{"ً":{"ٌ":524,"ٍ":"كشف الغمة عن أدلة الحجاب في الكتاب والسنة","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"files":["https://archive.org/download/kshfglb/kshfglb.pdf"]},"ّ":"الكتاب: كشف الغمة عن أدلة الحجاب في الكتاب والسنة\n(بمناقشة رأي الشيخ الألباني - وجلاء الحق للأمة)\nالمؤلف: أمل محمد آل خميسة\nالطبعة: الثانية، ١٤٤٢ هـ - ٢٠٢١ م\nعدد الصفحات: ٥٠٧\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":3110,"ٕ":19,"ٖ":1780758648,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"المقدمة","level":1,"page":5},{"title":"توطئة","level":2,"page":24},{"title":"البحث الأول: آية الجلباب ﴿يدنين عليهن من جلابيبهن﴾","level":1,"page":28},{"title":"مناقشة البحث الأول","level":2,"page":29},{"title":"إدناء الجلابيب عند اللغويين","level":2,"page":29},{"title":"تفسير قوله تعالى ﴿يدنين عليهن من جلابيبهن﴾","level":2,"page":33},{"title":"المراد بقول ابن عباس \" تدني الجلباب إلى وجهها ولا تضرب به\"","level":2,"page":43},{"title":"المراد بما استشهد به الشيخ الألباني من قول المرداوي وابن قدامة","level":2,"page":47},{"title":"البحث الثاني: هل (الجلباب) المأمور به في آية الأحزاب هو معنى (الحجاب) المذكور في الآية ﴿فاسألوهن من وراء حجاب﴾","level":1,"page":57},{"title":"مناقشة البحث الثاني","level":2,"page":58},{"title":"تسمية كل من الآيتين بـ (آية الحجاب) ثابت في صحيح السنة","level":2,"page":59},{"title":"تفسير قوله تعالى ﴿فاسألوهن من وراء حجاب﴾","level":2,"page":65},{"title":"مسائلة أزواج النبي - ﷺ - وغيرهن من النساء؛ من وراء حجاب","level":2,"page":69},{"title":"المعنى اللغوي للجلباب","level":2,"page":74},{"title":"البحث الثالث: ما أثر عن ابن عباس في تأويل قوله تعالى ﴿يدنين عليهن من جلابيبهن﴾","level":1,"page":80},{"title":"مناقشة البحث الثالث","level":2,"page":81},{"title":"صحة أثر ابن عباس (أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن بالجلابيب، ويبدين عينا واحدة)","level":2,"page":82},{"title":"أثر ابن عباس (وإدناء الجلباب أن تقنع وتشد على جبينها) وأثر قتادة (أن الله أخذ عليهن إذا خرجن أن يقنعن على الحواجب) تشهد لأثر ابن عباس","level":2,"page":88},{"title":"البحث الرابع: الخمار والاعتجار","level":1,"page":91},{"title":"مناقشة البحث الرابع","level":2,"page":93},{"title":"المراد بالثياب في قوله تعالى ﴿فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن﴾","level":2,"page":93},{"title":"تتمة البحث الرابع: التقنع والاعتجار","level":2,"page":103},{"title":"مناقشة تتمة البحث الرابع","level":2,"page":105},{"title":"التقنع","level":2,"page":106},{"title":"الاعتجار","level":2,"page":113},{"title":"البحث الخامس: هل أجمع المسلمون على أن وجه المرأة عورة","level":1,"page":116},{"title":"مناقشة البحث الخامس","level":2,"page":119},{"title":"الحجاب فرض على النساء الحرائر دون الإماء","level":2,"page":120},{"title":"إنكار الشيخ الألباني للتفريق بين الحرائر والإماء في تغطية الوجه","level":2,"page":129},{"title":"عورة المرأة الحرة","level":2,"page":139},{"title":"مدار الخلاف بين الفقهاء في حكم النظر للمرأة","level":2,"page":141},{"title":"إجماع أهل العلم على وجوب تغطية وجه المرأة","level":2,"page":161},{"title":"تتمة البحث الخامس (١) المذهب المنسوب للأئمة الأربعة في كشف الوجه واليدين","level":2,"page":167},{"title":"مناقشة تتمة البحث الخامس (١)","level":2,"page":170},{"title":"هل يسوغ قياس عورة النظر على عورة المرأة في الصلاة؟","level":2,"page":173},{"title":"المراد بما استشهد به الشيخ الألباني من قول أبي جعفر الطحاوي، وابن عبد البر، والإمام مالك، والباجي، والبغوي","level":2,"page":177},{"title":"المراد بنهي المرأة المحرمة عن النقاب وهل المرأة المحرمة مخيرة بين السدل أو الكشف","level":2,"page":190},{"title":"هل نهي المرأة المحرمة عن النقاب ثابت عن النبي - ﷺ -؟","level":2,"page":204},{"title":"تتمة البحث الخامس (٢) هل يسوغ الإنكار على النساء الأجانب إذا كشفن وجوههن في الطريق؟","level":2,"page":209},{"title":"مناقشة تتمة البحث الخامس (٢)","level":2,"page":210},{"title":"البحث السادس: الأحاديث والآثار التي احتج بها الشيخ الألباني","level":1,"page":213},{"title":"مناقشة البحث السادس","level":2,"page":214},{"title":"الحديث الأول (فجاءت امرأة من خثعم، فجعل الفضل ينظر إليها)","level":2,"page":214},{"title":"الحديث الثاني (فقامت امرأة من سفلة النساء سفعاء الخدين)","level":2,"page":221},{"title":"الحديث الثالث (فنظر إليها رسول الله - ﷺ - فصعد النظر إليها وصوبه)","level":2,"page":223},{"title":"الحديث الرابع (ينقلبن إلى بيوتهن حين يقضين الصلاة لا يعرفن من الغلس)","level":2,"page":226},{"title":"معنى التلفع","level":2,"page":227},{"title":"الحديث الخامس (فإنك إذا وضعت خمارك لم يرك)","level":2,"page":231},{"title":"الحديث السادس (فرأيتهن يهوين بأيديهن يقذفنه في ثوب بلال)","level":2,"page":238},{"title":"الحديث السابع (فلقيها أبو السنابل حين تعلت من نفاسها وقد اكتحلت)","level":2,"page":241},{"title":"الحديث الثامن (أن امرأة أتت النبي - ﷺ - تبايعه ولم تكن مختضبة)","level":2,"page":243},{"title":"الحديث التاسع (ألا أريك امرأة من أهل الجنة؟ قلت: بلى، قال: هذه المرأة السوداء،)","level":2,"page":244},{"title":"الحديث العاشر (كانت امرأة تصلي خلف رسول الله - ﷺ -؛ حسناء من أحسن الناس)","level":2,"page":245},{"title":"الحديث الحادي عشر (رأى رسول الله - ﷺ - امرأة فأعجبته فأتى سودة)","level":2,"page":247},{"title":"الحديث الثاني عشر (دخل علي رسول الله - ﷺ - وأنا آكل بشمالي وكنت امرأة عسراء)","level":2,"page":249},{"title":"الحديث الثالث عشر (وفي يدها فتخ من ذهب فجعل رسول الله - ﷺ - يضرب يدها)","level":2,"page":251},{"title":"الآثار التي استشهد بها الشيخ الألباني ومناقشتها","level":2,"page":254},{"title":"الأثر الأول (عنده أسماء ابنت عميس تذب عنه وهي موشومة اليدين)","level":2,"page":254},{"title":"الأثر الثاني (دخل على أبي ذر وهو بالربذة وعنده امرأة له سوداء)","level":2,"page":260},{"title":"الأثر الثالث (جاءت ابنة أبي ذر وعليها مجنبتا صوف سفعاء الخدين)","level":2,"page":262},{"title":"الأثر الرابع (أقبلت فاطمة فوقفت بين يديه فنظرت إليها وقد ذهب الدم من وجهها)","level":2,"page":263},{"title":"الأثر الخامس (فانطلقت مع عجوز من بني أسد إلى ابن مسعود في بيته فرأى جبينها يبرق)","level":2,"page":264},{"title":"الأثر السادس (أن أمه جاءت مسفرة الوجه متبسمة)","level":2,"page":266},{"title":"الأثر السابع (دخلت على عمر بن الخطاب أمة وعليها جلباب متقنعة)","level":2,"page":267},{"title":"الأثر الثامن (فرأيتها عمياء تلتمس الجدر)","level":2,"page":269},{"title":"الأثر التاسع (رأيت عائشة تفتل القلائد للغنم)","level":2,"page":270},{"title":"الأثر العاشر (فقالت بهذا كنت أخرج لرسول الله - ﷺ - الوضوء)","level":2,"page":272},{"title":"الأثر الحادي عشر (فرأيت في يديها مسكا غلاظا في كل يد اثنين)","level":2,"page":273},{"title":"الأثر الثاني عشر (كنت عند فاطمة بنت علي فجاء رجل يثني على أبيها)","level":2,"page":274},{"title":"الأثر الثالث عشر (رأيت سمراء بنت نهيك)","level":2,"page":275},{"title":"الأثر الرابع عشر (دخلت على أم الدرداء فرأيتها مختمرة بخمار صفيق)","level":2,"page":277},{"title":"الأثر السادس عشر (قال وجاءت المرأة متقنعة)","level":2,"page":278},{"title":"البحث السابع: استدلالهم بالأحاديث الضعيفة والآثار الواهية","level":1,"page":280},{"title":"مناقشة البحث السابع","level":2,"page":282},{"title":"مراد ابن جرير الطبري من تفسيره لإدناء الجلابيب","level":2,"page":285},{"title":"هل قول ابن عباس (وإدناء الجلباب أن تقنع وتشد على جبينها) هو الأرجح؟","level":2,"page":287},{"title":"ترجيح رواية ابن عباس (أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن ويبدين عينا)","level":2,"page":293},{"title":"تتمة البحث السابع (١) أثر عبيدة السلماني","level":2,"page":300},{"title":"مناقشة تتمة البحث السابع (١)","level":2,"page":302},{"title":"تتمة البحث السابع (٢) حديث (أفعمياوان أنتما؛ ألستما تبصرانه)","level":2,"page":309},{"title":"مناقشة تتمة البحث السابع (٢)","level":2,"page":311},{"title":"نظر المرأة للرجال الأجانب","level":2,"page":321},{"title":"الأدلة التي تشهد أن الحجاب المفروض على النساء الحرائر يقتضي تغطية الوجه","level":2,"page":328},{"title":"البحث الثامن: حديث (إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا وجهها وكفيها)","level":1,"page":349},{"title":"مناقشة البحث الثامن","level":2,"page":352},{"title":"الإشكال في حديث عائشة وأسماء","level":2,"page":360},{"title":"حديث ابن جريج (إذا عركت المرأة لم يحل لها أن تظهر إلا وجهها وإلا ما دون هذا)","level":2,"page":367},{"title":"البحث التاسع: تفسير آية الزينة ﴿ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها﴾","level":1,"page":379},{"title":"مناقشة البحث التاسع","level":2,"page":380},{"title":"هل حملت هذه الآية على ما أراد الله - ﷿ - منها","level":2,"page":381},{"title":"ما أثر عن الصحابة والتابعين في تفسير هذه الآية","level":2,"page":385},{"title":"توافق المعنى الذي يحمله تأويل ابن عباس وابن مسعود للآية","level":2,"page":397},{"title":"الأدلة من السنة الصحيحة على لبس النساء للجلابيب السود امتثالا لآية إدناء الجلابيب","level":2,"page":411},{"title":"المراد بإبداء الزينة لمن سمى الله في الآية","level":2,"page":418},{"title":"المراد بحديث (وما من امرأة تنزع خمارها في غير بيت زوجها إلا كشفت الستر فيما بينها وبين ربها)","level":2,"page":424},{"title":"المراد من الاستئناس","level":2,"page":433},{"title":"المراد بالغض من البصر في الآية","level":2,"page":443},{"title":"الخلاف القائم حول بعض متعلقات الآية","level":2,"page":446},{"title":"تأويل المفسرين لآيتي النور والأحزاب دون ذكر لتعارض بين الآيتين","level":2,"page":459},{"title":"عورة المرأة عند النساء والمحارم","level":2,"page":469},{"title":"عبارات علماء الإسلام التي تشهد أن تغطية الوجه فرض على المرأة الحرة","level":2,"page":478},{"title":"البحث العاشر: هل يجب على النساء أن يسترن وجوههن لفساد الزمان وسدا للذريعة؟","level":1,"page":485},{"title":"مناقشة البحث العاشر","level":2,"page":486},{"title":"الخاتمة للشيخ الألباني: التشدد في الدين شر لا خير فيه","level":1,"page":495},{"title":"مناقشة خاتمة الشيخ الألباني","level":2,"page":497},{"title":"خاتمة الكتاب","level":1,"page":507}],"ٛ":{"1,1":1,"1,2":2,"1,3":3,"1,4":4,"1,5":5,"1,6":6,"1,7":7,"1,8":8,"1,9":9,"1,10":10,"1,11":11,"1,12":12,"1,13":13,"1,14":14,"1,15":15,"1,16":16,"1,17":17,"1,18":18,"1,19":19,"1,20":20,"1,21":21,"1,22":22,"1,23":23,"1,24":24,"1,25":25,"1,26":26,"1,27":27,"1,28":28,"1,29":29,"1,30":30,"1,31":31,"1,32":32,"1,33":33,"1,34":34,"1,35":35,"1,36":36,"1,37":37,"1,38":38,"1,39":39,"1,40":40,"1,41":41,"1,42":42,"1,43":43,"1,44":44,"1,45":45,"1,46":46,"1,47":47,"1,48":48,"1,49":49,"1,50":50,"1,51":51,"1,52":52,"1,53":53,"1,54":54,"1,55":55,"1,56":56,"1,57":57,"1,58":58,"1,59":59,"1,60":60,"1,61":61,"1,62":62,"1,63":63,"1,64":64,"1,65":65,"1,66":66,"1,67":67,"1,68":68,"1,69":69,"1,70":70,"1,71":71,"1,72":72,"1,73":73,"1,74":74,"1,75":75,"1,76":76,"1,77":77,"1,78":78,"1,79":79,"1,80":80,"1,81":81,"1,82":82,"1,83":83,"1,84":84,"1,85":85,"1,86":86,"1,87":87,"1,88":88,"1,89":89,"1,90":90,"1,91":91,"1,92":92,"1,93":93,"1,94":94,"1,95":95,"1,96":96,"1,97":97,"1,98":98,"1,99":99,"1,100":100,"1,101":101,"1,102":102,"1,103":103,"1,104":104,"1,105":105,"1,106":106,"1,107":107,"1,108":108,"1,109":109,"1,110":110,"1,111":111,"1,112":112,"1,113":113,"1,114":114,"1,115":115,"1,116":116,"1,117":117,"1,118":118,"1,119":119,"1,120":120,"1,121":121,"1,122":122,"1,123":123,"1,124":124,"1,125":125,"1,126":126,"1,127":127,"1,128":128,"1,129":129,"1,130":130,"1,131":131,"1,132":132,"1,133":133,"1,134":134,"1,135":135,"1,136":136,"1,137":137,"1,138":138,"1,139":139,"1,140":140,"1,141":141,"1,142":142,"1,143":143,"1,144":144,"1,145":145,"1,146":146,"1,147":147,"1,148":148,"1,149":149,"1,150":150,"1,151":151,"1,152":152,"1,153":153,"1,154":154,"1,155":155,"1,156":156,"1,157":157,"1,158":158,"1,159":159,"1,160":160,"1,161":161,"1,162":162,"1,163":163,"1,164":164,"1,165":165,"1,166":166,"1,167":167,"1,168":168,"1,169":169,"1,170":170,"1,171":171,"1,172":172,"1,173":173,"1,174":174,"1,175":175,"1,176":176,"1,177":177,"1,178":178,"1,179":179,"1,180":180,"1,181":181,"1,182":182,"1,183":183,"1,184":184,"1,185":185,"1,186":186,"1,187":187,"1,188":188,"1,189":189,"1,190":190,"1,191":191,"1,192":192,"1,193":193,"1,194":194,"1,195":195,"1,196":196,"1,197":197,"1,198":198,"1,199":199,"1,200":200,"1,201":201,"1,202":202,"1,203":203,"1,204":204,"1,205":205,"1,206":206,"1,207":207,"1,208":208,"1,209":209,"1,210":210,"1,211":211,"1,212":212,"1,213":213,"1,214":214,"1,215":215,"1,216":216,"1,217":217,"1,218":218,"1,219":219,"1,220":220,"1,221":221,"1,222":222,"1,223":223,"1,224":224,"1,225":225,"1,226":226,"1,227":227,"1,228":228,"1,229":229,"1,230":230,"1,231":231,"1,232":232,"1,233":233,"1,234":234,"1,235":235,"1,236":236,"1,237":237,"1,238":238,"1,239":239,"1,240":240,"1,241":241,"1,242":242,"1,243":243,"1,244":244,"1,245":245,"1,246":246,"1,247":247,"1,248":248,"1,249":249,"1,250":250,"1,251":251,"1,252":252,"1,253":253,"1,254":254,"1,255":255,"1,256":256,"1,257":257,"1,258":258,"1,259":259,"1,260":260,"1,261":261,"1,262":262,"1,263":263,"1,264":264,"1,265":265,"1,266":266,"1,267":267,"1,268":268,"1,269":269,"1,270":270,"1,271":271,"1,272":272,"1,273":273,"1,274":274,"1,275":275,"1,276":276,"1,277":277,"1,278":278,"1,279":279,"1,280":280,"1,281":281,"1,282":282,"1,283":283,"1,284":284,"1,285":285,"1,286":286,"1,287":287,"1,288":288,"1,289":289,"1,290":290,"1,291":291,"1,292":292,"1,293":293,"1,294":294,"1,295":295,"1,296":296,"1,297":297,"1,298":298,"1,299":299,"1,300":300,"1,301":301,"1,302":302,"1,303":303,"1,304":304,"1,305":305,"1,306":306,"1,307":307,"1,308":308,"1,309":309,"1,310":310,"1,311":311,"1,312":312,"1,313":313,"1,314":314,"1,315":315,"1,316":316,"1,317":317,"1,318":318,"1,319":319,"1,320":320,"1,321":321,"1,322":322,"1,323":323,"1,324":324,"1,325":325,"1,326":326,"1,327":327,"1,328":328,"1,329":329,"1,330":330,"1,331":331,"1,332":332,"1,333":333,"1,334":334,"1,335":335,"1,336":336,"1,337":337,"1,338":338,"1,339":339,"1,340":340,"1,341":341,"1,342":342,"1,343":343,"1,344":344,"1,345":345,"1,346":346,"1,347":347,"1,348":348,"1,349":349,"1,350":350,"1,351":351,"1,352":352,"1,353":353,"1,354":354,"1,355":355,"1,356":356,"1,357":357,"1,358":358,"1,359":359,"1,360":360,"1,361":361,"1,362":362,"1,363":363,"1,364":364,"1,365":365,"1,366":366,"1,367":367,"1,368":368,"1,369":369,"1,370":370,"1,371":371,"1,372":372,"1,373":373,"1,374":374,"1,375":375,"1,376":376,"1,377":377,"1,378":378,"1,379":379,"1,380":380,"1,381":381,"1,382":382,"1,383":383,"1,384":384,"1,385":385,"1,386":386,"1,387":387,"1,388":388,"1,389":389,"1,390":390,"1,391":391,"1,392":392,"1,393":393,"1,394":394,"1,395":395,"1,396":396,"1,397":397,"1,398":398,"1,399":399,"1,400":400,"1,401":401,"1,402":402,"1,403":403,"1,404":404,"1,405":405,"1,406":406,"1,407":407,"1,408":408,"1,409":409,"1,410":410,"1,411":411,"1,412":412,"1,413":413,"1,414":414,"1,415":415,"1,416":416,"1,417":417,"1,418":418,"1,419":419,"1,420":420,"1,421":421,"1,422":422,"1,423":423,"1,424":424,"1,425":425,"1,426":426,"1,427":427,"1,428":428,"1,429":429,"1,430":430,"1,431":431,"1,432":432,"1,433":433,"1,434":434,"1,435":435,"1,436":436,"1,437":437,"1,438":438,"1,439":439,"1,440":440,"1,441":441,"1,442":442,"1,443":443,"1,444":444,"1,445":445,"1,446":446,"1,447":447,"1,448":448,"1,449":449,"1,450":450,"1,451":451,"1,452":452,"1,453":453,"1,454":454,"1,455":455,"1,456":456,"1,457":457,"1,458":458,"1,459":459,"1,460":460,"1,461":461,"1,462":462,"1,463":463,"1,464":464,"1,465":465,"1,466":466,"1,467":467,"1,468":468,"1,469":469,"1,470":470,"1,471":471,"1,472":472,"1,473":473,"1,474":474,"1,475":475,"1,476":476,"1,477":477,"1,478":478,"1,479":479,"1,480":480,"1,481":481,"1,482":482,"1,483":483,"1,484":484,"1,485":485,"1,486":486,"1,487":487,"1,488":488,"1,489":489,"1,490":490,"1,491":491,"1,492":492,"1,493":493,"1,494":494,"1,495":495,"1,496":496,"1,497":497,"1,498":498,"1,499":499,"1,500":500,"1,501":501,"1,502":502,"1,503":503,"1,504":504,"1,505":505,"1,506":506,"1,507":507},"ٜ":{"1":[1,507]},"ٝ":["1,1","1,2","1,3","1,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,314","1,315","1,316","1,317","1,318","1,319","1,320","1,321","1,322","1,323","1,324","1,325","1,326","1,327","1,328","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,336","1,337","1,338","1,339","1,340","1,341","1,342","1,343","1,344","1,345","1,346","1,347","1,348","1,349","1,350","1,351","1,352","1,353","1,354","1,355","1,356","1,357","1,358","1,359","1,360","1,361","1,362","1,363","1,364","1,365","1,366","1,367","1,368","1,369","1,370","1,371","1,372","1,373","1,374","1,375","1,376","1,377","1,378","1,379","1,380","1,381","1,382","1,383","1,384","1,385","1,386","1,387","1,388","1,389","1,390","1,391","1,392","1,393","1,394","1,395","1,396","1,397","1,398","1,399","1,400","1,401","1,402","1,403","1,404","1,405","1,406","1,407","1,408","1,409","1,410","1,411","1,412","1,413","1,414","1,415","1,416","1,417","1,418","1,419","1,420","1,421","1,422","1,423","1,424","1,425","1,426","1,427","1,428","1,429","1,430","1,431","1,432","1,433","1,434","1,435","1,436","1,437","1,438","1,439","1,440","1,441","1,442","1,443","1,444","1,445","1,446","1,447","1,448","1,449","1,450","1,451","1,452","1,453","1,454","1,455","1,456","1,457","1,458","1,459","1,460","1,461","1,462","1,463","1,464","1,465","1,466","1,467","1,468","1,469","1,470","1,471","1,472","1,473","1,474","1,475","1,476","1,477","1,478","1,479","1,480","1,481","1,482","1,483","1,484","1,485","1,486","1,487","1,488","1,489","1,490","1,491","1,492","1,493","1,494","1,495","1,496","1,497","1,498","1,499","1,500","1,501","1,502","1,503","1,504","1,505","1,506","1,507"],"ٞ":{"5":[1],"24":[2],"28":[3],"29":[4,5],"33":[6],"43":[7],"47":[8],"57":[9],"58":[10],"59":[11],"65":[12],"69":[13],"74":[14],"80":[15],"81":[16],"82":[17],"88":[18],"91":[19],"93":[20,21],"103":[22],"105":[23],"106":[24],"113":[25],"116":[26],"119":[27],"120":[28],"129":[29],"139":[30],"141":[31],"161":[32],"167":[33],"170":[34],"173":[35],"177":[36],"190":[37],"204":[38],"209":[39],"210":[40],"213":[41],"214":[42,43],"221":[44],"223":[45],"226":[46],"227":[47],"231":[48],"238":[49],"241":[50],"243":[51],"244":[52],"245":[53],"247":[54],"249":[55],"251":[56],"254":[57,58],"260":[59],"262":[60],"263":[61],"264":[62],"266":[63],"267":[64],"269":[65],"270":[66],"272":[67],"273":[68],"274":[69],"275":[70],"277":[71],"278":[72],"280":[73],"282":[74],"285":[75],"287":[76],"293":[77],"300":[78],"302":[79],"309":[80],"311":[81],"321":[82],"328":[83],"349":[84],"352":[85],"360":[86],"367":[87],"379":[88],"380":[89],"381":[90],"385":[91],"397":[92],"411":[93],"418":[94],"424":[95],"433":[96],"443":[97],"446":[98],"459":[99],"469":[100],"478":[101],"485":[102],"486":[103],"495":[104],"497":[105],"507":[106]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"كشف الغمة عن أدلة الحجاب في الكتاب والسنة بمناقشة رأي الشيخ الألباني وجلاء الحق للأمة\n\nأمل محمد آل خميسة","vol":"1","page":1},{"text":"جميع الحقوق محفوظة للمؤلفة ولا يسمح بإعادة إصدار هذا الكتاب أو طباعته أو نقله في أي شكل أو واسطة سواءً أكانت إلكترونية أو ميكانيكية بما في ذلك التصوير بالنسخ الفوتوكوبي أو التسجيل أو التخزين والاسترجاع دون إذن خطي من المؤلفة\n\nAll Rights Reserved. No part of this book may be reproduced، stored in a retrieval system or transmitted in any form of by any means without prior permission in writing of the authors.","vol":"1","page":2},{"text":"راجع الكتاب فضيلة الشيخ\nسعد بن تركي الخثلان\nعضو هيئة كبار العلماء\nورئيس مجلس إدارة الجمعية الفقهية السعودية","vol":"1","page":3},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم","vol":"1","page":4},{"text":"::<span data-type=\"title\" id=toc-1> المقدمة::</span>\nالحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:\nفقد كان هذا الكتاب من ثمرات كتابي الأول \"وقفات مصارحة للمرأة الصالحة\" والذي تناولت فيه الحديث عن لباس المرأة وزينتها، وكان مما تناولته بالبحث؛ لباس المرأة أمام النساء والمحارم مما كان سببا في وقوفي على خلاف من تأخر من أهل العلم حول عورة المرأة وحجابها أمام الرجال الأجانب، فأثمر هذا الجهد المتواضع الذي بين يديك؛ وكان مما وقفت عليه ما ذهب إليه الشيخ الألباني﵀- في مسألة الحجاب في كتابيه (الرد المفحم) (^١) و(جلباب المرأة المسلمة) والتي أحدثت ضجة في المجتمعات الإسلامية بين مؤيد ومعارض، ولما كان للشيخ من مكانة علمية في الأمة الإسلامية كان ذلك داعيا إلى قبول رأيه من قبل البعض، وظهور حجته عند البعض الآخر لاستناده على بعض النصوص الصحيحة!! ولكن المتمحص في المسألة يجد أن هذه النصوص قد حُملت على غير محملها لأن هناك لَبس في المسألة وحقيقة غابت لغياب أحكامها وانقطاع أسبابها، وهي إنقطاع العبودية (ملك اليمين) فقد كان العبيد المملوكين الذين فرّق الشرع بينهم وبين الأحرار في بعض الأحكام الشرعية يمثلون جزء من\n_________\n(^١) كتاب الرد المفحم: هو جمع علي حسن عبدالحميد تلميذ الشيخ الألباني وترتيبة نشره بعد وفاة الشيخ الألباني وهو من سمّاه.","vol":"1","page":5},{"text":"المجتمع المسلم إلى أوائل القرن الماضي، ويعد وجوب الحجاب (تغطية الوجه) أحد الأحكام التي تختص بالحرية؛\nفقد فرض الله الحجاب (تغطية الوجه) على المرأة الحرة عن الرجل الحر، فلم يُفرض على المرأة الحرة أن تحتجب من العبد المملوك لها أو لغيرها، ولم يُفرض على المرأة المملوكة أن تغطي وجهها، وكان هذا داعيا للخلاف بين الفقهاء المتقدمين في مسألتين: جواز نظر (الأجنبي) العبد المملوك للغير للوجه والكفين من المرأة الحرة، ومالذي يجب عند خوف الفتنة؛ أن يغض الرجل بصره أم تغطي المرأة وجهها. كان هذا مدار اختلاف الفقهاء المتقدمين في هذه المسألة وهو الذي أحدث اللبس عند المتأخرين ومنهم الشيخ الألباني الذي بنى رأيه في هذه المسألة على هذا الخلاف! أما وجوب ستر المرأة الحرة لوجهها عن الرجال الأحرار الأجانب فلا خلاف فيه بين من تقدم من أهل العلم بل الإجماع على وجوبه باتفاق المذاهب الفقهية الأربعة، فقد افترض الله تغطية الوجه على جميع النساء الحرائر بقوله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ صح عن أم سلمة ﵂ أنها قالت (لما نزلت خرج نساء الأنصار كأن على رؤوسهن الغربان من الأكسية) وفي رواية (من أكسية سود يلبسنها) (^١) وقال ابن عباس - ﵁ - في تأويلها (أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن بالجلابيب ويبدين عينا واحدة) وصح عن عبيدة السلماني أنه لما سُئل عن تأويلها (تقنع بردائه فغطى أنفه وعينه اليسرى وأخرج عينه اليمنى\n_________\n(^١) سنن أبي داود (٤١٠١) وصححه الألباني في صحيح أبي داود ٤/ ٦١.","vol":"1","page":6},{"text":"وأدنى رداءه من فوق حتى جعله قريبا من حاجبه أو على الحاجب). وهذا ماجرى عليه عمل النساء المسلمات الحرائر منذ زمن الرسالة، قال الحافظ ابن حجر في الفتح (٩/ ٣٢٤): \"ولم تزل عادة النساء قديمًا وحديثًا يسترن وجوههن عن الأجانب\" اهـ.\nوقد استمرت النساء المسلمات في مختلف العصور وفي جميع البلاد الإسلامية على ستر وجوههن عن الرجال الأجانب، إلى أن بدأ السفور في أوائل القرن الرابع عشر الهجري إثر الاستعمار الغربي، ففي أوائل القرن الثالث عشر الهجري (أواخر القرن الثامن عشر الميلادي ومطلع القرن التاسع عشر) فوجئت الممالك الإسلامية بطوفان من الاستعمار الغربي الذي أخذ يمتد من قطر إلى قطر، وما أن انتصف القرن التاسع عشر حتى أصبحت معظم الأمم المسلمة تحت سطوة المستعمر الغربي الأوربي، وفي هذه الفترة من الضعف والانهزامية أصبحت الأمم الإسلامية تحاكي أمم الغرب في الزي واللباس وسائر المظاهر الاجتماعية، وأصبح المنهزمون يستحيون من كل ما نظر إليه أعداء الإسلام بالتحقير والتعيير - ومن ذلك الحجاب والنقاب الذي نظر إليه الغرب بعين المقت والازدراء وصوره أقبح تصوير فيما كتب ونشر- ولو كان من الأمور الثابتة في الشرع، ومن هنا بدأت الدعوة إلى السفور ونزع الحجاب؛ حيث قام هؤلاء المنهزمون بحركة ما يسمى (تحرير المرأة) التي بدأوها في أوائل القرن الرابع عشر الهجري (أواخر القرن التاسع عشر الميلادي) لحمل المرأة المسلمة على اقتفاء آثار المرأة الأوربية واتباع المناهج الاجتماعية الرائجة بين أمم الغرب، ونشط دعاة السفور والانحلال في بث أفكارهم التي استقوها من البلاد الغربية الكافرة لمحاربة الحجاب ونزعه؛ فقام الملك \"زوغو\" في ألبانيا بنزع","vol":"1","page":7},{"text":"الحجاب عن وجوه المؤمنات وفرض السفور على نساء وطنه مسايرة للدول الأوروبية، وفي بلاد الأفغان قامت \"شاه خانم\" ملكة الأفغان بخلع الحجاب بطلب من زوجها لتكون قدوة للأفغانيات، وفي بلاد المغرب بعد أن خرج الاستعمار الفرنسي ترك نخبة تكونت بفرنسا واستطاعت تلك النخبة المغتربة أن تؤكد أن تحرير المرأة المغربية هو نزعها للحجاب،\nوفي تركيا دعا إلى تحرير المرأة \"أحمد فارس الشدياق\" في صحيفته (الجوائب)، وفي العراق اتفق \"جميل الزهاوي\" وصاحبه \"الرصافي\" على الهجوم على الدين والاستهزاء بتعاليمه فكانا أول داعيين إلى السفور فيها، وفي لبنان قامت المحاربة للحجاب والداعية إلى السفور \"نظيرة زين الدين\" صاحبة أول كتاب صدر في الشام وشرارة الإفساد الذي كان عنوانه (السفور والحجاب)، وفي مصر كانت الريادة في الدعوة إلى تحرير المرأة لـ \" قاسم أمين\" الذي رحل إلى فرنسا لإكمال تعليمه فانبهر بالحياة في أوروبا فخرج بكتابيه (تحرير المرأة) و(المرأة الجديدة)؛ وبعد أن سرت تلك الأفكار الملوثة التي نشرها متزعموا الإفساد، كان من المؤسف أن صمت المصلحون الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والمجتمع بأكمله أمام تلك الأفكار، ولم يواجهها بقوة وحزم، حتى تطورت وطبقت على أرض الواقع فكانت أول امرأة مصرية أزالت الحجاب عن وجهها \"هدى شعراوي\" في القرن الماضي، وأول امرأة كشفت وجهها في بلاد الشام وكيلة مدرسة ثانوية، وبعد هذه البداية من هاتين المرأتين في مصر والشام آل الأمر إلى ما هو مشاهد فيهما من كشف الرؤوس والصدور والأعضاد","vol":"1","page":8},{"text":"والسيقان، فالأساس الذي بني عليه هذا الانفلات من النساء في البلاد العربية والإسلامية هو التقليد لنساء الغرب. (^١)\nولم يبق على جادة السلامة والاستقامة إلا بلاد الحرمين التي بقيت النساء فيها محافظة على الحشمة وستر الوجوه والبعد عن الاختلاط بالرجال، وفي الآونة الأخيرة نشط المستغربون التغريبيون المتبعون الشهوات بالسعي لأن تميل هذه البلاد ميلًا عظيمًا فتتبع النساء فيها غيرهن في الانحلال والتبرج والسفور، وواكب ذلك نشأة \"مسألة الحجاب\" والتشكيك في وجوب الحجاب وفرضيته على المرأة بسبب اللبس الذي نشأ عند بعض أهل العلم المتأخرين بسبب انقطاع العبودية (ملك اليمين) وغياب أحكامها، فنسأل الله أن يرينا الحق حقا ويرزقنا اتباعه، وأن يرينا الباطل باطلا ويرزقنا اجتنابه، وأن يرد نساء المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها إلى التمسك بما افترض الله عليهن من الحجاب (تغطية الوجه) هو ولي\nذلك والقادر عليه.\nوبعد أن تبين السبب في نشأة \" مسألة الحجاب \" كان لزاما علينا بيان ما وقع فيه الشيخ الألباني من خطأ في هذه المسألة، وذلك من خلال مناقشة البحوث التي طُرحت في كتابه (الرد المفحم) وخلاصة ما ستجده في مناقشة البحوث:\n_________\n(^١) انظر: عودة الحجاب لمحمد إسماعيل المقدم (١/ ١٥)، هل يكذب التاريخ لعبد الله الداوود، الطبعه الثالثة ١٤٢٩، توزيع مؤسسة الجريسي.","vol":"1","page":9},{"text":"* أولا: أن المراد بقوله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ الأحزاب: ٥٩ هو أمر نساء المسلمين الحرائر بتغطية وجوههن؛ كما أجمع على ذلك أهل العلم من مفسرين ومحدثين وفقهاء لغويين. وأنه لاحجة لما ذكر الشيخ الألباني من نفي دلالة الإدناء لغة على تغطية الوجه؛ محتجا بالمعنى العام للإدناء عند أحد اللغويين؛ دون ما صرح به من هم أئمة في اللغة بأن المراد بالإدناء في الآية تغطية الوجه، وما اتفق عليه المفسرون في أكثر من أربعين كتابا في التفسير على تفسير هذه الآية بتغطية الوجه.\n* ثانيا: أن قول ابن عباس \" تدني الجلباب إلى وجهها ولا تضرب به\" لم يكن تفسيرا لآية إدناء الجلابيب كما ذكر الشيخ الألباني! بل لم يستشهد به مطلقا أي أحد من المفسرين في تفسير هذه الآية؛ وإنما كان لبيان كيفية تغطية وجه المرأة حال إحرامها للحج أو العمرة، فإن الثابت شرعا أنه يجب على المرأة المحرمة ستر وجهها عن الرجال الأجانب بسدل الجلباب من فوق رأسها على وجهها، وليس لها أن تشدّه على جبينها ثم ترفعه من أسفل وتعطفه على الأنف؛ فالمنهي عنه حال الإحرام هو الشد والإلصاق على الوجه بالنقاب واللثام لا تغطية الوجه.\n* ثالثًا: أن مفاد آية الحجاب ﴿فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ الأحزاب: ٥٣ والتي فسرها أئمة التفسير؛ بـ (من وراء ستر بينكم وبينهن) يقتضي تغطية الوجه لأن المراد بها منع الرجال الأحرار من الدخول على النساء الحرائر والاختلاط","vol":"1","page":10},{"text":"بهن في البيوت ونحوها: وهذا ما جرى عليه عمل أزواج النبي - ﷺ - ونساء سلف هذه الأمة.\n* رابعًا: أن الحجاب (تغطية الوجه) الذي تقتضيه آية الحجاب الأولى:\n﴿فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ ... هو معنى الحجاب الذي تقتضيه آية الحجاب الثانية: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ لما ثبت في صحيح السنّة من تسمية كل من الآيتين بـ (آية الحجاب)\n* خامسًا: أن التفريق بين الرجال والنساء في أحكام النظر؛ بزيادة أمر النساء بتغطية وجوههن لمنع الرجال الأحرار من النظر للنساء الأجنبيات الحرائر؛ أمر متقدم متقرر عند أهل العلم على اختلاف مذاهبهم.\n* سادسًا: الأصل الذي اعتمد عليه أهل العلم في بيان معنى آية إدناء الجلابيب؛ ما أُثر عن ابن عباس - ﵁ - في تفسيرها قال: (أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن بالجلابيب، ويبدين عينا واحدة) (^١) وهذا الأثر يعد من الآثار الثابتة التي اعتمد عليها جل أهل العلم في تفسير هذه الآية.\nفظاهر القرآن والسنة وآثار الصحابة والتابعين تؤيده؛ فلا وجه للطعن فيه فهو ثابت عمل به الأئمة واحتجوا به.\n_________\n(^١) حسن إسناده أ. د. حكمت بن بشير بن ياسين في الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور (٣/ ٤٦٣).","vol":"1","page":11},{"text":"* سابعًا: من الشواهد التي تقوي حديث ابن عباس هذا وتعضده؛ ما أخرجه الطبري بإسناد صحيح عن محمد بن سيرين قال سألت عبيدة السلماني عن قوله ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ (فتقنع بردائه فغطى أنفه وعينه اليسرى وأخرج عينه اليمنى وأدنى رداءه من فوق حتى جعله قريبا من حاجبه أو على الحاجب) (^١) وهذا الأثر كذلك مما اعتمد عليه جل أهل التفسير في تفسير آية إدناء الجلابيب، وعبيدة السلماني من كبار التابعين وفقهائهم ممن أخذ علمه عن علي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود، ومخضرم ثقة ثبت.\n* ثامنًا: مما يشهد لأثر ابن عباس أيضا؛ أثر قتادة (أن الله أخذ عليهن إذا خرجن أن يقنعن على الحواجب) وأثر ابن عباس (وإدناء الجلباب أن تقنّع وتشد على جبينها) فإنها تحمل معنى تغطية الوجه كما حملها عليه القرطبي، والشوكاني والثعالبي وغيرهم من المفسرين فقالوا؛ (قال ابن عباس وقتادة ذلك أن تلويه فوق الجبين وتشده ثم تعطفه على الأنف وإن ظهرت عيناها لكنه يستر الصدر ومعظم الوجه).\n* تاسعًا: أن الاعتجار والتقنع والتلفع بالجلابيب تعني تغطية الوجه عند مجموع أهل العلم من لغويين وفقهاء ومحدثين ومفسرين وهي من صور إدناء الجلباب التي سارعت إليها النساء عند نزول آية إدناء الجلابيب.\n_________\n(^١) صحح إسناده أ. د. حكمت بن بشير بن ياسين في الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور (٣/ ٤٦٣).","vol":"1","page":12},{"text":"* عاشرًا: هناك حُكمان شرعيان ذهل عنهما أكثر أهل العلم المتأخرين، وانطوت آثارها في التصانيف المتأخرة، ولم يشر إليها بعض المتقدمين لكونها معلومة عندهم بالضرورة:\nالأول: أن الحجاب (تغطية الوجه) إنما هو فرض على النساء الحرائر دون الإماء (الجواري المملوكات) لأن المراد بقوله ﴿وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ في قوله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ النساء الحرائر دون الإماء، وهذا أحدث اللبس عند المتأخرين فيما ورد في بعض الأحاديث والآثار من كشف بعض النساء لوجوههن لكونهن من الإماء؛ فاستشهدوا بها على جواز الكشف للحرائر من النساء!!\nالثاني: أن هناك فئات من الذكور الأجانب لم يفرض على النساء الحرائر الاحتجاب منهم، ولم ينههم الشرع من الدخول عليهن في البيوت ورؤيتهن دون حجاب، وهم من ذكرهم الله تعالى في سورة النور فقال - ﷿ - ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ﴾ النور: ٣١ وقال - ﷿ - ﴿يَاأَيُّهَا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ﴾ النور: ٥٨ وهم: العبيد المملوكون، والتابعون غير أولي الإربة، ومن لم يبلغ الحلم من الأحرار. وهذا أيضا أحدث اللبس عند الحديث عن عورة المرأة أمام هذا الأجنبي","vol":"1","page":13},{"text":"وجواز نظره للوجه والكفين منها، فأشكل ذلك على بعضهم، فحمله على جواز نظر الرجل الحر للوجه والكفين من المرأة الحرة الأجنبية عنه!!\n* الحادي عشر: للمرأة الحرّة عورتان؛\n(١) عورة في النظر؛ وهي تختلف باختلاف الناظرين، وهم قسمان:\n١ - فإما أن يكون الناظر رجلا حرا أجنبيا عنها؛ فالمرأة كلها عورة؛ يجب عليها أن تحتجب منه ولا يحل له الدخول عليها ولا النظر إليها.\n٢ - وإما أن يكون الناظر ممن يحل له الدخول على المرأة في البيت والنظر إليها دون حجاب وهم قسمان:\nالقسم الأول: من استثناهم الله في آية النور، وحدود ما تبديه المرأة لهم تنحصر في مواضع الزينة.\nوالقسم الثاني: من لم يستثن في الآية كالمحارم من الرضاع والمصاهرة، والعبيد المملوكون للغير، والذين لم يبلغوا الحلم من الأحرار، وهؤلاء هم من وقع الخلاف بين الفقهاء في حكم نظرهم للمرأة، فمنهم من أطلق جواز نظره للوجه والكفين من المرأة، ومنهم من قيد الجواز بالحاجة وأمن الفتنة، ومنهم من منع من النظر لغير حاجة لأنه مظنة الفتنة.","vol":"1","page":14},{"text":"كما حصل الخلاف في حكم النظر للإماء (المملوكات اللاتي لم يفرض عليهن الحجاب) فمنهم من أوجب عليهن تغطية الوجه في هذا الزمان لأنه مظنة الفتنة، ومنهم من لم يوجب عليهن ذلك ولكن قال هو في حقهن مستحب وعلى الرجل غض البصر.\nهذا مدار الخلاف بين الفقهاء في مسألة النظر؛ وهو الذي بنى عليه الشيخ الألباني رأيه في مسألة تغطية الوجه كما سترى استشهاده بأقوالهم في البحوث القادمة.\n(٢) وعورة في الصلاة؛ والمرأة كلها عورة في الصلاة إلا وجهها وكفيها - واختُلف في قدميها - وكون الوجه ليس بعورة في الصلاة؛ لا يعني جواز كشفه للرجال الأجانب، فليست العورة في الصلاة مرتبطة بعورة النظر لا طردا ولا عكسا، والذي ثبت أن الأئمة (مالك والشافعي وأباحنيفة) لم يتكلموا إلا عن عورة المرأة في الصلاة، ولم يؤثر عن أحد منهم قول صريح عن عورة المرأة عند الرجال الأحرار الأجانب، إلا قول الإمام أحمد (ظفر المرأة عورة فإذا خرجت فلا يبين منها شيء ولا خفها فإن الخف يصف القدم وأحب إلي أن تجعل لكمها زرا عند يدها لا يبين منها شيء) (^١).\n_________\n(^١) انظر الفروع ٥/ ١١٠.","vol":"1","page":15},{"text":"* الثاني عشر: أن جميع ما استشهد به الشيخ الألباني من الأحاديث والآثار؛ ليس فيها حجة على جواز كشف الوجه للنساء الحرائر؛ وذلك إما لضعف تلك الآثار أو لكونها قبل نزول الحجاب، أو لكون النساء الكاشفات من الإماء اللاتي لم يفرض عليهن الحجاب؛\n- كالجارية الخثعمية؛ كما أخرجه أحمد والترمذي والبيهقي \" واستفتته جارية شابة من خثعم \" وفي الاستذكار لابن عبد البر \" فاستقبلته جارية من خثعم \".\n- وسفعاء الخدين: \"فقامت امرأة من سفلة النساء سفعاء الخدين\" (أي فيهما تغير وسواد) وعند النسائي \" فقامت امرأة ليست من علية النساء \".\n- وفاطمة بنت قيس: \" أخبرني أبو بكر بن أبي الجهم قال دخلت أنا وأبو سلمة على فاطمة بنت قيس في ملك آل الزبير فسألناها عن المطلقة ثلاثا\".\n- وسبيعة الأسلمية: \"قد أمر رسول الله - ﷺ - أم ولد؛ سبيعة الأسلمية أن تنكح إذا وضعت\".\n- والمرأة التي لأبي ذر \"وعنده امرأة له سوداء شعثة \".\n- وأم يعقوب الأسدية: \"فانطلقت مع عجوز من بني أسد\" من الحبشة.\n- وسمراء بنت نهيك: \" سمراء بنت نهيك الأسدية أدركت رسول الله - ﷺ - وعمّرت\".\n- وأم زفر: قال ابن حجر \"هي أم زفر الحبشية السوداء\".","vol":"1","page":16},{"text":"كما استشهد الشيخ الألباني بمن كن يشاركن في الغزو مع رسول الله - ﷺ - لمداواة الجرحى وصنع الطعام من الإماء العجائز؛\nكالرُّبيِّع بنت معوذ قالت: \" كنا نغزو مع النبي - ﷺ -، فنسقي القوم، ونخدمهم\".\nوأم عطية قالت\" غزوت مع رسول الله - ﷺ - سبع غزوات، أخلفهم في رحالهم، فأصنع لهم الطعام وأداوي الجرحى وأقوم على المرضى\".\nوأم سليم \" كان يغزو بأم سليم ونسوة من الأنصار معه إذا غزا، فسيقين الماء ويداوين الجرحى\".\n* الثالث عشر: أخرج أبو داود عن خالد بن دريك عن عائشة ﵂ أن أسماء بنت أبي بكر ﵂ دخلت عليها وعندها النبي - ﷺ - في ثياب شامية رقاق فضرب رسول الله - ﷺ - إلى الأرض ببصره قال: (ما هذا يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا هذا وهذا وأشار إلى كفه ووجهه). (^١)\nوالذي تحقق أن هذا الحديث وإن صح فإنه ليس فيه حجة على جواز كشف وجه المرأة الحرة للرجال الأحرار الأجانب الذين يجب عليها الاحتجاب منهم؛ لأن المراد به بيان حدود ما يحل للمرأة إظهاره لمن يحل لهم الدخول عليها والنظر إليها دون حجاب من محارم، وعبيد مملوكين ونحوهم.\n_________\n(^١) أبو داود (٤١٠٤) وقال: هذا مرسل خالد بن دريك لم يدرك عائشة.","vol":"1","page":17},{"text":"* الرابع عشر: أن هذا الحديث يصلح أن يكون مبينًا لقوله تعالى ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ فالمنهي في الآية هو المنهي في الحديث، فالذي ينبغي أن تُحمل عليه هذه الآية هو ما يجوز للمرأة إظهاره لمن يحل لهم الدخول عليها والنظر إليها دون حجاب ممّن لم يستثن في الآية؛ فإن هناك فئات من الناس يحل لهم الدخول على المرأة ورؤيتها دون حجاب لم يستثنوا في الآية وهم: العم والخال، والمحرم بالمصاهرة (زوج البنت، وزوج الأم، وابن الزوج، وأبو الزوج) (^١) والمحرم بالرضاع، والعبيد المملوكون للغير، والعبد المملوك إذا كان من أولي الإربة، والصبية المميزون الذين لم يبلغوا الحلم، والنساء غير المسلمات؛ فهؤلاء هم المعنيون بنهي المرأة الحرة عن إبداء زينتها لهم ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ وليس الرجال الأحرار الأجانب الذين يجب عليها الاحتجاب منهم، يشهد لذلك ظاهر القرآن وما صح عن ابن عباس وعائشة وغيرهم من الصحابة والتابعين في تأويلها، وما حملها عليه أئمة التفسير، وجرى عليه العمل.\nقال أ. د. حكمت بن بشير بن ياسين في الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور (٣/ ٤٦٣): فما نسب إلى ابن عباس بأن المراد من قوله تعالى (إلا ما ظهر منها) الوجه والكفان، ليس مطلقًا وإنما هو مقيد في بيتها لمن دخل من الناس عليها. ومما يؤكد هذا؛ تفسيره لقوله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ\n_________\n(^١) كما سيأتي لاحقا أنهم ليسوا المعنيين بقوله (أو آباء بعولتهن. .. أو أبناء بعولتهن)","vol":"1","page":18},{"text":"الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ الأحزاب: ٥٩\nفقد أخرج الطبري بسنده الحسن عن ابن عباس قال: \" أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن بالجلابيب ويبدين عينًا واحدة\" فقد صح مثله عن عبيدة السلماني ... ومع الأسف الشديد أن مسألة جواز كشف الوجه واليدين ينسبه العلماء لابن عباس على إطلاقه، فليحرر.\n* الخامس عشر: الثابت في السنة أن الأكسية التي سارعت إلى لبسها النساء عند الخروج امتثالا لآية إدناء الجلابيب هي الأكسية السود؛ كما صح عن أم سلمة ﵂ أنها قالت\" لما نزلت هذه الآية ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ خرج نساء الأنصار كأن على رؤوسهن الغربان من أكسية سود يلبسنها\" وعن عائشة ﵂ قالت (رحم الله نساء الأنصار لما نزلت شققن مروطهن فاعتجرن بها فصلين خلف رسول الله - ﷺ - فكأنما على رؤوسهن الغربان) فلا صحة لجواز التجلبب بغير اللون الأسود.\n* السادس عشر: القول بأن (عورة المرأة مع المرأة كعورة الرجل مع الرجل) قول غير صحيح، إذ لم يدل عليه حديث صحيح ولا ضعيف! بل دلت نصوص الكتاب والسنة على خلاف ذلك؛ قال الشيخ الألباني: هذا القول لا أصل له في الكتاب والسنة بل هو خلاف قوله تعالى في آية النور ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ﴾ إلى قوله ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ فإن المراد مواضع الزينة،","vol":"1","page":19},{"text":"وهي: القرط والدملج والخلخال والقلادة، وهذا باتفاق علماء التفسير وهو المروي عن ابن مسعود. فهذا النص القرآني صريح في أن المرأة لا يجوز لها أن تبدي أمام المسلمة أكثر من هذه المواضع.\n* وختامها: فإن ديننا دين السماحة والوسطية؛ فلم يمنع المرأة من كشف ما تحتاج إليه من عينيها لرؤية الطريق، ولم يأذن لها بكشف الوجه بأكمله لأنه مظنة الفتنة، وليس في تغطيته مشقة ولا تفويت مصالح لها، وليس فيه عائق دون القيام بواجباتها.\nهذا مجمل ما ستجده في مناقشة البحوث التي احتج بها الشيخ الألباني على رأيه في مسألة الحجاب، والتي تبين منها أن الشيخ الألباني قال قولا شذ فيه، وجانب الحق والصواب، وخالف الأدلة والبراهين، وخالف جماهير العلماء، ومع ذلك فإننا نقول بأن الشيخ معذور بل إن شاء الله مأجور؛\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى الكبرى (٦/ ٩٣): إن الرجل الجليل الذي له في الإسلام قدم صالح وآثار حسنة وهو من الإسلام وأهله بمكانة عليا، قد تكون منه الهفوة والزلة؛ هو فيها معذور بل مأجور، لا يجوز أن يتّبع فيها، مع بقاء مكانته ومنزلته في قلوب المؤمنين.\nوكما قال الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي في تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان (١/ ٧٤): فالله ﵎ من رحمته بالعباد قد يسر لهم أسباب الهداية غاية التيسير، ونبههم على سلوك طرقها، وبينها لهم أتم تبيين، حتى","vol":"1","page":20},{"text":"إن في جملة ذلك أنه يقيض للحق المعاندين له؛ فيجادلون فيه فيتضح بذلك الحق وتظهر آياته وأعلامه، ويتضح بطلان الباطل وأنه لا حقيقة له، ولولا قيامه في مقابلة الحق لربما لم يتبين حاله لأكثر الخلق وبضدها تتبين الأشياء. اهـ\nفقد كان من حسنات ما كتبه الشيخ الألباني في مسألة الحجاب أنه أيقض همة النائمين وأشعل الحماس للبحث في كتب العلم من تفاسير وفقه وغيرها، فكان دافعا للغوص في بحور من العلم لم نكن من قبل ننهل من سواحلها لنجد لآلئ من العلم دفينة، فقد ظن الناس أن الغوص قد انتهى زمانه واكتفى كل جيل بصيد من قبله، حتى ظُن أن العلم لدينا بلغ الذرى ومن المحال أن يترك من مضى صيدا لمن أتى، فرحمك الله يا شيخ؛ ركبنا بحر مذهبنا لنبحث عن الحق فوجدنا بحور المذاهب الأربعة كلها قد تطلعت لآلئها للباحثين عن الحق الذي لم يقصر الأئمة الأُول في بيانه، ولكنه جمود كل جيل على جهد من قبله حتى اندثرت بعض الحقائق بل وقُلب بعضها؛ إذ إن كل جيل لا ينقل ما يجده عن سابقه برمَّته؛ ولكنه يشرح ويفصِّل حسب فهمه لقول شيخه متأثرا بمتغيرات عصره، فمنهم من يصيب ومنهم من يخطئ، ثم يتناقل ذلك من بعدهم على أنه مُراد المصنف الأول وقول صاحب المذهب، والحقيقة أنه قد يكون خلافه، ولو أن المرجع في مثل هذه المسائل الخلافية هو كتاب الله وما صح عن رسوله - ﷺ - وعرض ما في هذه المصنفات عليهما واطراح ما خالفهما؛ لما اندثر الحق، ولما ظهر الجهل ببعض المسائل حتى ساد بين الناس خلاف ما أراد الله وعُمل به على أنه مراد الله وشرعه.","vol":"1","page":21},{"text":"كما قال شيخ الإسلام «والمنقول عن السلف والعلماء يحتاج إلى معرفة بثبوت لفظه ومعرفة دلالته كما يحتاج إلى ذلك المنقول عن الله ورسوله».\nفأسأل الله جل في علاه أن أكون قد وُفقت لهذا في كتابي ووافقت فيه الصواب، فجهدي جهد بشر مقصر، تجاسر وتعرض لما لا يطيق، وتطفل على مائدة الأفاضل، فلست أرى لنفسي منزلة تعد من منازلهم، ولا لذاتي منهل مورد يكون بين مناهلهم؛ وإني بالتقصير لمعترفة، ومن بحر الخطايا لمغترفة، ولكن ﴿مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ الأعراف: ١٦٤.\nفإن تجدْ عيبًا فسُدَّ الخلَلَا ... جَلَّ مَنْ لا عيبَ فيهِ وعلا\nوقد خصصت فيه اللون البنفسجي لما نقلته عن الشيخ الألباني من كتابيه \"الرد المفحم\" و\"جلباب المرأة المسلمة\"، واللون الأحمر للعناوين والنقاط المهمة، واللون الأخضر لموضع الشاهد من المنقولات التي خصصتها باللون الأسود، واللون الأزرق لتعليقاتي، وإذا توسطت تعليقاتي المنقولات جعلتها بين شرطتين - - وإن تلتها أشرت إلى انتهاء المنقول بـ (اهـ) وذلك حرصا على سهولة وسلامة فهم القارئ.\nوفي تخريج الأحاديث اقتصرت على ذكر الصفحة ورقم الحديث دون ذكر الكتب والأبواب خشية الإطالة، كما أنني لم أضع فهرسًا للمراجع اكتفاءً بالهوامش، فأذكر محقق الكتاب -إن وجد- وطبعته والناشر في أول موضع يرد فيه، هذا فيما رجعت فيه إلى الكتاب مباشرة، وما عدا ذلك فمرجعه البرامج التالية:","vol":"1","page":22},{"text":"(١) برنامج: مكتبة التفسير وعلوم القرآن، والمكتبة الألفية للسنة النبوية، ومكتبة الفقه وأصوله، الإصدار الرابع، مركز التراث للبرمجيات.\n(٢) برنامج الجامع الكبير، الإصدار الخامس، مركز التراث للبرمجيات.\n(٣) برنامج مكتبة الألباني، الإصدار الثاني.\n(٤) برنامج المكتبة الشاملة، المكتب التعاوني بالروضة.\n\nأسأل الله بمنّه وكرمه أن ينفع بكتابي هذا عامة المسلمين من حنفية ومالكية وشافعية وحنابلة، وأن يجعله خالصا لوجهه الكريم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. ... كتبته الفقيرة إلى عفو ربها\n\nأمل بنت محمد ١/ ٣/ ١٤٤٢ هـ","vol":"1","page":23},{"text":"ــ::<span data-type=\"title\" id=toc-2> توطئة::</span> ــ\nقال ابن عباس\" يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء أقول قال\nرسول الله - ﷺ - وتقولون قال أبو بكر وعمر\" (^١)\nفإذا كان هذا كلام ابن عباس لمن عارضه بأبي بكر وعمر وهما هما فما ظنك بقوله لمن يعارض سنن الرسول - ﷺ - بإمامه وصاحب مذهبه الذي ينتسب إليه؟ ويجعل قوله معيارًا على الكتاب والسنة فما وافقه قبله، وما خالفه رده أو تأوله فالله المستعان.\nوقال أحمد بن حنبل: عجبت لقوم عرفوا الإسناد وصحته يذهبون إلى رأي سفيان والله تعالى يقول ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ النور: ٦٣ ومراد أحمد الإنكار على من يعرف إسناد الحديث وصحته ثم بعد ذلك يقلد سفيان أو غيره، ويعتذر بالأعذار الباطلة؛ إما بأن الأخذ بالحديث اجتهاد والاجتهاد انقطع منذ زمان، وإما بأن هذا الإمام الذي قلدته أعلم مني فهو لا يقول إلا بعلم، ولا يترك هذا الحديث مثلًا إلا عن علم، وإما بأن ذلك اجتهاد ويشترط في المجتهد أن يكون عالمًا بكتاب الله عالمًا بسنة رسول الله - ﷺ - وناسخ ذلك ومنسوخه، وصحيح السنة وسقيمها، عالمًا بوجوه\n_________\n(^١) أخرجه الدارمي في سننه (٤٣١) بلفظ: قال ابن عباس\" أما تخافون أن تُعذَّبوا أو يخسف بكم؛ أن تقولوا قال رسول الله وقال فلان\" ورجاله ثقات غير أن سليمان التيمي أرسله عن ابن عباس.","vol":"1","page":24},{"text":"الدلالات، عالما بالعربية والنحو والأصول، ونحو ذلك من الشروط التي لعلها لا توجد تامة في أبي بكر وعمر ﵄، كما قاله المصنف، فيقال له: هذا إن صح فمرادهم بذلك المجتهد المطلق، أما أن يكون ذلك شرطًا في جواز العمل بالكتاب والسنة فكذب على الله، وعلى رسوله - ﷺ - وعلى أئمة العلماء. بل الفرض والحتم على المؤمن إذا بلغه كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ - وعلم معنى ذلك في أي شيء كان أن يعمل به ولو خالفه من خالفه.\nقال الشافعي: أجمع العلماء على أن من استبانت له سنة رسول الله - ﷺ - لم يكن له أن يدعها لقول أحد.\nفبذلك أمرنا ربنا ﵎ ونبينا - ﷺ - وأجمع على ذلك العلماء قاطبة، إلا جهال المقلدين وجفاتهم، وقد وقع في هذا التقليد المحرم خلق كثير ممن يدعي العلم فتجده جامدًا على أحد هذه المذاهب ويرى الخروج عنها من العظائم، وفي كلام أحمد إشارة إلى أن التقليد قبل\nبلوغ الحجة لا يذم، إنما المذموم المنكر الحرام الإقامة على ذلك بعد بلوغ الحجة، نعم وينكر الإعراض عن كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ - والإقبال على تعلم الكتب المصنفة في الفقه استغناء بها عن الكتاب والسنة، بل إن قرؤوا شيئًا من كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ - فإنما يقرؤون تبركًا لا تعلمًا وتفقهًا! وعلى هذا: فيجب الإنكار على من ترك الدليل لقول أحد من العلماء كائنًا من كان، ونصوص الأئمة على هذا، وأنه لا يسوغ التقليد إلا في مسائل الاجتهاد التي لا دليل فيها يرجع إليه من كتاب","vol":"1","page":25},{"text":"ولا سنة، وأما من خالف الكتاب والسنة فيجب الرد عليه. والأئمة ﵏ لم يقصروا في البيان.\nسئل أبو حنيفة إذا قلت قولًا وكتاب الله يخالفه؟ قال: اتركوا قولي لكتاب الله، قيل: إذا كان قول الرسول يخالفه؟ قال: اتركوا قولي لخبر الرسول - ﷺ -، قيل: إذا كان قول الصحابة يخالفه؟ قال: اتركوا قولي لقول الصحابة.\nوروي البيهقي في السنن عن الشافعي أنه قال: إذا قلت قولًا وكان عن النبي - ﷺ - خلاف قولي فما يصح من حديث رسول الله - ﷺ - أولى فلا تقلدوني.\nوقال مالك: كل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله - ﷺ -.\nوكلام الأئمة مثل هذا كثير، لكن المقلِّدين خالفوا ذلك وجمدوا على ما وجدوه في الكتب المذهبية، سواء كان صوابًا أم خطأ مع أن كثيرا من هذه الأقوال المنسوبة إلى الأئمة ليست أقوالًا لهم منصوصًا عليها وإنما هي تفريعات ووجوه واحتمالات وقياس على أقوالهم. (^١)\n_________\n(^١) انظر: تيسير العزيز الحميد شرح كتاب التوحيد للشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبدالوهاب/٤٨٢ - ٤٨٨.","vol":"1","page":26},{"text":":: مناقشة البحوث::","vol":"1","page":27},{"text":"ــ::<span data-type=\"title\" id=toc-3> البحث الأول:: ــ\nآية الجلباب: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾</span> الأحزاب: ٥٩\nقال الشيخ الألباني: يصرُّ المخالفون على أن معنى ﴿يدنين﴾: يغطِّن وجوههن، وهو خلاف معنى أصل هذه الكلمة: \"الإدناء\" لغة، وهو التقريب، وهذا هو الإمام الراغب الأصبهاني يقول في \"المفردات\": \" (دنا)، الدنو: القرب ... ويقال: دانيت بين الأمرين وأدنيت أحدهما من الآخر ... \"، ثم ذكر الآية. وبذلك فسرها ترجمان القرآن عبد الله بن عباس فيما صح عنه، فقال: \" تدني الجلباب إلى وجهها ولا تضرب به\"، كما سيأتي تخريجه. اهـ\nثم نقل الشيخ الألباني من كتب فقهاء الحنابلة ما يستشهد به على رأيه هذا فقال: وهو ما جاء في \"الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف على مذهب الإمام المبجل أحمد ابن حنبل\" للشيخ علاء الدين المرداوي (١/ ٤٥٢)، قال: \"الصحيح من المذهب أن الوجه ليس من العورة\" ثم ذكر مثله في الكفين، وهو اختيار ابن قدامة المقدسي في \"المغني\" ١/ ٦٣٧)، واستدل لاختياره بنهيه ﷺ المحرمة عن لبس القفازين \"لو كان الوجه والكفان عورة لما حرم سترهما، ولأن الحاجة تدعو إلى كشف الوجه للبيع والشراء، والكفين للأخذ والإعطاء\". وهو الذي اعتمده وجزم به في كتابه \"العمدة\".","vol":"1","page":28},{"text":"ــ::<span data-type=\"title\" id=toc-4> مناقشة البحث الأول::</span> ــ\nأولا: قال تعالى ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ الأحزاب: ٥٩ أنكر الشيخ الألباني أن هذه الآية تقتضي تغطية الوجه محتجا على رأيه بالمعنى العام للإدناء عند أحد اللغويين وهو قول الراغب الأصبهاني في \"المفردات\": \"دانيت بين الأمرين وأدنيت أحدهما إلى الآخر\"! مع أن هذا القول ليس فيه نفي لدلالة هذه الآية على تغطية الوجه؛ فإن إدناء الشيء من الآخر هو تقريبه إليه؛ فإذا كان الجلباب على الرأس فوق الخمار فإلى أي شيء سيقرّب إن لم يقرّب إلى الوجه ويدنا عليه حتى يغطيه؟! ومع ذلك فإن هذا فقط ما احتج به الشيخ الألباني من أقوال أهل اللغة! فإنه قد ثبت عند من هم أئمة في اللغة بأن المراد بالإدناء في الآية تغطية الوجه:\n- قال إمام العربية (إمام الكوفة في النحو واللغة) أبو زكريا يحيى بن زياد الفراء (ت ٢٠٧) في كتابه معاني القرآن (٢/ ٣٣٧): والجلباب؛ الرداء. حدّثنا أبو العبّاس قال حدثنا محمد قال: حدّثنا الفرّاء، قال حدّثنى يحيى بن المهلّب أبو كدينة عن ابن عون عن ابن سيرين في قوله ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ هكذا: قال تغطّى إحدى عينيها وجبهتها والشّقّ الآخر، إلا العين.","vol":"1","page":29},{"text":"- وقال إمام العربية أبو جعفر النحاس النحوي اللغوي المفسّر (ت ٣٣٨ هـ) في كتابه إعراب القرآن (٣/ ٣٢٥): ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ أي يرخين على وجوههن منه.\n- وقال الإمام البارع العلامة أبو القاسم محمود بن عمر الخوارزمي الزمخشري في تفسيره الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل (٣/ ٥٦٠): ومعنى (يدنين عليهن من جلابيبهن) يرخينها عليهن، ويغطين بها وجوههن وأعطافهن. يقال: إذا زل الثوب عن وجه المرأة: أدنى ثوبك على وجهك.\n- وقال نظام الدين الحسن بن محمد بن حسين القمي النيسابوري في تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان (٥/ ٤٧٦): ومعنى (يدنين عليهن) يرخين عليهن. يقال للمرأة إذا زل الثوب عن وجهها أدني ثوبك على وجهك. . . فأمرن بلبس الأردية والملاحف وستر الرأس والوجوه.\n- وقال الإمام النحوي المفسر أبو حيان الأندلسي في تفسيره البحر المحيط (٧/ ٢٥٠): (يدنين عليهن) شامل لجميع أجسادهن، أو \"عليهن\" على وجههن لأن الذي كان يبدو منهن في الجاهلية هو الوجه.\n- وجاء في معاني المعروف في القرآن/ ٢٨: أمرها الإِسلام بوضع الخمار أو الجلباب عليها، لكي لا تُعرف فلا تُؤذى: قال تعالى ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا","vol":"1","page":30},{"text":"يُؤْذَيْنَ﴾ الأحزاب: ٥٩ وفي الحديث الصحيح الوارد في قصة الإفك عن عائشة ﵂ أنها قالت. . . فخمرت وجهي بجلبابي. . . \" الحديث.\nوبذلك يتبين خطأ الشيخ الألباني ومخالفته لما عليه أهل اللغة في تأويلهم لمعنى (يدنين عليهن) بـ (يغطِّين وجوههن) وأنه لا يخالف معنى أصل هذه الكلمة: \" الإدناء\" لغة (^١)!\n_________\n(^١) دلالة هذه الآية على تغطية الوجه تتضح أيضا بالقرائن الآتية:\n١) أن الله تعالى لم يقل (يتجلببن) وإنما قال (يدنين) فالأمر بإدناء الجلباب أمر زائد على لبس الجلباب، فإذا كانت المرأة ستلبس الجلباب بوضعه على رأسها فقط فأين الإدناء والتقريب؟! فإن هذا هو الذي سيكون إذا لبسته دون اختيار منها! وعلى ذلك لم يكن لهذا الأمر (يدنين عليهن) فائدة؟! فالمرأة مأمورة بفعل زائد على لبس الجلباب على رأسها وهو إدناءه عليها وإن لم يكن إدناءه على وجهها فعلام يكون إذًا!!\n٢) مجيء\"مِنْ\" التبعيضية قبل الجلابيب فقال تعالى ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ أي أن الإدناء المأمور به يكون بجزء من الجلباب، أما التجلبب ولبس الجلباب فيكون به كله لا ببعضه. قال الألوسي في تفسيره (٢٢/ ٨٩): المراد بالبعض جزءا منه وإدناء ذلك عليهن أن يتقنعن فيسترن الرأس والوجه بجزء من الجلباب مع إرخاء الباقي على بقية البدن.\n٣) قوله - ﷿ - عقب الأمر بإدناء الجلابيب ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾ دل على أن الله تعالى شرع إدناء الجلابيب لصرف الأذى عنهن، ومجرد تغطية الرأس لا تمنع الأذية ولا تصرف نظر الفتنة، وإنما الذي يمنع من ذلك هو تغطية الوجه فتأمل ذلك. قال أبو حيان في تفسيره البحر المحيط (٧/ ٢٤٠): ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ﴾ لتسترهن بالعفة فلا يتعرض لهن ولا يلقين بما يكرهن لأن المرأة إذا كانت في غاية التستر والانضمام لم يقدم عليها بخلاف المتبرجة فإنها مطموع فيها.","vol":"1","page":31},{"text":"ثانيا: أن الشيخ الألباني أقرّ بأن إدناء الجلابيب يقتضي تغطية الوجه في كتابه جلباب المرأة المسلمة (ص: ١٥٢) حيث قال: (ومن هنا يظهر الضابط في نهيه - ﷺ - عن تشبه الرجال بالنساء، وعن تشبه النساء بالرجال، وأن الأصل في ذلك ليس هو راجعا إلى مجرد ما تختاره الرجال والنساء ويشتهونه ويعتادونه، فإنه لو كان كذلك؛ لكان إذا اصطلح قوم على أن يلبس الرجال الخمر التي تغطي الرأس والوجه والعنق، والجلابيب التي تسدل من فوق الرءوس حتى لا يظهر من لابسها إلا العينان! وأن تلبس النساء العمائم والأقبية المختصرة ونحو ذلك أيكون هذا سائغا! فإن هذا خلاف النص والإجماع، فإن الله تعالى قال للنساء: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ النور: ٣١ وقال: ﴿قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ الأحزاب: ٥٩). اهـ\nفكيف يسوغ إنكار الشيخ الألباني هنا لهذا المعنى وهو قد أقرّ به في كتابه!!\nثالثا: أن الشيخ الألباني قد احتج على قوله بالمعنى العام للإدناء عند أحد اللغويين؛ ولم يذكر ما اتفق عليه المفسرين في أكثر من أربعين كتابا في التفسير من تفسير هذه الآية بتغطية الوجه بناء على ما ورد فيها من أحاديث وآثار، ولم يتطرق لأي قول من أقوالهم في تفسير هذه الآية!! وقد كان من الأولى في تفسير آية من القرآن الرجوع إلى تأويلها في كتب التفسير، ثم الاستئناس بما يوافق هذا التفسير من كتب اللغة.","vol":"1","page":32},{"text":"وسأنقل أقوال المفسرين في تفسير هذه الآية ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ الأحزاب: ٥٩ ليتبين إتفاقهم على أن المراد بالإدناء في هذه الآية هو تغطية الوجه:\n* قال إمام المفسرين محمد بن جرير الطبري (ت ٣١٠ هـ): يقول تعالى ذكره لنبيه محمد - ﷺ - يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين لا يتشبهن بالإماء في لباسهن إذا هن خرجن من بيوتهن لحاجتهن فكشفن شعورهن ووجوههن ولكن ليدنين عليهن من جلابيبهن لئلا يعرض لهن فاسق. (^١)\n* قال الإمام نصر بن محمد أبو الليث السمرقندي (ت ٣٦٧ هـ): فأمر الله تعالى المؤمنات أن يدنين عليهن من جلابيبهن وقال القتبي يلبسن الأردية، ويقال يعني يرخين الجلابيب على وجههن. (^٢)\n* قال الإمام أبو بكر أحمد بن علي الرازي الجصاص الحنفي (ت ٣٧٠ هـ): في هذه الآية دلالة على أن المرأة الشابة مأمورة بستر وجهها عن الأجنبيين وإظهار الستر والعفاف عند الخروج لئلا يطمع أهل الريب فيهن. (^٣)\n* قال الإمام أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن أبي زمنين (ت ٣٩٩ هـ): يدنين عليهن من جلابيبهن والجلباب الرداء يعني يتقنعن به. (^٤)\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٢٢/ ٤٦.\n(^٢) بحر العلوم ٣/ ٦٩.\n(^٣) أحكام القرآن ٥/ ٢٤٥.\n(^٤) تفسير االقرآن العزيز لابن أبي زمنين ٣/ ٤١٢.","vol":"1","page":33},{"text":"* قال الإمام أبو إسحاق أحمد بن محمد الثعلبي النيسابوري (ت ٤٢٧ هـ): أي يرخين أرديتهن وملاحفهن فيتقنعن بها ويغطين وجوههن ورؤوسهن. (^١)\n* قال الإمام أبو محمد مكي بن أبي طالب القيسي القرطبي المالكي (ت ٤٣٧ هـ): أي قل لهن يرخين عليهن أرديتهن لئلا يشتبهن بالإماء في لباسهن إذا خرجن لحاجتهن فيكشفن شعورهن ووجوههن ولكن يدنين عليهن من جلابيبهن لئلا يعرض لهن فاسق. قال ابن عباس في معناها: أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن. (^٢)\n* قال الإمام علي بن أحمد الواحدي أبو الحسن (ت ٤٦٨ هـ): قال المفسرون: يغطين رءوسهن ووجوهن إلا عينا واحدة. (^٣)\n* قال الإمام أبو المظفر منصور السمعاني (ت ٤٨٩ هـ): أي يشتملن بالجلابيب والجلباب هو الرداء وهو الملاءة التي تشتمل بها المرأة فوق الدرع والخمار، قال عبيدة السلماني تتغطى المرأة بجلبابها فتستر رأسها ووجهها وجميع بدنها إلا إحدى عينيها. (^٤)\n_________\n(^١) الكشف والبيان ٨/ ٦٤.\n(^٢) الهداية الى بلوغ النهاية ٩/ ٥٨٦٩\n(^٣) التفسير الوسيط ٣/ ٤٨٢.\n(^٤) تفسير السمعاني ٤/ ٣٠٦.","vol":"1","page":34},{"text":"* قال الإمام الفقيه أبو الحسن عماد الدين علي بن محمد الطبري المعروف بـ \"الكيا الهراس\" (^١) (ت ٥٠٤ هـ): الجلباب: الرداء، فأمرهن بتغطية وجوههن ورؤوسهن،، ولم يوجب على الإماء ذلك. (^٢)\n* قال الإمام أبو الحسين البغوي (ت ٥١٦ هـ): قال جل ذكره ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ جمع الجلباب وهو الملاءة التي تشتمل بها المرأة فوق الدرع والخمار، وقال ابن عباس وأبو عبيدة أمر نساء المؤمنين أن يغطين رؤوسهن ووجوههن بالجلابيب إلا عينا واحدة. (^٣)\n* قال العلامة أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشري الخوارزمي الحنفي (ت ٥٣٨ هـ): معنى ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ يرخينها\nعليهن، ويغطين بها وجوههن وأعطافهن ... فأمرن أن يخالفن بزيهن عن زي الإماء بلبس الأردية والملاحف وستر الرؤوس والوجوه، ليحتشمن ويهبن فلا يطمع فيهن طامع. (^٤)\n_________\n(^١) إلكيا: كلمة فارسية بمعنى الكبير القدر المقدم بين الناس، و\"إلكيا الهراس\" هو أبو الحسن علي بن محمد بن علي، الملقب بعماد الدين، ولد سنة (٤٥٠ هـ) وتفقه على إمام الحرمين وهو من أجل تلاميذه بعد الغزالي.\n(^٢) أحكام القرآن للكيا الهراس ٤/ ٣٥٠.\n(^٣) معالم التنزيل ٣/ ٥٤٤.\n(^٤) الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل ٣/ ٥٦٠.","vol":"1","page":35},{"text":"* قال القاضي أبو بكر محمد بن عبد الله ابن العربي المالكي (ت ٥٤٣ هـ): قوله تعالى ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ﴾ قيل معناه تغطي به رأسها فوق خمارها، وقيل تغطي به وجهها حتى لا يظهر منها إلا عينها اليسرى. (^١)\n* قال الإمام أبو محمد عبد الحق بن عطية الأندلسي (ت ٥٤٦ هـ): لما كانت عادة العربيات التبذل في معنى الحجبة وكن يكشفن وجوههن كما يفعل الإماء وكان ذلك داعية إلى نظر الرجال إليهن وتشعب الفكر فيهن أمر الله تعالى رسوله - ﷺ - بأمرهن بإدناء الجلابيب. (^٢)\n* قال الإمام أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن الجوزي (ت ٥٩٧ هـ): قوله ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ قال ابن قتيبة: يلبسن الأردية، وقال غيره: يغطين رؤوسهن ووجوههن. (^٣)\n* قال الإمام أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي المالكي (ت ٦٧١ هـ): لما كانت عادة العربيات التبذل وكن يكشفن وجوههن كما يفعل الإماء وكان ذلك داعية إلى نظر الرجال إليهن وتشعب الفكرة فيهن أمر الله رسوله - ﷺ - أن يأمرهن بإرخاء الجلابيب عليهن إذا أردن الخروج إلى حوائجهن. (^٤)\n_________\n(^١) أحكام القرآن ٣/ ٦٢٥.\n(^٢) المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز ٤/ ٣٩٩.\n(^٣) زاد الميسر في علم التفسير ٦/ ٤٢٢.\n(^٤) الجامع لأحكام القرآن ١٤/ ٢٤٣.","vol":"1","page":36},{"text":"* قال الإمام القاضي عبد الله بن عمر البيضاوي الشافعي (ت ٦٨٥ هـ): ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ يغطين وجوههن وأبدانهن بملاحفهن إذا برزن لحاجة. (^١)\n* قال الإمام عبد الله بن أحمد النسفي الحنفي (ت ٧١٠ هـ): ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ يرخينها عليهن، ويغطين بها وجوههن وأعطافهن، يقال إذا زال الثوب عن وجه المرأة أدني ثوبك على وجهك. (^٢)\n* قال شيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس أحمد بن تيمية الحراني (ت ٧٢٨ هـ): قبل أن تنزل آية الحجاب كان النساء يخرجن بلا جلباب يرى الرجل وجهها ويديها ثم أنزل الله آية الحجاب بقوله ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ فحجب النساء عن الرجال، والجلباب هو الملاءة وهو الذي يسميه ابن مسعود وغيره الرداء ... وقد حكى أبو عبيدة وغيره أنها تدنيه من فوق رأسها فلا تظهر إلا عينها. (^٣)\n_________\n(^١) أنوار التزيل وأسرار التأويل ٤/ ٣٨٦.\n(^٢) مدارك التنزيل وحقائق التأويل ٣/ ٣١٥.\n(^٣) مجموع الفتاوى ٢٢/ ١١٠.","vol":"1","page":37},{"text":"* قال الإمام علاء الدين علي بن محمد الشيحي أبو الحسن البغدادي، الشهير بالخازن (ت ٧٤١ هـ): أي يرخين ويغطين ﴿عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ قال ابن عباس: أمر نساء المؤمنين أن يغطين رؤوسهن ووجوههن بالجلابيب إلا عينا واحدة. (^١)\n* قال العلامة محمد بن أحمد بن جزي الكلبي الغرناطي المالكي (ت ٧٤١ هـ): كان نساء العرب يكشفن وجوههن كما تفعل الإماء، وكان ذلك داعيا إلى نظر الرجال لهن، فأمرهن الله بإدناء الجلابيب ليسترن بذلك وجوههن. (^٢)\n* قال الإمام النحوي المفسر محمد بن يوسف الشهير بأبي حيان الأندلسي (ت ٧٤٥ هـ): أمرن أن يخالفن بزيهن عن زي الإماء بلبس الأردية والملاحف وستر الرؤوس والوجوه ليحتشمن ويهبن. (^٣)\n* قال أبو محمد بدر الدين حسن بن قاسم بن عبد الله بن عليّ المرادي المصري المالكي (ت ٧٤٩ هـ): والمعنى يغطين بها وجوههن وأبدانهن وقت خروجهن من بيوتهن لحاجة ولا يخرجن مكشوفات الوجوه والأبدان كالإماء. (^٤)\n* قال الإمام الحافظ إسماعيل بن عمر بن كثير الشافعي (ت ٧٧٤ هـ): الجلباب هو الرداء فوق الخمار ... قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن\nيغطين وجوههن من فوق رؤوسهن\n_________\n(^١) لباب التأويل في معاني التنزيل ٣/ ٤٣٧.\n(^٢) التسهيل لعلوم التنزيل ٣/ ١٤٤.\n(^٣) تفسير البحر المحيط ٧/ ٢٤٠.\n(^٤) روح البيان ٧/ ١٨٦.","vol":"1","page":38},{"text":"بالجلابيب ويبدين عينًا واحدة. قال محمد بن سيرين سألت عبيدة السلماني عن قوله تعالى ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ فغطى وجهه ورأسه وأبرز عينه اليسرى. (^١)\n* قال الشيخ عبد الرحمن بن محمد بن مخلوف الثعالبي (ت ٨٧٥ هـ): أي يرخين أرديتهن وملاحفهن فيتقنّعن بها ويغطين وجوههن ورؤوسهن. (^٢)\n* قال الإمام أبو حفص عمر بن علي ابن عادل الدمشقي الحنبلي (ت ٨٨٠ هـ) \"الجلابيب\" جمع \"الجلباب\" وهو الملاءة التي تشتمل بها المرأة فوق الدرع والخمار، قال ابن عباس وعبيدة على نساء المؤمنين أن يغطين رؤوسهن ووجوههن بالجلابيب إلا عينا واحدة. (^٣)\n* قال الإمام محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله الحسني الحسيني الإيجي الشافعي (ت ٩٠٥ هـ) الجلباب: رداء فوق الخمار تستر من فوق إلى أسفل، يعني يرخينها عليهن ويغطين وجههن وأبدانهن. (^٤)\n_________\n(^١) انظر: تفسير القرآن العظيم لابن كثير ٣/ ٥١٩.\n(^٢) الجواهر الحسان في تفسير القرآن ٨/ ٦٤.\n(^٣) اللباب في علوم الكتاب ١٥/ ٥٨٩.\n(^٤) جامع البيان في تفسير القرآن ٣/ ٣٦٧.","vol":"1","page":39},{"text":"* تفسير الجلالين المحلي والسيوطي (ت ٩١١ هـ): ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ جمع جلباب وهي الملاءة التي تشتمل بها المرأة أي يرخين بعضها على الوجوه إذا خرجن لحاجتهن إلا عينًا واحدة. (^١)\n* قال الشيخ أبو السعود محمد بن محمد العمادي (ت ٩٥١ هـ): وقيل هي الملحفة وكل ما يتستر به أي يغطين بها وجوههن وأبدانهن إذا برزن لداعية من الدواعي. (^٢)\n* قال الإمام إسماعيل حقي بن مصطفى الإستانبولي الحنفي (ت ١١٢٧ هـ): والمعنى يغطين بها وجوههن وأبدانهن وقت خروجهن من بيوتهن لحاجة ولا يخرجن مكشوفات الوجوه والأبدان. (^٣)\n* قال العلامة محمد بن علي الشوكاني (ت ١٢٥٠ هـ): قال الواحدي: قال المفسرون يغطين وجوههن ورؤوسهن إلا عينا واحدة. (^٤)\n* قال العلامة ومفتي بغداد أبو الفضل شهاب الدين الألوسي (ت ١٢٧٠ هـ): والظاهر أن المراد ب\"عليهن\" على جميع أجسادهن وقيل على رؤوسهن أو على\n_________\n(^١) قرة العينين على تفسير الجلالين ١/ ٥٦٠.\n(^٢) إرشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم ٧/ ١١٥.\n(^٣) تفسير حقي ١١/ ١٣٢.\n(^٤) فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير ٤/ ٣٠٤.","vol":"1","page":40},{"text":"وجوههن لأن الذي كان يبدو منهن في الجاهلية هو الوجه ... وإدناء ذلك عليهن أن يتقنعن فيسترن الرأس والوجه بجزء من الجلباب. (^١)\n* قال علامة الشام محمد جمال الدين القاسمي في محاسن التأويل (ت ١٣٣٢ هـ): ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ يرخينها عليهن ويغطين بها وجوههن وأعطافهن. (^٢)\n* قال العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي (ت ١٣٧٦ هـ): هذه الآية هي التي تسمى آية الحجاب فأمر الله نبيه أن يأمر النساء عموما ويبدأ بزوجاته وبناته أن ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ وهن اللاتي يكن فوق الثياب من ملحفة وخمار ورداء ونحوه أي يغطين بها وجوههن وصدورهن. (^٣)\n* قال العلامة محمد الأمين الشنقيطي (ت ١٣٩٣ هـ): من الأدلة القرآنية على احتجاب المرأة وسترها جميع بدنها حتى وجهها قوله تعالى ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ فقال غير واحد من أهل العلم أنهن يسترن بها جميع وجوههن\n_________\n(^١) روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ٢٢/ ٨٩.\n(^٢) محاسن التأويل ٨/ ١١٣.\n(^٣) انظر: تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان ١/ ٦٧٢.","vol":"1","page":41},{"text":"ولا يظهر منهن شيئًا إلا عينًا واحدة تبصر بها، وممن قال به ابن مسعود، وابن عباس وعبيدة السلماني. (^١)\n* قال العلامة أبو الأعلى المودودي الحنفي (ت ١٣٩٩ هـ): هذه الآية نزلت خاصة في ستر الوجه. (^٢) وقال: يتضح من هذه الأقوال جميعًا أنه من لدن عصر الصحابة إلى القرن الثامن للهجرة، حمل جميع أهل العلم هذه الآية على مفهوم واحد، هو الذي قد فهمناه من كلماتها، وإذا راجعنا بعد ذلك الأحاديث النبوية والآثار علمنا منها أيضًا أن النساء قد شرعن بلبس النقاب على العموم بعد نزول هذه الآية على العهد النبوي، وكن لا يخرجن سافرات. اهـ (^٣).\n* وبذلك تبين إجماع المفسرين ومنهم أئمة التفسير كالطبري والبغوي وابن الجوزي والقرطبي والبيضاوي والنسفي وابن كثير والشوكاني ومنهم أئمة في اللغة كالفراء والنحاس والزمخشري وأبي حيان ومنهم أئمة في الفقه كعماد الدين الطبري والجصاص وابن العربي والبيضاوي والشوكاني وغيرهم على اختلاف مذاهبهم؛ على تفسير هذا الأمر الرباني الموجه لنساء المؤمنين بتغطية الوجه.\n_________\n(^١) أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن ٦/ ٢٤٣.\n(^٢) الحجاب / ٣٢٢. الطبعة الرابعة ١٤٠٧ هـ، الدار السعودية للنشر بجدة.\n(^٣) الحجاب / ٣٠٢.","vol":"1","page":42},{"text":"ثانيًا: استشهد الشيخ الألباني بقول عبد الله بن عباس - ﵁ - \" تدني الجلباب إلى وجهها ولا تضرب به\" (^١) على أنه تفسير من ابن عباس لآية إدناء الجلابيب فقال: (وقد صح عن ابن عباس أنه قال في تفسير آية الجلابيب\" تدني الجلباب إلى وجهها، ولا تضرب به\")!! والصحيح أن قول ابن عباس هذا لم يكن تفسيرا لآية إدناء الجلابيب كما ذكر الشيخ الألباني، ولم يستشهد به مطلقا أي أحد من المفسرين في تفسير هذه الآية! بل لم يرد له ذكر في كتب التفسير البتة!! لأن هذا القول من ابن عباس إنما كان لبيان كيفية تغطية وجه المرأة حال إحرامها، كما أن الشيخ الألباني لم يذكر رواية هذا الأثر بتمامها كما هي عند أبي داوود: قال أبو داود في مسائله للإمام أحمد، في باب: ما تلبس المرأة في إحرامها (ص ١١٠): \"حدثنا أحمد، قال حدثنا يحيى وروح، عن ابن جريج، قال أخبرنا، قال عطاء، أخبرني أبو الشعثاء، أن ابن عباس ﵄ قال: (تدني الجلباب إلى وجهها ولا تضرب به، قال روح في حديثه: قلت: وما لا تضرب به؟ فأشار لي كما تجلبب المرأة، ثم أشار لي ما على خدها من الجلباب قال: تعطفه وتضرب به على وجهها، كما هو مسدول على وجهها) كما أخرجه الشافعي عن سعيد بن سالم ولفظه (تدلي عليها من جلبابها ولا تضرب به، قلت وما لا تضرب به فأشار إلى كما تجلبب المرأة ثم أشار إلى ما على خدها من الجلباب فقال لا تعطفه فتضرب به على وجهها فذلك الذي يبقى عليها ولكن تسدله على وجهها كما هو مسدولا ولا تقلبه ولا تضرب به ولا تعطفه) (^٢) وهذا يبين مراد ابن\n_________\n(^١) أبو داود في (مسائله) ص /١١٠، وصححه الألباني في الرد المفحم /٥١.\n(^٢) مسند الشافعي (١/ ١١٨)، الأم (٢/ ١٤٩).","vol":"1","page":43},{"text":"عباس؛ وهو أن تغطية المرأة لوجهها حال إحرامها تكون بسدل الجلباب من فوق رأسها على وجهها، وليس لها رفع الثوب من أسفل وضربه على الوجه (^١) للتلثم به والتبرقع، فالنهي متعلق بصفة التغطية وليس بالتغطية نفسها.\nلكن الشيخ الألباني أشار إلى هذه الزيادة في أثر ابن عباس في آخر موضع استشهد فيه بهذا الأثر في رده المفحم في هامش الصفحة قائلا:\n(وهذه زيادة شاذة لا تصح) (^٢)!! والصحيح أن هذه الزيادة محفوظة غير شاذة؛ لأن الشذوذ مصطلح يطلق على زيادة تفرد بها ثقة خالف بها غيره، ولا يطلق على ما رواه ولم يروه غيره:\nقال العلامة محمد جمال الدين القاسمي في قواعد التحديث من فنون مصطلح الحديث (ص: ١٠٠): الشذوذ أن يخالف الثقات فيما رووه، فيشذ عنهم بروايته، فأما إذا روى الثقة حديثًا منفردًا به لم يرو الثقات خلافه فإن ذلك لا يسمى\n_________\n(^١) الضرب هو الشد والإلصاق، كما جاء في تفسير الضرب في قوله تعالى (وليضربن بخمرهن على جيوبهن) النور: ٣١ قال ابن عبدالبر في الكافي (١/ ١٥٣): قال سعيد بن جبير (وليضربن) يعني وليشددن. وفي فتح القدير (٤/ ٢٣): مبالغة في الإلقاء الذي هو الإلصاق. وفي إعراب القرآن (٣/ ١٣٤): وليلصقن.\n(^٢) قال الشيخ الألباني في الرد المفحم هامش (ص ٥١): رواه أبو داوود عن أحمد عن شيخين له: يحيى بن سعيد وروح، واللفظ ليحيى وخالفه روح فزاد زيادة لما سئل: وما \" ولا تضرب به \"؟ فقال: \" تعطفه وتضرب به على وجهها كما هو مسدول على وجهها \" وهذه زيادة شاذة لا تصح لأن يحيى جبل في الحفظ قال أحمد: \" إليه المنتهى في التثبت في البصرة \" فإذا قابلت هذه الشهادة منه بقوله وفي روح: \" لم يكن به بأس \" عرفت الفرق بينهما ولم تقبل زيادته على يحيى. اهـ","vol":"1","page":44},{"text":"شاذًّا ... قال الشافعي ﵀: \"وليس الشاذ أن ينفرد الثقة برواية الحديث بل الشاذ أن يروي خلاف ما رواه الثقات\"\nوقال الحافظ ابن حجر في نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر (ص: ٨٢): زيادة راويهما أي: الصحيح والحسن مقبولة، ما لم تكن منافية لرواية من هو أوثق ممن لم يذكر تلك الزيادة؛ لأن الزيادة:\n\n١ - إما أن تكون لا تنافي بينها وبين رواية من لم يذكرها فهذه تقبل مطلقًا لأنها في حكم الحديث المستقل الذي ينفرد به الثقة ولا يرويه عن شيخه غيره.\n٢ - وإما أن تكون منافية بحيث يلزم من قبولها رد الراوية الأخرى فهذه التي يقع الترجيح بينها وبين معارضها فيقبل الراجح ويرد المرجوح. اهـ\nوقال أبو العباس أحمد بن فرح الإشبيلي في الغرامية في مصطلح الحديث (ص: ١٠٤): لابد من توفر شرطين في الشاذ هما: التفرد والمخالفة.\nوزيادة روح بن عبادة ليست منافية ولا مخالفة لرواية يحيى بن سعيد حتى يحكم عليها بالشذوذ!! بل هي بمثابة الزيادة المفسرة لها، فلا يصح أن توصف بالشذوذ! بل إن الإنصاف أن تقبل مطلقا كما قال ابن حجر لأنها في حكم الحديث المستقل الذي ينفرد به الثقة ولا يرويه عن شيخه غيره.","vol":"1","page":45},{"text":"وروح يعد من الثقات وقول الإمام أحمد الذي نقله عنه الشيخ الألباني لا يعد جرحا له، وقد وثقه البزار والخليل وابن سعد وابن معين (^١) والعجلي في ثقاته وابن حجر في التقريب، وحديثه مخرج في الصحيحين.\nكما أن هذه الزيادة لم يتفرد بها روح فقد شاركه فيها سعيد بن سالم كما في مسند الشافعي، ولها شواهد من حديث عائشة ﵂ (^٢)، وعمل بها الأئمة (^٣).\nبل إن الشيخ الألباني نفسه قد أقرّ بمعناها فقال في الرد المفحم (ص:\n_________\n(^١) انظر تهذيب التهذيب (٣/ ٢٥٣ - ٢٥٤).\n(^٢) وذلك ما صح عن عائشة ﵂ أنها قالت (تسدل المحرمة جلبابها من فوق رأسها على وجهها) وقالت (ولا تتبرقع ولا تَلَثَّم وتسدل الثوب على وجهها) وفي رواية (سدلنا الثوب على وجوهنا من خلفنا ولم يجئ من ها هنا يعني من قبل خديها فإذا جاوزنا نزعناه) وسيأتي تخريجها.\n(^٣) كما جاء في الفروع (٣/ ٣٣٣): وقال أحمد: إنما لها أن تسدل على وجهها من فوق وليس لها أن ترفع الثوب من أسفل ومعناه عن ابن عباس رواه الشافعي.\nوقال الإمام الشافعي في الأم (٢/ ١٦٢): ويكون للمرأة إذا كانت بارزة تريد الستر من الناس أن ترخي جلبابها أو بعض خمارها أو غير ذلك من ثيابها من فوق رأسها وتجافيه عن وجهها حتى تغطي وجهها متجافيا كالستر على وجهها ولا يكون لها أن تنتقب - ثم ساق أثر ابن عباس ثم قال - ولا ترفع الثوب من أسفل إلى فوق.\nوفي التفريع في فقه الإمام مالك (١/ ٢٠٠): ولا بأس أن تسدل ثوبها على وجهها ليسترها عن غيرها، وتسبله من فوق رأسها، ولا ترفعه من تحت ذقنها، ولا تشد على رأسها. اهـ\nوهذا مقتضى قول ابن عباس فلم يرد عن أحد من الأئمة أنه قال بجواز كشف وجه المرأة المحرمة إذا كانت على مرأى من رجال أجانب بناء على قول ابن عباس ولا غيره من الآثار كما سيأتي زيادة بيان ذلك وتفصيله في تتمة مناقشة البحث الخامس.","vol":"1","page":46},{"text":"٣٩): (فلكونها معتمرة فلا يجوز لها أن تلثم به كما قالت آنفا فتغطيتها لوجهها بالسدل فعل منها نقول به) فلا وجه إذن للطعن في هذه الزيادة والحكم عليها بالشذوذ، لأنه لا شذوذ هنا، ولا دليل عليه، بل هي زيادة ثقة يروي ما لم يرو غيره، فتكون مقبولة محتجا بها.\n\nثالثا: (١) استشهد الشيخ الألباني بما جاء في الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف للمرداوي (١/ ٤٥٢) قال \"الصحيح من المذهب أن الوجه ليس من العورة\" على أن مراده عورة النظر! والصحيح أن مراد المرداوي عورة المرأة في الصلاة. (^١)\n_________\n(^١) ولا يسوغ قياس عورة النظر على عورة الصلاة كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (٢٢/ ١١٥): فليست العورة في الصلاة مرتبطة بعورة النظر لا طردا ولا عكسا.\nوفي مغني المحتاج (٣/ ١٢٩): وقال السبكي إن الأقرب إلى صنع الأصحاب أن وجهها وكفيها عورة في النظر لا في الصلاة.\nوفي الثمر الداني (١/ ١٦٣): ويجوز أن تظهر وجهها وكفيها في الصلاة خاصة.\nوفي حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح (١/ ٢٤١): قال الكمال وصحح بعضهم أنه ليس بعورة في الصلاة لا خارجها، ولا تلازم بين كونه ليس بعورة وجواز النظر إليه.\nوسيأتي زيادة توضيح وبيان لذلك في تتمة مناقشة البحث الخامس.","vol":"1","page":47},{"text":"وهذا نص ما ذكره المرداوي في الإنصاف (١/ ٤٥٢ - ٤٥٣): (قوله\"والحرة كلها عورة إلا الوجه\" (^١) الصحيح من المذهب أن الوجه ليس بعورة وعليه الأصحاب وحكاه القاضي إجماعا وعنه الوجه عورة أيضا قال الزركشي أطلق الإمام أحمد القول بِأن جميعها عورة وهو محمول على ما عدا الوجه أو على غير الصلاة انتهى. وقال بعضهم الوجه عورة وإنما كشف في الصلاة للحاجة قال الشيخ تقي الدين والتحقيق أنه ليس بعورة في الصلاة وهو عورة في باب النظر إذا لم يجز النظر إليه انتهى ... وقوله \" وفي الكفين روايتان \" إحداهما: هما عورة. وهي المذهب وعليه الجمهور قال: وهو ظاهر كلام أحمد وجزم به الخرقي .... واختار الشيخ تقي الدين: أن القدمين ليسا بعورة أيضا. قلت: وهو الصواب) اهـ\nفإن ما ذكره المرداوي في الكفين من أن المذهب وظاهر قول أحمد أنهما عورة، وما رجحه من أن القدمين أيضا ليسا بعورة؛ يكشف أن مراد المرداوي عورة المرأة في الصلاة لا عورتها في النظر، أما رأيه في عورة المرأة في النظر؛ فيتبين بما ذكره في كتابه \"الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف\" عن حكم النظر للأمة التي لم يُفرض عليها الحجاب (٨/ ٢٧) حيث قال: الصواب أن الجميلة تنتقب،\n_________\n(^١) هذا من المتن الذي يشرحه المرداوي في الإنصاف وهو المقنع في فقه الإمام أحمد لابن قدامة المقدسي (ص: ٤٤): كتاب الصلاة، باب ستر العورة: وهو الشرط الثالث. وسترها عن النظر بما لا يصف البشرة واجب. وعورة الرجل ... والحرة كلها عورة إلا الوجه وفي الكفين روايتان. وأم الولد والمعتق بعضها كالأمة وعنه كالحرة. ويستحب للرجل أن يصلي في ثوبين ...)","vol":"1","page":48},{"text":"وأنه يحرم النظر إليها كما يحرم النظر إلى الحرة الأجنبية ... فلا يجوز له النظر إلى الأجنبية قصدا وهو صحيح وهو المذهب. أهـ\n(٢) ومثل ذلك ما نقله الشيخ الألباني عن ابن قدامة المقدسي في المغني قائلا: وهو اختيار ابن قدامة المقدسي في \"المغني\" (١/ ٦٣٧) واستدل لاختياره بنهيه - ﷺ - المحرمة عن لبس القفازين والنقاب \"لو كان الوجه والكفان عورة لما حرم سترهما، ولأن الحاجة تدعو إلى كشف الوجه للبيع والشراء، والكفين للأخذ والإعطاء\". وهو الذي اعتمده وجزم به في كتابه \"العمدة\" اهـ.\nفإن مراد ابن قدامة؛ عورة المرأة في الصلاة، وهذا نص ما قال ابن قدامة في المغني (١/ ٦٣٧): (جميع المرأة عورة إلا وجهها وكفيها وما سوى ذلك يجب ستره في الصلاة لأن ابن عباس قال في قوله تعالى ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ النور: ٣١ قال الوجه والكفين، ولأن النبي - ﷺ - نهى المحرمة عن لبس القفازين والنقاب ولو كان الوجه والكفان عورة لما حرم سترهما ولأن الحاجة تدعو إلى كشف الوجه للبيع والشراء والكفين للأخذ والإعطاء). اهـ\nوتوضيح ما ذكر ابن قدامة بأمرين:","vol":"1","page":49},{"text":"الأول: علل ابن قدامة وغيره من الفقهاء كون الوجه والكفين ليسا بعورة من المرأة في الصلاة؛ بأن المرأة منهية حال إحرامها من لبس القفازين والنقاب (^١)؛ وهذا ليس فيه حجة على جواز كشف وجه المرأة أمام الرجال الأجانب!\nلأن المراد نهي المرأة من تغطية وجهها إذا لم تكن بارزة أمام رجال أجانب، ومما يشهد لذلك؛ قول ابن قدامة في المغني (٣/ ١٥٤): فأما إذا احتاجت إلى ستر وجهها لمرور الرجال قريبا منها فإنها تسدل الثوب من فوق رأسها على وجهها روي ذلك عن عثمان وعائشة، وبه قال عطاء ومالك والثوري والشافعي وإسحاق ومحمد بن الحسن ولا نعلم فيه خلافا. . . ولأن بالمرأة حاجة إلى ستر وجهها فلم يحرم عليها ستره على الإطلاق كالعورة.\n- قال النووي (ت ٦٧٦ هـ) في المجموع (٨/ ٧٥): قال الشافعي والأصحاب؛ يستحب للمرأة أن تسعى في الليل لأنه أستر وأسلم لها ولغيرها من الفتنة، فان طافت نهارا جاز وتسدل على وجهها ما يستره.\n- قال أبو بكر ابن العربي المالكي (ت ٥٤٣ هـ) في عارضة الأحوذي (٤/ ٥٦): ستر وجه المرأة بالبرقع فرض إلا في الحج؛ فإنها ترخي شيئا من خمارها على وجهها.\n- قال صدر الدين عليّ بن عليّ ابن أبي العز الحنفي (ت ٧٩٢ هـ): في التنبيه على مشكلات الهداية (٣/ ١٠٠٦): فإن النبي - ﷺ - لم يشرع للمرأة كشف الوجه\n_________\n(^١) لما ثبت عن ابن عمر عن النبي - ﷺ - أنه قال (ولا تنتقب المرأة المحرمة ولا تلبس القفازين) صحيح البخاري ٢/ ٦٥٣ (١٧٤١)، وسيأتي أنه موقوف على ابن عمر.","vol":"1","page":50},{"text":"للرجال في الإحرام ولا غيره خصوصًا عند خوف الفتنة، وإنما جاء النص بالنهي عن النقاب خاصًا.\n- قال ابن نجيم الحنفي (ت ٩٧٠ هـ) في البحر الرائق (٢/ ٣٨١): ودلت المسألة على أنها لا تكشف وجهها للأجانب من غير ضرورة. . . وهو يدل على أن هذا الإِرخاء عند الإمكان ووجود الأجانب واجب عليها. اهـ\nوسيأتي زيادة تفصيل وبيان لهذه المسألة في مناقشة البحث الخامس إن شاء الله.\nوكذلك كون وجه المرأة ليس بعورة في الصلاة؛ لا يعني جواز كشف المرأة لوجهها إذا كانت تصلي على مرأى من رجال أجانب عنها، كما بيّن ذلك بعض الفقهاء على اختلاف مذاهبهم:\nكما في سبل السلام (١/ ١٣٢): والمراد كشفه عند صلاتها بحيث لا يراها أجنبي.\nوفي شرح العمدة (٤/ ٢٦٨): يكره للمرأة ستره في الصلاة ... إلا إن تكون بين رجال أجانب.\nوفي الإقناع للشربيني (١/ ١٢٤): إلا أن تكون في مكان وهناك أجانب لا يحترزون عن النظر إليها فلا يجوز لها رفع النقاب.","vol":"1","page":51},{"text":"وفي التاج والإكليل (١/ ٥٠٢): قال مالك إن صلت الحرة منتقبة لم تعد ... وكذا المتلثمة وقال اللخمي يكرهان، وتسدل على وجهها إن خشيت رؤية رجل.\nوفي الدر المختار (١/ ٤٠٥): قال في فصل شروط الصلاة: وستر عورته وهي للرجل ما تحت سرته إلى ما تحت ركبته. . . وللحرة جميع بدنها خلا الوجه والكفين والقدمين، وتمنع من كشف الوجه بين الرجال لخوف الفتنة.\nالثاني: أن قول ابن قدامة \"ولأن الحاجة تدعو إلى كشف الوجه للبيع والشراء، والكفين للأخذ والإعطاء\" فهو الذي علل به الفقهاء أمرين:\n١ - كشف الإماء وجوههن وعدم احتجابهن، لأن الأمر بالحجاب مختص بالحرائر دون الإماء (^١) في قوله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ الأحزاب: ٥٩ وسيأتي تفصيل ذلك وتأصيله في مناقشة البحث الخامس.\n_________\n(^١) قال ابن قدامة المقدسي في الكافي في فقه ابن حنبل (٣/ ٦): وأما عبد المرأة فليس بمحرم لها لأنها لا تحرم عليه على التأبيد لكن يباح له النظر إلى ما يظهر منها غالبا لقوله تعالى (ما ملكت أيمانهن). أخرج عبد الرزاق في مصنفه ٨/ ٤١٢ (١٥٧٤٢) عن مجاهد قال \"كان العبيد يدخلون على أزواج النبي - ﷺ - \" وأخرج البيهقي في سننه الكبرى ٧/ ٩٥ (١٣٣٢٤) عن سليمان بن يسار عن عائشة ﵂ قال استأذنت عليها فقالت من هذا فقلت سليمان قالت كم بقي عليك من مكاتبتك قال قلت عشر أواق قالت\" أدخل فإنك عبد ما بقي عليك درهم\" صححه الألباني في إرواء الغليل ٦/ ١٨٣، والعمل على ذلك. اهـ","vol":"1","page":52},{"text":"٢ - عدم احتجاب النساء الحرائر من الرقيق ونحوهم، ممن أجاز لهم الشرع الدخول على المرأة دون حجاب (^١) لقوله تعالى ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ﴾ النور: ٣١ فالمراد من قول ابن قدامة \"ولأن الحاجة تدعو إلى كشف الوجه للبيع والشراء، والكفين للأخذ والإعطاء\"؛ الحاجة للأخذ والإعطاء مع من يحل له الدخول عليهن والنظر إليهن من العبيد ونحوهم، وكذلك الحاجة لكشف وجوه الإماء لأنهن سلعة تباع وتشترى وبالناس حاجة إلى النظر إلى وجهها عند الشراء. فالمراد هو الحاجة للمعاملة مع من لم يضرب دونهم الحجاب؛\nوهم العبيد المملوكون، ومن لم يؤمرن بحجاب وهن الإماء (^٢). وليس المراد معاملة المرأة الحرة مع الرجال الأحرار الأجانب الذين ضرب دونهم الحجاب ومنعوا من النظر إليها والمعاملة معها بقوله تعالى ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ ... الأحزاب: ٥٣\n_________\n(^١)\n(^٢). وهم من وصفهم الله تعالى في كتابه بالطوافين لكثرة دخولهم البيوت لخدمة مواليهم فقال ﴿الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ﴾ إلى قوله ﴿\n﴾ النور: ٥٨","vol":"1","page":53},{"text":"ومما يشهد لما ذكرنا من أن المراد؛ المعاملة مع هؤلاء:\nقول ابن عبد البر (ت ٤٦٣ هـ) في الاستذكار (٨/ ٥٤٢): وإنما كره عمر للإماء أن يتهيأن بهيئة الحرائر لئلا يظن أنهن حرائر فيضاف إليهن التبرج والمشي وينسب ذلك منهن إلى ما وقع الظن عليهن فيأثم بذلك الظان، ومعلوم أن الإماء ينصرفن في خدمة ساداتهن فيكثر خروجهن لذلك وتطوافهن.\nوكذلك ما جاء في المبسوط للسرخسي ١٠/ ١٥٨ (ت ٤٨٣ هـ): وحديث أم سلمة ﵂ (إذا كان لإحداكن مكاتب (^١) وكان عنده ما يؤدي فلتحتجب منه) (^٢) محمول على الاحتجاب لمعنى زوال الحاجة فإن قبل ذلك تحتاج إلى المعاملة معه بالأخذ والإعطاء فتبدي وجهها وكفها له وقد زال ذلك بالأداء فلتحتجب.\nوما جاء في قواطع الأدلة في الأصول لأبي المظفر السمعاني ٢/ ٨٢ (ت ٤٨٩ هـ):\nفإن الجارية سلعة تباع وتشترى وبالناس حاجة إلى النظر إلى وجهها وشعرها عند المعاملات فأعرض الشرع عن خوف الفتنة لوقوع الحاجة، بخلاف الحرة فإن الأصل أنها عورة فالشرع حرم النظر سواء كانت شوهاء أو حسناء حسما للباب وسدا له وزيادة احتياط للأمور.\n_________\n(^١) (المكاتب) هو الذي تعاقد مع سيده على مبلغ من المال إذا أداه أصبح حرا.\n(^٢) سنن أبي داود ٤/ ٢١ (٣٩٢٨) جامع الترمذي ٣/ ٥٦٢ (١٢٦١) وقال حسن صحيح.","vol":"1","page":54},{"text":"كما إن من أهل العلم من أنكر إطلاق جواز الكشف والنظر للإماء للبيع والشراء:\nكما في مواهب الجليل لشرح مختصر خليل (٣/ ٤٠٥): ومقتضى كلام القباب في مختصر أحكام النظر لابن القطان أنه لا يجوز النظر إليهن للبيع والشراء.\nقال ابن القطان في أحكام النظر/١٩٣: (حكم نظر من يريد شراء أمة يقلبها) ... مسألة؛ ليس من الضرورات احتياجها إلى أن تبيع وتبتاع أو تستصنع وقد روي عن مالك أنه قال: أرى أن يتقدم إلى الصناع في قعود النساء إليهم ولا تترك الشابة تجلس إلى الصناع، وأما المتجالة والخادم الدون ومن لا يتهم على القعود عنده فلا بأس بذلك، وهذا كله صواب من القول، فإن أكثر هذه ليست بضرورات مبيحة للتكشف، فقد تستصنع وتتصرف بالبيع والشراء وغير ذلك وهي مستترة. ولا يمنعن - الإماء - من الخروج والمشي في حاجاتهن ولو كن معتدات وإلى المساجد، وإنما يمنعن من التبرج والتكشف والتطيب للخروج والتزين، بل يخرجن وهن تفلات ولا يتوسطن في المشي الطرقات بل يلصقن بالجدران ... وقال القاضي أبو بكر بن الطيب: أما بروزهن للتهمة والنظر والتعرض للفساق\nفيجب إنكاره والمنع منه، وأما خروجهن للحوائج والمهمات، وعلى غير وجه التعرض للفساد، فإنه غير منكر لأنه غير مطلق لهن، وقد يخرجن لسماع الوعظ وتعلم العلم والفضيلة من صلاة أو غير ذلك ونحوه لمن أمن الافتتان بهن من العجائز وأما الشواب منهن فيجب إنكار اختلاطهن بالرجال في المساجد ومجمع القصاص إلا أن يكون من وراء حجاب بحيث لا يراهن الرجال. انتهى كلامه بنصه وهو صواب كما ذكر. اهـ","vol":"1","page":55},{"text":"ولذلك فلا حجة في هذا القول على جواز كشف وجه المرأة الحرة لمن ضرب دونهم الحجاب من الرجال الأحرار الأجانب.\n(٣) أما قول الشيخ الألباني (وهو الذي اعتمده وجزم به في كتابه \"العمدة\") فهو أيضا عن عورة المرأة في الصلاة؛ وهذا نص قول ابن قدامة من كتابه (العمدة):\n(باب شروط الصلاة) وهي ستة: (أحدها) الطهارة من الحدث، لقول رسول الله - ﷺ - \"لا صلاة لمن أحدث حتى يتوضأ\" (الشرط الثاني) الوقت، ووقت الظهر. . . (الشرط الثالث) ستر العورة بما لا يصف البشرة، وعورة الرجل والأمة ما بين السرة والركبة، والحرة كلها عورة إلا وجهها وكفيها، وأم الولد والمعتق بعضها كالأمة. ومن صلى في ثوب مغصوب. . . اهـ\nوبذلك يتبين أن ما استشهد به الشيخ الألباني عن ابن قدامة من كتابيه المغني والعمدة لم يكن عن عورة المرأة بالنسبة للنظر، وإنما كان عن عورة المرأة في الصلاة، أما قول ابن قدامة في عورة المرأة بالنسبة للنظر إليها فهو قوله في المغني (٧/ ٧٨): فأما نظر الرجل إلى الأجنبية من غير سبب فإنه محرم إلى جميعها في ظاهر كلام أحمد.","vol":"1","page":56},{"text":"ــ:: البحث الثاني:: ــ\n: هل (الجلباب) المأمور به في آية الأحزاب هو معنى (الحجاب) المذكور في الآية ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾\nقال الشيخ الألباني: يزعم كثير من المخالفين أن (الجلباب) المأمور به في آية الأحزاب هو معنى (الحجاب) المذكور في الآية الأخرى: ﴿فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ الأحزاب: ٥٣ وهذا خلط عجيب، حملهم عليه علمهم بأن الآية الأولى لا دليل فيها على أن الوجه والكفين عورة، بخلاف الأخرى، فإنها في المرأة وهي في دارها، إذ إنها لا تكون عادة متجلببة ولا مختمرة فيها، فلا تبرز للسائل، خلافًا لما يفعل بعضهن اليوم ممن لا أخلاق لهن، وقد نبَّه على هذا الفرق شيخ الإسلام ابن تيمية فقال في\" الفتاوى\" (١٥/ ٤٤٨): \" فآية الجلابيب في الأردية عند البروز من المساكن، وآية الحجاب عند المخاطبة في المساكن\" قلت: فليس في أي من الآيتين ما يدل على وجوب ستر الوجه والكفين؛ أما الأولى فلأن الجلباب هو الملاءة التي تلتحف بها المرأة فوق ثيابها- وليس على وجهها-وعلى هذا كتب اللغة قاطبة، ليس في شيء منها ذكر للوجه البتة. وقد صح عن ابن عباس أنه قال في تفسيرها: \"تدني الجلباب إلى وجهها، ولا تضرب به\". أخرجه أبو داود في \"مسائله\" (ص ١١٠) وأما الآية الأخرى، فلما ذكرت آنفًا.","vol":"1","page":57},{"text":"ــ::<span data-type=\"title\" id=toc-10> مناقشة البحث الثاني::</span> ــ\nأولا: أنكر الشيخ الألباني أن معنى الحجاب (تغطية الوجه) الذي تقتضيه آية الحجاب الأولى ﴿فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ هو معنى الحجاب الذي تقتضيه آية الحجاب الثانية ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾!! مخالفا بذلك ما أجمع عليه أهل العلم، قال ابن عبد البر في التمهيد (٨/ ٢٣٥): (كانوا يرون النساء ولا يستتر نساؤهم عن رجالهم حتى نزلت آيات الحجاب ... فأمر النساء بالحجاب ثم أمرن عند الخروج أن يدنين عليهن من جلابيبهن وهو القناع) اهـ\nفإن آية الجلابيب نزلت تتمة لآية الحجاب ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ فآية الحجاب هذه نزلت لبيان أحكام الحجاب في البيوت؛ فبينت أنه لا يجوز للرجال الأحرار الأجانب الدخول على النساء الحرائر في البيوت ومخالطتهن والجلوس معهن، بل عليهم إذا كان لهم حاجة أن يسألوهن من وراء حجاب؛ من جدار أو الستر الذي يرخى بين مصراعي الباب ونحوه كما سيأتي بيان ذلك قريبا.\nولما كانت النساء قد يحتجن إلى الخروج من البيوت أنزل الله تعالى في حقهن آية إدناء الجلابيب ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ","vol":"1","page":58},{"text":"مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ فأمرهن إذا خرجن أن يدنين عليهن من جلابيبهن ليسترن وجوههن وسائر أبدانهن ــ ووضع الشروط لخروجهن وسيأتي بيانها في مناقشة البحث السابع إن شاء الله ــ وبهذا تم أمر الحجاب في حالتي الخروج والاستقرار في البيوت.\nفيكون الفرق بين الآيتين في الطريقة التي تحتجب بها المرأة عن نظر الرجال حسب المكان كما قال شيخ الإسلام \"فآية الجلابيب في الأردية عند البروز من المساكن، وآية الحجاب عند المخاطبة في المساكن\"\nومما يثبت اتفاق الآيتين على معنى الحجاب (تغطية الوجه) ما ثبت في صحيح السنّة من تسمية كل من الآيتين بـ (آية الحجاب):\nأما آية الحجاب الأولى ﴿فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ فقد ثبت من حديث أنس بن مالك - ﵁ - قال: أنا أعلم الناس بهذهِ الآية آية الحجاب لما أهديت زينب بنت جحش ﵂ إلى رسول اللَّه - ﷺ - كانت معه في البيت، صنع طعاما ودعا القوم فقعدوا يتحدثون فجعل النبي - ﷺ - يخرج ثم يرجع وهم قعود يتحدثون فأنزل الله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ","vol":"1","page":59},{"text":"وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ الأحزاب: ٥٣ فضُرب الحجاب وقام القوم. (^١)\nأما آية الحجاب الثانية ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ فقد ثبت تسميتها آية الحجاب في القصة التي كانت سببا لنزولها كما جاء في الصحيحين أن عائشة ﵂ قالت (خرجت سودة بعد ما ضُرب الحجاب لحاجتها وكانت امرأة جسيمة لا تخفى على من يعرفها فرآها عمر بن الخطاب فقال يا سودة أما والله ما تخفين علينا فانظري كيف تخرجين قالت فانكفأت راجعة، ورسول الله - ﷺ - في بيتي وإنه ليتعشى وفي يده عرق، فدخلت فقالت: يا رسول الله إني خرجت لبعض حاجتي فقال لي عمر كذا وكذا، قالت: فأوحى الله إليه ثم رفع عنه، وإن العرق في يده ما وضعه فقال: إنه قد أذن لكن أن تخرجن لحاجتكن\" (^٢) وفي رواية قالت (فرآها عمر بن الخطاب وهو في المجلس فقال عرفتك يا سودة حرصا على أن ينزل الحجاب قالت: فأنزل الله ﷿ آية الحجاب). (^٣) (^٤)\n_________\n(^١) صحيح البخاري ٤/ ١٧٩٩ (٤٥١٤).\n(^٢) صحيح البخاري ٤/ ١٨٠٠ (٤٥١٧) صحيح مسلم ٤/ ١٧٠٩ (٢١٧٠).\n(^٣) صحيح البخاري ٥/ ٢٣٠٣ (٥٨٨٦).\n(^٤) ١ - مما يبين أن القصة واحدة أن البخاري جمع بين الروايتين في موضع آخر في صحيحه ١/ ٦٧ (١٤٦) فقال بعد أن أورد حديث عائشة ﵂ \"أن أزواج النبي - ﷺ - كن يخرجن بالليل إذا تبرزن إلى المناصع وهو صعيد أفيح فكان عمر يقول للنبي - ﷺ - احجب نساءك فلم يكن رسول الله - ﷺ - يفعل فخرجت سودة=","vol":"1","page":60},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= بنت زمعة زوج النبي - ﷺ - ليلة من الليالي عشاء وكانت امرأة طويلة فناداها عمر ألا قد عرفناك يا سودة حرصا على أن ينزل الحجاب فأنزل الله آية الحجاب\" وحدثنا زكريا قال حدثنا أبو أسامة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة عن النبي - ﷺ - قال (قد أُذِن أن تخرجن في حاجتكنَّ).\n٢ - صرحت عائشة ﵂ بموافقة الله تعالى لعمر - ﵁ - فيما كان يطلبه من الرسول - ﷺ - من حجب نسائه بستر وجوههن عند الخروج، لأنه سبق أن ضرب عليهن الحجاب في البيوت بعدم الدخول عليهن ومخاطبتهن إلا من وراءحجاب، وكان ذلك أيضا من جملة ما أراده عمر - ﵁ - فكان يقول \"يا رسول الله لو أمرت نساءك أن يحتجبن فإنه يكلمهن البر والفاجر\" صحيح البخاري ١/ ١٥٧ (٣٩٣). فنزلت آية الحجاب ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ الأحزاب: ٥٣ صبيحة زواج النبي - ﷺ - بزينب ﵂، ولكنه لم يتم مقصود عمر - ﵁ - بحجب زوجات النبي - ﷺ - بستر وجوههن بالأردية عند الخروج، ولذلك لما كن يخرجن ليلا لقضاء حاجتهن من البراز؛ ورأى عمر سودة فقال لها ما قال حرصا منه على أن ينزل الحجاب، فأنزل الله آية الحجاب ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ الأحزاب: ٥٩ ولذلك كان عمر يعد نزول الحجاب من موافقاته فكان يقول \" وافقت ربي في ثلاث في مقام إبراهيم وفي الحجاب وفي أُسارى بدر\" متفق عليه، ولو كان مراد عمر هو منعهن من الخروج لما عد نزول الحجاب من موافقاته إذ إنه لم يوافق على منعهن من الخروج! ولا يُتصور أن عمر يريد بقوله (احجبهن) منعهن من الخروج لقضاء حاجتهن وهو يعلم أنه لا طريق لهن لقضاء حاجتهن من البراز إلا بالخروج إلى المناصع! ومن قال بأن عمر - ﵁ - أراد منعهن من الخروج فإنما هو بسبب أنه توهم أن نساء النبي - ﷺ - شرعن بتغطية وجوههن بالجلابيب إثر نزول آية الحجاب الأولى ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ والصحيح أنهن إنما شرعن بإرخاء الستر بينهن وبين الرجال في البيوت إثر هذه الآية، ولم يكن يخرجن إلا لقضاء حاجتهن من البراز ليلا كما قالت عائشة ﵂ (وكنا لا نخرج إلا ليلا إلى ليل) صحيح البخاري ٤/ ١٧٧٥ (٤٤٧٣). فكن يستترن بظلمة الليل إلى أن نزلت آية إدناء الجلابيب إثر قصة سودة فاستترن بها.\nوفي هذا استدراك لما ذكره الحافظ ابن حجر في فتح الباري (٨/ ٥٣١) واستشهد به الشيخ الألباني في كتابه جلباب المرأة حاشية ص/ ١٠٦: قال الحافظ ﵀ في شرحه للحديث المذكور: \"إن عمر ﵁ وقع في قلبه نفرة من اطلاع الأجانب على الحريم النبوي حتى صرح بقوله له ﵊ احجب نساءك وأكد ذلك إلى أن نزلت آية الحجاب ثم قصد بعد ذلك ألا يبدين أشخاصهن أصلا ولو كن مستترات فبالغ في ذلك فمنع منه وأذن لهن في الخروج لحاجتهن دفعا للمشقة ورفعا للحرج\". وقد تبين لك مما سبق الخطأ في ذلك وهو أن الحافظ ابن حجر ممن توهم أن أزواج النبي - ﷺ - شرعن بتغطية وجوههن بالجلابيب إثر نزول آية الحجاب الأولى ﴿فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ فظن أن عمر - ﵁ - أراد بعد ذلك ألا يبدين أشخاصهن أصلا ولو كن مستترات، وهذا لم يكن كما بينّاه آنفا.","vol":"1","page":61},{"text":"ومما يؤكد أن المراد بقولها (فأنزل الله آية الحجاب) آية إدناء الجلابيب؛ أنها صرحت في الرواية الأولى أن خروج سودة هذا كان بعدما ضُرب عليهن الحجاب بقوله تعالى ﴿فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ فإن لم يكن المراد هنا بآية الحجاب؛ آية إدناء الجلابيب فماذا تكون إذن؟! ومما يؤكد ذلك ويشهد له:\n١ - قال ابن عبد البر (ت ٤٦٣ هـ) في التمهيد (٨/ ٢٣٥): كانوا يرون النساء ولا يستتر نساؤهم عن رجالهم حتى نزلت آيات الحجاب ... فأمر النساء بالحجاب ثم أمرن عند الخروج أن يدنين عليهن من جلابيبهن وهو القناع.\n٢ - قال شيخ الإسلام أحمد بن تيمية (ت ٧٢٨ هـ) في مجموع الفتاوى (٢٢/ ١١٠): قبل أن تنزل آية الحجاب كان النساء يخرجن بلا جلباب يرى الرجل وجهها ويديها ثم أنزل الله آية الحجاب بقوله ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ ... فحجب النساء عن الرجال.","vol":"1","page":62},{"text":"٣ - قال ابن حجر (ت ٨٥٢ هـ) في فتح الباري (١/ ٢٤٩): وطريق الجمع بينها أن أسباب نزول الحجاب تعددت ... والمراد بآية الحجاب في بعضها قوله تعالى ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ ... . وقال في موضع آخر (١١/ ٢٤): حكى ابن التين عن الداودي أن قصة سودة هذه لا تدخل في باب الحجاب وإنما هي في لباس الجلابيب وتُعقب بأن إرخاء الجلابيب هو الستر عن نظر الغير إليهن وهو من جملة الحجاب.\n٤ - قال بدر الدين العيني الحنفي (ت ٨٥٥ هـ) في عمدة القاري (٢/ ٢٨٣ - ٢٨٥): الحجب ثلاثة؛ الأول: الأمر بستر وجوههن يدل عليه قوله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَوَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ ... الثاني: هو الأمر بإرخاء الحجاب بينهن وبين الناس يدل عليه قوله تعالى ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ الثالث: هو الأمر بمنعهن من الخروج من البيوت إلا لضرورة شرعية ... قال التيمي الحجاب هنا استتارهن بالثياب حتى لا يرى منهن شيء عند خروجهن وأما الحجاب الثاني فهو إرخاؤهن الحجاب بينهن وبين الناس (^١) ... وقال الداودي قوله (قد أذن أن\n_________\n(^١) أراد أن الحجاب في هذا الحديث هو لبس الجلابيب عند الخروج، أما الحجاب (الثاني) أي الآخر فهو إرخاء الستر بينهن وبين الرجال في البيوت، وليس مراده أن لبس الجلابيب نزل أولا ثم نزل الأمر بإرخاء الحجاب في البيوت، كما حمله العيني مما جعله يقول إن هذا الكلام يخدشه حديث أنس الذي قال فيه (كنت أعلم الناس بشأن الحجاب حين أنزل وكان أول ما أنزل في مبتنى رسول الله - ﷺ - بزينب بنت جحش ... فأنزل آية الحجاب فضرب بيني وبينه سترا) أخرجه البخاري في صحيحه ٥/ ١٩٨٢ (٤٨٧١) بل إن قول أنس - ﵁ - (وكان أول ما أنزل) يدل على أن هناك أمرا آخر نزل في شأن الحجاب؛ وهو الأمر بإدناء الجلابيب.","vol":"1","page":63},{"text":"تخرجن) دال على أنه لم يرد هنا حجاب البيوت فإن ذلك وجه آخر إنما أراد أن يستترن بالجلباب حتى لا يبدو منهن إلا العين.\n٥ - وقال السيوطي (ت ٩١١ هـ) في الإتقان في علوم القرآن (١/ ٦٧): ومنها آية الإذن في خروج النسوة في الأحزاب قال القاضي جلال الدين والظاهر أنها ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ﴾ الآية، ففي البخاري عن عائشة (خرجت سودة بعدما ضرب الحجاب لحاجتها وكانت امرأة جسيمة ... فقال إنه قد أذن لكن أن تخرجن لحاجتكن). وجاء في لباب النقول في أسباب النزول للسيوطي (١/ ١٧٩): قوله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ﴾ الآية وأخرج البخاري عن عائشة قالت\" خرجت سودة بعد ما ضرب الحجاب. . . فقال إنه قد أذن لكن أن تخرجن لحاجتكن\".\n٦ - قال القسطلاني (ت ٩٢٣ هـ) في إرشاد الساري شرح صحيح البخاري (٧/ ٣٣٩): \" قوله (أذن لكن أن تخرجن لحاجتكن) دفعا للمشقة ورفعا للحرج وفيه تنبيه على أن المراد بالحجابالستر حتى لا يبدو من جسدهن شيء لا حجب أشخاصهن في البيوت\" - أي بمنعهن من الخروج منها -.","vol":"1","page":64},{"text":"وبذلك ثبت أن كلا من الآيتين تسمى آية الحجاب، وأن إدناء الجلباب يحمل معنى الحجاب في قوله تعالى ﴿فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾، وأن كلا الأمرين يقتضي تغطية وجه المرأة الحرة عن الرجال الأحرار الأجانب.\nثانيًا: قال الشيخ الألباني إن مفاد آية الحجاب ﴿فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾\nلايقتضي تغطية الوجه وأن كل ما تعنيه (أن المرأة في دارها لا تكون متجلببة ولا مختمرة فلا تبرز للسائل)!\nوهذا مخالف لما فسر به أئمة التفسير هذه الآية، بل ومخالف قبل ذلك لمراد الله منها! فإن الله تعالى أراد بهذا الأمر الحد من دخول الرجال الأجانب على النساء، ومنع النساء عندها من البروز لهم حتى وإن كن مستترات بالجلابيب: وذلك؛ أولًا بتقييد الدخول بسؤال حاجة إذ لم يقل: وإذا دخلتم عليهن فخاطبوهن من وراء حجاب. وثانيًا؛ أن الخطاب والأمر جاء موجها للرجال، ولو كان المقصود هو تستر النساء؛ لجاء الخطاب موجها لهن كما جاء في آية الجلابيب! أو لجاء الأمر لهن بلبس مايسترهن عند مخاطبة الرجال لهن! وثالثا؛ لو كان الأمر كما قال الشيخ الألباني لما قال تعالى بعد هذا الأمر ﴿ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ ... .","vol":"1","page":65},{"text":"* قال إمام المفسرين محمد بن جرير الطبري (ت ٣١٠ هـ) في تفسيره جامع البيان (٢٢/ ٣٩): ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ يقول وإذا سألتم أزواج رسول الله ونساء المؤمنين اللواتي لسن لكم بأزواج متاعا ﴿فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ يقول من وراء ستر بينكم وبينهن ولا تدخلوا عليهن بيوتهن ﴿ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ يقول تعالى ذكره سؤالكم إياهن المتاع إذا سألتموهن ذلك من وراء حجاب أطهر لقلوبكم وقلوبهن من عوارض العين فيها التي تعرض في صدور الرجال من أمر النساء وفي صدور النساء من أمر الرجال وأحرى من ألا يكون للشيطان عليكم وعليهن سبيل.\n* قال الإمام أبو بكر أحمد بن علي الرازي الجصاص الحنفي (ت ٣٧٠ هـ) في أحكام القرآن (٥/ ٢٤٢): قوله تعالى ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ قد تضمن حظر رؤية أزواج النبي - ﷺ - وبين به أن ذلك أطهر لقلوبهم وقلوبهن لأن نظر بعضهم إلى بعض ربما حدث عنه الميل والشهوة فقطع الله بالحجاب الذي أوجبه هذا السبب. . . وهذا الحكم وإن نزل خاصا في النبي - ﷺ - وأزواجه، فالمعنى عام فيه وفي غيره إذ كنا مأمورين باتباعه والاقتداء به إلا ما خصه الله به دون أمته.","vol":"1","page":66},{"text":"* قال الإمام علي بن أحمد الواحدي أبو الحسن (ت ٤٦٨ هـ) في تفسيره (٢/ ٨٧٢): فخاطبوهن من وراء حجاب وكانت النساء قبل نزول هذه الآية يبرزن للرجال فلما نزلت هذه الآية ضرب عليهن الحجاب فكانت هذه آية الحجاب بينهن وبين الرجال ﴿ذَلِكُمْ﴾ أي الحجاب ﴿أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ فإن كل واحد من الرجل والمرأة إذا لم ير الآخر لم يقع في قلبه.\n* قال القاضي أبو بكر ابن العربي المالكي (ت ٥٤٣ هـ) في أحكام القرآن (٣/ ٦١٦): قوله ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ وهذا يدل على أن الله أذن في مساءلتهن من وراء حجاب في حاجة تعرض أو مسألة يستفتى فيها والمرأة كلها عورة بدنها وصوتها فلا يجوز كشف ذلك إلا لضرورة أو لحاجة كالشهادة عليها أو داء يكون ببدنها.\n* قال الإمام فخر الدين الرازي الشافعي (ت ٦٠٤ هـ) في تفسيره الكبير مفاتح الغيب (٢٥/ ١٩٥): أمر بسدل الستر عليهن وذلك لا يكون إلا بكونهن مستورات محجوبات وكان الحجاب وجب عليهن ثم أمر الرجال بتركهن كذلك ونهوا عن هتك أستارهن.\n* قال الإمام عبد الله بن أحمد النسفي الحنفي (ت ٧١٠ هـ) في تفسيره مدارك التنزيل وحقائق التأويل (٣/ ٣١٣): ﴿مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ","vol":"1","page":67},{"text":"وَقُلُوبِهِنَّ﴾ من خواطر الشيطان وعوارض الفتن وكانت النساء قبل نزول هذه الآية يبرزن للرجال.\n* قال الإمام الحافظ إسماعيل بن عمر بن كثير الشافعي (ت ٧٧٤ هـ) في تفسيره (٣/ ٥٠٦): ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ أي وكما نهيتكم عن الدخول عليهن كذلك لا تنظروا إليهن بالكلية ولو\nكان لأحدكم حاجة يريد تناولها منهن فلا ينظر إليهن ولا يسألهن حاجة إلا من وراء حجاب.\n* قال العلامة محمد بن علي الشوكاني (ت ١٢٥٠ هـ) في فتح القدير (٤/ ٢٩٨):\n﴿أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ أي أكثر تطهيرا لها من الريبة وخواطر السوء التي تعرض للرجال في أمر النساء وللنساء في أمر الرجال وفى هذا أدب لكل مؤمن وتحذير له من أن يثق بنفسه في الخلوة مع من لا تحل له والمكالمة من دون حجاب لمن تحرم عليه. اهـ\nوكما سبق من قول شيخ الإسلام (وآية الحجاب عند المخاطبة في المساكن) فلم يقيد شيخ الإسلام ولا أحد ممن سبقه؛ المخاطبة في المساكن من وراء حجاب بكونها إنما تشرع إذا كانت المرأة غير مختمرة ولا متجلببة كما قيدها الشيخ الألباني!!","vol":"1","page":68},{"text":"بل إن الثابت أن أزواج النبي - ﷺ - وغيرهن من النساء؛ كن إذا جاء من يسألهن من الرجال يكلمنه من وراء حجاب، ولم يرد أنهن كن يلبسن الجلباب ويبرزن بأشخاصهن للسائل في البيوت!! يشهد لذلك الآثار الآتية:\n١ - عن يوسف بن ماهك قال كان مروان على الحجاز. . . فقال عبد الرحمن بن أبي بكر - ﵁ - شيئا فقال خذوه فدخل بيت عائشة ﵂ فلم يقدروا عليه فقال مروان إن هذا الذي أنزل الله فيه ﴿وَالَّذِي قَالَلِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي﴾ الأحقاف: ١٧ فقالت عائشة ﵂ من وراء الحجاب ما أنزل الله فينا شيئا من القرآن إلا أن الله أنزل عذري. (^١)\n٢ - عن مسروق بن الأجدع أنه أتى عائشة فقال لها يا أم المؤمنين إن رجلًا يبعث بالهدي إلى الكعبة ويجلس في المصر فيوصي أن تقلد بدنته. . . قال فسمعت تصفيقها من وراء الحجاب وقالت لقد كنت أفتل قلائد هدي رسول الله - ﷺ - فيبعث هديه إلى الكعبة. . . (^٢)\n٣ - قال عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث: اجتمع ربِيعة بن الحارث والعباس بن عبد المطلب فقالا والله لو بعثنا هذين الغلامين قالا لي وللفضل بن عباس إلى رسول الله - ﷺ - فكلماه فأمرهما على هذه الصدقات. . . ثُم دخل ودخلنا عليه\n_________\n(^١) صحيح البخاري ٤/ ١٨٢٧ (٤٥٥٠).\n(^٢) صحيح البخاري ٥/ ٢١١٥ (٥٢٤٦) صحيح مسلم ٢/ ٩٥٩ (١٣٢١).","vol":"1","page":69},{"text":"وهو يومئذ عند زينب بِنت جحش. . . قال فسكت طويلا حتى أردنا أن نكلمه قال وجعلت زينب تلمع علينا من وراء الحجاب أن لا تكلماه. (^١)\n٤ - عن أبي موسى - ﵁ - قال كنت عند النبي - ﷺ - وهو نازل بالجعرانة بين مكة والمدينة ومعه بلال. . . ثم قال اشربا منه وأفرغا على وجوهكما ونحوركما وأبشرا فأخذا القدح ففعلا ما أمرهما به رسول الله - ﷺ - فنادتهما أم سلمة من وراء الستر أفضلا لأمكما مما في إنائكما فأفضلا لها منه طائفة. (^٢)\n٥ - عن يزيد بن بابنوس قال ذهبت أنا وصاحب لي إلى عائشة فاستأذنا عليها فألقت لنا وسادة وجذبت إليها الحجاب فقال صاحبي يا أمّ المؤمنين ما تقولين في العراك. (^٣)\n٦ - عن مسروق قال بكت عائشة ﵂ وبيني وبينها حجاب فقلت يا أم المؤمنين ما يبكيك قالت يا بني ما ملأت بطني من طعام فشئت أن أبكي إلا بكيت أذكر رسول الله - ﷺ - وما كان فيه من الجهد ما جمع رسول الله - ﷺ - طعام بر في يوم مرتين حتى لحق بربه. (^٤)\n_________\n(^١) صحيح مسلم ٢/ ٧٥٢ (١٠٧٢).\n(^٢) صحيح مسلم ٤/ ١٩٤٣ (٢٤٩٧).\n(^٣) مسند أحمد بن حنبل ٦/ ٢١٩ (٢٥٨٨٣) قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٣٣) رجاله ثقات. وحسنه الألباني في جلباب المرأة /١٠٩.\n(^٤) تهذيب الآثار وتفصيل الثابت عن رسول الله من الأخبار ٢/ ٦٩٦ (١٠٠٨)، قال الشيخ شعيب الأرناؤوط: إسناده صحيح على شرط مسلم.","vol":"1","page":70},{"text":"٧ - عن شهر بن حوشب قال دخلت على أم سلمة بالمدينة وبيني وبينها حجاب فسمعتها تقول (كان أكثر دعاء النبي - ﷺ - يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك) (^١).\n٨ - عن إسماعيل بن عبد الرحمن بن عطية عن جدته أم عطية قالت لما قدم رسول الله - ﷺ - المدينة جمع نساء الأنصار في بيت فأرسل إلينا عمر بن الخطاب فقام على الباب فسلم علينا فرددنا ﵇ ثم قال أنا رسول الله - ﷺ - إليكن قالت فقلنا مرحبا برسول الله وبرسوله، فقال تبايعنني على ألا تشركن بالله شيئا ولا تزنين ولا تسرقن الآية قالت\nفقلنا نعم قالت فمد يده من خارج البيت ومددنا أيدينا من داخل البيت (^٢) ثم قال اللهم اشهد (^٣).\n١٠ - عن عائشة ﵂ قالت: أومت امرأة من وراء ستر بيدها كتاب إلى رسول الله - ﷺ -. (^٤)\n_________\n(^١) جامع الترمذي (٣٥٢٢) المعجم الأوسط للطبراني ٣/ ٣٣ (٢٣٨١) واللفظ له، صححه الألباني في صحيح جامع الترمذي ٥/ ٥٣٨.\n(^٢) قال ابن حجر في فتح الباري ١٣/ ٢٠٤: ويحتمل أنهن كن يشرن بأيديهن عند المبايعة بلا مماسة، وقال العيني في عمدة القاري ١٩/ ٢٣١: بأن مد الأيدي من وراء الحجاب إشارة إلى وقوع المبايعة. يؤيد ذلك ما جاء في صحيح البخاري ٦/ ٢٦٣٧ (٦٧٨٨) عن عائشة ﵂ قالت\" كان النبي - ﷺ - يبايِع النّساء بالْكلامِ\". وفي صحيح مسلم ٣/ ١٤٨٩ (١٨٦٦) قالت\" لا والله ما مست يد رسول الله - ﷺ - يد امرأة قط غير أنه يبايعهن بالكلام\".\n(^٣) مسند أحمد بن حنبل ٦/ ٤٠٨ (٢٧٣٥٠) سنن أبي داود ١/ ٢٩٦ (١١٣٩) مختصرا، صحيح ابن خزيمة (١٧٢٢) ٣/ ١١٢، الأحاديث المختارة للضياء المقدسي ١/ ٤٠٢ (٢٨٥) وحسن إسناده، قال الألباني في الجلباب (ص ٧٥) حسن إسناده الذهبي في مختصر البيهقي.\n(^٤) سنن أبي داود (٤١٦٦) وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود ٤/ ٧٧.","vol":"1","page":71},{"text":"وهذا الأمر ثابت عند أهل العلم:\n- قال ابن عبد البر في الاستذكار ٦/ ١٧٠: إن نساء النبي - ﷺ - لا يكلمن إلا من وراء حجاب متجالات كن أو غير متجالات.\n- وقال النووي في المجموع (١٦/ ٣٥١): وقد ثبت أن كثيرا من راويات الحديث وحافظاته يسمعهن الأجانب عنهن من وراء حجاب، وقد كان أبو الشعثاء جابر بن زيد يسأل عائشة من وراء حجاب.\n- وقال الذهبي في سير أعلام النبلاء (٧/ ٤١) بعد أن ذكر توجيه بعض الأئمة لرواية محمد بن إسحاق عن امرأة هشام بن عروة \" وجائز أن يكون سمع منها وبينهما حجاب\" قال: ذاك الظن بهما كما\nأخذ خلق من التابعين عن الصحابيات، مع جواز أن يكون دخل عليها ورآها وهو صبي فحفظ عنها. (^١)\n_________\n(^١) هنا لابد أن نبين أن من خص أزواج النبي - ﷺ - بحكم في الحجاب؛ فإنما خصهن بعدم جواز دخول الرقيق المملوكين للغير عليهن؛ إلا ما ملكت أيمانهن، وبعدم جواز إبراز شخوصهن إذا خرجن من بيوتهن حتى وإن كن مستترات بالجلابيب، كما جاء في معاني القرآن للنحاس (٥/ ٣٧٢): فكان لا يحل لأحد أن يسألهن طعاما ولا غيره ولا ينظر إليهن متنقبات ولا غير متنقبات إلا من وراء حجاب وكانت عائشة إذا طافت بالبيت سُتِرَت.\nكما نقل ذلك الحافظ ابن حجر في فتح الباري (٩/ ٣٢٤) عن القاضي عياض منكرا عليه: والذي ذكر عياض \"أن الذي اختُصَّ به أُمّهات المؤمنين ستر شخوصهن زيادة على سِتر أجسادهن\" وقد بالغ الحافظ ابن حجر في نفي ذلك وقال بأنهن كن يظهرن شخوصهن إذا كن مستترات حتى في البيوت! واستشهد بقوله الشيخ الألباني في جلباب المرأة حاشية ص/١٠٦: قال ابن حجر: وليس فيما ذكره دليل على ما ادعاه من فرض ذلك عليهن وقد كن بعد النبي ﷺ يحججن ويطفن وكان الصحابة ومن بعدهم يسمعون منهن الحديث وهن مستترات الأبدان لا الأشخاص وقد تقدم في الحج قول ابن جريج لعطاء لما ذكر له طواف عائشة أقبل الحجاب أو بعده قال قد أدركت ذلك بعد الحجاب\". اهـ\nوقول ابن حجر هذا فيه نظر؛ فقوله (وكان الصحابة ومن بعدهم يسمعون منهن الحديث وهن مستترات الأبدان لا الأشخاص) يبطله الأدلة الثابتة التي سقناها آنفا، أما استدلاله بأن أزواج النبي - ﷺ - (كن يحججن ويطفن) فهذا لا دليل فيه على جواز إبراز شخوصهن في البيوت وإن كن مستترات؛ لأنهن إنما كن يخرجن للطواف مستترات بجلابيبهن مستخفيات بظلمة الليل، كما ثبت ذلك من قول عطاء (وكن يخرجن متنكرات بالليل فيطفن) صحيح البخاري ٢/ ٥٨٥ (١٥٣٩).","vol":"1","page":72},{"text":"ثالثًا: مما يؤكد أن آية إدناء الجلابيب تقتضي وجوب ستر الوجه من المرأة؛ إشراك أمهات المؤمنين مع غيرهن في هذا الأمر فقال تعالى ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ ومن المجمع عليه أن الله تعالى أوجب على أزواج النبي التستر الكامل بما في ذلك الوجه والكفين في آية الحجاب ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ ولم يستثن عضوًا من عضو، فلو كان المراد بإدناء الجلباب مجرد تغطية الرأس من غير أن يشمل الوجه؛ لكان كلامه تعالى في آية الجلابيب عبثًا في حق أمهات المؤمنين! تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.\nفإنه لا يعقل أن يؤمر أزواج النبي - ﷺ - أولا بالتستر الكامل بما في ذلك الوجه والكفين؛ ثم يؤمرن في هذه الآية بتغطية الرأس دون","vol":"1","page":73},{"text":"الوجه؛ مع بقاء الآية الأولى محكمة غير منسوخة!! فإذا دل هذا الأمر على وجوب ستر الوجه والكفين في حق طائفة من إحدى الثلاث طوائف التي وجه لها الأمر في هذه الآية: أزواج النبي - ﷺ - وبناته ونساء المؤمنين؛ دل ذلك على وجوبه في حق الطائفتين الأخريين.\n- قال العلامة الشنقيطي في أضواء البيان (٦/ ٢٤٤): والقرينة المذكورة هي قوله تعالى ﴿قُلْ لِأَزْوَاجِكَ﴾ ووجوب احتجاب أزواجه وسترهن وجوههن لا نزاع فيه بين المسلمين فذكر الأزواج مع البنات ونساء المؤمنين يدلّ على وجوب ستر الوجوه بإدناء الجلابيب.\nرابعًا: أنكر الشيخ الألباني دلالة آية إدناء الجلابيب على تغطية الوجه بقوله: فلأن الجلباب هو الملاءة التي تلتحف بها المرأة فوق ثيابها وليس على وجهها وعلى هذا كتب اللغة قاطبة، ليس في شيء منها ذكر للوجه البتة.\nوالجواب عليه بالآتي:\n١) أنه سبق أن أقرَّ بهذا المعنى لإدناء الجلابيب في كتابه جلباب المرأة المسلمة (ص: ١٥٢) في معرض كلامه عن تشبه النساء بالرجال وتشبه الرجال بالنساء حيث قال: (الجلابيب التي تسدل من فوق الرؤوس حتى لا يظهر من لابسها إلا العينان). وكذلك فيما استشهد به في كتابه الجلباب (ص ٨٣) حيث قال: والجلباب: هو الملاءة التي تلتحف به المرأة فوق ثيابها على أصح الأقوال وقال ابن حزم (٣/ ٢١٧): \"والجلباب في لغة العرب التي خاطبنا بها رسول الله - ﷺ - هو ما","vol":"1","page":74},{"text":"غطى جميع الجسم لا بعضه\" وقال ابن كثير: \"هو الرداء فوق الخمار، وهو بمنزلة الإزار اليوم\".\nقلت: ولعله العباءة التي تستعملها اليوم نساء نجد والعراق ونحوهما وهو يستعمل في الغالب إذا خرجت من دارها، كما روى الشيخان وغيرهما عن أم عطية ﵂ قالت: \"أمرنا رسول الله - ﷺ - أن نخرجهن في الفطر والأضحى: العواتق ... قلت: يا رسول الله إحدانا لا يكون لها جلباب؟ قال: \"لتلبسها أختها من جلبابها\". (^١) قال الكشميري في فيض الباري (١/ ٥٠٣): (قوله: \"لتلبسها ... \" علم منه أن الجلباب مطلوب عند الخروج، وأنها لا تخرج إن لم يكن لها جلباب. والجلباب: رداء ساتر من القرن إلى القدم، وقد مر معنا أن الخمر في البيوت والجلابيب عند الخروج) (^٢) اهـ\n_________\n(^١) أم عطية هذه كانت من الإماء يشهد لذلك قولها \" غزوت مع رسول الله - ﷺ - سبع غزوات، أخلفهم في رحالهم، فأصنع لهم الطعام وأداوي الجرحى وأقوم على المرضى\" ولذلك لم يكن لها جلباب، وفي الحديث دلالة على أن لبس الجلباب واجب على الحرائر والإماء، إلا أن الحرائر أُمرن أن يدنينه على وجوههن، يشهد لذلك أن عمر - ﵁ - كان فيما صح عنه ينهى الإماء من التقنع وليس من لبس الجلباب، كما صح عنه أنه لما رأى أمة متقنعة قال: (ما بال الجلباب ضعيه عن رأسك).\n(^٢) قال الشيخ الألباني: وتقييده الخمر بالبيوت فيه نظر؛ فالحق الذي يقتضيه العمل بما في آيتي النور والأحزاب أن المرأة يجب عليها إذا خرجت من دارها أن تختمر وتلبس الجلباب على الخمار؛ لأنه كما قلنا سابقا أستر لها وأبعد عن أن يصف حجم رأسها وأكتافها وهذا أمر يطلبه الشارع. اهـ\nوالذي يظهر أن الكشميري لم يُرِد أن الجلباب يغني عن الخمار عند الخروج؛ ولكنه أراد أن يشير إلى معنى آخر وهو أن الخمار محتاج إليه للستر في البيوت - كما سيأتي بيان ذلك في مناقشة البحث الثامن والتاسع إن شاء الله - قال الكشميري في الموضع المشار إليه (١/ ٣٤٨): فإن قلت: إن إدناء الجلباب يغني عن ضرب الخمر على جيوبهن. قلت: بل إدناء الجلباب فيما إذا خرجت من بيتها لحاجة، وضرب الخمر في عامة الأحوال، فضرب الخمر أيضا محتاج إليه.","vol":"1","page":75},{"text":"٢) أن كون الجلباب؛ هو الملاءة التي تلتحف بها المرأة فوق ثيابها؛ لا ينفي كون الوجه داخل فيما تستره الملاءة! لأن الالتحاف لا يشترط في معناه أن يخرج الوجه من جسد الملتحف!! كما أن تغطية الوجه فرضت بأمر زائد على لبس الجلباب ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ وهو إدناءه عليها حتى يستر وجهها كما أطبق على ذلك جل أهل العلم من لغويين ومفسرين وفقهاء ومحدثين كما أسلفنا في مناقشة البحث الأول وكما سيأتي:\n- قال العلامة البارع اللغوي أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشري في الكشاف (٣/ ٥٦٩): الجلباب: ثوب واسع أوسع من الخمار ودون الرداء تلويه المرأة على رأسها وتبقى منه ما ترسله على صدرها. وعن ابن عباس ﵄: الرداء الذي يستر من فوق إلى أسفل. وقيل: الملحفة وكل ما يستتر به من كساء أو غيره. ومعنى ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ يرخينها عليهن ويغطين بها وجوههنّ وأعطافهنّ.\n- قال الإمام علاء الدين علي بن محمد بن إبراهيم البغدادي الشهير بالخازن في لباب التأويل في معاني التنزيل (٥/ ٢٧٦): يدنين. أن يرخين ويغطين عليهن من جلابيبهن جمع جلباب وهو الملاءة التي تشتمل بها المرأة فوق الدرع والخمار، وقيل الملحفة وكل ما يستتر به من كساء، وغيره. قال ابن عباس: أمر نساء المؤمنين أن يغطين رؤوسهن ووجوههن بالجلابيب إلا عينا واحدة.","vol":"1","page":76},{"text":"- وقال برهان الدين أبو الحسن إبراهيم بن عمر البقاعي في نظم الدرر في تناسب الآيات والسور (٦/ ١٣٥): ثوب واسع دون الملحفة تلبسه المرأة ... وإن كان ما يغطي الرأس فإدناؤه ستر وجهها وعنقها ... وإن كان المراد ما دون الملحفة فالمراد ستر الوجه واليدين.\n- وقال العلامة زين الدين أبو الفرج الشهير بابن رجب في فتح الباري (٢/ ١٣٨): (الجلباب): قال ابن مسعود ومجاهد وغيرهما: هو الرداء، يستر أعلاها، إلا أنه يقنعها فوق رأسها، وقد فسر عبيدة السلماني قولالله ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ بأنها تدنيه من فوق رأسها فلا تظهر إلا عينها، وهذا كان بعد نزول الحجاب، وقد كن قبل الحجاب يظهرن بغير جلباب، ويرى من المرأة وجهها وكفاها. ثم أمرت بستر وجهها وكفيها، وكان الأمر بذلك مختصا بالحرائر دون الإماء.\n- وقال العلامة الشوكاني في فتح القدير (٤/ ٣٠٤): وهو ثوب أكبر من الخمار قال الجوهري الجلباب الملحفة وقيل القناع وقيل هو ثوب يستر جميع بدن المرأة.\n٣) إن عدم ذكر الوجه والكفين في كتب اللغة لا يلزم منه إخراجهما مما يستر؛ لأن كتب اللغة لم تصرح كذلك بستر القدمين ولا الشعر ولا الذراعين؛ فهل يخرج ذلك كله مما يستره الجلباب؟!! كما إن ما جاء في كتب اللغة أن الجلباب؛ (ما تتغطى به المرأة) و(تغطي به المرأة رأسها) فإن المراد به تغطية الرأس كله","vol":"1","page":77},{"text":"بما فيه الوجه كما ذكر صاحب نظم الدرر: (وإن كان ما يغطي الرأس فإدناؤه ستر وجهها وعنقها) كما إن التغطية إذا أطلقت على المرأة (امرأة متغطية) فالمراد أنها مغطية لوجهها ومن ذلك:\n- تفسير غريب ما في الصحيحين لمحمد بن أبي نصر فتوح الأزدي الحميدي (١/ ٥٧٥): الجلباب: ما تتغطى به المرأة من ثوب أو غيره.\n- تاج العروس من جواهر القاموس لمحمد مرتضى الحسيني الزبيدي (٢/ ١٧٥): وخصه بعضهم بالمشتمل على البدن كله ... وقال تعالى (يُدنِينَ عَلَيهِنَّ من جلابِيبِهِنَّ) وقيل: هو ما تغطّي به المرأة.\n- المصباح المنير في غريب الشرح الكبير للرافعي لأحمد بن محمد بن علي المقري الفيومي (١/ ١٠٤): (الجلباب) ثوب أوسع من الخمار ودون الرداء وقال ابن فارس (الجلباب) ما يغطى به من ثوب وغيره.\nكما إنه قد ثبت في كتب اللغة أن من معاني الجلباب؛ المقنعة:\n- كما في مشارق الأنوار على صحاح الآثار (١/ ١٤٩): الجلباب ... قال النضر هو ثوب أقصر وأعرض من الخمار وهي المقنعة تغطي به المرأة رأسها.\n- وفي النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ٢٨٣): والجلباب: الإزار والرداء. وقيل الملحفة. وقيل هو كالمقنعة تغطي به المرأة رأسها وظهرها وصدرها.","vol":"1","page":78},{"text":"- وفي تاج العروس (٢/ ١٧٥): الجلباب: ثوب أقصر من الخمار وأعرض منه، وهو المقنعة.\nوقد جاء التصريح في كتب اللغة أن المقانع التي تغطي بها النساء رؤوسهن؛ شامل لوجوههن:\n- كما في التكملة للصغاني (ت ٦٥٠) (٥/ ٥٢١) والقاموس المحيط (ص: ١٠٦٠) وتاج العروس للزبيدي (٣٠/ ٤٣٧): والمميلات؛ اللاتي يملن قلوب الرجال إليهن، أو يملن المقانع عن رؤوسهن لتظهر وجوههن وشعورهن.\n٤) قال الشيخ الألباني في كتابه الجلباب ص ٦: (فسروا الجلباب بأنه الثوب الذي يغطي الوجه، ولا أصل له في اللغة بل هو ينافي تفسير العلماء بأنه الثوب الذي تلقيه المرأة على خمارها، ولم يقولوا على وجهها) لكنه لم ينقل شيئا من أقوال المفسرين في تفسير آية إدناء الجلابيب كما أسلفنا! فقد اقتصر في معنى إدناء الجلباب بالاستشهاد بأثر ابن عباس عن كيفية تغطية وجه المرأة حال إحرامها، وبالمعنى العام للإدناء لأحد اللغويين! هذا فقط ما استشهد به الشيخ الألباني؛ وقد استشهدنا بما أجمع عليه أئمة المفسرين واللغويين، والفقهاء والمحدثين بأن المراد من الأمر بإدناء الجلابيب؛ هو تغطية الوجه.","vol":"1","page":79},{"text":"ــ:: البحث الثالث:: ــ\n\nقال الشيخ الألباني: ومن تناقضهم، أنهم- في الوقت الذي يوجبون على المرأة أن تستر وجهها- يجيزون لها أن تكشف عن عينها اليسرى وتسامح بعضهم فقال: بالعينين كلتيهما! بناء على بعض الآثار الواهية التي منها حديث لابن عباس وروي عنه ما يناقضه بلفظ: \"وإدناء الجلباب أن تقنّع وتشده على جبينها\". وهذا نص قولنا: إنه لا يشمل الوجه. ولذلك كتمه كل المخالفين، ولم يتعرضوا له بذكر! وهو ضعيف السند، لكن له شواهد كما يأتي ... ويبدو لي أنهم- لشعورهم في قرارة نفوسهم بضعف حجتهم- يلجؤون إلى استعمال الرأي ولغة العواطف- أو ما يشبه الفلسفة- فيقولون: إن أجمل ما في المرأة وجهها، فمن غير المعقول أن يجوز لها أن تكشف عنه! فقيل لهم: وأجمل ما في الوجه العينان، فعمّوها إذن، ومروها أن تسترهما بجلبابها!","vol":"1","page":80},{"text":"ــ::<span data-type=\"title\" id=toc-16> مناقشة البحث الثالث::</span> ــ\nأولًا: في الوقت الذي يبيح فيه الشيخ الألباني جواز كشف وجه المرأة؛ ينكر القول بجواز كشف إحدى العينين أو كلتيهما لرؤية الطريق ويعدَّ ذلك تساهُل من مخالفيه! ولا ينكر أحدا إنه وإن كانت العينان أجمل ما في الوجه؛ إلا أنه لا يمكن أن تعرف المرأة الشوهاء من الحسناء بمجرد الكشف عن إحدى العينين أو كلتيهما بخلاف ما لو خرجت المرأة سافرة عن وجهها بأكمله!! كما أن في إباحة كشف العينين للمرأة لرؤية الطريق إذا تعذر عليها رؤيته؛ تجلي لسماحة الدين وتيسيره على المرأة حين أباح لها ذلك للحاجة، فلا إفراط بمنعها من كشف ما يتيسر معه رؤيتها للطريق؛ ولا تفريط بإباحة سفورها عن وجهها بأكمله.\nقال الألوسي في تفسيره روح المعاني (٢٢/ ٨٨) في تفسير آية الإدناء: والإدناء التقريب يقال أدناني أي قربني وضمن معنى الإرخاء أو السدل؛ ولذا عدي بعلى، ولعل نكتة التضمين الإشارة إلى أن المطلوب تستر يتأتى معه رؤية الطريق إذا مشين فتأمل. اهـ\nكما إن الشيخ الألباني قد أقرَّ بمشروعية ذلك في كتابه جلباب المرأة المسلمة (ص: ١٥٢) حيث قال: (الجلابيب التي تسدل من فوق الرءوس حتى لا يظهر من لابسها إلا العينان) وقال في موضع آخر منه (والحديث صريح الدلالة على أن الكفين ليسا من العورة في عرف نساء الصحابة، وكذا الوجه أو العينين على الأقل)!! اهـ","vol":"1","page":81},{"text":"ثانيا: أن هذا القول ليس وليد هذا العصر؛ بل هو حكم شرعي مبني على \"أصل ثابت\" وهو ما أُثر عن ابن عباس - ﵁ - في تفسير آية إدناء الجلابيب: (أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن بالجلابيب، ويبدين عينا واحدة). (^١) وقول الشيخ الألباني في رده المفحم أنه من (الآثار الواهية) لعلّتين لم يذكرهما فيه وإنما أحال القارئ إلى كتابه (جلباب المرأة) لا يصح؛ فإن هاتين العلَّتين لا تقدح في صحة هذا الأثر، ولا تصل به إلى درجة القول بأنه من الآثار الواهية!!\nقال الشيخ الألباني في الموضع المشار إليه من كتابه جلباب المرأة (هامش ص ٨٨): (لا يصح هذا عن ابن عباس، لأن الطبري رواه من طريق علي عنه، وعلي هذا هو ابن أبي طلحة وهو مع أنه تكلم فيه بعض الأئمة، لم يسمع من ابن عباس، بل لم يره، وقد قيل: بينهما مجاهد، فإن صح هذا في هذا الأثر؛ فهو متصل، لكن في الطريق إليه أبو صالح، واسمه عبد الله بن صالح، فيه ضعف) اهـ\nوالجواب على هاتين العلّتين بالآتي:\nالعلّة الأولى؛ علة الانقطاع بين علي وابن عباس تندفع بما قيل بأن بين علي وابن عباس؛ مجاهد، وهذا ما صرح به الشيخ الألباني نفسه فقال (وقد قيل\nبينهما مجاهد، فإن صح هذا في هذا الأثر فهو متصل)\n_________\n(^١) صحح هذا الإسناد ابن حجر في فتح الباري (١٣/ ٢٧١)، والسيوطي في الإتقان (٢/ ٥)، وحسّنه حكمت بن بشير في الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور (٣/ ٤٦٤).","vol":"1","page":82},{"text":"قال الإمام أبو جعفر الطحاوي في شرح مشكل الآثار (١٢/ ٣٨٩): وحملنا على قبول رواية علي بن أبي طلحة عن ابن عباس وإن كان لم يلقه لأنها في الحقيقة عنه عن مجاهد وعكرمة عن ابن عباس.\nوقال الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير (٤/ ١١٠): \"وعلي يقال لم يسمع من ابن عباس لكنه إنما أخذ التفسير عن ثقات أصحابه مجاهد وغيره وقد اعتمده البخاري وأبو حاتم وغيرهما في التفسير\". وقال في الأمالي المطلقة (١/ ٦٢): \" قالوا لم يسمع علي بن أبي طلحة من ابن عباس وإنما أخذ التفسير عن مجاهد وسعيد بن جبير عنه. قلت بعد أن عرفت الواسطة وهي معروفة بالثقة حصل الوثوق به\".اهـ.\nفهذه شهادة باتصال تفسيره إلى ابن عباس.\nأما قول الشيخ الألباني أن علي بن أبي طلحة \" قد تكلم فيه\" فهذه إشارة إلى أنه ليس بالضعيف الذي يرد حديثه؛ فقد روى عنه الثقات وخرج له مسلم، ووثقه العجلي وذكره ابن حبان في ثقاته، وعدّه الدارقطني في كتابه (ذكر أسماء التابعين ومن بعدهم ممن صحت روايته عن الثقات عند البخاري ومسلم).\nوقال الحافظ ابن القطان الفاسي في بيان الوهم والإيهام في كتاب الأحكام (٣/ ٥٤١): قال بعد أن ساق حديثا في إسناده علي بن أبي طلحة: وسائر من في هذا الإسناد لا يسأل عنهم. . . فإن علي بن أبي طلحة ثقة.","vol":"1","page":83},{"text":"قال الإمام الذهبي في ميزان الاعتدال (٥/ ١٦٣): روى معاوية بن صالح عنه عن ابن عباس تفسيرا كبيرا ممتعا.\nقال الحافظ ابن حجر في الأمالي المطلقة (١/ ٦٢): وقد اعتمد البخاري في أكثر ما يجزم به معلقا عن ابن عباس في التفسير على نسخة معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة هذا.\nالعلّة الثانية: وهي قوله عن عبد الله بن صالح \"فيه ضعف\" وهذه إشارة إلى أنه ليس بالضعيف الذي يرد حديثه، إذ أن حديثه لاينزل عن رتبة الحسن:\n- قال عمر الوادياشي الأندلسي في تحفة المحتاج إلى أدلة المنهاج (٢/ ٢٥٣) منكرا على ابن حزم تضعيفه له فقال: وقد روى عنه ابن معين والبخاري وقال أبو زرعة حسن الحديث.\n- قال الحافظ ابن القطان الفاسي في بيان الوهم والإيهام في كتاب الأحكام (٤/ ٦٧٨): والحديث من أجله حسن، والرجل من أهل الصدق، ولم يثبت عليه ما يسقط له حديثه، لكنه مختلف فيه.\n- وقال الإمام الذهبي في ميزان الاعتدال (٤/ ١٢٢): \" قلت وقد روى عنه البخاري في الصحيح، على الصحيح، ولكنه يدلسه، يقول: حدثنا عبد الله ولا ينسبه، وهو هو ... وفي الجملة ما هو بدون نعيم بن حماد، ولا إسماعيل بن أبي أويس، ولا سويد بن سعيد، وحديثهم في الصحيحين \".","vol":"1","page":84},{"text":"- وفي تهذيب التهذيب (٥/ ٢٢٦ - ٢٢٨): قال أبو حاتم الرازي سمعت أبا الأسود النضر بن عبد الجبار وسعيد بن عفير يثنيان على كاتب الليث وقال أبو حاتم أيضا سمعت عبد الملك بن شعيب بن الليث يقول أبو صالح ثقة مأمون ... وكان ابن معين يوثقه ... وقال أبو حاتم ولم يكن وزن أبي صالح وزن الكذب كان رجلا صالحا وقال سألت أبا زرعة عنه فقال لم يكن عندي ممن يتعمد الكذب وكان حسن الحديث، وقال أبو هارون الخريبي ما رأيت أثبت من أبي صالح قال وسمعت يحيى بن معين يقول هما ثبتان ثبت حفظ وثبت كتاب وأبو صالح ثبت كتاب ... وقال ابن القطان هو صدوق ولم يثبت عليه ما يسقط له حديثه إلا أنه مختلف فيه فحديثه حسن (^١). اهـ\n* فإذا كان هذا رأي الذهبي، وأبي حاتم، وابن القطان، وابن عدي، وأبي زرعة، وابن معين، وأبي هارون الخريبي، وعبد الملك بن شعيب؛ فكيف يرد حديثه؟! فهو ليس بأكثر ضعفا من ابن عقيل، وابن لهيعة وقد استشهد بهما الشيخ الألباني وقال \"حديثهما حسن للخلاف المعروف فيهما\" كما سيأتي ذلك لاحقا!","vol":"1","page":85},{"text":"* ولذلك فإن هذه الرواية تعد من الروايات المقبولة والمعتبرة عند المفسرين والمحدثين:\n- قال قال الإمام جلال الدين السيوطي في الإتقان في علوم القرآن (٢/ ٥): وأولى ما يرجع إليه في ذلك ما ثبت عن ابن عباس وأصحابه الآخذين عنه فإنه ورد عنهم ما يستوعب تفسير غريب القرآن بالأسانيد الثابتة الصحيحة. وها أنا أسوق هنا ما ورد من ذلك عن ابن عباس من طريق ابن أبي طلحة خاصة فإنها من أصح الطرق عنه وعليها اعتمد البخاري في صحيحه.\nوقال في موضع آخر منه (٤/ ٢٣٧): وقد ورد عن ابن عباس في التفسير ما لا يحصى كثرة، وفيه روايات وطرق مختلفة، فمن جيدها طريق علي بن أبي طلحة الهاشمي، عنه قال أحمد بن حنبل\" بمصر صحيفة في التفسير رواها علي بن أبي طلحة لو رحل رجل فيها إلى مصر قاصدا ما كان كثيرا\" ... وهي عند البخاري عن أبي صالح وقد اعتمد عليها في صحيحه كثيرا فيما يعلقه عن ابن عباس وأخرج منها ابن جرير وابن أبي حاتم وابن المنذر كثيرا بوسائط بينهم وبين أبي صالح. اهـ\n- كما قال الحافظ ابن حجر في كتابه العجاب في بيان الأسباب (١/ ٢٠٣ - ٢٠٧) بعد أن عدَّ الذين اعتنوا بجمع التفسير: والذين اشتهر عنهم القول في ذلك من التابعين أصحاب ابن عباس وفيهم ثقات وضعفاء؛ فمن الثقات:","vol":"1","page":86},{"text":"١ - مجاهد بن جبر ... ٢ - ومنهم عكرمة ... ٣ - ومن طريق معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وعلي صدوق لم يلق ابن عباس لكنه إنما حمل عن ثقات أصحابه، فلذلك كان البخاري وابن أبي حاتم وغيرهما يعتمدون على هذه النسخة. اهـ\n- وكان ابن حجر نفسه يصحح هذه الرواية ويحتج بها؛ فقد قال في فتح الباري (١٣/ ٢٧١): وأخرج الطبري بسند صحيح عن عاصم بن كليب عن أبيه عن ابن عباس قال الأب ما تنبته الأرض مما تأكله الدواب ولا يأكله الناس وأخرج عن عدة من التابعين نحوه ثم أخرج من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس بسند صحيح. اهـ\nقال إدريس الصمدي في تحقيقه لأحكام النظر (ص/١٧٦): ورجال هذه الرواية كلهم ثقات إلا أنها منقطعة وذكر أن الواسطة بين علي وابن عباس؛ مجاهد بن جبير المكي، وهو إمام كبير ثقة ثبت، وقد احتج برواية علي بن أبي طلحة هذه عن ابن عباس البخاري في \"الجامع الصحيح\" أوردها في مواضع عديدة من كتاب التفسير معلقة. ومن الذين اعتمدوا على هذه الرواية جمال الدين القاسمي في تفسيره، والإمام القرطبي في تفسيره، وكذلك ابن كثير في تفسيره في مواضع عديدة، فكانت هذه الرواية قوية عندهم. اهـ\nفإذا كانت هذه الرواية قوية محتجا بها عند علماء التفسير وغيرهم، فلا وجه للطعن في هذا الأثر، فإنه يعد من الآثار الثابتة التي يحتج بها.","vol":"1","page":87},{"text":"ثالثا: استشهد الشيخ الألباني بأثر ابن عباس (وإدناء الجلباب أن تقنّع وتشدُّ على جبينها) (^١) مع تصريحه بضعفه؛ على أنه يناقض أثر العين الواحدة لابن عباس، وأنكر على مخالفيه استشهادهم لتقوية أثر العين الواحدة لابن عباس بما صح عن قتادة أنه قال\" أن الله أخذ عليهن إذا خرجن أن يقنعن على الحواجب\" (^٢)؛ لأن الشيخ الألباني يرى أنه يناقضه!! والصحيح أن أثر ابن عباس (وإدناء الجلباب أن تقنّع وتشد على جبينها) وأثر قتادة (أن الله أخذ عليهن إذا خرجن أن يقنعن على الحواجب) كلها توافق أثر ابن عباس (يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن بالجلابيب ويبدين عينًا واحدة)؛ ولا تناقضه، فكلها تحمل معنى تغطية الوجه وإن اختلفت كيفية التغطية، ومما يشهد لصحة ذلك ما يأتي:\n١) أن هذا ما حملها عليه أهل التفسير: كالقرطبي والشوكاني وغيرهما فقد حملوا قول ابن عباس وقتادة على تغطية الوجه برد طرف الجلباب وعطفه على الأنف بعد شدّه على الجبين - وهذا هو التقنع - ولم يقل أحد منهم أن المراد أن تقنع الشعر وتشد الجلباب على الجبين دون تغطية للوجه!!\n- قال الإمام القرطبي في تفسيره (١٤/ ٢٤٣): والجلباب هو الثوب الذي يستر جميع البدن، واختلف الناس في صورة إرخائه فقال ابن عباس وعبيدة\n_________\n(^١) استشهد به الشيخ الألباني مصحَّفا وذلك بزيادة (الهاء) في قوله (تشده) مما قد يوهم بأن التقنع يتحقق بشد الجلباب على الجبين فقط، والصحيح أن شد الجلباب على الجبين فعل متمم للتقنع كما يتضح ذلك من السياق الصحيح لهذا الأثر \"وإدناء الجلباب أن تقنّع وتشد على جبينها\"\n(^٢) الطبري في تفسيره ٢٢/ ٤٦ صحح الألباني إسناده في الرد المفحم /٥٢.","vol":"1","page":88},{"text":"السلماني ذلك أن تلويه المرأة حتى لا يظهر منها إلا عين واحدة تبصر بها، وقال ابن عباس أيضًا وقتادة ذلك أن تلويه فوق الجبين وتشده ثم تعطفه على الأنف وإن ظهرت عيناها لكنه يستر الصدر ومعظم الوجه.\n- قال العلامة محمد بن جزي الكلبي في التسهيل لعلوم التنزيل (٣/ ١٤٤): والجلابيب جمع جلباب وهو ثوب أكبر من الخمار، وقيل: هو الرداء، وصورة إدنائه عند ابن عباس أن تلويه على وجهها حتى لا يظهر منها إلا عين واحدة تبصر بها، وقيل: أن تلويه حتى لا يظهر إلا عيناها.\n- قال المفسر النحوي أبو حيان الأندلسي في البحر المحيط (٧/ ٢٤٠): وقال ابن عباس وقتادة وذلك أن تلويه فوق الجبين وتشده ثم تعطفه على الأنف وإن ظهرت عيناها لكنه يستر الصدر ومعظم الوجه.\n- قال الثعالبي في تفسيره (٣/ ٢٣٦): الجلباب ثوب أكبر من الخمار، واختلف في صورة إدنائه فقال ابن عباس وغيره ذلك أن تلويه المرأة حتى لا يظهر منها إلا عين واحدة تبصر بها، وقال ابن عباس أيضا وقتادة ذلك أن تلويه على الجبين وتشده ثم تعطفه على الأنف وإن ظهرت عيناها لكنه يستر الصدر ومعظم الوجه.","vol":"1","page":89},{"text":"- قال العلامة الشوكاني في فتح القدير (٤/ ٣٠٤): قال الواحدي: قال المفسرون يغطين وجوههن إلا عينًا واحدة ... وقال قتادة: تلويه فوق الجبين وتشده ثم تعطفه على الأنف وإن ظهرت عيناها لكنه يستر الصدر ومعظم الوجه.\n- قال العلامة الألوسي في روح المعاني (٢٢/ ٨٩): قال ابن عباس وقتادة تلوى الجلباب فوق الجبين وتشده ثم تعطفه على الأنف وإن ظهرت عيناها لكن تستر الصدر ومعظم الوجه وفي رواية أخرى عن الحبر رواها ابن جرير؛ تغطى وجهها من فوق رأسها بالجلباب وتبدي عينا واحدة.\n\n٢) أن هذا هو الثابت عند أهل العلم في معنى التقنع:\n- قال العلامة الزمخشري في تفسيره الكشاف (٣/ ٥٦٠): \"ترخي المرأة بعض جلبابها وفضله على وجهها تتقنع حتى تتميز من الأمة \".\n- وقال الألوسي في تفسيره (روح المعاني) (٢٢/ ٨٩): وإدناء ذلك عليهن أن يتقنعن فيسترن الرأس والوجه بجزء من الجلباب مع إرخاء الباقي على بقية البدن.\n- وقال الحافظ ابن حجر في فتح الباري في موضعين (١٠/ ٢٧٤) (٧/ ٣٤٣) والعيني في عمدة القاري أيضا في موضعين (٢١/ ٣٠٨) (١٧/ ١٣٦) والعظيم آبادي في عون المعبود (١١/ ٩٢) كلهم اتفقت عبارتهم في تعريف التقنع بقولهم: التقنع؛ هو تغطية الرأس وأكثر الوجه برداء أو غيره.\nوسيأتي زيادة بيان وتفصيل لمعنى التقنع قريبا في مناقشة البحث الرابع.\nوبذلك تبين أن أثر ابن عباس وأثر قتادة؛ توافق أثر العين الواحدة لابن عباس وتعد من الشواهد التي يتقوى بها.","vol":"1","page":90},{"text":"ــ::<span data-type=\"title\" id=toc-19> البحث الرابع: الخمار والاعتجار::</span> ــ\nقوله تعالى ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ ... النور: ٣١\nقال الشيخ الألباني: ذكرنا أن الخمار: غطاء الرأس فقط دون الوجه، واستشهدت على ذلك بكلام بعض العلماء: كابن الأثير وابن كثير. . . ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ﴾ النور: ٦٠ ... النقول التي ذكرها في تفسير: ﴿ثيابهن﴾ بأنها الجلباب، ومنها قوله: \"وقال أبو صالح: تضع الجلباب، وتقوم بين يدي الرجل في الدرع والخمار. وقال سعيد ابن جبير: فلا بأس أن يضعن عند غريب أو غيره بعد أن يكون عليها خمار صفيق\" ... واعلم أن المقصود من ذكر آية (القواعد) هذه، إنما هو إقامة الحجة بأن الخمار لغة لا يستر الوجه. أقول هذا لكي أذكِّر بأن هناك قولًا آخر في تفسير: ﴿ثيابهنَّ﴾ كنت ذكرته في محله من الكتاب- وهو الخمار، وهو الأصح عن ابن عباس كما سيأتي.\nواختار ابن القطان الفاسي في\" النظر في أحكام النظر\" القول الآخر، فقال (ق ٣٥/ ٢): \"الثياب المذكورة هي الخمار والجلباب، رُخِّص لها أن تخرج دونهما وتبدو للرجال ... وهذا قول ربيعة بن عبد الرحمن. وهذا هو الأظهر، فإن الآية إنما رخصت في وضع ثوب إن وضعته ذات زينة أمكن أن تتبرج ... \" إلى آخر كلامه، وهو نفيس جدًا، ولولا أن المجال لا يتحمل التوسع لنقلته برمَّته، فإني لم أره لغيره.","vol":"1","page":91},{"text":"وأما مخالفته للسنة فهي كثيرة، ومنها قوله - ﷺ -: \"لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار\". وهو حديث صحيح مخرج في \"الإرواء\" وفي\" المعجم الوسيط \"ما نصه: \" الخمار: كل ما ستر ومنه خمار المرأة، وهو ثوب تغطي به رأسها، ومنه العمامة، لأن الرجل يغطي بها رأسه، ويديرها تحت الحنك\".\nفهذه نصوص صريحة من هؤلاء العلماء على أن الخمار بالنسبة للمرأة كالعمامة بالنسبة للرجل، فكما أن العمامة عند إطلاقها لا تعني تغطية وجه الرجل، فكذلك الخمار عند إطلاقه لا يعني تغطية وجه المرأة به.\nوعلى هذا جرى العلماء على اختلاف اختصاصاتهم من: المفسرين، والمحدثين، والفقهاء، واللغويين، وغيرهم، سلفًا وخلفًا، وقد تيسر لي الوقوف على كلمات أكثر من أربعين واحدًا منهم، ذكرت نصوصها في البحث المشار إليه في المقدمة، وقد أجمعت كلها على ذكر الرأس دون الوجه في تعريفهم للخمار.","vol":"1","page":92},{"text":"ــ::<span data-type=\"title\" id=toc-20> مناقشة البحث الرابع::</span> ــ\nأولًا: نوافق الشيخ الألباني فيما ذهب إليه هنا من أن الخمار عند الإطلاق يراد به غطاء الرأس دون الوجه - وإن كان قد يستخدم في تغطية الوجه كما ذكر-ولكن ذلك ليس فيه دليل على جواز كشف الوجه! لأن تغطية الوجه لم تفرض بالأمر بضرب الخمار عليه وإنما فُرضت بالأمر بإدناء الجلباب عليه، وسيأتي لاحقا في مناقشة البحث التاسع بيان أن الأمر بضرب الخمر أمر متعلق بفئات أبيح لهم الدخول على المرأة والنظر إليها دون حجاب.\nثانيًا: أسهب الشيخ الألباني في هذا المبحث في ذكر الشواهد من أقوال العلماء من مفسرين ومحدثين وفقهاء ولغويين في معنى الخمار، في حين أنه لم يذكر شيئا من أقوالهم في معنى إدناء الجلباب كما أسلفنا!!\nثالثًا: استشهد الشيخ الألباني بقوله تعالى ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ﴾ النور: ٦٠ مستشهدا أولا بقول من قال بأن المراد بقوله ﴿ثيابهن﴾ بأنها الجلباب، على أن المراد به جواز كشف المرأة القاعد وجهها عند الرجال الأجانب - وهذا فيه نظر وسيأتي لاحقا في مناقشة البحث التاسع المراد بهذه الرخصة للقواعد وأنها لا تعني جواز كشف وجه المرأة القاعد للرجال الأحرار الأجانب - فقال الشيخ الألباني: هذا ما صرح به جمع من الحنابلة وغيرهم ونقل عن ابن الجوزي قول القاضي أبي يعلى\" وفي هذه الآية دلالة على أنه يباح للعجوز كشف وجهها ويديها بين يدي الرجال\"اهـ","vol":"1","page":93},{"text":"وهذا القول يستلزم عدم جواز كشف الوجه للمرأة الشابة! لذا رجع الشيخ الألباني عن هذا القول؛ وذهب إلى القول بأن المراد بالثياب في رخصة القواعد (الخمار)!! مخالفا بذلك ما صح عن ابن مسعود وابن عباس، وغيرهم من التابعين وما عليه جمهور المفسرين من أن المراد بها في هذه الآية؛ الجلباب.\n- صح عن ابن مسعود - ﵁ - في قوله ﴿أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ﴾ قال الرداء والجلباب. (^١)\n- وصح عن ابن عباس أنه كان يقرأ (أن يضعن من ثيابهن) قال الجلباب. (^٢)\n- قال إمام المفسرين ابن جرير الطبري في تفسيره (١٨/ ١٦٥): ﴿أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ﴾ يعني جلابيبهن وهي القناع الذي يكون فوق الخمار والرداء الذي يكون فوق الثياب\n- قال السمعاني في تفسيره (٣/ ٥٤٩): وثيابهن ها هنا الرداء والجلباب وعن ابن عباس قال الجلباب وأما الخمار لا يجوز لها أن تضعه.\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق الصنعاني (٣/ ٦٣) تفسير ابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٤٠ (١٤٨٣٩)، تفسير الطبري (١٨/ ١٦٥ - ١٦٦)، المعجم الكبير للطبراني ٩/ ٢٠٩ (٩٠٢٢)، سنن البيهقي الكبرى ٧/ ٩٣ (١٣٣١١)، وصححه الألباني في جلباب المرأة /٨٦.\n(^٢) سنن البيهقي الكبرى ٧/ ٩٣ (١٣٣١٠) وصححه الألباني في جلباب المرأة /٨٦.","vol":"1","page":94},{"text":"- قال البغوي في تفسيره (٣/ ٣٥٦): يضعن بعض ثيابهن وهي الجلباب والرداء الذي فوق الثياب والقناع الذي فوق الخمار فأما الخمار فلا يجوز وضعه.\n- قال النسفي في تفسيره (٣/ ١٥٧): أي الظاهرة كالملحفة والجلباب الذي فوق الخمار ﴿غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾ يريد الزينة الخفية كالشعر والنحر.\n- قال ابن كثير في تفسيره (٣/ ٣٠٥): قال ابن مسعود في قوله ﴿فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ﴾ قال الجلباب أو الرداء، وكذلك روي عن ابن عباس وابن عمر ومجاهد وسعيد بن جبير وأبي الشعثاء وإبراهيم النخعي والحسن وقتادة والزهري والأوزاعي وغيرهم.\n- قال الشوكاني في السيل الجرار (ص/٧٤١): وقد وقع الإجماع على أنه لا يجوز لهن أن يضعن ثيابهن عما عدا الوجه واليدين فرفع الجناح عنهن؛ هو عن وضع الثياب التي على الوجه والكفين.\nوبذلك تبين أن الإجماع على أن المراد بالثياب في هذه الآية هو الجلباب، مما يبين ضعف قول الشيخ الألباني أن المراد بها الخمار، فإنه ليس له مستند على قوله هذا إلا قولا لابن زيد لم يُثبت صحة إسناده فقد أشار إليه في رده المفحم بقوله (هناك قولًا آخر في تفسير: ﴿ثيابهنَّ ﴿كنت ذكرته في محله من الكتاب- وهو الخمار)!! وقال في الموضع المشار إليه من كتابه الجلباب / ١١١: وقال جابر بن زيد (وهو ثقة فقيه مات سنة ٩٣ هـ): إنه (الخمار) رواه ابن جرير، وأبو بكر","vol":"1","page":95},{"text":"الجصاص (٣/ ٤١١)، ولعل مستنده ما في \"القرطبي\": \"والعرب تقول: امرأة واضع؛ للتي كبرت، فوضعت خمارها\" ويؤيده أن هذه الآية ذكرها الله في سورة النور بعد آية أمر النساء بالخمر المتقدمة، وهي مطلقة، فكأن الله تعالى أراد تقييدها، فأورد هذه في السورة ذاتها. والله أعلم. ثم رأيت ابن عباس ﵄ قد صرح بهذا المعنى، وأن آية (القواعد) مستثناة من آية (الخمر). رواه أبو داود (٤١١١) والبيهقي بسند حسن عنه. فالظاهر أن جابر بن زيد تلقى ذلك عن ابن عباس؛ فإنه ﵀ من المكثرين عنه. وقد رأيت الشيخ عبدالرحمن بن ناصر السعدي ﵀ قد تنبه لهذا، فقال في تفسيره\" (٥/ ٤٤٥): \"أي الثياب الظاهرة كالخمار ونحوه الذي قال الله فيه للنساء (وليضربن بخمرهن على جيوبهن) وسبقه إلى هذا الحافظ أبو الحسن بن القطان في\" النظر في أحكام النظر\" اهـ\nوبيان ضعف استدلاله هذا من عدة وجوه:\n١) اكتفى الشيخ الألباني في تصحيح أثر ابن زيد بتوثيق جابر! دون بيان صحة أو ضعف إسناده؛ فعزاه للطبري ساكتا عنه!\nوقد أخرجه الطبري في تفسيره (١٨/ ١٦٦) قال: حدثني يونس قال أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد في قوله ﴿فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ﴾ قال \"وضع الخمار\".","vol":"1","page":96},{"text":"وابن زيد هذا ليس جابر بن زيد الذي قال عنه الشيخ الألباني (ثقة فقيه)؛ مع أنه لو كان هو لكان إسناده ضعيفا لا تقوم به حجة؛ للانقطاع بين عبد الله بن وهب الذي ولد سنة (١٢٥ هـ)؛ وجابر بن زيد (ت ٩٣ هـ) فإنه لم يسمع منه بل لم يره!\nوالصحيح؛ أن ابن زيد راوي هذا الأثر؛ هو عبد الرحمن بن زيد بن أسلم فهو الذي روى عنه عبد الله بن وهب، ومع اتصال سنده إلا أنه إسناد ضعيف لا يحتج به لإجماع أهل الجرح والتعديل على ضعف عبدالرحمن بن زيد (^١).\nإذن فلا يصح أن يحتج في معنى الآية بمثل هذا الإسناد الضعيف عن أحد التابعين؛ وتضرب به الأسانيد الصحيحة المأثورة عن الصحابة في تفسيرها!\n٢) نسب القول بهذا الأثر أيضا لأبي بكر الجصاص! وبالرجوع إلى ما ذكره أبو بكر الجصاص في تفسير هذه الآية؛ يتبين أنه لا يؤيد ما ذكره الشيخ الألباني بل يخالفه!\n_________\n(^١) كما جاء في تهذيب التهذيب (٦/ ١٧٨): قال أبو طالب عن أحمد ضعيف. وقال الدوري عن ابن معين ليس حديثه بشيء. وقال البخاري وأبو حاتم ضعفه علي بن المديني جدا. وقال أبو داود أولاد زيد بن أسلم كلهم ضعيف، وقال أيضا أنا لا أحدث عن عبد الرحمن. وقال النسائي ضعيف. وقال أبو زرعة ضعيف. وقال أبو حاتم ليس بقوي في الحديث كان في نفسه صالحا وفي الحديث واهيا. وقال ابن حبان كان يقلب الأخبار وهو لا يعلم حتى كثر ذلك في روايته من رفع المراسيل وإسناد الموقوف فاستحق الترك. وقال ابن سعد كان كثير الحديث ضعيفا جدا. وقال ابن خزيمة ليس هو ممن يحتج أهل العلم بحديثه لسوء حفظه. قال الساجي وهو منكر الحديث. وقال الطحاوي حديثه عند أهل العلم بالحديث في النهاية من الضعف. وقال ابن الجوزي أجمعوا على ضعفه.","vol":"1","page":97},{"text":"- قال أبو بكر في أحكام القرآن (٥/ ١٩٦): قال ابن مسعود ومجاهد والقواعد اللاتي لا يرجون نكاحا هن اللاتي لا يردنه، وثيابهن جلابيبهن، وقال إبراهيم وابن جبير الرداء، وقال الحسن الجلباب والمنطق، وعن جابر بن زيد يضعن الخمار والرداء، قال أبو بكر: لا خلاف في أن شعر العجوز عورة لا يجوز للأجنبي النظر إليه كشعر الشابة وأنها إن صلت مكشوفة الرأس كانت كالشابة في فساد صلاتها فغير جائز أن يكون المراد وضع الخمار بحضرة الأجنبي ... وفي ذلك دليل على أنه إنما أباح للعجوز وضع ردائها بين يدي الرجال بعد أن تكون مغطاة الرأس. اهـ\n٣) ثم أسند الشيخ الألباني هذا القول إلى ما ذكره القرطبي: \"والعرب تقول: امرأة واضع؛ للتي كبرت، فوضعت خمارها\" وبالرجوع إلى قول القرطبي يتبين أنه لا يؤيد هذا القول؛ بل إنه يرى أن الصحيح خلافه حيث قال القرطبي في تفسير هذه الآية (١٢/ ٣٠٩): قال ابن عباس وهو الجلباب وروي عن ابن مسعود أيضا من جلابيبهن والعرب تقول \"امرأة واضع\" للتي كبرت فوضعت خمارها، وقال قوم الكبيرة التي آيست من النكاح لو بدا شعرها فلا بأس فعلى هذا يجوز لها وضع الخمار، والصحيح أنها كالشابة في التستر إلا أن الكبيرة تضع الجلباب الذي يكون فوق الدرع والخمار قاله ابن مسعود وابن جبير وغيرهما. اهـ\n٤) أما قول الشيخ الألباني (ويؤيده أن هذه الآية ذكرها الله في سورة النور بعد آية أمر النساء بالخمر) يريد قوله تعالى ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ وهذه الآية تحمل أمرًا آخر قبل الأمر بضرب","vol":"1","page":98},{"text":"الخمر، وهو قوله تعالى ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ صح عن عبد الله بن مسعود وعبيدة السلماني في تأويلها أنها الثياب والرداء. (^١) أي لا يحل لهن وضع الثياب الظاهرة (الجلباب والرداء) في البيوت عند دخول من ليسوا بمحارم وهم العبيد المملوكون ونحوهم ممن يحل لهم رؤية المرأة والدخول عليها دون حجاب - وسيأتي تفصيل ذلك وتأصيله في مناقشة البحث التاسع - ثم استثنى الله القواعد من هذا الأمر وجاءت الرخصة لهن بوضع هذه الثياب الظاهرة.\n٥) قال الشيخ الألباني: ثم رأيت ابن عباس ﵄ قد صرح بهذا المعنى وأن آية (القواعد) مستثناة من آية (الخمر) رواه أبو داود (٤١١١) والبيهقي (٧/ ٩٣) بسند حسن عنه. اهـ وقال في رده المفحم (وهو الأصح عن ابن عباس)! والذي أثر عن ابن عباس بإسناد صحيح هو: \" أنه كان يقرأ ﴿أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ﴾ قال الجلباب\" وقد صححه الألباني في كتابه الجلباب/٨٦، فكيف يكون الحسن أصح من الصحيح؟!\nومع ذلك فإن هذا الأثر كما رواه أبو داود والبيهقي عنه وساقه الشيخ الألباني في كتابه الجلباب ص ٨٥: عن ابن عباس - ﵁ - قال ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ الآية فنسخ واستثنى من\n_________\n(^١) سيأتي تخريجها في مناقشة البحث التاسع.","vol":"1","page":99},{"text":"ذلك ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا﴾ الآية (^١). ليس فيه حجة لما ذكر الشيخ الألباني؛ لأنه ليس فيه النص على تسميتها بآية الخُمر! بل إنه لم يرد عن أحد من الصحابة أو التابعين تسمية آية النور هذه ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ ...﴾ بآية \"الخُمر\"! وذلك لأنها تحمل أمرًا آخر غير ضرب الخمر وهو عدم وضع الثياب الظاهرة (الجلباب والرداء) كما سيأتي بيان ذلك.\n٦) استشهد الشيخ الألباني بمعنى غير مراد للشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي (ت ١٣٧٦ هـ) فقال: (وقد رأيت الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي ﵀ قد تنبه لهذا، فقال في تفسيره\" (٥/ ٤٤٥): \"أي الثياب الظاهرة كالخمار ونحوه الذي قال الله فيه للنساء ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾) ولو أكمل الشيخ الألباني نقله عن السعدي لاتضح أن مراده مخالف له؛ فقد قال السعدي في تفسيره (١/ ٥٧٤): \"أي الثياب الظاهرة كالخمار ونحوه الذي قال الله فيه للنساء ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ فهؤلاء يجوز لهن أن يكشفن وجوههن\". فمراد الشيخ عبد الرحمن السعدي أن للقواعد أن يضعن الخمار الذي يغطين به وجوههن، وليس مراده الخمار الذي يغطين به الشعر!\n_________\n(^١) سنن أبي داود (٤١١١) سنن البيهقي الكبرى ٧/ ٩٣ (١٣٣٠٨) وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود ٤/ ٦٣، وجلباب المرأة /٨٦.","vol":"1","page":100},{"text":"٧) ثم قال الشيخ الألباني: وسبقه إلى هذا الحافظ أبو الحسن بن القطان في \"النظر في أحكام النظر\" ونقل الشيخ الألباني بعض ما ذكره ابن القطان فقال: واختار ابن القطان الفاسي في\" النظر في أحكام النظر\" القول الآخر، فقال (ق ٣٥/ ٢): \"الثياب المذكورة هي الخمار والجلباب، رُخِّص لها أن تخرج دونهما وتبدو للرجال ... وهذا هو الأظهر، فإن الآية إنما رخصت في وضع ثوب إن وضعته ذات زينة أمكن أن تتبرج ... \" إلى آخر كلامه، وهو نفيس جدًا، ولولا أن المجال لا يتحمل التوسع لنقلته برمَّته، فإني لم أره لغيره. اهـ\nوبالرجوع إلى قول ابن القطان يتبين أنه لا يعني أنه يجيز للقواعد كشف الشعر عند الرجال الأجانب (^١):\n_________\n(^١) فقد ذكر ابن القطان ثلاثة أقوال في المراد بالثياب في قوله ﴿فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ﴾ فقال في كتابه أحكام النظر (ص ١٠٣): (فينظر ما الثياب التي رفع عنهن في وضعها الجناح، وأين رفع الجناح عنهن في وضعها، قال قوم عني بالثياب الجلباب والرداء، وهذا قول ابن عباس وابن مسعود. وهو قول جماعة من التابعين، ثم اختلف هؤلاء أين ذلك؟ فقال بعضهم: يعني بذلك في الدار والحجرة لا إذا خرجن ... وهذا بعيد عن الصحة بل المرأة في دارها وحجرتها يجوز لها من وضع ذلك ما لا يجوز إذا خرجت ... ومنهم من قال إنما تضع ذلك عند أبيها وأخيها وابنها، وهذا أيضا بعيد، فإنه قد جاز وضع ذلك للشواب). اهـ فهذا القول الأول: أن تضع المرأة القاعد الجلباب والرداء في بيتها أو عند محارمها واستبعد ابن القطان هذا القول لأنه ينبني عليه أن الشابة يلزمها لبس الرداء في بيتها وعند محارمها - سيأتي صحة هذا القول بأن على المرأة لبس الرداء في البيت عند دخول من يحل لهم النظر إلى المرأة والدخول عليها دون حجاب كالعبيد المملوكين ونحوهم - ثم ذكر ابن القطان القول الثاني؛ وهو قولهم أنه الحقو يعني الإزار واستبعده أيضا لأنه لا يجوز إبداء ما كان الحقو ساترا له لغير بعل أو سيد، ثم ذكر القول الثالث؛ وهو أن المراد؛ وضع الجلباب عند الخروج من البيت أمام الرجال الأجانب.","vol":"1","page":101},{"text":"حيث قال ابن القطان في تمام كلامه في أحكام النظر (ص ١٠٣): \"وهذا هو الأظهر، فإن الآية إنما رخصت في وضع ثوب إن وضعته ذات زينة أمكن أن تتبرج بعد وضعه بزينتها، ولا يعد تبرجا إلا ما كان على الأجانب، فهذا أبيح للعجزة القواعد وضعه ... فقوله ﴿أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ﴾ إنما معناه أن يضعن ثيابهن التي كان يجب عليهن إدناؤها إذ كن شواب من الجلباب والرداء\". اهـ\nفمراد ابن القطان بقوله (وهذا هو الأظهر فإن الآية إنما رخصت في وضع ثوب إن وضعته ذات زينة أمكن أن تتبرج بعد وضعه بزينتها) استبعاد قول من قال بأن المرد إزار الحقو، وليس استبعاد قول من قال بأنه الرداء والجلباب! وكذلك قوله (ولا يعد تبرجا إلا ما كان على الأجانب) أراد به استبعاد قول من قال (إنما تضع ذلك عند أبيها وأخيها وابنها).\nوبذلك يتبين خطأ الشيخ الألباني فيما ذهب إليه من أن المراد بالثياب في آية القواعد؛ الخمار، إذ لم يصح فيه ما يستند إليه، وأن الصحيح ما عليه الجمهور من أنه الجلباب والرداء. كما قال الشوكاني في السيل الجرار (٤/ ١٢٩): ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ﴾ النور: ٦٠ وقد وقع الإجماع على أنه لا يجوز لهن أن يضعن ثيابهن عما عدا الوجه واليدين.","vol":"1","page":102},{"text":"ــ:: تتمة البحث الرابع:: ــ\nقال الشيخ الألباني: وهنا لا بد لي من بيان خطأ وقع في شرح الحافظ لحديث عائشة في نزول آية (الخُمُر) المتقدمة، فقال الحافظ قول عائشة: \" فاختمرن بها\": (أي: غطين وجوههن، وصفة ذلك أن تضع الخمار على رأسها، وترميمه من الجانب الأيسر، وهو التقنع. قال الفراء: كانوا في الجاهلية تسدل المرأة خمارها من ورائها، وتكشف ما قدامها، فأمرن بالاستتار). فأقول: تفسير الحافظ \" غطين وجوههن\" يناقض قوله: \" وصفة ذلك ... \" فإن هذا لو طُبَّق لوجد الوجه مكشوفًا غير مغطى! ويؤكد ذلك تشبيه الحافظ خمار المرأة بعمامة الرجل، وكذلك قوله: \" وهو التقنع\"، ففي كتب اللغة: (تقنّعت المرأة أي: لبست القناع وهو ما تغطي به المرأة رأسها)، كما في\" المعجم الوسيط\" وغيره، مثل الحافظ نفسه فقد قال في\" الفتح\" (٧/ ٢٣٥ و١٠/ ٢٧٤»: التقنع: تغطية الرأس (وبناءً على ما سبق فقوله\" وجوههن\"، يحتمل أن يكون خطأ من الناسخ، أو سبق قلم من المؤلف، أراد أن يقول: \" صدورهن\" فسبقه القلم! ويحتمل أن يكون أراد معنىً مجازيًا أي: ما يحيط بالوجه من باب المجاورة، فقد وجدت في\" الفتح\" نحوه في موضع آخر تحت حديث البراء - ﵁ -: \" أتى النبي - ﷺ - رجلٌ مقنع بالحديد \" (قوله: \" مقَنَّع\" كناية عن تغطية وجهه بآلة الحرب) فإنه يعني ما جاور الوجه، وإلا لم يستطع المشي فضلًا عن القتال، فبهذه الأدلة من الكتاب والسنة وأقوال أئمة التفسير والحديث والفقه واللغة، ثبت قولنا: إن الخمار غطاء الرأس، ولا ينافي كون الخمار غطاء الرأس أن يستعمل أحيانًا لتغطية الوجه. وإذا عرفت هذا","vol":"1","page":103},{"text":"فمن قال بأن\" الاعتجار مطابق للاختمار في المعنى\" فأقول: نعم هو كذلك بالمعنى الصحيح المتقدم للاختمار وأما بمعنى تغطية الوجه عند الإطلاق فهو باطل لغة قال الإمام الفيروزآبادي في\" قاموسه\" والزبيدي في\" تاجه\" (الاعتجار: لي الثوب على الرأس من غير إدارة تحت الحنك) وفي بعض العبارات: هو\" لف العمامة دون التلحِّي\" وروي عن النبي - ﷺ - \" أنه دخل مكة يوم الفتح معتجرًا بعمامة سوداء\" المعنى: أنه لفها على رأسه ولم يتلح بها. والمعجر كمنبر: ثوب تعتجر به المرأة أصغر من الرداء وأكبر من المقنعة وهو ثوب تلفّه المرأة على استدارة رأسها ثم تجلبب فوقه بجلبابها) وهذا لا ينافي ما احتجَّ به ابن حجر: (قال ابن الأثير: وفي حديث عبدالله بن عدي بن الخيار: جاء وهو معتجر بعمامته ما يرى وحشي منه إلا عينيه ورجليه. الاعتجار بالعمامة: هو أن يلفّها على رأسه ويَرُدُّ طرفها على وجهه ولا يعمل منها شيئًا تحت ذقنه) قلت: لا ينافي هذا ما تقدم عن العلماء من الشرح لـ (الاعتجار) لأن ما قاله ابن الأثير مصرح به في الحديث: \" ما يرى منه إلا عينيه\" فهو صفة كاشفة لـ (الاعتجار) وليست لازمة له كما لو قال قائل: (جاء مختمرًا لا يرى منه إلا عيناه) ولذلك لم يزد الحافظ على قوله: \" (معتجر) أي: لافّ عمامته على رأسه من غير تحنيك\". وجملة القول: إن الخمار والاعتجار عند الإطلاق إنما يعني: تغطية الرأس فمن ضمَّ إلى ذلك تغطية الوجه فهو مكابر.","vol":"1","page":104},{"text":"ــ::<span data-type=\"title\" id=toc-23> مناقشة تتمة البحث الرابع::</span> ــ\nأولًا: أخرج البخاري في صحيحه عن عائشة ﵂ قالت (يرحم الله نساء المهاجرات الأول لما أنزل الله ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ شققن مروطهن فاختمرن بها) (^١) وفي رواية (أخذن أزرهن فشققنها من قبل الحواشي فاختمرن بها) (^٢) قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري (٨/ ٤٩٠): قوله (فاختمرن) أي غطين وجوههن، وصفة ذلك أن تضع الخمار على رأسها وترميه من الجانب الأيمن على العاتق الأيسر وهو التقنع قال الفراء كانوا في الجاهلية تسدل المرأة خمارها من ورائها وتكشف ما قدامها فأمرن بالاستتار والخمار للمرأة كالعمامة للرجل. اهـ\nقال الشيخ الألباني إن قول الحافظ ابن حجر\" أي غطين وجوههن \"خطأ من الناسخ أو سبق قلم من المؤلف، أراد أن يقول: \" صدورهن\" فسبقه القلم! اهـ\nفيقال إن كان هناك خطأ في قول ابن حجر؛ فهو في فهم ابن حجر أن النساء شرعن في تغطية وجوههن إثر نزول النهي عن إبداء الزينة والأمر بضرب الخمر في سورة النور؛ والصحيح أن النساء إنما شرعن بتغطية وجوههن بالجلابيب إثر نزول الأمر بإدناء الجلابيب في سورة الأحزاب كما بينّاه سابقا، أما آية النور فسيأتي في مناقشة البحث التاسع بيان ما تعنيه وأن الأمر بضرب الخمر أمر","vol":"1","page":105},{"text":"متعلق بفئات أبيح لهم الدخول على المرأة والنظر إليها دون حجاب كما سبقت الإشارة إلى ذلك، وعلى ذلك فقول ابن حجر (غطين وجوههن) ليست خطأ من الناسخ ولا سبق قلم بل إنها من قصد المؤلف يدل على ذلك قوله في موضع آخر من الفتح (٩/ ٣٢٤): (وقد قالت عائشة كما تقدم في تفسير سورة النور لما نزلت وليضربن بخمرهن على جيوبهن أخذن أزرهن من قبل الحواشي فشققنهن فاختمرن بها ولم تزل عادة النساء قديما وحديثا يسترن وجوههن عن الأجانب).\n\nأما قول الشيخ الألباني: أن (تفسير الحافظ المذكور: \" غطين وجوههن\" يناقض قوله: \" وصفة ذلك ... \"\" فإن هذا لو طبَّقه في خماره لوجد وجهه مكشوفًا غير مغطى\"!!) فليس شرطا؛ فإن ما ذكره ابن حجر من صفة ضرب الخمار بقوله\" وصفة ذلك أن تضع الخمار على رأسها وترميه من الجانب الأيسر على العاتق الأيمن\" يمكن أن يقتضي تغطية الوجه، فإن المرأة سترمي طرف خمارها من الجانب الأيسر على العاتق الأيمن مرورا بالوجه عدا العينين. وهذا ما عناه الحافظ ولذلك قال مؤكدا لهذا المعنى \" وهو<span data-type=\"title\" id=toc-24> التقنع</span>\".\nثانيًا: أنكر الشيخ الألباني أن التقنع يعني تغطية الوجه؛ وقصر معناه على تغطية الرأس دون الوجه؛ مخالفا بذلك معناه عند أهل اللغة والتفسير والفقه والحديث، على أنه ليس له شاهد على ذلك إلا ما نقله من المعجم الوسيط (^١) وهو قوله: (تقنعت المرأة أي: لبست القناع وهو ما تغطي به المرأة\n_________\n(^١) صحيح البخاري ٤/ ١٧٨٢ (٤٤٨٠).","vol":"1","page":106},{"text":"رأسها) هذا فقط ما احتج به الشيخ الألباني مما في كتب اللغة! وهو لفظ عام، لا ينفي كون الوجه داخلا فيما يغطيه القناع من الرأس! فإطلاق الرأس إما أن يراد به أعلاه وهو موضع العمامة من الرجل والخمار من المرأة، وإما أن يراد به الرأس كله بما فيه الوجه، وهذا المعنى هو الذي أنكره الشيخ الألباني فقصره على المعنى الأول فقط رغم ثبوت المعنى الثاني لغة وشرعا!\nومما يشهد أن التقنع يعني تغطية الوجه لغة:\n- جاء في العين للخليل بن أحمد الفراهيدي (١/ ١٧٠): والقناع أوسع من المقنعة وتقول ألقى فلان عن وجهه قناع الحياء.\n- وفي تهذيب اللغة لأبي منصور محمد بن أحمد الأزهري (١٢/ ٢٧٩): سمّي المسافر مسافرًا لكشفه قناع الكنِّ عن وجهه.\n- وفي الأزمنة والأمكنة لأبي علي أحمد المرزوقي الأصفهاني (١/ ٢٠٠): أول من كشف القناع طريف العنبري لما رآهم يطلعون في وجهه ويتفرسون في شمائله، رمى بالقناع وحسر عن وجهه.\n- وفي المحكم والمحيط الأعظم لأبي الحسن علي بن سيده المرسي (١/ ٢٢٨): والقناع أوسع من المقنعة وقد تقنعت به وقنعت رأسها وألقى عن وجهه قناع الحياء. وفي موضع آخر منه (٦/ ٤٥٣): والنقاب: القناع على مارن الأنف.","vol":"1","page":107},{"text":"- وفي مفتاح العلوم لأبي يعقوب يوسف بن أبي بكر السكاكي (١/ ٢): حسر عن وجهه القناع.\n- وفي تهذيب الأسماء واللغات لمحيي الدين بن شرف النووي (٣/ ٢٨٣): والقناع والمقنعة ما تغطي به المرأة رأسها ومحاسنها من ثوب.\n- وفي لسان العرب لابن منظور (٨/ ٣٠٠): والمقنعة ما تغطي به المرأة رأسها ... والقناع والمقنعة: ما تتقنع به المرأة من ثوب تغطي رأسها ومحاسنها، وألقى عن وجهه قناع الحياء.\n- وفي مختار الصحاح لمحمد بن أبي بكر الرازي (١/ ٢٠): البُرْقُع للدواب ونساء الأعراب وبرقعه فتبرقع أي ألبسه البرقع فلبسه وهو القناع.\n- وفي تاج العروس (٢٢/ ٩١): والمقنع والمقنعة؛ عن اللحياني: ما تقنع به المرأة رأسها ومحاسنها، أي تغطي.\n- وفي القاموس المحيط (ص: ١٠٦٠) وتاج العروس (٣٠/ ٤٣٧): \"المميلات\": يملن المقانع لتظهر وجوههن وشعورهن.\n- المعجم الوسيط (١/ ٥١): (البرقع) قناع النساء.","vol":"1","page":108},{"text":"*أما ثبوت ذلك شرعا:\n- ففي مسند أحمد عن أسامة بن زيد - ﵁ - قال: (استأذنت لأناس من أصحاب النبي ... - ﷺ - فأذن لهم فإذا هو مقنّع رأسه ببرد له معافري (^١) فكشف القناع عن رأسه ثم قال لعن الله اليهود اتّخذوا قبور أنبيائهم مساجد) (^٢). وقد ثبت أن عائشة وعبد الله بن عباس - ﵃ - فسرا هذا التقنع بتغطية الوجه حيث قالا في رواية أخرى: (لما نزل برسول الله - ﷺ - طفق يطرح خميصة (^٣) له على وجهه فإذا اغتم بها كشفها عن وجهه فقال؛ لعنة الله على اليهود ...) (^٤).\n- وفي مسند أحمد عن كعب بن عُجْرة قال: \"ذكر رسول الله - ﷺ - فتنة فقرَّبها وعظَّمها قال ثم مر رجل متقنع في ملحفة فقال هذا يومئذ على الحق فانطلقت مسرعا فأخذت بضبعيه (^٥) فقلت هذا يا رسول الله قال هذا، فإذا هو عثمان بن عفان ﵁\". (^٦) والشاهد هنا أن كعب بن عُجْرة لم يعرف عثمان - ﵁ - لما\n_________\n(^١) برد معافري: برود باليمن منسوبة إلى معافر وهي قبيلة باليمن.\n(^٢) مسند أحمد بن حنبل ٥/ ٢٠٣ (٢١٨٢٢) المعجم الكبير ١/ ١٦٤ (٣٩٣) قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٢/ ٢٧: رواه أحمد والطبراني في الكبير ورجاله موثقون، وحسنه الألباني في كتابه تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد.\n(^٣) وهي ثوب خز أو صوف معلم (النهاية في غريب الأثر ٢/ ٨١).\n(^٤) صحيح البخاري ١/ ١٦٨ (٤٢٥) صحيح مسلم ١/ ٣٧٧ (٥٣١).\n(^٥) أي بعضديه، الضبع العضد كلها وأوسطها بلحمها أو الا بط أو ما بين الا بط إلى نصف العضد من أعلاه (القاموس المحيط ١/ ٩٥٦)\n(^٦) مسند أحمد بن حنبل ٤/ ٢٤٢ (١٨١٤٣) سنن الترمذي (٣٧٠٤) وصححه الألباني في صحيح الترمذي ٥/ ٦٢٨.","vol":"1","page":109},{"text":"كان مقنعا رأسه، ولو كان التقنع لا يعني تغطية الوجه لما خفي عليه أنه عثمان حتى قام إليه وأخذ بضبعيه!\n- وفي أثر عبيدة السلماني الذي أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (٢٢/ ٤٦) بإسناد صحيح إليه في تفسير قوله ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ أنه لبس رداءه\" فتقنع به؛ فغطى أنفه وعينه اليسرى وأخرج عينه اليمنى وأدنى رداءه من فوق حتى جعله قريبا من حاجبه أو على الحاجب\".\n* وهو كذلك عند المفسرين:\n- قال الزمخشري في تفسيره الكشاف (٣/ ٥٦٠) والنسفي في تفسيره (٣/ ٣١٥): \" ترخي المرأة بعض جلبابها وفضله على وجهها تتقنع به.\n- قال الألوسي في روح المعاني (٢٢/ ٨٩): وإدناء ذلك عليهن أن يتقنعن فيسترن الرأس والوجه بجزء من الجلباب مع إرخاء الباقي على بقية البدن.\n* وكذلك عند أهل الحديث:\n- قال ابن حجر في فتح الباري (١٠/ ٢٧٤) والعيني في عمدة القاري (٢١/ ٣٠٨) والعظيم آبادي في عون المعبود (١١/ ٩٢) والمناوي في فيض القدير (٥/ ٢٤٠): التقنع: تغطية الرأس وأكثر الوجه.","vol":"1","page":110},{"text":"وقال ابن حجر في موضع آخر من الفتح (٧/ ٣٤٣) والعيني في عمدة القاري (١٧/ ١٣٦): قوله تقنع بثوبه؛ أي تغطّى به ليخفى شخصه لئلا يعرف.\nوقال المناوي في موضع آخر من فيض القدير (٣/ ٢٥٨): التقنع بالليل ريبة أي تهمة يستراب منها فإن من وجد إنسانا متقنعا ليلا إنما يظن به أنه لص أو يريد الفجور بامرأة أو نحو ذلك وإلا لما غطى وجهه.\nثالثًا: نقل الشيخ الألباني قول الحافظ ابن حجر \" التقنع: تغطية الرأس\" مبتورا! فإن الحافظ ابن حجر قال في الموضع الذي أشار إليه الشيخ الألباني من الفتح (١٠/ ٢٧٤): التقنع: تغطية الرأس وأكثر الوجه برداء أو غيره.\nوفي الموضع الآخر الذي أشار له الشيخ الألباني من الفتح (٧/ ٢٣٥) قال فيه ابن حجر: (قوله هذا رسول الله متقنعا أي مغطيا رأسه ... قال ولم يكن يفعل التقنع عادة بل للحاجة). اهـ وهذا يبين أنه أراد بقوله تغطية الرأس؛ تغطية الرأس بما فيه الوجه، لأنه كان من عادة رسول - ﷺ - تغطية رأسه بالعمامة وغيرها (^١)، أما تغطية الوجه فهو الذي كان رسول الله - ﷺ - لا يفعله عادة بل للحاجة.\n_________\n(^١) قال ابن القيم في زاد المعاد (١/ ١٣٠): كانت له عمامة تسمى: السحاب وكان يلبسها ويلبس تحتها القلنسوة ... والعمامة ما يلاث على الرأس تكويرا كما في المخصص ١/ ٣٩٢، والقلنسوة: غطاء للرأس تشير إلى الطاقية التى توضع تحت العمامة. كما في المعجم العربي لأسماء الملابس ص/٤٠٢.","vol":"1","page":111},{"text":"رابعا: نقل الشيخ الألباني قول ابن حجر في الفتح (٦/ ٢٥): (قوله مُقنَّع؛ وهو كناية عن تغطية وجهه بآلة الحرب) عند شرحه لحديث البراء - ﵁ -؛ (أتى رسول الله - ﷺ - رجل مقنع بالحديد) (^١) وتعقبه الشيخ الألباني بقوله: \"فإنه يعني ما جاور الوجه، وإلا لم يستطع المشي فضلا عن القتال\"!! لكن مما يضعف قول الشيخ الألباني هذا؛ أن القناع يغطي الوجه دون العينين، فالقناع لا يحول دون شيء من المشي أو القتال! ومما يؤكد أن ابن حجر يعني تغطية الوجه؛ أنه صرح بهذا المعنى للتقنع في أكثر من موضع كما أسلفنا. (^٢)\n* وبذلك ثبت أن التقنع يعني تغطية الوجه، وهو إحدى الصفتين لإدناء الجلباب؛ فإن إدناء الجلباب إما أن يكون بشد الجلباب على الجبين ثم عطفه على الأنف وهو التقنع وما في معناه من النقاب والبرقع واللثام - وهي الصفة المنهية عنها المرأة حال إحرامها- أو يكون بسدل الجلباب من فوق الرأس على الوجه - وهي الصفة المشروعة للمرأة حال الإحرام-.\n_________\n(^١) صحيح البخاري ٣/ ١٠٣٤ (٢٦٥٣).\n(^٢) ومما يشهد لكون التقنع بالحديد يعني تغطية الوجه؛ ما أخرج البخاري في صحيحه ٢/ ٩٧٦ (٢٥٨١): بعثت قريش عام الحديبية عروة بن مسعود إلى رسول الله - ﷺ - ليكلمه \"فجعل يكلم النبي - ﷺ - فكلما تكلم أخذ بلحيته والمغيرة بن شعبة - ﵁ - قائم على رأس النبي - ﷺ - ومعه السيف وعليه المغفر (وفي رواية؛ قائم على رأس رسول الله مقنع في الحديد) فكلما أهوى عروة بيده إلى لحية النبي - ﷺ - ضرب يده بنعل السيف وقال أخِّر يدك عن لحية رسول الله - ﷺ - فرفع عروة رأسه وقال من هذا قالوا المغيرة بن شعبة \" قال ابن حجر في شرح هذا الحديث في فتح الباري (٥/ ٣٤١): أن المغيرة لما رأى عروة بن مسعود مقبلا لبس لأمته وجعل على رأسه المغفر ليستخفي من عمّه عروة.","vol":"1","page":112},{"text":"خامسًا: قال الشيخ الألباني: أن \"<span data-type=\"title\" id=toc-25> الاعتجار </span>مطابق للاختمار \" بالمعنى المتقدم للاختمار وأما بمعنى تغطية الوجه عند الإطلاق فهو باطل لغة. اهـ\nوالصحيح أن القول بأن الاعتجار مطابق لضرب الخمار على الجيب، وأنه لا يعني تغطية الوجه؛ قول باطل من عدّة وجوه:\n١) أن الاعتجار كما في المحكم والمحيط الأعظم لابن سيده المرسي (١/ ٣١١): والاعتجار لبسة كالالتحاف. وفي تاج العروس (١٢/ ٥٣٤) للزبيدي: الاعتجار: (لبسة للمرأة) شبه الالتحاف. اهـ وضرب الخمار على الجيب لايمكن أن يطلق عليه التحاف! لأن الخمار كما ذكر الشيخ الألباني: (الخمار للمرأة كالعمامة للرجل) والذي يمكن أن يطلق عليه الالتحاف هو إدناء الجلباب؛ وقد قال الشيخ الألباني: (الجلباب هو الملاءة التي تلتحف بها المرأة فوق ثيابها).\n٢) أن ضرب الخمار على الجيب يستلزم إدارة الخمار وليّه تحت الحنك، وهذا ينفي أن يكون الاعتجار مطابق له؛ لأن الاعتجار كما نقله الشيخ الألباني عن الزبيدي في\" تاجه\" (٣/ ٣٨٣): ليُّ الثوب على الرأس من غير إدارة تحت الحنك.\n٣) أن نفي إدارة الثوب تحت الحنك يستلزم منه المرور بالوجه عند إدارته وليّه على الرأس، وهذا الذي ينبغي أن يفهم من قولهم إن الاعتجار (ليُّ الثوب على الرأس من غير إدارة تحت الحنك) كما ثبت ذلك شرعا؛ فيما صح عن جعفر بن عمرو بن أمية قال: خرجت مع عبيد الله بن عدي بن الخيار إلى الشام فلما قدمنا حمص. . . قال فجئنا حتى وقفنا عليه فسلمنا فرد السلام قال وعبيد الله","vol":"1","page":113},{"text":"معتجر بعمامته ما يرى وحشي إلا عينيه ورجليه\" (^١) قال الحافظ ابن حجر (٧/ ٣٦٩): معتجر أي لاف عمامته على رأسه من غير تحنيك. أهـ\nلكن الشيخ الألباني تعقبه بقوله (هذه ليست صفة لازمة للاعتجار بالعمامة)!! غير أن كتب اللغة؛ تؤكد أن هذه الصفة لازمة للاعتجار:\n- كما جاء في النهاية في غريب الأثر للجزري (٣/ ١٨٥): الاعتجار بالعمامة هو أن يلفها على رأسه ويرد طرفها على وجهه ولا يعمل منها شيئا تحت ذقنه.\n- وفي المغرب في ترتيب المعرب للمطرز (٢/ ٤٣): وفي الأجناس عن محمد بن الحسن ﵀: المعتجر المنتقب بعمامته وقد غطى أنفه.\nوجاء في طلبة الطلبة في الاصطلاحات الفقهية (ص/ ٥) لنجم الدين النسفي (ت: ٥٣٧ هـ): الاعتجار ... وقيل هو التقنع بالمنديل كما تفعله النساء بمعاجرهن.\nكما أكد ذلك الفقهاء: ففي المبسوط للسرخسي (١/ ٣١) وبدائع الصنائع للكاساني (١/ ٢١٦): قال محمد بن الحسن: \" لا يكون الاعتجار إلا مع تنقب وهو أن يلف بعض العمامة على رأسه وطرفا منه يجعله شبه المعجر للنساء وهو أن يلفه حول وجهه\". وقال ابن نجيم في البحر الرائق (٢/ ٢٥): \"وقيل أن يتنقب بعمامته فيغطي أنفه كمعجر النساء\".\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٣٨٤٤).","vol":"1","page":114},{"text":"وبذلك ثبت أن الاعتجار يحمل معنى تغطية الوجه، وأنه مطابق لإدناء الجلباب، يشهد لذلك ما أخرجه ابن مردويه عن عائشة ﵂ أنها قالت (رحم الله نساء الأنصار لما نزلت ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ شققن مروطهن فاعتجرن بها فصلين خلف رسول الله - ﷺ - فكأنما على رؤوسهن الغربان) (^١)\nكما أخرجه أبو داود عن أم سلمة قالت: (لما نزلت خرج نساء الأنصار كأن على رؤوسهن الغربان من الأكسية). وفي رواية (من أكسية سود يلبسنها) (^٢).\n* فنخلص في نهاية هذا المبحث بأن التقنع والاعتجار مترادفة المعنى، وأنها تحمل معنى تغطية الوجه، وأن نساء المؤمنين امتثلن الأمر بإدناء الجلابيب بتغطية وجوههن بالتقنع والاعتجار والتلفع (^٣) بالأردية والجلابيب.\n_________\n(^١) الدر المنثور للسيوطي ٦/ ٦٦٠. أما ما رواه ابن أبي حاتم في تفسيره (١٤٤٠٦) عن صفية بنت شيبة عن عائشة قالت: (ما رأيت أفضل من نساء الأنصار ... لقد أنزلت ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ ... ما منهن امراة إلا قامت إلى مرطها المرحل فاعتجزت به ... فأصبحن يصلين وراء رسول الله - ﷺ - الصبح معتجرات كأن على رؤوسهن الغربان) فقد ضعفه الألباني بهذا السياق في غاية المرام (٤٨٣). ولعل الراوي توهم أن هذا كان إثر نزول آية النور؛ والصحيح أن هذا كان إثر نزول آية إدناء الجلابيب.\n(^٢) سنن أبي داود (٤١٠١) وصححه الألباني في صحيح أبي داود ٤/ ٦١، والرواية الأخرى لابن أبي حاتم في تفسيره (١٧٧٨٤) وحسن إسنادها الشيخ ابن باز في مجموع فتاوى ابن باز ٤/ ٢٤٣.\n(^٣) لما رواه البخاري في صحيحه ١/ ٢١٠ (٥٥٣) عن عائشة ﵂ قالت\" كن نساء المؤمنات يشهدن مع رسول الله - ﷺ - صلاة الفجر متلفعات بمروطهن\" قال العيني في عمدة القاري (٥/ ٧٤): \"متلفعات أي متلحفات من التلفع وهو شد اللفاع وهو ما يغطي الوجه ويتلحف به\" وسيأتي في مناقشة البحث السادس زيادة تفصيل وبيان لذلك.","vol":"1","page":115},{"text":"ــ:: البحث الخامس:: ــ\nقال الشيخ الألباني: هل أجمع المسلمون على أن وجه المرأة عورة وأنها تمنع أن تخرج سافرة الوجه؟ ... فإليك نص ما في\" نيل الأوطار\" (٦/ ٩٨) تحت حديث عائشة: \" يا أسماء! إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا هذا وهذا. وأشار إلى وجهه وكفيه\": \" وفيه دليل لمن قال: إنه يجوز نظر الأجنبية. قال ابن رسلان: وهذا عند أمن الفتنة مما تدعو الشهوة إليه من جماع أو دونه أما عند خوف الفتنة فظاهر إطلاق الآية والحديث عدم اشتراط الحاجة ويدل على تقييده بالحاجة اتفاق المسلمين على منع النساء أن يخرجن سافرات الوجوه، لا سيما عند كثرة الفساق. وحكى القاضي عياض عن العلماء: أنه لا يلزم ستر وجهها في طريقها، وعلى الرجال غض البصر للآية وقد تقدم الخلاف في أصل المسألة\" يشير إلى بحث له في الباب شرح فيه آية ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ النور: ٣١ قال الشوكاني عقبه: \" والحاصل أن المرأة تبدي من مواضع الزينة ما تدعو إليه الحاجة عند مزاولة الأشياء والبيع والشراء والشهادة، فيكون ذلك مستثنى من عموم النهي عن إبداء مواضع الزينة وهذا على ما يدل على أن الوجه والكفين مما يستثنى\" ... - إلى أن قال الشيخ الألباني منكرا على أحد مخالفية - قوله في بعض أجوبته: \" الصواب مع المشايخ الذين يذهبون إلى أن وجه المرأة عورة لا يجوز لها كشفه عند الرجال الأجانب ودليلهم على ذلك الكتاب والسنة والإجماع\"! فأقول: لم ينطق بكلمة\" الإجماع\" في هذه المسألة أحد","vol":"1","page":116},{"text":"من أهل العلم فيما بلغني وأحاط به علمي، فإن الخلاف فيها قديم لا يخلو منه كتاب من الكتب المتخصصة في بحث الخلافيات، وأنقل هنا من أقوالهم في هذه المسألة، مما يدل على بطلان الإجماع الذي ادَّعاه فأقول:\nالأول: قال ابن حزم في كتابه\" مراتب الإجماع\" (ص ٢٩) ما نصه: \" واتفقوا على أن شعر الحرة وجسمها حاشا وجهها ويدها عورة واختلفوا في الوجه واليدين حتى أظفارهما عورة هي أم لا؟ \" وأقرَّه شيخ الإسلام ابن تيمية في تعليقه عليه، ولم يتعقبه كما فعل في بعض المواضع الأخرى.\nالثاني: قال ابن هبيرة الحنبلي في\" الإفصاح\" (١/ ١١٨): \" واختلفوا في عورة المرأة الحرة وحدِّها فقال أبو حنيفة: كلها عورة إلا الوجه والكفين والقدمين. وقد روي عنه أن قدميها عورة وقال مالك والشافعي: كلها عورة إلا وجهها وكفيها وهو قول أحمد في إحدى روايتيه والرواية الأخرى: كلها عورة إلا وجهها خاصة. وهي المشهورة واختارها الخرقي\". وفاتته رواية ثالثة وهي: أنها كلها عورة حتى ظفرها كما يأتي مع بيان رد ابن عبد البر لها قريبًا.\nالثالث: جاء في كتاب\" الفقه على المذاهب الأربعة\" تأليف لجنة من العلماء منهم الجزيري: في بحث حد عورة المرأة (١/ ١٦٧): \" أما إذا كانت بحضور رجل أجنبي أو امرأة غير مسلمة فعورتها جميع بدنها ما عدا الوجه والكفين فإنهما ليسا بعورة فيحل النظر لهما عند أمن الفتنة\". ثم استثنى من ذلك مذهب الشافعية وفيه نظر ظاهر لما تقدم في\" الإفصاح\" وغيره مما تقدم ويأتي.","vol":"1","page":117},{"text":"الرابع: قال ابن عبد البر في\" التمهيد\" (٦/ ٣٦٤) ــ وقد ذكر أن المرأة كلها عورة إلا الوجه والكفين وأنه قول الأئمة الثلاثة وأصحابهم وقول الأوزاعي وأبي ثورـ\" على هذا أكثر أهل العلم وقد أجمعوا على أن المرأة تكشف وجهها في الصلاة والإحرام وقال أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث: كل شيء من المرأة عورة حتى ظفرها! \" ثم قال ابن عبد البر: \" قول أبي بكر هذا خارج عن أقاويل أهل العلم، لإجماع العلماء على أن للمرأة أن تصلي المكتوبة ويداها ووجهها مكشوف ذلك كله منها تباشر الأرض به وأجمعوا أنها لا تصلي منتقبة ولا عليها أن تلبس القفازين في الصلاة وفي هذا أوضح الدلائل على أن ذلك منها غير عورة وجائز أن ينظر إلى ذلك منها كل من نظر إليها بغير ريبة ولا مكروه، وأما النظر للشهوة فحرام تأملها من فوق ثيابها لشهوة فكيف بالنظر إلى وجهها مسفرة؟! وقد روي نحو قول أبي بكر هذا عن أحمد بن حنبل ... \" قلت: وقد كنت نقلت فيما يأتي من الكتاب (٨٩) عن ابن رشد: أن مذهب أكثر العلماء على وجه المرأة ليس بعورة وعن النووي مثله، وأنه مذهب الأئمة الثلاثة ورواية عن أحمد فبعض هذه الأقوال من هؤلاء العلماء الكبار كافية لإبطال دعوى الشيخ الإجماع فكيف بها مجتمعة؟! ... فقد ذكرت في غير موضع من كتابي من قال من العلماء بخلاف إجماعه المزعوم مثل ابن جرير وابن رشد والنووي ومنهم ابن بطال الذي نقلت عنه فيما يأتي أنه استدل بحديث الخثعمية أن ستر المرأة وجهها ليس فرضًا. اهـ.","vol":"1","page":118},{"text":"ــ::<span data-type=\"title\" id=toc-27> مناقشة البحث الخامس::</span> ــ\n- أولا: يجب أن نُذكّر هنا أن هناك حكمين شرعيين ذهل عنهما أكثر أهل العلم المتأخرين، وانطوت آثارها في التصانيف المتأخرة، ولم يشر إليها بعض المتقدمين لما هي معلومة عندهم بالضرورة؛\nالأول: أن هناك فئات من الذكور الأجانب لم يفرض على النساء الحرائر الاحتجاب منهم، ولم ينهاهم الشرع من الدخول عليهن في البيوت ورؤيتهن دون حجاب، وهم من ذكرهم الله تعالى في سورة النور في قوله - ﷿ - ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ﴾ إلى قوله ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ﴾ النور: ٣١ وقوله - ﷿ - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ﴾ ... النور: ٥٨ وهم:\n١ - العبيد المملوكون. (^١)\n_________\n(^١) قال ابن قدامة المقدسي في الكافي في فقه ابن حنبل (٣/ ٦): وأما عبد المرأة فليس بمحرم لها لأنها لا تحرم عليه على التأبيد لكن يباح له النظر إلى ما يظهر منها غالبا لقوله تعالى (ما ملكت أيمانهن)، وأخرج عبد الرزاق في مصنفه ٨/ ٤١٢ (١٥٧٤٢) عن مجاهد قال كان العبيد يدخلون على أزواج النبي - ﷺ - \" وأخرج البيهقي في سننه الكبرى ٧/ ٩٥ (١٣٣٢٤) عن سليمان بن يسار عن عائشة ﵂ قال استأذنت عليها فقالت من هذا فقلت سليمان قالت كم بقي عليك من مكاتبتك قال قلت عشر أواق قالت\" أدخل فإنك عبد ما بقي عليك درهم\" صححه الألباني في إرواء الغليل ٦/ ١٨٣. والعمل على ذلك.","vol":"1","page":119},{"text":"٢ - التابعون غير أولي الإربة (^١).\n٣ - من لم يبلغ الحلم من الأحرار (^٢).\nوهذا أحدث اللبس عند الحديث عن عورة المرأة أمام هذا الأجنبي وجواز نظره للوجه والكفين منها، فأشكل ذلك على بعضهم، فحمله على جواز نظر الرجل الحر للوجه والكفين من المرأة الحرة الأجنبية عنه!!\nالثاني: أن الحجاب (تغطية الوجه) فرض على النساء الحرائر دون الإماء (الجواري المملوكات) والأصل في ذلك:\n(١) قول الله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾ الأحزاب: ٥٩ فأخرج الله تعالى بقوله (نساء المؤمنين) إماؤهم،\n- قال ابن عباس - ﵁ - \" كانت الحرة تلبس لباس الأمة فأمر الله نساء المؤمنين أن يدنين عليهن من جلابيبهن وإدناء الجلباب أن تقنع وتشد على جبينها\". (^٣)\n_________\n(^١) قال الطبري في تفسيره (١٨/ ١٢١): هم الذين يتبعونكم لطعام يأكلونه عندكم ممن لا أرب له في النساء ولا حاجة إليهن ولا يريدهن.\n(^٢) الكافي في فقه ابن حنبل لابن قدامة المقدسي (٣/ ٦): وفي المميز روايتان إحداهما هو كالبالغ لهذه الآية (أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء) والثانية هو كذي المحرم لقوله تعالى (ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم) إلى قوله تعالى (ليس عليكم ولا عليهم جناح بعدهن طوافون عليكم بعضكم على بعض) ثم قال (وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا كما استأذن الذين من قبلهم) ففرق بينه وبين البالغ.\n(^٣) تفسير الطبري ٢٢/ ٤٦ قال الألباني في الرد المفحم /١١: ضعيف السند لكن له شواهد.","vol":"1","page":120},{"text":"- قال مجاهد؛ يتجلببن فيعلم أنهن حرائر فلا يعرض لهن فاسق بأذى. (^١)\n- قال قتادة أخذ الله عليهن إذا خرجن أن يقنعن على الحواجب ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾ وقد كانت المملوكة إذا مرت تناولوها بالإيذاء فنهى الله الحرائر أن يتشبهن بالإماء. (^٢)\n- قال أبو صالح؛ يقنعن بالجلباب حتى تعرف الأمة من الحرة. (^٣)\n- قال الكلبي؛ فأمرهن الله أن يدنين عليهن من جلابيبهن حتى تعلم الحرة من الامة (^٤).\n- قال محمد بن كعب القرظي: فأمرهن الله أن يخالفن زي الإماء ويدنين عليهن من جلابيبهن تخمر وجهها إلا إحدى عينيها. (^٥)\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٢٢/ ٤٦ ومجاهد كما ذكر ابن حجر في تقريب التهذيب (١/ ٥٢٠): هو مجاهد بن جبر أبو الحجاج المخزومي مولاهم المكي ثقةإمام في التفسير وفي العلم مات سنة إحدى أو اثنتين أو ثلاث ومائة.\n(^٢) تفسير الطبري ٢٢/ ٤٦ وصحح الألباني إسناده في الرد المفحم /٥١. وقتادة كما ذكر ابن حبان في مشاهير الأمصار (١/ ٩٦) هو قتادة بن دعامة بن سدوس بن شيبان أبو الخطاب ولد وهو أعمى وعنى بالعلم فصار من حفاظ أهل زمانه وعلمائهم بالقرآن والفقه مات بواسط سنة سبع عشرة ومائة.\n(^٣) تفسير الطبري ٢٢/ ٤٦.\n(^٤) الدر المنثور ٦/ ٦٦٠.\n(^٥) الطبقات الكبرى لابن سعد ٨/ ١٧٦ ضعف إسناده الألباني في جلباب المرأة /٩١، ومحمد القرظي هو كما ذكر ابن حبان في مشاهير الأمصار (١/ ٦٥): محمد بن كعب بن سليم القرظي أبو حمزة من عباد أهل المدينة وعلمائهم بالقرآن مات سنة ثمان ومائة. =","vol":"1","page":121},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وقد اكتفى الشيخ الألباني بسياق أثر محمد بن كعب القرظي في كتابه الجلباب عند تناوله لهذه المسألة وضعّف باقي الروايات جملة! فقال في جلباب المرأة /٩١: وفي معنى هذه الرواية - رواية محمد القرظي- روايات أخرى أوردها السيوطي في (الدر المنثور) وبعضها عند ابن جرير وغيره وكلها مرسلة لا تصح لأن منتهاها إلى أبي مالك وأبي صالح والكلبي ... ولم يأت شيء منها مسندا فلا يحتج بها. اهـ\nفالجواب على ما ذكر بالآتي:\n١ - احتج الشيخ الألباني (ص: ٩٨) بقول لشيخ الإسلام ابن تيمية لتقوية حديث أسماء بمرسل قتادة؛ فقال: ولقد أبان ابن تيمية ﵀ السبب في تقوية الحديث الضعيف بالطرق، والشرط في ذلك، ووجوب التمسك بهذه القاعدة، فقال (١٣/ ٣٤٧): \" والمراسيل إذا تعددت طرقها، وخلت عن المواطأة قصدًا، كانت صحيحة قطعًا ... فإنَّ تعدد الطرق وكثرتها يقوي بعضها بعضًا، ولو كان الناقلون فُجَّارًا فساقًا، فكيف إذا كانوا علماء عدولًا؟! قال: وبهذه الطريق يعلم صدق عامة ما تتعدى جهاته المختلفة على هذا الوجه من المنقولات وإن لم يكن أحدهما كافيًا إما لإرساله وإما لضعف ناقله. قال: وهذا الأصل ينبغي أن يعرف فإنه أصل نافع في الجزم بكثير من المنقولات في الحديث والتفسير والمغازي \". اهـ\nفمن الخطأ إذن أن ترد هذه الروايات في تفسير الآية جملة وقد تعددت طرقها، والناقلون لها علماء عدولا.\n٢ - لم يسق الشيخ الألباني في كتابه الجلباب إلا أثر محمد بن كعب القرظي لضعفه وأشار إلى بقية هذه الآثار قائلا بأن منتهاها إلى أبي مالك وأبي صالح والكلبي؛ ولم يذكر أن منها ما منتهاه إلى أهل التفسير كابن عباس وتلامذته؛ مجاهد وقتادة!!\n٣ - أنه كان يستشهد بآثار ابن عباس وقتادة مبتورة؛ فقول ابن عباس الذي قواه لشواهده؛ كان يستشهد بآخره دون أوّله! لأن فيه التصريح بالتفريق بين الحرائر والإماء: قال ابن عباس \"كانت الحرة تلبس لباس الأمة فأمر الله نساء المؤمنين أن يدنين عليهن من جلابيبهن وإدناء الجلباب أن تقنع وتشد على جبينها\".\nوكذلك قول قتادة الذي قال بصحة إسناده إليه؛ كان يستشهد بأوّله دون آخره؛ لأنه صرح في آخره بالتفريق بين الحرائر والإماء! قال قتادة: أخذ الله عليهن إذا خرجن أن يقنعن على الحواجب ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾ وقد كانت المملوكة إذا مرت تناولوها بالإيذاء فنهى الله الحرائر أن يتشبهن بالإماء.","vol":"1","page":122},{"text":"(٢) ما جاء في الصحيحين أن النبي - ﷺ - لما اصطفى لنفسه من سبي خيبر صفية بنت حيي؛ (فقال المسلمون إحدى أمهات المؤمنين أو مما ملكت يمينه؟ فقالوا إن حجبها فهي من أمهات المؤمنين وإن لم يحجبها فهي مما ملكت يمينه، فلما ارتحل وطئ لها خلفه ومد الحجاب بينها وبين الناس) (^١) وفي رواية: (وسترها رسول الله وحملها وراءه وجعل رداءه على ظهرها ووجهها ثم شده من تحت رجلها وتحمل بها وجعلها بمنزلة نسائه). (^٢)\n- قال ابن قدامة في المغني (٧/ ٧٩): وهذا دليل على أن عدم حجب الإماء كان مستفيضا بينهم مشهورا وأن الحجب لغيرهن كان معلوما.\n(٣) ما ورد عن عمر بن الخطاب - ﵁ - أنه كان لا يدع في خلافته أمة تقنَّع ويقول إنما القناع للحرائر: ومن ذلك ما صح عن أبي قلابة - ﵁ - قال كان عمر بن الخطاب لا يدع في خلافته أمة تقنَّع قال: قال عمر: (إنما القناع للحرائر) (^٣).\n_________\n(^١) صحيح البخاري ٥/ ١٩٥٦ (٤٧٩٧) صحيح مسلم ٢/ ١٠٤٥ (١٣٦٥).\n(^٢) الطبقات الكبرى لابن سعد ٨/ ١٢١ وصححه الألباني في جلباب المرأة /١٠٧، وتعقبه الشيخ الألباني بقوله: \"فهذه الخصوصية هي التي كان بها يعرف الصحابة حرائره ﵇ من إمائه\"اهـ؛ ولا يصح هذا القول؛ لأنه لم يرد عن أحد من أهل العلم القول بهذه الخصوصية! إذ كيف يقال باختصاص إماء رسول الله - ﷺ - بمنعهن من الحجاب؛ وهو على قول الشيخ الألباني في حق عموم النساء سنة ومستحب؟! ومما يبطل هذه الخصوصية ويدل على عموم ذلك ما صح عن عمر - ﵁ - أنه كان لايدع في خلافته أمة تقنع ويقول \"إنما القناع للحرائر\".\n(^٣) مصنف ابن أبي شيبة ٢/ ٤٢ (٦٢٤٢).","vol":"1","page":123},{"text":"وكذلك ما روي بعدة طرق صححها الألباني في كتابه الجلباب/٩٩ عن أنس - ﵁ - قال: رأى عمر أمة لنا متقنعة فضربها وقال (لا تشبهي بالحرائر). (^١)\n- قال شيخ الإسلام ابن تيمية تعقيبا على هذه النصوص في شرح العمدة (٤/ ٢٧١): فعلم بهذا أن ما ملكت أيمانهم لم يكونوا يحجبونهن كحجب الحرائر، وأن آية الحجاب خاصة بالحرائر دون الإماء.\nوبذلك فإن ما ورد عن عمر - ﵁ - أنه كان يقول (إنما القناع للحرائر) له حكم المرفوع، لأنه لا مجال فيه للاجتهاد، ويشبه أن يكون تفسيرا لآية إدناء الجلابيب، فيكون بذلك حجة، يجب العمل به كالمرفوع كما هو معلوم عند أهل المصطلح (^٢). فإن فعل عمر هذا ليس نابعا من اجتهاده في مسألة تحتمل الاجتهاد حتى يحتمل قوله أو فعله القبول أو الرد؛ ولكن فعله هذا كان تطبيقا عمليا لأمر رباني ولذلك تلقته الأمة بالقبول ولم ينكره أحد! بل إنك لو وقفت على ما أقرّه الشيخ الألباني في رده المفحم من أن \" تفسير الصحابي حجة بل قال بعض العلماء: إنه في حكم المرفوع إلى النبي - ﷺ - \" فماذا عسى أن يكون تفسيره إذا كان الصحابي هو عمر بن الخطاب الذي كان يوافق رأيه القرآن حتى كان يقول\" وافقت ربي في ثلاث وذكر منها الحجاب\" فكان من الأولى أن يكون المأثور عنه هو المقدم في تفسير آية إدناء الجلابيب لو انفرد به، فكيف إذا كان قد وافق قول مجموع الصحابة (إن حجبها فهي امرأته وإن لم يحجبها فهي أم\n_________\n(^١) مصنف ابن أبي شيبة ٢/ ٤١ (٦٢٣٩) وصححه الألباني في إرواء الغليل ٦/ ٢٠٣.\n(^٢) انظر: تيسير مصطلح الحديث ١٦٢ - ١٦٦.","vol":"1","page":124},{"text":"ولد) ووافق قول ابن عباس (كانت الحرة تلبس لباس الأمة فأمر الله نساء المؤمنين أن يدنين عليهن من جلابيبهن) ووافقه من كبار التابعين عبيدة السلماني وممن أشتهر بالتفسير من تلامذة ابن عباس؛ مجاهد وقتاده!\nولذلك أجمع أهل العلم من فقهاء ولغويين ومفسرين على أن الحجاب فرض على الحرائر دون الإماء:\n* فقال أئمة المفسرون في تفسير قوله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾\n- قال إمام المفسرين ابن جرير الطبري في تفسيره (٢٠/ ٣٢٤): لا يتشبهن بالإماء في لباسهن إذا هن خرجن من بيوتهن لحاجتهن فكشفن شعورهن ووجوههن.\n- قال أبو بكر الجصاص في أحكام القرآن (٥/ ٢٤٥): في هذه الآية دلالة على أن المرأة الشابة مأمورة بستر وجهها عن الأجنبيين ... وفيها دلالة على أن الأمة ليس عليها ستر وجهها وشعرها لأن قوله تعالى ﴿وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ظاهره أنه أراد الحرائر لئلا يكن مثل الإماء اللاتي هن غير مأمورات بستر الرأس والوجه.\n- قال الزمخشري في الكشاف (٣/ ٥٦٩): فأمرن أن يخالفن بزيهنّ عن زي الإماء بالأردية والملاحف وستر الرؤوس والوجوه.","vol":"1","page":125},{"text":"- قال ابن العربي في أحكام القرآن (٣/ ٦٢٥): فدل على أنه أراد تمييزهن على الإماء.\n- قال البيضاوي في تفسيره (٤/ ٣٨٦): ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ﴾ يميزن من الإماء والقينات.\n- قال النسفي في تفسيره (٣/ ٣١٥): ترخى بعض جلبابها وفضله على وجهها تتقنع حتى تتميز من الأمة.\n- قال الكلبي في التسهيل لعلوم (٣/ ١٤٤): كان نساء العرب يكشفن وجوههن كما تفعل الإماء وكان ذلك داعيا إلى نظر الرجال لهن فأمرهن الله بإدناء الجلابيب ليسترن بذلك وجوههن ويفهم الفرق بين الحرائر والإماء.\n- قال ابن كثير في تفسيره (٣/ ٥١٩): ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾ أي إذا فعلن ذلك عرفن أنهن حرائر لسن بإماء.\n- قال الثعالبي في تفسيره (٨/ ٦٤): يرخين أرديتهن وملاحفهن فيتقنّعن بها ويغطّين وجوههن ورؤوسهن ليُعلم أنّهنّ حرائر.\n- وفي تفسير الجلالين (١/ ٥٦٠): ﴿أَنْ يُعْرَفْنَ﴾ بأنهن حرائر ﴿فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾ بالتعرض لهن بخلاف الإماء فلا يغطين وجوههن.","vol":"1","page":126},{"text":"- قال الشوكاني في فتح القدير (٤/ ٣٠٤): يغطين وجوههن ورؤوسهن إلا عينا واحدة فيعلم أنهن حرائر.\n- قال الألوسي في روح المعاني (٢٢/ ٨٩): والنساء مختصات بحكم العرف بالحرائر، وسبب النزول يقتضيه وما بعد ظاهر فيه فإماء المؤمنين غير داخلات في حكم الآية.\n* ومن الفقهاء:\n- قال أبو يوسف الحنفي في الآثار (ت ١٨٢ هـ) (١/ ٢٩): كان يكره أن يتقنعن يتشبهن بالحرائر.\n- قال السرخسي الحنفي في المبسوط (ت ٤٨٣ هـ) (١٠/ ١٥١): فأمر الله تعالى الحرائر باتخاذ الجلباب ليعرفن به من الإماء.\n- قال ابن عبدالبر المالكي في الاستذكار (ت ٤٦٣ هـ) (٨/ ٥٤١): والعلماء مجمعون على أن الله ﷿ لم يرد بما أمر به النساء من الاحتجاب؛ الإماء وإنما أراد بذلك الحرائر.\n- مغني المحتاج الشافعي (ت ٩٧٧ هـ) (٣/ ١٣١): وكانت الحرائر تعرف بالستر فخشي أنه إذا استترت الإماء حصل الأذى للحرائر فأمر الإماء بالتكشف.","vol":"1","page":127},{"text":"- قال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (١٥/ ٣٧٢): والحجاب مختص بالحرائر دون الإماء كما كانت سنة المؤمنين في زمن النبي - ﷺ - وخلفائه إن الحرة تحتجب والأمة تبرز.\n- قال ابن قدامة الحنبلي في المغني (ت ٦٢٠ هـ) (٧/ ٧٩): وهذا دليل على أن عدم حجب الإماء كان مستفيضا بينهم مشهورا وأن الحجب لغيرهن كان معلوما.\n- قال إبراهيم بن مفلح الحنبلي في المبدع (ت ٨٨٤ هـ) (١/ ٣٦١): كان عمر ينهى الإماء عن التقنع وقال إنما القناع للحرائر واشتهر ذلك ولم ينكر فكان كالإجماع.\n* ومن علماء اللغة:\n- في غريب الحديث لابن سلام (ت ٢٢٤ هـ) (٣/ ٣٠٥): (إن الأمة ألقت فروة رأسها من وراء الدار). . . إنما أراد بالفروة القناع، يقول ليس عليها قناع ولا حجاب.\n- وفي غريب الحديث للخطابي (ت ٣٨٨ هـ) (٢/ ١٢١): وذلك أن الحجاب إنما ضرب على الحرائر دون الإماء.\nومن ذلك قول الشاعر سبرة بن عمر الفقعس يعيّر أعداءه:\nونسوتكم في الروع باد وجوهها ... يخلن إماء والإماء حرائر","vol":"1","page":128},{"text":"- ثانيا: بعد أن تقرر أن الحجاب فُرض على الحرائر دون الإماء؛ فعليه فإنه سيكون هناك نساء كاشفات عن وجوههن لعدم فرض ذلك عليهن وهن الإماء: وهذا أحدث اللبس عند المتأخرين؛ فيما ورد في بعض الأحاديث والآثار من كشف بعض النساء لوجوههن لكونهن منالإماء؛ وعدم إيجاب بعض أهل العلم تغطية الوجه عليهن إذا خرجن في الطرقات لعدم فرض ذلك عليهن وإنما يوجبون على الرجل ما أمره الله به من غض البصر، فأشكل هذا على المتأخرين فحملوه على أن المراد به جواز الكشف للحرائر من النساء.\nفغياب هذه الأحكام عن الأذهان هو الذي أحدث اللبس عند المتأخرين في مسألة الحجاب وحدود عورة المرأة، إذ إنه لا خلاف حقيقة بين الأئمة الأربعة ومن تقدم من الفقهاء في وجوب الحجاب وتغطية الوجه على النساء الحرائر، وإنما نشأ الخلاف بين من تأخر من فقهاء المذاهب بناء على ما ذكرنا، وسيأتي مزيد بيان لذلك في مناقشة البحوث القادمة إن شاء الله.\n- ثالثا: احتج الشيخ الألباني على إنكاره للتفريق بين الحرائر والإماء بالآتي:\n١) بعد أن نقل عن البيهقي قوله\" والآثار عن عمر بن الخطاب - ﵁ - في ذلك صحيحة\" استشهد بقول ابن حزم فقال: وقد صرح ابن حزم فيما بعد (٣/ ٢٢١) بأنه لم يخف عليه هذا، قال: \" ولكن لا حجة في أحد دون رسول الله - ﷺ - \" اهـ\nوهذا يوهم أن ابن حزم لم يقبل ما صح عن عمر من تفريقه بين الحرائر والإماء في تغطية الوجه (التقنع)! والصحيح أن الذي أنكره ابن حزم هو قول من قال","vol":"1","page":129},{"text":"بأن للأمة أن تصلي مكشوفة الشعر احتجاجا بما ورد عن عمر، لا أنه ينكر على من فرق بينهن في الحجاب عند الخروج، بل إنه أكَّد أن ما ورد عن عمر كان في التفريق بينهن في لبس الجلابيب عند الخروج؛ وليس في عورة الصلاة.\nقال ابن حزم في المحلى (٣/ ٢٢١ - ٢٢٢): لم يخف علينا ما روي عن عمر ﵁ في خلاف هذا (^١) وعن غيره، ولكن لا حجة في أحد دون رسول الله - ﷺ -\nوإذا تنازع السلف ﵃ وجب الرد إلى ما افترض الله تعالى الرد إليه من القرآن والسنة وليس في القرآن ولا في السنة فرق في الصلاة بين حرة ولا أمة ... مع أن الذي عن عمر في ذلك؛ إنما هو في خروجهن لا في الصلاة، فبطل تمويههم بعمر. وقال في موضع آخر من المحلى (٢/ ٢٥٢): فإن قالوا: قد جاء الفرق في الحدود بين الحرة والأمة. قلنا: نعم، وبين الحر والعبد؛ فلم ساويتم بين الحر والعبد فيما هو منهما عورة في الصلاة، وفرقتم بين الحرة والأمة فيما هو منهما عورة في الصلاة، وقد صح الإجماع والنص على وجوب الصلاة على الأمة كوجوبها على الحرة في جميع أحكامها، من الطهارة، والقبلة، وعدد الركوع، وغير ذلك، فمن أين وقع لكم الفرق بينهما في العورة. اهـ\n_________\n(^١) قال الشيخ الألباني في جلباب المرأة /٩٤: \"يشير إلى ما ورد عن عمر - ﵁ - من التفريق بين الحرة والأمة في التخمر\". اهـ ولا يصح نسبة ذلك لعمر - ﵁ - لأنه لم يثبت عنه أنه كان ينهى الإماء عن التخمر!! وإنما صح عنه أنه كان ينهاهن عن التقنع - تغطية الوجه - محافظة على زي الحرائر.","vol":"1","page":130},{"text":"فقد بالغ بعضهم في ذلك التفريق حتى جعل عورتها كعورة الرجل من السرة إلى الركبة! (^١) وهذا هو الذي ينبغي أن يُنكر لأنه لا صحة له في الشرع! ولكن لا يكون ذلك حجة لرد ما ثبت في الشرع من التفريق بين الحرائر والإماء في ستر الوجه!\n_________\n(^١) هل يصح ما تناقلته كتب الفقه من أن عورة الأمة من السرة إلى الركبة؟ وما دليلهم على ذلك؟\nلا يصح ما تناقلته كتب الفقه من أن عورة الأمة كعورة الرجل من السرة إلى الركبة، لأنه لا يوجد أصل صحيح يعتمد عليه في ذلك:\n١) قال البيهقي في معرفة السنن والآثار (٢/ ٩٢): وأما الذي روي عن محمد بن كعب عن ابن عباس عن النبي - ﷺ - في الرجل يشتري الجارية لا بأس أن ينظر إليها إلى عورتها، وعورتها ما بين معقد إزارها إلى ركبتها. فإنه إنما رواه عنه عيسى بن ميمون وصالح بن حسان وكلاهما ضعيف. اهـ\n٢) استدلالهم بحديث عمرو بن شعيب؛ عن أبيه عن جده أن رسول الله - ﷺ - قال \"إذا زوج أحدكم عبده أمته أو أجيره فلا ينظرن إلى عورتها\" أبو داود ٤/ ٦٤ (٤١١٣) وحسنه الألباني.\nوهذا ليس فيه تحديد لعورتها، بل يصح هنا أن يقال إن عورتها عند سيدها بعد أن تزوجت كما ذكر بعض أهل العلم؛ كالمرأة مع محارمها. كما قال البيهقي في سننه الكبرى (٧/ ٩٤): والصحيح أنها لا تبدي لسيدها بعد ما زوجها ولا الحرة لذوي محارمها إلا ما يظهر منها في حال المهنة.\nأما الرواية الأخرى عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي - ﷺ - قال\" إذا زوج أحدكم خادمه - الخادم يراد به الأمة - عبده أو أجيره فلا ينظرن إلى ما دون السرة وفوق الركبة\" أبو داود ٤/ ٦٤ (٤١١٤) وحسنه الألباني.\nفهذا يؤول على ما تنظر إليه الأمة من سيدها بعد أن زوجها عبده أو أجيره، وليس ما ينظر إليه السيد منها، يشهد لهذا أن النضر بن شميل رواه عن سوار أبي حمزة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي - ﷺ - قال\" إذا زوج أحدكم عبده أمته أو أجيره فلا تنظر الأمة إلى شيء من عورته فإن ما تحت السرة إلى ركبته من العورة\". سنن البيهقي الكبرى ٧/ ٩٤\nقال البيهقي في سننه الكبرى (٢/ ٢٢٦): وسائر طرق هذا الحديث يدل وبعضها ينص على أن المراد به نهي الأمة عن النظر إلى عورة السيد بعد ما زوجت أو نهي الخادم من العبد أو الأجير عن النظر إلى عورة السيد بعد ما بلغا النكاح فيكون الخبر واردا في بيان مقدار العورة من الرجل لا في بيان مقدارها من الأمة. اهـ\nيشهد لذلك أن بعضهم استشهد به في بيان مقدار عورة الرجل كما في نصب الراية لأحاديث الهداية (١/ ٢٩٨) وفي مغني المحتاج (١/ ١٨٥) حيث استشهد به ضمن الأحاديث التي تحدد مقدار عورة الرجل.\n* قال الشيخ الألباني في الثمر المستطاب (١/ ٣٢٤) بعد أن بين عورة المرأة في الصلاة: واعلم أنه لا فرق في ذلك بين الحرة والأمة لعدم وجود دليل الفرق، نعم جاءت بعض الأحاديث في الفرق لكنها ضعيفة الأسانيد لا تقوم بها حجة وقد بين ضعفها الحافظ ابن حجر في (التلخيص) فليراجعها من شاء. اهـ\nفعلم مما سبق أنه لا يصح ما تناقلته كتب الفقه من كون عورة الأمة في الصلاة كعورة الرجل، والصحيح أن عورة المرأة الحرة والأمة في الصلاة سواء، وإنما الفرق بين الحرائر والإماء في فرض الحجاب (تغطية الوجه) على الحرائر دون الإماء.","vol":"1","page":131},{"text":"قال شيخ الإسلام ابن تيمية في شرح العمدة (٤/ ٢٧٥): الفرق بين الحرة والأمة إنما هو في القناع ونحوه كما دلت عليه الآثار ولأنهن كن قبل أن ينزل الحجاب مستويات في ستر الأبدان فلما أمر الحرائر بالاحتجاب والتجلبب بقي الإماء على ما كن عليه، ولأن الأصل أن عورة الأمة كعورة الحرة كما أن عورة العبد كعورة الحر لكن لما كانت مظنة المهنة والخدمة وحرمتها تنقص عن حرمة الحرة رخص لها في إبداء ما تحتاج إلى إبدائه وقطع شبهها بالحرة وتمييز الحرة عليها.\n٢) استشهد الشيخ الألباني بما نقله عن أبي حيان الأندلسي على أنه ينكر أن يوجب الشارع على الحرائر زيادة تستّر مما لم يوجبه على الإماء وهن أكثر فتنة","vol":"1","page":132},{"text":"منهن! فقال الشيخ الألباني في كتابه جلباب المرأة المسلمة/٩٢: قال أبو حيان الأندلسي في تفسيره البحر المحيط (٧/ ٢٥٠): والظاهر أن قوله ﴿وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ يشمل الحرائر والإماء والفتنة بالإماء أكثر لكثرة تصرفهن بخلاف الحرائر فيحتاج إخراجهن من عموم النساء إلى دليل واضح. اهـ\nوبالرجوع إلى كلام أبي حيان الذي نقل منه الشيخ الألباني موضع الشاهد يتبين أنه إنما أراد بهذا القول؛ وجوب تغطية الوجه حتى على الإماء:\nقال أبو حيان في تفسير البحر المحيط (٧/ ٢٤٠): \" كان دأب الجاهلية أن تخرج الحرة والأمة مكشوفتي الوجه في درع وخمار وكان الزناة يتعرضون إذا خرجن بالليل لقضاء حوائجهن في النخيل والغيطان للإماء وربما تعرضوا للحرة بعلة الأمة يقولون حسبناها أمة فأمرن أن يخالفن بزيهن عن زي الإماء بلبس الأردية والملاحف وستر الرؤوس والوجوه ... وقال أبو عبيدة السلماني حين سئل عن ذلك فقال أن تضع رداءها فوق الحاجب ثم تديره حتى تضعه على أنفها ... وقال ابن عباس وقتادة وذلك أن تلويه فوق الجبين وتشده ثم تعطفه على الأنف وإن ظهرت عيناها لكنه يستر الصدر ومعظم الوجه والظاهر أن قوله ﴿وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ يشمل الحرائر والإماء والفتنة بالإماء أكثر لكثرة تصرفهن بخلاف الحرائر فيحتاج إخراجهن من عموم النساء إلى دليل واضح ومن في ﴿مِنْ","vol":"1","page":133},{"text":"جَلَابِيبِهِنَّ﴾ للتبعيض و﴿عَلَيْهِنَّ﴾ شامل لجميع أجسادهن أو ﴿عَلَيْهِنَّ﴾ على وجوههن لأن الذي كان يبدو منهن في الجاهلية هو الوجه\".\n٣) علل الشيخ الألباني إنكاره للتفريق بين الحرائر والإماء في الحجاب؛ بأن ذلك سيكون مدعاة للافتتان بهن لأنه لم يُفرض عليهن ما يدفع عنهن الأذية! واستشهد بقول ابن حزم في المحلى (٢/ ٢٤٩): وقد ذهب بعض من وهل في قول الله تعالى: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾ إلى أنه إنما أمر الله تعالى بذلك لأن الفساق كانوا يتعرضون للنساء للفسق؛ فأمر الحرائر بأن يلبسن الجلابيب ليعرف الفساق أنهن حرائر فلا يعترضوهن. قال علي: ونحن نبرأ من هذا التفسير الفاسد ... لأن فيه أن الله تعالى أطلق الفساق على أعراض إماء المسلمين، وهذه مصيبة الأبد، وما اختلف اثنان من أهل الإسلام في أن تحريم الزنى بالحرة كتحريمه بالأمة. اهـ\nوالجواب عليه بالآتي:\nأولا: لم ينكر ابن حزم أن الله تعالى في هذه الآية أمر النساء الحرائر بتغطية الوجه دون الإماء وإنما أنكر التعليل الذي عُلل به هذا الأمر، فإنكاره للتعليل وليس للمعلل! ولذلك بيّن سبب إنكاره لهذا التفسير قائلا (لأن فيه أن الله تعالى أطلق الفساق على أعراض إماء المسلمين وهذه مصيبة الأبد وما اختلف اثنان من أهل الإسلام في أن تحريم الزنا بالحرة كتحريمه بالأمة وأن الحد على الزاني بالحرة كالحد على الزاني بالأمة ولا فرق).","vol":"1","page":134},{"text":"ثانيا: إن الشرع قد فرق بين الحرة والأمة في الحدود والعدة فلا غرابة أن يفرق بينهما في الحجاب؛ كما قال تعالى ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ ... إلى قوله ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ (^١) النساء: ٢٥ فإن الله تعالى لما لم يأمرهن بما أمر به الحرائر من الستر مما يجعلهن أكثر عرضة للوقوع في الفواحش خفف عنهن العقوبة فجعلها نصف ما على الحرائر من العذاب.\nثالثا: أن الشرع لم يبح للأمة إلا كشف الوجه الذي لا يرى فيه الشيخ الألباني غضاضة على الحرائر، وفي إنكاره لهذا في حق الإماء تناقض وإقرار بأن كشف الوجه سيكون مدعاة للافتتان بالنساء الحرائر وعدم دفع الأذية عنهن!!\nكما أن الله تعالى بعد أن أمر الحرائر بتغطية الوجه لدفع الأذية عنهن؛ لم يوقف الأمر على ذلك؛ بل أعقبه بما يدفع ما يمكن أن يتوهمه متوهم بأن الله تعالى قد أطلق الفساق على أعراض الإماء؛ فقال سبحانه دافعا هذه الشبهة محرما أذيتهن متوعدا من يتعرض لهن من الفساق ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ\n_________\n(^١) تفسير القرطبي (٢/ ٣٧٨) (١٢/ ١٥٩): فعلى الأمة منهن إذا زنت؛ نصف ما على الحرة البكر إذا زنت، وحد الزاني الحر البالغ البكر، وكذلك الزانية البالغة البكر الحرة (مائة جلدة) وأما المملوكات فالواجب خمسون جلدة، لقوله تعالى: \" فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب\".","vol":"1","page":135},{"text":"مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا (٦٠) مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ الأحزاب: ٦٠ - ٦١ فكيف يقال بعد هذا أن الله تعالى قد أطلق الفساق على أعراض الإماء؟! ولكن حكمة الله اقتضت أن يكون ذلك سببا في ذلك الوقت لفرض الحجاب،\nولم يغب عنه سبحانه أنه في الأزمنة التي سيعم فيها الفساد سينقطع الرق حتى لا تبقى نساء مسلمات كاشفات الوجوه يتعرضن لإيذاء أهل الفساد.\nقال ابن القيم في إعلام الموقعين (٢/ ٨٠): وأما تحريم النَّظر إلى العجوز الحرة الشوهاء القبيحة؛ وإباحته إلى الأمة البارعة الجمال، فكذب على الشارِع فأين حرم اللَّه هذا وأباح هذا والله سبحانه إنما قال ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ ولم يطلق الله ورسوله للأعين النظر إلى الإماء البارعات الجمال، وإذا خشي الفتنة بالنظر إلى الأمة حرم عليه بلا ريب، وإنّما نشأت الشبهة أن الشارع شرع للحرائر أن يسترن وجوههن عن الأجانب وأما الإماء فلم يوجب عليهن ذلك.\nكما قال الشنقيطي في أضواء البيان (٦/ ٢٤٥): وليس المراد منه أن تعرض الفساق للإماء جائز هو حرام ولا شك أن المتعرضين لهن من الذين في قلوبهم مرض وأنهم يدخلون في قوله تعالى ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ﴾ إلى قوله ﴿وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ ... الأحزاب: ٦٠ - ٦١","vol":"1","page":136},{"text":"٤) أنكر الشيخ الألباني أن يكون المراد بقوله تعالى ﴿وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ الحرائر منهن دون الإماء؛ قياسا على عموم قوله تعالى ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ النساء: ٤٣ وهذا قياس ضعيف! فإن العموم ظاهر في قوله تعالى (النِّسَاءَ) حيث جاءت معرفة بـ (ال) التي تفيد الاستغراق أي تشمل جميع النساء حرائر وإماء، أما قوله ... ﴿وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ... في آية الحجاب فإنها جاءت عارية من (ال) ولذلك فقياسها على ما عري مثلها أولى، كقوله ... ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ﴾ الأحزاب: ٣٠ وقوله ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ البقرة: ٢٢٦\nوقوله ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ المجادلة: ٢ وهذا كله مما علم أنه يراد به في الأسلوب القرآني زوجاتهم الحرائر دون الإماء.\n- قال شيخ الإسلام في شرح العمدة (٤/ ٢٧٠ - ٢٧٣): وقد مضت السنة بالفرق بين الحرة والأمة ... والأصل في ذلك إن الله سبحانه قال ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ فاختص الله سبحانه بالأمر بإدناء الجلابيب أزواج النبي - ﷺ - وبناته ونساء المؤمنين ولم يذكر إماءه ولا إماء المؤمنين ولسن داخلات في نساء المؤمنين بدليل أن قوله تعالى ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ﴾ وقوله ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ وقوله ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ إنما عنى به الأزواج خاصة.","vol":"1","page":137},{"text":"- قال الجصاص في أحكام القرآن (٥/ ٢٤٥): وفيها دلالة على أن الأمة ليس عليها ستر وجهها وشعرها لأن قوله تعالى (ونساء المؤمنين) ظاهره أنه أراد الحرائر.\n- قال الألوسي في روح المعاني (٢٢/ ٨٩): والنساء مختصات بحكم العرف بالحرائر. اهـ\nيشهد لذلك قول عائشة ﵂ \"كن نساء المؤمنات يشهدن مع رسول الله - ﷺ - صلاة الفجر متلفعات بمروطهن\" (^١) فقولها (نساء المؤمنات) يدل على أن مرادها الحرائر منهن، إذ لو كانت تريد عموم النساء لقالت\n(كن النساء يشهدن) كما في قولها \" لو أن رسول الله - ﷺ - رأى ما أحدث النساء لمنعهن المسجد\" (^٢).\n٥) أنكر الشيخ الألباني على شيخ الإسلام ابن تيمية القول باختصاص الحرائر بالحجاب فقال في جلباب المرأة / ٩٥: وأما قول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في تفسير سورة النور\" والحجاب مختص بالحرائر دون الإماء كما كانت سنة المؤمنين زمن النبي - ﷺ - وخلفائه؛ أن الحرة تحتجب والأمة تبرز\" فغريب؛ ووجه الغرابة عزو ذلك إلى سنة المؤمنين زمن النبي - ﷺ -، أي إقراره - ﷺ -، ولو صح هذا في نص صريح لكان حجة كافية في صحة دعوى الاختصاص، ودليلا واضحا على تخصيص قوله تعالى (ونساء المؤمنين) بالحرائر، ولكني لا أراه ورد فضلا عن أن يصح. اهـ\n_________\n(^١) صحيح البخاري ١/ ٢١٠ (٥٥٣)\n(^٢) صحيح البخاري ١/ ٢٩٦ (٨٣١) صحيح مسلم ١/ ٣٢٩ (٤٤٥).","vol":"1","page":138},{"text":"فيقال؛ إن وجه الغرابة هو إنكار الشيخ الألباني لهذا الحكم الثابت بالنصوص الصريحة والصحيحة في التفريق بين الحرائر والإماء - ومنها ما شهد الشيخ الألباني على صحته كقول عمر - ﵁ - وقتادة - وهو سبق أن أقرَّ به وقال بمثل قول شيخ الإسلام الذي أنكره!! فقد قال الشيخ الألباني في كتابه حجاب المرأة /٧٣: والحجاب مختص بالحرائر دون الإماء كما كانت سنة المؤمنين في زمن النبي - ﷺ - وخلفائه أن الحرة تحتجب والأمة تبرز وكان عمر - ﵁ - إذا رأى أمة مختمرة ضربها وقال: أتتشبهين بالحرائر أي لكاع) اهـ وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على خطأ الشيخ الألباني فيما ذهب إليه مؤخرا من إنكار اختصاص الحجاب بالحرائر دون الإماء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-30>عورة المرأة الحرة</span>\n- رابعا: للمرأة الحرّة عورتان (^١):\n(١) عورة في الصلاة؛ وهي كلها عورة إلا وجهها وكفيها واختلف في قدميها، وليس هذا مجال بحثنا.\n(٢) وعورة في النظر؛ وهي تختلف باختلاف الناظرين، وهم قسمان:\n_________\n(^١) صحيح البخاري ٥/ ٢٠٠٥ (٤٩٣٤) صحيح مسلم ٤/ ١٧١١ (٢١٧٢).","vol":"1","page":139},{"text":"١ - فإما أن يكون الناظر رجل حرٌ أجنبي عنها؛ فالمرأة كلها عورة؛ يجب عليها أن تحتجب منه ولا يحل له الدخول عليها ولا النظر إليها إلا عند سؤال حاجة فيكون من وراء ساتر. والأصل في ذلك - كما بينّاه في مناقشة البحث الثاني - آية الحجاب قال تعالى ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ ومن صحيح السنة ما يؤكد معنى الآية ويشهد لعمومها لنساء المسلمين وهو قول المصطفى - ﷺ - \"إياكم والدخول على النساء\" فقال رجل من الأنصار يا رسول اللَّه أفرأيت الحمو؟ قال: \"الحمو الموت\" (^١) فهذا حجاب البيوت؛ أما عند الخروج فَفُرِضَ على المرأة ستر وجهها عنه بآية الحجاب الثانية - كما بينّاه في مناقشة البحث الثاني أيضا - وهي قوله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ الأحزاب: ٥٩ فمُنعوا من النظر إلى المرأة الحرة الأجنبية، ولذلك أخرج جل أهل العلم هذه الفئة من الناظرين وهم (الأحرار الأجانب) عند الكلام عن عورة المرأة الحرة لأن الحجاب حال دون نظرهم إليها، فلا يصح أن يدرجوا في أحكام النظر وقد حال الحجاب بينهم وبين النظر للنساء الأجنبيات الحرائر.\n_________\n(^١)","vol":"1","page":140},{"text":"٢ - وإما أن يكون الناظر ممن يحل له الدخول على المرأة في البيت والنظر إليها دون حجاب وهم من تكلم الفقهاء عن أحكام نظرهم إلى المرأة وهم قسمان:\nالقسم الأول: من استثناهم الله في آية النور بقوله تعالى ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾ النور: ٣١ وهم (البعولة وآباؤهم وأبناءهم، والمحارم من النسب، والنساء المسلمات وعبد المرأة إذا كان من غير أولي الإربة، والتابع إذا كان من غير أولي الإربة، والأطفال الغير مميزين) وحدود ما تبديه المرأة لهم ينحصر في مواضع الزينة كما قال الشيخ الألباني في الرد المفحم (ص/٧٤): \"فإن المراد مواضع الزينة، وهي: القرط والدملج والخلخال والقلادة، وهذا باتفاق علماء التفسير وهو المروي عن ابن مسعود\". وسيأتي في مناقشة البحث التاسع بيان ذلك مفصلا.\nوالقسم الثاني: من لم يستثن في الآية ممن يحل له الدخول والنظر دون حجاب ومنهم (عبد المرأة إذا كان من أولي الأربة، العبيد المملوكون للغير، الذي لم يبلغ الحلم من الأحرار- أي الصبية المميزين-) وهؤلاء وإن كان يحل لهم الدخول والنظر إلا أن المرأة لا تبدي لهم إلا الزينة الظاهرة (الوجه","vol":"1","page":141},{"text":"والكفين) والأصل في ذلك قوله تعالى ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ النور: ٣١ ــ وسيأتي بيان ذلك مستوفيا أيضا في مناقشة البحث التاسع إن شاء الله ــ وهؤلاء هم من وقع الخلاف بين الفقهاء في حكم نظرهم للمرأة، فمنهم من أطلق جواز نظره للوجه والكفين من المرأة للآية، ومنهم من قيد الجواز بالحاجة وأمن الفتنة، ومنهم من منع من النظر لغير حاجة لأنه مظنة الفتنة.\nوكذلك حصل الخلاف في حكم النظر للإماء (المملوكات اللاتي لم يفرض عليهن الحجاب) فمنهم من أوجب عليهن تغطية الوجه في هذا الزمان لأنه مظنة الفتنة، ومنهم من لم يوجب عليهن ذلك ولكن قال هو في حقهن مستحب وعلى الرجل غض البصر للآية ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ النور: ٣٠\nهذا مدار الخلاف بين الفقهاء في مسألة النظر؛ وهو الذي بنى عليه الشيخ الألباني رأيه في مسألة تغطية الوجه كما سترى استشهاده ببعض أقوالهم في هذه البحوث، وقد استشهدنا من أقوالهم ما يبطل ما نسبه لهم الشيخ الألباني. أما وجوب تغطية الوجه على الحرائر من نساء المسلمين فهو أمر مجمع عليه لا خلاف فيه.","vol":"1","page":142},{"text":"* خامسا: مما استشهد به الشيخ الألباني من هذه الخلافات:\n١) ما ذكره الشوكاني تحت حديث عائشة \"يا أسماء! إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح لها أن يرى منها إلا هذا وهذا. وأشار إلى وجهه وكفيه\". وفيه دليل لمن قال: إنه يجوز نظر الأجنبية. قال ابن رسلان: وهذا عند أمن الفتنة مما تدعو الشهوة إليه من جماع أو دونه أما عند خوف الفتنة فظاهر إطلاق الآية والحديث عدم اشتراط الحاجة ويدل على تقييده بالحاجة اتفاق المسلمين على منع النساء أن يخرجن سافرات الوجوه، لا سيما عند كثرة الفساق. وحكى القاضي عياض عن العلماء: أنه لا يلزم ستر وجهها في طريقها، وعلى الرجال غض البصر للآية وقد تقدم الخلاف في أصل المسألة\"اهـ\nفيقال أولا: إن هذا الحديث مما حمله المتأخرون على غير محمله حيث حملوه على ما يجوز للمرأة الحرة إظهاره للرجال الأحرار الأجانب؛ فاستدلوا به على جواز كشف وجه المرأة، وهذا خلاف معنى الحديث وما حمله عليه\nالمتقدمون، وهو ما يجوز للمرأة إظهاره ويحل النظر إليه لمن يحل له النظر إليها كما أسلفنا - وسيأتي بيان ذلك مفصلا في مناقشة البحث الثامن إن شاء الله - فإن الأمر في هذا الحديث (لم يصلح لها أن يرى منها إلا هذا وهذا. وأشار إلى وجهه وكفيه) موافق لما جاء في آية النور ... ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ أي أنه لا يحل للمرأة أن تبدي إلا الوجه والكفين بما فيهما من الزينة، أمام من يحل له النظر إليها ممن لا يعد محرما لها؛ وهم العبيد المملوكين","vol":"1","page":143},{"text":"بالنسبة للنساء الحرائر لحاجتها للمعاملة معهم بالأخذ والإعطاء، وعامة الرجال الأجانب بالنسبة للإماء للحاجة لكشف وجهها عند بيعها أو شرائها، وهذا يوافق ما ذكره الشوكاني \" والحاصل أن المرأة تبدي من مواضع الزينة ما تدعو إليه الحاجة عند مزاولة الأشياء والبيع والشراء والشهادة، فيكون ذلك مستثنى من عموم النهي عن إبداء مواضع الزينة وهذا على ما يدل على أن الوجه والكفين مما يستثنى\".\nثانيا: قوله \"وفيه دليل لمن قال: إنه يجوز نظر الأجنبية. قال ابن رسلان: وهذا عند أمن الفتنة ... اتفاق المسلمين على منع النساء أن يخرجن سافرات الوجوه، لا سيما عند كثرة الفساق. وحكى القاضي عياض عن العلماء: أنه لا يلزم ستر وجهها في طريقها، وعلى الرجال غض البصر للآية وقد تقدم الخلاف في أصل المسألة\" هذا الخلاف كما أسلفنا هو عن جواز النظر حال جواز الكشف، والمراد به هنا النظر للإماء يشهد لذلك قول ابن رسلان (لاتفاق المسلمين. . .) فإن حجاب الحرائر فرض قد افترضه الله عليهن عند الخروج بقوله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ الأحزاب: ٥٩ وليس الأصل في حجاب الحرائر اتفاق المسلمين على منعهن من الخروج سافرات! وإنما كان المنع من المتأخرين لمن لم يفرض عليهن الحجاب وهن الإماء لخوف الفتنة بهن فاتفقوا على\nمنعهن من الخروج سافرات (^١)، ويرى بعضهم\n_________\n(^١) قال الرملي الشهير بالشافعي الصغير في نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج (٦/ ١٨٧): وما نقله الإمام من الاتفاق على منع النساء، أي منع الولاة لهن.","vol":"1","page":144},{"text":"ومنهم القاضي عياض؛ التمسك بالأصل في ذلك، وهو أن الإماء لم يؤمرن بالحجاب، فلا يلزمن به، ولكن على الرجال ما أمرهم الله به من غض البصر. وبذلك يتبين أن ما نقله الشيخ الألباني عن الشوكاني وعن القاضي عياض إنما كان عن جواز النظر حال جواز الكشف؛ وليس عن حكم كشف النساء الحرائر للأحرار الأجانب، ومما يؤكد ذلك ويبين رأي الشوكاني في هذه المسألة: قوله في السيل الجرار (٤/ ١٢٧ - ١٢٩): ولا يخفاك أن الأدلة الدالة على تحريم النظر إلى وجه الأجنبية ثابتة في الكتاب والسنة. فمن الكتاب ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ الآية ...\nومن ذلك قوله ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ فقد ثبت في الصحيح أن هذه الآية لما نزلت قالت عائشة \"رحم الله نساء المهاجرات الأول لما أنزل الله (وليضربن بخمرهن على جيوبهن)؛ شققن مروطهن فاختمرن بها\" أي وقعت منهن التغطية لوجوههم وما يتصل بها، ومن ذلك قوله تعالى ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ وفي هذه الآيات أعظم دلالة على وجوب التستر عليهن وتحريم النظر إليهن. اهـ\n٢) استشهد الشيخ الألباني بقول ابن حزم في مراتب الإجماع\" (ص ٢٩) \" واتفقوا على أن شعر الحرة وجسمها حاشا وجهها ويدها عورة واختلفوا في الوجه واليدين حتى أظفارهما عورة هي أم لا؟ \" وأقرَّه شيخ الإسلام ابن تيمية في تعليقه عليه، ولم يتعقبه كما فعل في بعض المواضع الأخرى. اهـ","vol":"1","page":145},{"text":"ويجاب عليه بأن هذا القول من ابن حزم؛ كان عن عورة المرأة في الصلاة وليس عن عورة المرأة بالنسبة للرجال الأحرار الأجانب الذين يجب عليها الاحتجاب منهم؛ ولذلك أقرَّه شيخ الإسلام ابن تيمية في تعليقه عليه، ولم يتعقبه كما فعل في بعض المواضع الأخرى!!\nوهذا قول ابن حزم الذي نقل منه الشيخ الألباني موضع الشاهد في مراتب الإجماع (١/ ٢٩): \"كتاب الصلاة\" واتفقوا أن ستر العورة فيها لمن قدر على ثوب مباح لباسه له فرض واتفقوا على أن من لبس ثوبا طاهرا مباحا لباسه كثيفا واحدا فغطى سرته وركبته وما بينهما وطرح منه على عاتقه أن صلاته فيه تجزئه، واتفقوا على أن الفرج والدبر عورة. واتفقوا أن الفكرة في أمور الدنيا لا تفسد الصلاة، (واتفقوا على أن شعر الحرة وجسمها حاشا وجهها ويدها عورة واختلفوا في الوجه واليدين حتى أظفارهما أعورة هي أم لا) واتفقوا أن الأمة إن سترت في صلاتها شعرها وجميع جسدها فقد أدت صلاتها. اهـ\n٣) استشهد الشيخ الألباني بما ذكره ابن هبيرة في الإفصاح\" (١/ ١١٨) \" واختلفوا في عورة المرأة الحرة وحدِّها فقال أبو حنيفة: كلها عورة إلا الوجه والكفين والقدمين. وقد روي عنه أن قدميها عورة وقال مالك والشافعي: كلها عورة إلا وجهها وكفيها وهو قول أحمد في إحدى روايتيه\" والرواية الأخرى: كلها عورة إلا وجهها خاصة. وهي المشهورة واختارها الخرقي. وفاتته رواية ثالثة وهي: أنها كلها عورة حتى ظفرها. اهـ","vol":"1","page":146},{"text":"فيجاب عليه بالآتي؛ أولا: إن ما استشهد به الشيخ الألباني من قول ابن هبيرة؛ ليس كما أشار إليه الشيخ الألباني أنه من كتابه \" الإفصاح عن معاني الصحاح \" الذي يعد من كتب شروح الحديث، وإنما هو من كتابه في الفقه: \"اختلاف الأئمة العلماء\" وفي معرض كلامه عن عورة المرأة في الصلاة، وإليك الموضع الذي نقل منه الشيخ الألباني قول ابن هبيرة من كتابه \"اختلاف الأئمة العلماء\" للوزير أبي المظفر يحيى بن هبيرة الشيباني\n(١/ ١٠١): باب شروط صحة الصلاة ... واختلفوا في عورة المرأة الحرة وحدها. وقال أبو حنيفة: كلها عورة إلا الوجه والكفين والقدمين. وقد روي عنه أن قدميها عورة. وقال مالك والشافعي: كلها عورة إلا وجهها وكفيها. وقال أحمد في إحدى روايتيه: كلها عورة إلا وجهها وكفيها كمذهبهما، وهي اختيار الخرقي. واختلفوا في عورة الأمة ... اهـ\nأما في عورة المرأة في النظر: فاختيار الخرقي كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية في شرح العمدة (٤/ ٢٦٧) والثانية: هما - الوجه والكفان - عورة وهي اختيار الخرقي وكثير من أصحابنا\" اهـ\nوابن هبيرة يرى أن المشهور من كلام أحمد أن المرأة كلها عورة حتى ظفرها، قال إبراهيم بن محمد بن مفلح في المبدع (١/ ٣٦٢): الحرة البالغة كلها عورة حتى ظفرها، ذكر ابن هبيرة أنه المشهور، وقال القاضي وهو ظاهر كلام أحمد لقول النبي - ﷺ - المرأة عورة. اهـ","vol":"1","page":147},{"text":"وفي هذا استدراك لقول الشيخ الألباني (وفاتته رواية ثالثة وهي: أنها كلها عورة حتى ظفرها) فإن ابن هبيرة لم يتطرق لهذه الرواية في الموضع الذي نقل منه الشيخ الألباني لأنه كان يتكلم فيه عن عورة المرأة في الصلاة.\nثانيا: من العجيب استشهاد بعض فقهاء المذاهب الأخرى بقول الإمام أحمد:\n(ظفر المرأة عورة فإذا خرجت فلا يبين منها شيء ولا خفها فإن الخف يصف القدم وأحب إلي أن تجعل لكمها زرا عند يدها لا يبين منها شيء) (^١) على عورة المرأة في الصلاة! رغم أن قوله صريح بأنه عند الخروج من البيت (^٢)، بقرينة\nقوله\" فإذاخرجت\"، وكما ذكر القاضي في المبدع أن مستند الإمام أحمد في ذلك قول الرسول - ﷺ - \" المرأة عورة\" (^٣) وهذا الحديث مما لم يتطرق له الشيخ الألباني بذكر رغم صريح دلالته وصحة إسناده!! كما أُثر هذا القول عن التابعي الجليل أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث أحد الفقهاء السبعة بإسناد صحيح إليه أنه قال (كل شيء من المرأة عورة حتى ظفرها) (^٤) ولكن الشيخ الألباني ردَّه بقول ابن\n_________\n(^١) انظر الفروع ٥/ ١١٠، كشاف القناع ١/ ٤٦٩\n(^٢) ولذلك حمل فقهاء الحنابلة قول إمامهم على مايصح أن يحمل عليه:\nففي الإنصاف للمرداوي (١/ ٤٥٢): قال الزركشي أطلق الإمام أحمد القول بِأن جميعها عورة وهو محمول على ما عدا الوجه أو على غير الصلاة، قال الشيخ تقي الدين والتحقيق أنه ليس بِعورة في الصلاة وهو عورة في باب النظر إذ لم يجز النظر إليه.\nوفي المبدع (١/ ٣٦٣): وقد أطلق أحمد القول بأن جميعها عورة وهو محمول على ما عدا الوجه أو على غير الصلاة.\n(^٣) الترمذي (١١٧٣) صحيح ابن خزيمة ٣/ ٩٣ (١٦٨٥) صحيح ابن حبان ١٢/ ٤١٣ (٥٥٩٩) وصححه الألباني في صحيح جامع الترمذي ٣/ ٤٧٦.\n(^٤) مصنف ابن أبي شيبة ٤/ ٥٣ (١٧٧١٢).","vol":"1","page":148},{"text":"عبد البر (قول أبي بكر هذا خارج عن أقاويل أهل العلم لإجماع العلماء على أن للمرأة أن تصلي المكتوبة ويداها ووجهها مكشوف)!!\nوهذا كما هو ظاهر لأن ابن عبد البر حمل كلام أبي بكر على أنه يعني عورتها في الصلاة ولذلك أنكر عليه هذا القول، وسأنقل لك قول ابن عبد البر بتمامة ليتبين لك ذلك:\nقال ابن عبد البر في التمهيد (٦/ ٣٦٣ - ٣٦٧): وقد أجمعوا أنه من صلى مستور العورة فلا إعادة عليه، وإن كانت امرأة فكل ثوب يغيب ظهور قدميها ويستر جميع جسدها وشعرها فجائز لها الصلاة فيه لأنها كلها عورة إلا الوجه والكفين، على هذا أكثر أهل العلم وقد أجمعوا على أن المرأة تكشف وجهها في الصلاة والإحرام، وقال مالك وأبو حنيفة والشافعي وأصحابهم وهو قول الأوزاعي وأبي ثور؛ على المرأة أن تغطي منها ما سوى وجهها وكفيها، وقال أبو بكر بن عبدالرحمن بن الحارث كل شيء من المرأة عورة حتى ظفرها ... قول أبي بكر هذا خارج عن أقاويل أهل العلم لإجماع العلماء على أن للمرأة أن تصلي المكتوبة ويداها ووجهها مكشوف ذلك كله منها تباشر\nالأرض به وأجمعوا على أنها لا تصلى متنقبة ولا عليها أن تلبس قفازين في الصلاة وفي هذا أوضح الدلائل على أن ذلك منها غير عورة، وجائز أن ينظر إلى ذلك منها كل من نظر إليها بغير ريبة ولا مكروه، وأما النظر للشهوة فحرام تأملها من فوق ثيابها لشهوة فكيف بالنظر إلى وجهها مسفرة. وقد روي نحو قول أبي بكر بن عبدالرحمن عن أحمد","vol":"1","page":149},{"text":"بن حنبل ــ ثم أردف ابن عبد البر يبين أقوال الأئمة الأربعة في المسألة ــ قال الأثرم سئل أحمد بن حنبل عن المرأة تصلي وبعض شعرها مكشوف وقدمها قال ... وقال مالك إن صلت المرأة الحرة وشعرها مكشوف أو قدماها ... اهـ.\nفتبين من ذلك أن إنكار ابن عبد البر لقول أبي بكر بن الحارث لأجل حمل قوله على عورة الصلاة، أما قول ابن عبد البر (وجائز أن ينظر إلى ذلك منها كل من نظر إليها) فمراده كل من جاز له النظر إليها دون حجاب؛ من محارم، أو أجانب مملوكين، أو مراهقين لم يبلغوا الحلم، أما الرجال الأحرار الأجانب فمن المعلوم منعهم من النظر إليها، ومما يشهد لذلك؛ أن ابن عبد البر صرّح في موضع آخر بأن الحجاب حال دون النظر للنساء لتغطيتهن لوجوههن إثر نزول آيات الحجاب: فقال في التمهيد (٨/ ٢٣٥): احتجاب النساء من الرجال لم يكن في أول الإسلام وأنهم كانوا يرون النساء ولا يستتر نساؤهم عن رجالهم إلا بمثل ما كان يستتر رجالهم عن رجالهم حتى نزلت آيات الحجاب ... فأنزل الله ﷿ ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ الأحزاب: ٥٣ ... ثم نزلت ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ الأحزاب: ٥٩ فأمر النساء بالحجاب ثم أمرن عند الخروج أن يدنين عليهن من جلابيبهن وهو القناع.\n٥) استشهد الشيخ الألباني من كتاب الفقه على المذاهب الأربعة ونسبه للجنة من العلماء؛ وهو لعبد الرحمن الجزيري (ت ١٣٦٠ هـ) فقط وليس للجنة من","vol":"1","page":150},{"text":"العلماء!! كما أن ما استشهد به منه؛ فهو عن عورة المرأة في بيتها وعند خدمتها أمام من يحل لهم الدخول عليها والنظر إليها دون حجاب من الرقيق ونحوهم، وهذا قول عبد\nالرحمن الجزيري في كتابه الفقه على المذاهب الأربعة (١/ ١٩٨): ستر العورة خارج الصلاة: يجب على المكلف ستر عورته خارج الصلاة ... وحد العورة من المرأة الحرة خارج الصلاة هو ما بين السرة والركبة إذا كانت في خلوة، أو في حضرة محارمها ... أو في حضرة نساء مسلمات فيحل لها كشف ما عدا ذلك من بدنها بحضرة هؤلاء، أو في الخلوة، أما إذا كانت بحضرة رجل أجنبي أو امرأة غير مسلمة فعورتها جميع بدنها، ما عدا الوجه والكفين، فإنهما ليسا بعورة، فيحل النظر لهما عند أمن الفتنة (الشافعية قالوا: إن وجه المرأة وكفيها عورة بالنسبة للرجل الأجنبي، أما بالنسبة للكافرة فإنهما ليستا بعورة، وكذلك ما يظهر من المرأة المسلمة عند الخدمة في بيتها كالعنق والذراعين، ومثل الكافرة كل امرأة فاسدة الأخلاق). اهـ\nوممّا يشهد أن مراده من يجوز له الدخول على المرأة في بيتها والنظر إليها دون حجاب من الرقيق ونحوهم الآتي:\n١ - قوله (إذا كانت بحضرة رجل أجنبي) أي بدخوله عليها، وهذا يبعد عموم الرجال الأجانب ويخص من أباح لهم الشرع الدخول من العبيد ونحوهم.","vol":"1","page":151},{"text":"٢ - قوله (أو امرأة غير مسلمة) بعد قوله (أما إذا كانت بحضرة رجل أجنبي) فقرن بين فئتين قرن الله بينهما في كتابه ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ وهذا يشهد أن مراده بالرجل الأجنبي العبد المملوك.\n٣ - قوله (وكذلك ما يظهر من المرأة المسلمة عند الخدمة في بيتها كالعنق والذراعين).\n٤ - قول الجزيري (الشافعية قالوا: إن وجه المرأة وكفيها عورة بالنسبة للرجل الأجنبي) يشهد أن مراده نظر من يحل له النظر من العبيد المملوكين ونحوهم، لأنه لو كان كلامه عن عورة الحرة بالنسبة للأحرار الأجانب؛ لكان الحنابلة أولى بالاستثناء من الشافعية لصريح قول الإمام أحمد بأن المرأة كلها عورة حتى ظفرها! فهذا يكشف أن ما ذكره الجزيري كان عن\nعورة المرأة في بيتها أمام من يحل له الدخول والنظر إليها، لا عن نظر الرجال الأحرار الأجانب للمرأة الحرة. ولذلك تجد أن الشيخ الألباني قد أنكر عليه هذا الاستثناء للشافعية بما ذكر ابن هبيرة! وقد أسلفنا أن ما نقله ابن هبيرة كان عن عورة المرأة في الصلاة، أما ما نقله الجزيري فكان عن عورة النظر فلا يسوغ هذا الإنكار، وقد كان من الأولى أن يكون التعقيب على الجزيري بما ذُكر في كتب الشافعية لا بما ذكر ابن هبيرة! ومما يشهد لصحة قول الجزيري من منع الشافعية للنظر إلى الوجه والكفين من المرأة الحرة ممن يحل له النظر إليها من العبيد ونحوهم حتى عند أمن الفتنة الآتي:","vol":"1","page":152},{"text":"ماجاء في منهاج الطالبين للنووي (١/ ٩٥): ويحرم نظر فحل بالغ إلى عورة حرة كبيرة أجنبية وكذا وجهها وكفيها عند خوف فتنة وكذا عند الأمن على الصحيح.\nوفي تحفة الحبيب على شرح الخطيب (البجيرمي على الخطيب) (٢/ ١٠٧): أما عورتها خارج الصلاة بالنسبة لنظر الأجنبي إليها فهي جميع بدنها حتى الوجه والكفين، ولو عند أمن الفتنة.\nوفي حواشي الشرواني على تحفة المحتاج بشرح المنهاج لعبدالحميد الشرواني (٢/ ١١٢): قوله (وإنما حرم نظرهما الخ) أي الوجه والكفين من الحرة ولو بلا شهوة قال الزيادي في شرح المحرر بعد كلام وعرف بهذا التقرير أن لها ثلاث عورات عورة في الصلاة وهو ما تقدم وعورة بالنسبة لنظر الأجانب إليها جميع بدنها حتى الوجه والكفين على المعتمد، وعورة في الخلوة وعند المحارم.\n٦) قال الشيخ الألباني: وقد كنت نقلت عن ابن رشد: أن مذهب أكثر العلماء على وجه المرأة ليس بعورة وعن النووي مثله، وأنه مذهب\nالأئمة الثلاثة ورواية عن أحمد، فبعض هذه الأقوال من هؤلاء العلماء الكبار كافية لإبطال دعوى الشيخ الإجماع فكيف بها مجتمعة؟! ... فقد ذكرت في غير موضع من كتابي من قال من العلماء بخلاف إجماعه المزعوم مثل ابن جرير وابن رشد والنووي. اهـ\n\nوالجواب عليه بالآتي:","vol":"1","page":153},{"text":"١ - قوله \" كنت نقلت عن ابن رشد: أن مذهب أكثر العلماء على وجه المرأة ليس بعورة\" فهذا مثل ما نقله أيضا عن المرداوي وابن قدامه وابن هبيرة عن عورة المرأة في الصلاة!\nوهذا قول ابن رشد الذي نقل منه الشيخ الألباني موضع الشاهد من كتابه بداية المجتهد (١/ ٧٦ - ٩٥): كتاب الصلاة ... الصلاة تنقسم أولا وبالجملة إلى فرض، وندب ... الباب الرابع ينقسم إلى فصلين: أحدهما: في ستر العورة والثاني: فيما يجزئ من اللباس في الصلاة ... الفصل الاول اتفق العلماء على أن ستر العورة فرض بإطلاق، واختلفوا هل هو شرط من شروط صحة الصلاة أم لا؟ وكذلك اختلفوا في حد العورة من الرجل والمرأة ... وأما المسألة الثانية: وهو حد العورة من الرجل، ... وأما المسألة الثالثة: وهي حد العورة من المرأة، فأكثر العلماء على أن بدنها كله عورة، ما خلا الوجه، والكفين. وذهب أبو حنيفة إلى أن قدمها ليست بعورة. اهـ (^١)\n_________\n(^١) قوله (وذهب أبو حنيفة إلى أن قدمها ليست بعورة) يشهد أن مراد ابن رشد عورة المرأة في الصلاة؛ إذ أنه لا خلاف بين أهل العلم في وجوب ستر قدم المرأة الحرة أمام الرجال الأحرار الأجانب، أخرج أبو يعلى في مسنده (٣٢٥/ ١) عن أم سلمة: أن رسول الله - ﷺ - لما قال في جر الذيل ما قال، قالت: قلت: يا رسول الله كيف بنا؟ قال: جريه شبرا، فقالت (أم سلمة) إذا تنكشف القدمان، قال: فجريه ذراعا \".صححه الشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة (١/ ٨٢٧) وقال: وفي الحديث دليل على أن قدمي المرأة عورة، وأن ذلك كان أمرا معروفا عند النساء في عهد النبوة ... وفي القرآن الكريم إشارة إلى هذه الحقيقة، وذلك في قوله تعالى: (ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن) وقال في كتابه جلباب المرأة (ص: ٨٠): قوله تعالى (ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن) يدل على أن النساء يجب عليهن أن يسترن أرجلهن.","vol":"1","page":154},{"text":"ومما يؤكد أن كلام ابن رشد لم يكن عن عورة المرأة الحرة أمام من أوجب الله عليها الاحتجاب منهم من الرجال الأحرار الأجانب؛ أنه صرّح في موضع آخر بأن فرض الحجاب على النساء حال دون النظر إليهن:\nقال أبو الوليد ابن رشد القرطبي (ت ٥٩٥ هـ) في بداية المجتهد (١/ ١٨٣): وسبب الفرق أن نظر الرجال إلى النساء أغلظ من نظر النساء إلى الرجال بدليل أن النساء حجبن عن نظر الرجال إليهن، ولم يحجب الرجال عن النساء.\nكما قال ابن رشد في البيان والتحصيل (١٧/ ٤٩١): فيصح للمرأة أن تنظر من الرجل الأجنبي إلى ما يصح للرجل أن ينظر إليه من ذوات محارمه، وقد قيل إنه لا يصح للمرأة أن تنظر من الرجل إلا إلى ما يصح للرجل أن ينظر منها، على فعل عائشة في احتجابها من الرجل الأعمى. أهـ\n٢ - قوله (وعن النووي مثله) صحيح أيضا مثله عن عورة المرأة في الصلاة؛ وهو قول النووي في كتابه المجموع (٣/ ١٦٧): (فرع) في مذاهب العلماء في ستر العورة في الصلاة. . . وعورة الرجل ما بين السرة والركبة. . . وأما الحرة فجميع بدنها عورة إلا الوجه والكفين. اهـ\nأما عورة النظر؛ فقال النووي في شرحه على صحيح مسلم (٤/ ٣١): وأما نظر الرجل إلى المرأة فحرام في كل شيء من بدنها.\nوقال في موضع آخر منه (١٧/ ١١٦): واعلم أن في حديث الإفك فوائد كثيرة. . . التاسعة عشر: تغطية المرأة وجهها عن نظر الأجنبي سواء كان صالحا أو غيره.","vol":"1","page":155},{"text":"وقال في روضة الطالبين وعمدة المفتين (٧/ ٣٠٧): السابعة: أصدقها - جعل صداقهاـ تعلم سورة ... وإن طلقها قبل التعليم؛ فقد استحقت جميع التعليم وفيه وجهان: أحدهما يعلمها وراء حجاب بغير خلوة، وأصحهما وهو المنصوص في المختصر أنه قد تعذر التعليم لأنها قد صارت أجنبية ولا تؤمن مفسدة.\nوقال في المجموع (٨/ ٧٥): قال الشافعي في الأم، والأصحاب؛ يستحب للمرأة أن تسعى في الليل لأنه أستر وأسلم لها ولغيرها من الفتنة، فان طافت نهارا جاز، وتسدل على وجهها ما يستره.\n٣ - أما قول الشيخ الألباني: \"ذكرت في غير موضع من كتابي من قال من العلماء بخلاف إجماعه المزعوم مثل ابن جرير\".اهـ فلا يصح ما نسبه لابن جرير؛ فإن ابن جرير لم يحكي خلافا في وجوب تغطية وجه المرأة، وإنما ذكر أنهم اختلفوا في كيفية تغطية المرأة لوجهها؛ فمنهم من قال تسدل الثوب من فوق رأسها على وجهها حتى لا يبدو منها إلا عينا واحدة كما قال ابن عباس وعبيدة السلماني، ومنهم من قال بل تتقنع فتشد الجلباب على جبينها ثم تعطفه على أنفها كما قال ابن عباس وقتادة.\nوهذا قول ابن جرير الطبري في تفسيره (٢٠/ ٣٢٤): القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ الأحزاب: ٥٩ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد - ﷺ -: يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين: لا يتشبهن بالإماء في لباسهن إذا هن خرجن من بيوتهن","vol":"1","page":156},{"text":"لحاجتهن، فكشفن شعورهن ووجوههن. ولكن ليدنين عليهن من جلابيبهنّ؛ ثم اختلف أهل التأويل في صفة الإدناء الذي أمرهن الله به فقال بعضهم: هو أن يغطين وجوههن ورؤوسهن فلا يبدين منهن إلا عينا واحدة. ذكر من قال ذلك: ... عن ابن عباس (أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن بالجلابيب ويبدين عينا واحدة) ... عن ابن عون عن محمد عن عبيدة في قوله ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ فتقنع بردائه، فغطى أنفه وعينه اليسرى وأخرج عينه اليمنى، وأدنى رداءه من فوق حتى جعله قريبا من حاجبه أو على الحاجب.\nوقال آخرون: بل أمرن أن يشددن جلابيبهن على جباههن. ذكر من قال ذلك: ... عن ابن عباس قال: \"كانت الحرة تلبس لباس الأمة فأمر الله نساء المؤمنين أن يدنين عليهن من جلابيبهن. وإدناء الجلباب: أن تقنع وتشد على جبينها\" ... عن قتادة قال \"أخذ الله عليهن إذا خرجن أن يقنعن على الحواجب\".اهـ\nوقد سبق أن بينا في مناقشة البحث الثالث أن قول ابن عباس وقتادة تعني تغطية الوجه برد طرف الثوب عليه كما فسرها أئمة التفسير.\nقال القرطبي في تفسيره (١٤/ ٢٤٣): قوله تعالى: ﴿مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ الجلابيب جمع جلباب ... والصحيح أنه الثوب الذي يستر جميع البدن. واختلف الناس في صورة إرخائه، فقال ابن عباس وعبيدة السلماني: ذلك أن تلويه المرأة حتى لا يظهر منها إلا عين واحدة تبصر بها. وقال ابن عباس أيضا وقتادة: ذلك أن","vol":"1","page":157},{"text":"تلويه فوق الجبين وتشده، ثم تعطفه على الأنف، وإن ظهرت عيناها لكنه يستر الصدر ومعظم الوجه. اهـ\nولذلك لم ينسب أحد من أهل العلم القول بأن هناك فريق قال بالكشف لابن جرير؛ قال العظيم آبادي في عون المعبود (١١/ ١٠٦): وقوله ﴿جَلَابِيبِهِنَّ﴾ جمع جلباب وهي الملاءة التي تشتمل بها المرأة أي يرخين بعضها على الوجوه إذا خرجن لحاجتهن إلا عينا واحدة كذا في الجلالين، وقال ــ ابن جرير ــ في جامع البيان الجلباب رداء فوق الخمار تستر من فوق إلى أسفل يعني يرخينها عليهن ويغطين وجوههن وأبدانهن. اهـ\n٧) قال الشيخ الألباني (ومنهم ابن بطال الذي نقلت عنه أنه استدل بحديث الخثعمية أن ستر المرأة وجهها ليس فرضًا) اهـ وبالرجوع إلى قول ابن بطال يتضح لنا مراده؛ قال ابن بطال (ت ٤٤٩ هـ) في شرح صحيح البخارى (٩/ ١١) في شرحه لحديث المرأة الخثعمية: فيه أن نساء المؤمنين ليس لزوم الحجاب لهم فرضًا في كل حال كلزومه لأزواج النبي - ﷺ - ولو لزم جميع النساء فرضًا لأمر النبي الخثعمية بالاستتار. اهـ\nفقوله (أن نساء المؤمنين ليس لزوم الحجاب لهم فرضًا في كل حال) يؤيد ماذكرنا من أن النساء لم يفرض عليهن الاحتجاب من الرقيق والتابعين غير أولي الإربة (^١)\n_________\n(^١) قال الطبري في تفسيره ١٩/ ١٦١: فهذا الرجل يتبع القوم ليصيب من طعامهم، وهو مغفل في عقله، لا يكترث للنساء، ولا يشتهيهن.","vol":"1","page":158},{"text":"والذين لم يبلغو الحلم من الأحرار، وقوله (كلزومه لأزواج النبي - ﷺ -) فإن هناك فريق من أهل العلم ومنهم ابن بطال؛ يرى أن الحجاب مفروض على زوجات النبي - ﷺ - حتى عن الرقيق والأتباع فلا يحل لهم الدخول عليهن ولا إظهار شخوصهن إلا لما ملكت أيمانهن كما قال أبو جعفر النحاس (ت ٣٣٨ هـ) في معاني القرآن (٥/ ٣٧٢): فكان لا يحل لأحد أن يسألهن طعاما ولا غيره ولا ينظر إليهن متنقبات ولا غير متنقبات إلا من وراء حجاب وكانت عائشة إذا طافت بالبيت سترت، وفي الحديث لما ماتت زينب قال عمر لا يخرج في جنازتها إلا ذو محرم منها فوصف له النعش فاستحسنه وأمر به وقال اخرجوا فصلوا على أمكم، قال أنس كنت أدخل على أزواج النبي - ﷺ - فلما نزلت هذه الآية جئت لأدخل فقال لي النبي - ﷺ - وراءك يا بني. اهـ\nأما قوله (ولو لزم جميع النساء فرضًا لأمر النبي الخثعمية بالاستتار) فهذا كما ذكرنا أيضا؛ فإن الحجاب لم يفرض إلا على الحرائر من النساء، أما الإماء المملوكات فلم يفرض عليهن الحجاب، ولذلك لم يأمر النبي - ﷺ - الخثعمية بالاستتار لأنها كانت أمة مملوكة، وسيأتي زيادة تفصيل وبيان لذلك في مناقشة البحث السادس إن شاء الله.\nومما يؤكد أن ابن بطال لا يعني عدم وجوب الحجاب مطلقا؛ قوله في شرح صحيح البخارى (٢/ ٢٢٢): وذلك أن تلفعهن وتسترهن بمروطهن مانع من معرفتهن، وكان الرجال يصلون ووجوههم بادية بخلاف زى النساء وهيئاتهن.","vol":"1","page":159},{"text":"وقوله في موضع آخر منه (٤/ ٢١٧): وأجمع العلماء أن المرأة تلبس المخيط كله والخمُر والخفاف، وأن إحرامها في وجهها، وأن لها أن تغطى رأسها وتستر شعرها، وتسدل الثوب على وجهها سدلا خفيفًا تستتر به عن نظر الرجال. اهـ\nوبذلك بطل احتجاج الشيخ الألباني بـ (ابن رشد وابن جرير والنووي وابن بطال) على وجود خلاف بين الأئمة والفقهاء في عورة المرأة الحرة بالنسبة لنظر الرجال الأحرار الأجانب، مع أن الحجة بالإجماع لا بوجود الخلاف:\nقال ابن عبد البر في التمهيد لما في الموطأ (١/ ١٤٣): ولا يجوز أن يراعي الاختلاف عند طلب الحجة، لأن الاختلاف ليس منه شيء لازم دون دليل، وإنما الحجة اللازمة الإجماع لا الاختلاف، لأن الإجماع يجب الانقياد إليه لقول الله (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المومنين نوله ما تولى ونصله جهنم وسآءت مصيرا). النساء ١١٥\n٨) أما قول الشيخ الألباني (لم ينطق بكلمة\" الإجماع\" في هذه المسألة أحد من أهل العلم فيما بلغني وأحاط به علمي فإن الخلاف فيها قديم لا يخلو منه كتاب من الكتب المتخصصة في بحث الخلافيات)؛ فإن الشيخ الألباني نفسه قد نطق بكلمة الإجماع بعد أن ذكر أن إدناء الجلباب يكون بتغطية الوجه؛\nفقال في كتابه جلباب المرأة المسلمة (ص ١٥١ - ١٥٢): ومن هنا يظهر الضابط في نهيه - ﷺ - عن تشبه الرجال بالنساء، وعن تشبه النساء بالرجال، وأن الأصل في ذلك ليس هو راجعا إلى مجرد ما تختاره الرجال والنساء ويشتهونه ويعتادونه، فإنه لو كان كذلك؛ لكان إذا اصطلح قوم على أن يلبس الرجال الخمر التي تغطي الرأس","vol":"1","page":160},{"text":"والوجه والعنق، والجلابيب التي تسدل من فوق الرءوس حتى لا يظهر من لابسها إلا العينان! وأن تلبس النساء العمائم والأقبية ونحو ذلك أن يكون هذا سائغا! وهذا خلاف النص والإجماع، فإن الله تعالى قال للنساء: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ النور: ٣١ الآية، وقال: ﴿قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ الأحزاب: ٥٩ اهـ.\nفكيف يسوغ إنكاره لهذا الإجماع وهو قد أقرّ به في كتابه!\n- سادسا: ومما يثبت إجماع أهل العلم على وجوب تغطية الوجه على الحرائر من النساء:\n١) التصريح من بعض أهل العلم على اختلاف مذاهبهم بهذا الإجماع:\n- قال ابن عبد البر المالكي في الاستذكار (٨/ ٥٤٢): والعلماء مجمعون على أن الله ﷿ لم يرد بما أمر به النساء من الاحتجاب وأن يدنين عليهن من جلابيبهن؛ الإماء؛ وإنما أراد بذلك الحرائر.\n- قال بدر الدين العيني الحنفي في عمدة القاري (٢٠/ ٢٤٥): لايجوز للمرأة أن تأذن للرجل الذي ليس بمحرم لها في الدخول عليها ويجب عليها الاحتجاب منه بالإجماع، ما ورد من بروز النساء فإنما كان قبل نزول الحجاب.","vol":"1","page":161},{"text":"- قال الإمام العلامة يوسف بن عبدالهادي المقدسي الشهير بابن المَبْرَد في مغني ذوي الأفهام /١٢٠: ويجب عليها ستر وجهها إذا برزت بالاتفاق.\n- وقال العلامة المجتهد الكبير محمد بن إبراهيم الوزير اليماني في الروض الباسم (٢/ ٢٢٨): وأجمعوا على وجوب الحجاب للنّساء.\n- وقال مفتي باكستان الشيخ شفيع الحنفي في كتابه المرأة المسلمة /٢٠٢: وبالجملة فقد اتفقت مذاهب الفقهاء وجمهور الأمة على أنه لا يجوز للنساء الشواب كشف الوجوه والأكف بين الأجانب.\n٢) استمرار العمل يدل على الإجماع كما قال إمام الحرمين الجويني في الورقات في أصول الفقه: والإجماع يصح بقولهم وبفعلهم وبقول البعض وبفعل البعض وانتشار ذلك.\n- قال ابن حجر في فتح الباري (٩/ ٣٣٧): لم تزل الرجال على ممر الزمان مكشوفي الوجوه، والنساء يخرجن منتقبات، فلو استووا لأمر الرجال بالتنقب، أو منعوا من الخروج.\n- قال الإمام ابن نور الدين بن الخطيب الشافعي في تيسير البيان لأحكام القرآن (٢/ ١٠٠١): لم يزل عمل الناس على هذا قديما وحديثا في جميع الأمصار والأقطار، فيتسامحون للعجوز في كشف وجهها ولا يتسامحون للشابة ويرونه عورة ومنكرا.","vol":"1","page":162},{"text":"٣) القول بوجوب ستر وجه المرأة وإليك بعض أقوال أهل العلم التي سبق بسطها في البحوث السابقة:\n- قال أبو بكر الجصاص الحنفي (ت ٣٧٠ هـ): المرأة الشابة مأمورة بستر وجهها عن الأجنبيين.\n- قال ابن عبد البر المالكي (ت ٤٦٣ هـ): كانوا يرون النساء ولا يستتر نساؤهم عن رجالهم حتى نزلت آيات الحجاب ... فأمر النساء بالحجاب ثم أمرن عند الخروج أن يدنين عليهن من جلابيبهن وهو القناع.\n- قال أبو الحسن الكيا الهراس (ت ٥٠٤ هـ): فأمرهن بتغطية وجوههن ورؤوسهن.\n- قال أبو حامد الغزالي (ت ٥٠٥ هـ): لأمر الرجال أيضا بالتنقب كما أمر النساء.\n- قال ابن العربي المالكي (ت ٥٤٣ هـ): ستر وجهها بالبرقع فرض.\n- قال ابن قدامة (ت ٦٢٠ هـ): ولأنهن لو منعن النظر ــ للرجال ــ لوجب على الرجال الحجاب كما وجب على النساء لئلا ينظرن إليهم.\n- قال القرطبي (ت ٦٧١ هـ): وكان عمر ﵁ إذا رأى أمة قد تقنعت ضربها بالدرة، محافظة على زي الحرائر. وقد قيل: إنه يجب الستر والتقنع الآن في حق الجميع من الحرائر والاماء.","vol":"1","page":163},{"text":"- قال النسفي الحنفي (ت ٧١٠ هـ) وأبو حيان الأندلسي (ت ٧٤٥ هـ) ونظام الدين الحسن القمي (ت ٧٢٨ هـ): أمرن بلبس الأردية والملاحف وستر الرؤوس والوجوه.\n- قال ابن جزي الكلبي (ت ٧٤١ هـ): فأمرهن الله بإدناء الجلابيب ليسترن بذلك وجوههن.\n- قال السبكي (ت ٧٥٦ هـ): من نصفها حر ونصفها رقيق، في السترة؛ حكم الأرقاء، لأن وجوب ستر الرأس من أمارات الحرية وعلامات الكمال. (^١)\n- وقال ابن رجب الحنبلي (ت ٧٩٥ هـ): كن قبل الحجاب يظهرن بغير جلباب، ويرى من المرأة وجهها وكفاها. ثم أمرت بستر وجهها وكفيها.\n- قال ابن الملقن الشافعي (٨٠٤ هـ): وجميعُ النسوان لم يكن يحتجبن ... إلى أن نزلت آية الحجاب فحجبن وجوههن عن عيون الناس أجمعين.\n- قال العيني الحنفي (ت ٨٥٥ هـ): الأمر بستر وجوههن يدل عليه قوله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾\n- قال أحمد بن حجر الهيتمي (ت ٩٧٤ هـ): من تحققت نظر أجنبي لها يلزمها ستر وجهها عنه. (^٢)\n_________\n(^١) فتاوى السبكي ١/ ١٤٩.\n(^٢) تحفة المحتاج في شرح المنهاج (٧/ ١٩٣).","vol":"1","page":164},{"text":"- قال الشوكاني (ت ١٢٥٠ هـ): قوله (ومن الحرة غير الوجه والكفين) أقول قد دل الدليل على أن هذا يجب عليها ستره من الرجال ولا يجوز لهم النظر إليه.\n- قال الجاوي في نهاية الزين (ت ١٣١٦ هـ) (١/ ٤٧): جميع بدنها حتى قلامة ظفرها وهي عورتها عند الرجال الأجانب فيحرم على الرجل الأجنبي النظر إلى شيء من ذلك ويجب على المرأة ستر ذلك عنه. (^١)\n- وقال محمد الجرداني الحنفي: وبالنسبة لنظر الأجنبي إليها؛ جميع بدنها بدون استثناء شيء منه أصلا ولو كانت عجوزًا شوهاء، فيحرم على الرجل أن ينظر إلى شيء منها، ولو بغير شهوة، ويجب أن تستتر عنه. هذا هو المعتمد. (^٢)\nوبذلك تبين إجماع أهل العلم على وجوب تغطية المرأة لوجهها وأن \"الصواب مع المشايخ الذين يذهبون إلى أن وجه المرأة عورة لا يجوز لها كشفه عند الرجال الأجانب ودليلهم على ذلك الكتاب والسنة والإجماع\" وتبين خطأ الشيخ الألباني في إنكاره على من قال بذلك.\nوفي نهاية هذا المبحث وبعد أن تقرر لدينا إجماع أهل العلم على وجوب تغطية الوجه على المرأة الحرة من الرجل الأجنبي الحر؛ وبعد أن بينا أن مراد من قال من الفقهاء بجواز النظر إلى الوجه والكفين من المرأة؛ هو ما يباح للعبيد المملوكين النظر إليه من المرأة الحرة، وما يباح النظر إليه من الإماء،\n_________\n(^١) نهاية الزين ١/ ٤٧.\n(^٢) فتح العلام بشرح مرشد الأنام (١/ ٣٤).","vol":"1","page":165},{"text":"فإنه إن وجد من الفقهاء أو غيرهم من أهل العلم من يقول بجواز كشف وجه المرأة الحرة للرجال الأحرار الأجانب؛ فلا حجة في قوله امتثالًا للقاعدة الأصولية التي تقول:\n(أقوال العلماء يحتج لها بالدليل، ولا يحتج بها على الدليل)\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى الكبرى (٢/ ٥٣٧):\nوليس لأحد أن يحتج بقول أحد في مسائل النزاع، إنما الحجة النص والإجماع، ودليل مستنبط من ذلك تقدر مقدماته بالأدلة الشرعية، لا بأقوال بعض العلماء فإن أقوال العلماء يحتج لها بالأدلة الشرعية، لا يحتج بها على الأدلة الشرعية.","vol":"1","page":166},{"text":"ــ:: تتمة البحث الخامس (١):: ــ\nأنكر الشيخ الألباني على من قال \"إن المذهب الذي نسبه الألباني لأكثر العلماء - ومنهم أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد في رواية عنه - إنما هو في الصلاة إذا كانت المرأة ليست بحضرة الرجال الأجانب\"! فقال الشيخ الألباني: وتأكيدًا لهذا الذي ذكرت لا يسعني هنا إلا أن أذكر مذاهب الأئمة ... فأقول: أولا: مذهب أبي حنيفة: قال الإمام محمد بن الحسن في \"الموطأ\": \" ولا ينبغي للمرأة المحرمة أن تنتقب فإن أرادت أن تغطي وجهها فلتستدل الثوب سدلًا من فوق خمارها. وهو قول أبي حنيفة والعامة من فقهائنا\".\nوقال أبو جعفر الطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (٢/ ٣٩٢): \" أبيح للناس أن ينظروا إلى ما ليس بمحرَّم عليهم من النساء إلى وجوههن وأكفهن وحرم ذلك عليهم من أزواج النبي - ﷺ - وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد\".\nثانيًا: مذهب مالك: روى عنه صاحبه عبد الرحمن بن القاسم في\" المدونة\" (٢/ ٢٢١) نحو قول الإمام محمد في المحرمة إذا أرادت أن تسدل على وجهها وزاد في البيان فقال: \" فإن كانت لا تريد سترًا فلا تسدل\". ونقله ابن عبد البر في\" التمهيد\" (١٥ - ١١١) وارتضاه.","vol":"1","page":167},{"text":"وقال بعد أن ذكر تفسير ابن عباس وابن عمر لآية: ﴿إلا ما ظهر منها﴾ بالوجه والكفين (٦/ ٣٦٩): \" وعلى قول ابن عباس وابن عمر الفقهاء في هذا الباب\" قال \"هذا ما جاء في المرأة وحكمها في الاستتار في صلاتها وغير صلاتها\".\nوفي\" الموطأ\" رواية يحيى (٢/ ٩٣٥): \" سئل مالك: هل تأكل المرأة مع غير ذي محرم منها أو مع غلامها؟ فقال مالك: ليس بذلك بأس إذا كان ذلك على وجه ما يُعرفُ للمرأة أن تأكل معه من الرجال قال: وقد تأكل المرأة مع زوجها ومع غيره ممن يؤاكله\". قال الباجي في\" المنتفى شرح الموطأ\" (٧/ ٢٥٢) عقب هذا النص: \" يقضي أن نظر الرجل إلى وجه المرأة وكفيها مباح لأن ذلك يبدو منها عند مؤاكلتها\".\nثالثًا: مذهب الشافعي: قال في كتابه\" الأم\" (٢/ ١٨٥): \" المحرمة لا تخمِّر وجهها إلا أن تريد أن تستر وجهها فتجافي ... \" وقال البغوي في\" شرح السنة\" (٩/ ٢٣): \"فإن كانت أجنبية حرة فجميع بدنها عورة في حق الرجل لا يجوز له أن ينظر إلى شيء منها إلا الوجه واليدين إلى الكوعين وعليه غض البصر عن النظر إلى وجهها ويديها أيضًا عند خوف الفتنة\".\nرابعًا: مذهب أحمد: روى ابنه صالح في\" مسائله\" (١/ ٣١٠) عنه قال: \" المحرمة لا تخمِّر وجهها ولا تتنقب والسدل ليس به بأس تسدل على وجهها\". قلت: فقوله: \" ليس به بأس\" يدل على جواز السدل فبطل القول بوجوبه كما بطل تقييده للرواية الأخرى عن الإمام الموافقة لقول الأئمة الثلاثة بأن وجهها وكفيها ليسا بعورة كما تقدم في كلام ابن هبيرة وقد أقرّها ابن تيمية في\" الفتاوى\" (١٥/ ٣٧١)","vol":"1","page":168},{"text":"وهو الصحيح من مذهبه كما تقدم عن\" الإنصاف\" وهو اختيار ابن قدامة كما تقدم في\" البحث الأول\" وعلل ذلك بقوله: \" ولو كان الوجه والكفان عورة لما حرم سترهما بالنقاب لأن الحاجة تدعو إلى كشف الوجه للبيع والشراء والكفين للأخذ والإعطاء\"، ومثل هذا التعليل ذكر في كثير ممن الكتب الفقهية وغيرهما كـ \"البحر الرائق\" لابن نجيم المصري (١/ ٢٨٤) وتقدم نحوه عن الشوكاني.\nومما سبق يتبين للقراء الكرام أن أقوال الأئمة الأربعة متفقة على تخيير المرأة المحرمة في السدل على وجهها وعدم إيجاب ذلك عليها هذا من جهة، ومن جهة أخرى فقد دل قول مالك في\" الموطأ\" وقول ابن عبد البر: \"وغير صلاتها\" وكذلك تخيير الأئمة المحرمات بالسدل؛ أن ذلك خارج الصلاة. اهـ\nثم استشهد الشيخ الألباني بما ورد عن أمُّ المؤمنين عائشة ﵂ قولًا وفعلًا فقال: أما القول فهو: \" المحرمة تلبس من الثياب ما شاءت إلا ثوبًا مَسَّه ورس أو زعفران ولا تتبرقع ولا تَلَثَّم وتسدل الثوب على وجهها إن شاءت\" أخرجه البيهقي في\" سننه\" (٥/ ٤٧) بسند صحيح ... وأما الفعل فهو ما جاء في حديث عمرتها من التنعيم مع أخيها عبد الرحمن قالت: \" فأردفني خلفه على جمل له قالت: فجعلت أرفع خماري أحسره عن عنقي فيضرب رجلي بعلّة الراحلة قلت له: وهل ترى من أحد ... \"أخرجه مسلم (٤/ ٣٤) فلكونها معتمرة فلا يجوز لها أن تلثم به كما قالت آنفًا فتغطيتها لوجهها بالسدل فعلٌ منها نقول به، ولكن لا يدل على الوجوب خلافًا لزعم المخالفين.","vol":"1","page":169},{"text":"ــ::<span data-type=\"title\" id=toc-34> مناقشة تتمة البحث الخامس (١)::</span> ــ\nأولا: هل الجق مع من قال \" أن المذهب الذي نسبه للأئمة إنما هو في الصلاة إذا كانت المرأة ليست بحضرة الرجال الأجانب، وأن هذا تأويل لكلام الأئمة على خلاف مرادهم \"وهل دفع الشيخ الألباني هذا القول بما هو حجة من كلام الأئمة؟!\nقال ابن نور الدين بن الخطيب الشافعي (ت ٨٢٥) في تيسير البيان لأحكام القرآن (٢/ ١٠٠١): لم يزل عمل الناس على هذا قديمًا وحديثًا في جميع الأمصار والأقطار، فيتسامحون للعجوز في كشف وجهها، ولا يتسامحون للشابة، ويرونه عورة ومنكرًا، وقد تبين لك وجه الجمع بين الآيتين، ووجه الغلط لمن أباح النظر إلى وجه المرأة لغير حاجة، والسلف والأئمة كمالك والشافعي وأبي حنيفة وغيرهم لم يتكلموا إلا في عورة الصلاة، فقال الشافعي ومالك: ماعدا الوجه والكفين وزاد أبو حنيفة والقدمين. وما أظن أحدًا منهم يبيح للشابة أن تكشف وجهها لغير حاجة ولا يبيح للشاب أن ينظر إليها لغير حاجة.\nقال الشوكاني في السيل الجرار (٤/ ١٢٧ - ١٢٩): حكى المصنف في البحر عن الأئمة الأربعة أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل أنهم يجوزون النظر إلى وجه الأجنبية وهذا النقل عنهم باطل فكتبهم على اختلافها مصرحة بخلاف ذلك، فإن الرواة عنهم من أهل مذاهبهم في كتبهم المعتمدة منهم من صرح بأنهم لم يتكلموا إلا على العورة في الصلاة ولم يتكلموا على النظر، ومنهم من صرح بأنهم قائلون بالمنع من النظر ومنهم من صرح بأن القائلين بالمنع","vol":"1","page":170},{"text":"المتأخرون من أتباعهم ولا يخفاك أن الأدلة الدالة على تحريم النظر إلى وجه الأجنبية ثابتة في الكتاب والسنة. اهـ\nفهذا يبين أن الحق مع من قال بأن الخلاف المنقول عن الأئمة الأربعة إنما هو عن عورة المرأة في الصلاة، والخلاف بالتحديد في القدمين؛ هل هما عورة في الصلاة أم لا، مع اتفاقهم أن الوجه والكفين ليست بعورة منها في الصلاة.\nوإليك أقوال الائمة الأربعة التي اعتمد عليها من أجاز الكشف ونسبه إليهم:\n- قال الشافعي في كتابه الأم (١/ ٨٩): فعلمنا أن نهيه أن يصلي في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء اختيارا، وأنه يجزي الرجل والمرأة كل واحد أن يصلي متواري العورة، وعورة الرجل ما وصفت، وكل المرأة عورة إلا كفيها ووجهها، وظهر قدميها عورة.\nوقال الشافعي أيضا في مختصر المزني (١/ ١٦): وعلى المرأة إذا كانت حرة أن تستتر في صلاتها حتى لا يظهر منها شيء إلا وجهها وكفاها فإن ظهر منها شيء سوى ذلك أعادت الصلاة. اهـ\nأي أن الإمام الشافعي يرى أن ما عدا الوجه والكفين عورة في الصلاة بما في ذلك ظهور القدمين.","vol":"1","page":171},{"text":"- قال مالك في المدونة الكبرى باب صلاة الحرائر والإماء (٢/ ٥٣): إذا صلت المرأة وشعرها باد أو صدرها أو ظهور قدميها أو معصميها فلتعد الصلاة ما دامت في الوقت. اهـ\nأي أن كل ذلك منها عورة في الصلاة يجب عليها ستره، ما عدا وجهها وكفيها، وبذلك فإنه يوافق الإمام الشافعي في كون ظهور القدمين عورة في الصلاة - قال محمد يعقوب عن أبي حنيفة في الجامع الصغير (١/ ٨٢): في امرأة صلت وربع ساقها مكشوف تعيد وإن كان أقل من الربع لم تعد. اهـ\nأي أن قدمها عنده ليس بعورة في الصلاة.\n* قال ابن عبد البر في الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار (٢/ ٢٠١): والذي عليه فقهاء الأمصار بالحجاز والعراق أن على المرأة الحرة أن تغطي جسمها كله بدرع صفيق سابغ وتخمر رأسها فإنها كلها عورة إلا وجهها وكفيها وأن عليها ستر ما عدا وجهها وكفيها واختلفوا في ظهور قدميها فقال مالك تستر قدميها في الصلاة قال مالك فإن لم تفعل أعادت ما دامت في الوقت، وقال الشافعي ما عدا وجهها وكفيها عورة فإن انكشف ذلك منها في الصلاة أعادت وقال أبو حنيفة والثوري قدم المرأة ليست بعورة إن صلت وقدمها مكشوفة لم تعد. اهـ","vol":"1","page":172},{"text":"هذا مدار اختلافهم! وهو في عورة المرأة في الصلاة، فهل يسوغ نسبة إخراج الوجه والكفين مما يجب أن يُستر أمام الرجال الأحرار الأجانب للأئمة الثلاثة؛ بناء على أقوالهم عن عورة المرأة في الصلاة؟!!\n\nثانيا:<span data-type=\"title\" id=toc-35> هل يسوغ قياس عورة النظر على عورة المرأة في الصلاة</span>؟\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: قد يستر المصلي في الصلاة ما يجوز إبداؤه في غير الصلاة وقد يبدي في الصلاة ما يستره عن الرجال؛ ... كذلك المرأة الحرة تختمر في الصلاة وهى لا تختمر عند زوجها ولا عند ذوي محارمها .. وعكس ذلك الوجه واليدان والقدمان ليس لها أن تبدي ذلك للأجانب على أصح القولين، وأما ستر ذلك في الصلاة فلا يجب باتفاق المسلمين بل يجوز لها إبداؤهما في الصلاة عند جمهور العلماء كأبي حنيفة والشافعي وغيرهما وهو إحدى الروايتين عن أحمد فكذلك القدم يجوز إبداؤه عند أبى حنيفة وهو الأقوى، وحينئذ فتصلي في بيتها وإن رؤي وجهها ويداها وقدماها فليست العورة في الصلاة مرتبطة بعورة النظر لا طردا ولا عكسا. (^١) وقال: فإن الفقهاء يسمون ذلك باب ستر العورة وليس هذا من ألفاظ الرسول - ﷺ - ولا في الكتاب والسنة أن ما يستره المصلي فهو عورة بل قال تعالى ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ الأعراف: ٣١. (^٢) اهـ\n_________\n(^١) انظر: مجموع الفتاوى ٢٢/ ١١٣ - ١١٥.\n(^٢) انظر مجموع الفتاوى ٢٢/ ١٠٩، ١١٣.","vol":"1","page":173},{"text":"ولذلك فرَّق الفقهاء على اختلاف مذاهبهم بين عورة الصلاة وعورة النظر:\n* الفقه الحنبلي: - شرح العمدة (٤/ ٢٦٨): هل يسمى الوجه عورة أو لا؛ والتحقيق أنه ليس بعورة في الصلاة وهو عورة في باب النظر إذ لم يجز النظر إليه.\n- إعلام الموقعين لابن القيم (٢/ ٨٠): فإن العورة عورتان؛ عورة في النظر وعورة في الصلاة فالحرة لها أن تصلي مكشوفة الوجه والكفين وليس لها أن تخرج في الأسواق ومجامع الناس كذلك.\n- كشاف القناع (١/ ٢٦٦): والحرة البالغة كلها عورة في الصلاة حتى ظفرها إلا وجهها، قال جمع وكفيها، وهما عورة خارجها باعتبار النظر كبقية بدنها.\n* الفقه الشافعي:\n- مغني المحتاج (٣/ ١٢٩): وقال السبكي إن الأقرب إلى صنع الأصحاب أن وجهها وكفيها عورة في النظر لا في الصلاة.\n- إعانة الطالبين على حل ألفاظ فتح المعين لشرح قرة العين (١/ ١١٣): واعلم أن للحرة أربع عورات: فعند الأجانب جميع البدن ... وفي الصلاة جميع بدنها ما عدا وجهها وكفيها.","vol":"1","page":174},{"text":"- حاشية سليمان الجمل على شرح المنهج لشيخ الإسلام زكريا الأنصاري (٢/ ٤٠٨): قوله (غير وجه وكفين) ... هذه عورتها في الصلاة ... وأما عند الرجال الأجانب فجميع البدن.\n* الفقه المالكي:\n- الثمر الداني (١/ ١٦٣) وكفاية الطالب الرباني (١/ ٣٩٤): فيجب على المرأة في الصلاة أن تستر ظهور قدميها وشعرها وعنقها ودلاليها ويجوز أن تظهر وجهها وكفيها في الصلاة خاصة.\n- وفي الأشباه والنظائر للسيوطي (١/ ٢٤٠): المرأة في العورة لها أحوال: حالة مع الزوج ولا عورة بينهما، وحالة مع الأجانب وعورتها كل البدن حتى الوجه والكفين في الأصح، وحالة في الصلاة وعورتها كل البدن إلا الوجه والكفين.\n* الفقه الحنفي:\n- حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح (١/ ٢٤١): قال الكمال وصحح بعضهم أنه ليس بعورة في الصلاة لا خارجها، ولا تلازم بين كونه ليس بعورة وجواز النظر إليه.\n- فتح العلام للشيخ صديق حسن خان (١/ ٩٧): يباح كشف وجهها في الصلاة، وأما عورتها بالنظر إلى نظر الأجنبي إليها فكلها عورة.","vol":"1","page":175},{"text":"ثالثا: هل كون الوجه ليس بعورة في الصلاة يبيح كشفه وإن كانت المرأة الحرة تصلي على مرأى من رجال أجانب؟\n* المذهب الحنبلي:\nشرح العمدة (٤/ ٢٦٨): وأما صحة الصلاة مع كشفه - الوجه - فلا خلاف بين المسلمين بل يكره للمرأة ستره في الصلاة ... اللهم ألا إن تكون بين رجال أجانب.\nسبل السلام (١/ ١٣٢): ويباح كشف وجهها حيث لم يأت دليل بتغطيته والمراد كشفه عند صلاتها بحيث لا يراها أجنبي فهذه عورتها في الصلاة.\n* المذهب الشافعي:\nالإقناع للشربيني (١/ ١٢٤) كفاية الأخيار (١/ ٩٣) إعانة الطالبين (١/ ١١٤): نهاية الزين (١/ ٤٧): ويكره أن يصلي الرجل متلثما والمرأة منتقبة، إلا أن تكون في مكان وهناك أجانب لا يحترزون عن النظر إليها فلا يجوز لها رفع النقاب.\n* المذهب المالكي:\nالتاج والإكليل (١/ ٥٠٢): قال مالك من المدونة إن صلت الحرة منتقبة لم تعد وقال ابن القاسم وكذا المتلثمة وقال اللخمي يكرهان وتسدل على وجهها إن خشيت رؤية رجل.","vol":"1","page":176},{"text":"* المذهب الحنفي:\nالدر المختار (١/ ٤٠٥): قال في فصل شروط الصلاة: وستر عورته وهي للرجل ما تحت سرته إلى ما تحت ركبته ... وللحرة جميع بدنها خلا الوجه والكفين والقدمين، وتمنع من كشف الوجه بين الرجال لخوف الفتنة.\nوهذا يبين أن كون الوجه والكفين ليسا بعورة من المرأة في الصلاة؛ لا يعني أن المرأة الحرة تصلي كاشفة عن وجهها إذا كانت على مرأى من رجال أجانب، وإنما ذلك إذا كانت تصلي في بيتها أو أمام من يحل له الدخول والنظر إليها من محارم ورقيق ونحوهم.\nتحقق لدينا مما سبق أن المأثور عن الأئمة الثلاثة؛ أبي حنيفة ومالك والشافعي إنما هو عن عورة المرأة في الصلاة، فلم يؤثر عن أحد الأئمة الأربعة قول صريح عن عورة المرأة عند الرجال الأحرار الأجانب، إلا قول الإمام أحمد (ظفر المرأة عورة فإذا خرجت فلا يبين منها شيء ...).\nرابعا: ١) استشهد في مذهب الإمام أبي حنيفة بقول أبي جعفر الطحاوي\" أبيح للناس أن ينظروا إلى ما ليس بمحرَّم عليهم من النساء إلى وجوههن وأكفهن وحرم ذلك عليهم من أزواج النبي - ﷺ - وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد\"\nوبالرجوع إلى قول أبي جعفر الطحاوي يتبين أن ما نقله الشيخ الألباني عنه كان من (باب نظر العبد إلى شعور الحرائر) وهل لعبد المرأة أن ينظر إلى","vol":"1","page":177},{"text":"شعرها كالمحارم، أم أنه كالعبيد المملوكين للغير لايباح له إلا النظر إلى الوجه والكفين؟ ثم أسند الطحاوي ما وصل إليه في هذه المسألة لأبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد بن الحسن:\nقال أبو جعفر الطحاوي (ت ٣٢١ هـ) في كتابه شرح معاني الآثار ٤/ ٣٣١ - ٣٣٤:\nباب نظر العبد إلى شعور الحرائر: عن أم سلمة أن رسول الله - ﷺ - قال (إذاكان لإحداكن مكاتب وكان عنده ما يؤدي فلتحتجب منه) قال أبو جعفر: فذهب قوم من أهل المدينة إلى أن العبد لا بأس أن ينظر إلى شعر مولاته ووجهها وإلى ما ينظر إليه ذو محرمها منها، واحتجوا في ذلك بهذا الحديث ... قال بكير عن عمرة بنت عبد الرحمن قالت كانت عائشة ﵂ يراها العبيد لغيرها، قال بكير عن عبد الله بن رافع لم تكن أم سلمة تحتجب من عبيد الناس.\nوخالفهم في ذلك آخرون فقالوا لا ينظر العبد من الحرة إلا إلى ما ينظر إليه منها الحر الذي لا محرم بينه وبينها - أي لا يرى منها شيء - وكان من الحجة لهم في ذلك أن قول النبي - ﷺ - يجوز أن يكون أراد بذلك حجاب أمهات المؤمنين فإنهن قد كن حجبن عن الناس جميعا إلا من كان منهم ذو رحم محرم فكان لا يجوز لأحد أن يراهن أصلا إلا من كان بينهن وبينه رحم محرم - أي لا يباح للعبيد والأتباع النظر لهن، ولا يخاطبوهن إلا من وراء حجاب - وغيرهن من النساء لسن كذلك لأنه لا بأس أن ينظر الرجل - المملوك للغير - من المرأة التي لا رحم بينه وبينها وليست عليه بمحرمة إلى وجهها وكفيها.\nوقد قال الله - ﷿ -","vol":"1","page":178},{"text":"﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ فأبيح للناس - أي من الرقيق والأتباع والذين لم يبلغوا الحلم من الأحرار - أن ينظروا إلى ما ليس بمحرم عليهم من النساء إلى وجوههن وأكفهن وحرم ذلك عليهم من أزواج النبي - ﷺ - لما نزلت آية الحجاب ففضلن بذلك على سائر الناس ... قال عمر قلت يا رسول الله يدخل عليك البر والفاجر - من العبيد - فلو حجبت أمهات المؤمنين فأنزل الله ﷿ آية الحجاب ...، عن أنس بن مالك قال \"لما أنزلت آية الحجاب جئت أدخل كما أدخل؛ فقال النبي - ﷺ -: رويدا وراءك يا بني\" ... ثم رأينا العبد حرام عليه في قولهم جميعا أن ينظر إلى صدر المرأة مكشوفا أو إلى ساقيها، سواء كان رقه لها أو لغيرها، فلما كان - عبدها - فيما ذكرنا كالأجنبي منها - أي في نظره لصدرها وساقها كالعبد المملوك لغيرها - لا كذي رحمها المحرم عليها، كان في النظر إلى شعرها أيضا كالأجنبي - العبد المملوك لغيرها - لا كذي رحمها المحرم عليها، فهذا هو النظر في هذا الباب وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد رحمهم الله تعالى وقد وافقهم في ذلك من المتقدمين الحسن والشعبي حدثنا ... عن الشعبي ويونس عن الحسن أنهما كرها أن ينظر العبد إلى شعر مولاته. اهـ\nومما يشهد أنه لايباح للمرأة أن تكشف وجهها لمطلق الرجال الأجانب في مذهب أبي حنيفة علاوة على ما سبق بسطه في البحوث السابقة:\nما جاء في البحر الرائق لابن نجيم (٣/ ٣٤٥): ولو شتمت أجنبيا كان جناية، وكذا لو كشفت وجهها لغير محرم لأنه لا يجوز النظر والكشف بلا ضرورة.","vol":"1","page":179},{"text":"وفي الدر المختار شرح تنوير الأبصار (٤/ ٧٧): يعزر المولى عبده، والزوج زوجته ولو صغيرة لما سيجيء. . . أو كشفت وجهها لغير محرم.\nوجاء في غمز عيون البصائر لأحمد بن محمد الحنفي (٢/ ١٠٧): قال في فصل التعزير: قال الولوالجي في فتاواه للزوج أن يضرب زوجته على أربعة أشياء وما في معناها ... ومنه ما إذا كشفت وجهها لغير محرم. أهـ\nفلو لم تكن تغطية الوجه واجبة على المرأة؛ لما كان كشفها عن وجهها جناية تستحق التعزير عليها؟!\n٢) ثم استشهد الشيخ الألباني في مذهب الإمام مالك بقول ابن عبد البر؛ الذي يتبين بالرجوع إليه أنه عن استتار المرأة في الصلاة وفي بيتها أمام من يحل له الدخول عليها والنظر إليها دون حجاب:\nقال ابن عبد البر في التمهيد (٦/ ٣٦٣ - ٣٦٩): وقد أجمعوا أنه من صلى مستور العورة فلا إعادة عليه وإن كانت امرأة فكل ثوب يغيب ظهور قدميها ويستر جميع جسدها وشعرها فجائز لها الصلاة فيه ... والأصل في هذا الباب أن أم سلمة سئلت ماذا تصلي فيه المرأة من الثياب فقالت تصلي في الدرع والخمار السابغ الذي يغيب ظهور قدميها ... عن عائشة أن رسول الله - ﷺ - قال (لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار) قال أبو عمر- ابن عبد البر- اختلف العلماء في تأويل قول الله ﷿ ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ فروي عن ابن عباس وابن عمر إلا ما ظهر منها \"الوجه والكفان\" ... وعلى قول ابن عباس","vol":"1","page":180},{"text":"وابن عمر الفقهاء في هذا الباب فهذا ما جاء في المرأة وحكمها في الاستتار في صلاتها وغير صلاتها، وأما الرجل فإن أهل العلم يستحبون أن يكون على عاتق الرجل ثوب إذا لم يكن متزرا لئلا تقع عينه على عورة نفسه. اهـ\nاستشهاد ابن عبد البر بآية النور ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ بعد أن بيّن الأصل في باب ستر العورة في الصلاة يشهد لما ذكرنا وما سيأتي تفصيله من أن هذه الآية تبين عورة المرأة واستتارها في بيتها أمام من أبيح له الدخول عليها دون حجاب من العبيد المملوكين للغير ونحوهم؛ ولذلك قال (فهذا ما جاء في المرأة وحكمها في الاستتار في صلاتها وغير صلاتها) ولم يقل في حجابها، فمراده استتارها في بيتها أمام من يحل له الدخول عليها والنظر إليها ولم يتطرق لخروجها من بيتها واحتجابها من الرجال الأجانب!\nومما يؤكد ذلك أن ابن عبد البر بيّن حكم احتجاب المرأة من الرجال الأجانب في موضع آخر وفرق بينه وبين الاستتار من المحارم فقال في التمهيد (٨/ ٢٣٥): احتجاب النساء من الرجال لم يكن في أول الإسلام وأنهم كانوا يرون النساء ولا يستتر نساؤهم عن رجالهم إلا بمثل ما كان يستتر رجالهم عن رجالهم حتى نزلت آيات الحجاب ... فأنزل الله ﷿ ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ الأحزاب: ٥٣ وأنزل الله ﷿ ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ النور: ٢٧ ثم نزلت ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ","vol":"1","page":181},{"text":"لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ الأحزاب: ٥٩ فأمر النساء بالحجاب ثم أمرن عند الخروج أن يدنين عليهن من جلابيبهن وهو القناع، وهو عند جماعة العلماء في الحرائر دون الإماء، وفيه أيضا أن ذوي المحارم من النسب والرضاع لا يحتجب منهم ولا يستتر عنهم إلا العورات، والمرأة في ما عدا وجهها وكفيها عورة بدليل أنها لا يجوز لها كشفه في الصلاة. اهـ\nوهذا القول شاهد لما ذكرنا وما سيأتي بيانه؛ فبعد أن ذكر أن الحجاب مختص بالحرائر ويكون بالتقنع وتغطية الوجه بالجلباب؛ ذكر أن المحارم لا يحتجب منهم ولا يستر عنهم إلا العورة، والمرأة فيما عدا وجهها وكفيها عورة، أي أنه لا يجوز لها كشف ما عداهما للمحارم قياسا على ما لا يجوز لها كشفه في الصلاة.\nثم استشهد الشيخ الألباني بقول الإمام مالك لما سئل\" هل تأكل المرأة مع غير ذي محرم منها أو مع غلامها؟ فقال مالك: ليس بذلك بأس إذا كان ذلك على وجه ما يُعرفُ للمرأة أن تأكل معه من الرجال قال: وقد تأكل المرأة مع زوجها ومع غيره ممن يؤاكله\". اهـ قال الباجي في\" المنتقى شرح الموطأ\" عقب هذا النص: \" يقضي أن نظر الرجل إلى وجه المرأة وكفيها مباح لأن ذلك يبدو منها عند مؤاكلتها\"ـ\nوالجواب عليه بالآتي:\nننقل أولا قول الإمام مالك من الموطأ (٢/ ٩٣٤) \" سئل مالك هل تأكل المرأة مع ذي محرم منها أو مع غلامها فقال مالك: ليس بذلك بأس إذا كان ذلك على وجه","vol":"1","page":182},{"text":"ما يُعرفُ للمرأة أن تأكل معه من الرجال، قال وقد تأكل المرأة مع زوجها ومع غيره ممن تؤاكله أو مع أخيها على مثل ذلك، ويكره للمرأة أن تخلو مع الرجل ليس بينه وبينها حرمة\".اهـ\nفالمراد بقول الإمام مالك هو جواز مؤاكلة المرأة لمن يحل له الدخول عليها والنظر إليها دون حجاب ممن لا يعد محرما لها كعبدها وعبد زوجها، فإن هذا ما اتفق عليه شرّاح الحديث؛ أن الإمام مالك إنما أجاز مؤاكلة المرأة لغلامها أو غلام زوجها، وهذا ما تناقله فقهاء المالكية عن إمامهم؛ فلم يقل أحد منهم بجواز مؤاكلة المرأة الحرة للرجل الحر الأجنبي بناء على قول الإمام مالك كما قال الشيخ الألباني!! بل إنهم لم يطلقوا لها جواز مؤاكلة غلامها بل اشترطوا أن يكون وغدا أي قبيحا، فإن لم يكن وغدا وكان له منظر فإنهم لم يجيزوا لها أن تؤاكله:\n- قال أبو بكر الصقلي (ت ٤٥١ هـ) في الجامع لمسائل المدونة (٢٤/ ١٦٠): وقال في الموطأ لا بأس أن تأكل المرأة مع ذي محرم منها أو مع غلامها. قال ابن الجهم: يعني العجوز المتجالة. ولا يخلو رجل مع امرأة ليس بينه وبينها محرم.\n- قال أبو الوليد ابن رشد القرطبي (ت ٥٢٠ هـ) في المقدمات الممهدات (٣/ ٤٦٠): فصل فيما يجوز للرجل أن ينظر إليه من النساء: ولا يجوز لرجل أن يخلو بامرأة ليست منه بمحرم للنهي عن ذلك، ويجوز للرجل أن ينظر إلى المرأة المتجالة؛ ولا يجوز له أن ينظر إلى الشابة إلا لعذر من شهادة أو علاج، أو عند إرادة نكاحها ... فصل ويجوز للعبد أن يرى من سيدته ما يراه ذو المحرم منها؛ إلا","vol":"1","page":183},{"text":"أن يكون له منظرة فيكره أن يرى منها ما عدا وجهها. ولها أن تؤاكله إذا كان وغدا دنيا، يؤمن منه التلذذ بها، بخلاف الشاب الذي لا يؤمن ذلك منه.\n- قال جلال الدين السعدي (ت ٦١٦ هـ) في عقد الجواهر الثمينة (٣/ ١٣٠٥): وعثمان بن عمر الكردي (ت ٦٤٦ هـ) في جامع الأمهات (١/ ٥٦٩): ولا يحل خلوة الرجل بامرأة إذا لم يكن زوجا ولا محرما، ويحرم عليه النظر إلى شيء من بدنها إلا الوجه والكفين من المتجالة، وأما الشابة فلا ينظر إليها أصلًا إلا لضرورة لتحمل شهادة أو علاج وإرادة نكاح، ويجوز لذي المحرم أن يرى منها الوجه والكفين، وكذلك لعبدها إلا أن يكون له منظر فيكره أن يرى ما عدا وجهها، ولها أن تؤاكله إن كان وغدا يؤمن منه التلذذ بها، واستخف في عبد زوجها للمشقة عليها في استتارها منه.\nولنا شاهد من قول الإمام مالك على وجوب تغطية الوجه:\nقال الإمام مالك في المدونة الكبرى (٥/ ٤٦): إن قال لها زوجها أنت طالق ثلاثا فجحدها، قال مالك: \" لا تزين له ولا يرى لها وجها ولا شعرا ولا صدرا إن قدرت على ذلك\".اهـ فإذا كان هذا قول مالك في المطلقة؛ فكيف يقال بأنه يجيز كشف وجه المرأة الأجنبية ومؤاكلتها؟!!\nأما مانقله الشيخ الألباني عن الباجي فالرجوع إلى قوله يبين مراده:","vol":"1","page":184},{"text":"قال أبو الوليد سليمان الباجي (ت ٤٧٤ هـ) في المنتقى شرح الموطأ (٤/ ٣٤٧):\nقول مالك ﵀ (لا بأس أن تأكل المرأة مع ذي محرم) يريد من تأبد تحريمها عليه كالأب والابن والأخ والعم والخال لأنه ليس في مؤاكلتها له أكثر من النظر إلى وجهها وكفيها. وقوله (ومع غلامها) يريد عبدها وذلك لما قلناه من أن الأكل ليس فيه إلا النظر إلى الوجه والكفين وذلك مباح للعبد وأما نظره إلى شعرها فاختلف فيه العلماء ... وقوله (وقد تأكل المرأة مع زوجها وغيره ممن تؤاكله أو مع أخيها على مثل ذلك) يقتضي أن نظر الرجل إلى وجه المرأة وكفيها مباح؛ لأن ذلك يبدو منها عند مؤاكلتها وقد اختلف الناس في ذلك، والأصل فيه قول الله ﵎ ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ ... وفي ذلك دليل على أن الوجه والكفين يجوز للقربى أن يروه من المرأة. اهـ\nفقوله (يجوز للقربى) يكشف أنه لايعني الرجال الأجانب الذين تحتجب منهم المرأة؛ ولذا فتعقيبه على قول الإمام مالك (وقد تأكل المرأة مع زوجها وغيره ممن تؤاكله أو مع أخيها) بقوله (يقتضي أن نظر الرجل إلى وجه المرأة وكفيها مباح) يعني أنه مباح لكل من أبيح له الدخول عليها دون حجاب من العبيد المملوكين سواء كان العبد لها أو لزوجها أو لأخيها ممن يدخل عليها ويؤاكلهم.\nيشهد لصحة ما ذكرنا قوله عن كشف المرأة لوجهها في موضع آخر من المنتقى (١/ ٤) عند شرحه لحديث عائشة ﵂ قالت (كن نساء المؤمنات","vol":"1","page":185},{"text":"يشهدن مع رسول اللَّه - ﷺ - صلاة الفجر متلفعات بمروطهنّ (^١) ثم ينقلبن إلى بيوتهن حين يقضين الصلاة لا يُعرفن من الغلس (^٢» (^٣) قال الباجي: يجوز أن يبيح لهن كشف وجوههن أحد أمرين: إما أن يكون ذلك قبل نزول الحجاب، أو يكون بعده لكنهن أمِنَّ أن تُدرك صورهن من شدة الغلس فأبيح لهن كشف وجوههن.\n٣) استشهد الشيخ الألباني في مذهب الإمام الشافعي بقول البغوي في شرح السنة (٩/ ٢٣ - ٢٤): \"فإن كانت أجنبية حرة فجميع بدنها عورة في حق الرجل لا يجوز له أن ينظر إلى شيء منها إلا الوجه واليدين إلى الكوعين وعليه غض البصر عن النظر إلى وجهها ويديها أيضا عند خوف الفتنة ... فأما القصد إلى النظر، فلا يجوز لغير غرض، وهو أن يريد نكاح امرأة، أو شراء جارية، أو تحمل شهادة عليها، فيتأملها\". اهـ.\nفيجاب عليه بأن مراده بالرجل هنا؛ من أباح له الشرع الدخول على المرأة والنظر إليها دون حجاب من العبيد والأتباع كما أسلفنا وليس مراده جواز كشف المرأة الحرة وجهها للرجال الأحرار الأجانب، ومما يؤكد ذلك؛ قوله عن حكم احتجاب المرأة الحرة من الأحرار الأجانب في تفسيره معالم التنزيل\n_________\n(^١) المرط: كساء من خز أو صوف يؤتزر به وتتلفع به المرأة (المصباح المنير ٢/ ٥٦٩)، (المعجم الوسيط ٢/ ٨٦٤)\n(^٢) الغلس: ظلمة آخر الليل (القاموس المحيط ١/ ٧٢٣)\n(^٣) صحيح البخاري ١/ ٢١٠ (٥٥٣) صحيح مسلم ١/ ٤٤٦ (٦٤٥).","vol":"1","page":186},{"text":"(٣/ ٥٤١): ولما نزلت آية الحجاب ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ الأحزاب: ٥٣ قال الآباء والأبناء والأقارب: ونحن أيضا نكلمهن من وراء الحجاب؟ فأنزل الله: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلَا أَبْنَائِهِنَّ وَلَا إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ﴾ الأحزاب: ٥٥ أي لا إثم عليهن في ترك الاحتجاب من هؤلاء ﴿وَلَا نِسَائِهِنَّ﴾ ... ﴿وَلَا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ ... ﴿وَاتَّقِينَ اللَّهَ﴾ أن يراكن غير هؤلاء. إلى أن قال (٣/ ٥٤٤): ثم نهى الحرائر أن يتشبهن بالإماء فقال جل ذكره ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ الأحزاب: ٥٩ جمع الجلباب وهو الملاءة التي تشتمل بها المرأة فوق الدرع والخمار وقال ابن عباس وأبو عبيدة أمر نساء المؤمنين أن يغطين رؤوسهن ووجوههن بالجلابيب إلا عينا واحدة. اهـ\nولنا شاهد من قول الشافعي كما جاء في المجموع للنووي (٨/ ٧٥): قال الشافعي في الأم، والأصحاب؛ يستحب للمرأة أن تسعى في الليل لأنه أستر وأسلم لها ولغيرها من الفتنة، فإن طافت نهارا جاز، وتسدل على وجهها ما يستره. اهـ\n٤) وفي مذهب الإمام أحمد أشار الشيخ الألباني إلى ما سبق أن نقله عن ابن هبيرة وابن قدامة والمرداوي؛ والذي بينا أنه عن عورة المرأة في الصلاة، واستشهدنا من أقوالهم عن عورة النظر بما يأتي:","vol":"1","page":187},{"text":"(ابن هبيرة) قال إبراهيم بن محمد بن مفلح في المبدع (١/ ٣٦٢): الحرة البالغة كلها عورة حتى ظفرها، ذكر ابن هبيرة أنه المشهور، وقال القاضي وهو ظاهر كلام أحمد لقول النبي - ﷺ - المرأة عورة.\n(ابن قدامة) المغني لابن قدامة (٧/ ٧٨): فأما نظر الرجل إلى الأجنبية من غير سبب فإنه محرم إلى جميعها في ظاهر كلام أحمد.\n(المرداوي) الإنصاف للمرداوي (٨/ ٢٧ - ٢٩): فلا يجوز له النظر إلى الأجنبية قصدا وهو صحيح وهو المذهب ... واختاره الشيخ تقي الدين فقال أصح الوجهين لا يجوز كما أن الراجح في مذهب الإمام أحمد ﵀ أن النظر إلى وجه الأجنبية من غير حاجة لا يجوز.\nويكفي صريح قول الإمام أحمد كما في الفروع (٨/ ١٨٦): (ظُفُر المرأة عورة فإذا خرجت فلا يبين منها شيء ولا خُفُّها فإن الخُفَّ يصِفُ القدم وأحبُّ إلي أن تجعل لِكُمِّها زرًّا عند يدها لا يبِين منها شيء).\nخامسا: احتج الشيخ الألباني بما تناقلته بعض كتب الفقه: \" لأن الحاجة تدعو إلى كشف الوجه للبيع والشراء والكفين للأخذ والإعطاء \"وذكر ممن قال ذلك كابن قدامة والشوكاني وابن نجيم؛ وقد سبق أن بينا في مناقشة البحث الأول أن المراد هو الحاجة للمعاملة مع من لم يضرب دونهم الحجاب؛ وهم العبيد المملوكون، ومن لم يؤمرن بحجاب وهن الإماء. وليس المراد الرجال الأحرار الأجانب الذين ضرب دونهم الحجاب ومنعوا من النظر إليها والمعاملة معها بقوله","vol":"1","page":188},{"text":"تعالى ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ ... الأحزاب: ٥٣ وبينا ما يشهد لما ذكرنا من أن المراد؛ المعاملة مع هؤلاء:\nكما جاء في المبسوط للسرخسي ١٠/ ١٥٨ (ت ٤٨٣ هـ): وحديث أم سلمة ﵂ (إذا كان لإحداكن مكاتب (^١) وكان عنده ما يؤدي فلتحتجب منه) (^٢) محمول على الاحتجاب لمعنى زوال الحاجة فإن قبل ذلك تحتاج إلى المعاملة معه بالأخذ والإعطاء فتبدي وجهها وكفها له وقد زال ذلك بالأداء فلتحتجب.\nوما جاء في قواطع الأدلة في الأصول لأبي المظفر السمعاني ٢/ ٨٢ (ت ٤٨٩ هـ): فإن الجارية سلعة تباع وتشترى وبالناس حاجة إلى النظر إلى وجهها وشعرها عند المعاملات فأعرض الشرع عن خوف الفتنة لوقوع الحاجة، بخلاف الحرة فإن الأصل أنها عورة فالشرع حرم النظر سواء كانت شوهاء أو حسناء حسما للباب وسدا له وزيادة احتياط للأمور.\nسادسا: لم يجد الشيخ الألباني ما يستشهد به من أقوال الأئمة الأربعة مسندة إليهم ليحتج بها على إباحتهم كشف المرأة وجهها للرجال الأجانب؛ ولينفي أن أقوالهم المنسوبة إليهم هي عن عورة المرأة في الصلاة؛ إلا أقوالهم\n_________\n(^١) (المكاتب) هو الذي تعاقد مع سيده على مبلغ من المال إذا أداه أصبح حرا.\n(^٢) سنن أبي داود ٤/ ٢١ (٣٩٢٨) جامع الترمذي ٣/ ٥٦٢ (١٢٦١) وقال حسن صحيح.","vol":"1","page":189},{"text":"عن كيفية ستر المرأة لوجهها حال إحرامها لما هو معلوم من نهي المحرمة من تغطية وجهها بالشّد عليه بالبرقع والنقاب (^١).\nولا يصح الاحتجاج بهذا النهي على جواز كشف المرأة لوجهها للرجال الأجانب حال إحرامها فضلا أن يحتج به على جواز كشفه حال حلِّها؛ لأنه لم يرد النهي عن تغطيتها لوجهها مطلقا، بل هي مأمورة بتغطية وجهها بسدل الثوب عليه من فوق رأسها، وإنما نُهيت عن عطف الثوب على أنفها وشدّه على وجهها للتلثم والتبرقع، فالمنهي عنه هو طريقة التغطية وليس التغطية نفسها، ومما يشهد لذلك الآثار الآتية:\n١ - صح عن عائشة ﵂ أنها قالت \" تسدل المحرمة جلبابها من فوق رأسها على وجهها\" (^٢). وهذه الرواية مما لم يتطرق لها الشيخ الألباني بذكر!\nوصح عنها أنها قالت \"كان الركبان يمرون بنا ونحن مع رسول الله - ﷺ - محرمات فإذا حاذوا بنا سدلت إحدانا جلبابها من رأسها على وجهها فإذا جاوزونا\n_________\n(^١) قال أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد في جمهرة اللغة (١/ ٣٧٥): والنقاب: نقاب المرأة إِذا رفعت المقنعة على أنفها.\n(^٢) سنن سعيد بن منصور، مسائل الإمام أحمد رواية أبي داود (٧٣١) صحح إسناده ابن حجر في فتح الباري ٣/ ٤٠٦. والتويجري في الرد القوي / ٢٤٦، وعبد العزيز الطريفي في الحجاب في الشرع والفطرة /١٠١.","vol":"1","page":190},{"text":"كشفناه\". (^١) وفي رواية: \"سدلنا الثوب على وجوهنا من خلفنا ولم يجئ من ها هنا يعني من قبل خديها فإذا جاوزنا نزعناه \". (^٢)\nوصح عنا أنها قالت \" المحرمة تلبس من الثياب ما شاءت إلا ثوبًا مَسَّه ورس أو زعفران، ولا تتبرقع ولا تَلَثَّم وتسدل الثوب على وجهها إن شاءت\". (^٣)\n٢ - صح عن ابن عباس - ﵁ - قال (تدلي عليها من جلبابها ولا تضرب به) قلت وما لا تضرب به؟ فأشار إلى كما تجلبب المرأة ثم أشار إلى ما على خدها من الجلباب فقال (لا تعطفه فتضرب به على وجهها فذلك الذي يبقى عليها، ولكن تسدله على وجهها كما هو مسدولا، ولا تقلبه، ولا تضرب به، ولا تعطفه) (^٤).\n٣ - صح عن أسماء بنت أبي بكر الصديق ﵄ قالت\" كنا نغطي وجوهنا من الرجال وكنا نتمشط قبل ذلك في الإحرام\" (^٥)\n٤ - صح عن فاطمة بنت المنذر أنها قالت كنا نخمر وجوهنا ونحن محرمات ونحن مع أسماء بنت أبي بكر الصديق. (^٦)\n_________\n(^١) مسند أحمد (٢٤٠٢١)، سنن أبي داود (١٨٣٣)، حسنه ابن حجر في تخريج مشكاة المصابيح ٣/ ١٠٦، وصححه علي القاري في مرقاة المفاتيح ٥/ ١٨٥٢، وصححه الألباني في حجاب المرأة /٣٣ وفي مشكاة المصابيح ٢/ ٨٢٣ وفي حجاب المرأة ولباسها في الصلاة لابن تيمية (ص: ٣٣).\n(^٢) المنتقى لابن الجارود (٤١٨)، مسند إسحاق بن راهويه (١١٨٩) واللفظ له.\n(^٣) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٨٨٣٢) صححه الألباني في إرواء الغليل ٤/ ٢١٢.\n(^٤) أبو داود في مسائله / ١١٠، الشافعي في الأم ٢/ ١٤٩ واللفظ له، وصححه الألباني في الرد المفحم /١٠.\n(^٥) صحيح ابن خزيمة ٤/ ٢٠٣ (٢٦٩٠) المستدرك على الصحيحين ١/ ٦٢٤ (١٦٦٨) وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، وصححه الألباني في إرواء الغليل ٤/ ٢١٢.\n(^٦) موطأ مالك ١/ ٣٢٨ (٧١٨) وصححه الألباني في إرواء الغليل ٤/ ٢١٢.","vol":"1","page":191},{"text":"٥ - صح عن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق قال\" تلبس المحرمة السراويل والقفازين وتخمر وجهها كله\". (^١)\nفهذه الروايات تؤكد أن المنهي عنه حال الإحرام هو الشد على الوجه بالنقاب والبرقع واللثام وليس المنهي عنه ستر الوجه مطلقا.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (٢٢/ ١٤٩ - ١٥٠): وأما المرأة فإنها لم تنه عن شيء من اللباس لأنها مأمورة بالاستتار والاحتجاب فلا يشرع لها ضد ذلك، لكن منعت أن تنتقب ... وقد تنازع الفقهاء هل وجهها كرأس الرجل أو كيديه على قولين في مذهب أحمد وغيره فمن جعل وجهها كرأسه أمرها إذا سدلت الثوب من فوق رأسها أن تجافيه عن الوجه كما يجافى عن الرأس ما يظلل به. ومن جعله كاليدين وهو الصحيح قال هي لم تنه عن ستر الوجه وإنما نهيت عن الانتقاب.\nقال ابن حزم (ت ٤٥٦ هـ) في المحلى (٧/ ٩٢): وما نهيت المرأة عن تغطية وجهها بل هو مباح لها في الإحرام وإن نهيت عن النقاب فقط.\nقال ابن عبدالبر في التمهيد (ت ٤٦٣ هـ) (١٥/ ١٠٨): وأجمعوا أن إحرامها في وجهها دون رأسها وأنها تخمر رأسها وتستر شعرها وهي محرمة، وأجمعوا أن لها\n_________\n(^١) مصنف ابن أبي شيبة ٣/ ٤٣٤ (١٥٧٢٤) بإسناد متصل ورجاله ثقات، والقاسم هو القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق أحد الفقهاء السبعة.","vol":"1","page":192},{"text":"أن تسدل الثوب على وجهها من فوق رأسها سدلا خفيفا تستتر به عن نظر الرجال إليها.\nقال صدر الدين عليّ بن أبي العز الحنفي (ت ٧٩٢ هـ) في التنبيه على مشكلات الهداية (٣/ ١٠٠٦): فإن النبي لم يشرع للمرأة كشف الوجه للرجال في الإحرام ولا غيره خصوصًا عند خوف الفتنة، وإنما جاء النص بالنهي عن النقاب خاصًا، كما جاء النهي عن القفازين ... وقد تقدم أن القول بأن إحرام المرأة في وجهها إنما هو من كلام ابن عمر ... فالذي دلت عليه السنة أن وجه المرأة كبدن الرجل يحرم ستره بالمفصل على قدره كالنقاب، والبرقع، بل وكيدها يحرم سترها بالمفصل على قدر اليد كالقفاز، وأما سترها بالكم، وستر الوجه بالملحفة، والخمار ونحوهما فلم تنه عنه المرأة: البتة.\nقال الشوكاني في السيل الجرار (٢/ ١٨٠): وأما تغطية وجه المرأة فلما روي أن إحرام المرأة في وجهها ولكنه لم يثبت ذلك من وجه يصلح للاحتجاج ... فليس في المنع من تغطية وجه المرأة ما يتمسك به والأصل الجواز حتى يرد الدليل الدال على المنع. اهـ\nوقد أطلق بعض أهل العلم جواز تغطية وجه المحرمة بالسدل عليه وإن لم تكن بحضرة رجال أجانب؛ وقيّده البعض الآخر فقال إن لم تكن بحضرة رجال أجانب فلا تسدل، أي فلا يشرع لها إدامة تغطية وجهها إلا للستر من الرجال، وهذا خلاصة ما ذهب إليه الأئمة الأربعة في أقوالهم التي استشهد بها الشيخ الألباني على أنهم يخيرون بها المرأة بين الكشف أو السدل!!","vol":"1","page":193},{"text":"١) في مذهب الإمام أبي حنيفة نقل الشيخ الألباني قول محمد بن الحسن\" ولا ينبغي للمرأة المحرمة أن تنتقب فإن أرادت أن تغطي وجهها فلتسدل الثوب سدلًا من فوق خمارها\"\nوهذا ليس فيه إباحة كشف وجه المرأة المحرمة للرجال الأجانب! فإنه إنما بين أن تغطية وجهها تكون بسدل الثوب عليه من فوق خمارها، وليس لها أن تنتقب برد طرف الجلباب من أسفل وعطفه وشده على الوجه، هذا كل ما يعنيه قول محمد بن الحسن، أما ما فهمه الشيخ من قوله (إذا أرادت) أنه للتخيير؛ فغير صحيح! لأن المراد به هو الشروع في الفعل، أي إذا شرعت بتغطية وجهها لكونها على مرأى من رجال أجانب فلتسدل الغطاء من فوق رأسها. كقولك (إذا أردتِ أن تصلي فالبسي الرداء، أو إذا أردت أن تصلي فصل إلى سترة) فهل يفهم من ذلك التخيير في الصلاة؟!\n٢) استشهد الشيخ الألباني بقول الإمام مالك\" فإن كانت لا تريد سترًا فلا تسدل\" على أنه يخير المرأة كذلك بين الستر أو الكشف!!\nوقول الإمام مالك كما في المدونة الكبرى (٢/ ٤٦١): قلت له أرأيت لو أن محرما غطى وجهه أو رأسه ما قول مالك فيه؟ قال: قال مالك إن نزعه مكانه فلا شيء عليه، وإن تركه لم ينزعه مكانه حتى انتفع به افتدى. قلت: وكذلك المرأة إذا غطت وجهها؟ قال: نعم إلا أن مالكا كان يُوسع للمرأة أن تسدل رداءها من فوق رأسها على وجهها إذا أرادت سترا، فإن كانت لا تريد سترا فلا تسدل. اهـ","vol":"1","page":194},{"text":"فإن الذي ينبغي أن يفهم من قوله؛ أن الإمام مالك يرى أن المرأة لا ينبغي لها أن تغطي وجهها حال إحرامها إلا للستر من الرجال الأجانب، أما إن لم تكن على مرأى من رجال أجانب فلا ينبغي لها أن تغطي وجهها، وهذا ما فهمه الشرّاح عن الإمام مالك:\nقال الباجي في المنتقى شرح الموطأ (٢/ ٢٠٠): وإنما يجوز أن يخمرن وجوههن على ما ذكرنا بأن تسدل ثوبا على وجهها تريد الستر، ولا يجوز أن تسدله لحر ولا لبرد. قال الزرقاني في شرحه على موطأ الإمام مالك (٢/ ٣١٤): يجوز للمرأة المحرمة ستر وجهها بقصد الستر عن أعين الناس بل يجب إن علمت أو ظنت الفتنة بها أو ينظر لها بقصد لذة، قال ابن المنذر أجمعوا على أن المرأة تلبس المخيط كله والخفاف وإن لها أن تغطي رأسها وتستر شعرها إلا وجهها فتسدل عليه الثوب سدلا خفيفا تستر به عن نظر الرجال.\n٣) استشهد الشيخ الألباني بقول الإمام الشافعي\" المحرمة لا تخمِّر وجهها إلا أن تريد أن تستر وجهها فتجافي ... \" اهـ\nوقول الإمام الشافعي كما في الأم (٢/ ٢١٩): وتلبس المرأة السراويل والخفين والقميص والخمار وكل ما كانت تلبسه غير محرمة إلا ثوبا فيه طيب ولا تخمر","vol":"1","page":195},{"text":"وجهها وتخمر رأسها إلا أن تريد أن تستر وجهها فتجافي الخمار (^١) ثم تسدل الثّوب على وجهها. اهـ\nومراده أيضا كقول الإمام مالك؛ أن المحرمة لا تغطي وجهها إلا للستر من الرجال، ومما يشهد لذلك ويبين أنها مأمورة بالستر عن الرجال لا مخيّرة:\nقول الشافعي في مختصر المزني (١/ ٦٥): والمرأة في ذلك كالرجل إلا ما أمرت به من الستر وأستر لها أن تخفض صوتها بالتلبية وإن لها أن تلبس القميص والقباء والدرع والسراويل والخمار والخفين والقفازين وإحرامها في وجهها فلا تخمره وتسدل عليه الثوب وتجافيه عنه.\nوقال النووي في المجموع (٨/ ٧٥): قال الشافعي في الأم والأصحاب يستحب للمرأة أن تسعى في الليل لأنه أستر وأسلم لها ولغيرها من الفتنة فان طافت نهارا جاز، وتسدل على وجهها ما يستره.\n_________\n(^١) هل يصح اشتراط المجافاة في الساتر: المدونة الكبرى لمالك (٢/ ٤٦١): قلت: فهل كان مالك يأمرها إذا أسدلت رداءها أَن تجافيه عن وجهِها؟ قال ما علمت إنه كان يأمرها بذلك. قلت: فإن أصاب وجهها الرداء؟ قال ما علمت أَن مالكا ينهى عن أن يصيب الرداء وجهها إذا أسدلته.\nالمغني (٣/ ١٥٤): وذكر القاضي أن الثوب يكون متجافيا. . . ولم أر هذا الشرط عن أحمد ولا هو في الخبر، مع أن الظاهر خلافه فإن الثوب المسدول لا يكاد يسلم من إصابة البشرة فلو كان هذا شرطا لبين.\nعون المعبود (٥/ ٢٠١): وفي نيل الأوطار لكن إذا سدلت يكون الثوب متجافيا عن وجهها بحيث لا يصيب البشرة هكذا قال أصحاب الشافعي وغيرهم وظاهر الحديث خلافه لأن المسدول لا يكاد يسلم من إصابة البشرة فلو كان التجافي شرطا لبينه - ﷺ -.","vol":"1","page":196},{"text":"وفي معرفة السنن والآثار (٤/ ٩): قال الشافعي والمرأة في تلبيتها مثل الرجل إلا أنها لا ترفع الصوت بالتلبية لذهاب أكثر أهل العلم إلى ذلك، وأنها مأمورة بالخفر (^١) والتستر عن كل ما دعى إلى الشهوة من الرجال.\n٤) استشهد بقول الإمام أحمد\" المحرمة لا تخمِّر وجهها ولا تتنقب والسدل ليس به بأس تسدل على وجهها\" قال الشيخ الألباني فقوله\" ليس به بأس\" يدل على جواز السدل.\nوقول الإمام أحمد كما في مسائله رواية ابنه أبي الفضل (١/ ٣١٠): بيان معنى إحرام المرأة في وجهها: وسألته عمن قال إحرام المرأة في وجهها ما معناه كأنها لا تجتنب الزينة إلا في وجهها أو كيف؟ قال لا تخمر وجهها ولا تنتقب والسدل ليس به بأس تسدل على وجهها. اهـ\nفقول الإمام أحمد (ليس به بأس) عائد على طريقة التغطية لا على التغطية نفسها. أي ليس في السدل المحظور وهو الشد، وقد روي عن الإمام أحمد ما يبين أن هذا السدل واجب وليس جائز: ففي مسائل ابن هانئ (١/ ١٥٧): سألت أبا عبد الله عن المرأة المحرمة تسدل ثوبها على وجهها؟ قال: تسدله على وجهها إذا لقيت الرفاق، فإذا جاوزت الرفاق كشفت عن وجهها. اهـ\n_________\n(^١) الخفر: الحياء (النهاية في غريب الأثر ٢/ ٥٣).","vol":"1","page":197},{"text":"وبذلك تبين خطأ الشيخ الألباني فيما نسبه للأئمة من تخيير المحرمة بين تغطية الوجه أو الكشف؟! إذ لم يحمل أحد ممن سبقه أقوال الأئمة عليه!\nقال البغوي في شرح السُنَّة (٧/ ٢٤٠): فإن احتاجت إلى ستر الوجه لحر أو برد، أو منع أبصار الأجانب، سدلت ثوبا على وجهها. وممن قال: تسدل الثوب، عطاء، وهو قول مالك، والثوري، والشافعي، وأحمد، وإسحاق.\nقال ابن قدامة في المغني (٣/ ١٥٤): فأما إذا احتاجت إلى ستر وجهها لمرور الرجال قريبا منها فإنها تسدل الثوب من فوق رأسها على وجهها روي ذلك عن عثمان وعائشة وبه قال عطاء ومالك والثوري والشافعي وإسحاق ومحمد بن الحسن ولا نعلم فيه خلافا. اهـ\nولهذا لم يقل أحد من فقهاء المذاهب بناء على أقوال أئمتهم بأن المحرمة مخيرة بين السدل أو الكشف إذا كانت على مرأى من رجال أجانب:\n* مذهب الإمام أحمد:\n- شرح العمدة (٣/ ٢٦٨): فإن احتاجت إلى ستر الوجه مثل أن يمر بها الرجال وتخاف أن يروا وجهها فإنها ترسل من فوق رأسها على وجهها ثوبا.\n- كشاف القناع (٢/ ٤٤٧): فإن غطته لغير حاجة فدت، والحاجة كمرور رجال قريبا منها تسدل الثوب من فوق رأسها على وجهها.","vol":"1","page":198},{"text":"- منار السبيل (١/ ٢٣٧): فإن احتاجت لتغطيته لمرور الرجال قريبا منها سدلت الثوب من فوق رأسها لا نعلم فيه خلافا.\n- كشف المخدرات (١/ ٣٠٦): وتجتنب تغطية الوجه لكن تسدل عليه لحاجة كمرور رجال قريبا.\n- شرح الزركشي (١/ ٤٩٥): إذا احتاجت المرأة لستر وجهها حذارًا من رؤية الرجال سدلت على وجهها ثوبًا ونحوه.\n* مذهب الإمام الشافعي:\n- أبو الحسين يحيى العمراني (ت: ٥٥٨ هـ) في البيان في مذهب الإمام الشافعي (٤/ ١٥٤): وإذا أحرمت المرأة .. فإنه لا يجب عليها كشف رأسها، ولكن لا يجوز لها تغطية وجهها، ولسنا نريد بذلك أنها تبرزه للناس - أي ليس المراد أنها تظهره للرجال - وإنما نريد أنها لا تغطيه ... فإن أرادت المرأة أن تستر وجهها عن الناس عقدت الثوب على رأسها، وسدلته على وجهها.\n- الإقناع للماوردي (١/ ٨٩): الثالث تغطية رأس الرجل ووجه المرأة وهو حرام عليهما فإن غطياه عمدا كفرا بدم ولكن لا بأس أن يستظل الرجل سائرا أو نازلا، وتستر المرأة وجهها بما لا يماسه من برقع أو خمار.","vol":"1","page":199},{"text":"- حواشي الشرواني (٤/ ١٦٥): قوله (ولها أن تسدل) بل عليها فيما يظهر، حيث تعيّن طريقا لدفع نظر محرم. قال ع ش بل ينبغي وجوبه ولا ينافيه التعبير بالجواز لأنه جواز بعد منع فيصدق بالواجب.\n* مذهب الإمام أبو حنيفة:\n- البحر الرائق (٢/ ٣٨١): وفي فتاوي قاضيخان ودلت المسألة على أنها لا تكشف وجهها للأجانب من غير ضرورة، وهو يدل على أن هذا الإِرخاء عند الإمكان ووجود الأجانب واجب عليها إن كان المراد لا يحل أن تكشف، فمحمل الاستحباب عند عدمهم.\n- مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر (١/ ٤٢١): وفي شرح الطحاوي؛ الأولى كشف وجهها، لكن في النهاية أن السدل أوجب ودلت المسألة على أن المرأة لا تكشف وجهها للأجانب من غير ضرورة.\n- حاشية ابن عابدين على الدر المختار (٢/ ٥٢٧): (ولو سدلت شيئا عليه وجافته عنه جاز، بل يندب) والمراد بكشف الوجه عدم مماسة شيء له فلذلك يكره لها أن تلبس البرقع لأن ذلك يماس وجهها كذا في المبسوط، وقوله بل يندب أي خوفا من رؤية الأجانب، وعبر في الفتح بالاستحباب لكن صرح في النهاية بالوجوب، وفي المحيط ودلت المسألة على أن المرأة منهية عن إظهار وجهها للأجانب بلا ضرورة ... ووفق في البحر بما حاصله أن محمل الاستحباب عند عدم الأجانب، وأما عند وجودهم فالإرخاء واجب عليها.","vol":"1","page":200},{"text":"* مذهب الإمام مالك:\n- عارضة الأحوذي لابن العربي (٤/ ٥٦): قوله في حديث ابن عمر (ولا تنتقب المرأة) وذلك لأن ستر وجهها بالبرقع فرض، إلا في الحج فإنها ترخي شيئًا من خمارها على وجهها غير لاصق به، وتعرض عن الرجال، ويعرضون عنها.\n- إرشاد المسترشد (٢/ ٦١) باب محظورات الإحرام: وكذلك المرأة لا تغطي وجهها ولا كفيها إلا عند ملاقاة الرجال الأجانب.\n- مواهب الجليل (٣/ ١٤١): قال في الطراز للمرأة أن تستر وجهها عن الرجال فإن أمكنها بشيء في يديها كالمروحة وشبهها فحسن وإن لم يمكنها وكان لها جلباب سدلته على رأسها فإن لم يكن لها جلباب فلها أن تنصب بعض ثوبها تجاهها بيدها ولها أن تلقي كمها على رأسها وتسدل بعضه على وجهها فإن لم تجد إلا خمارها الذي على رأسها فإن كان فيه فضل ترفعه على رأسها فتسدله على وجهها فعلته وإن رفعت حجز خمارها فألقته على رأسها فلا شيء عليها لأن ستر الوجه ولبس المخيط إنما تجب فيه الفدية مع الطول والانتفاع باللبس من حر أو برد وشبهه مما وضع له ذلك اللباس وليس هذا منه في شيء.\nوبذلك ثبت أنه لم ينقل عن الأئمة الأربعة قول ينص على جواز كشف وجه المرأة الحرة للرجال الأحرار الأجانب، بل إن المنقول عنهم يدل على وجوب تغطية الوجه إذا كانت بحضرة رجال أجانب سواء كانت في الصلاة أو خارجها","vol":"1","page":201},{"text":"وسواء كانت محلّة أو محرمة، إلا أنها حال الإحرام تغطي وجهها بالسدل عليه من فوق رأسها ولا تنتقب.\nسابعا: استند الشيخ الألباني في قوله بتخيير المحرمة بين السدل أو الكشف بقول عائشة ﵂\" المحرمة تلبس من الثياب ما شاءت إلا ثوبًا مَسَّه ورس أو زعفران ولا تتبرقع ولا تَلَثَّم وتسدل الثوب على وجهها إن شاءت\" (^١)\nوالذي ينبغي أن يفهم من قول عائشة ﵂ هو؛ تقييد كيفية التغطية بالسدل؛ وإطلاق سببها بقولها \"إن شاءت\" أي متى أرادت أن تغطي وجهها فلتسدل سواء كانت على مرأى من رجال أجانب أو لا، أما أن يفهم أن مراد عائشة من قولها \"إن شاءت\" هو التخيير إذا كانت على مرأى من رجال أجانب فهذا فهم في غاية الضعف!\nثم استشهد الشيخ الألباني على قولها هذا بفعلها وهو ما جاء في حديث عمرتها من التنعيم مع أخيها عبد الرحمن قالت: \" فأردفني خلفه على جمل له قالت: فجعلت أرفع خماري أحسره عن عنقي فيضرب رجلي بعلّة الراحلة قلت له: وهل ترى من أحد\"اهـ. وهذا ليس فيه حجة على جواز الكشف لأنها لم تكن على مرأى من رجال أجانب، يشهد لذلك قولها \" هل ترى من أحد؟ \" وكذلك كشفها عن عنقها؛ فإنها لم تقل بأنها كشفت عن وجهها وإنما رفعت الخمار عن عنقها؛ فهل يقال بجواز كشف العنق للرجال الأجانب؟!!\n_________\n(^١) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٨٨٣٢) صححه الألباني في إرواء الغليل ٤/ ٢١٢.","vol":"1","page":202},{"text":"قال النووي في شرح صحيح مسلم (٨/ ١٥٧): المعنى أنه يضرب رجلها بسوط أو عصا أو غير ذلك حين تكشف خمارها عن عنقها غيرة عليها، فتقول له هي: وهل ترى من أحد؛ أي نحن في خلاء ليس هنا أجنبي أستتر منه. اهـ\nبل إن فعلها الذي يشهد لقولها هو ما أخبرت عنه بقولها: \" كان الركبان يمرون بنا ونحن مع رسول الله - ﷺ - محرمات فإذا حاذوا بنا سدلت إحدانا جلبابها من رأسها على وجهها فإذا جاوزونا كشفناه\". (^١)\nوهناك شاهدا آخر من فعلها في الصحيح لم يتطرق له الشيخ الألباني بذكر! وهو ما أخرجه البخاري في صحيحه عن ابن جريج قال: أخبرني عطاء إذ منع ابن هشام النساء الطواف مع الرجال قال: كيف يمنعهن وقد طاف نساء النبي - ﷺ - مع الرجال، قلت: أبعد الحجاب أو قبل، قال: إي لعمري لقد أدركته بعد الحجاب، قلت: كيف يخالطن الرجال، قال: لم يكن يخالطن، كانت عائشة ﵂ تطوف حَجْرَة (^٢) من الرجال لا تخالطهم، فقالت امرأة انطلقي نستلم يا أم المؤمنين، قالت عنك وأبت، وكن يخرجن متنكرات بالليل فيطفن مع الرجال. (^٣)\n_________\n(^١) مسند أحمد (٢٤٠٢١) سنن أبي داود (١٨٣٣) حسنه ابن حجر في تخريج مشكاة المصابيح ٣/ ١٠٦، وصححه علي القاري في مرقاة المفاتيح (٥/ ١٨٥٢) وصححه الألباني في حجاب المرأة /٣٣ وفي مشكاة المصابيح (٢/ ٨٢٣) وقال في جلباب المرأة / ١٠٨: سنده حسن في الشواهد.\n(^٢) حجرة: أي ناحية من الناس معتزلة وقيل بمعنى محجورا بينها وبين الرجال بثوب ونحوه.\n(^٣) صحيح البخاري ٢/ ٥٨٥ (١٥٣٩).","vol":"1","page":203},{"text":"قال العيني: فيه طواف النساء متنكرات. (^١) قال المهلب: قول عطاء: قد طاف الرجال مع النساء، يريد أنهم طافوا في وقت واحد غير مختلطات بالرجال؛ لأن سنتهن أن يطفن ويصلين وراء الرجال ويستترن عنهم.\n\nثامنا:<span data-type=\"title\" id=toc-38> هل نهي المرأة المحرمة عن النقاب ثابت عن النبي - ﷺ </span>-:\n١) لم يرد نص صحيح مرفوع إلى النبي - ﷺ - على أن إحرام المرأة في وجهها:\nمجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية (٢٦/ ١١٢): ولم ينقل أحد من أهل العلم عن النبي - ﷺ - أنه قال (إحرام المرأة في وجهها) (^٢) وإنما هذا قول بعض السلف.\nحاشية ابن القيم على سنن أبي داود (٥/ ١٩٨ - ١٩٩): فإن قيل فما تصنعون بالحديث المروي عن النبي - ﷺ - أنه قال (إحرام الرجل في رأسه وإحرام المرأة في وجهها) فجعل وجه المرأة كرأس الرجل؟ قيل هذا الحديث لا أصل له ولم يروه أحد من أصحاب الكتب المعتمد عليها ولا يعرف له إسناد ولا تقوم به حجة ولا يترك له الحديث الصحيح الدال على أن وجهها كبدنها وأنه يحرم عليها فيه ما أعد للعضو كالنقاب والبرقع ونحوه لا مطلق الستر كاليدين والله أعلم.\n_________\n(^١) عمدة القاري ٩/ ٢٦٢\n(^٢) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى موقوفا على ابن عمر ٥/ ٤٧ (٨٨٣٠).","vol":"1","page":204},{"text":"معرفة السنن والآثار للبيهقي (٤/ ٧): روينا عن عبد الله بن عمر - ﵁ - أنه قال لا ترفع المرأة صوتها وعنه أنه قال إحرام المرأة في وجهها وإحرام الرجل في رأسه. وروي ذلك عنه في المرأة مرفوعًا ورفعه ضعيف.\n٢) وكذلك ما روي في المنع من النقاب فإنه لم يثبت رفعه إلى النبي - ﷺ -:\nكما بين ذلك البخاري في صحيحة ٢/ ٦٥٣ (١٧٤١): حدثنا نافع عن عبد الله بن عمر ﵄ قال قام رجل فقال يا رسول الَله ماذا تأمرنا أن نلبس من الثياب في الإِحرام فقال النبي - ﷺ - (لا تلبسوا القميص ولا السراويلات ولا العمائم ولا البرانس) إلا أن يكون أحد ليست له نعلان فليلبس الخفّين وليقطع أسفل من الكعبين ولا تلبسوا شيئا مسه زعفران ولا الورس ولا تنتقب المرأة المحرمة ولا تلبس القفازين، تابعه موسى بن عقبة وإسماعِيل بن إبراهيم بن عقبة وجويرية وبن إسحاق في النقاب والقفازين وقال عُبيد الله ولا ورس، وكان يقول لا تتنقب المحرمَة ولا تلبس القفازين، وقال مالك عن نافع عن ابن عمر لا تتنقب المحرمة وتابعه ليث بن أبي سليم.\nقال ابن حجر في فتح الباري (٤/ ٥٣): قوله وقال عبيد الله يعني ابن عمر العمري ولا ورس وكان يقول لا تتنقب المحرمة ولا تلبس القفازين يعني أن عبيد الله المذكور خالف المذكورين قبل في رواية هذا الحديث عن نافع فوافقهم على رفعه إلى قوله زعفران ولا ورس، وفصل بقية الحديث فجعله من قول ابن عمر ... الثقات إذا اختلفوا وكان مع أحدهم زيادة قدمت ولا سيما إن كان حافظا ولا سيما إن كان أحفظ والأمر هنا كذلك فإن عبيد الله بن عمر في نافع","vol":"1","page":205},{"text":"أحفظ من جميع من خالفه وقد فصل المرفوع من الموقوف وأما الذي اقتصر على الموقوف فرفعه فقد شذ بذلك وهو ضعيف وأما الذي ابتدأ في المرفوع بالموقوف فإنه من التصرف في الرواية بالمعنى وكأنه رأى أشياء متعاطفة فقدم وأخر لجواز ذلك عنده ومع الذي فصل زيادة علم فهو أولى، أشار إلى ذلك شيخنا في شرح الترمذي. (^١)\nسنن البيهقي الكبرى (٥/ ٤٧): قال أبو داود ورواه عبيد الله بن عمر ومالك بن أنس وأيوب عن نافع موقوفا على ابن عمر (المحرمة لا تنتقب ولا تلبس القفازين) قال الشيخ وعبيد الله بن عمر ساق الحديث إلى قوله ولا ورس، ثم قال وكان يقول (لا تنتقب المحرمة ولا تلبس القفازين).\n(٨٨٢٩) أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: قال أبو علي الحافظ: لا تنتقب المرأة من قول ابن عمر وقد أدرج في الحديث.\nشرح الزرقاني (٢/ ٣١٤): بينت رواية عبيد الله عن نافع عن ابن راهويه وابن خزيمة أنه مدرج من قول ابن عمر كما أشار إليه البخاري وأيده برواية مالك.\nفخلاصة القول في ذلك: أن نهي المحرمة عن النقاب والقفاز لم يصح رفعه إلى الرسول - ﷺ - والصحيح وقفه على ابن عمر.\n_________\n(^١) وانظر عمدة القاري ١٠/ ٢٠٠، عون المعبود ٥/ ١٩١.","vol":"1","page":206},{"text":"ويؤكد ذلك عدة أمور:\n(١) لو كان النهي عن الانتقاب من قول الرسول - ﷺ - لنصت عليه عائشة ﵂ ولكنها عبرت عنه بالبرقع فقالت فيما صح عنها مما رواه الأسود بن يزيد النخعي عن عائشة ﵂ قالت (تلبس المحرمة ما شاءت إلا البرقع والمتورد بالعصفر) (^١) وقالت في رواية البيهقي \"ولا تتبرقع ولا تلثم\".\nولذلك قال ابن المنذر (ت: ٣١٩ هـ) في الإشراف على مذاهب العلماء (٣/ ٢٢١):\nأما البرقع والنقاب - للمحرمة- فمكروه، لأن كراهية ذلك ثابتة عن سعد وابن عمر وابن عباس وعائشة\".اهـ\nفلو كان النهي نهي رسول الله - ﷺ - لكان مرجع النهي إليه ولم ينسب النهي والكراهة إليهم.\n(٢) أنه لم يرد النص على تسمية ما تغطي به النساء وجوههن؛ نقاب (^٢) على عهد النبي - ﷺ - في حديث صحيح.\n_________\n(^١) قال ابن تيمية في شرح العمدة ٣/ ١٠١ رواه سعيد بن منصور بإسناد صحيح.\n(^٢) قال أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد (ت ٣٢١ هـ) في جمهرة اللغة (١/ ٣٧٥): والنقاب: نقاب المرأة إِذا رفعت المقنعة على أنفها، وفي فقه اللغة وسر العربية للثعالبي (ت ٤٢٩ هـ) (ص/ ١٤٢): \"عن الفراء\" إذا أدنت المرأة نقابها إلى عينيها فتلك الوصوصة. فإذا أنزلته دون ذلك إلى المحجر فهو النقاب. وفي المحكم لأبي الحسن ابن سيده المرسي (ت ٤٥٨ هـ) (٦/ ٤٥٣): والنقاب: القناع على مارن الأنف.","vol":"1","page":207},{"text":"ويؤكد ذلك ما أُثر عن محمد بن سيرين أنه قال (النقاب محدث) كما في غريب الحديث لأبي عبيد بن سلام (٤/ ٤٦٣) قال: حديث محمد بن سيرين أنه قال (النقاب محدث)، النقاب عند العرب هو الذي يبدو منه المحجر، والذي أراد محمد أن يقول إن إبداءهن المحاجر محدث؛ وإنما كان النقاب لاحقا بالعين أو أن يبدوا إحدى العينين والأخرى مستورة، عرفنا ذلك بحديث يحدثه هو عن عبيدة أنه سأله عن قوله عز وعلا ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ قال فقنع رأسه وغطى وجهه وأخرج إحدى عينيه وقال هكذا. فإذا كان النقاب لا يبدو منه إلا العينان فقط فذلك الوصوصة واسم ذلك الشيء الوصواص وهو الثوب الذي يغطى به الوجه. قال وإنما قال هذا محمد لأن الوصاوص والبراقع كانت لباس النساء ثم أحدثن النقاب بعد ذلك. اهـ\nفالذي ينبغي أن تحمل عليه الآثار الواردة في نهي المرأة المحرمة عن البرقع والنقاب؛ أن المراد هو عدم تكشفها بالشد على وجهها وإبداء شيء من وجهها، بل يجب عليها حال إحرامها أن تكون أكثر تسترا بإسدال الثوب على وجهها كله دون كشف للعينين ولا لغيرهما، يشهد لذلك ما صح عن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق قال \" تلبس المحرمة السراويل والقفازين وتخمر وجهها كله\". (^١)\n_________\n(^١) مصنف ابن أبي شيبة ٣/ ٤٣٤ (١٥٧٢٤) بإسناد متصل ورجاله ثقات، والقاسم هو القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق أحد الفقهاء السبعة.","vol":"1","page":208},{"text":"ــ:: تتمة البحث الخامس (٢):: ــ\nقال الشيخ الألباني: قال ابن مفلح في كتابه\" الآداب الشرعية\" (١/ ٣١٦) ما نصه: \" هل يسوغ الإنكار على النساء الأجانب إذا كشفن وجوههن في الطريق؟ ينبني (الجواب) على أن المرأة هل يجب عليها ستر وجهها أو يجب غض النظر عنها؟ وفي المسألة قولان قال القاضي عياض في حديث جرير - ﵁ - قال: سألت رسول الله - ﷺ - عن نظر الفجأة؟ فأمرني أن أصرف بصري. رواه مسلم. قال العلماء رحمهم الله تعالى: وفي هذا حجة على أنه لا يجب على المرأة أن تستر وجهها في طريقها وإنما ذلك سنة مستحبة لها ويجب على الرجل غض البصر عنها في جميع الأحوال إلا لغرض شرعي. ذكره الشيخ محيي الدين النووي ولم يزد عليه\" في\" شرح مسلم\" وأقرَّه ثم ذكر المفلح قول ابن تيمية. . . وقول القاضي عياض الذي نقله المفلح وارتضاه تبعًا للنووي. ثم قال المفلح: \" فعلى هذا هل يشرع الإنكار؟ ينبني على الإنكار في مسائل الخلاف وقد تقدم الكلام فيه فأما على قولنا وقول جماعة من\nالشافعية وغيرهم: إن النظر إلى الأجنبية جائز من غير شهوة ولا خلوة\". قلت: هذا ما قاله هذا الإمام الحنبلي قبل ستة قرون (ت ٧٦٣) تبعًا لمن اقتديت بهم من الأئمة السالفين.","vol":"1","page":209},{"text":"ــ::<span data-type=\"title\" id=toc-40> مناقشة تتمة البحث الخامس (٢)::</span> ــ\nأولا: أن ما ذكره ابن مفلح في كتابه الآداب الشرعية؛ فهو عن حكم الإنكار على من لم يجب عليهن ستر وجوههن وهن الإماء، وليس عن حكم كشف الحرائر! ولذا قال: ينبني (الجواب) على أن المرأة هل يجب عليها ستر وجهها أو يجب غض النظر عنها؟ أي: أيُّ الأمرين واجب في هذه الحال، ستر وجه الأمة أم غض البصر عنها، فذكر أن في المسألة قولان؛ فاستشهد بما نقله النووي من قول القاضي عياض في هذه المسألة، ثم زاد في البيان فاستشهد بماء جاء في المغني من منع عمر - ﵁ - الإماء تغطية وجوههن؛ وحديث المكاتب الذي فيه جواز نظر العبيد للحرائر من النساء، وهذا مما أسقط من قول ابن مفلح! ولذلك أجاب ابن مفلح بأنه يرى أنه لا يسوغ الإنكار عليهن إذا كشفن وجوههن لأن الحجاب ليس واجبا عليهن في هذه الأحوال.\nوهذا قول ابن مفلح في الآداب الشرعية (١/ ٢٩٦): هل يسوغ الإنكار على النساء الأجانب إذا كشفن وجوههن في الطريق، ينبني على أن المرأة هل يجب عليها ستر وجهها أو يجب غض البصر عنها، أو في المسألة قولان، قال القاضي عياض في حديث جرير - ﵁ - قال \"سألت رسول الله - ﷺ - عن نظر الفجاءة فأمرني أن أصرف بصري\" أخرجه مسلم قال العلماء رحمهم الله تعالى وفي هذا حجة على أنه لا يجب على المرأة أن تستر وجهها في طريقها، وإنما ذلك سنة مستحبة لها ويجب على الرجل غض البصر عنها في جميع الأحوال إلا لغرض صحيح شرعي، ذكره الشيخ محيي الدين النووي ولم يزد عليه، وقال في المغني عقيب إنكار عمر رضي","vol":"1","page":210},{"text":"الله عنه على الأمة التستر وقوله \"إنما القناع للحرائر\" قال: ولو كان نظر ذلك محرما لما منع من ستره بل أمر به،\nوكذلك احتج هو وغيره على الأصحاب وغيرهم بقول النبي - ﷺ - (إذا كان لإحداكن مكاتب فملك ما يؤدي فلتحتجب منه) - ثم ذكر ابن مفلح القول الآخر - وقال الشيخ تقي الدين وكشف النساء وجوههن بحيث يراهن الأجانب غير جائز، ولمن اختار هذا أن يقول حديث جرير لا حجة فيه لأنه إنما فيه وقوعه ولا يلزم منه جوازه، فعلى هذا هل يشرع الإنكار؟ ينبني على الإنكار في مسائل الخلاف وقد تقدم الكلام فيه، فأما على أقوالنا وقول جماعة من الشافعية وغيرهم أن النظر إلى الأجنبية جائز من غير شهوة ولا خلوة فلا ينبغي أن يسوغ الإنكار. اهـ\nفكلام ابن مفلح كما أسلفنا عن حكم النظر حال جواز الكشف، ولذلك كان جوابه أنه لايسوغ الإنكار، أما رأيه في حكم النظر إلى الحرائر من النساء ممن يجب عليهن الاحتجاب منه فقد كان من الأولى بالشيخ الألباني أن يأخذ رأيه في هذه المسألة من كتبه في الأحكام الفقهية؛ لا من كتابه الآداب الشرعية!\nفقد قال ابن مفلح في كتابه الفروع (٥/ ١٠٩ - ١١٢): وجوَّز جماعة وذكره شيخنا رواية نظر رجل من حرة ما ليس بعورة صلاة والمذْهب لا؛ نقل أبو طالب (ظفر المرأة عورة فإذا خرجت فلا يبين منها شيء ولا خفُّها فإن الخُفَّ يصف القدم وأحب إليَّ أن تجعل لكمِّها زرًّا عند يدها لا يبين منها شيء)\nويجوز غير عورة صلاة من أمة ومن لا تشتهى. وذكر الشيخ ينظر من أمة ومن لا تشتهى ما يظهر غالبا، ونقل حنبل إن لم تختمر الأمة فلا بأس، وقيل الأمة","vol":"1","page":211},{"text":"والقبيحة كالحرة والجميلة. نقل المروذي: لا ينظر إلى المملوكة، كم من نظرة ألقت في قلب صاحبها البلاء. ونقل ابن منصور: لا تنتقب الأمة. ونقل أيضا تنتقب الجميلة. اهـ\nثانيا: أما قول القاضي عياض تعليقا على حديث نظر الفجأة \" قال العلماء: وفي هذا حجة على أنه لا يجب على المرأة أن تستر وجهها في طريقها وإنما ذلك سنة مستحبة لها ويجب على الرجل غض البصر عنها في جميع الأحوال إلا لغرض شرعي\" اهـ فمراده الإماء المملوكات، لأن الحجاب لم يفرض عليهن، فلا يجب عليهن ستر وجوههن عند ملاقاة الرجال في الطرقات، وعلى الرجل أن يغض بصره عنها سواء كانت حسناء أو شوهاء، وسواء كان نظره بشهوة أو بغير شهوة، فلا يحل له النظر إليها إلا لعذر شرعي من شهادة ونحوها، فالقاضي عياض ممن يرى منع النظر حال جواز الكشف. ولهذا نقل النووي قول القاضي عياض في هذه المسألة ولم يزد عليه.\nومما يشهد لذلك ما جاء في إكمال المعلم للقاضي عياض (٢/ ٦١٠): وقيل: فيه دليل على خروج النساء للمساجد، ومبادرة خروجهن قبل الرجال عند تمام الصلاة لئلا يزاحمن الرجال، أو ليستترن منهم، ولاغتنام ظلمة الغلس.\nوقال في موضع آخر منه عن مبيت العبيد المملوكين ونحوهم في البيوت (٧/ ٦٠): وفى الحديث: \" لا يبيتن رجل عند امرأة ثيب إلا أن يكون ناكحا أو ذا محرم \": خص الثيب دون الأبكار؛ إذ العادة احتجاب الأبكار عن الرجال، فكيف أن يدخل عليهن أو يبات عندهن.","vol":"1","page":212},{"text":"ــ:: البحث السادس:: ــ\nتعطيلهم الأحاديث الصحيحة المخالفة لهم\nقال الشيخ الألباني تحت هذا العنوان: قد جاءت أحاديث كثيرة في كشف النساء لوجوههن وأيديهن يبلغ مجموعها مبلغ التواتر المعنوي عند أهل العلم ... فلا أقل من ذكر بعض النماذج منها:\nالحديث الأول: حديث الخثعمية وفيه أنها كانت حسناء وضيئة وفيه: \" فطفق الفضل ينظر إليها وأعجبه حسنها\" ... ولذلك قال ابن بطال: \" لم يحول النبي - ﷺ - وجه الفضل حتى أدمن النظر إليها لإعجابه بها ... \"ـ","vol":"1","page":213},{"text":"ــ::<span data-type=\"title\" id=toc-42> مناقشة البحث السادس::</span> ــ\nاستشهد الشيخ الألباني في هذا البحث ببعض الأحاديث والآثار التي بسطها في كتابه الجلباب محتجا بها على جواز كشف الوجه! فسنتتبعها كلها ونجيب عليها بعون الله:\n(الحديث الأول)\nعن عبد الله بن عباس ﵄، قال: كان الفضل رديف رسول الله - ﷺ -، فجاءت امرأة من خثعم، فجعل الفضل ينظر إليها وتنظر إليه، وجعل النبي - ﷺ -، يصرف وجه الفضل إلى الشق الآخر، فقالت: يا رسول الله إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخا كبيرا، لا يثبت على الراحلة، أفأحج عنه؟ قال: نعم، وذلك في حجة الوداع. (^١)\nكان أول ما استشهد به الشيخ الألباني في رده المفحم هو حديث المرأة الخثعمية وهو الثاني في كتابه الجلباب/٦٢ وسنجيب عنه أولا لأن الجواب عنه هو جواب لكثير من الأحاديث والآثار التي استشهد بها الشيخ الألباني فنقول:\nأولا: لن نستطرد في نقل رد الشيخ الألباني على مخالفيه لضعف جوابهم عن هذا الحديث لأننا لا نخالفه في كونها كانت كاشفة عن وجهها وكان الفضل ينظر إليها\n_________\n(^١) صحيح البخاري ٢/ ٥٥١ (١٤٤٢) صحيح مسلم ٢/ ٩٧٣ (١٣٣٤).","vol":"1","page":214},{"text":"معجبا بحسنها، فأنكر رسول - ﷺ - عليه ذلك بأقوى درجات الإنكار، فأخذ بذقن الفضل وصرف وجهه عنها.\nولكن الحكم الشرعي الذي أباح للخثعمية كشف وجهها والذي ذهل عنه أكثر أهل العلم المتأخرين، وانطوت آثاره في التصانيف المتأخرة، ولم يشر إليه بعض المتقدمين لما هو معلوم عندهمبالضرورة؛ هو ما بيناه في مناقشة البحث الخامس؛ أن الحجاب (تغطية الوجه) إنما هو فرض على النساء الحرائر دون الإماء. وهذا هو سبب كشف المرأة الخثعمية لوجهها (أنها كانت جارية؛ أي أمة مملوكة) (^١) ولذلك لم يأمرها الرسول - ﷺ - بتغطية وجهها لعدم وجوب ذلك على الإماء، وقد يكون والدها قد أعتق عند كبر سنه فلزمته فريضة الحج ولذلك قالت (إن أبي شيخ كبير قد أدركته فريضة اللَّه في الحج). وقد جاء التصريح بأنها كانت جارية (^٢) في الرواية التي أخرجها أحمد والترمذي والبيهقي\n_________\n(^١) الجارية مصطلح يطلق على الأمة - المرأة المملوكة - كما في التوقيف على مهمات التعاريف للمناوي (١/ ٢٤٠): والجارية السفينة سميت به لجريها في البحر ومنه قيل للأمة جارية على التشبيه لجريها مسخرة في أشغال مواليها والأصل فيها الشابة لخفتها ثم توسعوا فسموا كل أمة جارية وإن كانت عجوزا لا تقدر على السعي تسمية بما كانت عليه. أهـ\n(^٢) وإن قيل لعل المراد في هذا الحديث بقوله (جارية) أنها كانت شابة؛ فهذا يبعده أنه جاء في رواية أحمد والترمذي والبيهقي وصفها بأنها \"جارية شابة من خثعم\" كما عند ابن عبد البر: \"فاستقبلته جارية من خثعم شابة\"، وإن قيل لعل المراد أنها كانت صغيرة السن! فنقول إن هذا مع ضعفه لأنه يستبعد أن تأتي فتاة صغيرة تستفتي رسول الله - ﷺ - في أن تحج عن والدها، فإنه علاوة على ذلك يبطل الاحتجاج به على جواز كشف المرأة البالغة، ومع ذلك فإنه جاء التصريح في بعض الروايات بأنها كانت (امرأة) كما عند البخاري ومسلم، وبذلك يثبت أن مرادهم بوصفها أنها جارية: أنها كانت أمة مملوكة.","vol":"1","page":215},{"text":"عن علي بن أبي طالب - ﵁ - قال (وقف رسول اللَّه - ﷺ - بعرفة ... حتى جاوز الوادي فوقف وأردف الفضل، ثم أتى الجمرة فرماها، ثم أتى المنحر فقال هذا المنحر ومنى كلها منحر، واستفتته جارية شابة من خثعم؛ فقالت إن أبي شيخ كبير قد أدركته فريضة اللَّه في الحج أفيجزئ أن أحج عنه؟ قال:\nحجي عن أبيك، قال ولوى عنق الفضل، فقال العباس: يا رسول اللَّه لم لويت عنق بن عمك؟ قال: رأيت شابا وشابة فلم آمن الشيطان عليهما) (^١).\nوفي الاستذكار لابن عبد البر (٤/ ٢٩٩) ولفظه: (ثم أتى المنحر بمنى فقال هذا المنحر ومنى كلها منحر فاستقبلته جارية من خثعم شابة فقالت أبي شيخ كبير).\nوقد تكون المرأة أمة ولو كانت من نسبة قبلية لكونها سبيّة؛ فقد كان النبي - ﷺ - وسلم يبعث سرايا من أصحابه فيغيروا على القبائل ويسوقوا السبي إلى المدينة النساء منهم والرجال، كما في صحيح مسلم (٣/ ١٣٧٥): عن سلمة بن الأكوع قال: \" غزونا فزارة وعلينا أبو بكر، أمره رسول الله - ﷺ - علينا، فلما كان بيننا وبين الماء ساعة، أمرنا أبو بكر فعرسنا، ثم شن الغارة ... فجئت بهم أسوقهم وفيهم امرأة من بني فزارة معها ابنة لها من أحسن العرب، فسقتهم حتى أتيت بهم أبا بكر، فنفلني أبو بكر ابنتها \".\n_________\n(^١) مسند أحمد بن حنبل ١/ ٧٥ (٥٦٢) جامع الترمذي ٣/ ٢٣٢ (٨٨٥) وقال حسن صحيح، مسند أبي يعلى ١/ ٢٦٤ (٣١٢)، سنن البيهقي الكبرى ٧/ ٨٩ (١٣٢٩٠) وصححه المقدسي في الأحاديث المختارة ٢/ ٢٤٢، وحسن إسناده الألباني في صحيح جامع الترمذي ٣/ ٢٣٢.","vol":"1","page":216},{"text":"بل وجاء النص على قبيلة خثعم كما ذكره ابن سعد في الطبقات الكبرى (٢/ ١٢٣): سرية قطبة بن عامر إلى خثعم سنة تسع من مهاجر رسول الله - ﷺ - قالوا: (بعث رسول الله - ﷺ - قطبة بن عامر في عشرين رجلا إلى حي من خثعم ... فاقتتلوا قتالا شديدا حتى كثر الجرحى في الفريقين جميعا. وقتل قطبة بن عامر من قتل وساقوا النعم والشاء والنساء إلى المدينة).\n* ومما يشهد أن المرأة الخثعمية من الإماء وليست من النساء الحرائر الآتي:\n١) أن البخاري في صحيحه مهد لهذا الحديث بثلاثة آثار في غض البصر؛ بيّن فيها المنع من النظر إلى نساء العجم، والنظر إلى ما يشتهى من الصغيرة، والنظر إلى الإماء؛ ثم ذكر الحديث دون ذكر لغض البصر عن وجوه النساء الحرائر.\nقال البخاري في صحيحه (٥/ ٢٢٩٩) معلقا: \" قال سعيد بن أبي الحسن للحسن إن نساء العجم يكشفن صدورهن ورؤوسهن قال اصرف بصرك عنهن، وقال الزهري في النظر إلى التي لم تحض من النساء لا يصلح النظر إلى شيء منهن ممن يشتهى النظر إليه وإن كانت صغيرة، وكره عطاء النظر إلى الجواري اللاتي يبعن بمكة إلا أن يريد أن يشتري. اهـ - ثم ساق البخاري حديث المرأة الخثعمية -\nوكذلك القرطبي في تفسيره حيث قال (١٢/ ٢٢٧): وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: (إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنى أدرك ذلك لا محالة فالعينان تزنيان وزناهما النظر ...) الحديث. وقال الزهري في النظر إلى التي لم تحض من النساء: لا يصلح النظر إلى شي منهن ممن يشتهى النظر إليهن وإن كانت صغيرة. وكره عطاء النظر إلى الجواري اللاتي يبعن بمكة","vol":"1","page":217},{"text":"إلا أن يريد أن يشتري. وفي الصحيحين عنه ﵇ أنه صرف وجه الفضل عن الخثعمية حين سألته، وطفق الفضل ينظر إليها ... فلا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تبدي زينتها إلا لمن تحل له، أو لمن هي محرمة عليه على التأبيد، فهو آمن أن يتحرك طبعه إليها لوقوع اليأس له منها.\n٢) استشهاد ابن حزم بهذا الحديث على أنه لا يجوز النظر من الأمة إلا إلى الوجه والكفين: قال ابن حزم في المحلى (١٠/ ٣٠): مسألة ومن أراد أن يتزوج امرأة حرة أو أمة فله أن ينظر منها متغفلا لها وغير متغفل إلى ما بطن منها وظهر، ولا يجوز ذلك في أمة يريد شراءها، ولا يجوز له أن ينظر منها - الأمة - إلا إلى الوجه والكفين فقط لكن يأمر امرأة تنظر إلى جميع جسمها وتخبره - يرى ابن حزم أنه يجوز للخاطب أن يرى من المرأة ما يدعوه إلى نكاحها، بينما لا يجوز له من الأمة يريد شراءها إلا الوجهوالكفين - برهان ذلك قول الله - ﷿ - ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ النور: ٣٠ فافترض الله - ﷿ - غض البصر جملة كما افترض حفظ الفرج، فهو عموم لا يجوز أن يخص منه إلا ما خصه نص صحيح، وقد خص النص نظر من أراد الزواج فقط، كما روينا ... عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله - ﷺ - إذا خطب أحدكم المرأة فإن استطاع أن ينظر إلى ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل ... فكان هذا عموما مخرجا لهذه الحال من جملة ما حرم من غض البصر. وأما النظر إلى الجارية يريد ابتياعها فلا نص في ذلك عن رسول الله - ﷺ - ولا حجة فيما جاء عن سواه ... فبقي أمر الابتياع على وجوب غض البصر. وأما - جواز النظر من الجارية إلى - الوجه والكفان فقد","vol":"1","page":218},{"text":"جاء فيهما الخبر المشهور الذي أوردناه في غير هذا المكان من أمر الخثعمية التي سألت رسول الله - ﷺ - عن الحج عن أبيها وأن الفضل بن العباس جعل ينظر إلى وجهها فجعل رسول الله - ﷺ - يصرف وجه الفضل عنها ولم يأمرها بستر وجهها ففي هذا إباحة النظر إلى وجه المرأة لغير اللذة. مسألة ولا يحل لأحد أن ينظر من أجنبية لا يريد زواجها إن كانت أمة لتلذذ إلا لضرورة، فإن نظر في الزنى إلى الفرجين ليشهد بذلك فمباح له لأنه مأمور بأداء الشهادة وأما في غير ذلك فالوجه والكفان كما قدمنا آنفا عند الشهادة عليها أو لها أو منها. اهـ\n٣) أنه لم يستشهد أحد من المتقدمين بهذا الحديث على جواز الكشف للمرأة الحرة؛ وإنما كان استشهادهم به على تحريم النظر إلى الأجنبية:\n- ومن ذلك ما جاء في شرح النووي على صحيح مسلم (٩/ ٩٨): هذا الحديث فيه فوائد؛ منها جواز الإرداف على الدابة إذا كانت مطيقة، وجواز سماع صوت الأجنبية عند الحاجة في الاستفتاء والمعاملة وغير ذلك، ومنها تحريم النظر إلى الأجنبية، ومنها إزالة المنكر باليد لمن أمكنه. اهـ\n- قال ابن حجر في تلخيص الحبير (٣/ ١٥٠): وأولى منه ما رواه البخاري ومسلم عن ابن عباس وفيه قصة المرأة الوضية الخثعمية، واستنبط منه ابن القطان جواز النظر عند أمن الفتنة من حيث إنه لم يأمرها بتغطية وجهها ولو لم يفهم العباس أن النظر جائز ما سأل ولو لم يكن ما فهمه جائزا لما أقره عليه. فائدة اختار النووي أن الأمة كالحرة في تحريم النظر إليها، لكن يعكّر عليه ما في الصحيحين في قصة صفية (فقلنا إن حجبها فهي زوجته وإن لم يحجبها فهي أم","vol":"1","page":219},{"text":"ولد) كذا اعترضه ابن الرِّفعة وتُعقِّب بأنه يدل على أن الأمة تُخالف الحرَّة فيما تبديه أكثر مما تبديه الحرة وليس فيه دلالة على جواز النظر إليها مطلقا. اهـ\n* إلا ما نقله الشيخ الألباني عن ابن بطال \" أن ستر المرأة وجهها ليس فرضًا \" الذي نقله من فتح الباري لابن حجر، وكان من الأولى أن يُنقل قول ابن بطال من كتابه (شرح ابن بطال على صحيح البخاري) بدلا من النقل عن ابن حجر حتى يتبين مراده: قال ابن بطال في شرحه على صحيح البخاري (١٧/ ٨): (وفيه أن نساء المؤمنين ليس لزوم الحجاب لهم فرضًا في كل حال كلزومه لأزواج النبي - ﷺ -) فهذا كما ذكرنا إن نساء المؤمنين الحرائر إنما يلزمهن الحجاب فرضا عن الرجال الأحرار الأجانب؛ أما العبيد فلا يلزمهن الاحتجاب منهم، أما زوجات النبي - ﷺ - فإن فريقا من أهل العلم ومنهم ابن بطال يرون أنه لا يحل دخول العبيد عليهن إلا ما ملكت أيمانهن، ومن جهة أخرى فإن الحجاب لم يفرض على جميع النساء وإنما فرض على الحرائر منهن دون الإماء، ولذلك لم يأمر النبي - ﷺ - الخثعمية بالاستتار لأنها كانت من الإماء، ولذلك قال ابن بطال (ولو لزم جميع النساء فرضًا لأمر النبي الخثعمية بالاستتار ولما صرف وجه الفضل عن وجهها، بل كان يأمره بصرف بصره، ويعلمه أن ذلك فرضه، فصرف وجهه وقت خوف الفتنة وتركه قبل ذلك الوقت) وعلى ذلك فحكم ستر وجه الحرة أمام من أباح لهم الشرع الدخول عليها والنظر إليها دون حجاب ممن لا يعد محرما لها من العبيد المملوكين والأتباع؛ سُنّة وليس فرضا، ولذا قال ابن بطال (وهذا الحديث يدل أن ستر المؤمنات وجوههن عن غير ذوي محارمهن سنة لإجماعهم أن للمرأة أن تبدي وجهها في الصلاة ويراه منها الغرباء) أي من","vol":"1","page":220},{"text":"يحل له الدخول عليها والنظر إليها من العبيد والأتباع، أما الأحرار الأجانب فقد حرم الشارع عليهم الدخول عليها والنظر إليها كما بيّناه آنفا. ومما يؤكد ما ذكرنا وأن ابن بطال يرى وجوب تغطية الوجه على النساء الحرائر أمام الرجال الأحرار الأجانب؛ قوله في شرح صحيح البخاري (٤/ ٢١٧): وأجمع العلماء أن المرأة تلبس المخيط كله والخمُر والخفاف، وأن إحرامها في وجهها، وأن لها أن تغطي رأسها وتستر شعرها، وتسدل الثوب على وجهها سدلا خفيفًا تستتر به عن نظر الرجال. وقوله في موضع آخر منه (٢٢٢/ ٢): وذلك أن تلفعهن وتسترهن بمروطهن مانع من معرفتهن، وكان الرجال يصلون ووجوههم بادية بخلاف زي النساء وهيئاتهن\n(الحديث الثاني) الذي استشهد به الشيخ الألباني:\n* حديث جابر - ﵁ - قال\" شهدت مع رسول الله - ﷺ - صلاة يوم العيد، فبدأ بالصلاة قبل الخطبة بغير أذان ولا إقامة، ثم قام متوكئا على بلال ... ثم مضى حتى أتى النساء، فوعظهن، وذكّرهن، فقال: تصدقن فإن أكثركن حطب جهنم، فقامت امرأة من سطة - سفلة - النساء (^١) سفعاء الخدين (أي فيهما تغير وسواد) فقالت: لم يا رسول الله؟ قال: لأنكن تكثرن الشكاة وتكفرن العشير\" (^٢) قال الألباني في جلباب المرأة /٦٠: والحديث واضح الدلالة، وإلا لما استطاع الراوي أن يصف تلك المرأة بأنها\" سفعاء الخدين\" اهـ\n_________\n(^١) مسند أحمد بن حنبل ٣/ ٣١٨ (١٤٤٦٠) سنن النسائي (المجتبى) ٣/ ١٨٦ (١٥٧٥) وصححه الألباني في صحيح النسائي ٣/ ١٨٦.\n(^٢) كما عند أحمد بن حنبل في مسنده ١/ ٣٧٦ (٣٥٦٩) والنسائي في سننه الكبرى ٥/ ٣٩٨ (٩٢٥٧) وابن حبان في صحيحه ٨/ ١١٥ (٣٣٢٣) المستدرك على الصحيحين ٢/ ٢٠٧ (٢٧٧٢) وصحح إسناده.","vol":"1","page":221},{"text":"فيجاب على ذلك بأن هذه المرأة كانت من الإماء المملوكات ولذلك كانت كاشفة عن وجهها، يؤيد ذلك أن جابر وصف تلك المرأة بأنها من (سفلة النساء) (^١) كما قال ابن الأثير: أي السُّقّاط من الناس، وفي رواية (فقامت امرأة ليست من علية النساء) (^٢)، ووصفها بأنها (سفعاء الخدين) وهذا يكفي دليلا على أنها كانت من الإماء. (^٣) قال القاضي عياض في إكمال المعلم بفوائد مسلم (٣/ ٢٩٤): حذاق شيوخنا زعموا أن هذا الحرف مغير فى كتاب مسلم، وأن صوابه: \" من سفلة الناس \" وكذا رواه النسائى فى سننه، وابن أبى شيبة فى مصنفه، وذكره من طريق آخر: \" فقامت امرأة ليست من علية النساء \" ويعضده قوله بعدها \" سفعاء الخدين\" (^٤).\nلكن الشيخ الألباني اختار لفظ مسلم (سطة) الذي يحتمل فيه التصحيف! لما قيل في معنى (سطة): (أي جالسة في وسطهن) وهذا المعنى بعيد لأنه لا حاجة لأن يشير جابر إلى أنها كانت جالسة في وسطهن! أما قوله (من سفلة النساء) ففيه الإشارة إلى أن هذه المرأة كانت من الإماء.\n_________\n(^١) وممن قال بذلك عماد الدين السمّات في كتابه\" وقرن في بيوتكن\" ص ٢٧٦ ط الأولى ٢٠٠٣ - ٢٠٠٤ م.\n(^٢) وانظر كذلك التطريف في التصحيف للسيوطي ١/ ٢٤، وإن كان النووي قد أنكر ما ذكر القاضي عياض وقال في شرحه على صحيح مسلم ٦/ ١٧٥: وهذا الذي ادعوه من تغيير الكلمة غير مقبول بل هي صحيحة والمراد امرأة من وسط النساء جالسة في وسطهن. أهـ فنقول وإن صح هذا المعنى في رواية مسلم فهذا لاينفي كونها من الإماء كما تبين ذلك من الروايات الأخرى ومن قوله الذي اتفقت عليه الروايات (سفعاء الخدين).\n(^٣)\n(^٤)","vol":"1","page":222},{"text":"وقد سبق أن أشار الشيخ الألباني إلى هذا التصحيف في كتابه الثمر المستطاب ١/ ٣٠٨: فقال: قوله: (سطة) كذا هو عند مسلم ورواية الباقين: (سفلة) ولعل تلك الرواية محرفة أو مصحفة من هذه.\nولذلك تجد أنه لم يستشهد بهذا الحديث أحد من أهل العلم المتقدمين على جواز كشف النساء.\n(الحديث الثالث) الذي استشهد به الشيخ الألباني:\n* حديث سهل بن سعد\" صحيح البخاري (٦/ ١٩٢): أن امرأة جاءت رسول الله - ﷺ -] وهو في المسجد [فقالت: يا رسول الله جئت لأهب لك نفسي، فنظر إليها رسول الله - ﷺ - فصعد النظر إليها وصوبه، ثم طأطأ رأسه، فلما رأت المرأة أنه لم يقض فيها شيئا جلست\" (^١)\n\nأولا: نسوق الحديث بتمامه كما عند البخاري في صحيحه:\nعن سهل بن سعد أن امرأة جاءت رسول الله - ﷺ - فقالت: يا رسول الله، جئت لأهب لك نفسي، فنظر إليها رسول الله - ﷺ - فصعد النظر إليها وصوبه، ثم طأطأ رأسه، فلما رأت المرأة أنه لم يقض فيها شيئا جلست، فقام رجل من أصحابه، فقال: أي رسول الله، إن لم تكن لك بها حاجة فزوجنيها، فقال: (هل عندك من شيء)؟ قال: لا والله يا رسول الله، قال: (اذهب إلى أهلك فانظر هل تجد شيئا)\n_________\n(^١) صحيح البخاري ٥/ ١٩٥٦ (٤٧٩٩) صحيح مسلم ٢/ ١٠٤٠ (١٤٢٥) وما بين الأقواس للطبراني في المعجم الكبير ٦/ ١٩٠ (٥٩٦١).","vol":"1","page":223},{"text":"فذهب ثم رجع، فقال: لا والله يا رسول الله ما وجدت شيئا، قال: (انظر ولو خاتما من حديد) فذهب ثم رجع، فقال: لا والله يا رسول الله ولا خاتما من حديد، ولكن هذا إزاري - قال سهل: ما له رداء - فلها نصفه، فقال رسول الله - ﷺ -: (ما تصنع بإزارك؟ إن لبسته لم يكن عليها منه شيء، وإن لبسته لم يكن عليك منه شيء) فجلس الرجل حتى طال مجلسه، ثم قام، فرآه رسول الله - ﷺ - موليا فأمر به فدعي، فلما جاء قال: (ماذا معك من القرآن)؟ قال: معي سورة كذا وسورة كذا وسورة كذا - عددها - قال: (أتقرؤهن عن ظهر قلبك)؟ قال: نعم، قال: (اذهب فقد ملكتكها بما معك من القرآن). (^١)\nوالجواب عليه بالآتي:\n١) ليس في نظر سهل بن سعد إليها حجة: لأن سهل حينها كان غلاما لم يبلغ الحلم، كما ثبت في السير أنه كان له من العمر عند وفاة النبي - ﷺ - خمس عشرة سنة. (^٢) كما يحتمل أن هذا كان قبل نزول الحجاب، وليس في الحديث ما يبعد ذلك.\n٢) على فرض أن هذا الحديث كان بعد الحجاب وأن هذه المرأة كانت كاشفة لوجهها على مرأى من الصحابة، فلا حجة فيه أيضا؛ لأن هذه المرأة كانت من الإماء، أذن لها مولاها أن تتزوج ومما يشهد لذلك:\n_________\n(^١) صحيح البخاري ٥/ ١٩٥٦ (٤٧٩٩).\n(^٢) تهذيب التهذيب ٤/ ٢٢١، الإصابة ٣/ ٢٠٠.","vol":"1","page":224},{"text":"أن البخاري بوب لهذا الحديث في صحيحه (٥/ ١٩٥٦) باب تزويج الْمُعْسِرِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ والآية هي كما قال تعالى ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ النور: ٣٢ يشهد لذلك فقر الرجل الذي تزوجها حتى إنه لم يجد حتى خاتما من حديد، بل كان لا يملك إلا إزاره الذي عليه من غير رداء. كما يشهد لذلك أيضا المهر الذي رضيه رسول الله - ﷺ - لهذه المرأة؛ (فقال رجل زوجنيها، قال: أعطها ثوبا، قال لا أجد، قال أعطها ولو خاتما من حديد) (^١). ولذلك لم يستشهد بهذا الحديث أحد من أهل العلم على جواز النظر للنساء؛ فضلا عن أن يستشهدوا به على جواز كشف المرأة لوجهها، بل لم يتطرق شراح الحديث ولا غيرهم ممن يستشهد بهذا الحديث إلا لنظر رسول الله - ﷺ - لها على أنه من باب نظر الرجل للمرأة يريد أن يتزوجها. (^٢)\nقال الحافظ ابن حجر في الفتح (٩/ ٢١٠): وفيه جواز تأمل محاسن المرأة لإرادة تزويجها، وإن لم تتقدم الرغبة في تزويجها ولا وقعت خطبتها لأنه - ﷺ - ولو لم يقصد أنه إذا رأى منها ما يعجبه أنه يقبلها ما كان للمبالغة في تأملها فائدة\n_________\n(^١) قال ابن حجر في فتح الباري (٩/ ٢١٠): قوله تعالى (ومن لم يستطع منكم طولا) النساء: ٢٥ يدل على أن صداق الحرة لا بد وأن يكون ما يطلق عليه اسم مال له قدر، ليحصل الفرق بينه وبين مهر الأمة.\n(^٢) أنكر الشيخ الألباني على من استشهد بهذا الحديث على جواز النظر للمخطوبة! وهو في كتابه جلباب المرأة /٦٤ قال: والبيهقي (٧/ ٨٤) ممن خرج الحديث وترجم له\" باب نظر الرجل إلى المرأة يريد أن يتزوجها\" كما بوّب له كثير من المحدثين بنحو هذا كما بوب له البخاري في صحيحه (٥/ ١٩٦٩): باب النظر إلى المرأة قبل التزويج. فلا وجه لهذا الإنكار.","vol":"1","page":225},{"text":"ويمكن الانفصال عن ذلك بدعوى الخصوصية له لمحل العصمة والذي تحرر عندنا أنه - ﷺ - كان لا يحرم عليه النظر إلى المؤمنات الأجنبيات بخلاف غيره!\n\n(الحديث الرابع) الذي استشهد به الشيخ الألباني:\n* حديث عائشة ﵂ قالت \"كن نساء المؤمنات يشهدن مع رسول اللَّه - ﷺ - صلاة الفجر متلفعات بمروطهنّ (^١) ثم ينقلبن إلى بيوتهن حين يقضين الصلاة لا يُعرفن من الغلس (^٢) \" (^٣) قال الشيخ الألباني: ووجه الاستدلال به هو قولها\" لا يُعرفن من الغلس\"، فإن مفهومه أنه لولا الغلس لعرفن، وإنما يعرفن عادة من وجوههن وهي مكشوفة. وقد ذكر هذا الشوكاني عن الباجي. ثم وجدت رواية صريحة في ذلك بلفظ: \"وما يعرف بعضنا وجوه بعض\". (^٤)\nوالجواب عليه بالآتي:\n١) ثبت عنها في رواية أخرى أنها قالت (أن نساء المؤمنات كن يصلين الصبح مع النبي - ﷺ - ثم يرجعن متلفعات بمروطهن لا يعرفهن أحد). (^٥) وقد استشهد الشيخ الألباني بقولها (لا يعرفن من الغلس) وأعرض عن قولها (متلفعات بمروطهن) الذي يعني؛ مغطيات وجوههن بما يشتملن به من الأكسية،\n_________\n(^١) المرط: كساء من خز أو صوف يؤتزر به وتتلفع به المرأة (المعجم الوسيط ٢/ ٨٦٤).\n(^٢) الغلس: ظلمة آخر الليل (القاموس المحيط ١/ ٧٢٣)\n(^٣) صحيح البخاري ١/ ٢١٠ (٥٥٣) صحيح مسلم ١/ ٤٤٦ (٦٤٥).\n(^٤) جلباب المرأة المسلمة /٦٥.\n(^٥) صحيح البخاري (١/ ١٧٣) صحيح مسلم (١/ ٤٤٥) واللفظ له.","vol":"1","page":226},{"text":"فإن التلفع يعني تغطية الوجه عند أهل العلم:\n\n- قال الحكيم الترمذي (ت ٣٢٠ هـ) في نوادر الأصول (٢/ ٣٥١): الالتفاع؛ الالتحاف بالثوب متقنعا.\n- قال ابن بطال (ت ٤٤٩ هـ) في شرح صحيح البخارى (٢/ ٢٢٢): وذلك أن تلفعهن وتسترهن بمروطهن مانع من معرفتهن، وكان الرجال يصلون ووجوههم بادية بخلاف زى النساء وهيئاتهن.\n- قال البيضاوي (ت ٦٨٥ هـ) في تحفة الأبرار (١/ ٢٣٨) والطيبي (ت ٧٤٣ هـ) في شرحه على المشكاة (٣/ ٨٨٦) والكرماني (ت ٧٨٦ هـ) في الكواكب الدراري (٤/ ٢١٨) والعيني (ت ٨٥٥ هـ) في عمدة القاري (٥/ ٧٤): التلفع شد اللفاع وهو ما يغطي الوجه ويتلحف به.\n- وقال علي القاري (ت ١٠١٤ هـ) في مرقاة المفاتيح (٢/ ٥٣٠): (ملتفعات) أي: مستترات وجوههن وأبدانهن.\n- وقال المناوي (ت ١٠٣١ هـ) في فيض القدير (٣/ ١٧٤): (والالتفاع) وهو تغطية الرأس وأكثر الوجه.","vol":"1","page":227},{"text":"* وهو كذلك عند أهل اللغة:\n- قال أبو منصور الهروي (ت ٣٧٠ هـ) في الزاهر (ص: ٥٢): فالمتلفعات: النساء اللاتي قد اشتملن بجلابيبهن حتى لا يظهر منهن شيء غير عيونهن، ويقال: وقد تلفع بثوبه والتفع به إذا اشتمل به أي تغطى به.\n- قال ابن القطّاع (ت ٥١٥ هـ) في الأفعال (٣/ ١٢٧): لفع ومنه لفاع المرأة كالقناع.\n- قال أبو الفضل عياض السبتي (ت ٥٤٤ هـ) في مشارق الأنوار (١/ ٣٦١): والتلفع يستعمل في الالتحاف مع تغطية الرأس.\n- قال ابن الجوزي (ت ٥٩٧ هـ) في (غريب الحديث (٢/ ٣٢٦): (متلفعات بمروطهن) أي متجللات بأكسيتهن ... قال أبو زيد تميم تقول تلثمت وغيرهم يقول تلفعت.\n٢) قال الشيخ الألباني: وقد ذكر هذا الشوكاني عن الباجي. اهـ\nوبالرجوع إلى قول الباجي يتبين أنه لا يقول بجواز كشف الوجه:\nقال أبو الوليد الباجي في المنتقى شرح الموطأ (١/ ٤): وروى يحيى متلففات والأكثر على متلفعات والمعنى متقارب إلا أن التلفع يستعمل مع تغطية الرأس، والمروط أكسية مربعة سداها شعر، وقوله ما يعرفن من الغلس (^١) يحتمل\n_________\n(^١) قال ابن حجر في فتح الباري (٢/ ٥٥): وقوله (لا يعرفهن أحد) قال الداودي معناه لا يعرفن أنساء أم رجال أي لا يظهر للرائي الا الأشباح خاصة وقيل لا يعرف أعيانهن فلا يفرق بين خديجة وزينب، وضعفه النووي بأن المتلفعة في النهار لا تعرف عينها، فلا يبقى في الكلام فائدة، وتعقب بأن المعرفة إنما تتعلق بالأعيان فلو كان المراد الأول لعبر بنفي العلم وما ذكره من أن المتلفعة بالنهار لا تعرف عينها فيه نظر لأن لكل امرأة هيئة غير هيئة الأخرى في الغالب ولو كان بدنها مغطى، وقال الباجي هذا يدل على أنهن كن سافرات إذ لو كن متنقبات لمنع تغطية الوجه من معرفتهن لا الغلس، قلت وفيه ما فيه لأنه مبنى على الاشتباه الذي أشار إليه النووي. أهـ","vol":"1","page":228},{"text":"أمرين؛ أحدهما لا يعرف أرجال هن أم نساء من شدة الغلس إنما يظهر إلى الرائي أشخاصهن خاصة، قال ذلك الراوي، ويحتمل أيضا أن يريد لا يعرفن من هن من النساء من شدة الغلس وإن عرف أنهن نساء، إلا أن هذا الوجه يقتضي أنهن سافرات عن وجوههن ولو كن غير سافرات لمنع النقاب وتغطية الوجه من معرفتهن لا الغلس، إلا أنه يجوز أن يبيح لهن كشف وجوههن أحد أمرين؛ إما أن يكون ذلك قبل نزول الحجاب أو يكون بعده لكنهن أمِنَّ أن تدرك صورهن من شدة الغلس فأبيح لهن كشف وجوههن. اهـ\nوعلى فرض أنهن كن كاشفات لوجوههن لكونهن في الغلس، لا يعرف بعضهن وجوه بعض، فكيف يستشهد به على جواز كشفهن في حال يستطيع الرجال معرفتهن ورؤية وجوههن! هذا استشهاد باطل ولا شك.\n٣) يضاف إلى ذلك أن خروجهن هذا كان على غير مرأى من الرجال كما يدل على ذلك قولها (فينصرفن نساء المؤمنين لا يعرفن من الغلس أو لا يعرفن بعضهن بعضا) (^١) فهذا يدل على أنهن كن كلهن نساء لا يخالطهن في انصرافهن رجال. وهذا يشهد له ما جاء في الصحيح عن أم سلمة ﵂ (أن النساء في عهد\n_________\n(^١) صحيح البخاري ١/ ٢٩٦ (٨٣٤).","vol":"1","page":229},{"text":"رسول الله - ﷺ - كُنَّ إذا سَلَّمن من المكتوبة قمن، وثبت رسول الله - ﷺ - ومن صلى من الرجال ما شاء الله فإذا قام رسول الله - ﷺ - قام الرجال). (^١) وفي رواية (كان يسلم فينصرف النساء فيدخلن بيوتهن من قبل أن ينصرف رسول الله - ﷺ -) (^٢) وفي رواية عن الزهري قال؛ قالت (كان رسول الله - ﷺ - إذا سلّم قام النساء حين يقضي تسليمه ويمكث هو في مقامه يسيرا قبل أن يقوم) قال نرى والله أعلم أن ذلك كان لكي ينصرف النساء قبل أن يدركهن أحد من الرجال. (^٣)\n٤) أما قول الشيخ الألباني ثم وجدت رواية صريحة في ذلك بلفظ: \"وما يعرف بعضنا وجوه بعض\" فبالرجوع لهذه الرواية بتمامها يتبين أن عائشة ﵂ إنما أرادت بقولها توجيه النساء إلى زيادة التستر؛ لا الدعوة إلى السفور والتكشف! فقالت منكرة على النساء ما رأت من تعرضهن للرجال: (لو رأى رسول الله - ﷺ - من النساء ما نرى لمنعهن من المساجد كما منعت بنو إسرائيل نساءها، لقد رأيتنا نصلي مع رسول الله - ﷺ - الفجر في مروطنا وننصرف وما يعرف بعضنا وجوه بعض «^٤).\nوبذلك يسقط الاحتجاج بهذا الحديث، ويضم إلى أدلة وجوب تغطية الوجه.\n_________\n(^١) صحيح البخاري ١/ ٢٩٥ (٨٢٨).\n(^٢) صحيح البخاري ١/ ٢٩٠ (٨١٢).\n(^٣) صحيح البخاري ١/ ٢٩٦ (٨٣٢).\n(^٤) مسند أبي يعلى (٤٤٩٣) صحح الألباني إسناده في جلباب المرأة /٦٦ ..","vol":"1","page":230},{"text":"(الحديث الخامس) الذي استشهد به الشيخ الألباني:\n* حديث فاطمة بنت قيس: أن أبا عمرو بن حفص طلقها البتة، وهو غائب ... فأمرها أن تعتد في بيت أم شريك، ثم قال: (تلك امرأة يغشاها أصحابي، اعتدي عند ابن أم مكتوم، فإنه رجل أعمى تضعين ثيابك) وفي رواية: فقال: (انتقلي إلى أم شريك)، وأم شريك امرأة غنية، من الأنصار عظيمة النفقة في سبيل الله، ينزل عليها الضيفان، فقلت: سأفعل، فقال: (لا تفعلي، إن أم شريك امرأة كثيرة الضيفان، فإني أكره أن يسقط عنك خمارك أو ينكشف الثوب عن ساقيك، فيرى القوم منك بعض ما تكرهين ولكن انتقلي إلى ابن عمك عبد الله بن عمرو ابن أم مكتوم) - وهو رجل من بني فهر، فهر قريش وهو من البطن الذي هي منه - فانتقلت إليه، فلما انقضت عدتي سمعت نداء المنادي، منادي رسول الله - ﷺ -، ينادي: الصلاة جامعة، فخرجت إلى المسجد، فصليت مع رسول الله - ﷺ -، فكنت في صف النساء التي تلي ظهور القوم فلما قضى رسول الله - ﷺ - صلاته ... قال: (إني والله ما جمعتكم لرغبة ولا لرهبة، ولكن جمعتكم، لأن تميما الداري كان رجلا نصرانيا، فجاء فبايع وأسلم، وحدثني حديثا وافق الذي كنت أحدثكم عن مسيح الدجال ...) (^١)\nقال الشيخ الألباني: حديث فاطمة بنت قيس وأمره - ﷺ - إياها بالانتقال إلى ابن أم مكتوم الأعمى وقال لها: \" فإنك إذا وضعت خمارك لم يرك\" لقد بينت هناك وجه\n_________\n(^١) صحيح مسلم ٢/ ١١١٤ (١٤٨٠)، ٤/ ٢٢٦١ (٢٩٤٢).","vol":"1","page":231},{"text":"دلالة الحديث وذلك أن النبي - ﷺ - أذن لها في أن تظهر أمام الضيفان بخمارها الذي لا يغطي الوجه لولا خشية سقوطه عنها فيرون رأسها ولذلك أمرها بالانتقال إلى ابن أم مكتوم وعلل - ﷺ - ذلك بقوله: \"فإنك إذا وضعت خمارك لم يركِ\" والخمار غطاء الرأس عند جماهير العلماء كما تقدم تحقيقه.\nوالجواب عليه بالآتي:\nأولا: من العجيب استشهاد الشيخ الألباني بهذا الحديث على جواز كشف الوجه مع أن رسول الله - ﷺ - لم يأذن لفاطمة بالاعتداد عند رجل يبصرها! ولذلك لم يستشهد أحد من أهل العلم بهذا الحديث على جواز النظر إلى المرأة فضلا عن أن يستشهدوا به على جواز كشف وجهها!\n- فهذا النووي يقول في شرحه على صحيح مسلم (١٠/ ٩٩): قوله - ﷺ - (تضعين ثيابك عنده) وفي الرواية الأخرى (فإنك إذا وضعت خمارك لم يرك) هذه الرواية مفسرة للأولى ومعناه لا تخافين من رؤية رجل إليك.\nوقال في موضع آخر منه (١٠/ ٩٦): ومعنى هذا الحديث أن الصحابة ﵃ كانوا يزورون أم شريك ويكثرون التردد إليها لصلاحها فرأى النبي - ﷺ - أن على فاطمة من الاعتداد عندها حرجا، من حيث أنه يلزمها التحفظ من نظرهم إليها ونظرها إليهم وانكشاف شيء منها وفي التحفظ من هذا مع كثرة دخولهم وترددهم مشقة ظاهرة، فأمرها بالاعتداد عند ابن أم مكتوم لأنه لا يبصرها ولا يتردد إلى بيته من يتردد إلى بيت أم شريك. وقد احتج بعض الناس بهذا على","vol":"1","page":232},{"text":"جواز نظر المرأة إلى الأجنبي بخلاف نظره إليها وهذا قول ضعيف، بل الصحيح الذي عليه جمهور العلماء وأكثر الصحابة أنه يحرم على المرأة النظر إلى الأجنبي كما يحرم عليه النظر إليها لقوله تعالى ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ و﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ ولأن الفتنة مشتركة وكما يخاف الافتتان بها تخاف الافتتان به. . . فليس فيه إذن لها في النظر إليه بل فيه أنها تأمن عنده من نظر غيرها، وهي مأمورة بغض بصرها فيمكنها الاحتراز عن النظر بلا مشقة بخلاف مكثها في بيت أم شريك.\n- وبوّب لهذا الحديث أبو عوانة في مسنده (٣/ ١٧٦): بيان الأخبار التي لا تجعل للمطلقة ثلاثا على زوجها نفقة ولا سكنى وإيجاب خروجها من بيته والانتقال إلى منزل لا يراها الرجال فتعتد فيه.\n- وقال ابن العربي في أحكام القرآن (٣/ ٣٨١): إن انتقالها من بيت أم شريك إلى بيت ابن أم مكتوم كان أولى بها من بقائها في بيت أم شريك إذ كانت في بيت أم شريك يكثر الداخل فيه والرائي لها وفي بيت ابن أم مكتوم كان لا يراها أحد.\n- وقال ابن عبد البر في التمهيد (١٩/ ١٥٢ - ١٥٦): وفي هذا الحديث وجوب استتار المرأة إذا كانت ممن للعين فيها حظ عن عيون الرجال، وفي ذلك تحريم للنظر إليهن. . . وأما قوله يغشاها أصحابي فمعلوم أنها عورة كما أن فاطمة عورة إلا أنه علم أن أم شريك من السترة والاحتجاب بحال ليست بها فاطمة","vol":"1","page":233},{"text":"ولعل فاطمة من شأنها أن تقعد فضلا (^١) لا تحترز كاحتراز أم شريك ولا يجوز أن تكون أم شريك وإن كانت من القواعد أن تكون فضلا، ويجوز أن تكون فاطمة شابة ليست من القواعد وتكون أم شريك من القواعد فليس عليها جناح ما لم تتبرز بزينة، فهذا كله فرق بين حال أم شريك وفاطمة وإن كانتا جميعا امرأتين العورة منهما واحدة، ولاختلاف الحالتين أمرت فاطمة بأن تصير إلى ابن أم مكتوم الأعمى حيث لا يراها هو ولا غيره في بيته ذلك.\nثانيا: قال الشيخ الألباني: \"وجه دلالة الحديث أن النبي - ﷺ - أذن لها في أن تظهر أمام الضيفان بخمارها الذي لا يغطي الوجه لولا خشية سقوطه عنها فيرون رأسها ولذلك أمرها بالانتقال\" استشهد الشيخ الألباني بالرواية التي جاء فيها لفظ (خمارك) المخالف للروايات الأخرى التي جاءت بلفظ (ثيابك) ورواتها أثبت وأوثق!\nوعلى فرض صحة الحديث بهذا اللفظ (خمارك) فإن ما بناه الشيخ الألباني على قولها (فأني أكره أن يسقط عنك خمارك) أنه أذن لها أن تخرج بخمار يستر شعرها دون وجهها؛ فعليه ينبني على قولها (أو ينكشف الثوب عن ساقيك) أنه أذن لها تخرج لهم بثوب يستر ساقيها دون قدميها أيضا!! وهذا مما لم يقل الشيخ الألباني بجواز إظهاره!!\n_________\n(^١) مشارق الأنوار (٢/ ١٦٠): قال ابن وهب مكشوفة الرأس والصدر وقال غيره الفضل الذي عليه ثوب واحد بغير إزار. وفي النهاية (٣/ ٤٥٦): فضلا: أي متبذلة في ثياب مهنتها أو كانت في ثوب واحد.","vol":"1","page":234},{"text":"وهذا يكشف أن إباحة كشف وجهها وقدميها للرجال؛ لكونها من الإماء المملوكات، يشهد لذلك الآتي:\n١ - ما صح عن شعبة قال أخبرني أبو بكر بن أبي الجهم قال دخلت أنا وأبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف على فاطمة بنت قيس في ملك آل الزبير فسألناها عن المطلقة ثلاثا (^١).\n٢ - لم يصرح أحد ممن ترجم لها أنها كانت زوجة لأبي عمرو وإنما اتفقت أقوالهم عند ترجمتها (كانت عند أبي عمرو ...) وهذا يدل على أنها كانت أمة مملوكة فتزوجها.\n٣ - أنها حينما خرجت من بيت زوجها لم تعتد في بيت من أهلها وإنما حولت إلى بيت رجل غريب عنها وهو الأعمى، وما جاء في بعض الروايات أنها ابنة عم للأعمى وأنها من البطن الذي هو منه قد نفاه القاضي كما نقله عنه النووي في شرحه على صحيح مسلم (١٠/ ١٠٣): قال القاضي والمشهور خلاف هذا وليس هما من بطن واحد هي من بنى محارب بن فهر (^٢) وهو من بنى عامر بن لؤي (^٣). اهـ\n_________\n(^١) مسند الطيالسي ١/ ٢٢٨ (١٦٤٥) سنن البيهقي الكبرى ٧/ ١٨١ (١٣٨١٧) وبنحوه في التمهيد لابن عبد البر ١٩/ ١٣٩.\n(^٢) هي فاطمة بنت قيس بن خالد بن وهب بن ثعلبة بن وائل بن عمرو بن شيبان بن محارب بن فهر الفهرية، كما في الثقات (٣/ ٣٣٦).\n(^٣) هو عبد الله بن عمرو بن شريح بن قيس بن زائدة بن الأصم من بنى عامر بن لؤي، كما في الثقات (٣/ ٢١٤).","vol":"1","page":235},{"text":"٤ - أن رسول الله - ﷺ - هو الذي تولى تزويجها دون إرجاع الأمر إلى وليها.\n٥ - أن الرجل الذي زوجها إياه رسول الله - ﷺ - من الموالي وهو أسامة بن زيد.\nثالثا: قال بعض أهل العلم أن هذا الحديث معلل الإسناد والمتن:\nقال الخطيب البغدادي (ت ٤٦٣ هـ) في الكفاية في علم الرواية (١/ ٨١ - ٨٣): زعم أهل العراق أن العدالة هي إظهار الإسلام وسلامة المسلم من فسق ظاهر فمتى كانت هذه حاله وجب أن يكون عدلا ... فيقال لهم هذا غير صحيح ولا نعلم الصحابة قبلوا خبر أحد الا بعد اختبار حاله والعلم بسداده واستقامة مذاهبه وصلاح طرائقه ... يدل على صحة ما ذكرناه أن عمر بن الخطاب رد خبر فاطمة بنت قيس في إسقاط نفقتها وسكناها لما طلقها زوجها ثلاثا مع ظهور إسلامها واستقامة طريقتها ... فثبت بما ذكرناه أن العدالة شيء زائد على ظهور الإسلام يحصل بتتبع الأفعال واختبار الأحوال.\nقال الكاساني (ت ٥٨٧ هـ) في بدائع الصنائع (٣/ ٢١٠): وأما حديث فاطمة بنت قيس فقد رده عمر - ﵁ - فإنه روي أنها لما روت أن رسول الله - ﷺ - لم يجعل لها سكنى ولا نفقة قال عمر - ﵁ -: لا ندع كتاب ربنا ولا سنة نبينا بقول امرأة لا ندري أصدقت أم كذبت ... وروي أن زوجها أسامة بن زيد كان إذا سمعها تتحدث بذلك حصبها بكل شيء في يده، وروي عن عائشة ﵂ أنها قالت لها: لقد فتنت الناس بهذا الحديث، وأقل أحوال إنكار الصحابة على راوي الحديث أن يوجب طعنا فيه.","vol":"1","page":236},{"text":"قال الزيلعي الحنفي (ت ٧٤٣ هـ) في تبيين الحقائق (٣/ ٦٠): وحديث فاطمة لا يجوز الاحتجاج به لوجوه: أحدها: أن كبار الصحابة أنكروا عليها كعمر وابن مسعود وزيد بن ثابت وأسامة بن زيد وعائشة حتى قالت لفاطمة فيما رواه البخاري \"ألا تتقي الله\" (^١) وروي أنها قالت لها \"لا خير لك فيه\" (^٢) ومثل هذا الكلام لا يقال إلا لمن ارتكب بدعة محرمة، وفي صحيح مسلم لما حدث الشعبي عنها بهذا الحديث أخذ الأسود بن يزيد كفا من حصى وحصب به الشعبي فقال له \"ويلك أتحدث بمثل هذا الحديث\" (^٣)، وقال أبو سلمة أنكر الناس عليها فصار منكرا فلا يجوز الاحتجاج به، والثاني: لاضطرابه؛ فإنه جاء طلقها ألبتة وجاء طلقها ثلاثا، وجاء أرسل إليها بتطليقة كانت بقيت من طلاقها وجاء طلقها ألبتة وهو غائب، وجاء مات عنها وجاء حين قتل زوجها، وجاء طلقها أبو عمرو بن حفص وجاء طلقها أبو حفص بن المغيرة، فلما اضطرب سقط الاحتجاج به،\nوقال كمال الدين ابن الهمام (ت ٨٦١ هـ) في فتح القدير (٤/ ٤٠٥ - ٤٠٧): شرط قبول خبر الواحد عدم طعن السلف فيه وعدم الاضطراب وعدم معارض يجب تقديمه والمتحقق في هذا الحديث ضد كل من هذه الأمور.\nفإحدى هذه العلل كافية لإسقاط الاحتجاج بهذا الحديث؛ فكيف بها مجتمعة!!\n_________\n(^١) صحيح البخاري ٥/ ٢٠٣٩ (٥٠١٦)\n(^٢) صحيح البخاري ٥/ ٢٠٤٠ (٥٠١٧)\n(^٣) صحيح مسلم ٢/ ١١١٨ (١٤٨٠)","vol":"1","page":237},{"text":"(الحديث السادس) الذي استشهد به الشيخ الألباني:\n* حديث ابن عباس ﵁: عن ابن عباس قيل له أشهدت العيد مع النبي - ﷺ - قال نعم ولولا مكاني من الصغر ما شهدته .. فصلّى ثم خطب ثم أتى النساء ومعه بلال (فقال يا أيّها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك الآية ثم قال حين فرغ منها أنتن على ذلك قالت امرأة واحدة منهن لم يُجبه غيرها نعم) فوعظهن وذكرهن وأمرهن بالصدقة (قال فبسط بِلال ثوبه ثم قال هلُم لكن فداء أبي وأمي) فرأيتهن يهوين بِأيديهنّ يقذفنه (فيلقين الفتخ (^١) والخواتيم) في ثوب بلال ثم انطلق هو وبلال إلى بيته. (^٢) قال الشيخ الألباني: قال ابن حزم بعد أن استدل بآية الضرب بالخمار على أن الوجه ليس بعورة: \" فهذا ابن عباس بحضرة رسول الله - ﷺ - رأى أيديهن، فصح أن اليد من المرأة والوجه ليسا بعورة، وما عداهما ففرض ستره\".اهـ\nوالجواب عليه بالآتي؛ أولا؛ أن رؤية ابن عباس لهن ليس فيها حجة على جواز نظر الرجال الأجانب للنساء الأجنبيات فضلا عن أن يكون فيها حجة على جواز الكشف وذلك لأنه ثبت في الحديث تصريح ابن عباس بصغر سِنِّه (ولولا مكاني من الصغر ما شهدته) وأما بلال فكان عبدا مملوكا لا تحتجب منه النساء، وعلى فرض أنه كان حينها حرا فليس في الحديث ما يدل على أنه رأى وجوههن ولا أنهن كن كاشفات عن وجوههن.\n_________\n(^١) الفتخ: جمع فتخة وهي خواتيم تلبس في الأَيدي، وربما وضعت في أَصابع الأَرجل (لسان العرب ٣/ ٤٠).\n(^٢) صحيح البخاري ١/ ٣٣١ - ٣٣٢ (٩٣٤) (٩٣٦).","vol":"1","page":238},{"text":"قال ابن حجر في فتح الباري (٩/ ٣٤٤): والحجة منه هنا مشاهدة ابن عباس ما وقع من النساء حينئذ وكان صغيرا فلم يحتجبن منه وأما بلال فكان من ملك اليمين كذا أجاب بعض الشراح وفيه نظر لأنه كان حينئذ حرا والجواب أنه يجوز ألا يكون في تلك الحالة يشاهدهن مسفرات.\nوقال في موضع آخر منه (٢/ ٤٦٦): قوله (ثم أتى النساء) يشعر بأن النساء كن على حدة من الرجال غير مختلطات بهم، قوله (ومعه بلال) فيه أن الأدب في مخاطبة النساء في الموعظة أو الحكم ألا يحضر من الرجال إلا من تدعو الحاجة إليه من شاهد ونحوه لأن بلالا كان خادم النبي - ﷺ - ومتولي قبض الصدقة وأما ابن عباس فقد تقدم أن ذلك اغتفر له بسبب صغره.\nثانيا؛ أن مراد ابن حزم قصر ما يجوز إظهاره من الأمة، وما يجوز إظهاره من الحرة أمام من يحل له النظر إليها؛ على الوجه والكفين فقط، ولذلك قال (فصح أن اليد من المرأة والوجه ليسا بعورة، وما عداهما ففرض ستره) كما أن استشهاد ابن حزم بهذا الحديث كان على نظر بلال لأكفهن وليس لوجوههن حيث قال (فلولا ظهور أكفهن ما أمكنهن إلقاء الفتخ) (^١) فلا حجة فيه على كشف الوجه!\n_________\n(^١) المحلى ١٠/ ٣١.","vol":"1","page":239},{"text":"كما أن قول ابن حزم (فلولا ظهور أكفهن ما أمكنهن إلقاء الفتخ) ضعيف؛ فإنه بإمكانهن إلقاء الخواتم مع ستر أيديهن! وسياق الحديث يشهد لذلك (فرأيتهن يهوين بأيديهن يقذفنه) وفي الرواية الأخرى (فرأيتهن يهوين إلى آذانهن وحلوقهن يدفعن إلى بلال) (^١)\nفهل يؤخذ منه أنهن كن كاشفات عن حلوقهن وآذانهن!! وهذا يشهد لكونهن لم يكن كاشفات عن أكفهن وأن ابن عباس إنما رأى حركة أيديهن من تحت الجلابيب، وهذا ما جاء مصرحا به في رواية أخرى عند البخاري قال فيها ابن عباس (ثم أمر بالصدقة، فجعل النساء يشرن إلى آذانهن وحلوقهن، فأمر بلالا فأتاهن). (^٢)\nثالثا: أن في الحديث ما يشهد أن النساء كن مغطيات وجوههن وذلك فيما أسقط من الحديث وهو قوله (قالت امرأة واحدة منهن لم يُجبه غيرها \"نعم\"] لا يدري حسن من هي [) (^٣) وحسن هو راوي الحديث. وفي رواية مسلم (فقالت امرأة واحدة لم يُجبه غيرها منهنَّ نعم يا نبي الله [لا يُدْرَى حينئذ من هي [) (^٤) وهذا تصريح من الراوي أن المرأة المتحدثة لا يُدرى من هي لأنها كانت مغطية وجهها فلم تُعرف.\n_________\n(^١) صحيح البخاري ٥/ ٢٠١٠ (٤٩٥١)، قال ابن حجر في فتح الباري (١٠/ ٣٣١): ومعنى الإهواء الإيماء باليد إلى الشيء ليؤخذ. وفي لسان العرب (١/ ٢٠١): أشار مثل أومأ.\n(^٢) صحيح البخاري ٦/ ٢٦٧١ (٦٨٩٤).\n(^٣) صحيح البخاري ١/ ٣٣٢ (٩٣٦).\n(^٤) صحيح مسلم ٢/ ٦٠٢ (٨٨٤).","vol":"1","page":240},{"text":"قال النووي في شرحه على صحيح مسلم (٦/ ١٧٢): (لا يدري حينئذ من هي) هكذا وقع في جميع نسخ مسلم (حينئذ) وكذا نقله القاضي عن جميع النسخ، قال هو وغيره وهو تصحيف وصوابه (لا يدري حسن من هي). قال النووي: ويحتمل تصحيح (حينئذ) ويكون معناه لكثرة النساء واشتمالهن ثيابهن لا يدري من هي. (^١)\nوبذلك يبطل الاحتجاج بهذا الحديث، ويضم إلى أدلة وجوب تغطية الوجه.\n(الحديث السابع) الذي استشهد به الشيخ الألباني:\n* حديث سبيعة بنت الحارث الأسلمية: أنها كانت تحت سعد ابن خولة فتوفي عنها في حجة الوداع فوضعت حملها قبل أن تنقضي أربعة أشهر وعشر من وفاته، فلقيها أبو السنابل يعني ابن بعكك حين تعلت من نفاسها وقد اكتحلت] واختضبت وتهيأت [(^٢) فقال لها: اربعي على نفسك لعلك تريدين النكاح إنها أربعة أشهر وعشر من وفاة زوجك قالت: فأتيت النبي - ﷺ - فذكرت له ما قال أبو السنابل بن بعكك، فقال لها النبي - ﷺ - \" قد حللت حين وضعت حملك \" (^٣)\n_________\n(^١) تعقبه ابن حجر في فتح الباري (٢/ ٤٦٨) بقوله: ووقع في مسلم وحده (لا يدري حينئذ) وجزم جمع من الحفاظ بأنه تصحيف ووجهه النووي بأمر محتمل لكن اتحاد المخرج دال على ترجيح رواية الجماعة -وهذا لا يعارض قول النووي، فعدم معرفة حسن للمرأة قد يكون لعدم معرفة من قبله من الرواة لها.\n(^٢) من رواية أخرى عند أحمد في مسنده ٦/ ٤٣٢ (٢٧٤٧٨) وحسن الألباني إسنادها في جلباب المرأة /٦٩.\n(^٣) مسند أحمد بن حنبل ٦/ ٤٣٢ (٢٧٤٧٥) وصحح الألباني إسناده في جلباب المرأة /٦٩.","vol":"1","page":241},{"text":"والجواب عليه بالآتي: أولا: أن مما لا خلاف فيه أن القائلين بكشف الوجه ومنهم الشيخ الألباني يشترطون ألا يكون على الوجه شيئا من الزينة، وقد صرحت سبيعة بأنها كانت متجملة حين دخل عليها أبو السنابل، وهذا مما لم يقل بجوازه أحد من أهل العلم ولا حتى الشيخ الألباني نفسه، ولذلك لم يجد الشيخ الألباني بدا من القول بأنها قد تكون مغطية وجهها ماعدا عينيها! فقال في كتابه جلباب المرأة /٦٩: (والحديث صريح الدلالة على أن الكفين ليسا من العورة في عرف نساء الصحابة، وكذا الوجه أو العينين على الأقل)!!\nثانيا: أنه على فرض أنها كانت كاشفة عن وجهها فلا حجة فيه أيضا؛ لأن سبيعة الأسلمية كانت أمة مملوكة اتخذها سعد بن خولة أم ولد. (^١) كما جاء ذلك مصرحا به في الرواية التي نقلها الهيثمي عن أحمد في مجمع الزوائد (٥/ ٢): عن أبي بن كعب قال: نازعني عمر بن الخطاب في المتوفى عنها وهي حامل، فقلت تزوج إذا وضعت، فقالت أم الطفيل -أم ولدي- لعُمر (قد أمر رسول الله - ﷺ - أم ولد؛ سبيعة الأسلمية أن تنكح إذا وضعت). (^٢)\n\nوفي مسند الشافعي (١/ ٢٩٨) قال: \"أخبرنا مالك عن نافع عن ابن عمر أنه قال في أم الولد يتوفى عنها سيدها قال تعتد بحيضة\" ثم استشهد بحديث\n_________\n(^١) أم الولد: هي الأمة التي حملت من سيدها وأتت بولد، كما في معجم لغة الفقهاء ص/٨٨.\n(^٢) مسند أحمد بن حنبل ٦/ ٣٧٥ (٢٧١٥٢) قال الهيثمي رواه أحمد وإسناده حسن إلا أن بسر بن سعيد لم يدرك أبي بن كعب، قلت وفاة أبي بن كعب مختلف فيها فإن صح أنه توفي في خلافة عثمان فإن بسرا يكون بذلك قد أدركه، كما أنه روي موصولا في رواية أخرى عند أحمد ٦/ ٣٧٥ (٢٧١٥٣) عن بسر عن أم الطفيل عن أبي بن كعب.","vol":"1","page":242},{"text":"سبيعة، ولذلك لم يعلق أحد من شراح الحديث على دخول أبو السنابل عليها ونظره إليها البتة، بل لم يستشهد أحد من أهل العلم بهذا الحديث - مع كونه مخرج في الصحيحين- على جواز النظر إلى النساء فضلا أن يستشهدوا به على جواز الكشف!\n(الحديث الثامن):\n* حديث عائشة ﵂\" أن امرأة أتت النبي - ﷺ - تبايعه، ولم تكن مختضبة، فلم يبايعها حتى اختضبت\" (^١) قال الشيخ الأباني:\nحديث حسن أو صحيح، أخرجه أبو داود (٢/ ١٩٠) وله شواهد كثيرة أوردتها في\" الثمر المستطاب في فقه السنة والكتاب\". اهـ\nأولا: عزّا الشيخ الألباني هذا الحديث لأبي داود! والصحيح أنه بهذا اللفظ للبزار عن ابن عباس وليس عن عائشة! وقد ضعّفه ابن القطان فقال: فيه ليث بن أبي سليم وهو ضعيف، وفيه نكارة فإن النبي - ﷺ - لم يكن تصافحه المبايعات. (^٢)\n\nأما ما أخرجه أبو داود فهو ما روته صفية بنت عصمة عن عائشة ﵂ أنها قالت (أومأت امرأة من وراء ستر بيدها كتاب إلى رسول الله - ﷺ - فقبض النبي - ﷺ - يده فقال ما أدري أيد رجل أم يد امرأة، قالت بل امرأة، قال لو كنت\n_________\n(^١) أحكام النظر ١/ ٢٠٠\n(^٢) سنن أبي داود ٤/ ٧٧ (٤١٦٦) قال ابن الملقن في البدر المنير (٦/ ١٣٩): وصفية هذه مجهولة، قال ابن القطان في أحكام النظر (ص/٦١): هذا حديث في غاية (الضعف) صفية هذه عدم. وقال ابن حجر في التلخيص الحبير (٢/ ٥١٦): قال أحمد في العلل هذا حديث منكر.","vol":"1","page":243},{"text":"امرأة لغيرت أظفارك يعني بالحناء) (^١) وهذا ليس فيه حجة لأن فيه أنها كانت تكلم النبي - ﷺ - من وراء حجاب.\nثانيا: قال الشيخ الألباني: \" وله شواهد كثيرة أوردتها في\" الثمر المستطاب\" وبالرجوع إلى الثمر المستطاب لا تجد إلا أسانيد هالكة لا تصلح لتقوية الحديث، لأن أسانيدها لا تخلو ممن لا يُعرف (^٢)!!\nقال ابن القطان: وفي الباب حديثان لعائشة، وهما في غاية الضعف. اهـ\nوبذلك يسقط الاحتجاج بهذا الحديث.\n(الحديث التاسع)\n*حديث ابن عباس: \"عن عطاء بن أبي رباح، قال: قال لي ابن عباس: ألا أريك امرأة من أهل الجنة؟ قلت: بلى، قال: هذه المرأة السوداء، أتت النبي - ﷺ - فقالت: إني أصرع وإني أتكشف، فادع الله لي، قال: (إن شئت صبرت ولك الجنة، وإن شئت دعوت الله أن يعافيك) فقالت: أصبر، فقالت: إني أتكشف، فادع الله لي أن لا أتكشف، فدعا لها\" (^٣).\n_________\n(^١) انظر: الثمر المستطاب في فقه السنة والكتاب للشيخ الألباني ١/ ٣١١ - ٣١٤.\n(^٢)\n(^٣) صحيح البخاري ٥/ ٢١٤٠ (٥٣٢٨) صحيح مسلم ٤/ ١٩٩٤ (٢٥٧٦).","vol":"1","page":244},{"text":"وهذا لا حجة فيه أيضا لأن هذه المرأة السوداء كانت من الإماء ولذلك كانت كاشفة عن وجهها، قال البخاري عقب هذا الحديث: حدثنا محمد ... أخبرني عطاء: \" أنه رأى أم زفر تلك امرأة طويلة سوداء، على ستر الكعبة\" (^١) وقال ابن حجر في الإصابة (٨/ ٢١٠): هي أم زفر الحبشية السوداء.\n(الحديث العاشر)\n* حديث ابن عباس - ﵁ - قال\" كانت امرأة تصلي خلف رسول الله - ﷺ -؛ حسناء من أحسن الناس فكان بعض القوم يتقدم حتى يكون في الصف الأول لئلا يراها، ويستأخر بعضهم حتى يكون في الصف المؤخر، فإذا ركع نظر من تحت إبطه، فأنزل الله (ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين) (^٢).\nوالجواب عليه بالآتي؛ أولا: أن هذا الأثر معلل الإسناد والمتن، أما المتن؛ فإن في متنه نكارة شديدة كما قال ابن كثير في تفسيره (٢/ ٥٥١) والمباركفوري في تحفة الأحوذي (٨/ ٤٣٨)، أما إسناده؛ فقيل أنه روي موقوفا على أبي الجوزاء دون رفعه لابن عباس وليس فيه ذكر للمرأة، وقال الترمذي والقرطبي وقفه أصح، أي أنه مرسل كما قال الزيلعي فلا يصح الاحتجاج به.\n_________\n(^١) صحيح البخاري ٥/ ٢١٤٠ (٥٣٢٨).\n(^٢) جامع الترمذي ٥/ ٢٩٦ (٣١٢٢) سنن النسائي ٢/ ١١٨ (٨٧٠) سنن ابن ماجه ١/ ٣٣٢ (١٠٤٦) صححه الألباني في السلسلة الصحيحة ٥/ ٦٠٨ (٢٤٧٢)، وقال الترمذي والقرطبي والزيلعي إنه مرسل.","vol":"1","page":245},{"text":"- كما في جامع الترمذي (٥/ ٢٩٦) وتفسير القرطبي (١٠/ ١٩): قال أبو عيسى وروى جعفر بن سليمان هذا الحديث عن عمرو بن مالك عن أبي الجوزاء نحوه ولم يذكر فيه عن ابن عباس وهذا أشبه أن يكون أصح من حديث نوح.\n- قال أبو نعيم في حلية الأولياء (٣/ ٨١): غريب من حديث أبي الجوزاء عن ابن عباس تفرد برفعه نوح بن قيس.\n- وقال الزيلعي في تخريج الكشاف (٢/ ٢١١): روي مرسلا.\n- وقال ابن كثير في تفسيره (٢/ ٥٥١): ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ﴾ الحجر: ٢٤ وقد ورد فيه حديث غريب جدا، عن ابن عباس - ﵃ - قال (كانت تصلي خلف النبي - ﷺ - امرأة حسناء. . .) وهذا الحديث فيه نكارة شديدة وقد رواه عبد الرزاق عن جعفر بن سليمان عن عمرو بن مالك أنه سمع أبا الجوزاء يقول ... فالظاهر أنه من كلام أبي الجوزاء فقط، ليس فيه لابن عباس ذكر، وقد قال الترمذي هذا أشبه من رواية نوح بن قيس. اهـ\nثانيا: على فرض ثبوت صحة هذا الأثر؛ فإنه يحتمل أن يكون قبل نزول الحجاب، وليس في الحديث ما يبعد ذلك فلا يكون فيه حجة.\nكما يحتمل أن تكون هذه المرأة من الجواري المملوكات - الإماء - وليست من الحرائر، ولذلك لم يستشهد أحد من أهل العلم بهذا الخبر على جواز النظر، ولا على جواز كشف وجوه النساء الحرائر!","vol":"1","page":246},{"text":"(الحديث الحادي عشر)\n*قول ابن مسعود - ﵁ - \" رأى رسول اللَّه - ﷺ - امرأة فأعجبته فأتى سودة وهي تصنع طيبا وعندها نساء فأخلينه فقضى حاجته ثم قال أيّما رجل رأى امرأة تعجبه فليقم إلى أهله فإن معها مثل الذي معها\". (^١)\nوالجواب عليه بالآتي: أولا: أن المراد بقوله - ﷺ - (أيما رجل رأى امرأة تعجبه) أي من الإماء اللاتي لم يفرض عليهن الحجاب، أو من نساء العجم الكاشفات لوجوههن، كما أشار إلى ذلك البخاري في صحيحه معلقا (٥/ ٢٢٩٩): قال سعيد بن أبي الحسن للحسن إن نساء العجم يكشفن صدورهن ورؤوسهن قال اصرف بصرك عنهن، وقال الزهري في النظر إلى التي لم تحض من النساء لا يصلح النظر إلى شيء منهن ممن يشتهى النظر إليه وإن كانت صغيرة، وكره عطاء النظر إلى الجواري اللاتي يُبَعن بمكة إلا أن يريد أن يشتري. اهـ\nثانيا: لم يخرج الحديث بهذا اللفظ إلا الدارمي عن ابن مسعود؛ وقد أخرجه مسلم في صحيحه وأبي داود والترمذي وغيرهم عن جابر بلفظ آخر؛ (عن جابر - ﵁ - أن النبي - ﷺ - رأى امرأة فأتى امرأته زينب وهي تمعس (^٢) منيئة (^٣) لها فقضى حاجته ثم خرج إلى أصحابه فقال:\nإن المرأة تقبل في صورة شيطان وتدبر في صورة شيطان\n_________\n(^١) قال الشيخ الألباني: أخرجه الدارمي (٢٢١٥) عن ابن مسعود واللفظ له، ومسلم وابن حبان وغيرهما؛ عن جابر، وصححه ابن القطان في\" أحكام النظر\" (ق ١٨/ ١٢)\n(^٢) تمعس: أي تدبغ وأصل المعس المعك والدلك (النهاية في غريب الأثر ٤/ ٣٤٢)\n(^٣) المنيئة: الجلد أول ما يدبغ (غريب الحديث لابن الجوزي ٢/ ٣٧٦)","vol":"1","page":247},{"text":"فإذا أبصر أحدكم امرأة فليأت أهله فإن ذلك يرُدُّ ما في نفسه) (^١) فقوله (إن المرأة تقبل في صورة شيطان وتدبر في صورة شيطان) بيان لما يغلب عند النظر إلى المرأة من إثارة للشهوة، ولذا لم يستشهد أحد من أهل العلم بهذا الحديث على جواز النظر إلى المرأة الحرة فضلا على أن يستشهدوا به على جواز كشف الوجه، وقد ذكر ابن القطان في أحكام النظر (ص/١٩٣): أن الحديث مندفع الدلالة من حيث إنه ليس فيه ذكر للإبداء، ولعل حركة النفس من رؤية الشخص مستترا.\nوقال النووي في شرح هذا الحديث (٩/ ١٧٨): قال العلماء معناه الإشارة إلى الهوى والدعاء إلى الفتنة بها لما جعله الله تعالى في نفوس الرجال من الميل إلى النساء والالتذاذ بنظرهن وما يتعلق بهن، فهي شبيهة بالشيطان في دعائه إلى الشر بوسوسته وتزيينه له، ويستنبط من هذا أنه ينبغي لها ألا تخرج بين الرجال إلا لضرورة وأنه ينبغي للرجل الغض عن ثيابها والإعراض عنها مطلقا.\nقال العظيم آبادي في عون المعبود شرح سنن أبي داود (٦/ ١٣٢): شبهها بالشيطان في صفة الوسوسة والإضلال فإن رؤيتها من جميع الجهات داعية للفساد ... ويستنبط من هذا أنه ينبغي لها ألا تخرج إلا لضرورة ولا تلبس ثيابا فاخرة وينبغي للرجل ألا ينظر إليها ولا إلى ثيابها. اهـ\nوبذلك يسقط الاحتجاج بهذا الحديث على جواز الكشف للنساء الحرائر.\n_________\n(^١) مسلم (١٤٠٣) أبو داود (٢١٥١) صحيح ابن حبان (٥٥٧٢).","vol":"1","page":248},{"text":"(الحديث الثاني عشر)\n*ما روي عن عبد الله بن محمد عن امرأة منهم قالت دخل علي رسول الله - ﷺ - وأنا آكل بشمالي وكنت امرأة عسراء فضرب يدي فسقطت اللقمة فقال لا تأكلي بشمالك وقد جعل الله ﵎ لك يمينا أو قال قد أطلق الله ﷿ يمينك قال فتحولت شمالي يمنيا فما أكلت بها بعد\" (^١)\nوالجواب عليه بالآتي؛\nأولا: مع احتمال أن يكون هذا قبل الحجاب، أو أن هذه المرأة كانت من الإماء، إلا أن ليس فيه حجة؛ لأنه ليس فيه أنها كانت كاشفة عن وجهها!\nثانيا: أن في متنه نكارة، تتبين بما صح عن عائشة ﵂ أنها قالت (ما ضرب رسول الله - ﷺ - شيئا قط بيده ولا امرأة ولا خادما). (^٢)\nثالثا: ضعف إسناد هذا الحديث: قال الشيخ الألباني عقب الحديث: (قال الهيثمي في المجمع (٥/ ٢٦) رواه أحمد والطبراني ورجال أحمد ثقات) ثم قال الشيخ الألباني (رجاله ثقات كما قال؛ رجال الشيخين؛ غير عبدالله بن محمد وهو ابن عقيل المدني فيما أظن وهو حسن الحديث) (^٣) وكان من الأولى وقد قال الهيثمي عن رجال إسناد هذا الحديث بأنهم ثقات؛ بألّا يحمل عبدالله بن محمد\n_________\n(^١) مسند أحمد بن حنبل ٤/ ٦٩ (١٦٦٩٠) قال البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة ٤/ ٢٨٦: إسناده فيه مقال.\n(^٢) صحيح مسلم ٤/ ١٨١٤ (٢٣٢٨).","vol":"1","page":249},{"text":"على (ابن عقيل) لأن ابن عقيل ليس من الثقات قال عنه الهيثمي \"حديثه حسن وفيه ضعف\" هذا علاوة على أن الهيثمي قد صرح بكونه غير ابن عقيل؛ فقال في الموضع الذي أشار إليه الشيخ الألباني في مجمع الزوائد (٥/ ٢٦): عن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن زيد عن امرأة منهم قالت دخل علي ...) فصرح بأنه عبد الله بن زيد الأنصاري، وهذا يكشف علّة في إسناده: وهي الانقطاع بين عبد الله بن زيد الأنصاري والمرأة فإنه إن لم يكن معضلا كان منقطعا! علاوة على أنه ليس له موثق غير ابن حبان وعليه قال الهيثمي (رجاله ثقات) قال ابن القطان في \" الوهم والإيهام \" (٣/ ٣٤٨) هو مجهول لا يعرف حاله. وذكره ابن الجارود وابن عدي في \" جملة الضعفاء\"اهـ وليست هذه علّة إسناده فقط فإن فيه علّة أخرى ذكرها أبو بكر بن أبي عاصم الشيباني في الآحاد والمثاني (٦/ ١٧٥) قال: حدثنا ... عن إسحاق بن عبد الله عن محمد بن عبد الله الأنصاري عن امرأة من قومه قالت دخل علي رسول الله - ﷺ - وأنا آكل بشمالي ...) قال أبو بكر بن أبي عاصم: وإسحاق هو بن عبد الله بن أبي فروة ليس بشيء ومن زعم أنه إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة فقد أخطأ. اهـ وفيه شاهد على أن عبدالله بن محمد هو الأنصاري وليس ابن عقيل، وفيه أن إسحاق بن عبدالله هو ابن أبي فروة وهو متروك كما ذكر ابن حجر في التقريب (١/ ١٠٢). وعليه فمن وثق رواته كالهيثمي؛ فهو لتوهمه أن إسحاق بن عبد الله؛ هو ابن أبي طلحة.\nوعلى هذا فإن إحدى هذه العلل تضعف الحديث وتسقط الاحتجاج به فكيف بها مجتمعه.","vol":"1","page":250},{"text":"(الحديث الثالث عشر)\nوهو آخر ما استشهد به الشيخ الألباني من الأحاديث وهو حديث ثوبان - ﵁ - قال: جاءت بنت هبيرة إلى رسول الله - ﷺ - وفي يدها فتخ من ذهب (أي خواتيم ضخام) فجعل رسول الله - ﷺ - يضرب يدها، فدخلت على فاطمة بنت رسول الله - ﷺ - تشكو إليها الذي صنع بها رسول الله - ﷺ -، فانتزعت فاطمة سلسلة في عنقها من ذهب وقالت هذه أهداها إلي أبو حسن، فدخل رسول الله - ﷺ - والسلسلة في يدها فقال: يا فاطمة أيغرك أن يقول الناس ابنة رسول الله وفي يدها سلسلة من نار ثم خرج ولم يقعد، فأرسلت فاطمة بالسلسلة إلى السوق فباعتها واشترت بثمنها غلاما فأعتقته فحُدث بذلك فقال الحمد لله الذي أنجى فاطمة من النار\" (^١)\nوالجواب عليه بالآتي: أولا: مع احتمال أن يكون هذا قبل الحجاب، أو أن ابنة هبيرة هذه كانت من الإماء، إلا أن ليس فيه حجة؛ لأنه ليس فيه أنها كانت كاشفة عن وجهها! كما أن راوي الحديث عبد مملوك وهو ثوبان مولى رسول الله - ﷺ - فليس في نظره حجة على جواز نظر الأحرار الأجانب. والذي كان ينبغي أن يؤخذ من هذا الحديث كما قال بعض أهل العلم كابن حزم أن ضرب النبي - ﷺ - ليدها كان لإظهارها هذه الزينة.\n_________\n(^١) سنن النسائي (٥١٤٠) (٥١٤١).","vol":"1","page":251},{"text":"ثانيا: في متنه نكارة تبعد صحته كالذي سبق، وهي الضرب منه - ﷺ - وقد صح عن عائشة ﵂ أنها قالت (ما ضرب رسول الله - ﷺ - شيئا قط بيده ولا امرأة ولا خادما). (^١)\nثالثا: الحديث لايصح لأن إسناده منقطع؛ قال ابن الملقن في التوضيح لشرح الجامع الصحيح (٢٨/ ٦٦): حديث ثوبان منقطع. وقال ابن القيم في حاشيته تهذيب سنن أبي داود (١١/ ٢٠١): قال ابن القطان: علته أن رواية يحي بن أبي كثير عن أبي سلام الرحبي منقطعة. كما قاله الذهبي أيضا في الميزان (٧/ ٢١٢).\nوجاء موصولا عن يحيى بن أبي كثير عن زيد بن سلام عن أبي سلام، كما في مسند أحمد والنسائي؛ ولكن قال ابن معين وأحمد وغيرهم أنه لم يسمع من زيد بن سلام وإنما دلّسه عنه. كما ذكر المزي في تهذيب الكمال في أسماء الرجال (١٠/ ٧٨): قال معاوية بن سلام: أخذ مني يحيى بن أبي كثير كتب أخي زيد بن سلام. قال يحيى بن معين: لم يلق يحيى بن أبي كثير زيد بن سلام، قدم معاوية بن سلام عليهم، فلم يسمع يحيى بن أبي كثير منه شيئا، أخذ كتابه عن أخيه، ولم يسمعه، فدلسه عنه. اهـ ولهذا قال الشيخ الألباني في كتابه آداب الزفاف /١٥٣ (إسناده صحيح موصول) أي إذا ثبت اتصاله! أما إذا لم يثبت اتصال إسناده فلا يصح. وقد ثبت أن إسناده منقطع فلا يصح الحديث إذن. وعليه فلا حجة بمن صحح الحديث لروايته الموصوله.\n_________\n(^١) صحيح مسلم ٤/ ١٨١٤ (٢٣٢٨).","vol":"1","page":252},{"text":"ولذلك لم يستشهد بهذا الحديث أحد من أهل العلم على جواز النظر فضلا أن يستشهدوا به على جواز الكشف.\nوبذلك تبين أنه لاحجة فيما استشهد به الشيخ الألباني من الأحاديث على جواز كشف وجه المرأة الحرة للرجال الأحرار الأجانب.\nالآثار التي استشهد بها الشيخ الألباني ومناقشتها\n* من المناسب هنا قبل الانتقال إلى مناقشة بحثه السابع؛ أن نجيب على ما استشهد به الشيخ الألباني من الآثار وذلك مما استدرك في الطبعة الجديدة من كتابه (جلباب المرأة ص ٩٦ - ١٠٣) حتى نستوعب الإجابة عن كل ما استشهد به الشيخ الألباني حتى لا نترك مجالا لمن شك، وليتبين الحق لمن أراد الله له قبوله. فيُبيّن أولا القول فيها جملة؛ بأن هذه الآثار لو ثبت في شيء منها كشف وجه امرأة حرة لرجل حر أجنبي فلا يعد حجة على جواز الكشف ولا يحل العمل به؛ لأن هذه الآثار إن لم تكن مقطوعة فهي موقوفة (^١) لم يُرفع منها شيء للنبي - ﷺ - وليس لأي منها حكم الرفع، وإنما هي وقائع لا يؤخذ منها حكم شرعي ولا يلزم العمل بها على فرض صحتها.\nثم يُبيّن القول فيها تفصيلا:\n_________\n(^١) الموقوف: هو ما روى عن الصحابي مقتصرا عليه، من قوله وفعله، والمقطوع: هو ما أضيف إلى تابعي موقوفا عليه، سواء كان قوله أو فعله، كما في المختصر في علم الأثر ص/ ١٣١، ١٤٥.","vol":"1","page":253},{"text":"(الأثر الأول)\nعن قيس بن أبي حازم قال: دخلت أنا وأبي على أبي بكر وإذا هو رجل أبيض خفيف الجسم عنده أسماء ابنت عميس تذب عنه وهي] امرأة بيضاء [موشومة اليدين كانوا وشموها في الجاهلية نحو وشم البربر فعرض عليه فرسان فرضيهما فحملني على أحدهما وحمل أبي على الآخر (^٢).\nأولا: روي هذا الأثر موقوفا على قيس وفي رواية أخرى عند الطبراني روي عن قيس عن معاوية، فساقه الشيخ الألباني على أنه غير هذا الأثر وجعله (الأثر الخامس عشر!! (عن قيس قال: قال معاوية - ﵁ - دخلت مع أبي على أبي بكر - ﵁ - فرأيت أسماء قائمة على رأسه بيضاء ورأيت أبا بكر - ﵁ - أبيض نحيفا فحملني وأبي على فرسين ثم عرضنا عليه وأجازنا) (^٣) وهذا اضطراب في السند يوجب ضعف هذا الأثر.\nثانيا: حمل بعضهم أن المراد من هذا الأثر أن قيسا إنما رأى كفيها التي اضطرت للكشف عنها للذب عن أبي بكر - ﵁ - كما قال أبو عبيد القاسم بن سلام","vol":"1","page":254},{"text":"(ت ٢٢٤ هـ) في غريب الحديث (١/ ١٦٨): \"إنما يراد من الحديث أنه رأى كفها\".اهـ\nلكن الشيخ الألباني أنكر على من قال أن كشفها عن يديها كان للضرورة فقال: كأنه لا يعلم أنها لم تكن محرمة يحرم عليها القفازان! وأن الذبَّ المذكور يمكن أن يكون باليد الواحدة، فأين الضرورة المجوِّزة للكشف عن اليدين كلتيهما!!\nومع ذلك فليس الشأن في كشفها ليديها؛ وإنما الشأن في بروزها لقيس ووالده وعدم استتارها وراء الحجاب! فإن هذا يكشف أن أسماء بنت عميس الخثعمية كانت من الإماء وليست من النساء الحرائر؛ اتخذها أبو بكر أم ولد (^١) ولذلك لم تحتجب، ومما يشهد لذلك الآتي:\n١) ما روي عن أبي موسى الأشعري - ﵁ - قال (... فركبنا سفينة، فألقتنا سفينتنا إلى النجاشي بالحبشة، فوافقنا جعفر بن أبي طالب - في الحبشة - فأقمنا معه حتى قدمنا جميعا، فوافقنا النبي - ﷺ - حين افتتح خيبر، وكان أناس من الناس يقولون لنا، يعني لأهل السفينة: سبقناكم بالهجرة، ودخلت أسماء بنت عميس على حفصة زوج النبي - ﷺ - زائرة وقد كانت هاجرت إلى النجاشي فيمن هاجر، فدخل عمر على حفصة وأسماء عندها، فقال عمر حين رأى أسماء: من هذه؟ قالت: أسماء بنت عميس قال عمر: الحبشية هذه، البحرية هذه؟ قالت أسماء: نعم، قال: سبقناكم بالهجرة ... فلما جاء النبي - ﷺ - قالت: يا نبي الله إن عمر قال: كذا وكذا؟ ... قال (ليس بأحق بي منكم، وله ولأصحابه هجرة واحدة، ولكم أنتم -\n_________\n(^١) أم الولد: هي الأمة التي حملت من سيدها وأتت بولد، كما في معجم لغة الفقهاء ص/٨٨.","vol":"1","page":255},{"text":"أهل السفينة - هجرتان) قالت: فلقد رأيت أبا موسى وأصحاب السفينة يأتوني أرسالا، يسألوني عن هذا الحديث، ما من الدنيا شيء هم به أفرح ولا أعظم في أنفسهم مما قال لهم النبي - ﷺ - قال أبو بردة: قالت أسماء: فلقد رأيت أبا موسى وإنه ليستعيد هذا الحديث مني). (^١)\nفدل بروزها لعمر - ﵁ - عند دخوله على حفصة دون الاستتار وراء حجاب، وذهابها لرسول الله - ﷺ - لسؤاله، وذكرها لدخول الرجال عليها أرسالا من أهل السفينة بما فيهم من الأحرار لسؤالها عن قول رسول الله - ﷺ - لها؛ كل ذلك يدل على أنها كانت من الإماء وليست من الحرائر اللاتي لم يعهد عنهن البروز للرجال والخروج والمشي في الطرقات، ودخول الرجال عليهن بعد نزول الحجاب. وقد كان قدوم أسماء بنت عميس من الحبشة كما ذكرت حين افتتح خيبر وذلك في العام السابع من الهجرة أي بعد نزول الحجاب.\n٢) ثبت عن أم عطية، عن النبي - ﷺ - قالت: (كنا ننهى أن نحد (^٢) على ميت فوق ثلاث، إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا، ولا نكتحل ولا نتطيب ولا نلبس ثوبا مصبوغا) (^٣) قال في تيسير العلام شرح عمدة الأحكام (ص: ٦٠٨): يؤخذ من الحديث وجوب إحداد المرأة على زوجها المتوفى، أربعة أشهر وعشرًا.\n_________\n(^١) صحيح البخاري ٥/ ١٣٧ (٤٢٣٠) (٤٢٣١) صحيح مسلم ٤/ ١٩٤٦ (٢٥٠٣).\n(^٢) الإحداد في الشرع هو ترك الطيب والزينة.\n(^٣) صحيح البخاري (١/ ٦٩)","vol":"1","page":256},{"text":"وقال ابن دقيق العيد (ت ٧٠٢ هـ) في إحكام الأحكام (٢/ ١٩٦): يؤخذ من هذا الحديث: أنه لا إحداد على الأمة المستولدة، لتعليق الحكم بالزوجية.\nقال ابن بطال في شرح صحيح البخاري (٧/ ٥٠٦): وأجمعوا أن أم الولد لا إحداد عليها إذا توفى سيدها، والحجة في ذلك أن الأحاديث إنما جاءت فى الأزواج، وأم الولد ليست بزوجة، ذكر هذا كله ابن المنذر.\nوجاء في الجامع لعلوم الإمام أحمد (١١/ ٥٣٤): هل على أم الولد إحداد؟ قال سفيان: إذا مات الرجل عن سريته، تخرج وتطيب وتُخطب، ولكن لا تزوج حتى تحيض ثلاث حيض.\nوقد أخرج أحمد في مسنده (٤٥/ ٢١): عن أسماء بنت عميس قالت: (لما أصيب جعفر أتانا النبي - ﷺ - فقال: \" تسلبي (^١) ثلاثا، ثم اصنعي ما شئت\") وفي رواية عنها قالت: (دخل علي رسول الله - ﷺ - اليوم الثالث من قتل جعفر فقال: \" لا تحدي بعد يومك هذا \") (^٢) صححه الإمام أحمد، وابن الملقن في التوضيح (٢٥/ ٥٥٣) والعيني في نخب الأفكار (١١/ ١٥٣).\n_________\n(^١) تسلبي: أي البسي ثياب الحداد السود. تهذيب اللغة (١٢/ ٣٠٢) تاج العروس (٣/ ٧٢).\n(^٢) قال الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (٧/ ٦٨٤): (إسناده صحيح، وقد أعله البيهقي بالانقطاع بين عبد الله بن شداد وأسماء، وبمحمد بن طلحة! أما الانقطاع؛ فدعوى باطلة؛ فإن عبد الله من كبار التابعين الثقات، ولد على عهد النبي وأسماء خالته، ولم يُرم بتدليس. وأما محمد بن طلحة؛ فهو من رجال الشيخين، وفيه كلام يسير لا يسقط به حديثه، ولذلك جزم الذهبي في \"المغني \" بأنه ثقة. ولذلك قوى إسناده ابن حجر في \"الفتح \" وذكر عن أحمد أنه صححه). اهـ","vol":"1","page":257},{"text":"وبذلك ثبت أنها لم تكن من النساء الحرائر ولذلك لم يجب عليها الإحداد. ولصحة هذا الحديث ومخالفته لما صح عن أم عطية في وجوب الإحداد أربعة أشهر وعشرا؛ تجد أن بعض أهل العلم قد أوّلوا هذا الحديث بعدة تأويلات في غاية البعد والضعف، رغم أنه ليس هناك ما ينفي أنها كانت أم ولد لأبي بكر، ولا ما يثبت أنها كانت زوجة له من الحرائر!!\nقال المغربي في البدر التمام شرح بلوغ المرام (٨/ ١٩٥): أن أسماء بنت عميس استأذنت النبي - ﷺ - أن تبكي على جعفر وهي امرأته، فأذن لها ثلاثة أيام، ثم بعث إليها بعد ثلاثة أيام، أن تطهري واكتحلي. قالوا: وهذا ناسخ لأحاديث الإحداد؛ لأنه بعدها، فإن أم سلمة أمرت بالإحداد بعد موت زوجها، وموته متقدم على قتل جعفر ﵄. وقد أجيب عن هذا بأجوبة منها؛ أنه مخالف للأحاديث الصحيحة، وقد أجمعوا على خلافه. ولا يخفى ما في هذا الجواب من الركَّة. ومنها أن جعفرا قتل شهيدًا،\nوالشهداء أحياء عند ربهم. وهذا كذلك، فإنه كان يلزم جريه في حق غيره من الشهداء كحمزة وغيره. ومنها أن أحاديث وجوب الإحداد ناسخة لهذه الأحاديث المبيحة. ذكره الطحاوي، ودعوى النسخ لا تصح مع ما قد عرفت من تأخر قصة أسماء بنت عميس، بل الأمر بالعكس. ومنها أنه يحتمل أن أسماء فعلت من الإحداد قدرا زائدا على ما يجب عليها، فنهيت بعد الثلاث عن ذلك الزائد، ووسع لها في الثلاث لشدة ما ألم بها من المصيبة. ومنها أنه يحتمل أنها كانت حاملًا فوضعت بعد الثلاثة الأيام فانقضت عدتها، وحديث: \"تسَلَّبي ثلاثا\". يحمل على أنه - ﷺ - اطلع على أن عدتها تنقضي بعد الثلاث، ويكون","vol":"1","page":258},{"text":"من أعلام النبوة. ومنها أنه يحتمل أنه كان قد أبان طلاقها، فتكون عدتها عدة طلاق ولا إحداد عليها ... وهذه الأجوبة لا يخفى عليك ما فيها. اهـ\nولو قيل أنها أم ولد لجعفر ولذلك لم يجب عليها الإحداد عليه فوق ثلاث؛ لزالت تلك المعارضة ولأمكن الجمع بين الأحاديث. ثم إن أبا بكر اتخذها بعد ذلك أم ولد له أيضا ولم تكن زوجة له من الحرائر ومما يثبت ذلك:\n١) ماجاء في تهذيب الكمال (١٠/ ١٥٠) وتهذيب التهذيب (٣/ ٤٣٧): كان أهل المدينة يكرهون اتخاذ أمهات الأولاد، حتى نشأ فيهم القراء: علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وسالم بن عبد الله بن عمر، ففاقوا أهل المدينة علما وتقى وعبادة وورعا، فرغب الناس حينئذ في السراري.\n٢) ما جاء في صحيح مسلم (٤/ ١٧١١): أن نفرا من بني هاشم دخلوا على أسماء بنت عميس، فدخل أبو بكر الصديق، وهي تحته يومئذ، فرآهم، فكره ذلك، فذكر ذلك لرسول الله - ﷺ - وقال: لم أر إلا خيرا، فقال رسول الله - ﷺ -: (إن الله قد برأها من ذلك) ثم قام رسول الله - ﷺ - على المنبر فقال: (لا يدخلن رجل، بعد يومي هذا، على مغيّبة (^١)، إلا ومعه رجل أو اثنان).\n_________\n(^١) المغيّبة هي التي غاب عنها زوجها والمراد غاب زوجها عن منزلها سواء غاب عن البلد بأن سافر أو غاب عن المنزل وإن كان في البلد. كما في شرح النووي على مسلم (١٤/ ١٥٥)","vol":"1","page":259},{"text":"فلما كان الحجاب حائلا دون الدخول على النساء الحرائر منهي عنه بقوله تعالى ﴿فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ وبقوله - ﷺ - (إياكم والدخول على النساء) (^١) فالسماح لدخول جمع من الرجال يدل على أن من أُذن في الدخول عليهن هن ممن لم يفرض عليهن الحجاب من الإماء.\n٣) ما أخرجه الحاكم في المستدرك على الصحيحين (٣/ ١٧٩) والبيهقي في معرفة السنن والآثار (٥/ ٢٣١): عن أسماء بنت عميس قالت: (غسلت أنا وعلي فاطمة بنت رسول الله - ﷺ -) (^٢) ففي مشاركتها لعلي بن أبي طالب - ﵁ - في تغسيل فاطمة - ﵂ - دليل على أنها ليست ممن ضرب عليهن الحجاب من الحرائر. وهذا يسقط الاحتجاج بهذا الأثر.\n(الأثر الثاني)\nوهو الخامس في كتابه قدمته لتعلقه بالأثر الثاني؛ (عن أبي أسماء الرحبي أنه دخل على أبي ذر وهو بالربذة وعنده امرأة له سوداء مسغبة قال فقال ألا تنظرون إلى ما تأمرني به هذه السويداء).\nأولا: ننقل هذا الأثر بتمامه ليتبين ما أسقط من سياقه:\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٧/ ٣٧)\n(^٢) حسن إسناده الألباني في إرواء الغليل (٣/ ١٦٢) وقال ابن حجر في التلخيص الحبير (٢/ ٣٢٧): إسناده حسن وقد احتج بهذا الحديث أحمد وابن المنذر وفي جزمهما بذلك دليل على صحته عندهما.","vol":"1","page":260},{"text":"عن قتادة عن أبي قلابة عن أبي أسماء الرحبي (أنه دخل على أبي ذر وهو بالربذة وعنده امرأة له سوداء مسغبة (^١) ليس عليها أثر المجاسد (^٢) ولا الخلوق (^٣) قال فقال ألا تنظرون إلى ما تأمرني به هذه السويداء). (^٤)\nوهذ يبين أنها لم تكن كاشفة لوجهها وكفيها فقط؛ بل كانت تكشف أوسع من ذلك حتى تمكن من وصفها بأنها شعثة الرأس وليس عليها أثر صفرة الطيب والزينة! وهذا مما لم يقل بجواز كشفه ولا النظر إليه الشيخ الألباني نفسه!! فإن دل ذلك على شيء؛ فإنما يدل على أنها كانت أمة مملوكة، يشهد لذلك قوله (امرأة له سوداء) وما جاء في إتحاف الخيرة المهرة (٧/ ٤٣٦): عن عبد الله بن الصامت \"أنه كان مع أبي ذر - ﵁ - فخرج عطاؤه، وكان معه جارية له، فجعلت تقضي حوائجه) رواه أبو بكر بن أبي شيبة وأحمد بن حنبل بسند صحيح. وفي مصنف ابن أبي شيبة (٧/ ١٢٤): عن عبد الله بن خراش، قال: رأيت أبا ذر بالربذة وعنده امرأة له سحماء أو شحباء، قال: وهو في مظلة سوداء، قال فقيل\n_________\n(^١) المسغبة: المجاعة وفي الحديث أنه قدم خيبر بأصحابه وهم مسغبون أي جياع وامرأة سغبى وجمعها سغاب ويتيم ذو مسغبة أي ذو مجاعة (لسان العرب ١/ ٤٦٨).\nوالصحيح أنها مصحّفة من (شعثة) فلا يقال للمرأة الجائعة مسغبة وإنما يقال سغبى، كما أن الجوع لايدرك بالنظر، وهذا يؤكد أنها مصحّفه من (شعثة) يؤيده ما بعده (ليس عليها أثر المجاسد ولا الخلوق).\n(^٢) المجاسد: هي جمع مجسد بضم الميم وهو الثوب المصبوغ المشبع بالجسد وهو الزعفران أو العصفر (النهاية في غريب الأثر ١/ ٢٧١)\n(^٣) الخلوق: وهو طيب معروف مركب يتخذ من الزعفران وغيره من أنواع الطيب وتغلب عليه الحمرة أو الصفرة (النهاية في غريب الأثر ٢/ ٧١). يصفها بالفقر المدقع وعدم الزينة والطيب.\n(^٤) مسند أحمد بن حنبل (٢١٤٥٤)، الطبقات ٤/ ٢٣٦، حلية الأولياء ١/ ١٦١. وصححه الألباني.","vol":"1","page":261},{"text":"له: يا أبا ذر، لو اتخذت امرأة هي أرفع من هذه، قال: فقال إني والله لأن أتخذ امرأة تضعني أحب إلي من أن أتخذ امرأة ترفعني.\nوهذا يسقط الاحتجاج به على جواز الكشف للنساء الحرائر.\n(الأثر الثالث)\n(عن أبي السليل قال جاءت ابنة أبي ذر وعليها مجنبتا صوف سفعاء الخدين ومعها قفة لها فمثلت بين يديه وعنده أصحابه فقالت يا أبتاه زعم الحراثون والزراعون أن أفلسك هذه بهرجة فقال يا بنية ضعيها فإن أباك أصبح بحمد الله ما يملك من صفراء ولا بيضاء إلا أفلسه هذه) (^١).\nالجواب عليه بالآتي:\nأولا: إسناده ضعيف لا يحتج به لأنه منقطع، فإن أبا السليل لم يدرك أبا ذر الغفاري (^٢). (^٣)\nثانيا: على فرض صحته فإن ابنة أبي ذر هذه قد تكون صغيرة لم تحتجب بعد فلا يكون فيه حجة على جواز كشف المرأة البالغة.\n_________\n(^١) حلية الأولياء (١/ ١٦٤) كما عزاه الألباني لابن سعد ولم أجده عنده ولعله وهم إذ إنه أشار إلى نفس موضعه من الحلية! وقال إسناده جيد في الشواهد!\n(^٢) انظر: تهذيب الكمال للمزي ١٣/ ٣١٠، تهذيب التهذيب لابن حجر ٤/ ٤٠١، الكاشف للذهبي ١/ ٥٠٩.\n(^٣) أضف إلى ذلك أن في إسناده (سيار بن حاتم) قال ابن حجر في تهذيب التهذيب (٤/ ٢٥٤): قال أبو أحمد الحاكم في حديثه بعض المناكير، وقال العقيلي أحاديثه مناكير ضعفه بن المديني، وقال الأزدي عنده مناكير.","vol":"1","page":262},{"text":"ثالثا: إن ابنة أبي ذر قد تكون رقيقة تبعا لأمّها (^١) كما تبين في الأثر السابق، فلا يكون في كشفها حجة على جواز كشف النساء الحرائر.\n(الأثر الرابع)\nأخرجه ابن جرير قال حدثنا عبد الأعلى بن واصل الأسدي قال حدثنا عمرو بن طلحة القناد عن مسهر بن عبد الملك بن سلع الهمداني عن عتبة أبي معاذ البصرى عن عكرمة (عن عمران بن حصين قال كنت مع رسول الله - ﷺ - قاعدا إذ أقبلت فاطمة رحمها الله فوقفت بين يديه فنظرت إليها وقد ذهب الدم من وجهها وغلبت الصفرة من شدة الجوع قال فنظر إليها رسول الله - ﷺ - فقال أدني يا فاطمة، فدنت ثم قال أدنى يا فاطمة، فدنت ثم قال أدني يا فاطمة، فدنت حتى قامت بين يديه فرفع يده فوضعها على صدرها في موضع القلادة وفرج بين أصابعه ثم قال\" اللهم مشبع الجاعة ورافع الوضعة لا تجع فاطمة بنت محمد - ﷺ - \" قال عمران فنظرت إليها وقد غلب الدم على وجهها وذهبت الصفرة كما كانت الصفرة قد غلبت على الدم. قال عمران: فلقيتها بعد فسألتها فقالت ما جعت بعد يا عمران!) (^٢)\n_________\n(^١)\n(^٢) وذلك أن الرجل إذا تزوج أمة مملوكة لغيره يكون ولده رقيقا تبعا لها. وفي عمدة القاري ١١/ ١٦٨: وكل أمة تلد من غير سيدها فولدها عبد.","vol":"1","page":263},{"text":"أولا: هذا الأثر إسناده ضعيف لا تقوم به حجة (^١)؛ ولذلك قال عنه الشيخ الألباني: إسناده لا بأس به في الشواهد.\nثانيا: أن فاطمة ﵂ كانت حينئذ صغيرة لم تحتجب بعد ولذلك رأى موضع القلادة منها، أما قوله (فلقيتها بعد فسألتها فقالت ما جعت بعد يا عمران) فهذا ليس فيه شاهد أنه رأى وجهها ولا أنها كانت كاشفة عن وجهها! كما أنه قد يكون قبل نزول الحجاب؛ أو أن عمران كان من الموالي، ولذلك لم يستشهد بهذا الأثر أحد من أهل العلم على جواز النظر؛ فضلا على أن يستشهدوا به على جواز الكشف!!\n(الأثر الخامس)\n(عن قبيصة بن جابر قال كنا نشارك المرأة في السورة من القرآن نتعلمها فانطلقت مع عجوز من بني أسد إلى ابن مسعود في بيته فرأى جبينها يبرق فقال أتحلقينه فغضبت ثم قالت التي تحلق جبينها امرأتك قال فادخلي عليها فإن كانت تفعله فهي مني بريئة فانطلقت ثم جاءت فقالت لا والله ما رأيتها تفعله فقال ابن\n_________\n(^١) تهذيب الاثار للطبري ١/ ٢٨٦، الكنى والأسماء للدولابي (١٨٢٣) ٣/ ١٠٣٨.","vol":"1","page":264},{"text":"مسعود سمعت رسول الله - ﷺ - يلعن المتنمصات والمتفلجات والمتوشمات اللائي يغيرن خلق الله تعالى) (^١).\nأولا: لم يخرج هذا الأثر بهذا اللفظ الذي فيه نظر ابن مسعود إلى جبين تلك العجوز؛ إلا الشاشي في مسنده، وإسناد هذه الرواية ضعيف: فيه عبد الملك بن عمير مشهور بالتدليس وقد عنعنه، كما أن أحمد ضعفه جدا وقال مضطرب الحديث، وقال أبو حاتم ليس بالحافظ. (^٢) وفيه العريان بن الهيثم؛ قال ابن حجر مقبول وقال أبو حاتم مجهول. (^٣)\nوقد ساقه الشيخ الألباني دون عزوه لأحد، واكتفى بقوله: سنده حسن وهو مخرج في\" آداب الزفاف\" وبالرجوع إلى كتابه آداب الزفاف تجد أنه إنما ذكر الحديث مقتصرا على قول الرسول - ﷺ - (لعن الله ...) الذي أخذه من الرواية المشتهرة للحديث المروية في الصحاح والجوامع والمسانيد والمصنفات والتي ليس فيها ذكر لرؤية جبين هذه المرأة (عن عبد الله قال لعن الله الواشمات والمستوشمات والمتنمصات والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله، قال فبلغ ذلك امرأة من بني أسد يقال لها أم يعقوب، وكانت تقرأ القرآن؛ فأتته فقالت: ما حديث بلغني عنك أنك لعنت الواشمات والمستوشمات والمتنمصات والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله ... فقالت المرأة: فإني أرى شيئا من هذا على امرأتك\n_________\n(^١) مسند الشاشي ٢/ ٢٥٦.\n(^٢) انظر: طبقات المدلسين ١/ ٤١ - تقريب التهذيب ١/ ٣٦٤ - الجرح والتعديل ٥/ ٣٦٠.\n(^٣) تقريب التهذيب ١/ ٣٩٠ - الجرح والتعديل ٧/ ٣٨.","vol":"1","page":265},{"text":"الآن، قال: اذهبي فانظري، قال فدخلت على امرأة عبد الله فلم تر شيئا) (^١) ولذلك قال الشيخ الألباني عقبه: \" رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي وغيرهم\".\nكما أنه على فرض صحة الرواية التي ساقها الشيخ فكلا الروايتين لا حجة فيها على جواز كشف النساء الحرائر لأن هذه المرأة العجوز كانت من الإماء كما هو مصرح به في الحديث (عجوز من بني أسد) من الحبش، فلا يكون فيه حجة على جواز كشف النساء الحرائر.\n(الأثر السادس)\nقال الشيخ الألباني وفي\" تاريخ ابن عساكر\" وفي قصة صلب ابن الزبير أن أمه (أسماء بنت أبي بكر) جاءت مسفرة الوجه متبسمة.\nاستشهد الشيخ الألباني بهذا الأثر دون التعليق على إسناده!! الذي يتبين بالرجوع إليه عند ابن عساكر أنه إسناد هالك لا يحتج ولا يستشهد به: أنبأنا أبو محمد بن الأكفاني وابن السمرقندي قالا أنا ... أحمد بن محمد بن يحيى بن حمزة (مدلس له مناكير) نا أبو عثمان (مبهم) عن شيخ يسمى عطية (مجهول) وكان قد بلغ مائة سنة قال: \"رأيت ابن الزبير على جذع مصلوبا وامرأة تحمل معه في محفة حتى صارت إليه فقال الناس هذه أمة، فرأيتها مسفرة الوجه متبسمة،\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٤٦٠٤) صحيح مسلم (٢١٢٥).","vol":"1","page":266},{"text":"فجاء الحجاج فأحدره لها، وقال يا أسماء إني وإياه استبقنا إلى هذا الجذع فسبقني هو إليه\". (^١)\nفهو رواية مجهول عن مجهول! علاوة على أن الراوي عن المجهولَين هو أحمد بن محمد بن يحيى بن حمزة مدلس له مناكير. (^٢)\nومما يبطل الاستشهاد بهذا الأثر عن أسماء بنت أبي بكر؛ ماساقه الشيخ الألباني (ص ١٠٨) بسند صحيح عنها أنها قالت: (كنا نغطي وجوهنا من الرجال، وكنا نمتشط قبل ذلك في الإحرام) فمن لم تكشف عن وجهها حال إحرامها فكيف تكشفه حال حلِّها!!\n(الأثر السابع)\n(عن أنس بن مالك قال دخلت على عمر بن الخطاب أمة قد كان يعرفها ببعض المهاجرين أو الأنصار وعليها جلباب متقنعة به فسألها عتقت قالت لا قال فما بال الجلباب ضعيه عن رأسك إنما الجلباب على الحرائر من نساء المؤمنين فتلكأت فقام إليها بالدرة فضرب بها رأسها حتى ألقته عن رأسها) (^٣).\nأولا: استشهاد الشيخ الألباني بهذا الأثر فيه إقرار لما أنكره مسبقا من التفريق بين الحرائر والإماء في الحجاب.\n_________\n(^١) تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر ٦٧/ ٧٩\n(^٢) طبقات المدلسين ١/ ١٩ - لسان الميزان ١/ ٢٩٥ - ميزان الاعتدال ١/ ٢٩٦.\n(^٣) مصنف ابن أبي شيبة ٢/ ٤١، صححه الألباني في جلباب المرأة /٩٩.","vol":"1","page":267},{"text":"ثانيا: سبق أن بينا في بداية مناقشة هذا البحث أن هذا الأثر يعد من أدلة وجوب تغطية الوجه؛ وبيان ذلك من عدة وجوه:\n١ - أن سبب معرفة عمر - ﵁ - لها ليس لكونها كانت كاشفة عن وجهها؛ وإنما كان سبب معرفته لها ما بيّنه أنس بقوله (قد كان يعرفها ببعض المهاجرين أو الأنصار) لأنه لو قال\" دخلت على عمر بن الخطاب أمة وعليها جلباب فسألها عتقت\" لكان لقول الشيخ الألباني وجه حق، ولكن قول أنس هذا يؤكد أنها كانت مغطية لوجهها فأراد أن يبين سبب معرفة عمر لها، ولو لم يكن كذلك لما كان لقول أنس هذا فائدة، ولما احتاج أن يعلل معرفته لها؟!\n٢ - أن عمر - ﵁ - ضربها حتى ألقت الجلباب عن رأسها؛ فلو كان الجلباب على رأسها فوق الخمار دون أن تكون مغطية به وجهها فما الذي سينكشف إذا ألقته عن رأسها حتى يعد هذا المنكشف منها هو الفارق بين الحرائر والإماء؟!\n٣ - أن أنس صرح بأنها كانت متقنعة بالجلباب وقد سبق أن بيّنا في مناقشة البحث الرابع أن التقنع يعني تغطية الوجه، وكان الشيخ الألباني يقول بذلك كما في كتابه حجاب المرأة، ولكنه عاد مؤخرا في كتابه الجلباب فعدل عن رأيه! كما في كتابه الجلباب/ ١٠٣: (وجاءت المرأة متقنعة) قال في حاشيته: \"كنت قد وهمت في إيراد هذا الأثر في جملة ما يدل على جريان العمل على ستر الوجه من النساء في العهد الأول، ثم تبين لي أن الأمر على العكس من ذلك\"!","vol":"1","page":268},{"text":"٤ - يشهد لما ذكرنا: ما روي عن عمر - ﵁ - أنه رأى- وهو يخطب الناس- أمة خرجت من بيت حفصة تجوس الناس ملتبسة لباس الحرائر (متقنعة) فلما انصرف دخل على حفصة ابنة عمر فقال: من المرأة التي خرجت من عندك تجوس الرجال؟ قالت تلك جارية عبد الرحمن. قال: فما يحملك أن تلبسي جارية أخيك لباس الحرائر فقد دخلت عليك ولا أراها إلا حرّة فأردت أن أعاقبها. (^١)\nفها هو عمر - ﵁ - لم يعرف جارية ابنه عبد الرحمن لما كانت متقنعة بالجلباب. فهل بعد هذا حجة على أن التقنع لا يعني تغطية الوجه، وأنه مما افترض على الحرائر دون الإماء!\n(الأثر الثامن)\n(عن سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل: أن أروى خاصمته في بعض داره، فقال دعوها وإياها فإني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول\" من أخذ شبرا من الأرض بغير حقه طوقه في سبع أرضين يوم القيامة\" (اللهم إن كانت كاذبة فأعم بصرها واجعل قبرها في دارها) قال فرأيتها عمياء تلتمس الجدر تقول أصابتني دعوة\n_________\n(^١) موطأ مالك ٢/ ٩٨١ (١٧٧٣) سنن البيهقي الكبرى ٢/ ٢٢٦ (٣٠٣٧) صححه البيهقي في معرفة السنن والآثار ٢/ ٩٣، وقال الذهبي في المهذب ٢/ ٦٦٦ إسناده قوي، قال الألباني في إرواء الغليل ٦/ ٢٠٤: رجاله ثقات غير أحمد بن عبد الحميد فلم أجد له ترجمة. قلت: ترجم له الذهبي في سير أعلام النبلاء ١٢/ ٥٠٨ قال هو: المحدث الصدوق أبو جعفر أحمد بن عبد الحميد بن خالد الحارثي الكوفي. وذكره ابن حبان في الثقات ٨/ ٥١، كما أخرجه عبد الرزاق في مصنفه ٣/ ١٣٦ (٥٠٦٢) بإسناد رجاله ثقات، واللفظ له.","vol":"1","page":269},{"text":"سعيد بن زيد فبينما هي تمشي في الدار مرت على بئر في الدار فوقعت فيها فكانت قبرها). (^١)\nوهذا الأثر ليس فيه حجة؛ إذ ليس فيه أنه رأى وجهها ولا أنها كانت كاشفة عن وجهها، وكل ما فيه أنه رآها تلتمس الجدر! وهذا لا يشترط معه أن تكون كاشفة عن وجهها ولا حتى عن عينيها لأنها عمياء لن تنتفع بكشف ذلك!! كما أنها قد تكون من الإماء، ولذلك لم يستشهد أحد من أهل العلم بهذا الأثر على جواز النظر للمرأة ولا على جواز كشف الوجه.\n(الأثر التاسع)\n(عن عطاء بن أبي رباح يقول رأيت عائشة تفتل القلائد للغنم تساق معها هديا). (^٢) قال الشيخ الألباني - غفر الله له -: ولعل متنطعا يرد دلالة الحديث على أن الكفين ليسا بعورة، فيقول: كانت تلبس القفازين!!\nفنقول مع أن هذا الأثر ليس فيه حجة على جواز كشف الوجه لأنه ليس فيه إلا رؤية الكفين، ومع ذلك فإن من المتفق عليه عند أهل العلم أن الحجاب واجب على أمهات المؤمنين دون استثناء لوجه أو كف، وأنهن لم يكن يبرزن للرجال الذين يجب عليهن الاحتجاب منهم ولو كن مستترات بالجلابيب كما أسلفنا؛ فكيف يسوغ الاستشهاد بهذا الأثر على أنها كانت كاشفة لكفيها على مرأى من\n_________\n(^١) صحيح مسلم (١٦١٠).\n(^٢) تقليد البدنة: أن يعلق في عنقها شيء ليعلم أنها هدي. وأصل القلد: الفتل، يقال قلدت الحبل، إذا فتلته. مقاييس اللغة (٥/ ١٩) تاج العروس (٩/ ٦٩)","vol":"1","page":270},{"text":"رجل حر أجنبي يجب عليها الاحتجاب منه؟!! ولذلك يُبطِل الاستشهاد بهذا الأثر أمران:\nالأول؛ قال ابن عبد البر في التمهيد (١٧/ ٢٢١): ذكر عبد الرزاق قال حدثنا عمر بن ذر قال سمعت عطاء بن أبي رباح يقول (رأيت عائشة تفتل القلائد للغنم تساق معها هديا) ولم أجده بهذا اللفظ في مصنف عبد الرزاق ولا في غيره! ولذلك عزاه الشيخ الألباني لابن عبد البر في حاشية جلباب المرأة ص/١٠١ فقال (كذا في \"التمهيد\" لابن عبد البر \"١٧/ ٢٢١\") ولم يجزم بعزوه لعبدالرزاق!! ولعل ابن عبد البر أراد ما رواه البخاري (٧/ ١٠٢) ومسلم (٢/ ٩٥٩): عن مسروق قال: سمعت عائشة، وهي من وراء الحجاب تصفق، وتقول: (كنت أفتل قلائد هدي رسول الله - ﷺ - بيدي) (^١) فقد ذكره في كتابيه التمهيد والاستذكار، وهذا هو الثابت في الصحيحين كذلك عن الأسود وأبي قلابة أنهم سمعوه من عائشة، كما رواه عنها عروة بن الزبير، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وعمرة بنت عبد الرحمن.\nالثاني: أن عطاء بن أبي رباح كان من الموالي (عبد مملوك) قال ابن المديني: هو مولى حبيبة بنت ميسرة بن أبي خيثم. (^٢) ولذلك فليس في هذا الأثر حجة على\n_________\n(^١) انظر: تقريب التهذيب ١/ ٣٩١، التاريخ الكبير ٦/ ٤٦٣ وقال فيه (١/ ٤٤٦): كان عطاء بن أبي رباح أسود شديد السواد.\n(^٢)","vol":"1","page":271},{"text":"جواز كشف الكفين للرجال الأحرار الأجانب، هذا على فرض صحة هذا الأثر، وعلى فرض ثبوت رؤيته لكفيها؛ لأن قول عطاء قد يكون من باب الإخبار بأنه رأى القلائد التي فتلت دون أن تكون وقعت منه الرؤية لها عند فتلها، فأراد الإخبار أنها كانت تفتل القلائد للهدي؛ ولم يكن مراده الإخبار بوقوع النظر منه لها عندما كانت تفتلها.\n(الأثر العاشر)\nعن الحميدي قال ثنا سفيان قال ثنا (عبد الله بن محمد بن عقيل بن أبي طالب قال أرسلني علي بن الحسين إلى الربيع بنت معوذ بن عفراء أسألها عن وضوء رسول الله - ﷺ - وكان يتوضأ عندها فأتيتها، فأخرجت إلي إناء يكون مدا أو مدا وربع، فقالت بهذا كنت أخرج لرسول الله - ﷺ - الوضوء. . . الحديث).\n١) هذا الحديث ضعيف كما قال النووي في المجموع (١/ ٤٩٩): حديث الربيع ضعيف رواه البيهقي وغيره من رواية عبد الله بن محمد بن عقيل وهو ضعيف عند أكثر أهل الحديث. (^١)\n_________\n(^١) قال ابن حجر في تهذيب التهذيب (٦/ ١٣): عبد الله بن محمد بن عقيل بن أبي طالب الهاشمي: ذكره ابن سعد وقال كان منكر الحديث لا يحتجون بحديثه، وكان مالك ويحيى بن سعيد لا يرويان عنه، وكان ابن عيينة يقول أربعة من قريش يترك حديثهم فذكره فيهم، وقال أحمد منكر الحديث، وقال ابن معين ضعيف الحديث ولا يحتج بحديثه، وقال ابن المديني كان ضعيفا، وقال أبو حاتم لين الحديث ليس بالقوي ولا ممن يحتج بحديثه، وقال النسائي ضعيف، وقال ابن خزيمة لا أحتج به لسوء حفظه، وقال الخطيب كان سيء الحفظ، قال يعقوب الفسوي: صدوق وفي حديثه ضعف شديد جدا، وقال ابن حبان كان رديء الحفظ يحدث على التوهم فيجيء بالخبر على غير سننه فوجب مجانبة أخباره.","vol":"1","page":272},{"text":"وقال الشيخ الألباني: \"سنده حسن للخلاف المعروف في ابن عقيل\" وهنا يتبين أنه ليس من الإنصاف الحكم بالضعف على أثر العين الواحدة لابن عباس لضعف في عبد الله بن صالح وهو ليس كضعف ابن عقيل، وله شواهد!!\n٢) مع أنه ليس في هذا الأثر أنها كانت كاشفة أو أنه رأى وجهها؛ إلا أن ليس فيه حجة؛ لأن الربيع بنت معوذ كانت من الإماء يشهد لذلك ما روى عنها الترمذي في سننه (١١٨٥) ٣/ ٤٩١؛ وصححه الشيخ الألباني (أنها اختلعت على عهد النبي - ﷺ - فأمرها النبي - ﷺ - أو أمرت أن تعتد بحيضة) وقد ذكر البغوي في شرح السنة (٩/ ٣١٧): أم الولد قال قوم: (تعتد بحيضة) روي ذلك عن ابن عمر ... وإليه ذهب مالك، والشافعي، وأحمد.\nوبذلك يسقط الاستشهاد بهذا الأثر على جواز كشف الوجه للنساء الحرائر.\n(الأثر الحادي عشر)\nعن عروة بن عبد الله بن قشير أنه دخل على فاطمة بنت علي بن أبي طالب (^١) قال \"فرأيت في يديها مسكا غلاظا في كل يد اثنين اثنين قال ورأيت في يدها\n_________\n(^١) فاطمة بنت علي بن أبي طالب القرشية الهاشمية، وهي فاطمة الصغرى. أمها أم ولد. كما في تهذيب الكمال (٣٥/ ٢٦١).","vol":"1","page":273},{"text":"خاتما\". (^١) ولو أتم الشيخ الألباني هذا الأثر لتبين أن ليس فيه حجة: (قال فرأيت في يديها مسكا غلاظا في كل يد اثنين اثنين قال ورأيت في يدها خاتما وفي عنقها خيطا فيه خرز). فقوله (وفي عنقها خيطا فيه خرز ...) يدل على أنها كانت حاسرة عن عنقها وهذا مما لم يقل بجواز كشفه للرجال الأجانب أحد من أهل العلم ولا الشيخ الألباني!\nوهذا يكشف أن رؤية عروة لفاطمة ودخوله عليها كان لسببٍ من رق أو رضاع، لأن مما هو مجمع عليه أن موضع القلادة من العنق من الزينة الباطنة التي لا يجوز كشفها إلا لمن سمى الله تعالى في آية النور، وبذلك يبطل الاحتجاج بهذا الأثر على جواز كشف الوجه للرجال الأجانب.\n(الأثر الثاني عشر)\n(عن عيسى بن عثمان قال كنت عند فاطمة بنت علي فجاء رجل يثني على أبيها عندها فأخذت رمادا فسفت في وجهه). (^٢)\nوهذا الأثر إسناده ضعيف، قال الشيخ الألباني في حاشيته: \" إسناده جيد؛ وعيسى بن عثمان ذكره ابن حبان في ثقاته، وروى عنه جمع\". ولعله وهم بذلك؛ إذ إن عيسى بن عثمان هذا لم يعرف إلا بهذا الأثر (^٣)، ولا يوجد له في كتب\n_________\n(^١) الطبقات الكبرى ٨/ ٤٦٥، تاريخ مدينة دمشق ٧٠/ ٣٨ وصحح إسناده الألباني في جلباب المرأة /١٠٢.\n(^٢) الطبقات الكبرى ٨/ ٤٦٥ وقال الألباني في جلباب المرأة /١٠٢: إسناده جيد.\n(^٣)","vol":"1","page":274},{"text":"التراجم إلا قول ابن حبان وابن أبي حاتم (عيسى بن عثمان رأى فاطمة بنت علي بن أبي طالب - ﵁ -) بناء على هذه الرواية دون جرح له أو تعديل!! ... مع أنه على فرض صحتة فليس فيه حجة لأنه لم يثبت فيه أن فاطمة كانت كاشفة عن وجهها!! وقد تكون فاطمة حينها صغيرة لم تبلغ، أو أن هؤلاء من الرقيق، فلا يكون فيه حجة.\n(الأثر الثالث عشر)\n(عن محمد بن يزيد الواسطي عن أبي بلج يحيى بن أبي سليم (^١) قال رأيت سمراء بنت نهيك وكانت قد أدركت النبي - ﷺ - عليها درع غليظ وخمار غليظ بيدها سوط تؤدب الناس وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر). (^٢)\n_________\n(^١) تمييز: من روى عنه الترمذي آخر وهو: عيسى بن عثمان بن عيسى بن عبد الرحمن بن عجلان التميمي النهشلي الكوفي الكسائي مات سنة إحدى وخمسين ومائتين. (تهذيب التهذيب ٨/ ١٩٧).\n(^٢) أبو بلج هذا هو جارية بن بلج التميمي الصغير، وقد وهم من قال إنه يحيى بن أبي سليم، كما نقل الدارقطني في المؤتَلِف والمختَلِف (١/ ٢٢٠): أبو بلج جارية بن بلج روى عن لبي بن لبا وسمراء بنت نهيك، روى عنه هشيم ومحمد بن يزيد ... سمعت يحيى بن معين يقول: أبو بلج الذي روى عنه محمد بن يزيد الواسطي اسمه جارية بن بلج، وأبو بلج الكبير يحيى بن أبي سليم. اهـ\nويحيى بن أبي سليم ليست له رواية عن سمراء بنت نهيك ولم يرو عنه محمد بن يزيد الواسطي. فثبت أن الذي روى هذا الأثر عن سمراء بنت نهيك هو أبو بلج؛ جارية بن بلج التميمي، وقد ذكره ابن حجر في التقريب واللسان، والمزي في تهذيب الكمال، وأبو حاتم في الجرح والتعديل؛ دون جرح له أو تعديل إلا قول ابن حجر في لسان الميزان (٧/ ٤٥٥): شيخ ليزيد بن هارون.","vol":"1","page":275},{"text":"قال ابن عبد البر في الاستيعاب ٤/ ١٨٦٣: سمراء بنت نهيك الأسدية أدركت رسول الله - ﷺ - وعمّرت وكانت تمر في الأسواق وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتضرب الناس على ذلك بسوط كان معها، روى عنها أبو بلج جارية بن بلج. اهـ\nوهذا يشهد أن سمراء بنت نهيك كانت من الإماء؛ لأن المشي في الأسواق كان من عادة الإماء دون الحرائر، كما أسلفنا مما ورد عن عمر - ﵁ - (لما رأى أمة خرجت من بيت حفصة تجوس الناس ملتبسة لباس الحرائر، فدخل على حفصة ابنة عمر فقال: \"من المرأة التي خرجت من عندك تجوس الرجال\"؟ قالت تلك جارية عبد الرحمن. قال: \"فما يحملك أن تلبسي جارية أخيك لباس الحرائر، فقد دخلت عليك ولا أراها إلا حرّة فأردت أن أعاقبها\".\nقال ابن عبد البر في الاستذكار ٨/ ٥٤٢: وإنما كره عمر للإماء أن يتهيأن بهيئة الحرائر لئلا يظن أنهن حرائر فيضاف إليهن التبرج والمشي وينسب ذلك منهن إلى ما وقع الظن عليهن فيأثم بذلك الظان، ومعلوم أن الإماء ينصرفن في خدمة ساداتهن فيكثر خروجهن لذلك وتطوافهن، وقوله تجوس الناس معناه تجول في أزقة المدينة مقبلة ومدبرة.\nكما أنها كانت من القواعد يشهد لذلك قول ابن عبد البر السابق (سمراء بنت نهيك الأسدية أدركت رسول الله - ﷺ - وعمّرت) وهذا سبب خروجها بلا جلباب، كما ذكر أبو بلج أنه إنما رأى عليها درعا وخمارا، ولكن الشيخ الألباني أوّل معنى الدرع هنا إلى الجلباب فقال: الدرع هنا فيما يبدو لي هو الجلباب؛ ففي كتب","vol":"1","page":276},{"text":"اللغة\" درع المرأة قميصها\" ومن معاني القميص الجلباب (^١)! لكنه لم يرد في أيّ من كتب اللغة أن من معاني الدرع الجلباب!! كما أن المتعارف عليه في عرف الصحابة أن الدرع للمرأة يطلق على الثوب الملاصق للبدن، أما ما تلبسه فوق الثياب فهو الملحفة والرداء والجلباب، كما سيأتي بيان ذلك في مناقشة البحث الثامن. وبذلك يسقط الاستشهاد بهذا الأثر على جواز كشف الوجه للنساء الحرائر.\n(الأثر الرابع عشر)\nعن أبي القاسم بن السمرقندي أنا أبو الحسين أنا عيسى أنا (البغوي نا عيسى بن سالم الشاشي نا أبو المليح عن ميمون بن مهران قال: دخلت على أم الدرداء فرأيتها مختمرة بخمار صفيق قد ضربت على حاجبها قال وكان فيه قصر فوصلته بسير قال وما دخلت عليها في ساعة صلاة إلا وجدتها مصلية). (^٢)\nأولا: ميمون بن مهران كان عبدا مملوكا ولذلك كان يدخل عليها ويراها دون حجاب؛ ذكره ابن حبان في ثقاته وقال: \" كان مولى بني أسد، كان مملوكا لامرأة بالكوفة\" (^٣). وهذا كاف لإبطال الاستشهاد به على جواز كشف وجه المرأة الحرة للرجال الأحرار الأجانب.\n_________\n(^١) جلباب المرأة، هامش / ١٩.\n(^٢) الثقات ٥/ ٤١٧ - وانظر تذكرة الحفاظ ١/ ٩٨ - التاريخ الكبير ٧/ ٣٣٨.\n(^٣) فقال في جلباب المرأة هامش /١٠٢: أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق من طريق البغوي: نا عيسى بن سالم الشاشي: نا أبو المليح عن ميمون .. قال: هذا إسناد صحيح، أبو المليح هو الحسن بن عمر الرقي، وهو ثقة من رجال التهذيب، والشاشي وثقه ابن حبان وكذا الخطيب في التاريخ، وأم الدرداء زوج أبي الدرداء اسمها هجيمة ... اهـ وذكر بعض فضائلها.","vol":"1","page":277},{"text":"ثانيا: إسناده ضعيف لا يعرف بعض رجاله، والشيخ الألباني إنما حكم بالصحة على آخر الإسناد (البغوي: نا عيسى بن سالم الشاشي: نا أبو المليح عن ميمون) (^١) أما أوله (أخبرنا أبو القاسم بن السمرقندي أنا أبو الحسين أنا عيسى) فلم يتطرق له بذكر! فلا يصح أثر صح آخر إسناده دون أوله؟!\n(الأثر السادس عشر)\nعن عيينة بن عبد الرحمن عن أبيه قال جاءت امرأة إلى سمرة بن جندب فذكرت أن زوجها لا يصل إليها، فسأل الرجل قال فأنكر ذلك، وكتب فيه إلى معاوية - ﵁ -، قال فكتب: أن زوّجه امرأة من بيت المال لها حظ من جمال ودين فإن زعمت أنه يصل إليها فاجمع بينهما وإن زعمت أنه لا يصل إليها ففرق بينهما، قال نفعل. . . قال وجاءت المرأة متقنعة ... \" (^٢)\nالصواب أن يستشهد بهذا الأثر على تغطية الوجه، لأن فيه أن المرأة جاءت متقنعة، والتقنع كما بيناه في مناقشة البحث الرابع يعني تغطية الوجه، يشهد لذلك أن البخاري أشار في صحيحه إلى هذا الأثر في التعاليق واصفا هذه المرأة التي جاءت متقنعة بقوله: (وأجاز سمرة بن جندب شهادة امرأة منتقبة) (^٣). وقد\n_________\n(^١) البيهقي في السنن الكبرى ٧/ ٢٢٨ وسنده حسن.\n(^٢) صحيح البخاري ٢/ ٩٣٩.\n(^٣) جلباب المرأة المسلمة، هامش /١٠٣.","vol":"1","page":278},{"text":"سبق أن استشهد الشيخ الألباني بهذا الأثر في كتابه حجاب المرأة على أنه شاهد على جريان العمل على ستر الوجه، ثم عاد وعدل عن رأيه ليستشهد به على جواز الكشف!! فقال بعد أن ساق هذا الأثر: \"كنت قد وهمت في إيراد هذا الأثر في جملة ما يدل على جريان العمل على ستر الوجه من النساء في العهد الأول، ثم تبين لي أن الأمر على العكس من ذلك ... ولذلك نقلت هذا الأثر إلى هنا\" (^١). اهـ\nكان هذا كل ما استشهد به الشيخ الألباني من الأحاديث والآثار التي لم يثبت في أي واحد منها دلالة على جواز كشف الوجه للنساء الحرائر، ولذلك فلا حجة للقول بجواز كشف الوجه للمرأة، بل الحجة قائمة على وجوب تغطيته كما سيأتي مزيد بيان لذلك في البحوث القادمة.\n_________\n(^١) جلباب المراة المسلمة، هامش / ١٠٣.","vol":"1","page":279},{"text":"ــ:: البحث السابع:: ــ\nقال الشيخ الألباني: استدلالهم بالأحاديث الضعيفة والآثار الواهية وإليك بعض الأمثلة: الحديث الأول: عن ابن عباس قال: \" أمر الله النساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن ... ويبدين عينًا واحدة\" لقد بينت أن للحديث علتين فأغمضوا أعينهم عنهما وتتابعوا جميعًا على الاحتجاج به وكتموا الرواية الأخرى عن ابن عباس ونصها في تفسير آية الإدناء: \"وإدناء الجلباب أن تقنع وتشد على جبينها\" رواه ابن جرير وابن مردويه. وذكره ابن جرير (٢٢/ ٣٣) تحت قوله: \" وقال آخرون: بل أمرن أن يشددن جلابيبهن على جباههن\". وهذا وإن كان إسناده ضعيفًا فإنه أرجح من الأول لأمور:\n١ - أنه الأقرب إلى لفظ (الإدناء) كما تقدم في\" البحث الأول\".\n٢ - أنه الموافق لما صح عن ابن عباس من طرق سبعة عنده: أن الوجه والكفين من الزينة الظاهرة التي يجوز كشفها وقد خرجت الطرق السبعة في\" المقدمة\" وبعضها صحيح وهو نص في المقصود كما قال ابن القطان الفاسي في\" النظر في أحكام النظر\" (ق ٢٠/ ٢) وقواه بتوثيقه لرجاله.\n٣ - أنه الموافق لما رواه أبو الشعثاء أن ابن عباس قال: \"تدني الجلباب إلى وجهها ولا تضرب به\". أخرجه أبو داود في\" مسائله\" (ص ١١٠) بسند صحيح جدًا.","vol":"1","page":280},{"text":"٤ - أنه المنقول عن بعض تلامذة ابن عباس - ﵁ - كسعيد بن جبير فإنه فسر الإدناء: بوضع القناع على الخمار وقال\" لا يحل لمسلمة أن يراها غريب إلا أن يكون عليها القناع فوق الخمار وقد شدت بها رأسها ونحرها\". وذكر نحوه أبو بكر الجصاص في \"أحكام القرآن\" (٣/ ٣٧٢) عن مجاهد أيضًا مقرونًا مع ابن عباس: \" تغطي الحُرَّة إذا خرجت جبينها ورأسها\". ومجاهد ممن تلقى تفسير القرآن عن ابن عباس. ثم تلقاه عن مجاهد قتادة فإنه من تلامذته والرواة عنه فقال في تفسير (الإدناء) \" \"أخذ الله عليهن إذا خرجن أن يُقَنِّعن على الحواجب\". أخرجه ابن جرير (٢٢/ ٢٣) بسند صحيح عنه.\nفمن العجيب الغريب حقًا أن يذكر بعضهم هذا الأثر عقب حديث ابن عباس الضعيف هذا وعقب أثر عبيدة السلماني مستشهدًا به! وهو حجة عليه!\nوإن مما يسترعي الانتباه ويلفت النظر قول الشيخ الفاضل ابن عثيمين بعد أن ساق الحديث جازمًا به \"وتفسير الصحابي حجة بل قال بعض العلماء: إنه في حكم المرفوع إلى النبي - ﷺ - \". فأقول: نعم ولكن أثبت العرش ثم انقش! فقد كان الواجب قبل هذا أن تجيب عن علَّتي الحديث وتثبت صحته على أصول علم الحديث كما هو المفروض في أمثال هذه المسألة الخلافية ولا سيما وأنت في صدد الرد على مخالفك وقد ضعف حديثك هذا من قبل فإذا كنت مسَلِّمًا بضعفه فلم احتججت به؟! وإن كنت ترى صحته فلماذا لم ترد عليه وتقيم الحجة على صحته؟!","vol":"1","page":281},{"text":"ــ::<span data-type=\"title\" id=toc-74> مناقشة البحث السابع::</span> ــ\nأولا: أطلق الشيخ الألباني الحكم بالضعف على الآثار التي استشهد بها المخالفين له ولم يُعمل معها قواعد التحديث التي عمل بها مع أدلته، وإنما حكم عليها بالضعف بما لا يوجب لها الضعف! مما يوهم أن كل ما احتجوا به ضعيف واهٍ!!\nثانيا: أنكر الاستشهاد بأثر ابن عباس في تفسير آية إدناء الجلابيب الذي فيه إبداء العين الواحدة وهو قوله (أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن بالجلابيب ويبدين عينا واحدة) وذلك لعلتين في إسناده - خفة في ضبط راويين - رغم أن هذه العلل لا تسقطه من درجة الاحتجاج به! فإنه لاينزل بها عن رتبة الحسن، كما أن له شواهد صحيحة يتقوى بها، ويرتقي بها من الحسن إلى الصحيح - كما بينا ذلك مفصلا في مناقشة البحث الثالث فليرجع إليه - ولذلك فإن هذا الأثر يعد من الآثار الثابتة التي اعتمد عليها جل أهل العلم في تفسير هذه الآية:\nقال الإمام جلال الدين السيوطي في الإتقان في علوم القرآن (٢/ ٣ - ٥): وأولى ما يرجع إليه في ذلك ما ثبت عن ابن عباس وأصحابه الآخذين عنه فإنه ورد عنهم ما يستوعب تفسير غريب القرآن بالأسانيد الثابتة الصحيحة. وها أنا أسوق هنا ما ورد من ذلك عن ابن عباس من طريق ابن أبي طلحة خاصة فإنها من أصح الطرق عنه وعليها اعتمد البخاري في صحيحه. اهـ","vol":"1","page":282},{"text":"كما احتج بها أئمة التفسير: ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، واعتمد على هذه الرواية علامة الشام محمد جمال الدين القاسمي في تفسيره، والإمام القرطبي في تفسيره، وكذلك الإمام ابن كثير في تفسيره في مواضع عديدة، وغيرهم من المفسرين فكانت قوية ومحتجا بها عند علماء التفسير وغيرهم، وظاهر القرآن والسنة وآثار الصحابة والتابعين تؤيدها؛ فلا وجه للطعن في هذه الرواية، فهي ثابتة عمل بها الأئمة واحتجوا بها.\nثالثا: استشهد الشيخ الألباني بقول ابن عباس: \"وإدناء الجلباب أن تقنع وتشد على جبينها\" -الذي نص على ضعفه- على أنه يناقض أثر العين الواحدة! واحتج بإدراج الطبري لقول ابن عباس \"وإدناء الجلباب أن تقنع وتشد على جبينها\" تحت قوله: \"وقال آخرون: بل أمرن أن يشددن جلابيبهن على جباههن\" مستشهدا بذلك على أن الطبري يريد أن الفريق الآخر يرى أن الإدناء يكون بوضع الجلباب على الرأس وشده على الجبين دون تغطية الوجه!! وهذا تأويل مخالف لمراد الطبري من تقسيمه كما بيّناه في مناقشة البحث الخامس؛\nقال إمام المفسرين محمد بن جرير الطبري (ت ٣١٠ هـ): يقول تعالى ذكره لنبيه محمد - ﷺ - يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين لا يتشبهن بالإماء في لباسهن إذا هن خرجن من بيوتهن لحاجتهن فيكشفن شعورهن ووجوههن ولكن ليدنين عليهن من جلابيبهن لئلا يعرض لهن فاسق إذا علم أنهن حرائر بأذى من قول. ثم اختلف أهل التأويل في صفة الإدناء الذي أمرهن الله به فقال بعضهم هو أن يغطين وجوههن ورؤوسهن فلا يبدين منهن إلا عينا","vol":"1","page":283},{"text":"واحدة. ذكر من قال ذلك: حدثني علي ... عن ابن عباس \" أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن بالجلابيب ويبدين عينا واحدة\" ... عن محمد عن عبيدة في قوله ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ فلبسها عندنا ابن عون قال ولبسها عندنا محمد قال محمد ولبسها عندي عبيدة قال ابن عون بردائه فتقنع به فغطى أنفه وعينه اليسرى وأخرج عينه اليمنى وأدنى رداءه من فوق حتى جعله قريبا من حاجبه أو على الحاجب.\nوقال آخرون بل أمرن أن يشددن جلابيبهن على جباههن ذكر من قال ذلك حدثني محمد بن سعد ... عن ابن عباس قال \"كانت الحرة تلبس لباس الأمة فأمر الله نساء المؤمنين أن يدنين عليهن من جلابيبهن وإدناء الجلباب أن تقنع وتشد على جبينها\" (^١) حدثنا بشر عن قتادة \" أخذ الله عليهن إذا خرجن أن يقنعن على الحواجب\" (^٢) حدثنا ابن حميد عن أبي صالح \" يقنعن بالجلباب حتى تعرف الأمة من الحرة\". (^٣) اهـ\nويتبين خطأ الشيخ الألباني في فهمه لمراد الطبري بالآتي:\n_________\n(^١) ضعفه الألباني في الرد المفحم/١١.\n(^٢) صححه الألباني في الرد المفحم /٥٢.\n(^٣) انظر: جامع البيان ٢٢/ ٤٥ - ٤٧.","vol":"1","page":284},{"text":"أولا: قول الطبري: (ثم اختلف أهل التأويل في صفة الإدناء) يدل على أنهم لم يختلفوا على ما ذكره قبل ذلك، وهو قوله: (قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين لا يتشبهن بالإماء في لباسهن إذا هن خرجن من بيوتهن لحاجتهن فكشفن شعورهن ووجوههن) أي أنهم متفقون على أن مراد الله من هذا الأمر هو أن تغطي نساء المؤمنين وجوههن بإدناء الجلابيب عليها، ولكن اختلفوا في صفة الإدناء كيف تكون لتحقيق هذه التغطية، ولذلك تجد أن من نقل عن الطبري من أهل العلم تفسير هذه الآية لا يذكر هذا الخلاف:\nكما في عون المعبود (١١/ ١٠٦): وقوله ﴿جَلَابِيبِهِنَّ﴾ جمع جلباب وهي الملاءة التي تشتمل بها المرأة أي يرخين بعضها على الوجوه إذا خرجن لحاجتهن إلا عينا واحدة كذا في الجلالين، وقال الطبري في جامع البيان الجلباب رداء فوق الخمار تستر من فوق إلى أسفل يعني يرخينها عليهن ويغطين وجوههن وأبدانهن انتهى.\nهل قول ابن عباس (وإدناء الجلباب أن تقنع وتشد على جبينها) هو الأرجح؟\n\nثانيا: اسقط الشيخ الألباني من قول ابن عباس ما يبين الضابط في تقسيم الطبري وهو قوله (يغطين وجوههن \"من فوق رؤوسهن بالجلابيب\" ويبدين) فأسقط قوله (من فوق رؤوسهن بالجلابيب) ولذلك لم يتبين الضابط في تقسيم الطبري، وهو أن هناك فريقا قال إن تغطية الوجه تكون بسدل الجلباب على الوجه من فوق الرأس دون شدّ للجلباب حتى لا يظهر منها إلا عينا واحدة، وهي الصفة التي تغطي بها المرأة وجهها حال الإحرام، واستشهد الطبري على هذه الصفة بأثر عبيدة السلماني الموافق لقول ابن عباس.","vol":"1","page":285},{"text":"ثالثا: استشهد الطبري لبيان الصفة الثانية للإدناء (تغطية الوجه) التي وصفها بقوله (وقال آخرون بل أمرن أن يشددن جلابيبهن على جباههن) بقول ابن عباس: \"وإدناء الجلباب أن تقنع وتشد على جبينها\" وقول قتادة \" إن الله أخذ عليهن إذا خرجن أن يقنعن على الحواجب\" (^١) وقول أبي صالح\" يقنعن بالجلباب حتى تعرف الأمة من الحرة\" ومفاد هذه الآثار كما حملها عليه أئمة التفسير؛ أنها تفيد تغطية الوجه من أسفل؛ بشد الجلباب على الجبين ثم رد طرفه وعطفه على الأنف فيغطي بذلك الوجه عدا العينين وهو التقنع، وهي الصفة التي نُهيت عنها المرأة حال إحرامها لما فيها من الشد والإلصاق على الوجه كما أسلفنا من قول ابن عباس (تدلي الجلباب على وجهها ولا تضرب به).\nهذا مفاد تقسيم الطبري؛ وهو ما فهمه أهل التفسير من قول ابن عباس وقتادة؛ قال الإمام القرطبي في تفسيره (١٤/ ٢٤٣) والمفسر النحوي أبو حيان في البحر المحيط (٧/ ٢٤٠): واختلف الناس في صورة إرخائه فقال ابن عباس وعبيدة السلماني ذلك أن تلويه المرأة حتى لا يظهر منها إلا عين واحدة تبصر بها، وقال ابن عباس أيضًا وقتادة ذلك أن تلويه فوق\nالجبين وتشده ثم تعطفه على الأنف وإن ظهرت عيناها لكنه يستر الصدر ومعظم الوجه.\n_________\n(^١) انظر: تفسير الطبري ٢٢/ ٤٦","vol":"1","page":286},{"text":"وبذلك تبين خطأ الشيخ الألباني فيما حمل عليه أثر ابن عباس وقتادة مخالفا ما حملها عليه أهل التفسير كما بينا ذلك مفصلا في مناقشة البحث الثالث! بل ومخالف لمعنى التقنع لغة وشرعا كما بيناه في مناقشة البحث الرابع.\nرابعا: قال الشيخ الألباني أن قول ابن عباس \"وإدناء الجلباب أن تقنع وتشد على جبينها\" وإن كان إسناده ضعيفًا فإنه أرجح من الأول لأمور:\n١) أنه الأقرب إلى لفظ (الإدناء) كما تقدم في\" البحث الأول\". يشير إلى ما نقله من قول الراغب الأصبهاني\" (دنا)، الدنو: القرب ... ويقال: دانيت بين الأمرين وأدنيت أحدهما من الآخر ... \"\nفيقال؛ إذا كان معنى إدناء الجلباب هو شد الجلباب على الجبين كما قال؛ فسينبني عليه أن يكون معنى الإدناء والتقريب هو الشد؟!! وهذا لا يصح لغة! ولذلك فالذي يصح في معنى الإدناء في الآية هو ما تفق عليه المفسرون في تفسير هذه الآية ومنهم أئمة في اللغة العربية وقد بينا ذلك مستوفيا في مناقشة البحث الأول فليرجع إليه، وسأذكر هنا مثالين فقط:\n- قال إمام العربية أبو جعفر النحاس النحوي اللغوي المفسّر (ت ٣٣٨ هـ) في كتابه إعراب القرآن (٣/ ٣٢٥): ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ أي يرخين على وجوههن منه.","vol":"1","page":287},{"text":"- وقال الإمام البارع العلامة أبو القاسم محمود بن عمر الخوارزمي الزمخشري في تفسيره الكشاف (٣/ ٥٦٠): ومعنى (يدنين عليهن من جلابيبهن) يرخينها عليهن، ويغطين بها وجوههن وأعطافهن. يقال: إذا زل الثوب عن وجه المرأة: أدنى ثوبك على وجهك.\n٢) قال الشيخ الألباني \" أنه الموافق لما صح عن ابن عباس: أن الوجه والكفين من الزينة الظاهرة \" وسبق أن أشرنا إلى أن المراد بمن تُبدَى لهم الزينة الظاهرة (الوجه والكفين) هم من يحل لهم الدخول على المرأة والنظر إليها دون حجاب ممن لم يستثن في الآية من العبيد المملوكين للغير، ومن لم يبلغ الحلم من الأحرار، وليس المراد إظهار الوجه والكفين لمن يجب عليها الاحتجاب منهم من الرجال الأحرار الأجانب، وسنبين قريبا ما صح من الأقوال في تأويل الزينة الظاهرة وأنها تشمل السوار والخاتم مما يؤكد ما ذكرنا وسيأتي بيان ذلك وتفصيله وتأصيله في مناقشة البحث التاسع إن شاء الله.\n\n٣) قال الشيخ الألباني \" إنه الموافق لقول ابن عباس \"تدني الجلباب إلى وجهها ولا تضرب به\" وسبق أن بينا في مناقشة البحث الأول أن الشيخ الألباني قد يكون توهم أن هذا الأثر كان تفسيرا من ابن عباس لآية إدناء الجلابيب، والصحيح أنه لم يرد لهذا الأثر ذكر في أي كتاب من كتب التفسير على الإطلاق! لأنه لم يكن تفسيرا من ابن عباس لآية الإدناء؛ وإنما كان لبيان كيف تغطي المحرمة وجهها؛ وذلك بسدل الجلباب عليه من فوق رأسها، لا بشده على الجبين ثم رفعه من","vol":"1","page":288},{"text":"أسفل لعطفه على الأنف لأن المحرمة منهية عن الشد على الوجه كما بيناه في مناقشة البحث الخامس.\nأما قوله إنه الموافق له؛ فالصحيح أنه وإن كان يوافقه على تغطية الوجه إلا أنه يخالفه في الكيفية؛ لأن قول ابن عباس\" تدني الجلباب على وجهها ولا تضرب به\" فيه أمر بالسدل على الوجه من فوق والنهي عن الضرب وهو الشد والإلصاق؛ أما قوله\"تقنع وتشد على جبينها\" ففيه مشروعية التغطية بالشد ورفع الثوب من أسفل للتقنع به، ولذك فإن الذي يوافق أثر ابن عباس هذا هو أثر العين الواحدة (يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن بالجلابيب ويبدين عينًا واحدة). والزيادة التي رواها \"روح\" في هذا الأثر تشهد لذلك - كما بينا ذلك مستوفيا في مناقشة البحث الأول - وهي كما عند أبي داود، والشافعي في باب: ما تلبس المرأة في إحرامها: (تدلي عليها من جلبابها ولا تضرب به، قلت وما لا تضرب به فأشار إلى كما تجلبب المرأة ثم أشار إلى ما على خدها من الجلباب فقال لا تعطفه فتضرب به على وجهها فذلك الذي يبقى عليها ولكن تسدله على وجهها كما هو مسدولا ولا تقلبه ولا تضرب به ولا تعطفه). (^١)\n٤) قال الشيخ الألباني: إنه المنقول عن بعض تلامذة ابن عباس؛ كسعيد بن جبير فإنه فسر الإدناء: بوضع القناع على الخمار وقال\" لا يحل لمسلمة أن يراها غريب إلا أن يكون عليها القناع فوق الخمار وقد شدت بها رأسها ونحرها\"\n_________\n(^١) أبو داود في مسائل الإمام أحمد /١١٠، الشافعي في مسنده ١/ ١١٨ وفي الأم ٢/ ١٤٩، واللفظ له.","vol":"1","page":289},{"text":"أولا: ننقل قول ابن جبير بتمامه: عن سعيد بن جبير - ﵁ - في قوله (يدنين عليهن من جلابيبهن) قال: يسدلن عليهن من جلابيبهن وهو القناع فوق الخمار، ولا يحل لمسلمة أن يراها غريب إلا أن يكون عليها القناع فوق الخمار وقد شدت به رأسها ونحرها. (^١)\nفيتبين أن ابن جبير فسر الإدناء بقوله (يسدلن عليهن من جلابيبهن) ثم زاد في البيان فقال (وهو القناع فوق الخمار) لما هو معلوم أن القناع يعني تغطية الوجه، والسدل كذلك يعني سدل الجلباب من فوق الرأس على الوجه، وقد قال به الشيخ الألباني كما في هامش (ص ١٠٨) من كتابه جلباب المرأة تعقيبا على قول أسماء بنت أبي بكر (كنا نغطي وجوهنا من الرجال ... في الإحرام) (^٢) قال: والمراد بـ (نغطي) أي نسدل.\nثانيا؛ نقل الشيخ الألباني قول ابن جبير بتصحيف في قوله (وقد شدت بها) مما يوهم أن المراد شد الخمار والجلباب معا! والصحيح عند ابن أبي حاتم والسيوطي (وقد شدت به) وذلك يعني أن الشد عائد على الخمار دون الجلباب، لأنه فسر الإدناء بسدل الجلباب؛ فكيف يسدل الثوب ويشد في الوقت نفسه! كما أنه لو كان الشد عائدا على الخمار والقناع كليهما؛ فماذا ستكون فائدة لبس القناع فوق الخمار؟! فالصحيح أن المراد من قول ابن جبير: هو أن تسدل الجلباب من فوق رأسها على وجهها بعد أن تكون شدت\n_________\n(^١) تفسير ابن أبي حاتم ١٠/ ٣١٥٥\n(^٢) الحاكم ١/ ٤٥٤ وقال حديث صحيح، ووافقه الذهبي والألباني في إرواء الغليل ٤/ ٢١٢.","vol":"1","page":290},{"text":"تحته بالخمار على رأسها ونحرها. وهذا يبين موافقته لأثر ابن عباس وعبيدة \" أثر العين الواحدة\" فيكون بذلك من شواهده التي يتقوى بها.\n* ثم قال الشيخ الألباني: \"وذكر نحوه أبو بكر الجصاص في\" أحكام القرآن\" عن مجاهد أيضًا مقرونًا مع ابن عباس: \"تغطي الحُرَّة إذا خرجت جبينها ورأسها\" ومجاهد ممن تلقى تفسير القرآن عن ابن عباس ﵁\". اهـ\nفيقال: كان من الأولى نقل قول مجاهد لا نقل كلام الجصاص، كما إنه لم يتم النقل عن الجصاص ليتبين مراده (وقال ابن عباس ومجاهد تغطي الحرة إذا خرجت جبينها ورأسها خلاف حال الإماء) أما قول مجاهد فهو: \" قوله ﴿يُدْنِينَ\nعَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ يتجلببن فيعلم أنهن حرائر \". (^١) فليس فيه ذكر لصفة التجلبب.\nومما يبين مراد أبو بكر الجصاص وأنه يرى وجوب تغطية وجه المرأة الحرة؛ قوله في الموضع الذي أخذ منه الشيخ الألباني قول مجاهد: أمر الله المؤمنات أن يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن أنهن حرائر فلا يؤذين. وقال ابن عباس ومجاهد تغطي الحرة إذا خرجت جبينها ورأسها خلاف حال الإماء ... قال أبو بكر -الجصاص- في هذه الآية دلالة على أن المرأة الشابة مأمورة بستر وجهها عن الأجنبيين وإظهار الستر والعفاف عند الخروج لئلا يطمع أهل الريب فيهن وفيها دلالة على أن الأمة ليس عليها ستر وجهها وشعرها لأن قوله تعالى\n_________\n(^١) ابن جرير الطبري في تفسيره ٢٢/ ٤٦.","vol":"1","page":291},{"text":"(ونساء المؤمنين) ظاهره أنه أراد الحرائر وكذا روي في التفسير لئلا يكن مثل الإماء اللاتي هن غير مأمورات بستر الرأس والوجه، فجعل الستر فرقا يعرف به الحرائر من الإماء. (^١) أهـ\n* ثم قال الشيخ الألباني: ثم تلقاه عن مجاهد قتادة فإنه من تلامذته والرواة عنه فقال \"أخذ الله عليهن إذا خرجن أن يُقَنِّعن على الحواجب\" أخرجه ابن جرير بسند صحيح عنه. اهـ\nفيقال صحيح أن قول قتادة هذا يوافق قول ابن عباس \"تقنع وتشد على جبينها\" ولكن على المعنى الصحيح للتقنع وهو تغطية الوجه بشد الجلباب على الجبين حتى يغطي الحواجب ثم يرد طرفه ويعطف على الأنف كما قال أهل التفسير؛ قال الإمام القرطبي في تفسيره (١٤/ ٢٤٣) والمفسر النحوي أبو حيان في البحر المحيط (٧/ ٢٤٠):\nواختلف الناس في صورة إرخائه فقال ابن عباس وعبيدة السلماني ذلك أن تلويه المرأة حتى لا يظهر منها إلا عين واحدة تبصر بها، وقال ابن عباس أيضًا وقتادة ذلك أن تلويه فوق الجبين وتشده ثم تعطفه على الأنف وإن ظهرت عيناها لكنه يستر الصدر ومعظم الوجه. اهـ ولهذا فإن قول قتادة\" أخذ الله عليهن إذا خرجن أن يُقَنِّعن على الحواجب\" الذي صححه الشيخ عنه، يعد أيضا من شواهد حديث ابن عباس التي يتقوى بها.\n_________\n(^١) أحكام القرآن للجصاص ٥/ ٢٤٥","vol":"1","page":292},{"text":"* بعد أن تبين أنه لايصح ما ذكره الشيخ الألباني من أسباب ترجيح الرواية الثانية؛ فلنا أن نرجح ونقوي - وإن كانت الروايتان تتفقان على تغطية الوجه - رواية ابن عباس\" أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن ويبدين عينًا واحدة\" للأمور الآتية:\n\n(١) أنها أصح إسنادا؛ كما بينّاه مفصلا في مناقشة البحث الثالث؛\nقال السيوطي في الإتقان (٢/ ٣ - ٥): عن ابن عباس من طريق ابن أبي طلحة خاصة فإنها من أصح الطرق عنه وعليها اعتمد البخاري في صحيحه. اهـ\nوهي رواية قوّاها الإمام أحمد، واحتج بها البخاري في\" الجامع الصحيح\" وابن أبي حاتم في\" تفسير القرآن\" واعتمد على هذه الرواية علامة الشام محمد جمال الدين القاسمي في تفسيره\" محاسن التأويل\" والإمام القرطبي في تفسيره\" الجامع لأحكام القرآن\" وكذلك الإمام ابن كثير في تفسيره في مواضع عديدة وغيرهم من المفسرين فكانت قوية محتجا بها عند علماء التفسير وغيرهم، كما أن ظاهر القرآن والسنة وآثار الصحابة والتابعين تؤيدها، فهي ثابتة عمل بها الأئمة واحتجوا بها.\n(٢) أنها الموافقة لفعل النبي - ﷺ - فإنه عندما اصطفى لنفسه صفية بنت حيي من سبي خيبر (... فلما ارتحل وطَّى لها خلفه ومدَّ الحجاب بينها وبين الناس وفي","vol":"1","page":293},{"text":"رواية (وجعل رداءه على ظهرها ووجهها) (^١). وكما في حديث عائشة ﵂ قالت (رأيت النبي - ﷺ - يسترني بردائه وأنا أنظر إلى الحبشة يلعبون في المسجد). (^٢)\n(٣) أنها الأقرب لمعنى الإدناء لغة كما بيّناه في مناقشة البحث الأول؛ كما فسّرها بذلك أئمة التفسير ممن هم أئمة في اللغة العربية:\n- قال إمام العربية أبو جعفر النحاس النحوي اللغوي المفسّر في كتابه إعراب القرآن (٣/ ٣٢٥): ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ أي يرخين على وجوههن منه.\n- وقال الإمام البارع العلامة أبو القاسم الزمخشري في تفسيره الكشاف (٣/ ٢٧٤): \"يدنين عليهن\" يرخين عليهن، ويغطين بها وجوههن وأعطافهن. يقال: إذا زل الثوب عن وجه المرأة: أدنى ثوبك على وجهك.\n(٤) لكثرة شواهدها:\n١ - صح عن عبيدة السلماني لما سئل عن قوله ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ فتقنع بردائه فغطى أنفه\n_________\n(^١) صحيح البخاري ٥/ ١٩٥٦ (٤٧٩٧) والرواية الأخرى لابن سعد ٨/ ٨٦ وقدصححها الألباني في جلباب المرأة/١٠٧.\n(^٢) صحيح البخاري ٥/ ٢٠٠٦ (٤٩٣٨) صحيح مسلم ٢/ ٦٠٨ (٨٩٢)","vol":"1","page":294},{"text":"وعينه اليسرى وأخرج عينه اليمنى وأدنى رداءه من فوق حتى جعله قريبا من حاجبه أو على الحاجب. (^١)\n٢ - صح عن ابن عباس في صفة تغطية المحرمة وجهها (تدني الجلباب على وجهها ولا تضرب به، قلت وما لا تضرب به فأشار إلى كما تجلبب المرأة ثم أشار إلى ما على خدها من الجلباب فقال: لاتعطفه فتضرب به على وجهها فذلك الذي يبقى عليها ولكن تسدله على وجهها كما هو مسدولا ولا تقلبه ولا تضرب به ولا تعطفه). (^٢)\n٣ - عن ابن عباس \" كانت الحرة تلبس لباس الأمة فأمر الله نساء المؤمنين أن يدنين عليهن من جلابيبهن وإدناء الجلباب أن تقنع وتشد على جبينها\". (^٣)\n٤ - صح عن قتادة (أخذ الله عليهن إذا خرجن أن يقنعن على الحواجب) (^٤)\n٥ - عن سعيد بن جبير (يدنين عليهن من جلابيبهن؛ يسدلن عليهن من جلابيبهن وهو القناع فوق الخمار) (^٥)\n(٥) جريان العمل به من نساء سلف هذه الأمة امتثالا لهذه الآية:\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٢٢/ ٤٦ صححه أ. د. حكمت بن بشير بن ياسين في الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور (٣/ ٤٦٣).\n(^٢) أبو داود في مسائل الإمام أحمد /١١٠، الشافعي في مسنده ١/ ١١٨ وفي الأم ٢/ ١٤٩، واللفظ له.\n(^٣) تفسير الطبري ٢٢/ ٤٦ قال الألباني في الرد المفحم /١١: ضعيف السند لكن له شواهد.\n(^٤) تفسير الطبري ٢٢/ ٤٦. صحح الألباني إسناده في الرد المفحم /٥٢.\n(^٥) تفسير ابن أبي حاتم ١٠/ ٣١٥٥. عزاه الألباني في جلباب المرأة /٨٥ للدر المنثور ساكتا عليه.","vol":"1","page":295},{"text":"١ - عن أم سلمة ﵂ قالت (لما نزل ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ خرج نساء الأنصار كأن على رؤوسهن الغربان من أكسية سود يلبسنها). (^١)\n٢ - عن عائشة ﵂ قالت (رحم الله نساء الأنصار لما نزلت ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ شققن مروطهن فاعتجرن بها فصلين خلف رسول الله - ﷺ - كأنما على رؤوسهن الغربان) (^٢) وسبق أن بينا في مناقشة البحث الرابع أن الاعتجار يعني تغطية الوجه.\n٣ - عن عائشة ﵂ قالت (إن نساء المؤمنات كن يصلين الصبح مع النبي - ﷺ - ثم يرجعن متلفعات بمروطهن لا يعرفهن أحد) (^٣) وسبق أن بينا في مناقشة البحث السادس أن التلفع يعني تغطية الوجه.\n٤ - عن عائشة ﵂ أنها قالت في حادثة الإفك (فخمرت وجهي عنه بجلبابي). (^٤) وصح عنها أنها قالت لما خرج رسول الله - ﷺ - ليلا ليستغفر لأهل البقيع) اختمرت وتقنعت إزاري ثم انطلقت على إثره). (^٥) وسبق أن بينا في مناقشة البحث الرابع أن التقنع يعني تغطية الوجه.\n_________\n(^١) ابن أبي حاتم في تفسيره، أبو داود (٤١٠١) وصححه الألباني في صحيح أبي داود ٤/ ٦١.\n(^٢) أخرجه ابن مردويه كما في الدر المنثور للسيوطي ٦/ ٦٦٠.\n(^٣) صحيح البخاري (١/ ١٧٣) صحيح مسلم (١/ ٤٤٥) واللفظ له.\n(^٤) صحيح البخاري ٤/ ١٧٧٤ (٤٤٧٣) صحيح مسلم ٤/ ٢١٢٩ (٢٧٧٠).\n(^٥) صحيح مسلم ٢/ ٦٦٩ (٩٧٤).","vol":"1","page":296},{"text":"٥ - عن عائشة ﵂ قالت (فإذا حاذوا بنا أسدلت إحدانا جلبابها من رأسها على وجهها) (^١) وقالت (تسدل المرأة جلبابها من فوق رأسها على وجهها) (^٢).\n٦ - عن أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالت (كنا نغطي وجوهنا من الرجال وكنا نتمشط قبل ذلك في الإحرام). (^٣)\n٧ - عن فاطمة بنت المنذر أنها قالت (كنا نخمر وجوهنا ونحن محرمات) (^٤).\n٨ - عن أسماء بنت أبي بكر ﵄ أنها قالت (خسفت الشمس على عهد رسول الله - ﷺ - فسمعت رجة الناس وهم يقولون آية ... فخرجت متلفعة بقطيفة للزبير حتى دخلت على عائشة) (^٥)\n٩ - قال عاصم الأحول (كنا ندخل على حفصة بنت سيرين وقد جعلت الجلباب هكذا؛ وتنقبت به) (^٦)\n_________\n(^١) مسند أحمد (٢٤٠٢١) سنن أبي داود (١٨٣٣) حسنه ابن حجر في تخريج مشكاة المصابيح ٣/ ١٠٦، وصححه علي القاري في مرقاة المفاتيح (٥/ ١٨٥٢) وصححه الألباني في حجاب المرأة /٣٣ وفي مشكاة المصابيح (٢/ ٨٢٣) ثم قال في جلباب المرأة / ١٠٨: حسن في الشواهد!!\n(^٢) أخرجه سعيد بن منصور في سننه بإسناد صحيح كما في فتح الباري ٣/ ٤٠٦. وصحح إسناده على شرط الشيخين التويجري في الرد القوي / ٢٤٦، وعبد العزيز الطريفي في الحجاب في الشرع والفطرة /١٠١.\n(^٣) صحيح ابن خزيمة ٤/ ٢٠٣ (٢٦٩٠) المستدرك على الصحيحين ١/ ٦٢٤ (١٦٦٨) وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، وصححه الألباني في إرواء الغليل ٤/ ٢١٢ ..\n(^٤) موطأ مالك ١/ ٣٢٨ (٧١٨) صححه الألباني في إرواء الغليل ٤/ ٢١٢.\n(^٥) صحيح البخاري ١/ ٣٥٨ (١٠٠٥) مسند أحمد ٦/ ٣٥٤ واللفظ له، قال الهيثمي في مجمع الزوائد ١٠/ ٤٠٥: رجاله ثقات.\n(^٦) سنن البيهقي الكبرى ٧/ ٩٣ (١٣٣١٢) صححه الألباني في جلباب المرأة /١١٠.","vol":"1","page":297},{"text":"١٠ - وجاءت امرأة إلى سمرة بن جندب - ﵁ - فذكرت أن زوجها لا يصل إليها ... قال وجاءت المرأة متقنعة) (^١)\n١١ - عن زينب امرأة عبد الله قالت كانت عجوز تدخل علينا ... وكان عبد الله إذا دخل تنحنح وصوت فدخل يوما فلما سمعت صوته احتجبت منه. (^٢)\n(٦) احتجاج أهل العلم بهذه الرواية؛ فقهاء ومحدثين ومفسرين فكان ذلك إجماعا منهم على حجيتها ووجوب العمل بها.\nوبذلك نكون قد أقمنا الحجة على صحة حديث ابن عباس على أصول علم الحديث. وتبين خطأ الشيخ الألباني في تضعيفه لأثر ابن عباس، فإن أقل ما يقال في إسناده لو خلا مما ذكرنا مما يقويه ويعضده إنه حسن؛ والحديث الحسن يعمل به ويحتج به.\nكما جاء في قواعد التحديث لمحمد جمال الدين القاسمي (١/ ١٠٦): بيان كون الحسن حجة في الأحكام: قال الأئمة: الحسن كالصحيح في الاحتجاج به، وإن كان دونه في القوة، ولهذا أدرجه طائفة من نوع الصحيح ... وقال السخاوى في الفتح: منهم من يدرج الحسن في الصحيح لاشتراكهما في الاحتجاج، بل نقل ابن تيمية إجماعهم إلا الترمذي خاصة عليه، قال الخطابي: على الحسن مدار أكثر الحديث، لأن غالب الأحاديث لا تبلغ رتبة الصحيح، وعمل به عامة\n_________\n(^١) البيهقي في السنن الكبرى ٧/ ٢٢٨ حسنه الألباني في جلباب المرأة /١٠٣.\n(^٢) سنن ابن ماجه ٢/ ١١٦٦ (٣٥٣٠) صححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه ٢/ ١١٦٦.","vol":"1","page":298},{"text":"الفقهاء، وقبله أكثر العلماء. اهـ وقال السخاوي في فتح المغيث (١/ ٩٣): ونحوه قول البغوي: أكثر الأحكام ثبوتها بطريق حسن. اهـ\nفكيف وقد ثبت لحديث ابن عباس ما يقويه؛ من الشواهد، وجريان العمل عليه وقبول أهل العلم واحتجاجهم به مما يرتقي به من الحسن إلى الصحيح!\n* وبعد أن تبين صحة الاحتجاج بقول ابن عباس في تفسير الإدناء على وجوب تغطية الوجه؛ فلنا أن نذكّر بما ذكره الشيخ ابن عثيمين ﵀ بعد الاستشهاد به وهو أن:\n\"تفسير الصحابي حجة بل هو في حكم المرفوع إلى النبي - ﷺ - \"\nكما قال الحافظ ابن حجر في النكت (٢/ ٥٣١): والحق أن ضابط ما يفسره الصحابي ﵁ إن كان مما لا مجال للاجتهاد فيه ولا منقولا عن لسان العرب فحكمه الرفع.\nوبذلك ثبت أن تغطية المرأة الحرة لوجهها واجب وفرض بناء على تفسير الحبر (ابن عباس) لآية إدناء الجلابيب.","vol":"1","page":299},{"text":"ــ:: تتمة البحث السابع (١):: ــ\nقال الشيخ الألباني: الحديث الثاني: من الضعيف الذي استدلوا به: \"سؤال ابن سيرين عبيدة السلماني عن آية (الإدناء)؟ فتقنَّع عبيدة بِملحفة وغطى رأسه كله حتى بلغ الحاجبين وغطّى وجهه وأخرج عينه اليسرى\". أخرجه السيوطي في \"الدر\". وبيان ضعفه من وجوه:\n١ - أنه مقطوع موقوف فلا حجة فيه لأن عبيدة السلماني تابعي اتفاقًا فلو أنه رفع حديثًا إلى النبي - ﷺ - لكان مرسلًا لا حجة فيه فكيف إذا كان موقوفًا عليه كهذا؟! فكيف وقد خالف تفسير ترجمان القرآن: ابن عباس ومن معه من الأصحاب؟!\n٢ - أنهم اضطربوا في ضبط العين المكشوفة فيه فقيل: \"اليسرى\" وقيل: \"اليمنى\" وهو رواية الطبري وقيل: \"إحدى عينيه\" وهي رواية أخرى له. وذكره ابن تيمية في \"الفتاوى\" (١٥/ ٣٧١) بسياق آخر يختلف تمامًا عن السياق المذكور فقال: \" وقد ذكر عبيدة السلماني وغيره: إن نساء المؤمنين كنَّ يدنين عليهن الجلابيب من فوق رؤوسهن حتى لا يظهر إلا عيونهن لأجل رؤية الطريق\". وإذا عرفت هذا فاعلم أن الاضطراب عند علماء الحديث علة في الرواية تسقطها عن مرتبة الاحتجاج بها حتى ولو كان شكليًا كهذا لأنه يدل على أن الراوي لم يضبطها ولم يحفظها على أن سياق ابن تيمية المذكور ليس شكليًا كما هو ظاهر لأنه ليس في تفسير الآية وإنما هو إخبار عن واقع النساء في العصر الأول وهو بهذا المعنى صحيح ثابت في","vol":"1","page":300},{"text":"أخبار كثيرة ولكن ذلك لا يقتضي وجوب الستر لأنه مجرد فعل منهن ولا ينفي وجود من كانت لا تستر وجهها بل هذا ثابت أيضًا في عهده - ﷺ - وبعده كما سيأتي وتقدم بعضها.\n٣ - مخالفته لتفسير ابن عباس للآية كما تقدم بيانه.\n* الحديث الثالث: عن محمد بن كعب القرظي مثل حديث ابن عباس الأول في: \"يدنين عليهن ممن جلابيبهن\" قال: \"تخمِّر وجهها إلا إحدى عينيها\" أخرجه ابن سعد في \"الطبقات\": أخبرنا محمد ابن عمر عن أبي سبرة عن أبي صخر: وهذا إسناد موضوع آفته ابن سبرة قال الإمام أحمد في \"العلل\" \"كان يكذب ويضع الحديث\". والراوي عنه محمد بن عمر- وهو الواقدي- قريب منه قال الحافظ في \"التقريب\": \"متروك\" وقال أحمد: \"كذاب\" ثم هو إلى ذلك مرسل، والمبتدؤون في هذا العلم يعلمون أن مثل هذا الإسناد الهالك لا يصلح للتقوية.\n* الحديث الرابع: عن الفضل بن عباس قال: كنت ردف رسول الله - ﷺ - وأعرابي معه ابنة له حسناء فجعل يعرضها لرسول الله - ﷺ - رجاء أن يتزوجها قال: فجعلت ألتفت إليها وجعل رسول الله - ﷺ - يأخذ برأسي فيلويه. أخرجه أبو يعلى في \"مسنده\" من طريق يونس بن أبي إسحاق عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عنه. قال الشيخ الألباني: وهذا إسناد ضعيف رجاله ثقات ومتنه منكر وفيه علل خمس ... إلخ.","vol":"1","page":301},{"text":"ــ::<span data-type=\"title\" id=toc-79> مناقشة تتمة البحث السابع (١)::</span> ــ\nأخرج ابن جرير الطبري وابن أبي حاتم بإسناد صحيح عن محمد بن سيرين قال سألت عبيدة عن قوله ﴿قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ ... قال فقال بثوبه فغطى رأسه ووجهه وأبرز ثوبه عن إحدى عينيه.\nوفي رواية أخرى لابن جرير: فتقنع به فغطى أنفه وعينه اليسرى وأخرج عينه اليمنى وأدنى رداءه من فوق حتى جعله قريبا من حاجبه أو على الحاجب. (^١)\nوهذا الأثر مما اعتمد عليه جل أهل التفسير في تفسير آية إدناء الجلابيب، ولكن الشيخ الألباني حكم عليه بالضعف ولم يكن محقا في ذلك لما يأتي:\nأولا: قال إنه مقطوع موقوف، والموقوف هو ما أسند إلى صحابي، والمقطوع هو ما أسند إلى تابعي، فكيف يجتمعان في الحكم على أثر واحد! وقد احتج الشيخ الألباني بأثر قتادة المقطوع \"أخذ الله عليهن إذا خرجن أن يُقَنِّعن على الحواجب\" قائلا: أخرجه ابن جرير بإسناد صحيح إليه، ورمي هنا أثر عبيدة بالضعف وقد أخرجه ابن جرير بسند صحيح إليه!!\n_________\n(^١) ابن جرير الطبري في تفسيره ٢٢/ ٤٦، صحح إسناده أ. د حكمت بن بشير بن ياسين في الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور ٤/ ١٤٤، تفسير ابن أبي حاتم ١٠/ ٣١٥٥ ولفظه: فرفع ملحفة كانت عليه فقنع بها، وغطى رأسه كله حتى بلغ الحاجبين وغطى وجهه واخرج عينه اليسرى من شق وجهه والايسر مما يلي العين.","vol":"1","page":302},{"text":"بل إن إسناده من أصح الأسانيد، رجاله كلهم جبال في الثقة والضبط؛ ولا أظن أن هذا مما خفي على الشيخ فهو عند ابن جرير في الموضع الذي أخذ منه الشيخ الألباني أثر قتادة وابن عباس ولكنه غفر الله له عزا هذا الأثر إلى السيوطي في الدر، ولم يعزه إلى ابن جرير الطبري!! علاوة على أن قتادة من صغار التابعين لم يرَ إلا عددا من الصحابة فجُلّ رواياته عن\nالتابعين. (^١) أما عبيدة السلماني فهو من كبار التابعين وأعلامهم (^٢)، ومخضرم ثقة ثبت، أسلم قبل وفاة النبي - ﷺ - بسنتين ولم يره، نزل المدينة في زمن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - ﵁ - وعاصر الصحابة ولم يزل بها حتى مات؛ وبذلك فهو إنما يفسر ما كان سائدًا في المجتمع الذي كان يمثله أجلة الصحابة - ﵃ - وأكابر الأمة الذين نزل بينهم القرآن وعليهم مدار هذا الدين.\nقال عنه ابن عبد البر: هو من كبار أصحاب ابن مسعود الفقهاء. (^٣) وقال الذهبي: عبيدة السلماني الكوفي الفقيه العلم، كاد أن يكون صحابيًا، أسلم زمن الفتح باليمن وأخذ العلم عن علي بن أبي طالب وابن مسعود وبرع في الفقه، وكان ثبتا في الحديث، وقال العجلي؛ عبيدة أحد أصحاب عبد الله بن\n_________\n(^١) وانظر تقريب التهذيب ١/ ٧٥.\n(^٢) قال النووي في التقريب (ص/ ٣٤): اتفق علماء الطوائف على أن قول التابعي الكبير: قال رسول الله كذا أو فعله يسمى مرسلًا. اهـ وقول عبيدة تفسير للآية بما كان عليه الصحابة على عهد رسول الله ﷺ.\n(^٣) الاستيعاب ٣/ ١٠٢٣.","vol":"1","page":303},{"text":"مسعود الذين يقرؤون ويفتون الناس، وقال ابن سيرين: ما رأيت رجلًا أشد توقيًا من عبيدة (^١).\nوقد قال الإمام الذهبي في الموقظة في علم مصطلح الحديث (ص: ٣٩): فإن المرسل إذا صح إلى تابعي كبير، فهو حجة عند خلق من الفقهاء.\nقال أبو العباس أحمد بن فرح الإشبيلي (ت ٦٢٤ هـ) في الغرامية في مصطلح الحديث (ص: ١٠٦): وليعلم أن المقطوع يقع عليه الوصفان، الصحة والضعف تبعا لحال إسناده ومتنه، ولا يلزم من صحته وجوب العمل به، إذا كان مجردا عن قرينة تدل على أن له حكم الرفع.\nولما كان أثر عبيدة هذا تفسيرا للآية بما كان سائدا ومعمولا به في مجتمع أكابر الصحابة الذين نزل عليهم القرآن الكريم؛ كانت تلك قرينة توجب العمل به وتدل على أن له حكم الرفع.\nهذا علاوة على ما ذكر الحافظ ابن حجر في تهذيب التهذيب (٧/ ٧٨) قال: قال علي بن المديني وعمرو بن علي الفلاس: أصح الأسانيد محمد بن سيرين عن عبيدة عن علي وقال العجلي: كل شيء روى محمد عن عبيدة سوى رأيه فهو عن علي بن أبي طالب وكل شيء روي عن إبراهيم عن عبيدة سوى رأيه فإنه عن عبد الله بن مسعود. (^٢) اهـ\n_________\n(^١) انظر: تذكرة الحفاظ ١/ ٤٠، تهذيب الكمال ١٩/ ٢٦٧، تهذيب التهذيب (٧/ ٧٨).\n(^٢) وانظر معرفة الثقات للعجلي ٢/ ١٢٤.","vol":"1","page":304},{"text":"فهذه شهادة باتصال سند هذه الرواية حيث إنها تفسير منه للآية بما كان سائدا في مجتمع الصحابة وليست مما يقال بالرأي، وعليه فإن إسنادها يعتبر أصح الأسانيد كما قال ابن المديني وعمرو الفلاس، كما ثبت أن تفسير عبيدة للآية أخذه عن علي بن أبي طالب - ﵁ - وإن لم يكن عن علي فهو عن عبد الله بن مسعود وهو أعلم وأفقه هذه الأمة بالقرآن.\nوبذلك يكون قد اتفق على هذا التفسير لآية إدناء الجلابيب والذي يقتضي وجوب تغطية الوجه على النساء الحرائر؛ صحابيان: عبدالله بن عباس، وعلي بن أبي طالب - ﵃ -، وتفسير الصحابي حجة يجب العمل به فحكمه كحكم المرفوع إلى النبي - ﷺ -.\nثانيا: قال الشيخ الألباني (أنهم اضطربوا في ضبط العين المكشوفة) واستشهد بذكر سياق ابن تيمية لأثر عبيدة بالمعنى؛ على أنها رواية أخرى للأثر!! إلى قال (أن الاضطراب عند علماء الحديث علة في الرواية تسقطها عن مرتبة الاحتجاج بها) اهـ فيقال؛ إن الاضطراب الذي يسقط الاحتجاج بالأثر: هو ما روي على أوجه متعارضة متدافعة بحيث لا يمكن التوفيق بينها، وتكون متساوية في القوة بحيث لا يمكن ترجيح إحداها على الأخرى. (^١)\nوالروايات الواردة لأثر عبيدة ليس فيها تعارض ولا تدافع! وتفسيره للآية كان بفعل منه وليس بقول؛ ولذلك اختلف تعبير الرواة لهذا الفعل، فلا وجه\n_________\n(^١) انظر: تيسير مصطلح الحديث /١٤١.","vol":"1","page":305},{"text":"للطعن فيه بالاضطراب!! فإن كشف أي العينين لا يضر، فالأمر راجع للمرأة تكشف أيهما تشاء دون توسع في إظهار ما عداهما لأن الرخصة في إبداء العين إنما شرع لرؤية الطريق فقط.\nكما قال الألوسي في روح المعاني (٢٢/ ٨٨): والإدناء التقريب يقال أدناني أي قربني وضمن معنى الإرخاء أو السدل ولذا عدي بعلى، ولعل نكتة التضمين الإشارة إلى أن المطلوب تستر يتأتى معه رؤية الطريق إذا مشين فتأمل.\nكما أن الشيخ الألباني قد أنكر في بحثه الثامن - كما سيأتي - على من طعن حديث عائشة بالاضطراب في متنه فقال: ثم ماذا يفيدك هذا الشغب في هذا الاختلاف المرجوح مع اتفاق الطرق الثلاث على ذكر الوجه، وهو الجانب الأهم من الاختلاف. . .؟! فيقال وماذا يفيد الطعن في أثر عبيدة وقد اتفقت رواياته على ما مفاده تغطية الوجه وهو الجانب الأهم من الاختلاف؟!\nثالثا: قال الشيخ الألباني أنه قد خالف تفسير ترجمان القرآن: ابن عباس ومن معه من الأصحاب؟! وهذا قول غير صحيح؛ فإن أثر عبيدة موافق لما صح عن ترجمان القرآن في تفسير هذه الآية (أمر الله\nنساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن بالجلابيب ويبدين عينا واحدة) وقول سعيد بن جبير (يدنين عليهن من جلابيبهن؛ يسدلن عليهن من جلابيبهن وهو القناع فوق الخمار) بل وموافق لأثر قتادة الذي احتج به الشيخ الألباني (أن الله أخذ عليهن إذا خرجن أن يقنعن على الحواجب) وتأمل هذه الموافقه: (فقنع بها، وغطى رأسه كله حتى بلغ الحاجبين) (فتقنع به. . . وأدنى رداءه من","vol":"1","page":306},{"text":"فوق حتى جعله قريبا من حاجبه أو على الحاجب) فأين المخالفة التي ذكر الشيخ الألباني غفر الله له؟!\nقال حكمت بن بشير بن ياسين في الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور (٣/ ٤٦٤): أخرج الطبري بسنده الحسن من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: (أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن بالجلابيب ويبدين عينًا واحدة) فقد صح مثله عن عبيدة السلماني. اهـ\nفما وجه حكم الشيخ الألباني على أثر عبيدة بالضعف؛ وإسناده من أصح الأسانيد ووافقه عليه ابن عباس وقتادة وابن جبير!\nإذن فلا وجه للطعن في هذه الرواية وقد احتج بها أهل العلم واعتمد عليها أهل التفسير وعمل بها الأئمة.\n* أما الحديث الثالث الذي أنكر الشيخ الألباني الاستشهاد به فهو ما روي عن محمد بن كعب القرظي - ﵁ - في تفسير آية إدناء الجلابيب قال: (فأمرهن الله أن يخالفن زي الإماء ويدنين عليهن من جلابيبهن تخمر وجهها إلا إحدى عينيها) وهذه الرواية وإن كانت بنفس معنى قول ابن عباس في تفسير هذه الآية؛ إلا أنه لضعف سندها لم يُعتمد\nعليها في الاستدلال على وجوب تغطية الوجه، ومن ذكرها فإنما يسوقها في الشواهد على سبيل الاستئناس بها لا على سبيل الاعتضاد!! وسيأتي لاحقا استشهاد الشيخ الألباني بقول شيخ الإسلام ابن تيمية","vol":"1","page":307},{"text":"في \"مجموع الفتاوى\" (١٨/ ٢٦) \"فإنَّ تعدد الطرق وكثرتها يقوي بعضها بعضًا، حتى قد يحصل العلم بها، ولو كان الناقلون فُجَّارًا فساقًا \".\n* أما الحديث الرابع: فقد أسهب الشيخ الألباني في تضعيف هذا الحديث؛ وهو لا يعد من الأدلة التي يستشهد بها على وجوب تغطية الوجه! لأنه رواية للحديث الأول الذي استشهد به الشيخ الألباني واحتج به (حديث المرأة الخثعمية)! ومن استشهد بهذه الرواية فإنما أراد بها تبرير كشف المرأة الخثعمية لوجهها، وقد بينا آنفا سبب كشف المرأة الخثعمية لوجهها وهو كونها من الإماء المملوكات ومن المتقرر شرعا كما أسلفنا في مناقشة البحث الخامس والسادس أن الحجاب (تغطية الوجه) واجب على الحرائر دون الإماء. فلا حاجة للاستشهاد بهذه الرواية صحيحة كانت أو ضعيفة.","vol":"1","page":308},{"text":"ــ:: تتمة البحث السابع للألباني (٢):: ــ\nقال الشيخ الألباني: الحديث الخامس: عن أم سلمة ﵂ قالت: كنت عند رسول الله - ﷺ - وعنده ميمونة، فأقبل ابن مكتوم - وذلك بعد أن أُمرنا بالحجاب - فقال النبي - ﷺ -: \" احتجبا منه\" فقلنا: يا رسول الله! أليس أعمى لا يبصرنا ولا يعرفنا؟! فقال النبي - ﷺ -: \"أفعمياوان أنتما؟! ألستما تبصرانه؟! \" أخرجه أصحاب السنن من طريق الزهري: حدثني نبهان مولى أم سلمة عنها. وهو مخرج في \"الإرواء\" و\"الضعيفة\" وخلاصة التحقيق الوارد فيهما:\n١ - أن الحديث تفرّد به نبهان وعنه الزهري كما قال النسائي والبيهقي وابن البر وغيرهم.\n٢ - وأن نبهان مجهول العين كما أفاده البيهقي وابن عبد البر وقريب منه قول الحافظ في \"التقريب\": \"مقبول\" وأن قوله في \"الفتح\": \"إسناده قوي\" غير قوي لمخالفته لقوله في \"التقريب\" وللقواعد الحديثية على أن قوله: \"مقبول\" وإن كان مؤيدًا لضعف الحديث فهو غير مقبول لأن حقه أن يقول مكانه: \"مجهول\" لما تقدم من تفرد الزهري عنه، ولذلك لم يسع الحافظ إلا أن يصرح في مكان آخر من \"الفتح\" بقوله \"وهو حديث مختلف في صحته\".\nقال الإمام أبو محمد بن قدامة المقدسي في \"المغني\" وأبو الفرج بن قدامة المقدسي في \"الشرح الكبير\" والشيخ منصور البهوتي في كتابه القيم \"شرح منتهى الإرادات\" و\"المنتهى\" للشيخ محمد تقي الدين الفتوحي، وكلهم من كبار علماء","vol":"1","page":309},{"text":"الحنابلة قالوا: (ويباح لامرأة نظرٌ من رجل إلى غير عورة) لقوله - ﷺ - لفاطمة بنت قيس: \"اعتدي في بيت ابن أم مكتوم فإنه رجل أعمى تضعين ثيابك فلا يراك\" وقالت عائشة: \"كان رسول الله - ﷺ - يسترني بردائه وأنا أنظر إلى الحبشة يلعبون في المسجد\" ولأنهن لو مُنِعنَ النظر لوجب على الرجال الحجاب كما وجب على النساء لئلا ينظرن إليهم. فأما حديث نبهان عن أم سلمة؛ قال أحمد: نبهان روى حديثين عجيبين: هذا الحديث، والآخر: \"إذا كان لإحداكن مكاتب فلتحتجب منه\"، كأنه أشار إلى ضعف حديثه، إذ لم يرو إلا هذين الحديثين المخالفين للأصول. وقال ابن عبد البر: نبهان مجهول لا يعرف إلا برواية الزهري عنه هذا الحديث وحديث فاطمة صحيح فالحجة به لازمة. ثم يحتمل أن حديث نبهان خاص بأزواج رسول الله - ﷺ - بذلك قال أحمد وأبو داود\" وخلاصة الكلام على هذا الحديث أنهم قد خالفوا الإمام أحمد ومتَّبعيه من الحنابلة الكبار وغيرهم حديثيًا وفقهيًا. لأنهم صححوا الحديث وهو عند أحمد وغيره ضعيف معلَّل بالجهالة، ولم يتنبه لها ابن القطان في \"نظره\" (٦٦/ ١) فإن من عادته أن يعلَّ الحديث بمثلها بل وبالجهالة الحالية عنده.","vol":"1","page":310},{"text":"ــ:: مناقشة تتمة البحث السابع للألباني (٢):: ــ\nأولا: ثبوت هذا الحديث أو عدمه لا يعد حجة على جواز الكشف أو عدمه! لأنه مما يستشهد به في حكم نظر المرأة للرجل، ولكنا سنجيب عليه إتماما للبحث والفائدة:\nثانيا: ضعَف الشيخ الألباني هذا الحديث وأعلَه بتفرد نبهان وجهالته؛ مع أن التفرد ليس بعلة قادحة تمنع من الاحتجاج به إذا كان المتفرد ممن يحتمل تفرده، فإن في الصحيحين أحاديث عن الوحدان من الصحابة. أما جهالة نبهان فغير متفق عليها فهناك من عدله ووثقه، فليس من الإنصاف أن يرد حديثه، وقد استشهد الشيخ الألباني بآثار في أسانيدها من هو أشد جهالة من نبهان!\nكما أن الشيخ الألباني ذكر ما قيل في نبهان من الجرح دون ما ذكر فيه من التعديل فإن هناك من قبل حديثه ووثقه غير ابن حبان؛\n- كالترمذي حيث قال بعد أن ساق حديثه؛ حديث حسن صحيح.\n- والحاكم حيث قال بعد أن ساق الحديث؛ هذا حديث صحيح الإسناد. (^١)\n- والذهبي حيث قال في الكاشف: ثقة. (^٢)\n- وابن الملقن حيث قال بعد أن ساق حديثه: هذا الحديث صحيح. (^٣)\n_________\n(^١) المستدرك على الصحيحين ٢/ ٢٣٨.\n(^٢) الكاشف ٢/ ٣١٦.\n(^٣) البدر المنير (٧/ ٥١٢).","vol":"1","page":311},{"text":"- والنووي حيث قال في شرحه على صحيح مسلم (١٠/ ٩٦): وهذا الحديث حديث حسن رواه أبو داود والترمذي وغيرهما قال الترمذي هو حديث حسن، ولا يلتفت إلى قدح من قدح فيه بغير حجة معتمدة.\n- والحافظ ابن حجر حيث قال فتح الباري (٩/ ٣٣٧): حديث أم سلمة الحديث المشهور أفعمياوان أنتما ... وإسناده قوي وأكثر ما علل به انفراد الزهري بالرواية عن نبهان وليست بعلة قادحة فإن من يعرفه الزهري ويصفه بأنه مكاتب أم سلمة ولم يجرحه أحد لا ترد روايته.\n- والشوكاني حيث قال في نيل الأوطار (٦/ ٢٤٧): حديث أم سلمة أخرجه أيضا النسائي وابن حبان وفي إسناده نبهان مولى أم سلمة شيخ الزهري وقد وثق، وفي الباب عن عائشة عند مالك في الموطأ أنها احتجبت من أعمى فقيل لها إنه لا ينظر إليك قالت لكني أنظر إليه. اهـ\nوهذا الأثر عن عائشة يعد شاهد لحديث نبهان يتقوى به، وقد ذكره ابن حجر في التلخيص الحبير أيضا كما سيأتي، ولعله مما خفي على الشيخ الألباني!\nبل إن أول مُعدّل لنبهان هو كتاب الله ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ النور: ٣٣ فلو لم تعلم أم سلمة فيه خيرا لما","vol":"1","page":312},{"text":"كاتبته! ولذلك قال ابن حجر: فإن من يعرفه الزهري ويصفه بأنه مكاتب أم سلمة ولم يجرحه أحد لا ترد روايته.\n* أما قول الشيخ الألباني: (أن نبهان مجهول العين كما أفاده البيهقي وابن عبد البر) فأما البيهقي فلم يقل هو بجهالة نبهان وإنما قال في سننه الكبرى (١٠/ ٣٢٧): وحديث نبهان قد ذكر فيه معمر سماعا للزهري من نبهان، إلا أن البخاري ومسلما صاحبي الصحيح لم يخرجا حديثه في الصحيح وكأنه لم يثبت عدالته عندهما أو لم يخرج من حد الجهالة برواية عدل عنه. اهـ\nفلم يجزم (وكأنه) كما أنه لم ينسب ذلك الرأي إليه فقال (عندهما)، فهذا يبين أنه لا يرى هو جهالة نبهان بدليل اعتماده على حديثه في أبواب غض البصر ومنع المرأة من النظر إلى الرجل؛ فقد أخرجه في كتابه معرفة السنن والآثار (٥/ ٢٢٧)، وفي سننه الكبرى (٧/ ٩١): باب مساواة المرأة الرجل في حكم الحجاب والنظر إلى الأجانب. كما أخرجه في سننه الصغرى (٦/ ٩٠): باب غض البصر إذا لم يكن سبب يبيح النظر.\n* أما قول الشيخ الألباني: وقال ابن عبد البر: نبهان مجهول لا يعرف إلا برواية الزهري عنه هذا الحديث وحديث فاطمة صحيح فالحجة به لازمة \".\nفيقال بأن هذا ما نقله ابن عبد البر عن الفريق الذي قال بجهالة نبهان، ولكنه أتبعه بمن قبل روايته واحتج بها فقال ابن عبد البر: \"ومن صحح حديث نبهان قال إنه معروف وقد روى عنه ابن شهاب ولم يأت بمنكر ... ففي","vol":"1","page":313},{"text":"هذا الحديث دليل على أنه واجب على المرأة أن تحتجب عن الأعمى ويشهد له ظاهر قول الله تعالى ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾\nكما قال ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ ويشهد لذلك من طريق الغيرة أن نظرها إليه كنظره إليها ... فمن ذهب إلى حديث نبهان هذا احتج بما ذكرنا وقال ليس في حديث فاطمة أنه أطلق لها النظر إليه وقال مكروه للمرأة أن تنظر إلى الرجل الأجنبي الذي ليس بزوج ولا ذي محرم،\nقال وكما لا يجوز للرجل أن ينظر إلى المرأة فكذلك لا يجوز للمرأة أن تنظر إلى الرجل لأن الله يقول ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ كما قال ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾. (^١)\n* أما ما نقله عن ابن حجر (ولذلك لم يسع الحافظ إلا أن يصرح في مكان آخر من \"الفتح\" بقوله (١/ ٥٥٠): \"وهو حديث مختلف في صحته\") على أنه خلاصة رأي ابن حجر في الحديث! فالصحيح أن ابن حجر قال في فتح الباري (١/ ٥٥٠): \"وهو حديث مختلف في صحته وسيأتي للمسألة مزيد بسط في موضعه إن شاء الله تعالى\". ليبين رأيه هو في ذلك الموضع من فتح الباري (٩/ ٣٣٧) فيقول فيه: \"حديث أم سلمة الحديث المشهور أفعمياوان أنتما وهو حديث أخرجه أصحاب السنن من رواية الزهري عن نبهان مولى أم سلمة عنها وإسناده قوي وأكثر ما علل به انفراد الزهري بالرواية عن نبهان وليست بعلة قادحة فإن من يعرفه الزهري ويصفه بأنه مكاتب أم سلمة ولم يجرحه أحد لا ترد روايته\". اهـ\n_________\n(^١) ابن عبد البر في التمهيد (١٩/ ١٥٤) والاستذكار (٦/ ١٦٩)","vol":"1","page":314},{"text":"فهذا القول هو الذي يُفسّر به قوله (مختلف في صحته) لا العكس! ولو أن الحافظ اكتفى بقوله\" إسناده قوي\" فقط لكان له وجه، ولكنه قال (وإسناده قوي وأكثر ما علل به انفراد الزهري بالرواية عن نبهان وليست بعلة قادحة فإن من يعرفه الزهري ويصفه بأنه مكاتب أم سلمة ولم يجرحه أحد لا ترد روايته) ومما يؤكد ذلك أيضا قول ابن حجر في التلخيص الحبير ٣/ ١٤٨: حديث أم سلمة أخرجه أبو داود والنسائي والترمذي وابن حبان وليس في إسناده سوى نبهان مولى أم سلمة شيخ الزهري وقد وثق وعند مالك عن عائشة أنها احتجبت من أعمى فقيل لها إنه لا ينظر إليك قالت لكني أنظر إليه.\nثالثا: قال الشيخ الألباني: (ثم يحتمل أن حديث نبهان خاص بأزواج رسول الله - ﷺ - بذلك قال أحمد وأبو داود) وهذا كما في الفروع (٨/ ١٨٦): في مسائل الأثرم أنه قال لأبي عبد الله -الإمام أحمد-: حديث نبهان عندك لأزواج النبي - ﷺ - وحديث فاطمة لسائر الناس؟ فقال: نعم، أو أظهر استحسانه.\nإلا أن القول بخصوصية منع النظر بأزواج النبي - ﷺ - قول ضعيف؛ فليست عامة النساء أطهر من أمهات المؤمنين حتى يباح لهن النظر للرجال دون أزواج النبي - ﷺ -، ولو قيل العكس لكان أولى! أما الاحتجاج بقوله تعالى ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ﴾ الأحزاب: ٣٢ فهذا تذكير لنساء النبي بما لهن من مقام القدوة لسائر نساء المسلمين تحفيزا لهن لامتثال الأوامر والنواهي. فهذا - ولله المثل الأعلى- كما لو أراد المعلم من تلاميذه أو الوالد من أولاده أن يمتثلوا خلقا","vol":"1","page":315},{"text":"حسنا أو يجتنبوا آخر سيئا؛ فيوجه الخطاب لتلميذه المثالي أو لولده الأكبر قائلا (أنت لست مثلهم)؛ لعلمه أنه في مقام القدوة لهم، فهل يعني ذلك أن غيره من التلاميذ أو الأخوة ليس مطلوب منهم امتثال الخلق الحسن واجتناب السيئ! ومما يشهد لذلك اعتماد أهل العلم على حديث نبهان في القول بمنع سائر النساء من النظر للرجال الأجانب:\nقال ابن حبان في صحيحه (١٢/ ٣٨٧): قال أبو حاتم قوله - ﷺ - أفعمياوان أنتما لفظة استخبار مرادها الزجر عن نظرهما إلى الرجل الذي كف وفيه دليل على أن النساء محرم عليهن النظر إلى الرجال إلا أن يكونوا لهن بمحرم سواء كانوا مكفوفين أو بصراء.\nوقال النووي في شرحه على صحيح مسلم (١٠/ ٩٦): الصحيح الذي عليه جمهور العلماء وأكثر الصحابة أنه يحرم على المرأة النظر إلى الأجنبي كما يحرم عليه النظر إليها لقوله تعالى ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ ولأن الفتنة مشتركة وكما يخاف الافتتان بها تخاف الافتتان به ويدل عليه من السنة حديث نبهان مولى أم سلمة.\nوقال علي القاري في مرقاة المفاتيح (٦/ ٤٤٤): والصحيح الذي عليه الجمهور أنه يحرم على المرأة النظر إلى الأجنبي كما يحرم عليه النظر إليها لقوله تعالى ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ ولحديث أم سلمة (أفعمياوان أنتما).","vol":"1","page":316},{"text":"وقال الشوكاني في نيل الأوطار (٦/ ٢٤٨) ومحمد آبادي في عون المعبود (١١/ ١١٤): وقد استدل بحديث أم سلمة هذا من قال إنه يحرم على المرأة نظر الرجل كما يحرم على الرجل نظر المرأة وهو أحد قول الشافعي وأحمد قال النووي وهو الأصح،\nوقال ابن عبد البر المالكي في التمهيد (١٩/ ١٥٤) والاستذكار (٦/ ١٦٩): ففي هذا الحديث دليل على أنه واجب على المرأة أن تحتجب عن الأعمى ويشهد له ظاهر قول الله تعالى ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ كما قال ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ ويشهد لذلك من طريق الغيرة أن نظرها إليه كنظره إليها.\nوقال الجاوي الحنفي في نهاية الزين (١/ ٤٧): الرجل له ثلاث عورات ... ثالثتها جميع بدنه وشعره حتى قلامة ظفره وهي عورته عند النساء الأجانب فيحرم على المرأة الأجنبية النظر إلى شيء من ذلك ولو علم الشخص أن الأجنبية تنظر إلى شيء من ذلك وجب حجبه عنها، ولسنا نقول إن وجه الرجل في حقها عورة كوجه المرأة في حقه بل هو كوجه الصبي الأمرد في حق الرجل فيحرم النظر عند خوف الفتنة فقط فإن لم تكن فتنة فلا إذ لم يزل الرجال على ممر الزمان مكشوفي الوجوه والنساء يخرجن متنقبات ولو كان وجوه الرجال عورة في حق النساء لأمروا بالتنقيب أو منعوا من الخروج إلا لضرورة.","vol":"1","page":317},{"text":"رابعا: قال الشيخ الألباني بأن من صحح حديث نبهان من الحنابلة المعاصرين فقد خالف الإمام أحمد ومتَّبعيه من الحنابلة الكبار وغيرهم حديثيًا وفقهيًا؛ لأنهم صححوا الحديث وهو عند أحمد وغيره ضعيف معلَّل بالجهالة، ولم يتنبه لها ابن القطان فإن من عادته أن يعلَّ الحديث بمثلها \"\n١ - أما قوله أن من صحح حديث نبهان فقد خالف الإمام أحمد حديثيا؛ لأنه يرى أن الإمام أحمد قال بضعف حديث نبهان؛ وهذا لم يثبت عن الإمام أحمد إلا قوله أن نبهان روى \"حديثين عجيبين\"، ولذلك لم يعلل ابن القطان الحديث بالجهالة!!\n٢ - أما قوله إنهم بتصحيحهم لحديث نبهان قد خالفوا الإمام أحمد فقهيا؛ فهذا قول غير صحيح! إذ إن القول بأنه لا يباح نظر المرأة للرجل؛ هو أحد قولي الإمام أحمد.\nكما جاء في عون المعبود (١١/ ١١٤): وقد استدل بحديث أم سلمة هذا من قال إنه يحرم على المرأة نظر الرجل كما يحرم على الرجل نظر المرأة وهو أحد قول الشافعي وأحمد، قال النووي وهو الأصح.\nقال ابن قدامة الحنبلي في المغني (٧/ ٨١): فأما نظر المرأة إلى الرجل ففيه روايتان إحداهما لها النظر إلى ما ليس بعورة؛ والأخرى لا يجوز لها النظر من الرجل إلا إلى مثل ما ينظر إليه منها، اختاره أبو بكر وهذا أحد قولي الشافعي لما","vol":"1","page":318},{"text":"روى الزهري عن نبهان عن أم سلمة، ولقوله تعالى (وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن).\nوفي المبدع لابن مفلح الحنبلي (٧/ ١١): ويباح للمرأة النظر من الرجل إلى غير العورة نصره في الشرح وغيره لقول النبي - ﷺ - لفاطمة اعتدي في بيت أم مكتوم ... ولأنه لو منعن النظر لوجب على الرجال الحجاب لئلا ينظرن إليهم كما تؤمر النساء به، وعنه لا يباح لها النظر إلا إلى مثل ما ينظر إليه منها قدمه السامري وابن حمدان واختاره أبو بكر لحديث نبهان.\nخامسا: أما ما ذكره الشيخ الألباني من رد بعضهم لحديث نبهان لمخالفته لحديث فاطمة بنت قيس؛ حيث أذن لها رسول الله - ﷺ - أن تعتد عند ابن أم مكتوم الأعمى فالجواب عنه من عدة وجوه:\n١) ليس فيه أن النبي - ﷺ - أذن لفاطمة أن تنظر للرجل الأعمى كما نص على ذلك بعض أهل العلم كالنووي في شرح صحيح مسلم (١٠/ ٩٧):\nوأما حديث فاطمة بنت قيس مع ابن أم مكتوم فليس فيه إذن لها في النظر إليه بل فيه أنها تأمن عنده من نظر غيرها وهي مأمورة بغض بصرها فيمكنها الاحتراز عن النظر بلا مشقة.\nوفي عون المعبود (١١/ ١١٤): واحتجوا أيضا بحديث فاطمة بنت قيس ... ويجاب بأنه يمكن ذلك مع غض البصر منها ولا ملازمة بين الاجتماع في البيت والنظر.","vol":"1","page":319},{"text":"٢) من دفع حديث نبهان بحجة صحة إسناد حديث فاطمة بنت قيس؛ فقد سبق أن بينا من أعلّ حديث فاطمة من أهل العلم وأسقط الاحتجاج به في مناقشة البحث السادس فليرجع إليه.\n٣) أن من احتج بمخالفة حديث نبهان لحديث فاطمة بنت قيس؛ قد غفل عن موافقة حديث نبهان لكتاب الله في موضعين:\nالأول: قوله تعالى ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ فإذا كانت النساء مأمورات في هذه الآية بأن يغضضن من أبصارهن عمن يحل لهم الدخول عليهن في البيوت دون حجاب عنهم - وسيأتي بيان ذلك في مناقشة البحث التاسع - فكيف يقال بإطلاق جواز نظرهن لمن لا يحل له رؤيتهن إلا وهن محتجبات!\nالثاني: قوله تعالى ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ الأحزاب: ٥٣ ففرض وجود الحجاب (الساتر) بين الرجل والمرأة عند المحادثة من قرب في البيوت ونحوها؛ يدل على عدم إطلاق جواز نظر المرأة للرجل، بقرينة في الآية وهي قوله ﴿وَقُلُوبِهِنَّ﴾ فوجود الساتر والحاجز بين الجنسين أحرى لطهارة قلب كل منهما، وزوال هذا الساتر ينفي كمال الطهارة لقلب العين الناظرة - كمن تنظر للرجال وتخالطهم بنقابها - وهذا يبين أن الحجاب المضروب بينهما لمنع كلا الجنسين من النظر للآخر، ولذلك ينبغي أن","vol":"1","page":320},{"text":"تحذر النساء من التهاون بهتك الستار والاختلاط المباشر بالرجال في البيوت وأماكن العمل لأنه يعد تجاوزا لما حدّه الشرع ومخالفة صريحة لكتاب الله.\nقال إمام المفسرين محمد بن جرير الطبري في تفسيره جامع البيان (٢٢/ ٣٩): ﴿فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ يقول من وراء ستر بينكم وبينهن ولا تدخلوا عليهن بيوتهن ﴿ذَلِكُمْ أَطْهَرُ﴾ يقول تعالى ذكره سؤالكم إياهن المتاع إذا سألتموهن ذلك من وراء حجاب أطهر لقلوبكم وقلوبهن من عوارض العين التي تعرض في صدور الرجال من أمر النساء وفي صدور النساء من أمر الرجال وأحرى من ألا يكون للشيطان عليكم وعليهن سبيل.\nفهذا الحكم عام لجميع النساء كما بيناه مستوفيا في مناقشة البحث الثاني فليرجع إليه.\nسادسا: أما من احتج بمخالفة حديث نبهان لحديث عائشة ﵂ قالت (رأيت رسول الله - ﷺ - يسترني بردائه وأنا أنظر إلى الحبشة وهم يلعبون) (^١)\n\nفالجواب عليه بعد أن يقال أن هذا الحديث يعد من أدلة وجوب تغطية الوجه، أن الاحتجاج به على إطلاق جواز<span data-type=\"title\" id=toc-82> نظر المرأة للرجال الأجانب </span>لا يصح لما يأتي:\n١) أن من أذن رسول الله - ﷺ - لعائشة أن تنظر إليهم كانوا من العبيد الذين لا يحتجب منهم، فلا يقاس جواز النظر إليهم بجواز النظر إلى الأحرار.\n_________\n(^١) صحيح البخاري ٥/ ٢٠٠٦ (٤٩٣٨) صحيح مسلم ٢/ ٦٠٩ (٨٩٢).","vol":"1","page":321},{"text":"يشهد لذلك قول الرسول - ﷺ - لهم (يا بني أرفدة) قال ابن حجر في الفتح (٢/ ٤٤٤): قيل هو لقب للحبشة. . . وقيل المعنى يا بني الإماء.\nولذلك بوب البخاري لهذا الحديث بقوله (باب نظر المرأة إلى الحبش ونحوهم من غير ريبة) فقيّد جواز النظر بالحبشة ومن نحوهم من العبيد ولم يطلق بناء عليه جواز نظرها للرجال الأحرار الأجانب.\nقال ابن عبد البر في التمهيد (١٩/ ١٥٧): وأما الفرق بين ميمونة وأم سلمة، وبين عائشة إذ اباح لها النظر إلى الحبشة؛ فإن عائشة كانت ذلك الوقت والله أعلم غير بالغة ... ويجوز أن يكون قبل ضرب الحجاب (^١) مع ما في النظر إلى السودان مما تقتحمه العيون.\n_________\n(^١) تعقب الحافظ ابن حجر هذا واحتج به الشيخ الألباني فقال (إن الحافظ ابن حجر قد أبطل هذه الأقوال، فأثبت أن ذلك كان بعد بلوغ عائشة ﵂ بسنين) مما يوهم أن ابن حجر يرى إطلاق جواز نظر المرأة للرجل! والصحيح ابن حجر أبطل كونه قبل الحجاب ولكنه أراد بذلك ترجيح قول من قال إنها إنما كانت تنظر إلى لعبهم لا إلى وجوههم كما سيأتي:\nقال ابن حجر في فتح الباري (٢/ ٤٤٥): قولها يسترني بردائه؛ دال على أن ذلك كان بعد نزول الحجاب وكذا قولها أحببت أن يبلغ النساء مقامه لي مشعر بأن ذلك وقع بعد أن صارت لها ضرائر أرادت الفخر عليهن، فالظاهر أن ذلك وقع بعد بلوغها وقد تقدم من رواية بن حبان أن ذلك وقع لما قدم وفد الحبشة وكان قدومهم سنة سبع فيكون عمرها حينئذ خمس عشرة سنة. .. قال عياض وفيه جواز نظر النساء إلى فعل الرجال الأجانب لأنه إنما يكره لهن النظر إلى المحاسن والاستلذاذ بذلك، ومن تراجم البخاري عليه باب نظر المرأة إلى الحبش ونحوهم من غير ريبة، وقال النووي أما النظر بشهوة وعند خشية الفتنة فحرام اتفاقا وأما بغير شهوة فالأصح أنه محرم وأجاب عن هذا الحديث بأنه يحتمل أن يكون ذلك قبل بلوغ عائشة وهذا قد تقدمت الإشارة إلى ما فيه قال أو كانت تنظر إلى لعبهم بحرابهم لا إلى وجوههم وأبدانهم وإن وقع بلا قصد أمكن أن تصرفه في الحال انتهى.","vol":"1","page":322},{"text":"٢) أن هؤلاء الحبش الذين أذن رسول الله - ﷺ - لعائشة أن تنظر إليهم؛ كانوا صبيانا ليسوا بالغين، كما قال العيني في عمدة القاري (٢٠/ ٢١٧): وأما المعارضة فلا نقول بها؛ بل نقول إن عائشة إذ ذاك كانت صغيرة فلا حرج عليها في النظر إليهم ... أو نقول إن الحبشة كانوا صبيانا ليسوا بالغين.\n٣) أن هناك فرق بين النظر لرجل من قرب وتأمله، وبين النظر من بُعد لسودان يلعبون بحرابهم كما في الحديث (وكان يوم عيد يلعب السودان بالدرق والحراب) (^١) ولذلك بوب النسائي للحديث في سننه الكبرى (١/ ٥٥٣) بقوله (نظر النساء إلى اللعب) ولم يقل إلى الرجال!\n- وقال القاضي عياض: وفيه جواز نظر النساء إلى فعل الرجال، مثل هذا، لأنه إنما يكره لهن من النظر إلى الرجال ما يكره للرجال فيهن من تحديق النظر لتأمل المحاسن، والالتذاذ بذلك، والتمتع به (^٢).\n- قال النووي في شرحه على صحيح مسلم (٦/ ١٨٤): وفيه جواز نظر النساء إلى لعب الرجال من غير نظر إلى نفس البدن وأما نظر المرأة إلى وجه الرجل الأجنبي فإن كان بشهوة فحرام بالاتفاق وان كان بغير شهوة ولا مخافة فتنة ففي جوازه وجهان لأصحابنا أصحهما تحريمه لقوله تعالى ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ ولقوله - ﷺ - لأم سلمة وأم حبيبة احتجبا عنه أي عن ابن أم\n_________\n(^١) صحيح البخاري ١/ ٣٢٣ (٩٠٧).\n(^٢) إكمال المعلم بفوائد مسلم ٣/ ٣٠٩.","vol":"1","page":323},{"text":"مكتوم ... وهو حديث حسن رواه الترمذي وغيره وقال هو حديث حسن وعلى هذا أجابوا عن حديث عائشة بجوابين وأقواهما أنه ليس فيه أنها نظرت إلى وجوههم وأبدانهم وإنما نظرت لعبهم وحرابهم ولا يلزم من ذلك تعمد النظر إلى البدن وإن وقع النظر بلا قصد صرفته في الحال والثاني لعل هذا كان قبل نزول الآية في تحريم النظر.\n- قال الشوكاني في السيل الجرار (٤/ ١٣١): وقد استدل لجواز نظر النساء إلى الرجال بما ثبت في الصحيح من أنه - ﷺ - أذن لعائشة أن تنظر إلى لعب الحبشة في المسجد ويجاب عنه بأنه لا تلازم بين النظر إلى وجوههم والنظر إلى لعبهم فإن اللعب هو الحركات الصادرة منهم من تقليب حرابهم بأيديهم وحركة أبدانهم. (^١)\nفالذي يتحقق من مجموع الأدلة أن نظر المرأة للرجل الأجنبي على قسمين:\n_________\n(^١) وما نقلناه عن هؤلاء الأعلام ومنهم أئمة في التفسير والحديث والفقه؛ يبين خطأ الشيخ الألباني في أنكاره لهذا القول على مخالفيه بقوله: (ثم تكلّفوا في رد أدلة المجيزين للنظر بدون ريبة. . . فقد عطَّلوا دلالاتها بقولهم\" ليس في الحديث أنها نظرت إلى وجوههم وأبدانهم، وإنما نظرت إلى لعبهم\"! فأقول: يكفي القارئ الكريم أن يتصوَّر هذا الجواب ليظهر له بطلانه، إذ لا يمكن الفصل بين النظر إلى الصفة وهو اللعب، وبين الموصوف وهو اللاعب، فكانت عائشة تنظر في زعمهم إلى اللعب دون اللاعب! هكذا فلتعطل النصوص! ولو أنهم قالوا: لم تنظر إلى عورة، أو لم تنظر إليهم بنظرة مريبة، أو بخشية الفتنة، لأصابوا).","vol":"1","page":324},{"text":"١) النظر العابر أو من بُعد، كرؤية المرأة للرجال في الطريق، ومنه حديث عائشة ونظرها إلى الحبش وهم يلعبون، وهذا هو الذي يظهر فيه الفرق بين الرجال والنساء في جواز النظر.\n٢) إدامة النظر للرجل من قُرب وتأمله فهذا الذي يمنع منه لأنه مظنة الفتنة، وهو الذي جاء النهي عنه في صريح القرآن ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ ومنع منه النبي - ﷺ - كما في حديث نبهان، وهو المراد من قول من منع المرأة من النظر للرجل من الفقهاء.\nقال ابن أبي حاتم في تفسيره (٣/ ٣٨٠): كما لا يحل للرجل أن ينظر إلى المرأة؛ فكذلك لا يحل للمرأة أن تنظر إلى الرجل، فإن علاقته بها كعلاقتها بهن وقصده منها كقصدها منه.\nقال ابن حجر الهيتمي في الفتاوى الفقهية الكبرى (١/ ٢٠٢): وفي الأنوار في آخر كتاب الجهاد: المنكرات المألوفة أنواع؛ الأول: منكرات المساجد، قال: ولو كان الواعظ شابا متزينا كثِير الأشعار والحركات والإشارات وقد حضر مجلسه النساء وجب المنع فإن فساده أكثر من صلاحه بل ينبغي أن لا يسلم الوعظ إلا لمن ظاهره الورع وهيئته السكينة والوقار وزيُّه زيُّ الصالحين، وإلا فلا يزداد الناس به إلا تماديا في الضلال، فيجب أن يضرب بين الرجال والنساء حائل يمنع من النظر فإنه مظنة الفساد، ويجب منع النساء من حضور المساجد للصلاة ولمجالس الذكر إذا خيفت الفتنة اهـ. . . وفي المهذب في باب صلاة الجمعة:","vol":"1","page":325},{"text":"ولأنها أي المرأة لا تختلط بالرجال وذلك لا يجوز فتأمله تجده صريحا في حرمة الاختلاط وهو كذلك لأنه مظنة الفتنة.\n* قال الشيخ الألباني: فهذه أحاديث خمسة من الأحاديث الضعيفة التي يتداولها أكثر المؤلفين في تحريم وجه المرأة وكفيّها، وهم يختلفون في الإكثار والإقلال منها حسب توسع أحدهم في الموضوع وما يتصل به ... منها الضعيف، والمنكر جدًّا، والموضوع. ومن المفيد أن أقدم إلى القراء الكرام نماذج منها، دون الكلام على أسانيدها مكتفيًا بالإحالة إلى كتابي الذي خرجته فيه وتكلمت عليه مفصلًا. اهـ\n١ - وسبق أن بينَا ما احتج به الشيخ الألباني في كتابه الجلباب من الأحاديث والآثار بما فيها من الضعف والنكارة!\n٢ - هذه الآثار ليست أصلا يعتمد عليه في إيجاب تغطية الوجه! لأن فيما صح غنية عنها، ولذلك لا فائدة من ذكرنا لها، ولكن سنذكر مثالا واحدا مما أنكر الشيخ الألباني على مخالفيه الاستشهاد به فقال: \"وإليك مثالًا فيه تجلبب حفصة بعدما طلقها - ﷺ -، وإسناده ليس بصحيح، فقد أعلّه ابن عبد البر والحافظ بالإرسال\" اهـ وهو قد استشهد بهذا الحديث في كتابه جلباب المرأة (ص: ٨٦) فقال: (الجلباب لستر زينة المرأة عن الأجانب سواء خرجت إليهم أو دخلوا عليها فلا بد على كل حال من أن تتجلبب ويؤيد هذا ما قاله قيس بن زيد \"أن رسول الله - ﷺ - طلق حفصة بنت عمر ... فجاء رسول الله - ﷺ - فدخل عليها فتجلببت فقال رسول الله - ﷺ -: إن جبريل أتاني فقال لي: أرجع حفصة فإنها","vol":"1","page":326},{"text":"صوامة قوامة وهي زوجتك في الجنة\" وهذا إسناد رجاله كلهم ثقات رجال مسلم غير قيس بن زيد مختلف في صحبته، قال ابن عبد البر: \"يقال: إن حديثه مرسل له صحبة\" وقال الهيثمي \"٩/ ٢٤٥\": \"رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح\"، وأخرجه الحاكم وذكر له شاهدا من حديث أنس، فيتقوى به إن شاء الله، لكن ليس فيه ذكر \"التجلبب\"، ورواه ابن سعد مختصرا بسند صحيح). اهـ\nكان هذا ما ذكره الشيخ الألباني مما استشهد به مخالفوه وذيّله بما استشهد به بعضهم مما هو ليس نصا في تغطية الوجه؛ وإنما هو مما يستأنس به من تحذير الرجال من فتنة النساء؛ ولم يذكر الصحيح مما استدلوا به مما يقتضي وجوب تغطية الوجه كما سيأتي بيانه.","vol":"1","page":327},{"text":"ــ::<span data-type=\"title\" id=toc-83> الأدلة التي تشهد أن الحجاب المفروض على النساء الحرائر يقتضي تغطية الوجه::</span> ــ\n(١) قول الرسول - ﷺ - \"المرأة عورة\" دون استثناء للوجه ولا لغيره، ولا خلاف في أن ستر العورة واجب. وهذا الحديث مما لم يتطرق له الشيخ الألباني بذكر في أي من كتابيه - الجلباب والرد المفحم- مع صحة إسناده!\n-عن عبد الله بن عمر - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال\" المرأة عورة فإذا خرجت استشرفها الشيطان\" (^١)\n- عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام - وهو من التابعين ومن الفقهاء السبعة الذين انتهى إليهم العلم في المدينة - قال: كل شيء من المرأة عورة حتى ظفرها. (^٢)\n- قال المباركفوري في تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي (٤/ ٢٨٣): قوله (المرأة عورة) قال في مجمع البحار: جعل المرأة نفسها عورة لأنها إذا ظهرت يُستحى منها كما يُستحى من العورة إذا ظهرت والعورة السوأة وكل ما يستحي منه إذا ظهر. وقيل إنها ذات عورة (فإذا خرجت استشرفها الشيطان) أي زينها في نظر الرجال ... والمعنى؛ أن المرأة يستقبح بروزها وظهورها فإذا خرجت أمعن النظر إليها ليغويها بغيرها ويغوي غيرها بها ليوقعهما أو أحدهما في الفتنة.\n_________\n(^١) الترمذي (١١٧٣) الطبراني في المعجم الأوسط ٨/ ١٠١ (٨٠٩٦) وصححه الألباني في إرواء الغليل ١/ ٣٠٣.\n(^٢) مصنف ابن أبي شيبة (١٧٧١٢) وإسناده صحيح.","vol":"1","page":328},{"text":"- وقال المنذري في الترغيب والترهيب (١/ ١٤٢): قوله فيستشرفها الشيطان أي ينتصب ويرفع بصره إليها ويهم بها لأنها قد تعاطت سببا من أسباب تسلطه عليها وهو خروجها من بيتها.\n(٢) أمر النساء بالقرار في البيوت وعدم الإذن لهن بالخروج إلا لحاجة:\nقال تعالى ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ الأحزاب: ٣٣\n- قال أبو بكر الجصاص (ت ٣٧٠ هـ) في أحكام القرآن (٥/ ٢٢٩): وفيه الدلالة على أن النساء مأمورات بلزوم البيوت منهيات عن الخروج.\n- قال ابن الجوزي في زاد المسير (٦/ ٣٧٩): قال المفسرون ومعنى الآية الأمر لهن بالتوقر والسكون في بيوتهن وألا يخرجن.\n- قال القرطبي في تفسيره (١٤/ ١٧٩): معنى هذه الآية الأمر بلزوم البيت وإن كان الخطاب لنساء النبي - ﷺ - فقد دخل غيرهن فيه بالمعنى، هذا لو لم يرد دليل يخص جميع النساء؛ كيف والشريعة طافحة بلزوم النساء بيوتهن والانكفاف عن الخروج منها إلا لضرورة.\n- قال ابن كثير في تفسيره (٣/ ٤٨٣): أي الزمن بيوتكن فلا تخرجن لغير حاجة، ومن الحوائج الشرعية الصلاة في المسجد بشرطه.","vol":"1","page":329},{"text":"- قال الألوسي في تفسيره روح المعاني (٢٢/ ٦): والمراد أمرهن رضي الله تعالى عنهن بملازمة البيوت وهو أمر مطلوب من سائر النساء.\n* فلم يؤذن للنساء في الخروج على عهد رسول الله - ﷺ - إلا لقضاء الحاجة -من البراز - أو للصلاة. ثم إنه كما قال ابن حجر في الفتح (١/ ٢٥٠): خروج النساء للبراز (^١) لم يستمر، بل اتخذت الأخلية في البيوت فاستغنين عن الخروج إلا للضرورة.\n- وعن عبد الله بن مسعود قال\" إنما النساء عورة، وإن المرأة لتخرج من بيتها وما بها من بأس، فيستشرفها الشيطان فيقول إنك لا تمرين بأحد إلا أعجبتيه، وأن المرأة لتلبس ثيابها، فيقال أين تريدين؟ فتقول أعود مريضا أو أشهد جنازة أو أصلي في مسجد، وما عبدت امرأة ربها مثل أن تعبده في بيتها\" (^٢) اهـ\nوجاء في الفواكه الدواني (٢/ ٣١٣): النساء على ثلاثة أقسام شابة غير مخشية الفتنة ومن في حكمها فهذه لا تخرج إلا لصلاة الفرض في المسجد أو لجنازة من تتأثر بموته كما قال المصنف، ومتجالة -المرأة العجوز-لا رغبة للرجال فيها وهذه تخرج لكل شيء وشابة يخشى الافتتان بها فهذه لا تخرج أصلا. اهـ\n_________\n(^١) البراز: كناية عن الغائط ..\n(^٢) المعجم الكبير للطبراني ٩/ ١٨٥ (٨٩١٤) صححه الألباني في صحيح الترغيب (٣٤٨).","vol":"1","page":330},{"text":"* وما أوجب الله نفقتها على وليّها وأعفاها من الجمع والجماعات إلا قطعا لأسباب الخروج. بل إنه لم يرخص لهن الخروج للصلاة في المساجد إلا ليلا؛ وقتي العشاء والفجر (^١):\n- قال النبي - ﷺ - \"إذا استأذنكم نساؤكم بالليل إلى المسجد فأذنوا لهن\" (^٢) وقال \"لا تمنعوا النساء من الخروج إلى المساجد بالليل\" (^٣) وقال \"ائذنوا للنساء بالليل إلى المساجد\" (^٤)\n- وعن عائشة ﵂ قالت\" كن نساء المؤمنات يشهدن مع رسول الله - ﷺ - صلاة الفجر متلفعات بمروطهن ثم ينقلبن إلى بيوتهن حين يقضين الصلاة لا يعرفهن أحد من الغلس\" (^٥)\n- قال ابن عبد البر في التمهيد (٢٣/ ٣٩٥): إنما أذن لهن مشاهدة الصلوات بالليل لا بالنهار، وقال مع ذلك وبيوتهن خير لهن.\n- قال ابن حجر (٢/ ٣٤٧): كان اختصاص الليل بذلك لكونه أستر وأخفى.\n_________\n(^١) إلا ما شرع لهن من الخروج نهارًا لصلاة العيدين ليشهدن الخير ودعوة المسلمين كما صح ذلك عن رسول الله - ﷺ -.\n(^٢) صحيح البخاري ١/ ٢٩٥ (٨٢٧) صحيح مسلم ١/ ٣٢٧ (٤٤٢)\n(^٣) صحيح مسلم ١/ ٣٢٧ (٤٤٢)\n(^٤) صحيح البخاري ١/ ٣٠٥ (٨٥٧) صحيح مسلم ١/ ٣٢٧ (٤٤٢)\n(^٥) صحيح البخاري ١/ ٢١٠ (٥٥٣) صحيح مسلم ١/ ٤٤٦ (٦٤٥).","vol":"1","page":331},{"text":"* ومع ذلك لم يطلق لهن الإذن بالخروج ولكن قُيّد بضوابط وشروط:\n(٣) أمرهن بإدناء الجلباب على وجوههن عند الخروج وهو الأصل الذي يستند عليه في وجوب تغطية الوجه: قال تعالى ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ وقد أجمع المفسرون وفيهم أئمة في الفقه واللغة - كما أسلفنا في مناقشة البحث الأول- على أن المراد بهذا الأمر: وجوب تغطية الوجه على الحرائر من نساء المسلمين، وعليه جرى العمل من نساء هذه الأمة يشهد لذلك الآثار الآتية:\n- عن أم سلمة ﵂ قالت \"لما نزلت هذه الآية ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ خرج نساء الأنصار كأن على رؤوسهن الغربان من الأكسية\" وفي رواية \"من أكسية سود يلبسنها\" (^١).\n- عن عائشة ﵂ قالت (رحم الله تعالى نساء الأنصار لما نزلت ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ﴾ الآية شققن مروطهن فاعتجرن بها فصلين خلف رسول الله - ﷺ - كأنما على رؤوسهن الغربان) (^٢) وسبق أن بينا في مناقشة البحث الرابع أن الاعتجار يعني تغطية الوجه.\n_________\n(^١) سنن أبي داود (٤١٠١) وصححه الألباني في صحيح أبي داود ٤/ ٦١.\n(^٢) أخرجه ابن مردويه كما في الدر المنثور للسيوطي ٦/ ٦٦٠.","vol":"1","page":332},{"text":"- قال ابن عباس: \" أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن ويبدين عينًا واحدة\" (^١)\n- وعبيدة السلماني لما سئل عن قوله ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ فتقنع بردائه فغطى أنفه وعينه اليسرى وأخرج عينه اليمنى وأدنى رداءه من فوق حتى جعله قريبا من حاجبه أو على الحاجب. (^٢)\n- وقال قتادة (أخذ الله عليهن إذا خرجن أن يقنعن على الحواجب) (^٣)\n- وقال سعيد بن جبير: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ يسدلن عليهن من جلابيبهن وهو القناع فوق الخمار) (^٤)\n- وعندما اصطفى النبي - ﷺ - لنفسه صفية بنت حيي من سبي خيبر (فلما ارتحل وطَّى لها خَلْفه ومدَّ الحجاب بينها وبين الناس) وفي رواية (وجعل رداءه على ظهرها ووجهها) (^٥).\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٢٢/ ٤٥ حسن إسناده الدكتور حكمت بن بشير بن ياسين في الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور ٣/ ٤٦٤.\n(^٢) تفسير الطبري ٢٢/ ٤٦ صحح إسناده الدكتور حكمت بن بشير بن ياسين في الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور ٣/ ٤٦٤.\n(^٣) تفسير الطبري ٢٢/ ٤٦. صحح الألباني إسناده في الرد المفحم /٥٢.\n(^٤) تفسير ابن أبي حاتم ١٠/ ٣١٥٥.\n(^٥) صحيح البخاري ٥/ ١٩٥٦ (٤٧٩٧) والرواية الأخرى لابن سعد ٨/ ٨٦ وقد صححها الألباني في جلباب المرأة/١٠٧.","vol":"1","page":333},{"text":"- وكما في حديث عائشة ﵂ قالت (رأيت النبي - ﷺ - يسترني بردائه وأنا أنظر إلى الحبشة يلعبون في المسجد). (^١)\n- وقالت عائشة ﵂ (كن نساء المؤمنات يشهدن مع رسول الله - ﷺ - صلاة الفجر متلفعات بمروطهن) (^٢) وسبق أن بينا في جوابنا عن الحديث الرابع في مناقشة البحث السادس أن التلفع يعني تغطية الوجه.\n- وقالت عائشة ﵂ في حادثة الإفك (فخمرت وجهي عنه بجلبابي) (^٣)\n- وقالت عائشة ﵂ لما خرج رسول الله - ﷺ - ليلا ليستغفر لأهل البقيع (اختمرت وتقنعت إزاري ثم انطلقت على إثره) (^٤) وسبق أن بينا في مناقشة البحث الرابع أن التقنع يعني تغطية الوجه.\n- قالت أسماء بنت أبي بكر الصديق ﵂ (كنا نغطي وجوهنا من الرجال، وكنا نمتشط قبل ذلك في الإحرام) (^٥)\n_________\n(^١) صحيح البخاري ٥/ ٢٠٠٦ (٤٩٣٨) صحيح مسلم ٢/ ٦٠٨ (٨٩٢)\n(^٢) صحيح البخاري ١/ ٢١٠ (٥٥٣) صحيح مسلم ١/ ٤٤٦ (٦٤٥).\n(^٣) صحيح البخاري ٤/ ١٧٧٤ (٤٤٧٣) صحيح مسلم ٤/ ٢١٢٩ (٢٧٧٠).\n(^٤) صحيح مسلم ٢/ ٦٦٩ (٩٧٤).\n(^٥) صحيح ابن خزيمة ٤/ ٢٠٣ (٢٦٩٠) المستدرك على الصحيحين ١/ ٦٢٤ (١٦٦٨) وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، وصححه الألباني في إرواء الغليل ٤/ ٢١٢.","vol":"1","page":334},{"text":"- وقالت أسماء ﵂: (خسفت الشمس على عهد رسول الله - ﷺ - فسمعت رجة الناس وهم يقولون آية ... فخرجت متلفعة بقطيفة للزبير حتى دخلت على عائشة) (^١)\n- وقالت فاطمة بنت المنذر: (كنا نخمر وجوهنا ونحن محرمات) (^٢).\n- قال عاصم الأحول (كنا ندخل على حفصة بنت سيرين وقد جعلت الجلباب هكذا؛ وتنقبت به). (^٣)\n- وجاءت امرأة إلى سمرة بن جندب - ﵁ - ... قال وجاءت المرأة متقنعة) (^٤)\n- وقالت زينب امرأة عبد الله بن مسعود: كانت عجوز تدخل علينا ... وكان عبد الله إذا دخل تنحنح وصوت فدخل يوما فلما سمعت صوته احتجبت منه. (^٥)\n_________\n(^١) صحيح البخاري ١/ ٣٥٨ (١٠٠٥) مسند أحمد ٦/ ٣٥٤ والسياق له، قال الهيثمي في مجمع الزوائد ١٠/ ٤٠٥: رجاله ثقات. وسبق أن بينا في الجواب عن الحديث الرابع في مناقشة البحث السادس أن التلفع يعني تغطية الوجه.\n(^٢) موطأ مالك ١/ ٣٢٨ (٧١٨) صححه الألباني في إرواء الغليل ٤/ ٢١٢.\n(^٣) سنن البيهقي الكبرى ٧/ ٩٣ (١٣٣١٢) صححه الألباني في جلباب المرأة /١١٠.\n(^٤) البيهقي في السنن الكبرى ٧/ ٢٢٨ حسنه الألباني في جلباب المرأة /١٠٣.\n(^٥) سنن ابن ماجه ٢/ ١١٦٦ (٣٥٣٠) صححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه ٢/ ١١٦٦.","vol":"1","page":335},{"text":"ومن الضوابط والشروط التي قُيّد بها جواز خروج المرأة:\n(٤) أمرهن بأن يبالغن في تسترهن بإرخاء ذيول جلابيبهن لستر أقدامهن:\n- قال النبي - ﷺ - (من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة) فقالت أم سلمة فكيف يصنعن النساء بذيولهن قال\" يرخين شبرا\" فقالت إذا تنكشف أقدامهن قال\" فيرخينه ذراعا لا يزدن عليه\" (^١) وفي رواية عن أم سلمة ﵂ قالت: سئل رسول الله - ﷺ - كم تجر المرأة من ذيلها؟ قال شبرا. قالت: إذا ينكشف عنها. قال: ذراع لا تزيد عليها. (^٢) قال البيهقي في سننه الكبرى (٢/ ٢٣٣): وفي هذا دليل على وجوب ستر قدميها\" (^٣)\nقال ابن حجر في الفتح (١٠/ ٢٥٩): فهمت أم سلمة الزجر عن الإسبال فسألت عن حكم النساء في ذلك لاحتياجهن إلى الإسبال من أجل ستر العورة لأن جميع قدمها عورة\".\nينبني على ذلك أنه من المستبعد أن يأمر الشارع الحكيم أن تبالغ المرأة في ستر قدميها أمام الرجال الأجانب ويبيح لها أن تكشف وجهها وهو أعظم فتنة من الأقدام!!\n_________\n(^١) جامع الترمذي ٤/ ٢٢٣ (١٧٣١) سنن النسائي الكبرى ٥/ ٤٩٤ (٩٧٣٥) صححه الألباني في صحيح سنن النسائي ٨/ ٢٠٩ (٥٣٣٦).\n(^٢) سنن النسائي الكبرى (٩٧٤٢) سنن ابن ماجة (٣٥٨٠) وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي ٨/ ٢٠٩ (٥٣٣٩)\n(^٣) وذكر نحوه ابن قدامة في المغني ١/ ٣٤٩. والشوكاني في نيل الأوطار (٢/ ٥٩).","vol":"1","page":336},{"text":"(٥) اشتراط عدم خروجهن بالطيب والزينة:\nقال النبي - ﷺ - \" أيما امرأة استعطرت فمرت على قوم ليجدوا من ريحها فهي زانية\" (^١) قال بن دقيق العيد: ويلحق بالطيب ما في معناه لأن سبب المنع منه ما فيه من تحريك داعية الشهوة كحسن الملبس والحلي الذي يظهر والزينة الفاخرة وكذا الاختلاط بالرجال. (^٢)\nقال ابن حزم في المحلى (١٠/ ٤٠): مسألة ولا يحل للمرأة التبرج ولا التزين للخروج إذا خرجن لحاجة قال الله ﷿ ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ الأحزاب: ٣٣ وقد ذكرنا في كتاب الصلاة أمر النبي - ﷺ - إذا خرج النساء إلى الصلاة أن يخرجن تفلات.\n- قال - ﷺ - \" لا تمنعوا إماء الله مساجد الله ولكن ليخرجن وهن تفلات\" (^٣)\n- وصح عن زينب امرأة عبد الله قالت قال لنا رسول الله - ﷺ - \" إذا شهدت إحداكن المسجد فلا تمسَّ طيبا\" (^٤).\n_________\n(^١) سنن النسائي الكبرى ٥/ ٤٣٠ (٩٤٢٢) صحيح ابن خزيمة ٣/ ٩١ (١٦٨١) صحيح ابن حبان ١٠/ ٢٧٠ (٤٤٢٤) وصحح الألباني إسناده. في غاية المرام حديث رقم (٨٤).\n(^٢) انظر فتح الباري ٢/ ٣٤٩.\n(^٣) مسند أحمد بن حنبل ٢/ ٤٣٨ (٩٦٤٣) سنن أبي داود ١/ ١٥٥ (٥٦٥) صححه الألباني في صحيح الجامع (٧٤٥٧).\n(^٤) صحيح مسلم ١/ ٣٢٨ (٤٤٣).","vol":"1","page":337},{"text":"- وقال - ﷺ - \" أيما امرأة أصابت بخورا فلا تشهد معنا العشاء الآخر\" (^١) وقال\" إذا شهدت إحداكن العشاء فلا تطيب تلك الليلة\" (^٢)\nفإذا كان هذا في ظلمة الليل وهي خارجة للمسجد، فكيف يجب أن يكون حال من كان خروجها نهارا ولغير المساجد؟!\nقال الشيخ الألباني في جلباب المرأة /١٣٩: فإذا كان ذلك حراما على مريدة المسجد فماذا يكون الحكم على مريدة السوق والأزقة والشوارع؟ لا شك أنه أشد حرمة وأكبر إثما وقد ذكر الهيتمي في (الزواجر) (٢/ ٣٧) أن خروج المرأة من بيتها متعطرة متزينة من الكبائر ولو أذن لها زوجها. ثم إن هذه الأحاديث عامة تشمل جميع الأوقات وإنما خص بالذكر العشاء الآخرة لأن الفتنة وقتها أشد فلا يتوهمن منه أن خروجها في غير هذا الوقت جائز.\n(٦) اشتراط عدم اختلاطهن بالرجال في الطرقات، فمنع الاختلاط في غيرها من باب أولى:\n- عن أبي أسيد الأنصاري أنه سمع سول الله - ﷺ - وهو خارج من المسجد فاختلط الرجال مع النساء في الطريق فقال رسول الله - ﷺ - \" استأخرن فليس لكن أن\n_________\n(^١) صحيح مسلم ١/ ٣٢٨ (٤٤٤).\n(^٢) صحيح مسلم ١/ ٣٢٨ (٤٤٣).","vol":"1","page":338},{"text":"تحققن الطريق (^١)، عليكن بحافَّات الطريق\" فكانت المرأة تلصق بالجدار حتى إن ثوبها ليتعلق بالجدار من لصوقها به\" (^٢)\n- عن أبى هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ - \" ليس للنساء وسط الطريق\" (^٣)\n- عن أم سلمة ﵂ \" أن النساء في عهد رسول الله - ﷺ - كن إذا سلَّمن من المكتوبة قُمْنَ وثبت رسول الله - ﷺ - ومن صلى من الرجال ما شاء الله، فإذا قام رسول الله - ﷺ - قام الرجال\" (^٤) قال الزهري نرى والله أعلم أن ذلك كان لكي ينصرف النساء قبل أن يدركهن أحد من الرجال. (^٥) وفي رواية قالت\" كان يسلم فينصرف النساء فيدخلن بيوتهن من قبل أن ينصرف رسول الله - ﷺ - \" (^٦)\nقال ابن حجر في فتح الباري (٢/ ٣٣٦): وفيه اجتناب مواضع التهم وكراهة مخالطة الرجال للنساء في الطرقات فضلا عن البيوت.\n* ومع تلك القيود كلها جعلت صلاتهن في بيوتهن خير لهن كما قال الرسول - ﷺ - \" لا تمنعوا نساءكم المساجد وبيوتهن خير لهن\" (^٧).\n_________\n(^١) تحققن: أي تمشين في حاق الطريق وهو الوسط.\n(^٢) سنن أبي داود ٤/ ٣٦٩ (٥٢٧٢) حسنه الألباني في صحيح الجامع حديث رقم (٩٢٩). .\n(^٣) صحيح ابن حبان ١٢/ ٤١٥ (٥٦٠١) حسنه الألباني في صحيح الجامع حديث رقم (٥٤٢٥).\n(^٤) صحيح البخاري ١/ ٢٩٥ (٨٢٨)\n(^٥) صحيح البخاري ١/ ٢٩٦.\n(^٦) صحيح البخاري ١/ ٢٩٠ (٨١٢).\n(^٧) سنن أبي داود ١/ ١٥٥ (٥٦٧) صححه الألباني في صحيح الجامع. حديث رقم (٧٤٥٨).","vol":"1","page":339},{"text":"* ولعدم تقيّد النساء بعد ذلك بما سبق اشتراطه لهن عند الخروج على عهد رسول الله - ﷺ -؛ كُره لهن بعد ذلك الصلاة في المساجد كما قالت عائشة ﵂: \" لو أن رسول الله - ﷺ - رأى ما أحدث النساء لمنعهن المسجد (^١) كما منعت نساء بني إسرائيل\" (^٢)\nقال الشوكاني في نيل الأوطار (٣/ ١٦٢): تريد ما اتخذن من حسن الملابس والطيب والزينة. كماصح عن ابن مسعود كان يحصب النساء يخرجهن من المسجد يوم الجمعة ويقول \"صلين في بيوتكن\" وفي رواية \" أخرجن إلى بيوتكن خير لكن\". (^٣)\nولذلك كره جماعة من السلف خروج المرأة إلى العيدين:\n- قال الثوري: أكره اليوم للنساء الخروج إلى العيدين، وقال ليس للمرأة خير من بيتها وإن كانت عجوزا. (^٤)\n- قال ابن المبارك: أكره اليوم للنساء الخروج في العيدين، فإن أبت المرأة إلا أن تخرج فليأذن لها زوجها أن تخرج في أطمارها ولا تتزين، فإن أبت أن تخرج كذلك فللزوج أن يمنعها من ذلك. (^٥)\n_________\n(^١) فيه أن أكثر خروجهن كان للمسجد.\n(^٢) صحيح البخاري ١/ ٢٩٦ (٨٣١) صحيح مسلم ١/ ٣٢٩ (٤٤٥).\n(^٣) مصنف ابن أبي شيبة (٧٦١٧) بإسناد صحيح، ورواه الطبراني في الكبير (٩٤٧٥) وقال الهيثمي رجاله موثقون.\n(^٤) من التمهيد لابن عبد البر ٢٣/ ٤٠٢.\n(^٥) المصدر السابق.","vol":"1","page":340},{"text":"- قال ابن رجب الحنبلي في فتح الباري في شرح صحيح البخاري (٥/ ٣٠٩): قال الإمام أحمد: \" أكره خروجهن في الزمان لأنهن فتنة \" وعن أبي حنيفة رواية \" لا يخرجن إلا للعيدين خاصة \" وروى أبو إسحاق عن الحارث عن علي قال: \"حقٌ على كل ذات نطاق أن تخرج للعيدين\" ولم يكن يرخص لهن في شيء من الخروج إلا في العيدين. ومنهم من رخص فيه للعجائز دون الشواب، وهو قول مالك والشافعي وأبي يوسف ومحمد، وطائفة من أصحابنا أو أكثرهم. اهـ\nفانظر رحمك الله أقوال الأئمة لوجود بعض الفتنة بها وهي خارجة تتعبد الله في المسجد فكيف يقال بجواز خروجها مطلقا لغير المساجد؟!\n* قال الإمام ابن الجوزي في أحكام النساء/٣٩: ينبغي للمرأة أن تحذر من الخروج مهما أمكنها، إن سلمت في نفسها لم يسلم الناس منها، فإذا اضطرت إلى الخروج خرجت بإذن زوجها في هيئة رثة، وجعلت طريقها في المواضع الخالية دون الشوارع والأسواق، واحترزت من سماع صوتها، ومشت في جانب الطريق لا في وسطه.\n* قال الإمام الذهبي في الكبائر (١/ ١٧٦ - ١٧٧): وقال النبي - ﷺ - (اطلعت في النار فرأيت أكثر أهلها النساء) (^١) وذلك بسبب قلت طاعتهن لله ورسوله ولأزواجهن وكثرة تبرجهن والتبرج إذا أرادت الخروج لبست أفخر ثيابها وتجملت وتحسنت وخرجت تفتن الناس بنفسها فإن سلمت هي بنفسها لم يسلم الناس منها ولهذا\n_________\n(^١) صحيح البخاري ٣/ ١١٨٤ (٣٠٦٩) صحيح مسلم ٤/ ٢٠٩٦ (٢٧٣٧).","vol":"1","page":341},{"text":"قال النبي - ﷺ - (المرأة عورة فإذا خرجت من بيتها استشرفها الشيطان وأعظم ما تكون المرأة من الله ما كانت في بيتها) (^١) ... فإن اضطرت للخروج لزيارة والديها وأقاربها ولأجل حمام ونحوه مما لا بد لها منه فلتخرج بإذن زوجها غير متبرجة في ملحفة وسخة في ثياب بيتها وتغض طرفها في مشيتها.\n* قال ابن حجر الهيثمي في الفتاوى الفقهية الكبرى (١/ ٢٠٢ - ٢٠٤): وفي مصنف ابن العطار: وينبغي للمرأة أن لا تخرج من بيتها بل تلزم قعره فإنها كلها عورة والعورة يجب سترها، وأما الخروج إلى المساجد في الغلس عند أمن الضرر والفتنة فقد كان مأذونا فيه زمن النبي - ﷺ - وزمان بعض أصحابه، ثم منع منه لما أحدث النساء من الافتتان بهن والتبهرج والتطيب وفتنتهن بالرجال، ثم ذكر حديث عائشة في منعهن ثم قال وينبغي للمرأة إذا خرجت من بيتها أن لا تتزين ولا تتطيب ولا تمشي وسط الطريق وأن لا يكون خروجها لحاجة شرعية إلا بإذن زوجها وينبغي للرجل أن لا يعين زوجته ولا امرأة ممن يحكم عليها بشيء من أسباب الإعانة على الخروج من بيتها وقد ثبت في الصحيح الإذن لهن يوم العيد والخروج إلى المصلى متلفعات بمروطهن حتى الحُيَّض ليشهدن الخير ودعوة المسلمين ويعتزلن المسلمين وقد منع هذا في غير هذه الأزمان لما في حضورهن من المفاسد المحرمة، قال حجة الإسلام في الإحياء: وقد كان أذن رسول الله - ﷺ - للنساء في حضور المساجد والصواب الآن المنع إلا العجائز بل استصوب ذلك في زمن الصحابة ﵃ حتى قالت عائشة ﵂ وذكر ما مر عنها\n_________\n(^١) سبق تخريجه","vol":"1","page":342},{"text":"وقال فيه أيضا في كتاب الأمر بالمعروف ويجب منع النساء من حضور المساجد للصلاة ومجالس الذكر إذا خيفت الفتنة بهن. فهذه أقاويل العلماء في اختلاف الحكم فيها بتغير الزمان، وأهل الأقاويل المذكورة هم جمهور العلماء من المجتهدين والأئمة المتقين والفقهاء الصالحين الذين هم من الممهرين فيجب الأخذ بأقاويلهم لأنهم علم الأمة واختيارهم لنا خير من اختيارنا لأنفسنا ومن خالفهم فهو متبع لهواه ... ويتضح الأمر بذكر تلك المحرمات المقترنة بالخروج:\nفمنها أن خروجها متبرجة أي مظهرة لزينتها منهيٌّ عنه؛ روى ابن حبان والحاكم أن رسول الله - ﷺ - قال (يكون في أمتي رجال يركبون على سرج كأشباه الرحال ينزلون على أبواب المساجد نساؤهم كاسيات عاريات على رؤوسهن كأسنمة البخت العجاف العنوهن فإنهن ملعونات) ...\nومنها تحريم نظر الأجانب إليها ونظرها إليهم كما صححه النووي.\nومنها مزاحمة الرجل في المسجد أو الطريق عند خوف الفتنة فإن ذلك حرام ... ينبغي القطع في زماننا بتحريم خروج الشابات وذوات الهيئات لكثرة الفساد والمعنى المجوز للخروج في خير القرون قد زال وأيضا فكن لا يبدين زينتهن ويغضضن أبصارهن وكذا الرجال ومفاسد خروجهن الآن محققة ... ولا يتوقف في منعهن إلا غبي جاهل قليل البضاعة في معرفة أسرار الشريعة قد تمسك بظاهر دليل حملا على ظاهره دون فهم معناه مع إهمالهم فهم عائشة ومن نحا نحوها ومع إهمال الآيات الدالة على تحريم إظهار الزينة وعلى وجوب غض البصر فالصواب الجزم بالتحريم والفتوى به. اهـ","vol":"1","page":343},{"text":"(٧) نهي الرجال الأجانب (غير المملوكين) عن الدخول على النساء في البيوت؛\n- عن عقبة بن عامر أن رسول الله - ﷺ - قال\" إياكم والدخول على النساء\" فقال رجل من الأنصار يا رسول الله أفرأيت الحمو؟ قال\" الحمو الموت\" (^١)\nولما كانت الحاجة أحيانا تقتضي سؤال الرجل الأجنبي حاجة من أهل البيت؛ أبيح له ذلك ولكن قُيّد جوازه بشروط:\n(٨) تحريم الاختلاط بهن في البيوت ورؤية أشخاصهن ولو كن مسترات بالجلابيب، وهذا هو الأصل في حجاب البيوت بنهي المرأة من البروز للرجال الأجانب وإن كانت مستترة بالجلباب قال تعالى ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ وهذا كما أسلفنا أمر يقتضي وجود الحجاب (الساتر) بين الرجل والمرأة\nعند سؤال الحاجة من قرب في البيوت ونحوها، مما يدل على عدم إطلاق جواز المخالطة والنظر للمرأة وإن كانت متجلببة، كما يدل على عدم إطلاق جواز نظر المرأة للرجل، ومما يشهد لذلك قوله ﴿لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ فوجود هذا الساتر والحاجز بين الجنسين أحرى لطهارة قلب كل منهما، وذلك يبين دقة التشريع وحكمته، إذ أوجب الساتر بين الجنسين عند سؤال الحاجة من قرب، واكتفى بالجلابيب للنساء عند\n_________\n(^١) صحيح البخاري ٥/ ٢٠٠٥ (٤٩٣٤) صحيح مسلم ٤/ ١٧١١ (٢١٧٢).","vol":"1","page":344},{"text":"الاضطرار للخروج، لأن الشرع لم يأذن لها بمخالطة الرجال خارج البيت والوقوف معهم لتبادل أطراف الحديث؛ وإنما أذن لها أن تخرج مستترة بظلمة الليل تفلة لا يظهر منها شيء تمشي في حافة الطريق تقضي حاجتها ثم تعود لبيتها، ولا يستطيع أحد أن ينكر أن الرائي من بُعد لشخوص نساء مستترات إذا خرجن لحاجة، ليس كمن يجالس امرأة يحادثها وتحادثه وإن كانت مستترة بالجلباب!!\nقال الألوسي في روح المعاني (٢٢/ ٧٢): وسؤال المتاع من وراء حجاب ﴿أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ أي أكثر تطهرا من الخواطر الشيطانية التي تخطر للرجال في أمر النساء وللنساء في أمر الرجال فإن الرؤية سبب التعلق والفتنة.\nقال القرطبي في تفسيره (١٤/ ٢٢٨) وابن العربي في أحكام القرآن (٣/ ٦١٦): قوله تعالى ﴿أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ يريد من الخواطر التي تعرض للرجال في أمر النساء وللنساء في أمر الرجال أي ذلك أنفى للريبة وأبعد للتهمة وأقوى في الحماية وهذا يدل على أنه لا ينبغي لأحد أن يثق بنفسه في الخلوة مع من لا تحل له فإن مجانبة ذلك أحسن لحاله وأحصن لنفسه وأتم لعصمته.\n(٩) تحريم الخلوة بهن ممن يحل له الدخول عليهن ممن لا يعد محرما لهن من العبيد ونحوهم، فتحريم ذلك على من لا يحل له مخاطبتهن إلا من وراء حجاب من باب أولى:","vol":"1","page":345},{"text":"- عن ابن عباس - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال \"لا يخلون رجل بامرأة إلا مع ذي محرم\" (^١) - وعن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"لا يدخلن رجل بعد يومي هذا على مُغِيبَة إلا ومعه رجل أو اثنان\" (^٢) وقال - ﷺ -: \"لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم ولا يدخل عليها رجل إلا ومعها محرم\" (^٣)\n(١٠) نهي المرأة عن أن تصف امرأة أجنبية لزوجها؛\n- عن عبد الله بن مسعود - ﵁ - قال: قال النبي - ﷺ - \" لا تباشر المرأة المرأة فتنعتها لزوجها كأنه ينظر إليها\". (^٤) وهو صريح الدلالة على وجوب تغطية الوجه، إذ لو كانت النساء كاشفات الوجوه يراهن الرجال لما كان لنهي رسول الله - ﷺ - فائدة؟!\n(١١) الأذن للخاطب بالنظر؛ مما يدل على عدم تمكنه من النظر قبل الخطبة:\n- عن أنس - ﵁ - أن المغيرة بن شعبة أراد أن يتزوج امرأة فقال له النبي - ﷺ - (اذهب فانظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما) قال: فأتيت امرأة من الأنصار فخطبتها إلى أبويها وأخبرتهما بقول النبي - ﷺ - فكأنهما كرها ذلك، قال فسمعت ذلك المرأة\n_________\n(^١) صحيح البخاري ٥/ ٢٠٠٥ (٤٩٣٥) صحيح مسلم ٢/ ٩٧٨ (١٣٤١).\n(^٢) صحيح مسلم ٤/ ١٧١١ (٢١٧٣).\n(^٣) صحيح البخاري ٢/ ٦٥٨ (١٧٦٣)\n(^٤) صحيح البخاري ٥/ ٢٠٠٧ (٤٩٤٢)","vol":"1","page":346},{"text":"وهي في خدرها، فقالت: إن كان رسول الله - ﷺ - أمرك أن تنظر فانظر وإلا فأنشدك، كأنها أعظمت ذلك، قال فنظرت إليها فتزوجتها. (^١)\n- عن محمد بن مسلمة - ﵁ - قال خطبت امرأة فجعلت أتخبأ لها حتى نظرت إليها في نخل لها فقيل له أتفعل هذا وأنت صاحب رسول الله - ﷺ - فقال سمعت رسول الله - ﷺ - يقول (إذا ألقى الله في قلب امرئ خطبة امرأة فلا بأس أن ينظر إليها). (^٢)\nوهذه الأحاديث صريحة الدلالة على تقييد جواز النظر بالخطبة، مما يدل على تحريمه لغير الخاطب، كما تدل على أن النساء لم يكن كاشفات وجوههن بحضرة الرجال الأجانب، مما استلزم أن يُندب الخاطب إلى أن ينظر إلى مخطوبته، ولو كانت النساء مسفرات لما كان في حث الخاطب على النظر؛ فائدة!\nبل إن بعض الفقهاء لم يدع جواز النظر للخاطب على إطلاقه (^٣):\n_________\n(^١) سنن ابن ماجه ١/ ٦٠٠ (١٨٦٦) صححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (١٨٦٦).\n(^٢) سنن ابن ماجه ١/ ٥٩٩ (١٨٦٤) صححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (١٨٦٤) ..\n(^٣) ومثله ما جاء في كتب الفقه من التضييق على الشاهد في رؤية المشهود عليها:\n- فمن المذهب الحنبلي؛ كشاف القناع (٥/ ١٤): وأن مقتضاه أن الشاهد لا ينظر سوى الوجه إذا الشهادة لا دخل لها في نظر الكفين.\n- ومن المذهب الشافعي؛ نهاية المحتاج (٦/ ١٩٨ - ١٩٩): قلت ويباح النظر للوجه فقط لمعاملة أو شهادة تحملا وأداء لها وعليها، وتكلف الكشف للتحمل والأداء فإن امتنعت أمرت امرأة أو نحوها بكشفها، ولو عرفها الشاهد في النقاب لم يحتج للكشف فعليه يحرم الكشف حينئذ إذ لا حاجة إليه ... ومن ثم قال الماوردي لو عرفها الشاهد بنظرة لم تجز ثانية أو برؤية بعض وجهها لم تجز رؤية كله.\n- ومن المذهب الحنفي؛ شرح فتح القدير (٧/ ٣٨٥): وأنت تعلم أنه لا بد من معرفة تفيد التمييز عند الأداء عليها. فإذا ثبت أن التعريف يفيد التمييز لزم أن لا حاجة إلى رؤية وجهها ولا شخصها كما اختاره شيخ الإسلام جواهر زاده، إلا إذا لم يوجد من يعرفها.\n- ومن المذهب المالكي؛ الفواكه الدواني (٢/ ٢٧٧): الشاهد يجوز له النظر إلى وجهها وكفيها فقط، ومحل الجواز إذا كانت غير معروفة النسب ... مفهوم كلام المصنف يقتضي أن رؤية وجه الشابة لغير عذر فيه الحرج أي الإثم وظاهره ولو لغير قصد اللذة وهو أحد قولين لأن نظر وجه الشابة مظنة للالتذاذ.","vol":"1","page":347},{"text":"قال ابن القطان في أحكام النظر (ص/ ٤٧٥): لو كان خاطب المرأة عالما أنها لا تتزوجه، وأن وليها لا يجيبه، لم يجز له النظر وإن كان قد خطب. لأنه إنما أبيح النظر ليكون سببا للنكاح، فإذا كان على يقين من امتناعه فيبقى النظر على أصله من المنع.\nفتبين بذلك أن تقييد جواز النظر بالخطبة والشهادة ونحوها فيه تحريم النظر لغير ذلك، وإذا ثبت تحريم النظر ثبت وجوب تغطية الوجه كما نقل الشيخ الألباني عن ابن القطان.\nويؤيد ذلك كله جريان العمل بتغطية النساء الحرائر وجوههن كما أسلفنا من أحاديث وآثار، وعليه أئمة المسلمين وعلمائهم.\nفثبت بذلك أن تغطية الوجه فرض افترضه الله على الحرائر من النساء، وبطل قول الشيخ الألباني أنه سنة أو مستحب.","vol":"1","page":348},{"text":"ــ:: البحث الثامن:: ــ\n(إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا وجهها وكفيها)\nقال الشيخ الألباني: لقد تهافت القوم على نقد هذا الحديث وتضعيفه، مخالفين في ذلك من قوّاه من حفاظ الحديث ونقاده: كالبيهقي في \"سننه\"، والمنذري في \"ترغيبه\"، والذهبي في \"تهذيبه\"، وغيرهم ... كما اتفقوا جميعًا على مخالفته قاعدة العلماء في تقوية الحديث بالطرق والآثار السلفية - إلى أن قال بعد أن ذكر بعض عبارات التعديل لأحد رواة الحديث وهو سعيد بن بشير- فهذه النصوص من هؤلاء الأئمة لا تدل على أن سعيدًا هذا ضعيف جدّا لا يصلح للاستشهاد به، بل هي إن لم تدل على أنه وسط يستدل بحديثه، وهذا ما صرّح به الزيلعي، فقال في \"نصب الراية\" (١/ ٧٤) \"وأقلّ أحوال مثل هذا أن يستشهد به\" ... وسعيد بن بشير هذا لم يتفرد بمتن هذا الحديث، بل قد تابعه عليه ثقة حافظ عند أبي داود في \"المراسيل\" بسنده الصحيح عن هشام عن قتادة: (أن رسول الله - ﷺ - قال: فذكره نحوه) فهذه متابعة قوية من هشام لسعيد، فيكون إسناده مرسلًا صحيحًا، لأن قتادة تابعي جليل، قال الحافظ في\" التقريب\": \" ثقة ثبت\" وحينئذ يجرى فيه حكم الحديث المرسل إذا كان له شواهد، فقد رجحنا رواية قتادة هذه المرسلة لقوة إسنادها اتباعًا لعلم الحديث، لأن كلًا من الرواية المرسلة والمسندة تؤيد الأخرى متنًا، ويشهد لهما الحديث الثالث عن أسماء بنت عميس ... - إلى أن نقل الشيخ الألباني عن أحد","vol":"1","page":349},{"text":"معارضيه قوله - (أن مراسيل قتادة ضعيفة لا تقوم بها حجة أبدًا) فقال الشيخ الألباني: عدم الاحتجاج بمرسل قتادة ليس موضع خلاف، وإنما هو: هل يتقوى بالمسند الضعيف أم لا؟ فنحن نرى تبعًا للبيهقي وغيره أن يتقوى. وتقوية المرسل بالشواهد أمر معروف لدى العلماء ولو كان النوع الذي لا يحتج به، ومرسل قتادة، فإنه قد عمل به أكثر العلماء. وهناك مقوٍّ ثالث لحديثنا هذا وهو أن له شاهدين مسندين من حديث عائشة وأسماء بنت عميس كما تقدم أيضًا. ومقوٍّ رابع، وهو قول أو عمل رواته به، عائشة وأسماء بنت عميس، وقتادة:\n١ - أما عائشة، فقد صح عنها أنها قالت في المحرمة: \"تسدل الثوب على وجهها إن شاءت\" وبه قال الأئمة الأربعة وغيرهم.\n٢ - وأما أسماء، فقد صح: أن قيس بن أبي حازم دخل مع أبيه على أبي بكر - ﵁ - وعنده أسماء، فرأياها امرأة بيضاء موشومة اليدين.\n٣ - وأما قتادة، فقد قال في تفسير آية ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾: \"أخذ الله عليهن أن يُقَنِّعنَ على الحواجب\". والمعنى: يشددن جلابيبهن على جباههنَّ، وليس على وجوههن كما فسره الإمام ابن جرير.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية في \"مجموع الفتاوى\" (١٨/ ٢٥ - ٢٦): \"والضعيف نوعان: ضعيف لا يمتنع العمل به، وهو يشبه الحسن في اصطلاح الترمذي، وضعيف ضعفًا يوجب تركه، وهو الواهي. وقد يكون الرجل عندهم ضعيفًا لكثرة الغلط في حديثه، ويكون الغالب عليه الصحة، (فيروون حديثه) لأجل الاعتبار به","vol":"1","page":350},{"text":"والاعتضاد به، فإنَّ تعدد الطرق وكثرتها يقوي بعضها بعضًا، ولو كان الناقلون فُجَّارًا فساقًا، فكيف إذا كانوا علماء عدولًا، ولكن كثر في حديثهم الغلط؟! ولقد أبان ابن تيمية في كلمة أخرى عن تقوية الحديث الضعيف بالطرق، فقال (١٣/ ٣٤٧): \"والمراسيل إذا تعددت طرقها، وخلت عن المواطأة قصدًا، كانت صحيحة قطعًا، وإذا كان الحديث جاء من جهتين أو جهات، وقد علم أن المُخْبِرَين لم يتواطآ على اختلاقه، علم أنه صحيح ... قال: وهذا الأصل نافع في الجزم بكثير من المنقولات في الحديث والتفسير والمغازي وما يُنقل من أقوال الناس\". ولهذا، إذا روي الحديث من وجهين مع العلم بأن أحدهما لم يأخذه عن الآخر، جزم بأنه حق لاسيما إذا علم أن نقلته ليسوا ممن يتعمد الكذب وإنما يخاف على أحدهما النسيان أو الغلط. وذكر نحو هذا؛ الحافظ العلائي في \"جامع التحصيل\" (٣٨) وزاد: \"فإنه يرتقي بمجموعهما إلى درجة الحسن\" ثم قال ابن تيمية \"وفي مثل هذا يُنتفع برواية المجهول والسيئ الحفظ وبالحديث المرسل ونحو ذلك ولهذا كان أهل العلم يكتبون مثل هذه الأحاديث، ويقولون: إنه يصلح للشواهد والاعتبار ما لا يصلح لغيره ... والمرسل في أحد قولي العلماء حجة كمذهب أبي حنيفة ومالك وأحمد في إحدى الروايتين عنه، وفي الأخرى حجة إذا عضده قول جمهور أهل العلم وظاهر القرآن أو أرسل من وجه آخر\" قال الشيخ الألباني: ومرسل قتادة هذا الذي نحن في صدد الكلام عليه وبيان صحته، قد توفرت فيه هذه الشروط كلها وزيادة كما تقدم بيانه فينبغي أن يكون حجة باتفاق لا خلاف فيه ... اهـ","vol":"1","page":351},{"text":"ــ::<span data-type=\"title\" id=toc-85> مناقشة البحث الثامن::</span> ــ\nاستشهد الشيخ الألباني في هذا المبحث بما أخرجه أبو داود عن خالد بن دريك عن عائشة ﵂ أن أسماء بنت أبي بكر ﵂ دخلت عليها وعندها النبي - ﷺ - في ثياب شامية رقاق فضرب رسول الله - ﷺ - إلى الأرض ببصره قال: (ما هذا يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا هذا وهذا وأشار إلى كفه ووجهه). (^١) وذكر شاهدا له أخرجه البيهقي عن أسماء بنت عميس أنها قالت: دخل رسول الله - ﷺ - على عائشة بنت أبي بكر ﵂ وعندها أختها أسماء بنت أبي بكر، وعليها ثياب شامية واسعة الأكمام، فلما نظر إليها رسول الله - ﷺ - قام فخرج، فقالت لها عائشة تنحي فقد رأى رسول الله - ﷺ - أمرا كرهه، فتنحت فدخل رسول الله - ﷺ - فسألته عائشة ﵂ لم قام؟ قال: \" أولم تري إلى هيئتها إنه ليس للمرأة المسلمة أن يبدو منها إلا هذا وهذا \" وأخذ بكفيه فغطى بهما ظهر كفيه حتى لم يبد من كفه إلا أصابعه، ثم نصب كفيه على صدغيه حتى لم يبد إلا وجهه. (^٢)\n_________\n(^١) البيهقي في السنن الكبرى (١٣٢٧٥) وقال: إسناده ضعيف. قال الشيخ الألباني: حسن في الشواهد \"علّته ابن لهيعة\". وهم بعضهم فصوّب (بكميه) بدل (بكفيه) والصواب كما وردت (بكفيه) يشهد له ما ورد في أدب النساء لعبد الملك بن حبيب (ت ٢٣٨ هـ) (ص: ٢١٦) (وأمسك بكفيه حتى لم يبد من كفه إلا أصابعه).\n(^٢) أبو داود (٤١٠٤) وقال: هذا مرسل خالد بن دريك لم يدرك عائشة.","vol":"1","page":352},{"text":"وشاهد آخر عن قتادة أن النبي - ﷺ - قال: \"إن الجارية إذا حاضت لم يصلح أن يرى منها إلا وجهها ويداها إلى المفصل\" ثم قال: وهو مرسل صحيح يتقوى بما بعده!!\nأولا: لابد أن نشير إلى ما تجلى في هذا المبحث من عدم إنصاف الشيخ الألباني غفر الله له بتضعيفه لحديث ابن عباس الذي فيه العين الواحدة وأثر عبيدة السلماني، ويتبين ذلك بالآتي:\n(١) استشهاده بحديث عائشة؛ رغم ضعفه لأربع علل في إسناده:\nقال الحافظ ابن القطان في أحكام النظر (ص: ٢٠٥): هذا حديث ضعيف؛ لأن سعيد بن بشير يضعف برواية المنكرات عن قتادة، وإن كان قد شهد له سبعة بالصدق، وابن عيينة بالحفظ، ولكنهم مع ذلك يضعفونه. وخالد بن دريك لم يدرك عائشة. قاله أبو داود، فالحديث منقطع. وزاد في كتابه بيان الوهم والإيهام (٣/ ٢٦): ... وخالد بن دريك، فإنه مجهول الحال.\nوقال ابن الملقن في البدر المنير (٦/ ٦٧٥): وهو معلول من أوجه: بهما ظهر كفيه حتى لم يبد من كفه إلا أصابعه، ثم نصب كفيه على صدغيه حتى لم يبد إلا وجهه. (^١)\nأحدها: الطعن في سعيد بن بشير لا سيما في روايته عن قتادة.\nثانيها: أن خالد بن دريك مجهول الحال. كذا قال ابن القطان. (^٢)\n_________\n(^١) البيهقي في السنن الكبرى (١٣٢٧٥) وقال: إسناده ضعيف. قال الشيخ الألباني: حسن في الشواهد \"علّته ابن لهيعة\". وهم بعضهم فصوّب (بكميه) بدل (بكفيه) والصواب كما وردت (بكفيه) يشهد له ما ورد في أدب النساء لعبد الملك بن حبيب (ت ٢٣٨ هـ) (ص: ٢١٦) (وأمسك بكفيه حتى لم يبد من كفه إلا أصابعه).\n(^٢) قال ابن الملقن: وهو وهم منه فقد وثقه النسائي وغير واحد، وقد قالَ هو في كتابه أحكام النظر: خالد بن دريك رجل شامي عسقلاني مشهور يروي عن ابن محيريز. اهـ قلت لكن ابن القطان لم يقل إنه مجهول العين حتى ينكر عليه بما قاله في كتابه أحكام النظر، ولعل توثيق من وثقه لم يخرجه عنده من حد الجهالة، ولم ينكره عليه الذهبي في كتابه (الرد على ابن القطان في كتابه الوهوم والإيهام).","vol":"1","page":353},{"text":"ثالثها: أنه مرسل، خالد بن دريك لم يدرك عائشة ... وأراد به الانقطاع.\nرابعها: أنه مضطرب قال ابن عدي: لا أعلم يرويه عن قتادة غير سعيد بن بشير وقال فيه مرَّةً: عن خالد بن دريك عن أم سلمة بدل عن عائشة. قال ابن القطان في كتابه (أحكام النظر): فهذه زيادة علة الاضطراب. (^١)\nورغم هذه العلل في الحديث فهو مع ضعف سعيد بن بشير، منقطع، وفيه اضطراب، وفيه مجهول الحال! إلا أن الشيخ الألباني لم يمتنع من الاحتجاج به وتقويته بالشواهد، في حين أنه أنكر على مخالفيه احتجاجهم بحديث ابن عباس مع أن علتي حديث ابن عباس كما بينّاها هي خفّة في ضبط راويين لا تخرجه من دائرة الحديث الحسن وله شواهد منها شاهد صحيح عن عبيدة!!\n(٢) قال الشيخ الألباني بعد أن ساق عبارات التعديل لسعيد بن بشير: (أنها لا تدل على أن سعيدًا هذا ضعيف جدّا لا يصلح للاستشهاد به، بل هي إن لم تدل على أنه وسط يستدل بحديثه، فهي على الأقل تدل على أنه يعتبر ويتقوّى به، وهذا ما صرّح به الزيلعي، فقال وأقلّ أحوال مثل هذا أن يستشهد به\"اهـ\nفكيف يرد حديث \"عبد الله بن صالح\" الذي قال فيه الحافظ ابن القطان:\n_________\n(^١) وانظر نصب الراية للزيلعي ١/ ٢٩٩.","vol":"1","page":354},{"text":"الرجل من أهل الصدق ولم يثبت عليه ما يسقط له حديثه لكنه مختلف فيه، فحديثه حسن) (^١)؟!! وهل يعد سعيد بن بشير الذي قال عنه ابن حجر في التقريب (١/ ٢٣٤): \"ضعيف\" أمثل من علي بن أبي طلحة الذي قال عنه (١/ ٤٠٢): \"صدوق قد يخطئ\"! وهذا ما صرح به يعقوب الفسوي في المعرفة والتاريخ (٢/ ٢٦٥): فقال عن علي بن أبي طلحة \"وهو أمثل من سعيد بن بشير\".\n(٣) قال الشيخ الألباني: إن سعيد بن بشير هذا لم يتفرد بمتن هذا الحديث، بل قد تابعه عليه ثقة حافظ عند أبي داود في \"المراسيل\" بسنده الصحيح عن هشام عن قتادة، فيكون إسناده مرسلًا صحيحًا، لأن قتادة تابعي جليل، قال الحافظ في \"التقريب\": \"ثقة ثبت\" وحينئذ يجرى فيه حكم الحديث المرسل إذا كان له شواهد ... فقد رجحنا رواية قتادة المرسلة لقوة إسنادها اتباعًا لعلم الحديث، وإن كنا نعتقد أن ذلك لا يوهن من حجتنا شيئًا لأن كلًا من الرواية المرسلة والمسندة تؤيد الأخرى متنا!\nفيقال إن كلًا من؛ حديث ابن عباس وهو أصح إسنادا من حديث عائشة، وأثر عبيدة وهو أصح إسنادا من معضل قتادة؛ تؤيد الأخرى متنا؟!! فقد وافق ابن عباس عبيدة السلماني عند الطبري بإسناد صحيح عن محمد بن سيرين عنه، وعبيدة من كبار التابعين قال الذهبي: عبيدة بن عمرو السلماني الفقيه العلم، كاد أن يكون صحابيًا، أسلم زمن الفتح باليمن وأخذ العلم عن علي وابن مسعود وبرع في الفقه، وكان ثبتا في الحديث، قال العجلي: كل شيء روى\n_________\n(^١) بيان الوهم والإيهام في كتاب الأحكام (٤/ ٦٧٨).","vol":"1","page":355},{"text":"محمد عن عبيدة سوى رأيه فهو عن علي بن أبي طالب قال علي بن المديني وعمرو بن علي الفلاس: أصح الأسانيد محمد بن سيرين عن عبيدة عن علي. (^١) اهـ فكيف يُرمي بالضعف إسنادا قال عنه أهل الحديث إنه من أصح الأسانيد، وقد وافقه عليه ابن عباس (يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن بالجلابيب ويبدين عينا واحدة) وسعيد بن جبير (يسدلن عليهن من جلابيبهن وهو القناع فوق الخمار) بل ووافقه ما احتج به الشيخ الألباني وصححه عن قتادة (أخذ عليهن إذا خرجن أن يقنعن على الحواجب) ولذلك احتج به جمهور أهل العلم واعتمد عليه أهل التفسير وعملت به الأمة، وظاهر القرآن يؤيده فلا وجه للطعن فيه فهو الذي ينبغي أن يكون حجة باتفاق لا خلاف فيه كما قال ابن تيمية: \"والمرسل في أحد قولي العلماء حجة كمذهب أبي حنيفة ومالك وأحمد في إحدى الروايتين، وفي الأخرى حجة إذا عضده قول جمهور أهل العلم وظاهر القرآن أو أرسل من وجه آخر.\n(٤) نقل الشيخ الألباني قول ابن تيمية: (وإذا كان الحديث جاء من جهتين وقد علم أن المُخْبِرَين لم يتواطآ على اختلاقه، علم أنه صحيح ... لاسيما إذا علم أن نقلته ليسوا ممن يتعمد الكذب وإنما يخاف على أحدهما النسيان أو الغلط. وذكر نحو هذا الحافظ العلائي وزاد: \"فإنه يرتقي بمجموعهما إلى درجة الحسن لأنه يزول عنه حينئذ ما يخاف من سوء حفظ الرواة ويعتضد كل منهما بالآخر\" قال ابن تيمية: وهذا الأصل ينبغي أن يعرف فإنه أصل نافع في الجزم بكثير من\n_________\n(^١) انظر: تذكرة الحفاظ ١/ ٤٠، تهذيب الكمال ١٩/ ٢٦٧، تهذيب التهذيب (٧/ ٧٨).","vol":"1","page":356},{"text":"المنقولات في الحديث والتفسير والمغازي). اهـ فلم لا يُعمِل هذا الأصل النافع مع حديث ابن عباس في تفسير آية إدناء الجلابيب (أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن بالجلابيب ويبدين عينا واحدة) فيقويه بما صح عن عبيدة (فتقنع به وأدنى رداءه من فوق حتى جعله قريبا من حاجبه أو على الحاجب) وسعيد بن جبير (يدنين عليهن من جلابيبهن؛ يسدلن عليهن من جلابيبهن وهو القناع فوق الخمار) وقتادة (أن الله أخذ عليهن إذا خرجن أن يقنعن على الحواجب).\nقال النووي في التقريب (ص/ ٣٠): إذا كان راوي الحديث متأخرًا عن درجة الحافظ الضابط، مشهورًا بالصدق والستر فروي حديثه من غير وجه قوي وارتفع من الحسن إلى الصحيح، والله أعلم.\nـ قال محمد جمال الدين القاسمي في قواعد التحديث (١/ ١٠٢): إعلم أن الحسن إذا روي من وجه آخر، ترقى من الحسن إلى الصحيح، لقوته من الجهتين فيعتضد أحدهما بالآخر.\nوبذلك يتبين خطأ ما رمى به الشيخ الألباني أثر ابن عباس من الضعف، ووقوع فيما أنكره على مخالفيه بقوله: (وخالفوا علماء الحديث تأصيلًا، وهو تقوية الحديث بالطرق والشواهد فإن هذا من أصولهم التي يتفرَّع منها تقوية بعض الأحاديث التي ليس لها سند صحيح يحتج به، فمن كان جاهلًا بهذا الأصل وبطرق الحديث والشواهد وقع فيما وقع فيه هؤلاء من تضعيف هذا الحديث الصحيح)","vol":"1","page":357},{"text":"فها هو قد خالف علماء الحديث تأصيلا، فضعّف حديث ابن عباس رغم أن له شواهد صحيحة يعتضد ويتقوى بها!!\nثانيًا: قوّى الشيخ الألباني ما استشهد به من حديث عائشة وأسماء بنت عميس وقتادة؛ بما عدّه موافقة لها من رواتها بالقول أو بالفعل؛\n١) فذكر عن عائشة ﵂ قولها \"المحرمة تلبس من الثياب ما شاءت إلا ثوبًا مَسَّه ورس أو زعفران ولا تتبرقع ولا تَلَثَّم وتسدل الثوب على وجهها إن شاءت\" على أنها تريد بقولها \"إن شاءت \" تخيير المحرمة بين الكشف أو السدل!!\n\nوسبق أن بينا في مناقشة البحث الخامس أن المراد بقولها \"إن شاءت\" هو إطلاق سبب التغطية؛ أي متى أرادت أن تغطي وجهها فلتسدل الثوب من فوق رأسها على وجهها ولا ترفعه من أسفل لتتبرقع به وتتلثم، أي وإن لم يكن هناك سبب من وجود رجال أجانب وعليه بعض الأئمة، وقال بعضهم إن المحرمة لا تغطي وجهها إلا للستر من الرجال الأجانب وأن عليها الفدية إن غطته لغير هذا السبب. ومما يؤكد أنه لم يكن مقصود عائشة ﵂ التخيير؛ قولها \" كان الركبان يمرون بنا ونحن محرمات، فإذا حاذوا بنا سدلت إحدانا من رأسها على وجهها\" (^١) فلم تذكر هنا التخيير، ولا أن هناك من لم تكن تسدل!\n_________\n(^١) مسند أحمد (٢٤٠٢١) سنن أبي داود (١٨٣٣) حسنه ابن حجر في تخريج مشكاة المصابيح ٣/ ١٠٦، وصححه علي القاري في مرقاة المفاتيح (٥/ ١٨٥٢) وصححه الألباني في حجاب المرأة /٣٣ وفي مشكاة المصابيح (٢/ ٨٢٣).","vol":"1","page":358},{"text":"ومما يشهد أن الثابت من فعلها وقولها هو إيجاب تغطية الوجه قولها ﵂ (كن نساء المؤمنات يشهدن مع رسول الله - ﷺ - صلاة الفجر متلفعات بمروطهن) (^١) وسبق أن بينا في مناقشة البحث السادس أن التلفع يعني تغطية الوجه. وما كان منها في حادثة الإفك (فخمرت وجهي عنه بجلبابي) (^٢) ولما خرج رسول الله - ﷺ - ليلا ليستغفر لأهل البقيع قالت (اختمرت وتقنعت إزاري ثم انطلقت على إثره) (^٣) وسبق أن بينا في مناقشة البحث الرابع أن التقنع يعني تغطية الوجه.\n٢) ثم ذكر عن أسماء بنت عميس ما روي عن قيس بن أبي حازم قال: \"دخلت أنا وأبي على أبي بكر وإذا هو رجل أبيض خفيف الجسم عنده أسماء ابنت عميس تذب عنه وهي موشومة اليدين\" وسبق أن بينا في مناقشة البحث السادس أن أسماء بنت عميس كانت أمة مملوكة اتخذها أبو بكر أم ولد له، وليست زوجة له من النساء الحرائر ولذلك لم تحتجب ومن أراد التفصيل فليرجع إليه.\n٣) ثم ذكر عن قتادة قوله في تفسير قوله تعالى ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾: \"أخذ الله عليهن أن يُقَنِّعنَ على الحواجب\" على أن معنى ذلك شد الجلباب على الجبين دون تغطية الوجه! وسبق أن بينا مراد قتادة كما قال أئمة التفسير هو\n_________\n(^١) صحيح البخاري ١/ ٢١٠ (٥٥٣) صحيح مسلم ١/ ٤٤٦ (٦٤٥).\n(^٢) صحيح البخاري ٤/ ١٧٧٤ (٤٤٧٣) صحيح مسلم ٤/ ٢١٢٩ (٢٧٧٠).\n(^٣) صحيح مسلم ٢/ ٦٦٩ (٩٧٤).","vol":"1","page":359},{"text":"تغطية وجوههن بالتقنع بشد الجلباب على الجبين ثم رد طرفه وعطفه على الأنف لستر الوجه.\nقال الشوكاني في فتح القدير (٤/ ٣٠٤): قال المفسرون يغطين وجوههن إلا عينًا واحدة، فيعلم أنهن حرائر فلا يعرض لهن بأذى، وقال قتادة: تلويه فوق الجبين وتشده ثم تعطفه على الأنف وإن ظهرت عيناها لكنه يستر الصدر ومعظم الوجه.\nوبذلك تبين أنه لاصحة لما نسبه الشيخ الألباني لرواة هذا الحديث من إباحتهم لكشف الوجه للنساء الحرائر.\nثالثًا: جاء في متن حديث عائشة ﵂ إشكال يحتاج إلى توضيح؛ كدخول أسماء بنت أبي بكر ﵂ على النبي - ﷺ - دون حجاب! ودخولها عليه بثياب رقاق!\n(١) أما دخول أسماء على النبي - ﷺ - دون حجاب؛ فهو يستوجب أن يكون هذا الحديث قبل نزول الحجاب، إذ لو كان بعد الحجاب لسترها الجلباب الذي ستلبسه وجوبا للآية ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ والذي صورت أم سلمة ﵂ امتثال النساء لهذا الأمر بقولها (لما نزلت هذه الآية خرج نساء الأنصار كأن على رؤوسهن الغربان","vol":"1","page":360},{"text":"من أكسية سود يلبسنها) (^١)\nوأكدت ذلك أسماء بنت أبي بكر ﵂ فقالت \" كنا نغطي وجوهنا من الرجال وكنا نتمشط قبل ذلك في الإحرام\" (^٢) وقالت (خسفت الشمس على عهد رسول الله - ﷺ - فسمعت رجة الناس وهم يقولون آية ... فخرجت متلفعة (^٣) بقطيفة للزبير حتى دخلت على عائشة). (^٤)\nولهذا حمل بعض أهل العلم هذا الحديث على فرض صحته على ما قبل الحجاب؛ كابن قدامة (ت ٦٢٠ هـ) في المغني (٧/ ١٠٢) حيث قال\" وأما حديث أسماء إن صح فيحتمل أنه كان قبل نزول الحجاب، فنحمله عليه\".\nولكن هذا يشكل عليه أن النساء قبل نزول الحجاب كن يسدلن خمرهن ورائهن فتنكشف نحورهن (^٥) حتى نزلت آيات الحجاب؛ فأمرن بإدناء الجلابيب لتغطية وجوههن من الرجال الأجانب، ثم أمرن بضرب الخُمر على جيوبهن في البيوت وألّا يبدين من زينتهن إلا ما في الوجه والكفين من الزينة أمام كل من يحل له الدخول عليهن والنظر إليهن دون حجاب من الرقيق ونحوهم قال ابن عباس - ﵁ - في قوله\n_________\n(^١) سنن أبي داود (٤١٠١) عبد الرزاق الصنعاني في تفسيره ٣/ ١٢٣ وصححه الألباني في جلباب المرأة /٨٣.\n(^٢) صحيح ابن خزيمة ٤/ ٢٠٣ (٢٦٩٠) المستدرك على الصحيحين ١/ ٦٢٤ (١٦٦٨) وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، وصححه الألباني في إرواء الغليل ٤/ ٢١٢.\n(^٣) سبق أن بينا في الجواب عن الحديث الرابع في مناقشة البحث السادس أن التلفع يعني تغطية الوجه.\n(^٤) صحيح البخاري ١/ ٣٥٨ (١٠٠٥) مسند أحمد ٦/ ٣٥٤ والسياق له، قال الهيثمي في مجمع الزوائد ١٠/ ٤٠٥: رجاله ثقات.\n(^٥) قال الفراء (كانوا في الجاهلية تسدل المرأة خمارها من ورائها وتكشف ما قدامها فأمرن بالاستتار) من فتح الباري لابن حجر (٨/ ٤٩٠).","vol":"1","page":361},{"text":"تعالى ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ قال: \"الزينة الظاهرة الوجه وكحل العين وخضاب الكف والخاتم فهذا تظهره في بيتها لمن دخل عليها\" (^١)\nفدل ذلك على أن هذا الحديث كان بعد الحجاب، وعليه فإن أسماء ستغطي وجهها وتستتر بالجلباب عند دخولها على أختها عائشة - كما قالت آنفا عن نفسها - فلما لم يكن هذا دل على أن هناك خطأ أو وهم من رواة هذا الحديث؛ بأن أسماء بنت أبي بكر هي التي دخلت على عائشة بهذه الثياب الرقاق؛ والصحيح: أنها ليست أسماء بنت أبي بكر؛ فإما أن تكون التي دخلت على عائشة بثياب رقاق هي جارية قاربت سن المحيض - كما سيأتي في رواية ابن جريج - أو أن عائشة هي التي كانت لابسة لهذه الثياب الرقاق، يؤيد ذلك أن النبي - ﷺ - قيد حديثه بمن بلغت سن المحيض كما في رواية ابن دريك (إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها) وفي رواية ابن جريج كما سيأتي (إذا عركت لم يحل لها) فدل ذلك على أن اللابسة للثياب الرقاق كانت قريبة من سن بدء المحيض، وهذا يبعد أن تكون أسماء؛ لأن أسماء ولدت قبل الهجرة بسبع وعشرين سنة، وعائشة كان لها عند الهجرة تسع سنوات تقريبا؛ فهي الأقرب لسن المحيض، وهي الأقرب أن يقع منها ذلك لصغر سنّها.\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١٨/ ١٢٠، تفسير ابن أبي حاتم ٨/ ٢٥٧٦ (١٤٤١٠)، البيهقي في السنن الكبرى ٧/ ٩٤ (١٣٣١٥) من رواية علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، قال السيوطي في الإتقان (٢/ ٥): ما ورد عن ابن عباس من طريق ابن أبي طلحة خاصة فإنها من أصح الطرق عنه وعليها اعتمد البخاري في صحيحه. أهـ","vol":"1","page":362},{"text":"(٢) أما الأمر الثاني المشكل في الحديث وهو لبس الثياب الرقاق؛ فإما أن يكون وهم من الرواة فقد جاء في رواية أسماء بنت عميس (وعليها ثياب واسعة الأكمام)، أو يكون صحيحا وعليه فإنه من المستبعد أن يكون المراد بالثياب الرقاق في هذا الحديث؛ الثياب الباطنة التي تشف عن البدن؛ للأمور الآتية:\n١ - عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ - (صنفان من أهل النار لم أرهما قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس ونساء كاسيات عاريات) (^١) قال النووي في شرحه على صحيح مسلم (١٤/ ١١٠): \"وقيل معناه تلبس ثوبا رقيقا يصف لون بدنها\". اهـ\nوهذا يدل على أن الرقة في الثياب (الباطنة) الملاصقة للبدن لم تلبسها النساء على عهده - ﷺ -.\n٢ - أن إطلاق لفظ (الثياب) في القرآن والحديث؛ قد يراد به الثياب الظاهرة من الخمار أو الجلباب: ومن ذلك قوله تعالى ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ﴾ النور: ٦٠ قال ابن جرير الطبري في تفسيره (١٨/ ١٦٥): (فليس عليهن حرج ولا إثم أن يضعن ثيابهن؛ يعني جلابيبهن). اهـ فسمى الله تعالى الجلابيب في هذه الآية؛ ثيابا.\n_________\n(^١) صحيح مسلم ٣/ ١٦٨٠ (٢١٢٨)","vol":"1","page":363},{"text":"- ثبت أن رفاعة طلق امرأته فتزوجها عبد الرحمن بن الزبير القرظي، قالت عائشة: وعليها خمار أخضر، فشكت إليها وأرتها خضرة بجلدها، فلما جاء رسول الله - ﷺ - قالت عائشة (ما رأيت مثل ما يلقى المؤمنات لجلدها أشد خضرة من ثوبها). (^١) وهذه عائشة ﵂ عبرت بالثوب عن الخمار.\n- ثبت عن عائشة ﵂ أنها قالت قال رسول الله - ﷺ - (أُريتك في المنام يجئ بك الملك في سرقة من حرير فقال لي هذه امرأتك فكشفت عن وجهك الثوب فإذا أنت). (^٢) وها هو رسول الله - ﷺ - عبر بالثوب عمّا يغطى به الوجه من خمار أوجلباب، وكذلك في الآثار الآتية:\n- ورد أن النبي - ﷺ - أتى فاطمة بعبد قد وهبه لها، وعلى فاطمة ثوب إذا قنعت به رأسها لم يبلغ رجليها، وإذا غطت به رجليها لم يبلغ رأسها. (^٣)\n- ورد أن رسول الله - ﷺ - لما اختلط رجال بالنساء في الطريق قال (استأخرن فإنه ليس لكن أن تحققن الطريق، عليكن بحافات الطريق) فكانت المرأة تلتصق بالجدار حتى إن ثوبها ليتعلق بالجدار من لصوقها به. (^٤)\n_________\n(^١) صحيح البخاري ٥/ ٢١٩٢ (٥٤٨٧) ومن ذلك أيضا ما ورد عنها أنها قالت \"المحرمة تلبس من الثياب ما شاءت إلا ثوبًا مسه ورس أو زعفران، ولا تتبرقع ولا تلثم وتسدل الثوب على وجهها \" سنن البيهقي الكبرى ٥/ ٤٧ (٨٨٣٢) وصححه الألباني في إرواء الغليل ٤/ ٢١٢.\n(^٢) صحيح البخاري ٥/ ١٩٦٩ (٤٨٣٢)\n(^٣) أبو داود (٤١٠٦) وصححه الألباني في صحيح أبي داود ٤/ ٦٢.\n(^٤) أبو داود (٥٢٧٢) صححه الألباني في مشكاة المصابيح (٢/ ٩٣٥)","vol":"1","page":364},{"text":"- ورد عن عائشة ﵂ أنها قالت \"المحرمة تلبس من الثياب ما شاءت إلا ثوبًا مسه ورس أو زعفران، ولا تتبرقع ولا تلثم وتسدل الثوب على وجهها\". (^١)\n٣ - لو كان المراد بالثياب الرقاق الثوب الملاصق للبدن؛ لجاء التعبير عنه بقوله (وعليها درع رقيق) لأن المتعارف عليه في زمن النبي - ﷺ - تسمية الثوب الذي تلبسه المرأة (درع) كما هو ثابت في بعض الأحاديث والآثار:\n- كما ثبت عن عطاء قال: وكنت آتي عائشة ﵂ ... قال ورأيت عليها درعا مورَّدا. (^٢)\n- وثبت عن عبد الواحد بن أيمن عن أبيه أنه قال: \"دخلت على عائشة ﵂ وعليها درع قطر ثمنه خمسة دراهم\". (^٣)\n- ورد عن شميسة أنها قالت (دخلت على عائشة وعليها ثياب من هذه السيد الصفاق (^٤) ودرع وخمار) (^٥)\n- ورد عن عبيد الله الخولاني وكان في حجر ميمونة زوج النبي - ﷺ - أن ميمونة \" كانت تصلي في الدرع والخمار ليس عليها إزار\". (^٦)\n_________\n(^١) سنن البيهقي الكبرى ٥/ ٤٧ (٨٨٣٢) وصححه الألباني في إرواء الغليل ٤/ ٢١٢.\n(^٢) صحيح البخاري ٢/ ٥٨٥ (١٥٣٩).\n(^٣) صحيح البخاري ٢/ ٩٢٦ (٢٤٨٥).\n(^٤) ثوب صفيق: متين. والمراد به هنا الرداء.\n(^٥) الطبقات الكبرى لابن سعد ٨/ ٧٠ وصحح إسناده الألباني في جلباب المرأة /١٢٩.\n(^٦) ابن أبي شيبة في مصنفه (٦١٧١) وصححه الألباني في تمام المنة / ١٦٢. وورد عن أم الحسن قالت: \"رأيت أم سلمة تصلي في درع وخمار\". مصنف عبد الرزاق (٥٠٢٧) وصححه الألباني في تمام المنة /١٦٢.","vol":"1","page":365},{"text":"وعلى ذلك قد يكون المراد بالثياب الرقاق في هذا الحديث؛ هي الخمار، ولم نقل الجلباب لأن الجلباب لا يشف عن شيء من البدن لكونه يلبس فوق الثياب. ومما يشهد أن الرقيق الذي وقعت النساء في لبسه هو الخمار؛ ماورد \" أن حفصة بنت عبد الرحمن دخلت على عائشة أم المؤمنين وعلى حفصة خمار رقيق فشقته عائشة وكستها خمارا كثيفا\". (^١)\n٤ - أن إشارة النبي - ﷺ - بيده لبيان حدود ما يباح كشفه من الوجه والكفين؛ يدل على أن ما أنكره كان للتوسع بكشف ما لا يباح كشفه في أحدهما:\n١ - فإما أن يكون التوسع بإظهار ما لا يحل إظهاره مما جاور الوجه؛ كالنحر أو الشعر، بلبس خمار رقيق يشف عن ذلك، كما في رواية خالد بن دريك (وعليها ثياب شامية رقاق).\n٢ - أو أن يكون التوسع بإظهار ما لا يحل إظهاره من الذراعين، بلبس ثياب واسعة الأكمام، كما في رواية أسماء بنت عميس (وعليها ثياب شامية واسعة الأكمام).\n_________\n(^١) موطأ مالك (٢/ ٩١٣)، سنن البيهقي الكبرى (٣٠٨٢). قال عبد القادر الأرنؤوط في جامع الأصول\n(١٠/ ٦٤٧) حديث حسن.","vol":"1","page":366},{"text":"(٣) ومما يشهد لما ذكرنا بأن التي دخلت على عائشة بثياب رقاق هي جارية قاربت سن المحيض، أو أن عائشة هي التي كانت لابسة لهذه الثياب الرقاق؛ مارواه ابن جرير بإسناد صحيح إلى ابن جريج عن عائشة ﵂ قالت: (دخلت علي ابنة أخي لأمي عبد الله بن الطفيل مزينة، فدخل النبي - ﷺ - فأعرض، فقالت عائشة: يا رسول الله إنها ابنة أخي وجارية، فقال: \"إذا عركت (^١) المرأة لم يحل لها أن تظهر إلا وجهها وإلا ما دون هذا\" وقبض على ذراع نفسه، فترك بين قبضته وبين الكف مثل قبضة أخرى). (^٢) ففيه شاهد على أن التي دخلت على عائشة ليست أسماء بنت أبي بكر، وقد تكون ابنة أخيها عبد الله بن الطفيل اسمها أسماء مما أحدث اللبس عند الرواة، أو كما ذكرنا قد تكون عائشة هي التي كانت مظهرة من زينتها ما أنكره عليها النبي - ﷺ -،\nفيكون قولها (دخلت علي ابنة أخي مزينة) أي دخلت علي حال كوني متزينة، فلما دخل النبي - ﷺ - أعرض منكرا عليها ما رأى من إظهارها لما لا يحل إظهاره، فبادرته بقولها (إنها ابنة أخي وجارية) إذ لو كانت المتزينة هي ابنة أخيها لما كان لتبريرها بقولها (إنها ابنة أخي) فائدة!\nولما كان حديث ابن جريج هذا يوافق حديث خالد بن دريك وحديث أسماء بنت عميس في معناه وهو دخول أختها أو ابنة أخيها مظهرة من زينتها - أو تكون هي المظهرة من زينتها - ما لا يحل لها إظهاره، أو كما ذكرنا أن عائشة هي التي كانت مظهرة لهذه الزينة عند دخولها عليها.\n_________\n(^١) العراك: المحيض (غريب الحديث لابن الجوزي ٢/ ٩٠).\n(^٢) أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره ١٨/ ١١٩، وقال عقبه: وأشار به أبو علي.","vol":"1","page":367},{"text":"كما أنه يوافقه فيما كان من كلامه - ﷺ - فقال في حديث خالد بن دريك \"لم يصلح أن يرى منها إلا هذا وهذا وأشار إلى كفه ووجهه\" وقال في حديث أسماء بنت عميس \" ليس للمرأة المسلمة أن يبدو منها إلا هذا وهذا \" وقال في حديث ابن جريج \"لم يحل لها أن تظهر إلا وجهها وإلا ما دون هذا \" فكلها وإن اختلفت ألفاظها إلا أنها متوافقة في المعنى؛ فيصلح حينئذ أن يعتضد كل منها بالآخر. لأنه يصدق عليها حينئذ ما استشهد به الشيخ الألباني من قول ابن تيمية في مجموع الفتاوى (١٣/ ٣٤٨): \"فيعلم قطعا أن تلك الواقعة حق في الجملة\".\nكما أن الروايات قد اتفقت على إظهار الوجه، أما ما يظهر من الكفين؛ ففي رواية خالد بن دريك أطلق جواز إظهار الكفين، وفي رواية أسماء بنت عميس قصر ما يحل إظهاره من الكفين على الأصابع، وفي رواية ابن جريج زاد على الكف مقدار قبضة من الذراع (وقبض على ذراع نفسه، فترك بين قبضته وبين الكف مثل قبضة أخرى) وهو الأرجح لأنه الموافق للقرآن فقد صح عن عائشة، وأبي هريرة، والمسور بن مخرمة؛ في تأويل قوله ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ أنها (القلب والفتخة). قال جرير بن حازم: القلب السوار، والفتخة الخاتم. كما صح عن ابن عباس وقتادة في تأويلها أنها (الخاتم والمسكة) (^١). قال مقاتل بن سليمان (ت ١٥٠ هـ) في تفسيره (٢/ ٤١٧): ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ \" يعنى الوجه والكفين\n_________\n(^١) الطبري في تفسيره (١٨/ ١١٩) المسكة: السوار كما في النهاية ٤/ ٣٣١.","vol":"1","page":368},{"text":"وموضع السوارين\". وهذا يشهد لصحة حديث ابن جريج وأن موضع السوار من الذراع مما يلي الكف يعد من الزينة الظاهرة، وهذا مما لم يقل بجواز كشفه للرجال الأجانب الشيخ الألباني ولا غيره من أهل العلم! وهذا يؤكد ما ذكرنا بأن المراد بالحديث بيان ما يحل للمرأة إظهاره لمن يحل له الدخول عليها والنظر إليها دون حجاب من الرقيق ونحوهم، وليس المراد جواز إظهار ذلك لمن يجب عليها الاحتجاب منهم من الرجال الأحرار الأجانب.\nلكن الشيخ الألباني ضعَف حديث ابن جريج بما لا يوجب له الضعف، وساقه بلفظ مصحّف لم أجده عند ابن جرير ولا غيره فقال في كتابه جلباب المرأة (ص/٤١): رواه من طريق قتادة: بلغني أن النبي - ﷺ - قال: \"لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تخرج يدها إلا إلى ها هنا؛ وقبض نصف الذراع\". وهذا إسناد منقطع، ثم روي نحوه عن ابن جريج قال: قالت عائشة: خرجت لابن أخي عبد الله بن الطفيل مزينة، فكرهه النبي - ﷺ - فقلت إنه ابن أخي يا رسول الله! فقال: \"إذا عركت المرأة لم يحل لها أن تظهر إلا وجهها، إلا ما دون هذا\". وقبض على ذراع نفسه - ثم قال الشيخ الألباني- والحديث منكر لضعفه من قبل إسناده، ومخالفته لما هو أقوى منه، ألا وهو حديث عائشة من رواية\nأبي داود، وكونه أقوى منه، لأن له شاهدا من قوله - ﷺ - وهو حديث أسماء، وجريان عمل الصحابيات عليه كما سيأتي بيانه، بخلاف هذا، فإنه لا شاهد له يقويه، ولم يجر عليه عمل، فكان منكرا، وفي حديث ابن جريج خاصة نكارة أخرى، وهي مخالفته للقرآن، فإنه صريح في إنكار خروج عائشة أمام ابن أخيها مزينة، والله ﷿ يقول: ﴿ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن﴾ الآية، وفيها: ﴿أو بني إخوانهن﴾،","vol":"1","page":369},{"text":"فهي صريحة الدلالة على جواز إبداء المرأة زينتها لابن أخيها، فكان الحديث منكرا من هذه الجهة أيضا ... وقد كنت بينت أن حديث قتادة مرسل، وحديث ابن جريج معضل. اهـ\nثم أسهب الشيخ الألباني في تضعيف حديث ابن جريج بما لا يصح:\n١) فقوله (حديث ابن جريج معضل، بينه وبين عائشة مفاوز) غير صحيح؛ فإنه قد ثبت أن من شيوخ ابن جريج: عطاء بن أبي رباح، وابن أبي مليكة، ونافع، وميمون بن مهران وغيرهم ممن سمع من عائشة وحدث عنها (^١)، فرواية ابن جريج عن عائشة مرسلة وليست معضلة، كما أنه قال بإرسال حديث قتادة عن النبي - ﷺ -؛ وهو معضل بين قتادة والنبي - ﷺ - مفاوز!! كما قال ذلك ابن حجر في الدراية (١/ ١٢٣) وابن الملقن في البدر المنير (٦/ ٦٧).\n٢) وقوله (مخالفته لما هو أقوى منه ألا وهو حديث عائشة من رواية أبي داود) فقد بيّنا آنفا أن حديث ابن جريج يوافق حديث خالد بن دريك (حديث عائشة) ولا يخالفه، أما كونه أقوى منه؛ فغير صحيح، بل إن حديث ابن جريج أقوى من\n_________\n(^١) انظر تذكرة الحفاظ للذهبي (١/ ١٢٨): وابن جريج هو عبدالملك بن عبد العزيز بن جريج الرومي الأموي مولاهم المكي الفقيه. صاحب التصانيف أحد الأعلام: قال أحمد بن حنبل: كان من أوعية العلم، حدث عن مجاهد وعطاء بن أبي رباح وابن أبي مليكة ونافع والزهري وخلق كثير، ولد سنة نيف وسبعين وأدرك صغار الصحابة، مات ابن جريج سنة خمسين ومائة.","vol":"1","page":370},{"text":"حديث خالد بن دريك؛ فقد أخرجه ابن جرير بإسناد صحيح إلى ابن جريج (^١)، إلا أن ابن جريج أرسله عن عائشة، فهو مرسل صحيح يتقوى بالشواهد. ولم يخفَ ذلك على الشيخ الألباني ولذلك قال (وكونه أقوى منه لأن له شاهدا) ولم يقل لأنه أصح إسنادا.\n٣) كما أعلّ الشيخ الألباني حديث ابن جريج؛ بضعف مرسلات ابن جريج! وهو قد قال في رده المفحم (ص/٩٣): (وتقوية المرسل بالشواهد أمر معروف لدى العلماء ولو كان النوع الذي لا يحتج به) كما أنه قبِل تقوية مرسل قتادة على ضعف مرسلاته، فقال ردا على من قال بأن مراسيل قتادة ضعيفة لا تقوم بها حجة وأنها بمنزلة الريح. (^٢) فقال الشيخ الألباني (ص/٩١): \"عدم الاحتجاج بمرسل قتادة ليس موضع خلاف وإنما: هل يتقوى بالمسند الضعيف أم لا؟!! هذا هو الموضوع، فنحن نرى تبعًا للبيهقي وغيره أن يتقوى\"اهـ\n٤) أما قوله (وكونه أقوى منه لجريان عمل الصحابيات) يريد ما استشهد به في كتابه من الآثار؛ وقد بينا أنه لاحجة فيها على جواز كشف النساء الحرائر؛ إما\n_________\n(^١) وانظر المطالب العالية لابن حجر (٣/ ٦٠٩) تنقيح التحقيق (٤/ ٥٨٥).\n(^٢)","vol":"1","page":371},{"text":"لكونها قبل فرض الحجاب، وإما لكون من وقع منهن الكشف من الإماء المملوكات ولسن من الحرائر.\n٥) أما قوله (فإنه لا شاهد له يقويه) فغير صحيح؛ فإن لحديث ابن جريج من الشواهد ما يتقوى بها:\n١ - أخرج ابن جرير الطبري في تفسيره (١٨/ ١١٨) بإسناد صحيح إلى قتادة أن النبي - ﷺ - قال: \" لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تخرج من يدها إلا ها هنا وقبض على نصف الذراع\". وهو يوافق حديث ابن جريج تمام الموافقة فيما أشار إليه النبي - ﷺ - من الذراع، فإنك إذا قبضت بيدك على نصف الذراع بقي مقدار قبضة من الذراع.\nلكن الشيخ الألباني قال عنه: وهذا إسناد منقطع!! والعجيب أنه ساق بعده أثرا آخر لقتادة (ص/٥٨) وقال: أخرج أبو داود في \"مراسيله\" بسند صحيح عن قتادة أن النبي - ﷺ - قال: \"إن الجارية إذا حاضت لم يصلح أن يرى منها إلا وجهها ويداها إلى المفصل\" ثم قال: وهو مرسل صحيح يتقوى بما بعده!!\nفكلا الأثرين عن قتادة وكلاهما بإسناد صحيح إليه؛ فكيف يقبل أحدهما ويقال عنه \"مرسل صحيح يتقوى بما بعده\" ويرد الآخر ويقال عنه \"إسناد منقطع\" مع أن له ما يتقوى به أيضا!!","vol":"1","page":372},{"text":"ثم قال الشيخ الألباني: بأن من شيوخ المرسِلَين (قتادة وابن جريج) عطاء ابن أبي رباح كما هو مذكور في ترجمتهما فيحتمل حينئذ أن يعود الحديث إلى طريق واحدة مرسلة فلا يصح أن يدعم أحدهما بالآخر!\nفيقال بأن هذا احتمال لم يثبت!! بل إن الشيخ الألباني قوى مرسل خالد بن دريك بمرسل قتادة الذي سقناه آنفا وقد ثبت أن مدارهما على راو واحد وهو قتادة!! وقد أقر الشيخ الألباني بذلك في كتابه جلباب المرأة (ص/٤٧): حديث قتادة مرسلا بلفظ \"إن الجارية إذا حاضت لم يصلح أن يرى منها إلى وجهها ويداها إلى المفصل\"رواه أبو داود في كتابه \"المراسيل\"، ورواه في \"سننه\" عن قتادة عن خالد بن دريك عن عائشة ... بلفظ: \"إن المرأة إذا بلغت المحيض، لم يصلح أن يرى منها إلا هذا وهذا، وأشار إلى وجهه وكفيه\" فهذا بلا شك حديث واحد، مداره على راو واحد، وهو قتادة!!\nفكيف يقبل تقوية مرسل خالد بن دريك بأثر قتادة؛ وقد ثبت أن مدارهما على راوٍ واحد!!! وينكر في المقابل تقوية أثر ابن جريج بمرسل قتادة لاحتمال لم يَثبُت بأن مدارهما على راوٍ واحد؟!!\n٢ - ولذلك فإن من الشواهد التي يتقوى بها حديث ابن جريج؛ ما أخرجه أبو داود من حديث خالد بن دريك عن عائشة أن النبي - ﷺ - \" إن المرأة إذا بلغت المحيض لم تصلح أن يرى منها إلا هذا وهذا\" وأشار إلى وجهه وكفيه\".","vol":"1","page":373},{"text":"٣ - كما أن من شواهده حديث أسماء بنت عميس عن عائشة أن النبي - ﷺ - قال\" ليس للمرأة المسلمة أن يبدو منها إلا هذا وهذا \"\nقال دروزة محمد عزت (ت ١٤٠٤ هـ) في التفسير الحديث (٢/ ٣٨٨) بعد أن ساق أثر ابن جريج وقتادة: والحديثان لم يردا في كتب الأحاديث الخمسة ولكنهما متفقان مع ما ورد فيها، ومع ما ذكره المؤولون في تأويل جملة آية سورة النور.\nقال الشيخ الألباني في جلباب المرأة (ص/ ٤٨): والتوفيق لا يصار إليه إلا لو كان الحديثان من قسم الحديث المقبول. فحينئذ لا مناص من التوفيق بينهما كما هو معروف في علم المصطلح. اهـ\nفلما كان حديث خالد بن دريك من الحديث المقبول كما ذكر الشيخ الألباني؛ وثبت هنا أن حديث ابن جريج من الحديث المقبول أيضا لأن له شواهد يتقوى بها؛ فلا مناص إذن من التوفيق بينهما، فيعتضد كل منهما بالآخر، ويكون الحديث بمجموع الطريقين حسن.\n٦) أما قوله (ولم يجر عليه عمل) فغير صحيح؛ فقد جرى عليه عمل الصحابيات وقال به أهل العلم، فقد كان الخمار من عامة لباسهن في البيوت أمام من يحل له الدخول عليهن، ومما يشهد لذلك:\n- ورد عن شميسة أنها قالت (دخلت على عائشة وعليها ثياب من هذه السيد الصفاق (^١) ودرع وخمار) (^٢)\n_________\n(^١) ثوب صفيق: متين. والمراد به هنا الرداء.\n(^٢) الطبقات الكبرى لابن سعد ٨/ ٧٠ وصحح إسناده الألباني في جلباب المرأة /١٢٩.","vol":"1","page":374},{"text":"- كما ثبت في الصحيح أن عائشة ﵂ نذرت على نفسها ألا تكلم عبد الله بن الزبير ... وكانت تذكر نذرها بعد ذلك فتبكي حتى تبل دموعها خمارها. (^١) وذلك يقتضي ملازمة الخمار لها، كما يقال في الرجل كان يذكر الشيء فيبكي حتى تبل دموعه لحيته!!\n- كما ورد عن أنس بن مالك: أن صفية ﵂ لما غضب عليها رسول الله - ﷺ - أتت عائشة فقالت: يومي هذا لك من رسول الله - ﷺ - إن أنت أرضيته عني، فعمدت عائشة إلى خمارها وكانت صبغته\nبورس وزعفران فنضحته بشيء من ماء ثم جاءت حتى قعدت عند رأس رسول الله - ﷺ - ...) (^٢)\nكما يشهد لذلك قول أهل العلم:\n- ثبت عن بعض التابعين كالزهري، وطاوس، والشعبي، وحسن البصري، والضحاك؛ أنهم كرهوا النظر لشعر ذوات المحارم، وأن تضع المرأة خمارها عندهم. (^٣)\n_________\n(^١) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه ٥/ ٢٢٥٥ (٥٧٢٥).\n(^٢) سنن النسائي الكبرى ٥/ ٣٦٩ (٩١٦٢) الأحاديث المختارة للمقدسي (١٧٢٧) وقال إسناده حسن. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ٤/ ٣٢١: فيه سمية روى لها أبو داود وغيره ولم يضعفها أحد وبقية رجاله ثقات. وقال الألباني في الإرواء ٧/ ٨٥: ورجاله ثقات رجال مسلم غير سمية وهي مقبولة عند الحافظ ابن حجر.\n(^٣) مصنف عبد الرزاق ٧/ ٢١٢، مصنف بن أبي شيبة ٤/ ١١.","vol":"1","page":375},{"text":"- وقال إبراهيم بن محمد ابن مفلح في المبدع (٧/ ٨): (وعنه لا ينظر من ذوات محارمه إلا إلى الوجه والكفين) لقول ابن عباس في قوله تعالى ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ يعني وجهها وكفيها.\n- وفي الإنصاف للمرداوي (٨/ ٢٠): لا ينظر من ذوات محارمه إلى غير الوجه ذكرها في الرعاية وغيرها، وعنه لا ينظر منهن إلا إلى الوجه والكفين.\n- وفي التمهيد لابن عبد البر (٨/ ٢٣٦): ذوي المحارم لا يحتجب منهم ولا يستتر عنهم إلا العورات والمرأة فيما عدا وجهها وكفيها عورة بدليل أنه لا يجوز لها كشفه في الصلاة.\n- وفي القوانين الفقهية لابن جزي (١/ ٢٩): وإن كانت ذات محرم جاز له رؤية وجهها ويديها دون سائر جسدها على الأصح. اهـ\nولا زال العمل مستمرا على ذلك في بلادنا إلى القرن الثالث عشر، ثم بدأ التبرج في البيوت؛ حتى عمّ خارجها والله المستعان.\n٧) أما قول الشيخ الألباني: وفي حديث ابن جريج نكارة أخرى، وهي مخالفته للقرآن، فإنه صريح في إنكار خروج عائشة أمام ابن أخيها مزينة، والله ﷿ يقول: ﴿ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن﴾ الآية، وفيها: ﴿أو بني إخوانهن﴾، فهي صريحة الدلالة على جواز إبداء المرأة زينتها لابن أخيها. اهـ","vol":"1","page":376},{"text":"فيقال؛ بل إن ظاهر القرآن يوافقه - كما ذكرنا سابقا وما سيأتي تفصيله في مناقشة البحث التاسع - فإن المراد بقوله تعالى ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ كما قال ابن عباس: الزينة الظاهرة؛ الوجه وكحل العين وخضاب الكف والخاتم؛ فهذا تظهره في بيتها لمن دخل عليها ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ﴾ والزينة التي تبديها لهؤلاء الناس قرطاها وقلادتها وسواراها فأما خلخالها ومعضدتها ونحرها وشعرها فلا تبديه إلا لزوجها. (^١) قال البيهقي في سننه الكبرى بعد أن ساق هذه الرواية (٧/ ٩٤): وهذا هو الأفضل ألا تبدي من زينتها الباطنة شيئا لغير زوجها إلا ما يظهر منها في مهنتها.\nوهذا يكشف المراد بما استشهد به الشيخ الألباني في جلباب المرأة من قول البيهقي (ص/٥٩): وقد قوى البيهقي الحديث من وجهة أخرى، فقال بعدما ساق حديث عائشة، وبعد أن روى عن ابن عباس وغيره في تفسيره: ﴿إلا ما ظهر منها﴾؛ أنه الوجه والكفان، قال: (مع هذا المرسل قول من مضى من الصحابة ﵃ في بيان ما أباح الله من الزينة الظاهرة، فصار القول بذلك قويا) فمراده ما أثر عن ابن عباس وغيره من الصحابة بأن الزينة الظاهرة ما في الوجه\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١٨/ ١٢٠، تفسير ابن أبي حاتم ٨/ ٢٥٧٦ (١٤٤١٠) حسن إسناده أ. د. حكمت بن بشير بن ياسين في الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور (٣/ ٤٦٣).","vol":"1","page":377},{"text":"والكفين من الزينة، وأن هذا ما تبديه المرأة في بيتها لمن يحل له الدخول عليها والنظر إليها دون حجاب، وليس كما حمله عليه الشيخ الألباني.\nقال الشيخ الألباني في الرد المفحم (ص/٩٩): قال ابن تيمية: \"والمرسل في أحد قولي العلماء حجة إذا عضده قول جمهور أهل العلم وظاهر القرآن أو أرسل من وجه آخر\".اهـ\nفيقال وقد توفرت هذه الشروط كلها وزيادة في حديث ابن جريج كما تقدم بيانه فينبغي أن يكون حجة باتفاق لا خلاف فيه، فقد وافق ظاهر القرآن وقال به أهل العلم وجرى عليه عمل سلف هذه الأمة فصار قويا محتجا به على عورة المرأة أمام من يحل له الدخول عليها والنظر إليها دون حجاب من محارم وغيرهم. وسيأتي زيادة بيان لذلك قريبا في مناقشة البحث التاسع.\nفنخرج من هذا المبحث بأن حديث عائشة \" إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا هذا وهذا\" وأشار إلى وجهه وكفيه\" ليس فيه حجة على جواز كشف وجه المرأة الحرة أمام الرجال الأحرار الأجانب؛ لأن المراد به هو ما يحل للمرأة إظهاره لمن يحل لهم الدخول عليها والنظر إليها دون حجاب؛ وليس ما تظهره للرجال الأحرار الأجانب الذين يجب عليها الاحتجاب منهم.","vol":"1","page":378},{"text":"ــ:: البحث التاسع:: ــ\nتفسير آية الزينة ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ قال الشيخ الألباني: بعد أن أثبتنا صحة هذا الحديث أريد أن أبين أنه يصلح حينئذٍ أن يكون مبينًا لقوله تعالى ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾، فقوله - ﷺ - فيه: \" لم يصلح أن يرى منها\" بيان لقوله تعالى (إلا ما ظهر منها) أي: وجهها وكفيها، فالمنهي في الآية هو المنهي في الحديث، والمستثنى فيها هو المستثنى في الحديث ... ولا بد لي من سرد أسماء الصحابة المشار إليهم، مع ذكر بعض مخرجيها ومن صحح بعضها:\n١ - عائشة ﵂. عبد الرزاق، وابن أبي حاتم \"الدر المنثور\"، وابن أبي شيبة، والبيهقي، وصححه ابن حزم.\n٢ - عبد الله بن عباس ﵁. ابن أبي شيبة، والطحاوي، والبيهقي، وصححه ابن حزم أيضًا، وله عنه سبعة طرق.\n٣ - عبد الله بن عمر ﵁. ابن أبي شيبة، وصححه ابن حزم.\n٤ - أنس بن مالك ﵁. وصله ابن المنذر، وعلقه البيهقي.\n٥ - أبو هريرة ﵁. ابن عبد البر في \"التمهيد\".\n٦ - المسور بن مخرمة ﵁. ابن جرير الطبري.","vol":"1","page":379},{"text":"ــ::<span data-type=\"title\" id=toc-89> مناقشة البحث التاسع::</span> ــ\nقال تعالى ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (٣٠) وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ النور: ٣٠ - ٣١\nقال شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى (٢٢/ ١٠٩): والسلف قد تنازعوا في الزينة الظاهرة على قولين فقال ابن مسعود ومن وافقه هي الثياب، وقال ابن عباس ومن وافقه هي في الوجه واليدين مثل الكحل والخاتم وعلى هذين القولين تنازع الفقهاء في النظر إلى المرأة الأجنبية. اهـ\nونحن هنا نوافق الشيخ الألباني فيما ذكر من أن الحديث \"إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا هذا وهذا وأشار إلى وجهه وكفيه\" أنه يصلح حينئذٍ أن يكون مبينًا لقوله تعالى ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ ...","vol":"1","page":380},{"text":"أي: وجهها وكفيها، فالمنهي في الآية هو المنهي في الحديث، والمستثنى فيها هو المستثنى في الحديث\" (^١)\nولكن!!! هل حُملت هذه الآية ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ على ما أراد الله - ﷿ -؛ أم حيد عن مراد الله منها وحُملت أقوال المفسرين لها من الصحابة والتابعين وأئمة المفسرين على غير محملها؟ وهل المراد من قوله تعالى ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ هو ما يجوز للمرأة الحرة إظهاره أمام الرجال الأحرار الأجانب؛ حتى يكون فيه حجة على جواز كشف وجه المرأة الحرة لهم؟!! فإنه كما قال شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى (١/ ٢٤٦): والمنقول عن السلف والعلماء يحتاج إلى معرفة بثبوت لفظه ودلالته، كما يحتاج إلى ذلك المنقول عن الله ورسوله.\n_________\n(^١) أما قول الشيخ الألباني ص/١٢٤: فإن كانت الآية (يدنين عليهن من جلابيبهن) عامة فالحديث مخصص لها وإلا فهو مبين لها. اهـ فهذا لم يقل به أحد من أهل العلم ولا يؤيده عقل ولا نقل، لأنه ليس في الآية عموم أصلا! بل إن هذه الآية كما قال أهل العلم: نزلت خاصة في ستر الوجه، وهو الذي عليه مجموع أهل العلم من مفسرين وفقهاء ومحدثين، فليس في الآية عموم يحتاج إلى تخصيص كما ذكر الشيخ الألباني!! وحديث أسماء - على فرض صحته - يشير إلى ما يجوز للمرأة إظهاره لمن يحل له الدخول عليها والنظر إليها دون حجاب كما أسلفنا، أما آية الجلابيب فهي لحجب النساء الحرائر عن الرجال الأحرار الأجانب عند الخروج من البيوت فلها حكم مغاير، فلا تعارض بينهما حتى يقال بالتخصيص.","vol":"1","page":381},{"text":"فقد حمل المتأخرين هذه الآية ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ على أنها تبين ما يجوز للمرأة الحرة إبداؤه أمام الرجال الأحرار الأجانب الذين يجب عليها الاحتجاب منهم، فحملوا ما نقل عن ابن مسعود وابن عباس وغيرهم في تأويل قوله ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ على أن مرادهم ما تظهره المرأة لمن يجب عليها الاحتجاب منهم، ولذلك انقسموا إلى فريقين؛ الفريق الذي يرى وجوب ستر وجه المرأة أخذ بقول ابن مسعود وتجاهل قول ابن عباس!! والفريق الذي يرى جواز كشفه أخذ بقول ابن عباس ولم يلتفت إلى قول ابن مسعود!!\nولو حُملت هذه الآية ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ على أنها تبين ما يجوز للمرأة إظهاره لمن يحل لهم الدخول عليها والنظر إليها دون حجاب ممّن لم يستثنَ في الآية؛ وأن هذا مراد ابن مسعود وابن عباس في تأويلهما لقوله ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ لزال ما يعد خلافا بين ابن مسعود وابن عباس في تفسير هذه الآية.\nفإن هناك فئات من الناس يحل لهم الدخول على المرأة ورؤيتها دون حجاب لم يستثنوا في الآية وهم: العم والخال، والمحرم بالمصاهرة (زوج البنت، وزوج الأم، وابن الزوج، وأبو الزوج) (^١) والمحرم بالرضاع، والعبيد المملوكون للغير، والعبد المملوك إذا كان من أولي الإربة، والصبية المميزون الذين لم يبلغوا\n_________\n(^١) كما سيأتي لاحقا أنهم ليسوا المعنيون بقوله (أو آباء بعولتهن. .. أو أبناء بعولتهن)","vol":"1","page":382},{"text":"الحلم، والنساء غير المسلمات؛ فهؤلاء هم المعنيون بنهي المرأة الحرة عن إبداء زينتها لهم ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ وليس الرجال الأحرار الأجانب الذين منعوا من الدخول عليها في البيوت ومحادثتها إلا من وراء حجاب، وإن خرجت أُمرت أن تدني عليها من جلبابها لتستر وجهها وسائر بدنها عنهم.\nقال ابن عبد البر في التمهيد (٨/ ٢٣٥): احتجاب النساء من الرجال لم يكن في أول الإسلام وأنهم كانوا يرون النساء ولا يستتر نساؤهم عن رجالهم حتى نزلت آيات الحجاب وكان سبب نزولها فيما قال أهل العلم أن رسول الله - ﷺ - صنع طعاما ودعا إليه أصحابه في هداء زينب فلما أكلوا أطالوا الحديث فجعل النبي - ﷺ - يدخل ويخرج ويستحي منهم فأنزل الله - ﷿ - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ إلى قوله ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ الأحزاب: ٥٣ وأنزل الله - ﷿ - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٢٧) فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا﴾ النور\nثم نزلت ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾. اهـ","vol":"1","page":383},{"text":"فالذي يتحقق؛ أنه بعد أن ضُرب الحجاب في البيوت ومُنع الرجال الأحرار الأجانب من الدخول على النساء الأجنبيات الحرائر، وبقي الأِذن بالدخول عليهن ورؤيتهن دون حجاب للمحارم وللعبيد المملوكين من الأجانب؛ نزلت هذه الآيات من سورة النور لتبين حدود ما تظهره المرأة من الزينة أمامهم: فأمرت بالتحرز والتحفظ بعدم وضع الثياب الظاهرة (من رداء أو ملحفة وهو ما يسميه العامة الآن الجلال) وبضرب الخمار على الجيب لتستر النحر فلا تبدي إلا الوجه والكفين بما فيهما من الزينة؛ وهذا تظهره المرأة الحرة لمن يحل له الدخول عليها والنظر إليها دون حجاب ممن لم يستثن في الآية، وهو أيضا ما يحل أن تظهره الأمة المملوكة لجميع الرجال الأجانب لأن الحجاب إنما فرض على الحرائر.\nأما من استثنى الله في الآية ممن أبيح لهم النظر للمرأة؛ في قوله تعالى ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ ...﴾ النور: ٣٠ - ٣١ فقد أباح الله - ﷿ - لها أن تبدي لهم ما نهيت عن إظهاره من الزينة؛ فلا تضرب عندهم الخمار على جيبها، ولا تتخذ الرداء، فأبيح لها وضع الثياب الظاهرة عند هؤلاء.\nقال مقاتل بن سليمان في تفسيره (ت ١٥٠ هـ) ٢/ ٤١٧: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ يعنى الوجه والكفين وموضع السوارين ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ يعنى ولا يضعن الجلباب ﴿إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ﴾ إلى","vol":"1","page":384},{"text":"قوله ﴿عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾ فلا بأس بالمرأة أن تضع الجلباب عند هؤلاء المسلمين في هذه الآية.\nوسنذكر من الشواهد والقرائن في الآية ومما أُثر عن الصحابة والتابعين ومن أقوال المفسرين وغيرهم من أهل العلم ما يؤكد ما ذكرنا؛ من أن هذه الآية ... ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ تُبين ما يجوز للمرأة إظهاره لمن يحل له الدخول عليها والنظر إليها دون حجاب ممّن لم يستثن في الآية؛ وليس المراد ما تظهره المرأة الحرة للرجال الأحرار الأجانب الذين يجب عليها الاحتجاب منهم:\n\n- أولا:<span data-type=\"title\" id=toc-91> ما أثر عن الصحابة والتابعين في تفسير هذه الآية </span>يؤكد هذا المعنى ويشهد له:\nوقد أشار الشيخ الألباني إلى من فسّر الزينة الظاهرة بالوجه والكفين؛ مكتفيا بسرد أسمائهم ومخرجي أقوالهم! وبالرجوع إلى أقوالهم في المواضع المشار إليها يتبين أنهم لم يقتصروا في تفسير الزينة الظاهرة على (الوجه والكفين) فقط بل زاد بعضهم (الخاتم والسوار) وهي من الزينة التي لم يقل أحد من أهل العلم بجواز إبدائها للرجال الأجانب ولا الشيخ الألباني نفسه!\nوهذه أقوالهم التي أشار إليها الشيخ الألباني:","vol":"1","page":385},{"text":"١ - فقوله: عائشة ﵂. عبد الرزاق، وابن أبي حاتم \"الدر المنثور\"، وابن أبي شيبة، والبيهقي، وصححه ابن حزم.\n- أما عبد الرزاق فلم يخرج لها شيئا في تأويل قوله (إلا ما ظهر منها) ولعله سبق قلم أراد أن يقول الطبري، فإنه هو الذي أخرج لها في تفسيره (١٨/ ١١٩) في تأويل قوله ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ عن ابن جريج بإسناد صحيح قال: قالت عائشة (القلب والفتخة) والقلب: هو السوار كما في النهاية في غريب الأثر (٤/ ٩٨) والفتخة: جمعها فتخ، وهي خواتيم كبار كما في النهاية في غريب الأثر (٣/ ٤٠٨).\n- ومثله ما أخرجه ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم والبيهقي؛ قال السيوطي في الدر المنثور (٦/ ١٨٠): وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر والبيهقي في سننه عن عائشة ﵂ أنها سئلت عن الزينة الظاهرة فقالت (القلب والفتخة) وضمت طرف كمها. (^١)\nولم يُخرّج أنها قالت (الوجه والكفان) إلا البيهقي في سننه الكبرى (٢/ ٢٢٦) وقد صرح الشيخ الألباني بضعف هذه الرواية في رده المفحم/ ١٢٩ فقال: ولفظ\n_________\n(^١) مصنف ابن أبي شيبة (٣/ ٥٤٦) تفسير ابن أبي حاتم (٨/ ٢٥٧٥) سنن البيهقي الكبرى (٧/ ٨٦).","vol":"1","page":386},{"text":"حديثها عن البيهقي (٢/ ٢٢٦): \" ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ الوجه والكفان\" وإسناده ضعيف (^١)، لكن له طريق أخرى بنحوه عند ابن أبي شيبة وغيره! اهـ\nوقد رأينا ما أخرجه عنها ابن أبي شيبة وغيره بلفظ (القلب والفتخة) وليس (الوجه والكفان)!\n* فخلاصة ما صح عن عائشة ﵂ أن الزينة الظاهرة هي السوار والخاتم.\n٢ - أما قول الشيخ الألباني: عبد الله بن عباس ﵁. ابن أبي شيبة، والطحاوي، والبيهقي، وصححه ابن حزم أيضًا، وله عنه سبعة طرق. اهـ\n- أخرج ابن أبي شيبة في مصنفه (٣/ ٥٤٦): عن جابر بن زيد عن ابن عباس ولا يبدين زينتهن قال (الكف ورقعة الوجه) وفي إسناده مقال (^٢) وعلى فرض صحته\n_________\n(^١) في إسناده عقبة بن الأصم قال البيهقي: وعقبة ضعيف لا يحتج به. كما في تنقيح تحقيق أحاديث التعليق ٣/ ٥٢.\n(^٢) قال الشيخ الألباني إرواء الغليل (٦/ ٢٠٠) هذا إسناد صحيح رجاله ثقات رجال البخارى، غير صالح الدهان ترجمه ابن أبى حاتم (٢/ ١/٣٩٣) وروي عن أحمد: ليس به بأس، وعن ابن معين: ثقة. اهـ\nقلت: صالح هذا لم يرو عنه أحد في الكتب الستة؛ وفي تهذيب الكمال (١٣/ ٤٠): قال بن عدي: \" لم يحضرني له حديث وليس بالمعروف. ولم يخرجوا له شيئا \" وفي إسناده أيضا زياد بن الربيع؛ قال الشيخ الألباني: \"هو ثقة دون أي خلاف يذكر وقد احتج به البخاري في صحيحه\". قلت لم يرو له البخاري إلا حديث واحدا؛ قال المزي في تهذيب الكمال (٩/ ٤٦٠): قال أبي داود: ثقة. وقال أحمد بن حنبل: شيخ بصري ليس به بأس، قال ابن شاهين: كان شيخا صدوقا وليس بحجة، قال البخاري: في إسناده نظر.","vol":"1","page":387},{"text":"فإن المراد قصر ما يحل إظهاره من الزينة بما كان في رقعة الوجه والكفين دون توسع فيما جاورهما.\nوعند ابن أبي شيبة من طريق آخر (٣/ ٥٤٧) عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: (وجهها وكفها). وإسناده ضعيف، قال الشيخ الألباني في رده المفحم /١٣٣: \" وقد تابعه سعيد بن جبير عن ابن عباس عند ابن أبي شيبة أيضا وفي سنده ضعيف\". (^١)\n- أما ما أخرجه الطحاوي عن ابن عباس: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ قال: (الكحل والخاتم) (^٢).\n- وكذلك البيهقي لم يخرج له أنه قال (الوجه والكفين) إلا من طريق واحدة ضعيفة في السنن الكبرى (٢/ ٢٢٥): قال (ما في الكف والوجه). أما ما صح من الطرق عند البيهقي فقال فيها ابن عباس (الكحل والخاتم) (^٣) وفي رواية قال: والزينة الظاهرة (الوجه وكحل العين وخضاب الكف والخاتم فهذا تظهره في بيتها لمن دخل عليها). (^٤)\n_________\n(^١) وهو عبد الله بن مسلم بن هرمز المكي؛ ضعفه أحمد وابن معين وأبو داود والنسائي وأبو حاتم (تهذيب الكمال ١٦/ ١٢٨).\n(^٢) شرح معاني الآثار للطحاوي (٤/ ٣٣٢).\n(^٣) سنن البيهقي الكبرى (٧/ ٨٥) (٢/ ٢٢٥).\n(^٤) سنن البهقي الكبرى (٧/ ٩٤) وأخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره ١٨/ ١١٨، وإسناده حسن.","vol":"1","page":388},{"text":"- وأخرج ابن أبي حاتم في تفسيره (٨/ ٢٥٧٤) عن ابن عباس قال (وجهها وكفاها والخاتم). (^١)\n- وأخرج الطبري في تفسيره (١٨/ ١١٩) عن ابن عباس قال (الخاتم والمسكة). المسكة: السوار.\n* فخلاصة ما صح عن ابن عباس أن الزينة الظاهرة هي مافي الوجه والكفين من الزينة ونص على أن منها الخاتم والسوار.\n٣ - أما قول الشيخ الألباني: عبد الله بن عمر ﵁. ابن أبي شيبة، وصححه ابن حزم. اهـ\n- أخرج ابن أبي شيبة في مصنفه (٣/ ٥٤٦) قال ابن عمر: الزينة الظاهرة الوجه والكفان. (^٢) وما أشبه إسناده بإسناد أثر ابن عباس في تفسير آية الإدناء الذي\n_________\n(^١) صحح إسناده يحيى بن معين في الجزء الثاني من حديث يحيى بن معين (الفوائد) ١/ ٨٨.\n(^٢) في إسناده هشام بن الغاز: قال المزي في تهذيب الكمال (٣٠/ ٢٥٩): قال أحمد بن حنبل: صالح الحديث، وقال يحيى بن معين: ليس به بأس، وقال دحيم: ثقة، قال عبد الرحمن بن إبراهيم: مستقيم الحديث. وفيه شبابة بن سوار: قال المزي في تهذيب الكمال (١٢/ ٣٤٧): قال علي بن المديني: شيخ صدوق إلا أنه كان يقول بالإرجاء، وقال محمد بن سعد: صالح الحديث، وقال أبو حاتم: صدوق يكتب حديثه ولا يحتج به، قال ابن عدي: لا بأس به.","vol":"1","page":389},{"text":"رماه الشيخ بالضعف!! ولذلك عزا تصحيحه لابن حزم!! ومع ذلك فإن المراد كما أسلفنا قصر ما يحل إظهاره من الزينة بما في الوجه والكفين من الزينة.\n٤ - أما قول الشيخ الألباني: أنس بن مالك ﵁. وصله ابن المنذر، وعلقه البيهقي. اهـ\n- قال السيوطي في الدر المنثور (٦/ ١٧٩): وأخرج ابن المنذر عن أنس في قوله ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ قال (الكحل والخاتم). وهو ما علقه البيهقي في سننه الكبرى (٢/ ٢٢٥): عن ابن عباس في قوله ولا يبدين زينتهن ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ قال (الكحل والخاتم) وروينا عن أنس بن مالك مثل هذا.\n* فهذا أنس ﵁ يوافق قول عائشة وابن عباس ﵄ في أن الخاتم من الزينة الظاهرة.\n٥ - أما قول الشيخ الألباني: أبو هريرة ﵁. ابن عبد البر في \"التمهيد\".هـ\n- قال ابن عبد البر في التمهيد (٦/ ٣٦٨): وقد روى عن أبي هريرة في قوله تعالى\n﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ قال (القلب والفتخة) قال جرير بن حازم: القلب السوار، والفتخة الخاتم.","vol":"1","page":390},{"text":"* وهذا أبو هريرة - ﵁ - أيضا يوافق عائشة وابن عباس ﵃ على أن المراد بالزينة الظاهرة السوار والخاتم.\n٦ - أما قول الشيخ الألباني: المسور بن مخرمة ﵁. ابن جرير الطبري. اهـ\n- أخرج ابن جرير الطبري في تفسيره (١٨/ ١١٩) عن المسور بن مخرمة: في قوله (إلا ما ظهر منها) قال (القلبين والخاتم والكحل). القلبين: مثنى من القلب وهو السوار.\n* وهذا المسور بن مخرمة - ﵁ - يوافق أيضا عائشة وابن عباس وأبا هريرة - ﵃ - أن المراد بالزينة الظاهرة الخاتم والسوار.\nوبعد أن عرضنا هذه الأقوال التي أشار إليها الشيخ الألباني دون أن ينقلها؛ ننقل أيضا ما أشار إليه من تصحيح ابن حزم لبعض هذه الأقوال دون أن ينقل قول ابن حزم أو يشير إلى الموضع الذي صححها فيه!!\nقال ابن حزم في المحلى (٣/ ٢٢١): وقد روينا عن ابن عباس في ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ قال \"الكف والخاتم والوجه\"، وعن ابن عمر \"الوجه والكفان\"، وعن أنس \"الكف والخاتم\" وكل هذا عنهم في غاية الصحة، وكذلك أيضا عن عائشة وغيرها من التابعين.","vol":"1","page":391},{"text":"فالأثر الذي صححه ابن حزم عن ابن عباس وأنس؛ فيه أن الخاتم من الزينة الظاهرة، كما أن ابن حزم أشار إلى صحة ما أثر عن عائشة ولم يصح عنها إلا قولها (القلب والفتخة). وكذلك ما صح عن بعض التابعين من تلامذة ابن عباس مما يعضد الأقوال السابقة:\n- عن قتادة في قوله ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ قال \"المسكتان والخاتم والكحل\"وعنه من طريق آخر قال: \"الكحل والسوران والخاتم\". (^١)\n- عن سعيد بن جبير قال ﴿مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ الكحل والخاتم. (^٢) وفي رواية قال: الخاتم والخضاب والكحل. (^٣)\n- عن مجاهد قوله ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ قال الكحل والخضاب والخاتم. (^٤)\nفخلاصة ما صح عن الصحابة؛ عائشة، وابن عباس، وأبي هريرة، والمسور بن مخرمة والتابعين؛ سعيد بن جبير ومجاهد وقتادة؛ أن الزينة الظاهرة هي: الكحل والخاتم والسوار.\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١٨/ ١١٨\n(^٢) نفسير الطبري ١٨/ ١١٧\n(^٣) مصنف ابن أبي شيبة ٣/ ٥٤٧ (١٧٠١٥).\n(^٤) تفسير الطبري ١٨/ ١١٧.","vol":"1","page":392},{"text":"فإذا ثبت عن كبار الصحابة والتابعين في تفسير قوله تعالى ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ ... أن الخاتم والسوار من الزينة الظاهرة؛ دل ذلك على أن الذين تبدى لهم الزينة الظاهرة ليسوا من الرجال الأجانب الذين يُحتجب عنهم. لأنه من الثابت شرعا النهى عن إبداء هذه الزينة للرجال الأجانب، وأهل العلم قاطبة مجمعون على تحريم إبداء ذلك للرجال الأجانب (^١)،\n_________\n(^١) ومنهم الشيخ الألباني حيث قال في جلباب المرأة /٨٩: فثبت أن الوجه ليس بعورة يجب ستره ... لكن ينبغي تقييد هذا بما إذا لم يكن على الوجه وكذا الكفين شيء من الزينة لعموم قوله تعالى: (ولا يبدين زينتهن) وإلا وجب ستر ذلك ولا سيما في هذا العصر الذي تفنن فيه النساء بتزيين وجوههن وأيديهن بأنواع من الزينة والأصبغة مما لا يشك مسلم في تحريمه، ويؤيد هذا ما أخرجه ابن سعد (٨/ ٢٣٨ - ٢٣٩) عن أخت حذيفة وكان له أخوات قد أدركن النبي - ﷺ - قالت: (خطبنا رسول الله - ﷺ - فقال: يا معشر النساء أليس لكن في الفضة ما تحلين؟ أما إنه ليس منكن امرأة تحلى ذهبا تظهره إلا عذبت به قال منصور: فذكرت ذلك لمجاهد فقال: قد أدركتهن وإن إحداهن لتتخذ لكمها زرا تواري خاتمها). اهـ\nومما يشهد أيضا لعدم جواز إبداء هذه الزينة للرجال الأجانب ما ورد عن عمارة بن خزيمة قال: خرجنا مع عمرو بن العاص متوجهين إلى مكة فإذا نحن بامرأة عليها حبائر لها وخواتيم وقد بسطت يدها على الهودج، فقال كنا مع النبي - ﷺ - فإذا نحن بغربان وفيها غراب أعصم أحمر المنقار والرجلين فقال\" لا يدخل الجنة من النساء إلا قدر هذا الغراب في هؤلاء الغربان\". أخرجه أحمد في مسنده (١٧٨٦٠) قال الهيثمي في مجمع الزوائد ١٠/ ٤٠٠ رجاله ثقات، والنسائي في السنن الكبرى (٩٢٦٨) وأبي يعلى في مسنده (٧٣٤٣) واللفظ له، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة ٤/ ٤٦٦ (١٨٥٠) وقال الحبائر: ضرب من الأسورة، وفي لسان العرب ٤/ ١١٥: الحبائر: الأسورة من الذهب والفضة.\nفدل استحضار عمرو بن العاص لهذا الحديث بعد أن رأى هذه المرأة التي أظهرت يديها بما فيها من أساور وخواتيم أمام الرجال الأجانب على أن هذا الأمر مما نهى عنه الشرع وأنه قد يكون حائلا دون دخول الجنة!","vol":"1","page":393},{"text":"قال إمام المفسرين ابن جرير الطبري في تفسيره (١٩/ ١٥٨):\nوأولى الأقوال في ذلك بالصواب: قول من قال: عنى بذلك: الوجه والكفان، يدخل في ذلك إذا كان كذلك: الكحل، والخاتم، والسوار، والخضاب. وإنما قلنا ذلك أولى الأقوال في ذلك بالتأويل؛ لإجماع الجميع على أن على كل مصل أن يستر عورته في صلاته، وأن للمرأة أن تكشف وجهها وكفيها في صلاتها، وأن عليها أن تستر ما عدا ذلك من بدنها، إلا ما روي عن النبي - ﷺ - أنه أباح لها أن تبديه من ذراعها إلى قدر النصف. (^١) اهـ\nوقال ابن عطية (ت ٥٤٢ هـ) في تفسيره المحرر الوجيز (٤/ ١٧٨) والقرطبي (ت ٦٧١ هـ) في تفسيره الجامع لأحكام القرآن (١٢/ ٢٢٨) والشوكاني في فتح القدير (٤/ ٢٧): أمر الله ﷾ النساء بألا يبدين زينتهن للناظرين إلا ما استثناه من الناظرين في باقي الآية حذارا من الافتتان، ثم استثنى ما يظهر من الزينة، واختلف الناس في قدر ذلك ... وقال ابن عباس وقتادة والمسور بن مخرمة: ظاهر الزينة هو الكحل والسوار والخضاب إلى نصف الذراع والقرطة والفتخ، ونحو هذا فمباح أن تبديه المرأة لكل من دخل عليها من الناس. قال القرطبي: فهذا أقوى من جانب الاحتياط، ولمراعاة فساد الناس فلا تبدي المرأة من زينتها إلا ما ظهر من وجهها وكفيها. اهـ\n_________\n(^١) لما أخرجه من حديث ابن جريج وقتادة، وقد بينا أن المراد من الحديث إباحة إظهار مقدار قبضة من الذراع وليس نصف الذراع.","vol":"1","page":394},{"text":"فمما يبين أن مرادهم أن الزينة الظاهرة إنما يباح إظاهرها لمن يحل لهم الدخول عليها والنظر إليها دون حجاب:\n١ - قولهم (لا يبدين زينتهن للناظرين) لتقييد من يحل إبداء الزينة الظاهرة لهم بكونهم ممن أبيح لهم النظر للمرأة.\n٢ - قولهم (والسوار والخضاب إلى نصف الذراع والقرطة والفتخ) وهذا مما لم يقل بجواز إبدائه للرجال الأحرار الأجانب أحد من أهل العلم مطلقا ولا الشيخ الألباني نفسه؛ فهذا يؤكد أن مرادهم أن من تبدى لهم الزينة الظاهرة هم ممن أبيح لهم الدخول على المرأة والنظر إليها دون حجاب.\n٣ - قولهم بعدها (ونحو هذا فمباح أن تبديه المرأة لكل من دخل عليها من الناس) وهذا تصريح بأن الزينة الظاهرة إنما تبدى لمن يباح لهم الدخول عليها والنظر إليها دون حجاب.\n٤ - قول القرطبي (فهذا أقوى من جانب الاحتياط ولمراعاة فساد الناس فلا تبدي المرأة من زينتها إلا ما ظهر من وجهها وكفيها) فجعل الاقتصار على كشف الوجه والكفين من جانب الاحتياط ومراعاة الفساد وهذا يؤكد أن من أُبيح لها أن تكشف لهم ذلك هم ممن يباح لهم الدخول عليها والنظر إليها دون حجاب حتى كان الاقتصار على كشف الوجه والكفين لهم يعد من باب الاحتياط ومراعاة الفساد. فإنه من المجمع عليه أن ستر ماعدا الوجه والكفين من الرجال الأجانب واجب وليس من باب الاحتياط!","vol":"1","page":395},{"text":"فلما ثبت أن المراد بالزينة الظاهرة؛ ما تبديه المرأة لمن يحل له الدخول عليها والنظر إليها دون حجاب؛ ثبت بذلك براءة ابن عباس مما نسب إليه من القول بجواز كشف الوجه.\nقال أ. د. حكمت بن بشير بن ياسين في الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور (٣/ ٤٦٣): أخرج الطبري بسنده الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله: (ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها) قال: \" والزينة الظاهرة: الوجه، وكحل العين، وخضاب الكف، والخاتم فهذه تظهر في بيتها لمن دخل من الناس عليها\" هكذا تمام كلام ابن عباس ولكن كثيرًا من العلماء ينقلون عنه الشق الأول! فما نسب إلى ابن عباس بأن المراد من قوله تعالى (إلا ما ظهر منها) الوجه والكفان، ليس مطلقًا وإنما هو مقيد في بيتها لمن دخل من الناس عليها. ومما يؤكد هذا تفسيره لقوله تعالى (يدنين عليهن من جلابيبهن) فقد أخرج الطبري بسنده الحسن عن ابن عباس قال: \" أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن بالجلابيب ويبدين عينًا واحدة\" فقد صح مثله عن عبيدة السلماني. وانظر الرواية التالية لابن عباس: أخرج الطبري بسنده الحسن عن ابن عباس، قال ﴿ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن﴾ إلى قوله: ﴿عورات النساء﴾ قال: الزينة التي يبدينها لهؤلاء: قرطاها وقلادتها وسوارها، فأما خلخالاها ومعضداها، ونحرها، وشعرها فإنه لا تبديه إلا لزوجها \" وفيها أن الزينة التي تبديها لهؤلاء قرطاها وقلادتها وسواراها، وأما الخلخال والنحر والشعر فلا تبديه إلا لزوجها. ومع الأسف الشديد أن مسألة جواز كشف الوجه واليدين ينسبه العلماء لابن عباس على إطلاقه، فليحرر.","vol":"1","page":396},{"text":"- ثانيا: توافق المعنى الذي يحمله تأويل ابن عباس وابن مسعود - ﵃ - لهذه الآية ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ حيث ظن المتأخرون أن تأويل ابن عباس للزينة الظاهرة بما في الوجه والكفين من الزينة؛ يناقض تأويل ابن مسعود الذي قال إنها تعني الثياب الظاهرة، والصحيح أنه لاتناقض بينهما؛ فإن الآية تضمنت معنيين مترادفين أشار ابن عباس إلى أحدهما وأشار ابن مسعود إلى الآخر، فإن الله تعالى نهى المرأة في هذه الآية عن إبداء زينتها فقال ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ وهذه الزينة المنهية عن إبدائها كما صح عن ابن مسعود هي \" القرط والدملج (^١) والخلخال والقلادة\" (^٢) وفي رواية قال \" لا خلخال ولا شنف (^٣) ولا قرط ولا قلادة (إلا ما ظهر منها) قال: الثياب\" (^٤) ولا يكون للمرأة أن تخفي هذه الزينة إلا بلبس ما يخفيها من خمار ورداء أو ملحفة مما تتخذه المرأة في بيتها، وهو ما عبر عنه ابن مسعود بقوله (الثياب) ويؤكد هذا المعنى أن الله تعالى ثنّى بعد هذا الأمر بقوله ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ ... وليشددنها على جيوبهن حتى لا تنكشف نحورهن بما فيها من الزينة.\n_________\n(^١) الدملج: المعضد من الحلي (النهاية في غريب الأثر ٢/ ١٣٤).\n(^٢) ابن جرير في تفسيره ١٨/ ١١٧ تفسير ابن أبي حاتم ٨/ ٢٥٧٤ والطبراني في المعجم الكبير ٩/ ٢٢٨ (٩١١٦) واللفظ له.\n(^٣) الشنف: ما علق في أعلى الأذن، وأما ما علق في أسفلها فقرط (القاموس المحيط/ ٨٢٦)\n(^٤) المستدرك على الصحيحين (٣٤٩٩) وقال صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي.\nوفيه شاهد أن الذين تبدى لهم الزينة الظاهرة هم ممن يحل لهم الدخول على المرأة ورؤيتها حتى انه قد يُظن أنه يجوز للمرأة أن تبدي لهم الخلاخل والقرطين والقلائد.","vol":"1","page":397},{"text":"وأما المعنى الآخر الذي ذهب إليه ابن عباس فهو أن المرأة إذا أخفت هذه الزينة بلبس الرداء - دون أن تدنيه على وجهها - وضربت الخمار على جيبها فلن يبقى مكشوفا إلا الوجه والكفين بما فيهما من الزينة وإلى هذا المعنى أشار ابن عباس. وبذلك أمكن جمع كل ما ورد في تأويل قوله تعالى (إلا ما ظهر منها) واتضح الاتفاق وزال ما يُعد خلافا بين ابن مسعود وابن عباس.\nومما يؤكد ترادف المعنيين وعدم تناقضهما الآتي:\n١ - أنه قد صح عن بعض التابعين الجمع بين هذين القولين في تفسير هذه الآية\n- قال مجاهد: الثياب والخضاب والخاتم والكحل (^١)\n- قال عكرمة: ثيابها وكحلها وخضابها. (^٢)\n- قال الشعبي: الكحل والخضاب والثياب (^٣). وفي رواية قال الكحل والثياب. (^٤)\n- قال الحسن: الوجه والثياب. (^٥)\n_________\n(^١) تفسير ابن أبي حاتم ٨/ ٢٥٧٤ (١٤٤٠١)\n(^٢) يحيى بن معين في (الفوائد) ١/ ١٧٢ وقال إسناده صحيح.\n(^٣) تفسير الطبري ١٨/ ١١٨\n(^٤) مصنف ابن أبي شيبة ٣/ ٥٤٦ (١٧٠٠٧)\n(^٥) تفسير الطبري ١٨/ ١١٨، مصنف ابن أبي شيبة ٣/ ٥٤٦ (١٧٠١٠) وصححه شيخ الإسلام ابن تيمية كما سيأتي.","vol":"1","page":398},{"text":"قال شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه حجاب المرأة ولباسها في الصلاة (١/ ١٩): ولذلك ذهب بعض السلف إلى الجمع بين قوليهما فقال ابن جرير في تفسيره (١٨/ ٩٤): وقال آخرون عني به الوجه والثياب؛ ثم روى بإسنادين صحيحين له عن الحسن البصري أنه قال: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ ... قال: \"الوجه والثياب\" (^١)\n\n٢ - أنه لم يثبت عن ابن مسعود في تفسير هذه الآية ما يعارض قول ابن عباس: قال ابن مسعود: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ \"الزينة القرط والدملج والخلخال والقلادة \" فإنه لم يقل الزينة: الوجه والكف والكحل والخاتم! حتى يقال إنه خالف ابن عباس!\n﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ قال \"الثياب\" (^٢) ولم يقل تغطي الوجه والكفين بالثياب حتى يقال إنه خالف ابن عباس!\nوقول ابن عباس ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ الكف والوجه؛ ليست موضعا للخلخال ولا للقرط ولا للقلادة حتى يقال إنه خالف ابن مسعود!\n_________\n(^١) عن عثمان البتي قال\" ما فسر الحسن آية قط إلا عن الأثبات\" سنن أبي داود (٤٦٢٦) وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود ٤/ ٢٠٦.\n(^٢) تفسير ابن جرير الطبري ١٨/ ١١٨ تفسير ابن أبي حاتم ٨/ ٢٥٧٤ (١٤٤٠٠) مصنف ابن أبي شيبة ٣/ ٥٤٦ (١٧٠٠٤) المعجم الكبير ٩/ ٢٢٨ (٩١١٥).","vol":"1","page":399},{"text":"فما وجه الخلاف إذن؛ وابن مسعود لم يعُدّ مما سيَخفَى من الزينة تحت الثياب؛ ما أظهره ابن عباس من الوجه والكف، وابن عباس لم يُظهر ما أخفاه ابن مسعود تحت الثياب!!\nوهذا يبين خطأ الشيخ الألباني في قوله في كتابه الجلباب/٥٣: فابن عباس ومن معه من الأصحاب والتابعين والمفسرين إنما يشيرون بتفسيرهم لآية ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ إلى هذه العادة التي كانت معروفة عند نزولها وأقروا عليها فلا يجوز إذن معارضة تفسيرهم بتفسير ابن مسعود الذي لم يتابعه عليه أحد من الصحابة لأمرين اثنين:\nالأول: أنه أطلق الثياب ولا قائل بهذا الإطلاق لأنه يشمل الثياب الداخلية التي هي في نفسها زينة، فإذن هو يريد منها الجلباب فقط الذي تظهره المرأة من ثيابها إذا خرجت من دارها.\nوالآخر: أن هذا التفسير لا ينسجم مع بقية الآية وهي: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ﴾ الآية فالزينة الأولى هي عين الزينة الثانية كما هو معروف في الأسلوب العربي: أنهم إذا ذكروا اسما معرفا ثم كرروه فهو هو فإذا كان الأمر كذلك فهل الآباء ومن ذكروا معهم في الآية لا يجوز لهم أن ينظروا إلا إلى ثيابهن الباطنة؟ اهـ","vol":"1","page":400},{"text":"وبيان خطأ الشيخ الألباني في ذلك يتضح بالآتي:\nإذا صح الإسناد إلى ابن مسعود؛ فينبغي أن يكون قوله هو المقدم في تفسير كتاب الله وهو من أعلم صحابة رسول الله - ﷺ - بكتاب الله، كما ذكر ابن عبد البر في الاستذكار (٦/ ٥١٩): قال أبو وائل لما أمر عثمان بالمصاحف أن تشقق قال عبد الله \"لا أعلم أحدا أعلم بكتاب الله مني\" قال أبو وائل: فقمت إلى الخلق لأسمع ما يقولون؛ فما سمعت أحدا من أصحاب محمد ينكر ذلك عليه. وقال عقبة بن عمرو الأنصاري: ما أرى رجلا أعلم بما أنزل الله ﷿ على محمد - ﷺ - من عبد الله بن مسعود. وقال أبو موسى الأشعري ليوم أو ساعة أجالس فيها عبد الله بن مسعود أوثق في نفسي من عمل سنة كان يسمع حين لا نسمع ويدخل حين لا ندخل. وقال لا تسألوني عن شيء ما دام هذا الحبر بين أظهركم. اهـ\nكما أنه قد وافق ابن مسعود جمع من التابعين ممن قرن في تفسير الزينة الظاهرة بين الوجه والكفين؛ والثياب كما أسلفناهم، وأضف إ ليهم من وافقه: -كعبيدة السلماني ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ ... قال الثياب. (^١)\nوموافقته هنا لابن مسعود في تفسير هذه الآية يشهد لما ذكرنا من كونه أخذ تفسير آية إدناء الجلابيب عن ابن مسعود أيضا.\n_________\n(^١) يحيى بن معين (الفوائد) ١/ ١٧٢ وقال إسناده صحيح.","vol":"1","page":401},{"text":"- وإبراهيم النخعي في قوله ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ قال الثياب. (^١)\n- وماهان الحنفي ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ قال الثياب. (^٢)\nأما قوله (إنه أطلق الثياب ولا قائل بهذا الإطلاق لأنه يشمل الثياب الداخلية التي هي في نفسها زينة) فنقول إن ما أطلقه مقيد في رواية أخرى صحت عنه أنه قال في تأويل قوله ﴿مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ الرداء. (^٣)\nأما قوله (إن هذا التفسير لا ينسجم مع بقية الآية وهي: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ﴾ الآية فالزينة الأولى هي عين الزينة الثانية ...) ... فيقال إذا كانت الزينة الأولى هي عين الزينة الثانية؛ فتكون على قول ابن مسعود ليست الثياب الباطنة فقط بل تكون كل ما سينكشف من الزينة إذا وضعت الثياب الظاهرة؛ وهذا ما أقره الشيخ الألباني؛ فقال إنه لا يجوز إبداء أكثر من هذه المواضع من الزينة حيث قال في الرد المفحم (ص: ٧٥): \"فإن المراد مواضع الزينة، وهي: القرط والدملج والخلخال والقلادة، وهذا باتفاق علماء التفسير وهو المروي عن ابن مسعود. . . فهذا النص القرآني صريح في أن المرأة لا يجوز لها\n_________\n(^١) مصنف ابن أبي شيبة ٣/ ٥٤٦ (١٧٠٠٦) تفسير الطبري ١٨/ ١١٨\n(^٢) مصنف ابن أبي شيبة ٣/ ٥٤٦ (١٧٠٠٩) وماهان الحنفي أبو سالم الكوفي الأعور العابد روى عن بن عباس وأم سلمة ثقة عابد قتله الحجاج سنة ثلاث وثمانين (تهذيب التهذيب ١٠/ ٢٤، تقريب التهذيب ١/ ٥١٨)\n(^٣) تفسير الطبري ١٨/ ١١٨، تفسير ابن أبي حاتم ٨/ ٢٥٧٤ (١٤٣٩٩).","vol":"1","page":402},{"text":"أن تُبدي أمام المسلمة أكثر من هذه المواضع ... ولا تخفى كثرة المفاسد التي تترتب من تكشف النساء أمام النساء المسلمات بل وأمام الذمّيات أيضًا، بل وأمام الرجال المحارم أيضًا\".اهـ\nوالقرآن يشهد لصحة تفسير ابن مسعود؛ والقرآن يفسر بعضه بعضا:\n١ - فإن الرخصة بوضع الثياب للنساء القواعد في آخر سورة النور هي استثناء من هذه الآية، كما جاء ذلك عن ابن عباس قال ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ فنسخ واستثنى من ذلك ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ﴾ النور ٦٠. (^١) فإذا كانت الآية الناسخة فيها استثناء النساء القواعد بالإذن لهن بوضع الثياب دل ذلك على أن الآية الأولى فيها عدم الإذن بوضع الثياب، وهذا يوافق ما قال ابن مسعود.\n٢ - كما أخرج الطبري عن ابن عباس في قوله تعالى ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ الأعراف: ٣١ ... ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ﴾ ... قال الثياب. (^٢)\nوهذه موافقة من ابن عباس لابن مسعود في تفسير الزينة بالثياب.\n_________\n(^١) سنن أبي داود ٤/ ٦٣ (٤١١١) حسن إسناده الألباني في صحيح سنن أبي داود ٤/ ٦٣. وانظر الناسخ والمنسوخ للمقري ١/ ١٣٤ والناسخ والمنسوخ للكرمي ١/ ١٥٧ وناسخ القرآن ومنسوخه ١/ ٤٣.\n(^٢) تفسير الطبري ٨/ ١٦٠.","vol":"1","page":403},{"text":"بل إن تفسير الزينة بالوجه والكفين هو خلاف ظاهر القرآن ولغة العرب، إلا أن يكون المراد مافي الوجه والكفين من الزينة:\nقال الشنقيطي في أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن (٥/ ٥١٦): الزينة في لغة العرب، هي ما تتزين به المرأة مما هو خارج عن أصل خلقتها: كالحلي، والحلل. فتفسير الزينة ببعض بدن المرأة خلاف الظاهر، ولا يجوز الحمل عليه، إلا بدليل يجب الرجوع إليه، وبه تعلم أن قول من قال: الزينة الظاهرة: الوجه، والكفان خلاف ظاهر معنى لفظ الآية، وذلك قرينة على عدم صحة هذا القول.\nكما أن لفظ الزينة يكثر تكرره في القرآن العظيم مرادا به الزينة الخارجة عن أصل المزين بها، ولا يراد بها بعض أجزاء ذلك الشيء المزين بها كقوله تعالى (يابني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد) الأعراف ٣١، وقوله تعالى (إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها) الكهف ٧، وقوله تعالى (المال والبنون زينة الحياة الدنيا) الكهف ٤٦، وقوله تعالى (إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب) الصافات ٦، وقوله تعالى (فخرج على قومه في زينته) القصص ٧٩، وقوله تعالى عن قوم موسى: (ولكنا حملنا أوزارا من زينة القوم) طه ٨٧، وقوله تعالى (ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن) النور ٣١، فلفظ الزينة في هذه الآيات كلها يراد به ما يزين به الشيء وهو ليس من أصل خلقته، كما ترى، وكون هذا المعنى هو الغالب في لفظ الزينة في القرآن، يدل على أن لفظ الزينة في محل النزاع يراد به هذا المعنى، الذي غلبت إرادته في القرآن العظيم، وهو المعروف في كلام العرب; كقول الشاعر (يأخذن زينتهن أحسن ما ترى وإذا عطلن فهن خير عواطل) وبه تعلم أن تفسير الزينة في الآية بالوجه والكفين، فيه نظر. اهـ","vol":"1","page":404},{"text":"* ثالثا: ومما يشهد أن نهي المرأة عن إبداء زينتها لمن يحل لهم رؤيتها ممن لم يستثن في الآية يحمل معنى لبسها لما يخفي هذه الزينة من الثياب الظاهرة (من رداء أو ملحفة أو جلباب) مع ضرب الخمار على الجيب؛ الأمور الآتية:\n١) ما أسلفناه من أن الرخصة بوضع الجلباب والرداء للنساء القواعد في آخر سورة النور هي استثناء من هذه الآية، كما جاء عن ابن عباس ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ فنسخ واستثنى من ذلك ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ﴾. (^١) وقد صح عن ابن مسعود وابن عباس أن المراد بقوله (أن يضعن ثيابهن)؛ الجلباب والرداء. (^٢) فإذا كانت آية القواعد التي هي رخصة بوضع الجلباب أو الرداء في البيت؛ هي استثناء من قوله ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ دل ذلك على أن المراد بالنهي في قوله (ولا يبدين زينتهن) هو نهي المرأة عن وضع الثياب الظاهرة إلا لمن سماهم الله في الآية؛ ثم جاءت الرخصة للقواعد بوضع الثياب في البيوت أمام من يحل له الدخول عليهن دون حجاب ممن لم يسم في الآية ممن يعد غريبا عليهن وليس بمحرم لهن من العبيد المملوكين للغير والأتباع ونحوهم.\n_________\n(^١) سنن أبي داود ٤/ ٦٣ (٤١١١) حسن إسناده الألباني في صحيح سنن أبي داود ٤/ ٦٣. وانظر الناسخ والمنسوخ للمقري ١/ ١٣٤ والناسخ والمنسوخ للكرمي ١/ ١٥٧ وناسخ القرآن ومنسوخه ١/ ٤٣.\n(^٢) تفسير الصنعاني ٣/ ٦٣، تفسير الطبري ١٨/ ١٦٦، سنن البيهقي الكبرى ٧/ ٩٣.","vol":"1","page":405},{"text":"يشهد لذلك ما جاء في تأويل هذه الرخصة للقواعد:\n- قال ابن عباس: هي المرأة لا جناح عليها أن تجلس في بيتها بدرع وخمار وتضع عنها الجلباب. (^١)\n- أخرج ابن أبي حاتم: عن مجاهد قال: تضع الجلباب في الدار والحجرة.\n- وعن سعيد بن جبير قال: هو الجلباب من فوق الخمار فلا باس أن يضعن عند غريب أو غيره بعد أن يكون عليها خمار صفيق وعنه في قول الله (وأن يستعففن خير لهن) قال: يعني وألا يضعن الجلباب من فوق الخمار عند غير ذي محرم خير لهن من أن يضعنه.\n- وعن مقاتل بن حيان قال: أن يضعن الجلباب ولا يضعن الخمار وروي عن الحسن وقتادة الزهري والاوزاعي نحو قول مقاتل بن حيان.\n- وعن أبي صالح: تضع الجلباب، وتقوم بين يدي الرجل في الدرع والخمار. (^٢)\n- وقال عطاء: هذا في بيوتهن، فإذا خرجت فلا يحل لها وضع الجلباب. (^٣)\n_________\n(^١) تفسير ابن جرير الطبري ١٨/ ١٦٥، تفسير ابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٤١ (١٤٨٤٤) والبيهقي في السنن الكبرى ٧/ ٩٣ (١٣٣٠٩) وصححه الشيخ عبد العزيز الطريفي في الحجاب في الشرع والفطرة ص/ ١٢٦\n(^٢) تفسير ابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٤١ (١٤٨٤٥) (١٤٨٥٥) (١٤٨٤١) (١٤٨٤٢).\n(^٣) ذكره القرطبي في تفسيره ١٢/ ٣١٠","vol":"1","page":406},{"text":"* كما فسرها بذلك إمام المفسرين ابن جرير الطبري في تفسيره (١٨/ ١٦٥): قوله تعالى ﴿فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ﴾ يقول فليس عليهن حرج ولا إثم أن يضعن ثيابهن يعني جلابيبهن وهي القناع الذي يكون فوق الخمار والرداء الذي يكون فوق الثياب، لا حرج عليهن أن يضعن ذلك عند المحارم من الرجال وغير المحارم من الغرباء غير متبرجات بزينة.\n- وجاء في التسهيل لعلوم التنزيل (٣/ ٧٢): قال ابن مسعود إنما أبيح لهن وضع الجلباب الذي فوق الخمار والرداء، وقال بعضهم إنما ذلك في منزلها الذي يراها فيه ذوو محارمها.\n* كما يؤيد ذلك تأويل قوله تعالى ﴿غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾ بما يدل على ذلك:\n- عن الحسن وقتادة قالا: \"باديات عن النحر\" وقال مقاتل بن حيان: ليس لها أن تضع الجلباب لتريد بذلك أن تظهر قلائدها وقرطها وما عليها من الزينة. (^١)\n- قال شهاب الدين في التبيان في تفسير غريب القرآن (١/ ٣١٣): ﴿غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾ أي غير مكشوفات الشعور.\n- وقال النسفي في تفسيره (٣/ ١٥٧) في قوله ﴿غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾ أي غير مظهرات زينة، يريد الزينة الخفية كالشعر والنحر والساق.\n_________\n(^١) تفسير ابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٤٢ (١٤٨٥٠) (١٤٨٥٢)","vol":"1","page":407},{"text":"فهذه الأقوال تؤكد أن النهي عمّا يمكن أن تكشفه المرأة في بيتها. وهو التبرج الذي نهى الله النساء عنه بعدما أمرهن بالقرار في بيوتهن. قال تعالى ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ الأحزاب: ٣٣ وهذه الآية مما حملها المتأخرون أيضا على غير محملها، والمراد بها والله أعلم نهي المرأة عن إظهار مالا يحل إظهاره من زينتها أمام من يحل له الدخول عليها دون حجاب.\nقال ابن كثير في تفسيره (٣/ ٤٨٣): وقال مقاتل بن حيان: والتبرج أنها تلقى الخمار على رأسها ولا تشده فيواري قلائدها وقرطها وعنقها ويبدو ذلك كله منها. وذلك التبرج ثم عمت نساء المؤمنين في التبرج.\nقال الطبري في تفسيره (٢٢/ ٤): وقيل إن التبرج هو إظهار الزينة وإبراز المرأة محاسنها للرجال.\n٢) الآثار التي تدل على لبسهن لهذه الثياب - الأردية - في البيوت:\n- ما ورد عن إبراهيم النخعي أنه كان يدخل مع علقمة والأسود على أزواج النبي - ﷺ - فيراهن في اللحف الحمر. وما روي عن ابن أبي مليكة قال: رأيت على أم سلمة درعا وملحفة مصبغتين بالعصفر. (^١)\n_________\n(^١) مصنف ابن أبي شيبة (٨/ ٣٧١).","vol":"1","page":408},{"text":"- وما ورد عن شميسة أنها قالت (دخلت على عائشة وعليها ثياب من هذه السيد الصفاق ودرع وخمار) (^١)\n- وما ورد عن عائشة ﵂ أنها قالت (لا بد للمرأة من ثلاثة أثواب تصلي فيهن: درع وجلباب وخمار، وكانت عائشة تحل إزارها (^٢) فتجلبب به) (^٣).\n- وما ورد عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: (إذا صلت المرأة فلتصل في ثيابها كلها: الدرع والخمار والملحفة) (^٤).\n* وهذا مما أشكل على الشيخ الألباني فظن أن هذه الأردية التي تتخذها النساء في البيوت هي الجلابيب التي أُمرت بإدناءها عند الخروج ولذلك قال في كتابه جلباب المرأة (ص ١٢١): واعلم أنه ليس من الزينة في شيء أن يكون ثوب المرأة الذي تلتحف به ملونا بلون غير البياض أو السواد كما يتوهم بعض النساء وذلك لأمرين: الأول: قوله - ﷺ -: (طيب النساء ما ظهر لونه وخفي ريحه) والآخر: جريان العمل من نساء الصحابة على ذلك وأسوق هنا بعض الآثار الثابتة في ذلك مما رواه الحافظ ابن أبي شيبة في (المصنف) (٨/ ٣٧١ - ٣٧٢):\n_________\n(^١) الطبقات الكبرى لابن سعد ٨/ ٧٠ وصحح إسناده الألباني في جلباب المرأة /١٢٩.\n(^٢) الجلباب: الإزار (غريب الحديث لابن الجوزي ١/ ١٦٣).\n(^٣) الطبقات الكبرى لابن سعد ٨/ ٧١ وصحح إسناده الألباني في جلباب المرأة /١٣٥.\n(^٤) مصنف ابن أبي شيبة ٢/ ٣٧ (٦١٧٥) وصححه الألباني في جلباب المرأة /١٣٥.","vol":"1","page":409},{"text":"١ - عن إبراهيم وهو النخعي أنه كان يدخل مع علقمة والأسود على أزواج النبي - ﷺ - فيراهن في اللحف الحمر.\n٢ - عن ابن أبي مليكة قال: رأيت على أم سلمة درعا وملحفة مصبغتين بالعصفر.\n٣ - عن القاسم أن عائشة كانت تلبس الثياب المعصفرة وهي محرمة. وفي رواية عن القاسم: أن عائشة كانت تلبس الثياب الموردة بالعصفر وهي محرمة.\n٤ - عن هشام عن فاطمة بنت المنذر أن أسماء كانت تلبس المعصفر وهي محرمة.\n٥ - عن سعيد بن جبير: أنه رأى بعض أزواج النبي - ﷺ - تطوف بالبيت وعليها ثياب معصفرة.\nوالجواب عليه بالآتي:\nأولا: قوله (واعلم أنه ليس من الزينة في شيء أن يكون ثوب المرأة الذي تلتحف به ملونا)؛ مناقض لقوله في الصفحة التي تسبقها (ص ١٢٠): والمقصود من الأمر بالجلباب إنما هو ستر زينة المرأة فلا يعقل حينئذ أن يكون الجلباب نفسه زينة وهذا كما ترى بين لا يخفى ولذلك قال الإمام الذهبي في (كتاب الكبائر) (ص ١٣١): (ومن الأفعال التي تلعن عليها المرأة إظهار الزينة والذهب واللؤلؤ تحت النقاب وتطيبها بالمسك والعنبر والطيب إذا خرجت ولبسها الصباغات","vol":"1","page":410},{"text":"والأزر الحريرية والأقبية القصار مع تطويل الثوب وتوسعة الأكمام وتطويلها وكل ذلك من التبرج الذي يمقت الله عليه ويمقت فاعله في الدنيا والآخرة).\nكما أنه مخالف أيضا لما نقله عن الألوسي في هامش تلك الصفحة: \" ثم أعلم أن عندي مما يلحق بالزينة المنهي عن إبدائها ما يلبسه أكثر مترفات النساء في زماننا فوق ثيابهن ويتسترن به إذا خرجن من بيوتهن وهو غطاء منسوج من حرير ذي عدة ألوان، وفيه من النقوش الذهبية أو الفضية ما يبهر العيون وأرى أن تمكين أزواجهن ونحوهم لهن من الخروج بذلك ومشيهن به بين الأجانب من قلة الغيرة وقد عمت البلوى بذلك\".\nثانيا: أن ذلك مخالف لما جاء مصرحا به في صحيح السنة من لبس النساء للجلابيب السود امتثالا لآية الأمر بإدناء الجلابيب كما صح عن أم سلمة ﵂ أنها قالت\" لما نزلت هذه الآية ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ خرج نساء الأنصار كأن على رؤوسهن الغربان من أكسية سود يلبسنها\" (^١) قال الشيخ الألباني في جلباب المرأة (ص ٨٣): شبهت الأكسية في سوادها بالغربان.\nفالثابت أن الأكسية التي سارعت إلى لبسها النساء عند الخروج امتثالا لآية إدناء الجلابيب هي المرط السود:\n_________\n(^١) عبد الرزاق الصنعاني في تفسيره ٣/ ١٢٣ وابن أبي حاتم في تفسيره (١٧٧٨٤) سنن أبي داود (٤١٠١) وصححه الألباني في جلباب المرأة /٨٣.","vol":"1","page":411},{"text":"أخرج ابن مردويه عن عائشة ﵂ قالت (رحم الله نساء الأنصار لما نزلت ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ شققن مروطهن فاعتجرن بها فصلين خلف رسول الله - ﷺ - فكأنما على رؤوسهن الغربان) وفي رواية (ما منهن امراة إلا قامت إلى مرطها المرحل فاعتجزت به تصديقًا وإيمانًا بما أنزل الله من كتابه، فاصبحن يصلين وراء رسول الله - ﷺ - الصبح معتجرات كأن على رؤوسهن الغربان). (^١)\nقال ابن قتيبة في غريب الحديث (٢/ ٤٥٤): قولها: فأصبحن على رؤوسهن الغربان. تريد: أن المروط كانت من شعر أسود فصار على الرؤوس منها مثل الغربان، ومما يوضح هذا حديث عن عائشة أن رسول الله - ﷺ - (خرج ذات غداة وعليه مرط مرحل من شعر أسود) (^٢)\nيشهد لذلك أيضا ما جاء في مسند أحمد (٤٢/ ٤٢٢) (٢٥٦٢٨): (عن عائشة \" أن رسول الله - ﷺ - كان يصلي وعليه مرط من هذه المرحلات،\nوكان رسول الله - ﷺ - يصلي وعليه بعضه، وعلي بعضه\" والمرط من أكسية سود) (^٣)\n_________\n(^١) الدر المنثور (٦/ ٦٦٠)، ابن أبي حاتم في تفسيره (١٤٤٠٦) حسن إسناده علوي السقاف في تخريج أحاديث وآثار كتاب في ظلال القرآن (ص: ٣٢٣)، ابن مردويه كما في تخريج أحاديث الكشاف (٢/ ٤٣٢).\n(^٢) صحيح مسلم (٤/ ١٨٨٣).\n(^٣) إسناده صحيح على شرط مسلم. كما قال شعيب الأرنؤوط في تخريج مسند أحمد (٤١/ ٢١٢) وقال الشيخ الألباني في صحيح أبي داود (٢/ ٢١٢): إسناده حسن صحيح.","vol":"1","page":412},{"text":"قال العيني في عمدة القاري (٤/ ٨٩): وفي (مجمع الغرائب) المروط: أكسية من شعر أسود. (^١)\nومما يشهد لذلك أيضا ما صح عن عائشة ﵂ أنها قالت (أن نساء المؤمنات كن يصلين الصبح مع النبي - ﷺ - ثم يرجعن متلفعات بمروطهن) (^٢)\nوفي تاج العروس (٢٢/ ١٥٥): اللفاع وهو الكساء الأسود. وفي معجم متن اللغة (٥/ ١٩٤): اللفاع: الملحفة أو الكساء الغليظ تتلفع به المرأة، وزاد بعضهم الأسود.\n_________\n(^١) وقال: وقال في المحكم (٩/ ١٧٠) وقيل: هو الثوب الأخضر.\nقال ابن حجر في فتح الباري (٢/ ٥٥): وقيل لا يسمى مرطا إلا إذا كان أخضر ولا يلبسه إلا النساء وهو مردود بقوله (مرط من شعر أسود). اهـ\nلكن قد جاء في تهذيب اللغة للهروي (ت ٣٧٠ هـ) (١٣/ ٢٥): العرب تسمي الأسود أخضر.\nوفي جمهرة اللغة لابن دريد (ت ٣٢١ هـ) (١/ ٥٨٦): والعرب تسمي الأسود أخضر. قال الشاعر: (وراحت رواحا من زرود فنازعت ... زبالة سربالا من الليل أخضرا) وقال الله ﷿: ﴿مدهامتان﴾ أي سوداوان لشدة خضرتهما يعني الجنتين.\nكما جاء في المعجم الاشتقاقي المؤصل (٢/ ١٠٨٦): ﴿عاليهم ثياب سندس خضر﴾ الإنسان: ٢١ عرفوا (السندس) بأنه رقيق الديباج، وقال الليث إن الديباج هو الصوف اللين، أو الزغب، الذي يخلص من بين شعر العنز). ونضيف إلى وصفه ما يؤخذ من قول الراجز: (وليلة من الليالي حندس ... لون حواشيها كلون السندس) -الحندس: شديد الظلام - من أن السندس عرف باللون الأسود أو ما يقاربه. وقد وصفه القرآن الكريم بالخضرة ﴿ويلبسون ثيابا خضرا من سندس وإستبرق﴾ الكهف: ٣١ و\"العرب تقول لكل أسود أخضر ولكل أخضر أسود.\n(^٢) صحيح البخاري (١/ ١٧٣) صحيح مسلم (١/ ٤٤٥) واللفظ له.","vol":"1","page":413},{"text":"ثالثا: أن الآثار التي استشهد بها الشيخ الألباني علاوة على ما في أسانيدها من العلل؛ فإن المراد بها الملاحف والأردية التي تتخذها النساء في البيوت كما أسلفنا؛ وليست الجلابيب التي تدنيها النساء عليهن عند الخروج، وبيان ذلك بالآتي:\n١ - استشهد أولا بقوله - ﷺ - (طيب النساء ما ظهر لونه وخفي ريحه ...) وهذا ليس فيه دلالة! فإن الطيب مما يحرم على المرأة الخروج به عند الرجال الأجانب! ولو خرجت به لكونه لون لا ريح له فسيستره الجلباب!\n٢ - عن إبراهيم وهو النخعي (أنه كان يدخل مع علقمة والأسود على أزواج النبي - ﷺ - فيراهن في اللحف الحمر) (^١) على فرض صحة هذا الأثر فليس فيه حجة؛ لأن رؤية إبراهيم النخعي لهن كان بدخوله عليهن؛ فلا يؤخذ منه جواز الخروج بهذه اللحف الحمر. كما أن دخول إبراهيم النخعي عليهن ورؤيته لهن كان بسبب صغر سنه ولم يثبت أنه رأى من أزواج النبي - ﷺ - إلا عائشة ﵂، ومع ذلك لم يثبت له سماع منها لصغر سنه كما في جامع التحصيل\n(١/ ١٤١): (قال يحيى بن معين وأبو زرعة وأبو حاتم؛ إبراهيم النخعي دخل على عائشة ﵂ وهو صغير، زاد الرازيان؛ ولم يسمع منها شيئا).\n_________\n(^١) أخرج هذا الأثر ابن أبي شيبة في مصنفه (٥/ ١٥٩) عن سعيد بن أبي عروبة عن أبي معشر (زياد بن كليب) عن إبراهيم النخعي؛ وفي هذا الإسناد علة وهي عنعنة سعيد بن أبي عروبة وهو مدلس كما وصفه بذلك ابن حجر في التقريب (١/ ٢٣٩)، وضعّفه علي بن المديني كما في جامع التحصيل (١/ ١٤١) فقال: إبراهيم النخعي لم يلق أحدا من أصحاب النبي - ﷺ -، قيل له فعائشة، قال هذا لم يروه غير سعيد بن أبي عروبة عن أبي معشر عن إبراهيم وهو ضعيف. اهـ","vol":"1","page":414},{"text":"وفي التاريخ الكبير (١/ ٣٣٣) والثقات لابن حبان (٤/ ٩): عن أبي معشر أن النخعي حدثهم أنه دخل على عائشة فرأى عليها ثوبا أحمر، فقال له أيوب وكيف دخل عليها، قال كان يحج مع عمه وخاله فدخل عليها وهو غلام.\nفسؤاله عن كيفية دخوله عليها يؤكد أنه لم يكن لأحد أن يدخل عليهن ويكلمهن إلا من وراء حجاب (^١)؛ فيكون دخول إبراهيم مع علقمة والأسود للسماع من عائشة ﵂ من وراء الحجاب، واخترق إبراهيم الحجاب لصغر سنه ونظر إليها.\n٢ - عن ابن أبي مليكة قال: (رأيت على أم سلمة درعا وملحفة مصبغتين بالعصفر). أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (٥/ ١٥٩) وفي إسناده علّه فإن ابن أبي مليكة لم يدرك أم سلمة كما قال القاري في مرقاة المفاتيح (٥/ ٨٤) وعلى فرض أنه أدركها؛ فسيكون دخوله عليها في صغره. ومع ذلك فليس فيه حجة، لأن ابن أبي مليكة لم يصرح بخروجها بهذه الملحفة المعصفرة، بل إن رؤيته لدرعها -\nثوبها- المعصفر يؤكد أن ذلك كان بدخوله عليها لأنها لو كانت خارجة لما استطاع رؤية درعها لأن الجلباب سيستره.\n_________\n(^١) قال ابن عبد البر في الاستذكار ٦/ ١٧٠: إن نساء النبي - ﷺ - لا يكلمن إلا من وراء حجاب. وقال النووي في المجموع (١٦/ ٣٥١): وقد ثبت أن كثيرا من راويات الحديث وحافظاته يسمعهن الأجانب عنهن من وراء حجاب، وقد كان أبو الشعثاء جابر بن زيد يسأل عائشة من وراء حجاب.","vol":"1","page":415},{"text":"٣ - عن القاسم (أن عائشة كانت تلبس الثياب المعصفرة وهي محرمة). وفي رواية عنه: (أن عائشة كانت تلبس الثياب الموردة بالعصفر وهي محرمة).\nوهذا ليس فيه حجة أيضا فليس في الأثر ما يثبت خروج عائشة بهذه الثياب المعصفرة، والقاسم هو ابن أخيها محمد بن أبي بكر، فهو ممن يدخل عليها ويراها دون حجاب فلا حجة في رؤيته لثيابها المعصفرة وهي محرمة.\n٤ - عن هشام عن فاطمة بنت المنذر (أن أسماء كانت تلبس المعصفر وهي محرمة). وهذا أيضا ليس فيه حجة، فإن الذي رأى هذه الثياب المعصفرة هي امرأة.\n٥ - عن سعيد بن جبير: (أنه رأى بعض أزواج النبي - ﷺ - تطوف بالبيت وعليها ثياب معصفرة). وإسناده لا يصح؛ أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (٥/ ١٦٠) والطبراني في المعجم الكبير (١٢/ ٤٠) عن سعيد بن أبي عروبة عن أبي معشر عن سعيد بن جبير؛ وهو كالأول آفته سعيد بن أبي عروبة ضعفه ابن معين كما أنه مدلس وقد عنعن، فلا يصح بذلك ولا تقوم به حجة. ولعل الشيخ الألباني وهل عن أن أزواج النبي - ﷺ - لم يكن يخرجن بالنهار ينظر إليهن الرجال حتى وإن كن مستترات بالجلابيب، بل وحتى في الحج أو العمرة لم يكن يخالطن الرجال ومن ذلك ما استشهد به هو في كتابه الجلباب ص ١٠٩: (أن عمر بن الخطاب أذن لأزواج النبي - ﷺ - في الحج في آخر حجة حجها وبعث معهن عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف قال كان عثمان ينادي ألا لا يدنو إليهن أحد ولا ينظر","vol":"1","page":416},{"text":"إليهن أحد وهن في الهوادج على الإبل فإذا نزلن أنزلهن بصدر الشعب وكان عثمان وعبد الرحمن بذنب الشعب فلم يصعد إليهن أحد) (^١)\nبل ولم يكنَّ يخاطن الرجال حتى في الطواف؛ فإما أن يطفن وهن راكبات في الهوادج من وراء الناس كما روي عن أم سلمة قالت: شكوت إلى رسول الله - ﷺ - أني أشتكي فقال طوفي من وراء الناس وأنت راكبة \"وفي رواية\" فقال لها رسول الله - ﷺ - إذا أقيمت صلاة الصبح فطوفي على بعيرك والناس يصلون\" (^٢)\nوإما أن يخرجن متنكرات بالليل فيطفن معتزلات عن الرجال كما روي عن عطاء قال (كانت عائشة ﵂ تطوف حجرة (^٣) من الرجال لا تخالطهم فقالت امرأة انطلقي نستلم يا أم المؤمنين قالت عنك وأبت، وكن يخرجن متنكرات بالليل فيطفن مع الرجال). (^٤)\nقال المهلب: قول عطاء قد طاف الرجال مع النساء؛ يريد أنهم طافوا في وقت واحد غير مختلطات بالرجال، لأن سنتهن أن يطفن ويصلين وراء الرجال ويستترن عنهم.\nوبذلك فلا يصح قول الشيخ الألباني (ليس من الزينة في شيء أن يكون ثوب المرأة الذي تلتحف به ملونا بلون غير السواد) إذ ليس لقوله هذا مستند شرعي\n_________\n(^١) الطبقات الكبرى لابن سعد ٨/ ٢١٠ حسن الألباني إسناده في جلباب المرأة /١٠٩.\n(^٢) صحيح البخاري ٢/ ٥٨٥ (١٥٤٠)، ٢/ ٥٨٧ (١٥٤٦).\n(^٣) حجرة: أي ناحية من الناس معتزلة وقيل بمعنى محجورا بينها وبين الرجال بثوب ونحوه.\n(^٤) صحيح البخاري ٢/ ٥٨٥ (١٥٣٩).","vol":"1","page":417},{"text":"يصح الاستناد عليه، بل هو مخالف لما جاء مصرحا به في صحيح السنة من لبس النساء للجلابيب السود امتثالا لآية إدناء الجلابيب، فهذا هو الأصل والمعمول به في هذه المسألة.\n- رابعا: أن إبداء الزينة لمن سمى الله في الآية يكون بوضع هذه الثياب (الأردية) لا بوضع الخمار؛ يشهد لذلك الآتي:\n١) الآثار الواردة في تفسير هذه الآية:\n- أخرج الطبري والبيهقي عن ابن عباس - ﵁ - في قوله تعالى ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ قال: الزينة الظاهرة الوجه وكحل العين وخضاب الكف والخاتم فهذا تظهره في بيتها لمن دخل عليها ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ﴾ والزينة التي تبديها لهؤلاء الناس قرطاها وقلادتها وسواراها فأما خلخالها ومعضدتها ونحرها وشعرها فلا تبديه إلا لزوجها. (^١)\nقال البيهقي في سننه الكبرى (٧/ ٩٤) تعقيبا على هذه الرواية: وهذا هو الأفضل ألا تبدي من زينتها الباطنة شيئا لغير زوجها إلا ما يظهر منها في مهنتها.\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١٨/ ١٢٠، تفسير ابن أبي حاتم ٨/ ٢٥٧٦ (١٤٤١٠)، البيهقي في السنن الكبرى ٧/ ٩٤ (١٣٣١٥) وإسناده حسن كما أسلفنا.","vol":"1","page":418},{"text":"- أخرج الطبري عن ابن مسعود في قوله ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ ... قال: الطوق (^١) والقرط. (^٢)\n- أخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن ابن عباس ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ قال من المسلمات، لا تبديه ليهودية ولا لنصرانية وهو النحر والقرط. (^٣)\n- وأخرج سعيد بن منصور في سننه عن مجاهد قال: لا تضع المسلمة خمارها عند مشركة لأن الله تعالى يقول ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ فليست من نسائهن. (^٤)\n- وأخرج الطبري عن جابر بن زيد في قوله ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ قال نساء المؤمنات الحرائر ليس عليهن جناح أن يرين تلك الزينة، قال وإنما هذا كله في الزينة ولا يجوز للمرأة أن تنظر إلى شيء من عورة المرأة، قال ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ فليس ينبغي لها أن تكشف قرطها للرجل وأما الكحل والخاتم والخضاب فلا بأس به، قال والزوج له فضل والآباء من وراء الرجل لهم فضل والآخرون يتفاضلون قال وهذا كله يجمعه ما ظهر من الزينة. (^٥)\n_________\n(^١) الطوق: حلي للعنق (القاموس المحيط ١/ ١١٦٨).\n(^٢) تفسير الطبري ١٨/ ١٢٠.\n(^٣) الدر المنثور للسيوطي ٦/ ١٨٣.\n(^٤) من تفسير ابن كثير ٣/ ٢٨٥.\n(^٥) ابن جرير الطبري في تفسيره ٢٢/ ٤٢.","vol":"1","page":419},{"text":"كما أورد ابن أبي حاتم الآثار الآتية:\n- عن سعيد بن جبير قال ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ ... يعني ولا يضعن الجلباب وهو القناع من فوق الخمار إلا لبعولتهن أو آبائهن. (^١)\n- عن سعيد بن جبير في قوله ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ يعني عبد المرأة، لا يحل لها أن تضع جلبابها عند عبد زوجها. (^٢) وقال مجاهد: تضع المرأة الجلباب عند المملوك. (^٣)\n- عن الزهري قال: لا يبدو لهؤلاء الذين سمى الله من لا يحل له إلا الأسورة والأخمرة والأقرطة من غير حسر - أي من غير أن تحسر الخمار عن شعرها- وأما عامة الناس فلا يبدو منها إلا الخواتم. (^٤)\nوفي رواية عنه في قوله تعالى ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ قال: يرى الشيء من دون الخمار فأما أن تسلخه فلا. (^٥)\n_________\n(^١) تفسير ابن أبي حاتم ٨/ ٢٥٧٦ (١٤٤٠٨)\n(^٢) تفسير ابن أبي حاتم ٨/ ٢٥٧٧ (١٤٤١٩).\n(^٣) تفسير ابن أبي حاتم ٨/ ٢٥٧٧ (١٤٤٢٠).\n(^٤) تفسير ابن أبي حاتم ٨/ ٢٥٧٤ (١٤٣٩٧) رجاله ثقات عدا ابن لهيعة لكنها من رواية ابن وهب عنه وقد ذكر الذهبي في تذكرة الحفاظ (١/ ٢٣٨ - ٢٣٩) أنه ممن روى عنه قبل أن يقع الوهم في حديثه وقبل احتراق كتبه فحديث هؤلاء عنه أقوى، وقد سئل ابن زرعة عنه وعن سماع القدماء منه فقال أوله وآخره سواء إلا أن ابن المبارك وابن وهب يتبعان أصوله.\n(^٥) تفسير عبد الرزاق الصنعاني ٣/ ٥٦.","vol":"1","page":420},{"text":"- قال ابن أبي حاتم في تفسيره (٣/ ٣٨٣): اختلف العلماء فيما يبدو للأب من الزينة على ثلاثة أقوال:\nالأول: أنه الرأس قاله قتادة.\nالثاني: أن الذي تبدي القرط والقلادة والسوار فأما خلخالها وشعرها فلا، قاله ابن عباس ونحوه عن ابن مسعود.\nالثالث: أن يكون على رأسها خمار ومقنعة فتكشف المقنعة له.\nولو تأملت الأقوال الثلاثة لوجدت أن معناها واحد وهو أن تضع الرداء (وهو ما سماه المقنعة) دون أن تضع الخمار ليبدو الرأس والقرطين دون الشعر. ولذلك ذكرها ابن العربي في أحكام القرآن (٣/ ٣٨٤) ثم قال: وهي متقاربة المعنى.\nفخلاصة هذه الآثار أن المستثنين في الآية إنما يوضع عندهم الرداء دون الخمار؛ إذ لو كان المقصود وضع الخمار وإظهار الشعر لجاء مصرحا به ولو في بعض الروايات!!\nقال ابن كثير في تفسيره (٣/ ٢٨٤): ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ﴾ الآية؛ كل هؤلاء محارم للمرأة يجوز لها أن تظهر عليهم بزينتها ولكن من غير تبرج.","vol":"1","page":421},{"text":"٢) الآثار التي تدل على كون الخمار من عامة لباسهن في البيوت أمام من يحل له الدخول عليهن:\n- عن أنس بن مالك: أن صفية ﵂ لما غضب عليها رسول الله - ﷺ - أتت عائشة فقالت: يومي هذا لك من رسول الله - ﷺ - إن أنت أرضيته عني، فعمدت عائشة إلى خمارها وكانت صبغته بورس وزعفران فنضحته بشيء من ماء ثم جاءت حتى قعدت عند رأس رسول الله - ﷺ - فقال لها: ما لك؟ فقالت: ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، فعرف رسول الله - ﷺ - الحديث فرضي عن صفية. (^١)\n- كما ثبت عن عائشة ﵂ أنها نذرت على نفسها ألا تكلم عبد الله بن الزبير أبدًا، ثم استشفع ابن الزبير بمن يكلمها حتى كلمته وأعتقت في نذرها ذلك أربعين رقبة، وكانت تذكر نذرها بعد ذلك فتبكي حتى تبل دموعها خمارها. (^٢)\nوذلك يقتضي ملازمة الخمار لها، كما يقال في الرجل كان يذكر الشيء فيبكي حتى تبل دموعه لحيته!!\n- عن العالية أنها قالت: رأيت على عائشة درعا موردا وخمارا جيشانيا. (^٣)\n_________\n(^١) سنن النسائي الكبرى ٥/ ٣٦٩ (٩١٦٢) الأحاديث المختارة للمقدسي (١٧٢٧) وقال إسناده حسن. وله شاهد عند أحمد بن حنبل في مسنده ٦/ ٩٥ (٢٤٦٨٤) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ٤/ ٣٢١: فيه سمية روى لها أبو داود وغيره ولم يضعفها أحد وبقية رجاله ثقات. وقال الألباني في الإرواء ٧/ ٨٥: ورجاله ثقات رجال مسلم غير سمية وهي مقبولة عند الحافظ ابن حجر.\n(^٢) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه ٥/ ٢٢٥٥ (٥٧٢٥).\n(^٣) الطبقات لابن سعد ٨/ ٤٨٧ ورجاله رجال الصحيح عدا العالية وقد ذكرها ابن حبان في ثقاته.","vol":"1","page":422},{"text":"- عن شميسة أنها دخلت على عائشة وعليها ثياب من هذه السيد الصفاق (^١) ودرع وخمار. (^٢)\n-كما روي عن عائشة ﵂ أنها قالت: (ما زلت أضع خماري وأتفضل في ثيابي في بيتي حتى دفن عمر بن الخطاب فيه، فلم أزل متحفظة في ثيابي حتى بنيت بيني وبين القبور جدارًا فتفضلت بعد). (^٣)\n- وصح عن أبي هريرة - ﵁ - قال: كنت أدعو أمي إلى الإسلام وهي مشركة ... فلما جئت فصرت إلى الباب، فإذا هو مجاف، فسمعت أمي خشف قدمي، فقالت: مكانك يا أبا هريرة وسمعت خضخضة الماء، قال: فاغتسلت ولبست درعها وعجلت عن خمارها - وفي المستدرك وجعلت على رأسها خمارها - ففتحت\n_________\n(^١) ثوب صفيق: متين. والمراد به هنا الرداء.\n(^٢) الطبقات لابن سعد ٨/ ٧٠ وصحح الألباني إسناده في جلباب المرأة /١٢٨.\n(^٣) الطبقات لابن سعد ٣/ ٣٦٤ واللفظ له، مسند أحمد بن حنبل ٦/ ٢٠٢ (٢٥٧٠١) المستدرك على الصحيحين ٣/ ٦٣ (٤٤٠٢) وصححه، قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٨/ ٢٦: رجال أحمد رجال الصحيح. وصحح إسناده يحيى بن معين في الجزء الثاني من حديثه (الفوائد) ١/ ١٧٦. والشاهد منه أنه لو لم يكن دأبها لبس الخمار قبل أن يدفن عمر - ﵁ - لقالت إنه عندما دفن لبست الخمار وتحفظت، ولو لم تكن تلبسه لما أشارت إلى كثرة وضعها له، وذلك يحمل على ما كان وقت النوم أو الامتشاط ونحوه من أوقات وضع الثياب في العورات الثلاث.","vol":"1","page":423},{"text":"الباب، ثم قالت: يا أبا هريرة أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. (^١) (^٢)\n- ورد عن عائشة ﵂ أنها سألت رسول الله - ﷺ - عن الحمَّام فقال: إنه سيكون بعدي حمامات ولا خير في الحمامات للنساء، فقالت: يا رسول الله فإنها تدخله بإزار، فقال: \"لا وإن دخلته بإزار ودرع وخمار وما من امرأة تنزع خمارها في غير بيت زوجها إلا كشفت الستر فيما بينها وبين ربها\". (^٣)\n_________\n(^١) صحيح مسلم (٤/ ١٩٣٨) المستدرك على الصحيحين للحاكم (٢/ ٦٧٧) وصححه ووافقه الذهبي.\n(^٢) ومما يستأنس به في ذلك ما قيل أن الملائكة لا تنظر للزينة الباطنة للمرأة:\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (٢٢/ ١١٩): روي أن الملائكة لا تنظر إلى الزينة الباطنة فإذا وضعت خمارها وقميصها لم يُنظر إليها، وروي في ذلك حديث عن خديجة:\n-والحديث هو ما روي عن خديجة ﵂ قالت: (قلت يا رسول الله يا ابن عمي هل تستطيع إذا جاءك الذي يأتيك أن تخبرني به فقال لي رسول الله - ﷺ - نعم يا خديجة، قالت خديجة فجاءه جبريل ذات يوم وأنا عنده فقال رسول الله - ﷺ - يا خديجة هذا صاحبي الذي يأتيني قد جاء، فقلت له قم فاجلس على فخذي الأيمن فقام على فخذي الأيمن فقلت هل تراه؟ قال: نعم، فقلت له تحول فاجلس على فخذي الأيسر فقلت هل تراه، قال: نعم فقلت له فتحول فاجلس في حجري فقلت له هل تراه؟ قال: نعم، قالت خديجة: فتحسرت وطرحت خماري فقلت هل تراه؟ قال: لا، فقلت هذا والله ملك كريم لا والله ما هذا شيطان). وفي رواية قالت: (أبشر فإنه والله ملك وليس بشيطان) رواه ابن سعد في الطبقات ٨/ ٥٥، والطبراني في المعجم الأوسط ٦/ ٢٨٧ (٦٤٣٥) وحسن الهيثمي إسناده في مجمع الزوائد ٨/ ٢٥٦.\n- يشهد لذلك مارواه مسلم عن عائشة ﵂، وفيه أن رسول الله - ﷺ - قال لها\" فإن جبريل أتاني حين رأيت فأخفاه منك فأجبته فأخفيته منك ولم يكن ليدخل عليك وقد وضعت ثيابك\" رواه مسلم ٢/ ٦٦٩ (٩٧٤).\n(^٣) المعجم الأوسط للطبراني ٣/ ٣٢١ (٣٢٨٦) وفي إسناده ابن لهيعة، قال الشيخ الألباني \"حديثه في المتابعات والشواهد لاينزل عن رتبة الحسن\". والروايات التي صححها الشيخ الألباني بلفظ (ثيابها) تعد شواهد له.","vol":"1","page":424},{"text":"قال الشيخ الألباني الحديث صحيح بلفظ: \"ثيابها\" مكان \"خمارها\" وضعّف الحديث بهذا اللفظ ووصفه بالنكارة! لأنه يرى أنه مخالف للروايات الأخرى التي جاءت بلفظ \"ثيابها\" مكان \"خمارها\":\nوذلك فيما صح أن نسوة من أهل حمص استأذن على عائشة ﵂ فقالت: لعلكن من اللواتي يدخلن الحمامات، سمعت رسول الله - ﷺ - يقول \"أيما امرأة وضعت ثيابها في غير بيت زوجها فقد هتكت ستر ما بينها وبين الله\". (^١)\nوكذلك فيما صح عن أم الدرداء أن رسول الله - ﷺ - لقيها يوما فقال من أين جئت يا أم الدَّرداء قالت من الحمّام فقال لها رسول الله - ﷺ - \" ما من امرأة تنزع ثيابها في غير بيتها إلا هتكت ما بينها وبين الله من ستر\" (^٢)\nفيجاب عليه بالآتي:\nأولا: قوله أنه مخالف للروايات الأخرى الصحيحة لا يصح؛ لأنه مقيّد لما أُطلق فيها وليس مخالفا لها، فإن الروايات الأخرى جاء فيها لفظ (ثيابها) مطلقا قد يراد به الثياب الظاهرة وهي الجلباب والخمار وقد يراد به الثياب الباطنة، فجاءت هذه الرواية مقيدة لها بأن المراد بها؛ الثياب الظاهرة من الجلباب والخمار، فما وجه النكارة في ذلك ونصوص الشرع شاهدة على صحة ذلك.\n_________\n(^١) مسند أحمد بن حنبل ٦/ ١٧٣ (٢٥٤٤٦) سنن ابن ماجه ٢/ ١٢٣٤ (٣٧٥٠) المستدرك على الصحيحين للحاكم ٤/ ٣٢١ (٧٧٨١) صححه الألباني في صحيح الجامع (٢٧١٠).\n(^٢) مسند أحمد بن حنبل ٦/ ٣٦٢ (٢٧٠٨٦) المعجم الكبير للطبراني ٢٤/ ٢٥٥ (٦٥٢) وصححه الألباني في صحيح الترغيب حديث رقم (١٦٩).","vol":"1","page":425},{"text":"فإنه قد ورد في كثير من النصوص إطلاق لفظ الثياب والمراد هو الجلباب أو الخمار كما أسلفنا: ومن ذلك قوله تعالى ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ﴾ النور: ٦٠ قال ابن جرير الطبري في تفسيره (١٨/ ١٦٥): (فليس عليهن حرج ولا إثم أن يضعن ثيابهن يعني جلابيبهن وهي القناع الذي يكون فوق الخمار والرداء الذي يكون فوق الثياب) اهـ فسمى الله تعالى الجلابيب في هذه الآية؛ ثيابا.\n- وما صح عن عائشة ﵂ أنها قالت قال رسول الله - ﷺ - (أُريتك في المنام يجئ بك الملك في سرقة من حرير فقال لي هذه امرأتك فكشفت عن وجهك الثوب فإذا أنت. . .) (^١) وها هو رسول الله - ﷺ - عبر بالثوب عمّا يغطى به الوجه من خمار أو جلباب.\n- وكذلك ما صح أن رفاعة طلق امرأته فتزوجها عبد الرحمن بن الزبير القرظي، قالت عائشة: وعليها خمار أخضر، فشكت إليها وأرتها خضرة بجلدها، فلما جاء رسول الله - ﷺ - قالت عائشة (ما رأيت مثل ما يلقى المؤمنات لجلدها أشد خضرة من ثوبها) (^٢) وهذه عائشة ﵂ عبرت بالثوب عن الخمار.\nفلا يستبعد أن يكون المراد بالثياب في هذا الحديث؛ هو الخمار.\n_________\n(^١) صحيح البخاري ٥/ ١٩٦٩ (٤٨٣٢).\n(^٢) صحيح البخاري ٥/ ٢١٩٢ (٥٤٨٧)","vol":"1","page":426},{"text":"ثانيا: أما السبب الثاني الذي لأجله ضعّف الشيخ الألباني الحديث بلفظ (خمارها)؛ فهو كما قال: مخالفته لقوله تعالى في آية النور ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ﴾ الآية أما أن ترفع خمارها في غير بيت زوجها أمام النساء المسلمات، فالآية صريحة بذلك. اهـ\nفيقال بأن الحديث بهذا اللفظ (خمارها) يوافق آية النور هذه تمام الموافقة لأن هذه الآية جاءت آمرة المرأة بضرب خمارها على جيبها ناهية عن وضعه إلا لمن استثني في الآية، أما من لم يستثن في الآية ممن يحل لهم النظر فالمرأة منهية عن نزع الخمار أمامهم، ومنهم النساء غير المسلمات، وفي هذا الحديث جاء التحذير من دخول الحمامات التي يدخلها النساء غير المسلمات.\nقال البيهقي في معرفة السنن والآثار (١٠/ ٢٤): وروينا عن عمر بن الخطاب، أنه كتب إلى أبي عبيدة بن الجراح: (أما بعد فإنه بلغني أن نساء من نساء المسلمين يدخلن الحمامات ومعهن نساء أهل الكتاب، فامنع ذلك وحل دونه) وفي رواية أخرى (فإنه لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن ينظر إلى عورتها إلا أهل ملتها) قال أحمد: وهذا في العورة المحققة، والذي يؤكده ما روي عن مجاهد أنه قال: لا تضع المسلمة خمارها عند مشركة ولا تقبلها؛ لأن الله يقول: (أو نسائهن).","vol":"1","page":427},{"text":"٣) ما جاء في صفة مسح المرأة لرأسها عند الوضوء مما يدل على أن الخمار كان من عامة لباسهن في البيوت:\n- ومن ذلك ما روته أم علقمة مولاه عائشة ﵂ أن عائشة كانت إذا توضأت تدخل يدها من تحت الرداء تمسح برأسها كله. (^١)\n- وعن نافع أنه رأى صفية بنت أبي عبيد امرأة عبد الله بن عمر تنزع خمارها ثم تمسح على رأسها بالماء ونافع يومئذٍ صغير. (^٢)\n- وسئل ابن المسيب كيف تمسح المرأة رأسها؟ قال: تسلخ خمارها ثم تمسح رأسها. (^٣)\n- وعن إبراهيم النخعي قال: إذا توضأت المرأة فلتنزع خمارها ولتمسح برأسها. (^٤)\n- وعن عطاء بن أبي رباح في المرأة إذا أرادت أن تمسح رأسها قال: تدخل يديها تحت الخمار فتمسح مقدم رأسها. (^٥)\n_________\n(^١) مالك في المدونة الكبرى ١/ ١٦، البيهقي في سننه الكبرى (٢٨٦). إسناد مالك رجاله ثقات عدا أم علقمة وقد ذكرها ابن حبان في الثقات وقال ابن حجر عنها في التقريب\" مقبولة\" وروى البخاري لها تعليقا. وقال ابن سعد في الطبقات ٨/ ٤٩٠: أم علقمة روى عنها ابنها علقمة أحاديث صالحة.\n(^٢) موطأ مالك ١/ ٣٥ (٧٠) إسناده صحيح.\n(^٣) مصنف عبد الرزاق ١/ ١٧ (٥٠) إسناده متصل ورجاله رجال الصحيح.\n(^٤) مصنف ابن أبي شيبة ١/ ٣١ (٢٥١) إسناده متصل ورجاله رجال الصحيح.\n(^٥) مصنف ابن أبي شيبة ١/ ٣٠ (٢٤٦) إسناده متصل ورجاله رجال الصحيح.","vol":"1","page":428},{"text":"* ولو كانت النساء كاشفات عن شعورهن في البيوت في عامة أحوالهن أمام من يحل له الدخول عليهن لتواترت الآثار بذكر رؤية القرون وصفة الشعور كما تواترت بذكر الخُمر والأردية، وإن ورد شيء من ذلك فيحمل على أنه حال وضعهن للخمر كحال امتشاطهن ونحو ذلك (^١) فلا يحتج به على أنهن لم يكن يلبسن الخمر في عامة أحوالهن.\n\n٤) ومما يشهد لذلك أيضا ما أثر عن بعض السلف من التابعين من كراهة النظر إلى الشعر من ذوات المحارم:\nأخرج عبد الرزاق في مصنفه باب ما يُرى من ذوات المحارم (^٢):\n- قال الزهري: لا بأس أن ينظر إلى قصة المرأة من تحت خمارها إذا كان ذا محرم فأما أن تسلخ خمارها فلا. وفي رواية؛ المرأة تسلخ خمارها عند ذي محرم؟ قال: أما أن يرى الشيء من دون الخمار فلا بأس وأما أن تسلخ الخمار فلا.\n- عن ابن طاووس عن أبيه قال: ما كان أكره إليه من أن يرى عورة من ذات محرم، وكان يكره أن تسلخ خمارها عنده.\n_________\n(^١) كما أخرج البخاري (٣٨٨٢) عن ابن عمر ﵄ قال: دخلت على حفصة ونسواتها تنطف. \" نسواتها تنطف\" أي ضفائرها تقطر ماء، فهذا قد يكون لخروجها للتو من مغتسلها، أو قد يكون رأى مازاد عن الخمار من الضفائر. وكذلك ما روي عن جماعة من السلف أنهم كانوا يفلون أمهاتهم، فهذا محمول على الضرورة، كما تعقبه ابن عبد البر في التمهيد (١٦/ ٢٣١) بقوله: إنه لا بأس أن ينظر الرجل إلى شعر أمه وكذلك شعور ذوات المحارم العجائز دون الشواب ومن يخشى منه الفتنة.\n(^٢) مصنف عبد الرزاق ٧/ ٢١٢ بأسانيد متصلة ورجالها ثقات.","vol":"1","page":429},{"text":"وأخرج ابن أبي شيبة في مصنفه (^١):\n- عن طاووس إنه كان يكره أن ينظر الرجل إلى شعر ابنته أو اخته.\n- عن عامر الشعبي أنه يكره أن ينظر إلى شعر كل ذات محرم.\n- عن الحسن البصري في المرأة تضع خمارها عند أخيها قال والله ما لها ذلك.\n- عن الضحاك بن مزاحم قال: لو دخلت علي أمي لقلت غطي رأسك.\n\n٥) يؤيد ذلك أيضا ما ذهب إليه بعض الفقهاء من أن المحرم لا ينظر إلا إلى الوجه والكفين من المرأة:\n- المحرر في الفقه لمجد الدين أبي البركات (٢/ ١٣): وقيل لا ينظر الخاطب والمحرم إلا الوجه والكفين.\n- الفروع لمحمد بن مفلح المقدسي (٥/ ١٠٨): وينظر من أمة مستامة رأسا وساقا وعنه سوى عورة الصلاة وقيل كمخطوبة وكذا ذات محرم وهي إليه وكذا عبدها وقال جماعة وجها وكفا.\nوقال في موضع آخر (٥/ ١١٢): ولأحد الزوجين نظر كل صاحبه وكذا سيد مع سريَّته ويحرم أن تتزين لمحرم غيرهما -الزوج والسيد-\n_________\n(^١) مصنف بن أبي شيبة ٤/ ١١ بأسانيد متصلة ورجالها رجال الصحيح.","vol":"1","page":430},{"text":"- وفي المبدع لإبراهيم بن مفلح (٧/ ٨): (وعنه لا ينظر من ذوات محارمه إلا إلى الوجه والكفين) لقول ابن عباس في قوله تعالى ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ ... يعني وجهها وكفيها.\n- وفي الإنصاف للمرداوي (٨/ ٢٠): لا ينظر من ذوات محارمه إلى غير الوجه ذكرها في الرعاية وغيرها، وعنه لا ينظر منهن إلا إلى الوجه والكفين.\n- وفي التمهيد لابن عبد البر (المالكي) (٨/ ٢٣٦): ذوي المحارم لا يحتجب منهم ولا يستتر عنهم إلا العورات والمرأة فيما عدا وجهها وكفيها عورة بدليل أنها لا يجوز لها كشفه في الصلاة.\n- وفي القوانين الفقهية لابن جزي (المالكي) (١/ ٢٩): وإن كانت ذات محرم جاز له رؤية وجهها ويديها دون سائر جسدها على الأصح.\n- وفي الفتاوى الهندية للشيخ نظام (الحنفي) (٥/ ٣٣٣) ونقله ابن عابدين في حاشيته (١/ ٤٠٤): يرخص للمرأة كشف الرأس في منزلها وحدها فأولى أن يجوز لها لبس خمار رقيق يصف ما تحته عند محارمها كذا في الْقُنْية.\n- قال أبو الأعلى المودودي الحنفي في كتابه الحجاب/٢٧٣: جسم المرأة كله إلا وجهها ويديها عورة يجب أن تسترها حتى عن أدنى أقاربها في البيت، فلا يجوز لها تكشف عورتها على أحد غير زوجها سواء كان أباها أو أخاها أو ابن أخيها.","vol":"1","page":431},{"text":"- خامسا: تصريح بعض المفسرين بأن هذه الآيات نزلت لتنظيم مخالطة من أُحل لهم الدخول على النساء في البيوت:\nكما قال أبو السعود العمادي في تفسيره (٦/ ١٦٨) والألوسي في روح المعاني (١٨/ ١٣٣): إنه ﷿ إثر ما فصل الزواجر عن الزنا وعن رمي العفائف شرع في تفصيل الزواجر عما عسى يؤدي إلى أحدهما من مخالطة الرجال والنساء ودخولهم عليهن في أوقات الخلوات.\nيشهد لذلك سبب نزول الآية التي قبلها الذي أورده السيوطي في الدر المنثور (٦/ ١٧١) قال: أخرج الفريابي وابن جرير من طريق عدي بن ثابت عن رجل من الأنصار قال: قالت امرأة لرسول الله - ﷺ - (إني أكون في بيتي على الحالة التي لا أحب أن يراني عليها أحد ولد ولا والد فيأتيني الآتي فيدخل علي فكيف أصنع) ولفظ ابن جرير (وأنه لا يزال يدخل علي رجل من أهلي وأنا على تلك الحال) قال فنزلت ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾. (^١) النور: ٢٧\nوقد ذكر في الإتقان أن دخول سبب النزول في الحكم قطعي. (^٢)\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١٨/ ١١١.\n(^٢) نقله الألوسي في روح المعاني ١٨/ ٢٠٩.","vol":"1","page":432},{"text":"كما يشهد لذلك أيضا الآية التي جاءت بعدها آمرة بإنكاح وإحصان من يحل لهم الدخول دون حجاب من العبيد:\n﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣١) وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٣٢) وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ النور: ٣١ - ٣٣\n- سادسا: من القرائن في الآية ما شرع من الاستئناس قبل الدخول في البيوت ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ النور: ٢٧ واختصاص هذا الحكم في هذه الآية بمن يحل لهم الدخول في البيت دون حجاب؛ يشهد له أمور:","vol":"1","page":433},{"text":"(١) أن المنهي عنه في الآية هو الدخول بغير استئناس؛ وليس المنهي عنه هو الدخول، وهذا يدل على أن الداخل ممن أجاز له الشرع الدخول دون حجاب (^١)، لأنه قد ثبت عن النبي - ﷺ - التشديد في النهي عن دخول الرجال الأجانب على النساء فقال - ﷺ - \" إياكم والدخول على النساء\" فقال رجل من الأنصار يا رسول الله أفرأيت الحمو؟ قال\" الحمو الموت\". (^٢)\n(٢) أن الاستئذان في هذه الآية جاء بلفظ الاستئناس (^٣) ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ (^٤) والاستئناس كما صح عن مجاهد - ﵁ - في قوله ﴿حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ قال: تنحنحوا وتنخموا. (^٥)\n_________\n(^١) يؤكد ذلك: أن تقييد البيوت المنهي عن دخولها بغير استئناس باستثناء بيوت المخاطبين منها ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ﴾ يوحي بقرب هذه البيوت للمخاطبين، بخلاف لو جاء النهي مطلقا لدل على عمومه، وكذلك لما كانت البيوت المنهي عن دخولها غير محددة فهي تختلف من رجل إلى آخر كل حسب محرميّته، جاءت نكرة ﴿بُيُوتًا﴾، ولو كان المراد هو جميع البيوت لجاءت معرّفة بأل كأن يقول (لا تدخلوا البيوت غير بيوتكم) أو لعُرّفت بالإضافة (بيوت غيركم).\n(^٢) صحيح البخاري ٥/ ٢٠٠٥٤ (٤٩٣٤) صحيح مسلم ٤/ ١٧١١ (٢١٧٢).\n(^٣) وهو مغاير للاستئذان العام الذي شُرع مقرونا بضرب الحجاب ومنع دخول الرجال على النساء في سورة الأحزاب ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ الأحزاب: ٥٣ وجاء بيانه في السُّنة: عن ربعي قال حدثنا رجل من بني عامر أنه استأذن على النبي - ﷺ - وهو في بيت فقال: أألج، فقال النبي - ﷺ - للجارية\" اخرجي فقولي له: قل السلام عليكم أأدخل، فإنه لم يحسن الاستئذان\". سنن أبي داود ٤/ ٣٤٥ (٥١٧٧) صححه الألباني في صحيح الجامع. حديث رقم (٤٣٩٧).\nوجاء عن كلدة بن حنبل أن صفوان بن أمية بعثه إلى النبي - ﷺ - والنبي - ﷺ - بأعلى الوادي قال فدخلت عليه ولم أسلم ولم استأذن فقال النبي - ﷺ - ارجع فقل السلام عليكم أأدخل. سنن أبي داود ٤/ ٣٤٤ (٥١٧٦) جامع الترمذي ٥/ ٦٤ (٢٧١٠) وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود ٤/ ٣٤٤.\nكما يتبين من هذه الأحاديث أن المشروع في الاستئذان العام؛ تقديم التسليم على الاستئذان كما روي عن أبي هريرة فيمن يستأذن قبل أن يسلم قال: \"لا يؤذن له حتى يبدأ بالسلام\"، أما في هذه الآية فالاستئناس مقدم على التسليم فقال تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾ قال الحكيم الترمذي في نوادر الأصول في أحاديث الرسول (٣/ ٩٠): فالاستئناس التنبيه ثم يكون بعده التسليم.\n(^٤) قال بعض المفسرين\" تستأنسوا\" هو خطأ ووهم من الكاتب وأن الصحيح\" تستأذنوا\" مستشهدين على ذلك بقول لابن عباس! وقد أنكر عليهم هذا القول القرطبي وابن كثير وقال أبو حيان: من روى عن ابن عباس أنه قال ذلك فهو طاعن في الإسلام ملحد في الدين وابن عباس بريء من ذلك القول.\n(^٥) تفسير الطبري (٨/ ١١١) من عدة طرق، تفسير ابن أبي حاتم ٨/ ٢٥٦٦ (١٤٣٤٦)","vol":"1","page":434},{"text":"وقال جابر بن زيد الاستئناس: التنحنح والتجرس حتى يعرفوا أن قد جاءهم أحد، قال: والتجرس كلامه وتنحنحه. (^١)\nوصح عن زينب امرأة عبد الله بن مسعود قالت: كان عبد الله إذا جاء من حاجة فانتهى إلى الباب تنحنح وبزق كراهة أن يهجم منا على أمر يكرهه. (^٢) وفي رواية عن أبي عبيدة قال كان عبد الله إذا دخل الدار استأنس سلم ورفع صوته. (^٣)\n(٣) يؤكد ذلك قول أبو بكر الجصاص في أحكام القرآن (٥/ ١٦٧): ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ يقتضي جواز الدخول بعد الاستئذان\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١٨/ ١١٢.\n(^٢) تفسير الطبري (١٨/ ١١٢) وصحح إسناده ابن كثير في تفسيره (٣/ ٢٨١).\n(^٣) تفسير ابن أبي حاتم ٨/ ٢٥٦٦ (١٤٣٤٣).","vol":"1","page":435},{"text":"وإن لم يكن من صاحب البيت إذن، ولذلك قال مجاهد الاستئناس التنحنح والتنخع فكأنه إنما أراد أن يعلمهم بدخوله، وهذا الحكم ثابت فيمن جرت عادته بالدخول بغير إذن.\n- وقول القرطبي في تفسيره (١٢/ ٢١٣): ﴿حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ تستعلموا أي تستعلموا من في البيت قال مجاهد (بالتنحنح) أو بأي وجه أمكن ويتأنى قدر ما يعلم أنه قد شعر به ويدخل إثر ذلك، وقال معناه الطبري ومنه قوله تعالى (فإن ءانستم منهم رشدا) النساء: ٦ أي علمتم ... قلت: وهذا نص في أن الاستئناس غير الاستئذان كما قال مجاهد ومن وافقه.\n- وقول الألوسي في روح المعاني (١٨/ ١٣٥): وظاهر الآية مشروعية الاستئذان إذا أريد الدخول على المحارم.\n(٤) ثم جاءت قرينة أخرى في الآية التي تليها وهي قوله ﴿فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ﴾ النور: ٢٨\nفالخطاب موجه فيها لمن يحل له دخول البيت ممن اعتاد دخوله من مماليك وتابعين ونحوهم؛ فنهوا عن دخولها إذا لم يكن أهلها فيها إلا بإذن ممن يملك الإذن ﴿وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ﴾ عن سعيد بن جبير في قوله","vol":"1","page":436},{"text":"تعالى ﴿هُوَ أَزْكَى لَكُمْ﴾ يعني الرجوع خير لكم من القيام والقعود على أبوابهم (^١). وهذا يشهد لكون المخاطبين من الرقيق ونحوهم.\n\n(٥) وقرينة أخرى في آخر السورة في قوله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ﴾ النور: ٥٨ فبعد أن شُرع الاستئناس لمن يحل له دخول البيت دون استئذان؛ وقع الحرج ممن يكثر دخولهم وخروجهم في جميع الأوقات وهم الصبية المميزون والمملوكون، فقُيّد دخولهم أوقات النوم وانكشاف العورات ووضع الثياب؛ بأن شرع لهم الاستئذان في هذه الأوقات (^٢)، ورفع الحرج عنهم فيما عدا هذه الأوقات فأذن لهم الدخول بلا استئناس ولا استئذان (ليس عليكم ولا عليهم جناح بعدهن طوافون عليكم).\n_________\n(^١) تفسير ابن أبي حاتم ٨/ ٢٥٦٨.\n(^٢) بقرينة تقييد الاستئذان في هذه الآية بقوله (ثلاث مرات) وهذه هي الصفة المعهودة في الاستئذان كما في صحيح البخاري ٥/ ٢٣٠٥ (٥٨٩١) قال النبي - ﷺ - \" الاستئذان ثلاث فإن أذن لك وإلا فارجع\"، قال ابن عبد البر في التمهيد ٣/ ١٩٧، والقرطبي في تفسيره ١٢/ ٣٠٤: قال بعض أهل العلم إن الاستئذان ثلاثا مأخوذا من قوله تعالى (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) قال يريد ثلاث دفعات، فورد القرآن في المماليك والصبيان، وسنة رسول الله - ﷺ - في الجميع. اهـ","vol":"1","page":437},{"text":"(٦) ثم قال تعالى ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ النور: ٥٩\nفبعد أن رخّص الله تعالى للصبية المميزين الدخول في غير الأوقات الثلاث بغير استئذان ولا استئناس؛ عقب ببيان حالهم بعد البلوغ عند الدخول على أهلهم، فشرع لهم إذا بلغوا الحلم أن يستأذنوا عند دخولهم على أهليهم بالاستئناس في جميع الأوقات، ولذا قيد أمرهم بالاستئذان بقوله ﴿فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أي فليستأذنوا كاستئذان من شرع لهم الاستئناس عند الدخول في أول السورة.\nقال الشوكاني في فتح القدير (٤/ ٥٢): المقصود بالتشبيه بيان كيفية استئذان هؤلاء وزيادة إيضاحه ولا يتسنى ذلك إلا بتشبيهه باستئذان المعهودين عند السامع ولا ريب في أن بلوغهم قبل بلوغ هؤلاء مما لا يخطر ببال أحد وإن كان الأمر كذلك في الواقع، وإنما المعهود المعروف ذكرهم قبل ذكرهم أي فليستأذنوا استئذانا كائنا مثل استئذان المذكورين قبلهم بأن يستأذنوا في جميع الأوقات. (^١)\n_________\n(^١) وانظر: تفسير أبي السعود ٦/ ١٩٥، روح المعاني للألوسي ١٨/ ٢١٦.","vol":"1","page":438},{"text":"ومما يشهد لذلك ما أُثر عن سعيد بن المسيب أنه قال ليستأذن الرجل على أُمّة فإنما نزلت ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ﴾ ... في ذلك. (^١)\nولو كان المراد هو الاستئذان العام لجاء الأمر لهم بالاستئذان مطلقا دون تشبيهه باستئذان الذين من قبلهم. ولهذا قال الله تعالى أيضا في ختام هذه الآية ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾.\nوخلاصة ما سبق أن المعني بالخطاب في هذه الآية هم من يحل لهم الدخول على المرأة دون حجاب وليس الرجال الأحرار الأجانب الذين لا يحل لهم الدخول على النساء الحرائر، كما سبق من قول أبي بكر الجصاص: وهذا الحكم ثابت فيمن جرت عادته بالدخول بغير إذن. وقول الألوسي: وظاهر الآية مشروعية الاستئذان إذا أريد الدخول على المحارم.\n- سابعا: ومن القرائن في الآية أن الأمر بغض البصر جاء فيها مبعضا بـ \"من\" التبعيضية أي الغض من البصر لا غض البصر كلّه، مما يدل أيضا على أن الأمر في هذه الآية متعلق بمن يحل لهم النظر، أما الرجال الأحرار الأجانب فقد سبق أن أنزل الله في سورة الأحزاب منعهم من النظر بالكلّية إلى النساء الأجنبيات الحرائر بضرب الحجاب بينهم ومنعهم من الدخول عليهن في البيوت - كما سبق بيان ذلك- ولحرص الشارع الحكيم على قطع أسباب الزنا أمر من أُبيح لهم الدخول والنظر الغضّ من البصر؛ سواء كان النظر للمحارم، أو\n_________\n(^١) تفسير ابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٣٨، ابن جرير الطبري في تفسيره ١٨/ ١٦٥، ابن عبد البر في التمهيد.","vol":"1","page":439},{"text":"للإماء اللاتي لم يُفرض عليهن الحجاب، أو نظر العبيد ونحوهم للوجه والكفين من النساء الأجنبيات الحرائر؛ يشهد لذلك أنه لم يرد في تأويلها ما يدل على أن المراد غض بصر الرجال الأحرار عن وجوه من حال الحجاب دون النظر إليهن من النساء الحرائر - وإن كان هذا مأمور به ولكن ليس المراد هنا -بل جاء في تأويلها ما يدل على أن المراد الغض من البصر حال جواز النظر:\nقال ابن عباس: يغضوا من أبصارهم؛ من شهواتهم مما يكره الله. (^١)\nوقال جابر بن زيد: يغض من بصره أن ينظر إلى ما لا يحل له، إذا رأى ما لا يحل له غض من بصره لا ينظر إليه. (^٢)\nوقال قتادة: أي عما لا يحل لهم. (^٣)\n\nقال الطبري في تفسيره جامع البيان (١٨/ ١١٦): قال يغض من بصره أن ينظر إلى ما لا يحل له إذا رأى ما لا يحل له غض من بصره لا ينظر إليه ولا يستطيع أحد أن يغض بصره كله إنما قال الله (قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم).\nقال الثعلبي في تفسيره الكشف والبيان (٧/ ٨٦) والبغوي في معالم التنزيل (٣/ ٤٠١) واختلفوا في قوله (مِنْ) فقال بعضهم: هو صلة أي يغضّوا أبصارهم،\n_________\n(^١) ابن جرير في تفسيره ١٨/ ١١٧، تفسير ابن أبي حاتم ٨/ ٢٥٧٠ (١٤٣٧٣)\n(^٢) ابن جرير في تفسيره ١٨/ ١١٧.\n(^٣) من الدر المنثور ٦/ ١٧٦، البخاري في صحيحه في التعاليق ٥/ ٢٢٩٩.","vol":"1","page":440},{"text":"وقال آخرون: هو ثابت في الحكم لأنّ المؤمنين غير مأمورين بغضّ البصر أصلا، وإنّما أمروا بالغضّ عمّا لا يحل النظر إليه.\nقال الزمخشري في الكشاف (٣/ ٢٢٩) والنسفي في مدارك التنزيل (٢/ ٤٩٩): (قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم) من للتبعيض، والمراد غض البصر عما يحرم، والاقتصار به على ما يحل، فإن قلت: كيف دخلت في غض البصر دون حفظ الفروج؟ قلت: دلالة على أن أمر النظر أوسع؛ ألا ترى أن المحارم لا بأس بالنظر إلى شعورهن وصدورهن ... وأقدامهن وكذلك الجواري المستعرضات، والأجنبية ينظر إلى وجهها وكفيها وقدميها - ممن أُبيح لهم الدخول والنظر من العبيد المملوكين ونحوهم.\nقال ابن جزي الكلبي في التسهيل لعلوم التنزيل (٢/ ٦٦): والغض المأمور به هو عن النظر إلى العورة، أو إلى ما لا يحل من النساء.\nقال أبو حفص سراج الدين النعماني في اللباب في علوم الكتاب (١٤/ ٣٤٩): قال الأكثرون: المراد غض البص عما يحرم والاقتصار به على ما يحل ... ألا ترى أن المحارم لا بأس بالنظر إلى شعورهن وصدورهن، وكذا الجواري المستعرضات، وأما أمر الفروج فمضيق.\nقال القرطبي في تفسيره الجامع لأحكام القرآن (١٢/ ٢٢٢): ولم يذكر الله تعالى ما يغض البصر عنه ويحفظ الفرج غير أن ذلك معلوم بالعادة وأن المراد منه المحرم دون المحلل وفي البخاري وقال سعيد بن أبي الحسن للحسن إن نساء","vol":"1","page":441},{"text":"العجم يكشفن صدورهن ورؤوسهن قال اصرف بصرك، يقول الله تعالى ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ وقال قتادة (عما لا يحل لهم) ... وفي صحيح مسلم عن جرير بن عبد الله قال (سألت رسول الله - ﷺ - عن نظرة الفجاءة فأمرني أن أصرف بصري) (^١) ... ولقد كره الشعبي أن يديم الرجل النظر إلى ابنته أو أمه أو أخته وزمانه خير من زماننا هذا وحرام على الرجل أن ينظر إلى ذات محرمة نظر شهوة يرددها.\n- ثامنا: بعد أن شُرع الاستئناس وأمر بغض البصر عما يحرم عليه رؤيته، وكانت الفروج من أعظم ذلك؛ جاء الأمر بحفظها بسترها عمن لا يحل له النظر إليها، وهذه قرينة أيضًا وهي أن المراد بحفظ الفروج في هذه الآية؛ حفظها عن النظر - وإن كان حفظها عن النظر بسترها؛ يستلزم حفظها عن الزنا - يشهد لهذا ما ورد في تأويلها عن السلف:\n- قال أبو العالية كل فرج ذكر حفظه في القرآن فهو من الزنا إلا هذه ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ فإنه يعني الستر. (^٢)\n- وقال جابر بن زيد كل ما في القرآن من حفظ للفرج فهو عن الزنا إلا هذا فإنه أراد به الاستتار. (^٣)\n_________\n(^١) صحيح مسلم ٣/ ١٦٩٩ (٢١٥٩).\n(^٢) تفسير ابن أبي حاتم ٨/ ٢٥٧١ (١٤٣٧٩)، وابن جرير في تفسيره ١٨/ ١١٦.\n(^٣) من الكشاف للزمخشري ٣/ ٢٣٤، تفسير الثعالبي ٧/ ٨٦، وذكره الشنقيطي في أضواء البيان ٦/ ١٨٨.","vol":"1","page":442},{"text":"قال الطبري في تفسيره (١٨/ ١١٦): يكفوا من نظرهم إلى ما يشتهون النظر إليه مما قد نهاهم الله عن النظر إليه ويحفظوا فروجهم أن يراها من لا يحل له رؤيتها بلبس ما يسترها عن أبصارهم ﴿ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ﴾ يقول فإن غضها من النظر عما لا يحل النظر إليه وحفظ الفرج عن أن يظهر لأبصار الناظرين.\nقال الثعلبي في الكشف والبيان (٧/ ٨٦) والبغوي في معالم التنزيل (٣/ ٤٠١) والزمخشري في الكشاف (٣/ ٢٢٩): (يحفظوا فروجهم) عما لا يحل، قال أبو العالية: كل ما في القرآن من حفظ الفرج فهو عن الزنا، إلا في هذا الموضع فإنه أراد به الاستتار حتى لا يقع بصر الغير عليه.\nوهذا يؤكد أن هذه الآية تعني من يحل لهم الدخول دون حجاب من المحارم أو المملوكين لأنهم وإن استأنسوا قبل الدخول إلا أنه يحتمل أن يصادف دخولهم انكشاف العورة إن لم يحصل تحفظ من أهل البيت، فجاء الأمر بالحرص على الاستتار حفظا للفروج.\nولما كانت النساء هن مكمن الفتنة؛ لم يقتصر الأمر لهن بالغض من البصر وحفظ الفروج فقط كما جاء في حق الرجال، بل تعداه إلى منع كل ما من شأنه أن يكون سببًا للافتتان بهن ممن يدخل عليهن أو من قد يخلو بهن ممن أُذن له الدخول عليهن، وذلك بأمرهن بالتستر وعدم إبداء الزينة إلا ما ظهر منها بقوله","vol":"1","page":443},{"text":"تعالى ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ والمراد هو النهي عن إبداء زينتهن الباطنة لمن يحل له الدخول عليهن في البيوت - من الرقيق ونحوهم - والاكتفاء بإبداء الزينة الظاهرة لهم وذلك بلبس الرداء وضرب الخمار على الجيب كما أسلفنا.\n- تاسعا: ومن القرائن كذلك قوله تعالى في آخر الآية ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ النور: ٣١ وهي النهي عن الضرب بالأرجل، فلما كان الخلخال من الزينة الباطنة التي لايجوز إبداؤها إلا للزوج كما قال ابن عباس: الزينة الظاهرة؛ الوجه وكحل العين وخضاب الكف والخاتم؛ فهذا تظهره في بيتها لمن دخل عليها ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ﴾ والزينة التي تبديها لهؤلاء الناس قرطاها وقلادتها وسواراها فأما خلخالها ومعضدتها ونحرها وشعرها فلا تبديه إلا لزوجها. (^١) نهى الله المرأة عن تعمد إسماع صوت هذه الزينة لمن يدخل عليها - وإن كان النهي عن ذلك عند خروجها من باب أولى - لأن تعمد إسماع صوت الخلاخل أعظم فتنة من إظهارها؛\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١٨/ ١٢٠، تفسير ابن أبي حاتم ٨/ ٢٥٧٦ (١٤٤١٠) حسن إسناده أ. د. حكمت بن بشير بن ياسين في الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور (٣/ ٤٦٣).","vol":"1","page":444},{"text":"- قال ابن عباس في قوله ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ﴾ هو أن تقرع الخلخال بالآخر عند الرجال، أو يكون في رجليها خلاخل فتحركهن عند الرجال، فنهى الله عن ذلك لأنه من عمل الشيطان. (^١)\n- قال جابر بن زيد ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ الأجراس من حليهن يجعلنها في أرجلهن في مكان الخلاخل فنهاهن الله أن يضربن بأرجلهن لتسمع تلك الأجراس. (^٢)\n- قال سعيد بن جبير: أن المرأة كانت يكون في رجلها الخلخال فيه الجلاجل فإذا دخل عليها غريب (^٣) تحرك رجلها عمدا ليسمع صوت الخلخال. (^٤)\n- قال مجاهد في قوله ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ﴾ ... قال الخلخال على الخلخال. (^٥)\n- قال قتادة ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ قال هو الخلخال لا تضرب امرأة برجلها ليسمع صوت خلخالها. (^٦)\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١٨/ ١٢٤، تفسير ابن أبي حاتم ٨/ ٢٥٧٩ (١٤٤٣٣).\n(^٢) تفسير الطبري ١٨/ ١٢٤.\n(^٣) وهذا شامل لكل من لم يستثن في الآية من الرجال في حق الإماء، ولكل من يحل له الدخول على المرأة الحرة دون حجاب من الرقيق والأتباع.\n(^٤) تفسير ابن أبي حاتم ٨/ ٢٥٨٠ (١٤٤٣٤)\n(^٥) تفسير ابن أبي حاتم ٨/ ٢٥٨٠ (١٤٤٣٦).\n(^٦) تفسير الطبري ١٨/ ١٢٤، تفسير الصنعاني ٣/ ٥٨.","vol":"1","page":445},{"text":"قال ابن جرير الطبري (١٨/ ١٢٤): وقوله ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ يقول تعالى ذكره ولا يجعلن في أرجلهن من الحلي ما إذا مشين أو حركنهن علم الناس الذين مشين بينهم ما يخفين من ذلك.\nقال الزمخشري في الكشاف (٣/ ٢٣٣) والبيضاوي في أنوار التنزيل (٤/ ١٠٥): كانت المرأة تضرب الأرض برجلها ليتقعقع خلخالها، فيعلم أنها ذات خلخال. وإذا نهين عن إظهار صوت الحلي بعدما نهين عن إظهار الحلي، علم بذلك أن النهى عن إظهار مواضع الحلي أبلغ.\nقال القرطبي في تفسيره (١٢/ ٢٣٧): (ولا يضربن بأرجلهن) أي لا تضرب المرأة برجلها إذا مشت لتسمع صوت خلخالها، فإسماع صوت الزينة كإبداء الزينة وأشد، والغرض التستر.\n\n- عاشرا:<span data-type=\"title\" id=toc-98> الخلاف القائم حول بعض متعلقات الآية</span>؛ كالخلاف فيمن لم يذكر في الآية وهو ممن تحل له رؤية المرأة:\n(١) كالعم والخال؛ فقال بعضهم إنهما يجريان مجرى الوالدين، وقال الآخرون بل تحتجب منهما المرأة فليسوا من المحارم وقد ينعتانها لأبنائهما، مستشهدين بما","vol":"1","page":446},{"text":"صح عن الشعبي وعكرمة في هذه الآية؛ قالا لم يذكر العم والخال لأنهما ينعتان لأبنائهما، وقالا: \" لا تضع خمارها عند العم والخال\". (^١)\nولكن إذا حُمل أن العم والخال ممن يحل لهم الدخول على المرأة ورؤيتها دون حجاب ولكن لا تبدي لهم إلا ما ظهر من الزينة (الوجه والكفين) بعدم وضع الرداء والخمار عندهما كما ذكر الشعبي وعكرمة؛ لكان ذلك أجمع للرأيين.\nقال ابن العربي (ت ٥٤٣ هـ) في أحكام القرآن (٣/ ٦١٩): روي عن الشعبي أنه قال لم يذكر الله العم فيها ولا الخال لأنها تحل لأبنائهما. وقيل لم يذكرهما لأنهما قائمان مقام الأبوين بدليل نزولهما منزلتهما في حرمة النكاح. فأما من قال بالقول الأول فقال إن حكم الرجل مع النساء ينقسم على ثلاثة أقسام:\nالأول: من يجوز له نكاحها؛ لم يحل له رؤية شيء منها.\nوالثاني: من لا يحل له نكاحها (ولا) لابنه كالأخ والجد والحفيد؛ جاز الوضع لجلبابها ورؤية زينتها.\nوالثالث: من لا يحل له نكاحها ويجوز لولده كالعم والخال؛ جاز رؤية وجهها وكفيها خاصة ولم يحل له رؤية زينتها. اهـ وهذا كله موافق تماما لما ذكرنا.\nوقال الزمخشري في الكشاف (٣/ ٢٣٧): فإن قلت لم يذكر الله الأعمام والأخوال؟ قلت: سئل الشعبي عن ذلك فقال لئلا يصفها العم عند ابنه والخال\n_________\n(^١) مصنف ابن أبي شيبة ٤/ ١٣ (١٧٢٩٣)، الطبري في تفسيره ٢٢/ ٤٢ بإسناد صحيح.","vol":"1","page":447},{"text":"كذلك، ومعناه أن سائر القرابات يشترك الأب والابن في المحرمية إلا العمّ والخال وأبناءهما، فإذا رآها الأب فربما وصفها لابنه وليس بمحرم فيداني تصوّره لها بالوصف؛ نظره إليها، وهذا أيضًا من الدلالات البليغة على وجوب الاحتياط عليهن في التستر.\n(٢) المحارم بالرضاع والمصاهرة: فإنه لم يرد ذكرهم في الآية! ولو كان حكمهم في هذا الأمر كحكم المحارم بالنسب لورد ذكرهم فيها كما ورد ذكرهم في آية المحرمات في سورة النساء وهو القائل - ﷿ - (ما فرطنا في الكتاب من شيء) الأنعام ٣٨\n- يشهد لذلك ما ورد عن أيوب السختياني بإسناد صحيح إليه قال: قلت لسعيد بن جبير أيرى الرجل رأس (ختنته) (^١) فتلا عليه ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ﴾ الآية؛ قال: لا أراها فيهم. (^٢)\nولذلك فرق بينهم بعض أهل العلم في حدود ما يباح لهم النظر إليه من المرأة:\n- جاء في أحكام القرآن لابن العربي (٣/ ٣٨٦): عن مالك قال: أكره أن يسافر الرجل بامرأة أبيه أو ابنه، ولله دره إنها ليست كأمه وابنته.\n_________\n(^١) الختنة: أُمُّ الزوجة كما في النهاية (٢/ ١٠) والفائق في غريب الحديث (١/ ٣٥٤).\n(^٢) تفسير ابن أبي حاتم (١٤٤١٢).","vol":"1","page":448},{"text":"- قال القرطبي في تفسيره (١٢/ ٢٣٢): تختلف مراتبهم بحسب ما في نفوس البشر فلا مرية أن كشف الأب والأخ على المرأة أحوط من كشف ولد زوجها وتختلف مراتب ما يبدي لهم فيبدي للأب ما لا يجوز إبداؤه لولد الزوج.\n- قال ابن القطان في أحكام النظر /١٤٠: من ذوات المحارم من في نظر ذي محرمها إليها خلاف، كأم الزوجة: جوّز مالك النظر إلى شعرها، ومنع ذلك سعيد بن جبير، وتلا حين سُئل عنها الآية، ثم قال: لا أراها فيها، وهو موضع نظر، فإن الشهوات لا تنضبط، وعلة الحرمة فيها، وهو كونها أمًّا للزوجة لا يقتضي الطبع انكماشًا، كما فيما بينه وبين أخته مثلًا، وقد كان جائزًا له نكاحها قبل تزوجه بابنتها ... والذي لا شك في جوازه؛ النظر منها إلى وجهها وكفيها فإن ذلك قد جاز النظر إليه من الأجنبية، والزيادة على ذلك عندي موضع توقف ... مسألة: جوز مالك أن يرى شعر امرأة ابنه، والقول بها عندي كالقول في أم امرأته.\n- قال ابن قدامة في المغني (٧/ ٧٥): وتوقف أحمد عن النظر إلى شعر أم امرأته وبنتها لأنهما غير مذكورتين في الآية.\n- وفي روضة الطالبين (٧/ ٢٤): وسواء المحرم بالنسب والمصاهرة والرضاع، وقيل لا ينظر بالمصاهرة والرضاع إلا إلى البادي في المهنة.\n\n(٣) وكذلك حمل المراد من قوله ﴿إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ في هذه الآية على أنه الزوج، لأنه من المعلوم أن الزوج يحل له النظر إلى جميع بدن الزوجة؛ وهذا يضعف أن يكون هو المراد في هذا الموضع الذي ذُكر فيه من يحل لهم النظر إلى","vol":"1","page":449},{"text":"بعض المواضع من جسدها دون بعض، ولما كان البعل هو الزوج والسيد في كلام العرب؛ فالصواب والله أعلم أن المراد بالبعل في هذه الآية؛ السيّد بالنسبة للأمة التي لها زوج، فإن الأمة غير المتزوجة يحل لسيدها منها ما يحل له من زوجته، وهذا جاء بيانه في قوله تعالى ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ المؤمنون: ٥ - ٦ ولكن لما كانت الأمة قد تكون ذات زوج فلا يحل لسيدها منها إلا ما يحل له من ذات المحرم؛ اندرج حكم سيدها في هذه الآية فيمن لا يحل له إلا رؤية الزينة من المرأة. (^١)\nومما يؤكد عموم الخطاب في هذه الآية وأنه موجه للإماء والحرائر (^٢)؛ أن الأمر في مطلعها جاء بلفظ ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ﴾ وهذا اللفظ (المؤمنات) عام تدخل فيه الحرائر والإماء، بخلاف آية الجلابيب التي خص الله فيها الخطاب للحرائر دون\n_________\n(^١) قال البيهقي في السنن الكبرى (٧/ ٩٤): والسيد معها إذا زوجها كذوي محارمها.\n(^٢) سبق تخريجه.","vol":"1","page":450},{"text":"الإماء فقال جل في علاه ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ فأخرج بقوله (نساء المؤمنين) قال ابن حزم في المحلى (٣/ ٢١٨): البعل في لغة العرب السيد والزوج، وأيضا فالأمة قد تتزوج، وماعلمنا قط أن الإماء لا يكون لهن أبناء وآباء وأخوال وأعمام كما للحرائر.\nومما يشهد لما ذكرنا من أن المراد بالبعل هنا السيد والمالك؛ أنه لم يؤثر عن أحد من الصحابة ولا التابعين أنه قال بأن المراد بالبعولة في هذه الآية الأزواج، بل جاء ما ينفي ذلك وهو قول ابن عباس في قوله تعالى ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ﴾ قال الزينة التي تبديها لهؤلاء الناس قرطاها وقلادتها وسواراها\" فأما خلخالها ومعضدتها ونحرها وشعرها فلا تبديه إلا لزوجها\" (^١) فهذا القول من ابن عباس شاهد على أن الزوج لم يدخل في هذه الآية.\nومما يشهد لذلك أيضا أن الله تعالى لم يذكر البعولة في آية الحجاب في سورة الأحزاب ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلَا أَبْنَائِهِنَّ وَلَا إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ وَلَا نِسَائِهِنَّ وَلَا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ وَاتَّقِينَ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾ الأحزاب: ٥٥ ... لأن الخطاب فيها موجه للحرائر دون الإماء.\n_________\n(^١)","vol":"1","page":451},{"text":"وقد أدى حمل قوله ﴿إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ في هذه الآية على أن المراد به الزوج إلى أن بالغ بعضهم فأحلوا النظر لجميع جسد المرأة لذوي محارمها عدا العورة المغلظة؛ معللين ذلك بأن الله قد ساوى في ذلك بين البعولة وبينهم في الآية! (^١) ولاستبعاد ذلك قال الآخرون: مع أن الله تعالى جمع هؤلاء في سياق واحد إلا أنه لا يفهم منه استواء أحكامهم لأن الزوج يباح له النظر من زوجته ما لا يحل لأبيها النظر إليه! ولو حُمل المراد بالبعولة وآباء البعولة وأبنائهم في هذه الآية على السيّد بالنسبة للأمة المتزوجة ووالده وولده؛ لكان أسلم.\nومما يشهد لذلك أن \"الحسن والحسين كانا لا يريان أمهات المؤمنين وكان ابن عباس يرى أن رؤيتهن لهما حل\" (^٢) فإنهن لهما بمنزلة زوجات الأب، ولكن لما كان أبناء الأزواج ممن لم يستثن في الآية؛ فلا يحل لزوجات أبيهم (أمهات المؤمنين) أن يبدين لهم من زينتهن إلا ما ظهر منها؛ كرهوا الدخول عليهن، والله تعالى أعلم.\nوفيه كذلك الجواب على من أنكر على من قال إن العم والخال ينعتان لأبنائهم بأن الله قد أباح لأبي الزوج الزينة الباطنة وهو قد ينعت لأبنائه (إخوة الزوج) فإذا حُمل أن المراد هو أبو السيد بالنسبة للأمة، وأن آباء الأزواج لا يبدى لهم إلا ما ظهر من الزينة؛ كانوا كالأعمام في الحكم.\n_________\n(^١) انظر المحلى: ١٠/ ٣٢.\n(^٢) سنن سعيد بن منصور ١/ ٢٧٦ (٩٦٥) مصنف ابن أبي شيبة ٤/ ١٢ (١٧٢٩١).","vol":"1","page":452},{"text":"والمتأمل حقيقة في هذا التقسيم بمنع فئة ممن يحل لهم رؤية المرأة دون حجاب من رؤية زينتها إلا ما ظهر منها، يتبين له دقة الشارع فيأحكامه فمن لم يستثنوا في الآية ليس لديهم من نفرة الطباع ما للمحارم المستثنين فيها.\n(٤) وكذلك النساء المشركات: حيث فُسر قوله تعالى ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ بالنساء المسلمات كما قال سعيد بن جبير، ومجاهد: \" نسائهن المسلمات، ليس المشركات من نسائهن، وليس للمرأة المسلمة أن تَكَشّف بين يدي المشركة\". (^١)\nولذلك ذهب فريق من أهل العلم إلى أن النساء الكوافر بالنسبة للمرأة المسلمة كالرجال الأجانب! كما جاء في أسنى المطالب في شرح روض الطالب (٣/ ١١١): وتحتجب مسلمة عن كافرة وجوبا فيحرم نظر الكافرة إليها لقوله تعالى ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ ... فقد أفتى النووي بأنه يحرم على المسلمة كشف وجهها لها. (^٢)\nلكن هذا يضعفه ما صح أن نساء أهل الذمة كن يدخلن على أزواج النبي - ﷺ - يرين وجوههن! لذلك ذهب الفريق الآخر إلى أنهن في حل النظر كالمسلمات! وهو خلاف الآية كما هو بيّن. فإذا قلنا إن النساء الكافرات ممن يحل لهن الدخول ولكن لا يبدى لهن إلا ما ظهر من الزينة (الوجه والكفين) لكان هذا أجمع للرأيين.\n_________\n(^١) تفسير ابن أبي حاتم ٨/ ٢٥٧٧ (١٤٤١٥) (١٤٤١٦).\n(^٢) فيه شاهد على أنه يرى أن الحجاب يقتضي تغطية الوجه.","vol":"1","page":453},{"text":"قال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (٢٢/ ١١٢): وقوله (أو نسائهن) احتراز عن النساء المشركات فلا تكون المشركة قابلة للمسلمة ولا تدخل معهن الحمام، لكن قد كن النسوة اليهوديات يدخلن على عائشة وغيرها فيرين وجهها ويديها بخلاف الرجال، فيكون هذا في الزينة الظاهرة في حق النساء الذميات وليس للذميات أن يطلعن على الزينة الباطنة.\n(٥) وكذلك الصبي المميز فلأنه لم يذكر في الآية جعله بعضهم كالبالغ وقال بعضهم إنه كذي المحرم كما جاء في الكافي في فقه ابن حنبل (٣/ ٦): ومن لا تمييز له من الأطفال لا يجب التستر منه في شيء لقوله تعالى ﴿أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾ وفي المميز روايتان إحداهما هو كالبالغ لهذه الآية والثانية هو كذي المحرم لقوله تعالى ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ النور: ٥٩ ففرق بينه وبين البالغ. (^١)\nفإذا قيل إنه يحل له الدخول على النساء ورؤيتهن ولكن لا يبدين له إلا ما ظهر من الزينة (الوجه والكفين) كان ذلك أجمع للرأيين، فلا يُلحق بالمحرم والله لم يلحقه به في الآية، ولا يُلحق بالبالغ الذي فرق الله بينهما في الحكم في الآية الأخرى.\nيؤيد ذلك قول الإمام أحمد كما في المغني (٧/ ٧٧): قيل لأبي عبدالله متى تغطي المرأة رأسها من الغلام قال إذا بلغ عشر سنين.\n_________\n(^١) وانظر كشاف القناع ٥/ ١٢ والمبدع ٧/ ١٠ ومختصر الإنصاف والشرح الكبير ١/ ٦٣٩","vol":"1","page":454},{"text":"(٦) وكذلك ما وقع من خلاف في المراد من قوله ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ ففريق قال إن المراد بها الإماء المشركات، فبعد نهي المرأة عن إبداء زينتها للنساء الكوافر استثني من ذلك ما ملكت أيمانهن منهن، وهذا يضعفه أنه لو أُريد ذلك لجاء بصيغة الاستثناء كأن يقول (أو نسائهن إلا ما ملكت أيمانهن).\nومنهم من قال المراد به العبيد، وقد ورد عن عائشة وأم سلمة ﵄ عدم احتجابهما من العبيد، وثبوت دخولهم عليهن كما جاء ذلك عن مجاهد قال (كان العبيد يدخلون على أزواج النبي - ﷺ -) (^١)\nوكذلك ما جاء عن سليمان بن يسار عن عائشة ﵂ قال (استأذنت عليها فقالت من هذا فقلت سليمان قالت كم بقي عليك من مكاتبتك قال قلت عشر أواق، قالت: أدخل فإنك عبد ما بقي عليك درهم) (^٢) كما جاء عن أنس - ﵁ - (أن النبي - ﷺ - أتى فاطمة بعبد كان قد وهبه لها، قال: وعلى فاطمة ﵂ ثوب - رداء - إذا قنعت به رأسها لم يبلغ رجليها، وإذا غطت به رجليها لم يبلغ رأسها، فلما رأى النبي - ﷺ - ما تلقى قال: \"إنه ليس عليك بأس، إنما هو أبوك وغلامك (\". (^٣)\nقال البيهقي عقبه (٧/ ٩٥): وروينا عن القاسم بن محمد أنه قال (إن كانت أمهات المؤمنين يكون لبعضهن المكاتب فتكشف له الحجاب ما بقي عليه درهم فإذا قضى أرخته دونه) وكان الحسن والشعبي وطاووس ومجاهد يكرهون أن ينظر\n_________\n(^١) مصنف عبد الرزاق ٨/ ٤١٢ (١٥٧٤٢).\n(^٢) سنن البيهقي الكبرى ٧/ ٩٥ (١٣٣٢٤) صححه الألباني في إرواء الغليل ٦/ ١٨٣.\n(^٣) سنن أبي داود (٤١٠٦) وصححه الألباني.","vol":"1","page":455},{"text":"العبد إلى شعر سيدته، وكأنهم عدوا الشعر من الزينة التي لا تبديها لعبدها كما عده بن عباس ﵄ فيما رويناه من الزينة التي لا تبديها لمحارمها.\nقال ابن حجر فتح الباري (٥/ ٢٦٥): وفيه دليل على أن عائشة كانت ترى ترك الاحتجاب من العبد سواء كان في ملكها أو في ملك غيرها لأنه كان مكاتب ميمونة زوج النبي - ﷺ -. اهـ\nولهذا جعله الفريق الآخر محرما لها يسافر بها ويخلو بها! وقد أنكر شيخ الإسلام هذا فقال في مجموع الفتاوى (٢٢/ ١١١): فهذا يقتضي جواز نظر العبد إلى مولاته وقد جاءت بذلك أحاديث وهذا لأجل الحاجة لأنها محتاجة إلى مخاطبة عبدها أكثر من حاجتها إلى رؤية الشاهد والمعامل والخاطب فإذا جاز نظر أولئك فنظر العبد أولى وليس في هذا ما يوجب أن يكون محرما يسافر بها كغير أولى الأربة فإنهم يجوز لهم النظر وليسوا محارم يسافرون بها فليس كل من جاز له النظر جاز له السفر بها ولا الخلوة بها بل عبدها ينظر إليها للحاجة وإن كان لا يخلو بها ولا يسافر بها.\nقال النحاس في معاني القرآن (ت ٣٣٨ هـ) (٤/ ٥٢٧): قال ﷿ ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ فيه أقوال ... والقول الثاني أنه ليس لعبيدهن أن يروا منهن إلا ما يرى الأجنبي - الأتباع والعبيد المملوكون للغير - كما روى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس أنه قال ولا ينظر عبدها إلى شعرها ولا نحرها وأما الخلخال فلا ينظر إليه إلا الزوج. وهو مذهب عبد الله بن مسعود ومجاهد وعطاء والشعبي ...","vol":"1","page":456},{"text":"ويكون التقدير على القول الثاني أو ما ملكت أيمانهن غير أولي الإربة أو التابعين غير أولي الإربة ثم حذف.\nقال القرطبي في تفسيره (١٢/ ٢٣٧): وقد قيل إن التقدير أو ما ملكت أيمانهن من غير أولي الإربة (^١) أو التابعين غير أولي الإربة من الرجال حكاه المهدوي. اهـ\nوهذا هو الصحيح والله أعلم؛ أن المراد بقوله تعالى ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ من غير أولي الإربة، يؤكد ذلك قرينة في الآية وهي قوله تعالى ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ﴾ فلو لم تكن الصفة ﴿غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ﴾ عائدة على كلا النوعين (ملك اليمين والتابعين) لما كان لقوله ﴿مِنَ الرِّجَالِ﴾ فائدة،\nولكان قوله ﴿أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ﴾ كاف لبيان المراد. وهذا لا ينفي كون العبيد ممن يحل لهم الدخول على النساء من غير حجاب، ولكن المراد أنه ليس لهم حكم العبيد غير أولي الإربة المستثنين في الآية الذين يحل للمرأة أن تبرز لهم بالدرع والخمار دون الرداء:\n_________\n(^١) هو الأحمق الذي ليس له في النساء حاجة ولا إرب. قال القرطبي في تفسيره (١٢/ ٢٣٤): واختلف الناس في معنى قوله أو التابعين غير أولي الإربة فقيل هو الأحمق الذي لا حاجة به إلى النساء وقيل الأبله وقيل الرجل يتبع القوم فيأكل معهم ويرتفق بهم وهو ضعيف لا يكترث للنساء ولا يشتهيهن وقيل العنين وقيل الخصي وقيل المخنث وقيل الشيخ الكبير والصبي الذي لم يدرك وهذا الاختلاف كله متقارب المعنى ويجتمع فيمن لا فهم له ولا همة ينتبه بها إلى أمر النساء.","vol":"1","page":457},{"text":"- عن الشعبي أنه كان لا يرى بأسا أن تضع المرأة ثوبها - الرداء والملحفه - عند مملوكها وإن كان يكره أن يرى شعرها. اهـ (^١)\nأما العبد تملكه المرأة وهو من أولي الإربة فهو كسائر العبيد لا تبدي له من زينتها إلا ما ظهر منها (الوجه والكفين) فلا تضع رداءها عنده.\nقال ابن عبد البر في الاستذكار (٨/ ٣٨٩): لم أر من الصواب؛ إلا أن يكون المملوك من غير أولى الإربة؛ فيكون حكمه حكم الأطفال الذين لا يفطنون لعورات النساء وكم من المماليك الأوغاد أتى منهم الفساد. اهـ\nفإذا كان لا يحتجب من العبد المملوك؛ وكان المملوك من غير أولي الأربة حكمه كحكم المحارم والأطفال الذين لا يفطنون لعورات النساء؛ دل ذلك على أن المملوك من أولي الأربة لن يكون كحكم المملوك من غير أولي الأربة فيرى زينة المرأة، وهو ليس كحكم الحر الأجنبي الذي يجب على المرأة الحرة أن تحتجب منه! فلم يبق إلا أن يكون ممن لا يرى إلا الزينة الظاهرة منها، أي (الوجه والكفين). يؤيد ذلك قوله ﴿الَّذِينَ﴾ للجمع بعد\nبصفة الإفراد وذلك لبيان عطف ما بعدها على ما قبلها من الرجال حيث قال بعد قوله ﴿أَوِ الطِّفْلِ﴾ ﴿الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾ فلا بد أن تعود ﴿الَّذِينَ﴾ ... على آخرين مع الطفل ولا يكون إلا أقرب مذكور وهم ﴿مَا مَلَكَتْ\n_________\n(^١) مصنف ابن أبي شيبة (١٧٢٧١)","vol":"1","page":458},{"text":"أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ﴾ فيكون التقدير والله أعلم: (أو ما ملكت أيمانهن غير أولي الإربة من الرجال؛ الذين لم يظهروا على عورات النساء، أو التابعين غير أولي الإربة من الرجال؛ الذين لم يظهروا على عورات النساء، أو الأطفال؛ الذين لم يظهروا على عورات النساء) إذ إنه لو لم يكن كذلك لجاء نعت الطفل مفردا (أو الطفل الذي) أو جاء المنعوت بالجمع كما جاءت في قوله تعالى ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ﴾ ولهذا قال تعالى في ختام هذه الآية ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ﴾ النور: ٥٩.\nفيكون المعنى المراد والله تعالى أعلم أنه بعد أن عدّ من يحل لهم الدخول على المرأة من محارمها؛ ذكر النساء (أو نسائهن) ليكون فاصلا بين المحارم وبين من يشترط فيهم أن يكونوا من غير أولي الأربة؛ وهم الذين يتبعون أهل البيت ليس لهم حاجة في النساء ولا يحصل منهم ذلك بحال من الأحوال سواء كانوا من الرجال كالشيخ الكبير أو الأحمق والأبله أو الخصي والعنين، أو كان من الأطفال كيتيم الرجل الذي في حجره، وهذا التأويل كما ترى قد جمع بين جميع الآثار الواردة في تأويل هذه الآية.\n- الحادي عشر: ومما يؤيد أن المراد بمن يحل له رؤية الزينة الظاهرة (الوجه والكفين) في هذه الآية (إلا ما ظهر منها) هم ممن يحل لهم النظر إلى المرأة دون حجاب من العبيد ونحوهم؛ إجماع أئمة المفسرين على تفسير آية إدناء الجلابيب بتغطية الوجه للنساء الحرائر دون ذكر للتعارض بين الآيتين،","vol":"1","page":459},{"text":"فلا يسوغ أن يُحمل تأويلهم لجواز إظهار الوجه\nوالكفين في هذه الآية؛ ووجوب تغطيتهما في آية الأحزاب على نفس الفئة من الرجال! إذ لو كان كذلك لبيّنوا وجه هذا التعارض!\nوقبل أن أنقل أقوال المفسرين في تفسير هذه الآية لابد أن نذكّر بما سبق أن بيّناه من إطلاق السلف وأهل العلم لمسمى (الأجنبي) و(الغريب) عند الحديث عن النظر إلى المرأة وهم: مطلق الرجال الأجانب بالنسبة للإماء لأنه لم يفرض عليهن الحجاب، والمملوكون والأتباع بالنسبة للنساء الحرائر، وهذا هو السبب في وهم المتأخرين في هذه المسألة، حيث حملوا مراد من قال من أهل العلم المتقدمين (أن الزينة الظاهرة تبدى للأجنبيين) على أن مراده جواز إظهار المرأة الحرة لوجهها وكفيها للرجال الأحرار الأجانب الذين يجب عليها الاحتجاب منهم! والصحيح أن المراد هو من يحل له الدخول عليها والنظر إليها دون حجاب ممن لا يعد محرما لها من العبيد المملوكين أو الأتباع.\nومن ذلك قول سعيد بن جبير ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ يعني الوجه والكفين فزينة الوجه الكحل وزينة الكفين الخضاب ولا يحل أن يرى منها غريب غير ذلك. (^١).\n_________\n(^١) تفسير ابن أبي حاتم ٨/ ٢٥٧٥ (١٤٤٠٣).","vol":"1","page":460},{"text":"وإليك نماذج من أقوال المفسرين المتقدمين في تفسير هذه الآية، وأقوالهم في تفسير آيتي الأحزاب:\n* ابن جرير الطبري (ت ٣١٠ هـ) ١٨/ ١١٧: وقوله ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال عني بذلك الوجه والكفان يدخل في ذلك إذا كان كذلك الكحل والخاتم والسوار والخضاب.\nثم قال في تفسير آيتي الحجاب في سورة الأحزاب:\n(١) ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ قال: وإذا سألتم أزواج رسول الله ونساء المؤمنين اللواتي لسن لكم بأزواج متاعا فاسألوهن من قوله ﴿أَوِ الطِّفْلِ﴾ وراء حجاب يقول من وراء ستر بينكم وبينهن ولا تدخلوا عليهن بيوتهن. (^١)\n(٢) ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ قال: لا يتشبهن بالإماء في لباسهن إذا هن خرجن من بيوتهن لحاجتهن فكشفن شعورهن ووجوههن، ولكن ليدنين عليهن من جلابيبهن لئلا يعرض لهن فاسق إذا علم أنهن حرائر بأذى من قول. ثم اختلف أهل التأويل في صفة الإدناء الذي أمرهن الله به فقال بعضهم هو أن يغطين وجوههن ورؤوسهن فلا يبدين منهن إلا عينا واحدة ... وقال آخرون بل أمرن أن يشددن\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٢٢/ ٣٩.","vol":"1","page":461},{"text":"جلابيبهن على جباههن. اهـ أي ليس بسدلها على وجوههن من فوق رؤوسهن ولكن بشدها على جباههن ثم عطفها وردّها على الأنف وهو التقنع كما بيّنا ذلك مسبقا.\n* النحاس (ت ٣٣٨ هـ) في معاني القرآن ٤/ ٥٢١ - ٥٢٢: قال جل وعز ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ ... عن ابن عباس قال الوجه والكف وبعضهم يقول عن ابن عباس الكحل والخضاب وكذلك قال مجاهد وعطاء ومعنى الكحل والخضاب ومعنى الوجه والكف سواء. وروت أم شبيب عن عائشة قالت (القلب والفتخة) والفتخة الخاتم والقلب السوار. قال أبو جعفر وهذا قريب من قول ابن عمر وابن عباس وأكثر الفقهاء عليه ألا ترى أن المرأة يجب عليها أن تستر في الصلاة كل موضع منها يراه المرء وأنه لا يظهر منها إلا وجهها وكفاها.\nثم قال في تفسير آية الحجاب في سورة الأحزاب (٥/ ٣٧٨): ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ﴾ إلى آخر الآية قال الحسن ذلك أدني أن يعرف أنهن حرائر فلا يؤذين، قال الحسن تغطي نصف وجهها، وكان عمر إذا رأى أمة قد تقنعت علاها بالدرة، قال محمد بن سيرين سألت عبيدة عن قوله ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ فقال تغطي حاجبها بالرداء ثم ترده على أنفها حتى تغطي رأسها ووجهها وإحدى عينيها.","vol":"1","page":462},{"text":"* أبو بكر الجصاص (ت ٣٧٠ هـ) في أحكام القرآن ٥/ ١٧٢ - ١٧٣: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ قال أصحابنا المراد الوجه والكفان لأن الكحل زينة الوجه والخضاب والخاتم زينة الكف فإذ قد أباح النظر إلى زينة الوجه والكف فقد اقتضى ذلك لا محالة إباحة النظر إلى الوجه والكفين، ويدل على أن الوجه والكفين من المرأة ليسا بعورة أيضا أنها تصلي مكشوفة الوجه واليدين فلو كانا عورة لكان عليها سترهما كما عليها ستر ما هو عورة وإذا كان ذلك جاز للأجنبي أن ينظر من المرأة إلى وجهها ويديها بغير شهوة.\n\nثم قال في تفسير آيتي الحجاب في سورة الأحزاب:\n(١) ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ وهذا الحكم وإن نزل خاصا في النبي - ﷺ - وأزواجه فالمعنى عام فيه وفي غيره إذ كنا مأمورين باتباعه والاقتداء به إلا ما خصه الله به دون أمته. (^١)\n(٢) ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ قال أبو بكر في هذه الآية دلالة على أن المرأة الشابة مأمورة بستر وجهها عن الأجنبيين. (^٢)\n_________\n(^١) أحكام القرآن للجصاص ٥/ ٢٤٢\n(^٢) أحكام القرآن للجصاص ٥/ ٢٤٥","vol":"1","page":463},{"text":"* الثعلبي (ت ٤٢٧ هـ) ٧/ ٨٧ - ٨٨: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ الخفيّة التي أُمرن بتغطيتها ولم يبح لهنّ كشفها في الصلاة وللأجنبيين وهي ما عدا الوجه والكفّين وظهور القدمين ﴿إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ﴾\nثم قال في تفسير آيتي الحجاب في سورة الأحزاب:\n(١) ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ قال ابن عباس لما نزلت آية الحجاب قال الآباء والأبناء والأقارب لرسول الله - ﷺ - ونحن أيضًا نكلمهن من وراء حجاب فأنزل الله تعالى ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلَا أَبْنَائِهِنَّ وَلَا إِخْوَانِهِنَّ﴾ الأحزاب: ٥٥ في ترك الاحتجاب من هؤلاء وأن يروهن. (^١)\n(٢) قال تعالى ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ أي يرخين أرديتهن وملاحفهن فيتقنّعن بها ويغطّين وجوههن ورؤوسهن. (^٢)\n* الواحدي (ت ٤٦٨ هـ) ٢/ ٧٦١: قوله ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ يعني الخلخالين والقرطين والقلائد والدمالج ونحوها مما يخفى ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ وهو\n_________\n(^١) تفسير الثعلبي ٨/ ٦٠.\n(^٢) تفسير الثعلبي ٨/ ٦٤","vol":"1","page":464},{"text":"الثياب والكحل والخاتم والخضاب والسوار فلا يجوز للمرأة أن تظهر إلا وجهها ويديها إلى نصف الذراع.\nثم قال في تفسير آيتي الحجاب في سورة الأحزاب:\n(١) ﴿فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾: وكانت النساء قبل نزول هذه الآية يبرزن للرجال فلما نزلت هذه الآية ضرب عليهن الحجاب فكانت هذه آية الحجاب بينهن وبين الرجال ﴿ذَلِكُمْ﴾ أي الحجاب ﴿أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ فإن كل واحد من الرجل والمرأة إذا لم ير الآخر لم يقع في قلبه. (^١)\n(٢) ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ جمع جلباب، وهو الملاءة التي تشتمل بها المرأة، قال المفسرون: يغطين رءوسهن ووجوهن إلا عينا واحدة، فيعلم أنهن حرائر، فلا يعرض لهن بأذى. (^٢)\n* ابن العربي في أحكام القرآن (ت ٥٤٣ هـ) (٣/ ٣٨١): واختلف في الزينة الظاهرة على ثلاثة أقوال: الأول: أنها الثياب يعني أنها يظهر منها ثيابها قاله ابن مسعود\nالثاني: الكحل والخاتم قاله ابن عباس والمسور\n_________\n(^١) التفسير الوسيط ٢/ ٨٧٢.\n(^٢) التفسير الوسيط ٣/ ٤٨٢.","vol":"1","page":465},{"text":"الثالث: أنه الوجه والكفان ... والصحيح أنها من كل وجه هي التي في الوجه والكفين فإنها التي تظهر في الصلاة وفي الإحرام عبادة وهي التي تظهر عادة.\nومما ينفي أن يكون مراده جواز إظهار ذلك من المرأة الحرة للرجال الأحرار الأجانب قوله في تأويل آيتي الحجاب:\n(١) ﴿فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾: وهذا يدل على أن الله أذن في مساءلتهن من وراء حجاب في حاجة تعرض أو مسألة يستفتى فيها والمرأة كلها عورة بدنها وصوتها فلا يجوز كشف ذلك إلا لضرورة أو لحاجة كالشهادة عيها. (^١)\n(٢) قوله تعالى ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ قيل معناه تغطي به رأسها فوق خمارها وقيل تغطي به وجهها حتى لا يظهر منها إلا عينها اليسرى.\nوقال في كتابه عارضة الأحوذي (٤/ ٥٦): ستر وجه المرأة بالبرقع فرض، إلا في الحج؛ فإنها ترخي شيئا من خمارها على وجهها.\n* القرطبي (ت ٦٧١ هـ) ١٢/ ٢٢٧ - ٢٣٠: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ أمر الله ﷾ النساء بألا يبدين زينتهن للناظرين إلا ما استثناه من الناظرين في باقي الآية حذارا من الافتتان ثم استثنى ما يظهر من الزينة ...\n_________\n(^١) أحكام القرآن لابن العربي ٣/ ٦١٦","vol":"1","page":466},{"text":"وقال ابن عباس وقتادة والمسور بن مخرمة ظاهر الزينة هو الكحل والسوار، والخضاب إلى نصف الذراع والقرطة والفتخ ونحو هذا فمباح أن تبديه المرأة لكل من دخل عليها من الناس ... فهذا أقوى من جانب الاحتياط ولمراعاة فساد الناس فلا تبدي المرأة من زينتها إلا ما ظهر من وجهها وكفيها.\nومما يؤكد ذلك وأن مراده ليس الأحرار الأجانب الذين يجب على المرأة الحرة الاحتجاب منهم؛ قوله في تفسير آيتي الحجاب في الأحزاب:\n(١) ﴿فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ في هذه الآية دليل على أن الله تعالى أذن في مسألتهن من وراء حجاب في حاجة تعرض أو مسألة يستفتين فيها ويدخل في ذلك جميع النساء بالمعنى وبما تضمنته أصول الشريعة من أن المرأة كلها عورة بدنها وصوتها كما تقدم فلا يجوز كشف ذلك إلا لحاجة كالشهادة عليها أو داء يكون ببدنها. (^١)\n(٢) ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ لما كانت عادة العربيات التبذل وكن يكشفن وجوههن كما يفعل الإماء ... أمر الله رسوله - ﷺ - أن يأمرهن بإرخاء الجلابيب عليهن إذا أردن الخروج إلى حوائجهن ... وقد قيل إنه يجب الستر والتقنع الآن في حق الجميع من الحرائر والإماء. (^٢)\n_________\n(^١) تفسير القرطبي ١٤/ ٢٢٧\n(^٢) تفسير القرطبي ١٤/ ٢٤٣.","vol":"1","page":467},{"text":"ولذلك فإن من الخطأ أن نحمل أقوال المفسرين في تفسير الزينة الظاهرة على أن المراد بها ما تظهره المرأة الحرة لمن يجب عليها الاحتجاب منهم من الرجال الأجانب؛ وهم قد فسروا آية إدناء الجلابيب بأنها تفيد وجوب تغطية وجه المرأة الحرة عن الرجال الأحرار الأجانب، لأن في ذلك حمل الآيتين على معنيين وحكمين متعارضين!\nوخلاصة هذا المبحث أن المراد بمن لا تُظهر المرأة الحرة زينتها لهم (إلا ما ظهر منها) المفسرة بـ (الوجه والكفين بما فيهما من الزينة كالخاتم والسوار) هم من يحل لهم الدخول على المرأة والنظر إليها دون حجاب ممن لم يستثن في الآية وهم: العبيد المملوكون للغير، والعبد المملوك والتابع إذا كان من أولي الإربة، والذين لم يبلغوا الحلم من الأحرار (الصبية المميزين) والنساء غير المسلمات، والمحارم بالمصاهرة والرضاع، والعم والخال، فهؤلاء تظهر لهم بثيابها الظاهرة (بردائها أو ملحفتها وخمارها ضاربة به على جيبها)، أما من استثني في الآية (ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن ...) فهؤلاء تضع عندهم الرداء فتبرز لهم بخمارها دون أن تضرب به على جيبها، فيرون منها الزينة الباطنة، هذا كل ما تعنيه الآية، وبذلك يتبين بطلان الاستدلال بقوله تعالى ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ المفسر بالوجه والكفين، وحديث عائشة \" إن المرأة إذا بلغت المحيض. . . \" على جواز كشف وجه المرأة الحرة للرجال الأحرار الأجانب.","vol":"1","page":468},{"text":"* الثاني عشر: وقبل إنهاء هذا المبحث لابد من الإجابة على هذا التساؤل:\n\nما صحة القول بأن<span data-type=\"title\" id=toc-100> عورة المرأة عند النساء والمحارم </span>من السرة إلى الركبة؟\nأنكر الشيخ الألباني في بحثه السابع على من قال بأن عورة المرأة مع المرأة ما بين السرة والركبة؛ وقال: مع أن هذا القول لا أصل له في الكتاب والسنة بل هو خلاف قوله تعالى في آية النور ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ﴾ إلى قوله ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ فإن المراد مواضع الزينة، وهي: القرط والدملج والخلخال والقلادة، وهذا باتفاق علماء التفسير وهو المروي عن ابن مسعود .. فهذا النص القرآني صريح في أن المرأة لا يجوز لها أن تبدي أمام المسلمة أكثر من هذه المواضع. اهـ\nفالقول بأن (عورة المرأة مع المرأة كعورة الرجل مع الرجل)؛ قول غير صحيح، إذ لم يدل عليه حديث صحيح ولا ضعيف. بل دلت نصوص الكتاب والسنة على خلاف ذلك؛ فإن الله تعالى في آية النور ذكر النساء بعد\nذكر المحارم وقبل ذكر غير أولي الإربة من الرجال، فحكم النساء مع النساء حكم ما ذكر قبلهن وما ذكر بعدهن في الآية، وحدود الزينة التي تبدى لهم تنحصر في الوجه والكفين والقدمين بما فيها من الزينة. كما سبق بيان ذلك.\nقال البيهقي في السنن الكبرى (٧/ ٩٤): باب ما تبدي المرأة من زينتها للمذكورين في الآية من محارمها: أخبرنا أبو زكريا ... ثنا عبد الله بن صالح عن معاوية بن صالح","vol":"1","page":469},{"text":"عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ﴾ والزينة التي تبديها لهؤلاء الناس قرطاها وقلادتها وسواراها فأما خلخالها ومعضدتها ونحرها وشعرها فلا تبديه إلا لزوجها. وروينا عن مجاهد أنه قال يعني به القرطين والسالفة والساعدين والقدمين وهذا هو الأفضل ألا تبدي من زينتها الباطنة شيئا لغير زوجها إلا ما يظهر منها في مهنتها.\n* ولو سلمنا جدلا أن عورة المرأة مع المرأة كعورة الرجل مع الرجل (ما بين السرة والركبة) فإن هذا القول يستدل به في أحكام العورات لا في أحكام اللباس!\nوقد وضح الشيخ محمد العثيمين هذه المسألة فقال: يجب أن نعلم أن العورة ليست هي مقياس اللباس، فإن اللباس يجب أن يكون ساترًا وإن كانت العورة -أعني عورة المرأة -بالنسبة للمرأة ما بين السرة والركبة، لكن اللباس شيء والعورة شيء آخر. ولذلك يجب على المرأة أن تلبس اللباس الشرعي الذي يكون ساترًا، فقد كان لباس نساء الصحابة كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره من الكف إلى الكعب في بيوتهن، أي من كف اليد إلى كعب الرجل فإذا خرجن لبسن ثيابًا طويلة تزيد على أقدامهن بشبر، ورخص لهن النبي - ﷺ - إلى ذراع من أجل ستر أقدامهن هذا بالنسبة للمرأة المكتسية، فإن رفعت اللباس فهي من الكاسيات العاريات. أما بالنسبة للمرأة الناظرة فإنه لا يجوز لها أن تنظر عورة المرأة، يعني لا يجوز أن تنظر ما بين السرة إلى الركبة، مثل أن تقضي حاجتها فلا يجوز للمرأة أن تنظر إليها، لأنها تنظر إلى العورة، أما ما فوق السرة","vol":"1","page":470},{"text":"أو دون الركبة، إذا كانت المرأة لابسة لباس حشمة فكشفت عنه لحاجة مثل أنها رفعت ثوبها عن ساقها لأنها تمر بطين مثلًا، أو تريد أن تغسل الساق وعندها\nامرأة أخرى فهذا لا بأس به، أو أخرجت ثديها لترضع طفلها أمام النساء فإنه لا بأس، لكن لا يفهم من قولنا هذا كما تفهم بعض النساء الجاهلات؛ أن المعنى أن المرأة تلبس من الثياب ما يستر ما بين السرة والركبة فقط، هذا غلط عظيم على كتاب الله وعلى سنة رسول الله - ﷺ - وعلى شريعة الله وعلى سلف هذه الأمة. فالحديث يبين أن المرأة لا تنظر إلى عورة المرأة، فيخاطب الناظرة دون اللابسة، أما اللابسة فيجب أن تلبس ثيابًا ساترة كما كانت تلبس نساء الصحابة من الكف إلى الكعب. فهناك فرق بين اللباس وبين النظر. (^١) اهـ\n\n* ومما يدل على أنه لا يجوز للمرأة أن تبدي شيئا من جسدها أمام النساء إلا ما جرت العادة بظهوره من الوجه والكفين والأقدام؛ النهي عن دخول المرأة للحمّام وهو مكان الاغتسال الجماعي سواء للرجال مع بعضهم، أو للنساء مع بعضهن؛ فقد قال الرسول - ﷺ - \" الحمّام حرام على نساء أمتي\" (^٢) كما روي أن نساء من أهل حمص دخلن على عائشة ﵂ فقالت: أنتن اللاتي يدخلن نساؤكن الحمامات؟ سمعت رسول الله - ﷺ - يقول\" أيما امرأة وضعت ثيابها في غير بيت زوجها فقد هتكت ستر ما بينها وبين الله\" (^٣)\n_________\n(^١) انظر مجموعة أسئلة تهم الأسرة المسلمة لفضيلة الشيخ / ٦٠ - ٦٢، ٨٣.\n(^٢) المستدرك على الصحيحين ٤/ ٣٢٢ (٧٧٨٤) وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة برقم (٣٤٣٩).\n(^٣) مسند أحمد بن حنبل ٦/ ١٧٣ (٢٥٤٤٦) سنن ابن ماجه ٢/ ١٢٣٤ (٣٧٥٠) وصححه الألباني في صحيح الجامع حديث رقم (٢٧١٠).","vol":"1","page":471},{"text":"فإذا كانت المرأة تمنع من دخول الحمام وهو خاص بالنساء، وتمنع من نزع ثيابها ولو بحضرة النساء، كان من المتعين أن عورة المرأة مع المرأة كعورة المرأة مع محارمها، لا كعورة الرجل.\nكما أنه لم ينقل خبر بإسناد صحيح ولا ضعيف ذكر فيه تكشف النساء وإظهارهن عدا ما بين السرة والركبة فيما بينهن، فلو اعتقد السلف جواز ذلك والرخصة فيه لنقل ذلك عنهن كما نقل غيره مما هو دونه، فهذا يدل\nدلاله واضحة على ضعف قول من قال بجواز كشف ماعدا ما بين السرة إلى الركبة للنساء فيما بينهن.\n* ومما يشهد لذلك أيضا ما صح عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ - \"صنفان من أهل النار لم أرهما قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس ونساء كاسيات عاريات مميلات مائلات رؤوسهن كأسنة البخت المائلة لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا\" (^١)\nقال ابن عبد البر في الاستذكار (٨/ ٣٠٧): فكل ثوب يصف ولا يستر فلا يجوز لباسه بحال إلا مع ثوب يستر ولا يصف فإن المكتسية به عارية.\nقال النووي في شرحه على صحيح مسلم (١٤/ ١١٠): وقيل معناه تستر بعض بدنها وتكشف بعضه إظهارا لجمالها ونحوه وقيل معناه تلبس ثوبا رقيقا يصف لون بدنها.\n_________\n(^١) صحيح مسلم ٣/ ١٦٨٠ (٢١٢٨)","vol":"1","page":472},{"text":"قال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (٢٢/ ١٤٦): وقد فسر قوله (كاسيات عاريات) بأن تكتسي ما لا يسترها فهي كاسية وهي في الحقيقة عارية مثل من تكتسي الثوب الرقيق الذي يصف بشرتها أو الثوب الضيق الذي يبدي تقاطيع خلقها مثل عجيزتها وساعدها ونحو ذلك وإنما كسوة المرأة ما يسترها فلا يبدي جسمها ولا حجم أعضائها لكونه كثيفا واسعا.\n* ومما يشهد لذلك أيضا ما ورد عن أسامة بن زيد قال: (كساني رسول الله - ﷺ - قبطية (^١) كثيفة مما أهداها له دحية الكلبي فكسوتها امرأتي فقال: ما لك لم تلبس القبطية؟ قلت: كسوتها امرأتي فقال: مرها فلتجعل تحتها غلالة (^٢) فإني أخاف أن تصف حجم عظامها) (^٣).\nقال الألباني في جلباب المرأة /١٣١: فقد أمر - ﷺ - بأن تجعل المرأة تحت القبطية غلالة - وهي شعار يلبس تحت الثوب - ليمنع بها وصف بدنها والأمر يفيد الوجوب كما تقرر في الأصول.\nولذلك قال الشوكاني في شرح هذا الحديث (٢/ ٩٧): والحديث يدل على أنه يجب على المرأة أن تستر بدنها بثوب لا يصفه وهذا شرط ساتر العورة وإنما أمر بالثوب تحته لأن القباطي ثياب رقاق لا تستر البشرة عن رؤية الناظر بل تصفها.\n_________\n(^١) الغلالة: الثوب الذي يلبس تحت الثياب (اللسان ١٠/ ١٠٨) وقيل: بطائن تلبس تحت الدروع.\n(^٢) مسند أحمد بن حنبل ٥/ ٢٠٥ (٢١٨٣٤) سنن البيهقي الكبرى ٢/ ٢٣٤ (٣٠٧٩) حسن إسناده ضياء الدين المقدسي في الأحاديث المختارة ٤/ ١٤٩، وابن حجر في المطالب العالية (١٠/ ٣١٨) والألباني في جلباب المرأة /١٣١.\n(^٣) مروية: نسبة إلى قرية مرو بالكوفة، قوهية: نسبة إلى قوهستان بخراسان.","vol":"1","page":473},{"text":"* ويشهد لذلك ما ورد أن المنذر بن الزبير لما قدم من العراق، أرسل إلى أسماء بنت أبي بكر بكسوة من ثياب مروية وقوهية (^١) رقاق عتاق، بعد ما كف بصرها، فلمستها بيدها ثم قالت: أُف، ردوا عليه كسوته، فشق عليه ذلك، وقال: يا أمَّه، إنه لا يشف. قالت: إنها إن لم تشف فإنها تصف\". (^٢)\n* وما ورد أن عمر بن الخطاب - ﵁ - كسا الناس القباطي (^٣)، ثم قال: لا تَدرعها نساؤكم، فقال رجل يا أمير المؤمنين قد ألبستها امرأتي فأقبلت في البيت وأدبرت فلم أره يشف فقال عمر: إن لم يشف فإنه يصف\". (^٤)\n* وما ثبت عن الزهري قال أخبرتني هند بنت الحارث، عن أم سلمة ﵂ قالت: استيقظ النبي - ﷺ - من الليل وهو يقول\" لا إله إلا الله، ماذا أُنزل الليلة من الفتنة؟ ماذا أُنزل من الخزائن؟ من يوقظ صواحب الحجرات؟ كم من كاسية في الدنيا عارية يوم القيامة\" قال الزهري: وكانت هند لها أزرار في كميَّها بين أصابعها. (^٥)\n_________\n(^١) الطبقات لابن سعد ٨/ ٢٥٢، صححه الألباني في جلباب المرأة /١٢٧.\n(^٢) القباطي: جمع قبطيّة وهي الثوب من ثياب مصر رقيقة بيضاء وكأنه منسوب إلى القبط وهم أهل مصر (لسان العرب ٧/ ٣٧٣).\n(^٣) السنن الكبرى للبيهقي (٣٠٨٠) وقال إنه مرسل، وقال الألباني في جلباب المرأة /١٢٨: لكن رجاله ثقات ويقويه قول البيهقي عقبه: ولمعنى هذا المرسل شاهد بإسناد موصول.\n(^٤) صحيح البخاري ٥/ ٢١٩٨ (٥٥٠٦).\n(^٥) يريد ما جاء في المدونة الكبرى (٢/ ٤٦٢): أكان مالك يكره للمحرمة وغير المحرمة لبس القباء قال نعم كان يكره لبس القباء للجواري وأفتى بذلك وقال إنه يصفهن ويصف أعجازهن، قلت فهل كان مالك يكرهه للنساء الحرائر قال قد أخبرتك بقول مالك في الإماء فإذا كرهه مالك للإماء فهو للحرائر أشد كراهية عنده.","vol":"1","page":474},{"text":"قال ابن حجر في فتح الباري (١٠/ ٣٠٣): لأنها كانت تخشى أن يبدو من جسدها شيء بسبب سعة كميَّها فكانت تزرر ذلك لئلا يبدو منه شيء فتدخل في قوله - ﷺ - \" كاسية عارية\".\n* قال الباجي في المنتقى (٧/ ٢٢٤): (كاسيات عاريات) ويحتمل عندي والله أعلم أن يكون ذلك لمعنيين: أحدهما: الخفة فيشف عما تحته، فيدرك البصر ما تحته من المحاسن، ويحتمل أن يريد به الثوب الرقيق الصفيق الذي لا يستر الأعضاء بل يبدو حجمها. وسأل مالك عن الوصائف يلبسن الأقبية فقال ما يعجبني ذلك، وإذا شدتها عليها ظهر عجزها، ومعنى ذلك أنه لضيقه يصف أعضاءها عجزها وغيرها مما شرع ستره. (^١)\nوقوله - ﷺ - (رب كاسية في الدنيا عارية في الآخرة) ... ويحتمل أن يريد به أنها كاسية في الدنيا بلباس ما قد نهيت عنه فهي تعرى من أجله في الآخرة إذا كسي غيرها من أهل الصلاح.\n\n* قال الشيخ محمد بن إبراهيم مفتي الديار السعودية سابقا في فتاواه (٢/ ١٥٩): لقد تغيرت الأحوال في هذه الأزمان وابتلي الكثير من النساء بخلع جلباب الحياء والتهتك وعدم المبالاة، وتتابعت في ذلك وانهمكت فيه إلى حد يخشى منه الانحدار في هوةٍ سحيقة من السفور والانحلال، وحلول المثلات\n_________\n(^١)","vol":"1","page":475},{"text":"والعقوبات من ذي العزة والجلال، ذلك مثل لبسهن ما يبدي تقاطيع أبدانهن من عضدين وثديين وخصر وعجيزة ونحو ذلك، ومثل لبس الثياب الرقيقة التي تصف البشرة، وكذلك الثياب القصيرة التي لا تستر العضدين ولا الساقين ونحو ذلك. ولا شك أن هذه الأشياء تسربت عليهن من بلدان الإفرنج ومن يتشبه بهم، لأنها لم تكن معروفة فيما سبق ولا مستعملة، ولا شك أن هذا من أعظم المنكرات، وفيه من المفاسد المغلظة، والمداهنة في حدود الله لمن سكت عنها، وطاعة للسفهاء في معاصي الله، وكونه يجر إلى ما هو أطم وأعظم، ويؤدي إلى ما هو أدهى وأمر من فتح أبواب الشرور والفساد، وتسهيل أمر التبرج والسفور. ولهذا لزم التنبيه على مفاسدها والتدليل على تحريمها والمنع منها، ونكتفي بذكر أمهات المسائل ومجملاتها طلبًا للاختصار:\nأولًا: أنها من التشبه بالإفرنج والأعاجم ونحوهم، وقد ثبت في الآيات القرآنية، والأحاديث الصحيحة النبوية النهي عن التشبه بهم في عدة مواضع معروفة.\nثانيًا: أن المرأة عورة، ومأمورة بالاحتجاب والستر ومنهية عن التبرج وإظهار زينتها ومحاسنها ومفاتنها، قال تعالى ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ النور: ٣١ وقال تعالى ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ الأحزاب: ٣٣.\nوهذا اللباس ليس بساتر للمرأة بل هو مبرز لمفاتنها ومغرٍ لها ومغرٍ بها من رآها وشاهدها، وهي بذلك داخلة في الحديث الصحيح عن أبي هريرة - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: \" صنفان من أهل النار من أمتي لم أرهما بعد: نساء كاسيات","vol":"1","page":476},{"text":"عاريات مائلات مميلات. . . \" الحديث. وقد فسر الحديث: بأن تكتسي المرأة بما لا يسترها فهي كاسية ولكنها عارية في الحقيقة، مثل أن تكتسي الثوب الرقيق الذي يصف بشرتها، أو الثوب الضيق الذي يبدي مقاطع خلقها مثل عجيزتها وساعديها ونحو ذلك، لأن كسوة المرأة في الحقيقة هو ما سترها سترًا كاملًا بحيث يكون كثيفًا فلا يبدي جسمها، ولا يصف لون بشرتها لرقته وصفائه، ويكون واسعًا فلا يبدي حجم أعضائها ولا تقاطيع بدنها لضيقة، فهي مأمورة بالاستتار والاحتجاب لأنها عورة. وقد صرح الفقهاء ﵏ بالمنع من لبس ما يصف اللين والخشونة والحجم لما روى الإمام أحمد عن أُسامة بن زيد - ﵁ -، قال\" كساني رسول الله - ﷺ - قبطية كثيفة. . . \" كما صرحوا بمنع المرأة من شد وسطها مطلقًا (^١)،\nأي سواء كان بما يشبه الزنار أو غيره، وسواءً كانت في الصلاة أو خارجها، لأنه يبين حجم عجيزتها وتبين به مقاطع بدنها. قالوا: ولا تضم المرأة ثيابها حال قيامها لأنه يبين به تقاطيع بدنها فتشبه الحزام، وهذه الألبسة أبلغ من الحزام وضم الثياب حال القيام وأحق بالمنع منه. (^٢) اهـ\n_________\n(^١) كما جاء في كشاف القناع (١/ ٢٧٧): وأطلق في المبدع والتنقيح والمنتهى أنه يكره لها شد وسطها؛ ولا تضم المرأة ثيابها حال قيامها لأنه يبين فيه تقاطيع بدنها فيشبه الحزام.\nوفي مطالب أولي النهى (١/ ٣٤٥): (وكره لأنثى شد وسط) ولو في غير صلاة ... لأنه يبين به حجم عجيزتها وتبين به عكنها وتقاطيع بدنها.\n(^٢) انظر: فتاوى ورسائل الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ، جمع محمد بن عبد الرحمن بن قاسم، الطبعة الأولى ١٣٩٩ هـ.","vol":"1","page":477},{"text":"وفي نهاية هذا المبحث ذكر الشيخ الألباني خمسة عشر قولا مما سبق أن استشهد به من أقوال العلماء والتي سبق أن بيّنا بطلان استشهاده بها على جواز كشف الوجه والكفين من المرأة الحرة للرجال الأحرار الأجانب.\nولنا أن نذّكر بما سبق بسطه في مناقشة البحوث السابقة من عبارات علماء الإسلام على اختلاف مذاهبهم التي تثبت إجماعهم أن تغطية الوجه واجب وفرض على المرأة الحرة:\n١ - قال أبو بكر الجصاص (ت ٣٧٠ هـ): المرأة الشابة مأمورة بستر وجهها عن الأجنبيين.\n٢ - قال أبو زيد القيرواني (ت ٣٧٦ هـ): ولا تخرج امرأة إلا مستترة فيما لا بد لها منه من شهود موت أبويها أو ذي قرابتها أو نحو ذلك مما يباح لها.\n٣ - قال ابن عبد البر (ت ٤٦٣ هـ): كانوا يرون النساء ولا يستتر نساؤهم عن رجالهم حتى نزلت آيات الحجاب. . . فأمر النساء بالحجاب ثم أمرن عند الخروج أن يدنين عليهن من جلابيبهن وهو القناع.\n٤ - قال أبو الوليد سليمان الباجي (ت ٤٧٤ هـ): يجوز أن يبيح لهن كشف وجوههن أحد أمرين إما أن يكون ذلك قبل نزول الحجاب أو يكون بعده لكنهن أمِنَّ أن تدرك صورهن من شدة الغلس.","vol":"1","page":478},{"text":"٥ - قال ابن بطال (ت ٤٤٩ هـ): وأجمع العلماء أن المرأة تلبس المخيط كله والخمُر والخفاف، وأن إحرامها في وجهها، وأن لها أن تغطى رأسها وتستر شعرها، وتسدل الثوب على وجهها سدلا خفيفًا تستتر به عن نظر الرجال.\n٦ - قال أبو الحسن الكيا الهراس (ت ٥٠٤ هـ): فأمرهن بتغطية وجوههن ورؤوسهن،\n٧ - قال أبو حامد الغزالي (ت ٥٠٥ هـ): وإن كانت أجنبية حرم النظر إليها مطلقا. وقال: لأمر الرجال أيضا بالتنقب كما أمر النساء.\n٨ - قال ابن العربي المالكي (ت ٥٤٣ هـ): ستر وجهها بالبرقع فرض إلا في الحج؛ فإنها ترخي شيئا من خمارها على وجهها.\n٩ - قال الإمام أبو الوليد ابن رشد (ت ٥٩٥ هـ): وسبب الفرق أن نظر الرجال إلى النساء أغلظ من نظر النساء إلى الرجال بدليل أن النساء حجبن عن نظر الرجال إليهن، ولم يحجب الرجال عن النساء.\n١٠ - قال ابن قدامة (ت ٦٢٠ هـ): لوجب على الرجال الحجاب كما وجب على النساء لئلا ينظرن إليهم. وقال: فأما نظر الرجل إلى الأجنبية من غير سبب فإنه محرم إلى جميعها في ظاهر كلام أحمد.","vol":"1","page":479},{"text":"١١ - قال ابن القطان (ت ٦٢٨ هـ): قال القاضي أبو بكر بن الطيب: (وأما الشواب منهن فيجب إنكار اختلاطهن بالرجال في المساجد ومجمع القصاص إلا أن يكون من وراء حجاب بحيث لا يراهن الرجال) وهو صواب كما ذكر.\n١٢ - قال أبو عبد الله القرطبي (ت ٦٧١ هـ): وكان عمر - ﵁ - إذا رأى أمة قد تقنعت ضربها بالدرة، محافظة على زي الحرائر. وقد قيل: إنه يجب الستر والتقنع الآن في حق الجميع من الحرائر والاماء.\n١٣ - قال الإمام النووي (ت ٦٧٦ هـ): يستحب للمرأة أن تسعى في الليل لأنه أستر وأسلم لها ولغيرها من الفتنة، فان طافت نهارا جاز وتسدل على وجهها ما يستره.\n١٤ - قال النسفي الحنفي (ت ٧١٠ هـ): أمرن أن يخالفن بزيهن عن زي الاماء بلبس الملاحف وستر الرؤوس والوجوه.\n١٥ - قال نظام الدين الحسن القمي (ت ٧٢٨ هـ): فأمرن بلبس الأردية والملاحف وستر الرأس والوجوه.\n١٦ - قال ابن جزي الكلبي المالكي (ت ٧٤١ هـ): فأمرهن الله بإدناء الجلابيب ليسترن بذلك وجوههن.\n١٧ - قال أبو حيان الأندلسي (ت ٧٤٥ هـ): أمرن أن يخالفن بزيهن عن زي الإماء بلبس الأردية والملاحف وستر الرؤوس والوجوه.","vol":"1","page":480},{"text":"١٨ - قال صدر الدين عليّ بن ابن أبي العز الحنفي (ت ٧٩٢ هـ): فإن النبي - ﷺ - لم يشرع للمرأة كشف الوجه للرجال في الإحرام ولا غيره خصوصًا عند خوف الفتنة، وإنما جاء النص بالنهي عن النقاب خاصًا.\n١٩ - قال ابن رجب (ت ٧٩٥ هـ): كن قبل الحجاب يظهرن بغير جلباب، ويرى من المرأة وجهها وكفاها. ثم أمرت بستر وجهها وكفيها.\n٢٠ - قال عمر بن علي ابن الملقن الشافعي (٨٠٤ هـ): وجميعُ النسوان لم يكن يحتجبن إلى أن نزل آية الحجاب فحجبن وجوههن عن عيون الناس أجمعين.\n٢١ - قال الإمام ابن نور الدين محمد بن علي بن الخطيب (ت ٨٢٥ هـ): لم يزل عمل الناس على هذا قديما وحديثا في جميع الأمصار والأقطار، فيتسامحون للعجوز في كشف وجهها ولا يتسامحون للشابة ويرونه عورة ومنكرا.\n٢٢ - قال العلامة المجتهد الكبير ابن الوزير محمد بن إبراهيم (ت ٨٤٠ هـ): وأجمعوا على وجوب الحجاب للنّساء.\n٢٣ - قال الحافظ ابن حجر (ت ٨٥٢ هـ): لم تزل الرجال على ممر الزمان مكشوفي الوجوه، والنساء يخرجن منتقبات، فلو استووا لأمر الرجال بالتنقب، أو منعو من الخروج.\n٢٤ - قال بدر الدين العيني الحنفي (ت ٨٥٥ هـ): الأمر بستر وجوههن يدل عليه قوله تعالى ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ وقال في موضع آخر: لا يجوز للمرأة","vol":"1","page":481},{"text":"أن تأذن للرجل الذي ليس بمحرم لها في الدخول عليها ويجب عليها الاحتجاب منه بالإجماع.\n٢٥ - قال إبراهيم بن محمد بن مفلح (ت ٨٨٤ هـ): الحرة البالغة كلها عورة حتى ظفرها، ذكر ابن هبيرة أنه المشهور، وقال القاضي وهو ظاهر كلام أحمد لقول النبي - ﷺ - (المرأة عورة).\n٢٦ - قال أبو عبد الله المواق المالكي (ت ٨٩٧ هـ): قال مالك إن صلت الحرة منتقبة لم تعد ... وتسدل على وجهها إن خشيت رؤية رجل.\n٢٧ - قال الإمام العلامة ابن المَبْرَد يوسف بن عبدالهادي المقدسي (ت ٩٠٩ هـ): ويجب عليها ستر وجهها إذا برزت بالاتفاق.\n٢٨ - قال ابن نجيم الحنفي (ت ٩٧٠ هـ): ودلت المسألة على أنها لا تكشف وجهها للأجانب من غير ضرورة ... وهو يدل على أن هذا الإِرخاء عند الإمكان ووجود الأجانب واجب عليها.\n٢٩ - قال محمد الخطيب الشربيني (ت ٩٧٧ هـ): إلا أن تكون في مكان وهناك أجانب لا يحترزون عن النظر إليها فلا يجوز لها رفع النقاب.\n٣٠ - قال الشوكاني (ت ١٢٥٠ هـ): وقعت منهن التغطية لوجوههم وما يتصل بها، ومن ذلك قوله تعالى ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ الأحزاب: ٥٩ وفي هذه الآيات أعظم دلالة على وجوب التستر عليهن وتحريم النظر إليهن.","vol":"1","page":482},{"text":"٣١ - وقال الدمياطي (ت ١٣٠٢ هـ): واعلم أن للحرة أربع عورات: فعند الأجانب جميع البدن، ويكره أن ... يصلي الرجل متلثما والمرأة منتقبة إلا أن تكون بحضرة أجنبي لا يحترز عن نظره لها فلا يجوز لها رفع النقاب.\n٣٢ - قال الجاوي الحنفي (ت ١٣١٦ هـ): جميع بدنها حتى قلامة ظفرها وهي عورتها عند الرجال الأجانب فيحرم على الرجل الأجنبي النظر إلى شيء من ذلك ويجب على المرأة ستر ذلك عنه.\n٣٣ - وقال محمد الجرداني الحنفي: وبالنسبة لنظر الأجنبي إليها؛ جميع بدنها بدون استثناء شيء منه أصلا ولو كانت عجوزًا شوهاء، فيحرم على الرجل أن ينظر إلى شيء منها، ولو بغير شهوة، ويجب أن تستتر عنه. هذا هو المعتمد.\n٣٤ - وقال مفتي باكستان الشيخ شفيع الحنفي: وبالجملة فقد اتفقت مذاهب الفقهاء وجمهور الأمة على أنه لا يجوز للنساء الشواب كشف الوجوه والأكف بين الأجانب.\nوفي نهاية هذا المبحث وبعد أن تقرر إجماع أهل العلم على وجوب تغطية الوجه وأنه فرض على النساء الحرائر بأمر من الله أنزله في كتابه وعملت به الأمة، وبعد أن تبيّن أن مراد من قال من الفقهاء بجواز النظر إلى الوجه والكفين من المرأة؛ هو نظر الرقيق المملوكين ونحوهم ممن أباح لهم الشرع الدخول على المرأة والنظر إليها دون حجاب، فإنه بعد ذلك إن وجد من","vol":"1","page":483},{"text":"الفقهاء أو غيرهم من أهل العلم من يقول بجواز كشف وجه المرأة الحرة للرجال الأحرار الأجانب؛ فلا حجة في قوله امتثالًا للقاعدة الأصولية التي تقول\n«أقوال العلماء يحتج لها بالدليل، ولا يحتج بها على الدليل»\nكما قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى الكبرى (٢/ ٥٣٧): وليس لأحد أن يحتج بقول أحد في مسائل النزاع، وإنما الحجة النص والإجماع، ودليل مستنبط من ذلك تقدر مقدماته بالأدلة الشرعية، لا بأقوال بعض العلماء فإن أقوال العلماء يحتج لها بالأدلة الشرعية، لا يحتج بها على الأدلة الشرعية.\nولنا أن نذكر هنا قول الشيخ الألباني: ومن الحجة لهم في ذلك قوله - ﷺ -: \" إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يُبقِ عالمًا اتخذ الناس رؤوسًا جهالًا، فسئلوا، فأفتوا بغير علم (وفي رواية: برأيهم)، فضلوا وأضلوا\". متفق عليه، والواقع في أكثر البلاد الإسلامية مصداق هذا الحديث الصحيح، ومنه ما نحن فيه. والله المستعان.","vol":"1","page":484},{"text":"ــ:: البحث العاشر:: ــ\nقال الشيخ الألباني: هل يجب على النساء أن يسترن وجوههن لفساد الزمان وسدًا للذريعة؟ هذا السؤال يطرحه اليوم الذين جاؤوا من بعد الأئمة بعلة ابتدعوها وهي قولهم: \" بشرط أمن الفتنة\" وإلا وجب عليها سترهما، وغلا أحدهم فنسب ذلك إلى اتفاق الأئمة ﵃! ولذلك لم يعرِّج على الشرط المذكور أحد كبار أتباع أبي حنيفة من المتأخرين، وهو محمد بن أحمد السرخسي وصفه العلامة اللكنوي في \" الفوائد \" (١٠٨) ب: \" كان إماما علامة حجة متكلما مناظرا أصوليا مجتهدا عده ابن كمال باشا من المجتهدين في المسائل\" فالسرخسي هذا مع إمامته صرّح تبعًا لأبي حنيفة وصاحبيه والطحاوي كما تقدم بإباحة النظر إلى الأجنبيات مع أنه ذكر أن حرمة النظر لخوف الفتنة وأن الفتنة في النظر إلى وجهها أكثر منه إلى سائر أعضائها فقال في كتابه\" المبسوط\" (١٠/ ١٥٢): \"ولكنا نأخذ بقول علي وابن عباس ﵃ فقد جاءت الأخبار في الرخصة بالنظر إلى وجهها وكفيها إذا لم يكن النظر عن شهوة فإن كان يعلم أنه إن نظر اشتهى لم يحلل له النظر إلى شيء منها\" ... ومن فرَّق، فقد تناقض وتعصّب للرجال على النساء، إذ إنهم مشتركون جميعًا في وجوب غضِّ النظر، فمن زاد على الآخر حكمًا جديدًا بغير برهان من الله ورسوله، فقد تعدَّى وظلم) اهـ.","vol":"1","page":485},{"text":"ــ::<span data-type=\"title\" id=toc-103> مناقشة البحث العاشر::</span> ــ\n(١) يتبين أن الإمام السرخسي ممن يقول بالفرق بين الحرائر والإماء في الحجاب: فقال في كتابه المبسوط في الصفحة السابقة للصفحة للتي أشار إليها الشيخ الألباني (١٠/ ١٥١): وأما النظر إلى إماء الغير والمدبرات وأمهات الأولاد والمكاتبات فهو كنظر الرجل إلى ذوات محارمه لقوله تعالى ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ الآية فأمر الله تعالى الحرائر باتخاذ الجلباب ليعرفن به من الإماء.\n(٢) ننقل قول الإمام السرخسي بتمامه؛\nقال الإمام السرخسي في المبسوط (١٠/ ١٥٢): (ولكنا نأخذ بقول علي وبن عباس رضي الله تعالى عنهما فقد جاءت الأخبار في الرخصة بالنظر إلى وجهها وكفها ... وروى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة أنه يباح النظر إلى قدمها أيضا وهكذا ذكر الطحاوي لأنها كما تبتلى بإبداء وجهها في المعاملة مع الرجال وبإبداء كفها في الأخذ والإعطاء تبتلى بإبداء قدميها إذا مشت حافية أو منتعلة وربما لا تجد الخف في كل وقت، وذكر في جامع البرامكة عن أبي يوسف أنه يباح النظر إلى ذراعيها أيضا لأنها في الخبز وغسل الثياب تبتلى بإبداء ذراعيها أيضا). اهـ\nفقد ذكر الشيخ الألباني اجتهاد السرخسي في إباحته للنظر إلى الوجه والكفين؛ ولم يذكر اجتهاده في إباحته للنظر إلى القدمين والذراعين!!\nوهذا يكشف أن مراد الإمام السرخسي هو ما يباح إبداؤه لمن يحل له الدخول على المرأة","vol":"1","page":486},{"text":"والنظر إليها دون حجاب من العبيد والأتباع، وليس مراده جواز ذلك لمن يجب عليها الاحتجاب منهم من الرجال الأحرار الأجانب، ومما يبعد أن يكون مراده فيما سبق إطلاق جواز النظر إلى الوجه والكفين من المرأة الحرة للرجال الأحرار الأجانب:\nقول السرخسي في المبسوط (٢/ ٤١): (قال) -الإمام أبو حنيفة - (وليس على النساء خروج في العيدين وقد كان يرخص لهن في ذلك فأما اليوم فإني أكره ذلك) يعني للشواب منهن فقد أمرن بالقرار في البيوت ونهين عن الخروج لما فيه من الفتنة، فأما العجائز فيرخص لهن في الخروج إلى الجماعة لصلاة المغرب والعشاء والفجر والعيدين، ولا يرخص لهن في الخروج لصلاة الظهر والعصر والجُمَع في قول أبي حنيفة. وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى يرخص للعجائز في حضور الصلوات كلها وفي الكسوف والاستسقاء لأنه ليس في خروج العجائز فتنة والناس قل ما يرغبون فيهن وقد كن يخرجن إلى الجهاد مع رسول الله يداوين المرضى ويسقين الماء ويطبخن. وأبو حنيفة قال في صلوات الليل: تخرج العجوز مستترة وظلمة الليل تحول بينها وبين نظر الرجال إليها بخلاف صلوات النهار.\n(٣) أما ما ذكره الشيخ الألباني من\" استمرار القول بجواز النظر إلى وجه المرأة وكفيها إذا أمن الناظر الفتنة\" فهذا كما بيّنا أن المراد به جواز النظر حال جواز الكشف أي؛ النظر إلى الوجه والكفين من الإماء اللاتي لم يفرض عليهن الحجاب، ونظر العبيد والأتباع للوجه والكفين من النساء الحرائر اللاتي لم","vol":"1","page":487},{"text":"يفرض عليهن الاحتجاب منهم، كما بيّنا أن من أئمة الفقهاء من لم يدع جواز النظر هنا على إطلاقه بل منع من النظر لغير حاجة ولو أمن الفتنة:\n* فمن المذهب الحنبلي:\nالمغني (ت ٦٢٠ هـ) (٧/ ٧٨): فأما نظر الرجل إلى الأجنبية من غير سبب فإنه محرم إلى جميعها في ظاهر كلام أحمد.\nالإنصاف للمرداوي (ت ٨٨٥ هـ) (٨/ ٢٧ - ٢٩): فلا يجوز له النظر إلى الأجنبية قصدا وهو صحيح وهو المذهب ... واختاره الشيخ تقي الدين فقال أصح الوجهين لا يجوز كما أن الراجح في مذهب الإمام أحمد ﵀ أن النظر إلى وجه الأجنبية من غير حاجة لا يجوز.\nكشاف القناع (٥/ ١٤): ولا يجوز النظر إلى شيء من الحرة الأجنبية قصدا.\n* ومن المذهب الشافعي:\nالمهذب (ت ٤٧٦ هـ) (٢/ ٣٤): وأما من غير حاجة فلا يجوز للأجنبي أن ينظر إلى الأجنبية.\nمتن أبي شجاع (ت ٥٠٠ هـ) (١/ ١٥٨): ونظر الرجل إلى المرأة على سبعة أضرب أحدها نظره إلى أجنبية لغير حاجة فغير جائز.","vol":"1","page":488},{"text":"الوسيط للغزالي (ت ٥٠٥ هـ) (٥/ ٣٢): وإن كانت أجنبية حرم النظر إليها مطلقا ومنهم من جوز النظر إلى الوجه حيث تؤمن الفتنة وهذا يؤدي إلى التسوية بين النساء والمرد وهو بعيد.\nشرح صحيح مسلم للنووي (ت ٦٧٦ هـ) (٤/ ٣١): وأما نظر الرجل إلى المرأة فحرام في كل شيء من بدنها.\nفتح المعين للمليباري (ت ٩٨٧ هـ) (٣/ ٢٥٨): يحرم على الرجل ولو شيخا هرما تعمد نظر شيء من بدن أجنبية حرة أو أمة بلغت حدا تشتهى فيه ولو شوهاء أو عجوزا وعكسه وإن نظر بغير شهوة أو مع أمن الفتنة على المعتمد.\n* ومن المذهب المالكي:\nالذخيرة لشهاب الدين أحمد بن إدريس القرافي (ت ٦٨٤ هـ) (١٣/ ٣١٥):\nويجوز النظر للمتجالة لقوله تعالى ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ﴾ ولا يجوز له أن ينظر للشابة إلا لعذر من شهادة أو علاج أو إرادة تزوجها.\nالقوانين الفقهية لابن جزي (ت ٧٤١ هـ) (١/ ٢٩٤): الفصل الأول في حكم النظر وهو أربعة أقسام؛ الأول: نظر الرجل للمرأة فإن كانت زوجته أو مملوكته جاز له أن ينظر إلى جميع جسدها، وإن كانت ذات محرم جاز له رؤية وجهها ويديها دون سائر جسدها على الأصح، وإن كانت أجنبية جاز أن يرى الرجل من","vol":"1","page":489},{"text":"المتجالة الوجه والكفين ولا يجوز أن يرى ذلك من الشابة إلا لعذر من شهادة أو معالجة أو خطبة.\nمواهب الجليل (ت ٩٥٤ هـ) (٣/ ٤٠٥): قال في التوضيح يجوز النظر للشابة الأجنبية الحرة في ثلاثة مواضع للشاهد وللطبيب ونحوه، وللخاطب وروي عن مالك عدم جوازه للخاطب ولا يجوز لتعلم علم ولا غيره انتهى.\n(٤) أما قول الشيخ الألباني (هل يجب على النساء أن يسترن وجوههن لفساد الزمان وسدًا للذريعة؟) فإن من قال بذلك من الفقهاء الأعلام على اختلاف مذاهبهم وجلالة قدرهم؛ فمرادهم ستر ذلك حال جواز الكشف والنظر؛ أي ستر الإماء لوجوههن، وستر وجوه الحرائر عمن يحل له النظر إليهن من العبيد المملوكين ونحوهم خشية الفتنة وسدًا للذريعة؛ أما ستر وجه المرأة الحرة عمن يجب عليها الاحتجاب منهم من الرجال الأحرار الأجانب عنها؛ فهو واجب وفرض افترضه الله عليها بقوله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ وليس الذي أوجبه عليها فساد الزمان وسد الذريعة.\n* فقهاء المذهب الحنبلي\n- المرداوي في الإنصاف (ت ٨٨٥ هـ) (٨/ ٢٦): قلت الصواب أن - الأمة- الجميلة تنتقب وأنه يحرم النظر إليها كما يحرم النظر إلى الحرة الأجنبية. اهـ","vol":"1","page":490},{"text":"* فقهاء المذهب الشافعي\n- غاية البيان للرملي (ت ١٠٠٤ هـ) (١/ ٢٤٧): وقضية كلام الناظم حرمة نظر الرجل الفحل - من العبيد - إلى وجه المرأة الأجنبية وكفيها ند أمن الفتنة وهو كذلك كما في المنهاج، لاتفاق المسلمين على منع النساء - الإماء اللاتي لم يفرض عليهن الحجاب - من الخروج سافرات الوجوه.\n- حاشية قليوبي على شرح منهاج الطالبين (ت ١٠٦٩ هـ) (٣/ ٢٠٩): قوله (لأن النظر إلخ) فيحرم عليهن الخروج سافرات الوجوه لأنه سبب للحرام.\n* فقهاء المذهب الحنفي\n- البحر الرائق لابن نجيم (ت ٩٧٠ هـ) (٢/ ٣٨١) والدر المختار (١/ ٤٠٥): تمنع المرأة الشابة من كشف وجهها بين الرجال في زماننا للفتنة. وفي فتاوي قاضيخان: ودلت المسألة على أنها لا تكشف وجهها للأجانب من غير ضرورة.\n- مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر لعبد الرحمن الكليبولي المدعو شيخي زادة (ت ١٠٧٨ هـ) (١/ ١٢٢): وفي المنتقى تمنع الشابة عن كشف وجهها لئلا يؤدي إلى الفتنة، وفي زماننا المنع واجب بل فرض لغلبة الفساد.","vol":"1","page":491},{"text":"* فقهاء المذهب المالكي\n- مواهب الجليل للخطاب (ت ٩٥٤ هـ) (١/ ٤٩٩): واعلم أنه إن خشي من المرأة الفتنة يجب عليها ستر الوجه والكفين قاله القاضي عبد الوهاب ونقله عنه الشيخ أحمد زروق في شرح الرسالة وهو ظاهر التوضيح فهذا ما يجب عليها.\n- الفواكه الدواني للنفراوي (ت ١١٢٥ هـ) (٢/ ٢٧٧): اعلم أن المرأة إذا كان يخشى من رؤيتها الفتنة وجب عليها ستر جميع جسدها حتى وجهها وكفيها. . . وأقول الذي يقتضيه الشرع وجوب سترها وجهها في هذا الزمان.\n(٥) أما قوله (ومن فرَّق، فقد تناقض وتعصّب للرجال على النساء، إذ إنهم مشتركون جميعًا في وجوب غضِّ النظر، فمن زاد على الآخر حكمًا جديدًا بغير برهان من الله ورسوله، فقد تعدَّى وظلم) فيقال أن حجاب المرأة مشروع بأمر الله الحكيم في تشريعه؛ فإن الله حين أودع الفتنة في النساء وأودع الميل لهن في الرجال خصّهن من دون الرجال بأمور؛ كأمرهن بالقرار في البيوت، وأمرهن بعدم الخضوع في القول، وكان مما خصّهن به الحجاب. وقد فرق الشرع الحكيم بين الرجال والنساء في أمور كثيرة، والتفريق بين الرجال والنساء؛ بمنع النظر للنساء بأمرهن بتغطية وجوههن بالحجاب دون الرجال؛ أمر متقدم متقرر عند أهل العلم على اختلاف مذاهبهم، بل إن القول بمساواة الرجل بالمرأة في أحكام النظر هو الذي لم يقل به أحد من علماء الإسلام، وإليك بعض أقوالهم في إثبات الفرق بينهما:","vol":"1","page":492},{"text":"قال الحافظ ابن حجر (ت ٨٥٢ هـ) في فتح الباري (٩/ ٣٣٧) والعيني في عمدة القاري (٢٠/ ٢١٧): استمرار العمل على جواز خروج النساء؛ إلى المساجد والأسواق والأسفار منتقبات لئلا يراهن الرجال. ولم يؤمر الرجال قط بالانتقاب لئلا يراهم النساء؛ فدل على تغاير الحكم بين الطائفتين.\n* ومن فقهاء المذهب الحنفي:\nـ بدر الدين العينى (ت ٨٥٥ هـ) في البناية شرح الهداية (١٢/ ١٣٤) وابن عابدين في حاشية رد المختار (١/ ٤٠٧): قال في الملتقط الغلام إذا بلغ مبلغ الرجال ولم يكن صبيحا فحكمه حكم الرجال وإن كان صبيحا فحكمه حكم النساء وهو عورة من قرنه إلى قدمه، لا يحل النظر إليه عن شهوة، وأما الخلوة والنظر إليه لا عن شهوة فلا بأس به ولهذا لم يؤمر بالنقاب.\n* ومن فقهاء المذهب الحنبلي:\n- إبراهيم بن محمد بن عبدالله بن مفلح أبو إسحاق (ت ٨٨٤ هـ) في المبدع في شرح المقنع (٧/ ١١): ويباح للمرأة النظر من الرجل إلى غير العورة ... ولأنه لو منعن النظر لوجب على الرجال الحجاب لئلا ينظرن إليهم كما تؤمر النساء به.\n* ومن فقهاء المذهب الشافعي:\n- قال أبو حامد محمد بن محمد الغزالي (ت ٥٠٥ هـ) في الوسيط في المذهب (٥/ ٣٦): نظر المرأة إلى الرجل ... الأصح أنها تنظر إلى ما وراء العورة وتحترز عند","vol":"1","page":493},{"text":"خوف الفتنة كما يحترز الرجل من النظر إلى الأمرد إذ لو استوى النظران لأمر الرجال أيضا بالتنقّب كما أمر النساء.\n* ومن فقهاء المذهب المالكي:\n- الإمام أبو الوليد ابن رشد (ت ٥٩٥ هـ) في بداية المجتهد (١/ ١٨٣): وسبب الفرق أن نظر الرجال إلى النساء أغلظ من نظر النساء إلى الرجال بدليل أن النساء حجبن عن نظر الرجال إليهن، ولم يحجب الرجال عن النساء.\nفهل ينطبق قوله غفر الله له (فمن زاد على الآخر حكمًا جديدًا بغير برهان من الله ورسوله، فقد تعدَّى وظلم) على هؤلاء الأعلام!","vol":"1","page":494},{"text":"ــ:: الخاتمة للشيخ الألباني:: ــ\nقال الشيخ الألباني: هذا، ولا بد لي في هذه الخاتمة من لفت النظر إلى أن التشدد في الدين شر لا خير فيه. قال - ﷺ -: \" إن الدين يسير، ولن يشادّ الدين أحد إلا غلبه، فسدِّدوا وقاربوا ... \" رواه البخاري. فلا بدَّ أن القراء الكرام لاحظوا هذا التشدد مجسمًا فيما حكينا من أقوالهم وآرائهم منها قولهم: \" حتى ظفرها\"، وفي الصلاة أيضًا! وما تكلفوا به من رد الأدلة القاطعة بجريان العمل بكشف الوجه في القرون المشهود لها بالخيرية، وشهادة فضلاء الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين بجواز ذلك ... وإني لأعتقد أن مثل هذا التشديد على المرأة لا يمكن أن يخرج لنا جيلًا من النساء يستطعن أن يقمن بالواجبات الملقاة على عاتقهن في كل البلاد والأحوال مع أزواجهن وغيرهم، ممن تحوجهم الظروف أن يتعاملن معهم، كما كن في عهد النبي - ﷺ -، كالقيام على خدمة الضيوف، وإطعامهم، والخروج في الغزو، يسقين العطشى، ويداوين الجرحى، وينقلن القتلى، وربما باشرن القتال بأنفسهن عند الضرورة، فهل يمكن للنسوة أن يباشرن مثل هذه الأعمال وهن منقبات ومتقفزات؟ لا وربي، فإن ذلك مما لا يمكن إلا بالكشف عن (إلا ما ظهر منها) كما سنرى في بعض الأمثلة الشاهدة لما كان عليه النساء في عهد النبي - ﷺ - ... وعلى هذا المنهج النبوي الكريم يجب على المشايخ والدعاة أن يقوموا بتربية الناس رجالًا ونساءً، ولن يستطيعوا ذلك إلا إذا تعرفوا على السنة، والسيرة النبوية الصحيحة التي تشمل: قوله - ﷺ -، وفعله، وتقريره، وما كان عليه سلفنا الصالح مما صح عنهم، فإن فقه العالم لا يستقيم إلا بهذا كله، مستعينًا","vol":"1","page":495},{"text":"على ذلك بأقوال الأئمة المجتهدين والعلماء المحققين وإلا حاد عن الحق وسبيل المؤمنين، والله در شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ حين نبَّه على هذا بقوله:\n\" والمنقول عن السلف والعلماء يحتاج إلى معرفة ثبوت لفظه ودلالته، كما يحتاج إلى ذلك المنقول عن الله ورسوله\".\nواعتقادي أن العلماء لو التزموا هذا المنهج، لزال كثير من الخلاف القائم بينهم، بشرط أن يُخلصوا لله ﵎ في طلب الحق، والله المستعان.","vol":"1","page":496},{"text":"ــ:: مناقشة الخاتمة:: ــ\n(١) بعدما تبين خطأ الشيخ الألباني فيما ذهب إليه من جواز كشف وجه المرأة الحرة وكفيها للرجال الأحرار الأجانب، وثبت أن تغطية الوجه فرض افترضه الله عليها؛ تبين الخطأ في تسمية ذلك غلوا وتشددا!!\nفإن التشدد المنهي عنه هو أن يجهد العبد نفسه في الطاعات حتى يعجز وينقطع، وليس المراد منع طلب الأكمل في العبادة فإنه من الأمور المحمودة (^١)، فكيف إذا كان العمل بما هو فرض وواجب؟! بل إن الشيخ الألباني مع قوله بجواز الكشف؛ قال بأن تغطية الوجه هي الأفضل كقوله في الرد المفحم (ص: ١٠٩): (قد قررنا مرارا أن تغطية المرأة وجهها هو الأفضل) فكيف يوصف التمسك بالأفضل بأنه غلو وتشدد!!\nأما قوله: (لاحظوا هذا التشدد مجسمًا فيما حكينا من أقوالهم وآرائهم منها قولهم: \" حتى ظفرها\") منكرا هذا القول لأنه حمله على عورة الصلاة! وسبق أن بيّنا أن المراد بهذا القول عورتها عند الخروج أمام الرجال الأجانب وهذا ما صرّح به الإمام أحمد، كما أن هذا القول ليس وليد هذا العصر بل إن له أصل ثابت وهو ما صح عن عبد الله بن عمر - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال\" المرأة عورة فإذا خرجت استشرفها الشيطان\" (^٢) وهو قول أحد كبار التابعين وفقهائهم وهو أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث وهو أحد الفقهاء السبعة الذين انتهى إليهم\n_________\n(^١) كما قال ابن حجر في الفتح ١/ ٩٤.\n(^٢) الترمذي (١١٧٣) الطبراني في المعجم الأوسط ٨/ ١٠١ (٨٠٩٦) وصححه الألباني في إرواء الغليل ١/ ٣٠٣.","vol":"1","page":497},{"text":"العلم في المدينة حيث قال فيما صح عنه: \" كل شيء من المرأة عورة حتى ظفرها\" (^١). كما قال به الإمام أحمد بن حنبل \" ظفر المرأة عورة فإذا خرجت فلا يبين منها شيء ولا خفها فإن الخف يصف القدم وأحب إلي أن تجعل لكمها زرا عند يدها لا يبين منها شيء) وقد اعتمد عليه فقهاء المذهب،\n(٢) أما قوله: (الأدلة القاطعة بجريان العمل بكشف الوجه في القرون المشهود لها بالخيرية، وشهادة فضلاء الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين بجواز ذلك)\nفقد بيّنا أن ما جرى من كشف من النساء بعد نزول الحجاب كان بسبب كونهن من الإماء المملوكات اللاتي لم يفرض عليهن الحجاب، أوكشف النساء الحرائر للعبيد المملوكين الذين لم يفرض عليهن الشرع الاحتجاب منهم، إذ لم يرد في حديث صحيح ولا ضعيف أن امرأة من النساء الحرائر كشفت وجهها للرجال الأحرار الأجانب منذ أن نزل الحجاب، بل إن الذي جرى عليه العمل وظاهر القرآن والسنة والإجماع يدل على وجوب تغطية وجه المرأة الحرة لوجهها من الرجال الأحرار الأجانب.\n(٣) أما قوله إن الحجاب فيه تعسير ومشقة، وأنه عائق دون قيام المرأة بواجباتها!! فيقال أليس من أمر المرأة بالقيام بواجباتها هو من أمرها بالحجاب؟! وجعل دائرة واجباتها تنحصر في بيتها؛ من رعاية شؤون بيتها وتربية أبنائها والقيام بحق زوجها (والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها) وهذا كله لم يكن\n_________\n(^١) مصنف ابن أبي شيبة (١٧٧١٢).","vol":"1","page":498},{"text":"الحجاب حائلا دون شيء منه، بل إن من فرض عليها الحجاب أمرها بالقرار في بيتها ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ فأعفاها من الجمع والجماعات وأوجب نفقتها على وليّها قطعا لأسباب الخروج.\nقال القرطبي في تفسيره (١٤/ ١٧٩): والشريعة طافحة بلزوم النساء بيوتهن والانكفاف عن الخروج منها إلا لضرورة.\nومنذ أن فرض الله الحجاب؛ والمرأة المتحجبة تقوم بدورها في بيتها وأسرتها بل ومجتمعها أحسن القيام، فلم تتعطل حركة السير ولم تتوقف دفة القيادة! بل إن الحياة الأسرية أفضل ما تكون في الأسر المحافظة، بخلاف الأسر التي سارعت نساؤها إلى هتك الحجاب وأهملن بيوتهن وخرجن يطالبن مساواتهن بالرجال!!!\nوأما قوله بأن غطاء الوجه عائق دون القيام بما قد تضطر إليه المرأة من خدمة الضيوف وإطعامهم ... فإن الذي يحول دون المرأة وخدمة الرجال والاختلاط بهم ليس غطاء الوجه، وإنما الوقوف عند قوله تعالى ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ ثم هل غاية التيسير على المرأة والسماحة والرفق بها؛ أن تكشف وجهها لتعمل خادمة للضيفان وتزاول الشاق من الأعمال؟!! فليست القضية قضية هل تستطيع المرأة مباشرة تلك الأعمال وهي منتقبة! فقد رأينا في\nزماننا هذا البارعات في الطب وهن من المنتقبات، بل إن أدق الأعمال","vol":"1","page":499},{"text":"وأصعبها لا يزاولها الرجال إلا باللثام (^١)، ولكن القضية هل من الضرورة خروج المرأة واختلاطها بالرجال لمزاولة تلك الأعمال؟!!\n(٤) استشهد ببعض الأمثلة كشاهد لما كان عليه النساء في عهد النبي - ﷺ -؛ ولكن استشهاده ليس فيه حجة على جواز الكشف للنساء الحرائر؛ وذلك لكون النساء الكاشفات من الإماء اللاتي لم يفرض عليهن الحجاب، أو لكون ما استشهد به كان قبل نزول الحجاب، ولذلك لم يستشهد بهذه الأمثلة ضمن أدلته التي استشهد بها مسبقا!!\nوإليك هذه الأمثلة والجواب عليها:\n١ - أعاد الاستشهاد بحديث فاطمة بنت قيس والذي بيّنا أنه ليس فيه دلالة لأنها كانت من الإماء، ولذلك لم يستشهد به أحد من أهل العلم على جواز الكشف مع ما فيه من نكارة في متنه وإسناده مما يبطل الاحتجاج به أصلا.\n٢ - عن سهل بن سعد قال: \"لما عرَّس أبو أسيد الساعدي دعا النبي - ﷺ - وأصحابه، فما صنع لهم طعامًا ولا قدمه إليهم إلا امرأته أم أسيد ... فكانت امرأته يومئذ خادمهم، وهي العروس\" رواه البخاري ومسلم\nقال النووي في شرحه على صحيح مسلم (١٣/ ١٧٧): هذا محمول على أنه كان قبل الحجاب.\n_________\n(^١) كالخوذة في القتال، والكمامات للأطباء، والمهندسين في المصانع.","vol":"1","page":500},{"text":"٣ - عن أسماء بنت أبي بكر قالت: \"تزوجني الزبير وما له غير الأرض من مال ولا شيء غير فرسه ... فلقيت رسول الله - ﷺ - ومعه نفر من أصحابه، فدعاني، ثم قال: \"إخ إخ\". ليحميني خلفه، قالت: فاستحييت\". أخرجه البخاري ومسلم\nوهذا مع أن ليس فيه أنها كانت كاشفة إلا أنه محمول على ما كان قبل الحجاب ولذلك لم يستشهد به أحد من أهل العلم على جواز النظر أو الكشف.\nقال ابن حجر في فتح الباري (٩/ ٣٢٤): والذي يظهر أن القصة كانت قبل نزول الحجاب ومشروعيته ... ولم تزل عادة النساء قديما وحديثا يسترن وجوههن عن الأجانب.\n٤ - عن جابر: \" أن النبي - ﷺ - أتى امرأة من الأنصار، فبسطت له عند صور ورشت حوله وذبحت شاة، وصنعت له طعامًا فأكل وأكلنا معه\".\nوهذا أيضا مع أنه ليس فيه دلالة على أنها كانت كاشفة على مرأى منهم؛ إلا أنه محمول على ما قبل الحجاب، أو أنها كانت من الجواري المملوكات، ولذلك لم يستشهد به أحد من أهل العلم على جواز النظر أو الكشف.\n٥ - عن أنس قال: \" لما كان يوم أحد ... رأيت عائشة بنت أبي بكر وأم سُليم، وإنهما لمشمِّرتان أرى خدم سوقهما (يعني: الخلاخيل) تنفران (أي: تحملان) القِرَب على متونهما تفرغانه في أفواه القوم ... أخرجه الشيخان.\nقال ابن حجر في فتح الباري (٦/ ٧٨): وهذه كانت قبل الحجاب.","vol":"1","page":501},{"text":"فقد جاء التصريح فيه بأن هذا كان في غزوة أحد التي كانت قبل الحجاب!!\n٦ - عن الرُّبيِّع بنت معوذ قالت: \" كنا نغزو مع النبي - ﷺ -، فنسقي القوم، ونخدمهم، ونردُّ الجرحى والقتلى إلى المدينة\". أخرجه البخاري\n٧ - عن أم عطية قالت: \" غزوت مع رسول الله - ﷺ - سبع غزوات، أخلفهم في رحالهم، فأصنع لهم الطعام وأداوي الجرحى وأقوم على المرضى\" أخرجه مسلم وللبخاري نحوه.\nمع أنه ليس في هذين الأثرين حجة على جواز الكشف إذ إن هذا يمكن القيام به مع تغطية الوجه بالبرقع واللثام؛ إلا أن اللاتي كن يشاركن معهم في الغزو للقيام على خدمتهم؛ العجائز والمتجالات من الإماء، وأم عطيّة، والربيّع بنت معوّذ؛ كنَّ من الإماء، كما سبق أن بيّناه.\nقال الإمام السرخسي في المبسوط (٢/ ٤١): وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى يرخص للعجائز في حضور الصلوات كلها لأنه ليس في خروج العجائز فتنة والناس قل ما يرغبون فيهن، وقد كن يخرجن إلى الجهاد مع رسول الله يداوين المرضى ويسقين الماء ويطبخن.\n٨ - عن أنس: \" أن أم سليم اتخذت يوم حنين خنجرًا فكان معها، فرآها أبو طلحة. فقال: يا رسول الله! هذه أم سليم معها خنجر! فقال لها رسول الله: \" ما هذا الخنجر؟ \" قالت: اتخذته إن دنا أحد من المشركين بقرت به بطنه\" أخرجه","vol":"1","page":502},{"text":"مسلم، وفي رواية: \" كان يغزو بأم سليم ونسوة من الأنصار معه إذا غزا، فسيقين الماء ويداوين الجرحى\" صححه الترمذي.\nفي هذا شاهد لمنع اختلاط الرجال بالنساء، وأن لكل جنس وظائف تختص به، فكانت وظيفة النساء في الغزو إعداد الطعام، ومداواة الجرحى، وقد روى المروزي في السنة ١/ ٤٨ (١٥١): أن الربيّع قالت كنا نغزو ولا نقاتل ولكنا نسقي القوم ونرد الجرحى والقتلى إلى المدينة.\nوقال ابن حجر في فتح الباري (٦/ ٧٨): ولم أر في شيء من ذلك التصريح بأنهن قاتلن. اهـ\nأما اتخاذ أم سليم يوم حنين خنجرًا، فإن إخبار أبي طلحة لرسول الله - ﷺ - بذلك دال على أن حمل السلاح غير مستساغ للنساء، ولذلك بررت فعلها بأنها لم تتخذه للمشاركة في القتال مع الرجال، فإن إظهار القوة الجلادة من المرأة أمر غير مطلوب، وانظر إلى رأي السرخسي الحنفي الإمام المجتهد الذي احتج الشيخ الألباني بقوله آنفا؛ ماذا يقول في حج المرأة الذي قيل إنه جهادها:\nقال الإمام السرخسي في المبسوط (٤/ ٣٣): ولا رمل عليها في الطواف بالبيت ولا بين الصفا والمروة لأن الرمل لإظهار التجلد والقوة والمرأة ليست من أهل القتال لتظهر الجلادة من نفسها ولا يؤمن أن يبدو شيء من عورتها في رملها وسعيها أو تسقط لضعف بنيتها فلهذا تمنع من ذلك وتؤمر بأن تمشي مشيا ... وكذلك لا تستلم الحجر إذا كان هناك جمع لأنها ممنوعة عن مماسة الرجال","vol":"1","page":503},{"text":"والزحمة معهم فلا تستلم الحجر إلا إذا وجدت ذلك الموضع خاليا عن الرجال والله ﷾ أعلم. اهـ\nأما ما استشهد به الشيخ الألباني على جريان الأمر على هذا المنوال بعد وفاته - ﷺ - فكلها آثار لا تصح ولا تقوم بها حجة.\nالأول: عن مهاجر الأنصاري: \" أن أسماء بنت يزيد الأنصارية شهدت اليرموك مع الناس، فقتلت سبعة من الروم بعمود فسطاط ظلتها\".\nوليس في هذا ما يحتج به على جواز الكشف! علاوة على ضعف إسناده لأن مدار هذا الأثر على مهاجر الأنصاري وهو مولى (مملوك) لأسماء بنت يزيد قال عنه ابن حجر في تقريب التهذيب (١/ ٥٤٨): مقبول. وقال الشيخ الألباني عقب هذا الأثر إسناده حسن! وقد أنكر على من حسن إسناد حديث نبهان مولى أم سلمة!!\nثم إنه على فرض صحة إسناد هذا الأثر؛ فإن أسماء بنت يزيد لم تحمل سلاحا ولم تشارك الرجال في القتال، وإنما دافعت عن نفسها بعمود خيمتها، ولا يمكن أن يقول أحد أن من لوازم الحجاب أن تبقى المرأة مكتوفة الأيدي لا تدافع عن نفسها عندما يحصل لها مثل ذلك!\nالثاني: عن خالد بن سيحان قال: شهدت تُستر مع أبي موسى ومعنا أربع نسوة يداوين الجرحى، فأسهم لهن\" أخرجه ابن أبي شيبة بسند يحتمل التحسين.","vol":"1","page":504},{"text":"وهذا أيضا ليس فيه حجة على كشف الوجه ولا على مشاركة النساء للرجال في القتال، أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (٦/ ٥٣٨) عن العوام بن مزاحم، عن خالد بن سيحان، قال: (شهدت تستر مع أبي موسى أربع نسوة أو خمس، فكن يستقين الماء ويداوين الجرحى، فأسهم لهن أبو موسى). وهذا إسناد لا يصح ولا تقوم به حجة؛ فيه مجاهيل؛ وهم خالد بن سيحان؛ ليس له رواية عند أصحاب السنن ولا المسانيد، والعوام بن مزاحم؛ ليس ممن عرف بحمل العلم، وعلى فرض ثبوته فليس فيه حجة على جواز الكشف لأنه كما ذكرنا قد يداوين المرضى وهن منتقبات، كما يمكن أن تكون هؤلاء النسوة من العجائز المتجالات من الإماء.\nالثالث: عن عبدالله بن قرط الأزدي قال: \" غزوت الروم مع خالد بن الوليد، فرأيت نساء خالد بن الوليد ونساء أصحابه مشمرات يحملن الماء للمهاجرين يرتجزن\". أخرجه سعيد بإسناد صحيح، وله عنده طريق آخر ضعيف معضل.\nوهذا أيضا ليس فيه حجة لأنه لم يذكر رؤيته لوجوههن وإنما رآهن يحملن الماء وهذا من وظيفتهن في الغزوات، علاوة على أن هؤلاء النسوة قد يكن من الإماء.\nهذا على فرض صحة إسناده وإلا فإنه لا يصح لأنه مرسل فيه شريح بن عبيد الحضرمي وهو كما قال عنه ابن حجر في التقريب ١/ ٢٦٥: كان يرسل كثيرا، وفي التهذيب ٤/ ٢٨٨: أنه لم يسمع من أحد من أصحاب النبي - ﷺ -. ولذلك قال الشيخ الألباني عقبه أن له طريق آخر ضعيف معضل ولكن هل يصح تقوية المرسل بضعيف معضل؟!","vol":"1","page":505},{"text":"وبذلك تبين أن الشيخ الألباني ﵀ قال قولا شذ فيه وجانب الحق والصواب في هذه المسألة، وخالف الأدلة والبراهين، وخالف جماهير العلماء؛ فسقطت بذلك حجته وبطل ماقاله من إباحة كشف الوجه للمرأة الحرة، وإني أختم بما ختم به الشيخ الألباني وهو قول شيخ الإسلام ابن تيمية:\n\" والمنقول عن السلف والعلماء يحتاج إلى معرفة ثبوت لفظه ودلالته، كما يحتاج إلى ذلك المنقول عن الله ورسوله\".","vol":"1","page":506},{"text":"ــ::<span data-type=\"title\" id=toc-106> خاتمة الكتاب::</span> ــ\nأسأل الله حسنها، وخلاصة ما سبق من البحوث؛ أن ستر وجه المرأة الحرة أمام الرجال الأحرار الأجانب فرض وواجب على المرأة الحرة، فرضه الله عليها بقوله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ يشهد لذلك الأدلة القرآنية، والأحاديث النبوية الصحيحة، وإجماع أهل العلم؛ من الصحابة والتابعين، ومن تلاهم من المفسرين، وشراح الحديث، والفقهاء، واللغويين. فالعمل به واجب تثاب عليه المرأة، وتركه حرام وإثم تعاقب عليه، فأسأل الله أن يهدي نساء المسلمين للعمل به، وأن يحفظ العاملات به من التبرج والسفور، وأن يرينا الحق حقًّا ويرزقنا اتباعه، ويرينا الباطل باطلًا ويرزقنا اجتنابه، ويهدينا صراطه المستقيم، وأن يمن على كتابي هذا بالقبول ويجعله خالصا لوجهه الكريم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.\n\nكتبته / أمل بنت محمد\nفي غرة ربيع الأول لعام / ١٤٤٠ هـ","vol":"1","page":507}]}