{"ً":{"ٌ":525,"ٍ":"الفوائد التفسيرية - ضمن «آثار المعلمي»","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"files":["https://archive.org/download/moalemee/24_137204s.pdf"]},"ّ":"الكتاب: الفوائد التفسيرية\n[آثار عبد الرحمن بن يحيى المعلمي اليماني (٢٤)]\nالمؤلف: عبد الرحمن بن يحيى المُعَلِّمي اليماني (١٣١٣ - ١٣٨٦ هـ)\nالمحقق: علي بن محمد العمران - نبيل بن نصار السندي\nراجعه: محمد أجمل الإصلاحي\nالناشر: دار عالم الفوائد للنشر والتوزيع\nالطبعة: الأولى، ١٤٣٤ هـ\nقدمه للشاملة: مؤسسة «عطاءات العلم»، جزاهم الله خيرا\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":178,"ٕ":3,"ٖ":1780758648,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["24"],"ٚ":[{"title":"سورة الفاتحة","level":1,"page":2},{"title":"البسملة آية من الفاتحة","level":2,"page":2},{"title":"سورة البقرة","level":1,"page":3},{"title":"قوله تعالى: ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله. . .﴾ [١٥٨]","level":2,"page":3},{"title":"قوله تعالى: ﴿إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى. . .﴾ [١٥٩ - ١٦١]","level":2,"page":3},{"title":"قوله تعالى: ﴿ياأيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا. . .﴾ [١٦٨ - ١٧٤]","level":2,"page":4},{"title":"قوله تعالى: ﴿فما أصبرهم على النار (١٧٥)﴾","level":2,"page":5},{"title":"قوله تعالى: ﴿فإذا أفضتم من عرفات. . .﴾ [١٩٨ - ١٩٩]","level":2,"page":6},{"title":"قوله تعالى: ﴿كان الناس أمة واحدة﴾ [٢١٣]","level":2,"page":6},{"title":"قوله تعالى: ﴿وبعولتهن أحق بردهن﴾ [٢٢٨]","level":2,"page":7},{"title":"تعليق على آيات الصدقة [٢٦٣ - ٢٦٨]","level":2,"page":8},{"title":"قوله تعالى: ﴿يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف. . .﴾ [٢٧٣]","level":2,"page":10},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله فليكتب﴾ [٢٨٢]","level":2,"page":12},{"title":"سورة آل عمران","level":1,"page":13},{"title":"معنى المحكمات والمتشابهات","level":2,"page":13},{"title":"قوله تعالى: ﴿إلا ما حرم إسرائيل على نفسه﴾ [٩٣]","level":2,"page":13},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون﴾ [١٣٥]","level":2,"page":14},{"title":"سورة النساء","level":1,"page":16},{"title":"قوله تعالى: ﴿ياأيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى﴾ [٤٣]","level":2,"page":16},{"title":"قوله تعالى: ﴿ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة. . .﴾ [٧٧ - ٨١]","level":2,"page":17},{"title":"قوله تعالى: ﴿فبما نقضهم ميثاقهم وكفرهم بآيات الله ..﴾ [١٥٥ - ١٦٠]","level":2,"page":20},{"title":"سورة المائدة","level":1,"page":21},{"title":"قوله تعالى: ﴿حرمت عليكم الميتة. . . .﴾ [٣ - ٥]","level":2,"page":21},{"title":"قوله تعالى: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم﴾ [٦]","level":2,"page":21},{"title":"قوله تعالى: ﴿وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه﴾ [١٨]","level":2,"page":22},{"title":"قوله تعالى: ﴿من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل ..﴾ [٣٢]","level":2,"page":22},{"title":"بحث حول (من) في قوله تعالى: ﴿ليمسن الذين كفروا منهم﴾ [٧٣] وقوله: ﴿وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم. . .﴾ [الفتح: ٢٩]","level":2,"page":23},{"title":"سورة الأنعام","level":1,"page":29},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه﴾ [٢٨]","level":2,"page":29},{"title":"قوله تعالى: ﴿وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم. . .﴾ [٦٨]","level":2,"page":30},{"title":"المراد بالظلم في قوله: ﴿الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم﴾ [٨٢]","level":2,"page":30},{"title":"قوله تعالى: ﴿وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض﴾ [٧٥]","level":2,"page":32},{"title":"سورة الأعراف","level":1,"page":33},{"title":"قوله تعالى: ﴿هو الذي خلقكم من نفس واحدة ..﴾ [الأعراف: ١٨٩]","level":2,"page":33},{"title":"سورة الأنفال","level":1,"page":33},{"title":"قوله تعالى: ﴿وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم﴾ [الأنفال: ٣٣]","level":2,"page":33},{"title":"سورة التوبة","level":1,"page":34},{"title":"قوله تعالى: ﴿وعد الله المنافقين والمنافقات والكفار. . .﴾ [التوبة: ٦٨]","level":2,"page":34},{"title":"سورة هود","level":1,"page":34},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولا يزالون مختلفين (١١٨) إلا من رحم ربك﴾ [هود: ١١٨ - ١١٩]","level":2,"page":34},{"title":"سورة الرعد","level":1,"page":35},{"title":"قوله تعالى: ﴿وجعلوا لله شركاء قل سموهم. . .﴾ [الرعد: ٣٣]","level":2,"page":35},{"title":"سورة إبراهيم","level":1,"page":38},{"title":"قوله تعالى: ﴿قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة﴾ [إبراهيم: ٣١]","level":2,"page":38},{"title":"سورة الحجر","level":1,"page":40},{"title":"قوله تعالى: ﴿ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل﴾ [الحجر: ٣]","level":2,"page":40},{"title":"سورة النحل","level":1,"page":42},{"title":"قوله تعالى: ﴿والنجوم مسخرات بأمره﴾ [١٢]","level":2,"page":42},{"title":"قال تعالى: ﴿والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئا ..﴾ [٢٠ - ٢١]","level":2,"page":42},{"title":"قوله تعالى: ﴿وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا ..﴾ [٥٨ - ٥٩]","level":2,"page":43},{"title":"قال تعالى: ﴿ويعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقا﴾ [٧٣]","level":2,"page":43},{"title":"قال تعالى: ﴿فلا تضربوا لله الأمثال إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون﴾ [٧٤]","level":2,"page":43},{"title":"قوله تعالى: ﴿وإذا رأى الذين أشركوا شركاءهم﴾ [٨٦]","level":2,"page":44},{"title":"قوله تعالى: ﴿وإذا بدلنا آية مكان آية ..﴾ [١٠١ - ١٠٥]","level":2,"page":44},{"title":"قوله تعالى: ﴿إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله﴾ [١٠٥]","level":2,"page":45},{"title":"قوله تعالى: ﴿ثم إن ربك للذين هاجروا﴾ [١١٠]","level":2,"page":47},{"title":"توجيه عدم ذكر ميراث الجد في القرآن","level":2,"page":47},{"title":"سورة الحج","level":1,"page":48},{"title":"قوله تعالى: ﴿وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون﴾ [الحج: ٤٧]","level":2,"page":48},{"title":"سورة المؤمنون","level":1,"page":49},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولا تخاطبني في الذين ظلموا﴾ [المؤمنون: ٢٧]","level":2,"page":49},{"title":"سورة النور","level":1,"page":50},{"title":"قوله تعالى: ﴿والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء. . .﴾ [٤ - ٥]","level":2,"page":50},{"title":"قوله تعالى: ﴿حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها﴾ [٢٧]","level":2,"page":51},{"title":"سورة القصص","level":1,"page":52},{"title":"بعض الأحكام من قصة موسى مع شعيب ﵉ في سورة القصص","level":2,"page":52},{"title":"سورة العنكبوت","level":1,"page":53},{"title":"قوله تعالى: ﴿إنما تعبدون من دون الله أوثانا﴾ [١٧]","level":2,"page":53},{"title":"قوله تعالى: ﴿ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله﴾ [١٠ - ١١]","level":2,"page":53},{"title":"سورة الأحزاب","level":1,"page":55},{"title":"بحث في آية التطهير من سورة الأحزاب","level":2,"page":55},{"title":"سورةالصافات","level":1,"page":56},{"title":"قوله تعالى: ﴿وجعلنا ذريته هم الباقين (٧٧)﴾ [الصافات]","level":2,"page":56},{"title":"سورة ص","level":1,"page":56},{"title":"بحث في معنى دعوة سليمان: ﴿هب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي﴾ [ص: ٣٥]","level":2,"page":56},{"title":"سورة الشورى","level":1,"page":60},{"title":"قوله تعالى: ﴿ومن آياته الجوار في البحر كالأعلام﴾ [٣٢ - ٣٥]","level":2,"page":60},{"title":"قوله تعالى: ﴿والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم﴾ [٣٨]","level":2,"page":61},{"title":"سورة الواقعة","level":1,"page":61},{"title":"قوله تعالى: ﴿وطلح منضود (٢٩)﴾","level":2,"page":61},{"title":"قوله تعالى: ﴿فسلام لك من أصحاب اليمين (٩١)﴾","level":2,"page":62},{"title":"سورة الحديد","level":1,"page":63},{"title":"قوله تعالى: ﴿وأنزلنا الحديد﴾ [الحديد: ٢٥]","level":2,"page":63},{"title":"سورة الحشر","level":1,"page":65},{"title":"الفيء في سورة الحشر","level":2,"page":65},{"title":"قوله تعالى: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه﴾ [٧]","level":2,"page":66},{"title":"سورة التغابن","level":1,"page":68},{"title":"وجه تسمية يوم القيامة يوم التغابن","level":2,"page":68},{"title":"سورة الملك","level":1,"page":68},{"title":"قوله تعالى: ﴿فامشوا في مناكبها. . .﴾ [١٥]","level":2,"page":68},{"title":"قوله تعالى: ﴿الذي كنتم به تدعون﴾ [٢٧]","level":2,"page":69},{"title":"سورة المزمل","level":1,"page":69},{"title":"قوله تعالى: ﴿إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل﴾ [المزمل: ٢٠]","level":2,"page":69},{"title":"سورة المدثر","level":1,"page":71},{"title":"قوله تعالى: ﴿وثيابك فطهر﴾ [المدثر: ٤]","level":2,"page":71},{"title":"سورة القيامة","level":1,"page":72},{"title":"قوله تعالى: ﴿لا أقسم بيوم القيامة (١) ولا أقسم بالنفس اللوامة (٢)﴾","level":2,"page":72},{"title":"قوله تعالى: ﴿بلى قادرين على أن نسوي بنانه (٤)﴾","level":2,"page":72},{"title":"سورة الليل","level":1,"page":73},{"title":"قوله تعالى: ﴿والليل إذا يغشى﴾ [الليل: ١]","level":2,"page":73},{"title":"سورة المسد","level":1,"page":74},{"title":"حول إعجاز القرآن","level":2,"page":76}],"ٛ":{"24,3":1,"24,5":2,"24,6":3,"24,7":4,"24,8":5,"24,9":6,"24,10":7,"24,11":8,"24,12":9,"24,13":10,"24,14":11,"24,15":12,"24,16":13,"24,17":14,"24,18":15,"24,19":16,"24,20":17,"24,21":18,"24,22":19,"24,23":20,"24,24":21,"24,25":22,"24,26":23,"24,27":24,"24,28":25,"24,29":26,"24,30":27,"24,31":28,"24,32":29,"24,33":30,"24,34":31,"24,35":32,"24,36":33,"24,37":34,"24,38":35,"24,39":36,"24,40":37,"24,41":38,"24,42":39,"24,43":40,"24,44":41,"24,45":42,"24,46":43,"24,47":44,"24,48":45,"24,49":46,"24,50":47,"24,51":48,"24,52":49,"24,53":50,"24,54":51,"24,55":52,"24,56":53,"24,57":54,"24,58":55,"24,59":56,"24,60":57,"24,61":58,"24,62":59,"24,63":60,"24,64":61,"24,65":62,"24,66":63,"24,67":64,"24,68":65,"24,69":66,"24,70":67,"24,71":68,"24,72":69,"24,73":70,"24,74":71,"24,75":72,"24,76":73,"24,77":74,"24,78":75,"24,79":76,"24,80":77,"24,81":78},"ٜ":{"24":[3,81]},"ٝ":["24,3","24,5","24,6","24,7","24,8","24,9","24,10","24,11","24,12","24,13","24,14","24,15","24,16","24,17","24,18","24,19","24,20","24,21","24,22","24,23","24,24","24,25","24,26","24,27","24,28","24,29","24,30","24,31","24,32","24,33","24,34","24,35","24,36","24,37","24,38","24,39","24,40","24,41","24,42","24,43","24,44","24,45","24,46","24,47","24,48","24,49","24,50","24,51","24,52","24,53","24,54","24,55","24,56","24,57","24,58","24,59","24,60","24,61","24,62","24,63","24,64","24,65","24,66","24,67","24,68","24,69","24,70","24,71","24,72","24,73","24,74","24,75","24,76","24,77","24,78","24,79","24,80","24,81"],"ٞ":{"2":[1,2],"3":[3,4,5],"4":[6],"5":[7],"6":[8,9],"7":[10],"8":[11],"10":[12],"12":[13],"13":[14,15,16],"14":[17],"16":[18,19],"17":[20],"20":[21],"21":[22,23,24],"22":[25,26],"23":[27],"29":[28,29],"30":[30,31],"32":[32],"33":[33,34,35,36],"34":[37,38,39,40],"35":[41,42],"38":[43,44],"40":[45,46],"42":[47,48,49],"43":[50,51,52],"44":[53,54],"45":[55],"47":[56,57],"48":[58,59],"49":[60,61],"50":[62,63],"51":[64],"52":[65,66],"53":[67,68,69],"55":[70,71],"56":[72,73,74,75],"60":[76,77],"61":[78,79,80],"62":[81],"63":[82,83],"65":[84,85],"66":[86],"68":[87,88,89,90],"69":[91,92,93],"71":[94,95],"72":[96,97,98],"73":[99,100],"74":[101],"76":[102]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"الفوائد التفسيرية","vol":"24","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1>سورة الفاتحة </span>(^١)\n<span data-type=\"title\" id=toc-2>[البسملة آية من الفاتحة]</span>\nالحمد لله.\nكون البسملة آيةً من الفاتحة مما لا ينبغي أن يُشكَّ فيه، لِمَا ثبت في «الصحيح» (^٢) عن أبي سعيد [بن] المُعَلّى وعن أبي هريرة: أن النبي - ﵌ - أخبر بأنها السبع المثاني. وما قيل بأن: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ رأس آية، ممتنع في أسلوب القرآن.\nومما يدل على أنها آية من كلّ سورة كتابتها في المصحف. وما قيل من أنها كُتبت للفصل، مردودٌ باحتياط الصحابة مع علمهم بأنها إذا كُتبت ظنَّ الناسُ أنها آيةٌ من كل سورة.\nوتَكْرارها ليس بقرينة؛ فإننا نعلم أن الكتب التي تبدأ بالبسملة، يصدُقُ عليها أن البسملة جزءٌ منها، وفي القرآن: ﴿إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ (٢٩) إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣٠) أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ [النمل: ٢٩ - ٣١]، فجُعِلت البسملة من الكتاب.\nولعلَّ مقصودَ مَن قال مِن السلف: إنها آية أُنزلت للفصل، وإنها ليست جزءًا من كل سورة = أنها ليست جزءًا من السورة متصلًا بها مرتبطًا، وهذا لا ينفي أن تكون جزءًا مستقلًّا، والله أعلم (^٣).\n_________\n(^١) رتبت الفوائد على حسب ترتيب السور.\n(^٢) «صحيح البخاري» (٤٤٧٤) عن أبي سعيد، و(٤٧٠٤) عن أبي هريرة.\n(^٣) مجموع [٤٧٢٠].","vol":"24","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3>سورة البقرة</span>\n[قوله تعالى]: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ (١٥٨)﴾ (^١).\nيمكن أن يقال: إنه لما قال: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ﴾ أمكن أن يتوهَّم بعض الناس، ولاسيَّما من لم يعرف السبب، أن السعي ليس فيه ثواب لاقتصار الآية على نفي الجناح فيه، فدفع ذلك بقوله: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ ...﴾ (^٢).\n* * * *\nقال الله ﷾: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (١٥٩) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٦٠)﴾.\nانظر هل في هذه الآية دليل على عدم جواز لعن المعيَّن؟ لأنه إن كان حيًّا فلعلّه يتوب، وإن كان ميتًا فلعله تاب، وقد استثنى الله تعالى التائب من لعنته ولعنة اللاعنين. والله أعلم.\nوقال تعالى بعد ذلك: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٦١)﴾.\n_________\n(^١) ذكر الشيخ الآيات من الآية (١٤٨) هكذا: ﴿ولكل وجهة هو موليها .... أينما تكونوا ... ومن حيث خرجت ... ومن تطوع ...﴾.\n(^٢) مجموع [٤٧٢٧].","vol":"24","page":6},{"text":"فقيَّد لعنتَه لهم، ولعن الملائكة، ولعن الناس بما إذا ماتوا وهم كفَّار، كما دل استثناؤه في الأول على تقييد لعن الكاتمين بما إذا ماتوا وهم كاتمون. والله أعلم (^١).\n* * * *\n\nقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (١٦٨) إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (١٦٩) وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (١٧٠) وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (١٧١) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢) إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٧٣)﴾.\nفي الآيات دليل على النهي عن تحريم ما أحلَّ الله تعالى، وعن اجتناب الأكل منه، وعلى انحصار المحرمات، وغير ذلك مما يظهر عند التدبَّر. والله أعلم.\nوقوله تعالى بعد ذلك: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ\n_________\n(^١) مجموع [٤٦٥٧].","vol":"24","page":7},{"text":"اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٧٤)﴾.\nفيها التحذير من الرشوة، وفيها دليل على حُرْمة أخذ شيء مقابل بيان ما أنزل الله، سواء أكان ذلك في حكم أو فتوى أو غيرها. وفيها دليل على أن الله تعالى يُكلِّم المؤمنين المتقين يوم القيامة.\nهذا، وقد يُدَّعى أن قوله: «الذين» أراد به قومًا معهودين هم اليهود، والسياق يؤيده.\nكما قد يقال: إن قوله: ﴿وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ بأن يكتموا حكمَ الله ليأخذوا في مقابل كتمانه ثمنًا، فتكون دلالة الآية خاصةً بالتحذيرِ من أخذِ الرشوة من المبطل ليحكم له بالباطل ويكتمَ الحق، وأخذِ الأجرة من السائل ليفتي بما يوافق هواه في الباطل ويكتمَ الحق، فليتدبر. والله أعلم (^١).\n* * * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-7>[قوله تعالى]: ﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ (١٧٥)﴾</span>.\nيريد ــ والله أعلم ــ: فما أصبرهم على الطريقة التي توجب لهم النار.\nفإن الإنسان إذا كان على خُطّة يرى أنها تؤدّيه إلى عذاب شديد، فإن نفسه تنازعه إلى تركها وتلحُّ عليه في ذلك، وهواه يمنعه من ذلك ويحملُه على الصبر.\n_________\n(^١) مجموع [٤٦٥٧].","vol":"24","page":8},{"text":"كما حكى الله تعالى عن قومٍ قولَهم في رسولهم: ﴿إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا﴾ [الفرقان: ٤٢] (^١).\n* * * *\n\nقوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (١٩٨) ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ ...﴾ [١٩٨ - ١٩٩].\nأرى أنَّ المراد: ثمَّ بعد عامكم هذا أفيضوا من حيث أفاض الناس في هذا، والمراد بالناس رسول الله - ﵌ - ومَنْ حجَّ معه (^٢).\n* * * *\nقال الله ﵎ في سورة البقرة [آية: ٢١٣]:\n﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ أي: على الإيمان، فاختلفوا بأن كَفَر بعضُهم. أو على الكفر، ولا حاجة لتقدير شيء. وعلى كلٍّ، فالمراد به ــ والله أعلم ــ قبل بعثة نوح.\n﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ أي: لتلك الأمة المختلفة، أو المطبقة على الكفر. ﴿وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ﴾ أي: جنسه، والمراد: الكُتُب، ﴿لِيَحْكُمَ﴾ أي: ليكون حاكمًا به بعد الأنبياء ﴿بَيْنَ النَّاسِ﴾ أي: الذين\n_________\n(^١) مجموع [٤٧٢١].\n(^٢) مجموع [٤٧٢٤].","vol":"24","page":9},{"text":"سيدخلون في الدين ﴿فِيمَا اخْتَلَفُوا﴾ أي: سيختلفون ﴿فِيهِ﴾ أي: من أمر الدين، بأن يقول بعضهم: هو منه. ويقول غيره: ليس منه.\n﴿وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ﴾ أي: في الدين المفهوم مما سبق. ولا مانع أن يكون الضمير للكتاب، كأنه سبحانه يقول: فاختلفوا في الكتاب نفسه، وما اختلف فيه ... إلخ. وهذا أولى عندي.\n﴿إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ﴾ أي الكتاب ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ أي: حَمَل البغْيُ بعضَهم على تحريفه عن مواضعه، والعدول به عن مقاصده. ﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ﴾ (^١).\n* * * *\nقوله ﷿: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ [٢٢٨].\nأقول ــ والله أعلم ــ أنّ المراد: أحقّ بردِّهنّ منهنّ، فهذا يشعر بأنّ لهنّ حقًّا في ذلك بحيث يُنْدَب أن لا يراجع الزوج حتى ينظر رغبة الزوجة، ولكن الزوج أحقّ بحيث لو راجع بدون رضاها؛ رجع النكاح. والله أعلم (^٢).\n* * * *\n_________\n(^١) مجموع [٤٧٢٧].\n(^٢) مجموع [٤٧١٥].","vol":"24","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-11>[تعليق على آيات الصدقة (٢٦٣ - ٢٦٨)]</span>\n[قوله تعالى]: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى﴾.\nفيه الإرشاد إلى العفو عن المستعطي إذا ألحَّ في المسألة وآذى المسؤول.\n﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٢٦٤)﴾ (^١).\nالمقصود من المَثَل ــ والله أعلم ــ: أنَّ مال المانِّ والمؤذي ومال المُرابي يَتْلَف بالإنفاق بدون عِوَض.\n﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٦٥)﴾ (^٢).\nالمقصود من المَثَل ــ والله أعلم ــ: أنَّ مال المتصدِّق لوجه الله تعالى ولا يُتبِع صدقتَه بمنٍّ ولا أذى = لا يَنفَدُ، بل يُعوِّضه الله ﷿ مضاعفًا، وهذه الآية مصداق الحديث: «ما نقصت صدقةٌ من مال» (^٣). وعلى هذا\n_________\n(^١) كتب المؤلف إلى قوله تعالى: ﴿وَالْأَذَى﴾ وأكملنا الآية ليعرف مقصود المؤلف.\n(^٢) كتب المؤلف إلى قوله تعالى: ﴿أَمْوَالَهُمُ﴾ وأكملنا الآية ليعرف المثل المضروب.\n(^٣) أخرجه مسلم (٢٥٨٨) من حديث أبي هريرة ﵁.","vol":"24","page":11},{"text":"سمّيت الزكاةُ زكاةً.\n﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ ...﴾.\nالمقصود بالمَثَل ــ والله أعلم ــ بيان حال الذي يتصدّق لوجه الله تعالى فيستحق الثواب، ثم يفسده بالمنِّ والأذى، فالثواب هو الجنَّة، والمنُّ والأذى هو الإعصار.\nوقد يُستدل بقوله: ﴿وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ﴾ إلى أنَّ عمل الوالد الصالح ينفع ذُرّيته ــ والله أعلم ــ تدبَّرْ.\n﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ ..﴾.\nفيه إشارة إلى أنَّ المتصدِّق غير متبرّع، بل هو طالب عِوَض وأجر، وأنَّ المتصدَّق عليه آخذ بحقٍّ، أي إذا كان مستحقًّا للصدقة. والله أعلم.\n﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا ...﴾.\nكأن في الآية احتباكٌ (^١)؛ كأنه قال: الشيطان يوسوس لكم بعدم المغفرة من الله تعالى بأن يقنِّطكم، ويعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء؛ والله يعدكم\n_________\n(^١) كذا في الأصل، والوجه النصب. والاحتباك هو: أن يُحذف من الأول ما أثبت نظيره في الثاني، ويحذف من الثاني ما أثبت نظيره في الأول.","vol":"24","page":12},{"text":"مغفرة منه وفضلًا، ويأمركم بالعدل والإحسان (^١).\n* * * *\nقوله ﷿: ﴿... يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [٢٧٣].\nدلّ سياق الآية على أنّهم لا يسألون البتة، ومفهوم قوله: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ أنّهم يسألون، ولكنّهم لا يُلْحِفون.\nأجاب الزمخشري بأنّ النّفي هنا متوجّه إلى المقيَّد، كما في قول الشاعر (^٢):\n* على لاحبٍ لا يُهتدى بمناره *\nأي: ليس له منار فيهتدى به.\nوعندي في هذا الجواب والاستشهاد نظر، وهو قول الشاعر: «لا يهتدى بمناره»، وما شابهه في كلام الفصحاء إنّما يجيء إذا كان هناك ملازمة. من اللازم ...\nوهذا ... (^٣).\n_________\n(^١) مجموع [٤٧٢٤].\n(^٢) سيأتي البيت كاملًا.\n(^٣) لم يكمل الشيخُ الكلام وترك نصف الصفحة بياضًا، ثم وجدنا في آخر ورقة في المجموع بقية الكلام المتعلق بالمسألة، من قوله: «ذو الرمة ...» ثم الاعتراض والجواب. وهما منقولان من تفسير الآلوسي «روح المعاني»: (٣/ ٤٧).","vol":"24","page":13},{"text":"ذو الرمّة:\nلا تُشتكى رقصة (^١) منها وقد رقصت ... بها المفاوزُ حتى ظهرُها حَدِبُ\n\nقول امرئ القيس (^٢):\nعلى لاحبٍ لا يُهتدَى بمناره ... إذا سافَهُ العَودُ الدِّيافيُّ جَرْجَرا\n\nالآخر في وصف مفازة (^٣):\nلا تُفزِعُ الأرنبَ أهوالُها ... ولا ترى الضبَّ بها يَنْجَحِرْ\n\nالأعشى (^٤):\nلم تَعطَّف على حُوارٍ ولم يَقْـ ... ـطع عُبَيدٌ عروقَها مِن خُمال\n\nالأعشى (^٥):\nلا يغمزُ الساقَ من أَيْنٍ ومن وصبٍ ... ولا يَعَضُّ على شُرْسُوفه الصَّفَر\n\nواعترض بأنّ هذا إنّما يحسن إذا كان القيد لازمًا للمقيَّد أو كاللازم حتى يلزم من نفيه نفيُه بطريق برهاني، وههنا ليس كذلك؛ إذ الإلحاف ليس لازمًا للسؤال، ولا كلازمه.\n_________\n(^١) كذا في الأصل، ورواية الديوان (١/ ٤٤) ومصادر أخرى كثيرة: «سقطة».\n(^٢) «ديوانه» (٦٦ - ت أبو الفضل).\n(^٣) البيت لعمرو بن أحمر الباهلي. انظر: «ديوانه» (ص ٦٧).\n(^٤) «ديوانه» (٥٥ - شرح محمد محمد حسين).\n(^٥) هو أعشى باهلة. انظر: «الأصمعيات» (٩٠).","vol":"24","page":14},{"text":"وأجيب بأنّ هذا مسلَّم إن لم يكن في الكلام ما يقتضيه، وهو كذلك هنا؛ لأنّ التعفّف حتى يُظَنُّوا أغنياء يقتضي عدم السؤال رأسًا. وأيضًا ﴿تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾ مؤيد لذلك.\nوقيل: المراد أنّهم لا يسألون، فإن سألوا عن ضرورة لم يلحّوا.\nومن النّاس من يجعل المنصوب مفعولًا مطلقًا للنفي، أي: يتركون السؤال إلحافًا، أي مُلْحفين في الترك. وهو كما ترى (^١).\n* * * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-13>قوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ﴾ [٢٨٢]</span>.\nيؤخذ منها وجوب الكتابة بدون أجرةٍ في بعض الأحوال. والله أعلم (^٢).\n_________\n(^١) مجموع [٤٧١٩].\n(^٢) مجموع [٤٦٥٧].","vol":"24","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-14>سورة آل عمران</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-15>[معنى المحكمات والمتشابهات]</span>\nالحمد لله.\nيظهر لي أن معنى قوله ﷿: ﴿آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾ [٧] أي: يُحكِمُهنَّ بعض الخلق، من قولهم: تعلَّم فلان الطبَّ حتى أَحكمه، أي: أحكم علمه. بخلاف قوله: ﴿أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾ [هود: ١] فمعناه: أن الله ﷿ أحكمها (^١).\nقوله ﷿: ﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ أي ــ والله أعلم ــ: كل آية فيها متشابهة، أي متشابهة المعاني، كما تقول: فلان متناسب الخِلقة، أي أنّ أعضاءه متناسبة.\nوقال ﷿ حكايةً عن موسى: ﴿إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا﴾ [البقرة: ٧٠] (^٢).\n* * * *\nقوله ﷿ في سورة آل عمران: ﴿إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ [٩٣].\nصحَّ عن ابن عباس أن إسرائيل نذر إن شفاه الله تعالى من عرق النَّسا أن\n_________\n(^١) مجموع [٤٧٢٧].\n(^٢) مجموع [٤٧١٩]. وللمؤلف بحث مفصَّل في معنى المحكم والمتشابه في «التنكيل - القائد إلى تصحيح العقائد».","vol":"24","page":16},{"text":"لا يأكل لحمًا فيه عروق.\nوهذا النذر مشكل؛ إذ لا يظهر فيه وجه القربة، والله ﷿ يقول في اليهود (المائدة) (^١): ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١٤٠] (^٢).\n* * * *\n[تعليق على موضع من «روح المعاني»]\nآلوسي (ج ١ /ص ٦٧٣)\n﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [١٣٥].\n«وقد ذكر أنّ الحال بعد الفعل المنفي ــ وكذا جميع القيود ــ قد يكون راجعًا إلى النفي، قيدًا له دون المنفي، مثل: ما جئتك مشتغلًا بأمورك، بمعنى: تركت المجيء مشتغلًا بذلك.\nوقد يكون [راجعًا إلى ما دخله النفي مثل: ما جئتك راكبًا، ولهذا معنيان: أحدهما ــ وهو الأكثر ــ: أن يكون النفي] (^٣) راجعًا إلى القيد فقط، ويثبت أصل الفعل، فيكون المعنى: جئت غير راكب.\nوثانيهما: أن يقصد نفي الفعل والقيد معًا، بمعنى انتفاء كلٍّ من الأمرين. فالمعنى في المثال: لا مجيءَ ولا ركوب.\n_________\n(^١) كذا في الأصل والآية في سورة الأنعام.\n(^٢) مجموع [٤٧٢٦].\n(^٣) سقط لانتقال النظر، والإكمال من «روح المعاني»: (٤/ ٦٢).","vol":"24","page":17},{"text":"وقد يكون النفي متوجهًا للفعل فقط من غير اعتبار لنفي القيد وإثباته.\nقيل: وهذه الآية لا يصح فيها أن يكون ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ قيدًا للنفي، لعدم الفائدة؛ لأنّ ترك الإصرار موجب للأجر والجزاء، سواء كان مع العلم بالقبح أو مع الجهل، بل مع الجهل أولى. ولا يصحّ».\n[قال المعلمي]: «فيه نظر؛ لأنّه قد يقال: إذا تركوه عالمين بقبحه كان الظاهر من ذلك أنهم إنما تركوه خوفًا من الله ﷿، فبذلك يستحقون الثواب. وإذا تركوا شيئًا لا يعلمون بقبحه فالظاهر أنهم إنما تركوه لعارض غير خشية الله، فلا يستحقّون ثوابًا. والله أعلم» (^١).\n_________\n(^١) مجموع [٤٧١٩].","vol":"24","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-18>سورة النساء</span>\n[الكلام على آية التيمم]\nقال الله ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [٤٣].\nالذي يظهر لي في معنى الآية: أن المراد بالصلاة حقيقتها الشرعية، ويؤيده سبب النزول.\nوالمراد بـ ﴿عَابِرِي سَبِيلٍ﴾: ظاهره، وهو المسافر. والإذن مطلق قُيِّد في آخر الآية بالتيمم، وإنما تُرِك تقييده أولًا لأنه أُريد أن يؤتى بحكم التيمم مضبوطًا في كلامٍ جامع، وهو ما في بقية الآية، فلو قُيّد به أولًا لزم أحد أمرين: إما إهماله في بقية الكلام، وإما التكرار، وكلاهما منافٍ لكمال البلاغة.\nأما التكرار فواضح، وأما الإهمال فللإخلال بضبط الكلام في التيمم في جملة واحدة كما مرَّ.\nثم قال ﷿: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾ فذكر عذرًا، ثم قال: ﴿أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ فذكر عذرًا آخر، ثم قال: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ فذكر عذرًا ثالثًا، وهو عدم وجود الماء. وإنما قدم","vol":"24","page":19},{"text":"عليه قوله: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ لأنه في معنى العلة لعدم وجود الماء، أي: أنه علة للاحتياج إلى الماء المتوقف عليه اعتبار عدم وجوده. وهذا كقوله تعالى: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ [البقرة: ٢٨٢] أمر الله ﷿ باستشهاد المرأتين، وعلَّل ذلك بقوله: ﴿أَنْ تَضِلَّ ...﴾ والعلة الحقيقية هي التذكير لا الضلال، ولكن لما كان الضلال علة للتذكير لأنه عليه يتوقف الاحتياج إليه= قدَّمه قبله وعطف عليه بالفاء.\nفإذًا كل من الثلاثة عذر مستقلّ:\n١ ــ المرض ٢ ــ السفر ٣ ــ عدم وجود الماء.\nفإن قيل: فإن عدم وجود الماء شرط لكون السفر عذرًا.\nأقول: نعم، ولكن لمَّا كان الغالب في السفر عدم وجود الماء، أطلق، وبيَّنت السنة المراد (^١).\n* * * *\nالحمد لله.\n\nقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ ...﴾ [٧٧].\n_________\n(^١) مجموع [٤٧١٧].","vol":"24","page":20},{"text":"الذي يظهر ــ ولا أراه يجوز غيره ــ أنَّ المراد مَنْ أسلَم مِمَّن حَوْل المدينة من الأعراب.\nوقول الله ﷿ بعد ذلك في آية (٧٨): ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ صريحٌ في بطلان ما زعمه الكلبيُّ أن الآية السابقة نزلت في بعض أجلَّة الصحابة الذين أثنى الله عليهم في آيات لا تُحصى. وحَمْلُ آية (٧٨) على قوم آخرين تفكيكٌ للنظم الشريف بلا داعٍ.\nفالحق أنَّ الضمائر فيها لِمَن تقدَّم، أي مَن حَول المدينة مِن الأعراب، وسيأتي ما يوجب القطعَ بذلك.\nوالمراد بالحسنة والسيئة ما يوافق هواهم أو يخالفه من الأحكام، أي ــ والله أعلم ــ وإن يبلِّغهم الرسول ما يوافق هواهم يقولوا: هذا من عند الله، وإن يبلِّغهم ما يكرهونه كإيجاب القتال يقولوا: هذه مِن عندك، قال تعالى لرسوله: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ أي: وإنما أنا مبلّغ.\nوقوله تعالى في آية (٧٩): ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ الظاهر أن الخطاب للنبي - ﵌ - كقوله عقب ذلك: ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا﴾.\nنعم، المقصود ــ والله أعلم ــ العموم مِن حيث المعنى، أي أنه إذا كان هو - ﵌ - هكذا فغيره كذلك من باب أولى.\nوالمراد بالحَسَنة والسيئة: النعمة والمصيبة، وجيء بهذه الجملة بعدما","vol":"24","page":21},{"text":"تقدم دفعًا لِما قد يتوهَّمه مَن لم يتدبَّر مِن عموم قوله: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ لجميع الحوادث المخالفة للهوى بحيث يدخل في ذلك جميع المصائب والمضار. فنبَّه تعالى على أن المراد بالحسنة والسيئة ــ فيما تقدم ــ الأحكامُ المبلَّغة، فكلّها من عند الله. فأمّا الحسنة والسيئة بمعنى النِّعم والمصائب فلا يُقال فيها: كلّها من عند الله، بل النِّعَم من عند الله، والمصائب من النفس، أي بسبب أعمالها.\nوقوله في آية (٨٠): ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ ظاهر في أن الكلام مع منافقي الأعراب.\nوقوله تعالى في آية (٨١): ﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ ...﴾ واضح جدًّا فيما قلناه مِن أنَّ الكلام مع المنافقين، وكذا قوله تعالى في آية (٨٣): ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ﴾ (^١).\n* * * *\nقوله ﷿ في آخر سورة النساء: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (١٥٥) وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا (١٥٦) وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (١٥٧)\n_________\n(^١) مجموع [٤٧٢٤].","vol":"24","page":22},{"text":"بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٥٨) وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا (١٥٩) فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (١٦٠)﴾.\nكان يظهر لي أن قوله: ﴿فَبِظُلْمٍ﴾ تأكيد لما تقدم على جهة الإجمال، جيء به لطول الفصل. ولكن ظهر لي الآن ما يمنع من ذلك، وهو:\n١ - أن الأفعال المفصَّلة قبلُ، كلَّها أو جلَّها وقع منهم بعد التحريم. فكيف يُجعل جزاءً لها؟\n٢ - أن الأعمال المذكورة فظيعةٌ، لا تناسب أن يُقْتَصر في بيان جزائها على التحريم.\nفإذًا يترجَّح ما قالوا: إن متعلّق ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ﴾ محذوف. لكنه يشكل قوله: ﴿فَبِظُلْمٍ﴾ حيث عَبّر بالفاء، وكان الظاهر بناءً على ما ذُكر التعبيرَ بالواو (^١).\n_________\n(^١) مجموع [٤٧٢٦].","vol":"24","page":23},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-22>سورة المائدة</span>\nمصحف (١٠٦). مائدة [٣ - ٥].\n﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ .... الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ .... (٣) يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ .... (٤) الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾.\nيظهر أن المراد: ماذا أُحل لهم من اللحوم؟ والمراد بالطيبات المُذَكَّاة. والله أعلم (^١).\n* * * *\n[ما يستفاد من آية الوضوء]\nقال الله ﵎: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ﴾ [٦].\nفكأنَّ من معنى الآية: إذا قمتم إلى الصلاة فتوضأوا، وإن كنتم مُحْدِثين ولم تجدوا ماءً فتيمَّموا. فالشرط الآخر له منطوق ــ وهو ظاهرـ، وله مفهوم، وهو: إن لم تكونوا مُحْدِثين ووجدتم الماء فلا تيمَّموا، وإن كنتم مُحْدِثين ووجدتم الماء فلا تيمَّموا، وإن كنتم ... (^٢).\n_________\n(^١) مجموع [٤٧٢٦].\n(^٢) بعده بياض في الأصل.","vol":"24","page":24},{"text":"وجود الحَدَث ... وعدم الماء ... التيمُّم\nوجود الحَدَث ... ووجود الماء ... الوضوء\nعدم الحَدَث ... وعدم الماء ... يصلِّي بالوضوء الأول\nعدم الحَدَث ... ووجود الماء ... (^١).\n* * * *\nقال تعالى في سورة المائدة: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ﴾ [١٨].\nفي الآية دليل على أن الأب ينبغي له العفو عن أولاده، وكذا المحبّ مع حبيبه (^٢).\n* * * *\n\nقوله تعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [٣٢].\nظاهر الآية، بل صريحها: أنّ الفساد في الأرض بدون قتل النفس مسوِّغ للقتل (^٣).\n* * * *\n_________\n(^١) بيَّض الشيخ في الأصل لوضوح حكمه. مجموع [٤٧١١].\n(^٢) مجموع [٤٧١١].\n(^٣) مجموع [٤٧١٩].","vol":"24","page":25},{"text":"[بحث حول «مِن» في قوله تعالى: ﴿لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ﴾]\nالحمد لله.\n* قوله ﷿: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٣)﴾.\n(مِنْ) في قوله: ﴿مِنْهُمْ﴾ يجوز أن تكون تبعيضية، إذا جُعِل النفي في قوله: ﴿لَمْ يَنْتَهُوا﴾ من باب سلب العموم، أي: لم يَعُمَّهم الانتهاء، فيصدق بما إذا انتهى بعضهم.\nوعليه، فلو قيل: ليمسنَّهم، لاقتضى أن العذاب يمسُّهم جميعًا إن لم ينتهوا جميعًا. أي: أن العذاب يعمُّهم إن لم يعمَّهم الانتهاء، وإن انتهى بعضهم.\nوهذا غير مراد، وإنما المراد أن العذاب يمسّ من لم ينته دون من انتهى. فوجب في أداء المعنى المراد أن يؤتى بما في النظم الكريم.\nأمَا إذا جُعِل النفي من باب عموم السلب، فلا يصح التبعيض، إذ يكون المعنى حينئذٍ: لئن لم ينته أحد منهم. وإذا لم ينته أحد منهم فكلهم كفار، فلا معنى لأن يُجعل الذين كفروا بعضًا منهم. فيجب على هذا جعل (مِنْ) بيانيَّة.","vol":"24","page":26},{"text":"* قوله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ ...﴾ [الفتح: ٢٩].\nقوله: ﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ المرادُ المعيَّة الكاملة، أي بالأبدان والإيمان وتوابعه، لا بالأبدان فقط، وإلاّ لدخل المشركون، ولا بالتظاهر بالإسلام، وإلا لدخل المنافقون، والسياق يأباه؛ لأنّ المنافقين لم يكونوا أشدَّاء على الكفار رحماء بالمؤمنين، بل وصفهم الله ﷿ في مواضع من كتابه بعكس ذلك، ولم يكونوا ممن يُرَوْن ركَّعًا سُجَّدًا، بل وصفهم الله تعالى بأنهم لا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى يراؤون الناس، وأنهم لا يذكرون الله إلا قليلًا. وأوضح من هذا: أنهم لم يكونوا يبتغون فضلًا من الله ورضوانًا، كما هو واضح.\nوحينئذٍ، فتلخيصُ المعنى: محمد رسول الله، والذين آمنوا معه مؤمنون يعملون الصالحات.\nفقوله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ ...﴾ لا يصحّ أن تكون (مِنْ) فيه تبعيضية.\nفإن قيل: لم لا يُجعل معنى قوله: ﴿وَالَّذِينَ﴾ آمنوا ﴿مَعَهُ﴾: مؤمنون يعملون الصالحات، أي في الجملة، أي يقع هذا منهم، بدون تعرُّضٍ لدوام","vol":"24","page":27},{"text":"ذلك أو عدمه، فيدخل حينئذٍ مَن آمن وعمل الصالحات ثم ارتدّ على عقبه، ثم يُجعَل معنى قوله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ﴾ أي ثبتوا على ذلك، فحينئذٍ يصحّ التبعيض؟\nقلت: لا يخفى ما في هذا من التعجرف:\n١ ــ لأنّ الله ﷿ وصف الذين معه بأنهم: ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ ...﴾، وأطلق الوصف، وعبَّر بالاسم الدالّ على الثبات والدوام في (أشداء) و(رحماء)، وجاء بقوله: (تراهم) مخاطبًا لكل من يمكن منه الرؤية، فيشمل كل زمان.\n٢ ــ قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾. فجاء بلفظ الماضي الذي يدل على وقوع ذلك فقط، فهو مناقض لغرض المعترض من الحمل على الثبات، وفيه حكمة بالغة سيأتي التنبيه عليها إن شاء الله تعالى.\nبل لو جُعِل الخطاب فيه لخاصّة المؤمنين لم يلزم جواز ذلك، كما لا يلزم من قوله ﷿ لرسوله: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥] وأمثالها من الآيات= جوازُ ذلك عليه - ﵌ -. بل إن خطابه ﷿ لرسوله بذلك وأمثاله هو من جملة العصمة. وهذه نكتة لطيفة ليس هذا محل إيضاحها.\nوأمّا ما جاء في الحديث أن ناسًا يُحال بينهم وبين حوضه - ﵌ -، فيقول: «أصيحابي أصيحابي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك» (^١) = فنقول:\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٤٦٢٥)، ومسلم (٢٣٠٤) من حديث أنس بن مالك.","vol":"24","page":28},{"text":"إن المراد بهؤلاء أيضًا جماعة ممن كانوا أسلموا ولم يدخل الإيمان في قلوبهم، وقد وعدهم الله ﷿ في كتابه بأنه سيدخل الإيمان في قلوبهم، كما تقتضيه كلمة ﴿لمّا﴾، فيتمسك - ﵌ - بظاهر ذلك، فيقول: «أصيحابي»، فيُخبَر بأنهم أحدثوا بعده أشياء مَنعت دخول الإيمان في قلوبهم. بل، وقد يقال: إن من مات بعد أن أسلم وقبل أن يدخل الإيمان في قلبه = ممّن تناله الرحمة ما لم يُحدِث.\nومع هذا كله، فليس في الحديث أن أولئك المردودين يخلَّدون في النار.\nوممّا يرد الاستدلال بالحديث قوله: «أصيحابي» ــ بالتصغير ــ، ممّا يدل أنهم ليسوا من أصحابه المرادين بالآية الكريمة.\nفإن قيل: فما النكتة في العدول عن أن يقال: (وعدهم الله)، إلى ما في النظم الكريم؟\nقلت: قد علم الله ﷿ أنه سيكون في هذه الأمة من يطعن في أصحاب رسوله - ﵌ -، فربّما يقول قائل: إن قوله تعالى: ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ ...﴾ إلخ يدلُّ على الثبات والدوام ــ كما تقدم ــ، ويزعم أن منهم من لم يثبت، فيستدل بذلك على أنه لم يدخل في قوله: ﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾؛ لأن الله وصف الداخلين في ذلك بالثبات، وهذا لم يثبت.\n= فدحض الله ﷿ هذه الشبهة وأرغم أنف صاحبها بقوله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، فلم يشترط في الوعد دوامًا ولا ثباتًا، بل","vol":"24","page":29},{"text":"وهبه (^١) لكل من وقع منه إيمان وعملٌ للصالحات.\nوعُلِمَ بذلك ــ مع ما تقدم ــ أنّ كل من وقع منه إيمان وعمل صالح فهو ممّن علم الله ﷿ أنه ثابت على ذلك، حتى لو فُرض [أنه] وقع منه شيءٌ من المخالفات، فهو صادر عن تأويل أو سهوٍ أو خطأ، وتَعقُبُه التوبة النصوح. وبالإجمال، قد غفره الله ﷿، فلا يخلّ بالثبات المفهوم ممّا تقدم.\nعلى أنه يمكن أن تكون (مِنْ) تبعيضيّة، ولا يَرِدُ شيء مما تقدم. وذلك بأن يقال: كونها تبعيضية لا يستلزم التبعيض، بل جيء بها لتحقيق انتفاء التبعيض، من باب نفي الشيء بإثباته، وهو باب معروف في العربية، منه ما يسمُّونه: تأكيد المدح بما يشبه الذم، كقوله:\nولا عيب فيهم ... البيت (^٢).\nفإن ظاهره إثبات العيب، ولكنّ هذا الإثبات جُعِلَ وسيلة إلى تحقيق النفي.\nومنه قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، على جَعْل الكاف أصليَّة. ظاهره إثبات المِثل، والمقصود تحقيق نفيه، كما هو موضَّح في محلِّه.\n_________\n(^١) غير محررة فلعلها ما أثبت، وتحتمل: «كفله»، وكان الشيخ كتب أولًا: «جعله»، ثم ضرب عليها.\n(^٢) هو للنابغة الذبياني في «ديوانه» (٤٤) وتمامه:\nولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهنَّ فلول من قراع الكتائب","vol":"24","page":30},{"text":"ومنه التعليق بالمُحال، كقوله تعالى: ﴿وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف: ٤٠]. فظاهره إثبات دخولهم، والمقصود تأكيد نفيه وكقوله: ... (^١).\nفيقال هنا: إنّ (مِنْ) إذا جُعِلت للتبعيض كان ظاهرها أن منهم من لم يؤمن ولم يعمل الصالحات، ولكنّ الثابت بالسياق انتفاء ذلك، فعُلم أن المراد بهذا الإثبات تحقيق النفي، وتبكيت مَن يزعم أنّ مِن أولئك مَن لا يدخل الجنة.\nومثاله: أن يثبت عند السلطان اشتراك جماعة في الجهاد، فيريد الإنعام عليهم، فيقوم بعض بطانة السوء يطعن في بعضهم ليحرمهم الملك، فيقول الملك: سأُنْعِم على من جاهد منهم ــ وقد علم أن جميعهم جاهدوا ــ. وإنما ملخَّص المعنى: أنه لن يحرم منهم أحدًا، اللهم إلا إن كان فيهم من لم يجاهد، وقد عُلِم أنه ليس فيهم من لم يجاهد، فعُلِم أنه لن يحرم منهم أحدًا البتة.\nومثل هذا يمكن أن يقال في الآية الأولى (^٢). والله أعلم (^٣).\n_________\n(^١) بياض في الأصل مقدار أربع كلمات.\n(^٢) أي في آية المائدة السابقة: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٣)﴾.\n(^٣) مجموع [٤٧١٨].","vol":"24","page":31},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-28>سورة الأنعام</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-29>قوله تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [٢٨]</span>.\nقد يُستبعَد فيمن شاهد أمور الآخرة وقاسى العذاب، أن يكون بحيث لو رُدَّ إلى الدنيا لعاد لِمَا تحقّق عندَه أنه مُوجِب لذلك العذاب الذي شاهده وذاقه.\nوخطر لي جوابان:\nالأول: أنه لو أُعيد إلى الدنيا لكان كالمولود ابتداء، لا يذكر شيئًا مما عرفه وشاهده بعد الموت، ولكن الخبث الذي كان بنفسه في الحياة الأولى يبقى راسخًا فيها، فيسوقه ذلك لزامًا إلى مثل ما جرى له في الحياة الأولى.\nالجواب الثاني: أنه لا ينسى، ولكن ما استقرّ في نفسه من الخبث يجرّه إلى العود إلى الخبائث، ويغالط نفسه ويعلّلها تارة بأنه سيتوب، وتارة بأنه إن مات ثانية على الخبث سأل الإعادة مرّة أخرى، ونحو ذلك من المعاذير.\nوشاهد هذا ما تراه في المجرمين الذين استحكم الإجرام في أنفسهم، يُؤْخَذ أحدهم فيُسْجَن ويعذَّب حتى يجزم هو قبل غيره بأنه إذا خُلِّص من ذلك العذاب فلن يعود إلى الإجرام البتة. ثم تجده إذا خُلِّص لا يلبث أن يعود (^١).\n* * * *\n_________\n(^١) مجموع [٤٧٣٠]. وسيأتي مزيد تفصيل في هذه المسألة في الفوائد العقدية (ص ٩٧).","vol":"24","page":32},{"text":"الحمد لله.\nقال الله ﵎: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ...﴾ [٦٨].\nوقال في آية أخرى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ [النساء: ١٤٠].\nففي المقارنة بين هاتين الآيتين دلالة على أن كل ما خوطب به النبي - ﵌ - فقد خوطب به أمّته. أي إلّا أن يقوم دليل في بعض المخاطبات يدل على الخصوص. والله أعلم.\nوفيها ــ أيضًا ــ دلالة على أن حكاية القرآن للأقوال قد تكون بالمعنى، وإن كان المحكيّ بالعربية (^١).\n* * * *\n\n[المراد بالظلم في قوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾]\nقال الله ﷿: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً﴾ الآيات إلى أن قال: ﴿وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (٨٠) وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ\n_________\n(^١) مجموع [٤٧٣٠].","vol":"24","page":33},{"text":"بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨١) الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢) وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ ..﴾ [٧٤ - ٨٣].\nفبيّنٌ من السياق أن (^١) المراد بالظلم ههنا الشرك؛ لأن الكلام مراجعة من إبراهيم ــ ﵊ ــ لقومه المشركين، فقال: ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ [عَلَيْكُمْ] (^٢) سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.\nوالفريقان: أحدهما: نفسه والذي آمن بالله تعالى ولم يشرك به شيئًا، والفريق الآخر: قومه الذين كانوا مشركين.\nفقوله ــ ﵊ ــ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ يعني نفسَه ومن كان على طريقته.\nفإن قال قائل: فإن قوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يفيد أنهم لم يكونوا مشركين.\nقلتُ: كلا، وإنما يفيد هنا أنهم اعترفوا بألوهية الله ﷿ كما قال تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦]. قال البخاري في كتاب التوحيد (^٣): باب قول الله تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ\n_________\n(^١) تكررت في الأصل.\n(^٢) سقطت في الأصل.\n(^٣) (٩/ ١٥٢ - السلطانية).","vol":"24","page":34},{"text":"أَنْدَادًا﴾ [البقرة: ٢٢]. وقال عكرمة: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾، ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ﴾ و﴿مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥، الزمر: ٣٨] فذلك إيمانهم وهم يعبدون غيره (^١).\n* * * *\nوقوله ﷿: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ [٧٥].\nقوله: ﴿وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ يُضعف التأويل بأن قوله: «هذا ربّي» من باب الاستفهام الإنكاري أو نحوه. ثم قوله: ﴿هَذَا رَبِّي﴾ أراد ــ والله أعلم ــ بالرب هنا المعبود كأنه قال: أمَّا الأحجار هذه فلا تصلح للعبادة، فينبغي أن يُنظر (^٢) فيما هو أرقى منها، فلما رأى الكوكب قال: هذا. فلما أَفَلَ قال: وهذا أيضًا لا يصلح للعبادة لأنه إن عُبِد حين طلوعه فكيف بعد أفوله، ثم هكذا القمر والشمس.\nولكن قوله بعد آيات (^٣): ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ [الأنبياء: ٥١] يحتمل أن يؤيّد التأويل. والله أعلم (^٤).\n_________\n(^١) مجموع [٤٧١١].\n(^٢) يصلح أن يكون: «ننظر»\n(^٣) كذا في الأصل مع أن الآية من سورة الأنبياء.\n(^٤) مجموع [٤٧١٦].","vol":"24","page":35},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-33>سورة الأعراف</span>\nقوله تعالى في أواخر سورة الأعراف: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا ..﴾ الآية [١٨٩].\nقد يحتمل أن يقال: أراد بالنفس الجنسَ، أي الرجل. وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ مِنْهَا﴾ أي من جنسها. وبقيَّة الضمائر للرجل والمرأة المُطْلَقَين. والله أعلم (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-35>سورة الأنفال</span>\nقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣)﴾.\nأما الأولى فظاهر؛ لأن الله ﵎ إذا أراد عذاب أمَّةٍ أخرج عنها نبيَّها ومن معه ثم عذَّبها.\nوأما الثانية؛ فقد قيل وقيل. والأقرب ــ والله أعلم ــ أنها على سبيل الفرض، أي: وما كان الله معذِّبَهم لو كانوا يستغفرون. تأمل السياق (^٢).\n_________\n(^١) مجموع [٤٧١٦].\n(^٢) مجموع [٤٧١٦].","vol":"24","page":36},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-37>سورة التوبة</span>\nقوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ ...﴾ [٦٨] يدلُّ على أن الوعد يستعمل في الشرِّ كما يستعمل في الخير، إلا أن يجاب بأنه في الآية من باب التَهَكُّم، كقوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [التوبة: ٣٤] (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-39>سورة هود</span>\nقوله تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [١١٨ - ١١٩].\nالاستثناء متصل أم منقطع؟\nوالظاهر أنه منقطع، أي: لكن مَن رحم ربك هداهم لِمَا اختلف فيه من الحق بإذنه، بدليل الآية الأخرى. ويمكن أن تجعل «إلَّا» عاطفةً بمعنى الواو. والله أعلم.\nقوله تعالى: ﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ يمكن أن يقال: ولأجل أن يكونوا على حالٍ قابلٍ للاختلاف خلقهم. ويؤوّل بما أُوّل به حديث: «لو لم تُذنبوا ...» (^٢) إلخ (^٣).\n_________\n(^١) مجموع [٤٦٥٧].\n(^٢) أخرجه مسلم (٢٧٤٩) من حديث أبي هريرة.\n(^٣) مجموع [٤٦٥٧].","vol":"24","page":37},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-41>سورة الرعد</span>\nقوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ﴾ [٣٣].\nالباء في قوله: «بما» تحتمل وجهين:\nالأول: أن تكون للمصاحَبة. والمُنَبَّأُ به محذوف، على مثال قوله تعالى: ﴿نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٣].\nوالمعنى: أتنبئون الله بهذا النبأ (أي: أنَّ له شركاء) مع علمٍ عندكم لم يعلمه الله تعالى موجودًا في الأرض عندكم ولا عند غيركم؟ أم مع قولٍ ظاهر، وهو ما سمعتموه من آبائكم؟\nوالثاني: أن تكون الباء لتَعْدية «نَبَّأ». وعليه، فَـ «ما» في قوله: «بما» ليست كناية عن الشركاء؛ لأنه إنما يقال: نَبَّأتُه بكذا وكذا من الأخبار؛ لأن (نبَّأ) بمعنى (أخبر)، فالمنبَّأ به إنما يكون نبأً، أي خبرًا، كقوله تعالى: ﴿نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ﴾ [يوسف: ٣٦]، [﴿أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ﴾ [يوسف: ٤٥]] (^١)، ﴿قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ﴾ [التوبة: ٩٤]، ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ﴾ [التحريم: ٣].\nولا تُعدَّى الباء إلى الذوات، إلا على ضربٍ من المجاز إذا دلَّت عليه القرينة. كما إذا استأذن رجل على أمير فذهب الحاجب فأخبر الأمير ثم\n_________\n(^١) الأصل: «فلما نبأهم بتأويله» سبق قلم.","vol":"24","page":38},{"text":"يرجع إلى المستأذِن، فيقول له: قد أنبأتُ الأمير بك، يريد بوقوفك على الباب مستأذنًا.\nوعلى كلا القولين، فالشيء الذي دلَّت الآية أن الله تعالى لا يعلمه في الأرض ليس هو ذوات الشركاء، بل هو ــ على الأول ــ: العلمُ بكونه تعالى له شركاء. أي أنّ هذا العلم معدوم في الأرض.\nوعلى الثاني: كونه تعالى له شركاء، أي أن هذا الحكم المدَّعى ــ وهو أنه تعالى له شركاء ــ معدومٌ في الأرض.\nفعلى كلا القولين، لا دلالة في الآية أن الشركاء المذكورين (^١) فيها هم في الأرض. فتدبَّر.\nأمَّا المختار، فهو القول الأول في هذه الآية؛ لمكان المعادلة بقوله: ﴿أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ﴾، فلا يستقيم أن يقال: أتُنبئون الله بوجود شركاء أم بظاهر من القول.\nوأما استقامة: أتنبئون الله بعلمٍ أم بظاهر من القول = فواضح.\nفالآية من قبيل قوله تعالى: ﴿نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٣]، وقوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا﴾ [الأنعام: ١٤٨]، وقوله تعالى: ﴿ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الأحقاف: ٤].\n_________\n(^١) سقط الراء من الكلمة في الأصل.","vol":"24","page":39},{"text":"وإنما عدل ــ والله أعلم ــ إلى الموصول فقال: ﴿بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ﴾، ولم يقل: «بعلمٍ»، ليكون السؤال نفسُه مُغنِيًا في إبطال أحد الشِّقَّين عن الإتيان بجملةٍ أخرى لإبطاله. كأنه قال: أتنبئون الله بعلم؟ فالعلمُ لا يعلمه الله تعالى موجودًا في الأرض ....\nوأمّا آية يونس (^١)، فالوجه الثاني هو الظاهر فيها؛ إذ لا معادلة فيها. فالمعنى: أتنبئون الله بأن لكم شفعاء عنده؟ وهو لا يعلم هذا الحكم موجودًا في السماوات ولا في الأرض. ويحتمل أن يكون هناك حذف، والمعنى: أتنبئون الله بوجود ما لا يعلمه في السماوات ولا في الأرض.\nأي: لا يعلم لكم شفعاء كائنين في السماوات ولا في الأرض. وهذا أقرب إلى الظاهر هنا. والله أعلم (^٢).\n_________\n(^١) هي قوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٨)﴾.\n(^٢) مجموع [٤٧٢٩].","vol":"24","page":40},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-43>سورة إبراهيم</span>\nقول الله تعالى: ﴿قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [٣١]. وقوله: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور: ٣٠]. وقوله: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ﴾ [النور: ٣١].\nجزم الفعل بشرطٍ مقدّر، والتقدير: إنْ تَقُل لهم ذلك يقيموا الصلاة. وكذا في الآخرَين. واستشكل بأنّه يقتضي الإخبار بترتّب إقامة الصلاة على مجرد القول، وهو خلاف المشاهَد. وكذا في الآخرَين.\nوأجاب الخُضري في «حواشي ابن عقيل» (^١) بأنّ القول ليس شرطًا تامًّا للامتثال، بل لا بدّ معه من التوفيق. فلم يصنع شيئًا! والإشكال بحاله؛ لأنّه إذا لم يكن القول شرطًا تامًّا، فلِمَ جُعل وحده شرطًا؟\nوعندي أجوبة:\nأحدها: أنّ المراد بالذين آمنوا والمؤمنين= مَن كَمُل إيمانه، أي: أنّ من كَمُل إيمانه لا يقع منه معصية للرسول، بل بمجرّد ما يقول له الرسول: افعل كذا، يبادر بفعله.\nفهذا وإن كان أولى من قول الخضري، إلاّ أنّ فيه نظرًا لعموم الآيات جميعَ (^٢) المؤمنين، ولأنّ كمال الإيمان لا يلزم أن يبلغ إلى درجة العصمة\n_________\n(^١) (٣/ ٦٣).\n(^٢) مفعول للمصدر «عموم».","vol":"24","page":41},{"text":"في غير الأنبياء، ولاسيما عن الصغائر التي منها عدم غضِّ البصر.\nثانيها: أنّ الجزاء في الآيات وإن كان ظاهره العموم، فيحتمل أنّ المراد الغالب. وفيه نظر ــ أيضًا ــ لأنّ فيه إخراجَ الكلام عن ظاهره، ولأنّه إن صحّ في الآية الأولى، لا أظنه يصح في الآيتين الأخريين.\nبل لو قيل: إنّ غالب المؤمنين يتساهلون في عدم غض النظر = لمَا كان بعيدًا.\nوجواب ثالث: وهو أنّ الكلام خرج مخرج تحريض المؤمنين وتحضيضهم على طاعة الرسول - ﵌ -.\nكما إذا كان عندك رجل له ولدٌ مقصِّر في طاعته، فاحتاج الأب إلى شيء، فتقول له ــ بمسمعٍ من ولده ــ: «مُر ولدك يُطعْك»، تريد بذلك تحريض الولد على طاعة أبيه.\nكأنّك تقول له: إنّ طاعتك لأبيك بمثابة الأمر المقطوع بوقوعه، حتى لا يتوهم خلافه. هذا مع أنّك تعتقد في نفسك أنّ الولد قد يطيع، وقد لا يطيع.\nوهذا الجواب ــ فيما يظهر لي ــ بغاية الحُسن، ولله الحمد (^١).\n_________\n(^١) مجموع [٤٧١٩].","vol":"24","page":42},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-45>سورة الحجر</span>\n[إشكال حول إعراب آية والجواب عنه]\n﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٣)﴾.\nجَزْم (يأكلوا) وما بعده على جواب (ذرهم) يقتضي أنه متسبِّب عنه، أي: إنْ تذرهم يأكلوا ... ومفهوم الشرط: إنْ لا تذرهم لا يأكلوا ولا يتمتّعوا ولا يُلههم الأمل.\nوظاهر هذا مشكل؛ إذ كيف يؤمر أن يذرهم مع تيقُّن أنه لو لم يذرهم لم يأكلوا ولم يتمتّعوا ولم يُلههم الأمل، ومعنى هذه الأفعال استمرارهم على الضلال؟ فحاصل المفهوم: إنْ لا تذرْهم لا يستمرّوا على الضلال.\nوالجواب: أن هذا الإشكال إنما يَرِدُ إذا حملنا الترك المأمور به بـ ﴿ذَرْهُمْ﴾ على الترك من الدعاء، وليس كذلك، وإنما المراد الترك من الإهلاك.\nفالمعنى: لا تستعجل هلاكهم، فإنك إنْ لا تستعجل هلاكهم يستمرُّوا على لهوهم وغفلتهم. أي: وإن تستعجل هلاكهم فيهلكوا لا يكن ذلك؛ إذ بعد الهلاك لا أكل ولا تمتّع ولا إلهاء أمل.\nفإن قلت: فالآية مكية، وهي قبل شرع القتال وإمكانه، فكيف يؤمر بترك شيء هو غير متمكن منه؟\nقلتُ: ليس المراد استعجال هلاكهم بأن يقاتلهم، وإنما المراد استعجال","vol":"24","page":43},{"text":"هلاكهم بالدعاء عليهم واستحباب أن ينزل عليهم العذاب. ويبيّن هذا المعنى قولُه تعالى بعدُ: ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ (٤) مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ (٥)﴾.\nفالحاصل أن معنى ﴿ذَرْهُمْ﴾: لا تستعجل لهم العذاب. والمراد بالعذاب: المستأصلُ كالصيحة ونحوها مما عُذِّبت به الأمم، كما يدل عليه ما تقدّم.\nفلا يلزم من النهي عن استعجاله النهي عن القتال. وبهذا تعلم أن الآية محكمة لم تُنسخ بآية السيف كما تُوُهِّم (^١).\n_________\n(^١) مجموع [٤٧١١].","vol":"24","page":44},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-47>سورة النحل</span>\n[تعليقات على عدة آيات]\n* قوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [نحل: ١٢] (^١).\nفي قراءة من قرأ برفع «النجوم» و«مسخرات» سرٌّ لطيف، وهو أن النجوم ليست كلها مسخرة لنا معشر البشر؛ فإن منها ما لا نراه. والله أعلم.\n\n* قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢٠) أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [نحل: ٢٠ و٢١].\nالمتبادر أن قوله: أموات خبر ثان للذين يدعون، أي للمدعوين، أو خبر لمحذوف تقديره: «هم» يعود على المدعوين أيضًا. ولكن المعنى في بادئ النظر يأباه.\nويمكن تصحيحه بحمل قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ على الملائكة. ومعنى كونهم أمواتًا غير أحياء كونهم على الصفة المخالفة للحياة الدائمة الخاصة بالله ﷿. فتأمل.\n* [قوله تعالى]: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (٥٨) يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا\n_________\n(^١) التخريج من الشيخ، وكذا في المواضع الآتية من الفوائد المنقولة من مجموع [٤٧١٦].","vol":"24","page":45},{"text":"سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [نحل: ٥٨ و٥٩].\nهذه الآية صريحة في أنهم كانوا يئدون بناتهم حياء من الناس وخوفًا من العار. وهو المطابق للمنقول عن العرب [في] الجاهلية.\nفأما قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ [أنعام: ١٥١]، وقوله: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾ [إسراء: ٣١] = فلا يلزم منه أن العرب كانوا يفعلون ذلك، وإنما هو نهي مطلق، ولذلك جاء بلفظ الأولاد الشامل للذكور. وهو مظنَّة لأن يفعله بعض الفقراء. وقد ثبت في الصحيح في أكبر الكبائر: «أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك» (^١).\nنعم، لا مانع من أن يكون بعض الفقراء من العرب فعل ذلك.\n\n* قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [نحل: ٧٣].\n﴿شَيْئًا﴾ منصوب على المصدرية، أي شيء من الملك. والله أعلم.\n\n* قال تعالى: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [نحل: ٧٤].\nهذه الآية دامغة لشبه المعارضين للنصوص بالرأي.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٤٤٧٧)، ومسلم (٨٦) من حديث عبد الله بن مسعود ﵁.","vol":"24","page":46},{"text":"ونحوها قوله تعالى: ﴿قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ الآية [البقرة: ٢٧٥]. وقوله تعالى: ﴿أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾ [البقرة: ١٤٠].\n* قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكَاءَهُمْ قَالُوا رَبَّنَا هَؤُلَاءِ شُرَكَاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُو مِنْ دُونِكَ فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [نحل: ٨٦].\nالشركاء هاهنا عقلاء وليسوا بالأصنام.\n* قال تعالى: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٠١) قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (١٠٢) وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (١٠٣) إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ لَا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٠٤) إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾.\nفقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ﴾ الآية ردٌّ عليهم في قولهم: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ﴾ وقولهم: ﴿إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ حيث نسبوا الكذب إلى النبي - ﵌ -. فقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ أي: أولئك القائلون: إنما أنت مفتر. فكأنه قال تعالى: إنما يفتري الكذب هم، أي القائلون تلك المقالة، أي: لا أنت يا محمد.","vol":"24","page":47},{"text":"وفيه وضع الموصول وهو قوله: ﴿الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ ...﴾ موضع المضمر، وهو (هم)، ونكتة ذلك: التقرير أو التوهّم أو الإيماء إلى وجه بناء الخبر؛ فإن عدم إيمانهم بآيات الله مناسب لنسبة الكذب إليهم، كما أن إيمان الرسول بها مناسب لنزاهته عن الكذب.\nوفي قوله: ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي ...﴾ قصرُ قلبٍ؛ فإنهم نسبوا الكذب إلى النبي - ﵌ -، فقلب الله ذلك عليهم بأنْ نفاه عن رسوله - ﵌ - وأثبته لهم. وهو قصر إضافي، أي أن قصر الكذب عليهم إنما هو بالنسبة إلى الرسول - ﵌ -؛ فليس في الكلام تعرُّض لغير الفريقين ــ أعني الرسول - ﵌ - والذين نسبوا إليه الكذب ــ لا بنفي ولا إثبات.\nوبهذا تعلم أنه لا دلالة في الآية على أن الكذب لا يصدر إلا عن كافر. والله أعلم.\nوفي قوله تعالى: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ﴾ [النحل: ١٠٢] دافع لشبهة من يزعم أن قوله تعالى: ﴿قل يا عباد﴾ يدل على أن الناس عباد للنبي - ﵌ - (^١).\n\n* قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ ظهر لي فيه ثلاثة أوجه:\nالأول: أن المراد الكذب على الله تعالى بقرينة السياق.\n_________\n(^١) مجموع [٤٧١٦].","vol":"24","page":48},{"text":"الثاني: أن المراد بالذين لا يؤمنون بآيات الله قوم مخصوصون من المشركين، وهم الذين رموا النبيَّ - ﵌ - بالكذب، كما دل عليه السياق، فقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي ...﴾ إلخ من باب الحصر الإضافي؛ لأنهم رموا النبي - ﵌ - بالكذب فأجاب الله تعالى عليهم بحصر الكذب فيهم، أي بالنسبة إلى رسوله، وهذا من باب حصر القلب، فهُم رموا النبي - ﵌ - بالكذب ويزعمون أنهم صادقون، فردَّ الله تعالى عليهم بما يقتضي أن نبيه - ﵌ - صادق وأنهم هم الكاذبون، وجعل المُظْهَر في مقام المُضْمَر في قوله: ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ للتصريح بذمهم، والإشارةِ إلى العلة التي تقتضي افتراءَهم للكذب، فيكون في الكلام إيراد دليل على قلب قولهم.\nالثالث: أننا نسلِّم بقاء الآية على ظاهر العموم والإطلاق، ولكن هذا لا يقتضي أن كلَّ من افترى الكذب كافر، وإنما يقتضي أن افتراء الكذب هو من الأخلاق التي عُرِفَ بها الكفار، وهذا كما لو قيل لرجل: سمعنا أنك كنت تتخذ خِمارًا، فيجيب بقوله: إنما يتخذ الخمار النساء، أي أن الخِمار من الألبسة التي عرفت بها النساء، فكيف ألبسه وأنا رجل؟ ! ومُحال أن يقال: إن مَن لبس الخِمار صار امرأة. نعم، هذا القول يدل أن من لبس الخمار صار متشبهًا بالنساء. وكذا يقال في الآية: إن من كذب وهو من المسلمين متشبِّهٌ بالكفار.\nوالبحث مفتقر إلى تحقيق، وإنما علقتُ هذا هنا تقييدًا حتى أنظر التفاسير إن شاء الله وأشرح ما يظهر لي. والله الموفق (^١).\n_________\n(^١) مجموع [٤٦٥٧]. وهذه الفائدة علقها الشيخ مرتين في دفترين مختلفين فسقناهما معًا للفائدة التي تضمنها كل منهما.","vol":"24","page":49},{"text":"* في مصحف الحكومة المصريّة قُبَيل سورة النحل أنها مكيّة إلا الآيات الثلاث الآخرة.\n\nوقد يَرِدُ عليه الآية (١١٠) قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (^١).\n* * * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-57>[توجيه عدم ذكر ميراث الجد في القرآن]</span>\nالحمد لله.\nقال الله ﷿: ﴿وَنَزَّلْنَا (^٢) عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [٨٩] أي من الأحكام، فأين حكم ميراث الجد فيه؟\nالجواب: أن حكم الجد في القرآن يحتمل وجوها:\n١ ــ أن يكون قوله ﷿: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ﴾ أراد بالأب فيه كلَّ رجل يتصل به سلسلة النسب فيتناول الجدّ.\n٢ ــ أن يكون الجد داخلا في قوله ﷿ ... (^٣).\n_________\n(^١) مجموع [٤٧١٦].\n(^٢) في الأصل: ﴿وأنزل﴾ سبق قلم.\n(^٣) بعده بياض في الأصل. مجموع [٤٧١١].","vol":"24","page":50},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-58>سورة الحج</span>\n[بحث حول اليوم الذي مقداره ألف سنة]\nقال الله ﷿ في سورة الحج: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (٤٧)﴾.\nوفي آلم السجدة: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (٥)﴾.\nوفي المعارج: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ (١) لِلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ (٢) مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ (٣) تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (٤) فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا (٥) إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ﴾ أي العذاب ﴿بَعِيدًا (٦) وَنَرَاهُ قَرِيبًا (٧) يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ (٨) ...﴾\nيظهر لي أنه ليس المقصود من هذا اليوم يوم القيامة، وإنما المقصود تصويرُ حِلْم ربنا ﷿ وعدم استعجاله، وأنه ليس كالخلق في الاستعجال واستطالة الزمان، كما يقول الناس في الرجل البعيد الآمال، البطيء الأعمال، القليل الاستعجال: «يومه سنة».\nوعلى هذا، فلا منافاة بين قوله: ﴿أَلْفَ سَنَةٍ﴾ وقوله: ﴿خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾؛ لأن المقصود تصوير عدم الاستعجال، لا حقيقة المقدار.\nولَمّا كان الاستعجال في سورة المعارج من النبي - ﵌ - كما يدل عليه","vol":"24","page":51},{"text":"قوله: ﴿فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا (٥)﴾ ومن الكفار أيضًا، بدليل قوله: ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا (٦) وَنَرَاهُ قَرِيبًا (٧)﴾ = ناسب تأكيد تصوير الحِلْم، فقيل: ﴿خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾.\nوفي الموضعين الآخرين، لم يكن الأمر كذلك، فاكتُفي بألف سنة.\nوعلى كل حال، فخصوص المقدار غير مراد.\nوقد يلوح للناظر أن المراد بيان مقدار ما تقطعه الملائكة في عروجهم في اليوم من أيامنا. ولكن عند التأمل يتبين ضعف هذا الوجه. والله أعلم.\nوقد ثبت في «الصحيح» (^١) وصف يوم القيامة بأنه ألف سنة، وذلك لا ينافي ما قلناه. والله أعلم (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-60>سورة المؤمنون</span>\nالمؤمنون: ﴿وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (٢٧)﴾.\nو﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾، أي: مِن أَهلِك. والله أعلم (^٣).\n_________\n(^١) الذي في «صحيح مسلم» (٩٨٧) وغيره من حديث أبي هريرة وَصْف يوم القيامة بكونه «خمسين ألف سنة» في ثلاثة مواضع من الحديث.\n(^٢) مجموع [٤٧٢٧].\n(^٣) مجموع [٤٧٢٧].","vol":"24","page":52},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-62>سورة النور</span>\nالحمد لله.\n\nقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥)﴾.\nإن قلنا بما عليه الشافعية وغيرهم أن الاستثناء الواقع بعد جُملٍ يعود إلى الجميع ما لم يمنع منه مانع، لزم هنا أن يعود إلى الجَلْد، ولا أعلم منه مانعًا.\nوإن قلنا برأي الحنفية وغيرهم أنه يعود إلى الأخيرة، فقد يقال: إن الأخيرة هنا هي قوله: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾.\nفأما قوله تعالى: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ فإنما هي كالتذييل والتكميل والتعليل للتي قبلها؛ كأنه بيَّن علَّة عدم قبول شهادتهم، وهي (^١) كونهم فاسقين.\nأو يقال: هي استثناء من قوله: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ لكن الاستثناء منها دلَّ على الاستثناء من التي قبلها؛ لأن الاستثناء من الاتِّصاف بالعلة يدلُّ على الاستثناء من الحكم المبنيِّ عليها (^٢).\n* * * *\n_________\n(^١) في الأصل: هم، سبق قلم.\n(^٢) مجموع [٤٧١٦].","vol":"24","page":53},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-64>قوله تعالى: ﴿حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾ [٢٧]</span>.\nيظهر لي أنّ بين الاستئناس والسلام مغايرةً ما، وقد يتّحدان.\nفالاستئناس ــ وهو الاستئذان ــ مطلوب، مع قطع النظر عن كونه بالسلام أو بغيره.\nوالسلام مطلوب، مع قطع النظر عن كونه استئذانًا أو غيره.\nوعلى هذا، فمن استأذن بالسلام، فقد جاء بالأمرين معًا، ومن استأذن بغير السلام لزمه السلام.\nوحينئذ لا وجه لقول من زعم أنّ السلام قبل الاستئذان؛ لأنّه إذا سلّم فقد استأذن. وكأنّه بناه على أنّ الاستئذان إنّما يكون بنحو: «أيدخل فلان؟».\nوليس بلازم، بل الاستئذان هو طلب الإذن بأي صورة كان، ولا يخفى أنّ هذا يحصل بالسلام مع معونة القرائن.\nفإن قلت: فَلِم لم يَقتصر في الآية على بيان الاستئذان، ويُوكل ذِكْرَ السلام إلى الأدلة العامة؟\nقلتُ: هذا السؤال غير وارد؛ لأن تكرار الأوامر عند وجود مناسبة لا غرابة فيه.\nومع ذلك، فكأنَّه إشارة إلى استحباب أن يكون الاستئذان بلفظ السلام؛ لأنّ المخاطب يقول: إذا شُرع لي الاستئذان، وشُرع لي السلام، فالأولى أن أؤديهما معًا. والله أعلم.\nومعنى الاستئناس: طلب الإيناس، كالاستفهام: طلب الإفهام،","vol":"24","page":54},{"text":"والاستخبار: طلب الإخبار، والاستعلام: طلب الإعلام.\nوفي حديث عمر في قصة إيلاء النبي - ﵌ - (بخاري (^١)، في باب موعظة الرجل ابنته لحال زوجها - كتاب النكاح -): «ثم قلت وأنا قائم أستأنس: يا رسول الله! لو رأيتني وكنا معشر قريش نغلب النساء» إلخ.\nوالإيناس المطلوب: إمّا أن يكون من قولك: «آنسني»، أي جعلني آنس، ضد الوحشة. وإمّا من «آنسني»، أي آنَسَ صوتي، أي سمعه (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-65>سورة القصص</span>\n[بعض الأحكام من قصة موسى مع شعيب ﵉]\nالاستدلال على جواز أخذ الأب شيئًا في مقابل إنكاح ابنته بقوله تعالى حكايةً عن نبيِّه شعيب في خطابه لنبي الله موسى ﵇: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾.\nولا دليل في قوله: ﴿فَإِنْ أَتْمَمْتَ (^٣) عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ﴾ وقول موسى ﵇: ﴿أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ﴾ على جواز العقد في الإجارة على إحدى مدتين؛ لأن العقد إنما هو مشروط على الثمان الحجج، ثم قال: ﴿فَإِنْ\n_________\n(^١) (٢٤٦٨)، وهو في مسلم (١٤٧٩).\n(^٢) مجموع [٤٧١٩].\n(^٣) في الأصل: «أكملتَ» سهو، وكذا في الموضع الثاني.","vol":"24","page":55},{"text":"أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ﴾ أي زيادةَ فضلٍ غيرَ داخلٍ في شرط الإجارة، فقال موسى: ﴿أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ﴾ أي قبلتُ الإجارة كما ذكرتَ على الثماني حجج بشروطه، ثم إن تيسر لي زيادة حجتين فهو خير، وإلا فلا عدوان علي، فلم يَعِدْه بزيادة الحجتين. والله أعلم (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-67>سورة العنكبوت</span>\n﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا﴾ [١٧]، يريدُ ــ والله أعلم ــ: إن معبوداتكم لا يوجد منها إلا تماثيلها هذه التي اتخذتموها، كقوله تعالى: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا﴾ [النجم: ٢٣]، أي لا يوجد منها إلا هذه الأسماء (^٢).\n* * * *\nقال الله ﷿: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ (١٠) وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ (١١)﴾.\nيظهر أن قوله: ﴿جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ معناه: أنه يتّقي أذى الناس كما يتقي عذاب الله، أي أنهما سواء عنده، فهو يتذبذب، فتارة يميل\n_________\n(^١) مجموع [٤٦٥٧].\n(^٢) مجموع [٤٧٢١].","vol":"24","page":56},{"text":"إلى اتقاء هذا، وتارة إلى اتقاء ذاك. أي تارة يُقدِم على معصية الله خوفَ أذى الناس، وتارة يكفّ عنها خوف عذاب الله.\nفإذا كان هذا هو المعنى، فسياق الآية يقتضي أن من ظهر للمؤمنين أن هذه حالُه كان عندهم على الاحتمال، لا يدرون أمؤمنٌ ضعيف أم منافق؟\nفإن قيل: كيف يَحتمِل أنه مؤمن، والمؤمنُ لا يشك أن عذاب الله أشد من أذى الناس، فكيف يستويان عنده؟\nقلت: قد يجاب بأن الاستواء إنما هو بمقتضى ظاهر الحال من اتقائه هذا تارة وذاك أخرى، فأما في نفس الأمر فيحتمل أن يكون موقنًا بأن عذاب الله أشد من أذى الناس، ولكنه ضَعُفَ عن تحمُّل الأذى، ورجا عفوَ الله.\nوقد قال الله ﷿: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦].\nوعلى هذا، فالآية تدل على أن تلك الحال مذمومة لا تنبغي للإنسان، وإن لم تكن قاطعة الدلالة على عدم إيمانه.\nويستثنى من ذلك الإقدامُ على ما لا يترتب على فعله مفسدة من المعاصي عند تحقُّق الإكراه. وذلك كإظهار كلمة الكفر مع اطمئنان القلب بالإيمان.\nوقد يقال: إنما المعنى أنه يتّقي أذى الناس كما يتقي المؤمن عذاب الله. وأقول: هذا مع مخالفته للظاهر، يردُّه سياقُ الآية ولا حاجة إليه مع ما مرّ (^١).\n_________\n(^١) مجموع [٤٧٢١].","vol":"24","page":57},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-70>سورة الأحزاب</span>\n[بحث في آية التطهير]\nالحمد لله.\nقد أطال السيد (^١) في تخريج حديث التطهير وشرحه، وقطع بأن الآية ليست خاصة بأمهات المؤمنين. وأصاب بذلك؛ فإن اللفظ والمعنى في الآية يدفع ذلك. أما اللفظ فلتذكير الضمائر وقولِه: «أهلَ البيت» على الاختصاص. ولو كانت خاصة لهُنَّ لقال: إنما يريد الله ليذهب عنكنَّ الرجس ويطهركنَّ.\nوأما معنًى، فلأن أهل البيت له استعمالان، أحدهما: أن يُراد به بيت السُّكْنى كما هو الحقيقة، والآخر: بيت النسب على سبيل المجاز. والأصل أن المراد الحقيقة أي أهل بيت السكنى، فإنه يشاركهن في ذلك غيرهن.\nوإن قيل: إن المراد المجاز أي أهل بيت النسب، فإنهن لسن منه رأسًا باعتبار بيت النسب القريب كبني هاشم؛ إذ هو المفسَّر به أهل بيت نسبه - ﷺ - في كثير من المواضع.\nوأيضًا فإن ذلك الحديث الصحيح ظاهر في عدم اختصاص الآية بهنَّ. وقد تردّد السيد بين أن يجزم بأن الآية خاصة في أهل الكساء، وأن يسلِّم بأنها مشتركة ثم مال إلى الثاني أو كاد.\n_________\n(^١) هو «السيد حسين العلوي الدمشقي الحنفي» كما جاء مصرَّحًا به في بعض الفوائد الأخرى.","vol":"24","page":58},{"text":"قال في (ص ٣٠٥ ج ٢) بعد نقله كلامًا عن السيوطي:\n«والفرق بين ما ذكره السيوطي والآية بوجهين» فذكر الأول ثم قال: «الثاني: إن دخول الأزواج الطاهرات هنا تبعي» إلخ.\nوقد مرَّ أن لفظ أهل البيت يطلق حقيقةً في أهل بيت السكنى ومجازًا في أهل بيت النسب. والمراد بأهل بيت السكنى أهله الذين هم في حال الخطاب معدودون من سُكانه فيخرج الأُجراء و[...] (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-72>سورةالصافات</span>\nقول الله تعالى في نوح ﵇: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾ [الصافات: ٧٧] دليل على بطلان زعم بعض أمم الأرض أنهم من ذرية غيره وأن الطوفان لم يعمّ المعمورة. والله أعلم (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-74>سورة ص</span>\n[بحث في معنى دعوة سليمان]\nفي حديث «الصحيحين» (^٣) في أخذه - ﵌ - للعفريت الذي أراد أن\n_________\n(^١) هنا توقف قلم الشيخ. مجموع [٤٦٥٧]. وانظر الرسالة السابعة من رسائل المؤلف في التفسير (ص ٢٢٦ وما بعدها).\n(^٢) مجموع [٤٦٥٧].\n(^٣) البخاري (٣٤٢٣) من حديث أبي هريرة، ومسلم (٥٤٢) من حديث أبي الدرداء.","vol":"24","page":59},{"text":"يقطع عليه صلاته فأمكنه الله منه فأراد (^١) أن يربطه، قال: «فذكرت دعوة أخي سليمان: رب هب لي ملكًا لا ينبغي لأحد من بعدي» (^٢).\nقال في «حواشي المشكاة» (^٣) نقلًا عن «اللمعات»: «قال: المراد بدعوته: (رب هب لي ملكًا لا ينبغي لأحد من بعدي)، ومن جملته تسخير الريح والجن والشياطين، وهو مخصوص بسليمان ﵇، فيلزم عدم إجابة دعائه، فتركه ليبقى دعاؤه محفوظًا في حقه، ونبينا - ﵌ - كان له القدرة على ذلك على وجه (^٤) الأتم والأكمل، ولكن التصرف في الجن في الظاهر كان مخصوصًا بسليمان، فلم يظهره - ﵌ - لذلك (^٥)، فافهم.\nوقيل: يمكن أن يكون عموم دعاء سليمان ﵇ مخصوصًا بغير سيد الأنبياء - ﵌ - بدليل إقداره على أخذه ليفعل فيه ما يشاء، ومع ذلك تركه على ظاهره رعاية لجانب سليمان».\nأقول: أما أنا فأرى هذا خبطًا، وأبدأ بتحقيق معنى دعوة سليمان ﵇، فإن أكثر الناس يغلطون فيها فينسبون إليه الشحَّ والبخلَ على عباد الله بمواهب الله. وهذا جهل منهم، وبيانه يستدعي تقديم ضرب مثل، فأقول:\nملك يقسم دنانير، فجاءه رجل فقال له: أعطني نصيبًا من هذه الدنانير\n_________\n(^١) طمس على أول الكلمة، ولعله ما أثبت.\n(^٢) إشارة إلى آية (٣٥) من سورة ص ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾.\n(^٣) (ص ٩١). و«حواشي المشكاة» لأحمد علي السهارنفوري (ت ١٢٩٧). والنقل فيها عن «لمعات التنقيح»: (٣/ ٢٣١) لعبد الحق الدهلوي (ت ١٠٥٢).\n(^٤) كذا في الأصل تبعًا «للحواشي» و«اللمعات».\n(^٥) في «الحواشي» و«اللمعات»: «لأجل ذلك».","vol":"24","page":60},{"text":"ثم لا تعط أحدًا مثل ما أعطيتني، وجاءه آخر فقال له: أعطني نصيبًا لا يصلح أن تعطيه أحدًا من بعدي، هل تستوي الكلمتان؟\nكلا، فالأول طلب نصيبًا ما، ومع ذلك سأل الملك أن لا يعطي أحدًا بعده مثله. فظاهر أن مراده الفخر بأن الملك أعطاه أكثر من غيره، وهو لا يبالي مع ذلك أن يعطيه كثيرًا أو قليلًا، وإنما همه أن يكون أكثر من غيره.\nوالثاني طلب نصيبًا جزيلًا بحيث لا يصلح لأحد بعده أن يُعطَى مثله، ومراده أن الملك عالم بما يصلح للناس من الأعطية فطلب أن يكون عطاؤه كثيرًا جدًّا بحيث لا يمكن أن يُعطي أحدًا بعده إلا أقل منه. فهَمُّ هذا إنما هو في كثرة العطاء، ومع ذلك لا يريد من الملك أن ينقص أحدًا من الناس عن مستحقه. وبيانه بوجه آخر:\nأنه لو فرض أن أعطيات الناس كانت من ألف فأقل، فإن الأول إذا أُعطي عشرةً وأُعطي غيرُه من تسعةٍ فأقل لكان قد حصل مطلوبه، وهو أن يكون أكثر من غيره، فيفتخر بذلك.\nوالثاني بخلافه، فإنه يقول: إن الأعطية التي تنبغي للناس من ألف فنازلًا، فأطلب أن يُعطَوا ذلك، ثم أُعطَى أكثر من نصيب الأكثر منهم.\nوالحاصل أن الأول أراد الافتخار، والثاني أراد الاستكثار. فسليمان ﵇ هو من الباب الثاني، فلم يطلب من الله ﷿ أن لا يعطي المُلْك أحدًا من الناس أو نحو ذلك، بل عَلِمَ أن الله ﷿ عالم بمقادير العطايا التي سيعطيها من المُلك إلى يوم القيامة، وما ينبغي لكل أحد منه كما اقتضت حكمته وإرادته، فسأله أن يعطيه ملكًا عظيمًا كثيرًا بحيث لا ينبغي","vol":"24","page":61},{"text":"مثله لأحدٍ من بعده، يريد بحيث يكون أكثرَ مِن أكثر ما علم الله ﷿ أنه سيعطاه مَلِكٌ إلى يوم القيامة. فلم يسأل من الله ﷿ أن لا يُعطي أحدًا بعده، وإنما سأله أن يعطيهم ما قد سبق في علمه أن يعطيهم مما علم أنه لا مزيد عليه، وسأله لنفسه أن يعطيه أكثر من أكثرهم، فتأمل هذا موفَّقًا.\nثم اعلم أن دعوة سليمان بهذا المُلك الذي لا ينبغي لأحد من بعده، إنما هو من حيث الإجمال، أي بحيث إذا قيس مُلكُ أكبر مَلِكٍ ممن يجيء بعده بملكه لكان ملكه أكثر، ولم يُرِد التفصيل، فلو سَخَّر الله الريح لغيره دون غيرها لما لزم من ذلك تبيُّن عدم الاستجابة له، ولا يتحقق ذلك إلَّا لو أعْطَى الله أحدًا مِن الخلق مثل ما أَعْطَى سليمان جميعًا، ولكن لما كان من غرائب مُلك سليمان التسليط على الجن، رأى النبيُّ - ﵌ - أن يدع تلك الواقعة التي كان أرادها من حبس ذلك، لا لأنها تستلزم تبيُّن عدم الإجابة، ولا لأنها تستلزم تبيُّن التخصيص، بل لأن التسليط على الجن من غرائب ما أوتيه سليمان، فظهور تسليط غيره عليهم مما يوهم الناس عدمَ استجابة دعوته، فَترَكَه - ﵌ - خشية الإيهام.\nأو يقال: إن النبي - ﵌ - لمَّا علم أن الله استجاب دعوة سليمان فأعطاه ملكًا كبيرًا لا يمكن أن يعطي أحدًا مثله، رأى أن طريق الأدب مع ربه ﷿ ومع أخيه سليمان أن لا يتصرف فيما هو من غرائب ذلك المُلك؛ لأنه لما كان من غرائب ذلك المُلك كان كأنه من خصوصياته، وخصوصياتُه كالجزء المهم منه، فإذا أمكنت لغيره كان كأنه لم يُستجب له. والله أعلم.\nومما يبين هذا أنه قد وقع إمساك بعض الجن لبعض أفراد الأمة، كما في حديث أبي هريرة في إمساكه للجنِّيِّ الذي جاء يحثو من صدقة الفطر","vol":"24","page":62},{"text":"التي كانت لديه. وهو في «الصحيح» (^١) (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-76>سورة الشورى</span>\nقوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ (٣٢) إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (٣٣) أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ (٣٤) وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ (٣٥)﴾.\nاختُلِف في توجيه النصب في قوله: ﴿وَيَعْلَمَ﴾. والصواب أنّ الواو للمعيَّة، و(يعلم) منصوب بـ (أن) مضمرة بعد الواو.\nوالمراد بالإيباق ــ والله أعلم ــ الحبسُ كما فسره به جماعة.\nوليس المراد ــ والله أعلم ــ مطلق الحبس، فإنَّ ذلك قد مرَّ في قوله: ﴿يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ﴾، بل الحبس في الشدَّة من قولهم: وَبَقَت الإبلُ في الطين، إذا وحلت فنَشِبَت. والمعنى: يحبسهنَّ في الموج المضطرب.\nوقوله تعالى: ﴿وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ﴾ أي ــ والله أعلم ــ يُنْجِيهنَّ من الغرق. وقوله: ﴿وَيَعْلَمَ﴾ يقع ما ذكر من الحبس والعفو مع علم الذين يجادلون في الآيات ما لهم من محيص، أي من الغرق، كما في قوله تعالى: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ﴾.\n_________\n(^١) البخاري (٢٣١١).\n(^٢) مجموع [٤٦٥٧].","vol":"24","page":63},{"text":"أو يُقال ــ ولعلَّه الأَولى ــ: إن المجادلين في آيات الله جميعًا يعلمون حينئذٍ، أي حين وقوع السُّفن في الطوفان ما لهم من محيصٍ، أي أنهم هالكون ما دامُوا على جدالهم. نَزَّل علمَ مَن في السفن بِمَنْزِلة علم المجادلين جميعًا؛ لأنه ما مِن أحدٍ من المجادلين إلَّا وقد وقع له مثل هذه الواقعة أو بَلَغَتْه، وهي سبب للعلم بأنهم في جدالهم في آيات الله على غير هدى، لأن أهل السفن وقت الطوفان لا يدعون إلَّا الله تعالى كما قال تعالى: ﴿ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ﴾، وفي آية أخرى: ﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ أي: الدعاء (^١).\n* * * *\n\nقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣٨)﴾.\nممّا يؤيِّد دلالتها على أن الخلافة شورى كونه جاء بذلك بعد الإيمان والصلاة، وقبل الزكاة. تأمَّل (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-79>سورة الواقعة</span>\n* <span data-type=\"title\" id=toc-80>[قوله تعالى]: ﴿وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ (٢٩)﴾</span>.\nالطلح معروف، وهو شجر شائك، والمنضود: المصفّف المرتّب.\nوالطلح كغيره من الشجر، إذا كان منضودًا كان فيه جمال لا يخفى،\n_________\n(^١) مجموع [٤٧٢٤].\n(^٢) مجموع [٤٧١٨].","vol":"24","page":64},{"text":"ولكن سائر الأشياء الأخروية ليست كأشباهها في الدنيا من كل وجه، بل ما كان في الدنيوية من نقص وعيب فهو منتفٍ عن الأخروية، وما كان في الدنيوية من كمال وجمال ونعيم ولذة فهو موجود في الأخروية على وجه أكمل وأتمّ.\nفالطلح الأخروي لا شوك له، ولا غير ذلك ممّا هو نقص.\nوللطلح الدنيوي ثمر معروف يأكله الناس إذا كان غضًّا.\nولا مانع أن يكون للطلح الأخروي مثل ثمر الطلح الدنيوي في الشكل، مع انتفاء النقص. أعني أن يكون بين الثمرين من التشابه كما بين الشجرين. وسبب النزول يعيّن ما قلناه.\nفأمّا تفسيره بالموز، فلم يثبت به نقل لازم، ولا وجه له في العربية، ولا في السياق، وسبب النزول يردّه. والله أعلم.\n\n* <span data-type=\"title\" id=toc-81>[قوله تعالى]: ﴿فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩١)﴾</span>.\nأي: فيقال له: سلام لك، أنت من أصحاب اليمين.\nوهكذا (^١) كقوله تعالى: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣] (^٢).\n_________\n(^١) كذا في الأصل، ولعله سبق قلم والصواب: «وهذا».\n(^٢) مجموع [٤٧١٩].","vol":"24","page":65},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-82>سورة الحديد</span>\nقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ﴾ [٢٥].\nاستُشكل التعبير بـ (أنزلنا)، فزعم بعض الناس أن المراد بالحديد القرآن، لأن فيه شدة على الكفار والفسَّاق. وزعم أن قوله تعالى في داود: ﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾ [سبأ: ١٠] المراد بالحديد فيه الكتاب أيضًا.\nوربما تَوَلَّدُ شبهته هذه بما ورد في «الصحيح» (^١) أن القرآن خفِّف على داود حتى كان يأمر بإسراج خيله ويشرع في القراءة فما تُسرج حتى يتمَّ القرآن. أو كما قال.\nويذهب بعضهم في الآية الأولى إلى أن الإنزال على حقيقته، والحديد على حقيقته. وقد ذكر أهل الهيئة أن الأرض في بعض أدوار تكوُّنِها نزلت إليها المعادن من حديد وغيره ذائبةً على صفة المطر وتسرَّبت في شقوقها.\nوالحقُّ أن الإنزال في هذه الآية مثله في قوله تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ﴾ [الأعراف: ٢٦]، وقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ﴾ [الزمر: ٦].\nفالحديد واللباس والأنعام إنما تكوَّنت بأمر الله ﷿. وأمر الله ﷿ ينزل من فوق سبع سماوات حقيقةً.\n_________\n(^١) البخاري (٣٤١٧) من حديث أبي هريرة ﵁.","vol":"24","page":66},{"text":"ويدفع شبهة من قال إن المراد بالحديد القرآن، أن القرآن قد ذُكر قبل هذه الآية. قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢٥)﴾.\nوفي التعبير بالإنزال هنا إشارة إلى أن خلْق الله ﷿ الحديدَ من جنس إنزال القرآن، أي أنه أُريدَ به إقامة الدين، وسياق الآية يوضِّح ذلك، أي أنَّ مَنْ لم تُفِد فيه بَيّناتُ الرسل والكتاب، أفاد فيه الحديد، ولذلك قال ﷿: ﴿... وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ﴾. وهذا ظاهر بحمد الله.\nفأما آية داود فالأمر فيها أظهر، لقوله ﷿ عقبها: ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾. وجاء في الأحاديث ما يؤيِّد ذلك، وهو معروف أيضًا من التاريخ. وقد يقال: إنه متواتر.\nوأشعار العرب في الجاهلية مستفيضة في نسبة الدروع إلى داود ﵇. وما صحَّ من تخفيف القرآن عليه، شيء آخر. والله أعلم (^١).\n_________\n(^١) مجموع [٤٧١١].","vol":"24","page":67},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-84>سورة الحشر</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-85>الفيء في سورة الحشر</span>\nظاهر السياق وعدم الوصل بين الجملتين أنّ قوله تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ الآية مبيّن لما قبله، فالآيتان كلاهما (^١) في الفيء. ولكن في حديث البخاري (^٢) عن عمر أنّ النبي - ﵌ - كان يجعل الفيء في المصالح العامة بعد أن يأخذ منه نفقة سنته. فظاهره أنّه كان مختصًّا به.\nوعلى هذا، فالذي يظهر: العملُ بالحديث وحمل قوله تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ الآية، أنّها في الغنائم، ويُترك ظاهر السياق؛ لأنّ ظاهر الحديث أظهر في الدلالة.\nنعم، إن صحّ ما ذكره الشافعي (^٣) ــ ﵀ ــ أنّ النبي - ﵌ - كان يعطي كلًّا من الأربعة الأصناف خُمسَ الخُمسِ من الفيء (^٤)، كان مبيّنًا للآية ولحديث عمر، وبه تتفق الأدلة. والله أعلم (^٥).\n* * * *\n_________\n(^١) كذا في الأصل، والوجه: «كلتاهما».\n(^٢) (٣٠٩٤).\n(^٣) في «الأم»: (٥/ ٣٤١ - ٣٤٢).\n(^٤) أخرجه أبو داود (٢٩٨٣)، والحاكم: (٢/ ١٢٨)، والبيهقي: (٦/ ٣٤٣) من حديث علي وصححه الحاكم.\n(^٥) مجموع [٤٧١٩].","vol":"24","page":68},{"text":"[تفسير<span data-type=\"title\" id=toc-86> قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [٧]]</span>\nحديث ابن مسعود في لعن الواصلة وغيرها.\nوفيه أن الإيتاء في قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ عام لا خاص بالفيء، ويُبعده أن الإيتاء حقيقة في الإعطاء، وهو أنسب بالفيء ولاسيما مع دلالة السياق، وقولِه: ﴿فَخُذُوهُ﴾ (^١)؛ إذ هو حقيقة في الأخذ المحسوس.\nويجاب عنه بأن مقابلته بالنهي قرينة صارفةٌ عن الحقيقة مُعيِّنَةٌ أن يكون ﴿آتَاكُمُ﴾ بمعنى: أمركم، وخذوه بمعنى: فامتثلوا، وفيه نظر (^٢).\nعن عبد الله بن مسعود قال: «لعن الله الواشمات والمستوشمات، والمتنمِّصات، والمتفلِّجات للحُسْن المغيراتِ خلقَ الله». فجاءتْه امرأةٌ فقالت: إنه بلغني أنك لعنتَ كيتَ وكيت، فقال: ما لي لا ألعن مَن لعن رسولُ الله - ﷺ -، ومن هو في كتاب الله؟ فقالت: لقد قرأت ما بين اللوحين فما وجدتُ فيه ما تقول! قال: لئن كنتِ قرأتيه لقد وجدتيه، أَمَا قرأتِ: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾؟ قالت: بلى. قال: فإنه قد نهى عنه. متفق عليه. اهـ. «مشكاة» في الترجّل (^٣).\n_________\n(^١) في الأصل: «فخذوا».\n(^٢) أشار المؤلف إلى أن بقية الكلام على الحديث ستأتي (ص ٨٢) وهو ما أثبتناه هنا.\n(^٣) (٢/ ٥٠٥). والحديث أخرجه البخاري (٤٨٨٦).","vol":"24","page":69},{"text":"وهو صريح في أن ابن مسعود يرى أن قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ عام في كلِّ شيء، مع أن السياق يقتضي أنه خاص بالفيء، ولاسيما والإيتاء والأخذ يناسبان ذلك، لأنَّ حقيقة الإيتاء: الإعطاء الحسِّي، والأخذِ: الأخذُ الحسِّي.\nومما يدل على العموم مقابلة الإيتاء والأخذ بالنهي والانتهاء.\nفيقال: لو أراد الإيتاء والأخذ الحسِّيَّين لقابلهما بالمنع والامتناع بأن يقول: وما منعكموه فامتنعوا.\nوقد يقال: إن المراد: وما نهاكم عن أخذه بغير إذن أو عن سؤاله إياه.\nولا يصح أن يقال: لعل ابن مسعود لا يرى العموم في الآية وإنما استدلاله بها على سبيل القياس، أي إذا ثبت وجوب طاعته في خصوص الفيء بأخذ ما آتى والانتهاء عما نهى عنه فيقاس على ذلك بقية الأشياء؛ وذلك أن هذا القياس ضعيف، ولا حاجة للتمسك به مع وجود نصوص القرآن الصريحة.\nوالمقصود فهم الآية على حقيقتها، فأما الأمر باتباع الرسول وطاعته والانتهاء عما نهى عنه في كل شيء، فهو أمر ثابت مقرر، قال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠]، وقال ﷿: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١]، وقال جل ذكره: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥] (^١).\n_________\n(^١) مجموع [٤٦٥٧]. وانظر الرسالة السابعة من رسائل المؤلف في التفسير.","vol":"24","page":70},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-87>سورة التغابن</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-88>[وجه تسمية يوم القيامة يوم التغابن]</span>\nقوله: ﴿يَوْمُ التَّغَابُنِ﴾ [٩].\nكأنّه ــ والله أعلم ــ لأنّ القصاص يوم القيامة يكون بالحسنات، فالذي ظَلم في الدنيا درهمًا يؤخذ منه بدله يوم القيامة جانبٌ من حسناته. لو وَجَدَ سبيلًا إلى شرائه لاشتراه بما طلعت عليه الشمس. فأيُّ غبن أعظم من هذا؟ والله أعلم (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-89>سورة الملك</span>\n* <span data-type=\"title\" id=toc-90>[قوله تعالى]: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا ...﴾ [١٥]</span>.\nالمَنْكِب: مكان النكوب. وجوانب الأرض كلها مناكب، أي يُنكب إليها، أو ينكب منها. ومَنْكِب الإنسان إمّا مستعار من ذلك؛ شُبّه بموضعٍ عن يمين الطريق أو يسارها، ينكب إليه عنها، أو لأنه ينكب به لشيء عالٍ، كالمقعد (^٢)، ومضرِب السيف.\nويجوز أن تكون مناكب الأرض مستعارة منه. والله أعلم.\n_________\n(^١) مجموع [٤٧١٩].\n(^٢) كذا في الأصل، ولعل المقصود: «المعقِد».","vol":"24","page":71},{"text":"* [قوله تعالى]: ﴿الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدْعُونَ (^١)﴾\nأي: تَدْعُون بوقوعه، كقوله: ﴿الَّذِي كُنْتُمْ (^٢) بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ [الذاريات: ١٤].\nتَدَّعون: إمّا بمعنى الأول إن ثبت لغةً.\nوإمّا من الدعوى، أي تدَّعون أنّه لا يقع، أي تزعمون. وضُمِّن معنى (تكذّبون)، فعدّي بالباء كما في السجدة: ﴿ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢٠)﴾. والله أعلم (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-92>سورة المزمل</span>\nقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ ونِصْفِهِ وثُلُثِهِ﴾ (^٤) [٢٠].\nفي مطابقة هذه القراءة لقراءة ﴿وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ﴾ إشكالٌ. أجيب عنه بأن التفاوت بحسب اختلاف الأوقات.\nوإشكال آخر، وهو أنه يلزم على قراءة الجرّ مخالفة النبي - ﵌ - للأمر المتقدم أول السورة.\n_________\n(^١) هذه قراءة يعقوب، وقرأ الباقون: ﴿تَدَّعُونَ﴾. وفي الأصل: «ما كنتم» خطأ.\n(^٢) في الأصل: «ما كنتم» خطأ.\n(^٣) مجموع [٤٧١٩].\n(^٤) هي قراءة أبي جعفر ونافع وابن عامر وأبو عمرو ويعقوب. «المبسوط» (ص ٣٨٦).","vol":"24","page":72},{"text":"قال الآلوسي (^١): «وأجيب بالتزام أن الأمر وارد بالأقل، لكنهم زادوا [حذرًا من الوقوع في المخالفة، وكان يشقّ عليهم، وعلم الله سبحانه أنهم لو لم يأخذوا بالأشقّ وقعوا في المخالفة فنسخ سبحانه الأمر]، كذا قيل، فتأمّلْ، فالمقام بعدُ محتاج إليه».\nقلت: وجه التأمّل أن الأقل ــ على ما في أول السورة ــ هو أن ينقص قليلًا من النصف، وعلى قراءة الجرّ ــ آخر السورة ــ يكون النبي - ﵌ - قد صلى أدنى من الثلث، وهذا ــ فيما يظهر ــ أقل من نصفٍ ينقص منه قليل.\nوقد ظهر لي جواب، وهو أن (أدنى) في الآية وصفٌ لم يُرَدْ به التفضيل، وإنما معناه: دانيًا، أي: أنك تقوم وقتًا دانيًا من ثلثي الليل، كأن يكون نصفًا وثلثي سدس ــ مثلًا ــ، ودانيًا من نصفه، كأن يكون نصفًا وثلثَ سدس، ودانيًا من ثلثه، كأن يكون نصفًا إلاّ ثلثي سدس. فتأمّل.\nوهذا ــ والله أعلم ــ هو معنى الجواب الذي لم يرتضه الآلوسي؛ لأنه فَهِم منه معنًى آخر، والله أعلم (^٢).\n_________\n(^١) «روح المعاني»: (٢٩/ ١٣٨) وما بين المعكوفين منه.\n(^٢) مجموع [٤٧١٨].","vol":"24","page":73},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-94>سورة المدثر</span>\nقوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤)﴾.\nالتحقيق أنَّ حاصل معنى هذه الجملة: تنزّه عن الرذائل. وتوجيه ذلك: أنه استعيرت الطهارة لاجتناب الرذائل، استعير بجامع اجتناب ما يكره في كلٍّ، ثم اشتقَّ منه «طهِّر» على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية، والقرينةُ السياقُ، وذِكْر الثياب ترشيحٌ.\nثمَّ إمَّا أن تكون الثياب على حقيقتها، وكأنه قيل: نزِّهْ ثيابك عن أن يُلابسها شيء من الرذائل، ولا شك أنه يلزم منه الأمر بتنزيه النفس؛ لأن الإنسان إذا فعلَ رذيلةً فقد ألبست الرذيلةُ ثيابَه؛ لأن ثيابَه ملابسةٌ لبدنه، وبدنه ملابس لنفسه، فيكون الأمر بتنزيه الثياب كناية عن الأمر بتنزيه النفس.\nوإمَّا أن تكون الثياب مجازًا مرسلًا عن النفس بعلاقة الظرفية، فكأنه قال: طهِّر نفسك (^١).\n_________\n(^١) مجموع [٤٧١٦].","vol":"24","page":74},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-96>سورة القيامة</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-97> قوله تعالى: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (١) وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (٢)﴾</span>.\nيظهر لي أنَّ (لا) نافية، كما هو المتبادر. والمعنى على الاستفهام الإنكاري التعجُّبيّ. كأنه يقول: مِن المنكر العجيب أن لا أقسم بيوم القيامة، ولا بالنفس اللوامة. وإنكارُ عدم القسم كناية عن إنكار عدم إيمان المشركين بيوم القيامة وبالنفس اللوامة.\nوالمراد بالنفس اللوامة: النفوس يوم القيامة، كما جاء في الأثر أن الصالحة تلوم نفسها في عدم الاستكثار، والطالحة تلوم نفسها في الكفر والعصيان.\nوإنما منع عن القسم بهما عدم تصديق الكفار بهما؛ لأن أقسام القرآن كلها استدلالية، ولا يحسن الاستدلال بما يجحده الخصم. ومثال هذا أن ينازعك إنسان في مسألة يكون في القرآن دليل عليها، ولكن الخصم لا يخضع لدلالة القرآن فتقول: لا أحتجُّ بالقرآن؟\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-98> قوله تعالى: ﴿بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ (٤)﴾</span>.\nكأنّ فيها ــ والله أعلم ــ إشارة إلى ما عُرِف الآن من أنّ أسِرَّة البنان ــ أعني خطوطها ــ متمايزةٌ، لها في كل شخصٍ هيئة خاصة لا يشبهه فيها أحد من الناس، ولذلك يعتمدون الطبع بها بدلًا عن الإمضاء، ويتوصلون بها إلى معرفة أصحابها من اللصوص والمجرمين الذين لا تُعْلَم أشخاصهم ولكن يوجد أثر أصابعهم في موضع الجريمة.","vol":"24","page":75},{"text":"أي: فإن الله قادر على أن يسوّي بنان الفاني، أي: يعيدها سويّةً كما كانت، بخطوطها الدقيقة الكثيرة الممتازة عن كل موجودٍ سواها.\nوهذا أعظم من جمع العظام.\nفالتسوية في الآية كَهِي في قوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى﴾ [الأعلى: ٢] ونحوها، والله أعلم (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-99>سورة الليل</span>\nانظر ما العامل في (إذا) من نحو قوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١)﴾، ومن قوله: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ (١٦) وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (١٧)﴾ [التكوير].\nفإن قولهم: إن العامل فيها القسم، يشكل عليه أنه يلزم منه كون الظرف قيدًا للقسم. أي: إنما يكون القسم بالليل حال عسعسته (^٢).\n_________\n(^١) مجموع [٤٧١٨].\n(^٢) مجموع [٤٦٥٧].","vol":"24","page":76},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-101>سورة المسد</span>\nقوله تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (١)﴾ المشهور أنّ هذا دعاء، والظاهر أنه خبر، وأنّ قوله (تبّ) بمعنى: أهلك؛ لأنّ (تبّ) يجيء لازمًا ومتعديًّا بمعنى هلك، وأهلك. فالمعنى أنه هلك وأهلك غيره، أي زوجه؛ لأنه السبب في إصرارها على الشرك، وعداوتها لله تعالى ولرسوله. والله أعلم (^١).\n* * * *\nقوله تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (١) مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ (٢) سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ (٣) وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (٤) فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ (٥)﴾\n﴿سَيَصْلَى﴾ هو، أي: أبو لهب ﴿نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ﴾.\n﴿وَامْرَأَتُهُ﴾ الواو للاستئناف أو الحال. ﴿حمَّالةُ﴾ بالضمّ خبر المتبدأ. ﴿الْحَطَبِ﴾ أي: الذي توقد به تلك النار عليه، فـ (ال) في ﴿الْحَطَبِ﴾ عهديةٌ، لتقدُّم ذِكْر الحطب بالكناية، لأنّ النار تحتاج إلى حطب؛ أو بدلٌ عن ضمير النار، أي: حمالة حطبها، أي حطب النار المذكورة.\nوقد مثَّلوا لتقدُّم الذِكْر بالكناية بآية: ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى﴾ [آل عمران: ٣٦]؛ لتقدم قولها: ﴿مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾ [آل عمران: ٣٥] وهو كناية عن الذَّكَر.\n_________\n(^١) مجموع [٤٧١٨].","vol":"24","page":77},{"text":"وعلى قراءة ﴿حَمَّالَةَ﴾ بالفتح، فقوله: ﴿وَامْرَأَتُهُ﴾ معطوف على الضمير في ﴿سَيَصْلَى نَارًا﴾ أي: سيصلاها هو وامرأته ﴿حَمَّالَةَ﴾ أي: حال كونها حمالة ﴿الْحَطَبِ﴾، أي: الذي تُوقَد به تلك النار عليه وعليها.\nوعوقبت بحمل وقود النار لعذاب زوجها وإيّاها جزاءَ حملِها في الدنيا وقودَ الفتنة في هواه وهواها، وهو الأخبار على سبيل النميمة. أو لحملها الشوك ووضعه في طريق النبي - ﵌ - إن صحّ.\nولا يتجّه تفسير الحطب في الآية بالشوك، وإن صحَّ أنها كانت تحمله وتضعه:\nأوّلًا: لأنّ الحطب إنّما هو ما يجمع من العيدان لغرض الإيقاد، وليس منه ما جُمع من الشوك لقصد الإيذاء.\nوثانيًا: لأنّ فيه تفكيكًا للارتباط الذي بينتُه، وتضييعًا للَّطائف التي شرحتُ بعضها.\n﴿فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ (٥)﴾ حال من الضمير في ﴿حَمَّالَةَ﴾ أي ــ والله أعلم ــ أنّها تحمل الحطب الذي يوقد به على زوجها وعليها حال كونها تختنق به؛ لأنه يُعلَّق بحبل إلى رقبتها. والله أعلم (^١).\n_________\n(^١) مجموع [٤٧١٩].","vol":"24","page":78},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-102>[حول إعجاز القرآن]</span>\nالحمد لله.\nسألني الأخ الفاضل الشيخ سعيد بن عبد الله بامردوف العمودي عما علم من عجز الناس عن الإتيان بمثل القرآن ولو بمقدار أقصر سورة منه؛ كيف نجمع بينه وبين ما علم من حكاية الله ﷿ في القرآن نفسه من كلام العباد، وفيه ما يزيد عن القدر المذكور؟\nفأجبت بأجوبة ثم استصوبت منها ما يأتي:\nأما ما كان من ذلك عن العجم فلا إشكال فيه؛ إذ لا يخفى أن أصلَ كلامهم بالعجمية، والقرآن ترجمه بالعربية ترجمةً معنوية، كما يدل عليه ذِكْر المقالة الواحدة في موضعين أو أكثر بعبارات تتفق في المعنى فقط. والعلمُ بأن مَن نُسب إليه القول من الخلق أعجميّ قرينة على أن المراد أنه قال ما يتحصَّل منه المعنى.\nولا ريب أنّ مبلِّغًا لو بلّغك عن رجلٍ أعجمي لا يحسن العربية، فقال: يقول كيتَ وكيتَ، وعبّر المبلِّغ بعبارةٍ عربيةٍ، لم تجهل أنتَ أنَّ مراده يقول ما هذا ترجمته، ولا ريب أيضًا أنه لا يمتنع أن تكون الترجمة مشتملة على لطائف بيانية ليست في الأصل بعد المحافظة على أصل المعنى.\nوأما ما كان من ذلك عن العرب فهو أيضًا من قبيل الترجمة أو الحكاية بالمعنى. والقرينة على أن المراد ذلك هي أن المخاطَبين الأوَّلين بالقرآن كانوا يعلمون يقينًا أن المنسوب إليه ذلك القول لا يحسن التعبير بمثل هذه العبارة.","vol":"24","page":79},{"text":"ومثال ذلك: أن يكتب إليك رجلٌ بليغٌ كتابًا يبلّغك فيه عن رجلٍ عربيّ عاميّ بأنه يقول لك كيت وكيت، فيذكر كلامًا بليغًا تعلم أن ذلك العامّي لا يُحسن مثله، فإنك تعلم أن مراد الكاتب أنَّ العامِّي قال ما يتحصل منه المعنى، ويكون علمك بحاله قرينة واضحة لا يحقّ لك معها أن تزعم أنّ ظاهرَ نسبة الكاتب قولَ تلك العبارة إلى ذلك العامي= أنَّ العاميّ قالها بحروفها وأنّ الكاتب لم ينصب قرينةً تدل على خلاف ذلك.\nولا ريب أن أحدًا لا يخرج على مثل هذا الكاتب ولا يتحجّر عليه ولا يعنِّفه في تعبيره بتلك العبارة البليغة، بل الأمر بالعكس وهو أن الكاتب لو حكى مقالةَ ذلك العاميّ بحروفها لعوتب على ذلك وقيل: هلَّا عبَّر عنها بعبارةٍ بليغةٍ من عنده؟\nوكنتُ بعد أن ذكرتُ الضرب الأول توقفتُ في الثاني، فقال الأخ سعيد: فليكن حكاية بالمعنى كالترجمة فيما تقدَّم.\nقلت: إنَّا مطالبون بالقرينة، فقال: القرينة أن العرب الذين تحدَّاهم الرسول - ﵌ - بالقرآن لم يتشبّثوا بهذا، فلولا أنهم علموا أنه من قبيل الحكاية بالمعنى لاحتجُّوا بذلك بأن يقولوا: إن القرآن نفسه قد تضمَّن كلام بعضنا، وجعل ذلك بعضًا منه أي القرآن، فكيف مع هذا نكون عاجزين عن الإتيان بمثل بعض القرآن؟\nقلت: لا أرى هذا يصلح قرينةً؛ لأن من الناس مَن كان يسمع القرآن وفيه الحكاية عن بعض العرب بما لم يعلمه قط فضلًا عن أن يعلم أنه قال ذلك القول بلفظه أو معناه. ثم قلت: بل القرينة هي أن المخاطبين الأولين ... إلى آخر ما تقدم.","vol":"24","page":80},{"text":"وأمَّا عدم تشبُّث المشركين بما ذكر فهو يصلح دليلًا لِمَن بعد ذلك القَرْن مِمَّن ليس عنده من البلاغة ما يميز به مثل ذلك التمييز.\nومما هو صريح في أن إخبار القرآن عن الأقوال لا يلتزم فيه لفظ المحكيّ= قولُه تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ (^١) عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ [النساء: ١٤٠]، فإنَّ المراد الآية الأخرى، وهي قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا ...﴾ (^٢) [الأنعام: ٦٨].\n_________\n(^١) في الأصل: «أنزل» سبق قلم.\n(^٢) مجموع [٤٧٢٤].","vol":"24","page":81}]}