{"ً":{"ٌ":536,"ٍ":"آراء السمعاني العقدية","َ":4,"ُ":3,"ّ":"الكتاب: آراء الإمام أبي المظفر السمعاني العقدية، من خلال كتابه تفسير القرآن العزيز - جمعًا ودراسة\nرسالة: دكتوراه في العقيدة بجامعة القرآن الكريم والعلوم الإسلامية بأم درمان في السودان\nإعداد: مازن بن محمد بن عيسى\nإشراف الأستاذ الدكتور: صلاح إبراهيم عيسى\nالعام الجامعي: ١٤٣٧ هـ - ٢٠١٦ م\nعدد الصفحات: ٧٣٨\n[كتاب إلكتروني بترقيم الشاملة]","ْ":"","ٓ":"2.0","ٔ":3105,"ٕ":1,"ٖ":1780758651,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"المقدمة","level":1,"page":3},{"title":"أولا: أهمية الموضوع","level":2,"page":5},{"title":"ثالثا: أهداف البحث","level":2,"page":7},{"title":"رابعا: أسئلة البحث","level":2,"page":8},{"title":"خامسا: حدود البحث","level":2,"page":8},{"title":"سادسا: منهج البحث","level":2,"page":8},{"title":"سابعا: الدراسات السابقة","level":2,"page":9},{"title":"ثامنا: هيكل البحث","level":2,"page":10},{"title":"تاسعا: الخاتمة","level":2,"page":15},{"title":"عاشرا: الفهارس: وتشمل","level":2,"page":15},{"title":"تمهيد: التعريف بالإمام السمعاني","level":1,"page":16},{"title":"المبحث الأول: عصره","level":2,"page":17},{"title":"المطلب الأول: الحالة السياسية","level":3,"page":17},{"title":"المطلب الثاني: الحالة الاجتماعية","level":3,"page":24},{"title":"المطلب الثالث: الحالة الدينية والعلمية","level":3,"page":26},{"title":"أولا: الحالة الدينية","level":4,"page":26},{"title":"ثانيا: الحالة العلمية","level":4,"page":28},{"title":"المبحث الثاني: حياته","level":2,"page":32},{"title":"المطلب الأول: اسمه، ونسبه، ونشأته","level":3,"page":32},{"title":"المطلب الثاني: طلبه للعلم، ومكانته العلمية","level":3,"page":34},{"title":"المطلب الثالث: شيوخه وتلاميذه","level":3,"page":38},{"title":"المطلب الرابع: آثاره ومؤلفاته","level":3,"page":40},{"title":"المطلب الخامس: وفاته","level":3,"page":41},{"title":"المبحث الثالث: تفسير أبي المظفر السمعاني","level":2,"page":43},{"title":"المطلب الأول: نسبة التفسير لمؤلفه، ومكانته العلمية","level":3,"page":43},{"title":"المطلب الثاني: ميزات تفسير الإمام السمعاني","level":3,"page":44},{"title":"المطلب الثالث: المآخذ على تفسير الإمام السمعاني","level":3,"page":46},{"title":"المطلب الرابع: منهج الإمام السمعاني في تفسيره","level":3,"page":49},{"title":"المبحث الرابع: منهجه في دراسة العقيدة","level":2,"page":50},{"title":"المطلب الأول: المنهج العام في دراسة مسائل العقيدة","level":3,"page":50},{"title":"المطلب الثاني: المنهج الاستدلالي لدراسة مسائل العقيدة","level":3,"page":56},{"title":"الفصل الأول: الإيمان بالله تعالى","level":1,"page":63},{"title":"المبحث الأول: توحيد الربوبية","level":2,"page":63},{"title":"تمهيد","level":3,"page":64},{"title":"المطلب الأول: تعريف الربوبية في اللغة وفي الاصطلاح","level":3,"page":69},{"title":"المسألة الأولى: تعريف الربوبية في اللغة","level":4,"page":69},{"title":"المسألة الثانية: تعريف الربوبية في الاصطلاح","level":4,"page":72},{"title":"المطلب الثاني: معرفة الله جل وعلا، ودلائل وجوده ووحدانيته","level":3,"page":81},{"title":"المسألة الأولى: معرفة الله جل وعلا","level":4,"page":81},{"title":"المسألة الثانية: دلائل وجود الله تعالى ووحدانيته","level":4,"page":88},{"title":"المطلب الثالث: إقرار المشركين بالربوبية","level":3,"page":101},{"title":"المسألة الأولى: الاستدلال بتوحيد الربوبية على الألوهية","level":4,"page":101},{"title":"المسألة الثانية: حكم الإقرار بهذا النوع من التوحيد مجردا عن غيره","level":4,"page":105},{"title":"المطلب الرابع: مدعو الربوبية، وأقوال الناس في الرب ﷾","level":3,"page":106},{"title":"المسألة الأولى: مدعو الربوبية","level":4,"page":106},{"title":"المسألة الثانية: أقوال الناس في الرب جل وعلا","level":4,"page":110},{"title":"١ - قول اليهود","level":5,"page":111},{"title":"٢ - قول النصارى","level":5,"page":113},{"title":"٣ - قول المشركين","level":5,"page":116},{"title":"المطلب الخامس: مسائل في الربوبية","level":3,"page":125},{"title":"المسألة الأولى: خضوع الجمادات لله تعالى، وتسبيحها له جل وعلا","level":4,"page":125},{"title":"المسألة الثانية: ما تأويل قوله جل وعلا:\" إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله\" (المائدة ٣٣)","level":4,"page":132},{"title":"المسألة الثالثة: في قوله تعالى:\"فذرني ومن يكذب بهذاالحديث \"","level":4,"page":135},{"title":"المسألة الرابعة: معنى قوله تعالى:\"ولله ميراث السماوات والأرض \"","level":4,"page":136},{"title":"المسألة الخامسة: هل الإعطاء والمنع لحكمة أو لا؟!","level":4,"page":138},{"title":"المسألة السادسة: معنى قوله تعالى:\"سنفرغ لكم أيه الثقلان\"","level":4,"page":139},{"title":"المبحث الثاني: توحيد الألوهية","level":2,"page":142},{"title":"المطلب الأول: تعريف توحيد الألوهية في اللغة والاصطلاح","level":3,"page":144},{"title":"المسألة الأولى: تعريف توحيد الألوهية في اللغة","level":4,"page":144},{"title":"المسألة الثانية: تعريف توحيد الألوهية في الاصطلاح","level":4,"page":149},{"title":"المطلب الثاني: تعريف العبادة، وأنواعها","level":3,"page":156},{"title":"المسألة الأولى: تعريف العبادة في اللغة والاصطلاح","level":4,"page":157},{"title":"١ - العبادة في اللغة","level":5,"page":157},{"title":"٢ - العبادة في الاصطلاح","level":5,"page":158},{"title":"المسألة الثانية: أنواع العبادة وتفاضلها","level":4,"page":160},{"title":"القضية الأولى: بعض أنواع العبادات","level":5,"page":167},{"title":"١ - الدعاء","level":6,"page":168},{"title":"٢ - السجود","level":6,"page":178},{"title":"٣ - الذكر","level":6,"page":193},{"title":"القضية الثانية: التفاضل بين العبادات","level":5,"page":203},{"title":"المسألة الأولى: تفضيل الذكر على ما عداه","level":6,"page":203},{"title":"المسألة الثانية: تفضيل العلم على صلاة النوفل","level":6,"page":204},{"title":"المسألة الثالثة: المفاضلة بين إظهار الصدقات وإخفائها","level":6,"page":204},{"title":"المطلب الثالث: أدلة إثبات استحقاق الألوهية لله تعالى","level":3,"page":206},{"title":"المطلب الرابع: نواقض توحيد الإلهية","level":3,"page":224},{"title":"المسألة الأولى: نواقض توحيد الإلهية","level":4,"page":225},{"title":"أولا: أكبر ناقض للتوحيد، وهادم لمعالمه، وطامس لحقيقته، ومغير لصفاته، الشرك بالله تعالى","level":5,"page":225},{"title":"ثانيا: ومن نواقض هذا النوع من التوحيد إتباع الهوى","level":5,"page":228},{"title":"ثالثا: ومن نواقض هذا النوع من التوحيد، الغلو في الدين","level":5,"page":231},{"title":"رابعا: ومن نواقض هذا النوع من التوحيد: موالاة الكفار والركون إليهم","level":5,"page":235},{"title":"خامسا: ومن نواقض هذا التوحيد: اتباع الآباء على ماكانوا عليه","level":5,"page":238},{"title":"المسألة الثانية: معنى الشرك، وخطورته، وصوره","level":4,"page":240},{"title":"١/ تعريف الشرك في اللغة","level":5,"page":240},{"title":"٢/ تعريف الشرك في الاصطلاح","level":5,"page":240},{"title":"٣/ خطورة الشرك","level":5,"page":244},{"title":"٤/ من صور الشرك","level":5,"page":254},{"title":"١ - السحر","level":6,"page":255},{"title":"٢ - الكهانة","level":6,"page":256},{"title":"٣ - الطيرة","level":6,"page":257},{"title":"٤ - التنجيم","level":6,"page":259},{"title":"المطلب الخامس: مسائل في توحيد الإلهية","level":3,"page":282},{"title":"المسألة الأولى: قصة الغرانيق العلا","level":4,"page":282},{"title":"المسألة الثانية: توجيه قوله تعالى لنبيه ﷺ: (لئن أشركت ليحبطن عملك).","level":4,"page":290},{"title":"المسألة الثالثة: تحقيق القول في وقوع الشرك من آدم ﵇.","level":4,"page":294},{"title":"المسألة الرابعة: توجيه قوله تعالى عن نبيه إبراهيم ﵇: (واجنبني وبني أن نعبد الأصنام).","level":4,"page":301},{"title":"المبحث الثالث: توحيد الأسماء والصفات","level":2,"page":307},{"title":"المطلب الأول: تعريف توحيد الأسماء والصفات","level":3,"page":308},{"title":"المسألة الأولى: تعريف توحيد الأسماء والصفات","level":4,"page":308},{"title":"المسألة الثانية: في الاسم والمسمى","level":4,"page":313},{"title":"المطلب الثاني: منهج السلف في باب الأسماء والصفات","level":3,"page":326},{"title":"المطلب الثالث: معاني أسماء الله تعالى وصفاته، ومقتضياتها","level":3,"page":345},{"title":"١ - الرحمن - الرحيم","level":4,"page":347},{"title":"٢ - الغفور","level":4,"page":352},{"title":"٣ - الحليم","level":4,"page":352},{"title":"٤ - الشكور والشاكر","level":4,"page":353},{"title":"٥ - الحكيم","level":4,"page":354},{"title":"٦ - العزيز","level":4,"page":356},{"title":"٧ - الكريم","level":4,"page":358},{"title":"٨ - العظيم، والكبير","level":4,"page":359},{"title":"٩ - العلي، والأعلى، والمتعال","level":4,"page":360},{"title":"١٠ - العليم","level":4,"page":361},{"title":"١١ - الخبير","level":4,"page":364},{"title":"١٢ - السميع، البصير","level":4,"page":365},{"title":"١٣ - القدير، والقادر، والمقتدر","level":4,"page":366},{"title":"١٤ - القوي، المتين","level":4,"page":368},{"title":"١٥ - اللطيف، والبر","level":4,"page":368},{"title":"١٦ - الملك، والمالك، والمليك","level":4,"page":369},{"title":"١٧ - القدوس","level":4,"page":371},{"title":"١٨ - السلام","level":4,"page":371},{"title":"١٩ - المؤمن","level":4,"page":372},{"title":"٢٠ - المهيمن","level":4,"page":372},{"title":"٢١ - الجبار","level":4,"page":372},{"title":"٢٢ - المتكبر","level":4,"page":373},{"title":"٢٣ - الخالق، والبارئ، والمصور","level":4,"page":374},{"title":"٢٤ - الحي القيوم","level":4,"page":382},{"title":"٢٥ - الحسيب","level":4,"page":383},{"title":"٢٦ - الشهيد","level":4,"page":383},{"title":"٢٧ - الرقيب","level":4,"page":384},{"title":"٢٨ - الوكيل","level":4,"page":384},{"title":"٢٩ - المقيت","level":4,"page":385},{"title":"٣٠ - الواحد، الأحد","level":4,"page":386},{"title":"٣١ - الصمد","level":4,"page":388},{"title":"٣٢ - الأول والآخر، والظاهر والباطن","level":4,"page":388},{"title":"٣٣ - القاهر، والقهار","level":4,"page":389},{"title":"٣٤ - الواسع","level":4,"page":389},{"title":"٣٥ - الولي، والمولى","level":4,"page":390},{"title":"٣٦ - النصير","level":4,"page":391},{"title":"٣٧ - الحميد","level":4,"page":392},{"title":"٣٨ - المجيد","level":4,"page":392},{"title":"٣٩ - الودود","level":4,"page":393},{"title":"٤٠ - الوارث","level":4,"page":393},{"title":"٤١ - الحق","level":4,"page":394},{"title":"٤٢ - الفتاح","level":4,"page":394},{"title":"٤٣ - الوهاب","level":4,"page":395},{"title":"٤٤ - الرزاق","level":4,"page":395},{"title":"٤٥ - التواب","level":4,"page":395},{"title":"المطلب الرابع: بعض الصفات الواردة في القرآن","level":3,"page":395},{"title":"١ - صفة العلم","level":4,"page":396},{"title":"٢ - القدرة","level":4,"page":399},{"title":"٣ - المحبة","level":4,"page":399},{"title":"٤ - البركة","level":4,"page":400},{"title":"٥ - الساق","level":4,"page":401},{"title":"٦ - الغضب","level":4,"page":402},{"title":"٧ - الرضا","level":4,"page":403},{"title":"٨ - التعجب","level":4,"page":403},{"title":"٩ - الوجه","level":4,"page":403},{"title":"١٠ - صفتا القرب والدنو لله تعالى","level":4,"page":404},{"title":"١١ - النزول","level":4,"page":405},{"title":"١٢ - الإتيان والمجيء","level":4,"page":405},{"title":"١٣ - اليدان","level":4,"page":406},{"title":"١٤ - المعية","level":4,"page":407},{"title":"١٥ - العلو","level":4,"page":408},{"title":"١٦ - الاستواء على العرش","level":4,"page":409},{"title":"١٧ - الكلام","level":4,"page":411},{"title":"١٨ - الرؤية","level":4,"page":413},{"title":"المطلب الخامس: مسائل في الأسماء والصفات","level":3,"page":420},{"title":"١ - ما معنى الكيد من الله تعالى","level":4,"page":420},{"title":"٢ - ما معنى المكر من الله تعالى","level":4,"page":421},{"title":"٣ - ما معنى قوله تعالى: ﴿يخادعون الله وهو خادعهم﴾ [النساء:١٤٢]","level":4,"page":421},{"title":"٤ - ما معنى السخرية من الله تعالى","level":4,"page":422},{"title":"٥ - ما معنى قوله تعالى: ﴿قاتلهم الله﴾ [التوبة:٣٠]","level":4,"page":422},{"title":"٦ - ما معنى قوله تعالى: ﴿نسوا الله فنسيهم﴾ [التوبة:٦٧]","level":4,"page":422},{"title":"٧ - ما معنى نصرة الله تعالى","level":4,"page":423},{"title":"٨ - ما معنى الحسرة من الله تعالى على العباد الذي أهلكهم","level":4,"page":423},{"title":"٩ - ما معنى أذية الرب جل وعلا، كما في قوله تعالى: ﴿إن الذين يؤذون الله ورسوله﴾ [الأحزاب:٥٧]","level":4,"page":423},{"title":"١٠ - ما معنى قوله تعالى: ﴿إن ربي على صراط مستقيم﴾ [هود:٥٦]","level":4,"page":423},{"title":"١١ - ما معنى الإقراض من الله تعالى؟!","level":4,"page":423},{"title":"١٢ - ما معنى الاستهزاء من الله تعالى","level":4,"page":424},{"title":"١٣ - ما معنى الرمي من الله تعالى","level":4,"page":424},{"title":"١٤ - ما معنى مقام ربه","level":4,"page":425},{"title":"١٥ - ما معنى الجد في قوله تعالى: ﴿وأنه تعالى جد ربنا﴾ [الجن:٣]","level":4,"page":425},{"title":"١٦ - ما معنى الذكر من الله جل وعز","level":4,"page":425},{"title":"١٧ - ما معنى الصلاة من الله تعالى","level":4,"page":426},{"title":"١٨ - ما معنى إمهال الله جل وعز","level":4,"page":426},{"title":"١٩ - ما معنى مدافعة الله ﷿ عن المؤمنين","level":4,"page":426},{"title":"الفصل الثاني: الإيمان بالملائكة","level":1,"page":429},{"title":"مدخل","level":2,"page":430},{"title":"المبحث الأول: تعريف الملائكة، وأسماؤهم","level":2,"page":433},{"title":"المطلب الأول: تعريف الملائكة","level":3,"page":433},{"title":"المطلب الثاني: أسماء الملائكة","level":3,"page":435},{"title":"١ - جبريل ﵇","level":4,"page":436},{"title":"٢ - ميكائيل - ﵇ -","level":4,"page":438},{"title":"٣ - إسرافيل - ﵇ -","level":4,"page":438},{"title":"٤ - ملك الموت - ﵇ -","level":4,"page":439},{"title":"٥ - ملك اليمين والشمال","level":4,"page":440},{"title":"٦ - حملة العرش","level":4,"page":440},{"title":"٧ - هاروت وماروت","level":4,"page":440},{"title":"المبحث الثاني: أعمال الملائكة وصفاتهم","level":2,"page":444},{"title":"المبحث الثالث: مسائل في الملائكة","level":2,"page":450},{"title":"المطلب الأول: التفضيل بين الملائكة والبشر","level":3,"page":450},{"title":"المطلب الثاني: هل الملائكة يموتون أم لا؟!","level":3,"page":452},{"title":"المطلب الثالث: الاختلاف في الرعد والبرق","level":3,"page":455},{"title":"المبحث الرابع: الإيمان بالجن والشياطين","level":2,"page":458},{"title":"مدخل","level":3,"page":458},{"title":"المطلب الأول: تعريف الجن والشياطين","level":3,"page":459},{"title":"المطلب الثاني: أعمال الشياطين وأحوالهم وصفاتهم","level":3,"page":461},{"title":"المطلب الثالث: أعمال الجن، وأحوالهم، وصفاتهم","level":3,"page":471},{"title":"المطلب الرابع: مسائل في عالم الجن والشياطين","level":3,"page":475},{"title":"المسألة الأولى: هل إبليس من الملائكة؟!","level":4,"page":475},{"title":"المسألة الثانية: هل من الجن رسل؟!","level":4,"page":478},{"title":"المسألة الثالثة: هل الجن يدخلون الجنة؟! وهل يثابون على أعمالهم؟!","level":4,"page":480},{"title":"الفصل الثالث: الإيمان بالكتب","level":1,"page":486},{"title":"المبحث الأول: التعريف بالقرآن، والكتب المنزلة","level":2,"page":489},{"title":"المطلب الأول: القرآن الكريم","level":3,"page":489},{"title":"المطلب الثاني: التوراة والإنجيل والزبور","level":3,"page":492},{"title":"المبحث الثاني: صفات القرآن الكريم","level":2,"page":495},{"title":"المبحث الثالث: إعجاز القرآن الكريم","level":2,"page":497},{"title":"المبحث الرابع: مسائل في القرآن الكريم","level":2,"page":501},{"title":"المطلب الأول: وصف القرآن بأنه محكم ومتشابه","level":3,"page":501},{"title":"المطلب الثاني: القرآن منزل غير مخلوق","level":3,"page":504},{"title":"المطلب الثالث: تفاضل كلام الله تعالى، بعضه على بعض","level":3,"page":508},{"title":"المطلب الرابع: القول بالمجاز في القرآن الكريم","level":3,"page":511},{"title":"الفصل الرابع: الإيمان بالرسل ﵈","level":1,"page":515},{"title":"المبحث الأول: تعريف النبي والرسول، والفرق بينهما","level":2,"page":517},{"title":"المطلب الأول: تعريف النبي والرسول","level":3,"page":517},{"title":"المسألة الأولى: تعريف النبي","level":4,"page":517},{"title":"المسألة الثانية: تعريف الرسول","level":4,"page":518},{"title":"المطلب الثاني: الفرق بين النبي والرسول","level":3,"page":518},{"title":"المبحث الثاني: أسماء الأنبياء الواردة في القرآن، وإثبات نبوتهم","level":2,"page":520},{"title":"المبحث الثالث: خصائص الأنبياء عليهم الصلاة والسلام","level":2,"page":534},{"title":"المطلب الأول: الخصائص والصفات المشتركة بينهم","level":3,"page":534},{"title":"المطلب الثاني: الوحي","level":3,"page":540},{"title":"المسألة الأولى: تعريف الوحي في اللغة والشرع","level":4,"page":540},{"title":"المسألة الثانية: حالات الوحي","level":4,"page":541},{"title":"المطلب الثالث: العصمة","level":3,"page":544},{"title":"المطلب الرابع: المعجزات","level":3,"page":549},{"title":"المطلب الخامس: الإيمان بالنبي محمد ﷺ","level":3,"page":552},{"title":"المسألة الأولى: اسمه، ونسبه","level":4,"page":553},{"title":"المسألة الثانية: خصائصه ﵊","level":4,"page":557},{"title":"المسألة الثالثة: حكم تنقص النبي ﷺ وأذيته","level":4,"page":564},{"title":"الفصل الخامس: الإيمان باليوم الآخر","level":1,"page":566},{"title":"المبحث الأول: التعريف باليوم الآخر، وأشراط الساعة","level":2,"page":569},{"title":"المطلب الأول: التعريف باليوم الآخر","level":3,"page":569},{"title":"المطلب الثاني: أشراط الساعة","level":3,"page":572},{"title":"أ - من الأشراط الصغرى","level":4,"page":574},{"title":"ب - من الأشراط الكبرى","level":4,"page":575},{"title":"المبحث الثاني: الموت وحقيقته","level":2,"page":579},{"title":"المبحث الثالث: أحكام البرزخ","level":2,"page":582},{"title":"المبحث الرابع: البعث بعد الموت","level":2,"page":585},{"title":"المبحث الخامس: أحداث الآخرة وأحوالها","level":2,"page":594},{"title":"الفصل السادس: الإيمان بالقدر","level":1,"page":612},{"title":"الإيمان بالقدر","level":2,"page":613},{"title":"المبحث الأول: مراتب القضاء والقدر","level":2,"page":615},{"title":"المبحث الثاني: الرد على القدرية","level":2,"page":621},{"title":"المبحث الثالث: مسائل في القدر","level":2,"page":635},{"title":"المطلب الأول: هل كان الحسن البصري قدريا؟!","level":3,"page":635},{"title":"المطلب الثاني: هل يجب على الله شيء؟!","level":3,"page":638},{"title":"المطلب الثالث: معنى اللطف الإلهي، وهل يتناهى أم لا؟!","level":3,"page":639},{"title":"المطلب الرابع: هل الاستطاعة تكون قبل الفعل أو معه؟!","level":3,"page":642},{"title":"المطلب الخامس: معنى الختم والطبع","level":3,"page":644},{"title":"المطلب السادس: هل المعدوم شيء؟!","level":3,"page":646},{"title":"المطلب السابع: المحو والإثبات","level":3,"page":648},{"title":"المطلب الثامن: هل المقتول ميت بأجله أم لا؟!","level":3,"page":650},{"title":"المطلب التاسع: حكم إيلام الأطفال دون ذنب؟!","level":3,"page":652},{"title":"المطلب العاشر: مسألة التحسين والتقبيح العقليين","level":3,"page":653},{"title":"الفصل السابع: متممات العقيدة","level":1,"page":657},{"title":"المبحث الأول: مسائل الإيمان والكفر","level":2,"page":658},{"title":"المطلب الأول: تعريف الإيمان","level":3,"page":659},{"title":"المسألة الأولى: تعريف الإيمان في اللغة","level":4,"page":659},{"title":"المسألة الثانية: تعريف الإيمان في الشرع","level":4,"page":660},{"title":"المسألة الثالثة: هل الإيمان هو الإسلام، أم بينهما اختلاف؟","level":4,"page":663},{"title":"المطلب الثاني: تعريف الكفر","level":3,"page":667},{"title":"المسألة الأولى: تعريف الكفر في اللغة","level":4,"page":667},{"title":"المسألة الثانية: تعريف الكفر في الشرع","level":4,"page":669},{"title":"المسألة الثالثة: ما يدخل تحت مسمى الكفر، مما أشار إليه السمعاني","level":4,"page":671},{"title":"المبحث الثاني: الكبائر","level":2,"page":676},{"title":"المطلب الأول: تعريف الكبائر","level":3,"page":676},{"title":"المطلب الثاني: حكم مرتكب الكبيرة","level":3,"page":680},{"title":"المطلب الثالث: هل للقاتل توبة؟!","level":3,"page":688},{"title":"المبحث الثالث: الديانات، وفضيلة الإسلام، وأمة الإسلام","level":2,"page":691},{"title":"المطلب الأول: التعريف بالديانات","level":3,"page":691},{"title":"المسألة الأول: التعريف بالإسلام","level":4,"page":691},{"title":"المسألة الثانية: التعريف باليهودية والنصرانية","level":4,"page":692},{"title":"المطلب الثاني: فضل الإسلام","level":3,"page":696},{"title":"المطلب الثالث: فضل أمة الإسلام","level":3,"page":700},{"title":"المبحث الرابع: الصحابة، فضلهم، ومنزلتهم، ومكانتهم","level":2,"page":706},{"title":"المطلب الأول: حقيقة مسمى الصحبة","level":3,"page":709},{"title":"المطلب الثاني: فضائل الصحابة ﵃","level":3,"page":711},{"title":"المطلب الثالث: حكم تنقص الصحابة ﵃","level":3,"page":726},{"title":"المطلب الرابع: الموقف من الفتنة التي جرت بين الصحابة ﵃","level":3,"page":727},{"title":"المطلب الخامس: التفاضل بين الصحابة، وإثبات خلافة الأئمة الأربعة الراشدين","level":3,"page":731},{"title":"الخاتمة","level":1,"page":733},{"title":"التوصيات","level":1,"page":737}],"ٛ":{"1,1":1,"1,2":2,"1,3":3,"1,4":4,"1,5":5,"1,6":6,"1,7":7,"1,8":8,"1,9":9,"1,10":10,"1,11":11,"1,12":12,"1,13":13,"1,14":14,"1,15":15,"1,16":16,"1,17":17,"1,18":18,"1,19":19,"1,20":20,"1,21":21,"1,22":22,"1,23":23,"1,24":24,"1,25":25,"1,26":26,"1,27":27,"1,28":28,"1,29":29,"1,30":30,"1,31":31,"1,32":32,"1,33":33,"1,34":34,"1,35":35,"1,36":36,"1,37":37,"1,38":38,"1,39":39,"1,40":40,"1,41":41,"1,42":42,"1,43":43,"1,44":44,"1,45":45,"1,46":46,"1,47":47,"1,48":48,"1,49":49,"1,50":50,"1,51":51,"1,52":52,"1,53":53,"1,54":54,"1,55":55,"1,56":56,"1,57":57,"1,58":58,"1,59":59,"1,60":60,"1,61":61,"1,62":62,"1,63":63,"1,64":64,"1,65":65,"1,66":66,"1,67":67,"1,68":68,"1,69":69,"1,70":70,"1,71":71,"1,72":72,"1,73":73,"1,74":74,"1,75":75,"1,76":76,"1,77":77,"1,78":78,"1,79":79,"1,80":80,"1,81":81,"1,82":82,"1,83":83,"1,84":84,"1,85":85,"1,86":86,"1,87":87,"1,88":88,"1,89":89,"1,90":90,"1,91":91,"1,92":92,"1,93":93,"1,94":94,"1,95":95,"1,96":96,"1,97":97,"1,98":98,"1,99":99,"1,100":100,"1,101":101,"1,102":102,"1,103":103,"1,104":104,"1,105":105,"1,106":106,"1,107":107,"1,108":108,"1,109":109,"1,110":110,"1,111":111,"1,112":112,"1,113":113,"1,114":114,"1,115":115,"1,116":116,"1,117":117,"1,118":118,"1,119":119,"1,120":120,"1,121":121,"1,122":122,"1,123":123,"1,124":124,"1,125":125,"1,126":126,"1,127":127,"1,128":128,"1,129":129,"1,130":130,"1,131":131,"1,132":132,"1,133":133,"1,134":134,"1,135":135,"1,136":136,"1,137":137,"1,138":138,"1,139":139,"1,140":140,"1,141":141,"1,142":142,"1,143":143,"1,144":144,"1,145":145,"1,146":146,"1,147":147,"1,148":148,"1,149":149,"1,150":150,"1,151":151,"1,152":152,"1,153":153,"1,154":154,"1,155":155,"1,156":156,"1,157":157,"1,158":158,"1,159":159,"1,160":160,"1,161":161,"1,162":162,"1,163":163,"1,164":164,"1,165":165,"1,166":166,"1,167":167,"1,168":168,"1,169":169,"1,170":170,"1,171":171,"1,172":172,"1,173":173,"1,174":174,"1,175":175,"1,176":176,"1,177":177,"1,178":178,"1,179":179,"1,180":180,"1,181":181,"1,182":182,"1,183":183,"1,184":184,"1,185":185,"1,186":186,"1,187":187,"1,188":188,"1,189":189,"1,190":190,"1,191":191,"1,192":192,"1,193":193,"1,194":194,"1,195":195,"1,196":196,"1,197":197,"1,198":198,"1,199":199,"1,200":200,"1,201":201,"1,202":202,"1,203":203,"1,204":204,"1,205":205,"1,206":206,"1,207":207,"1,208":208,"1,209":209,"1,210":210,"1,211":211,"1,212":212,"1,213":213,"1,214":214,"1,215":215,"1,216":216,"1,217":217,"1,218":218,"1,219":219,"1,220":220,"1,221":221,"1,222":222,"1,223":223,"1,224":224,"1,225":225,"1,226":226,"1,227":227,"1,228":228,"1,229":229,"1,230":230,"1,231":231,"1,232":232,"1,233":233,"1,234":234,"1,235":235,"1,236":236,"1,237":237,"1,238":238,"1,239":239,"1,240":240,"1,241":241,"1,242":242,"1,243":243,"1,244":244,"1,245":245,"1,246":246,"1,247":247,"1,248":248,"1,249":249,"1,250":250,"1,251":251,"1,252":252,"1,253":253,"1,254":254,"1,255":255,"1,256":256,"1,257":257,"1,258":258,"1,259":259,"1,260":260,"1,261":261,"1,262":262,"1,263":263,"1,264":264,"1,265":265,"1,266":266,"1,267":267,"1,268":268,"1,269":269,"1,270":270,"1,271":271,"1,272":272,"1,273":273,"1,274":274,"1,275":275,"1,276":276,"1,277":277,"1,278":278,"1,279":279,"1,280":280,"1,281":281,"1,282":282,"1,283":283,"1,284":284,"1,285":285,"1,286":286,"1,287":287,"1,288":288,"1,289":289,"1,290":290,"1,291":291,"1,292":292,"1,293":293,"1,294":294,"1,295":295,"1,296":296,"1,297":297,"1,298":298,"1,299":299,"1,300":300,"1,301":301,"1,302":302,"1,303":303,"1,304":304,"1,305":305,"1,306":306,"1,307":307,"1,308":308,"1,309":309,"1,310":310,"1,311":311,"1,312":312,"1,313":313,"1,314":314,"1,315":315,"1,316":316,"1,317":317,"1,318":318,"1,319":319,"1,320":320,"1,321":321,"1,322":322,"1,323":323,"1,324":324,"1,325":325,"1,326":326,"1,327":327,"1,328":328,"1,329":329,"1,330":330,"1,331":331,"1,332":332,"1,333":333,"1,334":334,"1,335":335,"1,336":336,"1,337":337,"1,338":338,"1,339":339,"1,340":340,"1,341":341,"1,342":342,"1,343":343,"1,344":344,"1,345":345,"1,346":346,"1,347":347,"1,348":348,"1,349":349,"1,350":350,"1,351":351,"1,352":352,"1,353":353,"1,354":354,"1,355":355,"1,356":356,"1,357":357,"1,358":358,"1,359":359,"1,360":360,"1,361":361,"1,362":362,"1,363":363,"1,364":364,"1,365":365,"1,366":366,"1,367":367,"1,368":368,"1,369":369,"1,370":370,"1,371":371,"1,372":372,"1,373":373,"1,374":374,"1,375":375,"1,376":376,"1,377":377,"1,378":378,"1,379":379,"1,380":380,"1,381":381,"1,382":382,"1,383":383,"1,384":384,"1,385":385,"1,386":386,"1,387":387,"1,388":388,"1,389":389,"1,390":390,"1,391":391,"1,392":392,"1,393":393,"1,394":394,"1,395":395,"1,396":396,"1,397":397,"1,398":398,"1,399":399,"1,400":400,"1,401":401,"1,402":402,"1,403":403,"1,404":404,"1,405":405,"1,406":406,"1,407":407,"1,408":408,"1,409":409,"1,410":410,"1,411":411,"1,412":412,"1,413":413,"1,414":414,"1,415":415,"1,416":416,"1,417":417,"1,418":418,"1,419":419,"1,420":420,"1,421":421,"1,422":422,"1,423":423,"1,424":424,"1,425":425,"1,426":426,"1,427":427,"1,428":428,"1,429":429,"1,430":430,"1,431":431,"1,432":432,"1,433":433,"1,434":434,"1,435":435,"1,436":436,"1,437":437,"1,438":438,"1,439":439,"1,440":440,"1,441":441,"1,442":442,"1,443":443,"1,444":444,"1,445":445,"1,446":446,"1,447":447,"1,448":448,"1,449":449,"1,450":450,"1,451":451,"1,452":452,"1,453":453,"1,454":454,"1,455":455,"1,456":456,"1,457":457,"1,458":458,"1,459":459,"1,460":460,"1,461":461,"1,462":462,"1,463":463,"1,464":464,"1,465":465,"1,466":466,"1,467":467,"1,468":468,"1,469":469,"1,470":470,"1,471":471,"1,472":472,"1,473":473,"1,474":474,"1,475":475,"1,476":476,"1,477":477,"1,478":478,"1,479":479,"1,480":480,"1,481":481,"1,482":482,"1,483":483,"1,484":484,"1,485":485,"1,486":486,"1,487":487,"1,488":488,"1,489":489,"1,490":490,"1,491":491,"1,492":492,"1,493":493,"1,494":494,"1,495":495,"1,496":496,"1,497":497,"1,498":498,"1,499":499,"1,500":500,"1,501":501,"1,502":502,"1,503":503,"1,504":504,"1,505":505,"1,506":506,"1,507":507,"1,508":508,"1,509":509,"1,510":510,"1,511":511,"1,512":512,"1,513":513,"1,514":514,"1,515":515,"1,516":516,"1,517":517,"1,518":518,"1,519":519,"1,520":520,"1,521":521,"1,522":522,"1,523":523,"1,524":524,"1,525":525,"1,526":526,"1,527":527,"1,528":528,"1,529":529,"1,530":530,"1,531":531,"1,532":532,"1,533":533,"1,534":534,"1,535":535,"1,536":536,"1,537":537,"1,538":538,"1,539":539,"1,540":540,"1,541":541,"1,542":542,"1,543":543,"1,544":544,"1,545":545,"1,546":546,"1,547":547,"1,548":548,"1,549":549,"1,550":550,"1,551":551,"1,552":552,"1,553":553,"1,554":554,"1,555":555,"1,556":556,"1,557":557,"1,558":558,"1,559":559,"1,560":560,"1,561":561,"1,562":562,"1,563":563,"1,564":564,"1,565":565,"1,566":566,"1,567":567,"1,568":568,"1,569":569,"1,570":570,"1,571":571,"1,572":572,"1,573":573,"1,574":574,"1,575":575,"1,576":576,"1,577":577,"1,578":578,"1,579":579,"1,580":580,"1,581":581,"1,582":582,"1,583":583,"1,584":584,"1,585":585,"1,586":586,"1,587":587,"1,588":588,"1,589":589,"1,590":590,"1,591":591,"1,592":592,"1,593":593,"1,594":594,"1,595":595,"1,596":596,"1,597":597,"1,598":598,"1,599":599,"1,600":600,"1,601":601,"1,602":602,"1,603":603,"1,604":604,"1,605":605,"1,606":606,"1,607":607,"1,608":608,"1,609":609,"1,610":610,"1,611":611,"1,612":612,"1,613":613,"1,614":614,"1,615":615,"1,616":616,"1,617":617,"1,618":618,"1,619":619,"1,620":620,"1,621":621,"1,622":622,"1,623":623,"1,624":624,"1,625":625,"1,626":626,"1,627":627,"1,628":628,"1,629":629,"1,630":630,"1,631":631,"1,632":632,"1,633":633,"1,634":634,"1,635":635,"1,636":636,"1,637":637,"1,638":638,"1,639":639,"1,640":640,"1,641":641,"1,642":642,"1,643":643,"1,644":644,"1,645":645,"1,646":646,"1,647":647,"1,648":648,"1,649":649,"1,650":650,"1,651":651,"1,652":652,"1,653":653,"1,654":654,"1,655":655,"1,656":656,"1,657":657,"1,658":658,"1,659":659,"1,660":660,"1,661":661,"1,662":662,"1,663":663,"1,664":664,"1,665":665,"1,666":666,"1,667":667,"1,668":668,"1,669":669,"1,670":670,"1,671":671,"1,672":672,"1,673":673,"1,674":674,"1,675":675,"1,676":676,"1,677":677,"1,678":678,"1,679":679,"1,680":680,"1,681":681,"1,682":682,"1,683":683,"1,684":684,"1,685":685,"1,686":686,"1,687":687,"1,688":688,"1,689":689,"1,690":690,"1,691":691,"1,692":692,"1,693":693,"1,694":694,"1,695":695,"1,696":696,"1,697":697,"1,698":698,"1,699":699,"1,700":700,"1,701":701,"1,702":702,"1,703":703,"1,704":704,"1,705":705,"1,706":706,"1,707":707,"1,708":708,"1,709":709,"1,710":710,"1,711":711,"1,712":712,"1,713":713,"1,714":714,"1,715":715,"1,716":716,"1,717":717,"1,718":718,"1,719":719,"1,720":720,"1,721":721,"1,722":722,"1,723":723,"1,724":724,"1,725":725,"1,726":726,"1,727":727,"1,728":728,"1,729":729,"1,730":730,"1,731":731,"1,732":732,"1,733":733,"1,734":734,"1,735":735,"1,736":736,"1,737":737,"1,738":738},"ٜ":{"1":[1,738]},"ٝ":["1,1","1,2","1,3","1,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,314","1,315","1,316","1,317","1,318","1,319","1,320","1,321","1,322","1,323","1,324","1,325","1,326","1,327","1,328","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,336","1,337","1,338","1,339","1,340","1,341","1,342","1,343","1,344","1,345","1,346","1,347","1,348","1,349","1,350","1,351","1,352","1,353","1,354","1,355","1,356","1,357","1,358","1,359","1,360","1,361","1,362","1,363","1,364","1,365","1,366","1,367","1,368","1,369","1,370","1,371","1,372","1,373","1,374","1,375","1,376","1,377","1,378","1,379","1,380","1,381","1,382","1,383","1,384","1,385","1,386","1,387","1,388","1,389","1,390","1,391","1,392","1,393","1,394","1,395","1,396","1,397","1,398","1,399","1,400","1,401","1,402","1,403","1,404","1,405","1,406","1,407","1,408","1,409","1,410","1,411","1,412","1,413","1,414","1,415","1,416","1,417","1,418","1,419","1,420","1,421","1,422","1,423","1,424","1,425","1,426","1,427","1,428","1,429","1,430","1,431","1,432","1,433","1,434","1,435","1,436","1,437","1,438","1,439","1,440","1,441","1,442","1,443","1,444","1,445","1,446","1,447","1,448","1,449","1,450","1,451","1,452","1,453","1,454","1,455","1,456","1,457","1,458","1,459","1,460","1,461","1,462","1,463","1,464","1,465","1,466","1,467","1,468","1,469","1,470","1,471","1,472","1,473","1,474","1,475","1,476","1,477","1,478","1,479","1,480","1,481","1,482","1,483","1,484","1,485","1,486","1,487","1,488","1,489","1,490","1,491","1,492","1,493","1,494","1,495","1,496","1,497","1,498","1,499","1,500","1,501","1,502","1,503","1,504","1,505","1,506","1,507","1,508","1,509","1,510","1,511","1,512","1,513","1,514","1,515","1,516","1,517","1,518","1,519","1,520","1,521","1,522","1,523","1,524","1,525","1,526","1,527","1,528","1,529","1,530","1,531","1,532","1,533","1,534","1,535","1,536","1,537","1,538","1,539","1,540","1,541","1,542","1,543","1,544","1,545","1,546","1,547","1,548","1,549","1,550","1,551","1,552","1,553","1,554","1,555","1,556","1,557","1,558","1,559","1,560","1,561","1,562","1,563","1,564","1,565","1,566","1,567","1,568","1,569","1,570","1,571","1,572","1,573","1,574","1,575","1,576","1,577","1,578","1,579","1,580","1,581","1,582","1,583","1,584","1,585","1,586","1,587","1,588","1,589","1,590","1,591","1,592","1,593","1,594","1,595","1,596","1,597","1,598","1,599","1,600","1,601","1,602","1,603","1,604","1,605","1,606","1,607","1,608","1,609","1,610","1,611","1,612","1,613","1,614","1,615","1,616","1,617","1,618","1,619","1,620","1,621","1,622","1,623","1,624","1,625","1,626","1,627","1,628","1,629","1,630","1,631","1,632","1,633","1,634","1,635","1,636","1,637","1,638","1,639","1,640","1,641","1,642","1,643","1,644","1,645","1,646","1,647","1,648","1,649","1,650","1,651","1,652","1,653","1,654","1,655","1,656","1,657","1,658","1,659","1,660","1,661","1,662","1,663","1,664","1,665","1,666","1,667","1,668","1,669","1,670","1,671","1,672","1,673","1,674","1,675","1,676","1,677","1,678","1,679","1,680","1,681","1,682","1,683","1,684","1,685","1,686","1,687","1,688","1,689","1,690","1,691","1,692","1,693","1,694","1,695","1,696","1,697","1,698","1,699","1,700","1,701","1,702","1,703","1,704","1,705","1,706","1,707","1,708","1,709","1,710","1,711","1,712","1,713","1,714","1,715","1,716","1,717","1,718","1,719","1,720","1,721","1,722","1,723","1,724","1,725","1,726","1,727","1,728","1,729","1,730","1,731","1,732","1,733","1,734","1,735","1,736","1,737","1,738"],"ٞ":{"3":[1],"5":[2],"7":[3],"8":[4,5,6],"9":[7],"10":[8],"15":[9,10],"16":[11],"17":[12,13],"24":[14],"26":[15,16],"28":[17],"32":[18,19],"34":[20],"38":[21],"40":[22],"41":[23],"43":[24,25],"44":[26],"46":[27],"49":[28],"50":[29,30],"56":[31],"63":[32,33],"64":[34],"69":[35,36],"72":[37],"81":[38,39],"88":[40],"101":[41,42],"105":[43],"106":[44,45],"110":[46],"111":[47],"113":[48],"116":[49],"125":[50,51],"132":[52],"135":[53],"136":[54],"138":[55],"139":[56],"142":[57],"144":[58,59],"149":[60],"156":[61],"157":[62,63],"158":[64],"160":[65],"167":[66],"168":[67],"178":[68],"193":[69],"203":[70,71],"204":[72,73],"206":[74],"224":[75],"225":[76,77],"228":[78],"231":[79],"235":[80],"238":[81],"240":[82,83,84],"244":[85],"254":[86],"255":[87],"256":[88],"257":[89],"259":[90],"282":[91,92],"290":[93],"294":[94],"301":[95],"307":[96],"308":[97,98],"313":[99],"326":[100],"345":[101],"347":[102],"352":[103,104],"353":[105],"354":[106],"356":[107],"358":[108],"359":[109],"360":[110],"361":[111],"364":[112],"365":[113],"366":[114],"368":[115,116],"369":[117],"371":[118,119],"372":[120,121,122],"373":[123],"374":[124],"382":[125],"383":[126,127],"384":[128,129],"385":[130],"386":[131],"388":[132,133],"389":[134,135],"390":[136],"391":[137],"392":[138,139],"393":[140,141],"394":[142,143],"395":[144,145,146,147],"396":[148],"399":[149,150],"400":[151],"401":[152],"402":[153],"403":[154,155,156],"404":[157],"405":[158,159],"406":[160],"407":[161],"408":[162],"409":[163],"411":[164],"413":[165],"420":[166,167],"421":[168,169],"422":[170,171,172],"423":[173,174,175,176,177],"424":[178,179],"425":[180,181,182],"426":[183,184,185],"429":[186],"430":[187],"433":[188,189],"435":[190],"436":[191],"438":[192,193],"439":[194],"440":[195,196,197],"444":[198],"450":[199,200],"452":[201],"455":[202],"458":[203,204],"459":[205],"461":[206],"471":[207],"475":[208,209],"478":[210],"480":[211],"486":[212],"489":[213,214],"492":[215],"495":[216],"497":[217],"501":[218,219],"504":[220],"508":[221],"511":[222],"515":[223],"517":[224,225,226],"518":[227,228],"520":[229],"534":[230,231],"540":[232,233],"541":[234],"544":[235],"549":[236],"552":[237],"553":[238],"557":[239],"564":[240],"566":[241],"569":[242,243],"572":[244],"574":[245],"575":[246],"579":[247],"582":[248],"585":[249],"594":[250],"612":[251],"613":[252],"615":[253],"621":[254],"635":[255,256],"638":[257],"639":[258],"642":[259],"644":[260],"646":[261],"648":[262],"650":[263],"652":[264],"653":[265],"657":[266],"658":[267],"659":[268,269],"660":[270],"663":[271],"667":[272,273],"669":[274],"671":[275],"676":[276,277],"680":[278],"688":[279],"691":[280,281,282],"692":[283],"696":[284],"700":[285],"706":[286],"709":[287],"711":[288],"726":[289],"727":[290],"731":[291],"733":[292],"737":[293]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"آراء الإمام أبي المظفر السمعاني العقدية\nمن خلال كتابه \"تفسير القرآن العزيز\"\nجمعًا ودراسة\n\nإعداد الطالب: مازن بن محمد بن عيسى\nإشراف الأستاذ الدكتور: صلاح إبراهيم عيسى\n\n١٤٣٧ هـ - ٢٠١٦ م\n\nرسالة علمية مقدمة لنيل درجة الدكتوراه في العقيدة بجامعة القرآن الكريم والعلوم الإسلامية بأم درمان في السودان لعام ١٤٣٨ هـ، وقد اجيزت بتقدير ممتاز.","vol":"1","page":1},{"text":"أهدي هذا البحث المتواضع ..\nإلى كل من له الفضل عليَّ بعد الله تعالى\nإلى والديَّ الكريمين ..\nأعظم القامات التي أشعرتني بالأمان والاطمئنان بعد الله تعالى ..\nوأعلى الهامات التي شجعتني على البذل والعطاء ..\nإلى والدي العزيز ..\nأسأل الله تعالى أن يجعل هذا العمل المبارك نورًا وضياءً لك في قبرك .. وأن ينزل عليك شآبيب الرحمات وعظيم المكرمات\nإلى والدتي العزيزة الغالية ..\nأمد الله تعالى في عمرك بالصحة والخير والطاعة ومتعنا بك\nإلى أساتذتي ومشايخي الكرام الأفاضل ..\nجزاكم الله تعالى عني وعن المسلمين خير الجزاء، وأعظم لكم المثوبة، وأجزل لكم النوال ..\n\nالشكر لله تعالى أولا وآخرًا وظاهرًا وباطنًا ..\nفله الحمد والشكر حمدًا يوافي نعمه ويكافئ مزيده ..\nأحمده على تمام نعمته ومنته وفضله، أبلغ حمد وأكمله، حمدًا بالغًا من التمام منتهاه ..\nثم أقدِّم خالص شكري وامتناني لكل من ساهم معي بنصح أو توجيه أو إرشاد .. حتى خرج البحث في صورته المتواضعة ..\nوأخص منهم:\nفضيلة الشيخ الأستاذ الدكتور / صلاح إبراهيم\nصاحب الخلق الجم، الذي غمرني بلطفه، وسددني بغزير علمه، واتحفني بحسن توجيهاته ..\nفله من الدعاء أخلصه، ومن الثناء أعطره، ومن الشكر أبلغه\nوأقدِّم كذلك خالص شكري وامتناني للجامعة الموقرة:\nجامعة القرآن الكريم بأم درمان، وكافة منسوبيها.\nالجامعة التي فتحت آفاق العلم للراغبين، ويَسَّرت سُبله للمنهومين،\nوأنارت الطريق والدرب للمتعلمين.\nجعلها الله تعالى منارة للحق، وسبيل هداية للخلق","vol":"1","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1>المقدمة</span>\nالحمد لله رب العالمين، حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، ملء السموات، وملء الأرض، وملء ما شاء من شيء بعد. أهل الثناء والمجد، لا نحصي ثناء عليه، هو كما أثنى على نفسه المقدسة. له الحمد سبحانه، أنزل كتابه المبارك، \" فيه الخير الكثير، والعلم الغزير، والأسرار البديعة، والمطالب الرفيعة. فكل بركة وسعادة تنال في الدنيا والآخرة، فسببها الاهتداء به واتباعه \" (^١)\nوالصلاة والسلام على من أنزل عليه ربه الفرقان، وعلمه الحكمة والقرآن، فأنذر به عشيرته الأقربين، وحذر به الناس أجمعين، وبلغ رسالة رب العالمين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا مزيدًا إلى يوم الدين؛ أما بعد:\nفإن القرآن الكريم، منهج الأمة ودستورها، ومصدر عزها وشموخها، ومنبع عقائدها وتشريعاتها. فهو المحيط الثر، والبحر الزخار، الذي تنهل منه كل الأنهار، ويُستقى من معينه الصافي كل الأفكار.\nإن القرآن الكريم هو مصدر الهداية، ومنبع الرسالة، وإشعاع النور. فهو الروح الذي يسري في جسد الأمة، فيحييها بعد موتها، ويوقظها من رقدتها.\nوهو مصدر الحياة الحقيقية، إذ يحرك الشعور والوجدان نحو الأمل، ويُحيي فيها حب العمل. ولما كان القرآن الكريم هو مصدر الهداية والرشاد، وجب اتباعه، والتماس هديه؛ لأن أوجه هذه الهداية لا تقف عند حد، ولا يحصرها عد.\nوقد جاءت هذه الأوجه في القرآن الكريم، مطلقة غير مقيدة \" فيمن يهديهم، وفيما يهديهم، فيشمل الهدى أقواما وأجيالا، بلا حدود من زمان أو مكان. ويشمل ما يهديهم إليه، كل منهج، وكل طريق، وكل خير يهتدي إليه البشر في كل زمان ومكان \" (^٢).\n_________\n(^١) السعدي: تيسير الكريم الرحمن، مؤسسة الرسالة - بيروت، ط ٢ - ١٤١٧ هـ، ص (٩).\n(^٢) سيد قطب: في ظلال القرآن، دار الشروق -بيروت، القاهرة، ط ١٧ - ١٤١٢ هـ","vol":"1","page":3},{"text":"ومن أعلى أوجه الهداية القرآنية، هدايته \" للطريقة التي هي أقوم الطرق وأعدلها، وهي توحيده جل وعلا في ربوبيته، وفي عبادته، وفي أسمائه وصفاته \" (^١)، وتوغله في دواخل النفس البشرية، وعوالم الضمير والشعور، \"بالعقيدة الواضحة البسيطة التي لا تعقيد فيها ولا غموض، والتي تطلق الروح من أثقال الوهم والخرافة، وتطلق الطاقات البشرية الصالحة للعمل والبناء، وتربط بين نواميس الكون الطبيعية، ونواميس الفطرة البشرية في تناسق واتساق\" (^٢).\nفالقرآن الكريم مصدر إشعاع ونور وهداية، يُغذي النفس البشرية، ويُشبع كل رغباتها، في جميع احتياجاتها.\nفيعرفها بالإله الحق المبين، فيفتح أمامها المجال؛ لتستنطق الفطرة، وليسرح العقل في هذا الكون العجيب، متفكرًا في آيات الله تعالى، ومتأملًا في آلائه عليه؛ ليقف على بصيرة من شواهد الربوبية، ودلائل الوحدانية، الموجبة استحقاق الرب للعبودية وحده دون من سواه ويجول بالنفس في نواحي الجمال والجلال والكمال، لما انطوت عليه الذات الإلهية العلية الشريفة المقدسة، من الأسماء الحسنى، والصفات العليا.\nويفتح أمامها صفحة الماضي بكل تفاصيلها، لتشاهد أخبار الأمم السابقة، كأنها عيان أمام عينيها؛ لتتعظ وتعتبر.\nولما كانت النفس متعلقة لمعرفة ما وراء الماديات، متلهفة للكشف عن الغيبيات، جاء القرآن الكريم فهذبها، ورسم أمامها معالم الطريق الصحيح، وبين أن طريقة المؤمنين، وأول صفات المتقين، الإيمان بالغيب، وأن الغيب من خصائص علم الله تعالى، وأن مدار هذه العوالم الغيبية التي لا تدركها الحواس، ومبناها على التسليم والتصديق، والإذعان والقبول.\nولما كان القرآن الكريم بهذه المثابة العظيمة، والمنزلة الكريمة، والمكانة الجليلة، تعالت همم العلماء وتسابقت نحو هذا الكتاب العزيز؛ للوقوف على مقاصده، وبيان معانيه، واستنباط أحكامه، واستخراج مراميه.\n_________\n(^١) الشنقيطي: أضواء البيان، دار الفكر للطباعة -بيروت، ١٤١٥ هـ (٥٦٨)\n(^٢) سيد قطب: في ظلال القرآن: ٤/ ٢٢١٥","vol":"1","page":4},{"text":"ومن العلماء المجتهدين، والمفسرين المبرزين، الذين خاضوا غمار هذا الباب، وولجوا مضمار هذا الكتاب، إمام الكَلِم والمعاني، أبو المظفر منصور بن محمد السمعاني، فألف كتابًا أظهر فيه المقاصد، وأبان فيه المحامد، وملأه بالجواهر والدرر، من غزير الدروس والفوائد والأحكام والعِبَر. فهو كتاب جامع لمعاني الكتاب العزيز، مُلئ إلى مُشاشه بكل نفيس عزيز.\nولما كان كتاب السمعاني في التفسير، جامعًا لفنون العلوم، وعلى رأسها علم العقيدة، انصب الاختيار عليه؛ ليكون عنوانًا لرسالة الدكتوراه. وبعد اختيار الموضوع الموسوم:\n(آراء الإمام أبي المظفر السمعاني العقدية\nمن خلال كتابه \" تفسير القرآن العزيز \" جمعًا ودراسةً)\nوعرضه على اللجنة المختصة بالجامعة الموقرة، تم قبول العنوان، فسألت الله تعالى التيسير والقبول والرضوان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2>أولا: أهمية الموضوع:</span>\n١ - يكمن في حلُّ التعارض الموهوم الذي يعرض للذهن، والذي يظهر أول وهلة في النصوص القرآنية المتعلقة بالعقائد.\n٢ - إشباع الحاجة الملحة، للباحثين عن المعرفة الصحيحة، المبنية على التحقيق والتدقيق في باب العقائد، على وفق منهج السلف.\n٣ - بيان خطأ اعتماد أهل البدع والخرافات، في تبرير بدعهم على نصوص الشرع المطهر.\n٤ - بيان خطأ القراءة النصية المجردة عن فهم السلف الصالح، الذي يؤدي إلى انحراف في الفهم، يتبعه انحراف في التطبيق.\n٥ - التخفيف من هول المشكلات التي تظهر على الساحة بين الفينة والأخرى، بين الأفراد والجماعات، ومحاولة تقليص الهوة، وسد الباب على المغرضين، خاصة فيما يتعلق بفروع مسائل الاعتقاد التي لا يُبَدع فيها المخالف؛ لأنها تُبيِّن اتجاهات علماء السلف في التعامل مع المخالف، والتفريق بين المسائل التي تُوجب الرد والهجر من غيرها.\n٦ - الذب عن علماء السلف من الاتهام المبطن، المتضمن قصور نظر السلف عن إدراك معاني آيات الصفات، وأن منهجهم قائم على التسليم للنصوص، وأن منهج الخلف مبني على الفهم والعلم، ولذا زعموا أن طريقة السلف أسلم، وطريقة الخلف أعلم وأحكم.","vol":"1","page":5},{"text":"٧ - عَرْضُ آراءِ السلفِ ودراستها وفق المنهج السلفي الصحيح، مؤشر خير، يُسهم في تقويض التعصب المقيت، والتقليد المذموم، ويبين أن الآراء البشرية غير معصومة، وأنها عرضة للوقوع في الخطأ، وإن كانت آراء السلف هي الأقرب للصواب، والأحكم في الجواب؛ لقربها من عهد الرسالة، وصفاء قلوبهم من حظوظ الدنيا.\n٨ - دراسةُ آراءِ السلفِ دراسة محققة، سبيل لنشر علومهم، والاستفادة من غزير فهومهم، وفيه تأصيل لمعرفة دقائق علمهم، في التنظير والشرح والتقرير.\n٩ - دراسةُ تراثِ السلفِ، دراسة أكاديمية علمية، هو نوع تحقيق للآراء، وتمحيص وبيان للأخطاء.\n١٠ - وسم الرسالة بـ (آراء الإمام أبي المظفر السمعاني العقدية) يوحي بأمرين:\nأ - بيان مكانة علماء السلف، وعلو منزلتهم، الموجب لاحترامهم وإجلالهم، ثم دراسة أقوالهم، وتقديمها على غيرهم.\nب - وأن قوله الصادر عنه، هو تعبير عن رأيه، فما وافق فيها نصوص الوحيين قُبل، وما كان مخالفا رُدَّ، وهو واقع في الغالب عن اجتهاد لا عن تقصد وتقصير، وهذا بدوره يُغلق باب التعصب المقيت، وإضفاء العصمة لقول أحد دون رسول الله ﷺ.\n١١ - وأن دراسة الجذور الفكرية، والآراء العقائدية لعلماء الأمة؛ كالسمعاني مثلا، يفتح للعقل بوابة النقد الهادف، ويهديه لطرائق الحوار والجدال المقنع، المستقى من أهله وأساطينه.\n١٢ - وأن دراسة آراء السلف تُقوي الصلة، وتُعمق الوشائج بين الحاضر والماضي، وفيه ربط لسلسة العلوم المتوارثة التي لا انفصال بينها، والتي لا يُغني لاحقها عن سابقها.\n١٣ - وأن هذه الدراسة المستقاة من آراء السمعاني المستنبطة من وحي النصوص القرآنية، تُؤكد ترابط العلوم وتخادمها، وأن علما لا يُغني عن علم.\nثانيًا: أسباب اختيار الموضوع:","vol":"1","page":6},{"text":"١ - أن سعادة البشرية معقودة على سَيْرِ عقيدتها الصحيحة، الخالية من كل ألوان البدع والأوهام والخرافات والاعتقادات الفاسدة، وأشد ما يُناقضها الآراء المخالفة التي تحارب العقائد الصحيحة، فدراسة آراء السلف وإبرازها، يُسهم في تكثير سواد الحق، وبيان المنهج العقائدي الصحيح الذي كان عليه السلف، ويَسد الباب أمام كل مخالف بقصد أو بغير قصد.\n٢ - الحديث عن شأن العقائد في القرآن الكريم، يُعطي البحث قيمة علمية؛ لأنه يجمع بين أشرف العلوم وأنقاها، وبين أعظم الكلام وأرقاه، وكما قيل: إن شرف العلم بشرف المعلوم.\n٣ - يفتح الباب أمام الباحثين، لمعرفة مناهج وآراء المفسرين في العقائد، ودراستها على ضوء المنهج السلفي.\n٤ - وعلى حسب علمي القاصر، لم أجد من استقصى المسائل الاعتقادية من تفسير السمعاني في مؤلف خاص، وأن غالب ما كُتب إشارات من هنا وهناك، يخلص منها الباحثون إلى سلفية الإمام السمعاني، وسلامة منهجه العقائدي.\n٥ - لهذا وغيره عزمت بعد استخارة الله تعالى، واستشارة أهل العلم، لخوض غمار هذا البحث، داعيا المولى جل في علاه أن يوفقني ويمدني بعونه، وأن يرزقني البصيرة التي يُميَز بها بين الحق والباطل، ويُعرف بها خير الخيرين، وشر الشرين، وأن يرزقنا الإخلاص في القول والعمل، ومحبة العلم وأهله، والإنصاف من أنفسنا، وعدم الفجور في الخصومة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3>ثالثًا: أهداف البحث:</span>\nيهدف البحث إلى:\n١ - جمع آراء الإمام أبي المظفر السمعاني العقائدية، من خلال كتابه: تفسير القرآن العزيز، ودراستها على ضوء المنهج السلفي.\n٢ - إبراز مكانة علماء السلف، وما تميزوا به من دقة العلوم وجلاء الأفهامهم، المتمثل في استنباط المعاني واستخراجها من النصوص القرآنية، التي تُنبئ عن توفيق وبراعة.\n٣ - الكشف عن المسائل الاعتقادية التي اشتملت عليها الآيات القرآنية الكريمة، ودراستها، وبيان مقاصدها، ووجه الحق فيها.\n٤ - استخلاص القضايا العقدية من التفاسير بأسلوب سهل ميسور.\n٥ - بيان العقيدة الصحيحة المستنبطة من نصوص القرآن الكريم.\n٦ - إظهار براعة المفسر في التصنيف والاستنباط.","vol":"1","page":7},{"text":"٧ - إبراز مكانة الإمام أبي المظفر السمعاني، وخصائص تفسيره.\n٨ - إبراز منهج الإمام السمعاني في دراسته وتعاطيه لمسائل العقيدة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4>رابعًا: أسئلة البحث:</span>\nيهدف البحث للإجابة على التساؤلات التالية:\n- ما مكانة الإمام السمعاني العلمية، وبخاصة في علم التفسير والعقيدة؟\n- ما آراؤه العقائدية، وما مدى ملاءمتها لمنهج السلف؟\n- ما الطرق التي سار عليها الإمام السمعاني في تعاطيه مع النصوص الشرعية في دراسة العقائد؟\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5>خامسًا: حدود البحث:</span>\nينصب الحديث أصالة عن آراء الإمام السمعاني الاعتقادية من خلال كتابه: تفسير القرآن العزيز.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-6>سادسًا: منهج البحث:</span>\n١ - الاعتماد على المنهج الوصفي التحليلي الاستقرائي.\n٢ - فطبيعة البحث استدعت الوصف والتوصيف التأريخي للمفسر والتفسير وما اشتملت عليه من مسائل العقائد، ثم تحليل المعلومة بعد استقرائها من كتاب تفسير السمعاني.\n٣ - وبعد ذكر رأي الإمام السمعاني، أشير إلى حكم المسألة عند بقية العلماء، وهذا بدوره استدعى الرجوع إلى أمهات كتب العقائد والتنقيب عنها؛ لتوضيح مقاصد هذه الرسالة، ومقارنتها بما قاله الإمام السمعاني.\n٤ - نسبة الأقوال لقائليها، والإشارة إلى مصادرها حسبما تقتضيه الأمانة العلمية.\n٥ - عزو الآيات القرآنية الكريمة.\n٦ - تخريج الأحاديث النبوية الشريفة تخريجا علميا.\n٧ - الترجمة للأئمة غير المشهورين في البحث.\n٨ - ذكر خاتمة تبرز أهم نتائج البحث والتوصيات.\n٩ - ذكر المصادر والمراجع في آخر البحث.\n١٠ - ترتيب الفهارس ترتيبًا علميا يسهل الحصول على المعلومة.","vol":"1","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-7>سابعًا: الدراسات السابقة:</span>\nغالب الدراسات التي اطلعت عليها، اهتمت بذكر منهج الإمام السمعاني في التفسير، وبعضها الآخر أشار إلى منحى تميز به الإمام السمعاني في تفسيره، كمنهجه في الترجيح والاستنباط.\nومع هذه الوفرة العلمية عن حياة الإمام السمعاني، إلا أني لم أحظَ أثناء بحثي عن مؤلف مستقل، عن منهج الإمام السمعاني وآرائه الإعتقادية، إلا برسالة وحيدة في بابها، بعنوان: جهود الإمام أبي المظفر السمعاني في تقرير عقيدة السلف (^١).\nوقد أشار الباحث في رسالته إلى جهود الإمام السمعاني في تقرير عقيدة السلف في:\nـ توضيح التوحيد وبيانه، من جهة بيان أول ما يجب على المكلف، ثم توضيح توحيد الربوبية، والألوهية، والأسماء والصفات.\nـ توضيح جملة من مسائل الإيمان، من جهة بيان مسمى الإيمان، وبيان أحكام أهل الكبائر، وفي مسائل القدر، ومباحث اليوم الآخر.\nـ توضيح ما يتعلق بحق الصحابة -﵃-، من جهة بيان وجوب محبة الصحابة ﵃، ووجوب السكوت عما شجر بينهم، وذكر جملة من فضائلهم -﵃-.\nوهذه الرسالة بينها وبين هذا البحث، مزاوجة في الأفكار، وتوارد في النتائج والآثار، غير أن المسار المتبع في الرسالتين مختلف، وإن كان محصل الرسالتين في الأخير مؤتلف. فالرسالة الأولى قامت على بيان جهود الإمام السمعاني في تقرير عقيدة السلف، على المستوى العام، مع أن النتيجة التي توصل إليها الباحث مسوقة في عنوان البحث. في حين أن هذا البحث، فيه عرض لآراء الإمام السمعاني العقدية، من خلال كتابه تفسير القرآن، وربطها ببعض أقواله في كتبه الأخرى، ثم دراستها دراسة متأنية على ضوء المنهج السلفي، ثم الخروج بنتيجة كلية، ومقارنتها بما قيل فيه من مدح وثناء وتبجيل وتعظيم؛ كونه كان نقي المعتقد، منتصرا لأهل السنة والحديث، وشوكة في حلوق أهل البدع.\n_________\n(^١) وهي رسالة علمية قدمت لنيل درجة الماجستير تقدم بها الباحث محمد بن بو بكر بن عمر بنعلي، من تونس، للجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية، ونوقشت بتاريخ ١٤/ ١/١٤١٤ هـ، وأجيزت بتقدير ممتاز، وقد أشرف عليها د. غالب العواجي، وهي مطبوعة في مجلدين، في (٧٢٤) صفحة.","vol":"1","page":9},{"text":"ويُشار إلى أن هناك مسائل كثيرة ظهرت من خلال تتبع آراء السمعاني في تفسيره، تُعدُ تأصيلا لمسائل المعتقد، وردا على المخالفين، لم يُشر إليها الباحث، ستظهر في ثنايا هذا البحث.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-8>ثامنًا: هيكل البحث:</span>\nقسمت البحث إلى مقدمة، وسبعة فصول، وخاتمة، وفهارس:\nالمقدمة: اشتملت على: (أهمية الموضوع - وأسباب اختيار الموضوع - وأهداف البحث - وأسئلة البحث - وحدود البحث - ومنهج البحث - والدراسات السابقة - وهيكل البحث).\n\nالتمهيد: اشتمل على ترجمة للإمام السمعاني: عصره، وحياته، وتفسيره، ومنهجه في دراسة مسائل العقيدة.\nالمبحث الأول: عصره:\nالمطلب الأول: الحالة السياسية.\nالمطلب الثاني: الحالة الاجتماعية.\nالمطلب الثالث: الحالة العلمية والدينية.\nالمبحث الثاني: حياته:\nالمطلب الأول: اسمه ونسبه ونشأته.\nالمطلب الثاني: طلبه للعلم ومكانته العلمية.\nالمطلب الثالث: شيوخه وتلاميذه.\nالمطلب الرابع: آثاره ومؤلفاته.\nالمطلب الخامس: وفاته.\nالمبحث الثالث: تفسيره:\nالمطلب الأول: نسبة التفسير لمؤلفه، ومكانته العلمية.\nالمطلب الثاني: مميزات تفسيره.\nالمطلب الثالث: المآخذ على تفسيره.\nالمطلب الرابع: منهجه في التفسير.\nالمبحث الرابع: منهجه في دراسة مسائل العقيدة.\nالمطلب الأول: المنهج العام في دراسة مسائل العقيدة.\nالمطلب الثاني: منهجه الاستدلالي لمسائل العقيدة.\n\nالفصل الأول: الإيمان بالله تعالى:\nالمبحث الأول: توحيد الربوبية:\nالمطلب الأول: تعريف الربوبية:\nالمسألة الأولى: تعريف الربوبية في اللغة.\nالمسألة الثانية: تعريف الربوبية في الاصطلاح.\nالمطلب الثاني: معرفة الله جل وعلا، ودلائل وجوده ووحدانيته:\nالمسألة الأولى: معرفة الله تعالى:\n- أول واجب على المكلف.\n- فطرية المعرفة.\n- وجود الله تعالى.\nالمطلب الثالث: إقرار المشركين بالربوبية:\nالمسألة الأولى: الاستدلال بتوحيد الربوبية على الألوهية.\nالمسألة الثانية: حكم الإقرار به مجردا؟\nالمطلب الرابع: مدعو الربوبية:\nالمسألة الأولى: حقيقة مدعي الربوبية.\nالمسألة الثانية: أقوال الناس في الرب جل وعلا:","vol":"1","page":10},{"text":"- قول اليهود.\n- قول النصارى.\n- قول المشركين.\nالمطلب الخامس: مسائل في الربوبية:\nالمسألة الأولى: خضوع الجمادات لله تعالى.\nالمسألة الثانية: تأويل قوله تعالى: (إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله).\nالمسألة الثالثة: تأويل قوله تعالى: (فذرني ومن يكذب بهذا الحديث).\nالمسألة الرابعة: تأويل قوله تعالى: (ولله ميراث السموات والأرض).\nالمسألة الخامسة: هل المنع والإعطاء لحكمة أم لا؟\nالمسألة السادسة: تأويل قوله تعالى: (سنفرغ لكم أيها الثقلان).\nالمبحث الثاني: توحيد الألوهية:\nالمطلب الأول: تعريف توحيد الألوهية:\nالمسألة الأولى: تعريف الألوهية في اللغة.\nالمسألة الثانية: تعريف الألوهية في الاصطلاح.\nالمطلب الثاني: تعريف العبادة، وأنواعها:\nالمسألة الأولى: تعريف العبادة في اللغة والاصطلاح.\nالمسألة الثانية: أنواع العبادة وتفاضلها:\n١ - بعض أنواع العبادات: (الدعاء - السجود والركوع - الذكر).\n٢ - التفاضل في العبادات:\n- المفاضلة بين الذكر وسائر الطاعات.\n- المفاضلة بين العلم وصلاة النافلة.\n- المفاضلة بين إخفاء الصدقات وإظهارها.\n- المفاضلة بين الطواف والصلاة لمن قدم مكة.\nالمطلب الثالث: أدلة إثبات استحقاق الألوهية لله تعالى.\nالمطلب الرابع: نواقض توحيد الإلهية:\nالمسألة الأولى: نواقض توحيد الإلهية:\n- الشرك بالله تعالى.\n- اتباع الهوى.\n- الغلو في الدين.\n- موالاة الكفار والركون إليهم.\n- اتباع الآباء وما كانوا عليه.\nالمسألة الثانية: حقيقة الشرك وصوره وأنوعه:\n- بيان حقيقة الشرك.\n- خطورة الشرك.\n- بعض صور الشرك: (السحر - الكهانة - الطيرة - التنجيم).\nالمطلب الخامس: مسائل في توحيد الإلهية:\nالمسألة الأولى: قصة الغرانيق العُلا.\nالمسألة الثانية: توجيه قوله تعالى لنبيه ﷺ: (لئن أشركت ليحبطن عملك).\nالمسألة الثالثة: تحقيق القول في وقوع الشرك من آدم ﵇.\nالمسألة الرابعة: توجيه قوله تعالى عن نبيه إبراهيم ﵇: (واجنبني وبني أن نعبد الأصنام).\nالمبحث الثالث: توحيد الأسماء والصفات.","vol":"1","page":11},{"text":"المطلب الأول: تعريف توحيد الأسماء والصفات:\nالمسألة الأولى: تعريف توحيد الأسماء والصفات.\nالمسألة الثانية: مسألة الاسم والمسمى.\nالمطلب الثاني: منهج السلف في باب الأسماء والصفات.\nالمطلب الثالث: معاني أسماء الله تعالى وصفاته، ومقتضياتها.\nالمطلب الرابع: بعض الصفات الواردة في القرآن الكريم.\nالمطلب الخامس: مسائل في الأسماء والصفات:\n- معنى الكيد من الله تعالى؟\n- معنى المكر من الله تعالى؟\n- معنى قوله تعالى: (يخادعون الله وهو خادعهم)؟\n- معنى السخرية من الله تعالى؟\n- معنى قوله تعالى: (قاتلهم الله)؟\n- معنى قوله تعالى: (نسوا الله فنسيهم)؟\n- معنى نصرة الله تعالى؟\n- معنى حسرة الله تعالى على العباد؟\n- معنى أذية الرب تعالى؟\n- معنى قوله تعالى: (إن ربي على صراط مستقيم)؟\n- معنى الإقراض من الله تعالى؟\n- معنى الاستهزاء من الله تعالى؟\n- معنى الرمي من الله تعالى؟\n- معنى قوله تعالى: (ذلك لمن خاف مقامي)؟\n- معنى الجد لله تعالى؟\n- معنى الذكر من الله تعالى؟\n- معنى الصلاة من الله تعالى؟\n- معنى الإمهال من الله تعالى؟\n- معنى المدافعة من الله تعالى؟\nالفصل الثاني: الإيمان بالملائكة.\nالمبحث الأول: تعريف الملائكة، وأسماؤهم:\nالمطلب الأول: تعريف الملائكة.\nالمطلب الثاني: أسماء الملائكة وأعمالهم.\nالمبحث الثاني: أعمال الملائكة وصفاتهم.\nالمبحث الثالث: مسائل في الملائكة:\nالمطلب الأول: التفضيل بين الملائكة والبشر.\nالمطلب الثاني: هل الملائكة يموتون أم لا؟!\nالمطلب الثالث: الاختلاف في الرعد والبرق.\nالمبحث الرابع: الإيمان بالجن والشياطين.\nالمطلب الأول: تعريف الجن والشياطين.\nالمطلب الثاني: أعمال الشياطين، وأحوالهم، وصفاتهم.\nالمطلب الثالث: أعمال الجن، وأحوالهم، وصفاتهم.\nالمطلب الرابع: مسائل في عالم الجن والشياطين:\nالمسألة الأولى: هل إبليس من الملائكة؟\nالمسألة الثانية: هل من الجن رسل؟\nالمسألة الثالثة: هل الجن يدخلون الجنة، ويُثابون على أعمالهم؟\nالمسألة الرابعة: هل يمكن أن يطأ الجني الإنسية؟\nالفصل الثالث: الإيمان بالكتب:","vol":"1","page":12},{"text":"المبحث الأول: التعريف بالقرآن الكريم، والكتب المنزلة:\nالمطلب الأول: القرآن الكريم.\nالمطلب الثاني: التوراة، والإنجيل، والزبور.\nالمبحث الثاني: صفات القرآن الكريم.\nالمبحث الثالث: إعجاز القرآن الكريم.\nالمبحث الرابع: مسائل في القرآن الكريم:\nالمطلب الأول: وصف القرآن الكريم بأنه محكم ومتشابه.\nالمطلب الثاني: القرآن منزل غير مخلوق.\nالمطلب الثالث: التفاضل في كلام الله تعالى.\nالفصل الرابع: الإيمان بالرسل ﵈:\nالمبحث الأول: تعريف النبي والرسول، والفرق بينهما.\nالمطلب الأول: تعريف النبي والرسول:\nالمسألة الأولى: تعريف النبي.\nالمسألة الثانية: تعريف الرسول.\nالمطلب الثاني: الفرق بين النبي والرسول.\nالمبحث الثاني: أسماء الأنبياء الواردة في القرآن الكريم.\nالمبحث الثالث: خصائص الأنبياء عليهم الصلاة والسلام:\nالمطلب الأول: الخصائص والصفات المشتركة بينهم.\nالمطلب الثاني: الوحي.\nالمطلب الثالث: العصمة.\nالمطلب الرابع: المعجزات.\nالمطلب الخامس: الإيمان بالنبي محمد ﷺ:\nالمسألة الأولى: اسمه ونسبه.\nالمسألة الثانية: خصائصه.\nالمسألة الثالثة: حكم تنقصه وأذيته؟\nالفصل الخامس: الإيمان باليوم الآخر:\nالمبحث الأول: التعريف باليوم الآخر، وأشراط الساعة:\nالمطلب الأول: التعريف باليوم الآخر.\nالمطلب الثاني: أشراط الساعة.\nالمبحث الثاني: الموت وحقيقته.\nالمبحث الثالث: أحكام البرزخ.\nالمبحث الرابع: البعث بعد الموت.\nالمبحث الخامس: أحداث الآخرة وأحوالها.\nالفصل السادس: الإيمان بالقدر:\nالمبحث الأول: مراتب القضاء والقدر.\nالمبحث الثاني: الرد على القدرية.\nالمبحث الثالث: مسائل في القدر.\nالمطلب الأول: هل كان الحسن البصري قدريًا؟!\nالمطلب الثاني: هل يجب على الله شيء؟!\nالمطلب الثالث: معنى اللطف الإلهي، وهل يتناهى أم لا؟!\nالمطلب الرابع: هل الاستطاعة تكون قبل الفعل أو معه؟!\nالمطلب الخامس: معنى الختم والطبع.\nالمطلب السادس: هل المعدوم شيء؟!\nالمطلب السابع: المحو والإثبات.\nالمطلب الثامن: هل المقتول ميت بأجله أم لا؟!","vol":"1","page":13},{"text":"المطلب التاسع: حكم إيلام الأطفال دون ذنب؟!\nالمطلب العاشر: التحسين والتقبيح العقليين.\nالفصل السابع: متممات العقيدة:\nالمبحث الأول: مسائل الإيمان والكفر.\nالمطلب الأول: تعريف الإيمان:\nالمسألة الأولى: تعريف الإيمان في اللغة.\nالمسألة الثانية: تعريف الإيمان في الشرع.\nالمسألة الثالثة: هل الإيمان هو الإسلام، أم بينهما اختلاف؟\nالمطلب الثاني: تعريف الكفر:\nالمسألة الأولى: تعريف الكفر في اللغة.\nالمسألة الثانية: تعريف الكفر في الشرع.\nالمسألة الثالثة: ما يندرج تحت مسمى الكفر.\nالمبحث الثاني: الكبائر.\nالمطلب الأول: تعريف الكبائر.\nالمطلب الثاني: حكم مرتكب الكبيرة؟\nالمطلب الثالث: هل للقاتل توبة؟!\nالمبحث الثالث: الديانات، وفضيلة الإسلام، وأمة الإسلام.\nالمطلب الأول: التعريف بالديانات:\nالمسألة الأولى: التعريف بالإسلام.\nالمسألة الثانية: التعريف باليهودية والنصرانية.\nالمطلب الثاني: فضل الإسلام.\nالمطلب الثالث: فضل أمة الإسلام.\nالمبحث الرابع: الصحابة، فضلهم، ومنزلتهم، ومكانتهم.\nالمطلب الأول: حقيقة مسمى الصحبة.\nالمطلب الثاني: فضائل الصحابة ﵃.\nالمطلب الثالث: حكم تنقص الصحابة ﵃.\nالمطلب الرابع: الموقف من الفتنة التي جرت بين الصحابة ﵃.\nالمطلب الخامس: التفاضل بين الصحابة، وإثبات خلافة الأئمة الأربعة الراشدين.","vol":"1","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-9>تاسعًا: الخاتمة:</span>\nوفيها أهم نتائج البحث والتوصيات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-10>عاشرًا: الفهارس: وتشمل:</span>\n- فهرس الآيات القرآنية.\n- فهرس الأحاديث النبوية.\n- فهرس الأعلام المترجم لهم.\n- فهرس المصادر والمراجع.\n- فهرس الموضوعات.","vol":"1","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-11>تمهيد: التعريف بالإمام السمعاني</span>\nالمبحث الأول: عصره\nالمطلب الأول: الحالة السياسية\nالمطلب الثاني: الحالة الاجتماعية\nالمطلب الثالث: الحالة الدينية والعلمية\nالمبحث الثاني: حياته\nالمطلب الأول: اسمه ونسبه ونشأته\nالمطلب الثاني: طلبه للعلم ومكانته العلمية\nالمطلب الثالث: شيوخ وتلاميذه\nالمطلب الرابع: آثاره ومؤلفاته\nالمطلب الخامس: وفاته\nالمبحث الثالث: تفسير أبي المظفر السمعاني\nالمطلب الأول: نسبة التفسير لمؤلفه ومكانته العلمية\nالمطلب الثاني: ميزات تفسير الإمام السمعاني\nالمطلب الثالث: المآخذ على تفسيرالإمام السمعاني\nالمطلب الرابع: منهج الإمام السمعاني في تفسييره","vol":"1","page":16},{"text":"التمهيد: الإمام السمعاني: عصره، وحياته، وتفسيره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-12>المبحث الأول: عصره:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-13>المطلب الأول: الحالة السياسية:</span>\nلكل زمان ظروفه الخاصة التي تنشأ فيه، فتؤثر على سيِره وسيرته، سلبًا وإيجابًا. ففي القرن الخامس الهجري ساءت أحوال العالم الإسلامي، واضطربت أموره شرقًا وغربًا، فقامت دويلات وسقطت أخرى، وتمالأ أعداء الأمة عليها، وصوبوا سهامهم نحوها، فنتج عن ذلك: تفرق، وتشرذم، وسقوط، وانهيار. والناظر في تأريخ الأمم، يلحظ أن الضعف إنما ينشأ من صعود أرباب الغدر والخيانة، وتبوئهم مناصب كبيرة في الدولة، والتأريخ المسطور المشؤوم لابن العلقمي (^١)،\n_________\n(^١) ابن العلقمي: مشؤوم الطلعة، الوزير، المبير، مؤيد الدين - (بل مدمر الدين) - محمد بن محمد بن أبي طالب، البغدادي، الشيعي الرافضي، وزير المستعصم بالله. ولِي وزارة العراق أربع عشرة سنة. وكان ذا حقد على أهل السنة، بل مُلِئ قلبه غيظا وحنقا على الإسلام وأهله، فأخذ يُكاتب التتار على المجيء، وقرر معهم لنفسه أمورا انعكست عليه، وندم حين لا ينفع الندم.\nانظر: الذهبي: العبر في خبر من غبر: دار الكتب العلمية، بيروت، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها، (٣/ ٢٨٤) - الذهبي: تأريخ الإسلام: دار الكتاب العربي، بيروت، ط ٢ - ١٤١٣ هـ، (٤٨/ ٢٩٠) - العصامي: سمط النجوم العوالي: دار الكتب العلمية، بيروت، ط ١ - ١٤١٩ هـ (٣/ ٥١٦).\nيقول ابن الوردي في تأريخه، دار الكتب العلمية، بيروت، ط ١ - ١٤١٧ هـ (٢/ ١٩٠): \" أراد ابن العلقمي نصرة الشيعة، فنصر عليهم، وحاول الدفع عنهم فدفع إليهم، وسعى ولكن في فسادهم، وعاضد ولكن على سبي حريمهم وأولادهم، وجاء بجيوش سلبت عنه النعمة، ونكبت الإمام والأمة، وسفكت دماء الشيعة والسنة، وخلدت عليه العار واللعنة \".\n\nوكانت يده الخائنة التي امتدت لهولاكو يد الكفر والفجور، أبشع يد خائنة مُدت على تأريخ بغداد، يقول ابن كثير:\" ... دبر على الإسلام وأهله ما وقع من الأمر الفظيع، الذي لم يُؤرخ أبشع منه منذ بُنيت بغداد، وإلى هذه الأوقات \" البداية والنهاية: دار إحياء التراث، ط ١ - ١٤١٨ هـ (١٣/ ٢٣٤). قلتُ: وما أشبه اليوم بالبارحة. وقال الصفدي: \" فحصل عنده من الضغن، ما أوجب له أنه سعى في دمار الإسلام، وخراب بغداد \" الوافي بالوفيات: دار إحياء التراث، بيروت، ١٤٢٠ هـ (١/ ١٥١).\nولد سنة ٥٩١ هـ، وهلك في أوائل سنة ٦٥٧ هـ، وعاش ٦٦ سنة. انظر: الصفدي: الوافي بالوفيات: (١/ ١٥١)، العودة: كيف دخل التتر بلاد المسلمين، دار طيبة، ط ٣ - ١٤٢٢ هـ (٥٣).","vol":"1","page":17},{"text":"الذي كان سببا في انهيار الدولة العباسية، أكبر دليل على ذلك.\nومن مظاهر الضعف في العالم الإسلامي:\n١ - ظهور الرفض وشيوعه، يقول الإمام الذهبي وهو يشير إلى أحداث سنة إحدى وخمسين وأربعمائة: \" والرفض عالٍ في الشام، ومصر، وبعض المغرب، فلله الأمر \" (^١). ويشير الإمام ابن كثير في تأريخه إلى حدوث الفتن المستمرة، والقتال المحتدم بين السنة والرافضة، فيقول حاكيا ما وقع من أحداث سنة اثنتين وثمانين وأربعمائة: \" وفيها كانت فتن عظيمة بين الروافض والسنة، ورفعوا المصاحف، وجرت حروب طويلة، وقُتل خلق كثير ... \" (^٢).\n٢ - نشوء التفرق في المغرب، بسقوط الدولة الأموية، وتمزق الدولة العامرية في الأندلس (^٣)، ولا أدل على ذلك، من حصول الاضطراب داخل أروقة قصر الرئاسة في ذلك الزمن، إذ اختفت فيه مراسم الاحتفال بالبيعة الخاصة للخليفة، واستعيض عنها إما بالصفق على يد الخليفة داخل مقره، أو على سطح مقر رئاسته. وكانت هذه الاضطرابات مستمرة من عام ٣٩٩ هـ إلى عام ٤٢٢ هـ، فيما كان يُعرف حينها بعصر الفتنة (^٤).\nومع هذا الضعف، فقد هيأ الله تعالى للمسلمين في ذلك الزمن، من يلم شعثهم، ويوحد صفهم، ويجمع كلمتهم:\n_________\n(^١) الذهبي: تأريخ الإسلام: (٣٠/ ١٩٧)\n(^٢) ابن كثير: البداية والنهاية: (١٦/ ١١٣)\n(^٣) يقول الأستاذ عبد الشافي عبد اللطيف في كتابه: السيرة النبوية والتأريخ الإسلامي، دار السلام - القاهرة، ط ١ - ١٤٢٨ هـ (١/ ٣٤٧): \"وبوفاة الحكم المستنصر سنة ٣٣٦ هـ، يمكن القول: إن الدولة الأموية قد انتهت فعلا في الأندلس، فاستبد بالأمر المنصور بن أبي عامر، وأصبح الحاكم المطلق هو وأولاده من بعده لمدة ثلث قرن، وقد أطلق المؤرخون على الأندلس في تلك الفترة وصف الدولة العامرية نسبة إليهم \".\n(^٤) ينظر: سالم الخلف: نظم حكم الأمويين، الناشر: عمادة البحث العلمي بالجامعة الإسلامية في المدينة المنورة، ط ١،١٤٢٤ هـ (١/ ١٣٩).","vol":"1","page":18},{"text":"- ففي الأندلس، قام العلماء بعد سقوط الدولة العامرية، وتفرقها إلى طوائف، بالدعوة إلى الوحدة؛ إدراكا منهم للخطر الذي يتهدد المسلمين من النصارى، فاستجاب لطلبهم المعتمد بن عباد، الذي كان يملك أكثر البلاد الإسلامية الأندلسية، واجتمع أمرهم بالاستنجاد بدولة المرابطين في المغرب، فكان ما كان من أمر الله جل وعلا، من انتصار المسلمين على النصارى في معركة الزلاقة الشهيرة (^١).\n- وفي المشرق، نصر الله تعالى الإسلام وأهله، بالسلاجقة الذين دحروا زُمَر الكفر وأهله.\n_________\n(^١) ينظر: جميل المصري: الزلاقة، الناشر: الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، السنة ١٨، العددان: ٦٩ - ٧٠، محرم، جمادى الآخرة (١/ ١٧٨).","vol":"1","page":19},{"text":"وأما إقليم المشرق (^١)، الذي كان يُنسب إليه الإمام السمعاني، وخاصته مرو الشاهِجَان (^٢) من مدن خراسان (^٣) الكبرى. فقد تعاقب عليها وما جاورها في القرن الخامس الهجري ثلاث دول: البويهية، والغزنوية، والسلجوقية.\n_________\n(^١) إقليم المشرق ينقسم إلى ثلاثة أقاليم: خراسان، وسجستان، وما وراء النهر. ينظر: البشاري: أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم، مكتبة مدبولي - القاهرة، ط ٣ - ١٩٩١ م، (٢٦٠).\n(^٢) مرو الشاهجان: هي مرو العظمى، أشهر مدن خراسان وقصبتها، ومعنى مرو: مرج، والشاه: الملك، والجان: الروح، وكأنه يُقال: مرج نفس الملك. وإنما قيل لها مرو؛ لتتميز عن مرو الروذ، ولأنه لم يكن بها بناء. ينظر: ابن الجوزي: المنتظم في تأريخ الأمم والملوك، دار الكتب العلمية - بيروت، ط ١ - ١٤١٢ هـ (٤/ ٢١٩)، ابن الفقيه: البلدان، عالم الكتب ٠ بيروت، ط ١ - ١٤١٦ هـ (١/ ١٣٦).\n(^٣) خراسان: كلمة فارسية معناها: بلاد الشمس المشرقة، والعرب إذا ذكرت المشرق كله قالوا: فارس، فخراسان من فارس. وهي بلاد واسعة، أول حدودها لما يلي العراق، وآخر حدودها لما يلي الهند. وتشتمل على أمهات من البلاد منها: نيسابور، وهراة، ومرو، وبلخ. وهي من أحسن أرض الله، وأعمرها، وأكثرها خيرا، وأهلها أحسن الناس صورة، وأكملهم عقلا، وأقومهم طبعا، وأكثرهم رغبة في الدين والعلم. ينظر: القزويني: آثار البلاد وأخبار العباد، دار صادر - بيروت، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها، (٣٦١)، البكري: معجم ما استعجم من البلاد والمواضع، عالم الكتب - بيروت، ط ٣ - ١٤٠٣ هـ (٢/ ٤٩٠)، الحموي: معجم البلدان، دار صادر - بيروت، ط ٢ - ١٩٩٥ م، (٢/ ٣٥٠).","vol":"1","page":20},{"text":"١ - أما دولة بني بويه التي امتدت من عام ٣٣٤ هـ، إلى عام ٤٤٧ هـ، ودخلت بلاد المسلمين في بغداد، فأفسدت البلاد والعباد، وشرعت نظام الإقطاع، وأظهرت ألوانا من النزاع العنصري بين الأجناد من الديلم والترك، ونشرت المذهب الرافضي، ودخلت في حروب، ولم يزل الأمر مستمرا على ذلك، إلى أن ظهر أمر السلطان ركن الدولة والدين طغرلبك محمد بن ميكال بن سلجوق، وقويت شوكة الترك، وانخفضت الدولة البويهية، واضمحلت وانقرضت (^١).\nوقد نمت الرافضة في أكناف هذه الدولة وترعرت؛ لأن \" المشهور عن بني بويه التشيع والرفض\" (^٢)، وقد مشى البويهيون على خُطى الفاطميين، يقول الإمام ابن كثير: \" وقد أسرف الرافضة في دولة بني بويه في حدود الأربعمائة وما حولها \" (^٣)، ويشير إلى أحداث سبع وأربعين وثلثمائة فيقول: \" وقد رجع معز الدولة إلى بغداد بعد انعقاد الصلح، وقد امتلأت البلاد رفضا وسبا للصحابة من بني بويه وبني حمدان والفاطميين، وكل ملوك البلاد، مصرا، وشاما، وعراقا، وخراسان، وغير ذلك من البلاد كانوا رفضا، وكذلك الحجاز وغيره، وغالب بلاد المغرب، فكثر السب والتكفير منهم للصحابة \" (^٤).\nوهنا قيّض الله تعالى طغرلبك، فأزال ملك بني بويه، يقول ابن تغري بردي: \"وانقرضت دولة بني بويه من بغداد، بسلطنة طغرلبك السلجوقي\" (^٥).\n_________\n(^١) ينظر: ابن القلانسي: تأريخ دمشق، دار حسان للطباعة - دمشق، ط ١ - ١٤٠٣ هـ (٤٤٢).\n(^٢) ابن تغري بردي: النجوم الزاهرة، وزارة الثقافة والإرشاد القومي، دار الكتب - مصر (٣/ ٣٠٨)، وينظر: الموسوعة الميسرة في التأريخ الإسلامي، إعداد فريق البحوث والدراسات الإسلامية، فِدا، مكتبة خوارزم - القاهرة، (١/ ٢٧٣).\n(^٣) ابن كثير: البداية والنهاية: (٨/ ٢٢٠)\n(^٤) ابن كثير: البداية والنهاية: (١١/ ٢٦٤).\n(^٥) ابن تغري بردي: النجوم الزاهرة: (٥/ ٦٧ - ٧٣)، وابن تغري بردي: هو يوسف الحنفي، مؤرخ، بحاثة، من مصنفاته: المنهل الصافي المستوفي بعد الوافي. الزركلي: الأعلام: (٨/ ٢٢٢).","vol":"1","page":21},{"text":"وفي العام الذي يلي سقوط دولة بني بويه، \" اُلزم الروافض بترك الأذان بحي على خير العمل، واُمر أن يُنادي مؤذنهم في أذان الصبح وبعد حي على الفلاح: الصلاة خير من النوم مرتين، وأُزيل ما كان على أبواب المساجد ومساجدهم من كتابة: محمد وعلي خير البشر، ودخل المنشدون من باب البصرة إلى باب الكرخ، ينشدون بالقصائد التي فيها مدح الصحابة، وذلك أن نوء الرافضة اضمحل؛ لأن بني بويه كانوا حكاما، وكانوا يقوونهم وينصرونهم، فزالوا وبادوا، وذهبت دولتهم، وجاء بعدهم قوم آخرون من الأتراك السلجوقية، الذين يحبون أهل السنة ويوالونهم، ويرفعون قدرهم، والله المحمود أبدا، على طول المدى \" (^١).\n٢ - وأما الدولة الغزنوية (^٢): فكانت في عهد محمود بن سبكتكين في ولاء تام للخلافة، وكانت على مذهب أهل السنة والجماعة، وكانت موئلا للعلماء (^٣).\n\" ومع أوائل القرن الخامس الهجري بدأ الغزنويون فتح كابل وبلاد الأفغان، والامتداد إلى شبه القارة الهندية. ويذكر المؤرخون أنه هو الفاتح الحقيقي الشامل لشبه القارة الهندية، وأنه كان من أعاظم سلاطين المسلمين، وقد امتدت سلطنته من بهار في شرق الهند، إلى فارس، وفي أواخر القرن السادس الهجري سقطت دولة الغزنويين\" (^٤).\n_________\n(^١) ابن كثير: البداية والنهاية: (١٢/ ٨٦).\n(^٢) الدولة الغزنوية: غزنة مدينة عظيمة، وولاية واسعة في طرف خراسان، وهي مدينة عامرة، تُعرف بأفغانستان الحالية، وكانت منزل محمود بن سبكتكين إلى أن انقرضوا. وهي بلاد مخصوصة بصحة الهواء، وعذوبة الماء، وصحة التربة. ينظر: الحموي: معجم البلدان: (٤/ ٢٠١)، عمران الوردي: خريدة العجائب وفريدة الغرائب، مكتبة الثقافة الإسلامية - القاهرة، ط ١ - ١٤٢٨ هـ (٣٧٦)، القزويني: آثار البلاد: (١/ ٤٢٨).\n(^٣) ينظر: الموسوعة الميسرة في التأريخ الإسلامي: (١/ ٣٢٦).\n(^٤) عبدالرحمن حبنكة: الحضارة الإسلامية: دار القلم - دمشق، ط ١ - ١٤١٨ هـ (٦١٦ - ٦١٧).","vol":"1","page":22},{"text":"وقد جرت مناوشات في هذا القرن بين عساكر غزنة، وبين السلطان ملكشاه السلجوقي، فخرج إلى عساكر غزنة إلياس بن ألب أرسلان أخو ملكشاه، فقاتلهم، وكفى ملكشاه أمر الغزنوية (^١).\n٣ - وأما الدولة السلجوقية (^٢): فقد ابتدأ ملكها من عام ٤٢٩ هـ، وفيها استولى طغرلبك على نيسابور، وجلس على سرير ملكها، وبعث أخاه داود إلى بلاد خراسان فملكها، وانتزعها من نُواب الملك مسعود بن محمود بن سبكتكين (^٣).وعلا شأنهم، وارتفع ملكهم بحلول عام ٤٣٢ هـ (^٤). وبدأ السلطان طغرلبك بالفتوحات، ففي سنة ٤٤٢ هـ، فتح السلطان أصبهان بعد حصار دام سنة، وجعلها دار إقامته (^٥). وفي سنة ٤٤٦ هـ، غزا بلاد الروم بعد أخذه بلاد أذربيجان، فغنم من بلاد الروم وسبى، وعمل أشياء حسنة (^٦). ثم دخلت سنة ٤٤٧ هـ، وفيها ملك طغرلبك بغداد والعراق (^٧). وجرت أحداث وفتن كبيرة، انتهت بمقتل رأس الفتنة البساسيري ومن معه.\nوكان الملك طغرلبك خيِّرا، مصليا، محافظا على الصلاة في أول وقتها، ويُديم صيام الإثنين والخميس، حليما عمن أساء إليه، كتوما للأسرار، سعيدا في حركاته (^٨).\n_________\n(^١) ابن تغري بردي: النجوم الزاهرة: (٥/ ٩٥).\n(^٢) ينظر في كيفية وصول السلاجقة إلى السلطة، وابتداء أمرهم: تأريخ ابن الوردي: (١/ ٣٣٥)، تأريخ ابن خلدون، دار الفكر - بيروت، ط ٢ - ١٤٠٨ هـ (٣/ ٥٥٩)، الموسوعة الميسرة في التأريخ الإسلامي: (١/ ٢٧٨).\n(^٣) ابن كثير: البداية والنهاية: (١٢/ ٥٤).\n(^٤) ابن كثير: البداية والنهاية: (١٢/ ٦٠).\n(^٥) المرجع السابق: (١٢/ ٧٧).\n(^٦) المرجع السابق: (١٢/ ٨٢).\n(^٧) المرجع السابق: (١٢/ ٨٣).\n(^٨) المرجع السابق: (١٢/ ١١١).","vol":"1","page":23},{"text":"فلما تُوفي خلفه ابن أخيه السلطان ألب أرسلان، فملك بعد عمه طغرلبك سبع سنين وستة أشهر وأياما. وكان هو كذلك عادلا في سيرته، كريما رحيما، شفوقا على الرعية، رفيقا بالفقراء، بارا بأهله وأصحابه ومماليكه، كثير الدعاء بدوام النعم به وعليه، كثير الصدقات، يتفقد الفقراء في كل رمضان بخمسة عشر ألف دينار، ولا يعرف في زمانه جناية ولا مصادرة، بل كان يقنع من الرعية بالخراج في قسطين؛ رفقا بهم (^١).\nوهذه كلها أسباب جعلت ذاك القرن يعيش نوعا من الأمن والاستقرار، خاصة إذا علمنا أن ألب أرسلان اعتمد في الوزارة على نظام الملك، الذي كان حسن السيرة، فكان وزير صدق، يُكرم العلماء والفقراء (^٢)، وكذا استوزره ملكشاه بعد مقتل أبيه.\nوفي هذه الفترة المزهرة في حياة أولئك الأعلام الثلاثة العِظام: طغرلبك، وألب أرسلان، وملكشاه، عاش الإمام أبو المظفر السمعاني.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-14>المطلب الثاني: الحالة الاجتماعية:</span>\nالفوضى السياسية العارمة، التي عمت أرجاء المشرق والمغرب، كان لها أثر على الواقع والحال الاجتماعي في تلك الدول. فمع الاضطرابات السياسية: تكثر الحروب، والسرقات، وينتهز الوجهاء والأمراء الفرصة المواتية، للانقضاض على مقاليد السلطة والحكم، مما ينتج عن ذلك: إنفاق هائل للثروات، وهدر للأموال، وهذا بدوره يؤدي إلى فقدان الأمن المعيشي، والاهتزاز الاجتماعي، واضطراب الأمن في البلدان.\nفالواقع الذي شهده التأريخ في القرن الخامس، كان مزريا، مليئا بالآلام. فعانت الأمم من توترات أمنية، ونقص معيشي حاد، أُزهقت بسببه الأرواح والمُهج.\nومما زاد الأمر سوءً أن العيارين (^٣)\n_________\n(^١) المرجع السابق: (١٢/ ١٣٠).\n(^٢) المرجع السابق: (١٢/ ١١١).\n(^٣) العيارون: يقول ابن الأنباري في: الزاهر في معاني كلام الناس: مؤسسة الرسالة -بيروت، ط ١ - ١٤١٢ هـ (١/ ١٥٣):\" قال أهل اللغة: العيار معناه في كلامهم: الذي يخلي نفسه وهواها، ولا يردعها ولا يزجرها، وقالوا: هو مأخوذ من عارت الدابة: إذا انفلتت. وقال آخرون: الأصل في هذا أن يُقال: تعاير القوم، إذا ذكروا العار بينهم، ثم قيل لكل من تكلم بفحش قد تعاير \".\n\nوهذا الوصف إذا أُطلق في كتب التأريخ أُريد به الذم، وإن كان هذا اللفظ يُطلق ويُراد به الذم أو المدح، لكن في هذا المقام يُراد به ما يُرادف الرعاع والأوباش والطرارين، وهي فئة خارجة عن النظام والقانون، ويقوى ساعدهم، ويشد عودهم، أيام انحلال الدول، وضعف الأنظمة، وغياب القانون. ويترافق بظهورهم الفتن المذهبية، والقلاقل السياسية، والاضطرابات العنصرية. ينظر: مقال لمحمد سعيد رضا، من قسم التأريخ، كلية التربية، بغداد العراق، ٣١ أكتوبر ٢٠١٢، موقع إنسانيات الإلكتروني على الشبكة العنكبية.","vol":"1","page":24},{"text":"نشطوا في غيهم وفسادهم، وخرقوا هيبة السلطان، وأراقوا الدماء (^١)، بل كانوا على أشد الفجور، وأعظم الخطيئة، يقول الإمام ابن الجوزي عن أحداث سنة ٤٢٦ هـ: \" ثم اشتد أمر العيارين، وكاشفوا بالإفطار في رمضان، وشرب الخمر، وارتكاب الفجور \" (^٢).\nوكان الأمر المؤلم لهذه الشعوب المقهورة، أن العيارين صاروا يأخذون أموالهم ليلا ونهارا، ولا مانع لهم؛ لأن السلطان كان عاجزا عن قهرهم، ولذا انتشروا في البلاد، فنهبوا النواحي، وقطعوا الطريق، وبلغوا إلى أطراف بغداد، حتى وصلوا إلى جامع المنصور، وأخذوا ثياب النساء في المقابر (^٣).\nفعدم استقرار الأمن، هو نتيجة لما تمر به الدول من الفوضى السياسية، وأما فقدان الأمن المعيشي، فقد بلغ في هذه الأمة مبلغه، حتى لا يكاد المرء يُصدق ما يقرؤه.\nفالغلاء الفاحش الذي أضر بالناس لم يستثن أحدا، فارتفعت الأسعار، وفشت الأوبئة، وصار أمر الناس في عُسر.\nففي بدايات هذا القرن الذي نتحدث عنه، \" اشتد الغلاء بخراسان جميعها، وعُدِمَ القوت، حتى أكل الناس بعضهم بعضا. فكان إنسان يصيح: الخبز الخبز ويموت، ثم تبعه وباء عظيم، حتى عجز الناس عن دفن الموتى \" (^٤).\nوفي منتصف هذا القرن، كان الغلاء والوباء عاما في البلاد جميعها: مكة، والعراق، والموصل، والجزيرة، والشام، ومصر، وغيرها من البلاد (^٥).\nوفي أواخر هذا القرن، عم الغلاء دامغان (^٦)، حتى شُوهد رجل يأكل كلبا مشويا في الجامع، وإنسان يُطاف به في الأسواق، وفي عنقه يد صبي قد ذبحه وأكله (^٧).\n_________\n(^١) ابن الجوزي: المنتظم: (١٥/ ١٧٠).\n(^٢) ابن الجوزي: المنتظم: (١٥/ ٢٤٦).\n(^٣) ابن الأثير: الكامل في التأريخ: دار الكتاب العربي - بيروت، ط ١ - ١٤١٧ هـ، (٧/ ٥٦٨)، ابن كثير: البداية والنهاية: (١٢/ ٤٤).\n(^٤) ابن الأثير: الكامل في التأريخ: (٧/ ٥٧٣).\n(^٥) المرجع السابق: (٨/ ٧٤).\n(^٦) دامغان: بلد كبير بين الري ونيسابور. ينظر: الحموي: معجم البلدان: (١/ ٣٦٥).\n(^٧) ابن الجوزي: المنتظم: (١٧/ ٦٦).","vol":"1","page":25},{"text":"ولازالت الأحداث والنكبات تتوالى على هذه الأمم إلى أن استبد بهم: غلاءٌ، وخوفٌ، ونهبٌ، وجوعٌ، ومرضٌ، وموتٌ، وفسادٌ، عم البلدان، يقول الإمام ابن الجوزي عن أحداث سنة ٤٤٨ هـ: \" وعم هذا الوباء والغلاء، مكة، والحجاز، وديار بكر، والموصل، وبلاد الروم، وخراسان، والجبال، والدنيا كلها \" (^١).\nونتج عن هذا الفساد والعبث، واختلاف السلاطين فيما بينهم: خوف منع الناس من القدوم إلى حج بيت الله الحرام. ونظرة واحدة لكتب التأريخ تُبيِّن مدى المعاناة، وحجم المأساة، التي كانوا يعيشونها، بسبب فقدان الأمن، وكثرة الفساد.\nومع أن الحال الاجتماعي كانت مزرية، إلا أنه كان يختلف سوءً من بلد لآخر، ومن زمن لآخر. ومع هذا القحط المعيشي، والجفاف الاجتماعي، نجد أن سلاطين الدولة السلجوقية، الذين عاصرهم الإمام السمعاني، كانوا على جانب من الصلاح ومراعاة أحوال الناس.\nفقد أرسل الملك طغرلبك كتابا إلى جلال الدولة، يأمره بالإحسان إلى الرعايا، والوصاة بهم (^٢).وكان خَلَفَه ألب أرسلان، شفوقا على رعيته، رفيقا بالفقراء، يُغدق عليهم، ويتفقد أحوالهم (^٣). وهذا بدوره يعكس نوع اطمئنان عند الرعية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-15>المطلب الثالث: الحالة الدينية والعلمية:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-16>أولا: الحالة الدينية:</span>\nفي القرن الخامس الهجري، تمثلت ظاهرة الفوضى الدينية عاليا، كما كانت هي الفوضى السياسية. فقد كان التشيع يضرب أطنابه متعاليا، تدعمه القوى السياسية، وتُدعم قواعده. فالدولة الفاطمية والدولة البويهية، ساهمتا في نشر الفكر الرافضي، وتثبيت أسسه، في حين جرت مزاوجة فكرية، ومقاربة عقائدية، بين المذهب الرافضي والمعتزلي، فقوي الاعتزال في ذاك الزمان؛ إذ كان يُشايعه ويُناظر له الأمراء والوجهاء والعلماء.\n_________\n(^١) ابن الجوزي: المنتظم: (١٥/ ٢٤٦).\n(^٢) ابن كثير: البداية والنهاية: (١٢/ ٦٤).\n(^٣) المرجع السابق: (١٢/ ١٣٠).","vol":"1","page":26},{"text":"ولكن ما أن مكَّن الله تعالى للخليفة القادر بالله الأمر، حتى سعى جاهدا، لتقويض أسس المعتزلة والرافضة وأهل البدع، بقوله وفعله. فألف كتابا ذكر فيه فضائل الصحابة على ترتيب مذهب أهل الحديث، وأورد فضائل عمر بن عبدالعزيز، وذكر أفكار المعتزلة، والقائلين بخلق القرآن، وكان الكتاب يُقرأ في كل جمعة في حلقة أصحاب الحديث بجامع المهدي، ويحضر الناس سماعه (^١).\nوفي سنة ٤٠٨ هـ، استتاب القادر بالله المعتزلة والشيعة وغيرهما، من أرباب المقالات المخالفة لما يعتقده من مذاهبهم، ونهى عن المناظرة في شيء منها، ومن فعل ذلك نُكِّلَ به وعوقب (^٢)، فامتثل أمره محمود بن سبكتكين، وكانوا حربا على البدع وأهلها (^٣).\nوفي سنة ٤٢٠ هـ، ملك محمود بن سبكتكين الري، فنفى المعتزلة إلى خراسان، وأحرق كتب الفلسفة، ومذاهب الاعتزال والنجوم (^٤).\nواكتمل العقد، وظهر أمر السنة وانتشر، وضعف أمر البدعة وانحسر، بتمكن السلاجقة من مشرق العالم الإسلامي ودخولهم بغداد.\nإن صفحات الصراع بين السنة والرافضة طويلة مستمرة، تعلو تارة، وتخبو أخرى، وكان بداخل كل واحدٍ منهما صراعات مذهبية أخرى.\nوقامت في هذا القرن فتن، واشتعلت حروب فكرية، كلٌ ينتزع الحق من الآخر، وينتصر لمذهبه، وهذه كلها دلائل وإشارات لوجود فوضى فكرية، وصراعات عقائدية، خيمت على أرجاء العالم الإسلامي، كان الحق الغالب فيها، غالبا لأهل الحق أهل السنة والجماعة.\n_________\n(^١) ابن الجوزي: المنتظم: (١٤/ ٣٥٤).\n(^٢) ابن الأثير: الكامل في التأريخ: (٧/ ٦٤٩)، ابن الجوزي: المنتظم: (١٥/ ١٢٥).\n(^٣) الذهبي: العبر في خبر من غبر: (٧/ ٧١١).\n(^٤) ابن الجوزي: المنتظم: (١٥/ ١٩٤).","vol":"1","page":27},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-17>ثانيا: الحالة العلمية:</span>\nهنا تُشرق الشمس، ويُشع ضوء الصباح، وتبتهج النفس سرورا، وينقلب اليأس أملا، والحزن فرحا، والشؤم تفاؤلا، ويظهر النور الساطع من ركام الظلام الدامس.\nفلم تُؤثر تلك الصراعات السياسية، ولا الفوضى الدينية، ولا الشتات الفكري، ولا الانتكاسات الاجتماعية، ولا الانهيار الاقتصادي، على الحِراك الثقافي، والنهضة العلمية، بل ظهر قَطْرٌ من ثنايا تلك السحب المظلمة، يروي الأرض، وينبت الكلأ والعشب.\nولم تقتصر النهضة العلمية في هذا القرن، على علوم الشريعة، بل تعدتها إلى علوم وفنون أخرى. فكان من علماء هذا القرن: عالم الرياضيات والفلك المشهور البيروني (^١)، وعالم الطب الحسن بن الهيثم (^٢)، وغيرهما.\nوبرز من العلماء والأئمة في علوم الشريعة في هذا القرن كثيرون منهم:\n_________\n(^١) البيروني: محمد بن أحمد أبو الريحان البيروني (٣٦٢ هـ - ت ٤٤٠ هـ)، فيلسوف، رياضي، مؤرخ، من أهل خوارزم. صنف كتبا كثيرة منها: الآثار الباقية عن القرون الخالية. الزركلي: الأعلام: دار العلم للملايين، ط ٥ - ٢٠٠٢ م (٥/ ٣١٤).\n(^٢) الحسن بن الهيثم: محمد بن الحسن بن الهيثم، أبو علي (٣٥٤ هـ - ت ٤٣٠ هـ)، يلقب ببطليموس الثاني، له تصانيف في الهندسة، ومن كتبه: الأخلاق، وشرح قانون إقليدس. الزركلي: الأعلام: (٦/ ٨٣).","vol":"1","page":28},{"text":"الإمام الحافظ الخطيب البغدادي (^١)، والإمام البيهقي (^٢)، والحافظ أبو عمر ابن عبد البر (^٣)، والحافظ الإمام أبو نُعيم الأصبهاني (^٤)، والإمام الحاكم النيسابوري (^٥)، والإمام ابن حزم الظاهري (^٦)،\n_________\n(^١) الخطيب البغدادي: أحمد بن علي بن ثابت (٣٩٢ هـ، ت ٤٦٣ هـ)، أحد الحفاظ، المؤرخين، رحل إلى مكة، والبصرة، والكوفة، كان فصيح اللهجة، عارفا بالأدب، له مؤلفات كثيرة منها: تأريخ بغداد. الزركلي: الأعلام: (١/ ١٧٢)، عمر رضا كحالة: معجم المؤلفين، دار إحياء التراث - بيروت، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها، (٢/ ٣).\n(^٢) البيهقي: أحمد بن الحسين بن علي (٣٨٤ هـ - ت ٤٥٨ هـ)، محدث، فقيه، غلب عليه الحديث، ورحل في طلبه، وسمع، وصنف فيه كثيرا، منها كتاب: السنن الكبير في الحديث. كحالة: معجم المؤلفين: (١/ ٢٠٦).\n(^٣) ابن عبد البر: يوسف بن عبدالله بن محمد (٣٦٨ هـ - ت ٤٦٣ هـ)، من كبار حفاظ الحديث، مؤرخ، أديب، بحاثة، يقال له: حافظ المغرب، رحل رحلات طويلة في غربي الأندلس وشرقها، له مؤلفات كثيرة منها: الاستيعاب والتمهيد. الزركلي: الأعلام: (٨/ ٢٤٠)، كحالة: معجم المؤلفين: (١٣/ ٣١٥).\n(^٤) أبو نُعيم: أحمد بن عبدالله بن أحمد الأصبهاني (٣٣٦ هـ - ت ٤٣٠ هـ)، الإمام الحافظ، الثقة، العلامة، شيخ الإسلام. له مؤلفات كثيرة منها: المستخرج على الصحيحين، وكتاب الحلية، وفضائل الصحابة. الذهبي: سير أعلام النبلاء: (١٣/ ١٥٩).\n(^٥) الحاكم: محمد بن عبدالله بن محمد (٣٢١ هـ - ت ٤٠٣ هـ)، الإمام الحافظ، الناقد، العلامة، شيخ المحدثين، صنف وخرّج، وجرّح وعدّل، وصحح وعلل، وكان من بحور العلم على تشيع قليل فيه. الذهبي: سير أعلام النبلاء: (١٢/ ٥٧٢).\n(^٦) ابن حزم: علي بن أحمد بن سعيد بن حزم (٣٨٤ هـ - ت ٤٥٦ هـ)، الإمام الأوحد، البحر، ذو الفنون والمعارف، الفقيه، الحافظ، الأديب، الوزير. له مصنفات جليلة منها: كتاب المحلى، والفِصل في الملل. الذهبي: سير أعلام النبلاء: (١٣/ ٣٧٤) ..","vol":"1","page":29},{"text":"والإمام أبو إسحاق الشيرازي (^١)، والإمام الماوردي (^٢)، وغيرهم كثيرون.\nإضافة إلى ذلك، فقد أُسست المدارس النظامية العالية، التي تُشبه الجامعات في عصرنا الحاضر، أسسها الوزير الحسن الطوسي (^٣)، الملقب بنظام الملك، وكانت أيامه أيام دولة العلم والعلماء، فقد وجه عنايته الفائقة، وهمته الصادقة، للتعليم ونشر العلم على مذهب أهل السنة والجماعة، وبذل غاية وسعه في تأسيس المدارس التي عرفت بالمدارس النظامية، نسبة إليه (^٤).\nوكذا السلطان مسعود بن محمود الغزنوي، فقد كان شغوفا بالعلم والعلماء، وبإنشاء مؤسسات التعليم، فأنشأ في بلاده كثيرا من المساجد، والمدارس، والرباطات؛ لنشر علم القرآن والسنة، والثقافة الإسلامية، وسائر العلوم الكونية المعروفة في زمانه (^٥).\n_________\n(^١) أبو إسحاق: إبراهيم بن علي بن يوسف الشافعي (٣٩٣ هـ - ت ٤٧٦ هـ)، الإمام، القدوة، المجتهد، صنف في الأصول والفروع والخلاف والمذهب، كان زاهدا، ورعا، متواضعا، كريما. من كتبه: المهذب واللمع. الذهبي: سير أعلام النبلاء: (١٤/ ٩).\n(^٢) الماوردي: علي بن محمد حبيب (٣٦٤ هـ - ت ٤٥٠ هـ)، أقضى قضاة عصره، من العلماء الباحثين، أصحاب التصانيف الكثيرة النافعة، نسبته إلى بيع ماء الورد، من كتبه: الحاوي، وأدب الدنيا والدين. الزركلي: الأعلام (٤/ ٣٢٧).\n(^٣) الحسن الطوسي: الحسن بن علي بن إسحاق الطوسي (٤٠٨ هـ - ت ٤٨٥ هـ)، الوزير الكبير، عاقل، سائس، خبير، سعيد، متدين، محتشم، عامر المجلس بالقراء والفقهاء، أنشأ المدرسة الكبرى ببغداد، وأخرى بنيسابور، وأخرى بطوس، ورغب في العلم، وأدر على الطلاب الصلات، وأملى الحديث، وبعد صيته. الذهبي: سير أعلام النبلاء: (١٤/ ١٤٤).\n(^٤) عبدالرحمن حبنكة: الحضارة الإسلامية: (٥٩٠).\n(^٥) عبد الرحمن حبنكة: الحضارة الإسلامية: (٦١٧).","vol":"1","page":30},{"text":"وأما مرو التي كان منها الإمام السمعاني، فقد كانت موئل العلماء، ومرجع الحكماء، ومهوى طلاب العلم، فهي في شهرتها: علم على رأسه نار. فقد تهيأت مرو بما فيها من جوامع، وخزائن وقفية (^١)، وعلماء؛ لأن تكون معقلا للعلم والعلماء.\nوهذا يُظْهر جليا ما تمتعت به هذه المنطقة من ازدهار علمي وثقافي، نشأ عنه نخبة من العلماء الأفذاذ، وهذا بدوره أنتج حركة التأليف والتصنيف في مختلف العلوم.\n_________\n(^١) الحموي: معجم البلدان: (٥/ ١١٤).","vol":"1","page":31},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-18>المبحث الثاني: حياته:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-19>المطلب الأول: اسمه، ونسبه، ونشأته:</span>\nأبو المظفر، منصور بن محمد بن عبد الجبار بن أحمد التميمي، السمعاني، المروزي، الحنفي كان ثم الشافعي (^١).\nنسبته إلى سمعان (^٢)، جدٌ وبطنٌ من تميم (^٣)، والمروزي نسبة إلى مرو (^٤).\nولد في ذي الحجة، سنة ٤٢٦ هـ، بمدينة مرو الشاهجان (^٥).\n_________\n(^١) يقول السبكي في طبقاته، هجر للطباعة، ط ٢ - ١٤١٣ هـ (٥/ ٣٤١): \" صارت السمعانية شافعية بعد أن كانوا حنفية. فالحنفية من السمعانية: الإمام أبو منصور وولده أبو القاسم علي وولده أبو العلاء عالي، والشافعية: الإمام أبو المظفر، وأولاده، وأولاد أولاده، وكل سمعاني جاء بعده \".\n(^٢) سمعان: بفتح السين، وسكون الميم، وفتح العين المهملة، وفي آخرها نون. وقيل: يجوز بكسر السين أيضا. ابن الأثير: اللباب في تهذيب الأنساب: دار صادر - بيروت، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها، (١/ ١٤٠)، ابن خلكان: وفيات الأعيان: دار صادر - بيروت، ١٩٠٠ م، (٣/ ٢١١).\n(^٣) تميم: هم تميم بن مر بن أد بن طابخة بن إلياس بن مضر. فتميم ترجع إلى مضر بن نزار بن عدنان، جد رسول الله ﷺ. ابن عبد البر: الإنباه على قبائل الرواة: دار الكتاب العربي - بيروت، ط ١ - ١٤٠٥ هـ (٥٥).\n(^٤) ابن القيسراني: الأنساب المتفقة: طبعة ليدين بريل، ١٢٨٢ هـ، (١٤٩).\n(^٥) ابن الجوزي: المنتظم: (١٧/ ٣٧)، السبكي: طبقات الشافعية الكبرى: (٥/ ٣٣٥).","vol":"1","page":32},{"text":"نشأ في أسرة كريمة، اشتهرت بالعلم والفضل والديانة، بل إن عائلته من أرفع عوائل العلم والعلماء، قال بعضهم واصفا هذه العائلة الرفيعة، والبيت الكريم: \" بيته أرفع بيت في بلاد الإسلام، وأعظمه، وأقدمه في العلوم الشرعية، والأمور الدينية. وأسلاف هذا البيت وأخلافه، قدوة العلماء، وأسوة الفضلاء، الإمامة مدفوعة إليهم، والرياسة موقوفة عليهم، تقدموا على أئمة زمانهم في الآفاق بالاستحقاق، وترأسوا عليهم بالفضل والفقه، لا بالبذل والوقاحة\" (^١)، وقال بعضهم في ترجمة ابنه الحسن بن منصور: \" من بيت الفضل والإمامة \" (^٢)، ولذا يقول ابن الأثير (^٣): \" وهم جماعة أئمة، علماء، فقهاء، محدثون \" (^٤).\nوقد تفقه أبو المظفر السمعاني على أبيه أبي منصور، على مذهب الإمام أبي حنيفة، حتى برز في الفقه، وبرع على أقرانه من الشبان. وسمع الحديث في صغره وكبره، وانتشرت عنه الرواية، وكثر أصحابه وتلامذته (^٥).\n_________\n(^١) السبكي: طبقات الشافعية الكبرى: (٧/ ١٨١).\n(^٢) ابراهيم العراقي: المنتخب من كتاب السياق لتأريخ نيسابور، دار الفكر للطباعة والنشر، ١٤١٤ هـ، (٢٠٣).\n(^٣) ابن الأثير: محمد بن محمد بن عبدالكريم، المعروف بابن الأثير الجزري، (٥٤٤ هـ - ت ٦٠٦ هـ)، له مصنفات بديعة، ورسائل وسيعة منها: جامع الأصول، والنهاية في غريب الحديث. ابن خلكان: وفيات الأعيان: (٤/ ١٤١).\n(^٤) ابن الأثير: اللباب في تهذيب الأنساب: (١/ ١٤٠).\n(^٥) السمعاني: الأنساب: مجلس دائرة المعارف العثمانية، حيدر أباد، ط ١ - ١٣٨٢ هـ، (٧/ ٢٢٤)، السبكي: الطبقات: (٥/ ٣٣٥).","vol":"1","page":33},{"text":"فلا عجب أن من نشأ في بيت علم وفضل ودين، أن يكون له شأن شئين، وأمر عظيم، حتى يقول حفيده أبو سعد السمعاني (^١): \" وجدُّنا الإمام أبو المظفر منصور بن محمد بن عبد الجبار السمعاني، إمام عصره بلا مدافعة، وعديم النظير في وقته، ولا أقدر على أن أصف بعض مناقبه، ومن طالع تصانيفه وأنصف، عرف محله من العلم \" (^٢).\nولم يصل السمعاني إلى هذه المكانة العلمية المرموقة العالية، بعد فضل الله تعالى عليه، وتوفيقه له، إلا بجهد وجد واجتهاد، في تحصيل العلم والرحلة إليه.\nفكيف كان طلبه للعلم، وما رحلاته التي سُطرت له في تحصيله، كل ذلك هو موضوع المطلب الثاني.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-20>المطلب الثاني: طلبه للعلم، ومكانته العلمية:</span>\nكان الإمام السمعاني شغوفا بالعلم، حريصا عليه، مع ما وهبه الله تعالى من صفاء ذهن، وقوة حافظة، وهمة عالية، حتى إنه قال عن نفسه: (ما حفظت شيئا فنسيته) (^٣).\nومن تمام حرصه على تلقي العلم عن أهله، رحل مُيمما وجهه لبلاد العلم والعلماء بغداد، بعدما تفقه على علماء أهل بلده مرو، فقصد بغداد، فدخلها سنة ٤٦١ هـ، وزار العراقين، واجتمع بالشيخ أبي إسحاق الشيرازي، وناظر ابن الصباغ (^٤). ثم رحل إلى الحجاز وصحب الإمام الزنجاني، وأبا علي الشافعي، وسمع منهما.\n_________\n(^١) أبو سعد السمعاني: عبدالكريم بن محمد بن منصور السمعاني الشافعي (٥٠٦ هـ - ت ٥٦٢ هـ)، محدث، حافظ، فقيه، نسابة، مؤرخ، مفسر، له تصانيف كثيرة منها: الأنساب، وتأريخ مرو. كحالة: معجم المؤلفين: (٦/ ٤).\n(^٢) السمعاني: الأنساب: (٧/ ٢٢٣).\n(^٣) السبكي: طبقات الشافعية: (٥/ ٣٤٤).\n(^٤) ابن الصباغ: عبدالسيد بن محمد بن عبدالواحد، أبو نصر، (٤٠٠ هـ - ت ٤٧٧ هـ)، فقيه شافعي، من أهل بغداد، تولى التدريس بالمدرسة النظامية، من كتبه: الشامل والعدة في الأصول. الزركلي: الأعلام: (٤/ ١٠).","vol":"1","page":34},{"text":"وهنا بدأ الإمام السمعاني يُقلب النظر والفكر، حتى تحول من مذهبه الحنفي الذي كان يُناظر عنه ثلاثين سنة إلى المذهب الشافعي. فما أن عاد إلى مقر رأسه مرو، وأعلن انتقاله المذهبي، إلا وانقلب عليه الناس، واضطربوا بسبب ذلك اضطرابا شديدا، أدى لخروجه من مرو عام ٤٦٨ هـ إلى طوس (^١)، ثم إلى نيسابور (^٢).\n_________\n(^١) طوس: بضم أوله، وسين مهملة، مدينة معروفة، ما بين الري ونيسابور. البكري: معجم ما استعجم من البلاد والمواضع، عالم الكتب - بيروت، ط ٣ - ١٤٠٣ هـ، (٣/ ٨٩٨).\n(^٢) ابن الجوزي: المنتظم: (١٧/ ٣٧).","vol":"1","page":35},{"text":"ومرَّ أثناء خروجه ببعض البلدان التي أفاد من علمائها: فرحل إلى جرجان (^١)، ثم إلى أصبهان (^٢)، ثم إلى همذان (^٣)، ثم إلى قزوين (^٤)، ثم إلى الري (^٥)، وبعد أن استقرت الأمور في بلاده مرو رجع إليها، فأفاد وأصبح مرجعا للعلم وأهله.\n_________\n(^١) جرجان: مدينة جرجان على نهر الديلم، افتتحها سعيد بن عثمان في ولاية معاوية، ثم انغلقت وارتد أهلها عن الإسلام، حتى افتتحها يزيد بن المهلب في ولاية سليمان بن عبد الملك، وبها النخل الكثير، وأصناف ثياب الحرير. اليعقوبي: البلدان: دار الكتب العلمية، بيروت، ط ١ - ١٤٢٢ هـ، (٩٣)\n(^٢) أصبهان: مدينة معروفة من بلاد فارس، سميت بذلك؛ لأن أول من نزلها إصبهان بن فلوج، وقيل: سميت إصبهان؛ لأن إصبه بلسان الفرس: البلد، وهان: الفرس، فمعناه: بلد الفرسان. البكري: معجم ما استعجم من البلاد: (١/ ١٦٣).\n(^٣) همذان: مدينة مشهورة من مدن الجبال، لها رقعة واسعة، وهواء لطيف، وماء عذب، وتربة طيبة، افتتحت سنة ٢٣ هـ. اليعقوبي: البلدان: (٨٢)، القزويني: آثار البلاد: (٤٨٣).\n(^٤) قزوين: مدينة مشهورة، بينها وبين الري ٢٧ فرسخا، فتحها البراء بن عازب في عهد عثمان بن عفان، وينسب إلى قزوين خلق لا يحصون منهم: ابن ماجة القزويني صاحب السنن. الحموي: معجم البلدان: (٤/ ٣٤٢).\n(^٥) الري: مدينة مشهورة من أمهات البلاد، وأعلام المدن، كثيرة الخيرات، وافرة الغلات والثمرات، قديمة البناء. بناها راز بن خراسان؛ لأن النسبة إليها رازي، ينسب إليها الإمام محمد بن عمر الرازي. القزويني: آثار البلاد: (٣٧٥).","vol":"1","page":36},{"text":"ولذا كان الإمام السمعاني محلا لثناء العلماء عليه، لِما آتاه الله تعالى من الفقه والعلم والديانة، يقول ابن القيسراني (^١): \"الإمام أبو المظفر السمعاني، صاحب السنة والفقه والعلوم \" (^٢)، وقد انهالت عليه عبارات المدح والثناء، التي كان هو مستأهلا لها، فمما قيل عنه:\n- \" فقد كان بحرا في الوعظ، حافظا لكثير من الروايات والحكايات، والنكت، والأشعار، فظهر له القبول عند الخاص والعام \" (^٣).\n- \" وكان إمام عصره بلا مخالف، أقر له بذلك الموافق والمخالف \" (^٤).\n- \" وكانت له يد طولى في فنون كثيرة \" (^٥).\n- \" الإمام، العلامة، مفتي خراسان، شيخ الشافعية \" (^٦).\n- \" ويقول إمام الحرمين: لو كان الفقه ثوبا طاويا، لكان أبو المظفر السمعاني طِرازه، وقال أبو علي بن الصفار: إذا ناظرت أبا المظفر، فكأني أناظر رجلا من أئمة التابعين، مما أرى عليه من آثار الصالحين \" (^٧).\nولذا فالإمام السمعاني بحق، وحيد عصره في وقته، فضلا، وطريقة، وزهدا، وورعا (^٨)، قال عنه الإمام السبكي (^٩): \"الرفيع القدر، العظيم المحل، المشهور الذكر، أحد من طبق الأرض ذكره، وعبق الكون نشره \" (^١٠).\n_________\n(^١) ابن القيسراني: محمد بن طاهر بن علي (٤٤٨ هـ - ت ٥٠٧ هـ)، رحالة، مؤرخ، من حفاظ الحديث، له كتب كثيرة منها: تأريخ أهل الشام، وتذكرة الموضوعات. الزركلي: الأعلام: (٦/ ١٧١)\n(^٢) ابن القيسراني: الأنساب المتفقة: (٢٠٠).\n(^٣) الذهبي: تأريخ الإسلام: (٣٣/ ٣٢٣).\n(^٤) اليافعي: مراءة الزمان: دار الكتب العلمية - بيروت، ط ١ - ١٤١٧ هأ، (٣/ ١١٥).\n(^٥) ابن كثير: البداية والنهاية: (١٢/ ١٨٩).\n(^٦) الذهبي: سير أعلام النبلاء: (١٤/ ١٥٥).\n(^٧) الذهبي: سير أعلام النبلاء: (١٤/ ١٥٧).\n(^٨) السبكي: طبقات الشافعية: (٥/ ٣٤٢).\n(^٩) السبكي: عبدالوهاب بن علي بن عبد الكافي، (٠٧٢٧ هـ - ت ٧٧١ هـ)، قاضي القضاة، المؤرخ، الباحث، كان طلق اللسان، قوي الحجة، انتهى إليه قضاء الشام وعزل، من مؤلفاته: جمع الجوامع. الزركلي: الأعلام: (٤/ ١٨٤).\n(^١٠) السبكي: طبقات الشافعية: (٥/ ٣٣٥).","vol":"1","page":37},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-21>المطلب الثالث: شيوخه وتلاميذه:</span>\nهذه القامة العظيمة، والمفخرة الكبيرة، لهذا الإمام العلم العلامة، الذي أجمع الناس على إمامته (^١)، فبلغت شهرته الآفاق، وانتفع الناس بعلومه، تتلمذ على نخبة من العلماء، فأخذ عنهم، واقتبس منهم، وتتلمذ عليه نخبة من طلاب العلم، الذين صاروا منارات للهدى يُقتدى بهم. وليس المقصود هنا جمع كل شيوخه وتلاميذه، وإنما الإشارة إلى أبرزهم:\nفمن شيوخه:\n١ - أبو غانم، أحمد بن علي الكُراعي، مُسنِد مرو، الكراعي نسبة إلى بيع الأكارع، توفي سنة ٤٤٤ هـ، وهو من أكبر شيوخ السمعاني (^٢).\n٢ - التُرابي، أبو بكر محمد بن عبدالصمد المروزي، الشيخ الجليل، المُعَمّر، مُسنِد خراسان، قال الذهبي: \" حدث وعُمِّر\" (^٣)، توفي سنة ٤٦٣ هـ (^٤).\n٣ - والده، أبو منصور محمد بن عبدالجبار السمعاني، كان إماما فاضلا، ورعا، متقنا، أحكم العربية واللغة، وصنف فيها التصانيف المفيدة، توفي سنة ٤٥٠ هـ (^٥).\n٤ - الحنّاط، وتعود هذه النسبة إلى بيع الحنطة، الحسن بن عبدالرحمن بن الحسن المكي الشافعي،، الشيخ العالم، الثقة، سمع منه أبو المظفر في مكة، توفي سنة ٤٧٢ هـ (^٦).\n٥ - الزنجاني، سعد بن علي بن محمد، كان سعد حافظا، متقنا، ثقة، ورعا، كثير العبادة، قال إسماعيل بن محمد الحافظ عنه: \"إمام كبير، عارف بالسنة\" (^٧)، توفي سنة ٤٧١ هـ، وله تسعون عاما (^٨).\n_________\n(^١) ابن القيم: مختصر الصواعق المرسلة: دار الحديث القاهرة، ط ١ - ١٤٢٢ هـ، (٤٨٤).\n(^٢) الذهبي: سير أعلام النبلاء: (١٤/ ١٥٥)، ابن كثير: طبقات الشافعيين: دار الوفاء، المنصورة، ط ١ - ٢٠٠٤ م، (٤٨٩).\n(^٣) الذهبي: المرجع السابق: (١٣/ ٤٠٨).\n(^٤) السمعاني: الأنساب: (٣/ ٣١).\n(^٥) المرجع السابق: (٧/ ٢٢٢).\n(^٦) المرجع السابق: (٤/ ٢٦٨)، الذهبي: سير أعلام النبيلا: (١٣/ ٤٧٦).\n(^٧) الذهبي: المرجع السابق: (١٣/ ٤٧٩).\n(^٨) السمعاني: المرجع السابق: (٦/ ٣٢٥).","vol":"1","page":38},{"text":"فهذه إطلالة موجزة لبعض شيوخ الإمام السمعاني، وإلا فإن شيوخه كُثر، حتى قال بعض من ترجم له: \" وجمع في الحديث ألف حديث عن مائة شيخ \" (^١).\nومن تلاميذه:\n١ - ولده الأكبر، محمد بن منصور بن محمد السمعاني، الفقيه، الأديب، المحدث، الحافظ، الواعظ، الخطيب، المبرز في علم الحديث، الجامع لأشتات العلوم، توفي سنة ٥١٠ هـ، وهو ابن ٤٣ سنة (^٢).\n٢ - الابن الثاني للسمعاني، الحسن بن منصور بن محمد، كان إماما، زاهدا، ورعا، كثير العبادة والتهجد، نظيفا منورا، مليح الشيبة، منقبضا عن الخلق، ولد بعد أخيه بسنتين، رُزق ثواب الشهداء آخر عمره، إذ دخل عليه اللصوص لوديعة كانت لإنسان عند زوجته، وخنقوه ليلة الإثنين سنة ٥٣١ هـ (^٣).\n٣ - السرخسي الشيرزي، أبو حفص عمر بن محمد بن علي، كان على سيرة السلف من ترك التكليف والتواضع، وكان فقيها، محققا، مدققا، حسن السيرة، كثير الدرس للقرآن، توفي سنة ٥٢٩ هـ (^٤).\n٤ - الفاشاني، أبو نصر محمد بن محمد بن يوسف، الإمام، الفاضل، العالم، الورع، برع في الفقه، وكان لطيف الطبع، كثير المحفوظ، حسن المحاورة، لا يمل جليسه منه، سمع الأكابر، ونشر العلم، توفي سنة ٥٢٩ هـ (^٥).\n٥ - التيمي، إسماعيل بن محمد بن الفضل الأصبهاني، الملقب بقوام السنة، إمام في التفسير، والحديث، واللغة، والأدب، عارف بالمتون والأسانيد، توفي سنة ٥٣٥ هـ (^٦).\nوقد روى عن الإمام السمعاني خلق كثيرون، يقول أبو سعد السمعاني: \" سمع الحديث الكثير في صغره وكبره، وانتشرت عنه الرواية، وكثر أصحابه وتلامذته \" (^٧).\n_________\n(^١) اليافعي: مرآة الجنان: (٣/ ١١٥).\n(^٢) السمعاني: المرجع السابق: (٧/ ٢٢٦)، السبكي: طبقات الشافعية: (٧/ ٥).\n(^٣) المرجع السابق: (٧/ ٢٢٧).\n(^٤) المرجع السابق: (٨/ ٢٢٧).\n(^٥) السمعاني: الأنساب: (١٠/ ١٣٥).\n(^٦) السمعاني: الأنساب: (٣/ ٤٠٨)، الذهبي: سير أعلام النبلاء: (١٤/ ٤٦٩).\n(^٧) السمعاني: المرجع السابق: (٧/ ٢٢٤).","vol":"1","page":39},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-22>المطلب الرابع: آثاره ومؤلفاته:</span>\nالنتاج العلمي للإمام أبي المظفر السمعاني كان كثيرا، يشمل فنونا عديدة، إلا أنه لم يوجد له شي من المصنفات على المذهب الحنفي الذي تحول عنه (^١)، وإنما كان الكثير من مصنفاته على المذهب الشافعي، يقول ابن العماد (^٢):\" وصنف في مذهب الشافعي كتبا كثيرة \" (^٣).\nيقول أبو سعد السمعاني عن مؤلفات جده:\" صنف التفسير الحسن المليح، الذي استحسنه كل من طالعه، وأملى المجالس في الحديث، وتكلم على كل حديث بكلام مفيد، وصنف التصانيف في الحديث مثل: منهاج أهل السنة، والانتصار، والرد على القدرية وغيرها، وصنف في أصول الفقه القواطع، وهو مغن عما صنف في ذلك الفن، وفي الخلاف البرهان، وهو مشتمل على قريب من ألف مسألة خلافية، والأوساط، والمختصر الذي سار في الآفاق والأقطار الملقب بالاصطلام، ورد فيه على أبى زيد الدبوسي، وأجاب عن الأسرار التي جمعها، وكان فقيها مناظرا\" (^٤).\nفهذه المؤلفات وغيرها، كأماليه في الحديث (^٥)، والطبقات (^٦)، والرسالة القوامية (^٧) التي صنفها لنظام الملك في تقديم أدلة الإمامة، كلها تدل على سعة اطلاع ونظر هذا الإمام الفذ، وجودته في التصنيف، وقدرته على التأليف، علما أن بعض هذه الكتب في حكم المفقود.\nوهنا أُشير إلى قضيتين:\nالأولى: فيما يتعلق بتنظيم العلوم عند السمعاني:\nفالعلم المختص لا يُدخل فيه غيره إلا لحاجة، وربما نبه على مثل ذلك.\n_________\n(^١) السبكي: طبقات الشافعية: (٥/ ٣٤٤).\n(^٢) ابن العماد: عبدالحي بن أحمد بن محمد (١٠٣٢ هـ - ت ١٠٨٩ هـ)، مؤرخ، فقيه، عالم بالأدب، له شذرات الذهب، مات في مكة حاجا. الزركلي: الأعلام: (٣/ ٢٩٠).\n(^٣) ابن العماد: شذرات الذهب: دار ابن كثير - دمشق، ط ١ - ١٤٠٦ هـ، (٥/ ٣٩٤).\n(^٤) السمعاني: الأنساب: (٧/ ٢٢٤).\n(^٥) أشار إليها الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء: (١٤/ ١٥٦).\n(^٦) أشار اليها العلامة ابن العماد في شذرات الذهب: (٥/ ٣٩٤).\n(^٧) أشار إليها الإمام السبكي في طبقات الشافعية: (٥/ ٣٤٦).","vol":"1","page":40},{"text":"ومن الأمثلة على ذلك: كتابه القواطع، خصصه لمسائل علم أصول الفقه، فتجده في أكثر من موطن منه، يُشير إلى بعض المسائل بأن متعلقها أبواب أصول الدين، وليس علم أصول الفقه، وإنما أشار إليها في هذا المقام لحاجة، ونادرا ما يطيل فيها، ومن النماذج:\n- مسألة إمامة علي بن أبي طالب ﵁، وأنها منصوص عليها، فقد أشار إليها عرضا في باب المتواتر، ثم قال: والمسألة من باب أصول الدين، وليست من باب أصول الفقه، فتركنا الإطناب في ذلك (^١).\n- وفي مسألة أول واجب على المكلف: بيَّن قول السلف وطريقتهم المباينة لطريقة المتكلمين، ثم قال: وهذا الكتاب (القواطع) إنما قصرناه على محض أصول الفقه، وليست هذه المسألة من باب أصول الفقه (^٢).\nوكذلك يُشير السمعاني في كتابه القواطع والتفسير، إلى بعض المسائل التي محلها علم الفقه والخلافيات، فلا يطيل في ذكرها، ولا يسهب في بحث مسائلها، وهو بهذا يؤكد على قضية استقلالية العلم المختص في فن من الفنون.\nالثانية: فيما يتعلق بترتيب كتبه زمنيا:\nيُعد كتاب القواطع للسمعاني من الكتب المتأخرة في التصنيف لداه؛ فتجده كثيرا ما يُشير فيه إلى مصنفاته الأخرى، فقد أشار فيه: إلى كتاب الانتصار، والاصطلام، والبرهان، ومنهاج السنة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-23>المطلب الخامس: وفاته:</span>\nبعد أن قضى الإمام السمعاني حياته في الرحلة للعلم وأهله، فأملى وحدث بها، ونشر العلوم وبثها، وكتب الفنون وخطها، وجاهد في الله تعالى حق جهاده، وافته المنية، فلحق بركب الصالحين، وانتقل إلى الله رب العالمين، تاركا وراءه خلفا صالحا يدعو له، وعلما نافعا يشفع له.\nفرحمة الله تعالى على هذا الإمام العلم، الذي وافته منيته عن ثلاث وستين سنة، حفلت بكل خير.\n_________\n(^١) - السمعاني: القواطع: ١/ ٣٣٢\n(^٢) - السمعاني: مرجع سابق: ٢/ ٦٨","vol":"1","page":41},{"text":"توفي يوم الجمعة الثالث والعشرين من ربيع الأول، سنة ٤٨٩ هـ، في مدينة مرو، ودفن بأقصى سنجدان إحدى مقابر مرو (^١)، ﵀ رحمة واسعة، وبلغه منازل العلماء الأبرار، والشهداء الأنقياء الأخيار.\n_________\n(^١) السمعاني: الأنساب: (٧/ ٢٢٥)، ابن كثير: البداية والنهاية: (١٢/ ١٨٩)، السبكي: طبقات الشافعية: (٥/ ٣٤٥).","vol":"1","page":42},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-24>المبحث الثالث: تفسير أبي المظفر السمعاني:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-25>المطلب الأول: نسبة التفسير لمؤلفه، ومكانته العلمية:</span>\nتفسير الإمام السمعاني، ضمن مصنفاته النفيسة، ومؤلفاته الثمينة، وآثاره الحميدة. وقد نص المترجمون للإمام السمعاني في مصنفاتهم، نسبة هذا الكتاب إليه، وتتابعوا على ذلك، يذكر ذلك اللاحق عن السابق، مما يدل على صحة نسبة التفسير إليه؛ إذ لا يمكن أن يتتابع العلماء جيلا بعد جيل، على ما يكون خطأً محضًا. وقد شهد بذلك أقرب الناس لهذا الإمام الجليل، وهو حفيده النسابة العلامة أبو سعد السمعاني فقال: \" صنف التفسير الحسن المليح، الذي استحسنه كل من طالعه \" (^١)، ونقل عنه الإمام الذهبي، وابن كثير، والسبكي (^٢)، وغيرهم هذه النسبة. وقال الإمام ابن الجوزي في تأريخه:\"وصنف التفسير \" (^٣). وقال العلامة الرافعي القزويني: \" وصنف الإمام أبو المظفر التفسير في ثلاثة مجلدات\" (^٤). وقال المؤرخ ابن تغري بردي: \" وصنف التفسير \" (^٥).\n_________\n(^١) السمعاني: الأنساب: (٧/ ٢٢٤).\n(^٢) ينظر: الذهبي: سير أعلام النبلاء: (١٤/ ١٥٦)، ابن كثير: البداية والنهاية: (١٢/ ١٨٩)، السبكي: طبقات الشافعية: (٥/ ٣٤٢).\n(^٣) ابن الجوزي: المنتظم: (١٧/ ٣٧).وابن الجوزي: هو عبدالرحمن بن علي (٥٠٨ هـ - ت ٥٩٧ هـ)، صاحب التصانيف المشهورة منها: التحقيق في أحاديث الخلاف. ابن كثير: البداية والنهاية: (١٣/ ٢٨).\n(^٤) الرافعي: التدوين في أخبار قزوين: (٤/ ١١٩)، والرافعي: هو عبدالكريم بن محمد، من علماء الشافعية، وصاحب المصنفات المفيدة في كل الفنون. الزركلي: الأعلام: (٤/ ٥٥).\n(^٥) ابن تغري بردي: النجوم الزاهرة: (٥/ ١٦٠).","vol":"1","page":43},{"text":"وقال العلامة اليافعي: \" وله تفسير القرآن العزيز، كتاب نفيس \" (^١).\nوقال العلامة ابن العماد: \" وله تفسير جيد حسن \" (^٢).\nوكثيرون غير هؤلاء ممن ترجم للإمام السمعاني، أشاروا إلى نسبة الكتاب إليه.\nوتقدمت الإشارة في كلام الأئمة عن كتاب التفسير، بأنه تفسير حسن مليح، نفيس، جيد، وهذا لا شك فيه، فكل من اطلع على هذا الكتاب استحسنه واستملحه؛ لما حواه من فنون العلم، ودرر الفوائد، ولذا كان هذا التفسير، محط أنظار العلماء وطلاب العلم. فكل طالب علم، في تخصصات العلوم الشرعية المتنوعة، يجد بغيته في هذا التفسير. وسيظهر هذا جليا في بيان ميزات تفسير السمعاني، في المطلب الثاني.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-26>المطلب الثاني: ميزات تفسير الإمام السمعاني </span>(^٣):\nاختلفت الكتب المؤلفة في التفسير، من جهة عرضها، وأسلوبها، وطريقتها، وطولها، وقصرها. وتمايزت هذه المؤلفات من جهة خدمتها للنص القرآني المباشر، دون الخوض فيما وراء النص، بما بات يُعرف عند بعض المفسرين، بظاهر النص وباطنه.\n_________\n(^١) اليافعي: مرآة الجنان: (٣/ ١١٥)، واليافعي: هو عبدالله بن أسعد (٦٩٨ هـ - ت ٧٦٨ هـ)، مؤرخ، باحث، متصوف. الزركلي: الأعلام (٤/ ٧٢).\n(^٢) ابن العماد: شذرات الذهب: (٥/ ٣٩٤).\n(^٣) ينظر:\nمنهج الإمام السمعاني في تفسيره، رسالة علمية مقدمة لنيل درجة الماجستير من جامعة عدن لعام ١٤٣٤ هـ، للباحث: حلمي علي المنصوري.\nأبو المظفر ومنهجه في التفسير، رسالة علمية مقدمة لنيل درجة الدكتوراه من جامعة أم درمان الإسلامية، لعام ١٤٢٦ هـ، للباحث: خالد بن يوسف بن واصل.\nأبو المظفر السمعاني ومنهجه في التفسير، بحث مقدم للمؤتمر القرآني الدولي السنوي، أ. د: غالب محمد حامضي، رئيس قسم الكتاب والسنة بجامعة أم القرى بمكة المكرمة.\nأبو المظفر السمعاني ومنهجه في التفسير، بحث مقدم في مجلة المنارة، مجلد ١٢، عدد ٣، لعام ٢٠٠٦ م، من الباحث: فايز صالح الخطيب.","vol":"1","page":44},{"text":"ولذا كانت جُل أنظار العلماء وطلاب العلم، منصبة إلى التفاسير التي عُنيت بالمنهج السلفي في التعامل مع النص القرآني، الذي يعتمد على تفسير القرآن بالقرآن، والقرآن بالسنة، وبكلام الصحابة، وبما صح في لغة العرب.\nومن هذه التفاسير التي حظيت باهتمام بالغ، من شريحة العلماء وطلاب العلم، تفسير الإمام أبي المظفر السمعاني، الذي حاز كثيرا من الفضائل والميزات، التي جعلته يتبؤا مكانا عاليا بين كتب التفاسير الأخرى.\nولا أدل على ذلك، من الإشادة الواسعة من أهل العلم بهذا التفسير بأنه: تفسير جيد حسن مليح، سهل العبارة، جميل الإشارة، قريب التناول، يقرب المعنى بلفظ موجز، ويقرر المعاني تقريرا صحيحا سليما، خاليا عن ألوان البدع والخرافات والأوهام، بعيدا كل البعد عن المصطلحات الفلسفية، والقوانين الكلامية، وهذا أهم ما يُميز الإمام السمعاني في هذا الباب، وهو بُعده عن المناهج الكلامية التي تُؤثر على فهم النص القرآني، والتعاطي الصحيح معه.\nومن أهم مميزات تفسير الإمام السمعاني:\n١ - أنه وسط بين اختصارٍ قد يُخل ببعض المعاني، أو تطويلٍ قد يشتت ذهن القارئ. فهو يُعطي النصوص القرآنية حقها من الإيضاح والبيان، دون إسهاب ولا نقصان.\n٢ - تفسير السمعاني قد حوى في طريقته غالب مناهج المفسرين، فهو في غالبه تفسير إجمالي، وفي جهات منه تفسير تحليلي، وفي أنحاء أخرى تفسير مقارن.\n٣ - أنه تفسير متنوع المصادر، فقد أفاد السمعاني من العلماء قبله، في شتى العلوم والمعارف التي ضمنها تفسيره، فأصبح تفسيره غنيا بمصادره، غزيرا بفوائده.\n٤ - عنايته بالمأثور في تفسيره، فكان يُفسر القرآن بالقرآن، وبالسنة، وبكلام السلف.\n٥ - اهتمامه بذكر اللطائف، وحل الإشكالات التي تطرأ على النصوص، وكان غالبا ما يصدرها بقوله: (فإن قال قائل).","vol":"1","page":45},{"text":"٦ - أنه تفسير غني بالاستنباطات العلمية (^١)، التي تُنبئ عن علم دقيق، وفهم عميق.\n٧ - أنه حديقة غنّاء، يقتطف منه طالب العلم والمعرفة من كل فن قطفة، فتفسير السمعاني امتاز:\n- بإيراد أسباب النزول، والناسخ والمنسوخ، وغيرها من علوم القرآن الأخرى.\n- واستشهاده بالقراءات وتوجيهها.\n- واعتماده على اللغة العربية وأهلها، في فهم المفردة القرآنية، والرد على أهل البدع الذين جعلوا من المفردة القرآنية، مطية للوصول إلى العقائد الفاسدة.\n- اعتماده على الشعر في توضيح المعاني، وفهم بعض المرادات.\n- نقله لبعض مسائل الفقه.\n- تقريره لمسائل العقيدة.\nوبالإجمال: فإن تفسير الإمام السمعاني، تفسير سهل وسط، كُتب بأجمل الألفاظ، وأعذب العبارات، سهل ميسور، بعيد عن التعقيد، يمكن للمتخصص وغيره الإفادة منه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-27>المطلب الثالث: المآخذ على تفسير الإمام السمعاني:</span>\nكل مُؤلِفٍ يسعى للكمال، ولكن أبى الله تعالى إلا أن يجعل الكمال والعصمة في كتابه العزيز، ولذا لا يخلو مُؤلَّف من المؤلفات، من خطأٍ أو تقصير، \" فقلما يخلو إنسان من نسيان، وقلم من طغيان \" (^٢)، وما أجمل وأحسن قول من قال: \" أني رأيت أنه لا يكتب إنسان كتابه في يومه، إلا قال في غده: لو غير هذا لكان أحسن، ولو زيد لكان يستحسن، ولو قدم هذا لكان أفضل، ولو ترك هذا لكان أجمل، وهذا من أعظم العبر، وهو دليل على استيلاء النقص على جملة البشر\" (^٣).\n_________\n(^١) ينظر: استنباطات السمعاني في كتابه تفسير القرآن ومنهجه فيه، رسالة علمية مقدمة لنيل درجة الماجستير في القرآن وعلومه، من جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، لعام ١٤٣٢ هـ، للباحث: فهد القويفل.\n(^٢) أبو الفضل الميداني: مجمع الأمثال، دار المعرفة - بيروت، دون ذكر رقم الطبعة وتاريخها، (١/ ١).\n(^٣) حاجي خليفة: كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون، دار الكتب العلمية، ١٩٤١ م، (١/ ١٤).","vol":"1","page":46},{"text":"ولذا يأتي اللاحق، فيُكمل نقصا، أو يجمع متفرقا، أو يُفصِّل مجملا، أو يُهذب مطولا، أو يرتب مخلطا، أو يُعيّن مبهما، أو يبين خطأ. وهذا ليس فيه غض من حق أحد، أو تنقص له، أو إسفاف به، وإنما هذا شان علم البشر.\nعلما أن بعض هذه المآخذ هي محل نظر واجتهاد، كمن أشار إلى قلة عرضه للمسائل الفقهية، أو تقعيده لمنهج السلف في الاستدلال في العقائد، أو التوسع في التفسير في مقام دون آخر، فهذه وغيرها من المآخذ خاضعة للنظر والاجتهاد، فهي أمور نسبية، فقد تكون عند بعضهم مآخذ، وعند غيرهم ميزات.\nومن المآخذ التي أُخذت على تفسير السمعاني:\n١ - ذكره للإسرائيليات، وإن كان هو قليلُ الأخذ بها بالنسبة لغيره من المفسرين.\n٢ - إيراده لبعض الأحاديث الضعيفة دون التنبيه عليها.","vol":"1","page":47},{"text":"٣ - اعتماده كثيرا في النقل عن محمد بن الحسن النقاش (^١) المقرئ المفسر، وهو متكلم فيه.\n_________\n(^١) - هو محمد بن الحسن بن محمد بن زياد، المعروف بأبي بكر النقاش الموصلي الأصل البغدادي. عالم بالقرآن والتفسير، صنف تفسيرا أسماه: (شفاء الصدور)، وله الإشارة في غريب القرآن وغيرهما. اتهم بالكذب، فقال طلحة بن محمد بن جعفر: كان يكذب في الحديث، والغالب عليه القصص. ولكن تصدى لهذه الدعوى الحافظ ابن الصلاح، فقال:\" وأما طلحة بن محمد فمعتزلي داعية مجروح ... فكيف يُرجع إليه في مثل هذا ويُعتمد؟ لا سيما في مثل النقاش على جلالته وشهرته بين أهل القرآن بما يُوجب طهارة ساحته \" طبقات الفقهاء الشافعيين:١/ ١٤٢، ويجنح ابن الصلاح إلى أن ما ورد عن الأئمة في جرح النقاش لا يعدو أن يكون نسبة لرواية المناكير، فقال (١/ ١٤٢):\" وما ذكرناه عن الحفاظ ليس فيه تكذيب، وليس فيه أكثر من أن نسبوه إلى رواية المناكير وما لا يثبت، وعنها وقع الذم لتفسيره \".وممن وثقه أبو عمرو الداني، جاء في الوافي بالوفيات (٢/ ٢٥٥):\" قال الشيخ شمس الدين: وضح أن هذا الرجل مع جلالته ونبله متروك ليس بثقة، وأجود ما قيل فيه، قول أبي عمرو الداني: النقاش مقبول الشهادة \"، ولذا قال الذهبي في السيّر (١٢/ ١٢٥):\"قلت: قد اعتمد الداني في التيسير على رواياته للقراءات، فالله أعلم؛ فإن قلبي لا يسكن إليه، وهو عندي متهم، عفا الله عنه \"، ويقول أيضا:\"ولو تثبت في النقل، لصار شيخ الإسلام\". فالناس منقسمون فيه، كما قال السبكي في طبقاته (٣/ ١٤٦):\" وثقه أبو عمرو الداني وقبله وزكاه، وضعفه قوم مع الاتفاق على جلالته في العلم\"، وممن نقده البرقاني، قال: كل حديث الناس مناكير، ليس في تفسيره حديث صحيح، وقال هبة الله اللالكائي: تفسير النقاش إشفاء للصدور، وليس شفاء للصدور، وقال الخطيب: وفي حديثه مناكير بأسانيد مشهورة .. انظر: ابن كثير: طبقات الشافعيين:٢٩٤، وقال الحافظ ابن حجر في لسان الميزان (٥/ ١٣٢):\" ووهاه الدارقطني، وذكر ابن الجوزي أنه حدث عن ابن محمد بن صاعد فدلس جده، وقال: يحيى بن محمد بن عبد الملك، وذكر عنه حديثا موضوعا في فضل الحسين، لا أرى الآفة فيه إلا من النقاش \"، وقال السيوطي في طبقات الحفاظ (٣٧١):\"ومع جلالته فهو متروك الحديث، وحاله في القراءات أمثل \".","vol":"1","page":48},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-28>المطلب الرابع: منهج الإمام السمعاني في تفسيره:</span>\nامتاز تفسير الإمام السمعاني - كما سبق - بتنوع مصادره، والثراء العلمي الغزير، الذي ضمنه السمعاني تفسيره.\nوكان دمج هذه العلوم والمعارف وترتيبها في مواضعها، أمر شاق، يحتاج لدقة في التصنيف، ودربة في التأليف. وقد جاء تفسير السمعاني على منهج فريد، فقد أزاح الستار عن المشكلات، وبيّن المجملات، وأظهر المحتملات، ورد المتشابهات إلى المحكمات، فكان تفسيرا وافيا شاملا لغالب المقاصد، والمعاني، والمرادات.\nوكان تعامله مع النصوص يسير حسب الحاجة، فما احتاج لبيان سبب نزول بينه، وما افتقر لإيضاح غريب أوضحه، وما تعيّن فيه استنباط حكم استنبطه، ومتى ظهر إشكال أظهره وتعقبه.\n\nومن الملامح العامة لمنهج السمعاني في تفسيره:\n١ - نقده لبعض الروايات، وحكمه عليها بالضعف أو الغرابة.\n٢ - اهتمامه بذكر الأقوال في تفسير الآية، وربما أشار إلى سبب الخلاف فيها.\n٣ - أن منهجه حيال أقوال المفسرين، يقوم على الجمع، أو الترجيح، أو التوقف دون ترجيح.\n٤ - حكايته لبعض إجماعات المفسرين.\n٥ - إيراده لبعض التقسيمات المفيدة، التي تجمع شتات المسائل.\n٦ - اهتمامه بتعريف المصطلحات الشرعية، كالإيمان، والصلاة، وغيرهما.\n٧ - الربط بين المعاني اللغوية والشرعية، في المصطلحات التي يتطرق إليها.\n٨ - اهتمامه بفن الوقف والابتداء.\n٩ - بيان الحق فيما ظاهره التوهم في بعض النصوص.\n١٠ - اهتمامه بذكر بعض القواعد والفوائد اللغوية والأصولية.\n١١ - اهتمامه بذكر أصول الكلمات العربية، واشتقاقاتها اللغوية.\n١٢ - اهتمامه بذكر التعليل.\n١٣ - ذكره لنفائس العلوم، وفضائل الفنون، المستنبطة من النصوص.\n١٤ - الإشارة إلى علم الآداب والأخلاق والسلوك.\nوبالإجمال: فهو تفسير حافل بالعلوم والمعارف، مليء بالفنون واللطائف.","vol":"1","page":49},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-29>المبحث الرابع: منهجه في دراسة العقيدة:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-30>المطلب الأول: المنهج العام في دراسة مسائل العقيدة:</span>\nالمتتبع لمسار الإمام السمعاني العلمي والمنهجي في تعاطيه لمسائل العقيدة، دراسة وتأصيلا وتقعيدا، يلمح المنهج الفريد الذي تميز به، والنَفَس العالي الذي تمتع به، ويدرك معنى الشمول الذي ظهر في شخصيته، خاصة في زمنه الذي ظهرت فيه البدع واحتدت، وعلت فيه المقالات المخالفة واشتدت. والسمعاني لم يكن وحيدا في هذا الباب، بل هو تطور طبيعي لسلسة النقد العلمي البناء المنصب على مقالات المخالفين، فهو يسير في ركاب العلماء الذين سبقوه، ملتمسا منهم الأصول العامة للمنهجية المنضبطة التي يحصل بها التعاطي مع مسائل المعتقد، بعيدا عن الأهواء والانحرافات التي أصابت الفكر في مقتل، ولذا كان السمعاني مجتهدا، مع كثرة أقرانه، ووفرة إخوانه.\nوكانت لرحلات السمعاني المتعددة في الأمصار، ولقياه بأهل العلم المتخصصين في جميع الفنون، الأثر البالغ في تكوين الشخصية العلمية لديه، والتي ظهرت من خلال تبنيه لمنهج السلف - المستقى من نصوص القرآن والسنة - وتقرير قواعده، وتأصيل مسائله، والمنافحة عنه، ومجابهة مخالفيه والرد عليهم. وهذا يظهر جليا لكل من نظر في كتبه ومصنفاته، خاصة ما كتبه في تفسير القرآن الكريم، والذي كان أرضا خصبة لتقرير المنهج السلفي على ضوء النص القرآني، وهو كذلك الذي أعطى السمعاني سعة للتأكيد على المعتقد الصحيح كلما حلت مناسبة، أو سنحت فرصة.\nوأما الإطار العام الذي سار عليه الإمام السمعاني في دراسة مسائل العقيدة، فهو يدور حول عدة مرتكزات، علما أن المنهج العام الذي تمحورت فيه شخصية السمعاني في هذا الباب، ظهرت من جهتين: من جهة التأصيل والبيان، ومن جهة الرد والتفنيد للشبهات.\nوالمرتكزات العامة التي سار عليها السمعاني في دراسة العقيدة تقوم على ما يلي:\nأولا: ضبط منهج السلف: وهذا يظهر جليا في تقريراته لمسائل المعتقد وغيرها، فكان يدور في فلكهم، وكانت المسائل الكبرى والأصول العامة مقررة على طريقتهم، وبنظرة سريعة في المسائل التي بثها في تقرير أصول الإيمان الستة، تظهر ملامح ضبطه للمنهج السلفي.","vol":"1","page":50},{"text":"والضبط للمنهج السلفي عند السمعاني يقوم على أمرين: ضبط حروفهم وألفاظهم في تأصيل المسائل والرد على المخالفين، والتعبير عنها بأسلوبه الخاص، وضبط أصول الاستدلال لديهم.\nومن الأمثلة الظاهرة على الأمر الأول من جهة التأصيل:\n- في ضبط باب الصفات الإلهية يقول مقررا منهج السلف: وهو كما وصف به نفسه من غير تكييف. (^١)\n- وفي ضبط باب الإيمان يقول: والإيمان في الشريعة يشتمل على الاعتقاد بالقلب، والإقرار باللسان، والعمل بالأركان. (^٢)\n- وفي ضبط باب القدر يقول عن ركن المشيئة: رد مشيئتهم إلى مشيئته، والمعنى: لا يريدون إلا بإرادة الله، وهو موافق لعقائد أهل السنة، أنه لا يفعل أحد شيئا، ولا يختاره، ولا يشاؤه، إلا بمشيئة الله. (^٣)\nومن الأمثلة الظاهرة على الأمر الأول من جهة الرد والتفنيد:\n- رده على الاعتقاد الفاسد في الكواكب الذي كان شائعا عند المنجمين، فقال عند تفسير قوله تعالى: (الجوار الكنس) (التكوير ١٦): وهذه الكواكب هي التي يسميها المنجمون المتحيرة، وقد تفردت، حيث تسير بخلاف سائر الكواكب ... ويحيلون عليها الأفعال في العالم، ونحن نبرأ إلى الله تعالى من هذا الاعتقاد، ونحيل الجميع على الله تعالى. (^٤)\n- ورده على المعتزلة في نفيهم الصفات، فقال في تفسير قوله تعالى: (أنزله بعلمه) (النساء ١٦٦): فيه دليل على أن لله علما، هو صفته، خلاف قول المعتزلة خذلهم الله. (^٥)\n- وفي رده على القدرية في باب القضاء والقدر، قال عند تفسير قوله تعالى: (لا يُسئل عما يفعل وهم يُسألون) (الأنبياء ٢٣): وفي الآية رد على القدرية، وقطع شبهتهم بالكلية. (^٦)\nوأما الأمر الآخر فهو ظاهر جلي من جهة استدلاله بالنصوص، وبناء الأحكام عليها.\nثانيا: التزامه بمذهب السلف وتعظيمه: وهذا يظهر من عدة جهات:\n_________\n(^١) - السمعاني: نفسير القرآن: ٣/ ١٧٧\n(^٢) - مرجع سابق: ١/ ٤٣\n(^٣) - مرجع سابق: ٦/ ١٢٤\n(^٤) - مرجع سابق: ٦/ ١٦٩\n(^٥) - مرجع سابق: ١/ ٥٠٤\n(^٦) - مرجع سابق: ٣/ ٣٧٤","vol":"1","page":51},{"text":"١ - تصريحه بالتزام مذهب السلف: فقد ذكر في ثنايا حديثه ورده على القائلين: بأن أول واجب على الإنسان النظر: وقد ذكرنا في كتاب الانتصار لأصحاب الحديث، واخترنا طريقة السلف وما كانوا عليه في هذا الباب، ونقلنا عن عامة الأئمة ما يوافق ما اخترناه وذكرناه. (^١)\n٢ - حثه وتحضيضه على التزام مذهب السلف واتباعه: فقال في معرض رده على المتكلمين: فعلى الطريقة التي ذكرتها، ينبغي أن يتكلم المسلم ويعتمد علاه، ولا يغتر بزخارف القول، وليتبع طريقة السلف الصالح والأئمة المرضية، من الصحابة ومنهج التابعين بإحسان؛ لبيان السعادة العظمى، ويصل إلى الطريقة المثلى (^٢)، وقال: وشعار أهل السنة: اتباعهم السلف الصالح، وتركهم كل ما هو مبتدع محدث (^٣)، وقال: فتبين لنا أن الطريق عند الأئمة الهادية: اتباع السلف والاقتداء بهم، دون الرجوع إلى الآراء (^٤)\n٣ - جزمه بمذهب السلف مذهب أهل السنة والجماعة، ونصرته له؛ كقوله مثلا: واعلم أن الرؤية حق على مذهب أهل السنة (^٥)، وكثيرا ما تجد أمثال هذه العبارات في كلام السمعاني: (والمختار ما عليه السلف - وقد كان السلف - وهو المنقول عن السلف - وعن كثير من السلف - وعن بعض السلف - هو الأولى والأقرب بمذهب السلف - واختلف السلف - وهذا القول مأثور عن السلف) وغيرها من العبارات التي تدل على أمرين:\nأولا: سعة علمه بمذهب السلف، وهذا ظاهر في كلامه وتقريره لمذهبهم، وكثيرا ما يُشير إلى هذه الألفاظ: (السلف، وأهل السنة) مع أن كلامه لا يخلو من نقولات مستفيضة عن أئمة السلف، وهذا بدوره يُربي طالب العلم على احترام مذاهب السلف، والحرص عليها، والنهل منها؛ لأنها تحوي العلم الصحيح المؤصل. وثانيا: تقديم مذهب السلف على غيره، والانتصار له.\n_________\n(^١) - السمعاني: قواطع الأدلة: ٢/ ٦٨\n(^٢) - مرجع سابق: ٢/ ٣٤٨\n(^٣) - السمعاني: الانتصار: ٣١\n(^٤) - مرجع سابق: ١٠\n(^٥) - السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ١٣٢","vol":"1","page":52},{"text":"٤ - ثناؤه العاطر على جهود علماء أهل السنة والجماعة، ومن ذلك قوله بعد بيان تهافت القول بالصرفة: ولا يحتمل هذا الموضوع بيان وجوه الإعجاز في القرآن، وقد كفينا مؤنة ذلك بحمد الله بمنه، وأعني بذلك جماعة من علماء أهل السنة، والله يشكر سعيهم، ويرحمهم وإيانا بمنه (^١).\nثالثا: المنهج المعرفي للسمعاني: يقوم على الوحي، فهو يُقر أصالة بدلالة الوحي، وأنها مصدر المعارف الصحيحة المتعلقة بالغيبيات وغيرها، ولذا كان من الطبيعي أن يكون السمعاني معظما للنصوص، مُسلِّما لها، لا يتعرض لها برد ولا بتأويل فاسد، ولا يُعارضها بهوى أو عقل أو ذوق أو قياس، يقول في بيان ذلك: واعلم أن الخطة الفاصلة بيننا وبين كل مخالف، أننا نجعل أصل مذهبنا الكتاب والسنة، ونستخرج ما نستخرج منهما، ونبني ما سواهما عليهما، ولا نرى لأنفسنا التسلط على أصول الشرع حتى نقيمها على ما يوافق رأينا وخواطرنا وهواجسنا، بل نطلب المعاني، فإن وجدناها على موافقة الأصول من الكتاب والسنة، أخذنا بذلك وحمدنا الله تعالى على ذلك. وإن زاغ بنا زائغ، ضعفنا عن سواء صراط السنة، ورأينا أنفسنا قد ركبت البنيان، وبركت الجدد، اتهمنا آراءنا، فرجعنا بالآية على نفوسنا، واعترفنا بالعجز، وأمسكنا عنان العقل؛ لئلا يتورط بنا في المهالك والمهاوي، ولا يعرضنا للمعاطب والمتالف، وسلمنا الكتاب والسنة عليها، وأعطينا المقادة، وطلبنا السلامة، وعرفنا أن قول سلفنا من أن الإسلام قنطرة لا تعبر إلا بالتسليم (^٢).\nرابعا: سعة علمه بمقالات المخالفين: وهذه السعة أكسبته معرفة دقيقة بالشبه التي عولوا عليها للاستدلال لمذاهبهم، وتمرير أفكارهم، استطاع السمعاني من خلالها الرد على هذه الشبه وتفنيدها، وقد محا قلم السمعاني كثيرا من شبه المتكلمين من المعتزلة القدرية وغيرهم.\n_________\n(^١) - السمعاني: قواطع الأدلة: ١/ ٣٠\n(^٢) - السمعاني: قواطع الأدلة: ١/ ٣٧٠","vol":"1","page":53},{"text":"خامسا: وضوحه في بيان المعتقد الصحيح والاستدلال عليه: وهذا ظاهر في صنيعه في جميع أبواب العقائد، فتجده يقرر المعتقد الصحيح المبني على الدلالات البينة الواضحة بأسهل عبارة؛ فمثلا فيما يتعلق بالاستدلال بالمخلوقات على وحدانية الله تعالى، يقول السمعاني في تفسير قوله تعالى: (ألم تر أن الله خلق السموات والأرض بالحق) (إبراهيم ١٩): معنى خلق السموات والأرض بالحق: ما نصب فيها من الدلائل على وحدانيته وسائر صفاته (^١)، ويقول في تقرير مذهب السلف في باب الصفات الإلهية، في صفة الاستواء لله تعالى مثلا: وأما أهل السنة فيتبرؤون من هذا التأويل، ويقولون: إن الاستواء على العرش صفة لله تعالى، بلا كيف (^٢)، وهذه مجرد نماذج تُبين مدى وضوح السمعاني في بيانه لمسائل العقائد.\nسادسا: بُعده التام عن قواعد المتكلمين وقوانينهم: وهذا يظهر جليا في التنفير منها، والتحذير من خطورتها، ومن ذلك قوله: وإياك - رحمك الله - أن تشتغل بكلامهم، ولا تغتر بكثرة مقالاتهم، فإنها سريعة التهافت، كثيرة التناقض (^٣).\nسابعا: مباينته لمناهج أهل الأهواء والبدع، وطرائقهم في الاستدلال: فأهل البدع يُقدسون العقل، ويجعلونه ميزانا للقبول والرد، ويستحدثون أصولا جديدة للاستدلال، وطرائق محدثة للاستنباط، يحرفون بها النصوص، ويتأولونها لغير مراداتها، مما ينتج عنه خلل في الفهم، وخطأ في التطبيق، وانحراف في التأصيل.\n_________\n(^١) - السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ١١٠\n(^٢) - مرجع سابق: ٢/ ١٨٨\n(^٣) - السمعاني: الانتصار: ٧١","vol":"1","page":54},{"text":"ثامنا: ميله في الغالب لقول الجمهور: ففي الغالب يميل السمعاني في المسائل العقائدية التي جرى فيها خلاف إلى قول جمهورهم، فمثلا: في مسألة التوبة من القتل العمد، حين حكى خلاف السلف فيه، رجح قول أكثرهم، فقال: والأصح، والذي عليه الأكثرون، وهو مذهب أهل السنة: أن لقاتل المؤمن عمدا توبة (^١)، ومثله: حين ذكر الخلاف في حقيقة تكلم النار، في قوله تعالى: (وتقول هل من مزيد) (ق ٣٠)، فقال: والأصح أن هذا النطق من جهنم على طريق الحقيقة، وهذا اللائق بمذهب أهل السنة في الإيمان بتسبيح الجمادات (^٢).\nتاسعا: عدم الإغراق في الردود: فالمتتبع لأسلوب السمعاني يجد أنه يكتفي في الردود في باب العقائد، بأقربها إلى الفهم وأيسرها وأوضحها، ولا تكاد تجده يُغرق في هذا الباب، بل يكتفي بنقض قول المخالف بأقرب عبارة. وهذا يُبين أسلوب السمعاني التصنيفي في هذا الباب؛ فأسلوبه في باب التقرير، يختلف عن أسلوبه في باب الرد والتفنيد، ففي تقرير المسائل العقائدية يُسهب غالبا في إيراد الأقوال والأدلة، وأوجه الاستدلال، في حين يُوجز في الرد على شبهات المخالفين على الأغلب من شأنه، ما لم يقتض الأمر إسهابا.\nعاشرا: الاحتجاج بالسنة في باب العقائد مطلقا، متواترها وآحادها، وقد نافح السمعاني بشدة في كتابيه الانتصار والقواطع عن حجية خبر الواحد، وأنه يفيد العلم، وقال عند تفسير قوله تعالى: (فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون) (التوبة ١٢٢): واستدل أهل الأصول بهذه على وجوب قبول خبر الواحد، والمسألة في الأصول كبيرة (^٣)، وقال في الانتصار: إن الخبر إذا صح عن رسول الله ﷺ، ورواه الثقات والأئمة، وأسنده خَلَفَهم عن سلفهم إلى رسول الله ﷺ، وتلقته الأمة بالقبول، فإنه يُوجب العلم فيما سبيله العلم (^٤).\n_________\n(^١) - السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٤٦٣\n(^٢) - مرجع سابق: ٥/ ٢٤٥\n(^٣) - مرجع سابق: ٢/ ٣٦٠\n(^٤) - السمعاني: الانتصار: ٣٤، وانظر: قواطع الأدلة: ١/ ٣٣٢","vol":"1","page":55},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-31>المطلب الثاني: المنهج الاستدلالي لدراسة مسائل العقيدة:</span>\nالسمعاني من أهل النظر والاجتهاد، وهو من أهل المعرفة بالدلائل وطرق الاستدلال، وممن له معرفة ودراية فائقة بأصول الاستنباط، يَعرف هذا كل من نظر في تصانيفه ومؤلفاته، ولذا كان المنهج الاستدلالي عند السمعاني منهجا متميزا، يقوم على فهم دقيق، ونظر ثاقب، فهو من أهل هذا الفن وأساطينه، ولما كان السمعاني قد حاز قصب السبق في زمنه في علم أصول الفقه - يشهد له كتابه القواطع - الذي يُعد علما تأصيليا لأصول الاستدلال وطرق الاستنباط، فقد كان لهذا العلم أثر بارز في تشكيل الفهم الصحيح، والاستدلال الواضح القريب للإمام السمعاني، والإمام السمعاني قد أبان عن أصول الأدلة التي يُعتمد عليها في الاستدلال، فقال: \" عامة الفقهاء الأصول أربعة: الكتاب، والسنة، والإجماع، ومعقول الأصل وهو القياس\" (^١)، وصحح هذا القول؛ لأنه أشار إلى أن بعضهم ضم إلى هذه الأصول الأربعة بعض الأصول الأخرى؛ كالعقل، والحس، واللغة، ورد على من جعلها أصولا للأدلة.\nفمنهج الإمام السمعاني الاستدلالي يقوم على عدة مرتكزات:\nأولا: الاهتمام بنقل الإجماعات في المسائل التي يقررها ويُؤصل لها: وقد استدل له بقوله تعالى: (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى) (النساء ١١٥): واستدل أهل العلم بهذه الآية على أن الإجماع حجة (^٢)، وقال: الإجماع حجة من حجج الشرع، ودليل من دلائل الله تعالى على الأحكام، وهو حجة مقطوع بها (^٣)، ومرة يذكر إجماع أهل السنة، ومرة أخرى يذكر إجماع المفسرين، ومن المواطن التي حكى فيها الإجماع في هذا الباب بنوعيه قوله:\n- والقرآن كلام الله غير مخلوق، وعليه إجماع أهل السنة (^٤).\n- والأخبار في الشفاعة كثيرة، وأول من أنكرها عمرو بن عبيد، وهو ضال مبتدع بإجماع أهل السنة (^٥).\n_________\n(^١) - السمعاني: قواطع الأدلة: ١/ ٢٢\n(^٢) - السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٤٧٩\n(^٣) - السمعاني: قواطع الأدلة: ١/ ٤٦٢\n(^٤) - السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٩٠\n(^٥) - السمعاني: مرجع سابق:٣/ ٢٧٠","vol":"1","page":56},{"text":"- (عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا) (الإسراء ٧٩):أجمع المفسرون أن هذا مقام الشفاعة (^١).\nفالسمعاني يحتج بالإجماعات في أبواب العقائد، ومن ذلك قوله: وكذلك أجمع أهل الإسلام متقدموهم ومتأخروهم، على رواية الأحاديث في صفات الله ﷿، وفي مسائل القدر، والرؤية، وأصل الإيمان، والشفاعة، والحوض، وإخراج الموحدين المذنبين من النار، وفي صفة الجنة والنار، وفي الترغيب والترهيب، والوعد والوعيد، وفي فضائل النبي ﷺ، مناقب أصحابه، وأخبار الأنبياء المتقدمين عليه، وكذلك أخبار الرقائق والعظات، وما أشبه ذلك مما يكثر عده وذكره (^٢).\nثانيا: استدلاله بالمحكمات البينات الواضحات: وهذا بين في استدلالاته على المسائل الكبرى، ومن أمثلة ذلك: استدلاله على ثبوت الصفات الإلهية لله تعالى بأدلة واضحة بينة، بعيدا عن تحريفات المتأولين، الذين يتعلقون ببعض المتشابهات التي يردون بها الحق الواضح البين، ويعلقون عليها آراءهم.\nثالثا: استدلاله بأقوال الصحابة والتابعين، وقول أئمة اللغة والقراءات: وهذا مبثوث في كلامه.\nرابعا: اهتمامه بالتعليل: خاصة أن السمعاني يُورد بعض التساؤلات التي تحتاج لجواب مُعَلل، وهذا موجود بكثرة في تفسيره، وذكر السمعاني أن الصحابة كانوا يُعللون؛ ونقل عن علي ﵁ قوله في حد الخمر: إنه إذا شرب سكر، وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، وحد المفتري ثمانون، فقد ذكر تعليلا، وقالت الصحابة لأبي بكر ﵃: رضيك رسول الله ﷺ لديننا، فرضيناك لدنيانا (^٣)، ومن نماذج التعليل التي ذكرها السمعاني:\n_________\n(^١) - السمعاني: مرجع سابق: ٣/ ٢٦٩\n(^٢) - السمعاني: الانتصار:٣٦\n(^٣) - السمعاني: قواطع الأدلة: ٢/ ١٤١","vol":"1","page":57},{"text":"- قال في تفسير قوله تعالى: (وإياك نستعين) (الفاتحة ٥): إنما كرره ... ليعلم أنه المعبود، وأنه المستعان، وعلى أن العرب قد تتكلم بمثل هذا، قد يدخل الكلام تجريدا أو تفخيما وتعظيما، ولا يُعد ذلك عيبا؛ كما تقول العرب: هذا المال بين زيد وبين عمرو، وإن كان يفيد قولهم: المال بين زيد وعمرو، ما يفيد الأول، ولا يُعد ذلك عيبا، بل عُدَّ تفخيما وتجزيلا للكلام (^١).\n- وقال في تفسير قوله تعالى: (بديع السموات والأرض) (الأنعام ١١٧): أي مبدعها، قال ابن عباس: هو الخالق لا على مثال سبق، ومنه المبتدع؛ لأنه أحدث ما لم يسبق إليه (^٢).\n- وقال في تفسير قوله تعالى: (ولئن اتبعت أهواءهم) (البقرة ١٢٠): قيل: إنه خطاب للنبي، والمراد به الأمة؛ لأنه كان معصوما من اتباع الأهواء (^٣).\nخامسا: جمعه بين النصوص والتأليف بينها: ومن النماذج التي أبرزها السمعاني في هذا الباب، ما يتعلق بمسألة الرؤية، فقد ذكر أن مذهب أهل السنة: أن الرؤية حق، ورد بها القرآن والسنة، واحتج لها بالنصوص الواردة في ذلك، وأورد على هذه النصوص المثبتة، قوله تعالى: (لا تدركه الأبصار) (الأنعام ١٠٣)، وبين أنه لا تعارض بينها، وقد ذكر في وجه الجمع بينها طريقين:\n١ - قوله: فالإدراك غير الرؤية؛ لأن الإدراك هو الوقوف على كنه الشيء وحقيقته، والرؤية هي المعاينة، وقد تكون بلا إدراك، قال الله تعالى في قصة موسى: (فلما ترآء الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون قال كلا) فنفى الإدراك مع إثبات الرؤية، وإذا كان الإدراك غير الرؤية، فالله تعالى يجوز أن يُرى، ولكن لا يُدرك كنهه؛ إذ لا كنه له حتى يُدرك، وهذا كما أنه يعلم ويعرف ولا يُحاط به، كما قال: (ولا يحيطون به علما) فنفى الإحاطة مع ثبوت العلم.\n_________\n(^١) - السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٣٧\n(^٢) - السمعاني: مرجع سابق: ١/ ١٣٠\n(^٣) - السمعاني: مرجع سابق: ١/ ١٣٣","vol":"1","page":58},{"text":"٢ - قوله: وقال ابن عباس: معنى قوله: (لا تدركه الأبصار) يعني: في الدنيا، وهو يرى الخلق، ولا يراه الخلق في الدنيا؛ بدليل قوله تعالى: (وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة) فكما أثبتت الرؤية بتلك الآية في الآخرة، دل أن المراد بهذه الآية الإدراك في الدنيا؛ ليكون جمعا بين الآيتين (^١).\nسادسا: الاستنباط الدقيق من الأدلة، وتوسيع دائرة الدليل؛ ليحوي أوجها متعددة.\nسابعا: تكرار الأدلة المتنوعة على المسألة الواحدة، وحشدها في مكان واحد أو أمكنة متعددة؛ حتى تصير المسألة المستدل لها من أوضح الواضحات، فتتوارد الأدلة على معنى واحد؛ لتثبته في القلوب، وتطبعه في النفوس.\nثامنا: الاستدلال على المخالف بالحجج الإقناعية، والبراعة في قلب الأدلة على المخالفين، والإلزام بما ينقض قول المخالف.\nتاسعا: إعمال القواعد الأصولية المتفق عليها عند أهل هذا الفن، وهو من أهله، وأحد أساطينه.\n_________\n(^١) - اسمعاني: مرجع سابق: ٢/ ١٣٣","vol":"1","page":59},{"text":"- وهنا أُشير إلى مسألة مهمة، تتعلق بالاجتهاد في العقائد: فبعضهم يرى أن العقائد لا يجري فيها باب الاجتهاد؛ لأن العقائد المطلوب فيها الجزم واليقين، وهذا هو الصحيح، لكن هذا يُحمل على غالب أمرها، خاصة في المسائل الكبرى والأصول العظمى؛ لأنه قد يأتي نص مُشكل في ظاهره، فتختلف فيه أنظار العلماء، فيجري الاجتهاد في هذا النص وأمثاله، ولذا فالاجتهاد كما هو حاصل في المسائل العملية، كذلك هو حاصل في المسائل العلمية، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية:\"والخطأ المغفور في الاجتهاد هو في نوعي المسائل الخبرية والعلمية، كما قد بُسط في غير موضع؛ كمن اعتقد ثبوت شيء لدلالة آية أو حديث، وكان لذلك ما يعارضه ويُبين المراد ولم يعرفه \" (^١)، ويقول: \" وإني أُقرر أن الله غفر لهذه لأمة خطأها، وذلك يعم الخطأ في المسائل الخبرية القولية والمسائل العلمية\" (^٢)، لكن قيّد شيخ الإسلام في موطن آخر الاجتهاد في العقائد فقال:\" وقد يغفر لأجل تأويل إذا كان مجتهدا، الاجتهاد الذي يُعفى معه عن المخطئ\" (^٣)، ويُفهم من كلامه: أن ما لا يُعفى معه عن المخطئ، فيعاقب ولا يُعذر (^٤).\nوالاجتهاد كذلك يكون في النوازل المستجدة التي تحدث في الأمة في باب العقائد، يقول الشاطبي بعد أن سرد الآثار عن السلف الذامة للرأي:\" ومعلوم أن هذه الآثار الذامة للرأي، لا يمكن أن يكون المقصود بها ذم الاجتهاد على الأصول في نازلة، لم توجد في كتاب ولا سنة ولا إجماع، ممن يعرف الأشباه والنظائر، ويفهم معني الأحكام، فيقيس قياس تشبيه وتعليل، قياسا لم يعارضه ما هو أولى منه، فهذا ليس فيه تحليل وتحريم ولا العكس، وإنما القياس الهادم ما عارض الكتاب والسنة، أو ما عليه سلف الأمة، أو معانيها المعتبرة\" (^٥).\n_________\n(^١) - ابن تيمية: مجموع الفتاوى: ٢٠/ ٣٣\n(^٢) - ابن تيمية: مرجع سابق: ٣/ ٢٢٩\n(^٣) - ابن تيمية: مرجع سابق: ٤/ ١٩٥\n(^٤) - عبد اللطيف آل الشيخ: منهاج التأسيس والتقديس في كشف شبهات داود بن جرجيس، دار الهداية للطبع والنشر، (٢٧٣).\n(^٥) - الشاطبي: الاعتصام: ٧٩٦","vol":"1","page":60},{"text":"وقد ورد عن الإمام السمعاني نصا يمنع ظاهره الاجتهاد في العقائد، يقول فيه:\" أن الحوادث للناس والفتاوى في المعاملات ليس لها حصر ولا نهاية، وبالناس إليها حاجة عامة، فلو لم يجز الاجتهاد في الفروع، وطلب الأشبه بالنظر والاعتبار، ورد المسكوت عنه إلى المنصوص عليه بالأقيسة، لتعطلت الأحكام، وفسدت على الناس أمورهم، والتبس أمر المعاملات على الناس. ولا بد للعامي من مفت، فإذا لم يجد حكم الحادثة في الكتاب والسنة، فلا بد من الرجوع إلى المستنبطات منهما، فوسع الله هذا الأمر على هذه الأمة، وجوز الاجتهاد ورد الفروع إلى الأصول لهذا النوع من الضرورة، ومثل هذا لا يوجد في المعتقدات؛ لأنها محصورة محدودة، قد وردت النصوص فيها من الكتاب والسنة، فإن الله تعالى أمر في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ باعتقاد أشياء معلومة لا مزيد عليها ولا نقصان عنها، وقد أكملها بقوله: (اليوم أكملت لكم دينكم) فإذا كان قد أكمله وأتمه، وهذا المسلم قد اعتقده وسكن إليه، ووجد قرار القلب عليه، فبماذا يحتاج إلى الرجوع إلى دلائل العقل وقضاياه، والله أغناه عنه بفضله، وجعل له المندوحة عنه .. \" (^١). بتحليل كلام السمعاني ينتج عنه التالي:\n- أن الأحكام بحاجة إلى الاجتهاد؛ حتى لا تتعطل الأحكام، وتفسد أمور الناس.\n- أن مسائل العقائد ليست بحاجة إلى الاجتهاد، كما هو الحال في مسائل الأحكام، الذي عبَّر عنها السمعاني برد الفروع إلى الأصول؛ لأن مسائل المعتقد محصورة محدودة، والواجب فيها التسليم والاتباع.\n_________\n(^١) - السمعاني: الانتصار: ٣٢","vol":"1","page":61},{"text":"وبالتأمل في كلام السمعاني يُلحظ أنه لم ينص على أن الاجتهاد ممنوع مطلقا في مسائل المعتقد؛ فإن كلامه السابق يمكن أن يُحمل على أصول المعتقد وما لا خلاف فيه؛ لأنه قال: \"فإن الله تعالى أمر في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ باعتقاد أشياء معلومة، لا مزيد عليها ولا نقصان، وقد أكملها \"، وهي الأصول الكبرى، وكلامه أيضا فيه احتراز عن المسائل المحتملة، لاختلاف الأدلة من جهة الثبوت والدلالة؛ لأنه قال: أشياء معلومة لا مزيد عليها ولا نقصان، وهذه تصدق على الأصول الكبرى، بدليل أن الصحابة قد اختلفوا في مسائل مستجدة تُعد من فروع العقائد: كاختلافهم في رؤية النبي ﷺ لربه بعيني رأسه، ومسألة عذاب القبر ونعيمه على الروح أم على الجسد أم عليهما؟ ومسألة تعليق التمائم من القرآن، ومسألة طاعون عمواس، وغيرها من المسائل المشهورة في المصنفات والمسانيد، فلا يمكن للسمعاني أن يغلق بابا فتحه الصحابة واجتهدوا فيه ومارسوه عمليا، ومما يدل لذلك: أن السمعاني نفسه بحث جملة من المسائل الفرعية التي هي محل نظر واجتهاد، ولا تُعد من المسائل الكبرى التي أغلق الشارع الخوض فيها؛ كمسألة خلو النار من المعذبين، وما الذي يوزن في الميزان؟ ومسألة وقوع الأنبياء في الصغائر، وغيرها من المسائل التي لا تعود على الأصول الكبرى بالنقض أبدا. فالسمعاني كغيره من العلماء، الذين يتعاطون مع المسائل المستجدة بالبيان والتوضيح، فلا يدل نص السمعاني السابق على غلق باب الاجتهاد في العقائد، بل ينبغي ان يُحمل كما أشرت إلى المسائل الكبرى والأصول العظمى وما لا اختلاف فيه؛ تماشيا مع واقعه العملي.","vol":"1","page":62},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-32>الفصل الأول: الإيمان بالله تعالى</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-33>المبحث الأول: توحيد الربوبية</span>\nالمطلب الأول: تعريف الربوبية في اللغة والاصطلاح\nالمطلب الثاني: معرفة الله جل وعلا ودلائل وجوده ووحدانيته\nالمطلب الثالث: إقرار المشركين بالربوبية\nالمطلب الرابع: مُدَّعو الربوبية، وأقوال الناس في الرب سبحانه جل وعلا\nالمطلب الخامس: مسائل في الربوبية","vol":"1","page":63},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-34>تمهيد:</span>\nبادئ ذي بدء، فإن الإمام السمعاني يقرر حقيقة ناصعة، وهو أن أمر التوحيد قد بُين ووضح على أتم وجه وأكمل بيان، يقول السمعاني في كتابه الانتصار:\"وكان مما أُنزل إليه وأُمر بتبليغه أمر التوحيد وبيانه بطريقته، فلم يترك النبي ﷺ شيئا من أمور الدين وقواعده وأصوله وشرائعه وفصوله إلا بينه وبلغه على كماله وتمامه، ولم يُؤخر بيانه عن وقت الحاجة إليه\" (^١).\nوقرر الإمام السمعاني في تفسيره، أن لفظ الإيمان إذا أُطلق، فَيُراد به الإيمان بالله تعالى (^٢)، والإيمان بالله تعالى هو أشرف أقسام الإيمان وأنواعه، وأعظم درجاته، وأعلى مقاماته، وهو \"رئيس أعمال القلوب\" «^٣). و\" الإيمان بالله تعالى، وأسمائه، وصفاته، وأفعاله، هو أساس الدين، وخلاصة دعوة المرسلين، وهو أوجب ما اكتسبته القلوب، وأدركته العقول\" (^٤) ولذا كان أعظم ما يستبصر به القلب الإيمان بالله تعالى، فنور الإيمان من أعظم منن الله - ﷿ - وكراماته. (^٥)\n_________\n(^١) - السمعاني: الانتصار: ٧٠\n(^٢) «السمعاني: منصور بن محمد: تفسير القرآن، مدار الوطن للنشر: ط ٢،١٤٣٢ هـ، ت: أبي تميم ياسر بن ابراهيم، (٣/ ١٨٧)\n(^٣) «الرازي: محمد بن عمر: التفسير الكبير، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط ٣ - ١٤٢٠ (١٣/ ٢٦)\n(^٤) العثيمين: محمد بن صالح، فتح رب البرية بتلخيص الحموية، دار الوطن للنشر، الرياض، (١٠)\n(^٥) التستري: سهل بن عبدالله: تفسير التستري، دار الكتب العلمية- بيروت، ط ١ -،١٤٢٣ هـ، (١/ ٥٠)","vol":"1","page":64},{"text":"وأُثر عن عمر بن عبدالعزيز أنه كتب كتابًا ضمنه قوله: (فإن عز الدين، وقوام الإسلام، الإيمان بالله ...) (^١) والإيمان بالله تعالى، هو محل إجماع الأمم كلها، \"فالنبوات كلها مجمعة على الإيمان بالله والإقرار بربوبيته\" (^٢) \"والمسلمون سنيهم وبدعيهم متفقون على وجوب الإيمان بالله\" (^٣) وهذا القول مما اتفقت عليه أقوال الأمة، وتطابقت عليه أراؤهم. (^٤) وإنما كان الإيمان بالله تعالى مقدما على غيره؛ لأنه أصل الإيمان بالشرائع، فمن لايعرف الله تعالى، استحال أن يعرف نبيًا أو كتابًا (^٥).\nوالإيمان بالله تعالى هو الغيب المطلق، وقد نقل السمعاني في تفسيره أن المراد بالغيب في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ (البقرة ٣). هو الله تعالى (^٦). وهو الذي تفاضلت به الأنبياء على غيرهم، وهم إنما تفاضلوا فيما بينهم بالعلم به لابغيره من الأعمال. (^٧)\nوقد فسر العلماء الإيمان بالله تعالى، بأنه علم ومعرفة وإقرار وعمل (^٨)، وأنه يدخل فيه الإيمان بالملائكة، والكتب، والرسل، واليوم الآخر، وهذه كلها من لوازم الإيمان بالله تعالى (^٩).\n_________\n(^١) ابن أبي شيبة: عبدالله بن محمد، الكتاب المصنف في الأحاديث والآثار، مكتبة الرشد، الرياض، ط ١، ١٤٠٩ هـ (١/ ٢٨٠)\n(^٢) ابن عطية: عبد الحق بن غالب: المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، دار الكتب العلمية، بيروت، ط ١ - ١٤٢٢ هـ (٣/ ٨٢)\n(^٣) ابن تيمية: أحمد بن عبدالحليم: الإيمان، المكتب الإسلامي، الأردن، ط ٥، ١٤١٦ هـ (٢٨١)\n(^٤) المقدسي: عبدالغني بن عبد الواحد، الاقتصاد في الاعتقاد، مكتبة العلوم والحكمة، المدينة المنورة، ط ١، ١٤١٤ هـ (٧٨)\n(^٥) «الرازي: التفسير الكبير: ٤/ ٧٢\n(^٦) «السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٤٣\n(^٧) «المناوي: عبدالرؤوف بن علي: فيض القدير شرح الجامع الصغير: المكتبة التجارية، مصر، ط ١، ١٣٥٦ هـ (٢/ ٢٦)\n(^٨) «ابن منده: محمد بن اسحاق: الإيمان، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط ٢،١٤٠٦ هـ (٢٥٧)\nابن ابي يعلى: محمد بن محمد: الاعتقاد، دار أطلس الخضراء، ط ١،١٤٢٣ هـ (٢٣)\n(^٩) «الرازي: التفسير الكبير:٢٩/ ٥١٩، ابن تيمية: الإيمان:١٣٢","vol":"1","page":65},{"text":"وهذا الركن العظيم يشتمل على عدة أشياء، عبَّر عنها العلماء بتعابير مختلفة ومؤداها واحد.\nفقال بعضهم:\" يشتمل على خمسة أقسام: معرفة الذات، والصفات، والأفعال، والأحكام، والأسماء\" (^١).\nوقال بعضهم: \"فإن قيل: فما العمل الحاصل بالاعتقاد والإقرار؟ قيل: مجموع عدة أشياء:\nأحدها: إثبات الباري - ﷿ -؛ ليقع به مفارقة التعطيل.\nوالثاني: إثبات وحدانيته؛ ليقع به البراءة من الشرك.\nوالثالث: إثبات أن وجود كل ماسواه، كان من قبل إبداعه واختراعه إياه؛ ليقع به البراءة من قول من يقول بالعلة والمعلول.\nوالرابع: إثبات أنه مدبر ماأبدع، ومصرفه على ماشاء؛ ليقع به البراءة من قول القائلين بالطبائع، أو تدبير الكواكب، أو تدبير الملائكة \" (^٢).\nوقال بعضهم: \"وأصل الإيمان بالله الذي يجب على الخلق اعتقاده، في إثبات الإيمان به، ثلاثة أشياء:\nأحدها: أن يعتقد العبد آنيَّته؛ ليكون بذلك مباينًا لمذهب أهل التعطيل، الذين لا يثبتون صانعًا.\nالثاني: أن يعتقد وحدانيته؛ ليكون مباينًا بذلك لمذاهب أهل الشرك، الذين أقروا بالصانع، وأشركوا معه في العبادة غيره.\nالثالث: أن يعتقده موصوفًا بالصفات، التي لايجوز إلا أن يكون موصوفًا بها، من العلم، والقدرة، والحكمة، وسائر ما وصف به نفسه في كتابه\" (^٣)\nوبهذه النقول عن العلماء في بيان هذا الركن العظيم، تبيِّن عدة أمور:\n١ - أن الإيمان بالله تعالى، شامل لكل ما يستحقه الباري جل وعلا من الكمالات.\n٢ - أنه يدخل فيه: الإيمان بذاته، وصفاته، وتوحيده بأن ليس كمثله شيء (^٤).\n_________\n(^١) «الرازي: التفسير الكبير:٢٦/ ٤٤٢، ٧/ ١٠٨، ٣/ ٥٣٧\n(^٢) «الحليمي: مختصر كتاب المنهاج في شعب الإيمان، دار البشائر للطباعة والنشر، دمشق، ط ٦، ١٤٢٢ هـ، (٣٢)\n(^٣) «ابن بطة: عبيدالله بن محمد: الإبانة الكبرى: دار الراية للنشر، الرياض، ط ١، ١٤١٥ هـ، (٦/ ١٤٩)\n(^٤) «العيني: محمود بن أحمد: عمدة القاري شرح صحيح البخاري: دار إحياء التراث العربي- بيروت: (١/ ٢٨)","vol":"1","page":66},{"text":"٣ - أن هذا التقسيم للتوحيد، ليس تقسيمًا حادثًا، بل هو مستفاد من استقراء النصوص الشرعية، كقوله تعالى: \" رَّبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا \" (مريم ٦٥)، وهو منقول عن بعض الأكابر من العلماء تنصيصًا عليه، وإلا فهو مضمن في كلام غالب علماء السلف.\nيقول الشيخ محمد الأمين الشنقيطي (^١): \" وقد دَلَّ استقراء القرآن العظيم، على أن توحيد الله ينقسم إلى ثلاثة أقسام: الأول: توحيده في ربوبيته ... الثاني: توحيده جَلَّ وعلا في عبادته ... النوع الثالث: توحيده جل وعلا في أسمائه وصفاته \" (^٢).\n٤ - أن الإيمان بالله مقدم على بقية الأركان؛ لأنه الأصل، فإذا أطلق الإيمان بالله تعالى، دخل فيه الإيمان بتوابعه.\nولذا لما ذكر الله تعالى خصال البر في كتابه خصَّ ابتداء أركان الإيمان، فقدمها على أفعال الجوارح؛ تنبيها لشرفها عند الله جل وعلا، ولما ابتدأ بالأركان قدم الإيمان به ﷾، قال جل وعلا: ﴿لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ ...﴾ (البقرة ١٧٧)\n_________\n(^١) «محمد الأمين بن محمد المختار الشنقيطي، مفسّر، مدرس من علماء شنقيط (موريتانيا)،ولد وتعلم بها، ولد عام ١٣٢٥ هـ، وتوفي سنة ١٣٩٣ هـ، من مؤلفاته: أضواء البيان، وآداب البحث والمناظرة.\nينظر: الزركلي: خير الدين بن محمود: الأعلام: دار العلم للملايين، ط ١٥، ٢٠٠٢ م (٦/ ٤٥)\n(^٢) «الشنقيطي: محمد الأمين: أضواء البيان، دار الفكر للطباعة، بيروت،١٤١٥ هـ، (٣/ ١٧)\nوانظر: الخلف: سعود بن عبد العزيز: أصول مسائل العقيدة: ١٤٢٠ هـ، (١/ ٨٩)","vol":"1","page":67},{"text":"والسر في تخصيص هذه الأركان الخمسة؛ أنه يدخل تحتها كل مايجب الإيمان به، \" فقد دخل تحت الإيمان بالله: معرفته بتوحيده، وعدله، وحكمته، ودخل تحت الإيمان باليوم الآخر: المعرفة بمايلزم من أحكام الثواب والعقاب والمعاد، إلى سائر مايتصل بذلك، ودخل تحت الملائكة: مايتصل بآدائهم الرسالة إلى النبي - ﷺ - ليؤديها إلينا، إلى غير ذلك مما يجب أن يُعلم من أحوال الملائكة، ودخل تحت الكتاب: القرآن، وجميع ما أنزل الله على أنبيائه، ودخل تحت النبيين الإيمان بنبوتهم وصحة شرائعهم، فثبت أنه لم يبق شيء مما يجب الإيمان به، إلا دخل تحت هذه الآية\" (^١)\n٥ - إن الإيمان بالله تعالى أفضل الأعمال، قال رجل للإمام الشافعي: أي الأعمال عند الله أفضل؟ قال: مالا يُقبل عمل إلا به، قال: وما ذاك؟ قال: الإيمان بالله، هو أعلى الأعمال درجة، وأشرفها منزلة، وأسناها حظًا. (^٢).\nوقد ظهر اهتمام السمعاني بهذا الركن العظيم من عدة أمور:\nأولا: إبراز مكانة هذا الركن العظيم، وبيان أن تحقيقه مفتقر إلى بيان أركانه وحقائقه ولوازمه.\nثانيا: أن تقرير السمعاني لمسائل هذا الركن يُعد ردا ضمنيا على المخالفين في هذا الباب، فقد جهد السمعاني للانتصار لمذهب السلف في هذا الباب وغيره، وهذا يتضح من جهة تقريره عدة مسائل مبنية على استقصاء النصوص، واتباع منهج السلف، وستظهر مفصلة في ثنايا هذا البحث، وهي:\n- إثبات أن التوحيد أول واجب على المكلف.\n- إثبات فطرية المعرفة.\n- إثبات وجود الله تعالى بالطرق القرآنية المشتملة على الدلائل العقلية وغيرها.\n_________\n(^١) «الرازي: التفسير الكبير: ٥/ ٢١٥\n(^٢) «انظر ابن القيم: محمد بن أبي بكر: تهذيب سنن أبي داود، مطبوع ضمن عون المعبود، دار الكتب العلمية، ط ٢، ١٤١٥ هـ، (١٢/ ٢٩٣)","vol":"1","page":68},{"text":"- بيان التلازم بين أنواع التوحيد الثلاثة، وأنه لا يُغني أحدها عن الآخر؛ ويظهر هذا جليا من جهة تأصيله لمسألة الإقرار المعرفي للمشركين بربوبية الله تعالى، وأن هذه المعرفة المنفصلة عن التعبد والتأله لله وحده دون ما سواه، لا تنفع صاحبه، ولا تشفع له عند الله تعالى يوم القيامة، وقرر أن مقتضيات ربوبيته تعالى مستلزمة لألوهيته سبحانه.\n- وتتبع بالنقض كل الأقوال الفاسدة المتعلقة بالرب جل وعلا، والتي حُكيت عن جهلة الأمم السابقة، وما عُرف من أقوال مشركي هذه الأمة، وهذا منه إثبات لانفراد الرب جل وعلا في ربوبيته.\nوقد جرى السمعاني في تقرير هذه المسائل على طريقة السلف، بمنأى عن مناهج أهل الفلسفة والكلام، بل إنه أغلظ القول فيهم، وحذر من اتباع مناهجهم، والسير على طرائقهم؛ لأنها لا تُؤدي إلى حقيقة شرعية، بل هي طرائق مشوبة باللغط، مشوهة بالغلط، أُريد منها أن تكون خليطا بين طريقتين، ومزيجا بين فكرتين، فنشأ عنهما طريقا منحرفا، لا يقوى على رد قول المخالف، ولا على تقرير البين الواضح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-35>المطلب الأول: تعريف الربوبية في اللغة وفي الاصطلاح:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-36>المسألة الأولى: تعريف الربوبية في اللغة:</span>\nذكر علماء اللغة أن لفظ الرب يطلق على أمور: (المالك، والخالق، والصاحب، والسيد، والمدبر، والمربي، والمتمِّم، والقيِّم، والمنعم) (^١)\n_________\n(^١) «الأزهري: محمد بن أحمد: تهذيب اللغة، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط ١،٢٠٠١ م (١٥/ ١٢٨) ابن فارس: أحمد بن فارس: معجم مقاييس اللغة: دار الفكر،١٣٩٩ هـ (٢/ ٣٨٢)، ابن منظور: محمد بن مكرم: لسان العرب: دار صادر-بيروت، ط ٣،١٤١٤ هـ (١/ ١٣٩٩ هـ)","vol":"1","page":69},{"text":"يقول ابن الأنباري (^١): الرب (في اللغة) ينقسم على ثلاثة أقسام: يكون الرب: المالك، ويكون الرب: السيد المطاع، ويكون الرب: المصلح (^٢).\nوقد أشار الإمام السمعاني في تفسيره إلى معاني الربوبية وما ذكره موافق لما ذهب إليه أئمة اللغة، واهتمام السمعاني بالمعاني اللغوية مهم من جهتين: الأولى: من جهة تفسير المفردة القرآنية باللغة التي نزلت بها، وثانيا: لما بين المعنى اللغوي والاصطلاحي من تمازج وتقارب، ينتج عنه المعنى الصحيح. لكن يُراعى أن الألفاظ التي لها حقائق شرعية، يُرجع في بيان معانيها إلى الشرع، وتكون هي المقدمة على غيرها من الحقائق.\nوذكر السمعاني في تفسير الرب مايلي:\n١ - أن الرب يأتي على معنيين:\nأولا: بمعنى التربية والإصلاح، والثاني: بمعنى المالك،\nفقال في تفسير قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (الفاتحة ٢): \" وأما الرب يكون بمعنى التربية والاصلاح، ويكون بمعنى المالك، يُقال: رب الضيعة يُربيها، أي: أتمها وأصلحها، ويُقال: رب الدار لمالك الدار.\nفالرب هاهنا يحمل كلا المعنيين؛ لأن الله تعالى مربي العالمين، ومالك العالمين (^٣).\n٢ - وذكر أن الرباني مأخوذ من الرب؛ لأنهم على دين الرب وطريقته (^٤).\nفقال: \"والرباني من طريق المعنى: هو أن يكون على دين الرب، وعلى طريقة الرب \" (^٥)\nوقال: \" وقيل: هو منسوب إلى الرب، كالبحراني منسوب إلى البحرين، والنجراني منسوب إلى نجران\" (^٦)\n_________\n(^١) «أبو بكر محمد بن القاسم الأنباري النحوي، كان من أعلم الناس وأفضلهم في نحو الكوفيين، وأكثرهم حفظا للغة، كان زاهدا متواضعا، أخذ عن أبي العباس ثعلب، كان صدوقا ثقة، من أهل السنة، حسن الطريقة، ألف كثيرًا من الكتب في علوم القرآن والحديث واللغة والنحو: الوقف والابتداء والزاهر، والكافي في النحو. الأنباري: عبدالرحمن بن محمد: نزهة الألباء في طبقات الأدباء: مكتبة المنار، الأردن، ط ٣،١٤٠٥ هـ (١٩٧)\n(^٢) «الأزهري: تهذيب اللغة:١٥/ ١٢٨\n(^٣) «السمعاني: تفسير القرآن:١/ ٣٦.\n(^٤) «السمعاني: تفسير القرآن:١/ ٣٦٤\n(^٥) «السمعاني: تفسير القرآن:١/ ٣٣٥\n(^٦) «السمعاني: تفسير القرآن:٢/ ٥٠","vol":"1","page":70},{"text":"٣ - وذكر في تفسيره أن البعل يأتي بمعنى الرب، فقال في تفسيره لقوله تعالى: ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ﴾ (الصافات ١٢٥)، وعن ابن عباس أنه قال:\" (أتدعون بعلا) أي ربًا، والبعل هو الرب، ومعناه: أتدعون هذا الصنم ربًا\" (^١).\n٤ - وذكر السمعاني عند قوله تعالى: ﴿فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا﴾ (المائدة ٢٤) أن العرب تسمي الكبير ربا، وفسر به الآية بأحد أقوالها فقال:\" وفيه قول آخر أن معنى قوله:\" فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ \" أي: وكبيرك، وأراد أخاه الأكبر هارون، والعرب تسمي الكبير ربا، قال تعالى في قصة يوسف: ﴿إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾ (يوسف ٢٣) أي كبيري وأراد به عزيز مصر\". (^٢)\nوهذا الكلام الصادر عن بني إسرائيل هل هو كفر أو فسق؟ حكى السمعاني في تفسيره قولين، وخرَّج لمن قال بالفسق ببعض المخارج، ولذا قال الرازي (^٣) في تفسيره: ولقد فسقوا بهذا الكلام بدليل قوله تعالى في هذه القصة: ﴿فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾.\nفي حين ذهب الإمام الطبري (^٤) إلى أن هذه المخارج إنما تُطلب \" لو كان الخبر عن قوم مؤمنين، فأما قوم أهل خلاف على الله عز ذكره ورسوله، فلا وجه لطلب المخرج لكلامهم فيما قالوه في الله - ﷿ - وافتروا عليه إلا بما يشبه كفرهم وضلالتهم\" (^٥).\n_________\n(^١) «السمعاني: تفسير القرآن:٤/ ٤١١\n(^٢) «السمعاني: تفسير القرآن:٢/ ٢٧\n(^٣) «الفخر الرازي محمد بن عمر بن الحسن (٥٤٤ هـ-ت ٦٠٦ هـ)، الإمام المفسر، أوحد زمانه في المعقول والمنقول وعلوم الأوائل. وهو قرشي النسب، ومولده في الري وإليها نسبته، وكان يحسن الفارسية، من تصانيفه: مفاتيح الغيب، ومعالم أصول الدين، الزركلي: الأعلام:٦/ ٣١٣\n(^٤) «الطبري: محمد بن جرير بن يزيد (٢٢٤ هـ- ت ٣١٠ هـ)، المؤرخ، المفسر، الإمام، ولد في آمل طبرستان، واستوطن بغداد وتوفي بها، من مصنفاته: جامع البيان، وتاريخه، الزركلي: الأعلام:٦/ ٦٩\n(^٥) «الطبري: جامع البيان:١٠/ ٨٥","vol":"1","page":71},{"text":"والخلاصة: إن هذه الإطلاقات في اللغة للفظ الرب: بمعنى: المالك، والسَّيد، والمربي، والمتصرف، كلها معانٍ صحيحة في حق الله جل وعلا، فهو المالك لكل شيء وهو ربه وإلهه، والمتصرف فيه بالسيادة التامة الكاملة الشاملة، وهو جل ثناؤه مصلح أحوال خلقه.\nيقول الإمام الماوردي (^١) في تفسيره، بعد أن ذكر خلاف العلماء في اشتقاق لفظ الرب إلى أربعة أقوال: (من المالك، ومن السيد، ومن المدبر، ومن التربية)\nفقال:\" إن صفة الله تعالى بأنه رب؛ لأنه مالك أو سيد، فذلك صفة من صفات ذاته، وإن قيل: إنه مدبر لخلقه ومربيهم، فذلك صفة من صفات فعله. ومتى أدخلت عليه الألف واللام، اختص الله تعالى به، دون عباده، وإن حذفتا منه، صار مشتركا بين الله وبين عباده (^٢)\nولما ذكر الإمام الطبري الأوجه الثلاثة في اشتقاق الرب: (السيد المطاع-الرجل المصلح-والمالك للشيء) قال: \" وقد يتصرف أيضًا معنى الرب في وجوه غير ذلك، غير أنها تعود إلى بعض هذه الوجوه الثلاثة \" (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-37>المسألة الثانية: تعريف الربوبية في الاصطلاح:</span>\nتواضع علماء السلف بجميع طبقاتهم، على ذكر ربوبية الله تعالى، وتفرده في أفعاله، مؤيدة بما ذكر في القرآن الكريم، وبما قُرِّرَ به المشركون، من تفرده جل وعلا بالملك والخلق والتدبير، وأنه ﷾ بيده مقاليد الأمور كلها، من العطاء والمنع، والضرر والنفع، وأنه قهر خلقه بالفناء، ويسر لهم أسباب البقاء. كلهم تحت قبضته، وجميعهم في قدرته، فهو جل وعلا المتفرد\"بالحول والقوة، والقدرة، والمشيئة، وأن العبد غير قادرمن ذلك كله إلا على مايقدره مولاه، وهذه نهاية توحيد الربوبية\" (^٤)\n_________\n(^١) «الماوردي علي بن محمد حبيب (٣٦٤ هـ-ت ٤٥٠ هـ)، أقضى قضاة عصره، من العلماء الباحثين، أصحاب التصانيف النافعة الكثيرة، من مؤلفاته: الحاوي في الفقه الشافعي، الزركلي: الأعلام: ٤/ ٣٢٧\n(^٢) «الماوردي: النكت والعيون، دار الكتب العلمية-بيروت (١/ ٥٤)\n(^٣) «الطبري: جامع البيان:١/ ١٤٢.\n(^٤) «ابن رجب: عبدالله بن أحمد: الجامع لتفسير ابن رجب، دار العاصمة: المملكة العربية السعودية: ط ١، ١٤٢٢ هـ، ترتيب: طارق عوض الله. (١/ ٦٥٤)","vol":"1","page":72},{"text":"وإن من معاني ربوبية الله تعالى، وملكه، وخلقه، ورزقه، وهدايته، ونصره، وإحسانه، وبره، وتدبيره، وصنعه، الحق الذي هو مقتضى التوحيد، ومحض الربوبية، مايراه الإنسان ويعايشه، وماعلمه ومالم يعلمه، عن الخلق والتدبير والتصريف لكل هذه الكائنات. \"فيشهد قيومية الرب تعالى فوق عرشه، يدبر أمر عباده وحده، فلا خالق، ولا رازق، ولامعطي، ولا مانع، ولا مميت ولا محي، ولا مدبر لأمر المملكة - ظاهرا وباطنا - غيره، فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، لا تتحرك ذرة إلا بإذنه، ولا يجري حادث إلا بمشيئته، ولا تسقط ورقة إلا بعلمه، ولا يعزب عن مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا أحصاها علمه، وأحاطت بها قدرته، ونفذت بها مشيئته، واقتضتها حكمته، فهذا جمع توحيد الربوبية\" (^١)\nوهذا يدل على تفرد الرب جل وعلا، وأن ماسواه مربوب مشترك، مفتقر محتاج إلى الرب سبحانه، وهو سبحانه رب كل شيء كما قال تعالى: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (الأنعام ١٦٤)، \" فهو رب كل شيء، ومن دونه مربوب ليس في الوجود من له الربوبية غيره \" (^٢)\n_________\n(^١) «ابن القيم: محمد بن أبي بكر: مدارج السالكين، دار الكتاب العربي، بيروت، ط ٣، ١٤١٦ هـ، (٣/ ٤٧١)\n(^٢) «الزمخشري: محمود بن عمرو: الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل، دار الكتاب العربي، بيروت، ط ٣، ١٤٠٧ هـ. (٢/ ٨٤)","vol":"1","page":73},{"text":"والذي يدل على صحة هذا النوع من التوحيد، وأن اتخاذ رب غير الله تعالى قول فاسد: \" أن أصناف المشركين أربعة؛ لأن عبدة الأصنام أشركوا بالله، وعبدة الكواكب أشركوا بالله، والقائلون: بيزدان وأهرمن، وهم الذين قال الله في حقهم: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ﴾ (الأنعام ١٠٠)، أشركوا بالله، والقائلون: بأن المسيح ابن الله، والملائكة بناته، أشركوا أيضا بالله، فهؤلاء هم فرق المشركين، وكلهم معترفون أن الله خالق الكل ... واتفقوا على أن الله خالق هؤلاء الشركاء. إذا عرفت هذا فالله سبحانه قال له يامحمد: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا﴾ مع أن هؤلاء الذين اتخذوا ربا غير الله تعالى، أقروا بأن الله خالق تلك الأشياء، وهل يدخل في العقل، جعل المربوب شريكا للرب، وجعل العبد شريكا للمولى، وجعل المخلوق شريكًا للخالق؟. ولما كان الأمر كذلك، ثبت بهذا الدليل، أن اتخاذ رب غير الله تعالى، قول فاسد، ودين باطل\" (^١)\nومما ورد عن العلماء في تعريف التوحيد، وقيامه على اعتقاد وحدانية الله جل وعلا وتفرده بالخلق والملك والتدبير، ما يلي:\nقال الإمام الطبري في تفسير قوله تعالى: ﴿وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (الأنعام ١٦٤)\n\"وهو سيد كل شيء دونه، ومدبره، ومصلحه\" (^٢)\nوقال الإمام الزجاج (^٣) في بيان الرب في هذه الآية:\" أي هو ابتدع الأشياء كلها لايقدر أحد على ابتداع شيء منها\" (^٤)\n_________\n(^١) «الرازي: مفاتيح الغيب:١٤/ ١٩٢\n(^٢) «الطبري: جامع البيان:١٢/ ٢٨٦\n(^٣) «الزجاج: ابراهيم بن السري: (٢٤١ هـ-ت ٣١١ هـ)،عالم بالنحو واللغة، ولد ومات في بغداد، له مؤلفات كثيرة منها: معاني القرآن، والاشتقاق، والأماني، الزركلي، الأعلام:١/ ٤٠\n(^٤) «الزجاج: ابراهيم بن السري، معاني القرآن وإعرابه: عالم الكتب- بيروت، ط ١، ١٤٠٨ هـ، (٢/ ٣١١)","vol":"1","page":74},{"text":"وقال الإمام القرطبي (^١) في تفسير الرب: \" أي مالكه \" (^٢)\nوقال الإمام الرازي: \"أما الربوبية فهي إشارة إلى الإيجاد والإبداع\" (^٣)\nوقال الإمام ابن تيمية (^٤): \" توحيد الربوبية: وأن الله رب كل شيء ومليكه وخالقه\" (^٥)\nوقد استدل الإمام السمعاني بصفات أفعال الله جل وعز على ربوبيته، واستحقاقه للألوهية. ولذا عرَّف السمعاني الربوبية القائمة على مقتضى هذه الصفات، الموجبة لوحدانيته، فأثبت ربوبية الله تعالى على خلقه بأنه:\n١. الملك والمالك والمليك الذي بيده ملك كل شيء.\n٢. والخالق والخلاق لكل شيء.\n٣. والمدبر المتصرف في جميع الأمور، على وفق الحكمة الإلهية.\n٤. والذي بيده الضر والنفع، والإعطاء والمنع.\n٥. وأنه المتفرد بالإيجاد والإفناء، والبعث والإحياء.\n٦. وأنه المتفرد برزق كل المخلوقات، والمُسهِّل لأرزاقهم.\nوهذه كلها مقتضيات ربوبية الله - ﷿ -، وشواهد وحدانيته، ودلائل إلاهيته.\nفإبراهيم الخليل ذكر بعض دلائل ربوبية الباري جل وعلا، فقال: ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِّي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ (٧٧) الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (٧٨) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (٧٩) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (٨٠) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (٨١) وَالَّذِي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (٨٢)﴾ (الشعراء ٧٧ - ٨٢).\n_________\n(^١) «القرطبي: محمد بن أحمد: من كبار المفسرين، صالح متعبد، من أهل قرطبة، رحل إلى الشرق، واستقر في منية ابن خصيب شمالي اسيوط مصر، وتوفي فيها، من كتبه، الجامع لأحكام القرآن، الزركلي: الأعلام:٥/ ٣٢٢\n(^٢) «القرطبي: محمد بن أحمد: الجامع لأحكام القرآن: دار الكتب المصرية- القاهرة، ط ٣،١٣٨٤ هـ.\n(٧/ ١٥٥)\n(^٣) «الرازي: مفاتيح الغيب:٢٧/ ٤٩١\n(^٤) «ابن تيمية: أحمد بن عبد الحليم الحراني، الإمام وشيخ الإسلام. (٦٦١ هـ-ت ٧٢٨ هـ)، كان آية في التفسير والأقوال، فصيح اللسان، قلمه ولسانه متقاربان، له مؤلفات كثيرة منها: منهاج السنة وغيرها، الزركلي، الأعلام:١/ ١٤٤\n(^٥) «ابن تيمية: أحمد بن عبد الحليم: الاستقامة، جامعة الإمام محمد بن سعود، المدينة المنورة، ط ١، ١٤٠٣ هـ. (١/ ١٧٩)","vol":"1","page":75},{"text":"يقول الإمام السمعاني في قوله: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ (الشعراء ٨٠)\nوقوله:\" وإذا مرضت\"هو استعمال أدب، وإلا فالممرض والشافي هو الله تعالى بإجماع أهل الدين \" (^١).\nوربوبية الله تعالى شاملة لكل الخلائق، قال جل وعلا: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِن شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَن يَامُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (القصص ٣٠)، قال السمعاني: \"أي رب الجن، والإنس، والملائكة، والخلائق أجمعين \" (^٢)\nوبإستقراء كلام السمعاني نجد أنه أشار إلى أن هذه الأمور هي من مقتضيات الربوبية التي تستلزم الألوهية، ومن أمثلتها:\n١. في قوله جل وعلا: ﴿... وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (المائدة ١٧)، يقول: فيه إشارة إلى أن المستحق للألوهية من له ملك السموات، ومن له هذه القدرة فإياه فاعبدوا \" (^٣).\n٢. وفي قوله جل وعلا: ﴿قُل لِّمَنِ الْأَرْضُ وَمَن فِيهَا إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٤) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٨٥) قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٨٧) قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٨) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ (المؤمنون ٨٤ - ٨٩)، فأشار الإمام السمعاني في قوله: (سَيَقُولُونَ لِلَّهِ) إلى مقتضى ربوبيته وهي تمام ملكه، ولذا يقول جل وعز: (أَفَلَا تَذَكَّرُونَ) أي تتعظون، (أَفَلَا تَعْقِلُونَ) أي تحذرون، (فَأَنَّى تُسْحَرُونَ) أي تخدعون، وقيل تصرفون عن الحق (^٤)، أي بعد ظهور دلائله وشواهده.\n_________\n(^١) «السمعاني: تفسير القرآن:٢/ ٥٣\n(^٢) «السمعاني: تفسير القرآن:٢/ ١٣٧\n(^٣) «السمعاني: تفسير القرآن:١/ ٢٤\n(^٤) «السمعاني: تفسير القرآن:٣/ ٤٨٧","vol":"1","page":76},{"text":"٣. وفي قوله ﷾: ﴿وَإِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا (١٣١) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ (النساء ١٣١ - ١٣٢) يشير الإمام السمعاني إلى التلازم بين نوعي التوحيد، وذلك أن مافي السماوات ومافي الأرض لله ملكا وخلقا وتدبيرا، وهذا يقتضي أن يطلب الإنسان حاجاته ممن يملكها، وينزل فاقته بمن يعرفها، وفي هذا يقول السمعاني: (فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا)، فاطلبوا منه ما تطلبون. وأما الثالث فيقول: (وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا) أي اتخذوه وكيلا ولاتتكلوا على غيره\" (^١)\n٤. وفي قوله تعالى: ﴿... أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ (الرعد ١٦)، يقرر الإمام السمعاني كذلك التلازم بين نوعي التوحيد، وأن من أقر بالربوبية وبمقتضياتها من الإنفراد في الملك والخلق والتدبير، لزمه الإقرار بألوهيته وإفراده فيها فيقول: \" وقوله تعالى: (أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ) يعني: أجعلوا لله شركاء، (خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ) أي اشتبه كماخلقوه بما خلقه الله، ومعنى الآية: أنهم كما عرفوا أن الأصنام لاتخلق كخلق الله، فلا ينبغي أن تعبد كعبادة الله\" (^٢)\n_________\n(^١) «السمعاني: تفسير القرآن:١/ ٤٨٨\n(^٢) «السمعاني: تفسير القرآن:٣/ ٨٧","vol":"1","page":77},{"text":"٥. وفي قوله جل في علاه: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢) قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ﴾ (الشعراء ٢٣ - ٢٤)، لفتة لطيفة، وعلاقة وطيدة، بين توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية، فإن موسى - ﵇ - حين سأل عن الرب جلَّ وعلا، دل عليه بمخلوقاته، فمن نظر فيها وتأمل أدرك، ولذا يقول السمعاني:\" ومعنى قوله: (إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ) هاهنا أنكم كما توقنون الأشياء التي تعاينونها، فأيقنوا أن إله الخلق هو الله تعالى\" (^١).\n٦. وفي قوله ﷾: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾ يشير الإمام السمعاني إلى معنى التدبير، الذي هو من مقتضيات ربوبية الله جل وعلا، فيقول:\" التدبير من الله تعالى: فعل الأشياء على ما يوجب الحكمة\" (^٢).\nوذكر الشيخ السمعاني أن الله جل وعلا، منفرد في التدبير والتصريف لهذا الكون؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ (الأنبياء ٢٢)،فإذا كان الإله اثنين، حصل فساد في السماء والأرض.\nيقول السمعاني:\" ومعنى الفساد في السماء والأرض إذا كان الإله اثنين، هو فساد التدبير، وعدم انتظام الأمور، بوقوع المنازعة والمضادة، وهو أيضا معنى قوله تعالى: ﴿وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ (^٣) (المؤمنون ٩١)، وقد ربط السمعاني بين (التدبير والحكمة) في تفسيره لمعنى اسم الله الحكيم، فيقول في بعض تلك المواطن، كما في تفسير قوله تعالى:\n﴿وَكَانَ الله عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ (الفتح ٧)، \"منيعا في النصر، حكيما في التدبير\" (^٤)،وقال في موطن آخر في قوله تعالى: ﴿قَالُوا كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ﴾ (الذاريات ٣٠)، \" أي الحكيم فيما يدبر\" (^٥).\n_________\n(^١) «السمعاني: تفسير القرآن:٤/ ٤٣\n(^٢) «السمعاني: تفسير القرآن:٢/ ٧٦\n(^٣) «السمعاني: تفسير القرآن:٣/ ٣٧٤\n(^٤) «السمعاني: تفسير القرآن:٥/ ١٩٣\n(^٥) «السمعاني: تفسير القرآن:٥/ ٢٥٨","vol":"1","page":78},{"text":"وقد أشار السمعاني إلى أن الخلق مقرون بالحكمة والتدبير، وكل هذه من مقتضيات ربوبية الله تعالى، فيقول في حكمة خلق السموات والأرض في ستة أيام، مع أن الله تعالى قادر على خلقها في طرفة عين: \" لأن خلقها على التأني أدل على الحكمة، فخلقها على التأني؛ ليكون أدل على حكمته، ولطف تدبيره \" (^١).\nوأشار أيضًا إلى أن التدبير يأتي بمعنى القضاء، كما في قوله تعالى: \" وَمَن يُدَبِّرُ الْأَمْرَ \" (يونس ٣١)، \" ومن يقضي الأمر \" (^٢).\nوهل يخالف ما أشرنا إليه من تفرد الله تعالى بالملك، والخلق، والتدبير، ما أُضيف إلى بعض المخلوقات من مقتضيات هذه الأمور؟!\nلا يخالف ذلك تفرد الباري جل وعلا بمقتضيات ربوبيته في خلقه، وملكه، وتدبيره، ما يُضاف إلى بعض مخلوقاته، فالله جل وعلا، يُؤتي ملكه من يشاء، كما قال تعالى: \" قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ \" (آل عمران ٢٦)، وقال سبحانه عن طالوت: \" وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٢٤٧) وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ \" (البقرة ٢٤٧ - ٢٤٨)\nفإن ملك البشر مقيد محدود، وملك الخالق شامل كامل تام لكل شيء في الدنيا والآخرة، ولذا يُقال يوم القيامة: \" الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ \" (الفرقان ٢٦)\nوأشار السمعاني من نصوص السنة على ما يدل على ذلك، ففي رواية ابن عمر عن النبي ﷺ: \" إن الله يقبض الأرض، ويطوي السموات بيمينه، ثم يقول: أنا الملك، أين ملوك الأرض؟ \" (^٣)\n_________\n(^١) «السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ١٨٨\n(^٢) «السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٣٨١\n(^٣) «أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير، باب قوله تعالى (وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)، دار طوق النجاة، ط ١، ١٤٢٢ هـ ح (٤٨١٢).","vol":"1","page":79},{"text":"قال السمعاني في قوله تعالى: \" يَوْمَ هُم بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (١٦) \" (غافر ١٦): \" قال ابن عباس: يقول الله تعالى هذا حين تفنى الخلائق، ولا يكون أحد يجيبه، فيجيب نفسه بنفسه، ويقول: لله الواحد القهار \" (^١).\nويقول في تفسير قوله تعالى: \" وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَاءِي \" (فصلت ٤٧)، \" وفي التفسير: أن الله تعالى يقول: أين الملوك؟ أين الجبابرة؟ أين الآلهة؟، أنا الرب لا رب غيري، وأنا الله، لا إله غيري، أنا الملك، لا ملك غيري \" (^٢).\nفملك الله تعالى تام شامل، ولذا قال: \" مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ \" مع أنه مالك الأيام كلها، \" وخصّه لأن الأمر في القيامة يخلص له، كما قال: \" وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِّلَّهِ (١٩) \" (الانفطار ١٩)، وأما في الدنيا: للملوك أمر، وللمسلمين أمر، وللأنبياء أمر \" (^٣)\nوأما الخالقية المحضة التي يُراد بها الخلق من العدم، فهذا مما انفرد به الرب تعالى، فهو الخالق، البارئ، المصوِّر، فاطر السموات والأرض، بخلاف غيره من المخلوقات، وإن نسبت إليهم صفة الخالقية، فهي خالقية ناقصة، فيها تحويل مادة إلى مادة، مع أن خالق المادة وعملك هو الله جل في علاه.\nوفي هذا يقول الإمام السمعاني: \" فإن قيل: قد قال: \" وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا \"، وقال في موضع آخر: \" هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ \"، أي: لا خالق غير الله، فكيف وجه التوفيق بين الآيتين؟! والجواب عنه: أن الخلق بمعنى التقدير هاهنا \" (^٤).\n_________\n(^١) «السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ١١\n(^٢) «السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٥٨\n(^٣) «السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٣٧\n(^٤) «السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ١٧٣","vol":"1","page":80},{"text":"وأما تدبير الخلائق فهو من خصائص الله جلا وعلا، وماجاء في قوله تعالى: \" فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا (٥) \" (النازعات ٥)، فإن قيل: هي الملائكة، فمعنى التدبير، هو ما جعل الله إليها من الأمور، وإن قيل: هي النجوم، فيجوز أن يُعَلِّق الله تعالى على مطالعها ومغاربها وسيرها أشياء، وأضاف التدبير إليها على طريق المجاز \" (^١).\nوما ذكره السمعاني، هو ما أجاب به الإمام علي بن أبي طالب ﵁، حين سأله ابن الكوَّاء عن المدبرات أمرًا، فقال: الملائكة يدبرون ذكر الرحمن وأمره \" (^٢).\nإذن: فالسمعاني متوافق في تفسيره لمعنى الرب لتفسير السلف ولم يخرج عن مقتضى النص القرآني، وهو المنصوص عليه عند علماء اللغة والشرع. ويُعد تفسير كلمة الرب في القرآن الكريم من باب تفسير القرآن بالقرآن، فقد قال جل وعلا: (يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون الذي جعل الأرض فراشا والسماء بماء ...) (البقرة ٢١ - ٢٢)، فذكر في الآية مقتضيات ربوبيته من الخلق والملك والتدبير، بالتضمن والالتزام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-38>المطلب الثاني: معرفة الله جل وعلا، ودلائل وجوده ووحدانيته:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-39>المسألة الأولى: معرفة الله جل وعلا:</span>\nمسألة المعرفة الإلهية من المسائل الواضحة البينة، التي تشهد لها الفِطر، والعقول، والنفوس، وكل مافي هذا الكون. ومع ذلك اختلف الناس في هذه المعرفة: هل تُعرف بالشرع أو بالعقل، أو بهما معًا؟.\nفأهل السنة على أن المعرفة واجبة بالشرع، ممكنة بالعقل، ومعنى وجوبها بالشرع:\nهو عدم قيام الحجة على المكلف قبل ورود الشرع. في حين نحا المعتزلة منحى آخر، فذهبوا إلى أن المعرفة لا تُنال إلا بحجة العقل. (^٣)\n_________\n(^١) «السمعاني: تفسير القرآن: ٦/ ١٤٦\n(^٢) «أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره، مكتبة الباز، المملكة العربية السعودية، ط ٣، ١٤١٩ هـ (١٠/ ٣٣٩٧)\n(^٣) «السجزي: عبدالله بن سعيد: رسالة السجزي إلى أهل زبيد، عمادة البحث العلمي بالجامعة الإسلامية، المدينة المنورة، ط ٢، ١٤٢٣ هـ، (١٣٥)، عبدالجبار: شرح الأصول الخمسة، مكتبة وهبة، ط ١، ١٣٨٤ هـ، (٨٨).","vol":"1","page":81},{"text":"وأما الأشاعرة فوافقوا السلف، في أن معرفة الله تعالى ممكنة بالعقل، واجبة بالشرع (^١)، غير أنهم فارقوهم في بيان أول واجب على المكلف.\nفأهل السنة قرروا أن أول واجب على المكلف هو التوحيد، وهو إفراد الله تعالى بالعبادة، ونبذ الشرك، على ما تواتر من نصوص الشرع في بيان هذا الواجب. (^٢) وهو ما قرره السمعاني ونصره، ورد على المخالفين في إيجابهم النظر أولا، فقال:\"وقد ذكرنا في كتاب الانتصار لأصحاب الحديث، واخترنا طريقة السلف وما كانوا عليه في هذا الباب، ونقلنا عن عامة الأئمة ما يوافق ما اخترناه وذكرناه\" (^٣)\nوسلك الأشاعرة مسلكًا عويصًا في هذه المسألة، واختلفوا في أول واجب على المكلف، فقال بعضهم: أول واجب: المعرفة، وقيل النظر، وقيل: القصد إلى النظر، ثم ولدوا عليها سؤالات، كحكم تارك النظر. (^٤)\nوهذا القول فيه مناقضة لما غرسه الله جل وعلا في النفوس، من معرفته، وفطرها على الإقرار بربوبيته، فإن الخلق كلهم ولدوا على الفطرة، فمتى \" تركت الفِطر بلا فساد، كان القلب عارفًا بالله، محبًا له وحده \". (^٥)\nوقد قَرَّر السلف أن المعرفة الإلهية، هي معرفة فطرية، غريزية، جبلِّيَّة، بمعنى أن الخلق فطروا على معرفة خالقهم.\nوهذا لا يعارض ما قيل سلفًا، من وجوبه بالشرع، وإمكانه بالعقل، لأن العقل السليم موافق للفِطر السليمة.\n_________\n(^١) «الشهرستاني: محمد بن عبدالكريم: الملل والنِحل، مؤسسة الحلبي، (١/ ١٠١).\nالإيجي: عبدالرحمن بن أحمد: المواقف: دار الجيل، بيروت، ط ١، ١٤١٧ هـ، (١/ ٧٧)\n(^٢) «ابن أبي العز: شرح العقيدة الطحاوية: وزارة الشؤون الإسلامية، المملكة العربية السعودية، ط ٢ - ١٤١٨ هـ (٢٧).\n(^٣) - السمعاني: قواطع الأدلة: ٢/ ٦٨، وانظر: الانتصار: ٦١\n(^٤) «الإيجي: المواقف: ١/ ١٦٥\n(^٥) «ابن تيمية: أحمد بن عبدالحليم: أمراض القلوب وشفاؤها، المطبعة السلفية، القاهرة، ط ٢، ١٣٩٩ هـ (٢٦).","vol":"1","page":82},{"text":"فالقول بأن المعرفة اكتساب محض، هو من قول المتكلِمة، والذي تُؤيده ظواهر النصوص الشرعية، أن معرفة الله تعالى، والإقرار بربوبيته، مما فُطِر عليه البشر جميعهم، لكن حصل الانحراف بهذه الفِطر السليمة بأسباب متعددة، منها الوالدان، والبيئة، والمجتمع، والغفلة، والشياطين. وهذه المعرفة ليست كافية بذاتها، بل هي بحاجة لمعرفة مكتسبة تحييها، وتنميها، وتوقظها، وهي دعوة الرسل عليهم الصلاة والسلام، \" والرسل صلى الله عليهم وسلم، بُعثوا لتقرير الفِطرة وتكميلها، لا لتغيير الفِطرة وتحويلها \" (^١)، فالإقرار بالخالق وكماله، يكون فِطريًا ضروريًا في حق من سلمت فطرته. وهل يحتاج مع ذلك إلى الأدلة؟ نعم، قد يحتاج إلى الأدلة عليه ﷾، كثير من الناس عند تغيُّرالفِطرة، وما يعرض لها من التحول. (^٢)\nولذا كان عمر بن عبدالعزيز يأمر بالتمسك بالفطرة السليمة الأولى، فقد جاء رجل إليه فسأله عن شيء من الأهواء، فقال: الزم دين الصبي في الكُتَّاب والأعرابي، وأَلْهَ عما سوى ذلك. (^٣)\nفإذا كانت الفِطرة تصح من عديم العقل، فكيف لا تصح من صاحب العقل والتمييز. فالهدهد غار على توحيد الله تعالى، مع كونه طيرًا غير مكلف ولا مميِّز، وبهذه الفِطرة التي فَطر الله عليها الإنسان، وبما رُكِّب فيه من الإرادة والحركة، والشعور والإحساس الذي به يميِّز بين الحق والباطل، والصدق والكذب، وبه يبحث عما يحب وينفعه، وما يضر يبغضه.\nولما كانت عبادة الله جل وعلا أعظم ما أمر الله به، وأكبر ما حُقَّ له سبحانه، وأول ما وَجب على المُكلف، جَعَل دليل استحقاقها مغروسًا في النفوس، حاضرًا في الأفئدة والقلوب، ليسهل انقيادها، وتكمل سعادتها.\n_________\n(^١) «ابن تيمية: أمراض القلوب وشفاؤها (٢٦).\n(^٢) «انظر: ابن تيمية: الرسالة الأكملية فيما يجب لله من صفات الكمال، مطبعة المدني السعودية، ١٤٠٣ هـ (٩).\n(^٣) «ابن سعد: محمد بن سعد: الطبقات الكبرى، دار الكتب العلمية، بيروت، ط ١، ١٤١٠ هـ (٥/ ٢٩٠)","vol":"1","page":83},{"text":"\" إن هذه الفِطرة هي التي تُفسِّر الظاهرة التي لاحظها الباحثون في تاريخ الأديان، وهي أن الأمم جميعًا - التي درسوا تاريخها - اتخذت معبودات تتجه إليها وتقدسها. وقد يقال هنا: لو كان التوجه إلى الله أمرًا فطريًا، لما عَبَد الناس في مختلف العصور آلهة شتى. والجواب: إن الفطرة تدعو المرء إلى الاتجاه إلى الخالق، لكن الإنسان تُحيط به مؤثرات كثيرة، تجعله ينحرف حينما يتجه إلى المعبود الحق \" (^١).\nفالفطرة هي: السلامة من الاعتقادات الباطلة، وقبول العقائد الصحيحة. ومع ذلك جرى خِلاف طويل في تحديد معنى الفِطرة، فقيل:\nـ هي الإقرار بمعرفة الله تعالى.\nـ هي الخلقة التي خُلقَ عليها المولود.\nـ هي البراءة التي ابتدأهم عليها، بمعنى أنه مولود على ما فطر الله عليه خلقه منذ ابتدأهم، للحياة والموت، والسعادة والشقاء، وإلى ما يصيرون إليه عند البلوغ، من قبولهم عن آبائهم اعتقادهم.\nوأما التفسير المعروف عند عامة السلف للفطرة: فهو الإسلام، وهي عبادة الله وحده، ولذا فسَّروا الفطرة في قوله تعال: \" فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠) \" (الروم ٣٠) بدين الإسلام. (^٢)\nويُشار في هذا المقام إلى أن الفطرة، تعني المحبة لمن خَلَق وأبدع، والإقرار له بالربوبية والعبودية، بحيث لو خُلِّيَ بينه وبين ربه لم يعدل عن ذلك إلى غيره.\nفليست الفِطرة أن يولد المرء ساذجًا، لا يعرف توحيدًا ولا شركًا؛ لأنه جاء في بعض الروايات: \" إلا وهو على الملة \" (^٣).\n_________\n(^١) «الأشقر: عمر بن سليمان: العقيدة في الله، دار النفائس، الأردن، ط ١٢، ١٤١٩ هـ (٦٩)\n(^٢) «السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٢٠٩\n(^٣) «أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب القدر، باب معنى كل مولود يولد على الفطرة، دار إحياء التراث، بيروت، ح (٢٦٥٨). ينظر: ابن أبي العز: شرح العقيدة الطحاوية: ٣٤","vol":"1","page":84},{"text":"وليست الفطرة مرادًا بها المعرفة بجميع الأحكام وتفاصيلها، فهذا كل أحد يُنكره، لأن الله تعالى يقول: \" وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا \" (النحل ٧٨).\nوقد أفاض شيخ الإسلام ابن تيمية، بذكر الأدلة العقلية التي تُؤيد أن كل مولود يولد على الفطرة. (^١)\nوالإمام السمعاني ﵀ أشار في تفسيره إلى الخلاف الوارد في تفسير معنى الفطرة، وذكر أربعة أقوال: (^٢)\n١ - أنها بمعنى الدين.\n٢ - أنها بمعنى دين الله تعالى، أي: أن الخلق يولدون على العهد الذي أخذ عليهم يوم الميثاق.\n٣ - بمعنى على ابتداء الخلقة في علم الله مؤمنًا وكافرًا.\n٤ - بمعنى الخلقة التي فُطِر عليها الإنسان في الرحم من سعادة أو شقاوة، فأبواه يهودانه، يعني في الدنيا.\nوالذي رجحه الإمام السمعاني: أن معنى الفطرة: هو أن الإنسان يولد على أنه متى سُئل: من خلقك؟ فيقول: الله خلقني، وهو المعرفة التي تقع في أصل الخِلقة. (^٣)\nونقل عنه الإمام اسماعيل الأصبهاني في كتابه الحجة في بيان المحجة. (^٤)\nوفسر حديث النبي ﷺ: \" خلقت عبادي حنفاء \" (^٥)، بأن فيه إشارة إلى الغريزية التي هي مركبة فيهم. (^٦)\nوهو الذي يترجح في هذه المسألة، والله أعلم، وهو القول المحكي عن سلف الأمة، من أن الفطرة هي الإسلام والتوحيد، يدل له:\n_________\n(^١) «ابن تيمية: درء تعارض العقل والنقل، جامعة الإمام محمد بن سعود، المملكة العربية السعودية، ط ٢ - ١٤١١ هـ (٨/ ٤٥٦)\n(^٢) «السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٢٠٩ - ٢١١\n(^٣) «السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٢١٠\n(^٤) «الأصبهاني: إسماعيل بن محمد: الحجة في بيان المحجة، دار الراية، الرياض، ط ٢، ١٤١٩ هـ (٢/ ٣٩).\n(^٥) «أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب الصفات التي يعرف بها في الدنيا، ح (٢٨٦٥).\n(^٦) «الأصبهاني: الحجة في بيان المحجة، ٢/ ٤٠","vol":"1","page":85},{"text":"١ - قوله جل وعلا: \" فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠) \" (الروم ٣٠) قال مجاهد (^١): فطرة الله الإسلام. (^٢) وقال الضحاك (^٣): فطرت الله التي فطر الناس عليها: دين الله الذي فطر خلقه عليه (^٤).\n٢ - قوله تعالى: \" وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ\nعَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (١٧٢) \" (الأعراف ١٧٢)\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية: \" فإن هذه الآية بينة في إقرارهم وشهادتهم على أنفسهم بالمعرفة التي فطروا عليها، أن الله ربهم \" (^٥)\n٣ - قوله ﵊: \" كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه، أو يمجسانه، كمثل البهيمة تنتج البهيمة، هل ترى فيها جدعاء \". (^٦)\n_________\n(^١) «مجاهد بن جبر، (٢١ هـ - ١٠٤ هـ)، تابعي، مفسِّر من أهل مكة، شيخ القراء والمفسرين، أخذ التفسير عن ابن عباس، قرأه عليه ثلاث مرات، يقف عند كل آية يسأله، فيم نزلت، وكيف كانت؟، الزركلي: الأعلام: ٥/ ٢٧٨\n(^٢) «الطبري: جامع البيان: ٢٠/ ٩٧\n(^٣) «الضحاك بن مزاحم البلخي الخراساني، مفسِّر، كان يؤدب الأطفال، له كتاب في التفسير، توفي بخراسان سنة ١٠٥ هـ. الزركلي: الأعلام: ٣/ ٢١٥\n(^٤) «تفسير ابن أبي حاتم: ٩/ ٣٠٩١\n(^٥) «ابن تيمية: جامع الرسائل، دار العطاء، الرياض، ط ١، ١٤٢٢ هـ (١/ ١١).\n(^٦) «أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجنائز، باب ماقيل في أولاد المشركين، ح (١٣٨٥)، ومسلم في كتاب القدر، باب معنى كل مولود يولد على الفطرة، ح (٢٦٥٨)","vol":"1","page":86},{"text":"وهذا \" الحديث مطابق للقرآن، لقوله تعالى: \" فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا \" (الروم ٣٠)، وهذا يعم جميع الناس، فعُلم أن الله فطر الناس كلهم على فطرته المذكورة، وفطرة الله أضافها إليه إضافة مدح، لا إضافة ذم، فعُلِم أنها فطرة محمودة لا مذمومة \". (^١)\n٤ - وفي حديث النبي ﷺ: \" ألا إن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني يومي هذا، كل مال نحلته عبدًا حلال، وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم ... \". (^٢)\nوهذا فيه دلالة على البقاء على أصل التوحيد، وأن الشرك هو الطارئ، كما قال جل وعلا: \" كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ \" (البقرة ٢١٣)، يقول الإمام الطبري: \" كان الناس أمة مجتمعة على ملة واحدة، ودين واحد فاختلفوا، فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين \" (^٣)، وقال: \" فإن دليل القرآن واضح على أن الذين أخبر الله عنهم، أنهم كانوا أمة واحدة، إنما كانوا أمة واحدة على الإيمان ودين الحق، دون الكفر والشرك به \" (^٤).\nوهذا الذي فسَّره به الإمام السمعاني فقال: \" والمراد بالأمة هنا: الدين، يعني: كان الناس على دين واحد \" (^٥).\nـ وأما ما ذهب بعض الأئمة، من تفسير الفطرة بموافقة القدر، فيحمل على الرد على القدرية، لا نفي الفطرية، وفي هذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: \" مقصود حماد وإسحاق ومالك وابن المبارك، ومن اتبعهم كابن قتيبة وابن بطة، والقاضي أبي يعلى وغيرهم، هو منع احتجاج القدرية بهذا الحديث على نفي القدر، وهذا مقصود صحيح، ولكن سلكوا في حصوله طرقًا بعضها صحيح، وبعضها ضعيف \" (^٦).\n_________\n(^١) «ابن تيمية: درء تعارض العقل والنقل: ٨/ ٣٧٢\n(^٢) «سبق تخريجه.\n(^٣) «الطبري: جامع البيان: ٤/ ٢٧٦\n(^٤) «الطبري: جامع البيان: ٤/ ٢٨٠\n(^٥) «السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٢١٣\n(^٦) «ابن تيمية: درء تعارض العقل والنقل: ٨/ ٤١٧","vol":"1","page":87},{"text":"ومما يوجه به هذا القول: أن الفطرة لها تميِّز عما ذكروه، من أن كل مولود يولد على ما سبق في علم الله أنه صائر إليه؛ لأن كل المخلوقات بهذه المثابة، فالبهائم والأشجار مخلوقة على ما سبق في علم الله، إذن: فليكن حينئذ كل مخلوق مخلوقًا على الفطرة.\nولو كان المراد ذلك لم يكن لقوله: \" فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه \" معنى، فإنهما فعلا به ما هو الفطرة التي ولد عليها، فلا فرق بين التهويد والتنصير حينئذ، وبين تلقين الإسلام وتعليمه، وبين تعليم سائر الصنائع، فإن ذلك كله داخل فيما سبق به العلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-40>المسألة الثانية: دلائل وجود الله تعالى ووحدانيته:</span>\nهذه المسألة هي الأصل التي يُبنى عليها ما بعدها، ولذا تتابع العلماء على البدء بهذا الأصل في الإيمان بالله تعالى، وهو الموافق للعقل والمنطق السليم، فالحديث عنها مقدم على غيرها، وإنما أخرت الكلام عنها، لدواعي ترتيب المباحث والمسائل لا غير، وإلا فإن حقها التقديم والتصدير ليُبنى عليها غيرها من المسائل، على أن ترتيب المسائل العلمية، هي تراتيب اصطلاحية، قد تُقَدَّم مسألة في مقام، وتُؤخر في مقام آخر حسب الدواعي والحاجة إليها.\nفمسألة وجود الله تعالى، مسألة فطرية (^٢)، إلا أن الناس سلكوا مسالك متعددة في إثبات الوجود الإلهي. مع أن الدلائل التي جعلها الله جل وعلا سبيلًا لمعرفته، وبثها في الكون والآفاق والأنفس كثيرة، ولا تنحصر أفرادها:\nوفي كل شيء له آية ... تدل على أنه واحد\n_________\n(^١) «ابن تيمية: درء تعارض العقل والنقل: ٨/ ٣٨٧ (بتصرف).\n(^٢) «يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: \" مع أن إثبات الموجود الواجب الغني الخالق، وإثبات الموجود الممكن المحدث الفقير المخلوق، هو من أظهر المعارف، وأبين العلوم \". ابن تيمية: درء تعارض العقل والنقل: ٣/ ٢٦٥","vol":"1","page":88},{"text":"يقول الإمام ابن القيم (^١): \" وسمعت شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية - قدس الله روحه - يقول: كيف يطلب الدليل على من هو دليل على كل شيء. وكان كثيرًا ما يتمثل بهذا البيت:\nوليس يصح في الأذهان شيء ... إذا احتاج النهار إلى دليل \". (^٢)\nفوجود الباري جل وعلا ثابت بطريق الفطرة، والعقل، الحس، والشرع.\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية: \" أما إثبات الصانع فطرقه لا تحصى، بل الذي عليه جمهور العلماء، أن الإقرار بالصانع فطري، وضروري مغروز في الجبلَّة \". (^٣)\nأما المتكلمون فقد انتهجوا طرائق وعِرَة، وسلكوا أساليب معقدة، لإثبات وجود الله تعالى، استخدموا فيها مصطلحات فلسفية، انتجت نتائج متناقضة، أدت إلى نفي ما يستحقه الرب جل وعلا من الكمالات.\nفذهبوا إلى أن إثبات الباري متوقف على إثبات حدوث العالم، واحتياجه إلى محدث وهو الله تعالى، فسلكوا هذا الطريق الخفي، الذي يعتمد على إثبات الجواهر والأعراض، إمكانًا وحدوثًا. (^٤)\nفي حين ذهب الفلاسفة مذهبًا آخر، فأثبتوا وجود الله جل وعلا، عن طريق الوجوب والإمكان، فقسموا الموجود إلى واجب وممكن، ثم استدلوا بالممكن على الواجب، من حيث حدوثه بعد أن لم يكن، ومن حيث ثباته على الإمكان. (^٥)\n_________\n(^١) «ابن القيم: محمد بن أبي بكر بن أيوب الزرعي، (٦٩١ هـ - ٧٥١ هـ)، تتلمذ على شيخ الإسلام ابن تيمية، برع في فنون العلم، وخط يراعه: بدائع الفوائد، وزاد المعاد وغيرهما كثير. الفاسي: الذيل على كتاب السير: ١٧/ ٦٢\n(^٢) «ابن قاسم: محمد بن عبدالرحمن: المستدرك على مجموع فتاوى ابن تيمية، ط ١، ١٤١٨ هـ، (١/ ٣٣)\n(^٣) «ابن تيمية: منهاج السنة النبوية، جامعة الإمام محمد بن سعود، ط ١، ١٤٠٦ هـ، (٢/ ٢٧٠)\n(^٤) «الإيجي: المواقف: ٣/ ١٢\n(^٥) «انظر: ابن سينا: الحسين بن عبدالله: النجاة، مطبعة السعادة، مصر، ١٣٣٠ هـ (٣٨٣).","vol":"1","page":89},{"text":"فهذه استدلالات عقلية مجردة، وبراهين منطقية، فلسفية، تفتقر إلى الوضوح والسهولة والبيان، مع أن القرآن الكريم جاء بما يشفي ويكفي في مثل هذه القضية، فيكفي في إثبات وجوده تعالى، ما ركبه في الفِطر، وغرسه في النفوس على الإقرار بوجوده، قال جل وعلا: \" قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ \" (إبراهيم ١٠)، قال السمعاني: \" معناه: ليس في الله شك، وهذا استفهام بمعنى نفي ما اعتقدوه \". (^١)\nوقد سار الإمام السمعاني في هذا الباب على المنهج القرآني، والطريق الرباني، فقد أشار في تفسيره في أكثر من موضع، أن الله تعالى قد نصب الدلائل، وأقام البراهين، وأوضح الحجج، وبين الطرق التي تدل عليه، سواء كانت من جهة الآيات الشرعية، أو الآيات الكونية، التي تدل على وجوده ﷾.\nومن ذلك: يقول الإمام السمعاني عند تفسير قوله تعالى: \" هَذَا بَلَاغٌ لِّلنَّاسِ وَلِيُنذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ (٥٢) \" (إبراهيم ٥٢)، \" وقوله: \"وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ \". أي: ليستدلوا بهذه الآيات على وحدانية الله تعالى \". (^٢)\nوفي تفسير قوله تعالى: \" لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٥٥) \" (النحل ٥٥)، يقول: \" قوله تعالى \" لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ \". معناه: أن حاصل أمرهم هو كفرهم بما آتيناهم من النعمة. وقيل: إن النعمة هي الآيات التي أراها خلقه على وحدانيته \". (^٣)\nوفي تفسير قوله تعالى: \" وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ \" (الحجرات ٨)، يقول: \" يُقال: حببه بإقامة الدلائل على وحدانيته، وهدايتهم إليها \". (^٤)\n_________\n(^١) «السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ١٠٧\n(^٢) «السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ١٢٧\n(^٣) «السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ١٧٩\n(^٤) «السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٢١٨","vol":"1","page":90},{"text":"وقد فصّل الله جل وعلا الآيات، وبيَّنها، وأظهرها، لكن تحتاج إلى نظر، وتأمل، وتدبر، يقول تعالى: \" كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْأيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٢٨) \" (الروم ٢٨)، يقول السمعاني: \" أي: ينظرون إلى هذه الدلائل بعقولهم \". (^١)\nولذا أمر الله ﷿ أنبياءه بالتذكير بهذه الدلائل، فقال تعالى: \" فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ (٢١) \" (الغاشية ٢١): \" أي: اذكر دلائل توحيد الله \". (^٢)\nثم عاب على المشركين شركهم فقال تعالى: \" وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ \" (البقرة ١٦٥): يقول السمعاني: \" كأنه عاب المشركين، حيث اتخذوا من دونه أندادًا، بعد ما أظهر الدلائل، ونصب البراهين على الوحدانية \". (^٣)\nولذلك كان التكذيب بالتوحيد، والاستكبار عن الإيمان، موجودًا عند بعض من طمست فطرته، وأعميت بصيرته، يقول جل وعلا في قصة موسى وفرعون: \" وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَى (٥٦) \" (طه ٥٦): \" أي: كذب بالتوحيد، وأبى عن الإيمان \". (^٤)\nوبتتبع كلام الإمام السمعاني في تفسيره، نخلص إلى أنه سلك في استدلاله على وجود الباري جل وعلا طريقين:\nالطريق الأول: دليل الفطرة والميثاق:\nذكرنا فيما سبق، أن النفس تدرك وجود الله تعالى بفطرتها، فلو تركت دون مؤثرات خارجية، لاستدلت على الله تعالى - ولذا الفطرة تكون حاضرة أوقات الشدة، وتظهر حين نزول البلية، شاهده قوله تعالى عن المشركين: \" فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ \" (العنكبوت ٦٥)، يقول الإمام السمعاني:\" أي: دعوا الله وتركوا دعاء الأصنام \" (^٥)\n_________\n(^١) «السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٢٠٨\n(^٢) «السمعاني: تفسير القرآن: ٦/ ٢١٥\n(^٣) «السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ١٦٤\n(^٤) «السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٣٣٥\n(^٥) «السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ١٩٣","vol":"1","page":91},{"text":"ويقول السمعاني: \" وقد ذكر بعض أهل العلم، أن الفطرة هاهنا هي الفطرة التي هي موجودة في كل إنسان. فإن كل أحد يرجع إلى غريزته، عَرَف خالقه، وذلك معنى قوله تعالى: \" فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا \" (الروم ٣٠). (^١)\nوتتلاقى هذه الفطرة، وتتمازج سويًا مع العهد الأول، والميثاق الذي أخذه الله تعالى على بني آدم وهم في عالم الذر، وأشهدهم على أنفسهم، ألست بربكم؟ قالوا: بلى. إلا أن هذا الميثاق لا تقوم به الحجة وحده، ولذا أرسل الله تعالى الرسل مبشرين ومنذرين.\nويُشار في هذا المقام إلى أن العلماء مختلفون في آية الميثاق: \" وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا \" (الأعراف ١٧٢).\nهل المقصود به إخراج حقيقي أو إخراج حالي، قولان للعلماء:\nفمنهم من يقول: هذا الإشهاد كان لما استخرجوا من صُلب آدم، وهل ثبت النطق والكلام أم لم يثبت؟ قولان:\nفقيل: ثبت النطق والكلام، وقيل لم يثبت، وإنما الوارد في الأحاديث: أن الله جل وعلا أراهم آدم، وقال هؤلاء للجنة، وهؤلاء للنار.\nوممن نصر هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم، يقول الإمام ابن تيمية: \"فأما نطقهم فليس في شيء من الأحاديث المرفوعة الثابتة، ولا يدل عليه القرآن \" (^٢)\nويقول الإمام ابن القيم: \" وبالجملة فالآثار في إخراج الذرية من ظهر آدم، وحصولهم في القبضتين كثيرة، لا سبيل إلى ردها وإنكارها، ويكفي وصولها إلى التابعين، فيكف بالصحابة؟، ومثلها لا يقال بالرأي والتخمين، ولكن الذي دل عليه الصحيح من هذه الآثار إثبات القدر .. فأما نطقهم فليس في شيء من الأحاديث التي تقوم بها الحجة، ولا يدل عليه القرآن \" (^٣)\n_________\n(^١) «الأصبهاني: الحجة في بيان المحجة: ٢/ ٤١\n(^٢) «ابن تيمية: درء تعارض العقل والنقل: ٨/ ٤٨٤، ابن تيمية: جامع الرسائل: ١/ ١٢\n(^٣) «ابن القيم: محمد بن أبي بكر: أحكام أهل الذمة، رمادي للنشر، الدمام، ط ١، ١٤١٨ هـ، (٢/ ١٠٠٦)","vol":"1","page":92},{"text":"والإمام السمعاني يرجح القول الأول، وفي هذا يقول: \" وأما أهل السنة مقرون بيوم الميثاق \" (^١). ونقل عن جماعة من المفسرين، القول بأن الله تعالى استنطقهم فنطقوا، وكلمهم فتكلموا، وفي هذا يقول: \" وفي بعض الأخبار: أن الله استخرج ذرية آدم، فنثرهم بين يدي آدم، ثم كلمهم قبلًاـ أي عيانًا - فقال: \" أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ \" قالوا: بلى، وقيل: جعل لهم عقول يفهمون بها، وألسنة ينطقون بها، ثم خاطبهم وألهمهم الجواب.\nوقال بعض المفسرين عن علماء السلف: إن الكل قالوا: بلى، لكن المؤمنين قالوا: بلى طوعًا، وقال الكافرون كرهًا \". (^٢)\nوأشار إلى أن المعتزلة، أنكرت الميثاق (^٣)، وتأولوا هذه الآية، على ما تأوله أصحاب القول الثاني. إلا أن أصحاب القول الثاني، يُثبتون يوم الميثاق بالأحاديث الصحيحة الثابتة عن رسول الله ﷺ، لكنهم لا يعتبرون أن هذه الآية تدل عليه، خِلافًا للمعتزلة الذين ينكرون هذا الإشهاد أصلًا.\nوقد ذكر الإمام الرازي حجج المعتزلة، في إنكار هذا الميثاق ورد عليها (^٤)، ولذا قال الإمام الزمخشري المعتزلي في كشافه عن هذا الميثاق: \" من باب التمثيل والتخييل \". (^٥)\nوشاهد القول أن الإمام السمعاني، جعل الميثاق الأول شاهدًا ودليلًا على وجود الباري جل وعلا، وقد أورد إشكالًا وأجاب عنه، فقال: \" وأما قوله: \" أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ \" يقرأ بالياء والتاء، فمن قرأ بالياء فتقدير الكلام: وأشهدهم على أنفسهم لئلا يقولوا يوم القيامة: إنا كنا عن هذا غافلين، ومن قرأ بالتاء، فتقدير الكلام: أخاطبكم ألست بربكم؟ لئلا تقولوا يوم القيامة: إنا كنا عن هذا غافلين.\nفإن قال قائل: الحجة إنما تلزم في الدنيا، إذا رجعوا عن ذلك العهد الذي كان يوم الميثاق، وأحد لا يذكر ذلك الميثاق، حتى يكون بالرجوع معاندًا، فتلزمه الحجة؟\n_________\n(^١) «السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٢٣٠\n(^٢) «السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٢٣١\n(^٣) «السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٢٣١\n(^٤) «الرازي: مفاتيح الغيب: ١٥/ ٣٩٨\n(^٥) «الزمخشري: الكشاف: ٢/ ١٧٦","vol":"1","page":93},{"text":"وقيل: إن الله تعالى قد أوضح الدلائل ونصبها على وحدانيته، وصدق قوله، وقد أخبر عن يوم الميثاق، وهو صادق في الأخبار، فكل من نقض ذلك العهد، كان معاندًا ولزمته الحجة\" (^١)\nالطريق الثاني: دليل النظر والتأمل في الآيات:\nكل الكائنات تشهد، وكل المخلوقات تسجد وتعبد، فمن قلَّب النظر، وأمعن الفكر، وأجال البصر، ورأى عِظَم المخلوق، استدل به على عِظَم الخالق.\nوبهذا النظر، وهذا التأمل تستيقظ الفطرة، ويستقيم العقل، ويزن بالفضل، فالله جل وعلا خاطب عقول الكفار؛ فقال جل وعلا: \" أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (٣٥) \" (الطور ٣٥). يعني: أهم خلقوا السموات والأرض. والجواب: أنهم لم يخلقوا السموات والأرض (^٢)، فعلموا من حالهم الضعف، وأنهم محتاجون لقوة يحتمون بها، وقبلة يتجهون إليها. إذن: فنفوسهم أقرت، وعقولهم استقرت، بأن الله هو الموجد، وما سواه موجود، وأن الله تعالى هو الخالق، وما سواه مخلوق، فكيف تصرفون العبادة لغيره.\nفسبحانه \" شهد بتدبيره العجيب، وصنعه المتقن، وأموره المحكمه من خلقه، أنه لا إله إلا هو، وهذا كقول القائل:\nولله في كل تحريكة وتسكينة أبدًا شاهد ... وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد \" (^٣)\nومن شواهد الدلائل على وجوده ما يلي: (^٤)\n١ - سُئِل الإمام أبو حنيفة عن الله جل وعلا، فقال: إن الوالد يريد الولد الذكر فيكون أنثى، ويكون العكس، فدل على الصانع.\n٢ - وسأل هارون الرشيد الإمام مالكًا عن الله تعالى، فاستدل باختلاف الأصوات، وتردد النغمات، وتفاوت اللغات.\n_________\n(^١) «السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٢٣١\n(^٢) «السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٢٧٨\n(^٣) «الثعلبي: أحمد بن محمد: الكشف والبيان عن تفسير القرآن دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط ١، ١٤٢٢ هـ (٣/ ٣٢)\n(^٤) «انظر: الرازي: مفاتيح الغيب: ٢/ ٣٣٣ - ٣٣٤","vol":"1","page":94},{"text":"٣ - وسُئل الإمام الشافعي: ما الدليل على وجود الصانع؟ فقال: ورقة الفِرصاد (^١)، طعمها، ولونها، وريحها، وطبعها واحدها عندكم؟ قالوا: نعم، قال: فتأكلها دودة القز، فيخرج منها الإبريسم، والنحل فيخرج منها العسل، والشاة فيخرج منها البعر، ويأكلها الظباء فينعقد في نوافجها (^٢) المسك، فمن الذي جعل هذه الأشياء كذلك مع أن الطبع واحد؟ فاستحسنوا منه ذلك، وأسلموا على يده، وكان عددهم سبعة عشر.\n٤ - واستدل الإمام أحمد على وجود الله تعالى، بقلعة حصينة، ملساء لا فرجة فيها، ظاهرها كالفضة المذابة، وباطنها كالذهب الإبريز، ثم انشقت الجدران، وخرج من القلعة حيوان سميع بصير، فلا بد من الفاعل، عنى بالقلعة البيضة، وبالحيوان الفرخ.\n٥ - ويروى أن بعض الزنادقة أنكر الصانع عند جعفر الصادق، فقال جعفر: هل ركبت البحر؟ قال: نعم، قال: هل رأيت أهواله؟ قال: بلى، هاجت يومًا رياح هائلة، فكسَّرت السفن، وغَرَّقت الملاحين، فتعلقت أنا ببعض ألواحها، ثم ذهب عني ذلك اللوح، فإذا أنا مدفوع في تلاطم الأمواج، حتى دفعت إلى الساحل. فقال جعفر: قد كان اعتمادك من قبل على السفينة والملاح، ثم على اللوح حتى تنجيك، فلما ذهبت هذه الأشياء عنك، هل أسلمت نفسك للهلاك أم كنت ترجو السلامة بعد؟ قال: بل رجوت السلامة، قال: ممن كنت ترجوها، فسكت الرجل، فقال جعفر: إن الصانع هو الذي كنت ترجوه في ذلك الوقت، وهو الذي نجاك من الغرق، فأسلم الرجل على يده.\n٦ - وسُئل أعرابي عن الدليل، فقال: البعرة تدل على البعير، والروث على الحمير، وآثار الأقدام على المسير، فسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، وبحار ذات أمواج، أما تدل على الصانع الحكيم العليم القدير؟\n_________\n(^١) «الفِرصاد: بالكسر، التوت الأحمر خاصة. انظر: الرازي: مختار الصحاح، المكتبة العصرية، بيروت، ط ٥، ١٤٢٠ هـ (٢٣٧).\n(^٢) «النوافج: الجيم؛ مؤخرات الضلوع، واحدها: نافج ونافجة. انظر: الأزهري: تهذيب اللغة، (١١/ ٨٠)","vol":"1","page":95},{"text":"٧ - وقيل لطبيب: كيف عرفت ربك؟ فقال: بإهليلج (^١) مُجَفَّف أُطلِق، ولُعاب مُلين أمسك.\n٨ - وقال آخر: عرفته بنحله بأحد طرفيها تعسل، والآخر تلسع.\n٩ - وسُئل أبو نواس عنه، فقال:\nتأمل في نبات الأرض وانظر ... إلى آثار ما صنع المليك\nعيون من لُجين شاخصات ... وأزهار كما الذهب السبيك\nعلى قُضب الزبرجد شاهدات ... بأن الله ليس له شريك\n\nإذن فهذا الكون كله بما فيه، يدل على الله جل وعلا، ويشهد بوحدانيته، ويسبح بحمده.\nسلِ الواحة الخضراء والماء جاريًا ... وهذي الصحاري والجبال الرواسيا\nسل الروض مزدانًا سل الزهر والندى ... سل الليل والإصباح والطير شاديا\nوسَلْ هذه الأنسام والأرض والسما ... وسِلْ كل شيء تسمع الحمد ساريا\nولو جن هذا الليل وامتد سرمدا ... فمن غير ربي يُرجع الصبح ثانيا\nولو غاض هذا الماء في القاع هل لكم ... سوى الله يجريه كما شاء راويا\nولو أن هذي الريح ثارث وأعفرت ... أفي كونكم من يُوقف الريح ناهيا\nألا أيها البُّحاث مال بحثكم ... توقف مشدوها لدى الكون واهيا\nإلهي ضل الناس في جنح غَيِّهم ... وليس لهم إلاك يارب هاديا (^٢)\n\nأما منهج الإمام السمعاني في الاستدلال على وجود الله تعالى، بهذه الآيات، وتلك الدلالات فقد سلك فيها طريقين:\nالأول: دلائل الآفاق ... الثاني: دلائل الأنفس\nالطريق الأول: دلائل الآفاق:\nوقد فسَّرها الإمام السمعاني، بما بثه الله عز وعلا في هذا الكون، فقال \" الآيات في الآفاق، آيات السموات والأرضين، وذلك من رفع السماء، وخلق الكواكب، ودوران الفلك، وإضاءة الشمس والقمر، وما أشبه ذلك، وكذلك بسط الأرض، ونصب الجبال، وتفجير الأنهار، غرس الأشجار، إلى مالا يحصى \". (^٣)\n_________\n(^١) «الإهليلج: ثمر معروف، منه أصفر وأسود وهو البالغ النضيج. انظر: الزبيدي: تاج العروس: (٦/ ٢٨١).\n(^٢) «البصيري: عبدالله بن محمد: أبيات مختارة، مطابع الحميضي، ط ١، ١٤٢٢ هـ، (٣٤).\n(^٣) «السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٦١","vol":"1","page":96},{"text":"ثم أشار الإمام السمعاني إلى خِلاف المفسرين في المراد، بهذه الآيات، فقيل: \" الآيات في الآفاق: هي الفتوح التي كانت بعد الرسول ﷺ ...، قيل: ما أخبر من الأمم المتقدمة وما نزل بهم ...، هو إمساك المطر \". (^١)\nوقد أولى الإمام السمعاني هذه الدلائل، عناية فائقة، فلا يكاد يَمرُّ على دلالة آفاقية في القرآن، إلا ويشير إليها، ويُبيِّن أمرها، ومن ذلك:\nـ قوله جل وعلا: \" أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ \" (الأعراف ١٨٥). يقول: \" يعني: استدلوا بها على وحدانية الله تعالى \" (^٢)\nـ وقوله تعالى: \" قُلِ انظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ \" (يونس ١٠١). يقول: \" معناه: قل انظروا ماذا في السموات والأرض من الدلائل، والعِبر، والحجج \". (^٣)\nوقد بيَّن الإمام السمعاني وجه دلالة هذه الآيات، على وحدانية الرب جل وعز، فقال: \"والآية في السموات: سمكها، وسعتها، وارتفاعها من غير عمد ولا علاقة، وما ترى فيها من الشمس والقمر والنجوم. والآية في الأرض: مدُّها، وبسطها، وسعتها، وما يُرى فيها من الأشجار، والأنهار، والجبال، والبحار، والجواهر، والبنات.\nوالآية في الليل والنهار: نقصانهما، وزيادتهما، وأن يذهب ضوء النهار، فلا يُدرى أين ذهب، يذهب سواد الليل، فلا يُدرى أين ذهب.\nوالآية في الفلك: تسخيرها، وجريها على وجه الماء، وهي موفرة مثقلة، لا ترسب تحت الماء، بل تعلو على وجه الماء.\n\" وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا \" أي: بعد يبسها وجدوبتها، فإن الأرض إذا أجدبت فقد ماتت، وإذا أخصبت فقد حييت. \" وتصريف الرياح \": تصريفها: أن الرياح تارة تكون شمالًا، وتارة تكون جنوبًا، وتارة تكون قبولًا، وتارة تكون دبورًا، وتارة تكون نكباء، والنكباء: هي التي لا تعرف لها جهة\". (^٤)\n_________\n(^١) «السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٦١\n(^٢) «السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٢٣٧\n(^٣) «السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٤٠٧\n(^٤) «السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ١٦٢ - ١٦٣","vol":"1","page":97},{"text":"ـ وفي قوله تعالى: \" إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَأيَاتٍ\nلِّأُوْلِي الْأَلْبَابِ (١٩٠) \" (آل عمران ١٩٠). يقول السمعاني: \" يعني أن فيها دلالات على وحدانيته لذوي العقول \" (^١)\nودلالة الخلق التي تدل على الخالق، كثيرة في القرآن، وقد أفاض الإمام السمعاني في ذكرها وبيانها، ولذا قال تعالى عن صفات عباده المؤمنين: \" وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ \" آل عمران ١٩١ فيستدلون به على وحدانيته \". (^٢)\nـ ففي قوله جل وعلا: \" وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ \" (الأنعام ٧٣)، يقول الإمام السمعاني: \" أي لإظهار الحق؛ لأنه جعل صنعه دليلًا على وحدانيته \". (^٣)\nوكثيرًا ما يخص الباري جل وعز، السموات والأرض من مخلوقاته؛ \" لأنهما أعظم المخلوقات فيما يرى العباد؛ ولأن فيهما العِبر، والمنافع للعباد \". (^٤)\nـ ويُعلِّق في مقام آخر، فيقول في تفسير قوله تعالى: \" أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ \" (إبراهيم ١٩): \" معنى خلق السموات والأرض بالحق: ما نصب فيها من الدلائل على وحدانيته وسائر صفاته \". (^٥)\nـ ويقول في تفسير قوله تعالى: \" وَكَأَيِّن مِّنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ (١٠٥) \" (يوسف ١٠٥): \" معناه: أنهم يعرضون عنها مع مشاهدتها، ولا يستدلون بها على وحدانية الله \". (^٦)\nومن الدلالات الآفاقية التي استدل بها السمعاني على وحدانية الله تعالى، الليل والنهار، فقال: \" قوله: \" وَجَعَلْنَا الَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ \" (الإسراء ١٢): أي: علامتين دالتين على أن لهما إلهًا واحدًا \". (^٧)\n_________\n(^١) «السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٣٨٨\n(^٢) «السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٣٨٨\n(^٣) «السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ١٧٧\n(^٤) «السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٢٦\n(^٥) «السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ١١٠\n(^٦) «السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٧١\n(^٧) «انظر: الرازي: مفاتيح الغيب: ٣/ ٢٢٤","vol":"1","page":98},{"text":"فكل هذه الدلائل يذكرها الله تعالى، يُعدِّد بها نعمه على عباده؛ ليعترفوا به ويشكروه. (^١)\nفكل هذه الدلائل المُحدثة، تدل على باريها وخالقها؛ لأنها مفتقرة في وجودها وتصريفها إلى المحدث والموجد. (^٢)\nالطريق الثاني: دلائل الأنفس:\nوقد فسَّرها الإمام السمعاني في قوله تعالى: \" سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْأفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ \" (فصلت ٣٥): يقول: وقوله: \" وفي أنفسهم \" أي: من السمع والبصر، وخلق سائر الجوارح، وجميع الحواس، وفي بعض التفاسير: أن الآيات في النفس: دخول الطعام والشراب من مكان واحد، وخروجه من مكانين. وقيل: دخول الأطعمة على ألوان كثيرة، وخروجها على لون واحد \" (^٣)\nوقد أشار السمعاني أيضًا إلى تفسيرات أخرى للعلماء، في بيان معنى الآيات في الأنفس، ومما ذكره أن معنى الآيات في الأنفس، هي الفتوحات في زمن النبي ﷺ، وقيل: ما أنذرهم من الوعيد والعذاب، وقيل: هي البلايا في الأجساد. (^٤)\nومن الدلائل التي ذكرها السمعاني، مايعرفه المرء عن نفسه، أنه كان نطفة من ماء مهين، ثم أحياه ربه وأوجده، ثم يميته عند انتهاء أجله، ثم يحييه مرة أخرى للبعث، وفي هذا يقول السمعاني: \" قوله تعالى: \" كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ \": قاله تعجبًا، تكفرون بالله بعد نصب الدلائل، ووضوح البراهين؟، ثم ذكر الدليل فقال: \" وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا \" هذا دليل، أي كنتم نطفًا في أصلاب الآباء، \" فَأَحْيَاكُمْ \" أي: خلقكم، \" ثُمَّ يُمِيتُكُمْ \" عند انتهاء الأجل، \" ثُمَّ يُحْيِيكُمْ \" للبعث، \" ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ \" إلى الله مصيركم \". (^٥)\n_________\n(^١) «السمعاني: تفسير القرآن: ٦/ ١٣٦\n(^٢) «انظر: الرازي: مفاتيح الغيب: ٢/ ٣٣٢\n(^٣) «السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٦١\n(^٤) «السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٦١\n(^٥) «السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٦٢","vol":"1","page":99},{"text":"فضعف الإنسان، وعجزه، وفقره، دليل على قدرة الله، وقوته، وبقائه، يقول السمعاني: \"وفي الأخبار: أن الله أوحى إلى داود: اعرف نفسك واعرفني. فقال: يا رب كيف أعرف نفسي، وكيف أعرفك؟ فأوحى الله إليه: اعرف نفسك بالضعف، والعجز والفناء، واعرفني بالقوة، والقدرة، والبقاء \". (^١)\nإذن: فمن عرف الله، فهو مهتدي القلب. (^٢)\nفخلاصة هذه الدلالة: \" أن كل أحد يعلم بالضرورة، أنه ماكان موجودًا من قبل ذلك، وأنه صار الآن موجودًا، وأن كل ما وُجد بعد العدم، فلا بُدَّ له من مُوجد، وذلك الموجد ليس هو نفسه، ولا الأبوان، ولا سائر الناس؛ لأن عجز الخلق عن مثل هذا التركيب معلوم بالضرورة، فلا بُدَّ من مُوجد يُخالف هذه الموجودات، حتى يصح منه إيجاد هذه الأشخاص \". (^٣)\nفكل هذه دلائل وشواهد على التوحيد، والله جل وعلا يقول لنبيه ﵊: \"أَوَ لَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٥٣) \" (فصلت ٥٣): يعني: \" أوليس في الدلالة التي أقامها على التوحيد كفاية \". (^٤)\nوالشاهد: أن الإمام السمعاني سار في طريقته الاستدلالية في هذا الباب على المنهج القرآني، بعيدا عن الطرائق الفلسفية والكلامية المنحرفة المعقدة التي لا تُوصل إلى نتيجة أو مطلوب. ولذا فهو يحشد الأدلة القرآنية بكل صورها وأشكالها وأنواعها؛ ليدلل على الحقيقة المغروسة في الفطر، وهي أن وجود الله تعالى فطري ضروري لا تنفك عنه النفس البشرية بحال، وهو بهذا يُؤكد على ما قرره القرآن وأصله من دلائل ظاهرة وباطنة، تقود المرء إلى الحقيقة التي لا شك فيها، إلا في أذهان من انحرفت عقولهم، وطمست فطرهم، وهي أن الله تعالى واجب الوجود، وأن وجوده من ذاته، فهو مستغنٍ عن كل أحد، وكل أحد مفتقر إليه، سبحانه الخالق البارئ المبدئ المعيد.\n_________\n(^١) «السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ١٤٢\n(^٢) «السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٤٥٢\n(^٣) «الرازي: مفاتيح الغيب: ٢/ ٣٣٢\n(^٤) «السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٦١","vol":"1","page":100},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-41>المطلب الثالث: إقرار المشركين بالربوبية:</span>\nكان شرك المشركين الأوائل في الألوهية، فلم يكونوا يشركون معبوداتهم مع الله في التخليق، والترزيق، والإحياء، والإماتة، وإنما كانوا يتخذونها شفعاء ووسطاء، كما أخبر القرآن الكريم عنهم.\nوكانت طريقة القرآن الغالبة، الاحتجاج على المشركين بما أقروا به، على ما أنكروه. فهم كانوا يقرون بأن الله تعالى، هو الخالق الرازق، بقوله ﷾: \" وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ \" (الزخرف ٨٧)، ويقول جل وعلا: \" قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٣١) \" (يونس ٣١)\nوكذلك كانوا يقرون بربوبية الله على خلقه، قال تعالى: \" قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٨٧) \" (المؤمنون ٨٦ - ٨٧)\nإلا أن هذا الإقرار لم ينفعهم، ولم يغن عنهم شيئًا. فلم يستحقوا به اسم الإسلام.\nوهنا مسألتان:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-42>المسألة الأولى: الاستدلال بتوحيد الربوبية على الألوهية:</span>\nوهذه من طرائق القرآن المعهودة في تقرير توحيد الألوهية، يقول الإمام ابن كثير (^١): \" وكثيرا ما يقرر تعالى مقام الإلهية، بالاعتراف بتوحيد الربوبية، وقد كان المشركون يعترفون بذلك، كما كانوا يقولونه في تلبيتهم \". (^٢)\n_________\n(^١) «ابن كثير: إسماعيل بن عمر القرشي (٧٠١ هـ- ٧٧٤ هـ)، حافظ، مؤرخ، فقيه، تناقل الناس تصانيفه في حياته، منها: البداية والنهاية، تفسير القرآن العظيم، طبقات الفقهاء الشافعية - الزركلي: الأعلام: ١/ ٣٢٠\n(^٢) «ابن كثير: تفسير القرآن العظيم: دار طيبة للنشر، ط ٢، ١٤٢٠ هـ، (٦/ ٢٩٤)","vol":"1","page":101},{"text":"ويقول شيخ الإسلام عن توحيد الربوبية: \" وهو سبب لتوحيد الألوهية، ودليل عليه، كما يحتج به في القرآن على المشركين. فإن المشركين كانوا يقرون بهذا التوحيد - توحيد الربوبية - ومع هذا يشركون بالله \". (^١)\nوكذا يُشِير إلى هذا المعنى الإمام ابن القيم، فيقول عن توحيد الربوبية:\" ولهذا يُحتج عليهم به على توحيد الإلهية، وأنه لا ينبغي أن يُعبد غيره، كما أنه لا خالق غيره، ولا رب سواه \". (^٢)\nوهذا الذي فهمه السلف، فقد ورد عن ابن عباس ﵁ في تفسير قوله تعالى: \" وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللَّهِ إِلَّا وَهُم مُّشْرِكُونَ (١٠٦) \" (يوسف ١٠٦): قوله:\"قال: من إيمانهم، إذا قيل لهم: من خلق السماء؟ ومن خلق الأرض؟ ومن خلق الجبال؟ قالوا: الله. وهم مشركون \". (^٣)\nوهو مروي عن عن عكرمة، ومجاهد، وقتادة، والضحاك، عطاء. (^٤)\nوبهذا فسَّر الإمام السمعاني هذه الآية، وأورد سؤالًا مفاده: \" فإن قيل: كيف يجوز اجتماع الإيمان مع الشرك في الواحد \". الجواب من وجوه:\nأحدها: أن معناه: وما يقر أكثرهم بالله، إلا وهم مشركون بقلوبهم وضمائرهم.\nوالثاني: أن مشركي مكة كانوا إذا قيل لهم: من خلقكم؟ قالوا: الله، وإذا قيل لهم: من يرزقكم؟ قالوا: الله، وإذا قيل لهم: من خلق السموات الأرض؟ قالوا: الله، ثم مع ذلك يعبدون الأصنام.\nوالقول الثالث: أن معنى شركهم، هو شركهم في التلبية \". (^٥)\nوهذا المعنى الذي أشرنا إليه، وهو أن المشركين كانوا مقرين بالربوبية، وأن القرآن يلزمهم بهذا الإقرار، الإقرار بالألوهية، وقد أفاض الإمام السمعاني في بيان هذا المعنى في أكثر من موطن في تفسيره، ومن ذلك:\n_________\n(^١) «ابن تيمية: الحسنة والسيئة: (١٢٧)\n(^٢) «ابن القيم: مدارج السالكين، دار الكتاب العربي، بيروت، ط ٣، ١٤١٦ هـ، (١/ ٩٦)\n(^٣) «الطبري: جامع البيان: ١٦/ ٢٨٦\n(^٤) «الطبري: جامع البيان: ٢٨٦ - ٢٨٩\n(^٥) «السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٧١","vol":"1","page":102},{"text":"ـ قوله تعالى: \" قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٣١) \" (يونس ٣١): يقول السمعاني: \" وقوله تعالى: فسيقولون الله فقل أفلا تتقون \": معناه: أفلا تتقون الشرك مع هذا الإقرار \". (^١)\nـ وقوله جل وعلا: \" وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (٩) \" (الزخرف ٩): يقول السمعاني: \" أي: ولئن سألت المشركين من خالق السموات والأرض؟ \" ليقولن العزيز العليم \"، وهذا على طريق التعجيب من حالهم، أي: كيف يعبدون الأصنام، ويزعمون أن لله شريكًا، وقد أقروا أن الله تعالى خالق السموات والأرض \". (^٢)\nـ وقوله تعالى: \" يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ \" (البقرة ٢١): يقول السمعاني: \" وقوله: اعبدوا ربكم الذي خلقكم \" أي: وحدوا الله الذي خلقكم، وإنما خاطبهم به؛ لأن الكفار، مقرون أن الله خالقهم ... إذا كان الله خالقكم وخالق من قبلكم فلا تعبدوا إلا إياه \". (^٣)\nـ وقوله تعالى: \" قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُم مِّن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا \" (الرعد ١٦)، يقول السمعاني: \" قوله تعالى: \" قل من رب السموات والأرض \": معناه: قل يا محمد؛ من رب السموات والأرض؟ ثم أمره بالإجابة، وقال: \" قل الله \" ... وإنما صحت هذه الإجابة معهم؛ لأنهم كانوا يقرون أن الله خالقهم، وخالق السموات والأرض \"\n_________\n(^١) «السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٣٨١\n(^٢) «السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٩٢\n(^٣) «السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٥٦","vol":"1","page":103},{"text":"ثم جاء وجه الإلزام بهذا الإقرار، فقال: \" وقوله: \" قل أفاتخذتم من دونه أولياء \": معناه: أنكم مع إقراركم أن الله خالقكم وخالق السموات والأرض، اتخذتم من دونه أولياء، يعني الأصنام \". (^١)\nـ وقوله تعالى: \" أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (٣٥) \" (الطور ٣٥)، يقول السمعاني: \" وقوله: \" أم هم الخالقون \" أي: خلقوا أنفسهم، والمراد على هذا القول، أنهم إذ لم يدعوا أنهم تكونوا من غير خالق وصانع، ولا أدعوا أنهم هم الذين خلقوا أنفسهم، وأقروا أن خالقهم هو الله، فلا ينبغي أن يعبدوا معه غيره \". (^٢)\nـ وقوله تعالى: \" أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِّنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنشِرُونَ (٢١) \" (الأنبياء ٢١)، يقول السمعاني: \" وقوله: \" هم يُنشِرون \" أي: يحيون، ولا يستحق الإلهية إلا من يقدر على الإحياء والإيجاد من العدم؛ لأنه الإنعام بأبلغ وجوه النعم. وهذا لا يليق بوصف البشر ولكل محدث ... ومعنى الآية: هو الإنكار على متخذ الأصنام آلهة، وبيان أنه لا يليق بها الإلهية \". (^٣) وهذا السرد يُبين بجلاء اتساق السمعاني مع المنهج القرآني، الذي جعله السمعاني قبلة له لتقرير مسائل المعتقد، وهذا الذي ميَّز تقعيده للمسائل العقائدية وتأصيله لها.\n_________\n(^١) «السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٨٦\n(^٢) «السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٢٧٨\n(^٣) «السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٣٧٣","vol":"1","page":104},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-43>المسألة الثانية: حكم الإقرار بهذا النوع من التوحيد مجردا عن غيره:</span>\nإن هذا الإقرار بمفرده، لم يدخلهم في الإسلام، ولذلك قاتلهم النبي ﷺ، واستحل دماءهم؛ لأنهم أنكروا استحقاق الإلهية لله وحده، واشركوا معه غيره. وقد حكم الله تعالى عليهم بالإشراك والكفر، فقال: \" وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللَّهِ إِلَّا وَهُم مُّشْرِكُونَ (١٠٦) \" (يوسف ١٠٦)، ولذا بعد أن بين الإمام السمعاني؛ أن هؤلاء مقرون بربوبية الله في التخليق والترزيق، إلا أنهم مشركون في قلوبهم وضمائرهم، ويعبدون مع الله غيره، من الأصنام والأوثان، قال: \" وليس المراد من الإيمان، هو حقيقة الإيمان الذي يصير به الإنسان مؤمنًا، وإنما المراد ما بينا \" (^١). أي: أنهم أقروا بالربوبية، وأشركوا في الألوهية.\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية: \" وهذا التوحيد (أي: الألوهية): هو الفارق بين الموحدين والمشركين، وعليه يقع الجزاء والثواب في الأولى والآخرة، فمن لم يأت به كان من المشركين الخالدين، فإن الله لا يغفر أن يشرك به، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء \". (^٢)\nولا يُعترض على هذا بأن الله تعالى، وصفهم بالإيمان فقال: \" وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللَّهِ إِلَّا وَهُم مُّشْرِكُونَ (١٠٦) \" (يوسف ١٠٦)، لأنه لا يراد به حقيقة الإيمان، وإنما المعنى: أن اكثرهم مع إظهارهم الإيمان بألسنتهم، مشركون. (^٣) والمراد بإيمانهم: اعترافهم بأن الله تعالى ربهم الذي هو خلقهم، ومدبر شؤونهم، والمراد بشركهم: عبادتهم غيره معه. (^٤)\nوهو بهذا التقرير يُغلق الباب على المبتدعة القبوريين وأضرابهم، ممن سوغوا للشرك بجميع صوره وأشكاله، فحرفوا الكَلِم عن مواضعه، وضربوا القرآن بعضه ببعض، ولووا أعناق النصوص وطوعوها لأهوائهم، فخالفوا القرآن وما جاءت به الرسل.\n_________\n(^١) «السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٧١\n(^٢) «ابن تيمية: مجموع الفتاوى: مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة المنورة، ... ١٤١٦ هـ (١٤/ ٣٨٠).\n(^٣) «ابن الجوزي: عبدالرحمن بن علي: زاد المسير، دار الكتاب العربي، بيروت، ط ١، ١٤٢٢ هـ (٢/ ٤٧٦)\n(^٤) «الشنقيطي: أضواء البيان: ٢/ ٢١٨","vol":"1","page":105},{"text":"فالسابقون من المتكلمين حين فسروا توحيد الإلهية بالربوبية، وقالوا: الإله هو القادر على الاختراع، فجعلوا نوعي التوحيد المتلازمين نوعا واحدا، فتبعهم على هذا المتأخرون منهم؛ وحين حصروا مفهوم الإيمان في التصديق فقط مجردا عن القول والعمل، وأيدوا مذاهبهم الفاسدة ببعض الدلائل القرآنية والأحاديث النبوية، وردوا أن يكون شرك المشركين واقعا في الألوهية، وإنما هو في الربوبية، مخالفين بذلك ظواهر النصوص وإجماعات السلف = فقد أحدثوا شرخا عقائديا كبيرا في الأمة، وفسادا في التصور الصحيح، كانت آثاره السيئة بادية للعيان، ولذا قام السمعاني مقاما جليلا في الأمة، ذب عن جناب القرآن، وحَمى حِمى التوحيد، ورد على أمثال هؤلاء ردا مؤصلا، مستقى من نصوص الوحيين، مؤيدا بكلام السلف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-44>المطلب الرابع: مُدَّعو الربوبية، وأقوال الناس في الرب ﷾:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-45>المسألة الأولى: مُدَّعو الربوبية:</span>\nتبيَّن مما سبق، أن توحيد الربوبية توحيد فطري، مغروس في النفس، \" بل القلوب مفطورة على الإقرار به، أعظم من كونها مفطورة على الإقرار بغيره من الموجودات \". (^١)\nوحتى البهائم مفطورة على معرفة خالقها، فقد نقل الإمام السمعاني عن بعض الناس قولهم: \" ورُوي عن ابن سابط أنه قال: أُبهمت البهائم إلا عن أربع: تعرف خالقها، وتطلب رزقها، وتدفع عن نفسها، وتعرف كيف تأتي أنثاه \". (^٢)\nولما كان هذا النوع من التوحيد فطريًا، \" لم يُعرف عن أحد من طوائف العالم أنه قال: إن العالم له صانعان متماثلان في الصفات والأفعال \". (^٣)\n_________\n(^١) «ابن أبي العز: شرح العقيدة الطحاوية: ٢٨\n(^٢) «السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٣٣٤\n(^٣) «ابن أبي العز: شرح العقيدة الطحاوية: ٢٩","vol":"1","page":106},{"text":"ومن نُقل عنه أنه أدعى الربوبية، فهو يعلم حقارة نفسه، وضعفه في ذاته وصفاته، وميله إلى من يُقيم له حاجاته، ويُؤمن له رغباته، وهذا يُبين حقيقة مدعيي الربوبية؛ ففرعون الذي أدَّعى الربوبية، وتلَبَّس بالألوهية، كان يعبد بقرة، فقد نقل السمعاني في تفسيره عن سليمان التيمي (^١)، أن فرعون كان يعبد البقر، ونقل عن السُّدي (^٢): أنه اتخذ أصنامًا، وقال لقومه: هذه آلهتكم، وإنا إله الآلهة، ونقل عن الحسن: أن فرعون كان قد عَلَّق صليبًا على عنقه، كان يعبده. (^٣)\nوقد ظهرت مواطن الضعف والهزيمة في حياة فرعون، حكاها القرآن، وبيَّنها أكبر بيان؛ لتكون ردًا مفحمًا لكل من تجاسر على خصائص الرب، وتعالى على الإله. فأظهرت هذه المواطن شدة الضعف، والرهبة والخوف، التي تنافي دعوى الربوبية، فدَلَّت على عدم استحقاقه لما زعم.\n_________\n(^١) «سليمان التيمي: الإمام شيخ الإسلام، ثقة، من خيار أهل البصرة، كان من العباد المجتهدين، كثير الحديث، م الحفاظ، توفي بالبصرة سنة ١٤٣ هـ. الذهبي: سير أعلام النبلاء، دار الحديث، القاهرة، ١٤٢٧ هـ (٦/ ٣٢٣)\n(^٢) «السُّدي: إسماعيل بن عبدالرحمن، تابعي، حجازي الأصل، سكن الكوفة، صاحب التفسير والمغازي والسير، توفي سنة ١٢٨ هـ. الزركلي: الأعلام: ١/ ٣١٧.\n(^٣) «السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٢٠٦","vol":"1","page":107},{"text":"أولى تلك المواطن، قوله تعالى حكاية عنه: \" وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَاهَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِّي صَرْحًا لَّعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٣٨) \" (القصص ٣٨)، وقوله جل وعلا: \" وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَّعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا \" (غافر ٣٦ - ٣٧): معلوم أن الإله الحق، كامل الصفات، عالم بما كان وبما سيكون، لا يخفى عليه شيء، ولذا هُنا عَبَّر فرعون بلفظ الظن، الذي محتواه شك ووهم، ويتنزه عنه الإله، فلو كان فرعون إلها حقًا، لعلم علمًا يقينيًا، ولكن هذا شأن الدجالين، الذين تقوم عقائدهم على التخيل الفاسد. وكذا لما لم يقطع بالنفي، دَلَّ على جهله المطبق الذي يتنزه عنه الإله الحق المبين.\nوالموطن الثاني: قوله تعالى: \" وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ (٢٦) \" (غافر ٢٦): هنا يُظهر فرعون الدَّعي، مكنون ضعفه، وشدة عجزه، وخوفه وإشفاقه، من أن يبدل موسى دينه، أو أن يظهر في الأرض الفساد على زعمه. ألست تزعم أنك رب وإله! فلِمَ الخوف والخشية، والحيطة والحذر، لذا حكى الله جل وعز عنه قوله: \" فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (٥٣) إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ (٥٤) وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ (٥٥) وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ (٥٦) \" (الشعراء ٥٣ - ٥٦): يقول الرازي: \" والغرض من هذه المعاذير، أن لا يتوهم أهل المدائن، أنه منكسر من قوم موسى، أو خائف منهم \" (^١)، والحال أنه متناقض في نفسه، ففيه ما يناقض دعواه.\n_________\n(^١) «الرازي: مفاتيح الغيب: ٢٤/ ٥٠٦","vol":"1","page":108},{"text":"فقد نقل السمعاني في تفسيره عن سعيد بن جبير أنه قال: كان موسى يخاف من فرعون خوفًا شديدًا، وكان إذا دخل عليه قال: اللهم إني أعوذ بك من شره، وأدرأك في نحره، فحول الله تعالى ذلك الخوف إلى فرعون، فكان إذا رأى موسى بال في ثيابه كما يبول الحمار. (^١)\nوالموطن الثالث: قوله تعالى: \" حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرَاءِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩٠) \" (يونس ٩٠): هنا أصابت فرعون الطاغية، الساعة الرهيبة، واللحظة العصيبة، التي لا مفر منها ولا مهرب، فقد ألجمه الماء وأغرقه، وبلغه الموت وأهلكه. مع أنه قد حملته العزة في أول الأمر، على تقحم البحر على إثر موسى وقومه، ولما تحقق الهلاك، عرف حقارة نفسه، وسفاهة أمره، والتجأ بعد انتهاء المهلة، وانقضاء الفرصة، فظهر عدم استحقاقه لما زعم.\nوممن يدَّعي الربوبية، المسيح الدجال حين يخرج في آخر الزمان، لكن هل ورد ذكر الدجال في القرآن أم لم يرد؟\nقيل: إنه مذكور في قوله تعالى: \" لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ \" (غافر ٥٧)، وقد ورد عن أبي العالية (^٢)، أنه قال: \" أي: أعظم من خلق الدجال حين عظمته اليهود \". (^٣)\n_________\n(^١) «السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٣٣٢\n(^٢) «أبو العالية: رفيع بن مهران، الإمام، المقرئ، الحافظ، المفسر، أحد الأعلام، مات سنة ٩٠ هـ. الذهبي: سير أعلام النبلاء: ٥/ ١٢٠\n(^٣) «القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، دار الكتب المصرية، القاهرة، ط ٢، ١٣٨٤ هـ، (١٥/ ٣٢٥)","vol":"1","page":109},{"text":"وفي هذا يقول الحافظ ابن حجر (^١): \" وقد وقع في تفسير البغوي: أن الدجال مذكور في القرآن، في قوله تعالى: \" لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ \" (غافر ٥٧)، وأن المراد بالناس هنا: الدجال، من إطلاق الكل على البعض. وهذا إن ثبت أحسن الأجوبة، فيكون من جملة ما تكفل النبي ﷺ ببيانه، والعلم عند الله \". (^٢)\nونقل هذا القول الإمام السمعاني في تفسيره، فقال: \" ويُقال: لخلق السموات والارض أكبر من قتل الدجال واحدًا وإحيائه، فالناس هاهنا: هو الدجال على هذا القول \". (^٣)\nوممن ادعى الربوبية: النمروذ، قال الإمام السمعاني: \" وهو أول من تجبَّر في الأرض، وأدعى الربوبية \" (^٤)، فطغى وتجبَّر وتكبر، فأرسل الله تعالى عليه وقومه البعوض، فأكلت لحومهم، وشربت دماءهم، ودخلت بعوضة في رأس نمروذ حتى أهلكته، ذكره مقاتل وغيره. (^٥)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-46>المسألة الثانية: أقوال الناس في الرب جَلَّ وعلا:</span>\nتعالى الله وتعاظم، عن كل ما يصفه به الواصفون المشركون، وينسبه إليه الكافرون من الشريك والولد، ولذا نزه نفسه، فقال: \" سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) \" (الصافات ١٨٠).\nفكلما حكى جل وعز، أقوالا عن المشركين، نزه نفسه سبحانه عن هذه الأقوال الشنيعة المنكرة.\nـ فقال ﷾: \" وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ (١٠٠) \" (الأنعام ١٠٠).\n_________\n(^١) «ابن حجر: أحمد بن علي العسقلاني (٧٧٣ هـ - ٨٥٢ هـ)، من أئمة العلم والتاريخ، ولع بالأدب والشعر ثم أقبل على الحديث، من مؤلفاته: الدرر الكامنة. الزركلي: الأعلام: ١/ ١٧٨\n(^٢) «ابن حجر: فتح الباري، دار المعرفة، بيروت، ١٣٧٩ هـ. (١٣/ ٩٢)\n(^٣) «السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٢٧\n(^٤) «السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٢٦١\n(^٥) «السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٣٩٢","vol":"1","page":110},{"text":"ـ وقال جل وعلا: \" لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (٢٢) \" (الانبياء ٢٢)، قال الإمام السمعاني: \" نزه نفسه عما يصفه به المشركون من الشريك والولد \". (^١)\nـ وقال ﷾: \" مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (٩١) \" (المؤمنون ٩١)\nـ وقال جل وعلا: \" وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (١٥٨) سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٥٩) \" (الصافات ١٥٨ - ١٥٩)، يقول الإمام السمعاني: \" نزه نفسه عما وصفوه به من هذا القول الشنيع \" (^٢)\nـ وقال ﷾: \" قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ (٨١) سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (٨٢) \" (الزخرف ٨١ - ٨٢)\nوقد ذكر الإمام السمعاني أقوال الناس في الرب جل في علاه، وهذا يُبين حرص السمعاني على تتبع أقوال المخالفين وتفنيدها، ودحض افتراءتهم، وتنزيه رب العالمين عن هذه الفِرى العظيمة:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-47>١ - قول اليهود:</span>\nذكر الله ﷾ مقالة اليهود الآثمة ـ: \" وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ \" (التوبة ٣٠)، وذكر السمعاني في هذا المقام ثلاث مسائل:\nالأولى: هل هذه المقالة عامة شاملة كل اليهود؟!\nفذكر السمعاني قولين:\nالأول: أن هذا في قوم بأعيانهم كانوا بالمدينة أفناهم السيف، منهم: سلام بن مشكم، ومالك بن الصيف، وفنحاص اليهودي.\nالثاني: أن القائلين لهذه المقالة، قوم من سلفهم ومتقدميهم. (^٣)\n_________\n(^١) «السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٣٧٤\n(^٢) «السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٤١٩\n(^٣) «السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٣٠٢","vol":"1","page":111},{"text":"وذكر الإمام الماوردي قولًا، نسبه إلى ابن عباس ﵁، أنهم جميع بني إسرائيل. (^١) ورجح الإمام القرطبي، أنه هذا لفظ خرج على العموم، ومعناه الخصوص؛ لأن ليس كل اليهود قالوا ذلك. (^٢)\nونسب بعض العلماء القول بأن عزيرًا ابن الله، إلى فرقة الصدوقيين من اليهود (^٣)، وذكر صاحب المواعظ والاعتبار، أن يهود فلسطين زعموا عزيرًا ابن الله، قال:\nوأنكر أكثر اليهود هذا القول (^٤). ويؤكد هذا القول الدكتور المسيري (^٥) فيقول: \" ومنذ ظهور اليهودية الحاخامية، لم يَعُد هناك أثر للإيمان بعقيدة ابن الإله \" (^٦)\nالثانية: هل بقي أحد يقول بهذه المقالة؟\nفأجاب الإمام السمعاني عن هذا، بأنه الآن لا يقول أحد منهم بهذه المقالة (^٧)، وهذا ما أشرنا إليه في المسألة السابقة.\nالثالثة: ما سبب قول هذه المقولة؟!\nذكر الإمام السمعاني سببين في ذكر هذه المقولة:\nالسبب الأول: أن اليهود لما بدَّلوا وخالفوا شريعة التوراة، نسخ الله تعالى التوراة من صدورهم، فخرج عُزير يسيح في الأرض يطلب العلم، فلقيه جبريل ﵇ فعلمه التوراة.\nالسبب الثاني: أنه نزل نور فدخل جوفه، فقرأ التوراة عن ظهر قلب، فرجع وأملى التوراة على اليهود، فقال جماعة منهم هذه المقالة. (^٨)\n_________\n(^١) «الماوردي: النكت والعيون: ٢/ ٣٥٢\n(^٢) «القرطبي: الجامع لأحكام القرآن: ٨/ ١١٦\n(^٣) «ابن حزم: الفِصل في الملل والأهواء والنحل: مكتبة الخانجي، القاهرة، (١/ ٨٢)\n(^٤) «المقريزي: المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار: دار الكتب العلمية، بيروت، ط ١، ١٤١٨ هـ (٤/ ٣٨٦).\n(^٥) «المسيري: عبدالوهاب محمد، (١٩٣٨ م - ت ٢٠٠٨ م)، مفكر، وعالم اجتماع مصري، ومؤلف، وأديب.\n(^٦) «المسيري: موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية، دون ذكر رقم الطبعة وتاريخها: (١٤/ ٤٣٤)\n(^٧) «السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٣٠٢\n(^٨) «السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٣٠٢","vol":"1","page":112},{"text":"وما ذكره السمعاني، نقله الإمام الطبري في تفسيره عن ابن عباس والسُّدي، وجاء فيها أن اليهود قالوا حين عارضوا التوراة، بتوراة عزير فوجدوها مثلها: \" ما أعطاك الله هذا إلا لأنك ابنه \". (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-48>٢ - قول النصارى:</span>\nوذكر الله قولهم الشنيع فقال ﷾: \" وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ \" (التوبة ٣٠)، وذكر الإمام السمعاني أن هذه المقالة باقية ولاتزال في طوائف النصارى (^٢)، وأشار في مقام آخر إلى أقوال النصارى في الإله، وقسمهم إلى أقسام ثلاثة:\n١ - اليعقوبية (^٣): وقالوا: المسيح إله، وقيل: إنهم لما قالوا: المسيح ابن الله، وابن كل أحد يكون من جنسه، فكأنهم قالوا: المسيح هو الله. (^٤)\nوفسَّر السمعاني قولهم في مقام آخر فقال: \" وقول \" ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ \" هو قولهم: أب، وابن، وروح القدس، وهذا قول اليعقوبية منهم، وقالوا: روح القدس لا هو ولا غيره، وكذلك الابن، والله مجموع الكل \". (^٥)\nوقال في موطن آخر عن قولهم: \" وسألوهم عن عيسى، فقال أحدهم: كان هو الله، نزل من السماء، وصار في بطن مريم، وأحيا وأمات، ثم صعد إلى السماء، وهذا قول اليعقوبية من النصارى \". (^٦)\n_________\n(^١) «الطبري: جامع البيان: ١٤/ ٢٠٣\n(^٢) «السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٣٠٢\n(^٣) «اليعقوبية: أصحاب يعقوب، قالوا بالأقانيم الثلاثة، إلا أنهم قالوا: انقلبت الكلمة لحمًا ودمًا، فصار الإله هو المسيح، وهو الظاهر بجسده، بل هو هو. فمنهم من قال: إن المسيح هو الله تعالى، ومنهم من قال: ظهرت اللاهوت بالناسوت، فصار ناسوت المسيح مظهر الجوهر، لا على طريق حلول جزء فيه، ولا على سبيل اتحاد الكلمة، بل صار هو هو. الشهرستاني: الملل والنحل: ٢/ ٣٠\n(^٤) «السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٢٤\n(^٥) «السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٥٥\n(^٦) «السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٢٩٢ - ٥/ ٤٢٩","vol":"1","page":113},{"text":"ويقول الإمام ابن حزم عن قولهم: \" وقالت اليعقوبية: إن المسيح هو الله تعالى نفسه، وأن الله تعالى عن عظيم كفرهم، مات وصلب وقتل، وأن العالم بقي ثلاثة أيام بلا مدبر، والفلك بلا مدبر، ثم قام ورجع كما كان، وأن الله تعالى عاد محدثًا، وأن المحدث عاد قديمًا \"، وقال رادًا عليهم: \" وأما اليعقوبية، فإنهم ينسبون إلى يعقوب الرذعاني، وكان راهبًا بالقسطنطينية، وهم فرقة نافرت العقل والحس منافرة وحشية تامة \". (^١)\n٢ - النسطورية (^٢): وذكر الإمام السمعاني عنهم مقولتين:\nالأولى: أن المسيح ابن الله. (^٣)\nالثانية: أن المسيح هو الله، نزل إلى الأرض، ثم رفع إلى السماء. (^٤)\nوأشار الإمام ابن حزم إلى قولهم فقال: إن الله تعالى عبارة عن قولهم: ثلاثة أسباب: أب وابن وروح القدس، كلها لم تزل، وأن عيسى ﵇ إله تام، وإنسان تام كله، ليس أحدهما غير الآخر، وأن الإنسان منه، هو الذي صُلب وقُتل، وأن الإله منه لم ينله شيء من ذلك. وقالوا: إن مريم لم تلد الإله، وإنما ولدت الإنسان، وأن الله تعالى لم يلد الإنسان، وإنما ولد الإله، تعالى الله عن كفرهم. (^٥)\n_________\n(^١) «ابن حزم: الفِصل في الملل والأهواء والنِّحل: ١/ ٤٨\n(^٢) «النسطورية: أصحاب نسطور الحكيم الذي ظهر في زمان المأمون، وتصرف في الأناجيل بحكم رأيه. قال: ابن الله واحد في أقانيم ثلاثة: الوجود، والعلم، والحياة، هذه الأقانيم ليست زائدة على الذات، ولا هي هو، واتحدت الكلمة بجسد عيسى لا على طريق الامتزاج. الشهرستاني: الملل والنحل: ٢/ ٢٩.\n(^٣) «السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٢٩٢\n(^٤) «السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٤٢٩\n(^٥) «ابن حزم: الفِصل في الملل والأهواء والنحل: ١/ ٤٨","vol":"1","page":114},{"text":"٣ - الملكانية (^١): ذكر الإمام السمعاني مقالتهم، وأنهم كانوا يقولون: إن عيسى أحد الأقانيم الثلاثة، الله ومريم وعيسى. فهؤلاء ثلاثة أقانيم قديمة، وعيسى أحد هذه الثلاثة. وهذا الذي عليه أكثر النصارى. (^٢)\nويقول الإمام ابن حزم عن هذه الفرقة، إنها أعظم الفِرق الثلاث؛ \" وهي مذهب جميع الملوك النصارى حيث كانوا، حاشا الحبشة والنوبة، ومذهب عامة أهل كل مملكة النصارى، ومذهب جميع نصارى إفريقية، وصقلية، والأندلس، وجمهور الشام، وقولهم: إن الله تعالى عبارة عن قولهم ثلاثة أسباب: أب وابن وروح القدس، كله لم تزل، وأن عيسى ﵇ إله تام كله، والإنسان تام كله، ليس أحدهما غير الآخر، وأن الإنسان منه هوالذي صُلب وقُتل، وأن الإله منه لم ينله شيء من ذلك. وأن مريم ولدت الإله والإنسان، وأنهما معًا شيء واحد، ابن الله، تعالى الله عن كفرهم \". (^٣)\nوالنصارى بالجملة انقسمت إلى طوائف عدة:\nالطائفة الأولى: القائلون بالطبيعة الواحدة للمسيح، وهم من أخذ بقرار مجمع أفسس، وهذا المجمع انعقد لمواجهة قول نسطور، الذي كان يقول بأن المسيح له طبيعتان: إلهية وإنسانية بشرية، وأن مريم والدة الإنسان دون الإله. وتمخض عن هذا الاجتماع، القرار بأن المسيح إله وإنسان ذو طبيعة واحدة، وأقنوم واحد، وأن مريم أم إلههم، وحُكِم على نسطور بالطرد من الكنيسة.\n_________\n(^١) «الملكانية: أصحاب ملكا الذي ظهر بأرض الروم واستولى عليها. ومعظم الروم ملكانية. قالوا: إن الكلمة اتحدت بجسد المسيح، وتدرعت بناسوته. ويعنون بالكلمة: أقنوم العلم، ويعنون بروح القدس: أقنوم الحياة. وقال بعضهم: إن الكلمة مازجت جسد المسيح، كما يمازج الخمر أو الماء اللبن. وصرحوا بأن الجوهر غير الأقانيم، وذلك كالموصوف والصفة، وعن هذا صرحوا بإثبات التثليت. الشهرستاني: الملل والنحل: ٢/ ٢٧\n(^٢) «السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٤٢٩\n(^٣) «ابن حزم: الفِصل في الملل والأهواء والنحل: ١/ ٤٨","vol":"1","page":115},{"text":"والطائفة الثانية: القائلون بأن المسيح له طبيعتان: إلهية وبشرية بلا اختلاط، ولا تحوُّل، ولا انقسام، ولا انفصال. وهؤلاء هم الملكانية، نسبة إلى الملك، وهو الإمبراطور الروماني البيزنطي، وهؤلاء انقسموا لثلاث طوائف كبيرة، هي: الكاثوليك، والأرثوذكس، والبروتستانت. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-49>٣ - قول المشركين:</span>\nكان المشركون يقولون: إن الملائكة بنات الله، تعالى عما يقولون علوًا كبيرًا، وقد حكى ذلك عنهم في كتابه العزيز فقال ﷾: \" فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ (١٤٩) أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ (١٥٠) أَلَا إِنَّهُم مِّنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ (١٥١) وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٥٢) أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ (١٥٣) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (١٥٤) أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (١٥٥) أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُّبِينٌ (١٥٦) فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (١٥٧) وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (١٥٨) \" (الصافات ١٤٩ - ١٥٨): يقول الإمام السمعاني: \"وقد كانوا يزعمون أن الملائكة بنات الله. قال أهل التفسير: ولم يكن يزعم هذا جميع قريش، وإنما قال هذا بعض قريش، وقوم من بني كِنانة، وهم بنو مدلج \" (^٢)، وقال: \" وقوله تعالى: \" وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا \" الجِنَّة: هاهنا هم الملائكة، وفي قول أكثر المفسرين \" (^٣)، وهذا القول مروي عن مجاهد وقتادة، والسُّدي. (^٤)\n_________\n(^١) «الخلف: سعود بن عبدالعزيز: دراسات في الأديان: دار أضواء السلف، الرياض، ط ٥، ١٤٢٧ هـ (٢٥٦ - ٣٧٣)\n(^٢) «ذكر السمعاني خلافًا في هذا: هل كل قريش تقوله أم لا؟. فقيل: كان يقوله بنو عامر وبنو كنانة وحي ثالث. وقيل: كل قريش تقوله، فقيل لهم: من أين تقولون هذا؟ فقالت سمعنا آباءنا يقولون كذلك، ونحن نشهد أنهم لم يكذبوا. تفسير القرآن: ٥/ ٩٥\n(^٣) «السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٤١٨\n(^٤) «الطبري: جامع البيان: ٢١/ ١٢١","vol":"1","page":116},{"text":"وقد أشار صاحب الملل والنِّحل إلى ديانات العرب، فقال: \" ومن العرب من كان يميل إلى اليهودية، ومنهم من كان يميل إلى النصرانية، ومنهم من كان يصبو إلى الصابئة، ويعتقد في الأنواء اعتقاد المنجمين في السيارات، حتى لا يتحرك ولا يسكن، ولا يسافر، ولا يقيم، إلا بنوء من الأنواء، ويقول: مطرنا بنوء كذا. ومنهم من كان يصبوا إلى الملائكة، بل كانوا يعبدون الجن، ويعتقدون فيهم أنهم بنات الله، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا \". (^١)\nوذكر الإمام السمعاني عن المشركين، أنهم كانوا يقولون: اللات والعزى بنات الله. (^٢)\nوكذا ذكر الإمام الطبري في تفسيره فقال: \" سمَّى المشركون أوثانهم بأسماء الله تعالى ذكره، وتقدست أسماؤه، فقالوا: من الله اللات، ومن العزيز العُزى، وزعموا أنهم بنات الله، تعالى الله عما يقولون وافتروا \". (^٣)\nوقد أنكر الله جل وعلا عليهم هذا الافتراء، فقال ﷾ منكرًا عليهم: \"أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُم بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا (٤٠) \" (الإسراء ٤٠): أي: قولًا فظيعًا كبيرًا. (^٤)\nوقال سبحانه جل في علاه: \" فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَبَ عَلَى اللَّهِ \" (الزمر ٣٢): قال مجاهد وقتادة: كذبهم على الله: زعم اليهود أن عزيرًا ابن الله، وزعم النصارى أن المسيح ابن الله. وقال السدي: هو الشرك، وزعم قريش أن الملائكة بنات الله. (^٥)\n_________\n(^١) «الشهرستاني: الملل والنِّحل: ٣/ ٨٢\n(^٢) «السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٣٠٢\n(^٣) «الطبري: جامع البيان: ٢٢/ ٥٢٢\n(^٤) «السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٢٤٣\n(^٥) «السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٤٦٩","vol":"1","page":117},{"text":"وقال ﷾: \" وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْئَلُونَ (١٩) \" (الزخرف ١٩)، قال السمعاني: \" سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ \" يعنى: أنهم يجازون بشهادتهم الكاذبة، ويسألون عن شهادتهم يوم القيامة \" (^١)، وأتبعه جل وعلا بالإنكار الشديد، فقال: \" وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُم مَّا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (٢٠) \" (الزخرف ٢٠): قال السمعاني: \" أي: مالهم بقولهم: إن الملائكة بنات الله من علم، إن هم إلا يخرصون \". (^٢)\nوكذا رد الله تعالى عليهم قولهم الآثم فقال سبحانه: \" أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنثَى (٢١) \" (النجم ٢١): يقول السمعاني: \" وهذا على طريق الإنكار عليهم؛ لأنهم كانوا يقولون: هذه الأصنام على صور الملائكة، والملائكة بنات الله، وهذا قول بعضهم \". (^٣)\nوأنكر الله جل وعلا على كل الخراصين الأفاكين، فقال: \" قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤) \" (الصمد ١ - ٤): يقول السمعاني: قوله: \" لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ \": نفي لقول اليهود والنصارى: عزير ابن الله، والمسيح ابن الله، ونفي لقول المشركين: أن الملائكة بنات الله. وقوله \" وَلَمْ يُولَدْ \": فيه نفي لقول النصارى: إن مريم ﵍ ولدت إلهًا، وهو المسيح \" (^٤)\nوأما نسبة الولد إلى الله تعالى، فقد تتبعها القرآن وفنَّدها، وبين عوارها، وكذب قائليها، وافتراءهم على الله تعالى، ورد عليهم بالدلائل العقلية والنقلية، ومن الردود القرآنية على هذه الفرية، ما يلي:\n_________\n(^١) «السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٩٦\n(^٢) «السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٩٦\n(^٣) «السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٢٩٥\n(^٤) «السمعاني: تفسير القرآن: ٦/ ٣٠٤","vol":"1","page":118},{"text":"١ - قال جل وعلا: \" قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ (٨١) \" (الزخرف ٨١): وقد ذكر الإمام السمعاني في توجيه هذه الآية أربعة أقوال:\nالأول: هو قول مجاهد: ومعناه: قل إن كان للرحمن ولد على زعمكم، فأنا أول العابدين، أنه إله لا ولد له، ولا شريك له، وأن ما قلتموه باطل وكذب. قال السمعاني: \" وهذا أحسن الأقاويل \". (^١)\nالثاني: أن \" إن \" هاهنا بمعنى \" ما \"، ومعناه: قل ما كان للرحمن ولد، وتم الكلام، ثم قال: فأنا أول العابدين. قال: \" وأهل النحو يستبعدون هذا \". (^٢)\nالثالث: قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين، أي: الآنفين.\nالرابع: أن هذا على النفي من الجانبين بمعنى: إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين، وليس له ولد، ولا أنا أول عابد. (^٣)\nوبذا فنَّد الإمام السمعاني كل ما يمكن أن يتعلق به متعلق، فالآية بكل توجهاتها رد لمثل هذا القول الشنيع. (^٤)\n٢ - قال ﷾: \" مَا كَانَ لِلَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ (٣٥) \" (مريم ٣٥): يقول الإمام السمعاني: \" معناه: ما يصلح لله، وما ينبغي أن يتخذ من ولد. فإن قيل: هلا قال ولدًا؟ قلنا: قال من ولد للمبالغة؛ فإن الرجل قد يقول: ما اتخذ فلان فرسًا، يريد العدد، وإن كان قد اتخذ واحدًا، فإذا قال: ما اتخذ فلان من فرس، يكون ذلك نفيًا للواحد والعدد. وقد بيَّنا أن الولد يكون من جنس الوالد، والله لا جنس له \". (^٥)\n_________\n(^١) «السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٣١٦\n(^٢) «السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ١١٨\n(^٣) «السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ١١٩\n(^٤) «السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٢٩٥\n(^٥) «السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٢٩١","vol":"1","page":119},{"text":"٣ - قال تعالى: \" وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (٨٨) لَّقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (٨٩) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠) أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (٩١) وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا (٩٢) \" (مريم ٨٨ - ٩٢): فهؤلاء جاؤوا بقول منكر عظيم، تقرب السماء أن تسقط عليهم، والأرض أن تخسف بهم، والجبال أن تطبق عليهم؛ لقبح ما قالوه، وتفوهوه، ثم قال ﷿:\n\" إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣) \" (مريم ١٩٣): وهذا يفيد امتناع ما قالوه؛ لأنه قد \" أجمع أهل العلم، أن البنوة مع العبودية لا يجتمعان، ومن اشترى ابنه يعتق عليه؛ لأنه لا يصلح أن يكون ابنا وعبدًا \". (^١)\n٤ - ويقول الله جل وعلا: \" بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُن لَّهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٠١) \" (الأنعام ١٠١): يقول السمعاني: \"وفيه دليل أيضًا على أن لا ولد له؛ لأنه إذا كان خلق كل شيء، لم يصلح أن يكون له ولد؛ إذ المخلوق لا يصلح ولدًا للخالق؛ فإن ولد كل أحد، يكون من جنسه \". (^٢)، وكذا لا يكون الولد إلا من الصاحبة، وهي منفية عن الباري جل وعلا.\nوإذا لم يجز لله أن يتخذ ولدًا، فكذلك لا يجوز عليه التبني، يقول السمعاني: \" وأعلم أن الله تعالى، كما لا يجوز له أن يتخذ ولدًا، لا يجوز له التبني؛ فإن التبني إنما يكون حيث يكون به الولد، فإذًا لم يتصور لله ولد، ولم يجز عليه التبني \". (^٣)\n_________\n(^١) «السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٢٩٥\n(^٢) «السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ١٣١\n(^٣) «السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٥٠٦","vol":"1","page":120},{"text":"٥ - ويقول جل في علاه عن قول هذه الطوائف الآثمة: \" ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٣٠) \" (التوبة ٣٠)، يقول السمعاني: \"معناه: أنهم قالوا هذا القول بلا حجة، ولا بيان، ولا برهان، ولا إنما كان مجرد قول بلا أصل \". (^١)\n٦ - ويقول ﷾: \" مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْأيَاتِ\nثُمَّ انظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٧٥) \" (المائدة ٧٥): يقول السمعاني: \" وقوله \" كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ \": أي يتغذيان بالطعام، ومعناه: أن من يتغذي بالطعام لا يكون إلهًا يعبد \" (^٢). وهذا فيه تكذيب صريح لهذه الطوائف التي ادعت في المسيح ﵇، أنه الله، أو ابن الله، وأن من كان ما كان محتاجًا إلى ما يغذوه، وبه يقيم بدنه من المطاعم والمشارب، لا يصلح أن يكون إلهًا؛ لأن قوامه بغيره، وفي قوامه بغيره وحاجته إلى ما يقيمه، دليل واضح على عجزه. والعاجز لا يكون إلا مربوبًا لا ربًا \". (^٣)\nوبهذا يظهر جهاد الإمام السمعاني بالقرآن، كما قال تعالى: \" وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا (٥٢) \" (الفرقان ٥٢)، للذوذ عن هذه الأصول، والذب عنها، وبيان الحق فيها، والكشف عن كل الشبهات، وتتبعها، وإظهار عوارها وزيفها.\n_________\n(^١) «السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٣٠٢\n(^٢) «السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٥٦\n(^٣) «الطبري: جامع البيان: ١٠/ ٤٨٥","vol":"1","page":121},{"text":"وفي هذا المقام لم يُغفل السمعاني الرد على الطبائعيين، الذين يسندون أمر هذا الكون إلى الطبيعة أو الصدفة. وهذا أمر عجيب، وشأن غريب؛ لأنهم لو أمعنوا النظر، وتأملوا قليلًا بالفكر، لتوصلوا إلى النتيجة التي توصل إليها العامة، وعرفها الخاصة، إن هذا الكون بيد الله جل وعلا، ولكن من لم يجعل الله له نورًا فماله من نور. وهنا نتساءل: هل في إمكان الطبيعة التمييز بين خلق الضار والنافع، وهل باستطاعتها التفريق في الأشكال والألوان والأصوات في الأجناس، فضلًا عن الجنس الواحد، وهل في مقدرتها خرق العادة، وإبطال الأسباب.\nوهذا الإحكام المتقن، والخلق المبدع، والتدبير الكامل، والتصرف الشامل، هل يمكن أن يكون مثله في وسع الطبيعة. كيف يتجمع المطر، وكيف ينزل؟ ولم ينزل بهذا القدر في مكان دون آخر؟\nتأمل في نفسك، وتفكر في مراحل نموك:\nأين الطبيعة عند كونك نطفة ... في البطن إذ مشجت به الماءان\nأين الطبيعة حين عدت عليقة ... في أربعين وأربعين ثواني\nأين الطبيعة عند كونك نطفة ... في أربعين وقد مضى العددان\nأترى الطبيعة صورتك مصورًا ... مسامع ونواظر وبنان\nأترى الطبيعة أخرجتك منكسًا ... من بطن أمك واهي الأركان\nأم فجرت لك باللبان ثديها ... فرضعتها حتى مضى حولان\nأم صَيَّرت في والديك محبة ... فهما بما يرضيك مغتبطان\nيا فيلسوف لقد شغلت عن الهدى ... بالمنطق الرومي واليوناني (^١)\n_________\n(^١) «القحطاني: محمد بن صالح: القصيدة النونية، دار الذكرى، ط ١، (٣٣)","vol":"1","page":122},{"text":"وقد رد العلماء قديمًا وحديثًا على هذا المذهب الفاسد من كل جهة، حين قالوا: إن هذه المخلوقات البديعة الخلق، والعجيبة الفرق، من فعل الطبيعة، وبذا ناقضوا الفطرة، وخالفوا العلم، وناكفوا العقل، ولذا يقول الشيخ الشنقيطي: \" أن اختلاف ألوان الآدميين، واختلاف ألوان الجبال، والثمار، والدواب، والأنعام، كل ذلك من آياته الدالة على كمال قدرته، واستحقاقه للعبادة وحده، قال تعالى: \" أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ (٢٧) وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ \" (فاطر ٢٧ - ٢٨)، واختلاف الألوان المذكورة، من غرائب صنعه تعالى وعجائبه، ومن البراهين القاطعة، على أنه هو المؤثر جل وعلا، وأن إسناد التأثير للطبيعة من أعظم الكفر والضلال \". (^١)\nوقد ساهم الإمام السمعاني في رد هذا الهراء، وكشف هذا الافتراء، فقال في تفسير قوله تعالى: \" وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَأيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٤) \" (الرعد ٤): \" وقوله \" يسقى بماء واحد \" ... وفي الآية رد على أصحاب الطبيعة، فإن الماء واحد، والهواء واحد، والتراب واحد، والحرارة واحدة، والثمار مختلفة في اللون والطعم، وقلة الرَّيع، وكثرة الرَّيع، والطبيعة واحدة يستحيل أن توجب شيئين مختلفين؛ فدل هذا أن الجميع من الله تعالى \". (^٢)\nوقد رد الإمام الرازي على هذا المذهب في تفسيره، من جهات متعددة، فرده من جهة:\nـ حدوث التغيُّرات والتبدلات، وأنها لا بُدَّ لها من سبب. (^٣)\n_________\n(^١) «الشنقيطي: أضواء البيان: ٦/ ١٧٣\n(^٢) «السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٧٧\n(^٣) «الرازي: مفاتيح الغيب: ١٣/ ٨٧","vol":"1","page":123},{"text":"ـ حركة الريح، وأنه هواء متحرك، وكونه متحركًا ليس لذاته، ولا للوازم ذاته، وإلا لدامت الحركة بدوام ذاته، فلا بُدَّ وأن يكون لتحريك الفاعل المختار، وهو الله ﷻ (^١)\nـ الاستدلال بوجود الجبال، على وجود الصانع القدير الحكيم، وذلك: أن طبيعة الأرض طبيعة واحدة، فحصول الجبل في بعض جوانبها دون البعض، لا بُدَّ وأن يكون بتخليق القادر الحكيم. (^٢)\nـ الاستدلال بالنبات، وأفاض في ذكر دلالته على المدبِّر الحكيم جل في علاه. (^٣)\nـ الاستدلال بالبرق، والسحاب، والرعد، والصواعق، على تخصيص الفاعل المختار، دون العلة والطبيعة. (^٤)\nـ الاستدلال بتعاقب الليل والنهار على الدوام، فإن كل منهما مضاد للآخر، مغاير له، مع كونهما متعاقبين على الدوام، من أقوى الدلائل على أنهما غير موجودين لذاتهما، بل لا بُدَّ لهما من فاعل يدبرهما، ويقدرهما بالمقادير المخصوصة. (^٥)\nومن جميل ما استدل به الإمام الرازي، على كمال قدرة الله وحكمته، ورد به على القائلين بالطبع: \" وأعلم أن في ذكر الطَّري مزيد فائدة، وذلك لأنه لو كان السمك كله مالحًا، لما عُرف به من قدرة الله تعالى ما يُعرف بالطري، فإنه مما خرج من البحر الزعاق، الحيوان الذي لحمه في غاية العذوبة، عُلِمَ أنه إنما حدث لا بحسب الطبيعة، بل بقدرة الله وحكمته، حيث أظهر الضد من الضد \". (^٦)\nوبهذا البيان الناصع، المستقى من النصوص، والمُؤيد بالعقول السليمة والفِطر المستقيمة، يأتي السمعاني على بُنيان القوم، فينقضه حجرا حجرا؛ لأنه في أصله ضعيف متهالك.\n_________\n(^١) «الرازي: مفاتيح الغيب: ١٤/ ٢٨٨\n(^٢) «الرازي: مفاتيح الغيب: ١٩/ ٦\n(^٣) «الرازي: مفاتيح الغيب: ١٩/ ٦ - ٧ - ٨\n(^٤) «الرازي: مفاتيح الغيب: ١٩/ ٢١ - ٢٣\n(^٥) «الرازي: مفاتيح الغيب: ٢٠/ ٣٠٦\n(^٦) «الرازي: مفاتيح الغيب: ٢٠/ ١٨٨","vol":"1","page":124},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-50>المطلب الخامس: مسائل في الربوبية:</span>\nلم يُغفل السمعاني بعض المسائل المتعلقة بالربوبية، من جهة ما يتعلق بها من قضايا تُعمق هذه العقيدة في القلب، أو ما قد يرد عليها من التساؤلات والإشكالات، وقد عالجها بطريقته المعهودة، بذكر بعض الأوجه التي تُقرب المسائل وتحل إشكالاتها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-51>المسألة الأولى: خضوع الجمادات لله تعالى، وتسبيحها له جل وعلا:</span>\nبيَّن القرآن الكريم، أن كل ما في هذا الكون خاضع لله تعالى، يسجد له، ويسبح بحمده. فمن مَيَّزه الله ﷿، وفضله على بقية المخلوقات، وشَرَّفه بالعقل، والفهم، والإدراك، فهو يخضع وينقاد لله تعالى إما طوعًا، وإما كرهًا، يقول ﷾:\" أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (٨٣) \" ... (آل عمران ٨٣): يقول مجاهد: \" سجود المؤمن طائعًا، وسجود الكافر وهو كاره \". (^١)\nوقال تعالى: \" وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُم بِالْغُدُوِّ وَالْأصَالِ (١٥) \" (الرعد ١٥)، قال قتادة: \" فأما المؤمن فيسجد طائعًا، وأما الكافر فيسجد كارهًا \" (^٢). وقال السُّدي: \" إذا سجد الأشياء، سجد ظله معه \". (^٣)\nوهذا هو القول الذي نقله الإمام السمعاني في تفسير الآية، فقال: \" يعني: يسجد من في السموات طوعًا، ويسجد من في الأرض، بعضهم طوعًا، وبعضهم كرهًا. والسجود هوالخضوع بالتذلل ...، وقوله \" وَظِلَالُهُم \": قالوا: ظل الكافر يسجد طوعًا، والكافر يسجد كرهًا، وظل المؤمن يسجد طوعًا، وكذا المؤمن يسجد طوعًا، هذا هو القول المنقول عن السلف \". (^٤)\n_________\n(^١) «مجاهد بن جبر: تفسير مجاهد: دار الفكر الإسلامي الحديثة، مصر، ط ١، ١٤١٠ هـ (٢٥٥)\n(^٢) «الطبري: جامع البيان: ١٦/ ٤٠٣\n(^٣) «ابن أبي زمنين: تفسير القرآن العزيز، دار الفرقان الحديثة، القاهرة، ط ١، ١٤٢٣ هـ (٢/ ٣٥١)\n(^٤) «السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٨٦","vol":"1","page":125},{"text":"وأخبر القرآن أن كل مافي السموات ومافي الأرض مطيع لله جل وعلا، فقال سبحانه:\"وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَل لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ (١١٦) \" (البقرة ١١٦)، والقانت المطيع، ومعنى قوله: \" كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ\"أي: قائمون بالعبودية (^١)، وقال مجاهد: كل له مطيعون، فطاعة الكافر في سجود ظله (^٢).\nوذكر السمعاني خلافا عند المفسرين في معنى قوله تعالى:\" كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ\"فقال:\nوفي معناه أقوال:\nأحدها: قال ابن عباس: هو عام بمعنى الخصوص، والمراد به المسلمون، وبه قال الفراء، ولم يرضه من الفراء نحاة البصرة، وقالوا: الكل يقتضي الإحاطة بالشيء، بحيث لايشذ منه شيء، ومعناه: كل العباد قانتون، فالمسلم يسجد طوعا، والكافر يسجد ظله سريعا.\nوالقول الثاني: معناه: مذللون مسخرون لما خلقوا له.\nوالقول الثالث: يعني في القيامة (^٣).\nهذا فيما يتعلق بالإنسان، أما فيما يخص الحيوان والجماد والأموات، فقد أخبر القرآن الكريم بسجودها، وخضوعها، ونطقها بالتسبيح، ومن موارده في القرآن الكريم قوله تعالى:\" أَوَ لَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ يَتَفَيَّؤُا ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِّلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ (٤٨) وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِن دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٤٩) (النحل ٤٨ - ٤٩).\n-\" أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ ... \" (الحج ١٨).\n-\" تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤٤) (الإسراء ٤٤).\n_________\n(^١) «السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ١٣٠\n(^٢) «مجاهد: تفسير مجاهد:٢١٢\n(^٣) «السمعاني: تفسير السمعاني:١/ ١٣٠","vol":"1","page":126},{"text":"-\" ... وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ (٧٩) \" (الأنبياء ٧٩).\n-\" أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ\nقَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ (٤١) (النور ٤٢).\n-\" وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ (٦) \" (الرحمن ٦).\n-\" يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ\" (الجمعة ١١).\nاختلف العلماء في مقتضى ماتتضمنه هذه الآيات وغيرها، التي تفيد سجود الحيوان والموات، وتسبيحه، ونطقه، إلى أقوال:\nالقول الأول: أن التسبيح حقيقة، وكل شيء يُسبح تسبيحًا لا يسمعه البشر ولا يفقهه، وهذا قول إبراهيم النخعي، وعكرمة، ومجاهد، ورجحه الزجاج (^١)، والقرطبي (^٢)، ونصره الإمام السمعاني في تفسيره (^٣)، وهو مروي عن علي وابن عباس ﵄، واستدل أصحاب هذا القول بأدلة منها:\n١ - (عن ابن عمر -﵄كان النبي - ﷺ - يخطب إلى جذع، فلما اتخذ المنبر تحول إليه، فحن الجذع، فأتاه فمسح يده عليه)، وفي رواية: (فسمعنا لذلك الجذع صوتا كصوت العِشار، حتى جاء النبي - ﷺ - فوضع يده عليها فسكنت) (^٤).\nيقول الإمام القرطبي: \"وإذا ثبت ذلك في جماد واحد، جاز في جميع الجمادات، ولا استحالة في شيء من ذلك\" (^٥)\n٢ - عن جابر بن سمرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: (وإني لأعرف حجرا بمكة، كان يسلم عليَّ قبل أن أُبعث، إني لأعرفه الآن) (^٦).\n_________\n(^١) «الزجاج: معاني القرآن:٣/ ٤١٨ - ٥/ ٤٧\n(^٢) «القرطبي: الجامع لأحكام القرآن:١٠/ ٢٦٨\n(^٣) «السمعاني: تفسير القرآن:٣/ ٢٤٤\n(^٤) «أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام: ح (٣٥٨٣ - ٣٥٨٥)\n(^٥) «القرطبي: الجامع لأحكام القرآن:١٠/ ٢٦٨\n(^٦) «أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الفضائل، باب فضل نسب النبي - ﷺ -، وتسليم الحجر عليه قبل النبوة ح (٢٢٧٧)","vol":"1","page":127},{"text":"٣ - عن أبي سعيد الخدري، أن النبي - ﷺ - قال: (لايسمع مدى صوت المؤذن، جن ولا إنس، ولاشيء، إلا شهد له يوم القيامة) (^١).\n٤ - عن عبدالله بن مسعود قال: (.. فلقد رأيت الماء ينبع من بين أصابع رسول الله - ﷺ - ولقد كنا نسمع تسبيح الطعام، وهو يؤكل) (^٢)\n٥ - عن جابر بن عبدالله، قال: قال رسول الله - ﷺ -: (ألا أخبركم بشيء أمر به نوح ابنه؟ إن نوحا - ﵇ - قال لابنه: يابني: آمرك أن تقول:\"سبحان الله\"فإنها صلاة الخلق، وتسبيح الخلق، وبها يرزق الخلق، قال تعالى:\" وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِي\" (^٣)\n٦ - وقال عكرمة: لايعيبَّن أحدكم ودابته ولا ثوبه، فإن كل شيء يسبح بحمده.\nوقال: الشجرة تُسبح، والأسطوانة تُسبح (^٤).\n٧ - وقال مجاهد: كل الأشياء تسبح لله، حيا كان أو جمادًا أو تسبيحها: سبحان الله وبحمده (^٥).\n٨ - وقال إبراهيم النخعي: الطعام يُسبح (^٦). وقال: وإن من شيء جماد أو حي إلا يسبح بحمده، حتى صرير الباب، ونقيض السقف (^٧).\nوقد نصر الإمام السمعاني هذا القول، وأيده بقوة، وجعله هو قول أهل السنة، فقال في أكثر من موطن:\n-\" وأعلم أن لله في الجماد علما لايعلمه غيره، ولايقف عليه غيره، فينبغي أن يوكل علمه إليه\" (^٨)\n-\" قد قال أهل السنة: إن لله علما في الموات لايعلمه غيره، وقيل: إن الله تعالى يفهمهم ويلهمهم ذلك فيخشونه بإلهامه، وبمثل هذا وردت الأخبار\" (^٩).\n_________\n(^١) «أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الآذان، باب رفع الصوت بالنداء، ح (٦٠٩)\n(^٢) «أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام، ح (٣٥٧٩)\n(^٣) «أخرجه ابن جرير في تفسيره:١٧/ ٤٥٥، وقال الإمام ابن كثير:\"إسناده فيه ضعف، فإن الربذي ضعيف عند الأكثرين. تفسير القرآن العظيم:٥/ ٨٠\n(^٤) «الطبري: جامع البيان:١٧/ ٤٥٥\n(^٥) «السمعاني: تفسير القرآن، ٣/ ٢٤٤\n(^٦) «الطبري: جامع البيان:١٧/ ٤٥٦\n(^٧) «السمعاني: تفسير القرآن:٣/ ٢٤٤\n(^٨) «السمعاني: تفسير السمعاني:٣/ ٢٤٤\n(^٩) «السمعاني: تفسير السمعاني:١/ ٩٦","vol":"1","page":128},{"text":"-\" فإن من اعتقاد أهل السنة، أن الحيوان والموات، مطيع كله لله تعالى \" (^١).\n-\" وسجود الموات ثابت بنص الكتاب، وهو على ما أراد الله تعالى، والعلم بحقيقة ذلك موكول إليه، وهو مذهب أهل السنة \" (^٢).\nولذا قال في قصة سليمان مع النمل: \" فإن قيل: كيف يصح أن يثبت للنمل مثل هذا العلم؟ والجواب عنه: يجوز أن يخلق الله تعالى فيه هذا النوع من الفهم والعلم \" (^٣).\nوقد أيد قوله برأي علي وابن عباس، قال علي: لاتضربوا الدواب على رؤوسها فإنها تسبح لله، وقال ابن عباس: إن تسبيح هذه الأشياء ياحليم ياغفور (^٤).\nالقول الثاني: إن التسبيح خاص بالأحياء فقط، وما ليس بحي فلا، وعليه: فلا يدخل فيه الجمادات: وإنما يسبح ما كان فيه روح، من حيوان أو نبات، وهذا مروي عن الحسن والضحاك وقتادة، واستدل أصحاب هذا القول بما يلي:\n١ - عن ابن عباس قال: مر النبي - ﷺ - بقبرين فقال: (إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان لايستتر من البول، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة، ثم أخذ جريدة رطبة، فشقها نصفين، فغرز في كل قبر واحدة، قالوا: يارسول الله، لم فعلت هذا؟ قال: لعله يخفف عنهما مالم ييبسا) (^٥)، يقول الإمام القرطبي: فقوله - ﷺ -:\" مالم ييبسا\" إشارة إلى أنهما ماداما رطبين يسبحان، فإذا يبسا صارا جمادا (^٦)\n٢ - قال يزيد الرقاشي للحسن وهما في طعام، وقد قدم الخوان: (أيُسبح هذا الخوان يا أبا سعيد؟ فقال: قد كان يسبح مرة، يقول الإمام القرطبي: (يريد أن الشجرة في زمن ثمرها واعتدالها كانت تسبح، وإنما الآن فقد صار خوانا مدهونا (^٧).\n_________\n(^١) «السمعاني: تفسير السمعاني:٣/ ٣٢٨\n(^٢) «السمعاني: تفسير السمعاني:٥/ ٣٢٣\n(^٣) «السمعاني: تفسير السمعاني:٤/ ٨٦\n(^٤) «السمعاني: تفسير السمعاني:٣/ ٢٤٤\n(^٥) «رواه البخاري في صحيحه، كتاب الصلاة، باب ماجاء في غسل البول، ح (٢١٨)\n(^٦) «القرطبي: الجامع لأحكام القرآن:١٠/ ٢٦٧\n(^٧) «القرطبي: الجامع لأحكام القرآن:١٠/ ٢٦٦","vol":"1","page":129},{"text":"٣ - قال قتادة: قوله تعالى: \" وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ \": كل شيء فيه الروح يُسبح، من شجر، أو شيء فيه \" (^١)\n٤ - قال الضحاك: في قوله:\" وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِي\": كل شيء فيه الروح (^٢).\nالقول الثالث: أن تسبيح السماوات والأرض والجمادات، وسائر الحيوانات سوى العقلاء، هو مادلت بلطيف تركيبها، وعجيب هيئاتها على خالقها، فيصير ذلك بمنزلة التسبيح منها (^٣)، فالمقصود من تسبيح الجمادات على هذا القول: أنها تدعو الناظر إليها أن يقول: سبحان الله، لعدم الإدراك منها، فلطيف الصنعة، وبديع القدرة، توجب على من رآها تسبيح الله وتقديسه.\nووهن الإمام السمعاني هذا القول، وقال: \" وقال بعضهم: إن سجود الحجارة هو بظهور أثر الصنع فيه، على معنى أنه يحمل السجود والخضوع لمن تأمله وتدبر فيه، وهذا قول فاسد، والصحيح ماقدمنا، والدليل عليه أن الله وصف الحجارة بالخشية، فقال:\" وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ \" ولا يستقيم حمل الخشية على ظهورأثر القدرة عليه، وأيضًا فإن الله تعالى قال:\" يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ\" أوبي معه: أي سبحي معه، ولو كان المراد ظهور أثر الصنع فيه.\nلم يكن لقوله: \" مع داود\" معنى؛ لأن داود وغيره في رؤية أثر الصنع سواء، وأيضا فإن الله تعالى قال:\" وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِي\" أي يطيع الله بتسبيحه،\"وَلَكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ \" ولو كان المراد بالتسبيح ظهور أثر الصنع فيه، لم يستقم قوله: \" وَلَكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ \" (^٤).\nوالخلاصة أن الإمام السمعاني قرر في هذه المسألة مايلي:\n١ - أن لله تعالى علما في الموات لايعلمه غيره، ولايقف عليه الناس (^٥).\n_________\n(^١) «ابن كثير: تفسير القرآن العظيم:٥/ ٨٠\n(^٢) «ابن كثير: تفسير القرآن العظيم:٥/ ٨١\n(^٣) «السمعاني: تفسير القرآن:٣/ ٢٤٤\n(^٤) «السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٤٢٨ - ٥/ ٤٣٠\n(^٥) «السمعاني: تفسير السمعاني:١/ ٩٦ - ٥/ ٤٠٨","vol":"1","page":130},{"text":"٢ - أن اعتقاد أهل السنه أن الحيوان والموات مطيع كله لله تعالى (^١) وأن كل الأشياء ساجدة لله تعالى مطيعة من حيوان وجماد وهو المحكي عن أكثر السلف (^٢).\n٣ - قال السمعاني: \" إن سجود الموات ثابت بنص الكتاب وهو على ما أراد الله تعالى (^٣)، والعلم بحقيقته موكول إليه، وهو مذهب أهل السنة (^٤).\n٤ - نقل السمعاني عن الإمام الثوري أنه قال: كل شيء يسبح إلا الحمار، فلذا جعل صوته أنكر الأصوات.\nوقد نقل هذا عن سفيان، الإمام ابن أبي حاتم في تفسيره فقال: \" عن سفيان الثوري - ﵁ - قال صياح كل شيء تسبيحة إلا الحمار \" (^٥)، وزاد الماوردي في نقله عن سفيان قوله:\" فإنه يصيح لرؤية الشيطان \" (^٦)\nوأخرج أبو الشيخ (^٧) في كتاب العظمة، عن ابن عباس - ﵄قال: كل شيء يسبح إلا الحمار والكلب \" (^٨)\nوتعقب هذا صاحب روح المعاني فقال:\n\" ولا أرى لاستثناء ماذكر وجها، وفي القلب من صحة الرواية عن الخبر شيء، وكذا للتقييد بعد أن لم تكن الجمادية مانعة عن التسبيح، والأخبار الظاهرة في عدم التسبيح أكثر، ولا أظن أن لما يخالفها امتيازا عليها في الصحة \" (^٩).\nإن اجتهاد السمعاني وجزمه القول في هذه المسألة، مبني على تتبع النصوص، والأخذ بالظواهر المؤيدة بفهم السلف، وهذا منهجه العام الذي سار عليه في بناء الأحكام.\n_________\n(^١) «السمعاني: تفسير القرآن:٣/ ٤٢٨\n(^٢) «السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ١٧٦\n(^٣) «السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٣٢٣\n(^٤) «السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٢٣٤\n(^٥) «تفسير ابن أبي حاتم:٩/ ٣١٠٠\n(^٦) «الماوردي: النكت والعيون:٤/ ٣٤١\n(^٧) «أبو الشيخ عبدالله بن محمد بن جعفر، من حفاظ الحديث، العلماء برجاله (٢٧٤ هـ-٣٦٩ هـ) وله مؤلفات منها المحدثين بأصبهان، والعظمة. الزركلي: الأعلام:٤/ ١٢٠\n(^٨) «أبو الشيخ: العظمة، دار العاصمة، الرياض، ط ١، ١٤ - ٨ هـ (٥/ ١٧٥٠)\n(^٩) «الألوسي: روح المعاني: دار الكتب العلمية ببيروت، ط ١، ١٤١٥ هـ، (٨/ ٨٢).","vol":"1","page":131},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-52>المسألة الثانية: ما تأويل قوله جل وعلا:\" إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ\" (المائدة ٣٣):</span>\nوهل بقدرة أحد من البشر محاربة الله جل وعلا، الذي بيده ملك كل شيء، وكل شيء تحت قبضته، والخلق مقهورون بقدرته؟!\nأجاب العلماء عن هذه بأجوبة:\n١ - أنه محمول على حذف المضاف، أي: محاربون أولياء الله ورسوله، قال السمين الحلبي (^١): كذا قدره الجمهور (^٢)، فتقدير المضاف، غير الله ورسوله، وهم عباد الله تعالى، ولذا قال ابن جُزي (^٣): \"وهو أحسن\" (^٤)،ورجحه القرطبي فقال: \"استعارة ومجاز؛ إذ الله ﷾ لايحارب، ولايغالب؛ لما هو عليه من صفات الكمال، ولما وجب من التنزيه عن الأضداد والأنداد، والمعنى: يحاربون أولياء الله، فعبَّر بنفسه العزيزه عن أوليائه إكبارًا لإذايتهم \" (^٥) وهذا هو القول الأول الذي أشار إليه السمعاني في توجيه هذه الآية (^٦).\n٢ - أنه محمول على حذف المضاف، لكن تقديره: يحاربون رسول الله - ﷺ -، وبه قدره الزمخشري في تفسيره (^٧)، وضعفه ابن جُزي، وقال: \" وقال بعضهم: تقديره: يحاربون رسول الله - ﷺ -، وذلك ضعيف؛ لأن الرسول - ﷺ - ذكر بعد ذلك \" (^٨)، وبين السمين الحلبي هذا المعنى فقال: يعني: أن المقصود أن يخبر بأنهم يحاربون رسول الله، وإنما ذكر اسم الله ﵎؛ تعظيما وتفخيما لمن يُحارب \" (^٩).\n_________\n(^١) «السمين الحلبي: أحمد بن يوسف، مفسِّر، عالم بالعربية والقراءات، شافعي، من أهل حلب، استقر واشتهر في القاهرة، من كتبه: الدر المصون، وشرح الشاطبية، توفي سنة ٧٥٦ هـ. الزركلي: الأعلام:١/ ٢٧٤\n(^٢) «السمين الحلبي: الدر المصون في علوم الكتاب المكنون، دار القلم، دمشق (٤/ ٢٥٠)\n(^٣) «ابن جزي الكلبي: محمد بن أحمد (٦٩٣ هـ-ت ٧٤١ هـ) فقيه، من العلماء بالأصول واللغة، من أهل غرناطة، من كتبه: القوانين الفقهية، وتقريب الوصول لعلم الأصول، الزركلي: الأعلام،٥/ ٣٢٥.\n(^٤) «ابن جزي: التسهيل لعلوم التنزيل: شركة دار الأرقم بن أبي الأرقم-بيروت-ط ١، ١٤١٦ هـ (١/ ٢٢٩)\n(^٥) «القرطبي: الجامع لأحكام القرآن:٦/ ١٥٠.\n(^٦) «السمعاني: تفسير القرآن:٢/ ٣٤.\n(^٧) «الزمخشري: الكشاف:١/ ٦٢٨.\n(^٨) «ابن جزي: التسهيل:١/ ٢٢٩.\n(^٩) «السمين الحلبي: الدر المصون:٤/ ٢٥٠.","vol":"1","page":132},{"text":"٣ - أن تحمل المحاربة على مخالفة الأمر والتكليف، ويكون التقدير: إنما جزاء الذين يخالفون أحكام الله، وأحكام رسوله، ويسعون في الأرض فسادا كذا وكذا (^١)، وبهذا حملها الإمام ابن كثير فقال: \" المحاربة: هي المضادة والمخالفة، وهي صادقة على الكفر، وعلى قطع الطريق، وإخافة السبيل \" (^٢)، وقال الواحدي (^٣) في تفسيره: \" ومعنى يحاربون الله ورسوله، يعصونهما ولايطيعونهما، وكل من عصاك فهو حرب لك \" (^٤)، وهذا هو القول الثاني الذي حكاه السمعاني في تفسيره، وقال: \" وقيل: هو صحيح في العربية، فإن من عصى غيره فقد حاربه، فهؤلاء إذا عصوا الله ورسوله، فكأنهم حاربوا الله ورسوله، ويدخل في جملتهم كل العاصين، وقطاع الطرق، وغيرهم \" (^٥).\n٤ - وفسرها مقاتل بن سليمان (^٦) بالشرك، فقال: \" يعني بمحاربة الشرك، نظيرها في براءة، وإرصادا لمن حارب الله ورسوله \" (^٧)، ونقله أبو حيان في تفسيره عن ابن عباس﵄ (^٨).\n٥ - ونُقل عن سعيد بن جبير أنه قال: أراد بالمحاربة لله ورسوله: الكفر بعد الإسلام (^٩)، ونقله أبو حيان عن عروة، فقال: \" وقول ابن عباس: المحاربة هنا الشرك، وقول عروة الارتداد، غير صحيح عند الجمهور \" (^١٠).\n_________\n(^١) «الرازي: مفاتيح الغيب:١١/ ٣٤٥\n(^٢) «ابن كثير: تفسير القرآن العظيم:٣/ ٩٤\n(^٣) «الواحدي: علي بن أحمد بن محمد، مفسر، عالم بالأدب، إمام علماء التأويل، مولد ووفاته بنيسابور، من كتبه: البسيط، والوسيط، والوجيز: كلها في التفسير، توفي سنة ٤٦٨ هـ. الزركلي: الأعلام:٤/ ٢٥٥.\n(^٤) «الواحدي: الوسيط، دار الكتب العلمية - بيروت- ط ١، ١٤١٥ هـ (٢/ ١٨١).\n(^٥) «السمعاني: تفسير القرآن:٢/ ٣٤\n(^٦) «مقاتل بن سليمان بن بشير الأزدي، من أعلام المفسرين أصله من بلخ، انتقل للبصرة، ودخل بغداد محدثا بها، وتوفي بالبصرة سنة ١٥٠ هـ، كان متروك الحديث، من كتبه: متشابه القرآن، والرد على القدرية، الزركلي: الأعلام،٧/ ٢٨١\n(^٧) «مقاتل: تفسير مقاتل: دار إحياء التراث- بيروت، ط ١، ١٤٣٢ هـ. (١/ ٤٧٢)\n(^٨) «أبو حيان: البحر المحيط:٤/ ٢٤٠\n(^٩) «ابن الجوزي: زاد المسير:١/ ٥٤٢\n(^١٠) «أبو حيان: البحر المحيط:٤/ ٢٤٠","vol":"1","page":133},{"text":"والخلاصة: أن لفظ (المحاربة لله ورسوله) قد يدخلها الحقيقة والمجاز، المجاز من لفظ الباري جل وعلا، وذلك أن حربه جل وعلا غير ممكنة، وعليه فتؤول بالمعصية، ومخالفة أمره، كما فسره بها الطبري في قوله تعالى: \" وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِّمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ \" (التوبة ١٠٧)، فيقول: \"وَإِرْصَادًا لِّمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ\" يقول: وإعدادًا له، لأبي عامر الكافر، الذي خالف الله ورسول وكفر بهما، وقاتل رسول الله (^١)، وأشار الماوردي في تفسيره إلى هذا المعنى فقال: \" وفي محاربة الله تعالى ورسوله وجهان: أحدهما مخالفتهما، والثاني: عداوتهما \" (^٢).\nوالحقيقة من جهة النبي - ﷺ -: يقول السمين الحلبي: \" تُحمل محاربتهم لله تعالى على معنى يليق بها، وهي المخالفة مجازا، ومحاربتهم لرسول الله على المقاتلة حقيقة \" (^٣).\nفالسمعاني حكى في المسألة قولين: قول على حذف المضاف، وقول على الحمل على ظاهر اللفظ، وإرادة معنى آخر، ولم يُرجح بينهما، والآية محتملة لكلا المعنيين، ولا تنافي بينهما؛ لنفي المعنى الباطل المتوهم.\n_________\n(^١) «الطبري: جامع البيان:١٤/ ٤٦٩\n(^٢) «الماوردي: النكت والعيون:٢/ ٤٠١\n(^٣) «السمين الحلبي: الدر المصون:٤/ ٢٥٠","vol":"1","page":134},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-53>المسألة الثالثة: في قوله تعالى:\"فَذَرْنِي وَمَن يُكَذِّبُ بِهَذَاالْحَدِيثِ </span>\" (القلم ٤٤)،\"وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ\" (المزمل ١١)، \" ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا\" (المدثر ١١)، مامعنى ذرني في هذا المقام: مع أنه لا حائل يحول دونهم؟!\nأجاب العلماء عن هذا التساؤل بجوابين:\nالأول: أن هذا خرج مخرج التهديد والوعيد للمشركين، والمعنى لاتهتم بهم، فإني أكفيكهم (^١)، فهو بمعنى الإبلاغ للنبي - ﷺ -، بمعنى لاتشغل بهم فكرا، وكِلْهُم إليَّ (^٢)، فأنتقم منهم، وإن أمهلتهم فلا أهملهم (^٣)، وأشار إليه السمعاني في تفسيره (^٤).\nوالثاني: أن العرب تقول ذلك، وإن لم يكن ثَمَّ حائل (^٥)،وبهذا أجاب الزجاج فقال: \"فالجواب في ذلك: أن العرب إذا أرادت أن تأمر الإنسان، بأن له همة بأمر، أو بإنسان تقول: دعني وزيدًا، ليس أن حال بينه وبين زيد أحد، ولكن تأويله: لاتهتم بزيد، فإني أكفيكه \" (^٦).\nويقول السمرقندي في تفسيره: هذا كلام على ماجرت به عادات الناس؛ لأن الله تعالى لايحول وبين إرادته أحد، ولكن معناه: فوض أمورهم إليّ (^٧)، وأن العرب تقول مثل هذا القول، وإن لم يكن هناك أحد يمنعه منه، ويرى السمعاني أن المعنى الثاني يرجع إلى الأول.\n_________\n(^١) «الواحدي: التفسير الوسيط:٤/ ٣٧٥\n(^٢) «ابن عطية: المحرر الوجيز، دار الكتب العلمية، بيروت، ط ١، ١٤٢٢ هـ (٥/ ٣٨٩) ويقول: (وعيد ولم يكن ثمَّ مانع) ٥/ ٣٥٣\n(^٣) «السعدي: تيسير الكريم الرحمن، مؤسسة الرسالة، ط ١،١٤٢٠ هـ (٨٩٢)\n(^٤) «السمعاني: تفسير القرآن:٦/ ٣٠\n(^٥) «السمعاني: تفسير القرآن:٦/ ٨٠\n(^٦) «الزجاج: معاني القرآن:٥/ ٢٤١.\n(^٧) «السمرقندي: نصر بن محمد بن أحمد، العلامة، من أئمة الحنفية، من الزهاد المتصوفين، له تصانيف نفيسة منها: تفسير القرآن، وعمدة العقائد، وتنبيه الغافلين، توفي سنة ٣٧٣ هـ، الزركلي: الأعلام:٨/ ٢٧، انظر السرقندي: بحر العلوم: ٣/ ٥١١","vol":"1","page":135},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-54>المسألة الرابعة: معنى قوله تعالى:\"وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ </span>\" (آل عمران ١٨٠)،من مقتضيات ربوبية الله جل وعلا، تمام الملك وكماله وشموله، فما معنى أن له سبحانه الميراث، وهو ما انتقل من ملك مالك إلى وارثه بموته، والله جل وعلا له الدنيا قبل فناء خلقه وبعده؟!\nالآية الكريمة فيها بيان معنى اسم الله الوارث، كما جاء إثباته في مواطن أخرى، قال جل وعلا:\" إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ\" (مريم ٤٠)، وقوله تعالى:\" وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِ وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ\" (الحجر ٢٣)، وغيرها من هذه الآيات المثبتة لهذا الاسم الكريم لله تعالى.\nوقد نص بعض الأئمة على إثبات هذه الصفة لله تعالى، يقول الإمام البيهقي: ومنها: الوارث، ومعناه: الباقي بعد ذهاب غيره، وربنا جل ثناؤه بهذه الصفة؛ لأنه يبقى بعد ذهاب المُلاك، الذين أمتعهم في هذه الدنيا بما أتاهم؛ لأن وجودهم ووجود الأملاك كان به، ووجوده ليس بغيره، وهذا الاسم مما يؤثر عن رسول الله - ﷺ - في خبر الأسامي، وقال الله - ﷿ -:\"وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِ وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ\" (^١) (الحجر ٢٣).\nوقد فسر الإمام السمعاني معنى هذا الاسم الجليل فقال: \"والوارث في صفات الله: أنه الباقي بعد ملاك الخلق أجمعين، وقيل معناه: أن مصير الخلق إليه \" (^٢).\nوقال في موطن آخر في تفسير قوله تعالى:\" إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ\" (مريم ٤٠)، معناه: \"إن نميت سكان الأرض ونهلكهم، فتكون الأرض ومن عليها لنا، وفي حكمنا. ومعنى الإرث: هو أنه لايبقى لأحد ملك، ولا سبب سوى الله\" (^٣).\n_________\n(^١) «البيهقي: الأسماء والصفات، مكتبة السوادي، جدة، ط ١، ١٤١٣ هـ، (١/ ٤٦)\n(^٢) «السمعاني: تفسير القرآن:٣/ ١٣٦\n(^٣) «السمعاني: تفسير القرآن:٣/ ٢٩٤","vol":"1","page":136},{"text":"وقد نُقل عن ابن عباس -﵄تفسير قوله تعالى:\" وَلِلَّهِ مِيرَاثُ\nالسَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ\"فقال: قال جبريل: يامحمد، لله الخلق كله، السموات كلهن، والأرضون كلهن، ومن فيهن، ومن بينهن مما يعلم ومما لايعلم (^١)، فكل باق بعد ذاهب فهو وارث (^٢)، وفي هذا يقول الغزالي: \"الوارث: هو الذي يرجع إليه الأملاك، بعد فناء الملاك، وذلك هو ﷾، إذ هو الباقي بعد فناء الخلق، وإليه مرجع كل شيء ومصيره \" (^٣).\nوجوابا عن السؤال يُقال:\nإن معنى الآية الكريمة:\"وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ\"أي أن الله تعالى وصف نفسه بالبقاء، وأعلم خلقه أنه كتب عليهم الفناء، وذلك أن ملك المالك إنما يصير ميراثا بعد وفاته، وإنما قال جل ثناؤه:\" وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ\"؛ إعلاما بذلك من عباده، أن أملاك جميع خلقه منتقلة عنهم بموتهم، وأنه لا أحد إلا وهو فانٍ سواه، فإنه إذا أهلك جميع خلقه فزالت أملاكهم عنهم، لم يبق أحد يكون له ماكانوا يملكونه غيره. قاله الإمام الطبري (^٤).\nولذلك يحتمل في الآية الكريمة وجهان:\nالأول: معناه: ولله ملك السموات والأرض، والثاني: أنهما راجعان إليه، بانقباض من فيهما، كرجوع الميراث إلى المستحق (^٥)، وهو ما أشار إليه السمعاني آنفا؛ بأنه لا يبقى لأحد ملك ولا سبب سوى الله تعالى.\n_________\n(^١) «ابن أبي حاتم: تفسير ابن أبي حاتم:٣/ ٨٢٨\n(^٢) «الزجاج: تفسير أسماء الله الحسنى: دار الثقافة العربية، (٦٥)\n(^٣) «الغزالي: المقصد الأسمى في شرح معاني أسماء الله الحسنى، مكتبة الجنان والجابي، قبرص، ط ١، ١٤٠٧ هـ، (١٤٨)\n(^٤) «الطبري: جامع البيان:٧/ ٤٤٠\n(^٥) «الماوردي: النكتة والعيون:٥/ ٤٧١","vol":"1","page":137},{"text":"فالمعنى العام للآية: \" انفقوا قبل أن تفنوا، وتصير كلها ميراثا لله تعالى بعد فنائكم، وإنما ذكر لفظ الميراث؛ لأن العرب تعرف ماترك الإنسان ميراثا، فخاطبهم بما يعرفون فيما بينهم\" (^١)، وبهذا وجه الإمام السمعاني في هذه الآية الكريمة فقال:\" العرب تسمي كل ما انتقل من أحد إلى غيره ميراثا، بأي سبب كان، فلما خلصت السموات والأرض لله تعالى بعد هلاك العباد سماه ميراثا، كأنه انتقل منهم إليه \" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-55>المسألة الخامسة: هل الإعطاء والمنع لحكمة أو لا</span>؟!\nالله جل وعز هو الغني الحميد، وهو المعطي المانع، وهذه كلها من مقتضيات ربوبيته، ولاشك في أن إعطاءَه ومنعه جل وعلا منوط بالحكمة، فالله جل وعلا، مامنع إلا لأجل الابتلاء بالصبر، وما الأمر بالإنفاق إلا لأجل الابتلاء بالشكر. فلم يمنع ﷾ بخلًا -وحاشاه-\" بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ\" (المائدة ٦٤)، ولكن اقتضت حكمة الله جل وعز أن ينزل بقدر مايشاء، كما قال سبحانه:\" وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ\" (الشورى ٢٧)،قال السمعاني:\" إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ\" أي خبير بما يصلحهم بصير بما يفعله ويطلبونه \" (^٣).\nوهذا هو الفهم الصحيح الراجح، الذي فهمه أهل السنة، فإن فضل الله تعالى على عباده، والتفاوت القائم بينهم في الدين والدنيا، مبناه العدل، وهو صاحب الفضل، يعطي من يشاء ويمنع من يشاء (^٤).\nيقول الإمام البغوي (^٥): (... ولكن ينزل أرزاقهم بقدر مايشاء كما يشاء نظرا منه لعباده، ولحكمة اقتضتها قدرته، إنه بعباده خبير بصير) (^٦).\n_________\n(^١) «السمرقندي: بحر العلوم:٣/ ٤٠٣\n(^٢) «السمعاني: تفسير القرآن:١/ ٣٨٤\n(^٣) «السمعاني: تفسير القرآن:١/ ٣٨٤\n(^٤) «البربهاري: شرح السنة:٨٥\n(^٥) «البغوي: الحسين بن مسعود: يلقب بمحيي السنة، فقيه، محدث، مفسر، (٤٣٦ هـ-ت ٥١٠)،\nمن مصنفاته: شرح السنة في الحديث، والتهذيب في فقه الشافعية، الزركلي: الأعلام:٢/ ٢٥٩.\n(^٦) «البغوي: معالم التنزيل في تفسير القرآن: دار إحياء التراث العربي: بيروت، ط ١، ١٤٢٤ هـ (٤/ ١٤٧)","vol":"1","page":138},{"text":"ويقول الإمام ابن كثير: \" ولكن يرزقهم من الرزق ما يختاره مما فيه صلاحهم، وهو أعلم بذلك، فيغني من يستحق الغنى، ويفقر من يستحق الفقر \" (^١).\nويقول الخطيب الشربيني (^٢): فالتفاوت في أنه رب العباد، ليس لأجل بخل، بل لأجل رعاية مصلحة، لايعلم بها العبد \" (^٣).\nويقول السعدي:\" وَلَكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَاءُ\": بحسب ما اقتضاه لطفه وحكمته \" (^٤).\nوبهذا قال الإمام السمعاني في توجيه ماقيل، ورد الخطأ في التفسير فقال: \"وعن البصري قال: هذا قول اليهود، وكانو يقولون: كيف تعطيهم وقد أفقرهم الله تعالى، ولو شاء أن يعطيهم أعطاهم؟ وذكر القتيبي في كتاب المعارف: أن أبا الأسود الدؤلي كان من خلقه أغناهم، فهذا من حجة البخلاء في البخل، وهي حجة باطلة؛ لأن الله تعالى منع الدنيا من الفقراء لا بخلًا ولكن ابتلاءًا، وأمر الأغنياء بالإنفاق لابحكم الحاجة إلى أموالهم، ولكن ابتلاء شكرهم\" (^٥)، فالله تعالى حكيم ينزل الخير بقدر ما يشاء على وفق الحكمة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-56>المسألة السادسة: معنى قوله تعالى:\"سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ</span>\" (الرحمن ٣١)، معلوم أن من كمال ربوبية الله تعالى على خلقه، أنه لايشغله شأن عن شأن، ولا حال عن حال، فإنه يقضي الحاجات، ويسمع الدعوات، ولاتختلف عليه اللغات، ولا تشتبه عليه الأصوات، ومن مقتضى تدبيره لملكوته، أنه لايعجزه شيء، وتدبيره قائم على كل الخلائق في كل زمان ومكان، فلِمَ إذن عبر جل وعلا بقوله تعالى:\" سَنَفْرُغُ\" والفراغ لايكون إلا عن شغل، ولايجوز الشغل على الله تعالى؟!\nأولًا: اختلف العلماء في معنى الآية الكريمة على أقوال (^٦):\n_________\n(^١) «ابن كثير: تفسير القرآن العظيم:٧/ ٢٠٦\n(^٢) «الخطيب الشربيني: محمد بن أحمد: فقيه شافعي: مفسر من أهل القاهرة: له تصانيف منها: مغني المحتاج: توفي سنة ٩٧٧، الزركلي: الأعلام:٦/ ٦.\n(^٣) «الخطيب الشربيني: السراج المنير: مطبعة بولاق-القاهرة،١٢٨٥ هـ (٢/ ٣٠١)\n(^٤) «السعدي: تيسير الكريم الرحمن:٧٥٨\n(^٥) «السمعاني: تفسير القرآن:٤/ ٣٨١\n(^٦) «انظر: الثعلبي: الكشف والبيان عن تفسير القرآن: دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط ١، ١٤٢٢ هـ، (٩/ ١٨٦)","vol":"1","page":139},{"text":"الأول: أنه وعيد وتهديد من الله ﷾، كقول القائل: لأتفرغَنَّ لك، وما به شغل. وهذا قول ابن عباس والضحاك.\nالثاني: أن معناه: سنقصدكم بعد الترك والإمهال، ونأخذ في أمركم.\nالثالث: أن معناه: سنفرغ لكم مما أوعدناكم وأخبرناكم، من الجزاء والحساب، فنحاسبكم ونجازيكم، وننجز لكم ما وعدناكم، ونوصل كلا إلى ما وعدناه، فيتم ذلك ويفرغ منه، وإليه ذهب الحسن ومقاتل.\nورجح الإمام السمعاني في تفسيره القول الأول، فقال: \" والجواب: أن هذا على طريق التهديد والوعيد، كالإنسان يقول لغيره: سأفرغ لك، وإنه لم يكن في الحال في شغل \" (^١).\nوبهذا فسرها ابن عباس ﵄، فقال: \" وعيد من الله للعباد، وليس بالله شغل، وهو فارغ \" (^٢)، وروى جبير عن الضحاك قال: هذا وعيد من غير شغل. (^٣)\nوهذا الوعيد في الآخرة، وهو عبارة عن الوقت الذي قدر فيه وقضى، أن ينظر في أمو عباده، وقيل: يحتمل أن يكون التوعد بعذاب في الدنيا، قال ابن عطية: \" والأول أبين \" (^٤)، وعلى هذا، إنما حَسُن لفظ الفراغ؛ لسبق ذكر الشأن في الآية، والمعنى: سنترك ذلك الشأن إلى هذا. (^٥)\nإذن: فهذا مما جرى استعماله في كلام العرب (^٦)، وهو مضمن للتهديد والوعيد، \" فهذا اللفظ من أبلغ التهديد والوعيد، نعمة من الله للانزجار عن المعاصي، وفي إقامة الجزاء أعظم النعمة، ولو ترك لفسدت الدنيا والآخرة \" (^٧).\n_________\n(^١) «السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٣٢٩\n(^٢) «الطبري: جامع البيان: ٢٣/ ٤٢\n(^٣) «السمرقندي: بحر العلوم: ٣/ ٣٨٣\n(^٤) «ابن عطية: المحرر الوجيز: ٥/ ٢٣٠\n(^٥) «الواحدي: التفسير الوسيط: ٤/ ٢٢٢\n(^٦) «ابن عطية: المحرر الوجيز: ٥/ ٢٣٠، ابن كثير: تفسير القرآن العظيم: ٧/ ٤٩٦\n(^٧) «محمود النيسابوري: إيجاز البيان عن معاني القرآن: دار الوعي الإسلامي، بيروت، ط ١، ١٤١٥ هـ، (٢/ ٨٧٨)","vol":"1","page":140},{"text":"يقول الشيخ العثيمين (^١): \" فلا تتوهمن أن قوله: \" سنفرغ \": أنه كان مشغول وسيفرغ. بل هذه جملة وعيدية، تُعبِّر بها العرب، والقرآن الكريم نزل بلغة العرب \" (^٢).\nوقد نقل السمعاني عن الزجاج: أن الفراغ يكون على وجهين: أحدهما: افراغ من الشغل، والآخر: بمعنى القصد؛ كالرجل يقول لغيره: قد تفرغت لأذاي ومكروهي، أي أخذت في كروهي وأذاي، ويقول الرجل لغيره: اصبر حتى أتفرغ لك، أي: أقصدك وأعمدك، فمعنى قوله (سنفرغ لكم) أي: سنقصد ونعمد بالمؤاخذة والمجازاة (^٣).\nفالناظر إلى طريقة السمعاني في تقرير مسائل هذا الباب، يُدرك مدى موافقته لمذهب السلف، اتباعا، ومنهجا، واستدلالا، وقلما ينجو من يخوض في هذا الباب، أو يُقعد له، إلا من سلم من مناهج الفلاسفة والمتكلمين، فكم رأينا انحراف الطوائف المخالفة لأهل السنة والجماعة في هذا الباب، فقد ذهبت مذاهب مختلفة في تقرير وجود الله تعالى، يصعب على المتخصص فهمها وإدراكها، فضلا عن العامي الذي يُطالب بالنظر، أو القصد إلى النظر، أو الشك، أو نحو ذلك مما يُقررونه في هذا الباب، ولذا حين خالفوا طريقة القرآن في تقرير هذه المسألة، وقعوا في إشكالات وصعوبات أدت بهم إلى الوقوع في التناقضات، وألحقوا الحرج بالمكلفين بما أوجبوه عليهم من أمور لم يوجبها الشرع عليهم.\nوقد سلم الإمام السمعاني من كل هذه الإشكالات حين سار على منهج السلف القائم على التسليم لطريقة القرآن، وهو ما عبَّر عنه السمعاني بقوله:\"وإنما علينا أن نقبل ما عقلناه إيمانا وتصديقا، وما لم نعقله قبلناه تسليما واستسلاما، وهذا معنى قول القائل من أهل السنة: إن الإسلام قنطرة، لا تعبر إلا بالتسليم (^٤) \".\n_________\n(^١) «العثيمين: محمد بن صالح، فقيه، عالم، مفسر، أصولي، اشتغل بالعلم والتدريس، له مؤلفات عدة منها: نبذة في العقيدة، توفي عام ١٤٢١ هـ\n(^٢) «العثيمين: تفسير الحجرات، الحديد، دار الثريا، الرياض، ط ١، ١٤٢٥ هـ. (٣١٥).\n(^٣) - السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٣٢٩\n(^٤) - السمعاني: الانتصار: ٨٣","vol":"1","page":141},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-57>المبحث الثاني: توحيد الألوهية</span>\nالمطلب الأول: تعريف الألوهية في اللغة والاصطلاح\nالمطلب الثاني: تعريف العبادة وأنواعها\nالمطلب الثالث: أدلة استحقاق الألوهية لله تعالى\nالمطلب الرابع: نواقض توحيد الألوهية\nالمطلب الخامس: شروط كلمة التوحيد\nالمطلب السادس: مسائل في توحيد الألوهية","vol":"1","page":142},{"text":"المبحث الثاني: توحيد الألوهية:\n\nتوحيد الألوهية، هو التوحيد الذي جاءت به الرسل، وأنزلت به الكتب، وصار بسببه الصراع بين الرسل وأقوامهم، ولذا فالقرآن أولاه عناية خاصة؛ فلا تكاد تقرأ في صفحة من صفحاته إلا ويقع بصرك على معنى من معانيه، ومقصد من مقاصده، مما يُبين لك أهمية هذا النوع من التوحيد، الذي هو لب التشريعات، وخلاصة الرسالات في الأديان كلها، وكل الشرائع ترجع في مجملها إلى هذا المعنى الذي أشار الله تعالى إليه بقوله: (إياك نعبد وإياك نستعين) (الفاتحة ٤).\nولما كان هذا النوع بهذه الأهمية، أولاه السمعاني عناية فائقة، وقد ظهر اهتمامه بهذا النوع من التوحيد من عدة جهات:\n١ - تحرير المعنى الصحيح لهذا النوع من التوحيد، وتتبع مظانه في النصوص الشرعية.\n٢ - البيان الشافي لاهتمام القرآن بذكر مفردات العبادة وأنواعها وما يتعلق بها، فأشار القرآن إلى جملة من العبادات؛ كالدعاء، والسجود، والركوع، والذكر، وغيرها.\n٣ - تتبع النصوص الدالة على استحقاق الله تعالى للألوهية، وتقريرها من عدة جهات.\n٤ - ذكر شروط كلمة التوحيد ونواقضها.\n٥ - الإشارة إلى بعض النصوص التي يتوهم تعارضها مع هذا الأصل العظيم، وإزالة الإشكالات الاردة على الذهن منها.\nوتميز بحث السمعاني لهذه المسائل بالدقة والتحري، وإيراد المسائل، وحشد الدلائل لكل مسألة، مما يزيد الأمر وضوحا وبيانا.","vol":"1","page":143},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-58>المطلب الأول: تعريف توحيد الألوهية في اللغة والاصطلاح:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-59>المسألة الأولى: تعريف توحيد الألوهية في اللغة:</span>\nأشار السمعاني إلى خلاف في لفظ (الله) هل هو مشتق أم لا؟\nوذكر في ذلك قولين:\nالأول: أنه اسم علم خاص لله تعالى، لا اشتقاق له، وهو كأسماء الأعلام للعباد، مثل: زيد، وعمرو، ونحوه. وهو اختيار القفال الشاشي، وجماعة من أهل العلم\nوالثاني: أنه اسم مشتق.\nثم ذكر الخلاف في وجه الاشتقاق، فقال: \" وفي موضع الاشتقاق قولان:\nأحدهما: أنه مشتق من قولهم: أله إلاهة، أي: عبد عبادة. وقرأ ابن عباس: \" ويذرك وإلاهتك \" أي: عبادتك. ويُقال للناسك المتعبد متأله، ومنه قول القائل: (سبحن واسترجعن من تألهي) أي: تعبدي، فيكون معناه: أنه المستحق للعبادة، إليه توجه كل العبادات، وأنه المعبود فلا يعبد غيره.\nوقيل: الإله من يكون خالقًا للخلق، رازقًا لهم، مدبرًا لأمورهم، مقتدرًا عليهم.\nوالثاني: أن الله، أصله إله، وأصل الإله: ولاه، إلا أن الواو أبدلت بالهمزة، كقولهم: وشاح وإشاح، واشتقاقه من الوله، وكأن العباد يولهون الله، ويفزعون إليه، ويتضرعون، ويلجؤون إليه في الشدائد \" (^١).\nوهذه المسألة بناء ما ذكر الإمام السمعاني، هي موطن نزاع عند العلماء، ولكن يُشار هنا إلى بعض الأمور:\n١ - أن النقل عن العلماء في هذه المسألة مختلف فيه، فبعضهم يقول: إن المنقول عن الأكثرين هو القول الأول، وهو أنه غير مشتق (^٢)، وبعضهم يعكس، فيقول: إن الأكثرين على القول الثاني، وهو أنه مشتق (^٣). وبعد أن نقل الزركشي (^٤) ان الأكثرين على أنه اسم علم جامد، قال بعد ذلك: \" وعلى هذا لا يمتنع أن يكون الله مشتقًا من الألوهية، وهو المذهب الذي عليه الأكثر \" (^٥).\n٢ - أن لكل قول احتجاجاته وأدلته في ترجيح ما يذهب إليه، إلا أن القول الراجح في هذه المسألة، أن اسم الله تعالى، مشتق، ولا يلزم على القول بالاشتقاق ما ذهب إليه أصحاب القول الأول؛ لأنهم قالوا:\n_________\n(^١) «السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٣٢\n(^٢) «الزركشي: معنى لا إله إلا الله، دار الاعتصام، القاهرة، ط ٣، ١٤٠٥ هـ (١٠٦)\n(^٣) «ابن الملقن: الإعلام بفوائد عمدة الأحكام، دار العاصمة، الرياض، ط ١، ١٤١٧ هـ (١/ ٨٧)\n(^٤) «الزركشي: محمد بن بهادر، (٧٤٥ هـ - ٧٩٤ هـ)، عالم بفقه الشافعية والأصول، تركي الأصل، مصري المولد والوفاة، له تصانيف كثيرة منها: البحر المحيط في الأصول، والمنثور في الأصول. الزركلي: الأعلام: ٦/ ٦١\n(^٥) «الزركشي: معنى لا إله إلا الله: ١١٠","vol":"1","page":144},{"text":"١ - ولو كان مشتقًا لكان له سمي، ﷾، والله يقول: \" هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (٦٥) \" (مريم ٦٥)، والمشركون سموا أصنامهم آلهة.\nولكن يُقال: هذا ليس بلازم؛ لأن الذي سمى به المشركون أصنامهم، هو ما حكاه الله تعالى بقوله: \" قَالُوا يَامُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ \" (الأعراف ١٣٨)، وقال: \" فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ (٨٨) \" (طه ٨٨). وأما اسم الله، فلام التعريف اللازمة عوض عن الهمزة، فلم يُسمَّ به غير الله.\nوقوله تعالى: \" هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (٦٥) \" (مريم ٦٥)، أي هل تعلم شيئًا يُسمى الله غيره، أو هل تعلم له نظيرًا في الخلق، ووجوب الإلهية (^١). ولذا قال ابن كثير: \" في الاستدلال بهذه الآية على كون هذا الاسم جامدًا غير مشتق نظر \" (^٢).\n٢ - وقالوا: إن الاشتقاق يستلزم مادة يُشتق منها، واسمه تعالى قديم، والقديم لا مادة له، فيستحيل الاشتقاق.\nوهنا يُقال: \" ولاريب أنه إن أُريد بالاشتقاق هذا المعنى، وأنه مستمد من أصل آخر، فهو باطل، ولكن الذين قالوا بالاشتقاق، لم يريدوا هذا المعنى، ولا ألَمَّ بقلوبهم، وإنما أرادوا أنه دال على صفة له تعالى، وهي الإلهية، كسائر أسمائه الحسنى، كالعليم، والقدير، والغفور، والرحيم، والسميع، والبصير، فإن هذه الأسماء مشتقة من مصادرها، بلا ريب، وهي قديمة، والقديم لا مادة له. فما كان جوابكم عن هذه الأسماء، فهو جواب القائلين باشتقاق اسم الله \" (^٣).\n_________\n(^١) «الزركشي: معنى لا إله إلا الله: ١٠٦\n(^٢) «ابن كثير: تفسير القرآن العظيم: ١/ ١٢٤\n(^٣) «ابن القيم: بدائع الفوائد، دار الكتاب العربي، بيروت، (١/ ٢٢)","vol":"1","page":145},{"text":"وقد رد الإمام الطبري على من ذهب إلى عدم الاشتقاق، فقال: \" فإن قال لنا قائل: فهل لذلك في \" فعل ويفعل \" أصل كان منه بناء هذا الاسم؟ قيل: أما سماعًا من العرب فلا، ولكن استدلالًا. فإن قال: وما دَلَّ على أن الألوهية هي العبادة، وأن الإله هو المعبود، وأن له أصلًا في \" فعل ويفعل \"؟ قيل: لا تمانع بين العرب في الحكم، لقول القائل يصف رجلًا بعبادة، وبطلب مما عند الله جل ذكره \" تأله فلان \"، بالصحة ولا خلاف. ومن ذلك قول رؤبة بن الحجاج:\nلله در الغانيات المُدَّهِ ... سبَّحن واسترجعن من تألهي\nيعني: من تعبدي، وطلبي الله بعملي. ولا شك في أن التأله: التفعل من: أله يأله، وأن معنى أله: إذا نطق به: عَبَدَ الله - وقد جاء منه مصدر، يدل على أن العرب قد نطقت منه بفعل يفعل، بغير زيادة \". (^١)\n٣ - أن أدلة القائلين بالاشتقاق مؤيدة بالنصوص، منها:\nأ - قوله تعالى: \" وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ \" (الأنعام ٣)، أي: المعبود في السموات والارض، كما قال تعالى: \" وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ \" الزخرف ٨٤، (^٢) يقول السمعاني: \" قال ابن الانباري: معناه: هو الله المعبود في السماوات وفي الارض \" (^٣).\nوقال في معنى الآية الأخرى: \" وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ \" (الزخرف ٨٤): \" أي: معبود في السماء والأرض \" (^٤).\nب - ما ورد عن ابن عباس ﵄ أنه قرأ \" ويذرك وإلاهتك \" فقال: عبادتك (^٥)، ففسرها بالعبادة، ولذا فسَّر ابن عباس معنى لفظ الجلالة (الله): ذو الألوهية والعبودية على خلقه أجمين (^٦).\n_________\n(^١) «الطبري: جامع البيان: ١/ ١٢٣، وقد أطال السمين الحلبي في تفسيره إيراد الاشتقاقات والردود عليها: الدر المصون: ١/ ٢٤\n(^٢) «ابن كثير: تفسير القرآن العظيم: ١/ ١٢٣\n(^٣) «السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٨٧\n(^٤) «السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ١١٩\n(^٥) «الطبري: جامع البيان: ١/ ١٢٣\n(^٦) «الطبري: جامع البيان: ١/ ١٢٣","vol":"1","page":146},{"text":"وكذا ورد عن مجاهد في تفسيره، قال: \" وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ \": ويذرك وعبادتك \" (^١)\nوذكر السمعاني قراءة عن ابن عباس، ثم قال:\" والمعروف:\" وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ \"،\nقال سليمان التيمي: وكان فرعون يعبد البقر ... \" (^٢).\nلكن لا مانع إن صحت القراءة عن ابن عباس، أن تكون تفسيرًا للآية، مؤيدة للقول بالاشتقاق.\n- مع أنه نقل عن بعض العلماء أنه قال: \" الصحيح عندي: أنه كان مشتقًا، ثم صار علمًا، وهذا جمع بين القولين \". (^٣)\n٤ - أن اشتقاق لفظ الجلالة (الله): من أله يأله إلاهة، بمعنى: عبد عبادة، فيكون هو المستحق للعبادة دون غيره، هو أقرب الأوجه في الاشتقاق.\nومن أوجه الاشتقاق التي ذُكرت (^٤):\nأ - من وَلَه إذا تحيَّر، فالله تعالى تتحير أولو الألباب والفكر في حقائق صفاته.\nب - من ألهت إلى فلان، أي سكنت إليه، فالعقول لا تسكن إلا إلى ذكره تعالى، ولا تفرح إلا بمعرفته.\nج - من لاه يلوه، إذا احتجب.\nد - من أله الفصيل، إذا ولع بأمه، والمعنى: أن العباد مألوهون مولوعون بالتضرع إليه في كل الأحوال.\nهـ - من أله الرجل يأله، إذا فزع من أمر نزل به فألهه، أي أجاره، فالمجير لجميع الخلائق من كل المضار، هو الله ﷾.\n٥ - ذكر الماوردي خلافًا بين العلماء: هل اشتق اسم الإله من فعل العبادة، أو من استحقاقها، على قولين: (^٥)\nأحدهما: أنه مشتق من فعل العبادة، فعلى هذا، لا يكون ذلك صفة لازمة قديمة لذاته، لحدوث عبادته بعد خلقه، ومن قال بهذا، منع من أن يكون الله تعالى إلهًا لم يزل؛ لأنه قد كان قبل خلقه غير معبود.\n_________\n(^١) «مجاهد: تفسير مجاهد: (٣٤١)\n(^٢) «السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٢٠٦\n(^٣) «ابن الملقن: الإعلام بفوائد عمدة الأحكام: ١/ ٨٧\n(^٤) «الثعلبي: الكشف والبيان: ١/ ٩٦، القرطبي: الجامع لأحكام القرآن: ١/ ١٠٢،\nابن الملقن: الإعلام: ١/ ٨٨، ابن كثير: تفسير القرآن العظيم: ١/ ١٢٣\n(^٥) «الماوردي: النكت والعيون: ١/ ٥١","vol":"1","page":147},{"text":"والقول الثاني: أنه مشتق من استحقاق العبادة، فعلى هذا يكون صفة لازمة لذاته؛ لأنه لم يزل مستحقًا للعبادة، فلم يزل إلهًا، وهذا أصح القولين؛ لأنه لو كان مشتقًا من فعل العبادة لا من استحقاقها، للزم تسمية عيسى ﵇ إلهًا، لعبادة النصارى له، وتسمية الأصنام آلهة، لعبادة أهلها لها، وفي بطلان هذا، دليل على اشتقاقه عن استحقاق العبادة،\nلا من فعلها. فصار قولنا (إله) على هذا القول، صفة من صفات الذات، وعلى القول الأول من صفات الفعل. (^١)\n٦ - نبه الإمام ابن القيم إلى أن النزاع في الإله، هو نزاع في الاشتقاق لا في المعنى، فقال: \"فإن جميع أهل الأرض، علماءهم، وجهلاءهم، ومن يعرف الاشتقاق ومن لا يعرفه، وعربهم وعجمهم، يعلمون أن (الله) اسم لرب العالمين، خالق السموات والأرض، الذي يحيي ويميت، وهو رب كل شيء ومليكه، فهم لا يختلفون في أن هذا الاسم يراد به هذا المسمى، وهو أظهر عندهم، وأعرف، وأشهر من كل اسم وُضع كل مسمى، وإن كان الناس متنازعين في اشتقاقه، فليس ذلك بنزاع منهم في معناه \" (^٢).\n_________\n(^١) «وانظر: العز بن عبدالسلام: تفسير القرآن: دار ابن حزم، بيروت، ط ١، ١٤١٦ هـ، (١/ ٨٨)\n(^٢) «الموصلي: محمد بن محمد: مختصر الصواعق المرسلة: دار الحديث، القاهرة، ط ١،١٤٢٢ هـ (١٠٢)","vol":"1","page":148},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-60>المسألة الثانية: تعريف توحيد الألوهية في الاصطلاح:</span>\nلقد قرَّر القرآن الكريم في سوره وآياته، هذا النوع من التوحيد، وبيَّن لنا قصة الصراع الطويلة بين الأنبياء وأممهم، وبيَّن لنا العناد والاستكبار الذي كان عليه أعداء الرسالات. ومما هو معلوم أن الأنبياء لم يبعثهم الله تعالى للدعوة إلى توحيد الربوبية، ولو كان كذلك لما جرى الصراع، ولما تعرَّض بعض الأنبياء للقتل، وبعضهم للأذى، وبعضهم للطرد، فإنهم جميعًا كانوا يقرون بربوبية الله تعالى، كما بينا في أول البحث، أن القلوب مفطورة على التوحيد، ولذا بيَّنا أن طريقة القرآن المعهودة إلزام المشركين بما ينكرون على مايقرون، فهم يقرون بتوحيد الربوبية ولذا لزمهم صرف العبادة لمن بيده الضر والنفع، يقول المقريزي عن هذا النوع من التوحيد: \" وهو الذي كان ينكره المشركون، ويحتج الرب ﷾ عليهم بتوحيدهم ربوبيته، على توحيد ألوهيته، كما قال تعالى: \" قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ\nوَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ (٥٩) أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ (٦٠) \" (النمل ٥٩ - ٦٠)، وكلما ذكر تعالى من آياته جملة من الجمل، قال عقبها: \" أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ \"، فأبان ﷾ بذلك، أن المشركين إنما كانوا يتوقفون في إثبات توحيد الإلهية لا الربوبية، على أن منهم من أشرك في الربوبية. وبالجملة فهو تعالى يحتج على منكري الإلهية، بإثباتهم الربوبية \" (^١).\n_________\n(^١) «المقريزي: تجريد التوحيد المفيد: الجامعة الإسلامية، المدينة المنوة، ١٤٠٩ هـ (٨ - ٩)","vol":"1","page":149},{"text":"وتوحيد الألوهية: هو توحيد العبادة، وهو المروي عن ابن عباس ﵄، يقول الله تعالى: \" وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) \" (الذاريات ٥٦)، قال ابن عباس: إلا ليقروا بالعبودية طوعًا وكرهًا، ورجح هذا القول الطبري في تفسيره، وقال: \" وأولى القولين بالصواب، القول الذي ذكرنا عن ابن عباس، وهو: ما خلقت الجن والإنس إلا لعبادتنا، والتذلل لأمرنا \" (^١).\nوذهب السمعاني إلى أن هذه الآية، من العام الذي أريد به الخاص، وأن المخاطب بها المؤمنون، ونقله عن الضحاك واختاره (^٢). وقد نقل عن ابن عباس: كل ما ورد في القرآن من العبادة، فهو بمعنى التوحيد (^٣)، فدل على أن التوحيد الذي أُمر به، ودُعِي إليه، هو توحيد العبادة؛ لأنه لم يبق بعد اعترافهم بالخالقية، إلا العبادة، ولذا قال تعالى: \" يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) \" (البقرة ٢١): فقوله: (اعبدوا) بمعنى: وحدوا الله الذي خلقكم، وإنما خاطبهم به؛ لأن الكفار مقرون أن الله خالقهم، (والذين من قبلكم) أي: وخلق الذين من قبلكم. فإن قيل: أي فائدة من قوله (والذين من قبلكم)، فإن من عرف أن الله خالقه، فقد عرف أنه خالق غيره من قبله؟ قيل: فائدته المبالغة في البيان، أو يقال: فائدته المبالغة في الدعوة، يعني: إذا كان الله خالقكم، وخالق من قبلكم، فلا تعبدوا إلا إياه \" (^٤).\n_________\n(^١) «الطبري: جامع البيان: ٢٢/ ٤٤٥\n(^٢) «السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٢٦٤\n(^٣) «السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٥٦\n(^٤) «السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٥٦","vol":"1","page":150},{"text":"وبعد أن ذكر الله جل وعلا دلائل ربوبيته، ألزمهم بتوحيده في عبادته فقال: \" الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِيمِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢) \" (البقرة ٢٢)، قوله: \" وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ \": أي: فلا تعبدوا غيره، وأنتم تعلمون أنه خالقكم، وخالق السموات والأرض \" (^١).\nإذن: الإله في الشرع بمعنى: المعبود، المألوه، قال السمعاني في قوله تعالى: \" مَالَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ \" (الأعراف ٥٩): \" أي: مالكم من معبود غيره \" (^٢)، يقول الإمام ابن تيمية: \" والإله: هو الذي يستحق أن تألهه القلوب بالحب والتعظيم، والإجلال والإكرام، والخوف والرجاء، فهو بمعنى المألوه وهو المعبود الذي يستحق أن يكون كذلك \" (^٣). ويقول: \" فإن الإله: هو المألوه، والمألوه هو الذي يستحق أن يُعبد، وكونه يستحق أن يعبد، هو بما اتصف به من الصفات التي تستلزم أن يكون هو المحبوب غاية الحب، المخضوع له غاية الخضوع، والعبادة تتضمن غاية الحب بغاية الذل \" (^٤)\nوقد تتبع السمعاني الآيات الواردة في هذا النوع من التوحيد، فأشار إليها وبينها:\n١ - ففسر العبادة بالتوحيد في قوله تعالى: \" وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّانُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥) \" (الأنبياء ٢٥): أي: وَحِّدون (^٥).\nوقوله تعالى: \" فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ (٢) \" (الزمر ٢): الإخلاص هو التوحيد \" (^٦).\n_________\n(^١) «السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٥٨\n(^٢) «السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٤٣٨\n(^٣) «ابن تيمية: درء تعارض العقل والنقل: ٩/ ٣٧٧\n(^٤) «ابن تيمية: الفتاوى الكبرى، دار الكتب العلمية، ١٤٠٨ هـ، (٥/ ٢٢٧)\n(^٥) «السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٣٧٥\n(^٦) «السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٤٥٧","vol":"1","page":151},{"text":"٢ - وفَسَّر كلمة التوحيد بالعبادة، في قوله تعالى: \" اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢) \" (آل عمران ٢)، قال: \" لا إله إلا هو \": \" لا معبود سواه \" (^١)، وفي قوله تعالى: \" إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي \" (طه ١٤)، قال: \" أي: لا أحد يستحق العبادة سواي \" (^٢).\n٣ - وفَسَّر بها مضمون دعوة الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام، كما في قوله تعالى: \" وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ \" (المؤمنون ٢٣)، قال: أي: \" وحدوا الله\" (^٣)، وقال هود ﵇ لقومه: \" قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ \" (هود ٥٠): أي: \" وحدوا الله \" (^٤). وكذا قال صالح ﵇ لقومه: \" قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ \" (هود ٦١): أي: \" وحدوا الله \" (^٥).\nوكانت هذه دعوة كل الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - كما قال جل وعلا: \" وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ \" (النحل ٣٦)،: \" أي: وحدوا الله، واجتنبوا الطاغوت \" (^٦).\n٤ - وفَسَّر الأمر بالعبادة لكل الناس، بتوحيد الله تعالى، والالتزام بشرعه، قال تعالى: \" يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) \" (البقرة ٢١): \" (اعبدوا) أي؛ وحدوا \" (^٧).\nولذا ذكر القاعدة الكلية العامة في القرآن، فقال: \" وقد قيل: إن قوله: \" اعبدوا الله \" أي: وحدوا الله، وكل عبادة في القرآن بمعنى التوحيد \" (^٨).\n_________\n(^١) «السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٢٩١\n(^٢) «السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٣٢٣\n(^٣) «السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٤٧١\n(^٤) «السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٤٣٥\n(^٥) «السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٤٣٨ - ٤/ ١٠٣\n(^٦) «السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ١٧٢\n(^٧) «السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٥٦\n(^٨) «السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ١٧٣","vol":"1","page":152},{"text":"٥ - وفسَّر الأمر بها، لخاصة المؤمنين، كما في قوله تعالى: \" يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧) \" (الحج ٧٧)، يقول: \"وأعبدوا ربكم \": أي وحدوا ربكم \" (^١).\n٦ - وأشار إلى أن هذا النوع من التوحيد، هو الغاية الذي بعث الله تعالى لأجله الرسل، فقال: \" وقوله: \" أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ (٣) \" (نوح ٣)، وهذا هو الذي بعث الله لأجله الرسل، فإن الله تعالى ما بعث رسولًا إلا ليعبدوه، ويتقوه، ويطيعوا رسوله \" (^٢)، وفي هذا يقول الإمام ابن تيمية: \" وليس المراد بالإله، هو القادر على الاختراع، كما ظنه من ظنه من أئمة المتكلمين، حيث ظن أن الإلهية هي القدرة على الاختراع، وأن من أقر بأن الله هو القادر على الاختراع دون غيره، فقد شهد أنه لا إله إلى هو، فإن المشركين كانوا يقرون بهذا وهم مشركون ... بل الإله الحق هو الذي يُستحق أن يُعبد، فهو إله بمعنى مألوه، لا إله بمعنى آلِه. والتوحيد: أن يُعبد الله وحده لاشريك له، والإشراك أن يجعل مع الله إلهًا آخر\" (^٣).\nولا يكون التوحيد إلا مع الإخلاص، كما قال جلَّ وعلا: \" فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (١٤) \" (غافر ١٤)، يقول السمعاني: \"أي مخلصين له التوحيد، ومعناه: وحدوا الله، ولا تُشركوا به شيئًا \" (^٤)\n٧ - وقد ذكر الإمام السمعاني، أن كلمة التوحيد، فيها ثناء بالغ، فقال: \" قوله تعالى:\" اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ \"، ذكره مبالغة في الثناء، وهو مثل قولهم: لا كريم إلا فلان، أبلغ من قولهم: فلان كريم \" (^٥).\n_________\n(^١) «السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٤٥٧\n(^٢) «السمعاني: تفسير القرآن: ٦/ ٥٣\n(^٣) «ابن تيمية: التدمرية: مكتبة العبيكان، الرياض، ط ٦، ١٤٢١ هـ، (١٨٥)\n(^٤) «السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ١٠\n(^٥) «السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٢٥٧","vol":"1","page":153},{"text":"ـ فهذا النوع من التوحيد، يقصد إلى إفراد الله جل وعلا، في عبادته، في السر والعلن، وبالقلب والجوارح، فلا يخضع، ولايذل، ولا يرجو، ولايخاف خوف عبادة إلا من الله جل وعلا.\nوهذا التوحيد يُعبِّر عن تمام القصد، وتمام الحاجة، وتمام الفقر والطلب من الله الغني الحميد، فلا يكون قصد القلب، ولا استعانته، ولا توكله إلا على الله تعالى، ولا تسجد هذه الجوارح، ولا تخضع إلا لله تعالى، ولا يكون طلب الحاجات، وتفريج الكربات إلا من الله جل في علاه.\nوأما المتكلمون الذين جعلوا من لفظ الإله صفة فعلية، بنوا عليها مذهبهم في حقيقة الإله، فقالوا: هو القادر على الاختراع، فهذا القول مخالف للمشهور المعلوم، وجوابه من وجهين:\n١ - أن هذا القول مبتدع لا يعرف أحد قاله من العلماء، ولا من أئمة اللغة.\n٢ - على تقدير تسليمه، فهو تفسير باللازم للإله الحق، فإن اللازم له أن يكون خالقًا قادرًا على الاختراع، ومتى لم يكن كذلك فليس بإله، وإن سُمِّي إلهًا، وليس مراده أن من عرف أن الإله هو القادر على الاختراع، فقد دخل في الإسلام وأتي بتحقيق المرام من مفتاح دار السلام، فإن هذا لا يقوله أحد؛ لأنه يستلزم أن يكون كفار العرب مسلمين. ولو قُدِّر أن بعض المتأخرين أرادوا ذلك، فهو مخطئ، يُرد عليه بالدلائل السمعية والعقلية. (^١)\n_________\n(^١) «سليمان بن عبدالوهاب: تيسير العزيز الحميد، المكتب الإسلامي، بيروت، ط ١،١٤٢٣ هـ (٥٩)","vol":"1","page":154},{"text":"وبهذا يقرر السمعاني ما جاء به القرآن على ألسنة الرسل عليهم الصلاة والسلام، من أن دعوة القرآن متسقة مع دعوات الأنبياء لأقوامهم، إنما جاءوا لتوحيد الله تعالى في إلهيته، فقال تعالى مع أول الرسل: (ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه إني لكم نذير مبين ألا تعبدوا إلا الله إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم)، قال السمعاني: معناه: آمركم ألا تعبدوا إلا إياه، والعبادة التوحيد، وإنما بدأ به؛ لأنه من أهم الأمور (^١)، وهذا هو دين الأنبياء جميعا، يقول السمعاني: واعلم أن الشرائع مختلفة، ولكل قوم شريعة ... وأما الدين في الكل واحد، وهو التوحيد (^٢).\nوالمتتبع دعوات الأنبياء جميعا، يجد أنهم كانوا على مسار واحد في النوع، كما قال ورقة بن نوفل للنبي ﷺ حين كلمته خديجة: هذا النتموس الذي جاء موسى، وهو ما يسميه شيخ الإسلام بالمسلك النوعي الذي يجمع دعوات الرسل. ولذا أمر الله تعالى أنبياءه ورسله بالثبات على التوحيد، فقال سبحانه: (شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا ... أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه)، يقول السمعاني: أي: اثبتوا على التوحيد (^٣)، وقال لنبيه ﷺ: (ولا تكونن من المشركين)، يقول السمعاني: أي: اثبت على التوحيد (^٤).\nوهذه المسائل الكبرى مما لايصح فيها الاختلاف، حتى قال السمعاني عن الاختلاف في التوحيد: من خالف أصله كان كافرا، وعلى المسلمين مفارقته والتبرء منه؛ وذلك لأن أدلة التوحيد كثيرة ظاهرة متواترة، قد طبقت العالم وعمَّ وجودها في كل مصنوع، فلم يُعذر أحد بالذهاب عنها (^٥).\n_________\n(^١) - السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٤٢٣\n(^٢) - السمعاني: مرجع سابق: ٢/ ٤٣\n(^٣) - السمعاني: مرجع سابق: ٥/ ٦٨\n(^٤) - السمعاني: مرجع سابق: ٤/ ١٦٣\n(^٥) - السمعاني: قواطع الأدلة: ٢/ ٣٠٨","vol":"1","page":155},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-61>المطلب الثاني: تعريف العبادة، وأنواعها:</span>\nما سقناه في هذا المطلب من مسائل ولطائف، تُدلل على اهتمام السمعاني بتتبع مواطن العبادة، التي هي أس التوحيد وأصله، فسبق أن معنى الإله: هو المعبود الحق، فقرر السمعاني هذه المسائل تقريرا مستفيضا، وهو بهذا يُقرر قضيتين، ويُوجه فرقتين، ويَرد على طائفتين، ويُؤصل لقاعدتين، ويُقدم توجيهين:\nفالقضيتان:\n١ - أن الأعمال ركن في الإيمان، وهو ما ذكره كذلك تقريرا في مسائل الإيمان.\n٢ - أن الأعمال سبب للنجاة في الاخرة، إذا استكملت شرائطها.\nوالفرقتان:\n١ - الغالية التي خرجت عن الإسلام الوسطي المعتدل.\n٢ - الجافية التي تركت العمل، وركنت إلى رحمة الله ﷿.\nوالطائفتان:\n١ - الخوارج الذين كفروا الناس بترك آحاد العمل.\n٢ - المرجئة الذين لم يُخرجوا أحدا من الإيمان مع تركهم جنس العمل.\nوالقاعدتان:\n١ - أن العبادات توقيفية، فليس لأحد أن يُشرع شيئا لم يأذن به الله تعالى، أو يستحسن أمرا لم يرد به الشرع.\n٢ - أن صحة العبادة مبني على الإخلاص والمتابعة.\nوالتوجيهان:\n١ - أن المرء لا بد أن يسير في حياته إلى ربه بين جناحي الخوف والرجاء.\n٢ - أن ينوع المرء بين الطاعات حتى لا يقع في الملل، وألا يميل إلى الترهبن وترك المباحات تعبدا، وألا ينقطع عن الدنيا تماما.\nوهو بهذا يجمع شتات الموضوع، ويسدل الستار على قضاياه ومسائله، بعد البحث والتحري والتقصي والتأصيل والتقعيد، ويُشير إلى التوازن الذي ينبغي أن يكون عليه المرء في حياته.","vol":"1","page":156},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-62>المسألة الأولى: تعريف العبادة في اللغة والاصطلاح:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-63>١ - العبادة في اللغة:</span>\nالعبادة في اللغة هي: الطاعة مع الخضوع، ويُقال: طريق مُعبَّد، إذا كان مذللًا بكثرة الوطء، وتعبيد مُعبَّد إذا كان مطليًا بالقطران (^١). وفي هذا يقول السمعاني:\n\" والعبادة: هي الطاعة مع التذلل والخضوع، يقال: طريق مُعَّبد، أي: مذلل \" (^٢). وفي المخصص (^٣): \" ومنه أُخذ العبد؛ لذلته لمولاه، والعبادة الخضوع، والتذلل، والاستكانة، قرائب في المعاني ... وكل خضوع ليس فوقه خضوع فهو عبادة، طاعة كان للمعبود أو غير طاعة.\nوكل طاعة لله على جهة الخضوع والتذلل، فهي عبادة، والعبادة نوع من الخضوع، لا يستحقه إلا المنعم بأعلى أجناس النعم، كالحياة، والفهم، والسمع، والبصر، والشكر، والعبادة لا تستحق إلا بالنعمة؛ لأن العبادة تنفرد بأعلى أجناس النعم؛ لأن أقل القليل من العبادة، يكبُر عن أن يستحقه، إلا من كان له أعلى جنس من النعمة، إلا الله سبحانه، فلذلك لا يستحق العبادة إلا الله \".\nويُقال: النسك، وهي العبادة، ومنه يُقال للعابد: ناسك (^٤). يقول الأزهري (^٥): \" والنسك: العبادة، والناسك: العابد الذي يخلص عبادة الله، ولا يُشرك به \" (^٦). وقيل لثعلب (^٧): هل يُسمَّى الصوم نسكًا؟ فقال: كل حق لله ﷿، يُسمى نُسكًا (^٨). قال أهل اللغة:\n_________\n(^١) «الأزهري: تهذيب اللغة، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط ١، ٢٠٠١ م، (٢/ ١٣٨)\n(^٢) «السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٣٧\n(^٣) «ابن سيده: المخصص: دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط ١، ١٤١٧ هـ (٤/ ٦٢)\n(^٤) «السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ١٤٠\n(^٥) «الأزهري: محمد بن أحمد، (٢٨٢ هـ - ت ٣٧٠ هـ) أحد الأئمة في اللغة والأدب، مولده ووفاته في هراة بخراسان، نسبته إلى جده الأزهر، من تصانيفه: تهذيب اللغة، وتفسير القرآن: الزركلي: الأعلام: ٥/ ٣١١\n(^٦) «الأزهري: الزاهر في غريب ألفاظ الشافعي، دار الطلائع، (٦١)\n(^٧) «ثعلب: أحمد بن يحيى، (٢٠٠ هـ-ت ٢٩١ هـ)، إمام الكوفيين في النحو واللغة، كان راوية للشعر، محدثًا، مشهورًا بالحفظ، وصدق اللهجة، ثقة، حجة، ولد ومات في بغداد، من كتبه: الفصيح، والمجالس. الزركلي: الأعلام: ١/ ٢٦٧\n(^٨) «ابن سيده: المحكم والمحيط الأعظم: دار الكتب العلمية، بيروت، ط ١، ١٤٢١ هـ (٦/ ٧٢٤)","vol":"1","page":157},{"text":"معنى نعبد: نخضع، ونذل، ونعترف بربوبيتك. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-64>٢ - العبادة في الاصطلاح:</span>\nعَرَّف الإمام السمعاني العبادة، بأنها الطاعة مقرونة بالتذلل والخضوع، وهو المراد في لغة العرب؛ لأن أصل العبودية الخضوع والتذلل (^٢)، فمعنى قوله تعالى: \" إِيَّاكَ نَعْبُدُ \" (الفاتحة ٥)، نعبدك خاضعين (^٣)؛ لأن الطاعة قد تأتي بمعنى الانقياد، كقوله تعالى: \" وَلَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ (٢٦) \" (الروم ٢٦)، فالقنوت هنا: الطاعة، وليس المراد بها طاعة العبادة، وإنما طاعة بمعنى الانقياد. (^٤)\nوقد فُرِّق بين العبادة والطاعة، من جهة الخضوع والإنعام، فالفرق: \" أن العبادة غاية الخضوع، ولا تستحق إلا بغاية الإنعام، ولهذا لا يجوز أن يعبد غير الله تعالى، ولاتكون العبادة إلا مع المعرفة بالمعبود. والطاعة فعل ذلك الواقع، على حسب ما أراده المريد، متى كان المريد أعلى رتبة ممن يفعل ذلك، وتكون للخالق والمخلوق، والعبادة لا تكون إلا للخالق. والطاعة في مجاز اللغة، تكون اتباع المدعو الداعي إلى ما دعاه إليه، وإن لم يقصد التبع، كالإنسان يكون مطيعًا للشيطان، وإن لم يقصد أن يطيعه، ولكنه اتبع دعاه وإراداته\" (^٥).\n_________\n(^١) «ابن الأنباري: الزاهر في معاني كلمات الناس، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط ١،١٤١٢ هـ (١/ ١٠٨)\n(^٢) - ابن منظور: لسان العرب: دار صادر، بيروت، ط ٣ - ١٤١٤ هـ (٣/ ٢٧١)\n(^٣) «السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٣٧، ٥/ ٣٠٥\n(^٤) «السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٢٠٦\n(^٥) «أبو هلال العسكري، الفروق اللغوية، دار العلم والثقافة للنشر، مصر، (٢٢١)","vol":"1","page":158},{"text":"وقد عَرَّف الإمام ابن تيمية العبادة، بمعناها الواسع الذي يشمل كل الدين، فقال: \" العبادة: هي اسم جامع كل ما يحبه الله ويرضاه، من الأقوال، والأعمال الباطنة والظاهرة \" (^١)، ولذا قال في مقام آخر: \" فإذا أمر بعبادة الله مطلقًا، دخل في عبادته كل ما أمر الله به، فالتوكل عليه مما أمر به، والاستعانة مما أمر به \" (^٢).\nوالعبادة في حقيقتها \" اسم يجمع كما الذل ونهايته، وكما الحب لله ونهايته، فالحب الخلي عن ذل، والذل الخلي عن حب، لا يكون عبادة، وإنما العبادة ما يجمع كمال الأمرين، ولهذا كانت العبادة لا تصلح إلا لله \" (^٣).\n\nوقيل في تعريف العبادة:\nـ \" هي الأفعال الواقعة على نهاية ما يمكن من التذلل والخضوع، والمجاوزة لتذلل بعض العباد لبعض \" (^٤)\nـ \" هو فعل المكلف على خِلاف هوى نفسه؛ تعظيمًا لربه \" (^٥).\nوقد ذكر أهل التفسير أن العبادة في القرآن على وجهين (^٦):\n١ - التوحيد، ومنه قوله تعالى: \" وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا \" (النساء ٣٦)، أي وحدوه، وكذلك كل ما ورد في دعاء الأنبياء قومهم.\n٢ - الطاعة، ومنه قوله تعالى: \" تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ (٦٣) \" (القصص ٦٣)\nوقد فَسَّر الإمام السمعاني العبادة بمعنى الطاعة، ففي قوله تعالى: \" وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ \" (العنكبوت ١٦). يقول: \" إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ \": أي: أطيعوا الله، واحذروا معصيته \" (^٧).\n_________\n(^١) «ابن تيمية: العبودية، المكتب الإسلامي، بيروت، ط ٧، ١٤٢٦ هـ (٤٤)\n(^٢) «ابن تيمية: الإيمان: (١٣١)\n(^٣) «ابن تيمية: أمراض القلوب وشفاؤها: (٤٤)\n(^٤) «ابن الجوزي: نزهة الأعين النواظر في علم الوجوه والنظائر، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط ٣، ١٤٠٧ هـ (٤٣١)\n(^٥) «الجرجاني: التعريفات، دار الكتب العلمية، بيروت، ط ١، ١٤٠٣ هـ (١٤٦)\n(^٦) «ابن الجوزي: نزهة الأعين النواظر: (٤٣١)\n(^٧) «السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ١٧٢","vol":"1","page":159},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-65>المسألة الثانية: أنواع العبادة وتفاضلها:</span>\nطَوَّف بنا السمعاني في تفسيره، وأثار عدة قضايا تتعلق بالعبودية.\nوالحديث في هذه المسألة ينتظم عدة أمور:\nأولًا: أن عبودية الله تعالى هي الحق، وما دونها الباطل، قال جل وعلا: \" وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا (٨١) \" (الإسراء ٨١): فالحق: عبادة الله تعالى، والباطل: عبادة الأصنام، وقد ثبت برواية ابن مسعود: \" أن النبي ﷺ دخل مكة، وحول الكعبة ثلاثمائة وستون صنمًا، فجعل يطعنها، ويقول: \" جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا \" (^١) (^٢)، والدين الحق إنما هو في تحقيق العبودية، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: \" وإنما الدين هو تحقيق العبودية لله بكل وجه، وهو تحقيق محبة الله بكل درجة، وبقدر تكميل العبودية، تكمل محبة العبد لربه، وتكمل محبة الرب لعبده، وبقدر نقص هذا، يكون نقص هذا \" (^٣). وهذا طريق العبودية، المتمثل في طاعة الله تعالى ورسوله ﵊، وهذه الطاعة متمثلة في الإسلام بتمامه، وهذا الإسلام متمثل في اتباع القرآن، واتباع القرآن متمثل في لزوم السنة والجماعة. (^٤)\n_________\n(^١) «السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٢٧١\n(^٢) «أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير، باب \" وقل جاء الحق وزهق الباطل \"،ح (٤٧٢٠)\n(^٣) «ابن تيمية: العبودية: ١٢٠\n(^٤) «ابن تيمية: المستدرك على مجموع الفتاوى: (١/ ٢١١) بتصرف.","vol":"1","page":160},{"text":"وهذه العبودية طريق السعادة، يقول الإمام ابن القيم: \"وكان شيخ الإسلام ابن تيمية ﵁ يقول: من أراد السعادة الأبدية، فليلزم عتبة العبودية، وقال بعض العارفين: لا طريق أقرب إلى الله من العبودية \" (^١). فعبادة الله تعالى، خير ما يحصله المرء ويسعى إليه، يقول تعالى: \" وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (١٦) \" (العنكبوت ١٦)، يقول الإمام السمعاني: \" ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (١٦) \": أي: عبادة الله وتقواه، خير لكم إن كنتم تعلمون \". (^٢)\nثانيًا: أن عبادة الله جل وعلا، والأمر بها، هي الميثاق الذي أخذه الله تعالى على النبيين - عليهم الصلاة والسلام ـ، قال تعالى: \" وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا (٧) \" (الأحزاب ٧)، يقول الإمام السمعاني: \" وأما معنى الميثاق، قال أهل التفسير: أخذ عليهم أن يعبدوا الله، ويدعوا إلى عبادة الله، ويصدق بعضهم بعضًا، وينصحوا الناس \" (^٣)، ذكر هذا مقاتل في تفسيره (^٤)، ويقول الإمام نصر السمرقندي: \" قوله تعالى: \" وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ \"، وهو الوحي الذي أوحى إليهم، أن يدعوا الخلق إلى عبادة الله ﷿، وأن يصدق بعضهم بعضًا \" (^٥)، وبذا فسَّر الميثاق الغليظ في تتمة الآية: \" وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا \" قال: عهدًا وثيقًا، أن يعبدوا الله تعالى، ويدلوا الخلق إلى عبادة الله ﷿، وأن يبشر كل واحد منهم بمن بعده \" (^٦).\nواختلف المفسرون في هذا الميثاق على قولين:\n_________\n(^١) «ابن القيم: مدارج السالكين: ١/ ٤٢٩\n(^٢) «السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ١٧٣\n(^٣) «السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٢٦١\n(^٤) «مقاتل: تفسير مقاتل: ٣/ ٤٧٥\n(^٥) «السمرقندي: بحر العلوم: ٣/ ٤٥\n(^٦) «السمرقندي: بحر العلوم: ٣/ ٤٦","vol":"1","page":161},{"text":"١ - فقيل: هو الميثاق الأول، حين أُخرجوا من ظهر آدم كالذر، قال أبي بن كعب: لما أخذ ميثاق الخلق خص النبيين بميثاق آخر (^١). وهو القول المنقول عن مجاهد (^٢).\n٢ - وقيل: هذا الميثاق والعهد الذي أُخذ عليهم بعد إرسالهم، فهو الميثاق بتبليغ الرسالة، والقيام بالشرائع (^٣). ورجحه ابن جزي وقال: \" لأنه هو المختص بالأنبياء \" (^٤).\nثالثًا: قررت الآيات القرآنية، أن الإنسان لا يستغني عن ربه طرفة عين، فهو بحاجة إليه جل وعلا. يقول الإمام أبو الحسن الأشعري: وأجمعوا على أن الإنسان غير غني عن ربه ﷿ في سائر أوقاته، وعلى الرغبة إليه في المعونة على سائر ما أمر به، ممتثلين لما أمرهم به في قوله تعالى: \" إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) \". (الفاتحة ٥)، فلم يفرق بين العبادة وبين الاستعانة \" (^٥).\n_________\n(^١) «الماوردي: النكت والعيون: ٤/ ٣٧٧، الواحدي: الوسيط في التفسير: ٣/ ٤٦٠، ابن كثير: تفسير القرآن العظيم: ٦/ ٣٨٣، الطبري: جامع البيان: ١٣/ ٢٣٨\n(^٢) «مجاهد: تفسير مجاهد: ٥٤٧\n(^٣) «ابن عطية: المحرر الوجيز: ٤/ ٣٧١\n(^٤) «ابن جزي: التسهيل لعلوم التنزيل: ٢/ ١٤٢\n(^٥) «الأشعري: رسالة إلى أهل الثغر: عمادة البحث العلمي بالجامعة الإسلامية، المدينة المنورة، ١٤١٣ هـ، (١٤٦).","vol":"1","page":162},{"text":"والسبيل الموصل إليه طاعته وعبادته، ولذا أمر الله تعالى أن يديم الطاعة، ويستمر على العبادة، حتى يلقى الله تعالى بها، كما قال تعالى: \" يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ (١٠٢) \" (آل عمران ١٠٢)، يقول الإمام السمعاني: \" معناه: داوموا على الإسلام، حتى إذا وافاكم الموت، الفاكم على الإسلام \" (^١)، ويُؤيده ويعضده قوله جل في علاه: \" وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (٩٩) \" (الحجر ٩٩)، يقول الإمام السمعاني: \" أي الموت، فإن قال قائل: أما كان يكفي قوله: \" وَاعْبُدْ رَبَّكَ \"، فما فائدة قوله: \" حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ \"؟ قلنا: لو اقتصر على قوله: \" وَاعْبُدْ رَبَّكَ \" لكان إذا عبد مرة، خرج عن موجب الأمر، فقال: \" حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ \"؛ ليدوم عليها إلى أن يموت \" (^٢)\nوهذا فيه رد على طوائف غلت في العبادة إفراطًا وتفريطًا، فأصبحوا طرفي نقيض، وأهل السنة وسط بينهم بين الغالي والجافي، وبين المتنطع والمضيع، وبين المبتدع والمشرع والمتبع، وكما جاء في الأثر: (خير الأمور أوساطها، والحسنة بين السيئتين)، يعني: أن الغلو في العبادة سيئة، والتقصير سيئة، والاقتصاد بينهما حسنة (^٣).\nوقد عَرَّف السمعاني الغلو فقال: \" الغلو: مجاوزة الحد، وهو مذموم، وكذلك التقصير، ودين الله بين الغلو والتقصير \" (^٤).\nوقد ذكر العلماء أخبارًا عن أقوام لَبَّس عليهم الشيطان، حتى أضلهم عن الصراط المستقيم، وأخرجهم عن الطريق القويم.\n_________\n(^١) «السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ١٤٢ - ١/ ١٤٥\n(^٢) «السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ١٥٦\n(^٣) «القاسم بن سلام: غريب الحديث: مطبعة دائرة المعارف العثمانية، حيد آباد، ط ١، ١٣٨٤ هـ، (٤/ ٣٨٨)\n(^٤) «السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٥٦","vol":"1","page":163},{"text":"يقول الإمام أبو الحسن الأشعري: \" وفي النُسَّاك قوم يزعمون أن العبادة تبلغ بهم إلى منزلة تزول عنهم العبادات، وتكون الأشياء المحظورات على غيرهم، من الزنا وغيره، مباحات لهم. وفيهم من يزعم أن العبادة تبلغ بهم أن يروا الله سبحانه، ويأكلوا من ثمار الجنة، ويعانقوا الحور العين في الدنيا، ويحاربوا الشياطين. ومنهم من يزعم أن العبادة، تبلغ بهم إلى أن يكونوا أفضل من النبيين والملائكة المقربين \" (^١).\nونُقِلَ عن الباطنية زعمهم: \" أن من عرف معنى العبادة، سقط عنه فرضها، وتأولوا في ذلك قوله: \" وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (٩٩) \" (الحجر ٩٩)، وحملوا اليقين، على معرفة التأويل \" (^٢).\nونُقِلَ عن الصابئين غلو مقيت، \" فإنه يبلغ الأمر بهم، إلى أن يخصي الواحد نفسه، ويسمل عيني نفسه؛ اجتهادًا في العبادة. والذي عند الهنود أكثر من هذا كله، فإنهم لا يزالون يحرقون أنفسهم في النار؛ تقربًا إلى البد، ولا يزالون يرمون أنفسهم من أعالي الجبال كذلك، وعباد الهند لا يمشون إلا عراة \" (^٣).\nوقد نُقل عن النسطورية - إحدى فرق النصارى - في غلوهم، \" أنهم قالوا: إذا اجتهد الرجل في العبادة، وترك التغذي باللحم، والدسم، ورفض الشهوات الحيوانية والنفسانية، تصفى جوهره، حتى يبلغ ملكوت السموات، ويرى الله جهرة، وينكشف له ما في الغيب، فلا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء \" (^٤).\nولا يزال الغلو ونقيضه في العبادة، موجودًا في هذه الأمة، فإنه كما وُجد في الأمم السابقة، وفي الديانات والملل اللاحقة، فوجوده في هذه الأمة نذير شر، فإن الله تعالى حذر أهل الكتاب منه فقال: \" يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ \" (النساء ١٧١)\n_________\n(^١) «أبو الحسن الأشعري: مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين: المكتبة العصرية، ط ١، ١٤٢٦ هـ، (١/ ٢٢٥)\n(^٢) «عبدالقاهر البغدادي: الفرق بين الفِرق: دار الآفاق الجديدة، بيروت، ط ٢، ١٩٧٧ م (٢٨٠)\n(^٣) «ابن حزم: الفِصل في الملل والأهواء والنِّحل: ٢/ ٦٣\n(^٤) «الشهرستاني: الملل والنحل: ٢/ ٣٠","vol":"1","page":164},{"text":"قال الحسن: يجوز أن تكون في اليهود والنصارى، فإنهم غلوا في أمر عيسى، أما اليهود بالتقصير في حقه، وأما النصارى بمجاوزة الحد فيه. وعقب عليه الإمام السمعاني بقوله: \" الغلو غير محمود في الدين، روى ابن عباس عن النبي ﷺ، أنه قال: \" إياكم والغلو في الدين، فإنما هلك من كان قبلكم بالغلو \" (^١) \" (^٢)\nوالنبي ﷺ، حث على التزام سنته، والتمسك بهديه، حين جاءه الرهط الثلاثة الذين كأنهم تقالوا عبادة النبي ﷺ، فقالوا: أين نحن من النبي ﷺ؟ قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، قال أحدهم: أما أنا فإني أصلي الليل أبدًا، وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدًا، فجاء رسول الله ﷺ إليهم، فقال: \" أنتم الذين قلتم كذا وكذا، أما والله إني لأخشاكم لله، وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني \" (^٣)\nوالاعتدال والتوسط مطلوب في كل الأمور. وهنا أُشير إلى أنه يجب أن تكون العبادة مسايرة للشرع، والله جل وعلا يقول: \" فَمَن كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠) \" (الكهف ١١٠)، \" والعمل الصالح: ما كان خاليًا من الرياء، مقيدًا بالسنة \" (^٤). وقال ابن عباس ﵁: \" وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا \": لا يُرائي. (^٥)\n_________\n(^١) «أخرجه النسائي في سننه، باب التقاط الحصى، ح (٣٠٥٧)، مكتب المطبوعات الإسلامية، حلب، ط ٢، ١٤٠٦ هـ، (٥/ ٢٦٨)\n(^٢) «السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٥٠٥\n(^٣) «أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب النكاح، باب الترغيب في النكاح، ح (٥٠٦٣).\n(^٤) «التستري: تفسير التستري، دار الكتب العلمية، بيروت، ط ١، ١٤٢٣ هـ (٩٨)\n(^٥) «الطبري: جامع البيان: ١٨/ ١٣٦","vol":"1","page":165},{"text":"ولذا كانت آفة العبادة، التي تخالف غايتها ومقصودها، ويبتلى بها كثير من أهلها الشرك، وفُسِّر بالرياء، والرياء: أن يعمل الإنسان ما يعمل، مراءاة للناس، لا اتباعًا لأمر الله تعالى. (^١) وقد ذكر الإمام السمعاني، أن الإخلاص في الأعمال هو من المجاهدة، يقول في تفسير قوله تعالى: \" وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩) \" (العنكبوت ٦٩): \" ويُقال: تحقيق الإخلاص في الأعمال، وهو حقيقة قوله تعالى: \" فِينَا \" (^٢). وقال في موطن آخر: \" الإخلاص هو التوحيد، ويُقال: الإخلاص تصفية النية في طاعة الله تعالى \". (^٣)\nولذا كان الواجب على المسلم، أن يكون في سيره إلى الله جل وعلا، موافقًا للشرع، لأن كثرة العبادة ليست معيارًا للصلاح، فالخوارج معروفون بتعبدهم، ومع ذلك مشهورون بزيغهم وانحرافهم، ولذا قال الله جل وعز: \" لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا \" (الملك ٢)، ولم يقل: أكثر عملا؛ لأن الكثرة ليست ميزانًا، بل الميزان في الورع عن المحارم، والإخلاص في العمل، والزهد في الدنيا، والبصر بعيوب النفس. (^٤)\nومن هنا نفهم السِّر في ختم آية الأمر بالعبادة بالتقوى: \" يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) \" (البقرة ٢١)، يقول الإمام السمعاني: \" معناه: اعبدوا وكونوا على حذر منه، وهذا دأب العابد، أن يعبد الله ويكون على حذر منه \". (^٥)\nرابعًا: العبادة تختلف من جهة: تفاضلها، وتمايزها، وأقسامها.\n_________\n(^١) «السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٤٩٤\n(^٢) «السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ١٩٤\n(^٣) «السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٤٥٧\n(^٤) «السمعاني: تفسير القرآن: ٦/ ٦ - ٧\n(^٥) «السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٥٧","vol":"1","page":166},{"text":"وإذا أُطلق لفظ العبادة دخل فيها، عبادة القلب، وعبادة الجوارح، يقول الإمام ابن تيمية: \" ويدخل في العبادة جميع خصائص الرب، فلا يُتقى غيره، ولا يُخاف غيره، ولا يُتوكل على غيره، ولا يُدعى غيره، ولا يُصلى لغيره، ولايُصام لغيره، ولا يُتصدق إلا له، ولا يُحج إلا إلى بيته \" (^١).\nوقد ذهب الناس مذاهب في تفاضل العبادات وتمايزها، وأيها أولى بالإيثار والتخصيص (^٢):\nفالصنف الأول: عندهم أنفع العبادات وأفضلها: أشقها على النفوس وأصعبها.\nوالصنف الثاني: قالوا: أفضل العبادات التجرد، والزهد في الدنيا، والتقلل منها غاية الإمكان.\nوالصنف الثالث: رأوا أن أنفع العبادات وأفضلها: ما كان فيه نفع متعد.\nوالصنف الرابع: قالوا: إن أفضل العبادة، العمل على مرضاة الرب، في كل وقتٍ بما هو مقتضى ذلك الوقت ووظيفته، وهؤلاء هم أهل التعبد المطلق.\nوقد أشار السمعاني إلى جملة من العبادات التي تتفاضل فيما بينها زمانًا ومكانًا.\nونذكر في هذا المقام قضيتين:\nالأولى: بعض أنواع العبادات،\nوالثانية: التفاضل في الطاعات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-66>القضية الأولى: بعض أنواع العبادات:</span>\nاشتمل القرآن الكريم على جملة كثيرة من العبادات القلبية والبدنية، والعبادات القولية والفعلية، والعبادات القاصرة والمتعدية، ولم يألوا السمعاني جهدا في بيان هذه العبادات والاستدلال بها وعليها، وقد أفاض السمعاني في ذكرها، وتفصيل مسائلها، حتى إنه يمكن للمرء أن يستخرج مصنفا خاصا في هذا الباب من كلامه، مع أنه لم يرد التقصي التام لهذه المسائل، بل كلما سنحت له فرصة بيَّن ووضح. والسمعاني سار في تقرير هذه المسائل على المنهج القرآني، فحيث يُثبت القرآن عبادة، يُثبتها ويسير في فلكها، ويغوص في أعماقها، ويستنبط بعض جلائل معانيها.\nوبالتأمل في صنيع السمعاني في هذه المسائل، يتلخص منهجه في الآتي:\n١ - الاستدلال على كون هذه الأعمال من العبادة؛ كما في الدعاء والسجود.\n_________\n(^١) «ابن تيمية: الرد على الإخنائي: دار الخراز، جدة، ط ١، ١٤٢٠ هـ، (٢٧٧)\n(^٢) «ابن القيم: مدارج السالكين: ١/ ١٠٦ - ١١١","vol":"1","page":167},{"text":"٢ - ذكر بعض الفضائل المتعلقة ببعضها؛ كما في السجود مثلا.\n٣ - إيراد بعض الإشكالات الواردة على بعضها.\nوتقرير السمعاني يسير في فلك الجو القرآني، ولذا يُعد تقريره بمثابة التأصيل للمسائل، والرد على المخالف؛ فحين يُثبت ما أثبته القرآن من كون الدعاء عبادة، يردفه ببيان خطورة صرف العبادة لغير الله تعالى؛ لأنها محض حق له جل وعلا، فهو بهذا يرد على الطوائف الغالية في هذا الباب، الذين يصرفون الدعاء وغيره لغير الله تعالى، ويتقربون به لغيره، فهو وإن لم يصرح به، لكن إثبات أصله يُعد ردا ضمنيا على ما خالفه.\nومن العبادات التي أولاها السمعاني اهتمامابالغا: الدعاء، والسجود، والذكر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-67>١ - الدعاء </span>(^١):\nناقش السمعاني في الدعاء أربع مسائل:\n١ - كون الدعاء عبادة، وأنه لا يجوز صرفه لغير الله تعالى.\n٢ - الإجابة عن تساؤل يعرض للذهن: كيف لا يُستجاب الدعاء، مع وعد الله تعالى بالإجابة؟\n٣ - جواب عن استشكال: لو قال قائل في قوله تعالى: (وآتاكم من كل ما سألتموه)، نحن نسأله أشياء ولا يُعطينا؟\n٤ - آداب الدعاء.\nالمسألة الأولى:\nدلت الدلائل الشرعية، على كون الدعاء عبادة، بنوعيه، دعاء العبادة، ودعاء المسألة. قال تعالى: \" ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٥٥) \" (الأعراف ٥٥)، قال ابن عطية: \" وهذا أمر بالدعاء وتعبد به \" (^٢).\n_________\n(^١) «يقول الإمام الزجاج: \" ومعنى الدعاء لله ﷿ على ثلاثة أضرب: فضرب منها: توحيده والثناء عليه، كقولك: يا الله لا إله إلا أنت، وضرب ثانٍ: هو مسألة الله العفو والرحمة وما يقرب منه، كقولك: الله اغفر لنا، وضرب ثالث: هو مسألته في الدنيا كقولك: اللهم أرزقني مالًا وولدًا. وإنما يسمى هذا أجمع دعاء؛ لأن الإنسان يصدر في هذه الأشياء، بقوله: يا الله، ويارب، ويا رحيم، فذكر ذلك سُمي دعاءً \" معاني القرآن: ١/ ٢٥٥\n(^٢) «ابن عطية: المحرر الوجيز: ٢/ ٤١٠","vol":"1","page":168},{"text":"وقد استدل السمعاني على ذلك بقوله تعالى: \" وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠) \" (غافر ٦٠)، فقال: \" قد ثبت برواية نعمان بن بشير، أن النبي ﷺ قال: \" الدعاء هو العبادة، وقرأ هذه الآية (^١).\nوعن ثابت قال: قلت لأنس: الدعاء نصف العبادة، قال: هو كل العبادة.\nوقوله: \" إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي \" أي: عن دعائي، ويُقال: عن توحيدي \" (^٢).\nفالدعاء عبادة لا يجوز صرفه لغير الله جل وعلا، ومما يدل على كونه عبادة، أن الله تعالى عاب على الأصنام التي تُعبد من دون الله تعالى، أنها لا تسمع الدعاء، بخلاف الباري جل وعلا، فإنه أثنى على نفسه بقوله: \" إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى \" (طه ٤٦)، أما الأصنام فقال عنها: \" إِن تَدْعُوهُمْ لَايَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (١٤) \" (فاطر ١٤)، يقول السمعاني: \" يعني: إن تدعوا الأصنام لا يسمعوا دعاءكم، ولو سمعوا ما استجابوا لكم \" أي: ما أجابوكم\" (^٣).\nوقال تعالى: \" وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً \" (البقرة ١٧١): يقول السمعاني: \" وقيل معناه: مثل الكفار، في دعاء الأصنام \" (^٤).\n_________\n(^١) «أخرجه أبو داود في سننه؛ باب الدعاء، ح (١٤٧٩)، المكتبة العصرية، بيروت.\n(^٢) «السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٢٨\n(^٣) «السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٣٥٣\n(^٤) «السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ١٦٨","vol":"1","page":169},{"text":"وقال تعالى: \" إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (١٩٤) \" (الأعراف ١٩٤)، يقول السمعاني: \" وهذا لبيان عجزهم، ثم أكدَّه فقال: \" أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا \" (الأعراف ١٩٥)، وذلك أن قدرة المخلوقين تكون بتلك الآلات والجوارح، وليست لهم تلك الآلات، بل أنتم أكبر قدرة منهم لوجود هذه الأشياء فيكم \" (^١)\nوهذا الدعاء لا يجوز بحال، قال تعالى: \" وَلَا تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِّنَ الظَّالِمِينَ (١٠٦) \" (يونس ١٠٦)، يقول السمعاني: \" الدعاء يكون بمعنيين: أحدهما: بمعنى النداء، كقولك: يا زيد، يا عمرو، والآخر: بمعنى الطلب \" (^٢).\nالمسألة الثانية:\nقول الله جل وعلا: \" أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ \" (البقرة ١٨٦)، وقوله تعالى \" ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ \" (غافر ٦٠)، وقد يُدعى فلا يستجيب، فما وجه هاتين الآيتين؟! قيل: إن جواب القائل: كيف لا يُستجاب الدعاء مع وعد الله بالاستجابة يظهر من عدة أوجه (^٣):\n١ - قيل: أن يكون معنى الدعاء الطاعة، ومعنى الإجابة الثواب، كأنه قال: أُجيب دعوة الداعي بالثواب إذا أطاعني. وهو معنى قول الإمام الطبري، في أحد وجهي إجابته عن هذا التساؤل، فقال: \" أن يكون معنيًا بالدعوة: العمل بما ندب الله إليه وأمر به، فيكون تأويل الكلام: وإذا سألك عبادي عني فإني قريب ممن أطاعني، وعمل بما أمرته به، أُجيبه بالثواب على طاعته إياي إذا أطاعني \" (^٤).\n_________\n(^١) «السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٢٤١\n(^٢) «السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٤٠٩\n(^٣) «الثعلبي: الكشف والبيان: ٢/ ٧٥، الماوردي: النكت والعيون: ١/ ٢٤٣،\nالبغوي: معالم التنزيل: ١/ ٢٢٦\n(^٤) «الطبري: جامع البيان: ٣/ ٣٨٥","vol":"1","page":170},{"text":"٢ - وقيل: معنى الآيتين خاص، وإن كان لفظهما عامًا، تقديرهما: أُجيب دعوة الداعي إن شئت، وأُجيب دعوة الداعي إن وافق القضاء، أو أجيبه إن كانت الإجابة خيرًا له، أو أجيبه إن لم يسأل محالًا.\n٣ - وقيل: هو عام، ومعنى قوله: أُجيب، أي: أسمع.\n٤ - وقيل: إن معنى الآية: أنه لا يخيب من دعاه، فإن قُدِّر له ما سأل أعطاه، وإن لم يقدر له، ادخر له الثواب في الآخرة، أو كف عنه به سوءًا في الدنيا.\n٥ - وقيل: إن الله تعالى يُجيب دعاء المؤمن في الوقت، ويُؤخر إعطاء من يُحب مراده؛ ليدعوه فيسمع صوته، ويعجل إعطاء من لا يُحبه؛ لأنه يبغض صوته.\n٦ - وقيل: إن للدعاء آدابًا وشرائط، وهي أسباب الإجابة، فمن أستكملها، كان من أهل الإجابة، ومن أخلَّ بها فهو من أهل الاعتداء في الدعاء، فلا يستحق الإجابة.\nوقد ذكر الإمام السمعاني في تفسيره ثلاثة أجوبة (^١):\n١ - تعليقه بالمشيئة؛ يعني: تعليق إجابة الدعاء بالمشيئة.\n٢ - بمعنى السماع؛ أراد بالإجابة السماع، أي أسمع دعوة الداعي.\n٣ - هو على حقيقته، وهو الوجه الرابع الذي ذكرناه، أي أنه لا يخيب من دعاه، فإنه إذا دعاه بما قُدر له أعطى، وإن دعاه بما لم يُقدر له، يُدخر له الثواب في الآخرة، فلا يخيب دعاءه.\n_________\n(^١) «السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ١٨٥ - ٢/ ١٠٣","vol":"1","page":171},{"text":"وقد وردت السنة النبوية المطهرة، مؤيدة القول الثالث الذي ذكره السمعاني، فعن عبادة بن الصامت أن رسول الله ﷺ قال: \" ما على الأرض مسلم يدعو الله بدعوة، إلا آتاه الله إياها، أو صرف عنه من السوء مثلها، مالم يدع بإثم أو قطيعة رحم \" (^١). وكأن السمعاني يميل - والله أعلم - إلى القول الأول؛ لأنه قال في موطن آخر: \" فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِن شَاءَ \" (الأنعام ٤١)، قَيَّد الإجابة بالمشيئة هاهنا، وأطلقها في قوله: \" \" ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ \"\" قال أهل العلم: وذلك مقيد بالمشيئة أيضًا، بدليل هذه الآية \" (^٢)\nالمسألة الثالثة:\nقوله تعالى: \" وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ \" (إبراهيم ٣٤): يقول الإمام السمعاني: \" يعني: من كل الذي سألتموه \" (^٣)، ولكن إن قال قائل: نحن نسأله أشياء ولا يُعطينا، فما الجواب؟! قيل في الجواب:\n١ - إما أن يكون في الآية إضمار شيء، فيكون المعنى: آتاكم من كل شيء سألتموه شيئًا، وهذا الإضمار، كقوله تعالى: \" وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ\" (النمل ٢٣)، أي: أوتيت من كل شيء في زمانها شيئًا.\n٢ - وقيل: هو محمول على التكثير، كقولك: هو يعلم كل شيء، وأتاه كل الناس، وهو يعني بعضهم.\n٣ - وقيل: محمول على سؤال الجميع، بمعنى: \" ليس من شيء إلا وقد سأله بعض الناس، فقال: \" وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ \"، أي: من كل ماسألتموه، قد آتي بعضكم منه شيئًا، وآتي آخر شيئًا مما قد سأل \" (^٤).\n٤ - وقيل: إن (ما) نافية، وهذا على قراءة الحسن بتنوين (كلٍ)، فيكون المعنى: من كل ما لم تسألوه، يعني: أعطاكم أشياء ما طلبتموها، ولا سألتموها.\n_________\n(^١) «أخرجه الترمذي في جامعه، أبواب الدعوات عن رسول الله ﷺ، باب ما جاء أن دعوة المسلم مستجابة، ح (٣٣٨١)، شركة مكتبة ومطبعة البابي، مصر، ط ٢، ١٣٩٥ هـ، (٥/ ٤٦٢)\n(^٢) «السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ١٠٣\n(^٣) «السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ١١٨\n(^٤) «الأخفش: معاني القرآن، مكتبة الخانجي، القاهرة، ط ١، ١٤١١ هـ، (٢/ ٤٠٨)","vol":"1","page":172},{"text":"٥ - وقيل: إن المعنى: وآتاكم من كل ما سألتموه، ولو سألتموه، وهو مروي عن الفراء (^١).\nوأما الإمام السمعاني فقد أجاب بجوابين: (^٢)\nالأول: أن جنسه يُعطى الآدميين، وإن لم يُعطه على التعيين، فاستقام الكلام بهذا.\nالثاني: قيل معناه: من كل ماسألتموه، ولم تسألوه.\nثم أشار إلى قراءة التنوين، حيث تكون (ما) نافية، فقال: \" وأما القراءة الثانية، فمعنى (ما) هو النفي، ومعناه: أعطاكم أشياء لم تسألوها، فإن الله تعالى أعطانا الليل والنهار، والشمس والقمر، والنجوم والرياح، وما أشبه ذلك، ولم نسأله شيئًا منها \". (^٣)\nوقد رد الطبري هذه القراءة، ورجح الجواب الأول فقال: \" والصواب من القول في ذلك عندنا: القراءة التي عليها قراء الأمصار، وذلك إضافة (كل) إلى (ما)، معنى: وآتاكم من سؤلكم شيئًا، على ما بينا من قبل؛ لإجماع الحجة من القراء عليها، ورفض القراءة الأخرى\" (^٤).\nالمسألة الرابعة:\nقال الله تعالى: \" ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٥٥) \" (الأعراف ٥٥): تضمنت هذه الآية شيئين:\nأحدهما: محبوب للرب ﵎، مرضي له، وهو الدعاء تضرعًا وخفية.\nوالثاني: مكروه له، مبغوض، مسخوط، وهو الاعتداء، فأمر الله بما يحبه، وندب إليه، وحذر مما يبغضه وزجر عنه، بما هو أبلغ طرق الزجر والتحذير، وهو أنه لا يحب فاعله، ومن لم يحبه الله فأي خير يناله. (^٥)\nففي الآية الكريمة أدبين من آداب الذكر والدعاء:\n_________\n(^١) «ابن الجوزي: زاد المسير: ٢/ ٥١٤\n(^٢) «السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ١١٨\n(^٣) «السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ١١٩\n(^٤) «الطبري: جامع البيان: ١٧/ ١٦\n(^٥) «ابن القيم: تفسير القرآن الكريم: دار الهلال، بيروت، ط ١، ١٤١٠ هـ (٢٦٣)","vol":"1","page":173},{"text":"الأدب الأول: أن يكون الدعاء ممزوجا بالتضرع، والتذلل والخضوع لله جل وعلا، يقول السمعاني: أي: ضارعين متذللين خاشعين، وخفية أي سرا (^١)، وقد بيَّن السمعاني المعنى ووضحه عند تفسير قوله تعالى: (قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر تدعونه تضرعا وخفية) فقال: أي: علانية وسرا، وقيل: أن يكون السر مع الجهر في الدعاء، بحيث يدعو باللسان وسره معه (^٢) ويكون في حال السر، فخير الدعاء الخفي. وهنا سؤالان:\nالأول: لِمَ كان الإخفاء معتبرا في الدعاء؟\nالثاني: ما السِّر في إخفاء زكريا ﵇ دعاءه، كما في قوله تعالى: \" إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا \" (مريم ٣)؟\nوالجواب عن الأول يُقال: إن الإخفاء معتبر في الدعاء لأمور:\n١ - الأمر به في هذه الآية الكريمة، والأمر دائر بين الوجوب والاستحباب، فَدَّل على اعتباره.\n٢ - أن الله تعالى أثني على زكريا ﵇ فقال: \" إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا \" (مريم ٣)، أي: أخفاه عن العباد، وأخلصه لله تعالى، وانقطع به إليه.\n٣ - أن النبي ﷺ، قال للصحابة لما رفعوا أصواتهم بالتكبير: \" أربعوا على أنفسكم إنكم لا تدعون أصم ولا غائبًا، إنكم تدعون سميعًا قريبًا \" (^٣)\n٤ - أن النفس شديدة الميل، عظيمة الرغبة في الرياء والسمعة، فإذا رفع صوته في الدعاء، امتزج الرياء بذلك الدعاء، فلا يبقى فيه فائدة البتة، فكان الأولى إخفاء الدعاء؛ ليكون مصونا عن الرياء. (^٤)\n٥ - وأن ذلك أدعى لإجابة الدعاء. (^٥)\n٦ - وأنه أعظم إيمانًا؛ لأن صاحبه يعلم أن الله تعالى، يسمع دعاءه الخفي.\n٧ - وأنه أعظم في الأدب والتعظيم.\n٨ - وهو أبلغ في التضرع والخشوع، الذي هو روح الدعاء، ولبه، ومقصوده.\n_________\n(^١) - السمعاني: مرجع سابق: ٢/ ١٨٩\n(^٢) - السمعاني: مرجع سابق: ٢/ ١١٣\n(^٣) «أخرجه البخاري في صحيحه، باب ما يكره من رفع الصوت في التكبير، ح (٢٩٩٢)\n(^٤) «الرازي: مفاتيح الغيب ١٤/ ٢٨١\n(^٥) «أبو حيان: البحر المحيط: ٥/ ٦٨","vol":"1","page":174},{"text":"٩ - وهو أبلغ في جمعية القلب على الله في الدعاء، فإن رفع الصوت يفرقه ويشتته. (^١)\n١٠ - أنه أدعى إلى دوام الطلب والسؤال، فإن اللسان لا يمل والجوارح لا تتعب، بخلاف ما إذا رفع صوته، فإنه قد يكل لسانه، وتضعف بعض قواه.\n١١ - أن إخفاء الدعاء، أبعد له من القواطع والمشوشات والمضعفات. (^٢)\n١٢ - \" وحسبك في تعيّن الإسرار في الدعاء، اقترانه بالتضرع في الآية، فالإخلال به كالإخلال بالضراعة إلى الله في الدعاء، وإن دعاء لا تضرع فيه، ولا خُشوع فيه لقليل الجدوى، فكذلك دعاء لا خفية ولا وقار يصحبه \" (^٣).\n١٣ - ويقول الحسن: إن الله يعلم القلب التقي، والدعاء الخفي (^٤).\nوقد أجاب السمعاني على التساؤل الآخر بما يلي: (^٥)\n١ - إنما أخفى زكريا ﵇ دعاءه؛ لأنه أفضل، كما بُيَّن في الجواب السابق.\n٢ - قيل: لأنه استحيا من الناس، أن يدعو جهرًا، فيقولون: انظروا إلى هذا الشيخ يسأل على كبره الولد.\n٣ - ويُقال: إنه أخفى؛ لأنه دعاء في جوف الليل، وهو ساجد.\nالأدب الثاني: عدم الاعتداء في الدعاء:\nقال تعالى: \" ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٥٥) \" (الأعراف ٥٥): هنا ذكر السمعاني، بعض الأخبار التي فيها النهي عن الاعتداء في الدعاء، وبعض أوجه هذا التعدي.\nإلا أن المفسرين اختلفوا في المراد بهذا الاعتداء في الآية على قولين:\nالأول: أن المراد به: الاعتداء في الدعاء، وإن كان اللفظ عاما (^٦).\nالثاني: أن المراد به: المجاوزون ما أمر الله تعالى به، ذكره الزجاج (^٧).\n_________\n(^١) «ابن القيم: تفسير القرآن: ٢٥٤\n(^٢) «ابن القيم: تفسير القرآن: ٢٥٧\n(^٣) «ابن المنير: الانتصاف فيما تضمنه الكشاف: ٢/ ١١٠، مطبوع ضمن تفسير الزمخشري.\n(^٤) «الزمخشري: الكشاف: ٢/ ١١٠، وقد ذكر الخازن في تفسيره (لباب التأويل ٢/ ٢١٠) خلاف العلماء في المفاضلة بين الإظهار والإخفاء.\n(^٥) «السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٢٧٧\n(^٦) «ابن عطية: المحرر الوجيز: ٢/ ٤١٠\n(^٧) «الزجاج: معاني القرآن: ٢:٣٤٤، وبه فسرها الرازي، مفاتيح الغيب: ١٤/ ٢٨٢","vol":"1","page":175},{"text":"وقد فسّرها الإمام السمعاني بالدعاء (^١)، لكن بعض العلماء قالوا: هو أوسع من ذلك وأشمل، يقول الرازي: \" اعلم أن كل من خالف أمر الله تعالى ونهيه، فقد اعتدى وتعدى، فيدخل تحت قوله: \" إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ \" (^٢).\nوقال ابن القيم بعد أن ذكر الخلاف في الاعتداء: \" فالآية أعم من ذلك كله، وإن كان الاعتداء في الدعاء مرادًا بها، فهو من جملة المراد، والله لا يحب المعتدين في كل شيء، دعاء كان أو غيره \" (^٣)، ولذا قال ابن عطية: \" المعتدي هو: مجاوز الحد، ومرتكب الخطر \" (^٤).\nوقد ذكر الإمام السمعاني أن الاعتداء في الدعاء يكمن في عدة صور، منها:\n١ - الجهر بالدعاء، وذكر عن ابن جريج قوله: الجهر بالدعاء عدوان.\n٢ - أن يسأل لنفسه درجة ليس من أهلها، بأن يسأل درجة الأنبياء، وليس بنبي، ودرجة الشهداء، وليس بشهيد (^٥).\nوذكر المفسرون صورًا أخرى للتعدي في الدعاء منها (^٦).\n٣ - أن يدعو باللعنة والهلاك على من لا يستحق.\n٤ - ونُقل عن ابن جريج: أن الصياح في الدعاء مكروه وبدعة.\n٥ - الإسهاب في الدعاء.\n٦ - أن يدعو طالبًا معصية وغير ذلك.\n٧ - أن يدعو بما ليس في الكتاب والسنة، فيتخير ألفاظا مفقرة، وكلمات مُسجَّعة، قد وجدها في كراريس لا أصل لها، ولا معوّل عليها، فيجعلها شعاره، ويترك مادعا به رسول الله - ﷺ -، ذكره القرطبي في تفسيره (^٧).\n_________\n(^١) «السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ١٨٩\n(^٢) «الرازي: مفاتيح الغيب: ١٤/ ٢٨٢\n(^٣) «ابن القيم: تفسير القرآن: ٢٦٢\n(^٤) «ابن عطية: المحرر الوجيز: ٢/ ٤١٠\n(^٥) «السمعاني: تفسير القرآن:٢/ ١٨٩\n(^٦) «الماوردي: النكت والعيون:٢/ ٢٣١، الزمخشري: الكشاف:٢/ ١١١، ابن عطية: المحرر الوجيز:٢/ ٤١٠\n(^٧) «القرطبي: الجامع لأحكام القرآن:٧/ ٢٢٦","vol":"1","page":176},{"text":"٨ - قال ابن القيم: \" فالاعتداء في الدعاء، تارة: بأن يسأل ما لايجوز له سؤاله، من الإعانة على المحرمات، وتارة بأن يسأل ما لايفعله الله، مثل: يسأله تخليده إلى يوم القيامة، أو يسأله أن يرفع عنه لوازم البشرية من الحاجة إلى الطعام والشراب، أو يسأله أن يطلعه على غيبه، أو يسأله أن يجعله من المعصومين، أو يسأله أن يهب له ولدا من غير زوجة ولا أمة، ونحو ذلك مما سؤاله اعتداء \".\nثم ذكر ابن القيم ضابطا للاعتداء في الدعاء فقال: \" فكل سؤال يناقض حكمة الله، أو يتضمن مناقضة شرعه وأمره، أو يتضمن خلاف ما أخبر به، فهو اعتداء لايحبه الله \" (^١).\nوقد ذكر الشيخ العثيمين ضابطا آخر للاعتداء في الدعاء، فقال: \" ومن الموانع الاعتداء في الدعاء، كأن يدعو بإثم أو قطيعة رحم، ومنها: أن يدعو بما لايمكن شرعًا وقدرًا، فشرعا كأن يقول: اللهم اجعلني نبيا، وقدرا، بأن يدعو الله بأن يجمع بين النقيضين، وهذا أمر لايمكن، فالاعتداء في الدعاء، مانع من إجابته، وهو محرم، لقوله تعالى:\" ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ\" (الأعراف ٥٥)، وهو أشبه مايكون بالاستهزاء بالله سبحانه \" (^٢).\nوخلاصة هذه العبادة العظيمة، عبادة الدعاء:\n١ - أنها عبادة بدلالة الشرع، وهو مابينه السمعاني، ومما استدل به غير ماسبق.\nقوله تعالى:\" وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُوا رَبِّي عَسَى أَلَّا\nأَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا\" (مريم ٤٨)، يقول السمعاني: وقوله:\"وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّه\"، أي: تعبدون من دون الله، وقوله:\" وَأَدْعُوا رَبِّي \": أي أعبد ربي، وقوله:\"عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا\"عسى من الله واجب، والدعاء: بمعنى العبادة، والشقاوة: الخيبة من الرحمة (^٣).\n_________\n(^١) «ابن القيم: تفسير القرآن:٢٦١\n(^٢) «العثيمين: مجموع فتاوى ورسائل الشيخ محمد العثيمين، دار الوطن، دار الثريا، ١٤١٣ هـ، (١٠/ ٩١٨)\n(^٣) «السمعاني: تفسير القرآن:٣/ ٢٩٦","vol":"1","page":177},{"text":"٢ - والدعاء هو الكلم الطيب الذي يصعد إلى الله تعالى، ويقبله، يقول تعالى:\" إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ\" (فاطر ١٠)، يقول السمعاني: \"وقيل: الكلم الطيب: هو الدعاء من العباد\" (^١).\nولذا أمر الله جل وعز به، فقال:\"فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ (٧) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَب\" (الشرح ٧ - ٨)، يقول السمعاني:\" فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ\" قال مجاهد وقتادة، والضحاك، والكلبي، ومقاتل: إذا فرغت من الصلاة فانصب للدعاء، وارغب إلى الله في المسألة، وقوله:\" وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَب\" هو الحث على الدعاء والمسألة\" (¬<span data-type=\"title\" id=toc-68>٢).\n\n٢ - السجود:</span>\nوناقش السمعاني في السجود ست مسائل:\n١ - كون السجود عبادة محضة لله تعالى، لا يجوز صرفها لغيره.\n٢ - أشار إلى بعض ما يُشكل على القاعدة السابقة من واقع بعض النصوص، وأبان الحقيقة المرادة منها، وهي في:\nأ: سجود الملائكة لآدم ﵇.\nب: سجود إخوة يوسف ليوسف ﵇.\n٣ - تحقيق معنى السجود.\n٤ - تتبع ما حكاه القرآن من سجود المخلوقات، وأبان عن بعض مغازيه وحقائقه؛ كسجود الملائكة، وسجود الجمادات، وسجود بني إسرائيل، وسجود السحرة.\n٥ - أشار إلى مكانة السجود، وذكر بعض فضائله.\n٦ - أن الركوع عبادة، يجمع بينه وبين السجود: انحناء وخضوع.\nالمسألة الأولى:\nالسجود لله جل وعلا، من أجل العبادات، وأعظم الطاعات، والسجود يأتي مقرونا بالصلاة، وإنما يُعبِّر بالسجود عن الصلاة؛ لأنه أعظم أركانها، وأخص أوجه الخضوع والتذلل فيها.\nوقد قرر السمعاني في تفسيره كون السجود محض عبادة لله جل وعلا، لا تجوز لأحد سواه على وجه الخضوع والتذلل والتعظيم، فقال في تفسير قوله تعالى:\n\" وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِأدَمَ فَسَجَدُوا ... \" (البقرة ٣٤)؛ \"والسجود عبادة مع التواضع، والخشوع، والخضوع، ومنه شجرة ساجدة، إذ ماتت من كثرة حملها\" (^٣).\n_________\n(^١) «السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٣٤٩\n(^٢) «السمعاني: تفسير القرآن:٦/ ٢٥٢\n(^٣) «السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٦٦","vol":"1","page":178},{"text":"وعلى هذا لايكون السجود إلا لله جل وعلا، ونقل السمعاني عن عكرمة في تفسير قوله تعالى: \" وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ \" (آل عمران ٦٤)،\"أي: لايسجد بعضنا لبعض، فإن من سجد لغيره فقد اتخذه ربا\" (^١).\nولذا كان السجود من خصائص الإلهية، يقول المقريزي: \"ومن خصائص الإلهية السجود، فمن سجد لغيره، فقد شبهه به\" (^٢)، ويقول الإمام محمد بن عبد الوهاب (^٣): \"والعبادة أنواع كثيرة، لكني أمثلها بأنواع كثيرة لاتُنكر: من ذلك السجود، فلا يجوز لعبد أن يضع وجهه على الأرض ساجدًا، إلا لله وحده لاشريك له، لا لملك مقرب، ولا لنبي مرسل، ولا لولي\" (^٤).\nفالسجود بجميع أنواعه لايجوز إلا لله جل وعز، يقول الإمام ابن تيمية: أما السجود لغير الله وعبادته فهو محرم في الدين الذي اتفقت عليه رسل الله، كما قال ﷾:\"وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ\" (الزخرف ٤٥) (^٥).\nويقول الإمام المقريزي: وأما السجود لغير الله فقد قال ﵊: (لا ينبغي لأحد أن يسجد لأحد إلا لله) (^٦)، ولا ينبغي في كلام الله ورسوله - ﷺ -: إنما يستعمل للذي هو في غاية الامتناع\" (^٧).\n_________\n(^١) «السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٣٢٩\n(^٢) «المقريزي: تجريد التوحيد المفيد:٢٧\n(^٣) «محمد بن عبد الوهاب بن سليمان التميمي، (١١١٥ هـ-ت ١٢٠٦ هـ)، ولد ونشأ في العيينة بنجد، ورحل إلى الحجاز مرتين، وزار الشام، ودخل البصرة، وعاد إلى نجد، ثم انتقل للعيينة، ناهجا منهج السلف الصالح، داعيا إلى التوحيد الخالص، ونبذ البدع، وتحطيم ماعلق بالإسلام من أوهام، له مصنفات كثيرة: كتاب التوحيد، وكشف الشبهات، الزركلي: الأعلام:٦/ ٢٥٧\n(^٤) «محمد بن عبد الوهاب: الجواهر المضيئة: دار العاصمة: الرياض، ط ١، ١٢٤٩ هـ، (١٧).\n(^٥) «ابن تيمية: اقتضاء الصراط المستقيم: دار عالم الكتب، بيروت، ط ٧، ١٤١٩ هـ (١/ ٢٢١).\n(^٦) «أخرجه الترمذي في جامعه، أبواب الرضاع عن رسول الله - ﷺ -، باب ماجاء في حق الزوج على المرأة، ح (١١٥٩).\n(^٧) «المقريزي\" تجريد التوحيد المفيد:٢١","vol":"1","page":179},{"text":"فالسجود لله تعالى أعظم شعائر العبادة، فلا تجوز لمخلوق، يقول الله تعالى:\"لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ\" (فصلت ٣٧)، يقول السمعاني: أي توحدون (^١).\nالمسألة الثانية:\nهل من هذا الباب سجود الملائكة لآدم، وسجود إخوة يوسف له؟!\nأولا: مايتعلق بالسجود لآدم - ﵇ -، فقد ذكر العلماء توجيهات لها، ولكن بعد أن اتفقوا أن السجود هنا ليس سجود عبادة؛ لأن سجود العبادة لغير الله كفر، والأمر لايرد بالكفر، وحكى الإجماع على ذلك الإمام الرازي (^٢)، والقرطبي (^٣)،وجماعة ثم اختلفوا بعد ذلك على ثلاثة أقوال، حكى الإمام السمعاني منها قولين:\nالأول: بمعنى السجود إلى آدم - ﵇ -، فيكون آدم كالقبلة، والسجود لله تعالى، وقد تعقب هذا القول الإمام الرازي وضعفه (^٤)، ووافقه الإمام ابن كثير في تفسيره (^٥).\nالثاني: أن السجود كان لآدم على الحقيقة، وتضمن معنى الطاعة لله تعالى بامتثال أمره فيه، فعلى هذا يكون السجود لآدم على سبيل التحية له، ورجح هذا القول الإمام السمعاني، وقال: والأصح: أن السجود كان لآدم على الحقيقة ... (^٦). ورجحه الإمام الرازي (^٧)، وتبعه الإمام ابن كثير (^٨)، وذكره الإمام الطبري عن قتادة، فقال: \"وكان سجود الملائكة لآدم، تكرمة لآدم، وطاعة لله، لاعبادة لآدم، عن قتادة: \"وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِأدَمَ\":فكانت الطاعة لله، والسجدة لآدم، أكرم الله آدم، أن أسجد له ملائكته\" (^٩).\n_________\n(^١) «السمعاني: تفسير القرآن:٥/ ٥٣\n(^٢) «الرازي: مفاتيح الغيب:٢/ ٤٢٧\n(^٣) «القرطبي: الجامع لأحكام القرآن:١/ ٢٩٣\n(^٤) «الرازي: مرجع سابق\n(^٥) «ابن كثير: تفسير القرآن العظيم:١/ ٢٣٢\n(^٦) «السمعاني: تفسير القرآن:١/ ٦٧\n(^٧) «الرازي: مرجع سابق\n(^٨) «ابن كثير: مرجع سابق\n(^٩) «الطبري: جامع البيان:١/ ٥١٢","vol":"1","page":180},{"text":"الثالث: أن السجود محمول على أصل اللغة، بمعنى الانقياد والخضوع، وضعّف هذا القول الإمام الرازي، قال عن هذا القول ضعيف؛ \"لأن السجود لا شك أنه في عُرف الشرع عبارة عن وضع الجبهة على الأرض، فوجب أن يكون في أصل اللغة كذلك\" (^١).\nوهذا الذي ذكره الرازي مما جرى فيه الخلاف: هل سجود الملائكة كان على صفة سجود الصلاة، أم هو مجرد انحناء وميل؟!\nفقيل: إنه على صفة سجود الصلاة، ورجحه الإمام ابن الجوزي (^٢).\nوقيل: إنه الانحناء والميل المساوي للركوع.\nوقيل: هو ماكان في أصل اللغة من التذلل والانقياد، بمعنى: اخضعوا لآدم، وأقروا له بالفضل (^٣).\nثانيًا: ما يتعلق بسجود إخوة يوسف ليوسف:\n١: قال الإمام القرطبي: \"وأجمع المفسرون أن السجود على أي وجه كان، فإنما كان تحية لاعبادة\" (^٤).\n٢: اختلف المفسرون في مرجع الضمير في قوله تعالى:\" وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا \" فقيل: (له) يعود إلى الله جل وعلا، فيكون المعنى: وخروا لله سُجَّدا\"أي: أنهم سجدوا شكرا لله، إذ جمعهم سويا. وهذا القول مروي عن ابن عباس.\nوحكى هذا القول الإمام السمعاني فقال: \"وقال بعضهم: أنهم سجدوا لله لا ليوسف، وإنما خروا له سجدا؛ لأنه كان قدامهم، فحصل سجودهم إليه، كما يسجد إلى المحراب والجدار\" (^٥). قال ابن عطية:\" ورُدَّ على هذا القول\" (^٦).\nوقال الشوكاني: \"وهو بعيد جدا\" (^٧)، وقيل: (له) يعود إلى يوسف - ﵇ - ورجحه الإمام السمعاني، واختلفوا في معناه على أقوال:\n_________\n(^١) «الرازي: مرجع سابق\n(^٢) «ابن الجوزي: زاد المسير:١/ ٥٤\n(^٣) «القرطبي: الجامع لأحكام القرآن:١/ ٢٩٣\n(^٤) «القرطبي: الجامع لأحكام القرآن:٩/ ٢٦٥، وحكاه الإمام ابن عطية في تفسيره: المحرر الوجيز:٣/ ٢٨١\n(^٥) «السمعاني: تفسير القرآن:٣/ ٦٧\n(^٦) «ابن عطية: المحرر الوجيز:٣/ ٢٨١\n(^٧) «الشوكاني: فتح القدير: دار ابن كثير، دمشق، ط ١، ١٤١٤ هـ (٣/ ٦٧)","vol":"1","page":181},{"text":"الأول: أنها كانت سجدة حقيقية، هو مثل سجود الملائكة لآدم - ﵇ -، وهي سجدة محبة لا سجدة عبادة، وكان ذلك جائزًا في الأمم السالفة، ثم نسخ الله تعالى ذلك في هذه الشريعة، وأُبدل بالسلام، وقال السمعاني: وعليه الأكثرون (^١).\nالثاني: قيل إنه ليس مثل السجود المعهود إنما هو انحناء الركوع، ولم يكن خرورا على الأرض، وهكذا كان سلامهم بالتكفي والانحناء.\nالثالث: قيل: لم يكن سجودا، لكنه سُنة كانت فيهم، يُومئون برؤوسهم إيماء (^٢).\nالرابع: وقيل: السجود هاهنا: الخضوع والتذلل (^٣).وبعد أن ذكر السمعاني الخلاف في المسألة، أورد تساؤلا بناء على القول بالسجود ليوسف مفاده:\"فإن قال قائل: كيف جاز السجود لغير الله؟ وإذا جاز السجود لغير الله، فلم لايجوز العبادة لغير الله؟ والجواب: أن العبادة نهاية التعظيم، ونهاية التعظيم لاتجوز إلا لله، وأما السجود: نوع تذلل وخضوع بوضع الخد على الأرض، وهو دون العبادة، فلم يمتنع جوازه للبشر كالانحناء\" (^٤).\nالمسألة الثالثة:\nتعريف السجود وأصله:\nيقول الإمام السمعاني: \"وأصل السجود: الخضوع، وفي الركوع خضوع، وقال الشاعر: (بجَمْع تضلُّ الَبلْقُ في حُجراته: ترى الأكم فيه سُجدًا للحوافر)، أي: ركعا خضعا\" (^٥).\n_________\n(^١) «السمعاني: تفسير القرآن:٣/ ٦٧\n(^٢) «القرطبي: الجامع لأحكام القرآن:٩/ ٢٦٥،السمعاني: تفسير القرآن:٣/ ٦٧\n(^٣) «الماوردي: النكت والعيون:٣/ ٨٢، قال ابن منظور: وفيه وجه آخر لأهل العربية، وهو أن يجعل اللام في قوله: (لَهُ سُجَّدًا) و(رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ) لام من أجل المعنى: وخروا من أجله سجدا لله، شكرًا على ما أنعم عليهم، حيث جمع شملهم، وتاب عليهم، وغفر ذنبهم، وأعز جانبهم، ووسَّع بيوسف ﵇.\nلسان العرب: دار صادر: بيروت، ط ٣، ١٤١٤ هـ (٣/ ٢٠٤)،وحكى هذا القول الشوكاني وقال: (وفيه أيضا بعد) فتح القدير:٣/ ٦٧، وقال ابن الأنباري: وهذا القول لا نظر فيه، الزاهر:١/ ٤٨.\n(^٤) «السمعاني: تفسير القرآن:٣/ ٦٧\n(^٥) «السمعاني: تفسير القرآن:١/ ٨٣","vol":"1","page":182},{"text":"وفي ذكره لأحد الأقوال في تفسير قوله تعالى:\" وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ\" (الجن ١٨)، قال: (إنها بمعنى السجود، وهي جمع مسجد، يقال: سجدت سجودا ومسجدا، والمعنى: أن السجود لله يعني: هو المستحق للسجود\" (^١).\nوهذا هو المعنى المعروف في لغة العرب:\nيقول ابن الأنباري: \"وقولهم: قد سجد الرجل، معناه: قد انحني وتطامن، ومال إلى الأرض، ومن قول العرب: قد سجدت الدابة، وأسجدت، إذا خفضت رأسها لتركب، ويقال: قد سجدت النخلة، إذا مالت، ويكون السجود على جهة الخشوع والتواضع، والتذلل لله، ويكون السجود على معنى التحية\" (^٢).\nويقول أبو نصر الجوهري: \"سجد: خضع، ومنه سجود الصلاة، وهو وضع الجبهة على الأرض، والاسم السِجدة بالكسر\" (^٣).\nويقول الإمام الطبري: \"وأصل السجود: الانحناء لمن سُجد له معظما بذلك، فكل منحن لشيء تعظيما له، فهو ساجد\" (^٤)، ويقول الإمام ابن تيمية: \"ولفظ السجود: يستعمل في اللغة: لخضوع الجمادات وغيرها، كالبيت المعروف:\nبجيش تضل البلق في حجراته ... ترى الأكم فيه سجدا للحوافر\nقال ابن قتيبة: حجراته: جوانبه، يُريد أن حوافر الخيل قد بلغت الأكم ووطئتها، حتى خشعت وانخفضت\" (^٥).\nالمسألة الرابعة:\nذكر الإمام السمعاني هذه العبادة العظيمة (السجود) عن المخلوقات في عدة مواطن وهي كالآتي:\nأ - سجود الملائكة، وعلة امتناع ابليس من السجود لآدم:\nقد حكى القرآن الكريم هذا المشهد في أكثر من موضع، والقارئ حين يقرأ تلك المواضع، يشاهد مدى الحسد الذي ملأ الشيطان، والكبر الذي منعه من امتثال أمر الله تعالى، فالله جل وعز يقول:\n_________\n(^١) «السمعاني: تفسير القرآن:٦/ ٧٠\n(^٢) «ابن الأنباري: الزاهر:١/ ٤٧\n(^٣) «الجوهري: الصحاح، دار العلم، بيروت، ط ٤، ١٤٠٧ هـ (٢/ ٤٨٣)\n(^٤) «الطبري: جامع البيان:٢/ ١٠٤\n(^٥) «ابن تيمية: جامع الرسائل:١/ ٣٨","vol":"1","page":183},{"text":"-\" وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِأدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٣٤) \" (البقرة ٣٤)، فبينت هذه الآية الكريمة، أن ابليس أبى وامتنع وأنف من السجود لآدم، حيث ظن أنه خير من آدم (^١)، وفي مقام آخر يقول الباري جل وعلا: \"قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ\" (الأعراف ١٢)، يقول السمعاني: \"فإن قيل: لم يكن هذا منه جوابا عما سئل عنه؟ قيل: تقديره قال: لم أسجد لأني خير منه، وقيل: السؤال مقدر فيه، كأنه قيل له أنت خير أم هو؟ فقال: أنا خير منه\" (^٢)،\nوقال الله تعالى في مقام آخر:\n-\" قَالَ يَاإِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (٣٢) قَالَ لَمْ أَكُن\nلِّأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ\" (الحجر ٣٢ - ٣٣)، فهنا ابليس تفاخر وتعاظم وقال: \"إني أفضل منه؛ لأنه طيني وأنا ناري، والنار تأكل الطين \" (^٣)، وبين الله المقام وضوحًا، فقال:\nـ\" وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِأدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قَالَ ءَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا\" (الإسراء ٦١)، \"ومعناه: أأسجد لمن خلقته من طين، وخلقتني من نار، وللنار فضل على الطين، فإن النار تأكل الطين، ولم يعلم الخبيث أن الجواهر كلها من جنس واحد، والفضل لما فضله الله تعالى، وفي الطين من المنافع ما يقاوم منافع النار، أو يرقى عليها، وللطين من كرم الطبع ماليس للنار\" (^٤).\nإذن سبب قول إبليس، هو ما أشار إليه ابن عباس،: كان إبليس من أشراف الملائكة، وكان خازن الجنان، وأمين السماء الدنيا، فأعجبته نفسه، ورأى أن له فضلا على غيره، فلما أمره الله تعالى بالسجود لآدم، امتنع لذلك الذي كان في نفسه (^٥).\n_________\n(^١) «السمعاني: تفسير القرآن:١/ ٦٨\n(^٢) «السمعاني: تفسير القرآن،:٢/ ١٦٨\n(^٣) «السمعاني: تفسير القرآن:٣/ ١٣٩\n(^٤) «السمعاني: تفسير القرآن:٣/ ٢٥٦ - ٤/ ٢٥٤\n(^٥) «السمعاني: تفسير القرآن:٤/ ٤٥٤","vol":"1","page":184},{"text":"أما الملائكة فقد ذكر السمعاني بعض الآثار التي تدل على عِظم عبادة الملائكة لله جل وعلا، فقال: \"وعن ابن عباس: أن لله تعالى ملائكة يبكون من خشيته من يوم خلقهم، وملائكة في الركوع، وملائكة في السجود، وملائكة في التسبيح، لايشغلهم عن ذلك شيء \". (^١)\n- \"وذكر ابن فارس في تفسيره في خبر: أن الله تعالى لما استوى على عرشه، سجد ملك، فلا يرفع رأسه من السجود إلى يوم القيامة، فإذا رفع رأسه يوم القيامة، قال: سبحانك ما عبدتك حق عبادتك، غير أني لم أشرك بك، ولم اتخذ لك ندا \". (^٢)\nب - سجود الجمادات:\nسبق بحث هذه المسألة، وبيان رأي الإمام السمعاني فيها، وهو يرى هذه الجمادات برمتها تسجد وتسبح لله جل وعلا، فقرر هذا المعنى عند قوله جل وعلا في ذم الكفار:\" إِنْ هُمْ إِلَّاكَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا\" (الفرقان ٤٤)، فيقول: \"وجعل الكفار أضل من الأنعام؛ لأن الأنعام تسجد وتسبح لله تعالى، والكفار لايسجدون ولايسبحون \" (^٣).\nخلافا لما ذهب إليه الإمام ابن حزم وقرَّره، من أن السجود من الأسماء المشتركة التي تقع على نوعيه فأكثر، فيكون معنى السجود الذي ورد في القرآن كقوله:\" وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا \" (الرعد ١٥)، أن هذا مفسر بقوله تعالى:\" وَظِلَالُهُم بِالْغُدُوِّ وَالْأصَالِ\" (الرعد ١٥)، وقوله تعالى:\" أَوَ لَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ يَتَفَيَّؤُا ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِّلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ\" (النحل ٤٨) (^٤)، ولكن السمعاني في تفسيره لهذه الآية، ذكر أن أكثر السلف على أن المراد بالسجود هنا: الطاعة لله، وأن كل الأشياء ساجدة لله مطيعة من حيوان وجماد، قال: وهذا محكي عن ابن عباس ومجاهد وقتادة، والحسن البصري (^٥)، ورجح هذا القول.\n_________\n(^١) «السمعاني: تفسير القرآن:٣/ ٨٤\n(^٢) «السمعاني: تفسير القرآن:٣/ ٣٧٣\n(^٣) «السمعاني: تفسير القرآن:٤/ ٢٢\n(^٤) «ابن حزم: الفصل في الملل والأهواء والنحل:١/ ٧٢\n(^٥) «السمعاني: تفسير القرآن:٣/ ١٧٦","vol":"1","page":185},{"text":"ونقل عن الزجاج في تفسير قوله تعالى:\" أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ \" (الحج ١٨)، قوله: \"السجود هاهنا: بمعنى الطاعة، أي: يطيعه، واستحسنوا هذا القول؛ لأنه موافق للكتاب، وهو قوله تعالى:\" ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ\" (فصلت ١١) \" (^١)، وذكر الإمام السمعاني في هذا المعنى، حديث سجود الشمس، كما جاء في حديث أبي ذر أنه قال: كنت عند النبي - ﷺ - حتى غابت الشمس، فقال: (يا أبا ذر، أتدري أين تذهب؟ قلت: الله ورسوله أعلم، فقال: إنها تذهب وتستأذن في السجود، وفي رواية: تذهب إلى تحت العرش وتستأذن في السجود، فيؤذن لها في السجود، فقال لها: اطلعي من حيث كنت تطلعين، وكأنها قد قيل لها يوما يا أبا ذر: اطلعي من حيث جئت، فتطلع من مغربها \" (^٢) (^٣).\n_________\n(^١) «السمعاني: تفسير القرآن:٣/ ٤٢٧ - ٤/ ٣١٤\n(^٢) «أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب بيان الزمن الذي لايقبل فيه الإيمان ح (٢٥٠)\n(^٣) «السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٣٧٧","vol":"1","page":186},{"text":"قال الإمام ابن بطال (^١): \"وأما استئذان الشمس في السجود، فالاستئذان قول لها، والله على كل شيء قدير، فيمكن أن يخلق الله فيها حياة توجد القول عندها، فتقبل الأمر والنهي؛ لأن الله قادر على إحياء الجماد والموات\" (^٢)، وقال غيره: يحتمل أن يكون الاستئذان أسند إليها مجازا، والمراد من هو مُوَكَّل بها من الملائكة، قال المباركفوري (^٣): \"قلت الظاهر هو الأول\" (^٤).\nج - سجود بني إسرائيل:\nأمر الله تعالى بني إسرائيل أن يدخلوا بيت المقدس سجدا، كما قال جل في علاه: ... \"وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا ... \" (البقرة ٥٨)، واختلف المفسرون في معنى السجود في هذه الآية على أقوال:\nالأول: قيل: هو سجود على حقيقته، قال الحسن: أراد به السجود نفسه الذي هو إلصاق الوجه بالأرض، واستبعده الرازي؛ لأن الظاهر يقتضي وجوب الدخول حال السجود، فلو حملنا السجود على ظاهره لامتنع ذلك (^٥).\n_________\n(^١) «ابن بطال: علي بن خلف، أبو الحسن، عالم بالحديث، من أهل قرطبة، له شرح صحيح البخاري، توفي سنة ٤٤٩ هـ، الزركلي: الأعلام: ٤/ ٢٨٥\n(^٢) «ابن بطال: شرح صحيح البخاري: مكتبة الرشد، الريا، ط ٢، ١٤٢٣ هـ (١٠/ ٤٥١).\n(^٣) «المباركفوري: عبدالرحمن: عالم مشارك في أنواع من العلوم، قرأ العلوم العربية، والمنطق، والفلسفة، والهيئة، والفقه، وأصول الفقه، من مؤلفاته: السنن في مجلدين، توفي سنة ١٣٥٣ هـ، عمر كحالة، معجم المؤلفين:٥/ ١٦٦\n(^٤) «المباركفوري: تحفة الأحوذي: دار الكتب العلمية (٦/ ٣٤٩)\n(^٥) «الرازي: مفاتيح الغيب:٣/ ٥٢٣","vol":"1","page":187},{"text":"الثاني: أن المراد بالسجود هنا: الركوع؛ لأن الباب كان صغيرا ضيقا، يحتاج الداخل فيه إلى الانحناء، وهذا مروي عن ابن عباس، قال الطبري: \"فإن ابن عباس كان يتأوله بمعنى الركوع\"، ثم قال مبينا وجه قول ابن عباس:\" وأصل السجود: الانحناء لمن سُجد له معظما بذلك، فكل منحن لشيء تعظيما له، فهو ساجد ...، فذلك تأويل ابن عباس قوله:\"سجدًا\" ركعًا؛ لأن الراكع منحن، وإن كان الساجد أشد انحناءً منه\" (^١)، وبهذا فسر الإمام السمعاني معنى السجود في هذا الموضع فقال: \"سجدًا: أي ركعا خضعا، وأصل السجود الخضوع، وفي الركوع خضوع، وقال الشاعر:\n(بجمع تضل البلق في حجراته: ترى الأكم فيه سجدًا للحوافر)، أي: ركعًا خضعًا \" (^٢)\nواستبعد هذا القول الرازي أيضا وقال: \"وهذا بعيد؛ لأنه لو كان ضيقًا، لكانوا مضطرين إلى دخوله ركعًا، فما كان يحتاج فيه إلى الأمر\" (^٣).\nالثالث: قيل: المراد منه: متواضعين خشوعًا لا على هيئة متعينة (^٤)، فالسجود هنا محمول على الخضوع؛ لتعذر حمله على حقيقته، ورجحه الرازي (^٥).\nد - سجود السحرة:\nقصّ الله جل وعلا قصة موسى - ﵇ - مع سحرة فرعون، وأنهم حين رأوا مارأوا من الآيات العظيمة الباهرة التي لايمكن أن تكون من جنس تمويههم، ولاتخييلهم، عرفوا أنها من عند الله جل وعلا، فآمنوا وأقروا واعترفوا، وصبروا، وخروا لله ساجدين كما قال جل وعلا: \"وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (١٢٠) قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ\" (الأعراف ١٢٠ - ١٢٢)، وهنا اختلف المفسرون في حقيقة هذا السجود على قولين:\nالأول: أنهم سجدوا لله تعالى: إقرارا بربوبيته، واستحقاقا لعبوديته، وهذا الذي عليه جماهير أهل التفسير، قال الطبري: \"وأُلقي السحرة عندما عاينوا من عظيم قدرة الله، ساقطين على وجوههم، سجدا لربهم\" (^٦).\n_________\n(^١) «الطبري: جامع البيان:٢/ ١٠٤\n(^٢) «السمعاني: تفسير القرآن:١/ ٨٣\n(^٣) «الرازي: مفاتيح الغيب:٣/ ٥٢٣\n(^٤) «القرطبي: الجامع لأحكام القرآن:١/ ٤١٠\n(^٥) «الرازي: مفاتيح الغيب:٣/ ٥٢٣\n(^٦) «الطبري: جامع البيان:١٣/ ٣٢","vol":"1","page":188},{"text":"وقال الثعلبي: \"وألقي السحرة ساجدين لله، حيث عرفوا أن ذلك أمر سماوي وليس سحرًا\" (^١)، وقال البغوي: \"وألقي السحرة ساجدين لله\" (^٢)، وهو المروي عن ابن عباس ﵄، قال: خروا لله سامعين مطيعين (^٣).\nالثاني: أنهم سجدوا لموسى؛ تسليما له، وإيمانا به، حكاه الماوردي في تفسيره (^٤).\nواختلف المفسرون في كيفية وقوع السجود منهم على قولين:\nالأول: أن الله جل وعلا ألهمهم أن يسجدوا فسجدوا.\nالثاني: قيل أن موسى وهارون سجدا شكرا لله تعالى، فوافقهم السحرة.\nوحكى هذين القولين الإمام السمعاني في تفسيره (^٥).\nوأشار في مقام آخر في السجود الذي وقع منهم، فقال: \"يجوز أن يكون معناه: وقعوا ساجدين، ويجوز أن يكون معناه: ألقاهم الحق الذي رأوه\" (^٦).\nوقال الأخفش: \"من سرعة ماسجدوا كأنهم أُلقوا\" (^٧)، ولذا هم لم يجبروا على السجود، وإنما سجدوا باختيارهم، فإنهم من عظيم ماعاينوا من الآيات، كأنهم صاروا مفعولين في الإلقاء، فاضطرهم ذلك إلى مبادرة السجود (^٨)، ولذا قال الرازي: \"فليس المراد منه أنهم أُجبروا على السجود، وإلا لما كانوا محمودين، بل التأويل فيه ماقال الأخفش\" (^٩).\nالمسألة الخامسة:\nلما كان السجود بهذه المثابة العظيمة، وبهذه المكانة والمنزلة الجليلة الكريمة، فإن القرآن عبَّر عن الصلاة التي هي أهم أركان الإسلام، بهذا الركن العظيم في مواطن كثيرة، وقد تتبع الإمام السمعاني بعض هذه المواطن، وأشار إلى خلاف العلماء فيها، ومنها:\n_________\n(^١) «الثعلبي: الكشف والبيان:٤/ ٢٧٠\n(^٢) «البغوي: معالم التنزيل:٢/ ٢٢٠\n(^٣) «الواحدي: الوسيط:٢/ ٣٩٥\n(^٤) «الماوردي: النكت والعيون:٢/ ٢٤٦\n(^٥) «السمعاني: تفسير القرآن:٢/ ٢٠٥\n(^٦) «السمعاني: تفسير القرآن:٤/ ٤٦\n(^٧) «البغوي: معالم التنزيل:٢/ ٢٢٠\n(^٨) «ابن الجوزي: زاد المسير:٢/ ١٤٤\n(^٩) «الرازي: مفاتيح الغيب:٢٢/ ٧٥","vol":"1","page":189},{"text":"-قوله تعالى:\" فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا\" (النجم ٦٢)،يقول السمعاني: \"حمل بعضهم هذا على الصلوات الخمس، وقيل: أن الآية نزلت بمكة قبل فرض الصلوات الخمس، والسورة مكية فعلى هذا معناه:\" فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا\"أي: اخضعوا لله ووحدوا \" (^١).\nوقد فسرها بالصلوات الخمس مقاتل في تفسيره (^٢)، وبذا فسرها الإمام الطبري فقال: \"فاسجدوا أيها الناس في صلاتكم، دون من سواه من الآلهة والأنداد \" (^٣).\nوالعلماء مختلفون في هذا السجود على قولين (^٤):\nالأول: المراد به سجود التلاوة، وهو قول ابن مسعود، وبه قال أبو حنيفة والشافعية.\nوالثاني: المراد به سجود الفرض في الصلاة، وهو قول ابن عمر وقال به مالك.\n- وقال جل وعلا:\"وَمِنَ الَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ\" (ق ٤٠)، ذكر الإمام السمعاني أقوالًا في تأويل هذه الآية (^٥):\nالأول: الركعتان بعد المغرب، وقال عنه هو القول المعروف، ورد القرآن به لزيادة الندب والتأكيد، وهو قول علي، وأبي هريرة، وابن عباس.\nالثاني: المراد جميع النوافل بعد الفرائض.\nالثالث: الوتر؛ لأنه آخر مايفعله الإنسان عند فراغه من الصلوات.\nوحكى الإمام الطبري عن جماعة من الأئمة أن المراد بأدبار السجود: التسبيح في أدبار الصلوات المكتوبة (^٦)، ثم قال: \"وأولى الأقوال في ذلك بالصحة، قول من قال: هما الركعتان بعد المغرب، لإجماع الحجة من أهل التأويل على ذلك \" (^٧).\nثم ختم السمعاني مايتعلق بهذه العبادة العظيمة، ببيان فضائلها وميزاتها وماورد فيها:\nيقول السمعاني: \"وقد ورد في السجود أخبار منها (^٨):\n_________\n(^١) «السمعاني: تفسير القرآن:٥/ ٣٠٥\n(^٢) «مقاتل: تفسير مقاتل:٤/ ١٦٨\n(^٣) «الطبري: جامع البيان:٢٢/ ٥٦١\n(^٤) «الماوردي: النكت والعيون:٥/ ٤٠٧ - القرطبي: الجامع لأحكام القرآن:١٧/ ١٢٤\n(^٥) «السمعاني: تفسير القرآن:٥/ ٢٤٨\n(^٦) «الطبري: جامع البيان:٢٢/ ٣٨٠\n(^٧) «الطبري: جامع البيان:٢٢/ ٣٨١\n(^٨) «السمعاني: تفسير القرآن:٢/ ٢٤٥","vol":"1","page":190},{"text":"- ماروى أبو هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه قال: (إذا سجد ابن آدم، اعتزل الشيطان يبكي، ويقول ياويلاه، أُمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة، وأمرت بالسجود فأبيت فلي النار) (^١).\n- وفي حديث ربيعة بن كعب الأسلمي: أنه أتى النبي - ﷺ - بوضوئه لحاجته، فقال: سلني، فقلت: أريد مرافقتك في الجنة، فقال: أو غير ذلك؟ فقلت: هو ذاك، فقال: (أعني على نفسك بكثرة السجود). (^٢)\n- وروى أبو فاطمة عن النبي - ﷺ - أنه قال: (مامن عبد يسجد لله سجدة إلا رفعه الله بها درجة). (^٣)\nوأخيرًا يقول السمعاني: قد يعبر عن السجود بالركوع؛ لأن كل واحد منهما نوع من الانحناء، وأنشدوا في ذلك:\n(فخر على وجهه راكعًا ... وتاب إلى الله من كل ذنب) (^٤)\nالمسألة السادسة:\nالركوع: وهو عبادة، يقول السمعاني: \"وأصل الركوع عبادة مع انحناء، يُقال: ركعت النحلة، إذا انحنت، وعنه قول الشاعر:\n(أخبر أخبار القرون التي مضت ... أدب كأني كلما قمت راكع) \" (^٥)\nوقال: \"وفي الركوع خضوع \" (^٦).\nوقد جاء ذكر الركوع في القرآن الكريم، قال جل وعلا:\n\" إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ\" (المائدة ٥٥)، يقول السمعاني: \" يعني مصلون، إلا أنه خص الركوع تشريفا، وقيل: معناه خاضعون \" (^٧).\n_________\n(^١) «أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب بيان إطلاق اسم الكفر على من تروك الصلاة ح (١٣٣)\n(^٢) «أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الصلاة، باب فضل السجود والحث عليه، ح (٤٨٩)\n(^٣) «أخرجه الترمذي في جامعه، باب ما جاء في كثرة السجود والركوع، ح (٣٨٩)\n(^٤) «السمعاني: تفسير القرآن:٤/ ٤٣٦ - ٤٣٧\n(^٥) «السمعاني: تفسير القرآن:١/ ٧٣\n(^٦) «السمعاني: تفسير القرآن:١/ ٨٣\n(^٧) «السمعاني: تفسير القرآن:٢/ ٤٧","vol":"1","page":191},{"text":"-\" يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ\" (آل عمران ٤٣)، يقول السمعاني: \" إنما قدم السجود على الركوع؛ لأنه كان كذلك في شريعتهم، وقيل: لا بل الركوع قبل السجود في جميع الشرائع، وليست الواو للترتيب بل للجمع ...، أي واركعي واسجدي، وإنما قال للراكعين ولم يقل للراكعات؛ ليكون أعم وأشمل، وقيل معناه مع المصلين في الجماعة \" (^١).\n-\" وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ\" (المرسلات ٤٨)، يقول السمعاني:\"معناه: إذا قيل لهم صلوا لايصلون، وقيل: إنها نزلت في ثقيف استعفوا من الصلاة، وقيل: كانوا استعفوا من الركوع والسجود، فقال النبي: - ﷺ - لاخير في دين ليس فيه ركوع ولا سجود\" (^٢).\nفالركوع عبادة عظيمة، فيها معنى الخضوع والذل: \"وكانت العرب تسمي من آمن بالله تعالى ولم يعبد الأوثان راكعًا، ويقولون: ركع إلى الله، أي: اطمأن إليه خالصة\" (^٣).\nويقول الراغب الأصفهاني: \"الركوع: الانحناء، فتارة يستعمل في الهيئة المخصوصة في الصلاة كما هي، وتارة في التواضع والتذلل، إما في العبادة، وإما في غيرها\" (^٤).\nوالخلاصة: أن السجود والركوع من أخص دلالات الخضوع، والتذلل، والتواضع لله جل وعلا، ولذا كانت الملائكة على ديمومة الركوع والسجود، كما جاء في الخبر عن النبي: - ﷺ - (ليس موضع قدم في السماء إلا وفيه ملك قائم، أو راكع، أو ساجد) (^٥) (^٦).\nوهذا يبين بجلاء اهتمام الإمام السمعاني بتتبع المسائل العقائدية، وقضايا التوحيد وبيانها، والرد على المخالفات التي تنتابها.\n_________\n(^١) «السمعاني: تفسير القرآن:١/ ٣١٨\n(^٢) «أخرجه أحمد في المسند: مقدمة الرسالة، ط ١، ١٤٢١ هـ، ح (١٧٩١٣) وضع اسناده محققوا المسند (٢٩/ ٤٣٨)، وانظر السمعاني: تفسير القرآن: ٦/ ١٣٣\n(^٣) «الزمخشري: أساس البلاغة، دار الكتب العلمية، بيروت، ط ١، ١٤١٩ هـ، (١/ ٣٨١)\n(^٤) «الراغب: المفردات في غريب القرآن، دار القلم، دمشق، ط ١، ١٤١٢ هـ، (٣٦٤)\n(^٥) «أخرجه الطبراني في المعجم الكبير، مكتبة ابن تيمية، القاهرة، ط ٢، ح (١٧٥١) (٢/ ١٨٤)\n(^٦) «السمعاني: تفسير القرآن:٤/ ٤٢٠","vol":"1","page":192},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-69>٣ - الذكر </span>(^١):\nناقش السمعاني فيه ثلاث مسائل:\n١ - أهمية الذكر ومحله، ومدح أهله.\n٢ - العموم والخصوص في إطلاق لفظ الذكر.\n٣ - ما يشمله الذكر بمعناه الخاص، وذكر تحته: التسبيح والتحميد.\nذكْرُ الله جل وعلا من أجل العبادات، وأسهل الطاعات، اشتركت فيه كل المخلوقات، وذكره تعالى قائم في كل الكائنات.\nولما كان الذِكْر بهذه الميزة العظيمة، والمكانة الجليلة، والتي بها التفرقة بين القلب المعمور والقلب المهجور، تتبع الإمام السمعاني الآيات التي أشارت إلى فضل الذكر، وأصنافه، وأقسامه، وأنواعه، فأفاض﵀ - في بيانه، وأسهب في إيضاحه.\nوحَصْرُ ما ذكره السمعاني، وأشار إليه في هذا المقام، يُجمل في عدة مسائل:\nالمسألة الأولى:\nأن الله جل وعلا أمر به، وحثَّ عليه، وبَيَّن الفضل المترتب عليه، وهي عبادة قلبية ولسانية، يقول السمعاني: \"الذكر يكون بالقلب، ويكون باللسان، هو ضد النسيان \" (^٢).\nومن الآيات الآمرة بالذكر، والحاضة عليه، قول الله جل وعلا:\n\" فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ\" (البقرة ١٥٢)،ذكر الإمام السمعاني ثلاثة أقوال في المعنى المراد من الذكر (^٣).\nالأول: بمعنى المدح والثناء عليه، ذكره الإمام الطبري عن الربيع، والسُدِّي (^٤).\nالثاني: قيل معناه: فاذكروني كما أرسلنا، وضعف هذا القول الطبري في تفسيره (^٥).\n_________\n(^١) «يقول الإمام القرطبي: \" وأصل الذكر: التَنبُّه بالقلب للمذكور، والتيقظ له. وسُمِّي الذكر باللسان ذكرًا؛ لأنه دلالة على الذكر القلبي، غير أنه لما كثُر إطلاق الذكر على القول اللساني، صار هو السابق للفهم \". الجامع لأحكام القرآن: ٢/ ١٧١\n(^٢) «السمعاني: تفسير القرآن:١/ ٧٠، يقول الإمام ابن جُزي: \"الذكر ثلاثة أنواع: ذكر بالقلب، وذكر باللسان، وبهما معا\". التسهيل لعلوم التنزيل ١/ ١٠١\n(^٣) «السمعاني: تفسير القرآن:١/ ١٥٥.\n(^٤) «الطبري: جامع البيان:٣/ ٢١١\n(^٥) «الطبري: جامع البيان:٣/ ٢٠٩","vol":"1","page":193},{"text":"الثالث: قيل الذكر من العبد الطاعة، ومن الله المغفرة والرحمة، ومعناه: فاذكروني بالطاعة، أذكركم بالمغفرة والرحمة، وهذا القول روي عن ابن عباس، وسعيد بن جبير، و\"روي أن عبد الملك كتب إلى سعيد بن جبير في مسائل، فقال في جوابها: وتسأل عن الذكر، الذكر: طاعة الله، فمن أطاع الله فقد ذكر الله، ومن لم يطعه فليس بذاكر، وإن أكثر التسبيح وتلاوة الكتاب، وتسأل عن قول الله تعالى: \"فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ\" فإن ذلك: إن الله يقول: اذكروني بطاعتي، أذكركم بمغفرتي \" (^١).\n-\" وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ\" (البقرة ١٩٨)، يقول الإمام السمعاني:\" أي: واذكروه بالتوحيد والتعظيم، كما ذكركم بالهداية \" (^٢).\n-\"فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا \" (البقرة ٢٠٠)، يقول الإمام السمعاني: \" يعني: اذكروا الله بالتكبير، والتمجيد، والثناء عليه \" (^٣).\n-\" وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا\" (المزمل ٨)،يقول الإمام السمعاني: \"قال مقاتل: إذا قرأت فقل: بسم الله الرحمن الرحيم، عند افتتاح السورة، وقيل: اذكر ربك\" (^٤).\n-\" وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا\" (الإنسان ٢٥)، يقول الإمام السمعاني: \"أي بالغدو والعشي\" (^٥)، وقد فسر الإمام السمعاني قوله تعالى:\" وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا\" (الفرقان ١٦٢)، بأن \"من أراد ذكرا أو شكرًا، فالليل والنهار زمانا الذكر والشكر\" (^٦).\nوقد أمر الله جل وعز بذكر الله على كل الأحوال، فقال:\" فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ \" (النساء ١٠٣)، \"يعني الذكر بالتسبيح، والتهليل، والتحميد والتمجيد \" (^٧).\n_________\n(^١) «الواحدي: التفسير الوسيط:١/ ٢٣٤\n(^٢) «السمعاني: تفسير القرآن:١/ ٢٠٢\n(^٣) «السمعاني: تفسير القرآن:١/ ٢٠٤\n(^٤) «السمعاني: تفسير السمعاني:٦/ ٨٠\n(^٥) «السمعاني: تفسير السمعاني:٦/ ١٢٢\n(^٦) «السمعاني: تفسير السمعاني:٤/ ٢٩\n(^٧) «السمعاني: تفسير السمعاني:١/ ٤٧٤.","vol":"1","page":194},{"text":"ولذا أثنى الله تعالى على الذاكرين في كل أحوالهم:\"الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ \" (آل عمران ١٩١)، قيل معناه: \"الذين يوحدون الله كل حال\" (^١).\n-\"وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ\" (الأحزاب ٣٥): هذه الآية ونحوها مما قيد فيه الذكر بالكثرة، مما رجح به العلماء الذكر على غيره من العبادات، وهذا السر في الذكر، الذي هو الإكثار من الدعاء، وقد ورد في عدة مواضع في الكتاب العزيز، يقول تعالى:\n-\" إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا\" (الأنفال ٤٥).\n-\" إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا\" (الشعراء ٢٢٧).\n-\" لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا\" (الأحزاب ٢١).\n-\" يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا\" (الأحزاب ٤١).\n-\" وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا\" (الجمعة ١٠).\nيقول الإمام ابن جُزي: واعلم أن الذكر أفضل الأعمال على الجملة، وإن ورد في بعض الأحاديث، تفضيل غيره من الأعمال، كالصلاة وغيرها، فإن ذلك لما فيها من معنى الذكر، والحضور مع الله تعالى والدليل على فضيلة الذكر من ثلاثة أوجه:\nالأول: النصوص الواردة بتفضيله على سائر الأعمال.\nالوجه الثاني: أن الله تعالى حيث ما أمر بالذكر، أو أثنى على الذكر؛ اشترط فيه الكثرة، فقال:\" وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا\" (الأحزاب ٤١)،\"وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا\" (الأحزاب ٣٥)، ولم يشترط ذلك في سائر الأعمال.\nالوجه الثالث: أن للذكر مزية هي له خاصة وليست لغيره: وهي الحضور في الحضرة العلية، والوصول إلى القرب بالذي عبَّر عنه ماورد في الحديث من المجالسة والمعية، أن الله تعالى يقول: (أنا جليس من ذكرني) (^٢)، وقد أشار السمعاني لهذا في تفسير قوله تعالى:\" وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ \" (العنكبوت ٤٥)، وذكر فيه ثلاثة أقوال:\n_________\n(^١) «السمعاني: تفسير السمعاني:١/ ٣٨٨.\n(^٢) «ابن جُزِّي: التسهيل لعلوم التنزيل:١/ ١٠٢","vol":"1","page":195},{"text":"الأول: ولذكر الله أكبر، أي: أفضل من كل الطاعات.\nوالثاني: أي: ولذكر الله إياكم، أكبر من ذكركم إياه.\nوالثالث: أي: ولذكر الله في الثواب، أكبر من ذكركم في الطاعة (^١).\nوذكر الإمام السمعاني ضابط الذكر الكثير فقال:\nأ - أن يذكره في جميع المواطن على السراء والضراء (^٢).\nب - وقيل: حتى يذكره قائما، وقاعدا، ومضطجعا، رواه عن مجاهد (^٣).\nج - وقيل: الذكر الذي يستديم به طاعة الله، وينتهي به عن معصيته (^٤).\nالمسألة الثانية:\nإن لفظ الذكر يُطلق ويراد به العموم والخصوص، فالخصوص: كالأذكار، وقراءة القرآن، وكل ما يتعلق بذكر اللسان. والعموم: يُراد به كل طاعة وعبادة، ومن ذلك الصلاة، قال تعالى: (وأقم الصلاة لذكري)، قال السمعاني: فيه أقوال: أحدها: لتذكرني فيها (^٥)\nإن لفظ الذكر يُطلق في القرآن، ويراد به الصلوات المفروضة، ومن ذلك ماحكاه الإمام السمعاني في قوله تعالى:\" اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا\" (الأحزاب ٤١)،فقال:\" فيه قولان:\nاحدهما: أن المراد بالذكر الكثير: هو الصلوات الخمس.\nالثاني: أن المراد بالذكر الكثير: هو التسبيح، والتحميد، والتهليل، والتكبير، وأشباهها، وهذه الأذكار هي التي لايُمنع منها مسلم بجنابة، ولا حدث، ولا بغير ذلك \" (^٦).\nوقوله تعالى:\"فَإِذَا أَمِنتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ\" (البقرة ٢٣٩)، يقول السمعاني: \"يعني: كما علمكم من أصل الصلاة في حال الأمن\" (^٧).\nوذكر أئمة التفسير في معنى الآية قولًا آخر، وهو: الذكر بالثناء عليه، والحمد له ﷾ (^٨).\n_________\n(^١) - السمعاني: مرجع سابق: ٤/ ١٨٤\n(^٢) «السمعاني: تفسير القرآن:٤/ ٢٧٠\n(^٣) «السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٢٨٤\n(^٤) «السمعاني: تفسير القرآن:٤/ ٢٩٢\n(^٥) - السمهاني: مرجع سابق: ٣/ ٣٢٤\n(^٦) «السمعاني: تفسير القرآن:٤/ ٢٩٢\n(^٧) «السمعاني: تفسير القرآن:١/ ٢٤٤\n(^٨) «الماوردي: النكت والعيون:١/ ٣١١","vol":"1","page":196},{"text":"وقوله تعالى:\" رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ\" (النور ٣٧)، ويقول السمعاني: \" فإن قيل: إذا حملتم ذكر الله على الصلوات الخمس، فما معنى قوله:\" وَإِقَامِ الصَّلَاةِ\"؟ قلنا معناه: حفظ المواقيت، ومن لم يحفظ المواقيت، فلم يُقم الصلاة\" (^١).وذكر الإمام الطبري هذا عن ابن عباس﵄- (^٢)، وروي عن ابن عمر﵄- (^٣)، وذكر أئمة التفسير أقوالا أخرى في معنى الذكر في الآية: فقيل: عن ذكره بأسمائه وصفاته، وقيل: عن الأذان (^٤)، وقيل: عن ذكر الله باللسان (^٥).\nوقوله تعالى:\" فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ\" (الجمعة ١٠)، وذكر السمعاني فيها قولان: الأول: الخطبة، والثاني: أنه الصلاة، وصحح الأول (^٦).\nالمسألة الثالثة:\nأن الذكر يشمل: التسبيح، والتحميد، والتهليل، والتكبير، وغير ذلك.\nوقد ذكر السمعاني في تفسيره هذه المعاني، وأنها تدخل في عموم الذكر.\nـ ففي قوله تعالى:\" فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا\" (النصر ٣)، قال: \"والأصح أن معناه: اذكره بالتحميد والشكر لهذه النعمة العظيمة، فإن التسبيح هو بمعنى الذكر، فصار معنى الآية على هذا، فاذكر ربك بالتحميد والشكر\" (^٧).\n-وفي قوله تعالى:\" يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ... \" (الجمعة ١)، يقول: ويُقال: التسبيح لله هو ذكر الله\" (^٨).\n_________\n(^١) «السمعاني: تفسير القرآن:٣/ ٥٣٥\n(^٢) «الطبري: جامع البيان:١٩/ ١٩٣\n(^٣) «ابن الجوزي: زاد المسير:٣/ ٢٩٨\n(^٤) «الماوري: النكت والعيون:٤/ ١٠٧\n(^٥) «ابن الجوزي: زاد المسير:٣/ ٢٩٨\n(^٦) «السمعاني: تفسير القرآن:٥/ ٤٣٥\n(^٧) «السمعاني: تفسير القرآن:٦/ ٢٩٦\n(^٨) «السمعاني: تفسير القرآن:٥/ ٤٣٠","vol":"1","page":197},{"text":"- وفي قوله تعالى:\" وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى\" (الأعلى ١٥)، يقول:\"ويُقال: الذكر هو التكبير\" (^١)، وقد أفاض السمعاني في ذكر معاني هذه الأذكار، وبعض أحكامها، نُشير إلى بعضها إشارة:\nأ - التسبيح: التسبيح عبادة أهل السماوات والأرض (^٢)، وهي كلمة تنزيه وتبرئة الرب عن السوء، والتنزيه: ألا يُوصف الرب بوصف لا يليق به.\nوقد عَرَّف السمعاني التسبيح بتعاريف متعددة، متقاربة، يجمعها معنى واحد، وهو الثناء على الله، وتعظيمه على وجه ينفي عنه كل سوء، فقال عن التسبيح:\nـ \" الثناء على الله بالتبرئة، والتنزيه من العيوب \". (^٣)\nـ \" تعاظم بالأوصاف الحميدة عما يصفه به المشركون \". (^٤)\nـ \" تنزيه الرب عن كل ما لا يليق \". (^٥)\nـ \" تعظيم له، على وجه ينفي عنه كل سوء \". (^٦)\nوفي قوله تعالى: \" سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) \" (الأعلى ١)، يقول السمعاني:\" \" سَبِّحِ \": عظِّم ربك الأعلى، وقيل: نزه، وتنزيه الله - عز أسمه - الَّا يوصف بوصف لا يليق به \". (^٧)\nوهذا ما عليه علماء اللغة والشرع في معنى التسبيح:\nيقول ابن الأنباري: \" معنى سبحانك: تنزيها لك ربنا من الأولاد، والصاحبة، والشركاء، أي: نزهناك \". (^٨)\nويقول الإمام الخطابي: \" فأما اشتقاقاته من اللغة، فمن قولك: سبحت الله، أي: نزهته من كل عيب، وبرأته من كل آفة نقص \". (^٩)\n_________\n(^١) «السمعاني: تفسير القرآن:٦/ ٢١٠\n(^٢) «السمعاني: تفسير القرآن:٤/ ٤٣٠\n(^٣) «السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ١٥٦\n(^٤) «السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ١٥٨\n(^٥) «السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٤٣٠\n(^٦) «السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٣٣٨\n(^٧) «السمعاني: تفسير القرآن: ٦/ ٢٠٦\n(^٨) «ابن الأنباري: الزاهر: ١/ ٤٩\n(^٩) «الخطابي: غريب الحديث، دار الفكر، ١٤٠٢ هـ، (١/ ٦٨٥)","vol":"1","page":198},{"text":"وقد يأتي التسبيح بمعنى الصلاة، ومنه قوله تعالى: \" فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ\nوَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧) (الروم ١٧) \" وإنما سميت تسبيحًا؛ لأن التسبيح تعظيم الله، وتبرئته من السوء، والصلاة يوحد الله فيها، ويحمد، ويوصف بكل ما يبرئه من السوء. (^١)\nوهذا كان قول الملائكة حين قالوا: \" وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ \" (البقرة ٣٠)، يقول السمعاني:\" \" وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ \": هو التنزيه عن السوء، ومعناه: ونحن ننزهك عن الأضداد والشركاء \" (^٢)\nوذكر السمعاني أن التسبيح ورد في القرآن على وجوه متعددة (^٣):\n١ - ورد بمعنى الصلاة، قال تعالى: \" فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ \" (الصافات ١٤٣)، أي: من المصلين.\n٢ - ورد بمعنى الاستثناء، قال تعالى: \" قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ \" [القلم ٢٨]، أي: تستثنون.\n٣ - ورد بمعنى التنزيه، وهو قوله تعالى: \" سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ \" (الإسراء ١).\n٤ - ورد في الخبر بمعنى النور، وهو في الخبر الذي قال: \" لأحرقت سبحات وجهه ما أدركه بصره \". (^٤)، أي: نور وجهه.\nوأشار السمعاني إلى مسألة مهمة وهي: هل يمكن أن يُوصف أحد غير الله تعالى بـ (سبحان)؟ فأجاب قائلا: \" وكلمة سبحان، كلمة ممتنعة لا يجوز أن يوصف بها غير الله؛ لأن المبالغة في التعظيم لا تليق لغير الله، ولا تتصرف كما تتصرف كثير من المصادر؛ لأنه لما لم يستقم الوصف به لغير الله، ولم تتصرف جهاته، لزم أيضًا منهاجًا واحدًا في الصرف \" (^٥)، ونَقل عن علي ﵁ أنه قال: \" هو اسم ممتنع، لاينتحله مخلوق \". (^٦)\n_________\n(^١) «ابن سيده: المحكم والمحيط الأعظم، دار الكتب العلمية، بيروت، ط ١، ١٤٢١ هـ، (٣/ ٢١٢)\n(^٢) «السمعاني: تفسير القرآن:١/ ٦٤\n(^٣) «السمعاني: تفسير القرآن:٣/ ٢١٢\n(^٤) «أخرجه مسلم في صحيحه، باب في قوله تعالى: إن الله لا ينام، وفي قوله: حجابه النور، ح (١٧٩)\n(^٥) «السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٢١٢\n(^٦) «السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٢٠١","vol":"1","page":199},{"text":"ولما كان التسبيح عظيمًا؛ لأنه تنزيه للعظيم، كانت عبادة الملائكة قائمة على التسبيح، قال ﷾: \" وَلَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِندَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ \" (الأنبياء ١٩)، أي: لا يعيون، قال كعب الأحبار: التسبيح لهم كالتنفس لبني آدم. وقوله تعالى: \" يُسَبِّحُونَ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ \" (الأنبياء ٢٠)، يعني: يسبحون دائمًا، لا يضعفون ولا يفنون، واعلم أنه ليس عند الملائكة ليل ولا نهار، وإنما المراد بذكر الليل والنهار هاهنا: هو الدوام على التسبيح \". (^١)\nوقال جل وعز في موطن آخر: \" وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ \" (الزمر ٧٥)، يقول السمعاني: \" ويُقال: إن هذا التسبيح تسبيح تلذذ لا تعبد \" (^٢)،\nويقول جل وعلا: \" يُسَبِّحُونَ لَهُ بِالَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْئَمُونَ\" (فصلت ٣٨)، يقول السمعاني: \" أي: لا يملون، وعن كعب الأحبار أنه قال: التسبيح للملائكة كالنفس والطرف لبني آدم، فكما لا يلحق الآدمي تعب في الطرف والنفس، فكذلك لا يلحقهم التعب بالتسبيح \". (^٣)\nويقول جل وعلا: \" وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ \" (الشورى ٥)، يقول السمعاني: \" أي: يصلون بحمد ربهم، ويُقال: ينزهون ربهم \". (^٤)\nولذا قال الله جل وعلا لنبيه عليه والصلاة والسلام في أكثر من مقام: \" فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ \" (الحاقة ٥٢) وغيرها، يقول السمعاني: \" كأنه أرشده إلى الاشتغال بتنزيه الرب، وتسبيحه، وتقديسه، حين لزم الكفار الحجة \". (^٥)\nويقول في مقام آخر: \" أي نزه ربك وعظمه، كأنه أرشده إلى الاشتغال بثنائه، وتسبيحه، وتقديسه؛ ليصل إلى درجة المقربين \" (^٦)\n_________\n(^١) «السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٣٧٢\n(^٢) «السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٤٨٤\n(^٣) «السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٥٤\n(^٤) «السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٦٣\n(^٥) «السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٣٥٨\n(^٦) «السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٣٦٣","vol":"1","page":200},{"text":"ويقول في مقام آخر: \" أي: نزه ربك العظيم، واذكره بأوصافه المحمودة اللائقة \" (^١)، ثم نزه الباري جل وعلا نفسه في أكثر من موضع؛ أساء المشركون في قولهم، فقال ﷾: \" فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ \" (الأنبياء ٢٢)، يقول السمعاني: \" نزه نفسه عما يصفه به المشركون من الشريك والولد \" (^٢)، وقال جل وعلا في موطن آخر: \" وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ \" (النمل ٨)، فنزه الله نفسه، وهو المنزه عن كل سوء. (^٣)\nب - التحميد: الحمد لله رداء الرحمن، كما حكاه السمعاني عن الضحاك (^٤)، فالله جل وعز له الحمد في الأولى والآخرة، كما قال تعالى: \" وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ \" (القصص ٧٠)، أي: في الدنيا والآخرة، ويقال: في السماء والأرض. (^٥)\nوقال سبحانه في موطن آخر: \" الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ \" (سبأ ١)، قال السمعاني: \" فيه قولان: أحدهما: أن معناه: له الحمد في الأولى والآخرة، على ما قال في موضع آخر، والقول الثاني: هو ما جاء من ذكر الحمد عن أهل الجنة، وهو في قوله تعالى: \" وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ \" (يونس ١٠) \" (^٦)\nوقد أمر الله جل وعز بالحمد فقال سبحانه: \" وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا \" (الأسراء ١١١)، وقال جل وعلا:\" قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى \" (النمل ٥٩).\nوحمد الله نفسه، لعلمه بعجز المخلوقين إيفاءه جل وعلا تمام الحمد، فقال: \" الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ \" (الفاتحة ٢).\n_________\n(^١) «السمعاني: تفسير القرآن: ٦/ ٤٣\n(^٢) «السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٣٧٤\n(^٣) «السمعاني: تفسير القرآن:٤/ ٧٨\n(^٤) «السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٢٠٢\n(^٥) «السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ١٥٣\n(^٦) «السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٣١٥","vol":"1","page":201},{"text":"وقد فَرَّق الإمام السمعاني بين الحمد والشكر، وذكر أن الحمد يأتي بمعنى الشكر على النعمة، ويأتي بمعنى التحميد والثناء على الأوصاف المحمودة، قال: \" يُقال: حمدت فلانًا على ما أسدى إليَّ من النعمة. ويُقال: حمدت فلانًا على شجاعته وعلمه. وأما الشكر لا يكون إلا على النعمة؛ فللحمد معنى عام، وللشكر معنى خاص. فكل حامد شاكر، وليس كل شاكر حامدًا \" (^١)\nوأشار السمعاني إلى فائدتين لطيفتين في الحمد:\nالأولى: بيان أن حمد الله تعالى لنفسه، يختلف عن حمد المخلوقين لأنفسهم؛ لأن حمد المخلوقين لا يخلو عن نقص؛ فلا يخلو مدحه نفسه عن كذب، فيقبح منه أن يمدح نفسه. وأما الله ﷻ بريء عن النقص والعيب؛ فكان مدحه نفسه حسنًا. (^٢)\nالثانية: أن قوله: (الْحَمْدُ لِلَّهِ)، يحتمل معنيين: الإخبار، والتعليم: أما الإخبار، كأنه يُخبر أن المستوجب للحمد هو الله، وأن المحامد كلها لله تعالى. وأما التعليم، كأنه حمد نفسه، وعَلَّم العباد حمده، وتقديره: قولوا الحمد لله. (^٣)\nوقال في تفسير قوله تعالى: \" وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ \"،: \" فقوله: (الْحَمْدُ لِلَّهِ) معناه: احمدوا الله، ذكر الخبر بمعنى الأمر، وفائدته: الأمر بالحمد، وتعليم الحمد، فإنه لو قال: احمدوا الله، دعت الحاجة إلى بيان كيفية الحمد \" (^٤)\nفالحمد من أعظم الأذكار، ولذا حمد الله نفسه، فقال: \" الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ\" (النحل ٧٥)، يقول السمعاني: \" ظاهر المعنى: أي: حمد نفسه على علمه وجهلهم، وقيل: معناه: قل الحمد لله على ما أوضح من الدليل، وبَيَّنَ من الحق، بل أكثرهم لا يعلمون، ويقال: الحمد لي فإني أنا المستحق للحمد، لا ما يشركون بي، بل أكثرهم لا يعلمون أني أنا المستحق للحمد \" (^٥).\n_________\n(^١) «السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٣٥\n(^٢) «السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٣٥\n(^٣) «السمعاني: تفسير القرآن:٤/ ٤٢٠\n(^٤) «السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٨٦\n(^٥) «السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ١٩٠","vol":"1","page":202},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-70>القضية الثانية: التفاضل بين العبادات:</span>\nلا شك أن التفاضل بين الأعمال له أصل في الشريعة، فليست النوافل كالفرائض، وليست الفرائض على حد سواء، وكذا النوافل فبعضها يفوق بعضا، فما يكون فاضلا في زمان ومكان، قد لا يكون فاضلا كذلك في زمان ومكان آخر.\nوقد أشار السمعاني إلى جملة من المفاضلات الواردة في الشريعة، مما له تعلق بهذا الباب، وذكر أربع مسائل:\n١ - تفضيل الذكر على ما عداه.\n٢ - تفضيل العلم على صلاة النوافل.\n٣ - المفاضلة بين إخفاء الصدقات وإظهارها.\n٤ - المفاضلة بين الطواف والصلاة لمن قدم مكة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-71>المسألة الأولى: تفضيل الذكر على ما عداه:</span>\nحكى السمعاني تفضيل بعض العلماء الذكر على كل الطاعات، واستدل بقوله تعالى: (ولذكر الله أكبر)، قال: والمعنى عند بعضهم: أي ولذكر الله أفضل من كل الطاعات، واحتج كذلك بما رُوي عنثابت البناني: أن رجلا أعتق أربع رقاب، وجعل آخر يذكر الله بالتسبيح والتحميد والتهليل، ثم سسُئل عن ذلك جماعة من أهل العلم فقالوا: ذكر الله تعالى أفضل؛ لأن الله تعالى قال: (ولذكر الله اكبر) (^١). وهذا المعنى الذي ذكره السمعاني صحيح، فقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية: لكن مما هو كالإجماع بين العلماء بالله وأمره، أن ملازمة ذكر الله دائما هو أفضل ما شغل العبد به نفسه بالجملة ... والدلائل القرآنية والإيمانية بصرا وخبرا ونظرا على ذلك كثيرة (^٢).\n_________\n(^١) - السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ١٨٤\n(^٢) - ابن تيمية: مجموع الفتاوى: ١٠/ ٣٧٠","vol":"1","page":203},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-72>المسألة الثانية: تفضيل العلم على صلاة النوفل:</span>\nحين تكلم السمعاني عن الفقه وفضله، حكى عن الإمام الشافعي تفضيل العلم على صلاة النافلة، فقال: وعن الشافعي أنه قال: طلب العلم أفضل من صلاة النافلة (^١)، وقد عقد الإمام ابن عبد البر بابا في تفضيل العلم على العبادة، وساق جملة من الأدلة على ذلك (^٢)، ونُقل عن الإمام أحمد: أن طلب العم أفضل الأعمال لمن صحت نيته، قيل: فأي شيء تصحيح النية؟ قال: ينوي يتواضع فيه، وينفي عنه الجهل، ونقل ابن منصور أن تذاكر بعض ليلة أحب إلى أحمد من إحيائها (^٣)، وقد ذكر الإمام ابن تيمية أن الاشتغال بطلب العلم النافع بعد أداء الفرائض يُعد من ذكر الله تعالى (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-73>المسألة الثالثة: المفاضلة بين إظهار الصدقات وإخفائها:</span>\nأشار السمعاني إلى المفاضلة بين الصدقات من جهة إظهارها وإخفائها، فذكر نوعي الصدقات الواجبة والمستحبة، ثم قال: صدقة التطوع الإخفاء فيها أفضل، واستدل بقوله تعالى: (إن تبدو الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم)، على القول بأنها نزلت في صدقة التطوع، واستدل بما رُوي عن النبي ﷺ أنه قال: صدقة السر تفضل صدقة العلانية بسبعين ضعفا، والصحيح أن هذا مرو عن ابن عباس.\nوأما الزكاة الواجبة، فالأفضل فيها الإظهار، واحتج بما رُوي عن النبي ﷺ: صدقة العلانية تفضل صدقة السر بخمس وعشرين، والصحيح كذلك أنه مرو عن ابن عباس.\nوذكر قولا ثانيا في المسألة: وهو أن الإخفاء كان هو الخير والأفضل على عهد رسول الله ﷺ، وأما في غيره من الأزمان، فالإظهار خير في الزكاة؛ لسوء الزمان، كيلا يساء الظن به (^٥).\nهذا مجمل ما ذكره السمعاني في هذه المسألة، ومما يحسن ذكره تتميما في هذا المقام:\n_________\n(^١) - السمعاني: مرجع سابق: ٢/ ٣٦٠\n(^٢) - انظر: ابن عبد البر: جامع بيان العلم وفضله: ١/ ٩٩\n(^٣) - البهوتي: كشاف القناع: ١/ ٤١١\n(^٤) - ابن تيمية: مرجع سابق: ١٠/ ٣٧١\n(^٥) - السمعاني: تفسر القرآن: ١/ ٢٧٥","vol":"1","page":204},{"text":"١ - أن الإمام الطبري وغيره حكوا الاتفاق على أن الإعلان في صدقة الفرض أفضل من الإخفاء، وصدقة التطوع على العكس من ذلك (^١).\n٢ - يرى ابن عطية أن التستر بصدقة الفرض أولى، قال: ويشبه في زمننا أن يحسن التستر بصدقة الفرض، فقد كثر المانع لها، وصار إخراجها عرضة للرياء (^٢)، وتعقبه ابن رجب فقال: وهذا الذي تخيله ابن عطية ضعيف؛ فلو كان الرجل في مكان يترك أهله الصلاة، فهل يُقال: إن الأفضل ألا يُظهر صلاته المكتوبة (^٣).\n٣ - حكى بعضهم عن النقاش أنه يقول بنسخ هذه الآية بقوله تعالى: (الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية)، وتعقبه ابن رجب قائلا: ودعوى النسخ ضعيف جدا، وأن معنى هذه الآية، كمعنى الآية قبلها، إن النفقة تُقبل سرا وعلانية (^٤).\nوالمسألة فيها تفصيل واسع، ليس هذا المقام مقامه، لكن المقصود هنا الإشارة والإشادة بجهود السمعاني في هذا الباب، الذي يصب في بيان أهمية توحيد العبادة.\n_________\n(^١) - الطبري: تفسير الطبري: ٥/ ٥٨٤\n(^٢) - ابن عطية: المحرر الوجيز: ١/ ٣٦٥\n(^٣) - ابن رجب: تفسير ابن رجب: ١/ ١٩٤\n(^٤) - ابن رجب: مرجع سابق.","vol":"1","page":205},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-74>المطلب الثالث: أدلة إثبات استحقاق الألوهية لله تعالى:</span>\nالقرآن الكريم مليء بالدلالات والشواهد، التي تدل على استحقاق الباري جل وعلا للعبادة، وانتفائها عمن سواه، يقول التفتازاني (^١): \" وبالجملة فنفي الشركة عن الألوهية، ثابت عقلًا وشرعًا، وفي استحقاق العبادة شرعًا، \" وَمَا أُمِرُوا إِلَّالِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا\nلَّا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ \" (التوبة ١١) (^٢)، ويقول المقريزي:\" وأعلم أن من خصائص الإلهية: الكمال المطلق من جميع الوجوه، الذي لا نقص فيه بوجه من الوجوه، وذلك يوجب أن تكون العبادة له وحده، عقلًا، وشرعًا، وفطرة، فمن جعل ذلك لغيره، فقد شبَّه الغير بمن لا شبيه له، ولشدة قبحه، وتضمنه غاية الظلم، أخبر من كتب على نفسه الرحمة، أنه لا يغفره أبدًا \". (^٣)\n_________\n(^١) التفتازاني: مسعود بن عمر، (٧١٢ هـ - ت ٧٩٣ هـ)، من أئمة العربية، والبيان، والمنطق، له مصنفات عدة منها: تهذيب المنطق، وشرح العقائد النسفية. الزركلي: الأعلام: (٧/ ٢١٩).\n(^٢) التفتازاني: شرح المقاصد في علم الكلام، دار المعارف النعمانية، باكستان، ط ١، ١٤٠١ هـ، (٢/ ٦٥).\n(^٣) المقريزي: تجريد التوحيد المفيد: ٢٧.","vol":"1","page":206},{"text":"وسبق أن أشرنا إلى أن استحقاق الألوهية هي من لوازم الإقرار بالربوبية، وأن توحيد الإلهية يتضمن توحيد الربوبية (^١)، يقول الشيخ علي القاري (^٢): \" ثم المقصود من كلمة التوحيد، نفي كون الشيء يستحق العبودية، وإثبات الربوبية لمن له استحقاق الألوهية، وإلا فالكفار كانوا عارفين للوجود، ومغايرته لما سواه \" (^٣)، وهي من الأدلة التي استدل بها السمعاني لإثبات الألوهية، وقد عرض الإمام السمعاني لهذه المسألة، وظهر صنيعه في تقريرها من عدة جهات:\nالجهة الأولى: إثبات وحدانية الرب جلّ وعلا، وانفراده بمقام الإلهية الحقة:\nوقد أظهر السمعاني هذا المعنى جليا من خلال تتبعه لنصوص القرآن، الدالة على استحقاق الرب للإلهية، وإنفراده بها، ومن تلك النصوص:\n١/ يقول الله تعالى:\" شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّاهُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ\" (آل عمران ١٨)؛ يقول السمعاني:\" شَهِدَ اللَّهُ\" أي: بين وأعلم، وكل شاهد مبين ومعلم،\" أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ\"لنفسه بالوحدانية، وذلك أن وفد نجران قد أنكروا وحدانيته،\" وَالْمَلَائِكَةُ\"أي: وشهدت الملائكة،\" وَأُوْلُوا الْعِلْمِ\": قيل هم علماء بني إسرائيل، وقيل عنهم المهاجرون والأنصار، وقيل: هم جميع علماء الأمة \" (^٤).\n_________\n(^١) ابن تيمية: بيان تلبيس الجهمية، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، ط ١، ١٤٢٦ هـ، (٤/ ٥٣٣).\n(^٢) القاري: علي بن سلطان، فقيه حنفي، من صدور العلم في عصره، ولد في هراة، وسكن مكة، وتوفي بها سنة ١٠١٤ هـ، صنف كتبا كثيرة منها: تفسير القرآن، وشرح مشكاة المصابيح، الزركلي: الأعلام: ٥/ ١٢.\n(^٣) القاري: الرد على القائلين بوحدة الوجود، دار المأمون للتراث، دمشق، ط ١، ١٤١٥ هـ (١٤).\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن:١/ ٣٠٢.","vol":"1","page":207},{"text":"وقص الله تعالى ماجرى لنبيه وخليله إبراهيم - ﵇ - في دعوة قومه، ومحاربته للوثنية وعبادة الأصنام، وذكر الرب جل وعز حكاية إبراهيم وشهادته له وشهادته باستحقاق العبودية لله وحده دونما سواه، قال تعالى:\" قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ (٥٥) قَالَ بَل رَّبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ\" (الأنبياء ٥٥ - ٥٦)، يقول السمعاني: وقوله:\" وَأَنَا عَلَى ذَلِكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ\"أي: على أنه الإله الذي لايستحق العبادة غيره، وأن الأصنام ليست بآلهة \" (^١)، ونقل السمعاني عن بعض المفسرين أن معنى اسم الله المؤمن أنه شهد لنفسه بالوحدانية (^٢).\n٢/ وقوله تعالى:\" وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ\" (الأعراف ٥٤)، يقول السمعاني: \" أي تعالى بالوحدانية \" (^٣).\n٣/ ولما حكى الله جل وعلا، ما اختلق المشركون له من البنين والبنات، نزه الرب بعدها نفسه، وأكد ذلك بنعت الوحدانية في الذات والصفات والأفعال، واستحقاق العبادة وحده دونما سواه، فقال جلّ شأنه:\" ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ\" (الأنعام ١٠٢)، ويقول السمعاني: \" وأكد ماسبق ذكره من نعوت الوحدانية،\" فاعبدوه\" أي: فأطيعوه \" (^٤).\n٤/وأكد الله جل وعز: معنى الوحدانية والأحدية وعدم جواز الشركة في استحقاق العبودية، في أكثر من مقام، فيقول جل وعلا:\" وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَّا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ\" (البقرة ١٦٣)، يقول السمعاني: \" وحقيقة الواحد: هو المنفرد الذي لانظير له ولاشريك \" (^٥).\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن:٣/ ٣٨٦.\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن:٥/ ٤٠٩.\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن:٢/ ١٨٩.\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن:٢/ ١٣٢.\n(^٥) السمعاني: تفسير القرآن:١/ ١٦١.","vol":"1","page":208},{"text":"ويقول الطبري: \" فمعنى قوله:\" وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَّا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ\" والذي يستحق عليكم أيها الناس الطاعة له، ويستوجب منكم العبادة، معبود واحد، ورب واحد، فلا تعبدوا غيره، ولا تشركوا معه سواه، فإن من تشركون معه في عبادتكم إياه، هو خَلْقٌ من خَلْقِ إلهكم مثلكم، وإلهكم إله واحد لامثيل له ولا نظير \" (^١).\n٥/ وقد حكى الله جل وعز احتجاج يوسف - ﵇ - للرجلين بوحدانية الله وعلى بطلان الأرباب المتفرقة فقال سبحانه:\" يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ ءَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٣٩) مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ\" (يوسف ٣٩ - ٤٠)، فهنا بين يوسف - ﵇ - أحقية الواحد الغالب على كل شيء، ونفي الخيرية عما سواه مطلقا، يقول السمعاني:\" خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ\"الواحد: الغالب على كل شيء، والمراد نفي الخيرية منهم أصلا \" (^٢).\nويقول الطبري في معنى هذه الآية: \" أعبادة أرباب شتى متفرقين، وآلهة لاتنفع ولا تضر، خير أم عبادة المعبود الواحد، الذي لاثاني له في قدرته وسلطانه، الذي قهر كل شيء، فذَلَّلَه وسخره، فأطاعه طوعا وكرها \" (^٣)، وقوله تعالى:\" أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ\" هي الدلالة على استحقاقه جل وعز على العبودية على خلقه أجمعين، يقول الطبري: \" وهو الذي أمر ألا تعبدوا أنتم وجميع خلقه، إلا الله الذي له الألوهة والعبادة خالصة دون كل ماسواه من الأشياء ... عن أبي العالية قال: أسَّسَ الدين على الإخلاص لله وحده لاشريك (^٤).\n٦/قوله تعالى:\" لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ\" (الأنبياء ٢٢).\n_________\n(^١) الطبري: جامع البيان:٣/ ٢٦٥.\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن:٣/ ٣١.\n(^٣) الطبري: جامع البيان:١٦/ ١٠٤.\n(^٤) الطبري: جامع البيان:١٦/ ١٠٦.","vol":"1","page":209},{"text":"اختلف المفسرون في هذه الآية من جهتين:\nالأولى: في معنى قوله:\" إِلَّا اللَّهُ\"،والثانية: هل هذه الآية دلالتها على توحيد الربوبية أم توحيد الألوهية؟!\nفأما المسألة الأولى: فقد بين السمعاني الخلاف في معنى قوله::\" إِلَّا اللَّهُ\" (^١)، وذكر أن أكثر أهل التفسير على أن \"إلا\" هنا بمعنى غير كما قال الشاعر:\nوكل أخ مفارقه أخوه ... لعمرو أبيك إلا الفرقدان\nيعني غير الفرقدين، وهذا على ما اعتقدوه من دوام السماء والأرض.\nوذهب بعضهم إلى أن معنى\" إِلَّا اللَّهُ\"، أن\"إلا\" هنا بمعنى \"الواو\" ومعناه: لو كان فيهما آلهة والله أيضا لفسدتا، وهذا المقصود منه إثبات وحدانية الله تعالى، على أن يكون له شريك يعارضه في ملكه.\nوذهب الفراء إلى أن\"إلا\" بمعنى سوى، ويكون المقصود منه، إبطال عبادة غيره لعجزه عن أن يكون له إلها؛ لعجزه عن قدرة الله.\nفالنحويون كلهم قالوا:\"إلا\" هنا ليست باستثناء، ولكنه على ما بعده صفة للآلهة في معنى (غير) (^٢).\nوأما المسألة الثانية: فإن العلماء مختلفون في دلالة هذه الآية الكريمة، على الوحدانية أم على الإلهية؟ قولان:\nالأول: أنها دالة على الوحدانية، وهو الذي ذهب إليه عامة المتكلمين، ولذلك ساقوا في هذا المقام دليل التمانع، وجعلوه كالتفسير للآية؛ لأن خلاصة دليل التمانع إثبات وحدانية الله في الخلق والإيجاد، فهذا الدليل قرروا به توحيد الربوبية؛ لأنه مُعَلَّقٌ بالقدرة على الفعل أوالعجز، وجعلوا الآية الكريمة دليلا على ماساقوه من هذا الدليل.\nمع أن هذا الدليل في ذاته مستقيم، كما بين ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية، ورد على من خالفه (^٣)، إلا أنه ناقش في دلالته على الربوبية (^٤).\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٣٧٤\n(^٢) الواحدي: التفسير الوسيط:٣/ ٢٣٣.\n(^٣) ابن تيمية: درء تعارض العقل والنقل:٩/ ٣٥٤.\n(^٤) ابن تيمية: اقتضاء الصراط المستقيم:٢/ ٨٤٦.","vol":"1","page":210},{"text":"وكذا ذهب إلى هذا المعنى بعض المفسرين، وجعلوا المراد من الفساد: اختلال نظام المخلوقات، ومن ذهب لهذا، الإمام السمعاني، فقد قال: ومعنى الفساد في السماء والأرض، إذا كان الإله اثنين، هو فساد التدبير، وعدم انتظام الأمر، بوقوع المنازعة والمضادة، وهو أيضا معنى قوله تعالى:\" وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ \" (المؤمنون ٩١) (^١).\nومما يدل على اختياره هذا، هو أن هذه الآية مسوقة لبيان وحدانية الله تعالى، هو تفسيره لقوله جل وعلا:\" قُل لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَّابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا\" (الإسراء ٤٢)، فقد نقل فيها قولان، ثم قال: \" والآخر وهو الأصح: إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا بالمفازة والمغالبة وطلب الملك، وهذا مثل قوله تعالى:\" لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا \" \" (^٢).\nالثاني: أن الآية دالة على توحيد العبادة أصالة، وإنما تدل على الربوبية من جهة التضمن، وبهذا المعنى فسر الآية الإمام الطبري فقال: \" لو كان في السماوات والأرض آلهة تصلح لهم العبادة سوى الله، الذي هو خالق الأشياء، وله العبادة والألوهية التي لا تصلح إلا له، لفسدتا، يقول: لفسد أهل السماوات والأرض \" (^٣)،وإلى هذا ذهب الإمام ابن تيمية، وفيها يقول: \" في هذه الآية بيان امتناع الألوهية من جهة الفساد الناشيء عن عبادة ماسوى الله تعالى؛ لأنه لا صلاح للخلق إلا بالمعبود المراد لذاته، من جهة غاية أفعالهم، ونهاية حركاتهم، وما سوى الله لا يصلح، فلو كان فيهما معبود غيره، لفسدتا من هذه الجهة \" (^٤).\nواستدل هؤلاء كما يقول شارح الطحاوية، بأن الله جل وعلا، أخبر أنه لو كان فيهما آلهة غيره، ولم يقل أربابًا (^٥)، فدل على الفرق لتباين المقصود، والمراد من اللفظين المدلولين. والفرق بين القولين:\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن:٣/ ٣٧٤.\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن:٣/ ٢٤٣.\n(^٣) الطبري: جامع البيان:١٨/ ٤٢٥ ..\n(^٤) ابن تيمية: منهاج السنة النبوية:٣/ ٣٣٤.\n(^٥) ابن أبي العز: شرح العقيدة الطحاوية، وزارة الشؤون الإسلامية، ط ١، ١٤١٨ هـ.","vol":"1","page":211},{"text":"أن أصحاب القول الأول جعلوا الآية إنما سيقت أصالة في إثبات وحدانية الرب وتفرده بالربوبية والتدبير، ثم هي تدل بدلالة اللزوم على استحقاق الرب جل وعلا للعبادة وحده دونما سواه.\nوأن أصحاب القول الثاني: فقد جعلوا الآية سيقت أصالة في إثبات توحيد العبادة، ثم هي تدل بدلالة التضمن على وحدانية الرب جل وعلا.\nوترتب عليه الفرق في معنى الفساد:\nفعلى القول الأول: يصير معنى الفساد المذكور في الآية هو اختلال النظام بوقوع المنازعة والمضادة.\nوعلى القول الثاني: يصير معنى الفساد هو الفساد المعنوي المناقض للصلاح، المتعلق بأفعال العباد وأحوالهم، ولا صلاح لنظام الكون إلا بالحق والعدل والتوحيد، فلو كانت هناك آلهة تعبد بحق؛ لأصبح الشرك عدلًا، والكفر صلاحًا، وهذا من أعظم الفساد (^١).\nوالخلاف في هذه الآية كالخلاف في آيةالإسراء (٤٢):\" قُل لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَّابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا\"فقد ذكر السمعاني في معناها قولبن:\nأحدهما: إذن لطلبوا إلى ذي العرش سبيلا بالتقرب إليه، والآخر: إذن لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا بالمفازة والمغالبة وطلب الملك، وقال السمعاني: \" وهو الأصح \" (^٢).\nوقد ذهب إلى القول الأول: الذي يدل على أن المقصود من الآية، الدلالة على توحيد الإلهية، الإمام الطبري (^٣)، ورجحه الإمام ابن تيمية (^٤).\nفي حين ذهب أكثر المفسرين إلى القول الثاني: القاضي بأن الآية سيقت لاستحقاق\nالوحدانية، وهذا المنقول عن جماعة من السلف (^٥)،، ولعل الأقرب والله أعلم هو أن سياق الآيتين ومقصودهما الأساس في توحيد العبادة مع تضمنهما لتوحيد الربوبية لما سبق ذكره.\nالجهة الثانية: الاستدلال بنقص الآلهة الباطلة وعجزها عن استحقاق الألوهية:\nوهذه الدلالة جاءت على عدة صور:\nالأولى: نقصها من جهة الكمال الذي يتصف به الإله:\n_________\n(^١) ينظر: عبدالله القرني: المعرفة في الإسلام ٥٣٣ - ٥٣٩، السلمي: حقيقة التوحيد:٢١٨ - ٢٢٥ - ٢٣٢.\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن:٣/ ٢٤٣.\n(^٣) الطبري: جامع البيان:١٧/ ٤٥٤.\n(^٤) ابن تيمية: منهاج السنة النبوية:٣/ ٣٠٤ - ٣٣٤.\n(^٥) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن:١٠/ ٢٦٥.","vol":"1","page":212},{"text":"ولذا فإن القرآن أبان عوار هذه المعبودات، وسقوطها عن درجة الحق فضلا عن الاستحقاق للعبودية، وجاء هذا بينا في هذه النصوص الشريفة:\nيقول الله تعالى: حاكيا قصة عبادة بني اسرائيل للعجل:\" أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَايُكَلِّمُهُمْ\nوَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا \" (طه ١٤٨)، يقول السمعاني: \" وهذا دليل على أن الله متكلم، لم يزل ولا يزال؛ لأنه استدل بعدم الكلام من العجل على نفي الإلهية.\" وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا \" أي: طريقا،\" اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ\" بوضع الإلهية في غير موضعها \" (^١).\nوفي قصة إبراهيم - ﵇ - مع قومه حين خرجوا إلى عيد لهم، فلما خرجوا وبقي إبراهيم وحده عمد إلى بيت أصنامهم ودخله، وكان الطعام موضوعا بين أيديهم، فقال: \" أَلَا تَأْكُلُونَ\" هذا على طريقة الإنكار على المشركين؛ لأنهم كانوا قدموا الطعام إليهم ليأكلوا، فقال: ... \" مَا لَكُمْ لَا تَنطِقُونَ\"أي: لا تتكلمون، وهذا أيضا مذكور على طريقة الإنكار، فلما جاء قومه فرأوا من تكسير أصنامهم مأغاظهم، وجيء بإبراهيم فسألوه عن هذه الفعلة، فقال:\" أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (٩٥) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ\" (الصافات ٩٥ - ٩٦) أي من هذه الأصنام، فإذا كان الله خلقها فلا يصلح أن تتخذوها آلهة (^٢).\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن:٢/ ٢١٧.\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن:٤/ ٤٠٥.","vol":"1","page":213},{"text":"وقال في مقام آخر:\" بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَسْئَلُوهُمْ إِن كَانُوا يَنطِقُونَ (٦٣) فَرَجَعُوا إِلَى أَنفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنتُمُ الظَّالِمُونَ (٦٤) ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنطِقُونَ\" (الأنبياء ٦٣ - ٦٥) فلما أقروا ورجعوا إلى فكرهم وعقولهم، وعرفوا أن عبادة الأصنام لاتدفع عن نفسها فضلًا عن غيرها، ثم اعترفوا بعجز الآلهة المزعومة، بأنها لاتنطق فكيف نسألهم، حينها قال لهم إبراهيم\" أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا\nيَضُرُّكُمْ (٦٦) أُفٍّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ\" (الأنبياء ٦٦ - ٦٧) (^١).\nوفي مقام آخر يبين لقومه عن حقيقة الأصنام وضعفها وعدم نفعها، قال تعالى:\" وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ (٦٩) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ (٧٠) قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ (٧١) قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (٧٢) أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ (٧٣) قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ\" (الشعراء ٦٩ - ٧٤)، إذن أقروا واعترفوا بعجز هذه الأصنام، يقول السمعاني: معناه: أنها لاتسمع أقوالنا، ولا تجلب إلينا نفعا، ولا تدفع عنا ضرا، لكن اقتدينا بآبائنا (^٢).\nوفي هذا دلالة واضحة بينة على أن الإله الذي يستحق أن يعبد هو من اتصف بصفات الكمال، من الإيجاد والإمداد والإعداد، يقول تعالى:\" أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِّنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنشِرُونَ\" (الأنبياء ٢١)، يقول السمعاني: \" أي: يحيون، ولا يستحق الإلهية إلا من يقدر على الإحياء والإيجاد من العدم؛ لأنه الإنعام بأبلغ وجوه النعم، وهذا لايليق بوصف البشر وكل محدث\" (^٣).\nالثانية: بيان عجزها وعدم استحقاقها للألوهية من جهة إفلاسها التام عن التصرف في الكون، أو نصرة معبوديها:\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن:٣/ ٣٨٨ - ٣٨٩.\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن:٤/ ٥٢.\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن:٣/ ٣٧٣.","vol":"1","page":214},{"text":"معلوم أن الأصنام والمعبودات الباطلة، لا تشفع ولا تدفع، ولا تضر ولا تنفع. وقد ذكر القرآن الكريم هذه الجهات التي ربما تعلق بها العابدون، فطمستها وأظهرت عوارها.\nقال الله تعالى:\" قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍا\" (سبأ ٢٢)، فالله جل وعلا نفى عن هذه المعبودات الملك، فقال:\" لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ\"أي: لاتملك وزن ذرة من النفع والضر، والذرة هي النملة الحمراء (^١)، ونفى الشركة فقال: \" وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ\"أي: مال للآلهة التي تدعون من دون الله شركة في السموات والأرض (^٢)، ونفى المعين فقال:\" وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍا\" أي معين.\nولذا يقول الإمام ابن القيم: \"فتأمل كيف أخذت هذه الآية على المشركين مجامع الطرق التي دخلوا منها إلى الشرك، وسدت بها عليهم الباب، أبلغ سد وأحكمه، فإن العابد إنما يتعلق بالمعبود؛ لما يرجوا من نفعه، وإلا فلو كان لايرجوا منفعة منه فلا يتعلق قلبه به أبدا، وحينئذ فلا بد أن يكون المعبود إما مالكًا للأسباب التي ينتفع بها عابده، أو شريكًا لمالكها، أو ظهيرا أو وزيرًا أو معاونا له، أو وجيها ذا حرمة وقدر، يشفع عنده، فإذا انتفت هذه الأمور الأربعة من كل وجه انتفت أسباب الشرك وانقطعت مواده \" (^٣).\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن:٤/ ٣٣٠.\n(^٢) السمعاني: تفسير القران:٤/ ٣٣١.\n(^٣) ابن القيم: التفسير القيم:٤٣٥.","vol":"1","page":215},{"text":"وقال الله جل وعز:\" قُلْ أَرَءَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِّن قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِّنْ عِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ\" (الأحقاف ٤)، يقول الإمام السمعاني: \"ومعناه: أنه ليس لهم شرك لا في خلق الأرض ولا في خلق السماء: أي نصيب، فكيف تُعبد مع الله؟ \" (^١)، ولذا عقب جل وعلا على المشركين بقوله:\" وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُوا مِن دُونِ اللَّهِ مَن لَّا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ\" (الأحقاف ٥)، فهذه الأصنام لا يسمعون دعاءَهم وإن دعوا، فالمراد: كيف يعبدون الأصنام، ولو دعوهم لم يستجيبوا لهم، ولم يسمعوا كلامهم (^٢)\nوقال جل وعلا:\" قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا\" (الإسراء ٥٦)، يقول السمعاني مبينًا وجه دلالة نقص هذه الآلهة وعجزها وعدم استحقاقها لوصف الإلهية: \"روي أن المشركين لما قحطوا حتى أكلوا الجياف والكلاب استغاثوا بالنبي - ﷺ - ليدعو لهم فأنزل الله تعالى هذه الآية (^٣)، ثم قال: \"لَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ\"أي كشف الجوع والقحط عنكم،\"وَلَا تَحْوِيلًا\"أي: لايملكون نقل الحال، وتحويلا من السقم إلى الصحة، ومن الجدب إلى الخصب، ومن العسر إلى اليسر \" (^٤)، فأين هي من استحقاق الإلهية.\nوقال جل وعلا:\" أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُم مِّن دُونِنَا لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنفُسِهِمْ وَلَا هُم مِّنَّا يُصْحَبُونَ\" (الأنبياء ٤٣) فالآلهة الباطلة المزعومة، أحقر من أن تضر نفسها فتمنع عن نفسها، فضلا من أن تمنع عن معبوديها،\" وَلَا هُم مِّنَّا يُصْحَبُونَ\" أي: يجاورون (^٥).\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن:٥/ ١٤٨.\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن:٥/ ١٤٩.\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن:٣/ ٢٥٠.\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن:٣/ ٢٥٠.\n(^٥) السمعاني: تفسير القرآن:٣/ ٣٨٢.","vol":"1","page":216},{"text":"ويقول جل وعلا موضحا هذا المعنى ومقررا إياه:\" أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ\" (الأعراف ١٩١)،أي: الأصنام لايخلقون شيئا بل هم مخلوقون،\" وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ\" (الأعراف ١٩٢)،\" إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ\nأَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ\" (الأعراف ١٩٣). ... يقول السمعاني: \"فإن قال قائل: كيف تكون الأصنام عباد أمثالنا؟ ... والصحيح أنه في الأصنام، وهم عباد أمثال الناس في العبادة، وعبادتهم التسبيح، وللجمادات تسبيح كما نطق به الكتاب (^١) ... \"فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ\"وهذا لبيان عجزهم، ثم أكده يقول:\" أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنظِرُونِ\" (الأعراف ١٩٥)\nثم بين الباري جل وعلا وجها آخر من أوجه عجزهم فقال:\" وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَا أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ\" (الأعراف ١٩٧)، وفي هذه الآية بين جل وعلا، عجز هذه الأصنام من جهات:\n١ - من جهة كونهم مربوبين مخلوقين ليس لهم من الأمر شيء.\n٢ - ومن جهة أنهم مسخرون مذللون مسبحون لله تعالى.\n٣ - ومن جهة عدم دفعهم عن أنفسهم فضلا عن غيرهم.\n٤_ومن جهة فقدهم لآلات القدرة، إذ العابدون أكبر قدرة من المعبودين؛ لامتلاكهم لهذه الآلات والجوارح التي تكون بها القدرة.\nوقال تعالى في مقام آخر:\" وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَّعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ \" (يس ٧٤)،أي: تدفع عنهم العذاب، ثم قال سبحانه مبينا عجزها:\" لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُندٌ مُّحْضَرُونَ\" (يس ٧٥)،أي: أي لاتستطيع الأصنام دفع العذاب عنهم (^٢)، ومع ذلك يحضرون يوم القيامة مع أصنامهم ويدخلونها سويا.\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن:٢/ ٢٤١.\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن:٤/ ٣٨٨.","vol":"1","page":217},{"text":"ويقول ﷻ:\" وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا\" (مريم ٨)،أي: منعة ومعنى المنعة: أنهم يمتنعون بها من العذاب، فقال جل وعلا:\" كَلَّا \"أي: ليس الأمر كما زعموا،\" سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ\"، والمعنى: أن الأصنام والملائكة يجحدون عبادتهم ويتبرؤون منهم (^١)، كما قال تعالى:\" وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكَاءَهُمْ قَالُوا رَبَّنَا هَؤُلَاءِ شُرَكَاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوا مِن دُونِكَ فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ\" (النحل ٨٦)، وهذا من قول الأصنام للمشركين:\" إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ\" في أنا دعوناكم إلى عبادتنا، أو في قولكم: إن هؤلاء آلهة، أو في قولكم: إنا نستحق العبادة، ولذا قال تعالى:\" وَأَلْقَوْا إِلَى\nاللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ \" أي: استسلم العابد والمعبود لله \" وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ\" أي: بطل عنهم ماكانوا يكذبون، وحقيقة المعنى: أنه فات عنهم مازعموه، فإنه كان فرية وكذبا (^٢)، ومن هنا ختم الله سبحانه الآية السابقة بأن هذه المعبودات تنقلب ضدا على معبوديها كما قال:\" وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا\" قيل: بلاء، وقيل: أعداء (^٣).\nالجهة الثالثة: أن هذه المعبودات مع معبوديها في النار:\nكما قال جل وعلا:\" إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ\" (الأنبياء ٩٨) أي: داخلون، ثم يذكر جل وعلا وجه ضعفهم وعدم استحقاقهم للعبادة فيقول:\" لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَّا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ\" (الأنبياء ٩٩).\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن:٣/ ٣١٢.\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن:٣/ ١٩٤.\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن:٣/ ٣١٣.","vol":"1","page":218},{"text":"وما شأن المعبودات التي عبدت من دون الله وهي غير راضية كالملائكة والمسيح وعزير؟ فقد ذكر الله أنهم عنها مبعدون فقال:\" إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ\" (الأنبياء ١٠١)، وأن هؤلاء المشركون الذين جادلوا النبي - ﷺ - في شأن هذه المعبودات كانوا يعرفون أن المراد: الأصنام ولكن كما حكى الله عنهم:\" مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ\" (الزخرف ٥٨)، قال السمعاني: \"يعني أنهم قالوا ماقالوا، خصومة ومجادلة بالباطل، وإلا قد عرفوا أن المراد هم الأصنام\" (^١).\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن:٣/ ٤١٠.","vol":"1","page":219},{"text":"وذكر السمعاني توجيها لبعض النحويين، أن هذه الآية خاصة بالأصنام فلا تشمل غيرهم من حيث العربية، فقال:\"وزعم قطرب وجماعة من النحويين أن الآية ما تناولت إلا الأصنام من حيث العربية؛ لأن الله تعالى قال:\" وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ\" وهذا يقال فيما لايعقل، وأما فيما يعقل فيقال:\"ومن تعبدون من دون الله\" \" (^١)،وإلى هذا مال الطبري في تفسيره، فقال:\" وليس الذين سبقت لهم منا الحسنى هم عنها مبعدون؛ لأنهم غير معنيين بقولنا:\" إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ\" \" (^٢)، وبهذا رد الطبري قول من يقول:\"إن \" هنا بمعنى\"إلا\" إلاستثنائية (^٣)، فقال: \"فأما قول الذين قالوا: ذلك استثناء من قوله\" إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ\" فقول لامعنى له؛ لأن الاستثناء إنما هو إخراج المستثنى من المستثنى له، ولا شك أن الذين سبقت لهم منا الحسنى إنما هم إما ملائكة، وإما إنس أو جان، وكل هؤلاء إذا ذكرتها العرب فإن أكثر ماتذكرها بمن، لابما والله تعالى ذكره، إنما ذكر المعبودين الذين أخبر أنهم حصب جهنم بما قال:\" إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ\"إنما أريد به ماكانوا يعبدونه من الأصنام والآلهة من الحجارة والخشب لا من الملائكة والإنس \" (^٤).\nالجهة الرابعة: أن هذه المعبودات من إفك الكفار وصنعهم:\nيقول تعالى:\"إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ\" (العنكبوت ١٧).\nواختلف المفسرون في معنى قوله:\" وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا \"على قولين (^٥):\nالأول: أي وتصنعون كذبا وهذا مروي عن ابن عباس ﵄.\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن:٣/ ٤١٠.\n(^٢) الطبري: جامع البيان:١٨/ ٥٤٠.\n(^٣) البغوي: معالم التنزيل:٣/ ٣١٨.\n(^٤) الطبري: جامع البيان:١٨/ ٥٤٠.\n(^٥) السمعاني: تفسير القرآن:٤/ ١٧٣.","vol":"1","page":220},{"text":"والثاني: أي وتنحتون إفكا، وهو مروي عن ابن عباس وقتادة، بمعنى: أنكم تنحتون الأصنام بأيديكم وتعبدونها، وحُكى أن بني حنيفة اتخذوا صنما من الحيس-وهو التمر مع السمن-ثم إنه أصابتهم مجاعة فأكلوه، قال الشاعر:\nأكلت حنيفة ربها ... زمن التفحم والمجاعة\nلم يحذروا من ربهم ... سوء العواقب والتباعة\nوعلى كلا القولين: هو بيان لعجز الآلهة المزعومة، فعلى القول الأول: أنهم صنعوا كذبا، ولذا سميت الأصنام إفكا؛ لأنهم سموها آلهة.\nوعلى القول الثاني: كيف تعبدون أصناما تنحتونها بأيديكم.\nالجهة الخامسة: بيان عجز الأصنام بضرب الأمثال:\nوهذا في القرآن كثير: فقد ضرب الله تعالى المثل، ببطلان عبادة الأصنام واستحقاق الإلهية لله وحده لاشريك له، بأشياء كثيرة، كالذباب والعنكبوت، وبالأحرار والعبيد فقال ﷾:\n١/\" يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ\" (الحج ٧٣).\nبينت هذه الآية عجز الأصنام من جهتين:\nالأولى: أنهم لو اجتمعوا برمتهم فهم أعجز وأحقر من أن يخلقوا ذبابا، فمن كان عاجزا عن خلق ذباب، فهو غير مستحق للعبادة، وإنما ذكر الذباب؛ لخسته ومهانته وضعفه (^١)، فأراد أن يُعلمهم أن العبادة إنما تكون للخالق المُنشِيء، دون المخلوق المُنْشَأ (^٢).\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن:٣/ ٤٥٦.\n(^٢) الماوردي: النكت والعيون:٤/ ٤٠.","vol":"1","page":221},{"text":"الثانية: عجزهم عن استنقاد ما استلبه الذباب منهم من الطعام أو الطيب، ومن كان كذلك بحيث لا يستطيع دفع أذية أحقر الحيوانات وأضعفها، فهو غير جدير بالعبودية. ولذا قال جل وعز:\" ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ\" قال ابن عباس: الطالب: آلهتهم، والمطلوب: الذباب، إذن: فكيف يُجعل مثل في العبادة ويشرك فيها مع الله تعالى، ما لاقدرة له على خلق الذباب، ولا استنقاذ ماسلبته اياه، والشأن أن الله تعالى هو الخالق المالك المحيي المميت، الذي بيده مقاليد كل شيء، ولا شك في أن فاعل هذا في غاية الجهل، ولذا فهؤلاء لم يعظموا الله حين أشركوا معه غيره (^١).\n٢/\" مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ\" (العنكبوت ٤١).\nوهذا من أوضح البراهين، وأكبر الأدلة، على عدم استحقاق هذه الآلهة المزعومة للعبادة وإنما هي مستحقة لمن بيده الضر والنفع، والمنع والعطاء، فهؤلاء المشركون أضعف ماكانوا حين اتخذوا من دون الله أولياء، فلم يستفيدوا منهم إلا ضعفا على ضعفهم، وكذا كل من تعزز بغير الله تعالى، لم يحصل مقصوده، وهذا من أحسن الأمثلة وأدلها على بطلان الشرك، وعلى خسران صاحبه (^٢).\nوقد بين الإمام السمعاني وجه هذا المثل، على بطلان استحقاق المعبودات للإلهية، فقال:\"وإنما مثّل عبادة الأصنام ببيت العنكبوت؛ لأن بيت العنكبوت لايقي حرا ولا بردا، وكذلك عبادة الأصنام لاتجلب نفعا ولا تدفع ضرا،\" وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ\"أي: لو كانوا يعلمون أن عبادة الأصنام لا تغني شيئا، كما علموا أن بيت العنكبوت لايدفع شيئا \" (^٣).\n_________\n(^١) الطبري: جامع البيان:١٨/ ٦٨٦ (بتصرف).\n(^٢) ابن القيم: التفسير القيم:٤٢٨ (بتصرف).\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن:٤/ ١٨٢.","vol":"1","page":222},{"text":"٣/ وقال تعالى:\" ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَّمْلُوكًا لَّا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَن رَّزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ\" (النحل ٧٥)\nفهنا ضرب الله جل وعلا المثل لنفسه وللصنم الذي عُبد من دون الله، فالعبد المملوك أراد به الصنم، وقوله:\" ومَن رَّزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا\"ضرب مثلا لنفسه، على معنى أنه الجواد الرزاق الذي يعطي من حيث يعلمه العبد، ومن حيث لايعلمه، ومضمون هذا التفسير منقول عن مجاهد (^١).\nوجه هذا المثل كما يقول الزجاج: \" إن الاثنين المتساويين في الخلق، إذا كان أحدهما مقتدرا على الإنفاق مالكا، والآخر عاجزا لايقدر على أن ينفق لا يستويان، فكيف بين الحجارة التي لا تتحرك ولا تعقل، وبين الله عزوجل الذي هو على كل شيء قدير، وهو رازق جميع خلقه، فبين لهم أمر ضلالتهم، وبُعدهم عن الطريق في عبادتهم الأوثان \" (^٢).\nثم زاد الله عزوجل في البيان فقال:\n٤/\" وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ\nأَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ\" (النحل ٧٦)، قال السمعاني: \"والمراد من الآية ضرب مثلا آخر لنفسه وللأصنام، فالأول هو الصنم، والمراد من قوله:\" وَمَن يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ\"هو الله تعالى،\" وقوله:\" عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ\"؛ لأن الله تعالى على طريق الحق وليس عنه معدل (^٣)، ومعنى هذا المثل: \"هل يستوي القادر التام التمييز، والعاجز الذي لايحس ولا يأتي بخير، فكيف يسوون بين الله وبين الإحجار\" (^٤)، ومضمون هذا التفسير منقول عن قتادة (^٥).\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن:٣/ ١٨٩، الماوردي: النكت والعيون: ٣/ ٢٠٤\n(^٢) الزجاج: معاني القرآن:٣/ ٢١٣.\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن:٣/ ١٩٠.\n(^٤) الزجاج: معاني القرآن:٣/ ٢١٤.\n(^٥) الماوردي: النكت والعيون: ٣/ ٢٠٤.","vol":"1","page":223},{"text":"إذن: فكل مايعبد من دون الله تعالى ليس عليه حجة ولا سلطانا، يقول تعالى:\" وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَا لَيْسَ لَهُم بِهِ عِلْمٌ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ\" (الحج ٧١).\nيقول السمعاني:\" \" مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا\" أي حجة، وقوله:\" وَمَا لَيْسَ لَهُم بِهِ عِلْمٌ \" يعني أنهم فعلوا مافعلوا عن جهل لا عن علم \" (^١).\nوقال ﷾:\" وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا \" (الأعراف ٣٤)، والمراد بها الأصنام والأوثان وكل ماعبد من دون الله، والسلطان: الحجة والبرهان (^٢)، يقول الإمام القرطبي: \"ومعنى هذا أنه لم تثبت عبادة الأوثان في شيء من الملل، ولم يدل عقل على جواز ذلك \" (^٣)، \"وإنما هو أمر تلقوه عن آبائهم وأسلافهم بلا دليل ولا حجة، وأصله مما سول لهم الشيطان وزينه لهم \" (^٤).\nوقد ساهم السمعاني بهذا التتبع والاستقراء للنصوص الشرعية، في إغلاق الباب على كل مدع للألوهية لغير الله تعالى، فمن نظر في هذه الأزمان إلى كثرة المعبودات الباطلة، عرف سخافة العقول وعمق جهلها، واتباعها للهوى، وقد قيل: ما من معبود في السماء والأرض أعظم من الهوى (^٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-75>المطلب الرابع: نواقض توحيد الإلهية:</span>\nبعد أن بين السمعاني معالم هذا النوع من التوحيد، وطوف بنا في جوانبه ونواحيه، وأظهر حقائقه ومراميه، انبرى ثانيا ليُبرز ما يُناقض هذا النوع من التوحيد، وبالنظر لصنيع السمعاني، وتتبع أقواله، تبين أنه ساهم في بيان الخلل، وسد الزلل، الوارد على هذا النوع من التوحيد، وأظهر خطورته التي تنقض عُرى التوحيد. وهو بهذا البيان يُشير إلى وجب أخذ الحيطة والحذر، والبعد كل البعد عن هذه النواقض، وببيانها تتميز أضدادها.\nومن النواقض التي ساقها السمعاني:\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن:٣/ ٤٥٥.\n(^٢) ابن عطية: المحرر الوجيز:٢/ ٣٩٥.\n(^٣) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن ٤/ ٢٣٣.\n(^٤) ابن كثير: تفسير القرآن العظيم:٥/ ٤٥٣.\n(^٥) - السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٢١","vol":"1","page":224},{"text":"١ - الشرك بالله تعالى، ولما كان الشرك بالله تعالى أعظم الذنوب، أفاض في شأنه، وجاء على أصله وفرعه بالنقض، وقد انتظم كلام السمعاني في هذه المسألة في عدة أمور:\n- بيان حقيقة الشرك.\n١ - بيان خطورة الشرك وقبحه.\n٢ - الإشارة إلى بعض صور الشرك، ومن الصور التي ناقشها السمعاني: (السحر- الكهانة- الطيرة - التنجيم).\n٣ - اتباع الهوى.\n٤ - الغلو في الدين.\n٥ - موالاة الكفار والركون إليهم.\n٦ - اتباع الكفار وما كانوا عليه.\nوالنواقض: جمع ناقض أو ناقضة، وناقض الشيء ونقيضه: ما لا يمكن اجتماعه معه، والنقض: إفساد ما أبرمت من حبل وبناء، وهو اسم فاعل من نقض الشيء إذا أفسده، فنواقض التوحيد مفسداته، والنقض متى أُضيف إلى الأجسام يُراد بها إبطال تأليفها، ومتى أُضيفت إلى المعاني يُراد به إخراجه مما هو المطلوب به، والنقض حقيقة في البناء، واستعماله في المعاني مجاز، وعلاقته الإبطال (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-76>المسألة الأولى: نواقض توحيد الإلهية:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-77>أولا: أكبر ناقض للتوحيد، وهادم لمعالمه، وطامس لحقيقته، ومغير لصفاته، الشرك بالله تعالى</span>\nولذا كان من أعظم الذنوب التي لايغفرها الله جل وعلا، قال تعالى:\" إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ \" (النساء ٤٨)، وإنما كان الشرك أعظم الذنوب لأمور:\n١/لأنه أقبح القبح، وأظلم الظلم، إذ مضمونه تنقيص رب العالمين، وصرف خالص حقه لغيره، وعدل غيره به، كما قال تعالى:\" ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ\" (الأنعام ١).\n٢/ ولأنه مناقض للمقصود بالخلق والأمر مناف له من كل وجه، وذلك غاية المعاندة لرب العالمين، والاستكبار عن طاعته، والذل له، والإنقياد لأوامره الذي لاصلاح للعالم إلا بذلك.\n_________\n(^١) - البهوتي: كشاف القناع: ١/ ١٢٢، البعلي: المطلع على ألفاظ المقنع: ١/ ٣٨، الحطاب: مواهب الجليل: ١/ ٢٩٠","vol":"1","page":225},{"text":"٣/ولأن الشرك تشبيه المخلوق بالخالق تعالى وتقدس في خصائص الإلهية، من ملك الضر والنفع، والعطاء والمنع الذي يوجب تعلق الدعاء، والخوف والرجاء، والتوكل، وأنواع العبادة كلها بالله وحده، فمن علق ذلك لمخلوق فقد شبهه بالخالق، وجعل من لايملك لنفسه ضرًا ولا نفعًا، ولا موتًا ولا حياةً ولا نشورًا، فضلا عن غيره شبيها بمن له الخلق (^١).\nولذا أمر الله جل وعز بتوحيده، ونهى عن الشرك، وبين خطورته وشدة جرمه، قال تعالى: ... \" فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ\" (الزمر ٢)، والإخلاص هو التوحيد (^٢)، ثم قال:\" أَلَا\nلِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ\" (الزمر ٣)،\"أي الدين الذي ليس فيه شرك هو لله، أي: واقع برضاه، وأما الدين الذي فيه شرك فليس لله، وإنما ذكر هذا؛ لأنه قد يوجد دين، ولا توحيد ولا إخلاص منه، ويقال: \"أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ \"، يعني هو ينبغي أن يوحد، ولا يشرك به سواه، وهذا لاينبغي لغيره \" (^٣).\nوفي السابق كذا أمر الله نبيه إبراهيم وابنه اسماعيل ﵉ بتطهير بيته فقال:\" أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ\" (البقرة ١٢٥)، يقول السمعاني: \" يعني من الشرك والأوثان \" (^٤)، وجعل الله جل وعلا النجاة لمن اتقى الشرك، قال تعالى:\" وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ\" (فصلت ١٨)، يقول السمعاني: \"أي يتقون الشرك \" (^٥).\nوخص الآخرة بمن اتقاه، قال تعالى:\"وَالْآخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ\" (الزخرف ٣٥)،يقول السمعاني: \"أي للمتقين من الشرك والمعاصي \" (^٦)، وقال تعالى:\" مَّثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ \" (محمد ١٥)، يقول السمعاني: \"ومعناه: وعد المتقون من الشرك \" (^٧).\n_________\n(^١) سليمان بن عبدالوهاب: تيسير العزيز الحميد:٨٨.\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن:٤/ ٤٥٧.\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن:٤/ ٤٥٧.\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن:١/ ١٣٨.\n(^٥) السمعاني: تفسير القرآن:٥/ ٤٥.\n(^٦) السمعاني: تفسير القرآن:٥/ ١٠٢.\n(^٧) السمعاني: تفسير القرآن:٥/ ١٧٣.","vol":"1","page":226},{"text":"ولذا أمر الله جل وعلا بتوحيده، والاستغفار من الشرك، قال سبحانه:\" قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ\" (فصلت ٦)، يقول السمعاني: \" \" فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ \" أي: توجهوا إليه بالطاعة والعبادة، وقوله \"وَاسْتَغْفِرُوهُ \" أي من الشرك الذي أنتم عليه (^١).\nومن المواطن التي أمر الله جل وعلا باتقاء الشرك قوله تعالى:\" بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ\" (البقرة ٧٦)، يقول السمعاني:\" \" مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى\"\nقال ابن عباس: واتقى الشرك،\" فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ\"الموحدين \" (^٢).\nوأخبر جل وعلا أنه إنما أنزل القرآن الكريم؛ ليوحد وليتقى الشرك، قال سبحانه:\"وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا\" (طه ١١٣)، يقول السمعاني:\" \" لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ\"أي يتقون الشرك والمعاصي \" (^٣).\nوكانت هي لب دعوة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، قال تعالى:\" وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ \" (النحل ٣٦)،يقول السمعاني: \" أي وحدوا الله واجتنبوا الأصنام\" (^٤)، وجاء على ألسنة الأنبياء في دعوتهم لأقوامهم:\"فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ\" (الشعراء ١٠٨)، يقول السمعاني:\" أي: اتقوا الله بترك الشرك، وأطيعون فيما أمركم به \" (^٥).\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن:٥/ ٣٧.\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن:١/ ٣٣٣.\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن:٣/ ٣٥٧.\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن:٣/ ١٧٢.\n(^٥) السمعاني: تفسير القرآن:٤/ ٥٧.","vol":"1","page":227},{"text":"ومن هنا ورد الثناء العاطر لأهل التوحيد، قال تعالى:\" التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ\" (التوبة ١١٢)، يقول السمعاني: \"التائبون: هم الذين تابوا من الشرك، وقيل: هم الذين تابوا من جميع المعاصي، والعابدون: هم الذين عبدوا الله بالتوحيد، وقيل: بسائر الطاعات \" (^١)، ولذا كانت خاتمة مطاف الموحدين:\" الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ\" (النحل ٣٢)، يعني: طاهرين زاكيين من الشرك، وقيل إن وفاتهم تقع طيبة سهلة (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-78>ثانيا: ومن نواقض هذا النوع من التوحيد إتباع الهوى </span>المفضي إلى التعدي على الخصائص الإلهية، من استحقاق التفرد في العبودية، قال تعالى:\" أَرَءَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا\" (الفرقان ٤٣)، \" قال أهل التفسير: كان من اتخاذهم أهواءهم آلهتهم، أن الواحد منهم كان يعبد الحجر، فإذا رأى حجرا أحسن منه طرح الأول وأخذ الثاني وعبده، وفي بعض الأثار: مامن معبود في السماء والأرض أعظم من الهوى، وعن بعضهم قال: هو الطاغوت الأكبر \" (^٣).\nوقال تعالى:\" أَفَرَءَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ\nوَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ\" (الجاثية ٢٣)، قال قتادة في معنى الآية: لايهوى شيئا إلا ركبه فهو يعبد هواه، وقيل:\" اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ\" أي: أطاع هواه وأنقاد له كما ينقاد العبد لمعبوده (^٤).\nوالهوى: كل ماتدعو إليه شهوة النفس لا الحجة (^٥)، لذا نهى الله أهل الكتاب عنه فقال:\" قُلْ\nيَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا ... \" (المائدة ٧٧).\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن:٢/ ٣٥١.\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن:٣/ ١٧٠.\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن:٤/ ٢١.\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن:٥/ ١٤١.\n(^٥) السمعاني: تفسير القرآن:٢/ ٥٦.","vol":"1","page":228},{"text":"وقد بين الله جل وعلا أن من أسباب عدم الاستجابة لدعوة الأنبياء، اتباع الهوى، قال تعالى: \"فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ \" (القصص ٥٠)، يقول السمعاني: \"واتفق أهل المعرفة أن الهوى مرد مهلك\" (^١)، ولذا كان أفضل الجهاد مخالفة الهوى (^٢).\nوالخلاصة: أن الهوى مهلك، وكما قيل: هو أعظم معبود، ولذا كان من نواقض توحيد العبادة، ونعى الله عزوجل على المنافقين اتباعهم للهوى، قال تعالى:\" وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِندِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا أُوْلَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ\" (محمد ١٦)، يقول السمعاني: \" والمراد من الآية وفائدتها، هو منع المسلمين أن يكونوا مثل هؤلاء وبيان حالهم للمؤمنين\" (^٣).\nوكانت نتيجة كبح الهوى جنة المأوى، قال تعالى:\" وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى\" (النازعات ٤٠ - ٤١)، يقول السمعاني: \"نهى النفس عن الهوى، أي: عما هواه ويشتهيه على خلاف الشرع،\" فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى\"أي: منزله ومأواه الجنة\" (^٤).\nونتيجة من ركب هواه واتبع شهوته،\" فَسَوْفَ يَدْعُوا ثُبُورًا (١١) وَيَصْلَى سَعِيرًا (١٢) إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا\" (الإنشقاق ١١ - ١٣)، يقول السمعاني: \" أي لم يحزن للتقصير في أوامر المسلمين، ولم يتعب ولم ينصب في العمل بطاعة الله، ويقال:\" كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا\"أي: راكبا هواه متبعا شهوته\" (^٥).\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن:٤/ ١٤٥.\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن:٤/ ١٩٤.\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن:٥/ ١٧٦.\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن:٦/ ١٥٢.\n(^٥) السمعاني: تفسير القرآن:٦/ ١٩٠.","vol":"1","page":229},{"text":"والهوى: بهذا الاعتبار مختص بالأراء والاعتقادات؛ لأن هناك فرقا بين الهوى والشهوة، فالهوى ماذكرنا، والشهوة مختصة بنيل المستلذات، فصارت الشهوة من نتائج الهوى، والهوى أصل وهو أعم (^١). والهوى يعمي صاحبه ويصمه، ويسقطه في عواقب المهلكات، ولذلك العاقل من يتفكر في عواقب الهوى، فينظر كم فضيلة فوتها، وكم رذيلة واقعها، والعاقل من يتفكر في ضدها، من اكتساب الجميل في الدنيا، وسلامة النفس والعرض، والأجر في الآخرة (^٢).\nفالهوى مذموم، قال ابن عباس: ماذكر الله تعالى الهوى في موضع إلا ذمه (^٣)، وورد ذكر الإله على الهوى المتبع (^٤)، كما قال تعالى:\" أَفَرَءَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ\" (الجاثية ٢٣)، والإنسان بحاجة لمجاهدة هواه، وهو لايخلو عن أحوال ثلاثة:\n١/أن يغلبه الهوى، فيملكه ولا يستطيع له خِلافًا، وهو حال أكثر الخلق.\n٢/أن يكون الحرب بينهم سجالًا تارة لها اليد، وتارة عليها اليد، فهذا الرجل من المجاهدين.\n٣/أن يغلب هواه فيصير مستوليا عليه لايقهره بحال من الأحوال، وهذا هو الملك الكبير، والنعيم الحاضر، والحرية التامة، والخلاص من الرق (^٥).\nوالخلاصة: أن الهوى مخرج عن هذا النوع من التوحيد، فكل من اتبع هواه فقد اتخذه معبودا، وإذا تأملت عرفت أن عابد الصنم لا يعبده إنما عبد هواه، وهو ميل نفسه إلى دين آبائه فيتبع ذلك الميل (^٦)، ولذا كان أضل الضلال: اتباع الظن والهوى (^٧).\n_________\n(^١) الماوردي: أدب الدنيا والدين، دار مكتبة الحياة ١٩٨٦ م (٣٨).\n(^٢) ابن الجوزي: ذم الهوى:١٤ - ١٥.\n(^٣) ابن الجوزي: ذم الهوى:١٢.\n(^٤) ابن رجب: كلمة الإخلاص: المكتب الإسلامي-بيروت، ط ٤، ١٣٩٧ هـ (٢٥)\n(^٥) الغزالي: ميزان العمل: دار المعارف-مصر، ط ١، ١٩٦٤ هـ (٢٤١).\n(^٦) المقريزي: تجريد التوحيد المفيد:٧.\n(^٧) ابن تيمية: مجموع الفتاوى:٣/ ٣٨٤.","vol":"1","page":230},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-79>ثالثا: ومن نواقض هذا النوع من التوحيد، الغلو في الدين:</span>\nنهى الله عزوجل أهل الكتاب عن الغلو في الدين؛ لأنه من أسباب تضييع الشرائع، وخفاء الحق وظهور التفرق، فقال:\" يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ\" (النساء ١٧١)، فكان من أثار هذا الغلو، أن قصرت اليهود في حق عيسى، وجاوزت النصارى فيه الحد، حتى جعلته إلها معبودا من دون الله تعالى (^١).\nوقد بين السمعاني هذا المصطلح من جه حَدِّه، ودليله، وخطورته.\nأ/فأما حَّدُه فقال: الغلو: مجاوزة الحد (^٢)، وجَعَل الاستكبار عن العبادة هو نوع من الغلو، قال تعالى:\" وَمَن يَسْتَنكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا\" (النساء ١٧٢) يقول السمعاني: \" أن الاستنكاف: هو التكبر مع الأنفة، والاستكبار هو الغلو والتكبر من غير أنفه\" (^٣)، وفسر العتو بالغلو، قال تعالى:\" فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ\" (الأعراف ٧٧)، يقول السمعاني: \" العتو: الغلو في الباطل\" (^٤).\nوهذا الذي عَرَّف به السمعاني الغلو، هو ماتعارفته كتب اللغة والمعاجم، فقد نصت على هذا المعنى وتوارثته:\nيقول الأزهري: \" غلا في الدين، يغلوا غلوا: إذا جاوز الحد \" (^٥).\nويقول ابن منظور: \" أصل الغلاء: الارتفاع، ومجاوزة القدر في كل شيء، وغلا في الدين والأمر يغلو غلوا: جاوز حَدَّه\" (^٦) ..\nوبين ابن الأثير معناه من جهة أخرى فقال: \"وقيل معناه: البحث عن مواطن الأشياء، والكشف عن عللها، وغوامض متعبداتها \" (^٧).\nويقول الإمام ابن تيمية في تعريف الغلو: \" مجاوزة الحد، بأن يزاد الشيء في حده، أو ذمه على مالايستحق ونحو ذلك \" (^٨).\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن:١/ ٥٠٥.\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن:٢/ ٥٦.\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن:١/ ٥٠٧.\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن:٢/ ١٩٤.\n(^٥) الأزهري: تهذيب اللغة:٨/ ١٩٠.\n(^٦) ابن منظور: لسان العرب ١٥/ ١٣١.\n(^٧) ابن الأثير: النهاية في غريب الحديث والأثر، المكتبة العلمية- بيروت،١٣٩٩ هـ' (٣/ ٣٨٢).\n(^٨) ابن تيمية: اقتضاء الصراط المستقيم:١/ ٣٢٨.","vol":"1","page":231},{"text":"ومن مسائل الفضل بن زياد: للإمام أحمد، أنه قال: كتبت إلى أبي عبدالله أسأله عن حديث ابن عباس: (إياكم والغلو)، مامعنى الغلو؟: فأتاني بالجواب: يغلو في كل شيء، في الحب والبغض (^١).\nفدين الله تعالى وسط بين الغالي فيه والجافي عنه، فمن جفا فقد فرَّط، ومن غلا فقد أفرط، فمن جفا عن كمال الامتثال، أو غلا وجاوز كمال الامتثال، فقد وافق هوى الشيطان، ولذا \"ما أمر الله بأمر إلا وللشيطان فيه نزعتان: إما تفريط وإضاعة، وإما إلى إفراط وغلو، ودين الله وسط من الجافي عنه والغالي فيه، كالوادي بين جبلين، والهدى بين ضلالتين، والوسط بين طرفين ذميمين: فكما أن الجافي عن الأمر مضيع له، فالغالي فيه: مضيع له هذا بتقصيره عن الحد، وهذا بتجاوزه الحد \" (^٢).\nب/وأما دليله: فقد استدل السمعاني ببعض النصوص الواردة في السنة المؤيدة للقرآن، الناهية عن الوقوع في الغلو في الدين، ومجاوزة الحد فيه، فاستدل (^٣) بحديث ابن عباس ﵄ عن النبي - ﷺ - أنه قال: (إياكم والغلو في الدين فإنما هلك من كان قبلكم بالغلو) (^٤)، يقول الإمام ابن القيم تعليقا على الحديث: \"عام في جميع أنواع الغلو بين الاعتقاد والأعمال\" (^٥)، وقد جاء في السنة المطهرة ما يوافق هذا المعنى ويعضده، فعن عبدالله ابن مسعود - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: (هلك المتنطعون) قالها ثلاثا (^٦).\nقال ابن الجوزي: \"التنطع: التعمق والغلو، والتكلف لما يؤمر به\" (^٧).\n_________\n(^١) ابن القيم: بدائع الفوائد:٤/ ٩٦.\n(^٢) ابن القيم: مدارج السالكين: ٢/ ٤٦٤.\n(^٣) اخرجه ابن ماجه في سننه، باب قدر حصى الرمي، دار إحياء الكتب العربية، ح (٣٠٢٩) (١٠٠٨).\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن:١/ ٥٠٥.\n(^٥) ابن تيمية: اقتضاء الصراط المستقيم ١/ ٣٢٨.\n(^٦) أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب العل: باب هلك المتنطعون، ح (٢٦٧٠) ..\n(^٧) ابن الجوزي: غريب الحديث، دار الكتب العلمي-بيروت، ط ١،١٤٠٥ هـ، (٢/ ٤١٨)","vol":"1","page":232},{"text":"وقال ابن الأثير: \"هم المتعمقون والمغالون في الكلام، المتكلمون بأقصى حلوقهم، مأخوذ من النطع وهو الغار الأعلى من الفم، ثم اُستعمل في كل تعمق، قولا وفعلا\" (^١).\nوأخرج البخاري في صحيحه عن أنس بن مالك - ﵁ - يقول: جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي - ﷺ - يسألون عن عبادة النبي - ﷺ - فلما أخبروا كأنهم تقالوها، فقالوا: وأين نحن من النبي - ﷺ - قد غفر له كماتقدم من ذنبه وما تأخر، قال أحدهم: أما أنا فإني أصلي الليل أبدا، وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر: أنا اعتزل النساء فلا أتزوج أبدا، فجاء رسول الله - ﷺ - إليهم فقال: (أنتم الذين قلتم كذا وكذا، أما والله إني أخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني) (^٢)، وهنا يعلق الإمام ابن القيم فيقول: \"والغلو نوعان: نوع يخرج صاحبه من كونه مطيعا، كمن زاد في الصلاة ركعة، أو صام الدهر مع أيام النهي، أو رمى الجمرات بالحجرات الكبار، التي يرمى بها في المنجنيق، أو سعى بين الصفا والمروة عشرًا، إلى نحو ذلك عمدا، وغلو يخاف منه الانقطاع والإستحسار، كقيام الليل كله، وسرد لصيام الدهر أجمع، بدون صوم أيام النهي، والجور على النفوس في العبادات والأوراد\" (^٣).\nج/ وأما خطورته: فهو الذي أوقع اليهود والنصارى في الغلو في المسيح - ﵇ -، ولذا يقول السمعاني: \"الغلو غير محمود في الدين\" (^٤)، ويقول: \"وهو مذموم وكذلك التقصير، ودين الله بين الغلو والتقصير\" (^٥).\nويقول ابن القيم مبينا خطورة الغلو: \"ومن أسباب عبادة الأصنام: الغلو في المخلوق، وإعطاؤه فوق منزلته، حتى جُعل فيه حظ من الإلهية، وشبهوه بالله سبحانه\" (^٦).\n_________\n(^١) ابن الأثير: الآية:٥/ ٧٤\n(^٢) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب النكاح: باب الترغيب في النكاح، ح (٥٠٦٣).\n(^٣) ابن القيم: مدارج السالكين:٢/ ٤٦٥\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن:١/ ٥٠٥\n(^٥) السمعاني: تفسير القرآن:٢/ ٦٢\n(^٦) ابن القيم: إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان، مكتبة المعرف، الرياض، (٢/ ٢٢٦).","vol":"1","page":233},{"text":"ويقول الإمام ابن تيمية: \"وكما أن الغلو في غير الرسول - ﷺ - فيه قدح في منصب الرسول، وما خصه الله به، وهو أحد أصلي الإسلام، فكذلك الغلو في غير الله، فيه قدح فيما يجب لله من الألوهية وفيما يستحق من صفاته، فمن غلا في البشر أو غيرهم، فجعلهم شركاء في الألوهية أو الربوبية فقد عدل بربه وأشرك به وجعل له ندًا \" (^١) ..\nوالغلو في المخلوق درجات فيترقى إلى درجة الشرك، يقول ابن القيم في تعداد الكبائر: \"ومنها الغلو في المخلوق حتى يتعدى به منزلته، وهذا قد يرتقي من الكبيرة إلى الشرك\" (^٢).\nوالذي أمر الله جل وعلا به في هذا المقام: هو الاستقامة على شرعه، كما قال جل وعلا:\" فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ\" (هود ١١٢)، يقول السمعاني: \"معنى الاستقامة يعني: المداومة على موجب الأمر والنهي \" (^٣)، ثم نهاه عن ا لطغيان فقال: \" وَلَا تَطْغَوْا \"، وقد ذكر السمعاني في توجيهها قولين: أحدهما: ولا تطغوا في الاستقامة يعني: لاتزيدوا على ما أمرت ونهيت، فتحرموا ما أحل الله، وتكلفوا أنفسكم مالم يشرعه الله، ولم يفعله الرسول وأصحابه، والمعنى الثاني: الطغيان: هو البطر لزيادة النعمة (^٤) ..\n_________\n(^١) ابن تيمية: جامع الرسائل:١/ ٢٧٥\n(^٢) ابن القيم: إعلام الموقعين عن رب العالمين، دار الكتب العلمية، بيروت، ط ١، ١٤١١ هـ (٤/ ٣٠٩).\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن:٢/ ٤٦٢.\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن:٢/ ٤٦٤.","vol":"1","page":234},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-80>رابعا: ومن نواقض هذا النوع من التوحيد: موالاة الكفار والركون إليهم:</span>\nموالاة الكفار والركون إليهم، فيه مضادة لما أمر الله جل وعز، فالله أمر بعدائهم، ونهى عن موالاتهم، والركون إليهم، قال تعالى:\" لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ\nإِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُم مِّنَ الْحَقِّ\" (الممتحنة ١)، هذه الآية وإن كان نزولها، بسبب ماجرى من حاطب بن أبي بلتعة - ﵁ -، إلا أن العبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب، كما يقول أهل التفسير، والذي يدل عليه، هو ذكر الأسوة الحسنة في إبراهيم الخليل - ﵇ - بعد هذه الآية فقال تعالى:\" قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَأَىؤُا مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ \" (الممتحنة ٤)، يقول السمعاني: \"المعنى في الكل: أنه أمرهم بأن يتأسوا بإبراهيم في التبرؤ من المشركين، وترك الموالاة معهم\" (^١). ويدل عليه قوله تعالى في آخر السورة:\" يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ\" (الممتحنة ١٣)، يقول السمعاني: \"فيه رجوع إلى قصة حاطب، وتأكيد النهي عن موالاة الكفار، وقيل إن الآية عامة\" (^٢) ..\nوقال تعالى:\" لَّا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً \" (آل عمران ٢٨)، يقول السمعاني: \"هذا في قوم مخصوصين أسلموا على موالاة اليهود والمشركين، فنهاهم الله عن ذلك، وهو معنى\nقوله:\"لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ\" (المجادلة ٢٢) \" (^٣).\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن:٥/ ٤١٥.\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن:٥/ ٤٢٢.\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٣٠٨.","vol":"1","page":235},{"text":"وقال سبحانه ناهيًا عن اتخاذ المشركين أولياء:\" وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ\" (النساء ٨٩)، يقول السمعاني:\n\"\" فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ\"، منعهم عن الموالاة معهم\" حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ\"أي: حتى يسلموا\" (^١).\nوقال تعالى:\" يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ \" (النساء ١٤٤)، يقول السمعاني: \"في الآية نهي عن موالاة المؤمنين مع الكفار\" (^٢).\nوقال تعالى:\" إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا\" (المائدة ٥٥)، يقول السمعاني:\" قوله تعالى:\" إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ\"هذا راجع إلى قوله:\" لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ \"لمَّا منعهم من موالاة اليهود والنصارى دعاهم إلى موالاة الله ورسوله\" (^٣).\nوالآيات في هذا المعنى كثيرة، وقد بين السمعاني الحد المحرم في الموالاة فقال في تفسير قوله تعالى:\" وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ\" (هود ١١٣):\" الركون: هو المحبة والمودة والميل بالقلب، وعن أبي عالية الرياحي قال: هو الرضا بأعمالهم، وعن السدي قال: هو المداهنة معهم، وعن عكرمة قال: هو طاعتهم\" (^٤).\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن:١/ ٤٥٩.\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن:١/ ٤٩٥.\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن:٢/ ٤٧.\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن:٢/ ٤٦٤.","vol":"1","page":236},{"text":"والنهي عن موالاة الكفار عامة، إلا في الموارد التي خصصتها الشريعة من جهة التعامل بالحسنى كما قال تعالى:\" لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم\nمِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ\" (الممتحنة ٨)؛ ففي هذه الآية رخصة من الله جل وعز في صلة الذين لم يعادوا المؤمنين ولم يقاتلوهم ولم يخرجوهم من ديارهم، وهذا لا يدل على الموالاة بل هو نوع بر أمرت به الشريعة، يقول الواحدي: \"وهذا يدل على جواز البر بين المسلمين والمشركين، وإن كانت الموالاة منقطعة\" (^١).\nوحكى السمعاني في تفسير هذه الآية، إن هذا الحكم كان قبل نزول آية السيف، ثم نسخت بآية السيف (^٢)، إلا أن هذا القول لم يرتضه الطبري، ورجح أن الآية محكمة، وأن المقصود بهم جميع الأصناف الملل والأديان، وقال: \"وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: عُني بذلك:\" لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ\"من جميع أصناف الملل والأديان، أن تبروهم وتصلوهم وتقسطوا إليهم، إن الله عزوجل عَمَّ بقوله:\" الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ\" جميع من كان ذلك صفته، فلم يخصص به بعضا دون بعض، ولا معنى لقول من قال: ذلك منسوخ؛ لأنه بر المؤمن من أهل الحرب فمن بينه وبينه قرابة نسب، أو ممن لا قرابة بينه وبينه ولا نسب، غير محرم ولا منهي عنه إذا لم يكن في ذلك دلالة له، أو لأهل الحرب على عورة لأهل الإسلام، أو تقوية لهم بكراع أو سلاح\" (^٣).\n_________\n(^١) الواحدي: التفسير البسيط:٤/ ٢٨٥.\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن:٢/ ٤٦٤.\n(^٣) الطبري: جامع البيان:٢٣/ ٣٢٣.","vol":"1","page":237},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-81>خامسا: ومن نواقض هذا التوحيد: اتباع الآباء على ماكانوا عليه:</span>\nوكان هذا من أسباب رد التوحيد الحق، قال تعالى:\" وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَايَهْتَدُونَ\" (البقرة ٧٠)، إذن: كيف يتبعون آباءهم وآباؤهم لايعقلون شيئا ولا يهتدون؟ وفي هذا نهي عن تقليد الآباء في الدين (^١).\nوقال عن المشركين في قصة إبراهيم الخليل:\" بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ\" (الزخرف ٢٢)، يقول السمعاني:\"\" عَلَى أُمَّةٍ\"أي: على ملة ودين، وقوله:\" وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ\"أي متبعون\" (^٢)، ثم قال تعالى:\" وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ\" (الزخرف ٢٣)، يقول السمعاني: وفي الآيتين دليل على ذم التقليد، والرجوع إلى قول الآباء من غير حجة\" (^٣)، وقال ابن الجوزي: \"وفي هذه الآية إبطال القول بالتقليد\" (^٤)، ويقول الرازي:\" لو لم يكن في كتاب الله إلا هذه الآيات لكفت في إبطال القول بالتقليد، وذلك لأن الله تعالى بين أن هؤلاء الكفار لم يتمسكوا في إثبات ما ذهبوا إليه لا بطريق عقلي ولا بطريق نقلي، ثم بَيَّن أنهم إنما ذهبوا إليه بمجرد تقليد الآباء والأسلاف، وإنما ذكر تعالى هذه المعاني في معرض الذم والتهجين، وذلك يدل على أن القول بالتقليد باطل\" (^٥).\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ١٦٧.\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن:٥/ ٩٧.\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن:٥/ ٩٨.\n(^٤) ابن الجوزي: زاد المسير:٤/ ٧٥.\n(^٥) الرازي: مفاتيح الغيب:٢٧/ ٦٢٨.","vol":"1","page":238},{"text":"إذن: فتقليد الآباء داء قديم، حكاه الباري في كتابه في أكثر من موضع، وشاهده في قصة إبراهيم مع قومه لما دعاهم إلى توحيد الله تعالى، بم أجابوه حين قال لهم:\" مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ\" (الأنبياء ٥٢)،\" قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ\" (الأنبياء ٥٣)، معناه: وجدناهم كذلك فاتبعناهم (^١)، فرد عليهم خليل الرحمن قائلًا:\" قَالَ لَقَدْ كُنتُمْ أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ\" (الأنبياء ٥٤)، أي: في خطأ بيّن وفي خسران في عبادتها؛ لأنها جمادات لا تنفع ولا تضر ولا تعلم (^٢)، فهم اقتدوا بهم على طريق التقليد في عبادتها (^٣)،فلم تكن لهم حجة إلا صنيع آبائهم الضُلال (^٤).\nوالشاهد: أن المشركين: يسوغون شركهم بأسباب وهمية، وطرق واهية، وهي لاتقوم على أساس من برهان أو دليل أو حجة، وليس لهم مستند فيما هم فيه من الشرك، سوى تقليد الأسلاف بأنهم كانوا على دين وملة، ولكن تشابهت قلوب أهل الشرك وتقاربت مقالاتهم (^٥).\nوهذا المقام وجد في قوم إبراهيم حكاه الله في القرآن في سورة أخرى، فهم يقولون تلك الحجة الباطلة، والمقالة الفاسدة:\" قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ\" (الشعراء ٧٤)، فهم أقروا واعترفوا أن هذه المعبودات لاتسمع أقوالا، ولا تجلب نفعا، ولا تدفع ضرا، وإنما فقط هو مجرد الاقتداء الفاسد، يقول السمعاني عن هذه الآية:\"واستدل أهل العلم بهذا على أن التقليد لا يجوز\" (^٦)\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن:٣/ ٣٨٩.\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن:٣/ ٣٨٦ - القرطبي: الجامع لأحكام القرآن:١١/ ٢٩٦.\n(^٣) الواحدي: التفسير الوسيط:٢/ ٢٤١.\n(^٤) ابن كثير: تفسير القرآن العظيم:٥/ ٣٤٨.\n(^٥) ابن كثير: تفسير القرآن العظيم:٣/ ٢٢٤ بتصرف.\n(^٦) ابن كثير: تفسير القرآن العظيم:٤/ ٥٢.","vol":"1","page":239},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-82>المسألة الثانية: معنى الشرك، وخطورته، وصوره:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-83>١/ تعريف الشرك في اللغة:</span> يقول السمعاني: \"الإشراك: هو الجمع بين الشيئين في المعنى\" (^١)، يُقال: \"الشِّرك والشِّركة بكسرهما وضم الثاني بمعنى واحد، وهو مخالطة الشريكين وقد اشتركا وتشاركا، وشارك أحدهما الآخر، والاشتراك هنا بمعنى التشارك. ويجمع الشريك على شركاء، والشرك يكون بمعنى الشريك وبمعنى النصيب\" (^٢)، وفي المصباح المنير: \"والشرك: اسم من أشرك بالله، إذا كفربه\" (^٣)، وفي النهاية لابن الأثير:\" يقال شركته في الأمر أشركه شركة، والاسم: الشرك، وشاركته إذا صرت شريكة، وقد أشرك بالله فهو مشرك إذ جعل لله شريكا\" (^٤)، ويقول الراغب في مفرداته: \"الشركة والمشاركة خلط الملكين، وقيل: هو أن يوجد شيء لاثنين فصاعدًا، عينا كان ذلك الشيء أو معنى\" (^٥).\nإذن: فالشرك في اللغة: مصدر شركته في الأمر أشركه (^٦)، فمدلول كلمة الشرك لها أكثر من معنى، فتطلق على التسوية والنصب، والخالطة والمصاحبة، وغيرها فهو من الألفاظ المشتركة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-84>٢/ تعريف الشرك في الاصطلاح:</span> يقول السمعاني في تعريف الشرك وبيان حقيقته:\n\"هو أن يجمع مع الله غير الله فيما لايجوز إلا لله\" (^٧)، ويقول ابن قتيبة (^٨) في تعريف الشرك: \"الشرك بالله هو أن يجعل له شريك\" (^٩)، ويقول ابن تيمية: \"الإشراك: أن يُجعل لله ند فيما يختص به من العبادة أو التوكل\" (^١٠).\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن:٢/ ١٢١.\n(^٢) الزبيدي: تاج العروس: دار الهداية (٢٧/ ٢٢٥).\n(^٣) الفيومي: المصباح المنير: المكتبة العلمية، بيروت، (١/ ٣١١).\n(^٤) ابن الأثير: النهاية:٢/ ٤٦٦.\n(^٥) الراغب الأصفهاني: المفردات في غريب القرآن:٤٥١.\n(^٦) ابن قتيبة: غريب القرآن:٢٩.\n(^٧) السمعاني: تفسير القرآن:٢/ ١٢١.\n(^٨) ابن قتيبة: عبدالله بن مسلم (٢١٣ هـ-ت ٢٧١ هـ) من أئمة الأدب، ومن المكثرين في التصنيف، ولد ببغداد ومات بها، من كتبه: تأويل مختلف الحديث، وأدب الكاتب، الزركلي: الأعلام ٤/ ١٢٧.\n(^٩) ابن قتيبة: غريب القرآن:٢٩.\n(^١٠) ابن تيمية: جامع المسائل:٤/ ٢٩٨.","vol":"1","page":240},{"text":"ويقول الراغب في مفرداته: \"وشرك الإنسان في الدين ضربان: أحدهما: الشرك العظيم: وهو إثبات شريك لله تعالى: يقال: أشرك فلان، وذلك أعظم الكفر. والثاني: الشرك الصغير: وهو مراعاة غير الله معه في بعض الأمور، وهو الرياء والنفاق\" (^١).\nولفظ الشرك يأتي في القرآن على معان (^٢):\n١ - بمعنى الإشراك بالله تعالى، ومنه:\" إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ \" (النساء ٤٨)\n٢ - بمعنى الشرك في الطاعة، ومنه: \" وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا \" (الكهف ١١٠)\n٣ - بمعنى الشرك مع أحد في أمر، ومنه:\" أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ \" (الأحقاف ٤)\n٤ - بمعنى الشريك المعروف، ومنه: \" فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ \" (الزمر ٢٩)\n٥ - بمعنى الشريك إبليس، ومنه:\" جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا\" (الأعراف ١٩٠)\n٦ - بمعنى الأوثان والأصنام، ومنه:\" فَلْيَأْتُوا بِشُرَكَائِهِمْ \" (القلم ٤١).\nوهنا يلاحظ أن تعريف الشرك شامل لأنواع التوحيد الثلاثة؛ لأن بعضهم عرفه فقال: والشرك الكفر، فالشرك يسري إلى الربوبية والألوهية والأسماء والصفات.\nوهذا فيه رد على من حصر الشرك في الربوبية دون الألوهية، فبعضهم حصر تعريف الشرك بقيود مخالفة لدعوة الرسل أصالة؛ لأن الأنبياء إنما جاؤوا لدعوة الناس إلى التوحيد الخالص، الذي كان مشوبًا عند المشركين بشائبة الشرك والمساواة، والذي يدل عليه ماحكاه الله جل وعلا عن قوم إبراهيم أنهم يقولون:\" قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ (٩٦) تَاللَّهِ إِن كُنَّا لَفِي\nضَلَالٍ مُّبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ\" (الشعراء ٩٦ - ٩٨)، يقول السمعاني: \"هذا قولهم للأصنام، ومعناه: نعدلكم برب العالمين\" (^٣).\n_________\n(^١) الراغب: المفردات:٤٥٢\n(^٢) الفيروز أبادي: بصائر ذوي التمييز ٣/ ٣١٥\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٥٦","vol":"1","page":241},{"text":"وقد عرفه بعض المتأخرين:\" بأنه عبارة عن أن يجعل العبد مع الله أحدا شريكا في الربوبية، والخلق والتدبير والإيجاد والإحياء والإماتة، واعتقاد الاستغلال فيه بالنفع والضر بنفسه وبذاته، ونفوذ المشيئة له لامحالة، وتأثيره في الكائنات من تلقاء نفسه بدون حاجة إلى الله تعالى\" (^١)، وهذا بحد ذاته يسقط وقوع الشرك في العبادة؛ لأن العبادة على هذا التعريف مالم تكن مقرونة بهذه القيود فليست عبادة، ولا يقع فيها الشرك، ولو كان في صورة عبادة كالسجود، والاستغاثة ونحوها.\nوهذا لاشك أنه تعريف فاسد باطل؛ لمضادته لدعوة الرسل، وهو ذريعة ووسيلة لفتح باب الشرك في الأمة.\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية: \"الشرك نوعان: شرك في الربوبية: بأن يجعل لغيره معه تدبيرا ما، وشرك في الألوهية: بأن يدعى غيره دعاء عبادة أو دعاء مسألة\" (^٢).\nوقد أشار إلى هذا المعنى الإمام ابن تيمية كثيرًا في كتبه ورسائله وردوده على المخالفين، ونقل عن بعضهم بأن التوحيد الذي يعتقدونه هو توحيد الإقرار والخالقية التي لايشاركه فيه أحد، وظنوا أن هذا هو غاية التوحيد، وظنوا أن شرك العرب إنما هو في الربوبية، أي: أن الآلهة شاركت الله تعالى في الخلق، وبسبب ذا كثر الشرك في بني آدم (^٣).\nويقول في مقام آخر: \"فأما الشرك في الإلهية فهو: أن يجعل لله ندا، أي: مثلًا في عبادته، أو محبته، أو خوفه، أو رجائه، أو إنابته، فهذا هو الشرك الذي لايغفره الله إلا بالتوبة منه، وهو الذي قاتل عليه رسول الله - ﷺ - مشركي العرب\" (^٤)، وهذا المعنى قرره السمعاني، وهو أن الشرك كما يكون في الربوبية والأسماء والصفات، يكون في الألوهية، وهو ما سيتبين في المسائل القادمة التي تحدثت عن خطورة الشرك، وبيان بعض صوره.\n_________\n(^١) شمس الدين الأفغاني: جهود علماء الحنفية في إبطال عقائد القبورية، دار الصميعي، ط ١، ١٤١٦ هـ، (١/ ٣٥٩).\n(^٢) ابن تيمية: اقتضاء الصراط المستقيم:٢/ ٢٢٦.\n(^٣) انظر: ابن تيمية: قاعدة عظيمة في الفرق بين عبادات أهل الإسلام والإيمان، وعبادات أهل الشرك والنفاق، دار العاصمة، الرياض، ط ٢، ١٤١٨ هـ، (١٣٨).\n(^٤) ابن تيمية: مجموع الفتاوى:١/ ٩١.","vol":"1","page":242},{"text":"وللعلماء تقسيمات متعددة للشرك:\n١/ ينقسم باعتباره شركا أكبر وأصغر وخفيا: إلى ثلاثة أقسام: [أكبر-أصغر-خفي].\n٢/ وينقسم من جهة أخرى إلى أنواع:\n١ - وشرك الاستقلال: وهو إثبات إلهية مستقلين كشرك المجوس.\n٢ - وشرك التبعيض: وهو تركيب الإله من آلهة كشرك النصارى.\n٣ - وشرك التقريب: وهو عبادة غير الله ليقرب إلى الله زلفى كشرك متقدمي الجاهلية.\n٤ - وشرك التقليد: وهو عبادة غير الله تبعا للغير كشرك متأخري الجاهلية.\n٥ - شرك الأسباب: وهو إسناد التأثير للأسباب العادية، كشرك الفلاسفة والطبائعيين.\n٦ - وشرك الأغراض: وهو العمل لغير الله.\n\n\" فحكم الأربعة الأولى: الكفر بإجماع، وحكم السادس: المعصية من غير كفر بإجماع (^١)،\n_________\n(^١) العمل لغير الله تعالى مختلف في صوره وأحكامه، ومن صوره:\n١ - أن يكون الباعث على العبادة مجرد مراءاة الناس من الأصل فهذا شرك، والعبادة باطلة، وهو الذي تؤيده النصوص، عن أبي هريرة مرفوعا: قال تعالى: (أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملا أشرك معي فيه غيري تركته وشركه) رواه مسلم، كتاب الزهد، باب من أشرك في عمله غير الله ح (٢٢٨٩)، وإن كان ابن نجيم قد نقل عن إبراهيم بن يوسف: لو صلى رياءًا فلا أجر له وعليه الوزر، وقال بعضهم: يكفر، وقال بعضهم: لا أجر له، ولا وزر عليه، وهو كأنه لم يصلِّ. الأشباه والنظائر: دار الكتب العلمية، بيروت، ط ١، ١٤١٩ هـ (٣٣) إلا أن النصوص تدل على أنه شرك، يقول ابن رجب:\" واعلم أن العمل لغير الله أقسام: فتارة يكون رياءا محضا، فلا يراد به سوى مراءاة المخلوقين لغرض دنيوي كحال المنافقين في صلاتهم ... وهذا الرياء المحض لا يكاد يصدر من مؤمن في فرض الصلاة والصيام، وقد يصدر في الصدقة الواجبة أو الحج وغيرهما من الأعمال الظاهرة أو التي يتعدى نفعها، فإن الإخلاص عزيز، وهذا العمل لايشك مسلم أنه حابط، وأن صاحبه يستحق المقت من الله والعقوبة. انظر سليمان بن عبدالوهاب: تيسير العزيز الحميد:٤٥٥.","vol":"1","page":243},{"text":"وحكم الخامس: التفصيل: فمن قال: في الأسباب العادية إنها تؤثر بطبعها فقد حُكي بالإجماع على كفره، ومن قال: إنها تؤثر بقوة أودعها الله فيها فهو فاسق، والقول بأن لا تأثير لشيء في شيء أصلا، وما يرى من ترتيب الأثار على الأشياء، إنما هو بطريق إجراء العادة، بأن يخلق الله الأثر عقب مايظن به سببا مبنيا على أصل الأشعري ...، ولا يخفى أنه يتضمن كثيرا من الفسادات، مثل: الجبر، والظلم، وخلو بعثة الأنبياء من الفائدة\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-85>٣/ خطورة الشرك:</span>\nالشرك خطير بكل أنواعه، إلا أن الشرك الذي لايغفره الله تعالى إذا مات عليه العبد، ويكون مورده إلى النار، مع حبوط العمل في الدنيا، هو الشرك الأكبر الذي أخبر الله عنه فقال:\n\" إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ \" (النساء ٤٩)، ويقول:\" وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ\" (الزمر ٦٥)، وقال تعالى:\" وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ\" (الأنعام ٨٨)، يقول السمعاني: \" \" لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ\" أي: لبطل، الحبوط، البطول، وهذا مثل قوله:\" لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ\" \" (^٢).\nوالشرك جاء وصفه في القرآن الكريم بأوصاف منفرة، تدل على خطورته، وشدة قبحه، وتنبئ عن أثاره المهلكة، ونتائجه المدمرة على الأفراد والجماعات.\nوالشرك آفة العبادة، ومحور خراب الطاعة، ولذا جاء في وصفه أنه أكبر الكبائر، وبتتبع أوصافه في القرآن الكريم يتبين قبحه من عدة جهات:\n١/ أن الشرك كذب على الله تعالى، يقول ﷾:\" فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ\" (الزمر ٣٢)، قال السُّدي: هو الشرك (^٣) ..\n_________\n(^١) الكفوي: الكليات:٥٣٤.\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن:٢/ ١٢٣.\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن:٤/ ٤٦٩.","vol":"1","page":244},{"text":"ويقول ﷾ في مقام آخر عن الكفار:\" نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ \" (ق ٤٥)، \" أي: بما يقولون من الشرك والكذب على الله، وعلى رسوله \" (^١) ..\n٢/أن الشرك أعظم الذنوب، قال تعالى:\" وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ\" (الإسراء ٢٣)، يقول السمعاني: \" يعني: أن توحدوه ولا تشركوا به (^٢) .... فقد ثبت عن النبي - ﷺ - برواية ابن مسعود أنه سأل رسول الله - ﷺ - فقال: أي الذنوب أعظم؟ فقال: الإشراك بالله ... \" (^٣).\n٣/أن الشرك أكبر الكبائر، قال تعالى:\" إِن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ\nعَنكُمْ سَيِّآتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلًا كَرِيمًا\" (النساء ٣١)، أورد السمعاني في تفسير الآية (^٤) حديث النبي - ﷺ - حين سُئل فقيل له: أي الكبائر أكبر؟ فقال: (أن تدعو لله ندا وهو خلقك ...) (^٥).\n٤/الشرك ظلم عظيم، يقول تعالى:\" الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ\" (الأنعام ٨٢)، يقول السمعاني: \" ومعناه: الذين آمنوا ولم يخلطوا إيمانهم بشرك، هذا قول أبي بكر، وعلي، وحذيفة، وسلمان، أن المراد بالظلم الشرك، وقد صَحَّ برواية ابن مسعود: أنه لما نزلت هذه الآية شق ذلك على الصحابة وقالوا: أينا لم يظلم نفسه؟ فقال: \" ليس الأمر كما تظنون، إنما الظلم هنا بمعنى الشرك، وقرأ قوله تعالى:\" إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ\" (لقمان ١٣) \" (^٦) (^٧).\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن:٥/ ٢٤٨.\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن:٣/ ٢٣١ - ٤/ ٣٢.\n(^٣) أخرجه البخاري في صحيحه، باب إثم الزناة، ح (٦٨١١)\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن:١/ ٤١٩.\n(^٥) أخرجه البخاري في صحيحه، باب ماقيل في شهادة الزور، ح (٢٦٥٤)\n(^٦) أخرجه البخاري في صحيحه، باب قول الله تعالى:\"وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا\"ح (٣٣٦٠)\n(^٧) السمعاني: تفسير القرآن:٢/ ١٢١.","vol":"1","page":245},{"text":"وقال تعالى:\" وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ\" (لقمان ١٣)، يقول السمعاني: \"أي لا تعدل بالله أحدا في الربوبية، وقوله:\" إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ\"الظلم هو وضع الشيء في غير موضعه، من أشرك مع الله غيره، فقد وضع الشيء في غير موضعه\" (^١).\n٥/الشرك زيغ، قال تعالى:\" فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ\" (آل عمران ٧)، يقول السمعاني: \" قال مجاهد: الزيغ: اللبس، وقيل: هو الشرك، وقيل: هو الشبهات التي تتعلق بالقلب\" (^٢)، ففي أحد تفسيراته الشرك، وهذا يدل على خطورته.\n٦/ الشرك ظلمات، يقول تعالى:\" أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا \" (الأنعام ١٢٢)، يقول السمعاني: \"قوله تعالى:\" أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ\"قال مجاهد معناه: من كان ضالا فهديناه،\" وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ\"أي: نور الإسلام يعيش به بين المسلمين:\" كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا \"المثل صلة هاهنا، وتقديره: كمن هو في الظلمات، أي: في ظلمات الشرك لايخرج منها أبدًا \" (^٣).\n٧/الشرك فاحشة، قال تعالى:\" وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ\" (الأعراف ٢٨)، قال السمعاني: \" قيل: الفاحشة هاهنا: هي طوافهم عراة، وقيل: هي الشرك (^٤) \".\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن:٤/ ٢٣٠.\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٢٩٥.\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن:٢/ ١٤١.\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن:٢/ ١٧٦.","vol":"1","page":246},{"text":"٨/الشرك إلحاد وميل عن الحق، قال تعالى:\" وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيم \" (الحج ٢٥)، يقول السمعاني: \" وأما معنى الإلحاد هاهنا: قال بعضهم: هو الشرك، وقال بعضهم: هو كل سيئة، حتى شتم الرجل غلامه \" (^١).\n٩/ الشرك خيبة وظلم، قال تعالى:\" وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا\" (طه ١١١)، يقول السمعاني: \" أي: هلك من حمل شركا، وحمل الشرك هو نفس الإشراك \" (^٢).\n١٠/الشرك الحنث العظيم، قال تعالى:\" وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنثِ الْعَظِيمِ\" (الواقعة ٤٦)،يقول السمعاني: \" قال مجاهد وقتادة: الشرك، ويقال: هو الإثم العظيم، وقال علي: اليمين الفاجرة \" (^٣).\n١١/ الشرك سيئة وخطيئة، قال تعالى:\" وَمَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ\" (النمل ٩٠)، وأكثر المفسرين على أن المراد من السيئة الشرك (^٤).\nوقال تعالى:\" بَلَى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ\nفِيهَا خَالِدُونَ\" (البقرة ٨١)، السيئة: الشرك،\"وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ\"أي: مات على الشرك (^٥).\nوقال تعالى:\" وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّآتِ\" (النساء ١٨)، يقول السمعاني: \"بالسيئات: الشرك، وقال ابن عباس: هو النفاق \" (^٦).\nوقال تعالى:\" أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّآتِ\" (النحل ٤٥)، يقول السمعاني:\" \"مَكَرُوا السَّيِّآتِ\" يعني: فعلوا السيئات، وذلك جحدهم التوحيد، وعبادتهم غير الله، وعملهم بالمعاصي\" (^٧).\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن:٣/ ٤٣٣.\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن:٣/ ٣٥٧.\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن:٥/ ٣٥٣.\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن:٤/ ١١٩.\n(^٥) السمعاني: تفسير القرآن:١/ ١٠١.\n(^٦) السمعاني: تفسير القرآن:١/ ٤٠٩.\n(^٧) السمعاني: تفسير القرآن:٣/ ١٧٤.","vol":"1","page":247},{"text":"١٢/ الشرك جهل، قال تعالى:\" وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا \" (العنكبوت ٨)، يقول السمعاني: \" إنما قال هذا؛ لأن الشرك كله عن جهل، فإن العالم لايشرك بالله\" (^١).\n١٣/الشرك منكر، يقول تعالى:\" الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ\" (التوبة ٦٧)، يقول السمعاني:\" \" يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ\"فيه قولان: أن المنكر هو الشرك، والمعروف هو الإيمان بالله، وعن أبي العالية الرياحي أنه قال: كل ماذكر من المنكر في القرآن، فهو عبادة الأوثان والشرك بالله \" (^٢).\nوقال تعالى:\" التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْأمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ\" (التوبة ١١٢)، يقول السمعاني:\" \" وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ\"يعني: عن الشرك \" (^٣).\nوقال تعالى:\" إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ\nالْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ\" (النحل ٩٠)، يقول السمعاني: \"والمنكر: يعني: كل مايكون منكرا في الدين، وقيل: إنه الشرك، فإنه أعظم المناكير\" (^٤).\n١٤/الشرك فتنة، يقول تعالى:\" كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا \" (النساء ٩١)، يقول السمعاني: \" أي: كلما دعوا إلى الشرك دخلوا فيه \" (^٥).\nويقول تعالى:\" لَوْ خَرَجُوا فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ\nالْفِتْنَةَ\" (التوبة ٤٧)، يقول السمعاني: \" وفي الفتنة معنيان: أحدهما: أنها الشرك، والثاني: تفريق الكلمة \" (^٦).\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن:٤/ ١٦٨.\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن:٣/ ٣٢٥.\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن:٢/ ٣٥٢.\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن:٣/ ١٩٦.\n(^٥) السمعاني: تفسير القرآن:١/ ٤٦١.\n(^٦) السمعاني: تفسير القرآن:٢/ ٣١٤.","vol":"1","page":248},{"text":"ويقول تعالى:\" وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِم مِّنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَأتَوْهَا\" (الأحزاب ١٤)، يقول السمعاني: \" وقوله:\" ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ\"أي: الشرك، ويقال: القتال في العصبية \" (^١).\n١٥/الشرك الكلمة السفلى: قال تعالى:\" وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى\" (التوبة ٤٠)، يقول السمعاني: \" كلمتهم الشرك، وهي السفلى إلى يوم القيامة \" (^٢).\n١٦/الشرك قول الزور: قال تعالى:\" فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ\" (الحج ٣٠)، وذكر السمعاني خلافا في معنى قول الزور، فذكر أنه الكذب، وقيل: هو الشرك، وقيل: هو الإشراك في التلبية الجاهلية (^٣).\nوقال تعالى:\" وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ\" (االفرقان ٧٢)، فسرها السمعاني: بالشرك، ومعناه: لايشهدون شهادة الشرك، ويقال: الكذب، ويقال: الغناء (^٤).\n١٧/الشرك، المكر السيء، قال تعالى:\" وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ\" (فاطر ٤٣)، يقول السمعاني: \" وفي المكر السيئ قولان: أحدهما: أنه الشرك، والآخر: أنه المكر برسول الله - ﷺ - \" (^٥).\nوقال تعالى:\" قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ\" (الرعد ٢٦)، معناه قد أشرك الذين من قبلهم (^٦).\n١٨/ الشرك التكبر، قال تعالى:\" إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ\" (الصافات ٣٥)، يقول السمعاني:\" وأصل التكبر: هو الشرك بالله \" (^٧)، وذلك أنهم يستكبرون عن كلمة التوحيد ويمتنعون منها (^٨).\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن:٤/ ٢٦٦.\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن:٢/ ٣١٢.\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن:٣/ ٤٣٧.\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن:٤/ ٣٥.\n(^٥) السمعاني: تفسير القرآن:٤/ ٣٦٤.\n(^٦) السمعاني: تفسير القرآن:٣/ ١٦٧.\n(^٧) السمعاني: تفسير القرآن:٤/ ١٦١.\n(^٨) السمعاني: تفسير القرآن:٤/ ٣٩٧.","vol":"1","page":249},{"text":"والتكبر مانع من قبول الحق، قال تعالى:\" إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُم مُّنكِرَةٌ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ\" (النحل ٢٢)، يقول السمعاني: \" أي: متكبرون، ويُقال: إنه لاينكر الدين إلا متكبر \" (^١).\n١٩/ الشرك ذنب لا يُغفر، يقول تعالى:\" إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ\nذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا\" (النساء ٤٨)، وهذه الآية لا تعارض بينها وبين قوله جل وعلا:\" إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا\" (الزمر ٥٣)؛ لأن المراد منها يغفر الذنوب جميعا سوى الشرك (^٢).\nوكذا لا تعارض هذه الآية قوله جل وعلا عن إبراهيم الخليل:\" رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ \" (إبراهيم ٣٦)؛ لأن قوله - ﵇ -:\" وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ \" يحتمل وجهين:\nالأول: أنه قال قبل أن يعلمه الله أنه لايغفر الشرك.\nالآخر: أن المراد من العصيان، هو مادون الشرك (^٣).\nويؤيد هذا المعنى قوله جل في علاه:\" وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى\" (طه ٨٢)، قال السمعاني: \"وقوله:\" وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ\"أي: من الشرك \" (^٤).\n٢٠/ الشرك إثم عظيم، قال تعالى:\" وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًاعَظِيمًا\" (النساء ٤٨) يقول السمعاني: \" أي: قد اختلق إثما عظيمًا \" (^٥).\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن:٣/ ١٦٥.\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن:١/ ٤٣٤.\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن:٣/ ١٢٠.\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن:٣/ ٣٤٦.\n(^٥) السمعاني: تفسير القرآن:١/ ٤٣٤.","vol":"1","page":250},{"text":"٢١/ الشرك هلاك، يقول تعالى:\" وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ\" (الحج ٣١)، يقول السمعاني: \" ومعنى الآية: أن من أشرك فقد هلك، وبَعُد عن الحق بعدًا لا يصل إليه بحال، مادام مشركًا \" (^١).\n٢٢/الشرك من أسباب التخليد في النار: يقول تعالى:\" ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ\nوَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِن يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا \" (غافر ١٢)، يقول السمعاني في معنى الآية معناه: \"أن تخليدكم في النار ومكثكم فيها، كان بأنه إذا دعي الله وحده كفرتم، \" وَإِن يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا \" أي: وإن يشرك بالله تؤمنوا، أي تصدقوا بالشرك \" (^٢).\nوقال تعالى:\" إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا\nلِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ\" (المائدة ٧٢)، يقول السمعاني: \" روى أبو سفيان طلحة بن نافع عن جابرأن النبي - ﷺ - سئل ما الموجبتان؟ فقال: من وحد الله لايشرك به شيئا، وجبت له الجنة، ومن أشرك بالله وجبت له النار \" (^٣) (^٤).\n٢٣/ الشرك إسراف، يقول تعالى:\"وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ\" (طه ١٢٧)، يقول السمعاني: \" أي من أشرك \" (^٥)، ويقول تعالى:\" فَأَنجَيْنَاهُمْ وَمَن نَّشَاءُ وَأَهْلَكْنَاالْمُسْرِفِينَ\" (الأنبياء ٩)، يقول السمعاني: \" أي: أنجينا المؤمنين، وأهلكنا المسرفين، وكل مكذب مشرك مسرف على نفسه\" (^٦)، ويقول تعالى:\" إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ\" (غافر ٢٨)، يقول السمعاني: \"أي: مشرك كذاب\" (^٧).\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن:٣/ ٤٣٧.\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن:٥/ ٩.\n(^٣) أخرجه مسلم في صحيحه، باب من مات لايشرك بالله شيئا دخل الجنة، ح (٩٣).\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن:٢/ ٥٥.\n(^٥) السمعاني: تفسير القرآن:٣/ ٣٦٢.\n(^٦) السمعاني: تفسير القرآن:٣/ ٣٦٢.\n(^٧) السمعاني: تفسير القرآن:٣/ ٣٧٠.","vol":"1","page":251},{"text":"وقال تعالى:\" لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن طِينٍ (٣٣) مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ\" (الذاريات ٣٣ - ٣٤)، يقول السمعاني: \"أي: للمشركين، وهم الذين أسرفوا في المعاصي، وكل مشرك مسرف في المعصية \" (^١).\n٢٤/الشرك كلمة خبيثة، يقول تعالى:\" وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ\" (إبراهيم ٢٦)، الكلمة الخبيثة هي الشرك (^٢).\n٢٥/المشرك لايكون حنيفًا (^٣) *، يقول تعالى:\" حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِي\" (الحج ٣١)، يقول السمعاني: \"يعني أن الحنيفة إنما يتم بترك الشرك، ومن أشرك لا يكون حنيفًا \" (^٤).\n٢٦/ المشرك ظالم، يقول تعالى:\" قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ\" (البقرة ١٢٤)، يقول السمعاني:\"وقيل أراد به المشرك هاهنا\" (^٥).\n٢٧/المشرك غاوٍ، يقول تعالى:\" فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ\" (الشعراء ٩٤)، يقول السمعاني: قوله:\" \" هُمْ وَالْغَاوُونَ\": أي: الشياطين معهم، ويقال: من اتبعوهم في الشرك\" (^٦).\n٢٨/المشرك ملحد، يقول تعالى:\" إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا \" (فصلت ٤٠)، يقول السمعاني:\"قوله:\" يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا\"أي: يميلون إلى الجحد والتكذيب في آياتنا، وكل من مال من الحق إلى الباطل، ومن التوحيد إلى الشرك فهو ملحد\" (^٧).\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن:٥/ ١٧.\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن:٥/ ٢٥٨.\n(^٣) * الحنيف: فسر الحنيف بعدة تفسيرات:\nفقيل: الحنيف: المسلم، وأصله الميل، والمسلم مائل عن سائر الأديان إلى ملة الإسلام، فهو الثابت على الديل، المائل له بالكلية.\nوقيل: معناه المستقيم، فسماه حنيفا على الضد، كما يقال للمهلكة مفازة، وللديغ سليم.\nوقيل: الحنيف: المتبع، وقيل: الحنيف: الحاج المختتن. انظر: تفسير السمعاني:١/ ١٤٤ - ٣٣٠، ٢/ ١٢٠.\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن:٣/ ١١٤.\n(^٥) السمعاني: تفسير القرآن:٣/ ٢٣٧.\n(^٦) السمعاني: تفسير القرآن:١/ ١٣٦.\n(^٧) السمعاني: تفسير القرآن:٤/ ٥٦.","vol":"1","page":252},{"text":"٢٩/المشرك لايسعد، يقول تعالى:\" إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ\" (القصص ٣٧)، يقول السمعاني: أي: \"لايسعد من أشرك بالله\" (^١).\n٣٠/المشرك مجرم، يقول تعالى:\" إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ\" (الصافات ٣٤)، يقول السمعاني: \"والجرم هاهنا هو الشرك\" (^٢).\nوكل ماذكر من هذه الأوصاف، فهي دالة على قبح الوصف والموصوف، وسبيل الخلاص، أن يوطن المؤمن قلبه لله تعالى، ويخضعه لشرعه، يقول الإمام ابن تيمية: \"وطريق التخلص من هذه الآفات كلها، الإخلاص لله عزوجل، قال تعالى:\" فَمَن كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا\" (الكهف ١١٠)، ولا يحصل الإخلاص إلا بعد الزهد، ولا زهد إلا بتقوى، والتقوى متابعة الأمر والنهي\" (^٣).\nوهذا الذي ينفع يوم القيامة، يقول تعالى:\" يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ\" (إبراهيم ٨٨ - ٨٩)، قال أكثر أهل العلم: سليم من الشرك، فإن الآدمي لايخلو من ذنب (^٤).\nوقال تعالى:\" إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ\" (الصافات ٨٤)،أي: سليم من الشرك (^٥).\nفقبح الشرك يكمن في أن يكون شاهدا على المرء يوم القيامة، قال تعالى:\" بَلْ بَدَا لَهُم مَّا كَانُوا يُخْفُونَ مِن قَبْلُ\" (الأنعام ٢٨)، \"أي: ظهر لهم ما أخفوا من قبل، من تبرئتهم عن الشرك بقولهم:\" وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ\"، وذلك أنهم إذا قالوا ذلك يختم الله على أفواههم، وتنطق جوارحهم بشركه، فيبدو لهم ماكانوا يخفون من قبل\" (^٦).\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن:٥/ ٥٤.\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن:٤/ ٣٩٧.\n(^٣) ابن تيمية: مجموع الفتاوى: ١/ ٩٤.\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن:٤/ ٥٥.\n(^٥) السمعاني: تفسير القرآن:٤/ ٤٠٣.\n(^٦) السمعاني: تفسير القرآن:٢/ ٩٧.","vol":"1","page":253},{"text":"ولا ينفع يوم القيامة هذا الجدال، ولا تغني تلك المعاذير، كما قال تعالى:\" يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نَّفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ\" (النحل ١١١)، إذن: لا حجة في الشرك، وقد قطع الله جل وعلا كل المعاذير، بإرسال الرسل، وإنزال الكتب، ومن عدل الله تعالى أن لا يعذب أحدا قبل بعثة الرسل، فببعثهم انقطعت كل الحجج، وأغلقت كل السبل إلا من لم تبلغه الحجة قال تعالى:\" وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ\" (المؤمنون ١١٧)، \"أي: لابينة ولا حجة له به، قال أهل العلم: لا حجة لأحد في دعوى الشرك، وإنما الحجة عليهم\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-86>٤/ من صور الشرك:</span>\nصور الشرك كثيرة، ولذا حذر القرآن الكريم أشد التحذير من مواقعتها، أو التلبس بها.\nوقد سدت الشريعة كل الأبواب المؤدية إلى الشرك، وحتى الشرك الأصغر؛ لأنه ذريعة للوصول للشرك الأكبر، وقد حمت الشريعة جناب التوحيد، من أن يدنس بياضه، أو يُعكر صفاؤه، يقول ابن القيم: \"التوحيد أصلف (^٢) * شيء وأنزهه، وأنظفه، وأصفاه، فأدنى شيء يخدشه ويدنسه، ويؤثر فيه، فهو كأبيض ثوب يكون، يؤثر فيه أدنى أثر، وكالمرآة الصافية جدا، أدنى شيء يؤثر فيها، ولهذا تشوشه اللحظة، واللفظة، والشهوة الخفية، فإن بادر صاحبه وقلع ذلك الأثر بضده، وإلا استحكم وصار طبعا يتعسر عليه قلعه\" (^٣).\nفمن صور الشرك التي نبه عليها القرآن الكريم، وأشار إليها الإمام السمعاني:\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن:٣/ ٤٩٥.\n(^٢) * في معجم مقاييس اللغة: الصاد واللام والفاء أصل صحيح يدل على شدة وكزازة:٣/ ٣٠٥، والكزازة: الصلابة.\n(^٣) ابن القيم: الفوائد: دار الكتب العلمية-بيروت، ط ٢، ١٣٩٣ هـ، (١٩٥).","vol":"1","page":254},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-87>١ - السحر:</span>\nأما وجه كون السحر من الشرك ماروي عن النبي - ﷺ - أنه قال: (من عقد عقدة ثم نفخ فيها سحر، ومن سحر فقد أشرك، ومن تعلق شيئا وكل إليه) (^١).\nوالشاهد فيه: ومن سحر فقد أشرك؛ لأن السحر لاينفك عن الشرك، ففيه استعانات واستغاثات شركية بالشياطين.\nويدل عليه أن السحر ضروب كثيرة، نص النبي - ﷺ - على كونها شركا، فقال في الحديث الصحيح عن النبي - ﷺ -: (إن الرقى والتمائم والتولة شرك) (^٢).\nوبين الحافظ ابن حجر وجه كون هذه الأمور من الشرك فقال: \"والتمائم جمع تميمة، وهي خرز أو قلادة تعلق في الرأس، كانوا في الجاهلية يعتقدون أن ذلك يدفع الآفات.\nوالتولة: شيء كانت المرأة تجلب به محبة زوجها، وهو ضرب من السحر، وإنما كان ذلك من الشرك؛ لأنهم أرادوا دفع المضار وجلب المنافع من عند غير الله، ولا يدخل في ذلك ماكان بأسماء الله وكلامه\" (^٣).\nوذكر الإمام السمعاني في تعليم الملكين للسحر قولان: وأحدهما يؤيد ماذكر، وفيه: أنهما يعلمان كيفية السحر؛ لينتهوا عنه، كان الرجل يأتيهما فيقول: ما الذي نهى الله عنه؟ فيقولان: الشرك، فيقول: وما الشرك، فيقولان: كذا وكذا.\nويأتيهما آخر فيقول: ما الذي نهى الله عنه؟ فيقولان: السحر، فيقول: وما السحر؟ فيعلمانه كيفية السحر لينتهي، وكذا في كل المعاصي (^٤).\n_________\n(^١) اخرجه النسائي في سننه، باب الحكم في السحرة، مكتبة المطبوعات الإسلامية، حلب، ط ٢، ١٤٠٦ هـ. ح (٤٠٧٩)، واختلف العلماء في الحديث، فالجمهور على تضعيفه؛ لأنه مرسل منقطع، فإن الحسن لم يسمع من أبي هريرة، وحسنه ابن مفلح، قال: قال في الميزان: لايصح تليين عباد وانقطاعه، كذا قال، ويتوجه أنه حديث حسن، انظر: الآداب الشرعية: عالم الكتب: (٣/ ٨٢).\n(^٢) أخرجه أبو داود في سننه، باب في تعليق التمائم، ح (٣٨٨٣).\n(^٣) ابن حجر: فنح الباري، دار المعرفة-بيروت،١٣٧٩ هـ، (١٠/ ١٩٦).\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن:١/ ١١٨.","vol":"1","page":255},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-88>٢ - الكهانة:</span>\nوفسر الإمام السمعاني معنى الكاهن فقال: \"هو الذي يخبر عن الغيب كذبا، وقيل: بظن وحدس لا عن علم\" (^١)، وقد حكى الله جل وعز عنهم طريقة الاخبار عن هذه المغيبات، وحكم بكذبهم فقال جل شأنه:\" هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَن تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (٢٢١) تَنَزَّلُ عَلَى\nكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٢٢٢) يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ\" (الشعراء ١٢١ - ١٢٣)، يقول السمعاني:\"قوله تعالى:\" يُلْقُونَ السَّمْعَ\" قال أهل التفسير: المراد منه الكهنة، ومعنى\" يُلْقُونَ السَّمْعَ\"أي: يستمعون للشياطين،\" وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ\"أي: كلهم، وروي عن عائشة - ﵁ - أنها قالت: قلت يارسول الله: إن الكهان يخبرون بأشياء وتكون حقًا، قال: تلك الخطفة يخطفها الجني فيلقيها في سمع الكاهن، فيكذب بها مائة كذبة\" (^٢)، وقد ذكرنا أنهم يسترقون من الملائكة، ويعلو بعضهم بعضا ثم يرمون بالشهب، وفي الخبر المشهور المعروف: أن النبي - ﷺ - قال: (من أتى كاهنا أو عرافا فسأله فصدقه بما يقولون، فقد كفر بما أنزل على محمد) (^٣) (^٤).\nوقد فسر قتادة الطاغوت في قوله تعالى:\" يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ\" (النساء ٥١)، بالكاهن، قال مالك بن أنس: وقرأ قوله تعالى:\" وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا\" الطاغوت: كل مايعبد من دون الله، فقيل له ما الجبت: فقال: سمعت أنه الكاهن (^٥).\nفالكهانة نوع من الشرك؛ لأن وصول الكاهن لهذه الأخبار الغيبية، تكون بواسطة الجن والشياطين، والتقرب لهم بالقرابين.\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن:٥/ ٢٧٦ - ٦/ ٤٢.\n(^٢) اخرجه البخاري في صحيحه، باب ذكر الملائكة، ح (٣٢١٠).\n(^٣) أخرجه أبو داود في سننه، باب في الكاهن، ح (٤ - ٣٩)\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن:٤/ ٧٢.\n(^٥) السمعاني: تفسير القرآن:١/ ٤٣٦.","vol":"1","page":256},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-89>٣ - الطيرة:</span>\nوقد حكى الله جل وعز ما كان من الأمم السابقة، من التطير بأنبيائهم ﵈، قال تعالى حكاية لما قاله قوم صالح لنبيهم:\" اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَن مَّعَكَ \" (النمل ٤٧)، وفي قصة موسى:\" يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَن مَّعَهُ\" (الأعراف ١٣١)، وفي سورة يس (١٨):\" إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ \"والمعنى: تشاءمنا بكم.\nوقال المشركون فيما حكى الله عنهم:\" وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِندِكَ\" (النساء ٧٨)، يقول السمعاني:\" \" وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِندِكَ\"أي: بشؤمك، وذلك أن النبي - ﷺ - لما قدم المدينة أصاب أهلها نوع سوء، فقالت اليهود: مارأينا أشأم من هذا الرجل، منذ دخل ديارنا قد غلت أسعارنا، ونقصت ثمارنا، وذلك بلية للمسلمين (^١)، فرد الله افتراءهم فقال:\" قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ اللَّهِ\" أي: الخصب والجدب، والنصر والهزيمة، كل من عند الله تعالى (^٢).\nولذا لما قال قوم موسى لموسى ماقالوا، رد الله عليهم فقال:\" أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ\" (الأعراف ١٣١)، أي: الشؤم والبركة، والخير والشر، كله من الله تعالى، وقيل معناه: الشؤم العظيم هو الذي لهم عندالله تعالى في الآخرة (^٣).\nوالطيرة من الأمور المحرمة، يقول السمعاني: \" وأعلم أن الطيرة منهي عنها، وفي بعض الأخبار عن النبي - ﷺ -:لا عدوى ولا طيرة (^٤)، وعنه: أنه كان يحب الفأل ويكره الطيرة (^٥).\nوقد كان أهل الجاهلية يتطيرون، وكان الرجل إذا خرج لحاجة فطار طائر، أو لقي شيئًا، أوسمع كلامًا، يتطير بذلك، إما في الامتناع من ذلك الفعل، أو في الدخول في ذلك الفعل، وقد قال بعض الشعراء شعرًا:\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن:١/ ٤٥٠.\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن:١/ ٤٥٠.\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن:٢/ ٢٠٧.\n(^٤) أخرجه البخاري في صحيحه، باب الجذام، ح (٥٧٠٧).\n(^٥) أخرجه البخاري في صحيحه، باب الفأل، ح (٥٧٥٦).","vol":"1","page":257},{"text":"لعمرك ما تدري الطوارق بالحصى ... ولا زاجرات الليل ما الله صانع \" (^١).\nوفي الحديث: (الطيرة شرك) (^٢)، وفي الآخر: (من ردته الطيرة عن حاجته فقد أشرك) (^٣)، وفي وجه كونها شركا، يقول الإمام النووي: \"الطيرة شرك، أي اعتقاد أنها تنفع أو تضر، إذا عملوا بمقتضاها، معتقدين تأثيرها، فهو شرك؛ لأنهم جعلوا لها أثرا في الفعل والإيجاد\" (^٤)، فكأنهم أشركوه مع الله (^٥)، ولذا أبطل النبي - ﷺ - لأن يكون لشيء منها تأثير في اجتلاب ضرر أو نفع، واستحب الفأل بالكلمة الحسنة يسمعها، من ناحية حسن الظن بالله تعالى (^٦).\nإذن: إنما كان النبي - ﷺ - يكره الطيرة؛ لأنها من أعمال أهل الشرك؛ ولأنها تجلب سوء الظن بالله تعالى.\nووجه الشرك فيها: أن من اعتقد فيها ما كانت الجاهلية تعتقده فيها، فقد أشرك مع الله تعالى خالقا آخر، ومن لم يعتقد ذلك، فقد تشبه بأهل الشرك (^٧).\nولما كان التطير ربما يعتري القلب، ويهجم عليه، كما قال ابن مسعود: وما منا إلا: يعني: إلا من يعتريه التطير، وسبق إلى قلبه الكراهة فيه، والحل الناجح: (ولكن الله يذهبه بالتوكل) (^٨)، \"أي بسبب الاعتماد عليه، والإسناد إليه سبحانه. وحاصله: أن الخطرة ليس بها عِبرة، فإن وقعت غفلة لا بد من رجعة، وأوبة من حوبة\" (^٩).\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن:٤/ ١٠٤.\n(^٢) أخرجه أبو داود في سننه، باب في الطيرة، ح (٣٩١٠).\n(^٣) أخرجه أحمد في مسنده، مؤسسة الرسالة، ط ١، ١٤٢١ هـ، ح (٧٠٤٥).\n(^٤) النووي: شرح مسلم، دار إحياء التراث-بيروت، ط ٢، ١٣٩٢ هـ، (١٤/ ٢١٩)\n(^٥) المستدرك على مجموع الفتاوى: ٥/ ١٣٠.\n(^٦) الخطابي: معالم السنن، المطبعة العلمية-حلب، ط ١، ١٣٥١ هـ، (٤/ ٢٣٥).\n(^٧) أحمد القرطبي: المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم: دار ابن كثير، دمشق، ط ٥،١٤٣١ هـ، (٥/ ٦٢٨).\n(^٨) أخرجه أبو داود في سننه، باب في الطيرة، ح (٣٩١٠)\n(^٩) علي القاري: مرقاة المفاتيح:٧/ ٢٨٩٧، وانظر: السمعاني: تفسير السمعاني:٤/ ١٠٤.","vol":"1","page":258},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-90>٤ - التنجيم:</span>\nعلم النجوم يسمى بالعربية التنجيم، وباليونانية: اصطرنوميا، واصطر هو النجم، ونوميا هو العلم (^١)، والحديث عنه ينتظم عدة امور:\nأ / التنجيم في اللغة: مصدر الفعل نجَّم وهو مأخوذ من النجم، وهو الكوكب (^٢).\nيقول السمعاني: \"والعرب إذا أطلقت النجم عنت به الثريا\" (^٣).\nوالمنجم والمتنجم: الذي ينظر في النجوم، ويحسب مواقيتها وسيرها (^٤).\nب /التنجيم في الاصطلاح: عرفه الإمام السمعاني بقوله: هو النظر فيها للقول بالغيب عنها (^٥)، وهو ما عرفه به الأئمة:\nيقول الإمام ابن تيمية: \"التنجيم كالاستدلال بالأحوال الفلكية على الحوادث الأرضية من السحر\" (^٦)، وقال: \"وصناعة التنجيم التي مضمونها الأحكام والتأثير وهو الاستدلال على الحوادث الأرضية بالأحوال الفلكية والتمزيج بين القوى الفلكية والقوابل الأرضية\" (^٧).\nوقال الإمام الخطابي: \"علم النجوم المنهي عنه: هو مايدعيه أهل التنجيم من علم الكوائن والحوادث التي لم تقع وستقع في مستقبل الزمان، كإخبارهم بأوقات هبوب الرياح، ومجيء المطر، وظهور الحر والبرد، وتغيّر الأسعار، وما كان في معانيها من الأمور، يزعمون أنهم يدركون معرفتها بسير الكواكب في مجاريها وباجتماعها واقترانها، ويدعون أن لها تأثيرا في السفليات، وأنها تتصرف على أحكامها، وتجري على قضايا موجباتها (^٨).\n_________\n(^١) الخوارزمي: مفاتيح العلوم:، دار الكتاب العربي، ط ٢، (٢٣٥).\n(^٢) الجوهري: الصحاح:٥/ ٢٣٩.\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٦/ ٢٠٣\n(^٤) ابن منظور: لسان العرب:١٢/ ٥٧٠، الزبيدي: تاج العروس ٩/ ٧٢ - ٧٣.\n(^٥) السمعاني: تفسير القرآن:٦/ ٧٤.\n(^٦) ابن تيمية: المستدرك على مجموع الفتاوى:٥/ ١٣٠.\n(^٧) ابن تيمية: مجموع الفتاوى:٣٥/ ١٩٢.\n(^٨) الخطابي: معالم السنن:٤/ ٢٣٠.","vol":"1","page":259},{"text":"جـ /البروج هي النجوم العظام، كما قال تعالى:\" وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا\" (الحجر ١٦)، ويقال: إنها البروج الإثنا عشر، ويقال: أنها السبع السيارة (^١)، ونقل السمعاني عن عائشة ﵂: أن علم النجوم كان حقا إلى أن حبست الشمس ليوشع بن نون، فتشوش الأمر عليهم (^٢)، وسيأتي في معرفة حكم التنجيم، أن الحق من التنجيم، ماكان تعلقه بالنظر فيها للاهتداء، أو للاعتبار، أو لمعرفة القبلة، وما أشبه ذلك (^٣).\nوقد أقسم الله جل وعلا بالنجوم، لما عُلق بها من مصالح العباد، من مساقطها ومطالعها (^٤).\nد /يقول السمعاني: والله تعالى خلق النجوم لفوائد:\n- منها تزيين السماء، كما قال تعالى:\"وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ\" (الملك ٥).\n- ومنها رمي الشياطين بها كما قال:\" وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِّلشَّيَاطِينِ\" (الملك ٥).\n- ومنها الاهتداء في ظلمات البر والبحركما قال:\" وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ\" (الأنعام ٩٧) (^٥).\nونقل عن قتادة\" خلق الله النجوم لثلاثة أشياء: لزينة السماء الدنيا، ولرجم الشياطين، وليهتدى بها في البر والبحر، فمن طلب منها على غير هذا فقد أخطأ (^٦).\nوقال محمد بن كعب القرظي: إن النجم لا يطلع لموت أحد ولا لحياته، ولكن زينة الدنيا، ورجوم الشياطين (^٧).\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن:٣/ ١٣٢ - ٤/ ٢٨.\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن:٤/ ٤٠٤.\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن:٦/ ٧٤.\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن:٦/ ١٦٤.\n(^٥) السمعاني: تفسير القرآن:٣/ ١٢٩.\n(^٦) السمعاني: تفسير القرآن:٣/ ١٦٤ - ٦/ ٨.\n(^٧) السمعاني: تفسير القرآن:٦/ ٨.","vol":"1","page":260},{"text":"هـ /وقد ذكر السمعاني الاعتقاد الفاسد الذي كان في الكواكب، عند تفسير قوله تعالى:\" الْجَوَارِ الْكُنَّسِ\" (التكوير ١٦)، فقال: \"وهذه الكواكب هي التي يسميها المنجمون المُتحيرة، وقد تفردت، حيث تسير بخلاف سائر الكواكب؛ لأن سائر الكواكب تسير من المشرق إلى المغرب، وهي تسير من المغرب إلى المشرق، ويحيلون عليها الأفعال في العالم، ونحن نبرأ إلى الله تعالى من هذا الاعتقاد، ونحيل الجميع على الله تعالى، وإنما النجوم آيات، ودلائل، ومسخراتٍ خُلقت لمعاني ذكرناها من قبل\" (^١).\nو/ اختلف العلماء في حكم تعلم التنجيم، وحكم المنجم؟\nأما حكم التنجيم فهو على أقسام:\n١ - ما هو كفر بإجماع المسلمين، وهو القول بأن الموجودات في العالم السفلي، مركبة على تأثير الكواكب والروحانيات، وأن الكواكب فاعلة مختارة، وهذا كفر بإجماع المسلمين، وهذا قول الصابئة المنجمين الذين بعث إليهم إبراهيم الخليل - ﵇ - (^٢).\nوفيها يقول الإمام ابن تيمية: \"صناعة محرمة بالكتاب والسنة وإجماع الأمة، بل هي محرمة على جميع لسان جميع المرسلين في جميع الملل\" (^٣).\nوهذا هو الذي أشار إليه الإمام السمعاني وتبرأ منه كما في النقل السابق، وقال في موطن آخر، \"وقد ورد في الأخبار أن النبي - ﷺ - نهى عن النظر في النجوم، والمعنى هو النظر فيها للقول بالغيب عنها\" (^٤).\n٢ - الاستدلال على الحوادث الأرضية بمسيرة الكواكب واجتماعها وافتراقها ونحو ذلك، ويقول: إن ذلك بتقدير الله ومشيئته، فلا ريب في تحريم ذلك (^٥).\nواختلف العلماء في تكفير القائل بذلك على قولين:\nالأول: أنه كافر؛ لأنه ادعى علم شيء استأثر الله تعالى بعلمه، وكفره القرطبي (^٦).\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن:٦/ ١٦٩.\n(^٢) سليمان بن عبدالوهاب: تيسير العزيز الحميد:٣٧٨.\n(^٣) ابن تيمية: مجموع الفتاوى:٣٥/ ١٩٢.\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن:٦/ ٧٤.\n(^٥) سليمان بن عبدالوهاب: تيسير العزيز الحميد:٣٧٩، وانظر الأدلة مستفيضة في تحريم ذلك من كتاب المشعبي: التنجيم والمنجمون، مكتبة الصديق- الطائف، ط ١، ١٤١٤ هـ (٢٥٩ ومابعده).\n(^٦) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن:١٩/ ٢٨.","vol":"1","page":261},{"text":"الثاني: أنه لايكفر، ونُقل عن مالك (^١)، وحكاه القرافي (^٢)،وابن حجر (^٣).\nونقل القرطبي تكفير علي - ﵁ - للمنجم، فقال: يا أيها الناس، إياكم وتعلم النجوم إلا ما تهتدون به في ظلمات البر والبحر، وإنما المنجم كالساحر، والساحر كالكافر، والكافر في النار، والله لئن بلغني أنك تنظر في النجوم، وتعمل بها، لأخلدنك في الحبس ما بقيتُ، ولأحرمنك العطاء، ماكان لي من سلطان (^٤).\nوفي بدائع السلك: قال سحنون: من صَدَّق عرافًا، أو كاهنًا، أو منجمًا، فيما يقوله فقد كفر بما أنزل على قلب محمد - ﷺ -: قال: وكيف يحل لقلب مسلم يؤمن بالله واليوم الآخر أن يصدقهم مع قوله تعالى:\" قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ \" (النمل ٦٥) (^٥)، وبهذا قال السمعاني في تفسير قوله تعالى:\" عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا\" (الجن ٢٦)، \"وفي الآية دليل على أن من قال بالنجوم شيئًا، وادعى علمًا من الغيب بجهتها، فهو كافر بالقرآن\" (^٦).\nويقول الشيخ سليمان بن عبد الوهاب: \"وينبغي أن يُقطع بكفره؛ لأنها دعوى علم الغيب الذي استأثر الله تعالى بعلمه، بما لايدل عليه\" (^٧).\nونقل السمعاني عن الخليل بن أحمد في النجوم قوله:\nأبلغوا عني المنجم أني ... كافر بالذي قضته الكواكب\nعالم أن ما يكون وما كان ... حتم من المهيمن واجب (^٨)\n_________\n(^١) ابن رشد: البيان والتحصيل: دار الغرب الإسلامي، بيروت، ط ٢، ١٤٠٨ هـ، (١٧/ ٤٠٤)\n(^٢) القرافي: الفروق: عالم الكتب (٤/ ٢٥٩).\n(^٣) ابن حجر: فتح الباري:٦/ ٢٥٩.\n(^٤) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن:١٩/ ٢٩.\n(^٥) محمد الغرناطي: بدائع السلك في طبائع الملك: وزارة الإعلام: العراق، ط ١، (٣٢٢).\n(^٦) السمعاني: تفسير القرآن:٦/ ٧٤.\n(^٧) سليمان بن عبد الوهاب: تيسير العزيز الحميد:٣٧٨.\n(^٨) السمعاني: تفسير القرآن:٤/ ١٠٥.","vol":"1","page":262},{"text":"٣ - تعلم منازل الشمس والقمر للاستدلال بذلك على القبلة، وأوقات الصلوات والفصول، \"كره قتادة تعلم منازل القمر، ولم يرخص ابن عيينة فيه، ذكره حرب عنهما، ورخص في تعلم المنازل أحمد واسحاق\" (^١).\nإلا أن الصحيح عن الجماهير، جوازه؛ لدلالات النصوص الشرعية عليه، كما قال تعالى: ... \" وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ\" (النحل ١٦).\nوقد نص السمعاني على جوازه في أكثر من موطن:\nـ فقد نقل عن إبراهيم النخعي جوازه فقال: قال إبراهيم النخعي: يجوز أن يتعلم الإنسان من النجوم، بقدر ما يعرف منازل القمر، وسير الكواكب لمعرفة القبلة وأوقات الصلاة (^٢).\nـ وقال: \"فأما النظر فيها للإهتداء أو للاعتبار أو لمعرفة القبلة وما أشبه ذلك مطلق جائز\" (^٣).\nـ ووجه كون التنجيم من الشرك في بعض أنواعه، أنه من أنواع السحر، والنبي - ﷺ - يقول: (من اقتبس شعبة من النجوم، فقد اقتبس شعبة من السحر زاد مازاد) (^٤).\nـ وقد نص العلماء على أنه لايجوز أخذ العوض على هذا العمل المحرم، يقول الإمام ابن تيمية عن التنجيم وأخذ الأجرة عليه: \"بل ذلك محرم بإجماع المسلمين، وأخذ الأجرة على ذلك، ومنعهم من الجلوس في الحوانيت والطرقات، ومنع الناس من أن ينكروهم، والقيام في ذلك من أفضل الجهاد في سبيل الله\" (^٥)، ويقول الحافظ ابن حجر: \" حلوان الكاهن وهو حرام بالإجماع؛ لما فيه من أخذ العوض على أمر باطل، وفي معناه التنجيم، والضرب بالحصى، وغير ذلك مما يتعناه العرافون من استطلاع الغيب\" (^٦).\n\nالمطلب الرابع: شروط كلمة التوحيد، وفضائلها:\n\nالمسألة الأولى: شروط كلمة التوحيد:\n_________\n(^١) سليمان بن عبد الوهاب: تيسير العزيز الحميد:٣٨٤.\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن:٦٢/ ١٢٩.\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن:٦/ ٧٤.\n(^٤) أخرجه أبو داود في سننه: باب في النجوم، ح (٣٩٠٥).\n(^٥) ابن تيمية: مجموع الفتاوى:٣٥/ ١٩٧.\n(^٦) ابن حجر: فتح الباري:٤/ ٤٢٧.","vol":"1","page":263},{"text":"لم يقتصر جهد السمعاني على بيان ما يُضاد أصل التوحيد، بل تتبع كلمة التوحيد (لا إله إلا الله)، وأبان ما لها من الشروط والفضائل، وهذه الشروط وإن لم ينص عليها صراحة، لكنه أشار إليها في مواضعها من الكتاب والسنة، فلا مُشاحة في الاصطلاح ما دام المعنى المقصود بيّن واضح، فالنصوص تُبين بجلاء، أن كلمة التوحيد لابد لها من شروط؛ حتى تُؤتي ثمارها، والشروط التي ذكرها العلماء سبعة: (العلم، واليقين، والإخلاص، والصدق، والمحبة، والانقياد، والقبول).\nولما كانت كلمة التوحيد أعظم كلمة تُقال، ذكر السمعاني في تفسيره ما يزيد عن ثلاثين فضيلة لهذه الكلمة العظيمة، وهذا يدل على جهاد السمعاني لبيان الحق الناصع، وإيصاله إلى الناس في أزهى صوره، وأنقى أشكاله.\nكلمة التوحيد \" لا إله إلا الله \"،والتي معناها: لا معبود بحق إلا الله تعالى، عند هذه الكلمة، تتهاوى كل الأهواء، وتسقط كل الآراء، وتتحطم كل القيود، ويذل الناس للرب المعبود. هذه الكلمة حصن مانع، أمام كل أنواع الطغيان البشري، بجميع صوره وأشكاله، فالتوحيد، تعبيد، وإيمان وعمل وترديد.\nالتوحيد ليس مجرد كلمة تُقال، ولا لفظ يُنال، التوحيد أعلى من ذلك، التوحيد إخلاص، والتوحيد يقين، والتوحيد استسلام، والتوحيد قبول، والتوحيد انقياد، والتوحيد رضا، والتوحيد خضوع، والتوحيد صدق، والتوحيد محبة، ولا يكون هذا إلا مع العلم بها، ولذا قال الله تعالى لنبيه ﷺ الذي هو أعلم الناس بهذه الكلمة وألزمهم بها، وأولهم تحقيقًا لمقتضاها،: \" فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ \" (محمد ١٩)، يقول الإمام السمعاني: \" فإن قيل: كيف قال: \" فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ \" وقد عَلِمَ؟ والجواب من وجهين:\nأحدهما: أن المراد منه: هو الثبات على العلم، لا ابتداء العلم.\nوالثاني: أن معناه: فاذكر أنه لا إله إلا الله، فعبَّر عن الذكر بالعلم؛ لحدوثه عنده، ويُقال: الخطاب مع الرسول، والمراد منه الأمة \" (^١)\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ١٧٧","vol":"1","page":264},{"text":"ولذا ليست هذه الكلمة لفظة تُقال، وإن كان مجرد قولها يحمى بها المرء دمه، وماله، وعرضه إلا بحقها، ولكن مالم تكن مقرونة بشروطها، ممزوجة بحقائقها، فإنها لا تنفع، يقول الإمام ابن القيم: \" وليس التوحيد مجرد إقرار العبد بأنه لا خالق إلا الله، وأن الله رب كل شيء ومليكه، كما كان عبَّاد الأصنام مقرين بذلك، وهم مشركون. بل التوحيد يتضمن من محبة الله، والخضوع له، والذل له، وكمال الانقياد لطاعته، وإخلاص العبادة له، وإرادة وجهه الأعلى، بجميع الأقوال والأعمال، والمنع والعطاء، والحب والبغض، ما يحول بين صاحبه، وبين الأسباب الداعية إلى المعاصي، والإصرار عليها ... والشارع صلوات الله وسلامه عليه لم يجعل ذلك حاصلًا بمجرد قول اللسان فقط، فإن هذا خلاف المعلوم بالاضطرار من دين الإسلام، فإن المنافقين يقولونها بألسنتهم، وهم تحت الجاحدين لها في الدرك الأسفل من النار، فلا بُدَّ من قول القلب، وقول اللسان. \" (^١)\nوشروط كلمة التوحيد، هي نتاج استقراء الأئمة من النصوص، وهذه التقسيمات مسائل اصطلاحية، لا تُؤثر على الواقع شيئًا، دام أن الحقيقة باقية على ما هي عليه، فكما قيل: لا مشاحة في الاصطلاح.\nفكلمة التوحيد مثل المفتاح، والمفتاح لا يمكن أن يفتح، مالم يكن له أسنان، فكذلك كلمة التوحيد، فأسنانها شروطها التي بها تُؤدي ثمارها.\nوقد قيل لوهب بن منبه (^٢): أليس مفتاح الجنة لا إله إلا الله؟ قال: بلى، ولكن ليس مفتاح إلا له أسنان، فإن جئت بمفتاح له أسنان، فتح لك، وإلا لم يُفتح لك. (^٣)\nوقد تأول العلماء قول وهب بن منبه في مراده بالأسنان:\n_________\n(^١) ابن القيم: مدارج السالكين: ١/ ٣٤٠\n(^٢) وهب بن منبه: (٣٤ هـ - ت ١١٤ هـ)، مؤرخ، كثير الأخبار عن الكتب القديمة، عالم بأساطير الأولين، ولاسيما الإسرائيليات، يُعد في التابعين، أصله من أبناء فارس، وأمه من حمير، ولد ومات بصنعاء، من كتبه، قصص الأنبياء. الزركلي: الأعلام: ٨/ ١٢٦\n(^٣) أخرجه البخاري في صحيحه معلقًا في كتاب الجنائز، باب من كان آخر كلامه من الدنيا لاإله إلا الله.","vol":"1","page":265},{"text":"ـ فقيل: أراد بالأسنان: القواعد التي بُني عليها الإسلام، والتي هي كمال الإيمان ودعائمه، وبهذا هو يرد على الغالية من المرجئة والجهمية، الذين يقولون: إن الفرائض ليست إيمانًا. (^١)\nـ وقيل: المراد بالأسنان: التزام الطاعة، ولا يرد على هذا إشكال موافقة الخوارج وغيرهم: أن أهل الكبائر لا يدخلون الجنة؛ لأن مراده من قوله (لم يُفتح له): أي فتحًا تامًا، أو لم يُفتح له في أولي الأمر، وهذا بالنسبة إلى الغالب، وإلا فالحق أنهم في مشيئة الله تعالى. (^٢)\nوقال في المرقاة: \" قال الطِّيبي: المعني بها الأركان الأربعة، أي: الصلاة، والصوم، والزكاة، والحج، وقيل مُطلق الأعمال الصالحة، والمتضمنة لترك الأعمال السيئة ... فالأولى أن يُقال: المراد بالأسنان: إنما هو تصديق القلب من غير ترديد بالوفاق، والإقرار باللسان من غير نفاق، وانقياد لأحكام الإسلام من غير كره وشقاق، فالكلمة حينئذ بهذه الأوصاف المشبَّهة بالأسنان، تكون مفتاحًا، إما أولًا، أو آخرًا، على وفق الإذن من الفتاح العليم \". (^٣)\nوفي هذا يقول الإمام ابن رجب: \" وقال طائفة من العلماء: إن كلمة التوحيد سبب مقتضٍ لدخول الجنة، والنجاة من النار، لكن له شروط، وهي الإتيان بالفرائض، وموانع وهي إتيان الكبائر. قال الحسن للفرزدق: إن لـ (لا إله إلا الله) شروطًا، فإياك وقذف المحصنة. ورُوي عنه أنه قال: هذا العمود، فأين الطُنب، يعني: أن كلمة التوحيد عمود الفسطاط، ولكن لا يثبت الفسطاط بدون أطنابه، وهي فعل الواجبات، وترك المحرمات. وقيل للحسن: إن ناسًا يقولون: من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة، فقال: من قال: لا إله إلا الله فأدى حقها وفرضها، دخل الجنة \" (^٤)\n_________\n(^١) ابن بطال: شرح صحيح البخاري: ٣/ ٢٣٧\n(^٢) ابن حجر: فتح الباري: ٣/ ١١٠\n(^٣) القاري: مرقاة المفاتيح: ١/ ١١٧\n(^٤) ابن رجب: جامع العلوم والحكم: مؤسسة الرسالة، بيروت، ط ٧، ١٤٢٢ هـ (١/ ٥٢٦)","vol":"1","page":266},{"text":"وهذا كله دليل على أنه ليس المراد، هو قول الكلمة التوحيدية فقط، فإن من صَدَقَ فيها وأخلص، اقتضى ذلك أن يرسخ فيه تأله الله وحده، إجلالًا، وهيبة، ومخافة، ومحبة، ورجاء، وتعظيمًا، وتوكلًا، ويمتلئ بذلك، وينتفي عنه تأله ما سواه من المخلوقين، ومن كان كذلك، لم يبق فيه محبة، ولا إرادة، ولا طلب لغير ما يريد الله، ويحبه ويطلبه، وينتفي بذلك من القلب، جميع أهواء النفوس وإراداتها، ووساوس الشيطان \" (^١).\nوشروط كلمة التوحيد، المستقرأة من النصوص الشرعية مايلي:\n١ - العلم: وهو ضد الجهل، والمراد به: العلم بمعنى \" لا إله إلا الله \" نفيًا وإثباتًا (^٢) *. قال تعالى: \" فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ \" (^٣) ** (محمد ١٩)، وقال تعالى: \" فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَن لَّا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ (١٤) \" (هود ١٤)، يقول السمعاني: \" وقوله: \" وَأَن لَّا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ \"، يعني: فأعملوا أن لا إله إلا هو، فهل أنتم مسلمون؟ أي: مخلصون \". (^٤)\n_________\n(^١) انظر ابن رجب: جامع العلوم والحكم: ١/ ٥٢٤\n(^٢) * يقول القرطبي: \" حقيقة العلم هي: وضوح أمر ما وانكشافه على غايته، بحيث لا يبقى له بعد ذلك غاية في الوضوح، ولا شك أن من كانت معرفته بالله تعالى ورسوله كذلك، كان في أعلى درجات الجنة ... ولا يلزم فيمن لم يكن كذلك ألا يدخل الجنة \": المفهم: ١/ ١٩٦\n(^٣) ** يقول الإمام الطبري: \" يقول تعالى ذكره، لنبيه ﷺ: فاعلم يا محمد أن لا معبود تنبغي أو تصلح له الألوهية، ويجوز لك وللخلق عبادته، إلا الله، الذي هو خالق الخلق، ومالك كل شيء، يدين له بالربوبية كل مادونه \" جامع البيان: ٢٢:١٧٣، ويقول الماوردي في معناها: \" ما علمته استدلالًا، فاعلمه خبرًا يقينيًا \" النكت والعيون: ٥/ ٣٠٠\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٤١٨","vol":"1","page":267},{"text":"وقال تعالى: \" إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٨٦) \" (الزخرف ٨٦)، يقول السمعاني: \"وهو من شهد بلا إله إلا الله \". (^١)\nوقال تعالى: \" إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ \" (فاطر ٢٨)، يقول السمعاني: \" كفى بخشية الله علمًا، والاغترار به جهلًا ... وعن بعضهم: \" إنما يخشى الله من عباده العلماء الذين يعلمون أن الله على كل شيء قدير، وعد بعض التابعين: من لم يخش الله فليس بعالم\" (^٢).\nوعن عثمان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \" من مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله دخل الجنة \" (^٣)، أي: علمًا يقينيًا. (^٤)\n٢ - اليقين: المنافي للريب والشك، فيقولها موقنًا بها يقينًا جازمًا، لا يتطرق إليه الشك، فيما علم من أحقية العبادة لله تعالى، ونفيها عما سواه. يقول الإمام السمعاني:\" والإيقان هو العلم، وقيل: الإيقان واليقين: علم عن استدلال \" (^٥)، فإذا علمت فالزم.\nقال تعالى: \" إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا \" (الحجرات ١٥)، يقول السمعاني: \" أي: صدقوا ولم يشكوا \" (^٦)، ويقول الإمام الطبري: \" ثم لم يرتابوا \": يقول: ثم لم يشكوا في وحدانية الله، ولا في نبوة نبيه ﷺ، وألزم نفسه طاعة الله، وطاعة رسوله ﷺ، والعمل بما وجب عليه من فرائض الله بغير شك منه في وجوب ذلك عليه \" (^٧).\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ١١٩\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٣٥٧\n(^٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعًا، ح (٢٦).\n(^٤) القاري: مرقاة المفاتيح: ١/ ١١٠\n(^٥) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٤٥\n(^٦) الطبري: جامع البيان: ٢٢/ ٣١٨\n(^٧) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٩٢","vol":"1","page":268},{"text":"وقال تعالى: \" الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ \" (الرعد ٢٨)، يقول السمعاني: \"تستأنس قلوبهم بذكر الله، والسكون باليقين، والاضطراب بالشك \" وقال: \" وطمأنينة القلب: بزوال الشك منه، واستقرار اليقين فيه \" (^١). وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ: \" أشهد ألا إله إلا الله، وأني رسول الله، لا يلقى الله بهما عبد غير شاك فيهما، إلا دخل الجنة \" (^٢).\nيقول الإمام أبو العباس القرطبي (^٣): \" فإن من اعتقد الحق، وصَدَّق به تصديقًا جازمًا لا شك فيه ولا ريب، دخل الجنة \" (^٤).\n\n٣ - الإخلاص: هو التوحيد، وضده الشرك بكل صوره وأنواعه، ويُقال: الإخلاص: هو تصفية النية في طاعة الله تعالى (^٥).\nقال تعالى: \" هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ \" (غافر ٦٥)، يقول السمعاني: \" والدعاء على الإخلاص، ألَّا يدعو معه سواه \" (^٦).\nوقال تعالى: \" وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ \" (النساء ١٤٦)، يقول السمعاني: \" شَرَط الإخلاص بالقلب؛ لأن الآية في المنافقين، والنفاق كفر القلب، فزواله بالإخلاص \" (^٧).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعًا، ح (٢٧).\n(^٢) القرطبي: أحمد بن محمد بن إبراهيم، (٥٧٨ هـ - ت ٦٥٦ هـ) فقيه مالكي، من رجال الحديث، يعرف بابن المزين، كان مدرسًا بالاسكندرية وتوفي بها، ومولده بقرطبة، من كتبه: المفهم، واختصار البخاري. الزركلي: الأعلام: ١/ ٨٦\n(^٣) القرطبي: المفهم: ١/ ١٩٧\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٤٥٧\n(^٥) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٣٠\n(^٦) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٤٩٥\n(^٧) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٨٥","vol":"1","page":269},{"text":"وقال تعالى: \" لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ \" (الرعد ١٤)، يقول السمعاني: \" وقيل: دعوة الحق هو الدعاء بالإخلاص، والدعاء بالإخلاص لا يكون إلا لله، ألا ترى أن الله تعالى قال: \"فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ \" (غافر ٦٥)، ومعنى قوله تعالى: \"ادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ\" (غافر ٦٥)، أي: مخلصين له التوحيد، ومعناه: وحدوا الله، ولا تشركوا به شيئًا. (^١)\nوالإخلاص المقصود: الذي يكون في كل الأوقات في الرخاء والشدة، لا كحال المشركين، الذين يخلصون في الشدة، ويشركون في الرخاء، فإن الكفار في حال الضرورات يدعون الله، كما قال تعالى: \" وَإِذَا غَشِيَهُم مَّوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ \" (لقمان ٣٢)، \" وفي التفسير: أن الآية نزلت في عكرمة بن أبي جهل، حين هرب من مكة يوم فتحها رسول الله ﷺ، وكان رسول الله أَمَّن جميع الناس إلا نفرًا، منهم عكرمة بن أبي جهل، فهرب عكرمة إلى البحر، فجاءهم ريح عاصف، فقال صاحب السفينة: أخلصوا، فإنه لا ينجيكم إلا الإخلاص. ورُوي أنه قال لهم: لا تدعوا آلهتكم؛ فإن آلهتكم لا تغني عنكم شيئًا، وادعوا الله وحده. فقال عكرمة: إنما هربت من هذا، ولئن نجاني الله من هذا لأرجعن إلى محمد، ولأضعن يدي في يده، ثم سكن الريح، وخرج عكرمة ورجع إلى مكة، وأسلم وحسن إسلامه، واستشهد يوم اليرموك الشام \" (^٢).\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ١٠\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٢٣٩","vol":"1","page":270},{"text":"وقال سبحانه عن حال المشركين: \" فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ \" (العنكبوت ٦٥)،\" أي: دعوا الله، وتركوا دعاء الأصنام، وحُكي عن عكرمة قال: لو كانوا يركبون البحر، ويحملون أصنامهم معهم، فإذا هاج البحر، وخافوا الغرق، طرحوا أصنامهم في البحر، وقالوا: يارب، يارب \" (^١).\nوقال سبحانه: \" وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنسَانُ كَفُورًا (٦٧) \" (الإسراء ٦٧).\nوعن أبي هريرة ﵁ قال: يارسول الله، من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ قال رسول الله ﷺ: \" أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة، من قال لا إله إلا الله خالصًا من قلبه أو نفسه \" (^٢).\nوقال ﵊: \" فإن الله حَرَّم على النار، من قال: لا إله إلا الله، يبتغي بذلك وجه الله \" (^٣). قوله: \" يبتغي بذلك \": أي: بقولها خالصًا من قلبه (^٤).\nولا تعارض بين هذا الحديث، وبين تعذيب الموحدين؛ لأن المقصود: أن من قالها مخلصًا، فإنه لا يترك العمل بالفرائض، إذ إخلاص القول حامل على أداء اللازم. أو يكون المقصود من الحديث \" حرَّم على النار \"، أي: تحريم خلودٍ فيها. (^٥)\n٤ - الصدق: وضده الكذب والنفاق، فيكون الموحد صادقًا في قوله وفعله، في ظاهره وباطنه. يقول السمعاني: \" ويُقال: من صدق الله في وحدانيته، وصدق أنبياءه ورسله، وصدق بالبعث، وقال بالأوامر فعمل بها، فهو صدِّيق \" (^٦).\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٢٣٩\n(^٢) أخرجه البخاري في صحيحه، باب الحرص على الحديث، ح (٩٩)\n(^٣) أخرجه البخاري في صحيحه، باب المساجد في البيوت، ح (٤٢٥)\n(^٤) المناوي: التيسير بشرح الجامع الصغير: مكتبة الشافعي، الرياض، ط ٣، ١٤٠٨ هـ، (١/ ٢٥٦)\n(^٥) ابن الجوزي: كشف المشكل من حديث الصحيحين، دار الوطن، الرياض، (٢/ ١١٠)\n(^٦) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٢٩٤","vol":"1","page":271},{"text":"وهذا هو حال أهل الإيمان الذين أثني عليهم، والذين ساروا على طريقتهم ونهجهم، قال تعالى: \" فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ\" (الفتح ١٩)، أي: من الصدق والوفاء، وقيل: هو الإخلاص. (^١)\nويقول جل وعلا عن المؤمنين: \" فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ \" (البقرة ٢٦)، يقول السمعاني: \"يعني: أنه الصدق من ربهم \" (^٢).\nأما حال أهل النفاق الذين يبطنون خلاف ما يظهرون، فقد تولى القرآن فضحهم، وبيان حالهم، ومن ذلك قوله تعالى: \" إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (١) \" (المنافقون ١)، فأخبر الله تعالى أنهم كاذبون؛ وسَمَّى قولهم كذبًا؛ لأنهم كذبوا على قلوبهم، وقيل: لما أظهروا بألسنتهم خلاف ما كان في ضمائرهم، سمي بذلك كذبًا، كالرجل يخبر بالشيء على خلاف ما هو عليه. (^٣)\n\" فإن عدم العبد الصدق، خلفه ضده وهو الكذب في الأقوال والأفعال، فكان بالمنافقين أشبه منه بالصادقين، على قدر قلة صدقه وكذبه، إلا أن المؤمنين ضد الكافرين، والمنافقين ضد الصادقين - فإن الكافرين جحدوا ظاهرًا وباطنًا، والمنافقين تحلوا بالإيمان ظاهرًا، وعروا منه باطنًا، فكانوا كاذبين \" (^٤).\nوقال النبي ﷺ: \" ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، صدقًا من قلبه، إلا حرمه الله على النار \" (^٥)، وهذا احترز به عن شهادة المنافقين. (^٦)\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٢٠١\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٦١\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٤٤٠\n(^٤) القصري: شعب الإيمان: دار الكتب العلمية، بيروت، ط ١، ١٤١٦ هـ (١٩٧)\n(^٥) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب العلم، باب من خص بالعلم قوم دون قوم، ح (١٢٨)\n(^٦) العيني: عمدة القاري: دار أحياء التراث، بيروت، (٢/ ٢٠٧)","vol":"1","page":272},{"text":"وقوله: (من قلبه) صفة \" صدقًا \"؛ لأن الصدق قد لا يكون من قلب، أي اعتقاد، كقول المنافق: إنك لرسول الله. (^١)\n٥ - المحبة: وضدها الكراهية لكلمة التوحيد، ولما دلت عليه، أو الإشراك في المحبة. والمحبة من الإيمان، أي محبة الله ورسوله وشرعه، فمن أبغض الله كفر بعداوته له، قال تعالى: \" مَن كَانَ عَدُوًّا لِّلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ (٩٨) \" (البقرة ٩٨)، فأطلق عليهم الكفر بضد المحبة. (^٢)\nقال النبي ﷺ: \" ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: ... وأن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما \". (^٣)\nقال تعالى: \" وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ \" (البقرة ١٦٥)؛ لأنهم لايختارون على الله ما سوى الله، والمشركون إذا اتخذوا صنمًا، ثم رأوا أحسن منه، طرحوا الأول واختاروا الثاني. (^٤)\nوقال تعالى: \" قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (٣١) \" (آل عمران ٣١)، يقول السمعاني: \" واعلم أن محبة الله للعبد، ومحبة العبد لله، لا يكون بلذة الشهوة، ولكن محبة العبد في حق الله، وهو إتيان طاعته، وابتغاء مرضاته، واتباع أمره. ومحبة الله في حق العبد: هو العفو عنه، والمغفرة، والثناء الحسن، وأكد قوله تعالى: \" قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ \" (آل عمران ٣٢)، بيَّن أن محبته في طاعته، وطاعة رسوله \" (^٥).\nولذا كانت الكراهة للشرع ضد المحبة، قال تعالى: \" ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ\nفَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (٩) \" (محمد ٩)، قال السمعاني: \" أي: كرهوا نبوة محمد ﷺ، وما أنزله الله من القرآن \" (^٦).\n_________\n(^١) القاري: مرقاة المفاتيح: ١/ ٩٩\n(^٢) القصري: شعب الإيمان: ٤٤١\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ١٦٤\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ١٦٤\n(^٥) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٣١٠\n(^٦) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ١٧١","vol":"1","page":273},{"text":"٦ - الانقياد: وهو الاستسلام التام للشرع، وقبوله، والرضا به، وهذا يقتضي عدم تركه أو هجره، ولا يكون الانقياد إلا بالوقوف على الأمر والنهي، والقيام بهما وبحقوقهما حق قيام، من العمل بما أمر، والاجتناب عما نهى.\nوهو يشمل معاني ما سبق، من الإخلاص، واليقين، والصدق، والمحبة، والعلم؛ لأنه لن يستسلم للشرع وينقاد، إلا من علم، وأخلص، وأيقن، وصدق، وأحب. يقول تعالى: \"بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ \" (البقرة ١١٢)، يقول السمعاني: \" مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ \"، أخلص عبادته لله، وهو محسن مؤمن \" (^١).\nوقال الله تعالى مثنيًا على إبراهيم الخليل ﵇: \" إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ\nقَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٣١) \" (البقرة ١٣١)، يقول السمعاني:\" إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ \"، يعني أي: أستسلم وأخلص عبادتك لله، \" قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ \" أخلصت وفوضت إليه \" (^٢).\nوقال تعالى: \" وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ \" (النساء ١٢٥)، يقول السمعاني: \" أي: أخلص عبادته لله، وقيل: توجه عبادته إلى الله، والوجه يذكر بمعنى الدين والعبادة، ومنه قول المصلي: وجهت وجهي، أي: ديني وهو الصلاة \" (^٣).\nوقال تعالى: \" وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٦) \" (غافر ٦٦)، يقول السمعاني: \" أي: استسلم وانقاد لحكمه \" (^٤).\nوقال تعالى:\" وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ \" (لقمان ٢٢)، يقول السمعاني: \" أي ومن يخلص دينه لله، وقيل: يسلم نفسه وعمله إلى الله، وقوله: \" يُسَلّم \" من التسليم، وقوله \" يُسْلِم \" من الانقياد \" (^٥).\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ١٢٧\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ١٤٢\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٤٨٤\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٣٠\n(^٥) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٢٣٥","vol":"1","page":274},{"text":"وقال تعالى: \" وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ \" (الزمر ٥٤)، يقول السمعاني: \" أي: وأخلصوا له، ويُقال: واستسلموا له \" (^١).\nوالانقياد بلوازمه ومقتضياته مضمن في هذه الآية الكريمة: \" إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا \" (فصلت ٣٠)، يقول السمعاني: \" وروي عن أبي بكر الصديق ﵁ أنه قال: استقاموا، أي: لم يشركوا بالله شيئًا، وعن عمر ﵁ قال: لم يروغوا روغان الثعلب. ومن المعروف أن الاستقامة هي: طاعة الله، وأداء فرضه، واتباع سنة نبيه محمد ﷺ \" (^٢).\nوقال تعالى: \" وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاءً غَدَقًا \" (الجن ١٦)، والطريقة الإيمان، وهو قول مجاهد، وقتادة، وعكرمة. (^٣)\n٧ - القبول: المنافي للرد، والقبول يشمل التصديق والطاعة، فيصدق بكل الأخبار، ويطيع في المأمورات، فلا يرد شيئًا مما تقتضيه كلمة التوحيد؛ لأن فيه جناية على النفس والشرع فجنايته على النفس برد ما أُمر به، وهذا مخالف لفطرته، لكن كثيرًا من عرف رد، بطارئ الحسد والكِبر، وكما كان في أقوام الأنبياء السابقين، قال تعالى عن قوم صالح لما جاءهم برسالة الحق: \" قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنتُم بِهِ كَافِرُونَ \" (الأعراف ٧٦)، وقال تعالى: \" وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ\" (سبأ ٣٤)، أي: جاحدون. (^٤)\nوقال تعالى: \" قَالُوا لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لَأَنزَلَ مَلَائِكَةً فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ \" (فصلت ١٤)، أي: جاحدون. (^٥)\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٤٧٦\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٤٩\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٦/ ٦٩\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٣٣٥\n(^٥) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٤٤","vol":"1","page":275},{"text":"وقال تعالى: \" قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُم بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ \" (الزخرف ٢٤)، أي: جاحدون \" (^١).\nوقال تعالى: \" وَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ \" (الزخرف ٣٠)، أي: جاحدون. (^٢)\nومن صور رد الشرع، قول الكفار المشركين: \" وَعَجِبُوا أَن جَاءَهُم مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ \" (ص ٤)، أي: خادع كذاب (^٣)، تعالى نبينا ﷺ عن قولهم الكاذب.\nوهذا ما قاله الأولون مع أنبيائهم، \" وَعَجِبُوا أَن جَاءَهُم مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ \" (غافر ٢٣ - ٢٤)\nوقال تعالى عن وجه آخر من رد الشرع: \" وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ \" (الأعراف ٣٦)، يقول السمعاني: \" وإنما ذكر الاستكبار؛ لأن كل مكذب، وكل كافر مستكبر، وإنما كذب وكفر تكبرًا \" (^٤).\nوقال تعالى: \" إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُم مُّنكِرَةٌ وَهُم\nمُّسْتَكْبِرُونَ \" (النحل ٢٢)، يقول السمعاني: \" أي متكبرون، ويقال: إنه لا ينكر الدين إلا متكبر \" (^٥).\nوقال تعالى: \" إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ \" (الصافات ٣٥)، أي: عن كلمة التوحيد، ويمتنعون منها. (^٦)\nوقال تعالى: \" إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ \". (غافر ٦٠)، أي عن دعائي، ويُقال: عن توحيدي.\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٩٨\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٩٩\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٤٢٥\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ١٧٩\n(^٥) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ١٦٥\n(^٦) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٣٩٧","vol":"1","page":276},{"text":"أما المؤمنون فهم خاضعون، ذليلون، منقادون، قابلون لكل ما جاء به الحق غير مستكبرين، قال تعالى: \" إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ \" (السجدة ١٥)، \"أي: لا يتكبرون، ويقال: من سجد لله فقد طرح التكبر عن رأسه \" (^١).\n\nالمسألة الثانية: فضائل كلمة التوحيد:\n\nلكلمة التوحيد فضائل كثيرة، وفوائد جمة مستفيضة، ويكفيها شرفًا، وعلوًا، ورفعة، ومقامًا، اختصاصها بالذات العلية المقدسة، ومع ذلك فقد ورد في القرآن الكريم، ما يدل على اختصاصها، وميزاتها، وفضائلها، وقد تتبعها السمعاني في تفسيره، وأظهر المراد منها، وبيّن كلام السلف فيها، ومن ذلك:\n١ - أن كلمة التوحيد، سبب لحط الذنوب، قال تعالى: \" ... وَقُولُوا حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ\nخَطَايَاكُمْ \" (البقرة ٥٨)، قال عكرمة: هو قول: لا إله إلا الله. (^٢)\n٢ - أنها العروة الوثقى، قال تعالى: \" فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى \" (البقرة ٢٥٦)، قال ابن عباس: أراد به كلمة (لا إله إلا الله). (^٣)\n٣ - أنها زاد المتقين، وشَرُفَ وصفهم بها، قال تعالى:\" إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ \" (المائدة ٢٧)، قال قتادة: المتقون: أهل لا إله إلا الله. (^٤)\n٤ - أنها أعظم الحسنات، قال تعالى: \" مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا \" (الأنعام ١٦٠)، قال السمعاني: \" قال أبو صالح: الحسنة: قول لا إله إلا الله \". (^٥)\n٥ - أنها الكلمة العليا، قال تعالى:\" وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا \" (التوبة ٤٠)، قال السمعاني: \"يعني لا إله إلا الله، وهي العليا إلى يوم القيامة \". (^٦)\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٢٤٨\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٨٣\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٢٦٠ - ٤/ ٢٣٥\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٢٩\n(^٥) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ١٦١ - ٤/ ١١٨\n(^٦) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٣١٢","vol":"1","page":277},{"text":"٦ - هي الإحسان، يقول تعالى:\" لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ \" (يونس ٢٦).\n\" والإحسان: هو قول: لا إله إلا الله \". (^١)\n٧ - هي دعوة الحق، قال تعالى: \" لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ \" (الرعد ١٤): \" وهي شهادة أن لا إله إلا لله، هذا روي عن ابن عباس وغيره \" (^٢)\n٨ - أنها الكلمة الطيبة، قال تعالى:\" أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً\" (إبراهيم ٢٤)، قال السمعاني: \" أجمع المفسرون على أن الكلمة الطيبة ها هنا: لا إله إلا الله \". (^٣)\n٩ - أنها القول الثابت، قال تعالى: \" يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ\nالدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ \" (إبراهيم ٢٧)، \" القول الثابت: كلمة التوحيد، وهي: لا إله إلا الله\" (^٤)\n١٠ - وهي المثل الأعلى: قال تعالى: \" وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى \" (النحل ٦٠)، قال مجاهد: ومن المثل الأعلى، شهادة أن لا إله إلا الله، وقال قتادة: الصفة الأعلى؛ أنه لا إله إلا الله. (^٥)\n١١ - وهي العدل، قال تعالى: \" إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ \" (النحل ٩٠)، قال ابن عباس: العدل هو شهادة أن لا إله إلا الله. (^٦)\n١٢ - هي أقوم وأعدل كلمة، قال تعالى: \" إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ \" (الإسراء ٩)، قال السمعاني:\"وأقوم أي: أعدل، والكلمة هي: شهادة أن لا إله إلا الله \". (^٧)\n١٣ - وهي ذكر الله تعالى، قال تعالى: \" وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا \" (الإسراء ٤٦)، هو قول لا إله إلا الله. (^٨)\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٣٧٨ - ٣/ ١٦٩\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٨٥\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ١١٣\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ١١٥\n(^٥) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ١٨١ - ٤/ ٢٠٧\n(^٦) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ١٩٥\n(^٧) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٢٢٢\n(^٨) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٢٤٦","vol":"1","page":278},{"text":"١٤ - وهي العهد، قال تعالى: \" أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا \" (مريم ٧٨)، وهي لا إله إلا الله. (^١)\n١٥ - وهي القول المرضي عند الله، قال تعالى: \" يَوْمَئِذٍ لَّا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا \" (طه ١٠٩)، \" أي: قول: لا إله إلا الله، وهو القول المرضي عند الله \" (^٢).\nوقال تعالى: \" وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى\" (الأنبياء ٢٨)، معناه: إلا لمن قال: لا إله إلا الله. (^٣)\n١٦ - وهي الطيب من القول، قال تعالى: \" وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ \" (الحج ٢٤)، قال ابن عباس: هو شهادة أن لا إله إلا الله. (^٤)\n١٧ - وهي العمل الصالح، قال تعالى:\" حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ \" (المؤمنون ٩٩ - ١٠٠)، أي: أقول: لا إله إلا الله. (^٥)\n١٨ - وهي أساس دعوة الأنبياء، قال تعالى: \" وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا \" (الأحزاب ٤٦)، \" وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ\" أي: إلى الإسلام، وقيل: إلى شهادة أن لا إله إلا الله. (^٦)\n١٩ - وهي القول السديد، قال تعالى: \" يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا\" (الأحزاب ٧٠)، قال ابن عباس: هو كلمة لا إله إلا الله. (^٧)\n٢٠ - وهي الموعظة، قال تعالى: \" قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ \" (سبأ ٤٦)، \" قيل: بتوحيد الله، وهو قوله: لا إله إلا الله \". (^٨)\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٣١١ - ٣١٥\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٣٥٦\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٣٧٦\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٤٣١\n(^٥) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٤٩٠\n(^٦) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٢٩٤\n(^٧) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٣١١\n(^٨) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٣٤٠","vol":"1","page":279},{"text":"٢١ - وهي الكلم الطيب، قال تعالى: \" إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ \" (فاطر ١٠)، وهو لا إله إلا الله. (^١)\n٢٢ - وهي الدين الخالص، قال تعالى: \" أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ \" (الزمر ٣)، قال قتادة: \"أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ\"، هو قول القائل: لا إله إلا الله. (^٢)\n٢٣ - وهي أحسن القول: قال تعالى:\" الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ \" (الزمر ١٨)، يقول السمعاني: \" يستمعون القول، أي: الكلام، فيتبعون أحسنه، أي قول: لا إله إلا الله \". (^٣)\n٢٤ - وهي عنوان الاستجابة، قال تعالى: \" اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لَّا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ\" (الشورى ٤٧)، \" أي: استجيبوا لربكم بقول: لا إله إلا الله، محمد رسول الله \". (^٤)\n٢٥ - وهي الكلمة الباقية، قال تعالى: \" وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ \" (الزخرف ٢٨)، قال مجاهد: هي قول لا إله إلا الله. (^٥)\n٢٦ - وهي كلمة التقوى، قال تعالى:\" وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى \" (الفتح ٢٦)، يقول السمعاني: \" روى أبو الطفيل عن أبي بن كعب، عن النبي ﷺ: \" هي: لا إله إلا الله \" (^٦)،وفي الخبر المشهور عن عمر قال: إني سمعت رسول الله ﷺ، يقول: أنا أعلم كلمة إذا قالها العبد، مخلصًا من نفسه دخل الجنة، ولا أدري ما هي، فقال: أنا أدري، هي الكلمة التي ألاص عليها عمه - أي: ألحَّ على عمه أن يقولها، وهي: لا إله إلا الله \" (^٧).\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٣٤٨\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٤٥٧\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٤٦٤\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٨٥\n(^٥) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٩٨\n(^٦) أخرجه الترمذي في جامعه، باب ومن سورة الفتح، ح (٣٢٦٥)، وقال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه مرفوعًا إلا من حديث الحسن بن قزعة.\n(^٧) أخرجه أحمد في المسند، في مسند عثمان بن عفان، ح (٤٤٧).","vol":"1","page":280},{"text":"٢٧ - وهي القول الصواب، قال تعالى: \" إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا \" (النبأ ٣٨)، يقول السمعاني: \" أي: حقًا، وقيل: هو لا إله إلا الله، والمعنى: أنهم لا يتكلمون إلا بإذن، أو كلامًا صوابًا، وهو لا إله إلا الله \" (^١).\n٢٨ - وهي سبب التزكية للنفس، قال تعالى: \" قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى \" (الأعلى ١٤)، يقول السمعاني: \" أي تطهر بالعمل الصالح، ويُقال: فلان تزكى بقول: لا إله إلا الله \" (^٢).\n٢٩ - وهي الحُسنى، قال تعالى: \" وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى \" (الليل ٦)، قال أبو عبدالرحمن السلمي وعطاء: صدق الحسنى، أي بلا إله إلا الله. (^٣)\n٣٠ - وهي سبب لمغفرة الذنوب، قال تعالى: \" غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ \" (غافر ٣)، يقول السمعاني:\" وقال بعضهم: غافر الذنب، لمن قال: لا إله إلا الله \" (^٤).\n٣١ - وهي شهادة الحق، قال تعالى: \" إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ \" (الزخرف ٨٦)، \" معناه: وهو من شهد بلا إله إلا الله \" (^٥).\n٣٢ - أن جزاءها الجنة، قال تعالى: \" هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ \" (الرحمن ٦٠)، \" يُقال: هل جزاء من قال: لا إله إلا الله إلا الجنة \" (^٦)، وقال تعالى:\" جَنَّاتُ عَدْنٍ\nتَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَن تَزَكَّى \" (طه ٧٦)، \" وقيل: جزاء من قال: لا إله إلا الله \" (^٧).\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ٦/ ١٤٢\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٦/ ٢١٠\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٦/ ٢٣٧\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٦\n(^٥) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ١١٩\n(^٦) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٣٣٦\n(^٧) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٣٤٤","vol":"1","page":281},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-91>المطلب الخامس: مسائل في توحيد الإلهية:</span>\nالإمام السمعاني إمام محقق مدقق، شأنه شأن بقية العلماء، يصيب في اجتهاده ويُخطئ، لكن لدقة فهمه وقوة علمه، تبرز اجتهاداته في مُقدم الآراء، وتراه يُعطي بعض المسائل المُشكلة حقها من البحث والنظر والاستدلال، ودائما ما يخلص إلى رأي سديد يوافق فيه الجماعة، وربما خالف بحسب ما ظهر له من الأدلة، ومن المسائل المشكلة التي تتعلق بتوحيد الألوهية، التي يُظن فيها التعارض مع ما قرره القرآن الكريم في شأن هذا النوع من التوحيد، والتي تُشكل على بعض الناظرين لأول وهلة، كان لزاما على أمثال السمعاني ينبروا لإزاحة الإشكالات التي ترد، وتوجيه ما قد يعرض للذهن والفهم من خطأ وقصور، وبيان وجه الحق فيها، ومن تلك المسائل المشلكة التي تصدى لها السمعاني:\n١ - تحقيق قصة الغرانيق، وأثرها على لبلاغ والتوحيد.\n٢ - توجيه قول الله تعالى لنبيه ﷺ: (لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين).\n٣ - تحقيق القول في وقوع آدم ﵇ في الشرك.\n٤ - توجيه قوله تعالى عن إبراهيم الخليل: (واجنبني وبني أن نعبد الأصنام).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-92>المسألة الأولى: قصة الغرانيق العلا</span>\nقال تعالى: \" وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ \" (الحج ٥٢)، يُقال: لما قرأ النبي ﷺ في الصلاة سورة النجم، فلما بلغ قوله: \" أَفَرَءَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (٢٠) \" (النجم ١٩ - ٢٠)، ألقى الشيطان على لسانه: \" تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترتجى \"، ما مدى صحة هذه الرواية، وكيف يجوز هذا على النبي ﷺ وقد كان معصومًا من الغلط في أصل الدين؟!","vol":"1","page":282},{"text":"تطرق الإمام السمعاني لهذه المسألة، وبحثها بحثًا مستفيضًا كعادته، وذكر فيها أقوال المفسرين، ورجح السمعاني صحة ما ورد من قصة الغرانيق، ونسبه لأكثر السلف، وذلك أن هذا شيء جرى على لسان الرسول ﷺ بإلقاء الشيطان، من غير أن يعتقد، وذلك محنة وفتنة من الله تعالى، والله يمتحن عباده بما شاء، ويفتنهم بما يريد، وليس عليه اعتراض لأحد، وقال: وقالوا: إن هذا وإن كان غلطًا عظيمًا، فالغلط يجوز على الأنبياء، إلا أنهم لا يقرون عليه. (^١)\nلكن شيخ الإسلام ابن تيمية، مع كونه (والله أعلم) يميل إلى هذا القول، ويجعله هو المشهور عند السلف والخلف (^٢)، يقول: \" والمأثور عن السلف يوافق القرآن بذلك \" (^٣)، إلا أنه بيَّن منزع الخلاف عند العلماء، فيما يتعلق بهما من جهة العصمة، فقال: \" والعصمة فيما يبلغونه عن الله ثابتة، فلا يستقر في ذلك خطأ بإتفاق المسلمين. ولكن يصدر مايستدركه الله، فينسخ ما يُلقي الشيطان، ويحكم الله آياته؟ هذا فيه قولان \" (^٤). وقال: \" ومن قامت البراهين والآيات، على صدقه فيما يُبلِّغه عن الله، كان صادقًا في كل ما يُخبر به عن الله، لا يجوز أن يكون في خبره عن الله شيء من الكذب، لا عمدًا، ولا خطأً، وهذا مما اتفق عليه جميع الناس، من المسلمين، واليهود والنصارى، وغيرهم، لم يتنازعوا أنه لا يجوز أن يستقر خبره عن الله خطأ، وإنما تنازعوا هل يجوز أن يقع من الغلط، ما يستدركه ويُبيِّنه، فلا ينافي مقصود الرسالة، كما نُقل من ذكر: (تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترتجى) \" (^٥).\nوهذه المسألة، اختلف الناس فيها على قولين، قول يُجيز وقوعها على ما ورد عن السلف في بيان هذه القصة، وهؤلاء العلماء حين قرروا صحتها، ذهبوا يؤولون ويوجهون الأقوال، مع ما يتناسب مع القول بالعصمة، ولذا كثرت أقوالهم في المسألة.\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٤٤٩\n(^٢) ابن تيمية: منهاج السنة: ٢/ ٤٠٩\n(^٣) ابن تيمية: الفتاوى الكبرى: ٥/ ٢٥٧\n(^٤) ابن تيمية: الفتاوى الكبرى: ٥/ ٢٥٦\n(^٥) ابن تيمية: منهاج السنة: ٢/ ٣٤","vol":"1","page":283},{"text":"وقول يمنع أصالة وقوع مثل هذه القصة، وطعنوا في الروايات الواردة عن السلف، وحكموا بعدم ثبوتها، مع مخالفتها من جهة أخرى للنصوص النقلية، الحجج العقلية، وهؤلاء سَلِموا من كل الأقوال الموجهة، لنفي التعارض بين صحة القصة، وقضية العصمة.\nومُحصِّل ما ذكر العلماء في هذه المسألة ما يلي:\nالقول الأول: أن ما ورد من إلقاء الشيطان على لسان النبي ﷺ صحيح، وارد عن ابن عباس وجماعة. وهذا ما رجحه الإمام السمعاني، والزجاج وغيرهم. قال الزجاج: \" معنى (إذا تمنى) إذا تلا، ألقى الشيطان في تلاوته، فذلك محنة من الله عزوجل، وله أن يمتحن بما شاء، فألقى الشيطان على لسان النبي ﷺ شيئًا من صفة الأصنام، فافتتن بذلك أهل الشقاق والنفاق، ومن في قلبه مرض \" (^١).\nوفي دعم هذا القول، يقول الأنجري (^٢): \" فتحصل أنه ﵊ لم ينطق بتلك الكلمات قط، لا سهوًا ولا عمدًا، وإنما ألقيت في مسامع الكفار؛ ليحصل ما تمناه ﵊ من المقاربة. ويدل على هذا، أن من حضر من المسلمين، لم يسمعوا من ذلك شيئًا، فإذا تقرر هذا علمت أن ما حكاه السلف الصالح من المفسرين، وأهل السير، من أصل القصة في سبب نزول الآية صحيح، لكنه يحتاج إلى نظر دقيق، وتأويل قريب، فلا تحسن المبادرة بالإنكار والرد عليهم، وهم عدول، لا سيما حبر هذه الأمة، وإنما يحتاج اللبيب على التطبيق بين المنقول والمعقول، فإن لم يمكن قدم المنقول إن ثبتت صحته، وحكم على العقل بالعجز \" (^٣).\n_________\n(^١) الزجاج: معاني القرآن: ٣/ ٤٣٤\n(^٢) الأنجري: أحمد بن محمد (١١٦٠ هـ - ت ١٢٢٤ هـ)، مفسر، صوفي، من أهل المغرب، له كتب كثيرة منها: البحر المديد، وأزهار البساتين. الزركلي: الاعلام ١/ ٢٤٥.\n(^٣) الأنجري: البحر المديد في تفسير القرآن المجيد: نشر د. حسن عباس، القاهرة، ١٤١٩ هـ، (٣/ ٥٤٥).","vol":"1","page":284},{"text":"ولذا حكم الحافظ ابن حجر على مجموع هذه الروايات بأن لها أصلًا، مع أنه حكى بضعف كل هذه الروايات ما عدا طريق سعيد بن جبير، ثم حكم على ثلاثة أسانيد بأنها مرسلة وعلى على شرط الصحيح، وقال: وهي مراسيل يحتج بمثلها من يحتج بالمرسل. ثم رد على الإمام ابن العربي والقاضي عياض في توهينهما لهذه القصة (^١). ثم ذكر مسالك العلماء في توجيه هذه القصة، مع ما يتوافق مع العصمة. وكذا صححها الشيخ سليمان بن عبدالوهاب. (^٢)\nومن الأقوال التي قيلت في المسألة، بناء على صحة ما ورد:\n١ - قيل: إن الرسول ﵊، لم يقرأ، ولكن الشيطان ذكر هذا بين قراءة النبي ﷺ، وسمع المشركون ذلك، وظنوا أن الرسول قرأ، وهذا اختيار الأزهري وغيره. (^٣)\n٢ - وقيل: إن الرسول ﵊، أغفى إغفاءة ونعس، فجرى على لسانه هذا، ولم يكن به خبر بإلقاء الشيطان، وهذا قول قتادة. (^٤)\n٣ - وقيل: إن هذا ألقاه بعض المنافقين في قراءته، وكان المنافق هو القارئ، فظن المشركون أن الرسول ﷺ قرأ، وسُمي ذلك المنافق شيطانًا؛ لأن كل كافر متمرد بمنزلة الشيطان. قال السمعاني: \" وهذا جواب ضعيف \" (^٥).\n٤ - وقيل: إن شيطانًا يُقال له: الأبيض، عمل هذا العمل، وفي بعض الروايات: أنه تصور\nبصورة جبريل، وأدخل في قراءته هذا. (^٦)\n٥ - وقيل: ألقاه الشيطان على لسان النبي ﷺ، فقرأ ساهيًا.\n٦ - وقيل: إن النبي ﷺ قالها على وجه التعيير والزجر، يعني: أنكم تعبدونها كأنها الغرانيق العلى، كما قال إبراهيم: \" بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا \" (الأنبياء ٦٣).\n_________\n(^١) ابن حجر: فتح الباري: ٨/ ٤٣٩\n(^٢) سليمان بن عبدالوهاب: تيسير العزيز الحميد: ٢٣٥\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٤٤٩\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٤٤٩\n(^٥) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٤٤٨\n(^٦) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٤٤٩","vol":"1","page":285},{"text":"٧ - وقيل: إن النبي ﷺ تمنى أي تفكَّر، وحدث بنفسه تلك الغرانيق العلى، ولم يتكلم به؛ لأن النبي ﷺ كان حجة، فلا يجوز أن يكون يجري على لسانه كلمة الكفر.\n٨ - وقيل: إن النبي ﷺ دخل المسجد، وجلس عنده جماعة من المشركين، فتمنى في نفسه أن لا يأتيه من الله شيء ينفرون منه، فابتلاه الله تعالى، بما ألقى الشيطان في أمنيته. (^١)\n٩ - وقيل: أراد بالغرانيق العلى الملائكة، يعني: أن الشفاعة ترتجى منهم، لا من الأصنام، قال الثعلبي: \" وهذا القول ليس بالقوي، ولا بالمرضي \" (^٢).\nالقول الثاني: عدم صحة هذه القصة أساسًا، وردها، وعدم الاحتجاج بها، وهذا قول كثير من محققي أهل العلم، ولذا شنع الرازي على أصحاب القول الأول، واعتبر أن القول بثبوت هذه القصة طعن في القرآن، فقال: \" وعند هذا يُعلم أن من قال: إن الشيطان ألقى قوله: تلك الغرانيق العلى، في أثناء الوحي، فقد قال قولًا عظيمًا، وطرق الطعن والتهمة إلى القرآن \" (^٣)، وقد رد على الآثار الواردة في هذا الباب، فقال بعد أن نقل الرواية الواردة في ثبوت القصة: \" هذا رواية عامة المفسرين الظاهريين، أما أهل التحقيق، فقد قالوا: هذه الرواية باطلة، موضوعة، واحتجوا عليه بالقرآن، والسنة، والمعقول \" (^٤)، ثم شرع في سرد الدلائل التي تدل على خلاف هذا القول، ورد على الأقوال الأخرى.\nوممن أطال النفس في هذه المسألة، ورد على الأقوال المثبتة للقصة، الإمام ابن العربي، والقاضي عياض، وفقد تتبعوا ما قيل، وردوا عليه.\nومن هنا قال القرطبي في تفسيره: \" الأحاديث المروية في نزول هذه الآية، وليس منها شيء يصح \" (^٥).\n_________\n(^١) السمرقندي: بحر العلوم: ٢/ ٤٦٥ - ٤٦٦\n(^٢) الثعلبي: الكشف والبيان: ٧/ ٣٠\n(^٣) الرازي: مفاتيح الغيب: ٧/ ١١٠\n(^٤) الرازي: مفاتيح الغيب: ٢٣/ ٢٣٧\n(^٥) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن: ١٢/ ٨٠","vol":"1","page":286},{"text":"وقال البيضاوي (^١): \" وهو مردود عند المحققين، وإن صح فابتلاء يتميز به الثابت على الإيمان عن المتزلزل فيه \" (^٢).\nوقال ابن كثير عن طرق رواية حديث الغرانيق: \" ولكنها من طرق كلها مرسلة، ولم أرها مسندة من وجه صحيح \" (^٣)، وقال الشوكاني: \" ولم يصح شيء من هذا، ولا يثبت بوجه من الوجوه \" (^٤)، وقال الخطيب الشربيني بعد أن ذكر كلام الرازي في وضع قصة الغرانيق: \" هذا هو الذي يطمئن إليه القلب، وإن أطنب ابن حجر العسقلاني في صحتها \" (^٥)، ويقول الشنقيطي:\" اعلم أن مسألة الغرانيق، مع استحالتها شرعًا، ودلالة القرآن على بطلانها، لم تثبت من طريق صالح للاحتجاج، كما صرَّح بعدم ثبوتها خلق كثير من علماء الحديث كما هو الصواب \" (^٦).\nوالنقل عن العلماء يطول جدًا، في بيان عدم ثبوت هذه القصة، ولذا قال الإمام ابن حزم: \"وأما الحديث الذي فيه: وإنهن الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترتجى، فكذب بحت موضوع؛ لأنه لم يصح قط من طريق النقل، ولا معنى للاشتغال به؛ إذ وضع الكذب لا يعجز عنه أحد \" (^٧).\nوقال أبو حيان:\" وهي قصة سُئل عنها الإمام محمد بن إسحاق، جامع السيرة النبوية، فقال: هذا من وضع الزنادقة، وصنف في ذلك كتابًا. وقال الإمام الحافظ أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي: هذه القصة غير ثابتة من جهة النقل \" (^٨).\n_________\n(^١) البيضاوي: عبدالله بن عمر، قاضي، مفسر، علامة، ولد في مدينة البيضاء بفارس قرب شيراز، وولي قضاء شيراز مدة، وصرف عن القضاء فرحل إلى تبريز وتوفي بها سنة ٦٨٥ هـ، من مصنفاته: أنوار التنزيل في التفسير. الزركلي: الأعلام: ٤/ ١١٠\n(^٢) البيضاوي: أنوار التنزيل، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط ١، ١٤١٨ هـ (٤/ ٧٥)\n(^٣) ابن كثير: تفسير القرآن العظيم: ٥/ ٤٤١\n(^٤) الشوكاني: فتح القدير: ٣/ ٥٤٦\n(^٥) الشربيني: السراج المنير: مطبعة بولاق، القاهرة، ١٢٨٥ هـ، (٢/ ٥٦٠)\n(^٦) الشنقيطي: أضواء البيان: ٥/ ٢٨٦\n(^٧) ابن حزم: الفِصل في الملل والأهواء والنِّحل: ٤/ ١٨\n(^٨) أبو حيان: البحر المحيط: ٧/ ٥٢٦","vol":"1","page":287},{"text":"وقال النحاس: \" وهذا يجب أن يوقف على معناه من جهة الدين؛ لطعن من طعن فيه من الملحدين. فأول ذلك: أن الحديث ليس بمتصل الإسناد، ولو اتصل إسناده وصح لكان المعنى فيه صحيحًا \" (^١)، ونقل الألوسي عن أبي منصور الماتريدي قوله: \" تلك الغرانيق العلى، من جملة إيحاء الشيطان إلى أوليائه من الزنادقة؛ حتى يلقوا بين الضعفاء وأرقاء الدين؛ ليرتابوا في صحة الدين، وحضرة الرسالة بريئة من مثل هذه الرواية \" (^٢). ثم ذكر الألوسي أوجهًا باطلة، تلزم على القول بأن الناطق بذلك النبي ﷺ بسبب إلقاء الشيطان الملبس.\nوممن أطال نقد هذه القصة، القاسمي في تفسيره، ود. محمد أبو شهبة في كتابه: \"الإسرائيليات والموضوعات في كتب التفسير \".\nالترجيح: سبق أن ذكرنا رأي الإمام السمعاني في هذه المسألة، وهو إثبات أصل هذه القصة، ولكن حملها على ما يوافق العصمة، وإنما كان ذلك ابتلاء واختبارًا من الله تعالى.\nوهذا هو الذي سار عليه كثير من العلماء ممن أثبت هذه القصة، فإنهم حملوها على ما يوافق العصمة، يقول ابن الجوزي: \" ... فلما سمعوا هذه السورة، قال بعض الشياطين: هذه الكلمات على وزنها، فظنوا أن رسول الله قد قالها، وإنما قيلت في ضمن تلاوته. فأما أن يكون جرى على لسان الرسول المعصوم ﷺ مثل هذا فمحال، فلا تغتر بما تسمعه في التفاسير، من أنه جرى على لسانه، فإنه لو صح هذا لاختلط الحق بالباطل، وجاز أن يشك في الصحيح \" (^٣).\nوهذا فيه رد لقول السمعاني، في أن هذا شيء جرى على لسان الرسول ﷺ، لكنه قال: وليس عليه اعتراض لأحد، وقالوا: إن هذا وإن كان غلطًا عظيمًا، فالغلط يجوز على الأنبياء، إلا أنهم لا يقرون عليه. (^٤)\nوهذا التوجيه وغيره مما ذكر، يستقيم عند من صحح الآثار واعتبرها.\n_________\n(^١) النحاس: إعراب القرآن، دار الكتب العلمية، بيروت، ط ١، ١٤٢١ هـ (٣/ ٧٣)\n(^٢) الألوسي: روح البيان: ٩/ ١٦٩\n(^٣) ابن الجوزي: كشف المشكل: ١/ ٢٧٤\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٤٤٩","vol":"1","page":288},{"text":"وتصحيح الحافظ ابن حجر لها، تعقبه فيها العيني، فبعد أن نقل قوله، قال: \" قلت: الذي ذكراه هو اللائق بجلالة قدر النبي ﷺ، فإنه قد قامت الحجة، واجتمعت الأمة على عصمة النبي ﷺ، ونزاهته عن مثل هذه الرذيلة، وحاشاه أن يجري على قلبه أو لسانه شيء من ذلك، لا عمدًا ولا سهوًا، أو يكون للشيطان عليه سبيل، أو أن يتقول على الله ﷿، لا عمدًا ولا سهوًا. والنظر والعرف أيضًا يحيلان ذلك، ولو وقع لارتد كثير ممن أسلم، ولم يُنقل ذلك، ولا كان يخفى على من كان بحضرته من المسلمين \" (^١)، وقال: \" وما قيل: كان ذلك بسبب ما القى الشيطان في أثناء قراءة رسول الله ﷺ: تلك الغرانيق العلى، منها الشفاعة ترتجى، فلا حجة له نقلاُ وعقلًا \" (^٢)\nولذا فإن الراجح - والله أعلم - هو قول من ذهب إلى أن القصة غير صحيحة، وقد نُقل عن الإمام ابن خزيمة أنه قال عنها: هي من وضع الزنادقة. (^٣)\nوقال الشنقيطي مبينًا جهة بطلانها من نفس السورة، فقال: \" وهذا القول الذي زعمه كثير من المفسرين .... الذي لا شك في بطلانه، في نفس سياق آيات النجم، التي تخللها إلقاء الشيطان المزعوم، قرينة واضحة على بطلان هذا القول؛ لأن النبي ﷺ قرأ بعد موضع الإلقاء المزعوم بقليل قوله تعالى في اللات والعزى، ومناة الثالثة الأخرى: \" إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ \" (النجم ٢٣)، وليس من المعقول، أن النبي ﷺ يسب آلهتهم هذا السب العظيم في سورة النجم متأخرًا عن ذكره لها بخيرٍ المزعوم، وإلا غضبوا، ولم يسجدوا؛ لأن العبرة بالكلام الأخير \" (^٤).\n_________\n(^١) العيني: عمدة القاري: ١٩/ ٦٦\n(^٢) العيني: عمدة القاري: ١٩/ ٢٠٣\n(^٣) الرازي: مفاتيح الغيب: ٢٣/ ٢٣٧\n(^٤) الشنقيطي: أضواء البيان: ٥/ ٢٨٦","vol":"1","page":289},{"text":"ومن لطيف الأدلة التي ذكرها الرازي عن بعض من لقيه، في بطلان هذا القول ما ذكره من قوله: \" وكان صديقنا الملك سام بن محمد يرحمه الله - وكان من أفضل من لقيته من أرباب السلطنة، يقول: هذا الكلام بعد الدلائل القوية القاهرة، باطل من وجهين أخرين:\nالأول: أن النبي ﷺ قال: \" من رآني في المنام فقد رآني، فإن الشيطان لا يتمثل بي \" (^١)\nفإذا لم يقدر الشيطان على أن يتمثل في المنام بصورة الرسول، فكيف قدر على التشبه بجبريل حال اشتغال تبليغ وحي الله تعالى.\nالثاني: أن النبي ﷺ قال: \" ما سلك عمر فجًا إلا وسلك الشيطان فجًا آخر \" (^٢). فإذا لم يقدر الشيطان أن يحضر مع عمر في فج واحد، فكيف يقدر على أن يحضر مع جبريل في موقف تبليغ وحي الله تعالى \" (^٣).\nوهذه الأوجه مع لطافتها، إلا أنها مما يُستأنس بها، وإلا لو صح ما رُوي عن السلف من الآثار؛ لكان ما جرى للنبي ﷺ هو من باب الامتحان والاختبار للعباد، كما قال السمعاني.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-93>المسألة الثانية: توجيه قوله تعالى لنبيه ﷺ: (لئن أشركت ليحبطن عملك)</span>.\nقال الله تعالى مخاطبًا نبيه ﵊:\" وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ \" (الزمر ٦٥). وفي قوله تعالى بعد ما سرد ذكر أنبيائه قال: \" وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ \" (الأنعام ٨٨). فكيف يكون توجيه الخطاب في هذه الآية، مع ما تقرر من عصمة الأنبياء عن الوقوع في الشرك؟!\nذكر السمعاني في توجيه قوله تعالى: \" لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ \" (الزمر ٦٥) قولان:\n١ - هذا خطاب للرسول ﷺ، والمراد منه غيره.\n٢ - يجوز أن يكون تأديبًا للرسول ﷺ وتخويفًا له، ليتمسك بما عليه. (^٤)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحه، باب من رأى النبي ﷺ في المنام، ح (٦٩٩٣)\n(^٢) أخرجه البخاري في صحيحه، باب مناقب عمر بن الخطاب، ح (٣٦٨٣)\n(^٣) الرازي: مفاتيح الغيب: ٢٧/ ٦١٤\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٤٧٩","vol":"1","page":290},{"text":"وفي تتبع أقواله في بقية الآيات الواردة، كهذا السياق، يوجهها السمعاني إلى مثل القول الأول، فمثلًا:\nـ في قوله تعالى: \" وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم \" (البقرة ١٢٠)، يقول: \" قيل: إنه خطاب للنبي ﷺ، والمراد به الأمة؛ لأنه كان معصومًا من اتباع الأهواء، ومثله قوله تعالى: \" لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ \" \" (^١)\nوبمثله وجه الآية الواردة في الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، \" وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ \" (^٢).\nوهذا هو غالب ما عليه أهل التفسير، فسياق الآيات الواردة في مثل هذا الشأن، يحملها المفسرون، إما على سبيل الفرض والتقدير، وإما تحوير الخطاب لغير النبي ﷺ فيكون المراد أمته، وإنما خوطب ﵊ بذلك؛ ليعرف من دونه أن الشرك يحبط الأعمال المتقدمة كلها، ولو وقع من نبي. (^٣)\nقال ابن عباس ﵁: هذا أدب من الله تعالى، لنبيه ﷺ، وتهديد لغيره؛ لأن الله تعالى قد عصمه من الشرك، ومداهنة الكفار. (^٤)\nوقد ذكر الرازي أوجهًا، في سبب تخصيصه بالنهي ﵊، منها:\nـ أن مزيد الحب يقتضي التخصيص بمزيد التحذير. (^٥)\nومن الآيات الكريمة التي حملها أهل التفسير، على مثل هذا الشأن، قوله تعالى:\nـ \" لَّا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَّخْذُولًا \" (الإسراء ٢٢)\nـ \" وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا \" (الإنسان ٢٤)\nـ \" فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ \" (القلم ٨)\nـ \" وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَّهِينٍ \" (القلم ١٠)\nـ \" وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنتُ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِن كِتَابٍ \" (الشورى ١٥)\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ١٣٣\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ١٢٣\n(^٣) ابن الجوزي: زاد المسير: ٤/ ٢٥\n(^٤) الواحدي: التفسير الوسيط: ٣/ ٥٩٢\n(^٥) الرازي: مفاتيح الغيب: ٤/ ١٠٩","vol":"1","page":291},{"text":"ـ \" فَإِن شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُم بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ \" (الأنعام ١٥٠)\nـ \" يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ \" (الأحزاب ١)\nـ \" وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ \" (القلم ٩)\nـ \" وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ \" (الأنعام ١٤)\nـ \" وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ \" (الحاقة ٤٤)\nـ \" وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَغُلَّ وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ \" (آل عمران ١٦١)\nومن العبارات التي قيلت في هذا الشأن ما يلي:\nقال الإمام الرازي: \" وقال في حق محمد ﷺ، \" لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ \" وقد أجمعوا على أنه ﵊، ما أشرك، وما مال إليه \" (^١).\nوقال: \" أن قوله: \" لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ \"، قضية شرطية، والقضية الشرطية لا يلزم من صدقها، صدق جزائها. ألا ترى أن قولك: لو كانت الخمسة زوجًا، لكانت منقسمة بمتساويين، قضية صادقة، مع أن كل واحد من جزأيها غير صادق، قال تعالى: \"لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا \" (الأنبياء ٢٢)، ولم يلزم من هذا، صدق القول بأن فيهما آلهة، وبأنهما قد فسدتا. (^٢)\nوقال الإمام القرطبي: \" واستظهر علماؤنا بقوله تعالى: \" لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ \": قالوا: هو خطاب للنبي ﷺ والمراد أمته؛ لأنه ﵊ يستحيل منه الردة شرعًا. وقال أصحاب الشافعي: بل هو خطاب النبي ﷺ على طريق التغليظ على الأمة، وبيان أن النبي ﷺ على شرف منزلته، لو أشرك لحبط عمله، فكيف أنتم، لكنه لا يُشرك لفضل مرتبته \" (^٣)\n_________\n(^١) الرازي: مفاتيح الغيب: ٤/ ١٠٩\n(^٢) الرازي: مفاتيح الغيب: ٢٧/ ٤٧٢\n(^٣) القرطبي: الجامع لأمثال القرآن: ٣/ ٤٨","vol":"1","page":292},{"text":"وقال البيضاوي: \" كلام على سبيل الفرض، والمراد به: تهييج الرسل، وإقناط الكفرة، والإشعار على حكم الأمة \" (^١)\nوقال ابن جزي: \" أن ذلك على وجه الفرض والتقدير، أي لو وقع منهم الشرك، لحبطت أعمالهم، لكنهم لم يقع منهم الشرك بسبب العصمة، ويحتمل أن يكون الخطاب لغيرهم، وخوطبوا هم؛ ليدل المعنى على غيرهم بالطريق الأولى \" (^٢)\nوقال الإمام ابن كثير: \" وهذا شرط، والشرط لا يقتضي جواز الوقوع، كقوله: \" قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين \" (الزخرف ٨١)، وكقوله: \" لَوْ أَرَدْنَا أَن نَّتَّخِذَ لَهْوًا لَّاتَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّا إِن كُنَّا فَاعِلِينَ (١٧) \" (الأنبياء ١٧)، وكقوله: \" لَّوْ أَرَادَ اللَّهُ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا لَّاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ \" (الزمر ٤) \" (^٣)\nوقال الثعالبي:\" بأن ماورد من مثل هذا، فهو محمول على إرادة الأمة؛ لعصمة النبي ﷺ وإنما المراد: من يمكن أن يقع ذلك منه، وخوطب هو ﷺ تعظيمًا للأمر \" (^٤)\nوقال الشوكاني: \" هذا الكلام من باب التعريض لغير الرسل؛ لأن الله سبحانه قد عصمهم من الشرك، ووجه إيراده على هذه الوجه: التحذير والإنذار للعباد من الشرك؛ لأنه إذا كان موجبًا لإحباط عمل الأنبياء على الفرض، والتقدير: فهو محبط لعمل غيرهم من أممهم بطريق الأولى \" (^٥)\nوقال العثيمين: \" فهذا يحتمل أنه للرسول ﷺ وحده، ولكن أمته تبع له، وهو ظاهر اللفظ، وإن كان هذا الشرك لا يقع منه؛ لأن (إن) قد يراد بها فرض الشيء دون وقوعه \" (^٦)\n_________\n(^١) البيضاوي: أنوار التنزيل: ٥/ ٤٨\n(^٢) ابن جزي: التسهيل: ٢/ ٢٢٥\n(^٣) ابن كثير: تفسير القرآن العظيم: ٣/ ٢٩٩\n(^٤) الثعالبي: الجواهر الحسان: ٥/ ٩٩\n(^٥) الشوكاني: فتح القدير: ٤/ ٥٤٤\n(^٦) العثيمين: تفسير العثيمين (الفاتحة والبقرة): ٣/ ٢٧٨","vol":"1","page":293},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-94>المسألة الثالثة: تحقيق القول في وقوع الشرك من آدم ﵇</span>.\nقال تعالى في شأن آدم وحواء: \" فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٩٠) \" (الأعراف ١٩٠)، جاء في سبب النزول عن ابن عباس ﵁ قال: كانت حواء تلد لآدم، فتعبدهم لله، تسميه (عبيدالله)، و(عبدالله) ونحو ذلك، فيصيبهم الموت، فأتاها إبليس وآدم، فقال: إنكما لو تسميانه بغير الذي تسميانه لعاش، فولدت له رجلًا فسماه \" عبدالحارث \". فهل هذا فيه معارضة لما تقرر من عصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام؟!\nأورد هذا الإشكال الإمام السمعاني ثم أجاب عنه بجوابين:\nالأول: أن السياق كان في آدم وحواء، وعليه فيمكن الانفصال عن هذا الإشكال بأن يُقال: لم يكن هذا إشراكًا في التوحيد، وإنما ذلك إشراك في الاسم، وذلك لا يقدح في التوحيد، وهو مثل تسمية الرجل ولده، عبد يغوث، وعبد زيد، وعبد عمرو، وقول الرجل لصاحبه: أنا عبدك، ومثل هذا لايقدح، ثم أجاب عن الإشكال الآخر الذي يرد على آخر الآية حيث قال: \" فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ \"، وهما اثنان فكيف جمع، وانفصل السمعاني عن هذا الإشكال بجوابين:\n١ - أن يكون هذا ابتداء الكلام بعد الأول، وأريد به: إشراك أهل مكة.\n٢ - أو يُراد به الإشراك الذي سبق - في آدم وحواء - قال: استقام الكلام؛ لأنه كان الأولى ألا يفعل ما أتى به من الإشراك في الاسم، وكان ذلك زلة منه، فلذلك قال: \" فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ \".","vol":"1","page":294},{"text":"القول لثاني: أن الآية عامة في جميع بني آدم، ونقل ذلك عن عكرمة، فيكون معنى الآية على قول عكرمة: \" هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ \" يعني: خلق كل واحد من أبيه، \" وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا \" أي: جعل من جنسها زوجها، \" لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا \" يعني: كل زوج إلى زوجته، \" فَلَمَّا تَغَشَّاهَا \" أي: وطئها، \" حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ \". وقال السمعاني عن هذه القول: \" وهذا قول حسن في الآية \"، إلا أنه رجح القول الأول واستظهره، وقال \" والأول أشهر وأظهر، وهو قول ابن عباس، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وجماعة من المفسرين كلهم قالوا: إن الآية في آدم وحواء \" (^١).\nوهذا القول اختاره الطبري، وجعله قول الأكثر، فقال:\" وأولى القولين بالصواب، قول من قال: عنى بقوله: \" فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ \" في الاسم لا في العبادة، وأن المعني بذلك آدم حواء؛ لإجماع الحجة من أهل التأويل على ذلك \" (^٢)\nوالعلماء مختلفون في هذه المسألة اختلافًا كبيرًا، ولذا سلكوا في توجيه الحديث الوارد في المسألة عن سمرة، وأثر ابن عباس، مسالك مختلفة، بيانها فيما يلي:\nالمسلك الأول: الذي جرى عليه السمعاني، وهو إبقاء الآية على ظاهرها، والاحتجاج بما ورد في تفسيرها، وأن المَعنيَّ بها آدم وحواء.\nوهؤلاء الذين سلكوا هذا المسلك، اختلفوا أيضًا في توجيه معنى الشرك المضاف إلى آدم، بعد اتفاقهم على أن المراد بها: آدم وحواء، على أقوال:\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٢٣٩ - ٢٤٠\n(^٢) الطبري: جامع البيان: ١٣/ ٣١٥","vol":"1","page":295},{"text":"القول الأول: أن الشرك المضاف إلى آدم، هو الشرك في التسمية لا في العبادة، ونقل الطبري هذا القول عن سمرة بن جندب، وابن عباس، وعكرمة، وقتادة، ومجاهد، وسعيد بن جبير، والسُدِّي (^١)، ورجحه جماعات من أهل التفسير، كالبغوي (^٢)، وابن عطية (^٣)، وابن الجوزي (^٤)، والواحدي (^٥)، وابن قتيبة (^٦)، والسيوطي (^٧)، وغيرهم.\nالقول الثاني: أن الشرك المضاف إلى آدم، هو الشرك في الطاعة لا في العبادة، وهو مروي عن قتادة ومجاهد. (^٨) ويظهر أنه لا فرق بين القولين؛ لأن التسمية تابعة للطاعة، يقول ابن الجوزي:\" والمراد بالشريك: إبليس؛ لأنهما أطاعاه في الاسم، فكان الشرك في الطاعة، لا في العبادة، ولم يقصدا أن الحارث ربهما، لكن قصدا أنه سبب نجاة ولدهما \". (^٩)\nوذكر يحيى بن سلام أوجه ورود الشرك في القرآن، ثم قال: \" الوجه الثاني: الشرك يعني الطاعة من غير عبادة، وذلك قوله في الأعراف: \" فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا \"، يعني: جعلا إبليس شريكا لله في الطاعة، في اسم ولدهما، من غير عبادة، وهو قول قتادة، وقول إبليس، \" إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ \" (إبراهيم ٢٢)، يعني: أشركتموني مع الله في الطاعة \" (^١٠).\n_________\n(^١) الطبري: جامع البيان: ٣/ ٣٠٩ - ٣١٤\n(^٢) البغوي: معالم التنزيل: ٣/ ٣١٣\n(^٣) ابن عطية: المحرر الوجيز: ٢/ ٤٨٧\n(^٤) ابن الجوزي: زاد المسير: ٢/ ١٧٨\n(^٥) الواحدي: التفسير الوسيط: ٢/ ٤٣٤\n(^٦) ابن قتيبة: تأويل مشكل القرآن: دار الكتب العلمية، بيروت، (١٦١)\n(^٧) السيوطي: الاتقان في علوم القرآن: الهيئة المصرية العامة للكتاب، ١٣٩٤ هـ (١/ ٣٠٩)\n(^٨) الطبري: جامع البيان: ٣/ ٣١٢\n(^٩) ابن الجوزي: زاد المسير: ٢/ ١٧٨\n(^١٠) يحيى بن سلام: التصاريف لتفسير القرآن: الشركة التونسية للتوزيع، ١٩٧٩ م، (١٠٦).","vol":"1","page":296},{"text":"وقال القصَّاب (^١): \" وهو شرك الطاعة؛ لأن أحدًا لا يشك أن آدم وحواء لم يشركا بالله شرك كفر وعبادة، ولكنهما عصيا في القبول من إبليس، واغترا بقوله: إن الولد إذا سُمّي عبدالحارث عاش، كما اغترا به في أكل الشجرة \" (^٢).\nالمسلك الثاني: عدم الاحتجاج بما ورد من الآثار، وتأويل الآية على غير آدم وحواء:\nوهؤلاء نزعوا إلى تضعيف ما ورد في شأن المحاورة، التي جرت بين آدم وإبليس، ثم ذهبوا في تأويلها إلى قولين:\nالأول: أن المقصود أولادهما من المشركين، والثاني: أن المقصود هم المشركون من بني آدم عمومًا، قال ابن القيم: \" فالنفس الواحدة وزوجها: آدم وحواء، واللذان جعلا له شركاء فيما آتاهما، المشركون من أولادهما، ولا يلتفت إلى غير ذلك، مما قيل إن آدم وحواء كان لا يعيش لهما ولد، فأتاهما إبليس، فقال: إن أحببتما أن يعيش لكما ولد، فسمياه عبدالحارث، ففعلا، فإن الله سبحانه اجتباه وهداه، فلم يكن ليشرك به بعد ذلك \" (^٣).\nوذكر أن هذا نوع من أنواع الاستطراد الوارد في القرآن، بمعنى أنه يستطرد من ذكر الشخص إلى النوع، وذكر مثالا عليها هذه الآية، وقال \" فاستطرد من ذكر الأبوين إلى ذكر المشركين من أولادهما \" (^٤).\nوهذا مروي عن الحسن البصري، عن قتادة قال: كان الحسن يقول: هم اليهود والنصارى، رزقهم الله أولادًا، فهوَّدوا، ونصَّروا. (^٥)\n_________\n(^١) القصاب: محمد بن علي الكرجي، الإمام، العالم، الحافظ، الغازي المجاهد، عرف بالقصاب لكثرة ما قتل في مغازيه، توفي سنة ٣٦٠ هـ، انظر: الذهبي: سير أعلام النبلاء: ١٢/ ٢٦٤\n(^٢) القصاب: النكت الدالة على البيان: دار القيم، ط ١، ١٤٢٤ هـ، (١/ ٤٥٩)\n(^٣) ابن القيم: روضة المحبين: دار الكتب العلمية، بيروت، ١٤٠٣ هـ، (٢٨٩)\n(^٤) ابن القيم: التبيان في أقسام القرآن: دار المعرفة، بيروت، (٢٦٤)\n(^٥) الطبري: جامع البيان: ١٣/ ٣١٥","vol":"1","page":297},{"text":"يقول أبو حيان: \" من جعل الآية في آدم وحواء، جعل الضمائر والأخبار لهما، وذكروا في ذلك محاورات جرت بين إبليس وآدم وحواء، لم تثبت في قرآن، ولا حديث صحيح، فاطرحت ذكرها ... وأما من جعل الخطاب للناس، وليس المراد في الآية بالنفس وزوجها آدم وحواء، أو جعل الخطاب لمشركي العرب أو لقريش على ما تقدم ذكره، فيتسق الكلام اتساقًا حسنًا، من غير تكلف تأويل ولا تفكيك \" (^١).\nولما نقل القصاب قول الحسن قال: \" ولا أدري ما وجهه؛ لأن أول الآية لا يدل عليه \" (^٢).\nوقال ابن جزي: \" الكلام على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، وكذلك فيما آتاهما: أي أتى أولادهما وذريتهما \" ثم قال وهذا القول أصح لثلاثة أوجه: \" أحدهما: أنه يقتضي براءة آدم وزوجته من قليل الشرك وكثيره، وذلك هو حال الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.\nوالثاني: أنه يدل على أن الذين أشركوا، هم أولاد آدم وذريته؛ لقوله تعالى: \" فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ \"، بضمير الجمع.\nوالثالث: أن ما ذكروا من قصة آدم، وتسمية الولد عبدالحارث، يفتقر إلى نقل بسند صحيح، وهو غير موجود في تلك القصة \" (^٣).\nوالإمام ابن كثير بعد أن ضعف المرفوع، كما قال: \" إلا أننا برئنا من عهدة المرفوع \" (^٤) وذكر أن ما تبقى من الآثار عن الصحابة والتابعين، أنها من آثار أهل الكتاب، قال: \" أما نحن فعلى مذهب الحسن البصري ﵀ في هذا، والله أعلم - وأنه ليس المراد من هذا السياق آدم وحواء، وإنما المراد من ذلك: المشركون من ذريته \" (^٥)\nوقال الإمام القرطبي: \" وقال قوم: إن هذا راجع إلى جنس الآدميين، والتبيين عن حال المشركين من ذرية آدم ﵇ وهو الذي يعول عليه \" (^٦).\n_________\n(^١) أبو حيان: البحر المحيط: ٥/ ٢٤٧\n(^٢) القصاب: النكت الدالة على البيان: ١/ ٤٥٩\n(^٣) ابن جزي: التسهيل: ١/ ٣١٦\n(^٤) ابن كثير: تفسير القرآن العظيم: ٣/ ٥٢٧\n(^٥) ابن كثير: تفسير القرآن العظيم: ٣/ ٥٢٨\n(^٦) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن: ٧/ ٣٣٩","vol":"1","page":298},{"text":"وقال الإمام البيضاوي بعد أن ذكر قصة آدم وإبليس هنا: \" وأمثال ذلك لا تليق بالأنبياء \" (^١)\nوبعد أن ذكر الإمام الرازي كذلك حديث ابن عباس قال: \"وأعلم أن هذا التأويل فاسد\"، ثم ذكر ستة أوجه تدل على فساده، ثم قال:\"فثبت بهذه الوجوه، أن هذا القول فاسد، ويجب على العاقل المسلم أن لا يلتفت إليه \" (^٢).\nوقال الإمام المجاشعي (^٣) بعد ذكره لأثر ابن عباس: \" وهذا القول بعيد، ولا يجوز مثل هذا على نبي من أنبياء الله تعالى، والقول الأول أوضح هذه الأقاويل \" (^٤)، وهو مروي عن الحسن وقتادة، من مرد الضمير في قوله \" جعلا \" إلى ولد آدم.\nوقال الإمام ابن العربي، بعد أن ذكر تضعيف ما ورد في قصة آدم في هذا المقام: \" الثاني: أن المراد بهذا جنس الآدميين .. وهذا القول أشبه بالحق، وأقرب إلى الصدق، وهو ظاهر الآية، وعمومها الذي يشمل جميع متناولاتها، ويسلم فيها الأنبياء عن النقص الذي لا يليق بجهال البشر، فكيف بسادتهم وأنبيائهم \" (^٥)\nويقول الإمام ابن حزم: \" وهذا الذي نسبوه إلى آدم ﵇، من أنه سمى ابنه عبدالحارث، خرافة، موضوعة، مكذوبة، من تأليف من لا دين له، ولا حياء، لم يصح سندها قط، وإنما نزلت في المشركين على ظاهرها \" (^٦)، ولو أردت سرد كلام العلماء في هذا المقام، لطال الحديث، لكنهم جميعهم ينزعون إلى أن الآية ليست مسوقة أصالة في آدم وحواء، وإنما هي في أولادهما، أو جنس بني آدم الذين أشركوا شركًا حقيقيًا، فإن منهم مشرك، ومنهم موحد.\n_________\n(^١) البيضاوي: أنوار التنزيل: ٣/ ٤٥\n(^٢) الرازي: مفاتيح الغيب: ١٥/ ٤٢٧\n(^٣) المجاشعي: على بن فضَّال القيرواني، مؤرخ، عالم باللغة والأدب، والتفسير، اشتهر بالفرزدقي لاتصال نسبه بالفرزدق، من كتبه: الدول، والإكسير في التفسير، توفي سنة ٤٧٩ هـ. الزركلي: الأعلام: ٤/ ٣١٩.\n(^٤) المجاشعي: النكت على القرآن الكريم، دار الكتب العلمية، بيروت، ط ١، ١٤٢٨ هـ (٢٣٠)\n(^٥) ابن العربي: أحكام القرآن: دار الكتب العلمية، بيروت، ط ٣، ١٤٢٤ هـ (٢/ ٣٥٥)\n(^٦) ابن حزم: الفِصل في الملل والأهواء والنحل: ٤/ ٤","vol":"1","page":299},{"text":"الترجيح: يترجح - والعلم عند الله تعالى ـ، القول الذي يذهب إلى أن الآية مسوقة لبيان حال المشركين من بني آدم، ولم تُسق في آدم وحواء إما أصالة، وإما أن يكون مسار الآية القرآنية الكريمة، فيها انتقال من العين إلى النوع، فيكون آخر الآية منفصلًا عن أولها، فيكون هذا من قبيل الموصول لفظًا، المقطوع معنى، فينتهي الحديث عن آدم وحواء عند قوله \" دعوا الله ربهما \"، وباقي النص في غيرهما. (^١)\nولو كانت الآية في آدم وحواء، لكان ختامها موافقًا لابتدائها، قال تعالى: \" فتعالى الله عما يشركون \"، \" فلو أراد آدم وحواء لقال: عما يشركان، ولا يُقال: أن المثنى جمع؛ لأن القرينة العقلية والنقلية، تبطل إرادة المثنى. والقرينة هي العصمة الثابتة بالعقل والنقل \" (^٢).\nومن اللطيف أن أختم هنا بما ذكره صاحب (تحفة الأحوذي)، في شرحه على جامع الترمذي، حيث نقل نقلًا موسعًا عن القنوجي صاحب كتاب فتح البيان، رد فيه على من ذهب إلى تضعيف القصة وإنكارها، بأن قولهم معتمد على رأي محض، مع مافيه من خرم لنظم السياق القرآني، ومع ذلك، العجيب أنه فسَّر وقوع الشرك من حواء فقط دون آدم ﵉، وقال: وقوله: \" جعلا له شركاء \" بصيغة التثنية، لا تنافي ذلك؛ لأنه قد يُسند فعل الواحد إلى الاثنين بل إلى جماعة، كما هو شائع في كلام العرب.\nويمكن أن نقول كذلك: إن قوله هذا، مخالف لنقله السابق من خرم نظم السياق القرآني، على أنه على ما سبق وأشرنا، أن القرينة العقلية والنقلية، تبطل إرادة المثنى.\n_________\n(^١) محمد القيعي: الأصلان في علوم القرآن: حقوق الطبع محفوظة للمؤلف، ط ٤، ١٤١٧ هـ (٣٣٣)\n(^٢) القيعي: الأصلان في علوم القرآن: ٣٣٣","vol":"1","page":300},{"text":"ومع ذلك علَّق صاحب التحفة، بعد نقله الموسع عن صاحب فتح البيان قائلًا: \" قلت: لو كان حديث سمرة المذكور، صحيحًا ثابتًا صالحًا للاحتجاج، لكان كلام صاحب فتح البيان هذا، حسنًا جيدًا، ولكنك قد عرفت أنه حديث معلول، لا يصلح للاحتجاج، فلا بُدَّ لرفع الإشكال المذكور، أن يُختار من هذه الأقوال التي ذكروها في تأويل الآية، ما هو الأصح والأقوى، وأصحها عندي هو ما اختاره الرازي وابن جرير وابن كثير \" (^١)\nقلت: ولعل قوله (وابن جرير) سبق قلم، والله أعلم، لأن ابن جرير ذهب إلى تعيين آدم\nوحواء، وثانيًا: لم يجر له ذكر في نقولاته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-95>المسألة الرابعة: توجيه قوله تعالى عن نبيه إبراهيم ﵇: (واجنبني وبني أن نعبد الأصنام)</span>.\nقال الله تعالى عن خليله إبراهيم: \" وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الْأَصْنَامَ (٣٥) \" (إبراهيم ٣٥). أورد السمعاني في شرحه لهذه الآية تساؤلًا مفاده: قد كان إبراهيم ﵇ معصومًا عن عبادة الأصنام، فكيف يستقيم سؤاله لنفسه، وقد عبد كثير من بنيه الأصنام، فأين الإجابة؟! (^٢)\nوقد أجاب السمعاني عن هذا التساؤل من جهتين فقال:\n١ - \" أما ما يتعلق في حق إبراهيم، فالدعاء لزيادة العصمة والتثبيت، وبهذا فسَّره الزجاج.\n٢ - وأما في حق البنين فيقال: إن الدعاء لبنيه من الصلب، ولم يعبد أحد منهم الصنم، وقيل: إن دعاءه لمن كان مؤمنًا من بنيه \" (^٣)\nوالذي ذكره السمعاني يخصص ما نُقل عن مجاهد قال: فاستجاب الله لإبراهيم دعوته في ولده، قال: فلم يعبد أحد من ولده صنمًا بعد دعوته. (^٤)\nيقول ابن عطية: \" وهذا الدعاء من الخليل ﵇ يقتضي إفراط خوفه على نفسه، ومن حصل في رتبته، فكيف يخاف أن يعبد صنمًا؟، لكن هذه الآية ينبغي أن يُقتدى بها في الخوف، وطلب الخاتمة \" (^٥)\n_________\n(^١) المباركفوري: تحفة الأحوذي: ٨/ ٣٦٧\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ١١٩\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ١١٩، الزجاج: معاني القرآن: ٣/ ١٦٤\n(^٤) الطبري: جامع البيان: ١٧/ ١٧\n(^٥) ابن عطية: المحرر الوجيز: ٣/ ٣٤١","vol":"1","page":301},{"text":"ومع هذا لجواب الذي ذكره السمعاني من فائدة الدعاء من إبراهيم الخليل، إلا أن الرازي، يقول: حتى على هذا التفسير، لا يزال السؤال باقيًا، \" لما كان من المعلوم أنه تعالى، يثبت الأنبياء ﵈ على الاجتناب من عبادة الأصنام، فما الفائدة في هذا السؤال \". ويتابع الرازي حديثه، مبينًا الفائدة من هذا السؤال فيما ظهر له فيقول: \" والصحيح عندي في الجواب وجهان: الأول: أنه ﵇، وإن كان يعلم أنه تعالى يعصمه من عبادة الأصنام، إلا أنه ذكر ذلك هضمًا لنفسه، وإظهارًا للحاجة والفاقة إلى فضل الله في كل المطالب. والثاني: أن الصوفية يقولون: إن الشرك نوعان: شرك جلي، وهو الذي يقول به المشركون، شرك خفي: وهو تعليق القلب بالوسائط والأسباب الظاهرة، والتوحيد المحض هو أن ينقطع نظره عن الوسائط، ولا يرى متصرفًا سوى الحق ﷾، فيحمل أن يكون قوله \" وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الْأَصْنَامَ \" المراد منه: أن يعصمه عن هذا الشرك الخفي، والله أعلم بمراده \" (^١)\nويقول التستري: \" فهذا كله تبرء من الحول والقوة، بالافتقار إليه \" (^٢)\nوأورد السمعاني احتمالين، لفهم قول إبراهيم الخليل: \" وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ \" (إبراهيم ٣٦)، إذ الشرك غير مغفور؛ فقال السمعاني: يحتمل وجهين:\nأحدهما: أنه قال هذا قبل أن يُعلمه الله، أنه لا يغفر الشرك.\nوالآخر: أن المراد من العصيان، هو ما دون الشرك. (^٣)\nونزع الرازي، إلى أن المقصود من هذه الآية، شفاعة في إسقاط العقاب عن أهل الكبائر قبل التوبة (^٤). والجمهور على أن المقصود، بالمعصية هنا، عبادة الأوثان، ولكن على ما يحمل قوله؟ إما على أنه لم يُعلمه الله أنه لا يغفر الشرك، أو أنه عبد الأوثان ثم تاب منها. (^٥)\n_________\n(^١) الرازي: مفاتيح الغيب: ١٩/ ١٠١\n(^٢) التستري: تفسير التستري: دار الكتب العلمية، بيروت، ط ١، ١٤٢٣ هـ، (١٢٤)\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ١٢٠\n(^٤) الرازي: مفاتيح الغيب: ١٩/ ١٠٢\n(^٥) ابن أبي زمنين: تفسير القرآن العزيز","vol":"1","page":302},{"text":"كل ما سبق بيانه، يوضح بجلاء، اهتمام الإمام السمعاني، ببيان عقيدة التوحيد التي جاء بها القرآن، ولما كان مدار التوحيد، على هذا النوع، فقد أولاه السمعاني عناية فائقة، فعَرَّف، وبيَّن، ودَلَّل، ووجَّه، وصَوَّب، وهذا كله واضح فيما سردناه من مسائل متعلقة بهذا النوع من التوحيد. والإمام السمعاني سار في طريقته كما بيَّنا، على طريقة السلف الأوائل، من جهة البيان والاستدلال. ويظهر هذا واضحًا في المباحث التي سُقناها، فقد أشار السمعاني إلى عدة أمور في بيان هذا النوع من التوحيد:\n١ - جهة الاشتقاق اللفظي، والتصريف اللغوي، لمعنى كلمة الإله. ومن ذلك، بيانه لأصل كلمة (اللهم) فقال: \"فأصله: يا الله، فما حذف حرف النداء، زيدت الميم في آخره، قال الفراء: الميم فيه معنى، ومعناه: يا الله، أعنا بالمغفرة، أي اقصدنا \" (^١)\nوذكر بعض العلماء، فرقًا لطيفًا بين قول (الله)، وقول (إله): فقال: \" إن قولنا (الله) اسم لم يسم به غير الله، يُسمى غير الله إلهًا على وجه الخطأ، وهي تسمية العرب الأصنام آلهة، وأما قول الناس: لا معبود إلا الله، فمعناه: أنه لا يستحق العبادة إلا الله تعالى \" (^٢)\nوقال في بيان الفرق بين قول (الله)، وقول (اللهم): \" إن قولنا (الله) اسم، واللهم نداء، والمراد به: يا الله، فحذف حرف النداء، وعوض الميم في آخره \" (^٣)\n٢ - اهتمامه بذكر دلائل هذا النوع من التوحيد، وأن الخلق كلهم مسؤولون عنه، فقد نقل عن أبي العالية قوله: \" إن جميع الخلق يسألون عن شيئين: عن التوحيد، وعن إجابة المرسلين \" (^٤)، وذلك عند تفسير قوله تعالى: \" فَوَرَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٣) \" (الحجر ٩٢ - ٩٣).\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٣٠٦\n(^٢) الحسن العسكري: الفروق اللغوية: دار العلم والثقافة، القاهرة، (١٨٥)\n(^٣) الحسن العسكري: الفروق اللغوية: (١٨٦)\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ١٥٣","vol":"1","page":303},{"text":"وأن القلوب السليمة عن الشرك، الذي هو مضاد التوحيد، هي القلوب السليمة المستقيمة، التي ينتفع بها صاحبها يوم القيامة، قال تعالى: \" يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٩) \" (الشعراء ٨٨ - ٨٩)، يقول السمعاني: \" قال أكثر أهل العلم: سليم من الشرك، فإن الآدمي لا يخلو من ذنب، وقيل: مخلص، وقيل: ناصح، وقيل: قلب فيه لا إله إلا الله \". (^١)\nوبين أن صاحب التوحيد الخالص، أحق بالأمن والاهتداء، قال: \" وحجته في ذلك: أن الذي يعبد الله، لا يشرك به شيئًا، أحق بالأمن من الذي يعبد الله ويشرك به \" (^٢)\n٣ - إسهامه الواسع في تتبع أنواع العبادة، التي هي أساس هذا التوحيد، سواء كانت عبادات قلبية، أو بدنية.\n٤ - التطواف الطويل في ذكر دلائل استحقاق الله جل وعلا للعبودية، وذكر ما يضادها.\n٥ - وأن أكبر مضاد للتوحيد، هو الشرك بالله تعالى، والذي يراد به الشرك في العبادة، ولذا أشار إلى أوجه التنفير منه في كتاب الله جل وعلا؛ ليجتنبه المرء، ويكون عنه في معزل، ويدعو بدعوة أبيه إبراهيم: \" وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الْأَصْنَامَ \"، بمعنى: بعدني وبني من عبادة الأصنام \". (^٣)\nونجد اهتمامه واضحًا جليًا، بالتحذير من خطورة الشرك والرد على المخالفين، في ذكر صوره وأنواعه.\n٦ - ولما كان القرآن الكريم كله في التوحيد، وحقوقه، وجزائه، وفي شأن الشرك، وأهله، وجزائهم (^٤)، أفاض السمعاني في ذكر التوحيد، وفضائله، وذكر ما يضاده، بأبلغ عبارة، وأوجز بيان.\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٥٥\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ١٢٢\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ١١٩\n(^٤) ابن القيم: مدارج السالكين: ٣/ ٤١٨","vol":"1","page":304},{"text":"٧ - أزاح الإمام السمعاني بعض ما يُشكل، أو يطرأ على ذهن القارئ، حين قراءته وتدبره لكلام الباري جل وعلا، ولذا نجد أنه يوجه في كثير من المواطن الآيات، بما يتوافق مع المسلَّمات، أو يحل ما يعرض من إشكال أو تعارض، كله يرجع إلى ذهن القارئ، وإلا فالقرآن الكريم لا يمكن أن يحصل فيه تناقض أو تعارض؛ لأنه من عند الله تعالى، والله يقول: \" وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا \" (النساء ٨٢)، \".\nقال ابن عباس: ليس في القرآن تناقض ولا تفاوت، وقال الزجاج: ما أخبر عن الغيب فكله صدق، ليس بعضه صدقًا، وبعضه كذبًا، وقيل: معناه: أن كله بليغ فصيح، ليس فيه مرذول ولا فاسد \" (^١).\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٤٥٣","vol":"1","page":305},{"text":"الفصل الأول: الإيمان بالله تعالى\nالمبحث الثالث: توحيد الأسماء والصفات\nالمطلب الأول: تعريف توحيد الأسماء والصفات\nالمطلب الثاني: منهج السلف في باب الأسماء والصفات\nالمطلب الثالث: معاني أسماء الله تعالى وصفاته، ومقتضياتها\nالمطلب الرابع: بعض الصفات الواردة في القرآن\nالمطلب الخامس: مسائل في توحيد الأسماء والصفات","vol":"1","page":306},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-96>المبحث الثالث: توحيد الأسماء والصفات:</span>\nهذا النوع من التوحيد من أدق أنواع التوحيد؛ لكثرة ما توارد النزاع فيه وتكاثر عليه، وإلا فهو من أوضح الواضحات، وأحكم المحكمات، يعلم هذا كل من سار على المنهج القرآني النقي الصافي، دون أن يُعمل عقله وهواه. ولذا كان السلف الأوائل أعلم الناس بهذا الباب، وهم أحكم الناس له، فمنهجهم فيه أسلم وأعلم وأحكم؛ لأنه يقوم على ساق التسليم للنصوص، بعيدا عن التأويل المذموم، وصرف النصوص عن ظواهرها، والتكلف في استحداث معانٍ جديدة لها.\nوالإمام السمعاني أحكم هذا الباب، وضبط قواعده، حين سار على منهج السلف في تقريرهم لقواعد هذا الباب، وهذا يظهر جليا في تقريرات السمعاني، وتتبعه للنصوص، فمما قرره في هذا الباب: أن الأصل فيه التوقيف، فقال: الأصل في أسامي الرب هو التوقيف، فلا توقيف في وصف الله بالعقل، فلا يُوصف به (^١)، ويقول: لا يجوز أن يُسمى الرب تعالى، أو يُوصف بوصف إلا الذي ورد به القرآن والسنة (^٢)، وهذا مما توارد عليه السلف.\nوقد ظهر اهتمام السمعاني بهذا النوع من التوحيد من عدة جهات:\n١ - تعريفه وذكر قواعده، فذكر أربع قواعد مُستقاة من كلام السلف، ومن ظواهر النصوص الشرعية.\n٢ - ذكر معاني أسماء الله تعالى الوارة في القرآن، وقد ذكر ما يزيد عن سبعة وستين اسما، ويُشير في تفسيرها إلى الفروق واختلاف القراءات.\n٣ - ذكر بعض الصفات الواردة في القرآن الكريم، وقد ذكر حوالى عشرين صفة، دلل عليها، ورد على المخالفين والمتأولين بالباطل فيها.\n٤ - عرض لبيان بعض الآيات التي يُشكل ظاهرها على بعض الأفهام، ويخفى معناها على بعض الأذهان، وذكرت حوالى تسع عشرة آية، أبانها السمعاني، ووضح معناها بجلاء.\n_________\n(^١) - السمعاني: قواطع الأدلة: ١/ ٢٨\n(^٢) - السمعاني: مرجع سابق: ١/ ٢٦٨","vol":"1","page":307},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-97>المطلب الأول: تعريف توحيد الأسماء والصفات:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-98>المسألة الأولى: تعريف توحيد الأسماء والصفات:</span>\nعَرَّف الإمام السمعاني، الأسماء الحسنى بأنها:\" هي ما وردت في الخبر، روى أبو هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: \" إن لله تسعة وتسعين اسمًا - مائة غير واحد - من أحصاها دخل الجنة \" (^١)، وقوله: \" الحسنى \": يرجع إلى التسميات \" (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحه، باب لله مائة اسم غير واحد، ح (٦٤١٠)\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٢٣٥","vol":"1","page":308},{"text":"وقال في تفسير قوله تعالى: \" اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى \" (طه ٨): \" الحسنى للأسماء هو جمع، والحسنى صفة الواحد، وذلك لأن هذه تتناول الأسماء كلها؛ لأنها جمع، كما تتناول الواحدة من المؤنثات، يُقال: هذه أسماء، فلذلك صح أن يُقال: حسنى، ولم يقل: حسان، وهكذا قوله تعالى: \" مَآرِبُ أُخْرَى \"، ولم يقل آخر \" (^١).\nوفي تفسير قوله تعالى: \" هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى \" (الحشر ٢٤)، يقول السمعاني:\"الحسنى: هو تأنيث الأحسن، وهي ها هنا بمعنى العليا\" (^٢).\nوقال في الصفات: \" وقوله: \" وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى \" (النحل ٦٠)، أي: الصفة العليا، وذلك مثل قولهم: عالم، وقادر، ورازق، وحي، وغير هذا \" (^٣).\nوقال: \" وقوله: \" وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى \" (الروم ٢٧)، أي: الصفة الأعلى، والصفة الأعلى: أنه لا شريك له وليس كمثله شيء، قاله ابن عباس \" (^٤).\nوأشار السمعاني في مقام آخر، إلى أن الواجب في الصفة، هو إثباتها كما أثبتها الله تعالى لنفسه، من غير تكييف، فقال: قوله تعالى: \" يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ \" (النحل ٥٠)، كما وصف به نفسه، من غير تكييف \" (^٥).\nوهنا يُلاحظ أن السمعاني ذكر قيودًا مهمة في التعريف، وهي:\n١ - ورودها في الأخبار والنصوص، وعليه فهي توقيفية نصية (^٦)،كما قال هو في موطن آخر: \" واعلم أن أسماء الله تعالى على التوقيف \" (^٧).\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٣٢٢\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٤١١\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ١٨١\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٢٠٧\n(^٥) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ١٧٧\n(^٦) قال ابن عطية:\" ومن أسماء الله ما ورد في القرآن، ومنها ما ورد في الحديث وتواتر، وهذا هو الذي ينبغي أن يعتمد عليه \" المحرر الوجيز: ٢/ ٤٨١\n(^٧) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٢٣٥","vol":"1","page":309},{"text":"وهذا هو مذهب السلف، يقول الإمام ابن تيمية: \" ثم القول الشامل في جميع هذا الباب، أن يوصف الله بما وصف به نفسه، أو وصفه به رسول الله ﷺ، وبما وصفه به السابقون الأولون، لا يتجاوز القرآن والحديث. قال الإمام أحمد ﵁: \" لا يوصف الله إلا بما وصف به نفسه، أو بما وصفه به رسوله ﷺ، لا يتجاوز القرآن والحديث \". ومذهب السلف أنهم يصفون الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله ﷺ، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل \" (^١).\n٢ - ألَّا يتعرض لهذه النصوص، بتأويل فاسد، أو تكييف، أو تمثيل، أو غيره من أوجه الإلحاد في الأسماء الحسنى، قال تعالى: \" وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ \" (الأعراف ١٨٠)، يقول السمعاني: \"الإلحاد: هو الميل عن الحق، وإدخال ما ليس في الدين، قيل: والإلحاد في الأسماء هاهنا: \" كانوا يقولون في مقابلة اسم الله: اللات، وفي مقابلة العزيز: العُزى، ومناة في مقابلة المنان، وقيل: هو تسميتهم الأصنام آلهة، وهذا أعظم الإلحاد في الأسماء \" (^٢)\nوقد بيَّن السمعاني في تفسير قوله تعالى: \" لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ \" (الشورى ١١)، أن الله جل وعلا لا يوصف بالمثل، جل وتعالى عن ذلك. (^٣) وقال في تفسير قوله تعالى: \" وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ \" (الصمد ٣): \" لم يكن له شبيه ولا عدل، وليس كمثله شيء \" (^٤)\n_________\n(^١) ابن تيمية: مجموع الفتاوى: ٥/ ٢٦\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٢٣٦، واختلف أهل التأويل في قوله: (يُلْحِدُونَ) فقيل: يكذبون، وهو مروي عن ابن عباس، وقيل: يشركون، وهو مروي عن قتادة. انظر الطبري: جامع البيان: ١٣/ ٢٨٣\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٦٦\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٦/ ٣٠٣","vol":"1","page":310},{"text":"فالله جل وعز تنزه عن كل هذه النقائص، والمماثلات، والتشبيهات، ولذا فإن هذا الباب قائم على أساس التنزيه، يقول السمعاني: \" قوله تعالى: \" سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى \": أي عظم ربك الأعلى، وقيل: نزه، وتنزيه الله - عز اسمه - ألا يوصف بوصف لا يليق به \" (^١)\n٣ - أن أسماء الله تعالى حسنى، أي بالغة في الحسن والجمال غايته، وكل أسمائه حسن \" (^٢)، وهي التي تقتضي أفضل الأوصاف (^٣). يقول السمعاني: الحسنى هاهنا بمعنى العليا، وقال ابن عطية: \" \" لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى \": أي: ذات الحُسن في معانيها، القائمة بذاته، لا إله إلا هو \" (^٤). وقال القرطبي: \" سمَّى الله سبحانه أسمائه بالحسنى؛ لأنها حسنة في الأسماع والقلوب، فإنها تدل على توحيده وكرمه، وجوده، ورحمته، وإفضاله \" (^٥). وقال: \" وحُسن الأسماء إنما يتوجه بتحسين الشرع بالإطلاق والنص عليها. وانضاف إلى ذلك أنها تقتضي معانٍ حسانٍ شريفة، وهي بتوقيف، لا يصح وضع اسم لله بنظر إلا بتوقيف من القرآن، أو الحديث، أو الإجماع \" (^٦)\nوقال الرازي: \" والاستدلال بالآية على أن كون الأسماء حسنة، لا معنى له، إلا كونها دالة على الصفات الحسنة الرفيعة الجليلة، فإذا لم يدل الاسم على هذا المعنى، لم يكن الاسم حسنًا \" (^٧).\nوقال الماوردي: \" وفي المراد بالحسنى هنا وجهان: أحدهما ما مالت إليه القلوب، من ذكره بالعفو، والرحمة، دون السخط والنقمة، والثاني: أسماؤه التي يستحقها لنفسه ولفعله، ومنها صفات هي طريقة المعرفة به \" (^٨).\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ٦/ ٢٠٦\n(^٢) الطبري: جامع البيان: ١٣/ ٢٨١\n(^٣) ابن عطية: المحرر الوجيز: ٣/ ٤٩٢\n(^٤) ابن عطية: المحرر الوجيز: ٣/ ٥/٢٩٢\n(^٥) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن: ٧/ ٣٢٦\n(^٦) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن: ١٠/ ٣٤٣\n(^٧) الرازي: مفاتيح الغيب: ١/ ١١٣\n(^٨) الماوردي: النكت والعيون: ٢/ ٢٨٢","vol":"1","page":311},{"text":"إذن: فتعريف هذا النوع من التوحيد، كان ممارسة عملية لأئمة السلف، \" ولهذا كان مذهب السلف الأمة وأئمتها، أنهم يصفون الله ﷾، بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله من غير تحريف، ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، يُثبتون له الأسماء والصفات، وينفون عنه مماثلة المخلوقات، إثبات بلا تمثيل، وننزيه بلا تعطيل \" (^١).\nفهذا الباب يقوم على الإيمان الكامل، والتصديق الجازم، بما وصف الله تعالى به نفسه، أو وصفه به رسوله ﷺ، من غير تحريف، ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، \"وهذه الاحترازات تمحض سبيل أهل السنة والجماعة، وطريقة سلف الأمة وأئمتها، وتخلصها من الضلالة، والبدعة في هذه الباب \" (^٢).\nيقول الإمام ابن تيمية: \" ومتى جُنِّب المؤمن طريق التحريف، والتعطيل، وطريق التمثيل، سلك سواء السبيل، فإنه قد عُلِم بالكتاب، والسنة، والإجماع، ما يعلم بالعقل أيضًا، أن الله تعالى: \" لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ \"، لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، فلا يجوز أن يوصف بشيء من خصائص المخلوقين؛ لأنه متصف بغاية الكمال، منزه عن جميع النقائص\" (^٣).\nوقد عَرَّف الإمام ابن تيمية هذا النوع بتعريف جامع مانع، موافق لما في الكتاب، فقال: \"هي التي يُدعى الله بها، وهي التي جاءت في الكتاب والسنة، وهي التي تقتضي المدح والثناء بنفسها \" (^٤). فهذا هو ضابط الأسماء، أما ضابط الصفات: \" فهي ما قام بالذات الإلهية، مما يميزها عن غيرها، ووردت به نصوص الكتاب والسنة \" (^٥).\n_________\n(^١) ابن تيمية: الصفدية: مكتبة ابن تيمية، مصر، ط ٢، ١٤٠٦ هـ، (١/ ١٠٣).\n(^٢) المصلح: شرح العقيدة الواسطية من كلام شيخ الإسلام، دار ابن الجوزي، الدمام، ط ١، ١٤٢١ هـ، (١٨).\n(^٣) ابن تيمية: مجموع الفتاوى: ٦/ ٣٩٩\n(^٤) ابن تيمية: شرح العقيدة الأصفهانية: دار الكتب الإسلامية، (٥).\n(^٥) محمد التميمي: الصفات الإلهية: أضواء السلف، الرياض، ط ١، ١٤٢٢ هـ (١٢)","vol":"1","page":312},{"text":"وفي هذا يقول الزجاج: \" صفات الله تعالى، هي مصادر أسمائه الحسنى، وصفات الله تعالى، كلها ثناء عليه، ومدح له، مدح بها نفسه، ونبه العباد إليها، وتعبدهم بوصفه بها \" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-99>المسألة الثانية: في الاسم والمسمى:</span>\nهذه المسألة من المسائل التي طال بحثها، وكثر نقاشها، فهي مسألة طويلة الذيل، قليل النيل، قال الإمام الطبري: \" وأما القول في الاسم: أهو المسمى أم غير المسمى؟ فإنه من الحماقات الحادثة، التي لا أثر فيها فيتبع، ولا قول من إمام فيسمع، فالخوض فيها شين، والصمت عنها زين. وحسب امرئ من العلم به، والقول فيه، أن ينتهي إلى قول الله ﷿ ثناؤه، الصادق، وهو قوله: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء:١١٠]، وقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف:١٨٠]، ويعلم أن ربه، هو الذي على العرش استوى، ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى﴾ [طه:٦]، فمن تجاوز ذلك، فقد خاب وخسر، وضل وهلك \" (^٢).\nوأهل السنة المتقدمون لم يتحدثوا عن هذه المسألة، إلا أنه لما ذاع وشاع عن الجهمية والمعتزلة وغيرهم ممن انحرفوا في هذا الباب، وقالوا: إن الاسم غير المسمى، وكانوا يقصدون إلى معنى فاسد، تصدى لهم أهل السنة بالرد والبيان.\n_________\n(^١) الزجاج: اشتقاق أسماء الله، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط ٢، ١٤٠٦ هـ\n(^٢) الطبري: صريح السنة: دار الخلفاء، الكويت، ط ١، ١٤٠٥ هـ (٢٦)","vol":"1","page":313},{"text":"ونقل الإمام ابن تيمية، عن الإمام ابن خفيف، أن القول في الاسم والمسمى بدعة (^١)، وفي جزء امتحان السني من البدعي: \" يُسأل: عن الاسم هل هو المسمى أم غيره؟ فإن قال: الاسم للمسمى، أو علم دل على المسمى، أوصفة للمسمى فهو سني، وإن قال: غير المسمى، فهو معتزلي \" (^٢).\nوقبل ذكر رأي الإمام السمعاني في هذه المسألة، أُشير إلى بعض القضايا المهمة التي تُؤصل لهذه المسألة:\n١ - أن هذه المسألة فرع عن مسألة أخرى كبرى، تولى كبرها الجهمية والمعتزلة، وذلك حين شاع عنهم القول: بأن أسماء الله تعالى مخلوقة، وهؤلاء الذين كان العلماء يُغلظون القول فيهم، ويحذرون منهم، وكانوا يُطلقون على من يقول: الاسم غير المسمى زنديقًا؛ بناء على أن الأسماء مخلوقة، وأن الله لم يسم نفسه، ولم يتكلم بها حقيقة، وإنما خلقها في غيره، أو سماه بها بعض خلقه. (^٣)\n٢ - أن مرد هذه المسألة، إلى صفة الكلام لله جل وعلا، فبينهما ارتباط وثيق، يقول الإمام ابن تيمية: \" إن القول في أسماء الله، هو نوع من القول في كلام الله \" (^٤)، فمن أثبت صفة الكلام على حقيقتها، وأن الله جل وعلا يتكلم بحرف وصوت، ويتكلم كيف شاء، ومتى شاء، أثبت أن الله تعالى هو الذي سمَّى نفسه، وتكلم بها حقيقة، وأنها غير مخلوقة، وليست من وضع البشر.\nومن أنكر قيام الصفات بالله تعالى، وقال: إن كلامه مخلوق، خلقه خارجًا عن ذاته، وأنه خلقه في بعض الأجسام، وابتداؤه من ذلك الجسم لا من الله، كما هو قول الجهمية والمعتزلة، طرد مذهبه، وقال: إن أسماءه مخلوقة، لكن هم عبروا بأن الاسم غير المسمى من جهة احتمالها في اللغة؛ تلبيسًا على الناس، وإن كانوا يقصدون إلى ما ذكرناه، ولذلك كانت هذه اللفظة محتملة للحق والباطل.\n_________\n(^١) ابن تيمية: الفتوى الحموية الكبرى، دار الصميعي، ط ٢، ١٤٢٥ هـ (٤٥٠)\n(^٢) الشيرازي: جزء فيه امتحان السني من البدعي، دار الإمام مالك، أبو ظبي، (٥٤١)\n(^٣) ابن تيمية: مجموع الفتاوى: ٦/ ١٨٦\n(^٤) ابن تيمية: مجموع الفتاوى: ٦/ ١٨٦","vol":"1","page":314},{"text":"وأما الأشاعرة والكلابية الذين نزعوا إلى أن الكلام الإلهي، صورة لا حقيقة له؛ لأنهم قالوا بالكلام النفسي، وأنه قديم قائم بالنفس، لازم له غير متعلق بمشيئته وقدرته، واختلفت بعد ذلك ألفاظهم، فقالت الكلابية: أن الحروف والصوت حكاية له دالة عليه، وهي مخلوقة، وقالت الأشاعرة والماتريدية: هي صفة قديمة قدم الذات الإلهية، وأنه واحد لا يتجزأ ولا يتبعض، وأن الألفاظ عبارة عنه، وهي من المخلوقات، ولذا كان من نتاج هذا القول، أن الأسماء هي عين المسمى، ولذا وافقوا أهل السنة حين صرحوا، بأن الأسماء غير مخلوقة، ولكن لم يكن قصدهم هو مقصود أهل السنة فيما نزعوا إليه، بل كان مرادهم: أن الله بذاته غير مخلوق؛ لأن الاسم هو المسمى ذاته وعينه، هذا مما لا تنازع فيه الجهمية والمعتزلة، ثم أطلقوا القول بأن التسميات مخلوقة، والتسميات عندهم هي الأسماء، كالعليم، والعزيز، وبذلك وافقوا الجهمية والمعتزلة في المعنى. (^١)\n٣ - أن النزاع فيه هذه المسألة، اشتهر بعد الأئمة، بعد أحمد وغيره. وإنما الذي كان معروفًا عن أئمة السنة، الإنكار على الجهمية، الذين يقولون: أسماء الله مخلوقة، فنُقل عن الإمام أحمد، أنه قيل له: إن رجلًا قال: إن أسماء الله مخلوقة، والقرآن مخلوق، فقال: كفر بيِّن (^٢).\n_________\n(^١) ابن تيمية: مجموع الفتاوى: ٦/ ١٩٢\n(^٢) النشار والطالبي: عقائد السلف: منشأة المعارف، الاسكندرية، (١٠٤)","vol":"1","page":315},{"text":"وقال الإمام الشافعي: \" من حلف باسم من أسماء الله فحنث، فعليه الكفارة؛ لأن اسم الله غير مخلوق \" (^١)، وقول الجهمية ضلال، ووجهه ما يلي: قال تعالى: \" وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا \" (النساء ٣٦)، ومن أعظم الشرك أن يُقال: إن العبادة لاسمه، واسمه مخلوق، وقد أمر بالعبادة للمخلوق \" (^٢)، ولذا قال الإمام عثمان بن سعيد (^٣) في نقضه لمفتريات بشر المريسي (^٤)، \" ففي هذه الدعوى، استجهال الخالق، إذ كان بزعمه هملًا لا يُدرى ما اسمه، وماهو، وما صفته \" (^٥).\n٤ - مذهب أهل السنة عمومًا، مخالف لمذهب الجهمية والمعتزلة، وذلك أنهم يؤمنون بأن الله الذي سمى نفسه بأسمائه الحسنى، وتكلم بها حقيقة، وهي غير مخلوقة، وليست من وضع البشر \" (^٦). واستدلوا لذلك بأدلة، سردها اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (^٧)، منها:\n١ - قول النبي ﷺ: \" ما أصاب عبدًا قط هم ولا غم ولا حزن فقال: اللهم أني عبدك، وابن عبدك، وابن أمتك ... أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك ... \" (^٨)\n_________\n(^١) الذهبي: سير أعلام النبلاء: ٨/ ٢٤٢، السُّبكي: طبقات الشافعية الكبرى: ٣/ ٣٠٣\n(^٢) اللالكائي: شرح أصول اعتقاد أهل السنة: دار طيبة، السعودية، ط ٨، ١٤٢٣ هـ (٢/ ٢٣٠)\n(^٣) عثمان بن سعيد الدارمي، (٢٠٠ هـ - ت ٢٨٠ هـ)، محدث هراة، له تصانيف في الرد على الجهمية. الزركلي: الأعلام: ٤/ ٢٠٥\n(^٤) بشر المريسي، فقيه، معتزلي، عارف بالفلسفة، رُمي بالزندقة، قال برأي الجهمية، من أهل بغداد، توفي سنة ٢١٨ هـ. الزركلي: الأعلام: ٢/ ٥٥.\n(^٥) الدارمي: نقض الإمام عثمان بن سعيد على المريسي: مكتبة الرشد، ط ١،١٤١٨ هـ (١/ ١٥٩)\n(^٦) محمد التميمي: معتقد أهل السنة في أسماء الله تعالى: أضواء السلف، الرياض، ط ١، ١٤٢٩ هـ (٢٦٦).\n(^٧) اللالكائي: شرح أصول اعتقاد أهل السنة: ٢/ ٢٣٠، وأشار شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم لبعضها.\n(^٨) أخرجه أحمد في المسند، في مسند عبدالله بن مسعود، ح (٣٧١٢)، انظر: ابن القيم: شفاء العليل: ٢٧٦","vol":"1","page":316},{"text":"٢ - أن أسماء الله تعالى من كلامه، وكلامه تعالى غير مخلوق، فأسماؤه غير مخلوقة. (^١)\n٣ - أن الله تعالى يُسأل بهذه الأسماء، فلو كانت مخلوقة لم يجز أن يُسأل بها. (^٢)\n٤ - أن اليمين بهذه الأسماء منعقدة، ولو كانت الأسماء مخلوقة لما جاز الحلف بها؛ لأن الحلف بغير الله شرك. (^٣)\n٥ - أن أسماء الله تعالى مشتقة من صفاته، وصفاته قديمة به، فأسماؤها غير مخلوقة. (^٤)\n٦ - أن المذاهب المحكية في هذه المسألة كثيرة، وهي كالآتي:\nأ - أن الاسم للمسمى، وهذا قول أكثر أهل السنة، كما حكاه الإمام ابن تيمية. (^٥)\nب - أن الاسم من المسمى، نقله اللالكائي عن أبي بكر بن أبي داود السجستاني. (^٦)\nويقول الإمام ابن تيمية:\" كان في كلام الإمام أحمد، أن هذا الاسم من أسمائه الحسنى، وتارة يقول: الأسماء الحسنى له \". (^٧)\n\" والمقصود أن الله هو المسمِّي نفسه بأسمائه الحسنى، وأن لها معاني دالة عليها، وهو يريد بذلك الرد على المعتزلة، في زعمهم: أن الصفات لا تقوم بالذات، وأن الأسماء لا تدل على الصفات \" (^٨)\nج - أن الاسم هو المسمى، وهذا ما ذهب إليه الإمام السمعاني، وبعض أئمة أهل السنة، وهو ما سنناقشه.\nد - التوقف في المسألة نفيًا وإثباتًا. (^٩)\nهـ - أن الاسم غير المسمى، وهو قول الجهمية والمعتزلة، فهؤلاء غاية قولهم: إن الله سبحانه كان ولا اسم له، حتى خلق لنفسه اسمًا، أو حتى سماه خلقه بأسماء من صنعهم، وهذا من أعظم الضلالة، والإلحاد في أسماء الله تعالى. (^١٠)\n_________\n(^١) ابن تيمية: مجموع الفتاوى: ٦/ ١٨٦\n(^٢) ابن القيم: شفاء العليل: ٢٧٧\n(^٣) ابن تيمية: مجموع الفتاوى: ٦/ ١٩٠\n(^٤) ابن القيم: شفاء العليل: ٢٧٧\n(^٥) ابن تيمية: مجموع الفتاوى: ٦/ ١٨٦\n(^٦) اللالكائي: شرح أصول اعتقاد أهل السنة: ٢/ ٢١٢\n(^٧) ابن تيمية: مجموع الفتاوى: ٦/ ١٩٨\n(^٨) التميمي: معتقد أهل السنة في الأسماء الحسنى: ٢٨٨\n(^٩) ابن تيمية: مجموع الفتاوى: ٦/ ١٨٧\n(^١٠) ابن أبي العز: شرح العقيدة الطحاوية: ٨٢","vol":"1","page":317},{"text":"و- أن أسماء البارئ لا هي البارئ، ولا هي غيره، وهذا قول بعض الكلابية، وهو متفرع عن قولهم في الصفات، فابن كلاب كان يقول: إن أسماء الله وصفاته لذاته، لا هي الله، وهي غيره، وإنها قائمة بالله، ولا يجوز أن تقوم بالصفات صفات، وكان يقول: إن وجه الله لا هو الله، ولا هو غيره، وهو صفة له. (^١)\nز - ما نُقل عن الإمام أبي الحسن الأشعري: من أن الاسم قد يكون عين المسمى، نحو الله، فإنه اسم علم للذات، من غير اعتبار معنى فيه، وقد يكون غيره، نحو الخالق والرازق، مما يدل على نسبته إلى غيره، ولا شك أنها غيره، وقد يكون لا هو ولا غيره، كالعليم والقدير، مما يدل على صفة حقيقية. نقله عنه صاحب المواقف (^٢)، وقال الإمام ابن تيمية: \" وهو المشهور عن أبي الحسن \" (^٣)، ورد في كتاب الإبانة على من يقول بقول الجهمية، وذكر قول أهل الحق، فقال: \" وأن من زعم أن أسماء الله غيره كان ضالًا \" (^٤).\nوالذي يهمنا في هذا المقام، رأي الإمام السمعاني في هذه المسألة، وسبق أن أشرت إلى أن قوله فيها، موافق لقول بعض أهل السنة، في أن الاسم هو المسمى، يقول:\nـ \" وقوله: \" ذُو الْجَلَالِ \" ينصرف إلى الاسم، وقوله: \" ذِي الْجَلَالِ \" ينصرف إلى الرب، والاسم والمسماة واحد عند أهل السنة \" (^٥).\nـ \" وقوله: \" فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ \" (الحاقة ٥٢)، أي: نزه ربك العظيم، واذكره بأوصافه المحمودة اللائقة. وفيه دليل على أن الاسم هو المسمى، ولا فرق بينهما \" (^٦).\nـ \" وقوله تعالى: \" سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى \" (الأعلى ١)، وفي قراءة أبي: \" سبحان ربي الأعلى \". وقال الشاعر:\nإلى الحول ثم اسم السلام عليكم ... ومن يبك حولًا كاملًا فقد اعتذر\n_________\n(^١) الأشعري: مقالات الإسلاميين: ١/ ١٣٨ - ١٣٩، ٢/ ٣٩٩\n(^٢) الإيجي: المواقف: ٣/ ٣٠٢\n(^٣) ابن تيمية: مجموع الفتاوى: ٦/ ١٨٨\n(^٤) الأشعري: الإبانة: دار الأنصار، القاهرة، ط ١، ١٣٩٧ هـ، (٢٢)\n(^٥) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٣٤٠\n(^٦) السمعاني: تفسير القرآن: ٦/ ٤٣","vol":"1","page":318},{"text":"أي: ثم السلام عليكما \" (^١).\nوهذا هو خلاصة رأي السمعاني ﵀ في هذه المسألة، وقد نُسب هذا القول إلى جماعة من أهل العلم، يقول الإمام ابن تيمية: \" والذين قالوا: الاسم هو المسمى، كثير من المنتسبين إلى السنة، مثل: أبي بكر عبدالعزيز، وأبي القاسم الطبري، واللالكائي، وأبي محمد البغوي ... وهو أحد قولي أصحاب أبي الحسن الأشعري، اختاره أبو بكر بن فورك وغيره\" (^٢)، وهو قول أبي القاسم إسماعيل الأصبهاني (^٣)، وأبي نصر السجزي (^٤)، وقد حكى السجزي أن هذا هو منصوص بعض الأئمة، كالشافعي والأصمعي (^٥)، ولكن كلام هؤلاء الأئمة، هو رد وإنكار على الجهمية حين قالوا: إن أسماء الله مخلوقة، ولذا قال ابن تيمية: \" ولم يعرف أيضًا عن أحد من السلف، أنه قال: الاسم هو المسمى \" (^٦).\nوقد شنع ابن حزم عليهم هذا القول، ورده، وبيَّن ما يترتب عليه من المفاسد، غير أنه مال إلى قول الجهمية والمعتزلة، فقال: \" الاسم على المسمى، فيه شيء ثالث غير الاسم، وغير المسمى \" (^٧).\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ٦/ ٢٠٦\n(^٢) ابن تيمية: مجموع الفتاوى: ٦/ ١٨٨\n(^٣) الأصبهاني: الحجة في بيان المحجة: ٢/ ١٦٩\n(^٤) السجزي: رسالة السجزي إلى أهل زبيد: ٢٧٥\n(^٥) السجزي: رسالة السجزي إلى أهل زبيد: ٢٧٥\n(^٦) ابن تيمية: مجموع الفتاوى: ٦/ ١٨٧\n(^٧) ابن حزم: الفِصل في الملل والنحل: ٥/ ٢٢","vol":"1","page":319},{"text":"وهذا القول تعقبه كذلك الإمام ابن تيمية، وبيَّن منشأ الغلط فيه، فقال: \" لو اقتصروا على أن أسماء الشيء، إذا ذكرت في الكلام فالمراد المسميات، كما ذكروه في قوله: \" يا يحيى \" ونحو ذلك، لكان ذلك معنى واضحًا، لا ينازعه فيه من فهمه، لكن لم يقتصروا على ذلك؛ ولذا أنكر قولهم جمهور الناس من أهل السنة وغيرهم، لما في قولهم من الأمور الباطلة، مثل: دعواهم أن لفظ (اسم) الذي هو (ا س م)، معناه ذات الشيء ونفسه، وأن الأسماء التي هي الأسماء، مثل: زيد وعمرو، هي التسميات، ليست هي أسماء التسميات، وكلاهما باطل، مخالف لما يعلمه جميع الناس، من جميع الأمم ولما يقولونه. فإنهم يقولون: إن زيدًا وعمرًا ونحو ذلك، هي أسماء الناس، والتسمية: جعل الشيء اسمًا لغيره ... والاسم: هو القول الدال على المسمى، ليس الاسم الذي هو لفظ اسم هو المسمى، بل قد يُراد به المسمى؛ لأنه حكم عليه، ودليل عليه. وأيضًا: فهم تكلفوا هذا التكليف؛ ليقولوا: إن اسم الله غير مخلوق، ومرادهم أن الله غير مخلوق، وهذا مما لا تنازع فيه الجهمية والمعتزلة، فإن أولئك ما قالوا: الأسماء مخلوقة، إلا لما قال هؤلاء هي التسميات، فوافقوا الجهمية والمعتزلة في المعنى، ووافقوا أهل السنة في اللفظ \" (^١).\n_________\n(^١) ابن تيمية: مجموع الفتاوى: ٦/ ١٩٢","vol":"1","page":320},{"text":"ووضح الشيخ محمد رشيد رضا، منشأ الغلط كذلك فقال: \" ومنشأ الاشتباه عند بعضهم: أن الله تعالى، أمرنا بذكره وتسبيحه في آيات، وبذكر اسمه وتسبيح اسمه في آيات أخرى ... رأى بعضهم أن يجمع بين هذه الآيات بجعل الاسم عين المسمى ... وإنما يذكر اللسان اسم الله تعالى، كما يذكر من الأشياء أسماءها دون ذوات مسمياتها، فإذا قال: نار لا يقع جسم النار على لسانه فيحرقه، وإذا قال الظمآن ماء، لا يحصل مسمى هذا اللفظ فينقع غلته \" (^١)، وهذا الذي ذهب إليه يبيِّن أن الاسم غير المسمى بحسب الوضع اللغوي، وهو يقرر بعد ذلك منهج السلف في الإثبات. (^٢)\nوقد استدل السمعاني على صحة قوله بأن الاسم هو المسمى بثلاثة أدلة:\n١ - قوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى:١]، وفي قراءة أبي: \" سبحان ربي الأعلى \"، فهنا ذكر الاسم وأراد المسمى، فالاسم هو المسمى.\n٢ - قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٧٨]، فقال: (ذُو الْجَلَالِ): ينصرف إلى الاسم، و(ذِي الْجَلَالِ) ينصرف إلى الرب، فالاسم والمسماة واحد.\n٣ - قول الشاعر: (إلى الحول ثم اسم السلام عليكما ...) أي: ثم السلام عليكما. وهناك أدلة أخرى استدل بها أصحاب هذا القول، غير ما ذكره السمعاني، وليس هذا مجال ذكرها، ولكن يهمنا ما ذكره السمعاني، واستدل به.\nوقد تعقب الإمام ابن تيمية هذا الأدلة، ورد عليها، وبيَّن أنه خِلاف المقصود، بل هي حجة عليهم لا لهم. وأوجه التعقب ما يلي:\n١ - استدلاله بقول تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى:١]، وفي قراءة أبي: (سبحان ربي الأعلى):\n_________\n(^١) محمد رشيد رضا: تفسير المنار، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ١٩٩٠ م، (١/ ٣٥)\n(^٢) انظر: تامر محمد متولي: منهج الشيخ رشيد رضا في العقيدة: دار ماجد عسيري، ط ١، ١٤٢٥ هـ، (٣٤٦).","vol":"1","page":321},{"text":"فإن المقصود منها كما قال الإمام الطبري: \" معناه: نزه اسم ربك أن تدعو به الآلهة والأوثان، لما ذكرت الأخبار عن رسول الله ﷺ وعن الصحابة، أنهم كانوا إذا قرأوا ذلك، قالوا: سبحان ربي الأعلى، فبيَّن بذلك أن معناه كان عندهم معلومًا، عظم اسم ربك ونزهه \" (^١).\nومع ذلك فقد فُسِّرت الآية بأقوال أخرى، تنقض وجه استدلاله:\nأ - أن (الاسم) في الآية صلة زائدة، والمراد: سبح ربك، وإذا قيل به، بطل قوله، بأن مدلول لفظ الاسم (ا - س - م) هو المسمى؛ لأنه لو كان مدلولًا له، لم يكن صلة. ومن قال بأنه هو المسمى، وهو صلة، فقد تناقض؛ لأن من قال له صلة، لا يجعل له معنى.\nب - أن (الاسم) في الآية، ليس صلة، وإنما هو تسبيح الاسم نفسه، وهذا القول مناقض لقوله.\nوأما قراءة أبي بن كعب، فتدل على أن تسبيح الاسم هو تسبيح المسمى، لكن الذي يقول: سبحان الله، وسبحان ربنا، إنما نطق بالاسم، الذي هو (الله) والذي هو (ربنا)، فتسبيحه إنما وقع على الاسم، ولكن مراده هو المسمى، فهذا يُبيِّن أنه ينطق باسم المسمى، والمراد المسمى، لكن هذا لا يدل على أن لفظ اسم الذي هو (ا - س - م) يراد به المسمى، ولكن يدل على أن أسماء الله في نفسها ليست هي المسمى، لكن يُراد بها المسمى. (^٢)\n٢ - استدلاله بقوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٧٨]: يُرد عليه من جهتين:\nأ - أن \" تبارك \" تفاعل من البركة، والمعنى أن البركة تُكتسب وتُنال بذكر اسمه، فلو كان لفظ الاسم، معناه المسمى، لكان يكفي قوله \" تبارك ربك \"، فإن نفس الاسم عندهم هو نفس الرب، فكان هذا تكريرًا.\n_________\n(^١) الطبري: جامع البيان: ٢٤/ ٣٦٨\n(^٢) ابن تيمية: مجموع الفتاوى: ٦/ ١٩٣","vol":"1","page":322},{"text":"ب - قول من قال: إن ذكر الاسم هنا صلة، والمراد: تبارك ربك، وليس المراد الإخبار عن اسمه بأنه تبارك، فهذا غلط؛ فإنه على هذا يكون قول المصلي: \" تبارك اسمك \" أي: تباركت أنت، ونفس أسماء الرب لا بركة فيها. ومعلوم أن نفس أسمائه مباركة، وبركتها من جهة دلالتها على المسمى، ولهذا فَرَّقت الشريعة، بين ما يُذكر اسم الله عليه، مالا يُذكر اسم الله عليه. (^١)\n٣ - استدلاله ببيت من الشعر: (إلى الحول ثم اسم السلام عليكما ...)، وأنه أراد باسم السلام، نفس السلام، فصار الاسم هو المسمى، فيقال: ما ذُكر من قول لبيد مراده: ثم النطق بهذا الاسم وذكره، وهو التسليم المقصود، وكأنه قال: ثم سلام عليكم، ليس مراده أن السلام يحصل عليهما، بدون أن ينطق به، ويذكر اسمه، فإن اسم السلام قول، فإن لم ينطق به ناطق ويذكره لم يحصل. (^٢)\n_________\n(^١) ابن تيمية: مجموع الفتاوى: ٦/ ٢٠٢\n(^٢) ابن تيمية: مجموع الفتاوى: ٦/ ٢٠٢، وانظر التميمي: معتقد أهل السنة في أسماء الله الحسنى: ٢٩٤، وما بعده.","vol":"1","page":323},{"text":"والراجح في هذه المسألة - والعلم عند الله تعالى - هو قول من قال: إن الاسم للمسمى، مع ملاحظة ما أشرنا إليه من أن هذه مسألة حادثة، لولا وجود المخالف، لما خاض فيها العلماء (^١). وهذا القول هو الأوفق والألصق بالنصوص: يقول الإمام ابن تيمية:\"وأما الذين يقولون: إن الاسم للمسمى، كما يقوله أكثر أهل السنة، فهؤلاء وافقوا الكتاب والسنة، والمعقول، قال الله تعالى: \" وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى\" (^٢). وقال النبي ﷺ: (إن لي أسماء: أنا محمد، وأحمد، والماحي، والعاقب والحاشر) (^٣) \" (^٤)\nفهذا القول يقف مع النصوص، والمراد من قولهم: الاسم للمسمى، أن الاسم دال عليه، فيكون للمسمى نصيب من معنى اسمه، وقد لا يكون، أما أسماء الله تعالى، فكلها دالة على مدلولها مطابقة تامة، في أكمل صورها، وأتمها، وأحسنها.\n_________\n(^١) ولذا كان يشق على الإمام أحمد، ويعظم عليه الكلام في هذه المسألة ابتداء؛ لأنها حادثة. أبو يعلى: طبقات الحنابلة، مطبعة السنة المحمدية، مصر، (٢/ ٢٧٠)، ولذا قال الإمام الغزالي عن هذه المسألة:\" الخلاف الطويل الذيل، القليل النيل \"، المقصد الأسنى، الجابي، قبرص، ط ١، ١٤٠٧ هـ (٣١)، وقد تعقبه السُهيلي فقال بعد ذكر عبارته: \" وليس الأمر عندي كما ذكر، بل فيها كثير لمن نظر واستبصر \" انظر: نتائج الفكر في النحو: دار الكتب العلمية، بيروت، ط ١، ١٤١٢ هـ (٢٩)، وقال الزركشي: \" ظن كثير من الناس: أن الخلاف في مسألة الاسم هل هو المسمى أو غيره، أنه لفظي لا يترتب عليه فائدة، والأمر ليس على هذا الظن \" معنى لا إله إلا الله: ١٣٧\n(^٢) أخرجه البخاري في صحيحه، باب ما يجوز من الاشتراط، ح (٢٧٣٦)، وأخرجه مسلم في صحيحه، باب في أسماء الله تعالى، ح (٢٦٧٧).\n(^٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الفضائل، باب: في أسمائه، ح (٢٣٥٤)\n(^٤) ابن تيمية: مجموع الفتاوى: ٦/ ٢٠٧","vol":"1","page":324},{"text":"واختلفت التعبيرات لهذا القول، فبعضهم يقول: الاسم للمسمى، وقال بعضهم. هو صفة للمسمى، وقال بعضهم: علم للمسمى، والجميع واحد (^١). ولذا أضاف الله تعالى الأسماء إليه بلام الاستحقاق، فقال: \" وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى\"، والشيء لا يضاف إلى نفسه (^٢). فالاسم للمسمى معلوم بأنه دليل وعلم عليه، لكن لا يُطلق القول بأن الاسم هو عين المسمى أو غيره، وإنما يستفصل منه، وهذا هو منشأ الخطأ والغلط، يقول ابن القيم: \" منشأ الغلط في هذا الباب، من اطلاق ألفاظ مجملة، محتملة لمعنيين، صحيح وباطل، فلا ينفصل النزاع إلا بتفصيل تلك المعاني، وتنزيل ألفاظها عليها \" (^٣)، فإذا قيل: أهو المسمى أم غيره فصلوا، فيقال:\"الاسم يراد به المسمى تارة، ويراد به اللفظ الدال عليه تارة أخرى، فإذا قلت: قال الله كذا، أو سمع الله لمن حمده، ونحو ذلك، فهذا المراد به المسمى نفسه، وإذا قلت: الله، اسم عربي، والرحمن، اسم عربي، والرحمن من أسماء الله تعالى، ونحو ذلك، فالاسم هنا للمسمى، ولا يُقال غيره، لما في لفظ الغير من الإجمال، فإذا أريد بالمغايرة، أن اللفظ غير المعنى فحق، وإن أريد أن الله سبحانه، كان ولا اسم له، حتى خلق لنفسه أسماء، أو حتى سماه خلقه بأسماء من صنعهم، فهذا من أعظم الضلال، والإلحاد في أسماء الله تعالى \" (^٤)، وكذا لما كان قول بعضهم: الاسم هو المسمى، يحتمل حقًا وباطلًا، كان لابُدَّ من الاستفصال، فإن أراد بالاسم الذات، وأراد أن ألفاظ أسماء الله مخلوقة، فهذا معنى باطل، وإن أراد أن الاسم غير المسمى، بمعنى الاسم لا ينفك عن المسمى، ولم يقل بخلق أسماء الله، فهو كلام حق.\n_________\n(^١) يحيى العمراني: الانتصار في الرد على المعتزلة القدرية الأشرار: أضواء السلف، الرياض، ط ١، ١٤١٩ هـ، (٢/ ٦٠٣)\n(^٢) يحيى العمراني: الانتصار في الرد على المعتزلة القدرية الأشرار: ٢/ ٦٠٤\n(^٣) ابن القيم: بدائع الفوائد: ١٧\n(^٤) ابن أبي العز: شرح الطحاوية: ١٣١، ابن تيمية: مجموع الفتاوى: ٦/ ٢٠٧، ابن القيم: بدائع الفوائد: ١/ ١٧","vol":"1","page":325},{"text":"والحاصل: أن قول القائل: إن الاسم عين المسمى أو غير المسمى، إن صدر من إمام من أئمة السنة، فيُحمل قوله على المعنى الحق، وإن جرى على لسان إمام من أئمة أهل الكلام، فيُحمل على المعنى الباطل. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-100>المطلب الثاني: منهج السلف (^٢) في باب الأسماء والصفات:</span>\nالمراد بالسلف هم أصحاب القرون الفاضلة: الصحابة والتابعون وأتباعهم. والسلفيون هم أتباعهم على منهجهم وطريقتهم من جهة التقرير للعقائد والاستدلال لها، وبهذا لا يدخل في هذا المصطلح أرباب الطوائف كالمعتزلة والأشاعرة ونحوهم. وذكر الإمام السمعاني جملة من قواعد المنهج السلفي، في التعامل مع نصوص الأسماء والصفات، وقبل ذكر هذه القواعد، أُشير إلى ما حكاه الأئمة من الإجماع على قواعد ومسائل الصفات، وأقوالهم:\n_________\n(^١) محمد الخميس: اعتقاد أهل السعة شرح أصحاب الحديث: وزارة الشؤون الإسلامية، السعودية، ط ١، ١٤١٩ هـ (١١١)\n(^٢) - المراد بالسلف هم أصحاب القرون الفاضلة: الصحابة والتابعون وأتباعهم، والسلفيون هم أتباعهم على منهجهم وطريقتهم من جهة التقرير للعقائد والاستدلال لها، وبهذا لا يدخل في هذا المصطلح أرباب الطوائف كالمعتزلة والأشاعرة ونحوهم.","vol":"1","page":326},{"text":"يقول الإمام عبدالغني المقدسي (^١): \" اعلم وفقنا الله وإياك ... أن صالح السلف، وخيار الخلف، وسادة الأئمة، وعلماء الأمة، اتقفت أقوالهم، وتطابقت آراؤهم، على الإيمان بالله ﷿، وأنه أحد، فرد، صمد، حي قيوم، سميع بصير، لا شريك له، ولا وزير، ولا شبيه له، ولا نظير، ولا عدل له، ولا مثل. وأنه ﷿ موصوف بصفاته القديمة التي نطق بها كتابه العزيز ... وصح بها النقل من نبيه وخيرته من خلقه، محمد سيد البشر ﷺ \" (^٢). ويقول ابن أبي يعلى (^٣) عن الصفات: \" وإن أمرها كما جاءت، من غير تأويل، ولا تفسير، ولا تجسيم، ولا تشبيه، كما فعلت الصحابة والتابعون، فهو الواجب عليه \" (^٤).ويقول القصري: \" الأسماء والصفات، فهي شعبة ثانية من الإيمان، لا بُدَّ من التصديق بها، ومن لم يصدق بالصفات، فقد كذب بالقرآن، والسنة وإجماع أهل السنة، وكذب العقل ... وأهل السنة والحديث نقلوا إلينا أخبار الصفات، ونطقوا بالصفات، فلو كذبناهم فيما نقلوا من ذلك، ونطقوا به، وجب تكذبيهم في كل ما نقلوا من الشريعة، وكان ذلك هدمًا للإسلام \" (^٥).\n_________\n(^١) عبدالغني بن عبدالواحد المقدسي، (٥٤١ هـ - ت ٦٠٠ هـ)،حافظ للحديث، من العلماء برجاله، امتحن مرات، وتوفي بمصر. من مؤلفاته: الكمال في أسماء الرجال، وعمدة الأحكام. الزركلي: الأعلام: ٤/ ٣٤\n(^٢) عبدالغني المقدسي: الاقتصاد في الاعتقاد: مكتبة العلوم والحكم، المدينة المنورة، ط ١، ١٤١٤ هـ (٧٨)\n(^٣) ابن أبي يعلى: محمد بن محمد (٤٥١ هـ - ت ٥٢٦ هـ)، مؤرخ، من فقهاء الحنابلة، ولد ببغداد، ومات فيها قتيلًا، اغتاله بعض من كان يخدمه طمعًا بماله. من كتبه: طبقات الحنابلة، والاعتقاد. الزركلي: الأعلام: ٧/ ٢٢\n(^٤) ابن أبي يعلى: الاعتقاد: دار أطلس الخضراء، ط ١، ١٤٢٣ هـ (٣١)\n(^٥) القصري: شعب الإيمان: ٢٧٥","vol":"1","page":327},{"text":"ويقول الإمام ابن عبدالبر: \" وأهل السنة مجموعون، على الإقرار بالصفات الواردة كلها في القرآن والسنة، والإيمان بها، وحملها على الحقيقة، ولا على المجاز، إلا أنهم لا يكيفون شيئًا من ذلك، ولا يحدون فيه صفة محصورة \" (^١).\nونقل الإمام ابن تيمية عن الإمام ابن خفيف قوله: \" فاتفقت أقوال المهاجرين والأنصار، في توحيد الله ﷿، ومعرفة أسمائه وصفاته، وقضائه، قولًا واحدًا، وشرعًا ظاهرًا ... فكانت كلمة الصحابة على اتفاق من غير اختلاف، وهم الذين أمرنا بالأخذ عنهم، إذا لم يختلفوا - بحمد الله تعالى - في أحكام التوحيد وأصول الدين، من الأسماء والصفات، كما اختلفوا في الفروع \" (^٢).\nـ ويقول الإمام ابن تيمية: \" وجماع القول في إثبات الصفات، هو القول بما كان عليه سلف الأمة وأئمتها، وهو أن يوصف الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله، ويُصان ذلك عن التحريف، والتمثيل، والتكييف، والتعطيل؛ فإن الله ليس كمثله شيء، لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله \" (^٣).\nـ ويقول الشيخ الشنقيطي: \" اعلموا أن مبحث آيات الصفات، دَلَّ عليه القرآن العظيم، أنه يتركز على ثلاثة أسس، ما جاء بها كلها فقد وافق الصواب، وكان على الاعتقاد الذي كان عليه النبي ﷺ، وأصحابه، والسلف الصالح، ومن أخلَّ بواحد من تلك الأسس الثلاثة، فقد ضل، ولك هذه الأسس الثلاثة يدل عليها القرآن العظيم:\n١ - أحد هذه الأسس الثلاثة هو: تنزيه الله جل وعلا، عن أن يشبه شيء من صفاته، شيئًا من صفات المخلوقين، وهذا الأصل يدل عليه قوله تعالى: \" لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ\" (الشورى ١١).\n٢ - الثاني من هذه الأسس: هو الإيمان بما وصف الله به نفسه؛ لأنه لا يصف الله، أعلم بالله من الله \" ءَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ\"، والإيمان بما وصفه به رسوله ﷺ؛ لأنه لا يوصف الله بعد الله، أعلم بالله من رسول الله ﷺ.\n_________\n(^١) ابن عبدالبر: التمهيد: ٧/ ١٤٥\n(^٢) ابن تيمية: الفتوى الحموية الكبرى: ٤٠٣\n(^٣) ابن تيمية: مجموع الفتاوى: ٦/ ٥١٥","vol":"1","page":328},{"text":"٣ - قطع الطمع عن إدراك حقيقة الكيفية؛ لأن إدراك حقيقة الكيفية مستحيل \" (^١).\nـ ويقول ابن تيمية: \" روى أبو بكر البيهقي في (الأسماء والصفات)، بإسناد صحيح عن الأوزاعي قال: كنا والتابعون متوافرون؛ نقول: إن الله - تعالى ذكره - فوق عرشه، ونؤمن بما وردت فيه السنة من صفاته ... وروى أبو بكر الخلال في كتاب السنة عن الأوزاعي قال: سُئل مكحول والزهري عن تفسير الأحاديث، فقالا: أمروها كما جاءت، وروى أيضًا عن الوليد بن مسلم قال: سألت مالك بن أنس، وسفيان الثوري، والليث بن سعد، والأوزاعي، عن الأخبار التي جاءت في الصفات، فقالوا: أمروها كما جاءت، وفي رواية: فقالوا: أمروها كما جاءت بلا كيف. فقولهم - ضي الله عنهم - \" أمروها كما جاءت \"، رد على المعطلة، وقولهم \" بلا كيف، رد على الممثلة \" (^٢).\nوهذه أقوال الأكابر من أهل العلم، في بيان المنهج الحق فيه هذا الباب:\n١ - الإمام أبو حنيفة: يقول:\nـ \" لا يوصف الله تعالى بصفات المخلوقين، وغضبه ورضاه، صفتان من صفاته بلا كيف، وهو قول أهل أهل السنة والجماعة، وهو يغضب ويرضى، ولا يُقال: غضبه عقوبته، ورضاه ثوابه، ونصفه كما وصف نفسه، أحد، صمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد، حي، قادر، سميع، بصير، عالم، يد الله فوق أيديهم، ليست كأيدي خلقه، ووجهه ليس كوجوه خلقه \" (^٣).\n_________\n(^١) الشنقيطي: الأسماء والصفات نقلًا وعقلًا: مجلة الجامعة الإسلامية، المدينة المنورة، عدد ٤، ربيع الثاني ١٣٩٣ هـ (٨ - ٢٧). وقد ذكر الإمام ابن القيم جملة من القواعد المتعلقة بهذا الباب في كتابه بدائع الفوائد: ١/ ١٦١ وما بعده.\n(^٢) ابن تيمية: مجموع الفتاوى: ٥/ ٣٩\n(^٣) أبو حنيفة: الفقه الأكبر: مكتبة الفرقان: الإمارات العربية، ط ١، ١٤١٩ هـ، (١٥٩)، مطبوع مع الشرح الميسر على الفقهين الأبسط والأكبر، المنسوبين لأبي حنيفة، تأليف: محمد الخميس.","vol":"1","page":329},{"text":"ـ \" وله يد، ووجه، ونفس، كما ذكره الله تعالى في القرآن، فما ذكره الله تعالى في القرآن، من ذكر الوجه، واليد، والنفس، فهو له صفات بلا كيف، ولا يُقال: إن يده قدرته، أو نعمته؛ لأن فيه إبطال الصفة، وهو قول أهل القدر والاعتزال \" (^١).\nـ \" ولا يشبه شيئًا من الأشياء من خلقه، ولا يشبهه شيء من خلقه، لم يزل ولا يزال بأسمائه وصفاته \" (^٢).\nـ \" وصفاته الذاتية والفعلية، أما الذاتية فالحياة، والقدرة، والعلم، والكلام، والسمع، والبصر، والإرادة، وأما الفعلية، التخليق، والترزيق، والإنشاء، والإبداع، والصنع، وغير ذلك من صفات الفعل، لم يزل ولا يزال بأسمائه وصفاته \" (^٣).\nـ \" والله تعالى يدعى من أعلى لا من أسفل؛ لأن الأسفل ليس من وصف الربوبية والألوهية في شيء \" (^٤).\n٢ - الإمام مالك بن أنس: يقول:\nـ \" جاءه رجل فقال: يا أبا عبدالله، الرحمن على العرش استوى، كيف استوى؟ فما وجد مالك من شيء ما وجد من مسألته، فنظر إلى الأرض، وجعل ينكت بعود في يده، حتى علاه الرحضاء، ثم رفع رأسه، ورمى العود وقال: الكيف منه غير معقول، والاستواء منه غير مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وأظنك صاحب بدعة، وأمر به فأخرج \" (^٥).\nـ \" الله في السماء، وعلمه في كل مكان، لا يخلو منه مكان \" (^٦).\n٣ - الإمام الشافعي: يقول:\nـ \" القول في السنة التي أنا عليها، ورأيت أصحابنا عليها أهل الحديث، الذين رأيتهم، وأخذت عنهم، مثل: سفيان، ومالك، وغيرهما، الإقرار بشهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمد رسول الله، وأن الله تعالى على عرشه في سمائه، يقرب من خلقه كيف شاء، وأن الله تعالى ينزل إلى سماء الدنيا كيف شاء \" (^٧).\n_________\n(^١) أبو حنيفة: الفقه الأكبر:٢٧\n(^٢) أبو حنيفة: الفقه الأكبر: ١٤\n(^٣) أبو حنيفة: الفقه الأكبر: ١٤\n(^٤) أبو حنيفة: الفقه الأبسط: ١٣٥\n(^٥) ابن عبدالبر: التمهيد: ٧/ ١٣٨ - ١٥١\n(^٦) ابن عبدالبر: التمهيد: ٧/ ١٣٨\n(^٧) ابن القيم: اجتماع الجيوش الإسلامية: ٢/ ١٦٥، وانظر: ابن تيمية: مجموع الفتاوى: ٤/ ١٨١ - ١٨٣","vol":"1","page":330},{"text":"ـ \" إذا سمعت الرجل يقول: الاسم غير المسمى، أو الشيء غير الشيء، فاشهد عليه بالزندقة \" (^١).\nـ \" الحمد لله ... الذي هو كما وصف به نفسه، وفوق ما يصفه به خلقه \" (^٢).\nـ \" نثبت هذه الصفات التي جاء بها القرآن، ووردت بها السنة، وننفي التشبيه عنه، كما نفى عن نفسه فقا ل: \" لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ\" (الشورى ١١) \" (^٣).\n٤ - الإمام أحمد بن حنبل: يقول:\nـ \" لم يزل الله ﷿ متكلمًا، والقرآن كلام الله ﷿ غير مخلوق، وعلى كل جهة، ولا يوصف الله بشيء أكثر مما وصف به نفسه ﷿ \" (^٤).\nـ \" وسُئل عن الأحاديث التي تردها الجهمية في الصفات، والرؤية، والإسراء، وقصة العرش، فصححها، وقال: تلقتها الأمة بالقبول، تمر الأخبار كما جاءت \" (^٥).\nـ \" نحن نؤمن بأن الله على العرش كيف شاء، وكما شاء، بلا حد، ولا صفة يبلغها واصف، أو يحده أحد، فصفات الله منه وله، وهو كما وصف نفسه، لا تدركه الأبصار \" (^٦).\nهذه نقول لأعلام الأمة، في هذا النوع من التوحيد، وكان هذا معلومًا عند أهل العلم من الطوائف، \" أن مذهب السلف: إمرار آيات الصفات، وأحاديثها كما جاءت، من غير تأويل، ولا تحريف، ولا تشبيه، ولا تكييف، فإن الكلام في الصفات، فرع على الكلام في الذات المقدسة، وقد عَلِم المسلمون، أن ذات الباري موجودة حقيقة، لا مثل لها، وكذلك صفاته تعالى موجودة، لا مثل لها \" (^٧).\n_________\n(^١) ابن تيمية: مجموع الفتاوى: ٦/ ١٨٧\n(^٢) الشافعي: الرسالة: مكتبة الحلبي، مصر، ط ١، ١٣٥٨ هـ (٨)\n(^٣) الذهبي: سير أعلام النبلاء: ٨/ ٢٧٠ - ١٥/ ١٢٣\n(^٤) حنبل بن إسحاق: المحنة: ٦٨\n(^٥) ابن أبي يعلى: طبقات الحنابلة: دار المعرفة، بيروت، (١/ ٥٦)\n(^٦) ابن تيمية: درء تعارض العقل والنقل: ٢/ ٣٠\n(^٧) الذهبي: سير أعلام النبلاء: ٧/ ٣٨٠","vol":"1","page":331},{"text":"ولذا يقول نعيم بن حماد: \" من شبه الله بخلقه كفر، ومن أنكر ما وصف به نفسه فقد كفر، وليس فيما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيه \"، يقول الذهبي معلقًا عليه: \" قلت: هذا الكلام حق، نعوذ بالله من التشبيه، ومن إنكار أحاديث الصفات، فما ينكر الثابت منها من فَقُهَ، وإنما بعد الإيمان بها هنا مقامان مذمومان:\nالمقام الأول: تأويلها وصرفها عن موضوع الخطاب، فما أولها السلف، ولا حرفوا ألفاظها عن موضعها، بل آمنوا بها، وأمروها كما جاءت.\nالمقام الثاني: المبالغة في إثباتها، وتصورها من جنس صفات البشر، وتشكلها في الذهن، فهذا جهل وضلال، وإنما الصفة تابعة للموصوف، فإذا كان الموصوف ﷿ لم نره، ولا أخبرنا أحد أنه عاينه، مع قوله لنا في تنزيله: \" لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ \" (الشورى ١١)، فكيف بقي لأذهاننا مجال، في إثبات كيفية البارئ، تعالى الله عن ذلك، فكذلك صفاته المقدسة نقر بها، ونعتقد أنه حق، ولا نمثلها أصلًا، ولا نتشكلها \" (^١). فالواجب في هذا الباب: الإقرار والإمرار، يقول الذهبي: \" سُئل الأديب أبو المظفر عن أحاديث الصفات، فقال: تُقر وتُمر \" (^٢)، ونقل عن الخطيب البغدادي قوله: \" أما الكلام في الصفات، فإن ما رُوي منها في السنن الصحاح، مذهب السلف إثباتها، وإجراؤها على ظواهرها، ونفي الكيفية والتشبيه عنها \" (^٣).\nومن هنا نعلم أن السلف كانوا ينهون عن الخصومة والجدال في الدين، والسير على منهج أهل الكلام، ومن ألطف ما نُقل في هذا الباب، ما قاله القاضي أبو يوسف: \" العلم بالخصومة والكلام، جهلٌ، والجهل بالخصومة والكلام، علم \"، يقول الذهبي معلقًا: \" قلت: مثاله شبهٌ وإشكالات من نتائج أفكار أهل الكلام، تُورَدُ في الجدال على آيات الصفات وأحاديثها، فيكفِّر هذا هذا، وينشأ الاعتزال، والتجهم، والتجسيم، وكل بلاء، نسأل الله العافية \" (^٤).\n_________\n(^١) الذهبي: سير أعلام النبلاء: ٩/ ٢٧\n(^٢) الذهبي: سير أعلام النبلاء: ١٤/ ٢٤٥\n(^٣) الذهبي: سير أعلام النبلاء: ١٣/ ٤٢٥\n(^٤) الذهبي: سير أعلام النبلاء: ٧/ ٤٧١","vol":"1","page":332},{"text":"وقد رد عليهم الإمام السمعاني فقال: \" والأصل الذي يُؤسسه المتكلمون، والطرائق التي يجعلونها قاعدة علومهم، مسألة العرض والجوهر وإثباتهما، وأنهم قالوا: إن الأشياء لا تخلو من ثلاثة أوجه: إما أن يكون جسمًا، أو عرضًا، أو جوهرًا. فالجسم: ما اجتمع من الافتراق، والجوهر: ما احتمل لأعراض، والعرض: ما لا يقوم بنفسه، وإنما يقوم بغيره، وجعلوا الروح من الأعراض، وردوا أخبار رسول الله ﷺ في خلق الروح قبل الجسد؛ لأنه لم يوافق نظرهم وأصولهم ... ولهذا قال بعض السلف: إن أهل الكلام أعداء الدين؛ لأن اعتمادهم على حدسهم وظنوهم، وما يُؤدي إليه نظرهم وفكرهم، ثم يعرضون عليه الأحاديث، فما وافقه قبلوه، وما خالفه ردوه \" (^١).\nولذا يجب أن تُجرى الصفات على حقيقتها، وهو مذهب السلف، يقول القصَّاب: \" كل صفة وصف الله بها نفسه، أو وصفه بها رسوله، فليست صفة مجاز، ولو كانت صفة مجاز لتحتم تأويلها، ولقيل: معنى البصر كذا، ومعنى السمع كذا، ولفسِّرت بغير السابق إلى الأفهام، فلما كان مذهب السلف: إقرارها بلا تأويل، عُلِم أنها غير محمولة على المجاز، وإنما هي حق بيِّن \" (^٢).\n_________\n(^١) الأصبهاني: الحجة في بيان المحجة: ٢/ ١٤٨\n(^٢) الذهبي: سير أعلام النبلاء: ١٢/ ٢٦٤","vol":"1","page":333},{"text":"وأهل السنة وسط في هذا الباب، يقول الإمام ابن تيمية: \" وهم وسط في باب صفات الله ﷾، بين أهل التعطيل الجهمية، وبين أهل التمثيل المشبهة \" (^١)، وبيان ذلك بقوله في موطن آخر: \" وسط بين أهل التعطيل الذين يُلحدون في أسماء الله وآياته، ويعطلون حقائق ما نعت الله به نفسه، حتى يشبهوه بالعدم والموات، وبين أهل التمثيل الذين يضربون له الأمثال، ويشبهونه بالمخلوقات \" (^٢) إذ أهل السنة \" يصفون الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه بن رسله، من غير تعطيل، ولا تمثيل، إثباتًا لصفات الكمال، وتنزيهًا له عن أن يكون له فيها أندادًا، وأمثال، إثبات بلا تمثيل، وتنزيه بلا تعطيل \" (^٣).\nوقد أبان الإمام السمعاني، عن بعض ملامح المنهج السلفي وقواعده في هذا الباب، وهو موافق لمذهب السلف الصالح، ومن هذه القواعد:\n١ - أهل السنة لا يكيفون صفات الله تعالى، يقول السمعاني: \" وهو كما وصف به نفسه من غير تكييف \" (^٤)، وقد سار السمعاني على هذا في تفسيره لآيات الصفات ومن ذلك قوله:\nـ في صفة الكلام لله تعالى: \" وهذا مذهب أهل السنة، أنه سمع كلام الله حقيقة، بلا كيف \" (^٥)، وقال: \" قال الزجاج والنحاس وغيرهما: كلم الله موسى عند الشجرة بلا كيف \" (^٦).\nـ وفي صفة اليد لله تعالى: \" وأما اليد: صفة لله تعالى بلا كيف، وله يدان \" (^٧).\nـ وفي صفة الوجه لله تعالى: \" والوجه: صفة لله تعالى بلا كيف، وجه لا كالوجوه \" (^٨).\nـ وفي صفة الاستواء لله تعالى: \" وأما أهل السنة فيتبرؤون من هذا التأويل، ويقولون: إن الاستواء على العرش صفة لله تعالى، بلا كيف \" (^٩).\n_________\n(^١) ابن تيمية: العقيدة الواسطية: أضواء السلف، الرياض، ط ٢، ١٤٢٠ هـ، (٨٢).\n(^٢) ابن تيمية: الصفدية: ١/ ٧١\n(^٣) ابن تيمية: الجواب الصحيح: ١/ ٧١\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ١٧٧\n(^٥) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٥٠٣\n(^٦) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ١٣٧\n(^٧) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٥١\n(^٨) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ١٠٨\n(^٩) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ١٨٨","vol":"1","page":334},{"text":"ـ وفي صفة النزول لله تعالى: \" وهو نزول يوم القيامة لفصل القضاء بلا كيف \" (^١).\nوقال: \" وفي تفسير النقاش: انشقت لنزول الرب عز اسمه، وهو بلا كيف \" (^٢).\nـ وفي صفة المعية: \" وقال الحسن: هو معكم بلا كيف \" (^٣). وقد نقل الإمام الأشعري الإجماع على ما أشار إليه السمعاني، فقال: \" وأجمعوا على وصف الله تعالى بجميع ما وصف به نفسه، ووصفه به نبيه ﷺ من غير اعتراض فيه، ولا تكييف له، وأن الإيمان به واجب، وترك التكييف له لازم \" (^٤).\n٢ - أن أهل السنة لا يمثلون صفات الله تعالى بخلقه، يقول تعالى: \" لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ \" (الشورى ١١)، وقال تعالى: \" وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤) \" (الصمد ٤)، يقول السمعاني: \" لم يكن له شبيه ولا عدل، وليس كمثله شيء \" (^٥).\nوذكر السمعاني خلاف النحويين في معنى الكاف وتقديرها في قوله تعالى: \" لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ \" (الشورى ١١):\n\n١ - أنها زائدة (^٦)، ومعناه: ليس مثله شيء.\n٢ - أنها لغة تهامة يقولون: أنا كمثلك أو أنت كمثلي، أي: أنت مثلي، وأنا مثلك.\n٣ - قال ثعلب: ليس كهو شيء، وهو الذي فسَّره به في موطن آخر. (^٧)\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ٦/ ٨٣\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٦/ ١٨٦\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٣٦٥\n(^٤) الأشعري: رسالة إلى أهل الثغر: ١٣٣\n(^٥) السمعاني: تفسير القرآن: ٦/ ٣٠٣\n(^٦) أكثر النحويين على أنها زائدة للتوكيد، وتقديرها \" ليس شيء مثله \". وقال بعضهم: الكاف غير زائدة، وإنما (مثل) زائدة، زيدت لتفصل الكاف من الضمير، ونوقش: بأن زيادة الحرف أولى من زيادة الاسم. وقيل الكاف ومثل، لا زائد منهما، واختلفوا، فقيل: (مثل) بمعنى الذات، والمعنى: ليس كذاته شيء، وقيل: بمعنى الصفة، والمعنى ليس كصفته شيء. انظر: خالد الأزهري: شرح التصريح على التوضيح: دار الكتب العلمية - بيروت، ط ١، ١٤٢١ هـ (١/ ٦٥٥)\n(^٧) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ١٤٥","vol":"1","page":335},{"text":"٤ - وقال أهل المعاني: ولا يستقيم قول من يقول: \" لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ \"، أي: ليس كمثل مثله مثل؛ لأن في هذا إثبات المثل، والله تعالى لا يوصف بالمثل، جل وتعالى عن ذلك. (^١)\nوفُسِّر المثل الأعلى في قوله تعالى: \" وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى \" (الروم ٢٧)، بالصفة الأعلى، والصفة الأعلى: أنه لاشريك له، وليس كمثله شيء. (^٢) وقد نقل الأشعري الإجماع على ما ذكره السمعاني فقال: \" وأجمعوا على أنه ﷿، غير مشبه لشيء من العالم، وقد نبه الله ﷿ على ذلك بقوله: \" لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ \" (^٣).\n٣ - أن تفسير ما وصف الله تعالى به نفسه، قراءته، وقد نقل السمعاني هذا عن سفيان بن عيينه، فقال: \" كل وصف الله به نفسه في الكتاب، فتفسيره قراءته لا تفسير له غيره \" (^٤)، ولذا قال ﵀ في صفة الوجه لله تعالى: \" وهو صفة الله تعالى، وتفسيره قراءته، والإيمان به \" \" والأولى في الأيدي أن يؤمن بها ولا تفسر \" (^٥).\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٦٦\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٢٠٧\n(^٣) الأشعري: رسالة إلى أهل الثغر: ١١٩\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ١٦٤ - ٤٨٠\n(^٥) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ١٢٩ - ٤/ ٣٨٧","vol":"1","page":336},{"text":"وهذا المقصود به، إبقاء هذه النصوص على ظاهرها المراد، دون الخوض فيها بما يحيلها عن معانيها المرادة لله تعالى، بتحريفها أو تكييفها. وليس المقصود قراءتها دون فهم معانيها، فهذا قطعًا غير مراد، يدل عليه: تفسير السمعاني، وغيره من أئمة السلف لنصوص الأسماء والصفات، بمعنى أنهم يبينون معناها، ويكلون حقيقتها، وصفتها وكنهها، لله تعالى، هذا هو المقصود، وإلا فإن كلام السلف مبثوث، مستفيض، مشتهر، في تفسيرهم الحق لهذه النصوص، وإنما أرادوا بإطلاق هذه العبارات، إغلاق الباب أمام المنحرفين بهذه النصوص عن معانيها الحقة، إلى معانٍ باطلة، هي من التقول على الله بغير علم (^١). وهذه نقول تُبين المراد: \" قال أبو عبيد: ما أدركنا أحدًا يُفسِّر هذه الأحاديث، ونحن لا نُفسِّرها \"، علق عليه الذهبي: \" قلت: قد صنَّف أبو عبيد كتاب غريب الحديث، وما تعرض لأخبار الصفات الإلهية بتأويل أبدًا، ولا فَسَّر منها شيئًا. وقد أخبر بأنه ما لحق أحدًا يفسرها، فلو كان - والله - تفسيرها سائغًا، أو حتمًا، لأوشك أن يكون اهتمامهم بذلك، فوق اهتمامهم بأحاديث الفروع والآداب، فلما لم يتعرضوا لها بتأويل، وأقروها على ما وردت عليه، عُلِم أن ذلك هو الحق الذي لا حيدة عنه \" (^٢).\nونُقل عن أبي عبيد القاسم بن سلَّام، في الباب الذي يُروى فيه: الرؤية، والكرسي موضع القدمين، وضحك ربنا، وأين كان ربنا، فقال: هذه أحاديث صحاح، حملها أصحاب الحديث، والفقهاء بعضهم على بعض، وهي عندنا حق لا نشك فيها، لكن إذا قيل: كيف يضحك؟ وكيف وضع قدمه؟ قلنا: لا نُفسِّر هذا، ولا سمعنا أحدًا يُفسره.\n_________\n(^١) ينظر: أحمد القاضي: مذهب أهل التفويض، دار العاصمة، الرياض، ط ١، ١٤١٦ هـ، (٣٧٠ - ٣٨١)\n(^٢) الذهبي: سير أعلام النبلاء: ٧/ ٢١٩","vol":"1","page":337},{"text":"فكلامه هذا يُفسِّر معنى كلامه الأول، إذ المقصود بعدم التفسير هو الدخول فيما لا يجوز، ولا يحل، من التقول على الله بغير علم، والخوض فيما أخفى الله عنا حقائقها، والسكوت عنها هو العلم، وكذا علَّق الإمام الذهبي، على ما ذكره من أثر أبي عبيد، وأوضح المراد فقال: \" ... فعُلِمَ قطعًا أن قراءتها وإمرارها على ما جاءت هو الحق، لا تفسير لها غير ذلك، فنؤمن بذلك، ونسكت اقتداء بالسلف، معتقدين أنها صفات الله تعالى، استأثر الله بعلم حقائقها، وأنها لا تشبه صفات المخلوقين، كما أن ذاته المقدسة لا تماثل ذوات المخلوقين\" (^١)\nوقال الإمام أبو ذر الهروي: \" وقد بيَّنا دين الأمة وأهل السنة، أن هذه الصفات تُمر كما جاءت بغير تكييف، ولا تحديد، ولا تجنيس، ولا تصوير \" (^٢).\nوبمثل ما ذُكر يُحمل كلام الإمام السمعاني، حين أطلق على بعض آيات الصفات، أنها من المتشابه، كما قال في قوله تعالى: \" وَجَاءَ رَبُّكَ \" (الفجر ٢٢): \" وهو من المتشابه الذي يُؤمن به ولا يُفسَّر \" (^٣)، وهو لا يريد بالمتشابه الذي لا يُعلم معناه الحق، بل يقصد بالمتشابه، حقائق المعاني وكيفياتها، فهذا مما اختص الله تعالى بعلمه.\nوالذي يدل على ذلك، ما ذكره السمعاني بعده، من تأويل أهل الكلام لهذه الصفة، فقال: \" وقد أول بعضهم: (وجاء أمر ربك). الصحيح ما ذكرنا \" (^٤)، فهو أراد أن يثبت أنه مجيء حقيقي، لا كما يقول هؤلاء، لكن حقيقة مجيئه، مما لا يعلمه إلا الله تعالى.\nمع أن شيخ الإسلام ابن تيمية، أشار إلى أنه لا يعلم عن أحد من سلف الأمة، أنه جعل آيات الصفات من المتشابه الذي لا يعلم تأويله إلا الله. (^٥)\n_________\n(^١) الذهبي: سير أعلام النبلاء: ٨/ ٥٠٩\n(^٢) الذهبي: سير أعلام النبلاء: ١٣/ ٢١٤\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٦/ ٢٢٢\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٦/ ٢٢٢\n(^٥) ابن تيمية: مجموع الفتاوى: ١٣/ ٢٩٤","vol":"1","page":338},{"text":"وعليه يُحمل كلام السمعاني، على إرادة المتشابه المطلق، بمعنى العلم الذي استأثر الله جل وعلا به، فلم يطلعه لأحد من خلقه، كالكيفيات، والصفات، والهيئات، والمواعيد، والمواقيت الغيبية (^١).\n٤ - أن أسماء الله تعالى توقيفية، يقول السمعاني:\"واعلم أن أسماء الله تعالى على التوقيف\" (^٢)، ومعنى توقيفية: أنها موقوفة على ورود النص (^٣)، ولذا يقول السمعاني:\"فإنه يُسمى جوادًا، ولا يُسمى سخيًا، وإن كان في معنى الجواد، ويُسمى رحيمًا، ولا يسمى رقيقًا، ويسمى عالمًا، ولا يُسمى عاقلًا، وعلى هذا لا يُقال: يا خادع، يا مكار، وإن ورد في القرآن: \"يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ\" (النساء ١٤٢)، \"وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ \" (الأنفال ٣٠)، لكن لما يرد الشرع بتسميته به، لم يجز ذلك له \" (^٤)، وهذا هو الصحيح، وهو الذي نص عليه الأئمة - كما سبق ـ، بألا يتجاوز القرآن والحديث.\n_________\n(^١) ينظر: أحمد القاضي: مذهب أهل التفويض: ٢٩٨ - ٣١٢\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٢٣٥\n(^٣) هل يُسمى الله (شيء)؟ لا، وإن كان يجوز إطلاقه على الله وصفاته، فيقال الله شيء وصفاته شيء، كما قال تعالى: \" قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ \" (الأنعام ١٩)، قال السمعاني: \"واستدلوا بهذا على أن الله شيء \"، فيكون من باب الإخبار. السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٩٣، ابن تيمية: مجموع الفتاوى: ٦/ ١٤٢\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٢٣٥","vol":"1","page":339},{"text":"وقد ذكر ابن عطية خِلاف الناس في الاسم الذي يقتضي مدحًا خالصًا، ولا يتعلق به شبهة ولا اشتراك، إلا أنه لم ير منصوصًا، هل يطلق ويُسمى به الله؟ فقال: \" فنص الباقلاني على جواز ذلك، ونص أبو الحسن الأشعري على منع ذلك، والفقهاء والجمهور على المنع، وهو الصواب، أن لا يُسمى الله تعالى إلا باسم قد أطلقته الشريعة، ووقفت عليه أيضًا ... واختلف أيضًا في الأفعال التي في القرآن، مثل قوله: \" اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ\" (البقرة ١٥)، \"وَمَكَرَ اللَّهُ \" (آل عمران ٥٤)، ونحو ذلك، هل يُطلق منها اسم الفاعل؟ فقالت فرقة: لا يُطلق ذلك بوجه، وجوزت فرقة أن يُقال ذلك مقيدًا بسببه، فيقال: الله مستهزئ بالكافرين، وماكر بالذين يمكرون، وأما إطلاق ذلك دون تقييد، ممنوع إجماعًا، والقول الأول أقوى، ولا ضرورة تدفع إلى القول الثاني؛ لأن صيغة الفعل الواردة في كتاب الله تُغني \" (^١).\nويقول ابن القيم: \" أنه لا يلزم من الإخبار عنه بالفعل مقيدًا، أن يشتق له منه اسم مطلق، كما غلط فيه بعض المتأخرين، فجعل من أسمائه الحسنى، المضل، الفاتن، الماكر، تعالى الله عن قوله، فإن هذه الأسماء لم يطلق عليه سبحانه منها، إلا أفعال مخصوصة معينة، فلا يجوز أن يُسمى بأسمائها المطلقة \" (^٢).\nأما ما كان محمودًا في حال دون حال، فهذا يوصف به في الحال الذي يكون فيها محمودًا، ولا يُسمى به على الإطلاق، كالمكر، والخداع، والاستهزاء، والكيد، فهذه أوصاف إذا ذكرت في مقابل من يعامل بهذه الأوصاف، صارت أوصافًا محمودة، فيوصف الله بها، وإلا فلا \" (^٣).\nوقد أشار السمعاني لأمثلة على هذه القاعدة، ومنها غير ما ورد ذكره:\n_________\n(^١) ابن عطية: المحرر الوجيز: ٢/ ٢٨٠\n(^٢) ابن القيم: بدائع الفوائد: ١/ ١٦٢\n(^٣) العثيمين: شرح صحيح البخاري: مكتبة الطبري، القاهرة، ط ١، ١٤٢٩ هـ، (٨/ ٢٨٩)","vol":"1","page":340},{"text":"١ - موقنًا: فلا يُسمى الله بهذا الاسم؛ لأنه ناتج عن استدلال، وما كان كذلك، فلا يُسمى الإيقان واليقين: علم عن استدلال، وكذلك لا يُسمى الله تعالى مؤمنًا؛ إذ ليس علمه عن استدلال \" (^١).\n٢ - قائمًا: لا يجوز أن يُسمى الله جل وعز، قائمًا؛ لأنه لم يرد به الشرع، وإنما يوصف بالقيام على التقييد، يقول السمعاني في قوله تعالى: \" أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ \" (الرعد ٣٣)، أكثر المفسرين أن قوله: \" أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ \" هو الله، والله تعالى لا يجوز أن يُسمَّى قائمًا على الإطلاق؛ لأن الشرع لم يرد به؛ ولأن القائم هو المنتصب، ويجوز أن يوصف بالقيام على التقييد، وهو أنه قائم على كل نفس بما كسبت\" (^٢).\n٣ - رمضان: رُوي عن مجاهد: أنه اسم من أسماء الله تعالى، ولذلك لا يُجمع على رمضانات، وروي هذا عن النبي ﷺ غريبًا. قال السمعاني: \" والصحيح أنه اسم الشهر \" (^٣). وقد نُقل عن مجاهد وعطاء أنهما كانا يكرهان أن يُقال رمضان، قالا: وإنما نقول ما قال الله تعالى: \" شَهْرُ رَمَضَانَ \" (البقرة ١٨٥)، لأنا لا ندري لعل رمضان اسم من أسماء الله، قال ابن النحاس: وهذا قول ضعيف؛ لأنا وجدنا النبي ﷺ قال: (رمضان) بغير شهر (^٤). وأما الحديث الوارد فيه، فقد حكى العلماء تضعيفه، وقال ابن كثير: \" وقول من قال: إن اسم من أسماء الله، خطأ لا يعرج عليه، ولا يلتفت إليه \" (^٥).\n٤ - الأحرف المقطعة: نقل السمعاني عن بعض السلف، أن الأحرف المقطعة من أسماء الله تعالى.\nـ عن ابن عباس: أن (الر، وحم، ون) نظم قوله الرحمن، ونُقل عن سعيد بن جبير (^٦).\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٤٥\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٩٦\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ١٨١\n(^٤) ابن بطال: شرح صحيح البخاري: ٤/ ١٩\n(^٥) ابن حجر: فتح الباري: ٤/ ١١٣، ابن كثير: تفسير القرآن العظيم: ٤/ ١٤٧\n(^٦) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٦٢ - ٣٢٣ - ٥","vol":"1","page":341},{"text":"ـ وعن ابن عباس: أن (حم - عسق) اسم الله الأعظم (^١).\nـ وعن علي: أن (كهيعص) اسم من أسماء الله تعالى (^٢).\nأولًا: نقل السمعاني خِلافًا طويلًا في الأحرف المقطعة، حتى قال ابن حجر: \" وقد اختلف في هذه الحروف المقطعة التي في أوائل السور، على أكثر من ثلاثين قولًا \" (^٣).\nفذكر السمعاني قولان: (^٤)\nالأول: أنها غير معلومة المعنى، وهو منقول عن الشعبي وجماعة من المتقدمين، قال: \"والفائدة من ذكرها: طلب الإيمان بها، وأن يُعلم أنها من عند الله تعالى \" (^٥).\nوفي هذا يقول ابن العربي المالكي: \" وقد تحصَّل لي فيها عشرون قولًا وأزيد، ولا أعرف أحدًا، يحكم عليها بعلم، ولا يصل فيها إلى فهم \" (^٦).\nالثاني: أنها معلومة المعنى، واختلفوا في المراد منها على أقوال:\n١ - أن كل حرف منها يدل على معنى، قال ابن عباس: معنى قوله (الم): أنا الله أعلم، و(المص) معناه: أنا الله أعلم وأفصل، وفي (المر): أنا الله أعلم وأرى، وفي (الر): أنا الله أرى، واستحسنه الزجاج، وقال: وبمثله قالت العرب، فإن العرب قد تأتي بحرف، وتريد به معنى.\n٢ - أنها أسماء للقرآن، قاله قتادة.\n٣ - أنها أسماء للسور، قاله مجاهد.\n٤ - أنها قسم، أقسم الله بها؛ لشرفها وفضلها؛ لأنها مباني كتبه المنزلة.\nوهذا ملخص ما ذكره السمعاني، وإلا فإن هناك أقوال أخرى، حكيت في المسألة.\nأما ما يتعلق بأنها من أسماء الله تعالى، أو أنها اسم الله الأعظم، فهذا وإن ورد فيه النقل عن بعض السلف، إلا أنه يعوزه أمران:\nالأول: إثبات صحة ما ورد عنهم بالسند الصحيح.\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٦٢\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٢٧٦\n(^٣) ابن حجر: فتح الباري: ٨/ ٥٥٤\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٤١\n(^٥) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٤١\n(^٦) ابن حجر: فتح الباري: ١١/ ٣٥١","vol":"1","page":342},{"text":"الثاني: إن صَحَّ السند فيه، فيقال: قد قال غيرهم بخِلافه، فليس قول بعضهم أولى ببعض، مع أنه لم يرد فيه عن النبي ﷺ شيء يُذكر، وإلا لكان فاصلًا للنزاع، يقول الشوكاني: \" ثم هاهنا مانع آخر: وهو أن المروي عن الصحابة في هذا مختلف متناقض، فإن عملنا بما قاله أحدهم دون الآخر، كان تحكمًا لا وجه له، وإن عملنا بالجميع، كان عملًا بما هو مختلف متناقض، ولا يجوز.\nثم هاهنا مانع غير هذا المانع، وهو: أنه لو كان شيء مما قالوه، مأخوذًا عن النبي ﷺ، لاتفقوا عليه ولم يختلفوا، كسائر ما هو مأخوذ عنه، فلما اختلفوا في هذا، علمنا أنه لم يكن مأخوذًا عن النبي ﷺ ... \" (^١).\nوفي هذا الكم المتراكم من الأقوال، يقول الشيخ الشنقيطي: \" أما القول الذي يدل استقراء القرآن على رجحانه فهو: أن الحروف المقطعة، ذُكرت في أوائل السور التي ذُكرت فيها، بيانًا لإعجاز القرآن، وأن الخلق عاجزون عن معارضته بمثله، مع أنه مركب من هذه الحروف المقطعة التي يتخاطبون بها، وحكى هذا القول الرازي في تفسيره عن المبرِّد، وجمع من المحققين، وحكاه القرطبي عن الفراء، وقطرب، نصره الزمخشري في الكشاف.\nقال ابن كثير: \"وإليه ذهب الشيخ الإمام العلامة أبو العباس بن تيمية، وشيخنا الحافظ المجتهد أبو الحجاج المزي، وحكاه لي عن ابن تيمية \" (^٢).\n_________\n(^١) الشوكاني: فتح القدير: دار ابن كثير، دمشق، ط ١، ١٤١٤ هـ (١/ ٣٨)\n(^٢) الشنقيطي: أضواء البيان: ٢/ ١٦٦","vol":"1","page":343},{"text":"وقد تقرر أن أسماء الله تعالى كلها حُسنى، وأنها على التوقيف الصحيح، ولذا يقول المناوي (^١): \" ومن زعم أن (حم) اسم من أسماء الله، ففيه نظر؛ لأن أسماءه تقدست، ما منها شيء إلا وهو صفة مقصودة، مفصحة عن ثناء وتحميد، و(حم) ليس إلا حرفين من حروف المعجم، فلا معنى تحته يصلح لكونه بتلك المثابة\" (^٢).\n_________\n(^١) المناوي: محمد عبدالرؤوف، (٩٥٢ هـ - ت ١٠١٣ هـ)، من كبار العلماء في الدين والفنون، انزوى للبحث والتصنيف، وكان قليل الطعام - كثير السهر، فمرض وضعفت أطرافه، فجعل ولده يستملي منه تآليفه، له نحو ثمانين مصنفًا، منها: الكبير والصغير، والتام والناقص، ومنها كنوز الحقائق. الزركلي: الأعلام: ٦/ ٢٠٤.\n(^٢) المناوي: فيض القدير: المكتبة التجارية، مصر، ط ١، ١٣٥٦ هـ، (٣/ ٤٢٢)","vol":"1","page":344},{"text":"وبعد ذكر هذه القواعد التي قعَّدها السمعاني، متتبعًا فيها النصوص، ومستقرئًا كلام السلف، نختم بما نقله عنه الأصبهاني، في بيان منهج أهل السنة في هذا الباب: \" وأما أهل السنة - سلمهم الله ـ، فإنهم يتمسكون بما نطق به الكتاب، ووردت به السنة، ويحتجون له بالحجج الواضحة، والدلائل الصحيحة، على حسب ما أذن فيه الشرع، وورد به السمع، ولا يدخلون بآرائهم في صفات الله تعالى، ولا في غيرها من أمور الدين، وعلى هذا وجدوا سلفهم وأئمتهم ... وإذا كان الأمر على ما قلنا، وقد علمنا أن النبي ﷺ لم يدعهم في هذه الأمور إلى الاستدلال بالأعراض والجواهر، وذكر ما هيتها، ولا يمكن لأحد من الناس أن يروي في ذلك عنه، ولا عن أحد من الصحابة ﵃ من هذا النمط حرفًا واحدًا فما فوقه، لا في طريق تواتر، ولا آحاد، فعلمنا أنهم ذهبوا خلاف مذهب هؤلاء، وسلكوا غير طريقهم، وأن هذا طريق محدث مخترع، لم يكن عليه رسول الله ﷺ ولا أصحابه. وسلوكه يعود عليهم بالطعن، والقدح، ونسبتهم إلى قلة العلم في الدين، واشتباه الطريق عليهم، فإياك - رحمك الله - أن تشتغل بكلامهم، ولا تغتر بكثرة مقالاتهم؛ فإنها سريعة التهافت، كثيرة التناقض، وما من كلام تسمعه لفرقة منهم، إلا ولخصومهم عليه كلام يوازيه أو يقاربه \" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-101>المطلب الثالث: معاني أسماء الله تعالى وصفاته، ومقتضياتها:</span>\nتَتَبُعُ الأسماءِ والصفاتِ وإحصائها، وبيانِ معانيها، وإن كان بعض الأئمة قد خصها بمصنفات، إلا أن إبراز جهد السمعاني فيه يُؤكد على عدة قضايا:\n١ - قضايا معرفية: وتظهر من جهة التعبد بهذه الأسماء والصفات، والتعبد لازم المعرفة، والمعرفة لازمة البحث والتقصي، فمن رام التعبد على بصيرة، اجتهد في معرفة الحق، فإظهار معاني هذه الأسماء والصفات وإثباتها، مُعين على التعبد بها، وهذا يشمل: حفظها، ومعرفة معانيها، والتعبد بمقتضاها.\n٢ - قضايا احترازية غائية: وتظهر من جهة إغلاق الباب على المتقولين المتخرصين على النصوص الشرعية في هذا الباب.\n_________\n(^١) الأصبهاني: الحجة في بيان المحجة: ٢/ ١٤٩","vol":"1","page":345},{"text":"٣ - قضايا مقاصدية: ويراد بها: بث الوعي المجتمعي من خلال معاني أسماء الله وصفاته، والتي تُسهم في إيقاف المد السلوكي الخاطئ، وتربية المجتمع على المحاسن ومعالي الأمور.\n٤ - قضايا دفاعية: ضد كل الأفكار التي تُناقض هذا النوع من التوحيد، فهذا البيان يُسهم في كشف التأويلات المنحرفة، وإبطال الأقوال الفاسدة، وهذا يظهر جليا في الرد على:\n-المفوضة: الذين يزعمون أن آيات الصفات من المتشابه المطلق الذي لا يعلمه إلا الله تعالى، فيفوضون المعاني، والمشكلة أنهم يبثون في تقريراتهم الفاسدة، أنهم أهل العلم والمعرفة والحكمة، وهو في حقيقته تجهيل للأمة جمعاء.\n-والجهمية بجميع طبقاتهم: الذين ينكرون الأسماء والصفات أو بعضها؛ بحجة التنزيه وعدم التشبيه.\n-والفلاسفة: الذين ينفون هذا النوع من التوحيد نفيا تاما؛ لمعارضته لحقيقة واجب الوجود الذي يعتقدونه، وهو أنه موجود وجودا كليا مطلقا بشرط الإطلاق، فيصير لا حقيقة له في الواقع إلا في الأذهان، ولا مانع لديهم من وصفه بالسلوب والإضافات؛ لأنها في الحقيقة ليست معانٍ وجودية بل اعتبارية فقط، فجعلوا الصفة هي الموصوف، والصفة هي الأخرى.\n٥ - قضايا تأصيلية: تتمثل في عدة أمور:\n- عدم الترادفية بين الأسماء والصفات، فهي باعتبار دلالتها على الذات مترادفة؛ لأنها تدل على ذات واحدة، لكن باعتبار معانيها فهي متباينة غير مترادفة، فليس العلم هو القدرة، وليست القدرة هي الرحمة، وهكذا.\n- أن الأسماء تتضمن صفاتا، فالأسماء تدل على الصفات، ولا يمكن وجود ذات خلية عن الصفات، خلافا لمن جعل الأسماء؛ كالعليم، والقدير، والسميع، والبصير، كالأعلام المحضة المترادفة، ومن قال: هو عليم بلا علم، قدير بلا قدرة، سميع بلا سمع، فأخلوا الأسماء عن معانيها، وعطلوها عن حقائقها.\n- أن الاتفاق في الأسماء لا يستلزم الاتفاق في المسميات والحقائق.\n- أن الأسماء تتفق عند الإطلاق، أما عند التخصيص والإضافة، فيختص كل اسم بمعنى دون الآخر، فالمشاركة تكون في المعنى المطلق الذهني.","vol":"1","page":346},{"text":"- ومن جهة جواز إطلاق هذه الأسماء على غير الله تعالى، فبعضها مختص بالله تعالى لا يشركه غيره فيها، وبعضها من المشترك الذي يجوز إطلاقه على الله تعالى وعلى غيره، وقد أشار السمعاني إلى جملة منها.\nأسماء الله الحسنى:\n\n* سأشير في هذا المطلب إلى الأسماء الحسنى، التي ذكرها السمعاني، وأبان معانيها، وما يتعلق بها من المسائل التي أشار إليها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-102>١ - الرحمن - الرحيم:</span>\nأ - المعنى: قال ابن عباس: هما اسمان رقيقان، أحدهما أرق من الآخر. وحكي عنه أنه قال: الرحمن: الرفيق بالعباد، والرحيم: العاطف عليهم (^١)، والعطوف (^٢).\nب - هل بينهما فرق أم لا؟! قولان:\nالأول: بينهما فرق، فالرحمن غير الرحيم، ولكل واحد منهما معنى، غير معنى صاحبه.\nقالوا: للرحمن معنى العموم، وللرحيم معنى الخصوص. وذلك من جهتين:\n١ - من جهة الرزق، فالرحمن بمعنى الرازق في الدنيا، والرزق على العموم، للكافر والمؤمن.\nوالرحيم بمعنى العافي في الآخرة، والعفو في الآخرة على الخصوص للمؤمنين دون الكافرين.\n٢ - ومن جهة الرحمة: فالرحمن: من تصل رحمته إلى الخلق على العموم، والرحيم: من تصل رحمته إلى الخلق على الخصوص، ولذلك قيل في الدعاء: \" يا رحمن الدنيا، ورحيم الآخرة\".\nالثاني: أن معناهما واحد. قال قطرب: هما اسمان، ذكر أحدهما تأكيدًا للآخر، مثل: لهفان، ولهيف، وندمان ونديم.\nوقال المبرد: هذا تمام بعد إتمام، وتفضل بعد تفضل، وتطميع لقلوب الراغبين، ووعد لا يخيب آمله، ومعناه: ذو الرحمة، والرحمة هي: الإنعام والتفضل (^٣).\nج - هل يجوز إطلاق هذين الاسمين على غير الله تعالى؟!\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٣٤ - ٥/ ٢٧٦\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٢١٨\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٣٤ - ٣٥، ومنه قوله تعالى: \" وقهم السيئات ومن تق السيئات يومئذ فقد رحمته \" (غافر ٩)، (فقد رحمته) أي: أنعمت عليه. انظر السمعاني: تفسير القرآن:٥/ ٨","vol":"1","page":347},{"text":"أما الرحمن: فلا يُطلق إلا على الله تعالى، فلا يجوز إطلاقه على غيره، قال تعالى: \" هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا \" (مريم ٦٥)، قال ابن عباس: هل تعلم أحدًا يُسمى \" الرحمن \" غير الله؟! (^١). وقال الحسن: هو اسم لا يستطيع أحد أن ينتحله ويُقال: اسم ممتنع، وإنما لم يصح أن يُقال لغيره، وصح أن يقال راحم، ورحيم؛ لأن معنى الرحمن: أن رحمته وسعت كل شيء، وهذا لا يصح في غير الله جل وعلا. (^٢)\nويقول السمعاني في الفرق في التسمية بينهما: \" فالرحمن من تصل رحمته إلى الخلق على العموم، والرحيم من تصل رحمته إلى الخلق على الخصوص، ولذلك يُدعى غير الله رحيمًا، ولا يُدعى رحمانًا؛ لأن الله تعالى هو الذي تصل رحمته إلى الخلق، كأنه كما قال تعالى: \"وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ \" (الأعراف ١٥٦)، وأما غير الله قد يخص شيئًا بالرحمة، فيكون ذلك رحيمًا \" (^٣).\nوقد سمَّى الله ﷿ نبيه بالرحيم، فقال: \" بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ (١٢٨) \" (التوبة ١٢٨)، أي: عطوف رفيق. (^٤)\nد - كفر المشركين بالرحمن:\nقال تعالى: \" كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهَا أُمَمٌ لِّتَتْلُوَا عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ \" (الرعد ٣٠)، يقول السمعاني: \" وقوله: \" وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ \" فيه قولان: أحدهما: قال ابن جريج: الآية مدنية في قصة الحديبية، فإن سهيل بن عمرو لما جاء، واتفقوا أن يكتبوا كتاب الصلح، كتب علي ﵁: (بسم الله الرحمن الرحيم)، فقالوا: لا نعرف الرحمن، اكتب كما نكتب نحن: باسمك اللهم.\nوالقول الثاني: وهو المعروف أن الآية مكية، وسبب نزولها: أن أبا جهل سمع النبي\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٣٠٥\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٣٢٣\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٣٤\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٣٦٣","vol":"1","page":348},{"text":"ﷺ وهو في الحجر يدعو ويقول: \" يا الله، يا رحمن \"، فرجع إلى المشركين، وقال: إن محمدًا يدعو إلهين، يدعو الله، ويدعو آخر اسمه الرحمن، ولا نعرف الرحمن إلا رحمن اليمامة، فأنزل الله هذه الآية، وأنزل أيضًا قوله تعالى: \" قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ \" (الإسراء ١١٠) \" (^١).\nـ وقال ﷾: \" وَإِذَا رَأَىكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُم بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ (٣٦) \" (الأنبياء ٣٦)، يقول السمعاني: قال هذا، لأنهم كانوا يقولون: لا نعرف الرحمن إلا مسيلمة \" (^٢).\nـ وقال تعالى: \" وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا \" (الفرقان ١٦٠)، قال أهل التفسير: إنما قالوا هذا؛ لأنهم كانوا لا يعرفون اسم الرحمن في كلامهم، فسألوا عن الرحمن لهذا. وروي أن رسول الله ﷺ لما دعاهم للرحمن، ويُقال: إن أبا جهل قال له: يا محمد، من يعلمك القرآن؟ فأنزل الله تعالى: \" الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) \" (الرحمن ١ - ٢)، قال أبوجهل وغيره: لا نعرف الرحمن إلا مسيلمة باليمامة، وكان يُسمى: رحمان اليمامة. (^٣)\nوذكر اسم الرحمن كان كثيرًا في التوراة، يقول تعالى: \" وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ\nبِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ \" (الرعد ٣٦)، رُوي أن اليهود الذين أسلموا، كانوا يستقلون ذكر الرحمن في القرآن، مع كثرة ذكره في التوراة، فلما كرر الله ذكر الرحمن في القرآن فرحوا، فأنزل الله تعالى هذه الآية. (^٤)\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٩٣\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٣٨٠\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٢٨\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٩٨","vol":"1","page":349},{"text":"هـ - ومما يُقارب معنى الرحيم من أسماء الله تعالى: اسمه (الرؤوف): وقد أثبت الله جل وعز له هذا الاسم، في كتابه العزيز، فقال: \" وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ \" (البقرة ٢٠٧)، يقول السمعاني: \" أي: شديد الرحمة بهم \" (^١).\nوقال سبحانه: \" إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ \" (البقرة ١٤٣)، يقول السمعاني: \"الرأفة: أشد الرحمة \" (^٢).\nوقال سبحانه: \" وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ \" (آل عمران ٣٠)، ومن رأفته، أن حذرهم، ورغبهم، ورهبهم، ووعدهم، وأوعدهم. (^٣)\nيقول الحليمي: \" الرؤوف: المتساهل على عباده، لم يحملهم مالا يطيقون، ومع ذلك غلَّظ فرائضه، في حال شدة القوة، وخففها في حال الضعف ونقصان القوة، وأخذ المقيم بما لم يأخذ به المسافر، والصحيح بما لم يأخذ به المريض، وهذا كله رأفة ورحمة \" (^٤). وقد فسَّر السمعاني اسم الله اللطيف في قوله تعالى: \" اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ \" (الشورى ١٩)، بالرحمة، فقال:\" أي: بار، حفي، رحيم بهم \" (^٥).\nورحمة الله تعالى التي هي من آثار اسمه الرحيم، وسعت كل شيء، كما قال تعالى: \"وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ \" (الأعراف ١٥٦)، يقول الحسن وقتادة: وسعت رحمته البر والفاجر في الدنيا، وهي للمتقين يوم القيامة. (^٦)\nومن رحمته بالكفار: إمهالهم في العذاب. (^٧)\nأما لفظ الرحمة في القرآن، فهو يختلف باختلاف مورده وسياقه، فقد يرد بمعنى:\n١ - الجنة: كما قال تعالى: \" فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ \" (الجاثية ٣٠)، يقول السمعاني: أي جنته. (^٨)\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٢٠٩\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ١٥٠\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٣١٠\n(^٤) الحليمي: مختصر شعب الإيمان: ٢ - ٤\n(^٥) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٧١\n(^٦) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٢٢١\n(^٧) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ١٧٦\n(^٨) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ١٤٥","vol":"1","page":350},{"text":"٢ - الإسلام: كما قال تعالى: \" وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن يُدْخِلُ مَن\nيَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُم مِّن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (٨) \" (الشورى ٨)، يقول السمعاني: \" أي يدخل من يشاء في الإسلام \" (^١).\n٣ - المطر: كما قال تعالى: \" وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ \" (الشورى ٢٨)، أي: بإنزال الغيث. (^٢)\nوقوله: \" وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ \" (الأعراف ٥٧)، أي: المطر. (^٣)\n٤ - النبوة والرسالة: كما قال تعالى: \" أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ \" (الزخرف ٣٢)، أي: رسالة ربك، فيختارون لها من شاؤوا. (^٤)\n٥ - القرآن والرسول: كما قال تعالى: \" وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ \" (النمل ٧٧) يقول السمعاني: \" فيه قولان: أحدهما: أنه الرسول، والآخر: أنه القرآن \" (^٥).\n٦ - العصمة: كما قال تعالى: \" وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي \" (يوسف ٥٣)، يقول السمعاني: \" أنه إشارة إلى حالة العصمة عند رؤية البرهان \" (^٦).\n٧ - المودة: كما قال تعالى:\" مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ\" (الفتح ٢٩)، يقول السمعاني: \" أي: متوادون، ومتواصلون بينهم \" (^٧).\n٨ - الخير والنصرة: كما قال تعالى: \" قُلْ مَن ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُم مِّنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً \" (الأحزاب ١٧)، أي: خيرًا ونصرة. (^٨)\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٦٥\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٧٧\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ١٩٠\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٩٩\n(^٥) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ١١٢\n(^٦) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٣٩\n(^٧) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٢٠٩\n(^٨) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٢٦٧","vol":"1","page":351},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-103>٢ - الغفور:</span>\nورد هذا الاسم الكريم في القرآن الكريم، في مواطن كثيرة، وجاء بلفظ غفار، وغافر، والمعنى، كما يقول السمعاني: الساتر والستور للذنوب، ففي قوله تعالى: \" غَافِرِ الذَّنبِ \" (غافر ٣)، أي: ساتر الذنب. (^١)\nوفي قوله تعالى: \" إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ \" (فاطر ٢٨): أي: غفور لذنوب عباده. (^٢)\nوقوله في نفس السورة: \" إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ \" (فاطر ٣٠)، يُقال: يغفر الكثير من الذنوب، ويشكر اليسير من الطاعات. (^٣)\nفالغافر: الذي يستر على المذنب، ولا يؤاخذه به.\nوالغفار: المبالغ في الستر، فلا يُشهِر المذنب، لا في الدنيا، ولا في الآخرة.\nوالغفور: الذي يكثر منه الستر، على المذنبين من عباده. (^٤)\nوقال الزجاج: \" ويجيء على قياس قول أبي علي قطرب، أن يكون الغفور في ذنوب الآخرة، والغفار الذي يسترهم في الدنيا ولا يفضحهم \" (^٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-104>٣ - الحليم:</span>\nفَسَّر السمعاني هذا الاسم الكريم بمعنى: الإمهال، وعدم المعاجلة بالعقوبة، قال تعالى: \"وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ \" (التغابن ١٧)، يقول: \" معناه: إمهال العباد، وترك معاجلتهم بالعقوبة \" (^٦).\nوقال تعالى: \" وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ \" (البقرة ٢٢٥)، أي: الذي لا يعجل العقوبة. (^٧)\nويقول الزجاج: \" وليس قول من قال: إن الحليم هو من لا يُعاقب، بصواب، أما سمع قول الشاعر الفصيح، وأظنه كُثَيِّرًا:\n(حليمًا إذا ما نال عاقب مجملًا ... أشد العقاب أو عفا لم يثرب) (^٨)\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٥\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٣٥٧\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٣٥٧\n(^٤) الحليمي: مختصر كتاب المنهاج: ٤٢\n(^٥) الزجاج: تفسير أسماء الله الحسنى: ٤٧\n(^٦) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٤٥٦\n(^٧) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٢٢٨ - ٢٦٩\n(^٨) الزجاج: تفسير أسماء الله الحسنى: ٤٥","vol":"1","page":352},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-105>٤ - الشكور والشاكر:</span>\nوردت الآيات القرآنية، في إثبات هذين الاسمين الجليلين الكريمين لله تعالى، قال سبحانه: \" وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا \" (النساء ١٤٧)، \" إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ \" (فاطر ٣٠).\nوفسر السمعاني هذين الاسمين بعدة تفاسير، فقال:\nـ الشكر من الله: أن يعطي العبد فوق ما يستحق. (^١)\nـ والشكر من الله: قبول العمل، ومعناه في قوله:\" وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا \" (النساء ١٤٧)، وكان الله قابلًا للطاعات، عليمًا بالنيات. (^٢)، ومثله في قوله تعالى: \"فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا \" (الإسراء ١٩)، قال: أي مقبولًا، ويُقال: إن الشكر من الله هو قبول الحسنات، والتجاوز عن السيئات. (^٣)\nـ والشكر من الله: المجازاة، قال تعالى: \" فَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ \" (الأنبياء ٩٤)، يقول السمعاني: \" (كاتبون) أي: حافظون، ويُقال: إن حق الشكر من الله هو المجازاة \". (^٤)\nـ والشكر من الله: قبول اليسير من الطاعات، والعفو عن الكثير من السيئات. (^٥)\nفالشكر من الله تعالى: هو إثابته الشاكر على شكره، فجعل ثوابه للشكر، وقبوله للطاعة، شكرًا على طريقة المقابلة. (^٦)\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ١٦٠\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٤٩٥\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٢٢٩\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٤٠٧\n(^٥) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٣٥٧ - ٥/ ٤٥٥\n(^٦) الزجاج: تفسير أسماء الله الحسنى: ٤٧","vol":"1","page":353},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-106>٥ - الحكيم:</span>\nفسَّر السمعاني هذا الاسم الكريم بمعنيين:\nأ - الحاكم، وهو القاضي بالعدل.\nب - الحكيم، المحكم للأمر، كيلا يتطرق إليه الفساد، ومنه: أحكمت الدابة؛ لأنها تمنعها من الفساد. (^١).\nومن الأول: قوله تعالى: \" وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ \" (هود ٤٥)، يعني: وأنت أحكم الحاكمين بالعدل. (^٢)، وقوله تعالى: \" فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (٨٧) \" (الأعراف ٨٧)، أي: حتى يقضي الله، \" وهو خير الحاكمين \" أي: خير القاضين. (^٣)، وقوله تعالى: \" حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ \" (يوسف ٨٠)، يعني: وهو خير الفاصلين. (^٤)\nوكما قال تعالى: \" إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُم بِحُكْمِهِ \" (النمل ٧٨)، \" أي: يفصل بينهم بحكمه الحق \". (^٥) وقوله تعالى: \" إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ \" (السجدة ٢٥)، \" أي: يحكم بينهم حكم الفصل \" (^٦).\nوحكم الله تعالى كله حق وعدل، وقوله تعالى: \" قَالَ رَبِّ احْكُم بِالْحَقِّ \" (الأنبياء ١١٢)، فهنا ذكر الحق وصفًا للحكم، لا أن حكمه ينقسم إلى الجور والحق (^٧) - تعالى الله وتقدس ـ\nونقل عن بعضهم في الجواب عن هذه الآية الكريمة: \" رَبِّ احْكُم بِالْحَقِّ\"، أي: عجل الحكم بالحق، وقال أبو عبيد: رب احكم بحكمك الحق، والله يحكم بالحق، طلب أو لم يطلب، ومعنى: الطلب: هو ظهور الرغبة من الطالب في حكمه الحق، وقال بعضهم: \"رَبِّ احْكُم بِالْحَقِّ\" تعبد من الله، والله يحكم بالحق، سئل أو لم يسأل، أورده النحاس. (^٨)\nوهذا مثل قوله تعالى: \" رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ (٨٩) \" (الأعراف ٨٩)،فهذا ليس على طريق طلب القضاء بالحق، وإنما هو على نعت قضائه بالحق، فإن صفة قضائه الحق. (^٩)\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٦٥\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٤٣٣\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٤١٠\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٥٦\n(^٥) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ١١٢\n(^٦) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٢٥٣\n(^٧) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٨٧\n(^٨) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٤١٤\n(^٩) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ١٩٩","vol":"1","page":354},{"text":"ومن الثاني: قوله تعالى: \" صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ\" (النمل ٨٨)، أي: أحكم كل شيء. (^١)\nفالحكيم يُظهر أثر حكمته في كل شيء، وإن كانت قد تخفى بعض الحكم، فهو العدل في الأحكام (^٢)، والعدل في الأفعال (^٣)، والحكيم في جميع ما يفعله (^٤)، الحكيم في أمره (^٥)، وتدبيره (^٦)، وفعله (^٧)، وخلقه (^٨)، وملكه (^٩)، وسلطانه (^١٠)، وفي نصب الأحكام (^١١)، وبعث الرسل (^١٢).\nقال السمعاني: \" والحكيم: ذو الإصابة في الأمر (^١٣)، وقال: والحكيم: المصيب في تدبير خلقه \" وفيما أوجب من العقوبة (^١٤).\nومن اللطائف التي ذكرها السمعاني، ما نقله عن ابن المعتز أن سُئل: إذا كان الله تعالى، واسع المغفرة، وسعت رحمته كل شيء، فما يمنعه أن يرحم الكافر؟ فقال: إن رحمته لا تغلب حكمته. (^١٥)\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ١١٨\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ١٣٤\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٤٣٠\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٨٨\n(^٥) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٥٠٠\n(^٦) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٥٧ - ٤/ ٢٢٧\n(^٧) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٦٣\n(^٨) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٢٧٧\n(^٩) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٣١٥\n(^١٠) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٢٩٣\n(^١١) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٤٠٣\n(^١٢) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٥٠٣\n(^١٣) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٢١٠\n(^١٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٢٧ - ٢/ ٣٦\n(^١٥) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٣٦٠","vol":"1","page":355},{"text":"وفي تفسير قوله تعالى: \" وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ \" (المائدة ١١٨)، أورد السمعاني سؤالًا مفاده: كيف طلب المغفرة لهم، وهم كفار، وكيف قال: وإن تغفر لهم إنك أنت العزيز الحكيم، وهذا لا يليق بسؤال المغفرة؟! وذكر عدة إجابات، منها ما يوافق ما نحن فيه،: \" وقيل: معناه: إن تغفر لهم لا ينقص من عزك شيء، ولا يخرج من حكمتك. ويدخل في حكمة الله تعالى، وسعة رحمته، أن يغفر للكفار، ولكنه أخبر أنه لا يغفر، وهو لا يخلف خبره \". (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-107>٦ - العزيز:</span>\nفسَّره الإمام السمعاني بعدة تفسيرات:\nأـ الممتنع، والله تعالى ممتنع لا تناله الأيدي، ولا يصل إليه شيء. (^٢)\nب - القوي القاهر. (^٣)\nج - القادر الذي لا يمكن معازته، أي مغالبته. (^٤)\nد - الغالب الذي لا يفوته شيء، والمنتقم المعاقب على الجناية. (^٥)\nوقال: الغالب الذي لا يُغالب. (^٦)\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٨٣\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ١٤١\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ١٤١ - ٥/ ٤٣ - ٤٠٩\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٥٢\n(^٥) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٢٩٣\n(^٦) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٧١","vol":"1","page":356},{"text":"قال تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ (الشعراء ٦٨)، يقول السمعاني: \" والله تعالى عزيز، وهو في وصف عزته رحيم \" (^١). فمن أسمائه ﷾ العزيز، ومن صفة جل وعز، العِزة (^٢)، فهو العزيز في: أمره (^٣)، والمنيع في ملكه (^٤)، والغالب على أمره (^٥)، والمنتقم من أعدائه (^٦)، والعزيز في نصرته (^٧)، والغالب بقدرته على كل الأشياء (^٨)، المقتدر على معاونة الخلق (^٩)، ومعاقبتهم سبحانه جل في علاه (^١٠).\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٥٢\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٦٣\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٢٩٣\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ١١٢ - ٢٤٤ - ٤٢٧\n(^٥) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ١٩٧ - ١٧٦\n(^٦) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ١٨٢ - ٢٠٧\n(^٧) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٦٣\n(^٨) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٣٩٥ - ٦/ ١٩٩\n(^٩) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٥٠٣\n(^١٠) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٣٦","vol":"1","page":357},{"text":"ومن اللطيف في هذا المقام، ما حكاه السمعاني عن الأصمعي قال: قد كنت أقرأ هذه الآية، وبجنبي أعرابي فقرأت: \" نكالًا من الله والله غفور رحيم \"، فقال الأعرابي: هذا كلام مَنْ؟ فقلت: كلام الله، فقال الأعرابي: ليس هذا من كلام الله، فتنبهت وقرأت: \" ﴿نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [المائدة:٣٨]، فقال الأعرابي: هذا كلام الله، ثم سألته عن ذلك، فقال: إن الله لا يذكر العقوبة على العبد، ثم يقول: والله غفور رحيم، وإنما يليق بذكر العقوبة: العزيز الحكيم (^١). وليُعلم أن العزة والغلبة كلها لله تعالى، كما قال: ﴿فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [النساء:١٣٩]، فإن قيل: قد نرى في بعض الأحوال، الغلبة للكفار؟ فالجواب: معنى هذه الآية: أن المقوي هو الله تعالى في الأحوال كلها، وقيل: معناه: الغلبة بالحجة لله جميعًا، \" وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ \"، لا يمنعه مانع، ولا يرده عما يريد راد. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-108>٧ - الكريم:</span>\nورد في كتاب الله جل وعلا في موضعين: قال تعالى: ﴿فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ [النمل:٤٠]، وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ [الانفطار:٦]، قال السمعاني: \" ﴿الْأَكْرَمُ﴾: أي كريم، ومن كرمه أن يحلم عن ذنوب عباده، ويُؤخر عقوبتهم. وعن بعضهم: من كرمه، أن يَعْبُدَ الآدمي غيره، ولا يقطع عنه رزقه \". (^٣) وقال في تفسير قوله: ﴿مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ [الانفطار:٦]: \" الذي تجاوز عنك، ولم يعاقبك في الدنيا\" (^٤)\n_________\n(^١) «السمعاني: تفسير القرآن:٢/ ٣٧\n(^٢) «السمعاني: تفسير القرآن:١/ ٤٩١، ٣/ ١٩، والله تعالى يقول: \" وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ \" [المنافقون:٨]، أي: الغلبة والمنعة والقوة، والعزة لله لعزه في ذاته، والعزة لرسوله ﷺ وللمؤمنين، بما أعطاهم الله تعالى، من الغلبة والمنعة والقوة. السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٤٤٦\n(^٣) «السمعاني: تفسير القرآن:٦/ ٢٥٦\n(^٤) «السمعاني: تفسير القرآن:٦/ ١٧٣","vol":"1","page":358},{"text":"وقال في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ [النمل:٤٠]:\"أي: غني عن شكره، كريم في قبول شكره، وإثابته عليه \". (^١)\nفالكريم بمعنى المُعطي، والمتجاوز، والمثيب، والكريم المغدق من الخيرات والبركات، \"والله تعالى سبب كل خير ومسهله، فهو أكرم الأكرمين \". (^٢)\nويقول الإمام الغزالي: \" الكريم: هو الذي إذا قدر عفا، وإذا وعد وفى، وإذا أعطى زاد على منتهى الرجاء، ولا يُبالي كم أعطى، ولمن أعطى \". (^٣)\nويقول الحليمي: \" الكريم، النَّفَّاع، ولاشك في كثرة المنافع التي مَنَّ الله بها على عباده ابتداء منه وتفضلًا، فهو باسم الكريم أحق من كل كريم \" (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-109>٨ - العظيم، والكبير:</span>\nهذان الاسمان من أسماء الله جَلَّ وعلا، ورد ذكرهما في القرآن العزيز، قال جل وعلا: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة:٢٥٥]، والعظيم: الكبير، (^٥) الذي لا يُمكن الامتناع عليه، والله جل ثناؤه، قادر، لا يعجزه شيء، ولا يمكن أن يُعصى كرهًا، أو يخالف أمره قهرًا، فهو العظيم إذن حقًا وصدقًا، وكان هذا الاسم لمن دونه مجازًا. (^٦)\nوقال الأصبهاني: \" ومن أسمائه تعالى العظيم: العظمة صفة من صفات الله، لا يقوم لها خلق، والله تعالى خلق بين الخلق عَظَمَة يعظم بها بعضهم على بعض، فمن الناس من يُعظَّم لمال، ومنهم من يُعظم لفضل، ومنهم من يُعظم لعلم، ومنهم من يُعظم لسلطان، ومنهم من يُعظم لجاه، وكل واحد من الخلق، إنما يعظم لمعنى دون معنى، والله ﷿، يُعظم في الأحوال كلها \" (^٧)، وعظمة الله جل وعز، لا تكيَّف، ولا تُحد، ولا تُمثل بشيء، ويجب على العباد أن يعلموا أنه عظيم، كما وصف نفسه، وفوق ذلك، بلا كيفية ولا تحديد.\n_________\n(^١) «السمعاني: تفسير القرآن:٤/ ١٠٠\n(^٢) «الزجاج: تفسير أسماء الله الحسنى: ٥١\n(^٣) «الغزالي: المقصد الأسنى: ١١٧\n(^٤) «الحليمي: مختصر كتاب المنهاج: ٤٢\n(^٥) «السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٢٥٩\n(^٦) «الحليمي: مختصر كتاب المنهاج: ٣٨\n(^٧) «الأصبهاني: الحجة في بيان المحجة: ١/ ١٤١","vol":"1","page":359},{"text":"والله جل وعز يقول: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه:١١٠]، فالله جل وعلا لا يقدر قدره، ولا يبلغ كنه عظمته. (^١)\nوأما اسمه تعالى الكبير، فقد ورد في مواطن، منها قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [الحج:٦٢]، يقول السمعاني: \"أي المتعالي المتعظم ... والكبير صفته ﵎ \" (^٢)، وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سبأ:٢٣]، يقول السمعاني: \" أي: المتعالي العظيم في صفاته \" (^٣).\nيقول الطبري: \" الكبير: يعني العظيم، الذي كل شيء دونه، ولا شيء أعظم منه \" (^٤)\nوالكبير في حقه تعالى، مثل الجليل والعظيم، الذي جَلَّ سلطانه وعظم، فكل شيء مستحقر دونه، وقيل: الكبير عن صفات المخلوقين. (^٥)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-110>٩ - العلي، والأعلى، والمتعال:</span>\nوفسَّره السمعاني: بالمتعالي عن الأشياء والأنداد، وقيل: العلي بالملك والسلطنة، (^٦) قال ﷾: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة:٢٥٥]، ﴿وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [الحج:٦٢].\nوقال تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾ [الرعد:٩]، يعني: المتعالي عما يقوله المشركون. (^٧)\nوقال تعالى: ﴿إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى﴾ [الليل:٢٠]، أي: إلا طلب رضاء ربه المتعالي. (^٨)\n_________\n(^١) «الأزهري: تهذيب اللغة: ٢/ ١٨٢، السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٣٥٦\n(^٢) «السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٤٥٢\n(^٣) «السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٣٣٢\n(^٤) «الطبري: جامع البيان: ١٨/ ٦٧٦\n(^٥) «عياض اليحصبي: مشارق الأنوار: المكتبة العتيقة ودار التراث: ١/ ٣٣٣\n(^٦) «السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٢٥٩\n(^٧) «السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٨٠\n(^٨) «السمعاني: تفسير القرآن: ٦/ ٢٤١","vol":"1","page":360},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-111>١٠ - العليم:</span>\nمن أسماء الله جل وعلا، العليم، قال تعالى: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة:٣٢]، والعليم بمعنى العالم (^١). وهل العليم والعالم بمعنى واحد، أم بينهما فرق؟! قولان:\nالأول: قيل هما بمعنى واحد.\nالثاني: هما مُختلفان: العالم بما كان، والعليم بما يكون. (^٢)\nويأتي العلم بمعنى المجازاة، قال تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ [البقرة:٢٧٠]، يقول السمعاني: \" فإن الله يعلمه \" أي: يجازي، وقال مجاهد: يحصيه. (^٣)\nوقال تعالى: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ [آل عمران:٩٢]، يقول السمعاني: \" أي يعلمه، أي: يجازي عليه \" (^٤).\nوقد يُفسَّر الخبير بمعنى العليم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [النور:٣٠]، أي: عليم بما يصنعون. (^٥) ولذا قال السمعاني في تفسير الخبير في قوله تعالى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤)﴾ [المُلك:١٤]، قال: \" ويُقال: الخبير هو العالم \" (^٦)\nقال الخطابي: في تفسير الخبير: \" هو العالم بكنه الشيء، المطلع على حقيقته \" (^٧).\nوذكر الغزالي الفرق بينهما فقال: \" وهو بمعنى العلم، لكن العلم إذا أضيف إلى الخفايا الباطنة سُمي خبرة، وسُمي صاحبها خبيرًا \" (^٨). ومن خصائص علم الله تعالى:\n١ - أن انتهاء العلم البشري إلى الله تعالى، يقول الله جل وعلا: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف:٧٦]، قال ابن عباس: وفوق كل عالمٍ عالم، إلى أن ينتهي العلم إلى الله، وقرأ ابن مسعود: \" وفوق كل عالم عليم \" \" (^٩)\n_________\n(^١) «السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٦٥\n(^٢) «السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٢٥٠، وانظر: العسكري: الفروق اللغوية: ٨٨\n(^٣) «السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٢٧٤\n(^٤) «السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٣٤٠\n(^٥) «السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٥٢٠\n(^٦) «السمعاني: تفسير القرآن: ٦/ ١١\n(^٧) «الخطابي: شأن الدعاء: ط ١، ١٤٠٤ هـ، (١١١)\n(^٨) «الغزالي: المقصد الأسنى: ٦٣\n(^٩) «السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٥٣","vol":"1","page":361},{"text":"٢ - وأن علم الله تعالى لا ينفد، قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ [لقمان:٢٧]، بمعنى: أن جميع أشجار العالم، ونباتها، لو بريت أقلامًا، وصارت البحور مدادًا، ما نفدت كلمات الله، أي: كلام الله وعلمه \" (^١)\n٣ - أن علمه وسع كل شيء، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [طه:٩٨]، أي: وسع علمه كل شيء (^٢). وقال تعالى: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ﴾ [المجادلة:٦]، أي: أحاط به علم الله. (^٣)\nوشاهده قوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام:٥٩]، يقول السمعاني: \" وقيل عبارة عن كل شيء \" (^٤)، وقال جل وعلا: ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ:٣]، قال السمعاني: \" والمعنى: أن كل ذلك في علمه \" (^٥)\nفالله جل وعلا، يعلم السر والإعلان (^٦)، فلا يخفى عليه عمل ولا يُضيعه، بل يثيب عليه (^٧).\n_________\n(^١) «السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٢٣٥\n(^٢) «السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٣٥٣\n(^٣) «السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٣٨٥\n(^٤) «السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ١١١\n(^٥) «السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٣١٦\n(^٦) «السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٩٨\n(^٧) «السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٢٠٠","vol":"1","page":362},{"text":"وهو العالم بصغار خلقه قبل كبارهم (^١)، والعالم بوجوه المصلحة (^٢)، وبأمر خلقه، وعباده، وما يُصلحهم (^٣)، بل هو عالم بخلقه قبل أن يخلقهم (^٤)، وهو عالم بالنيات وما تُخفيه الصدور (^٥)، ويستوي في علم الله المُسَّرُ بالقول، والجاهر به (^٦)، ويعلم ما تحمل كل أُنثى، من ذكر أو أنثى، أو سَوِيِّ الخلق أو غير سويه، أو واحد أو اثنين أو أكثر (^٧).\nيقول جل وعلا: ﴿وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى (٧)﴾ [طه:٧]، يقول السمعاني: \" إن جهرت أو أسررت فلا يغيب عن علمه. واختلفت الأقوال في قوله: (وأخفى):\n١ - فروى ابن عباس أنه قال: السر: ما تُحدث به غيرك، وأخفى ما تحدث به نفسك، وفي الآية تقدير، ومعناه: وأخفى منه، أي من السر.\n٢ - أن السر ما تحدث به نفسك، وأخفى ما يلقيه الله تعالى في قلبك من بعد، ولم تحدث به نفسك.\n٣ - أن السر هو العزيمة، أخفى هو مادون العزيمة، كأنه ما يخطر على القلب، ولم تعزم عليه.\n٤ - يعلم السر وأخفى، أي: والخفي.\n٥ - يعلم السر وأخفى، أي: أخفى سره عن عباده \". (^٨)\n_________\n(^١) «السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٦٣\n(^٢) «السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٣٣٣\n(^٣) «السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٤٣ - ٤/ ٣٩٠\n(^٤) «السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٢٥٦\n(^٥) «السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ١٦٩\n(^٦) «السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٨٠\n(^٧) «السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٨٠\n(^٨) «السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٣٢١","vol":"1","page":363},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-112>١١ - الخبير:</span>\nمن أسماء الله تعالى، الخبير، قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾ [العاديات:١١]، وفسَّرها السمعاني - كما سبق - بالعالم، ويُقال في هذا الموضع: يجازيهم بأعمالهم. (^١)\nوالخبير إذا اجتمع مع العليم، اختص الخبير بالأمور الباطنة، كما قال تعالى: ﴿قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [التحريم:٣]، ويقول السمعاني: \" أي الله، فإنه العليم بالأمور، الخبير بما في الصدور \" (^٢)،كذا فسرها السمعاني في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [فاطر:٣١]، فقال: \" أي: خبير بما في ضمائرهم \" (^٣)، وبمثله فسَّر قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ [الحج:٦٣]، قال السمعاني: \" خبير بما في قلوبهم، أي: بما يعرض في قلوبهم عند نقصان الرزق أو عدمه، وقيل: عند جدوبة الأرض \" (^٤).\nولذا قال جل في علاه: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (١٤)﴾ [فاطر:١٣ - ١٤]، قال السمعاني: \" ﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ أي: ولا ينبئك بهذا أحد مثله، والخبير هو الله تعالى، والمعنى: أن الذي أنبأك بهذا خبير بالأمور، عالم بها \" (^٥)، فهو الخبير بخلقه وما يصلحهم. (^٦)\n_________\n(^١) «السمعاني: تفسير القرآن: ٦/ ٢٧٢\n(^٢) «السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٤٧٣\n(^٣) «السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٣٥٨\n(^٤) «السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٤٥٣\n(^٥) «السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٣٥٣\n(^٦) «السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٧٦","vol":"1","page":364},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-113>١٢ - السميع، البصير:</span>\nمن أسماء الله تعالى الثابتة في محكم التنزيل، فالله تعالى هو السميع، كما قال سبحانه: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة:١٣٧]، وهو البصير كما قال سبحانه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، فالله جل وعلا، سميع لأقوال العباد، بصير بأفعالهم (^١)، وقد جمع الله جل وعلا بين هذين الاسمين، في مقام من أشرف المقامات للنبي ﷺ، فقال سبحانه: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الإسراء:١]، قال السمعاني: \" ذكر السميع هاهنا؛ ليُنبه على أنه المجيب لدعائه، وذكر البصير؛ ليُنبه على أنه كان الحافظ له في ظلمة الليل \" (^٢).\nوالسمع قد يكون مقتضاه المدح، أو الذم، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [آل عمران:١٢١]، يقول السمعاني: ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾: أي سميع بما قاله المنافقون، عليم بما أضمروا، فيكون على وجه التهديد، وقيل معناه: \" وَاللَّهُ سَمِيعٌ \" بما قال المؤمنون، \" عَلِيمٌ \" بما أضمروا، فيكون على وجه المدح \" (^٣).\nوقد فَسَّر السمعاني البصير بالخبير (^٤)، كما في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الحديد:٤]، وفَسَّر البصير بالعليم (^٥)، كما في قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ﴾ [المُلك:١٩].\n_________\n(^١) «السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٢٣٦\n(^٢) «السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٢١٤\n(^٣) «السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٣٥٢\n(^٤) «السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٣٦٥\n(^٥) «السمعاني: تفسير القرآن: ٦/ ١٢","vol":"1","page":365},{"text":"يقول الإمام أبو الحسن الأشعري:\" وأجمعوا على أن الله ﷿ يسمع ويرى \" (¬<span data-type=\"title\" id=toc-114>١).\n\n١٣ - القدير، والقادر، والمقتدر:</span>\nكل هذه الأسماء الحسنى، ثابتة في الكتاب العزيز، ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة:٢٠]، أي قادر (^٢)، بمعنى أنه: لا يعجزه شيء، بل تيسر له ما يريد على مايريد؛ لأن أفعاله قد ظهرت، ولا يظهر الفعل اختيارًا، إلا من قادر غير عاجز، كما لا يظهر إلا من حي عالم. (^٣)\nوفَسَّر السمعاني قوله تعالى: ﴿ذِي الطَّوْلِ﴾ [غافر:٣]، بالقدرة. (^٤) ونقل السمعاني عن بعض التفاسير: \"أن أجل فائدة للعباد من الله، هو العلم والقدرة؛ لأن بهما يكتسب الإنسان ما يوصله إلى رضا الله تعالى، قال: والعلم أكثر فائدة من القدرة؛ لأن العلم يتمخض نفعًا، والقدرة قد يكتسب بها المعصية\" (^٥)\nوكل الأشياء سهلة هينة في القدرة، ولا يصعب على الله شيء من الأشياء، وإن جَلَّ وعَظُمَ. (^٦)\nوشواهد القدرة كثيرة جدًا، لا تُعد ولا تُحصى، فكل ما يشاهد في هذا الكون، هو من دلائل القدرة الإلهية:\n١ - فلما شاهد العزير ما شاهد، من آثار القدرة الإلهية، ﴿قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة:٢٥٩]، يقول السمعاني: \" فلما ظهرت له قدرة الله تعالى، على عمارة بيت المقدس، وإحياء الموتى \" قَالَ أَعْلَمُ \"، يقرأ بقراءتين: على الخبر، وعلى الأمر، أما على الخبر فمعناه: علمت أن الله على كل شيء قدير، وأما على الأمر، قال لنفسه: \" أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ \". (^٧)\n_________\n(^١) «الأشعري: رسالة أهل الثغر: عمادة البحث العلمي بالجامعة الإسلامية، المدينة المنورة، ١٤١٣ هـ، (١٢٧)\n(^٢) «السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٥٦\n(^٣) «الحليمي: مختصر كتاب المنهاج: ٣٦\n(^٤) «السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٦\n(^٥) «السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٣٣٣\n(^٦) «السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ١١١\n(^٧) «السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٢٦٥","vol":"1","page":366},{"text":"٢ - وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ [النساء:١]، يقول السمعاني: \" ذكر هذا كله، لبيان القدرة، وإظهار المنة \". (^١)\n٣ - وقال تعالى: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ [النحل:٤]، يقول السمعاني: \" ومعنى الآية بيان القدرة، وهي أن الله تعالى خلق النطفة من كائن بهذه الحالة\". (^٢)\n٤ - وقال تعالى: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ [النحل:٤]، يقول السمعاني: \" أي: لما قدر على ابتداء الخلق، وعلى إحياء الأرض الميتة، فاعلم أنه على كل شيء قدير\" (^٣)\n٥ - وقال تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾ [فاطر:١٢]، يقول السمعاني: \" وفي الآية بيان القدرة في خلق الماء العذب والأجاج \" (^٤)\n٦ - وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ (٨)﴾ [الطارق:٨]، يقول السمعاني بعد ذكره الخلاف في المعنى: \" والقول الثالث - وهو أولى الأقاويل - أن المراد منه: أنه على إحيائه بعد الإماتة لقادر، ذكره الفراء والزجاج وغيرهما \" (^٥)\nولذلك يقول جل وعز مقررًا هذا الاسم العظيم، وهذه الصفة الكريمة بقوله: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة:١٠٦]، يقول السمعاني: \" فقوله \" أَلَمْ تَعْلَمْ \" وإن كان على صيغة الاستفهام، لكن المراد به التقرير، ومعناه: أنك تعلم أن الله على كل شيء قدير \" (^٦)\n_________\n(^١) «السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٣٩٤\n(^٢) «السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ١٥٩\n(^٣) «السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٤٢٢\n(^٤) «السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٣٥١\n(^٥) «السمعاني: تفسير القرآن: ٦/ ٢٠٣\n(^٦) «السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ١٢٤","vol":"1","page":367},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-115>١٤ - القوي، المتين:</span>\nالقوي من أسماء الله تعالى، والمتين كذلك من أسمائه، وهي صفة لله تعالى، كما قال سبحانه: ﴿ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات:٥٨]، يقول السمعاني: \" أي: القوة البالغة \" (^١)، والقوة والغلبة كلها لله تعالى، قال تعالى: \" أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ \" يعني: أيطلبون عندهم القوة والغلبة، \" فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا \"، أي: القوة والغلبة كلها لله تعالى. (^٢)\nفهو ﷾، القوي في نصرة المؤمنين، والقادر على إيصال الرزق إليهم (^٣)، وهو القوي على مايريد (^٤)، ولما يريد، قال تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢١)﴾ [المجادلة:٢١]، أي: قوي في الأمور، غالب عليها. (^٥)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-116>١٥ - اللطيف، والبر:</span>\nهو من الأسماء الحسنى، قال تعالى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [المُلك:١٤]، فهو سبحانه اللطيف في علمه، يعلم ما يظهر وما يسر، وكل ما دق يُقال: لطيف. (^٦)\nوفَسَّر السمعاني اسم الله جل وعلا (اللطيف) بأنه:\nـ موصل الشيء باللين والرفق.\nـ اللطيف بأوليائه وعباده. (^٧)\nيقول السمعاني في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ﴾ [يوسف:١٠٠]، \"اللطيف: هو الرفيق، ويُقال معنى الآية: إن ربي لطيف بمن يشاء. وحقيقة اللطيف: هو الذي يوصل الإحسان إلى غيره برفق \" (^٨).\nوقد فَسَّر السمعاني اسم الله (الْبَرُّ) باللطيف، قال: \" والبر: هو البار اللطيف بعباده، ولطفه بعباده: هو إنعامه عليهم، مع عِظَم جرمهم وذنبهم \" (^٩).\nوقال البر: الذي يصدق وعده لأوليائه. (^١٠)\n_________\n(^١) «السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٢٦٥\n(^٢) «السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٤٩٢\n(^٣) «السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٧١\n(^٤) «السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٤٥٦\n(^٥) «السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٣٩٣\n(^٦) «السمعاني: تفسير القرآن: ٦/ ١١\n(^٧) «السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ١٣٣\n(^٨) «السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٦٨\n(^٩) «السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٢٧٦\n(^١٠) «السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٢٧٦","vol":"1","page":368},{"text":"وظهر معنى اللطف في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ﴾ [الشورى:١٩]، \" أي: بار حفي رحيم بهم، ويُقال: معنى اللطيف ها هنا: الرزاق، أي: لا يهلكهم جوعًا، بل يرزقهم \". (¬<span data-type=\"title\" id=toc-117>١)\n\n١٦ - الملك، والمالك، والمليك:</span>\nوردت هذه الأسماء لله جل وعلا، في الكتاب العزيز، قال تعالى:\nـ ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ﴾ [الحشر:٢٣]، قال السمعاني:\" الملك: أي: المقتدر على الأشياء\" (^٢).\nـ ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة:٤]، ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ﴾ [آل عمران:٢٦]. ذكر السمعاني قراءتين لقوله ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾: (مالك، وملك)، وذكر الخلاف في أيهما الأولى على قولين: (^٣)\nالأول: أن (مالك) أولى، قال أبو حاتم السجستاني: (مالك) بالألف أولى؛ لأنه أوسع وأجمع، يُقال: مالك الدار، ومالك الطير، ومالك العير، ولا يُستعمل منها اسم الملك.\nالثاني: أن (ملك) أولى، قال أبو عبيد والمبرد: (وملك) أولى؛ لأنه أتم، فإن الملك يجمع معنى المالك، والمالك لا يجمع معنى الملك، فإن كل ملك مالك، وليس كل مالك ملك؛ ولأنه أوفق لألفاظ القرآن، مثل قوله تعالى: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾ [المؤمنون:١١٦]، وقوله: \" لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ \" غافر، ونحو ذلك، فمالك: من الملك والملكة، وملك من الملك والملكة، والله تعالى مالك وملك. (^٤)\n_________\n(^١) «السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٧١\n(^٢) «السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٤٠٨\n(^٣) «السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٣٦\n(^٤) «قال أبو هلال العسكري: \" الفرق بين مالك وملك: أن مالكًا يفيد مملوكًا، وملكًا لا يفيد ذلك، ولكنه يفيد الأمر، وسعة المقدرة، على أن المالك أوسع من الملك؛ لذلك تقول: الله مالك الملائكة، والإنس، والجن، ومالك الأرض والسماء، ومالك السحاب والرياح، ونحو ذلك، وملك لا يحسن إلا في الملائكة، والإنس، والجن \". الفروق اللغوية: ١٨٢.","vol":"1","page":369},{"text":"فالله جل وعلا تفرد بالملك التام، والسلطان التام، قال سبحانه: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة:١٠٧]، يقول السمعاني: \" وأما المُلك: هو القدرة التامة، ومنه المَلِك، وهو السلطان التام القدرة\" (^١)\nـ والله جل وعز له تمام الملك في الدنيا والآخرة، قال سبحانه: ﴿فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولَى﴾ [النجم:٢٥]، أي: الملك في الآخرة والأولى. (^٢)\nفإن قيل: لِمَ خص الملك بالآخرة في قوله تعالى: \" ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة:٤] \"؟!\nقيل: إنما خصه؛ لأن الأمر في القيامة يخلص له، كما قال: ﴿وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الانفطار:١٩]، وأما في الدنيا للملوك أمر، وللمسلمين أمر، وللأنبياء أمر. (^٣)\nفلا شيء يخرج عن ملكه جل وعلا، قال سبحانه: ﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [المؤمنون:٨٨]، أي: مالك كل شيء، والتاء للمبالغة (^٤). وقال سبحانه: ﴿فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [يس:٨٣]، أي: ملك كل شيء (^٥)، وقال سبحانه: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ [المُلك:١]، أي: ملك السموات والأرض (^٦)، وقال سبحانه: ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ [الحديد:٢]، أي: له الملك في السموات والأرض، محييًا ومميتًا. (^٧)\nـ وقال جل شأنه: ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر:٥٥]، واختلف: هل الملك والمليك بمعنى واحد أم لا؟ قولان:\nالأول: أن الملك والمليك بمعنى واحد، قال ابن الزبعري:\n(يا رسول المليك إن لساني ... ... رائق ما فتقت إذ أنا بور)، أي: رسول الملك.\n_________\n(^١) «السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ١٢٤\n(^٢) «السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٢٩٦\n(^٣) «السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٣٧\n(^٤) «السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٤٨٧\n(^٥) «السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٣٩٠\n(^٦) «السمعاني: تفسير القرآن: ٦/ ٦\n(^٧) «السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٣٦٤","vol":"1","page":370},{"text":"الثاني: أن بينهما فرق، فقيل: إن المليك هو المستحق للملك، والملك: القائم بالملك. (¬<span data-type=\"title\" id=toc-118>١)\n\n١٧ - القدوس:</span>\nورد هذا الاسم في كتاب الله جل وعلا، قال ﷾: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ﴾ [الحشر:٢٣]، وفَسَّره السمعاني بثلاثة معانٍ: (^٢)\nأ - المنزه من كل عيب وآفة.\nب - الطاهر.\nج - القدوس بمعنى المُقَدَّس، يعنى: يقدسه الملائكة ويسبحونه، وفي تسبيح الملائكة سبوح، قال تعالى: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ [البقرة:٣٠]، يقول السمعاني: \"ونقدس لك \" يعني: نثني عليك بالقدس والطهارة، وقيل معناه: نطهر أنفسنا بطاعتك، والثناء عليك \" (^٣).\nقال الحليمي: \" القدوس: الممدوح بالفضائل والمحاسن، وإثبات المدائح له، نفي للمذام عنه، كقولنا: إنه عالم، نفي للجهل عنه، وكقولنا: إنه قادر، نفي للعجز عنه \" (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-119>١٨ - السلام:</span>\nقال ﷾: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ﴾ [الحشر:٢٣]، وقد استدل السمعاني في هذا الموطن على هذا الاسم بالسنة، فقال (^٥): \" وفي بعض الأخبار: أن النبي ﷺ قال: (السلام اسم من أسماء الله تعالى، وضعه بينكم فأفشوه) \" (^٦).\nوقد فَسَّره السمعاني بما ورد عن السلف، فنقل عن قتادة قال: معناه: مُسلم من الآفات والعيوب، ونقل عن مجاهد قال: سَلِم الناس من ظلمه. (^٧)\nوقال الخطابي: \" السلام في صفة الله سبحانه، هو الذي سَلِم من كل عيب، وبرئ من كل آفة ونقص يلحق بالمخلوقين، وقيل: الذي سلم الخلق من ظلمه \" (^٨).\n_________\n(^١) «السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٣٢١\n(^٢) «السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٣٦\n(^٣) «السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٤٠٨ - ٤٣٠\n(^٤) «الحليمي: مختصر كتاب المنهاج: ٣٩\n(^٥) «السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٤٠٩\n(^٦) «أخرجه البخاري في الأدب المفرد: مكتبة المعارف، الرياض، ط ١، ١٤٠٩ هـ، ح (٩٨٩)، وأخرجه الطبراني في الأوسط، ح (٣٠٠٨).\n(^٧) «السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٤٠٩\n(^٨) «الخطابي: شأن الدعاء: ٤١","vol":"1","page":371},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-120>١٩ - المؤمن:</span>\nقال ﷾: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ﴾ [الحشر:٢٣]، وذكر السمعاني في تفسيره ثلاثة أقوال: (^١)\nالأول: أنه يُؤَمَّن المؤمنين من النار والعذاب.\nالثاني: أن المؤمنين أمنوا من ظلمه، فهو مؤمن.\nالثالث: أنه شهد لنفسه بالوحدانية، فهو مؤمن بهذا المعنى، وشهادته لنفسه بالوحدانية، هو قوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [آل عمران:١٨].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-121>٢٠ - المهيمن:</span>\nقال ﷾: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ﴾ [الحشر:٢٣]، المهيمن: قيل إن أصله: المؤيمن، إلا أنه قد قلبت الهمزة هاء، مثل قولهم: أرقت الماء وهرقته. (^٢)\nوفي معناه قيل:\n١ - الشهيد، قاله قتاده.\n٢ - الأمين، ومعنى كونه أمينًا، أنه لا يُضيع أعمال العباد، فكأن أعمال العباد في أمانته لا يضيعها.\n٣ - الرقيب (^٣)، وهو على معنى ما ورد عن ابن عباس: المهيمن: الشهيد، أو الشاهد على خلقه، وقال: الأمين والمؤتمن، وقيل: المصدق. (^٤)\n٤ - وقيل: القائم بأمور الخلق. (^٥)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-122>٢١ - الجبار:</span>\nقال تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ﴾ [الحشر:٢٣]، أصل هذا اللفظ: \" وأصل الجبار: المتعظم الممتنع عن الذل والقهر، ومنه يُقال: نخلة جبارة، إذا كانت طويلة ممتنعة على وصول الأيدي إليها \" (^٦).\n_________\n(^١) «السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٤٠٩ - ١/ ٤٣\n(^٢) «السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٤٠٩\n(^٣) «السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٤٠٩\n(^٤) «الطبري: جامع البيان: ٢٣/ ٣٠٤، وما بعده.\n(^٥) «ابن الأثير: النهاية في غريب الحديث: ٥/ ٢٧٥\n(^٦) «السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٢٦","vol":"1","page":372},{"text":"والجبار وصف مدح في حق الله جل وعلا، وهو وصف ذم للخلق؛ لأن الجبار هو الذي لا يرى فوقه أحد، والجبرية: طلب العلو بما لا غاية وراءه، وهو وصف لا يصح إلا لله تعالى. (^١)\nفمعنى الجبار: هو الذي جبر الخلق على مراده ومشيئته.\nـ وقيل: الجبار: أي العظيم.\nـ وقيل: هو الذي يفوت عن الأوهام والإدراك. (^٢)\nيقول الزجاج: \" الجبار من الآدميين: العاتي الذي يجبر الناس على مايريد، والله ﷿، الجبار العزيز، وهو الممتنع من أن يُزَلَّ، والله ﷿ يأمر بما أراد، لا راد لأمره، ولا معقب لحكمه \" (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-123>٢٢ - المتكبر:</span>\nقال تعالى ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ﴾ [الحشر:٢٣]، قيل في تفسيره: الكبير، وقيل: هو الذي أعلى نفسه وعظمها، وهذا ممدوح في صفات الله تعالى، مذموم في صفات الخلق؛ لأن الخلق لا يخلون عن نقيصة، فلا يليق بهم إعظامهم أنفسهم، وإعلاؤهم إياها، والله تعالى لا يجوز عليه نقص؛ فيصح مدحه لنفسه وإعظامه.\nوقيل: مدح نفسه؛ ليعلم خلقه مدحهم إياه؛ ليُثيبهم عليه؛ إذ لا يجوز أن يعود إليه ضر ولا نفع. (^٤)\nوالله ﷾، له الكبرياء في السموات والأرض، قال جل شأنه: ﴿وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الجاثية:٣٧]، أي: العظمة، والعلو (^٥)، وقد روى سعيد بن جبير عن ابن عباس، أن النبي ﷺ قال: (يقول الله تعالى: الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، فمن نازعني واحدة منهما ألقيته في جهنم \". (^٦)\nقال قتادة: المتكبر: الذي تكبر عن كل شر. (^٧)\n_________\n(^١) «السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ١٠٩ - ٥/ ٢٤٨\n(^٢) «السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٤١٠\n(^٣) «الزجاج: معاني القرآن: ٢/ ١٦٣، والسمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٢٦\n(^٤) «السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٤١٠\n(^٥) «السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ١٤٦\n(^٦) «أخرجه ابن ماجه في سننه، باب البراءة من الكبر، ح (١٤٧٥)\n(^٧) «الطبري: جامع البيان: ٢٣/ ٣٠٤","vol":"1","page":373},{"text":"وقال الزجاج: المتكبر: الذي تكبر عن ظلم عباده. (^١)\nفالمتكبر صفة مدح في جلال الله تعالى وكماله وجماله، \" وفي صفات الخلق مذموم؛ لأن الخلق أمروا بالتواضع، والخشوع، والخضوع، ولين الجانب، وخفض الجناح، وأما الرب ﷻ، فيليق به الجبروت والكبرياء؛ لأنه المتعالي عن إدراك الخلق، القاهر لهم في كل مايريده، ولم يصفه أحد حق صفته، ولا عظمه أحد حق تعظيمه، ولاعرفه أحد حق معرفته \" (¬<span data-type=\"title\" id=toc-124>٢)\n\n٢٣ - الخالق، والبارئ، والمصور:</span>\nوهذه الأسماء الجليلة العظيمة لله تعالى، وردت في مقام واحد، يقول سبحانه: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الحشر:٢٤].\nأ - الخالق:\nهو الذي خلق لا على مثال سابق، قال تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة:١١٧]، أي: مبدعهما، قال ابن عباس: هو الخالق لا على مثال سابق. (^٣)\nوهو الفاطر المنشيء للخلق، قال تعالى: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأنعام:١٤]، \" قال الأصمعي: ما كنت أعرف معنى فاطر، حتى اختصم إلى أعرابيان في بئر، فقال أحدهما: أنا فطرته، فعرفت أنه إنشاء الخلق \" (^٤)\nوقال تعالى: ﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [إبراهيم:١٠]، أي: خالق السموات والأرض (^٥). وقال تعالى في قصة إبراهيم ﵇: ﴿قَالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ﴾ [الأنبياء:٥٦]، أي: خلقهن، ثم قال: ﴿وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ أي: على أنه الإله الذي لا يستحق العبادة غيره، وأن الأصنام ليست بآلهة، وقيل: وأنا من الشاهدين على أنه خالق السموات والأرض. (^٦)\n_________\n(^١) «الزجاج: معاني القرآن: ٥/ ١٥١\n(^٢) «السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٢٤٨\n(^٣) «السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ١٣٠\n(^٤) «السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٩١\n(^٥) «السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ١٠٧\n(^٦) «السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٣٨٦","vol":"1","page":374},{"text":"والرب هو الخالق، قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الزُّخرُف:٨٢]، يقول السمعاني: \" أي: خالق السموات والأرض \" (^١)\nوالمشركون يقرون بالخالقية لله تعالى، يقول تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ [الزُّخرُف:٩]، ويقول تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (٣٥) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ (٣٦)﴾ [الطور:٣٥ - ٣٦]، يقول السمعاني: \" وفي التفسير: أنهم كانوا مقرين بأن الله خالق السموات والأرض، فالمعنى: أنهم إذا كانوا مقرين بأن الله هو الخالق، فلِمَ يشركون معه غيره \" (^٢).\nفالله جل وعلا هو الخالق، والخلَاّق، والخلق: هو اختراع الشيء على غير مثال سابق. (^٣)\nوقال جل شأنه: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾ [الحِجر:٨٦]، يعني: الخالق العليم بخلقه، كما قال في موطن آخر: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾ [المُلك:١٤]، وهو \" استفهمام بمعنى الإنكار والتوبيخ، والمعنى: ألا يعلم مَنْ في الصدور، مَنْ خلق الصدور، ويُقال: ألا يعلم ما خلق، (من) بمعنى (ما) \" (^٤)\nوقال تعالى: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾ [يس:٨١]، والخلاق: هو الذي يخلق مرة بعد مرة، والعليم هو العالم بخلقه (^٥)، فالخلق: هو ابتداع الشيء وتقديره. (^٦)\nوصفة الخالقية تتسم بعدة خصائص:\n_________\n(^١) «السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ١١٩\n(^٢) «السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٢٧٨\n(^٣) «السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٥٦\n(^٤) «السمعاني: تفسير القرآن: ٦/ ١١\n(^٥) «السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٣٩٠\n(^٦) «السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ١٦٢","vol":"1","page":375},{"text":"١ - الشمولية: قال تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزُّمَر:٦٢]، وقال تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام:١٠١]، واستدل السمعاني بهذا على نفي الولد عن البارئ جل وعز، فقال: \" وفيه أيضًا دليل على أن لا ولد له؛ لأنه إذا كان خلق كل شيء، لم يصلح شيء أن يكون ولد له؛ إذ المخلوق لا يصلح ولدًا للخالق؛ فإن ولد كل أحد يكون من جنسه \" (^١)، والكلية هنا شاملة لكل مايصلح أن يكون مخلوقًا، أما ما لا يدخله الخلق، كذات الله تعالى وأسمائه وصفاته، فلا تدخل في هذا العموم.\nيقول السمعاني في تفسير قوله تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الفرقان:٢]، (^٢): \"أي: مما يصلح أن يكون مخلوقًا \" (^٣)، وقد حكى الأشعري الإجماع على هذا فقال: \" واعلموا - أرشدكم الله - أن مما أجمعوا عليه - رحمة الله عليهم - على اعتقاده، مما دعاهم النبي ﷺ إليه، ونبههم بما ذكرناه على صحته: أن العالم بما فيه من أجسامه وأعراضه، محدث لم يكن ثم كان، وأن لجميعه محدثًا واحدًا، اخترع أجناسه، وأحدث جواهره وأعراضه، وخالف بين أجناسه. وأنه ﷿ لم يزل قبل أن يخلقه، واحدًا، عالمًا، قادرًا، مريدًا، متكلمًا، سميعًا، بصيرًا، له الأسماء الحسنى والصفات العلى، وأنهم عرفوا ذلك بما نبههم الله ﷿ عليه، وبين لهم ﷺ وجه الدلالة فيه \" (^٤).\n_________\n(^١) «السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ١٣١\n(^٢) «قيل: إن (خلق) تكون لشيء مخصوص، وإنما يُقال (خالق) على العموم، وهذه الآية تشكل على هذا القول. انظر: القرطبي: الجامع لأحكام القرآن: ١٢/ ٢٩١\n(^٣) «السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٥\n(^٤) «الأشعري: رسالة إلى أهل الثغر:١١٨","vol":"1","page":376},{"text":"وقال عبدالقاهر البغدادي: \" فقد أجمعوا على أن العالم، كل شيء هو غير الله ﷿، وعلى أن كل ما هو غير الله تعالى، وغير صفاته الأزلية، مخلوق مصنوع، وعلى أن صانعه ليس بمخلوق، ولا مصنوع، ولا هو من جنس العالم، ولا من جنس شيء من أجزاء العالم\" (^١).\n٢ - الحُسن والإبداع، قال تعالى: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ [السجدة:٧]، \" قال ابن عباس: أي: أتقن وأحكم. قيل: أما إن إسْت القرد ليس بحسن، ولكنه محكم، وقيل: خلق البهائم على صورة البهائم، والآدميين على صورة الآدميين، ولم يخلق الآدميين على صورة البهائم، ولا البهائم على صورة الآدميين، فكل حيوان كامل حسن في خلقته، وهذا معنى قول الحكماء الذين مضوا: كل حيوان كامل في نقصانه، يعني: أنه لو قوبل بغيره كان ناقصًا، وهو في نفسه، وأداته كامل.\nوذكر بعضهم في معنى الآية: طول رجل البهيمة، وطول عنق الطائر؛ ليصل كل واحد منهما إلى معاشه \" (^٢)، وقال تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين:٤]، أي: في أحسن صورة، وقيل: هو اعتداله واستواؤه. (^٣)\n_________\n(^١) «البغدادي: الفرق بين الفرق: دار الآفاق الجديدة، بيروت، ط ٢، ١٩٧٧ هـ، (٣١٥)، يقول السمعاني: \" ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ [الإخلاص:٤]، أي: ليس بوالد، ولا بمولود، وليس له شبيه من خلقه ...؛ ولأنه ليس شيء يولد إلا سيموت، وليس شيء يموت إلا سيورث، وإن الله لا يموت ولا يورث \" (٦/ ٣٠٣)\n(^٢) «السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٢٤٤\n(^٣) «السمعاني: تفسير القرآن: ٦/ ٢٥٣","vol":"1","page":377},{"text":"وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ [يس:٧١]، أي: مما تولينا خلقه وإبداعه. (^١) وقال تعالى: ﴿ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى﴾ [القيامة:٣٨]، أي: خلق منه الإنسان، فسوى خلقه. (^٢) ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون:١٤].\n٣ - التهيئة والإصلاح، قال تعالى: ﴿قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه:٥٠]، قال الحسن: أعطى كل شيء ما يصلحه، ثم هداه إليه، وقال مجاهد: معناه: أعطى كل شيء صورة، ثم هداه إلى منافعه من المطعم، والمشرب، والمنكح. (^٣)\nوقال تعالى: ﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا﴾ [نوح:١٤]، الطور: الحال، ومعنى الحالات، هاهنا: أنه خلقه من نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، ثم عظمًا ولحمًا، إلى أن أتم خلقه. (^٤)\nوقال تعالى: ﴿مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (١٨) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (١٩)﴾ [عبس:١٨ - ١٩]، أي: وضع كل شيء موضعه، وهيأ له ما يصلحه. (^٥)\nوقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (٧) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ (٨)﴾ [الانفطار:٦ - ٨]، قال عطاء: جعلك قائمًا معتدلًا، حسن الصورة، وقيل: سواك، أي: سوَّى بين يديك، ورجليك، وعينيك، وأذنيك، ووضع كل شيء موضعه، هو أيضًا في معنى قوله: \"فعدلك \"، وقُرِئ بالتخفيف، أي: صرفك في أي صورة شاء، من حسن وقبيح، وطويل وقصير، وقيل: أي في عدل بعضك ببعض، فكنت معتدل الخلق، مناسبها، فلا تفاوت فيها. (^٦)\n٤ - الإنفراد في الخلق، والإيجاد من العدم:\n_________\n(^١) «السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٣٨٧\n(^٢) «السمعاني: تفسير القرآن: ٦/ ١١١\n(^٣) «السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٣٣٤\n(^٤) «السمعاني: تفسير القرآن: ٦/ ٥٧\n(^٥) «السمعاني: تفسير القرآن: ٦/ ١٥٩\n(^٦) «السمعاني: تفسير القرآن: ٦/ ١٧٥","vol":"1","page":378},{"text":"قال تعالى: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ [فاطر:٣]، هنا استفهام على وجه التقرير، كأنه قال: لا خالق غير الله (^١). وهذا لا يُعارِض:\nـ الجمع في قوله تعالى: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (١٤)﴾ [المؤمنون:١٤]، وقوله تعالى: ﴿وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ (١٢٥)﴾ [الصافات:١٢٥].\nـ أو إضافة الخلق لغيره، كما في قوله تعالى: ﴿وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا﴾ [العنكبوت:١٧]؛ لأن المعنى فيها التقدير، فقد ورد الخلق بمعنى التقدير، أي: تقدرون إفكًا، قال الشاعر:\n(ولأنت تفري وما خلقت وبعض ... القوم يخلق ثم لا يفري) أي: يقدر.\nفيكون المعنى على الأول: أحسن المقدرين، ويُقال: إن معناه: يصنعون وأصنع، وأنا أحسن الصانعين. (^٢)\nب - البارئ:\nقال تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ﴾ [الحشر:٢٤]:\nقيل: البارئ هو في معنى الخالق، على طريق التأكيد.\nوقيل: إن معناه: المحيي بعد الإماتة. (^٣)\nوقد فَسَّره السمعاني بالخالق في مواطن أخرى، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة:٥٤]، قال: بارئكم: خالقكم. (^٤)\nوقال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحديد:٢٢]، يقول السمعاني: \" مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا \" أي: من قبل أن نخلقها. (^٥)\nقال الحليمي: \" البارئ الموجد لأصناف الخلائق \". (^٦)\n_________\n(^١) «السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٣٤٥\n(^٢) «السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٤٦٧ - ٤/ ٤١٨\n(^٣) «السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٤١٠\n(^٤) «السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٨٠\n(^٥) «السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٣٧٦\n(^٦) «الحليمي: مختصر كتاب المنهاج: ٣٧","vol":"1","page":379},{"text":"وقال القرطبي: \" البارئ: الخالق، وبينهما فرق، وذلك أن البارئ هو المُبدع المُحدِث، والخالق هو المقدر الناقل من حال إلى حال \". (^١)\nوقال ابن الأثير: \" البارئ: هو الذي خلق الخلق لا على مثال، إلا أن لهذه اللفظة من الاختصاص بالحيوان، ماليس لها بغيره من المخلوقات، وقلما تستعمل في غير الحيوان، فيقال: برأ الله النسمة، وخلق السموات والأرض \". (^٢)\nج - المصور:\nقال تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ﴾ [الحشر:٢٤].\nقال السمعاني: \" المصور: هو التصوير المعلوم، يصور كل خلق على ما يشاء. وقيل: التصوير: هو تركيب مخصوص، في محل مخصوص من الخلق \". (^٣)\nوقال الطبري: \" المصور: خلقه كيف شاء، وكيف يشاء \". (^٤)\n_________\n(^١) «القرطبي: الجامع لأحكام القرآن: ١/ ٤٠٢\n(^٢) «ابن الأثير: جامع الأصول: مكتبة الحلواني، ط ١، ١٣٩٠ هـ (٤/ ١٧٣)\n(^٣) «السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٤١٠\n(^٤) «الطبري: جامع البيان: ٢٣/ ٣٠٥","vol":"1","page":380},{"text":"وقال ابن الأثير: \" المصوِّر: هو الذي أنشأ خلقه على صور مختلفة، ومعنى التصوير: التخطيط والتشكيل \" (^١)، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [آل عمران:٦]، \" روي عن ابن مسعود ﵁ قال: \" إن النطفة إذا وقعت في الرحم، تكون أربعين يومًا نطفة، ثم أربعين يومًا علقة، ثم أربعين يومًا مضغة، ثم يبعث الله تعالى ملكًا، يأخذ ترابًا بين أصبعيه، فيخلطه بالمضغة، ثم يصوره - بإذن الله - كيف شاء، أحمر، أو أسود، أو أبيض، طويلًا، أو قصيرًا، حسنًا، أو قبيحًا ... \" (^٢)، وقال تعالى: ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ [غافر:٦٤]، \" في التفسير: أنه لا يأكل بيده سوى الآدميين، ولا صورة على هذه الصورة، أحسن من الآدميين \" (^٣)، وقال تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ [التغابن:٣]، أي: خلق الإنسان في أحسن صورة، ولو عرض الله عليه الصور، ما اختار غير صورته. (^٤)\nوقال بعض المفسرين في هذه الأسماء الثلاثة، هي من قبيل الترتيب المخصوص، فيقدم العام على الخاص، \" فالخالق يعم، وذكر المصور؛ لما في ذلك من التنبيه على الصفة، ووجوه الحكمة \". (^٥)\nيقول القرطبي: \" الخالق هنا المقدر، والبارئ: المنشئ المخترع، والمصور: مُصوِّر الصُّور، ومركبها على هيئات مختلفة، فالتصوير مرتب على الخلق والبراية، وتابع لهما، ومعنى التصوير: التخطيط والتشكيل. وخلق الله الإنسان في أرحام الأمهات ثلاث خِلَق: جعله علقة، ثم مضغة، ثم جعله صورة، وهو التشكيل الذي يكون به صورة وهيئة، يُعرف بها، ويتميز عن غيره بسمتها، فتبارك الله أحسن الخالقين\". (^٦)\n_________\n(^١) «ابن الأثير: جامع الأصول: ٤/ ١٧٣\n(^٢) «السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٢٩٣\n(^٣) «السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٢٩\n(^٤) «السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٤٥٠\n(^٥) «ابن عطية: المحرر الوجيز: ١/ ٧٠\n(^٦) «القرطبي: الجامع لأحكام القرآن: ١٨/ ٤٨","vol":"1","page":381},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-125>٢٤ - الحي القيوم:</span>\nورد ذكر هذين الاسمين في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة:٢٥٥].\nأ - الحي: هو الباقي الدائم على الأبد، وهو من الحياة، والحياة: صفة الله تعالى. (^١)\nفالحي هو الدائم الذي لم يزل (^٢)، قال تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ [الفرقان:٥٨]، وهو الله تعالى. (^٣)\nب - القيوم:\nقيل: هو القائم على كل أحد، بتدبيره في الدنيا. وقيل: هو القائم على كل نفس بما كسبت للمجازاة في الآخرة، وقيل: هو القائم بالأمور (^٤)، وقيل: هو الذي لا يزول ولا يحول. (^٥)\nفالله جل وعلا قائم على خلقه بتدبير أمورهم، وتصريفها، قال تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ [آل عمران:١٨]، يقول السمعاني: \" فهو الله تعالى قائم بتدبير الخلق \" (^٦)، وقال تعالى: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [الرعد:٣٣]، هذا وصف لله جل وعلا، والله تعالى لا يجوز أن يُسمى قائمًا على الإطلاق؛ لأن الشرع لم يرد به، وإنما يوصف به على التقييد، وهو أنه قائم على كل نفس بما كسبت، والقائم هو المتولي لأحوالها، وأعمالها، وأرزاقها، وكذلك هو المتولي للمجازاة، بكسب الخير والشر، وقال بعضهم: معنى قوله: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ﴾ أي: عالم بكسب كل نفس. (^٧) وقد ربط القرآن بين اسمي الحي القيوم؛ لارتباطهما ففيهما إثبات الكمال الذاتي في الحي، والسلطاني في القيوم. (^٨)\n_________\n(^١) «السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٢٥٧\n(^٢) «السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٢٩١ - ٣/ ٣٥٦\n(^٣) «السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٢٧\n(^٤) «السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٢٥٧\n(^٥) «السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٢٩١\n(^٦) «السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٣٠٢\n(^٧) «السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٩٦\n(^٨) «انظر: حصة الصغير: شرح أسماء الله تعالى: دار القاسم، ط ١، ١٤٢٠ هـ، (١٩٤).","vol":"1","page":382},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-126>٢٥ - الحسيب:</span>\nقال تعالى: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ [الأحزاب:٣٩]، وقد فسَّر السمعاني الحسيب بعدة تفسيرات:\nالحسيب: الشهيد الحافظ (^١)، كما قال تعالى: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ [الأحزاب:٣٩]،\nوالحسيب: المحاسب، وقيل: الكافي (^٢)، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾ [النساء:٨٦]، وقال تعالى لنبيه ﵊: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال:٦٤]، يعني يكفيك ويكفي من اتبعك من المؤمنين. (^٣)\nفالله سبحانه أسرع الحاسبين، كما قال تعالى: ﴿أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ [الأنعام:٦٢]، أي: يحاسب الكل في لحظة. (^٤)\nقال تعالى: ﴿وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء:٤٧]، أي: محاسبين، وقيل: حافظين عالمين، وقيل: محصين. (^٥)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-127>٢٦ - الشهيد:</span>\nقال تعالى: ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [سبأ:٤٧]، يقول السمعاني: \" الشهادة: خبر عن مشاهدة، يبنى عليها حكم شرعي، والله تعالى شهيد، على أفعال المؤمنين والكفار جميعًا\" (^٦). فالشهيد هو الشاهد (^٧)، كما قال تعالى: ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ [الرعد:٤٣]، وقال تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام:١٩]، أي يشهد لي بالحق، وعليكم بالباطل. (^٨)\nوالشهيد الكفيل، كما قال تعالى: \" ﴿وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا﴾ [النحل:٩١]، أي: شهيدًا. (^٩)\nوالشهيد هو الذي لا يخفى عليه شيء، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ﴾ [آل عمران:٩٨]، أي: لا يخفى عليه ما تعملون، ويجازيكم عليه. (^١٠)\n_________\n(^١) «السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٣٩٩ - ٤/ ٢٩٠\n(^٢) «السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٤٥٧\n(^٣) «السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٢٧٧\n(^٤) «السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ١١٢\n(^٥) «السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٣٨٤\n(^٦) «السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ١٨٧\n(^٧) «السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ١٠١\n(^٨) «السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٩٣\n(^٩) «السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ١٩٧\n(^١٠) «السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٣٤٤","vol":"1","page":383},{"text":"وقال الله تعالى لنبيه ﵊: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [فُصِّلَت:٥٣]، يعني: أولم يكفك يا محمد من ربك، أنه على كل شيء شهيد، وقيل: معناه: أو ليس في شهادة ربك كفاية، وقيل: أو ليس في الدلالة التي أقامها على التوحيد كفاية. وقوله: ﴿أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾، أي لأنه على كل شيء شهيد، أو بأنه على كل شيء شهيد. (^١)\nوالشهيد، والخبير، والعليم: كلها ترجع إلى العلم، فالأول: يرجع إلى الأمور الظاهرة، والثاني إلى الأمور الباطنة، والثالث يشملهما. (¬<span data-type=\"title\" id=toc-128>٢)\n\n٢٧ - الرقيب:</span>\nقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]، أي: حافظًا. (^٣)\nقال الحليمي: \" الرقيب: الذي لا يغفل عما خلق، فيلحقه نقص، أو يدخل عليه خلل \" (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-129>٢٨ - الوكيل:</span>\nقال تعالى: ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [الأنعام:١٠٢]، قال السمعاني: \" قيل: هو الكفيل بالأرزاق، وقيل: الوكيل هاهنا بمعنى: القائم بخلق كل شيء وتدبيره \" (^٥).\nوالوكيل الحافظ والحفيظ (^٦)، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [هود:١٢].\nوالوكيل الشاهد (^٧)، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ [القصص:٢٨].\nوالوكيل الذي يدبر الأمور على مشيئته (^٨)، قال تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [الزُّمَر:٦٢].\n_________\n(^١) «السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٦١\n(^٢) «الزجاج: اشتقاق أسماء الله: مؤسسة الرسالة، بيروت، ط ٢، ١٤٠٦ هـ (١٣٢)\n(^٣) «السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٣٩٤\n(^٤) «الحليمي: مختصر كتاب المنهاج: ٤٥\n(^٥) «السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ١٣٢\n(^٦) «السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٤١٦ - ٣/ ٤٧\n(^٧) «السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٤٧ - ٤/ ١٣٤\n(^٨) «السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٤٧٨","vol":"1","page":384},{"text":"وقال ﷾: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [النساء:١٣٢]، أي: اتخذوه وكيلًا، ولا تتكلوا على غيره (^١)، ونهى جل وعلا عن اتخاذ الوكيل دونه، فقال: ﴿أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا﴾ [الإسراء:٢]، أي: شريكًا، وقيل معناه: أمرناهم ألا يتوكلوا على غيري، ولا يتخذوا أربابًا دوني. (^٢)\nوالوكيل هو من يُوكل إليه الأمر (^٣)، قال تعالى: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا﴾ [الإسراء:٦٥]، وقد نعى الله تعالى على الكفار اتخاذهم الآلهة من دونه، فقال ﴿أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا﴾ [الإسراء:٦٨]، أي: من تكلون أمركم إليه فينجيكم (^٤). ولذا تولى الله تعالى كفاية نبيه ﷺ وحمايته، فقال: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [الأحزاب:٣]، أي: وكفى بالله حافظًا لك، ويُقال: وكفى بالله كفيلًا يرزقك. (^٥)\nوقال تعالى: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا﴾ [المزَّمل:٩]، قال الفراء: كفيلًا، وقيل: إلهًا، وقيل: كِل أمورك. (^٦)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-130>٢٩ - المقيت:</span>\nقال ﷾: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا (٨٥)﴾ [النساء:٨٥]، قال ابن عباس: المقيت: المقتدر، والقول الثاني له أيضًا: المقيت: الحافظ، وقيل:\"إن الله على كل حيوان مقيتًا، أي: يوصل القوت إليه. (^٧)\nورجح الإمام الطبري في معنى اسم الله المقيت: أنه القدير، قال وهو مروي عن السُّدي وابن زيد. (^٨)\n_________\n(^١) «السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٤٨٨\n(^٢) «السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٢١٧\n(^٣) «السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٢٦٠\n(^٤) «السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٢٦٢\n(^٥) «السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٢٥٧\n(^٦) «السمعاني: تفسير القرآن: ٦/ ٨٠\n(^٧) «السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٤٥٥\n(^٨) «الطبري: جامع البيان: ٨/ ٥٨٤","vol":"1","page":385},{"text":"وقال الإمام العربي: \" وعلى القول بأنه القادر، يكون من صفات الذات، وإن قلنا: إنه اسم للذي يُعطي القوت، فهو اسم للوهاب والرزاق، ويكون من صفات الأفعال \" (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-131>٣٠ - الواحد، الأحد:</span>\nورد ذكرهما في كتاب الله جل وعلا، قال تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [الرعد:١٦]، وقال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١]، نقل السمعاني عن الأزهري في تفسير اسم الله الواحد، قوله: \" الواحد: الذي لا نظير له، يُقال: فلان واحد العالم، أي: لا نظير له في العالم. وحقيقة الواحد: هو المنفرد الذي لا نظير له ولا شريك \". (^٢)\nوقال: \" الواحد: هو الشيء الذي لا ينقسم، وقد يكون شيئين لا ينقسم في معنى، وليس واحدًا، مثل قولهم: دينار واحد؛ لأنه لا ينقسم في الدينارية \" (^٣).\nفهو الواحد في ذاته سبحانه (^٤)، ولذا قال سبحانه: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [البقرة:١٦٣]، قال المشركون لرسول الله ﷺ: ما الدليل على أنه واحد؟ فنزل قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة:١٦٤]. (^٥)\nفهو الواحد في ذاته، وفي صفاته، وهو معبود واحد، لا يستحق العبادة سواه، ولذا قال: ﴿وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ [النحل:٥١]،\"فإن قال قائل: إيش معنى قوله: (اثنين) وقد قا ل: (إلهين)؟ الجواب من وجهين:\nأحدهما: على طريق التأكيد، وهو مثل قوله تعالى: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [البقرة:١٩٦].\n_________\n(^١) «انظر: محمد الحمود: النهج الأسمى: مكتبة الذهبي، الكويت، ط ٨، ١٤٢٨ هـ (١/ ٣٥٨)\n(^٢) «السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ١٦١\n(^٣) «السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٨٧\n(^٤) «السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٤٥٨\n(^٥) «السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ١٦٢","vol":"1","page":386},{"text":"والجواب الثاني: أن الآية على التقديم والتأخير، ومعناها: وقال الله: لا تتخذوا إلهين اثنين، إنما هو إله واحد \". (^١)\nوهل اسم الله الواحد بمعنى الأحد، أم بينهما فرق؟! قولان:\nالأول: أن الأحد بمعنى الواحد، قال السمعاني: \" وأكثر المفسرين أنه (الأحد) بمعنى الواحد \". (^٢)\nالثاني: بينهما فرق: فقيل: إن الأحد أبلغ من الواحد، يُقال: فلان لا يقاومه أحد، نفيًا للكل، ويُقال: لا يقاومه واحد، ويجوز أن يقاومه اثنان. وأيضًا فإن الواحد، يكون الذي يليه الثاني، والثالث، في العدد، والأحد لا يكون بمعنى هذا الحال. (^٣)\nورجح البغوي الأول، وقال: \" ولا فرق بين الواحد والأحد، يدل عليه قراءة ابن مسعود: \" قل هو الله الواحد \" (^٤)، ولذا قال الخليل: يجوز أن يُقال: أحد، اثنان، وأصل أحد، وحد، إلا أنه قُلبت الواو همزة؛ للتخفيف، وأكثر ما يفعلون هذا بالواو المضمومة، والمكسورة. (^٥)\nوذهب الأزهري إلى التفريق، وقال: لا يوصف شيء بالأحدية، غير الله تعالى، فلا يُقال: رجل أحد، ولا درهم أحد، كما يُقال: رجل واحد، أي فرد، بل أحد صفة من صفات الله تعالى، استأثر بها، فلا يشركه فيها شيء (^٦). قال ابن الأثير: \" فالواحد منفرد بالذات، والأحد منفرد بالمعنى \" (^٧).\nومن الفروقات بينهما:\n١ - ما ذكره السمعاني سابقًا.\n٢ - أن الواحد يدخل في الأحد، والأحد لا يدخل فيه.\n٣ - أن الواحد يُستعمل في الإثبات، والأحد في النفي، تقول في الإثبات: رأيت رجلًا واحدًا، وتقول في النفي: ما رأيت أحدًا، فيفيد العموم. (^٨)\nفالله الأحد، أي: الواحد الوتر، الذي لا شبيه له، ولا نظير، ولا صاحبه، ولا ولد، ولا شريك. (^٩)\n_________\n(^١) «السمعاني: تفسير القرآن: ٦/ ٣٠٣\n(^٢) «السمعاني: تفسير القرآن: ٦/ ٣٠٣\n(^٣) «السمعاني: تفسير القرآن: ٦/ ٣٠٣\n(^٤) «البغوي: معالم التنزيل: ٥/ ٣٣٠\n(^٥) «الرازي: مفاتيح الغيب: ٣٢/ ٣٦٠\n(^٦) «الأزهري: تهذيب اللغة: ٥/ ١٢٧\n(^٧) «ابن الأثير: جامع الأصول: ٤/ ١٧٣\n(^٨) «الرازي: مفاتيح الغيب: ٣٢/ ٣٦٠\n(^٩) «القرطبي: الجامع لأحكام القرآن: ٢٠/ ٢٤٤","vol":"1","page":387},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-132>٣١ - الصمد:</span>\nقال الله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢)﴾ [الإخلاص:١ - ٢].\nذكر السمعاني في تفسير اسم الله (الصمد) عدة أقوال، وكلها منقولة عن السلف:\n١ - أنه الذي يُصْمَد إليه في الحوائج.\n٢ - أنه هو الذي انتهى في السؤدد، وبلغ كماله.\n٣ - أنه الذي ليس له جوف، أي: لا يأكل.\n٤ - أن تفسيره قوله: \" لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ \".\n٥ - أنه الباقي الذي لا يفنى.\n٦ - أنه الدائم الذي لا يزول. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-133>٣٢ - الأول والآخر، والظاهر والباطن:</span>\nهذه الأسماء الجليلة وردت في كتاب الله، في مكان واحد، يقول تعالى: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد:٣].\nوأولى ما تُفسر به هذه الأسماء، ما فسره بها النبي ﷺ، حين قال: \" اللهم أنت الأول، فليس قبلك شيء، وأنت الآخر، فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر، فليس فوقك شيء، وأنت الباطن، فليس دونك شيء \" (^٢)\nوقد فسَّرها السمعاني بمقتضى ما فسرها به النبي ﷺ، فقال:\nـ الأول: قبل كل شيء، والآخر: بعد كل شيء.\nـ الأول: فلا أول له، والآخر: فلا آخر له.\nـ الأول: بلا ابتداء، والآخر: بلا انتهاء.\nـ الظاهر: أي الظاهر بالدلائل والآيات، وقيل: هو الغالب، وهذا يُحكى عن ابن عباس.\nـ الباطن: لأنه لا يُرى بالأبصار، ولا يدرك بالحواس، وقيل: هو المحتجب عن خلقه.\nوقال بعضهم: أي العالم بما ظهر وما بطن. (^٣)\n_________\n(^١) «السمعاني: تفسير القرآن: ٦/ ٣٠٣، الطبري: جامع البيان: ٢٤/ ٦٨٩\n(^٢) «أخرجه مسلم في صحيحه، باب ما يقول عند النوم، ح (٢٧١٣)\n(^٣) «السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٣٦٤","vol":"1","page":388},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-134>٣٣ - القاهر، والقهار:</span>\nقال تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام:١٨]، يقول السمعاني: \" القاهر: الغالب الذي لا يُغلب، وقيل: هو المنفرد بالتدبير، يجبر الخلق على مراده \" (^١)\nوقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٦٥)﴾ [ص:٦٥]، يقول السمعاني: \" والله الواحد القهار، القاهر عباده بما يُريد \" (^٢)\nفالقهار: هو الغالب على كل شيء (^٣)، والغالب الذي لا يغلبه شيء، فسبحان من تعزز بقدرته، وقهر عباده بالموت. (^٤)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-135>٣٤ - الواسع:</span>\nقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:١١٥]، وفسره السمعاني بقوله: \" أي: غني يعطي من السعة \" (^٥)، فالواسع: ذو السعة، وهو الذي يُعطي عن غِنى (^٦). والله واسع في الفضل، والرحمة، والقدرة سبحانه جل في علاه. (^٧)\nوهو سبحانه واسع الغنى، ولذا قال سبحانه: ﴿إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ﴾ [العنكبوت:٥٦]، أي: رزقي واسع، ذكره مطرف بن عبدالله بن الشخير. (^٨)\nوهو سبحانه واسع المغفرة، يقول تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾ [النجم:٣٢]، أي: كثير المغفرة. (^٩)\nفإن قيل: ما مناسبة سعة الرحمة في سياق التكذيب، في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ﴾ [الأنعام:١٤٧]؟، يقول السمعاني:\n\" قال ثعلب: هو الرحمة بتأخير العذاب عنهم، لا بترك أهل العذاب، وهذا حسن، بدليل قوله: \" وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ \" (^١٠)\n_________\n(^١) «السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٩٣\n(^٢) «السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٤٥٢ - ٤٥٨\n(^٣) «السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٣١\n(^٤) «السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٨٧\n(^٥) «السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ١٣٠\n(^٦) «السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٢٥٠\n(^٧) «السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٢٦٨\n(^٨) «السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ١٨٩\n(^٩) «السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٢٩٨\n(^١٠) «السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ١٥٤","vol":"1","page":389},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-136>٣٥ - الولي، والمولى:</span>\nأ - قال تعالى: ﴿وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [الشورى:٢٨]، يقول السمعاني في تفسير اسم الله تعالى الولي هاهنا: \" أي: المالك لما يفعله \" (^١).\nوالولي يأتي بمعنى الناصر والمعين (^٢)، قال تعالى: ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ﴾ [الأعراف:١٩٦]، والولي هو من يلي أمور الدنيا والآخرة (^٣)، قال تعالى: ﴿أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [يوسف:١٠١].\nوالولي هو الناصر والمثبت، قال تعالى: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾ [آل عمران:١٢٢]، أي: ناصرهما، ومثبتهما على الحرب. (^٤)\nب - وقال تعالى: ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ [الأنفال:٤٠]:\nفالمولى هو القيم بالأمور (^٥)، والمولى الحافظ (^٦)، قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ [الحج:٧٨]، والمولى هو المتولي للأشياء (^٧)، يقول تعالى: ﴿فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ﴾ [الشورى:٩]، والمولى هو والي الأمور، والهادي إلى الأرشد، والأقوم، والأولى (^٨)، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [التحريم:٢].\nوالله جل وعلا، قد نفى ولايته عن الكافرين، فقال: ﴿وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ﴾ [محمد:١١]، أي: أنه لا يتولاهم الله تعالى، بمعنى: أنه لا يهديهم، ولا ينصرهم. (^٩)\nفإن قيل: فما معنى الولاية الواردة في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ﴾ [الأنعام:٦٢]، والآية شاملة للمؤمنين والكافرين؟!\nقيل: المولى في آية (سورة محمد)، بمعنى: الناصر والحافظ، ولا ناصر للكفار، والمولى في آية (الأنعام) بمعنى: المالك، والله مالك الكل.\n_________\n(^١) «السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٧٧\n(^٢) «السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٢٤١\n(^٣) «السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٦٨\n(^٤) «السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٣٥٣\n(^٥) «السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٢٦٥\n(^٦) «السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٤٦٠\n(^٧) «السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٦٥\n(^٨) «السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٤٧٢\n(^٩) «السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ١٧٢","vol":"1","page":390},{"text":"وقيل: أراد به رد المؤمنين إليه، ويدخل الكفار فيه تبعًا. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-137>٣٦ - النصير:</span>\nقال تعالى: ﴿نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ [الأنفال:٤٠]، النصير من أسماء الله تعالى، ومعناه الناصر (^٢)، ونصر الله جل وعلا وعد عليه حقًا، كما قال جل شأنه: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم:٤٧]، أي: نصرة المؤمنين بإنجائهم، وقيل: نصرة المؤمنين بالذب عنهم، ودفع العذاب عنهم. (^٣)\nولذا قال الله لنبيه ﵊: ﴿وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾ [الفتح:٣]، أي: نصرًا مع عز، لا ذل فيه (^٤)، فتحقق النصر، حين قال الرب النصير: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر:١]، والفتح هو فتح مكة، وكان النصر فيه. (^٥)\nوذكر الله فرح المؤمنين بنصره الروم على فارس، قال تعالى ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ [الروم:٤ - ٥]، أي: بنصر الله أهل الكتاب، على غير أهل الكتاب، وإنما فرحوا بذلك، لصدق وعد الله تعالى؛ ولأنهم قالوا: كما نصر الله أهل الكتاب، على غير أهل الكتاب، وكذلك ينصرنا عليكم (^٦). ولذا قال تعالى: ﴿وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ [الصف:١٣]، والفتح القريب هو فتح مكة، وقيل: فتح فارس والروم، ثم قال تعالى: \" وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ \" أي: بالنصر في الدنيا، وبالجنة في الآخرة. (^٧)\n_________\n(^١) «السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ١١٢ - ٣٨١\n(^٢) «السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٢٦٥\n(^٣) «السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٢١٩\n(^٤) «السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ١٩١\n(^٥) «السمعاني: تفسير القرآن: ٦/ ٢٩٦\n(^٦) «السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ١٩٧\n(^٧) «السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٤٢٨","vol":"1","page":391},{"text":"وأما تحقق نصرة الله جل وعز، فهي مشروطة بنصرة نبي الله ودينه، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾ [محمد:٧]، والنصرة من الله: الحفظ والهداية، وعن قتادة قال: من ينصر الله ينصره، ومن يسأله يعطه، ويقال: ينصركم بتغليبكم على عدوكم، وإعلائكم عليهم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-138>٣٧ - الحميد:</span>\nقال تعالى ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [البقرة:٢٦٧]، فالحميد: المستحق للحمد (^٢)، لما له من جميل الأسماء والصفات، ولما له من نعوت الجلال والكمال والجمال، ولذا كان هو المحمود بكل لسان، على مدى الأزمان، محمود في قوله (^٣) وفعله (^٤) سبحانه، فهو الحميد في إفضاله على خلقه (^٥)، وإحسانه إليهم (^٦)، فهو سبحانه مستحق للحمد في أفعاله؛ لأنه إنما متفضل أو عادل. (^٧)\nفالله ﷾ مُستَحمد إلى خلقه، بالإنعام عليهم، والله جل وعلا يُحب أن يُحمد (^٨)، قال النبي ﷺ: (ما من أحد أغير من الله، وما أحد أحب إليه الحمد من الله، وما أحد أحب إليه العذر من الله). (^٩)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-139>٣٨ - المجيد:</span>\nقال تعالى: ﴿إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ [هود:٧٣]، المجيد: هو الكريم، وأصل المجد: هو الرفعة والشرف. (^١٠)\nوقال جل وعلا: ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ﴾ [البروج:١٥]، المجيد قُرئ بقراءتين:\n١ - قراءة الرفع (المجيدُ)، فهو صفة لله تعالى، وذلك بمعنى: العلو والعظمة.\n٢ - قراءة الخفض (المجيدِ)، وفيها أقوال:\nأحدهما: أنه صفة العرش، ومعنى المجيد فيه العالي الرفيع.\nوالقول الثاني: أنه صفة الله تعالى، إلا أنه خفض بالجوار.\n_________\n(^١) «السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ١٧٠\n(^٢) «السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٢٧٢\n(^٣) «السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٥٥\n(^٤) «السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٣٧٧\n(^٥) «السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٣٧٧\n(^٦) «السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٣٥٣\n(^٧) «السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ١٠٢\n(^٨) «السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٤٥٠\n(^٩) «أخرجه الطبراني في المعجم الكبير: ح (١٠٣٧٨)\n(^١٠) «السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٤٤٤","vol":"1","page":392},{"text":"والقول الثالث: أنه راجع إلى قوله: \" إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ \"، كأنه قال: إن بطش ربك المجيد لشديد، أورده النحاس. (^١)\nفَفُسِّر المجيد، بالكرم، والعلو، والعظمة. يقول الحليمي: \" المجيد: المنيع المحمود، والبارئ جل ثناؤه، يُجلُّ عن أن يُرام، وأن يوصل إليه، وهو مع ذلك محسن، لا يستطيع العبد أن يحصي نعمته، ولو استنفذ فيه مدته \" (^٢).\nوقال ابن الأثير:\" المجيد: هو الواسع الكرم، وقيل: هو الشريف \" (¬<span data-type=\"title\" id=toc-140>٣).\n\n٣٩ - الودود:</span>\nقال تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ﴾ [هود:٩٠].\nوقال تعالى: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ﴾ [البروج:١٤].\nوقد فسَّره السمعاني بتفسيرين:\nأحدهما: أن الودود: هو المحب لعباده المؤمنين، وهو المتودد إليهم بجميل أفعاله، وكثير إحسانه.\nوالثاني: الودود بمعنى المودود، أي: يحبه العباد؛ لفضله وإحسانه. (¬<span data-type=\"title\" id=toc-141>٤)\n\n٤٠ - الوارث:</span>\nقال تعالى: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ﴾ [الحِجر:٢٣]، يقول السمعاني: \"والوارث في صفات الله: أنه الباقي بعد هلاك الخلق أجمعين، وقيل معناه: أن مصير الخلق إليه \" (^٥)\nوقال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ [مريم:٤٠]، \" ومعنى الإرث: هو أنه لا يبقى لأحد ملك ولا سبب سوى الله \" (^٦)\nوقال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [آل عمران:١٨٠]، يقول السمعاني: \" فإن قال قائل: كيف يكون له ميراث السموات والأرض؟ قيل: العرب تسمي كل ما انتقل من أحد إلى غيره ميراثًا بأي سبب كان، فلما خلصت السموات والأرض لله تعالى، بعد هلاك العباد، سمَّاه ميراثًا، كأنه انتقل منهم إليه \" (^٧).\n_________\n(^١) «السمعاني: تفسير القرآن: ٦/ ٢٠٠\n(^٢) «الحليمي: مختصر كتاب المنهاج: ٣٩\n(^٣) «ابن الأثير: جامع الأصول: ٤/ ١٧٣\n(^٤) «السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٤٥٣ - ٦/ ٢٠٠\n(^٥) «السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ١٣٦\n(^٦) «السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٢٩٤\n(^٧) «السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٣٨٤","vol":"1","page":393},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-142>٤١ - الحق:</span>\nقال تعالى: ﴿فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ﴾ [يونس:٣٢]، أي فذلكم الذي صفته هذه، هو ربكم الحق. (^١)\nوقال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ﴾ [الحج:٦٢]، يقول السمعاني: \" ويُقال: الحق اسم من أسماء الله تعالى، ذكره يحيى بن سلَّام \" (^٢).\nفالحق هو العادل سبحانه، قال تعالى: ﴿وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ﴾ [النور:٢٥].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-143>٤٢ - الفتَّاح:</span>\nقال تعالى: ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ﴾ [الأعراف:٨٩]، وقال تعالى: ﴿قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ﴾ [سبأ:٢٦].\nالفتَّاح: القاضي العليم بالقضاء بين خلقه، والفتح: القضاء، قال تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح:١]، أي: قضينا لك قضاء بينًا، وقال الأصمعي: سمعت أعرابيًا يقول: تعال إلى الفتَّاح. (^٣)\nوكقوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ (١١٧) فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا﴾ [الشعراء: ١١٧ - ١١٨]، أي: اقض بيني وبينهم بقضائك. تقول العرب: أحاكمك إلى الفتاح، أي: إلى القاضي (^٤). فالفتاح: هو الحاكم العالم بوجوه المصلحة. (^٥)\n_________\n(^١) «السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٣٨١\n(^٢) «السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٤٥٢\n(^٣) «السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٩٨\n(^٤) «السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٥٨\n(^٥) «السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٣٣٣","vol":"1","page":394},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-144>٤٣ - الوهاب:</span>\nقال تعالى: ﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ﴾ [ص:٩]، يقول السمعاني: \" الوهاب: المُعطي لخلقة \" (^١)، وقال سليمان ﵇: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [ص:٣٥]، أي: المُعطي (^٢)، كما قال تعالى: ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (٤٩)﴾ [الشورى:<span data-type=\"title\" id=toc-145>٤٩].\n\n٤٤ - الرزَّاق:</span>\nقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [الجمعة:١١]، قال الزجاج: معناه: أنه يرزقكم ولا يمسكه عنكم، فلا تنشغلوا بطلبه عن الصلاة وعن ذكر الله. ويُقال: الرزق مسجلة للبر والفاجر. (^٣)\nوالرازق: هو خير من يُعطي ويرزق. (^٤)\nوقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات:٥٨]، الرزاق بمعنى الرازق، ويُقال: يقتضي مبالغة وتكثيرًا. (^٥)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-146>٤٥ - التوَّاب:</span>\nقال تعالى: ﴿إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة:٣٧]، والتواب: هو القابل للتوبة من العباد، الرحيم بهم (^٦)، ويُقال: التواب: هو المسهِّل لسبيل التوبة. (^٧)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-147>المطلب الرابع: بعض الصفات الواردة في القرآن:</span>\nتبيَّن مما سبق، إثبات السمعاني لأسماء الله تعالى، خِلافًا لمن أنكرها من الجهمية، وأن الأسماء الحسنى تدل على ذات الباري جل وعز، فهي باعتبار دلالتها على الذات الإلهية مترادفة؛ لأنها تدل على ذات واحدة، وباعتبار دلالتها على المعنى فهي متباينة؛ لأن كل اسم منها يختص بمعنى دون الآخر، وفيه رد على من جَوَّز أن تكون الصفة هي الأخرى، وأن تكون الصفة هي الموصوف. (^٨)\n_________\n(^١) «السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٤٢٧\n(^٢) «السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٤٤٤\n(^٣) «السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٤٣٧\n(^٤) «السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٤٣٨\n(^٥) «السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٢٦٥\n(^٦) «السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٧٠\n(^٧) «السمعاني: تفسير القرآن: ٦/ ٢٩٦\n(^٨) «ابن تيمية: التدمرية، مكتبة العبيكان، الرياض، ط ٦، ١٤٢١ هـ (٤١)","vol":"1","page":395},{"text":"وفي هذا المطلب سأذكر بعض الصفات التي نص عليها السمعاني، وتعقب فيها بعض المخالفين، ومن هذه الصفات:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-148>١ - صفة العلم:</span>\nأثبت السمعاني صفة العلم لله تعالى، فقال: \" قوله: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ [النساء:١٦٦]، أي: مع علمه، كما يُقال: جاءني فلان بسيفه، أي: مع سيفه، فيه دليل على أن لله تعالى علمًا، هو صفته، خلاف قول المعتزلة خذلهم الله \" (^١)، ويقول السمعاني: \" قوله تعالى: ﴿فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ﴾ [هود:١٤]، وقوله (بِعِلْمِ اللَّهِ) بمعنى أنزله وفيه علمه، وهذا رد على المعتزلة حين قالوا: لا علم فيه \" (^٢).\nوهذا مما اتفق عليه السلف، ونقله غير واحد من العلماء:\nـ يقول الإمام أبو الحسن الأشعري: \" وقد أجمع المسلمون قبل حدوث الجهمية، والمعتزلة، والحرورية، على أن لله علمًا لم يزل، وقد قالوا: علم الله لم يزل، وعلم الله سابق في الأشياء، ولا يمتنعون أن يقولوا في كل حادثة تحدث، ونازلة تنزل، كل هذا سابق في علم الله، فمن حجد أن لله علمًا، فقد خالف المسلمين، وخرج عن اتفاقهم \" (^٣)\nـ ويقول الإمام الآجري: \" فعلمه ﷿ محيط بجميع خلقه، وهو على عرشه، وهذا قول المسلمين\" (^٤)\nـ ويقول الإمام ابن تيمية:\"ومن المعلوم باتفاق المسلمين، أن الله حي حقيقة، عليم حقيقة\" (^٥)\n_________\n(^١) «السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٥٠٤\n(^٢) «السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٤١٨\n(^٣) «الأشعري: الإبانة: ١٤٥\n(^٤) «الأجري: الشريعة: دار الوطن، الرياض، ط ٢، ١٤٢٠ هـ (٣/ ١٠٧٦)\n(^٥) «ابن تيمية: مجموع الفتاوى: ٣/ ٢١٨","vol":"1","page":396},{"text":"أما قول السمعاني: \" خلاف قول المعتزلة \"، فهو مما خالفت فيه الكتاب والسنة، وأهل الحديث، وقد نقل الأشعري مقالاتهم، وصنف آراءهم (^١)، ولذا كان قولهم، في إثبات الأسماء والصفات، مكابرة للعقل، ومخالفة للإجماع، يقول الإمام ابن تيمية: \" وقاربهم طائفة ثالثة من أهل الكلام،، من المعتزلة ومن اتبعهم، فأثبتوا له الأسماء، دون ما تضمنته من الصفات، فمنهم من جعل العليم، والقدير، والسميع، والبصير، كالأعلام المحضة المترادفات، ومنهم من قال: عليم بلا علم ... فأثبتوا الاسم دون ما تضمنه من الصفات. والكلام على فساد مقالة هؤلاء، وبيان تناقضها، بصريح المعقول، المطابق لصحيح المنقول، مذكور في غير هذه الكلمات \" (^٢).\nوفيما يتعلق بصفة العلم الإلهي، ذكر السمعاني جملة من السؤالات المتعلقة به، وأجاب عنها، وهي كالآتي:\nأ - ما معنى قول الله تعالى: ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ﴾ [البقرة:١٤٣]، مع أنه ﷾ عالم بالأشياء قبل كونها؟\nومثله قوله تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [آل عمران:١٤٠]؟!، ومثله قوله تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (١٦٦) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا﴾ [آل عمران:١٦٦ - ١٦٧]، ومثله قوله تعالى: ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت:٣]، ومثله قوله تعالى: ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ﴾ [سبأ:٢١]، ومثله قوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ﴾ [محمد:٣١]؟.\nأجاب السمعاني عن هذه الآيات، بأن الله تعالى، كان عالمًا به علم الغيب، وإنما أراد بهذا العلم، الذي يتعلق به الثواب والعقاب، وهو العلم بوجود الاتباع، فإن كونه موجودًا، يُعلم بعد الوجود. وقيل معناه: إلا لنرى، وهو قريب من الأول، وقيل: الابتلاء مضمر فيه، وتقديره: إلا لنبتلي \" (^٣).\n_________\n(^١) «الأشعري: مقالات الإسلاميين: ١/ ١٤١\n(^٢) «ابن تيمية: التدمرية: ١/ ١٨\n(^٣) «السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ١٥٠","vol":"1","page":397},{"text":"وقال في مقام آخر: \" العلم الأول علم الغيب، وقوله:\" وليعلم \" يعني: علم المشاهدة، والوقوع والمجازاة على علم الوقوع، لا على علم الغيب \" (^١).\nب - ما فائدة الابتلاء من الله جل وعلا، وهل هو مخالف لعموم صفة العلم الإلهي؟ كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة:١٢٤]، وقوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ﴾ [البقرة:١٥٥].\nيقول السمعاني في الآية الأولى: \" ومعنى ابتلاء العباد، ليس ليعلم أحوالهم بالابتلاء، لأنه عالم بهم، وبما يملكون منهم، ولكن ليعلم العباد أحوالهم، حتى يعرف بعضهم بعضًا \" (^٢).\nويقول في الآية الثانية: \" وحكمة الابتلاء ليظهر المطيع من العاصي، لا ليعلم شيئًا لم يكن عالمًا به \" (^٣)\nج - هل يكون علم الله تعالى حجة على المشركين بإرسال الرسل؟، أورد السمعاني سؤالًا، هذا مفاده، في تفسير قوله تعالى: ﴿قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ﴾ [يس:١٦]، فقال: \"فإن قيل: كيف يكون علم الله تعالى أنهم رسل الله، حجة عليهم؟ الجواب عنه: أن معناه: ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون، بما أظهر على أيدينا من الآيات والمعجزات، فصارت الحجة عليهم قائمة بالآيات والمعجزات، لا بنفس العلم \" (^٤)\n_________\n(^١) «السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٣٦١ - ٣٧٧\n(^٢) «السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ١٣٤\n(^٣) «السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ١٥٦\n(^٤) «السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٣٧١","vol":"1","page":398},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-149>٢ - القدرة:</span>\nقال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً﴾ [الأنعام:٣٧]، يعني: قادر على إنزال الآيات (^١)، وقال تعالى: ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ [القيامة:٤٠]، يعني: هو قادر (^٢). لكن هل تُنسب الاستطاعة إلى الله؟ يقول السمعاني: \" الاستطاعة لا تُنسب إلى الله غالبًا. وإنما يوصف بالقدرة، وأما الاستطاعة تكون للعبد \" (^٣)، وقد نُقل الإجماع في إثبات هذه الصفة لله تعالى، نقلها الأشعري وغيره. (^٤)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-150>٣ - المحبة:</span>\nقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران:٣١]، يقول السمعاني في إثبات هذه الصفة لله تعالى: \" واعلم أن محبة الله العبد، ومحبة العبد لله، لا يكون بلذة وشهوة، ولكن محبة العبد في حق الله، هو إتيان طاعته، وابتغاء مرضاته، واتباع أمره، ومحبة الله في حق العبد، هو العفو عنه، والمغفرة، والثناء الحسن \" (^٥).\nوقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ [مريم:٩٦]، أي: محبة، قال مجاهد: يحبهم الله، ويحببهم إلى المؤمنين، وقد ثبت عن النبي ﷺ برواية أبي هريرة أنه قال: \" إذا أحب الله عبدًا ينادي جبريل، فيقول: أنا أحب فلانًا فأحبه ... \" (^٦) (^٧).\n_________\n(^١) «السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ١٠١\n(^٢) «السمعاني: تفسير القرآن: ٦/ ١١١\n(^٣) «السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٧٩\n(^٤) «انظر الأشعري: رسالة إلى أهل الثغر: ٢١٣\n(^٥) «السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٣١١\n(^٦) «أخرجه البخاري في صحيحه، باب كلام الرب مع جبريل، ح (٧٤٨٥)، وأخرجه مسلم في صحيحه، باب إذا أحب الله عبدًا، ح (٢٦٣٧)\n(^٧) «السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٣١٦","vol":"1","page":399},{"text":"وأهل السنة مع إثباتهم لأصل الصفة لله تعالى، على ما تليق به سبحانه، قد يفسرون الصفة بلازمها، وفرق بين الصفة ولازمها، ولذا السمعاني، أثبت أساس الصفة على مايليق بجلال الله تعالى، وفسَّر بعض المواطن بلازم الصفة، فقال مثلًا: قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [آل عمران:٥٧]، يقول السمعاني: \" أي: لا يرحم الكافرين، ولا يُثني عليهم بالجميل \" (^١)، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا﴾ [النساء:١٠٧]، يقول السمعاني: \" قال أهل التفسير: معناه: إن الله لا يقرب من كان خوانًا أثيمًا \" (^٢).\nيقول الإمام ابن تيمية: \" والذي جاء به الكتاب والسنة، واتفق عليه سلف الأمة، وعليه مشايخ المعرفة، وعموم المسلمين، أن الله يُحِبُ ويُحَبُ، كما نطق بذلك الكتاب والسنة \" (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-151>٤ - البركة:</span>\nقال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ [الفرقان:١]، يقول السمعاني:\"وقال الحسن: تبارك صفة من صفات الله تعالى؛ لأن كل بركة تجيء منه، وقال غيره: لأنه تبرك باسمه\" (^٤).\nوقال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ [المُلك:١]، والمعنى: أن جميع البركات منه تعالى، ويُقال: تبارك الله، أي: تعظم وتقدس وتعالى (^٥)، وقال السمعاني أيضًا في المعنى: \" أي: ثبت له ما يستحقه من التعظيم والجلال، فيما لم يزل ولايزال \" (^٦).\n_________\n(^١) «السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٣٢٦\n(^٢) «السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٤٧٦\n(^٣) «ابن تيمية: النبوات: ١/ ٣٣٨\n(^٤) «السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٥\n(^٥) «السمعاني: تفسير القرآن: ٦/ ٦\n(^٦) «السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ١٢٥","vol":"1","page":400},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-152>٥ - الساق:</span>\nقال تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم:٤٢]، ذكر السمعاني خلاف المفسرين في توجيه الآية، هل يُوخذ منها إثبات الساق لله تعالى، على ما يليق بعظمته وجلاله، أم يُراد منها معنى آخر؟! ذكر السمعاني ثلاثة أقوال (^١):\nالأول: أن المراد بالساق: الأمر الشديد، وهذه رواية عكرمة عن ابن عباس.\nوقال ابن قتيبة: كانت العرب إذا اشتد بهم الأمر، عبَّروا بهذا اللفظ؛ لأن الإنسان إذا وقع له الأمر، وأخذه بجد وجهد، يقول: شمَّر عن ساقة، فوضعت الساق موضع الشدة.\nوروي عن ابن عباس قول بمعنى الأول، وهو: عن هول وكربة وشدة. وقال مجاهد: هو أول ساعة من ساعات القيامة، وهي أفظعها، وأشدها على الناس.\nقال السمعاني: وهذا كله قول واحد.\nالثاني: قال الحسن البصري: \" يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ \"، أي: الستر بين الدنيا والآخرة، ويُقال: الغطاء بين الدنيا والآخرة، يقول السمعاني: \" ومعناهما قريب \".\nالثالث: هو ما فسَّره النبي ﷺ كما في حديث أبي سعيد الخدري، عن النبي ﷺ أنه قال: \" إذا كان يوم القيامة، يكشف ربنا عن ساقه، فيسجد كل مؤمن ومؤمنة، ويذهب المنافقون ليسجدوا فلا يستطيعون \" (^٢). قال السمعاني: وعن ابن مسعود ﵁ أنه قال نحوًا من هذا، فأخرج عبدالرزاق في تفسيره عن ابن مسعود، في قوله: \" يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ \"، قال: (عن ساقِهِ، يعنى: ساقه ﵎) (^٣).\nيقول ابن القيم: \" وقوله في الحديث: \" فيكشف عن ساقه \"، وهذه الإضافة تُبيِّن المراد بالسياق المذكور في الآية \" (^٤)، ويقول الشوكاني: \" وقد أغنانا الله سبحانه في تفسير هذه الآية، بما صح عن رسول الله ﷺ كما عرفتَ، وذلك لا يستلزم تجسيمًا، ولا تشبيهًا، فليس كمثله شيء \" (^٥).\nالمفسرون مختلفون في هذه الآية، هل هي من آيات الصفات أم لا؟!\nفذهب بعضهم إلى أنها ليست من آيات الصفات، إلا بضميمة دليل آخر عليه، كما أشار إليه الإمام ابن تيمية (^٦)، مع أنه يثبت صفة الساق لله تعالى، بالحديث الوارد.\n_________\n(^١) «السمعاني: تفسير القرآن: ٦/ ٢٨\n(^٢) «أخرجه البخاري في صحيحه، باب \" يوم يكشف عن ساق \"، ح (٤٩١٩)\n(^٣) «أخرجه عبدالرزاق في تفسيره: دار الكتب العلمية، بيروت، ط ١، ١٤١٩ هـ (٣/ ٣٣٥)\n(^٤) «ابن القيم: التفسير القيم: ١٢٤\n(^٥) «الشوكاني: فتح القدير: ٥/ ٣٣٢\n(^٦) «ابن تيمية: مجموع الفتاوى: ٦/ ٣٩٤","vol":"1","page":401},{"text":"وذهب بعضهم إلى أن الآية لا تدل على صفة الساق، ولا حتى الحديث، وهؤلاء أولوا حتى ما ورد مُضافًا إلى الله جل وعلا؛ بناء على ما توهموه من إن إثباته، يلزم منه ما يلزم البشر، وهذا ليس كذلك، فإن الله ليس كمثله شيء، ولذلك تأولوا ما ورد في السنة، بأن المراد: يكشف عن قدرته، التي تكشف عن الشدة، أو أن المراد به نور عظيم (^١). ولذا ردها الرازي، وتأولها. (^٢)\nوالذي يظهر - والعلم عند الله تعالى - أنه لا تنافي بين قول ابن عباس، وما ورد في الحديث، فإن الأمر شديد يوم القيامة، ولا ينافي هذا أن يكشف ربنا عن ساقه سبحانه. (^٣)\nوالإمام السمعاني ساق الأقوال، ولم يرجح شيئًا، ولكن سوقه لحديث أبي سعيد في تفسير الآية، يدل على قبوله؛ لأنه سبق أن أشرنا إلى أن السمعاني، يُفسِّر القرآن بالقرآن، والقرآن بما صح في السنة، ولكنه على أصل قبول الصفات سواء فسَّر الآية بالحديث، أو لا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-153>٦ - الغضب:</span>\nقال تعالى: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ [الزُّخرُف:٥٥]، يقول السمعاني:\" قوله تعالى: \" فَلَمَّا آسَفُونَا \" أي: أغضبونا وأسخطونا ... وفي بعض الآثار: أن عروة بن الزبير، كان جالسًا مع وهب بن منبه، فجاء قوم فشكوا عاملهم، وكان العامل حاضرًا، فغضب وهب بن منبه، وأخذ عصا، وشَجَّ رأس العامل، فضحك عروة بن الزبير، فقال: انظروا إلى هذا، ينهى عن الغضب ويغضب؟، فقال وهب: لا، لا تلمني، فإن الله تعالى يغضب، وهو خالق الأحلام، ثم قرأ قوله تعالى: \" فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ \" (^٤).\n_________\n(^١) «الخازن: لبان التأويل: ٤/ ٣٢٩\n(^٢) «الرازي: أساس التقديس: مؤسسة الكتب الثقافية، بيروت، ط ١، ١٤١٥ هـ (١٠٩)\n(^٣) «انظر: الأشقر: العقيدة في الله: ١٨٣\n(^٤) «السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ١١٠","vol":"1","page":402},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-154>٧ - الرضا:</span>\nقال تعالى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة:١٠٠]، أي: ﵃ بطاعتهم، ورضوا عنه بثوابه (^١)، وقال في موطن آخر: \" رضي أعمالهم، ورضوا ثوابه \" (^٢). وعدم المحبة تدل على عدم الرضا، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة:٢٠٥]، أي: لا يرضى الفساد. (^٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-155>٨ - التعجب:</span>\nأثبت السمعاني صفة التعجب لله تعالى، على ما يليق بجلاله وعظمته، فقال في قوله تعالى: ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ﴾ [الصافات:١٢]:\" وقرأ حمزة والكسائي: \" بل عجبتُ \" على إضافة التعجب إلى الله، وهي قراءة علي، وابن مسعود، وابن عباس \"، ثم قال: \" وأما القراءة بضم التاء، فالتعجب من الله، ليس مثل التعجب من الآدميين \"، فمعنى قوله: \" عجبت \" أي: عظم حلمي عن ذنوبهم، والمتعجب هو الذي يرى ما يعظم عنده، وقيل: \" بَلْ عَجِبْتَ \"، أي: كل فعلهم محل ما يتعجب منهم، وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: (عجب ربك من شاب ليس له صبوة) (^٤)، ورُوي عن النبي ﷺ أنه قال: (عجب ربكم من إلكم، وقنوطكم، وسرعة إجابته إياكم \" (^٥) (^٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-156>٩ - الوجه:</span>\nقال تعالى: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الأنعام:٥٢]، يقول السمعاني: \" والوجه صفة لله تعالى، بلا كيف، وجه لا كالوجوه \" (^٧).\nوقال تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨]، يقول السمعاني: \" وقد ذكر الله تعالى الوجه في أحد عشر موضعًا من القرآن، قد بينا أنه صفة من صفات الله، يُؤمن به على ما ذكره الله تعالى \" (^٨)\n_________\n(^١) «السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٣٤٣\n(^٢) «السمعاني: تفسير القرآن: ٦/ ٢٦٥\n(^٣) «السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٢٠٨\n(^٤) «أخرجه أحمد في المسند، حديث عقبة بن عامر، ح (١٧٣٧١)\n(^٥) «ذكره أبو عبيد في غريب الحديث: ٢/ ٢٦٩\n(^٦) «السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٣٩٣\n(^٧) «السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ١٠٨\n(^٨) «السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ١٦٤ - ١/ ١٢٩","vol":"1","page":403},{"text":"وقد نُقِلَ الإجماع عن علماء الأمة على إثبات الوجه: يقول الإمام ابن خزيمة: \" فنحن وجميع علمائنا من أهل الحجاز، وتهامة، واليمن، والعراق، والشام، ومصر، مذهبنا: أنا نثبت لله ما أثبته لنفسه نُقرُّ بذلك بألسنتنا، ونصدق ذلك بقلوبنا، من غير أن نُشبِّه وخالقنا، بوجه أحد من المخلوقين، عز ربنا عن أن يُشبه المخلوقين، وجَلَّ ربُنا عن مقالة المعطلين\" (^١)، وكذا حكى الإجماع الإمام ابن تيمية، فقال: \" ... مع ما في الكتاب والسنة، واتفاق سلف الأمة وأئمتها، من وصفه باليدين والوجه \" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-157>١٠ - صفتا القرب والدنو لله تعالى:</span>\nقال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ [البقرة:١٨٦]، \" أي: لا يخفى علي شيء، وهو أقرب إلى العباد من حبل الوريد، وأقرب إلى القلب من ذي القلب \" (^٣)، وقال تعالى: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى﴾ [النجم:٨]، ذكر السمعاني ثلاثة أقوال في معنى الآية:\nالأول: دنا جبريل من النبي ﷺ.\nالثاني: دنا محمد ﷺ من ربه.\nالثالث: دنا الرب ﷻ، من محمد ﷺ، ثم قال: \" وهو لفظ ثابت أيضًا، وهو على ما شاء الله \" (^٤)، مع أنه رجح القول الأول.\nفهاتان صفتان لله جل وعلا، أجمع العلماء على إثباتهما لله تعالى، على ما يليق بعظمته، وجلاله، وكماله، فهو \" عليٌّ في دنوه، قريب في علوه \" (^٥)، يقول الإمام ابن تيمية: \" وأما دنوه وتقربه من بعض عباده، فهذا يُثبته من يثبت قيام الأفعال الاختيارية بنفسه، ومجيئه يوم القيامة، ونزوله، واستواءه على العرش، وهذا مذهب أئمة السلف، وأئمة الإسلام المشهورين، وأهل الحديث، والنقل بذلك متواتر \" (^٦).\n_________\n(^١) «ابن خزيمة: كتاب التوحيد: مكتبة الرشد، الرياض، ط ٥، ١٤١٤ هـ (١/ ٢٦)\n(^٢) «ابن تيمية: بيان تلبيس الجهمية: ٤/ ٩٢\n(^٣) «السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ١٨٥\n(^٤) «السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٢٨٧\n(^٥) «الهراس: شرح العقيدة الواسطية: دار الهجرة، الخبر، ط ٣، ١٤١٥ هـ، (١٩٣)\n(^٦) «ابن تيمية: مجموع الفتاوى: ٥/ ٤٦٦","vol":"1","page":404},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-158>١١ - النزول:</span>\nقال تعالى: ﴿السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا﴾ [المزَّمل:١٨]، يقول السمعاني: \" قد ورد عن كثير من السلف أن قوله \" مُنْفَطِرٌ بِهِ \" أي: بالله، وهو نزول يوم القيامة لفصل القضاء، بلا كيف \" (^١).\nوقال تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ [الانشقاق:١]، يقول السمعاني: \" وفي تفسير النقاش: انشقت لنزول الرب عز اسمه، هو بلا كيف \" (^٢).\nقال ابن عباس: قوله: \" السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ \"، يعني: تشقَّق السماء، حين ينزل الرحمن جل وعز. (^٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-159>١٢ - الإتيان والمجيء:</span>\nقال تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ [البقرة:٢١٠]،يقول السمعاني: \" والآية من المتشابهات \" (^٤)، وأشرنا سابقًا إلى أن آيات الصفات، ليست من المتشابهات، وإنما هي من المحكمات البينات والواضحات، ولكن يُحمل كلام الأئمة في مثل هذه المقامات، على أن مقصودهم، إثبات الصفة على حقيقتها، والإيمان بظاهرها، ووكل علم حقيقتها إلى الله تعالى، وهذا يُبينه كلام السمعاني، حين نقل عن أصحاب التفسير، كأبي بن كعب ومجاهد، أنهما قالا في تفسير الآية: يأتي الله يوم القيامة في ظلل من الغمام، ثم قال:\" والأولى في هذه الآية وما يشاكلها، أن نؤمن بظاهره، ونكل علمه إلى الله تعالى، وننزه الله ﷾ عن سمات الحدث والنقص \" (^٥).\n_________\n(^١) «السمعاني: تفسير القرآن: ٦/ ٨٣\n(^٢) «السمعاني: تفسير القرآن: ٦/ ١٨٦\n(^٣) «الطبري: جامع البيان: ٢٣/ ٦٩٥\n(^٤) «السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٢١٠\n(^٥) «السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٢١١","vol":"1","page":405},{"text":"وقال تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر:٢٢]، يقول السمعاني: \" وهو من المتشابه، الذي نؤمن به، ولا يُفسر، وقد أول بعضهم: وجاء أمر ربك، والصحيح ماذكرنا\" (^١)، فهنا رد السمعاني التأويل الفاسد، الذي يخالف الظاهر من النص، وهو المجيء الحقيقي لله تعالى، إلا أنه قال: \" ولا يُفسَّر \" بمعنى: يبقى على ظاهره المراد، دون تعرض له بتأويل فاسد، كتأويلات المتكلمين.\nوهاتان الصفتان قد أجمع عليهما أئمة الإسلام، يقول الإمام أبو الحسن الأشعري: \"وأجمعوا على أنه ﷿ يجيء يوم القيامة، والملك صفًا صفًا، لعرض الأمم، وحسابها، وعقابها، وثوابها \" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-160>١٣ - اليدان:</span>\nقال تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة:٦٤]، يقول السمعاني: \" وأما اليد: صفة لله تعالى، بلا كيف، وله يدان، وقد صَحَّ عن النبي ﷺ أنه قال: \" كلتا يديه يمين\" (^٣)، والله أعلم بكيفية المراد \" (^٤). وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ﴾ [يس:٧١]، يقول السمعاني: \" أي: مما تولينا خلقه وإبداعها، والأولى في الأيدي: أن يُؤمن بها، ولا تُفَسَّر \" (^٥).\nوقال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزُّمَر:٦٧]، يقول السمعاني: \" ويُقال: إن قبضته ويمينه بلا وصف، قال سفيان: كل ماورد في القرآن من هذا، فتفسيره قراءته، وقيل: قبضته: قدرته، والأول أولى: بما بينا من قبل \" (^٦).\n_________\n(^١) «السمعاني: تفسير القرآن: ٦/ ٢٢٢\n(^٢) «الأشعري: رسالة إلى أهل الثغر: ١٢٨\n(^٣) «أخرجه مسلم في صحيحه، باب فضيلة الإمام العادل، ح (١٨٢٧)\n(^٤) «السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٥١\n(^٥) «السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٣٨٧\n(^٦) «السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٤٨٠","vol":"1","page":406},{"text":"وقد حكى العلماء الإجماع على إثبات صفة اليدين لله جل وعلا، على ما يليق بجلاله، وعظمته، يقول الإمام الأشعري: \" أجمعوا على أنه ﷿ يسمع ويرى، وأن له تعالى يدين مبسوطتين، وأن الأرض جميعًا قبضته يوم القيامة، والسموات مطويات بيمينه .. وأن يديه غير نعمته \" (^١).\nويقول الإمام السجزي: \" وأهل السنة متفقون، على أن لله سبحانه يدين، بذلك ورد النص في الكتاب والأثر \" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-161>١٤ - المعية:</span>\nقال تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد:٤]، يقول السمعاني: \" أي: بعلمه وقدرته، ذكره ابن عباس وغيره. وقال الحسن: هو معكم بلا كيف \" (^٣).\nفالسمعاني يثبت معية الله جل وعلا لخلقه، والتي مقتضاها، العلم، والنصرة، والحفظ، والتأييد، قال تعالى: ﴿وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ﴾ [المائدة:١٢]، يعني: بالنصر (^٤)، وقال تعالى: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ﴾ [الأنفال:١٢]، أي: بالنصر والظفر (^٥)، وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٥]، أي: بالنصر والحفظ (^٦)، وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت:٦٩]، أي: بالنصرة والمعونة (^٧)، وقال تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة:٧]، يعني: بالعلم والقدرة \" (^٨)، وهذا الذي عليه علماء السلف وأئمتهم، يقول الإمام مالك بن أنس: الله ﷿ في السماء، وعلمه في كل مكان، لا يخلو منه مكان. (^٩)\n_________\n(^١) «الأشعري: رسالة أهل الثغر: ١٢٧\n(^٢) «السجزي: رسالة السجزي إلى أهل زبيد: ٢٦٣\n(^٣) «السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٣٦٥\n(^٤) «السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٢١\n(^٥) «السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٢٥٢\n(^٦) «السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ١٨٥\n(^٧) «السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ١٩٤\n(^٨) «السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٣٨٦\n(^٩) «ابن عبدالبر: التمهيد: ٧/ ١٣٨","vol":"1","page":407},{"text":"وقال الإمام ابن عبدالبر: \" لأن علماء الصحابة والتابعين، الذين حملت عنهم التأويل في القرآن، قالوا في تأويل هذه الآية: هو على العرش، وعلمه في كل مكان، وما خالفهم في ذلك أحد يُحتج به \" (¬<span data-type=\"title\" id=toc-162>١).\n\n١٥ - العلو:</span>\nقال تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل:٥٠]، يقول السمعاني: \" قال بعضهم معناه: يخافون عذاب ربهم من فوقهم، والقول الثاني - وهو الأصح ـ: أن هذه الصفة (العلو) التي تفرد الله بها، وهو كما وصف به نفسه، من غير تكييف \" (^٢).\nوقال تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام:١٨]، يقول السمعاني: \" هو صفة الاستعلاء، الذي لله تعالى، الذي يعرفه أهل السنة \" (^٣).\nوقال تعالى عن الشيطان: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾ [الأعراف:١٧]، يقول قتادة: لم يقل الخبيث: من فوقهم؛ لأن الرحمة تنزل عليهم من فوقهم (^٤)، وهذا فيه دلالة على العلو لله تعالى.\nوقال تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [المُلك:١٦]، قال ابن عباس: أي: الله تعالى. (^٥)\nوالأعلى هو المتعالى على خلقه جل في علاه. (^٦)\nوقد حكى العلماء الإجماع على ثبوت هذه الصفة لله جل وعلا:\nـ يقول الإمام الدارمي:\" وقد اتفقت الكلمة من المسلمين والكافرين، أن الله في السماء، وحدوه بذلك إلا المريسي الضال وأصحابه، حتى الصبيان الذين لم يبلغوا الحنث، قد عرفوه بذلك، إذا حزب الصبي شيء، يرفع يديه إلى ربه، يدعوه في السماء دون ما سواها\" (^٧).\n_________\n(^١) «ابن عبدالبر: التمهيد: ٧/ ١٣٩\n(^٢) «السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ١٧٧\n(^٣) «السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٩٣\n(^٤) «السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ١٦٩\n(^٥) «السمعاني: تفسير القرآن: ٦/ ١٢\n(^٦) «السمعاني: تفسير القرآن: ٦/ ٢٤١\n(^٧) «الدارمي: نقض الإمام أبي سعيد عثمان على المريسي: ١/ ٢٢٨","vol":"1","page":408},{"text":"ـ ويقول الإمام ابن تيمية: \" وأما علوه على العالم، ومباينته للمخلوقات، فمتفق عليه بين الأنبياء والمرسلين، وسلف الأمة وأئمتها \" (¬<span data-type=\"title\" id=toc-163>١).\n\n١٦ - الاستواء على العرش:</span>\nقال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف:٥٤]، أثبت الإمام السمعاني هذه الصفة، على ما يليق بجلال الله وعظمته، ورد على المخالفين:\nأ - إثبات الصفة: يقول السمعاني: أهل السنة يقولون: إن الاستواء على العرش، صفة لله تعالى، بلا كيف، والإيمان به واجب، كذلك يُحكى عن مالك بن أنس، وغيره من السلف، أنهم قالوا في هذه الآية: الإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة \" (^٢).\nوقال في موطن آخر: \" قد بينا مذهب أهل السنة في الاستواء، وأن نؤمن به، ونكل علمه إلى الله تعالى، ومن غير تأويل ولا تفسير \" (^٣).\nوقال: \" اعلم أن مخارج الاستواء في اللغة كثيرة: وقد يكون بمعنى العلو، وقد يكون بمعنى الاستقرار، وقد يكون بمعنى الاستيلاء - على بُعد ـ، وقد يكون بمعنى الإقبال. والمذهب عند أهل السنة: أنه يُؤمن به، ولا يكيف \" (^٤).\nب - الرد على المخالفين: ذكر السمعاني أن المعتزلة أولت صفة الاستواء بالإستيلاء، واستدلوا ببيت من الشعر:\n(قد استوى بشر على العراق ... *** ... من غير سيف ولا دم مهراق)\nوقد رد عليهم السمعاني من عدة أوجه:\nالأول: أنه هذا خِلاف منهج السلف، فقال: \" وأما أهل السنة فيتبرؤون من هذا التأويل، ويقولون: إن الاستواء صفة لله تعالى، بلا كيف، والإيمان به واجب \" (^٥).\n_________\n(^١) «ابن تيمية: الجواب الصحيح: ٤/ ٣١٨، مجموع الفتاوى: ٥/ ٢٥٨\n(^٢) «السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ١٨٨، وقال السمعاني في تفسير قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ [البقرة:٢٩]: \" قال ابن عباس وأكثر المفسرين من السلف: أي ارتفع وعلا إلى السماء \". تفسير القرآن: ١/ ٦٣\n(^٣) «السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٣٦٦\n(^٤) «السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٣٢٠\n(^٥) «السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ١٨٨","vol":"1","page":409},{"text":"الثاني: أنه باطل من جهة اللغة العربية، وذلك أن العرب لا تعرف الاستواء بمعنى الاستيلاء، \" حُكي عن أحمد بن أبي دؤاد - وكان من رؤوس المعتزلة - أنه قال لابن الأعرابي: أتعرف العرب الاستواء، بمعنى الاستيلاء؟ فقال: لا، ويُحكى أن هذه المسألة، جرت في مجلس المأمون، فقال بشر المريسي: الاستواء بمعنى الاستيلاء، فقال له أبو السمراء - وهو رجل من أهل اللغة ـ: أخطأت يا شيخ، فإن العرب لا تعرف الاستيلاء، إلا بعد عجز سابق \" (^١).\nوما نُقل عن بعض أهل اللغة، من تسمية الاستواء استيلاء، فهذا على بُعد، كما قال السمعاني، \" وذكر الزجاج، والنحاس، وجماعة من النُحاة من أهل السنة: أنه لا يُسمى الاستواء استيلاء في اللغة، إلا إذا غلب غيره عليه، وهذا لا يجوز على الله تعالى \" (^٢)، بل المشهور عن العرب، أن الاستواء يكون بمعنى الارتفاع والاستقرار، \" قال تعالى: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ﴾ [المؤمنون:٢٨]، أي: استقررت وجلست، وقد يكون الاستواء بمعنى الارتفاع، قال الخليل: دخلنا على أبي ربيعة الأعرابي، فقال لنا: استووا، أي: ارتفعوا \" (^٣).\nوقد اتفق أهل السنة والجماعة، على إثبات هذه الصفة لله تعالى، يقول الإمام ابن تيمية: \"فالآيات الكثيرة، والأحاديث الكثيرة، وإجماع السلف، يدل على أن الله فوق العرش \" (^٤).\n_________\n(^١) «السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٣٦٦\n(^٢) «السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٣٢٠\n(^٣) «السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٤٧٢\n(^٤) «ابن تيمية: مجموع الفتاوى: ١٦/ ٣٩٧","vol":"1","page":410},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-164>١٧ - الكلام:</span>\nفقد أثبت السمعاني صفة الكلام لله جل وعلا، على مقتضى ما ورد في النصوص،\nوما جاء في ظواهرها، على الحقيقة، وأنه ﷾ يتكلم بحرف وصوت، فقد كلم موسى وناجاه، قال تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء:١٦٤]، يقول السمعاني: \" إنما كلمه بنفسه من غير واسطة، ولا وحي، وفيه دليل على من قال: إن الله خلق كلامًا في الشجرة، فسمعه موسى، وذلك لأنه قال: \" وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا \"، قال الفراء، وثعلب: إن العرب تُسمي ما توصل إلى الإنسان كلامًا، بأي طريق وصل إليه، ولكن لا تحققه بالمصدر، فإذا حُقق بالمصدر، لم تكن إلا حقيقة الكلام ... فلما حقق الله كلامه موسى بالتكلم، عرف أنه حقيقة الكلام من غير واسطة.\nفإن قال قائل: بأي شيء عرف موسى أنه كلام الله؟ قيل: بتعريف الله تعالى إياه، وإنزال آية عرف موسى بتلك الآية، أنه كلام الله تعالى. وهذا مذهب أهل السنة:\nأنه سمع كلام الله حقيقة، بلا كيف، وقال وائل بن داود، معنى وقوله: \" وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا \"، أي: مرارًا، كلام بعد كلام \" (^١).\nوقال تعالى عن موسى ﵇: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ [مريم:٥٢]، يقول السمعاني: \" وقوله: \" وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا \"، ويُقال: أي كلمناه، والتقريب هاهنا هو التكلم، وأما النجي فهي المناجي، وكأن معناه على هذا القول: أن الله يُكلمه، وهو يُكلم الله \" (^٢).\nومن الأدلة التي استدل بها السمعاني على أن الله تعالى متكلم، قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا﴾ [الأعراف:١٤٨]، يقول: \" وهذا دليل على أن الله مُتكلم لم يزل ولايزال؛ لأنه استدل بعدم الكلام من العجل، على نفي الإلهية \" (^٣).\n_________\n(^١) «السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٥٠٣، وقال السمعاني في مقام آخر: \" فإن قيل: بم عرف كلام الله ﷿؟ قلنا: سمع كلامًا، لا يشبه كلام المخلوقين، ورُوي أنه سمع من جميع جوانبه \" تفسير القرآن: ٣/ ٣٢٣\n(^٢) «السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٢٩٨\n(^٣) «السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٢١٦","vol":"1","page":411},{"text":"وقال السمعاني في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٧٧]،: \" أي: لا يكلمهم كما يُكلم المؤمنين، وقد صَحَّ أنه ﷻ، يُكلم المؤمنين يوم القيامة من غير ترجمان \" (^١).\nوأما نفي التكليم يوم القيامة، ففيه قولان: (^٢)\nأحدهما: أنه لا يكلمهم، ولكن يكلمهم بالتهديد والتوبيخ.\nوالآخر: أنه غضبان عليهم، كما يُقال: فلان لا يُكلم فلانًا، إذا كان غضبانًا عليهم. ولذا فإن كلام الله جل وعلا لا ينفد، قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ [لقمان:٢٧]، بمعنى: أن جميع أشجار العالم، ونباتها، لو بريت أقلامًا، وصارت البحور مدادًا، ما نفدت كلمات الله، أي: كلام الله وعلمه. (^٣)\nورد السمعاني على المعتزلة في قولهم: إن الله خلق كلامًا في الشجرة، على مذهبهم الفاسد في إنكار الصفات لله تعالى، فقال السمعاني: \" وعند المعتزلة: أن الله تعالى خلق كلامًا في الشجرة فسمع موسى ذلك الكلام، وهذا عندنا باطل، وذلك لأن الله تعالى هو الذي كلم موسى على ماورد به النص، وإذا كان على هذا الوجه الذي قالوا، فيكون الله خالقًا لا مكلمًا؛ لأنه يُقال: خلق فهو خالق، ولا يُقال: خلق فهو مُكلم \" (^٤).\nوقد استفاض النقل عن علماء السلف في حكاية الإجماع على أن الله تعالى متكلم بكلام قائم به، وأن كلامه غير مخلوق.\n_________\n(^١) «السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٣٣٤\n(^٢) «السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ١٧٠\n(^٣) «السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٢٣٥\n(^٤) «السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ١٣٧","vol":"1","page":412},{"text":"يقول الإمام أبو بكر بن أبي عاصم (^١): \" ومما اتفق أهل العلم على أن نسبوه إلى السنة ... والقرآن كلام الله ﵎، تكلم به، ليس بمخلوق \" (^٢).\nويقول ابن تيمية: \" ... بل نقول: إنه يتكلم بمشيئته وقدرته، كلامًا قائمًا بذاته، كما دل على ذلك الكتاب، والسنة، وإجماع السلف والأئمة \" (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-165>١٨ - الرؤية:</span>\nيقول السمعاني في إثبات رؤية الرب جل وعلا: \" واعلم أن الرؤية حق على مذهب أهل السنة، وقد ورد به القرآن والسنة \" (^٤)، ويقول: \" وقوله تعالى: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٣]: هو النظر إلى الله تعالى بالأعين، وهو ثابت للمؤمنين في الجنة، بوعد الله تعالى، وبخبر الرسول ﷺ \" (^٥).\nواستدل السمعاني على إثبات الرؤية بأدلة القرآن والسنة، منها:\nأ - قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة:٤٦]، قال: \"وقيل: هو اللقاء الموعود، وهو رؤية الله تعالى \". (^٦)\nب - وقال تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام:١٠٣]، يقول السمعاني: \" فالإدراك غير الرؤية؛ لأن الإدراك هو الوقوف على كنه الشيء وحقيقته، والرؤية، هي المعاينة ... وإذا كان الإدراك غير الرؤية، فالله تعالى يجوز أن يُرى، ولكن لا يدرك كنهه، إذ لا كنه له حتى يدرك، وهذا كما أنه يعلم ويعرف ولا يُحاط به\" (^٧).\n_________\n(^١) «أبو بكر أحمد بن عمرو (ت ٢٨٧ هـ)، الحافظ الكبير، الإمام. انظر: الذهبي: سير أعلام النبلاء: ١٣/ ٤٣٠\n(^٢) «ابن أبي عاصم: السنة: المكتب الإسلامي، بيروت، ط ١، ١٤٠٠ هـ، (٢/ ٦٤٥).\n(^٣) «ابن تيمية: مجموع الفتاوى: ٩/ ٢٨٤\n(^٤) «السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ١٣٢\n(^٥) «السمعاني: تفسير القرآن: ٦/ ١٠٦\n(^٦) «السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٧٥\n(^٧) «السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ١٣٢","vol":"1","page":413},{"text":"ج - وقال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ﴾ [الأعراف:١٤٣]، يقول السمعاني: \" وفي هذا دليل على أنه يجوز أن يُرى؛ لأنه لم يُعلّق الرؤية بما يستحيل وجوده؛ لأن استقرار الجبل مع تجليه له غير مستحيل، بأن يجعل له قوة الاستقرار مع التجلي \" (^١).\nد - وقال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦]، يقول السمعاني: \"واختلفوا في الحسنى وزيادة، فروي عن أبي بكر الصديق، وأبي موسى الأشعري، وابن عباس، وحذيفة، وقتادة، وجماعة من التابعين أنهم قالوا: الحسنى هي الجنة، والزيادة: هي النظر إلى الله ﷿ \" (^٢).\nهـ - وقال تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٧]، قال ابن سيرين: ما أخفي لهم من قرة أعين: هو النظر إلى الله تعالى. (^٣)\nو- وقال تعالى: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق:٣٥]، يقول السمعاني: \" فيه قولان: ... والآخر: أنه النظر إلى الله تعالى \" (^٤).\nز - وقال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ [القيامة:٢٢ - ٢٣]، يقول السمعاني: \" (إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ): هو النظر إلى الله تعالى بالأعين \" (^٥).\n_________\n(^١) «السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٢١٢\n(^٢) «السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٣٧٨\n(^٣) «السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٢٥٠\n(^٤) «السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٢٤٦\n(^٥) «السمعاني: تفسير القرآن: ٦/ ١٠٦","vol":"1","page":414},{"text":"ح - وقال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطفِّفين:١٥]، يقول السمعاني: \"في الآية دليل على أن المؤمنين يرون الله تعالى، وقد نقل هذا الدليل عن مالك والشافعي - رحمة الله عليهما ـ، قال مالك: لما حجب الله الفجار عن رؤيته، دَلَّ على أنه ليتجلى للمؤمنين حتى يروه، ومثل هذا رواه الربيع بن سليمان عن الشافعي، قال الربيع، قلت للشافعي: أيرى الله بهذا؟ فقال: لو لم أوقن أن الله يُرى في الجنة، لم أعبده في الدنيا. وفي الآية أبين دليل من حيث المعنى على ما قلنا؛ لأنه ذكر قوله: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾، في حق الكفار عقوبة لهم، فلو قلنا: إن المؤمنين يحجبون، لم يصح عقوبة الكفار به \" (^١).\nوحَكى الأئمة الإجماع على إثبات هذه الصفة لله تعالى:\nقال الإمام أحمد: \" والأحاديث في أيدي أهل العلم، عن النبي ﷺ: أن أهل الجنة يرون ربهم، لا يختلف فيها أهل العلم \" (^٢).\nوقال الإمام ابن تيمية: \" أجمع سلف الأمة وأئمتها، على أن المؤمنين يرون الله بأبصارهم في الآخرة. واتفقوا على أن المؤمنين يرون الله يوم القيامة عيانًا، كما يرون الشمس والقمر \" (^٣).\nوقد ناقش السمعاني المخالفين للرؤية، النافين لها، وهم المعتزلة، فقال:\n_________\n(^١) «السمعاني: تفسير القرآن: ٦/ ١٨١\n(^٢) «أحمد بن حنبل: الرد على الجهمية، دار الثبات للنشر، ط ١، (١٣٢)\n(^٣) «ابن تيمية: مجموع الفتاوى: ٦/ ٥١٢","vol":"1","page":415},{"text":"١ - قوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ [الأنعام:١٠٣]، \" استدل بهذه الآية من يعتقد نفي الرؤية، قالوا: لما تمدَّح بأنه لا تدركه الأبصار؛ فمدحه يكون على الأبد في الدنيا والآخرة \" (^١). ورد عليه السمعاني بقوله: \" فأما قوله تعالى: \" لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ \" فالإدراك غير الرؤية؛ لأن الإدراك: هو الوقوف على كنه الشيء وحقيقته، والرؤية: هي المعاينة، وقد تكون الرؤية بلا إدراك، قال تعالى في قصة موسى: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (٦١) قَالَ كَلَّا﴾ [الشعراء:٦١]، فنفى الإدراك مع إثبات الرؤية، وإذا كان الإدراك غير الرؤية، فالله تعالى يجوز أن يُرى، ولكن لا يدرك كنهه، إذ لا كنه له حتى يُدرك، وهذا كما أنه يُعلم ويُعرف ولا يُحاط به، كما قال: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه:١١٠] فنفى الإحاطة مع ثبوت العلم \" (^٢).\nوالوجه الثاني في الرد: أن يكون معنى قوله ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ يعني: في الدنيا، هو يرى الخلق، ولا يراه الخلق في الدنيا، بدليل قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ فكما أثبتت الرؤية بتلك الآية في الآخرة، دَلَّ على أن المراد بهذه الآية: الإدراك في الدنيا؛ ليكون جمعًا بين الآيتين \" (^٣).\n_________\n(^١) «السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ١٣٢\n(^٢) «السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ١٣٢\n(^٣) «السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ١٣٣","vol":"1","page":416},{"text":"٢ - قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف:١٤٣]، يقول السمعاني: \" قَالَ لَنْ تَرَانِي \" يستدل من ينفي الرؤية بهذه الكلمة، وليس لهم فيها مُستدل، وذلك لأنه لم يقل: إني لا أُرى، حتى يكون حجة لهم، ولأنه لم ينسبه إلى الجهل في سؤال الرؤية، كما نسب إليه قومه بقولهم: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾، لما لم يجز ذلك. وأما معنى قوله \" لَنْ تَرَانِي \"، يعني: في الحال، أو في الدنيا \" (^١).\nوفي ختام هذا المطلب، أًشير إلى مسألتين، أثارهما الإمام السمعاني:\nالمسألة الأولى: هل الدهر من أسماء الله وصفاته؟!\nأورد السمعاني الأثر الوارد في السنة، وهو قوله ﷾ في الحديث القدسي: (يؤذيني ابن آدم يسب الدهر، وأنا الدهر، أدبر الأمر، أقلب الليل والنهار) (^٢).\nوصنيع السمعاني في ذكر تأويل الخبر، يدل على أنه ليس من أسماء الله ولاصفاته، إلا على تأويل الدهر بالخالق فيعود لصفة الخلق، أي يكون معنى الخبر: فإن الله هو الدهر: أي خالق الدهر. وهذا هو الوجه الأول الذي فسَّر به السمعاني هذا الخبر.\nوالوجه الثاني: لا تسبوا الدهر فإني فاعل الأشياء. وكانوا يضيفون الفعل إلى الدهر، ويسبونه، فإن الله هو الدهر، يعني: أن الله فاعل الأشياء، لا الدهر. قال السمعاني: \"وهذا قول معتمد \".\nوالوجه الثالث: وهو أنهم كانوا يعتقدون بقاء الدهر، وأنه لا يبقى شيء مع بقاء الدهر، فقال: لا تسبوا الدهر، يعني: لا تسبوا الذين يعتقدون أنه الباقي، فإن الله هو الدهر، يعني: فإن الله هو الباقي، بقاء الأبد على ما يعتقدون في الدهر. (^٣)\n_________\n(^١) «السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٢١٢\n(^٢) «أخرجه البخاري في صحيحه، باب \" وما يهلكنا إلا الدهر \"، ح (٤٨٢٦)\n(^٣) «السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ١٤٣","vol":"1","page":417},{"text":"وقد ذهب ابن حزم ومن معه، إلى أن الدهر من أسماء الله تعالى؛ استنادًا على هذا الحديث، وقد غلطه العلماء في ذلك، يقول ابن كثير: \" وقد غلط ابن حزم ومن نحا نحوه من الظاهرية، في عدهم الدهر، من الأسماء الحسنى، أخذًا من هذا الحديث \" (^١).\nالمسألة الثانية: هل يجوز السؤال عن الله بالمائية؟!\nقال السمعاني في قصة موسى مع فرعون، وسؤال فرعون لموسى ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٣) قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (٢٤)﴾ [الشعراء:٢٣ - ٢٤]: \"واعلم أن سؤال المائية، لا يجوز على الله، وإنما هذا من أوصاف المخلوقين، والدليل عليه: أن موسى لم يجب سؤال المائية، فلم يقل: ربي لونه كذا، وهو من كذا، وريحه كذا، ولكن أجاب بذكر أفعاله الدالة عليه، فقال: \" رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ \". واعلم أن سؤال المائية، سؤال عن جنس الشيء، والله تعالى منزه على الجنسية، ويُقال: إن جواب موسى عن معنى السؤال، لا عن عين السؤال، كأن معنى السؤال: ومن رب العالمين؟ قال: \" رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ \" (^٢).\n_________\n(^١) «ابن كثير: تفسير القرآن العظيم: ٧/ ٢٤٨\n(^٢) «السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٤٢","vol":"1","page":418},{"text":"وذكر الإمام ابن حزم مسألة المائية وفصَّل فيها، فقال: \" ذهب طوائف من المعتزلة إلى أن الله تعالى لا مائية له، وذهب أهل السنة، وضرار بن عمرو إلى أن الله تعالى مائية \" (^١). وقال التفتازاني: \" وهذا البحث عند المتكلمين يُعرف بمسألة المائية، ويُنسب القول بها إلى ضرار، حيث قال: إن لله تعالى مائية لا يعلمها إلا هو، ولو رؤي لرؤي عليها، وفي قدرة الله تعالى أن يخلق في الخلق حاسة سادسة، بها يُدركون تلك المائية والخاصية، وحين رُوي ذلك عن أبي حنيفة ﵁ أنكر أصحابه هذه الرواية أشد إنكار؛ وذلك لأن المائية عبارة عن المجانسة، حيث يُقال: ماهو، بمعنى: أي جنس هو من أجناس الأشياء، والله تعالى منزه عن الجنس؛ لأن كل ذي جنس مماثل لجنسه، ولما تحته من الأنواع والأفراد، فالقول به تشبيه \" (^٢).\nوذهب الإمام ابن تيمية إلى أن القول بأن المائية تقتضي الجنس، بمعنى أن يكون له ما يجانسه، أي يماثله في حقيقته، إلى أن الأمر ليس كذلك، يقول: \" فإن من أثبت له مائية، وهي الحقيقة التي تخصه، ويمتاز لها عن غيره، لم يلزمه أن تكون تلك المائية من جنس المائيات، كما أن الذين يطلقون عليه اسم الذات، لا يلزمهم أن تكون ذاته من جنس سائر الذوات، وإن فُسِّر ذلك بثبوت قدر ما يتفقان فيه، فهذا لا بد منه على كل تقدير. ولفظ الجنس فيه عدة اصطلاحات، فإن فُسِّر بما يوجب مثلًا لله، فهو منتف عنه، وإن فُسِّر بالحد اللغوي الذي هو مدلول الأسماء المتواطئة والمشككة، كما في اسم الحي، والعليم، والقدير، ونحو ذلك من الأسماء، فهذا لا بُدَّ منه باتفاق أهل الإثبات \" (^٣).\n_________\n(^١) «ابن حزم: الفِصل في الملل والأهواء والنحل: ٢/ ١٣٢\n(^٢) «التفتازاني: شرح المقاصد في علم الكلام: ٢/ ١٢٤\n(^٣) «ابن تيمية: بيان تلبيس الجهمية: ٢/ ٣٨٧","vol":"1","page":419},{"text":"إذن: إنما أجاب موسى ﵇ بما أجاب به؛ لأن الرب جل وعلا معروف، \" وأن آياته، ودلائل ربوبيته، أظهر، وأشهر من أن يُسأل عنه (بما هو)، فإن هذا إنما هو سؤال عما يجهل، والله سبحانه أعرف، وأظهر، وأبين من أن يُجهَل، بل معرفته مستقرة في الفطِر، أعظم من معرفة كل معروف \" (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-166>المطلب الخامس: مسائل في الأسماء والصفات:</span>\nهذا المطلب معقود لبيان تفسير السمعاني، لبعض الآيات الكريمات التي تصف الرب جل وعلا ببعض الصفات، أو بعض الأفعال التي تكون من الله جل في علاه:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-167>١ - ما معنى الكيد من الله تعالى:</span>\nقال تعالى: ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ﴾ [يوسف:٧٦]، يقول السمعاني: \" الكيد من الخلق هو الحيلة، ومن الله: التدبير بالحق \" (^٢). فمعنى الآية: \" كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ \" أي: دبرنا ليوسف، وقيل: صنعنا ليوسف، وقال ابن الأنباري: أردنا ليوسف. (^٣)\nوفي قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (١٥) وَأَكِيدُ كَيْدًا (١٦)﴾ [الطارق:١٥ - ١٦]، يقول السمعاني: \"والكيد في اللغة: هو صنع يصل به إلى الشيء على الخفية والاستتار.\nالكيد من الله: هو الاستدراج من حيث لا يعلمون الكفار، والاستدراج؛ هو الأخذ قليلًا قليلًا، وقيل: هي الأخذ من حيث يخفى عليهم، وقيل: \" وَأَكِيدُ كَيْدًا \"، أي: أعاقبهم عقوبة كيدهم \" (^٤).\n_________\n(^١) «ابن تيمية: درء التعارض العقل والنقل: ٨/ ٣٩\n(^٢) «السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٥٢\n(^٣) «السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٥٢\n(^٤) «السمعاني: تفسير القرآن: ٦/ ٢٠٣","vol":"1","page":420},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-168>٢ - ما معنى المكر من الله تعالى:</span>\nقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [آل عمران:٥٤]، يقول السمعاني: \" المكر من العبد: الخبث الخِداع، ومن الله تعالى: أن يأخذ العبد بغتة من حيث لا يعلم، وإنما سماه مكرًا، على المقابلة؛ لأنه جزاء مكرهم، كما قال: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى:٤٠]، والمراد بمكرهم هنا: أنهم احتالوا لقتل عيسى، فقال رجل: ألا أدلكم على البيت الذي فيه عيسى، فجاؤوا معه البيت الذي كان فيه عيسى، فرفعه الله إلى السماء، وألقى شبه عيسى على من دلهم عليه، فأخذوه وهو يصيح، لست بعيسى، فقتلوه، وقيل: إن الدال كان واحدًا من الحواريين، فذلك مكر الله \" وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ \" \" (^١).\nوقال تعالى: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال:٣٠]، يقول السمعاني: \"المكر من الله: التدبير بالحق، وقيل: هو الأخذ بغتة. قال الزجاج: يجازيهم جزاء المكر، \" وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ \"، أي: خير المدبرين \" (^٢).\nوقال تعالى: ﴿أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ﴾ [الزُّخرُف:٧٩]، يقول السمعاني: \" يُقال: \" أَمْ أَبْرَمُوا \": أي: كادوا كيدًا، ومكروا مكرًا، وقوله: \" فَإِنَّا مُبْرِمُونَ \" أي: نُقابل كيدهم ومكرهم بالإبطال، ونجازيهم جزاء مكرهم \" (¬<span data-type=\"title\" id=toc-169>٣).\n\n٣ - ما معنى قوله تعالى: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء:١٤٢]:</span>\nيقول السمعاني: \"يخادعون الله: أي يعاملون الله معاملة المخادعين، حيث أظهروا الإيمان، وأبطنوا الكفر، وهو خادعهم، أي: يعاملهم معاملة المخادعين، وذلك على وجهين:\nأحدهما: أنه حكم بإيمانهم في الظاهر، وكفرهم في الباطن، كما فعلوا هم.\nوالثاني: أنه في القيامة يعطيهم نورًا، كما يُعطي المؤمنين، ثم إذا كانوا على الصراط طفيء نورهم، وذهب المؤمنون بنورهم \" (^٤).\n_________\n(^١) «السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٣٢٣\n(^٢) «السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٢٦٠\n(^٣) «السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ١١٧\n(^٤) «السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٤٩٣","vol":"1","page":421},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-170>٤ - ما معنى السخرية من الله تعالى:</span>\nقال تعالى: ﴿فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [التوبة:٧٩]، يقول السمعاني: \" فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ \" يستهزؤون منهم، \" سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ \" جازاهم جزاء السخرية \" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-171>٥ - ما معنى قوله تعالى: ﴿قَاتَلَهُمُ اللَّهُ﴾ [التوبة:٣٠]:</span>\nيقول السمعاني: \" قال أبو عبيدة: لعنهم الله، وقيل: قلتهم الله، كما تقول العرب: عافاه الله، أي: أعفاه الله. وفيه قول ثالث: أن هذه كلمة تعجب، وليس المعنى تحقيق المقاتلة، ولكنه كلمة تعجب\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-172>٦ - ما معنى قوله تعالى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة:٦٧]:</span>\nيقول السمعاني: \" أي: تركوا أمر الله، فتركهم الله من رحمته \" (^٣)، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾ [الحشر:١٩]، يقول السمعاني: \" أي: تركوا أمر الله، فتركهم من نظره ورحمته ... ونُسب إلى الله تعالى؛ لأن تركهم طلب الحظ لأنفسهم، وفواته إياهم، كان لأجل ما توجه عليه من أمر الله. وقيل: أغفلهم من حظ أنفسهم عقوبة لهم\" (^٤).\n_________\n(^١) «السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٣٣٢\n(^٢) «السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٣٠٣، ومعنى قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ﴾ [الأنفال:١٧]، أي: لم تقتلوهم بقوتكم وعدتكم، بل بنصره إياكم ومعونته لكم. وقيل: ولكن الله قتلهم، بسوقهم إليكم، حتى ظفرتم بهم. وقيل: ولكن الله قتلهم، ببعث الملائكة، لكم مددًا، فقتلهم بالملائكة.\n(^٣) «السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٣٢٥\n(^٤) «السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٤٠٧","vol":"1","page":422},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-173>٧ - ما معنى نصرة الله تعالى:</span>\nقال تعالى: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾ [محمد:٧]، يقول السمعاني: \" معناه: إن تنصروا الله نبي الله، أو دين الله ينصركم، والنصرة من الله: الحفظ والهداية \" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-174>٨ - ما معنى الحسرة من الله تعالى على العباد الذي أهلكهم:</span>\nوالله جل وعز لا تجوز عليه هذه الصفة؟ يقول تعالى: ﴿يَاحَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ﴾ [يس:٣٠]، يقول السمعاني: \" معنى الآية: يا حسرة على العبادة من أنفسهم، وكأنهم يتحسرون على أنفسهم غاية الحسرة، والحسرة: هي التلهف على أمر فائت، بأبلغ وجوهه، حتى يبقى الرجل حسيرًا، منقطعًا عن شدته.\nوجواب آخر: أنه تعالى قال: \" يَاحَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ \"؛ لأنهم صاروا بمنزلة يُتحسر عليهم. يُقال: يا حسرة الرسل، والملائكة على العباد. والجواب الأول أحسن الأجوبة \" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-175>٩ - ما معنى أذية الرب جل وعلا، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الأحزاب:٥٧]</span>\nيقول السمعاني: \" أي أولياء الله، وأصح القولين، أن قوله \" يُؤْذُونَ اللَّهَ \" على طريق المجاز، وأما على الحقيقة فلا يلحقه أذى من قبل أحد \" (^٣)، ومعنى قوله ﴿وَلَا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا﴾ [هود:٥٧]، أي: ولا تنقصونه شيئًا. (^٤)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-176>١٠ - ما معنى قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود:٥٦]:</span>\nذكر السمعاني في معناه ثلاثة أقوال:\nأحدها: أن معناه: إن ربي يعمل بالعدل، وإن كان قادرًا على كل شيء، فلا يعمل إلا بالعدل والإحسان.\nوالثاني: معناه: إن دين ربي على صراط مستقيم.\nوالثالث: هو في معنى قوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ [الفجر:١٤] يعني: إنه على طريق الخلق أجمع. (^٥)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-177>١١ - ما معنى الإقراض من الله تعالى</span>؟!\nيقول تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البقرة:٢٤٥]، يقول السمعاني: \" قيل: يقرض أنبياء الله، فقال الضحاك: معناه: يتصدق لله، وسماه قرضًا؛ لأن الله تعالى قد وعد الثواب عليه \" (^٦).\nومعنى الآية: من الذي يفعل فعلًا حسنًا، فيجازيه الله بذلك. (^٧)\n_________\n(^١) «السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ١٧٠\n(^٢) «السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٣٧٥\n(^٣) «السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٣٠٦\n(^٤) «السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٤٣٧\n(^٥) «السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٤٣٦\n(^٦) «السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٢٤٧\n(^٧) «السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٣٦٨","vol":"1","page":423},{"text":"وقال تعالى: ﴿إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ [التغابن:١٧]، ذكر السمعاني في تفسير الآية ثلاثة أقوال:\nأحدها: هو الإنفاق في سبيل الله. والثاني: هو جميع حقوق المال، وسُمي ذلك قرضًا؛ لأن الله تعالى يُثيبهم عليه، ويعطيهم عوضه، فهو بمنزلة القرض.\nوالثالث: أن الإقراض هاهنا، هو قول القائل: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر. (¬<span data-type=\"title\" id=toc-178>١)\n\n١٢ - ما معنى الاستهزاء من الله تعالى:</span>\nقال تعالى: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة:١٥]، ذكر السمعاني فيه أقوالًا في المعنى:\nالأول: معناه: يجازيهم على صنيعهم، إلا أنه سماه الله استهزاء؛ لأنه جزاء الاستهزاء.\nالثاني: يستهزئ بهم، أي: يعيبهم، منه قوله تعالى: ﴿يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا﴾ [النساء:١٤٠] أي: يُعاب، كذلك هذا.\nالثالث: أن الله يستهزئ بهم في الآخرة، وهذا يحتمل وجهين:\nأحدهما: أن يضرب للمؤمنين على الصراط نورًا يمشون به، وإذا وصل المنافقون إليه، حال بينهم وبين المؤمنين، فذلك الاستهزاء بهم.\nوالثاني: أن يقربهم من الجنة، حتى إذا رأوا زهرتها، وحسنها، وبهجتها، واستنشقوا رائحتها، صرفهم عنها إلى النار، فذلك الاستهزاء بهم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-179>١٣ - ما معنى الرمي من الله تعالى:</span>\nقال تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال:١٧]، المقصود بالرمي في قوله \" وَمَا رَمَيْتَ \" أي: بالحصباء التي رمى بها النبي ﷺ فأصابت عيون المشركين، فهذا ليس في قدرة البشر، أن ترمي بالحصباء إلى وجوه جيش، بحيث لا تبقي عين إلا ويصيبها منها، \" وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى \" بقوته وقدرته.\nوقيل: معناه: وما بلغت إذ رميت، ولكن الله بلغ، وقيل معناه: وما رميت بالرعب في قلوبهم. (^٣)\n_________\n(^١) «السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٤٥٥\n(^٢) «السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٥١\n(^٣) «السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٢٥٥","vol":"1","page":424},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-180>١٤ - ما معنى مقام ربه:</span>\nفَرَّق السمعاني بين المَقام والمُقام: فقال: \" المَقام: موضع الإقامة، والمُقام: فعل الإقامة \"، والله جل وعز يقول: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن:٤٦]، ويقول: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي﴾ [إبراهيم:١٤]، فكيف يكون لله مقام؟ يقول السمعاني: \" أجمع أهل التفسير أن معناه: ذلك لمن خاف مقامه بين يدي ربه للسؤال والحساب. (¬<span data-type=\"title\" id=toc-181>١)\n\n١٥ - ما معنى الجد في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا﴾ [الجن:٣]:</span>\nيقول السمعاني: \" الجد: العظمة، وهو البخت أيضًا، وهو أب الأب، والمراد به هنا: \" جَدُّ رَبِّنَا \": عظمة ربنا، وهذا قول قتادة، وقيل: \" جَدُّ رَبِّنَا \": أي: غنى ربنا، وهو قول الحسن، وقيل: \" جَدُّ رَبِّنَا \" أي: أمر ربنا، وهو قول إبراهيم والسدي. (^٢)\nوقوله ﵊: (ولا ينفع ذا الجد منك الجد) (^٣)، أي: لا ينفع ذا البخت منك بخته، إذا أردت به سوءًا أو مكروهًا. (^٤)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-182>١٦ - ما معنى الذكر من الله جل وعز:</span>\nقال تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة:١٥٢]:\nأ - قيل: ذكر الله ها هنا: بمعنى المدح والثناء عليه، وفي الخبر عن النبي ﷺ: أن الله تعالى يقول: (أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه حين يذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ، ذكرته في ملأ خير منه) (^٥).\nب - وقيل: الذكر من العبد الطاعة، ومن الله المغفرة والرحمة، ومعناه: فاذكروني بالطاعة، اذكركم بالمغفرة والرحمة. (^٦)\n_________\n(^١) «السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ١٠٨ - ٥/ ٣٣٣ - ٦/ ١٥٣\n(^٢) «السمعاني: تفسير القرآن: ٦/ ٦٤\n(^٣) «أخرجه البخاري في صحيحه، باب الذكر بعد الصلاة، ح (٨٤٤)\n(^٤) «السمعاني: تفسير القرآن: ٦/ ٦٤\n(^٥) «أخرجه البخاري في صحيحه، باب \" ويحذركم الله نفسه \"، ح (٧٤٠٥)\n(^٦) «السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ١٥٥","vol":"1","page":425},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-183>١٧ - ما معنى الصلاة من الله تعالى:</span>\nقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ﴾ [الأحزاب:٤٣]، ذكر السمعاني ثلاثة أقوال: \" اختلفوا في معنى الصلوات من الله تعالى: قال أبو العالية: هو الثناء من الله على عباده، وعن بعضهم: إشاعة الذكر الجميل لهم، وأشهر الأقوال: أن الصلاة من الله تعالى بمعنى: الرحمة والمغفرة\" (^١).\nوفسَّرها السمعاني في أكثر من موطن، بالرحمة والمغفرة. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-184>١٨ - ما معنى إمهال الله جل وعز:</span>\nقال تعالى: ﴿فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ﴾ [الحج:٤٤]، يقول السمعاني: \" أي: أمهلت للكافرين، والإمهال من الله؛ هو الاستدراج والمكر \" (^٣)، والله تعالى يقول في مقام آخر: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (١٨٢)﴾ [الأعراف:١٨٢]، قيل: الاستدراج من الله: هو أن العبد كلما ازداد معصية، زاده الله نعمة، وقيل: هو أن يُكثِر عليه النعم، ويُنسيه الشكر، ثم يأخذه بغتة. (^٤)\nوقال تعالى: ﴿فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [القلم:٤٤]، يقول السمعاني: \" الاستدراج في كلام العرب: هو الأخذ قليلًا قليلًا \". (^٥)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-185>١٩ - ما معنى مدافعة الله ﷿ عن المؤمنين:</span>\nقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحج:٣٨]، يقول السمعاني:\"والمدافعة عنهم: بحفظهم ونصرتهم، ويُقال: يدافع الكفار عن الذين آمنوا، ويُقال: يُدافع المؤمنين وساوس الشيطان، وهواجس النفوس، ويُقال: يدافع عن الجهال بالعلماء، وعن العصاة بالمطيعين \" (^٦).\n_________\n(^١) «السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٢٩٢\n(^٢) «السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ١٥٧ - ٢/ ٣٤١ - ٤/ ٣٠٤\n(^٣) «السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٤٤٣\n(^٤) «السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٢٣٦\n(^٥) «السمعاني: تفسير القرآن: ٦/ ٣٠\n(^٦) «السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٤٤١","vol":"1","page":426},{"text":"خلاصة الفصل: تبيَّن مما سبق ذكره وإيضاحه، التزام السمعاني بمذهب السلف، في أنواع التوحيد الثلاثة، من جهة الدلالة والاستدلال، وإن كان قوله ﵀ مرجوحًا في بعض المسائل، كمسألة الاسم والمسمى، وتخريج بعض أقواله في إطلاقه التشابه، على بعض نصوص الصفات، وما عدا ذلك، فكان الإمام السمعاني حربًا على أهل الشرك، والبدع، والتأويلات الفاسدة، فقد قَرَّر العقيدة والتوحيد، بأسلوب سهل ميسَّر، بعيد عن الفلسفات والقوانين المنطقية، والأُطر الكلامية، ولذا فقد سلك في بيان تقرير المعتقد الصحيح، منهج السلف في التدليل والبيان، والتوجيه والتقعيد، والرد على الشبهات، بل ربما أورد بعض المشكلات، ورد عليها بأسلوب عقلي مقنع.\nوكذلك تبيَّن - مما سبق - أهمية التوحيد بأنواعه الثلاثة، وشرفها، ومنزلتها، فإن \" كل آية في القرآن، فهي متضمنة للتوحيد، شاهدة به، داعية إليه، فإن القرآن إما خبر عن الله، وأسمائه وصفاته وأفعاله، فهو التوحيد العلمي الخبري، وإما دعوة إلى عبادته وحده لا شريك له، وخلع كل ما يُعبد من دونه، فهو التوحيد الإرادي الطلبي، وإما أمر ونهي، وإلزام بطاعته في نهيه وأمره، فهي حقوق التوحيد ومكملاته، وإما خبر عن كرامة الله لأهل توحيده وطاعته، وما فعل بهم في الدنيا، وما يُكرمهم به في الآخرة، فهو جزاء توحيده، وإما خبر عن أهل الشرك، وما فعل بهم في الدنيا من النكال، وما يحل بهم في العقبى من العذاب، فهو خبر عمن خبر عن حكم التوحيد \" (^١).\nوتبيَّن لنا خطورة الشرك، وأن أصله وقاعدته التي يرجع إليها: هو التعطيل، إما تعطيل المصنوع عن صانعه، أو تعطيل الصانع عن كماله الثابت له، أو تعطيل معاملته عما يجب على العبد من حقيقة التوحيد (^٢)، وحقيقته: تشبيه الخالق بالمخلوق، أو تشبيه المخلوق بالخالق. (^٣)\n_________\n(^١) «ابن القيم: مدارج السالكين: ٣/ ٤١٧\n(^٢) «المقريزي: تجريد التوحيد المفيد: ٢٥\n(^٣) «المقريزي: تجريد التوحيد المفيد: ٢٧","vol":"1","page":427},{"text":"وتبيَّن لنا وسطية أهل السنة بين طوائف الملة، في توحيد الأسماء والصفات، وأنهم لا يتجاوزون في الوصف القرآن والحديث، وكان مطرف يقول: الحمد لله الذي من العلم به، الجهل بغير ما وصف به نفسه، ويقول سحنون: من العلم بالله، السكوت عن غير ما وصف به نفسه. (^١)\nويُخشى على من جحد التوحيد، وعَبَد غير الله تعالى، وانغمس في المعاصي، أن يكون ممن مكروا السيئات، قال تعالى: ﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [النحل:٤٥]، يقول السمعاني: \" مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ \" يعني: فعلوا السيئات، وذلك: جحدهم التوحيد، وعبادتهم غير الله، وعملهم بالمعاصي، وقد قالوا في هذا الموضوع: هو السعي بالفساد، وما قلناه أفسد الفساد \" (^٢).\nوتبيَّن - فيما سبق - أن بين أنواع التوحيد الثلاثة، إما علاقة تضمن والتزام، وإما علاقة شمول: فعلاقة الشمول، بمعنى أن توحيد الأسماء والصفات شامل لنوعي التوحيد الآخرين، من جهة الإقرار، فإن من أقرَّ بأسمائه وصفاته، ضمن ذلك الإقرار، بأن الله هو الرب والإله. وأما علاقة التضمن واللزوم: فإن توحيد الربوبية مستلزم لتوحيد الألوهية، وتوحيد الألوهية متضمن توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية والربوبية متضمن لتوحيد الأسماء والصفات، ومن اعتقد أن الله تعالى له الأسماء الحسنى، الصفات العلى، لزمه اعتقاده ربًا وإلهًا. (^٣)\n_________\n(^١) «ابن عبدالبر: التمهيد: ٧/ ١٤٦ - ١٤٧\n(^٢) «السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ١٧٤\n(^٣) «انظر: سعود الخلف: أصول مسائل العقيدة: ١/ ٨٩، محمد التميمي: معتقد أهل السنة والجماعة في توحيد الأسماء والصفات: ٣٧، محمد ملكاوي: عقيدة التوحيد في القرآن الكريم: ١٢٢.","vol":"1","page":428},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-186>الفصل الثاني: الإيمان بالملائكة</span>\nالمبحث الأول: تعريف الملائكة، وأسماؤهم\nالمطلب الأول: تعريف الملائكة\nالمطلب الثاني: أسماء الملائكة\nالمبحث الثاني: أعمال الملائكة وصفاتهم\nالمبحث الثالث: مسائل في الملائكة\nالمطلب الأول: التفضيل بين الملائكة والبشر\nالمطلب الثاني: هل الملائكة يموتون؟\nالمطلب الثالث: الاختلاف في البرق والرعد\nالمبحث الرابع: الإيمان بالجن والشياطين\nالمطلب الأول: تعريف الجن والشياطين\nالمطلب الثاني: أعمال الشياطين وأحوالهم، وصفاتهم\nالمطلب الثالث: أعمال الجن، وأحوالهم، وصفاتهم\nالمطلب الرابع: مسائل في عالم الجن والشياطين","vol":"1","page":429},{"text":"الفصل الثاني: الإيمان بالملائكة:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-187>مدخل:</span>\nالملائكة من عالم الغيب الذي يجب الإيمان به واعتقاده، يقول تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة:٣]، يقول ابن عباس: الغيب كل ما أُمرت بالإيمان به، مما غاب عن بصرك، وذلك مثل الملائكة (^١). وقد أثنى الله جل وعلا على ملائكته، فقال سبحانه: ﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٦ - ٢٧]، يقول السمعاني: \" هذا ثناء من الله على الملائكة ... معناه: أنهم لا يُخالفونه، لا قولًا، ولا عملًا، ويُقال: إذا أمر بأمر أطاعوه، فإذا قال لهم: افعلوا، قالوا: طاعة\" (^٢).\nوقد أجمع العلماء على أن الملائكة حق، واتفقوا على أنهم كلهم مؤمنون فضلاء (^٣)، وأنهم مجبولون على طاعة الله ﷿، معصومون من الغلط (^٤).\n_________\n(^١) «السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٤٣\n(^٢) «السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٣٧٦\n(^٣) «ابن حزم: مراتب الإجماع: دار الكتب العلمية، بيروت، (١٧٤)\n(^٤) «ابن القطان: الإقناع في مسائل الإجماع: دار الكتب العلمية، بيروت، ط ١،١٤٢٦ هـ (١/ ٤٨)","vol":"1","page":430},{"text":"والإيمان بالملائكة هو الركن الثاني من أركان الإيمان، فلا يصح إيمان عبد حتى يقر ويعترف، بأن لله تعالى ملائكة خلقهم من نور، ويؤمن بما ورد من صفاتهم في الكتاب والسنة، ولذا حكم الله جل وعز بكفر من أنكر الملائكة، فقال سبحانه: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء:١٣٦]، فمن صفات المؤمنين التي ذكرها القرآن: أنهم يؤمنون بالملائكة، قال تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ﴾ [البقرة:٢٨٥]، يقول الرازي: \" من الأصول المعتبرة في الإيمان: الإقرار بالملائكة، كما قال تعالى: \" وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ \"، والقرآن يشتمل على شرح صفاتهم، تارة على سبيل الإجمال، وأخرى على طريق التفصيل \" (^١).\nيقول القصري: \" واعلم - رحمك الله - أن الإيمان بالملائكة واجب، كالإيمان بالرسل، والجاحد للملائكة كافر، لا يُقبل إيمانه؛ لأنه يكذب بكتب الله ورسله، وعددهم لا يحصيهم إلا الله ﵎ \" (^٢).\nوالإيمان بالملائكة ينتظم ثلاثة أمور:\n١ - التصديق بوجودهم.\n٢ - إنزالهم منازلهم.\n٣ - الاعتراف بأن منهم رسلًا يرسلهم الله إلى من يشاء من البشر. (^٣)\nوذكر القصري أوصافهم، وقال: \" واعلم أن أوصافهم ستة أوصاف، هي جامعة كل فضيلة: ١ - العلم الكامل، ٢ - العفة الكاملة عن الشهوات، ٣ - الاجتناب للمعصية، ٤ - الطاعة الكاملة والامتثال الكامل في كل ما أمر به المعبود ﷻ، ٥ - الذكر الدائم المتصل الذي لا يدخله فتور ولا غفلة، ولا يقطعه سهو ولا نوم، ٦ - الأخلاق الحسنة الكاملة \" (^٤).\nثم قال: \" فإذا فهمت هذا فاعلم أن الإيمان بهم ﵈ على ثلاثة أضرب:\n١ - العمل بأعمالهم.\n٢ - التصديق بوجودهم\n_________\n(^١) «الرازي: مفاتيح الغيب: ٢٦/ ٤٤٥\n(^٢) «القصري: شعب الإيمان: ٣٣٩\n(^٣) «الحليمي: مختصر كتاب المنهاج: ٦٤\n(^٤) القصري: شعب الإيمان: ٣١٢ - ٣١٣","vol":"1","page":431},{"text":"٣ - التشبه بهم في أوصافهم وأفعالهم وعلومهم \" (^١).\nوقد جرى السمعاني في تقريره لهذا الركن مجرى السلف، فسلك المسلك الواضح البين الذي جاء تفصيله في النصوص، بعيدا عن النظرات الفلسفية التي تنظر إلى هذه العوالم، نظرة مباينة للشرع. وعالم الغيب يشمل كذلك عالم الجن والشياطين، ولذا أولاها السمعاني عناية خاصة، وظهر اهتمامه في إبراز مسائل هذا الركن من عدة جهات:\n١ - التعريف بهم، وذكر أسمائهم وأوصافهم، والتعريج على بعض أعمالهم.\n٢ - تحقيق بعض المسائل المتعلقة بهم:\n- المفاضلة بين الملائكة والبشر.\n- هل الملائكة يموتون؟\n- تعلق الرعد والبرق بالملائكة.\n٣ - التعريف بالجن والشياطين، وذكر أوصافهم وأحوالهم، وشيء من أعمالهم.\n٤ - تحقيق بعض المسائل المتعلقة بهم:\n- هل إبليس من الملائكة؟\n- هل من الجن رسل؟\n- هل الجن يدخلون الجنة؟\n- حول إمكان وطء الجني الأنسية؟\nوالمقصود هنا حصر جهد السمعاني في هذا الباب مما ورد في التفسير، وذكر آرائه المتعلقة به، بعيدا عن استقصاء المسائل المفضي إلى الترهل البحثي، إلا ما كان له تعلق بموضوع البحث.\nوبعد استقراء آراء السمعاني، يظهر توافقه مع المنهج القرآني الذي انبثق عنه منهج السلف، فهو لا يتحيز مع رأي دون رأي، إلا ما كان موافقا للمنقول والمعقول، وهذا كذلك يُظهِر تجرد السمعاني للحق وبعده عن الأهواء وشهوات النفس.\nوآراء السمعاني تأتي متوافقة لأصول السلف في هذا الباب، إلا ما كان من مسائل اجتهادية هي محل بحث ونظر، لا تُخرجه عن الأصل الأصيل في متابعته لمنهج السلف.\n_________\n(^١) «مرجع سابق.","vol":"1","page":432},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-188>المبحث الأول: تعريف الملائكة، وأسماؤهم:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-189>المطلب الأول: تعريف الملائكة:</span>\nقال السمعاني: \" الملائكة: جمع الملك، وأصل الملك: مألك، فقلبت الهمزة، فصار مالك، ثم أسقط الهمزة فصار ملك. واشتقاقه من الألوكة، وهي الرسالة، ومثلها: المالكة، والمألكة، قال الشاعر (^١):\n(ألِكِني إليها وخيرُ الرسول ... أعلمهم بنواحي الخبر) أي: أرسلني إليها \" (^٢).\n_________\n(^١) «أبو ذؤيب، انظر: ديوان الهذليين: ١/ ١٤٦\n(^٢) «السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٦٣","vol":"1","page":433},{"text":"يقول ابن الأنباري: \" الملائكة: سميت ملائكة؛ لتبليغها رسائل الله ﷿، إلى أنبيائه - صلوات الله عليهم ـ. أُخذوا من الألوك، وهي الرسالة، ويُقال لها أيضًا: مألَكة، ومألُكة، وقوم يقلبون فيقولون: مَلأَكًا، ويقولون: هو ملك من الملائكة، وهو مَلأَك من الملائكة، فمن قال: ملأك، أخرج الحرف على أصله، ومن قال: ملَك، حوَّل فتحة الهمزة إلى اللام، وأسقط الهمزة، ويُقال: هم الملائكة، وهم الملائك، بغير هاء \" (^١).\nوفي الكليات: \" والمتولِّي من الملائكة شيئًا من السياسة، يُقال له (مَلَك) بفتح اللام، ومن البشر يُقال له (ملِك) بكسرها، فكل ملك ملائكة، وليس كل ملائكة ملكًا \" (^٢).\nفالملائكة: \" أجسام لطيفة نورانية، قادرة على التشكلات بأفكار مختلفة، كاملة في العلم والقدرة على الأفعال الشاقة، شأنها الطاعات، ومسكنها السموات، هم رسل الله تعالى إلى أنبيائه - عليهم الصلاة والسلام - وأمناؤه على وحيه \" (^٣).\nويقول الإمام ابن تيمية: \" الملائكة: رسل الله في تنفيذ أمره الكوني، الذي يُدبِّر به السموات والأرض، وأمره الديني الذي تنزل به الملائكة \" (^٤).\nأما الفلاسفة المنتسبون إلى المسلمين فيقولون: إن الملائكة هي العقول، والنفوس المجردات، وهو الجواهر العقلية. وبعضهم يقول: هي القوى العالمة التي في النفوس، ويقولون: إن جبريل هو العقل الفعَّال، أو هو ما يتخيل في نفس النبي ﷺ من الصور الخيالية، وكلام الله ما يُوجد في نفسه، كما يوجد في نفس النائم. (^٥)\n_________\n(^١) «ابن الأنباري: الزاهر: ٢/ ٢٥٤\n(^٢) «الكفوي: الكليات: ٨٥٣\n(^٣) «التفتازاني: شرح المقاصد: ٢/ ٥٤\n(^٤) «ابن تيمية: مجموع الفتاوى: ٤/ ١١٩\n(^٥) «ابن تيمية: منهاج السنة النبوية: ٢/ ٥٣٣ - ٥٣٨ - ابن تيمية: الصفدية: ٢/ ٢٥٢","vol":"1","page":434},{"text":"ولذا يقول الإمام ابن تيمية: \" وأما أهل الملل، ومن علم ما أخبر الله به من صفات الملائكة، فيعلمون قطعًا، أن الملائكة ليست المجردات التي يُثبتها هؤلاء \" (^١)، ثم يقول: \"وهذا مما يَعَلمه كل من له علم، بما جاء به الرسول، أنه من أعظم الأمور تكذيبًا للرسول ﷺ، ويعلم أن هؤلاء أبعد عن متابعة الرسول ﷺ من كفار اليهود والنصاري \" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-190>المطلب الثاني: أسماء الملائكة:</span>\nالواجب الإيمان بالملائكة على وجه الإجمال، من علمنا منهم، ومن لم نعلم، وأما من علمنا أسماءهم، وأوصافهم، وأعمالهم، فوجب الإيمان بهم على وجه التفصيل، وهو جزء من الإيمان بالملائكة.\nوالملائكة لا يَعلم عددهم، ولا يُحصي عُدَدهم، إلا الله جل وعلا، قال ﷾: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدَّثر:٣١]، \" أي: له من الجنود، سوى هذا العدد، ما لا يعلم عددها إلا الله\" (^٣).\nوقال تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ [النجم:٢٦]، روى كعب الأحبار أنه قال: ما من موضع شبر في السماء، إلا وفيه ملك قائم، أو ساجد، وقد رُوي مثل هذا في الأرض عن غيره، وكم في اللغة للتكثير \" (^٤).\nوالملائكة الذين ورد ذكر أسمائهم في القرآن الكريم كثير، وليس الغرض مجرد السرد المحض لأسمائهم، فهو مبثوث في كثير من الكتب والمصنفات، لكن المقصود بيان اهتمام السمعاني بهذا الركن، وأن تحقيقه مبني على المعرفة، وأن الإيمان بهم واجب حسبما ورد في النصوص، خلافا لمن يعدون جبريل عدوا، أو من يزعمون أن جبريل خان الرسالة فأنزلها على محمد ﷺ ولم ينزلها على علي ﵁، ونحو ذلك من الأفكار المنحرفة عن الشرع، وأنه يجب الإيمان بمن سًمي، والوقوف عنده، وعدم البحث عما وراء ذلك.\n_________\n(^١) «ابن تيمية: منهاج السنة: ٢/ ٥٣٣\n(^٢) «ابن تيمية: منهاج السنة: ٢/ ٥٣٨\n(^٣) «السمعاني: تفسير القرآن: ٦/ ٩٧\n(^٤) «السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٢٩٦","vol":"1","page":435},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-191>١ - جبريل ﵇:</span>\nونُجمل ما ذكره السمعاني، عن جبريل ﵇، في النقاط التالية:\nأ - أن اسم جبريل فيه أربع قراءات:\n(جَبرِيل: على الكسر واللين - وجَبريل: على الفتح واللين - وجبرئيل: على الفتح والهمزة، والإشباع - وجبرئيل: على الفتح والهمزة، ومن غير إشباع).\nوجبر بمعنى العبد، وئيل: اسم الله، ومعناه: عبدالله أو عبدالرحمن، كذا قال ابن عباس، والحسن بن علي ﵃.\nفجبريل على وزن: قنديل، وبرطيل، وزنبيل، وجبرئيل على وزن عندليب، وجَبْريل لا مثال له. (^١)\nب - وصف الله جل وعلا جبريل بعدة صفات:\n١ - روح القدس: قال تعالى: ﴿وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ [البقرة:٨٧]، قال الحسن وقتادة، وهو إحدى الروايتين عن ابن عباس: أنه أراد جبريل، يقول السمعاني: \" وأما جبريل: فإنما سُمي روحًا؛ للطافته، أو لمكانه من الوحي الذي هو سبب لحياة القلوب.\nوأما القدس: قيل: إنه نعت لجبريل. وأصل القدس: الطهارة ... وإنما وصف جبريل بالقدس؛ لأنه لم يقترف ذنبًا قط، وكان طاهرًا من الذنوب \" (^٢).\n٢ - الأمين: قال تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾ [الشعراء:١٩٣]، قال السمعاني: \" والروح الأمين: هو جبريل ﵇ وسُمي أمينًا؛ لأنه أمين الله على وحيه \" (^٣).\n٣ - مكين: قال تعالى: ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ﴾ [التكوير:٢٠]، \" هو بمعنى المكانة، أو المنزلة عند الله تعالى. وذي العرش: هو الله تعالى \" (^٤).\n٤ - كريم: قال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ [الحاقة:٤٠]، أي: رسول كريم على الله تعالى، وقيل: إنه جبريل، وقيل: إنه محمد - ﷺ - (^٥).\n٥ - القوة: قال تعالى: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ [النجم:٥]، يقول السمعاني: \" أكثر أهل التفسير على أن المراد به جبريل - ﵇ -، والقوى جمع القوة \" (^٦).\n_________\n(^١) «السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ١١٣\n(^٢) «السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ١٠٦\n(^٣) «السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٦٦\n(^٤) «السمعاني: تفسير القرآن: ٦/ ١٧٠\n(^٥) السمعاني: تفسير القرآن:٦/ ٤٢.\n(^٦) السمعاني: تفسير القرآن:٥/ ٢٨٥.","vol":"1","page":436},{"text":"٦ - ذو منظر حسن: قال تعالى: ﴿ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى﴾ [النجم:٦]، روي هذا عن الحسن، وقال السمعاني:\" وقال غيره: وهو الأولى: ذو قوة، يُقال: حبل مري، أي: محكم الفتل\" (^١).\nج - أن جبريل - ﵇ -، كان يأتي إلى النبي - ﷺ - في صورة دحية الكلبي (^٢)، وأما رؤيته في صورته الحقيقية، فإن النبي - ﷺ - ما رآه في صورته التي خُلق عليها إلا مرتين: مرة بالأفق الأعلى، وكان ذلك عند ابتداء الوحي، وقال أهل المعاني: كان ذلك شبه آية، أراها النبي ﷺ؛ ليعلم أنه من الله، والمرة الثانية: رآه عند سدرة المنتهى ليلة المعراج (^٣)، قال تعالى: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ [النجم:١٨]، قال ابن مسعود: أي: جبريل وله ستمائة جناح، قد سد الأفق، وفي رواية ينتشر من ريشه الدر والياقوت والتعاويذ، وفي رواية أخرى عن ابن مسعود: أنه رأى رفرفا أخضر، قد ملأ الأفق (^٤) (^٥).\nد - لِمَ استعاذت مريم ﵍ من جبريل - ﵇ - في قولها:\" قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا\" [مريم:١٨]، وإنما يستعاذ بالرحمن من الشخص إذا كان فاجرًا، فأما إن كان متقيًا لا يكون محل الإستعاذة منه؛ لأنه متق لايقدم على الفجور؟\nوالجواب من أوجه:\n١ - أن هذا كقول القائل: إن كنت مؤمنا فلا تظلمني، يعني: أنه ينبغي أن يكون إيمانك مانعا من الظلم، كذلك هاهنا معناه، ينبغي أن يكون تقواك مانعا من الفجور.\n٢ - وقيل: إنها شكت في حاله، فقالت ماقالت على الشك.\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن:٥/ ٢٨٥.\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن:٢/ ٩٠.\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن:٥/ ٢٨٩.\n(^٤) أخرجه أحمد في المسند، في مسند ابن مسعود، ح (٣٧٤٠) (٣٧٤٨) -٣٩١٥) (٤٣٩٦)، وكلها وردت بالتهاويل دون لفظ التعاويذ.\n(^٥) السمعاني: تفسير القرآن:٥/ ٢٩٣، وذكر السمعاني جوابين في سؤال أورده عن السامري: كيف عرف السامري أثر فرس جبريل، وكيف رآه من بين سائر الناس؟ تفسير القرآن:٣/ ٣٥٢.","vol":"1","page":437},{"text":"٣ - وقيل: إن كنت متقيا يعني: ماكنت متقيا جئت وقلت عليَّ في هذه الحالة، وهذا مثل قوله تعالى:\" قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ\" أي: ماكان للرحمن ولد.\n٤ - وقال بعض السلف: إن كنت متقيا، علمت أن التقى ذو نُهية، أي: ذو عقل، فلهذا قالت: إن كنت تقيا (^١).\nهـ - أن جبريل - ﵇ - موكل بحفظ الوحي وإيصاله إلى الأنبياء ﵈، وكذلك موكل بنصرة الأنبياء وعذاب الكفار (^٢).\nو- وجبريل ممن اصطفاه الله جل وعز، قال تعالى:\" اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ\" [الحج:٧٥]، يقول السمعاني: \"أما من الملائكة فهم: جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، وملك الموت، وغيرهم\" (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-192>٢ - ميكائيل - ﵇ </span>-:\nقال تعالى:\" مَن كَانَ عَدُوًّا لِّلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ\" [البقرة:٩٨]، فهنا قال تعالى:\" وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ\" وإن دخل في جملة الملائكة الرسل لكن خصهما بالذكر تشريفا (^٤)، وكان ميكائيل موكلا بالقطر والنبات (^٥)، والرزق والرياح (^٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-193>٣ - إسرافيل - ﵇ </span>-:\nنصَّ على اسمه الإمام السمعاني في أكثر من موضع تفسيره إلا أنه لم يرد باسمه الصريح إلا في السنة، فكان النبي - ﷺ - يستفتح صلاته من الليل: (اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم) (^٧).\nوإسرافيل هو الملك الموكل بالنفخ في الصور، قال تعالى:\" فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ \" ... [المؤمنون:١٠١]، يقول السمعاني: \"والصحيح أن الصور قرن ينفخ فيه إسرافيل\" (^٨).\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن:٣/ ٢٨٤.\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن:٥/ ٨٧.\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن:٣/ ٤٥٦.\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن:١/ ١١٣.\n(^٥) السمعاني: تفسير القرآن:٦/ ١٤٦ ..\n(^٦) السمعاني: تفسير القرآن:٥/ ٢٥٠.\n(^٧) اخرجه مسلم في صحيحه، باب الدعاء في صلاة الليل، ح (٧٧٠)\n(^٨) السمعاني: تفسير القرآن:٣/ ٤٩٠","vol":"1","page":438},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-194>٤ - ملك الموت - ﵇ </span>-:\nقال تعالى:\" قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ \" [السجدة:١١]، يقول السمعاني: \"ملك الموت هو عزرائيل\" (^١)، وهو موكل بقبض الأرواح (^٢)، ولم يرد في شيء من الصحاح شيء يعتمد في هذه اتسمية، فهي من قبيل الإسرائليات التي تُذكر، مع شهرته الواسعة بهذا الاسم في كتب التفسير، قال ابن كثير: وأما ملك الموت فليس بمصرح باسمه في القرآن ولا في الأحاديث الصحاح، وقد جاء تسميته في بعض الآثار بعزرائيل، والله أعلم (^٣)\nوأما معنى التوفي: فهو استيفاء العدد، ومعناه: أنه يقبض أرواحهم حتى لايبقى أحد من العدد الذين كتب موتهم (^٤).\nوأورد السمعاني سؤالا مفاده، كيف وجه الجمع بين الآية السابقة:\" قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ\"وهو واحد، وقوله تعالى:\" تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا\" [الأنعام:٦١]، وقوله تعالى:\" الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ\" [النساء:٩٧]؟! أجاب عنها السمعاني بجوابين: (^٥)\nأ - قيل أورده بلفظ الجمع، والمراد به الواحد، ومثله شائع في كلام العرب.\nب - وقيل: إن لملك الموت أعوانا، فلعله أراده مع أعوانه، فلذلك ذكر بلفظ الجمع، وأعوانه لايصدرون إلا عن أمره، ولذلك نسب الفعل إليه. وقد أشار السمعاني إلى تفصيلات وقصص، هي من قبيل الإسرائليات عن ملك الموت وأعوانه، فذكر مجيء ملك الموت إلى نوح ويعقوب ﵉ ومحادثته لهما، وهذا ورد مثيله في السنة المطهرة من مجيء ملك الموت إلى موسى ﵇ واستئذانه في قبض روحه، فضربه موسى ففقأ عينه، كما هو مشهور في الحديث، وعليه فلا يُستبعد ما ذكره السمعاني، لكن تُحكى على أنها من قبيل الإسرائليات.\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن:٥/ ٨٧\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن:٥/ ٢٥٠\n(^٣) - ابن كثير: البداية والنهاية: ١/ ٤٧\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن:٤/ ٢٤٦\n(^٥) السمعاني: تفسير القرآن:١/ ٤٦٨ - ٢/ ١١٢ - ١٨٠ - ٤/ ٢٤٥","vol":"1","page":439},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-195>٥ - ملك اليمين والشمال:</span>\nقال تعالى:\" مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ\" [ق:١٨]، يقول السمعاني: قال الحسن: يكتب الملكان كل شيء حتى قوله لجاريته: اسقني الماء، وناوليني نعلي، أو اعطيني ردائي، ويقال: يكتب كل شيء حتى صغيره بشرب الماء.\nوأعلم أن ملك اليمين يكتب الحسنات، وملك الشمال يكتب السيئات، واليمين محبوب الله ومختاره، قال تعالى:\" وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ \" [الانفطار:١٠ - ١١]، وهم الملائكة يقعدون عن يمين الإنسان ويساره فيكتبون ماعليه وله. وقيل: واحد عن يمينه، وواحد عن يساره، وقيل: إن الذي عن يمينه أمين على الذي عن يساره لا يكتب إلا بإذنه، وقال تعالى: \" ن وَالْقَلَمِ وَمَايَسْطُرُونَ\" [القلم:١] قيل: مايكتبون من أعمال بني آدم يعني الملائكة \" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-196>٦ - حملة العرش:</span>\nقال تعالى:\" الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ\" [غافر:٧]، يقول السمعاني: \"ذكر النقاش: أن حملة العرش الكروبيون وهم سادة الملائكة، وفي بعض التفاسير أن أقدامهم في تخوم الأرضين، والأرضون والسماوات إلى حجزهم، وهم يقولون: سبحان ذي العز والجبروت، سبحان ذي الملك والملكوت، سبحان الحي الذي لايموت، سبوح قدوس رب الملائكة والروح \" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-197>٧ - هاروت وماروت:</span>\nذكر السمعاني خلافا فيها هل كانا ملكين أم رجلين أم قبيلان من الجن؟ وقال: \"والصحيح: أنهما كانا ملكين، وهو القراءة المعهودة \" (^٣).\nوأورد السمعاني: كغيره من المفسرين قصة الملكين: وذلك أن الملائكة تعجبوا من كثرة معاصي بني آدم، فقال لهم الله، لو أنزلتكم إلى الأرض، وركبت فيكم ما ركبت فيهم، لفعلتم مثلما فعلوا، فاختاروا من خيارهم ملكين: هاروت وماروت فأنزلهما الله تعالى إلى الأرض، وأخذ عليهما أن لا يشركا ولا يقتلا ولا يزنيا، قال كعب: فما مضى عليهما اليوم إلا وفعلا الكل (^٤). وقد حكى السمعاني قولين في وقوع المعصية من الملائكة:\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن:٥/ ٢٤٠، ٦/ ١٧٥،٦/ ١٧\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن:٥/ ٧.\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن:١/ ١١٦ ..\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن:١/ ١١٧.","vol":"1","page":440},{"text":"الأول: عدم وقوع ذلك منهم، استنادا لقوله تعالى: (لا يعصون الله ما أمرهم).\nوالثاني: صحة وقوع ذلك منهم، ونسبه لأهل السنة، واستدل بقصة إبليس فإنه كان من الملائكة، وبقصة هاروت وماروت وكانا من الملائكة، وأما الآية السابقة، فيجوز حملها على طائفة منهم، أو في زمان مخصوص (^١).\nولكن ضعف هذه القصة جماعة من العلماء:\nفقال ابن حزم عن القصة أنها \" كذب مفترى \" (^٢).\nوقال القاضي عياض: \"لم يرو فيها شيء، لا سقيم ولا صحيح عن رسول الله - ﷺ - \" (^٣).\nوقال ابن عطيه: \"وهذا كله ضعيف \" (^٤)، وقال الرازي: إن القصة التي ذكروها باطلة (^٥)، وقال: \" واعلم أن هذه الرواية فاسدة، مردودة، غير مقبولة؛ لأنه ليس في كتاب الله مايدل على ذلك، بل فيه ما يبطله من وجوه \" (^٦).\nوقال القرطبي: \"هذا كله ضعيف، وبعيد عن ابن عمرو وغيره، لايصح منه شيء، فإنه قول تدفعه الأصول في الملائكة، الذين هم أمناء الله على وحيه، وسفراؤه إلى رسله، لايعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون \" (^٧)، وقال ابو حيان: \"وهذا كله لا يصح منه شيء \" (^٨).\nوقال البيضاوي: \"فمحكي عن اليهود، ولعله من رموز الأوائل، وحله لايخفى على ذوي البصائر \" (^٩).\n_________\n(^١) - السمعاني: قواطع الأدلة: ١/ ٣٠٣\n(^٢) ابن حزم: الفضيل:٤/ ٢٦.\n(^٣) السيوطي: الحبائك في أخبار الملائكة: دار الكتب العلمية-بيروت: ط ١، ١٤٠٥ هـ (٢٥٣)\n(^٤) ابن عطية: المحرر الوجيز:١/ ١٨٧.\n(^٥) الرازي: مفاتيح الغيب:٢/ ٣٩٢.\n(^٦) ا الرازي: مفاتيح الغيب:٣/ ٦٣١.\n(^٧) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن:٢/ ٥٢.\n(^٨) أبو حيان: البحر المحيط:١/ ٥٢٨.\n(^٩) البيضاوي: أنوار التنزيل:١/ ٩٨.","vol":"1","page":441},{"text":"وذهب جماعة من العلماء إلى ثبوتها، ومنهم السمعاني كما ذكرنا، وأفاض الطبري في ذكر الروايات الدالة على هذه القصة (^١)، ونافح عنها الهيثمي (^٢)، والشوكاني (^٣)،وجماعة، قال الحافظ بن حجر: \"وقصة هاروت وماروت جاءت بسند حسن، من حديث ابن عمر في مسند أحمد، وأطنب الطبري في إيراد طرقها بحيث يقضي بمجموعها، على أن للقصة أصلا، خلافا لمن زعم بطلانها كعياض ومن تبعه \" (^٤).\nوقد ذكر الرازي وغيره أوجها من بطلان هذه القصة، حتى قال الرازي: فهذه القصة قصة ركيكة، يشهد كل عقل سليم بنهاية ركاكتها (^٥)، فمن أوجه بطلانها:\n١ - أنهم ذكروا في القصة: أن الله تعالى قال لهما: لو ابتليتكما بما ابتليت به بني آدم لعصيتماني، فقالا: لو فعلت بنا ذلك يارب لما عصيناك، وهذا منهما تكذيب لله تعالى، وتجهيل له، وذلك من صريح الكفر.\n٢ - في القصة أنهما خيرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، وذلك فاسد، بل كان الأولى أن يخيرا بين التوبة وبين العذاب، والله تعالى خير بينهما من أشرك به طول عمره، وبالغ في إيذاء أنبياءه.\n٣ - في القصة أنهما يعلمان السحر حال كونهما مُعَذبين، ويدعوان إليه وهما معاقبان على المعصية.\n٤ - أن المرأة الفاجرة كيف يُعقل أنها لما فجرت صعدت إلى السماء وجعلها الله تعالى كوكبًا مضيئًا، وعظَّم قدره؛ بحيث أقسم به، حيث قال:\" فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ\" [التكوير:١٥ - ١٦] (^٦)، ولذا ذهب العلماء في تخريج هذه القصة إلى أقوال:\nأ - ذهب بعضهم إلى أنهما كانا رجلين متظاهرين بالصلاح والتقوى من أهل بابل، وكانا يعلمان الناس السحر، وبلغ حسن اعتقاد الناس بهما أن ظنوا أنهما ملكان من السماء، وما يعلمانه هو بوحي من السماء (^٧).\n_________\n(^١) الطبري: جامع البيان:٢/ ٢٣٠ ..\n(^٢) الهيتمي: الفتاوى الحديثية: دار الفكر (٤٥).\n(^٣) الشوكاني: فتح القدير:١/ ١٤٤.\n(^٤) ابن حجر: فتح الباري:١٠/ ٢٢٥.\n(^٥) الرازي: مفاتيح الغيب:٢/ ٣٩٣.\n(^٦) الرازي: مفاتيح الغيب:٢/ ٣٩٣.\n(^٧) القاسمي: محاسن التأويل: دار الكتب العلمية، بيروت، ط ١، ١٤١٨ هـ (١/ ٣٦٥).","vol":"1","page":442},{"text":"ب - وذهب بعضهم: إلى أنهما قبيلان من الجن، واستغربه ابن كثير (^١)، وضعفه ابن حجر (^٢).\nج - وذهب بعضهم: إلى أنهما ملكين أنزل الله عزوجل عليهما شريعة حق، تم مسخها فصارت كفرًا، فتمادى الشياطين على تعليمهما، وهي بعد كفر (^٣).\nد - أن حاصل كل ماورد من تفاصيل القصة، راجع إلى أخبار بني إسرائيل، فليس منها حديث مرفوع صحيح متصل الإسناد إلى الصادق المصدوق المعصوم، الذي لاينطق عن الهوى، وأن ظاهر سياق القصة في القرآن الإجمال من غير بسط ولا إطناب، فنؤمن بما ورد في القرآن على ما أراد الله تعالى، والله أعلم بحقيقة الحال، وهذا ما ذهب إليه ابن كثير (^٤).\nهـ - ذهب بعضهم: إلى أنهما ملكان أنزلهما الله تعالى إلى الأرض، وأذن لهما في تعليم السحر اختبارًا للعباد بعد أن بين لعباده أن ذلك مما ينهى عنه على ألسن الرسل، وأنهما مطيعان في ذلك؛ لأنهما امتثلا ما أمرا به، وهذا ما ذهب إليه الطبري، وقال عنه ابن كثير: \"وهذا الذي سلكه غريب جدا \" (^٥).\nواختار هذا القول لجنة الفتوى في السعودية، إلا أنهم ردوا ماورد من القصص في مسخهما، وأنهما معلقان من شعورهما، فقالوا:\"فكل هذا وأمثاله من كلام الكذابين من القصاص\" (^٦).\n_________\n(^١) ابن كثير: تفسير القرآن العظيم:١/ ٣٥٢.\n(^٢) ابن حجر: فتح الباري:١٠/ ٢٢٤.\n(^٣) ابن حزم: الفضيل:٣/ ١٤٥.\n(^٤) ابن كثير: تفسير القرآن العظيم:١/ ٣٦٠.\n(^٥) ابن كثير: تفسير القرآن العظيم:١/ ٣٥٢.\n(^٦) الدويش: فتاوى اللجنة الدائمة:١/ ٦١، وانظر: مجموع فتاوى الشيخ ابن باز:٨/ ١١٥.","vol":"1","page":443},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-198>المبحث الثاني: أعمال الملائكة وصفاتهم:</span>\nذكر السمعاني في تفسيره، أعمال الملائكة وصفاتهم، وهي كثيرة نجملها فيما يلي:\n١ - قال تعالى في بيان أعمال الملائكة الكرام:\" وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا (١) وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا (٢) وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا (٣) فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا (٤) فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا \" [النازعات:١ - ٥]، فهنا أشار الباري جل وعلا إلى جملة من أعمالهم:","vol":"1","page":444},{"text":"\" وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا \": الملائكة تنزع الكفار بشدة، وهو قول ابن عباس، وروي عن ابن مسعود، ثم قال:\"وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا\"أي: الملائكة تنشط أرواح الكفار، أي: تجذبها بسرعة، ويُقال: تجذب روح الكفار كما يجذب السفود من الصوف الرطب، وقيل: إن معنى الناشطات: أخذ الملائكة أرواح المؤمنين بسهولة، كما ينشط البعير من العقال.\nوقوله:\" وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا\" أي: الملائكة تسير من السماء والأرض، ثم قال:\" فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا\"أي: أن الملائكة تبادر إلى الأعمال الصالحة والخيرات، ثم قال:\" فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا \" وهي الملائكة في قول الجميع، ومعنى التدبير من الملائكة: هو ماجعل الله إليها من الأمور، فإلى جبريل الجنود، وإلى ميكائيل القطر والنبات، وإلى عزرائيل قبض الأرواح، وإلى اسرائيل النفخ في الصور (^١) ' قال تعالى:\" بِأَيْدِي سَفَرَةٍ \" وهم الملائكة الذين يسفرون بالوحي بين الله وبين رسوله (^٢).\n٢ - ويأتون بالفرق بين الحق والباطل، والحلال والحرام، قال تعالى:\" فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا\" [المرسلات:٤] وهو قول أكثر المفسرين (^٣).\n٣ - أنهم كرام على الله تعالى مطيعون له، قال تعالى:\"كِرَامٍ بَرَرَةٍ\" [عبس:١٦]، فقوله:\"كِرَامٍ\" صفة الملائكة، أي: كرام على الله، وقوله:\" بَرَرَةٍ\"أي: مطيعين (^٤).\n٤ - طاعتهم الدائمة لله جل وعلا:\nقال تعالى:\" قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ\" [البقرة:٣٠]، فمعناه: أننا نظهر أنفسنا بطاعتك والثناء عليك.\nوهل ماقالته الملائكة فيه وجه اعتراض، ومفاخرة بالعمل؟!\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن:٦/ ١٤٥ - ١٤٧.\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن:٦/ ١٥٧.\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن:٦/ ١٢٦.\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن:٦/ ١٥٨.","vol":"1","page":445},{"text":"قال السمعاني: أما قولهم:\" أَتَجْعَلُ فِيهَا\"معناه: أنت جاعل فيها على سبيل التقدير، وقالوا: إنما قالوه على سبيل التعجب، طلبا لوجه الحكمة فيه، وأما قوله:\" وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ\" ليس على سبيل التفاخر، بل معناه: أنه إذا أفسدوا وسفكوا الدماء فنحن نبقى على هيئة التسبيح والتقديس أم لا؟ قال:\" قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ\" (^١).\nوقال سبحانه عن عبادتهم:\" وَمَنْ عِندَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) يُسَبِّحُونَ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ\" [الأنبياء:١٩ - ٢٠]، فهم يسبحون دائما لايضعفون ولا يفنون، واعلم أنه ليس عند الملائكة ليل ولا نهار، وإنما المراد بذكر الليل والنهار هاهنا: الدوام على التسبيح (^٢).\nوقال تعالى:\" وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِن دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٤٩) يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ\" [النحل:٤٩ - ٥٠]، يقول السمعاني: \"ويُقال: ولله يسجد مافي السموات من الملائكة، ومافي الأرض من دابة، فإن قال قائل: كيف يستقيم هذا المعنى؟، وقد قال بعده \" وَالْمَلَائِكَةُ\"؟ والجواب من وجهين:\nأحدهما: أنه خصهم بالذكر تشريفا لهم، والآخر: أن المراد من الملائكة المذكورين أخيرا هم ملائكة الله في الأرض، يعبدون الله ويسبحونه\" (^٣).\nوأثنى الله جل وعلا على الملائكة بأنها تصف عند ربها في السماء، قال تعالى:\" وَالصَّافَّاتِ صَفًّا\" [الصافات:١]، يقول السمعاني: \"أنهم الملائكة ... والملائكة صفوف في السماء يذكرون الله تعالى ويذكرهم\" (^٤).\nوكذا قال تعالى:\" فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا\" [الصافات:٣]، قال السمعاني: \" ذهب أكثرهم أن المراد بها: الملائكة وهي تتلو ذكر الله\" (^٥).\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن:١/ ٦٤\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن:٣/ ٣٧٣\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن:٣/ ١٧٧\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن:٤/ ٣٩١\n(^٥) السمعاني: تفسير القرآن:٤/ ٣٩١","vol":"1","page":446},{"text":"وقال تعالى:\" وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ\" [الصافات:١٦٤]، هذا خبر عن الملائكة،\" وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ\" [الصافات:١٦٥]،أي: المصطفون في السماء للعبادة،\" وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ\" [الصافات:١٦٦]،أي: الممجدون لله، المنزهون إياه عما لايليق به (^١).\nوقال تعالى:\" فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِالَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْئَمُونَ\" [فصلت:٣٨]، \" أي: لا يملون، وعن كعب الأحبار أنه قال: التسبيح للملائكة، كالنفس والطرف لبني آدم، كما لايلحق الآدمي تعب في الطرف والنفس، فكذلك لايلحقهم التعب بالتسبيح \" (^٢).\n٥ - أنهم معصومون، قال تعالى:\" إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي \" [يوسف:٥٣] يقول السمعاني: وقوله:\" إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي\" وفيه معنيان: ..... والقول الثاني: هم الملائكة؛ فإن الله تعالى لم يركب فيهم الشهوة وخلقهم على العصمة من الهم وغيره (^٣).\n٦ - أنهم يستغفرون لمن في الأرض، قال تعالى:\" وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِي الْأَرْضِ \" [الشورى:٥]، معناه: للمؤمنين الذين في الأرض، وهذا محكي عن ابن عباس، واللفظ عام أريد به الخاص، وقيل: إن الذين يستغفرون للمؤمنين حملة العرش خاصة على ماذكر الله في سورة المؤمنين، وقيل: هم جميع الملائكة، قال تعالى:\" هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ\" [الأحزاب:٤٣]، وصلاة الملائكة بمعنى الاستغفار للمؤمنين (^٤).\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن:٤/ ٤١٩\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن:٥/ ٤٥\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن:٣/ ٣٩\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن:٥/ ٦٣ - ٤/ ٢٩٢.","vol":"1","page":447},{"text":"٧ - قتال الملائكة مع المؤمنين يوم بدر، قال تعالى:\" إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَن يَكْفِيَكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُنزَلِينَ (١٢٤) بَلَى إِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ\" [آل عمران: ١٢٤ - ١٢٥]، وكان هذا يوم بدر، قال ابن عباس:: ماقاتلت الملائكة في معركة إلا يوم بدر، وأجمعوا على أن عدد الملائكة يومئذ خمسة آلاف (^١).\nوقال تعالى:\" إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ\" [الأنفال:١٢]، روي أن الملك كان يمشي بين أيديهم وينادي: أيها المسلمون أبشروا بالظفر والنصر، وقيل: وقيل: كان يلهمهم الملك ذلك، وللملك إلهام، وكان ذلك يوم بدر (^٢).\nوفي يوم حنين أنزل الله ملائكته لا للقتال؛ لأن المروي أن الملائكة لم تقاتل إلا في يوم بدر، ولكن نزلت لتجبين الكفار، وتشجيع المسلمين، قال تعالى:\" ثُمَّ أَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا\" [التوبة: ٢٦]، وكذا في يوم الأحزاب (^٣).\n٨ - أن الله جل وعلا يرسل ملائكة تحفظ على العباد أعمالهم، وآجالهم، وأرزاقهم (^٤)، قال تعالى:\" وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً\" [الأنعام:٦١].\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن:١/ ٣٥٣.\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن:٢/ ٢٥٢.\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن:٢/ ٢٩٩ - ٤/ ٢٦٣.\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن:٢/ ١١١.","vol":"1","page":448},{"text":"وقال تعالى:\" لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِاللَّهِ \" [الرعد:١١] والمعقبات: الملائكة المتداينات، يعني: يذهب بعضها ويأتي البعض في عقبها،\" يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِاللَّهِ \"يقول السمعاني: \"الأكثرون على قوله:\" مِنْ أَمْرِ اللَّهِ \" ومعناه: أنهم يحفظونه بإذن الله، فإذا جاء القدر خلوا بينه وبينه، وفي بعض الآثار: أن الله تعالى يوكل ملائكة بالنائم يحفظونه من الحي والهوام، فإذا قصده شيء قالوا: وراءك وراءك، إلا شيئا قدر أن يصيبه\" (^١).\n٩ - أخبر الله تعالى عن ملائكة النار أنهم غلاظ القلوب، شداد الأيدي (^٢)، فقال:\" عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ\" [التحريم:٦].\nوفي بعض الآثار: أن الله تعالى لم يخلق في قلوب الزبانية شيئا من الرحمة، وعن بعضهم: أنه يأخذ العبد الكافر بعنف شديد، فيقول ذلك العبد: أما ترحمني؟ فيقول: كيف ارحمك ولم يرحمك أرحم الراحمين (^٣).\n١٠ - ذكر الله جل وعلا اختصام الملائكة في الملأ الأعلى، وهو كلامهم في أعمال الخير، وأقدار المثوبة فيها، وزيادة بعض الأعمال على بعض في الثواب (^٤)، قال تعالى:\" مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ\" [ص:٦٩].\n١١ - أن الملائكة تفزع وتخاف إذا قضى الله تعالى بأمر من السماء إلى الأرض (^٥)، قال تعالى:\" وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ\" [سبأ:٢٣].\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن:٣/ ٨١.\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن:٥/ ٤٧٦.\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن:٥/ ٤٧٦.\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن:٤/ ٤٥٤.\n(^٥) السمعاني: تفسير القرآن:٤/ ٣٣١.","vol":"1","page":449},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-199>المبحث الثالث: مسائل في الملائكة:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-200>المطلب الأول: التفضيل بين الملائكة والبشر:</span>\nأشار السمعاني في تفسيره إلى الخلاف الواقع بين العلماء، في مسألة التفضيل بين الملائكة والبشر، ورجح القول بالتفصيل، وذلك أن عوام المؤمنين الأتقياء، أفضل من عوام الملائكة، وخواص المؤمنين، أفضل من خواص الملائكة (^١).\nفالإمام السمعاني ينحو إلى تفضيل البشر على الملائكة، على التفصيل المذكور، وهذه المسألة محل نزاع عند المتأخرين، حتى كان يُمتحن بهذه المسألة بين أهل السنة والبدعة، يقول الإمام أبو الفرج الشيرازي في جزئه في امتحان السني من البدعي:\" يُسأل عن الطائعين من بني آدم، هل هم أفضل من الملائكة، أم الملائكة أفضل منهم؟ فإن قال: الآدميون المطيعون أفضل من الملائكة فهو سني، وإن قال الملائكة أفضل منهم فهو بدعي\" (^٢)، والقول بتفضيل الملائكة على صالحي البشر منسوب إلى المعتزلة (^٣)، وإن كان هذا القول منسوبا إلى المعتزلة، فهل هو شعار لأهل البدع، بمعنى أن من قال إن هذا القول نُسب إليهم، لايلزم ذلك، وإن كان ظهور هذا الخلاف ناشئا بعد تشتت الأهواء بأهلها، وتفرق الآراء، وإلا فإن المستقر عند الأولين، أو هو كالمستقر عندهم، أنهم كانوا يعتقدون أن صالحي البشر أفضل من الملائكة (^٤)، وقد حكى ابن حزم الخلاف في المسألة، ورجح تفضيل الملائكة على البشر (^٥).\nوقال الإمام أحمد: \"وأن بني آدم أفضل من الملائكة، ويُخطئ من يفضل الملائكة على بني آدم \" (^٦).\nوقد حكى الإمام الأشعري الخلاف في التفضيل بين الملائكة والأنبياء فقال:\n\" واختلف الناس هل الملائكة أفضل أم الأنبياء؟ فقال قائلون: الملائكة أفضل من الأنبياء، وقال قائلون: الأنبياء أفضل من الملائكة، والأئمة أفضل من الملائكة أيضا وهذا قول الروافض، وقال قوم من المتنسكين: إنه جائز أن يكون في الناس غير الأنبياء والأئمة من هو أفضل من الملائكة \" (^٧).\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن:٤/ ٢٦٣\n(^٢) الشيرازي: جزء فيه امتحان السني من البدعي:٢٥٨\n(^٣) ابن أبي العز: شرح الطحاوية:٣٣٨\n(^٤) ابن تيمية: مجموع الفتاوى:٤/ ٣٦٩\n(^٥) ابن حزم: الفِصَل:٥/ ١٧\n(^٦) أحمد بن حنبل: العقيدة رواية أبي بكر الخلال: دار قتيبة-دمشق، ط ١، ١٤٠٨ هـ، (١٢٦)\n(^٧) الأشعري: مقالات الإسلاميين:٢/ ٣٢٦","vol":"1","page":450},{"text":"ونقل الكلاباذي (^١) عن أهل التصوف في هذه المسألة قولين:\n١ - سكت جمهورهم عن التفضيل، وقالوا: الفضل لمن فضله الله، ليس ذلك بالجوهر ولا بالعمل، ولم يروا أحد الأمرين، أوجب من الآخر بخبر إلا عقل.\n٢ - وفضل بعضهم الرسل.\n٣ - وفضل بعضهم الملائكة (^٢).\nونُسب القول في تفضيل الملائكة على الأنبياء، إلى المعتزلة والفلاسفة، وهو قول أبي عبدالله الحليمي، والباقلاني (^٣).\nإذن: فالقول الذي رجحه الإمام السمعاني: وهو قول السواد الأعظم من أهل الملة، وهو تفضيل الأنبياء على الملائكة وإن كانوا رسلا، قال السمعاني:\" كما ذهب إليه أهل السنة\" (^٤).\nومما استدل به السمعاني في تفضيل الأنبياء على الملائكة:\n-قوله تعالى:\" وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا\" [البقرة:٣١]، قال: \"إنما علمه ذلك تكريما وتشريفا له، وذلك دليل على أن الأنبياء أفضل من الملائكة وإن كانوا رسلا\" (^٥).\nوبين السمعاني بعض أدلة المخالفين ورد عليها ومنها:\n١ - قوله تعالى:\" لَّن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْدًا لِّلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ \" [النساء:١٧٢]، قال السمعاني: \"واستدل بهذه الآية من ذهب إلى تفضيل الملائكة على البشر؛ لأن الله تعالى ارتقى من عيسى إلى الملائكة، وليس في الآية مستدل، وإنما قال الملائكة المقربون لامتناع مكانهم ومقامهم على مقام البشر، وإنما قال ذلك على ماعند النصارى، ولعله كان عندهم، أن الملائكة أفضل من البشر، فقال ذلك على مافي زعمهم\" (^٦).\n_________\n(^١) الكلاباذي: محمد بن إبراهيم البخاري، من حفاظ الحديث، له: بحر الفوائد: توي سنة ٣٨٠ هـ، الزركلي: الأعلام:٥/ ٢٩٥\n(^٢) الكلاباذي: التعرف لمذهب أهل التصوف، دار الكتب العلمية-بيروت (٦٨).\n(^٣) الإيجي: المواقف:٣/ ٤٥٨\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن:١/ ٦٥\n(^٥) السمعاني: تفسير القرآن:١/ ٦٥\n(^٦) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٥٠٧","vol":"1","page":451},{"text":"٢ - وقوله تعالى:\" قُل لَّا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ \" [الأنعام:٥٠]، يقول السمعاني: \"واستدل بهذا من فضَّل الملائكة على الآدميين، وليس فيه مستدل، لأن معنى قوله:\" وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ \"إنما أمر بقول هذا؛ لأن الملك يقدر على مالا يقدر عليه الآدمي، وقيل: لأن الملك يشاهد مالا يشاهده الآدمي\" (^١)، وعليه فلا مستدل في الآية.\n٣ - وقوله تعالى: \" مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ \" [الأعراف: ٢٠]، قال السمعاني: \"وليس في هذا دليل على أن الملك أفضل من الآدمي؛ لأن معناه والله أعلم أنهما رأيا الملائكة في أحسن صورة، وأرفع منزلة، وفي تسبيح دائم من غير تعب ولا شهوة، فتمنيا أن يصلا إلى تلك المنزلة لو أكلا من تلك الشجرة ويتخلصا من التعب ومن شهوة البشرية \" (^٢)، فليس فيها دليل على التفضيل، وقد أطال السيوطي في تفصيل المسألة، وتفريع صورها، وبيان دلائلها في كتابه: الحبائك في أخبار الملائك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-201>المطلب الثاني: هل الملائكة يموتون أم لا</span>؟!\nذكر السمعاني في تفسيره نقلا عن الكلبي وغيره، أن الموت يلحق الملائكة، قال تعالى: \"فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاءَ اللَّهُ \" [الزمر:٦٨]، قال السمعاني في قوله:\" مَن شَاءَ اللَّهُ \" قولان: أحدهما: الشهداء، والآخر: أنهم جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت، وفي تفسير الكلبي وغيره: لا يبقى إلا هؤلاء بعدما ينفخ في الصور، ثم إن الله تعالى يقبض روح ميكائيل، ويقبضه ملك الموت ثم روح إسرافيل ثم روح ملك الموت، ثم يكون آخرهم موتا جبريل - ﵇ - فيسقطون ويكون فضل جبريل - ﵇ - كفضل الجبل على الظراب \" (^٣).\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن:٢/ ١٠٦.\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن:٢/ ١٧١.\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن:٤/ ٤٨١.","vol":"1","page":452},{"text":"وما ذكره السمعاني من موت الملائكة وإمكانه، هو ماحكاه شيخ الإسلام ابن تيمية إجماعًا فأجاب حين سئل عن موت الملائكة:\"الذي عليه أكثر الناس، أن جميع الخلق يموتون حتى الملائكة، والمسلمون واليهود والنصارى على إمكان ذلك، وقدرة الله عليه\" (^١)، إلا أنه أنكر ماذُكِرَ من نزول الملائكة إلى الأرض، وأنهم يعبدون الله فيها ويموتون فيها، وقال: \"لا أصل لذلك\" (^٢). وعلى هذا تتابع قول العلماء واستفاض:\nيقول القصري: \"قال الله عزوجل:\" وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاءَ اللَّهُ \" [الزمر:٦٨]، أي الملائكة، مثل: ملك الموت وغيره، ثم يموتون بعد ذلك، قال تعالى:\" كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ\" [الرحمن:٢٦]،\" كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ\" [القصص:٨٨] \" (^٣).\nويقول ابن القيم: \"لا أعلم موت الملائكة جاء في حديث صريح إلا هذا، وحديث إسماعيل بن رافع الطويل، وهو حديث الصور، وقد يستدل عليه بقوله تعالى:\" \" وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاءَ اللَّهُ \" [الزمر:٦٨] \" (^٤).\n_________\n(^١) ابن تيمية: مجموع الفتاوى:٤/ ٢٥٩.\n(^٢) محمد بن قاسم: المستدرك على مجموع الفتاوى:١/ ٨٧.\n(^٣) القصري: شعب الإيمان:٥٧٠.\n(^٤) ابن القيم: زاد المعاد: مؤسسة الرسالة-بيروت، ط ٢٧، ١٤١٥ هـ، (٣/ ٥٩٤).","vol":"1","page":453},{"text":"وفي اتحاف الجماعة معلقا على كلام ابن القيم: \"وقد تقدم حديث عبدالله بن مسعود - ﵁ - قال: (يقوم ملك بالصور بين السماء والأرض فينفخ فيه فلا يبقى خلق في السماوات والأرض إلا مات، إلا من شاء ربك)، رواه الطبراني والحاكم، وقال صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي في تلخيصه، وله حكم المرفوع؛ لأن مثله لايقال من قبل الرأي، إنما يُقال عن توقيف. وهذا الحديث يؤيد ماجاء في حديث أبي رزين، وحديث اسماعيل بن رافع، من النص على موت الملائكة إذا نفخ في الصور، والله أعلم\" (^١).وروي عن مقاتل مثل هذا القول (^٢).\nويقول السيوطي: \"سُئلت هل تموت الملائكة بنفخة الصور، ويحيون بنفخة البعث؟ والجواب: نعم\" (^٣).\nوهل في دعاء النبي - ﷺ -: (أنت الحي الذي لايموت والجن والإنس يموتون)، دلالة على عدم موت الملائكة؟! لايلزم ولا حجة فيه؛ لأنه مفهوم لقب، ولاعبرة به، وعلى تقديره فيعارضه ماهو أقوى منه، وهو عموم قوله تعالى:\" كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ\" مع أنه لامانع من دخولهم في مسمى الجن، بجامع مابينهم من الاجتنان عن عيون الناس (^٤).\nوذهب ابن حزم إلى إنكار موت الملائكة، وعلل ذلك: بعدم وجود نص في المسألة، ولا إجماع (^٥). نقول: أما الإجماع فقد حكاه الإمام ابن تيمية (^٦)، وأما النص فقد ورد في السنة مايدل عليه، ففي حديث لقيط بن عامر مطولا وفيه: (يلبثون مالبثتم ثم تبعث الصائحة، فلعمر إلهك، ماتدع على ظهرها من أحد إلا مات، حتى الملائكة الذين مع ربك) (^٧).\n_________\n(^١) حمود التويجري: إتحاف الجماعة بما جاء في الفتن والملاحم وأشراط الساعة: دار الصميعي، الرياض: ط ٢،١٤١٤ هـ (٣/ ٢٩٨)\n(^٢) مقاتل: تفسير مقاتل:٣/ ٦٨٧\n(^٣) السيوطي: الحبائك في أخبار الملائك: ٢٧٢\n(^٤) المناوي: فيض القدير:٢/ ١٣١\n(^٥) ابن حزم: الفِصل: ٤/ ٢١\n(^٦) ابن تيمية: مجموع الفتاوى:٤/ ٢٥٩\n(^٧) أخرجه أحمد في المسند، ح (٦ - ١٦٢)","vol":"1","page":454},{"text":"وقد أشار شيخ الإسلام ابن تيمية إلى هذه المسألة، وذكر أنه إنما يُخالف فيها طوائف المتفلسفة أتباع أرسطو وأمثالهم، ممن زعم أن الملائكة هي العقول والنفوس، وأنه لا يمكن موتها بحال؛ بل هي عندهم آلهة وأرباب هذا العالم (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-202>المطلب الثالث: الاختلاف في الرعد والبرق:</span>\nحكى السمعاني خلافا عند المفسرين في معنى الرعد والبرق:\nأ - معنى الرعد: ذكر السمعاني في معناه أقوال:\nالأول: أن الرعد صوت ملك يزجر السحاب، ونسبه لأكثر المفسرين، قال:\" أكثر المفسرين: أن الرعد ملك، والمسموع من الصوت تسبيحه، وهذا مروي عن النبي - ﷺ - حين سأله اليهود عن الرعد، وذكر فيه أن الصوت، هو زجرة السحاب، وقد حُكي هذا عن ابن عباس، وعلي، ومجاهد، وسعيد بن جبير، والحسن، وعن قتادة قال: هذا عبد لله تعالى، سامع مطيع\" (^٢)، وصححه السمعاني.\nالثاني: أن الرعد اسم الملك.\nالثالث: هو صوت اختناق الريح إلى السحاب (^٣).\nالرابع: هو صوت اصطكاك الأجرام العلوية.\nالخامس: أن الرعد هو نطق السحاب (^٤).\nأ - معنى البرق: وذكر السمعاني خلافا في معنى البرق:\nالأول: أن البرق لمعان سوط في يد ملك يضرب به السحاب، يسوقه إليه حيث قدره الله تعالى (^٥).\nالثاني: أن البرق ضحك السحاب (^٦).\nوذكر الطبري في تفسيره أقوال السلف في معنى البرق:\n١ - جاء عن علي قال: البرق مخاريق الملائكة، وهو مروي عن ابن عباس، قال علي: الرعد الملك، والبرق ضَرْبُه السحاب بمخراق من حديد.\n٢ - وجاء عن ابن عباس أنه سوط من نور، يزجي به الملك السحاب.\n٣ - وجاء عن ابن عباس ايضا أنه فسره بالماء.\n٤ - وقال مجاهد: هو (مَصْعُ) ملك.\n_________\n(^١) - ابن تيمية: مرجع سابق: ١٦/ ٣٤\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن:١/ ٥٤ - ٣/ ٨٣\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٥٤\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٨٤\n(^٥) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٥٤\n(^٦) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٨٤","vol":"1","page":455},{"text":"ثم قال الطبري: \"وقد يحتمل أن ماقاله علي بن أبي طالب، وابن عباس ومجاهد بمعنى واحد، وذلك أن تكون المخاريق التي ذكر على أنها البرق: هي السياط التي هي من نور التي يزجي بها الملك السحاب كما قال ابن عباس، ويكون إزجاء الملك بها السحاب قَصْعَه إياه، وذلك أن المِصَاع عند العرب أصله: المجالدة بالسيوف، ثم تستعمله في كل شيء جُولد به، في حرب وفي غير حرب\" (^١).\nوهكذا نجد أن السمعاني ﵀ في باب الإيمان بالملائكة ﵈، خط فيه منهج السلف بعيدا عن كلام الفلاسفة الذين يقولون بالعقول المجردة، وأنها أرواح لا أشخاص، ليس لهم حركات ولا أعمال البتة، فليست هناك ذات منفصلة تصعد وتنزل، وتذهب وتجيء، وترى وتخاطب الرسول - ﷺ -، وإنما هي مجرد أمور ذهنية لا وجود لها في الأعيان (^٢)، وبعضهم يقول: هي القوى الخيرة الفاضلة التي في العبد (^٣)، وهذه انحرافات عن المنهج الحق.\nفالسمعاني ذكر أوصاف الملائكة، وأعمالهم، وحركاتهم، وعباداتهم، فهذا كله يدل على أنها أجسام \"وكِلوا بأمور، عرفهم الله عزوجل العمل بها\" (^٤).\nيقول الله جل وعلا:\" مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ\" [الحجر:٨]، يقول السمعاني: \"الحق الذي تنزل به الملائكة هو الوحي، وقبض أرواح العباد، وإهلاك الكفار، وكتبة الأعمال، وما أشبه ذلك\" (^٥).\n_________\n(^١) الطبري: جامع البيان: ١/ ٣٤٢ - ٣٤٥\n(^٢) ابن ابي العز: شرح الطحاوية:٢٧٧\n(^٣) ابن القيم: إغاثة اللهفان: مكتبة المعارف- الرياض، (٢/ ٢٦١)\n(^٤) البغوي: معالم التنزيل:٥/ ٢٠٥\n(^٥) السمعاني: تفسير القرآن:٣/ ١٣٠","vol":"1","page":456},{"text":"فهذا من أعمال الملائكة التي وكلوا بها، إلا أنهم صُمُد، بمعنى أنهم لا يأكلون (^١)، ولا يشربون ولا يناكحون، ولا ذرية لهم (^٢)، وقد نقل الرازي الاتفاق على ذلك، فقال: \"اتفقوا على أن الملائكة لا يأكلون ولا يشربون، ولاينكحون، يسبحون الليل والنهار لايفترون\" (^٣)، وقال السفاريني: \"وقد حكى غير واحد من محققي العلماء: الاتفاق على أن الملائكة لا يأكلون، ولا يشربون، ولا ينكحون\" (^٤). ولما كان للملائكة مقام عليٌّ عند الله ذكرهم ﷾ بالتقريب والكرامة (^٥)، فقال سبحانه:\" إِنَّ الَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ \" [الأعراف:٢٠٦].\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن:٢/ ٤٤٢\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن:١/ ٦٧\n(^٣) الرازي: مفاتيح الغيب:١/ ٨٥\n(^٤) السفاريني: لوامع الأنوار:١/ ٤٤٧\n(^٥) السمعاني: تفسير القرآن:٢/ ٢٤٥.","vol":"1","page":457},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-203>المبحث الرابع: الإيمان بالجن والشياطين:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-204>مدخل:</span>\nالإيمان بوجود الجن والشياطين، ومالهم من الأحوال التي جعلهم الله تعالى عليها، هي من عقيدة المسلم، وهي جزء من الإيمان، وهو يدخل تحت الإيمان بالغيب الذي أخبر الله جل وعلا عنه، وهذا مما اتفق عليه علماء الأمة، يقول الإمام ابن تيمية:\" لم يخالف أحد من طوائف المسلمين في وجود الجن\" (^١)، وأجمع المسلمون من أهل السنة على الإيمان بالجن، وعلى أن لهم ثوابا وعليهم عقابا، وعلى أنهم مأمورون مكلفون\" (^٢)، وقال الرازي: \"وقد يتصل بأحوال الملائكة، أحوال الجن والشياطين\" (^٣)، فهما يتفقان بأنهم عوالم غيبية لاترى، ولكل صنف أعمال وأحوال وصفات، فالملائكة خلقت من نور، والشياطين من مارج من نار.\nفالإمام السمعاني أفاض في ذكر أحوال الجن والشياطين، وأخبارهم وصفاتهم، وهو في هذا موافق لإجماع الأمة، يقول السمعاني: \"ويُقال: وفي الجن مؤمنون وكافرون، ويحيون ويموتون. وأما الشياطين فليس فيهم مسلم، ويموتون إذا مات ابليس\" (^٤).\n_________\n(^١) ابن تيمية: مجموع الفتاوى:١٩/ ١٠.\n(^٢) ابن القطان: الإقناع في مسائل الإجماع:١/ ٤٨.\n(^٣) الرازي: مفاتيح الغيب:٢٦/ ٤٤٥.\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن:٣/ ١٣٧.","vol":"1","page":458},{"text":"وهو بهذا يرد على كافة الطوائف المنكرة لوجود الجن، سواء أنكرهم إنكارا كليا، وزعم أن الجن هي أرواح الكواكب، وهم قلة من المشركين، أو زعم بأن الجن تعبير عن نوازع الشر في النفس الإنسانية وقواها الخبيثة، أو من تخبط في هذا الباب في هذه الأزمان المتأخرة، ممن زعم أن الجن عبارة عن الجراثيم والميكروبات التي كشف عنها العلم الحديث، أو من زعم التداخل بين عالمي الملائكة والجن والشياطين، وأنهم عالم واحد لا فرق بينهما. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-205>المطلب الأول: تعريف الجن والشياطين:</span>\nيقول السمعاني: \"الجان هو ابليس، ويقال الجان أبو الجن، كما أن آدم أبو البشر، وأما ابليس هو أبو الشياطين\" (^٢).\nويقول:\" الشيطان كل عاتٍ متمردٍ من الجن والإنس، وأصله: البعد والامتداد، يقال: بئر شطون، أي: بعيد العمق والقعر، ويقال: للجبل شطن: لامتداده، وسمي الشيطان شيطانا؛ لامتداده في الشر وبعده عن الخير\" (^٣).\nوروي عن النبي - ﷺ - أنه قال لأبي ذر: (تعوذ بالله من شياطين الإنس)، قال أبو ذر قلت: ومن الإنس شياطين: فقال ﵊: نعم، وتلا قوله تعالى:\" وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ\" [الأنعام:١١] (^٤)، وحُكِيَ عن مالك بن دينار أنه قال: خوفي من شيطان الإنس أكبر من خوفي من شيطان الجن؛ لأن الجني يذهب إذا ذكرت الله، والإنس ي يجرني إلى المعاصي (^٥).\n_________\n(^١) - انظر: ابن تيمية: مرجع سابق: ٢٤/ ٢٨٠ - ٤/ ٣٤٦، الشبلي: آكام المرجان: ١٩، الأشقر: عالم الجن والشياطين: ١٣\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن:٣/ ١٣٧ - ٤/ ٢٤٧.\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن:١/ ٥٠.\n(^٤) أخرجه النسائي في سننه: مكتبة المطبوعات الإسلامية-حلب، ط ٢،١٤٠٦ هـ، باب الاستعادة من ذكر شياطين الإنس (٥٥٠٧)، وضعفه الشيخ الألباني في صحيح وضعيف سنن النسائي (١٢/ ٧).\n(^٥) السمعاني: تفسير القرآن:٢/ ١٣٧.","vol":"1","page":459},{"text":"والإمام السمعاني يفرق بين الجن والشياطين، يقول:\" الجان أبو الجن، وأما إبليس هو أبو الشياطين\" (^١)، وهو أحد القولين، وقيل: إن الجميع من ولد إبليس؛ إلا أنه جعل ولده قسمين، فأرسل أحد القسمين وسوسة الإنس، والقسم الثاني إلى وسوسة الجن، فالفريقان شياطين، الإنس والجن (^٢).\nووصف الشيطان بأنه رجيم، قال تعالى: \"فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ\" [الأعراف: ٩٨]، والرجيم فسرت بتفاسير قيل: الرجيم، المرجوم، وقيل: الملعون، وقيل: الشتيم (^٣).\nوالله جل وعز طرد ابليس من رحمته فقال:\" فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ\" [ص:٧٧]، والمرجوم: هو المبعد باللعنة (^٤)، وقال تعالى:\" فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (٣٤) وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ\" [الحجر:٣٤ - ٣٥]، قال السمعاني: \"ويقال: إن بليس ملعون السماء والأرض وإن أهل السماء يلعنونه، كما أن أهل الأرض يلعنونه\" (^٥)، وقد لعنه الله فقال تعالى:\"وَإِن يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَّرِيدًا (١١٧) لَّعَنَهُ اللَّهُ \" [النساء:١١٧ - ١١٨]، أي: أبعده الله من الرحمة (^٦).\nووصف الشيطان بأنه عارٍ عن كل خير، قال تعالى:\" وَإِن يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَّرِيدًا\" [النساء:١١٧]، قال السمعاني: \"والمريد: العاتي المتمرد، وحقيقته العاري من كل خير\" (^٧).\nووصف الشيطان بأنه مارد، قال تعالى:\" وَحِفْظًا مِّن كُلِّ شَيْطَانٍ مَّارِدٍ\" [الصافات:٧]، يقول السمعاني: \"أي: متمرد، والشيطان كل متمرد عاتٍ من إنس، أو جن، أو جنّة\" (^٨)، فهو معيب مقيت أي: ممقوت، مطرود من رحمة الله (^٩).\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن:٣/ ١٣٧. السمعاني: تفسير القرآن:٣/ ١٣٧. السمعاني: تفسير القرآن:٣/ ١٣٧.\n(^٢) الرازي: مفاتيح الغيب:١٣/ ١٢٠.\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن:٣/ ١٣٢.\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن:٤/ ٤٥٥.\n(^٥) السمعاني: تفسير القرآن:٣/ ١٣٩.\n(^٦) السمعاني: تفسير القرآن:١/ ٤٨٠.\n(^٧) السمعاني: تفسير القرآن:١/ ٤٨٠.\n(^٨) السمعاني: تفسير القرآن:٤/ ٣٩٢.\n(^٩) السمعاني: تفسير القرآن:٢/ ١٧٠.","vol":"1","page":460},{"text":"والعفريت من الجني هو الشديد القوي، وأما اسم ابليس، فقال بعضهم: هو مشتق من الإبلاس، وهو اليأس من الخير، وقيل: هو اسم أعجمي معرب، لا اشتقاق له، ولذلك لاينصرف (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-206>المطلب الثاني: أعمال الشياطين وأحوالهم وصفاتهم:</span>\nذكر الله تعالى في كتابه العزيز جملة من أوصاف الشياطين وأعمالهم وقد تتبعها السمعاني وبينها وأشار إليها ونجملها في النحو التالي:\n١ - أن العرب تسمي كل قبيح مكروه شيطانًا؛ وذلك لما استقر في النفوس من قبحها، وقد شبه الله تعالى شجرة الزقوم برؤوس الشياطين، فقال: \" إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ (٦٤) طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ\" [الصافات:٦٤ - ٦٥]، وإنما صح التشبيه مع أن رؤوس الشياطين لم يرها أحد؛ لأنه كان مستقرا في النفوس قبحها وأن جميعهم على أقبح صورة، فشبه بها على ما استقر في النفوس (^٢).\n٢ - أعمال الشياطين:\nأ - أذية الإنسان: وقد أخبر الله تعالى عن ذلك فقال:\" الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَاا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ \" [البقرة:٢٧٥]، قال السمعاني: \"وقيل هو من تخبط الشيطان، وذلك أن يدخل الإنسان فيصرعه\" (^٣)، وهذا فيه إثبات لدخول الجن في بدن الإنسان، خلافا لمن أنكره من المعتزلة، وقد نقل شيخ الإسلام الاتفاق على دخول الجن في بدن الإنسان (^٤).\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن:٤/ ٩٨ - ١/ ٦٧.\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن:٤/ ٤٠١.\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن:١/ ٢٧٩.\n(^٤) - ابن تيمية: مجموع الفتاوى: ٢٤/ ٢٧٦","vol":"1","page":461},{"text":"ب - الوسوسة: وقد بين الله تعالى ذلك في كتابه العزيز، وأشار إلى أن الشيطان قد وسوس لآدم وحواء ﵉ فقال:\" فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْآتِهِمَا\" [الأعراف:٢٠]، قال السمعاني:\"والوسوسة حديث يلقيه الشيطان في قلب الإنسان، واختلفوا في كيف وسوس لهما وهما في الجنة وهو في الأرض؟ فقيل: وسوس لهما من الأرض؛ لأن الله تعالى أعطاه قوة بذلك حتى وسوس لهما بتلك القوة من الأرض إلى الجنة، وقيل: حين وسوس لهما كان في السماء، فالتقيا على باب الجنة هو وآدم فوسوس وقيل: إن الحية خبأته في أنيابها وأدخلته الجنة، فوسوس من بين أنيابها فمسخت الحية وأخرجت من الجنة\" (^١)، وقد سمى الله عزوجل الوسوسة من الشيطان نزغ فقال:\" وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ\nمِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ \" [الأعراف:٢٠٠]، أي: وسوسة (^٢).\nوسماها الله تعالى رجزا، فقال سبحانه:\" وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ\" أي وسوسة الشيطان (^٣)،وسماها كذلك همزات، فقال سبحانه:\" وَقُل رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ\" أي: وساوسهم، والهمز في اللغة مأخوذ من الدفع، ودفع الشيطان غيره إلى المعصية، يكون بوسوسته، فعرف أن الهمزات هي الوساوس، وقيل: همز الشيطان، إغراؤه على المعصية (^٤).\nوقد أمر الله تعالى بالاستعادة منه فقال:\" قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١) مَلِكِ النَّاسِ (٢) إِلَهِ\nالنَّاسِ (٣) مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ\" [الناس:١ - ٤]، والوسواس الخناس: الشيطان، والمعنى: من شر الشيطان ذي الوسواس، ويقال: سمي وسواسا؛ لأنه يجثم، فإن ذكر العبد ربه خنس، أي تأخر، وإن لم يذكر وسوس (^٥).\nج - إفساد علاقات الود والمحبة بين المسلمين:\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن:٢/ ١٧٠.\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن:٢/ ٢٤٣.\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن:٢/ ٢٥٢.\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن:٣/ ٤٨٩.\n(^٥) السمعاني: تفسير القرآن:٦/ ٣٠٨.","vol":"1","page":462},{"text":"قال تعالى:\" إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ\" ... [المائدة:٩١]، \"أما وقوع العداوة في الخمر: أن شاربيه إذا سكروا عربدوا وتشاجروا وتشاحجوا، وأما العداوة في الميسر: قال قتادة: هو أنهم كانوا يغارون على الأهل والمال، ثم إذا لم يبق له شيء يجلس زينا، مسلوبا، مغتاظا على قرنائه (^١)، ولذا سماها الله تعالى رجسًا من عمل الشيطان، والرجس هو عمل الشيطان (^٢).\nوبين الله هذا العمل القبيح من الشيطان، فقال:\" وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ \" [الإسراء:٥٣]، أي: يفسد بإيقاع العداوة (^٣).\nد - إنساء ذكر الله تعالى والصلاة: كما قال تعالى:\" وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ \" [المائدة:٩١]، يعني: الشيطان يمنعكم بالخمر والميسر، عن ذكر الله وعن الصلاة،\" فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ \" أي: انتهوا (^٤).\nوقال تعالى:\" اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ \" [المجادلة:١٩]، أي: غلب عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله تعالى (^٥).\nهـ - التسويل والإملاء: كما قال تعالى:\" إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ\" [محمد:٢٥]، فزين لهم، وأمهلهم بالمد لهم في العمر (^٦).\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن:٢/ ٦٢\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن:٤/ ٢٨٢.\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن:٣/ ٢٤٩.\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن:٢/ ٦٣.\n(^٥) السمعاني: تفسير القرآن:٥/ ٣٩٢.\n(^٦) السمعاني: تفسير القرآن:٥/ ١٨٢.","vol":"1","page":463},{"text":"و- الصد عن سبيل الله تعالى: كما قال تعالى:\" وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ\" [النمل:٢٤]،\" فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ\" أي: عن سبيل الإسلام \"فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ\" أي: الطريق الحق (^١)، وقال تعالى:\" وَعَادًا وَثَمُودَا وَقَد تَّبَيَّنَ لَكُم\nمِّن مَّسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ\" [العنكبوت:٣٨]، \" فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ\"أي: صدهم عن سبيل الحق، \"وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ\" أي: ارتكبوا ما ارتكبوا وقد علموا أن عاقبة أمرهم بوار. (^٢)\nز - تزيين الباطل: كما قال تعالى: ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾ [النحل:٦٣]، يعني: كفرهم وجحودهم، ثم قال تعالى: \" فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ \" سماه وليًا لهم؛ لطاعتهم إياه (^٣). وقال تعالى: ﴿وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [الإسراء:٦٤]، والغرور: تزيين الباطل بما يُظَنُّ أنه حق. (^٤)\nوقال تعالى: ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (١٢٠)﴾ [النساء:١٢٠]: وذلك بإيهام الوصول إلى النفع، من موضع الضر. (^٥)\nوقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام:١١٢]، وزخرف القول: هو قول مزين لا معنى تحته، والغرور: القول الباطل، والأمر بالشر بإلهام الشيطان. (^٦)\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن:٣/ ١٨٣\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن:٤/ ١٨٠.\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن:٤/ ٩٠.\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن:٣/ ٢٥٩\n(^٥) السمعاني: تفسير القرآن:١/ ٤٨١\n(^٦) السمعاني: تفسير القرآن:٢/ ١٣٧ - ٤/ ٢٥٧","vol":"1","page":464},{"text":"والله تعالى:\" سمى الشيطان غرورًا، قال تعالى: ﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [لقمان:٣٣]، يعني: الشيطان، وتغريره للإنسان: هو تزيينه للمعاصي، وتمنيه المغفرة من الله، وعَبَّر عنه؛ بتزيينه له المعاصي، وتمنيه المغفرة (^١). وقال تعالى: ﴿وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [الحديد:١٤]، أي: الشيطان، وإنما سُمي الشيطان غرورًا؛ لأن الناس تغر الناس بتمنية الأباطيل. (^٢)\nح - بث الحزن في القلوب: قال تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [المجادلة:١٠]، فالنجوى من الشيطان؛ ليحزن الذين آمنوا، بما يسمعون من الإرجاف بالسَّرِيَّة، وذلك أن المنافقين كان بعضهم يقول إذا بعث النبي ﷺ سرية: قد أصاب السرية، وكذا قد أسروا وقتلوا، وما يشبه ذلك؛ إرجافًا للمسلمين، فنهاهم النبي ﷺ عن ذلك. (^٣)\n٣ - أن الله تعالى أوجب الكفر بالشيطان؛ لأنه كافر بالله تعالى، عَصِيٌّ لأمره، قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ﴾ [البقرة:٢٦٥]، والطاغوت الشيطان (^٤)، وقد سماه الله طاغوتًا، فقال: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا﴾ [الزُّمَر:١٧]، أي: الشيطان. (^٥)\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن:٤/ ٢٤٠\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن:٥/ ٣٧١\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن:٥/ ٣٨٦ - ٣٨٧\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن:١/ ٢٦٠\n(^٥) السمعاني: تفسير القرآن:٤/ ٤٦٣.","vol":"1","page":465},{"text":"وإنما أوجب الله تعالى الكفر بالشيطان؛ لأنه كافر بربه، قال تعالى: ﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾ [الإسراء:٢٧]، أي: بربه كافرًا (^١). ولأنه كان عصيًا للرحمن، قال تعالى إبراهيم: ﴿يَاأَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ﴾ [مريم:٤٤]، أي: لا تطع الشيطان فيما يزين لك من الكفر والشرك؛ ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا﴾، أي: عاصيًا. (^٢) وكل من اتبع الشيطان، صار وليًا له، قال تعالى عن إبراهيم: ﴿يَاأَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا (٤٥)﴾ [مريم:٤٥]، يعني: يلزمك ولاية، أي: موالاة الشيطان وتكون مثله. وقيل: فتوكل إلى الشيطان، ويخذلك الله. (^٣)\nوقال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ﴾ [الحج:٤]، أي كُتب على الشيطان، أن يضل من تولاه، ﴿يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ [الحج:٤] أي: إلى عذاب جهنم. (^٤)\nوقال تعالى: ﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا (٢٩)﴾ [الفرقان:٢٩]، أي تاركًا: ويقول الشيطان يوم القيامة لأتباعه: ﴿إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ﴾ [إبراهيم:٢٢]، وفي معنى كلامه، قولان:\nأحدهما: إني كفرت بجعلكم إياي شريكًا في عبادة الله وطاعته، والثاني: إني كفرت قبل أن أشركتموني في عبادته، يعني: كفرت قبل كفركم (^٥)، وهذا كقوله تعالى: ﴿قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ﴾ [ق:٢٧]، والقرين هنا هو الشيطان باتفاق المفسرين، فالشيطان يقول: \" ما أطغيته \" أي: ما أضللته، \" ولكن كان في ضلال بعيد \"، أي: وجدته وقد اختار الضلالة لنفسه. (^٦)\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن:٣/ ٢٣٥.\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن:٣/ ٢٩٥.\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن:٣/ ٢٩٥.\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن:٣/ ٤١٨\n(^٥) السمعاني: تفسير القرآن:٣/ ١١٢\n(^٦) السمعاني: تفسير القرآن:٥/ ٢٤٣","vol":"1","page":466},{"text":"٤ - استراق السمع: كما أخبر الله تعالى عنهم فقال: ﴿إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ﴾ [الحِجر:١٨]، يقول السمعاني: \" في الأخبار: أن الشياطين يركب بعضهم بعضًا، إلى السماء الدنيا، ويسترقون السمع من الملائكة، فترجمهم الكواكب، فتقتل البعض، وتخبل البعض. واختلف القول في أنهم متى يسترقون السمع؟\nفأحد القولين: أنهم يسترقون السمع من الملائكة في السماء، والقول الآخر: أنهم يسترقون السمع من الملائكة في الهواء \" (^١)، فاستراق السمع من الشياطين ثابت - لكنه لم يكن ظاهرًا في زمن الأنبياء قبل رسول الله ﷺ، وإنما رُوي هذا في ابتداء أمر النبي ﷺ، وكان ذلك أساسًا لنبوته (^٢)، وهل كان رمي الشُهب معلومًا في الجاهلية؟. رجح السمعاني: أن الرمي بالشهب قد كان من قبل، ولكن لما كان في زمان الرسول ﵊، كثير وقوي، قال معمر: قلت للزهري: أكان الرمي بالشهب قبل الرسول ﷺ في الجاهلية؟ قال: نعم، ولكنه لما كان زمان الرسول ﷺ كثر واشتد. (^٣)\n٥ - ومع ما ذُكر من أعمال الشياطين، إلا أن الله جل وعلا، هوَّن من شأنهم، وقلل من أمرهم، ونهى عن اتباع خطواتهم، وهذا يظهر في عدة أمور:\nأ - أن الله تعالى جعل كيد الشيطان ضعيفًا، فقال سبحانه: ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ [النساء:٧٦]، يقول السمعاني: \" قيل: كان ضعيفًا بمعنى: أنه لا يرد أحدًا عن الإسلام والهداية، وقيل: أراد به أن كيده كان ضعيفًا يوم بدر، حين رأى الملائكة، فخاف أن يأخذوه فهرب \" (^٤).\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن:٣/ ١٣٣\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن:٣/ ١٣٣\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن:٦/ ٦٧\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن:١/ ٤٤٨","vol":"1","page":467},{"text":"ب - أنه ليس له سلطان على المؤمنين، قال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [النحل:٩٩]، أي: ليس له ولاية على الذين آمنوا، يُقال: معناه: أنه لا يقدر على إيقاعهم في ذنب، ليس لهم منه توبة، وقيل: إنه لايقدر على إدخالهم في الشرك وإغوائهم (^١)، ولكنه إنما تسلط عليهم بالوسوسة والإغواء والإغراء، قال تعالى: ﴿قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء:٦٢]، ومعناه: لأسوقنهم إلى المعاصي سوقًا، ولأميلنهم إليها ميلًا، وقيل: لأستولين عليهم بالإغواء، وقيل: لأضلنهم.\nفإن قيل: كيف عرف إبليس أن أكثر ذرية آدم يتبعونه؟ قلنا: الجواب من وجهين:\nالأول: أنه لما رأى انقياد آدم لوسوسته، طمع في ذريته، والثاني: أنه رأى ذلك في اللوح مكتوبًا، وعرف كما عرفت الملائكة حين قالوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ [البقرة:٣٠]. (^٢)\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن:٣/ ٢٠١\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن:٣/ ٢٥٨","vol":"1","page":468},{"text":"ج - أخبر الله تعالى أن الباطل، وهو الشيطان كان زهوقًا، أي: ذاهبًا، قال تعالى: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء:٨١]، قال قتادة: الحق القرآن، والباطل الشيطان (^١). وقال تعالى: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾ [الأنبياء:١٨]، والباطل هو الشيطان، فالله تعالى يُلقي بالقرآن الكريم وهو الحق، على الباطل هو الشيطان الرجيم، فيدمغه ويزيله، فإذا هو زاهق ذاهب، وهذا من حيث بيان الدليل والحجة، لا من حيث إزالة الكفر أصلًا؛ فإن الكفر والباطل في العالم كثير (^٢). وقال تعالى: ﴿قُلْ جَاءَ الْحَقُّ﴾ [سبأ:٤٩]، أي: القرآن، أو الرسول، \" وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ \" قال قتادة: هو الشيطان، \" وَمَا يُعِيدُ \" أي: ما يُبدئ الشيطان شيئًا وما يعيد. (^٣)\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن:٣/ ٢٧١\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن:٣/ ٣٧٢\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن:٤/ ٣٤١","vol":"1","page":469},{"text":"٦ - ولما كانت عداوة الشيطان للإنسان مستفحلة من قديم الزمان، حذر الله تعالى من طاعته، والسير على نهجه، بل وعن اتباع خطواته، قال تعالى مبينًا هذه العداوة القديمة الظاهرة، والمستمرة على مدى الأزمان: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [يوسف:٥]، يقول السمعاني: \" ومعناه: إن الشيطان يزين لهم ذلك، ويحملهم عليه لعداوته القديمة \" (^١)، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا﴾ [الإسراء:٥٣]، أي: عدوًا ظاهر العداوة (^٢). وقال تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [يس:٦٠]، أي: عدو بيِّن العداوة. (^٣) وقال تعالى: ﴿وَلَا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطَانُ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [الزُّخرُف:٦٢]، قال ابن عباس: من عداوته، أنه أخرج أباكم من الجنة، ونزع عنهم لباس النور. (^٤) وبعد أن بيَّن الله تعالى عداوة الشيطان لبني آدم ﵇، حذر من اتباع خطواته، فقال: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [البقرة:١٦٨]، وذكر السمعاني في معنى خطوات الشيطان ثلاثة أقوال:\nأحدها: هي خطايا الشيطان، وهو قول مجاهد، والثاني: هي النذور في المعاصي، والثالث: هي أعمال الشيطان (^٥). وقال في مقام آخر: \" قوله تعالى: ﴿كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [الأنعام:١٤٢]، أي: آثار الشيطان، وخطاياه، وهو تخطيه من الحلال إلى الحرام \" (^٦)، ومن الطاعة إلى المعصية (^٧).\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن:٣/ ٨\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن:٣/ ٢٤٩\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن:٤/ ٣٨٤\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن:٥/ ١١٣\n(^٥) السمعاني: تفسير القرآن:١/ ١٦٧\n(^٦) السمعاني: تفسير القرآن:٢/ ١٥١\n(^٧) السمعاني: تفسير القرآن:٣/ ٥١٣","vol":"1","page":470},{"text":"٧ - ومع العداوة الظاهرة التي أشار إليها القرآن الكريم، إلا أن الله تعالى ذكر لعباده المؤمنين، سُبل الوقاية والحماية من أساليب الشيطان وإغوائه، ومن تلك الأساليب:\nأ - اتخاذه عدوًا، قال تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ [فاطر:٦]، أي: عادوه بطاعة الله تعالى. (^١)\nب - الاستعاذة بالله تعالى من شره، قال تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [فُصِّلَت:٣٦]، \" أي: اعتصم بالله، وقد روينا أن النبي ﷺ كان يقول: \" أعوذ بالله من الشيطان من همزه، ونفثه، ونفخه \" (^٢) ... (^٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-207>المطلب الثالث: أعمال الجن، وأحوالهم، وصفاتهم:</span>\nذكر الله جل شأنه، أخبار الجن، وبعض أحوالهم، ولذا تتبع السمعاني أخبارهم، وبيَّن أحوالهم، ونُجمل ما ذكره السمعاني في الإيمان بالجن، وما يتعلق بهم في الأمور التالية:\n١ - أن الجن يدخلون في قوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ﴾ [الرحمن:١٠]، قال الحسن البصري في الأنام: أنه الجن والإنس (^٤)، فهم من الأنام. وهل يصح تسميتهم رجالًا؟ قال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ﴾ [الجن:٦]، قال السمعاني: \"الجن لا يسمون رجالًا، والجواب عما ورد في الآية، أنه على طريق المجاز، وقد ورد في أخبار العرب في حكاية: أن قومًا من الجن قالوا: نحن أناس من الجن، فإذا جاز أن يسموا أُناسًا، جاز أن يسموا رجالًا \" (^٥).\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن:٥/ ٣٤٥\n(^٢) أخرجه أبو دواد في سننه، باب ما يستفتح به الصلاة من الدعاء، ح (٧٦٤)، (٧٧٥)\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن:٥/ ٥٣\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن:٥/ ٣٢٣\n(^٥) السمعاني: تفسير القرآن:٦/ ٦٦","vol":"1","page":471},{"text":"٢ - أن الجن مكلفون، قال السمعاني في تفسير قوله تعالى: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢]،: \" قال ابن عباس: هم الجن والإنس، وقال الحسن وقتادة، وأبو عبيدة: هم جميع المخلوقين، وقيل: الأولى أولى؛ لأن الخطاب مع المكلفين، الذين هم المقصودون بالخليفة، وهم الجن والإنس \" (^١)، وقد ذكر الله تعالى شمولية الرسالة المحمدية لعموم الثقلين، فقال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان:١]، أي: الجن والإنس (^٢). وقال تعالى: ﴿وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ﴾ [الأحقاف:٣٢]، يقول السمعاني: \" في الآية دليل على أن النبي ﷺ كان مبعوثًا إلى الجن والأنس \". (^٣)\n٣ - أن الجن فيهم مؤمنون وكفار، قال تعالى: ﴿وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا﴾ [الجن:٧]، يقول السمعاني: \" في الآية دليل على أنه كان في الجن قوم لا يؤمنون بالبعث كما في الإنس \" (^٤). قال الحسن البصري: في الجن قدرية، ومرجئة، وروافض، وخوارج، وغير ذلك من الفرق، وفيهم العاصي، والمطيع، والمصلح، وغير ذلك من المؤمن والكافر. (^٥)\n٤ - أن الجن يموتون كالإنس، قال تعالى: ﴿قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ﴾ [الأعراف:٣٨]، قال السمعاني: \" وفيه دليل على أن الجن يموتون كالإنس، خلافًا لقول الحسن حيث قال: لا يموتون \" (^٦).\n٥ - أنهم محشورون يوم القيامة، قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا﴾ [الأنعام:١٢٨]، يقول السمعاني: \" أما حشر الجن والإنس، حق يجب الإيمان به \" (^٧).\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن:١/ ٣٦\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن:٤/ ٥\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن:٥/ ١٦٤\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن:٦/ ٦٦\n(^٥) السمعاني: تفسير القرآن:٦/ ٦٨\n(^٦) السمعاني: تفسير القرآن:٢/ ١٨٠\n(^٧) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ١٤٤","vol":"1","page":472},{"text":"٦ - أنهم لا يعلمون الغيب، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾ [سبأ:١٤]، أي: تبينت الجن للإنس، أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين، أي: التعب والشقاء الطويل. (^١)\n٧ - أن بين الجن والإنس استمتاع، كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ﴾ [الأنعام:١٢٨]، يعني: استمتع الجن بالإنس، والإنس بالجن، قيل: استمتاع الجن بالإنس: تزيينهم لهم، وتسهيلهم طريق الغواية عليهم، وأما استمتاع الإنس بالجن، طاعتهم. والجملة: أن استمتاع الجن بالأمر، واستمتاع الإنس بالقبول. (^٢)\n٨ - أنهم يأكلون ويشربون، ويولد لهم، فهم بمنزلة الآدميين، ومنهم من هم بمنزلة الريح، لا يتوالدون، ولا يأكلون، ولا يشربون، نقله السمعاني عن وهب بن منبه. (^٣)\nلكن نقل ابن القطان الإجماع، على أن الجن يأكلون، ويشربون، ويجامعون، ويولد لهم. (^٤)\n٩ - أن الجن زينوا للناس عبادة الملائكة، والمقصود بهم: الشياطين العاتون المتمردون، ويُقال: إنهم صوروا صور الجن، وقالوا: هؤلاء الملائكة، فاعبدوهم، وهذا هو تفسير قوله تعالى: ﴿بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ [سبأ:٤١]، مع أنهم عبدوا الملائكة.\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٣٢٤\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ١٤٤\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ١٣٧\n(^٤) ابن القطان: الإقناع: ١/ ٤٨","vol":"1","page":473},{"text":"١٠ - أن بعض الإنس كانوا يستعيذون بالجن، إذا نزلوا بواد قفر، فإذا أمسوا قالوا: نعود بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه، كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ [الجن:٦]، ومعنى \" فَزَادُوهُمْ رَهَقًا \" فيه قولان: أحدهما: أي عظمة في أنفسهم، كأن الإنس لما استعاذوا بالجن، ازداد الجن في أنفسهم عظمة. والثاني: هو أن الإنس ازدادوا رهقًا، بالاستعاذة من الجن، ومعناه: طغيانًا وإثمًا، كأن الإنس لما استعاذوا من الجن، وأمنوا على أنفسهم، ازدادوا كفرًا، وظنوا أن أمنهم كان من الجن. (^١)\n١١ - أن الجن لا يُرون، وقد أشار السمعاني إليه في تفسير قوله تعالى: (إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم) الأعراف ٢٧، فقال: يعني أن الشياطين وجنوده يرونكم، وأنتم لا ترونهم (^٢)، وتأيد قوله بقول الإمام الشافعي: من زعم من أهل العدالة أنه يرى الجن، أبطلت شهادته؛ لأن الله تعالى يقول: (إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم)، إلا أن يكون نبيا (^٣)، وقال الحافظ ابن حجر: وهو الذي فهمه أكثر أهل العلم (^٤)، وقال: (إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم) مخصوص بما إذا كان على صورته الني خُلق عليها (^٥).\nفي حين ذهب الإمام ابن تيمية إلى تفسير الآية بمعنى آخر، فقال: الذي في القرآن: أنهم يرون الإنس من حيث لا يراهم الإنس، وهذا يقتضي أنهم يرون الإنس في حال لا يراهم الإنس فيها، وليس فيه أنهم لا يراهم أحد من الإنس بحال، بل قد يراهم الصالحون وغير الصالحين أيضا، لكن لا يرونهم في كل حال (^٦).\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ٦/ ٦٦\n(^٢) - السمعاني: مرجع سابق: ٢/ ١٧٦\n(^٣) - الشبلي: آكام المرجان: ٤٣\n(^٤) - ابن حجر: فتح الباري: ٦/ ٤٥٩\n(^٥) - ابن حجر: مرجع سابق: ٤/ ٤٨٩\n(^٦) - ابن تيمية: مجموع الفتاوى: ١٥/ ٢٦","vol":"1","page":474},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-208>المطلب الرابع: مسائل في عالم الجن والشياطين:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-209>المسألة الأولى: هل إبليس من الملائكة</span>؟!\nذكر السمعاني خلاف العلماء في هذه المسألة، وأن الذي عليه أكثر المفسرين، أن إبليس كان من الملائكة، ونسبه لابن عباس.\nوالقول الآخر: أنه كان من الجن، لقوله تعالى: ﴿كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف:٥٠]؛ ولأنه خُلق من النار، والملائكة خلقوا من النور، ولأنه له ذرية، ولا ذرية للملائكة.\nورجح السمعاني القول الأول، وهو أن إبليس كان من الملائكة؛ لأن خطاب السجود كان مع الملائكة، وقال: ولهذا تناوله الأمر بالسجود، ولو يكن من الملائكة لم يتناوله الأمر بالسجود (^١)\nثم رد السمعاني عما استدل به أصحاب القول الثاني، فقال:\nأما قوله: \" كَانَ مِنَ الْجِنِّ \" قيل: إن فرقة من الملائكة سموا جنًا، خلقهم الله تعالى من النار، وعليه دَلَّ قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾ [الصافات:١٥٨]، حيث قالوا: الملائكة بنات الله، فسماهم جِنَّة، وإنما سموا جنًا؛ لاستتارهم عن الأعين، وإبليس كان من ذلك القبيل. وإنما كان له ذرية؛ لأنه أخرجه من الملائكة، ثم جعل له ذرية (^٢)، وقال في مقام آخر، في معرض رده على أصحاب القول الثاني: جميع ما نقلوه هو على طريق المجاز، والكلام في الحقيقة (^٣)\nوهذه المسألة - كما أشار السمعاني - إلى أنها محل خِلاف عند العلماء، وأن الأقوال فيها متباينة، ولكن هنا يُشار إلى أمور:\n١ - أن النقل عن ابن عباس، وابن مسعود، مروي في القولين، فقد نسب العلماء القولين لهما. (^٤)\n٢ - أن كثيرًا مما نُقل في هذا الباب، وهذه المسألة بخصوصها، وعن إبليس أنه كان خازن الجنة، ونحو ذلك من الأقوال، هي من قبيل الإسرائيليات التي لا يعول عليها، كما نبه على ذلك الحافظ ابن كثير (^٥)، ويقول الشنقيطي: \" وما ذكر عن إبليس من الإسرائيليات لا يعول عليها \" (^٦).\n_________\n(^١) - السمعاني: قواطع الأدلة: ١/ ٢١٤\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٦٧ - ٦٨ - ٣/ ١٣٩ - ٤/ ٤٥٤ - قواطع الأدلة:١/ ٢١٤ - ٣٠٣\n(^٣) - السمعاني: قواطع الأدلة: ١/ ٢١٤\n(^٤) الطبري: جامع البيان: ١/ ٥٠٣، القرطبي: الجامع لأحكام القرآن: ١/ ١٩٤، أبو حيان: البحر المحيط: ١/ ٢٤٨\n(^٥) ابن كثير: تفسير القرآن العظيم: ٥/ ١٦٨\n(^٦) الشنقيطي: أضواء البيان: ٣/ ٢٩١","vol":"1","page":475},{"text":"٣ - أن بعض المفسرين حاول الجمع بين القولين، حتى قال الراغب الأصفهاني: \" فصار يصدق عليه القولان، ويجوز أن يكون عنى أنه كان من الجن فعلًا، ومن الملائكة نوعًا \" (^١). يعني: أن الملائكة حين حاربت الجن، وسبت إبليس، صار بالحكم من الملائكة، فمولى القوم منهم، وبالنسبة من الجن. وقيل: كان ملكًا قبل أن يعصي الله تعالى، فلما عصاه مسخه شيطانًا.\nونقل النسفي في تفسيره عن الجاحظ: أن الجن والملائكة جنس واحد، فمن طهر فهو ملك، ومن خبث فهو شيطان، ومن كان بين بين فهو جن. (^٢)\nوما نُقل عن المعتزلة، أن قولهم يوافق قول من قال: إنه ليس من الملائكة، لا يخرج المسألة عن كونها اجتهادية، خاضعة للنص، فليس قول من قال بأحد القولين يعتبر بدعة؛ لأن كل صاحب قول يستدل بالقرآن على قوله. فمن قال إنه من الملائكة، استدل بعموم قوله: \" وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ \"، ومن قال إنه ليس منهم، استدل بقوله تعالى: \" كَانَ مِنَ الْجِنِّ \"، وكُلُّ صاحبِ قول، وَجَّه أدلة القول الآخر. فمن قال بأنه من الملائكة، حمل قوله تعالى: \" كَانَ مِنَ الْجِنِّ \" على عدة محامل:\n١ - أي كان ضالًا، كما أن الجن كانوا ضالين، فجُعل منهم، ذكره الزجاج. (^٣)\n٢ - أن الملائكة قد تسمى جنًا؛ لاستتارها.\n٣ - أو أن يكون نسبهم إلى الجنة، لما كان خازنًا لها، ذكرهما ابن عطية. (^٤)\nومن قال أنه من الجن، حمل الاستثناء في الآية \" إلا إبليس \" على أنه استثناء منقطع.\nولكن يبقى الإشكال: إن قيل إن إبليس من الجن، من جهتين:\nالأول: من أين تناوله الأمر، وهو للملائكة خاصة؟ قيل: إنه كان في صحبتهم، وكان يعبد الله تعالى مثل عبادتهم.\n_________\n(^١) الراغب: تفسير الراغب: ١/ ١٥١، وانظر: البيضاوي: أنوار التنزيل: ١/ ٧١\n(^٢) النسفي: مدارك التنزيل: ١/ ٨٠\n(^٣) الزجاج: معاني القرآن: ١/ ١١٤\n(^٤) ابن عطية: المحرر الوجيز: ١/ ١٢٥","vol":"1","page":476},{"text":"الثانية: كيف صح استثناؤه، وهو جني من الملائكة؟ قيل: عمل على حكم التغليب، في إطلاق اسم الملائكة عليهم وعليه، فأخرج الاستثناء على ذلك، كقولك: خرجوا إلا فلانة، لامرأة بين الرجال. (^١)\n٤ - حكى الرازي في تفسيره الخلاف، وبيَّن الأدلة، ورجح أن إبليس ليس من الملائكة (^٢)، وهذا القول هو الراجح - والعلم عند الله تعالى ـ، وهو المروي عن الحسن والزهري، وابن زيد، ورجحه الزجاج (^٣)، وابن حزم، وقال: \" وقد ادعى قوم أن إبليس كان ملكًا فعصى، حاشا لله من هذا؛ لأن الله قد كذب هذا القول بقول تعالى ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ [الكهف:٥٠]، وبقوله:\" أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي \" وبإخباره أنه خلق إبليس من نار السموم، وصح عن النبي ﷺ أنه قال: \" خلقت الملائكة من نور\" (^٤)، والنور غير النار بلا شك، فصح أن الجن غير الملائكة، والملائكة كلهم خيار مكرمون بنص القرآن، والجن والإنس فيهما مذموم ومحمود \" (^٥).\n_________\n(^١) الزمخشري: الكشاف: ٣/ ٩١\n(^٢) الرازي: مفاتيح الغيب: ٢/ ٢٤٨\n(^٣) الزجاج: معاني القرآن: ١/ ١١٤\n(^٤) أخرجه مسلم في صحيحه، باب في أحاديث متفرقة، ح (٢٩٩٦)\n(^٥) ابن حزم: الفِصل: ٤/ ٢٨","vol":"1","page":477},{"text":"وقوله تعالى: \" \" كَانَ مِنَ الْجِنِّ \"، نص قرآني في محل النزاع (^١)، قال الجصاص عن إبليس: \" فهو جنس غير جنس الملائكة، كما أن الإنس جنس غير جنس الجن \" (^٢)، ولذا قال السيوطي:\" قوله تعالى: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ [الكهف:٥٠]، استدل به الجمهور على أنه لم يكن من الملائكة \" (^٣)، ويقول: \" قال الحليمي، والبيهقي، والقونوي: ومما يدل على تباين الجن والملائكة، قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (٤٠) قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ [سبأ:٤٠ - ٤١]، فثبت بهذا أن الملائكة غير الجن \" (^٤)، وقال ابن العربي: \" وقال شيخنا أبو الحسن في كتاب المختزن: إن إبليس كان من الملائكة، ولم يكن من الجن. ولست أرضاه\" (^٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-210>المسألة الثانية: هل من الجن رسل</span>؟!\nأشار السمعاني إلى وجود خلاف عند العلماء في هذه المسألة، وهو على قولين:\nالقول الأول: قال الضحاك: بلى من الثقلين رسل، كما نطق به الكتاب، قال تعالى: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ [الأنعام:١٣٠]، وعلى هذا القول يكون معنى الآية: أن الرسل من الصنفين، إلا أنه عبر بالرسل عن النذر من الجن بطريق المعنى؛ لأن النذير في معنى الرسول.\nوقال بعض أهل التفسير: إن الله تعالى أرسل إلى القبط نبيًا من الجن يُسمى يوسف، قال السمعاني: \" وهذا قول ضعيف، والصحيح الأول؛ لأنه أطلق ذكر يوسف، فهو يوسف المعروف \" (^٦).\n_________\n(^١) الشنقيطي: أضواء البيان: ٣/ ٢٩٠\n(^٢) الجصاص: أحكام القرآن: ٥/ ٤٣\n(^٣) السيوطي: الإكليل: دار الكتب العلمية: بيروت، ١٤٠١ هـ، (١٧١)\n(^٤) السيوطي: الحبائك في أخبار الملائك: ٢٥١\n(^٥) ابن العربي: أحكام القرآن: ٤/ ٣١٤\n(^٦) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ١٩","vol":"1","page":478},{"text":"القول الثاني: قال مجاهد: الرسل من الإنس، وأما الجن فمنهم النذر، كما قال تعالى: ﴿وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ [الأحقاف:٢٩]، أي: محذرين، ويُقال: ولوا دعاة إلى التوحيد (^١). ويكون معنى الآية في قوله تعالى: \" أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ \"، مُنصرف إلى أحد الصنفين، هو الإنس. إلا أن السمعاني قال عن قول مجاهد: \" هو قول مهجور \" (^٢).\nوقال الحسن: لم يبعث الله نبيًا من الجن (^٣)، وإنما جاءتهم رسل الإنس، وهذا أيضًا قول ابن جريج، والفراء (^٤)، والزجاج (^٥). وحكى ابن عطية قول الضحاك وضعفه (^٦)، وحكاه أيضًا ابن كثير، وقال: \" وفي الاستدلال بها على ذلك نظر؛ لأنها محتملة وليست بصريحة \" (^٧).\nوذهب بعضهم: إلى أن الرسل من الجن، هم رسل الرسل إليهم؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ [الأحقاف:٢٩]، حكاه الطبري عن ابن عباس ﵄. (^٨)\nوذكر ابن قتيبة في تأويل مشكل القرآن، في باب مخالفة اللفظ معناه، قاعدة: \" ومنه: أنه يجتمع شيئان، ولأحدهما فعل، فيجعل الفعل لهما \"، كقوله سبحانه: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ﴾ [الأنعام:١٣٠]، والرسل من الإنس دون الجن \" (^٩).\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ١٦٢\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٦/ ٩\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٧٢\n(^٤) الماوردي: النكت والعيون: ٢/ ١٧٠\n(^٥) الزجاج: معاني القرآن: ٢/ ٢٩٢\n(^٦) ابن عطية: المحرر الوجيز: ٢/ ٣٤٦\n(^٧) ابن كثير: تفسير القرآن العظيم: ٣/ ٣٤٠\n(^٨) الطبري: جامع البيان: ١٢/ ١٢٢\n(^٩) ابن قيبة: تأويل مشكل القرآن: ١/ ١٧٥","vol":"1","page":479},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-211>المسألة الثالثة: هل الجن يدخلون الجنة؟! وهل يثابون على أعمالهم</span>؟!\nذكر السمعاني خلافًا عن العلماء في هذه المسألة:\nفقال بعضهم: يدخل الله تعالى المؤمنين منهم الجنة، كما يُدخل الكافرين منهم النار، وهو قول ضمرة بن جندب وغيره، ذكره الأصبهاني في كتابه العظمة.\nوقال بعضهم: ليس لهم ثواب، قال ليث بن أبي سليم: مؤمنوا الجن يحاجزون من النار، ثم يجعلون ترابًا، وأما الكفار منهم يخلدون في النار (^١)، وكذا ذكره الأصبهاني في العظمة. (^٢)\nوقد حكى الإمام ابن حزم هذه المسألة، فقال: \" فكافرهم في النار مع كافرنا، وأما مؤمنهم، فقد اختلف الناس فيهم: فقال أبو حنيفة، لا ثواب لهم، وقال ابن أبي ليلى، وأبو يوسف، وجمهور الناس، إنهم في الجنة، وبهذا نقول؛ لقول الله ﷿: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران:١٣٣]، ولقوله تعالى حاكيًا عنهم، ومصدقًا لمن قال ذلك منهم ﴿وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ﴾ [الجن:١٣]، وقوله تعالى حاكيًا عنهم ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ﴾ [الجن:١ - ٢]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (٧) جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ (٨)﴾ [البيِّنة:٧ - ٨]، وهذه الصفة تعم الجن والإنس عمومًا، لا يجوز أن يخص منها أحد النوعين، فيكون فاعل ذلك، قائلًا على الله ما لا يعلم، وهذا حرام، ومن المحال الممتنع أن يكون الله تعالى يخبرنا بخبر عام، وهو لا يريد إلا بعض ما أخبرنا به، ثم لا يُبيِّن ذلك لنا، هذا هو ضد البيان الذي ضمنه ﷿ لنا، فكيف وقد نص ﷿ على أنهم آمنوا، فوجب أنهم من جملة المؤمنين، الذين يدخلون الجنة ولا بُدَّ \" (^٣).\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٣٣٦\n(^٢) الأصبهاني: العظمة: ٥/ ١٦٩٦ - ١٦٩٧\n(^٣) ابن حزم: الفِصل: ٣/ ١٤٧، الطبري: جامع البيان: ٢٣/ ٦٥","vol":"1","page":480},{"text":"والراجح - والعلم عند الله تعالى - القول الذي عليه أكثر العلماء، والذي تؤيده النصوص، وهو دخولهم الجنة، وهو قول الأوزاعي، وابن أبي ليلى، وأبي يوسف، ومحمد بن الحسن، ونقل عن مالك، والشافعي، وأحمد، وهو قول أصحابهم، ورجحه الإمام ابن تيمية (^١)، ورجحه الإمام ابن القيم، وذكر له عشرة أدلة، تؤيده، ثم قال: \" لكن قيل: إنهم يكونون في ربض الجنة، يراهم أهل الجنة ولا يرونهم، كما كانوا في الدنيا يرون بني آدم من حيث لا يرونهم، ومثل هذا لا يعلم إلا بتوقيف تنقطع الحجة عنده، فإن تثبت حجة، يجب اتباعها، وإلا فهو مما يُحكى؛ ليعلم، وصحته موقوفة على الدليل \" (^٢).\nالمسألة الرابعة: هل يمكن أن يطأ الجني الإنسية:\nذكر السمعاني عند تفسير قوله تعالى: ﴿فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ﴾ [الرحمن:٥٦]، قولان لأهل التفسير:\nالأول: أن المراد من الآية: الحور العين. والثاني: هن المؤمنات من الآدميات، وهو منقول عن الحسن البصري، وعلى القول الثاني، نشأت هذه المسألة:\nفقال بعضهم يجوز أن يطأ الجني الإنسية، واستدل بظاهر الآية. وأما الأكثرون فقد أنكروا هذا، وقالوا: معنى الآية: (لَمْ يَطْمِثْهُنَّ): الجنية جني، والإنسية إنسي، وقوله (فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ)، يتناول الإنسيات والجنيات (^٣).\nوالراجح - والله أعلم - أن الآية الكريمة، يستفاد منها:\nأن الجني يغشى، كما يغشى الإنسي، لكن ظاهر الآية لا تدل على أنه يغشى الإنسية؛ لأن الظاهر من الآية، أن هؤلاء النسوة، لسن من نساء الدنيا، وإنما هن من الحور العين، ورجحه الإمام ابن القيم. (^٤)\nمع أن بعض العلماء بحث هذه المسألة من جهتين:\n_________\n(^١) ابن تيمية: النبوات: ٢/ ١٠١١\n(^٢) ابن القيم: مفتاح دار السعادة: ١/ ٣٧ - ٣٩، التفسير القيم: ٥٠٦\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٣٣٦\n(^٤) ابن القيم: التفسير القيم: ٥٠٦","vol":"1","page":481},{"text":"١ - من جهة إمكان وقوع ذلك. ٢ - من جهة مشروعيته، فرجح الشُبلي (^١)، في كتابه \" آكام المرجان \"، أن ذلك ممكن، ودليل إمكانه: حكاية الكراهة عن بعض الأئمة، في التزاوج بين الإنس والجن، فإن غير الممكن، لا يحكم عليه بجواز ولا بعدمه في الشرع (^٢). وهذا النوع من النكاح، هو جائز عقلًا، كما قال ابن العربي (^٣)، لكن هل جوازه عقلًا، يجوز به شرعًا؟ وهل إذا قيل بالجواز، يترتب في هذا النوع من التزاوج، ما يترتب في التزاوج بين الإنسي والإنسية؟\nولذلك ولَّد الفقهاء مسائل كثيرة، بناء على القول بجواز التناكح بين الإنس والإنسي والجني، فيما يتعلق ابتداء بالطهارة، فهل يوجب الاغتسال من الوطء أم لا؟ ولو اشتبه عليه، أو غيَّرت الجنية صورتها، وما الحكم لو لمست المرأة رجلًا جنيًا، أو الرجل امرأة جنية، هل ينتقض ضوء الآدمي أم لا؟ وهل يشترط وجود العقد بينهما، وما الذي يترتب من أحكام النكاح، مرورًا بالرضاع من الجنية ومدى تحريمه؟ ووقوع حد الزنا ...\n_________\n(^١) الشُّبلي: محمد بن عبد الله (٧١٢ هـ - ت ٧٦٩ هـ)، فاضل، متفنن، من فقهاء الحنفية، من كتبه: آكام المرجان، وآداب الحمَّام. الزركلي: الأعلام: ٦/ ٢٣٤\n(^٢) الشبلي: آكام المرجان: مكتبة القرآن، مصر، (١١٥)\n(^٣) ابن عليش: منح الجليل شرح مختصر الخليل: دار الفكر، بيروت، ١٤٠٥ هـ ........","vol":"1","page":482},{"text":"ولذا كان الصحيح في المسألة - والله أعلم - عدم جواز ذلك، فقد رُوي عن الحسن، وقتادة، والحكم، وإسحاق كراهة ذلك (^١)، ورُوي من رواية ابن لهيعة، عن يونس، عن الزهري: نهي النبي ﷺ عن نكاح الجن (^٢)، ونقل هذا الحديث السيوطي، ثم قال: \"الحديث وإن كان مرسلًا، فقد اعتضد بأقوال العلماء، فروي المنع عن الحسن البصري، وقتادة، والحكم بن عتيبة، وإسحاق بن راهوية، وعقبة الأصم، وقال الجمال السجستاني من الحنفية، في كتاب منية المفتي عن الفتاوي السراجية: لا يجوز المناكحة بين الإنس، والجن، وإنسان الماء؛ لاختلاف الجنس \" (^٣).\nولذا عّدَّ بعض الفقهاء، أن من أسباب تحريم النكاح: اختلاف الجنس، فلا يجوز للآدمي نكاح جنية والعكس. قاله العماد بن يونس، وأفتى به ابن عبدالسلام، وتبعه شيخ الإسلام زكريا الأنصاري، واعتمده ابن حجر، قال: لأن الله تعالى، امتن علينا بجعل الإزواج من أنفسنا؛ ليتم التآنس بها، وجواز ذلك يفوت الامتنان. (^٤)\nوإن أفتى بعض الناس بحله وجوازه، فليكن هذا القول على أقل تقدير مبنيًا على فقه الإمام مالك - إن صح النقل عنه - (^٥) أنه سُئل، فقيل: إن ها هنا رجلًا من الجن، يخطب إلينا جارية، يزعم أنه يريد الحلال، فقال: ما أرى بذلك بأسًا في الدين، ولكن أكره إذا وجدت امرأة حامل، قيل لها من زوجك، قالت: من الجن؛ فيكثر الفساد في الإسلام بذلك. (^٦)\n_________\n(^١) ابن مفلح: الفروع: مؤسسة الرسالة: ط ١، ١٤٢٤ هـ (٢/ ٤٦٢)\n(^٢) قال الألباني: حديث منكر: انظر: سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة: (١٤/ ١٣٥)\n(^٣) السيوطي: الأشباه والنظائر: دار الكتب العلمية، ط ١، ١٤١١ هـ، (٢٥٧)\n(^٤) البكري: إعانة الطالبين على حل ألفاظ فتح المعين: دار الفكر، ط ١، ١٤١٨ هـ (٣/ ٣٢٨)\n(^٥) قال الشيخ الألباني عن أثر مالك: \" وباطل في نقدي سندًا ومتنًا \"، وتتبع الألباني بعض الآثار التي استدل بها من ذهب إلى الجواز، ونقدها حديثيًا وعلميًا. انظر: سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة: دار المعارف، الرياض، ط ١، ١٤١٢ هـ (١٢/ ٦٠٦)\n(^٦) الشبلي: آكام المرجان: ١٠٦","vol":"1","page":483},{"text":"وإن كان القول الصحيح، ما ذكرنا: أن نكاح الجن ليس بشيء. (^١)\nوبما تم نقله عن الإمام السمعاني، وإبرازه في هذه المطالب، والمسائل، يظهر جليًا موافقته لما عليه السلف في هذه المسائل، وخاصة الأصول منها، التي وقع عليها الإجماع، كإجماع أهل السنة على الإيمان بالجن، وأن لهم ثوابًا، وعليهم عقابًا، وأنهم مأمورون مكلفون، وأنهم يأكلون، ويشربون، ويتناكحون، ولهم ذرية، وأن لهم أحوالا أمكنهم الله بها، يتحولون بها من حال إلى حال، فمرة يتمثل في صورة، ومرة يوسوس، ويجري من ابن آدم مجري الدم. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: سنن سعيد بن منصور: الدار السلفية، الهند، ط ١، ١٤٠٣ هـ، (١/ ٣١١)\n(^٢) ابن القطان: الإقناع: ١/ ٤٨","vol":"1","page":484},{"text":"الفصل الثالث: الإيمان بالكتب\nالمبحث الأول: التعريف بالقرآن، والكتب المنزلة\nالمبحث الثاني: صفات القرآن الكريم\nالمبحث الثالث: إعجاز القرآن الكريم\nالمبحث الرابع: مسائل في القرآن الكريم\nالمطلب الأول: وصف القرآن بأنه محكم ومتشابه\nالمطلب الثاني: القرآن منزل غير مخلوق\nالمطلب الثالث: تفاضل كلام الله تعالى، بعضه على بعض\nالمطلب الرابع: القول بالمجاز في القرآن الكريم","vol":"1","page":485},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-212>الفصل الثالث: الإيمان بالكتب:</span>\nالإيمان بالكتب الإلهية، ركن ركين من أصول الإيمان، لا يصح إيمان عبد، حتى يؤمن بها، \" والإيمان بسائر الكتب واجب؛ لأنه وحي من عند الله تعالى (^١)، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ﴾ [النساء:١٣٦]، يقول السمعاني: \" قوله تعالى: \" وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ \" يعني: القرآن، \" والكتاب الذي أنزل من قبل \" يعني: الكتب المنزلة من قبل القرآن \" (^٢).\n_________\n(^١) القصري: شعب الإيمان: ٣٠٣\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٤٩٠","vol":"1","page":486},{"text":"\" ويجزي من ذلك كله، الإيمان بالقرآن العظيم؛ فإنه قد وجب الإيمان بكل آية منه، وقد ذكر فيه جميع الأنبياء عمومًا وخصوصًا، وما أنزل عليهم، ففي الإيمان به، إيمان بجميع الكتب؛ لأنه مهيمن على جميعها \" (^١)، قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة:٤٨]، فالكتاب هو القرآن الكريم، \" مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ \" يعني: سائر الكتب المنزلة قبله، \" وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ \"، قال ابن عباس: أي: أمينًا عليه، والمعنى أن كل كتاب يصدقه القرآن، ويشهد بصدقه، فهو كتاب الله، ومالا فلا (^٢). وعلى هذا إجماع المسلمين، يقول الإمام ابن تيمية: \" السلف كلهم متفقون على أن القرآن، هو المهيمن المؤتمن الشاهد على ما بين يديه من الكتب \" (^٣).\nولذا كان الإيمان بالكتب، من الأصول المعتبرة في الإيمان، والإيمان بالقرآن الكريم يشمل أمورًا: ١ - الإيمان بأنه كلام الله تعالى.\n٢ - والإيمان بأنه معجز النظم.\n٣ - واعتقاد أن جميع القرآن الذي توفي النبي ﷺ عنه، هو الذي في مصاحف المسلمين، لم يُزد فيه حرف، ولم يُنقص منه حرف.\nوأما الإيمان بالكتب قبله، فيقتضي الإيمان بها، الاعتراف بأنها كانت من عند الله، وكانت في أوقاتها حقًا وصدقًا، واتباعها واجبًا للمتعبدين المخاطبين بها، كما أن الإيمان به يقتضي الإيمان بقبول ماجاء به، واتباعه في عامة ما يأمر به، ويدعو إليه. (^٤)\nوالإمام السمعاني قد قرر جميع هذه المعاني وأثبتها، وبين دلائل الحق فيها، ورد على الشبهات التي تعتريها.\nوقد ظهر اهتمام السمعاني بهذا الركن من عدة جهات:\n١ - التعريف بالقرآن الكريم والكتب السابقة.\n٢ - الإشارة إلى صفات القرآن الكريم.\n٣ - بعض أوجه إعجاز القرآن الكريم.\n٤ - وذكر جملة من المسائل المتعلقة بالقرآن الكريم:\n_________\n(^١) القصري: شعب الإيمان: ٣٠٣\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٤٣\n(^٣) ابن تيمية: مجموع الفتاوى: ١٧/ ٤٣\n(^٤) الحليمي: مختصر كتاب المنهاج: ٦٨ - ٧٠","vol":"1","page":487},{"text":"- في وصف القرآن الكريم بأنه محكم ومتشابه.\n- في أن القرآن الكريم منزل غير مخلوق.\n- تفاضل كلام الله تعالى بعضه على بعض.\n- المجاز في القرآن الكريم.\nوباستقراء كلام السمعاني في هذا الباب، يجد أنه كان حقا سيفا مصلتا على المخالفين، فقد قرر المنهج القرآني الذي يدل على:\n* أن القرآن الكريم كلام الله تعالى منزل غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود.\n*وأنه هو الحاكم والمهيمن على الكتب السابقة.\n* وأنه معجز في بلاغته، ونظمه، ومعناه، معجز في أخباره وأحكامه.\n*وأنه محكم ومتشابه، وأن شأن المغرضين اتباع المتشابه.\nوهو بهذا يرد على المخالفين من جهتين:\n١ - ما يجب اعتقاده في القرآن الكريم، فقد رد على من يقول بأن القرآن مخلوق، بالأدلة والبراهين، وأثبت ما أجمعت عليه الأمة: من أن القرآن منزل غير مخلوق، وأنه من كلام الله تعالى، وأنه كلام الله تعالى صفة من صفاته، والله تعالى وصفاته غير مخلوقة.\n٢ - الإعجاز الذاتي للقرآن الكريم، رادا به على خرافة القول بالصرفة.","vol":"1","page":488},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-213>المبحث الأول: التعريف بالقرآن، والكتب المنزلة:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-214>المطلب الأول: القرآن الكريم:</span>\nأ - في اللغة: يقول السمعاني: وأصل القرآن الجمع، ومنه قول الشاعر:\n(ذراعي عيطل أدماء بكر *** هجان اللون لم تقرأ جنينًا)، وإنما سُمي القرآن قرآنًا، لأنه يجمع السور، والآي، والحروف (^١). ويقول ابن الأثير: \" وكل شيء جمعته فقد قرأته، وسُمي القرآن قرآنًا؛ لأنه جمع القصص، والأمر والنهي، والوعد والوعيد، والآيات والسور بعضها إلى بعض، وهو مصدر، كالغفران، والكفران. وقد يُطلق على الصلاة؛ لأن فيها قراءة، من تسمية الشيء ببعضه، وعلى القراءة نفسها، يُقال: قرأ قراءة وقرآنًا، والاقتراء، افتعال من القراءة، وقد تحذف الهمزة منه تخفيفًا، فيقال: قُرآن، وقريت وقارٍ، ونحو ذلك من التصاريف \" (^٢).\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ١٨٣\n(^٢) ابن الأثير: النهاية في غريب: ٤/ ٣٠","vol":"1","page":489},{"text":"وهذا هو الصحيح، وهو الذي عليه الأكثر، أن لفظ القرآن، مهموز، ومشتق، وذهب الشافعي إلى أن القرآن اسم، وليس بمهموز، ولم يؤخذ من قرأت، ولكنه اسم لكتاب الله، مثل التوراة، والإنجيل، ويُهمز قرأت، ولا يُهمز القرآن، كما تقول: إذا قرأت القرآن. (^١)\nوترك الهمز إنما هو من باب التخفيف. (^٢)\nوقد يأتي القرآن بمعنى القراءة، قال تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ [القيامة:١٧]، يقول السمعاني: \" فالقرآن هاهنا بمعنى القراءة \" (^٣).\nب - في الاصطلاح:\n١ - يقول السمعاني: \" القرآن كلام الله غير مخلوق \" (^٤)، وهو بهذا يُقرر معتقده في القرآن الكريم، وهو المعتقد التسق مع النصوص الشرعية، والموافق لإجماع الأمة. ويقول أبو شامة (^٥): \" القرآن كلام الله، منقول بالتواتر عن رسول الله ﷺ \" (^٦)، ويقول الطحاوي: \" إن القرآن كلام الله، منه بدأ بلا كيفية قولًا، وأنزله على رسوله وحيًا، وصدقه المؤمنون على ذلك حقًا، وأيقنوا أنه كلام الله تعالى بالحقيقة، ليس بمخلوق ككلام البرية \" (^٧).\nوتعريفه الذي يُقرِّب معناه، ويميزه عن غيره: (كلام الله، المنزل على محمد ﷺ المتعبد بتلاوته \" (^٨).\nوقد أشار السمعاني ﵀ إلى بعض أسماء القرآن الكريم، وهذا منه إشارة إلى عِظم هذا القرآن؛ لأن الشيء إذا كثرت أسماؤه دل على فضله وعظمته، ومنها:\n_________\n(^١) ابن منظور: لسان العرب: ١/ ١٢٩\n(^٢) الكفوي: الكليات: ٧٢٠\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٦/ ١٠٦\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٩٠\n(^٥) أبو شامة: عبدالرحمن بن إسماعيل، (٥٩٩ هـ - ت ٦٦٥ هـ)، مؤرخ، محدث، باحث، من كتبه: مفردات القراء. الزركلي: الأعلام: ٢/ ٢٩٩\n(^٦) أبو شامة: إبراز المعاني: من حزر الأماني: دار الكتب العلمية، (٣)\n(^٧) الطحاوي: العقيدة الطحاوية: المكتب الإسلامي، بيروت، ط ٢، ١٤١٤ هـ (٤٠)\n(^٨) القطان: مباحث في علوم القرآن: مكتبة المعارف، ط ٣، ١٤٢١ هـ (١٧)\nالزرقاني: مناهل العرفان: مطبعة عيسى الحلبي، ط ٣، (١/ ٢٠)","vol":"1","page":490},{"text":"١ - المثاني: قال تعالى: ﴿كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾ [الزُّمَر:٢٣]، يقول السمعاني: \" وإنما سُمي القرآن مثاني؛ لاشتماله على علوم مثناه، من الوعد والوعيد، والأمر والنهي، ونحوها \" (^١).\n٢ - الكتاب: قال تعالى: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ [آل عمران:٣]، يقول السمعاني: \"الكتاب القرآن، وسمي كتابًا؛ لأنه يجمع الآي والحروف، وهو من الكتب، وهو الجمع، ومنه: الكتيبة، وهي السرية؛ لاجتماعهم، ومنه يُقال: كتبت البغلة، إذا جمع بين شفريها بحلقة \" (^٢).\n٣ - الفرقان: قال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ [الفرقان:١]، يقول السمعاني: \" أي: القرآن، وسُمي القرآن فرقانًا لمعنيين: أحدهما: لأنه يفرق بين الحق والباطل، والآخر: أن فيه بيان الحلال والحرام \" (^٣).\n٤ - الحديث: قال تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾ [الزُّمَر:٢٣]، يقول السمعاني: \" أي: القرآن، وسماه حديثًا؛ لأنه حديث إنزاله، وقيل: أي: أحسن الكلام \" (^٤).\n٥ - المبين: قال تعالى: ﴿حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢)﴾ [الزُّخرُف:١ - ٢]، يقول السمعاني: \" هو القرآن، وسماه مبينًا؛ لأنه أبان فيه الهدى من الضلالة، والخير من الشر، وأبان فيه جميع ما يُؤتى، وجميع ما يُتقى \" (^٥)، والمبين: البين حلاله وحرامه، وقيل: البين رشده وغيه. (^٦)\n٦ - الروح: قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى:٥٢]، يقول السمعاني: \"الروح هاهنا هو القرآن، سماه روحًا؛ لأنه تحيا به القلوب، وكالروح تحيا به النفوس \". (^٧)\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٣١، ويُقال: \" الآية بعد الآية، والسورة بعد السورة \"، تفسير القرآن: ٤/ ٤٦٦\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٢٩١\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٥\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٦٦\n(^٥) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٩٠\n(^٦) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٦ - ١٢٨\n(^٧) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٨٨ - ١/ ١٠٦","vol":"1","page":491},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-215>المطلب الثاني: التوراة والإنجيل والزبور:</span>\nقال تعالى: إن هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى) الأعلى ١٨ - ١٩، يقول السمعاني: أي: الكتب التي أنزلها الله تعالى على إبراهيم وموسى، وقد أنزل على إبراهيم صحفا، وأنزل على موسى التوراة، فهي المراد بالآية (^١)، فالتوراة بقيت محرفة في أيدي اليهود، وأما صحف إبراهيم فلم يُعرف منها اليوم شيء، كما نقله السيوطي عن أبي بكر الرازي (^٢).\nفهو الكتاب الذي أنزله الله على نبيه موسى ﵇، قال تعالى: ﴿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ﴾ [البقرة:٥٣]، والكتاب: التوراة، واختلف في الفرقان، فقيل: أراد به التوراة أيضًا، إلا أنه ذكرها باسمين. وقيل: أراد به الفرقان بين الحق والباطل، وقيل: أراد به انفراق البحر. (^٣)\nوقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأنبياء:٤٨]، والفرقان: فيه قولان: أحدهما: التوراة، والآخر: البرهان الذي فرق به بين حق موسى وباطل فرعون، وقوله \" وَضِيَاءً \" فيها قراءتان: بالواو، وبغير الواو، فأما بالواو، فهو صفة أخرى للتوراة، إذا حملنا الفرقان على التوراة، وإن حملناه على البرهان، فمعناه: أعطيناه البرهان، وأعطيناه التوراة التي هي ضياء. فأما بغير الواو، فمعنى الفرقان على هذا ليس إلا التوراة، وضياء صفة لها. (^٤)\nوأما أصل التوراة، فيقول السمعاني: \" وأما التوراة أصلها: وورية من الورى، من قولهم: ورى الزند، إذا أضاء، وخرجت ناره، ويُقال: ورى زندي عند فلان، إذا أضاء أمره عند. فسمى وورية؛ لضيائها، وكونها نورًا، وقُلبت الواو تاء، فصارت تورية \". (^٥)\n_________\n(^١) - السمعاني: مرجع سابق: ٦/ ٢١١\n(^٢) - السيوطي: الاتقان: ٣/ ٨٥\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٨٠\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٣٨٥\n(^٥) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٢٩٢","vol":"1","page":492},{"text":"والله تعالى كتب التوراة بيده، كما قال سبحانه: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ﴾ [الأعراف:١٤٥]، وأراد به التوراة، وفي الخبر: \" إن الله تعالى: خلق آدم بيده، وكتب التوراة بيده، وغرس شجرة طوبى بيده\" (^١) (^٢)\nوحُكي عن كعب الأحبار أنه قال: قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [الأنعام:١]، هذه أول آية في التوراة، وآخر آية في التوراة، قوله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾ [الإسراء:١١١]، (^٣)\nوقد وصف الله جل وعز التوراة بأنها إمام ورحمة، قال تعالى: ﴿وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً﴾ [هود:١٧]، يقول السمعاني:\" يعني: كانت إمامًا ورحمة لمن ابتعها، وهي مصدقة للقرآن، شاهدة للنبي ﷺ \" (^٤).\n٣ - الإنجيل:\n\nالإنجيل من النجل، وهل الأصل، فُسمِّي به؛ لأنه كان أصلا من الأصول في العلم (^٥). وهو الكتاب الذي أنزله الله تعالى، على نبيه عيسى ﵇، قال تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ﴾ [مريم:٣٠]، أي: الإنجيل (^٦). وقال تعالى: ﴿وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ﴾ [الحديد:٢٧]، أي: أعطيناه الإنجيل جملة. (^٧)\nوغالب ما في الإنجيل من الأحكام، موافق لما في التوراة، إلا في أشياء معدودة. (^٨)\n٤ - الزبور:\n_________\n(^١) أخرجه الأصبهاني في العظمة: ٣٨٢، ح (١٠٢٩)\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٢١٤\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٨٦\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٤١٩\n(^٥) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٢٩٢، \" وقيل ليس لهما اشتقاق، وهما اسمان بالسريانية \" تفسير القرآن: ١/ ٣٣٠\n(^٦) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٢٩٠\n(^٧) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٣٧٩\n(^٨) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ١٦٣","vol":"1","page":493},{"text":"وهو الكتاب الذي أعطاه الله تعالى لداود ﵇، قال تعالى: ﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ [الإسراء:٥٥]، يقول السمعاني: \" الزبور كتاب يشتمل على مائة وخمسين سورة، كلها تحميد، وتمجيد، وثناء على الله، ليس فيها أمر ولا نهي، ولا حلال ولا حرام \" (^١).\nوقال: \" فالزبور: فعول بمعنى المفعول، وهو الكتاب الذي أنزل الله تعالى على داود، فيه التحميد، والتمجيد، والثناء على الله، والزبور: الكتابة، والزبرة قطعة الحديد، ويقال: ماله زبر، أي: ماله عقل \" (^٢)، ويُقال: أول كلمة في الزبور: رأس الحكمة، خشية الله تعالى. (^٣)\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٢٥٠\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٥٠٢\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٣٥٧","vol":"1","page":494},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-216>المبحث الثاني: صفات القرآن الكريم:</span>\nوصف الله جل وعلا كتابه العزيز، بعدة صفات، بيَّنها السمعاني في تفسره، منها:\n١ - الحكمة: قال تعالى: ﴿وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ [يس:٢]، يقول السمعاني: \" يعني: والقرآن الذي أحكم بالأمر والنهي، والثواب والعقاب \" (^١)، وسُمي القرآن حكيمًا؛ لأنه كالناطق بالحكمة. (^٢)\n٢ - الصراط المستقيم: قال تعالى: ﴿وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [النساء:٦٨]، قيل: هو القرآن. (^٣)\n٣ - شفاء ورحمة: قال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء:٨٢]، يقول السمعاني: \" وأما المراد من الشفاء: هو الشفاء من الجهل بالعلم، ومن الضلالة بالهدى، ومن الشك باليقين. وقيل: المراد من الشفاء، هو الشفاء من المرض بالتبرك به، وقيل: إن معنى الشفاء: هو ظهور دليل الرسالة منه، بالإعجاز، عجيب النظم والتأليف. وقوله: \" وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ \" أي: هو بركة، وبيان، وهدى للمؤمنين \" (^٤).\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٣٦٥\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٣٦٤\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٤٤٥\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٢٧٢","vol":"1","page":495},{"text":"٤ - الهداية: قال تعالى: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [سبأ:٦]، يعني: أن القرآن الذي أنزله الله، يهدي إلى صراط العزيز الحميد، وهو الله تعالى (^١). وقالت الجن: ﴿وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ﴾ [الجن:١٣]، أي: آمنا بالهدى، والهدى هو القرآن؛ لأنه يهدي الناس. (^٢)\n٥ - الكريم: قال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ [الواقعة:٧٧]، أي: كثير الخير والبركة. (^٣)\n٦ - العزيز: قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ﴾ [فُصِّلَت:٤١]، أي: كريم على الله، ويقال: كتاب أعزه الله. (^٤)\n٧ - العَليُّ: قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [الزُّخرُف:٤]، أي: القرآن في اللوح المحفوظ. وقوله: \" لَدَيْنَا \" أي: عندنا، \" لَعَلِيٌّ \": أي: رفيع لا يناله أحد بتبديل ولا تغيير. وقوله \" حَكِيمٌ \" أي: أحكمت آياته، لا يُزاد فيها ولا ينقص. (^٥)\n٨ - المجيد: قال تعالى: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾ [البروج:٢١]، أي: هو المتجمع بخصال الخير (^٦)، وقال تعالى: ﴿وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ [ق:١]، أي: عظيم الكرم، ويقال: الكريم، وقيل: الرفيع، ومعناه: رفع القدر والمنزلة. (^٧)\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٣١٧\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٦/ ٦٨\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٣٥٩\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٥٥\n(^٥) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٩٠ - ٩١\n(^٦) السمعاني: تفسير القرآن: ٦/ ٢٠١\n(^٧) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٢٣٤","vol":"1","page":496},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-217>المبحث الثالث: إعجاز القرآن الكريم:</span>\nلاشك، ولاريب، ولا مرية، أن القرآن الكريم مُعجز، وقد تحدى الله جل وعلا به الكفار، فقال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٣) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾ [البقرة:٢٤]، يقول السمعاني: \" وإنما قال هذا؛ لبيان المعجزة؛ لأن القرآن كان معجزة النبي ﷺ، حيث عجز الكل عن الإتيان بمثله \" (^١).\nوكذب الكفار حيث قالوا بعد سماعهم القرآن: ﴿قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا﴾ [الأنفال:٣١]؛ لأن القرآن مطمع ممتنع، فقد يتوهم صفوهم أنه يقول مثله، ويمتنع عليه ذلك، فيخطئ ظنه، ولربما توهم بجهله، أنه يمكنه الإتيان بمثله، ولكنه كان عاجزًا. (^٢)\nولا زال التحدي قائمًا على الكفار، مرة بعد مرة، أن يأتوا بمثل هذا القرآن، أو بسورة من مثله، قال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [يونس:٣٨]، يقول السمعاني: \" معنى الآية: هو الاحتجاج على الكفار بمعجزة القرآن، فإنهم كانوا يقولون: إن محمدًا قد افتراه، فقال لهم: إن كان افتراه، وأتى به من عند نفسه، فأتوا أنتم بمثله \" (^٣). والمثلية هنا: في البلاغة، والنظم، وصحة المعنى. (^٤)\nقال علي بن عيسى النحوي: البلاغة على ثلاث مراتب: المرتبة العليا: معجزة، والوسطى والأدنى ممكنة، والقرآن في المرتبة العليا من البلاغة. (^٥)\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٥٩\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٢٦١\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٣٨٤\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٣٨٤\n(^٥) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٤١٧","vol":"1","page":497},{"text":"وقال السمعاني مبينا وجه الإعجاز القرآني: وقد بينا وجه الإعجاز في القرآن من حيث النظم، والمعنى، والإخبار عن الغيوب، وغيره (^١)، وحكى قولين في تفسير قوله تعالى: (وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين)، ومما له تعلق بهذا المبحث قال: وقيل: معنى الشفاء: هو ظهور دليل الرسالة منه بالإعجاز، وعجيب النظم والتأليف (^٢)\nوالعجيب أن الله تعالى تحداهم وهم أهل البلاغة، والفصاحة، والبيان، أن يأتوا بمثل سورة من القرآن، في الخبر عن الغيب والأحكام، والوعد والوعيد، فعجزوا، فقال لهم متحديًا، إن عجزتم عن الإتيان بسورة مثل القرآن، في أخباره، وأحكامه، ووعده، ووعيده، فأتوا بعشر سور مثله مفتريات، يعني: مختلقات من غير خبر عن غيب، ولا حكم، ولا وعد، ولا وعيد، وإنما هي مجرد بلاغة، قال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [هود:١٣].\n_________\n(^١) - السمعاني: مرجع سابق: ٤/ ١٨٧\n(^٢) - السمعاني: مرجع سابق: ٣/ ٢٧٢","vol":"1","page":498},{"text":"وقد أفاض العلماء في ذكر أوجه إعجاز القرآن الكريم (^١)، ما بين بلاغته، وبيانه، وأحكامه، وأوامره، ونواهيه، ومواعظه، وزواجره، وعلومه ومعارفه، وحفظه من أيدي العابثين، وتيسير حفظه وفهمه، وما انطوى عليه من الإخبار عن المغيبات الماضية والمستقبلة، وما يحويه من روعة وهيبة تلحق قلوب سامعيه وأسماعهم عند سماعه، ولذا لا يمل سامعه، ولا يفتر قارئه، فتلذ له الأسماع، وتشغف له القلوب، \" لا يأتيه التكذيب من الكتب المتقدمة، ولا يأتيه من بعده كتاب ينسخه ويرفعه \" (^٢). بل كانت الكتب السابقة كلها يصدق بعضها بعضًا، وجاء القرآن مصدقًا لها، قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ﴾ [البقرة:٨٩]، والكتاب هو القرآن، وهو مصدق لما معهم من التوراة والإنجيل (^٣). وقال تعالى: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ [آل عمران:٣]، يعني: القرآن مصدق لما قبله من التوراة والإنجيل. (^٤)\nولذا كان القرآن كله صدق وحق، ولا تناقض فيه ولا تفاوت، وكله بليغ صحيح، ليس فيه مرذول ولا فاسد؛ لأنه ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فُصِّلَت:٤٢]، ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء:٨٢]، قال ابن عباس: ليس في القرآن تناقض ولا تفاوت. (^٥)\n_________\n(^١) انظر: السيوطي: معترك الأقرآن في إعجاز القرآن: دار الكتب العلمية، بيروت، ط ١، ١٤٠٨ هـ\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٥٥\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ١٠٧\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٢٩١\n(^٥) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٤٥٣","vol":"1","page":499},{"text":"وقد رد السمعاني على القائلين بالصرفة، فقال: ولا نقول كما قال بعض المبتدعة: إن نفس القرآن ليس بمعجز، فإن فصاحة بعض الفحول من الشعراء الجاهلية، لا تكون دون فصاحته، وإنما الإعجاز في القرآن هو أن الله ﷿ منع الخلق عن الاتيان بمثله مع قدرتهم عليه، وهذا قول باطل، وزعم كاذب، سمعت والدي ﵀ يقول: إن هذا قول اخترعه الجاحظ، ولم يسبقه إليه أحد (^١).\n_________\n(^١) - السمعاني: قواطع الأدلة: ١/ ٣٠","vol":"1","page":500},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-218>المبحث الرابع: مسائل في القرآن الكريم:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-219>المطلب الأول: وصف القرآن بأنه محكم ومتشابه:</span>\nوصف الله جل وعلا القرآن الكريم في موضع بأنه كله محكم، فقال سبحانه: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾ [هود:١]، وفي موضع آخر بأنه كله متشابه، فقال سبحانه: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾ [الزُّمَر:٢٣]، ووصفه في موضع آخر، بأن منه محكم ومتشابه، فقال سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران:٧]. وفي هذا الموطن يُجيب السمعاني عن ما يرد إلى الذهن، من وقوع هذا الإشكال فيه. ولذا أورد هذا السؤال:\" فإن قال قائل: كيف فرق هاهنا بين المحكمات والمتشابهات، وسمى كل القرآن متشابهًا، وسمى الكل محكمًا؟ \" وأجاب عنه بأن معنى المتشابه في قوله تعالى:\" كِتَابًا مُتَشَابِهًا \" محمول على أنه يشبه بعضه بعضًا في الحق، والصدق، وصحة المعنى. ويقال: متشابهًا: الآية بعد الآية، والسورة بعد السورة. وبكونه محكمًا، كما في قوله تعالى: \" أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ \"، على معنى: أن الكل حق وجد، ليس فيه عبث ولا هزل (^١)، وقيل: أُحكمت فليس فيها اختلاف ولا تناقض، وقيل: أحكمت فهي غير منسوخة، وقيل: أحكمت بالأمر والنهي، والحلال والحرام (^٢).وقال السمعاني في وجه التسمية: وإنما سميت محكمات من الإحكام، كأنه أحكمها، فمنع الخلق من التصرف فيها؛ لظهورها ووضوح معناها (^٣).\nثم أورد السمعاني خلاف المفسرين في معنى كون القرآن بعضه محكمًا، وبعضه متشابهًا، فقيل:\n١ - المحكمات: الثلاث آيات في آخر سورة الأنعام ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ ...﴾ [الأنعام:١٥١]، والمتشابهات: حروف التهجي في أوائل السور، وهو مروي عن ابن عباس ...\n٢ - المحكمات: الحلال والحرام، وما سواه كله من المتشابهات؛ لأنه يشبه بعضه بعضًا في الحق، والتصديق، يصدق بعضه بعضًا، وهو قول عكرمة ومجاهد.\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٢٩٥ - ٤/ ٤٦٦\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٤١١\n(^٣) - السمعاني: مرجع سابق: ١/ ٢٩٤","vol":"1","page":501},{"text":"٣ - المحكمات: الناسخات، والمتشابهات: المنسوخات، وهو قول ابن مسعود وابن عباس والضحاك.\n٤ - المحكمات: ما أوقف الله تعالى الخلق على معناها، والمتشابهات: ما لا يُعقل معناها، ولا يعلمها إلا الله تعالى، وهو قول جابر بن عبدالله الأنصاري.\n٥ - المحكمات: ما لا يشتبه معناه، والمتشابهات: ما يشتبه ويلتبس معناه، وهو قول مجاهد.\n٦ - المحكمات: ما يستقل بنفسه في المعنى، والمتشابهات: ما لا يستقل بنفسه في المعنى، إلا بنوع استدلال، أو رد إلى غيره. (^١)\n٧ - المحكمات: التي لم تتكرر ألفاظها، والمتشابهات: التي تكررت ألفاظها، وهو قول عبدالرحمن بن زيد.\n٨ - المحكمات: التي لا تحتمل من التأويل إلا وجها واحدا، فلا تحتاج إلى نظر وتدبر، والمتشابهات: ما احتمل من التأويل أوجها، واحتاجت إلى تأمل وتفكر في الوقوف على المراد منها.\nورجح السمعاني أن معنى المتشابه: هو ما استأثر الله تعالى بعلمه، ولم يطلع عليه أحدا من خلقه، وكلفهم الإيمان به، والمحكم: مما أطلع العلماء عليه، وأوقفهم على المراد (^٢).\nوبه رجح قراءة الوقف في قوله تعالى: (وما يعلم تأويله إلا الله)، وأنه وقف تام، وأن الواو بعده واو الابتداء والاستئناف، وقال: وعليه إجماع القراء. وقد حكى السمعاني الخلاف في القراءتين الواردتين في الآية، والمحكيتين عن ابن عباس:\nالأولى: قراءة الوقف، والمروية عن طاووس عن ابن عباس، وهي المروية عن أبي بن كعب وعائشة، وهو قول الحسن وأكثر التابعين، وبه قال الكسائي، والفراء، والأخفش، وأبو عبيد، وأبو حاتم، واستدل لصحة هذا القول: بقراءة ابن عباس: (ويقول الراسخون في العلم آمنا به).\nالثانية: قراءة العطف، والمروية عن مجاهد عن ابن عباس، فالواو للنسق، والوقف يكون على قوله تعالى: (والراسخون في العلم)، ويكون المعنى: وأن الراسخين في العلم يعلمون التأويل، وقال ابن عباس: وأنا ممن يعلمون تأويله (^٣).\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٢٩٣ - ٢٩٤\n(^٢) - السمعاني: قواطع الأدلة: ١/ ٢٦٥\n(^٣) - السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٢٩٥","vol":"1","page":502},{"text":"ولعل الأقرب ما ذكره بعض العلماء من التفصيل والجمع بين القولين، كما ذكره ابن كثير وغيره، بناء على معرفة المعنى المراد من التأويل:\nفإن كان المراد من التأويل: حقيقة الشيء وما يؤول إليه أمره، فهنا يكون الوقف على لفظ الجلالة؛ لأن حقائق الأمور وكنهها لا يعلمه على الجلية إلا الله تعالى، ويكون قوله (والراسخون في العلم) مبتدأ، و(يقولون آمنا به) خبره.\nوإن كان المراد من التأويل: التفسير والتعبير عن الشيء، فيكون الوقف على قوله: (والراسخون في العلم)؛ لأنهم يعلمون ويفهمون ما خوطبوا به بهذا الاعتبار، وإن لم يحيطوا علما بحقائق الأشياء على كنه ما هي عليه، فيكون قوله (يقولون آمنا به) حالا منهم (^١).\nوقال ابن أبي العز: وكلتا القراءتين حق؛ ويراد بالأولى المتشابه في نفسه، الذي استأثر الله تعالى بعلم تأويله، ويراد بالثانية المتشابه الإضافي الذي يعرف الراسخون تفسيره، وهو تأويله (^٢).\nوممن حقق القول في المسألة شيخ الإسلام ابن تيمية، فذكر بعض حكاية القولين في الآية، أنه لا تنافي بينهما، فقال: ولا منافاة بين القولين عند التحقيق؛ فإن لفظ التأويل قد صار بتعدد الاصطلاحات مستعملا في ثلاثة معان:\nأحدها: وهو اصطلاح كثير من المتأخرين من المتكلمين في الفقه وأصوله، أن التأويل هو صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح لدليل يقترن به.\nالثاني: أن التأويل بمعنى التفسير، وهذا هو الغالب على اصطلاح مفسري القرآن.\nالثالث: هو الحقيقة التي يؤول إليها الكلام.\nثم قال: إذا عرف ذلك، فتأويل ما أخبر الله به عن نفسه المقدسة الغنية بما لها من حقائق الأسماء والصفات، هو حقيقة نفسه المقدسة المتصفة بما لها من حقائق الصفات، وتأويل ما أخبر الله به من الوعد والوعيد، هو نفس ما يكون من الوعد والوعيد (^٣).\n_________\n(^١) - ابن كثير: تفسير القرآن العظيم: ٢/ ١١\n(^٢) - ابن أبي العز: شرح الطحاوية: ١٨٤\n(^٣) - ابن تيمية: مجموع الفتاوى: ٣/ ٥٥ - ٤/ ٦٨","vol":"1","page":503},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-220>المطلب الثاني: القرآن منزل غير مخلوق:</span>\nوهذه هي العقيدة التي نصرها السمعاني في تفسيره، على مقتضى ظواهر نصوص القرآن، ثم أخذ يرد على المخالفين في هذا الباب.\nوقد اتفق علماء السلف، وأهل الملة، على أن القرآن كلام الله تعالى، منه بدأ، وإليه يعود، منزل غير مخلوق، وقد حكى الاتفاق جماعات من الأئمة:\nـ يقول عمرو بن دينار (^١): أدركت أصحاب النبي ﷺ فمن دونهم، منذ سبعين سنة، يقولون: الله الخالق، وما سواه مخلوق، والقرآن كلام الله، منه خرج، وإليه يعود. (^٢)\nـ ويقول سفيان بن عيينة (^٣): أدركت مشايخنا منذ سبعين سنة، منهم عمرو بن دينار، يقولون: القرآن كلام الله، وليس بمخلوق. (^٤)\nـ ويقول ابن حجر: \" وسبق ابن عيينة إلى ذلك، محمد بن كعب القرظي، وتبعه الإمام أحمد بن حنبل، وعبدالسلام بن عاصم، وطائفة. أخرج كل ذلك ابن أبي حاتم عنهم \" (^٥).\nـ ويقول الأشعري: \" وأجمعوا على أن أمره ﷿، وقوله غير محدث، ولا مخلوق، وقد دلَّ الله تعالى على صحة ذلك بقوله: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف:٥٤]، ففرق بين خلقه وأمره \" (^٦).\nـ ويقول ابن تيمية: \" واتفق سلف الأمة وأئمتها، على أن القرآن كلام الله، منزل غير مخلوق، منه بدأ، وإليه يعود \" (^٧).\nـ ويقول الجرجاني في كتابه: اعتقاد أئمة الحديث: \" ويقولون: كلام الله غير مخلوق \" (^٨).\n_________\n(^١) عمرو بن دينار، الإمام الحافظ، شيخ الحرم، كان من أفقه أهل زمانه، توفي سنة ١٢٦ هـ.\nابن العماد: شذرات الذهب: ١/ ١٧١\n(^٢) البخاري: خلق أفعال العباد: دار المعارف، الرياض، (٢٩)\n(^٣) سفيان بن عيينة الهلالي، (١٠٧ - ت ١٩٨ هـ) محدث الحرم المكي، حافظ، ثقة، واسع العلم، كبير القدر، له كتاب التفسير. الزركلي: الأعلام: ٣/ ١٠٤\n(^٤) البخاري: خلق أفعال العباد: ٢٩\n(^٥) ابن حجر: فتح الباري: ١٣/ ٥٣٣\n(^٦) الأشعري: رسالة إلى أهل الثغر: ١٢٥\n(^٧) ابن تيمية: شرح الأصبهانية: ٢٠، مجموع الفتاوى: ١٣/ ٨٣\n(^٨) الجرجاني: اعتقاد أئمة الحديث، دار العاصمة، الرياض، ط ١، ١٤١٢ هـ، (٥٧)","vol":"1","page":504},{"text":"وعلى هذا جرى قول المسلمين، وحصلت لأجله مناظرات، وتبعه ابتلاءات، لأئمة المسلمين؛ لإرغامهم على خلاف ما كان عليه السلف.\nوقد فارق أئمة المسلمين وسلفهم الجهمية والمعتزلة، القائلين بخلق القرآن، وحين انتشر فسادهم، وغلب في بعض الأزمان قولهم، تصدى لهم أئمة الإسلام، فردوا عليهم، وبينوا عوار قولهم، وفساد معتقدهم، فألفوا المؤلفات، وصنفوا المصنفات، في الرد على الجهمية والمعتزلة على جهة العموم، والخصوص في هذه المسألة.\nوأما معتقد إمامنا السمعاني في هذه المسألة، فقد أبانه وأوضحه، ثم رد على الجهمية والمعتزلة المخالفين لمنهج السلف وإجماعهم.\nويُشار في هذا المقام، إلى أن بعض المعتزلة، قد يطلق على القرآن: أنه غير مخلوق، ومرادهم أنه غير مختلق مفترى مكذوب، بل هو حق وصدق، ولا ريب في أن هذا المعنى منتفٍ باتفاق المسلمين. (^١)\nومذهب السمعاني جاريًا على وفق كلام السلف، فيقول:\nـ \" مذهب أهل السنة، أنه سمع كلام الله حقيقة، بلا كيف \" (^٢).\nـ \" قوله تعالى: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ [الزُّمَر:٢٨]، روى الوالبي عن ابن عباس، أنه قال: \" غَيْرَ ذِي عِوَجٍ \" أي: غير مخلوق، وحكى سفيان بن عيينة عن سبعين من التابعين: أن القرآن ليس بخالق ولا مخلوق، وهذا اللفظ أيضًا منقول عن علي بن الحسين زين العابدين\" (^٣).\nوبعد أن بيَّن السمعاني مذهب أهل السنة، وحكى عليه الإجماع، كما قال: \" والقرآن كلام الله غير مخلوق، وعليه إجماع أهل السنة، وزعموا أن من قال: إنه مخلوق فهو كافر؛ لأن فيه نفي كلام الله تعالى \" (^٤)، وذكر قول المعتزلة، وتعلقهم الباطل، ببعض الدلائل القرآنية، فقال:\n_________\n(^١) ابن أبي العز: شرح الطحاوية: ٥٦\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٣ - ٥\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٤٦٨\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٩٠","vol":"1","page":505},{"text":"ـ \" قوله تعالى: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ [الأنبياء:٢]، استدل المعتزلة بهذا على أن القرآن مخلوق، وقالوا: كل محدث مخلوق. والجواب عنه: أن معنى قوله \" مُحْدَثٍ \" أي: مُحدث تنزيله، ذكره الأزهري وغيره، ويُقال: أنزل في زمان بعد زمان، قال الحسن البصري: كلما جدد لهم ذكر، استمروا على جهلهم، وذكر النقاش في تفسيره: إن الذكر المحدث ها هنا: ما ذكره النبي صلى الله عليه سلم، وبينه من السنن والمواعظ، الدلائل سوى القرآن، وأضافه إلى الرب؛ لأنه قاله بأمر الرب تعالى \" (^١).\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٣٦٨","vol":"1","page":506},{"text":"ـ وقال: \" قوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الزُّخرُف:٣]، واستدل بهذا من زعم أن القرآن مخلوق، وذكر أن الجعل بمعنى الخلق، بدليل قوله تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا﴾ [طه:٥٣]، أي: خلق لكم، وعندنا أن هذا التعلق باطل، والقرآن كلام الله غير مخلوق. وقد ورد الجعل في القرآن، لا بمعنى الخلق، قال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا﴾ [الزُّخرُف:١٩]، ومعناه: أنهم وصفوهم بالأنوثة، وليس المعنى أنهم خلقوهم \" (^١). ولذا كان هذا القول من شرِّ الأقوال، يقول وكيع:\" لا تستخفوا بقولهم: القرآن مخلوق، فإنه من شر أقوالهم، وإنما يذهبون إلى التعطيل \" (^٢)، يقول البخاري: \" ولقد اختصم يهودي ومسلم إلى بعض معطليهم، فقضى باليمين على المسلم، فقال اليهودي: \" حلِّفه بالخالق لا بالمخلوق، فإن هذا في القرآن، وزعمت أن القرآن مخلوق، فحلَّفه بالخالق، فبهت الآخر، وقال: قوما حتى انظر في أمركما، وخسر هنالك المبطلون \" (^٣). ومن الأدلة التي ذكرها البخاري، على أن كلام الله تعالى غير مخلوق، قال: \" باب ما كان النبي ﷺ يستعيذ بكلمات الله، لا بكلام غيره، وقال نُعيم: لا يُستعاذ بالمخلوق، ولا بكلام العباد، والجن، والإنس، والملائكة، وفي هذا دليل أن كلام الله غير مخلوق، وأن سواه مخلوق \" (^٤).\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٩٠\n(^٢) البخاري: خلق أفعال العباد: ٣٧\n(^٣) البخاري: خلق أفعال العباد: ٤٤\n(^٤) البخاري: خلق أفعال العباد: ٩٦","vol":"1","page":507},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-221>المطلب الثالث: تفاضل كلام الله تعالى، بعضه على بعض:</span>\nالتفاضل في كلام الله تعالى، \" هو القول المأثور عن السلف، وهو الذي عليه أئمة الفقهاء من الطوائف الأربعة وغيرهم \" (^١)، ودلائله في القرآن الكريم أكثر من أن تُحصى.\nولما كان المعتزلة يقولون بخلق القرآن، لم يمتنع عندهم أن يتفاضل؛ إذ المخلوقات لا يُنكر تفاضلها. وممن ذهب إلى هذا القول جماعة من العلماء، فقال به: إسحاق بن راهويه، وابن العربي، وابن الحصَّار، والقرطبي، وابن عقيل، وأبو يعلى، والحليمي، والبيهقي، والنووي، وابن تيمية، والزركشي. (^٢).\nواحتجوا بالنصوص الواردة في القرآن والسنة، الدالة على التفاضل:\nـ قال تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة:١٠٦]، فالآيات تتماثل تارة، وتتفاضل تارة.\nـ وقال النبي ﷺ: \" يا أبا المنذر أتدري أي آية في كتاب الله معكم أعظم؟ قال: قلت: الله ورسوله أعلم، قال: يا أبا المنذر أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم؟ قال: قلت: \" اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ \"، قال: فضرب على صدري، وقال: ليهنك العلم أبا المنذر \". (^٣)\nفي حين ذهب الأشاعرة، وبعض العلماء من أئمة السنة، إلى أن القرآن لا يتفاضل. قالوا: لأن القول بالتفاضل، يُشعر بنقص المفضول، والقرآن كله كلام الله تعالى.\nويرى الإمام ابن تيمية، أن نشأة القول بإنكار التفاضل، إنما اشتهر بعد المائتين، لما أظهرت الجهمية القول بأن القرآن مخلوق (^٤). يقول الآمدي عن الآية: \" وليس المراد منه أنه يأتي بخير من الآية في نفسها، إذ القرآن كله خير لا تفاضل فيه، وإنما المراد به: ما هو خير بالنسبة إلينا، وذلك هو الأخف والأسهل في الأحكام \" (^٥).\n_________\n(^١) ابن تيمية: مجموع الفتاوى: ١٧/ ١٣\n(^٢) انظر: القرطبي: الجامع لأحكام القرآن: ١/ ١١٠، ابن كثير: تفسير القرآن العظيم: ١/ ١٠٥، ابن تيمية: مجموع الفتاوى: ١٧/ ١٣، المرداوي: التحبير شرح التحرير، مكتبة الرشد، الرياض، ط ١، ١٤٢١ هـ (٦/ ٣٠٢٥)، الزركشي: البرهان في علوم القرآن: ١/ ٤٣٩\n(^٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب صلاة المسافرين، باب فضل سورة الكهف وآية الكرسي ح (٨١٠)\n(^٤) ابن تيمية: مجموع الفتاوى: ١٧/ ٥٢\n(^٥) الآمدي: الإحكام في أصول الأحكام: المكتب الإسلامي، بيروت: ٣/ ١٣٩","vol":"1","page":508},{"text":"والراجح - والعلم عند الله تعالى - هو القول الأول، المأثور عن السلف، إلا أن الزركشي حكى خلافًا عند القائلين بالتفضيل، هل هذا التفضيل عائد إلى ذات اللفظ، وما يحويه من المعاني العجيبة، أو هو عائد إلى مضاعفة الثواب، وعظم الأجر؟ قولان:\nورجح الأول، وذلك: أن ما أخبر الله تعالى به عن نفسه، أعظم مما أخبر به عن خلقه، وما أمر فيه بالإيمان ونهي فيه عن الشرك، أعظم مما أمر فيه بكتابة الدين، ونهى فيه الربا. (^١)\nوأما الإمام السمعاني، فهو مع القول بالتفاضل، ولكنه أشار إلى أن وجه التفاضل، قد يظهر من جهة الإعجاز، أو من جهة الثواب، أو من جهة النفع والسهولة. قال:\" فإن قيل: إيش معنى: \" نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا \" وآيات القرآن سواء، لا فضل لبعضها على بعض. وإن أراد به الخير والسهولة، فقد نسخ الأسهل بالأشق، مثل الصوم كان على التخيير بينه وبين الفدية، فنسخه بصوم رمضان على الحتم، فما معنى الخيرية؟ قلنا: قد قيل: تقديره: نأت منها بخير، أي نرفع آية، ونأتي بآية، والصحيح: أنه أراد بالخير الأفضل، يعني: في النفع والسهولة، ومعناه \" نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا \" أي: أنفع وأسهل، \" أَوْ مِثْلِهَا \" في النفع والسهولة.\nوأن نسخ الأسهل بالأشق، فمعنى الخير فيه بالثواب، فإن ثواب الأشق أكثر ... \" (^٢).\nومما يدل على القول بالتفاضل على المعنى السابق عند السمعاني:\n١ - ما ذكره في كتابه القواطع؛ حيث قال: \" أن قوله: \" نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا \" يقتضي أن الذي يأتي به، خير من الآية المنسوخة على الإطلاق \" (^٣)، وفَسَّر الخيرية بما أشرنا إليه.\n_________\n(^١) غانم الغانم: ترجيحات الزركشي في علوم القرآن: دار كنوز إشبيليا، الرياض، ط ١،١٤٣٠ هـ (٣٢٨)\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ١٢٤\n(^٣) السمعاني: قواطع الأدلة في الأصول: دار الكتب العلمية، بيروت، ط ١، ١٤١٨ هـ، (١/ ٤٥٣)","vol":"1","page":509},{"text":"٢ - في تفسيره للآية الكريمة: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ [الحِجر:٨٧]، ذكر خلاف المفسرين في معنى السبع المثاني، ثم قال: \" وأما قوله \" وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ \" المراد منه: سائر القرآن سوى الفاتحة، وفي هذا شرف عظيم للفاتحة؛ لأنه خصها بالذكر والامتنان عليه بها، ثم ذكر سائر القرآن \" (^١)، ويُؤيد هذا مانقله الإمام ابن تيمية عنه من كتابه الاصطلام، في تقرير هذه المسألة، فيقول السمعاني كما نقله عنه ابن تيمية: \" وأما قولهم: إن سائر الأحكام المتعلقة بالقرآن لا تختص بالفاتحة، قلت: سائر الأحكام قد تعلقت بالقرآن على العموم، وهذا على الخصوص، بدليل أن عندنا قراءة الفاتحة على التعيين، مشروعة على الوجوب، وعندكم على السنة. وقال: وقد قال أصحابنا: إن قراءة الفاتحة لما وجبت في الصلاة وجب أن تتعين الفاتحة؛ لأن القرآن امتاز عن غيره بالإعجاز، وأقل ما يحصل به الإعجاز سورة، وهذه السورة أشرف السور؛ لأنها السبع المثاني ... \" (^٢).\n٣ - استدلاله بحديث النبي ﷺ في فضل آية الكرسي، أن النبي ﷺ قال لأبي بن كعب: أي آية أعظم في كتاب الله أعظم، فقال: (اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ)، فقال ﵊: ليهنك العلم أبا المنذر \" (^٣).\n٤ - وقوله في تفسير الآية الكريمة: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ [يوسف:٣]،: \"سماها أحسن القصص لزيادة التشريف \" (^٤).\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ١٥٠\n(^٢) ابن تيمية: مجموع الفتاوى: ١٧/ ١٣\n(^٣) سبق تخريجه\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٦","vol":"1","page":510},{"text":"ومع ترجيح السمعاني لتفاضل القرآن في سوره وآياته، وحمله على أحد أوجه الخيرية، المشار إليها، من الثواب، أو السهولة، أو الإعجاز، إلا أن الإمام ابن تيمية قال لما حكى مثل هذا الكلام عن القاضي أبي يعلى: \" قلت: بقي القول الثالث، وهو الحق، وهو التفاضل الحقيقي، كما نطقت به النصوص الصحيحة الصريحة \" (^١)، ولذا قال: \" فلا يجوز أن يراد بالخير من جهة كونه أخف عملًا، أو أشق وأكثر ثوابًا؛ لأن هذين الوصفين ثابتان لكل ما أمر الله به مبتدأ وناسخًا ... \" (^٢).\nإذن: \" الصواب الذي عليه جمهور السلف والأئمة، أن بعض كلام الله أفضل من بعض، كما دَلَّ على ذلك الشرع والعقل \" (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-222>المطلب الرابع: القول بالمجاز في القرآن الكريم:</span>\nالمجاز نوع من البلاغة والبيان الراقي، ومع ذلك جرى خُلف في وقوعه من عدمه، في اللغة والقرآن والحديث، وقد حكى السمعاني إنكار وجوده في اللغة عن قوم، ورد عليهم، ثم نقل عن الجمهور القول بالمجاز في القرآن، وحكى خلاف أهل الظاهر ومن تبعهم في ذلك، وذكر حججهم، ورد عليهم.\nوبذا يظهر رأي السمعاني جليا في القول بالمجاز في اللغة والقرآن والحديث، ويدلل عليه بقوله: إن القرآن أنزل بلسان العرب، وفي إنزال الله تعالى القرآن بلسان العرب، يقتضي حسن خطابه إيانا فيه بلغتها، ما لم يكن فيه تنفير، والتنفير يكون بالكلام السخيف الذي ينسب قائله إلى المجون والغي، وليس هذا سبيل المجاز؛ لأن أكثر الفصاحة إنما يظهر بالمجاز والاستعارة (^٤).\nوعلى القول بالمجاز في القرآن، هل يُشكل على الآيات الواردة في الصفات؟\nبمعنى أن يتعدى بحقيقة الكلام إلى مجازه، فيكون متأولا لنصوص الصفات على سياج المجاز.\n_________\n(^١) آل تيمية: المسودة في أصول الفقه: دار الكتاب العربي: (٢٠١)\n(^٢) ابن تيمية: مجموع الفتاوى: ١٧/ ٤٨\n(^٣) ابن تيمية: درء تعارض العقل والنقل: ٧/ ٢٧٢\n(^٤) - السمعاني: قواطع الأدلة: ١/ ٢٦٨","vol":"1","page":511},{"text":"لا يلزم من القول بالمجاز في القرآن، أن يتعدى به إلى آيات الصفات؛ فآيات الصفات باقية على حقيقتها؛ لأن الأصل في الكلام الحقيقة حتى يرد دليل إرادة المجاز، ولهذا يقول السمعاني: وإذا ثبت جواز المجاز في القرآن والسنة، فلكل مجاز حقيقة، وليس لكل حقيقة مجازا؛ لأن الحقيقة أصل المجاز، فافتقر المجاز إلى الحقيقة، ولم تفتقر الحقيقة إلى المجاز (^١).\nومما يدل على إبقاء السمعاني نصوص الصفات على حقائقها ما يلي:\n١ - تعامله مع ظواهر هذه النصوص دون تأويل، وشاهده: ما ورد في كلامه عند تفسير قوله تعالى: (وجاء ربك والملك صفا صفا) قال: (وجاء ربك) هو من المتشابه الذي يؤمن به ولا يُفسر، وقد أول بعضهم: وجاء أمر ربك، والصحيح ما ذكرنا (^٢).\n٢ - أنه حين أورد دليل القائلين بإنكار المجاز في القرآن، قال: وأما قولهم: إنه لو جاز ذلك، لجاز أن يُسمى الرب ﷿ متجوزا أو مستعيرا، قلنا: عندنا لا يجوز أن يُسمى الرب تعالى، أو يوصف بوصف إلا الذي ورد به القرآن والسنة (^٣).\n٣ - استخدامه للمجاز في نفي معنى فاسد؛ كما في قوله تعالى: (إن الذين يُؤذون الله ورسوله) قال: وأصح القولين أن قوله: (يؤذون الله) على طريق المجاز، وأما على الحقيقة فلا يلحقه أذى من قبل أحد (^٤).\n٤ - عدم قبوله للمجاز في بعض التأويلات؛ كمن قال بالمجاز في قوله تعالى: (أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم)، فقال: قال بعض أهل العلم ظهور الآية منها كلام ونطق على وجه المجاز، لا أنها تتكلم، والأصح أنها تتكلم (^٥)، ومثله في قوله تعالى: (قالتا أتينا طائعين)، قال: منهم من قال: هذا كله على طريق المجاز، وليس على طريق الحقيقة، وقال بعضهم: إن القول والإجابة على طريق الحقيقة، وهذا هو الأولى (^٦).\nوبنظرة سريعة في تفسير السمعاني، يجد الناظر تعامل السمعاني الواسع لهذا الفن من البلاغة في تفسيره، ومن ذلك:\n_________\n(^١) - السمعاني: مرجع سابق: ١/ ٢٦٩\n(^٢) - السمعاني: تفسير القرآن: ٦/ ٢٢٢\n(^٣) - السمعاني: قواطع الأدلة: ١/ ٢٦٨\n(^٤) - السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٣٠٦\n(^٥) - السمعاني: مرجع سابق: ٤/ ١١٥\n(^٦) - السمعاني: مرجع سابق: ٥/ ٤٠","vol":"1","page":512},{"text":"- قوله تعالى: (قال إني جاعلك للناس إماما)، قال السمعاني: يعني في الخير، وقد يكون الإمام في الشر على طريق المجاز (^١).\n- وقوله تعالى: (أم على قلوب أقفالها)، قال السمعاني: بل على قلوب أقفالها، وهو على طريق المجاز (^٢).\n- وقوله تعالى: (وجعلنا الليل لباسا)، قال السمعاني: أي سترا لكم، وهو مذكور على طريق المجاز (^٣)، وغيرها كثير.\nالفصل الرابع: الإيمان بالرسل\nالمبحث الأول: تعريف الرسول والنبي والفرق بينهما\nالمطلب الأول: تعريف النبي والرسول\nالمطلب الثاني: الفرق بين النبي والرسول\nالمبحث الثاني: أسماء الأنبياء الواردة في القرآن الكريم ... وإثبات نبوتهم\nالمبحث الثالث: خصائص الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام\nالمطلب الأول: الخصائص والصفات المشتركة\nالمطلب الثاني: الوحي\nالمطلب الثالث: العصمة\nالمطلب الرابع: المعجزات\nالمطلب الخامس: الإيمان بالنبي محمد ﷺ\n\nالفصل الرابع: الإيمان بالرسل ﵈:\n\nالإيمان بالرسل ﵇، ركن من أركان الإيمان، لا يصح إيمان عبد، حتى يُؤمن بهم، ولذا فإن الله تعالى، \" قد حتم على نفسه، ألا يقبل الإيمان إلا به، إلا مقرونًا بالإيمان برسله، ومن لم يفعل ذلك فهو كافر، لقوله تعالى:\" ﴿وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾ [النساء:١٥١ - ١٥٢] \" (^٤).\n_________\n(^١) - السمعاني: مرجع سابق: ١/ ١٣٥\n(^٢) - السمعاني: مرجع سابق: ٥/ ١٨١\n(^٣) - السمعاني: مرجع سابق: ٦/ ١٣٦\n(^٤) القصري: شعب الإيمان: ٢٩٧","vol":"1","page":513},{"text":"الفصل الرابع: الإيمان بالرسل\nالمبحث الأول: تعريف الرسول والنبي والفرق بينهما\nالمطلب الأول: تعريف النبي والرسول\nالمطلب الثاني: الفرق بين النبي والرسول\nالمبحث الثاني: أسماء الأنبياء الواردة في القرآن الكريم ... وإثبات نبوتهم\nالمبحث الثالث: خصائص الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام\nالمطلب الأول: الخصائص والصفات المشتركة\nالمطلب الثاني: الوحي\nالمطلب الثالث: العصمة\nالمطلب الرابع: المعجزات\nالمطلب الخامس: الإيمان بالنبي محمد ﷺ","vol":"1","page":514},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-223>الفصل الرابع: الإيمان بالرسل ﵈:</span>\nالإيمان بالرسل ﵇، ركن من أركان الإيمان، لا يصح إيمان عبد، حتى يُؤمن بهم، ولذا فإن الله تعالى، \" قد حتم على نفسه، ألا يقبل الإيمان إلا به، إلا مقرونًا بالإيمان برسله، ومن لم يفعل ذلك فهو كافر، لقوله تعالى:\" ﴿وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾ [النساء:١٥١ - ١٥٢] \" (^١).\n\nوالعجب كل العجب، لمن يزعم أنه لا فائدة في بعث الأنبياء؛ لأن العقل يُغني عنهم، ويهدي إلى الأفعال المنجية في الآخرة. أو من يرى أن حقيقة النبوة يرجع إلى المصلحة والحكمة، وأن المقصود من تعبداتها ضبط عوام الخلق، وتقييدهم عن التقاتل والتنازع، والاسترسال في الشهوات، حتى قال بعضهم: فما أنا من العوام الجُهال، حتى أدخل في حجر التكليف، وإنما أنا من الحكماء، اتبع الحكمة، وأنا بصير بها، مستغنٍ فيها عن التقليد. (^٢)\nوهؤلاء جهلوا أن \" الرسالة ضرورية للعباد، لا بد لهم منها، وحاجتهم إليها فوق حاجتهم إلى كل شيء. والرسالة روح العالم، ونوره، وحياته، فأي صلاح للعالم إذا عُدم الروح، والحياة، والنور؟ والدنيا ملعونة، إلا ما طلعت عليه شمس الرسالة \" (^٣). فلا بد من الأنبياء، ولا غنى عنهم بوجه ولا حال، بل حاجة الناس إلى الأنبياء، كحاجة الأعمى إلى الأولاد، فكما لا يمشي الأعمي إلى بدليل، فكذلك العقل أعمى في أمور الآخرة، لا يهتدي إليها إلا بدليل (^٤). حتى إن بعض العلماء قال: إن الكلام في النبوات مقدم على الكلام في الملائكة؛ لأنه لا طريق لنا إلى معرفة وجود الملائكة بالعقل، بل بالسمع، فكان الكلام في النبوات أصلًا للكلام في الملائكة (^٥). وهذا وإن قيل به، إلا أنه ترتيب واعتبار ذهني، لكن المراعى في ترتيب الآية القرآنية هو الترتيب الخارجي؛ لأن الملك يوجد أولًا، ثم يحصل بواسطة تبليغه نزول الكتب، ثم يصل ذلك الكتاب إلى الرسول. (^٦)\nفالإيمان بالرسل أصل معتبر في الإيمان، ويدخل تحته، الإيمان بنبوتهم، وصحة شرائعهم (^٧)، والله جل وعلا قد شرح أحوال بعضهم، وأبهم أحوال الباقين، قال سبحانه: ﴿مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ [غافر:٧٨].\n_________\n(^١) القصري: شعب الإيمان: ٢٩٧\n(^٢) ابن تيمية: شرح الأصفهانية: ١١٧\n(^٣) ابن تيمية: مجموع الفتاوى: ٩/ ٩٣\n(^٤) القصري: شعب الإيمان: ٢٩٧\n(^٥) الرازي: مفاتيح الغيب: ٢/ ٣٨٤\n(^٦) الرازي: مفاتيح الغيب: ٥/ ٢١٥\n(^٧) الرازي: مفاتيح الغيب: ٥/ ٢١٥","vol":"1","page":515},{"text":"والإيمان واجب بكل الأنبياء، قال الضحاك: \" علموا أولادكم أسماء الأنبياء المذكورين في القرآن، كي يؤمنوا بهم، ولا تظنوا أن الإيمان بمحمد يكفي عن الإيمان بسائر الأنبياء \" (^١).\nوقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾ [الرعد:٢١]، يقول السمعاني: \" يعني: يؤمنون بجميع الأنبياء \" (^٢). والنبوة محض فضل من الله تعالى، على من يشاء من عباده، قال سبحانه: ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [البقرة:٩٠]، والفضل هو النبوة على الأنبياء. (^٣)\nويقول تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة:١٠٥]، يقول السمعاني: \" قال ابن عباس وأكثر المفسرين: الرحمة بمعنى النبوة هاهنا \" (^٤). أما الفلاسفة فيرون أن النبوة مكتسبة، فصار كثير منهم يطلب أن يصير نبيًا؛ لأن النبي عندهم تكون له كمال القوة العلمية، وكمال قوة السمع والبصر، وكمال قوة النفس، بحيث يعلم، ويسمع، ويبصر، ما يقصر غيره عنه، ويفعل في العالم بهمته، ما يعجز عنه غيره. (^٥)\nوقد انصب اهتمام السمعاني في بيان هذا الركن على عدة جهات:\n١ - تعريف النبوة والرسلة، والفرق بينهما.\n٢ - معرفة أسماء الأنبياء الواردة في القرآن الكريم.\n٣ - بيان خصائص الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وأشار إلى عدة مسائل:\n(الوحي، والعصمة، والمعجزات).\n٤ - خَصَّ نبينا محمد ﷺ بمزيد عناية وبيان، فأشار إلى:\n(أسمائه ونسبه، وبعض خصائصه، وحكم تنقصه وأذيته؟).\n\nوالمتتبع لكلام السمعاني يجد التحقيق والتدقيق في المسائل، والسير على المنهج القرآني، وكلامه يُعد تأصيلا للمنهج الصحيح، وردا على المناهج والآراء المخالفة، سواء من أنكر النبوات مطلقا، أو أعمل عقله الفاسد في هذا الباب، وسيظهر في ثنايا هذ المبحث شيء من هذا.\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ١٤٤\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٨٩\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ١٠٨\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ١٢٠\n(^٥) ابن تيمية: شرح الأصفهانية: ١٠٦","vol":"1","page":516},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-224>المبحث الأول: تعريف النبي والرسول، والفرق بينهما:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-225>المطلب الأول: تعريف النبي والرسول:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-226>المسألة الأولى: تعريف النبي:</span>\nأ - في اللغة:\nيقول السمعاني: \" وأصله الإنباء، فمن همز كان على الأصل، ومن لينه فلكثرة الاستعمال. وقيل: هو مأخوذ من النَبْوَة، وهي المكان المرتفع، فعلى هذا يكون التليين على الأصل \" (^١).\nقال ابن الأنباري: \" النبي معناه في كلام العرب: الرفيع الشأن، أُخذ من النباوة، والنباوة: ما ارتفع من الأرض. ويجوز أن يكون النبي سُمي نبيًا؛ لبيان أمره، ووضوح خبره، أخذ من النبي، وهو عندهم الطريق. ويجوز أن يكون النبي سُمي نبيًا؛ لأنه يُنبئ عن الله ﷿، أي يخبر عنه، أُخذ من النبأ، وهو الخبر \" (^٢).\nب - في الاصطلاح:\nيقول السمعاني: \" النبي: هو العالي في الرتبة، بإرسال الله إياه، وإقامة الدليل على صدقه\" (^٣). ويقول الكفوي: \" وأما مسماه في العرف: فهو حر، ذكر، من بني آدم، سليم من منفر، معصوم ولو من صغيرة سهوًا قبل النبوة، وعن كل رذيلة، أكمل معاصريه غير الرسل، اصطفاه الله من بين عباده، وخصه منه بمشيئته موهبة منه ورحمة، وأوحى إليه بشرع، سواء أمره بتبليغه أم لا \" (^٤).\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٨٧\n(^٢) ابن الأنباري: الزاهر: ٢/ ١١٢\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٢٩٤\n(^٤) الكفوي: الكليات: ٩٠٠","vol":"1","page":517},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-227>المسألة الثانية: تعريف الرسول:</span>\nأ - في اللغة: يُقال الرسول، وجمعه رُسُل وأرسل. والرسالة: ما حمله الرسول، والجمع رسائل. (^١)\nوقال ابن الأنباري: \" الرسول معناه في اللغة: الذي يتابع أخبار الذي بعثه، أُخذ من قول العرب: قد جاءت الإبل رَسَلًا، إذا جاءت متتابعة. والرسول يُقال في تثنيته: رسولان، وفي جمعه رسل، ومن العرب من يوحده في موضع الثنية والجمع \" (^٢).\nوسُمي الرسول رسولًا؛ لأنه ذو رسول، أي: ذو رسالة (^٣). وقال الراغب: \" أصل الرِّسْل: الانبعاث على التؤدة، ويقال: ناقة رِسْلَة: سهلة السير، وإبل مراسيل: منبعثة انبعاثًا سهلًا، ومنه الرسول المنبعث ... وجمع الرسول رسل، ورسل الله تارة يراد بها الملائكة، وتارة يراد بها الأنبياء \" (^٤).\nب - في الاصطلاح: هو الذي ينبئه الله، ثم يأمره بأن يبلغ رسالته، من خالف أمره. (^٥)\nوفي التعريفات: \" الرسول: إنسان بعثه الله إلى الخلق؛ لتبليغ الأحكام \" (^٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-228>المطلب الثاني: الفرق بين النبي والرسول:</span>\nذكر السمعاني خِلافًا عند المفسرين، في لفظ النبي والرسول، هل بينهما فرق أم لا؟\nفقال: \" فقال بعضهم: هما سواء، وفرق بعضهم بينهما، فقال: \" الرسول: هو الذي يأتيه جبريل ﵇ بالوحي، والنبي: هو الذي يأتيه الوحي في المنام، أو يلهم إلهامًا. ومنهم من قال: الرسول هو الذي له شريعة يحفظها، والنبي هو الذي بُعث على شريعة غيره فيحفظها، وقد قالوا: كل رسول نبي، وليس كل نبي برسول \" (^٧).\n_________\n(^١) ابن دريد: جمهرة اللغة: دار العلم، بيروت، ط ١، ١٩٨٧ م، (٢/ ٧٢٠)\n(^٢) ابن الأنباري: الزاهر: ١/ ٣٤\n(^٣) الأزهري: تهذيب اللغة: ١٢/ ٢٧٢\n(^٤) الراغب: المفردات في غريب القرآن: ٣٥٣\n(^٥) ابن تيمية: النبوات: ٢/ ٧١٤\n(^٦) الجرجاني: التعريفات: ١١٠\n(^٧) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٤٤٧","vol":"1","page":518},{"text":"والسمعاني بهذا يشير إلى الأقوال التي قيلت في هذه المسألة، وقد نُسِبَ القول الأول إلى المعتزلة، فقد صَرَّح القاضي عبدالجبار بأنه لا فرق بين الرسول والنبي من جهة الاصطلاح (^١)، وقال الرازي: \" وقالت المعتزلة: كل رسول نبي، وكل نبي رسول، ولا فرق بينهما \" (^٢)، وقد خالف الزمخشري جمهور المعتزلة في هذا، وقال بالتفريق بينهما (^٣). والأشاعرة يوافقون أهل السنة في التفرقة بين الرسول والنبي، ثم ذكروا في الفرق بينهما أقوالًا، ذكرها الرازي في تفسيره، وذكر شارح الطحاوية أن أحسن ما قيل في الفرق بينهما، \" أن من نبأه الله بخبر السماء، إن أمره أن يبلغ غيره فهو نبي رسول، وإن لم يأمره أن يبلغ غيره، فهو نبي وليس برسول \" (^٤)، واعتراض الشيخ الأمين الشنقيطي على هذا التفسير (^٥)، بدلالة قول تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ [الحج:٥٢]؛ لأنه يدل على أن كلا منهما مرسل. وقد أجاب بعض العلماء عن الاستدلال بهذه الآية، في اعتراضهم على الفرق السابق، فقال: \" أصحاب التعريف السابق لا يمنعون إرسال النبي، ولكن هل النبي بعد الإرسال، ظل نبيًا أم ارتقى وأصبح رسولًا؟ فإن قال بعد الإرسال ما زال نبيًا، فهذا محل نظر، ولهذا فلا ينهض استدلاله لنقد رأي الجمهور \" (^٦).\n_________\n(^١) عبدالجبار: شرح الأصول الخمسة: مكتبة وهبة، ١٣٨٤ هـ، (٥٦٧)\n(^٢) الرازي: مفاتيح الغيب: ٢٣/ ٢٣٦\n(^٣) الزمخشري: الكشاف: ٣/ ١٦٤\n(^٤) ابن أبي العز: شرح الطحاوية: ١٦٧\n(^٥) الشنقيطي: أضواء البيان: ٥/ ٢٩٠\n(^٦) أحمد عبداللطيف: نبوة النساء: مكتبة العلوم والحكم، مكة، ط ١، ١٤٣٦ هـ (٢١)","vol":"1","page":519},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-229>المبحث الثاني: أسماء الأنبياء الواردة في القرآن، وإثبات نبوتهم:</span>\nتتبع السمعاني أسماء الأنبياء ﵈ الواردة في القرآن، وبيَّن معانيها، وبعض خصائصها، وليس المقصود مجرد السرد، بل لما يترتب عليه من وجوب الإيمان بمن علمنا أسماءهم على وجه الخصوص، والإيمان بالجملة لمن لم ترد أسماءهم، مع وجوب الوقوف عند الوارد، دون الخوض عما وراء ذلك. وليس المقصود كذلك بسط قصص الأنبياء وبيان أحوالهم، فهذا له مقام آخر، لكن المقصود إثبات نبوءاتهم في القرآن الكريم، ومنهم:\n١ - محمد وأحمد: ويأتي بيانها في مبحث خاص.\n٢ - آدم: ورد اسمه في القرآن الكريم في أكثر من موضع، قال تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة:٣١]:\nـ وإنما سُمي آدم؛ لأنه خُلق من أديم الأرض. (^١)\nـ وقد اصطفاه الله جل وعز، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ﴾ [آل عمران:٣٣]، والاصطفاء: الاختيار، والصفوة الخيرة، ولِمَ اختار آدم؟ اختلفوا: فمنهم من قال: اختاره للدين، ومنهم من قال: اختاره للنبوة. فإن قال قائل: إلى من كان مبعوثًا؟ قيل: للملائكة، حتى علمهم الأسماء، وإلى أولاده. (^٢)\nـ واتفق المفسرون أنه هو المراد بقوله تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة:٣٠]، وذكر السمعاني خلاف العلماء في سبب تسميته خليفة، ثم رجح القول الثالث، فقال: \"وقيل: إنما سُمي خليفة؛ لأنه خليفة الله في الأرض؛ لإقامة أحكامه، وتنفيذ قضاياه. وهذا هو الأصح \" (^٣).\nوذكر السمعاني بعضًا من الدلالات القرآنية التي تدل على نبوته، منها:\nأ - قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ [الحج:٧٥]، يقول السمعاني: \" وأما من الناس فهم: آدم، ونوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد، وغيرهم، صلوات الله عليهم \" (^٤).\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٦٥\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٣١١\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٦٤\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٤٥٦","vol":"1","page":520},{"text":"ب - وقال ابن عباس: في قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (١٠٥)﴾ [الشعراء:١٠٥]: نوح أول رسول أرسل الله تعالى. قال السمعاني: \"وهذا محمول على أنه أول رسول أرسله الله تعالى بعد آدم \". (^١)\n٣ - نوح بن لمك بن متوشلخ بن أخنوخ: قيل سُمي نوحًا؛ لكثرة نوحه على نفسه، وقيل: كان اسمه عبدالغفار. (^٢)\nوهو صاحب شريعة، روي عن ابن عباس قال: بعث الله نوحًا وهو ابن أربعين سنة، ومكث بعد خروجه من السفينة ستين سنة، وتوفاه الله تعالى، وهو ابن ألف وخمسين سنة، وفي رواية: أن عمر نوح كان ألف وأربعمائة وخمسين سنة، وبُعث وهو ابن مائتين وخمسين سنة (^٣)، وقيل: إنه بعث وهو ابن ثلثمائة وخمسين سنة. (^٤)\nومما استدل به السمعاني على نبوة نوح ﵇، والدلائل كثيرة متظافرة، قول تعالى: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ﴾ [هود:٢٨]، يقول السمعاني: \" الرحمة ها هنا هي النبوة والهدى \" (^٥).\n٤ - إدريس: قيل: هو أبو جد نوح، يُسمى إدريس، لكثرة درسه الكتب. وقال محمد بن إسحاق: هو أول من خط بالقلم، وأول من لبس الثياب، وكان من قبله يلبسون الجلود، وأول من اتخذ السلاح، وقاتل الكفار. (^٦)\nـ وهل إلياس الوارد ذكره في القرآن، هو إدريس؟. ذكر السمعاني قولين للعلماء:\nأحدهما: أنه إدريس، ونسبه لابن مسعود، ورجح الآخر: وهو أنه رجل آخر. (^٧)\nقال تعالى: ﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات:١٢٣]، قال السمعاني: \"إن إلياس كان من ولد هارون، وبعثه الله إلى بني إسرائيل، وياقل بعثه الله إلى بعلبك، وهي بلدة، وكان أهلها يعبدون صنمًا يُسمى بعلًا \". (^٨)\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٥٧\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٢١٧\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ١٧١\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٦/ ٥٣\n(^٥) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٤٢٤\n(^٦) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٣٠٠\n(^٧) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ١٢٢ - ٤/ ٤١٢\n(^٨) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٤١١","vol":"1","page":521},{"text":"ـ واختلف في إدريس هو حي أو ميت؟ وذكر السمعاني قولين في المسألة:\nأحدهما: أنه حي، والآخر: أنه ميت، ثم قال: وهذا قول معروف. (^١)\n٥ - إبراهيم وآله: قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران:٣٣]، يقول السمعاني: \" وآل إبراهيم: هم إسماعيل، وإسحاق، ويعقوب. وآل عمران: موسى وهارون، وآل عمران من آل إبراهيم، وقيل: أراد به عيسى؛ لأنه ابن مريم بنت عمران\" (^٢).\nـ وقد أمر الله تعالى باتباع ملة إبراهيم، فقال تعالى: ﴿وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النساء:١٢٥]، يقول السمعاني: \" وإنما خصَّ إبراهيم؛ لأنه كان مقبول الأمم أجمع \" (^٣).\nوالله جل وعز قد اصطفى آل إبراهيم، وآتاهم النبوة، قال تعالى: ﴿فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [النساء:٥٤]، يقول السمعاني: \" أراد بآل إبراهيم: داود، وسليمان، والكتاب: هو الكتاب الذي أنزل عليهم، وأما الحكمة، قيل: هي النبوة، وقيل: هي السنة \" (^٤).\nـ وقد أثنى الله تعالى على نبيه إبراهيم ﵇، ووصفه بعدة صفات:\n١ - بأنه أمة: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٠) شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٢١) وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٢٢)﴾ [النحل:١٢٠ - ١٢٢]،\nوهذه مجموعة صفات امتاز بها خليل الرحمن (إبراهيم ﵇):\nـ كان أمة: وهو المعلم للخير، وهو الذي يقتدى به ويُؤتم.\nـ قانتًا: أي: مطيعًا لله، وقيل: قائمًا بأوامره، وقيل: دائمًا على العبادة.\nـ حنيفًا: أي: مخلصًا، وقيل: مستقيمًا على الدين.\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٣٠٠\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٣١١\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٤٨٤\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٤٣٧","vol":"1","page":522},{"text":"ـ ولم يك من المشركين: أي: ممن يعبد الأصنام، وقيل: كان يرى العطاء والمنع من الله.\nوحسنة الدنيا، قيل: هي النبوة، وقيل: لسان الصدق، وقيل التنويه لذكره لطاعة ربه، وقيل: قبول كل أهل الملل له، وقيل: ضيافته، ودعاء الناس له إلى يوم القيامة. (^١)\n٢ - صديق: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (٤١)﴾ [مريم:٤١]، الصديق: كثير الصدق، القائم عليه. (^٢)\n٣ - أعطاه الله أجره في الدنيا: ﴿وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا﴾ [العنكبوت:٢٧]، يقول السمعاني: \" أي الثناء الحسن، وقال قتادة: هو قبول كل أهل الأديان له، ورضاهم به، وقال السدي: هو الولد الصالح، وقيل: هو أنه أُرِي مكانه في الجنة، وقيل: إنه جعل الأنبياء من أولاده\" (^٣). ولذلك يُقال: إن الله تعالى لم يبعث نبيًا بعد إبراهيم، إلا من نسله. (^٤)\nأ - إسحاق: قال تعالى: ﴿وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ﴾ [يوسف:٦]، يعني: كما جعلهما نبيين من قبل، كذلك يجعلك نبيًا. (^٥) وقال تعالى: ﴿وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا﴾ [مريم:٤٩]، أي: أعطيناه أولادًا كرامًا بررة، عِوَض الذين كان يدعوهم إلى عبادة الله فلم يجيبوا. (^٦)\nوقد ذكر السمعاني خلاف المفسرين في الذبيح. من هو؟ إسحاق أم إسماعيل؟\nفذهب قوم إلى أنه إسحاق ﵇، وهو قول علي، وابن مسعود، وكعب، وقتادة، وجماعة. وذهب جماعة إلى أنه إسماعيل ﵇، وهو مروي عن ابن عباس، وسعيد بن المسيب، الحسن، وغيرهم.\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٢٠٨ - ٢٠٩\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٢٩٤\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ١٧٧\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ١٧٧\n(^٥) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٨\n(^٦) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٢٩٧","vol":"1","page":523},{"text":"وذكر السمعاني أن قوله تعالى، بعد سرد قصة الذبيح: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الصافات:١١٢]، هي مستدل من قال بأن الذبيح هو إسماعيل؛ لأنه ذكر قصة الذبيح بتمامها، ثم قال: \" وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ \"، فدل على أنه كان غير إسحاق.\nوأما من قال إنه إسحاق، فقالوا: إن البشارة هنا وقعت بالنبوة لإسحاق، والبشارة الأولى، بولادته، وإعطائه إياه. (^١)\nوهذه المسألة كما أشار السمعاني، أنها محل نزاع قديم، حتى أٌلفت فيها المؤلفات، ومع ذلك لم يرد فيها نص صريح صحيح، يُقطع به النزاع، ولذا جرى الخلاف عن اجتهاد، وحسن نية، وقد يكون عند بعضهم عن عصبية، وسوء طوية. وهذه المسألة ليست من الأحكام، ولا من أصول الدين، وإنما هي من محاسن الشريعة، وتوابعها، ومتمماتها، لا أمهاتها، كما أشار إليه ابن العربي (^٢). فالمسألة اجتهادية، \" لا يترتب على الجهل بها خطر على العقيدة، ولا أثر لها في حياة الناس، فأي ابني إبراهيم كان الذبيح، كان فيه وفي أبيه العبرة، وبهما تكون القدوة في الصبر على البلاء، وإيثار طاعة الله. ولا يشين ذلك من لم يكن الذبيح، ولا ينقص قدره، كما أنه لم ينقص قدر كثير من الأنبياء والمرسلين، أنهم لم يحصل لهم مثل ذلك، فالمزية بعينها تدل على الفضيلة، لكنها لا تدل على الأفضلية \" (^٣).\nوقد ذهب بعض العلماء إلى التوقف في هذه المسألة، قال الزجاج: \" الله أعلم أيهما كان الذبيح \" (^٤)، ورجح الشوكاني هذا القول في تفسيره، وقال:\" الوقف هو الذي لا ينبغي مجاوزته، وفيه السلامة من الترجيح بلا مرجح، ومن الاستدلال بما هو محتمل \" (^٥).\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٤١٠، وكان السمعاني يميل لهذا القول؛ لأنه ذكر أن من خصائص إسحاق في معرض آخر: أنه صبر حين ابتلي بالذبح. والله أعلم.\nتفسير القرآن:٤/ ٤٤٧ - ٣/ ٨\n(^٢) ابن العربي: أحكام القرآن: ٤/ ٣٠\n(^٣) الدويش: فتاوى اللجنة الدائمة: ٤/ ٢٩١\n(^٤) الزجاج: معاني القرآن: ٤/ ٣١١\n(^٥) الشوكاني: فتح القدير: ٤/ ٤٦٨","vol":"1","page":524},{"text":"ومع احتمال المسألة، وتباين الأراء فيها، إلا أن الأقرب - والله أعلم - أن الذبيح هو إسماعيل؛ لاعتبارات كثيرة أشار إليها العلماء، حتى قال ابن القيم: \" القول بأنه إسحاق، فباطل بأكثر من عشرين وجهًا، وسمعت شيخ الإسلام يقول: هذا القول إنما هو متلقى عن أهل الكتاب \" (^١)، وقال ابن كثير: \" وقد ذهب جماعة من أهل العلم، إلى أن الذبيح هو إسحاق، وحُكي ذلك عن طائفة من السلف، حتى نقل عن بعض الصحابة أيضًا، وليس ذلك في كتاب ولا سنة، وما أظن ذلك تلقى إلا عن أخبار أهل الكتاب، وأخذ ذلك مسلمًا من غير حجة، وهذا كتاب الله شاهد ومرشد إلى أنه إسماعيل \" (^٢).\nب - إسماعيل: أصلة اسمع إيل، وذلك أن إبراهيم - صلوات الله عليه - كان يدعو الله أن يرزقه ولدا، ويقول: اسمع إيل، فلما رزقه الله الولد سماه إسماعيل. (^٣)\nوقد أثنى الله عليه، فقال: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا﴾ [مريم:٥٤]، يقول السمعاني: \" الأكثرون أن هذا، إسماعيل بن إبراهيم، وقال بعضهم: هو إسماعيل بن حزقيل، نبي آخر، فإن إسماعيل بن إبراهيم توفي قبل إبراهيم. والصحيح: هو القول الأول، وقد كان بُعث إلى جرهم وهي قبيلة، وأما وفاته قبل إبراهيم لاتعرف\". (^٤)\n_________\n(^١) ابن القيم: زاد المعاد: ١/ ٧١ - إغاثة اللهفان: ٢/ ٣٥٥\n(^٢) ابن كثير: تفسير القرآن العظيم: ٧/ ٢٧\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ١٣٨\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٢٩٨","vol":"1","page":525},{"text":"ج - يعقوب: وله في القرآن اسمان: يعقوب، وإسرائيل، ومعنى إسرائيل عبدالله (^١)، وقد رجح السمعاني أن أبناء يعقوب كلهم أنبياء، قال: \" فإن أولاد يعقوب كلهم كانوا أنبياء\" (^٢)، وقد ذكر القرطبي الخلاف فيهم، فقال: \" أن إخوة يوسف ما كانوا أنبياء لا أولًا ولا آخرًا؛ لأن الأنبياء لا يدبرون في قتل مسلم، بل كانوا مسلمين، فارتكبوا معصية ثم تابوا، وقيل: كانوا أنبياء، ولا يستحيل في العقل زلة نبي، فكانت هذه زلة منهم، وهذا يرده، أن الأنبياء معصومون من الكبائر، وقيل: ما كانوا في ذلك الوقت أنبياء ثم نبأهم الله، وهذا أشبه، والله أعلم \" (^٣).\n٦ - داود بن إيشا: جمع الله تعالى له بين الملك والحكمة، قال تعالى: ﴿وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [البقرة:٢٥١]، يقول السمعاني: \" جمع لداود بين الملك والحكمة، يعني: النبوة، قيل بعده بسبع سنين، ولم يكن من قبل مجتمعًا، بل كان الملك في سبط، والنبوة في سبط \" (^٤)، وقد أعطاه الله علمًا، فقال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا﴾ [النمل:١٥]، أي: علم القضاء، وعلم منطق الطير، ومنطق الدواب (^٥)، واختصه الله تعالى بالفضل، فقال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا﴾ [سبأ:١٠]، قيل: هو النبوة، وقيل: الملك، وقيل: القضاء بالعدل، وقيل: حسن الصوت، وقيل: تليين الحديد له، وجميع ما أعطي وخص به. (^٦)\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٧٠\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٨\n(^٣) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن: ٩/ ١٣٣\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٢٥٤\n(^٥) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٨١\n(^٦) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٣١٩","vol":"1","page":526},{"text":"٧ - سليمان: وقد ورث سليمان من والده داود، الملك والنبوة، كما قال تعالى: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ﴾ [النمل:١٦]، قال السمعاني: \" المراد منه: إرث الملك والنبوة \" (^١)، وقد آتاهم الله جل وعلا ملكًا عظيمًا، قيل: هو تحليل الزوجات، وقيل: هو ملك سليمان، وقيل: المراد به، تأييدهم بالجنود من الملائكة (^٢). واختلف في مدة ملك سليمان: فروي أن الملك وصل إليه، وهو ابن ثلاث عشرة سنة، ومات وهو ابن ثلاث وخمسين سنة، وفي بعض الروايات، عن أبي جعفر بن محمد بن علي: أنه ملك سبعمائة سنة، قال السمعاني: \" وهذه رواية غريبة \" (^٣).\n٨ - يوسف: قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ [غافر:٣٤]، وهو يوسف بن يعقوب نبي الله، وذلك: أن الله بعث إليهم يوسف رسولًا، فدعاهم إلى الله تعالى، ومكث فيهم عشرين سنة بعد وفاة يعقوب ﵇ (^٤). وقال السمعاني في موطن آخر: \" وتوفي وهو ابن مائة وعشرين سنة، فدفنوه في نيل مصر \" (^٥).\n٩ - موسى: اسم عبري، و(مو) باللغة العبرية هو الماء، و(شي) هو الشجر، فسمي (موشي)؛ لأنه أُخذ من الماء والشجر، ثم قلب الشين سينًا في العربية، فصار موسى (^٦). وهو نبي بني إسرائيل، قال تعالى عنه: ﴿فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء:٢١]، أي: النبوة والعلم. (^٧)\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٨١\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٤٣٧\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ١٠٣\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ١٩\n(^٥) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٦٩\n(^٦) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٧٩ - ٤/ ١٢٣\n(^٧) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٤١","vol":"1","page":527},{"text":"١٠ - يحيى: قال تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى﴾ [الأنبياء:٩٠]، قيل: سمي يحيى؛ لأن رحمها حيَّ بالولد (^١). وقد سمَّاه الله يحيى قبل أن يولد (^٢)، ﴿أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى﴾ [آل عمران:٣٩]، ولذا قال تعالى: ﴿إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا﴾ [مريم:٧]، يعني: من تسمى باسمه، فإن قيل: فأي فضيلة له في هذا؟ قلنا: فضيلة التخصيص، وقيل فضيلة تسمية الله إياه بهذا الاسم (^٣). والله جل وعلا آتاه الحكم صبيًا، كما قال: ﴿يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ [مريم:١٢]، يقول السمعاني: \" أي النبوة، وهو قول أكثر المفسرين \" (^٤).\n١١ - شعيب: بُعث إلى أهل مدين، وأهل الأيكة، فأما أهل مدين أهلكوا بالصيحة، وأما أهل الأيكة فأهلكوا بعذاب الظلة (^٥)، وقد رزقه الله رزقًا حسنًا، فقيل: كان كثير المال، وقيل: الرزق الحسن هنا النبوة. (^٦)\n١٢ - صالح: بعثه الله إلى أهل ثمود، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الحِجر:٨٠]، يقول السمعاني: \" الْمُرْسَلِينَ \" المراد به، صالح ﵇ (^٧)، وقال تعالى: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً﴾ [هود:٦٣]، والرحمة هاهنا: بمعنى النبوة. (^٨)\nوقيل: إن قوم صالح لما أهلكهم الله تعالى، جاء صالح مكة، وتوفي بها، وكذلك هود ﵇. (^٩)\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٤٠٥، وقيل: مأخوذ من قوله (ياحي): ٣/ ٢٨١\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٣١٥\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٢٧٩\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٢٨٢\n(^٥) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ١٤٨\n(^٦) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٤٥٢\n(^٧) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ١٤٨\n(^٨) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٤٣٩\n(^٩) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ١٠٦","vol":"1","page":528},{"text":"١٣ - هود: أرسله الله إلى عاد، قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ﴾ [الأحقاف:٢١]، وهو هود ﵇، وكان أخاهم في النسب لا في الدين (^١). وهم عاد الأولى، وثمود هم عاد الأخرى (^٢)، وقيل: إن عادًا الأولى عاد إرم، وعاد الثانية، المعروفة الذين أرسل إليهم هود ﵇. (^٣)\n١٤ - لوط: أرسله الله إلى المؤتفكات، سميت مؤتفكات؛ لأن الله تعالى قلبها بهم (^٤). ولوط هو ابن أخي إبراهيم ﵉ (^٥). قال تعالى: ﴿وَإِنَّ لُوطًا لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات:١٣٣]، أي: من جملة المرسلين، وهم الأنبياء (^٦). واختلف المفسرون: هل آمن معه أحد؟!\nفقيل: لم يكن آمن به أحد إلا ابنتاه، قال ابن عباس: إنه ما من نبي إلا ويكون معه أمة يوم القيامة، سوى لوط ﵇، فإنه يأتي وحده. وقيل: إنه كان آمن به بضع عشرة نفسًا. (^٧)\n١٥ - يونس: قال تعالى: ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات:١٣٩]، أي: من جملة رسل الله. (^٨)\nوهل كان نبيًا قبل حادثة الحوت أو بعدها؟ قيل: كانت نبوته بعد أن أخرجه الله تعالى من بطن الحوت، قال السمعاني: \" والأصح: أنه كان نبيًا من قبل، وقد دَلَّ على هذا قوله تعالى ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٩) إِذْ أَبَقَ﴾ [الصافات:١٣٩ - ١٤٠]، وأما البلد الذي أرسل إليه فهو نينوى من بلاد الموصل\". (^٩)\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ١٥٨\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٣٠٣\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٦/ ٢١٩\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٣٢٦\n(^٥) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٣٩٢\n(^٦) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٤١٢\n(^٧) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٤٢٨ - ٥/ ٢٣٧ - ٢٥٩\n(^٨) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٤١٣\n(^٩) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٤١٧","vol":"1","page":529},{"text":"١٦ - هارون أخو موسى: قال تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا﴾ [مريم:٥٣]، قيل: إنما سمى نبوة هارون لموسى؛ لأن موسى كان قال: ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (٢٩) هَارُونَ أَخِي (٣٠)﴾ [طه:٢٩ - ٣٠]، (^١) وقيل: كان هارون أكبر من موسى بأربع سنين، فكان أفصح منه لسانًا، وأجمل منه وجهًا، وأوسم وأبيض، وكان موسى آدم، أقنى، جعدًا. (^٢)\n١٧ - عيسى: يقول السمعاني: \" وأما عيسى له اسمان: عيسى، والمسيح \" (^٣)، وعيسى كلمة الله، ومعنى كونه كلمة الله:\nـ أن يكون بكلمة من الله، حيث قال له: كن فكان، من غير سبب ولا علة، وصنع بشر، وإلقاء نطفة.\nـ وقيل: أنه كلمة الله بمعنى أنه يُهتدى به، كما يهتدى بكلام الله.\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٢٩٨\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٣٢٨\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ١٤١","vol":"1","page":530},{"text":"ـ وقيل: أن الله تعالى كان قد أخبر الأنبياء، ووعدهم في كتبه، أنه يخلق نبيًا بلا أب، ووعد مريم أنه يولد لها ولد بلا أب، فلما تَكوَّن عيسى، سماه كلمة؛ لأنه حصل بتلك الكلمة وذلك الوعد (^١). وقال الله حل وعز: ﴿يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [آل عمران:٤٥]، قال ابن عباس: إنما سُمي مسيحًا؛ لأنه ما مسح ذا عاهة إلا برئ. وقال الحسن وقتادة: سُمي مسيحًا؛ لأنه مسح بالبركة، وقيل: المسيح الصديق، وقيل: سمي مسيحًا؛ لأنه كان يمسح وجه الأرض، ويسيح فيها، وقيل: إنما سُمي مسيحًا؛ لأنه ممسوح القدم لأخمص قدميه (^٢). ويقول السمعاني: \" وسُمي عيسى روحًا؛ لأنه حصل بتكوين الله، من غير توليد والد\" (^٣)، وذهب السمعاني إلى أن عيسى من ذرية آدم، وإن كان انتماؤه إلى الأم؛ لأنه عده من ذرية نوح، فيكون آدم أباه من قبل الأم، وشاهده قول تعالى: \" وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ \" ثم قال تعالى: ﴿وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الأنعام:٨٥]. (^٤)\nفعيسى نبي، وليس بعده إلا نبينا محمد عليهما الصلاة والسلام، قال تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ﴾ [الزُّخرُف:٥٩]، أي: بالنبوة والآيات. (^٥)\nواختلف المفسرون هل عيسى حي أو ميت؟!. اختلف المفسرون في هذا بناء على قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران:٥٥]، فذكر السمعاني فيها أقوالًا:\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٣١٥، وذكر السمعاني خلاف العلماء في لقمان، هل كان نبيًا أم لا؟ قال: والأكثر أنه لم يك نبيًا. تفسير القرآن: ٤/ ٢٢٩\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٣١٩\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ١٠٦\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ١٢٢\n(^٥) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ١١٢","vol":"1","page":531},{"text":"أولًا: أنه حي، ومعنى الآية، كما قال الحسن البصري: \" يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ \" أي: قابضك من الأرض، قال السمعاني: وهو صحيح عند أهل اللغة، فيقال: توفيت حقي من فلان، أي قبضت. ففي الآية تقديم وتأخير، وتقديره: إني رافعك إليَّ ومتوفيك، أي بعد النزول من السماء، وهذا محكي عن ابن عباس، وعليه تدل النصوص الصحيحة، في نزوله آخر الزمان، وقتله الدجال، وأنه يعيش بعد ذلك سبع سنين، ويتزوج، ويولد له، ثم يموت، ويصلي عليه المؤمنون من هذه الأمة.\nثانيًا: أن الآية على حقيقة الموت، وأن عيسى قد مات، ثم أحياه الله تعالى، ورفعه إلى السماء، قال وهب بن منبه: أماته الله ثلاث ساعات من النهار، ثم أحياه، ورفعه إليه، وهذا قول آخر لابن عباس.\nثالثًا: أن المراد بالتوفي: النوم، وكان عيسى قد نام، فرفعه الله نائمًا إلى السماء.\nورجح السمعاني القول الأول، واستدل بقوله ﵊: \" رأيت المسيح بن مريم يطوف بالبيت \" (^١)، قال: فدل على أن الصحيح: أنه في الأحياء. (^٢)\nوختامًا: أشار السمعاني إلى قول أهل العلم: أن أربعة من الأنبياء أحياء، اثنان في السماء، واثنان في الأرض، أما اللذان في السماء: فإدريس وعيسى، وأما اللذان في الأرض: فالخضر وإلياس. (^٣)\nوذكرنا أن الصحيح: في عيسى أنه حي في السماء، وأما إدريس، فقد ذكر السمعاني الخلاف فيه سابقًا، والراجح أنه ميت ليس بحي.\nوأما إلياس والخضر، فقد ذكر السمعاني في ذلك قصة، تدل على بقائهما أحياء. (^٤)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحه، باب الجعد، ح (٥٩٠٢)\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٣٢٤\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٣٠٠، وهو منسوب لكعب الأحبار، انظر: ابن كثير: البداية والنهاية: ١/ ٣٩٤\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٤١٢","vol":"1","page":532},{"text":"والذي عليه المحققون من أهل العلم موتهما، يقول ابن كثير بعد أن أورد الحديث في أنهما يجتمعان في كل عام في رمضان ببيت المقدس، وأنهما يحجان كل سنة، ويجتعان بعرفات قال: \" وبيَّنا أنه لم يصح شيء من ذلك، وأن الذي يقوم عليه الدليل: أن الخضر مات وكذلك إلياس ﵉ \" (^١).\n_________\n(^١) ابن كثير: البداية والنهاية: ١/ ٣٩٤","vol":"1","page":533},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-230>المبحث الثالث: خصائص الأنبياء عليهم الصلاة والسلام:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-231>المطلب الأول: الخصائص والصفات المشتركة بينهم:</span>\nمما تمايز به الأنبياء والمرسلون، واختصوا به عن غيرهم من البشر، ما منحهم الله تعالى إياه من كمال الخُلق والخَلْق، وجمال الروح والريح، وما امتازوا به من العزم والحزم في تبليغ دعوة الله جل وعلا. لذلك اشتركوا في خصائص وميزات نجملها في الآتي:\n١ - أن دينهم واحد، ومصدر دعوتهم، ومنطلق رسالتهم واحدة، وهي الدعوة إلى توحيد الله تعالى، قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٩٢]، أي: ملتكم ودينكم ملة واحدة، ومعنى الآية: أن الملة التي دعوتكم إليها، هي ملة الأنبياء قبلكم، إذ دين الكل واحد، وهذا في التوحيد، وأما في الشرائع فيجوز اختلافها. (^١)\nفالأنبياء دعوتهم تعبيد الناس لرب الناس، والقيام بحقوقه، قال تعالى في قصة نوح في دعوته لقومه: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ﴾ [نوح:٣]، يقول السمعاني: \" وهذا هو الذي بعث الله لأجله الرسل، فإن الله تعالى ما بعث رسولًا، إلا ليعبدوه، ويتقوه، ويطيعوا رسوله \" (^٢).\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٤٠٦\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٦/ ٥٣","vol":"1","page":534},{"text":"ولذا كان من كذب رسولًا واحدًا، فقد كذب بجميع الرسل، قال تعالى: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ﴾ [الفرقان:٣٧]، يقول السمعاني: \" الرُّسُلَ \" أي الرسول، جمع بمعنى الواحد، ويُقال: من كذب رسولًا واحدًا، فقد كذب جميع الرسل، فلهذا قال: \" كَذَّبُوا الرُّسُلَ \" (^١)، ومثله قوله تعال: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (١٠٥)﴾ [الشعراء:١٠٥]، فإنما ذكر المرسلين؛ لأن من كذب رسولًا، فقد كذب جميع الرسل. (^٢)\n٢ - أنهم لا يأخذون جُعلًا على دعوتهم، قال تعالى: ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء:١٠٩]، يقول السمعاني: \" قال أهل العلم: ولا يجوز للنبي أن يأخذ جُعلًا على النبوة؛ لأنه يُؤدي إلى تنفير الناس عن قبول الإيمان، ويجوز أن يأخذ الهدية؛ لأنه لا يُؤدي إلى التنفير \" (^٣). ثبت أن النبي ﷺ قبل الهدية، فلِمَ لم يقبلها سليمان، حين أرسلت بها ملكة سبأ؟ قال أهل العلم: وقد كان الأنبياء لا يقبلون هدايا المشركين، ولذا رُوي أن ملكة سبأ قالت: إن كان ملكًا، فأرضيه بالمال، وإن كان نبيًا فلا يرضى بالمال. (^٤)\n٣ - أنهم كلهم أولو عزم وحزم، وعقل ورأي، قال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف:٣٥]، وقد نقل السمعاني خلاف المفسرين في المراد بأولي العزم على أقوال:\nأ - أنهم أربعة: نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى ﵈. قال: وعليه أكثر المفسرين.\nب - أنهم من صبر: فنوح صبر على أذى قومه، وإبراهيم صبر على النار، وإسحاق صبر على الذبح، ويعقوب صبر على فقد الولد، ويوسف صبر على السجن، وأيوب صبر على الضر. ونقله عن مقاتل.\nج - وقيل: أولو العزم ثلاثة: نوح، وهود، وإبراهيم.\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٢٠\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٥٧\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٥٨\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٩٦ - ٩٨","vol":"1","page":535},{"text":"د - وقيل: كل الأنبياء من أولي العزم، وعليه: فـ (من) في الآية ليست للتبعيض، وإنما للتبيين، وقالوا: ليس في الأنبياء أحد ليس له عزم، ولا حزم، ولا رأي، ولا عقل، بل كانوا جميعًا بهذه الصفات.\nهـ - وقيل: هم الذين أمروا بالقتال، ومنابذة المشركين، فقاتلوا ونابذوا.\nونقل عن بعضهم: أن آدم ويونس، لم يكونا من أولي العزم (^١). واستدل بعض العلماء على هذا، بقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ [طه:١١٥]، وقوله الله تعالى لنبيه ﵊، أن يصبر، ونهاه أن يكون كصاحب الحوت، فقال: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ﴾ [القلم:٤٨]، فهاتان الآيتان كلتاهما تدلان على أن أولي العزم من الرسل، الذي أُمر النبي ﷺ بأن يصبر كصبرهم، ليسوا جميع الرسل. (^٢)\nولعلَّ الأقرب في الآية - والعلم عند الله تعالى - هو القول بأن (من) بيانية جنسية، تعم جميع الأنبياء، يقول الألوسي بعد أن حكى الخلاف: \" ولعل الأولى في الآية القول الأول، وإن صار أولو العزم بعد مختصًا بأولئك الخمسة عليهم الصلاة والسلام عند الإطلاق؛ لاشتهارهم بذلك، كما في الأعلام الغالبة، فكأنه قيل له: فاصبر على الدعوة إلى الحق، ومكابدة الشدائد مطلقًا، كما جد إخوانك الرسل قبلك \" (^٣)، وقال ابن عطية: \" ولا محالة أن لكل نبي ورسول عزمًا وصبرًا \" (^٤)، وقال الثعالبي: \" واختلف في تعيين أولى العزم من الرسل، ولا محالة أن لكل نبي ورسول عزمًا وصبرًا \" (^٥)، وقال الخازن: \" وهذا القول هو اختيار الإمام فخر الدين الرازي \". (^٦)\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ١٦٤\n(^٢) الشنقيطي: أضواء البيان: ٧/ ٢٤١\n(^٣) الألوسي: روح المعاني: ١٣/ ١٩١\n(^٤) ابن عطية: المحرر الوجيز: ٥/ ١٠٧\n(^٥) الثعالبي: الجواهر الحسان: ٥/ ٢٢٥\n(^٦) الخازن: لباب التأويل: ٤/ ١٣٨","vol":"1","page":536},{"text":"٤ - أن رؤياهم وحي، قال تعالى: ﴿قَالَ يَابُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ﴾ [يوسف:٥]، يقول السمعاني: \" قال أهل التفسير: إن رؤيا الأنبياء وحي، فعلم يعقوب أن الإخوة لو سمعوا بهذه الرؤيا، عرفوا أنها حق فيحسدونه، فأمره بالكتمان لهذا المعنى \" (^١)، وقال تعالى عن إبراهيم الخليل: ﴿قَالَ يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ [الصافات:١٠٢]، \" أي: أمرت بذبحك، قال ابن عباس: رؤيا الأنبياء وحي \" (^٢)، وجاء في الحديث الصحيح عن عائشة ﵂ قالت: \" أول ما بُدئ به رسول الله صلى الله علي وسلم من الوحي، الرؤيا الصادقة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح \" (^٣)، ويقول السمعاني: \"وجملة الذي وصل إلى الأنبياء من الوحي، على ثلاثة وجوه: وحي إلهام، ورؤيا في المنام، ووحي بتكليم الله تعالى، ووحي بلسان جبريل ﵇ \". (^٤)\n٥ - أن الله جل وعلا يبعثهم برسالته على رأس أربعين سنة، قال تعالى: ﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَامُوسَى﴾ [طه:٤٠]، أي: على قدر النبوة والرسالة، قال ابن عباس: ولم يبعث الله نبيًا إلا على رأس أربعين سنة، وجاء موسى ربه، وهو ابن أربعين سنة، فنبأة الله وأرسله \". (^٥)\nوقال ابن عباس: بعث نوح وهو ابن أربعين سنة. (^٦)\nواختلف في يوسف هل نُبئ وهو صغير، وكذا يحيى ﵉؟ أما يوسف فقد قال الباري تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [يوسف:١٥]، فأكثر أهل التفسير، على أن هذا الوحي إلى يوسف، وبعث الله جبريل يُؤنسه، ويبشره بالخروج.\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٨\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٤٠٧\n(^٣) أخرجه البخاري في صحيحه، باب بدء الوحي، ح (٣)\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٨٧\n(^٥) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٣٣١\n(^٦) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ١٧١","vol":"1","page":537},{"text":"وقيل: إن الوحي هاهنا هو الإلهام، وأما إتيان جبريل فكان بعد هذا (^١). والذي يدل على أن معنى الوحي في الآية الكريمة هو الإلهام، قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [يوسف:٢٢]، فقد فُسِّر الحكم بالنبوة (^٢)، فدل على أن الأول كان إلهامًا.\nوأما يحيى ﵇، فقد ذهب أكثر المفسرين أنه أوتي النبوة وهو صغير، كما أفاده السمعاني، قال تعالى: ﴿يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ [مريم:١٢]، وقيل: المراد بالحكم هنا: العلم، فقرأ التوراة وهو صغير، وقيل: إن يحيى قيل له وهو صغير: تعال نلعب، فقال: ما للعب خُلقت، فهو معنى قوله تعالى: \" وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا \" (^٣). ورجح الرازي حمله على النبوة لوجهين ذكرهما وأشار إليهما (^٤)، ورجح آخرون: أن المقصود بالآية: يعني: هديناه صغيرًا، كما قال لإبراهيم: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ [الأنبياء:٥١]، قال الفراء: أي أعطيناه هداه (^٥)، وهو أحد القولين اللذين ذكرهما السمعاني، والآخر النبوة (^٦)، والأول أقرب، أي: من صغره ألهمه الحق والحجة على قومه. (^٧)\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ١٤\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٢٠\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٢٨٢\n(^٤) الرازي: مفاتيح الغيب: ٢١/ ٥١٦\n(^٥) الثعلبي: الكشف والبيان: ٦/ ٢٧٨ - القرطبي: الجامع لأحكام القرآن: ١١/ ٢٩٦\n(^٦) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٣٨٥\n(^٧) ابن كثير: تفسير القرآن العظيم: ٥/ ٣٤٧","vol":"1","page":538},{"text":"وأما عيسى ﵇، فقد قيل: إنه أُوتي الإنجيل وهو طفل صغير، وكان يعقل عقل الرجال، وقال الحسن: جُعل نبيًا وأوتي الإنجيل وهو في بطن أمه، وهو تأويل قوله تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ [مريم:٣٠]، وقيل المعني: سيؤتيني الكتاب، ويجعلني نبيًا إذا صرت رجلًا، قال السمعاني: والصحيح هو الأول (^١). وذكر الرازي هذا الخلاف، وأدلته، ثم قال: \" وقوله \" آتَانِيَ الْكِتَابَ \" يدل على كونه نبيًا في ذلك الوقت، فوجب إجراؤه على ظاهره، بخلاف ما قاله عكرمة \" (^٢)، وقال عكرمة: \" آتَانِيَ الْكِتَابَ \" أي: قضى أنه يُؤتيني الكتاب فيما قضى. (^٣)\n٦ - أن كل رسول أرسل بلسان قومه، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ [إبراهيم:٤]، يقول السمعاني: \" والحكمة في هذا: هو أنه إذا أرسله بلسان قومه عقلوا قوله، وفهموا عنه. فإن قال قائل: إن الله بعث النبي ﷺ إلى كل الخلق على ما قال: \" بعثت إلى الأحمر والأسود \" (^٤)، ولم يبعث بلسان كل الخلق؟ والجواب عنه: أن سائر الخلق تبع للعرب في الدعوة، وقد بُعث بلسانهم، ثم إنه بَعَث بالرسل إلى الأطراف يدعونهم إلى الله، وترجم لهم قوله \" (^٥).\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٢٩٠\n(^٢) الرازي: مفاتيح الغيب: ٢١/ ٥٣٤\n(^٣) ابن كثير: تفسير القرآن العظيم: ٥/ ٢٢٩\n(^٤) أخرجه مسلم في صحيحه، باب قدر ما يستر المصلي، ح (٥٢١)\n(^٥) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ١٠٣","vol":"1","page":539},{"text":"٧ - أن الرسل سواء في أصل الرسالة، لكن الله فَضَّل بعضهم على بعض، قال تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [البقرة:٢٥٣]، يقول السمعاني: \" هذه الآية في بيان فضل الرسل بعضهم على بعض، مع استوائهم في أصل الرسالة \" (^١)، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ﴾ [الإسراء:٥٥]، \" معناه: أنه اتخذ بعضهم خليلًا، وكلم بعضهم، وسخر الجن، والإنس، والطير، والريح، لبعضهم، وأحيا الموتي لبعضهم، فهذا معنى التفضيل \" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-232>المطلب الثاني: الوحي:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-233>المسألة الأولى: تعريف الوحي في اللغة والشرع:</span>\nأ - الوحي لغة: إلقاء الشيء إلى النفس خُفية، ويُقال: الإعلام في خفية (^٣). ويأتي الوحي بعنى الإلهام، أو بمعنى الأمر، قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي﴾ [المائدة:١١١]. (^٤)\nوهل مثله ما ذكره الله جل وعلا عن أم موسى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى﴾ [القصص:٧]، أكثر المفسرين على أن هذا الوحي بمعنى الإلهام، وأنه أُلقي هذا المعنى في قلبها، وقال بعضهم: إنها رأت ذلك رؤيا، وقيل: هو الوحي حقيقة، وأتاها الملك بهذا من الله، إلا أنها لم تكن نبية (^٥). يقول أبو جعفر النحاس: الوحي على وجهين: أحدهما: وحي الله إلى أنبيائه ﵈، والآخر: بمعنى الإلهام، مثل قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ [النحل:٦٨]، وقوله تعالى: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ [الزلزلة:٥]، أي: ألهمها أن تحدث. (^٦)\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٢٥٥\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٢٥٠\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٤١٠ - ٤/ ١٢٢ - ٥/ ٢٨٤\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٧٨\n(^٥) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ١٢٢\n(^٦) السمعاني: تفسير القرآن: ٦/ ٢٦٨","vol":"1","page":540},{"text":"وسُمي الوحي روحًا، كما قال تعالى: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ﴾ [النحل:٢]، وما ذاك إلا لأنه تقع به حياة القلوب، كالروح تقع بها حياة الأبدان (^١)، وقال تعالى: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [غافر:١٥]، قال مجاهد: هو الوحي، وسمي روحًا؛ لأنه يحيا به الخلق (^٢)، وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى:٥٢].\nب - الوحي في الشرع: يقول السمعاني: \" وهو في عرف أهل الإسلام: عبارة عما يُنزله الله تعالى على الأنبياء، ومن الأنبياء التبليغ إلى الخلق \". (^٣)\nوقد سُئل الزهري عن الوحي فقال: الوحي ما يُوحي الله إلى نبي من الأنبياء، فيثبته في قلبه، فيتكلم به، ويكتبه، وهو كلام الله. (^٤)\n\nفالوحي: هو كلام الله تعالى، المنزل بواسطة على رسول من الرسل؛ بينه قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤)﴾ [الشعراء:١٩٢ - ١٩٤].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-234>المسألة الثانية: حالات الوحي:</span>\nذكر الله جل وعلا حالات الوحي في كتابه العزيز، فقال: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [الشورى:٥١]: فقسَّم الله تعالى حالات الوحي إلى ثلاثة وجوه:\nالأول: الوحي في قوله (إِلَّا وَحْيًا)،وفيه قولان: أحدهما: أنه الإلهام من الله تعالى، بالنفث في صدره، والآخر: أنه الرؤيا في المنام.\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ١٥٩\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ١٠\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٢٨٤\n(^٤) السيوطي: الإتقان: ١/ ١٦٠","vol":"1","page":541},{"text":"الثاني: الوحي بتكليم الله تعالى. كما في قوله: \" أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ \" أي: كما كلم موسى من وراء حجاب، وقيل: بالحجاب على موضع الكلام، لاعلى الله، وقيل: إن موسى ﵇ كما سمع كلام الله ولم يره، كان بمنزلة من يسمع من وراء حجاب.\nالثالث: وحي بلسان جبريل ﵇، كما قال تعالى: \" أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ \"، يعني: يرسل جبريل بالوحي إلى من يشاء من الأنبياء. (^١)\nيقول السمعاني: \" وجملة الذي وصل إلى الأنبياء من الوحي، على ثلاثة وجوه: وحي إلهام، ورؤيا في المنام، ووحي بتكليم الله تعالى، ووحي بلسان جبريل ﵇ \" (^٢).\nوجبريل ﵇ هو الوكيل على وحي الله تعالى، وأخبر الله تعالى أن الملائكة تُلقي الوحي على الأنبياء والرسل، قال سبحانه: ﴿فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا﴾ [المرسلات:٥]، يقول السمعاني: \" فالملائكة يلقون على الأنبياء، والأنبياء يلقون على الأمم، والعلماء يلقون على المتعلمين \". (^٣)\nوجعل الله تعالى للوحي ملائكة يحرسونه، قال تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (٢٧)﴾ [الجن:٢٦ - ٢٧]، أي: حفظة، روى سفيان عن منصور عن إبراهيم قال: ملائكة يحرسونه، يقول السمعاني: \" وفي التفسير: أن الله تعالى ما بعث وحيًا من السماء، إلا ومعه ملائكة يحرسونه. فإن قال قائل: ومن ماذا يحفظونه ويحرسونه؟ والجواب: إن الحفظ والحراسة، لخطر شأن الوحي، ولتعظيمه في النفوس، لا بحكم الحاجة إلى الحراسة والحفظ، يُقال: الحفظ والحراسة من المسترقين للسمع؛ لئلا يسرقوا شيئًا من ذلك، ويلقوه إلى الكهنة \" (^٤).\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٨٧\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٨٧\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٦/ ١٢٦\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٦/ ٧٣","vol":"1","page":542},{"text":"فالوحي هو الحق وهو مما اختص به الله تعالى، قال تعالى: ﴿مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الحِجر:٨]، يقول السمعاني: \" الحق الذي تنزل به الملائكة: هو الوحي، وقبض أرواح العباد ... \" (^١)، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سبأ:٢٣]، يقول السمعاني: \" وقوله: \" قَالُوا الْحَقَّ \" أي: قولوا: قال الله تعالى الحق، أي: الوحي \" (^٢). ولما كان كذلك أخبر الله تعالى، أن الشياطين ليسوا أهلًا لإنزال الوحي، وذلك حين قال المشركون: إن شيطانًا ينزل على محمد فيلقنه القرآن، فقال تعالى: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (٢١٠) وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ (٢١١)﴾ [الشعراء:٢١٠ - ٢١١]، أي: لا يستطيعون إنزال الوحي، \" إنهم عن السمع لمعزولون \" أي: لمحجوبون، فإنهم حجبوا من السماء ومنعوا بالشهب. (^٣)\nوبذا يتبيَّن في هذا المقام التزام السمعاني بمنهج السلف، في هذه القضية التي زلت فيها أقدام (^٤)، فالعلماء متفقون على أن القرآن كلام الله ﷿، ووحيه الذي أنزله على نبيه محمد ﷺ (^٥)، \" وننبه هنا على أن الوحي بأنواعه الثلاثة، من الأمور الممكنة عقلًا، الجائز وقوعها، وأنه لا حجر على الله في قدرته القادرة في واحدة من الممكنات. وقد أثبت الله في كتابه هذه الأنواع الثلاثة للوحي، وهو العليم الخبير، فما علينا إلا التسليم \" (^٦).\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ١٣٠\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٣٣١\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٦٨\n(^٤) انظر: عبدالله القرني: المعرفة في الإسلام: ٨٦ وما بعده.\n(^٥) ابن القطان: الإقناع: ١/ ٤٩\n(^٦) عبدالرحمن حبنكة: العقيدة الإسلامية: دار القلم، دمشق، ط ٨، ١٤١٨ هـ (٤٦١)","vol":"1","page":543},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-235>المطلب الثالث: العصمة:</span>\nيظهر من كلام السمعاني ﵀ أن العصمة لازمة للأنبياء ﵈، ولذلك لا يمكن أن يقع منهم ما يخل بالرسالة. فأشار إلى أوجه العصمة عند الأنبياء:\n١ - العصمة من الوقوع في الكفر والشرك، وقد نُقل الإجماع على ذلك (^١)، وقد أورد السمعاني أمثلة على ذلك، منها قوله: \" فإن قال قائل: كيف يقول \" جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ \" وآدم كان معصومًا عن الإشراك بالله؟ \" (^٢).\nولذا قال السمعاني: \" أنا نعتقد أن الرسول معصوم من الشرك والكبائر \" (^٣)، وحمل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام:١٤]، بعد إثبات عصمته ﷺ عن الشرك، على الأمر بالثبات على الإيمان (^٤)، وقال: \" والله تعالى قد عصم الأنبياء عن الكفر والكبائر \" (^٥).\n٢ - العصمة عن الوقوع في الكبائر، من الكذب ونحوه: وفي هذا يقول صاحب كتاب المواقف: \" إن أهل الملل والشرائع، قد أجمعوا على عصمة الأنبياء عن تعمد الكذب فيما دل المعجز على صدقهم فيه، كدعوى الرسالة، وما يبلغونه عن الله تعالى \" (^٦)،ويقول ابن تيمية: \" فإن أهل السنة متفقون على أن الأنبياء معصومون فيما يبلغونه عن الله تعالى، وهذا هو مقصود الرسالة \". (^٧)\nوقد حُكي إجماع الأمة قاطبة على عصمة الأنبياء من الكبائر (^٨).\n_________\n(^١) القاضي عياض: الشفا بتعريف حقوق المصطفى: دار الفيحاء، عمان، (٢/ ٣٢٧)\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٢٣٩\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٢٦٥\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٩٢\n(^٥) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٨٠\n(^٦) الإيجي: المواقف: ٣/ ٤١٥\n(^٧) ابن تيمية: منهاج السنة: ١/ ٤٧٠\n(^٨) أبو الحسن الأشعري: تنزيه الأنبياء عما نسب إليهم حثالة الأغبياء: دار الفكر المعاصر، لبنان، ط ١، ١٤١٧ هـ، (٣٢)","vol":"1","page":544},{"text":"وفي هذا يقول السمعاني: \" واعلم أن الأنبياء معصومون من الكبائر \" (^١)، وقال: وأما الأنبياء ﵈، فلا يصح منهم وقوع الكبائر؛ لعصمة الله إياهم عن ذلك (^٢)، وقال عن لوط ﵇ حين قال لقومه: ﴿هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ [هود:٧٨]، \" ومنهم من قال: إنما قال هذا على طريق الدفع، لا على طريق التحقيق، ولم يرضوا هذا لقول؛ لأنه كان معصومًا من الكذب \" (^٣). ومن الأمثلة التي ذكرها السمعاني أيضًا: ما حكاه بعض المفسرين في نبي من الأنبياء، بعثه الله تعالى إلى قومه، فرشاه قومه، قال السمعاني: \" وهذا أضعف الأقوال؛ لأن الله تعالى يعصم أنبياءه عن مثل ذلك \". (^٤)\nفالعصمة من الكبائر دون الصغائر، هو قول أكثر علماء الإسلام، وجميع الطوائف، حكاه الإمام ابن تيمية (^٥). ومسأل العصمة من الصغائر، هي موطن نزاع، لكن حكى شيخ الإسلام، كما أشرنا، إلى أنه هو القول المعروف عن أكثر علماء الإسلام، وهو الذي رجحه السمعاني فقال: \" واعلم أن الأنبياء معصومون من الكبائر، فأما الخطايا والصغائر تجوز عليهم \" (^٦)، وقال: الأصح أن ذلك يصح وقوعه منهم، ويتداركون ذلك إبان موته قبل اخترام المنية، وأما الخطأ والسهو فيجوز ذلك من الأنبياء (^٧)، وقال الشوكاني: وجماعة من الفقهاء والمحدثين، قالوا: ولا بُدَّ من تنبيههم عليه\" (^٨)، ولكنه عقد فصلًا في الرد على من جَوَّز عليهم الصغائر.\nوقد حمل السمعاني ما ورد عن إبراهيم ﵇، من قوله: \" إِنِّي سَقِيمٌ \"، \" بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا \"، وقوله عن سارة (هذه أختي)، على أحد معنيين:\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٥٤\n(^٢) - السمعاني: قواطع الأدلة: ١/ ٣٠٣\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٤٤٧\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٢٣٢\n(^٥) ابن تيمية: مجموع الفتاوى: ٤/ ٣١٩\n(^٦) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٥٤\n(^٧) - السمعاني: قواطع الأدلة: ١/ ٣٠٣\n(^٨) الشوكاني: إرشاد الفحول: دار الكتاب العربي، بيروت، ط ١، ١٤١٩، (١/ ٩٩)","vol":"1","page":545},{"text":"الأول: أن الله تعالى أذن له قول ذلك؛ لقصد الصلاح، قال: وهو قول أهل السنة.\nالثاني: أن هذا قول يُخالف لفظه معناه، ولكل قول تأويله. أما قوله: \" بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ \" أي: على زعمكم واعتقادكم، وهو على وجه إلزام الحجة، وقال بعضهم معناه: \" بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ \"، قاله على سبيل الشرط، قال النحاس: وفي هذا التأويل بعد، وهو مخالف للأخبار الثابتة، وأما قوله: \" إِنِّي سَقِيمٌ \" أي: سأسقم، وقيل: معناه: سقيم، أي: مغتم بضلالتكم، فكأنه سقيم القلب بذلك، وأما قوله لسارة (هذه أختي) أي: أختي في الدين (^١). فكلها من معاريض الكلام، ولم يكن كذبًا صريحًا. (^٢) وأورد السمعاني في قصة نوح سؤالًا، مفاده: فإن قيل: كيف يجوز أن يسخر نبي من الأنبياء من قومه؟ الجواب: أن هذا من ازدواج الكلام، ومعناه: إن تستجهلوني فإني استجهلكم إذا نزل العذاب، ومثله (إن تسخروا مني فسترون عاقبة سخريتكم). (^٣)\nوكذا ما ورد عن يوسف ﵇، حين قال: ﴿أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾ [يوسف:٧٠] إذ كيف استجاز أن ينسبهم إلى السرقة ولم يسرقوا؟!. ذكر السمعاني أوجها في الجواب، ثم قال: والقول الأول أجود الأقاويل، وهو إنكم لسارقوا يوسف من أبيه، وعملتم كما يعمل السُرَّاق. ثم قال: ويُقال: إنه كان وَاضَعَ مع بنيامين، وقال ما قاله بالمواضعة. (^٤)\nوقد أحسن السمعاني في توجيه ابتلاء داود في موطن دون آخر. ففي الموطن الأول في سورة (ص)، ذكر أقوال بعض أهل التفسير في سبب ابتلاء داود ﵇، وذكر أقوالًا، لا تليق بنبي الله داود ﵇، وذلك أنه فتن بامرأة أوريا. (^٥)\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٣٨٩\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٤٠٥\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٤٢٨\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٤٩\n(^٥) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٤٣٢","vol":"1","page":546},{"text":"ولذلك نص العلماء على أن هذه القصة من المختلقات على نبي الله داود ﵇ (^١)، قال ابن عطية: \" وفي كتب بني إسرائيل في هذه القصة صور لا تليق، وقد حَدَّث بها قصاص في صدر هذه الأمة، فقال علي بن أبي طالب ﵁: من حدث بما قال هؤلاء القصاص في أمر داود ﵇، جلدته حدين، لما ارتكب من حرمة من رفع الله محله \" (^٢)، وقال الرازي: \" والذي أدين به، وأذهب إليه، أن ذلك باطل \" (^٣).\nوفي الموطن الثاني: في السورة نفسها، حَكى السمعاني خلاف المفسرين في السبب الذي لأجله ابتلى الله سليمان ﵇، ثم قال: \" والله أعلم بما كان، ولا شك أن الآية تدل على أن الله تعالى، قد أقعد على كرسيه غيره، وسلبه شيئًا كان له \" (^٤)، وغالب ما يُذكر متلقى عن بني إسرائيل. (^٥)\nوأورد السمعاني تساؤلًا في هذا الباب، عند تفسير قوله تعالى: ﴿لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي﴾ [طه:٩٤]، قال: \" فإن قال قائل: هذا تهاون نبي من أنبياء الله، فتكون كبيرة من الكبائر، فكيف وجه فعل هذا من موسى؟ والجواب عنه: أنه يحتمل أنه لم يكن مثل هذا الفعل تهاونًا في عاداتهم، فكان الأخذ باللحي، شبه الأخذ بالكف عندهم. وقال بعضهم: أنه أخذ بلحيته كما يأخذ الإنسان بلحية نفسه عند الغضب، فجعله كنفسه، وأولى الأجوبة: أن هذا فعل الإنسان بمثله وشكله عند الغضب، فتكون صغيرة لا كبيرة، والصغائر جائزة على الأنبياء\". (^٦)\n_________\n(^١) أبو الحسن الأشعري: تنزيه الأنبياء: ٢٧\n(^٢) ابن عطية: المحرر الوجيز: ٤/ ٤٩٩\n(^٣) الرازي: مفاتيح الغيب: ٢٦/ ٣٧٧\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٤٤٤\n(^٥) ابن كثير: تفسير القرآن العظيم: ٧/ ٦٩\n(^٦) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٣٥١","vol":"1","page":547},{"text":"وكذا حمل السمعاني ما ورد عن نبينا الأكرم ﵊، ففي قوله تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [محمد:١٩]، قال: \" فإن قيل: كيف أمره بالاستغفار، وكان معصومًا من الذنوب؟. والجواب: أنه كان لا يخلو من الخطأ والزلل، وبعض الذنوب التي هي من الصغائر، فأمره الله بالاستغفار منها \" (^١)، ومثله في قوله تعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح:٢]، قال السمعاني: \" فإن قال قائل: فأي ذنب كان له؟ قلنا: الصغائر، وكان معصومًا من الكبائر \" (^٢)، وبمثل هذه الآيات تمسك من جَوَّز الصغائر على الأنبياء، فأمرهم بالاستغفار عن الصغائر، ومن لم يُجوِّز الصغائر عليهم، قال: إنه أمر بالاستغفار تعبدًا؛ لينال بذلك رضي الله تعالى، ويقتدي به ما يأتي من بعده. والصحيح: ما رجحه السمعاني، وهو ما عليه الجماهير.\nفالعصمة إذن: \" حفظ الله تعالى ظواهر الرسل وبواطنهم، مما تستقبحه الفِطر السليمة، قبل النبوة، وحفظهم من الكبيرة، وصغائر الخِسة بعدها، وتوفيقهم للتوبة والاستغفار من الصغائر، وعدم إقرارهم عليها \" (^٣)، ولذا قال السمعاني في وصف الله تعالى ليحيى \" وَحَصُورًا \"، بأنه الممتنع من الوطء مع القدرة عليه. قال واختاروا هذا القول لوجهين:\n١ - أنه يكون أقرب إلى استحقاق الثناء.\n٢ - أنه يكون أبعد من إلحاق الآفة بالأنبياء، لبعدهم عن الآفات. (^٤)\nوأما وقوع الخطأ والسهو منهم عليهم الصلاة والسلام، فهو واقع لبشريتهم، يقول السمعاني: وأما الخطأ والسهو، فيجوز وقوع ذلك من الأنبياء (^٥)\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ١٧٨\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ١٩٠\n(^٣) أحمد عبداللطيف: عصمة الأنبياء بين المسلمين وأهل الكتاب: رسالة ماجستير، جامعة أم القرى، ١٤٠٢ هـ، مخطوط لم يطبع بعد، (٢٤)، وقد رجح السمعاني في تفسير قوله تعالى: \" وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ \" ما يوافق العصمة: ٤/ ٢٨٧.\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٣١٦\n(^٥) - السمعاني: قواطع الأدلة: ١/ ٣٠٣","vol":"1","page":548},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-236>المطلب الرابع: المعجزات:</span>\nدعوات الأنبياء ﵈ واجهت خصومًا، كانوا أعداء لدعوة الرسل، يبثون الأراجيف، ويشيعون الشبهات، ويلصقون التُهم. ولذلك حكى الله تعالى تعنت المشركين مع النبي ﷺ، حين دعاهم إلى توحيد الله تعالى، فقالوا: ﴿مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾ [الفرقان:٧]، فهم قالوا ما قالوا على طريق الإنكار، وزعموا أنه إذا كان مثلهم يأكل الطعام، ويمشيى في الأسواق، فلا يجوز أن يمتاز عنهم بالنبوة، فكانوا يقولون: أنت لست بمَلَكٍ ولا مَلِكٍ، فلست بِمَلَك؛ لأنك تأكل الطعام، ولست بمَلِكٍ؛ لأنك تتسوق وتتبذل، والملوك لا يتسوقون ولا يتبذلون. يقول السمعاني: \" وهذا الذي قالوه كله فاسد؛ وذلك لأن أكله الطعام لا ينافي النبوة، ولا مشيه في الأسواق، فإن أكله الطعام، يدل على أنه آدمي محتاج، ومشيه في الأسواق يدل على أنه متواضع غير متكبر، وأما اختصاصه بفضيلة النبوة من بين الناس فجائز؛ لأن الله تعالى لم يسوِ بين الناس، بل فاضل بينهم \" (^١)، وكذلك تحكموا في قولهم حين قالوا:\" لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ \"؛ لأنهم زعموا أن الرسول إن يكن مَلَكًا، فينبغي أن يكون له شريك من الملائكة، يقول السمعاني: \" وهذا أيضًا فاسد؛ لأنه مجرد تحكم، ويجوز أن يتفرد الآدمي بالنبوة، ولا يكون معه ملك، ولَأَن يكون النبي آدميًا، أولى من أن يكون ملكًا؛ ليفهموا عنه، ويستأنسوا به \" (^٢)، والأعجب من ذلك أنهم تمالؤوا في تشويش الدعوة، وبث الأكاذيب والترهات، فقالوا بعد ذلك: \" أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا \"، يعني: ينزل عليه كنز من السماء، أو يظهر له في الأرض، فقالوا: هلا جعل الله لك بستانًا تعيش به، أو كنز يدفعه إليك؛ فتستغني به عن التعيش، والتكسب، والتبذل في الأمور، يقول السمعاني: \" وهذا أيضًا فاسد؛ لأن كسبه، وتعيشه لم يكن منافيًا نبوته\". (^٣)\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٧\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٧\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٨","vol":"1","page":549},{"text":"لو قال قائل في هذا المقام، مع كثرة الآيات المقترحة من الكفار، لِمَ لا يجوز أن يجيبهم إلى الآية المقترحة، لعلها تكون سببًا لإيمانهم؟ قيل: إن الآية المقترحة لا نهاية لها، وإن وجب في المصلحة أن يجيب واحدًا، وجب أن يجيب آخر، إلى مالا يتناهى (^١)، وجواب آخر: وهو أن الأولين اقترحوا الآيات، فلما أعطوا كذبوها فأهلكوا، فلو أعطى الله تعالى كفار مكة الآيات المقترحة وكذبوا بها، عاجلناهم بالعذاب، وقد حكمنا بإمهالهم (^٢)، وثالثًا: أنهم لو رأوا جميع الآيات لم يؤمنوا بها. (^٣)\nومع هذا التعنت، يُرسل الله تعالى آيات، وبراهين، وحججا، ساطعة، يُعلِم بها العباد أنه أرسل رسولًا، مؤيدًا بهذا الآيات العظيمة، التي تكون خارقة لجميع الثقلين، فما يجريه الله تعالى على يد نبيه، على وجه الطلب أو الابتداء، ويكون خارقًا لقوانين الطبيعة، وخواص المادة، ومجردًا عن الأسباب والمسببات المعتادة على وجه يفوق طاقات العباد، ويَعْجَزُ الجميع عن معارضتها، فهي المعجزة. (^٤)\nوقد أَيَّد الله تعالى أنبياءه ورسله بالآيات والبراهين، الدالة على صدق ما يدعون إليه، إلا أن القرآن الكريم لم يستغرق كل الآيات، بمعنى أنه القرآن أشار إلى بعض آيات الأنبياء، ولم يُشر إلى بعضها الآخر، فليست كل الآيات مذكورة في القرآن. (^٥)\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٩١\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٢٥٣\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٩٥\n(^٤) عبدالرحمن الحميضي: خوارق العادات: مكتبات عكاظ، جدة، ط ١، ١٤٠٢ هـ (٣٦)\n(^٥) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ١٩٧","vol":"1","page":550},{"text":"فمثلًا شعيب ﵇ قال لقومه: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الأعراف:٨٥]، ولم تذكر ماهية الآية في القرآن، يقول السمعاني:\" فإن قال قائل: \" وما معنى قوله \" قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ \"، ولم تكن لهم آية؟ قيل: بل كانت لهم آية، إلا أنها لم تذكر في القرآن، وليست كل الآيات مذكورة في القرآن \". (^١)\nوكان نبينا محمدًا ﵊ من أعظم الأنبياء وأفضلهم، ولذلك ما أوتي نبي آية، إلا أوتي نبينا مثل تلك الآية، وقد أًوتي انشقاق القمر، وحنين الجذع، وكلام الشجر، ونبع الماء بين الأصابع، والقرآن العظيم، وبعث إلى الأحمر والأسود، وغيره من الأنبياء بُعث إلى قوم مخصوصين (^٢)، ولذا يقول السمعاني: \" واعلم أن الله تعالى قد أعطى رسوله محمدًا ﷺ المعجزات الكثيرة، ولكنه لم يعطه على وفق ما اقترحوا \" (^٣)، وأعظم آياته التي أيده الله تعالى بها القرآن، ولذا تحدى به الجن والإنس، وقال تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾ [البقرة:٢٤]، يعني: فإن لم تفعلوا ذلك، ولن تفعلوه أبدًا على طريق الإعجاز، ولم للماضي، ولن للمستقبل، يقول السمعاني: \" وإنما قال هذا؛ لبيان المعجزة؛ لأن القرآن كان معجزة للنبي ﷺ، حيث عجز الكل عن الإتيان بمثله \" (^٤). ويُقرر السمعاني أن دلائل صدق النبوة كثيرة، فهي لا تُحصر في المعجزة كما يقول المتكلمون، بل إن محمدًا ﵊، النبي الأكرم، لو لم تأته معجزة، لدلت أحواله على صدقه، وعلى نبوته (^٥). وهذا الذي يسميه الإمام ابن تيمية بالمسلك الشخصي. (^٦)\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ١٩٧\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٢٥٦\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ١٨٦\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٥٩\n(^٥) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٥٣٣\n(^٦) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٨٨٦","vol":"1","page":551},{"text":"الله تعالى يُؤيد رسله بهذه الآيات، ليثبت بذلك صدق نبوتهم، وصحة رسالتهم، فقد تكون الآية ظاهرة كونية كانشقاق القمر لنبينا ﵊، أو تكون تحديا وتعجيزا عن إلحاق الأذى والمكروه، كما كان لنوح ﵇ (^١)، ولهود ﵇ (^٢)، وقد تكون بإيجاد معدوم، كما كان لصالح ﵇ (^٣)، أو إعدام موجود، كما كان لعيسى ﵇ (^٤)، أو بتحويل حال الموجود، كما كان لموسى ﵇ (^٥)، وقد تتفق معجزتان، كما كان من يوسف وعيسى ﵉. (^٦)\nوقد أشار السمعاني أن الخارق للعادة، قد يظهر على يد كافر، لكنه لا يُسمى معجزة، بل محنة وفتنة، كما كان السامري مع العجل، فإن ما ظهر كان فتنة لبني إسرائيل وابتلائهم. (^٧)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-237>المطلب الخامس: الإيمان بالنبي محمد ﷺ:</span>\nالإيمان بالنبي ﷺ، والإقرار بنبوته، من أوجب الواجبات، ومن ألزم الفرائض، فلا يصح إسلام إلا بإقرار، فسائر العلماء متفقون على الإقرار بنبوته ﵊ (^٨)، قال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ [الفتح:٢٩]، يقول السمعاني: \" هذه الآية شهادة من الله تعالى لرسوله ﷺ بالحق، وأنه رسوله حقيقة \" (^٩)، وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ﴾ [المنافقون:١]، يقول السمعاني: \" هو تطييب لقلب النبي ﷺ وتسلية له، ومعناه: أن علمي أنك رسول الله، وشهادتي لك بذلك، خير من شهادتهم \". (^١٠)\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٣٩٦\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٤٣٦\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ١٤٨\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ١٠٥\n(^٥) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ١٠٧\n(^٦) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٣٠\n(^٧) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٣٤٩\n(^٨) ابن تيمية: مجموع الفتاوى: ٣٣/ ١٨٠\n(^٩) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٢٠٩\n(^١٠) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٤٤٠","vol":"1","page":552},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-238>المسألة الأولى: اسمه، ونسبه:</span>\nأ - أسماء النبي ﷺ: ذكر الله تعالى أسماء النبي ﷺ في كتابه العزيز، ومن تلك الأسماء:\n١ - أحمد: قال تعالى: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف:٦]، وقد ثبت هذا الاسم كذلك في السنة، عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه، عن النبي ﷺ قال: \" لي خمسة أسماء: أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب الذي لا نبي بعدي \". (^١)\nوذكر السمعاني في معنى هذا الاسم وجهين:\nالأول: لأنه كان يحمد الله كثيرًا، والثاني: لأن الناس حمدوه على فعاله. (^٢)\nونقل السمعاني عن علي ﵁ أنه قال: سمَّى الله رسوله محمدًا ﷺ في القرآن بسبعة أسماء: محمد، وأحمد، وطه، ويس، والمدثر، والمزمل، عبدالله. (^٣)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحه، باب ما جاء في أسماء رسول الله ﷺ، ح (٣٥٣٢)\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٤٢٦\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٣٦٧، وانظر: القاضي عياض: الشفا: ١/ ٤٥٠","vol":"1","page":553},{"text":"أما (طه)، فإن السمعاني لم يذكر حين تفسيره لهذا لآية، أنه من أسماء النبي ﷺ، ولكنه روى عن ابن عباس أنه قال: هو بالسريانية: يا رجل (^١)، ورجحه الطبرى (^٢)، وقال الواحدي: \" أكثر المفسرين على أن معناه: يا رجل، يريد النبي ﷺ، وهو قول الحسن، وعكرمة، وسعيد بين جبير، وقتادة، والضحاك، ومجاهد، وابن عباس في رواية عطاء، والكلبي، غير أن بعضهم يقول: هي بلسان الحبشة، وبالنبطية، والسريانية، ويقول الكلبي: هي بلغة عك، قال ابن الأنباري: ولغة قريش وافقت تلك اللغة في هذا المعنى؛ لأن الله تعالى لم يخاطب نبيه بلسان غير قريش \" (^٣). ونقل بعض المفسرين، أنه من أسماء النبي ﷺ (^٤)، ولكن الأقرب أنه ليس من أسمائه ﵊، فهو إما محمول على معنى يا رجل، أو أنه من الأحرف الهجائية المقطعة، التي يُراد بها التحدي والإعجاز. (^٥)\nوأما (يس)، فكذا لم يذكر السمعاني في تفسير هذه السورة، أنه من الأسماء النبوية، بل ذكر أن أشهر الأقاويل في معناها، ما قاله الحسن، وسعيد بن جبير، والضحاك، وجماعة، أن معناها: يا إنسان، قال: ويُقال: معناها: يا محمد (^٦). قال الواحدي: \" قال ابن عباس والمفسرون: يريد يا إنسان، يعني: محمدًا ﷺ \" (^٧)، وقد نُقل عن سعيد بن جبير أيضًا أنه من أسماء النبي ﷺ (^٨). والأقرب، أن (يس) إما أن يكون بمعنى إنسان، أو يكون من الحروف الهجائية المقطعة، التي يُراد بها التحدي والإعجاز.\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٣١٨\n(^٢) الطبري: جامع البيان: ١٨/ ٢٦٨\n(^٣) الواحدي: التفسير الوسيط: ٣/ ١٩٩\n(^٤) ابن عطية: المحرر الوجيز: ٤/ ٣٦\n(^٥) العثيمين: شرح رياض الصالحين: دار الوطن، الرياض، ١٤٢٦ هـ، (٢/ ٢١٠)\n(^٦) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٣٦٥\n(^٧) الواحدي: التفسير الوسيط: ٣/ ٥٠٩\n(^٨) ابن عطية: المحرر الوجيز: ٤/ ٤٤٥","vol":"1","page":554},{"text":"وقد استدل بعضهم بتسميته بعبدالله، بقوله: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾ [الجن:١٩]. (^١)\nوهنا يقول ابن القيم: \" وأسماؤه ﷺ نوعان: أحدهما: خاص لا يشركه فيه غيره من الرسل، كمحمد، وأحمد، والعاقب، والحاشر، والمقفي، ونبي الملحمة. والثاني: ما يُشاركه في معناه غيره من الرسل، ولكن له منه كماله، فهو مختص بكماله دون أصله، كرسول الله، ونبيه، وعبده، والشاهد، والمبشر، والنذير، ونبي الرحمة، ونبي التوبة \". (^٢)\nولذا لما عَدَّ النووي أسماء النبي ﷺ قال: \" وبعض هذه المذكورات صفات، فإطلاقهم الأسماء عليها مجاز \" (^٣). وكذا قال ابن حجر حين عَدَّ الأسماء: \" وغالب الأسماء التي ذكرها، وُصِف بها النبي ﷺ، ولم يرد الكثير منها على سبيل التسمية\" (^٤). ومما ذكر السمعاني في هذا المقام:\n١ - تسميته بالنور: قال تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ﴾ [المائدة:١٥]، مما فُسِرت به الآية: أنه النبي ﷺ، قال السمعاني: \" وقيل: محمد، وسُمي نورًا؛ لأنه يتبين به الأشياء، كما يتبين بالنور \". (^٥)\n٢ - السراج: قال تعالى: ﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ [الأحزاب:٤٦]، وكذلك مما فُسرت به الآية، النبي ﷺ، قال السمعاني: \" وقيل: وسراجًا هو الرسول، سماه سراجًا؛ لأنه يُهتدى به، كالسراج يُستضاء به \". (^٦)\nب - نسب النبي ﷺ:\n_________\n(^١) الخرشوكي: شرف المصطفى: دار البشائر: مكة: ط ١، ١٤٢٤ هـ، (٢/ ٥٨)\n(^٢) ابن القيم: زاد المعاد: مؤسسة الرسالة: بيروت، ط ٢٧، ١٤١٥ هـ، (١/ ٨٦)\n(^٣) النووي: تهذيب الأسماء واللغات: دار الكتب العلمية، بيروت، (١/ ٢٢)\n(^٤) ابن حجر: فتح الباري: ٦/ ٥٥٨\n(^٥) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٢٣\n(^٦) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٢٩٤","vol":"1","page":555},{"text":"ذكر السمعاني نسب النبي ﷺ من أبيه إلى عدنان، وكان معروف النسب، قال تعالى: ﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ [المؤمنون:٦٩]، يقول السمعاني: \" يعني: أنهم عرفوه صغيرًا وكبيرًا، وعرفوا نسبه، وعرفوا وفاءه بالعهد، وأداءه للأمانات، وصدقه في الأقوال \" (^١). ثم قَسَّم السمعاني نسب النبي ﷺ إلى قسمين:\n١ - متفق عليه: وهو إلى عدنان: (محمد بن عبدالله بن عبدالمطلب بن هاشم بن عبدمناف بن قُصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خُزيمة بن مدركة بن إلياس بن مُضر بن نزار بن معد بن عدنان). (^٢)\n٢ - مختلف فيه: وهو من عدنان إلى إبراهيم، إلى آدم ﵉، حتى قال ابن مسعود: كذب النسابون، حين قرأ قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ﴾ [إبراهيم:٩]، وقال ابن عباس: بين إبراهيم وبين عدنان جد الرسول ثلاثون قرنًا، لا يعلمهم إلا الله، وعن عروة بن الزبير قال: ماوراء عدنان إلى إبراهيم ﵇، لا يعلمهم إلا الله، وعن مالك بن أنس أنه كره أن ينسب الإنسان نفسه أبًا أبًا إلى آدم، وكذلك في حق الرسول ﷺ، كان يكره ذلك؛ لأنه لا يعلم أولئك الآباء أحد إلا الله. (^٣)\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٤٨٣\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٢٠٧\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ١٠٦","vol":"1","page":556},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-239>المسألة الثانية: خصائصه ﵊:</span>\nأما خصائصه ﵊، فهي كثيرة جدًا، حتى ألف فيها العلماء، وصنف فيها الحكماء، وترنم بها الأدباء، ونظمها الشعراء. فالنبي ﷺ، مكمن الأخلاق، ومنتهى الآداب، زكاه ربه، فقال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم:٤]، أي: على الخلق الذي أدبك الله به، مما نزل به القرآن، من الإحسان إلى الناس، والعفو، والتجاوز، وصلة الأرحام، وإعطاء النصفة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وما أشبه ذلك. وهو صاحب طبع كريم، ﵊. (^١)\nومما اختصه الله تعالى به:\n١ - غفران ذنوبه: قال تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٢) وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا (٣)﴾ [الفتح:١ - ٣]، أي: يغفر لك ما تقدم من ذنبك قبل زمان النبوة، وما تأخر عن زمان النبوة، قال الثوري: ما كان وما يكون ما لم تفعله، وأنت فاعله، فكأنه غفر له قبل الفعل. (^٢)\n٢ - عموم بعثته: قال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان:١]، يقول السمعاني: \" أي: الجن والإنس، قال أهل العلم: ولم يبعث نبي إلى جميع العالمين، غير نوح ومحمد ﵉ \". (^٣)\n٣ - إكرام الرب تعالى له، بإعطائه اسمين من أسمائه: قال تعالى: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨]، يقول السمعاني: \" وقد أعطاه الله تعالى في هذه الآية، اسمين من أسمائه، وهو في نهاية الكرامة \". (^٤)\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ٦/ ١٨\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ١٩٠\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٥\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٣٦٣","vol":"1","page":557},{"text":"٤ - إعطاؤه المقام المحمود: قال تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء:٧٩]، يقول السمعاني: \" أجمع المفسرون أن هذا مقام الشفاعة، وقد ثبت هذا عن النبي ﷺ \". (^١)\n٥ - القسم به: قال تعالى: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الحِجر:٧٢]، قال ابن عباس: وعيشك، وقيل: وحياتك. وعن ابن عباس قال: ما خلق الله خلقًا أكرم عليه من محمد، فإن الله تعالى لم يقسم بحياة أحد إلا بحياة محمد ﷺ. (^٢)\n٦ - تثبيت قلبه: قال تعالى: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ [هود:١٢٠]، يقول السمعاني:: \" معناه: وكل الذي تحتاج إليه من أنباء الرسل، نقصها عليك؛ لنثبت بها فؤادك. فإن قيل: قد كان فؤاده ثابتًا، فإيش معنى قوله: \" لنثبت به فؤادك \"؟ قلنا: معناه: لتزداد ثباتًا \". (^٣)\n٧ - تعليمه مالا يعلم: قال تعالى: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء:١١٣]، \" يعني: من أحكام القرآن، وقيل: من علم الغيب، وقيل: علمك قدرك، ولم تكن تعلمه \". (^٤)\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٢٦٩\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ١٤٦\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٤٦٩\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٤٧٧","vol":"1","page":558},{"text":"٨ - الأمر بتعظيمه: قال تعالى: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ [الفتح:٩]، والتعزير ها هنا العظيم، والتوقير التبجيل والتفخيم (^١). ولذلك نهي الله تعالى عن رفع الصوت فوق صوت النبي ﷺ، أو الجهر له، أو مناداته باسمه، فأنزل الله تعالى ما يوجب عليهم تعظيمه، بأن يكلموه بالكلام المبجل المعظم له، الدال على توفية حقه في الخطاب (^٢)، فأمر أن يُنادى يا أيها الرسول، يا أيها النبي، يا رسول الله، قال تعالى: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور:٦٣]، والمقصود دعاؤه على التفخيم والتعظيم. (^٣)\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ١٩٣\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٢١٤\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٥٥٤","vol":"1","page":559},{"text":"٩ - أن الله تعالى جعله أميًا: قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [الجمعة:٢]، \" والحكمة في كون الرسول ﷺ أميًا؛ انتفاء التهمة عنه في تعلم أخبار الأولين، ودراستها من كتبهم: ويُقال: ليكون موافقًا لصفته في كتب الأولين \" (^١)، ولذا قال المشركون كما حكى الله عنهم: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الفرقان:٥]، فقوله: \" اكْتَتَبَهَا \" أي: طلب أن تكتب له؛ لأنه كان لا يكتب \" فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ \" أي: تقرأ عليه (^٢). وقال تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت:٤٨]، أي: لم تكن تقرأ ولا تكتب، \" إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ \" أي: إذا لشك الكافرون لو قرأت وكتبت، أما أهل الشرك فكانوا يزعمون أنه قرأ من كتب الأولين، وانتسخ منها، وأما أهل الكتاب فقد كان نعته في كتبهم، أنه أمي لا يقرأ ولا يكتب، فلو قرأ وكتب، وقع لهم الشك. وعن الشعبي قال: لم يخرج النبي ﷺ من الدنيا حتى كتب وقرأ، وهذا قول ضعيف لا يعتمد عليه، وأظن أنه لا يصح عن الشعبي هذا؛ لأنه كان عالمًا كبيرًا \". (^٣)\n١٠ - الصلاة عليه: قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦]، يقول السمعاني: \" الصلاة من الله تعالى، بمعنى الرحمة والمغفرة، والملائكة والمؤمنين بمعنى الدعاء \". (^٤)\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٤٣١\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٧\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ١٨٥\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٣٠٤","vol":"1","page":560},{"text":"١١ - ختم النبوة به: قال تعالى: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب:٤٠]، يقول السمعاني: \" وقُرِئ \" خاتَم \" بنصب التاء، فأما قوله: \" وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ \" بالفتح، أي: آخر النبيين، وأما بالكسر، أي: ختم به النبيين \". (^١)\n١٢ - إكرامه برحلة الإسراء والمعراج: قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ [الإسراء:١]، وكان بالروح والجسد، يقول السمعاني: \" وقد تواترت الأخبار الصحيحة على ما يوافق هذا القول \". (^٢)\n١٣ - أن الله عصمة من عبية الجاهلية: يقول السمعاني في جواب سؤال أورده: هل كان النبي ﷺ، على دين قومه قبل النبوة أم لا؟!. فأجاب بقوله: \" قد ورد في التفسير: أنه كان على دين قومه قبل ذلك، ومعنى ذلك: أنه كان يشهد مشاهدهم، ويوافقهم في بعض أمورهم، من غير أن يعبد صنمًا، أو يعظم وثنًا، وقد كان الله عصمه عن ذلك \" (^٣).ونقل النقاش؛ أنه كان متعبدًا قبل النبوة بشريعة إبراهيم، في النكاح، والطلاق، والعبادات، والمعاملات، وغير ذلك. (^٤)\nوفي ذلك يقول ابن إسحاق: \" فشب رسول الله ﷺ، يكلؤه الله، ويحفظه، ويحوطه من أقذار الجاهلية ومعايبها؛ لما يريد به من كرامته ورسالته، وهو على دين قومه، حتى بلغ أن كان رجلًا، أفضل قومه مروءة، وأحسنهم خلقًا، وأكرمهم مخالطة، وأحسنهم جوارًا، وأعظمهم خلقًا، وأصدقهم حديثًا، وأعظمهم أمانة، وأبعدهم من الفحش والأخلاق التي تدنس الرجال؛ تنزهًا وتكرمًا، حتى ما أسماه قومه إلا الأمين؛ لما جمع الله ﷿ فيه من الأمور الصالحة، وكان رسول الله ﷺ فيما ذكر لي - يُحدث عما كان يحفظه الله ﷿ به في صغره، وأمر جاهليته \". (^٥)\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٢٩٠\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٢١٤\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٦/ ٢٤٩\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ١٩٠\n(^٥) ابن إسحاق: السير والغزوات: دار الفكر، بيروت، ط ١، ١٣٩٨ هـ، (٧٨)","vol":"1","page":561},{"text":"وترجم لهذا الأئمة في مصنفاتهم، قال البيهقي: \" باب ما جاء في حفظ الله تعالى رسوله ﷺ في شبيبته عن أقذار الجاهلية ومعايبها؛ لما يريد من كرامته برسالته، حتى بعثه رسولًا \". (^١)\nوكان الإمام أحمد يُشدِّد في هذه المسألة، فكان يقول: من قال إن رسول الله ﷺ كان على دين قومه، فهو قول سوء، أليس كان لا يأكل مما ذُبِح على النُّصُب. (^٢)\nوالمعلوم أن النبي ﷺ كان متدينًا قبل بعثه، فهل كان متعبدًا بشريعة من قبله؟. قولان: ١ - كان متعبدًا بما صح من شرائع من قبله بطريق الوحي إليه، لا من جهتهم ولا بتعلم، ولا من كتبهم المبدله.\n٢ - وقيل: لم يكن متعبدًا بشيء من الشرائع، إلا ما أوحى إليه في شريعته.\nواختلف القائلون بأنه كان متعبدًا بشرع من قبله، بأي شريعة كان يتعبد؟ فقال بعضهم: بشريعة إبراهيم خاصة، وقال عنه السمعاني: هو قول شاذ، وذهب آخرون إلى أنه كان متعبدًا بشريعة موسى، وظاهر كلام أحمد: أنه كان متعبدًا بكل ما صح أنه شريعة لنبي قبله، ما لم يثبت نسخه، يدل عليه قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام:٩٠]. (^٣)\nوقد نازع السمعاني في هذه المسألة في كتابه القواطع، وذهب إلى أن النبي ﷺ لم يكن متعبدًا بشرع من قبله قبل الوحي، وإنما كان ما كان منه على طريق الموافقة، حين وجد قومه على أدب إبراهيم ﵇ (^٤)، ورجح القول بأن النبي ﷺ لم يكن متعبدا باتباعها، بل كان منهيا عنها (^٥).\n_________\n(^١) البيهقي: دلائل النبوة: دار الكتب العلمية، بيروت، ط ١، ١٤٠٥ هـ، (٢/ ٣٠)\n(^٢) المقريزي: إمتاع الأسماع: ٢/ ٣٥٧\n(^٣) المقريزي: إمتاع الأسماع: ٢/ ٣٥٨،أبو يعلى: العدة في أصول الفقه: ط ٢، ١٤٢٠ هـ (٣/ ٧٦٥)\n(^٤) السمعاني: قواطع الأدلة: ١/ ٣٢١\n(^٥) - السمعاني: مرجع سابق: ١/ ٣١٦","vol":"1","page":562},{"text":"١٤ - أن الله تعالى عصم نبيه ﷺ: فقال: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة:٦٧]، ولكن هذه العصمة - كما بينا - فيما يتعلق بتبليغ الرسالة، والعصمة من الكفر والشرك، والكبائر، أما العوارض البشرية فهذه تقع عليه، وعلى غيره من الأنبياء، يقول الإمام ابن تيمية: \" والأنبياء يجوز عليهم المرض، والجوع، والنسيان، ونحو ذلك بالإجماع\". (^١)\nومن هذه العوارض التي جرت للنبي ﷺ وقوع السحر عليه، يقول السمعاني في تفسير سورة الفلق: \" واعلم أن المفسرين قالوا: إن هذه السورة والتي تليها نزلتا حين سُحر النبي ﷺ، سحره لبيد بن أعصم اليهودي. وكان لبيد قد سحر النبي ﷺ، وجعل ذلك في بئر ذي أروان، فاعتل النبي ﷺ، واشتدت علته، وكان يُخيَّل إليه أنه يفعل الشيء ولا يفعله، ثم إن جبريل ﵇ أنزل المعوذتين \" (^٢). وحاول بعض الناس إنكار السحر، بحجة منافاته لمقام النبوة، وهؤلاء تصدى لهم العلماء، وبينوا عوار قولهم، وفساد رأيهم، وفيهم يقول ابن قتيبة: \" إن الذي يذهب إلى هذا، مخالف للمسلمين، واليهود، والنصارى، وجميع أهل الكتب، ومخالف للأمم كلها، الهند، وهي أشدها إيمانًا بالرقى، والروم، والعرب في الجاهلية، وفي الإسلام، ومخالف للقرآن معاند له بغير تأويل؛ لأن الله ﷿ قال لرسوله ﷺ: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١) مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ (٢) وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ (٣) وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (٤)﴾ [الفَلَق:١ - ٤]، فأعلمنا أن السواحر، ينفثن في عُقدٍ يعقدنها، كما يتفل الراقي والمُعوِّذ ... \". (^٣)\n_________\n(^١) ابن تيمية: الاستغاثة في الرد على البكري: دار الوطن، الرياض، ط ١، ١٤١٧ هـ، (١/ ٣٠٦)\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٦/ ٣٠٧ - ١/ ١١٦\n(^٣) ابن قتيبة: تأويل مختلف الحديث: المكتب الإسلامي، ط ١، ١٤١٩ هـ، (٢٦١)، وانظر رد المازري عليهم في فتح الباري: ١٠/ ٢٢٦","vol":"1","page":563},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-240>المسألة الثالثة: حكم تنقص النبي ﷺ وأذيته:</span>\nأجرى الله سنته فيمن آذى رسله، فأخرجهم، أو قتلهم، بالهلاك، قال تعالى: ﴿سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا﴾ [الإسراء:٧٧]، يقول السمعاني: \" ومعنى سنة الله: هو استئصال القوم بالهلاك، إذا أخرجوا الرسول، أو قتلوه \". (^١)\nوتنقص الرسول ﷺ كفر، يقول مالك بن أنس: من قال رسول الله ﷺ وسخ، يُريد به النقص كفر بالله تعالى (^٢).\nوقد حكى العلماء الإجماع على ذلك:\nـ قال محمد سحنون: \" أجمع العلماء على أن شاتم النبي ﷺ المنتقص له كافر، والوعيد جارٍ عليه بعذاب الله له، وحكمه عند الأمة القتل، ومن شك في كفره وعذابه كفر\". (^٣)\nـ وقال ابن حزم: \" وكل من آذى رسول الله ﷺ فهو كافر مرتد يقتل ولابد\". (^٤)\nـ وقال ابن المنذر: \" وأجمع عوام أهل العلم، على وجوب القتل على من سب النبي ﷺ \". (^٥)\nـ وقال ابن تيمية: \" إن الساب إن كان مسلمًا، فإنه يكفر، ويُقتل بغير خلاف \". (^٦)\nولذا قال السمعاني في تفسير قوله تعالى: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ﴾ [التوبة:٧٤]، \" قال بعضهم: كلمة الكفر: هي سب محمد ﷺ \". (^٧)\nإذن: فمقام النبوة عظيم، فقد أقسم الله بالقرآن، إن محمدًا لمن المرسلين، فقال: ﴿يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (٢) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٣)﴾ [يس:١ - ٣] (^٨)، ثم رفع الله ذكره بالنبوة والرسالة. (^٩)\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٢٦٧\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٢١٤\n(^٣) ابن تيمية: الصارم المسلول على شاتم الرسول: دار ابن حزم، ط ١، ١٤١٧ هـ، (٢/ ١٥)\n(^٤) ابن حزم: المحلى بالآثار: دار الفكر، بيروت، (١٢/ ٤٣٩)\n(^٥) ابن المنذر: الإقناع: ط ١، ١٤٠٨ هـ، (٢/ ٥٨٤)\n(^٦) ابن تيمية: الصارم المسلول: ٢/ ١٦\n(^٧) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٣٢٨\n(^٨) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٣٦٥\n(^٩) السمعاني: تفسير القرآن: ٦/ ٢٤٩","vol":"1","page":564},{"text":"الفصل الخامس: الإيمان باليوم الآخر\nالمبحث الأول: التعريف باليوم الآخر، وأشراط الساعة\nالمطلب الأول: التعريف باليوم الآخر\nالمطلب الثاني: أشراط الساعة\nالمبحث الثاني: الموت وحقيقته\nالمبحث الثالث: أحكام البرزخ\nالمبحث الرابع: البعث بعد الموت\nالمبحث الخامس: أحداث الآخرة وأحوالها","vol":"1","page":565},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-241>الفصل الخامس: الإيمان باليوم الآخر:</span>\nالإيمان باليوم الآخر، أُس العقيدة بعد الإيمان بالله تعالى، ولأهميته ذكره الله تعالى بالخصوص بعد العموم، قال تعالى: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة:١ - ٢]، ثم قال: ﴿وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ [البقرة:٤]، يقول السعدي: \" وخصَّه بالذكر بعد العموم؛ لأن الإيمان باليوم الآخر، أحد أركان الإيمان؛ ولأنه أعظم باعث على الرغبة، والرهبة، والعمل \". (^١)\nوهو داخل في الغيب الذي أمر الله تعالى بالإيمان به، فقال: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة:٣]، يقول السمعاني: \" قال ابن عباس: الغيب: كل ما أمرت بالإيمان به مما غاب عن بصرك، وذلك مثل: الملائكة، والجنة، والنار، والصراط، والميزان، ونحوها \" (^٢). ولما كان الإيمان باليوم الآخر بهذه المثابة العظيمة، كُرر في القرآن الوعد والوعيد، توكيدًا، وقطعًا للتأويل. (^٣)\nوالإيمان باليوم الآخر، محل اتفاق بين أهل الملل، يقول الإمام ابن تيمية: \" بل هم، اليهود، والنصارى، والمسلمون، متفقون على الإيمان باليوم الآخر، وقد تنازعوا في بعض معانيها\". (^٤)\nويقول الإمام ابن حزم: \" اتفق جميع أهل القبلة على تنابذ فرقهم على القول بالبعث في القيامة \". (^٥)\n_________\n(^١) السعدي: تيسير الكريم الرحمن: مؤسسة الرسالة، ط ١، ١٤٢٠ هـ، (٢٤)\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٤٣\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٤٨٢\n(^٤) ابن تيمية: الجواب الصحيح: ٢/ ٤٤١\n(^٥) ابن حزم: الفِصل: ٤/ ٦٦","vol":"1","page":566},{"text":"ويقول العلامة القصري: \" والإجماع من أهل الإيمان عليه \" (^١). وهل إيمان أهل الكتابين باليوم الآخر متمحضًا؟. فقد أورد الإمام السمعاني في تفسيره تساؤلًا، مفاده: \" قال تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [التوبة:٢٩]: فإن قال قائل: إن أهل الكتابين يؤمنون بالله واليوم الآخر، فكيف معنى الآية؟!. الجوب من وجهين:\nأحدهما: أنهم لا يؤمنون بالله واليوم الآخر، كإيمان المؤمنين، فإنهم قالوا: عزير ابن الله، وقالوا: المسيح ابن الله، وقالت اليهود: لا أكل ولا شرب في الجنة.\nوالجواب الثاني: أن كفرهم ككفر من لا يؤمنون بالله واليوم الآخر، في عظم الجرم \". (^٢)\nومن أهم المعالم التي قررها السمعاني في هذا الفصل، الإقرار بحقيقة الموت وحتميته، وذكر الساعة وأشراطها، وأحوال القيامة وتوابعها.\nوهذا الركن الذي يسميه المتكلمون بباب السمعيات؛ بناء على تقسيمهم أبواب العقائد إلى: إلهيات، ونبوات، وسمعيات، وأن السمعيات مختصة بأخبار اليوم الآخر وما يتعلق به، وإنما سموه بذلك؛ لأن قضاياه لا تثبت إلا بالأخبار الصادقة، لكنهم قصروا فيها من جهتين:\nالأولى: أنهم لم يقبلوا فيها أحاديث الآحاد، ولذلك رد بعضهم شيئا مما ورد في السنة المطهرة من أخبار الدار الآخرة.\n_________\n(^١) القصري: شعب الإيمان: ٥٨٩\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٣٠١","vol":"1","page":567},{"text":"الثانية: أنهم أغفلوا دلالة العقل في هذا الباب، مع أنهم أهل تقديس للعقل، وقد حصر الأشاعرة أمر المعاد في السمعيات، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: وأما أمر المعاد فيجعلونه كله من باب السمعيات؛ لأنه ممكن في العقل، والصادق أخبر به (^١)، والحق أن هذا الباب، وخاصة ما يتعلق بالبعث والمعاد، فإن معرفته بالسمع واجبة، وأما بالعقل فقد تُعرف وقد لا تُعرف، فليست معرفته بالعقل ممتنعة، ولا هي أيضا واجبة (^٢)، فهي تدخل في حيز الإمكان، فما يتعلق بجانب الإمكان وعدم الاستحالة، فقد قامت الأدلة العقلية على جوازه وإمكانه، كما هو مسطور في ثنايا البحث، وأما ما يتعلق بتفاصيل وأحداث اليوم الآخر وأخباره، فهي سمعية محضة.\n_________\n(^١) - ابن تيمية: شرح العقيدة الأصبهانية: ٨\n(^٢) - ابن تيمية: جامع المسائل: ٣/ ٢٤٢","vol":"1","page":568},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-242>المبحث الأول: التعريف باليوم الآخر، وأشراط الساعة:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-243>المطلب الأول: التعريف باليوم الآخر:</span>\nلليوم الآخر أسماء كثيرة في القرآن الكريم، تتبعها السمعاني في تفسيره، ووضحها، وبيَّن معانيها. ومعلوم أن كثرة الأسماء تدل على شرف المسمى، أو عِظَمه، أو تهويل أمره (^١)، منها ماهو في القرآن بلفظه، ومنها ما أُخذ بطريق الاشتقاق (^٢). ومن أسمائها:\n١ - الآخرة: قال تعالى: ﴿وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ [البقرة:٤]، يقول السمعاني: \" وسميت الآخرة آخِرة؛ لتأخرها عن الخلق \". (^٣)\n٢ - القيامة: قال تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [النساء:٨٧]. يقول السمعاني: \" واختلفوا لِمَ سميت القيامة؟ قال بعضهم: لأن الناس يقومون فيه إلى رب العالمين، وقيل: إن الناس يقومون فيها إلى الحساب \". (^٤)\n_________\n(^١) الأقفهسي: الإرشاد: دار الكتب العلمية، بيروت، ط ١، ١٤١٢ هـ (٢/ ٥٧٤)\n(^٢) السيوطي: البدور السافرة: دار المعرفة، بيروت، ط ١، ١٤٢٦ هـ، (٧١)\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٤٤\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٤٥٨ - ٦/ ١٠٢","vol":"1","page":569},{"text":"٣ - الآزفة: قال تعالى: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ﴾ [غافر:١٨]، يقول السمعاني: \" أي: يوم القيامة، وسميت آزفة لقربها، كأنها قريبة عند الله تعالى، وإن كان الناس يستبعدونها، وقيل: هي قريبة لأنها واقعة لا محالة، وكل كائن قريب \" (^١)، ولذا قال تعالى: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء:١]، يقول السمعاني: \" وإنما سمى الساعة قريبة؛ لأنها كائنة لا محالة، وكل ما هو كائن لا محالة، فهو قريب، وأيضًا فإن ما بقي من الدنيا، في جنب ما مضى قليل، فسمى الساعة قريبة على هذا المعنى \". (^٢)\n٤ - الجمع: قال تعالى: ﴿وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [الشورى:٧]، \" أي: يوم القيامة، وهو اليوم الذي تجتمع فيه أهل السموات، وأهل الأرض. وقيل: يجتمع فيه الأولون والآخرون\". (^٣)\n٥ - الواقعة: قال تعالى: ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾ [الواقعة:١]، وسُميت القيامة واقعة؛ لأنه لا بُدَّ من وقوعها، والعرب تسمي كل متوقع لا بُدَّ منه واقعًا، وقيل: سميت القيامة واقعة؛ لكثرة ما يقع فيها من الشدة، وعن بعضهم: لأنها تقع على غفلة الناس \". (^٤)\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ١٢\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٣٦٧ - ٥/ ٣١٨\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٦٤ - ٥/ ٤٥١\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٣٤١","vol":"1","page":570},{"text":"٦ - يوم التغابن: قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ﴾ [التغابن:٩]، قال ابن عباس: هو اسم ليوم القيامة. وفي التغابن معنيان: أحدهما: أن أهل الحق يغبنون أهل الباطل، وأهل الإيمان يغبنون أهل الكفر. والقول الثاني: أن الله تعالى سمَّى لكل أحد من خلقه منزلًا في النار، ومنزلًا في الجنة، فمن كان مؤمنًا يرث منزلة الكافر في الجنة، ومن كان كافرًا يرث منزل المؤمن في النار. وعن بعضهم: أن الغبن هو أخذ الشيء بدون قيمته، فبالتفاوت الذي يقع بين القيمة وما دونها يحصل التغابن، فالمؤمنون لما عملوا للجنة وللنعيم الباقي، فقد غبنوا أهل النار، والكفار لما اختاروا النعيم المنقطع على النعيم الباقي، والدار التي تفنى على الدار التي لا تفنى، فقد غبنوا \". (^١)\n٧ - الحاقة: قال تعالى: ﴿الْحَاقَّةُ (١) مَا الْحَاقَّةُ﴾ [الحاقة:١ - ٢]، يقول السمعاني: \" وسميت القيامة حاقة؛ لأن فيها حواق الأمور، أي حقائقها. ويُقال: لأنها حققت على كل إنسان عمله من خير وشر، وتظهر جزاءه من الثواب والعقاب. قال الأزهري: سميت حاقة؛ لأنها تحق الكفار الذين حاقوا الأنبياء في الدنيا إنكارًا لها. تقول العرب: حاققت فلانًا فحققته، أي: خاصمته فخصمتة \". (^٢)\n٨ - اليوم العظيم: قال تعالى: ﴿أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (٤) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [المطفِّفين:٤ - ٥]، يقول السمعاني: \" سماه عظيمًا، لعِظم ما فيه وشدته \". (^٣)\n٩ - الغاشية: قال تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ [الغاشية:١]، يقول السمعاني: \"وسميت غاشية؛ لأنها تغشى كل شيء بالأهوال، ويُقال: تغشى كل كافر وفاجر بالعذاب\". (^٤)\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٤٥٢\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٦/ ٣٤\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٦/ ١٧٨\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٦/ ٢١٢","vol":"1","page":571},{"text":"١٠ - القارعة: قال تعالى: ﴿الْقَارِعَةُ (١) مَا الْقَارِعَةُ﴾ [القارعة:١ - ٢]، يقول السمعاني: \" سميت قارعة؛ لأنها تقرع القلوب بالهول والشدة \". (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-244>المطلب الثاني: أشراط الساعة:</span>\nالكتاب والسنة حافلان بذكر اشراط الساعة، وهي من الغيب الذي يجب الإيمان به، فقد كان النبي ﷺ يُحدِّثُ أصحابه ويخبرهم عن الساعة وأشراطها، بل إنه ﵊، خطبهم خطبة، ما ترك فيها شيئًا إلى قيام الساعة إلا ذكره. (^٢)\nوبتتبع كلام السمعاني في هذا المقام، يظهر اهتمامه الجلي ببيان هذه العقيدة، من جهات:\n١ - تأكيده على أن علم الساعة، إنما هو من خصائص الله تعالى، قال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٥) قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [المُلك:٢٥ - ٢٦]، يقول السمعاني: \" أي: علم الساعة عند الله \" (^٣)، وقال تعالى: ﴿إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [فُصِّلَت:٤٧]، \" معناه: إلى الله يرد علم الساعة، وهذا على االعموم، فإن كل من سُئل عن الساعة، يقول: الله أعلم \". (^٤)\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ٦/ ٢٧٣\n(^٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب القدر، باب ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ ...، ح (٦٦٠٤)\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٦/ ١٤ - ٥/ ١١٩\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٥٨","vol":"1","page":572},{"text":"يقول السمعاني في حكمة إخفاء أمر الساعة: \" وقد أخفى الله تعالى أمر الساعة، وزمان قيامها، ليكون أبلغ في الإنذار والتخويف \" (^١)، وقال تعالى: ﴿أَزِفَتِ الْآزِفَةُ (٥٧) لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ (٥٨)﴾ [النجم:٥٧ - ٥٨]، \" ومعنى الآية: أنه لا يعلم علمها سوى الله تعالى، وهو علم قيامها وتجليها \" (^٢)، وفي بعض التفاسير: أن النبي ﷺ كان يسأل كثيرًا جبريل: متى الساعة، فأنزل الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا (٤٢) فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا (٤٣) إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا (٤٤)﴾ [النازعات:٤٢ - ٤٤]، أي: منتهى علم قيامها إلى الله، وقيل: أن كل من يُسأل عنه يقول: الله أعلم، فيرد علمها إلى الله تعالى (^٣). ولذا كان أهل الإيمان مشفقون منها، وأهل الكفر منكرون مكذبون لها، قال تعالى: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ﴾ [الشورى:١٨]، فأما الكفار فكان استعجالهم بها على طريق الاستبعاد لقيامها؛ تكذيبًا بها، وأما المؤمنون فهم خائفون وجلون منها، وخوفهم من المحاسبة الموعودة، والجزاء الواقع على الأعمال. (^٤)\n٢ - إشارته إلى بعض علامات الساعة وأماراتها، قال تعالى: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ [محمد:١٨]، قال السمعاني: \" أي: علاماتها \" (^٥). وقد ذكر السمعاني بعضًا من الأشراط الصغرى، وبعضًا من الأشراط الكبرى:\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ١١٤\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٣٠٤\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٦/ ١٥٣\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٧١\n(^٥) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ١٧٦","vol":"1","page":573},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-245>أ - من الأشراط الصغرى:</span>\n١ - صدق رؤيا المؤمن: واستدل لها السمعاني بقوله ﷺ: \" إذا تقارب الزمان، لم تكد رؤيا المؤمن تكذب \" (^١)، قال السمعاني: \" وله معنيان: أحدهما: أن تقارب الزمان، هو استواء الليل والنهار، والطِّباع عند استواء الليل والنهار أصح، فالرؤيا أصدق. والمعنى الثاني: أن تقارب الزمان هو تقارب الساعة \" (^٢)، وهذا أحد الأقوال التي ذكرها العلماء في الزمن الذي تقع فيه صدق رؤيا المؤمن، إذا اقتربت الساعة، وقُبض العلم، ودرست معالم الشريعة، بسبب الفتن وكثرة القتل، فإنهم يُعَوَّضون بالمرائي الصادقة، التي هي جزء من النبوة، الآتية بالتبشير والإنذار، وقيل: ذلك خاص بزمان عيسى ﵇. (^٣)\n٢ - ظهور مُدَّعيي النبوة: واستدل لها السمعاني بقوله ﷺ: \" لا تقوم الساعة حتى يبعث دجالون قريبًا من ثلاثين، كلهم يزعم أنه نبي، ولا نبي بعدي \" (^٤)، يقول العلماء: وليس التحديد مرادًا به كل من ادعى النبوة مطلقًا، فإنهم كثير لا يحصون، وإنما المراد من قامت له شوكة، وكثر أتباعه، واشتهر بين الناس. (^٥)\n٣ - حسر الفرات عن جبل من ذهب: واستدل له السمعاني بقوله ﷺ: \" يوشك أن يحسر الفرات على جبل من ذهب، فيقتتل الناس عليه \" (^٦)، وقد نهى النبي ﷺ من حضره، أن يأخذ منه شيئًا؛ لما ينشأ عن أخذه من الفتنة والقتال عليه. (^٧)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحه، باب القيد في المنام، ح (٧٠١٧)\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٣٥\n(^٣) ابن حجر: فتح الباري: ١٢/ ٤٠٦ - ٤٠٧\n(^٤) أخرجه البخاري في صحيحه، باب علامات النبوة، ح (٣٦٩)\n(^٥) ابن حجر: فتح الباري: ٦/ ٦١٧\n(^٦) أخرجه البخاري في صحيحه، باب خروج النار، ح (٧١١٩)\n(^٧) ابن حجر: فتح الباري: ١٣/ ٨١","vol":"1","page":574},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-246>ب - من الأشراط الكبرى:</span>\nأولًا: ذكر السمعاني خلاف العلماء في أول أشراط الساعة، فذكر عن بعضهم، حسب اختلاف الروايات:\nـ أن أول أشراط الساعة، طلوع الشمس من مغربها، وحينئذ يُغلق باب التوبة.\nـ أن أول أشراط الساعة، نار تخرج من المشرق، فتسوق الناس إلى المغرب.\nـ أن أول أشراط الساعة، خروج الدابة.\nثم ذكر السمعاني في الخبر:\"أن هذه الأشراط تكون في مدة قريبة، ويتتابع بعضها إثر بعض (^١). وقيل: كلؤلؤ العقد إذا انحل نظامه، كان بعضه في إثر بعض. (^٢)\nوقد جمع ابن حجر بين مجموع الأخبار، فقال: \" الذي يترجح من مجموع الأخبار، أن خروج الدجال أول الآيات العظام المؤذنة بتغير الأحوال العامة في معظم الأرض، وينتهي ذلك بموت عيسى ﵇. وأن طلوع الشمس من المغرب، هو أول الآيات العِظام المؤذنة بتغير أحوال العالم العلوي، وينتهي بقيام الساعة، ولعل خروج الدابة، يقع في ذلك اليوم الذي تطلع فيه الشمس من المغرب \". (^٣)\nثانيًا: من العلامات التي ذكرها السمعاني في تفسيره، ما يلي:\n١ - طلوع الشمس من مغربها: واستدل السمعاني بقوله تعالى: ﴿أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام:١٥٨]، يقول السمعاني: \" أجمع المفسرون على أنه أراد به: طلوع الشمس من مغربها، إلا في رواية شاذة، عن معاذ بن جبل أنه: خروج الدجال، وخروج يأجوج ومأجوج، وقد ثبت برواية ابن مسعود عن النبي ﷺ أنه قال: (هي طلوع الشمس من مغربها) (^٤)، وكذلك رواه أبو سعيد مرفوعًا بلفظه (^٥)، وقال ابن مسعود: إن الشمس والقمر يطلعان يومئذ أسودين \" (^٦)، ورجح هذا القول الطبري، وقال: هو أولى الأقوال بالصواب (^٧)، وقال الشوكاني: \" فإذا ثبت رفع هذا التفسير النبوي من وجه صحيح لا قادح فيه، فهو واجب التقديم، محتم الأخذ به \". (^٨)\n٢ - المسيح الدجال: وقد أثبته السمعاني من جهتين:\n_________\n(^١) أخرجه الهيتمي في مجمع الزوائد: ٧/ ٣٣١\n(^٢) أخرجه أحمد في المسند، ح (٧٠٤٠)\n(^٣) ابن حجر: فتح الباري: ١١/ ٣٥٣\n(^٤) أخرجه الطبراني في الكبير: ح (٩٠١٩)\n(^٥) أخرجه الترمذي في جامعه، ح (٣٠٧١)\n(^٦) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ١٥٩\n(^٧) الطبري: جامع البيان: ٨/ ١٠٣\n(^٨) الشوكاني: فتح القدير: ٢/ ١٨٢","vol":"1","page":575},{"text":"أ - ما رود عن بعض أهل التفسير، في قوله تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ [غافر:٥٧]، يقول السمعاني: \" ويُقال: لخلق السموات والأرض أكبر من قتل الدجال واحدًا وإحيائه، فالناس هنا هو الدجال على هذا القول \". (^١)\nب - ما ورد في السنة الصحيحة، من حديث أبي بكر ة ﵁ عن النبي ﷺ قال: \" لا يدخل المدينة رعب المسيح الدجال \" (^٢) (^٣).\n٣ - نزول المسيح عيسى ﵇: واستدل له السمعاني بقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ [الزُّخرُف:٦١]، يقول السمعاني: \" معناه: أن عيسى ﵇ شرط من أشراط الساعة، فيعلم بنزوله علم الساعة، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: \" لينزلن ابن مريم حكمًا مقسطًا، يكسر الصليب، ويقتل الخنزير \" (^٤)، وفي رواية: \" أنه يقتل الدجال بباب لد \" (^٥)، ويقول: \" فإن عيسى ينزل ويقتل الدجال؛ نصرة للمسلمين \". (^٦)\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٢٧\n(^٢) أخرجه البخاري في صحيحه، باب لا يدخل الدجال المدينة، ح (١٨٧٩)\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٥٤\n(^٤) أخرجه البخاري في صحيحه، باب قتل الخنزير، ح (٢٢٢٢)\n(^٥) أخرجه مسلم في صحيحه، باب ذكر الدجال وصفته، ح (٢٩٣٧)\n(^٦) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٢٣٤ - ٢/ ٥٤ - ٥/ ٢٧","vol":"1","page":576},{"text":"٤ - الدابة: واستدل لها السمعاني بقول تعالى: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ﴾ [النمل:٨٢]، يقول السمعاني: \" والأكثرون على أنها دابة، وهي تخرج في آخر الزمان \"، ثم ذكر السمعاني بعض صفاتها، وفي الغالب هي أشياء لم ترد في السنة الصحيحة عن رسول الله ﷺ. واختلف في الدابة هل تتكلم على وجه الحقيقة أم لا؟ ورجح السمعاني أنها تتكلم، ثم ذكر الخلاف على هذا القول بما تتكلم؟ فقيل: إن كلامها: أن هذا مؤمن، وهذا كافر، وقيل: أنها تتكلم بما قال الله تعالى: ﴿أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ﴾. (^١)\n٥ - يأجوج ومأجوج: واستدل السمعاني بالنصوص الواردة في القرآن والسنة، قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ [الأنبياء:٩٦]،\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ١١٣ - ١١٤","vol":"1","page":577},{"text":"٦ - الدخان: واستدل له السمعاني، بقوله تعالى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الدخان:١٠ - ١١]، يقول السمعاني: \" أن هذا الدخان يكون في القيامة، وهذا قول الحسن، وقتادة، وقيل: هو الأصح، وقيل: إن الدخان شرط من أشراط الساعة، وفي بعض الأخبار: \" بادروا بالأعمال ستًا: طلوع الشمس من مغربها، والدخان ... \" (^١)، وكان ابن مسعود يقول: قد مضى خمس: الدخان، والدم، والقمر، والبطشة، واللزام \" (^٢)، وما ورد عن ابن مسعود في معارضة المرفوع من ثبوت الدخان في القيامة، إما أن يُقال: إن المرفوع مقدم على الموقوف، أو يُقال: بأنهما دخانان، ظهر أحدهما، وبقي الآخر، وهو الذي سيقع في آخر الزمان، يقول القرطبي: \"قال مجاهد: كان ابن مسعود يقول: هما دخان قد مضى أحدهما، والذي بقي يملأ ما بين السماء والأرض، ولا يجد المؤمن منه إلا كالزكمة، وأما الكافر، فيثقب مسامعه \" (^٣).\nومن خلال هذا السرد العلمي لفكر السمعاني وآرائه، يتبين إيمانه بالنصوص والتزامه بما دلت عليه من المعاني والأحكام، دون تأويل أو رد.\nوهو بهذا التقرير يرد على المخالفين في هذا الباب، ممن أنكر بعض ما ورد في كتب السنة، مما يتعلق بأشراط الساعة:\n- فإثباته لنزول المسيح ﵇؛ رد على من كذب ذلك وتأوله.\n- وإثباته للمسيح الدجال؛ رد على من أنكره، أو زعم أنه كناية عن غلبة الشر في ذلك الزمان، أو أنه رمز للدجل والخرافة والقبائح، وقد نقل الإمام النووي في شرحه لصحيح مسلم: أن إثبات المسيح الدجال، هو مذهب أهل السنة وجميع المحدثين والفقهاء والنظار، خلافا لمن أنكره من الخوارج، والجهمية، وبعض المعتزلة (^٤)\n_________\n(^١) أخرج مسلم في صحيحه، باب في بقية من أحاديث الدجال، ح (٢٩٤٧)\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ١٢٣\n(^٣) القرطبي: التذكرة: مكتبة دار المنهاج، الرياض، ط ١، ١٤٢٥ هـ، (١٢٦٧)\n(^٤) - النووي: شرح صحيح مسلم: ١٨/ ٥٨","vol":"1","page":578},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-247>المبحث الثاني: الموت وحقيقته:</span>\nالموت حق، قال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران:١٨٥]، يقول السمعاني: \"والذوق في الموت مجاز، وحقيقة الذوق: هو الإحساس بالشيء، فلما كان يحس بالموت سماه ذوقًا \" (^١)، وإنما ذكر ﷾ ذلك، مع أنه لا يخفى أن كل نفس تموت؛ تزهيدًا بالدنيا.\nوالسمعاني قرر حقيقة الموت، في عدة قضايا:\n١ - أنه مصير محتوم: قال تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزُّمَر:٣٠] (^٢)، وقال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ [الأنبياء:٣٤]، يعني: أن الموت طريق معهود مسلوك، لا بُدَّ منه لكل حي. (^٣)\n٢ - التأكيد على شموله وعمومه: قال تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ [الرحمن:٢٦]، يقول السمعاني: \" أي: كل من على الأرض هالك \". (^٤)\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٣٨٦\n(^٢) فرق نحاة الكوفة بين الميِّت والميْت، فقالوا: الميت بالتشديد، هو الحي الذي يموت في المستقبل، ومثله المائت، والميْت مخففًا: هو الذي قد مات، واستدلوا بقوله: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزُّمَر:٣٠]، وأنكر ذلك نحاة البصرة. وقالوا: هما بمعنى واحد. السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٣٠٨ - ٣/ ٤٦٨\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٣٧٩\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٣٢٨","vol":"1","page":579},{"text":"٣ - أنه محدد لا يتقدم ولا يتأخر: قال تعالى: ﴿مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ﴾ [الحِجر:٥]، ذكر السمعاني: قولًا في تفسيره مفاده: أن الموت لا يتقدم ولا يتأخر وقته (^١). وقال تعالى: ﴿قُلْ لَكُمْ مِيعَادُ يَوْمٍ لَا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلَا تَسْتَقْدِمُونَ (٣٠)﴾ [سبأ:٣٠]، قال السمعاني: \" قد فُسِّر هذا بيوم البعث، وقد فُسر بيوم الموت، وكلاهما صحيح \" (^٢)، ويقول تعالى: ﴿وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [نوح:٤]، يقول السمعاني: \" هو الأجل المسمى المضروب لكل إنسان \". (^٣)\n٤ - أن الإنسان لا يتمنى الموت؛ لقوله ﵊: \" لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به، ولكن ليقل: اللهم أحيني ما دامت الحياة خيرًا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرًا لي \" (^٤)، فإن قيل: ما معنى قول نبي الله يوسف: ﴿... تَوَفَّنِي مُسْلِمًا﴾ [يوسف:١٠١]، قيل: معناه: ثبتني على الإسلام عند الوفاة (^٥)، وإن قيل:: لِمَ تمنت مريم الموت: ﴿يَالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا﴾ [مريم:٢٣]، قيل: إنها تمنت الموت استحياء من قومها، ويُقال: إنها تمنت الموت؛ لأنها علمت أن الناس يكفرون بسبب ابنها وبسببها، فتمنت الموت، حتى لا يُعصى الله بسببها، وبسبب ابنها. (^٦) ونقل السمعاني عن بعض السلف قوله: لا يكره الموت إلا مريب، ثم قال: وإنما كره الموت بضر نزل به على ما في الخبر، فأما إذا تمنى الموت ليستخلص من الدنيا وفتنها، وشوقا إلى لقاء ربه فهو محبوب (^٧)\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ١٣٠\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٣٣٤\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٦/ ٥٤\n(^٤) أخرجه البخاري في صحيحه، باب الدعاء بالموت والحياة، ح (٦٣٥١)\n(^٥) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٦٨\n(^٦) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٢٨٦\n(^٧) - السمعاني: مرجع سابق: ٥/ ٢٤١","vol":"1","page":580},{"text":"٥ - الموت لا يدخل تحت الأمر والنهي، ومع ذلك نهى الله تعالى عباده ألا يموتوا على الكفر، قال تعالى: ﴿فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة:١٣٢]، \" فإن قيل: كيف نهاهم عن الموت على الكفر، والموت لا يدخل تحت الأمر والنهي؟ قيل: معناه: داوموا على الإسلام، حتى إذا وافاكم الموت، ألفاكم على الإسلام \" (^١)، وهو مثل قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحِجر:٩٩]، بمعنى: أن يدوم عليها إلى أن يموت، وهي أيضًا في معنى قوله تعالى ﴿وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا﴾ [مريم:٣١]. (^٢)\n٦ - أن الموت يُذبح يوم القيامة، قال تعالى: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ﴾ [مريم:٣٩]، يقول السمعاني: \" وأما قول أكثر أهل التفسير في الآية: هذه الحسرة حيث يذبح الموت على الصراط، وقد صح الخبر برواية أبي هريرة، وأبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ \". (^٣) وهذه القضايا التي قررها السمعاني، قضايا محققة في الشرع، يجب الإيمان والتصديق بها، دون دخول في تأويلات باطلة، يردون بها الثابت الصحيح، وقد قال الإمام السمعاني في معرض رده على المتكلمين: وكذلك ردوا الخبر الذي روي عن النبي ﷺ: أن الموت يذبح على الصراط؛ لأن الموت عرض لا ينفرد بنفسه، فهذا أصلهم الثاني الذي أدى إلى رد الأخبار الثابتة عن رسول الله ﷺ (^٤).\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٣٤٥\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ١٥٦\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٢٩٣\n(^٤) - السمعاني: الانتصار: ٦٩","vol":"1","page":581},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-248>المبحث الثالث: أحكام البرزخ:</span>\nالحياة البرزخية، وهي التي تكون ما بين الموت إلى البعث، أو ما بين الدنيا والآخرة (^١)، وما فيها من السؤال والفتنة، والعذاب والنعيم، حق يجب الإيمان به، وقد أجمع عليه العلماء، يقول أبو الحسن الأشعري: \" وأجمعوا على أن عذاب القبر حق، وأن الناس يفتنون في قبورهم، بعد أن يحيون فيها، ويُسألون، فيثبت الله من أحب تثبيته \" (^٢)، ويقول ابن عبدالبر: \" وأهل السنة والجماعة مصدقون بفتنة القبر، وعذاب القبر؛ لتوافر الأخبار بذلك عن النبي ﷺ \". (^٣)\nوهذا الذي أجمع عليه العلماء، هو ما قرره كذلك السمعاني، فقال: \" واعلم أن سؤال القبر ثابت في السنة، والإيمان به واجب، وقد وردت فيه الأخبار الكثيرة \". (^٤)\nواستدل السمعاني لإثبات سؤال الملكين للمقبور، بحديث أبي سعيد الخدري، أن النبي ﷺ كان في جنازة، فذكر لأصحابه أنه يدخل على الرجل في قبره ملكان ويسألانه، فيقولان: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك ... \". (^٥)\nوأما عذاب القبر، فقد أثبته السمعاني، واستدل بدلائل الكتاب والسنة:\n١ - قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ [طه:١٢٤]، يقول السمعاني: \" روي عن ابن مسعود، وأبي هريرة، وأبي سعيد الخدري، أنهم قالوا: عذاب القبر \". (^٦)\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٤٩٠\n(^٢) الأشعري: رسالة إلى أهل الثغر: ١٥٩\n(^٣) ابن عبدالبر: الاستذكار: دار الكتب العلمية، بيروت، ط ١، ١٤٢١ هـ (٢/ ٣٢١)\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ١١٥\n(^٥) أخرجه أحمد في المسند، ح (١١٠٠٠)\n(^٦) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٣٦١","vol":"1","page":582},{"text":"٢ - قال تعالى: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ [التكاثر:١ - ٢]، قال علي بن أبي طالب ﵁: مازلنا نشك في عذاب القبر، حتى نزلت \" أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ \" (^١)، نقله السمعاني في تفسيره عن أبي عيسى الترمذي، واستدلوا بقوله في السورة نفسها: (لترون الجحيم ثم لترونها عين اليقين) ويُقال: لترون الجحيم في القبر، ثم لترونها عين اليقين في القيامة (^٢) يقول الإمام الطبري: \" وفي هذا دليل على صحة القول بعذاب القبر \". (^٣)\n٣ - قال تعالى: ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾ [التوبة:١٠١]، ذكر السمعاني في أقوال المفسرين في تفسير هذه الآية، أن منهم من قال: \" إن العذاب الأول: هو القتل، والعذاب الثاني: هو عذاب القبر \". (^٤)\n٤ - قال تعالى: ﴿وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ﴾ [الطور:٤٧]، يقول السمعاني: \" الأكثرون عن أنه عذاب القبر \". (^٥)\n٥ - قال تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ [غافر:٤٦]، قال السمعاني: \" أكثر المفسرين أن هذا في عذاب القبر \". (^٦)\nوأورد السمعاني سؤالًا مفاده:\" قوله تعالى: ﴿قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ [المؤمنون:١١٣]، فإن قال قائل: هذه الآية تدل على أن عذاب القبر ليس بثابت للكفار؛ لأنه لو كان ثابتًا لم يقولوا: \" لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ \"؟! والجواب عنه من وجهين: أحدهما: أنه ذهب عن قلوبهم عذاب القبر من هول ما يلقاهم يوم القيامة. والثاني: أنه الله تعالى يرفع العذاب عن أهل القبور بين النفختين، فينسون عذاب القبر، ويستريحون، وإنما يقولون: \" لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ \" لهذا \". (^٧)\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي في جامعه، باب ومن سورة (ألهاكم التكاثر) ح (٣٣٥٥)\n(^٢) - السمعاني: ٦/ ٢٧٦\n(^٣) الطبري: جامع البيان: ٢٤/ ٥٨٠\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٣٤٤\n(^٥) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٢٨١\n(^٦) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٢٣\n(^٧) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٤٩٤","vol":"1","page":583},{"text":"إذن: الإمام السمعاني قرر هذه المسائل، موافقًا فيها إجماعات السلف، يقول الإمام أبو الحسن الأشعري: \" وأجمعوا أن عذاب القبر حق، قال: وأجمع على ذلك الصحابة والتابعون \". (^١)\nيقول ابن تيمية: \" اعلم أن مذهب سلف الأمة وأئمتها: أن الميت إذا مات يكون في نعيم أو عذاب، وأن ذلك يحصل لروحه وبدنه \". (^٢)\n_________\n(^١) الأشعري: رسالة إلى أهل الثغر: ١٥٩\n(^٢) ابن تيمية: مجموع الفتاوى: ٤/ ٢٨٢","vol":"1","page":584},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-249>المبحث الرابع: البعث بعد الموت:</span>\nالبعث حق، يجب الإيمان به، وهو المعاد الثاني، فإن الله تعالى جعل لابن آدم معادين وبعثين، فالبعث الأول: مفارقة الروح للبدن، ومصيرها إلى دار الجزاء الأول، والبعث الثاني: يوم يرد الله الأرواح إلى أجسادها، ويبعثها من قبورها، إلى الجنة أو النار، وهو الحشر الثاني. (^١)\nوقد حكى العلماء الإجماع عليه، قال ابن حزم: \" اتفق جميع أهل القبلة على تنابذ فرقهم، على القول بالبعث في القيامة \" (^٢)، ويقول القصري: \" الشعبة الخامسة والستون: الإيمان باليوم الآخر: وهو يوم القيامة الذي يكون فيه بعث الأجساد وغيره من الكائنات الأخروية، والإجماع من أهل الإيمان عليه \" (^٣)، ويقول الجرجاني: \" والمعاد حق \". (^٤)\nوالإمام السمعاني سار في تقريره لعقيدة البعث، على المنهج القرآني، ووافق أهل السنة والجماعة، وبيَّن أن البعث حق، وذكر إنكار المشركين له، ثم بيَّن كيف عالج القرآن الكريم هذا الإنكار، بذكر دلائله، وطرقه، ونُجمل كلام السمعاني في هذا المبحث فيما يلي:\n١ - تعريف البعث، وبيان معنى الإعادة:\n_________\n(^١) ابن القيم: الروح: دار الكتب العلمية: بيروت: ٧٤\n(^٢) ابن حزم: الفِصل: ٤/ ٦٦\n(^٣) القصري: شعب الإيمان: ٥٨٩\n(^٤) الجرجاني: اعتقاد أئمة الحديث: ٨٦","vol":"1","page":585},{"text":"قال السمعاني: في تعريف البعث: هو الإطلاق، قال تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون:١٦]، فكأنهم حبسوا مُدَّة ثم أُطلقوا (^١). وقد سَمَّى الله جل وعلا الإحياء بعثًا، كما قال سبحانه: ﴿فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ﴾ [البقرة:٢٥٩]؛ لأنه إذا أُحيي يبتعث للأمور. (^٢)\nوأما الإعادة: فهي الإحياء للبعث يوم القيامة (^٣)، قال تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ [يونس:٣٤].\n٢ - إنكار المشركين للبعث:\nقد حكى الله تعالى إنكار المشركين للبعث، في مواطن عديدة من القرآن، فقال تعالى: ﴿وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ [الأنعام:٢٩]، يقول السمعاني: \" هذا في إنكارهم البعث والقيامة \" (^٤)، وفي مثل هذا المعنى في إنكارهم البعث، قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [الرعد:٥]. وقد أخبر الله تعالى عمن كان يجادل في أمر البعث وينكره، قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ﴾ [الحج:٣]، يقول السمعاني: \" الأكثرون على أن الآية نزلت في النضر بن الحارث، وكان ينكر البعث، ويجادل فيه \". (^٥)\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٤٦٨\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٢٦٣\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٣٨٢\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٩٨\n(^٥) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٤١٨","vol":"1","page":586},{"text":"والآيات في هذا المعنى كثيرة، تدل على حجود وإنكار المشركين للقاء الله تعالى، قال تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ﴾ [الروم:١٦]، يقول السمعاني: \" أي البعث يوم القيامة \" (^١)، والكفار ليسوا على مرتبة واحدة من التكذيب، فمنهم من كان في شك فيه، كما قال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ﴾ [فُصِّلَت:٥٤]، أي: في شك من البعث والنشور (^٢)، ولذا أخبر الله تعالى عنهم أنهم في أمر مريج، فقال سبحانه: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾ [ق:٥]، يقول السمعاني: \" وكانوا أيضًا يقرون بالبعث مرة، وينكرون البعث مرة، فهذا هو معنى الاختلاط والالتباس \" (^٣)، ولذا إنكارهم سيكون عليهم حسرة، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الحاقة:٥٠]، أي: البعث حسرة على الكافرين، ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ﴾ [الحاقة:٥١]، أي: البعث محض اليقين، وعين اليقين. (^٤)\nفإن قيل على هذا التقرير: كيف يستقيم قولهم: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا﴾ [المؤمنون:٣٧]، ولم يكونوا مقرين بالبعث؟ فالجواب من وجوه: أحدها: أنه على التقديم والتأخير، يعني: نحيا ونموت، والآخر: يموت الآباء، ويحيا الأبناء، والثالث: يموت قوم، ويحيا قوم. (^٥)\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٢٠١\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٦١\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٢٣٥\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٦/ ٤٣\n(^٥) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٤٧٥","vol":"1","page":587},{"text":"٣ - ذكر السمعاني ﵀ دلائل البعث في القرآن الكريم، وهي دلائل سمعية، وأما من جهة إمكانه فدلالة العقل مؤيِّدة لدلالة النقل، يقول ابن القيم: \" والصحيح: أن العقل دل على المعاد، والثواب، والعقاب إجمالًا، وأما تفصيله فلا يُعلم إلا بالسمع، ودوام العقاب والثواب، مما لا يدل عليه العقل بمجرده، وإنما عُلِمَ بالسمع \". (^١)\n\" وبراهين المعاد في القرآن مبنية على ثلاثة أصول: أحدهما: تقرير كمال علم الرب سبحانه، والثاني: تقرير كمال قدرته، والثالث: كمال حكمته \". (^٢)\nوقد ذكر السمعاني جملة من الدلائل على إمكان البعث منها:\nأ - الاستدلال بالبداءة على الإعادة: وقد استدل السمعاني على ذلك بعدة أدلة، منها:\nـ قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [الرعد:٥]، يقول السمعاني: \" ومعناه: أنك تعجب، فعجب من إنكارهم النشأة الآخرة، مع إقرارهم ابتداء الخلق من الله، وقد تقرر في القلوب، أن الإعادة أهون من الابتداء، فهذا موضع التعجب \". (^٣)\nـ وقال تعالى: ﴿أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا﴾ [مريم:٦٧]، يقول السمعاني: \" ومعناه: أنا لما قدرنا على إنشاء خلقهم، فنحن على الإعادة أقدر \". (^٤)\nـ وقال تعالى: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ [الأنبياء:١٠٤]، يقول السمعاني: \" أي قدرتنا على إعادة الخلق، كقدرتنا على إنشائه \". (^٥)\n_________\n(^١) ابن القيم: حادي الأرواح: دار الكتب العلمية، بيروت، ط ١، ١٤٠٣ هـ (٣٦٥)\n(^٢) ابن القيم: الفوائد: دار الكتب العلمية، بيروت، ط ٢، ١٣٩٣ هـ، (٧)\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٨٧\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٣٠٥\n(^٥) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٤١٢","vol":"1","page":588},{"text":"ـ وقال تعالى: ﴿فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الإسراء:٥١]، يقول السمعاني:\" أي: أنشأكم أول مرة، ومن قدر على الإنشاء، فهو على الإعادة أقدر \". (^١)\nـ وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ [الحج:٥]، يقول السمعاني: \" وقوله: \" لِنُبَيِّنَ لَكُمْ \"، أي: نبيِّن لكم أمر الخلق في الابتداء؛ لتستدلوا بقدرة الله في الابتداء، على قدرته على الإعادة \". (^٢)\nـ وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ [يس:٧٧]، يقول السمعاني: \" وأما وجه الحجة عليهم في خلق الإنسان من نطفة، هو أن إعادة الخلق، أهون فيما يعقله الناس من إنشاء الخلق \". (^٣)\nإذن هذه الدلالة فيها أمور ثلاثة:\n١ - أن الله تعالى سمَّاها النشأة الأخرى، فقال سبحانه: ﴿وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى﴾ [النجم:٤٧]، يقول السمعاني: \" وإنما قال \" الْأُخْرَى \"؛ لأنها ثانية النشأة الأولى، والنشأة الأولى ابتداء الخلق \". (^٤)\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٢٤٨\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٤٢١\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٣٨٩\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٣٠٥","vol":"1","page":589},{"text":"٢ - أنه من أبلغ الأدلة في الاحتجاج على المنكرين، ولذا قال تعالى: ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ [القيامة:٤٠]، أي: أليس الله الذي خلق الإنسان من النطفة، بقادر على أن يحيي الموتى؟ يعني: هو قادر (^١). وقال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ (٥٨) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ﴾ [الواقعة:٥٨ - ٥٩]، نقل السمعاني عن الأزهري قوله: \" إن الله احتج عليهم بأبلغ دليل في البعث والإحياء بعد الموت في هذه الآية، وذلك أن المني الذي يسقط من الإنسان ميت، ثم يخلق الله منه شخصًا حيًا، وقد كانوا مقرين أن الله خلقهم من النطف، وكانوا منكرين للإحياء بعد الموت، فألزمهم أنهم لما أقروا بخلق حي من نطفة ميتة، يلزمهم أن يقروا بإعادة الحياة في ميت، ومعنى الآية: كما أقررتم بذلك فأقروا بهذا \". (^٢)\n٣ - أن الكفار قولهم في البعث متناقض، كما قال تعالى: ﴿إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ﴾ [الذاريات:٨]، يقول السمعاني: \" ومعنى التناقض في هذا: أنهم أقروا بالنشأة الأولى، وأنكروا النشأة الأخرى، وهذا تناقض؛ لأن من قدر على النشأة الأولى، فهو على النشأة الأخرى أقدر \". (^٣)\nب - الاستدلال بإحياء الأرض الميتة على البعث: وقد استدل بها السمعاني على إثبات البعث، ومن ذلك:\nـ قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف:٥٧]، يقول السمعاني في وجه الدلالة: \" استدل بإحياء الأرض بعد موتها، على إحياء الموتى، وفي ذلك دليل بيِّن \". (^٤)\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ٦/ ١١١\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٣٥٤\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٢٥٢\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ١٩٠","vol":"1","page":590},{"text":"ـ وقوله تعالى: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٥) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الحج:٥ - ٦]، يقول السمعاني: \" فهذا أيضًا دليل على إعادة الخلق، وفي بعض ما يُنقل عن السلف: إذا رأيتم الربيع فاذكروا النشور \". (^١)\nـ وقوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (٩) وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ (١٠) رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ (١١)﴾ [ق:٩ - ١١]، يقول السمعاني: \" يعني: كما نحيي الأرض اليابسة، ونخرج منها الأشجار، والزرع، والكلأ، كذلك نحيي الأجساد بعد الموت، ونخرجها من الأرض \". (^٢)\nج - الاستدلال على البعث بقياس الأولى (بخلق السموات والأرض): واستدل السمعاني ببعض الدلائل منها:\nـ قول تعالى: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾ [يس:٨١]، يقول السمعاني: \" قوله: \" بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ \" على أن ينشئ خلقًا مثلهم، وقيل: على أن يُعيدهم يوم القيامة، فيكونوا خلقًا كما كانوا \". (^٣)\nـ وقوله تعالى: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (٢٧) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (٢٨) وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا (٢٩) وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (٣٠) أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا (٣١) وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا (٣٢)﴾ [النازعات: ٢٧ - ٣٢]، يقول السمعاني: \" استدل عليهم بهذه الآيات في قدرته على البعث، والمعنى: بأن إعادتكم خلقًا جديدًا، أشد أم خلق السماء \". (^٤)\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٤٢٢\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٢٣٧\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٣٩٠\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٦/ ١٥٠","vol":"1","page":591},{"text":"د - الاستدلال بالدلائل الواقعة الحاضرة المحسوسة: وهذا فيما بينه الله تعالى، في إحياء بعض الموتى، وهذا استدل به السمعاني على إمكان البعث، ومن ذلك:\nـ قوله تعالى في قصة قتيل بين إسرائيل: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى﴾ [البقرة:٧٣]، يقول السمعاني: \" لأنه أراهم إحياء المقتول، حين ضُرب ببعض البقرة \". (^١)\nـ وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٥) ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٦)﴾ [البقرة:٥٦]، يعني: أحياكم بعد تلك الموتة بالطور، قال قتادة: أحياهم ليستوفوا آجالهم. (^٢)\nهـ - الاستدلال بالقدرة التامة الشاملة: ومن الأدلة التي استدل بها السمعاني، على إمكان البعث بناء على دلالة القدرة الإلهية:\nـ قوله تعالى في قصة العزير حين أماته الله ثم أحياه، فقال: ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة:٢٥٩]، يقول السمعاني: \" فلما ظهرت له قدرة الله تعالى، على عمارة بيت المقدس، وإحياء الموتى، قال \" أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ \". (^٣)\nـ ولما ذكر الله ﷾، دلائل القدرة على الكفار، وأقروا أن فاعلها هو الله تعالى، وأنهم عاجزون عنها، استدل بها عليهم على إنكارهم للبعث، وهي الآيات التي ذكرها المولى في سورة الواقعة، من خلق الإنسان، وإثبات الزرع، وإنزال الماء من السحاب، وخلق الشجر الذي يورى به النار، لما ذكر كل هذه الدلائل، استدل بها عليهم على إنكارهم للبعث، ووجهه: \" قال الله تعالى لهم: لما لم تنكروا قدرة الله تعالى على هذه الأشياء، وما فيها من عجيب الصنع، فكيف تنكرون قدرته على بعثكم، وإحيائكم بعد موتكم\". (^٤)\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٩٤\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٨١\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٢٦٥\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٣٥٨","vol":"1","page":592},{"text":"وقوله ﷾: ﴿إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ﴾ [الطارق:٨]، رجح السمعاني أن المراد بالآية: \" أنه على إحيائه بعد الإماتة لقادر \". (^١)\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ٦/ ٢٠٣","vol":"1","page":593},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-250>المبحث الخامس: أحداث الآخرة وأحوالها:</span>\nتنتهي هذه الحياة الدنيا بالنفخ في الصور، ثم تبتداء الحياة الآخرة بالنفخ في الصور ثانية، ويعاين المرء الأحداث الرهيبة المفزعة، من حيث أن يُبعث إلى أن يستقر به المقام إما في الجنة، وإما في النار. والكلام عن هذه الأحداث طويل، إذ غالب سور القرآن الكريم، تحدثت عن أحوال القيامة وأهوالها، والذي يُهمنا في هذا المقام آراء السمعاني العقائدية في اليوم الآخر. وبعد التتبع والاستقراء، وجدت أن كلام السمعاني، منسجم تمام الانسجام مع ما ذُكر من إجماعات السلف، عن أحداث اليوم الآخر:\n١ - فالعلماء أجمعوا على الإيمان بالنفخ في الصور، وعلى أنه قرن يُنفخ فيه، وأجمعوا على أنه ينفخ في الصور قبل يوم القيامة، فيصعق من في السموات ومن في الأرض، إلا من شاء الله، ثم ينفخ فيه أخرى، فإذا هم قيام ينظرون. (^١)\nوالإمام السمعاني أثبت في أكثر من موضع هذه المعاني، فقال: \" وقال ابن مسعود في تفسير الآية: ﴿وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾ [الأنعام:٧٣]،: الصور: قرن ينفخ فيه، وهو معروف في الأخبار \" (^٢). وضعف القول الذي نُقل عن الحسن البصري، من أن المراد به الصُّوَر، جمع صورة، وقال: \" والصحيح: أن الصور: قرن ينفخ فيه إسرافيل \"، ثم قال: \" فمن العلماء من يقول: ينفخ ثلاث نفخات: نفخة للصعق، ونفخة للموت، ونفخة للبعث، والأكثرون أنه ينفخ نفختين، نفخة للموت، ونفخة للبعث، والصعق هو الموت، ويكون بين النفختين أربعون سنة \". (^٣)\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٥٤\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ١١٧\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٤٩٠","vol":"1","page":594},{"text":"وذكر السمعاني أن بعض العلماء أوَّل كلام الحسن السابق، فقال: \" وأوَّل بعضهم كلامه وقال: إن الأرواح تجعل في القرن، ثم ينفخ فيه، فتذهب الأرواح إلى الأجساد، وتحيا الأجساد \". (^١)\n٢ - وأجمع العلماء على الإيمان والإقرار والتصديق، بالميزان الذي توزن به أعمال العباد، فمن ثقلت موازينه أفلح ونجا، ومن خفت موازينه خاب وخسر. (^٢)\nوكذلك السمعاني وافق إجماع السلف، ونص على أن الميزان في القيامة حقيقة، ليس علامة يُعرف بها مقادير استحقاق الثواب والعقاب، بل هو ميزان حقيقي، له لسان وكفتان (^٣)، قال تعالى: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ﴾ [الأعراف:٨]، يقول السمعاني: \" قال مجاهد: معناه القضاء يومئذ بالحق والعدل، وأكثر المفسرين على أنه أراد به، الوزن بالميزان المعروف، وهو حق \". (^٤)\nثم أشار السمعاني إلى ثلاث مسائل:\nالأولى: ما الذي يوزن في الميزان؟ وذكر خلاف العلماء في المسألة، فقال:\nقال بعضهم: توزن صحائف الأعمال، وقيل: يوزن الأشخاص، وقيل: توزن الأعمال\". (^٥)\nوالثانية: كيفية الوزن؟ وذكر قولين: الأول: يوزن الحسنات والسيئات، والثاني: يوزن خواتيم الأعمال. (^٦)\nوالثالثة: هل الميزان متعدد أم لا؟ وذكر قولين: الأول: أن الميزان للكل واحد، والثاني: أن لكل واحد ميزانا. (^٧)\nوما أشار إليه السمعاني من المسائل، هي موطن نزاع بين العلماء، وقد تتبعها العلماء في مصنفاتهم، واستدلوا لها، وبينوا الراجح فيها، والسمعاني ذكر الأقوال دون أن يرجح أحدها.\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ١١٧\n(^٢) ابن القطان: الإقناع: ١/ ٥٥\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٣٨٣ - ٣٨٤\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ١٦٦\n(^٥) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٢٨٤\n(^٦) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٣٨٤\n(^٧) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ١٦٦ - ٦/ ٢٧٣","vol":"1","page":595},{"text":"والذي يترجح في هذه المسائل - والعلم عند الله تعالى ـ: أن الذي يوزن، الأعمال، والعامل، وصحائف الأعمال، يقول ابن كثير: \" وقد يمكن الجمع بين هذه الآثار، بأن يكون ذلك كله صحيحًا، فتارة توزن الأعمال، وتارة توزن محالها، وتارة يوزن فاعلها \". (^١)\nوأن الميزان واحد، وإنما جاء اللفظ بالجمع، باعتبار تعدد الموزون. (^٢)\nوبقي أن نشير إلى أن السمعاني أورد قضيتين:\nالأولى: فيما يتعلق بوزن أعمال الكفار، فقد أورد تساؤلًا في التوفيق بين قوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ [الأنبياء:٤٧]، وبين قوله تعالى: ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف:١٠٥]، فأجاب عنه: بأن المعنى: أي: لا يستقيم وزنهم على الحق، فإن ميزانهم شائل ناقص خفيف (^٣). وهذه المسألة محل خلاف عند العلماء، وما ذكره السمعاني هو الراجح - والعلم عند الله - وذلك أنها توزن، وإن لم تكن لهم حسنات تنفعهم، يقابل بها كفرهم؛ لإظهار شقائهم، وفضيحتهم على رؤوس الخلائق. (^٤)\nوالثانية: أشار السمعاني إلى بعض صفات الميزان، وهو أن له لسانا وكفتين، أما الكفتان فقد ذكر ابن القطان إجماع العلماء على ذلك، فقال: \" وأجمعوا أن كفة السيئات تهوي إلى جهنم، وأن كفة الحسنات تهوي عند زيادتها إلى الجنة \" (^٥)، وأما اللسان فهو وارد عن ابن عباس وجماعة. (^٦)\n٣ - وأجمع العلماء على أن الخلق يُؤتون بصحف أعمالهم، فمن أوتي كتابه بيمينه حوسب حسابًا يسيرًا، ومن أوتي كتابه بشماله، فأولئك يصلون سعيرًا. (^٧)\nوقد أثبت السمعاني هذا المعنى المجمع عليه، وقال: \" الكتاب: هو صحيفة الحسنات والسيئات \". (^٨)\n_________\n(^١) ابن كثير: تفسير القرآن العظيم: ٣/ ٣٩٠\n(^٢) ابن عطية: المحرر الوجيز: ٤/ ٨٥\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٣٨٤\n(^٤) ابن كثير: النهاية في الفتن والملاحم: دار الجيل، بيروت، ١٤٠٨ هـ (٢/ ٣٦)\n(^٥) ابن القطان: الإقناع: ١/ ٥٥\n(^٦) القرطبي: التذكرة: ٧٢٤\n(^٧) ابن القطان: الإقناع: ١/ ٥٥\n(^٨) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٢٦٤","vol":"1","page":596},{"text":"واستدل له بكثير من دلائل القرآن الكريم، والسنة المطهرة، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾ [الانشقاق:٦]، قال قتادة: أي: فملاق عملك من خير وشر، ثم قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الانشقاق:٧ - ٨]، أي: هينًا، وقيل في اليسير: هو أن يقبل الحسنات، وتجاوز عن السيئات، ثم قال: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ﴾ [الانشقاق:١٠]، قال مجاهد: يخلع يده اليمنى، ويجعل يده اليسرى وراء ظهره، فيوضع كتابه فيها، وقال الكلبي: تُغل يده اليمنى، ويوضع كتابه في شماله وراء ظهره. (^١)\nوقال تعالى: ﴿وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ﴾ [التكوير:١٠]، يقول السمعاني: \" يعني على الخلائق، فمنهم من يُعطى بيمينه، ومنهم من يُعطى بشماله \" (^٢)، وقال تعالى: ﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية:٢٩]، أي: يُظهر ما عملتم بالحق. (^٣)\n٤ - وأجمع العلماء على أن الصراط حق، وهو جسر ممدود على جهنم، يجوز عليه العباد بقدر أعمالهم، وأنهم يتفاوتون بالإبطاء والسرعة على قدر ذلك. (^٤)\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ٦/ ٨٨ - ٩٠\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٦/ ١٦٨\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ١٤٤\n(^٤) ابن القطان: الإقناع: ١/ ٥٥","vol":"1","page":597},{"text":"والسمعاني أثبته بصفاته الواردة، فقال عند تفسير قوله تعالى ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾ [الحديد:١٢]، قال الحسن البصري: على الصراط، وعن ابن مسعود، قال: نور كل إنسان على قدر عمله، وعن ابن عباس في رواية الضحاك قال: الصراط في دقة الشعرة، وحدة الشفرة، والمؤمنون يمرون عليه، ونورهم من بين أيديهم، بعضهم كالبرق، وبعضهم كالريح، وبعضهم كالطير، وبعضهم كحضرة الفرس \" (^١)، وقال تعالى: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾ [الصافات:٢٤]، يقول السمعاني: \" فإن قيل: كيف قال: ﴿فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾، ثم قال: \" وَقِفُوهُمْ \"؟ قلنا: لأنهم يوقفون على الصراط للمساءلة، ويُقال: إن هذا أشد في التعذيب والتوبيخ \". (^٢)\n٥ - وأجمع العلماء على أن للنبي ﷺ حوضًا ترده أمته يوم القيامة، لا يظمأ من شرب منه، ويُذاد عنه من بَدَّل وغَيَّر بعده. (^٣)\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٣٦٩\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٣٩٦\n(^٣) ابن القطان: الإقناع: ١/ ٥٦","vol":"1","page":598},{"text":"وقد أثبت السمعاني الحوض بصفاته الواردة في السنة النبوية المطهرة، وذكر خلاف العلماء في الكوثر، هل هو الحوض أم لا؟!. وذكر حديث أنس ﵁ قال: بينا رسول الله ﷺ ذات يوم بين أظهرنا، إذ أغفى إغفاءة، ثم رفع رأسه متبسمًا، فقلت: ما أضحكك يا رسول الله؟ فقال: أنزل عليَّ آنفًا سورة، فقرأ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢) إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (٣)﴾ [الكوثر:١ - ٣]، ثم قال: أتدرون ما الكوثر؟ قلنا: الله ورسوله أعلم. قال: نهر وعدنيه ربي خيرًا كثيرًا، هو حوض ترد عليه أُمتي يوم القيامة، آنيته عدد نجوم السماء، فيختلج العبد منهم، فأقول: رب إنه من أمتي، فيقول: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك \" (^١)، ثم ذكر خلافًا عند العلماء، فذكر أنه نهر في الجنة، وقيل: إن الخير الكثير، وقيل: القرآن، وقيل: العلم والقرآن. (^٢)\nوقال القرطبي: \" والصحيح: أن للنبي ﷺ حوضين، وكلاهما يُسمى كوثرًا، وأن الحوض الذي يُذاد عنه من بَدَّل وغيَّر، يكون في الموقف قبل الصراط \". (^٣)\n٦ - والشفاعة حق، فقد أجمع العلماء على الإيمان بشفاعة النبي ﷺ لأهل الكبائر من أمته (^٤). وقد أثبت السمعاني الشفاعة بأنواعها، وجمع بين النصوص الواردة في إثبات الشفاعة ونفيها، ونُجمل عقيدة السمعاني في الشفاعة في أمور:\nأ - أن الشفاعة لله جميعًا، كما قال جل وعز: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزُّمَر:٤٤]، يقول السمعاني: \" معناه: أنه لا يشفع أحد إلا بإذنه، فالشفاعة من عنده؛ لأنها لا تكون إلا بإذنه\". (^٥)\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في صحيحه، باب حجة من قال: البسملة آية من أول كل سورة سوى براءة، ح (٤٠٠)\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٦/ ٢٩٠\n(^٣) القرطبي: التذكرة: ٧٠٣\n(^٤) ابن القطان: الإقناع: ١/ ٥٦\n(^٥) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٤٧١","vol":"1","page":599},{"text":"ب - أن الشفاعة حق، ومن أنكرها فهو ضال مبتدع، يقول السمعاني: \" والأخبار في الشفاعة كثيرة، وأول من أنكرها عمرو بن عبيد، وهو ضال مبتدع بإجماع أهل السنة \". (^١)\nج - وأن الشفاعة قسمان: أولًا: شفاعة منفية: وهي شفاعة الكفار، قال تعالى: ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ﴾ [البقرة:١٢٣]، يقول السمعاني: \" أراد بقوله: \" وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ \" في قوم مخصوصين، وهم اليهود والنصارى \" (^٢)، وقال تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدَّثر:٤٨]، يقول السمعاني معللًا ذلك: \" لأنهم كفرة، فلا يكون لهم شفيع ولو كان لم ينفعهم. وفي التفسير: أن هذا حين يخرج قوم من المؤمنين من النار، بشفاعة الأنبياء والرسل، والملائكة، والعلماء والصديقين، وكل هذا مروي في الأخبار، ويبقى الكفار في النار على الخصوص \". (^٣)\nثانيًا: الشفاعة المثبتة: وهي ما اجتمع فيها شرطان:\n١ - إذن الله تعالى للشافع أن يشفع،\n٢ - ورضاه عن المشفوع له، واستدل لها السمعاني بجملة من النصوص، منها:\nقوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ [طه:١٠٩]، وقال تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم:٢٦]، يقول السمعاني: \" والمعنى أنهم لا يملكون الشفاعة لأحد، حتى يأذن الله فيه ويرضاه \" (^٤).\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٢٧٠\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ١٣٤\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٦/ ٩٩\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٢٩٦","vol":"1","page":600},{"text":"د - إثبات الشفاعة للنبي ﷺ، قال تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء:٧٩]، يقول السمعاني:\" أجمع المفسرون أن هذا مقام الشفاعة، وقد ثبت هذا عن النبي ﷺ \" (^١)، وأثبت شفاعة النبي ﷺ لأهل الكبائر من أمته، خلافًا لما ذهب إليه المنكرون.\nهـ - وأثبت الشفاعة لغير النبي ﷺ، كما ثبت في الأحاديث الصحيحة، ومنهم الأصدقاء، قال تعالى: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (١٠٠) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ [الشعراء:١٠٠ - ١٠١]، يقول السمعاني: \" في الأخبار: أن المؤمنين يشفعون للمذنبين، وكذا الملائكة والأنبياء. وعن الحسن البصري قال: استكثروا من الأصدقاء المؤمنين، فإن لهم شفاعة يوم القيامة، والصديق هو الصادق في المودة على شرط الدين \". (^٢)\n٧ - وحساب الله جل وعلا للخلائق يوم القيامة، من الأصول المتفق عليها عند أهل السنة والجماعة، وقد حكى الإجماع على ذلك جماعة من الأئمة: يقول الإمام ابن تيمية: \" .. الجنة والنار، والبعث، والحساب ... فإن هذه الأصول كلها متفق عليها بين أهل السنة والجماعة\" (^٣)، ويقول الإمام ابن أبي زمنين: \" ومن قول أهل السنة: أن الله تعالى يحاسب عباده يوم القيامة، ويسألهم مشافهة منه إليهم \" (^٤)، ويقول العلامة القصري عن هذه الشعبة، وهي الإيمان بالحساب: \" أما كون هذه الشعبة من الإيمان فبَيِّن؛ لإجماع أهل الشرائع عليه \". (^٥)\nوالسمعاني في تفسيره، جارٍ على ما اتفق عليه السلف، من الإيمان بالحساب يوم القيامة، ومما أشار إليه في هذا المقام:\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٢٦٩\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٥٥ - ٥٦\n(^٣) ابن تيمية: مجموع الفتاوى: ١١/ ٤٨٦\n(^٤) أبن أبي زمنين: أصول السنة: مكتبة الغرباء، السعودية، ط ١، ١٤١٥ هـ (١١٧)\n(^٥) القصري: شعب الإيمان: ٥٩٣","vol":"1","page":601},{"text":"أ - أن الله جل وعلا، هو متولي الحساب يوم القيامة (^١)، قال تعالى: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾ [الرعد:٤٠]، ويقول تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ﴾ [النور:٢٥]، أي: حسابهم العدل. (^٢)\nب - وأن الحساب يوم القيامة، موصوف بعدة أوصاف:\nـ سرعته: قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [البقرة:٢٠٢]، نقل السمعاني عن أهل التفسير معنى سرعة الحساب، فقال: \" قال أهل التفسير: يحاسب العباد أسرع من لمح البصر. وقال أهل المعاني: يُحاسب العباد من غير تدبير ولا رؤية؛ لكونه عالمًا بما للعباد، وما على العباد، فلا يحتاج إلى رؤية \". (^٣)\nوقال في مقام آخر: \" معناه: سريع المجازاة، وحقيقة الحساب: إحصاء ما عمله الإنسان من خير أو شر، ليجازى عليه \" (^٤)، وقال أيضًا في بيانه: \" في التفسير: أن الله تعالى يحاسبهم في مقدار نصف يوم من أيام الدنيا. وعن الضحاك: ما بين صلاتين، وقيل بقدر شربة ماء\". (^٥)\nـ سوؤه وشدته: قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ﴾ [الرعد:١٨]، رُوي عن إبراهيم النخعي أنه قال لفرقد: يا فرقد، أتدري ما سوء الحساب؟ هو أن يُحاسب على جميع الذنوب، ولا يغفر منها شيئًا، وقيل: إن سوء الحساب: هو أن لا يقبل حسنة، ولا يعفو عن سيئة\". (^٦)\nـ يُسْره: قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الانشقاق:٧ - ٨]، أي: هينًا، وقيل في اليسير: هو أن يقبل الحسنات، ويتجاوز عن السيئات، وقد فسره النبي ﷺ بالعرض، أما من نوقش الحساب فقد هلك \". (^٧) (^٨)\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ١٠٠\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٥١٥\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٢٠٥\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ١٢٧\n(^٥) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ١٢\n(^٦) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٨٩\n(^٧) أخرجه البخاري في صحيحه، باب من سمع شيئًا فلم يفهمه، ح (١٠٣)\n(^٨) السمعاني: تفسير القرآن: ٦/ ١٨٨","vol":"1","page":602},{"text":"ج - ذكر السمعاني خلاف المفسرين في سؤال الكفار وحسابهم، فقال:\nـ عن قتادة قال: الكافر لا يُحاسب، بل يُؤمر به إلى النار من غير حساب ولا سؤال.\nـ وقال بعضهم: ﴿وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ [القصص:٧٨]؛ لأنهم يُعرفون بسيماهم.\nـ وقيل: لا يُسألون سؤال استعلام، وإنما يُسألون سؤال تقريع وتوبيخ.\nـ ويُقال: لا يُسألون سؤال لمن له عذر في الجواب، وإنما يُسألون على معنى إظهار قبائحهم، ليفتضحوا على رؤوس الجميع (^١)، قال تعالى: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف:٦]، يقول السمعاني: هذا سؤال توبيخ، لا سؤال استعلام، يعني نسألهم عما عملوا فيما بلغهم، \" ولنسألن المرسلين \" عن الإبلاغ \". (^٢)\nوأشار السمعاني إلى أن في القيامة مواقف، فموقف يُسألون، وموقف لا يسألون. (^٣)\n٨ - أجمع العلماء على أن الله جل وعلا، يحشر الخلائق يوم القيامة، ويعيدهم كما بدأهم، حفاة، عراة، غرلًا (^٤). والحشر يوم القيامة حق. يقول السمعاني: \" أما حشر الجن والإنس، حق يجب الإيمان به \" (^٥)، قال تعالى: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (٨٥) وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا (٨٦)﴾ [مريم:٨٥ - ٨٦]، يقول السمعاني: \" الحشر: جمع الأقوام من كل صقع في محل واحد \". (^٦)\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ١٥٧\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ١٦٥\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ١٥٧\n(^٤) ابن القطان: الإقناع: ١/ ٥٤\n(^٥) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ١٤٤\n(^٦) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٣١٤، والحشر يكون لكل شيء حتى الذباب. تفسير السمعاني: ٦/ ١٦٥","vol":"1","page":603},{"text":"وقرر السمعاني مسائل الحشر، على وفق الظواهر القرآنية، على ما أجمع عليه السلف، فقال في تفسير قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنعام:٣٨]: \" ولا شك في حشر البهائم والحيوانات يوم القيامة \" (^١)، وأن الناس يُحشرون يوم القيامة بأتم خلق، مصححة الأجساد؛ لخلود الأبد، وقد جاء في الخبر عن النبي ﷺ: \" تُحشرون يوم القيامة حفاة، عراة، غرلًا، بهمًا \" (^٢)، يقول السمعاني: \" وقوله: بهمًا، أي: مصححة الأجساد للخلود \". (^٣)\nوذكر السمعاني صفة حشر الناس يوم القيامة، فقال: \" في الأخبار: أن الناس يحشرون ثلاثة أصناف: صنف، ركبانًا، وصنف مشاة، وصنف على وجهوهم \". (^٤)\nوهل (من) في قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ [النمل:٨٣]، للتبعض؟. يقول السمعاني: \" وليس (من) هاهنا للتبعيض؛ لأن جميع المكذبين يحشرون \" (^٥)، وفائدة تخصيص المكذبين؛ لأن الحشر الذي يُساق فيه إلى النار، إنما يكون للمكذبين. (^٦)\n٩ - أجمع المسلمون من أهل السنة، على أن الجنة والنار مخلوقتان، وعلى أن الله تعالى قد أعدهما لأهلهما، وأجمعوا على أنهما لا يبيدان ولا يفنيان، وأجمعوا على أن ما وصف الله تعالى في الجنة من أكل وشرب، وأزواج مقدسات، ولباس، ولذَّات حق صحيح. (^٧)\n\" والجنة والنار داران، كل واحدة منهم ضد الأخرى، فما في هذه من أنواع الإكرام والنعيم، فله في هذه ضده من الخزي والعذاب الأليم. قالوا هذه نور، والأخرى ظلمة، وهذه أُنس وحُسن محض، وهذه وحشة وفزع وقبح محض، وهذه راحة ولذة وسرور محض، وهذه مشقة وتنغيص وكرب محض \". (^٨)\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ١٠٢\n(^٢) أخرجه أحمد في المسند، ح (١٦٠٤٢)\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٢٦٤\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ١٩\n(^٥) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ١١٦\n(^٦) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ١١٦\n(^٧) ابن القطان: الإقناع: ١/ ٥٧ - ٥٨\n(^٨) القصري: شعب الإيمان: ٦٢٢","vol":"1","page":604},{"text":"وأثبت الإمام السمعاني الجنة وما فيها من النعيم، والنار وما فيها من العذاب الأليم، وقد قَرَّر عقيدة الآخرة في الجنة والنار، وفق ما جاء عن أهل السنة والجماعة، على النحو التالي:\nأ - أن الجنة والنار مخلوقتان، واستدل السمعاني على ذلك بقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [البقرة:٢٤]، يقول: \" \" أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ \" أي: هيئت للكافرين، وهذا دليل على أن النار مخلوقة، لا كما قال أهل البدعة. ودليل على أنها مخلوقة للكافرين، وإن دخلها بعض المؤمنين تأديبًا وتعريكًا \". (^١)\nواستدل بأن الجنة مخلوقة، بأن الله أمر آدم أن يسكن الجنة، قال تعالى: ﴿وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [البقرة:٣٥]، وأورد السمعاني إشكالًا مفاده: \" فإن قيل: لم أمرهما بدخول الجنة، وقد وعد أن من دخلها يكون خالدًا فيها، فكيف أخرجهما من الجنة؟ قلنا: إنما ذلك الوعد في حق من يدخلها للثواب والجزاء، وآدم إنما دخل الجنة بالكرامة دون الثواب \" (^٢). وقال في تفسير قوله تعالى: ﴿عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (١٤) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (١٥)﴾ [النجم:١٤ - ١٥]، وفي الآية دليل على أن الجنة في السماء، وأنها مخلوقة، ومن زعم أنها غير مخلوقة، فهو كافر بهذه الآية \". (^٣)\nب - أنهما عظيمتان، واستدل السمعاني على ذلك بقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [البقرة:٢٤]، قال علي وابن مسعود: \" هي حجارة الكبريت؛ لأنها أكثر توقدًا والتهابًا، وقال الباقون هي جميع الحجارة، يقول السمعاني: \" وهذا دليل على عظيم تلك النار \". (^٤)\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٥٩\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٦٨\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٩١\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٥٩","vol":"1","page":605},{"text":"وقال عن الجنة: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ [آل عمران:١٣٣]، يقول السمعاني: \" أي سعتها كسعة السموات والأرض ... وأما طولها فلا يعلمه إلا الله \". (^١)\nج - أن الجنة درجات، والنار دركات (^٢)، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء:١٤٥]، وقال تعالى: ﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ [الحِجر:٤٤]، قال ابن جريج: النار سبعة دركات: أولها جهنم، ثم لظى، ثم الحطمة، ثم السعير، ثم سقر، ثم الجحيم، ثم الهاوية. (^٣)\nوفي الجنة مائة درجة، قال تعالى: ﴿دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً﴾ [النساء:٩٦]، يقول السمعاني: \" وفي الخبر: (في الجنة مائة درجة، ما بين كل درجتين ما بين السماء والأرض، أعدها الله للمجاهدين في سبيله) (^٤) (^٥).\nد - أنهما لا تفنيان، وأن أهلهما باقون فيهما، إما في النعيم أو العذاب، وقد استدل السمعاني على بقاء الجنة والنار وعدم فنائهما، بدلالات كثيرة كثيرة من نصوص القرآن، تدل ظواهرها على البقاء وعدم الفناء:\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٣٥٨\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٤٩٥\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ١٤١\n(^٤) أخرجه البخاري في صحيحه، باب درجات المجاهدين في سبيل الله، ح (٢٧٩٠)\n(^٥) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٤٦٨","vol":"1","page":606},{"text":"١ - في بقاء الجنة وخلودها: يقول الله تعالى بعد أن ذكر نعيم الجنة: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة:٢٥]، يقول السمعاني: \" أي: مقيمون لا يظعنون \" (^١)، ويقول تعالى: ﴿يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ (٢١) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [التوبة:٢١ - ٢٢]، يقول السمعاني: \" والمقيم: الدائم، وهو من لا يظعن أبدًا \" (^٢)، وقال تعالى: ﴿وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾ [إبراهيم:٢٣]، يقول السمعاني: \" مقيمين فيها أبدًا\" (^٣)، وهذا وعد الله الحق، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ (٨) خَالِدِينَ فِيهَا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٩)﴾ [لقمان:٨ - ٩]، يقول السمعاني: \" ومعناه: مقيمين في الجنة كما وعد الله \" (^٤)، وقال: ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون:١١]، \" أي: مقيمين لا يظعنون أبدًا \"، وأما أنص آية في القرآن على الخلود، فقوله: ﴿لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ [الحِجر:٤٨] (^٥).\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٦٠\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٢٩٧\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ١١٣\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٢٢٧\n(^٥) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٤٦٦ - ٣/ ١٤٢","vol":"1","page":607},{"text":"٢ - في بقاء النار وخلودها: يقول الله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٦٨)﴾ [التوبة:٦٨]، أي: دائم (^١)، وقال تعالى: ﴿فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [النحل:٢٩]، قال السمعاني: \" أي: مقيمين دائمين فيها \". (^٢)\nفإن قيل: ما وجه الاستثناء في قوله تعالى: ﴿قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ [الأنعام:١٢٨]، الجواب: قال الفراء، هو مثل قوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ [هود:١٠٧]، يعني: من الزيادة على مدة دوام السموات والأرض، فهذا هو المراد بهذه لآية أيضًا، وقيل: الاستثناء في العذاب، يعني: خالدين في نوع من العذاب، إلا ما شاء الله من سائر العذاب، وقيل: هو استثناء مدة البعث والحساب، لا يُعذبون في وقت البعث والحساب \". (^٣)\nووجه السمعاني ما ورد عن بعض السلف، من خلو النار من المعذبين، كما جاء عن أبي هريرة أنه قال: يأتي على جهنم زمان لا يبقى فيها أحد، يقول السمعاني موجهًا لهذا الأثر وأمثاله: \" ومعنى هذا عند أهل السنة - إن ثبت - أن المراد منه: الموضع الذي فيه المؤمنون من النار، ثم يخرجون عنه، فلا يبقى فيها أحد، وأما مواضع الكفار، فهي ممتلئة بهم أبد الأبد، على ما نطق به الكتاب والسنة \". (^٤)\nوأجاب كذلك عن الإشكال الوارد في قوله تعالى: ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾ [النبأ:٢٣]، بثلاثة أوجه، ومنها: لابثين فيها أحقابًا إلى أحقاب لا تنقطع أبدًا. (^٥)\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٣٢٦\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ١٦٩\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ١٤٥\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٤٦١\n(^٥) السمعاني: تفسير القرآن: ٦/ ١٣٩","vol":"1","page":608},{"text":"وبقي الإشكال في قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (١٠٦) خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ [هود:١٠٦ - ١٠٧]، قال السمعاني: هذه الآية تُعدُّ من مشكلات القرآن، وقد أكثر العلماء فيها الأقوال، ونذكر ما يعتمد عليه \" (^١)، ففسر السمعاني معنى خلود السموات والأرض، بما ورد عن ابن عباس: أن الآية نزلت في قوم من المؤمنين يدخلهم الله تعالى النار، ثم يخرجهم منها إلى الجنة، ويسمون الجهنميين، وعَبَّر بالسموات والأرض عن طول المكث، ويكون الاستثناء واقعا على ما بعد الإخراج من النار، بشفاعة الأنبياء والمؤمنين. (^٢)\nوأما تفسير الآية الأخرى في أهل الجنة الذين دخلوها، من غير أن يدخلوا في النار، ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود:١٠٨]، فالخلود يُراد به الإقامة فيها ما دامت السموات والأرض، وكنى بهذا عن طول المكث.\nـ وقيل: معنى الخلود راجع إلى سموات الجنة وأرضها، والاستثناء يعود على زمان الوقوف في القيامة، ومدة المكوث في القبر.\nـ وقيل: معنى الاستثناء: ولو شاء لقطع التخليد عليهم، ولكن لا يشاء. (^٣)\nإذن: فهما باقيتان لا تفنيان بإتفاق أهل الإسلام، يقول ابن تيمية: \" وقد اتفق سلف الأمة وأئمتها، وسائر أهل السنة والجماعة، على أن من المخلوقات ما لا يعدم ولا يفنى بالكلية، كالجنة والنار \". (^٤)\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٤٥٩\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٤٦٠\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٤٦٠ - ٤٦١\n(^٤) ابن تيمية: مجموع الفتاوى: ١٨/ ٣٠٧","vol":"1","page":609},{"text":"١٠ - وهناك جملة من العقائد والمسائل المتعلقة باليوم الآخر، أثبتها السمعاني وفق ظواهر النصوص القرآنية، كنطق الجوارح يوم القيامة على الحقيقة، وسور الأعراف الذي بين الجنة والنار، وتبديل الأرض يوم القيامة، ومال بعد حكاية الخلاف في معنى التبديل، إلى القول المعروف فيها، وهو أن التبديل ليس بتبديل ذات، بل تبديل صفة وهيئة (^١)، وما في الجنة من أصناف النعيم، وألوان التكريم، وما في النار من صنوف العذاب، والورود على النار، وزفيرها وتكلمها على الحقيقة (^٢)، وقيام الناس لرب العالمين، ودنو الشمس على رؤوسهم (^٣)، فكل هذه العقائد والمسائل قررها السمعاني، وأثبتها على وفق المنهج القرآني الرباني، وبناء على ما أجمعت عليه الأمة.\n١١ - وأختم هذا الفصل بما أورده السمعاني، من كلام العلماء في مسألة مصير أولاد المشركين:\nأولًا: ذراري المسلمين إن ماتوا صغارًا، فهم مع آبائهم في الجنة، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الطور:٢١]، وهذا هو الصحيح، وأما ما ورد في الحديث عن عائشة أنها قالت لما مات صبي من الأنصار: طوبى له عصفور من عصافير الجنة، فقال النبي ﷺ: \" يا عائشة أوغير ذلك؟ إن الله خلق النار، وخلق لها أهلها، وخلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم، وخلق الجنة وخلق لها أهلًا، خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم \"، فهذا الحديث حمله السمعاني على ماقبل نزول الآية، فقال: \" وقد قال أهل العلم: إن الأصح في ذراري المؤمنين أنهم في الجنة، ويحمل أن النبي ﷺ إنما قال ذلك، على ما كان عرفه في الأصل، ثم إن الله تعالى أخبره أن ذراري المسلمين في الجنة بهذه الآية وغيرها \". (^٤)\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ١٢٥\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٢٤٥\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٦/ ١٧٩\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٢٧٣","vol":"1","page":610},{"text":"ثانيًا: ذراري المشركين: فقد حكى السمعاني خلاف العلماء فيهم، بناء على اختلاف الروايات في المسألة، فقيل: هم خدم أهل الجنة، وقيل: هم في النار مع آبائهم، وقيل: بالتوقف؛ لأن النبي سُئل عنهم، فقال: \" الله أعلم بما كانوا عاملين \" (^١)، ولذا رجح السمعاني هذا القول، فقال: \" والأولى أن يتوقف، ويوكل علم ذلك إلى الله تعالى، وهم على مشيئته، يفعل بهم ما يشاء \" (^٢)، وقال في موطن آخر: \" والأصح أن الأمر فيهم على التوقف \" (^٣)، وقد ناقش ابن حزم المسألة، ورجح أنهم من أهل الجنة (^٤). وهذه المسألة محل بحث وأخذ ورد عند العلماء، وابن القيم ناقش الأدلة، ونصر القول بامتحانهم يوم القيامة بطاعة الرسول ﷺ. (^٥)\nوهكذا نرى منهج الإمام السمعاني في هذا الباب متسقا تمام الاتساق مع المنهج القرآني، والمنهج السلفي القائم على التسليم المطلق للنصوص، والإيمان الجازم بكل ما دلت عليه. والإثبات تمييز للضد، فإثباته ردٌ على كل منكر أو متأول، فسيما أهل البدع إنكار كثير من الغيبيات التي دلت عليها النصوص؛ فمنهم من أنكر حقيقة الميزان، أو الحوض، أو الصراط، أو الشفاعة لأهل الكبائر، أو خلود الجنة والنار، وكل ذلك مبثوث في كتب المقالات، ومعروف في كلام القوم.\nفجاءت آراء الإمام السمعاني سادة لهذا الخلل، ومقومة للإعوجاج الذي طرأ على العقيدة الصحيحة.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحه، باب ما قيل في أولاد المشركين: ح (١٣٨٣)\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٦/ ١٦٦\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٢٧٣\n(^٤) ابن حزم: الفِصل: ٤/ ٦٠\n(^٥) ابن القيم: التفسير القيم (٤٥١)","vol":"1","page":611},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-251>الفصل السادس: الإيمان بالقدر</span>\nالمبحث الأول: مراتب القضاء والقدر\nالمبحث الثاني: الرد على القدرية\nالمبحث الثالث: مسائل في القدر\nالمطلب الأول: هل كان الحسن قدريًا؟!\nالمطلب الثاني: هل يجب على الله تعالى شيء؟!\nالمطلب الثالث: معنى اللطف الإلهي، وهل يتناهى أم لا؟!\nالمطلب الرابع: هل الاستطاعة تكون قبل الفعل أم معه؟!\nالمطلب الخامس: معنى الختم والطبع\nالمطلب السادس: هل المعدوم شيء؟!\nالمطلب السابع: المحو والإثبات\nالمطلب الثامن: هل المقتول ميت بأجله؟!\nالمطلب التاسع: حكم إيلام الأطفال دون ذنب؟!\nالمطلب العاشر: مسألة التحسين والتقبيح العقليين","vol":"1","page":612},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-252>الإيمان بالقدر:</span>\nالإيمان بالقدر هو الإيمان بأفعال الله تعالى، يقول القصري: \" واعلم أن الإيمان بالقدر من أعظم شعب الإيمان؛ لأنه من التوحيد، فإنه إضافة الأفعال كلها إلى الله، وأنها صادرة عن قدرته لا شريك له فيها\" (^١)، وهو الإيمان بالغيب، قال ابن كيسان في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة:٣]، أي بالقدر (^٢)، وقد أجمع العلماء على أن الإقرار بالقدر مع الإيمان به واجب (^٣)، وأفعال الله تعالى كلها قائمة على العدل، قال تعالى: ﴿هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾ [النحل:٧٦]، يقول السمعاني: \" عنى نفسه، والله تعالى يأمر بالعدل، ويفعل العدل \" (^٤)، وهذا محل إجماع عند العلماء، فقد أجمعوا على أن الله تعالى عادل في جميع أفعاله وأحكامه، ساءنا ذلك أو سرنا، نفعنا أو ضرنا. (^٥)\nفالقدر سِرُّ الله، وسبيل المعرفة فيه التوقيف من الكتاب والسنة، يقول السمعاني مقررًا هذه العقيدة: \" سبيل معرفة هذا الباب، التوقيف من الكتاب والسنة، دون محض القياس، ومجرد العقول، فمن عَدَل عن التوقيف فيه، ضَلَّ وتاه في بحار الحَيْرة، ولم يبلغ شفاء النفس، ولا يصل إلى ما يطمئن به القلب؛ لأن القدر سِرٌّ من أسرار الله تعالى، التي ضُرِبت من دونها الأستار، اختص الله به، وحجبه عن عقول الخلق ومعارفهم، لما علمه من الحكمة، وواجنبا أن نقف حيث حَدَّ لنا ولا نتجاوزه، وقد طوى الله تعالى علم القدر على العَالَم، فلم يعلمه نبي مرسل، ولا ملك مقرب، وقيل: إن سر القدر ينكشف لهم إذا دخلوا الجنة، ولا ينكشف قبل دخولها \". (^٦)\n_________\n(^١) القصري: شعب الإيمان: ٢٩٢\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٤٣\n(^٣) ابن القطان: الإقناع: ١/ ٥٩\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ١٩٠\n(^٥) ابن القطان: الإقناع: ١/ ٦٠\n(^٦) انظر: النووي: شرح مسلم: دار إحياء التراث، بيروت، ط ٢، ١٣٩٢ هـ، (١٦/ ١٩٦)","vol":"1","page":613},{"text":"فالقدر يشمل علم الله تعالى، وكتابته، وما طابق ذلك من مشيئته وخلقه (^١)، وقد فسَّره الإمام أحمد بالقدرة، فقال: القدر قدرة الله، واستحسن ابن عقيل هذا الكلام جدًا، وقال: هذا يدل على دقة علم الإمام أحمد، وتبحره في معرفة أصول الدين \" (^٢)، قال ابن القيم:\" وهو كما قال أبو الوفاء، فإن إنكار القدر، إنكار لقدرة الرب على خلق أعمال العباد، وكتابتها، وتقديرها \". (^٣)\nوباب القدر من الأبواب العظيمة التي زلت فيها أقدام أقوام، لم تستطع أفهامهم ولا عقولهم أن تعي معاني هذا الباب، فوقعت في الزلل، وجرى عليها الخطأ والخلل.\nوقد خاض السمعاني غمار هذا البحث، وأبان عن المنهج القرآني الذي يجب على المسلم أن يسير عليه، وقد ظهر اهتمام السمعاني بهذا الركن من عدة جهات:\n١ - أبان عن مراتب القضاء والقدر بأدلتها.\n٢ - رد على المخالفين، وفند أدلتهم، وأظهر عوارها.\n٣ - أشار إلى مسائل متعلقة بالقدر، بحثها بحثا علميا دقيقا، وفق في أغلبها، غير أن منازلته للمعتزلة القدرية، ومناكفته لهم، أوقعته في بعض الهفوات التي لا يخلو منها أحد، فوقع كلامه في بعض المسائل متوافقا مع المذهب الأشعري، وقد أبنت وجه الحق فيها، والحق احق أن يُتبع؛ كمسألة التحسين والتقبيح العقليين.\n_________\n(^١) ابن تيمية: جامع الرسائل والمسائل: ٢/ ٣٥٥\n(^٢) ابن القيم: شفاء العليل: دار المعرفة، بيروت، ١٣٩٨ هـ، (٢٨)\n(^٣) ابن القيم: شفاء العليل: ٢٨","vol":"1","page":614},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-253>المبحث الأول: مراتب القضاء والقدر:</span>\n\" القدر عند أهل السنة: قدرة الله تعالى وعلمه، ومشيئته، وخلقه، فلا تتحرك ذرة فما فوقها إلا بمشيئته، وعلمه، وقدرته \". (^١)\nفالإيمان بالقدر يتضمن أربع مراتب:\n١ - الإيمان بعلم الله تعالى الشامل المحيط، فالله تعالى عَلِمَ ما الخلق عاملون بعلمه القديم، الذي هو موصوف به أزلًا وأبدًا، وعَلِم جميع أحوالهم من الطاعات، والمعاصي، والأرزاق، والآجال (^٢)، وهذا القدر متفق عليه عند الرسل من أولهم إلى خاتمهم، واتفق عليه جميع الصحابة، ومن تبعهم من الأمة. (^٣)\nوقد استدل السمعاني ﵀ على هذه المرتبة، بدلالات كثيرة من نصوص الوحيين، منها:\nـ قوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام:٥٩]، يقول السمعاني: \" روى ابن عمر عن النبي ﷺ أنه قال:\" مفاتح الغيب خمسة \"، وذكر الخمس المذكورة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [لقمان:٣٤]، ثم قرأ الآية \" (^٤) (^٥)\nـ وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [السجدة:٦]، أي: ما غاب عن العباد، ومالم يغب عنهم \". (^٦)\n_________\n(^١) ابن القيم: شفاء العليل: ٥٢\n(^٢) ابن تيمية: العقيدة الواسطية: ١٠٥\n(^٣) ابن القيم: شفاء العليل: ٢٩\n(^٤) أخرجه البخاري في صحيحه، باب (وعنده مفاتح الغيب)، ح (٤٦٢٧)\n(^٥) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ١١١\n(^٦) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٢٤٤","vol":"1","page":615},{"text":"ـ وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ:٣]، يقول السمعاني مستدلًا بالآية على شمول العلم الإلهي: \" لَا يَعْزُبُ عَنْهُ \" أي: لا يغيب عنه، \" مِثْقَالُ ذَرَّةٍ \" أي: وزن ذرة، \" وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ \" أي: أصغر من الذرة إلى أن لا يحيط به العقل، وأكبر إلى ألا يُحيط به العقل، والمعنى: أن كل ذلك في علمه \". (^١)\nـ وقوله: ﴿عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ [الزُّمَر:٤٦]، أي السر والعلانية. (^٢)\nـ وقوله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ [الحشر:٢٢]، أي: ما كان وما يكون. (^٣)\nـ وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ [الجمعة:٨]، أي: عالم بما ظهر وخفي. (^٤)\nـ وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [طه:٩٨]، يقول السمعاني: \" أي: وسع علمه كل شيء، وقالوا: هذا من فصيح القرآن \". (^٥)\n٢ - الإيمان بأن الله تعالى كتب في اللوح المحفوظ مقادير المخلوقات، وهو ثابت في صريح القرآن والسنة، وآثار السلف، وهذا مما نُقل فيه الإجماع، فقد أجمع أهل السنة على أنه تعالى قَدَّر أفعال جميع الخلق، وأرزاقهم، وآجالهم، قبل خلقه لهم، وأثبت في اللوح المحفوظ جميع ما هو كائن منهم، وأجمعوا على أن لله لوحًا محفوظًا، كتب فيه كل شيء قبل أن يخلق العالم. (^٦)\nواستدل السمعاني على إثبات هذه المرتبة بجملة من الدلائل، منها:\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٣١٦\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٤٧٢\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٤٠٨\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٤٣٤\n(^٥) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٣٥٣\n(^٦) ابن القطان: الإقناع: ١/ ٦١ - ٦٤","vol":"1","page":616},{"text":"ـ قوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام:٥٩]، يقول السمعاني: \" يعني: أن الكل مكتوب في اللوح المحفوظ، وهو مثل قوله تعالى: ﴿وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ﴾ [القمر:٥٣] \". (^١)\nـ وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [يونس:٦١]، يقول السمعاني: \" معناه: إلا هو مبين في الكتاب، يعني: اللوح المحفوظ، وفي الأخبار المشهورة: \" أن الله تعالى لما خلق القلم، قال: اكتب، قال: وما اكتب؟ قال اكتب ماهو كائن إلى يوم القيامة \" (^٢)، وقد ثبت برواية عبدالله بن عمرو بن العاص، أن النبي ﷺ قال: \" إن الله قدر المقادير قبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة\" (^٣) \" (^٤).\nـ وقوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد:٣٩]، يقول السمعاني: \" معناه: وعند أصل الكتاب، وأصل الكتاب: هو اللوح المحفوظ \". (^٥)\nـ وقوله تعالى: ﴿كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾ [الإسراء:٥٨]، أي: مكتوبًا، ومعنى الكتاب: هو اللوح المحفوظ. (^٦)\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ١١١\n(^٢) أخرجه أبوداود في سننه باب في القدر، ح (٤٧٠٠)\n(^٣) أخرجه مسلم في صحيحه، باب حجاج آدم وموسى ﵉، ح (٢٦٥٣)\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٣٩٢\n(^٥) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ١٠٠\n(^٦) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٢٣٢","vol":"1","page":617},{"text":"ـ وقوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [النمل:٧٥]، يقول السمعاني: \" أي: جملة غائبة من الغائبات، وقيل: ما من خبر غائب، \" وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ \" هو اللوح المحفوظ\". (^١)\nـ وقوله تعالى: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [يس:١٢]، \" أي: جمعناه في كتاب مبين، والإمام المبين هو اللوح المحفوظ \". (^٢)\nـ وقوله تعالى: ﴿وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ﴾ [ق:٤]، \" أي: حافظ، وهو اللوح المحفوظ، وقيل: محفوظ ما فيه \". (^٣)\nوقد سمى الله تعالى اللوح المحفوظ غيبًا، فقال: ﴿أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ﴾ [القلم:٤٧]، أي: عندهم اللوح المحفوظ، وسماه غيبًا؛ لأنه كتب فيه ما غاب عن العباد. (^٤)\n٣ - \" الإيمان بمشيئة الله النافذة، وقدرته الشاملة، وهو الإيمان بأن ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وأنه ما في السموات، وما في الأرض من حركة، ولا سكون، إلا بمشيئة الله ﷾، ولا يكون في ملكه إلا مايريد \" (^٥)، وهذا مما أجمع عليه المسلمون، فأجمعوا على قول: ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن. (^٦)\nواستدل السمعاني ببعض الدلائل القرآنية، وقَرَّر أن هذا هو اعتقاد أهل السنة، ومنه:\nـ قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ [الحج:١٨]، يقول السمعاني: \" أي: يكرم ويُهين، ويشقي ويسعد، بمشيئته وارادته، وهو اعتقاد أهل السنة \". (^٧)\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ١١٢\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٣٧٠\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٢٣٥\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٦/ ٣١\n(^٥) ابن تيمية: العقيدة الواسطية: ١٠٧\n(^٦) ابن القطان: الإقناع: ١/ ٦٠\n(^٧) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٤٢٩","vol":"1","page":618},{"text":"ـ وقوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان:٣٠]، يقول السمعاني: \" رد مشيئتهم إلى مشيئته، والمعنى: لا يريدون إلا بإرادة الله، وهو موافق لعقائد أهل السنة، أنه لا يفعل أحد شيئًا، ولا يختاره، ولا يشاؤه، إلا بمشيئة الله \". (^١)\n٤ - الإيمان بعموم الخالقية، وأن الله خالق كل شيء، وربه، ومليكه، وقد دخل في ذلك جميع الأعيان القائمة بأنفسها، وصفاتها القائمة بها من أفعال العباد، وغير أفعال العباد (^٢). وهذا مما أجمع عليه المسلمون، فقد أجمعوا على أنه تعالى خالق لجميع الحوادث وحده، لا خالق لشيء منها سواه، وأجمعوا على أنه الخالق لجميع أفعال العباد، وأرزاقهم، والمنشيء لجميع الحوادث وحده. (^٣)\nواستدل السمعاني على هذه المرتبة بعدة أدلة من القرآن الكريم، منها:\nـ ما يدل على حصر الخلق في الرب جل وعلا، قال تعالى: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ [فاطر:٣]، أي: لا خالق غير الله (^٤)، فهذا استفهام على وجه التقرير، كأنه قال: لا خالق غير الله. (^٥)\nـ وما يدل على عموم الخالقية، قال تعالى: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [الذاريات:٤٩]، أي: صنفين، ويقال معناه: زوجين زوجين، وذلك مثل: السماء والأرض، والليل والنهار، والنور والظلمة، والذكر والأنثى، والبر والبحر، وعن مجاهد قال: الكفر والإيمان، والشقاوة والسعادة، والهدى والضلالة، وروى حذيفة عن النبي ﷺ أنه قال: \" إن الله خالق كل شيء، صانع وصنعته \" (^٦) (^٧)، قال الإمام البخاري: \" فأخبر أن الصناعات وأهلها مخلوقة \". (^٨)\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ٦/ ١٢٤\n(^٢) ابن تيمية: مجموع الفتاوى: ٨/ ٤٤٩\n(^٣) ابن القطان: الإقناع: ١/ ٦١ - ٦٢\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ١٧٣\n(^٥) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٣٤٥\n(^٦) أخرجه البخاري في كتاب خلق أفعال العباد: دار المعارف، الرياض، (٤٦)\n(^٧) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٢٦٢\n(^٨) البخاري: خلق أفعال العباد: ٤٦","vol":"1","page":619},{"text":"ـ ما يدل على خلق أفعال العباد، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات:٩٦]، يقول السمعاني: \" من هذه الأصنام، فإذا كان الله خلقها، فلا يصلح أن تتخذوها ألهة، وفي الآية دليل على أهل الاعتزال، في أن أعمال العباد مخلوقة لله تعالى \". (^١)\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٤٠٥","vol":"1","page":620},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-254>المبحث الثاني: الرد على القدرية:</span>\nضَلَّ في باب القدر طوائف، حين لم يسلموا بالنصوص، ولم يجمعوا بينها، وظهر الانحراف في هذا الباب جليًا في اتجاهين:\nالأول: عُرف بالقدرية، وهي من أول الفرق التي حدثت في الأمة الإسلامية، في آواخر عصر الصحابة، وكان أول من تكلم به معبد الجهني، وقيل: أخذه من المجوس، من رجل يُقال له: سيسويه، وأخذ غيلان الدمشقي عن معبد الجهني، وسموا قدرية لإنكارهم القدر. (^١)\nوهؤلاء غلوا في إثبات القدر، يعني: جعلوا العبد خالقًا لفعله، وأن أفعاله لا تعلق لها بالمشيئة الإلهية، ومَثَّل هذا الاتجاه المعتزلة، فصرحوا في كتبهم بهذه العقيدة المخالفة للنصوص.\nوالثاني: عُرِفَ بالجبرية: نسبة إلى الجبر، وهو نفي الفعل عن العبد، وإسناده للرب جل وعز، وكان زعيمهم الجهم بن صفوان، والجبرية قسمان، كما أن القدرية قسمان، فالقدرية قدرية خالصة، أنكرت العلم الإلهي، وهذه كفرها السلف، إلا أنها تلاشت، وقدرية متوسطة أثبتوا العلم الإلهي، ولكنهم أنكروا خلقه لأفعال العباد. أما الجبرية فهي جبرية خالصة يمثلهم الجهم يسلبون العبد إرادته التامة، ويقولون: هو مجبور مضطر على فعله، كالريشة في مهب الريح، وجبرية متوسطة أثبتوا للعبد قدرة لكنها قدرة غير مؤثرة، أضحت تعرف عند الأشاعرة بنظرية الكسب في الفعل. وهو في حقيقته مقارب لقول الجهمية الخالصة. (^٢)\n_________\n(^١) ابن تيمية: مجموع الفتاوى: ٨/ ٤٢٩ - ٤٣٠، ابن حجر: فتح الباري: ١/ ١٤٥\n(^٢) انظر: ابن تيمية: درء التعارض: ١/ ٦٣، الشهرستاني: الملل والنِّحل: ١/ ٨٥، العروسي: المسائل المشتركة: دار حافظ، جدة، ط ١، ١٤١٠ هـ، (١٦٧)","vol":"1","page":621},{"text":"والإمام السمعاني ﵀ ذكر بعض دلائل القدرية التي يعتمدون عليها، والتي هي على وفاق - حسب ظنونهم - مع أدلتهم العقلية، التي بها ألبسوا العبد لباس الخالقية لأفعاله، فأشار إليها السمعاني، ورد عليهم هذا المذهب الفاسد بكثير من الدلائل القرآنية التي تُثبت عموم خالقية الله تعالى ومشيئته. العجيب أن المعتزلة القدرية، احتجوا ببعض دلائل الجهمية، فالجهمية قالوا: الأفعال كلها كانت وتكون بخلق الله، ولا مشيئة للعبد فيها، والقدرية قالوا: أفعال العبد كلها كانت وتكون بخلق العبد، ولا مشيئة لله تعالى فيها، وإنما أمكنه الله تعالى من إحداث إرادته، بأن خلقه كذلك. وكلا الطائفتين قَصَّر في جانب، فالجهمية سلبت قدرة العبد، والقدرية المعتزلة سلبت قدرة الرب في هذه المسألة، وأهل السنة أثبتوا للرب كمال القدرة والمشيئة، وأثبتوا للعبد كذلك القدرة الحقيقية المؤثرة في مقدورها، ومشيئته واختياره، إلا أن مشيئته غير مستقلة، بل هي تحت مشيئة الله تعالى (^١). وهناك عدة منطلقات، انطلق منها القوم في تبرير وجهاتهم، وتقرير عقائدهم، فيما يتعلق بهذا الباب:\n١ - الجهمية الجبرية: الذين ينفون الحكمة والتعليل في إفعال الله تعالى، قادهم هذا الاعتقاد إلى الجبر، وهو سلب العباد مشيئتهم، وأنهم غير قادرين على أفعالهم، وإنما تُنسب إليهم مجازًا، والفاعل هو الله تعالى، وإذا قيل مثلًا: كيف يكلف الله، ويعذب من جبرهم على الأعمال أو المعاصي، قالوا: إن الله يفعل ما يشاء، وأفعاله لا تعلل بالحكمة والمصلحة.\n_________\n(^١) انظر: العروسي: المسائل المشتركة: ١٦٨، عبدالرحمن المحمود: القضاء والقدر: دار الوطن، الرياض، ط ٢، ١٤١٨ هـ (٣٠٣)","vol":"1","page":622},{"text":"والمعتزلة حين أثبتوا لأفعال الله حكمة منفصلة عن الله، لا ترجع إليه، حصروها في المخلوق، ثم زعموا أن هذه الحكمة لا تتم إلا بأن يكون العباد خالقين لأفعالهم؛ بناء على أصلهم، القول بالعدل، فمتى قيل: بأن الله هو خالق أفعالهم، أثر على هذه الأصل الذي اخترعوه، وهذا بدوره أدى بهم إلى أن أوجبوا على الله تعالى فعل الأصلح، وهي كذلك حلقة من سلسلة حلقات أدت بهم إلى القول: بأن الله لا يخلق أفعال العباد؛ لأنه لو خلقها ثم عاقبهم، لكان ظالمًا لهم، وهذا لا يجوز.\n٢ - وكذا حين نفي الجهمية أن تكون للعبد أي استطاعة، لا قبل الفعل ولا معه، قالوا بالجبر، وحين قال الأشاعرة بنفي قدرة العبد قبل الفعل، وأثبتوا القدرة مع الفعل، ونسبوها إلى الله تعالى، وسموها كسبًا، قاربوا الجهمية، وحين جعلت المعتزلة الاستطاعة قبل الفعل، وجعلوها للعبد، حيث يقدر على الترك والفعل مطلقًا، قالوا: هو الفاعل لفعله حقيقة، والله لا يخلق فعله.\n٣ - ولما اختلفوا في التحسين والتقبيح، هل هما عقليان أم شرعيان، نشأ عنه القول بالجبر والقدر، بل نشأت عنه مسألة أخرى، اختلفوا في تعريفها وهي مسألة الظلم، وكيف يتنزه الرب تعالى عنه. (^١)\nوالذي يهمنا في هذا المقام، كيف عالج السمعاني هذه القضية، ورد على المنكرين؟!\nأولًا: قرر السمعاني هذه المسألة بناء على المنهج السلفي، وهو أن الله تعالى له الخلق المطلق العام الشامل، وهذا يشمل أفعال الإنسان، واستدل على ذلك بدلائل القرآن الكريم، ومنها:\n١ - قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ [البقرة:٢٥٣]، ووجه الدلالة من الآية: يقول السمعاني:\" هذا دليل على القدرية؛ حيث أحالوا الاقتتال على المشيئة \" (^٢)، والقدرية ينكرون أن تكون لله تعالى مشيئة في فعل العبد.\n_________\n(^١) استفدت هذه المباحث من: رسالة القضاء والقدر: عبدالرحمن المحمود: ٢٤١ - ٢٩٠، العروسي: المسائل المشتركة: ١٦٩، عبدالرحمن حبنكة: العقيدة الإسلامية: ٦٣٧\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٢٥٦","vol":"1","page":623},{"text":"وكذلك مما أوقع القدرية والجبرية في الخطأ في هذه المسألة، هو عدم تفريقهم بين الإرادة الكونية المرادفة للمشيئة، وبين الإرادة الشرعية المستلزمة لمحبته ورضاه، ولذا من فرَّق بين النوعين أدرك المسألة.\nفالقدرية المعتزلة لم يفرقوا بين الإرادة والرضا فجعلوهما من باب واحد، فقالوا: كل ما أمر الله تعالى به تشريعًا، فقد أراده، بمعنى أحبه وشاءه، إذن: كل مالم يأمر به، فليس من خلقه؛ لأنه لايحبها ولا يرضاها، كالكفر والذنوب والمعاصي، فكيف نقول: إنه خلق أفعال العباد، وفيها الكفر والذنوب والمعاصي.\nوالجبرية لم يفرقوا بين الإرادة الكونية والرضا، فقالوا: كل ماخلقه الله فقد أحبه ورضيه.\nوأهل السنة فرقوا بين الأمرين، \" فلفظ المشيئة كوني، ولفظ المحبة ديني شرعي، ولفظ الإرادة ينقسم إلى إرادة كونية، فتكون هي المشيئة، وإلى إرادة دينية، فتكون هي المحبة \" (^١)، ولذا يقول ابن القيم: \" والذي يكشف هذه الغمة، ويبصر من هذه العماية، وينجي من هذه الورطة، إنما هو التفريق بين مافرق الله بينه، وهو المشيئة والمحبة، فإنهما ليسا واحدًا، ولا هما متلازمين \" (^٢). وهذا القول هو الذي ذهب إليه الإمام السمعاني، فإنه فرق بين الإرادة وبين الرضا، وقال: إن المعاصي بإرادة الله تعالى، وليست برضاه ومحبته، وقال: هو الأولى، والأقرب بمذهب السلف (^٣). ومع هذا التفريق يتضح المقام، فلا يكون لقول القدرية المعتزلة وجهًا؛ إذا احترزوا من نسبة القبائح إلى الله تعالى؛ زعمًا منهم تنزيه الخالق، فسلبوه صفة كمال، ولا وجه لقول الجبرية؛ إذ احترزوا من نسبة العجز إليه، فجعلوه مريدًا لكل شيء مخلوق محبًا له، ولو كان مبغوضًا في ذاته، كالكفر، والمعاصي، والذنوب.\n٢ - وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا﴾ [الأنعام:١٠٧]، يقول السمعاني:\" وهذا دليل على القدرية \" (^٤)، فأحال على المشيئة التي ينكرها القدرية.\n_________\n(^١) ابن القيم: شفاء العليل: ٨٨\n(^٢) ابن القيم: مدارج السالكين: ٢/ ١٨٨\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٤٦٠\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ١٣٤","vol":"1","page":624},{"text":"٣ - وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأعراف:٤٣]، يقول السمعاني: \" وفي هذا دليل على القدرية \" (^١)، ووجه الدلالة ما ذكره السمعاني في الآية التالية:\n٤ - وقوله تعالى: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف:١٧٨]، يقول السمعاني: \" وهذا دليل على القدرية، حيث نسب الهداية والضلالة إلى فعله من غير سبب \". (^٢)\n٥ - وقوله تعالى: ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ [التوبة:٥٥]، يقول السمعاني: \" وفي الآية رد على القدرية، وهو ظاهر \". (^٣)\n٦ - وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ [يونس:٩٩]، يقول السمعاني: \" في الآية رد على القدرية، فإنه تعالى أخبر أنه لم يشأ إيمان جميع الناس، وعندهم أنه شاء إيمان جميع الناس \" (^٤)، ولكن ذنوبهم ومعاصيهم تنسب إليهم؛ لأنهم خلقوها على زعمهم، فالآية رد ظاهر عليهم.\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ١٨٣\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٢٣٤\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٣١٨\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٤٠٦","vol":"1","page":625},{"text":"٧ - وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [هود:٣٤]، يقول السمعاني: \" وفي الآية رد على القدرية \" (^١)، حيث نسبوا الغواية إليه، والغواية هنا بمعنى الإضلال عند أكثر المفسرين، فهو خالق الإنسان وعمله. وسبق أن القدرية المعتزلة حين قالوا بالتقبيح والتحسين العقليين، فقالوا: إن الله لا يفعل القبيح، بل أفعاله كلها حسنة، قادهم هذا إلى نفي خلق أفعال العباد؛ لأنه منها ما هو حسن، ومنها ما هو قبيح، فلو خلقها لكان فاعلًا للقبيح، لأنهم شبهوا الله تعالى بخلقه، فسموا مشبهة الأفعال.\n٨ - وقوله تعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ﴾ [الرعد:١١]، يقول السمعاني: \" في الآية رد على القدرية صريحًا \" (^٢)، إذ هو خالق أعمالهم، فنسب التغيير إليه.\n٩ - وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ﴾ [الرعد:٢٧]، يقول السمعاني: \" ومعناه: ويهدي إليه من يشاء بالإنابة، وفي الآية رد على القدرية \". (^٣)\n١٠ - وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الحِجر:١٢]، قال الحسن: كذلك نسلك الشرك في قلوب المجرمين، ونسلك: أي ندخل، وقال مجاهد: نسلك التكذيب، وهو رد على القدرية صريحًا \". (^٤)\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٤٢٦\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٨٢\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٩١\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ١٣١","vol":"1","page":626},{"text":"١١ - وقوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [النحل:٩]، يقول السمعاني: \" قيل معناه: وعلى الله بيان الهدى من الضلالة، وقيل: بيان الحق بالآيات والبراهين وهذا بحكم الوعد. وقوله \" وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ \" ظاهر المعنى، وفيه رد على القدرية \". (^١)\n١٢ - وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [النحل:٩٣]، يقول السمعاني: \" والآية صريحة في الرد على القدرية \" (^٢)، فهذه الآيات الثلاث الأخيرة، فيها نسبة الهداية والإضلال إلى فعل الله تعالى، \" وحقيقة المعنى: إني لا أُسأل عما أفعل من الإضلال الهداية \". (^٣)\n١٣ - وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾ [الإسراء:٤٦]، يقول السمعاني:\"وفي الآية رد على القدرية صريحًا \" (^٤)؛لأن الله تعالى هو الذي جعل ذلك وخلقه.\n١٤ - وقوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الجاثية:٢٣]، يقول السمعاني:\" وقوله \" وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ \" أي: على ما حكم له في علمه السابق، وهو رد على القدرية، وقد أولوا هذا وقالوا: معنى قوله \" وَأَضَلَّهُ اللَّهُ \" أي: وجده ضالًا، أو سماه ضالًا، وهو تأويل باطل؛ لأن العرب لا تقول: فعل فلان كذا، إذا وجده كذلك \". (^٥)\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ١٦٢\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ١٩٨\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ١٩٨\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٢٤٦\n(^٥) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ١٤١","vol":"1","page":627},{"text":"١٥ - وقوله تعالى: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣]، يقول السمعاني: \"يعني: لا يُسأل عما يحكم على خلقه، والخلق يُسألون عن أفعالهم وأعمالهم ... وفي الآية رد على القدرية، وقطع شبهتهم بالكلية \". (^١)\nوقد استدل بها السلف على ذلك: \" روى أبو الأسود الدؤلي عن عمران بن حُصين قال له: أرأيت ما يسعى فيه الناس ويكدحون، أهو أمر قُضي عليهم، أو شيء يستأنفونه؟ فقلت: لا، بل أمر قُضي عليهم، قال: أفلا يكون ظلمًا؟ قلت: سبحان الله \" لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ \"، فقال لي: أصبت يا أبا الأسود، وقد أجزت عقلك \". (^٢)\n١٦ - وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ﴾ [المائدة:٤١]، يقول السمعاني:\" وفيه دليل على من يُنكر القدر \" (^٣)، فنسب الإضلال والتطهير إليه سبحانه.\n١٧ - وقوله تعالى: ﴿وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الأنعام:١١١]، يقول السمعاني: \" وفي الآية دليل واضح على أهل القدر \" (^٤)؛ لأنه جعل إيمانهم بمشيئته.\nفهذه الدلائل القرآنية وغيرها الدامغة لمذهب أهل القدر، تدل دلالة واضحة، على اهتمام السلف ببيان العقائد الصحيحة، والرد على أهل البدع، والكشف عن عقائدهم الفاسدة، ولا أدلَّ على ذلك، من التصانيف الخاصة والعامة في هذه المسألة. فالإمام السمعاني ممن ساهم في إيضاح عقائد السلف في هذا الباب، ثم نُبيِّن جهوده في رد شبهاتهم التي تمسكوا بها، وجعلوها ستارًا على ضلالاتهم.\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٣٧٤\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٣٧٤\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٣٩\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ١٣٧","vol":"1","page":628},{"text":"ثانيًا: بعد أن بيَّن السمعاني المنهج الحق في هذه المسألة، وقرر عقيدة السلف فيها بالأدلة، شرع في بيان ما احتجوا به، ونقضه، وبيان تهافته، وأن هذه الدلائل حق في نفسها، تدل على خلاف ما ذهبوا إليه، ومن تلك الأدلة، ما يلي:\n١ - احتجت القدرية بقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [النحل:٣٥]، وقد بيَّن السمعاني وجه احتجاجهم بها فقال: \" ووجه احتجاجهم: أن المشركين قالوا: \" لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ \"، ثم إن الله تعالى قال في آخر الآية: \" كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ \"؛ ردًا وإنكارًا عليهم، فدل على أن الله تعالى لا يشاء الكفر، وأنهم فعلوا ما فعلوا بغير مشيئة الله \" (^١)، ثم رد السمعاني عليهم هذه الشبهة، فقال: \" والجواب عنه: ذكر الزجاج وغيره، أنهم قالوا هذا القول على طريق الاستهزاء، لا على طريق التحقيق، ولو قالوا على طريق التحقيق، لكان قولهم موافقًا لقول المؤمنين.\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ١٧١","vol":"1","page":629},{"text":"وهذا مثل قوله تعالى في قصة شعيب: ﴿إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ [هود:٨٧]، فإنهم قالوا هذا على طريق الاستهزاء، لا على طريق التحقيق، وكذلك قوله تعالى في سورة يس: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ﴾ [يس:٤٧]، وهذا إنما قالوه على طريق الاستهزاء؛ لأنه في نفسه قول حق، يوافق قول المؤمنين، كذلك هاهنا قالوا ما قالوا على طريق الاستهزاء، فلهذا أنكر الله تعالى عليهم، ورد قولهم، والدليل على أن المراد من هذا ما ذُكر من بعد وسنبين \" (^١)، وبيانه قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ﴾ [النحل:٣٦]، يقول السمعاني: \" معناه: فمنهم من هداه الله للإيمان، ومنهم من وجبت عليه الضلالة، وتركه في الكفر بالقضاء السابق، فهذه الآية تُبيِّن أن من آمن بمشيئة الله، وأن من كفر، كفر بمشيئة الله \". (^٢)\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ١٧١\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ١٧٢","vol":"1","page":630},{"text":"٢ - وتعلقت القدرية بقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ [الزُّخرُف:٢٠]، وبيَّن السمعاني وجه تعلقهم بالآية، فقال: \" وقالوا: حكى الله تعالى عن الكفار أنهم قالوا: \" لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ \" ثم عقبه بالإنكار والتهديد، فقال: \" مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ \" إي: يكذبون، وعندكم أن الأمر على ماقالوا \" (^١). ثم رد السمعاني عليهم هذا التعلق من وجهين، فقال: \" والجواب من وجهين: أحدهما: أن معنى قوله تعالى: \" مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ \" أي: ما لهم بقولهم إن الملائكة بنات الله من علم، إن هم إلا يخرصون، يعني: في هذا القول، وقد تم الكلام على هذا عند قوله: \" لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ \"، والإنكار غير راجع إليهم، ويجوز أن يحكي من الكفار ما هو حق، مثل قوله: \" وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ \"، وهذا القول حق وصدق.\nوالوجة الثاني: أن معنى قوله: \" مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ \"، أي: ما لهم في هذا القول من عذر، وقوله \" إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ \"، أي: يطلبون ما لا يكون من طلب العذر بهذا الكلام، حكاه النحاس، والأول ذكره الفراء، والزجاج، وغيرهما \". (^٢)\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٩٦\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٩٧","vol":"1","page":631},{"text":"٣ - تمسك القدرية بقوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء:٧٩]، يقول السمعاني: \" واعلم أن ليس في الآية متعلق لأهل القدر أصلًا؛ فإن الآية فيما يصيب الناس من النعم والمحن، لا في الطاعات والمعاصي، إذ لو كان المراد ما توهموا، لقال: ما أصبت من حسنة فمن الله وما أصبت من سيئة، فلما قال: ما أصابك من حسنة، وما أصابك من سيئة، دَلَّ أنه أراد: ما يصيب العباد من النعم والمحن، لا في الطاعات والمعاصي، وحكى عبدالوهاب بن مجاهد، عن مجاهد، أن ابن عباس قرأ: \" وما أصابك من سيئة فمن نفسك وأنا كتبتها عليك \"، وكذا حُكي عن ابن مسعود أنه قرأ كذلك، وهو معروف عن ابن عباس، وهو يُؤيد قولنا: إن المراد: بذنب نفسك \"، أي في معنى قوله: \" وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ \" أي: ما أصابك من سيئة من الله، فذنب نفسك، عقوبة لك. (^١)\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٤٥١","vol":"1","page":632},{"text":"٤ - واستدل القدرية بقوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا﴾ [الأنعام:١٤٨]، وقد بيَّن السمعاني وجه استدلالهم، فقال: \" استدل أهل القدر بهذه الآية، فإنهم لما قالوا: \" لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا \" كذبهم الله تعالى، ورد قولهم، فقال: \" كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ \" \" (^١)، ورد عليهم السمعاني استدلالهم بقوله: \" قيل: معنى الآية: أنهم كانوا يقولون الحق، إلا أنهم كانوا يعدون ذلك عذرًا لهم، ويجعلونه حجة لأنفسهم في ترك الإيمان، فالرد عليهم كان في هذا، بدليل قوله تعالى بعده ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ﴾ [الأنعام:١٤٩]، أي: الحجة بالأمر والنهي باقيه له عليهم، وإن شاء أن يشركوا \" فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ \" ولو لم يحمل على هذا، لكان هذا مناقضة للأول. وقيل: إنهم كانوا يقولون: إن الله أمرنا بالشرك، كما قال في الأعراف: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا﴾ [الأعراف:٢٨]، وكأن قوله \" لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا \" أي: هو الرب أمرنا بالشرك، فالرد في هذا، لا في حصول الشرك بمشيئته، فإنه حق وصدق، وبه يقول أهل السنة \". (^٢)\n٥ - ومن العجيب من ذكره السمعاني، أن القدرية صحفوا قوله تعالى: ﴿قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ﴾ [الأعراف:١٥٦]، إلى قوله: (أصيب به من أساء) من الإساءة، قال السمعاني: \" وليس بشيء\". (^٣)\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ١٥٤\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ١٥٤\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٢٢١","vol":"1","page":633},{"text":"ونُشير أخيرًا إلى تحكم وتناقض القدرية المعتزلة في تعاملهم مع النصوص، فهم لم يمتنعوا من إعمال العموم المستفاد من كلمة (كل) في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٩]، المفيد عموم علمه ولكنهم امتنعوا من إعماله في النصوص المفيدة عموم خلقه، كقوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزُّمَر:٦٢]، مع أن صيغة العموم في الموضعين واحدة، ولذا ألزمهم الإمام الأشعري بالعموم فيما اختلفوا فيه، قياسًا على ما اتفقوا عليه. (^١)\nومشكلة المتكلمين عمومًا، ما يقعدونه من قواعد، ينتج عنها تأويل النصوص عما أراد الله تعالى، ولذا فإن من القواعد التي وضعها المتكلمون؛ ليمايزوا على أساسها بين ما هو نص في مضمونه العقدي، وبين ما هو ظاهر يجب تأويله، فالمتكلمون يرون أن كل آية يقول الدليل العقلي على استحالة القول بمعناه المتبادر منه، لا تعتبر نصًا في ذلك المعنى، بل هي من قبيل الظواهر في الدلالة عليه. فالمعتزلة في هذا الباب، ينفون القدر، لاعتقادهم أن ذلك يتعارض مع العدل الإلهي، فيعتبرون الآيات المثبتة للقدر من قبيل الظواهر القابلة للتأويل، وغفلوا أن في مثل هذا نقص في ربوبية الله تعالى. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: أحمد عبداللطيف: منهج إمام الحرمين في دراسة العقيدة: مكتبة الشنقيطي، جدة، ط ٢، ١٤٣٤ هـ، (١٨٧)\n(^٢) أحمد عبداللطيف: منهج إمام الحرمين: ٢٠٩","vol":"1","page":634},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-255>المبحث الثالث: مسائل في القدر:</span>\nأشار السمعاني إلى جملة من المسائل المتعلقة بالقدر، تحتاج إلى بيان، وإيضاح موقفه منها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-256>المطلب الأول: هل كان الحسن البصري قدريًا</span>؟!\nنقل السمعاني بعض الروايات التي فيها إتهام للحسن، بأنه ينكر القدر، فقال: \" وفي بعض التفاسير: أن رجلًا أتى الحسن البصري، وقال: إني طلقت امرأتي ثلاثًا، فقال: عصيت ربك، وبانت منك امرأتك، فقال الرجل: كذلك كان قضاء الله؟ فقال الحسن: كذبت، ما قضى الله، أي: ما أمر الله، وكان الحسن فصيحًا، فلم يفهم الناس قوله، فذكروا أنه ينكر القدر. وفي بعض الروايات أنه قيل له: إن بني أمية يقتلون الناس، ويقولون: كذا قضاء الله، فقال الحسن: كذب أعداء الله، ومعناه ما بيَّنا. وقيل: إنه أنكر جعلهم ذلك علة قتلهم. ذكر ابن قتيبة في المعارف \". (^١)\nولكنه في مقام آخر، ينقل عن الحسن إثباته للقدر، بل التشديد على من أنكره، يقول السمعاني: \" وعن الحسن البصري ﵀ أنه قال: لو صام إنسان حتى يصير كالحبل هزلًا، وصلى حتى يصير كوتد، وذبح ظلمًا بين الركن والمقام، ثم كان مكذبًا بقدر الله، لأدخله الله النار، ويُقال له: ذق مس سقر \". (^٢)\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٢٣١\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٣١٩","vol":"1","page":635},{"text":"وهذا الذي ذكره السمعاني آخرًا، من إثبات الحسن للقدر، هو الصحيح المثبت المعروف عند أهل العلم، والسبب الذي لأجله أتهم الحسن وغيره بالقدر، هو ماقاله الإمام أحمد حين قيل له: كان ابن أبي ذئب قدريًا، فقال: الناس كل من شدد عليهم المعاصي، قالوا هذا قدري، ولذا قال ابن تيمية: \" ولهذا اتهم بمذهب القدر غير واحد، ولم يكونوا قدرية \" ثم قال: \" وقد قيل: إنه بهذا السبب، نُسب إلى الحسن القدر؛ لكونه كان شديد الإنكار للمعاصي عليهم، ناهيًا عنها \" (^١)، ولما نقل الذهبي بعض هذه الأقوال في الحسن، قال:\" قلت: وقد مَرَّ إثبات الحسن للأقدار من غير وجه عنه، سوى حكاية أيوب عنه، فلعلها هفوة منه، رجع عنها، ولله الحمد \" (^٢)، قال حماد بن سلمة: عن حميد، سمعت الحسن يقول: خلق الله الشيطان، وخلق الخير، وخلق الشر، فقال رجل: قاتلهم الله، يكذبون على هذا الشيخ. وقال أبوسعيد بن الأعرابي: كان يجلس إلى الحسن طائفة من هؤلاء، فيتكلم في الخصوص، حتى نسبته القدرية إلى الجبر، وتكلم في الاكتساب، حتى نسبته السنة إلى القدر، كل ذلك لافتتانه، وتفاوت الناس عنده، وتفاوتهم في الأخذ عنه، وهو برئ من القدر، ومن كل بدعة (^٣). ويقول أيوب السختياني: \" أدركت الحسن - والله - وما يقوله، يعنى القدر \" (^٤)، وقال الأوزاعي:\" لم يبلغنا أن أحدًا من التابعين تكلم في القدر، إلا الحسن ومكحول، فكشفنا عن ذلك، فإذا هو باطل \". (^٥)\nولذا فقد تولى الدفاع عن الحسن، أئمة الإسلام، فعقدوا في مصنفاتهم ما يرد هذه الشبهة:\n_________\n(^١) ابن تيمية: منهاج السنة: ٣/ ٢٤\n(^٢) الذهبي: سير أعلام النبلاء: ٤/ ٥٨٣\n(^٣) الذهبي: سير أعلام النبلاء: ٤/ ٥٨٢\n(^٤) اللالكائي: شرح أصول اعتقاد أهل السنة: ١/ ١٥٠\n(^٥) الذهبي: ميزان الاعتدال: دار المعرفة، بيروت، ط ١، ١٣٨٢ هـ (٤/ ١٧٨)","vol":"1","page":636},{"text":"ـ يقول ابن بطة العكبري عن القدرية: \" وربما قيل لبعضهم: من إمامك فيما تنتحله من هذا المذهب الرجس النجس، فيدعي أن إمامه في ذلك: الحسن بن أبي الحسن البصري ﵀ فيضيف إلى قبيح كفره وزندقته، أن يرمي إمامًا من أئمة المسلمين، وسيدًا من سادتهم، وعالمًا من علمائهم بالكفر، ويفتري عليه بالبهتان، ويرميه بالإثم والعدوان؛ ليحسن بذلك بدعته عند من قد خصمه وأخزاه، وأنا أذكر كلام الحسن في القدر، ورده على القدرية، ما يسخن الله به عيونهم، ويظهر للسامعين قبيح كذبهم - إن شاء الله تعالى - \". (^١)\nـ ويقول أبو الحسين العمراني: \" استدل القدري بدامغه، بأخبار أضافها إلى الفقهاء المشهورين من التابعين وغيرهم، مثل عمر بن عبدالعزيز، والحسن البصري، والشعبي، ومالك بن دينار، وقتادة، وغيرهم، مما لا ينكر فضلهم أحد، وهم براء مما أضافه إليهم، ولو طولب بسند الخبر من ذلك، لم يقدر عليه إلا بالتخرص \". (^٢)\nوكذا قال الشهرستاني، فيما نُسب إلى الحسن في الكلام في القدر، فقال:\" ورأيت رسالة تُنسب إلى الحسن البصري، كتبها إلى عبدالملك بن مرون، وقد سأله عن القول بالقدر والجبر، فأجابه فيها بما يوافق مذهب القدرية، واستدل فيها بآيات من الكتاب، ودلائل من العقل. ولعلها لواصل بن عطاء، فما كان الحسن ممن يخالف السلف، في أن القدر خيره وشره من الله تعالى، فإن هذه الكلمات كالمجمع عليها عندهم \". (^٣)\nوقال الآجري بعد أن ساق روايات عن الحسن تثبت قوله بالقدر: \" بطلت دعوى القدرية على الحسن، إذ زعموا أنه إمامهم، يموهون على الناس، ويكذبون على الحسن، لقد ضلوا ضلالًا بعيدًا، وخسروا خسرانًا مبينًا \". (^٤)\n_________\n(^١) ابن بطة: الإبانة: دار الراية، السعودية، ط ٢، ١٣٨٢ هـ (٤/ ١٧٨)\n(^٢) العمراني: الانتصار في الرد على المعتزلة القدرية الأشرار: أضواء السلف، الرياض، ط ١، ١٤١٩ هـ، (٢/ ٥١٦)\n(^٣) الشهرستاني: الملل والنحل: ١/ ٤٧\n(^٤) الآجري: الشريعة: دار الوطن، الرياض، ط ٢، ١٤٢٠ هـ (٢/ ٨٨٥)","vol":"1","page":637},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-257>المطلب الثاني: هل يجب على الله شيء</span>؟!\nقَعَّد السمعاني قاعدة قرآنية، مفادها: أن كل موطن في القرآن ورد فيه كلمه (عَسَى) فهي واجبة من الله، نقلها عن الحسن البصري، ومجاهد (^١)، ولكن حين أوجب الله تعالى شيئًا على نفسه الشريفة المقدسة، فليست هي بإيجاب أحد، وإنما هي محض فضل من الله تعالى على خلقه، بحكم الوعد (^٢)، وإن كان قد ذكر في كتابه القواطع (^٣): أنه لا يجب على الله تعالى حق لأحد، قلت: يُمكن أن يكون قاصدًا الوجوب العقلي عند المعتزلة؛ لأنه استدل بحديث مُعاذ، وفيه:\" وحق الْعباد على الله إِذا فعلوا ذَلِك أَن يدخلهم الْجنَّة، وَلَا يعذبهم\"، عند تفسير قوله تعالى: (واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا) [النساء:٣٦]، والذي يدل على أن هناك حقا أوجبه الله تعالى على نفسه المقدسة فضلا منه وكرما، ولم يُوجبه عليه أحد.\nوهذه المسألة محل نزاع بين المعتزلة والأشاعرة، وهي مترتبة على مسألة التقبيح والتحسين العقليين، هل العقل يقبح ويحسن أم لا؟!\nفلما ذهبت المعتزلة إلى أن العقل هو الحاكم، فإنه يقضي بقبح بعض الأفعال على الله تعالى، ووجوب بعضها عليه، وبناء عليه: اشتهر عنهم القول بوجوب فعل الأصلح. فهؤلاء رأوا أن الله تعالى أوجب على نفسه أمورًا لعبده، فظنوا أن العبد أوجبها عليه بأعماله، وأن أعماله كانت سببًا لهذا الإيجاب.\nفي حين ذهبت الأشاعرة إلى نفي الوجوب على الله تعالى، فقالت: إن العبد أقل وأعجز من أن يوجب على ربه حقًا، فقالت: لا يجب على الله شيء البتة، فأنكرت وجوب ما أوجب على نفسه المقدسة. فأخطؤوا في إطلاقهم نفي الوجوب على الله، ولذا لم ينزهوه تعالى عن فعل شيء؛ بناء على معنى التحسين والتقبيح العقليين، وقالوا: الوجوب لا يتصور في حقه تعالى؛ لأنه المالك المتصرف، وهو لا يُسأل عما يفعل، ونسوا أنه لا يُسأل لكمال حكمته.\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٣٤٥ - ٣/ ٢٢١\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ١٦٢\n(^٣) - السمعاني: قواطع الأدلة: ١/ ١١٣","vol":"1","page":638},{"text":"وأهل السنة والهدى، قالوا: لا يستوجب العبد على الله تعالى بسعيه نجاة ولا فلاحًا، ولا يدخل أحدًا عملُه الجنة أبدًا، ولا ينجيه من النار. والله تعالى بفضله وكرمه، ومحض جوده وإحسانه، أكد إحسانه وبره، بأن أوجب لعبده عليه سبحانه حقًا بمقتضى الوعد، فإن وعد الكريم إيجاب، وهو بعسى ولعل. فالرب سبحانه ما لأحد عليه حق، ولا يضيع لديه سعي، كما قيل: (ما للعباد عليه حق واجب ... ** ... كلا ولا سعي لديه ضائع\nإن عذبوا فبعدله، أو نعموا ... ** ... فبفضله، وهو الكريم الواسع) (^١)\nوهذا القدر متفق عليه بين العلماء، يقول ابن تيميه: \" وقد اتفق العلماء على وجوب ما يجب بوعده الصادق \". (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-258>المطلب الثالث: معنى اللطف الإلهي، وهل يتناهى أم لا</span>؟!\nمسألة اللطف الإلهي هي من المسائل التي نازع فيها المعتزلة، بناء على قولهم في خلق أفعال العباد، ووجوب فعل الأصلح، ولذا قالوا في معنى الهداية والإضلال، إن الهداية، هي التوفيق واللطف، والإضلال: التخلية ومنع الألطاف (^٣)، ومعنى اللطف عندهم: هو الفعل الذي يقرب العبد إلى الطاعة، ويبعد عن المعصية، كبعثة الأنبياء (^٤)، وهم لا يذهبون إلى أن الله يخلق الهداية بناء على مذهبهم، وكذا ما يرد من لفظ الجعل يجعلونه من هذا القبيل، كقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة:١٤٣]، فإنهم يقولون: المراد من هذا الجعل، فعل الألطاف التي علم الله تعالى أنه متى فعلها لهذه الأمة، اختاروا عندها الصواب في القول والعمل، وردَّ عليهم الرازي هذا التأويل. (^٥)\n_________\n(^١) ينظر: ابن القيم: مدارج السالكين: ٢/ ٣٢٣، ابن تيمية: منهاج السنة: ٦/ ٣٩٦، حسن حنفي: علم أصول الدين: ١١٠، ابن حزم: الفِصل: ٣/ ٥٩\n(^٢) ابن تيمية: اقتضاء الصراط المستقيم: ٢/ ٣١٠\n(^٣) الزمخشري: تفسير الزمخشري: ٢/ ٥٣٩\n(^٤) الإيجي: المواقف: ٣/ ٢٨٣\n(^٥) الرازي: مفاتيح الغيب: ٤/ ٨٥","vol":"1","page":639},{"text":"إذن الهداية المضافة إلى الله تعالى عند المعتزلة لا تدل على خلق الله لها، وإنما العبد يخلقها لنفسه، ومتى أُطلق هذا اللفظ وأُضيف إلى الله، فإنه مؤول على زعمهم، بطلف الله الحامل للعبد على أن يخلق هداه. (^١)\nثم ذهب جمهور المعتزلة إلى أن الله تعالى ليس عنده شيء أصلح مما أعطاه جميع الناس، كافرهم ومؤمنهم، ولا عنده هدي أهدى مما قد هدى به الكافر والمؤمن هذا مستويًا، وأنه ليس يقدر على شيء هو أصلح مما فعل بالكفار والمؤمنين، ثم اختلف هؤلاء، فقال جمهورهم: إنه تعالى قادر على أمثال ما فعل من الصلاح بلا نهاية، وقال الأقل منهم: هذا باطل؛ لأنه لا يجوز أن يترك الله تعالى شيئًا يقدر عليه من الصلاح. من أجل فعله لصلاح ما، وحجتهم: أنه لو كان عنده أصلح أو أفضل مما فعل بالناس، ومنعهم إياه، لكان بخيلًا، ظالمًا لهم (^٢)، تعالى الله عما يقولون، وذهب ضرار بن عمرو، وحفص الفرد، وبشر بن المعتمر، ومن وافقهم وهم قليل منهم، إلى أن عند الله ﷿ ألطافًا كثيرة لا نهاية لها، لو أعطاها الكفار لآمنوا إيمانًا اختياريًا، يستحقون به الثواب بالجنة (^٣). وقد ذكر الإمام أبو الحسن الأشعري مقالاتهم في حقيقة اللطف (^٤)، والذي يهمنا هنا: أن مسألة اللطف من الله تعالى، هي من الأمور الثابتة، لكن ليس على سبيل الإيجاب على الله تعالى، كما ترى المعتزلة، بل اللطف من الله تعالى بمحض تفضله، ومَنِّه على العبد بالتوفيق والإعانة إلى فعل الخيرات وترك المنكرات، وأن ألطاف الله تعالى لا تتناهى، والتوفيق من الله تعالى: هو التسهيل والتيسير والمعونة (^٥)\n_________\n(^١) ابن المنير: الانتصاف فيما تضمنه الكشاف: ١/ ٣١٧\n(^٢) ابن حزم: الفِصل: ٣/ ٩٢\n(^٣) ابن حزم: الفِصل: ٣/ ٩٣\n(^٤) الأشعري: مقالات الإسلاميين: ١/ ١٩٦\n(^٥) - السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٤٥٢","vol":"1","page":640},{"text":"وهذا ما يقرره الإمام السمعاني ﵀، فقال: \" ومذهب أهل السنة، أن الألطاف والهدايات من الله تعالى لا تتناهى \"، فيكون معنى قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا﴾ [الفاتحة:٦] (^١)، بمعنى طلب مزيد من الهداية، ويكون بمعنى سؤال التثبيت (^٢). وقرَّر أن الهداية والإضلال من الله تعالى، فالهدى والإضلال من فعله تعالى وقدره، الاهتداء والضلال من فعل العبد وكسبه (^٣).\n_________\n(^١) ذكر السمعاني أن الهداية تأتي بمعنى: الإلهام، والإرشاد، والبيان، والدعاء. تفسير السمعاني: ١/ ٣٨\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٣٨\n(^٣) ابن القيم: شفاء العليل: ٦٥","vol":"1","page":641},{"text":"واستدل السمعاني عليه بدلالات كثيرة، منها: قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [البقرة:٥]، يقول السمعاني: \" وفيه بيان أن الهداية من الله تعالى ومن كلامه، وهو مذهب أهل السنة \" (^١)، وقال تعالى: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف:١٧٨]، يقول السمعاني: \" وهذا دليل على القدرية، حيث نسب الهداية والضلالة إلى فعله من غير سبب \" (^٢)، ويقول تعالى: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾ [البقرة:٢٦]، يقول السمعاني: \" والإضلال: هو الصرف عن الحق إلى الباطل\" (^٣)، ويقول تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل:٩٣]، يقول السمعاني: \" وحقيقة المعنى: أني لا أُسأل عما أفعل من الإضلال والهداية، وأنتم تُسألون عما تعملون من الخير والشر\" (^٤)، ولكن إنما نُسب إليهم الضلالة، كما في قوله تعالى ﴿لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [إبراهيم:٣٠]؛ لأنهم سبب في الضلال (^٥). وقد ذكر الإمام ابن تيمية، أن الرافضة أخذوا هذا الأصل من المعتزلة، إذ ليس هو من أصول شيوخهم القدماء. (^٦)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-259>المطلب الرابع: هل الاستطاعة تكون قبل الفعل أو معه</span>؟!\nهذه المسألة من المسائل التي وقع فيها خِلاف بين الطوائف، بناء على خلافهم في باب القدر: فالجهمية الجبرية، قالوا: بنفي الاستطاعة لا مع الفعل ولا قبله، وذلك لأن العبد عندهم لا اختيار له.\nوالمعتزلة القدرية، أثبتوا استطاعة قبل الفعل، وأنه لا توجد للفعل قدرة تخصه عند القيام به، والأشاعرة الذين قالوا بنظرية الكسب، قالوا: بأن الاستطاعة تكون مع الفعل لا قبله.\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٤٥\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٢٣٤\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٦١\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ١٩٨\n(^٥) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ١١٧\n(^٦) ابن تيمية: منهاج السنة: ١/ ١٠١","vol":"1","page":642},{"text":"وأما جمهور أهل السنة، فيثبتون للعبد استطاعة هي مناط الأمر والنهي، وهذه الاستطاعة قد تكون قبل الفعل، ولا يجب أن تكون معه. ومنشأ النزاع جاء من الإجمال الحاصل في لفظ الاستطاعة، فأهل السنة يُفصِّلون في الاستطاعة والقدرة:\n١ - فهناك قدرة تكون قبل الفعل، وهي التي يتعلق بها الأمر والنهي، وهي مصححة للفعل يمكن معه الفعل والترك، وهي تصلح للمطيع والعاصي، فتكون قبل الفعل، وقد تبقى إلى حين الفعل، إما بنفسها، وإما بتجدد أمثالها.\n٢ - استطاعة يجب معها وجود الفعل، وهي القوة التي ترد من الله تعالى على العبد، فهذه تكون مقارنة للفعل موجبة له، فهذه القدرة التي ترد من الله على العبد، متى فعل بها الخير أُثيب، ومتى فعل بها الشر عُوقب. (^١)\nوالإمام السمعاني قَرَّر هذه المسألة، على وفق ما جاء عن أهل السنة والجماعة، فقال: \" نحن بحمد الله، نجعل الاستعانة والتوفيق مع الفعل، سواء قرنه به أم أخره جاز \". (^٢) وقال ذلك حين أورد تساؤلًا في تفسير قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥]: \" فإن قيل: لم قدم ذكر العبادة على الاستعانة، والاستعانة تكون قبل الفعل؟! فأجاب: أن هذا إنما يلزم من يجعل الاستطاعة قبل الفعل، وهو يرد هنا على المعتزلة، ثم أجاب بما ذكرناه، وهو أن الاستعانة والتوفيق مع الفعل سواء قرنه به أم أخره جاز، خلافًا لما قرره الأشاعرة، بأن الاستطاعة مع الفعل، لا يجوز أن تتقدمه، ولا أن تتأخر عنه، وهنا يظهر أن السمعاني أراد أن يرد في كلامه السابق على القدرية القائلين: بأن القدرة لا بد أن تكون قبل الفعل، ولا يوجد للفعل قدرة تخصه عند القيام به.\n_________\n(^١) ابن تيمية: منهاج السنة: ١/ ٣٦٩ - ٣٧٢، درء تعارض العقل والنقل: ١/ ٦١، العروسي: المسائل المشتركة: ١٣٢، المحمود: القضاء والقدر: ٢٦٥\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٣٧","vol":"1","page":643},{"text":"مع أن السمعاني قرر في أكثر من موضع، شرط الاستطاعة التي تكون قبل الفعل، وعليها مدار التكليف، كما في قوله تعالى عن وجوب الحج: (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا) آل عمران ٩٧، قال بعد أن حكى كلام العلماء في معنى الاستطاعة: والأصح أن الاستطاعة: هي القدرة على ما يوصله إلى الحج، فمنها: الزاد والراحلة، ومنها: أمن الطريق، ونفقة الأهل، ونحو ذلك (^١)، وقد جعل وجود هذه الاستطاعة شرطا في الوجوب على المكلف (^٢)، أضف إلى أنه جعل الاستطاعة وصفا للعبد، خلافا للأشاعرة الذين لا يجعلون الاستطاعة مع الفعل وصفا للعبد، وإنما هي كسب لا حقيقة له عند التحقيق، فقال: وأما الاستطاعة تكون للعبد (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-260>المطلب الخامس: معنى الختم والطبع:</span>\nجاء في الآيات الكريمات ذكر الختم والطبع، قال تعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾ [البقرة:٧]، وقوله تعالى: ﴿وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾ [النساء:١٥٥]، وغيرها من الآيات. وقد فسَّر السمعاني لفظ الختم بالطبع، والطبع بالختم، ففسَّر كل واحد منهما بالآخر (^٤)، ثم قال: \"وحقيقة الختم: الاستيثاق من الشيء؛ كيلا يدخله ما هو خارج منه، ولا يخرج عنه ما هو داخل فيه، ومنه الختم على الباب\" (^٥). قال: \"ويُقال الطبائع نكت سوداء تقع على القلب، يعرف بها المَلَك المنافق من المؤمن\". (^٦)\n_________\n(^١) - السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٣٤٣\n(^٢) - السمعاني: قواطع الأدلة: ٢/ ٣٥٩\n(^٣) - السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٧٩\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٤٦ - ٤٩٨\n(^٥) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٤٦\n(^٦) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٣٣٦","vol":"1","page":644},{"text":"وفسَّر السمعاني الختم والطبع تفسيرًا رد به على المخالفين، فالمعتزلة لما كان قولهم في القدر: أن الإنسان مستقل بخلق أفعاله، طردوا هذا المذهب في هذه المسألة وغيرها، فقالوا: إن الله تعالى لا يختم ولا يطبع على قلب أحد من عباده، ولما أرادوا تفسير معناه صرفوه عن ظاهره المراد، إلى ما يوافق عقائدهم الفاسدة، فقالوا معنى الختم: جعل علامة على قلوبهم، تعرفهم الملائكة بها، ولذا قال السمعاني بعد ذكره تأويلهم: \" وهذا تأويل أهل الاعتزال، نبرأ إلى الله منه \" (^١)، وهؤلاء كما يقول ابن القيم: \" عظموا الله من جهة، وأخلوا بتعظيمه من جهة، فعظموه بتنزيهه عن الظلم، وخلاف الحكمة، وأخلوا بتعظيمه من جهة التوحيد، وكمال القدرة، ونفوذ المشيئة \". (^٢)\nوأما الأشاعرة فوافقوا أهل السنة في خلق الختم والطبع، وفارقوهم من جهة أن هذه أفعال تكون مبتدأة بلا سبب، ولعل هذا نشأ من إخلالهم بمفهوم الحكمة والتعليل (^٣). أما أهل السنة والجماعة، فيقولون: جعل الله تعالى ذلك عقوبة لهم، وجزاء على كفرهم وإعراضهم عن الحق بعد أن عرفوه. (^٤)\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٤٧\n(^٢) ابن القيم: شفاء العليل: ٨٦\n(^٣) عبدالرحيم السلمي: حقيقة التوحيد: ٢٥٧\n(^٤) ابن القيم: شفاء العليل: ٨٦","vol":"1","page":645},{"text":"ولذلك فسَّر السمعاني الختم والطبع، حاكيًا فيه قول أهل السنة، مقررًا إياه، فقال: \"والثاني وهو قول أهل السنة: أي: ختم على قلبهم بالختم؛ لما سبق من علمه الأزلي فيهم\" (^١)، وقال: \" والطبع على القلب، هو الختم عليه حتى لا يدخله الحق \" (^٢)، ومن الآيات التي فسَّرها السمعاني في هذه المسألة، وهي شواهد للمذهب الحق، قوله تعالى: ﴿وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ﴾ [الجاثية:٢٣]، يقول السمعاني: \" وختم على سمعه \" أي: ختم على سمعه، فجعله لا يسمع الحق، وقوله: \" وقلبه \"، أي: وختم على قلبه، فجعله لا يقبل الحق \" (^٣)، وقال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [محمد:١٦]، يقول السمعاني: \" أي: ختم الله على قلوبهم، ولم يهدهم لقبول قول رسوله \" (^٤)، وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [المنافقون:٣]، يقول السمعاني: \" أي: ختم على قلوبهم، فلا يدخلها الإيمان وقبول الحق \". (^٥)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-261>المطلب السادس: هل المعدوم شيء</span>؟!\nالمعدوم هو المنتفي الذي ليس بشيء، فالمعدوم لا وجود له، فهو نفي محض (^٦)، وهذا مذهب الأشاعرة، وبه قال أبو الهذيل العلاف، وأبو الحسين البصري من المعتزلة، في حين ذهب بقية المعتزلة إلى أن المعدوم شيء ثابت في العدم، وهذا قول فيه تناقض؛ لأن الوجود والثبوت مضاد للعدم، فكيف يكون المعدوم شيء ثابت في العدم؟\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٤٧\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٢٠\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ١٤١\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ١٧٥\n(^٥) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٤٤١\n(^٦) ابن تيمية: درء التعارض: ٣/ ٤٠٩ - ٦/ ١١٩، الرازي: محصل أفكار المتقدمين والمتأولين: ٥٥، آمال العمرو: الألفاظ والمصطلحات: ٢٧٠","vol":"1","page":646},{"text":"وإنما غلط هؤلاء، حين لم يفرقوا بين علم الله تعالى بالأشياء قبل كونها، وأنها مثبتة عنده في أم الكتاب، وبين ثبوتها في الخارج عن علم الله تعالى، فهم يفرقون بين الوجود العلمي، والوجود العيني، فالوجود العلمي لا وجود له في الخارج، وإنما هو معلوم ذهنًا، وعلى هذا الاعتبار يصح قولنا: إن المعدوم شيء في العلم والذهن، أما الثبوت العيني، فهو الشيء الموجود في الخارج، فبهذا الاعتبار، يصح قولنا: إن المعدوم ليس بشيء في الخارج (^١)، يقول الإمام ابن تيمية: \" وبينا أن المعدوم شيئ أيضًا في العلم والذهن، لا في الخارج، فلا فرق بين الثبوت والوجود، لكن الفرق ثابت بين الوجود العلمي والعيني، مع أن ما في العلم ليس هو الحقيقة الموجودة، ولكن هو العلم التابع للعالم القائم به \". (^٢)\nوقد ذكر العمراني في رده على المعتزلة، أن هذا القول، هو من أصولهم الفاسدة التي خالفوا بها الكتاب، وإجماع المسلمين (^٣). والإمام السمعاني ﵀ رد على المعتزلة قولهم، حين أورد في تفسيره لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل:٤٠]، إشكالًا مفاده: \" فإن قيل: قد قلتم بأن المعدوم ليس بشيء، وقد جعل الله ها هنا المعدوم شيئًا، حيث قال:\" إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ \"، معناه: أردنا تكوينه. فالجواب:\n_________\n(^١) انظر: ابن حزم: الفِصل: ٥/ ٢٧، عبدالقاهر البغدادي، الفرق بين الفرق: ١٦٤، الشهرستاني: الملل والنحل: ١/ ٨٣، الإيجي: المواقف: ١/ ٢٦٥، ابن تيمية: مجموع الفتاوى: ٢/ ٤٦٩، الجواب الصحيح: ٤/ ٣٠٠\n(^٢) ابن تيمية: التدمرية: ١٣١\n(^٣) العمراني: الانتصار في الرد على المعتزلة: ١/ ١٢٠","vol":"1","page":647},{"text":"أن الأشياء التي قدر الله كونها، هي في علم الله كالكائنة القائمة، فاستقام قوله \" إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ \". وقيل: إن هذا على طريق المجاز، ومعناه: إنما يكون شيئًا إذا أردنا تكوينه \" (^١)، وقد أشار السمعاني في القواطع إلى أن المعدوم ليس بشيء عند أهل السنة (^٢)\nوهذه المسألة أثارت مسألة أخرى كانت مثار نزاع بين المعتزلة والأشاعرة، وهي: ما يتعلق بخطاب المعدوم، هل يصح أن يخاطب به المعدوم بشرط وجوده، أم لا يصح أن يخاطب به إلا بعد وجوده؟، ويعود منشأ هذا الخلاف أصالة، إلى مسألة الكلام النفسي عند الأشاعرة، ومعارضة المعتزلة لهم، في سجالات طويلة (^٣)، كان أهل السنة المتبعون في غِنى عنها، حين تبعوا المأثور، وساروا على منهج السلف المسطور.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-262>المطلب السابع: المحو والإثبات:</span>\nمدار هذه المسألة قوله تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد:٣٩]، فهل المحو والإثبات شامل للسعادة والشقاوة، والحياة والموت أم لا؟!\nذكر السمعاني خلاف السلف في هذه المسألة:\nـ فالمحكي عن ابن عباس ﵄ برواية سعيد بن جبير أنه قال: \" يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ \" إلا السعادة والشقاوة، والحياة والموت، قال السمعاني: وقد ورد خبر يُؤيد قول ابن عباس في أنه لا يُمحى الشقاوة والسعادة، والأجل والرزق، روى حذيفة بن أسيد عن النبي ﷺ أنه قال: \" إذا وضعت النطفة في الرحم، ومضى عليها خمس وأربعون ليلة، قال الملك: يا رب، أذكر أم أنثى، فيقضي الله، ويكتب الملك، فيقول: يا رب، أشقي أم سعيد؟ فيقضي الله تعالى، ويكتب الملك، فيقول: يا رب ما الأجل، وما الزرق؟ فيقضي الله تعالى، ويكتب الملك، ثم لا يُزاد فيه، ولا يُنقص \". (^٤)\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ١٧٣\n(^٢) - السمعاني: قواطع الأدلة: ١/ ٢٣\n(^٣) العروسي: المسائل المشتركة: ١٤٩\n(^٤) اخرجه مسلم في صحيحه، باب كيفية خلق الآدمي في بطن أمه، ح (٢٦٤٥)","vol":"1","page":648},{"text":"ـ والمحكي عن عمر وابن مسعود ﵄ أنهما قالا: يمحو الشقاوة والسعادة أيضًا، ويمحو الأجل والرزق، ويُثبت ما يشاء، وكان عمر يقول: اللهم إن كنت كتبتني شقيًا فامحه، واكتبني ما تشاء سعيدًا، فإنك قلت: \" يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ \".\nـ وحَكى السمعاني عن الحسن قوله: \" يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ \"، أي: يمحو من حضر أجله، ويُثبت ما يشاء من لم يحضر أجله.\nـ وقيل: إن المراد منه: أن الحفظة يكتبون جميع أعمال بني آدم، فيمحو الله منها ما يشاء، وهو ما لا ثواب عليه ولا عقاب، ويُبثت ما يشاء، وهو الذي يستحق عليه الثواب والعقاب.","vol":"1","page":649},{"text":"والراجح - والله أعلم - هو القول الأول، المستند إلى السنة النبوية المطهرة، وهو أن ما في سابق علم الله تعالى مما هو في اللوح المحفوظ، لا يقع فيه التبديل، وإنما يقع المحو والإثبات مما في أيدي الملائكة، ففي كتب الملائكة يزيد العمر وينقص، وكذلك الرزق بحسب الأسباب، فإن الملائكة يكتبون له رزقًا وأجلًا، فإذا وصل رحمه زيد له في الرزق والأجل، وإلا فإنه ينقص منهما (^١). ولذا فسَّر السمعاني قوله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ [هود:١٠٥]، فقال: ومعنى الآية ها هنا عند أهل السنة: فمنهم شقي سبقت له الشقاوة، ومنهم سعيد سبقت له السعادة \" (^٢)، ونقل عن مجاهد في تفسير قوله تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان:٤]: يقضي كل أمر محكم، إلا السعادة والشقاوة، فإنهما لا يبدلان ولا يُغيران، وعن بعضهم: إلا الموت والحياة أيضًا (^٣). وحمل قوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ [فاطر:١١]، أما قبل حضور الأجل فيجوز الزيادة والنقص، وأما على تقدير أجلين، فيكتب أن عمر فلان مائة سنة إن إطاعني، وخمسون أو ستون إن عصاني، قال السمعاني: وهذا جائز. (^٤)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-263>المطلب الثامن: هل المقتول ميت بأجله أم لا</span>؟!\nالذي عليه أهل السنة، أن المقتول ميت بأجله، حكاه السمعاني في تفسيره، قال تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾ [آل عمران:١٥٤]، أي: خرج الذين كتب عليهم القتال إلى مصارعهم للموت، وفي هذا دليل على أن الأجل في القتل والموت واحد، كما قال أهل السنة \". (^٥)\n_________\n(^١) انظر: ابن تيمية: مجموع الفتاوى: ٨/ ٥٤٠ - ابن حجر: فتح الباري: ١١/ ٤٨٨\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٤٥٨\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ١٢٢\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٣٥١\n(^٥) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٣٦٩","vol":"1","page":650},{"text":"يقول ابن أبي العز: \" فالمقتول ميت بأجله، فعَلِم الله تعالى وقدَّر وقضى، أن هذا يموت بسبب المرض، وهذا بسبب القتل، وهذا بسبب الهدم، وهذا بسبب الحرق، وهذا بالغرق، إلى غير ذلك من الأسباب، والله ﷾ خلق الموت والحياة، وخلق سبب الموت والحياة \" (^١)، ويقول السفاريني: \" والحق عند أهل الحق، أن المقتول ميت في الوقت الذي قدره الله تعالى له، وعلم أنه يموت فيه \" (^٢)، ويقول ابن المنير: \" وأما أهل السنة فمعتقدهم أن كل ميت بأجله يموت \" (^٣)، لأنه إذا علم الله أنه يموت غدًا بأجله، يستحيل أن يقتل اليوم لا بأجله؛ لأنه يؤدي إلى تعجيز الله تعالى عن إحياء عبده إلى الغد، وأنه محال \". (^٤)\nإذن: فالذي عليه أهل السنة ومن تبعهم، أن المقتول ميت بأجله، وموته بفعل الله تعالى، خلافًا للمعتزلة، الذين يقولون: بل تولد موته من فعل القاتل، وأنه لو لم يُقتل، لعاش إلى أمد وهو أجله، فالقاتل عندهم غَيَّر بالتقديم الأجل الذي قَدَّره الله تعالى له (^٥)، ولهم أقوال أخرى في المسألة (^٦). ويرد عليهم بقوله تعالى: ﴿مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ (٤٣)﴾ [المؤمنون:٤٣]، يقول الرازي: \" قال أصحابنا: هذه الآية تدل على أن المقتول ميت بأجله؛ إذ لو قُتل قبل أجله، لكان قد تقدم الأجل أو تأخر، وذلك ينافيه هذا النص \". (^٧)\n_________\n(^١) ابن أبي العز: شرح الطحاوية: ١٠٠\n(^٢) السفاريني: لوامع الأنوار: ١/ ٣٤٨\n(^٣) ابن المنير: الانتصاف: ١/ ٤٣٨\n(^٤) الغزنوي: أصول الدين: دار البشائر، بيروت، ط ١، ١٤١٩ هـ (١٧٥)\n(^٥) الإيجي: المواقف: ٣/ ٢٤٢\n(^٦) - انظر: الأشعري: مقالات الإسلاميين:١/ ٣٢١، القاضي عبدالجبار: الأصول الخمسة:٧٨٢، الإيجي: شرح المواقف:٣٢٠\n(^٧) الرازي: مفاتيح الغيب: ٢٣/ ٢٧٧","vol":"1","page":651},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-264>المطلب التاسع: حكم إيلام الأطفال دون ذنب</span>؟!\nأشار السمعاني إلى أنه يجوز عند أهل السنة، أن يوجد الله تعالى الألم إلى ما يشاء من عباده بغير ذنب سبق منه، وكذلك على جميع الحيوانات (^١). وهذه المسألة كما هو معلوم، لها ارتباط بمسألة الحكمة والتعليل، وبمعنى العدل والظلم. فالأشاعرة جوزوا أن يدخل الله تعالى الطائع النار، والكافر الجنة، بناء على أن الله لا يظلم، وفسروا الظلم بأنه التصرف في الملك، والله له أن يتصرف في ملكه ما يشاء، مضافًا إليه نفيهم للحكمة والتعليل، فيفعل لا لحكمة، فهم لم يفرقوا بين مخلوق ومخلوق، ثم أجازوا تعذيب الحيوان بلا ذنب، ولا يلزم عليه ثوابًا، ولذلك أنكرت ذلك المعتزلة؛ لأنه قبيح، وقالوا: لا يكون الإيلام من الله، ولا يحسن منه أن يضر الحيوان، إلا بجرم سابق، أو عِوض لاحق، ورد عليهم السمعاني، حين قال: \" يجوز عند أهل السنة أن يوجد الله تعالى الألم إلى ما يشاء من عباده بغير ذنب سبق منه\"، ولكنه لما كان يثبت الحكمة، لم يحصر حكمته في الثواب والعِوض، فإن لله تعالى فيما يخلقه من أذى الحيوان، حكم عظيمة، وحَصْرُها فيما ذكره المعتزلة، فيه قياس لله تعالى على الواحد من الناس، وتمثيل لحكمة الله وعدله، بحكمة الواحد من الناس وعدله.\nوالخلاصة: أن الله تعالى لا يعذب في الآخرة أحدًا إلا بذنب، وما يجريه في الدنيا من أنواع الآلام، فهي جائزة لكنها لا تخرج عن مقتضى الحكمة الإلهية، أدركناها أم لم ندركها. (^٢)\nلكن إن قيل: ما وجه الآية في قوله تعالى: (وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم) الشورى ٣٠؛ لأنه قد نرى من تصيبه المصيبة بغير ذنب سبق منه؟ وأجاب السمعاني عن هذا التساؤل من ثلاثة أوجه:\n١ - هي الحدود تقام على العاصي، ولا تقام إلا على العاصين، قال: وهو قول حسن.\n٢ - يراد بها المعاقبة فيما كسبت أيديكم، فعلى هذا يجوز أن يصيب الإنسان مصيبة من غير ذنب ولا كسب، إذا لم يرد بها المعاقبة.\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٧٨\n(^٢) ابن تيمية: مجموع الفتاوى: ٨/ ١٢٥، ابن القيم: مفتاح دار السعادة: ١/ ٢٧٤","vol":"1","page":652},{"text":"٣ - أن الآية على العموم، ولا يصيب أحد بلاء ولا شدة إلا بذنب سبق منه، أو تنبيه لئلا يعمل ذنبا، أو ليعتبر به ذو ذنب (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-265>المطلب العاشر: مسألة التحسين والتقبيح العقليين:</span>\nهي من المسائل التي جرى فيها نقاش طويل بين العلماء، وعادة ما يشير إليها الأصوليون في مبحث الحاكم، في باب الأحكام الشرعية، وهم متفقون على أن الحاكم هو الله تعالى، وإنما الخلاف فيما يُعرف به حكم الله تعالى؟ وهل العقل يدرك حسن الأشياء والأفعال وقبحها قبل ورود الشرائع أم لا؟ وهل الحسن والقبح في هذه الأشياء ذاتيان، أم ليسا بذاتيين، بل صارا حسنين أو قبيحين بإضافة الشرع لهما صفتا الحسن والقبح؟\nاختلف الناس في هذه المسألة على ثلاثة أقوال: طرفان ووسط:\nالطرف الأول: ذهب إلى أن العقل يدرك حسن الأفعال وقبحها، وأنهما ذاتيان، ويمكن للعقل أن يدرك حكم الله تعالى في أفعال المكلفين من غير وساطة الرسل. وذهب إلى هذا القول المعتزلة؛ فهم يرون أن الحسن والقبح ذاتيان؛ لأن الحسن من الأفعال: ما رآه العقل حسنا، لما فيه من حسن ونفع، والقبيح: ما رآه العقل قبيحا، لما فيه من الضرر، ورتبوا عليه الثواب والعقاب، ولو لم يرد به الشرع.\nوالطرف الآخر: ذهب إلى أن العقل لا يدرك حسن الأفعال وقبحها، وأن الحسن والقبح في الأفعال ليسا ذاتيين، ولا يمكن للعقل أن يدرك حكم الله تعالى في أفعال المكلفين إلا بواسطة الرسل. وذهب إلى هذا القول الأشاعرة؛ وهم بهذا يرون أن الحسن والقبح ليسا عقليين، وأن الأفعال قبل ورود الشرائع لا حكم لها؛ بناء على أن الحسن: ما ورد الشرع بالثناء عليه، والقبيح: ما ورد الشرع بذمه، ومن الطبيعي ألا يرتبوا الثواب والعقاب على الأفعال إلا بعد ورود الشرائع.\nوالطرف الوسط: من جمع بين القولين، وأخذ الصحيح من الطرفين، فكل طرف ممن سبق، غلا في جهة وأحسن في أخرى، فأخذ أصحاب هذا القول، بالقول الحسن من كلا الطرفين، وبيانه كالآتي:\n_________\n(^١) - السمعاني: مرجع سابق: ٥/ ٧٧","vol":"1","page":653},{"text":"أن العقل يدرك حسن وقبح بعض الأفعال، فيدرك قبح الظلم، وهتك الأعراض، ويدرك حسن العدل وكمال الأخلاق. ويؤيد ذلك الفطرة السليمة، فالعقل والفِطر السليمة تدركان قبح وحسن الأفعال قبل ورود الشرع؛ وذلك أن القبح والحسن في الأشياء ذاتيان. وهم بهذا يوافقون المعتزلة من هذه الجهة، ويخالفونهم من جهة ترتب الثواب والعقاب على ما يدرك العقل حسنه أو قبحه قبل ورود الشرع.\nوأن العقل حين يدرك حسن وقبح الأفعال، فإنه لا يرتب عليها حكما إلا بعد ورود الشرع، وهم بهذا يوافقون الأشاعرة من هذه الجهة، ويخالفونهم من جهة إنكارهم أن تكون الأفعال حسنة أو قبيحة بذاتها قبل ورود الشرع، وهذا القول قال به الماتريدية، وهو القول الصحيح الذي عليه أهل السنة والجماعة.\nوبعد هذا العرض الموجز لهذه المسألة، نبرز رأي الإمام السمعاني فيها، ومع من يميل؟\nفالسمعاني قرر رأيه في هذه المسألة، متماشيا مع تقرير المذهب الأشعري، مع أنه بعيد كل البعد عن المنهج الأشعري في التقعيد والتأصيل، لكن لما كان مناكفا في هذه المسألة للمعتزلة في قولهم: إن العقل يدرك قبح وحسن الأفعال ويرتب عليها العقاب والثواب، ذهب إلى مخالفة قولهم على التمام؛ بأن العقل ليس له حظ من التقبيح والتحسين إلا ما ورد به الشرع، ومن أقواله في هذه المسألة:\n-قوله عند تفسير قوله تعالى: (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا) الإسراء ١٥:هذا دليل على أن ما وجب، وجب بالسمع لا بالعقل؛ فإن الله نص أنه لا يعذب أحدا حتى يبعث رسولا (^١).\n-وقوله في كتابه الانتصار: اعلم أن مذهب أهل السنة، أن العقل لا يوجب شيئا على أحد، ولا يرفع شيئا عنه، ولا حظ له في تحليل ولا تحريم، ولا تحسين ولا تقبيح، ولو لم يرد السمع، ما وجب على أحد شيء، ولا دخلوا في ثواب ولا عقاب (^٢).\n_________\n(^١) - السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٢٢٦\n(^٢) - السمعاني: الانتصار: ٧٥","vol":"1","page":654},{"text":"-وحكى في كتابه القواطع الخلاف في المسألة، ورجح أن العقل بذاته ليس دليلا على تحسين شيء ولا تقبيحه، ولا حظره ولا إباحته، ولا يُعرف حسن الشيء وقبحه، ولا حظره ولا تحريمه حتى يرد السمع بذلك، وإنما العقل آلة يدرك بها الأشياء، فيدرك به ما حسن وقبح، وأبيح وحرم، بعد أن يثبت ذلك بالسمع، ثم قال عن هذا القول: وهو الصحيح، وإياه نختار، ونزعم أنه شعار أهل السنة (^١).\nوبهذا يظهر أن رأي السمعاني في هذه المسألة موافقا لما ذهبت إليه الأشعرية، والصحيح ما أشرنا إليه من الجمع بين القولين: من أن العقل والفطرة يدركان قبح الأفعال وحسنها قبل ورود الشرع، لكن لا يجعلونه أساسا للتكليف الذي يترتب عليه الثواب والعقاب.\nإلا أن موافقة رأي السمعاني للأشاعرة في هذه المسألة، لا يدل على التزامه بكل ما التزمته الأشاعرة من لوازم هذا القول؛ فقد نفت الأشاعرة الحكمة والتعليل عن أفعال الله تعالى، وحسن الأمر والنهي عندهم في التشريعات لا يُدرك إلا بالشرع فقط، وعليه: فلا فرق عندهم بين ما أمر الله تعالى به وما نهى عنه، إلا أن هذا أمر الله تعالى وهذا نهيه؛ لأنه لا حكمة له كما يزعمون، فلو أمر الله تعالى بالزنا على مذهبهم لكان حسنا، وهذا جائز عندهم، والتزموا لذلك جواز تعذيب الطائعين وإثابة العاصين، وأنه يجوز عليه الأمر بعبادة الأصنام، وأن ذلك يكون حسنا؛ لأن مرجع التحسين إلى الشرع.\n_________\n(^١) - السمعاني: قواطع الأدلة: ٢/ ٤٥ - ٤٦","vol":"1","page":655},{"text":"بخلاف ما يذهب إليه الإمام السمعاني؛ فهو مُثبت للحكمة والتعليل، وكلامه في هذا مستفيض، وقد ذكرت جملة منه في صفة الحكمة لله تعالى، في مبحث أسماء الله تعالى وصفاته. ومن ذلك أيضا قوله في تفسير قوله تعالى: (لَا تَدْرُونَ أَيهمْ أقرب لكم نفعا) النساء:١١، يقول:\" أي: لا تعلمون أيهم أنفع لكم في الدين والدنيا. فمنهم من يظن أن الآباء تنفع فتكون الأبناء أنفع، ومنهم من يظن أن الأبناء أنفع، فتكون الأباء أنفع، وأنتم لا تعلمون، وأنا أعلم بمن هو أنفع لكم؛ وقد دبرت أمركم على ما فيه الحكمة والمصلحة، فخذوه، واتبعوه.\" (^١)، وقال في تفسير قوله تعالى: (إِن ربكُم الله الَّذِي خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض فِي سِتَّة أَيَّام) الأعراف:٥٤،:\" فإن قيل: وما الحكمة في خلقها في ستة أيام، وكان قادرا على خلقها في طرفة عين؟ قيل: لأن خلقها على التأني أدل على الحكمة، فخلقها على التأني ليكون أدل على حكمته، ولطف تدبيره\" (^٢).\nوقرّر السمعاني أن الله تعالى لا يُعاقب من يُعاقب إلا عن استحقاق بالعدل (^٣)، لا كما يقول الأشاعرة من تجويز تعذيب العاصين، فقال: \" ويقال: معنى قوله: ﴿وما ربك بظلام للعبيد﴾ أي: لا يعاقب أحدا من غير جرم \" (^٤)، وقال:\" وقوله: ﴿وما أنا بظلام للعبيد﴾ أي: لا أنقص ثواب المحسنين، ولا أزيد في مجازاة المسيئين.\" (^٥)، فأفعاله تعالى قائمة على العدل والحكمة، يقول السمعاني: \" وقوله: ﴿يدبر الأمر﴾ التدبير من الله تعالى فعل الأشياء على ما يوجب الحكمة\" (^٦)، ويقول: \"وقوله: ﴿إنه علي حكيم﴾ أي: متعال مما يصفونه (المشركون)، حكيم في جميع ما يفعله\" (^٧).\n_________\n(^١) - السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٤٠٣\n(^٢) - السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ١٨٨\n(^٣) - السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٣٤٨\n(^٤) - السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٥٨\n(^٥) - السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٢٤٤\n(^٦) - السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٧٦\n(^٧) - السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٨٨","vol":"1","page":656},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-266>الفصل السابع: متممات العقيدة</span>\nالمبحث الأول: مسائل الإيمان والكفر\nالمطلب الأول: تعريف الإيمان، وأنواعه ومسائله\nالمطلب الثاني: تعريف الكفر، وأنواعه، وأقسامه\nالمبحث الثاني: الكبائر\nالمطلب الأول: تعريف الكبائر\nالمطلب الثاني: حكم مرتكب الكبيرة؟\nالمطلب الثالث: هل للقاتل توبة؟!\nالمبحث الثالث: الديانات، وفضل الإسلام، وأمة الإسلام\nالمطلب الأول: التعريف بالديانات\nالمطلب الثاني: فضل الإسلام\nالمطلب الثالث: فضل أمة الإسلام\nالمبحث الرابع: الصحابة، فضلهم ومنزلتهم ومكانتهم\nالمطلب الأول: حقيقة مسمى الصحبة\nالمطلب الثاني: فضائل الصحابة - ﵃ -\nالمطلب الثالث: حكم تنقص الصحابة - ﵃ -\nالمطلب الرابع: الموقف من الفتنة التي جرت بين الصحابة - ﵃ -\nالمطلب الخامس: التفاضل بين الصحابة - ﵃ -","vol":"1","page":657},{"text":"الفصل السابع: متممات العقيدة:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-267>المبحث الأول: مسائل الإيمان والكفر:</span>\nعالج السمعاني في هذا المبحث، مسألة من أهم المسائل التي جرى فيها النزاع بين أهل القبلة، وانتصر فيها لمذهب السلف، مذهب أهل السنة والجماعة، ورد على المخالفين في هذا الباب:\n- فقرر أن الإيمان قول وعمل واعتقاد، خلافا:\n- للوعيدية من الخوارج والمعتزلة: الذين قالوا: إن الإيمان قول وعمل واعتقاد، لكنهم جعلوا العمل شرطا فيه، يزول الإيمان بزواله دون تفصيل في نوع العمل، وأهل السنة والجماعة على أن الإيمان شعب متعددة، منها ما يزول الإيمان بزوالها، ومنها ما لا يزول الإيمان بزوالها، وهم رأوا كذلك أن الإيمان كلٌ لا يتبعض، بخلاف أهل السنة والجماعة، فإنهم يرون أن الإيمان يتبعض ويتجزأ، وقد يجتمع في المرء إيمان وكفر، وإسلام ونفاق، وسنة وبدعة، وطاعة ومعصية.\n- وخلافا لذلك للمرجئة بجميع طوائفها، من:\nأ - المرجئة المحضة وهم الجهمية: الذين يرون أن الإيمان هو المعرفة بالله تعالى.\nب - والأشاعرة: الذين يرون أن الإيمان هو تصديق القلب فقط.\nت - والكرامية: الذين يرون أن الإيمان هو الإقرار باللسان فقط.\nث - والماتريدية: الذين يرون أن الإيمان هو تصديق القلب، وأما إقرار اللسان فهو ركن زائد فيه ليس بأصلي، يسقط بالإكراه ونحوه.\nج - ومرجئة الفقهاء: الذين يرون أن الإيمان قول باللسان وتصديق بالجنان.","vol":"1","page":658},{"text":"- وقرر أن الإيمان يزيد وينقص، وهو مضمن للرد على الطوائف المخالفة في هذا الباب:\n- فقالت الجهمية والخوارجوالمعتزلة وبعض الأشاعرة والماتريدية: إن الإيمان لا يزيد ولا ينقص.\n- وقال بعض الأشاعرة: إن الإيمان يزيد ولا ينقص.\n- وأشار إلى مسألة الكفر وتقسيماته وأنواعه.\n- وذكر ضابط الكبيرة، وعرج على مسألة حكم مرتكب الكبيرة، وقرر فيها مذهب السلف، ورد فيها على المخالف.\n- وأشار إلى الديانات، وفضل الإسلام وأمة الإسلام.\n- وختم بالحديث عن الصحابة والمسائل المتعلقة بهم.\nحقا، فقد كان الإمام السمعاني نصرا لهذه الأمة، وسيفا مصلتا رقاب أهل البدع، وشوكة في حلوقهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-268>المطلب الأول: تعريف الإيمان:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-269>المسألة الأولى: تعريف الإيمان في اللغة:</span>\nأ - في اللغة: يقول السمعاني: \" الإيمان، وهو التصديق، قال تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ [يوسف:١٧]، أي: بمصدق لنا. وقيل: الإيمان مأخوذ من الأمان، فسُمِّي المؤمن مؤمنًا؛ لأنه يُؤمن نفسه من عذاب الله \". (^١)\nإذن الإيمان في اللغة: هو التصديق الذي معه أمن (^٢)، ويقول ابن منظور: \" الإيمان ضد الكفر، والإيمان بمعنى التصديق، ضده التكذيب، يُقال: آمن به قوم، وكذب به قوم \". (^٣)\nومن معانيه اللغوية كذلك: الإقرار، يقول الإمام ابن تيمية: \" ومعلوم أن الإيمان هو الإقرار، لا مجرد التصديق \" (^٤). فالإيمان لغة، متضمن لمعنى التصديق، والأمن، والإقرار، فهو تصديق وزيادة، متضمن للإقرار، والإذعان، والتسليم. وللإمام ابن تيمية توجيه، ورد مطوَّل لمن جعل لفظ الإيمان مرادفًا للتصديق. (^٥)\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٤٣\n(^٢) الأصفهاني: المفردات: ٩١\n(^٣) ابن منظور: لسان العرب: ١٣/ ٢١\n(^٤) ابن تيمية: مجموع الفتاوى: ٧/ ٦٣٨\n(^٥) ابن تيمية: مجموع الفتاوى: ٧/ ١٢٢ - ١٠/ ٢٦٩","vol":"1","page":659},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-270>المسألة الثانية: تعريف الإيمان في الشرع:</span>\nب - في الشرع: هو تصديق بالقلب، وقول باللسان، وعمل بالأركان، يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية.\nوهذا القدر من الإيمان متفق عليه بين أهل السنة والجماعة، وقد استفاضت نقولات الأئمة في هذا الباب، في حكاية إجماعات السلف، يقول ابن كثير: \" فالإيمان الشرعي المطلوب، لا يكون إلا اعتقادًا، وقولًا، وعملًا. هكذا ذهب إليه أكثر الأئمة، بل قد حكاه الشافعي، وأحمد بن حنبل، وأبو عبيد، وغير واحد إجماعًا، أن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص \". (^١)\nوقال ابن عبدالبر: \" أجمع أهل الفقه والحديث، على أن الإيمان قول وعمل، ولا عمل إلا بنية، والإيمان عندهم يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية، والطاعات كلها عندهم إيمان \". (^٢)\nوقال الآجري: \" اعلموا - رحمنا الله وإياكم - أن الذي عليه علماء المسلمين: أن الإيمان واجب على جميع الخلق، وهو تصديق بالقلب، وإقرار باللسان، وعمل الجوارح \" (^٣)، والإيمان شامل لعمل القلب وقوله، وقول اللسان وعمل الجوارح، يقول ابن تيمية: \"وأجمع السلف أن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، ومعنى ذلك: أنه قول القلب، وعمل القلب، ثم قول اللسان، وعمل الجوارح \". (^٤)\n_________\n(^١) ابن كثير: تفسير القرآن العظيم: ١/ ١٦٥\n(^٢) ابن عبدالبر: التمهيد: ٩/ ٢٣٨\n(^٣) الآجري: الشريعة: ٢/ ٦١١\n(^٤) ابن تيمية: مجموع الفتاوى: ٧/ ٦٧٢","vol":"1","page":660},{"text":"وقد عَرَّف السمعاني الإيمان في الشريعة، بما عرفه به السلف، فقال:\" والإيمان في الشريعة يشتمل على الاعتقاد بالقلب، والإقرار باللسان، والعمل بالأركان \" (^١)، وقال:\" الإيمان يجمع ثلاثة أشياء: النية، والقول، والعمل \" (^٢). ثم رد السمعاني ﵀ على من أخرج شيئًا من هذه الأركان عن الإيمان فقال عن الاعتقاد: \" قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة:٨]، \" وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ \" نفى الإيمان عنهم، حيث أظهروا الإسلام باللسان، ولم يعتقدوا بالجنان، وهذا دليل على من يخرج الاعتقاد من جملة الإيمان \" (^٣)، والاعتقاد تصديق القلب، وهو قوله، وأما أعماله فكثيرة، يقول السمعاني: \" وقوله تعالى: ﴿وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾ [ق:٣٣]، والرجل هو المنيب، لكنه أضاف إلى القلب؛ لأن الأكثر من أعمال الإيمان، يعمله المؤمن بقلبه \" (^٤)، وقال في تفسير قوله تعالى:\" ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [البقرة:٦٢]، يعني: بالقلب مع اللسان \". (^٥)\nوقال ﵀ رادًا على المرجئة، الذين أخرجوا الأعمال من مسمى الإيمان، في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة:١٤٣]: \" أي: صلاتكم، فجعل الصلاة إيمانًا، وهذا دليل على المرجئة، حيث لم يجعلوا الصلاة من الإيمان، وإنما سموا مرجئة؛ لأنهم أخروا العمل عن الإيمان. وحُكي أن أبا يوسف، شهد عند شريك بن عبدالله القاضي، فرد شهادته، قيل له: أترد شهادة يعقوب؟ فقال: كيف أقبل شهادة من يقول: إن الصلاة ليست من الإيمان \". (^٦)\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٤٣\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٢٩٢\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٤٧\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٢٤٦\n(^٥) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٨٩\n(^٦) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ١٥٠ - ٢/ ٢٠٣","vol":"1","page":661},{"text":"وما حكاه السمعاني عن القاضي أبي يوسف، بصيغة التمريض، توحي بتضعيفه لها، والاستئناس بها على أصل المسألة، لكن أبا يوسف على خِلاف ما ذُكر، فقد روى ابن حبان في الثقات، عن قتيبة بن سعيد، قال سمعت أبا يوسف يقول: الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص. (^١)\nوأورد السمعاني سؤالًا مفاده: \" إن قيل: هذا أَوَّل قوله تعالى: ﴿فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا﴾ [المائدة:٨٥]، على أن الإيمان قول فرد؟ قيل: قد ذكر في الآية الأولى ﴿مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ﴾ [المائدة:٨٣]، فذكر المعرفة في تلك الآية، والقول في هذه الآية، ومجموعهما إيمان \". (^٢)\nفهذا هو معنى الإيمان وحقيقته في الشرع، وهو الذي اتفق عليه السلف، قال عبدالرزاق: سمعت مالكًا، والأوزاعي، وابن جريج، والثوري، ومعمرًا، يقولون: الإيمان قول، وعلم، يزيد، وينقص (^٣). وقال يحيى بن سعيد القطان: كل من أدركت من الأئمة كانوا يقولون: الإيمان قول وعمل، يزيد، وينقص (^٤). ويقول البخاري: كتبت عن ألفٍ وثمانين رجلًا، ليس فيهم إلا صاحب حديث، كانوا يقولون: الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص. (^٥)\n_________\n(^١) ابن حبان: الثقات: دائرة المعارف العثمانية: الهند، ط ١، ١٣٩٣ هـ (٧/ ٦٤٥)\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٥٩\n(^٣) الذهبي: سير أعلام النبلاء: ٦/ ٦٣٥\n(^٤) الذهبي: سير أعلام النبلاء: ٧/ ٥٨١\n(^٥) الذهبي: سير أعلام النبلاء: ١٠/ ٨١","vol":"1","page":662},{"text":"فالإمام السمعاني في تقريره للإيمان، موافق لقول السلف، بأنه قول وعمل، وبأنه يزيد وينقص، قال ﵀: \" قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [الأنفال:٢]، أي: يقينًا وتصديقًا، وذلك أنه كلما نزلت آية فآمنوا به، ازدادوا إيمانًا وتصديقًا، وهذا دليل لأهل السنة، على أن الإيمان يزيد وينقص \" (^١)، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ﴾ [طه:٧٥]، يقول السمعاني: \" أي: أدى الفرائض، قال الحسن: من أدَّى الفرائض، فقد استكمل الإيمان ومن لم يُؤد الفرائض، فلم يستكمل الإيمان \". (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-271>المسألة الثالثة: هل الإيمان هو الإسلام، أم بينهما اختلاف</span>؟\nأشار السمعاني إلى وجود خلاف بين السلف في هذه المسألة على قولين:\nالأول: ليس بينهما فرق، فهما واحد، واستدل أصحاب هذا القول، بقوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٦)﴾ [الذاريات:٣٥ - ٣٦]، قال السمعاني: \" فيه دليل لمن قال: إن الإسلام والإيمان واحد \" (^٣). وذهب إلى هذا القول جماعات من أهل العلم، منهم: البخاري (^٤)، ومحمد بن نصر (^٥)، وابن حزم (^٦)، وابن عبدالبر (^٧).\nوالثاني: أن بينهما فرقًا: فقيل: الإسلام هو الكلمة، والإيمان العمل، وهذا مروي عن الزهري.\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٢٤٨\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٣٤٤\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٢٥٨\n(^٤) ابن حجر: فتح الباري: ١/ ٦٠ - ١٤٠\n(^٥) محمد بن نصر: تعظيم قدر الصلاة: ١/ ٤٠٢\n(^٦) ابن حزم: المحلى: ١/ ٣٨\n(^٧) ابن عبدالبر: التمهيد: ٩/ ٢٤٩","vol":"1","page":663},{"text":"وفي الحديث أن النبي ﷺ قال: \" الإسلام علانية، والإيمان في القلب \" (^١)، ويقول السمعاني: \" وفي خبر جبريل - صلوات الله عليه - حيث جاء يسأل عن الإِسلام والإيمان، وفرَّق الرسول ﷺ بينهما، فجعل الإسلام هو الأعمال الظاهرة، والإيمان هو التصديق الباطن \" (^٢)، وثبت أيضًا أن النبي ﷺ أعطى قومًا، ولم يعط رجلًا، فقال سعد بن أبي وقاص: إنك أعطيت فلانًا وفلانًا، ولم تعط فلانًا وهو مؤمن؟ فقال: (أو مسلم). (^٣)\nوجَوَّز السمعاني القولين، إلا أنه قال: \" وأكثر الأخبار دالة على التفريق، فيجوز أن نفرق على ما قلنا، وعلى ما ورد في الأخبار، ويجوز أن يُقال: هما واحد، فيكون الإسلام بمعنى الإيمان، والإيمان بمعنى الإسلام، وهو المتعارف بين المسلمين، أن يفهم من أحدهما، ما يفهم من الآخر \". (^٤)\n_________\n(^١) أخرجه أحمد في المسند (٣/ ١٣٤)، وأبن أبي شيبة في الإيمان: (٦)\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٢٣٠\n(^٣) أخرجه البخاري في صحيحه باب قول الله تعالى: \" لا يسألون الناس إلحافًا \" البقرة ٢٧٣، ح (١٤٧٨)\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٢٣١","vol":"1","page":664},{"text":"والتفريق بينهما وارد عن السلف، يقول ابن رجب: \" وقد نقل التفريق بينهما عن كثير من السلف، منهم: قتادة، داود بن أبي هند، وأبو جعفر الباقر، والزهري، وحماد بن زيد، وابن مهدي، وشريك، وابن أبي ذئب، وأحمد بن حنبل، وأبو خثيمة، ويحيى بن معين، وغيرهم، على اختلاف بينهم في صفة التفريق بينهما، وكان الحسن وابن سيرين يقولان: مسلم، ويهابان مؤمن \" (^١)، ورجح ابن رجب التفصيل جمعًا بين الأحاديث، فقال: \" إذا أُفرد كل من الإسلام والإيمان بالذكر، فلا فرق بينهما حيئذ، وإن قُرن بين الاسمين، كان بينهما فرق، والتحقيق في الفرق بينهما: إن الإيمان هو تصديق القلب، وإقراره، ومعرفته، والإسلام هو استلام العبد لله، وخضوعه، وانقياده له، وذلك يكون بالعمل، وهو الدين\" (^٢)، وشبَّه الإمام ابن تيمية الإيمان والإسلام، بالروح والبدن، فقال: \" فلا يوجد عندنا روح إلا مع البدن، ولا يوجد بدن حي إلا مع الروح، وليس أحدهما الآخر، فالإيمان كالروح، فإنه قائم بالروح، ومتصل بالبدن، والإسلام كالبدن، ولا يكون البدن حيًا إلا مع الروح، بمعنى أنهما متلازمان، لا أن مسمَّى أحدهما، هو مسمَّى الآخر \" (^٣). وخلاصة القول في الإيمان:\nأ - الذي قرره السمعاني: أن الإيمان قول وعمل واعتقاد، وقد فرَّق أبو الفرج الشيرازي بين أقوال الناس في الإيمان، فقال في جزئه في امتحان السني من البدعي: \" يُسأل عن الإيمان ماهو؟ فإن قال: الإيمان قول، وعمل، ونية، وموافقة السنة، فهو سني، وإن قال: اعتقاد بالقلب، فهو أشعري، وإن قال: قول بلا عمل، فهو مرجئ \". (^٤)\n_________\n(^١) ابن رجب: جامع العلوم والحكم: مؤسسة الرسالة، بيروت، ط ٧، ١٤٢٢ هـ، (١/ ١٠٦)\n(^٢) ابن رجب: جامع العلوم والحكم: ١/ ١٠٧\n(^٣) ابن تيمية: مجموع الفتاوى: ٧/ ٣٦٧\n(^٤) الشيرازي: جزء فيه امتحان السني من البدعي: ٩٩","vol":"1","page":665},{"text":"ب - أن الإيمان يزيد وينقص، وعلى هذا قول النصوص الشرعية، وعليه كلام السلف، يقول عمر، بعد أن يأخذ الرجل والرجلين من أصحابه،: قم بنا نزدد إيمانًا (^١). وخالف في ذلك المرجئة الجهمية، فقالوا: الإيمان لايزيد ولا ينقص (^٢)، وهم بذلك خالفوا النصوص، وأئمة الدين والسنة. وأما المنقول عن الإمام مالك، عن أكثر أصحابه هو قوله: الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، وبعضه أفضل من بعض، والرواية الأخرى، أنه قال بالزيادة، وتوقف عن النقصان. (^٣)\nوقد خرَّج العلماء قوله بالتوقف عن النقصان بأوجه (^٤):\n١ - فقيل: إن لفظ الزيادة ورد في النصوص، دون لفظ النقصان، فلم يقل به.\n٢ - وقيل: توقف مالك عن القول بالنقصان، لئلا يكون شكًا مخرجًا عن اسم الإيمان، فقد نقصان التصديق، فإنه إذا نقص صار شكًا. والصحيح أن التصديق يزيد وينقص.\n٣ - وقيل: قصد بهذا، مخالفة الخوارج والوعيدية، الذين يكفرون بالمعاصي، ويخرجون بها عن الإيمان.\n٤ - وقيل: ربما كان القول قديمًا، ثم رجع عنه.\n٥ - وقيل: إنه وهم من ناقليه، فيكون فُهم من كلام من قاله، ففهم عنه أنه يقول بالزيادة دون النقصان. فهذه احتمالات واردة، ولذا المعوَّل عليه ما رواه عنه الأكثر من أصحابه.\n_________\n(^١) ابن أبي شيبة: الإيمان: ٣٦\n(^٢) ابن تيمية: مجموع الفتاوى: ٧/ ٨٥٢، اللالكائي: شرح أصول الاعتقاد: ٣/ ١٨٥٣\n(^٣) الذهبي: السير: ٧/ ١٨٢، ابن تيمية: مجموع الفتاوى: ٧/ ٥٠٦\n(^٤) ابن عبدالبر: التمهيد: ٩/ ٢٥٢، ابن بطال: شرح صحيح البخاري: ١٠/ ٥٧، النووي: شرح مسلم: ١/ ١٢٣، اللالكائي: شرح أصول الاعتقاد: ٥/ ٩٥٧، الشبل: مسألة الإيمان: دار المسلم، الرياض، ط ١، ١٤٢٢ هـ، (٤٩)","vol":"1","page":666},{"text":"ولما كان الإيمان كذلك، لم يجز لكل أحد أن يصف نفسه بكونه مؤمنًا حقًا، قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [الأنفال:٤]، يعني: إيمانًا لا شك فيه، يقول السمعاني: \" وفيه دليل لأهل السنة، على أنه لا يجوز لكل أحد أن يصف نفسه بكونه مؤمنًا حقًا؛ لأن الله تعالى، إنما وصف بذلك قومًا مخصوصين، على أوصاف مخصوصة، وكل أحد لا يتحقق في نفسه وجود تلك الأوصاف \". (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-272>المطلب الثاني: تعريف الكفر:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-273>المسألة الأولى: تعريف الكفر في اللغة:</span>\nأ - في اللغة: يقول السمعاني: \" فالكفر مأخوذ من الكَفْر، وهو الستر والتغطية، ومنه يُقال لليل كافر؛ لأنه يستر الأشياء بظلمته، وسُمِّي الزارع كافرًا؛ لأنه يستر الحب بالتراب، ويُسمى الكافر كافرًا؛ لأنه يستر نعم الله تعالى بكفره، ويصير في غطاء من دلائل الإسلام وبراهينه \". (^٢)\nولا يخرج ما ذكره السمعاني في معنى الكفر في اللغة، عما ذكره علماء اللغة في هذا المقام، يقول الجوهري: \" الكفر ضد الإيمان، وقد كفر بالله كفرًا، وجمع الكافر، كفار، وكفرة، وجمع الكافرة، الكوافر، والكفر أيضًا جحود النعمة، وهو ضد الشكر، وقد كفره كفورًا وكفرانًا. والكفر بالفتح التغطية ... والكَفْر أيضًا القرية، والكفر أيضًا القبر ..، والكفر أيضًا ظلمة الليل وسواده، ومنه سُمي الكافر؛ لأنه يستر نعم الله عليه ... والكافر الزارع؛ لأنه يُغطي البذر بالتراب \". (^٣)\nوالله تعالى سمى الكفر ظلمات، قال تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة:٢٥٧]، يقول السمعاني: \" يعني: من الكفر إلى الإسلام، وإنما سُمي الكفر ظلمات؛ لأنه طريق الكفر مشتبه ملتبس \" (^٤)، وقال: \" وسُمي الكفر ظلمة؛ لأنه يتحير في الظلمة \". (^٥)\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٢٤٨\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٤٥\n(^٣) الجوهري: الصحاح: ٢/ ٨٠٧\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٢٦٠\n(^٥) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٢٣","vol":"1","page":667},{"text":"وقد يُطلق الفسق ويراد به الكفر، قال تعالى: ﴿قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ [التوبة:٥٣]، يقول السمعاني: \" والفسق ها هنا هو الكفر\". (^١)\nوقد قيل: أصل كل كفر الكسل، ولذلك عَبَّر الله جل وعلا بالكسل حين ذكر صلاة المنافقين، فقال: ﴿وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى﴾ [التوبة:٥٤]، أي: متثاقلين، قال السمعاني: \" فإن قيل: كيف ذكر الكسل في الصلاة، ولا صلاة أصلًا؟ قلنا: الذم واقع على الكفر الذي يبعث على الكسل، فإن الكفر مكسل، والإيمان منشط، ويُقال: أصل كل كفر الكسل \". (^٢)\nوالكفر ناشئ عن الاستكبار، لذلك قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا﴾ [الأعراف:٣٦]، قال السمعاني: \" إنما ذكر الاستكبار؛ لأن كل مكذب، وكل كافر مستكبر، وإنما كذب وكفر تكبرًا \" (^٣)، ولما كان كذلك، كان كل كافر بالله تعالى خاسرًا، كما قال تعالى: ﴿وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾ [غافر:٨٥]، وكل كافر بالله تعالى ذليل، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ﴾ [المجادلة:٢٠]، أي: الأقلين، وكل كافر ذليل، وكل مؤمن عزيز. (^٤)\nوأول من سن الكفر إبليس، يقول السدي: ما من كافر يدخل النار، إلا وهو يلعن إبليس؛ لأنه أول من سن الكفر. (^٥)\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٣١٧، يقول السمعاني في سبب تسمية الكافر فاسقًا في قوله: ﴿وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [المائدة:٨١]، قيل معناه: خارجون عن أمر الرب، والكفار خارجون عن كل أمره، وقيل: معناه: متمردون، أي: هم مع كفرهم متمردون. تفسير السمعاني: ٢/ ٧\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٣١٧\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ١٧٩\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٣٥ - ٣٩٣\n(^٥) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٤٩","vol":"1","page":668},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-274>المسألة الثانية: تعريف الكفر في الشرع:</span>\nب - في الشرع: قالوا في تعريف الكفر في الشرع: هو عدم الإيمان (^١)، ولذا فهما متقابلان إذا زال أحدهما خلفه الآخر (^٢). وقيل: الكفر تغطية ما حقه الإظهار، وأعظم الكفر: جحود الوحدانية، أو النبوة، أو الشريعة (^٣). وقال السيوطي: \" الكفر تغطية الحق بالباطل \". (^٤)\nوقد قسم السمعاني الكفر إلى أربعة أقسام فقال: وقيل: الكفر على أربعة أنحاء:\n١ - كفر إنكار: وهو ألا يعرف الله تعالى أصلًا، أو لا يعترف به.\n٢ - كفر جحد: وهو أن يعرف الله تعالى، ولكن يجحده، ككفر إبليس.\n٣ - كفر عناد: وهو أن يعرف الله تعالى بقلبه، ويعترف بلسانه، ولكن لا يتدين به، ولا يتخذه دينًا، ككفر أبي طالب، فإنه عرف الله ورسوله بقلبه، وأقر بلسانه.\n٤ - كفر نفاق: أن يعترف باللسان، ولا يعتقد بالقلب. قال السمعاني: \" فهذه أنواع الكفر، فمن لقي الله تعالى بنوع منها لم يعف \". (^٥)\n_________\n(^١) ابن تيمية: مجموع الفتاوى: ٢٠/ ٨٦\n(^٢) ابن القيم: كتاب الصلاة: ٥٣\n(^٣) المناوي: التوقيف على مهمات التعاريف: عالم الكتب، القاهرة، ط ١، ١٤١٠ هـ (٢٨٢)\n(^٤) السيوطي: معجم مقاليد العلوم: مكتبة الآداب، القاهرة، ط ١، ١٤٢٤ هـ (٧٤)\n(^٥) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٤٦","vol":"1","page":669},{"text":"والسمعاني يُقسِّم الكفر إلى نوعين: كفر بالله مخرج عن الملة، وهو ما أشار إليه سابقًا، وكفر لا يخرج من الملة، وهو كفران النعمة، وقد حَمَل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور:٥٥]، على كفران النعمة بترك الطاعة، قال: وهذا ما عليه أكثر أهل التفسير، وهو الأصح من حمله على الكفر بالله تعالى (^١)، ويدل عليه أيضًا تفريقه بين الرياء والنفاق، فقال: \" واعلم أن الرياء لا يوجب الكفر، وهو عيب عظيم، وأما النفاق كفر محض \" (^٢)، فإن كان ما ذكره الإمام السمعاني صحيحًا، فكيف وجَّه قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ﴾ [محمد:٢٠]، والذين في قلوبهم مرض، أي: نفاق، فكيف أخبر عن المؤمنين في ابتداء الآية، ثم قال: \" رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ \" وهم المنافقون، والمنافق لا يكون مؤمنًا؟! أجاب عنه السمعاني بقوله: \" والجواب عنه: أن في الآية حذفًا، ومعناه: \" فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ \"، فرح المؤمنون واستأنسوا بها، و\" رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ \" أي: شخصوا بأبصارهم نحوك، ونظروا نظرًا شديدًا، شبه الشاخص بصره عند الموت، وإنما أصابهم مثل هذا؛ لأنهم إن قاتلوا خافوا الهلاك، وإن لم يقاتلوا، خافوا ظهور النفاق \" (^٣)، إذن: فالنفاق كفر القلب، وزواله بالإخلاص. (^٤)\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٥٤٥\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٤٩٤\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ١٨٠\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٤٩٥","vol":"1","page":670},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-275>المسألة الثالثة: ما يدخل تحت مسمى الكفر، مما أشار إليه السمعاني:</span>\nأ - سب النبي ﷺ، واستدل لها بقوله تعالى: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ﴾ [التوبة:٧٤]، يقول السمعاني: \" واختلف في كلمة الكفر، قال بعضهم: كلمة الكفر هي سب محمد ﷺ \". (^١)\nب - الاستهزاء بالله وآياته ورسوله، قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة:٦٥ - ٦٦]، يقول السمعاني: \" فإن قال قائل: \" قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ \" وهم لم يكونوا مؤمنين؟ الجواب عنه: أن معناه أظهرتم الكفر بعد إظهاركم الإيمان \" (^٢). أما الاستهزاء بالناس فهو منهي عنه وهو من الكبائر، يقول السمعاني في تفسير قوله تعالى: ﴿فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي﴾ [المؤمنون:١١٠]،: \" وفي الآية دليل على أن الاستهزاء بالناس كبيرة، وهو موعود عليه \". (^٣)\nج - كراهة ما أنزل الله تعالى، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد:٩]، يقول السمعاني: \" أي: كرهوا نبوة محمد ﷺ، وما أنزله الله من القرآن \". (^٤)\nد - استحلال الحرام، وتحريم الحلال، قال تعالى: ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام:١٢١]، يقول السمعاني: \" يعني: باستحلال الميتة، قال الزجاج: في هذا دليل على أن استحلال الحرام، وتحريم الحلال، يوجب الكفر \". (^٥)\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٣٢٨\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٣٢٤\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٤٩٣\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ١٧١\n(^٥) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ١٤٠","vol":"1","page":671},{"text":"هـ - موالاة الكفار: قال تعالى: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ [هود:١١٣]، يقول السمعاني:: \" الركون: هو المحبة، والمودة، والميل بالقلب. وعن أبي العالية الرياحي قال: \" هو الرضا بأعمالهم، وعن السُّدي قال: هو المداهنة معهم، وعن عكرمة قال: هو طاعتهم \" (^١)، ولذلك أمر الله بالتبري من المشركين، وترك موالاتهم، قال تعالى في شأن إبراهيم ﵇: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَأَئُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة:٤]، يقول السمعاني: \" والمعنى في الكل: أنه أمرهم بأن تأسوا بإبراهيم في التبرؤ من المشركين، وترك الموالاة معهم \" (^٢)، وأكد الله تعالى النهي فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [الممتحنة:١٣]، قال السمعاني عن الآية: \" وتأكيد النهي عن موالاة الكفار \" (^٣)، والآيات في هذا المعنى كثيرة، والواجب موالاة الله ورسوله، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ [المائدة:٥٥]، يقول السمعاني: \" هذا راجع إلى قوله: ﴿لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ﴾ [المائدة:٥١]، لما منعهم من موالاة اليهود والنصارى، دعاهم إلى موالاة الله ورسوله \" (^٤).\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٤٦٤\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٤١٥\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٤٢٢\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٤٧","vol":"1","page":672},{"text":"ولكن السمعاني يُشير في هذا المقام، إلى أن هذا الحكم يختلف باختلاف الأحوال، فقد تتقدم الموالاة القلبية، أو الرضا والركون للكفار، ويكون معهم نوع من موالاة غير مخرجة من الملة، كما كان من حاطب بن أبي بلتعة ﵁، ولذا يقول السمعاني مقررًا هذه القضية: \" قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الممتحنة:١]، في الآية دليل على أن حاطب لم يخرج من الإيمان بفعله ذلك\". (^١)\nفالموالاة المطلقة العامة للكفار، كفر صريح، والموالاة الخاصة، لغرض دنيوي مع سلامة الاعتقاد، وعدم إضمار نية الكفر والردة، خطر عظيم، لكن لا تخرج من الملة. (^٢)\nوقد أورد السمعاني في تفسيره لقصة يوسف ﵇ سؤالًا مفاده:\" فإن قيل: هل يجوز أن يتولى المسلم من يد كافر عملًا؟ قلنا قد قالوا: إنه إذا علم أن الكافر يخليه والعمل بالحق، يجوز له أن يتولى \" (^٣)، وهذا الذي ذهب إليه السمعاني، هو محل نزاع كبير بين العلماء، والجمهور على إباحة العمل للرجل الفاضل، لدى السلطان الكافر، بشروط ذكروها، ولكن ما يُهمنا في مسار بحثنا العقدي، أن هذا العمل متى كان ملجئًا للشخص، أو غير ملجئٍ لكن توفرت فيه شروط الجواز في العمل تحت سلطان كافر؛ لتحقيق مصلحة راجحة للإسلام وأهله، يجب ألا يكون فيه أي نوع موالاة، إلا ما يقتضيه العمل من المخالطة والمجاملة ونحوها. (^٤)\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٤١٣\n(^٢) انظر: محماس الجلعود: الموالاة والمعاداة: دار اليقين، ط ١، ١٤٠٧ هـ (١/ ٣٣)\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٤٠\n(^٤) انظر: خالد عبدالقادر: فقه الأقليات المسلمة: دار الإيمان، لبنان، ط ١، ١٤١٩ هـ، (٦٠٩)","vol":"1","page":673},{"text":"و- السحر: ذهب السمعاني إلى مذهب أهل السنة في حقيقة السحر، فقال: \" والسحر يتحقق وجوده على مذهب أهل السنة، ويُؤثر، ولكن العمل به كفر \" (^١)، ولكن ذكر العلماء أن السحر أنواع، فمنه ما يصل لدرجة الكفر، ومنه ما هو معصية وكبيرة، قال النووي: \" قد يكون السحر كفرًا، وقد لا يكون كفرًا، بل معصية كبيرة، فإن كان فيه قول أو فعل يقتضي الكفر كفر، وإلا فلا \". (^٢)\nز - الشك والظن في الإيمان، واستدل السمعاني بدليلين من القرآن:\n١ - قوله تعالى: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ﴾ [سبأ:٥٤]، يقول السمعاني: \" أي في شك مرتابين، وفي الآية دليل على أن الشاك كافر، بخلاف ما قاله بعض الناس، وهو غلط عظيم في الدين، وقد دلت هذه الآية على أن الشاك كافر، وهو في النار \". (^٣)\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ١١٦\n(^٢) النووي: شرح مسلم: ١٤/ ١٧٦\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٣٤٣","vol":"1","page":674},{"text":"٢ - وقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ [ص:٢٧]، يقول السمعاني: \" فقد أوجب لهم الكفر والنار بالظن \" (^١)، وقال عن هذه الآية أيضًا: \" وهذا دليل على أن الله تعالى يُعذب الكفار بالظن الباطل \" (^٢). وأشار إلى هذه المعاني الزجاج، فقال: \" فإن قال قائل: كيف يعذبون وهم ظانون، وهل يجوز أن يعذب من كفر وهو ظان، ومن لم يكفر وهو على يقين؟ فالجواب في هذا: إن الله جل ثناؤه، قد ذكر أنه يعذب على الظن، وذلك قوله: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ [ص:٢٧]، والحجة في هذا، أنهم عُذبوا على هذا الظن؛ لأنهم اتبعوا أهواءهم، وتركوا التماس البصيرة من حيث يجب، واقتصروا على الظن والجهل \" (^٣)، وقال: \" وقد قال قوم من الضلال: إن الشاكين لا شيء عليهم، وهذا كفر ونقض للقرآن \" (^٤)، وإنما قيل لهم هذا؛ لأنهم جحدوا البعث. (^٥)\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٣٤٣\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٤٣٨\n(^٣) الزجاج: معاني القرآن: ٢/ ٢٨٥\n(^٤) الزجاج: معاني القرآن: ٤/ ٢٥٩\n(^٥) الزجاج: معاني القرآن: ٤/ ٣٢٩","vol":"1","page":675},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-276>المبحث الثاني: الكبائر:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-277>المطلب الأول: تعريف الكبائر:</span>\nعَرَّف السمعاني الكبيرة فقال: \" كل جريمة أوعد الله تعالى عليها النار. وقال أبو صالح: الكبيرة كل ما أوجب الحد، غير أنه لا كبيرة مع الاستغفار، ولا صغيرة مع الإصرار \". (^١)\nوقال الجرجاني: \" الكبيرة: هي ما كان حرامًا محضًا، شرعت عليه عقوبة محضة، بنص قاطع في الدنيا والآخرة \" (^٢)، وقال المناوي: \" الكبيرة: كل معصية تُؤذن بقلة اكتراث مرتكبها بالدين، ورقة الديانة، أو كل ما توعد عليه بخصوصه في الكتاب والسنة، أو ما فيه حد أو غير ذلك \". (^٣)\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٤٢٠ - ٥/ ٢٩٧\n(^٢) الجرجاني: التعريفات: ١٨٣\n(^٣) المناوي: التوقيف على مهمات التعاريف: ٢٧٩","vol":"1","page":676},{"text":"وهنا يُشار إلى أمرين:\n١ - أن ضبط الكبيرة من جهة حَدِّها أو عَدِّها، فيه اختلاف كبير جدًا.\n٢ - أن بعض العلماء ضبطها من جهة حدِّها، وهؤلاء تنازعوا، وما ذكرناه سابقًا في تعريف الكبيرة، هو جزء من هذا الخلاف، ومنه:\nأ - ما روي عن ابن عباس ﵄ قال: الكبائر: كل ذنب ختمه الله تعالى بنار، أو غضب، أو لعنة، أو عذاب. ورُوي نحو هذا عن الحسن البصري. (^١)\nب - وقال أبو حامد الغزالي: والضابط الشامل المعنوي في ضبط الكبيرة: أن كل معصية يقدم المرء عليها، من غير استشعار خوف، وحذار ندم، كالمتهاون بارتكابها، والتجرئ عليها اعتيادًا، فما أُشعر بهذا الاستخفاف والتهاون فهو كبيرة. واعترض عليه العلائي فقال: \" ... وليس كذلك اتفاقًا، وإن كان ضابطًا لما عدا المنصوص عليه، فهو قريب \". (^٢)\nوبعض العلماء عرف الكبيرة بالعّدِّ بدل الحَدِّ، وهؤلاء تنازعوا كذلك في عَدِّها، فقيل: هي إلى السبعين أقرب منها إلى السبع، وهذا مروي عن ابن عباس، وروي عنه أيضًا أنه قال: هي إلى سبعمائة أقرب منها إلى السبع، غير أنه لا كبيرة مع الاستغفار، ولا صغيرة مع الإصرار. (^٣)\nوروي عن ابن مسعود أنه قال: الكبائر هي ما ذكره الله تعالى، في أول سورة النساء إلى قوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ [النساء:٣١] (^٤)، وقيل: هي سبع، وهو مروي عن علي بن أبي طالب: وقيل: أربع، وقيل: ثلاث، وقيل: عشر، وقيل سبع عشرة. (^٥)\n_________\n(^١) النووي: شرح مسلم: ٢/ ٨٥\n(^٢) ابن حجر الهيثمي: الزواجر: دار الفكر: ط ١، ١٤٠٧ هـ (١/ ١١)\n(^٣) الطبري: جامع البيان: ٨/ ٢٣٣\n(^٤) رواه الحاكم في المستدرك، وقال: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي: (١/ ٥٩)، السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٤١٩\n(^٥) ابن حجر الهيتمي: الزواجر: ١/ ٩، ابن القيم: الجواب الكافي: ١٣٦","vol":"1","page":677},{"text":"وذهب الواحدي صاحب التفسير، إلى أن الكبيرة ليس لها حد يعرفها العباد به، وإلا لاقتحم الناس الصغائر واستباحوها، ولكن الله تعالى أخفى ذلك عن عباده؛ ليجتهدوا في اجتناب المنهي عنه، رجاء أن تجتنب الكبائر، ونظيره إخفاء الصلاة الوسطى، وليلة القدر، وساعة الإجابة، ونحو ذلك. (^١)\nوالأقرب في التعريف - والعلم عند الله - ما وافق فيه السمعاني ابن عباس ﵄ في أنها كل ذنب ختمه الله بنار، أو غضب، أو لعنة، أو عذاب. واختاره جمع من المحققين، كابن تيمية، وابن حجر. (^٢)\nوالإمام السمعاني وافق جماهير السلف في انقسام المعصية، إلى صغيرة وكبيرة، وقد نَصَّ على ذلك في أكثر من موضع في تفسيره:\nـ قال في تفسير قوله تعالى: ﴿وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [البقرة:٢٧١]، فيها قولان:\nالأول: أن (مِنْ) صلة، والتقدير: ويكفر عنكم سيئاتكم، فعلى هذا يكون شاملًا للصغائر والكبائر، والثاني: أن (مِنْ) على التحقيق، والتكفير بالصدقات، يكون من الصغائر، فأما الكبائر، فإنما تكفرها التوبة. ثم قال: \" والأول أقرب إلى أهل السنة \". (^٣)\nـ وقال في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا﴾ [آل عمران:١٤٧]،: \" رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا \" أي: الصغائر، \" وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا \" أي: الكبائر \". (^٤)\nـ وقال في تفسير قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ﴾ [الشورى:٣٧]،: \"ويُقال: كل ما أوعد الله عليه في النار، فهو من الكبائر، وأما إضافة الكبائر إلى الإثم، فيقال: إنما أضافها إليه؛ لأن في الإثم كبيرًا وصغيرًا \". (^٥)\n_________\n(^١) النووي: شرح مسلم: ٢/ ٨٢، ابن حجر الهيثمي: الزواجر: ١/ ٧\n(^٢) ابن تيمية: مجموع الفتاوى: ١١/ ٦٥٢، ابن حجر: فتح الباري: ١٢/ ١٨٤\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٢٧٥\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٣٦٣\n(^٥) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٨٠","vol":"1","page":678},{"text":"وهذا القول هو مذهب الجماهير، قال النووي: \" وذهب الجماهير من السلف والخلف من جميع الطوائف إلى انقسام المعاصي إلى صغائر وكبائر، وهو مروي أيضًا عن ابن عباس ﵄ وقد تظاهر على ذلك دلائل من الكتاب، والسنة، واستعمال سلف الأمة وخلفها \" (^١)، وقال ابن القيم: \" وقد دل القرآن، والسنة، وإجماع الصحابة والتابعين بعدهم، والأئمة، على أن الذنوب كبائر وصغائر \". (^٢)\nونُقل عن بعضهم: أن المعاصي قسم واحد، كلها كبائر، قال ابن عباس: كل شيء نهى الله تعالى عنه، فهو كبيرة، وهو قول أبي إسحاق الاسفرائيني، والباقلاني، والجويني، وابن فورك. واحتجوا: بأن كل مخالفة، فهي بالنسبة إلى جلال الله تعالى كبيرة. وقالوا: إنما يُقال لبعضها صغيرة، بالنسبة إلى ما هو أكبر منها، كما يُقال: الزنا صغيرة بالنسبة إلى الكفر، والقبلة المحرمة صغيرة، بالنسبة إلى الزنا، وكلها كبائر، وقالوا: معنى قوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ [النساء:٣١]، إن تجتنبوا الكفر، كفرت عنكم سيئاتكم التي هي دون الكفر. (^٣) ويُشار هنا إلى مسألتين ذكرهما السمعاني:\n١ - فقد ذكر أن تكفير الصغائر معلق بالمشيئة، ردا على من قال: إنه باجتناب الكبائر تقع الصغائر مكفرة، فقال: ومذهب أهل السنة: أن تكفير الصغائر معلقة بالمشيئة، فيجوز أن يعفو الله عن الكبائر ويأخذ بالصغائر، ويجوز أن يجتنب الرجل الكبائر، فيؤخذ بالصغائر (^٤).\n_________\n(^١) النووي: شرح مسلم: ٢/ ٨٥\n(^٢) ابن القيم: الجواب الكافي: ١٣٤\n(^٣) النووي: شرح مسلم: ٢/ ٨٤، الشوكاني: إرشاد الفحول: ١/ ١٤٤\n(^٤) - السمعاني: مرجع سابق: ١/ ٤٢١","vol":"1","page":679},{"text":"٢ - رجح أن التكفير بالصدقات الوارد في قوله تعالى: (إن تبدو الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم ويكفر عنكم من سيئاتكم) البقرة ٢٧١، أن (من) صلة، والتقدير: يكفر عنكم سيئاتكم، فيكون التكفير شاملا للصغائر والكبائر، وحكى قولا آخر: أن (من) على التحقيق، وأن التكفير بالصدقات لا يكون إلا لصغائر، وأما الكبائر فإنما تكفرها التوبة، ثم قال: والأول أقرب إلى أهل السنة، وقد قال النبي ﷺ: (صدقة السر تطفئ غضب الرب) (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-278>المطلب الثاني: حكم مرتكب الكبيرة:</span>\n\" أجمع الجميع من الصحابة والتابعين، ومن بعدهم من الخالفين الدارجين من المسلمين، أن المؤمن مؤمن بإيمانه، فاسق بكبيرته، غير كافر بها \" (^٢). بل إن السمعاني يرحمه الله، نقل إجماع أهل الإسلام على خروج الموحدين المذنبين من النار، فقال: \" أجمع أهل الإسلام، متقدموهم ومتأخروهم، على رواية الأحاديث في صفات الله، وفي مسائل القدر، وإخراج الموحدين المذنبين من النار \" (^٣)، وقال الإمام أبو الحسن الأشعري: \" وأجمعوا على أن الله تعالى، يُخرج من النار، من في قلبه شيء من الإيمان \". (^٤)\nوقد ساهم السمعاني ﵀ في تقرير هذه المسألة على منهج أهل الحق، مدللًا عليه، ورادًا على المخالفين فيه. وبيان رأيه من وجوه:\n١ - أن أهل الكبائر تحت المشيئة الإلهية، وقد حكى البغوي اتفاق أهل السنة على ذلك، فقال: \" اتفق أهل السنة، على أن المؤمن لا يخرج عن الإيمان بارتكاب شيء من الكبائر، إذا لم يعتقد إباحتها، وإذا عمل شيئًا منها، فمات قبل التوبة لا يُخلد في النار، كما جاء به الحديث، بل هو إلى الله تعالى، إن شاء عفا عنه، وإن شاء عذبه بقدر ذنوبه، ثم أدخله الجنة برحمته \". (^٥)\nواستدل السمعاني على هذه المسألة بعدة أدلة منها:\n_________\n(^١) - السمعاني: مرجع سابق: ١/ ٢٧٥\n(^٢) ابن القطان: الإقناع: ١/ ٣٥\n(^٣) الأصفهاني: الحجة في بيان المحجة: ٢/ ٢٣٠\n(^٤) الأشعري: رسالة إلى أهل الثغر: ٢٨٦\n(^٥) البغوي: شرح السنة: المكتب الإسلامي، دمشق، ط ٢، ١٤٠٣ هـ، (١/ ١٠٣)","vol":"1","page":680},{"text":"ـ قوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء:٣١]، يقول السمعاني: \" قوله تعالى \" نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ \" إن شئت، فالمشيئة مضمرة فيه ... ومذهب أهل السنة: أن تكفير الصغائر معلقة بالمشيئة، فيجوز أن يعفو الله عن الكبائر، ويأخذ بالصغائر، ويجوز أن يجتنب الرجل الكبائر، فيؤخذ بالصغائر \". (^١)\nـ وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨]، قال ابن عمر: كنا نطلق القول فيمن ارتكب الكبائر، بالخلود في النار، حتى نزلت هذه الآية فتوقفنا. والمراد: يغفر الذنوب جميعًا سوى الشرك (^٢). يقول الإمام الطبري: \" وقد أبانت هذه الآية، أن كل صاحب كبيرة ففي مشيئة الله، إن شاء عفا عنه، وإن شاء عاقبه عليه، ما لم تكن كبيرة شركًا بالله \". (^٣)\nـ وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [المائدة:٤٠]، \" قال ابن عباس: يعذب من يشاء على الصغيرة، ويغفر لمن يشاء الكبيرة، وقال غيره: يعذب من يشاء، من مات مصرًا، ويغفر لمن يشاء، من مات تائبًا \". (^٤)\n٢ - أن صاحب الكبيرة لا يكفر، وقد سقنا الإجماع على هذه المسألة، وقد استدل لها السمعاني بأدلة من نصوص الوحيين، منها:\nـ قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَأَىهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [فاطر:٨]، يقول السمعاني: \" الأولى أن يُقال: إن الآية نزلت في الكفار؛ لأن عليه أكثر أهل التفسير.\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٤٢١\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٢٣٤\n(^٣) الطبري: جامع البيان: ٨/ ٤٥٠\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٣٧","vol":"1","page":681},{"text":"وعن قتادة أنه قال: منهم الخوارج الذين يستحلون الدماء والأموال، قال: وأما أهل الكبائر فليس منهم؛ لأنهم لا يستحلون الكبائر. وكذلك العمال الظلمة؛ لأنهم يظلمون، ويعلمون أنها ليست بحلال لهم \". (^١)\nـ وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة:١٧٨]، يقول السمعاني: \" وظاهره يقتضي أن أخوة الدين لا تنقطع بين القاتل والمقتول، حيث قال: من أخيه، وهو الذي نقول به \". (^٢)\nـ واستدل بقوله ﵊: \" شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي \" (^٣)، ثم قال السمعاني: \" والأخبار في الشفاعة كثيرة، وأول من أنكرها عمرو بن عبيد، وهو ضال مبتدع بإجماع أهل السنة \" (^٤)، ولو كان أهل الكبائر كفارًا، لما حلت لهم الشفاعة.\n٣ - أن السمعاني رد شبه الطوائف المنحرفة في هذه المسألة، وهي حكم مرتكب الكبيرة؟!\nبعد أن قَرَّر السمعاني منهج أهل السنة في حكم مرتكب الكبيرة، وأنه مؤمن بإيمانه، فاسق بكبيرته، وأنه إن مات عليها فهو تحت المشيئة الإلهية، إن شاء عفا عنه، وإن شاء عذبه، شرع يرد على المخالفين، وهم: الخوارج، والمعتزلة، والمرجئة.\nأولًا نبيِّن آراءهم في هذه المسألة:\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٣٤٧\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ١٧٤\n(^٣) أخرجه الترمذي في جامعه، كتاب صفة القيامة، ح (٢٤٣٥)\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٢٧٠","vol":"1","page":682},{"text":"أ - مذهب غلاة المرجئة: أن منهم من يقول: من \" قال لا إله إلا الله، محمد رسول الله، وحرَّم ما حرم الله، وأحل ما أحل الله، دخل الجنة إذا مات، وإن زنى وإن سرق، وقتل، وشرب الخمر، وقذف المحصنات، وترك الصلاة، والزكاة، والصيام، إذا كان مقرًا بها، يسوف التوبة، لم يضر وقوعه على الكبائر، وتركه الفرائض، وركوبه الفواحش \" (^١)، فهم يرون أن مرتكب الكبيرة، مؤمن كامل الإيمان، ولا يفرقون بين مرتكب الكبيرة، وبين المؤمن الكامل الذي أدى الطاعات، وتجنب المحرمات.\nب - مذهب الخوارج: \" يزعمون أن كل من أذنب ذنبًا من أمة محمد ﷺ، فهو كافر، ويكون في النار مخلدًا \". (^٢)\nج - مذهب المعتزلة: أن مرتكب الكبيرة حكمه في الدنيا: أنه في منزلة بين منزلتين، وله اسم بين الاسمين، فلا يكون اسمه اسم كافر، ولا اسم مؤمن، وإنما يُسمى فاسقًا، وكذا لا يكون حكمه حكم الكافر، ولا حكم المؤمن. وقالوا: إن خرج من الدنيا قبل أن يتوب، يكون خالدًا مخلدًا في النار، مع جملة الكفار. (^٣)\nثانيًا: بيان جهد السمعاني في رد آرائهم ومعتقداتهم الفاسدة:\n١ - تعلق المعتزلة ببعض الآيات لتأكيد معتقدهم الفاسد، منها:\n_________\n(^١) الملطي: التنبيه والرد: ٤٣، العمراني: الانتصار: ٣/ ٦٦٧، ابن أبي العز: الطحاوية: ٢٩٧\n(^٢) الاسفرائيني: التبصير في الدين: ٤٥، العمراني: الانتصار: ٣/ ٦٦٨، ابن أبي العز: شرح الطحاوية: ٣٠٢\n(^٣) الإيجي: المواقف: ٣/ ٥٤٨، الاسفرائيني: التبصير في الدين: ٦٥","vol":"1","page":683},{"text":"أ - قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ [النساء:٩٣]، يقول السمعاني: \" واعلم أن لا متعلق في هذه الآية، لمن يقول بالتخليد في النار لأهل الكبائر من المسلمين؛ لأنا إن نظرنا إلى سبب نزول الآية، فالآية نزلت في قاتل كافر كما بينا، وقيل: إنه فيمن يقتل مستحلًا، والأولى أن نقول فيه، ما قاله أبو صالح: إن معنى قوله \" فجزاؤه جهنم خالدًا فيها \" إن جازى، وبه نقول: إن الله تعالى إن جازاه ذلك خالدًا، فهو جزاؤه، ولكنه ربما لا يجازى، وقد وعد ألا يجازي، ويغفر لمن يشاء، وهو لا يخلف الميعاد. وحكى عن قريش بن أنس ﵀ أنه قال: كنت في مجلس عمرو بن عبيد، فقال: لو قال الله لي يوم القيامة: لم قلت بتخليد القاتل المتعمد في النار؟ فأقول له: أنت الذي قلت: \" فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا \"، قال قريش: وكنت أصغر القوم، فقلت له: أرأيت لو قال الله لك: ألست قلت \" وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ \" فمن أين علمت أني لم أشأ مغفرة القاتل؟ فسكت ولم يستطع الجواب، وحكى أن عمرو بن عبيد جاء إلى عمرو بن العلاء ﵀ وقال له: هل يخلف الله وعده؟ فقال: لا، فقال: أليس الله تعالى قد قال: \" وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا \"، فأنا على هذا؛ لأنه لا يخلف وعده، فقال أبو عمرو: ومن العجمة أُتيت يا أبا عثمان؛ إن العرب لا تعد الإخلاف في الوعيد خلفًا وذمًا، وإنما ذلك في الخلف في الوعد ... فالله يجوز أن يخلف في الوعيد، وإنما لا يخلف الميعاد \". (^١)\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٤٦٤","vol":"1","page":684},{"text":"ب - وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [الأنفال:١٦]، يقول السمعاني: \"واستدلت المعتزلة بإطلاق قوله \" وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ \" في وعيد الأبد، ولا حجة لهم فيه؛ لأن معنى الآية \" وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ \" إلا أن تدركه الرحمة، بدليل سائر الآي المقيدة \". (^١)\nج - وقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ﴾ [السجدة:١٨]، يقول السمعاني: \" واستدل أهل الاعتزال بهذه الآية، في القول بالمنزلة بين المنزلتين، وأن الفاسق لا يكون مؤمنًا، والدليل عليهم ظاهر، وأما الفاسق ها هنا بمعنى الكافر. وقال بعضهم: سماه فاسقًا على موافقة قول علي ﵁، وقيل: إن الآية على العموم \". (^٢)\nد - وقوله تعالى: ﴿بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ﴾ [الحُجُرات:١١]، يقول السمعاني: \"استدل بهذا من قال: إن الفاسق لا يكون مؤمنًا، قال: لأنه لو كان الفاسق مؤمنًا، لم يستقم قوله \" بَعْدَ الْإِيمَانِ \" والجواب: أن المراد منه، النهي عن قوله: يا فاسق، يا منافق، وكأنه قال: بئس الوصف بالفسوق بعد الإيمان بالله، وقال: إن \" بَعْدَ \" ها هنا بمعنى مع، ومعناه: بئس اسم الفسوق مع الإيمان \". (^٣)\n٢ - وتعلق الخوارج ببعض الآيات الكريمة، لترويج مذهبهم، والاستدلال عليه، ومنها:\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٢٥٣\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٢٥١\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٢٢٣","vol":"1","page":685},{"text":"أ - قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة:٤٤]، يقول السمعاني: \" واعلم أن الخوارج يستدلون بهذه الآية، ويقولون: من لم يحكم بما أنزل الله فهو كافر، وأهل السنة قالوا: لا يكفر بترك الحكم، وللآية تأويلان: أحدهما معناه: ومن لم يحكم بما أنزل الله ردًا وجحدًا، فأولئك هم الكافرون، والثاني معناه: ومن لم يحكم بكل ما أنزل الله، فأولئك هم الكافرون، والكافر هو الذي يترك الحكم بكل ما أنزل الله، دون المسلم \". (^١)\nب - وقوله تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى:١٠]، يقول السمعاني: \" استدل من منع القياس في الحوادث بهذه الآية، قال: الحكم إلى الله، لا إلى رأي الرجال، وكذلك كان الخوارج يقولون: لا حكم إلا لله، وأنكروا الحكمين، وهذا الاستدلال فاسد؛ لأن عندنا من قال بالقياس والاجتهاد، فهو رجوع إلى الله في حكمه، فإن أصول القياسات هي الكتاب والسنة \". (^٢)\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٤٢\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٦٥","vol":"1","page":686},{"text":"ب - وقد رد السمعاني على المرجئة والخوارج، وألزمهم بالحق، وبيَّن فساد مذهبهم، بقوله تعالى: ﴿لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى (١٥) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٦)﴾ [الليل:١٥ - ١٦]، يقول: \" وفي الآية سؤال للمرجئة والخوارج، فإن الله تعالى قال: \" لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى \" أي: لا يقاسي حرها، ولا يدخلها إلا الأشقى، الذي كذب وتولى، فدلَّ أن المؤمن وإن ارتكب الكبائر لا يدخل النار، هذا للمرجئة، وأما الخوراج قالوا: قد وافقتمونا أن صحاب الكبيرة يدخل النار، فدل أنه كفر بارتكاب الكبيرة، والتحق لمن كذب وتولى، والجواب من وجوه: أحدها: أن معناه: لا يصلاها إلا الأشقى الذي كذب وتولى، فالأشقى هم أصحاب الكبائر، والذي كذب وتولى هم الكفار. والوجه الثاني: ان للكفار دركات، والمراد من الآية دركة بعينها لا يدخلها إلا الكفار، قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء:١٤٥] دلت الآية أنه مخصوص للمنافقين، وهذا جواب معروف، والوجه الثالث: أن المعنى: لا يصلاها، لا يدخلها خالدًا فيها إلا الأشقى الذي كذب وتولى، وصاحب الكبيرة وإن دخلها لا يخلد فيها \". (^١)\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ٦/ ٢٣٩","vol":"1","page":687},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-279>المطلب الثالث: هل للقاتل توبة</span>؟!\nبحث السمعاني ﵀ هذه المسألة، وذكر فيها قولين لأهل العلم:\nالأول: أن لقاتل المؤمن عمدًا توبة، والثاني: أنه ليست له توبة. ثم رجح القول الأول لاعتبارات وأدلة فقال: \" والأصح، والذي عليه الأكثر، وهو مذهب أهل السنة، أن لقاتل المؤمن عمدًا توبة، والدليل عليه قوله تعالى: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ﴾ [طه:٨٢]، وقوله: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:١١٦]؛ ولأن القتل العمد ليس بأشد من الكفر، ومن الكفر توبة، فمن القتل أولى \" (^١). ثم وجه ما ورد عن بعض السلف كابن عباس، وسفيان بن عيينة، بأن القاتل لا توبة له، بأنه محمول على التشديد والمبالغة في الزجر عن القتل، فقال: \"وأما الذي رُوي عن ابن عباس، فعلى سبيل التشديد والمبالغة في الزجر عن القتل، وهو مثل ما روي عن سفيان بن عيينة أنه قال: إن لم يقتل، يقال له: لا توبة لك؛ منعًا له عن القتل، وإن قتل يُقال له: لك توبة، حتى يتوب. وروي أن رجلًا جاء إلى ابن عباس وسأله؛ هل لقاتل المؤمن توبة؟ قال: لا، فجاءه آخر وسأله عن ذلك، فقال: نعم، له توبة، فقيل له في ذلك، فقال: إن الأول لم يكن قتل، فمنعته عن القتل، وإن الثاني قتل، فأرشدته إلى التوبة \". (^٢)\nوهذا القول هو القول الراجح، وهو قول جمهور العلماء، أن للقاتل عمدًا توبة، واستدل له السمعاني كذلك بقوله تعالى في قصة يوسف: ﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ﴾ [يوسف:٩]، يقول السمعاني: \" واستدل أهل السنة بهذه الآية، على أن توبة القاتل عمدًا مقبولة، فإن الله تعالى، ذكر عزم القتل منهم، وذكر التوبة، ولم ينكر عليهم التوبة بعد القتل؛ دلَّ أنها مقبولة \". (^٣)\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٤٦٣\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٤٦٤\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ١٠","vol":"1","page":688},{"text":"واستدل له كذلك بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا﴾ [الفرقان:٦٨ - ٧٠]، يقول السمعاني: \" فالتوبة من الكل مقبولة ... وظاهر هذه الآية، وهو قوله \" إِلَّا مَنْ تَابَ \"، يدل على هذا؛ لأنه قد سبق قتل النفس \". (^١)\nوذكر السمعاني كذلك، خلاف العلماء في حكم قبول توبة من ارتد ثم آمن ثم ارتد؟ فذكر عن علي ﵁: أنه لا تقبل توبته، فإنه إذا آمن، ثم كفر، ثم آمن، ثم كفر، فلو أراد أن يؤمن لا يُقبل منه، ويقتل؛ لقوله تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ [النساء:١٣٧]. ثم قال: \" وأكثر أهل العلم على أنه: تقبل توبته، ويحتمل أن تكون الآية في المنافقين، وقوم من أهل الكتاب، كانوا يؤمنون باللسان، ثم يرجعون إلى الكفر، ثم يأتون فيؤمنون، ثم يرجعون إلى الكفر \". (^٢) وأشار كذلك إلى قطع يد السارق، هل هي توبة له، أو جزاء على الجناية؟ فذكر القولين، ثم قال: \" والصحيح: أن القطع للجزاء على الجناية، كما قال: ﴿جَزَاءً بِمَا كَسَبَا﴾ [المائدة:٣٨]، فلا بُدَّ من التوبة بعده، وتوبته: الندم على ما مضى، والعزم على تركه في المستقبل \". (^٣)\nوفي ختام هذا الفصل: نُشير إلى أن تحذير السمعاني عن البدع وأهلها، ظهر جليًا في كلامه، ويظهر هذا من جهات:\n١ - إشارته إلى أن أهل البدع هم أهل التفرق، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ [الأنعام:١٥٩]، نقل عن مجاهد قوله: هم أهل الأهواء والبدع. (^٤)\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٣٣\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٤٩١\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٣٧\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ١٦٠","vol":"1","page":689},{"text":"٢ - أنه لايجوز الجلوس في مجلس يُخاض فيه ببدعة، فإن تركوا الخوض فيه، خاضوا في حديث غيره، فلا بأس بالقعود معهم. (^١)\n٣ - أنه فسَّر العدوان في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة:٢]، بالبدعة (^٢)، وهذا يدل على خطرها.\n٤ - ونقل عن سفيان بن عيينة في تفسير قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ﴾ [الأعراف:١٥٢]، أنه قال: هذا في كل مبتدع إلى يوم القيامة (^٣). ولذلك المبتدع ليست له عتبة. (^٤)\nوكل من نظر في كتابه: الانتصار لأصحاب الحديث، علم يقينا جهد السمعاني وجهاده في دفع البدع وإبطالها، والرد على أهلها.\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٤٩٢\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٨\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٢١٨ - ١٥٧\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٢٢٧","vol":"1","page":690},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-280>المبحث الثالث: الديانات، وفضيلة الإسلام، وأمة الإسلام:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-281>المطلب الأول: التعريف بالديانات:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-282>المسألة الأول: التعريف بالإسلام:</span>\nالإسلام هو الدين الحق، قال تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [يونس:١٠٨]، يقول السمعاني: \" الحق ها هنا: هو ما ينجو به الإنسان، وضده الباطل، وهو الذي يهلك به الإنسان، وقيل: معناه الإسلام \" (^١)، والإسلام هو محض فضل الله جل وعلا ورحمته، فقد فُسِّر قوله تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ [يونس:٥٨]: بالإسلام، فقيل: فضل الله الإسلام، وقال بعضهم: ورحمته الإسلام (^٢)، وهو أحب الإديان إلى الله تعالى، قال زيد بن أسلم في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤]، على دين عظيم، وهو الدين الذي رضيه الله تعالى لهذه الأمة، وهو أحب الأديان إلى الله تعالى (^٣). والإسلام هو الملة الحنيفية، ولذا لما قال اليهود: كونوا يهودًا، وقالت النصارى: كونوا نصارى، قال الله تعالى: ﴿قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [البقرة:١٣٥]، والحنيف هو المسلم، وأصله الميل، وهو المائل القدم، والمسلم مائل من سائر الأديان، إلى ملة الإسلام (^٤). وهو من أعظم النعم، قال تعالى ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [آل عمران:١٠٣]، قال عطاء: أراد به نعمة الإسلام (^٥). وقال تعالى: ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ [لقمان:٢٠]، قال ابن عباس: النعمة الظاهرة الإسلام وحسن الخلق، والنعمة الباطنة هي ما يستر من العيوب. (^٦)\nوالإسلام يُطلق بمعنيين:\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٤٠٩\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٣٩٠\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٦/ ١٨\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ١٤٤\n(^٥) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٢٣٥\n(^٦) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٢٢٥","vol":"1","page":691},{"text":"١ - الإطلاق العام للفظ الإسلام، ويُراد به الانقياد، والخضوع، والاستسلام، يقول السمعاني في معنى الإسلام العام: \" والإسلام: هو الانقياد والاستسلام، وقد يكون مجرد الاستسلام من غير العقيدة، فرقًا بينه وبين الإيمان \" (^١)، وقال:\" والإسلام يعني الاستسلام لأمر الله تعالى \" (^٢)، وحمل عليه ما جاء من الآيات بلفظ الإسلام، في الأمم السابقة، قال تعالى على لسان إبراهيم ﵇ ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ [البقرة:١٢٨]، يقول السمعاني: \" مستسلمين، خاضعين، منقادين \" (^٣)، وقوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة:١٣١]، يعني: استسلم وأخلص عبادتك لله. (^٤)\n٢ - الإطلاق الخاص للفظ الإسلام، ويُراد به \" الإتيان بالشهادتين، مع سائر الأركان الخمسة \" (^٥)، فالمسلم على هذا الإطلاق: \" هو الذي يكون على جميع ما أتى به محمد رسول الله ﷺ \". (^٦)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-283>المسألة الثانية: التعريف باليهودية والنصرانية:</span>\nأ - اليهودية: قال تعالى: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا﴾ [البقرة:١٣٥]، يقول السمعاني: \" هود جمع هائد، وهو مثل حائل وحول. وقيل: كان أصله كونوا يهودًا، فحذفت الياء، فصار هودًا. وقيل: هود مصدرها يهود هودًا، فهو مصدر بمعنى الجمع، كما يُقال: نوم صَوْم، وقوم فطر \" (^٧). ويقول السمعاني في سبب تسميتهم يهودًا: \" لأنهم قالوا: ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ [الأعراف:١٥٦]، أي: ملنا إليك. وقيل: لأنهم من أولاد يهودا بن يعقوب \". (^٨)\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٣٠٢\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٩١\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ١٣٩\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ١٤٢\n(^٥) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٣٠٢\n(^٦) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٣٣٠\n(^٧) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ١٤٣\n(^٨) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٨٨","vol":"1","page":692},{"text":"ب - النصرانية: يقول السمعاني: \" والنصارى قوم يعرفون، وإنما سموا نصارى؛ لأنهم نزلوا قرية تسمى ناصرة، وقيل: لقول عيسى: من أنصاري إلى الله، قالوا: نحن أنصار الله\". (^١)\nوالنصارى هم من تسمى بهذا القول، قال تعالى: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ [المائدة:١٤]، يقول الحسن البصري: في هذا دليل على أنهم نصارى بتسميتهم، لا بتسمية الله تعالى، أما المسلمون فالله يقول: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا﴾ [الحج:٧٨]، يعني في التوراة والإنجيل والقرآن. (^٢)\nواختلف في الصائبين، هل هم قوم من اليهود والنصارى أم لا؟! فقيل: هم من اليهود والنصارى، وهو مروي عن ابن عباس، وقيل هم قوم يقرؤون الزبور، ويعبدون الملائكة، ويصلون إلى الكعبة، قاله قتادة. (^٣)\nوذكر السمعاني ﵀ عدة أمور تتعلق بهاتين الديانتين:\n١ - أن الله تعالى سماهما أهل الكتاب، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾ [آل عمران:٢٣]، يقول السمعاني موردًا تساؤلًا مفاده: \" فإن قال قائل: كيف يُسمِّي اليهود والنصارى، أهل الكتاب، وهو اسم مدح، وهم يستحقون الذم؟! قيل: قال ذلك لإلزام الحجة، وقيل: سماهم بذلك على زعمهم أنهم أهل الكتاب \". (^٤)\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٨٨\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٢٢ - ٣/ ٤٥٩\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٨٨\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٤٣٢","vol":"1","page":693},{"text":"٢ - أنهم كفار مالم يؤمنوا بالنبي ﷺ، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [آل عمران:١٤٩]، يعني: اليهود والنصارى (^١)، فوصفهم الله تعالى بالكفر. وقال تعالى عنهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا﴾ [النساء:١٣٧]، يقول السمعاني:\" وقيل: هو في جميع أهل الكتاب، من اليهود والنصارى، آمنوا بنبيهم، ثم كفروا به، وآمنوا بكتابهم، ثم كفروا به، ثم ازدادوا كفرًا بمحمد ﷺ \". (^٢)\n٣ - أنهم أهل اختلاف وفرقة، قال تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا﴾ [آل عمران:١٠٥]، يعني اليهود والنصارى (^٣)، وقال تعالى ﴿وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٣١) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم:٣١ - ٣٢]، يقول السمعاني: \" وفي الآية أقوال، أظهر الأقاويل: أن المراد منهم: اليهود والنصارى\" (^٤)، ولذلك نهى الله تعالى المؤمنين عن التفرق في دينه وكتابه، فقال: ﴿وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى:١٣]، \" أي: كما تفرقت اليهود والنصارى، أي: آمنوا بالبعض، وكفروا بالبعض\". (^٥)\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٣٦٥\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٤٩٠\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٣٤٧\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٢١٣\n(^٥) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٦٨","vol":"1","page":694},{"text":"٤ - أن الله تعالى ألقى العداوة والبغضاء بينهم إلى يوم القيامة، كما قال تعالى: ﴿وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [المائدة:٦٤]، يقول السمعاني: \" قيل بين فرق اليهود، وقيل: بين اليهود والنصارى \"، ثم أشار السمعاني إلى بقاء هاتين الديانتين إلى قريب قيام الساعة، فقال: \" وقوله \" إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ \"، دليل على أن اليهودية والنصرانية تبقى إلى قريب من قيام الساعة \". (^١)\n٥ - العجيب أن النبي ﷺ لما دعا كفار مكة إلى التوحيد، استكبروا وعاندوا، ثم قالوا: ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ﴾ [ص:٧]، وهي النصرانية، فهي آخر الملل، مع أنهم لم يكونوا موحدين، فإنهم كانوا يقولون: إن الله ثالث ثلاثة (^٢). وهذا يدل على تجذر الضلال والاستكبار في قلوبهم. ومع ذلك فإن النصارى ألين عداوة للمسلمين من اليهود، كما قال تعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ [المائدة:٨٢]، يقول السمعاني: \" وقيل: هو في كل النصارى، ومعناه: أنهم ألين عداوة من اليهود \". (^٣)\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٥١\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٤٢٦\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٥٨","vol":"1","page":695},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-284>المطلب الثاني: فضل الإسلام:</span>\nالإسلام الذي جاء به النبي محمد ﷺ من ربه، هو الدين الذي ارتضاه الله تعالى لنفسه، فقال: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣]، ولذلك أمر الله تعالى بالدخول فيه فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [البقرة:٢٠٨]، أي: ادخلوا جميعًا، وقيل: ادخلوا في الإسلام وشرائعه كافة، وقيل: ادخلوا في الإسلام إلى منتهى شرائعه، كافين عن المجاوزة إلى غيره، ولذا حين أراد قوم من اليهود أسلموا أن يجمعوا بين الإسلام واليهودية، نهاهم الله عن ذلك، فنزلت هذه الآية، والمعنى: كونوا للإسلام خاصة، ولا تجمعوا بينه وبين اليهودية (^١). فهو الدين الذي لا يقبل الله تعالى سواه، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران:٨٥]، يقول السمعاني:\" وحق لمن يبتغي غير الإسلام، أن يصبح غدًا من الخاسرين\" (^٢). وقد أتم الله تعالى الدين، فقال سبحانه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة:٣]، أي: الشرائع والأحكام؛ لأنها نزلت بعد استقرار الشرائع والأحكام. (^٣)\nوقد أبان الإمام السمعاني فضل الإسلام، وجماله، وكماله، وذلك من خلال النقاط التالية:\n١ - أن الإسلام دين الفطرة، قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم:٣٠]، يقول السمعاني:\" فالخلق يولدون على العهد الذي أُخذ عليهم يوم الميثاق، وهو فطرة الله \". (^٤)\n٢ - أن الإسلام دين الرحمة، قال تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ﴾ [الشورى:٨]، يقول السمعاني: \" أي: يُدخل من يشاء في الإسلام \" (^٥)، ومثله قوله تعالى: ﴿لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [الفتح:٢٥].\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٢١٠\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٣٣٨\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ١١\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٢١٠\n(^٥) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٦٥","vol":"1","page":696},{"text":"٣ - أن جزاء من أسلم الحسنى وزيادة، قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦]، يقول السمعاني: \" الإحسان ها هنا: الإسلام، والإحسان: هو قول لا إله إلا الله \" (^١)، ولما كان كذلك أمر الله باتباعه، فقال: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾ [الأنعام:١٥٣]، ونهى عن اتباع ما عداه من الملل، فقال:\" فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ \" بمعنى: سائر الملل سوى ملة الإسلام. (^٢)\n٤ - سماه الله تعالى نورًا، قال تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة:٢٥٧]، يقول السمعاني: \" يعني: من الكفر إلى الإسلام، وإنما سمى الكفر ظلمات؛ لأن طريق الكفر مشتبه ملتبس، وإنما سمى الإسلام نورًا؛ لأنه طريق بَيِّن واضح \" (^٣)، وقال تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾ [المائدة:١٥]، يقول السمعاني معنى النور: \" قيل: هو الإسلام، وسمي نورًا؛ لأنه يهتدى به كما يهتدى بالنور\". (^٤)\n٥ - وأن الإسلام هو الصراط المستقيم، قال تعالى: ﴿وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا﴾ [الأنعام: ١٢٦]، يعني: الإسلام (^٥)، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [الأنعام:١٦١]، يقول السمعاني: \" هو دين الإسلام، أي: دينًا مستقيمًا \" (^٦)، وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الحج:٥٤]، يقول السمعاني: \" أي: إلى طريق قويم، وهو الإسلام \". (^٧)\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٣٧٨\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ١٥٧\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٢٦٠\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٢٣\n(^٥) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ١٤٣\n(^٦) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ١٦١\n(^٧) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٤٥٠","vol":"1","page":697},{"text":"٦ - أن دين الإسلام هو الدين الحق، والمهيمن على كل الأديان، قال تعالى: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة:٤٢]، أي: الإسلام باليهودية والنصرانية (^١)، وقال تعالى لنبيه محمد ﵊: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [البقرة:١١٩]، \" والمراد بالحق: القرآن، وقيل: شريعة الإسلام \". (^٢)\n٧ - أن شرائع الإسلام مبنية على نفي الحرج، قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج:٧٨]، واختلف العلماء في الحرج المنفي في الشريعة على أقوال:\nـ فقيل: أن الحرج المنفي هو الضيق، ومعنى الآية: أنه لا ضيق في الدين، بحيث لا خلاص عنه، فمعناه: أن المذنب وإن وقع في ضيق من المعصية، فقد جعل الله له خلاصًا بالتوبة، وكذلك إذا حنث في يمينه، جعل الله له الخلاص بالكفارة.\nـ وقيل: إن معنى الآية: أن الله تعالى لم يكلف نفسًا فوق وسعها.\nـ وقيل: إن المراد من الآية: أنه إذا كان مريضًا، فلم يقدر على الصلاة قائمًا، صلى قاعدًا، فإن لم يقدر على الصلاة قاعدًا صلى بالإيماء، ويفطر إذا شق عليه الصوم، بسفر، أو مرض، أو هرم، وكذلك سائر وجوه الرخص (^٣). وقد جاء الإسلام بنفي الحرج في كل ما ذُكر، وقد أكد القرآن الكريم على هذا المعنى في مواطن كثيرة، منها قوله تعالى: ﴿وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [المؤمنون:٦٢]، يقول السمعاني: \" ويُقال: لم نكلف المريض الصلاة قائمًا، ولا الفقير الزكاة والحج، ولا المسافر الصوم، وأشباه هذا \". (^٤)\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٧٢\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ١٣٢\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٤٥٨\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٤٨١","vol":"1","page":698},{"text":"٨ - أن الإسلام قائم في تشريعاته وتعبداته على الإخلاص، وهو التوحيد، وقيل: هو تصفية النية في طاعة الله تعالى \" (^١). قال تعالى: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزُّمَر:٣]، يقول السمعاني: \" أي: الدين الذي ليس فيه شرك هو لله، أي: واقع برضاه، وأما الدين الذي فيه شرك فليس لله، وإنما ذكر هذا؛ لأنه قد يوجد دين، ولا توحيد، ولا إخلاص منه \" (^٢)، وقال تعالى: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [غافر:١٤]، أي: مخلصين له التوحيد، ومعناه: وحدوا الله، ولا تشركوا به شيئًا. (^٣)\n٩ - أن دين الإسلام هو الدين الظاهر على كل الأديان، يقول الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة:٣٣]، وذكر السمعاني في الإظهار قولان: الأول: أن هذا عند نزول عيسى ﵇، لا يبقى في الأرض أحد إلا أسلم، والثاني: أن المقصود الإظهار بالحجة، فدين الإسلام ظاهر على كل الأديان بالدليل والحجة \" (^٤). وقال في موطن آخر: \" أي على جميع الأديان، شرقًا وغربًا، ومصداق هذه الآية على الكمال، إنما يكون عند نزول عيسى ابن مريم، حيث لا يبقى إلا دين الإسلام \" (^٥)، وقال تعالى: ﴿وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ﴾ [النور:٥٥]، يقول السمعاني: \" أي: ليُظهرن دينهم على جميع الأديان، قال أهل العلم: يعني: فارس، والروم، ومن أشبههم \". (^٦)\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٤٥٧\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٤٥٧\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ١٠\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٣٠٤\n(^٥) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٤٢٧\n(^٦) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٥٤٤","vol":"1","page":699},{"text":"ولما كان دين الإسلام بهذه المثابة، وجب على المرء أن يتمسك به، ويثبت عليه، ويسأل الله الإعانة على ذلك، ثم يحمد ربه على أن جعله من أهل الإسلام، ولقد أثنى الله تعالى على المؤمنين، أنهم يحمدون الله على الإسلام، قال تعالى: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ﴾ [التوبة:١١٢]، يقول السمعاني في تفسير معنى الحامدين في الآية: \" والقول الثاني: أنهم الذي يحمدون الله على الإسلام \". (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-285>المطلب الثالث: فضل أمة الإسلام:</span>\nشَرُفت هذه الأمة بشرف بنيها ﵊، \" وإنما حازت قصب السبق إلى الخيرات، بنبيها محمد ﷺ فإنه أشرف خلق الله، وأكرم الرسل على الله، وبعثه الله بشرع كامل عظيم، لم يعطه نبي قبله، ولا رسول من الرسل، فالعمل على منهاجه وسبيله يقوم القليل منه، ما لا يقوم الكثير من أعمال غيرهم مقامه \". (^٢)\nوالدلائل على فضل هذه الأمة، وعلوها، وشرفها، كثيرة، \" يقول الإمام فخر الدين: أن من كانت معجزاته أظهر، يكون ثواب أمته أقل. قال السُبكي: إلا هذه الأمة، فإن معجزات نبيها أظهر، وثوابها أكثر من سائر الأمم \". (^٣)\nوقد تتبع السمعاني فضائل هذه الأمة، وما لها من المكانة بين سائر الأمم، ومما ذكره في الفضائل:\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٣٥١\n(^٢) ابن كثير: تفسير القرآن العظيم: ١/ ٣٩٩\n(^٣) القسطلاني: المواهب اللدنية: المكتبة التوقيفية، القاهرة، (٢/ ٤٠٥)","vol":"1","page":700},{"text":"١ - أن الله تعالى هدى هذه الأمة، حين اختلفت بقية الأمم، قال تعالى: ﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة:٢١٣]، قال زيد بن أسلم: اختلفوا في القبلة، فهدانا الله إلى الكعبة، واختلفوا في الأيام، فاختار اليهود السبت، والنصارى يوم الأحد، فهدانا الله للجمعة، واختلفوا في عيسى، فقال بعضهم: كذاب، وقال بعضهم: ابن الله، فهدانا الله لكونه نبيًا عبدًا، واختلفوا في إبراهيم، فادعاه كل فرقة، فهدانا الله لكونه حنيفًا مسلمًا، وروي عن رسول الله ﷺ أنه قال: \" نحن الآخرون السابقون، وأول الناس دخولًا الجنة، بيد أنهم أوتوا الكتاب قبلنا، وأوتيناه من بعدهم، الناس لنا تبع، فاليوم لنا - يعني الجمعة ـ، وغدًا لليهود، وبعد غد للنصارى \" (^١). وقال مجاهد: كان الله تعالى أمرهم بالجمعة، فأبوا، وطلبوا السبت، فشدد عليهم فيه، وكذلك النصارى أمروا بالجمعة فأبوا، وطلبوا الأحد، وأعطى الله الجمعة لهذه الأمة، فقبلوا، وبورك لهم فيها. (^٢)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحه، باب فرض الجمعة، ح (٨٧٦)\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٢١٤ - ٣/ ٢١٠","vol":"1","page":701},{"text":"٢ - أن الله تعالى جعل هذه الأمة وسطًا عدولًا، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة:١٤٣]، يقول السمعاني: \" يعني: كما اخترنا الأنبياء، واخترنا بني إسرائيل من الخلق، فكذلك اخترناكم من الأمم، \" أُمَّةً وَسَطًا \" أي: عدلًا خيارًا، وفي الخبر أن النبي ﷺ قال: \" إنكم توفون سبعين أمة، أنتم خيرها وأعدلها \" (^١)، وقد ورد في الخبر عنه ﵊ أنه قال: \" خير الدين النمط الأوسط \" (^٢)، يعني: الذي ليس فيه غلو ولا تقصير، وذلك دين الإسلام؛ لأن النصارى قد غلوا في دينهم، واليهود قصروا، وأما المسلمون أخذوا بالنمط الأوسط \". (^٣)\n٣ - فضيلة كلمة الاسترجاع لهذه الأمة، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة:١٥٦]، قال سعيد بن جبير: كلمة الاسترجاع لم تعط لأحد من الأمم، سوى هذه الأمة. ألا ترى أن يعقوب - صلوات الله عليه - لما أُبتلي بفراق يوسف، قال: ﴿يَاأَسَفَا عَلَى يُوسُفَ﴾ [يوسف:٨٤]، ولم يقل: إنا لله وإنا إليه راجعون؟ ومعناه: إنا لله ملكًا وعبودية، وإنا إليه راجعون في القيامة، وإنما قُيِّد بهذا؛ لأن الأمر في القيامة يخلص لله تعالى. (^٤)\n٤ - فضيلة الاستغفار لهذه الأمة، يقول السمعاني: \" واعلم أن الاستغفار تسهيل للأمر على هذه الأمة، فإن الذين من قبلنا، كان الواحد منهم إذا أذنب ذنبًا، يظهر على بابه أن اقطع من نفسك عضو كذا، وكان لا بُدَّ له منه، وقد أخرج الله تعالى هذه الأمة عن الذنوب بالاستغفار؛ كرامة لهم، وتيسيرًا عليهم \". (^٥)\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي في جامعه، باب: ومن سورة آل عمران: ح (٣٠٠١)\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه عن علي (٧/ ١٠٠)، واللالكائي في شرح أصول الاعتقاد، عن علي (٨/ ١٤٨٠)، ولم يوجد مرفوعًا كما قال العراقي في تخريج أحاديث الإحياء: ١/ ٧٢\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ١٤٩\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ١٥٧\n(^٥) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٣٥٩","vol":"1","page":702},{"text":"٥ - أنها أمة مرحومة، قال تعالى في دعوة موسى ربه جل وعز: ﴿وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (١٥٦) الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ﴾ [الأعراف:١٥٦ - ١٥٧]، يقول السمعاني: \" وهذه فضيلة عظيمة لهذه الأمة، وذلك أن موسى - صلوات الله عليه - سأل أن يكتب الرحمة له ولأمته، فكتبها لأمة محمد ﷺ \". (^١)\n٦ - أن الله تعالى أحل لهذه الأمة الغنائم، وسمَّاها الله تعالى أنفالًا، فقال: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ [الأنفال:١]، والنفل في اللغة: الزيادة، ومنه صلاة النافلة؛ لأنها زيادة على الفريضة، فسميت الغنائم أنفالًا؛ لأنها زيادة كرامة من الله تعالى لهذه الأمة على الخصوص\". (^٢)\n٧ - أن الله تعالى اختص هذه الأمة بالسبع المثاني، وهي سورة الفاتحة، يقول مجاهد: إنما سميت مثاني؛ لأن الله تعالى استثناها لهذه الأمة، كأنه أوحى بها إليهم، ولم يُعطها أحدًا من الأمم. (^٣)\n٨ - أن الله تعالى نادى أمة محمد ﵊، فقال: \" يا أمة محمد، أعطيتكم قبل أن تسألوني، وأجبتكم قبل أن تدعوني، وغفرت لكم قبل أن تستغفروني \"، فهذا هو معنى قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا﴾ [القصص:٤٦]، وهو مروي عن أبي هريرة ﵁، يقول السمعاني: \" وفي القصة: أن موسى لما سمع هذا من الله تعالى قال: يارب، إنما جئت لوفادة أمة محمد ﷺ \". (^٤)\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٢٢١\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٢٤٦\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٣١\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ١٤٤","vol":"1","page":703},{"text":"٩ - أن هذه الأمة مصطفاة من الله تعالى، قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ [فاطر:٣٢]، يقول السمعاني: \" الأكثرون على أن المراد من قوله: \" الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا \" هذه الأمة \". (^١)\n١٠ - أنه هذه الأمة نصيبها في الآخرة، أنهم نصف أهل الجنة، قال النبي ﷺ: \" إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة، بل ثلث أهل الجنة، بل نصف أهل الجنة، وتقاسمونهم في النصف الثاني \" (^٢)، وفي بعض الأخبار:\" أن أهل الجنة مائة وعشرون صنفًا، ثمانون من هذه الأمة \" (^٣) (^٤)\n١١ - أنه هذه الأمة تزكي شهود الأنبياء بالتبليغ، قال تعالى: ﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾ [البقرة:١٢٩]، يقول السمعاني: \" وفيه قول آخر: أنه بمعنى التزكية، يشهد الرسل بالنبوة من سائر الأمم، وذلك أن مؤمني سائر الأمم شهدوا للرسل بالنبوة، وتبليغ الرسالة، فهذه الأمة تزكي أولئك الشهود \" (^٥)، وكذلك هذه الأمة تشهد للرسل بالبلاغ، قال تعالى: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة:١٤٣]، يقول السمعاني: \" وذلك يوم القيامة، حين يسألة الأمم عن إبلاغ الرسل، فينكرون تبليغهم الرسالة، فيسأل الرسل، فيقولون: بلغنا، فيقال لهم: ومن يشهد لكم؟! فيأتون بهذه الأمة، فيشهدون لهم بالبلاغ \". (^٦)\n١٢ - أن الله تعالى خفف عن هذه الأمة، في أحكامها وتشريعاتها، ومن ذلك قوله تعالى في حكم القصاص: ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾ [البقرة:١٧٨]، يقول السمعاني في بيان وجه التخفيف: \" ومعناه: أن الدية كانت في شرع النصارى حتمًا، والقصاص في شرع اليهود حتمًا، وخيرت هذه الأمة بين القصاص والدية، فذلك التخفيف \". (^٧)\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٣٥٨\n(^٢) أخرجه أحمد في المسند، ح (٩٠٨٠)\n(^٣) أخرجه الترمذي في جامعه، باب ما جاء في صفة أهل الجنة، ح (٢٥٤٦)\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٣٤٥\n(^٥) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ١٤١\n(^٦) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ١٤٩ - ٣٢٣ - ٢:٥٨\n(^٧) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ١٧٤","vol":"1","page":704},{"text":"١٣ - أنهم خير أمة في اللوح المحفوظ، قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١١٠]، قال السمعاني: \" أراد به: كنتم خير أمة في اللوح المحفوظ، وقيل: أراد به: صرتم خير أمة إذا آمنتم \". (^١)\n١٤ - ونقل السمعاني عن كعب الأحبار في فضيلة هذه الأمة قوله: \" أُعطيت هذه الأمة ثلاثًا، لم يُعط أحد من الأمم: قال الله تعالى لكل نبي من الأنبياء السالفة، أنت شاهد على أمتك، وقال لهذه الأمة: أنتم الشهداء على الأمم، وقال تعالى لكل نبي: ما عليك في الدين من حرج، وقال لهذه الأمة: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج:٧٨]، وقال لكل نبي: ادع استجب لك، وقال لهذه الأمة: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر:٦٠] \". (^٢)\nإذن: فهذه الأمة المحمدية، خصائصها، ومزاياها، كثيرة جدًا، امتن الله تعالى بها عليها، ورفع من شأنها، وأعلى مقامها، وأعطاها ما لم يُعط من الأمم غيرها؛ تكرمة لبنيها ﵊، وزيادة في شرفه، قال القسطلاني: \" وتفصيل فضلها وخصائصها، يستدعي سفرًا، بل أسفارًا، وذلك فضل الله يؤتيه الله من يشاء، والله ذو الفضل العظيم\". (^٣)\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٣٤٨\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٢٨\n(^٣) القسطلاني: المواهب اللدنية: ٢/ ٤٢٥","vol":"1","page":705},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-286>المبحث الرابع: الصحابة، فضلهم، ومنزلتهم، ومكانتهم:</span>\nأفاض القرآن وتواترت السنة في ذكر فضائل الصحابة، وبيان منزلتهم ومكانتهم، وهذا لا ينكره إلا جاحد حاقد على الصحابة ﵃، وإلا فكيف تتوارد هذه النصوص وتستفيض في بيان هذه الفضائل، ويترجم لها الأئمة في مصنفاتهم، ويسندون الأحاديث في ذكر مناقبهم، ثم تأتي شرذمة قليلة ينالون منهم، يتعلقون بواهيات النصوص ومتشابهات الألفاظ. ولذا انبرى الإمام السمعاني كغيره من أئمة الإسلام، للدفاع عن الصحابة، والذوذ عن أعراضهم، وبيان فضائهم وميزاتهم التي حظوا بها، والرد على مخالفيهم، فلا يجد مناسبة قريبة أو بعيدة لهذا البيان إلا ذكره وأظهره وبينه، ومن ذلك:","vol":"1","page":706},{"text":"-ما يتعلق بزعم الرافضة، أن النبي ﷺ قد نص على إمامة علي بن أبي طالب ﵁ على رؤوس الأشهاد، وذلك حين تكلم عن قسمي التواتر، فقال: والقسم الثاني: ما يرجع إلى معناه دون عينه ... فهو الخبر عن جود حاتم، وشجاعة علي وأمثاله، وحلم الأحنف وذويه، ثم قال: واعلم أن مثل هذا الطريق، رد على الرافضة، ما زعموا من نص الرسول على إمامة علي، فإنهم زعموا أن النبي نص عليه على رؤوس الأشهاد، ومشهد من جميع أصحابه، ونص لهم عليه، وقال: هو الإمام من بعدي، ثم إنهم جميعا كتموه، وهذا محال من الكلام، ولا يتصور من ذلك مثل الجماعة العظيمة والجم الغفير، اختلاف طباعهم، وتباين أهوائهم، وتردد الدواعي منهم، إطباقهم واتفاقهم على كتمان مثل هذا النص الجلي (^١).\n-وكذلك ما ذكره في رد رواية الرافضة والخوارج الذين كفروا الصحابة وفسقوهم، فقال: وأما الفسق من حيث الاعتقاد، مثل أهل الأهواء، فقد ذكروا أنهم ينقسمون قسمين: منهم من كفر الصحابة وفسقهم، مثل الخوارج والرافضة، فهؤلاء حديثهم مردود غير مقبول (^٢).\nوقد برز اهتمام السمعاني بموضوع الصحابة من عدة جهات:\n١ - تحقيق مسمى الصحبة.\n٢ - الإشادة بفضائل الصحابة، والتأكيد على حقوق آل البيت.\n٣ - التأكيد على التوائم بين الصحابة وآل البيت.\n٤ - بيان حكم سب الصحابة وتنقصهم.\n٥ - بيان الموقف الشرعي تجاه الفتنة التي جرت بين الصحابة.\nوظهر من تتبع كلام السمعاني، المنهج الوسط في التعامل مع القضايا التي وردت في الصحابة، فكان وسطا بين الجفاة والغالين، وسدا منيعا تجاه المغرضين المخالفين، ويظهر هذا جليا في غيرته على الصحابة في رده على من حكى تجهيل بعض الصحابة، فقال: وهذا الذي قاله جرأة عظيمة (^٣).\nوقد أكد السمعاني على جملة من المسائل المهمة المتعلقة بالصحابة ﵃، منها:\n_________\n(^١) - السمعاني: قواطع الأدلة: ١/ ٣٣١ - ٣٥٦\n(^٢) - السمعاني: مرجع سابق: ١/ ٣٤٤\n(^٣) - السمعاني: قواطع الأدلة: ١/ ٣٦٣","vol":"1","page":707},{"text":"-التأكيد على عدالة الصحابة، ووجوب قبول رواياتهم، فقال: اعلم أن الصحابة عدول، وروايتهم يجب قبولها من غير تخصيص (^١)، وقال ردا على من تفوه على الصحابة بما يسوء، وقدح في عدالتهم: عدالة جميع الصحابة ثبتت قطعا، فلا يزول عنها إلا بدليل قطعي (^٢)، وقال: وجميع الصحابة قد عدلهم الله في آي كثيرة من كتابه (^٣)، وقال: وجميع الصحابة عدول، وليس لنا الاجتهاد في تعديلهم وقد عدلهم الله (^٤).\n-أن الصحابة هم أهل العلم والفقه والديانة الذين يُرجع إليهم في الفقه والفتوى والعلم؛ لأنهم هم أهل النظر والاجتهاد، وفي هذا يقول السمعاني: من تدبر اختلاف الصحابة في المسائل واحتجاجهم في ذلك، عرف أنهم كانوا يرون القياس والاجتهاد في الفروع (^٥).\n- أن اختلاف الصحابة كان اختلافا راقيا، لا يوجب تبديعا ولا تفسيقا ولا تكفيرا؛ لأن مبناه الاجتهاد في معرفة مدلولات النصوص، بعيدا عن أهواء النفس وشهواتها، وفي هذا يقول السمعاني: فكل مسألة حدثت في الإسلام، فخاض فيها الناس فتفرقوا واختلفوا، فلم يورث ذلك الاختلاف بينهم عداوة ولا بغضا ولا تفرقا، وبقيت بينهم الألفة والنصيحة والمودة والرحمة والشفقة، علمنا أن ذلك من مسائل الإسلام يحل النظر فيها والأخذ بقول من تلك الأقوال، لا يوجب تبديعا ولا تكفيرا، كما ظهر مثل هذا الاختلاف بين الصحابة والتابعين مع بقاء الألفة والمودة (^٦).\n-أنه ينوه كثيرا بإجماعات الصحابة، ويبين أثرها في تخصيص بعض النصوص، كما في إشارته لإجماع الصحابة في قبول خبر الواحد والعمل به، وكما جعل من دلائل النسخ إجماع الصحابة (^٧).\n_________\n(^١) - السمعاني: مرجع سابق: ١/ ٣٤٢\n(^٢) - السمعاني: مرجع سابق: ١/ ٣٤٢\n(^٣) - السمعاني: مرجع سابق: ١/ ٣٦٣\n(^٤) - السمعاني: مرجع سابق: ١/ ٣٨٥\n(^٥) - السمعاني: الانتصار: ٣٢\n(^٦) - السمعاني: مرجع سابق: ٤٩\n(^٧) - السمعاني: قواطع الأدلة: ١/ ١٨٦ - ١٨٧ - ٣٣٧ - ٣٧٢ - ٤٣٨، ٢/ ٣","vol":"1","page":708},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-287>المطلب الأول: حقيقة مسمى الصحبة:</span>\nالصحبة فضل، ومنَّة، وإنعام من الله، فمن حَظِي بها، حَظي بخيري الدنيا والآخرة، يقول ابن العربي: \" وفائدة صحبته في الدنيا: الفتح، وفي الآخرة: النجاة من النار \". (^١)\nوالذي عليه جمهور السلف والخلف: أن الصحابي هو من رأى رسول الله ﷺ مؤمنًا به، ومات على الإسلام، وإن لم تطل صحبته، وإن لم يرو عنه شيئًا. (^٢)\n_________\n(^١) ابن العربي: عارضة الأحوذي: مكتبة ابن تيمية: القاهرة، (١٣/ ١٢٣)\n(^٢) ابن كثير: الباعث الحثيث: دار الكتب العلمية، بيروت، ط ٢، (١٧٩)، ابن حجر: فتح الباري: ٤/ ٦","vol":"1","page":709},{"text":"والإمام السمعاني ذكر في كتابه القواطع، أن مسمى الصحبة عند الأصوليين، ومن حيث اللغة والظاهر، أنه يقع على من طالت صحبته، وكثرت مجالسته للنبي ﷺ. ثم ذكر مسمَّى الصحبة عند أهل الحديث، وهو أنهم يطلقون اسم الصحابة على كل من روى عنه حديثًا، أو كلمة، ويتوسعون حتى يعدون من رآه رؤية من الصحابة، وهذا لشرف منزلة النبي ﷺ، فأعطوا الكل ممن يراه حكم الصحبة، ورجح هذا القول، ولذا قال: \" فكل من روى عنه، أو رآه فهو قرنه الذي بُعث فيه، إلا أنه مع هذا لا بُدَّ من رؤية أو رواية للإجماع \" (^١). وهذا القول ذهب إليه جماهير الأمة سلفًا وخلفًا، وممن نص على الإكتفاء لثبوت الصحبة بمجرد الرؤية ولو لحظة، ولو لم يقع معها مجالسة، أو مماشاة، ولا مكالمة، لشرف النبي ﷺ، مالك وأحمد وغيرهما من الأئمة، قال مالك: من صحب رسول الله ﷺ سنة، أو شهرًا، أو يومًا، أو رآه مؤمنًا به، فهو من أصحابه، له من الصحبة بقدر ذلك (^٢)، وقال علي بن المديني: من صحب النبي ﷺ، أو رآه ولو ساعة من نهار، فهو من أصحاب النبي ﷺ، وقال البخاري: من صحب النبي ﷺ أو رآه من المسلمين، فهو من أصحابه (^٣). وقد حكى بعض العلماء الإجماع على ذلك. (^٤)\n_________\n(^١) السمعاني: قواطع الأدلة: ١/ ٣٩٢\n(^٢) ابن تيمية: مجموع الفتاوى: ٤/ ٢٦٥، ٢٠/ ٢٩٨ - ٣٥ - ٥٩\n(^٣) السخاوي: فتح المغيث: مكتبة السنة، مصر، ط ١، ١٤٢٤ هـ (٤/ ٧٨)\n(^٤) ابن القطان: الإقناع: ١/ ٦٦","vol":"1","page":710},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-288>المطلب الثاني: فضائل الصحابة ﵃ </span>ـ:\nأجمع العلماء على أن خير القرون، قرن الصحابة، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، وأجمعوا على أن خير الصحابة أهل بدر، وخير أهل بدر العشرة، وخير العشرة، الأئمة الأربعة: أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي ضوان الله عليهم. (^١)\nوالإمام السمعاني ذكر فضائل الصحابة ﵃، وذكر طبقاتهم، وأطنب في ذكر فضائلهم، وبيان خصائصهم. وقد قسم السمعاني فضائلهم إلى قسمين: فضائل عامة لجميع الصحابة، وفضائل خاصة لبعضهم، ثم أشار إلى التفاضل بينهم، وبيانه فيما يلي:\nا - الفضائل العامة للصحابة ﵃:\nأ - قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الأنعام:٩٧]، قال السمعاني: \" وحكى أبو الحسين بن فارس، عن بعض التابعين، أنه أراد بالنجوم هاهنا: الصحابة، يهتدى بهم في ظلمات الشرك، وهذا مثل قوله: \" أصحابي كالنجوم، بأيهم اقتديتم اهتديتم \" (^٢) (^٣).\nب - وقوله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ [الفتح:٢٩]، وهذه الآية وما فيها من ضرب المثل بالنبي ﷺ وأصحابه، وذكر صفتهم هي في جميع أصحاب النبي ﷺ من غير تعيين (^٤). ومن أوجه الثناء فيها، قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح:٢٩]، قال السمعاني: \" قال الزجاج: هو تخليص للجنس، وليس المراد بعضهم؛ لأنهم كلهم مؤمنون، ولهم المغفرة، والأجر العظيم \". (^٥)\n_________\n(^١) ابن القطان: الإقناع: ١/ ٦٦\n(^٢) أخرجه ابن عبدالبر في جامع بيان العلم وفضله: دار ابن الجوزي، السعودية، ط ١، ١٤١٤ هـ، وقال: \" هذا إسناد لا تقوم به حجة \" (٢/ ٩٢٥)\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ١٢٩\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٢١٠\n(^٥) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٢١٠","vol":"1","page":711},{"text":"ج - وقوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة:١٠٠]، يقول السمعاني: \" هذه الآية في السابقين الأولين، وفيهم أقوال: أحدها: هم الذين صلوا إلى القبلتين، وقال عطاء: هم أهل بدر، وقال الشعبي: هم أهل بيعة الرضوان، والقول الرابع: السابقون الأولون من المهاجرين: هم الذين أسلموا قبل الهجرة، والسابقون الأولون من الأنصار: هم الذين بايعوا مع رسول الله ليلة العقبة. وأما قوله \" وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ \" فيه قولان: أحدهما: أنهم بقية المهاجرين والأنصار سوى السابقين الأولين منهم، والقول الثاني: أنهم المؤمنون إلى قيام الساعة \" (^١). واستدل بهذه الآية محمد كعب القرظي، على أن الصحابة كلهم في الجنة، قال السمعاني: \" وعن أبي صخر حميد بن زياد، قال: أتيت محمد بن كعب القرظي، فقلت له: ما قولك في أصحاب رسول الله؟ فقال: جميع أصحاب رسول الله ﷺ في الجنة، مسيئهم ومحسنهم، فقلت له: من أين تقول هذا؟ فقال: اقرأ قوله تعالى:\" وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ \" إلى أن قال: \" رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ \"، ثم قال: شرط للتابعين شريطة، وهو قوله: \" اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ \" ومعناه: أنهم اتبعوهم في أفعالهم الحسنة دون السيئة. قال أبو صخر: وكأني لم أقرأ هذا الآية قط \" (^٢)، وإلى هذا ذهب الإمام ابن حزم، أن الصحابة كلهم في الجنة. (^٣)\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٣٤٢\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٣٤٢\n(^٣) ابن حزم: المحلى: ١/ ٦٥","vol":"1","page":712},{"text":"د - وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [الأنفال:٧٤]، يقول السمعاني: \" لا مرية ولا ريب في إيمانهم \". (^١)\nوذكر السمعاني أن الصحابة ﵁ طبقتان: المهاجرون والأنصار، وعَرَّف بهم فقال: المهاجرون: هم الذين هاجروا من أوطانهم، وقدموا المدينة مع رسول الله ﷺ (^٢). وقال: \" المهاجرون كانوا على طبقات، وكان بعضهم من أهل الهجرة الأولى، وهم الذي هاجروا قبل الحديبية، وبعضهم أهل الهجرة الثانية، وهم الذين هاجروا بعد الحديبية قبل فتح مكة، وكان بعضهم ذا هجرتين، وهما الهجرة إلى الحبشة، والهجرة إلى المدينة \". (^٣)\nوأما الأنصار: فهم أهل المدينة، الذين أنزلوا رسول الله ﷺ والمهاجرين في دورهم. (^٤)\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٢٨٣\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٣٤٢\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٢٨٣\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٣٤٢","vol":"1","page":713},{"text":"والله تعالى ذكر كلتا الطائفتين، فقال سبحانه: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحشر:٨]، يقول السمعاني: \" أي: الصادقون عقدًا، وقولًا، وفعلًا \" (^١)، ثم قال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر:٩]، وهؤلاء أجمع أهل التفسير على أن المراد بهم الأنصار، وقد أثنى الله ﷿ عليهم بالإيمان والسماحة، والإيثار، وسخاء النفس، \" وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ \" أي السعداء الفائزون. (^٢)\n٢ - فضائل آل بيت النبي ﷺ:\nمحبة آل بيت النبي ﷺ واجبة، يقول الإمام ابن تيمية: \" محبتهم عندنا فرض يُؤجر عليه \". وقال: \" ومن أبغضهم فعليه لعنة الله، والملائكة، والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفًا ولا عدلًا \". (^٣)\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٤٠٠\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٤٠٢\n(^٣) ابن تيمية: مجموع الفتاوى: ٤/ ٤٨٧","vol":"1","page":714},{"text":"وقال السيوطي في أحكام القرآن، في الاستنباط من قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى:٢٣]،:\" وجوب محبة قرابته ﷺ فمحبته أولى\" (^١). وقد ذكر السمعاني في تفسير هذه الآية خمسة أقوال، واستظهر منها، ما كان مشهورًا عند السلف، فقال: \" أظهرها وأشهرها، أن معناه: لا أسألكم إلا أن تودوني لقرابتي منكم، وقيل: تصلوا القرابة التي بيني وبينكم، بالاستجابة لي إلى ما أدعوكم إليه، وتكفوا عني أذاكم، وهذا قول ابن عباس، أورده البخاري عنه في الصحيح، على لفظ معلوم مقبول، وهو قول طاووس، ومجاهد، وقتادة، وعامة المفسرين.\nقال قتادة: كانت قريش تصل الأرحام، فطلب منهم النبي ﷺ أن يصلوا القرابة التي بينه وبينهم، وألا يقطعوها. وعن ابن عباس، قال: ما من بطن من بطون قريش، إلا ولرسول الله ﷺ فيهم قرابة، فسألهم أن يصلوها \". (^٢)\nوقد ذكر السمعاني خلاف العلماء في حقيقة مسمى آل البيت، وما الذي يشمله على أقوال:\nأولًا: أنهم ذووا قرابة النبي ﷺ، واختلفوا في تعيينهم إلى ثلاثة أقوال:\nالأول: أنهم بنو هاشم خاصة، وهو قول مجاهد.\nالثاني: أنهم جميع قريش، وهو مروي عن ابن عباس.\n_________\n(^١) السيوطي: الإكليل في استنباط التنزيل: دار الأندلس الخضراء، ط ١، ١٤٢٢ هـ (٣/ ١١٦٧)\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٧٣","vol":"1","page":715},{"text":"الثالث: أنهم بنو هاشم، وبنو المطلب، وهذا قول الشافعي. قال السمعاني: \" وقد دَلَّ عليه الخبر المروي بطريق جبير بن مطعم ﵁ عن النبي ﷺ: \" قسم سهم ذوي القربى بين بني هاشم، وبني المطلب، فمشيت أنا وعثمان إلى رسول الله ﷺ، وقلنا: يا رسول الله، إنا لا ننكر فضيلة بني هاشم؛ لمكانك الذي وضعك الله فيهم، ولكننا وإخواننا بني المطلب في القرابة منك سواء، وقد أعطيتهم وحرمتنا، فقال: إنا وبني المطلب شيء واحد - وشبك بين أصابعه - وإنهم لم يفارقونا في الجاهلية والإسلام \". (^١)\nثانيًا: أن آل النبي ﷺ هم أتباعه على دينه من أمته، وقد استدل له السمعاني بقول تعالى: ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ [البقرة:٤٩]، فقال: \" وآل فرعون: أتباعه الذين اقتدوا به وبفعله، وكذلك آل النبي ﷺ أتباعه\". (^٢)\nثالثًا: أن آل بيت النبي ﷺ هم أصحاب الكساء، وهم علي، وفاطمة، والحسن، والحسين. (^٣)\nرابعًا: أن آل بيت النبي ﷺ هن نساؤه ﵅، وهو مروي عن ابن عباس، وقاله عكرمة وجماعة.\nورجح السمعاني أن آل بيته يشمل، نساؤه، وأصحاب الكساء، قال السمعاني في المخاطب بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب:٣٣]،: \" أن الآية عامة في الكل، وهذا أحسن الأقاويل، فآله قد دخلوا في الآية، ونساؤه قد دخلن في الآية.\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٢٦٧\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٧٦\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٢٨١","vol":"1","page":716},{"text":"واستدل من قال: إن نساءه قد دخلن في الآية، أنه قال: \" إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ \"،وأهل بيت الرسول هن نساؤه؛ ولأنه تقدم ذكر نسائه، والأحسن ما بينا من التعميم \" (^١)، واستدل السمعاني أيضًا بقوله تعالى: ﴿قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ [هود:٧٣]، وزعمت الشيعة في قوله تعالى: \" إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ \" أن الأزواج لا يدخلن في هذا. وهذه الآية دليل على أنهن يدخلن فيها \". (^٢)\nوقد ذكر السمعاني فضائل آل بيت النبي ﷺ وحقوقهم، وبيانه فيما يلي:\n١ - علي بن أبي طالب ﵁: أشار السمعاني إلى فضائله من جهات متعددة، وهي:\nأ - ثناء النبي ﷺ عليه، فقال ﵊:\" من كنت مولاه فعلي مولاه \" (^٣)، وفسره السمعاني بقوله: \" يعني: من كنت وليًا له، أعينه، وأنصره، فعلي يُعينه وينصره في الدين \". (^٤)\nويُقال: إن الخبر ورد على سبب، وهو أن عليًا قال لأسامة ﵄ أنت مولاي، فقال أسامة: لست مولاك، إنما أنا مولى رسول الله ﷺ، فقال رسول الله ﷺ: \" من كنت مولاه فعلي مولاه \"، أي من توليته أنا، فعلي مولاه، من موالاة المحبة والنصرة. (^٥)\nب - أنه من المؤمنين، الذين لهم حق المودة، قال أبو جعفر محمد بن علي الباقر، في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المائدة:٥٥]،: نزلت الآية في المؤمنين، فقيل له: إن قومًا يقولون: إن الآية نزلت في علي بن أبي طالب، فقال أبو جعفر: علي من المؤمنين. (^٦)\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٢٨١\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٤٤٤\n(^٣) أخرجه الترمذي في جامعه، باب مناقب علي بن أبي طالب، ح (٣٧١٣)\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٤٨\n(^٥) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ١٣٠\n(^٦) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٤٨","vol":"1","page":717},{"text":"وقال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ [مريم:٩٦]: إن الآية نزلت في علي بن أبي طالب ﵁، والمراد منه: مودة أهل الإيمان له. (^١)\nج - ذكره ثناء ابن عيينة على علي بن أبي طالب، قال ابن عيينة: من تزوج بأربع نسوة، أو تسرى بمماليك، فلا خلل في زهده في الدنيا، فإن عليًا ﵁ قُتل عن أربع عقائل، وتسع عشرة سَريَّة، وكان أزهد الصحابة. (^٢)\n٢ - وذكر السمعاني فاطمة بنت رسول الله ﷺ بأنها تُسمى الزهراء البتول، أي: المنقطعة عن أقرانها في الفضل. (^٣)\n٣ - حرمة أزواج النبي ﷺ وخصائصهن، وذكر السمعاني ذلك من عدة أوجه:\nأ - من جهة الأمومة للمؤمنين، قال تعالى: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب:٦]، قال السمعاني: \" أي: في الحرمة الخاصة، دون النظر إليهن، والدخول عليهن \". (^٤)\nوأشار السمعاني في هذا المقام إلى مسألتين لطيفتين:\nالأولى: في حكم المرأة التي فارقها النبي ﷺ قبل الوفاة، هل هي محرمة أم لا؟\nـ فقيل: إنما محرمة، وقيل: ليست محرمة، وقيل: إن كان دخل بها فهي محرمة، وإن لم يكن دخل بها، فليست بمحرمة.\nوالثانية: هل أمهات المؤمنين أيضًا يكن أمهات للمؤمنات أم لا؟! فقيل: إنهن أمهات المؤمنات، كما أنهن أمهات المؤمنين، وقيل: إنهن أمهات الرجال دون النساء، وهو مروي عن عائشة.\nثم قال السمعاني: \" وأما إخوة أزواج النبي ﷺ، فليسوا بأخوال المؤمنين، وكذلك أخوات أزواج النبي ﷺ لسن خالات المؤمنين، وقد روى أنه كانت عند الزبير، أسماء بنت أبي بكر، فقالت الصحابة: عند الزبير أخت أم المؤمنين، ولم يقولوا: عنده خالة المؤمنين \". (^٥)\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٣١٦\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٦/ ٥٠\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٦/ ٥٠\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٢٥٩\n(^٥) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٢٦٠","vol":"1","page":718},{"text":"ب - حرمة نكاحهن بعد النبي ﷺ، قال تعالى: ﴿وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا﴾ [الأحزاب:٥٣]، لم؟ حفظًا لحرمة النبي ﷺ؛ ولأنهن أمهاتكم، ولا يحل للرجل أن يتزوج أمه (^١)، وقيل: لأنهن أزواجه في الجنة (^٢)، قال ابن كثير: \" ولهذا أجمع العلماء قاطبة، على أن من توفي عنها رسول الله ﷺ من أزواجه، أنه يحرم على غيره تزويجها من بعده؛ لأنهن أزواجه في الدنيا والآخرة، وأمهات المؤمنين \" (^٣)، ولذا قال تعالى: \" إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا \" أي: ذنبًا عظيمًا. (^٤)\nج - أن جميعهن محسنات، قال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٢٩]، يقول السمعاني: \" والمحسنات هن اللاتي اخترن الله ورسوله، والدار الآخرة، وجميع نساء النبي ﷺ قد اخترن ذلك، فجميعهن محسنات \". (^٥)\n_________\n(^١) الطبري: جامع البيان: ٢٠/ ٣١٦\n(^٢) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن: ١٤/ ٢٢٩\n(^٣) ابن كثير: تفسير القرآن العظيم: ٦/ ٤٥٥\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٣٠٢\n(^٥) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٢٧٧","vol":"1","page":719},{"text":"د - أنهن أشرف نساء العالم، ذكره السمعاني عن أبي بكر الفارسي، عند تفسير قوله تعالى: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ [الأحزاب:٣٠]، قال السمعاني: \" وقد استدل أبو بكر الفارسي في أحكام القرآن، بهذه الآية على أنهن أشرف نساء العالم \" (^١)، قال السمعاني: وإنما استحقت مثلي عذاب غيرها؛ لشرف حالها بصحبة النبي ﷺ، علمًا أن معنى الآية إما أن يُحمل على معنى المباعدة التامة، كما قال تعالى لنبيه ﷺ: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ﴾ [الزُّمَر:٦٥]، وهذا لا يدل على أنه قد أتى بشرك أو يأتي، وإما أن يُحمل على معنى النشوز، وسوء الخلق. (^٢)\nوقد ذكر السمعاني بعض فضائل عائشة ﵂ فقال: \" واعلم أن عائشة ﵂ كانت تفتخر بأشياء منها: أن جبريل ﵇ أتى بصورتها في سَرَقَة من حرير، أي: قطعة، وقال: هذه زوجتك، وذلك بعد وفاة خديجة، ويُقال: أتى بصورتها في كفه، ومنها: أن النبي ﷺ لم يتزوج بعذراء إلا بها، ومنها: أن النبي ﷺ قُبض ورأسه في حجرها، ودفن في بيتها، ومنها: أنه نزل براءتها من السماء، ومنها: أنها بنت خليفة رسول الله، وأنها صديقة. وكان مسروق إذا روى عن عائشة يقول: حدثتني الصديقة بنت الصديق، حبيبة رسول الله ﷺ، المبرأة من السماء \". (^٣)\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٢٧٨\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٢٧٨\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٢١٦","vol":"1","page":720},{"text":"وذكر جملة من فضائل زينب بنت جحش ﵂، فقال: \" وقد ثبت في الصحيحين: أن زينب كانت تفتخر على سائر زوجات النبي ﷺ ويقول: زوجكن أهلوكن، وزوجني الله من فوق سبع سماوات \" (^١)، وقد ثبت برواية أنس: \" أن النبي ﷺ ما أولم على أحد من نسائه، ما أولم على زينب بنت جحش، أشبع الناس من الخبر واللحم \" (^٢). ومن فضائل زينب: \" أن النبي ﷺ قال لنسائه عند الوفاة: \" أسرعكن بي لحوقًا، أطولكن يدًا \" (^٣)، فكانت زينب أول من توفيت من أزواج النبي ﷺ بعده، وكانت أمرأة صناعًا، تكثر الصدقة بكسب يدها، فعرفوا أن معنى طول اليد، هو كثرة الصدقة، وهي أيضا أول من اتخذ عليها النعش \". (^٤)\nولما كان أمرهن كذلك، ذكر الله تعالى أن من رماهن بالسوء، فعليهم اللعنة، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور:٢٣]، يقول السمعاني: \" والغافلة عن الفاحشة، أن لا يقع في قلبها فعل الفاحشة، وكانت عائشة ﵂ هكذا، وقوله: \" لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ \" رُوي عن خصيف قال: قلت لمجاهد: من قذف مؤمنة لعنه الله في الدنيا والآخرة؟ فقال: ذاك لعائشة. ويُقال: هذا في جميع أزواج النبي - صل الله عليه وسلم - \". (^٥)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحه، باب (وكان عرشه على الماء)، ح (٧٤٢٠)\n(^٢) أخرجه البخاري في صحيحه،\n(^٣) أخرجه البخاري في صحيحه، باب فضل صدقة الصحيح الشحيح، ح (١٤٢٠)\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٢٨٨\n(^٥) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٥١٥","vol":"1","page":721},{"text":"أما ما يتعلق بقذف عائشة ﵂ بما برأها الله منه، فإنه كفر، حكى العلماء الإجماع، أن من قذفها بما برأها الله منه فهو كافر (^١). وذهب جماهير العلماء، أن قذف إحدى أمهات المؤمنين، هو كقذف عائشة، قال ابن تيمية: \" والأصح أن من قذف واحدة من أمهات المؤمنين، فهو كقذف عائشة؛ لأن هذا عار، وغضاضة على رسول الله ﷺ وأذى له أعظم من أذاه بنكاحهن \". (^٢)\n٣ - فضائل الصحابة على وجه الخصوص:\nأورد السمعاني جملة من فضائل لبعض أصحاب النبي ﷺ، وممن ذكرهم وأشار إليهم:\nأ - أبو بكر الصديق ﵁: وتظهر فضائله من الوجوه التالية:\n١ - محبة الله تعالى له، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة:٥٤]، قال علي، والحسن: نزل هذا في أبي بكر وأصحابه، وكان الحسن يحلف على هذا. (^٣)\n٢ - تسميته بالصديق، قال تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ [الزُّمَر:٣٣]، في أحد الأقوال في تفسير الآية: أن الذي جاء بالصدق، نبينا محمد ﷺ، والذي صدق به أبو بكر ﵁. (^٤)\nيقول السمعاني: \" والصِّديق: كثير الصدق، وهو للمبالغة، ومن سُمي أبو بكر الصديق ﵁ صديقًا، وقيل: سُمي صديقًا؛ لأنه قيل له: إن صاحبك يقول: أُسري بي إلى السماء، فقال: إن هو قال ذلك فقد صدق \". (^٥)\n٣ - الآيات التي ذكرها المفسرون أنها نزلت في فضائل الصديق كثيرة، منها:\n_________\n(^١) ابن حزم: المحلى: ١٣/ ٢٣٨، النووي: شرح مسلم: ١٧/ ١٢٢\n(^٢) ابن تيمية: الصارم المسلول: نشر الحرس الوطني السعودي: ٥٦٧\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٤٦\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٤٧٠\n(^٥) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٥٥","vol":"1","page":722},{"text":"ـ قوله تعالى: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [إبراهيم:٥٢]، يقول السمعاني: \" وفي بعض التفاسير: أن هذه الآية نزلت في أبي أبي بكر الصديق ﵁ \". (^١)\nـ وقوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن:٤٦]، يقول السمعاني: \" وعن الزبير، أن الآية نزلت في أبي بكر الصديق، وهذا محكي عن عطاء بن أبي رباح. قال الضحاك: شرب أبو بكر لبنًا، ثم سأل عنه، وكان من غير وجهه، فاستقاه، فأنزل الله هذه الآية \". (^٢)\nـ وقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧)﴾ [الليل:٥ - ٧]، يقول السمعاني: \" ذهب أكثر المفسرين إلى أن هذه الآية، نزلت في أبي بكر الصديق ﵁ \". (^٣)\nـ وقوله تعالى: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (١٧) الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى (١٨)﴾ [الليل:١٧ - ١٨]، يقول السمعاني: \" وهو وارد في أبي بكر الصديق على قول أكثر المفسرين \". (^٤)\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ١٢٧\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٣٣٣\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٦/ ٢٣٧\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٦/ ٢٤٠","vol":"1","page":723},{"text":"٤ - أن أبا بكر خليفة رسول الله ﷺ؛ لأنه قام بالأمر بعده، وإلا فعند أهل العلم، أن الرسول ﷺ توفي، ولم يستخلف أحدًا (^١). وهذه مسألة خلاف عند أهل السنة: هل خلافة الصديق ﵁ كانت بالنص أو بالاختيار؟ يقول ابن أبي العز: \" فذهب الحسن البصري وجماعة من أهل الحديث، إلى أنها تثبت بالنص الخفي والإشارة، ومنهم من قال: بالنص الجلي، وذهب جماعة من أهل الحديث، والمعتزلة، والأشعرية، إلى أنها تثبت بالاختيار \" (^٢)، وبعد أن ذكر الإمام ابن تيمية الخلاف قال: \" فقد تبيَّن أن كثيرًا من السلف والخلف، قالوا فيها بالنص الجلي أو الخفي \" (^٣)، وهو بهذا يريد الرد على الرافضي، في زعمه: أن أهل السنة يقولون: إن النبي - صل الله عليه وسلم - لم ينص على إمامة أحد، وأنه مات من غير وصية. والراجح، ما ذهب إليه السمعاني، بأن الأمر كان بالاختيار، على وجود قرائن تدل على تقديم أبي بكر، قال السمعاني: \" ومن هذا قول عمر ﵁ حين حضرته الوفاة، وقيل له: استخلف، فقال: إن لم استخلف، فلم يستخلف رسول الله ﷺ، وإن استخلف فقد استخلف أبو بكر، وهذا قول ثابت عن عمر \". (^٤)\n٥ - أن الله تعالى نَصَّ على صحبته للرسول ﵊ قال تعالى: ﴿إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ﴾ [التوبة:٤٠]، يقول السمعاني: \" أي: لأبي بكر ﵁ باتفاق أهل العلم. وعن الحسن بن الفضل البجلي أنه قال: من قال: \" إن أبا بكر ليس بصاحب رسول الله ﷺ فهو كافر؛ لإنكاره نص القرآن، وفي سائر الصحابة إذا أنكر، يكون مبتدعًا، ولا يكون كافرًا \". (^٥)\nب - بعض الآيات التي تدل على فضائل بعض الصحابة:\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٣٦٢\n(^٢) ابن أبي العز: شرح الطحاوية: ١/ ٤٨١\n(^٣) ابن تيمية: منهاج السنة: ١/ ٤٩٩\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٣٦٢\n(^٥) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٣١١","vol":"1","page":724},{"text":"ـ قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ [الزُّمَر:٩]، قيل: نزلت في عثمان بن عفان، وقيل: نزلت في أبي بكر وعمر، وقيل في ابن مسعود وسلمان وعمار، وقيل: وأبو ذر وصهيب. (^١)\nـ وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٠٧]، قال سعيد بن المسيب: نزلت الآية في صهيب بن سنان. (^٢)\nـ وقوله تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾ [الأنعام:١٢٢]، قيل المراد به: عمر، وقيل: عمار، وقيل: حمزة. (^٣)\nوالآيات في هذا المقام كثيرة، وهذا فيه دلالة على اهتمام السمعاني، وعنايته الفائقة، بهذا الأصل المهم، وهو معرفة فضائل الصحابة، وبيان حقوقهم علينا، وهو بذا سائر على منهج السلف القائم على التعظيم والإجلال، لهؤلاء الثلة النقية، الطاهرة الزكية، الذي مُقام أحدهم مع النبي ﷺ ساعة، خير من عمل غيرهم أربعين سنة، كما قال ابن عباس (^٤)، بل قال ابن عمر: لا تسبوا أصحاب محمد ﷺ، فإن مقام أحدهم، خير من عمل أحدكم عمره كله، وعن ميمون بن مهران قال: قال لي عبدالله بن عباس: يا ميمون لا تسب السلف، وادخل الجنة بسلام. (^٥)\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٤٦١\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٢٠٩\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ١٤١\n(^٤) ابن أبي العز: شرح الطحاوية: ٤٦٩\n(^٥) اللالكائي: شرح أصول الاعتقاد: ٧/ ١٣٢٥","vol":"1","page":725},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-289>المطلب الثالث: حكم تنقص الصحابة ﵃ </span>ـ:\nأجمع العلماء على أن قرن الصحابة من خير القرون، ثم أجمعوا على هجران من انتقصهم، أو أبغضهم، أو نالهم بما يُكره، وعلى معاداته وإبعاده، وأجمعوا على أنه لا يسبهم أو واحدًا منهم، ولا يطعن عليهم إلا فاسق. (^١)\nوقد قرر السمعاني ﵀ هذه المسألة، وبيَّن حرمة أعراض الصحابة، ووجوب الذب عن أعراضهم، ووجوب حفظ اللسان عنهم. ومما نقله السمعاني في هذا الباب:\nـ قال مالك بن أنس: السفلة: هو الذي يسب أصحاب النبي ﷺ. (^٢)\nـ وقال المغيرة بن مقسم الضبي: شتم أبي بكر وعمر من الكبائر. (^٣)\nـ وقال ابن عباس: ليس لمن يقع في الصحابة ويذكرهم بالسوء في الفيء نصيب. (^٤)\nواستدل السمعاني على حرمة سب الصحابة بقول النبي ﷺ: \" لا تسبوا أصحابي، فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبًا، ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه \" (^٥)، يقول السمعاني: \" ورُوي أن رجلًا جاء إلى مالك بن أنس، فجعل يقع في جماعة من الصحابة، مثل: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وغيرهم، فقال له: أنت من الفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم؟، قال: لا، قال: أنت من الذين تبوؤوا الدار والإيمان من قبلهم؟ قال: لا، فقال: أشهد أنك لست من الذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذي سبقونا بالإيمان \" (^٦)، ويقول: \" وفي الآية دليل على أن الترحم للسلف، والدعاء لهم بالخير، وترك ذكرهم بالسوء، من علامات المؤمنين \". (^٧)\nولذا كان يقول الإمام أحمد: إذا رأيت أحدًا يذكر أصحاب رسول الله ﷺ بسوء، فاتهمه على الإسلام. (^٨)\n_________\n(^١) ابن القطان: الإقناع: ١/ ٦٦_٦٧\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٤٢٣\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٤٢٠\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٤٠٣\n(^٥) أخرجه البخاري في صحيحه، باب قول النبي (لو كنت متخذًا خليلًا)، ح (٣٦٧٣)\n(^٦) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٤٠٣\n(^٧) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٤٠٢\n(^٨) اللالكائي: شرح أصول الاعتقاد: ٧/ ١٣٢٦","vol":"1","page":726},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-290>المطلب الرابع: الموقف من الفتنة التي جرت بين الصحابة ﵃ </span>ـ:\nالواجب الذي أجمع عليه أهل السنة والجماعة، الكف عن ذكر الصحابة ﵃ إلا بخير ما يُذكرون به. وأجمعوا أنهم أحق أن تنشر محاسنهم، ويُلتمس لأفعالهم أفضل المخارج، وأن يُنظر بهم أحسن الظن، وأجمل المذاهب. وأجمعوا أن ما كان بينهم من الأمور الدنيوية لا يُسقط حقوقهم، وأجمعوا كلهم على القول بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ [الحشر:١٠]. (^١)\nوالذي قرَّره الإمام السمعاني في هذا الباب، موافق لمنهج السلف، وسائر على كل ما أجمعوا عليه، ومما ذكره في هذا المقام:\nـ قال السمعاني: \" وحُكي عن بعض العلماء، أنه سُئل عما وقع من الفتن بين علي ومعاوية، وطلحة والزبير وعائشة - رضوان الله عليهم - فقرأ: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة:١٤١]، وهذا جواب حسن في مثل هذا السؤال \". (^٢)\nفالواجب الأول تجاه الفتنة التي جرت بين الصحابة، ذكرهم بالجميل، ووكل أمرهم إلى الله تعالى، وإحسان القول فيهم.\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٦٧\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ١٤٨","vol":"1","page":727},{"text":"وقد أشار السمعاني إلى بعض من اعتزل الفريقين في القتال الذي جرى بين الصحابة، فذكر ممن اعتزلها: أسامة بن زيد، يقول: \" وكان أسامة من علية الصحابة، وعاش إلى زمن علي ﵁ فدعاه علي إلى المقاتلة معه في الحروب، فقال لعلي: أنت أعز عليَّ من كل أحد، ولو قاتلت المسلمين مع أحد لقاتلت معك - ولكني منذ سمعت رسول الله ﷺ قال لي: كيف بلا إله إلا الله يوم القيامة، امتنعت من القتال، فإن أعطيتني سيفًا يُميِّز المسلم من الكافر حتى أقاتل، فتركه علي. وكان ممن اعتزل الفريقين هو، وسعد بن أبي وقاص، وزيد بن ثابت، وعبدالله بن عمر ﵃ أجمعين \" (^١). وكذلك ممن اعتزل القتال عمران بن حصين، ومحمد بن مسلمة، يقول ابن تيمية: \" وأكثر ممن بقي من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار ﵃ أجمعين \". (^٢)\nوقد نص شيخ الإسلام ابن تيمية، إلى أن ترك القتال كان هو الأولى، وهو خير الطائفتين، مع كون علي ﵁ خليفة المسلمين، وهو أقرب إلى الحق من معاوية ﵃، وأن القتال قتال فتنة (^٣)، وقال: \" وهذا هو قول أحمد، وأكثر أهل الحديث، وأكثر أئمة الفقهاء، وهو قول أكابر الصحابة والتابعين لهم بإحسان \" (^٤)، ومما أَيَّدَ به شيخ الإسلام قوله ما يلي: (^٥)\nأ - الأحاديث التي وردت في النهي عن القتال في الفتن.\nب - أن الواجب كان الإصلاح بين الطائفتين، كما أمر الله تعالى، فلما لم يُعمل بذلك صارت فتنة وجاهلية.\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٤٦٧\n(^٢) ابن تيمية: منهاج السنة: ٤/ ٤٤٨\n(^٣) ابن تيمية: منهاج السنة: ١/ ٥٣٩\n(^٤) ابن تيمية: منهاج السنة: ٤/ ٤٤٨ - ٣٩٢\n(^٥) ابن تيمية: منهاج السنة: ١/ ٥٤٠ - ٨/ ١٤٦، مجموع الفتاوى: ١٧/ ٣١١","vol":"1","page":728},{"text":"ج - قول النبي ﷺ للحسن ﵁: \" إن ابني هذا سيد، وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين \" (^١)، يقول ابن تيمية: \" فلما أثنى النبي ﷺ على الحسن بالإصلاح، وترك القتال، دَلَّ على أن الإصلاح بين تلك الطائفتين، كان أحب إلى الله تعالى من فعله، فدل على أن الاقتتال لم يكن مأمورًا به \" (^٢). يقول السمعاني: وفيه إشارة إلى الصلح الذي وقع بين أهل العراق، وأهل الشام، حين بايع الحسن معاوية، وسلم إليه الأمر. (^٣)\nوقد ذكر السمعاني عن الزبير حين رأى ما رأى يوم الجمل قوله: ما علمت أن هذه الآية، وهي قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال:٢٥]، نزلت فينا أصحاب رسول الله ﷺ، حتى كان هذا اليوم. (^٤)\nـ ولذا كان المعروف عن الفريقين، سلامة قلوبهم لبعض، قال السمعاني: \" ومن المعروف عن علي ﵁ أنه قال: إني لأرجو أن أكون أنا، وعثمان، وطلحة، والزبير، من الذين قال الله تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الحِجر:٤٧]. (^٥)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحه، باب علامات النبوة في الإسلام، ح (٣٦٢٩)\n(^٢) ابن تيمية: مجموع الفتاوى: ٤/ ٤٦٧، وانظر: عمر القرموشي: أهل البيت عند شيخ الإسلام: مركز التأصيل للدراسات، ط ١، ١٤٣٤ هـ (٢٤٥)\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٢٩٠\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٢٥٨\n(^٥) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ١٤٢ – ٢/ ١٨٣","vol":"1","page":729},{"text":"والواجب الثاني تجاه الصحابة ﵃، الإمساك عن ذكر المساوئ، قال النبي ﷺ: \" إذا ذُكر أصحابي فأمسكوا، وإذا ذُكر القدر فأمسكوا \" (^١)، يقول السمعاني: \" والمراد به: الإمساك عن ذكر المساوئ، لا عن ذكر المحاسن \" (^٢)، وروي أن عمر بن عبدالعزيز سُئل عما جرى بين الصحابة من القتال وسفك الدماء، فقال: تلك دماء طهر الله يدي عنها، فلا أُحب أن أغمس لساني فيها (^٣). وهذا هو منهج السلف الذي ساروا عليه، في التعامل فيما جرى بين الصحابة ﵃:\nـ قال حماد بن زيد: تذاكروا محاسن أصحاب رسول الله ﷺ؛ كي تأتلف عليهم قلوب الناس، ولا تذاكروا مساوئهم، فتحرشوا الناس عليهم. (^٤)\nـ وقال أبو الليث السمرقندي: ينبغي للعاقل أن يُحسن القول في الصحابة، ولا يذكر أحدًا منهم بسوء؛ ليسلم له دينه.\nـ وروي عن إبراهيم النخعي، أنه سُئل عن القتال الذي وقع بين الصحابة، فقال: تلك دماء قد سلمت منها أيدينا، فلا نلطخ بها ألسنتنا. (^٥)\nورحم الله بشرًا الحافي حين قال: أرجو أن أقدم على محمد ﷺ ولا أُخزى في أصحابه غدًا. (^٦)\nومن هنا قال السمعاني: فالأولى في هذا حفظ اللسان، وتسليم أمرهم إلى الله تعالى (^٧)\n_________\n(^١) رواه الطبراني في المعجم الكبير، ح (١٤٢٧)، وصححه الشيخ الألباني، في صحيح الجامع الصغير: ١/ ٢٠٩\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٤٠٣\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٤٠٣\n(^٤) الخلال: السنة: دار الراية، الرياض، ط ١، ١٤١٠ هـ (٣/ ٥١٢)\n(^٥) السمرقندي: بستان العارفين: المكتبة العصرية، بيروت، ١٤٢٤ هـ، (١٠٣)\n(^٦) الخلال: السنة: ٢/ ٤٨٠\n(^٧) - السمعاني: قواطع الأدلة: ١/ ٣٤٢","vol":"1","page":730},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-291>المطلب الخامس: التفاضل بين الصحابة، وإثبات خلافة الأئمة الأربعة الراشدين:</span>\nتطرق السمعاني ﵀ لهاتين المسألتين، وكان فيهما موافقًا لمنهج السلف؛ فقد نُقل الإجماع على التفاضل بين الصحابة، فأجمعوا على أن خير الصحابة أهل بدر، وخير أهل بدر العشرة، وخير العشرة، الأئمة الأربعة: أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي - رضوان الله عليهم ـ، وأجمعوا أن إمامتهم كانت عن رضى من جماعتهم، وأن الله تعالى ألف قلوبهم على ذلك، لما أراده من استخلافهم جميعًا. (^١)\nوقد ذكر السمعاني في كتابه (قواطع الأدلة) طبقات الصحابة، فقال:\nفأعلاهم رتبة العشرة الذين شهد النبي ﷺ لهم بالجنة، والطبقة الثانية: أصحاب دار الندوة، والطبقة الثالثة: طائفة هاجروا إلى الحبشة، وهي الهجرة الأولى، والطبقة الرابعة: هم الذي بايعوا النبي ﷺ عند العقبة، وهؤلاء كانوا من الأنصار، والطبقة الخامسة: هم أصحاب العقبة الثانية، وأكثرهم من الأنصار، وقيل: بل كلهم من الأنصار، والطبقة السادسة: المهاجرون الأولون، والطبقة السابعة: أهل بدر، والطبقة الثامنة: المهاجرون بين بدر والحديبية، والطبقة التاسعة: أهل بيعة الرضوان بالحديبية، والطبقة العاشرة: المهاجرون بين الحديبية والفتح، والطبقة الحادية عشر: قوم أسلموا يوم الفتح، والطبقة الثانية عشر: صبيان رأوا مدة النبي ﷺ، وأطفال حملوا إليه. (^٢)\nوقد ذكر السمعاني علة التفاضل بين الصحابة في قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا﴾ [الحديد:١٠]، فقال: \" أي: لا يستوي من أنفق وقاتل قبل فتح مكة، ومن أنفق وقاتل بعد فتح مكة؛ وإنما لم يستويا؛ لأن أصحاب النبي ﷺ نالهم من التعب، والمشقة، والمكروه، والشدة، قبل الفتح، مالم ينلهم بعده \". (^٣)\n_________\n(^١) ابن القطان: الإقناع: ١/ ٦٦\n(^٢) السمعاني: قواطع الأدلة: ١/ ٣٩٠\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٣٦٧","vol":"1","page":731},{"text":"وما يتعلق بأمر الخلافة فإن المستقر عند أهل السنة والجماعة، أن ترتيبهم في الفضل كترتيبهم في الخلافة، فأبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، وهذا ما تواتر فيه النقل عن الأئمة. (^١)\nوقال السمعاني عند تفسيره قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [النور:٥٥]: \" واستدل أهل العلم بهذه الآية، على صحة خِلافة الخلفاء الراشدين، وهم: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي ﵃، ومن المشهور المعروف برواية حماد بن سلمة، عن سعيد بن جمهان، عن سفينة، أن النبي ﷺ قال: \" الخلافة بعدي ثلاثون سنة \" (^٢) (^٣).\nوقال في موطن آخر، عند تفسير قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ [الفتح:١٦]: \" أصح الأقاويل: أنهم بنو حنيفة، أولو بأس شديد، حيث قاتلوا المسلمين مع مسليمة الكذاب. والقول الثاني: هو هوازن وثقيف، والقول الثالث: أنهم فارس، وكان الحرب معهم أشد حرب على المسلمين، في زمان عمر ﵁. وفي القول الأول، وفي هذا القول، دليل على خلافة أبي بكر وعمر؛ لأنهما دعوا المسلمين إلى قتال مسيلمة، وقتال فارس \"، ثم قال: \" وأصح الأقاويل هو القول الأول \". (^٤)\n_________\n(^١) انظر: ابن تيمية: مجموع الفتاوى: ٣/ ١٥٣، اللالكائي: شرح أصول الاعتقاد: ١/ ١٩٨، الأصبهاني: الحجة في بيان المحجة: ٢/ ٢٨١\n(^٢) أخرجه الترمذي في جامعه، باب ما جاء ي الخلافة، ح (٢٢٢٦)\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٥٤٤، انظر: ابن حزم: الفِصل: ٤/ ٨٩، الإيجي: المواقف: ٣/ ٦٢١\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ١٩٨","vol":"1","page":732},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-292>الخاتمة:</span>\nالحمد لله حمدًا يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، أحمده على ما مَنَّ به، ويَسَّر، وأعان، فله الحمد في الآخرة والأولى، وأسأله الإتمام بالقبول.\nبعد هذه الجولة الماتعة، والروضة الغنَّاء الرائعة، التي سطرتها أنامل الإمام العالم العامل السمعاني، تأكدت من صحة ما قيل في الثناء عليه، من جهة علمه، وفضله، ومنزلته، ومكانته، ومن جهة دفاعه عن الكتاب والسنة، ومدافعة الباطل بكل ما أوتي من قوة. ولا شك أن العصمة ليست إلا لمن عصم الله، ولما كانت كذلك، فلا يدل وقوع الغلط، أو الخطأ في مسألة أو مسائل، على سقوط الثقة، أو قلة العلم والتحقيق، فهذا شأن العلماء، ولكن الشأن كل الشأن، ما حواه محيطه المعرفي، وضبطه العلمي، من العلوم والمعارف التي لا تُعد ولا تُحصى. فأخطاء هؤلاء العلماء، إن وُجدت، فهي مغمورة في بحار حسناتهم، مع ما فيها من الدلالة على بشريتهم.\nفالإمام السمعاني في منهجه العام، موافق لما عليه السلف، وإن كانت هناك بعض أفراد المسائل التي قد يَعثُر فيها الجواد المُسرع، ويتلعثم فيها البليغ الفصيح المتفنن المتقن، وكما قيل: (وكفى بالمرء نبلًا أن تعد معايبه)، كمسألة التحسين والتقبيح العقليين، حيث قال: \" ولا حظ له - أي العقل - في تحليل ولا تحريم، ولا تحسين ولا تقبيح، ولو لم يرد السمع ما وجب على أحد شيء ... \" (^١)، والصحيح في هذه المسألة، \" هو إثبات الحسن والقبح العقليين. كما هو رأي أهل السنة من السلف، لكن لا يثبتونه كما يُثبته نفاة القدر من المعتزلة وغيرهم، بل يقولون: إن حُسن الأفعال وقبحها ثابت بالعقل، ولكن الثواب والعقاب لا يكون إلا بعد ورود الشرع، فلا يعذب من خالف قضايا العقول، حتى يبعث إليهم رسول \". (^٢) وتشتمل الخاتمة على أهم النتائج والتوصيات:\nأولا: تتلخص نتائج البحث في الآتي:\n١ - الركن الأول: (الإيمان بالله تعالى): وذكر تحته ما يلي:\n(١) توحيد الربوبية: وذكر تحته ما يلي:\n_________\n(^١) السمعاني: الانتصار لأهل الحديث: مكتبة أضواء المنار، السعودية، ط ١، ١٤١٧ هـ (٧٥)، وانظر السمعاني: قواطع الأدلة: ٢/ ٤٦\n(^٢) العروسي: المسائل المشتركة: ٧٤، وانظر: ابن تيمية: مجموع الفتاوى: ٨/ ٤٣٤","vol":"1","page":733},{"text":"أ - فطرية المعرفة الإلهية، وأنها معرفة فطرية، غريزية، جبلية، مع وجوبها بالشرع، وإمكانها بالعقل.\nب - أنه أثبت وجود الله تعالى بطريقتين: ١ - دليل الفطرة والميثاق. ٢ - دليل النظر والتأمل في الآيات:\nوهذه الأخيرة سلك في إثباتها طريقين: دلائل الآفاق، ودلائل الأنفس.\nج - إثبات إقرار المشركين بربوبية الله تعالى، ولكنه لم يدخلهم في الإسلام.\nد - أن من مقتضى الربوبية خضوع كل ما في الكون لله جل وعلا.\n(٢) توحيد الألوهية: وأشار إلى مايلي:\nأ - أن هذا التوحيد هو مدار دعوة الرسل - عليهم الصلاة والسلام ـ.\nب - بيان خطأ من فسَّر التوحيد بالقدرة على الاختراع.\nج - أن هذا التوحيد هو إخلاص العبادة لله وحده دونما سواه.\nد - شمولية الطاعة والعبادة، فلها تعلق بالقلب، واللسان، والجوارح.\nهـ - أن دلائل استحقاق الألوهية لله تعالى كثيرة متضافرة.\nو- أن الله تعالى أرسل الرسل حين ناقضوا هذا النوع من التوحيد، بالشرك وهو أكبر نواقضه.\nز - بيان ما يضاد التوحيد ويناقضه، في صوره، وأشكاله.\nح - بيان فضائل التوحيد، وشرائط قبوله.\n(٣) توحيد الأسماء والصفات: وذكر السمعاني جملة من المسائل:\nأ - إثباته للصفات الإلهية على منهج السلف القائم على الإثبات بلا تمثيل، والتنزيه بلا تعطيل.\nب - رجح السمعاني في تقريراته في مسألة الاسم والمسمى، أن الاسم هو المسمى، وذكرنا أنه قول لأهل السنة، وأن الراجح: أن الاسم للمسمى.\nج - تتبع السمعاني لأسماء الله جل وعلا، وبيان معانيها، وما دلت عليه.\nد - الرد على المخالفين في باب الصفات.\n٢ - الركن الثاني: الإيمان بالملائكة:\nأ - أنهم عوالم غيبية مخلوقة من نور، يجب الإيمان بهم.\nب - الإيمان بما ذكر الله جل وعلا من صفاتهم، وأعمالهم.\nج - رجح السمعاني تفضيل البشر على الملائكة، وذلك أن عوام المؤمنين الأتقياء، أفضل من عوام الملائكة، وخواص المؤمنين، أفضل من خواص الملائكة.\nد - أن الملائكة يجوز عليهم الموت كغيرهم من المخلوقات.\nهـ - أن الجن والشياطين عوالم غيبية، يجب الإيمان بها.\nو- الإيمان بما ورد من أعمالهم، وأحوالهم، وصفاتهم.","vol":"1","page":734},{"text":"ز - دخول مؤمني الجن الجنة.\n٣ - الركن الثالث: الإيمان بالكتب:\nأ - وجوب الإيمان بكل كتب الله تعالى.\nب - أن القرآن الكريم هو الكتاب الخاتم، والمهيمن على جميع الكتب السابقة.\nج - أن القرآن منزل غير مخلوق، وهي عقيدة السلف التي نصرها السمعاني، ورد على المخالف.\nد - تفاضل كلام الله تعالى، بعضه على بعض.\n٤ - الركن الرابع: الإيمان بالرسل ﵈: وقَرَّر السمعاني فيه ما يلي:\nأ - وجوب الإيمان بالرسل ﵈، وأن الكفر بواحد منهم، كفر بهم جميعًا.\nب - التفريق بين مصطلح الرسول والنبي.\nج - الإيمان بمن وردت أسماؤهم في القرآن الكريم، وسنة النبي ﵊.\nد - الإيمان بخصائص الأنبياء، وما امتازوا به عن غيرهم من البشر.\nهـ - عصمة الأنبياء من الوقوع في الشرك والكفر والكبائر.\nو- جواز وقوع الصغائر على الأنبياء، ولكن لا يقرون عليها.\nز - إثبات معجزات الأنبياء ﵇.\n٥ - الركن الخامس: الإيمان باليوم الآخر:\nأ - وجوب الإيمان باليوم الآخر، وكفر من أنكره وجحده.\nب - الإيمان بكل أحوال وتفاصيل الآخرة، المذكورة في نصوص الوحيين.\nج - أن أشراط الساعة تسبق قيامها.\nد - الإيمان بالدجال، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها، والدخان، وغيرها من علامات الساعة الكبرى.\nهـ - إثبات البعث للأرواح والأجساد.\nو- إثبات الحوض، الميزان، والصراط، والشفاعة، وتطاير الصحف، والحساب، والجنة والنار.\n٦ - الركن السادس: الإيمان بالقضاء والقدر:\nأ - وجوب الإيمان بالقدر، خيره وشره من الله تعالى.\nب - أن الإيمان بالقدر يتضمن أربع مراتب: (الإيمان بعموم علم الله تعالى، وعموم مشيئته، وخلقه وكتابته للمقادير في اللوح المحفوظ).\nج - إثبات أن الهداية والإضلال من الله تعالى.\nد - أن الله تعالى لم يوجب عليه أحد شيء، وإنما أوجب ما أوجب على نفسه، تفضلًا منه تعالى وتكرمًا، بحكم الوعد الإلهي.\nهـ - أن ألطاف الله جل وعلا لا تتناهى.","vol":"1","page":735},{"text":"و- أن للعبد قدرة واستطاعة قبل الفعل، هي مناط الأمر والنهي، ولا تجب أن تكون معه، وله قدرة واستطاعة يجب معها وجود الفعل، سواء قرن به أو تأخر عنه.\nز - أن المحو والإثبات لا يقع في اللوح المحفوظ، وإنما يقع فيما يكون بأيدي الملائكة.\nح - أن المقتول ميِّت بأجله.\nط - إثبات الحكمة والتعليل في أفعال الله تعالى.\n٧ - متممات العقيدة:\n(١) مسائل الكفر والإيمان:\nأ - أن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص.\nب - التفريق بين الإسلام والإيمان، فالإسلام علانية، والإيمان في القلب.\nج - أن الكفر أنواع.\nد - الكبيرة: كل جريمة أوعد الله تعالى عليها بالنار، أو أوجب فيها حدًا.\nهـ - أن مرتكب الكبيرة لا يكفر، ولا يُخلد في النار، بل هو تحت المشيئة الإلهية.\nو- أن القاتل له توبة.\n(٢) الديانات، وفضيلة الإسلام، وأمة الإسلام:\nأ - أن الإسلام هو الدين الحق، الذي لا يقبل الله ﷿ سواه.\nب - أن الإسلام يطلق ويُراد به: الخضوع والانقياد، ويُطلق ويُراد به الإسلام الخاص، الذي جاء به النبي ﷺ.\nج - أن الإسلام دين الرحمة، والوسطية، والفطرة.\nد - خيرية أمة محمد ﷺ على جميع الأمم.\n(٣) الصحابة ﵃:\nأ - الإيمان بما ورد في فضائلهم.\nب - وجوب إشاعة محاسنهم، والذب عن أعراضهم.\nج - حرمة تنقصهم، الوقوع في أعراضهم.\nد - إثبات التفاضل بين الصحابة ﵃.\nهـ - صحة خلافة الأئمة الأربعة المهديين، وأن ترتيبهم في الفضل، كترتيبهم في الخلافة، أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي ﵃.","vol":"1","page":736},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-293>التوصيات:</span>\nإن دراسة آراء علماء أهل السنة، وبيان مدى مواءمتها لآراء جماعتهم، يكشف عن مدى الاتفاق بينهم، مع اختلاف العصور، وتباعد الدور.\nومن مزايا دراسة آراء علماء أهل السنة، تكثير سوادهم، وبيان دلائلهم وطرق حجاجهم، والاستفادة منها في مجالات العلوم المختلفة. فمعرفة تأصيلاتهم للمسائل، وفنون مناظراتهم، ودقة استخراجهم للأحكام، واستنباطهم لها، باب مهم يصب في تربية النشء من طلاب العلم على مناهجهم وطرائقهم.\nولذا فإني أُوصي الباحثين وطلاب العلم في الجهات التعليمية؛ كالجامعات ونحوها، في ختام هذا البحث:\n١ - بالاعتناء بآراء السلف، وعلماء أهل السنة في مسائل العقيدة أصالة، وفي أبواب وفنون العلم الأخرى تبعًا، ومعرفة مدى ملاءمتها لآراء جماعتهم.\n٢ - نشر طرائق السلف في العلم، والتأصيل، والتدوين.\n٣ - أن الآراء العقائدية مبثوثة في كتب التفسير خاصة، فهي بحاجة ماسة لدراسةٍ، وبيانٍ، وتمحيص، لتُنقى كتب التفسير مما داخلها، أو على أقل تقدير، يُشار إلى ما وقع فيها من مخالفات عقدية.","vol":"1","page":737},{"text":"وختامًا ..\nهذا جهد المقل، استغرقت فيه وسعي وطاقتي، للوصول إلى هذه النتائج. أسأل الله ﵎، أن يُكلل هذه الجهود بالتوفيق والنجاح، وأن يكتب لنا الخير والفلاح\nوصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"1","page":738}]}