَوْرَد في الباب ما يؤدي معناه، وهو حديث مالك بن الحويرث، لكن ليس فيه التصريح باستواء المخاطَبِينَ في القراءة، وأجاب الزين بن المنير وغيره بما حاصلُه: أن تساويَ هجرتِهم وإقامتهم وعَرَضِهم بها مع ما في الشباب غالبًا من الفهم، ثم توجه الخِطَاب إليهم بأنْ يُعلِّمُوا مَن وراءَهم مِن غير تخصيص بعضِهم دون بعضٍ دالٌّ على استوائهم في القراءة والتفقُّه في الدين. قال شيخنا: وقد وقع التصريحُ بذلك فيما رواه أبو داود من طريق مَسلمة بن محمد عن خالد الحَذَّاء عن أبي قلابة في هذا الحديث قال: وكنا يومئذ متقاربين في العلم. انتهى. قال: وأظن في هذه الرواية إدراجًا، فإن ابن خزيمة رواه من طريق إسماعيل بن عُليَّة عن خالد قال: قلت لأبي قِلابة: فأين القُرآن؟ قال: إنهما كانا متقاربَيْن.\nوأخرجه مسلم من طريق حفص بن غياث عن خالد الحَذَّاء وقال فيه: قال الحَذَّاء: وكانا متقاربيْنِ في القراءة، ويحتمل أن يكون مستند أبي قِلابة في ذلك هو إخبار مالك بن الحويرث، كما أن مستند الحَذَّاء هو إخبار أبي قلابة، فينبغي (^٢) الإدراج عن الإسناد والله أعلم.\nتنبيه: ضَمْعَج والدُ أوس بفتح الضاد المعجمة وسكون الميم وفتح العين المهملة بعدها جيم، معناه: الغليظ.\n\n٦٨٥ - <span id=\"b-٢٩٣\"> </span>قوله: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) ترجمته في باب من كره أن يعود في الكفر.\nقوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) ترجمته في باب وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا.\nقوله: (عَنْ أَيُّوبَ) أي السختياني، ترجمته في باب حلاوة الإيمان.\nقوله: (عَنْ أَبِي قِلَابَةَ) أي عبد الله بن زيد الجرمي، ترجمته في البا أيضًا.\nقوله: (عَنْ مَالِكِ بْنِ الحُوَيْرِثِ) ترجمته (^٣) في باب تحريض النبي وفد عبد القيس في كتاب الإيمان.\nفي هذا الإسنادِ: التحديثُ بصيغة الجمع في موضعين، وفيه: العنعنة في ثلاث مواضع، وفيه: القول في موضعين.\nقوله: (قَالَ: قَدِمْنَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَنَحْنُ شَبَبَةٌ، فَلَبِثْنَا عِنْدَهُ نَحْوًا مِنْ عِشْرِينَ لَيْلَةً، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ رَحِيمًا فَقَالَ: «لَوْ رَجَعْتُمْ إِلَى بِلَادِكُمْ، فَعَلَّمْتُمُوهُمْ مُرُوهُمْ، فَلْيُصَلُّوا صَلَاةَ كَذَا فِي حِينِ كَذَا، وَصَلَاةَ كَذَا فِي حِينِ كَذَا، وَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ، فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ»).\nمطابقته للترجمة ظاهرة، وإن لم يُذكر في الحديث صريحًا استواؤُهم في القراءة من حيثُ اقتضاءِ القصة هذا القيد، لأنهم أسلموا وهاجروا معًا، وصحبوا رسول الله ﷺ ولازموه عشرين ليلة واستووا في الأخْذِ عنه، فلم يبق مما يُقدَّم به إلا السنُّ. وقد تقدَّم حديث مالك بن الحويرث هذا في (بَابُ مَنْ قَالَ: لِيُؤَذِّنْ فِي السَّفَرِ مُؤَذِّنٌ وَاحِدٌ)، أخرجه عن معلى بن أسد عن وهيب عن أيوب عن أبي قِلابة عن مالك بن الحويرث قال: (أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي نَفَرٍ مِنْ قَوْمِي...) الحديثُ، وقد ذكرنا هناك جميع متعلقات الحديث\n_________\n(^١) كذا في (الأصل): «الجمع»، ولعل الصواب: «الجزم».\n (^٢) كذا في (الأصل): «فينبغي»، ولعل الصواب: «فينتفي».\n (^٣) كلمة «ترجمته» ساقطة من (الأصل).","vol":"1","page":236},{"text":"مستوفىً.\nقوله: (وَنَحْنُ شَبَبَةٌ) بفتح الشين المعجمة والموحدتين، جملةٌ إسمية وقعت حالًا، زاد في الأدب من طريق ابن عُلَيَّة: (شَبَبَةٌ مُتَقَارِبُونَ) والمراد تقاربهم في السن، لأن ذلك كان في حال قدومهم. والشَّبَبَة جمع شاب.\nقوله: (نَحْوًا مِنْ عِشْرِينَ لَيْلَةً)، وفي رواية ابن عُلَيَّة المذكورة الجزمُ به، ولفظه: (فَأَقَمْنَا عِنْدَهُ عِشْرِينَ لَيْلَةً) والمراد بأيامها، ووقع التصريح بذلك في روايته في خبر الواحد من طريق عبد الوهاب عن أيوب.\nقوله: (رَحِيمًا فَقَالَ: لَوْ رَجَعْتُمْ) وفي رواية ابن عُلَيَّة وعبد الوهاب: (رَحِيمًا رَفِيقًَا فَظَنَّ أَنَّا اشْتَقْنَا إِلَى أَهْلِنَا وَسَأَلَنَا عَمَّنْ تَرَكْنَا بَعْدَنَا، فَأَخْبَرْنَاهُ. فَقَالَ: ارْجِعُوا). قال العيني: جواب: (لَوْ (^١» قولُه: (مُرُوهُمْ)، وقولُه: (فَعَلَّمْتُمُوهُمْ)، عطْفٌ على قولِه: (رَجَعْتُمْ)، ويجوز أن يكون جواب: (لَوْ) محذوفًا تقديرُه: لو رجعتُم لكان خيرًا لكم. إنما قال ﵇ ذلك لأنه علم مِنهم أنَّهم اشتاقوا إلى أهلِهم وأولادِهم، والدليل على هذا رواية عبد الوهاب: (فَظَنَّ أَنَّا اشْتَقْنَا إِلَى أَهْلِنَا...) الحديثُ. فقال ذلك على طريق الإيناس، لأن في الأمر بالرجوع بغير هذا الوجه تنفيرًا، والنبي ﷺ يتحاشى عن ذلك، ثم على تقدير أن يكون جواب: (لَوْ) محذوفًا يكون قوله: (مُرُوهُمْ) استئنافًا، كأنَّ سائلًا سأل: ماذا نعلمهم؟ فقال: مروهم بالطاعات كذا وكذا، والأمرُ بها مستلزِمٌ للتعليم. انتهى.\nقال شيخنا: ويمكن الجمع بين الحديثين أي في قولِه: (لَوْ رَجَعْتُمْ)، وقولِه: (ارْجِعُوا) بأن يكون عرض ذلك عليهم على طريق الإيناس بقولِه: (لَوْ رَجَعْتُمْ) فأجابوه بِنَعم فأمرهم حينئذٍ بقولِه: (ارْجِعُوا) واقتصارُ الصحابي على ذكر سبب الأمر برجوعهم بأنه الشوق إلى أهليهم دون قَصْدِ التعليم هو لِمَا قام عنده من القرينة الدالة على ذلك، ويمكن أن يكون عَرَفَ ذلك بصرائح القول منه ﷺ وإن كان سببُ تعليمِهم قومَهم أشرفُ في حقهم، لكنه أخبر بالواقع ولم يتزين بما ليس فيهم، وَلَمَّا كانت نيتُهم صادقةً صادفَ (^٢) شوقُهم إلى أهلهم الحظَّ الكامل في الدين وهو: أهليةُ التعليم، كما قال الإمام أحمد في الحرص على طلب الحديثِ: حظٌّ وافَقَ حقًا.\nقوله: (وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ) قال العيني: يعني بالسن عند التساوي في شروط الإمامة، وإلا فالأسنُّ إذا وُجِدَ وكان فيهم من هو أصغر منه ولكنه أقرأ قدم الأقرأ، كما في حديث عمرو بن سلمة، وكان قَدَّ أَمَّ قومَه في مسجد عشيرتِه وهو صغير، وفيهم الشيوخ والكهول، ولكن قالوا: إنما كان تقديم الأقرأ في ذلك الزمان لأن كان في أول الإسلام حين كان الحفاظ قليلَا، وتقديم عمرو كان لذلك، أو نقول: لا يكاد يوجد قارئ إذ ذاك إلا وهو فقيه، وقد بسطنا القول فيه في باب أهل العلم والفضل أحق بالإمامة. انتهى.\nقال شيخنا: ظاهر قولِه: (أَكْبَرُكُمْ) تقديم الأكبر بكثيرِ السِّن وقليله، وأمَّا مَن جوَّزَ أن يكون مراده بالكِبَر ما هو أعمُّ من السن أو القدْر كالتقدم في الفقه والقراءة والدِّين فبعيد لِمَا\n_________\n(^١) في (الأصل): «لم»، والصواب: «لو».\n (^٢) في (الأصل): «صادق»، والصواب: «صادفَ».","vol":"1","page":236},{"text":"تَقدَّم مِن فهم راوي الخبر حيث قال التابعي: فأين القراءة؟ فإنَّه دالٌّ على أنه أراد كِبَر السن، وكذا دعوى من زعم أن قوله (وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ) معارَضٌ بقوله: «يؤم القومَ أقرؤهم»، لأن الأول يقتضي تقديم الأكبر على الأقرأ، والثاني عكسُه، ثم انفصل عنه بأن قصة مالك بن الحويرث واقعةُ عينٍ (^١) قابلةٌ للاحتمال بخلاف الحديث الآخر فإنه تقريرُ قاعدةٍ تفيد التعميم، قال: فيحتمل أن يكون الأكبرُ منهم كانَ يومَئذ هو الأفقه. انتهى. والتنصيصُ على تقاربهم في العلم يرُدُّ عليه فالجمع الذي قدمناه أَوْلى والله أعلم.\nقلت: هو قوله: وقوله في حديث أبي مسعودٍ «أَقْرَؤُهُمْ» قيل: المراد به الأفقه، وقيل: هو على ظاهره، وبحسب ذلك اختلف الفقهاء: قال النووي: قال أصحابنا الأفقه مقدم على الأقرأ فإنَّ الذي يُحتاج إليه من القراءة مضبوٌط والذي يُحتاج إليه من الفقه غيرُ مضبوطٍ، فقد يَعرِض في الصلاة أمر لا يَقدِر على مراعاة الصلواتِ فيه إلا كاملُ الفقه، ولهذا قدَّم النبيُّ ﷺ أبا بكر في الصلاة على الباقين مع أنه ﷺ نصَّ على أنَّ غيرَه أقرأُ منه، كأنَّه عنى حديث أُبَيٍّ. قال: وأجابوا عن الحديث بأن الأقرأ من الصحابة كان هو الأفقه، وهذا الجواب يلزم منه أنَّ مَنْ نَصَّ النبيُّ ﷺ على أنه أقرأُ من أبي بكر كان أفقهَ من أبي بكر، فيفسُد الاحتجاجُ بأنَّ تقديمَ أبا بكر كان لأنه الأفقه.\nثم قال النووي بعد ذلك: قولُه في حديث أبي مسعودٍ: «فإن كانوا في القراءةِ سواءً فأعلمُهم بالسنةِ، فإنْ كانوا في السنة سواءً فأقدمهم هجرةً»، يدل على تقديم الأقرأ مطلقًا. انتهى. قال شيخنا: وهذا واضحٌ للمغايَرة (^٢). وهذه الرواية أخرجها مسلم أيضًا من وجه آخر عن إسماعيل بن رجاء، ولا يخفى أن محل تقديم الأقرأ إنما هو حيث يكون عارفًا بما تتعين معرفته من أحوال الصلاة فأما إذا كان جاهلًا بذلك فلا يقدم اتفاقًا، والسبب فيه أن أهل ذلك العصر كانوا يعرفون معاني القرآن لكونهم أهلَ اللسان، فالأقرأ منهم لا بل القارئ (^٣) كان أفقه في الدين من كثير من الفقهاء الذين جاؤوا بعدهم. انتهى.\n\n <span id=\"b-٢٩٤\"> </span>(٥٠) <span data-type=\"title\" id=toc-294>(بَابُ إِذَا زَارَ الإِمَامُ قَوْمًا فَأَمَّهُمْ)</span>\nأي هذا باب ترجمته: إذا زار الإمام أي الإمامُ الأعظم، أو من يجري مجراه، إذا زار قومًا فأَمَّهم في الصلاة، ولم يبين حكمه. هل للإمام ذلك أم يحتاج إلى إذن القوم؟ فاكتفى بما ذُكِر في حديث الباب، فإنَّه يُشعِر بالاستئذان كما سنذكره، إن شاء الله تعالى.\nوقال شيخنا: أشار بهذه الترجمة إلى أن حديث مالك بن الحويرث الذي أخرجه أبو داود والترمذي وحسنه مرفوعًا: «مَن زارَ قومًا فلا يؤمَّهم، ولْيؤمَّهم رجلٌ منهم» محمولٌ على مَن عدا الإمامِ الأعظمِ. وقال الزين ابن المنير: مرادُه أن الإمامَ الأعظم ومن يجري مجراه إذا حضر بمكانٍ مملوكٍ لا يَتقدم عليه مالكَ الدارِ والمنفعةِ\n_________\n(^١) في (الأصل): «غير»، والصواب: «عين».\n (^٢) في (الأصل): «للمعايرة»، والصواب: «للمغايرة».\n (^٣) في (الأصل): «العاري»، والصواب: «القارئ».","vol":"1","page":237},{"text":"ولكن ينبغي للمالك أن يأذن له ليجمع بين الحَقَّين: حقِّ الإمام في التقديم وحق المالك في منع التصرف بغير إذنه. انتهى ملخصًا. قال شيخنا: ويُحتمل أنه أشار إلى ما في حديث أبي مسعودٍ المتقدم: «ولا يُؤَمُّ الرجلُ في سلطانِه، ولا يُجلَس على تَكرِمَتِه إلا بإذنه»، فإنَّ مالكَ الشيء سلطانٌ عليه، والإمام الأعظم سلطان على المالك. وقوله: «إلا بإذنه» يُحتمل عَودُه على الأمرين: الإمامةِ والجلوسِ، وبذلك جزم أحمدُ كما حكاه الترمذي عنه، فيَحصُلُ بالإذن مراعاةُ الجانبين. انتهى.\n\n٦٨٦ - <span id=\"b-٢٩٥\"> </span>قوله: (حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ أَسَدٍ) أي أبو عبد الله المروزي نزيل البصرة، وليس هو أخًا لِمُعَلَّى بن أسد أحدِ شيوخ البخاري أيضًا، وكان معاذُ المذكور كاتبًا لعبد الله بن المبارك، وهو شيخه في هذا الإسناد، وحكى عنه البخاري أنه قال في سنة إحدى وعشرين ومائتين: أنا ابن إحدى سبعين سنة، لأنه وُلِد سنة خمسين ومائة.\nقوله: (قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ) أي ابن المبارك، ترجمته في بدء الوحي.\nقوله: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) أي بفتح الميم، ابنُ راشد، ترجمته في البدء أيضًا.\nقوله: (عَنِ الزُّهْرِيِّ) أي محمد بن مسلم بن شهاب، ترجمته في باب إذا لم يكن الإسلامُ على الحقيقة.\nقوله: (قَالَ: أَخْبَرَنِي مَحْمُودُ بْنُ الرَّبِيعِ) أي بفتح الراء، أبو محمد الأنصاري. وقال أبو نعيم، عقل مَجَّةً مَجَّهَا رسول الله ﷺ في وجهه من دلو في دارهم، ذكرَه الذهبي في كتاب «تجريد الصحابة» منهم، قال العيني: وتقدم في باب المساجد في البيوت. انتهى. قلت: ذكرت قبل ذلك في باب متى يصح سماع الصبيِّ في كتاب العلم. انتهى.\nقوله: (قَالَ: سَمِعْتُ عِتْبَانَ بْنَ مَالِكٍ الأَنْصارِيَّ) ترجمته في باب إذا دخل بيتًا يصلي فيه حيث شاء أو حيث أُمِر.\nفي هذا الإسنادِ: التحديثُ بصيغة الجمع في موضع، والإخبار كذلك في موضعين وبصيغة الإفراد في موضع. وفيه: القول في خمس مواضع. وفيه: السماع. وفيه: رواية التابعيِّ عن الصحابيِّ والصحابيِّ عن الصحابيِّ. وفيه: أن شيخه من أفراده. وفيه: أن رواته ما بين مروزيين والبصري والمدني. قلت: وفيه العنعنة.\nقوله: (قَالَ: اسْتَأْذَنَ عَلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ، فَأَذِنْتُ لَهُ فَقَالَ: «أَيْنَ تُحِبُّ أَنْ أُصَلِّيَ مِنْ بَيْتِكَ؟» فَأَشَرْتُ لَهُ إِلَى المَكَانِ الَّذِي أُحِبُّ، فَقَامَ وَصَفَفْنَا خَلْفَهُ، ثُمَّ سَلَّمَ فَسَلَّمْنَا)\nمطابقته للترجمة في قوله: (فَقَالَ: أَيْنَ تُحِبُّ أَنْ أُصَلِّيَ...) إلى آخره، فإنه يتضمن أمرين: أحدهما: قصدًا، وهو تعيين المكان من صاحب المنزل. والآخر: ضمنًا، وهو الاستئذان بالإمامة.\nوقد ذكرنا تعدد موضعه، ومَن أخرجه غيره في باب إذا دخل بيتًا يصلي حيث شاء، وبقية ما يتعلق به في باب المساجد في البيوت.\nقوله: (وَصَفَفْنَا خَلْفَهُ) بفتح الفاء الأولى وسكون الثانية، جمعُ المتكلم، ويروى: (وَصَفَّنَا) بتشديد الفاء أي: صفَّنا رسول الله ﷺ خلفه.\n\n <span id=\"b-٢٩٦\"> </span>(٥١) <span data-type=\"title\" id=toc-296>(بَابٌ: إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ)</span>\nأي هذا باب ترجمته: إنما جعل الإمام ليؤتَمَّ أي: يُقتَدَى به، وهذه الترجمة قطعةٌ من حديث مالك من أحاديث الباب على ما يأتي إن شاء","vol":"1","page":237},{"text":"الله تعالى.\nقوله: (وَصَلَّى النَّبِيُّ ﷺ فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ بِالنَّاسِ وَهُوَ جَالِسٌ) هذا التعليقُ تقدم مسندًا من حديث عائشة ﵂. فإن قلتَ: هذا لا دخل له في الترجمة، فما فائدة ذكره؟ أجيب: بأنه يشير به إلى أن الترجمة التي هي قطعةٌ من الحديث عامٌّ يقتضي متابعة المأمومِ الإمامَ مطلقًا، وقد لحقه دليل الخصوص، وهو حديث عائشة: فإن النبي ﷺ صلى في مرضه الذي توفي فيه وهو جالس والناس خلفه قيام، ولم يأمرهم بالجلوس. فدل على دخول التخصيصِ في عموم قوله: (إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ).\nقوله: (وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ) قلتُ: أي عبد الله، ترجمته في باب بنيَ الإسلام على خمس.\nقوله: (إِذَا رَفَعَ قَبْلَ الإِمَامِ يَعُودُ، فَيَمْكُثُ بِقَدْرِ مَا رَفَعَ، ثُمَّ يَتْبَعُ الإِمَامَ) هذا التعليق وصله ابن أبي شيبة بسندٍ صحيحٍ عن هشيم أخبرنا حصين عن هلال بن يَساف عن أبي حَيَّان الأشجعي - وكان من أصحاب عبد الله - قال: قال عبد الله: لا تبادروا أئمتكم بالركوع ولا بالسجود، وإذا رفع أحدكم رأسه والإمام ساجد فليسجد ثم ليمكث قدر ما سبقه به الإمام.\nقال شيخنا: هذا السياق أتمُّ، وكأنه أخذه من قوله ﵇: (إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ). ومِن قوله: (وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا). وروى عبد الرزاق عن عمر نحو قولِ ابن مسعود بإسنادٍ صحيح، ولفظه: «أيَّما رجل رَفَعَ رأسَه قبل الإمام في ركوعٍ أو سجودٍ فليضع رأسه بقدْر رفعه إياه». قال ابن المنير: إذا كان الرافع المذكور يؤمَر عنده بقضاء القدْر الذي خرج عنه عن الإمام فأوْلَى أن يَتَّبِعَه في جملة السجودِ فلا يسجدُ حتى يسجدَ. وظهرت بها مناسبة هذا الأثر للترجمة. انتهى.\nورواه البيهقي من طريق ابن لَهِيعة، وقال البيهقي: وروينا عن إبراهيمَ والشعبي أنه يعود فيسجد. وحكى ابن سحنون عن أبيه نحوَه. قال العيني: ومذهب مالك أن مَن خفض أو رفع قبل إمامه أنه يرجع فيفعل ما دام إمامه لم يرفعْ من ذلك، وبه قال أحمد وإسحاق والحسنُ والنَّخَعِيُّ، وروي نحوه عن عمر، ﵁، وقال ابنه: من رفع أو سجد قبل إمامه لا صلاة له. وهو قول أهل الظاهر. وقال الشافعي وأبو ثور: إذا ركع أو سجد قبلَه فإن أدركه الإمامُ فيهما أساءَ وتجزيه، حكاه ابن بطال. قال العيني: ولو أدرك الإمامَ في الركوع فكبر مقتديًا (^١) به ووقَفَ حتى رفع الإمام رأسه فركع لا تجزيه عندنا، خلافًا لزفر. انتهى. قلت: وعندنا إذا لم يدرك الإمام في الركوع مع الطمأنينة بعد بلوغ أقلِّه لم تُحسَب له تلك الركعة. انتهى.\nقوله: (وَقَالَ الحَسَنُ) أي البصري، ترجمته في باب وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا في كتاب الإيمان.\nقوله: (فِيمَنْ يَرْكَعُ مَعَ الإِمَامِ رَكْعَتَيْنِ وَلَا يَقْدِرُ عَلَى السُّجُودِ: يَسْجُدُ لِلرَّكْعَةِ الآخِرَةِ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ يَقْضِي الرَّكْعَةَ الأُولَى بِسُجُودِهَا، وَفِيمَنْ نَسِيَ سَجْدَةً حَتَّى قَامَ: يَسْجُد) في قول الحسن هذا فرعان: أما الفرع الأول وهو قوله: (فِيمَنْ يَرْكَعُ) إلى قوله (بِسُجُودِهَا) فوصله ابن المنذر في كتابه «الكبير»، رواه\n_________\n(^١) في (الأصل): «معتديا»، والصواب: «مقتديا».","vol":"1","page":238},{"text":"سعيد بن منصور عن هُشَيم عن يونس عن الحسن، ولفظه: في الرجل يركع يوم الجمعة فيزحَمُه الناس فلا يقدر على السجود، قال: فإذا فرغوا من صلاتهم سجد سجدتين لركعته الأولى ثم يقوم فيصلي ركعة وسجدتين. قال شيخنا: ومقتضاه أن الإمام لا يتحمل الأركان، فمَن لم يقدر على السجود معه لم تصح له الركعة.\nقوله: (وَلَا يَقْدِرُ عَلَى السُّجُودِ) أي لزحامٍ ونحوه، على السجود بين الركعتين، وقد فسَّره فيما رواه سعيد بن منصور بقوله: في الرجل يركع يوم الجمعة فيزْحَمُه الناس... إلى آخره. وإنما ذكر يوم الجمعة في هذا، وإن كان الحكم عامًَّا، لأن الغالب في يوم الجمعة ازدحام الناس.\nقوله: (الآخِرَةِ) ويروى: (الْأَخِيرَةِ)، وإنما قال: الركعة الأولى دون الثانية لاتصال الركوع الثاني به.\nوأما الفرع الثاني وهو قوله: (وَفِيمَنْ نَسِيَ سَجْدَةً حَتَّى قَامَ: يَسْجُد) فوصله بن أبي شيبة وسياقه أتمُ ولفظُه: في رجلٍ نسيَ سجدة مِن أول صلاته فلم يذكرها حتى كان آخرُ ركعةٍ من صلاته، قال: يسجد ثلاث سجدات فإن ذكرها قبل السلام يسجد سجدة واحدة، وإن ذكرها بعد انقضاء الصلاة يستأنف الصلاة. قال شيخنا: ومناسبته للترجمة من جهة أنَّ المأمومَ لو كان له أن ينفرد عن الإمام لم يستمر متابِعًا له في صلاته التي اختل بعضُ أركانها حتى يحتاجَ إلى تدارُكِه بعد فراغِ الإمام. قال العيني: وقال مالك في مسألة الزحامِ: لا يَسجُد على ظهر أحدٍ، فإنْ خالفَ يُعيد، وقال أصحابُنا - أي الحنفيةُ - والشافعيُّ وأبو ثور: يسجد ولا إعادة عليه. انتهى.\n\n٦٨٧ - <span id=\"b-٢٩٧\"> </span>قوله: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ) أي أحمد بن عبد الله بن يونس التميمي اليربوعي الكوفي، ترجمته في باب مَن قال: الإيمان هو العمل.\nقوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا زَائِدَةُ) أي ابن قدامة البكري الكوفي، ترجمته في باب غسل المذي والوضوء منه.\nقوله: (عَنْ مُوسَى بْنِ أَبِي عَائِشَةَ) أي الهمداني أبو بكر الكوفي، ترجمته في بدء الوحي.\nقوله: (عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) أي بتصغير العبد، ابن عتبة بن مسعود أبو عبد الله الهذلي أحد الفقهاء السبعة، مات سنة ثمان وتسعين (^١)، ترجمته في البدء أيضًا.\nقوله: (قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ) أي أم المؤمنين، ترجمتها في البدء أيضًا.\nفي هذا الإسنادِ: التحديثُ بصيغة الجمع في موضعين، وفيه: العنعنة في موضعين، وفيه: القول في ثلاث مواضع، وفيه: أن الثلاثةَ الأُوَلَ من الرواة كوفيون، وفيه: شيخُ البخاري مذكورٌ بِاسْم جدِّه.\nقوله: (فَقُلْتُ: أَلَا تُحَدِّثِينِي عَنْ مَرَضِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟ قَالَتْ: بَلَى، ثَقُلَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: «أَصَلَّى النَّاسُ؟» فَقُلْنَا: لَا، يَا رَسُولَ اللهِ وَهُمْ يَنْتَظِرُونَكَ، قَالَ: «ضَعُوا لِي مَاءً فِي المِخْضَبِ». قَالَتْ: فَقَعَدَ، فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ ذَهَبَ لِيَنُوءَ فَأُغْمِيَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَفَاقَ، فَقَالَ: «أَصَلَّى النَّاسُ؟» قُلْنَا: لَا، يَا رَسُولَ اللهِ هُمْ يَنْتَظِرُونَكَ (^٢) يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَالنَّاسُ عُكُوفٌ فِي المَسْجِدِ، يَنْتَظِرُونَ\n_________\n(^١) في (الأصل): «وسبعين»، والصواب: «وتسعين».\n (^٢) كذا في (الأصل)، ولعل فيها سقطًا: ففي البخاري بعدها: «... قَالَ: «ضَعُوا لِي مَاءً فِي المِخْضَبِ» قَالَتْ: فَقَعَدَ فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ ذَهَبَ لِيَنُوءَ فَأُغْمِيَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَفَاقَ، فَقَالَ: «أَصَلَّى النَّاسُ؟» قُلْنَا: لَا، هُمْ يَنْتَظِرُونَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: «ضَعُوا لِي مَاءً فِي المِخْضَبِ»، فَقَعَدَ، فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ ذَهَبَ لِيَنُوءَ فَأُغْمِيَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَفَاقَ فَقَالَ: «أَصَلَّى النَّاسُ؟» فَقُلْنَا: لَا، هُمْ يَنْتَظِرُونَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ...».","vol":"1","page":238},{"text":"رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِصَلَاةِ العِشَاءِ الآخِرَةِ، فَأَرْسَلَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى أَبِي بَكْرٍ ﵁ بِأَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ، فَأَتَاهُ الرَّسُولُ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَأْمُرُكَ أَنْ تُصَلِّيَ بِالنَّاسِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ - وَكَانَ رَجُلًا رَقِيقًا -: يَا عُمَرُ صَلِّ بِالنَّاسِ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ ﵁: أَنْتَ أَحَقُّ بِذَلِكَ، فَصَلَّى أَبُو بَكْرٍ تِلْكَ الأَيَّامَ، ثُمَّ إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَجَدَ مِنْ نَفْسِهِ خِفَّةً، فَخَرَجَ بَيْنَ رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا العَبَّاسُ لِصَلَاةِ الظُّهْرِ وَأَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي بِالنَّاسِ، فَلَمَّا رَآهُ أَبُو بَكْرٍ ذَهَبَ لِيَتَأَخَّرَ، فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ بِأَنْ لَا يَتَأَخَّرَ، قَالَ: أَجْلِسَانِي إِلَى جَنْبِهِ، فَأَجْلَسَاهُ إِلَى جَنْبِ أَبِي بَكْرٍ، قَالَ: فَجَعَلَ أَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي وَهُوَ قَائِمٌ بِصَلَاةِ النَّبِيِّ ﷺ، وَالنَّاسُ بِصَلَاةِ أَبِي بَكْرٍ، وَالنَّبِيُّ ﷺ قَاعِدٌ، قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ (^١): فَدَخَلْتُ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَقُلْتُ (^٢) لَهُ: أَلَا أَعْرِضُ عَلَيْكَ مَا حَدَّثَتْنِي عَائِشَةُ عَنْ مَرَضِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: هَاتِ، فَعَرَضْتُ عَلَيْهِ حَدِيثَهَا، فَمَا أَنْكَرَ مِنْهُ شَيْئًا غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: أَسَمَّتْ لَكَ الرَّجُلَ الَّذِي كَانَ مَعَ العَبَّاسِ قُلْتُ: لَا، قَالَ: هُوَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ).\nمطابقته (^٣) للترجمة في قوله: (فَجَعَلَ أَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي وَهُوَ قَائِمٌ بِصَلَاةِ النَّبِيِّ ﷺ)، وكون الإمام جُعِل ليؤتم به ظاهر هنا.\nوهذا الحديث أخرجه البخاري فإنه أخرجه هذا الحديث مُقَطَّعًا ومطولًا ومختصرًا في مواضع عديدة قد ذكرنا أكثرها. قال شيخنا: وقد تقدم الكلام على هذا الحديث في باب حد المريض أن يشهد الجماعة. انتهى.\nقوله: (أَلَا) للعرضِ والاستفتاحِ.\nقوله (بَلَى) يعني نعم.\nقوله (ثَقُلَ (^٤» بضم القاف يعني: لما اشتد مرضه. قال العيني: وقد استقصينا الكلام فيه في باب الغسل والوضوء في المخضب، وفي حد المريض أن يشهد الجماعة وغيرِهما، ونذكر هنا بعض شيء مما يحتاج إليه لسرعة الوقوف عليه.\nقوله: (أَصَلَّى النَّاسُ؟) الهمزة فيه للاستفهام والاستخبار.\nقوله (فَقُلْنَا: لَا) ويروى (قُلْنَا: لَا) بدون الفاء.\nقوله: (وَهُمْ يَنْتَظِرُونَكَ) الواو فيه للحال.\nقوله: (ضَعُوا لِي مَاءً) باللام، وفي رواية المستملي والسرخسي: (ضَعُونِي). قال شيخنا: ورواية اللام أوجه، وكذا أخرجه مسلم عن أحمد بن يونس شيخِ البخاري فيه، ورواية النون محمولة على تضمين الوضعِ معنى الإعطاءِ أو على نزعِ الخافض أي: ضعوني في ماء. والمخضبُ: تقدم الكلام عنه في أبواب الوضوء، وأَنَّ الماء الذي اغتسل به كان من سبع قرب وذكرتُ حكمة ذلك هناك. انتهى.\nقال العيني: وذهل الكِرماني ذهل عن رواية الجمهور التي هي باللام، وسَأَلَ على رواية النون فقال: القياسُ (^٥) باللام لا بالنون لأن الماء مفعول وهو لا يتعدى إلى مفعولين. ثم أجاب: بأن الوضع ضُمِّن معنى الإيتاءِ، أو لفظُ الماءِ تمييزٌ عن المخضب مقدمٌ عليه إن جوَّزْنا التقديم، أو هو منصوبٌ بنزع الخافض. انتهى.\nقوله: (فِي المِخْضَبِ) بكسر الميم وسكون الخاء المعجمة وفتح الضاد المعجمة وفي آخره باء موحدة، وهو المِرْكَنُ أي الإجَانَة.\nقوله (فَعَلْنَا، فَاغْتَسَلَ) ويروى (فَفَعَلْنَا فَقَعَدَ،\n_________\n(^١) لفظ الجلالة: «الله» ساقط في (الأصل).\n (^٢) كلمة: «فقلت» ساقطة في (الأصل).\n (^٣) في (الأصل): «مطالبته»، والصواب: «مطابقته».\n (^٤) في (الأصل): «لما ثقل»، والصواب: بدون «لما» كم سبق في نص الحديث.\n (^٥) في (الأصل): «العباس»، والصواب: «القياس».","vol":"1","page":239},{"text":"فَاغْتَسَلَ).\nقوله: (فَذَهَبَ) بالفاء وفي رواية الكُشْمِيهَني: (ثُمَّ ذَهَبَ).\nقوله: (لِيَنُوءَ) بضم النون بعدها همزة أي لينهض بجهدٍ، وقال الكِرماني: وينوء كيقوم لفظًا ومعنىً.\nقوله: (فَأُغْمِيَ عَلَيْهِ) فيه أن الإغماء جائز على الأنبياء، لأنه شبيهٌ بالنوم، وقال النووي: لأنه مرض من الأمراض بخلاف الجنون، فلم يجز عليهم لأنه نقص. قال العيني: العقل في الإغماء يكون مغلوبًا، وفي الجنون يكون مسلوبًا.\nقوله (قُلْنَا: لَا) يعني لم يُصَلُّوا.\nقوله (هُمْ يَنْتَظِرُونَكَ) جملةٌ اسمية وقعت حالًا بلا واو وهو جائز، وقد وقع في القرآن نحوُ ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [البقرة: ٣٦]، وكذلك (هُمْ يَنْتَظِرُونَكَ) الثاني.\nقوله: (لِصَلَاةِ العِشَاءِ) كذا للأكثر بلام التعليل، وفي رواية المستملي والسرخسي: (الصَّلَاةَ العِشَاءَ الآخِرَةَ)، قال شيخنا: وتوجيهُه أنَّ الراوي كأنَّهُ فسر الصلاةَ المسؤولَ عنها هي العشاء الآخرة.\nقوله: (عُكُوفٌ) بضم العين جمعُ العاكف، أي مجتمعون، وأصل العَكْف اللُّبْثُ ومنه الاعتكاف، لأنه لبثٌ في المسجد.\nقوله: (تِلْكَ الأَيَّامَ) أي التي كان رسول الله ﷺ فيها مريضًا غيرَ قادر على الخروج.\nقوله: (فَخَرَجَ بَيْنَ رَجُلَيْنِ)، كذا للكُشْمِيهَني، وللباقين (وَخَرَجَ) بالواو.\nقوله: (لِصَلَاةِ الظُّهْرِ) هو صريح في أن الصلاة المذكورة كانت صلاة الظهر، وزعم بعضهم أنها الصبح، واستدل بقوله في رواية أرقم بن شرحبيل عن ابن عباس: وأخذَ رسول الله ﷺ القراءة من حيث بلغ أبو بكر. هذا لفظ ابن ماجه.\nقال شيخنا: وإسناده حسن لكن في الاستدلال به نظر، لاحتمال أن يكون ﷺ سمع لما قرُب من أبي بكر الآية التي كان انتهى إليها خاصة، وقد كان هو ﷺ يُسْمِع الآية أحيانًا في الصلاة السرية كما سيأتي من حديث أبي قتادة، ثم لو سلم لم يكن فيه دليل على أنها الصبح بل يحتمل أن تكون المغرب فقد ثبت في الصحيحين عن أم الفضل بنت الحارث قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقرأ في المغرب بالمرسلات عرفًا، ثم ما صلى لنا بعدها حتى قبضه الله. لفظُ البخاري. وسيأتي في باب الوفاة من آخر المغازي، لكن وجدتُ بعدُ في النَّسائي أن هذه الصلاة التي ذكرتها أم الفضل كانت في بيته، وقد صرَّح الشافعي بأنه ﷺ لم يصل بالناس في مرض موته في المسجد إلا مرةً واحدةً، وهي هذه التي صلى فيها قاعدًا وكان أبو بكر فيها أولًا إمامًا ثم صار مأمومًا يُسمِع الناسَ التكبيرَ.\nقوله: (أَجْلِسَانِي) من الإجلاس.\nقوله (فَجَعَلَ أَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي وَهُوَ قَائِمٌ) من القيام، كذا للأكثر. وللمستملي والسرخسي: (وَهُوَ يَأْتَمُّ) من الائتمام.\nقوله: (بِصَلَاةِ النَّبِيِّ ﷺ) ويروى: (بِصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ).\nقوله: (أَلَا أَعْرِضُ عَلَيْكَ مَا حَدَّثَتْنِي عَائِشَةُ عَنْ مَرَضِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: هَاتِ، فَعَرَضْتُ عَلَيْهِ حَدِيثَهَا، فَمَا أَنْكَرَ مِنْهُ شَيْئًا غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: أَسَمَّتْ لَكَ الرَّجُلَ الَّذِي كَانَ مَعَ العَبَّاسِ قُلْتُ: لَا، قَالَ: هُو (َ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ) الهمزةُ للاستفهام و(لَا) للنفيِّ. قال العيني: وليس حرفَ التنبيه ولا حرفَ التخصيصِ، بل هو استفهامُ للعرض. انتهى.\nفيه: دليل على أن استخلاف الإمام الراتب إذا اشتكى أولى من صلاتِه بالقومِ قاعدًا لأنه - ﵇ - استخلف أبا بكرٍ ولم يصلِّ بهم قاعدًا غيرَ مرةٍ واحدةٍ.\nواستُدِلَّ به أيضًا على صحة","vol":"1","page":239},{"text":"إمامة القاعدِ المعذورِ لمثله وللقائم أيضًا، وخالف مالكٌ في المشهور عنه ومحمدُ بن الحسن فيما حكاه الطحاوي، ونقل عنه أن ذلك خاصٌّ بالنبي ﷺ واحتج بحديث جابر عن الشعبي مرفوعًا: «لا يَؤُمَّنَّ أحدٌ بعدي جالسًا»، واعترضه الشافعي فقال: قد عَلِم مَن احتج بهذا أنْ لا حجةَ فيه لأنه مرسلٌ ومن رواية رجلٍ يرغب أهلُ العلم عن الرواية عنه. يعني: جابرًا الجعفي. قلتُ: قال بعض الحفَّاظ: قال أبو حنيفة: ما لقيتُ فيمن لقيتُ أكذبَ من جابرٍ الجُعفي. انتهى. وقال ابن بَزِيزَة: لو صح لم يكن فيه حجة، لأنه يحتمل أن يكون المراد منع الصلاة بالجالس، أي يعرب قوله: «جالسًا» مفعولًا لا حالًا. وحكى عياض عن بعض مشايخه: أن الحديث المذكور يدل على نسخ الأمرِ المتقدم لهُم بالجلوس لَمَّا صَلَّوْا خلفه قيامًا. وتُعُقِّبَ بأن ذلك يحتاج - لو صَحَّ - إلى تاريخٍ وهو لا يصح، لكنه زَعم أنه يُقَوَّى بأن الخلفاء الراشدين لم يفعله أحدٌ منهم.\nقال: والنسخُ لا يثبت بعد النبي ﷺ، لكنَّ مواظبتَهم على ترك ذلك تَشْهَدُ لصحة الحديث المذكور. وتُعُقِّبَ بأن عدم النقل لا يدل على (^١) عدم الوقوع، ثم لو سُلِّم لا يلزم منه عدم الجواز لاحتمال أن يكونوا اكتفوا باستخلاف القادر على القيام للاتفاق على أن صلاة القاعد بالقائم مرجوحة بالنسبة إلى صلاة القائم بمثله، وهذا كافٍ في بيان سبب تركهم الإمامة من قعود. واحتَجَّ أيضًا بأنه - ﷺ - إنما صلى بهم قاعدًا لأنه لا يصح التقدم بين يديه، لنهي الله عن ذلك، ولأن الأئمة شفعاء ولا يكون أحد شافعًا له، وتُعُقِّبَ بصلاته - ﵇ - خلف عبد الرحمن بن عوف وهو ثابت بلا خلافٍ، وصح أيضًا أنه صلى خلف أبي بكر كما قدمنا. قال شيخنا: والعجب أن عُمدة مالكٍ في منع إمامة القاعد قولُ ربيعةَ: أن النبي ﷺ كان في تلك الصلاة مأمومًا خلف أبي بكر. وإنكارُه أن يكون ﷺ أَمَّ في مرض موته قاعدًا كما حكاه عنه الشافعي في «الأم»، وكيف يَدَّعِي أصحابُه عدمَ تصويرِ أنه صلى مأمومًا، وكأنَّ حديثَ إمامته المذكورَ لَمَّا كان في غاية الصحة ولم يمكنهُم (^٢) ردُّه سلكوا في الانتصار (^٣) وجوهًا مختلفة. وقد تَبَيَّن بصلاته خلف عبد الرحمن بن عوف أَّن المراد بمنع التقدُّمِ بين يديه في غير الإمامة، وأنَّ المراد بكون الأئمة شفعاء أي في حق من يحتاج إلى الشفاعة، ثم لو سُلِّمَ أنه لا يجوز أن يؤمَّه أحدٌ لم يدلَّ ذلك على منع إمامة القاعد، وقد أَمَّ قاعدًا جماعةٌ من الصحابة بعده، منهم: أُسَيْدُ بن حُضَيْر وجابر وقيس بن قَهْد وأنس بن مالك وغيرُهم، بل ادَّعى بن حبان وغيرُه إجماعَ الصحابة على صحة إمامة القاعد كما سيأتي.\nوقال أبو بكر بن العربي: لا جوابَ لأصحابنا عن حديثِ مرضِ النبي ﷺ يَخلُصُ عند الشكِّ، واتباعُ السنة أولى والتخصيصُ لا يثبت بالاحتمال. قال: إلا أني سمعت بعض الأشياخ يقول: الحالُ أحدُ وجوه التخصيصِ، وحالُ النبي ﷺ والتبركُ به وعدم العِوَضِ عنه يقتضي الصلاة معه على أي حال كان عليها وليس\n_________\n(^١) في (الأصل): «بأن عدم الفعل على عدم الوقوع»، والصواب: «بأن عدم النقل لا يدل على عدم الوقوع» كما في فتح الباري.\n (^٢) في (الأصل): «يمكنه»، والصواب: «يمكنهم» كما في فتح الباري.\n (^٣) في (الأصل): «الاختصار»، والصواب: «الانتصار» كما في فتح الباري.","vol":"1","page":240},{"text":"ذلك لغيره، وأيضًا فنقصُ صلاة القاعد عن القائم لا يُتصور في حقه ويُتصور في حق غيره. والجواب عن الأول: رده بعموم قوله: «صلوا كما رأيتموني أصلي»، وعن الثاني: بأن النقص إنما يكون في حق القادر في النافلة وأما المعذور في الفريضة فلا نقص في صلاته عن القائم.\nواستُدِل به على نسخ الأمر بصلاة المأموم قاعدًا إذا صلى الإمام قاعدًا لكونه - ﷺ - أقر الصحابة على القيام خلفَه وهو قاعد، هكذا قرره الشافعي وكذا نقله المصنف في آخر الباب عن شيخه الحميدي وهو تلميذ الشافعي، وبذلك يقول أبو حنيفة وأبو يوسف والأوزاعي وحكاه الوليد بن مسلم عن مالك وأنكر أحمد نسخ الأمر المذكور بذلك.\nوجَمَعَ بين الحديثين بتنزيلهما على حالتين: إحداهما إذا ابتدأ الإمام الراتب الصلاة قاعدًا لِمرضٍ يرجى برؤه فحينئذ يصلون خلفه قعودًا، ثانيهما إذا ابتدأ الإمام الراتب قائمًا لزِم المأمومين أن يصلوا خلفه قيامًا سواءٌ طرَأ ما يقتضي صلاة إمامهم قاعدًا أم لا كما في الأحاديث التي في مرض موته ﷺ، فإن تقريرَه لهم على القيام دل على أنه لا يلزمهم الجلوس في تلك الحالة، لأن أبا بكر ابتدأ الصلاة بهم قائمًا وصلَّوا معه قيامًا بخلاف الحالةِ الأولى فإنه - ﷺ - ابتدأ الصلاة جالسًا فلما صلَّوْا خلفه قيامًا أنكر عليهم. ويقوِّي هذا الجمعَ أن الأصل عدمُ النسخ لا سيما وهو في هذه الحالة يستلزِمُ دعوى النسخ مرتين، لأن الأصل في حكم القادر على القيام أن لا يصليَ قاعدًا، وقد نُسِخ إلى القعود في حق من صلى إمامُه قاعدًا، فدعوى نسخ القعود بعد ذلك يقتضي وقوع النسخ مرتين وهو بعيد، وأبعد منه ما تقدم عن القاضي عياض فإنه يقتضي وقوع النسخ ثلاث مرات.\nوقد قال بقول أحمدَ جماعةٌ من محدِّثي الشافعية كابن خزيمة وابنِ المنذر وابن حبان، وأجابوا عن حديث الباب بأجوبة أخرى منها: قولُ ابنِ خزيمة إن الأحاديث التي وردت بأمر المأموم أن يصليَ قاعدًا تبعًا لإمامِه لم يُختَلَف في صحتها ولا في سياقها وأما صلاته - ﵇ - قاعدًا فاختُلِف فيها: هل كان إمامًا أو مأمومًا. قال: وما لم يُختَلفْ فيه لا ينبغي تركه لِمُختَلَفٍ فيه.\nوأجيب: بدفع الاختلاف والحَملِ على أنه كان إمامًا مرةً ومأمومًا أخرى. ومنها: أن بعضهم جمع بين القصتين بأن الأمر بالجلوس كان للندب، وتقريرُه قيامَهم خلفَه كان لبيان الجواز، فعلى هذا إِنْ أَمَّ قاعدًا لعذر تخيرَ من صلى خلفَه بين القعود ِوالقيامِ، والقعودُ أولى لثبوت الأمر بالائتمام والاتباعِ وكثرةِ الأحاديث الواردة في ذلك.\nوأجاب ابن خزيمة عن استبعادِ من استبعد ذلك بأن الأمر قد صدر من النبي ﷺ بذلك واستمر عملُ الصحابة في حياته وبعده، فروى عبد الرزاق بإسناد صحيح عن قيس بن قَهْدٍ - بفتح القاف وسكون الهاء - الأنصاري:","vol":"1","page":240},{"text":"أن إمامًا لهم اشتكى على عهد رسول الله ﷺ قال: فكان يؤمُّنا وهو جالسٌ ونحن جلوس. وروى ابن المنذر بإسناد صحيح عن أُسَيدِ بن حُضَير: أنه كان يؤم قومَه فاشتكى فخرج إليهم بعد شكواه (^١) فأمروه أن يصلي بهم فقال: إني لا أستطيع أن أصليَ قائمًا، فقعَدوا فصلى بهم قاعدًا وهم قعود. وروى أبو داود من وجه آخر عن أُسَيدِ بن حُضَير أنه قال: يا رسول الله إن إمامنا مريضٌ. قال: «إذا صلى قاعدًا فصلُّوا قعودًا». وفي إسناده انقطاع. وروى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن جابر أنه اشتكى فحضرت الصلاة فصلى بهم جالسًا (^٢) وصلَّوا معه جلوسا. وعن أبي هريرة: أنه أفتى بذلك. وإسناده صحيح أيضًا.\nوقد ألزم ابنُ المنذر من قال: فإنَّ الصحابي أعلمُ بتأويل ما رَوَى، فَأَن يقول بذلك، لأن أبا هريرة وجابرًا رَوَيا الأمرَ المذكور واستمرَّا (^٣) على العمل به والفتيا بعد النبي ﷺ، ويلزمُ ذلك مَن قال: إن الصحابي إذا روى وعمل بخلافه أنَّ العبرة بما عمل من باب الأولى، لأنه هنا عمل بوفق ما رَوَى. وقد ادعى ابنُ حبان الإجماعَ على العمل به، وكأنه أراد السكوتيَّ، لأنه حكاه عن الأربعة الذين ذكرناهم، وقال: لا أحفظُ عن أحد من الصحابة غيرِهم القولَ بخلافه من طريقٍ صحيح ولا ضعيف.\nوكذا قال ابن حزم: إنه لا يحفظ عن أحد من الصحابة خلافَ ذلك، ثم نازَعَ في ثبوت كون الصحابة صلَّوْا خلفَه - ﵇ - وهو قاعدٌ قيامًا غيرَ أبي بكر، قال: لأن ذلك لم يرِدْ صريحًا. قال شيخُنا: وأطال في ذلك بما لا طائل فيه، والذي ادعى نفيه قد أثبته (^٤) الشافعيُّ وقال: إنه في رواية إبراهيم عن الأسود، ثم وجدتُه مصرَّحًا به أيضا في مصنف عبد الرزاق عن ابن جُريج أخبرني عطاء... فذَكَر الحديثَ ولفظُه: فصلى النبي ﷺ قاعدًا وجعل أبا بكر بينَه وبين الناس، وصلى الناسُ وراءَه قيامًا. وهذا مرسلٌ مُعتضِدٌ بالرواية التي علَّقها الشافعي عن النخعي، وهذا هو الذي يقتضيه النظر فإنهم ابتدؤوا الصلاةَ مع أبي بكر قيامًا بلا نزاع، فمَن ادَّعى أنهم قعَدوا بعد ذلك فعليه البيان.\nثم رأيتُ ابنَ حِبَّان استدل على أنهم قعدوا بعدَ أن كانوا قيامًا بما رواه من طريق أبي (^٥) الزبير عن جابر قال: اشتكى رسولُ الله ﷺ فصلينا وراءه وهو قاعدٌ وأبو بكر يُسمِعُ الناس التَّكبير، قال: فالتفت إلينا فرآنا قيامًا فأشار إلينا فقعدنا، فلمَّا سلَّم قال: «إن كدتم لتفعلون فعلَ فارس والروم فلا تفعلوا...». الحديثُ. وهو حديث صحيح أخرجه مسلم، لكن ذلك لم يكن في مرض موته وإنما كان ذلك حيث سقط عن الفرس كما في رواية أبي سفيان عن جابر أيضًا قال: ركب رسول الله ﷺ فرسًا بالمدينة فصرعه (^٦) على جذم نخلة فانقلَبَ قدمُه... الحديثُ. قلت: الجذمُ: القطع. انتهى. أخرجه أبو داود وابن خزيمة بإسناد صحيح.\nفلا حجة على هذا لِما ادعاه إلا أنه تمسُّكَ بقولِ في رواية أبي الزبير: وأبو بكر يُسمع الناس التكبيرَ. وقال: إن ذلك لم يكن إلا\n_________\n(^١) في (الأصل): «سلوه»، والصواب: «شكواه» كما في فتح الباري.\n (^٢) في (الأصل): «والنساء»، والصواب: «جالسًا» كما هو في مصنف ابن أبي شيبة.\n (^٣) في (الأصل): «واستموا»، والصواب: «واستمرَّا».\n (^٤) كلمة غير واضحة في (الأصل): ولعلها «أثبته».\n (^٥) في (الأصل): «ابن»، والصواب: «أبي» كما هو في صحيح ابن حبان.\n (^٦) في (الأصل): «فصرحه»، والصواب: «فصرعه».","vol":"1","page":241},{"text":"في مرض موته، لأن صلاته في مرضه الأول كانت في مشرَبة عائشة ومعه نفر من أصحابه لا يحتاجون إلى من يُسمِعُهم تكبيرَه بخلاف صلاته في مرض موته فإنها كانت في المسجد بجمع كثيرٍ من الصحابة فاحتاج أبو بكر أن يُسمعهم التكبيرَ. انتهى. ولا رَاحة له فيما تَمسك به، لأن إسماعَ التكبير في هذا لم يتابِع أبا الزبير عليه أحدٌ، وعلى تقدير أنه حفِظه فلا مانع أن يُسمعَهم أبو بكر التكبيرَ في تلك الحالة، لأنه يُحمل على أن صوَته ﷺ كان خفيًا من الوجع، وكان من عادته أن يجهَرَ بالتكبير فكان أبو بكر يجهرُ عنه بالتكبير لذلك.\nووراء ذلك كلِّه أنه أمْرٌ محتمِلٌ لا يُترَك لأجله الخبرُ الصحيح بأنهم صلوا قيامًا كما تقدم في مرسل عطاء وغيرِه، بل في مرسل عطاء متصلًا به بعد قوله: وصلى الناس وراءه قيامًا فقال النبي ﷺ: «لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما صليتم إلا قعودًا فصلوا صلاة إمامكم ما كان، إن صلى قائمًا فصلوا قيامًا، وإن صلى قاعدًا فصلوا قعودًا». وهذه الزيادة تُقَوِّي ما قال ابن حبان: إن هذه القصة كانت في مرض النبي ﷺ الأخير.\nويستفاد منها: نسخُ (^١) الأمرِ بوجوب صلاة المأمومين قعودًا إذا صلى إمامُهم قاعدًا، لأنه ﷺ لم يأمرهم في هذه المرة الأخيرة بالإعادة، لكنْ إذا نُسِخ الوجوبُ بقيَ الجوازُ، والجواز لا ينافي الاستحبابَ، فيُحمل أمرُه الأخير بأن الصلاة قعودًا على الاستحباب، لأن الوجوب قد رُفِع بتقريره لهم وترْكِ أمرِهم بالإعادة، هذا مقتضى الجمع بين الأدلة وبالله التوفيق. انتهى.\nقال العيني: ثم اعلم أن صلاة القائم خلف القاعد هو مذهب أبي حنيفة وأبي يوسف والشافعي ومالكٍ في روايةٍ والأوزاعي، واحتجوا في ذلك بحديث عائشة ﵂ المذكور. فإن قلتَ: روى البخاري ومسلم والأربعة عن أنس قال: «سقط رسول الله ﷺ عن فرس...» الحديثُ. وفيه: «إذا صلى قاعدًا فصلُّوا قعودًا»، وروى البخاري أيضًا ومسلم عن عائشة قالت: اشتكى رسول الله ﷺ فدخل عليه ناسٌ من أصحابه... الحديثُ. وفيه: «إذا صلى جالسًا فصلُّوا جلوسًا». قلتُ: هؤلاء يجعلون هذا منسوخًا بحديث عائشة المتقدم أنه صلى آخر صلاته قاعدًا والناسُ خلفه قيامٌ، وأيضًا أنَّ تلك الصلوات كانت تطوعًا والتطوعات يحتمل فيها ما لا يحتمل في الفرائض، ومما يدل على ذلك ما أخرجه الترمذي عن علي بن زيد عن سعيد بن المسيب عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: «إياك والالتفات في الصلاة فإنه هَلَكَةٌ، فإنْ كان لا بد ففي التطوع لا في الفريضة». وقال: حديث حسن. انتهى.\n\n٦٨٨ - <span id=\"b-٢٩٨\"> </span>قوله: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ) أي التنيسي المصري.\nقوله: (قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) أي ابن أنس الإمام.\nقوله: (عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ)\nقوله: (عَنْ أَبِيهِ) أي عروة بن الزبير.\nقوله: (عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ) ﵂، ترجمة هؤلاء اخمسة في بدء الوحي.\nوهذا الإسنادُ فيه: التحديثُ بصيغة\n_________\n(^١) كلمة: «نسخ» ساقطة من (الأصل) والاستدراك من فتح الباري.","vol":"1","page":241},{"text":"الجمع في موضع واحد والإخبار كذلك، وفيه: العنعنة في ثلاث مواضع، وفيه: القول في موضعين.\nقوله: (أَنَّهَا قَالَتْ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي بَيْتِهِ وَهُوَ شَاكٍ، فَصَلَّى جَالِسًا وَصَلَّى وَرَاءَهُ قَوْمٌ قِيَامًا، فَأَشَارَ إِلَيْهِمْ أَنِ اجْلِسُوا، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: «إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا رَكَعَ، فَارْكَعُوا وَإِذَا رَفَعَ، فَارْفَعُوا، وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا أَجْمَعُونَ»).\nمطابقته للترجمة ظاهرة لأن الترجمة هي بعينها. قوله - ﵇ -: (إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ).\nوهذا الحديث أخرجه البخاري أيضًا في التفسير عن قتيبة، وفي السهو عن إسماعيل. وأخرجه أبو داود في الصلاة عن القَعْنَبِي عن مالك به.\nقوله: (فِي بَيْتِهِ) أي في المشرَبة التي في حجرة عائشة، كما بينه أبو سفيان عن جابر، وهو دالٌّ على أن تلك الصلاة لم تكن في المسجد، وكأنه - ﷺ - عجز عن الصلاة بالناس في المسجد، وكان يصلي في بيته بمن حضَر، لكنه لم يُنقل أنه استخلف، ومن ثَمَّةَ قال عياض: إنَّ الظاهر أنه صلى في حجرة عائشة وائتَمَّ به من حضر عنده ومن كان في المسجد. وهذا الذي قاله يحتمِل، ويحتمِل أيضًا أن يكون استخلف، وإن لم يُنقَل. ويلزم على الأولِ صلاةُ الإمام أعلى من المأمومين، ومذهب عياض خلافه. لكن له أن يقول: محل المنع ما إذا لم يكن مع الإمامِ في مكانه العالي أحدٌ، وهنا كان معه بعضُ الصحابة.\nقوله: (وَهُوَ شَاكٍ) بتخفيف الكاف وأصله: شاكِيٌ، نحوُ: قاضٍ أصله قاضِيٌ، استُثْقِلَت الضمة على الياء فحُذِفَت، وهو من الشِّكاية وهي المرض، والمعنى هنا: شاكٍ عن مِزاجِه لانحرافِه عن الصحة. وقال ابن الأثير: الشَّكْوُ والشَّكْوى والشِّكاة والشِّكايةُ: المرض. وكأنَّ سببَ ذلك ما في (^١) حديثِ أنسٍ المذكور بعده: أنه سَقَطَ عن فرس.\nقوله: (فَصَلَّى جَالِسًا) أي حالَ كونه جالسًا. وقال عياض: يحتمل أن يكون أصابه من السقطة رَضٌّ في الأعضاء مَنَعَهُ مِنَ القيام. ورُدَّ هذا بأنه ليس كذلك، وإنما كانت قدمه مُنفكَّةً، كما في رواية بشر بن المفضل عن حميد عن أنس عند الإسماعيلي، وكذا لأبي داود وابن خزيمة من رواية أبي سفيان عن جابرٍ قال: ركب رسول لله ﷺ فرسًا بالمدينة فصرعَه على جذم نخلة فانفكت قدمُه، فأتيناه نعودُه فوجدناه في مشرَبة لعائشة... الحديثُ، وفي رواية يزيد بن حميد: جُحِشَ ساقُه أو كتفُه. وفي رواية الزهري عن أنس: جُحِشَ شِقُّه الأيمن. وأما قوله في رواية الزهري عن أنس: فجُحِشَ ساقُه أو كتفُه، كما تقدم في باب الصلاة على السطوح فلا ينافي ذلك كونَ قدمِه انفكت، لاحتمال وقوع الأمرين.\nوقد تقدم تفسير الجَحْش بأنه الخَدش، والخَدش قَشْرُ الجلد، ووقع عند المصنف في باب يَهوِي بالتكبير من رواية سفيان عن الزهري: شِقُّه الأيمن، فلما خرجنا. قال ابن جريج: ساقُه الأيمن. ورواية ابن جريج (^٢) أخرجها عبد الرزاق عنه وليست مصحَّفَةً كما زعم بعضُهم\n_________\n(^١) كلمة: «في» ساقطة من (الأصل) والسياق يحتاجها.\n (^٢) جملة: «ساقُه الأيمن. ورواية ابن جريج» ساقطة من (الأصل) والاستدراك من فتح الباري.","vol":"1","page":242},{"text":"سقط بالورد","vol":"1","page":242},{"text":"سقط بالورد","vol":"1","page":243},{"text":"الصلاة (^١) الكلام على زيادة: اللهم قبلها، ونقل عياض عن القاضي عبد الوهاب أنه استدل به على أن حمد الإمام مقتصرٌ على قول: سمع الله لمن حمده، وأن المأموم يقتصر على قوله: ربنا لك الحمد، وليس في السياق ما يقتضي المنع، لأن السكوت عن الشيء لا يقتضي تركَ فعلِه، نعم مقتضاهُ أن المأمومَ يقولُ: ربنا لك الحمد عقِب قولِ الإمام: سمع الله لمن حمده، فأمَّم منعُ الإمام من قول: ربنا لك الحمد فليس بشيء، لأنه ثبت أنَّ النبي ﷺ كان يجمعُ بينهما كما سيأتي في باب ما يقول عند رفع رأسه من الركوع، ويأتي باقي الكلام عليه هناك.\nقوله: (وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا) أي حال كونه جالسا.\nقوله: (فَصَلُّوا جُلُوسًا) أي جالسين، وهو أيضا حال.\nقوله: (أَجْمَعُونَ) تأكيدٌ للضمير الذي في (فَصَلُّوا)، كذا وقع بالواو في جميع الطرق في «الصحيحين»، إلا أن الرواة اختلفوا في رواية همام عن أبي هريرة فقال بعضهم: (أَجْمَعِينَ) بالياء، فوجهُه أن يكونَ منصوبًا على الحال، أي جلوسا مجتمعين، أو يكونَ تأكيدًا له، وقال بعضهم: يكون أيضًا على التأكيد لضميرٍ مقدر منصوب، كأنه قال: أَعْنيكُم أجمعين. قال العيني: هذا تعسف جدًا، ليس في الكلام ما يصحح هذا التقدير. انتهى.\nفيه: جواز صلاة القائمين وراء الجالس، وقد مر الكلام فيه مستوفى عن قريب.\nوفيه: وجوب متابعة المأمومِ الإمامَ حتى في الصحة والفساد، قاله العيني على مقتضى مذهبه، وقال الشافعي: يُتبَع في الموافقة لا في الصحة والفساد. وقد مرَّ البحثُ فيه عن قريب.\nالثالث: استدل أبو حنيفة بقوله: (وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ) على أن وظيفة الإمام التسميعُ ووظيفةَ المقتدي التحميدُ، لأنه ﵇ قَسَم، والقسمةُ تنافي الشركة، وبه قال مالك وأحمد في رواية، وقال أبو يوسف ومحمد والشافعي وأحمد في رواية: يأتي الإمام بهما. قال العيني: والحديث حجة عليهم. انتهى. قلتُ: ليس فيه حجة، وقد تقدم البحث منه عن قريب. انتهى. وأما المؤتمُّ قال العيني: فلا يقول إلا: ربنا ولك الحمد، ليس إلا عندنا، وقال الشافعي ومالك: يجمع بينهما. انتهى.\n\n٦٨٩ - <span id=\"b-٢٩٩\"> </span>قوله: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ) أي التنيسي.\nقوله: (قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) أي الإمام، ترجمتهما في بدء الوحي.\nقوله: (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) أي محمد بن مسلم، ترجمته في باب إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة.\nقوله: (عَنْ أَنَسِ) أي ابنِ مَالِك، ترجمته في باب من الإيمان أن يحب.\nفي هذا الإسنادِ: التحديثُ بصيغة الجمع في موضع والإخبار كذلك، وفيه: العنعنة في موضعين، وفيه: القولُ في موضع، وفيه: عن أنس، وفي رواية شعيب عن الزهري: أخبرني أنس.\nقوله: (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَكِبَ فَرَسًا، فَصُرِعَ عَنْهُ فَجُحِشَ شِقُّهُ الأَيْمَنُ، فَصَلَّى صَلَاةً مِنَ الصَّلَوَاتِ وَهُوَ قَاعِدٌ، فَصَلَّيْنَا وَرَاءَهُ قُعُودًا، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: «إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا صَلَّى قَائِمًا، فَصَلُّوا قِيَامًا، وَإِذَا\n_________\n(^١) كذا العبارة في (الأصل) في بداية اللوحة، ولعل هناك لوحةً ساقطة فإنه كان ينقل عن فتح الباري فانتقل فيما ينقله إلى موضع لاحق.","vol":"1","page":243},{"text":"رَكَعَ، فَارْكَعُوا وَإِذَا رَفَعَ، فَارْفَعُوا، وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ، وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا، فَصَلُّوا جُلُوسًا أَجْمَعُونَ»).\nمطابقته للترجمة مثلُ ما ذكرنا في الحديث الذي قبله.\nقوله: (رَكِبَ فَرَسًا) بفتح الفاء والراء. قلتُ: هو الحيوان الصاهل وله خواصٌّ منها: أن المرأة إذا سُقيت من لبنه ولم تعلم أنه لبن فرس وواقعها زوجُها حملت في ساعتها، ومنها: أنه إذا أخذت شعرةً من ذنب فرس وجُعِلت على باب بيتٍ ممدودةً لم يدخله بَقٌّ ما دامت ممدودةً عليه، فهذه فائدتان إحداهما لِجلبِ نفعٍ والأخرى لدفع ضرر، وأنتَ إذا تأملتَ حالَ الفرس رأيتَه لجلب نفعٍ أو دفعِ ضرر. انتهى.\nقوله: (فَصَلَّى صَلَاةً مِنَ الصَّلَوَاتِ) وفي رواية سفيان عن الزهري: (فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ)، وكذا في رواية حميد عن أنس عند الإسماعيلي. وقال القرطبي: اللام للعهد ظاهرًا، والمراد الفرضُ لأن المعهود من عادتهم اجتماعُهم للفرض بخلاف النافلة، وحكى عياض عن ابن القاسم: أن هذه الصلاة كانت نفلًا. قال شيخنا: وتُعُقِّبَ: بأن في رواية جابر عند ابن خزيمة وأبي داود الجزمُ بأنها فرضٌ كما سيأتي، لكن لم أقف على تعيينها إلا في حديث أنس: فصلى بنا يومئذ. فكأنها نهاريَّةُ الظهر أو العصر. انتهى. قال العيني: لا ظاهر هنا يدل على ما ادَّعاه وَلِمَ لا يجوز أن تكون التي صلى بهم يومئذ نفلًا. انتهى. قلتُ: ظهورُ كونها فرضًا ثابتٌ من جزم روايةِ ابن خزيمة وأبي داود وتعليلِ القرطبي فلا وجه لنفيِ الظهورِ والله أعلم. انتهى.\nقوله: (فَجُحِشَ) بجيم مضمومة ثم حاءٍ مهملة مكسورة أي: خُدِشَ، وهو أن يتقشَّر جِلدُ العضو.\nقوله: (فَصَلَّيْنَا وَرَاءَهُ قُعُودًا) أي حال كوننا قاعدين. ظاهرُه يخالف حديث عائشة، لأن فيه: (فَصَلَّى جَالِسًا وَصَلَّى وَرَاءَهُ قَوْمٌ قِيَامًا). وفي الجمع بينهما وجوه: الأول: أنَّ في رواية أنس اختصارًا وكأنه اقتصر على ما آل إليه الحال بعد أمره لهم بالجلوس. الثاني: ما قاله القرطبي وهو أنه: يحتمل أن يكون بعضُهم قعد من أول الحال، وهو الذي حكاه أنس، وبعضُهم قام حتى أشار إليه بالجلوس، وهو الذي حكته عائشة.\nقال شيخنا: وتُعُقِّبَ باستبعاد قعودِ بعضِهِم بغير إذنِه - ﷺ - لأنه يستلزم النسخ بالاجتهاد، ولأن فرضَ القادر في الأصلِ القيامُ. انتهى. الثالث: ما قاله قومٌ وهو احتمال تعدد الواقعة، وقال شيخنا: وفيه بُعْدٌ لأن حديث أنسٍ إن كانت القصةُ سابقةً لزم منه ما ذكرنا من النسخِ بالاجتهاد، وإن كانت متأخرةً لم يُحَتج إلى إعادة قولِه: (إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ...) إلى آخره، لأنهم قد امتثلوا أمره السابق وصلَّوْا قعودًا لكونه قاعدًا. انتهى.\nقال العيني: البُعد في الوجهين الأوَّلين، والوجه الثالث هو القريب، ويدل عليه ما وقع في رواية أبي داود عن جابر: أنهم دخلوا يعودونه مرتين، فصلى بهم فيهما. وبيَّنَ أنَّ الأولى كانت نافلةً وأقرَّهُم على القيام وهو جالس، والثانية كانت فريضةً وابتدأوا قيامًا فأشار إليهم بالجلوس. وفي رواية بشر عن حميد","vol":"1","page":244},{"text":"عن أنس نحوُه عند الإسماعيلي.\nقوله: (وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا، فَصَلُّوا جُلُوسًا) استُدِلَّ به على صحة إمامة الجالس كما تقدم، وادَّعى بعضُهم أن المراد بالأمر أن يقتدي به في جلوسه في التشهد وبين السجدتين لأنه ذَكَرَ ذلك عقب ذكر الركوع والرفع عنه والسجود، قال: فيُحمل على أنه لما جلس للتشهد قاموا تعظيمًا له فأمرهم بالجلوس تواضعًا، وقد نبه على ذلك بقوله في حديث جابر: «إنْ كدتم آنفًا تفعلون فعلَ فارس والروم، يقومون على ملوكهم وهم قعود فلا تفعلوا». وتعقَّبَه ابن دقيق العيد وغيرُه بالاستبعاد وبأنَّ سياق طرق الحديث تأباه وبأَّنهُ لو كان المراد الأمرُ بالجلوس في الركن لقال: وإذا جلستُ فاجلسوا، لتُناسب قوله: «وإذا سجد فاسجدوا»، فلما عَدَل عن ذلك إلى قوله: (وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا) كان كقوله: (وَإِذَا صَلَّى قَائِمًا) والمراد بذلك جميعُ الصلاة. ويؤيد ذلك قولُ أنس: فصلينا وراءه قعودًا.\nقوله (أَجْمَعُونَ) تقدم الكلام عليه آنفًا.\nفيه من الفوائد غير ما تقدم في الحديث السابق: مشروعيةُ ركوب الخيل والتدرب على أخلاقها. واستحبابُ التأسي إذا حصل له منها سقوطٌ أو غيرُه أو غيرُ ذلك بما اتَّفَقَ للنبي ﷺ في هذه الواقعة. وبه الأسوة الحسنة. وفي ذلك أنه يجوز على النبيِّ ﷺ ما يجوزُ على البَشَر من الأسقام ونحوِها من غير نقصٍ في مقدارِه بذلك بل ليزداد قدرُه رِفْعَةً ومنصبُه جلالة عليه أفضل الصلاة والسلام.\nقوله: (قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ) أي البخاري ﵀، ترجمته في مقدمة هذا الشرح.\nقوله: (قَالَ الحُمَيْدِيُّ) أي عبد الله بن الزبير بن عيسى ابن عبيد الله بن حميد القرشي الأسدي المكي، ويكنى أبا بكر، وهو شيخ البخاري ومن أفراده وتلميذُ الشافعي ﵀، مات سنة تسع عشر ومائتين، قلتُ: تقدمت ترجمته في بدء الوحي. انتهى.\nقولُه: (قَوْلُهُ: «إِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا» هُوَ فِي مَرَضِهِ القَدِيمِ، ثُمَّ صَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ النَّبِيُّ ﷺ جَالِسًا، وَالنَّاسُ خَلْفَهُ قِيَامٌ، لَمْ يَأْمُرْهُمْ بِالقُعُودِ، وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ بِالْآخِرِ فَالْآخِرِ، مِنْ فِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ) قد تقدم أنه يُفهم من هذا ميلُ البخاري إلى ما قاله الحميدي ومذهب الأئمة.\nقال ابن حبان - كما تقدم بعضُه وتعقبه شيخنا بعد أن روى حديث عائشة المذكور -: في هذا الخبر بيانٌ واضحٌ أنَّ الإمام إذا صلى قاعدًا كان على المأمومين أن يصلوا قعودًا، وأفتى به من الصحابة جابر بن عبد الله وأبو هريرة وأسيد بن حضير وقيس بن قَهْدٍ، ولم يُرْوَ عن غيرهم من الصحابة خلافُ هذا بإسناد متصل ولا منقطع، فكان إجماعًا، والإجماع عندنا إجماع الصحابة. وقد أفتى به من التابعين أيضًا، وأولُ من أبطل ذلك من الأئمة المغيرةُ بن مقسم، وأخذ عنه حماد بن أبي سليمان ثم أخذه عنه أبو حنيفة ثم عنه أصحابه، وأعلى حديثٍ احتجوا به حديثٌ رواه جابر الجعفي","vol":"1","page":244},{"text":"عن الشعبي، وهو قوله ﵇: «لا يَؤُمَّنَّ أحدٌ بعدي جالسًا»، وهذا لو صح إسناده لكان مرسلًا، والمرسل عندنا وما لم يُروَ سِيَّان، لأنَّا لو قبلنا إرسال تابعيٍّ وإن كان ثقة لَلَزِمَنا قَبول مثله عن أتْباع التابعين، ويؤدي ذلك إلى أن يُقبل من كل أحد إذا قال: قال رسول الله ﷺ. وفي هذا نقض (^١) الشريعة، والعجب أن أبا حنيفة يجرح جابرًا ويكذِّبه، ثم لما اضطره الأمر جعل يحتج بحديثه، وذلك كما أخبرنا به الحسين بن يزيد القطان بالرَّقة حدثنا أحمد بن أبي الحوراء سمعت أبا يحيى الجُمَّاني سمعت أبا حنيفة يقول: ما رأيت فيمن لقيت أفضل من عطاء، ولا لقيت فيمن لقيت أكذب من جابر الجعفي، ما أتيتُه بشيء إلا جاءني فيه بحديث.\nقال العيني: أما إنكاره النسخ فليس له وجه لأنَّ الذي يجب به العمل هو ما استقرَّ عليه آخرُ الأمرين منه - ﵇ - صلاتُه قاعدًا والناس وراءَه قيامٌ دلَّ على أنَّ ما كان قبلَه من ذلك مرفوعُ الحكم.\nوأما قوله: أفتى به من الصحابة جابر وغيره، فقد قال الشافعي: إنهم لم يبلغهم النسخ، وعلم الحاجة يوجد عند بعض ويعزب عن بعض، وأما قوله: والإجماع إجماع الصحابة، فغير مُسَلَّم، لأن الأدلة غير فارقة بين أهل عصر بل يتناول لكل أهل عصر كتناولها لأهل عصر الصحابة، إذْ لو كان خطابًا للموحِّدِين وقتَ النزول فقط يلزم أن لا ينعقد إجماع الصحابة بعد موت من كان موحِّدًا وقت النزول، لأنه حينئذ لا يكون إجماعُهم أجماعَ جميع المخاطبين وقت النزول، ويلزم أن لا يُعتَدَّ بخلاف من أسلم أو وُلِد من الصحابة بعد النزول لكونهم خارجين عن الخطاب، وقد اتفقتم معنا على إجماع هؤلاء فلا يختص بالمخاطَبين، والخطاب لا يختص بالموجودين كالخطاب بسائر التكاليف، وهذا الذي قاله ابن حبان هو من مذهب داودَ وأتباعِه.\nوأما قوله: والمرسل عندنا وما لم يُرْوَ سِيَّان... إلى آخره، فغير مسَلَّم أيضًا لأن إرسال العدل من الأئمة تعديلٌ له، إذْ لو كان غيرَ عدل لوجب عليه التنبيهُ على جرحه والإخبارُ عن حاله، فالسكوت بعد الرواية عنه يكون تلبيسًا أو تحميلًا للناس على العمل مِمَّا ليس بحجة، والعدلُ لا يُتَّهَم بمثل ذلك، فيكون إرساله توثيقًا (^٢) له، لأنه يُحتمل أنه كان مشهورًا عنده فروى عنه بناءً على ظاهر حاله، وفوَّض تعريف حالِه إلى السامع حيث ذَكَرَ اسمَه. وقد استدل بعضُ أصحابنا لقَبول المرسل باتفاق الصحابة، فإنهم اتفقوا على قبول روايات ابن عباس مع أنه لم يسمع من النبي ﷺ إلا أربعَ أحاديث لصغر سنه كما ذكره الغزالي، أو بضعَ عشر حديثًا كما ذكره شمس الأئمة السرَخْسي. وقال ابن سيرين: ما كنا نسند الحديث إلى أن وقعت الفتنة، وقال بعضهم: رد المراسيل بدعة حادثة\n_________\n(^١) في (الأصل): «بعض»، والصواب: «نقض».\n (^٢) في (الأصل): «توقيفًا»، والصواب: «توثيقًا».","vol":"1","page":245},{"text":"بعد المائتين، والشعبي والنخعي من أهل الكوفة، وأبو العالية والحسن من أهل البصرة، ومكحول من أهل الشام كانوا يرسلون، ولا يُظن بهم إلا الصدق، فدلَّ على كون المرسل حجةً. نعم، الاختلافُ في مراسيل من دونَ القرن الثاني والثالث، فعند أبي الحسن الكرخي: يُقبَل إرسالُ كلِّ عدل في كل عصر، لأن العلة الموجبة لقَبول المراسيل في القرون الثلاثة وهي: العدالة والضبط، تشمل سائر القرون، فبهذا التقدير انتقض قوله: وفي هذا نقض الشريعة.\nوأما قوله: والعجب من أبي حنيفة... إلى آخره، كلامٌ فيه إساءة أدب ومجردُ تشنيع بدون دليل جلي: فإن أبا حنيفة في أين احتجَّ بحديث جابر الجعفي في كونه ناسخا؟ ومن نقل هذا من الثقات عن أبي حنيفة حتى يكون متناقضا في قوله وفعله؟ بل احتج أبو حنيفة في نسخ هذا الباب مثلَ ما احتج به غيره كالثوري والشافعي وأبو ثور وجمهور السلف، كما مر مستوفى. انتهى.\n\n <span id=\"b-٣٠٠\"> </span>(٥٢) <span data-type=\"title\" id=toc-300>(بابٌ: مَتَى يَسْجُدُ مَنْ خَلْفَ الإِمَامِ</span>؟)\nأي هذا باب ترجمته: متى يسجد من خلف الإمام، يعني إذا اعتدل أو جلس بين السجدتين. وقوله: (مَنْ) فاعلُ قولِه: (يَسْجُدُ).\nقوله: (وَقَالَ أَنَسٌ) أي ابن مالك.\nقوله: (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «فَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا» وقال صاحب «التلويح»: وفي بعض النسخ: (قَالَ أَنَسٌ: فَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا) يعني: من غير ذكرِه ﷺ.\nمطابقته للترجمة من حيث إنه يبين معنى متى يسجد مَن خلف الإمام، وهو أنه إذا سجد الإمام، بناء على تقدم الشرط على الجزاء، وحديث الباب يفسره.\nوهذا التعليق أخرجه موصولًا في: باب إيجاب التكبير، فإن فيه: (فَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا). قال العيني: قال شيخنا: وهو طرف من حديثه الماضي في الباب الذي قبله. قال العيني: ليست هذه اللفظة في الحديث الماضي، وإنما هي في باب إيجاب التكبير، كما ذكرنا. انتهى. قلتُ: فكأنَّ العيني ﵀ لَمَّا لم ير هذه اللفظة مذكورة في الباب الماضي نفى أن تكون منه، وهذا لا يلزم، لأنها قد تكون منه لكن لم يذكرها في الباب على عادته في تقطيع الحديث، أو تكون مذكورةً في بعض النسخ دون بعض لأن هذا قَدرٌ يبعُد أن يغفل شيخنا عنه. انتهى.\n\n٦٩٠ - <span id=\"b-٣٠١\"> </span>قوله: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) أي ابن مُسرهَد، ترجمته في باب من الإيمان أن يحب لأخيه.\nقوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) أي القطان، ترجمته في الباب أيضًا.\nقوله: (عَنْ سُفْيَانَ) أي الثوري، ترجمته في باب علامات المنافق.\nقوله: (قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو إِسْحَاقَ) واسمه: عمرو بن عبد الله السَّبِيعي، بفتح السين المهملة وكسر الباء الموحدة، نسبةً إلى سَبِيع بطنٍ من همدان، ترجمته في باب الصلاة من الإيمان.\nقوله: (قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ) أي من الزيادة، الخطمي كذا وقع منسوبًا عند الإسماعيلي في روايةٍ لشعبة عن أبي إسحاق،","vol":"1","page":245},{"text":"وهو منسوب إلى خَطْمي، بفتح الخاء المعجمة وسكون الطاء: بطن من الأوس. وقال الذهبي: عبد الله بن يزيد بن زيد بن حصين بن (^١) عمرو الأوسي الخطمي أبو موسى، شهد الحديبية ومات قبل ابن الزبير ﵃. قلتُ: عبد الله هذا تقدمت ترجمته في باب ما جاء أن الأعمال بالنية والحِسبة. انتهى.\nقوله: (قَالَ: حَدَّثَنِي البَرَاءُ -وَهُوَ غَيْرُ كَذُوبٍ-) أي ابن عازب، ترجمته في باب الصلاة من الإيمان.\nفي هذا الإسنادِ: التحديثُ بصيغة الجمع في موضعين وبصيغة الإفراد في ثلاث مواضع. وفيه: العنعنة في موضع واحد. وفيه: القول في أربع مواضع. وفيه: عبد الله بن يزيد الصحابي من أفراد البخاري. وفيه: رواية الصحابي ابنِ الصحابي عن الصحابي ابن الصحابي، كلاهُما من الأنصار ثم من الأوس وكلاهمُا سكن الكوفة، وذكر الذهبي في «تجريد الصحابة» والدَ عبد الله ووالد البراء كليهما في الصحابة، فقال: يزيد بن زيد بن حصين الأنصاري الخطمي، والد عبد الله وجد عدي بن ثابت لأمه. وقال أيضًا: عازب بن الحارث والدُ البراء، قال البراء: اشترى أبو بكر من عازب رجلًا.\nوفيه: أن أبا إسحاق كان معروفًا بالرواية عن البراء بن عازب لكنه روى الحديث المذكور ههنا بواسطة وهو: عبد الله بن يزيد.\nوفيه: أن أحد الرواة كان أميرًا وهو: عبد الله بن يزيد، وكان أميرًا على الكوفة في زمن عبد الله بن الزبير، وفي رواية البخاري في باب رفع البصر في الصلاة: أن أبا إسحاق قال: سمعت عبد الله بن يزيد يخطب.\nوفيه: قوله: (غَيْرُ كَذُوبٍ) على وزن: فعول، وهو صيغة مبالغة: كصبور وشكور، واختلفوا في هذا قيل: في حق من؟ فقال يحيى بن معين والحميدي وابن الجوزي: إن الإشارة في قول أبي إسحاق: غير كذوب، إلى عبد الله بن يزيد (^٢)، لا إلى البراء، لأن الصحابة عدول فلا يحتاج أحدٌ منهم إلى تزكيةٍ وتعديل. وقال الخطيب: إن كان هذا القول من أبي إسحاق فهو في عبد الله بن يزيد، وإن كان من عبد الله فهو في البراء. وقال الخطابي: هذا القول لا يوجب تهمةً في الراوي، إنما يوجب حقيقةَ الصدق له لأن هذه عادتُهم إذا أرادوا تأكيد العلم بالراوي والعمل بما رَوَى، وكان أبو هريرة يقول: سمعت خليلي الصادقَ المصدوقَ، وقال ابن مسعود: حدثني الصادق المصدوق، وسلك عياض أيضا هذا المسلك وقال: لم يُرِد به التعديل وإنما أراد به تقوية الحديث إذْ حدَّث به البراء، وهو غير متهم، ومثل هذا قول أبي مسلم الخولاني: حدثني الحبيب الأمين. وقال النووي: معنى الكلام: حدثني البراء وهو غير متهم، كما علمتم فثقوا بما أخبركم به عنه.\nقال شيخنا: وقد اعترض بعض المتأخرين على التنظير المذكور فقال: كأنه لم يُلِمَّ بشيء من علم البيان، للفرق الواضح بين قولنا: فلان صدوق وفلان غير كذوب، لأن في الأول إثبات الصفة للموصوف، وفي الثاني نفي ضدها عنه فهما مفترقان قال:\n_________\n(^١) في (الأصل): «أبو»، والصواب: «بن».\n (^٢) في (الأصل): «زيد»، والصواب: «يزيد».","vol":"1","page":246},{"text":"والسرُّ فيه أن نفي الضد كأنه يقع جوابًا لمن أثبته بخلافِ إثبات الصفة. انتهى كلامه المعترِض. والذي يظهر لي أن الفرق بينهما أنه يقع في الإثبات بالمطابقة وفي النفي بالالتزام، لكن التنظير صحيح بالنسبة إلى المعنى المراد باللفظين لأن كلًا منهما يرِد عليه أنه تزكية في حقِّ مقطوعٍ بتزكيتِه فيكون من تحصيل الحاصل، ويحصل الانفصال عن ذلك بما تقدم من أن المراد بكل منهما تفخيم الأمر وتقويته في نفس السامع.\nقال العيني: قد ظهر من كلام الخطابي وعياض والنووي أن هذا القول في البراءِ، وتَرَجَّحَ هذا بوجهين:\nالأول: أنه روي عن أبي إسحاق في بعض طرقه: سمعت عبد الله بن يزيد وهو يخطب يقول: حدثني البراء، وكان غير كَذوب. قال ابن دقيق العيد: استدل به بعضُهم على أنه كلام عبد الله بن يزيد. قال العيني: إذا كان هذا كلامَ عبد الله فيكون ذلك في البراء، وأوضَحُ من هذا وأبْيَنُ ما رواه ابن خزيمة في «صحيحه» من طريق محارب بن دثار، قال: سمعت عبد الله بن يزيد على المنبر يقول: حدثني البراء وكان غير كذوب.\nالثاني: أن الضمير أعني قوله: (وَهُوَ) يرجع إلى أقرب المذكورَيْن وهو البراء، فإن قلت: كيف نزَّه يحيى بن معين البراء عن التعديل لأجل صحبته ولم ينزه عبد الله بن يزيد وهو أيضًا صحابي؟ أجيب: يحيى بن معين لا يُثبِتُ صحبتَه فلذلك تنسب هذه اللفظة إليه، ووافقه على ذلك مصعب الزبيري، وتوقف في صحبته أحمد وأبو حاتم وأبو داود، وأثبتها ابن البَرقي والدارقطني وآخرون. فإن قلت: نفي الكَذُوبية لا يستلزِم نفي الكاذبية، مع أنه يجب نفي مطلق الكذب عنهما. أجيب: معناه غيرُ ذي كذب، كما قيل في قوله تعالى: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦]. أي: وما ربك بذي ظلم. فإن قلتَ: ما سبب رواية عبد الله بن يزيد هذا الحديث؟ قال العيني: روى الطبراني من طريقه أنه كان يصلي بالناس بالكوفة، فكان الناس يضعون رؤوسهم قبل أن يضع رأسه، ويرفعون قبل أن يرفع رأسه، فذكر الحديث في إنكاره عليهم.\nقوله: (قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، لَمْ يَحْنِ أَحَدٌ مِنَّا ظَهْرَهُ، حَتَّى يَقَعَ النَّبِيُّ ﷺ سَاجِدًا، ثُمَّ نَقَعُ سُجُودًا بَعْدَهُ)\nمطابقته للترجمة في قوله: (ثُمَّ نَقَعُ سُجُودًا بَعْدَهُ)، فإنه يقتضي أن يكون سجودُ من خلف الإمام إذا شرَع الإمام في السجدة.\nهذا الحديث أخرجه البخاري أيضًا عن أبي نعيم وعن حجاج عن شعبة وعن آدم عن إسرائيل. وأخرجه مسلم فيه عن أحمد بن يونس ويحيى بن يحيى كلاهما عن زهير وعن أبي بكر بن خلاد. وأخرجه أبو داود فيه عن حفص بن عمر عن شعبة به. وأخرجه الترمذي فيه عن بندار عن ابن مهدي عن سفيان به. وأخرجه النسائي عن يعقوب بن إبراهيم عن إسماعيل بن عُليَّة وعن علي بن الحسين الدرهمي عن أمية بن خالد، كلاهما عن شعبة به.\nقوله: (إِذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ) وفي رواية شعبة: (إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكَوعِ). ولمسلم من رواية محارب بن دثار: «فإذا رفع رأسه من الركوع","vol":"1","page":246},{"text":"فقال: سمع الله لمن حمده لم نزلْ قيامًا».\nقوله: (لَمْ يَحْنِ) «بفتح التحتانية وسكون الحاء المهملة: لم يثْنِ، يقال: حنيتُ العود عطفتُه وحنوت لغةٌ، قاله الجوهري،» وهي لغة صحيحة يقال: حنوت وحنيت بمعنى. قاله شيخُنا. وقال العيني: وفي رواية مسلم: «لا يحنو أحد» و«لا يحني» روايتانِ أي: لا يقوس ظهره. انتهى.\nقوله: (حَتَّى يَقَعَ سَاجِدًا) أي حال كونه ساجدًا. قال العيني: ويجوز في (يَقَعَ) الرفع والنصب. وفي رواية إسرائيل عن أبي إسحاق: (حَتَّى يَضَعَ جَبْهَتَهُ عَلَى الْأَرْضِ) وسيأتي في باب السجود، ونحوُه لمسلم من رواية زهير عن أبي إسحاق، وفي رواية أحمد عن غُندَر عن شعبة: حتى يسجد ثم يسجدون.\nقوله: (ثُمَّ نَقَعُ) بنون المتكلم مع الغير.\nقوله: (سُجُودًا) حال، وهو جمعُ ساجد، و(نَقَعُ) مرفوع لا غير.\nفيه: وجوب متابعة الإمام في أفعاله، واستدل به ابن الجوزي على أن المأموم لا يَشرع في الركن حتى يتمَه الإمام، وتُعُقِّبَ بأنه ليس فيه إلا التأخر حتى يتلبس الإمامُ بالركن الذي ينتقل إليه بحيث يَشرع المأموم بعد شروعه وقبل فراغه منه. وقال العيني: وفي استدلال ابن الجوزي نظر، لأن الإمام إذا أتم الركنَ ثم شرع المأموم فيه لا يكون متابعًا للإمام ولا يعتد بما فعله، ومعنى الحديث أن المأموم يشرع بعد شروع الإمام في الركن وقبل فراغِه منه حتى تقع المتابعة، ووقع في حديث عمرو بن حريث عند مسلم: فكان لا يحني أحد منا ظهره حتى يستقيم ساجدًا. ولأبي يعلى من حديث أنس: حتى يتمكن النبي ﷺ من السجود. وهو واضح في انتفاء المقارنة. واستدل به قوم على طول الطمأنينة، وفيه نظر، لأن الحديث لا يدل على هذا.\nوفيه: جواز النظر إلى الإمام لأجل اتِّباعه في انتقالاته في الأركان.\nقلتُ: وفيه: نقل الأحكام الشرعية من الأقوال والأفعال. انتهى.\nقوله: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) أي الفضل بن دُكَيْن، ترجمته في باب فضل من استبرأ لدينه في كتاب الإيمان.\nقوله: (قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانَ) أي الثوري، نبهتُ عليه في السند السابق\nقوله: (عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) أي السبيعي المذكور فيه أيضًا.\nقوله: (نَحْوَهُ) أي نحو الحديث المتقدم، هذا السند وقع في البخاري في رواية المستملي وكريمة، وليس بموجود في رواية الباقين. وقال صاحب «التلويح»: هذا السند مذكور في نسخة سماعنا، وفي بعض النسخ عليه ضرب، ولم يذكره أصحاب الأطراف: أبو العباس الطرقي وخلف وأبو مسعود فمن بعدهم، ولم يذكره أبو نُعيم في «المستخرج»، وقد أخرجه أبو عوانة عن الصاغاني وغيرِه عن أبي نُعيم، ولفظه: كنا إذا صلينا خلف النبي ﷺ لم يَحْنِ أحدٌ منا ظهره حتى يضَعَ النبيُّ ﷺ جبهته.\n\n <span id=\"b-٣٠٢\"> </span>(٥٣) <span data-type=\"title\" id=toc-302>(بَابُ إِثْمِ مَنْ رَفَعَ رَأْسَهُ قَبْلَ الإِمَامِ)</span>\nأي هذا بابٌ في بيان إثم من رفع رأسه في الصلاة قبل رفع الإمام رأسه.\nقال شيخنا: أي من السجود كما سيأتي بيانُه. قال العيني: ومن الركوع أيضًا، فلا وجه لتخصيص السجود، لأن الحديث أيضًا يشمل","vol":"1","page":247},{"text":"الاثنين بحسب الظاهر كما يجيء. فإن قلتَ: لهذا القائل أن يقول: إنما قلتُ: أي من السجود، لأن في رواية أبي داود عن حفص بن عمرو عن شعبة عن محمد بن زياد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «أَمَا يَخْشَى - أَوْ: لَا يَخْشَى أَحَدُكُمْ - إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ وَالإِمَامُ سَاجِدٌ...» الحديث. فَبَيَّنَ أن المراد الرفع من السجود.\nقال العيني: روايةُ البخاري تتناول المنعَ من تقدم المأموم على الإمام في الرفع من الركوع والسجود معًا، ولا يجوز أن تُخصَّص روايةُ البخاري برواية أبي داود، لأن الحكم فيهما سواء، ولو كان الحكم مقصورًا على الرفع من السجود لكان لدعوى التخصيص وجه، ومع هذا فالقائل المذكور ذكر الحديث عن البزَّار من رواية مليح بن عبد الله السعدي عن أبي هريرة مرفوعًا: «الذي يخفِض ويرفع قبل الإمام إنما ناصيتُه بيد الشيطان». وهذا ينقض عليه ما قاله. وأعجَبُ من هذا أنه رَدَّ على ابن دقيق العيد حيث قال: إن الحديث نصٌّ في المنع من تقدم المأموم على الإمام في الركوع والسجود معًا، فهذا دقيقُ الكلام الذي قاله ابن الدقيق، ومستنده في الرد عليه هو قوله: وإنما هو نص في السجود، ويلتحق به الركوع لأنه في معناه.\nقال العيني: وهذا كلام ساقط جدًا، لأن الكلام ههنا في رواية البخاري وليس فيها نص في السجود، بل هو نص عام في السجود والركوع. ودعوى التَّخصيص لا يصح كما ذكرنا، نعم لو ذكر النكتةَ في رواية أبي داود في تخصيص السجدة بالذِّكْرِ لكان له وجه، وهي أن رواية أبي داود من باب الاكتفاء، فاكتفى بذكر حكم السجدة عن ذكر حكم الركوع لكون العلة واحدة وهي: السبقُ على الإمام، كما في قوله تعالى: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: ٨١]، أي والبرد أيضًا، وإنما لم يعكس الأمرَ لأن السجدة أعظم من الركوع في إظهار التواضع والتذلل، والعبدُ أقرب ما يكون إلى الرب وهو ساجد. انتهى.\nقال شيخنا: في هذا الكلام - أي قوله: نعم لو ذكر... إلى آخره - دعوى التخصيص، وهو فرع التعميم، ولم تقع في رواية الباب صيغةُ تعميم وإنما هو مطلق، فَرَدَّ به رواية أبي داود فتَّعَيَّن المرادُ منه، ونظائر ذلك كما مرَّ كثيرة، وأما قوله: لو ذكر النكتة... إلى آخره. أعجبُ من الأول، لأنه ذكرها. انتهى.\n\n٦٩١ - <span id=\"b-٣٠٣\"> </span>قوله: (حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ) أي السُّلَمي الأنماطي البصري أبو محمد، وقد مر ذكره في باب ما جاء أن الأعمال بالنية في آخر كتاب الإيمان.\nقوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) أي ابن الحجاج، ترجمته في باب يتلو باب أمور الإيمان.\nقوله: (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ) أي بكسر الزاي وتخفيف الياء آخر الحروف، الجُمَحِي المدني سكن البصرة، ترجمته في باب غسل الأعقاب.\nقوله: (سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ) أي عبد الرحمن بن صخر، ترجمته في باب أمور الإيمان.\nفي هذا الإسنادِ: التحديثُ بصيغة الجمع في موضعين. وفيه: العنعنة في موضعين. وفيه: السماع. وفيه: القول في ثلاث مواضع. وفيه: أن رواته ما بين بصري وواسطي","vol":"1","page":247},{"text":"ومدني. وفيه: أنه من رباعيات البخاري.\nقوله: (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَمَا يَخْشَى أَحَدُكُمْ - أَوْ: لَا يَخْشَى أَحَدُكُمْ - إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ قَبْلَ الإِمَامِ، أَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ رَأْسَهُ رَأْسَ حِمَارٍ، أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ صُورَتَهُ صُورَةَ حِمَارٍ»).\nمطابقته للترجمة من حيث إنَّ فيه وعيدًا شديدًا وتهديدًا، ومرتكب الشيء الذي فيه الوعيد آثمٌ بلا نزاع.\nقوله: (أَمَا يَخْشَى أَحَدُكُمْ) وفي رواية الكُشْمِيهَني: (أَوْ: لَا يَخْشَى). قال العيني: اختلفت ألفاظ هذا الحديث، فرواية مسلم والترمذي وابن ماجه: «أما يخشى الذي يرفع رأسه»، وفي رواية النسائي: «ألا يخشى»، وفي رواية البخاري وأبي داود من رواية شعبة: «أما يخشى أو ألا يخشى» بالشك، قال الكِرماني: الشك من أبي هريرة، وكلمة: (أَمَا) بتخفيف الميم، حرف استفتاح مثل ألا. وأصلُها ما النافية دخلت عليها همزة استفهام، وهو ههنا استفهام توبيخ وإنكار.\nقوله: (إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ قَبْلَ الإِمَامِ)، زاد ابن خزيمة من رواية حماد بن زيد عن محمد بن زياد: «في صلاته»، وفي رواية حفص بن عمر: «الذي يرفع رأسه والإمامُ ساجد». فتبيَّنَ أن المراد بالرفع: من السجود، ففيه التعقُّب على من قال: إن الحديث نصٌّ في المنع من تقدم المأموم على الإمام في الرفع من الركوع والسجود معًا، وإنما هو نص في السجود ويلتحق به الركوع لكونه في معناه كما تقدم ذلك آنفًا.\nقال شيخنا: ويمكن الفرق بينهما بأنَّ السجود له مزية لأن العبد أقرب ما يكون فيه من ربه، لأنه غاية الخضوع المطلوب منه فلذلك خُصَّ بالتنصيص عليه، ويحتمل أن يكون من باب الاكتفاء وهو: ذِكرُ أحد الشيئين المشتركين في الحكم إذا كان للمذكور مزية، وأما التقدم على الإمام في الخفض للركوع والسجود فقيل: يلتحق به من باب الأولى، لأن الاعتدال والجلوس بين السجدتين من الوسائلِ، والركوعُ والسجودُ من المقاصد، وإذا دل الدليل على وجوب الموافقة فيما هو وسيلة فأولى أن يجب فيما هو مقصد. ويمكن أن يقال: ليس هذا بواضح، لأن الرفع من الركوع والسجود يستلزم قطعَهُ عن غاية كماله، ودخولُ النقص في المقاصد أشدُّ من دخوله في الوسائل، وقد ورد الزجر عن الخفض والرفع قبل الإمام في حديث آخرَ أخرجه البزار من رواية مليح بن عبد الله السعدي عن أبي هريرة مرفوعًا: «الذي يخفض ويرفع قبل الإمام إنما ناصيته بيد شيطان» وأخرجه عبد الرزاق من هذا الوجه موقوفًا، وهو المحفوظ. انتهى.\nقوله: (أَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ رَأْسَهُ رَأْسَ حِمَارٍ). قال العيني: وههنا أيضا اختلف ألفاظ الحديث، ففي رواية يونس بن عبيد عند مسلم: «ما يأمن الذي يرفع رأسه في صلاته أن يحوِّلَ الله صورتَه في صورة حمار؟». وفي رواية الربيع بن مسلم عند مسلم: «أن يجعل الله وجهَه وجهَ حمار؟». وفي روايةٍ لابن حِبَّان من رواية محمد بن ميسرة عن محمد بن زياد: «أن يحوِّلَ الله رأسَه رأسَ كلب». وفي رواية الطبراني في «الأوسط» من رواية محمد بن عمر عن ابن سلمة عن أبي هريرة مرفوعًا: «ما يُؤَمِّنُ مَن يرفع رأسه قبل الإمام ويضعه». وفي رواية الدارقطني من رواية","vol":"1","page":248},{"text":"مليح السعدي عن أبي هريرة قال: «الذي يرفع رأسه قبل الإمام ويخفضه قبل الإمام فإنما ناصيته بيد شيطان». ورواه البزار أيضًا كما ذكرناه، وذكرنا الآن أيضًا عن ابن مسعود: «أن يعودَ رأسُه رأسَ كلب؟» وهو موقوف، ولكنه لا يدرَك بالرأي فحكمُه حكمُ المرفوع.\nقوله: (أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ صُورَتَهُ صُورَةَ حِمَارٍ) قال الكِرماني أيضًا: الشك فيه من أبي هريرة. وقال شيخنا: الشك فيه من شعبة، فقد رواه الطيالسي عن حماد بن سلمة وابن خزيمة من رواية حماد بن زيد، ومسلمُ من رواية يونس بن عبيد والربيعِ بن مسلم، كلُّهم عن محمد بن زياد بغير تردد، فأما الحمَّادان فقالا: (رَأْسَ)، وأما يونس فقال: (صُورَةَ)، وأما الربيع فقال: (وَجْهَ). والظاهر أنه من تصرف الرواة، قال عياض: هذه الروايات متفقة، لأن الوجه من الرأس ومعظمُ الصورة فيه. والصورة تُطلق على الوجه أيضًا، وأما: الرأسُ، فرواتها أكثر وهي أشمل فهي المعتَمَدة، وخُصَّ وقوع الوعيد عليها لأنَّ بها وقعت الجناية. انتهى.\nقال العيني: لا يلزم من إخراج مَن ذَكَرهُم بغير تردد أنْ لا يُخرِج غيرُهُم بتردد، فإذا كان الأمرُ كذلك يُحتمل أن يكون التردد من شعبة أو من محمد بن زياد أو من أبي هريرة، فمن ادعى تعيينَ واحدٍ منهم فعليه البيان، وأما اختلافُهم في الرأس أو الصورة أو الوجهِ كيف يكون من تصرف الرواة ولكل واحد من هذه الألفاظ معنى في اللغة يغاير معنى الآخر؟ أما الرأس فإنه اسم لعضو يشتمل على الناصية والقفا والفَوْدَين. والصورة: الهيئَةٌ، ويقال: صورته حسنة أي هيئته وشَارَتُه، وتطلق على الصفة أيضًا يقال: صورة الأمر كذا وكذا أي: صفته، وتطلق على الوجه أيضًا يقال: صورته حسنة أي: وجهه، وتطلق على شكل الشيء وعلى الخِلقةِ. والوجهُ اسم لما يواجهه الإنسان، وهو من منبت الناصية إلى أسفل الذقن طولًا، ومن شحمة الأذن إلى شحمة الأذن عرضًا. والظاهر أن هذا الاختلاف من اختلاف تعدد القضية. وقول عياض: إن هذه الروايات متفقة... إلى آخره. فيه نظر، لأن الوجه خلافُ الرأس لغةً وشرعًا. انتهى. قلتُ: لا يلزم من كون الرأسِ يغاير الصورة أنْ لا تتصرف الرواةُ في ذلك، وقد وقع مثلُ هذا كثير حتى ألَّفَ الخَطَّابيُّ في ذلك تأليفًا. انتهى.\nواعلم أن العلماء اختلفوا في معنى الوعيد المذكور فقيل: يحتمل أن يرجع ذلك إلى أمر معنوي، فإنَّ الحمار موصوف بالبلادة فاستعير هذا المعنى للجاهل بما يجب عليه من فرض الصلاة ومتابعةِ الإمام، ويُرجِّح هذا المجاز أنَّ التحويل لم يقع مع كثرة الفاعلين، لكن ليس في الحديث ما يدل على أن ذلك يقع ولا بد، وإنما يدل على كون فاعله مُتَعرضًا لذلك وكونِ فعله ممكنًا لأن يقع عنه ذلك الوعيد، ولا يلزم من التعرض للشيءِ وقوعُ ذلك الشيء، قاله بن دقيق العيد. وقال ابن بَزيزة: يُحتمل أن يراد بالتحويل المسخُ أو تحويل الهيئة الحَسَنة أو المعنوية أو هما معًا. وحمله آخرون على ظاهره إذْ لا مانع من جواز وقوع ذلك.","vol":"1","page":248},{"text":"قال شيخنا: وسيأتي في كتاب الأشربة الدليلُ على جواز وقوع المسخ في هذه الأمة، وهو حديث أبي مالك الأشعري في المعازف، فإنَّ فيه ذكر الخسف وفي آخره: (وَيَمْسَخُ آخَرِينَ قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ)، وسيأتي مزيدٌ لذلك في تفسير سورة الأنعام إن شاء الله تعالى. ويُقَوِّي حملَه على ظاهره أن في رواية ابن حِبان من وجه آخر عن محمد بن زياد: «أن يحول الله رأسه رأس كلب» فهذا يُبَعِّد المجاز لانتفاء المناسبة التي ذكروها من بلادة الحمار، ومما يُبعِّدُه أيضًا إيراد الوعيد بالأمر المستقبل وباللفظ الدال على تغيير الهيئة الحاصلة، ولو أريد تشبيهُه بالحمار لأجل البلادة لقال مثلًا: فرأسُه رأسُ حمار. وإنما قلتُ ذلك لأن الصفة المذكورة وهي البلادةُ حاصلةٌ في فاعل ذلك عند فعلِ المذكور فلا يحسُن أن يقال: يُخشَى إذا فعلتَ ذلك أن تصير بليدًا مع أنَّ فِعْلَهُ المذكور إنما نشأ عن البلادة. وقال ابن الجوزي في الرواية التي عبَّر فيها بالصورة: هذه اللفظة تمنَعُ تأويَل من قال: المرادُ رأس حمار في البلادة. ولم يُبيِّنْ وجهَ المنع. انتهى.\nوقال القاضي أبو بكر بن العربي: ليس قوله: (أَنْ يُحَوِّلَ اللَّهُ رَأْسَهُ رَأْسَ حِمَارٍ) في هذه الأمة بموجود، فإن المسخ فيها مأمون، وإنما المراد به: معنى الحمار من قلة البصيرة وكثرة العناد، فإن مِن شأنه إذا قِيدَ حَرَن وإذا حُبِسَ طَعَن، لا يطيع قائدًا ولا يُعِين حَابسًا. انتهى.\nفإن قلتَ: ما السر في تشبيهه بالحمار؟ ولم يقل بالجمل لأن فيه مِن الجلادة أكثر ما في الحمار. قلتُ: لأن الحمار من شأنه أن يضع رأسه على الأرضِ يشَمُّ البول ويتنشقه رافعًا رأسه، فإذا ضُرِب ليدع رفع رأسه يعصي ويرفعها مرَّةً بعد مرة. انتهى.\nقال العيني: قولهم: إن المسخ لا يجوز في هذه الأمة، وإن المسخ فيها مأمون، نظر، وقد روي وقوع ذلك في آخر الزمان عن جماعة من الصحابة، فرواه الترمذي من حديث عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ: «يكون في آخر هذه الأمة خسف ومسخ وقذف...» الحديث، وروي أيضا عن علي ﵁ وأبي هريرة وعمرو بن حصين، وروى ابن ماجه من حديث ابن مسعود وابن عمر وعبد الله بن عمرو وسهل بن سعد، وروى أحمد والطبراني من حديث عبادة بن الصامت وابنِ عباس، وروى أبو يعلى والبزار من حديث أنس وروى الطبراني أيضًا من حديث عبد الله بن بسر وسعيد بن أبي راشد، وروى الطبراني أيضًا من حديث أبي سعيد الخدري وابن عباس أيضًا، ولكن أسانيدها لا تخلو من مقال. قال العيني: وإن سلمنا ذلك فلِمَ لا يجوز أن يؤخَّر العقابُ إلى وقت يريده الله تعالى؟ كما وقفنا في بعض الكتب وسمعنا من الثقات أن جماعة من الشيعة الذين يسبون الصحابةَ قد تحولت صورتهم إلى صورةِ حمار وخنزير عند موتهم، وكذلك جَرى على من عق والديه، وخاطبهم باسم الحمار أو الخنزير أو الكلب. انتهى.\nقلت: فمن ذلك ما أخبر به جماعةٌ من المشايخِ","vol":"1","page":249},{"text":"منهم السيدُ الشريف أحمد بن حسين بن علي النعماني قراءةً عليه وسماعًا غير مرةٍ قال: أخبرني الشيخ الصالح..... بن أبي بكر بن إبراهيم خادم الفقراء..... في سنة ست وثمانين وسبعمئة بمكة... المسجد الحرام بحق سماعه على الشيخ الإمام العالم العلامة العامل تاج الدين أبي الفضل محمد بن أحمد بن الإمام أبي الفتح عمر بحق قراءته على الشيخ الإمام العالم العلامة شرف الدين محمد بن أحمد بن محمد بن علي الشافعي بمنزله بمصر في سنة خمس..... وسبعمئة وعلى عمة والده ست العرب بنت الشيخ أبي عبد الله بن النعمان قراءة عليها وهو يسمع قالا أخبرنا الشيخ الإمام.... الإمام المحقق........... بن النعمان قراءةً عليه في كتابه...... (^١) الظلام ونحن نسمع مِرارًا آخرُها سنة اثنين وثمانين وستمئة، قال: وذكر ابن أبي الدنيا في كتاب «مجابي الدعوة»: أخبرنا الإمام أبو الحسين علي بن أبي الفضائل الشافعي عن شُهدة بنت أحمد قالت: أخبرنا طراد بن محمد أخبرنا أبو الحسين بن بشران أخبرنا أبو علي بن صفوان حدثنا عبد الله بن محمد بن أبي الدنيا قال: حدثني سويد بن سعيد عن أبي المحياة التيمي قال حدثني مؤذن عكة قال: جُزتُ أنا وعمي إلى مَكران، وكان معنا رجل يسب أبا بكر وعمر ﵄ فنهيناه فلم ينته فقلنا اعتزلنا فاعتزلنا فلما دنا خروجُنا تذَمَّمْنا فقلنا لو صحبنا حتى نرجع إلى الكوفة، فلقيَنا غلامٌ له فقلنا: قل لمولاك يعود إلينا، قال: إنَّ مولاي حَدَث به أمر عظيم، قد مسخت يداه يدي خنزير، قال: فأتيناه فقلنا ارجع إلينا، قال: إنه قد حدث بي أمر عظيم وأخرج ذراعيه فإذا هما ذراعي خنزير، قال: فصحبَنا حتى انتهينا إلى قرية من قرى السوادِ كثيرة الخنازير، فلما رآها صاح صيحة ووثب فمسخ خنزيرًا وخَفِيَ علينا فجئنا بغلامه ومتاعه إلى الكوفة.\nحاء: وأخبرني به عاليًا الشيخُ الصالح المسنِدُ خليل بن... بن عبد الله قراءةً مني عليه عن روايته له عن ال.... أبي بكر بن إبراهيم بن العِز المقدسي وأبي حفص عمر بن محمد ال... كتابة، كلاهما عن زينب ابنة الكمال المقدسية سماعًا بإجازتها من الأعز بن فضائل قال: قُرِئ على شُهدة بنت أبي نصر أحمد بن الفَرَج بن عمر الدينوري قراءة عليها ونحن نسمع ببغداد قالت: أخبرنا أبو الفوارس طراد بن محمد بن علي الزينبي قراءةً عليه وأنا أسمع ببغداد قال: أخبرنا أبو الحسين علي بن محمد بن عبد الله بن بشران ال... ي المعدَّل قراءة عليه..... (^٢) به قال: أخبرنا أبو علي الحسين بن صفوان البرذعي قراءة عليه في ذي الحجة من سنة أربعين وثلاثمئة، قال: حدثنا أبو بكر بن عبد الله بن محمد بن عبيد بن أبي الدنيا المذكور. انتهى.\nقال شيخنا: وظاهر الحديث يقتضي تحريم الرفع قبل الإمام لكونه توُعِّد عليه بالمسخ وهي أشد العقوبات، وبذلك جزم النووي في «شرح المهذب»، ومع القول بالتحريم فالجمهور على أن فاعله يأثم وتَجزيه صلاته. انتهى.\nونظر ابن مسعود إلى من سبق إمامه فقال: لا وحدك صليت ولا بإمامك اقتديت.\n_________\n(^١) في مواضع النقاط طمس في (الأصل) أو كلمات غير مفهومة.\n (^٢) في مواضع النقاط طمس في (الأصل) أو كلمات غير مفهومة.","vol":"1","page":249},{"text":"وعن ابن عمر نحوُه، وأَمَرَه بالإعادة. وقال القرطبي: من خالف الإمام فقد خالف سُنَّة المأموم وأجزأته صلاته عند جمهور العلماء. وفي «المغني» لابن قدامة الحنبلي: فإن سبق إمامَه فعليه أن يرفع ليأتي بذلك مؤتَمًَّا بالإمام، فإن لم يفعل حتى لحقه الإمام سهوًا أو جهلًا فلا شيء عليه، فإن سبقه عالمًا بتحريمه فقال أحمد في «رسالته»: ليس لمن سبق الإمام صلاةٌ، لقوله: «أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام...؟» الحديث، ولو كانت له صلاة لرُجِي له الثوابُ، ولم يُخش عليه العقاب، وقال ابن بَزيزَة: استدل بظاهره قومٌ لا يعقلون على جواز التناسخ. قال شيخنا: وهو مذهب رديء مبني على دعاوى بغير برهان، والذي استدل بذلك منهم إنما استدل بأصل المسخ لا بخصوص الحديث.\nلطيفة: قال صاحب القبس: ليس التقدم قبل الإمام إلا طلبُ الاستعجال ودواؤه أن يستحضرَ أنه لا يُسلِّمُ قبل الإمام ولا يستعجل في هذه الأفعال والله المستعان. انتهى.\nوفي الحديث أيضًا: كمال شفقته ﷺ بأمته، وبيانُه لهم الأحكام وما يترتب عليها من الثواب والعقاب. قلتُ: وفيه جوازُ قلبِ الأعيان، والله أعلم. انتهى.\n\n <span id=\"b-٣٠٤\"> </span>(٥٤) <span data-type=\"title\" id=toc-304>(بَابُ إِمَامَةِ العَبْدِ وَالمَوْلَى)</span>\nأي هذا بابٌ في بيان حكم إمامة العبد والمولى، أراد به المولى الأسفل وهو المعتوق، ولِلَفظ المولى معانٍ متعددة، والمراد به ههنا المعتوق. قال الزين بن المنير: لم يُفصح بالجواز، لكن لوَّحَ به لإيراده أدلتَه.\nقوله: (وَكَانَتْ عَائِشَةُ) أي أم المؤمنين.\nقوله: (يَؤُمُّهَا) أي يصلي إمامًا لها.\nقوله: (عَبْدُهَا ذَكْوَانُ) أي بالذال المعجمة، وكنيته أبو عمرو ومات في أيام الحرة أو قُتِل بها.\nقوله: (مِنَ المُصْحَفِ) أي يقرأُ في صلاته بها في المصحف.\nإيراده هذا الأثر يدل على أن مراده من الترجمة الجوازُ وإن كانت الترجمة مطلَقَةً، ووصل هذا ابن أبي شيبة عن وكيع عن هشام بن عروة عن أبي بكر بن أبي مليكة: أن عائشة ﵂ أعتقت غلامًا عن دُبُرٍ، فكان يؤمُّها في رمضان في المصحف. وروى أيضًا عن ابن عُليَّة عن أيوب سمعت القاسم يقول: كان يؤم عائشةَ عبدٌ يقرأ في المصحف. ورواه الشافعي عن عبد المجيد بن عبد العزيز عن ابن جريج أخبرني عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة: أنهم كانوا يأتون عائشة بأعلى الوادي هو وأبوه وعبيدُ بن عمير والْمِسور بن مَخرَمة وناسٌ كثير، فيؤمُّهم أبو عمروٍ مولى عائشة، وهو يومئذ غلامٌ لم يُعتَق. وكان إمامَ بني محمد بن أبي بكر وعروةَ. وعند البيهقي من حديث أبي عتبة أحمد بن الفرج الحمصي حدثنا محمد بن حمير حدثنا شعيب بن أبي حمزة عن هشامٍ عن أبيه: أن أبا عمرو ذكوانَ كان عبدًا لِعائشة فأعتقته، وكان يقومُ بها شهر رمضانَ يؤمُّها وهو عبدٌ. وروى ابن أبي داود في «كتاب المصاحف» من طريق أيوب عن ابن أبي مليكة: أن عائشة كان يؤمُّها غلامُها ذكوان في المصحف.\nقوله: (مِنَ المُصْحَفِ) ظاهرُه يدل على جواز القراءة في المصحف في الصلاة، وبه قال ابن سيرين والحكم وعطاء والحسن، وكان أنس يصلي وغلامه خلفه يمسك له المصحف، وإذا تعايا في آيةٍ فَتَح عليه. وأجازَه مالك في قيام رمضان،","vol":"1","page":250},{"text":"وكرهه النخَعي وسعيد بن المسيب والشعبي، وهو رواية عن الحسن، وقال: هكذا يَفعلُ النصارى. وفي مصنف ابن أبي شيبة: وسليمانُ بن حنظلة ومجاهد بن جبير وحماد وقتادة.\nوقال ابن حزم: لا تجوز القراءة من المصحف ولا من غيره لمصلٍّ إمامًا كان أو غيره، فإنْ تعمدَ ذلك بطلت صلاتُه، وبه قال ابن المسيب والحسن والشعبي وأبو عبد الرحمن السُّلَمي. قال العيني: وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي، وقال صاحب «التوضيح»: وهو غريب لم أره عنه. قال العيني أيضًا: القراءة من مصحف في الصلاة مُفسِدةٌ عند أبي حنيفة لأنه عمل كثير، وعند أبي يوسف ومحمد: يجوز، لأن النظر في المصحف عبادة، ولكنه يُكرَه لما فيه من التشبُّهِ بأهل الكتاب في هذه الحالة، وبه قال الشافعي وأحمد. وعند مالك وأحمد في رواية: لا تُفسِد في النفل فقط.\nقال شيخنا: وإلى صحة إمامة العبد ذهب الجمهور، وخالف مالك فقال: لا يؤم الأحرارَ إلا إن كان قارئًا وهم لا يقرؤون، فيؤمُّهم إلا في الجمعة لأنها لا تجب عليه، وخالفه أشهب واحتج بأنها تجزئه إذا حضرها. وقال العيني: قال أصحابنا - أي الحنفية -: يكره إمامة العبد لاشتغاله بخدمة مولاه، وأجازها أبو ذر وحذيفة وابن مسعود، ذكره ابن أبي شيبة بإسناد صحيح، وعن أبي سفيان أنه كان يؤمُّ بني عبد الأشهل وهو مكاتَب وخلْفَه صحابةٌ: محمد بن مَسلمة وسلمة بن سلامة (^١). وصلى سالم خلف زياد مولى أم الحسن وهو عبدٌ، ومن التابعين ابنُ سيرين والحسن وشريح والنخعي والشعبي والحَكَم، ومن الفقهاء الثوري وأبو حنيفة وأحمد والشافعي وإسحاق. وقال مالك: لا يؤم في جمعة ولا عيد، وعن الأوزاعي: لا يؤم إلا أهلَه. وممن كره الصلاة خلفَه: أبو مِجْلَز، فيما ذكره ابن أبي شيبة، والضحاك بزيادة: ولا يؤم من لم يحجَّ قومًا فيهم من قد حج. وفي «المبسوط»: إن إمامته جائزة وغيرُه أحبُّ.\nقال العيني: ولا شك أن الحُرَّ أولى منه لأنه مَنصِبٌ جليل، فالحُّر أليق بها، وقال ابن خيران من أصحاب الشافعية: تُكره إمامتُه بالحُرِّ، وخالف سليم الرازي. ولو اجتمع عبدٌ فقيه وحُرٌّ غير فقيه فثلاثة أوجه: أصحها أنهما سواء، ويترجح مَن قال: العبد الفقيه أولى لِمَا أَنَّ سالمًا مولى أبي حذيفة كان يؤمُّ المهاجرين الأولين في مسجد قُباء فيهم عمرُ وغيرُه، لأنه كان أكثرَهم قرآنا.\nقوله: (وَوَلَدِ البَغِيِّ) عطفٌ على قولِه: (وَالمَوْلَى)، ولكن فَصَل بين المعطوفِ والمعطوفِ عليه بأثر عائشة ﵂. والبغِيُّ بفتح الباء الموحدة وكسر الغين المعجمة والتشديد، وهي: الزانية، ونقل ابن التِّين أنه رواه بفتح الباء وسكون الغين والتخفيف، والأولُ أولى، وغفل القرطبيُّ في مختصر البخاري فجعله من بقية الأثر المذكور.\nوإلى صحة إمامة ولد الزنا ذهب الجمهور، وكان مالك يكره أن يُتَّخذ إمامًا زانيًا (^٢)، وعلته عنده أنه يصير مُعرَّضًا لكلام الناس فيأَثمون بسببه، وقيل لأنه ليس له في الغالب من يُفَقِّهُه (^٣) فيغلِب عليه الجهل، وأجاز النخَعي إمامتَه وقال: رُبَّ عبدٍ خيرٌ من مولاه، والشعبي وعطاء والحسن. وقالت عائشة: ليس عليه من وزر أبويه شيءٌ. ذكره ابن أبي شيبة،\n_________\n(^١) في (الأصل): «سلام»، والصواب: «سلامة».\n (^٢) كذا في (الأصل): «زانيًا»، ولعل الصواب: «راتبًا».\n (^٣) في (الأصل): «يفقه»، والصواب: «يفقهه».","vol":"1","page":250},{"text":"وإليه ذهب الثوري والأوزاعي وأحمد وإسحاق ومحمد بن عبد الحكم، وكرهها عمر بن عبد العزيز ومجاهد ومالك إذا كان زانيًا.\nوقال صاحب «التوضيح» أي ابنُ الملقِّن: ولا يُكره إمامتُه عندنا خلافًا للشيخ أبي حامد والعَبدَوي، وقال الشافعي: وأكره أن يُنصَّب من لا يُعرف أبوهُ إمامًا، وتابعَه (^١) البَندَنيجي، وغيرُه صرَّح بعدمها، وقال ابن حزم: الأعمى والخَصِيُّ والعبدُ وولد الزنا وأضدادُهم والقُرَشِيُّ سواء، لا تفاضل بينهم إلا بالقراءة. قال العيني: وقال الحنفية: تكره إمامة العبد وولدِ الزنا لأنه يُستخَفُّ به، فإن تقدَّمَا جازت الصلاة.\nقوله: (وَالأَعْرَابِيِّ) بالجر عطفٌ على ولد البَغِيِّ، وهو بفتح الهمزة، نُسِبَ إلى الجمع لأنه صار عَلَمًا لهم، فهو في حكم المفرَد، والأعراب سكان البادية من العرب. وقال صاحب «المنتهى»: خاصةً والجمع أعاريب، وليس الأعراب جمعًا للعرب، كما أن الأنباط جمعٌ للنبط، وذكر بعضُهم أن الأعراب جمع عربٍ مثلَ: غَنَمٍ وأغنامٍ، وإنما سُموا أعرابًا لأنهم عَرَب تجمعت من ههنا وههنا.\nقال شيخنا: وإلى صحة إمامته ذهب الجمهور أيضًا، وخالف في ذلك مالكٌ، وعلته عندَه غلبةُ الجهل على سكان البوادي، وقيل لأنهم يُديمون نقصَ السنن وترك حضورِ الجماعة غالبًا. انتهى. وقال العيني: وأجاز أبو حنيفة إمامته مع الكراهة لغَلَبةِ الجهل عليه، وبه قال الثوري وإسحاق وغيرُهما، وصلى ابن مسعود خلف أعرابي. ولم ير بها بأسًا إبراهيمُ والحسن وسالم. وفي الدارقطني من حديث مجاهد عن ابن عباس مرفوعًا: «لا يتقدم الصفَّ الأولَ أعرابيٌّ ولا عَجَميٌّ ولا غلامٌ لم يحتلم».\nقوله: (وَلَا غُلَامٍ الَّذِي لَمْ يَحْتَلِمْ) بالجر أيضًا عطفٌ على ما قبله، وظاهره مطلَقٌ يتناول المراهِقَ وغيرَه، ولكن يخرج منه مَن كان دون سن التمييز بدليل آخر. ولعل المصنفَ راعَى اللفظ الوارد في النهي عن ذلك وهو فيما رواه عبد الرزاق من حديث بن عباس مرفوعًا: «لا يؤُمُّ الغلامُ حتى يَحتلم». قال شيخنا: وإسناده ضعيف، وقد أخرج (^٢) المصنفُ في غزوة الفتح حديث عمرو بن سلِمة - بكسر اللام -: أنه كان يؤم قومه وهو ابنُ سبع سنين. وقيل: إنما لم يَستدلَّ به هنا لأنَّ أحمد بن حنبل توقف فيه، فقيل: لأنه ليس فيه اطلاعُ النبي ﷺ على ذلك، وقيل: لاحتمال أن يكون أراد أنه كان يؤمُّهم في النافلة دون الفريضة.\nوأجيب عن الأول: بأنَّ زمان نزول الوحي لا يقع فيه لأحدٍ من الصحابة التقريرُ على ما لا يجوز فعله، ولهذا استدل أبو سعيدٍ وجابر على جواز العزل: بأنهم كانوا يعزلون والقرآن ينزل. كما سيأتي في موضعه. وأيضًا: فالوفد الذين قَدَّموا عمرو بن سلمة كانوا جماعةً من الصحابة، وقد نقل ابن حزم أنه لا يُعلم لهم في ذلك مخالفٌ منهم.\nوعن الثاني: بأن سِياق رواية المصنف تدل على أنه كان يؤمُّهم في الفرائض لقوله فيه (صَلُّوا صَلَاةَ كَذَا، فِي حِينِ كَذَا صَلُّوا صَلَاةَ كَذَا، فِي حِينِ كَذَا، فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ...) الحديثُ. وفي روايةٍ أبي داود قال عمرو: فما شهدت مشهدًا في جِرْمَ إلا كنت إمامَهم، وهذا يعُمُّ الفرائض والنوافل، واحتج ابن حزم على عدم الصحة بأنه ﷺ أمر أن يؤمَّهم أقرؤهم، قال: فعلى هذا إنما يَؤُمُّ\n_________\n(^١) في (الأصل): «وتاتبعه»، والصواب: «وتابعه».\n (^٢) في (الأصل): بياض بمقدار كلمة بعد قوله: «وقد» والاستدراك من فتح الباري.","vol":"1","page":251},{"text":"مَن يتوجه إليه الأمر والصبي ليس بمأمور، لأن القلم رُفِع عنه فلا يؤم. كذا قال. ولا يخفَى فسادُه لأنَّا نقول: المأمورُ من يَتوجهُ إليه الأمرُ من البالغين بأنهم يُقدِّمون من اتَّصَف (^١) بكونه أكثرَ قرآنًا، فبطل ما احتج به.\nوإلى صحة إمامة الصبي ذهب أيضًا الحسنُ والشافعي وإسحاق، وكرهها مالكٌ والثوريُّ، وعن أبي حنيفة وأحمد روايتان والمشهور عنهما الإجزاء في النوافل دون الفرائض. قال العيني: وأمَّا ما نقله ابن المنذر عن أبي حنيفة وصاحبيه أنها مكروهة فلا يصح هذا النقل، وعند الشافعي في الجمعة قولان. انتهى.\nقوله: (لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: «يَؤُمُّهُمْ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ»). قال العيني: هذا تعليلٌ لجميع ما ذَكَرَ قبْلَه مِنَ: العبدِ وَوَلد البغي والأعرابيِّ والغلام الذي لم يحتلم، يعني الحديثُ لم يفرق بين المذكورين وغيرهم. قال العيني: ولكنَّ الذي يظهرُ مِن هذا أن إمامةَ أحدِ من هؤلاء إنما تجوز إذا كان أقرأ (^٢) القوم، ألا ترى أن الأشعث بن قيس قدَّم غلامًا فعابوا ذلك عليه، فقال: ما قدَّمتُه ولكن قدَّمتُ القرآنَ العظيم، وقوله ﵇: (يَؤُمُّهُمْ (^٣) أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ) تعليقٌ، وهو طرف من حديث أبي مسعود، أخرجه مسلم وأصحاب السنن بلفظ: «يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله»، وروى أبو سعيد عنده أيضًا مرفوعًا: «أحقُّهم بالإمامة أقرؤُهم»، وعند أبي داود من حديث ابن عباس: «وليؤمكم قراؤكم (^٤»). قال شيخنا: واستُدِل بقوله: (أَقْرَؤُهُمْ) على أن إمامة الكافر لا تصح لأنه لا قراءة له.\nقوله: (وَلَا يُمْنَعُ الْعَبْدُ مِنَ الْجَمَاعَةِ بِغَيْرِ عِلَّةٍ) هذه الجملة معطوفة على الترجمة، وهي من كلام البخاري وليست من الحديث المعلق، ووجهُ عدمِ منعه من حضور الجماعة لأنَّ حَقَّ الله مقدَّمٌ على حق المولى في باب العبادة، وقد وَرَد وعيدٌ شديد في ترك حضور الجماعة بغير ضرورة، أشار إليها بقوله: (بِغَيْرِ عِلَّةٍ) أي بغير ضرورة. وقال شيخنا: بغير ضرورةٍ لسيدِه، فلو قَصَدَ تفويتَ الفضيلة عليه بغير ضرورة لم يكن له ذلك، وسنذكر مستنده في الكلام على قصة سالمٍ في أول حديثَي الباب. انتهى. قال العيني: قَيْدُ السيد لا طائل تحته، لأنَّ عند الضرورة الشرعية ليس عليه الحضورُ مطلقًا، كما في حقِّ الحرِّ. انتهى.\n\n٦٩٢ - <span id=\"b-٣٠٥\"> </span>قوله: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ) أي أبو إسحاق الحِزامي المدني، ترجمته في باب من سُئل علمًا وهو مشتغلٌ.\nقوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ) أي بكسر العين المهملة وتخفيف الياء آخر الحروف، مرَّ في باب التبرز في البيوت.\nقوله: (عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ) أي بتصغير العبدِ العمريُّ، ترجمته في الباب أيضًا.\nقوله: (عَنْ نَافِعٍ) أي مولى ابن عمر، ترجمته في باب العلم والفتيا في المسجد.\nقوله: (عَنْ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ) أي عبد الله، ترجمته في كتاب الإيمان.\nفي هذا الإسنادِ: التحديثُ بصيغة الجمع في موضعين. وفيه: العنعنة في ثلاث مواضع. وفيه: القول في موضعين. وفيه: أن شيخ البخاري من أفراده. وفيه: أن رواته كلُّهم مدنيون.\nقوله: (لَمَّا قَدِمَ المهَاجِرُونَ الأَوَّلُونَ العُصْبَةَ - مَوْضِعًا بِقُبَاءٍ - قَبْلَ مَقْدَمِ النَّبَيِّ ﷺ كَانَ يَؤُمُّهُمْ سَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ، وَكَانَ أَكْثَرَهُمْ قُرْآنًا)\nمطابقته للترجمة من حيث أن فيه دلالة على جواز إمامة المولى.\nهذا الحديث أخرجه أبو داود في الصلاة أيضًا عن القَعْنَبي عن\n_________\n(^١) في (الأصل): «الصف»، والصواب: «اتصف».\n (^٢) في (الأصل): «في»، والصواب: «أقرأ» كما في عمدة القاري.\n (^٣) في (الأصل): «يؤم القوم»، والصواب: «يؤمهم».\n (^٤) في (الأصل): «اقرؤهم»، والصواب: «قراؤكم» كما في سنن أبي داود.","vol":"1","page":251},{"text":"أنس بن عياض، ورواه البيهقي وزاد: وفيهم أبو بكر وعُمَر وأبو سلمة وزيدُ بن حارثة وعامر بن ربيعة، وقال الداودي: وإمامتُه لأبي بكر يُحتمل أن يكون بعد قدومه مع النبي ﷺ.\nقوله: (لَمَّا قَدِمَ المهَاجِرُونَ) أي من مكة إلى المدينة، وصرح به في رواية الطبراني.\nقوله: (الأَوَّلُونَ) أي الذين قدِموا أولًا قبل قدوم النبي ﷺ المدينةَ.\nقوله: (العُصْبَةَ) بالنصب على الظرفية لقوله: (قَدِمَ)، كذا في جميع الروايات وفي رواية أبي داود: نزلوا العُصْبَة. أي المكان المسمى بذلك، وهو بإسكان الصاد المهملة بعدها موحَّدة، قال الزمخشري في كتاب «أسماء البلدان»: العُصْبَة موضع بقباء، قال الشاعر:\nبنيتُه بعُصْبَةٍ مِن مَاليَا... أخشى رُكَيْبًَا أَو رُجَيْلًا عَادِيا\nواختُلِف في أوله ففي «التوضيح» ضبطه شيخنا علاء الدين في شرحه: بفتح العين وسكون الصاد المهملة بعدها باء موحدةً، وضبطه الحافظ شرف الدين الدِّمياطِيُّ: بضم العين، وكذا ضبطه الشيخ قطب الدين الحلبي في «شرحه»، وقال أبو عبيد البكري: موضعٌ بقباء. روى البخاري عن ابن عمر: (لَمَّا قَدِمَ المهَاجِرُونَ الأَوَّلُونَ المعَصَّبَ كَانَ يَؤُمُّهُمْ سَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ، وَكَانَ أَكْثَرَهُمْ قُرْآنًا) كذا ثبت في متن الكتاب، وكتب عبد الله بن إبراهيم الأصيلي عليه: العصبة مُهمَلًا غيرُ مضبوط. وقال شيخنا: قال: أبو عبيد البكريُّ لم يضبطه الأصيلي في روايته، والمعروف الْمُعَصَّبُ بالتشديد بوزن مُحَمَّد وهو موضع بقُباء. انتهى.\nقوله: (بِقُبَاءٍ) في محل النصب على الوصفية، أي موضعًا كائنًا بقُباءٍ، وقُباءٌ يمدُّ ويقصَرُ، ويُصرَف ويُمنَع، ويُذَكَّر ويؤنَّث.\nقوله: (كَانَ (^١) يَؤُمُّهُمْ سَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ) قال شيخنا: وكأن إمامته بهم كان قبل أن يُعتَق، وكان سالمٌ مولى امرأة من الأنصار فأعتقته، وإنما قيل له: مولى أبي حذيفة لأنه لازَمَ أبا حذيفة بنِ عتبة بن ربيعة بعد أن عَتَقَ فتبناه، فلما نُهوا عن ذلك قيل (^٢) له مولاهُ كما سيأتي في موضعِه، واستُشهِد سالمٌ باليمامة في خلافة أبي بكر ﵁. وقال العيني: ويقال: قُتِل شهيدًا هو وأبو حذيفة فَوُجد رأس سالمٍ عند رِجْل أبي حذيفة ورأسُ أبي حذيفة عند رِجْل (^٣) سالم. وقال الذهبي: سالمٌ مولى أبي حذيفة من كبار البدريين، مشهورٌ كبيرُ القَدْر، يقال له: سالمُ بن مَعقِل، وكان من أهل فارس من اِصْطَخْر، وقيل: إنه من العجم من سبي كِرمان، وكان يُعَدُّ من العجَم لأصله، ويُعَدُّ من (^٤) المهاجرين لهجرته، ويُعَدُّ من الأنصار لأن معتقته أنصارية، ويُعَدُّ من القراء لأنه كان أقرأهم أي: أكثرهم قرآنًا. وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف العبشمي أحدُ السابقين.\nقوله: (وَكَانَ أَكْثَرَهُمْ قُرْآنًا) إشارةٌ إلى سبب تقديمِهم له مع كونهم أشرف منه، وفي رواية الطبراني: لأنه كان أكثرهم قرآنا.\n\n٦٩٣ - <span id=\"b-٣٠٦\"> </span>قوله: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) أي بفتح الباء الموحدة وتشديد الشين المعجمة، ترجمته في باب ما كان النبي ﷺ يتخولُهُم بالموعظة في كتاب العلم.\nقوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى) أي ابن سعيد القطان، ترجمته في باب من الإيمان أن يحب.\nقوله:\n_________\n(^١) في (الأصل): «وكان»، والصواب: «كان».\n (^٢) في (الأصل): «قتل»، والصواب: «قيل».\n (^٣) في (الأصل): «رأس»، والصواب: «رِجل».\n (^٤) كلمة: «مِن» ساقطة في (الأصل).","vol":"1","page":252},{"text":"(قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) أي ابن الحجاج، ترجمته في باب يتلو باب أمور الإيمان.\nقوله: (قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو التَّيَّاحِ) أي بفتح التاء المثناة من فوقٍ وتشديدِ الياءِ آخر الحروف وبعد الألف حاء مهملة، واسمُه يزيد بن حميد الضبعي، مَرَّ في باب رفع العلم. قاله العيني. قلتُ: لكن ترجمته في باب ما كان النبي ﷺ يتخولهم بالموعظة قبل الباب المحال عليه. انتهى.\nقوله: (عَنْ أَنَسِ) أي ابْنِ مَالِكٍ، ترجمته في باب من الإيمان أن يحب.\nفي هذا الإسنادِ: التحديثُ بصيغة الجمع في أربع مواضع. وفيه: العنعنة في موضعين. وفيه: القول في أربع مواضع. وفيه: أن رواته ما بين بصري وواسطيٍّ وهو شعبة (^١).\nقوله: (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَإِنِ اسْتُعْمِلَ حَبَشِيٌّ كَأَنَّ رَأْسَهُ زَبِيبَةٌ»).\nمطابقته للترجمة من حيث إنه ﵇ أَمَر بالسمع والطاعة للعبد إذا استُعمل ولو كان حبشيًا، فإذا أَمَر بطاعته فقد أمر بالصلاة خلفه، أو إن المستعمِل هو فوض إليه العمل، يعني: جُعِل أميرًا وواليًا، والسُّنة أن يتقدم في الصلاة الوالي.\nهذا الحديث أخرجه البخاري أيضًا في الصلاة عن محمد بن أَبَان عن غُندَر، وفي الأحكام عن مُسَدَّد عن يحيى. وأخرجه ابن ماجه في الجهاد عن بُندار وأبي بكر بن خلف، كلاهما عن يحيى به.\nقوله: (اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا) أي فيما فيه طاعة لله ﷿.\nقوله: (وَإِنِ اسْتُعْمِلَ) أي جُعِل عاملًا، وللمصنف في الأحكام عن مسدد عن يحيى: (وَإِنِ اسْتُعْمِلَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ حَبَشِيٌّ)، وهو أصرح في مقصود الترجمة، وذَكَره بعد باب من طريق غُندَر عن شعبة بلفظ: (قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِأَبِي ذَرٍّ: اسْمَعْ وَأَطِعْ...) الحديثُ. وقد أخرجه مسلم من طريق غُندَر أيضًا لكن بإسنادٍ له آخر عن شعبة عن أبي عمران الجوني عن عبد الله بن الصامت عن أبي ذر قال: إن خليلي ﷺ أوصاني أن: «اِسْمَعْ وَأَطِعْ وإن كان عبدًا حبشيًَّا مُجَدَّعَ الأطراف»، وأخرجه الحاكم والبيهقي من هذا الوجه، وفيه قصةُ: أن أبا ذرٍّ انتهى إلى الرَّبَذَة وقد أقيمت الصلاة فإذا عبدٌ يؤمهم، قال: فقيل هذا أبو ذر، فذهب يتأخرُ، فقال أبو ذر: أوصاني خليلي ﷺ... فذَكَر الحديثَ، وأخرج مسلم أيضًا من طريق غُندَر أيضًا عن شعبة عن يحيى بن الحصين سمعت جدتي تحدث أنها سمعت النبي ﷺ يخطب في حِجَّة الوداع يقول: «ولو استُعمل عليكم عبدٌ يقودُكم بكتاب الله». وفي هذه الرواية فائدتان: تعيين جهة الطاعة، وتاريخُ الحديث، وأنه كان في أواخر عهد النبي ﷺ.\nقوله: (كَأَنَّ رَأْسَهُ زَبِيبَةٌ) قيل: شَبَّهَهُ بذلك لصِغَر رأسِه وذلك معروفٌ في الحبشة، وقيل: لسواده، وقيل: لقصر شعرِ رأسه وتفلُّقِه (^٢)، وقيل: يريد قصر (^٣) شعرها واجتماعَ بعضه وتفرقَه حتى يصير كالزبيب. وقال الكِرماني: كأن رأسه زبيبةٌ أي حبةٌ من العنب سوداء، وهذا تمثيلٌ في الحقارة وسَماجة الصورةِ وعَدَم الاعتداد بها.\nفيه: الدَّلالة على صحة إمامة العبد، وقال ابن الجوزي: هذا في الأمراء والعمال لا الأئمة والخلفاء، فإنَّ الخلافة في قريش لا مدخل فيها لغيرهم، وقال الكِرماني: فإن قلتَ: العبدُ يكون واليًا وشرطُ الولاية الحرية؟ قلتُ: بأن يوليَه بعض الأئمة أو يتغلبَ\n_________\n(^١) في (الأصل): «سبعة»، والصواب: «شعبة».\n (^٢) كلمة غير واضحة في (الأصل): ولعلها «تفلفله» أو «تفلُّقِه».\n (^٣) كلمة غير واضحة في (الأصل): ولعلها «قصر».","vol":"1","page":252},{"text":"على البلاد بالشَّوْكة.\nواستدل به بعضُهم على جواز الإمامة في غير قريش وهو متعَقَّبٌ إذْ لا تلازم بين الإجزاء والجواز.\nوفيه: النهي عن القيام على السلاطين وإن جاروا، لأن فيه تهييج فتنةٍ تَذهب فيها الأنفس والأموال والحُرَم، وقد مثَّلَه بعضُهم بالذي يبني قصرًا ويهدم مِصرًا (^١).\nوفيه: دلالة على وجوب طاعة الخارجي، لأنه قال: (حَبَشِيٌّ) والخلافة في قريش، دل على أن الحبشي إنما يكون متغلِّبًا، والفقهاء على أنه يُطاع ما أقام الُجمَع والجماعات والعيدَ والجهاد. قال شيخنا: وسيأتي بسط ذلك في كتاب الأحكام. انتهى.\n\n <span id=\"b-٣٠٧\"> </span>(٥٥) <span data-type=\"title\" id=toc-307>(بَابُ إِذَا لَمْ يُتِمَّ الإِمَامُ وَأَتَمَّ مَنْ خَلْفَهُ)</span>\nأي هذا بابٌ ترجمته: إذا لم يتم الإمام بأن قصر في الصلاة وأتم من خلفه أي المقتدي، وجوابُ (إِذَا) محذوفٌ تقديره: لا يضر من خلفَه. ولكن هذا لا يمشي إلا عند من يقول أنَّ صلاة الإمام إذا فسَدت لا تفسُد صلاة المقتدي، وإذا قدَّرنا الجواب: يَضُرُّ، لا يمشي إلا عند من يقول أنَّ صلاة الإمام إذا فسَدت تفسُد صلاة المقتدي، وهذا مذهب الحنفية، لأن صلاة الإمام متضمنةٌ صلاةَ المقتدي صحةً وفسادًا، والأول مذهب الشافعية لأن الاقتداء عندهم بالإمام في مجرد المتابعة فقط، وترك البخاري الجواب ليشمل المذهبين إلا أن حديث الباب يدل على أن جوابه: لا يَضُرُّ.\n\n٦٩٤ - <span id=\"b-٣٠٨\"> </span>قوله: (حَدَّثَنَا الفَضْلُ بْنُ سَهْلٍ) أي ابن إبراهيم الأعرج البغدادي، من صغار شيوخ البخاري، مات قبل البخاري بسنة، ومات البخاري ليلةَ عيدِ الفطر سنة ستٍّ وخمسين ومائتين، ومات الفضل بن سهلٍ ببغداد يوم الإثنين سنة خمسٍ وخمسينَ ومئتين.\nقوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا الحَسَنُ بْنُ مُوسَى الأَشْيَبُ) أي بفتح الهمزة وسكون الشين المعجمة وفتح الياء آخر الحروف وفي آخره باءٌ موحدةٌ. أبو عليٍّ الكوفيُّ، سكن بغداد وأصلُه من خراسان، وَلِي قضاء حمص والموصل ثم قضاء طبرستان، ومات بالرِّي سنة تسع ومائتين.\nقوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ) أي مولى عبد الله بن عمر المدني، ترجمته في باب الماء الذي يغسل به شعر الإنسان.\nقوله: (عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ) أي أبو أسامة مولى عمر بن الخطاب، ترجمته في باب كفران العشير في كتاب الإيمان.\nقوله: (عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ) أي بفتح الياء آخر الحروف وتخفيف السين المهملة، أبو محمد مولى ميمونة بنت الحارث زوج النبي ﷺ، ترجمته في الباب أيضًا.\nقوله: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) أي عبد الرحمن بن صخر، ترجمته في باب أمور الإيمان.\nفي هذا الإسناد: التحديث بصيغة الجمع في ثلاث مواضع. وفيه: العنعنة في ثلاث مواضع. وفيه: القول في موضعين. وفيه: أن رواته ما بين بغداديٍّ وكوفيٍّ ومدنيٍّ. وفيه: أن عبد الرحمن بن عبد الله من أفراد البخاري. وفيه: رواية التابعي عن التابعي عن الصحابي.\nقوله: (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «يُصَلُّونَ لَكُمْ، فَإِنْ أَصَابُوا فَلَكُمْ، وَإِنْ أَخْطَئُوا فَلَكُمْ وَعَلَيْهِمْ»).\nمطابقته للترجمة من حيث إن الإمام إذا لم يُتِمَّ الصلاة وأتمها المقتدي فليس عليه شيء، وهو معنى قوله: (فَإِنْ أَصَابُوا) يعني فإن أتموا، وبه صرح ابن حِبَّان في روايته من وجه آخر عن أبي هريرة، ولفظُه: «يكون أقوامٌ\n_________\n(^١) في (الأصل): «قصرًا»، والصواب: «مِصرًا».","vol":"1","page":253},{"text":"يصلون الصلاة فإن أتموا فلكم ولهم»، والأحاديث يفسر بعضُها بعضًا.\nهذا الحديث انفرد به البخاري. وأخرجه ابن حبان عن أبي هريرة كما ذكرناه. وأخرجه الدارقطني عن أبي هريرة: «سيليكم بعدي ولاةٌ فاسمعوا وأطيعوا فيما وافق الحق، وصلُّوا وراءهم فإن أحسنوا فلهم، وإن أساؤا فعليهم». وفي «سنن أبي داود» بإسنادٍ حسنٍ من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «يكون عليكم أمراءُ من بعدي يؤخرون الصلاة، فهي لكم وهي عليهم، فصلوا معهم ما صلوا القبلةَ». ورواه أبو ذر وثوبان مرفوعًا أيضًا، وروى الحاكم مصححًا عن سهل بن سعد: «الإمام ضامنٌ فإن أحسن فله ولهم، وإن أساء فعليه لا عليهم». وأخرجه على شرط مسلم. وأخرج أيضًا على شرط البخاري عن عقبة بن عامر: «من أم الناس»، وفي نسخة: «فأصاب فالصلاة له ولهم، ومن انتقص من ذلك شيئا فعليه ولا عليهم». وأعلَّه الطحاوي بانقطاع ما بين عبد الرحمن بن حرملة وأبي علي الهمداني الراوي عن عقبة، وفي مسند عبد الله بن وهب: عن أبي شريح العدوي: «الإمام جُنَّة فإن أتم فلكم وله، وإن نقص فعليه النقصان ولكم (^١) التمام».\nقوله: (يُصَلُّونَ) أي الأئمة.\nقوله: (لَكُمْ) أي لأجلكم، فاللام فيه للتعليل.\nقوله: (فَإِنْ أَصَابُوا) يعني فإن أتموا، يدل عليه حديث عقبة بن عامر المذكورُ آنفًا. وقال ابن بطال: (إِنْ أَصَابُوا) يعني الوقتَ، فإنَّ بني أمية كانوا يؤخرون الصلاةَ تأخيرًا شديدًا، يدل عليه ما رواه أبو داود بسندٍ جيدٍ عن قَبيصة بن وقاص، قال رسول الله ﷺ: «يكون عليكم أمراء من بعدي يؤخرون الصلاة، فهي لكم وهي عليهم، فصلوا معهم ما صلوا القبلةَ»، وما رواه النسائي وابن ماجه عن ابن مسعودٍ قال ﷺ: «ستدركون أقوامًا يصلون الصلاة بغير وقتها، فإن أدركتموهم فصلوا في بيوتكم للوقت الذي تعرفون، ثم صلوا معهم واجعلوها سُبحَةً». وقال الكِرماني: فإن أصابوا في الأركان والشروط والسنن فلكم.\nقوله: (فَلَكُمْ) أي: ثوابُ صلاتكم. قال العيني: (وَعَلَيْهِمْ) أي عقابُها، لأنَّ على تستعملُ في الشر، واللامُ في الخير. قال شيخنا: زاد أحمد عن الحسن بن موسى بهذا السند: «ولهم» أي ثوابُ صلاتهم، وهو يغني عن تكلف توجيه حذفِها، وتمسك ابنُ بطال بظاهر الرواية المحذوفة وغفل عن الزيادة التي في رواية أحمد فإنها تدل على أن المراد صلاتُهم معهم لا عند الانفراد، وفي رواية لأحمد في هذا الحديث: «فإن صلَّوا الصلاة لوقتها وأتموا الركوع والسجود فهي لكم ولهم». وهذا يبين أن المراد ما هو أعمُّ من ترك إصابة الوقت.\nوقال أبو عبد الملك قوله: (فَلَكُمْ) يريد ثواب الطاعةِ والسمعِ، (وَعَلَيْهِمْ) إثمُ ما صنعُوا واخطؤوا، وقيل: إن صليتم أفذاذًا في الوقت فصلاتُكم تامَّةٌ إن أخطؤوا في صلاتهم وائتممتُم أنتم بهم. ورُوي عن ابن عمر أنَّ الحَجَّاج لما أخَّر الصلاة بعرفة صلى ابنُ عمر في رَحله ووَقَفَ، فأمر به الحجاجُ فحُبِسَ، وكان الحَجاج يؤخر الصلاة يوم الجمعة، وكان أبو وائل يأمرنا أن نصليَ في بيوتنا ثم يأتي الحَجَّاجَ فيصلي معه، وفَعله مسروقٌ مع زياد، وكان عطاء وسعيد بن جبير في زمن الوليد إذا أخَّر الصلاة صليَا في محالِّهما ثم صليا معه، وفعله مكحول مع الوليد أيضًا.\nقال العيني: وهو مذهب\n_________\n(^١) في (الأصل): «وهم»، والصواب: «ولكم» كما في الجامع لابن وهب.","vol":"1","page":253},{"text":"مالك. وفي «التلويح»: وكان جماعة من السلف يصلون في بيوتهم في الوقت ثم يَقْتدون معهم، وهو مذهب مالك، وعن بعض السلف: لا يُعيدون. وقال النخَعي: كان عبد الله يصلي معهم إذا أخَّروا عن الوقت قليلًا، وقيل لجعفر بن محمد: كان أبوك يصلي إذا رجع إلى البيت؟ فقال: لا والله ما كان يزيد على صلاة الأئمة. قال ابن المنذر: هذا الحديثُ يَرُدُّ على من زعم أن صلاة الإمام إذا فسَدت فسَدت صلاةُ من خلفه. انتهى.\nقوله (وَإِنْ أَخْطَئُوا) أي ارتكبوا الخطيئة، قال الكِرماني: الخطأ عقابُه مرفوع عن المكلفين، فكيف يكون عليهم؟ وأجاب: بأن الإِخطاء ههنا في مقابلة الإصابة لا في مقابلة العَمد، وهذا الذي في مقابلة العمد هو المرفوعُ لا ذاك، وسَأل أيضًا: ما معنى كونِ غير الصواب لهم إذْ لا خير فيه حتى يكون لهم؟ فأجاب بقوله: معناه صلاتُكُم لكُم وكذا ثوابُ الجماعة لكُم. انتهى.\nفيه: ما قاله المهلب: جوازُ الصلاة خلف البَرِّ والفاجر إذا خيف منه، يعني: إذا كان صاحب شوكة.\nوقال البغوي في «شرح السنة»: فيه دليل على أنه إذا صلى بقوم محدِثًا أنه تصح صلاة المأمومين وعليه الإعادة. قال العيني: هذا على مذهب الشافعي كما ذكرنا أن المؤتم عندَه تَبَعٌ للإمام في مجرد الموافقة لا في الصحة والفساد، وبه قال مالك وأحمد، وعندنا تَبَعٌ له مطلقًا، يعني في الصحة والفساد، وثمرة الخلاف تظهر في مسائل، منها: أن الإمام إذا ظهر محدثًا أو جُنُبًا لا يعيد المؤتمُّ صلاته عندهم. ومنها: أنه يجوز اقتداءُ القائِمِ بالمومِئِ. ومنها: قراءة الإمام لا تنوب عن قراءة المقتدي. ومنها: أنه يجوز اقتداء المفترض بالمتنفل وبمن صلى فرضًا آخر. ومنها: أن المقتدي يقول: سمع الله لمن حمده. وعندنا الحكم بالعكس في كلِّها، ودليلُنا: ما رواه الحاكم مصححًا عن سهل بن سعد: «الإمام ضامن»، يعني صلاتُهم في ضمن صلاتِه صحةً وفسادًا.\nقال شيخنا: واستدل به غيرُ المهلب على أعمَّ من ذلك وهو: صحة الائتمام بمن يُخِل بشيء من الصلاة ركنًا كان أو غيره إذا أتم المأموم، وهو وجهٌ عند الشافعية بشرط أن يكون الإمامُ هو الخليفة أو نائبه، والأصح عندهم صحة الاقتداء إلا بمن عُلِم أنه ترك واجبًا، ومنهم من استدل به على الجواز مطلقًا بناءً على أن المراد بالخطأ ما يقابل العمد. قال: ومحل الخلاف في الأمور الاجتهادية، كمن يصلي خلف من لا يرى قراءة البسملة ولا أنها من أركان (^١) القراءة لأنها آية من الفاتحة بل يرى أن التَّالِي يجزئ بدونها. قال: فإن صلاة المأموم (^٢) تَصِحُّ إذا قرأ هو البسملة لأن غاية حكمِ الإمام من هذه المسألة أن يكون أخطأ، وقد دل الحديث على أن خطأ الإمام لا يؤثر (^٣) في صحة صلاة المأموم إذا أصاب. انتهى.\n\n <span id=\"b-٣٠٩\"> </span>(٥٦) <span data-type=\"title\" id=toc-309>(بَابُ إِمَامَةِ المَفْتُونِ وَالمُبْتَدِعِ)</span>\nأي هذا بابٌ في بيان حُكم إمامة المفتون، وهو من فُتِن الرجل فهو مفتون إذا ذهب مالُه وعقلُه، والفاتن: المضِلُّ عن الحق، فالمفتونُ المضَلُّ بفتح الضاد، هكذا فسره الكِرماني. وقال شيخنا: أي الذي دخل في الفتنة فخرج على الإمام، ومنهم من فسره بما هو أعمُّ من ذلك. قال العيني: هذا التفسير لا ينطبق إلا على الفاتن، لأن الذي يدخل في الفتنة ويخرج على الإمام هو الفاعل. وكان ينبغي للبخاريِّ أن يقول: باب إمامة الفاتن. انتهى. قلت: هو باعتبار\n_________\n(^١) في (الأصل) بياض بقدر كلمتين بعد: «ولا أنها من» ثم كلمة «كان» بدل «أركان» والتصويب من فتح الباري.\n (^٢) في (الأصل): «الإمام» والصواب «المأموم».\n (^٣) في (الأصل): «يوتر» والصواب «يؤثر».","vol":"1","page":254},{"text":"إسناد الفعل إليه فاتنٌ وباعتبار إسناد الفعل إلى الفاعل الحقيقيِّ مفتونٌ وبالاعتبار الثاني ركَّبَ المصنف. انتهى.\nقوله: (وَالمُبْتَدِعِ) وهو الذي يرتكب البدعة، والبدعةُ لغةً: كل شيء عُمل على غير مثالٍ سابقٍ، وشرعًا: إحداث ما لم يكن له أصلٌ في عهد رسول الله ﷺ. وهي على قسمين: بدعةٌ ضلالةٌ وهي: التي ذكرنا، وبدعةٌ حسنةٌ وهي: ما رآه المؤمنون حسنًا ولا يكون مخالفًا للكتاب أو السنة أو الأثر أو الإجماع. قال شيخنا: المبتدع من اعتقد شيئًا مما يخالف أهل السنة والجماعة، والمرادُ هنا: البدعة الضلالة.\nقوله: (وَقَالَ الحَسَنُ) أي البصري، ترجمته في باب وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا في كتاب الإيمان.\nقوله: (صَلِّ وَعَلَيْهِ بِدْعَتُهُ) أي إثم بدعته، هذا التعليق وصله سعيد بن منصور عن ابن المبارك عن هشام بن حسان: أن الحسن سُئل عن الصلاة خلف صاحب بدعةٍ فقال: صل خلفَه وعليه بدعتُه.\n\n٦٩٥ - <span id=\"b-٣١٠\"> </span>قوله: (وَقَالَ لَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) أي الفِريابي، ترجمته في باب ما كان النبي ﷺ يتخولهم بالموعظة في الأيام كي لا ينفروا.\nقوله: (قَاْلَ حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ) أي عبد الرحمن بن عمرو، ترجمته في باب الخروج في طلب العلم.\nقوله: (قَاْلَ حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ) أي محمد بن مسلم بن شهاب، ترجمته في باب إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة.\nقوله: (عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) أي ابن عوف، مرَّ في أوائل كتاب الإيمان، قلت: في باب تطوع صيام رمضان من الإيمان.\nقوله: (عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ الخِيَارِ) أي بتصغير العبد وفتح العين وكسر الدال المهملتين وتشديد الياء آخر الحروف من عَدِي، وكسر الخاء المعجمة وخفة الياء آخر الحروف وبالراء من الخِيَار، من بني نوفل بن عبد مناف المدني التابعي، أدرك زمن النبي ﷺ ولم تثبُت رؤيته، وكان من فقهاء قريش وثقاتهم، مات زمن الوليد بن عبد الملك. قال شيخنا: عبيد الله المذكور تابعيٌّ كبيرٌ معدودٌ في الصحابة لكونه وُلد في عهد النبي ﷺ، وكان عثمان من أقارب أمه كما سيأتي في موضعه في هذا الإسناد أولًا.\nقوله: (وَقَالَ (^١) لَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) قال صاحب «التلويح»: كأنه أخذ هذا الحديث عنه مذاكرةً فلهذا لم يقل فيه: حدثنا. وقيل: إنه مما تحمله بالإجازة أو المناولة أو العرض. وقيل: هو متصلٌ من حيث اللفظ منقطعٌ من حيث المعنى. قال شيخنا: والذي ظهر لي بالاستقراء خلافُ ذلك وهو: أنه متصلٌ لأنه لا يعبِّر بهذه الصيغة إلا إذا كان المتن موقوفًا أو كان فيه راوٍ ليس على شرطه والذي هنا من قَبيل الأول.\nوفيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين. وفيه: العنعنة في موضعين. وفيه: القول في موضعين. وفيه: رواية ثلاثة من التابعين بعضُهم عن بعضٍ وهم: الزُّهري عن حميد عن عبيد الله. وفيه: الزهري عن حميد وفي رواية الإسماعيلي: أخبرني حميد. وفيه: حدثنا الأوزاعي وفي رواية ابن المبارك عن الأوزاعي. وفيه: عن حميد عن عبيد الله وفي رواية أبي نعيم والإسماعيلي حدثني عبيد الله بن عدي.\nقوله: (أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى عُثْمَانَ وَهُوَ مَحْصُورٌ فَقَالَ: إِنَّكَ إِمَامُ عَامَّةٍ، وَنَزَلَ بِكَ مَا نَرَى، وَيُصَلِّي لَنَا إِمَامُ فِتْنَةٍ، وَنَتَحَرَّجُ؟ فَقَالَ: الصَّلَاةُ أَحْسَنُ مَا يَعْمَلُ النَّاسُ، فَإِذَا أَحْسَنَ النَّاسُ، فَأَحْسِنْ مَعَهُمْ، وَإِذَا أَسَاءُوا فَاجْتَنِبْ إِسَاءَتَهُمْ)\nمطابقته\n_________\n(^١) في (الأصل): «قال» والصواب «وقال».","vol":"1","page":254},{"text":"للترجمة في قوله (وَيُصَلِّي لَنَا إِمَامُ فِتْنَةٍ...) إلى آخره. هذا الأثر وصله الإسماعيلي، قال: حدثنا عبد الله بن يحيى السرخسي حدثنا محمد بن يحيى حدثنا محمد بن يوسف حدثنا الأوزاعي حدثنا الزهري فذكره، وقال أيضًا: أخبرنا إبراهيم بن هانئ حدثنا الزيادي حدثنا أحمد بن صالح حدثنا عنبسة حدثنا يونس عن ابن شهاب عن عروة عن عبيد الله بن عدي به، ومن طريق هِقْلِ بن زياد سمعت الأوزاعي عن الزهري حدثني حميد، ومن طريق عيسى عن الأوزاعي عن الزهري عن حميد حدثني عبيد الله بن عدي، ورواه أبو نعيم الأصبهاني من طريق الحسن بن سفيان عن حبان عن عبد الله بن المبارك أخبرنا الأوزاعي فذكره. قال شيخنا: وأخرجه الإسماعيلي من طرق عن الأوزاعي وخالفه يونس بن يزيد فقال عن الزهري عن عروة أخرجه الإسماعيلي أيضًا، وكذلك رواه معمر عن الزهري أخرجه عمر بن شَبَّة في كتاب «مقتل عثمان» عن غندر عنه ويحتمل أن يكون للزهري فيه شيخان. انتهى.\nقوله: (وَهُوَ مَحْصُورٌ) جملةٌ اسمية وقعت حالًا على الأصل بالواو، أي محبوسٌ في الدار ممنوع عن الأمور.\nقوله: (إِمَامُ عَامَّةٍ) بالإضافة، أي إمامُ جماعةٍ، وفي رواية يونس: وأنت الإمام، أي الإمام الأعظم.\nقوله: (وَنَزَلَ بِكَ مَا نَرَى) بنون المتكلم ويروى: (مَا تَرَى)، بتاء المخاطب، أي من الحصار وخروج الخوارج عليك.\nقوله: (وَيُصَلِّي لَنَا) أي يؤمُّنا.\nقوله: (إِمَامُ فِتْنَةٍ) أي رئيسُ فتنة، واختُلِف في المشار إليه بذلك فقيل: هو عبد الرحمن بن عُدَيْس البَلَوِي أحد رؤوس المصريين الذين حصروا عثمان، وهو الذي جلب على عثمان أهل مصر. قاله ابن وضاح فيما نقله عنه ابن عبد البر وغيرُه، وقاله ابن الجوزي وزاد: أن كِنانة بن بِشر أحد رؤوسهم صلى بالناس أيضًا. قال شيخنا: وهو المراد هنا، فإن سيف بن عمر روى حديث الباب في كتاب «الفتوح» من طريق أخرى عن الزهري بسنده فقال فيه: دخلتُ على عثمان وهو محصور وكِنانة يصلي بالناس، فقلت: كيف ترى... الحديث. انتهى.\nوكان هؤلاء لما هجَموا على المدينة كان عثمانُ يخرج فيصلي بالناس شهرًا، ثم خرج يومًا فحصبوه حتى وقع على المنبر ولم يستطع الصلاة يومئذ فصلى بهم أبو أمامة بن سهل بن حنيف الأنصاري لكن بإذن عثمان، رواه عمر بن شَبَّة بسند صحيح، ورواه المدائني من طريق أبي هريرة: فمنعوه فصلى بهم عبد الرحمن بن عُدَيس تارة وابن بشر تارة فبقيَا على ذلك عشرة أيام. قال شيخنا: وكذلك صلى بهم علي بن أبي طالب فيما رواه إسماعيل الخطبي في «تاريخ بغداد» من رواية ثعلبة بن يزيد الحماني قال: فلمَّا كان يومُ عيد الأضحى جاء عليٌّ فصلى بالناس. وقال ابنُ المبارك فيما رواه الحسن الحلواني: لم يصلِّ بهم غيرَها، وفعل ذلك عليٌّ لئلا تُضاع السنة، وقال غيره: صلى بهم عدة صلوات، وصلى بهم أيضًا سهل بن حنيف. رواه عمر بن شَبَّة بإسناد قوي. وقيل: صلى بهم أيضًا أبو أيوب الأنصاري وطلحة بن عبيد الله.\nفإن قلتَ: فكيف يقال في حق هؤلاء: (إِمَامُ فِتْنَةٍ)؟ أجيب: ليس واحدٌ من هؤلاء مرادًا بقوله: (إِمَامُ فِتْنَةٍ)، دل على ذلك تفسير الداودي، فإنه قال: معنى قوله: (إِمَامُ فِتْنَةٍ) أي إمامٌ وقتَ فتنة، وعلى هذا لا اختصاص له بالخارجي، قال: ويدل على صحة ذلك أن عثمان لم يَذكُر الذي أَمَّهُم بمكروه، بل ذكر أن فِعْلَه أحسنُ الأعمال. انتهى. قال شيخنا: وهذا مغاير لمراد المصنف في ترجمته، ولو كان كما قال لم يكن قوله: (وَنَتَحَرَّجُ) مناسبًا.","vol":"1","page":255},{"text":"انتهى. قلت: قد تقدم آنفًا أن عَدِي بن الخِيَار سأل عثمان حال صلاة كنانة بن بشر بالناس، فهذا يحُمل أن سؤاله خاصٌ بالخارجي، ويحتمل أن يكون سؤاله عامًا ليعلمَ الحالَ في ذلك. انتهى. قال العيني: أو نقول: إنهم استأذنوه في الصلاة فأذِن لهم لعلمه أن المصريين لا يَصِلون إليهم بِشَرٍّ.\nقوله: (وَنَتَحَرَّجُ) بالحاء المهملة وبالجيم، من التَّحَرُّج، أي نخاف الوقوع في الإثم، وأصل الحرجِ الضيقُ ثم استُعمِل للإثم لأنه يُضيِّق على صاحبه، وفي رواية ابن المبارك: وإنَّا لنتحرج من الصلاة معهم. وهذا القول ينصرف إلى صلاة من صلى من رؤساء الخوارج في وقت الفتنة، ولا يدخل فيه مَن ذكرناهم من الصحابة.\nقوله: (فَقَالَ: الصَّلَاةُ أَحْسَنُ) أي فقال عثمان: (الصَّلَاةُ أَحْسَنُ). فقوله: (الصَّلَاةُ) مبتدأ. وقوله: (أَحْسَنُ) مضافٌ إلى ما بعدَه خبرُهُ. وفي رواية ابن المبارك: إن الصلاة أحسن. وفي رواية هِقْل بن زياد عن الأوزاعي عند الإسماعيلي: الصلاةُ مِن أحسن ما يعمل الناس. فإن قلتَ: هذا يدل على أن عثمان لم يَذكر الذي أَمَّهُم من رؤساء الخوارج بمكروهٍ وتفسيرُ الداودي على هذا لا اختصاص له بالخوارج كما ذكرنا هذا عن قريب. قال العيني: لا يلزم من كون الصلاة أحسنُ ما يعملُ الناسُ أو مِن أحسنِ ما يعمل الناس أنْ لا يستحقَّ فاعلُها ذَمًَّا عند وجود ما يقتضيه.\nقوله: (فَإِذَا أَحْسَنَ النَّاسُ، فَأَحْسِنْ مَعَهُمْ) ظاهرُه أن عثمان رخَّص له في الصلاة معهم كأنه يقول: لا يضرك كونه مفتونًا بل إذا أحسن فوافقه على إحسانه واترك ما افتُتِن به، وبهذا توجد المطابقة بينه وبين الترجمة.\nوقال ابن المنير: يحتمل أن يكون رأى أن الصلاة خلفه لا تصحُّ فحاد عن الجوابِ بقوله: (الصَّلَاةُ أَحْسَنُ مَا يَعْمَلُ النَّاسُ) لأن التي هي أحسن هي الصلاة الصحيحةُ وصلاة الخارجي غير صحيحة، لأنه إما كافرٌ أو فاسق. انتهى. قال شيخنا: وهذا قاله نُصرَةً لمذهبه في عدم صحة الصلاة خلف الفاسق، وفيه نظرٌ، لأن سيف بن عمر روى في «الفتوح» عن سهل بن يوسف الأنصاري عن أبيه قال: كَرِهَ الناسُ الصلاةَ خلف الذين حصروا عثمان إلا عثمان فإنه قال: من دعا إلى الصلاة فأجيبوه. وهذا صريحٌ مِن أن المقصود بقوله: (الصَّلَاةُ أَحْسَنُ) الإشارةُ إلى الإذن بالصلاة خلفَه. وفيه تأييد لما فهمه البخاري من قوله: (إِمَامُ فِتْنَةٍ). وروى سعيد بن منصور من طريق مكحول قال: قالوا لعثمان: إنا لَنَتَحرَّج أن نصليَ خلف هؤلاء الذين حصروك، فذكر نحو رواية الزهري وهذا منقطع إلا أنه اعتضَد.\nقوله: (وَإِذَا أَسَاءُوا فَاجْتَنِبْ إِسَاءَتَهُمْ) فيه تحذيرٌ من الفتنة والدخولِ فيها ومِن جميع ما يُنكَر من قولٍ أو فعلٍ أو اعتقادٍ. وفيه: أن الصلاة خلف من تُكره الصلاة خلفه أولى من تعطيل الجماعة. قال شيخنا: وفيه ردٌّ على من زعم أن الجمعة لا تجزئ أن تقام بغير إذن الإمام. قال العيني: ليس فيه ردٌّ بل دعوى الردِّ على ذلك مردودةٌ، لأن عليًا صلى يوم عيد الأضحى الذي شرطها أن تصلى في مصلى الجمعة، فمن أين ثبت أنه صلى بغير إذن عثمان. ولذلك روي عنه أنه صلى عدة صلوات وفيها الجمعة. فمَن ادَّعى أنه صلى بغير استئذان فعليه البيان، ولئن سَلَّمنا أنه صلى بغير استئذان ولكن كان ذلك بسبب تخلف الإمام","vol":"1","page":255},{"text":"عن الحضور، فإذا تعذر حضور الإمام فعلى المسلمين إقامةُ رجل منهم يقوم به، وهذا كما فعل المسلمون بمُؤتَةَ -أي بضم الميم وفتح المثناتين من فوق - لما قُتِل الأمراء اجتمعوا على خالد بن الوليد ﵁، أو نقول: إنَّ عليًا لم يَتَوصَّل إليه؛ فعن هذا قال محمد بن الحسن: لو تَغلب على مصر متغلِبٌ فصلى أحدٌ بهم الجمعة جاز. ونُقل ذلك عن الحسن البصري. وكان علي ﵁ أولى بذلك لأن الصحابة رضُوا به وصلَّوا وراءه وسواءٌ كان بإذن أو لا بإذن.\nثم قال العيني أيضًا: ولا نرى جوازها بغير إذن الإمام وكيف وقد روى ابن ماجه عن جابر بن عبد الله قال: خَطَبنا رسول الله ﷺ، الحديثُ، وفيه: «فمن تركها - أي الجمعة -في حياتي أو بعدي وله إمام عادل أو جائرٌ استخفافًا بها وجحودًا لها فلا جمع الله شملَه ولا بارك له في أمرِه، أَلَا ولا صلاة له ولا زكاة له ولا حجَّ له ولا صومَ له ولا بِرَّ له حتى يتوب». ومن هذا أخذ الحنفية، وقالوا: لا يجوز إقامتها إلا للسلطان وهو الإمام الأعظم أو لمن أمره كالنائب والقاضي والخطيب. قال العيني: فإن قلت: هذا الحديث ضعيفٌ وفي سنده عبد الله بن محمد وهو مُتكلَّمٌ فيه. قلتُ: هذا روي من طرق كثيرة ووجوه مختلفة، فحصل له بذلك قوةٌ فلا يُمنع من الاحتجاج به.\nوأما الصلاة خلف الخوارج وأهل البدع فاختلف العلماء فيه، فأجازت طائفة منهم: ابنُ عمر إذْ صلَّى خلف الحَجاج، وكذلك ابن أبي ليلى وسعيد بن جبير ثم خرجا عليه. وقال النخَعيُّ: كانوا يصلون وراء الأمراء ما كانوا. وكان أبو وائل يُجَمِّعُ مع المختارِ بن عبيد. وسُئل ميمون بن مِهران عن الصلاة خلف رجلٍ يُذكَر أنه من الخوارج فقال: أنت لا تصلي له إنما تصلي لله ﷿ وقد كنا نصلي خلف الحجاج حَرُورِيًا أَزْرقيًّا. وروى أشهب عن مالك: لا أحب الصلاة خلف الإباضية والواصلية ولا السكنى معهم في بلدٍ. وقال ابن القاسم: أرى الإعادة في الوقت على من صلى خلف أهل البدع. وقال أصبغ: يعيد أبدًا. وقال الثوري في القدريِّ: لا تُقدِّموه.\nوقال أحمد بن حنبل: لا يُصلَّى خلف أحد من أهل الأهواء إذا كان داعيًا إلى هواه، ومن صلى خلف الجهمي والرافضي والقدري يعيد. وقال الحنفية: تُكره الصلاة خلف صاحب هوىً وبدعةٍ، ولا تجوز خلف الرافضي والقدريِّ والجهميِّ لأنهم يعتقدون أن الله تعالى لا يعلم الشيء قبل حدوثه وهو كفر، والمشَبِّهةُ ومَن يقول بخلق القرآن. وكان أبو حنيفة لا يرى الصلاة خلف المبتدع. ومثلُه عن أبي يوسف. وأما الفاسق بجوارحه كالزاني وشارب الخمر فزعم ابن حبيبٍ أن من صلى خلف من شرب الخمر يعيد أبدًا إلا أن يكون واليًا. وقيل في رواية: يصح. وفي «المحيط»: لو صلى خلف فاسقٍ أو مبتدعٍ يكون مُحرِزًا ثواب الجماعةِ ولا ينال ثوابَ مَن صلى خلف الْمُتَّقِي. وفي «المبسوط»: يكره الاقتداء بصاحب البدعة.\nقوله: (وَقَالَ الزُّبَيْدِيُّ) أي بضم الزاي وفتح الباء الموحدةِ وسكون الياء آخر الحروفِ وبالدال المكسورة، وهو نسبة إلى زُبيد وهو بطن في مُذحِجٍ وفي الأزدِ وفي خَوْلان القُضاعِية. وهو صاحب الزهري، واسمه محمد بن الوليد أبو الهذيل الشَّاميُّ الحمصيُّ. قال ابن سعد: مات سنة ثمانٍ وأربعين ومئة وهو ابن سبعين سنة. قلت: قد تقدمت ترجمته في باب","vol":"1","page":256},{"text":"متى يصح سماع الصبي. انتهى.\nقوله: (قَالَ: الزُّهْرِيُّ) أي محمد بن مسلم، ترجمته في باب إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة.\nقال: (لَا نَرَى أَنْ يُصَلَّى خَلْفَ المُخَنَّثِ إِلَّا مِنْ ضَرُورَةٍ لَا بُدَّ مِنْهَا) أي على صيغة المجهول في قوله: (يُصَلَّى).\nقوله: (المُخَنَّثِ) قال شيخنا: رُويناه بكسر النون وفتحها. قال العيني: والكسر أفصح والفتح أشهر. وهو الذي خَلْقُه خلق النساء وهو نوعان: أحدهما من يكون ذلك خِلقةً له لا صُنع له فيه، وهذا لا إثم عليه ولا ذمٌّ. والثاني مَن تكلف ذلك وليس له خَلْقِيًّا وهذا هو المذموم. وقيل: بكسر النون، مَن فيه تكسُّرٌ وتثَنٍّ وتشبُّهٌ بالنساء. وبالفتح من يؤتَى في دبره. وقال أبو عبد الملك فيما حكاه ابن التين: أراد الزهريُّ الذي يؤتَى في دبره، وأما من يَتَكَسَّرُ في كلامه ومِشيتِه فلا بأس بالصلاة خلفَه. وقال الداودي: أرادهما لأنهما بِدعةٌ وجِرحةٌ، وذلك أنَّ الإمامة موضع كمالٍ واختيارِ أهل الفضل. وكما أن إمام الفتنة والمبتدع كلٌّ منهما مفتونٌ في طريقته فلمَّا شَمِلَهم معنى الفتنةِ وَهَتْ إمامتُهم إلا من ضرورة. وقال ابن بطَّال: ذكر البخاري هذه المسألة هنا لأن المخنَّث مفتَتَنٌ في طريقته.\nقوله: (إِلَّا مِنْ ضَرُورَةٍ لَا بُدَّ مِنْهَا) أي يكونُ ذا شوكةٍ ومِن جهتِه فلا تُعَطَّلُ الجماعة بسببه. وقد رواه مَعمَرٌ عن الزهري بغير قيد، أخرجه عبد الرزاق عنه ولفظه: قلت: فالمخنث قال: لا ولا كرامة لا تأتَمَّ به. قال شيخنا: وهو محمول على حالة الاختيار. انتهى.\n\n٦٩٦ - <span id=\"b-٣١١\"> </span>قوله: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبَانَ) أي البلخيُّ مستملي وكيع، وقيل: الواسطي، وهو محتمِلٌ. لكن قال شيخنا: لم نجد للواسطي رواية عن غُندَر بخلاف البلخي، وقد تقدم عنه موضعٌ آخر في المواقيت. وهذا جميع ما أخرج عنه البخاري.\nقوله: (قال: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ) أي بضم الغين المعجمة وسكون النون وفتح الدال. وهو لقبُ محمد بن جعفر ابن امرأة شعبة، ترجمته في باب ظلمٌ دون ظلمٍ.\nقوله: (عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ، سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِأَبِي ذَرٍّ: «اسْمَعْ وَأَطِعْ وَلَوْ لِحَبَشِيٍّ كَأَنَّ رَأْسَهُ زَبِيبَةٌ»).\nمطابقته للترجمة كما قاله ابن المنير: أن الصفة المذكورة إنما توجد غالبًا في أعجميٍّ حديثِ العهد بالإسلام لا يخلو من جهلٍ بدينه، وما يخلو مَن هذه صفته عن ارتكاب البدعة، ولو (^١) لم يكن إلا افتتانُه بنفسه حتى تقدم للإمامة وليس من أهلها.\nوقد مر هذا الحديث في باب إمامة العبد غيرَ أن هناك: عن محمد بن بشار عن يحيى عن شعبة، وهناك الخطاب للجماعة وهنا الخطاب لأبي ذر ﵁.\nقوله: (وَلَوْ لِحَبَشِيٍّ) أي ولو كان الطاعةُ أو الأمرُ لحبشي، سواء ٌكان ذلك مفتونًا أو مبتدعًا.\n\n <span id=\"b-٣١٢\"> </span>(٥٧) <span data-type=\"title\" id=toc-312>(بَابٌ: يَقُومُ عَنْ يَمِينِ الإِمَامِ، بِحِذَائِهِ سَوَاءً إِذَا كَانَا اثْنَيْنِ)</span>\nأي هذا باب ترجمته يقوم... إلى آخره. والضميرُ في (يَقُومُ) يرجع إلى المأموم بقرينة ذكر الإمام.\nقوله: (بِحِذَائِهِ) الحِذاءُ بكسر المهملة وذال معجمةٍ بعدها مدةٌ. هو الإِزاء والجَنْب. فأخرج بذلك من كان خلفه أو ما تلا منه.\nقوله: (سَوَاءً) أي مساويًا. وانتصابُه على الحال. أخرج به من كان إلى جنبه لكنْ على بُعْدٍ عنه. وكذا قال الزين بن المنير. قال شيخنا:\n_________\n(^١) كلمة: «لو» ساقطة في (الأصل).","vol":"1","page":256},{"text":"والذي يظهر أن قوله: (بِحِذَائِهِ) يُخرِج هذا أيضًا. انتهى.\nقوله: (سَوَاءً) أي لا يتقدم ولا يتأخر. قال شيخنا أيضًا: وفي انتزاع هذا من الحديث الذي أورده بعدُ، وقد قال أصحابنا -أي الشافعية-: يُستحب أن يقف المأموم دونه قليلًا. وكأنَّ المصنف أشار بذلك إلى ما وقع في بعض طُرُقه. فقد تقدم في الطهارة من رواية مخرمة عن كريب عن ابن عباس بلفظ: (فَقُمْتُ إِلَى جَنْبهِ) وظاهره المساواة. وروى عبد الرزاق عن ابن جريجٍ قال: قلت لعطاء: الرجل يصلي مع الرجل، أين يكون منه؟ قال: إلى شِقه الأيمن. قلت أيحاذِي به حتى يصُفَّ معه لا يفوِّت أحدُهما الآخر؟ قال: نعم. قلت: أتحب أن يساويه حتى لا يكون بينهما فُرجَةٌ. قال: نعم. وفي «الموطأ»: عن عبد الله بن عتبة بن مسعود قال: دخلتُ على عمر بن الخطاب بالهاِجرَة فوجدته يُسبِّح، فقمت وراءَه فقرَّبني حتى جعلني حِذاءَه عن يمينه.\nقوله: (إِذَا كَانَا) أي الإمامُ والمأموم، وقُيِّد به لأنه إذا كان مأمومان مع إمام فالحكم أن يتقدم الإمامُ عليهما.\nقال هكذا في جميع الروايات: (بَابٌ) بالتنوين (يَقُومُ...) إلى آخره. وأورده الزين بن المنير بلفظ: (بَابُ مَنْ يَقُومُ) بالإضافة وزيادةِ: (مَنْ)، وشرَحَه على ذلك، وتَرَدَّدَ بين كونِها موصولةً أو استفهاميةً، ثم أطال في حِكمَةِ ذلك وأنَّ سببه كونُ المسألة مختلفٌ فيها. والواقع أنَّ مَن محذوفةٌ، والسياقُ ظاهرٌ في أن المصنف جازمٌ بحكم المسألة لا متردد.\nقال العيني: لا نُسَلِمُ أنَّ (مَنْ) محذوفةٌ، فكيف يجوز حذف مَن، سواءً كانت استفهاميةً أو موصولةً؟ والنسخة المشهورة صحيحةٌ فلا تحتاج إلى تقدير وارتكابِ تعسف، بل الصواب ما قلنا وهو: أنَّ لفظ: (بَابٌ) مرفوع على أنه خبرُ مبتدأ محذوف، أي: هذا باب. وقوله: (يَقُومُ) جملةٌ في محل الرفع على أنها خبرُ مبتدأ محذوف، والتقدير: ترجمته يقوم المأموم... إلى آخره، كما ذكرنا. انتهى.\nقال شيخنا: وقد نقل بعضُهم الاتفاقَ على أن المأموم الواحد يقف عن يمين الإمام، إلا النخعي فقال: إذا كان الإمام ورجلٌ، قامَ الرجلُ خلف الإمام، فإن ركع الإمام قبل أن يجيء أحدٌ قامَ عن يمينه. أخرجه سعيد بن منصور ووجَّههُ بعضهم: بأن الإمام مظنةُ الاجتماع. فاعتُبِرتْ في موقف المأموم حتى يَظهر خلاف ذلك. وهو حسنٌ لكنه مخالف للنص، فهو فاسدٌ. ثم ظهر لي أن إبراهيم إنما كان يقول بذلك حيث يظنُّ ظنًَّا قويًا مجيءَ ثانٍ. وقد روى سعيد بن منصور أيضًا عنه قال: ربما قُمتُ خلف الأَسْوَد وَحْدِيَ حتى يجيء المؤذن.\n\n٦٩٧ - <span id=\"b-٣١٣\"> </span>قوله: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الحَكَمِ، قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: بِتُّ فِي بَيْتِ خَالَتِي مَيْمُونَةَ فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ العِشَاءَ، ثُمَّ جَاءَ، فَصَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، ثُمَّ نَامَ، ثُمَّ قَامَ، فَجِئْتُ، فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ فَجَعَلَنِي عَنْ يَمِينِهِ، فَصَلَّى خَمْسَ رَكَعَاتٍ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ نَامَ حَتَّى سَمِعْتُ غَطِيطَهُ ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ)\nمطابقته للترجمة في قوله: (فَجَعَلَنِي عَنْ يَمِينِهِ).\nوهذا الحديث قد ذكره في باب السمر بالعلم، بأطول منه عن آدم عن شعبة عن الحكم بن عتيبة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، وقد تكلمنا هناك بما يتعلق به من الأمور مستوفى.\nقوله: (جَاءَ) أي من المسجد إلى منزله.\nقوله: (فَجِئْتُ) الفاء فيه فصيحة. أي قام من النوم فتوضأ فأحرم بالصلاة فجئت، ويحتمل أنْ لا تكون فصيحةً بأن يكون المراد: ثم قام إلى الصلاة، والقيام على الوجه الأول بمعنى النهوض. وعلى الثاني بمعنى المنهوض (^١) والمراد من\n_________\n(^١) كذا في عمدة القاري كذلك، ولم يتضح لي، ولعلها: «الوقوف».","vol":"1","page":257},{"text":"الصلاة: صلاة الصبح. قاله العيني. وقال شيخنا: وذكر البيهقي أنه يستفاد من حديث الباب امتناعُ تقديمِ المأموم على الإمام خلافًا لمالك، لما في رواية مسلم: فقمت عن يساره فأدارني من خلفه حتى جعلني عن يمينه. وفيه نظر. انتهى.\n\n <span id=\"b-٣١٤\"> </span>(٥٨) <span data-type=\"title\" id=toc-314>(بَابٌ: إِذَا قَامَ الرَّجُلُ عَنْ يَسَارِ الإِمَامِ، فَحَوَّلَهُ الإِمَامُ إِلَى يَمِينِهِ</span>، لَمْ تَفْسُدْ صَلَاتُهُمَا)\nأي هذا باب ترجمته: إذا قام... إلى آخره.\nقوله: (الرَّجُلُ)، وفي بعض النسخ: (إِذَا قَامَ رَجُلٌ).\nقوله: (لَمْ تَفْسُدْ صَلَاتُهُ) أي صلاة الرجل.\n\n٦٩٨ - <span id=\"b-٣١٥\"> </span>قوله: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ) قال شيخنا: لم أره منسوبًا في شيء من الروايات. لكن جزم أبو نعيم في «المستخرج» بأنه ابن صالح وأخرجه من طريقه. انتهى. وقال العيني: وقال ابن السكن في نسخته وابن منده: هو أحمد بن صالح. وقال بعضهم: هو أحمد بن عيسى، وقيل: ابن أخي ابنِ وهْب، وقال ابن منده: لم يُخَرِّج البخاري عن أحمد بن عبد الرحمن ابن أخي ابن وهب في «الصحيح» شيئًا، وإذا حدَّث عن أحمد بن عيسى نَسَبَه. انتهى.\nقوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ) أي عبد الله ترجمته في باب من يرد الله به خيراَ يفقهه في.\nقوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرٌو) أي ابن الحارث البصري. قال شيخنا: وكذا وقع عند أبي نعيم. انتهى، ترجمته في باب المسح على الخفين.\nقوله: (عَنْ عَبْدِ رَبِّهِ بْنِ سَعِيدٍ) أي بفتح الراء وتشديد الموحدة. وهو أخو يحيى وسعد ابنا سعيد بن قيس بن عمرو بن سهيل الأنصاري، سمع مخرمةَ بن سليمان وعمْرةَ بنت عبد الرحمن عندهما، وأبا سلمة عند البخاري، والأعرجَ وعبد الله بن كعب الحِميري وأبا بكر بن عبد الرحمن عندهما. وروى عنه شعبة وابن عيينة وعمرو بن الحارث عندهما، ومالك بن أنس عند مسلم. قال عمرو بن علي: مات سنة تسع وثلاثين ومائة.\nقوله: (عَنْ مَخْرَمَةَ بْنِ سُلَيْمَانَ) أي بفتح الميم وسكون الخاء المعجمة، وقد مرَّ في باب قراءة القرآن بعد الحدث.\nقوله: (عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ) أي بضم الكاف، ترجمته في باب التخفيف في الوضوء.\nقوله: (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄) أي عبد الله، ترجمته في بدء الوحي.\nفي هذا الإسناد التحديث بصيغة الجمع في ثلاث مواضع. وفيه: العنعنة في أربع مواضع. وفيه: القول في ثلاث مواضع. وفيه: أن رواته ما بين بصريين وثلاثة مدنيين. وفيه: رواية التابعي عن التابعي عن التابعي عن الصحابي.\nقوله: (قَالَ: نِمْتُ عِنْدَ خَاْلَتِيْ مَيْمُونَةَ) أي بنت الحارث الهلالية، ترجمتها في باب السّمر بالعلم\nقوله: (وَالنَّبِيُّ ﷺ عِنْدَهَا تِلْكَ اللَّيْلَةَ فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي، فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ، فَأَخَذَنِي، فَجَعَلَنِي عَنْ يَمِينِهِ، فَصَلَّى ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، ثُمَّ نَامَ حَتَّى نَفَخَ، وَكَانَ إِذَا نَامَ نَفَخَ، ثُمَّ أَتَاهُ المُؤَذِّنُ، فَخَرَجَ، يُصَلِّي وَلَمْ يَتَوَضَّأْ. قَالَ عَمْرٌو: فَحَدَّثْتُ بِهِ بُكَيْرًا، فَقَالَ: حَدَّثَنِي كُرَيْبٌ بِذَلِكَ)\nمطابقته للترجمة في قوله: (فَأَخَذَنِي فَجَعَلَنِي عَنْ يَمِينِهِ).\nوهذا الحديث تقدم في كتاب الطهارة في قراءة القرآن بعد الحدَث، وقد ذكرنا هناك أن البخاري أخرج هذا الحديث عن إسماعيل بن أبي أويس عن مالك عن مَخرمة في ستة مواضع، وههنا عن عبد ربه عن مَخرمة، وذكرنا هناك أيضًا من أخرجه غيره وما يتعلق به مستوفىً.\nقوله: (نِمْتُ) وفي رواية الكُشْمِيهَني: (بِتُّ) من البيتوتة.\nقوله: (فَأَخَذَنِي، فَجَعَلَنِي عَنْ يَمِينِهِ) قد تقدم أنه أداره من خلفِه، واستُدِل به على أنَّ مثل هذا لا يفسد الصلاة كما سيأتي.\nقوله: (قَالَ عَمْرٌو) أي ابن الحارث المذكور بالإسناد المذكور إليه. قال شيخنا:","vol":"1","page":257},{"text":"ووهِم من زعم أنه من تعليق البخاري، فقد ساقه أبو نعيم مثلَ سياقه. قال العيني: أراد بقوله: وَهِم مَن زعم أنه تعليق: الكِرمانيَّ، والكِرماني لم يَهِم في ذلك، وإنما قال: يُحتمل التعليق، وبْين الوَهمِ والاحتمالِ فرقٌ كبير، لأن الوهمَ غلطٌ، ومدعي الاحتمال ليس بغالط، وسياقُ أبي نُعيم نحوُ سياق عمرو لا يستلزم نفي احتمال التعليق في سياق البخاري، مع أن الكِرماني قال أولًا: الظاهرُ أنه مِن مَقُول ابنِ وهْبٍ المذكور في إسناد الحديث. انتهى. قلت: حَكَمَ العينيُّ على أن شيخنا أراد الكِرمانيَّ وَرَدَّ على مقتضى ما حَكَمَ به، وليس في كلام شيخنا ما يدُل على أنه أراده، فانظره. انتهى.\nقوله: (فَحَدَّثْتُ بِهِ بُكَيْرًا) أي ابنَ عبد الله بن الأشج، ترجمته في باب من مضمض من السويق ولم يتوضأ. (فَقَالَ: حَدَّثَنِي كُرَيْبٌ بِذَلِكَ). قال شيخنا: استفاد عمرو بن الحارث بهذه الرواية (^١) عنه العلوَّ بِرجل. انتهى. قلت: لأن بين عمرو وكريب عبدُ ربِّه ومَخرمة، وفي هذه صار بينَه وبين كريبٍ بُكيرٌ. انتهى.\n\n <span id=\"b-٣١٦\"> </span>(٥٩) (بَابُ إِذَا لَمْ يَنْوِ الإِمَامُ أَنْ يَؤُمَّ، وجَاءَ قَوْمٌ فَأَمَّهُمْ)\nأي هذا باب ترجمته: إذا لم ينو الإمام بأَنْ يؤم، فأَنْ مصدريةٌ: أي: الإمامة، ولم يذكر جواب إذا، لأنَّ في هذه المسألة اختلافًا في أنه هل يشترط للإمام أن ينوي الإمامة أم لا؟ وحديث الباب لا يدل على النفي، ولا على الإثبات، ولا على أنه نوى في ابتداء صلاته، ولا بعد أن قام ابن عباس يصلي معه، لكن في إيقاف النبي ﷺ ابنَ عباس منه موقف المأموم ما يُشعِرُ بالثاني، وأما الأولُ فالأصلُ عدمُه. قال العيني: والمذهب عندنا - أي الحنفية - في هذه المسألة: نيةُ الإمام الإمامةَ في حق الرِّجالِ ليست بشرط، لأنه لا يلزمه باقتداء المأموم حكمٌ، وفي حق النساء شرطٌ عندنا لاحتمال فساد صلاته بمحاذاتها إياه، وقال زفر والشافعي ومالك: ليست بشرط، كما في الرجال. وقال السفاقسي: وقال الثوري، وروايةٌ عن أحمد وإسحاق: على المأموم الإعادة إذا لم ينو الإمامُ (^٢) الإمامة، وعن ابن القاسم مثلُ مذهبِ أبي حنيفة، وعن أحمد: أنه يُشتَرط أن ينوي في الفريضة دون النافلة.\nقال شيخنا: وفيه نظر لحديث أبي سعيد: أن النبي ﷺ رأى رجلا يصلي وحدَه فقال: «ألا رجُلٌ يتصدقُ على هذا فيصلي معه». أخرجه أبو داود وحسنه الترمذي وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم. انتهى.\nواستدل ابنُ المنذر أيضًا بحديث أنسٍ: أن النبيَّ ﷺ صلى في رمضان، قال: فجئت فقمت إلى جنبه وجاء آخر فقام إلى جنبي حتى كُنَّا رهطًا، فلما أحسَّ النبي ﷺ بِنَا تجوَّز في صلاته. الحديثُ، وهو ظاهرٌ في أنَّه لم ينْوِ الإمامة ابتداءً وائتمُّوا به وأقرهم، وهو حديث صحيح أخرجه مسلم وعلَّقَهُ البخاري كما سيأتي في الصيام.\n\n٦٩٩ - <span id=\"b-٣١٧\"> </span>قوله: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) أي ابن مُسرهَد، ترجمته في باب من الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه.\nقوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) أي ابن سهم بن مقسم الأسدي البصري، وأمه عُلَيَّةُ مولاةٌ لبني أسد، ترجمته في باب حب الرسول من الإيمان.\nقوله: (عَنْ أَيُّوبَ) أي السَّختِياني، ترجمته في باب حلاوة الإيمان.\nقوله: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ) أي مولَى بني وَالِبَةَ وأخو عبد الملك بن سعيد، سمع أباه، روى عنه أيوب.\nقوله: (عَنْ أَبِيهِ) أي سعيد بن جبير أي ابن هشام، ترجمته في بدء الوحي.\nقوله: (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁) أي عبد الله، ترجمته في البدء أيضًا.\nفي هذا الإسنادِ: التحديثُ بصيغة الجمع في موضعين.\n_________\n(^١) في (الأصل): «الرواة» والصواب «الرواية».\n (^٢) كلمة: «الإمامُ» ساقطة في (الأصل).","vol":"1","page":258},{"text":"وفيه: العنعنة في أربع مواضع. وفيه: القول في موضع واحد. وفيه: أن عبد الله بن سعيد من أقران أيوب الراوي عنه. وفيه: أن رواته كلهم بصريون.\nقوله: (قَالَ: بِتُّ عِنْدَ خَالَتِي مَيْمُونَةَ، فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ، فَقُمْتُ أُصَلِّي مَعَهُ، فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ، فَأَخَذَ بِرَأْسِي، فَأَقَامَنِي عَنْ يَمِينِهِ)\nمطابقته للترجمة من حيث إن الحديث يتضمن أنَّ ابن عباس اقتدى بالنبي ﷺ وصلى معه وأقره على ذلك كما في الحديث الذي أخرجه مسلم عن أنسٍ.\nهذا الحديث أخرجه النسائي في الصلاة أيضًا عن يعقوب بن إبراهيم عن إسماعيل بن عُلَيَّة به.\nقوله: (بِتُّ) من البيوتة.\nقوله: (فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ) وهو عطف على: (قُمْتُ) الأولى، وليس بعطف الشيء على نفسه، لأن القيام الأولي بمعنى: النهوض، والثاني بمعنى الوقوف، أو أنَّ (قُمْتُ) الأولى بمعنى: أردتُ.\nقوله: (أُصَلِّي) جملةٌ وقعت حالًا.\nقال العيني: ومما يستفاد منه: أن موقف المأموم إذا كان بحِذاء الإمامِ على يمينه مساويًا له، وهو قول عمر وابنُه وأنس وابن عباس والثوري وإبراهيم ومكحول والشعبي وعروة وأبي حنيفة ومالك والأوزاعي وإسحاق، وعن محمد بن الحسن: يضع أصابع رجليه عند عَقِبِ الإمام، وقال الشافعي: يُستَحبُّ أن يتأخر عن مساواة الإمام قليلًا. وعن النخعي: يقف خلفَه إلا أن يركع، فإذا جاء أحدٌ وإلا قام (^١) عن يمينه. وقال أحمد: إن وقف عن يساره تبطل صلاته. قال شيخنا: وسيأتي الكلام على بقية فوائد حديثِ ابن عباس المذكور في هذه الأبواب الثلاثة تامًّا في كتاب الوتر إن شاء الله تعالى.\n\n <span id=\"b-٣١٨\"> </span>(٦٠) (بَابُ إِذَا طَوَّلَ الإِمَامُ، وَكَانَ لِلرَّجُلِ حَاجَةٌ، فَخَرَجَ وَصَلَّى)\nأي هذا باب ترجمته: إذا طوَّل الإمام... إلى آخره.\nقوله: (طَوَّلَ الإِمَامُ)، يعني: صلاته.\nقوله: (وَكَانَ لِلرَّجُلِ) أراد به المأموم.\nقوله: (فَخَرَجَ) يحتمِل الخروجَ من اقتدائه أو من صلاته بالكلية أو خرجَ من المسجد، لكن في رواية النسائي ما تنفي خروجه من المسجد، وذلك حيث قال: فانصرفَ الرجلُ وصلى في ناحية المسجد. وفي رواية مسلم ما يدل على أنه خرج من الاقتداء ومِن الصلاة أيضًا بالكلية حيث قال: فانحرَفَ رجل فسلم ثم صلى وحده، وبهذا يُرَدُّ على ابن رشيد قولُه: الظاهر أنه خرج إلى منزله وصلى فيه، وهو ظاهرُ قوله: فانصرف الرجل.\nقوله: (وَصَلَّى) وفي رواية الكُشْمِيهَني (فَصَلَّى) بالفاء، وجواب (إِذَا) محذوفٌ تقديره: وصلى صحت صلاته، والحاصل أن للمأموم أن يقطعَ الاقتداء ويُتِمَّ صلاته منفردًا، وهذا مذهب الشافعي، ومال إليه البخاري. قال العيني: ونذكره عن قريب مفصلًا.\n\n٧٠٠ - <span id=\"b-٣١٩\"> </span>٧٠١ - قوله: (حَدَّثَنَا مُسْلِمُ) أي ابنُ إِبراهِيمَ، أي أبو عمرو البصري، ترجمته في باب زيادة الإيمان.\nقوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) أي ابن الحَجَّاج، ترجمته في باب يتلو باب أمور الإيمان.\nقوله: (عَنْ عَمْرٍو) أي ابن دينار، ترجمته في باب كتابة العلم.\nقوله: (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) أي الأنصاري، ترجمته في بدء الوحي.\nقوله: (أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ) أي ابن عمرو بن أوس، ترجمته في كتاب الإيمان.\nفي هذا الإسنادِ: التحديثُ بصيغة الجمع في موضعين. وفيه: العنعنة في موضعين.\nقوله: (كَانَ يُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ، ثُمَّ يَرْجِعُ، فَيَؤُمُّ قَوْمَهُ)\nمطابقته للترجمة من حيث إن هذا بعض الحديث الذي يأتي عقبه، والكل\n_________\n(^١) في (الأصل): «والإمام» والصواب «وإلا قامَ».","vol":"1","page":258},{"text":"حديث واحد وفيه: (فَانْصَرَفَ الرَّجُلُ) على ما يأتي، وفيه المطابقة. فإن قلتَ: فإذا كان كذلك، فلِمَ قطعَه؟ قال العيني: للتنبيه على فائدتين: الأولى: أنه أشار بالطريق الأولى على علو الإسناد. الثانية: أنه أشار بالطريق الثانية إلى التصريح بسماع عمرو بن دينار من جابر بن عبد الله.\nقال شيخنا: واعلم أن هذا الحديث رواه عن جابرٍ عمرُو بن دينار ومحارِبُ بن دثار وأبو (^١) الزبير وعبيد الله بن مقسم، فرواية عمرو للمصنف هنا عن شعبة، وفي الأدب عن سليم بن حَيان، ولمسلم عن ابن عيينة، ثلاثتُهم عنه. ورواية محارِب تأتي بعد بابين، وهي عند النسائي مقرونةً بأبي صالح، ورواية أبي الزبير عند مسلم، ورواية عبيد الله عند ابن خزيمة، وله طرق أخرى غير هذه سأذكر ما يُحتاج إليه منها معزوًا. انتهى.\nقوله: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) أي بُندار، ترجمته في باب ما كان النبي ﷺ يَتَخَوَّلُهم بالموعظة كي لا ينفروا.\nقوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ) أي محمد بن جعفر، ترجمته في باب ظلم دون ظلم.\nقوله: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرٍو، قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: كَانَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ يُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ، ثُمَّ يَرْجِعُ، فَيَؤُمُّ قَوْمَهُ، فَصَلَّى العِشَاءَ، فَقَرَأَ بِالْبَقَرَةِ، فَانْصَرَفَ الرَّجُلُ، فَكَانَ مُعَاذٌ يَنَالُ مِنْهُ، فَبَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: «فَتَّانٌ، فَتَّانٌ، فَتَّانٌ» ثَلَاثَ مِرَارٍ - أَوْ قَالَ: «فَاتِنًا، فَاتِنًا» - وَأَمَرَهُ بِسُورَتَيْنِ مِنْ أَوْسَطِ المُفَصَّلِ، قَالَ عَمْرٌو: وَلَا أَحْفَظُهُمَا)\nهذه الطريقة التي رواها عن بُندار عن غُندَر عن شعبة... إلى آخره، تتمة الحديث الذي أخرجه قبلَه عن مسلم بن إبراهيم عن شعبة، وقد ذكرْنا وجه تقطيعه إياه ووجه مطابقته للترجمة.\nقال العيني: ذِكْرُ الطرق المختلفة في هذا الحديث إلى جابر بن عبد الله وغيرِه: روى البخاري أيضًا حديث جابر هذا في باب من شكا إمامه إذا طوَّل مِن حديث محارب بن دثار. وأخرجه مسلم من حديث أبي الزبير عن جابر عن قتيبة عن الليث عن أبي الزبير عنه، وعن محمد بن رمح عن الليث بلفظ: قرأ معاذ في العشاء بالبقرة. وأخرجه مسلم ولفظه: افتتح بسورة البقرة. وفي رواية: بسورة البقرة أو النساء. على الشك. وأخرجه النسائي في الصلاة وفي التفسير عن قتيبة. وأخرجه ابن ماجه فيه عن محمد بن رمح. وأخرجه السراج عن محارب بلفظ: فقرأ بالبقرة والنساء. بالواو بِلا شك.\nقال شيخنا: وكذا رأيتُه بخط البِرْزالي: «فقال ﵇: أَمَا يكفيكَ أن تقرأ: بالسماء والطارق، والشمسِ وضحاها، ونحوِ هذا؟». وأخرجه عبد الله بن وهْب في مسنده أخبرنا ابن لَهِيعة والليثُ عن أبي الزبير، فذكره وفيه: طَوَّل على أصحابِه فأُخبِر النبُّي ﷺ فقال: «أفتَّانٌ أنتَ؟ خَفِّفْ على الناس واقرأ: سبح اسم ربك الأعلى، والشمس وضحاها، ونحوِ ذلك ولا تَشُقَّ على الناس». وعند أحمد في «مسنده» من حديث بُريدة بإسنادٍ قوي: فَقَرَأَ: اقتربت الساعة. قال شيخنا: وهي شاذة إلا إنْ حُمِل على التعدد. انتهى. وفي «صحيح ابن حبان» مِنْ حديث سفيان عن عمرو عن جابر: أخَّرَ النبيُّ ﷺ العشاءَ ذات ليلة فصلى معه معاذ ثم رجع إلينا فتقدم ليؤمَّنا فافتتح بسورة البقرة، فلما رأى ذلك رجلٌ من القوم تنحَّى وصلى وحده...، وفيه: فأَمَرَهُ بسورٍ قصارٍ لا أحفظُها، فقلنا لعمرو: إنَّ أبا الزبير قال لهم: إن النبي ﷺ قال له: «اقرأْ بالسماء والطارق، والسماءِ ذات البروج، والشمسِ\n_________\n(^١) كلمة: «أبو» ساقطة في (الأصل).","vol":"1","page":259},{"text":"وضحاها، والليلِ إذا يغشى»، قال عمرو: بنحو هذا.\nوفي «صحيح ابن خزيمة»: عن بُندار عن يحيى بن سعيد عن محمد بن عجلان عن أبي الزبير عن جابر بلفظ: فقال معاذ: إنَّ هذا - يعني الفتى - يتناوَلُني، ولأُخْبِرَنَّ النبيَّ ﷺ، فلما أخبره قال الفتى: يا رسول الله يُطيلُ المكث عندك ثم يرجع فيطوِّل علينا، فقال: «أَفَتَّانٌ أنتَ يا معاذ؟ كيف تصنعُ يا ابن أخي إذا صليتَ؟» قال: أقرَأُ الفاتحةَ وأسألُ الله الجنةَ وأعوذ به من النار، إني لا أدري ما دَنْدَنَتُكَ وَدَنْدَنَةُ معاذ، فقال النبي ﷺ: «إني ومعاذًا حولها ندندن» الحديث.\nوفي «مسند أحمد» من حديث معاذ بن رِفاعة عن رجل من بني سلِمة يقال له سُلَيْم أنه أتى النبيَّ ﷺ فقال له: يا نبيَّ الله إنَّا نظلُّ في أعمالِنا فنأتي حين نُمسِي فنصلي، فيأتي معاذُ بن جبل فينادي بالصلاة فنأتيه فيطوِّل علينا، فقال النبي ﷺ: «يا معاذ لا تكن فاتنًا». ورواه الطحاوي والطبراني من هذا الوجه عن معاذ بن رِفاعة: أن رجلًا من بني سلِمة...، فذكره مرسلًا. ورواه البزَّارُ من وجهٍ آخر عن جابر وسماه سُلَيْمًا أيضًا، ووقع عند ابن حزم من هذا الوجه: أن اسمه: سَلْم (^١) بفتح السين وسكون اللام، وكأنه تصحيف. والله أعلم. انتهى.\nقوله: (يُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ) زاد مسلم من رواية منصور عن عمرو: عِشَاءَ الآخِرَة، فكأنَّ العشاء هي التي كان يواظِبُ فيها على الصلاة مرتين.\nقوله: (ثُمَّ يَرْجِعُ، فَيَؤُمُّ قَوْمَهُ)، في رواية منصور: فيصلي بهم تلك الصلاة. وللمصنِّف في الأدب (فَيُصَلِّي بِهِم الصَّلَاةَ) أي المذكورة. قال شيخنا: وفي هذا رَدٌّ على من زعم أن المراد أن الصلاة التي كان يصليها مع النبي ﷺ غيرُ الصلاة التي كان يصليها بقومه، وفي رواية ابن عيينة: فصلى ليلةً مع النبي ﷺ العشاء ثم أتى قومه فأمَّهم. وفي رواية الحُميدي عن ابن عيينة، ثم يرجع إلى بني سلِمة فيصليها بهم. ولا مخالفة فيه لأن قومه هم بنو سلِمة، وفي رواية الشافعي رحمة الله عليه: ثُمَّ يرجع فيصليها بقومه في بني سلِمة. ولأحمد عنه: ثم يرجع فيؤمُّنا.\nقال العيني: قوله: وفي هذا رد على من زعم... إلى آخره، الجوابُ عنه من وجوه:\nالأول: أن الاحتجاج به من بابِ ترك الإنكار من النبي ﷺ، وشرطُ ذلك علمُه بالواقعة، وجاز أنْ لا يكون عَلِمَ بها.\nالثاني: أنَّ النية أمر مُبطَن لا يُطَّلَع عليه إلا بإخبار الناوي، ومن الجائز أن يكون معاذٌ كان يجعل صلاته معه - ﵇ - بِنِيَّةِ النفلِ ليتعلَّمَ سُنَّةَ القراءة منه وأفعالَ الصلاة، ثم يأتي قومه فيصلي بهم صلاتَهُ الفرضَ. فإن قلتَ: يُستبعد من معاذ أن يترك فضيلةَ الفرضِ خلف النبي ﷺ ويأتيَ به مع قومه، وكيف يُظَنُّ بمعاذ بعد سماعه قولَ النبي ﷺ: «إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة». ولعل صلاةً واحدةً مع النبي ﷺ خيرٌ له من كلِّ صلاةٍ صلَّاها في عُمُره، ولا سيما في مسجده التي هي خير من ألف صلاة فيما سواه. قال العيني: ليس تفوتُ الفضيلةُ معه - ﵇ - في سائر أئمة مساجد المدينة، وفضيلةُ النافلة خلفه مع أداء الفرضِ مع قومه يقوم مقامَ أداء الفريضة خلفه، وامتثالُ أمر النبي ﷺ في إمامة قومه زيادةُ طاعة.\nالثالث: قال المهلب: يحتمل أن يكون حديث معاذ كان أول الإسلام وقتَ عدم القراءة، ووقتَ لا عوضَ للقوم من معاذ، فكانت\n_________\n(^١) في (الأصل): «سليم» والصواب «سَلم».","vol":"1","page":259},{"text":"حالةَ ضرورة فلا تُجعَل أصلًا يقاس عليه. قال العيني: هذا كان قبل أُحُدٍ، فلا حاجة إلى ذِكر الاحتمال. قال شيخنا: قول المهلب: فكانت حالة ضرورةٍ ضعيفٌ، قال ابن دقيق العيد: لأن القَدْرَ المجزئ من القراءة في الصلاة كان حافِظُوه كثيرًا، وما زاد لا يكون سببًا لارتكاب أمرٍ ممنوع منه شرعًا في الصلاة. انتهى.\nالرابع: أنه يُحتمل أن يكون كان معاذٌ يصلي مع النبي ﷺ صلاة النهار، ومع قومه صلاة الليل، لأنهم كانوا أهلَ خدمة لا يحضرون صلاةَ النهار في منازلهم، فأخبر الراوي حالَ معاذ في وقتين لا في وقتٍ واحد.\nالخامس: أنه حديث منسوخ على ما نذكره، إن شاء الله تعالى.\nقوله: (فَصَلَّى العِشَاءَ) كذا في معظم الروايات، ووقع في روايةٍ لأبي عَوانة والطحاوي من طريق محارب: صلى بأصحابه المغرب. وكذا لعبد الرزاق من رواية أبي (^١) الزبير. قال شيخنا: فإنْ حُمِلَ على تَعَدُّد القضية كما سيأتي أو على أن المراد بالمغرب العشاء مجازًا وإلا فما في الصحيح أصح. قال العيني: رجال الطحاوي في روايته رجالُ الصحيح، فمن أين يأتي الأصحِّيَّةُ في رواية العشاء؟\nقوله: (فَقَرَأَ بِالْبَقَرَةِ (^٢» واستُدِل به على من يَكره أن يقول: البقرةُ بل يقول: سورةُ البقرةِ، لكنْ في رواية الإسماعيلي عن الحسن بن سفيان عن محمد بن بشار شيخ البخاري فيه: فقرأ بسورة البقرة. ولمسلم عن ابن عيينة نحوُه. وللمصنف في الأدب (فَقَرَأَ بِهِمُ الْبَقَرَةَ) قال شيخنا: فالظاهر أن ذلك من تصرف الرواة. انتهى. قال العيني: ليس ذلك من تصرف الرواة، بل من تعدُّدِ القضية. انتهى. قلتُ: لا يلزم من تعدُّد القضيةِ أنْ لا تتصرف الرواةُ بل تصرُّف الرواة لازمٌ في مثل هذا. انتهى. قال شيخنا: والمراد أنه ابتدأ في قِراءتها، وبه صرح مسلم ولفظه: افتتحَ سورة البقرة.\nقوله: (فَانْصَرَفَ الرَّجُلُ) إما أن يُراد به الجنس، والمعرَّفُ تعريفَ جنسٍ كالنكرة في مؤدَّاه، فكأنه قال: رَجُلٌ، أو يراد المعهودُ من رجلٍ معيَّنٍ، ووقع في رواية الإسماعيلي: فقام رجلٌ وانصرف، وفي رواية سليم بن حيان: فتَجَوَّزَ رجل فصلى صلاةً خفيفةً، وفي رواية مسلم عن ابنِ عيينة: فانحَرَفَ رجلٌ فسلَّم ثم صلى وحده.\nقال شيخنا: لم يقع في شيء من الطرق المتقدمة تسميةُ هذا الرجل لكن روى أبو داود الطيالسي في «مسنده»، والبزار من طريقِه عن طالب بن حبيب عن عبد الرحمن بن جابر عن أبيه قال: مَرَّ حَزْمُ بن أبي بن كعب بمعاذ بن جبل وهو يصلي بقومه صلاة العَتَمة، فافتتح بسورةٍ طويلةٍ ومع حزمٍ ناضحٌ له... الحديث. قال البزار: لا نعلم أحدًا سماه عن جابر إلا ابنُ جابر. انتهى قولُ البزار. وقد رواه أبو داود في «السنن» من وجهٍ آخر عن طالب فجعله عن ابن جابرٍ عن حزمٍ صاحبِ القصةِ، وابنُ جابرٍ لم يُدرِك حزمًا، ووقع عنده: صلاة المغرب. وهو نحوُ ما تقدم من الاختلاف في رواية محارِب. ورواه ابن لَهيعة عن أبي (^٣) الزبير عن جابر فسماه: حازمًا. وكأنَّه صحَّفَهُ.\nورواه أحمد والنسائي وأبو يعلى وابن السكن بإسنادٍ صحيح عن عبد العزيز بن صهيب عن أنس قال: كان معاذٌ يؤُمُّ قومَه فدخل حَرَامٌ وهو يريد أن يسقي نخلَه... الحديث. كذا فيه بِراءٍ بعدَها ألِفٌ، وظن بعضُهم أنه حَرَام بن مِلْحان خالُ أنس، وبذلك جزم الخطيب في «المبهمات» (^٤)، لكنْ لم أَرَهُ منسوبًا في الرواية، ويُحتمل أن يكون تصحَّفَ من: حَزْمٍ، فتَجْمَعُ هذه الروايات، وإلى ذلك يومئ صنيعُ ابن عبد البر، فإنَّه ذكر من الصحابة حَرَام بن أبي كعب وذَكَر له هذه القصة وعَزَا تسميتَه\n_________\n(^١) في (الأصل): «ابن» والصواب «أبي».\n (^٢) في (الأصل): «البقرة» والصواب «بالبقرة».\n (^٣) في (الأصل): «ابن» والصواب «أبي».\n (^٤) في (الأصل): «المهمات» والصواب «المبهمات».","vol":"1","page":260},{"text":"لرواية عبد العزيز بن صهيب عن أنس، ولم أقف في رواية عبد العزيز على تسمية أبيه، وكأنه بَنَى على أنَّ اسمه تصحَّفَ والأبُ واحدٌ سمَّاهُ جابرٌ ولم يسمه أنس.\nوجاء في تسميته قولٌ آخر أخرجه أحمد من رواية معاذ بن رِفاعة: عن رجل من بني سلِمة يقال له: سُلَيْم، وقد رواه الطحاوي والطبراني من هذا الوجه عن معاذ بن رِفاعة: أن رجلًا من بني سلِمة...، ورواه البزار من وجهٍ آخر عن جابرٍ فسماه سُلَيْمًا، لكن وقع عند ابنِ حزم من هذا الوجهِ أنَّ اسمه: سَلْم (^١) بفتح السين وسكون اللام.\nقال شيخنا: وقولُه في رواية مسلم: ثم صَلَّى. لكنْ ذَكَر البيهقيُّ أن محمد بن عباد شيخَ مسلم تفرد عن ابن عيينة بقوله: ثم سلَّم. وأَنَّ الحفاظ من أصحاب ابن عيينة وكذا من أصحاب شيخِه عمرو بن دينار وكذا من أصحاب جابرٍ لم يذكروا السلامَ، وكأنه فَهِم أن هذه اللفظة تدلُّ على أن الرجلَ قطع الصلاة، لأن السلام يتحلل به من الصلاة، وسائر الروايات تدلُّ على أنه قطع القدوةَ فقط ولم يخرج من الصلاة بل استمر فيها منفردًا. قال الرافعي في «شرح المسند» - في الكلام على رواية الشافعي ﵁ عن ابن عيينة في هذا فتنحى رجل من خلفه فصلى وحده -: هذا يُحتمل من جهة اللفظ أنه قَطَع الصلاة وتنحَّى عن موضع صلاته واستأنفَها لنفسه، لكنه غيرُ محمول عليه، لأن الفرض لا يُقطع بعد الشروع فيه. انتهى. ولهذا استدل به الشافعية على أن للمأموم أن يقطع القدوةَ ويُتِمَّ صلاتَه منفردًا. ونازع النوويُّ فيه فقال: لا دَلالة فيه، لأنه ليس فيه أنه فارَقَه وبنى على صلاتِه، بل في الرواية التي فيها أنه سَلَّم دليلٌ على أنه قَطَع الصلاةَ من أصلها ثم استأنفَها، فيدل على جواز قطع الصلاةِ وإبطالها بعذر.\nقال شيخنا: واستُدِل بهذا الحديث على صحة اقتداء المفترض بالمتنفل، وذلك لأنَّ ابن جريج روى عن عمرو بن دينار عن جابر في حديث الباب: هي له تطوعٌ ولهم فريضة. قال العيني: فزعم أبو البركات ابن تيمية: أن الإمام أحمد ضعَّف هذه الزيادة، وقال: أخشى أن لا تكون محفوظة، لأن ابن عيينة يزيد فيها كلامًا لا يقوله أحد، وقال ابن قدامة في «المغني»: وروى الحديثَ منصورُ بن زاذان وشعبة فلم يقولا ما قال سفيان بن (^٢) عيينة. وقال ابن الجوزي: هذه الزيادة لا تصح، ولو صحَّتْ لكانت ظنًّا من جابر، وبنحوه ذَكَره ابن العربي في «العَارِضَة» (^٣). وقال الطحاوي: إنَّ ابن عيينة روى عن عمرو حديث جابر أَتَمَّ من سياق ابن جريج ولم يذكر هذه الزيادة.\nقال شيخنا: ويدل على أن معاذًا كان ينوي بالأولى الفرضَ وبالثانية النفلَ ما رواه عبد الرزاق والشافعي والطحاوي والدارقطني وغيرُهم من طريق بن جريج عن عمرو بن دينار عن جابر في حديث الباب زاد: هي له تطوع ولهم فريضة. كما تقدم آنفًا، وهو حديث صحيح، وقد صرح ابن جريج في رواية عبد الرزاق بسماعه منه فانتفت تهمة تدليسه، فَقَولُ (^٤) ابن الجوزي: إنه لا يصح. مردودٌ.\nوتعليلُ الطحاوي له أن ابن عيينة ساقَه عن عمرو أَتَمَّ من سياق ابن جريج ولم يذكر هذه الزيادة. ليس (^٥) بقادح في صحته، لأن بن جريج أسنُّ وأجَلُّ من ابن عيينة وأقدمُ أخْذًا عن عمرو، ولو (^٦) لم يكن كذلك فهي زيادة من ثقة حافظ ليست منافيةً لرواية من هو أحفظُ منه ولا أكثرُ عددًا فلا معنى للتوقف مِن الحكم بصحتها، وأما رَدُّ الطحاوي\n_________\n(^١) في (الأصل): «سليم» والصواب «سَلم».\n (^٢) في (الأصل): «ابن سفيان» والصواب «سفيان بن».\n (^٣) في (الأصل): «المعارضة» والصواب «العارضة» وهي عارضة الأحوذي.\n (^٤) في (الأصل): «بقول» والصواب «فقول».\n (^٥) في (الأصل): «وليس» والصواب «ليس».\n (^٦) كلمة: «لو» ساقطة في (الأصل).","vol":"1","page":260},{"text":"لها باحتمالِ أن تكون مدرجةً فجوابُه: أن الأصل عدمُ الإدراج حتى يثبت (^١) التفصيلُ، فمهما كان مضمومًا إلى الحديث فهو منه، ولا سيما إذا رُوِي من وجهين، والأمرُ هنا كذلك، لكنَّ الشافعي أخرجَها من وجهٍ آخرَ عن جابر متابِعًا لعمرو بن دينار عنه.\nوقول الطحاوي: هو ظنٌّ من جابر. مردودٌ، لأن جابرًا كان ممن يصلي مع معاذ، فهو محمولٌ على أنه سمع ذلك منه، ولا يُظَنُّ بجابرٍ أنه يخبِر عن شخص بأمٍر غير مشاهدٍ إلا بأنْ يكون ذلك الشخصُ أَطْلَعَه عليه. وأما احتجاجُ أصحابنا لذلك بقوله ﵇: «إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة» فليس بجيد، لأن حاصلَه النهيُ عن التلبُّس بصلاةٍ غيرِ التي أقيمت من غيرِ تعرُّضٍ لنيةِ فرضٍ أو نفلٍ، ولو تعينت نيةُ الفريضة لامتنع على معاذ أن يصلي الثانية بقومه لأنها ليست حينئذٍ فرضًا له.\nقوله: (فَكَانَ مُعَاذٌ يَنَالُ مِنْهُ) أي من الرجل المذكور، ومعنى: ينال منه أي يصيب منه، أي يعيبه ويتعرض به بالإيذاء. وقوله: (كَانَ) فعل ماض، و(مُعَاذٌ) بالرفع اسمُه. وقوله: (يَنَالُ مِنْهُ) جملةٌ خبرٌ لِكانَ، وفي رواية المستملي: (يَتَنَاوَلُ مِنْهُ) من باب التفاعل، وفي رواية الكُشْمِيهَني: (فَكَأَنَّ مُعَاذًا) بالهمز والنون المشددة. وقوله: (مُعَاذًا) بالنصب اسمُ كَأَنَّ، وقد فُسِّر ذلك في رواية سليم بن حيان. ولفظه: فبلغ ذلك معاذًا فقال: إنه منافق. وكذا في رواية أبي الزبير وابن عيينة: فقالوا له: أَنافقتَ يا فلان؟ قال: لا والله، لآتين رسولَ الله فَلَأُخبِرَنَّه. فكأَنَّ معاذًا قال ذلك في غَيْبَةِ الرجلِ، وَبَلَّغَهُ إلى الرجل أصحابُه.\nقوله: (فَبَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ) أي فَبَلَغَ ذلك الأمرُ إلى النبيِّ ﷺ، وقد بيَّن ابنُ عيينة ومحاربُ بن دِثار في روايتيهما أنه الذي جاء فاشتكى من معاذ، وفي رواية النَّسائي: فقال معاذ: لئن أصبحتُ لأذكُرَنَّ ذلك لرسول الله ﷺ فذكر ذلك له، فأرسَلَ إليه فقال: «ما حملك على الذي صنعت؟» فقال: يا رسول الله، عملتُ على ناضحٍ لي بالنهار، فجئتُ وقد أقيمت الصلاة فدخلتُ المسجد، فدخلتُ معه في الصلاة فقرأ بسورة كذا وكذا، فانصرفتُ (^٢) فصليتُ في ناحية المسجد. فقال رسول الله ﷺ: «أفتَّانًا يا معاذ؟ أفتَّانًا يا معاذ؟».\nوقوله: ٠ ويروى: (ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) و: (فَتَّانٌ) مرفوعٌ على أنه خبرُ مبتدأ محذوف، أي: أنت فتانٌ، والتكرار للتأكيد، وفي رواية ابن عيينة: أفتان أنت؟ بهمزة الاستفهام على سبيل الإنكار، ومعناه: أنت مُنَفِّرٌ، لأن التطويل سببُ خروجهم من الصلاة، والتَّكَرُّهِ للصلاة في الجماعة، وقال الداودي: يُحتَمل أن يريد قوله: (فَتَّانٌ) أي معذِّبٌ، لأنه عَذَّبَهُم بالتطويل كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ﴾ [البروج: ١٠]. أي عذبوهم.\nقوله: (أَوْ قَالَ: فَاتِنًا، فَاتِنًا) هذا شكٌّ من الراوي، ونصبُه على أنه خبرُ يكون مقدَّرًا أي يكون فاتنًا (^٣). وفي رواية أبي (^٤) الزبير: أتريد أن تكون فاتنًا؟ وفي رواية أحمد في حديث معاذ بن رِفاعة المتقدم ذكرُه: «يا معاذ لا تكن فاتنًا». وزاد في حديث أنس: «لا تُطوِّل بهم». وروى البيهقي في «الشُّعَب» بإسناد صحيح عن عمر قال: لا تبغِّضوا الله إلى عباده يكون أحدكم إماما فيطول على القوم الصلاة حتى يبغض إليهم ما هم فيه.\nقوله: (وَأَمَرَهُ بِسُورَتَيْنِ مِنْ أَوْسَطِ المُفَصَّلِ) أوسط المفصل مِن كُوِّرَتْ إلى الضحى، وطِوال المفصل من سورة الحجرات إلى والسماء ذات البروج، وقصار المفصل من\n_________\n(^١) في (الأصل): «ثبت» والصواب «يثبت».\n (^٢) في (الأصل): «فانصرف» والصواب «فانصرفتُ».\n (^٣) في (الأصل): «فتانا» والصواب «فاتنا».\n (^٤) في (الأصل): «ابن» والصواب «أبي».","vol":"1","page":261},{"text":"الضحى إلى آخر القرآن. وقيل: أولُ الطوال من قَاف، وقال الخطابي: رُوي هذا في حديث مرفوع، وحكى القاضي عياض أنه من الجاثية وهو قريب (^١)، وسمي المفصَّل لكثرة الفصول فيه، وقيل: لقلة المنسوخ فيه. قال شيخنا: قوله: (أَوْسَطِ) يحتمل أن يريد به المتوسطَ، والسورُ التي مَثَّل بها من قِصار المتوسط، ويحتمل أن يريد به المعتدِل أي المناسِب للحالة من المفصَّل.\nقوله: (قَالَ عَمْرٌو: وَلَا أَحْفَظُهُمَا) أي: قال عمرو بن دينار: لا أحفظ السورتين المأمورَ بهما، وكأنَّ عَمْرًا قال ذلك في حال حديثه لشعبة، وإلا ففي رواية سليم بن حيان عن عمرو: «اقْرَأْ والشمسِ وضحاها، وسبح اسم ربك الأعلى ونحوها».\nاستدل الشافعي ﵁ بهذا الحديث على صحة اقتداء المفترض بالمتنفل بناءً على أن معاذًا كان ينوي بالأولى الفرض، وبالثانية النفل. وبه قال أحمد في رواية، واختاره ابن المنذر، وهو قول عطاء وطاووس وسليمان بن حرب وداود، وقال الحنفية: لا يصلي المفترضُ خلف المتنفل، وبه قال مالك في رواية، وأحمد في روايةِ أبي الحارث عنه، وقال ابن قدامة (^٢): اختار هذه الرواية أكثر أصحابنا - أي الحنابلة -، وهو قول الزهري والحسن البصري وسعيد بن المسيب والنخعي وأبي قلابة ويحيى بن سعيد الأنصاري، وقال الطحاوي: وبه قال مجاهد وطاووس. انتهى.\nقال شيخنا فيما تقدم آنفًا: ويدل عليه ما رواه عبد الرزاق والشافعي والطحاوي والدارقطني... إلى آخره. انتهى. قال العيني: الجواب عن هذا: أن هذه زيادة قد ذكرنا ما قالوا فيها، أي فيما تقدم أيضًا، قال: ونقول أيضًا: إن معاذًا كان يصلي مع النبي ﷺ صلاةَ النهار ومع قومه صلاة الليل، فأخبر الراوي في قوله: فهي لهم فريضةٌ وله نافلة. بحالِ معاذ في وقتين لا في وقتٍ واحد، أو نقول: هو حكاية حالٍ لم نعلم كيفيتها فلا نعملُ بها، ونستدل بما في «صحيح ابن حبان»: «الإمامُ ضامن». يعني: يضمنُها صحةً وفسادًا، والفرضُ ليس مضمونًا في النفل. وقال ابن بطال: ولا اختلاف أعظمُ من اختلاف النيات، ولأنه لو جاز بناءُ المفترض على صلاة المتنفل لما شُرِعت صلاةُ الخوف مع كل طائفةٍ بعضُها، وارتكابُ الأعمال التي لا تصح الصلاة معها في غير الخوف، لأنه كان يمكنه أن يصلي مع كل طائفة جميعَ الصلاة وتكونُ الثانيةُ له نافلةً وللطائفة الثانية فريضة. انتهى.\nقال شيخنا: جوابُه أنه ثبت: أنه ﷺ صلى بهم صلاةَ الخوف مرتين، كما أخرجه أبو داود عن أبي بكرة صريحًا، ولمسلم عن جابر نحوُه، وأما صلاتُه لهم على أنواعٍ من المخالفة فلِبيان الجواز. انتهى. وأما قول الطحاوي: لا حجة فيها لأنها لم تكن بأمر النبي ﷺ ولا تقريره. فجوابه: أنهم لا يَختلفون في أَّن رأي الصحابي إذا لم يخالفه غيرُه حجةٌ، والواقع كذلك هنا، فإنَّ الذين كان يصلي بهم معاذ كلُّهم صحابة، ومنهم ثلاثون عَقَبِيًّا، وأربعون بَدْرِيًّا، قاله ابن حزم. قال: ولا يُحفَظ عن غيرِهم من الصحابة امتناعُ ذلك، بل قال بعضُهم بالجواز: عمرُ وابنُ عمر وأبو الدرداء وأنس وغيرهم. انتهى.\nقال الطحاوي أيضًا: لو سلَّمنا جميعَ ذلك لم يكن فيه حُجَّةٌ لاحتمال أن ذلك كان في الوقت\n_________\n(^١) طمس في (الأصل) ولعل الكلمة: «قريب».\n (^٢) كلمة: «ابن قدامة» ساقطة في (الأصل) وقاله في المغني.","vol":"1","page":261},{"text":"الذي كانت الفريضةُ فيه تصلَّى مرتين، أي فيكونُ منسوخًا. قال ابن دقيق العيد: هذا يتضمن إثباتَ النسخ بالاحتمال، وهو لا يسوغ، ويلزمُه إقامةُ الدليل على ما ادَّعاه من إعادة الفريضة. انتهى. قال شيخنا: وكأنَّ ابن دقيق العيد لم يقف على كتاب الطحاوي، فإنه ساق فيه دليلَ ذلك وهو حديثُ ابن عمر رَفَعَهُ: «لا تصلوا الصلاة في اليوم مرتين». ومن وجهٍ آخرَ مرسل: إن أهل العالية كانوا يُصلُّون في بيوتهم ثم يصلون مع النبي ﷺ، فَبَلَغَه ذلك فنهاهم. وفي الاستدلال بذلك على تقديرِ صحته نظرٌ لاحتمال أن يكون النهيُ عن أن يُصلُّوها مرتين على أنها فريضة، وبذلك جزم البيهقيُّ جمعًا بين الحديثين.\nقال العيني: إن كان الردُّ بالاحتمال: ونحن أيضا نقول: يُحتمل أن يكون النهي في ذلك لأجل أن أحدًا يقتدي به في واحدةٍ من الصلاتين اللتين صلاهُما على أنهما فرض، وفي نفس الأمر فرضُه إحداهما من غير تعيين، فيكون الاقتداءُ به في صلاةٍ مجهولةٍ فلا يصح. انتهى.\nقال شيخنا: بل لو قال قائل: هذا النهي منسوخٌ بحديث معاذ لم يكن بعيدًا، ولا يقال: القصة قديمة، لأن صاحبها استُشهد بأُحُد، لأنَّا نقول: كانت أُحُد في أواخر الثالثة فلا مانع أن يكون النهيُ في الأولى والإذنُ في الثالثة، وقد قال ﷺ للرجلين اللذَيْن لم يصليا معه: «إذا صليتُما في رِحالكما ثم أتيتُما لمسجد جماعة فصليا معهم، فإنها لكُمَا نافلة». أخرجه أصحاب السنن من حديث يزيد بن الأسود العامري، وصححه ابن خزيمة وغيرُه، وكان ذلك في حِجَّة الوداع في أواخر حياة النبي ﷺ، ويدل على الجواز أيضًا: أمرُه لمن أدركهُ الأئمةُ الذين يأتون بعدَه ويؤخرون الصلاةَ عن ميقاتها أنْ: «صلوها في بيوتكم ثم افعلوها معهم نافلةً».\nوأما استدلال الطحاوي على أنه - ﵇ - نهى معاذًا عن ذلك بقوله في حديث سُليم بن الحارث: «إما أن تصليَ معي، وإما أن تخفف عن قومك»، ودعواهُ أنَّ معناه: إما أن تصلي معي ولا تصلي بقومك، وإما أن تخفف بقومك ولا تصلي معي. قال شيخنا: ففيه نظرٌ، لأن لِمُخالفِه أن يقول: بل التقدير: إما أن تصلي معي فقط إذا لم تخفِّفْ، وإما أن تخفف بقومك فتصلي معي. وهو أَوْلَى من تقديره، لما فيه من مقابلة التخفيف بترك التخفيف، لأنه هو المسئول عنه المتنازَع فيه. انتهى. قال العيني: الذي قدَّره المخالفُ باطل، لأن لفظ الحديث: «لا تكن فتانًا، إما أن تصليَ معي وإما أن تخفف عن قومك». فهذا يدل على أنه يفعلُ أحدَ الأمرين: إما الصلاةُ معه أو بقومه ولا يجمعُهما، فدل على أن المراد عدمُ الجمع ومنعُه، وكلُّ أمرين بينهما مَنْع الجمع كان نقيضُهما منعُ (^١) الخلو، كما قد بُيِّنَ هكذا في موضعه. انتهى. قلتُ: هذا إذا سُلِّم أن المراد منعُ الجمع، لكنَّ التقديرَ الذي قدره المخالفُ يدلُّ على الإذن في الجمع بشرط التخفيف ويؤيدُه ما تقدم من الحديث. انتهى.\nوفي حديث الباب من الفوائد أيضًا: استحباب تخفيفِ الصلاة مراعاةً لحال المأمومين، وقد قال - ﵇ - كما رواه البخاري: (إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِلنَّاسِ، فَلْيُخَفِّفْ، فَإِنَّ مِنْهُمُ الضَّعِيفَ وَالسَّقِيمَ وَالكَبِيرَ). فهذا يدل على أن الإمامَ ينبغي له أن يراعيَ حال قومه. قال العيني: وهذا لا خلافَ فيه لأحد، انتهى.\n_________\n(^١) في (الأصل): «مع» والصواب «منع».","vol":"1","page":262},{"text":"قال شيخنا: وأما من قال: لا يُكره التطويل إذا علمَ رضى المأمومين فيُشكِل عليه أنَّ الإمام قد لا يعلم حال من يأتي فيأتُّم به بعَد دخوله في الصلاة كما في حديث الباب، فعلى هذا يُكره التطويلُ مطلقًا إلا إذا فُرِض في مصلىً بقومٍ (^١) محصورين راضين في مكانٍ لا يدخلُهُ غيرُهم.\nوفيه: أنَّ الحاجة من أمور الدنيا عُذرٌ في تخفيف الصلاة.\nقال شيخنا: وفيه جوازُ إعادة الصلاة الواحدة في اليوم مرتين. قال العيني: ليس هذا بمطلق، لأن إعادته على سبيل أنهما فرضٌ ممنوعةٌ بالنص كما ذكرنا عن قريب. انتهى. قلتُ: قد تقدم البحث معه في ذلك أيضًا. انتهى.\nوفيه: جواز خروج المأموم من الصلاة بعذر، وأما بغير عذرٍ فاستدل به بعضُهم - أي الحديثِ المذكور - وتُعُقِّب، وقال ابن المنير: لو كان كذلك لم يكن لأمرِ الأئمة بالتخفيف فائدة. قال شيخنا: وفيه نظر، لأنَّ فائدة الأمر بالتخفيف المحافظةُ على صلاة الجماعة، ولا ينافي ذلك جوازَ الصلاة منفردًا، وهذا كما استدل بعضُهم بالقصة على وجوب صلاة الجماعة وفيه نحوُ هذا النظر. انتهى.\nقال العيني: في «شرح المهذب»: اختلف العلماء فيمن دخل مع إمامٍ في صلاة فصلى بعضها، هل يجوز له أن يخرج منها؟ فاستدل أصحابنا بهذا الحديث على أن للمأموم أن يقطع القدوة ويتم صلاته منفردًا، وإن لم يخرج منها. وفي هذه المسألة ثلاثةُ أوجه: أصحُّها: أنه يجوز لعذرٍ ولغير عذر، والثاني: لا يجوز مطلقًا. والثالث: يجوز لعذر ولا يجوز لغيره، وتطويل القراءة عذرٌ على الأصح. وأصحابنا الحنفيةُ لا يجيزون شيئًا من ذلك، وهو مشهور مذهب مالك، وعن أحمد روايتان لأنَّ فيه إبطالَ العمل، والقرآنُ قد منع عن ذلك. انتهى\nوقد اختُلِف في عذر الرجل المذكور في الحديث: هل هو لأجل التطويل فقط؟ أو لكونه جاء من العمل وهو تعبان؟ أو لكونه أراد أن يسقيَ نخلَه إذ ذاك؟ أو لكونه خاف على الماء في النخل؟ وقد تقدم في الأحاديث المذكورة في الباب ما يدل على شيء من ذلك.\nوفيه: جوازُ صلاةِ المنفرد في المسجد الذي يصلَّى فيه بالجماعة. قال شيخنا: إذا كان بعذرٍ. وقال العيني: يجوز مطلقًا. انتهى. قلتُ: كلامُ شيخِنا على ما يستفاد من الحديث لا في الجواز وعدمِه مطلقًا حتى يُعقِبَه العيني بهذا. انتهى.\nوفيه: الإنكار بلطفٍ، لوقوعه بصورة الاستفهام. ويؤخَذ منه تعزيرُ كلِّ أَحَدٍ بحسبه. والاكتفاُء في التعزير بالقول. والإنكارُ في المكروهات. وأما تكراره ثلاثًا فللتأكيد (^٢)، وقد تقدم في العِلم أنه ﷺ: كان يعيد الكلمةَ ثلاثًا لتُفهَم عنه.\nوفيه: اعتذارُ من وقع منه خطأٌ في الظاهر، وجوازُ الوقوعِ في حقِّ من وَقَع في محذورٍ ظاهر إذا كان له عذرٌ باطن للتنفيرِ عن فعل ذلك، وأنه لا لوْمَ على من فَعَلَ ذلك مُتَأَوِّلًا. وأنَّ التخلُّف عن الجماعة من فعل المنافقين.\nقلتُ: وفيه أن المأموم إذا رأى ممن هو مؤتمٌّ بإمامته ما يُخالِف الاقتداءَ يذكُرُه لإمامه وللإمام رَفْعُ ذلك الأمر إلى الحاكم إذا ظَنَّ أن فيه محذورًا، وأن للرجل أن يُبْلِغَ أخاه ما يقال فيه.\n\n <span id=\"b-٣٢٠\"> </span>(٦١) <span data-type=\"title\" id=toc-320>(بَابُ تَخْفِيفِ الإِمَامِ فِي القِيَامِ، وَإِتْمَامِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ)</span>\nأي هذا باب في بيان حكم تخفيف الإمام في\n_________\n(^١) طمس في (الأصل) ولعل الكلمة: «بقوم».\n (^٢) في (الأصل): «فللمالكية» والصواب «فللتأكيد».","vol":"1","page":262},{"text":"القيامِ، وفي حكم إتمام الركوع والسجود. وقال الكِرماني: الواو في (وَإِتْمَامِ) بمعنى مع، كأنه قال: بابُ التخفيف (^١) بحيث لا يفوته شيء من الواجبات، فهو تفسير لقوله في الحديث: (فَلْيَتَجَوَّزْ)، لأنه لا يَأمُر بالتجوُّزِ المؤدي إلى فساد الصلاة. قال العيني: لا يحتاج إلى هذا التكلف، لأن المأمور في نفس الأمر هو إتمامُ جميع الأركان، وإنما ذكر التخفيف في القيام لأنه مظنة التطويل.\n\n٧٠٢ - <span id=\"b-٣٢١\"> </span>قوله: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ) أي أحمد بن عبد الله بن يونس الكوفي، ترجمته في باب من قال الإيمان هو العمل.\nقوله: (حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ) أي بضم الزاي، ابن معاوية الجعفي، ترجمته في باب الصلاة من الإيمان.\nقوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) أي ابن أبي خالد، ترجمته في باب يتلو باب أمور الإيمان.\nقوله: (قَالَ: سَمِعْتُ قَيْسًا) أي ابن أبي حازم، ترجمته في باب الدين النصيحة.\nقوله: (قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو مَسْعُودٍ) أي عقبة بن عمرو الأنصاري البدري، قيل له البدري لأنه من ماء (^٢) بدر، سكن الكوفة ولم يشهد بدرًا.\nفي هذا الإسنادِ: التحديثُ بصيغة الجمع في ثلاث مواضع. وفيه: الإخبار بصيغة الإفراد. وفيه: السماع. وفيه: القول في ثلاث مواضع. وفيه: شيخ البخاري منسوبٌ إلى جده. وفيه: أن رواته كلهم كوفيون. وفيه: رواية التابعي عن التابعي عن الصحابي.\nقوله: (أَنَّ رَجُلًا، قَالَ: وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي لَأَتَأَخَّرُ عَنْ صَلَاةِ الغَدَاةِ مِنْ أَجْلِ فُلَانٍ مِمَّا يُطِيلُ بِنَا، فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي مَوْعِظَةٍ أَشَدَّ غَضَبًا مِنْهُ يَوْمَئِذٍ، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ مِنْكُمْ مُنَفِّرِينَ، فَأَيُّكُمْ مَا صَلَّى بِالنَّاسِ فَلْيَتَجَوَّزْ، فَإِنَّ فِيهِمُ الضَّعِيفَ وَالكَبِيرَ وَذَا الحَاجَةِ»).\nمطابقته للترجمة من حيث إنه ﵇ أمر الأئمة بتخفيف الصلاة على القوم.\nوقال ابن المنير وتبعه ابن رشيد وغيرُه: خُصَّ التخفيف في الترجمة بالقيام مع أن لفظ الحديث أعم، حيث قال: (فَلْيَتَجَوَّزْ) لأن الذي يَطُول في الغالب إنما هو القيام وما عداه لا يشق إتمامه على أحد، وكأنه حمل حديث الباب على قصة معاذ، فإنَّ الأمر بالتخفيف فيها مختص بالقراءة. انتهى ملخصًا.\nقال شيخنا: والذي يظهر لي أن البخاري أشار بالترجمة إلى ما ورد في بعض طرق الحديث كعادته، وأما قصة معاذ فمغايرة لحديث الباب، لأن قصة معاذ كانت في العشاء وكان الإمام فيها معاذًا، وكانت في مسجد بني سلمة، وهذه كانت في الصبح وكانت في مسجد قباء، ووهم من فسَّرَ الإمامَ المبهمَ هنا بمعاذ بل المراد: أُبَيُّ بن كعب كما أخرجه أبو يعلى بإسناد حسن من رواية عيسى بن جارية - وهو بالجيم - عن جابر قال: كان أُبَيُّ بن كعب يصلي بأهل قباء فاستفتح سورةً طويلةً فدخل معه غلام من الأنصار في الصلاة فلما سمعه استفتحها انفتل من صلاته، فغضب أُبَيُّ فأتى النبي ﷺ يشكو الغلامَ، وأتى الغلامُ يشكو أُبَيًّا، فغضب النبي ﷺ حتى عُرِفَ الغضبُ في وجهه، ثم قال: «إنَّ منكم منفرين، فإذا صليتم فأوجزوا، فإنَّ خلفَكم الضعيفُ والكبير والمريض وذا الحاجة». فأبان هذا الحديث أن المراد بقوله في حديث الباب: (مِمَّا يُطِيلُ بِنَا) فلان أي من القراءة. واستفدنا منه أيضًا: تسميةَ الإمام، وبأي موضع كان.\nوفي\n_________\n(^١) في (الأصل): «التخيف»، والصواب: «التخفيف».\n (^٢) في (الأصل): «مساء»، والصواب: «ماء».","vol":"1","page":263},{"text":"الطبراني من حديث عَدي بن حاتم: مَن أمَّنا فليتم الركوع والسجود. وفي قول ابن المنير: إن الركوع والسجود لا (^١) يشق إتمامهما، نظرٌ، فإنه إن أراد أقلَّ ما يَنطلِقُ عليه اسمُ تمامٍ فذاك لا بد منه، وإن أراد غاية التمام فقد يشُقُّ، فسيأتي في حديث الباب قريبًا أنه ﷺ كان قيامُه وركوعُه وسجودُه قريبًا من السواء. انتهى. هذا الحديث قد مَرَّ في كتاب العلم في باب الغضب في الموعظة، أخرجه عن محمد بن كثير عن سفيان عن ابن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم عن أبي مسعود، فانظر التفاوت بينهما في المتن، وقد ذكرنا هناك جميع ما يتعلق به من الأشياء.\nقوله: (أَنَّ رَجُلًا) قال شيخنا: لم أقف على تسميته، ووهِمَ من زعم أنه حزم بن أبي كعب، لأن قصته كانت مع معاذ لا مع أُبَيِّ بن كعب كما تقدم آنفًا.\nقوله: (إِنِّي لَأَتَأَخَّرُ عَنْ صَلَاةِ الغَدَاةِ) أي فلا أحضرُها مع الجماعة لأجل التطويل.\nقوله: (مِمَّا يُطِيلُ) كلمةُ ما مصدريةٌ، أي مِن تطويله، وفي رواية عبد الله بن المبارك في «الأحكام»: والله لأتأخرُ. بزيادة القسم.\nوفيه: جواز ذلك لأنه لم ينكِر عليه، وتقدَّم في كتاب العلم في باب الغضب في العلم بلفظ: إني لا أكاد أدرك الصلاة. وتقدم توجيهه، ويُحتمل أيضًا أن يكون المراد: أنَّ الذي ألِفَهُ من تطويله اقتضى له أن يتشاغل عن المجيء من أولِ الوقت وثوقًا بتطويله بخلاف ما إذا لم يطول، فإنه كان يحتاج إلى المبادرة إليه أولَ الوقت فكأنه يعتمد على تطويله فيتشاغلُ ببعض شُغلِه ثم يتوجه فيصادف (^٢) أنه تارة يدركُه وتارة لا يدركه، فلذلك قال: لا أكاد أدركه مما يطول بنا، أي بسبب تطويله.\nواستُدِلَّ به على تسمية الصبح بذلك، ووقع في رواية سفيان الآتية قريبًا: (عَنِ الصَّلَاةِ فِي الفَجْرِ)، وإنما خصها بالذِّكْرِ لأنها تَطُولُ فيها القراءةُ غالبًا، ولأن الانصراف منها وقتُ التوجه لمن له حرفة إليها.\nقوله: (أَشَدَّ) بالنصب على الحال من النبي ﷺ، ونُصِبَ (غَضَبًا) على التمييز. قال شيخنا: (أَشَدَّ) بالنصب نعتٌ لمصدر محذوفٍ أي غضبا أشد. قال العيني: هذا ليس بشيء لفساد المعنى، يذوقُه من له يد في العربية.\nقوله: (يَوْمَئِذٍ) أي يوم أُخبِر بذلك. قال ابن دقيق العيد: سبب الغضب إما لمخالفة الموعظة أو للتقصير في تعلم ما ينبغي تعلمه. قال تلميذُه أبو الفتح اليعمري: فيما قاله نظر، لأنه يتوقف على تقدم الإعلام بذلك. قال: ويُحتمل أن يكون ما ظهر من الغضب لإرادة الاهتمام بما يُلقيه لأصحابه ليكونوا من سماعه على بال، لئلا يعودَ مَن فعل ذلك إلى مثلِه. انتهى. قال شيخنا: هذا أحسن في الباعث على أصل إظهار الغضب، أما كونُه أشد فلاحتمال الثاني أوجه ولا يَرِدُ عليه التعقب المذكور. انتهى. قال العيني: ويُحتمل تقدم الإعلام به بقصةِ معاذ، ولهذا لم يُذكَر في حديثه الغضبُ، ووَاجَهَهُ وحدَه بالخطاب. وهنا قال: (إِنَّ مِنْكُمْ مُنَفِّرِينَ) بصيغة الجمع، وهو من التنفير، يُقال (^٣): نفَر ينفُر نُفورًا ونِفارًا إذا فَرَّ وذهب.\nقوله: (إِنَّ مِنْكُمْ مُنَفِّرِينَ) فيه تفسيرُ المرادُ للفتنة\n_________\n(^١) كلمة «لا» ساقطة من (الأصل).\n (^٢) في (الأصل): «فيصاوب»، والصواب: «فيصادف».\n (^٣) في (الأصل): «فقال»، والصواب: «يقال».","vol":"1","page":263},{"text":"في قوله في حديث معاذ: «أَفَتَّانٌ أنت؟». قال شيخنا: ويُحتمل أن تكون قصة أُبَيَّ هذه (^١) بعد قصة معاذ بهذا يتوجه الاحتمال الأول لابن دقيق العيد بالخطاب.\nقوله: (فَأَيُّكُمْ مَا صَلَّى) أيْ فأيُّ واحد منكم، وكلمة: (مَا) زائدة، وزيادته معَ أي الشرطية كثير، وفائدتها التوكيد وزيادة التعميم. وفي رواية سفيان: (فَمَنْ أَمَّ النَّاسَ)\nقوله: (فَلْيَتَجَوَّزْ) جواب الشرط أي فليخفف. يقال: تجوز في صلاته أي: خفف، وأصل اللام فيه أن تكون مكسورة، وجاز فيها السكون. وقال ابن بطال: لما أمر الشارع بالتخفيف كان المطوِّل عاصيًا، ومخالفة العاصي جائزة لأنه لا طاعة إلا في المعروف. وقال ابن دقيق العيد: التخفيفُ من الأمور الإضافية، فقد يكون الشيء خفيفًا بالنسبة إلى عادة قومٍ طويلًا بالنسبة لعادة آخرين. قال: وقولُ الفقهاء: لا يزيد الإمام في الركوع والسجود على ثلاث تسبيحات لا يخالف ما ورد عن النبي ﷺ أنه كان يزيد على ذلك، لأنَّ رغبة الصحابة في الخير تقتضي أنْ لا يكونَ ذلك تطويلًا. انتهى. قال شيخنا: التخفيف من الحديث الذي أخرجه أبو داود والنسائي عن عثمان بن العاصي أن النبي ﷺ قال له: «أنتَ إمامُ قومِك، واقدِر القوم بأضعَفِهِم» إسنادُه حسن. وأصلُه في مسلم.\nقوله: (فَإِنَّ فِيهِمُ) في رواية سفيان: (فَإِنَّ خَلْفَهُ) وهو تعليل الأمر المذكور ومقتضاه أنه متى لم يكن فيهم متصفٌ بصفةٍ من المذكورات لم يَضُرَّ التطويل، وقد قدمتُ ما يَرُدُّ عليه في الباب الذي قبله مِن إمكان مَجيءِ متصفٍ بأحدها. وقال اليعمري (^٢): الأحكام إنما تناط بالغالب لا بالصورة النادرة، فينبغي للأئمة التخفيف مطلقًا. قال: وهذا كما شرع القصر في كتاب (^٣) صلاة المسافر وعُلِّلَ بالمشقة وهي مع ذلك تشرع ولو لم يشق عملا بالغالب، لأنه لا يدري ما يطرأ عليه، وهنا كذلك. قال العيني: ويؤيد كلامه صيغة الأمر بالتخفيف، فإنه أَمَر بعدَ الغضب الشديد، وظاهرُه يقتضي الوجوب.\nقوله: (فَإِنَّ فِيهِمُ الضَّعِيفَ وَالكَبِيرَ) كذا للأكثر ووقع في رواية سفيان في كتاب العلم في باب الغضب في الموعظة: (فَإِنَّ فِيهِمُ الْمَرِيضَ وَالضَّعِيفَ) وكأن المراد بالضعيف هنا: المريض، وهناك: من يكون الضَّعْفُ في خِلْقَته كالنحيف والمسن، وكل مريضٍ ضعيفٌ من غير عكس، وسيأتي في الباب الذي بعده مزيد.\n\n <span id=\"b-٣٢٢\"> </span>(٦٢) <span data-type=\"title\" id=toc-322>(بَابٌ: إِذَا صَلَّى لِنَفْسِهِ فَلْيُطَوِّلْ مَا شَاءَ)</span>\nأي هذا باب في بيان حكم المصلي إذا صلى، وأشار بهذا إلى أن الأمر بالتخفيف على الإطلاق إنما هو في حق الأئمة لأن خلفه من لا يطيق التطويل، وأما إذا صلى وحده فلا حجر عليه إن شاء طوَّل، وإن شاء خفف، ولكن لا ينبغي التطويل إلى أن يخرج الوقت، أو يدخلَ في حد الكراهة.\n\n٧٠٣ - <span id=\"b-٣٢٣\"> </span>قوله: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِلنَّاسِ، فَلْيُخَفِّفْ، فَإِنَّ فِيهِمُ الضَّعِيفَ وَالسَّقِيمَ وَالكَبِيرَ، وَإِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِنَفْسِهِ فَلْيُطَوِّلْ مَا شَاءَ»).\nمطابقته للترجمة ظاهرة وهذا الإسناد بهؤلاء الرجال قد مرَّ غير مرة. وأبو الزناد بالزاي والنون عبدُ الله ابن ذكوان، والأعرج عبدُ الرحمن بن هرمز.\n_________\n(^١) في (الأصل): «هريرة»، والصواب: «هذه».\n (^٢) في (الأصل): «الزهري»، والصواب: «اليعمري» كما في نفح الشذى لابن سيد الناس وهو اليعمري.\n (^٣) كذا في (الأصل): «كتاب»، وليس لهذه الكلمة وجه، وليست في نفح الشذى.","vol":"1","page":264},{"text":"والحديث أخرجه أبو داود عن القعنبي عن مالك، وأخرجه ابن ماجه عن قتيبة عن مالك.\nقوله: (لِلنَّاسِ) أي إذا صلى إمامًا للناس، أو لأجل ثوابِ الناس أو خيرِهم الحاصلِ في الجماعة.\nقوله: (فَإِنَّ فِيهِمُ) هكذا رواية الأكثرين، وفي رواية الكُشْمِيهَني: (فَإِنَّ مِنْهُمُ).\nقوله: (الضَّعِيفَ وَالسَّقِيمَ) المراد بالضعيف هنا: ضعيف الخلقة، والسقيم: من به مرض. زاد مسلم من وجه آخر عن أبي الزناد: «والصغير والكبير». وزاد الطبراني في حديث عثمان بن أبي العاص: «والحامل والمرضع»، وله من حديث عَدي بن حاتم: «والعابرُ السبيل». وقوله في حديث أبي مسعود الماضي: (وَذَا الحَاجَةِ) هي أشمل الأوصاف المذكورة.\nقوله: (فليطول ما شاء) ولمسلم: «فَلْيُصَلِّ كَيْفَ شَاءَ» أي مخففًِّا أو مطوِّلًا، واستُدِل به على جواز إطالة القراءة ولو خرج الوقت، وهو المصحح عند بعض أصحابنا - أي الشافعية -، قال شيخُنا: وفيه نظر، لأنه يعارضهُ عمومُ قوله في حديث أبي قتادة: «إنما التفريطُ أن يؤخِّر الصلاة حتى يدخل وقتُ الأخرى». أخرجه مسلم. وإذا تعارضت مصلحة الكمال بالتطويل ومفسدة إيقاع الصلاة في غير وقتها كانت مراعاةُ ترك المفسدة أولى.\nواستُدِل بعموم الحديث أيضًا على: جوازِ تطويل الاعتدال والجلوسِ بين السجدتين.\nوإنما جُعِل أمرُ المصلي في التطويلِ وغيرِه راجعًا إليه لأنه يعلم من نفسه ما لا يعلم من غيره، وقد ذكر الرب ﷻ الأعذار التي من أجلها أسقط فرض قيام الليل عن عباده فقال: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى﴾ [المزمل: ٢٠] الآية، فينبغي للإمام التخفيفُ مع الكمال في الأركان، ألا ترى أنه - ﵇ - قال للذي لم يتم ركوعه ولا سجوده: «ارجع فصل فإنك لم تصل»، وقال ﵇: «لا تجزِئ صلاة من لا يُقيم ظهرَه في الركوع والسجود».\nوممن كان يخفف الصلاة من السلف أنس بن مالك، قال ثابت: صليت معه العتمة فتَجَوَّز ما شاء الله. وكان سعد إذا صلى في المسجد خفف الركوع والسجود وتجَوَّزَ، وإذا صلى في بيته أطال الركوع والسجود والصلاة، فقيل له؟ فقال: إِنَّا أئمةٌ يُقتدَى بنا، وصلى الزبير بن العوام صلاةً خفيفةً فقيل له: أنتم أصحابُ النبيِّ ﷺ أخفُّ الناس صلاةً؟ فقال: إنَّا نبادر هذا الَوسواس. وقال عمار: احذِفُوا (^١) هذه الصلاة قبل وسوسة الشيطان. وكان أبو هريرة يتم الركوع والسجود ويتَجَوَّز، فقيل له: هكذا كانت صلاة رسول الله ﷺ؟ فقال: نعم وأجوزُ. وقال عمرو بن ميمون: لما طُعِنَ عُمر ﵁ تقدم عبدُ الرحمن بن عوف، ﵁، فقرأ بأخصر سورتين في القرآن: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر: ١] و﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر: ١]. وكان إبراهيم يخفف الصلاة ويتم الركوع والسجود، وقال أبو مِجلَز: كانوا يتمون ويتجوزون ويبادرون الوسوسة. ذكر هذه الآثارَ ابن أبي شيبة في «مصنفه».\n\n <span id=\"b-٣٢٤\"> </span>(٦٣) <span data-type=\"title\" id=toc-324>(بَابُ مَنْ شَكَا إِمَامَهُ إِذَا طَوَّلَ)</span>\nأي هذا باب ترجمته: من شكا إمامه إذا طول عليهم الصلاة.\nقوله: (وَقَالَ أَبُو أُسَيْدٍ) أي بضم الهمزة وفتح السين وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره دال مهملة، ووقع\n_________\n(^١) في (الأصل): «أجدوا»، والصواب: «احذفوا».","vol":"1","page":264},{"text":"في رواية المستملي: (أَبُو أَسِيد)، بفتح الهمزة. قال شيخنا: والصواب بالضم كما للباقين. انتهى. قال العيني: وفي «التوضيح»: وأُسيد، بضم الهمزة، كذا بخط الدمياطي. وقال الجياني: في نسخة أبي ذر من رواية المستملي وحده: (أَبُو أَسِيد)، بفتح الهمزة. وقال أبو عبد الله: قال عبد الرزاق ووكيع: أبو أُسيد، وهو الصواب. واسمه: مالك بن ربيعة الأنصاري الساعدي المدني، شهد المشاهد كلها، وهو مشهور بكنيته، مات سنة ثلاثين، وقيل: سنة ستين، وفيه اختلاف كثير، وهو آخر من مات من البدريين.\nقوله: (طَوَّلْتَ بِنَا يَا بُنَيَّ)\nمطابقته للترجمة ظاهرة.\nوهذا التعليق رواه ابن أبي شيبة عن وكيع حدثنا عبد الرحمن بن سليمان بن الغسيل، قال حدثني المنذر بن أبي أُسيد الأنصاري قال: فإنَّ أبي ليصلي خلفي، فربما قال لي: يا بني طولت بنا اليوم بالصافات. واستُفيد منه تسمية الابن المذكور أنه المنذر.\nوقوله: (يَا بُنَيَّ) بالتصغير لأجل الشفقة دون التحقير. وفي «التلويح»: قال البخاري: وكره عطاء أن يؤم الرجلُ أباه. قال العيني: هذا التعليق مذكور في بعض النسخ، فلئن صح فقد رواه ابن أبي شيبة عن وكيع حدثنا إبراهيم بن يزيد المكي عن عطاء قال: لا يؤم الرجل أباه. قال شيخنا: في قصة أبي أُسيد حجة على من كره للرجل أن يؤم أباه. انتهى.\n\n٧٠٤ - <span id=\"b-٣٢٥\"> </span>قوله: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ، قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي لَأَتَأَخَّرُ عَنِ الصَّلَاةِ فِي الفَجْرِ مِمَّا يُطِيلُ بِنَا فُلَانٌ فِيهَا، فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، مَا رَأَيْتُهُ غَضِبَ فِي مَوْعِظَةٍ أَشَدَّ غَضَبًا مِنْهُ يَوْمَئِذٍ، ثُمَّ قَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ مِنْكُمْ مُنَفِّرِينَ، فَمَنْ أَمَّ النَّاسَ فَلْيَتَجَوَّزْ، فَإِنَّ خَلْفَهُ الضَّعِيفَ وَالكَبِيرَ وَذَا الحَاجَةِ»).\nمطابقته للترجمة ظاهرة، والحديث قد مضى في الباب الذي سبق قبل الباب الذي قبله، وهناك: عن أحمد بن يونس عن زهير عن إسماعيل، وهنا: عن محمد بن يوسف الفريابي عن سفيان الثوري، وقيل: محمد بن يوسف أبو أحمد البخاري البيكندي عن سفيان بن عيينة، والأول أصح، نص عليه أبو نُعيم. وأبو مسعود: هو عقبة بن عمرو البدري.\nقوله: (فِي مَوْعِظَةٍ) ويروى: (فِي مَوْضِعٍ).\nقوله: (مُنَفِّرِينَ)، ويروى: (لَمُنَفِّرِينَ) بلام التأكيد.\nورُوي في هذا الباب عن أبي (^١) واقد الليثي وابن مسعود وابن عمر وعثمان بن أبي العاص وأنس ﵃.\nأما حديث أبي واقد فأخرجه الشافعي في «مسنده» من حديث عبد الله بن عثمان بن خثيم (^٢) عن نافع بن سرجس قال: عُدنا أبا واقد الليثي فسمعته يقول: كان رسول الله ﷺ أخفَّ الناس صلاة على الناس، وأطول الناس صلاةً لنفسه. وأما حديث ابن مسعود فأخرجه الطبراني في «الأوسط» من حديث إبراهيم التيمي عن أبيه سمعت ابن مسعود قال رسول الله ﷺ: «أيُّكُم أَمَّ الناس فليخفف، فإنَّ فيهم الضعيفَ والكبيرَ وذا الحاجة». وأما حديث ابن عمر فأخرجه النَّسائي بسند صحيح عنه: كان رسول الله ﷺ يأمرنا بالتخفيف ويؤمُّنا. وأما حديث عثمان فأخرجه مسلم عنه يرفعه: «من أَمَّ الناس\n_________\n(^١) كلمة: «أبي» ساقطة في (الأصل).\n (^٢) في (الأصل): «هشيم»، والصواب: «خثيم».","vol":"1","page":265},{"text":"فليخفف فإن فيهم الكبيرَ، وإن فيهم الضعيفَ، وإن فيهم ذا الحاجة، فإذا صلى أحدكم وحده (^١) فليصل كيف شاء». وأما حديث أنس فأخرجه البخاري في هذا الباب، وسيأتي إن شاء الله تعالى.\n\n٧٠٥ - <span id=\"b-٣٢٦\"> </span>قوله: (حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ) أي أبو الحسن، ترجمته في باب يتلو باب أمور الإيمان.\nقوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) أي ابن الحجاج، ترجمته في الباب أيضًا.\nقوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَارِبُ بْنُ دِثَارٍ) أي بضم الميم وكسر الراء، ودِثار بكسر الدال خلافُ الشِّعار، ترجمته في باب الصلاة إذا قدم من سفر.\nقوله: (قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِيَّ) ترجمته في باب بدء الوحي.\nفي هذا الإسنادِ: التحديثُ بصيغة الجمع في ثلاث مواضع. وفيه: السماع. وفيه: القول في أربع مواضع.\nقوله: (قَالَ: أَقْبَلَ رَجُلٌ بِنَاضِحَيْنِ وَقَدْ جَنَحَ اللَّيْلُ، فَوَافَقَ مُعَاذًا يُصَلِّي، فَتَرَكَ نَاضِحَيْهِ وَأَقْبَلَ إِلَى مُعَاذٍ، فَقَرَأَ بِسُورَةِ البَقَرَةِ - أَوِ النِّسَاءِ - فَانْطَلَقَ الرَّجُلُ وَبَلَغَهُ أَنَّ مُعَاذًا نَالَ مِنْهُ، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ، فَشَكَا إِلَيْهِ مُعَاذًا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «يَا مُعَاذُ، أَفَتَّانٌ أَنْتَ» - أَوْ «فَاتِنٌ» - ثَلَاثَ مِرَارٍ: «فَلَوْلَا صَلَّيْتَ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلَى، وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا، وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى، فَإِنَّهُ يُصَلِّي وَرَاءَكَ الكَبِيرُ وَالضَّعِيفُ وَذُو الحَاجَة» أَحْسِبُ هَذَا فِي الحَدِيثِ).\nمطابقته للترجمة ظاهرة، لأن فيه شكوى صاحب الناضحين إلى رسول الله ﷺ من معاذ حين طوَّلَ الصلاة وهو إمام.\nهذا الحديث أخرجه النسائي.\nقوله: (بِنَاضِحَيْنِ) الناضح بالنون والضاد المعجمة والحاء المهملة: ما استعمل من الإبل في سقي النخل والزرع، وهو البعير الذي يُسقَى عليه.\nقوله: (وَقَدْ جَنَحَ اللَّيْلُ) أي أقبل بظلمته، وهو بفتح النون من باب فَتَح يفتَح. وهو يؤيد أن الصلاةَ المذكورة كانت العشاء كما تقدَّم.\nقوله: (فَقَرَأَ بِسُورَةِ البَقَرَةِ) يقال: قرأها وقرأ بها، لغتان.\nقوله: (أَوِ النِّسَاءِ) الشك من محارب، دلت عليه رواية أبي داود الطيالسي عن شعبة: شك محارب. وبهذا يُرَدُّ على من زعم أن الشك من جابر.\nقوله: (وَبَلَغَهُ) أي بلغ الرجلَ، وهو صاحب الناضح.\nقوله: (إِلَيْهِ) أي إلى النبي ﷺ.\nقوله: (أَفَتَّانٌ أَنْتَ) فتَّان (^٢) صفة واقعة بعد ألف الاستفهام رافعةٌ لِظاهر، ويجوز أن يكون مبتدأ و(أَنْتَ) سادٌّ مَسَدَّ الخبر، ويجوز أيضا أن تكون (أَنْتَ) مبتدأً و: هو، خبرَه، و: فتان صيغةُ مبالغةِ فاتن.\nوقوله: (أَوْ (^٣) فَاتِنٌ) على وزن فاعل، شكٌّ من الراوي.\nقوله: (فَلَوْلَا صَلَّيْتَ) وقال الخطابي: فهلا قرأت. وقد عُلِم أنَّ لولا تأتي على أربعة أوجه: منها: أن يكون للتحضيضِ والعرض فتُخَصَّ بالمضارع أو ما في تأويله. ومنها: أن تكون للتوبيخ والتنديم فتُخَصَّ بالماضي. ومنها: أن تكون لربط امتناع الثانية بوجود الأولى نحو: لولا زيد لأكرمتك. ومنها: أن تكون للاستفهام نحو: ﴿لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ [المنافقون: ١٠]. وفيه خلاف، وههنا بمعنى القِسْمِ الثالث. قاله العيني وهو الظاهر.\nقوله: (بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلَى...) إلى آخره، فيه دليل على أن أوساط المفصل إلى: والضحى، لأن هذه الصلاة صلاة العشاء، والسنة فيها القراءة من أوساط المفصل لا من قصاره، ثم ذِكْرُ هذه السور الثلاث ليس للتخصيص بعينها، لأن المراد هذه الثلاث أو نحوها من القصار، كما في بعض الروايات لفظ: (وَنَحْوِهَا).\nقوله: (فَإِنَّهُ يُصَلِّي وَرَاءَكَ) تقدَّم شرحه في الباب الذي قبله، وكان هذا هو الحامل لمن وحَّد (^٤) بين القصتين.\nقوله:\n_________\n(^١) كلمة «وحده» موضعها بياض في (الأصل) والاستدراك من صحيح مسلم.\n (^٢) في (الأصل): «فبان»، والصواب: «فتان».\n (^٣) في (الأصل): «إذ»، والصواب: «أو».\n (^٤) في (الأصل): «وجد»، والصواب: «وحَّد».","vol":"1","page":265},{"text":"(أَحْسِبُ هَذَا فِي الحَدِيثِ) قائل: (أَحْسِبُ) هو شعبة الراوي عن محارب، ولفظة: (هَذَا) إشارةٌ إلى الجملة الأخيرة. وهي قوله: (فَإِنَّهُ يُصَلِّي...) إلى آخره، والتذكير باعتبار المذكور، وقال الكِرماني: المحسوب هو (فَلَوْلَا صَلَّيْتَ...) إلى آخره، لأن الحديث برواية عمرو فيما تقدم آنفًا انتهى عندَه حيث قال: ولا أحفظهما. وقال الكِرماني أيضًا: أو أنَّه من كلام البخاري، وأن المراد به لفظ: (ذُو الحَاجَة) فقط. قال العيني: هذا الذي قاله تخمين وحُسبان، فلذلك (^١) قال هو: لكن لم يتحقق لي ذلك لا سماعًا ولا استنباطًا من الكتاب.\nقوله: (وَتَابَعَهُ سَعِيدُ بْنُ مَسْرُوقٍ) أي والد سفيان الثوري، وقد وصل روايتَه هذه أبو عوانة من طريق أبي الأحوص عنه.\nقوله: (وَمِسْعَرٌ) أي بكسر الميم وسكون السين المهملة، ابن كِدَام الكوفي، وهو بالرفع لأنه معطوفٌ على سعيد، وقد وصل روايته السراج عن زياد عن أبي أيوب حدثنا أبو نُعيم عن محارب بلفظ: فقرأ بالبقرة والنساء، فقال النبي ﷺ: «أما يكفيك أن تقرأ بالسماء والطارق، والشمس وضحاها، ونحوِ هذا؟».\nقوله: (وَالشَّيْبَانِيُّ) أي أبو إسحاق، سليمان بن أبي سليمان، واسمه: فيروز الكوفي، (وَالشَّيْبَانِيُّ) بالرفع، عطفٌ على مِسعر، وقد وصل روايته البزار عن محارب، والمعنى: تابعَ شعبةَ سعيدٌ ومسعر والشيبانيُّ، ومتابعةُ هؤلاء في أصل الحديث لا في جميع ألفاظه.\nقوله: (قَالَ عَمْرٌو) أي ابن دينار.\nقوله: (وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مِقْسَمٍ) أي بكسر الميم وسكون القاف: المدني.\nقوله: (وَأَبُو الزُّبَيْرِ) أي محمد بن (^٢).\nقوله: (عَنْ جَابِرٍ (^٣)، قَرَأَ مُعَاذٌ فِي العِشَاءِ) إنما قال: (قَالَ عَمْرٌو)، ولم يقل: وتابعه، مثلَ ما قال في سابقه ولاحقه، لأن هؤلاء الثلاثة لم يتابعوا أحدًا في ذلك، أما رواية عمرو فقد تقدمت في باب إذا طَوَّل الإمام، وأما رواية عبيد الله فوصلها ابن خزيمة عن بندار عن يحيى بن سعيد عن محمد بن عجلان عنه، وهي عند أبي داود باختصار، وأما رواية أبي الزبير فوصلها عبد الرزاق عن ابن جريج عنه، وهي عند مسلم من طريق الليث عنه، لكن لم يُعيِّن أن السورة البقرة.\nقوله: (وَتَابَعَهُ الأَعْمَشُ، عَنْ مُحَارِبٍ) أي وتابع شعبةَ سليمانُ الأعمش عن محارب بن دثار، ووصل روايته النسائي من طريق محمد بن فضيل عن الأعمش عن صالح، كلاهما عن جابر بطوله. وقال فيه: فيُطوِّل بهم معاذ. ولم يعين السورة، والفرق بين المتابعتين - أعني السابقة واللاحقة - أن الأولى ناقصة، إذْ لم يذكر المتابَع عليه، والأخيرة كاملة إذْ ذَكَرَه حيث عن محارب.\n (بَابُ الإِيجَازِ فِي الصَّلَاةِ وَإِكْمَالِهَا)\nأي هذا باب في بيان إيجاز الصلاة مع إكمالها، أي إكمال أركانها، وفي بعض النسخ: (بَابُ الإِيجَازِ) فقط. ومع هذا هذه الترجمة إنما ثبتت عند المستملي وكريمة، وذكرها الإسماعيلي أيضًا، وليست بموجودة في رواية الباقين.\n\n٧٠٦ - <span id=\"b-٣٢٧\"> </span>قوله: (حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ) أي بفتح الميمين: عبد الله بن عمرو المقعد، ترجمته في باب قول النبي ﷺ: اللهم علمه الكتاب.\nقوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ)\n_________\n(^١) في (الأصل): «فذلك»، والصواب: «فلذلك».\n (^٢) كذا في (الأصل) وهو محمد بن مسلم المكي.\n (^٣) في (الأصل): «خالد»، والصواب: «جابر».","vol":"1","page":266},{"text":"أي ابن سعيد، ترجمته في الباب أيضًا.\nقوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ) أي ابن صهيب، ترجمته في باب حب الرسول من الإيمان.\nقوله: (عَنْ أَنَسٍ) أي ابْنِ مَالِكٍ، ترجمته في باب من الإيمان أن يحب لأخيه.\nفي هذا الإسنادِ: التحديثُ بصيغة الجمع في ثلاث مواضع، والعنعنة في موضع واحد، والقول في ثلاث مواضع.\nقوله: (قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُوجِزُ الصَّلَاةَ وَيُكْمِلُهَا)\nمطابقته للترجمة ظاهرة، وعلى سقوط الترجمة من حيث إن النبي ﷺ أمر في حديث ذلك الباب بالإيجاز، وههنا فَعَلَهُ بنفسه، فأشار البخاري بهذا إلى أن الإيجاز مع الإكمال مندوبٌ، لأنه ثبت بقول النبي ﷺ وفعلِه.\nهذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا وابنُ ماجه ولفظه: يوجز الصلاة ويتم الصلاة. وعند السراج: يوجز في الصلاة. وفي لفظ: كان أتمَّ الناس صلاة في إجازةٍ. وفي لفظ: أخفَّ الناس صلاةً في تمام. وفي لفظ: من أخفِّ. وفي لفظ: كانت صلاته متقاربة وكانت صلاة أبي بكر متقاربة، فلما كان عمر مَدَّ في صلاة الفجر. وفي لفظ: ما صليت بعد النبي ﷺ صلاة أخف من صلاته في تمام ركوع وسجود. وفي لفظ: كان إذا قال: سمع الله لمن حمده، قام حتى يقول: قد أوهمَ، وكان يقعد بين السجدتين حتى يقول قد أوهم.\nقوله: (يُوجِزُ الصَّلَاةَ) من الإيجاز وهو ضد الإطناب، والإكمال ضد النقص. والمراد بالإيجاز مع الإكمال الإتيان بأقل ما يمكن من الأركان والأبعاض. وروى بن أبي شيبة من طريق أبي مجلز (^١) قال: كانوا أي الصحابة يتمون ويوجزون ويبادرون الوسوسة. فبيَّن العلة في تخفيفهم، ولهذا عقب المصنف هذه الترجمة بالإشارة إلى أن تخفيفَ النبي ﷺ لم يكن لهذا السبب لعصمته من الوسوسة بل كان يخفف عند حدوث أمر يقتضيه كبكاء الصبي.\n\n <span id=\"b-٣٢٨\"> </span>(٦٥) <span data-type=\"title\" id=toc-328>(بَابُ مَنْ أَخَفَّ الصَّلَاةَ عِنْدَ بُكَاءِ الصَّبِيِّ)</span>\nيجوز أن يضاف (بَابُ) إلى (مَنْ) الموصولة، ويجوز أن يُنوَّن على أنه خبرُ مبتدأ محذوف تقديره: هذا بابٌ.\nوقوله: (مَنْ أَخَفَّ الصَّلَاةَ) في محل الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره: ترجمتُه (مَنْ أَخَفَّ)، وقوله: (أَخَفَّ) على وزن أَفْعَلَ مِن الإخفاف وهو التخفيف. قال الزين ابن المنير: التراجم السابقة في التخفيف تتعلق بحق المأمومين وهذه الترجمة تتعلق بقدر زائد على ذلك وهو مصلحة غير المأمومين، لكن حيث تتعلق بشيء يُرجَع إليه.\n\n٧٠٧ - <span id=\"b-٣٢٩\"> </span>قوله: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى) أي ابن يزيد أبو إسحاق الرازي يعرف بالصغير، مَرَّ في باب غسل الحائض رأس زوجها.\nقوله: (قَالَ: أَخْبَرَنَا الوَلِيدُ) أي ابْنُ مُسْلِمٍ، مَرَّ في باب وقت المغرب.\nقوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ) أي عبد الرحمن بن عمرو، ترجمته في باب طلب العلم.\nقوله: (عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ) ترجمته في باب كتابة العلم.\nقوله: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ) أي أبو يحيى الأنصاري السلمي، ترجمته في باب النهي عن الاستنجاء باليمين.\nقوله: (عَنْ أَبِيهِ) أي الحارث بن رِبعِي الأنصاري، ترجمته في الباب أيضًا.\nفي هذا الإسنادِ: التحديثُ بصيغة الجمع في ثلاث مواضع. وفيه: العنعنة في أربع مواضع. وفيه: القول في موضعين. وفيه: عن يحيى، وفي رواية بشر الآتية: عن الأوزاعي حدثني يحيى. وفيه: عن عبد الله ابن أبي قتادة في\n_________\n(^١) في (الأصل): «مخلد»، والصواب: «مجلز» كما في مصنف ابن أبي شيبة.","vol":"1","page":266},{"text":"رواية ابن سماعة عن الأوزاعي عند الإسماعيلي حدثني عبد الله بن أبي قتادة. وفيه: أن رواته ما بين رازي ودمشقي ومدني.\nقوله: (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنِّي لَأَقُومُ فِي الصَّلَاةِ أُرِيدُ أَنْ أُطَوِّلَ فِيهَا، فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ، فَأَتَجَوَّزُ فِي صَلَاتِي كَرَاهِيَةَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمِّهِ»).\nمطابقته للترجمة ظاهرة.\nهذا الحديث أخرجه البخاري أيضًا عن محمد بن مسكين عن بشر بن بكر. وأخرجه النسائي فيه عن سويد بن نصر عن ابن المبارك عن الأوزاعي. وأخرجه ابن ماجه فيه عن دحيم به.\nقوله: (إِنِّي لَأَقُومُ فِي الصَّلَاةِ أُرِيدُ) وفي رواية بشر بن بكر: (لَأَقُومُ إِلَى الصَّلَاةِ وَأَنَا أُرِيدُ) والواو في: (وَأَنَا أُرِيدُ) للحال. وقوله: (أُرِيدُ) أيضًا في موضع الحال.\nقوله: (أَنْ أُطَوِّلَ (^١» أنْ مصدرية، أي: أريد التطويل في الصلاة.\nقوله: (بُكَاءَ الصَّبِيِّ) البكاء إذا مددتَ أردتَ به الصوت الذي يكون معه، وإذا قصرتَ أردتَ خروج الدمع، وههنا ممدود لا محالة بقرينة: (فَأَسْمَعُ)، إذْ السماع لا يكون إلا في الصوت.\nقوله: (فَأَتَجَوَّزُ) أي فأخفف. وقال ابن سابط: التجوز هنا يراد به بِقليل القراءة، والدليل عليه ما رواه ابن أبي شيبة حدثنا وكيع عن سفيان عن أبي السوداء النهدي عن ابن سابط: أن رسول الله ﷺ قرأ في الركعة الأولى بسورةٍ نحوَ ستين آية، فسمع بكاء صبي فقرأ في الثانية بثلاث آيات. قال العيني: ابن سابط هو عبد الرحمن بن عبد الله بن سابط الجمحي، مات بمكة سنة ثمان عشرة ومائة.\nقوله: (كَرَاهِيَةَ) بالنصب على التعليل مضافٌ إلى أنْ المصدرية.\nاستَدَلَّ به بعضهم على جواز إدخال الصبي في المسجد، قال شيخنا: وفيه نظر لاحتمال أن يكون الصبي كان مخلَّفًا في بيته بقرب من المسجد. قال العيني: ليس هذا موضع النظر، لأن الظاهر أن الصبي لا يفارق أمه غالبًا. انتهى. قال شيخنا: لمْ يُدفع الاحتمالُ بالغلَبة، فكيف يتِمُّ الدليل مع قيام الاحتمال وهو يوجَدُ وبِكثْرةٍ ولا سيما في صلاة الصبحِ، لأنها مظنة استمراره في النومِ إلى أن تصليَ وترجعَ إليه وقد يستيقظُ فلا يجدُها فيبكي.\nوفيه: دلالة على جواز صلاة النساء مع الرجال.\nوفيه: دلالة على كمال شفقة النبي ﷺ على أصحابه، ومراعاته أحوال الكبير منهم والصغير.\nوبه استدل بعض الشافعية على أن الإمام إذا كان راكعًا فأحسَّ بداخل يريد الصلاة معه ينتظره ليدرِك معه فضيلة الركعة في جماعة، وذلك أنه إذا كان له أن يحذِفَ من طول الصلاة لحاجة الإنسان في بعض أمور الدنيا كان له أن يزيد فيها لعبادة الله تعالى، بل هذا أحق وأولى. وقال القرطبي: ولا دلالة فيه، لأن هذا زيادة تَحَمُّلٍ (^٢) في الصلاة بخلاف الحذف. وقال ابن بطال: وممن أجاز ذلك الشعبي والحسن وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وقال آخرون: ينتظر ما لم يشق على أصحابه، وهو قول أحمد وإسحاق وأبي ثور، وقال مالك: لا ينتظر لأنه يضر من خلفه، وهو قول الأوزاعي وأبي حنيفة والشافعي. وقال السفاقسي عن سحنون: صلاتهم باطلة. وفي «الذخيرة» من كتب الحنفية: سمع الإمام في الركوع خفق النعال، هل ينتظر؟ قال أبو يوسف: سألت أبا حنيفة وابن أبي ليلى عن ذلك فكرهاه، وقال أبو حنيفة: أخشى عليه أمرًا عظيمًا - يعني الشرك - ورَوَى هشام عن محمد أنه\n_________\n(^١) عبارة «أن أطول» ساقطة من (الأصل) والاستدراك من عمدة القاري.\n (^٢) كذا في (الأصل): «تحمل»، ولعل الصواب: «عمل».","vol":"1","page":267},{"text":"كره ذلك، وعن أبي مطيع: أنه كان لا يرى بأسًا. وبه قال الشعبي: إذا كان ذلك مقدار التسبيحة أو التسبيحتين، وقال بعضهم: يطوِّل التسبيحات ولا يزيد في العدد - أي المأثورِ -، وقال أبو القاسم الصفار: إن كان الجائي غنيًا لا يجوز، وإن كان فقيرًا يجوز انتظارُه. وقال أبو الليث: إن كان الإمام عَرَف الجائي لا ينتظره، وإن لم يعرفه فلا بأس به، إذ فيه إعانةٌ على الطاعة. وقيل: إن أطال الركوع لإدراك الجائي خاصةً ولا يريد إطالة الركوع للقُربة إلى الله ﷿ فهذا مكروه، وقيل: إن كان الجائي شريرًا ظالمًا فلا يُكره لدفع شره.\nقال شيخنا: وفي هذه المسألة عند الشافعية خلاف وتفصيل، وأطلق النووي عن المذهب استحباب ذلك وفي «التجريد» للمحاملي نقل كراهيته عن الجديد. انتهى.\nقوله: (تَابَعَهُ بِشْرُ بْنُ بَكْرٍ) أي بكسر الباء الموحدة وسكون الشين المعجمة، الشامي. وبَكر بفتح الباء الموحدة (^١)، أي تابع الوليدَ بن مسلم بشرٌ. قال شيخنا: متابعةُ بشر موصولةٌ عند المؤلف في كتاب الجمعة. قال العيني: هذا غفلة منه وسهو، وإنما ذكر البخاري في باب خروج النساء إلى المساجد حديث بشر مسندًا.\nقوله: (وَابْنُ المُبَارَكِ) أي وتابع الوليدَ أيضا عبدُ الله بن المبارك، ومتابعته (^٢) هذه رواها النسائي عن سويد (^٣) بن نصر، قال: أخبرنا عبد الله عن الأوزاعي، قال: حدثني يحيى بن أبي كثير عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه عن النبي، ﷺ، قال: «إني لأقوم...» الحديثُ.\nقوله: (وَبَقِيَّةُ) أي وتابع الوليدَ بن مسلم بقيةُ أيضًا، بفتح الباء الموحدة وكسر القاف وتشديد الياء آخر الحروف، ابن الوليد الكَلَاعي، بفتح الكاف وتخفيف اللام الحضرمي، سكن حمص، وهو من أفراد مسلم، والبخاريُّ استشهد به، مات سنة سبع وتسعين ومائة. قال شيخنا: ومتابعةُ بقية بن الوليد لم أقف عليها. قال العيني: وتابع الوليدَ بن مسلم أيضًا عمر بن عبد الواحد أخرجه أبو داود حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم حدثنا عمر بن عبد الواحد وبشر بن بكر عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ: «إني لأقوم...» الحديثُ، وتابع الوليدَ أيضًا إسماعيلُ بن عبد الله بن سماعة، أخرجه الإسماعيلي. انتهى.\n\n٧٠٨ - <span id=\"b-٣٣٠\"> </span>قوله: (حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ) أي بفتح الميم، البجلي الكوفي، مَرَّ في أول كتاب العلم في باب طرح الإمام المسألة على الناس.\nقوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ) أي أبو أيوب، ويقال: أبو محمد التيمي، ترجمته في باب أمور الإيمان.\nقوله: (قَالَ: حَدَّثَنِي شَرِيكُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) أي ابن أبي نمير، أبو عبد الله القرشي، ويقال: الليثي من أنفُسهم، مات عام أربعين ومائة، ترجمته في باب القراءة والعرض على العالم.\nقوله: (قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ) ترجمته في باب من الإيمان أن يحبَّ لأخيه ما يحب لنفسه.\nفي هذا الإسنادِ: التحديثُ بصيغة الجمع في موضعين، وبصيغة الإفراد في موضع. وفيه: السماع. وفيه: القول في أربع مواضع. وفيه: أن شيخ البخاري كوفي وبقية الرواة مدنيون، قال شيخنا: والإسناد كله مدنيون. قال العيني: ليس كذلك، فإن خالد بن مخلد كوفي، ويقال له أيضًا: القطواني، وقطوان محِلَّةٌ على باب الكوفة. قال شيخنا: هو كوفي سكن المدينة كما أن أنَسًا مدني سكن البصرة فجاز نسبةُ كلٍّ منهما إلى البلدين والنسبة يكفي فيها بأدنى\n_________\n(^١) في (الأصل): «الكاف»، والصواب: «الباء الموحدة».\n (^٢) في (الأصل): «ومتابعيه»، والصواب: «ومتابعته».\n (^٣) في (الأصل): «شريك»، والصواب: «سويد» كما هو في النسائي.","vol":"1","page":267},{"text":"ملابَسة. انتهى.\nقوله: (مَا صَلَّيْتُ وَرَاءَ إِمَامٍ قَطُّ أَخَفَّ صَلَاةً، وَلَا أَتَمَّ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ وَإِنْ كَانَ لَيَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ، فَيُخَفِّفُ مَخَافَةَ أَنْ تُفْتَتَنَ أُمُّهُ)\nمطابقته للترجمة ظاهرة.\nهذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا في الصلاة عن يحيى بن يحيى ويحيى بن أيوب وقتيبة وعلي بن حجر، أربعتُهم عن إسماعيل ابن جعفر عن شريك.\nقوله: (أَخَفَّ) صفةٌ للإمام، و(صَلَاةً) نصبٌ على التمييز.\nقوله: (وَلَا أَتَمَّ) إلى هنا أخرج مسلم من هذا الحديث من رواية إسماعيل بن جعفر عن شريك، ووافق سليمان بن بلال عن تكملته أبو ضمرة عند الإسماعيلي.\nقوله: (وَإِنْ كَانَ) لفظُ (إِنْ) هذه مخففة وأصلها: إنه، والضمير فيه للشأن.\nقوله: (فَيُخَفِّفُ) بيَّن مسلم في روايته عن أنس محل التخفيف، ولفظه: فيقرأ بالسورة القصيرة. وبيَّن ابنُ أبي شيبة من رواية عبد الرحمن بن سابط مقدارها في حديثه المتقدم. قال شيخنا: وهو مرسل.\nقوله: (مَخَافَةَ) نُصِبَ على التعليل مضافٌ إلى أنْ المصدرية.\nقوله: (أَنْ تُفْتَتَنَ أُمُّهُ) من الافتتان، أي تلتهي عن صلاتها لاشتغال قلبها ببكائه، زاد عبد الرزاق من مرسل عطاء: «أو تتركَه فيضيع». وقال الكِرماني: وتفتن من الثلاثي، ومن الإِفعال والتفعيل. قال العيني: أشار بهذا إلى ثلاثة أوجه فيه: الأول: تُفتَن على صيغة المجهول من فُتِن يُفتَن، والثاني: من أُفتِن على صيغة المجهول أيضًا، والثالث: من التَّفتِين، والذي ذكرتُه من باب الافتعال، فيكون على أربعة أوجه.\n\n٧٠٩ - <span id=\"b-٣٣١\"> </span>قوله: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) أي ابن جعفر أبو الحسن، يقال له: ابن المديني، ترجمتُه في باب فهم العلم.\nقوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ) أي بضم الزاي وفتح الراء، ترجمته في.\nقوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ) أي ابن أبي عروبة، ترجمته في (^١).\nقوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ) ترجمته في باب من الإيمان أن يحب.\nقوله: (أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، حَدَّثَهُ) في هذا الإسنادِ: التحديثُ بصيغة الجمع في أربع مواضع، وبصيغة الإفراد في موضع، وفيه: القول في أربع مواضع. ورواته كلهم بصريون.\nقوله: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِنِّي لَأَدْخُلُ فِي الصَّلَاةِ وَأَنَا أُرِيدُ إِطَالَتَهَا، فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ، فَأَتَجَوَّزُ فِي صَلَاتِي»).\nقوله: (وَأَنَا أُرِيدُ إِطَالَتَهَا) فيه أنَّ من قصد في الصلاة الإتيان بشيء مستحب لا يجب عليه الوفاء به خلافًا لأشهب حيث ذهب إلى أَنَّ من نوى التطوع قائمًا ليس له أن يتمه جالسًا\nقوله: (مِمَّا أَعْلَمُ مِنْ شِدَّةِ وَجْدِ أُمِّهِ مِنْ بُكَائِهِ) هذا طريق آخر من حديث أنس ﵁.\nقوله: (مِمَّا أَعْلَمُ) كلمةُ (مَا) مصدرية، ويجوز أن تكون موصولة، والعائد محذوف.\nقوله: (وَجْدِ أُمِّهِ) الوجد: الحزن. قال ابن سيده: وَجَد الرجل وَجدًا ووُجدًا، كلاهما عن اللحياني: حزِن. وفي «الفصيح»: ووجدت في الحزن وجدًا، ومضارعه: يَجِدُ، وحكى القزازُ عن الفراء: يَجِدُ، يعني بضم الجيم. وفي «المطالع»: مِن مَوجِدة أُمِّهِ، أي: من حبا إياه وحُزنِها لبكائه. قال: وقد روي: «مِن وَجَدِ أُمِّهِ». وفي «المحكم»:\nوَجَد يَجِد وجدًا بالسكون والتحريك. وقال شيخنا: وكأنَّ ذِكرَ الأم خرج مخرج الغالب، وإلا فمَن كان في معناها يلتحِق بها. قال العيني: وفيه نظر، لأن غير الأم ليس كالأم في الموجدة. قال شيخنا: خَفِي عليه الاشتراكُ في أصل العلة.\n\n٧١٠ - <span id=\"b-٣٣٢\"> </span>قوله: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) أي الملقب ببُندار، ترجمته في باب ما كان النبي\n_________\n(^١) فراغ متروك في (الأصل) بعد: «وترجمته» هنا وفي التي قبلها.","vol":"1","page":268},{"text":"يتخولهم بالموعظة.\nقوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ) أي محمد بن إبراهيم البصري.\nقوله: (عَنْ سَعِيدٍ) أي ابن أبي عروبة.\nقوله: (عَنْ قَتَادَةَ) أي ابن دِعامة، ترجمته في باب من الإيمان أن يحب.\nقوله: (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، ﵁) في هذا الإسنادِ: التحديثُ بصيغة الجمع في موضعين. وفيه: العنعنة في أربع مواضع. ورجاله (^١) بصريون.\nقوله: (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنِّي لَأَدْخُلُ فِي الصَّلَاةِ، فَأُرِيدُ إِطَالَتَهَا، فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ، فَأَتَجَوَّزُ مِمَّا أَعْلَمُ مِنْ شِدَّةِ وَجْدِ أُمِّهِ مِنْ بُكَائِهِ»). هذا طريق آخر من حديث أنس ﵁.\nقوله: (مِمَّا أَعْلَمُ)، وفي رواية الكُشْمِيهَني: (لِمَا أَعْلَمُ) بلام التعليل.\nقوله: (وَقَالَ مُوسَى) أي ابن إسماعيل التَّبوذَكي.\nقوله: (حَدَّثَنَا أَبَانُ) أي ابن يزيد العطار.\nقوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَنَسٌ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَهُ) هذا التعليق فائدته بيانُ سماع قتادة له عن أنسٍ وصله السراج في «مسنده» فقال: حدثنا عبيد الله بن جرير بن جبلة حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا أبان بن يزيد حدثنا قتادة، فذكره بلفظ: «إني أقوم في الصلاة وأنا أريد إطالتها، فأسمع بكاء الصبي فأتجوز في صلاتي مما أعلم من شدة وجد أمه ببكائه». وفي حديث حُمَيد وعلي زيد عنه: أن رسول الله ﷺ جوَّزَ ذات يوم في صلاة الفجر، فقلت له: جوزتَ يا رسول الله! قال: «سمعتُ بكاء صبي فكرهتُ أن أشغل عليه أمه». وفي لفظ: سمع صوت صبي وهو في الصلاة، فخفف الصلاة فظننا أنه خفف رحمةً للصبي مِن أَنَّ أمه في الصلاة. وفي حديث ثابت عنه: إذا سمع بكاءَ الصبيِّ قرأ بالسورة الخفيفة، أو السورة القصيرة. شك جعفر بن سليمان.\n\n <span id=\"b-٣٣٣\"> </span>(٦٦) <span data-type=\"title\" id=toc-333>(بَابُ إِذَا صَلَّى ثُمَّ أَمَّ قَوْمًا)</span>\nأي هذا باب ترجمته: إذا صلى رجل مع الإمام ثم أمَّ قومًا، ولم يذكر جواب: (إِذَا) جريًا على عادته في ترك الجزم بالحكم المختلف فيه، قال العيني: والظاهر أن ميله إلى جواز ذلك، فحينئذ يُقَدَّر الجواب لفظ: يجوز أو يجزئ.\n\n٧١١ - <span id=\"b-٣٣٤\"> </span>قوله: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ)، قوله: (وَأَبُو النُّعْمَانِ) هو محمد بن الفضل.\nقوله: (قَالَا: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) قوله: (عَنْ أَيُّوبَ) أي السختياني.\nقوله: (عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ) هو أبو محمد المكي الجُمحي أحد الأئمة.\nقوله: (عَنْ جَابِرِ ﵁، قَالَ: كَانَ مُعَاذُ بنُ جَبَلَ يُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ، ثُمَّ يَأْتِي قَوْمَهُ، فَيُصَلِّي بِهِمْ)\nمطابقته للترجمة ظاهرة، وقد مَرَّ البحث فيما يتعلق به مستوفىً، وتقدم الحديث من وجهٍ آخر عن عمرو.\n\n <span id=\"b-٣٣٥\"> </span>(٦٧) <span data-type=\"title\" id=toc-335>(بَابُ مَنْ أَسْمَعَ النَّاسَ تَكْبِيرَ الإِمَامِ)</span>\nأي هذا بابٌ في بيان حكم من أسمع الناس، وهذا بعمومه يتناول المؤذنَ وغيره ممن يسمع الناس تكبيرَ الإمام في الصلاة.\n\n٧١٢ - <span id=\"b-٣٣٦\"> </span>قوله: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: لَمَّا مَرِضَ النَّبِيُّ ﷺ مَرَضَهُ الَّذِي مَاتَ فِيهِ أَتَاه ُ- يَعْنِي بِلَالًا - يُوذِنُهُ بِالصَّلَاةِ، قَالَ: «مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ»، قُلْتُ: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ رَجُلٌ أَسِيفٌ إِنْ يَقُمْ مَقَامَكَ فَلَا يَقْدِرُ عَلَى القِرَاءَةِ، فَقَالَ: «مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ»، فَقُلْتُ: مِثْلَهُ، فَقَالَ فِي الثَّالِثَةِ أَوِ الرَّابِعَةِ: «إِنَّكُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفَ، مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ»، فَصَلَّى وَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ يُهَادَى بَيْنَ رَجُلَيْنِ كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ يَخُطُّ بِرِجْلَيْهِ الأَرْضَ، فَلَمَّا رَآهُ أَبُو بَكْرٍ ذَهَبَ\n_________\n(^١) في (الأصل): «وحاله»، والصواب: «ورجاله».","vol":"1","page":268},{"text":"يَتَأَخَّرُ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ أَنْ صَلِّ، فَتَأَخَّرَ أَبُو بَكْرٍ، وَقَعَدَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى جَنْبِهِ، وَأَبُو بَكْرٍ يُسْمِعُ النَّاسَ التَّكْبِيرَ).\nمطابقته للترجمة في قوله: (وَأَبُو بَكْرٍ يُسْمِعُ النَّاسَ التَّكْبِيرَ) وقد مر الكلام فيه مستوفى في باب حد المريض أن يشهد الجماعة، وفي باب أهل العلم والفضل أحق بالإمامة.\nقال شيخنا: والشاهد فيه قولُه: (وَأَبُو بَكْرٍ يُسْمِعُ النَّاسَ التَّكْبِيرَ)، وهذه اللفظة مفسِّرة عند الجمهور المرادَ بقوله في الرواية الماضية: (فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي بِصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ بِصَلَاةِ أَبِي بَكْرٍ)، وقد ذكر البخاري أن محاضِرًا تابع عبد الله بن داود على ذلك، وسيأتي البحث في ذلك في الباب الذي بعده.\nقال ابن مالك: وقع في بعض الروايات هنا: (إِنْ يَقُمْ مَقَامَكَ يَبْكِي). و(مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّي) بإثبات الياء فيهما، وهو من قبيل إجراء المعتل مجرى الصحيح والاكتفاءِ بحذف (^١) الحركة، ومنه قراءةُ من قرأَ ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِي وَيَصْبِرْ﴾ [يوسف: ٩٠].\nقوله: (يُوذِنُهُ) بضم الياء من الإيذان، وهو الإعلام.\nقوله: (أَسِيفٌ) أي: رقيق القلب.\nقوله: (يُهَادَى) بفتح الدال، أي يمشي بين اثنين يعتمد عليهما.\nقوله: (وَأَبُو بَكْرٍ) الواو فيه للحال. قال شيخنا: تنبيهٌ: سَقَط في رواية أبي زيد المروزي من هذا الإسناد إبراهيم ولا بد منه. انتهى.\nقوله: (تَابَعَهُ مُحَاضِرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ) أي تابع عبدَ الله بن داود محاضرٌ عن سليمان الأعمش، ومُحاضِرٌ، بضم الميم وبالحاء المهملة وبعد الألف ضاد معجمة مكسورة وفي آخره راء: ابن الْمُوَرِّع، بضم الميم وفتح الواو وكسر الراء: الهمداني الكوفي، مات سنة ست ومئتين (^٢).\n\n <span id=\"b-٣٣٧\"> </span>(٦٨) <span data-type=\"title\" id=toc-337>(بَابٌ: الرَّجُلُ يَأْتَمُّ بِالإِمَامِ وَيَأْتَمُّ النَّاسُ بِالْمَأْمُومِ)</span>\nأي هذا باب في بيان حكم الرجل الذي يقتدي بالإمام ويقتدي الناس بالمأموم الذي اقتدى بالإمام.\nقال ابن بطال: هذا يوافق قولَ مسروق والشعبي: إن الصفوف يؤمُّ بعضُها بعضًا خلافًا للجمهور. قال شيخنا: وليس المرادُ أنهم يأتمُّون بهم في التبليغ فقط كما فهمه بعضُهم بل الخلاف معنوي، لأنَّ الشعبي قال: ومن أحرم قبل أن يرفع الصفُّ الذي يليه رؤوسَهم من الركعة إنه أدركها ولو كان الإمام رَفَع قبل ذلك، لأن بعضَهم لبعض أئمةٌ. انتهى.\nفهذا يدُلُّ على أنه يرى أنهم يتحملون عن بعضِهم بعضًا ما يتحمله الإمامُ، وأثر الشعبي الأول وصله عبد الرزاق والثاني وصله ابن أبي شيبة، ولم يفصِح البخاري باختياره في هذه المسألة لأنه بدأ بالترجمة الدالة على أن المراد بقوله: (وَيَأْتَمُّ النَّاسُ بِأَبِي بَكْرٍ) أي أنه في مقام المبلغ، ثم ثنى بهذه الرواية التي أطلق فيها اقتداء الناس بأبي بكر ورجح ظاهرها بظاهر الحديث المعلق، فيحتمل أن يكون يذهب إلى قول الشعبي ويرى أن قوله في الأولى (يُسْمِعُ النَّاسَ التَّكْبِيرَ) لا ينفي كونهم يأتمون به، لأن إسماعه لهم التكبير جزءٌ من أجزاء ما يأتمُّون به فيه، وليس فيه نفيٌ لغيرِه، ويؤيد ذلك روايةُ الإسماعيلي من طريق عبد الله بن داودَ المذكور ووكيعٍ جميعًا عن الأعمش بهذا الإسناد، قال فيه: (وَالنَّاسُ يَأْتَمُّونَ بِأَبِي بَكْرٍ وَأَبُو بَكْرٍ يُسْمِعُهُمْ).\nقوله: (وَيُذْكَرُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «ائْتَمُّوا بِي وَلْيَأْتَمَّ بِكُمْ مَنْ بَعْدَكُمْ»). هذا التعليقُ طرفٌ من حديث أبي سعيد الخدري خرَّجه مسلم في «صحيحه» عن الدارمي حدثنا محمد بن عبد الله الرقاشي حدثنا بشر بن منصور عن الجُرَيري عن أبي نضرة عن أبي سعيد: أن رسول الله ﷺ رأى في أصحابه تأخرًا،\n_________\n(^١) في (الأصل): «محدو»، والصواب: «بحذف».\n (^٢) في (الأصل): «وثمانين»، والصواب: «ومئتين».","vol":"1","page":269},{"text":"فقال لهم: «تقدموا فائتموا بي، وليأتَمَّ بكم من بعدكم، ولا يزال قومٌ يتأخرون حتى يؤخرهم الله ﷿»، وأخرجه أبو داود أيضًا حدثنا موسى بن إسماعيل ومحمد بن عبد الله الخزاعي قالا: حدثنا أبو الأشهب عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري... الحديثُ، وأخرجه النَّسائي وابن ماجه أيضًا.\nقال الكِرماني: وإنما ذكره البخاري بصيغة التمريض لأن أبا نضرة ليس على شرطه. قال شيخنا: وهذا عندي ليس بصواب، لأنه لا يلزم من كونه على غير شرطه أنه لا يصلح عنده للاحتجاج به، بل قد يكون صالحًا للاحتجاج به عندَه وليس هو على شرط صحيحِه الذي هو أعلى (^١) شروط الصحة، والحقُّ أن هذه الصيغة لا تختص بالضعيف بل قد تُستعمل في الصحيح أيضًا بخلاف صيغة الجزم فإنها لا تستعمل إلا في الصحيح، وظاهرُه يدل لمذهب الشعبي.\nقال العيني: هذا الذي قاله يخرِم قاعدتَه، لأنه إذا لم يكن على شرطه كيف يحتج به؟ وإلا فلا فائدة لذلك الشرط. انتهى. قلتُ: لا تنخرمُ قاعدتُه بالاحتجاجِ بمثل هذا، لأنه لم يشترِط خلوَّ الصحيحِ مِن هذا القدْرِ الذي ميَّزه بهذه الصفة، وإنما تنخرِمُ قاعدتُه بسياقِه بصفةِ الأحاديثِ الموصولة ولم يكن صالحًا لاحتجاجٍ لَمَا كان لِذكره هنا فائدة، وأما ذِكرُه بهذه الصيغة فإنَّ البخاريَّ قد يذكُر في موضعٍ مثلَ هذا ثم يجزِمُ في موضعٍ آخر، فلهذا قال شيخُنا: إن هذه الصيغة لا تختص بالضعيف. انتهى.\nوأبو نَضْرَة، بالنون المفتوحة وسكون الضاد المعجمة وفتح الراء، واسمه المنذر بن مالك البصري، وأبو الأشهب في مسند أبي داود اسمُه جعفر بن حَيَّان العُطَارِدي السعدي البصري الأعمى، وثقه (^٢) يحيى وأبو زرعة وأبو حاتم، مات سنة ست وثلاثين ومائة، روى له الجماعة. انتهى.\nقوله: (ائْتَمُّوا بِي) خطابٌ لأهل الصف الأول.\nقوله: (وَلْيَأْتَمَّ بِكُمْ مَنْ بَعْدَكُمْ) معناه عند الجمهور: يستدلون بأفعالكم على أفعالي، لا أنهم يقتدون به حال اقتدائهم بغيرهم، فإن الاقتداء لا يكون إلا لإمامٍ واحد.\nوفيه: جواز اعتماد المأموم في متابعة الإمام الذي لا يراه ولا يسمعه على مُبَلِّغٍ عنه أو صف قُدَّامَه يراه متابعًا للإمام.\nقوله: (مَنْ) بفتح الميم، في محل الرفع لأنه فاعل لقوله: (وَلْيَأْتَمَّ).\nقوله: «ولا يزال قومٌ يتأخرون» أي عن الصفوفِ الأُوَل «حتى يؤخرهم الله» عن عظيم فضله أو رَفْعِ منزلتِه أو نحوِ ذلك.\n\n٧١٣ - <span id=\"b-٣٣٨\"> </span>قوله: (حَدَّثَنِي قُتَيْبَةُ) أي ابن سَعِيدٍ.\nقوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ) أي محمد بن حازم الكوفي.\nقوله: (عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: لَمَّا ثَقُلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَاءَ بِلَالٌ يُؤذِنُهُ بِالصَّلَاةِ، فَقَالَ: «مُرُوا أَبَا بَكْرٍ أَنْ يُصَلِّيَ»، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَبَا بَكْرٍ رَجُلٌ أَسِيفٌ وَإِنَّهُ مَتَى مَا يَقُومُ مَقَامَكَ لَمْ يُسْمِعِ النَّاسَ، فَلَوْ أَمَرْتَ عُمَرَ، فَقَالَ: «مُرُوا أَبَا بَكْرٍ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ» فَقُلْتُ لِحَفْصَةَ: قُولِي لَهُ: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ رَجُلٌ أَسِيفٌ، وَإِنَّهُ مَتَى يَقُمْ مَقَامَكَ لَمْ يُسْمِعِ النَّاسَ، فَلَوْ أَمَرْتَ عُمَرَ، فَقَالَ: «إِنَّكُنَّ لَأَنْتُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفَ، مُرُوا أَبَا بَكْرٍ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ» فَلَمَّا دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ وَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي نَفْسِهِ خِفَّةً، فَقَامَ يُهَادَى بَيْنَ رَجُلَيْنِ، وَرِجْلَاهُ يَخُطَّانِ الأَرْضَ، حَتَّى دَخَلَ المَسْجِدَ، فَلَمَّا سَمِعَ أَبُو بَكْرٍ حِسَّهُ، ذَهَبَ يَتَأَخَّرُ، فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَجَاءَ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى جَلَسَ عَنْ يَسَارِ أَبِي بَكْرٍ، فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي قَائِمًا، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي\n_________\n(^١) في (الأصل): «على»، والصواب: «أعلى».\n (^٢) في (الأصل): «ولقبه»، والصواب: «وثقه».","vol":"1","page":269},{"text":"قَاعِدًا، يَقْتَدِي أَبُو بَكْرٍ بِصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالنَّاسُ مُقْتَدُونَ بِصَلَاةِ أَبِي بَكْرٍ ﵁).\nمطابقته للترجمة في قوله: (يَقْتَدِي أَبُو بَكْرٍ بِصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ...) إلى آخره، وهذا الحديث مضى في باب حد المريض أن يشهد الجماعة، ورواه عن عمر بن حفص عن أبيه عن الأعمش عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة، وفي باب إنما جعل الإمام ليؤتم به، عن أحمد بن يونس عن زائدة عن موسى بن أبي عائشة عن عبيد الله بن عبد الله عن عائشة، وفي باب من أسمع الناسَ تكبير الإمام، عن مسدد عن عبد الله بن داود عن الأعمش عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة، وقد مر الكلام في مباحثه مستوفي.\nقوله: (يُؤذِنُهُ) أي: يُعْلِمه.\nقوله: (مُرُوا أَبَا بَكْرٍ أَنْ يُصَلِّيَ) هذه رواية الكُشْمِيهَني، وفي رواية غيره: (مُرُوا أَبَا بَكْرٍ يُصَلِّي).\nقوله: (مَتَى مَا يَقُومُ) كذا هو بإثبات الواو في رواية الأكثرين، وفي رواية الكُشْمِيهَني: (مَتَى مَا يَقُمْ) بالجزم هذا على الأصل، لأن متى مِنْ كَلِمِ المجازاة، وأما على رواية الأكثرين فشُبِّهت متى بإذا فأهملت كما تُشَبَّهُ إذا بمتى فتُهمل، كما في قوله صلى - ﵇ -: «إذا أخذتما مضاجعكما تُكبِّرا أربعًا وثلاثين. وتُسبحا ثلاثًا وثلاثين، وتحمدا ثلاثًا وثلاثين».\nقوله: (يَتَأَخَّرُ) جملةٌ حالية (فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ) أنْ أشار إليه أنْ لا يتأخر.\nقوله: (حَتَّى جَلَسَ عَنْ يَسَارِ أَبِي بَكْرٍ) وإنما لم يجلس عن اليمين، لأن اليسار كان من جهة حجرته، فكان أخف عليه.\nقوله: (مُقْتَدُونَ بِصَلَاةِ أَبِي بَكْرٍ) على صيغة الجمع لاسم الفاعل، ويروى: (يَقْتَدُونَ) بصيغة المضارع.\n\n <span id=\"b-٣٣٩\"> </span>(٦٩) <span data-type=\"title\" id=toc-339>(بَابٌ: هَلْ يَأْخُذُ الإِمَامُ إِذَا شَكَّ بِقَوْلِ النَّاسِ</span>؟)\nأي هذا باب ترجمته: هل يأخذ الإمام... إلى آخره، وفي بعض النسخ: (هَلْ يَأْخُذُ الإِمَامُ بِقَوْلِ النَّاسِ إِذَا شَكَّ؟) يعني في الصلاة، وإنما لم يذكر الجواب لأنه مشى على عادته أن الحكم إذا كان مختلَفًا فيه لا يذكره بالجزم. وقال الزين بن المنير: أراد أن محل الخلاف في هذه المسألة هو ما إذا كان الإمامُ شاكًَّا أما إذا كان على يقينٍ مِن عَمَلِ نفسِه فلا خلاف أنه لا يرجع إلى أحد. انتهى.\nوقد اختلف العلماء في أن الإمام إذا شك في صلاته فأخبره المأمومُ بأنه تَرَكَ ركعةً مثلًا، هل يرجع إلى قوله أم لا؟ واختُلِف عن مالك في ذلك فقال مرَّةً: يرجع إلى قولهم - وهو قول أبي حنيفة - وقال مرَّةً: يعمل عمل نفسِه ولا يرجع إلى قولهم، وهو قول الشافعيِّ والصحيحُ عند أصحابه. وقال ابن التين: يُحتمل أن يكون ﷺ شك بإخبار ذي اليدين، فسألهم إرادةَ تيقُّنِ أحد الأمرين، فلما صدَّقُوا ذا اليدين علم صحة قوله. وهذا الذي أراد البخاري بتبويبه. قال ابن بطَّال: حمَل الشافعيُّ ﵀ رجوعه ﵇ على أنه تذكَّر فذَكَر. قال: وفيه نظر، لأنه لو كان كذلك لبيَّنَهُ ﵇ لهم ليرتفع اللبس، ولو بيَّنَه لنُقِل ومن ادعى ذلك فعليه ذِكره. قال شيخنا: قد ذكره أبو داود من طريق الأوزاعي عن الزهري عن سعيد وعبد الله عن أبي هريرة بهذه القصة، قال: ولم يسجد سجدتي السهو حتى يَقَّنَهُ اللهُ ذلك. انتهى.\n\n٧١٤ - <span id=\"b-٣٤٠\"> </span>قوله: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ أَبِي تَمِيمَةَ السَّخْتِيَانِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ:","vol":"1","page":270},{"text":"﵁)\nفي هذا الإسنادِ: التحديثُ بصيغة الجمع في موضع واحد، والعنعنة في أربع مواضع. وفيه: ذكر مالك بنَسْبه إلى أبيه، وكذلك أيوب ذُكِر مع نسبته إلى حِرفَته، واسمُ أبي تميمةَ كيسانُ. وفيه: أن رواته ما بين مدني وبصري. وفيه: رواية التابعي عن التابعي عن الصحابي.\nقوله: (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ انْصَرَفَ مِنَ اثْنَتَيْنِ، فَقَالَ لَهُ ذُو اليَدَيْنِ: أَقَصُرَتِ الصَّلَاةُ، أَمْ نَسِيتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَصَدَقَ ذُو اليَدَيْنِ» فَقَالَ النَّاسُ: نَعَمْ، فَقَامَ (^١) رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَصَلَّى اثْنَتَيْنِ أُخْرَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ كَبَّرَ، فَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ).\nمطابقته للترجمة من حيث أنه - ﵇ - شك فيما قال له ذو اليدين فرجع فيه إلى قول الناس، وهو السبب الظاهر في ذلك وإن كان يُحتَمل تذكُّره - ﵇ - الأمرَ- من تلقاء نفسِه فبَنَى عليه لا على إخبار الناس، لأن هذا سبب خفي، والشيءُ إذا كان له سببان ظاهرٌ وخفيٌّ يُسند إلى السبب الظاهر دون الخفي. وقد ذكرنا مباحث هذا الحديث وما يتعلق به من كل شيء في باب تشبيك الأصابع في المسجد وفي باب التوجه نحو القبلة. قال شيخنا: وسيأتي الكلامُ عليه في موضعِه. انتهى.\nقوله: (انْصَرَفَ مِنَ اثْنَتَيْنِ) من الصلاة الرُّباعية وكانت إحدى صلاتي العَشِيِّ كما جاء في لفظ البخاري: (صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِحْدَى صَلَاتَيِ العَشِيِّ قَالَ ابْنُ سِيرِينَ: سَمَّاهَا أَبُو هُرَيْرَةَ وَلَكِنْ نَسِيتُ أَنَا). وفي رواية أيوب عن محمد: أكبرُ ظني أنها الظهر. وكذا ذكره البخاري في الأدب، وفي «الموطأ»: العصرُ.\nقوله: (أَصَدَقَ ذُو اليَدَيْنِ) واسمه الخِرباق بكسر الخاء المعجمة، والهمزة فيه للاستفهام عن سبب تغيير وضع الصلاة ونقصِ ركعاتها.\nقوله: (مِثْلَ سُجُودِهِ) ظاهرُه أنه سَجَدَ واحدةً، ولكن لفظ السجود مصدر يتناول السجدة والسجدتين والحديث الذي يأتي بعده فَبَيَّن أن المراد سجدتان.\n\n٧١٥ - <span id=\"b-٣٤١\"> </span>قوله: (حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ) أي هشام بن عبد الملك الطيالسي. (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) ابنُ الحجاج. (عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ) أي ابن عبد الرحمن بن عوف. (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) أي عمِّ سعد (^٢) بن إبراهيم. (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ، فَقِيلَ: صَلَّيْتَ رَكْعَتَيْنِ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْ السَّهْوِ) هذا طريق آخرُ في الحديث المذكور، وأخرجه أبو داود في الصلاة عن عبد الله بن معاذ عن أبيه، وأخرجه النسائي فيه عن سليمان بن عبيد الله عن بهز عن شعبة به، وقال: لا أعلم أحدًا ذَكَرَ في هذا الحديث: ثم سجد سجدتين، غيرَ سعد بن إبراهيم.\nفإن قلتَ: رَوَى ابنُ عَدي في «الكامل»: أخبرنا أبو يعلى حدثنا ابن معين حدثنا سعيد بن أبي مريم حدثنا ليث وابن وهب عن عبد الله العمري عن نافع عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ: لم يسجد يوم ذي اليدين سجدتي السهو، قال: كان ابن شهاب يقول: إذا عرف الرجل ما نسي من صلاته فأتمها فليس عليه سجدتا السهو لهذا الحديث. قال العيني: قال مسلم في «التمييز»: قول ابن شهاب: إنه لم يسجد يومَ ذي اليدين، خطأ وغلط، وقد ثبت أنه سجد سجدتي السهو من رواية الثقات: ابنِ سيرين وغيرِه.\n\n <span id=\"b-٣٤٢\"> </span>(٧٠) (بَابُ إِذَا بَكَى الإِمَامُ\n_________\n(^١) في (الأصل): «فقال»، والصواب: «فقام».\n (^٢) في (الأصل): «سعيد»، والصواب: «سعد».","vol":"1","page":270},{"text":"فِي الصَّلَاةِ)\nأي هذا باب ترجمته إذا بكى الإمام في الصلاة، يعني هل تفسد أم لا؟ ولم يذكر جواب: (إِذَا) لما فيه من الخلاف والتفصيل على ما نذكره عن قريبٍ إن شاء الله تعالى.\nقوله: (وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدَّادٍ) أي ابن الهاد، تابعيٌّ كبير له رواية، ولأبيه صحبة. وقال الذهبي: عبد الله بن شداد بن أسامة بن الهاد الكناني الليثي، من قدماء التابعين. وقال في باب الشين: شداد بن الهاد، واسمُ الهاد: أسامة بن عمرو، وقيل له الهاد، لأنه كان يوقد النار في الليل ليهتدي إليه الأضياف. وقيل: الهاد، لقب جده عمرو، ترجمته في باب مباشرة الحائض.\nقوله: (سَمِعْتُ نَشِيجَ عُمَرَ ﵁، وَأَنَا فِي آخِرِ الصُّفُوفِ يَقْرَأُ: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: ٨٦]) هذا التعليق وصله سعيد بن منصور عن ابن عيينة عن إسماعيل بن محمد بن سعد سمع عبدَ الله بن شداد بهذا، وزاد: في صلاة الصبح. وأخرجه ابن المنذر من طريق عبيد بن عمير، (قال: صلى عمر ﵁ الفجرَ فافتتح بيوسف فقرأ ﴿وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [يوسف: ٨٤]، فبكى حتى انقطع ثم رجع). وقال البيهقي: أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسن وأبو سعيد بن أبي عمرو حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب حدثنا محمد بن إسحاق حدثنا حجاج، قال: قال ابن جريج سمعت ابن أبي مليكة يقول: أخبرني علقمة بن وقاص قال: كان عمر بن الخطاب يقرأ في العتمة بسورة يوسف ﵇، وأنا في مؤخر الصف، حتى إذا جاء ذكر يوسف سمعت نشيجه من مؤخر الصف.\nقوله: (نَشِيجَ (^١» النشيج على وزن: فَعِيل بفتح النون وكسر الشين المعجمة وفي آخره جيم، مِن نَشَج الباكي ينشُج نشيجًا: إذا غصَّ بالبُكاء في حلقه، أو تردد في صدره ولم ينسحب (^٢)، وكل صوت بدا كالنفخة فهو نشيج، ذكره أبو المعالي في «المنتهى». وفي «المحكم»: النشيجُ: أشدُّ البكاء، وقيل: هي فاقةٌ يرتفع لها النفَس كالفُوَاق، وقال أبو عبيد: النشيج هو مثل بكاء الصبي إذا ردد صوته في صدره ولم يخرجه. وفي «مجمع الغرائب»: هو صوتٌ معه توجع وتحزن. وقال السفاقسي: أجاز العلماء البكاء في الصلاة من خوف الله تعالى وخشيته واختلفوا في الأنين والتأوه. قال ابن المبارك: إذا كان غالبًا فلا بأس، وعند أبي حنيفة: إذا ارتفع تأَوُّهُهُ أو بكاؤه فإنْ كان من ذِكْر الجنة والنار لم يقطعها، وإن كان من وَجَعٍ أو مصيبة قَطَعَها، وعن الشافعي وأبي ثور: لا بأس به إلا أن يكون كلامًا مفهومًا، وعن الشعبي والنخعي: يعيد الصلاة. قلتُ: المقرر في كتب الشافعية أنَّ المصلي إذا نطق بحرفين بطلت صلاتُه، وكذا إن نطق بحرفٍ مُفهِمٍ. انتهى.\n\n٧١٦ - <span id=\"b-٣٤٣\"> </span>قوله: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) أي ابن أويس الأصبحي المدني ابن أخت مالك بن أنس.\nقوله: (قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ) أي خالُه.\nقوله: (عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ) أي عروة بن الزبير.\nقوله: (عَنْ عَائِشَةَ) أي أُمِّ المُؤْمِنِينَ ﵂.\nفي هذا الإسنادِ: التحديثُ بصيغة الجمع في موضع وبصيغة الإفراد في موضع. وفيه: العنعنة في ثلاث مواضع. وفيه: القول في موضع واحد. وفيه: أن رواته كلهم مدنيون.\nقوله: (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ فِي مَرَضِهِ: «مُرُوا أَبَا بَكْرٍ يُصَلِّي بِالنَّاس» قَالَتْ عَائِشَةُ: قُلْتُ: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ إِذَا قَامَ فِي مَقَامِكَ لَمْ يُسْمِعِ النَّاسَ مِنَ البُكَاءِ، فَمُرْ عُمَرَ فَلْيُصَلِّ، فَقَالَ: «مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ» فَقَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ لِحَفْصَةَ: قُولِي لَهُ: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ رَجُلٌ أَسِيفٌ إِذَا قَامَ فِي مَقَامِكَ لَمْ يُسْمِعِ النَّاسَ مِنَ البُكَاءِ،\n_________\n(^١) في (الأصل): «نشيجه»، والصواب: «نشيج».\n (^٢) كذا في (الأصل): «ينسحب»، ولعل الصواب: «ينتحب».","vol":"1","page":271},{"text":"فَمُرْ عُمَرَ فَلْيُصَلِّ لِلنَّاسِ، فَفَعَلَتْ حَفْصَةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَهْ إِنَّكُنَّ لَأَنْتُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفَ، مُرُوا أَبَا بَكْرٍ، فَلْيُصَلِّ لِلنَّاسِ» فَقَالَتْ حَفْصَةُ لِعَائِشَةَ: مَا كُنْتُ لِأُصِيبَ مِنْكِ خَيْرًا).\nمطابقته للترجمة من حيث إن عائشة أخبرت فيه أن أبا بكر إذا قام في مقام النبي ﷺ يبكي بكاءً شديدًا حتى لا يُسمع الناسَ قراءتَه من شدة البكاء. فإن قلتَ: هذا إخبارٌ عما سيقع وليس فيه ما يدل على أنه بَكَى. قال العيني: هي أخبرت عما شاهدتْهُ من بكائه في صلاته قبلَ ذلك، وقاست على هذا أنه إذا قام مقام النبي ﷺ يبكي أشدَّ من ذلك لرؤيته خلوَّ مكان النبي ﷺ مع ما عندَهُ من الرِّقَّة وسرعةِ البكاء.\nفإن قلتَ: ما في الحديث شيءٌ يدلُّ على أن أبا بكر كان إمامًا، فضلًا عن أنه بكى وهو إمام؟ قال العيني: جاء في حديثِ هذا البابِ عن عائشة: قلتُ: يا رسول الله إنَّ أبا بكر رجل رقيقٌ، إذا قرأ القرآنَ لا يملِكُ دمعَه. فثبَتَ بهذا أنه كان يبكي إذا قرأ القرآن، وثبت أنه كان إمامًا قبلَ أن يأتيَ النبي ﷺ، وكان قرأ قبل ذلك. والدليلُ عليه ما جاء فيه: فاستفتح النبيُّ ﷺ من حيث انتهى أبو بكر من القراءة، فدل ذلك على أنه كان يبكي وهو يقرأ القرآن، وأنه قرأ وهو إمام إلى وقت مجيء النبي ﷺ، فطابق الحديثُ الترجمة من هذه الحيثية. فافهمْ فإنَّ أحدًا ما نبَّهَ على هذا. انتهى.\nقوله: (مِنَ البُكَاءِ) كلمةُ (مِنْ) للتعليل، أي لأجل البكاء. وقال الكِرماني: (فِي البُكَاءِ) أي لأجل البكاء، و(فِي) جاءَ للسببية وهو حال، أي كائنًا في البكاء، وهو من باب إقامة بعض حروف الجر مقام بعض. قال العيني: هذا إنما يتوجه إذا صحت رواية: (فِي البُكَاءِ). انتهى.\nقوله: (فَمُرْ عُمَرَ فَلْيُصَلِّ) ويروى: (يُصَلِّي).\nقوله: (بِالنَّاسِ) ويروى: (لِلنَّاسِ).\nقوله: (فَفَعَلَتْ) أي القولَ المذكور، ولم تقل: فقالت كذا وكذا اختصارًا.\nقوله: (مَهْ) كلمة زجر، وقد تقدم فيما مضى.\nقال شيخنا: وفي الباب حديث عبد الله بن الشِّخِّير: رأيتُ رسول الله ﷺ يصلي بِنَا وفي صدرِه أزيزٌ كأزيز الْمِرجَل من البكاء. رواه أبو داود والنسائي والترمذي في «الشمائل»، وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم، ووهِم من زعم أن مسلمًا أخرجه. والْمِرجَلُ بكسر الميم وفتح الجيم: القِدْرُ إذا غلت، والأَزِيزُ بفتح الهمزة بعدها زاي ثم تحتانية ساكنة ثم زايٌ أيضًا: هو صوتُ القِدْر وفي لفظٍ: كأزيز الرَّحَى.\n\n <span id=\"b-٣٤٤\"> </span>(٧١) (بَابُ تَسْوِيَةِ الصَّفِّ عِنْدَ الإِقَامَةِ وَبَعْدَهَا)\nأي هذا بابٌ في بيان حكم تسوية الصفوف عند الإقامة للصلاة وبعد الإقامة أي بعد الفراغ من الإقامة قبل الشروع في الصلاة.\n\n٧١٧ - <span id=\"b-٣٤٥\"> </span>قوله: (حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ المَلِكِ) أي الطيالسي البصري، ترجمته في باب علامة الإيمان حب الأنصار.\nقوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) أي ابن (^١) الحجاج، ترجمته في بابٍ يتلو باب أمور الإيمان.\nقوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ) بضم الميم وتشديد الراء، أبو عبد الله الجُهني بضم الجيم، الْمُرَادي بضم الميم وتخفيف الراء، الكوفي الأعمى، من الأئمة العاملين، مات سنة ست عشرة ومائة.\nقوله: (قَالَ: سَمِعْتُ سَالِمَ بْنَ أَبِي الجَعْدِ) أي بفتح الجيم، رافع الأشجعي الكوفي التابعي، ترجمته في باب\n_________\n(^١) كلمة «ابن» ساقطة في (الأصل).","vol":"1","page":271},{"text":"التسمية على كل حال وعند الوداع.\nقوله: (قَالَ: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ يَقُولُ) أي بفتح الباء الموحدة وكسر الشين المعجمة، مَرَّ في كتاب الإيمان في باب من استبرأ.\nفي هذا الإسنادِ: التحديثُ بصيغة الجمع في ثلاث مواضع. وفيه: السماع في موضعين. وفيه: القول في خمس مواضع. وفيه: أن شيخه مذكورٌ بكنيتِه واسمِه صريحًا. وفيه: أن رواته ما بين بصري وكوفي.\nقوله: (قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لَتُسَوُّنَّ صُفُوفَكُمْ، أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللَّهُ بَيْنَ وُجُوهِكُمْ»).\nمطابقته للترجمة في لفظ التسوية ظاهرة وليس فيه ما يطابقُ قولَه: (عِنْدَ الإِقَامَةِ وَبَعْدَهَا)، ولكنه أشار بذلك إلى ما في بعض طرق الحديث، وقد روى مسلم من حديث النعمان: قالَ ذلكَ عندما كاد أن يكبر. وفي حديث أنس في الباب الذي بعد هذا: أقيمت الصلاةُ فأقبل علينا فقال...\nهذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا في الصلاة عن أبي بكر بن أبي شيبة وابن مثنى وابن بشار عن غندَر عن شعبة.\nقوله: (لَتُسَوُّنَّ) بفتح اللام وضم الواو وتشديد النون، واللام فيه للتأكيد، وقال البيضاوي: هذه اللام هي التي يُتَلقَّى بها القسم، والقسم هنا مُقَدَّر، ولهذا أكده بالنون المشددة، وقد أبرزه أبو داود في «سننه»: حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا وكيع عن زكريا بن أبي زائدة عن أبي القاسم الجدلي قال: سمعت النعمان بن بشير يقول: أقبل رسولُ الله ﷺ على الناس بوجهه، فقال: «أقيموا صفوفكم»، ثلاثًا «والله لَتُقِيمُنَّ صفوفَكم أو لَيُخالِفَنَّ اللهُ بين قلوبكم». الحديثُ، وأصل (لَتُسَوُّنَّ): لَتُسَوُّوْن، لأنه من التسوية تقول: تُسوِّي تُسوِّيان تُسوُّوْن، بضم الواو الأولى وسكون الثانية، والنون فيه علامة الجمع، فلما دخلت عليه نون التأكيد الثقيلة حُذِفت نونُ الجمع وإحدى الواوين لالتقاء الساكنين، فالمحذوف هو واوُ الجمع أو واوُ الكلمة؟ فيه خلاف، وقد عُلِمَ في موضعه. وفي رواية المستملي: (لَتُسَوُّوْنَ) فالنون على هذه الرواية نون الجمع. فإن قلتَ: ما معنى التسوية؟ قال العيني: اعتدال القائمين بها على سَمْتٍ واحد، ويراد بها أيضًا سدُّ الخلل الذي في الصف على ما سيأتي.\nقوله: (أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللَّهُ) بفتح اللام الأولى لأنها لام التأكيد، وبكسر اللام الثانية وفتح الفاء، ولفظ: (اللهُ) مرفوع بالفاعلية، وكلمة: (أَوْ) في الأصل موضوعةٌ لأحد الشيئين أو الأشياء، وقد تخرُج إلى معنى بل، وإلى معنى الواو، وهي حرف عطفٍ ذَكَر المتأخِّرون لها معانيَ كثيرة، وههنا لأحد الأمرين، لأن الواقع أحدُ الأمرين: إما إقامةُ الصفوف أو المخالفةُ. والمعنى: لَيُخَالِفنَّ اللهُ إن لم تقيموا الصفوف، لأنه قَابَلَ بين الإقامة وبينَهُ، فيكون الواقع أحد الأمرين، وهذا وعيدٌ لِمَن لم يُقِم الصفَّ من جنس ذنبه لاختلافهم في مقامهم.\nواختُلِف في الوعيد المذكور فقيل: هو على حقيقته، والمراد: تسوِيَةُ الوجه بتحويل خَلْقِه عن وضعه بِجَعْلِه موضعَ القفا أو نحوَ ذلك، فهو نظيرُ ما تقدم من الوعيد فيمن رفع رأسه قبل الإمام أن يجعل الله رأسه رأس حمار، وعلى هذا فهو واجبٌ والتفريط فيه حرام، وسيأتي البحث في ذلك في باب إثم مَن لم يُتِمَّ الصفوف قريبًا، ويؤيد حملَه على ظاهره حديثُ أبي أُمامة بلفظ: «لَتُسَوُّنَّ الصفوفَ أو لَتُطْمَسَنَّ الوجوهُ» أخرجه أحمد، ولهذا قال ابن الجوزي:","vol":"1","page":272},{"text":"الظاهر أنه مثلُ الوعيدِ المذكور في قوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾ [النساء: ٤٧]. قال شيخنا: وحديث أبي أُمامة في إسناده ضعف. انتهى.\nومنهم مَن حمله على المجازِ قال النووي: معناه يُوقِع بينكم العداوة والبغضاء واختلافَ القلوب، كما تقول: تغيَّر وجهُ فلان عَلَيَّ أي ظهر لي من وجهِه كراهِيَةٌ، لأن مخالفتهم في الصفوف مخالفةٌ في ظواهرهم واختلافُ الظواهر سببٌ لاختلاف البواطن، ويؤيده رواية أبي داود وغيرِه بلفظ: «أوْ ليخالِفَنَّ الله بين قلوبكم» كما سيأتي قريبًا. وقال القرطبي: معناه يفترقون فيأخذ كل واحدٍ وجهًا غيرَ الذي أخذ صاحبُه، لأن تقدم الشخص على غيرِه مظِنَّةُ الكِبْرِ المفسِدِ للقلب الداعي إلى القطيعة، والحاصل أن المراد بالوجه إن حُمِل على العضو المخصوص فالمخالفة إما بحسب الصورة الإنسانية أو الصفةِ أو جَعْلِ القُّدَامِ وراءً، وإن حُمِل على ذات الشخص فالمخالفة بحسب المقاصد. أشار إلى ذلك الكِرماني، ويُحتمل أن يراد بالمخالفة: في الجزاء فيجازي الْمُسَوِّي بخيرٍ ومَن لا يسوي بِشَرٍّ.\nفإن قلتَ: إذا كان الصفُّ ثلاثةَ نفرٍ فتقدَّم واحدٌ على الأوسطِ وتأخَّر واحدٌ عنه، فإنْ سوَّى مع المتقدِّمِ فقد فرَّطَ في التسوية مع المتأخِّر وبالعكس، فكيف يفعلُ؟ قلتُ: يسوِّي مع الذي بينه وبين الإمامِ بالقدْر المطلوب في الشرع إلا أن يكون هناك صفٌّ بينهم وبين الإمام أكثر من القدْر المطلوبِ شرعًا أو أقل وثَمَّ واحدٌ بينه وبينه القدْر المطلوب فيُسوي مع الصفِّ. انتهى.\n\n٧١٨ - <span id=\"b-٣٤٦\"> </span>قوله: (حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ) أي بفتح الميمين، هو عبد الله بن عمرو بن أبي الحجاج المنقري المقعد، ترجمته في باب قول النبي اللهم علمه الكتاب في كتاب العلم.\n (قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ) أي ابن سعيد البصري، ترجمته في الباب أيضًا.\nقوله: (عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ) ترجمته في باب حب الرسول من الإيمان.\nقوله: (عَنْ أَنَسٍ) أي ابْنِ مَالِكٍ، ترجمته في باب من الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه.\nفي هذا الإسنادِ: التحديثُ بصيغة الجمع في موضعين. وفيه: العنعنة في موضعين. وفيه: القول في موضع.\nقوله: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «أَقِيمُوا الصُّفُوفَ، فَإِنِّي أَرَاكُمْ خَلْفَ ظَهْرِي»).\nمطابقته للترجمة من حيث إن الأمرَ بإقامة الصفوف هو الأمر بالتسوية.\nوهذا الحديث أخرجه مسلم عن شيبان عن عبد الوارث، وعند النسائي: كان يقول: «استووا استووا، فوالذي نفسي بيده إني لأراكم من خلفي كما أراكم بين يدَيَّ».\nقوله: (أَقِيمُوا الصُّفُوفَ) أي عدِّلوا، يقال: أقام العودَ أي عدَّله وسوَّاه.\nقوله: (فَإِنِّي أَرَاكُمْ خَلْفَ ظَهْرِي) الفاء فيه للسببية، وأشارتُه - ﵇ - إلى أن سببَ الأمرِ بذلك إنما هو تحقُّقِي منكم خلافَه، ولا يخفى ذلك علَيَّ لأَنِّي أرى مِن خلف ظهري، كما أرى مِن بين يدي. ثم إن هذا يجوز أن يكون إدراكًا خاصًَّا بالنبي ﷺ مُحَقَّقًا انخَرقتْ له العادة، وخُلِقَ له عينٌ وراءه فيرى بها، كما ذكر مختار بن محمد في رسالته «الناصرية»: أنه - ﵇ - كان بين كَتِفَيْه عينانِ مثلَ سَمِّ الخِيَاط، فكان يُبصِر بهما، ولا يحِجبُهُما الثياب. وفي حديث: كان - ﵇ -","vol":"1","page":272},{"text":"يرى في الظلام كما يرى في الضوء.\nوذكر بعض أهل العلم أن ذلك راجع إلى العلم، وأن معناه: لأَعْلَمُ. وهذا تأويلٌ لا حاجة إليه، بل حَمْلُ ذلك على ظاهره أولى، ويكون ذلك زيادةً في كرامات الشارع. قاله القرطبي: وقال أحمد وجمهور العلماء: هذه الرؤية رؤية العين حقيقةً ولا مانع له من جهة العقل، وورودُ التصريحٍ به فوجب القول به. انتهى. فإن قلتَ: هذه الخصوصيةُ كانت من حينِ المبعثِ أو بعدَه؟ قلتُ: ورد في حديثٍ ذكره أبو الربيع في «شفاء الصدور» أنَّ هذا حصل له - ﵇ - ليلة المعراج، وهو يؤيد حمله على الحقيقة، لأن المعراج وما وقع فيه كلُّ ذلك مِن خرق العادة، وقال بعضُ العارفين: إنه - ﵇ - ليلة المعراج انخرقَ بصرُه إلى بصيرته وبصيرتُه إلى بصَرِه فرجع وهو يرى من خلفِه كما يرى مِن بين يديه. انتهى.\nفيه: الأمر بتسوية الصفوف، وهي من سنة الصلاة عند أبي حنيفة والشافعي ومالك، وزعم ابنُ حزمٍ أنه فرض، لأنَّ إقامة الصلاة فرض، وما كان من الفرض فهو فرض. قال - ﵇-: «فإنَّ تسوية الصف من تمام الصلاة». فإن قلتَ: الأصلُ في الأمر للوجوب ولا سيما فيه الوعيد على ترك تسوية الصفوف، فدل على أنها واجبة. قال العيني: هذا الوعيد من باب التغليظ والتشديد تأكيدًا وتحريضًا على فعلها، كذا قاله الكِرماني، وليس بِسَديد، لأنَّ الأمر المقرون بالوعيد يدل على الوجوب، بل الصواب أن يقول: فلتكن التسوية واجبة بمقتضى الأمر، ولكنها ليست من واجبات الصلاة بحيث إنه إذا تركها فسَدت صلاتُه أو نَقَصَتْها. غاية ما في الباب إذا تركها يأثم. وروي عن عمر ﵁: أنه كان يوكل رجلًا بإقامة الصفوف، فلا يكبر حتى يُخبَر أن الصفوف قد استوت. وروي عن علي وعثمان ﵄: أنهما كانا يتعاهدان ذلك ويقولان: استووا. وكان علي يقول: تقدم يا فلان، وتأخر يا فلان. وروى أبو داود من حديث النعمان بن بشير قال: كان رسول الله ﷺ يسوي صفوفَنا إذا قُمنا للصلاة وإذا استوينا كبَّر للصلاة، ولفظُ مسلم: كان يسوي صفوفَنا حتى كأنما يسوي بها القداح، حتى رأَى أَنَّا قد عَقَلْنا عنه خرج يومًا فقامَ حتى كان أن يكبر، فرأى رجلًا باديًا صدرُه، فقال: «عبادَ الله لَتُسَوُّنَّ صفوفَكم...» الحديثُ.\n\n <span id=\"b-٣٤٧\"> </span>(٧٢) <span data-type=\"title\" id=toc-347>(بَابُ إِقْبَالِ الإِمَامِ عَلَى النَّاسِ، عِنْدَ تَسْوِيَةِ الصُّفُوفِ)</span>\nأي هذا باب في بيان حكم إقبال الإمام، ولفظُ الإقبال مصدرٌ مضافٌ إلى فاعله.\n\n٧١٩ - <span id=\"b-٣٤٨\"> </span>قوله: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي رَجَاءٍ) أي بفتح الراء وتخفيف الجيم وبالمد، واسم أبي رجاء عبدُ الله بن أيوب أبو الوليد الحنفي الهروي، مات بهراة في سنة اثنتين وثلاثين ومئتين، ترجمته في باب إذا حاضت في شهر ثلاث حِيَض.\nقوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو) أي ابن المهلب الأزدي البغدادي وأصلُه كوفي.\nقوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا زَائِدَةُ بْنُ قُدَامَةَ) أي بضم القاف، مَرَّ في باب غسل المذي.\nقوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ) أي بضم الحاء، ترجمته في باب خوف المؤمنِ أن يحبط عملُه وهو لا يشعر في كتاب الإيمان.\nقوله: (حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ) ترجمته في باب لا يؤمن أحدكم.\nفي هذا الإسنادِ: التحديث","vol":"1","page":273},{"text":"بصيغة الجمع في جميع الإسناد مثل هذا إلى هنا (^١). وفيه: القول في خمس مواضع. وفيه: أن رواته ما بين هروي وبغدادي وكوفي وبصري. وفيه: أن شيخ البخاري من أفراده. وفيه: أن معاوية بن عمرو أيضًا من شيوخ البخاري، وهو مِن قدماء شيوخه، وروى له ههنا بواسطة، والظاهر أنه لم يسمع هذا الحديث منه. وفيه: تصريح حميد بالتحديث عن أنس، فأُمِن بذلك تدليسُه.\nقوله: (قَالَ: أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَأَقْبَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِوَجْهِهِ، فَقَالَ: «أَقِيمُوا صُفُوفَكُمْ، وَتَرَاصُّوا، فَإِنِّي أَرَاكُمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِي»).\nمطابقته للترجمة ظاهرة.\nقوله: (أَقِيمُوا صُفُوفَكُمْ) الخِطابُ للجماعة الحاضرين لأداء الصلاة مع النبي ﷺ، وإقامة الصفوف: تسويتُها، وقد وقع في رواية معمر عن حميد عند الإسماعيلي بدل: (أَقِيمُوا) (اعْتَدِلُوا).\nقوله: (وَتَرَاصُّوا) بضم الصاد المشددة وأصله: تراصَصُوا، أدغمت الصاد في الصاد لأنهما مِثْلًا يُوجِبُ الإدغامَ، ومعناه: تضامُّوا وتلاصقوا حتى يتصل ما بينكم ولا ينقطع، وأصلُه من الرصِّ، يقال: رص البناءَ يرصُّه رصًَّا إذا ألصق بعضه ببعض، ومنه قوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [الصف: ٤]، وفي «سنن أبي داود» و«صحيح ابن حبان»: من حديث أنس أن رسول الله ﷺ قال: «رُصُّوا صفوفكم وقاربوا بينها وحاذوا بالأعناق، فوالذي نفسي بيده أني لأرى الشيطانَ يدخل من خَلَلِ الصف، كأنه الحَذَفُ». والحَذَفُ بالحاء المهملة والذالِ المعجمة المفتوحتين وفي آخره فاء، وهي غنم صغار سود يكون باليمن، وفسرها مسلم: بالنَّقَد، بالتحريك، وهي جنس من الغنم قِصارُ الأرجل قِبَاحُ الوجوه. قال الأصمعي: أجودُ الصوف صوفها. وفي رواية البيهقي: قيل: يا رسول الله، وما أولادُ الحذف؟ قال: «ضأنٌ جُرْدٌ سُودٌ يكون بأرض اليمن». وقال الخطابي: ويقال: أكثر ما يكون بأرض الحجاز.\nقوله: (مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِي) أي من خلف ظهري، وههنا ذَكَر كلمة (مِنْ) بخلاف الباب السابق، والنكتة فيه أنه إذا وُجِدَ (مِنْ) يكون صريحًا بأنَّ مَبدأ الرؤية ومَنشأَها من خلفٍ بأن يخلق الله حاسَّةً باصِرةً فيه، وإذا عُدِم يُحتمل أن يكون منشؤُها هذه الحاسة المعهودة، وأن تكون غيرُها مخلوقةً في الوراء، ولا يلزم رؤيتُها بتلك الحاسة، إذْ الرؤيةُ إنما هي بخلق الله تعالى وإرادته.\nفيه: جواز الكلام بين الإقامة وبين الصلاة وقد تقدم في باب مفرد. قال العيني: وفيه: وجوب تسوية الصفوف، وفيه: معجزة النبي ﷺ.\nقال شيخنا: وفيه: مراعاة الإمام لرعيته والشفقةُ عليهم وتحذيرُهم من المخالفة. قلت: وفيه: أن المصلين كانوا يقومون خلفه أكثر من صفين، وأن الصف الأول لا يحجِبُ رؤيتَه للصف الثاني، ولا الأول والثاني يحجبان رؤيته للصف الثالث، ولا الظلامُ ولا الثيابُ يحجبون رؤيته للمصلين خلفَه. انتهى.\n\n <span id=\"b-٣٤٩\"> </span>(٧٣) <span data-type=\"title\" id=toc-349>(بَابُ الصَّفِّ الأَوَّلِ)</span>\nأي هذا بابٌ في بيان ثوابِ الصف الأول، واختُلِف في الصف الأول فقيل: المراد به ما يلي الإمام مطلقًا. وقيل: المرادُ من سبق إلى الصلاة ولو صلى آخر الصفوف،\n_________\n(^١) في (الأصل): «مثل هذا إلى هنا» ولعل الصواب «ولم يقع مثل هذا إلا هنا».","vol":"1","page":273},{"text":"قاله ابن عبد البر. وقيل: المراد به أولُ صف تامٍّ مسدودٍ لا يتخلله شيء مثلُ مَقصورةٍ ونحوِها. وقال النووي: القول الأول هو الصحيح المختار، وبه صرح المحققون، والقولان الآخران غلطٌ صريح.\nقال العيني: القول الثاني لا وجه له، لأنه ورد في حديث أبي سعيد أخرجه أحمد: «وإنَّ خير الصفوف صفُّ الرجال المقدَّم وشرَّها المؤخر» الحديث، والقولُ الثالث له وجه، لأنه ورد في حديث أنسٍ أخرجه أبو داود وغيره: «رصوا صفوفكم»، وقد ذكرناه آنفًا، وإذا تخلل بين الصف شيء ينتقض الرصُّ، وفيه أيضًا: «إني لأرى الشيطان يدخل من خلل الصف». وأما كونُ القولِ الأول هو الصحيح فوجهُهُ أن الأول اسم لشيء لم يسبقه شيء فلا يُطلق هذا إلا على الصف الذي يلي الإمامَ مطلقًا، وإليه أشار البخاري لأنه ترجم بالصفِّ الأول، وحديثُ الباب فيه: (الصَّفِّ المُقَدَّمِ) وهو الذي لا يتقدَّمُه إلا الإمام.\nفإن قلتَ: ورد في حديثٍ أخرجه أحمد: «إن الله وملائكته يصلون على الصف الأول أو الصفوف الأُوَل». قلتُ: لفظ الأول من الأمور النسبية، فإنَّ الثاني أولٌ بالنسبة إلى الثالث، والثالثُ أول بالنسبة إلى الرابع، وهَلُمَّ جرًّا، ولكنَّ الأولَ المطلقَ هو الذي لم يسبقه شيء.\nثم الحكمةُ في التحريض والحثِّ على الصف الأول المطلق على وجوهٍ: المسارعةُ إلى خلاص الذمة، والسبقُ لدخول المسجد، والقربُ من الإمام، واستماعُ قراءته والتعلُّم منه، والتبليغُ عنه، والفتحُ عليه عند الحاجة، واحتياجُ الإمام إليه عند الاستخلافِ، والبعدُ ممن يخترق الصفوف، وسلامةُ الخاطر من رؤيةِ من يكونُ بين يديه، وخلوُّ موضعِ سجوده من أذيال المصلين.\n\n٧٢٠ - <span id=\"b-٣٥٠\"> </span>٧٢١ - قوله: (حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ) أي النبيلُ، الضحاك بن مخلد، ترجمته في باب القراءة والعرض على العالِم.\nقوله: (عَنْ مَالِكٍ) أي الإمام، ترجمته في بدء الوحي.\nقوله: (عَنْ سُمَيٍّ) أي بضم السين المهملة وفتح الميم وتشديد الياء آخر الحروف، ترجمته في باب الاستهام في الأذان.\nقوله: (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) أي ذكوان السمان، ترجمته في باب أمور الإيمان.\nقوله: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) أي عبد الرحمن، ترجمته في الباب أيضًا.\nفي هذا الإسنادِ: التحديثُ بصيغة الجمع في موضع واحد، وفيه: العنعنة في أربع مواضع، ورواته ما بين بصري ومدني، فالبصري شيخ البخاري والباقون مدنيون.\nقوله: (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «الشُّهَدَاءُ: الغَرِقُ، وَالمَبْطُونُ، وَالمَطْعُونُ، وَالهَدِمُ»)،\nوَقَالَ: «وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجِيرِ لَاسْتَبَقُوا إِلَيْهِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي العَتَمَةِ وَالصُّبْحِ، لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الصَّفِّ المُقَدَّمِ لَاسْتَهَمُوا».\nأخرج البخاري من هذا الحديث في باب فضل التهجير عن قتيبة عن مالك عن سُمَي عن أبي صالح عن أبي هريرة بِأَتَمَّ منه، وأخرجه في باب الاستهام في الأذان، وذكرنا في البابين جميع ما يتعلق به من الأشياء.\nقوله: (الغَرِقُ) بكسر الراء يعني الغريق. (وَالمَبْطُونُ): هو صاحب الإسهال. (وَالهَدِمُ) بكسر الدال وقيل: سكونِها. وقال الكِرماني: هو المهدوم. قال العيني: المهدوم هو الذي ينهدم، وأما الْهَدِمُ فهو الذي يقع عليه الهَدْمُ كما في الحديث الماضي، وصاحِبُ (^١) الاستهام: الاقتراعُ، و(الْمُقَدَّمِ) ضد المؤخر، وهو أيضًا\n_________\n(^١) كذا في (الأصل): ولعل فيه سقطًا ففي عمدة القاري: «... وصاحبُ الهدم، (والتهجير): التبكير إلى كل شيء،. (والعتمة) صلاة العشاء، و: الحبو، الزحف على الإست. و: الاستهام....».","vol":"1","page":274},{"text":"أمرٌ نسبي، ورُوِيَ: (الصفِّ الْأَوَّلِ).\n\n <span id=\"b-٣٥١\"> </span>(٧٤) <span data-type=\"title\" id=toc-351>(بَابٌ: إِقَامَةُ الصَّفِّ مِنْ تَمَامِ الصَّلَاةِ)</span>\nأي هذا باب في بيان إقامة الصف - وهي تسويته - من تمام الصلاة، وسنذكر ما المراد من: تمام الصلاة.\n\n٧٢٢ - <span id=\"b-٣٥٢\"> </span>قوله: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) أي ابن عبد الله أبو جعفر الجُعفي البخاري المسندي، مات في ذي القعدة سنة تسع وعشرين ومائتين، ترجمته في باب أمور الإيمان.\nقوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ) أي ابن همام أبو بكر الصنعاني اليماني، ترجمته في باب حسن إسلام المرء.\nقوله: (قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) بفتح الميمين، ابن راشد البصري، ترجمته في بدء الوحي.\nقوله: (عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ) أي ابن مُنَبِّه بضم الميم وفتح النون وكسر الموحدة، ترجمته في باب حسن إسلام المرء.\nقوله: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) أي عبد الرحمن بن صخر، ترجمته في باب أمور الإيمان.\nفي هذا الإسنادِ: التحديثُ بصيغة الجمع في موضعين، والإخبار كذلك في موضع. وفيه: العنعنة في ثلاث مواضع. وفيه: أن رواته ما بين بخاري وبصري ويمانيين.\nقوله: (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: «إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ، فَإِذَا رَكَعَ، فَارْكَعُوا، وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: رَبَّنَا لَكَ الحَمْدُ، وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا، وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا، فَصَلُّوا جُلُوسًا أَجْمَعُونَ، وَأَقِيمُوا الصَّفَّ فِي الصَّلَاةِ، فَإِنَّ إِقَامَةَ الصَّفِّ مِنْ حُسْنِ الصَّلَاةِ»).\nذكر البخاري في الترجمة: (مِنْ تَمَامِ الصَّلَاةِ)، وفي الحديث: (مِنْ حُسْنِ الصَّلَاةِ)، وفي حديث أنسٍ في الباب: (فَإِنَّ تَسْوِيَةَ الصُّفُوفِ مِنْ إِقَامَةِ الصَّلَاةِ)، وفي رواية أبي داود عن أبي الوليد الطيالسي وسليمان بن حرب، كلاهما عن شعبة عن قتادة عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: «سووا صفوفكم فإن تسوية الصف من تمام الصلاة». وكذا أخرجه الإسماعيلي عن أبي خليفة والبيهقي من طريق عثمان الدارمي، كلاهما عنه. وكذا مسلم وغيره من طريق جماعة عن شعبة. ثم توجيه المطابقة بين الترجمة وحديثي الباب من حيث إن المراد من الحُسْنِ هو الكمالُ، لأن حُسْنَ الشيء زائدٌ على حقيقته، فيتعين تقدير هذا اللفظ في الترجمة هكذا: بابُ إقامة الصف من كمالِ تمامِ الصلاة، أو: مِن حُسن تمامِ الصلاة. ولا خفاء أن تسوية الصف ليست من حقيقة الصلاة، وإنما هي من حُسنِها وكمالها، وإن كانت هي في نفسُها سنةً أو واجبةً أو مستحبةً على اختلاف الأقوال.\nوكذلك الكلام في حديث أنس؛ فإن تسوية الصفوف ليست من إقامة الصلاة (^١)، لأن الصلاة تقام بغيرها، والتقديرُ: فإن تسوية الصفوف من كمالِ إقامة الصلاة. قال العيني: وقد تكلف بعض الشُّرَّاح ههنا بكلام لا طائل تحته. انتهى. قلتُ: يعني ابنَ رشيدٍ، لأنه قال: إنما قال البخاري: (مِنْ تَمَامِ الصَّلَاةِ) لأنه أراد أن يُبَيِّنَ الحُسْنَ هنا وأنه لا يعني به الظاهرَ الْمَرْئِيَّ مِن الترتيب بل المقصودُ به الحُسنُ الحكميُّ بدليل حديث أنسٍ الثاني من حديثيْ الباب حيث عبَّر بقوله: (مِنْ إِقَامَةِ الصَّلَاةِ). انتهى.\nهذا الحديث أخرجه مسلم في الصلاة أيضًا عن محمد بن رافع، وقد مضى في باب إنما جعل الإمام ليؤتم به نحو حديث أبي هريرة\n_________\n(^١) في (الأصل): «الصفوف» والصواب «الصلاة».","vol":"1","page":274},{"text":"هذا في موضعين أحدهما: عن عائشة أم المؤمنين، والآخر: عن أنس.\n\n٧٢٣ - <span id=\"b-٣٥٣\"> </span>قوله: (حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ) أي هشام بن عبد الملك.\nقوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) أي ابن الحجاج.\nقوله: (عَنْ (^١) قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ) مَرُّوا عن قريب.\nقوله: (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «سَوُّوا صُفُوفَكُمْ، فَإِنَّ تَسْوِيَةَ الصُّفُوفِ مِنْ إِقَامَةِ الصَّلَاةِ»).\nوجه مطابقة الترجمة للحديث قد ذكرناه آنفًا.\nوأخرجه مسلم في الصلاة أيضًا عن أبي موسى وبُندار، كلاهما عن غندر. وأخرجه أبو داود فيه عن أبي الوليد وسليمان بن حرب. وأخرجه ابن ماجه فيه عن بندار عن يحيى وعن نصر بن علي عن أبيه وبشر بن عمر.\nقوله: (فَإِنَّ تَسْوِيَةَ الصُّفُوفِ) في رواية الأصيلي: (الصَّفِّ) بالإفراد، والمراد به الجنسُ.\nقوله: (مِنْ إِقَامَةِ الصَّلَاةِ) هكذا ذكره البخاري عن أبي الوليد، وذكره غيره عنه بلفظ: «من تمام الصلاة» كما قدمناه وذَكرْنا اختلاف الروايات فيه. زاد الإسماعيلي من طريق أبي داود الطيالسي قال: سمعتُ شعبة يقول: دَاهَنْتُ في هذا الحديثِ؛ لم أسأل قتادة: أسمعته من أنس أم لا؟ قال شيخنا: ولم أره عن قتادة إلا مُعَنْعَنًا، ولعل هذا هو السر في إيراد البخاري لحديث أبي هريرة معه في الباب تقويةً له، وقد استدل بن حزم بقوله: (إقامة الصلاة) على وجوب تسوية الصفوف، قال: لأن إقامة الصلاة واجبة، وكلُّ شيء من الواجب واجب. ولا يخفى ما فيه ولا سيما وقد بَيَّنَّا أن الرواة لم يتفقوا على هذه العبارة.\nوتمسك ابنُ بطال بظاهر لفظِ حديث أبي هريرة فاستدل به على أن التسوية سنة، قال: لأن حُسْنَ الشيء زيادةٌ على تمامِه. وأُورِد عليه روايةُ: «من تمام الصلاة»، فأجاب ابن دقيق العيد فقال: قد يؤخذ من قوله: «تمام الصلاة» الاستحبابُ، لأن تمام الشيء في العرف أمرٌ زائدٌ على حقيقته التي لا يتحقق إلا بها، وإن كان يُطلق بحسب الوضع على بعض ما لا تتم الحقيقةُ إلا به، كذا قال. قال شيخنا: وهذا الأخذُ بعيدٌ لأن لفظ الشارع لا يُحمل إلا على ما دل عليه الوضعُ في اللسان العربي، وإنما يُحمل على العرف إذا ثبت أنه عُرْفُ الشارع لا العُرفُ الحادث. تنبيهٌ: لفظ الترجمة أورده عبد الرزاق من حديث جابر. انتهى.\n\n <span id=\"b-٣٥٤\"> </span>(٧٥) <span data-type=\"title\" id=toc-354>(بَابُ إِثْمِ مَنْ لَمْ يُتِمَّ الصُّفُوفَ)</span>\nأي هذا بابٌ في بيان إثم من لا يتم الصفوف عند القيام إلى الصلاة.\n\n٧٢٤ - <span id=\"b-٣٥٥\"> </span>قوله: (حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ أَسَدٍ) أي بضم الميم، أبو عبد الله المروزي نزل البصرة، ترجمته في باب إذا زار الإمام قومًا فأَمَّهم.\nقوله: (قَالَ: أَخْبَرَنَا الفَضْلُ بْنُ مُوسَى) أي المروزي السِّيناني، بكسر السين المهملة وسكون الياء آخر الحروف وتخفيف النون وبعد الألف نون أخرى، نِسبةً إلى سِينَان قريةٌ من قرى مرو، مات سنة إحدى أو اثنتين وتسعين ومائة.\nقوله: (قَالَ: أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ عُبَيْدٍ الطَّائِيُّ) أي أبو الهذيل الكوفي.\nقوله: (عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ الأَنْصَارِيِّ) أي بضم الباء الموحدة وفتح الشين المعجمة وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره راء، ويَسَار بفتح الياء آخر الحروف وتخفيف السين المهملة وبعد الألف راء، المدني مولى الأنصار، ترجمته في باب من مضمضَ من السُّويق ولم يتوضأ.\nقوله: (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ)\n_________\n(^١) كلمة: «عن» ساقطة في (الأصل).","vol":"1","page":275},{"text":"ترجمته في باب من الإيمان أن يحبَّ لأخيه ما يحب لنفسه.\nفي هذا الإسنادِ: التحديثُ بصيغة الجمع في موضع. وفيه: الإخبار بصيغة الجمع في موضعين. وفيه: العنعنة في موضعين. وفيه: أن شيخ البخاري من أفراده. وفيه: بشير المذكور وليس في الكتب الستة عن أنس غير هذا الحديث. والحديث أيضًا من أفراد البخاري. وفيه: أن رواته ما بين مروزي وكوفي ومدني، وتابع الفضلَ أبو معاوية وإسحاق الأزرق عن سعيد كما أخرجه الإسماعيلي عنهما.\nقوله: (أَنَّهُ قَدِمَ المَدِينَةَ فَقِيلَ لَهُ: مَا أَنْكَرْتَ مِنَّا مُنْذُ يَوْمِ عَهِدْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ؟ قَالَ: مَا أَنْكَرْتُ شَيْئًا إِلَّا أَنَّكُمْ لَا تُقِيمُونَ الصُّفُوفَ)\nمطابقة هذا الأثر للترجمة من حيث إن أنسًا حصل منه الإنكار على عدم إقامتهم الصفوف، وإنكاره يدل على أنه يرى تسوية الصفوف واجبةً، فتاركُ الواجب آثم. وظاهر ترجمة البخاري يدل على أنه أيضًا يرى وجوب التسوية. قال العيني: والصواب هذا لِورودِ الوعيد الشديدِ في ذلك. قيل: الإنكار قد يقع على ترك السنة فلا يدل على حصول الإثم. قال العيني: الإنكار يستلزم المنكَر وفاعل المنكَر آثمٌ، على أنه - ﵇ - أَمَرَ بالتسوية، والأصل في الأمر الوجوبُ إلا إذا دلت قرينةٌ على غيره، ومع ورود الوعيد على تركِها، وإنكارُ أنس ظاهرٌ في أنهم خالفوا ما كانوا عليه في زمن النبي ﷺ من إقامة الصفوف، فعلى هذا يستلزم المخالفة التأثيم. انتهى. قال شيخُنا: وهو ضعيف لأنه يقتضي أنْ لا يبقى شيء مسنونٌ، لأن التأثيم إنما يحصل عن ترك واجب. انتهى. قال العيني: لا نسلم أنَّ حصولَ التأثيم منحصرٌ على ترك الواجب، بل التأثيم يحصُل أيضًا عن ترك السنة، ولا سيما إذا كانت مؤكدةً. انتهى.\nوقال ابن بطال: لما كانت تسوية الصفوف من السنن المندوب إليها التي يستحق فاعلُها المدحَ عليها دلَّ على أن تاركها يستحق الذم. انتهى. قال شيخنا: وهو ضعيفٌ أيضًا من جهة أنه لا يلزَم مِن ذَمِّ تارك السنة أن يكون آثمًا سَلَّمْنَا لكن يَرُدُّ عليه التَّعَقُّبُ الذي قبله، ويُحتمل أن يكون البخاريُّ أَخَذَ الوجوبَ من صيغة الأمر في قوله: (سَوُّوا صُفُوفَكُمْ)، ومِن عُموم قوله: (صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي)، ومِن ورود الوعيد على تركه يترجَّحُ عنده بهذه القرائن أن إنكار أنس إنما وقع على ترك الواجب، وإن كان الإنكار قد يصِحُّ على ترك السنن، ومع القول بأن التسوية واجبةٌ فصلاةُ من خالَفَ ولم يَسْتَوِ صحيحةٌ لاختلاف الجهتين، ويؤيد ذلك أن أنسًا مع إنكاره عليهم لم يأمرهم بإعادة الصلاة.\nوأفرط ابنُ حزمٍ فجزم بالبطلان ونازَعَ مَن ادعى الإجماعَ على عدم الوجوبِ بما صح عن عمر ﵁: أنه ضَرَبَ قَدَمَ أبي (^١) عثمان النهدي لإقامة الصف. وبما صح عن سويد بن غفلة قال: كان بلال يسوي مناكبَنا ويضربُ أقدامنا في الصلاة. فقال: ما كان عمر وبلال يضربان أحدًا على ترك غير الواجب. وفيه نظر، لجواز أنهما كانا يريان التعزير على ترك السنة. انتهى.\nقال العيني: قد ناقض في قوله حيث قال فيما مَرَّ: التأثيم إنما يحصل عن ترك واجب. فإذا لم يكن تاركُ السنة آثمًا فكيف يستحق التعزير؟ بل الظاهرُ أن ضربهما كان لترك الأمر الذي ظاهره الوجوب، ولاستحقاق\n_________\n(^١) كلمة: «أبي» ساقطة في (الأصل).","vol":"1","page":275},{"text":"الوعيد الشديد في الترك. انتهى. قلتُ: ويُحتمل أن ضرب عمر وبلال ليس بتعزير وإنما هو ضربٌ خفيف يُشيرانِ به إلى تعليم الجاهل وتذكيرِ الناسي والله أعلم.\nقوله: (أَنَّهُ قَدِمَ المَدِينَةَ) أي: من بَصْرَةَ.\nقوله: (مَا أَنْكَرْتَ) أي: أَيُّ شيءٍ أنكرتَ (مِنَّا مُنْذُ يَوْمِ عَهِدْتَ)؟ وقد علمتَ أنَّ: منذَ ومُذْ حرفا جرٍّ وهو الصحيح، وقيل: اسمان مضافان، فبمعنى: مِن، يكون إن كان الزمان ماضيًا، وبمعنى: في، إن كان حاضرًا، وبمعنى: مِن وإلى جميعًا، إن كان معدودًا نحو: ما رأيتُه منذ يومِ الخميس أو منذ يومِنا أو عامِنا أو منذ ثلاثةِ أيام، والمعنى ههنا: ما أنكرتَ مِنَّا مِن يوم عهدتَ رسولَ الله ﷺ؟ وقد وقع هكذا أي (مَا أَنْكَرْتَ مِنَّا) بزيادة لفظ: (مِنَّا) في رواية المستملي والكُشْمِيهَنِي، وفي رواية غيرهما: (مَا أَنْكَرْتَ مُنْذُ يَوْمِ...).\nقوله: (مَا أَنْكَرْتُ شَيْئًا...) إلى آخره، يدل على أن إنكاره على ترك الواجب أو السنة المذكورة (^١)، فلذلك بوب البخاري بالترجمة المذكورة. قاله العيني.\nقوله: (وَقَالَ عُقْبَةُ بْنُ عُبَيْدٍ) أي بضم العين المهملة وسكون القاف، أبو الرَّحَّال بفتح الراء وتشديد الحاء المهملة، أخو سعيد بن عبيد راوي الإسناد الذي قبلَه، وليس للبخاري عن عقبة هذا إلا هذا المعلَّق.\nقوله: (عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ) أي بضم الموحدة وفتح الشين المعجمة وسكون الياء آخر الحروف، ترجمته في باب من مضمضَ من السُّويق ولم يتوضأ.\nقوله: (قَدِمَ عَلَيْنَا أَنَسٌ المَدِينَةَ بِهَذَا) قد وصل هذا المعلق أبو نعيم الحافظ عن أبي بكر بن مالك عن عبد الله بن أحمد عن أبيه قال: حدثنا أبو معاوية ويحيى بن سعيد، قالا: حدثنا عقبة بن عبيد الطائي فذكره، ووصله أحمد أيضًا في «مسنده» عن يحيى القطان عن عقبة بن عبيد الطائي، حدثني بشير بن يسار، قال: جاء أنس إلى المدينة فقلنا: ما أنكرتَ مِنَّا من عهد رسول الله ﷺ؟ قال: ما أنكرتُ منكم شيئا غير أنكم لا تقيمون الصفوف.\nتنبيه: هذه المقدمة غير المقدمة (^٢) التي تقدم ذكرها في باب وقت العصر، فإنَّ ظاهر الحديث فيها أنه أنكر تأخير الظهر إلى أول وقت العصر، وهذا الإنكارُ أيضًا غيرُ الإنكار الذي تقدم ذكره في باب تضييع الصلاة عن وقتها حيث قال: لا أعرف شيئًا مما كان على عهد النبي ﷺ إلا الصلاة وقد ضُيِّعَت، فإنَّ ذاك كان بالشام وهذا بالمدينة، وهذا يدل على أن أهل المدينة كانوا من ذلك الزمان أشدَّ من غيرهم في التمسك بالسنن.\nفإن قلتَ: ما فائدة ذكر هذا المعلَّق وما الفرق بين الطريقين؟ فالجواب عن الأول: أن البخاري أراد بذكر الطريق الثاني بيان سماع بشير بن يسار عن أنس، وعن الثاني: أنه في الأول روى عن أنس، وفي الثاني ما روى عنه، بل شاهدَ بنفسه الحال.\n\n <span id=\"b-٣٥٦\"> </span>(٧٦) <span data-type=\"title\" id=toc-356>(بَابُ إِلْزَاقِ المَنْكِبِ بِالْمَنْكِبِ وَالقَدَمِ بِالقَدَمِ فِي الصَّفِّ)</span>\nأي هذا بابٌ في بيان إلصاق المنكب بالمنكب... إلى آخره، وأشار بهذا إلى المبالغة في تعديل الصفوف وسدِّ الخلل فيه.\nوقد وردَ أحاديث كثيرة في ذلك: منها: ما رواه أبو داود من حديث محمد بن مسلم بن السائب صاحب «المقصورة» قال: صليتُ إلى جنب أنس بن مالك يومًا فقال: هل تدري لم صُنِع هذا العودُ؟ فقال: لا والله. قال: كان رسول الله ﷺ\n_________\n(^١) كذا في (الأصل): «المذكورة» ولعل الأقرب «المؤكدة» كما في عمدة القاري.\n (^٢) كلمة: «غير المقدمة» ساقطة في (الأصل): والسياق يقتضيها والاستدراك من فتح الباري.","vol":"1","page":276},{"text":"يضع يده عليه فيقول: «استووا واعدِلوا صفوفكم». ثم قال: حدثنا مسدد حدثنا حميد بن الأسود حدثنا مصعب بن ثابت عن محمد بن مسلم عن أنس بن مالك بهذا الحديث قال: إن رسول الله ﷺ كان إذا قام إلى الصلاة أخذه بيمينه ثم التفت فقال: «اعتدلوا سوُّوا صفوفكم». وفي لفظٍ: «رُصُّوا صفوفكم وقاربوا بينها وحاذوا الأعناق»، الحديث. وفي لفظٍ: «أتموا الصف المقدَّم ثم الذي يليه، فما كان من نقصٍ فليكُن في الصف المؤخر».\nومنها: ما رواه ابن حبان في «صحيحه»: عن البراء بن عازب: كان رسول الله ﷺ يتخلل الصفَّ مِن ناحية إلى ناحيةٍ يمسحُ صدورنا ومناكبَنا ويقول: «لا تختلفوا فتختلفَ قلوبكم»، وفي لفظ: فيمسح عواتِقَنا وصدورَنا، وعند السراج: مناكبَنا أو صدورَنا، وفي لفظٍ: كان يأتي من ناحية الصف إلى ناحيته القصوى يُسَوِّي بين صدور القوم ومناكبِهم، وفي لفظ: يمسحُ عواتقنا - أو قال: مناكبَنا، أو قال: صدورَنا - ويقول: «لا تختلفَ صدورُكم فتختلفَ قلوبُكم».\nومنها: ما رواه مسلم من حديث أبي مسعود: كان يمسح مناكبنا في الصلاة ويقول: «استووا ولا تختلفوا فتختلفَ قلوبُكم» الحديث.\nومنها: ما رواه أبو داود حدثنا عيسى بن ابراهيم الغافقي حدثنا ابن وهب وحدثنا قتيبة حدثنا الليث، وحديثُ ابن وهب أتمُّ عن معاوية بن صالح عن أبى الزاهرِيَّة عن أبي شجرة لم يذكر ابنُ عمر أنَّ رسول الله ﷺ قال: «أقيموا الصفوف وحاذُوا بين المناكب وسُدُّوا الخللَ، ولِينُوا بأيدي إخوانكم - لم يقل عيسى: بأيدي إخوانكم -، ولا تَذَرُوا الفُرُجَات للشيطان، ومَن وصل صفًّا وصله الله، ومن قطع صفًّا قطعه الله». قال العيني: ابنُ وهبٍ هو عبد الله بن وهب وأبو الزَّاهِرية: حُدَيْر بن كُرَيب، بضم الحاء المهملة، وأبو شَجَرة: هو كَثير بن مُرَّة. انتهى.\nقال شيخنا: أجمع الأحاديث في هذا حديث ابن عمر ﵄ عند أبي داود وصححه ابن خزيمة والحاكم، ولفظه: أن رسول الله ﷺ قال: «أقيموا الصفوف وحاذوا بين المناكب وسُدُّوا الخلل ولا تذروا فرجات للشيطان، ومَن وصل صفًّا وصله الله، ومَن قطع صفًّا قطعه الله». انتهى.\nقوله: «ولينوا بأيدي إخوانكم» قال أبو داود: معناه: إذا جاء رجل إلى الصف فذهب يدخُل فيه فينبغي أن يُلين له كل رجل مَنكِبَه حتى يدخل في الصف.\nقوله: «ولا تذروا» أي: لا تتركوا.\nقوله: (وَقَالَ النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ) أي ابن سعد بن ثعلبة الأنصاري الخزرجي أبو عبد الله المدني صاحبُ رسول الله ﷺ وابن صاحبه، وهو أول مولود وُلِد في الأنصار بعد قدوم النبي ﷺ، وقال يحيى بن معين: أهل المدينة يقولون: لم يَسمع من رسول الله ﷺ، وأهلُ العراق يصححون سماعه منه، قتل بين دمشق وحِمص يوم راهط، وكان زُبيرِيًّا. وعن أبي مسهر: كان عاملًا على حمص لابن الزبير، فلما تَمَرْوَنَ أهلُ حِمص خرج هاربًا فاتبعه خالد بن خَلِيٍّ فقتله، وقيل: قتل في سنة ست وستين بسَلَمِيَّة ﵁. قلت: تقدمت ترجمته في كتابِ الإيمان في باب من استبرأ. وقد أعاد العيني من ترجمته هنا. انتهى.\nقوله: (رَأَيْتُ الرَّجُلَ مِنَّا يُلْزِقُ كَعْبَهُ بِكَعْبِ صَاحِبِهِ) هذا التعليق طرف من حديث رواه أبو","vol":"1","page":276},{"text":"داود وصححه ابن خزيمة: حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا وكيع عن زكريا بن أبي زائدة عن أبي القاسم الجدلي - أي الحسين بن الحارث المنسوب إلى جديلة قيسٍ الكوفي -، قال: (سمعت النعمان بن بشير يقول: أقبل رسول الله ﷺ، على الناس بوجهه، فقال: «أقيموا صفوفكم» - ثلاثًا - «والله لتقيمُنَّ صفوفَكم أو لَيخالفَنَّ الله بين قلوبكم». فقال: فرأيت الرجل يُلزِق مَنكِبه بمنكب صاحبه وركبتَه بركبةِ صاحبه وكعبَه بكعبِه). وأخرجه ابن حبان أيضًا في «صحيحه».\nقوله: «لتُقيمُنَّ» بضم الميم لأن أصله: لُتقيمُون، فلما دخلت عليه نون التوكيد حُذفت الواو لالتقاء الساكنين. قوله: «أو لَيُخَالِفَنَّ الله» اللام الأولى للتأكيد مفتوحة، والفاء مفتوحة.\nقوله: (يُلْزِقُ) بضم الياء، من الإلزاق، أي يُلصِق.\nقوله: (كَعْبَهُ بِكَعْبِ صَاحِبِهِ) أي يلزق كعبه بكعب صاحبه الذي بحذائه. قال شيخنا: واستُدِلَّ بحديث النعمان هذا على أن المراد بالكعب في آية الوضوء العظمُ الناتئ في جانبي الرجل وهو عند ملتقى الساقِ والقدمِ، فهو الذي يمكن أن يُلزَق بالذي بجنبه خلافًا لمن ذهب أن المراد بالكعب مؤخرُ القدم، وهو قول شاذٌّ يُنسَب إلى بعض الحنفية، ولم يُثبته محققُوهم، أثبته بعضهم في مسألة الحج لا الوضوء. وأنكر الأصمعي قولَ من زعم أن الكعب في ظهر القدم. انتهى.\n\n٧٢٥ - <span id=\"b-٣٥٧\"> </span>قوله: (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ) أي ابن فَرُّوخ الحراني الجزري، سكن مصر، وترجمته في باب إطعام الطعام من الإيمان.\nقوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ) أي ابن معاوية، ترجمته في باب الصلاة من الإيمان.\nقوله: (عَنْ حُمَيْدٍ) أي الطويل، ترجمته في باب خوف المؤمن أن يحبط عمله.\nقوله: (عَنْ أَنَسٍ) أي ابْنِ مَالِك، ترجمته في باب من الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه.\nفي هذا الإسنادِ: التحديثُ بصيغة الجمع في موضعين. وفيه: العنعنة في ثلاث مواضع. وفيه: القولُ.\nقوله: (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَقِيمُوا صُفُوفَكُمْ، فَإِنِّي أَرَاكُمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِي، وَكَانَ أَحَدُنَا يُلْزِقُ مَنْكِبَهُ بِمَنْكِبِ صَاحِبِهِ، وَقَدَمَهُ بِقَدَمِهِ»).\nمطابقته للترجمة ظاهرة، وقد تقدم الكلام على فوائده.\nورواه سعيد بن منصور عن هُشيم فصرح فيه بتحديث أنس لحميد، وفيه الزيادة التي في آخره، وهي قوله: (وَكَانَ أَحَدُنَا...) إلى آخره. وصرح بأنها من قول أنس. وأخرجه الإسماعيلي من رواية مُعتمِرٍ عن حميد بلفظ: قال أنس: فلقد رأيت أحدَنا... إلى آخره، وأفاد هذا التصريحُ أن الفعل المذكور كان في زمن النبي ﷺ. قال شيخنا: وبهذا يتم الاحتجاج به على بيان المراد بإقامة الصف وتسويته. وزاد مُعتمر في روايته: ولو فعلتُ ذلك بأحدهم اليوم لَنَفَرَ كأنَّهُ بغل شَموس.\n\n <span id=\"b-٣٥٨\"> </span>(٧٧) <span data-type=\"title\" id=toc-358>(بَابٌ: إِذَا قَامَ الرَّجُلُ عَنْ يَسَارِ الإِمَامِ، وَحَوَّلَهُ الإِمَامُ، خَلْفَهُ إِلَى يَمِينِهِ </span>تَمَّتْ صَلَاتُهُ)\nأي هذا باب ترجمته: إذا قام... إلى آخره.\nوقوله: (تَمَّتْ صَلَاتُهُ) جوابُ إذا، يعني لا يَضرُّ صلاتَه.\nوقوله: (خَلْفَهُ) منصوبٌ بالظرفية، أي في خلفِه، أو بنزع الخافض، أي مِن خلفِه، قال العيني: والضمير راجع إلى الإمام. قال شيخنا: تقدم أكثرُ لفظ هذه الترجمة قبل بنحوٍ من عشرين بابًا لكن ليس هناك لفظ: (خَلْفَهُ)، وقال هناك: (لَمْ تَفْسُدْ صَلَاتُهُمَا) بدل قوله: (تَمَّتْ صَلَاتُهُ). وأخرج هناك حديثَ ابن عباسٍ هذا لكنْ مِن وجهٍ آخر، ولم ينبِّه أحدٌ من الشُّرَّاح على حِكمَةِ.","vol":"1","page":277},{"text":"هذه الإعادة، بل أسقط بعضهم الكلام على هذا الباب، والذي يظهر لي أن حكمهما مختلف لاختلاف الجوابين، فقوله: (لم تفسد صلاتهما) أي: بالعمل الواقع منهما لكونه خفيفًا، وهو من مصلحة الصلاة أيضًا، وقوله: (تمت صلاته) أي: المأموم، ولا يضر وقوفه عن يسار الإمام أولًا مع كونه في غير موقفه؛ لأنه معذور بعدم العلم بذلك الحكم، ويحتمل أن يكون الضمير للإمام، وتوجيهه أن الإمام وحده في مقام الصف، ومحاولته لتحويل المأموم فيه التفات ببعض بدنه، ولكن ليس تركًا لإقامة الصف للمصلحة المذكورة، فصلاته على هذا لا نقص فيها من هذه الجهة، والله أعلم.\nقلت: عَود الضمير إلى المأموم؛ لأن النقص إنما كان في صلاته بوقوفه في غير موقفه، وبهذا الفعل تمت صلاته، وفِعل الإمام ليس نقصًا في صلاته؛ لأنه لمصلحة الصلاة. انتهى، وقال الكرماني: ويحتمل أن يكون الضمير للرجل؛ لأن الفاعل وإن تأخر لفظًا لكنه متقدم مرتبة، فلكل منهما قربٌ من وجه، لكن إذا عاد الضمير للإمام أفاد أنه احترز أن يحوله من بين يديه؛ لئلا يصير كالمار بين يديه.\nقال العيني: الأَولى أن يكون الضمير للإمام؛ لأنه هو الذي يحوله من خلفه، ولا معنى لتحويله من خلف الرجل. قلت: في حديث الباب ما يدل على أنه حوَّله من خلف نفسه، وهو قوله: (من ورائي) وهو معدودة من الخوارق!\n\n٧٢٦ - <span id=\"b-٣٥٩\"> </span>قوله: (حَدَّثَنا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا دَاوُدُ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ، فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِرَأْسِي مِنْ وَرَائِي، فَجَعَلَنِي عَنْ يَمِينِهِ، فَصَلَّى وَرَقَدَ، فَجَاءَهُ المُؤَذِّنُ، فَقَامَ يُصَلِّي وَلَمْ يَتَوَضَّأْ).\nمناسبته للترجمة في قوله: (فقُمت عن يساره... إلى آخره) وقد تكرر هذا الحديث فيما مضى وههنا في عدة مواضع، أولها في كتاب العلم في باب السمر بالعلم، ومباحث الحديث قد مرَّت في الأبواب التي تقدمت، وأكثرها في كتاب العلم وفي باب تخفيف الوضوء.\n\n <span id=\"b-٣٦٠\"> </span>(٧٨) (بابُ المرأةِ تَكونُ وَحدَها صَفًّا) أي: هذا باب في بيان أن المرأة تكون صفًا، اعترض الإساعيلي فقال: الواحد والواحدة لا تسمى صفًا إذا انفردوا وإن جازت صلاته منفردًا خلف الصف، وأقل ما يقوم به الصف باثنين. ورُدَّ عليه بأنه قيل في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا﴾ [النبأ: ٣٨] أن الروح وحدَه صفٌّ، وأجاب الكرماني بأن المراد أنها لا تقف في صف واحد، بل تقف وحدها ويكون في حكم الصف، أو أن جنس المرأة غير مختلطة بالرجال يكون صفًا.\nقال شيخنا: هذه الترجمة لفظ حديث أخرجه ابن عبد البر من حديث عائشة مرفوعًا المرأة وحدها صف.\n\n٧٢٧ - <span id=\"b-٣٦١\"> </span>قوله: (حَدَّثَنا عَبدُ اللهِ بنُ محمدٍ) أي: الجُعفي المعروف بالمسندي، ترجمته في باب الإيمان، قال شيخنا: هو الجعفي وإن كان عبد الله بن محمد بن أبي شيبة قد روى هذا الحديث أيضًا عن سفيان. انتهى\nقوله: (قالَ: حَدَّثَنا سُفيان) أي: ابن عيينة، ترجمته في كتاب الوحي.\nقوله: (عَن إِسحَاق) أي: ابن عبد الله بن أبي طلحة، ترجمته في باب [من قعد] حيث ينتهي به المجلس.\nقوله: (عَن أَنَس) أي: ابن مالك، ترجمته في باب من الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه.\nفي هذا الإسناد التحديث بصيغة الجمع في موضعين، وفيه القول في موضعين، وفيه العنعنة في موضعين،","vol":"1","page":277},{"text":"وفي رواية الحميدي عند أبي نعيم وعلي ابن المديني عند الإسماعيلي كلاهما عن سفيان، حدثنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة أنه سمع أنس بن مالك ﵁.\nقوله: (قالَ: صَلَّيتُ أَنا وَيَتيمٌ في بَيتِنا خَلفَ النَّبي ﷺ وَأُمِّي أُمُّ سُلَيمٍ خَلفَنَا) مطابقته للترجمة في قوله: (وأُمّي أمُّ سُليم خلفَنا) لأنها وقفت خلفهم وحدها، فصارت في حكم الصف.\nهذا الحديث أخرجه النسائي أيضًا عن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن الزهري، وأخرج البخاري هذا الحديث معلولًا في باب الصلاة على الحصير عن عبد الله بن يوسف عن مالك عن إسحاق بن عبد الله، وقد ذكرنا مباحثه هناك.\nقوله: (صَلَّيتُ أَنا) ذكر لفظة (أنا) ليصح العطف على الضمير المرفوع، وهو مذهب البصريين، والكوفيون لم يشترطوا ذلك.\nقوله: (وَيَتيمٌ) كذا للجميع، وكذا وقع في خبر يحيى بن يحيى المشهور من روايته عن ابن عيينة، ووقع عند ابن فتحون فيما رواه عن ابن السكن بسنده في الخبر المذكور: «صليتُ أنا وسُليم» بسين مهملة ولام مصغَّر، فتصحف على الراوي من لفظ (يتيم) ومشى على ذلك ابن فتحون فقال في ذيله على «الإستيعاب»: سُليم غير منسوب، وساق الحديث، قال شيخنا: قال العيني: واليتيم هو ضُميرة بن أبي ضُميرة بضم الضاد المعجمة، له ولأبيه صحبة.\nقوله: (وَأُمّي أُمُّ سُلَيم) وأُمّي عطف على يتيم، وأم سُليم عطف بيان، وكانت مشهورة بهذه الكنية، واسمها سهلة، وقيل: رُميلة أو رميثة أو الرميصاء أو الغميصاء، زوجة أبي طلحة، وكانت فاضلة دَيّنة.\nفيه: أن المرأة لا تصف مع الرجال خشية الافتتان بها، فلو خالفت أجزأت صلاتها عند الجمهور، قال شيخنا: وعن الحنفية تفسد صلاة الرجل دون المرأة، وهو عجيبٌ! وفي توجيهه تعسُّف حيث قال قائلهم: دليله قول ابن مسعود: «أخِّروهن من حيث أخَّرهن الله» والأمر للوجوب، وحيث ظرف مكان، ولا مكان يجب تأخيرهُنَّ فيه إلا مكان الصلاة، فإذا حاذت الرجل فسدت صلاة الرجل؛ لأنه ترك ما أمر به من تأخيرها، وحكاية هذا تكفي عن تكلُّف جوابه، والله المستعان. انتهى\nقال العيني: أثر ابن مسعود أخرجه عبد الرزاق في «مصنفه» عن سفيان الثوري عن الأعمش عن إبراهيم عن أبي معمر عن ابن مسعود ﵁، وهذا القائل لو أدرك دقة ما قاله الحنفية ههنا لما قال: وهو عجيب وفي توجيهه تعسف، والتعسف على الذي لا يفهم كلام القوم. انتهى، قلت: هذا ردٌّ بالصدر ودقة النظر مع شيخنا؛ فإنه قال: قد ثبت النهي عن الصلاة في الثوب المغصوب، وأمر لابسه أن ينزعه، فلو خالف يصلي فيه ولم ينزعه أثم وأجزأته صلاته، فلم لا يقال في الرجل الذي حاذته المرأة ذلك؟! وأوضح منه لو كان بباب المسجد صُفّة مملوكة، فصلى فيها شخص بغير إذن مالكها مع اقتداره على أن ينتقل عنها إلى أرض المسجد بخطوة واحدة، صحّت صلاته وأثم، وكذلك الرجل مع المرأة التي حاذته، ولا سيما إن جاءت بعد أن دخل في الصلاة فصلت بجنبه. انتهى، وقال ابن رشيد: الأقرب أن البخاري قصد أن يبين أن هذا مستثنى من عموم الحديث الذي فيه: «لا صلاة لمنفرد خلف الصف» يعني أنه مختص بالرجال.\nوالحديث المذكور أخرجه بن حبان من حديث علي بن سنان، قال شيخنا وفي صحته نظر كما سنذكره في باب إذا ركع دون الصف.","vol":"1","page":278},{"text":"انتهى، واستدل به ابن بطال على صحة صلاة المنفرد خلف الصف خلافًا لأحمد؛ لأنه لما ثبت ذلك للمرأة كان للرجل أولى. انتهى، قال شيخنا: لكن لمخالفه أن يقول: إنما ساغ ذلك لامتناع أن تصف مع الرجال بخلاف الرجل؛ فإن له أن يصف معهم وأن يزاحمهم وأن يجذب رجلًا من حاشية الصف فيقوم معه، فافترقا.\nواستُدل بقوله: (فَصَفَفتُ أَنا واليَتيمُ وراءَه) على أن السنة في موقف الاثنين أن يصفّا خلف الإمام خلافًا لمن قال من الكوفيين: إن أحدهما يقف عن يمينه والآخر عن يساره، وحجَّتهم في ذلك حديث بن مسعود الذي أخرجه أبو داود وغيره عنه أنه أقام علقمة عن يمينه والأسود عن شماله، وأجاب عنه ابن سيرين: بأن ذلك كان لضيق المكان، رواه الطحاوي. انتهى، قال العيني: القائل بذلك من الكوفيين هو أبو يوسف، فإنه قال: الإمام يقف بينهما؛ لما روى الترمذي في «جامعه» عن ابن مسعود: أنه صلى بعلقمة والأسود فقام بينهما. وأما عند أبي حنيفة ومحمد فإنه يتقدم على الاثنين؛ لما في حديث أنس المذكور، وأُجيب عن حديث ابن مسعود بثلاثة أجوبة:\nالأول: أن ابن مسعود لم يبلغه حديث أنس.\nالثاني: أنه كان لضيق المكان، رواه الطحاوي عن ابن سيرين أنه قال: الذي فعله ابن مسعود كان لضيق المسجد أو لعذر آخر، لا على أنه السنة.\nوالثالث: ما ذكره البيهقي في كتاب «المعرفة»: «أنه رأى النبي ﷺ وأبو ذر عن يمينه وكل واحد يصلي لنفسه، فقام ابن مسعود خلفهما، فأومأ إليه النبي ﷺ بشماله»، فظن ابن مسعود أن ذلك سنة الموقف، ولم يعلم أنه لا يؤمُّهما، وعلمه أبو ذر ﵁ حتى قال: يصلي كل رجل منّا لنفسه.\nوقال الخطابي: اختلف أهل العلم فيمن صلى خلف الصف وحده، فقالت طائفة: صلاته فاسدة على ظاهر حديث أبي هريرة الذي رواه الطبراني في «الأوسط»: «أن النبي ﷺ رأى رجلًا يصلي خلف الصف وحدَه فقال له: أعد صلاتك»، هذا قول النخعي وأحمد وإسحاق، وقال ابن حزم: صلاة المنفرد خلف الصف وحده باطلة، لما في حديث وابصة بن معبد، أخرجه ابن حبان في «صحيحه»: «صلى رجل خلف الصف فقال له ﵇: أعد صلاتك؛ فإنه لا صلاة لك» وفي حديث علي بن شيبان: «استقبل صلاتك»، وفي لفظ: «أعد صلاتك؛ فإنه لا صلاة لمنفرد خلف الصف وحده». وقال أبو حنيفة ومالك والشافعي: صلاة المنفرد خلف الإمام جائزة.\nوأجيب عن حديث أبي هريرة: بأن الأمر بالإعادة على الاستحباب دون الإيجاب، وعن حديث وابصة: أنه لم يثبته جماعة، وفيه اضطراب، قاله أبو عمر. وقال الشافعي: في سنده اختلاف، وعن حديث ابن شيبان: أن رجاله غير مشهورين، وعن الشافعي: لو ثبت هذا لقلت به.\nقال شيخنا: وباقي مباحثه تقدمت في باب الصلاة على الحصير انتهى\n\n <span id=\"b-٣٦٢\"> </span>(٧٩) <span data-type=\"title\" id=toc-362>(بابُ مَيمَنَةِ المسجِدِ وَالإِمامِ)</span> أي: هذا باب في بيان أن ميمنة المسجد والإمام هي مكان المأموم إذا كان وحدَه.\n٧٢٨ - <span id=\"b-٣٦٣\"> </span>قوله: (حَدَّثَنا مُوسَى) أي: إسماعيل التبوذكي، ترجمته في بدء الوحي.\nقوله: (قالَ: حَدَّثَنا ثابتُ بنُ زَيدٍ) أي: بالثاء المثلثة في أوله، ويقال: ابن يزيد، قال العيني: والأول","vol":"1","page":278},{"text":"أصح يكنى أبا زيد الأحول البصري.\nقوله: (قالَ عاصِمٌ) أي: ابن سليمان الأحول أبو عبد الرحمن، ترجمته في باب الماء الذي يغسل به شعر الإنسان.\nقوله: (عَنِ الشَّعبي) أي: عامر بن شراحيل أبو عمرو الكوفي، ترجمته في بابٍ يتلو باب أمور الإيمان.\nقوله: (عَنِ ابنِ عَبّاسٍ) أي: عبد الله، ترجمته في بدء الوحي.\nفي هذا الإسناد التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع، وفيه العنعنة في موضعين، وفيه القول في ثلاث مواضع، وفيه رواية مَن يلقب بالأحول عن الأحول، وفيه أن رواته ما بين كوفي واحد وهو الشعبي وثلاثة بصريين.\nقوله: (قالَ: قُمْتُ لَيلَةً أُصَلي عَنْ يَسَارِ النَّبِيِّ ﷺ فَأَخَذَ بِيَدِي، أَوْ بِعَضُدِي حَتَّى أَقَامَنِي عَنْ يَمِينِهِ، وَقَالَ بِيَدِهِ مِنْ وَرَائِي).\nمطابقته للترجمة في حق الإمام بالمطابقة، وأما للمسجد فباللزوم. قال العيني: مطابقته في جهة المسجد ظاهرة؛ لأن المأموم إذا كان عن يمين إمامه كان في ميمنة المسجد بلا نزاع، ولا يرد عليه الاستشكال فيه من جهة أن هذا الحديث إنما ورد فيما إذا كان المأموم واحدًا وما إذا كبروا، فلا دليل فيه على فضيلة المسجد؛ لأنا نقول: إن البخاري إنما وضع الترجمة على طبق ما في الحديث، وهو ما ذكرناه أن ميمنة المسجد والإمام في مكان المأموم إذا كان وحده، وأما الذي يدل على فضيلة ميمنة المسجد والإمام فحديث البراء أخرجه النسائي بإسناد صحيح، قال: «كنّا إذا صلّينا خلف النبي ﷺ اجتنبنا أن نكون عن يمينه» قال شيخنا: ولأبي داود بإسناد حسن: «إن الله وملائكته يصلون على ميامن الصفوف» فإن قلت: روى ابن ماجة عن ابن عمر ﵄، قال: «قيل للنبي ﷺ: إن ميسرة المسجد تعطلت، فقال: مَن عَمَر ميمنة المسجد كُتب له كفلان من الأجر» يقال: في إسناده مقال، ولئن سلمنا صحته فلا يعارض حديث البراء؛ لأن ما ورد لمعنى عارض يزول بزواله. انتهى\nهذا الحديث أخرجه ابن ماجة عن محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، عن عبد الوحد بن زياد عن عاصم عنه به.\nقوله: (أَو بِعَضُدي) شك من الراوي، وقال الكرماني: الشك من ابن عباس. قال العيني: يحتمل أن يكون من غيره، ووجه الجمع بين قوله: (فأخذ بيدي) وبين قوله في باب إذا أم الرجل: (فأخذ برأسي) كون القضية متعددة، وإلا فوجهه أن يقال: أخذ أولًا برأسه ثم بيده أو بعضه أو بالعكس.\nقوله: (فَقَالَ بِيَدِهِ) أي: أشار بها أو تناول، ويدل عليه رواية الإسماعيلي: «فأخذ بيدي».\nقوله: (مِن وَرائي) وفي رواية الكشميهني: «مِن وَرائه» أي: من وراء الرسول ﵇ وهذا أوجه.\n\n <span id=\"b-٣٦٤\"> </span>(٨٠) (بابٌ إذا كانَ بَينَ الإِمامِ والقَومِ حائِطٌ أَو سُترَةٌ) أي: هذا باب ترجمته إذا كان... إلى آخره، وجواب إذا محذوف تقديره: لا يضره ذلك، والمقالة فيها خلاف، ولكن ما في الباب يدل على أن ذلك جائز، قال العيني: وهو مذهب المالكية أيضًا، وهو المنقول عن أنس وأبي هريرة وابن سيرين وسالم، وكان عروة يصلي بصلاة الإمام وهو في دار بينها وبين المسجد طريق، وقال مالك: لا بأس أن يصلي وبينه وبين الإمام نهر صغير أو طريق، وكذلك السفن المتقاربة يكون الإمام في أحدها تجزئهم الصلاة معه، وكره ذلك طائفة","vol":"1","page":279},{"text":"وروي عن عمر بن الخطاب إذا كان بينه وبين الإمام طريق أو نهر فليس هو معه، وكره الشعبي وإبراهيم أن يكون بينهما طريق، وقال أبو حنيفة: لا يجزئه إلا أن تكون الصفوف متصلة في الطريق، وبه قال الليث والأوزاعي وأشهب. انتهى، ومنهم من فرق بين المسجد وغيره.\nقوله: (وَقالَ الحَسَنُ: لا بَأسَ أَن تُصَلِّي وَبَينَكَ وَبَينَهُ نَهرٌ) مطابقة هذا الأثر للترجمة من حيث إن الفاصل بينه وبين الإمام كالحائط والنهر، قال شيخنا: لم أرَ هذا الأثر موصولًا بلفظه، وروى سعيد بن منصور بإسناد صحيح عنه في الرجل يصلي خلف الإمام أو فوق سطح يأتم به لا بأس بذلك. انتهى\nقوله: (وَبَينَكَ) حال، وقوله: (نَهرٌ) ويروى: نُهيرٌ مصغرًا، وهو يدل على أن المراد من النهر الصغير والكبير يمنع.\nقوله: (وَقالَ أَبو مِجلَزٍ) أي: بكسر الميم وسكون الجيم وفي آخره زاء معجمة، لاحق بن حميد بضم الحاء المهملة ابن سعيد البصري الأعور، من التابعين المشهورين، مات بظهر الكوفة في سنة مئة أو إحدى ومئة.\nقوله: (يَأتَمُّ بِالإِمامِ وَإِن كَانَ بَينَهُمَا طَريقٌ أَو جِدَارٌ إِذا سَمِعَ تَكبِيرَ الإِمَامِ) مطابقته للترجمة ظاهرة جدًا، وهذا الأثر وصله ابن شيبة عن معتمر بن سليمان عن ليث بن أبي سليمان عنه في امرأة تصلي وبينها وبين الإمام حائط، قال: إذا كانت تسمع تكبير الإمام أجزأها ذلك. قال شيخنا: وليث ضعيف، لكن أخرجه عبد الرزاق عن ابن التيمي، وهو معتمر عن أبيه عنه فإن كان مضبوطًا فهو إسناد صحيح. انتهى\n\n٧٢٩ - <span id=\"b-٣٦٥\"> </span>قوله: (حَدَّثَني محمد) أي: ابن سلام، قاله أبو نعيم، وبه جزم ابن عساكر في روايته ترجمته في باب قول النبي ﷺ: أنا أعلمكم بالله.\nقوله: (أَخبَرنا عَبدَةُ) أي: بفتح العين المهملة وسكون الباء الموحدة، ابن سليمان الكلابي من أنفسِهم، ويقال: العامري الكوفي، وكان اسمه عبد الرحمن وعَبدةُ لقبُه فغلب عليه، يكنى أبا محمد، ترجمته في الباب أيضًا.\nقوله: (عَن يَحيَى بنِ سَعيدٍ) ترجمته في............ (^١)\nقوله: (عَن عَمرَةَ) أي: بنت عبد الرحمن الأنصارية المدنية، ترجمتها في باب عرق الاستحاضة.\nقوله: (عَن عَائِشَةَ) أي: أم المؤمنين، ترجمتها في بدء الوحي.\nفي هذا الإسناد التحديث بصيغة الإفراد في موضع واحد، وفيه الإخبار بصيغة الجمع في موضع واحد، وفيه العنعنة في ثلاث مواضع، وفيه القول في موضعين، وفيه من غلب لقبه على اسمه، وفيه رواية التابعي عن التابعية عن الصحابية، وفيه أن رواته ما بين السكندري وهو شيخُ البخاري وكوفي ومدني، وفيه أن شيخ البخاري من أفراده، وفيه أن شيخه مذكور بلا نسبة.\nقوله: (قالَت: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ فِي حُجْرَتِهِ وَجِدَارُ الْحُجْرَةِ قَصِيرٌ، فَرَأَى النَّاسُ شَخْصَ النَّبِيِّ ﷺ، فَقَامَ نَاسٌ يُصَلُّونَ بِصَلَاتِهِ فَأَصْبَحُوا فَتَحَدَّثُوا بِذَلِكَ، فَقَامَ لَيْلَةَ الثَّانِيَةِ فَقَامَ مَعَهُ أُنَاسٌ يُصَلُّونَ بِصَلَاتِهِ صَنَعُوا ذَلِكَ لَيْلَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً، حَتَّى إِذَا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ جَلَسَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَلَمْ يَخْرُجْ، فَلَمَّا أَصْبَحَ ذَكَرَ ذَلِكَ النَّاسُ فَقَالَ: إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تُكْتَبَ عَلَيْكُمْ صَلَاةُ اللَّيْلِ).\nمطابقته للترجمة في قوله: (فَقامَ ناسٌ يُصَلُّونَ بِصَلاتِهِ) لأنه كان بينه وبينهم جدار الحجر.\nهذا الحديث أخرجه أبو داود في الصلاة عن أبي خيثمة زهير بن حرب، عن\nهشيم بن بشير\n_________\n(^١) بياض في المخطوط\nقال شيخنا: وسيأتي بقية مباحثه في كتاب التهجد إنْ شاء الله تعالى.","vol":"1","page":279},{"text":"بشير عن يحيى به مختصرًا.\nقوله: (في حُجْرَتِه) أي: في حجرة بيته، يدل عليه ذكر جدار الحجرة، وأوضح منه رواية حماد بن زيد عن يحيى عند أبي نعيم، بلفظ: «كان يصلي في حجرة من حجر أزواجه»، ويحتمل أن المراد بالحجرة التي كان احتجرها في المسجد بالحصير، كباقي الرواية التي بعدها وكذا حديث زيد بن ثابت الذي بعده، ولأبي داود ومحمد بن نصر من وجهين آخرين عن أبي سلمة عن عائشة أنها هي التي نصبت له الحصير على باب بيتها، فإما أن يحمل على التعدد أو على المجاز في الجدار وفي نسبة الحجرة إليها، والحجرة الموضع المنفرد من الدار.\nقوله: (شَخَصَ النَّبِي ﷺ) الشخص سواد الإنسان وغيره يراه من بعيد، وإنما قال بلفظ الشخص، لأنه كان ذلك بالليل ولم يكونوا يبصرون منه إلا سواده.\nقوله: (فَقَامَ نَاسٌ)، وفي رواية الكُشْمِيهَنِي: «فقام أناس» بزيادة همزة في أوله.\nقوله (بِصَلاتِه) أي: متلبسين بصلاته أو مقتدين بها.\nقوله: (فَأَصْبَحُوا) أي: دخلوا في الصباح، وهي تامة.\nقوله: (فَقَامَ لَيْلَة الثَّانيَة) هكذا رواية الأكثرين، وفي رواية الأصيلي: «فقام الليلة الثانية»، وجه الرواية الأولى أن فيه حذفًا تقديره: ليلة الغداة الثانية، وقال الكَرْمَانِي: الليلة مضافة إلى الثانية من باب إضافة الموصوف إلى صفته.\nقوله: (ذَلِكَ) أي: الاقتداء بالنبي ﷺ.\nقوله: (إذَا كَانَ) أي: الوقت أو الزمان.\nقوله: (فَلَمْ يَخْرُج)، أي: إلى الموضع المعهود الذي كان صلى فيه تلك الليالي، فلم يروا شخصه.\nقوله: (فَلَمَّا أصْبَح ذَكَر ذَلكَ النَّاس) أي: للنبي ﷺ، وذكر عبد الرزاق أن الذي خاطبه بذلك عمر، ﵁، أخرجه عن معمر عن الزهري عن عروة عنها.\nقوله: (أنْ تُكْتَب)، أي: تفرض، وقال الخطابي: قد يقال عليه: كيف يجوز أن تكتب علينا صلاة وقد أكمل الله الفرائض، ورد عدد الخمسين منها إلى الخمس؟ فقيل: إن صلاة الليل كانت واجبة على النبي ﷺ، وأفعاله التي تفضل بالشريعة واجب على الأمة الائتساء به فيها، وكان أصحابه إذا رأوه يواظب على فعل يقتدون به، ويرونه واجبًا، فترك النبي ﷺ الخروج إليهم في الليلة الرابعة، وترك الصلاة فيها لئلا يدخل ذلك الفعل في الواجبات المكتوبة عليهم من طريق الأمر بالاقتداء به، فالزيادة إنما تجب عليهم من جهة وجوب الاقتداء بأفعال رسول الله ﷺ، لا من جهة إنشاء فرض يستأنف زائدًا على الخمس، وهذا كما يوجب الرجل على نفسه صلاة نذر.\nولا يدل ذلك على زيادة في الشرع المفروض في الأصل، وفيه وجه آخر، وهو أن الله تعالى فرض الصلاة أولًا خمسين، ثم حط بشفاعة رسول الله ﷺ معظمها تخفيفًا عن أمته، فإذا عادت الأمة فيما استوهبت وتبرعت بالعمل به لم يستنكر أن يكتب فرضًا عليهم،\nوقد ذكر الله تعالى عن النصارى أنهم ابتدعوا رهبانية ما كتبها الله عليهم، ثم لما قصروا فيها لحقتهم الملامة في قول الله تعالى: ﴿فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ [الحديد: ٢٧]. فأشفق ﷺ أن يكون سبيلهم سبيل أولئك، فقطع العمل به تخفيفا عن أمته.\nفيه: ما قاله المهلب جواز الائتمام بمن لم ينو أن يكون إمامًا في تلك الصلاة، لأنَّ الناس ائتموا به ﷺ من وراء الحائط، ولم يعقد النية معهم على الإمامة، وهو قول مالك والشافعي قال العيني: هو مذهب أبي حنيفة أيضًا إلا أنَّ أصحابنا قالوا:","vol":"1","page":280},{"text":"لا بد من نية الإمامة في حق النساء، خلافًا لزفر.\nوفيه: أنَّ فعل النوافل في البيت أفضل. وقال ابن القاسم عن مالك: إنَّ التنفل في البيوت أفضل منه في مسجد النبي ﷺ إلا للغرباء.\nوفيه: جواز النافلة في جماعة.\nوفيه: أيضًا شفقته ﷺ على أمته خشية أن تكتب عليهم صلاة الليل فيعجزوا عنها، فترك الخروج لئلا يخرج ذلك الفعل منه.\nوفيه: أنَّ الجدار ونحوه لا يمنع الاقتداء بالإمام، وعليه ترجمة الباب. قال العيني: إنَّما يجوز ذلك إذا لم يلتبس عليه حال الإمام. انتهى.\nقلت: وفيه جواز احتجار قطعة من المسجد بحصير ونحوها ليصلي فيها وحده، وفيه جواز ترك فضيلة خوفًا من الوقع في الملامة والذم. انتهى.\n\n <span id=\"b-٣٦٦\"> </span>(٨١)<span data-type=\"title\" id=toc-366> باب صلاة الليل</span>\nأي: هذا باب في بيان صلاة الليل، كذا وقع في رواية المستملي وحده ولم يشرح عليه أكثر الشراح ولا ذكره الإسماعيلي وهو وجه السياق لأنَّ التراجم متعلقة بأبواب الصفوف وإقامتها، ولما كانت الصلاة بالحائل قد يتخيل أنها مانعة من إقامة الصف ترجم لها وأورد ما عنده فيها.\nفأمَّا صلاة الليل بخصوصها فلها كتاب مفرد سيأتي في أواخر الصلاة وكأنَّ النسخة وقع فيها تكرير لفظ صلاة الليل وهي الجملة التي في آخر الحديث الذي قبله فظن الراوي أنها ترجمة مستقلة فصدرها بلفظ باب، وقد تكلف بن رشيد توجيهها بما حاصله أن من صلى بالليل مأمومًا كانت فيه مشابهة بمن صلى وراء حائل.\nوأبعد منه من قال: يريد أنَّ من صلى بالليل مأمومًا في الظلمة كان كمن صلى وراء حائط، ثم ظهر لي احتمال أن يكون المراد صلاة الليل جماعة فحذف لفظ جماعة والذي يأتي في أبواب التهجد إنما هو حكم صلاة الليل وكيفيتها من عدد الركعات وفي المسجد والبيت ونحو ذلك. انتهى.\nقلت: الاحتمال الذي ظهر لشيخنا حسن، لكن يحتاج إلى تتمة وهو صلاة الليل جماعة حكم صلاة النهار جماعة في موقف المأموم إن كان المأموم واحدًا وقف عن يمين الإمام.\nوإنْ كانوا أكثر صفوا خلفه، وترك البخاري هذه الجمل لطول الترجمة بها واكتفى بدلالة حديث ابن عباس وحديث عائشة الذي في الباب عن ذكر ذلك. انتهى.\n\n٧٣٠ - <span id=\"b-٣٦٧\"> </span>قوله: (حدثنا إبراهيم بن المنذر) أي-أبو إسحاق المدني-ترجمته في باب من سأل علمًا وهو مشتغل.\nقوله: قال: (حدثنا ابن أبي الفُدَيْك) بضم الفاء وفتح الدال المهملة وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره كاف، وقد استعمل بالألف واللام وبدونها، من فدكت القطن إذا نبشته، وهو محمد بن إسماعيل ابن سليم ابن أبي فديك، واسم أبي فديك: دينار الديلي أو إسماعيل المدني ترجمة محمد في باب حفظ العلم.\nقوله: قال (حَدَّثَنا ابنُ أبِي ذِئْب) أي -بكسر الذال المعجمة وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره باء موحدة-وهو محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث بن أبي ذئب، واسم أبي ذئب هشام بن شعبة أبو الحارث المدني ترجمته في الباب أيضًا.\nقوله: (عن المَقْبُرِي) أي -بفتح الميم وسكون القاف وضم الباء الموحدة وفتحها وقيل بكسرها أيضًا-وهو نسبة إلى المقبرة، والمراد به ههنا، سعيد بن أبي سعيد كيسان أبو سعيد المدني، وسمي بالمقبري","vol":"1","page":280},{"text":"لأن سكناه كان بجوار المقبرة ترجمته في باب الدين يسر.\nقوله: (عن أبي سَلَمَة بن عبْدِ الرَّحمَن بن عَوْف) ترجمته في بدء الوحي.\nقوله (عن عاَئِشَة) أي -أم المؤمنين ﵂- ترجمتها في البدء أيضًا.\nفي هذا الإسناد: التحديث بصيغة الجمع في ثلاث مواضع، وفيه: العنعنة في ثلاث مواضع، وفيه: القول في موضعين، وفيه: أن رواته كلهم مدنيون، وفيه: أن شيخ البخاري من أفراده، وفيه: رواية التابعي عن التابعي عن الصحابية، وفيه: أربعة من الرواة لم يسموا: أحدهم مذكور بالنسبة، والآخر مذكور بالكنية.\nقوله: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ لَهُ حَصِيرٌ، يَبْسُطُهُ بِالنَّهَارِ، وَيَحْتَجِرُهُ بِاللَّيْلِ، فَثَابَ إِلَيْهِ نَاسٌ، فَصَلَّوْا وَرَاءَهُ)\nمطابقته للترجمة في قوله: «فصفُّوا ورائه» لأن صفهم وراء النبي ﷺ كان في صلاة الليل، وهذا الحديث أخرجه البخاري أيضًا في اللباس عن محمد بن أبي بكر عن المعتمر بن سليمان عن عبيد الله بن عمر عن المقبري به،\nوأخرجه مسلم في الصلاة عن محمد بن مثنى عن عبد الوهاب الثقفي عن عبيد الله بن عمر به،\nوأخرجه الترمذي فيه عن قتيبة عن الليث عن ابن عجلان عن سعيد المقبري، وأخرجه النسائي فيه عن قتيبة بتمامه.\nوأخرجه ابن ماجه فيه عن أبي بكر بن أبي شيبة عن محمد بن بشر عن عبيد الله بن عمر مختصرًا.\nقوله: (حَصِيْر)، قال الجوهري: الحصير البارية. قال العيني: هو المتخذ من البُرْدَى وغيره، يبسط في البيوت.\nقوله: (يبْسُطُه بالنَّهَار) جملة في محل الرفع على أنه صفة لحصير.\nقوله: (ويَحتَجِرَه) بالراء المهملة في رواية الأكثرين، ومعناه: يتخذه مثل الحجرة فيصلي فيها، وفي رواية الكُشْميْهَنِي: (يحتجزه) بالزاي أي: يجعله حاجزًا بينه وبين غيره.\nقوله: (فَثَابَ إليه نَاسٌ)، بالثاء المثلثة وبعد الألف باء موحدة من ثاب الناس إذا اجتمعوا وجاءوا.\nوقال الجوهري: ثاب الرجل يثوب ثوبًا وثوبانًا: رجع بعد ذهابه، وثاب الناس اجتمعوا وجاءوا، وكذلك الماء إذا اجتمع في الحوض، ومنه: المثابة وهو الموضع الذي يثاب إليه أي: يرجع مرة بعد أخرى، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: ١٢٥]\nلأن أهله يثوبون إليه أي: ينصرفون في أمورهم ثم يرجعون هذا، هكذا وقع في رواية الأكثرين، وفي رواية الكُشْمِيهَنِي والسرخسي: «فثار إليه ناس» بالثاء المثلثة والراء من: ثار يثور ثورًا وثورانًا إذا انتشر وارتفع، قاله ابن الأثير. وقال الجوهري: إذا سطع، وقال غيره: الثوران الهيجان، فالمعنى ههنا ارتفع الناس إليه، ويقال: ثاب به الناس إذا وثبوا عليه، ووقع عند الخطابي: آبوا، أي: رجعوا يقال: آب يؤب أوبًا وأوبة وإيابًا، والأواب التائب، والمآب المرجع.\nقوله: (فَصَفُّوا وَراءَه) أي: وراء النبي ﷺ.\nأخرج البخاري هذا الحديث مختصرًا، ولعل مراده منه: بيان أنَّ الحجرة المذكورة في الحديث الذي رواه عن عمرة عن عائشة المذكور قبل هذا الباب كانت حصيرًا، والأحاديث يفسر بعضها، وكل موضع حجر عليه فهو حجرة، وفي حديث زيد بن ثابت الآتي ذكره الآن: «اتخذ حجرة، قال: حسبت أنه قال: من حصير»، وجاء في رواية: «احتجر بخصفة أو حصير في المسجد» وفي رواية: «أنه صلى في حجرتي» رواه عمرة عن عائشة، وفي رواية: «فأمرني فضربت له حصيرًا","vol":"1","page":281},{"text":"يصلي عليه».\nقال العيني: ولعل هذه كانت في أحوال. انتهى.\nقلت: لا حاجة إلى التعداد لاحتمال أنها ضربت له حصيرًا يصلي عليها في الحجرة التي هي حصير أيضًا، وأما قولها: (في حُجْرَتِي) أحالتها إلى نفسها لأنها كانت على باب حجرتها، لأنه لو كان في حجرتها مار أشخصه من في المسجد. انتهى.\n\n٧٣١ - <span id=\"b-٣٦٨\"> </span>قوله: (حَدَّثَنَا عبد الأَعْلَى بن حمَّاد) أي: بتشديد الميم: ابن نصر أبو يحيى، مر في: باب الجنب يخرج. قوله: قال (حَدَّثَنَا وَهِيْب) أي: ابن خالد مرَّ في: باب من أجاب الفتيا.\nقوله: قال (حَدَّثَنَا مُوسَى بن عقْبَة) أي-ابن أبي عياش الأسدي-ترجمته في باب إسباغ الوضوء.\nقوله: (عن سَالم أبي النَّضْر) أي-بسكون الضاد المعجمة-وهو ابن أبي أمية، مرَّ في: باب المسح على الخفين.\nقوله: (عن بُسْر بن سَعِيْد) أي -بضم الباء الموحدة وسكون السين المهملة-مرَّ في باب الخوخة والممر في المسجد.\nقوله: (عن زَيْد بن ثَابِت) أي-الأنصاري كاتب الوحي-مرَّ في باب إقبال المحيض.\nفي هذا الإسناد: التحديث بصيغة الجمع في ثلاث مواضع، وفيه: العنعنة في ثلاثة مواضع، وفيه: ثلاثة مدنيون على نسق واحد من التابعين، أولهم: موسى بن عقبة، ووهيب بصري، وعبد الأعلى أصله من البصرة، سكن بغداد، وفيه: عن سالم أبي النضر، وروى ابن جريج عن موسى فلم يذكر سالمًا أبا النضر في هذا الإسناد،\nأخرجه النسائي وقال: ذكر اختلاف ابن جريج ووهيب على موسى بن عقبة في خبر زيد بن ثابت أخبرني عبد الله بن محمد بن تميم المِصِّيْصِي، قال: سمعت حجاج قال: قال ابن جريج: أخبرني موسى بن عقبة عن بسر بن سعيد عن زيد بن ثابت: أنَّ النبي ﷺ قال: «أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة».\nأخبرنا أحمد بن سليمان، قال حدثنا عثمان بن مسلم، قال: حدثنا وهيب، قال: سمعت موسى بن عقبة قال: سمعت أبا النضر يحدث عن بسر بن سعيد عن زيد بن ثابت: أن النبي ﷺ قال: «صلوا أيها الناس في بيوتكم فإن أفضل صلاة المرء في بيته إلا الصلاة المكتوبة».\nثم قال: وقفه مالك. أخبرنا قتيبة بن سعيد عن مالك عن (^١) أبي النضر عن بُسْر بن سعيد أن زيد بن ثابت، قال: «أفضل الصلاة صلاتكم في بيوتكم». يعني إلا صلاة الجماعة. وروى عن مالك خارج «الموطأ» مرفوعًا.\nقال شيخنا: ورواية الجماعة أولى، أي بإثبات أبي النضر.\nقوله: (أنَّ رسولَ الله ﷺ اتخَذَ حُجْرَةً قَالَ حَسِبْتُ أنَّهُ قَالَ منْ حصِيرٍ فِي رمَضَانَ فَصلَّى فيهَا ليالِيَ فَصَلَّى بِصَلاتِه ناسٌ مِنْ أصْحَابِهِ فَلَمَّا عَلِمَ بِهِمْ جَعَلَ يَقْعُدُ فَخَرَجَ إلَيْهِمْ. فَقَالَ قَدْ عرَفْتُ الَّذِي رَأيْتُ مِنْ صَنِيعِكُمْ فَصَلُّوا أيُّهَا النَّاسُ فِي بُيُوتِكُمْ فإنَّ أفْضَلَ الصَّلَاةِ صَلاةُ المَرْءِ فِي بَيْتِهِ إلَاّ المَكْتُوبَةَ).\nمطابقته للترجمة ظاهرة لأن الحديث في صلاة الليل.\nهذا الحديث أخرجه البخاري أيضًا في الاعتصام عن إسحاق عن عفان، وفي الأدب.\nوقال المكي: حدثنا عبد الله بن سعيد وعن محمد بن زياد عن محمد بن جعفر.\nوأخرجه مسلم في الصلاة أيضًا عن محمد ابن المثنى عن محمد بن جعفر به، وعن محمد بن حاتم عن بهز بن أسد عن وهيب به.\nوأخرجه أبو داود فيه عن هارون\n_________\n(^١) قوله: «عن» ليس في الأصل.","vol":"1","page":281},{"text":"بن عبد الله عن مكي بن إبراهيم به، وعن أحمد بن صالح عن ابن وهيب بالفصل الأخير.\nوأخرجه الترمذي فيه عن بندار عن محمد بن جعفر، بالفصل الأخير منه.\nوأخرجه النسائي فيه عن أحمد بن سليمان عن عفان به، وعن عبد الله بن محمد بن تميم عن حجاج عن ابن جريج، بالفصل الأخير منه.\nولما أخرج الترمذي الفصل الأخير قال: وفي الباب عن عمر بن الخطاب وجابر وأبي سعيد وأبي هريرة وابن عمر وعائشة وعبد الله بن سعد وزيد بن خالد.\nقال العيني: حديث عمر بن الخطاب عند ابن ماجه ولفظه: قال عمر: «سألت رسول الله ﷺ، فقال: أما صلاة الرجل في بيته فنور، فنوروا بيوتكم»، وفيه انقطاع.\nوحديث جابر عند مسلم في أفراده، قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا قضى أحدكم الصلاة في مسجده فليجعل في بيته نصيبًا من صلاته». وحديث أبي سعيد عند ابن ماجه عن النبي ﷺ: «إذا قضى أحدكم صلاته فليجعل لبيته منها نصيبًا، فإن الله ﷿ جاعل في بيته من صلاته خيرًا».\nوحديث أبي هريرة عند مسلم والنسائي في «الكبرى» و«في اليوم والليلة»: أنَّ رسول الله ﷺ قال: «لا تجعلوا بيوتكم مقابر، إنَّ الشيطان يفر من البيت الذي يقرأ فيه سورة البقرة».\nوحديث ابن عمر أخرجه الشيخان وأبو داود وابن ماجه. وحديث عائشة أخرجه أحمد: أنَّ رسول الله ﷺ كان يقول: «صلوا في بيوتكم ولا تجعلوها عليكم قبورًا».\nوحديث عبد الله بن سعيد أخرجه الترمذي في «الشمائل»، وابن ماجه قال: «سألت رسول الله ﷺ: أيما أفضل: الصلاة في بيتي أو الصلاة في المسجد؟ قال: ألا ترى إلى بيتي ما أقربه من المسجد؟ فلأن أصلي في بيتي أحب إليَّ من أن أصلي في المسجد إلا أن تكون صلاة مكتوبة». وحديث زيد بن خالد أخرجه أحمد والبزار والطبراني، قال: قال رسول الله ﷺ: «صلوا في بيوتكم ولا تتخذوها قبورًا».\nقال العيني: ممَّا لم يذكره عن الحسن بن علي بن أبي طالب وصهيب بن النعمان. أما حديث الحسن فأخرجه أبو يعلى قال: قال رسول الله ﷺ: «صلوا في بيوتكم ولا تتخذوها قبورًا...» الحديث. وأما حديث صهيب بن النعمان فأخرجه الطبراني في «المعجم الكبير» قال: قال رسول الله ﷺ: «فضل صلاة الرجل في بيته على صلاته حيث يراه الناس كفضل المكتوبة على النافلة».\nقوله: (اتَّخَذَ حُجْرَة) بالراء عند الأكثرين، وفي رواية الكُشْميْهَنِي: بالزاي، أيضًا، ومعناه: شيئًا حاجزًا أي: مانعًا بينه وبين الناس.\nقوله: (قَدْ عَرَفْتُ)، ويروى: «قد علمت».\nقوله: (مِنْ صَنِيْعِكُم)، بفتح الصاد وكسر النون، وفي رواية الكُشْميهَنِي: «من صنعكم»، بضم الصاد وسكون النون أي: حرصكم على إقامة صلاة التراويح، وهذا الكلام ليس لأجل صلاتهم فقط، بل لكونهم رفعوا أصواتهم وسبحوا به ليخرج إليهم، وحصب بعضهم الباب لظنهم أنه نائم، وسيأتي ذلك في الأدب، وزاد في «الاعتصام» «حتى خشيت أن تكتب عليكم، ولو كتبت عليكم ما قمتم به»\nقوله: (فَإنَّ أفْضَل الصَّلَاة...) إلى آخره، ظاهره يشمل جميع النوافل.\nقوله: (إلا المكْتُوبَة) أي: الفريضة.\nفيه: أنَّ صلاة التطوع فعلها في البيوت أفضل من فعلها في المساجد، ولو كانت في المساجد الفاضلة التي تضعف فيها الصلاة على غيرها.\nوقد ورد التصريح بذلك في إحدى روايتي أبي داود لحديث زيد بن","vol":"1","page":282},{"text":"ثابت، فقال فيها: «صلاة المرء في بيته أفضل من صلاته في مسجدي هذا إلا المكتوبة»، وإسنادها صحيح، فعلى هذا: لو صلى نافلة في مسجد المدينة كانت بألف صلاة على القول بدخول النوافل في عموم الحديث، وإذا صلاها في بيته كانت أفضل من ألف صلاة، وهكذا حكم مسجد مكة وبيت المقدس إلا أن التضعيف بمكة يحصل في جميع مكة، بل صحح النووي: أن التضعيف يحصل في جميع الحرم، واستثنى من عموم الحديث عدة من النوافل، ففعلها في غير البيت أفضل، وهي: ما تشرع فيها الجماعة: كالعيدين والاستسقاء والكسوف.\nوقالت الشافعية: وكذلك تحية المسجد وركعتا الطواف وركعتا الإحرام إن كان عند الميقات مسجد كذي الحليفة، وكذلك التنفل في يوم الجمعة قبل الزوال وبعده. وفيه: حجة على من استحب النوافل في المسجد ليلية كانت أو نهارية حكاه القاضي عياض والنووي عن جماعة من السلف، وعلى من استحب نوافل النهار في المسجد دون نوافل الليل، وحكى ذلك عن سفيان الثوري ومالك.\nوفيه: ما يدل على أصل التراويح، لأنه ﷺ، صلاها في رمضان بعض الليالي ثم تركها خشية أن تكتب علينا، ثم اختلف العلماء في كونها سنة أو تطوعا مبتدأ، وقال الإمام حميد الدين الضرير: نفس التراويح سنة، أما أداؤها بالجماعة فمستحب، وروى الحسن عن أبي حنيفة: أن التراويح سنة لا يجوز تركها. وقال الشهيد: هو الصحيح.\nوفي «جوامع الفقه»: التراويح سنة مؤكدة، والجماعة فيها واجبة، وفي «الروضة» للحنفية: أن الجماعة فضيلة. وفي «الذخيرة» للحنفية أيضًا عن أكثر المشايخ: إن إقامتها بالجماعة سنة على الكفاية، ومن صلى في البيت فقد ترك فضيلة المسجد.\nوفي «المبسوط»: لو صلى إنسان في بيته لا يأثم، فعلها ابن عمر وسالم والقاسم ونافع وإبراهيم، ثم إنها عشرون ركعة. وبه قال الشافعي وأحمد، ونقله القاضي عن جمهور العلماء، وحكي بأن الأسود بن يزيد كان يقوم بأربعين ركعة، ويوتر بسبع، وعند مالك: تسع ترويحات بست وثلاثين ركعة غير الوتر، واحتج على ذلك بعمل أهل المدينة، واحتج الحنفية والشافعية والحنابلة بما رواه البيهقي بإسناد صحيح عن السائب بن يزيد الصحابي، قال: «كانوا يقومون على عهد عمر، رضي الله تعالى عنه، بعشرين ركعة، وعلى عهد عثمان وعلي رضي الله تعالى عنهما، مثله».\nفإن قلت: قال في «الموطأ»: عن يزيد بن رومان قال: كان الناس في زمن عمر، رضي الله تعالى عنه، يقومون في رمضان بثلاث وعشرين ركعة؟ قال البيهقي: والثلاث هو الوتر، ويزيد لم يدرك عمر وفيه انقطاع.\nفائدة: استثناء المكتوبة مما يصلى في البيوت هو في حق الرجال دون النساء، فإن صلاتهن في البيوت أفضل، وإن أذن لهن في حضور بعض الجماعات، وقد قال رسول الله ﷺ، في الحديث الصحيح: «إذا استأذنكم نساؤكم بالليل إلى المسجد فأذنوا لهن وبيوتهن خير لهن».\nأخرى: قوله: (في بيوتكُم)، يحتمل أن يكون المراد بذلك إخراج بيوت الله تعالى، وهي المساجد، فيدخل فيه بيت المصلى وبيت غيره، كمن يريد أن يزور قوما في بيوتهم ونحو ذلك.\nويحتمل أن يريد بيت","vol":"1","page":282},{"text":"المصلي دون بيت غيره، وهو ظاهر قوله في الرواية الأخرى: «أفضل صلاة المرء في بيته» فيخرج بذلك أيضا بيت غير المصلى.\nأخرى: اختلف في المراد بقوله: في حديث ابن عمر: «صلوا في بيوتكم»، فقال الجمهور فيما حكاه القاضي عنهم: إن المراد في صلاة النافلة استحباب إخفائها. قال: وقيل هذا في الفريضة، ومعناه: اجعلوا بعض فرائضكم في بيوتكم ليقتدي بكم من لا يخرج إلى المسجد من نسوة وعبيد ومريض ونحوهم، قال النووي: والصواب أن المراد النافلة، قال ولا يجوز حمله على الفريضة.\nأخرى: إنما حث على النوافل في البيوت لكونها أخفى وأبعد من الرياء، وأصون من المحبطات، وليتبرك البيت بذلك، وتنزل فيه الرحمة والملائكة، وتنفر منه الشياطين.\nقوله: وقال عفان: حدثنا وهيب حدثنا موسى سمعت أبا النضر عن بُسْر عن زيد عن النبي ﷺ.\nقال شيخنا: كذا في رواية كريمة وحدها ولم يذكره الإسماعيلي ولا أبو نعيم، وذكر خلف في «الأطراف» في رواية حماد بن شاكر حدثنا عفان وفيه نظر؛ لأنه أخرجه في كتاب الاعتصام بواسطة بينه وبين عفان، ثم فائدة هذه الطريق بيان سماع موسى بن عقبة له من أبي النضر، والله أعلم.\n\nخاتمة:\nاشتمل أبواب الجماعة والإمامة من الأحاديث المرفوعة على مائة واثنين وعشرين حديثًا: الموصول منها ستة وتسعون، والمعلق ستة وعشرون، المكرر منها فيها وفيما مضى تسعون حديثًا الخالص اثنان وثلاثون، ووافقه مسلم على تخريجها سوى تسعة وهي حديث أبي سعيد في فضل صلاة الجماعة، وحديث أبي الدرداء ما أعرف شيئًا، وحديث أنس كان رجل من الأنصار ضخمًا وحديث مالك بن الحويرث في صفة الصلاة، وحديث ابن عمر لما قدم المهاجرون، وحديث أبي هريرة يصلون فإن أصابوا، وحديث النعمان المعلق في الصفوف، وحديث أنس كان أحدنا يلزق منكبيه، وحديثه من إنكاره إقامة الصفوف.\nوفيه من الآثار عن الصحابة والتابعين سبعة عشر أثرًا كلها معلقة إلا أثر ابن عمر أنه كان يأكل قبل أن يصلي، وأثر عثمان الصلاة أحسن ما يعمل الناس، فإنهما موصولان والله ﷾ أعلم.\nنجز الجزء الخامس ولله الحمد على يد أفقر عبيد الله وأحوجهم إلى رحمته علي بن موسى الخطيب بالجامع العتيق بالجيزة لطف الله به في الدارين والمسلمين.\nوكان الفراغ منه يوم الخميس حادي عشر شوال سنة تسعين وثمان مائة. أحسن الله عاقبتها، وصلى الله على نبيه محمد وآله وسلم تسليمًا كثيرًا.","vol":"1","page":283}]}