{"ً":{"ٌ":543,"ٍ":"آراء ابن عجيبة العقدية عرضا ونقدا","َ":5,"ُ":3,"ِ":{"files":["https://archive.org/download/ajaqd/ajaqd.pdf"]},"ّ":"الكتاب: آراء ابن عجيبة العقدية -عرضًا ونقدًا -\nالمؤلف: عبد الهادي بن عوض العمري\nأصل الكتاب: رسالة دكتوراة، قسم العقيدة والمذاهب المعاصرة كلية أصول الدين بالرياض - جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية\nالطبعة: الأولى، ١٤٤١ هـ - ٢٠١٩ م\nعدد الصفحات: ٩٦٨\n[كتاب إلكتروني]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":2532,"ٕ":1,"ٖ":1780758661,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"المقدمة","level":1,"page":2},{"title":"أهمية الموضوع وأسباب اختياره","level":2,"page":5},{"title":"أهدف البحث","level":2,"page":5},{"title":"الدراسات السابقة","level":2,"page":5},{"title":"خطة البحث","level":2,"page":9},{"title":"الصعوبات التي واجهت الباحث","level":2,"page":13},{"title":"منهج البحث","level":2,"page":15},{"title":"الشكر والتقدير","level":2,"page":16},{"title":"التمهيد","level":1,"page":18},{"title":"ترجمة ابن عجيبة ترجمة موجزة","level":2,"page":19},{"title":"أولا: اسمه ونسبه وكنيته","level":3,"page":19},{"title":"ثانيا: ولادته","level":3,"page":22},{"title":"ثالثا: نشأته","level":3,"page":23},{"title":"رابعا: طلبه للعلم","level":3,"page":24},{"title":"خامسا: شيوخه","level":3,"page":25},{"title":"سادسا: تلاميذه","level":3,"page":27},{"title":"سابعا: مؤلفاته","level":3,"page":28},{"title":"ثامنا: وفاته","level":3,"page":42},{"title":"التعريف بالطرق الصوفية إجمالا","level":2,"page":44},{"title":"١ - الطريقة القادرية","level":3,"page":45},{"title":"٢ - الطريقة الشاذلية","level":3,"page":46},{"title":"٣ - الطريقة النقشبندية","level":3,"page":47},{"title":"٤ - الطريقة الرفاعية","level":3,"page":47},{"title":"٥ - الطريقة البكتاشية","level":3,"page":48},{"title":"٦ - الطريقة التجانية","level":3,"page":49},{"title":"٧ - الطريقة الجزولية","level":3,"page":49},{"title":"٨ - الطريقة العيساوية","level":3,"page":50},{"title":"٩ - الطريقة التباغية","level":3,"page":51},{"title":"١٠ - الطريقة الغزوانية","level":3,"page":51},{"title":"١١ - الطائفة الناصرية","level":3,"page":52},{"title":"الباب الأول: مصادر التلقي عند ابن عجيبة","level":1,"page":53},{"title":"الفصل الأول: الكتاب والسنة","level":2,"page":54},{"title":"المبحث الأول: الكتاب","level":3,"page":55},{"title":"أولا: مسألة: تقسيم الدين إلى حقيقة وشريعة وأدلته عليها","level":4,"page":70},{"title":"ثانيا: زعمه أن النبي - ﷺ - هو واضع علم الحقيقة والشريعة","level":4,"page":76},{"title":"ثالثا: استدلاله بالقول المنسوب إلى عمر - ﵁ -","level":4,"page":77},{"title":"رابعا: استدلاله بالآيات على مسألة التفسير الحرفي الإشاري لدى الصوفية، والتفسير الباطني","level":4,"page":78},{"title":"خامسا: استدلاله بالكتاب، وذلك عندما فسر الرواسي بالأبدال في قوله تعالى: ﴿وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم وأنهارا وسبلا لعلكم تهتدون﴾","level":4,"page":86},{"title":"المبحث الثاني: السنة","level":3,"page":90},{"title":"الجهة الأولى: أدلة الكتاب والسنة ليست يقينية، بل ظنية","level":4,"page":90},{"title":"الجهة الثانية: أخبار الآحاد تقبل في أبواب الأعمال دون الاعتقاد","level":4,"page":93},{"title":"الجهة الثالثة: استدلاله بصحيح السنة على وحدة الوجود","level":4,"page":97},{"title":"الجهة الرابعة: الاحتجاج بالأحاديث الضعيفة والموضوعة","level":4,"page":98},{"title":"الفصل الثاني: المصادر الصوفية في التلقي","level":2,"page":104},{"title":"المبحث الأول: الكشف","level":3,"page":105},{"title":"أولا: معنى الكشف في اللغة","level":4,"page":105},{"title":"ثانيا: معناه في الاصطلاح","level":4,"page":105},{"title":"ثالثا: تعريفه عند ابن عجيبة","level":4,"page":105},{"title":"رابعا: ذكره للعلوم الغيبية التي تحصل عن طريق الكشف","level":4,"page":110},{"title":"خامسا: طريق حصول الكشف عند ابن عجيبة","level":4,"page":115},{"title":"المبحث الثاني: الذوق","level":3,"page":133},{"title":"أولا: معنى الذوق في اللغة","level":4,"page":133},{"title":"ثانيا: في اصطلاح الصوفية","level":4,"page":133},{"title":"ثالثا: الذوق والوجدان أساس لمعرفة التوحيد عند ابن عجيبة","level":4,"page":143},{"title":"المبحث الثالث: الوجد","level":3,"page":149},{"title":"أولا: معنى الوجد في اللغة","level":4,"page":149},{"title":"ثانيا: معنى الوجد عند الصوفية","level":4,"page":149},{"title":"ثالثا: أدلة ابن عجيبة على الوجد","level":4,"page":158},{"title":"المبحث الرابع: الرؤى والحكايات","level":3,"page":164},{"title":"أولا: الرؤى","level":4,"page":164},{"title":"ثانيا: الحكايات","level":4,"page":174},{"title":"المبحث الخامس: دعوى التلقي عن الخضر - ﵇ -","level":3,"page":188},{"title":"أولا: رأي ابن عجيبة في الخضر - ﵇ - أنبي هو أم ولي","level":4,"page":188},{"title":"ثانيا: زعم ابن عجيبة أن الخضر - ﵇ - حي وأنه خاطبه","level":4,"page":191},{"title":"الأدلة النقلية والعقلية كافية برد شبهات القائلين بحياة الخضر - ﵇ -","level":5,"page":193},{"title":"أولا: الأدلة النقلية","level":6,"page":193},{"title":"ثانيا: الأدلة العقلية على موت الخضر - ﵇ -","level":6,"page":196},{"title":"الباب الثاني: آراء ابن عجيبة في أصول الإيمان ومسائله","level":1,"page":198},{"title":"الفصل الأول: آراؤه في الإيمان بالله","level":2,"page":199},{"title":"المبحث الأول: مسائل الربوبية","level":3,"page":200},{"title":"أولا: تعريف التوحيد في اللغة","level":4,"page":200},{"title":"ثانيا: تعريف التوحيد اصطلاحا","level":4,"page":200},{"title":"ثالثا: تعريف توحيد الربوبية في اللغة والاصطلاح","level":4,"page":201},{"title":"رابعا: تعريف ابن عجيبة لتوحيد الربوبية لغة","level":4,"page":203},{"title":"خامسا: تعريف التوحيد اصطلاحا","level":4,"page":203},{"title":"سادسا: تقسيم التوحيد عند ابن عجيبة","level":4,"page":211},{"title":"سابعا: الشرك في الربوبية","level":4,"page":220},{"title":"ثامنا: طريقة ابن عجيبة في إثبات دلائل توحيد الربوبية","level":4,"page":224},{"title":"تاسعا: زعم ابن عجيبة أن التوحيد الخاص سر لا يمكن لأحد معرفته ولو ظهر لأبيح دم من أظهره","level":4,"page":228},{"title":"المبحث الثاني: مسائل الأسماء والصفات","level":3,"page":231},{"title":"أولا: تعريف الاسم والصفة لغة","level":4,"page":231},{"title":"ثانيا: تعريف توحيد الأسماء والصفات اصطلاحا","level":4,"page":232},{"title":"ثالثا: معتقد أهل السنة والجماعة في أسماء الله وصفاته","level":4,"page":233},{"title":"رابعا: الأسس الثلاثة التي يرتكز عليها معتقد أهل السنة والجماعة في باب أسماء الله وصفاته","level":4,"page":234},{"title":"خامسا: موقفه من أسماء الله الحسنى وصفاته العلى","level":4,"page":234},{"title":"أولا: آراؤه في أسماء الله - ﷿ – الحسنى","level":5,"page":235},{"title":"أ: طريقته في إثبات الأسماء الحسنى","level":6,"page":235},{"title":"ب: شرح ابن عجيبة أسماء الله الحسنى بما يوافق معتقده الأشعري","level":6,"page":237},{"title":"ج: تسميته لله - ﷿ - بما لم يرد في الكتاب والسنة","level":6,"page":245},{"title":"مسألة: الاسم والمسمى وموقف ابن عجيبة منها","level":7,"page":247},{"title":"ثانيا: آراؤه في صفات الله تعالى","level":5,"page":253},{"title":"أ- تقسيم الصفات وطريقته في إثباتها","level":6,"page":253},{"title":"ب- تأويلاته في باب الصفات","level":6,"page":260},{"title":"ج - التفصيل في النفي مع ذكر الألفاظ المجملة","level":6,"page":304},{"title":"د- قوله بالمجاز في الأسماء والصفات","level":6,"page":312},{"title":"المبحث الثالث: مسائل الألوهية","level":3,"page":315},{"title":"أولا: تعريف الألوهية لغة واصطلاحا","level":4,"page":315},{"title":"ثانيا: معنى الإله عند ابن عجيبة","level":4,"page":316},{"title":"ثالثا: معنى توحيد الألوهية","level":4,"page":318},{"title":"ثالثا: معنى لا إله إلا الله","level":4,"page":326},{"title":"رابعا: أعلى درجات التوحيد عند ابن عجيبة","level":4,"page":327},{"title":"خامسا: العبادة","level":4,"page":329},{"title":"سادسا: موقف ابن عجيبة من بدع الصوفية في توحيد العبادة","level":4,"page":363},{"title":"عاشرا: الشرك في الألوهية","level":4,"page":391},{"title":"الفصل الثاني: آراؤه في الإيمان بالملائكة","level":2,"page":409},{"title":"المبحث الأول: معنى الإيمان بالملائكة","level":3,"page":410},{"title":"أولا: تعريف الملائكة لغة","level":4,"page":410},{"title":"ثانيا: تعريف الملائكة شرعا","level":4,"page":411},{"title":"ثالثا: رأيه في معنى الإيمان بالملائكة","level":4,"page":412},{"title":"رابعا: قدرتهم على التشكل، أو التمثل","level":4,"page":414},{"title":"خامسا: عددهم","level":4,"page":416},{"title":"سادسا: أعمالهم","level":4,"page":417},{"title":"المبحث الثاني: خلق الملائكة","level":3,"page":424},{"title":"المبحث الثالث: المفاضلة بين الملائكة وصالحي البشر","level":3,"page":429},{"title":"الفصل الثالث: آراؤه في الإيمان بالكتب","level":2,"page":432},{"title":"المبحث الأول: تعريف الكتب","level":3,"page":433},{"title":"أولا: الكتب لغة","level":4,"page":433},{"title":"ثانيا: الكتب شرعا","level":4,"page":433},{"title":"المبحث الثاني: منزلة الإيمان بالكتب من الإيمان","level":3,"page":434},{"title":"أولا: رأي ابن عجيبة في الكتب المتقدمة","level":4,"page":437},{"title":"ثانيا: استدلال ابن عجيبة على الإيمان بالكتب","level":4,"page":438},{"title":"ثالثا: الإيمان بالقرآن الكريم ومنزلته","level":4,"page":441},{"title":"رابعا: وجوه إعجاز القرآن","level":4,"page":445},{"title":"خامسا: القرآن معجزة النبي - ﷺ - إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.","level":4,"page":449},{"title":"سادسا: تفاضل آيات القرآن","level":4,"page":451},{"title":"سابعا: تحريف الكتب السابقة","level":4,"page":453},{"title":"الفصل الرابع: آراؤه في الإيمان بالرسل والأنبياء","level":2,"page":457},{"title":"المبحث الأول: الإيمان بالرسل والأنبياء عموما","level":3,"page":458},{"title":"أولا: تعريف النبي والرسول في اللغة","level":4,"page":458},{"title":"ثانيا: تعريف النبي والرسول في الشرع والفرق بينهما","level":4,"page":459},{"title":"ثالثا: رأيه فيما يجب ويستحيل في حق الرسل والأنبياء -﵈- وبم تحصل النبوة","level":4,"page":462},{"title":"رابعا: الإيمان بالنبي محمد - ﷺ - وذكر ما جاء في خصائصه","level":4,"page":467},{"title":"المبحث الثاني: الفرق بين النبي والولي","level":3,"page":478},{"title":"أولا: تعريف الولي في اللغة والاصطلاح","level":4,"page":478},{"title":"ثانيا: رأي ابن عجيبة في الولي والنبي","level":4,"page":478},{"title":"المبحث الثالث: عقيدته في الرسول محمد - ﷺ -","level":3,"page":494},{"title":"أولا: رأيه فيما يسمى بالحقيقة المحمدية","level":4,"page":494},{"title":"ثانيا: رأي ابن عجيبة أن الكون خلق من أجل محمد - ﷺ -","level":4,"page":503},{"title":"ثالثا: تقسيم ابن عجيبة للناس في طريقة صلاتهم على النبي - ﷺ -","level":4,"page":507},{"title":"الفصل الخامس: آراؤه في الإيمان باليوم الآخر","level":2,"page":510},{"title":"المبحث الأول: أشراط الساعة","level":3,"page":511},{"title":"أولا: تعريف الأشراط في اللغة","level":4,"page":511},{"title":"ثانيا: تعريفها في الشرع","level":4,"page":512},{"title":"ثالثا: تقسيم العلماء لأشراط الساعة","level":4,"page":512},{"title":"رابعا: وقت قيام الساعة","level":4,"page":513},{"title":"رابعا: رأيه فيما قيل في تحديد عمر الدنيا.","level":4,"page":516},{"title":"خامسا: أشراط الساعة الصغرى","level":4,"page":517},{"title":"سادسا: أشراط الساعة الكبرى","level":4,"page":520},{"title":"المبحث الثاني: أحوال اليوم الآخر","level":3,"page":539},{"title":"أولا: تعريف اليوم الآخر","level":4,"page":539},{"title":"ثانيا: معنى الإيمان باليوم الآخر","level":4,"page":540},{"title":"ثالثا: فتنة القبر","level":4,"page":541},{"title":"رابعا: النفخ في الصور والصعق","level":4,"page":544},{"title":"خامسا: الحشر وأهل الموقف","level":4,"page":549},{"title":"سادسا: الميزان والحساب","level":4,"page":554},{"title":"سابعا: الصراط","level":4,"page":558},{"title":"ثامنا: حقيقة الروح وعلاقتها بوحدة الوجود عند ابن عجيبة","level":4,"page":560},{"title":"تاسعا: علاقتها بوحدة الوجود","level":4,"page":565},{"title":"المبحث الثالث: الجنة والنار","level":3,"page":567},{"title":"أولا: الجنة والنار مخلوقتان موجودتان","level":4,"page":567},{"title":"ثانيا: الجنة والنار لا تفنيان","level":4,"page":569},{"title":"ثالثا: مكان الجنة","level":4,"page":569},{"title":"الفصل السادس: آراؤه في الإيمان بالقدر","level":2,"page":571},{"title":"المبحث الأول: معنى القدر ومراتبه","level":3,"page":572},{"title":"أولا: تعريف القدر","level":4,"page":572},{"title":"ثانيا: تعريف القضاء","level":4,"page":573},{"title":"ثالثا: تعريف ابن عجيبة","level":4,"page":574},{"title":"رابعا: مراتب القدر","level":4,"page":574},{"title":"خامسا: المخالفات العقدية التي قررها ابن عجيبة في مسائل القدر","level":4,"page":578},{"title":"المبحث الثاني: أفعال العباد","level":3,"page":601},{"title":"أولا: مفهوم الكسب عند الأشاعرة، ومقصود ابن عجيبة من قوله: (لا فاعل إلا الله)","level":4,"page":601},{"title":"ثانيا: دلالة الكتاب والسنة وإجماع السلف على أن العباد فاعلون حقيقة، والله خالق أفعالهم","level":4,"page":609},{"title":"ثالثا: موقف أهل السنة والجماعة من أفعال العباد","level":4,"page":611},{"title":"المبحث الثالث: المشيئة والإرادة","level":3,"page":612},{"title":"أولا: الإرادة الكونية القدرية","level":4,"page":613},{"title":"ثانيا: الإرادة الدينية الشرعية","level":4,"page":613},{"title":"الفصل السابع: آراؤه في مسائل الإيمان","level":2,"page":617},{"title":"المبحث الأول: مفهوم الإيمان والفرق بينه وبين الإسلام","level":3,"page":618},{"title":"أولا: تعريف الإيمان في اللغة","level":4,"page":618},{"title":"ثانيا: تعريف الإيمان في الشرع","level":4,"page":619},{"title":"ثالثا: تعريف ابن عجيبة للإيمان، وحقيقة العمل فيه","level":4,"page":620},{"title":"رابعا: الفرق بين الإيمان والإسلام","level":4,"page":625},{"title":"المبحث الثاني: زيادة الإيمان ونقصانه","level":3,"page":633},{"title":"أولا: أدلة زيادة الإيمان ونقصانه من القرآن","level":4,"page":633},{"title":"ثانيا: أدلة زيادة الإيمان ونقصانه من السنة","level":4,"page":634},{"title":"ثالثا: رأي ابن عجيبة في زيادة الإيمان ونقصانه","level":4,"page":637},{"title":"المبحث الثالث: حكم مرتكب الكبيرة","level":3,"page":640},{"title":"أولا: تقسيم الذنوب إلى كبائر وصغائر","level":4,"page":640},{"title":"ثانيا: أدلة الكتاب والسنة على ذلك","level":4,"page":640},{"title":"ثالثا: حد الكبيرة وحصرها","level":4,"page":641},{"title":"رابعا: حكم مرتكب الكبيرة","level":4,"page":647},{"title":"الباب الثالث: آراء ابن عجيبة الصوفية","level":1,"page":650},{"title":"الفصل الأول: المريد والشيخ","level":2,"page":651},{"title":"المبحث الأول: مفهوم المريد والشيخ","level":3,"page":652},{"title":"أولا: مفهوم المريد والشيخ","level":4,"page":652},{"title":"ثانيا: أمور يجب على المريد أن يسلكها","level":4,"page":654},{"title":"ثالثا: تجرد المريد عن المال","level":4,"page":658},{"title":"المبحث الثاني: الصلة بين المريد والشيخ","level":3,"page":665},{"title":"أولا: الطاعة التامة والتعظيم المفرط","level":4,"page":665},{"title":"ثانيا: طريقة تأسيس العلاقة بين المريد والشيخ","level":4,"page":673},{"title":"ثالثا: آداب المريد مع شيخه","level":4,"page":676},{"title":"الفصل الثاني: الولاية والكرامة","level":2,"page":680},{"title":"المبحث الأول: الولاية ومراتب الأولياء","level":3,"page":681},{"title":"أولا: تعريف الولاية","level":4,"page":681},{"title":"ثانيا: تعريف الولي","level":4,"page":681},{"title":"ثالثا: أسباب حصول الولاية","level":4,"page":686},{"title":"رابعا: زعم أن الولي يرث النبي","level":4,"page":689},{"title":"خامسا: أقسام الولاية","level":4,"page":691},{"title":"سادسا: إخفاء الولاية وأن تكون سرا من الأسرار.","level":4,"page":693},{"title":"سابعا: مراتب الأولياء","level":4,"page":697},{"title":"المبحث الثاني: الكرامة وأقسامها","level":3,"page":706},{"title":"أولا: تعريف الكرامة في اللغة","level":4,"page":706},{"title":"ثانيا: تعريف الكرامة في الاصطلاح","level":4,"page":706},{"title":"ثالثا: تعريف الكرامة عند الصوفية","level":4,"page":707},{"title":"رابعا: أقسام الكرامات","level":4,"page":715},{"title":"الفصل الثالث: الحلول والاتحاد ووحدة الوجود","level":2,"page":720},{"title":"المبحث الأول: الحلول والاتحاد","level":3,"page":721},{"title":"أولا: تعريف الحلول والاتحاد.","level":4,"page":721},{"title":"ثانيا: موقفه من الحلول والاتحاد","level":4,"page":722},{"title":"المبحث الثاني: وحدة الوجود","level":3,"page":728},{"title":"أولا: معنى وحدة الوجود في اللغة","level":4,"page":728},{"title":"ثانيا: معنى وحدة الوجود اصطلاحا","level":4,"page":728},{"title":"ثلاث طرق فى معنى وحده الوجود","level":5,"page":729},{"title":"الأولى: القائلون: بثبوت الذوات كلها في العدم","level":6,"page":729},{"title":"الثانية: القائلون بأن وجود الله - ﷿ - هو الوجود المطلق والمعين.","level":6,"page":730},{"title":"الثالثة: القائلون ما ثم غير الله، ولا سوى بأي وجه","level":6,"page":731},{"title":"ثالثا: أسماء وحدة الوجود كما بينها ابن عجيبة","level":4,"page":732},{"title":"رابعا: شبهات ابن عجيبة للدلالة على وحدة الوجود","level":4,"page":736},{"title":"خامسا: حكم من اعتقد وحدة الوجود","level":4,"page":739},{"title":"الفصل الرابع: الأحوال والمقامات","level":2,"page":742},{"title":"المبحث الأول: الأحوال","level":3,"page":743},{"title":"أولا: تعريف الحال في اللغة والاصطلاح","level":4,"page":743},{"title":"ثانيا: أمثلة على الأحوال","level":4,"page":749},{"title":"المبحث الثاني: المقامات","level":3,"page":758},{"title":"أولا: تعريف المقام","level":4,"page":758},{"title":"ثانيا: تعيين المقامات والأحوال","level":4,"page":759},{"title":"ثالثا: أمثلة على المقامات","level":4,"page":762},{"title":"المبحث الثالث: الصلة بين الأحوال والمقامات","level":3,"page":773},{"title":"الفصل الخامس: موقفه من أعلام الصوفية وطرقها وأثره على من بعده","level":2,"page":775},{"title":"المبحث الأول: موقفه من أعلام الصوفية","level":3,"page":776},{"title":"المبحث الثاني: موقفه من طرقها","level":3,"page":783},{"title":"المبحث الثالث: أثره على من بعده","level":3,"page":788},{"title":"أ - أثره على من خلفه في الطريقة","level":4,"page":788},{"title":"ب - أثره على أسرته","level":4,"page":789},{"title":"ج- أثره على من بعده في العصر الحاضر","level":4,"page":795},{"title":"د- امتداد الطريقة الدرقاوية.","level":4,"page":796},{"title":"الفصل السادس: التعريف بالطريقة الدرقاوية، ودوره في تأسيسها وموقف علماء أهل السنة منها","level":2,"page":798},{"title":"المبحث الأول: التعريف بالطريقة الدرقاوية","level":3,"page":799},{"title":"أ- التعريف بالطريقة الدرقاوية وسبب تسميتها","level":4,"page":799},{"title":"ب- الطريقة الدرقاوية وانتشارها","level":4,"page":805},{"title":"المبحث الثاني: دوره في تأسيسها","level":3,"page":810},{"title":"المبحث الثالث: موقف أعلام السنة من الطريقة الدرقاوية","level":3,"page":813},{"title":"موقف أعلام السنة من من الطريقة الدرقاوية","level":4,"page":813},{"title":"موقف أعلام السنة من قول ابن عجيبة (إن أهل السنة هم الأشاعرة)","level":4,"page":815},{"title":"الخاتمة","level":1,"page":819},{"title":"التوصيات","level":2,"page":822},{"title":"الملاحق","level":1,"page":823},{"title":"فهرس المصادر والمراجع","level":1,"page":829}],"ٛ":{"1,1":1,"1,3":2,"1,5":3,"1,6":4,"1,7":5,"1,8":6,"1,9":7,"1,10":8,"1,11":9,"1,12":10,"1,13":11,"1,14":12,"1,15":13,"1,16":14,"1,17":15,"1,18":16,"1,19":17,"1,21":18,"1,23":19,"1,24":20,"1,25":21,"1,26":22,"1,27":23,"1,28":24,"1,29":25,"1,30":26,"1,31":27,"1,32":28,"1,33":29,"1,34":30,"1,35":31,"1,36":32,"1,37":33,"1,38":34,"1,39":35,"1,40":36,"1,41":37,"1,42":38,"1,43":39,"1,44":40,"1,45":41,"1,46":42,"1,47":43,"1,48":44,"1,49":45,"1,50":46,"1,51":47,"1,52":48,"1,53":49,"1,54":50,"1,55":51,"1,56":52,"1,57":53,"1,59":54,"1,61":55,"1,62":56,"1,63":57,"1,64":58,"1,65":59,"1,66":60,"1,67":61,"1,68":62,"1,69":63,"1,70":64,"1,71":65,"1,72":66,"1,73":67,"1,74":68,"1,75":69,"1,76":70,"1,77":71,"1,78":72,"1,79":73,"1,80":74,"1,81":75,"1,82":76,"1,83":77,"1,84":78,"1,85":79,"1,86":80,"1,87":81,"1,88":82,"1,89":83,"1,90":84,"1,91":85,"1,92":86,"1,93":87,"1,94":88,"1,95":89,"1,96":90,"1,97":91,"1,98":92,"1,99":93,"1,100":94,"1,101":95,"1,102":96,"1,103":97,"1,104":98,"1,105":99,"1,106":100,"1,107":101,"1,108":102,"1,109":103,"1,111":104,"1,113":105,"1,114":106,"1,115":107,"1,116":108,"1,117":109,"1,118":110,"1,119":111,"1,120":112,"1,121":113,"1,122":114,"1,123":115,"1,124":116,"1,125":117,"1,126":118,"1,127":119,"1,128":120,"1,129":121,"1,130":122,"1,131":123,"1,132":124,"1,133":125,"1,134":126,"1,135":127,"1,136":128,"1,137":129,"1,138":130,"1,139":131,"1,140":132,"1,141":133,"1,142":134,"1,143":135,"1,144":136,"1,145":137,"1,146":138,"1,147":139,"1,148":140,"1,149":141,"1,150":142,"1,151":143,"1,152":144,"1,153":145,"1,154":146,"1,155":147,"1,156":148,"1,157":149,"1,158":150,"1,159":151,"1,160":152,"1,161":153,"1,162":154,"1,163":155,"1,164":156,"1,165":157,"1,166":158,"1,167":159,"1,168":160,"1,169":161,"1,170":162,"1,171":163,"1,172":164,"1,173":165,"1,174":166,"1,175":167,"1,176":168,"1,177":169,"1,178":170,"1,179":171,"1,180":172,"1,181":173,"1,182":174,"1,183":175,"1,184":176,"1,185":177,"1,186":178,"1,187":179,"1,188":180,"1,189":181,"1,190":182,"1,191":183,"1,192":184,"1,193":185,"1,194":186,"1,195":187,"1,196":188,"1,197":189,"1,198":190,"1,199":191,"1,200":192,"1,201":193,"1,202":194,"1,203":195,"1,204":196,"1,205":197,"1,207":198,"1,209":199,"1,211":200,"1,212":201,"1,213":202,"1,214":203,"1,215":204,"1,216":205,"1,217":206,"1,218":207,"1,219":208,"1,220":209,"1,221":210,"1,222":211,"1,223":212,"1,224":213,"1,225":214,"1,226":215,"1,227":216,"1,228":217,"1,229":218,"1,230":219,"1,231":220,"1,232":221,"1,233":222,"1,234":223,"1,235":224,"1,236":225,"1,237":226,"1,238":227,"1,239":228,"1,240":229,"1,241":230,"1,242":231,"1,243":232,"1,244":233,"1,245":234,"1,246":235,"1,247":236,"1,248":237,"1,249":238,"1,250":239,"1,251":240,"1,252":241,"1,253":242,"1,254":243,"1,255":244,"1,256":245,"1,257":246,"1,258":247,"1,259":248,"1,260":249,"1,261":250,"1,262":251,"1,263":252,"1,264":253,"1,265":254,"1,266":255,"1,267":256,"1,268":257,"1,269":258,"1,270":259,"1,271":260,"1,272":261,"1,273":262,"1,274":263,"1,275":264,"1,276":265,"1,277":266,"1,278":267,"1,279":268,"1,280":269,"1,281":270,"1,282":271,"1,283":272,"1,284":273,"1,285":274,"1,286":275,"1,287":276,"1,288":277,"1,289":278,"1,290":279,"1,291":280,"1,292":281,"1,293":282,"1,294":283,"1,295":284,"1,296":285,"1,297":286,"1,298":287,"1,299":288,"1,300":289,"1,301":290,"1,302":291,"1,303":292,"1,304":293,"1,305":294,"1,306":295,"1,307":296,"1,308":297,"1,309":298,"1,310":299,"1,311":300,"1,312":301,"1,313":302,"1,314":303,"1,315":304,"1,316":305,"1,317":306,"1,318":307,"1,319":308,"1,320":309,"1,321":310,"1,322":311,"1,323":312,"1,324":313,"1,325":314,"1,326":315,"1,327":316,"1,328":317,"1,329":318,"1,330":319,"1,331":320,"1,332":321,"1,333":322,"1,334":323,"1,335":324,"1,336":325,"1,337":326,"1,338":327,"1,339":328,"1,340":329,"1,341":330,"1,342":331,"1,343":332,"1,344":333,"1,345":334,"1,346":335,"1,347":336,"1,348":337,"1,349":338,"1,350":339,"1,351":340,"1,352":341,"1,353":342,"1,354":343,"1,355":344,"1,356":345,"1,357":346,"1,358":347,"1,359":348,"1,360":349,"1,361":350,"1,362":351,"1,363":352,"1,364":353,"1,365":354,"1,366":355,"1,367":356,"1,368":357,"1,369":358,"1,370":359,"1,371":360,"1,372":361,"1,373":362,"1,374":363,"1,375":364,"1,376":365,"1,377":366,"1,378":367,"1,379":368,"1,380":369,"1,381":370,"1,382":371,"1,383":372,"1,384":373,"1,385":374,"1,386":375,"1,387":376,"1,388":377,"1,389":378,"1,390":379,"1,391":380,"1,392":381,"1,393":382,"1,394":383,"1,395":384,"1,396":385,"1,397":386,"1,398":387,"1,399":388,"1,400":389,"1,401":390,"1,402":391,"1,403":392,"1,404":393,"1,405":394,"1,406":395,"1,407":396,"1,408":397,"1,409":398,"1,410":399,"1,411":400,"1,412":401,"1,413":402,"1,414":403,"1,415":404,"1,416":405,"1,417":406,"1,418":407,"1,419":408,"1,421":409,"1,422":410,"1,423":411,"1,424":412,"1,425":413,"1,426":414,"1,427":415,"1,428":416,"1,429":417,"1,430":418,"1,431":419,"1,432":420,"1,433":421,"1,434":422,"1,435":423,"1,436":424,"1,437":425,"1,438":426,"1,439":427,"1,440":428,"1,441":429,"1,442":430,"1,443":431,"1,445":432,"1,447":433,"1,448":434,"1,449":435,"1,450":436,"1,451":437,"1,452":438,"1,453":439,"1,454":440,"1,455":441,"1,456":442,"1,457":443,"1,458":444,"1,459":445,"1,460":446,"1,461":447,"1,462":448,"1,463":449,"1,464":450,"1,465":451,"1,466":452,"1,467":453,"1,468":454,"1,469":455,"1,470":456,"1,471":457,"1,473":458,"1,474":459,"1,475":460,"1,476":461,"1,477":462,"1,478":463,"1,479":464,"1,480":465,"1,481":466,"1,482":467,"1,483":468,"1,484":469,"1,485":470,"1,486":471,"1,487":472,"1,488":473,"1,489":474,"1,490":475,"1,491":476,"1,492":477,"1,493":478,"1,494":479,"1,495":480,"1,496":481,"1,497":482,"1,498":483,"1,499":484,"1,500":485,"1,501":486,"1,502":487,"1,503":488,"1,504":489,"1,505":490,"1,506":491,"1,507":492,"1,508":493,"1,509":494,"1,510":495,"1,511":496,"1,512":497,"1,513":498,"1,514":499,"1,515":500,"1,516":501,"1,517":502,"1,518":503,"1,519":504,"1,520":505,"1,521":506,"1,522":507,"1,523":508,"1,524":509,"1,525":510,"1,527":511,"1,528":512,"1,529":513,"1,530":514,"1,531":515,"1,532":516,"1,533":517,"1,534":518,"1,535":519,"1,536":520,"1,537":521,"1,538":522,"1,539":523,"1,540":524,"1,541":525,"1,542":526,"1,543":527,"1,544":528,"1,545":529,"1,546":530,"1,547":531,"1,548":532,"1,549":533,"1,550":534,"1,551":535,"1,552":536,"1,553":537,"1,554":538,"1,555":539,"1,556":540,"1,557":541,"1,558":542,"1,559":543,"1,560":544,"1,561":545,"1,562":546,"1,563":547,"1,564":548,"1,565":549,"1,566":550,"1,567":551,"1,568":552,"1,569":553,"1,570":554,"1,571":555,"1,572":556,"1,573":557,"1,574":558,"1,575":559,"1,576":560,"1,577":561,"1,578":562,"1,579":563,"1,580":564,"1,581":565,"1,582":566,"1,583":567,"1,584":568,"1,585":569,"1,586":570,"1,587":571,"1,589":572,"1,590":573,"1,591":574,"1,592":575,"1,593":576,"1,594":577,"1,595":578,"1,596":579,"1,597":580,"1,598":581,"1,599":582,"1,600":583,"1,601":584,"1,602":585,"1,603":586,"1,604":587,"1,605":588,"1,606":589,"1,607":590,"1,608":591,"1,609":592,"1,610":593,"1,611":594,"1,612":595,"1,613":596,"1,614":597,"1,615":598,"1,616":599,"1,617":600,"1,618":601,"1,619":602,"1,620":603,"1,621":604,"1,622":605,"1,623":606,"1,624":607,"1,625":608,"1,626":609,"1,627":610,"1,628":611,"1,629":612,"1,630":613,"1,631":614,"1,632":615,"1,633":616,"1,635":617,"1,637":618,"1,638":619,"1,639":620,"1,640":621,"1,641":622,"1,642":623,"1,643":624,"1,644":625,"1,645":626,"1,646":627,"1,647":628,"1,648":629,"1,649":630,"1,650":631,"1,651":632,"1,652":633,"1,653":634,"1,654":635,"1,655":636,"1,656":637,"1,657":638,"1,658":639,"1,659":640,"1,660":641,"1,661":642,"1,662":643,"1,663":644,"1,664":645,"1,665":646,"1,666":647,"1,667":648,"1,668":649,"1,669":650,"1,671":651,"1,673":652,"1,674":653,"1,675":654,"1,676":655,"1,677":656,"1,678":657,"1,679":658,"1,680":659,"1,681":660,"1,682":661,"1,683":662,"1,684":663,"1,685":664,"1,686":665,"1,687":666,"1,688":667,"1,689":668,"1,690":669,"1,691":670,"1,692":671,"1,693":672,"1,694":673,"1,695":674,"1,696":675,"1,697":676,"1,698":677,"1,699":678,"1,700":679,"1,701":680,"1,703":681,"1,704":682,"1,705":683,"1,706":684,"1,707":685,"1,708":686,"1,709":687,"1,710":688,"1,711":689,"1,712":690,"1,713":691,"1,714":692,"1,715":693,"1,716":694,"1,717":695,"1,718":696,"1,719":697,"1,720":698,"1,721":699,"1,722":700,"1,723":701,"1,724":702,"1,725":703,"1,726":704,"1,727":705,"1,728":706,"1,729":707,"1,730":708,"1,731":709,"1,732":710,"1,733":711,"1,734":712,"1,735":713,"1,736":714,"1,737":715,"1,738":716,"1,739":717,"1,740":718,"1,741":719,"1,743":720,"1,745":721,"1,746":722,"1,747":723,"1,748":724,"1,749":725,"1,750":726,"1,751":727,"1,752":728,"1,753":729,"1,754":730,"1,755":731,"1,756":732,"1,757":733,"1,758":734,"1,759":735,"1,760":736,"1,761":737,"1,762":738,"1,763":739,"1,764":740,"1,765":741,"1,767":742,"1,769":743,"1,770":744,"1,771":745,"1,772":746,"1,773":747,"1,774":748,"1,775":749,"1,776":750,"1,777":751,"1,778":752,"1,779":753,"1,780":754,"1,781":755,"1,782":756,"1,783":757,"1,784":758,"1,785":759,"1,786":760,"1,787":761,"1,788":762,"1,789":763,"1,790":764,"1,791":765,"1,792":766,"1,793":767,"1,794":768,"1,795":769,"1,796":770,"1,797":771,"1,798":772,"1,799":773,"1,800":774,"1,801":775,"1,803":776,"1,804":777,"1,805":778,"1,806":779,"1,807":780,"1,808":781,"1,809":782,"1,810":783,"1,811":784,"1,812":785,"1,813":786,"1,814":787,"1,815":788,"1,816":789,"1,817":790,"1,818":791,"1,819":792,"1,820":793,"1,821":794,"1,822":795,"1,823":796,"1,824":797,"1,825":798,"1,827":799,"1,828":800,"1,829":801,"1,830":802,"1,831":803,"1,832":804,"1,833":805,"1,834":806,"1,835":807,"1,836":808,"1,837":809,"1,838":810,"1,839":811,"1,840":812,"1,841":813,"1,842":814,"1,843":815,"1,844":816,"1,845":817,"1,846":818,"1,849":819,"1,850":820,"1,851":821,"1,852":822,"1,853":823,"1,855":824,"1,857":825,"1,858":826,"1,859":827,"1,861":828,"1,927":829,"1,928":830,"1,929":831,"1,930":832,"1,931":833,"1,932":834,"1,933":835,"1,934":836,"1,935":837,"1,936":838,"1,937":839,"1,938":840,"1,939":841,"1,940":842,"1,941":843,"1,942":844,"1,943":845,"1,944":846,"1,945":847,"1,946":848,"1,947":849,"1,948":850,"1,949":851,"1,950":852,"1,951":853,"1,952":854,"1,953":855,"1,954":856,"1,955":857,"1,956":858,"1,957":859,"1,958":860,"1,959":861,"1,960":862,"1,961":863,"1,962":864,"1,963":865,"1,964":866,"1,965":867,"1,966":868,"1,967":869,"1,968":870},"ٜ":{"1":[1,968]},"ٝ":["1,1","1,3","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,21","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,59","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,111","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,207","1,209","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,314","1,315","1,316","1,317","1,318","1,319","1,320","1,321","1,322","1,323","1,324","1,325","1,326","1,327","1,328","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,336","1,337","1,338","1,339","1,340","1,341","1,342","1,343","1,344","1,345","1,346","1,347","1,348","1,349","1,350","1,351","1,352","1,353","1,354","1,355","1,356","1,357","1,358","1,359","1,360","1,361","1,362","1,363","1,364","1,365","1,366","1,367","1,368","1,369","1,370","1,371","1,372","1,373","1,374","1,375","1,376","1,377","1,378","1,379","1,380","1,381","1,382","1,383","1,384","1,385","1,386","1,387","1,388","1,389","1,390","1,391","1,392","1,393","1,394","1,395","1,396","1,397","1,398","1,399","1,400","1,401","1,402","1,403","1,404","1,405","1,406","1,407","1,408","1,409","1,410","1,411","1,412","1,413","1,414","1,415","1,416","1,417","1,418","1,419","1,421","1,422","1,423","1,424","1,425","1,426","1,427","1,428","1,429","1,430","1,431","1,432","1,433","1,434","1,435","1,436","1,437","1,438","1,439","1,440","1,441","1,442","1,443","1,445","1,447","1,448","1,449","1,450","1,451","1,452","1,453","1,454","1,455","1,456","1,457","1,458","1,459","1,460","1,461","1,462","1,463","1,464","1,465","1,466","1,467","1,468","1,469","1,470","1,471","1,473","1,474","1,475","1,476","1,477","1,478","1,479","1,480","1,481","1,482","1,483","1,484","1,485","1,486","1,487","1,488","1,489","1,490","1,491","1,492","1,493","1,494","1,495","1,496","1,497","1,498","1,499","1,500","1,501","1,502","1,503","1,504","1,505","1,506","1,507","1,508","1,509","1,510","1,511","1,512","1,513","1,514","1,515","1,516","1,517","1,518","1,519","1,520","1,521","1,522","1,523","1,524","1,525","1,527","1,528","1,529","1,530","1,531","1,532","1,533","1,534","1,535","1,536","1,537","1,538","1,539","1,540","1,541","1,542","1,543","1,544","1,545","1,546","1,547","1,548","1,549","1,550","1,551","1,552","1,553","1,554","1,555","1,556","1,557","1,558","1,559","1,560","1,561","1,562","1,563","1,564","1,565","1,566","1,567","1,568","1,569","1,570","1,571","1,572","1,573","1,574","1,575","1,576","1,577","1,578","1,579","1,580","1,581","1,582","1,583","1,584","1,585","1,586","1,587","1,589","1,590","1,591","1,592","1,593","1,594","1,595","1,596","1,597","1,598","1,599","1,600","1,601","1,602","1,603","1,604","1,605","1,606","1,607","1,608","1,609","1,610","1,611","1,612","1,613","1,614","1,615","1,616","1,617","1,618","1,619","1,620","1,621","1,622","1,623","1,624","1,625","1,626","1,627","1,628","1,629","1,630","1,631","1,632","1,633","1,635","1,637","1,638","1,639","1,640","1,641","1,642","1,643","1,644","1,645","1,646","1,647","1,648","1,649","1,650","1,651","1,652","1,653","1,654","1,655","1,656","1,657","1,658","1,659","1,660","1,661","1,662","1,663","1,664","1,665","1,666","1,667","1,668","1,669","1,671","1,673","1,674","1,675","1,676","1,677","1,678","1,679","1,680","1,681","1,682","1,683","1,684","1,685","1,686","1,687","1,688","1,689","1,690","1,691","1,692","1,693","1,694","1,695","1,696","1,697","1,698","1,699","1,700","1,701","1,703","1,704","1,705","1,706","1,707","1,708","1,709","1,710","1,711","1,712","1,713","1,714","1,715","1,716","1,717","1,718","1,719","1,720","1,721","1,722","1,723","1,724","1,725","1,726","1,727","1,728","1,729","1,730","1,731","1,732","1,733","1,734","1,735","1,736","1,737","1,738","1,739","1,740","1,741","1,743","1,745","1,746","1,747","1,748","1,749","1,750","1,751","1,752","1,753","1,754","1,755","1,756","1,757","1,758","1,759","1,760","1,761","1,762","1,763","1,764","1,765","1,767","1,769","1,770","1,771","1,772","1,773","1,774","1,775","1,776","1,777","1,778","1,779","1,780","1,781","1,782","1,783","1,784","1,785","1,786","1,787","1,788","1,789","1,790","1,791","1,792","1,793","1,794","1,795","1,796","1,797","1,798","1,799","1,800","1,801","1,803","1,804","1,805","1,806","1,807","1,808","1,809","1,810","1,811","1,812","1,813","1,814","1,815","1,816","1,817","1,818","1,819","1,820","1,821","1,822","1,823","1,824","1,825","1,827","1,828","1,829","1,830","1,831","1,832","1,833","1,834","1,835","1,836","1,837","1,838","1,839","1,840","1,841","1,842","1,843","1,844","1,845","1,846","1,849","1,850","1,851","1,852","1,853","1,855","1,857","1,858","1,859","1,861","1,927","1,928","1,929","1,930","1,931","1,932","1,933","1,934","1,935","1,936","1,937","1,938","1,939","1,940","1,941","1,942","1,943","1,944","1,945","1,946","1,947","1,948","1,949","1,950","1,951","1,952","1,953","1,954","1,955","1,956","1,957","1,958","1,959","1,960","1,961","1,962","1,963","1,964","1,965","1,966","1,967","1,968"],"ٞ":{"2":[1],"5":[2,3,4],"9":[5],"13":[6],"15":[7],"16":[8],"18":[9],"19":[10,11],"22":[12],"23":[13],"24":[14],"25":[15],"27":[16],"28":[17],"42":[18],"44":[19],"45":[20],"46":[21],"47":[22,23],"48":[24],"49":[25,26],"50":[27],"51":[28,29],"52":[30],"53":[31],"54":[32],"55":[33],"70":[34],"76":[35],"77":[36],"78":[37],"86":[38],"90":[39,40],"93":[41],"97":[42],"98":[43],"104":[44],"105":[45,46,47,48],"110":[49],"115":[50],"133":[51,52,53],"143":[54],"149":[55,56,57],"158":[58],"164":[59,60],"174":[61],"188":[62,63],"191":[64],"193":[65,66],"196":[67],"198":[68],"199":[69],"200":[70,71,72],"201":[73],"203":[74,75],"211":[76],"220":[77],"224":[78],"228":[79],"231":[80,81],"232":[82],"233":[83],"234":[84,85],"235":[86,87],"237":[88],"245":[89],"247":[90],"253":[91,92],"260":[93],"304":[94],"312":[95],"315":[96,97],"316":[98],"318":[99],"326":[100],"327":[101],"329":[102],"363":[103],"391":[104],"409":[105],"410":[106,107],"411":[108],"412":[109],"414":[110],"416":[111],"417":[112],"424":[113],"429":[114],"432":[115],"433":[116,117,118],"434":[119],"437":[120],"438":[121],"441":[122],"445":[123],"449":[124],"451":[125],"453":[126],"457":[127],"458":[128,129],"459":[130],"462":[131],"467":[132],"478":[133,134,135],"494":[136,137],"503":[138],"507":[139],"510":[140],"511":[141,142],"512":[143,144],"513":[145],"516":[146],"517":[147],"520":[148],"539":[149,150],"540":[151],"541":[152],"544":[153],"549":[154],"554":[155],"558":[156],"560":[157],"565":[158],"567":[159,160],"569":[161,162],"571":[163],"572":[164,165],"573":[166],"574":[167,168],"578":[169],"601":[170,171],"609":[172],"611":[173],"612":[174],"613":[175,176],"617":[177],"618":[178,179],"619":[180],"620":[181],"625":[182],"633":[183,184],"634":[185],"637":[186],"640":[187,188,189],"641":[190],"647":[191],"650":[192],"651":[193],"652":[194,195],"654":[196],"658":[197],"665":[198,199],"673":[200],"676":[201],"680":[202],"681":[203,204,205],"686":[206],"689":[207],"691":[208],"693":[209],"697":[210],"706":[211,212,213],"707":[214],"715":[215],"720":[216],"721":[217,218],"722":[219],"728":[220,221,222],"729":[223,224],"730":[225],"731":[226],"732":[227],"736":[228],"739":[229],"742":[230],"743":[231,232],"749":[233],"758":[234,235],"759":[236],"762":[237],"773":[238],"775":[239],"776":[240],"783":[241],"788":[242,243],"789":[244],"795":[245],"796":[246],"798":[247],"799":[248,249],"805":[250],"810":[251],"813":[252,253],"815":[254],"819":[255],"822":[256],"823":[257],"829":[258]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"آراء ابن عجيبة العقدية\nعرضًا ونقدًا\n\nتأليف الدكتور:\nعبد الهادي بن عوض العمري","vol":"1","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1>المقدمة</span>\n١. أهمية الموضوع وأسباب اختياره\n٢. أهدف البحث\n٣. الدراسات السابقة\n٤. خطة البحث\n٥. الصعوبات التي واجهت الباحث\n٦. منهج البحث\n٧. الشكر والتقدير","vol":"1","page":3},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n\nإن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلَّ له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أنَّ محمَّدًا عبدهُ ورسوله.\n﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (^١).\n﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (^٢).\n﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (^٣).\nأما بعد:\nفإنَّ الخيرية الثابتة بالكتاب والسُّنَّة لهذه الأُمَّة تتحقق باقتفاء أثر رسول الله - ﷺ - وصحابته وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين، فمن سلك سبيل الهدى نجا ومن حاد عنها ضلَّ وغوى، والنجاة من الضلالة لا تتم إلا بالاعتصام بالكتاب والسُّنَّة علمًا وعملًا ودعوةً وبيانًا، ومن فضل الله - ﷿ - على أُمَّة محمَّدٍ - ﷺ - أن قيَّض في كلِّ زمانٍ ومكان من يُبيِّن للناس انتحال المبطلين وتأويل الجاهلين ومغالات الغالين، ومن بيان\n_________\n(^١) سورة آل عمران: ١٠٢.\n(^٢) سورة النساء: ١.\n(^٣) سورة الأحزاب: ٧٠ - ٧١.","vol":"1","page":5},{"text":"ذلك دراسة المؤلفات التي انتشرت بين الناس في مشارق الأرض ومغاربها وسطرتها أقلام ناس وثق بهم قومهم لما رأوا فيهم من صلاحٍ وضربٍ في شتى العلوم النقلية والعقلية ومؤلفاتٍ عديدة، فغرَّهم ذلك وانطوت عليهم تلك التأويلات الفاسدة والمحرَّفة؛ فظنُّوا أنه الحق، ولولا أنَّ أصحاب هذا القول كثروا وظهروا لم يكن بنا حاجة إلى بيان فساد هذه الأقوال، وإيضاح هذا الضلال.\nوكان من بين القوم أحمد بن عجيبة، الذي ضرب بحظٍّ وافرٍ في التفسير والحديث، واللغة، والأدب، والتصوف، والعقائد، فألَّف ما يربو على خمسةٍ وأربعين كتابًا، تداولها الناس من عصره إلى يومنا هذا، وله مكانة عند الصوفية، وضريحه أصبح مزارًا.\nلذلك استخرت الله - ﷿ - ثم استشرت أولي الفضل بأن تكون رسالتي لنيل درجة الدكتوراه بعنوان: آراء ابن عجيبة العقدية -عرضًا ونقدًا-، والله أسأل التوفيق والسَّداد.\nد. عبد الهادي بن عوض العمري\nabdulhadi.alamri ٩٢@gmail.com","vol":"1","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>أهمية الموضوع وأسباب اختياره:</span>\n١ - المخالفات العقدية التي بثَّها ابن عجيبة في كتبه لا سيَّما تفسيره (البحر المديد في تفسير القرآن المجيد)، وكثرة كتبه وتنوعها، وفيها حكى وتكلَّم عن قضايا عقدية كثيرة.\n٢ - أنه مؤسِّسٌ لإحدى الطرق الصوفية، وهي الطريقة الدرقاوية.\n٣ - عناية المتصوفة بكتبه ونشرها والدفاع عنه ومدحه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3>أهدف البحث:</span>\n١ - جمع آراء ابن عجيبة العقدية.\n٢ - دراسة آراء ابن عجيبة في ضوء عقيدة أهل السُّنَّة والجماعة.\n٣ - تقرير وبيان مذهب أهل السُّنَّة والجماعة في المسائل التي خالف فيها ابن عجيبة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4>الدراسات السابقة:</span>\nبعد البحث والدراسة لم أجد من كتب عن آراء ابن عجيبة العقدية ولكن وجدت رسالة بعنوان: (ابن عجيبة وآراؤه الصوفية، دراسة تحليلية نقدية)، للباحث: علاء عشماوي زيدان عشماوي، من جامعة المنوفية كلية الآداب قسم الفلسفة، وهي دراسة لنيل درجة الماجستير، قام الباحث بالمقارنة بين ابن عجيبة وآراء أعلام التصوف السابقين عليه واللاحقين لبيان مدى التأثير وما إذا كان هناك ثمة جديد أتى به أو انفرد به، وبيَّن الباحث مدى ما تمتَّع به ابن عجيبة -من وجهة نظره- من ثراء فكري واهتمام كبير بالتصوف ورجاله وعن دوره في تبسيط الحقائق الصوفية.","vol":"1","page":7},{"text":"وحسب اطلاعي على فحوى رسالته تبيَّن لي:\nأولًا: أنَّ دراسةَ الباحث خاصَّةٌ بآراء ابن عجيبة الصوفية، ولم يدرس آراءَه العقدية.\nوجاءت رسالة الباحث في خمسة فصول:\nالفصل الأول: ابن عجيبة النشأة والتكوين الصوفي.\nالفصل الثاني: مفهوم التصوف عند ابن عجيبة ولغته الرمزية.\nالفصل الثالث: طريق التصوف عند ابن عجيبة والفناء في الحقيقة المطلقة.\nالفصل الرابع: المعرفة الصوفية عند ابن عجيبة بين النظرية والتطبيق.\nالفصل الخامس: موقف ابن عجيبة من قضايا التصوف الفلسفي.\nوهي تختلف عما سأقوم به إن شاء الله - ﷿ - من دراسة آرائه العقدية -عرضًا ونقدًا-وفق منهج أهل السُّنَّة والجماعة.\nثانيًا: أنَّ دراسة الباحث لم تكن مبنيَّةً على منهج أهل السُّنَّة والجماعة في العرض والنقد، وبيان حقيقة التصوف وموقف أهل السُّنَّة والجماعة منه.\nثالثًا: أنَّ الباحث أثناء كلامه عن ابن عجيبة يثني ثناءً كبيرًا على آرائه الصوفية، ويصف مؤلفاته -المليئة بالمخالفات العقدية- بالتراث الكبير، ويصفه بالشخصية الصوفية الكبيرة، وهذا قول الموافق لا المخالف.\nرابعًا: أنَّ طريقة الباحث في دراسته لفصول رسالته أراد بيان آراء ابن عجيبة الصوفية وجهوده في الدفاع عن التصوف، وتقريب منهجه لكلِّ مريدٍ وباحثٍ في التصوف على حدِّ زعمه.\nوأما الفرق بين دراستي للموضوع ودراسة الباحث فلا وجه للمقارنة","vol":"1","page":8},{"text":"بينهما، لكن على سبيل الإجمال لا التفصيل أُضيف إلى ما سبق:\nأولًا: اشتملت خطة بحثي على باب بأكمله في مصادر التلقِّي عند ابن عجيبة، وهذا لم يتطرَّق له الباحث.\nثانيًا: اشتملت خطة بحثي على باب في آراء ابن عجيبة في أصول الإيمان ومسائله، وهذا لم يذكره الباحث.\nثالثًا: ذكرت في خطتي آراء ابن عجيبة في الولاية والكرامة، وهذا لم يذكره الباحث.\nرابعًا: اشتملت خطتي على موقف ابن عجيبة من أعلام الصوفية وطرقها، وهذا لم يذكره الباحث.\nخامسًا: ذكرت في الفصل السادس التعريف بالطريقة الدرقاوية ودوره في تأسيسها وموقف علماء أهل السُّنَّة منها، وهذا لم يذكره أيضًا.\nوثمة رسائل في فنونٍ أخرى، لا تَمُتُّ إلى الموضوع بصلة، وهي:\n١ - الشيخ ابن عجيبة ومنهجه في التفسير، للدكتور: حسن عزوزي، طبعة وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالرباط، ١٤٢٢ هـ، ٢٠٠١ م، تناول الباحث في رسالته منهج ابن عجيبة في تفسيره وقال: إن ابن عجيبة يذكر أسباب النزول بدون دقة، ولا عزو في كثير من المواضع، ويتعرض لفضائل السور والآيات، وتعرض الباحث لموقف ابن عجيبة من تفسير القرآن بأقوال السلف، وقال: لا يتعرض ابن عجيبة لسوق الآثار إلا قليلًا وفيها بواطلُ، وذكر الدكتور موقف ابن عجيبة من السيرة والتاريخ وذكر الغزوات، ومنهج ابن عجيبة من الإسرائيليات وأنه يذكرها بدون تمحيص، فلا علاقة لهذه الدراسة بموضوع بحثي.","vol":"1","page":9},{"text":"٢ - تحقيق البحر المديد رسالة دكتوراه للباحث: أحمد عبد الله القرشي رسلان من كلية أصول الدين بطنطا، جامعة الأزهر.\n٣ - أحمد بن عجيبة شاعر التصوف المغربي، للدكتور نور الدين ناس الفقيه، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة من كلية الآداب بجامعة سيدي محمد بن عبد الله، بفاس، قام الباحث بدراسة شعر ابن عجيبة في سياق رصد ما يزخر به المتن الشعري الصوفي بالمغرب من مميزات موضوعية فنية، رجع فيه إلى ديوان شعر ابن عجيبة، وكتاب (معراج التشوف إلى حقائق التصوف) ووجد فيه عددًا من المصطلحات الصوفية التي تخدم بحثه.\n٤ - دراسة شرح ابن عجيبة على الحكم العطائية، للباحث: محمد محمدي سليمان، رسالة ماجستير من كلية الآداب بجامعة الإسكندرية.\nوالخلاصة أنَّ موضوع (آراء ابن عجيبة العقدية، عرضًا ونقدًا) لم يُكتب فيه بحثٌ وفق منهج أهل السُّنَّة والجماعة -حسب علمي-، والله أسأل أن يوفقني فيه للصواب.","vol":"1","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5>خطة البحث:</span>\nتتكون الرسالة من مقدمة وتمهيد، وثلاثة أبواب، وخاتمة، وفهارس.\nالمقدمة، وفيها:\nأهمية الموضوع وأسباب اختياره، وأهداف البحث، والدراسات السابقة وخطة البحث، ومنهجه.\nالتمهيد، وفيه:\n- ترجمة ابن عجيبة ترجمة موجزة.\n- التعريف بالطرق الصوفية إجمالًا.\nالباب الأول: مصادر التلقي عند ابن عجيبة، وفيه فصلان:\nالفصل الأول: الكتاب والسُّنَّة، وفيه مبحثان:\nالمبحث الأول: الكتاب.\nالمبحث الثاني: السُّنَّة.\nالفصل الثاني: المصادر الصوفية في التلقي، وفيه خمسة مباحث:\nالمبحث الأول: الكشف.\nالمبحث الثاني: الذوق.\nالمبحث الثالث: الوجد.\nالمبحث الرابع: الرؤى والحكايات.\nالمبحث الخامس: دعوى التلقِّي عن الخضر - ﵇ -.\nالباب الثاني: آراء ابن عجيبة في أصول الإيمان ومسائله، وفيه سبعة فصول:\nالفصل الأول: آراؤه في الإيمان بالله، وفيه ثلاثة مباحث:\nالمبحث الأول: مسائل الربوبية.\nالمبحث الثاني: مسائل الأسماء والصفات.\nالمبحث الثالث: مسائل الألوهية.\nالفصل الثاني: آراؤه في الإيمان بالملائكة، وفيه ثلاثة مباحث:","vol":"1","page":11},{"text":"المبحث الأول: معنى الإيمان بالملائكة.\nالمبحث الثاني: خلق الملائكة.\nالمبحث الثالث: المفاضلة بين الملائكة وصالحي البشر.\nالفصل الثالث: آراؤه في الإيمان بالكتب، وفيه مبحثان:\nالمبحث الأول: تعريف الكتب.\nالمبحث الثاني: منزلة الإيمان بالكتب من الإيمان.\nالفصل الرابع: آراؤه في الإيمان بالرسل، وفيه ثلاثة مباحث:\nالمبحث الأول: الإيمان بالرسل والأنبياء عمومًا.\nالمبحث الثاني: الفرق بين النبي والولي.\nالمبحث الثالث: عقيدته في الرسول محمد - ﷺ -.\nالفصل الخامس: آراؤه في الإيمان باليوم الآخر، وفيه ثلاثة مباحث:\nالمبحث الأول: أشراط الساعة.\nالمبحث الثاني: أحوال اليوم الآخر.\nالمبحث الثالث: الجنَّة والنَّار.\nالفصل السادس: آراؤه في الإيمان بالقدر، وفيه ثلاثة مباحث:\nالمبحث الأول: معنى القدر ومراتبه.","vol":"1","page":12},{"text":"المبحث الثاني: أفعال العباد.\nالمبحث الثالث: المشيئة والإرادة.\nالفصل السابع: آراؤه في مسائل الإيمان، وفيه ثلاثة مباحث:\nالمبحث الأول: مفهوم الإيمان والفرق بينه وبين الإسلام.\nالمبحث الثاني: زيادة الإيمان ونقصانه.\nالمبحث الثالث: حكم مرتكب الكبيرة.\nالباب الثالث: آراء ابن عجيبة الصوفية، وفيه ستة فصول:\nالفصل الأول: المريد والشيخ، وفيه مبحثان:\nالمبحث الأول: مفهوم المريد والشيخ.\nالمبحث الثاني: الصلة بين المريد والشيخ.\nالفصل الثاني: الولاية والكرامة، وفيه مبحثان:\nالمبحث الأول: الولاية ومراتب الأولياء.\nالمبحث الثاني: الكرامة وأقسامها.\nالفصل الثالث: الحلول والاتحاد ووحدة الوجود، وفيه مبحثان:\nالمبحث الأول: الحلول والاتحاد.\nالمبحث الثاني: وحدة الوجود.\nالفصل الرابع: الأحوال والمقامات، وفيه ثلاثة مباحث:\nالمبحث الأول: الأحوال.\nالمبحث الثالث: المقامات.\nالمبحث الثالث: الصلة بين الأحوال والمقامات.","vol":"1","page":13},{"text":"الفصل الخامس: موقفه من أعلام الصوفية وطرقها وأثره على من بعده، وفيه ثلاثة مباحث:\nالمبحث الأول: موقفه من أعلام الصوفية.\nالمبحث الثاني: موقفه من طرقها.\nالمبحث الثالث: أثره على من بعده.\nالفصل السادس: التعريف بالطريقة الدرقاوية ودوره في تأسيسها، وموقف علماء أهل السُّنَّة منها، وفيه ثلاثة مباحث:\nالمبحث الأول: التعريف بالطريقة الدرقاوية.\nالمبحث الثاني: دوره في تأسيسها.\nالمبحث الثالث: موقف أعلام السُّنَّة من الطريقة الدرقاوية.\nالخاتمة: وفيها أهم النتائج والتوصيات.\nالفهارس العلمية.\n١ - فهرس الآيات القرآنية.\n٢ - فهرس الأحاديث والآثار.\n٣ - فهرس الأعلام المترجم لهم.\n٤ - فهرس المصطلحات والغريب.\n٥ - فهرس الأماكن والبلدان.\n٦ - فهرس الفرق والمذاهب.\n٧ - فهرس المصادر والمراجع.\n٨ - فهرس الموضوعات.","vol":"1","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-6>الصعوبات التي واجهت الباحث:</span>\n١ - كثرة كتب ابن عجيبة وعدم توفرها في مكتبات المملكة العربية السعودية، مما جعل الباحث يسافر عدة مرات إلى المملكة المغربية وينقِّب في المكتبات للحصول عليها.\n٢ - ظهر للباحث أن لابن عجيبة مخطوطات، وهذا مما أثقل هم الباحث في معرفة أماكنها وطريقة الحصول عليها، رغم أن الباحث لم يدون في منهج بحثه أنه سيرجع إليها، ولكن الله - ﷿ - يسرَّ للباحث التواصل مع السفارة السعودية في المملكة المغربية، وأخذ خطابًا من الدكتور خالد بن فرج آل مطلق الملحق الثقافي- السابق- بالرباط موجهًا للجامعات المغربية والخزانات المختصة بالمخطوطات لتسهيل إجراءات البحث والاطلاع، والحصول على نسخ من المواضيع والمخطوطات التي تهم الباحث.\n٣ - صعوبة قراءة المخطوطات فلقد كُتبت بخط الرعشة المغربي، مما تطلَّب بذل الجهد في قراءتها والاستعانة بمن يوثق به وله دراية بقراءة خط الرعشة.\n٤ - آثرت أن أوثِّق ما كتبته في المقدمة بأن له ضريحًا يزوره الصوفية كل سنة، فاستشرت فضيلة المشرف على الرسالة أن أذهب إلى مكان الضريح، وأوثق ذلك بالصور لكي لا يكون الكلام جزافًا، فشدَّ من أزري وشجَّعني على ذلك، ولكن الأمر لم يكن سهلًا كما ظننته؛ لأن مكان الضريح يوجد في منطقة يقال لها خميس الانجرا (^١) والتي تبعد عن مدينة طنجة ٦٠ كلم، إلا أن الضريح لا يوجد في هذه\n_________\n(^١) خميس الانجرا: لم أجد معلومات عنها في الكتب، ولكن سألت مغربيًّا فقال: هي قرية صغيرة يجتمع الناس فيها كل خميس؛ لأنَّ فيها سوقًا يُقام كلّ خميس يسمى سوق الانجرا، وسكانها بيوتهم متفرقة في نواحي هذه القرية.","vol":"1","page":15},{"text":"الأخيرة بل يوجد في أعلى الجبل في منطقة يقال لها الزميج، وعند وصولي إليه وجدت رجلًا مسنًّا معه مفتاح للضريح، ففتح لي، وقمت بتوثيق ضريحه، وكذلك أضرحة أبنائه.\nثم ذهبت بعد ذلك لتوثيق ضريح صاحب الطريقة الدرقاوية في منطقة بني زروال والتي توجد في شمال مدينة تطوان، وكل ذلك موثق في ملاحق الرسالة.\n٥ - كثرة استخدام ابن عجيبة للرموز الصوفية، مما جعل عباراته غامضة، فقد يلبس على من ليس له دراية بكلام القوم بأنَّه على حق، خاصة في كتابه البحر المديد، الذي سار في منهجه بتفسير الآيات بالظاهر والباطن، وهذا يتطلب الرجوع إلى كافة كتبه ومخطوطاته لكي يكون الحكم على قوله دقيقًا ومنصفًا.","vol":"1","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-7>منهج البحث:</span>\nسلكت في كتابة هذا البحث المنهج الاستقرائي التحليلي النقدي وفق ما يلي:\n١ - جمع المادة العلمية ومعرفة آرائه العقدية.\n٢ - نقدها في ضوء مذهب السلف.\n٣ - عزو الآيات القرآنية الواردة في البحث إلى مواضعها من القرآن الكريم بذ كر اسم السورة ورقم الآية مع كتابتها بالرسم العثماني.\n٤ - تخريج الأحاديث النبوية من مصادرها الأصلية، فإن كان الحديث في الصحيحين أو أحدهما اكتفيت به وإلا خرجته من مظانه مع ذكر حكم الأئمة عليه.\n٥ - توثيق الآثار الواردة في البحث إلى مصادرها.\n٦ - شرح الألفاظ الغريبة.\n٧ - التعريف بالفرق والطوائف والمذاهب والأماكن والبلدان.\n٨ - تذييل البحث بالفهارس اللازمة.\n٩ - التعريف بالأعلام غير المشتهرين.","vol":"1","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-8>الشكر والتقدير</span>\nالحمد لله - ﷿ - الذي أنعم عليَّ بفضله وكرمه على إتمام هذا البحث.\nوالشكر الجزيل لمن قرن الله - ﷿ - شكره بشكرهما فقال في كتابه الكريم: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ (^١) والداي اللذان ربياني صغيرًا وسهَّلا لي طلب العلم بتشجيعهما ودعائهما، وأسأل الله - ﷿ - أن يوفقني لبرِّهما ويمتّعني بصحتهما، والشكر كذلك لزوجتي أم صهيب لصبرها وجهودها.\nوعملًا بقول النبي - ﷺ -: «من صنع لكم معروفًا فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئونه فادعوا له حتى تروا أنكم قد كافأتموه» (^٢)، وقوله - ﷺ -: «لا يشكرُ اللهَ من لا يشكرُ النَّاسَ» (^٣)؛ فإنِّي أتوجه بالشكر الجزيل لفضيلة الشيخ الدكتور عبد الرحمن بن عبد الله التركي الأستاذ بقسم العقيدة والمذاهب المعاصرة على تفضُّله بالإشراف على هذه الرسالة ومتابعتي وحثِّي دائمًا على الدقَّةِ في الألفاظ والتحرِّي في الصواب مما كان له أثر في إخراج هذا البحث بحلَّته التي أرجو أن يكون على النحو المأمول.\nوأتوجَّه بالشكر أيضًا للمناقِشَين الكريمين اللذين تفضَّلا بفحص هذه الرسالة وتقويمها، وهما: أ. د. عبد الله بن محمد السَّند، (عميد كلية أصول الدين بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية- سابقًا- والأستاذ بقسم العقيدة والمذاهب\n_________\n(^١) سورة لقمان: ١٤.\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد، ٩/ ٢٦٦، رقم ٥٣٦٥، وأبو داود، كتاب الزكاة، باب عطية من سأل بالله، ٢/ ٣١٠، رقم ١٦٧٢، والنسائي، كتاب الزكاة، باب من سأل بالله ﷿، ٥/ ٨٢، من حديث ابن عمر - ﵄ -، والحديث صحَّحه الألباني في صحيح سنن أبي داود ١/ ٣١٤.\n(^٣) أخرجه أبو داود، كتاب الأدب، باب في شكر المعروف ٥/ ١٥٧، رقم ٤٨١١، والترمذي، كتاب البر والصلة، باب ما جاء في الشكر لمن أحسن إليك ٤/ ٢٩٩، رقم ١٩٥٤، وصحَّحه الألباني في صحيح سنن الترمذي رقم ١٥٩٢.","vol":"1","page":18},{"text":"المعاصرة)، وأ. د. سليمان بن سالم السُّحيمي (رئيس قسم العقيدة بكلية الدعوة وأصول الدين بالجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية سابقًا).\nكما أتوجه بالشكر إلى جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ممثلةً في كلية أصول الدين قسم العقيدة والمذاهب المعاصرة على ما تقدِّمه لطلابها من اهتمامٍ وحسن رعاية.\nولا يفوتني أن أشكر مدير تعليم المدينة النبوية الأستاذ ناصر بن عبد الله العبد الكريم على تشجيعه لمنسوبي إدارته من مشرفين ومعلمين، وتذليل الصعوبات لهم لإكمال الدراسات العليا لمرحلتي الماجستير والدكتوراه في الجامعات الداخلية والخارجية، مما يحقق الأثر المنشود والنفع الموعود بإذن الله - ﷿ - لهذه الدولة المباركة المملكة العربية السعودية.\nوالشكر أيضًا للملحقية الثقافية السعودية في مدينة الرباط بدولة المغرب على اهتمامهم وتزويدهم لي ببعض الكتب والمراجع التي كانت مهمة في بحثي من داخل مكتبة الملحقية أو من خارجها، وشكري الخاص لمدير الملحقية الأستاذ عبد الله البخيت على حفاوة الاستقبال والحرص على بذل كل ما في الوسع من تزويدي ببعض المراجع.\nوكذلك شكري وتقديري لمن فتح لي بيته وقلبه في مدينة الرياض أثناء دراستي لمنهجية الدكتوراه الأخ الفاضل اللواء مرزوق بن مبيريك الحربي، قائد المجموعة المرافقة، والمشرف على الحراسة لصاحب السمو الملكي الأمير نايف بن عبد العزيز آل سعود - ﵀ - والمستشار لوزير الداخلية صاحب السمو الملكي الأمير عبد العزيز بن سعود بن نايف آل سعود فجزاه الله خيرًا وجعل ذلك في موازين حسناته.","vol":"1","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-9>التمهيد</span>\nوفيه:\n١ - ترجمة ابن عجيبة ترجمة موجزة\n٢ - التعريف بالطرق الصوفية إجمالا","vol":"1","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-10>ترجمة ابن عجيبة ترجمة موجزة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-11>أولًا: اسمه ونسبه وكنيته</span>\nقال: أنا أحمد بن محمد بن المهدي بن الحسين بن محمد بن عجيبة الحجوجي (^١)، ثم يذكر بعد ذلك الصلة بين عبد الله بن عجيبة والبيت الحجوجي فيقول: \"الحجوجي بن سيدي بن عبد الله بن عجيبة ثم إلى سيدي سحنون ابن مولاي إبراهيم بن مولاي محمد بن مولاي موسى بن مولاي بن عبد الله ثم إلى مولاي أحمد بن مولاي إدريس الأصغر بن مولاي إدريس الأكبر، هكذا رأيت بخط جدي الحسين المذكور أعني الجمع بين النسبتين ابن عجيبة والحجوجي\" (^٢).\nأما كنيته فيكنَّى بأبي العبَّاس (^٣).\nوالملاحظ أن ابن عجيبة يصر على أن يلصق نسبه بآل البيت (^٤)، فأكد على نسبته بعبد الله ابن عجيبة الذي يتصل نسبه بالأدارسة (^٥) أشراف المغرب.\n_________\n(^١) وهذا اللَّقب أُطلق على جدِّه -بزعمه- أنَّه يقف كل عام مع الحجاج بعرفة على سبيل الطي وخرق العادة، وهذا ديدن الصوفية من الخرافات التي لا يصدقها من لديه أدنى مسكة عقل. ينظر: الفهرسة، لابن عجيبة، ص ١٦.\n(^٢) الفهرسة، ص ١٦.\n(^٣) ينظر: شجرة النور الزكية في طبقات المالكية ١/ ٥٢٦.\nوقد أخطأ محمد مخلوف في كتابه شجرة النور الزكية عند ترجمته لابن عجيبة بقوله: \"هو أحمد بن عجيبة الفاسي\"، وعُرف عن ابن عجيبة أن مركزه الأصل في بني زروال ثم انتقل إلى تطوان واستقرَّ بها، وأمَّا القول بأنه فاسي فإنَّه خطأ، فهو زار فاس للعلم ولم يمكث بها، وكذلك أخطأ في زمن وفاته، حيث قال: توفي سنة ١٢٦٦ هـ، وإنما كانت وفاته سنة ١٢٢٤ هـ. ينظر: شجرة النور الزكية في طبقات المالكية ٢/ ٤٢٦.\n(^٤) ومن تتبَّع كتب المتصوفة يجد أنَّ شيوخ المتصوفة يلصقون أنفسهم إمَّا بالحسن أو الحسين عن طريق الرؤى؛ لكي تكون لهم حظوة عند أتباعهم، ينظر: طبقات الشاذلية الكبرى، ص ٢٦٦.\n(^٥) الأدارسة: بطنٌ من بني الحسن السبط أمير المؤمنين علي بن أبي طالب من بني هاشم من العدنانية، وهم بنو إدريس بن عبد الله بن الحسن المثنى بن الحسن السبط بن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، كان لهم ملكٌ بالمغرب الأقصى، وكان السبب في ذلك أنَّه خاف من الهادي العباسي ففرَّ إلى بلاد المغرب فتعصَّب له متعصِّبون وملك المغرب الأقصى سنة ثلاث وسبعين ومائة، ثم ملك بعده أولاده إلى أن غلبهم على ذلك المنصور بن أبي عامر من القحطانية، واستولى على ما بيدهم من ذلك مع ما بيده من الأندلس. ينظر: نهاية الأرب في معرفة أنساب العرب ١/ ٥٩.","vol":"1","page":23},{"text":"وهذا يظهر من خلال النقاط الآتية:\n١ - عدم موافقة بيت عبد الله بن عجيبة على ذلك، فقد سعوا إلى عزلهم.\nقال ابن عجيبة: \"ولقد وقعت مشاجرة كبيرة بين الفريقين في حياة شيخنا العلامة سيدي عبد الكريم بن قريش حين أرادوا أن يعزلونا من نسب الشيخ ابن عجيبة\" (^١).\n٢ - ابن عجيبة كان يعُرف آباؤه باسم الحجوجي.\n٣ - تسمية ابن عجيبة لم تكن مشتهرة له سوى لأبناء عبد الله ابن عجيبة، والذي زعم ابن عجيبة أن جده الحسين بن محمد هو ابن أخيه.\nيقول ابن عجيبة: \"ولم نقف أيضًا على تحقيق نسبه أعني سيدي الحسين، غير أن الظن القوي به أنه من قرابة شيخه عبد الله بن عجيبة، بل ولد أخيه\" (^٢).\n٤ - شك في نسبه، يقول: \" ... فقلت له يا سيدي (^٣)، هل وقفت على صحة نسبنا؟ فنظر إليَّ وقال: لا تشك\" (^٤).\n٥ - إضافة إلى أنه كان مهتمًا بهذا الأمر، قال: \"ولقد كنت فيما أسلفت\n_________\n(^١) الفهرسة، ص ١٧.\n(^٢) الفهرسة، ص ١٧.\n(^٣) أي شيخه العربي الدرقاوي.\n(^٤) الفهرسة، ص ١٩.","vol":"1","page":24},{"text":"مهتمًا بهذا الأمر\" (^١).\nولكن كيف دفع ابن عجيبة هذه الشكوك؟\nلقد اتخذ من أقوال الشيوخ، والأولياء، والرؤى مصادر لصحة إلصاق نسبه بالبيت النبوي.\nأ- قول شيخه الدرقاوي له: \" ... وأنا (^٢) قد خصَّني الله تعالى بخصوصية وهي أني مهما رأيت الشريف نعرفه من غيره، والله على ما نقول وكيل\" (^٣)، وعندما سأله ابن عجيبة: \"يا سيدي هل وقفت على صحة نسبنا؟ فنظر إليَّ وقال: لا تشك ولقد هممت أن أكتب بصحة نسبكم على ظهر كتابك، يعني شرح الحكم\" (^٤).\nب- الرؤى، قال: \"وقف عليَّ في النوم رجل بيده كتاب فقال: خذ تنظر ترجمة جدكم، ففتحت الكتاب فإذا فيه خط رائق، فجعلت أتصفح أوراقه لنقف على الترجمة، فكلَّمني فلما نظرت إليه قال لي: جدكم هو عبد الله بن عجيبة بن فلان بن فلان بن فلان، فما زال يذكر أسماء الأجداد إلى عمر بن إدريس\" (^٥).\nج- الخلاصة مما سبق أن ابن عجيبة يصل إلى قضية أشغلته قرابة سبعٍ وأربعين عامًا (^٦) وهي: صحة تأكيد نسبه فهو يقول: \"وقد كنت أتنكب الانتساب، وأتحرج منه في شهادتي وكتبي، لعدم تحقق ذلك حتى رأيت شيخنا وشيخه وهما:\n_________\n(^١) الفهرسة، ص ١٧.\n(^٢) شيخه الدرقاوي.\n(^٣) الفهرسة، ص ١٩.\n(^٤) الفهرسة، ص ٢٠.\n(^٥) الفهرسة، ص ١٩.\n(^٦) يتبيَّن هذا التحديد -والله أعلم- من خلال التالي: ١ - ولد سنة ١١٦١ هـ، ٢ - سلك الطريقة على يد شيوخه عام ١٢٠٨ هـ، ٣ - كتابتهما له أثناء المراسلة له فقوي اليقين بصحَّة النسبة.","vol":"1","page":25},{"text":"(العربي الدرقاوي، والبوزيدي) يصرحان به في كتبهما لي ولأخي وهما يتكلمان بالله، وينظران بنور الله فعلمت صحة النسبة مع الحكاية المتقدمة قبلُ والرؤيا ... فقوي اليقين بصحة النَّسب\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-12>ثانيًا: ولادته</span>\nولد ابن عجيبة سنة ١١٦٠ هـ، بمدشر أعجيبش من قبيلة الحوز (^٢)، وهذه القبيلة إحدى القبائل الجبلية الواقعة بين مدينة تطوان (^٣) وسبته (^٤) والأرض التي عليها تطوان وضواحيها تعد قطعة من هذه القبيلة، وقبيلة الحوز قسمان:\n١ - الحوز البحري وهو المتصل بالبحر الأبيض المتوسط.\n٢ - الحوز البري وتفصله الجبال عن البحر (^٥).\nولقد وقع كثير من أصحاب التراجم، في اضطراب أثناء تنصيصهم على تاريخ ولادته ومكانها، فإنهم نصَّوا على أن ولادته كانت في حدود عام ١١٥٩ هـ، وأنه ولد\n_________\n(^١) الفهرسة، ص ٢٠.\n(^٢) الحوز: إحدى القبائل الجبلية الواقعة في مدينتي تطوان وسبته شمال المغرب، والأرض التي عليها مدينة تطوان وضواحيها تعد قطعة من هذه القبيلة، وقبيلة الحوز قسمان: الحوز البحري وهو المتصل بالبحر الأبيض المتوسِّط، ومنه مداشر بني سالم، والسرور، والكوف، ووادي الزرجون. ينظر: تاريخ تطوان، محمد داود ٦/ ١٧٥.\n(^٣) تطوان: وتسمى أيضًا تطاون، عاصمةُ المنطقة الشمالية للمغرب، احتلَّها الأسبان أول مرة سنة ١٢٨٦ هـ، ثم انجلو عنها بعد ذلك، وتقع تطوان على بعد ١٠ كلم من شاطئ البحر المتوسط، وتبعد عن مدينة سبته حوالي ٤٠ كلم، وعن طنجة ٦٠ كلم. ينظر: المملكة المغربية تعريف بالمدن والقُرى والقبائل والأسر والجهات، ص ٩٧ - ٩٨.\n(^٤) سبتة: مدينة من بلاد الأندلس على شاطئ مجمع البحرين، استولى البرتغاليون عليها سنة ٨١٨ هـ، وسُكَّانها خليطٌ من المسلمين والنصارى واليهود، ينظر: الاستقصاء لأخبار دول المغرب ١/ ١٥٢، معجم البلدان ٣/ ١٢٨.\n(^٥) ينظر: تاريخ تطوان ٦/ ٢١٤.","vol":"1","page":26},{"text":"في تطوان (^١)، وهذا خطأ، والذي أوقعهم -والله أعلم- في هذا عدم اطلاعهم على كتاب الفهرسة لابن عجيبة.\nوما قيل أنه ولد في تطوان لا يسلم لهذا القول، فابن عجيبة يقول عن نفسه: \"قدم بي أبي وأنا صغير لمدينة تطوان بقصد زيارة علمائها\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-13>ثالثًا: نشأته</span>\nعند سبر حياته يتضح أن ابن عجيبة منذ أن نشأ كان محبًا للصوفية متأثرًا بأسرته، ولكنه لم ينخرط في التصوف كمنهج إلا بعد أن التقى بشيخه البوزيدي وسلك الطريقة الدرقاوية الشاذلية، وهذا يدل على أنه لم يكن سالمًا من لوثة التصوف التي اكتسبها من أسرته، فلقد ذكر عدة أمور دلَّت على ذلك منها:\n١ - ما ذكره من تعبده في زاوية جده الحسين الحجوجي، قال: \"وخلوته التي كان يتعبد فيها مشهورة ... وقد تعبدنا فيها بعض الأيام\" (^٣).\n٢ - ذكره لكرامات جداته وخرافاتهم الصوفية (^٤).\n٣ - وكذلك الثناء على نفسه منذ طفولته، بأنه حُفظ وعُصم، وأنه أُلهم منذ صغره لحب الخلوة، والوحدة (^٥).\n_________\n(^١) ينظر: شجرة النور الزكية في طبقات المالكية، ص ٤٠٠، واليواقيت الثمينة في أعيان مذهب عالم المدينة، ص ٧٠.\n(^٢) الفهرسة، ص ٤٠.\n(^٣) الفهرسة، ص ١٦.\n(^٤) الفهرسة، ص ١٦، ٢٤، وسيأتي لها مبحثٌ مستقلٌّ في موضعها.\n(^٥) الفهرسة، ص ٢٨.","vol":"1","page":27},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-14>رابعًا: طلبه للعلم</span>\nأ طلبه للعلم في الصغر (١١٦٠ هـ-١١٧٨ هـ).\nوضح أنه ابتدأ الطلب صغيرًا، فيقول عن نفسه: \"ألقى الله تعالى في قلبي محبة العلم وأنا في حال الصبا\" (^١)، فقرأ كتابًا في أحكام الصلاة (^٢)، ثم شرع بمدارسة القرآن وحفظه، ثم تلقى إتقانه بالتجويد على يد شيوخه.\nب طلبه للعلم في طور الشباب (١١٧٨ - ١٢٠٨ هـ).\nقال: \"ولما بلغت من العمر تسع عشرة سنة أو ثمان عشرة سنة شرعت في قراءة العلم الظاهر\" (^٣).\nوكان طلبه للعلم ابتداءً في تطوان، ثم انتقل إلى مدينة القصر الكبير (^٤) وبقي فيه عامين مشتغلًا بالعلم إذ يقول: \"ولما اطمأن بنا الموضع اشتغلت بقراءة العلم ففنيت فيه فناءً عظيمًا حتى أهملت نفسي، ونسيت أمرها\" (^٥)، ثم عاد بعد ذلك لتطوان عندما أُصيب بالحمى (^٦).\n_________\n(^١) الفهرسة، ص ٢٦.\n(^٢) القرطبية، لأبي العباس الأنصاري المتوفى سنة ٦٥٦ هـ. ينظر: الفهرسة، ص ٢٦.\n(^٣) الفهرسة، ص ٢٩، وقصده بالعلم الظاهر: علم الحديث، والتفسير، والفقه، والنحو، والسيرة، والمنطق. ينظر: الفهرسة، ص ١٠١.\n(^٤) القصر الكبير: مدينة تقع في مفترق الطرق بين العرائش وفاس وطنجة تحيط بها الجنان والحقول والبساتين التي يسقيها نهر اللكوس، وبضاحية المدينة على مقربة من إحدى محطات القطار الذاهب من القصر إلى طنجة توجد السهول التي وقعت فيها معركة وادي المخازن التاريخية بين الجند السعدي والجند البرتغالي، سنة ١٥٧٨. ينظر: تعريف بالمدن والقرى والقبائل والأسر والجهات، ص ٨٣.\n(^٥) الفهرسة، ص ٢٠.\n(^٦) الفهرسة، ص ٣٠.","vol":"1","page":28},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-15>خامسًا: شيوخه</span>\nبدأ ابن عجيبة بذكر أشياخه (^١) الذين تتلمذ على أيديهم فذكر أنه:\n١ - حفظ القرآن على يد جده المهدي بن الحسين بن عجيبة.\n٢ - أبو عبد الله محمد بن علي بن أحمد بن محمد الورزازي أصلًا التطواني دارًا وموطنًا، قال عنه ابن عجيبة: له مشاركة حسنة في فنون من العلم كالفقه، والنحو، والبيان، والأصول، والحساب، والتنجيم، توفي عام ١٢١٤ هـ (^٢).\n٣ - محمد بن الحسين الجنوي، درس على يديه: مختصر خليل، ومختصر السبكي، وورقات الخطاب في الأصول للجويني، وقرأ عليه صحيح البخاري مرتين، وجزءًا من صحيح مسلم، والرسالة في الفقه المالكي لابن أبي زيد القيرواني، وحكم ابن عطاء، وأصول الطريقة في التصوف، وجزءين من تفسير القرآن العظيم (^٣).\n٤ - أحمد بن عبد الرحمن الرُّشَاي بضم الراء وفتح الشين (أو الرشي أو الرشاوي)، قرأ عليه ألفية ابن مالك، ومختصر خليل، والسلم للأخضري (^٤).\n٥ - عبد السلام بن محمد بن محمد بن قاسم بن سعيد بن قريش، قاضي تطوان، درس عليه تفسير القرآن العظيم، وشمائل الترمذي، توفي سنة ١٢٠٧ هـ (^٥).\n٦ - عبد الكريم بن قريش، قرأ عليه التفسير، وصحيح البخاري، ومختصر خليل، والرسالة، وتحفة الحكام لابن عاصم الغرناطي، والألفية، ولامية الأفعال لابن\n_________\n(^١) ينظر: الفهرسة، ص ٢٧.\n(^٢) ينظر: تاريخ تطوان ٦/ ١٥٦، وفهرسة أبي عبد الله الورزازي، ص ٥.\n(^٣) الفهرسة، ص ٣٢.\n(^٤) ينظر تاريخ تطوان ٧/ ٣٣٣.\n(^٥) المرجع نفسه ٦/ ١٥٢.","vol":"1","page":29},{"text":"مالك، وجزءًا من مغني اللبيب لابن هشام الأنصاري، والسلم في المنطق، وتلخيص المفتاح في البيان، ومختصر السبكي في الأصول، والشفا في تعريف حقوف المصطفى للقاضي عياض، والهمزية في مدح خير البرية للبوصيري (^١).\n٧ - أبو عبد الله محمد بَنَّيس الفاسي بفتح الباء وتشديد النون المكسورة، درس عليه الفرائض، وجزءًا من التسهيل لابن مالك في النحو (^٢) وقال عنه: وهو شيخنا الفهامة فرضي وقته، وإمام عصره، واختص بعلم الفرائض فإليه الملجأ بفاس في حل مشكلاته (^٣).\n٨ - محمد التاودي ابن سودة، أخذ عنه الفقه والحديث، ووصفه بقوله: الفقيه المحدِّث (^٤).\n٩ - محمد بن أحمد بن غيلان، جلس ابن عجيبة في حلقته مرة أو مرتين (^٥)، وصفه بأنه كان فقيهًا، عالمًا عابدًا (^٦).\n١٠ - أبو الحسن سيدي علي بن محمد بن شطير الحسني، قال عنه ابن عجيبة: \"كان فقيهًا نحويًا محدثًا، سمعت منه جزءًا من ألفية ابن مالك، وكان يُدرِّس صحيح البخاري في مسجد الرابطة بتطوان، ومختصر خليل، توفي سنة ١١٩٠ هـ\" (^٧).\n_________\n(^١) الفهرسة، ص ٣١.\n(^٢) الفهرسة، ص ٣٢.\n(^٣) مخطوط طبقات العلماء والصلحاء الأعيان ل/٢٢٨.\n(^٤) المرجع السابق ل/٢٢٨ - ٢٢٩.\n(^٥) الفهرسة، ص ٣١.\n(^٦) مخطوط أزهار البستان في طبقات الأعيان ل/٢٣٠.\n(^٧) المرجع نفسه ل/٢٢٥، ل/٢٢٦.","vol":"1","page":30},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-16>سادسًا: تلاميذه</span>\nفي الحقيقة لم يذكر ابن عجيبة أسماء تلاميذه الذين تلقوا عنه العلوم، بل ذكر في كتابه الفهرسة عنوانًا \"ذكر من أخذ عنا التربية النبوية من الفقراء والمتجردين والمنتسبين، ولم يذكر أحدًا باسمه، وعلل سبب ذلك كثرتهم وعدم استقصاء عددهم\" (^١).\nوفي موضع آخر فاضل بينهم، وقسمهم إلى قسمين فقال:\n١ - قسم درس على يدية علم الظاهر، ولكنه وصفهم بالضعف فقال: \"فأما من كنا زرعنا فيه العلم الظاهر حين التدريس فكانت ثمرته ضعيفة، فمنهم من صار قاضيًا أو إمامًا للتدريس ومنهم من اشتغل بأسباب المعاش\" (^٢).\n٢ - وقسم درس على يديه علم الباطن، ولقد وصفهم بحصولهم على الغنى الأكبر فقال: \"وأما من زرعنا فيه العلم الباطن فجلهم حصل له الغنى الأكبر ودخلوا مقام الإحسان بالذوق أو العلم إذا كان متجردًا، وإن كان متسببًا حصل له القناعة، والاستقامة، والتقوى، وتنوير الباطن فكلهم على بيِّنة من ربهم\" (^٣).\nوعند التنقيب والبحث وجدت بعضًا من المؤرخين ذكر أسماء بعض تلاميذه.\nمنهم: أبو محمد عبد السلام بن أحمد سكيرج التطواني المتوفى سنة ١٢٥٠ قرأ على ابن عجيبة النصيحة الزروقية، والبردة للبصيري، والنحو والصرف، وعبد الله بن علي شطير، قرأ على ابن عجيبة تلخيص المفتاح (^٤)، وعبد الغفور بن التهامي البناني،\n_________\n(^١) الفهرسة، ص ٧٧.\n(^٢) الفهرسة، ص ٧٥.\n(^٣) الفهرسة، ص ٧٧.\n(^٤) ينظر: تاريخ تطوان ٧/ ٣٣٠.","vol":"1","page":31},{"text":"والذي نسخ البحر المديد في تفسير القرآن المجيد وحاشية ابن عجيبة على الجامع الصغير للحافظ السيوطي (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-17>سابعًا: مؤلفاته</span>\n١ - تسهيل المدخل لتنمية الأعمال بالنية الصالحة عند الإقبال\nوهو أول كتاب ألَّفه ابن عجيبة عام ١١٩٦ هـ وهو يبحث في النية، فلقد ذكر فصلًا في نيات لباس الثوب، وذكر سبعة عشر مجالًا للنية في ذلك، فقد يلبس الثوب بنية ستر العورة وذلك واجب، وقد يكون من أجل التزين امتثالًا للسنة في إظهار النعم ... وذكر أن من أسباب تأليفه دراسته لكتاب الحكم لابن عطاء الله (^٢)، والمدخل لمحمد ابن الحاج الفاسي (^٣)، وقوت القلوب في معاملة المحبوب لأبي طالب المكي (^٤).\nوهذا الكتاب توجد منه نسخة بالخزانة العامة بالرباط تحمل رقم ١١٤٨ ك، ضمن مجموع، ص ٢٤٩ - ٣٢١، ونسخة بخزانة تطوان تحمل رقم ٨٧٢، ولقد قام بدراسته وتحقيقه الدكتور عبد المجيد المرزوقي.\n_________\n(^١) ينظر: تاريخ تطوان ٦/ ٢١٨.\n(^٢) هو: أحمد بن محمد بن عبد الكريم بن عبد الرحمن أبو العباس الصوفي المالكي الشاذلي، له عدة مصنَّفات منها: الحكم العطائية، تاج العروس، لطائف المنن، توفي بالإسكندرية سنة ٧٠٩ هـ. ينظر: الدرر الكامنة ١/ ٢٩١، طبقات الشافعية الكبرى ٩/ ٢٣ - ٢٤، البدر الطالع ١/ ١٠٧.\n(^٣) هو: محمد بن محمد بن محمد بن الحاج أبو عبد الله العبدري المالكي الفاسي، نزيل مصر، تفقَّه في بلاده، وقدم مصر، جمع كتابًا سمَّاه المدخل كثير الفوائد، ومات سنة ٧٣٧ هـ. ينظر: الدرر الكامنة ٤/ ٣٥٥.\n(^٤) هو: أبو عبد الله عمرو بن عثمان المكي، إمامُ الطائفة في الأصول والطريقة، مات ببغداد سنة ٢٩١ هـ. ينظر: طبقات الصوفية، للسلمي، ص ٢٠٠.","vol":"1","page":32},{"text":"٢ - اللوائح القدسية في شرح الوظيفة الزروقية\nالوظيفة الزروقية هي عبارة عن مجموعة أدعية وصلوات وآيات قرآنية يتلوها أتباع الطريقة الزروقية كل يوم، واحتوى شرحه على مقدمتين الأولى: التعريف بزروق ومناقبه، والثانية: في فضل الوظيفة ووقتها، وكيفية ذكرها، وكانت مصادره في شرحها، كتب التفسير، كتفسير البيضاوي، وابن جزي، وأحيانًا تفسير ابن عطية، وهذا الشرح يعطي صورة واضحة على النزعة الصوفية لابن عجيبة منذ بداية حياته، وقد بينت هذا من قبل.\nوهذا الكتاب توجد منه نسخة مخطوطة في الخزانة العامة بتطوان ضمن مجموع برقم ٣٠١ وهو مطبوع، ويقع الكتاب ضمن مجموعة رسائل قام بتحقيقها عبد السلام العمراني، وسماها بالجواهر العجيبة.\n٣ - الأنوار القدسية في شرح القصيدة الهمزية\nوهي شرح لقصيدة البوصيري، اشتملت على أربع مائة وخمسة وخمسين بيتًا، شرحها ابن عجيبة شرحًا مطولًا، واعتمد في شرحه على بعض كتب القوم، كتفسير القشيري، وكتب الغزالي فهو ينقل نقلًا مطولًا عن الإحياء، وهو كتاب مطبوع بتحقيق عبد السلام العمراني خديم العلم والصوفية كما سمَّى نفسه.\n٤ - تأليف في التوحيد والصلاة\nهذا الكتاب لم يذكره ابن عجيبة في كتابه الفهرسة، ولكن ذُكر في كتاب تاريخ تطوان للمؤلف محمد داود وقال إنه وقف عليه في عشر صفحات.\nوهذا الأمر تطلب مني السفر إلى المغرب للتنقيب عن الكتاب، وذهبت للخزانة العامة في الرباط، واتضح أن الأمر قد التبس على مفهرس الخزانة العامة","vol":"1","page":33},{"text":"وأدرجه بعنوان كتاب التوحيد لابن عجيبة ضمن مجموع ٢٨٢٩ د، ثم تبين أنَّ المخطوط هو شرح خمرية ابن الفارض لابن عجيبة.\n٥ - شرح خمرية ابن الفارض\nوهو شرح لأبيات ابن الفارض، المشتملة على اصطلاحات صوفية، منها الذوق، والشرب، والسكر، والصحو، واشتمل الشرح على أحوال الصوفية ومقاماتهم، والكتاب مطبوع باعتناء الدكتور عاصم الكيالي الشاذلي الدرقاوي.\n٦ - شرح البردة\nوهي عبارة عن مائة وستين بيتًا، شرحها ابن عجيبة شرحًا لغويًا، بلاغيًا، صوفيًا، وتوجد من الشرح نسخة مخطوطة بالخزانة العامة بتطوان تحمل الرقم ٢٨١، وتقع في نحو ٢٣٨ صفحة، والكتاب مطبوع، بعنوان شرح البردة ومعه كشف الكربة بتخريج أحاديث البردة، لجامعه أبي الفتوح عبد الله بن القادر التليدي.\n٧ - الأنوار السنية في الأذكار النبوية\nمخطوط لم يحقق، يوجد في خزانة تطوان تحت رقم ٨٥٣، وهو عبارة عن أدعية وأذكار، للصلاة والطهارة، وأذكار البيوع، وأذكار دخول المسجد ... واشتمل المخطوط على اثنين وثلاثين لوحًا، وبعد تفحصي للمخطوط وجدت أنه على غرار كتاب الأذكار للنووي، ولكنه حذف منه الأسانيد، واعتمد على مصدرين في جمعهما كما ذكر ذلك في آخر المخطوط وهما: كتاب الكلم الطيب للسيوطي، وكتاب الحصن الحصين لابن الجزري، وذكر تاريخ تأليفه فكان يوم الخميس أواخر ذي القعدة من عام ١٢٠٥ هـ.","vol":"1","page":34},{"text":"٨ - مجموع الأدعية والأذكار الممحقة للذنوب والأوزار بالهيللة والاستغفار والصلاة على النبي المختار\nمخطوط لم يحقق، يوجد في خزانة تطوان تحت رقم ٢٧٤، أخذ المؤلف يبيِّن للمريد السالك أن يبدأ بالاستغفار، ثم الصلاة على النبي محمد - ﷺ - وذكر جملة من أنواع الأذكار.\n٩ - أربعون حديثًا في الأصول والفروع والدقائق\nمخطوط لم يحقق، يوجد في خزانة المكتبة الوطنية في الرباط، وبيَّن ذلك بقوله: \"وقد استخرت الله في جمع هذه الأربعين في علم الأصول والفروع وشيءٍ من التصوف\" (^١).\nثم استهل المخطوط بحديث عمر بن الخطاب - ﵁ - في النية، وأحاديث متنوعة منها في الأحكام ومنها في الوضوء، ومنها حديث جبريل - ﵇ - في الإيمان، وصلاة الجنازة وفضلها، وكان عدد لوحات المخطوط ثلاثة عشر لوحًا.\n١٠ - الدرر الناثرة في توجيه القراءات المتواترة\nوهو كتاب مطبوع اعتنى به وقدَّمه \"خديم العلم والصوفية، وطريق بني عجيبة: عبد السلام العمراني الخالدي العرائشي\" (^٢).\nواشتمل الكتاب على آداب القارئ، وفضل القرآن، وسبب تعدد الرواية\n_________\n(^١) مخطوط أربعون حديثًا في الأصول والفروع والدقائق ل/١.\n(^٢) مقدمة الكتاب، ص ٣، كما سمَّى نفسه بذلك الوصف نسبةً إلى مدينة العرائش التي تقع على الشاطئ الأطلسي بين القنيطرة وأصيلا على الضفة اليسرى لوادي اللكوس بنيت قصبتها سنة ٨٩٧ هـ واحتلَّها الأسبان سنة ١٠١٩ هـ، إلى أن حرَّرها السلطان المولى إسماعيل سنة ١١٠١ هـ فجدَّد بناءها وحصَّنها. ينظر: تعريف بالمدن والقرى والقبائل والأسر والجهات، ص ٨٢.","vol":"1","page":35},{"text":"وحصرها، والتعريف بالقرَّاء وذكر مسانيدهم، وفائدة اختلاف القراءات، وباب الاستعاذة والكلام عليها من وجوه، وقد جاء في أربع مائة وسبع وأربعين صفحة.\n١١ - أزهار البستان في طبقات العلماء والصلحاء الأعيان\nوهو مخطوط ضخم في التراجم لم يحقق، توجد منه نسخة في خزانة المكتبة الوطنية بالرباط، تحت رقم ٢٨٦ ك، واشتمل المخطوط على مائتين وخمس وعشرين لوحًا قال عنه ابن عجيبة: \"وتأليف في طبقات الفقهاء، وذكر أرباب المذاهب والتعريف بهم، والتعريف بمشاهير أصحاب مذهب مالك من القرن الثاني الهجري إلى عصره، على ترتيب وجودهم كل قرن وحده، ثم اتبعتهم بذكر النحويين والمحدثين والصوفية غير أن الصوفية لم نستكمل ذكرهم\" (^١)، وهذا المخطوط كان عمدة الكتاني في كتابه سلوة الأنفاس ومُحادثةُ الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بمدينة فاس.\n١٢ - رسائل في العقائد والصلاة\nوهو مخطوط لم يحقق، عدد ألواحه عشرة ألواح يوجد في دار الكتب المصرية بعنوان مجاميع شنقيط ٧/ ٤ وابتدأه بقوله: \"عليك أن تعتقد أن الله موجود قبل الأكوان قديم لا أول له أزلي لا بداية له ... \" (^٢)، ثم تكلَّم في الصفات على مذهب الأشاعرة، وفي الألواح الأخيرة من المخطوط تحدث عن الصلاة، واجباتها، وسننها.\n١٣ - شرح صلاة القطب ابن مشيش\nكتاب مطبوع عرف باسم الصلاة المشيشية (^٣) ومطلعها \"اللهم صلِّ على من\n_________\n(^١) مخطوط أزهار البستان في طبقات العلماء والصلحاء والأعيان ل/١.\n(^٢) مخطوط رسائل في العقائد ل/١.\n(^٣) نسبةً لعبد السلام بن سليمان بن مشيش، ولد حوالي سنة ٥٥٩ هـ، أخذ عن الصوفية أمثال عبد الرحمن المدني المعروف بالزيات، وسعيد الغزواني، اغتيل من أبي الطواجن الذي ادعى النبوة في عهد الموحدين وذلك عام ٦٢٥، ودفن في رأس جبل العلم. ينظر: الاستقصاء ٢/ ٢٦٣.","vol":"1","page":36},{"text":"منه انشقت الأسرار وانفلقت الأنوار، فهم يعتقدون أنَّ محمَّدًا - ﷺ - خلق من نور، والكون من نوره (^١)، وهذه الصلوات مشتهرة عند صوفية المغاربة، يتسابق الناس لاستظهارها والتبرك بتلاوتها، ولقد انطوت على أسرار صوفية شرحها ابن عجيبة، مثال ذلك شرحه لمعنى الحضرة هي: حضور القلب مع الرب أو حضور الروح أو السر مع الحق.\n١٤ - إيقاظ الهمم في شرح الحكم\nكتاب مطبوع لابن عطاء الله السكندري باسم الحكم العطائية شرحه ابن عجيبة، ويعتبر هذا الكتاب سبب لانتقال ابن عجيبة من العلم الظاهر إلى العلم الباطن وانتقاله إلى العبادة والخلوة وإبغاض الدنيا وأهلها (^٢)، ولقي هذا الكتاب قبولًا واسعًا عند الصوفية في المغرب والمشرق (^٣)، وهو خطاب موجه للمريد السالك للطرق الصوفية، ومعظم محتوياتها تدور حول آداب السلوك ومقامات وأحوال ومجاهدات من أول الطريق إلى نهايته.\n١٥ - الفتوحات الإلهية في شرح المباحث الأصلية\nوهو كتاب مطبوع عبارة عن شرح لمنظومة المباحث الأصلية لابن البنا السرقسطي (^٤)، وهي في آداب وقواعد الصوفية شرحها ابن عجيبة شرحًا صوفيًا من خرق\n_________\n(^١) سيأتي الرَّدُّ عليهم في الباب الثاني من هذا الكتاب.\n(^٢) ينظر الفهرسة، ص ٤٠.\n(^٣) يدلُّ على ذلك كثرة شروحها، منها: شرح ابن عباد محمد بن إبراهيم الرندي وهو مطبوع باسم غيث المواهب العلية (ت ٧٩٢ هـ)، وشرح زروق أحمد بن محمد البُرنُسي (ت ٨٩٩ هـ) وعنوانه (تنبيه ذوي الهمم).\n(^٤) هو أبو العباس أحمد بن يوسف التجيبي المشهور بابن البنا، أصله من سرقُسطة بالأندلس، ومنها انتقل إلى فاس وبها تُوفي، ولم يتبيَّن تاريخ وفاته، ينظر: الفتوحات الإلهية، ص ٦.","vol":"1","page":37},{"text":"العوائد وضرورة اتخاذ الشيخ المربي، وقسم المؤلف منظومته إلى خمسة فصول: الفصل الأول في أصل علم التصوف، والثاني في فضله، والثالث في أحكام علم التصوف، الرابع، في الرد على من أنكره، والخامس في فقراء العصر.\n١٦ - شرح قصيدة يا من تعاظم\nكتاب مطبوع عبارة عن شرح وضعه ابن عجيبة على القصيدة الهائية لمؤسس الطريقة الرفاعية أحمد بن الحسن الرفاعي، قال في بداية شرحه: \"فقد سألني بعض أهل المحبة أن أضع تقييدًا على قصيدة تنسب للرفاعي\" (^١)، واعتمد ابن عجيبة في شرحه كثيرًا على كتاب الحكم، وجلها يدور حول المحبة والمقامات.\n١٧ - تفسير الفاتحة المختصر\nمخطوط لم يحقق، يوجد في دار الكتب المصرية برقم ١٣٣٣/ ١٩٣٦ ج/٣٢٩٩، انتهى من تبييضه \"بعد صلاة العشاء سنة خمسة عشر ومائتين وألف\" (^٢)، ويقع في أربعة ألواح، قال في بدايته: \"هذا شرحٌ لطيفٌ على فاتحة الكتاب\" (^٣) يفسر الآية بتفسير أهل الظاهر فيتناول الجانب اللغوي، ثم يتناول التفسير الباطن بالإشارات الصوفية (^٤).\n١٨ - تفسير الفاتحة الكبير\nوهو كتاب مطبوع، ضمَّنه عشر مقدمات للتفسير، وتفسيرات مطولة للفاتحة، فكانت المقدمة الأولى: في تفسير العلوم وذكر أصولها وفروعها وبعض مبادئها،\n_________\n(^١) ص ١٨٣.\n(^٢) مخطوط تفسير الفاتحة المختصر ل/٤.\n(^٣) المرجع نفسه ل/١.\n(^٤) ينظر ل/٣.","vol":"1","page":38},{"text":"والمقدمة الثانية: في كيفية ابتداء نزول القرآن وأول ما نزل منه، وذكر المكي والمدني، والمقدمة الثالثة: في سبب جمعه واختلاف روايته، وذكر أصول القراءات وسبب اقتصار الناس على السبعة أو العشرة، والمقدمة الرابعة: في علوم القرآن الظاهرة والباطنة، والمقدمة الخامسة: في شروط المفسِّر وآدابه، وذكر العلوم التي يحتاج إليها، والمقدمة السادسة: في معرفة تأويله وتفسيره وبيان شرفه والحاجة إليه، وبيان الناسخ والمنسوخ، والمقدمة السابعة: في طبقات المفسرين وأول من تكلَّم في التفسير، والمقدمة الثامنة في ترتيب آياته وسوره وتحزيبه، والمقدمة التاسعة: في تفسير لفظ القرآن والكتاب والفرقان، والذكر، والسورة، والآية، والمقدمة العاشرة: في فضل القرآن، وفضل قراءته، وتفاضل بعضه على بعض، وذكر خواصه (^١)، ثم شرع في تفسير البسملة، والفاتحة.\n١٩ - قصيدة في الاسم المفرد (الله)\nمخطوط لم يحقق، يوجد في الخزانة العامة في المكتبة الوطنية في الرباط مجموع رقم ٢٨٢٩.\n٢٠ - سلك الدر في ذكر القضاء والقدر\nهو كتاب مطبوع، فرغ من تبييضه يوم الجمعة ثالث شوال من عام ١٢١٤ هـ، ألَّفه ابن عجيبة زمن الوباء الذي حصل في تطوان، وذكر سبب تأليف للكتاب بقوله: \"حملني عليه أنِّي رأيت كثيرًا ممن يشار إليه بالعلم والعمل قد ضلَّ عنه، وأضلَّ وجعل يدافع المقادير بما يقدر عليه من الأسباب والحيل، ... فلقد رأيت كثيرًا من العلماء زمن الوباء يأمرون بغلق أبواب المدينة، ويفرون من الدخول على المرضى،\n_________\n(^١) ينظر: من ص ١ إلى ص ٨٩.","vol":"1","page":39},{"text":"وهذا الذي حملني على تقييد هذا التأليف، فلا عبرة بعلم الأوراق إذا لم يؤيده الوجدان والأذواق\" (^١).\nوهذ الكتاب كان مخطوطًا حققته الباحثة: فاتحة مجدوني بتاريخ ١٥/ ١١/ ١٩٩٦ م لنيل دبلوم في العقائد والفلسفة (^٢).\n٢١ - شرح صلاة ابن عربي\nوهو كتاب مطبوع ضمن سلسلة نورانية مفيدة (^٣) جمع وتقديم: عبد السلام العُمراني الخالدي، ومضمون الكتاب في مدح النبي - ﷺ - والغلو فيه (^٤)، وهو تقييد على تصلية ابن العربي، فلقد استأذن ابن عجيبة شيخه البوزيدي عند ما طُلب منه أن يضع تقييدًا على صلاة ابن عربي (^٥).\n٢٢ - كشف النقاب عن سر الألباب\nوهو كتاب مطبوع، عبارة عن رسالة صغيرة، تحدَّث فيها ابن عجيبة بنفس صوفي عن التوحيد فهو يرى أن فعل العبد كله من الله، بل لا فاعل في الوجود سواه، فهو يقرر عقيدة الجبر (^٦)، ثم شرع بعد ذلك في بيان المصطلحات الصوفية مثل: الحقيقة، المجاهدة، علم اليقين، عين اليقين، وحق اليقين، والحال (^٧)، والمقام ... (^٨).\n_________\n(^١) ص ٤٨.\n(^٢) وقفت عليه بتاريخ ٢٥/ ٨/١٤٣٦ هـ في مكتبة كلية أصول الدين بتطوان شمال المغرب، وعنوانه: عقيدة القضاء والقدر في الفكر الصوفي المغربي (أحمد بن عجيبة) من خلال رسالته سلك الدرر في ذكر القضاء والقدر، دراسة وتحقيق، والمشرف عليها: دكتور إدريس خليفة.\n(^٣) كما وسمها المقدم لها.\n(^٤) يعتقدون أنَّ النبي محمَّدًا - ﷺ - سببُ وجود الموجودات، فيقولون هو بذرة الوجود. ينظر: شرح صلاة ابن عربي، ص ٤٢.\n(^٥) ينظر: ص ٤١.\n(^٦) ستأتي آراؤه في القضاء والقدر في الباب الثاني من هذا الكتاب.\n(^٧) الحالُ: الانتقال إلى وضعٍ ينسلخ منه الصوفيُّ من حالته البشرية الاعتيادية إلى وضعية خاصة تصدر منه فيها تصرفات وأقوال تكون مرفوضةً عقلًا وشرعًا، وقد اصطلح على تسمية الأقوال التي يتفوَّه بها صاحب الحال بالشطحات. ينظر: موسوعة التصوف، ص ٧٢.\n(^٨) ينظر: الصفحات، ص ٣٣، ٤٨، ٥١، ٥٣.","vol":"1","page":40},{"text":"٢٣ - معراج التشوف إلى حقائق التصوف\nوهو كتاب مطبوع، قال عنه ابن عجيبة: \"ثم ألفت كتابًا في حقائق التصوف فيه ثلاثة كراريس\" (^١)، واشتمل الكتاب على حقائق غريبة، وعبارات دقيقة، اصطلح القوم على استعمالها ... (^٢)، وقد جُمع في هذا الكتاب مائة حقيقة من حقائق التصوف، ويعتبر الكتاب كشافًا للمصطلحات الصوفية، والذي يظهر أن مصدر ابن عجيبة في تأليفه لهذا الكتاب هو كتاب الرسالة للقشيري (^٣).\n٢٤ - شرح نونية الششتري (^٤)\nهو كتاب مطبوع، يدور حول بث الآراء الصوفية، قال عنه ابن عجيبة: \"ثم شرحت نونية الششتري في أربعة كراريس صغار\" (^٥) ولقد استعمل الكثير من المصطلحات الصوفية، كالحلول، والاتحاد، والكرامات، والفناء، وذبح النفس، ثم أفاض في تحليل وشرح قيمة العقل، وآفاته، ثم أخذ يثني على رموز الصوفية كابن سبعين، وابن عربي، وابن الفارض، وتبرأتهم من رميهم بالحلول والاتحاد.\n_________\n(^١) الفهرسة، ص ٣٩.\n(^٢) معراج التشوف، ص ٢٥.\n(^٣) هو: عبد الكريم بن هوازن بن عبد الملك بن طلحة النيسابوري، أبو القاسم القشيري، تتلمذ على ابن فورك، وابن إسحاق الأسفرائيني، وعبد القاهر البغدادي، وكانت وفاته سنة ٤٦٥ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء ١١/ ٤٨٧، فوات الوفيات ٢/ ٣١٠.\n(^٤) هو: أبو الحسن الششتري، معجمتين أولهما مضمونة والثانية ساكنة بعدها تاء مثناه فوقية معجمة ثم راء، علي بن عبد الله النميري يدعى باللوشي نسبةً للقرية التي قضى بها بعضًا من طفولته بالأندلس وهي لوشة، ولكن أكثر ألقابه شيوعًا الششتري، ولد سنة ٦١٠ هـ، من مؤلفاته: الرسالة البغدادية، ديوان شعري من قصائد تطرَّق فيها لكلِّ مواضيع الصوفية الوجودية، والمعرفية، والأخلاقية، ومن شيوخه: ابن سبعين، ابن عربي، توفي سنة ٦٦٨ هـ. ينظر: نيل الابتهاج، ص ٢٠٢، نفح الطيب ٢/ ٢٠٥.\n(^٥) الفهرسة، ص ٣٩.","vol":"1","page":41},{"text":"٢٥ - حاشية ابن عجيبة على الجامع الصغير للسيوطي\nمخطوط لم يحقق، يوجد في الخزانة العامة للمكتبة الوطنية في مدينة الرباط بالمغرب، تحت رقم ١٨٣١ ويقع في ٢٨٣، لوحًا، قال ابن عجيبة: \"ثم وضعتُ حاشية مختصرة على الجامع الصغير للسيوطي\" (^١).\n٢٦ - الفهرسة\nكتاب مطبوع (^٢)، جمع فيه سيرته منذ ولادته حتى \"ظهر التاسع من شهر ربيع للعام الثاني وعشرين ومائتين وألف\" (^٣) وتكون الكتاب من ثلاثة فصول، اشتمل الفصل الأول على نسبه وما يتعلق بأسلافه، والفصل الثاني ذكر فيه النشأة والتربية، والفصل الثالث ذكر فيه ابتداءَه في طلب العلم، وكيفية دخوله في علم التصوف، وكذلك الإجازات التي حصل عليها من شيوخه وضمَّن آخر الكتاب قصائد في بعض آداب الصوفية.\n٢٧ - شرح الفتوحات القدسية في شرح المقدمة الآجرومية (^٤)\nنحا في شرحه بالجمع بين النحو والتصوف، فعندما يذكر عبارة المؤلف يشرحها شرحًا نحويًا، ثم يتبعها بالمعنى الإشاري، يقول في مقدمة الشرح: \"وقد أردت بعون الله أن أضع عليها شرحًا متوسطًا، متوشحًا بنكت عجيبة قلَّ أن توجد في غيره من المطولات، وإشارات صوفية غريبة، قل أن يغوص إليها من له شأن في علم الأذواق والإشارات\" (^٥).\n_________\n(^١) الفهرسة، ص ٣٩.\n(^٢) حققه الدكتور: عبد الحميد صالح حمدان سنة ١٩٩٠ م ونشره دار الغد العربي القاهرة.\n(^٣) الفهرسة، ص ١٣٥.\n(^٤) هو أبو عبد الله محمد بن محمد بن داود الصنهاجي، يعُرف بابن آجروم، وله مصنفات منها: المقدمة الآجرومية في النحو، وأراجيز، توفي بفاس سنة ٧٢٣ هـ، ينظر: معجم المؤلفين ١١/ ٢١٥، شذرات الذهب ٦/ ٦٢.\n(^٥) شرح الفتوحات القدسية، ص ١٩٩.","vol":"1","page":42},{"text":"وهو كتاب مطبوع ضمن سلسات نورانية فريدة من كتب ابن عجيبة أخرجه العمراني الخالدي عبد السلام.\n٢٨ - شرح الأبيات الثلاثة للجنيد (^١)\nكتاب مطبوع، عبارة عن رسالة صغيرة الحجم لا تتجاوز الست صفحات (^٢) تضمَّنت شرح الأبيات الثلاثة شرحًا صوفيًا (^٣).\nوأولها:\nتوضَّأ بماءِ الغيبِ إن كنتَ ذا سرِّ ... وإلا تيمَّمْ بالصَّعيدِ أو الصَّخْر\n\n٢٩ - البحر المديد في تفسير البحر المديد\nوهو كتاب مطبوع في تفسير القرآن، مطول من ثمان مجلدات، جمع بين التفسير الظاهر والتفسير الباطن كما قال في مقدمته: \"وقد ندبني شيخي محمد البوزيدي أن أضع تفسيرًا يكون جامعًا بين تفسير أهل الظاهر، وإشارة أهل الباطن\" (^٤).\n٣٠ - شرح أسماء الله الحسنى\nهذا الكتاب ذكره ابن عجيبة في الفهرسة، فقد أفرد لكل اسم بابًا، ولكن هذا الكتاب يُعد من الكتب المفقودة (^٥).\n_________\n(^١) هو: أبو القاسم الجنيد بن محمد بن الجنيد الخراز القواريري، بغدادي المولد والنشأة وأصله من نهاوند، تفقَّه على أبي ثور، صحب الحارث المحاسبي، وسري السقطي، وله كلام في طريقة التصوف، توفي سنة ٢٩٨ هـ، ينظر: سير أعلام النبلاء ٩/ ٣٦٤، الرسالة القشيرية، ص ٢٧٨.\n(^٢) ضمن كتاب: اللطائف الإيمانية الملكوتية والحقائق الإحسانية الجبروتية في رسائل ابن عجيبة، ص ٣٢١.\n(^٣) ينظر: ص ٣٢٢، ص ٣٢٥.\n(^٤) البحر المديد ١/ ١٩.\n(^٥) ينظر: تاريخ تطوان ١/ ٢٤١.","vol":"1","page":43},{"text":"٣١ - رسالة في ذم الغيبة ومدح العزلة والصمت\nتوجد منها نسخة مخطوطة بالهيئة العامة للكتاب بمصر، تحت رقم ٣٢٩٩، فرغ من تأليفها سنة ١١٩٨ هـ.\n٣٢ - شرح الحزب الكبير للشاذلي (^١)\nتوجد منه نسخة مخطوطة في تطوان، ضمن مجموعة برقم ٣٠١، ويقع في مائة وخمس وأربعين صفحة، فرغ منه عام ١٢٠٠ هـ، ويوجد ضمن مجموع مع كتاب الأسرار للمعسكري (^٢) تحت رقم ٢٨٤١ ك، في خزانة المكتبة الوطنية في الرباط.\n٣٣ - حاشية على مختصر خليل (^٣)\nذكر أنه ابتدأ حاشية على مختصر خليل لم يتمه (^٤).\n٣٤ - شرح الحصن الحصين\nوهو شرح لابن الجزري (^٥)، ولكنه لم يتمه.\n_________\n(^١) هو: أبو الحسن علي بن عبد الله بن عبد الجبار بن يوسف الشاذلي، شيخ الطريقة الشاذلية، نزيل الإسكندرية، ولد سنة ٥٧١ هـ، ومن تلاميذه: أبو محمد عبد الله بن سلامة الحبيبي، وأبو العزائم ماضي بن سلطان المسروقي، له عبارات في التصوف خطيرة موهمة بادعاء الغيب، توفي سنة ٦٥٦ هـ أثناء توجهه للحج. ينظر: المطرب بمشاهير أولياء المغرب، ص ١٢٢، المفاخر العلية في المآثر الشاذلية، ص ٥ - ٤٥.\n(^٢) هو: أبو زيان المعسكري، من مدينة فاس، سلك الطريقة الدرقاوية على يد العربي بن أحمد الدرقاوي، له مؤلفات منها: كنز الأسرار في مناقب العربي، لا زال مخطوطًا حتى كتابة هذه الرسالة، طبقات الصوفية في القرن الثالث عشر، توفي عام ١٢٣٩ هـ. ينظر: الطريقة الشاذلية وأعلامها، ص ٧٢ - ٧٣.\n(^٣) هو: خليل بن إسحاق بن موسى المالكي المعروف بالجندي، وكان يُسمَّى محمَّدًا، ويلقَّب ضياء الدين، سمع من ابن عبد الهادي، وقرأ على الرشيدي في العربية والأصول، وعلى الشيخ عبد الله المنوفي في فقه المالكية، وكانت وفاته في شهر ربيع الأول سنة ٧٦٧ هـ. ينظر: الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة ٢/ ١٧٥.\n(^٤) ينظر: الفهرسة، ص ٣٨.\n(^٥) هو: محمد بن محمد بن علي بن يوسف الجزري، ولد بدمشق عام ٧٥١ هـ، ثم رحل إلى مصر والحجاز، برع في علم القراءات، له مصنَّفات منها: النشر في القراءات العشر، غاية النهاية في طبقات القراء، تحبير التيسير. ينظر: شذرات الذهب ٧/ ٢٠٤.","vol":"1","page":44},{"text":"٣٥ - شرح تائية البوزيدي (^١) في الخمرة الأزلية\nمخطوط يوجد في الخزانة العامة بالرباط ضمن مجموع ورقة (١١٢/ب ١٥٩/ب).\nوأعاد شرحها بقوله: ولقد أعددت شرحًا آخر عليها في اثنى عشر كراسًا ونصف (^٢).\nومطلع القصيدة:\nأيا مَن تجلَّى في بهاءِ جمالِهِ ... وسرِّ كمالِهِ وعِزٍّ ورفعة\n\n٣٦ - شرح قصيدة البوزيدي في السلوك\nهي قصيدة رائية عدد أبياتها تسع وعشرون بيتًا، وهذا مطلعها.\nعليك بتقوى اللهِ حيثُ توجهت ... وكن كريمَ الأخلاقِ في السرِّ والجهر\n\nوالشرح يوجد عند بعض الخواص بفاس وتطوان (^٣)، وذكر ابن عجيبة أنه لما أتم الشرح أرسله لشيخه ففرح بالشرح فرحًا شديدًا (^٤).\n_________\n(^١) هو: محمد بن أحمد البوزيدي السلماني الغماري، ولد بقبيلة بني سلمان الغمارية، تتلمذ على يد مولاي العربي الدرقاوي، وكانت وفاته سنة ١١٢٩ هـ بقبيلة بني زيات الغمارية قريبًا من ساحل البحر الأبيض. ينظر: المطرب بمشاهير أولياء المغرب، ص ٢١٦ - ٢١٧ - ٢١٨.\n(^٢) ينظر: الفهرسة، ص ٣٩.\n(^٣) ينظر: أحمد بن عجيبة ومنهجه في التفسير، للعزوزي ١/ ٣٦٠.\n(^٤) ينظر: الفهرسة، ص ٧٠.","vol":"1","page":45},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-18>ثامنًا: وفاته</span>\nتوفي ابن عجيبة عام ١٢٢٤ هـ، في دار شيخه محمد البوزيدي، ولكنه أُدرج في كفنه وبقي مدة لم يدفن حتى قدم أخوه عبد الله، فلما وصل إليهم مرض أخوه ومات أيضًا ودفنا جميعًا بزاويته المسماه بالزَّميج (^١).\nوضريح ابن عجيبة مغلق طول السَّنة، ولا يفتح إلا مرة في السَّنة تقام فيه العمارة (^٢)، وهو ما يعرف بالموسم عند المغاربة حيث يحصل فيه بدع عظيمة ومنها ما يزعمونه من التقرب إلى الله - ﷿ - ببركة ابن عجيبة بالقربات، ولقد ترك ابن عجيبة طريقته الدرقاوية لأولاده الثلاثة، وقبورهم موجودة بجانبه، وعليها قبة، وهم: عبد السلام، وعبد القادر، أما الثالث فهو الصادق، وقيل لي أنه دفين تطوان، والله أعلم.\nولما دخلت الضريح وجدت قبر ابن عجيبة مرتفع قدر متر، كما هو واضح في الصور التي أخذتها له، ويقع في الزاوية التي عليها القبة الخضراء بالأعلى، ويوجد بجانبه مكتبة صغيرة فيها مصاحف، وكتب ابن عجيبة المطبوعة، وبعض الكتب المهتمة بالأوراد.\nولقد غلت الطريقة الدرقاوية في ضريحه، فهي تحتفل في اليوم الرابع من شهر سبتمبر من كل عام بموسم أحمد بن عجيبة (^٣).\nولقد تم حوار بيني وبين مقدم الزاوية فظهر لي أنه لا يعرف الكثير عن أتباع الطريقة الدرقاوية وعددهم، وهل هم في زيادة أم لا، فقد اكتفى بفتح الباب وأخذ الأجرة على ذلك، وظن أنني أريد التبرك بضريح ابن عجيبة.\n_________\n(^١) ينظر: مخطوط كنز الأسرار ل/١٠٢.\n(^٢) العمارة: كلمة مغربية معناها الاجتماع على الذكر، أخذتها مشافهة من المسؤول عن فتح الضريح.\n(^٣) كل هذا أخذته مشافهة من المسؤول عن فتح الضريح، والسيدة المكلَّفة بمفاتيح الضريح.","vol":"1","page":46},{"text":"وعمومًا فهذه الرحلة الميدانية رغم كلفتها وبعد الشقة قصدت منها البحث العلمي؛ وذلك من أجل إحقاق الحق، وبيان ما عليه القوم من باطل.","vol":"1","page":47},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-19>التعريف بالطرق الصوفية إجمالًا </span>(^١)\nالسير إلى الله - ﷿ - وإلى تحقيق رضوانه يكون بطريق واحد وهو الأخذ بكتاب الله - ﷿ - واتباع هدي النبي محمد - ﷺ - وفق فهم السلف الصالح من الأمة وعلمائها، لا ما عليه القوم من تعدد في طرقهم، واختلاف أحوالهم.\nوإذا أمعنت النظر في تعدُّد طرق القوم، واختلاف أحوالهم، وتباين بعضهم بعضًا، تيقَّنت أن السبب يكمن في تأخر القوم عن عهد سلفنا الصالح وتقوُّلهم عليهم مالم يقولوا به فأضحت كل طريقة من طرق القوم كأنها شريعة أخرى غير ما أتى به وبيَّنه لنا نبيُّنا محمد - ﷺ - (^٢).\nولكن الله - ﷿ - سدَّ جميع الطرق على خلقه إلا طريقًا واحدًا بيَّنه ونصبه على ألسن رسله وجعله موصلًا لعباده إليه وهو إفراده بالعبودية وإفراد رسوله - ﷺ - بالطاعة فلا يشرك به أحدًا في عبوديته ولا يشرك برسوله أحدًا في طاعته فيجرد التوحيد ويجرد متابعة الرسول - ﷺ - (^٣).\nقال الله - ﷿ -: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (^٤).\n_________\n(^١) الطريقة في اللغة هي: السيرة، والمذهب، والحال، ويمكن تعريف الطرق الصوفية في الاصطلاح: بأنها حركة دينيَّة منتشرة في العالم الإسلامي، تدعو للزهد وشدة العبادة تعبيرًا مضادًا للانغماس في الترف، ثم تطور بها الحال إلى أن أصبحت طرقًا تبنَّت مجموعة من العقائد المختلفة والرسوم المخترعة، نتج عنها مناهج مخالفة أخرجتها عن السُّنَّة والجماعة في أصل أو أكثر من أصول الدين الاعتقادية منها أو العملية. ينظر: ينظر: لسان العرب ١٠/ ٢٢١، الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب ١/ ٢٤٩، دراسات في الأهواء والفرق والبدع، ص ٣٣.\n(^٢) ينظر: الرحلة المراكشية، ص ١٩٥.\n(^٣) ينظر: بدائع الفوائد ٢/ ٤٠.\n(^٤) سورة الأنعام: ١٥٣.","vol":"1","page":48},{"text":"وقال نبيُّنا محمد - ﷺ -: «افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، فواحدة في الجنة، وسبعون في النار، وافترقت النصارى على ثنتين وسبعين فرقة فإحدى وسبعون في النار، وواحدة في الجنة، والذي نفسي محمد بيده لتفترقن أمتي على ثلاث وسبعين فرقة واحدة في الجنة، وثنتان وسبعون في النار، قيل يا رسول الله من هم: قال: الجماعة» (^١).\nوكما هو معلوم بأنَّ الطرق الصوفية كثيرة جدًا ومن الصعب حصرها؛ لكن سأذكر طرقها الكبار وما يتفرَّع منها، وفيما يلي التعريف بها إجمالًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-20>١ - الطريقة القادرية</span>\nمن الطرق الواسعة الانتشار في المغرب، ومؤسِّسها أبو محمد عبد القادر الجيلاني، المولود في جيلان وراء طبرستان عام ٤٧١ هـ، ثم انتقل إلى بغداد إلى أن توفي عام ٥٦١ هـ، ويؤكد مؤسس الطريقة على أن واجب السالك في الطريقة أن يتمسَّك بالقرآن الكريم والسُّنَّة النبوية، وما كان عليه سلف الأمة، فيقول: \"فالذي\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه في الفتن ٢/ ١٣٢٢، رقم ٣٩٩٢، وابن أبي عاصم في السُّنَّة، باب فيما أخبر به النبي أنَّ أُمَّته ستفترق ١/ ٣٢: ٦٣)، كلاهما عن عمرو بن عثمان بن سعيد الحمصي، ثنا عباد بن يوسف، ثنا صفوان بن عمرو بن راشد بن سعد عن عوف بن مالك، ورواه اللالكائي في شرح الأصول ١/ ١٠١: ١٤٩، من طريق عمرو بن عثمان الحمصي به بلفظه، وفيه عباد بن يوسف وهو صدوق يغرب كما قال الذهبي في الكاشف وبقية رجاله ثقات.\n\nومنها حديث عبد الله بن عمرو بن العاص - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إنَّ بني إسرائيل تفرَّقوا على اثنتين وسبعين» الحديث أخرجه الآجري في الشريعة، باب ذكر افتراق الأمم في دينهم ص ١٥ - ١٦، بطريقين عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم، عن عبد الله بن يزيد، عن عبد الله بن عمرو، وفيه عبد الرحمن بن زياد الأفريقي وهو ضعيف، ومنها حديث سعد بن وقاص - ﵄ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «افترقت بنو إسرائيل على إحدى وسبعين ملَّة» بمعناه من طريق أبي بكر بن عياش عن موسى بن عبيدة عن ابنة سعد عن أبيها، والحديث بشواهده الكثيرة ومتابعاته صحيحٌ قطعًا، بل بعض طرقه صحيحة لذاتها كما سبق، ينظر: السلسة الصحيحة للألباني ٣/ ٤٨٠.","vol":"1","page":49},{"text":"يجب على المبتدئ في هذه الطريقة الاعتقاد الصحيح الذي هو الأساس، فيكون على عقيدة السلف الصالح\" (^١).\nولكن أتباع الطريقة القادرية نسبوا له أمورًا مبتدعة لا يقدر عليها إلا الله - ﷿ - من علوم الغيب، والتصرُّف في الكون، وإحياء الموتى (^٢).\nولعل أول من نشر تعاليم هذه الطريقة في المغرب العربي هو أبو مدين دفين تلمسان المتوفى سنة ٥٩٨ هـ (^٣)، وتقوم هذه الطريقة على الذكر الجهري، والرياضة الشاقة، وتقليل الأكل، ويأتي في أصول الطريقة القادرية بوجوب طاعة المريد لشيخه ولا يخالفه في ما يوجهه إليه (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-21>٢ - الطريقة الشاذلية</span>\nنشأت بتونس، ومؤسسها هو المغربي أبو الحسن علي بن عبد الله بن عبد الجبار بن تميم الحسن الشهير بالشاذلي، نسبةً إلى شاذلة وهي قرية على بعد عشرين كلم من مدينة تونس شمالًا، ولد في المغرب سنة ٥٩٣ هـ (^٥)، ومنهجه الصوفي قائم على تقديس المريد لشيخه، وإيثار أقواله وأفعاله (^٦)، ولقد زعم أنه مستجاب الدعوة، فهو يقول: \"سألت الله أن يكون القطب الغوث من بيتي إلى يوم القيامة، فسمعت النداء: يا علي قد استجيب لك\" (^٧)، وهو يزعم أنه يعلم الغيب -\n_________\n(^١) الغنية لطالبي طريق الحق ٢/ ٥٩٠، ٥٩٣.\n(^٢) ينظر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب ١/ ٢٥٨.\n(^٣) ينظر: أضواء على أحمد التجاني وأتباعه، ص ١٣.\n(^٤) ينظر: موسوعة التصوف، ص ٢٣٠.\n(^٥) ينظر: المفاخر العلية في المآثر الشاذلية، ص ١٠، موسوعة التصوف، ص ٣٠٠.\n(^٦) المرجع نفسه، ص ١٣٠.\n(^٧) نفسه، ص ١٣٠.","vol":"1","page":50},{"text":"نسأل الله العافية-، بقصة سطرها بقوله: جاءت امرأة بولدها ليدعوا له، فأخذ ينظر فيه ويتفرَّس فيه ساعة، ولم تسمع أم ذلك الصبي بشيء، فقالت: لم يا سيدي لم أسمعك تخاطبه بكلمة، فقال الشاذلي: لما جلس بين يدي أطلعني الله على عواقب أمره، فما وجدت في عمله شيئًا أوصيه عليه، فاستحييت من الله (^١) ولقد قدَّسه أتباعه وتبركوا بآثاره، حتى أوصلوه إلى مرتبة الألوهية والنبوة -نسأل الله العافية- (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-22>٣ - الطريقة النقشبندية</span>\nتنسب إلى بهاء الدين محمد بن محمد البخاري الملقب بشاه نقشبند مات سنة ٧١٩ هـ، ولقد انتشرت في فارس وبلاد الهند وآسيا الغربية (^٣)، وطريقة الدخول في النقشبندية، بالتوبة، ثم اتخاذ شيخ لسلك الطريقة، يليها الذكر، ثم المراقبة ولا تختلف عقيدتهم في الولي عن بقية الطرق الصوفية بزعمهم أن الولي يقول: للشيء كن فيكون، وفي عقائدهم وبدعهم شرك في توحيد الألوهية وتوحيد الربوبية (¬<span data-type=\"title\" id=toc-23>٤).\n\n٤ - الطريقة الرفاعية</span>\nتنسب الرفاعية إلى أحمد بن علي الرفاعي المغربي، وكانت وفاته عام ٥٧٨ هـ (^٥)، وهي منتشرة في العراق، وسوريا ولبنان، ومصر، وليبيا، وغرب آسيا (^٦).\n\"وأعظم الناس بلاء في هذا العصر على الدين والدولة مبتدعة الرفاعية، فلا\n_________\n(^١) ينظر: درة الأسرار، ص ٣٩ - ٤٠.\n(^٢) ينظر: الدر الثمين في التعريف بأبي الحسن الشاذلي وأصحابه الأربعين، ص ٨ - ٩، لطائف المنن، ص ١٢١.\n(^٣) ينظر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب ١/ ٢٦٧، الطريقة النقشبندية وأعلامها، ص ١٨ - ١٩.\n(^٤) ينظر: حقائق خطيرة عن الطريقة النقشبندية، ص ٨٢.\n(^٥) موسوعة التصوف، ص ٢٢٤.\n(^٦) المرجع نفسه، ص ٢٢٦.","vol":"1","page":51},{"text":"تجد بدعة إلا ومنهم مصدرها، وعنهم موردها ومأخذها، فذكرهم عبارة عن رقص وغناء والتجاء إلى غير الله - ﷿ - وعبادة مشائخهم، وأعمالهم عبارة عن مسك الحيات والعقارب ونحو ذلك\" (^١).\nوهذه الطريقة لا تنفك عن محدثات متنوعة، كاتخاذ الخرقة والأذكار المحدثة، وخوارق شيطانية (^٢)، ولقد ناظرهم ابن تيمية وأبطل مكرهم وبدعهم (^٣).\nوطريقتهم مبناها على الجهر بالذكر، والتواجد عند سماعه، والخلوة مرة كل سنة، سبعة أيام تبدأ في اليوم الثاني من عاشوراء، إلى مساء اليوم السابع عشر، ولا تشاركه في خلوته زوجه، ويخلو طعامه من كل روح (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-24>٥ - الطريقة البكتاشية</span>\nتنسب إلى بكتاش ولي، انتشرت في تركيا، وكردستان، وآسيا الصغرى، وألبانيا، وهي طريقة صوفية شيعية الحقيقة والمنشأ، ولكنها مع ذلك تربَّت وترعرعت في بلاد تركيا ومصر، ومن معتقداتهم أنهم يغلون في علي بن أبي طالب - ﵁ -، والاعتراف بالخطأ لشيخهم؛ لأنهم يعتقدون أنه يغفر لهم، واستباحوا المحرمات كشرب الخمر، ولهم عيد يحتفلون به هو يوم ١٦ آب (^٥) ويلبسون الألبسة الزاهية ويطوفون حول القبر المقدَّس -عندهم-، وهي مزيج كامل من عقيدة وحدة الوجود، وعبادة المشايخ وتأليههم، وعقيدة الشيعة في الأئمة (^٦).\n_________\n(^١) غاية الأماني في الرَّدِّ على النبهاني ١/ ٤٨٠.\n(^٢) ينظر: الطرق الصوفية في مصر، ص ١٥٦.\n(^٣) ينظر: مناظرات ابن تيمية لأهل الملل والنحل، ص ٥٠.\n(^٤) ينظر: البراهين الإسلامية في رَدِّ الشبهات الفارسية، ص ١١٩.\n(^٥) يوافق بالهجري ١٩ رجب.\n(^٦) ينظر: الكشف عن حقيقة الصوفية، ص ٧٨٩ - ٧٩٠، الفكر الصوفي ٣/ ١٤٢.","vol":"1","page":52},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-25>٦ - الطريقة التجانية</span>\nتُنسب إلى التجاني، واسمه أبو العباس أحمد بن محمد بن المختار بن أحمد بن محمد بن سالم التجاني، ولد سنة ١١٥٠ هـ وتوفي يوم الخميس السابع عشر من شهر شوال سنة ١٢٢٠ هـ وعمره ثمانون سنة (^١).\nوعقائدهم مخالفة لما عليه أهل السُّنَّة والجماعة، فهم يؤمنون بوحدة الوجود ويعتبرون القائل بها من أولي الذوق الصحيح، والكشف الصريح (^٢)، ويعتقدون أن صلاة الفاتح لما أغلق هي أفضل من القرآن (^٣)، ويعتقدون رؤية النبي يقظة بعد موته، وبجواز التوسل بذات النبي - ﷺ - وتنتشر الطريقة في شمال أفريقيا وغربها (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-26>٧ - الطريقة الجزولية</span>\nتُنسب إلى محمد بن سليمان بن داود الجزولي (^٥) ويرتبط اسمه بكتاب دلائل الخيرات الذي قام بتأليفه، وهو المؤسِّس للطريقة الجزولية، وهي طريقة صوفية تربوية تقوم على تربية النفس وتهذيبها للوصول إلى الفناء عن طريق المجاهدة وطريقة الصحبة -أي شيوخ التربية-، ولا بدَّ في الشيخ أن يكون ملمًا بعلم الظاهر وعلم الباطن-، وأخذ العهد بأن لا ينتسب لشيخ آخر، والذكر عندهم بترديد الهيللة (لا إله إلا الله) (^٦).\n_________\n(^١) ينظر: الاستقصاء في تاريخ المغرب الأقصى ٨/ ٨٣ - ٨٤، بغية المستفيد، ص ١٩٩، أضواء على أحمد التجاني وأتباعه، ص ٣٣.\n(^٢) ينظر: جواهر المعاني ١/ ٢٥٩.\n(^٣) ينظر: أوراد وأحزاب التجاني، ص ١٢.\n(^٤) ينظر: مختصر التجانية، ص ٥، ٢٢، ٥٨.\n(^٥) نسبةً إلى جزولة قبيلة كبيرة شهيرة في سوس. ينظر: التشوف إلى رجال التصوف، ص ٢٦٧.\n(^٦) ينظر الطريقة الجزولية، ص ٨٤.","vol":"1","page":53},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-27>٨ - الطريقة العيساوية</span>\nنسبة إلى محمد بن عيسى، دفين مكناس بالمغرب سنة ٩٩٣ هـ، وينتمي لهذه الطريقة الطبقة الشعبية، ولقد تأثرت هذه الطريقة بالطريقة الرفاعية (^١)، ومن المناكير الشنيعة التي يقوم بها أصحاب هذه الطريقة، والتي يتبرأ منها الإسلام أكل الجيف ويتلطخون بدمها المسفوح، ويسمون هذا الفعل الشيطاني بالحال، ولقد جعلوا لأصابع أيديهم حلقًا من الحديد لها رؤوس حادة بحيث يمكن الذبح بها، وموسمهم هو اليوم الثالث عشر من شهر ربيع النبوي، وينتشرون في فاس (^٢)، ومكناس (^٣)، وآسفي (^٤)،\nومراكش (^٥)، والصويرة (^٦).\n_________\n(^١) ينظر: موسوعة التصوف، ص ٣٠٣.\n(^٢) فاس: عاصمة المغرب العلمية، ويرجع تاريخ بنائها إلى عصر المولى إدريس الثاني، ولقد تعرَّضت المدينة لغزو الفاطميين على يد القائد جوهر الصقلِّي الذي فتحها سنة ٣٤٩ هـ، ثم غزاها الأمويون في عهد المنصور بن أبي عامر سنة ٣٦٥ هـ وأهم أثر تاريخي بفاس هو جامع القرويين، وتقع المدينة في منتصف الطريق بين وجدة والدار البيضاء، وتفصلها عن الرباط مسافة ٢٠٠ كلم، وعن مكناس ٦٠ كلم، وعن وجدة ٣٥٠ كلم. ينظر: تعريف بالمدن والقرى والقبائل والأسر والجهات، ص ١٣٥ - ١٣٦.\n(^٣) مكناس: مدينة من مدن المغرب اتخذها المولى إسماعيل عاصمةً لمملكته فبنى بها الأسوار والقصور والحدائق والدور والمساجد، والحصون، والأبراج، وجعلها عاصمة لمدة نصف قرن، ومن مآثر المدينة المدرسة العنانية، وباب فيلالة، وقبة الخياطين، وهو الجناح الذي كان معدًّا لاستقبال السفراء الأجانب. ينظر: تعريف بالمدن والقرى والقبائل والأسر والجهات، ص ١٢٢.\n(^٤) آسفي: مدينة تقع على الشاطئ الأطلسي بين الجديدة والصويرة، احتلَّها البرتغال مرارًا خلال القرن العاشر، ومن آثار المدينة القصبة الشهيرة، وبرج البحر، ودار البارود، والأسوار المحيطة القديمة، وكانت المدينة مركزًا للعلاقات التجارية بين المغرب وأوربا. ينظر: تعريف بالمدن والقرى والقبائل والأسر والجهات، ص ٧٠ ..\n(^٥) مراكش: ثالث مدينة في المغرب من حيث الأهمية، تقع في سفح الأطلس الكبير على بعد ٣٠ كلم منه ويبلغ ارتفاعها عن سطح البحر ٤٥٠ م، أسَّسها الأمير يوسف بن تاشفين في أواسط القرن الخامس وأتمَّها من بعده الخليفة عبد المؤمن الموحدي، ينظر: تعريف بالمدن والقرى والقبائل والأسر والجهات، ص ١٢٠ - ١٢١.\n(^٦) الصويرة: مدينة على شاطئ المحيط الأطلسي بين آسفي وأكادير، شُيِّدت في أوائل القرن الماضي في عهد السلطان محمد بن عبد الله العلوي سنة ١١٧٨ هـ، وكانت هدفًا لهجوم الأسطول الفرنسي سنة ١٢٦٠ هـ بعد احتلال الفرنسيين للجزائر. ينظر: تعريف بالمدن والقرى والقبائل والأسر والجهات، ص ٨١.","vol":"1","page":54},{"text":"وغيرها من مدن المغرب (^١)، وطريقتهم لإحياء موسمهم \"الطواف بالشوارع من الصباح إلى المساء، يطبلون ويزمرون، ويرقصون بدون فتور ولا راحة، ويفترسون لحوم الغنم والمعز قبل موتها بعد أن يبقروا بطونها، ويمزقوا أحشاءها، فتتلوث أبدانهم، وثيابهم بالدماء، ويأكلون تلك اللحوم الملوثة\" (^٢).\n\"وقد اشتهرت الطريقة العيساوية باستعمالها للمدائح بصوت عال، وتعرف هذه المدائح بحزب سبحان الدائم الذي هو في الأصل لمحمد بن سليمان الجزولي، ولكن الحزب في ليبيا أضيف إليه حزب الفلاح، وأضحى التوسل بالأولياء من ضمن هذا الورد الذي لم يكن فيه أصلًا، ومن ملامح هذه الطريقة الجمع بين الذكر والمدح والحضرة، واستخدام الموسيقى الأندلسية\" (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-28>٩ - الطريقة التباغية</span>\nتُنسب لمؤسسها عبد العزيز بن عبد الحق الحرّار المعروف بالتباغ، المتوفى سنة أربع عشرة وتسعمائة، من مواليد مراكش، وكان يلزم أتباعه بأوراد الجزولي، ولكن لم يبق لهذه الطائفة اليوم أثر، إلا أن الذي يعمر زاويتها اليوم النساء عشية الجمعة (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-29>١٠ - الطريقة الغزوانية</span>\nتُنسب لمؤسسها محمد بن عبد الله بن أحمد الغزواني، المتوفى سنة خمس وثلاثين وتسعمائة، وهو تلميذ عبد العزيز التباغ الذي أذن له بفتح زاوية له، وبعد وفاة شيخه أنشأ طريقته التي سمَّاها على اسمه، ولهذه الطائفة اصطلاحات وأعمال غريبة، ومن قبيح مثالبهم قولهم: الفاتحة في نظير ما يوهب لهم من الناس، وذلك عند\n_________\n(^١) ينظر: الرحلة المراكشية أو مرآة المساوي الوقتية، ص ١٨٤، أضواء على التصوف بالمغرب الطريقة العيساوية نموذجًا، ص ٢٢.\n(^٢) إشكالية الفكر الصوفي، ص ٨٥.\n(^٣) موسوعة التصوف، ص ٣٥٨.\n(^٤) ينظر: الرحلة المراكشية، ص ١٨٠، معلمة التصوف الإسلامي ٢/ ٩٩.","vol":"1","page":55},{"text":"جلوسهم للراحة، فكلما أُعطي أحدٌ من الناس شيئًا قالوا: الفاتحة، ومن هذه الطائفة قوم يعرفون بأصحاب الناقة، وهي الناقة التي تضرب في كل سنة على أصحاب الحرف، وهم الدبّاغة، وقد جعلوا هذه الضريبة لأجلها فرضًا محتمًا حتى على الفقير والمسكين، وكل من أبى عن دفع ذلك القدر المرتب عليه من قبلها قوبل بأنواع من العذاب؛ وذلك لأجل النفع الحاصل لرؤساء الحرف (¬<span data-type=\"title\" id=toc-30>١).\n\n١١ - الطائفة الناصرية</span>\nمؤسسها محمد بن ناصر الدرعي الناصري، وانتشرت هذه الطريقة في كافة أرجاء المغرب والجزائر، ولقد كثرت البدع التي حدثت في هذه الطريقة، ومنها: ضيافة الجان التي تفعل بمواضع ملاصقة للزاوية، أو بالمقابر من بيض، وورد، وريحان، وبخور (^٢)، وكذلك إذا ذبحت الأضاحي بالمصلى بادروا في ضجيج وضوضاء لما هيأوا من البغال الفارهة المسرعة المعدات لذلك، ويحملونها عليها راكبين خلفها من غير غسل المذبوح منها، والدماء تسيل على الراكب والمركوب، والطرقات، والمار بها في إسراع وزحمة عظيمة والعامة يتبركون بها، ويزعمون في خرافاتهم أن من وصلت وبها رمق مكان سلخها فذلك دليل على طول عمر المتقرِّب بها، ويتنافسون فيمن يوصلها على تلك الحالة (^٣).\nوكذلك من البدع التي عليها هذه الطريقة قلب النعش بحيث يجعل وجهه إلى الأرض عندما يشرع في دفن الميت؛ لأنهم يزعمون أن بقاءه على هيئته ووجه إلى السماء أنه ينادي بزيادة الموت (^٤).\n_________\n(^١) ينظر: الرحلة المراكشية، ص ١٨٠.\n(^٢) المزايا فيما أُحدث من البدع بأُمِّ الزوايا، ص ٩٨.\n(^٣) المرجع نفسه، ص ٨٤.\n(^٤) نفسه، ص ١١٨.","vol":"1","page":56},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-31>الباب الأول: مصادر التلقي عند ابن عجيبة</span>\nوفيه فصلان:\nالفصل الأول: الكتاب والسنة\nالفصل الثاني: المصادر الصوفية في التلقي","vol":"1","page":57},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-32>الفصل الأول: الكتاب والسنة</span>\nوفيه مبحثان:\nالمبحث الأول: الكتاب\nالمبحث الثاني: السنة","vol":"1","page":59},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-33>المبحث الأول: الكتاب</span>\nلا ريب أنَّ الاستدلال بالقرآن محلُّ إجماع المسلمين، لكن الاختلاف في تناول نصوص الكتاب وفهمها وتطبيقها، والموفَّق من صحَّ فهمه وحسن قصده عند الاستدلال بها، \"وصحة الفهم وحُسن القصد من أعظم نعم الله - ﷿ - التي أنعم بها على عبده بل ما أُعطي عبدٌ عطاءً بعد الإسلام أفضل ولا أجل منهما بل هما ساقا الإسلام وقيامه عليهما وبهما يأمن العبد طريق المغضوب عليهم الذين فسد قصدهم، وطريق الضالين الذين فسدت فهومهم\" (^١).\nوعند سبر آراء ابن عجيبة في الكتاب والاستدلال به نجد أن لديه آراءً توافق الحق، وأخرى خالف فيها ما يدلُّ عليه الكتاب وأقوال سلف الأمة.\nومما وافق فيه الحق قوله (^٢): \"أما القرآن العظيم فلا بدَّ من الإيمان أنه منزَّلٌ على نبيِّنا محمد - ﷺ -، فمن اعتقد أنه منزَّلٌ على غيره كالروافض (^٣)\nفإنه كافر بإجماع الأُمَّة\"،\n_________\n(^١) إعلام الموقعين عن رب العالمين، لابن القيم ١/ ٨٧.\n(^٢) البحر المديد ١/ ٧٥.\n(^٣) الروافض: هم الذين يتبرؤون من أصحاب محمد - ﷺ - ويسبونهم وينتقصونهم ويكفِّرون الصحابة - ﵃ - إلا نفرًا يسيرًا، ومنهم علي، وعمَّار، وسلمان - ﵃ -، قال عبد الله بن أحمد: سألتُ أبي عن الرافضة؟ فقال: الذين يسبون أو يشتمون أبا بكر وعمر - ﵄ -، وقال: قلتُ لأبي: من الرافضي؟ قال: \"الذي يسب أبا بكر وعمر - ﵄ -، وقيل سموا رافضة لرفضهم إمامة أبي بكر وعمر - ﵄ -، وقيل لرفضهم الحق، وأقول إنهم يحملون عقائد خطيرة منها: انتقاص الرَّبِّ - ﷿ -، وتأليه الأئمة وتحكيم غير شرع الله. ينظر: السُّنَّة للإمام أحمد، ص ٨١، طبقات الحنابلة ١/ ٣٣، والسُّنَّة، لعبد الله بن أحمد ٢/ ٥٤٨، السُّنَّة، للخلال، ص ٤٩٢ رقم ٧٧٧، منهاج السُّنَّة ١/ ٨، الحجة في بيان المحجة، لأبي القاسم التيمي ٢/ ٤٧٨.\nوذهبت الغرابية إلى أنَّ الله تعالى لم يبعث محمَّدًا نبيًّا ولم يرسل إليه جبريل - ﵇ - بالرسالة، ولكنه أرسله إلى علي بن أبي طالب - ﵁ -، وكان محمَّد - ﷺ - أشبه بعليٍّ من الغراب بالغراب، وقد بعث الله جبريل إلى علي فغلط جبريل في تبليغ الرِّسالة إلى علي بن أبي طالب، فبلَّغها إلى محمَّد بن عبد الله، قال شاعرهم: (غلطِ الأمينُ فحادها عن حيدرة)، ويلعنون صاحب الريش، ويعنون به جبريل - ﵇ -.\n\nوهذا لا شكَّ في بطلانه قال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ الفتح: ٢٩، وقال تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ آل عمران: ١٤٤، وقال تعالى ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ الأحزاب: ٤٠، ينظر: السيوف المشرقة ومختصر الصواقع المحرقة، ص ٤٢٢.","vol":"1","page":61},{"text":"وقال: والمراد بإنزاله: إمَّا إنزاله كله إلى سماء الدنيا، أُنزل جملةً واحدة في ليلة القدر من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا، ثم نزل نجومًا في ثلاثٍ وعشرين سنة، وإمَّا ابتداء نزوله، وهو الأظهر (^١).\nومنها ذكره لبعض خصائص القرآن:\n١ - حبل الله المتين وهو النور المبين والشفاء النافع.\n٢ - مهيمن على الكتب (^٢).\n٣ - حفظه من التحريف (^٣).\n٤ - لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه (^٤).\nومنها قوله: \"كل ما اختُلف فيه يُرد إلى كتاب الله - ﷿ - ثم إلى سنة رسول الله - ﷺ -، ثم إلى الإجماع، ثم إلى القياس، فهذه هي قواعد الشريعة وعليها بنيت الأحكام فمن خرج عنهما فهو مبطلٌ، ففي كتاب الله - ﷿ - وسنة رسوله - ﷺ - من علم الأصول والفروع ما فيه غُنية، فإن لم يوجد نصٌّ فالإجماع أو القياس\" (^٥).\nوعند تأمُّل ما سبق ذكره من أمثلة نجد أنه وافق فيها الحق وما دلَّت عليه النصوص من الكتاب والسُّنَّة، وقول سلف الأمة.\n_________\n(^١) البحر المديد ٧/ ٣٣١.\n(^٢) المرجع نفسه ٤/ ٦٢٧.\n(^٣) نفسه ٢/ ٢٠، ٢٥.\n(^٤) الدرر الناثرة في توجيه القراءات المتواترة، ص ٧.\n(^٥) المرجع نفسه ٥/ ١٩٥.","vol":"1","page":62},{"text":"وبعد ذلك ذكر أمورًا يخالف فيها نصوص الكتاب والسُّنَّة وما عليه العلماء الربانيين.\nنجد هذا في قوله: \"اعلم أن للقرآن العظيم ظاهرًا لأهل الظاهر، وباطنًا لأهل الباطن، وتفسير أهل الباطن لا يذوقه إلا أهل الباطن، لا يفهمه غيرهم ولا يذوقه سواهم، ولا يصح ذكره إلا بعد تقرير الظاهر، ثم يشير إلى علم الباطن بعبارة رقيقة وإشارة دقيقة، فمن لم يبلغه فهمه لذوق تلك الأسرار فليسلِّم، ولا يبادر بالإنكار فإن علم الأذواق من وراء طور العقول، ولا يدرك بتواتر النقول\" (^١).\nوهذا عند المحققين لا يوافق عليه؛ فإن العلماء بيَّنوا المعنى الصحيح للظاهر والباطن.\nقال الطبري (^٢): \"ظهره الظاهر في التلاوة، وبطنه ما بطن في تأويله\" (^٣)، ولقد علَّق على هذا القول أحمد شاكر (^٤) فقال: \"الظاهر هو ما تعرفه من كلامها، وما لا يعذر أحد بجهالته من حلال وحرام، والباطن: هو التفسير الذي يعلمه العلماء بالاستنباط والفقه، ولم يرد الطبري على ما تفعله الصوفية في التلاعب بكتاب الله - ﷿ - وسنة رسوله - ﷺ - والعبث بدلالات ألفاظ القرآن، وادعائهم أن لألفاظه \"ظاهرًا\" هو الذي يعلمه علماء المسلمين، وباطنًا يعلمه أهل الحقيقة (^٥) فيما يزعمون\" (^٦).\n_________\n(^١) البحر المديد ١/ ٩٤.\n(^٢) هو أبو جعفر، محمد بن جرير بن يزيد الطبري، المؤرِّخ المفسِّر، ولد في آمل طربستان سنة ٢٢٤ هـ، واستوطن بغداد، من مؤلفاته: جامع البيان في تفسير القرآن، أخبار الرُّسُل والملوك، توفي سنة ٣١٠ هـ، ينظر: طبقات الشافعية ٣/ ١٢٠، تاريخ بغداد ٢/ ١٦٢.\n(^٣) جامع البيان في تأويل القرآن ١/ ٧٢.\n(^٤) أحمد بن محمد شاكر بن أحمد بن عبد القادر، عالم بالحديث والتفسير، ولد سنة ١٣٠٩ هـ، وتوفي سنة ١٣٧٧ هـ، ينظر: الأعلام ١/ ٢٣٥.\n(^٥) الحقيقة لغة: من الحق، خلاف الباطل، وجمعه حقوق وحقاق، وهي في اصطلاح الصوفية: كشف رداء الصون عن مظهر الكون، فيفنى من لم يكن، ويبقى من لم يزل، وهي: ذات الشيء وأصله، وحقيقة الإنسان: ماهيته ومادته لم يزل. ينظر: لسان العرب ١٠/ ٤٩، والقاموس المحيط، ص ١١٢٩، والفتوحات الإلهية، ص ٢٤.\n(^٦) جامع البيان في تأويل القرآن ١/ ٧٢، حاشية رقم: ٢.","vol":"1","page":63},{"text":"ويؤيد هذا الشاطبي (^١) بقوله: \"من الناس من زعم أن للقرآن ظاهرًا وباطنًا وربما نقلوا في ذلك بعض الأحاديث والآثار، فعن الحسن (^٢) مما أرسله عن النبي - ﷺ - أنه قال: ما أنزل الله آية إلا ولها ظهر وبطن بمعنى ظاهر وباطن، وكل حرفٍ حد، وكل حد مطلع، وفُسِّر بأن الظهر والظاهر هو ظاهر التلاوة والباطن هو الفهم عن الله لمراده، فإن كان مراد من أطلق هذه العبارة ما فُسِّر فصحيح ولا نزاع فيه، وإن أرادوا غير ذلك فهو إثبات أمر زائد على ما كان معلومًا عند الصحابة - ﵃ - ومن بعدهم فلا بدَّ من دليل قطعي يثبت هذه الدعوى؛ لأنها أصلٌ يحكم به على تفسير الكتاب فلا يكون ظنيًّا، وما استُدل به إنما غايته إذا صح سنده أن ينتظم في سلك المراسيل\" (^٣).\nوقال ابن حزم (^٤): \"لو كان لكل آية ظهر وبطن لكنا لا سبيل لنا إلى علم البطن منها بظن، ولا بقول قائل، لكن ببيان النبي - ﷺ - الذي أمره الله - ﷿ - بأن يُبيِّن للناس ما نُزِّل إليهم، فإن أوجدونا بيانًا عن النبي - ﷺ - فليس أحد أولى بالتأويل\n_________\n(^١) هو: أبو إسحاق، إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الغرناطي، الشاطبي، أصوليٌّ، حافظ، كان من أئمة المالكية، له مصنفات منها: الاعتصام، الموافقات، مات سنة ٧٩٠ هـ. ينظر: الأعلام ١/ ٧٥.\n(^٢) هو أبو سعيد، الحسن بن أبي الحسن البصري، واسمه يسار، أمُّه مولاة أمِّ سلمة زوج النبي - ﷺ -، رأى بعض الصحابة - ﵃ -، ولم يسمع من أحدٍ منهم، كان جامعًا عالمًا، رفيعًا عابدًا، ناسكًا، كثير العلم فصيحًا، توفي سنة ١١٠ هـ. ينظر: تذكرة الحُفَّاظ ١/ ٧٢، سير أعلام النبلاء ٤/ ٦٤١.\n(^٣) الموافقات ٣/ ٢٢٧.\n(^٤) هو أبو محمد، علي بن أحمد بن سعيد بن حزم بن غالب بن صالح بن خلف بن معدان بن سفيان بن يزيد الفارسي الأصل، ثم الأندلسي القرطبي اليزيدي مولى الأمير يزيد بن أبي سفيان بن حرب الأموي - ﵁ -، له مؤلفات: منها: المحلَّى في الفقه، الملل والنحل، ولد بقرطبة سنة ٣٨٤ هـ، ومات في شوال سنة ٤٥٩ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء ١٨/ ١٨٤.","vol":"1","page":64},{"text":"في باطن ما تحتمله تلك الآية من آخر من تأول أيضًا، ومن الباطل المحال أن يكون للآية باطن لا يبيِّنُه النبي - ﷺ -؛ لأنه كان يكون حينئذ لم يبلغ كما أمر، وهذا لا يقوله مسلم فبطل ما ظنُّوه\" (^١).\nووصف أبو الفضل السكسي (^٢) حال القائلين بالظاهر والباطن بقوله: \"والصوفية يعتزون إلى أهل السُّنَّة وليسوا منهم، قد خالفوهم في الاعتقاد والأفعال، والأقوال، أما الاعتقاد فسلكوا مسلكًا للباطنية الذين قالوا: إن للقرآن ظاهرًا وباطنًا فالظاهر ما عليه حملة الشريعة النبوية، والباطن ما يعتقدونه، فكذلك -أيضًا- فرق الصوفية قالت: إن للقرآن والسُّنَّة حقائق خفيَّة باطنية غير ما عليه علماء الشريعة من الأحكام الظاهرة، التي نقلوها خلفًا عن سلف، متصلًا بالنبي - ﷺ - بالأسانيد الصحيحة والنقلة الثقات وتلقته الأمة بالقبول وأجمع عليه السواد الأعظم\" (^٣).\nوقال البربهاري (^٤): \"وكل علم ادعاه العباد من علم الباطن لم يوجد في الكتاب ولا في السُّنَّة فهو بدعة وضلالة، لا ينبغي لأحد أن يعمل به ولا يدعو إليه\" (^٥).\nوممَّا يؤخذ على ابن عجيبة في تلقي القرآن أنه يزعم أن العارفين يسمعون القرآن بلا واسطة، حيث قال:\n_________\n(^١) الإحكام في أصول الأحكام ١/ ٢٨٨.\n(^٢) هو أبو الفضل، عبَّاس بن منصور بن عبَّاس التريمي السكسكي، فقيه يماني، تولى القضاء في تعز، توفي سنة ٦٣٨ هـ. ينظر: الأعلام ٣/ ٢٦٨.\n(^٣) البرهان في معرفة عقائد أهل الأديان، ص ٦٥.\n(^٤) أبو محمد، الحسن بن علي بن خلف البربهاري، نسبةً إلى الأدوية التي تجلب من الهند، قال ابن الجوزي عن البربهاري: جمع العلم والزُّهد، وكان شديدًا على أهل البدع، من مؤلفاته: شرح السُّنَّة، توفي عام ٣٢٩ هـ. ينظر: طبقات الحنابلة ٢/ ١٦، البداية والنهاية ١١/ ٢١٣، سير أعلام النبلاء ١٥/ ٩٠، شذرات الذهب ٢/ ٣١٩.\n(^٥) شرح السُّنَّة، ص ١٠٦.","vol":"1","page":65},{"text":"\"العارفون بالله - ﷿ - لا يسمعون القرآن إلا من لدن حكيم عليم، بلا واسطة، الواسطة محذوفة في نظرهم، فهم يسمعون من الله - ﷿ - إلى الله - ﷿ - \" (^١).\nوقال أيضًا: \"العارف لم تبق له واسطة بينه وبين الله - ﷿ - ولا بينه وبين رسول الله - ﷺ -، بل يأخذ الأشياء من معدنها، فالحقيقة يأخذها من معادنها وهي شهود الذات الأقدس بلا واسطة حس الأكوان، بل تمتحي الأكوان وتمحق في نظره، فلا يرى إلا المكون، ويأخذ الشريعة من معادنها وهي الكتاب والسُّنَّة إن كان أهلًا وإلا استفتى قلبه، ولذلك قيل الصوفي لا مذهب له، أي لا يقلد أحدًا من أهل المذهب\" (^٢).\nوقوله هذا واعتقاده من أخطر ما يكون على عقيدة العبد وعبادته إذ إسقاط الواسطة بين الله وبين خلقة مصادم لنصوص الشرع، ولما اتفقت عليه أهل الملل.\nقال ابن تيمية - ﵀ -: \"مما أجمع عليه أهل الملل من المسلمين، واليهود والنصارى: أنهم يثبتون الوسائط بين الله وبين عباده، وهم الرُّسل الذين بلَّغوا عن الله أمره وخبره، قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ (^٣) ومن أنكر هذه الوسائط فهو كافرٌ بإجماع أهل الملل\" (^٤).\nوأما ما ذكره ابن عجيبة من تلقي القرآن وسماعه بلا واسطة فهذه أيضًا من تخرصات الصوفية.\n_________\n(^١) البحر المديد ٤/ ١٧٥.\n(^٢) شرح صلاة ابن عربي، ضمن سلسلات نورانية فريدة، جمع العمراني الخالدي، ص ٤٧.\n(^٣) سورة الحج: ٧٥.\n(^٤) ينظر: الواسطة بين الحق والخلق، ضمن مجموع الفتاوى، ص ١٠.","vol":"1","page":66},{"text":"قال ابن تيمية: \"فكلُّ من كان من أهل الإلهام والخطاب والمكاشفة لم يكن أفضل من عمر - ﵁ -، فعليه أن يسلك سبيله في الاعتصام بالكتاب والسُّنَّة تبعًا لما جاء به الرسول - ﷺ - لا يجعل ما جاء به الرسول - ﷺ - تبعًا لما ورد عليه، وهؤلاء الذين أخطأوا وضلُّوا وتركوا ذلك، واستغنوا بما ورد عليهم، وظنُّوا أنَّ ذلك يغنيهم عن اتباع العلم المنقول، وصار أحدهم يقول: أخذوا علمهم ميتًا عن ميت، وأخذنا علمنا عن الحي الذي لا يموت فيقال له: أما ما نقله الثقات عن المعصوم، فهو حق ولولا النقل المعصوم لكنت أنت وأمثالك إما من المشركين، وإما من اليهود والنصارى، وأما ما ورد عليك فمن أين لك أنه وحي من الله؟ ومن أين لك أنه ليس من وحي الشيطان؟ \" (^١).\nويقول أيضًا - ﵀ -: \"فليس في المحَدَّثين الملهمين أفضل من عمر - ﵁ - \" (^٢).\nوقال ابن الجوزي (^٣): \"ومن قال حدَّثني قلبي عن ربي فقد صرَّح أنه غني عن الرسول، ومن صرَّح بذلك فقد كفر، فهذه كلمة مدسوسة في الشريعة تحتها هذه الزندقة، ومن رأيناه يزري على النقل علمنا أنه قد عطَّل أمر الشرع، وما يؤمن هذا القائل حدثني قلبي عن ربي أن يكون ذلك من إلقاء الشياطين فقد قال الله - ﷿ -: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ (^٤)، وهذا هو الظاهر؛ لأنه ترك الدليل المعصوم وعوَّل على ما يلقي في قلبه الذي لم يثبت حراسته\n_________\n(^١) الواسطة بين الحق والخلق، ضمن مجموع الفتاوى ١٣/ ٧٤.\n(^٢) مجموع الفتاوى ١٣/ ٧٣.\n(^٣) هو أبو الفرج، عبد الرحمن بن علي المعروف بابن الجوزي البغدادي، توفي سنة ٥٩٧ هـ، ومن مصنفاته: تلبيس إبليس، زاد المسير، ينظر: البداية والنهاية ١٣/ ٢٨، تاريخ الإسلام ١٢/ ١١٠٠، ١١١٤، الأعلام ٣/ ٣١٦ - ٣١٧.\n(^٤) سورة الأنعام: ١٢١.","vol":"1","page":67},{"text":"من الوساوس وهؤلاء يسمون ما يقربهم خاطرا\" (^١).\nوقال ابن القيم: \"ومن أحالك على غير أخبرنا وحدثنا فقد أحالك إما على خيال صوفي، أو قياس فلسفي، أو رأي نفسي، فليس بعد القرآن و(أخبرنا) و(حدثنا) إلا شبهات المتكلمين، وآراء المنحرفين، وخيالات المتصوفين، وقياس المتفلسفين، ومن فارق الدليل ضلَّ عن السبيل، ولا دليل إلى الله والجنة سوى الكتاب والسُّنَّة، وكل طريق لم يصحبها دليل القرآن والسُّنَّة فهي طريق الجحيم والشيطان الرجيم\" (^٢).\nكما يؤخذ على ابن عجيبة أنه لا يستدل بنصوص الكتاب والسُّنَّة على الأمور العقدية، حيث يقول: \"إذا وقع الاختلاف في الأحكام الظاهرة -وهي ما يتعلق بالجوارح الظاهرة- رُجع فيه إلى الكتاب العزيز أو السُّنَّة المحمدية، أو الإجماع أو القياس، وإن وقع الاختلاف في الأمور القلبية -وهي ما يتعلق بالعقائد التوحيدية من طريق الأذواق أو العلوم- يُرجع فيه إلى أرباب القلوب الصافية، فإنه لا يتجلى فيه إلا ما كان هو حقٌّ وصواب\" (^٣).\nومثال ذلك: أن المريدين لا يعرضون أو يَزِنون أقوال شيوخهم على الكتاب والسُّنَّة، ولقد شرح ابن عجيبة قول أبي الحسن الشاذلي: \"من آداب مجالسة الصِّدِّيقين أن تفارق ما تعلم لتظفر بالسر المكنون\" (^٤) فقال:\n\"يعني إن أردت أن تظفر بما عندهم من السرِّ المكنون فأسقط عنهم الميزان في\n_________\n(^١) تلبيس إبليس، ص ٤٥١.\n(^٢) مدارج السالكين ٢/ ٤٦٨.\n(^٣) البحر المديد ٤/ ٢١٧.\n(^٤) إيقاظ الهمم، ص ٣٦٨.","vol":"1","page":68},{"text":"أقوالهم، وأفعالهم، وأحوالهم، وأمَّا ما دمت تزن عليهم بميزان علمك فلا تشم رائحة من سرِّهم\" (^١).\nوهذا تناقض واضطراب منه؛ إذ نحن مأمورون بالإيمان بجميع الكتاب والتحاكم إليه والتسليم، لا أن نؤمن ببعضه، ونكفر بالبعض الآخر، قال - ﷿ -: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ (^٢).\nوقال ابن تيمية: \"ومن قال: أنا محتاج إلى محمد - ﷺ - في علم الظاهر دون علم الباطن، أو في علم الشريعة دون علم الحقيقة، فهو شرٌّ من اليهود والنصارى الذين قالوا: إن محمدًا رسولٌ إلى الأُمِّيين دون أهل الكتاب، فإن أولئك آمنوا ببعض وكفروا ببعض فكانوا كُفَّارًا بذلك، وكذلك هذا الذي يقول إن محمدًا بعث بعلم الظاهر دون علم الباطن آمن ببعض ما جاء به وكفر ببعض فهو كافر، وهو أكفر من أولئك؛ لأن علم الباطن الذي هو علم إيمان القلوب ومعارفها وأحوالها هو علم بحقائق الإيمان الباطنة وهذا أشرف من العلم بمجرد أعمال الإسلام الظاهرة، فإذا ادعى المدعي أنَّ محمدًا - ﷺ - إنما علم هذه الأمور الظاهرة دون حقائق الإيمان؛ وأنه لا يأخذ هذه الحقائق عن الكتاب والسُّنَّة فقد ادَّعى أنَّ بعض الذي آمن به مما جاء به الرسول - ﷺ - دون البعض الآخر وهذا شرٌّ ممن يقول: أؤمن ببعض وأكفر ببعض ولا يدعي أن هذا البعض الذي آمن به أدنى القسمين\" (^٣).\n_________\n(^١) إيقاظ الهمم، ص ٣٦٨ - ٣٦٩، وينظر: شرح نونية الششتري، ص ١٢٦.\n(^٢) سورة البقرة: ٨٥.\n(^٣) الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، ص ١٩٥.","vol":"1","page":69},{"text":"وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (^١).\nقال ابن القيم في تفسير هذه الآية: \"فأمر تعالى بطاعته، وطاعة رسوله، وأعاد الفعل إعلامًا بأنَّ طاعة الرسول تجب استقلالًا من غير عرض ما أمر به على الكتاب، بل إذا أمر وجبت طاعته مطلقًا، سواء كان ما أمر به في الكتاب أولم يكن فيه، فإنه أُوتِيَ الكتاب ومثله معه\" (^٢).\nوعقيدة أهل السُّنَّة والجماعة أنَّ الكتاب والسُّنَّة هما الميزان للأقوال والأفعال، لهذا وُفِّقوا لكل خير؛ لأنهم \"جعلوا الكتاب والسُّنَّة إمامهم، وطلبوا الدين من قبلهما، وما وقع لهم من معقولهم وخواطرهم عرضوه على الكتاب والسُّنَّة، فإن وجدوه موافقًا لهما قبلوه وشكروا الله حيث أراهم ذلك ووفقهم إليه، وإن وجدوه مخالفًا لهما تركوا ما وقع لهم، وأقبلوا على الكتاب والسُّنَّة، ورجعوا بالتهمة على أنفسهم، فإن الكتاب والسُّنَّة لا يهديان إلا إلى الحق، ورأي الإنسان قد يرى الحق وقد يرى الباطل\" (^٣).\nوهذه من نعم الاعتصام بالكتاب والسُّنَّة، قال ابن تيمية - ﵀ -: \"وكان من أعظم ما أنعم الله به عليهم اعتصامهم بالكتاب والسُّنَّة، فكان من الأصول المتفق عليها بين الصحابة - ﵃ - والتابعين لهم بإحسان أنه لا يُقبل من أحد قط أن يعارض القرآن لا برأيه ولا ذوقه ولا معقوله ولا قياسه ولا وجده، فإنهم ثبت عنهم بالبراهين القطعيات والآيات البينات أنَّ الرسول جاء بالهدى ودين الحق\" (^٤).\n_________\n(^١) سورة النساء: ٥٩.\n(^٢) إعلام الموقعين عن رب العالمين ١/ ٤٨.\n(^٣) الحجة في بيان المحجة ٢/ ٢٣٨.\n(^٤) مجموع الفتاوى ١٣/ ٢٨.","vol":"1","page":70},{"text":"وقال ابن قتيبة (^١) مبيِّنًا طريقة استدلال أهل السُّنَّة: \"فأمَّا أصحاب الحديث فإنهم التمسوا الحق من وجهته وتتبعوه من مظانَّه، وتقربوا من الله تعالى باتباعهم سنن رسول الله - ﷺ - وطلبهم لآثاره وأخباره\" (^٢).\nوارتبط أهل السُّنَّة بالنصوص نفيًا وإثباتًا، وقولهم هو ما دلَّت عليه النصوص، قال الإمام أحمد - ﵀ -: \"فآمركم ألا تؤثروا على القرآن شيئًا، فإنه كلام الله - ﷿ - ... ثم بعد كتاب الله: سنة النبي - ﷺ - والحديث عنه وعن المهديين أصحاب النبي - ﷺ - \" (^٣) \"قال الله - ﷿ -: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (^٤).\nوتفسير الآية \"أي إلى كتاب الله وإلى رسوله - ﷺ - ما دام حيًا، وبعد وفاته إلى سنته، والرد إلى الكتاب والسُّنَّة واجب إن وجد فيهما، فإن لم يوجد فسبيله الاجتهاد\" (^٥).\nوعن عبد الله بن مسعود - ﵁ - قال: - ﷺ - «خطَّ لنا رسول الله يومًا خطًّا ثم قال: هذا سبيل الله، ثم خطَّ خطوطًا عن يمينه وعن شماله، ثم قال: هذه سبلٌ على كلِّ سبيل شيطان يدعو إليه ثم تلا قول الله - ﷿ -: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ\n_________\n(^١) هو أبو محمد، عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري، صاحب التصانيف، قال عنه الذهبي: الرَّجُل ليس بصاحب حديث، وإنما هو من كبار العلماء المشهورين، عنده فنون جمَّة وعلوم مهمَّة منها: غريب القرآن، غريب الحديث، مشكل الحديث، توفي سنة ٢٧٦ هـ. ينظر: وفيات الأعيان ٣/ ٤٢ - ٤٣، سير أعلام النبلاء ١٣/ ٢٩٦ - ٣٠٢.\n(^٢) تأويل مختلف الحديث، ص ٥١.\n(^٣) طبقات الحنابلة ١/ ٣٤٢.\n(^٤) سورة النساء: ٥٩.\n(^٥) تفسير البغوي ٢/ ٢٤٢.","vol":"1","page":71},{"text":"وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (^١)»، (^٢).\nولا حلاوة للإيمان إلا باتباع هدي محمد - ﷺ - ومحبته وتقديم قوله على قول كل أحد، قَالَ رسول الله - ﷺ -: «ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلاوَةَ الإيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لا يُحِبُّهُ إِلا لِلَّهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ» (^٣).\nوكل قول لا يوزن بميزان الشرع فهو مردود على صاحبه قال - ﷿ -: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ﴾ (^٤)، قال ابن كثير (^٥) في تفسير الآية: \"لو أجابهم الله - ﷿ - إلى ما في أنفسهم من الهوى، وشرع الأمور على وفق ذلك لفسدت السموات والأرض ومن فيهن\" (^٦).\nوقال تعالى الله - ﷿ -: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (^٧)، \"فتوزن الأقوال والأعمال بأقواله وأعماله، فما وافق ذلك قُبل، وما\n_________\n(^١) سورة الأنعام: ١٥٣.\n(^٢) أخرجه أحمد في المسند ١/ ٤٣٥ - ٤٦٥، والطيالسي في المسند ٢٤٤، والدارمي في السنن ١/ ٦٧، والنسائي في السنن الكبرى ١١١٧٤، وابن حبان في صحيحه ٦ - ٧، والحاكم في المستدرك ٢/ ٣١٨، وقال: هذا حديثٌ صحيحُ الإسناد، وحسَّنه الألباني في تحقيقه لكتاب مشكاة المصابيح ١/ ٨٥، رقم ١٦٦.\n(^٣) أخرجه البخاري، كتاب الإيمان، باب حلاوة الإيمان ١/ ٢٢، رقم ١٦.\n(^٤) سورة المؤمنون: ٧١.\n(^٥) هو: أبو الفداء، عماد الدين، إسماعيل بن عمر بن كثير بن ضوء القرشي البصروي، ثم الدمشقي الفقيه الشافعي، ولد سنة ٧٠١ هـ، حفظ القرآن، وبرع في التفسير، له عناية بالرِّجَال، والمتون، والتفقُّه، ومن مصنفاته: أحكام التنبيه، اختصار علوم الحديث، تفسير ابن كثير، توفي سنة ٧٧٤ هـ. ينظر: الدرر الكامنة ١/ ٤٠٠، النجوم الزاهرة ١١/ ١٢٣.\n(^٦) تفسير القرآن العظيم ٣/ ٢٥٠.\n(^٧) سورة النور: ٦٣.","vol":"1","page":72},{"text":"خالفه فهو مردود على قائله، وفاعله كائنًا من كان\" (^١).\nوابن عجيبة كغيره من الصوفية (^٢) الذين يعتقدون السرَّ (^٣) في شيخ الطريقة، فقد وضَّح هذا بقوله في تعريف العلم المخزون الذي تدَّعيه الصوفية: هو العلم الموهوب الذي يفيض على القلوب من حضرة علام الغيوب، لا يناله بحيلة ولا اكتساب، ولا يؤخذ من دفتر ولا كتاب، وإنما من حضرة الكمال مع حكمة صحبة الرجال، أو بمحض الفضل والنوال، وهي أسرار الربوبية التي أخفاها الله عن خلقه، ولم يطلع عليها إلا خواص أوليائه، فإذا نطقوا بها مع غير أهلها ردوا عليهم، وربما أباحوا دمائهم، ومنها الاطلاع على أسرار القدر وعجائب المغيبات ... (^٤).\nولقد بيَّن أئمة السُّنَّة في ردودهم هذا الانحراف في المعتقد، قال ابن تيمية - ﵀ -: \"ولكن لقولهم سرٌّ خفيٌّ وحقيقة باطنة لا يعرفها إلا خواص الخلق، وهذا السرُّ هو أشدُّ كفرًا وإلحادًا من ظاهره؛ فإنَّ مذهبهم فيه دقة وغموض وخفاء، قد لا يفهمه كثير من الناس.\n_________\n(^١) تفسير القرآن العظيم ٣/ ٣٠٧.\n(^٢) ينظر: إحياء علوم الدين ١/ ٥٤.\n(^٣) السِّر في اللغة هو: إخفاء الشيء وكتمه، قال ابن فارس: السين والراء يجمع فروعه إخفاء الشيء، وما كان من خالصه ومستقره، ولا يخرج شيءٌ منه عن هذا، فالسِّر: ما تكتمه وتخفيه، خلاف الإعلان، يقال: أسررت الشيء إسرارًا: إذا أخفيته، خلاف أعلنته، وهو أيضًا ما يسره المرء في نفسه من الأمور التي عزم عليها، أمَّا في اصطلاح الصوفية: فهو: لطيفةٌ مودعةٌ في القلب كالرُّوح في البدن، وهو محلُّ المشاهدة، كما أنَّ الروح محل المحبة، والقلب محل المعرفة.\nوسِرُّ الربوبية: ظهور الرَّبِّ بصور الأعيان، فهي من حيث مظهريتها للرَّبِّ القائم بذاته، الظاهر بتعيُّناته، قائمة به، وموجودة بوجوده، فهي عبيد مربوبون في هذه الحيثية، والحقُّ ربٌّ لها، فما حصلت الربوبية إلا بالحق والأعيان معدومة بحالها في الأزل. ينظر: مقاييس اللغة ٣/ ٦٧، القاموس المحيط، ص ٣٦٦، مختار الصحاح، ص ١٢٤، الرسالة القشيرية، ص ٩٧، المعجم الصوفي، ص ١٢٣٣، الموسوعة الصوفية، ص ٧٩١ - ٧٩٢.\n(^٤) ينظر: إيقاظ الهمم، ص ٦٢٧.","vol":"1","page":73},{"text":"ولهذا تجد كثيرًا من عوام أهل الدين والخير والعبادة ينشد قصيدة ابن الفارض (^١)، ويتواجد عليها ويعظمها ظانًّا أنها من كلام أهل التوحيد والمعرفة، وهو لا يفهمها ولا يفهم مراد قائلها.\nوكذلك كلام هؤلاء يسمعه طوائف من المشهورين بالعلم والدين، فلا يفهمون حقيقته.\nفإمَّا أن يتوقفوا عنه، أو يعبروا عن مذهبهم بعبارة من لم يفهم حقيقة؛ وإما أن ينكروه إنكارًا مجملًا من غير معرفةٍ بحقيقته، ونحو ذلك، وهذا حال أكثر الخلق معهم.\nوأئمتهم إذا رأوا من لم يفهم حقيقة قولهم طمعوا فيه، وقالوا: هذا من علماء الرسوم، وأهل الظاهر، وأهل القشر، وقالوا: علمنا هذا لا يعرف إلا بالكشف والمشاهدة، وهذا يحتاج إلى شروط، وقالوا: ليس هذا عشك فادرج عنه، ونحو ذلك مما فيه تعظيمٌ له وتشويقٌ إليه، وتجهيلٌ لمن لم يصل إليه، وإن رأوه عارفًا بقولهم نسبوه إلى أنه منهم وقالوا: هو من كبار العارفين ... فضلالهم عظيم وإفكهم كبير وتلبيسهم شديد، والله تعالى يظهر ما أرسل به رسوله من الهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله\" (^٢).\n_________\n(^١) أبو حفص وأبو القاسم، عمر بن علي بن مرشد الحموي المصري، شاعرٌ صوفي، شيخ الاتحادية، لقبه: (سلطان العاشقين)، قُتل بفتوى من العلماء لإلحاده، يُعتبر شهيدًا عند الصوفية، في قصيدته (التائية) القول بـ (وحدة الوجود)، يقول الذهبي عن قصيدته: (فإن لم يكن في تلك القصيدة صريح الاتحاد الذي لا حيلة في وجوده، فما في العالم زندقة ولا ضلال، توفي سنة ٥٣٢ هـ، وعمره ست وخمسون سنة. ينظر: سير أعلام النبلاء ١٦/ ٢٦٥، وفيات الأعيان ٢/ ٢١٦.\n(^٢) مجموع الفتاوى ٢/ ٣٩٧.","vol":"1","page":74},{"text":"وقال في موضع آخر: \"ومن قال من ضُلَّال المسلمين: \"إنَّ الرب يتحد أو يحل في الأنبياء والأولياء، وإنَّ هذا من السرِّ الذي لا يباح به، فقوله من جنس قول النصارى في المسيح، وهذا كثيرٌ في كلام كثير من المشايخ والمدَّعين للمعرفة والتحقيق والتوحيد، فيجعلون توحيد العارفين أن يصير الموحِّد هو الموحَّد ... ومن هؤلاء من يقول: إنَّ هذا هو السرُّ الذي باح به الحلاج (^١) وغيره، وهذا عندهم من الأسرار التي يكتمها العارفون، فلا يبوحون بها إلا لخواصهم.\nومنهم من يقول: إنما قتل الحلاج ; لأنه باح بهذا السر، وينشدون:\nمن باح بالسرِّ كان القتلُ شيمتَهُ ... بين الرِّجالِ ولم يؤخذ له ثارُ\" (^٢)\nوقال الشيخ ابن باز - ﵀ - (^٣): \"فمنهم من يحب شيخًا فيتزيَّا في صورته ويقول: أنا فلان، ويكون ذلك في برية ومكان قفر، فيطعم ذلك الشخص طعامًا ويسقيه شرابًا، أو يدلُّه على الطريق، أو يخبره ببعض الأمور الواقعة الغائبة، فيظن ذلك الرَّجل أنَّ نفس الشيخ الميت أو الحي فعل ذلك ...، أو هذا ملك جاء على صورته، وإنما\n_________\n(^١) الحسين بن منصور بن محمي الحلاج، البيضاوي الفارسي، ولد في مدينة البيضاء بفارس سنة ٢٤٤ هـ، ونشأ في العراق وتنقَّل فيها وسكن البصرة، ثم دخل بغداد، وظهر أمره سنة ٢٩٩ هـ، من مؤلفاته: الطواسين، ولقد كان من أصحاب الاتحاد والحلول، وعندما كثر شرُّه وأعلن إلحاده قتل على الزندقة والكفر والحلول، سنة ٣٠٩ هـ. ينظر: تاريخ الإسلام ٧/ ١٤٣ - ١٤٤، الأعلام، ٢/ ٢٦٠، الموسوعة الصوفية ١٢٦/ ١٣١.\n(^٢) الجواب الصحيح ٤/ ٤٩٥ - ٤٩٦.\n(^٣) هو الإمام عبد العزيز بن عبد الله بن عبد الرحمن بن محمد آل باز، ولد سنة ١٣٣٠ هـ في الرياض، كان في بداية عمره بصيرًا، ثم فقد بصره عام ١٣٥٠ هـ، حفظ القرآن قبل سن البلوغ، ومن أبرز مشايخه: محمد بن عبد اللطيف، سعد بن عتيق، محمد بن إبراهيم، تقلَّد مناصب عدة من قضاء، وتدريس، ونائبًا لرئيس الجامعة الإسلامية ثم عُيِّن رئيسًا لها، ثم مفتيًا عامًّا، له مؤلفات عدة: منها مجموع فتاوى ومقالات متنوعة، التحقيق والإيضاح من مسائل الحج والعمرة والزيارة، توفي عام ١٤٢٠ هـ في الطائف وصُلِّي عليه في مكة. ينظر: ترجمة لسماحة الشيخ ابن باز، ص ٩ - ١٠، ١١، ١٧، ٢٠.","vol":"1","page":75},{"text":"يكون ذلك جنيًا، فإن الملائكة لا تعين على الشرك والإفك، والإثم والعدوان، وقد قال الله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا﴾ (^١)، قال طائفة من السلف: كان أقوام يدعون الملائكة والأنبياء، وعزير والمسيح، فبيَّن الله تعالى أنَّ الملائكة والأنبياء عباد الله كما أنَّ الذين يعبدونهم عباد الله، وبيَّن أنهم يرجون رحمته ويخافون عذابه ويتقربون إليه كما يفعل سائر عباده الصالحين (^٢).\nوالذي ظهر أنهم يقصدون بالسر في الشيخ، الألوهية فيه -تعالى الله عما يقولون (^٣).\nولقد استدل ابن عجيبة بآيات الكتاب على عقائد الصوفية الباطلة، منها:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-34>أولًا: مسألة: تقسيم الدين إلى حقيقة وشريعة وأدلته عليها</span>\nقال: \"علم الحقيقة هو علم الباطن، والشريعة تكليف الظواهر، والحقيقة شهود الحق في تجليات المظاهر، وظاهر الشرع هو: العلم الظاهر وهو العلم المنقول، والعلم الباطن هو العلم الموهوب\" (^٤).\nلم ترد عبارة الحقيقة والشريعة والتمييز بينهما في كلام الصحابة - ﵃ - ولا كلام التابعين، وإنما ذلك من ألفاظ الصوفية واصطلاحاتهم (^٥).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: \"وقد شاع في كلام كثير من الناس: علم الظاهر وعلم الباطن وأهل الظاهر وأهل الباطن ودخل في هذه العبارات حق وباطل\n_________\n(^١) سورة الإسراء: ٥٦.\n(^٢) مجموع فتاوى ابن باز ٩/ ١١٢.\n(^٣) ينظر: شرح كشف الشبهات، ص ١٢٤.\n(^٤) الفتوحات الإلهية، ص ٣٢٧، ٣٣٣.\n(^٥) البحر المحيط ٤/ ٦٩، وينظر: تلبيس إبليس، ص ٢٨٧.","vol":"1","page":76},{"text":"إلى أن قال: ومن لم يكن له علم بما يصلح باطنه ويفسده ولم يقصد صلاح قلبه بالإيمان ودفع النفاق كان منافقًا إن أظهر الإسلام؛ فإن الإسلام يظهره المؤمن والمنافق وهو علانية والإيمان في القلب\" (^١).\nوقال أيضًا: \"ولكن نعلم جماع الأمر أن كل قول وعمل فلا بدَّ له من ظاهر وباطن فظاهر القول لفظ اللسان وباطنه ما يقوم من حقائقه ومعانيه بالجنان وظاهر العمل حركات الأبدان وباطنه ما يقوم بالقلب من حقائقه ومقاصد الإنسان، فالمنافق لما أتى بظاهر الإسلام دون حقائق الإيمان لم ينفعه ذلك وكان من أهل الخسران؛ بل كان في الدرك الأسفل من النار\" (^٢).\nويزيد تأكيد ما سبق فيقول: \"والمقصود هنا أن الظاهر لا بدَّ له من باطن يحققه ويصدقه ويوافقه فمن قام بظاهر الدين من غير تصديق بالباطن فهو منافق ومن ادعى باطنًا يخالف ظاهرًا فهو كافر منافق بل باطن الدين يحقق ظاهره ويصدقه ويوافقه وظاهره يوافق باطنه ويصدقه ويحققه، فكما أنَّ الإنسان لا بدَّ له من روح وبدن وهما متفقان فلا بدَّ لدين الإنسان من ظاهر وباطن يتفقان فالباطن للباطن من الإنسان والظاهر للظاهر منه\" (^٣).\nوقال ابن عقيل (^٤): \"جعلت الصوفية الشريعة اسمًا وقالوا المراد منها الحقيقة، وهذا قبيح؛ لأنَّ الشريعة وضعها الحق لمصالح الخلق وتعبداتهم فما الحقيقة بعد هذا\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ١٣/ ٢٣٠.\n(^٢) رسالة في علم الباطن والظاهر ١/ ٢٤٧، في مجموع الفتاوى.\n(^٣) مجموع الفتاوى ١/ ٢٥١.\n(^٤) هو أبو الوفاء، علي بن عقيل بن محمد بن عقيل بن عبد الله البغدادي، الحنبلي، المتكلم، شيخ الحنابلة، صاحب كتاب الفنون، ولد سنة ٤٣١ هـ، وتوفي سنة ٥١٣ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء ١٢/ ٢٤٨، طبقات الحنابلة ٢/ ٢٥٩.","vol":"1","page":77},{"text":"سوى شيءٌ واقعٌ في النفس من إلقاء الشياطين وكل من رام الحقيقة في غير الشريعة فمغرورٌ مخدوع\" (^١).\nوقال ابن الجوزي: \"وقد فرق كثير من الصوفية بين الشريعة والحقيقة، وهذا جهلٌ من قائله؛ لأن الشريعة كلُّها حقائق\" (^٢)، وقال أيضًا: \"وقد سموا علم الشريعة علم الظاهر، وسموا هواجيس النفس علم الباطن\" (^٣)، وقال ابن رجب - ﵀ - (^٤): \"وكثير ممن يدعي العلم الباطن ويتكلم فيه ويقتصر عليه يذم العلم الظاهر الذي هو الشرائع والأحكام والحلال والحرام، ويطعن في أهله ويقول: هم محجوبون وأصحاب قشور، وهذا يوجب القدح في الشريعة المطهرة والأعمال الصالحة التي جاءت الرُّسل بالحثِّ عليها والاعتناء بها، وربما انحل بعضهم عن التكاليف وادعى أنها للعامة، وأمَّا من وصل فلا حاجة به إليها وأنها حجاب له، وهؤلاء كما قال الجنيد-سيد الطائفة عندهم- وغيره من العارفين: وصلوا ولكن إلى سقر، وهذا من أعظم خداع الشيطان وغروره لهؤلاء، لم يزل يتلاعب بهم حتى أخرجهم عن الإسلام، ومنهم من يظن أن هذا العلم الباطن لا يتلقى من مشكاة النبوة، ولا من الكتاب والسُّنَّة!، وإنما يتلقى من الخواطر والإلهامات والكشوفات! فأساءوا الظن بالشريعة الكاملة، حيث ظنُّوا أنها لم تأت بهذا العلم النافع، الذي يوجب صلاح القلوب وقربها من علام الغيوب! وأوجب ذلك لهم الإعراض عمَّا جاء به الرسول - ﷺ - في هذا الباب بالكلية والتكلم فيه بمجرد الآراء والخواطر، فضلُّوا وأضلُّوا\" (^٥).\n_________\n(^١) ينظر: تلبيس إبليس، ص ٣٢٤.\n(^٢) المرجع نفسه، ص ٣٢٤.\n(^٣) نفسه، ص ٣٢١.\n(^٤) هو أبو الفرج، عبد الرحمن بن أحمد بن رجب، زين الدين البغدادي الدمشقي، له مؤلفات منها: جامع العلوم والحكم، فتح الباري على شرح صحيح البخاري، القواعد الفقهية، توفي سنة ٧٩٥ هـ. ينظر: شذرات الذهب ٦/ ٣٣٩.\n(^٥) شرح حديث العلم، ص ١٦.","vol":"1","page":78},{"text":"وممن ردّ هذا التقسيم ابن القيم حيث قال: \"ومن كيد الشيطان: ما ألقاه إلى جُهَّال المتصوفة من الشطح والطامات، وأبرزه لهم في قالب الكشف من الخيالات، فأوقعهم في أنواع الأباطيل والترهات، وفتح لهم أبواب الدعاوى الهائلات، وأوحى إليهم: أن وراء العلم طريقًا إن سلكوه أفضى بهم إلى الكشف العيان، وأغناهم عن التقيد بالسُّنَّة والقرآن، فحسَّن لهم رياضة النفوس وتهذيبها، وتصفية الأخلاق والتجافي عمَّا عليه أهل الدنيا، وأهل الرياسة والفقهاء، وأرباب العلوم والعمل على تفريغ القلب وخلوه من كل شيء، حتى ينتقش فيه الحق بلا واسطة تعلم، فلما خلا من صورة العلم الذى جاء به الرسول نقش فيه الشيطان بحسب ما هو مستعدٌ له من أنواع الباطل، وخيله للنفس حتى جعله كالمشاهد كشفًا وعيانًا، فإذا أنكره عليهم ورثة الرُّسل قالوا: لكم العلم الظاهر، ولنا الكشف الباطن، ولكم ظاهر الشريعة، وعندنا باطن الحقيقة، ولكم القشور ولنا اللباب، فلما تمكَّن هذا من قلوبهم سلخها من الكتاب والسُّنَّة والآثار كما ينسلخ الليل عن النهار، ثم أحالهم في سلوكهم على تلك الخيالات، وأوهمهم أنها عن الآيات البيِّنات، وأنها من قبل الله سبحانه إلهامات وتعريفات فلا تعرض على السُّنَّة والقرآن، ولا تُعامل إلا بالقبول والإذعان، فلغير الله لا له سبحانه ما يفتحه عليهم الشيطان من الخيالات والشطحات، وأنواع لهذيان، وكلما ازدادوا بعدًا وإعراضًا عن القرآن وما جاء به الرَّسول كان هذا الفتح على قلوبهم أعظم\" (^١).\nومما يجب أن يلاحظ هنا أن فكرة الظاهر والباطن عند الصوفية جذورها شيعية كما رأى الشيخ إحسان إلهي ظهير (^٢) يقول: \"وأمَّا الفكرة الأخرى التي\n_________\n(^١) إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان ١/ ١١٩.\n(^٢) إحسان إلهي ظهير بن طهور إلهي بن أحمد الدين بن نظام الدين، من أسرة سيتي، عالم باكستاني، ولد في سيكالوت عام ١٣٦٣ هـ، اغتيل عام ١٤٠٧ هـ. ينظر: إتمام الأعلام، ص ٢٧، الشيخ إحسان إلهي ظهير منهجه وجهوده في تقرير العقيدة والرد على الفرق المخالفة، ص ٦٣.","vol":"1","page":79},{"text":"تسربت إلى التصوف من التشيع، واعتنقها الصوفية بتمامها هي فكرة تقسيم الشريعة إلى الظاهر والباطن، والعام والخاص، ومنها تدرجت وتطرقت إلى التأويل الباطني والتفسير المعنوي، وتفريق المسلمين بين العامة والخاصة، فإن الشيعة بجميع فرقها، وخاصة الإسماعيلية (^١) منهم من يعتقدون أن لكل ظاهر باطنًا، وقد اختص بمعرفة الباطن علي - ﵁ - وأولاده أي أئمتهم المعصومون حسب زعمهم، فسموا الموالين لهم بالخاصة، وغير المؤمنين بهذه الفكرة بالعامة ... ثم قالوا: إن الظاهر هو الشريعة، والباطن هو الحقيقة، وصاحب الشريعة هو الرسول محمد - ﷺ - وصاحب الحقيقة هو الوصي علي بن أبي طالب - ﵁ - (^٢).\nواستدل بقصة الخضر - ﵇ - فقال: \"إن جماعة من العوام أنكروا علم الباطن، وقالوا ليس إلا علم الشريعة الذي هو العلم الظاهر، وأما علم الباطن فلم ينزل به كتابٌ ولا سُنَّة.\nقلنا (^٣): يُرَدُّ عليهم بقول الله - ﷿ - في قصة موسى - ﵇ - مع الخضر - ﵇ -: ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾ (^٤) \"، (^٥).\n_________\n(^١) الإسماعيلة: هم المنسوبون إلى محمد بن إسماعيل وهو ابن جعفر الصادق، يقولون بالتفسير الباطني، وأنَّ الله - ﷿ - اختصَّ بالعلم علي بن أبي طالب، ويقولون بكفر من خالف عليًّا، ويقولون بإمامة الاثني عشر. ينظر: الفرق بين الفرق، ص ٤٢، والملل والنحل، للشهرستاني ١/ ١٩١.\n(^٢) ينظر: التصوف، المنشأ والمصادر، ص ٢٤٣، الفكر الصوفي في ضوء القرآن والسُّنَّة، ص ٤٢١.\n(^٣) القائل: ابن عجيبة.\n(^٤) سورة الكهف: ٦٥\n(^٥) الفتوحات الإلهية في شرح المباحث الأصلية، ص ٢٣٧.","vol":"1","page":80},{"text":"فهو يرى أن المراد من قوله تعالى: ﴿مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾ هو علم الحقيقة إذ قال في تفسيره:\n\"وعلَّمناه من لدنا علما خاصًا، لا يُكتنه كنهه، ولا يُقدر قدره، وهو علم الغيوب، أو أسرار الحقيقة\" (^١).\nفيجاب عن ذلك أن هذه القصة باطلة بكلام العلماء المحققين، قال ابن حجر (^٢): \"قوله: يا موسى إن لي علمًا لا ينبغي لك أن تعلمه أي جميعه وإن لك علمًا لا ينبغي لي أن أعلمه أي: جميعه وتقدير ذلك متعين؛ لأن الخضر كان يعرف من الحكم الظاهر ما لا غنى بالمكلَّف عنه وموسى كان يعرف من الحكم الباطن ما يأتيه بطريق الوحي\" (^٣).\nوقال القاضي عياض - ﵀ - (^٤): \"وقيل مراد موسى - ﵇ - بقوله (أنا أعلمُ) أي بوظائف النبوة وأمور الشريعة وسياسة الأمر والخضر أعلم منه بأمورٍ أُخر من علوم غيبية كما ذكر من خبرهما، وكان موسى - ﵇ - أعلم على الجملة والعموم مما لا يمكن جهل الأنبياء بشيءٍ منه، والخضر أعلم على الخصوص بما أعلم من محنات الغيب وحوادث القدر، وقصص الناس مما لا يعلم الأنبياء منه إلا ما أعلموا به مما استأثر الله به من غيبه، وما قدره وسبق في علمه مما كان، ويكون في خلقه؛ ولذلك قال\n_________\n(^١) البحر المديد ٣/ ٢٨٦.\n(^٢) هو أبو الفضل، أحمد بن علي بن محمد بن حجر الكناني العسقلاني، شهاب الدين، ولد سنة ٧٧٣ هـ، أقبل على الحديث، ورحل إلى اليمن له تصانيف كثيرة، وأصبح حافظ الإسلام في عصره، توفي سنة ٨٥٢ هـ، ينظر: البدر الطالع بمحاسن ما بعد القرن السابع ١/ ٨٧.\n(^٣) فتح الباري ٨/ ٤١٨.\n(^٤) أبو الفضل، عياض بن موسى بن عياض بن عمرو اليحصبي السبتي، من علماء المغرب، استقرَّ في فاس، له مؤلفات منها: ترتيب المدارك، كتاب الشفاء، توفي سنة ٥٤٤ هـ. ينظر: وفيات الأعيان ٢/ ٢٣٠.","vol":"1","page":81},{"text":"الخضر في الحديث: «إنَّك على علم من علم الله علَّمك لا أعلمه وأنا على علم من علم الله علَّمنيه لا تعلمه» (^١)، ألا تراه لم يعرف موسى بني إسرائيل حتى عرفه بنفسه إذا لم يعرفه الله به\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-35>ثانيًا: زعمه أن النبي - ﷺ - هو واضع علم الحقيقة والشريعة</span>\nقال ابن عجيبة: \"وأما واضع هذا العلم فهو النبي - ﷺ - علَّمه الله بالوحي والإلهام فنزل جبريل بالشريعة، فلما تقررت نزل ثانيًا بالحقيقة، فخص بها بعضًا دون بعض، وأول من تكلم فيه وأظهره علي - ﵁ -، وأخذه الحسن البصري\" (^٣).\nوهذا الاستدلال من ابن عجيبة لا يثبت ما ساقه لأجله، والنبي - ﷺ - توفى ولم يترك خيرًا إلا ودلَّ الأُمَّة عليه، ولم يخص أحدًا بعلم دون سائر الأُمَّة بل استوى ظاهره وباطنه.\nقال ابن تيمية: \"هذا كما في الصحيح أنه قيل لعلي - ﵁ -: هل ترك عندكم رسول الله - ﷺ - شيئًا؟ وفي لفظ: هل عهد إليكم رسول الله - ﷺ - شيئًا لما يعهده إلى الناس؟ فقال: «لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إلا فهمًا يؤتيه الله عبدًا في كتابه وما في هذه الصحيفة» (^٤)، (^٥) وهذا خروج في الاستدلال عن طريق العلماء، قال الشاطبي مبيِّنًا حال أهل البدع في الاستدلال: \"وحاصلها الخروج في الاستدلال عن الطريق\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التيمُّم، باب قول - ﷺ -: «جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورا»، ١/ ٤٦٤ رقم ١٢٢.\n(^٢) إكمال المعلم شرح صحيح مسلم، باب فضائل الخضر - ﵇ - ٧/ ٣٦٦.\n(^٣) إيقاظ الهمم، ص ٢٥.\n(^٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجهاد، باب فكاك الأسير، ٤/ ٢٣٨ رقم ٣٠٤٧.\n(^٥) مجموع الفتاوى ٢/ ٢١٧.","vol":"1","page":82},{"text":"الذي أوضحه العلماء وبيَّنه الأئمة، وحصر أنواعه الراسخون في العلم، ومن نظر إلى طريق أهل البدع في الاستدلالات عرف أنها لا تنضبط؛ لأنها سيالة لا تقف عند حد وعلى كل وجه يصح لك زائغ وكافر أن يستدل على زيغه وكفره، حتى ينسب النحلة التي التزمها إلى الشريعة فقد رأينا وسمعنا عن بعض الكفَّار أنه استدل على كفره بآيات القرآن ... وكذلك كل من اتبع المتشابهات، أو حرف المناطات، أو حمل الآيات ما لا تحمله عند السلف الصالح، أو تمسَّك بالأحاديث الواهية، أو أخذ الأدلة بباديَ الرأي له أن يستدل على كل فعل أو قول، أو اعتقاد وافق غرضه بآية أو حديث لا يفوز بذلك أصلًا والدليل عليه استدلال كل فرقة شهرت بالبدعة على بدعتها بآية أو حديث من غير توقف\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-36>ثالثًا: استدلاله بالقول المنسوب إلى عمر - ﵁ </span>-\nوهو: «كنتُ أدخل على النبي - ﷺ - وهو وأبو بكر - ﵁ - يتكلَّمان في علم التوحيد فأجلس بينهما كأني زنجي لا أعلم ما يقولان».\nقال ابن عجيبة: \"فهذا التوحيد الذي يتكلَّم فيه النبي - ﷺ - مع الصدِّيق - ﵁ - هو التوحيد الخاص، وهو غوامضه وأسراره التي لا تفشى إلا لأهله، وهو المسمَّى عندنا بعلم الباطن، ويُسمى -أيضًا- بعلم الحقيقة\" (^٢).\nوهذا الأثر كذَّبه ابن تيمية فقال: \"وما قال عمر بن الخطاب - ﵁ - ما ذكر عنه قط، ولا روى هذا أحد بإسناد صحيح ولا ضعيف، وهو كلام باطل؛ فإن من كان دون عمر - ﵁ - كان يسمع كلام النبي - ﷺ - ويفهم ما ينفعه الله به، فكيف\n_________\n(^١) الاعتصام ١/ ٢٨٤.\n(^٢) الفتوحات الإلهية، ص ٢٧٤.","vol":"1","page":83},{"text":"بعمر؟! وعمر أفضل الخلق بعد أبي بكر، فكيف يكون كلام النبي - ﷺ - وأبي بكر - ﵁ - بمنزلة كلام الزنجي، ثم الذين يذكرون هذا الحديث من ملاحدة الباطنية؛ يدعون أنهم علموا ذلك السر الذى لم يفهمه عمر - ﵁ - وحمله كل قوم على رأيهم الفاسد ... فهل يقول عاقل: إن عمر - ﵁ - وهو شاهد لم يفهم ما قالا، وإن هؤلاء الجهال الضُّلَّال أهل الزندقة والإلحاد والمحال علموا معنى ذلك الخطاب، ولم ينقل أحد لفظه، وإنما وضع مثل هذا الكذب ملاحدة الباطنية، حتى يقول الناس: إن ما أظهره الرُّسل من القرآن والإيمان والشريعة له باطن يخالف ظاهره؛ وكان أبو بكر - ﵁ - يعلم ذلك الباطن دون عمر، ويجعلون هذا ذريعة عند الجُهَّال إلى أن يسلخوهم من دين الإسلام\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-37>رابعًا: استدلاله بالآيات على مسألة التفسير الحرفي الإشاري لدى الصوفية، والتفسير الباطني</span>\nفسَّر ابن عجيبة قول الله - ﷿ -: ﴿الم﴾ (^٢) تفسيرًا حرفيًا، قال ابن عجيبة: يقول أهل الإشارة: يقول الحق ﷻ: ألف أفرد سرَّك إليَّ، انفراد الألف عن سائر الحروف، واللام: ليِّن جوارحك لعبادتي، والميم أقم معي بمحو رسومك وصفاتك، أزينك بصفاء الأنس والقرب مني (^٣)، وفسَّر الآيات بالتفسير الإشاري (^٤)،\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ٣/ ١٨٢.\n(^٢) سورة البقرة: ١.\n(^٣) البحر المديد ١/ ٧١ - ٧٢.\n(^٤) التفسير الإشاري: من الإشارة وهي في اللغة من أشار إليه بيده أو نحوهما: أومأ إليه معبِّرًا عن معنى من المعاني كالدعوة إلى الدخول أو الخروج، وفي الاصطلاح: \"تأويل القرآن بغير ظاهرة لإشارة خفيفة تظهر لأرباب السلوك والتصرف، ويمكن الجمع بينهما وبين الظاهر والمراد أيضًا\". ينظر: لسان العرب ٤/ ٢٣٥٨، المعجم الوسيط ١/ ٤٩٩، مناهل العرفان في علوم القرآن ٢/ ٦٦.","vol":"1","page":84},{"text":"والأمثلة على ذلك كثيرة منها: عند قول الله - ﷿ - ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ﴾ (^١)، يقول: \"يشير إلى بحر علم الشريعة، وبحر علم الحقيقة يلتقيان في الإنسان الكامل ﴿بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ﴾ (^٢)، وهو العقل فإنه يحجز الشريعة أن تعدوا محلها والحقيقة أن تجاوز محلها، فالشريعة محلها الظواهر، والحقيقة محلها البواطن، والعقل برزخ بينهما (^٣).\nفكيف لابن عجيبة أن يقول بهذا مع أنه يشار إليه بالبنان في علوم شتى، فسبحان من له الأمر وإليه الحكم ﷻ، وهذه الطريقة التي سلكها في تفسيره آي القرآن مردودة إن لم يأتِ بشروطها.\nيقول ابن تيمية - ﵀ -: \"فتلك الإشارات هي من باب الاعتبار والقياس، وإلحاق ما ليس بمنصوص بالمنصوص مثل الاعتبار والقياس؛ الذي يستعمله الفقهاء في الأحكام؛ لكن هذا يستعمل في الترغيب والترهيب وفضائل الأعمال ودرجات الرجال ونحو ذلك فإن كانت (الإشارة اعتبارية) من جنس القياس الصحيح كانت حسنة مقبولة، وإن كانت كالقياس الضعيف كان لها حكمه وإن كان تحريفًا للكلام عن مواضعه وتأويلًا للكلام على غير تأويله كانت من جنس كلام القرامطة والباطنية والجهمية\" (^٤)،\nوقال أيضًا: \"إن يجعل ذلك من باب الاعتبار والقياس، لا من باب\n_________\n(^١) سورة الرحمن: ١٩.\n(^٢) سورة الرحمن: ٢٠.\n(^٣) ينظر: البحر المديد ٧/ ٤٠٥.\n(^٤) مجموع الفتاوى ٦/ ٣٧٧.\nوالقرامطة: هم أتباع حمدان بن قرمط، كان رجلًا متواريًا، صار إليه دعاة الباطنية ودعوه إلى معتقدهم فقبل الدعوة، ثم صار يدعو الناس إليها، وكان هلاكه سنة ٢٦٤ هـ. - ينظر: اعتقادات فرق المسلمين والمشركين، للرازي، ص ٧٩.\nوالباطنية: هم قومٌ تستروا بالإسلام، ومالوا إلى الرفض، من عقائدهم: تعطيل الصانع، وإبطال النبوة، والعبادات، وإنكار البعث، وهم لا يُظهرون هذا في أول أمرهم، بل يزعمون أنَّ الله حق، وأنَّ محمَّدًا رسول الله، والدين صحيح، لكنهم يقولون لذلك سرًّا غير ظاهر، وانتشرت هذه الفرقة في زمان المعتصم، وأبرز مؤسسي هذه الدعوة ميمون بن ديصان، المعروف بالقداح، وأطلق عليها ألقاب كثيرة، ومذهبهم ظاهره الرفض وباطنه الكفر المحض ومفتتحه حصر مدارك العلوم في قوم الإمام المعصوم ... وأنَّ كل زمان لا بدَّ فيه من إمام معصوم، ومن عقائدهم: السرية الشديدة، وذهب قومٌ منهم إلى القول بوجود إلهين ويسمون الأول عقلًا، والثاني نفسًا، تكذبًا خرصًا، ينظر: تلبيس إبليس، ص ١١٥، الفرق بين الفرق، ص ٢٨٤ - ٢٨٥، فضائح الباطنية، لأبي حامد الغزالي، ص ٣٧.\n\nوالجهميَّة: هم طائفةٌ من المبتدعة يُنسبون إلى جهم بن صفوان السمرقندي، من بدعهم التي أحدثوها: القول بنفي الأسماء والصفات عن الله تعالى، وأنَّ العبد مجبور على فعله ولا قدرة له ولا اختيار، وأنَّ الإيمان هو المعرفة، ولا يزيد ولا ينقص، وكانت وفاته سنة ١٢٨ هـ. ينظر: الفرق بين الفرق، ص ٢١١، مقالات الإسلاميين ١/ ٢١٤، الفصل في الملل والأهواء والنحل ٤/ ٢٠٤، الملل والنحل ١/ ٨٦.","vol":"1","page":85},{"text":"دلالة اللفظ فهذا من نوع القياس، فالذي تسميه الفقهاء قياسًا هو الذي تسميه الصوفية إشارة وهذا ينقسم إلى صحيح وباطل كانقسام القياس إلى ذلك فمن سمع قول الله تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ (^١) وقال: إنه اللوح المحفوظ أو المصحف فقال: كما أنَّ اللوح المحفوظ الذي كتب فيه حروف القرآن لا يمسه إلا بدن طاهر فمعاني القرآن لا يذوقها إلا القلوب الطاهرة وهي قلوب المتقين كان هذا معنى صحيحًا واعتبارًا صحيحًا ولهذا يروى هذا عن طائفة من السلف، قال تعالى: ﴿الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ (^٢) \"، (^٣).\nولو قال أحد المنافحين عن ابن عجيبة: استنبط هذا التفسير بسبب تدبره للقرآن، فهو عالم بتوجيه القراءات واللغة، لكان هذا مردودًا بكلام أهل التحقيق من العلماء.\n_________\n(^١) سورة الواقعة: ٧٩.\n(^٢) سورة البقرة: ٢.\n(^٣) مجموع الفتاوى ٦/ ٣٧٧.","vol":"1","page":86},{"text":"قال الشاطبي: \"الاعتبارات القرآنية الواردة على القلوب الظاهرة للبصائر إذا صحَّت على كمال شروطها فهي على ضربين:\nأحدهما: ما يكون أصل انفجاره من القرآن، ويتبعه سائر الموجودات؛ فإن الاعتبار الصحيح في الجملة هو الذي يخرق نور البصيرة فيه حجب الأكوان من غير توقف، فإن توقف فهو غير صحيح أو غير كامل، حسبما بيَّنه أهل التحقيق بالسلوك.\nوالثاني: ما يكون أصل انفجاره من الموجودات جزئيها أو كليها، ويتبعه الاعتبار في القرآن.\nفإن كان الأول؛ فذلك الاعتبار صحيح، وهو معتبر في فهم باطن القرآن من غير إشكال؛ لأن فهم القرآن إنما يرد على القلوب على وفق ما نزل له القرآن وهو الهداية التامة على ما يليق بكلِّ واحدٍ من المكلَّفين وبحسب التكاليف وأحوالها، لا بإطلاق، وإذا كانت كذلك؛ فالمشي على طريقها مشي على الصراط المستقيم، ولأن الاعتبار القرآني قلَّما يجده إلا من كان من أهله عملًا به على تقليد أو اجتهاد؛ فلا يخرجون عند الاعتبار فيه عن حدوده، كما لم يخرجوا في العمل به والتخلق بأخلاقه عن حدوده، بل تنفتح لهم أبواب الفهم فيه على توازي أحكامه، ويلزم من ذلك أن يكون معتدًّا به لجريانه على مجاريه، والشاهد على ذلك ما نقل من فهم السلف الصالح فيه؛ فإنه كله جارٍ على ما تقضي به العربية، وما تدل عليه الأدلة الشرعية حسبما تبين قبل.\nوإن كان الثاني؛ فالتوقف عن اعتباره في فهم باطن القرآن لازم، وأخذه على إطلاقه ممتنع؛ لأنه خلاف الأولى\" (^١).\n_________\n(^١) الموافقات ٣/ ٢٨٦ - ٢٨٧.","vol":"1","page":87},{"text":"وحتى يكون استنباطًا صحيحًا لا بدَّ له من شروط، قال ابن القيم - ﵀ -: \"وتفسير الناس يدور على ثلاثة أصول: تفسير على اللفظ، وهو الذي ينحو إليه المتأخرون، وتفسير على المعنى: وهو الذي يذكره السلف، وتفسير على الإشارة: وهو الذي ينحو إليه كثير من الصوفية وغيرهم، وهذا لابأس به بأربعة شروط:\n١ - ألا يناقض معنى الآية.\n٢ - وأن يكون معنىً صحيحًا في نفسه.\n٣ - وأن يكون في اللفظ إشعار به.\n٤ - وأن يكون بينه وبين معنى الآية ارتباط وتلازم، فإذا اجتمعت هذه الأمور الأربعة كان استنباطًا حسنًا (^١).\nومن تأمل أقوال أئمة السُّنَّة علم أنهم أدق النَّاس نظرًا، وأعلمهم بصحيح المنقول، وصريح المعقول، فأتت أقوالهم موافقة للمنصوص والمعقول؛ ولهذا ائتلفت ولم تختلف، وتوافقت، ولم تتناقض، أمَّا الذين خالفوهم فلم يفهموا حقيقة أقوال السلف والأئمة، فلم يعرفوا حقيقة المنصوص والمعقول، فتشعَّبت بهم الطرق، وصاروا مختلفين في الكتاب، مخالفين للكتاب (^٢).\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: \"من فسَّر القرآن أو الحديث وتأوَّله على غير التفسير المعروف عن الصحابة - ﵃ - والتابعين فهو مفتر على اللّه - ﷿ -، ملحد في آيات اللّه، محرِّف للكلم عن مواضعه، وهذا فتح لباب الزندقة والإلحاد، وهو معلوم البطلان بالاضطرار من دين الإسلام\" (^٣).\n_________\n(^١) التبيان في أقسام علوم القرآن ١/ ٤٩.\n(^٢) ينظر: درء تعارض العقل والنقل ٢/ ٣٠١.\n(^٣) مجموع الفتاوى ٢/ ٢٠٩.","vol":"1","page":88},{"text":"ولهذا من لم يأخذ العلم عن العلماء النقاد الذين امتن الله - ﷿ - عليهم بفهم الكتاب والسُّنَّة وفق فهم السلف الصالح حتمًا سيقع في أودية الجهل والضلال متخذًا رؤساء جهلاء يسألهم.\nقال نبيُّنا محمَّد - ﷺ -: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من العباد ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤوسًا جهالًا فسُئلوا فأفتوا بغير علم، فضلُّوا وَأضَلُّوا» (^١).\nوما فعله ابن عجيبة -من لي أعناق النصوص- غايته أن يبرهن لقوله، ويشهد لذلك قول المستشرق نيكلسون -وهو باحث متخصص في التصوف (^٢) -: \"ولا يمكن أن يكون القرآن أساسًا لأيِّ مذهبٍ صوفي، ومع ذلك استطاع الصوفية متبعين في ذلك الشيعة أن يبرهنوا بطريقة التأويل نصوص الكتاب والسُّنَّة تأويلًا يلائم أغراضهم، على أن كل كلمة في القرآن وراءها معنى باطنًا لا يكشفه الله تعالى إلا للخاصة من عباده الذين تشرق هذه المعاني في قلوبهم في أوقات وجدهم، ومن هنا نستطيع أن نتصور كيف سهل على الصوفية بعد أن سلَّموا بهذا المبدأ أن يجدوا دليلًا من القرآن لكل قولٍ من أقوالهم، ولأي نظرية من نظرياتهم أيًّا كانت، وأن يقولوا: إن التصوف ليس في الحقيقة إلا العلم الباطن الذي ورثه علي بن أبي طالب - ﵁ - عن النبي - ﷺ - \" (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب العلم، باب كيف يقبض العلم ١/ ٣١، رقم ١٠٠.\n(^٢) هو: رينولد ألين نيكولوسون، مستشرق إنجليزي، تعلَّم العربية والفارسية، درَّس في جامعة كيمبردج، تخصص لغات شرقية وآدابها، له مصنفات منها: الصوفية في الإسلام، فكرة الشخصية في التصوُّف، وغيرها، مات سنة ١٩٤٥. ينظر: الموسوعة العربية الميسرة، ٢/ ١٨٦٨.\n(^٣) في التصوف الإسلامي وتاريخه، ص ٧٦.","vol":"1","page":89},{"text":"كما أنَّ القرآن العظيم نزل بلسان عربي مبين، وكل معنى يستنبط من القرآن غير جار على اللسان العربي فليس من علوم القرآن من شيء، و\"للقرآن عرف ومعان معهودة لا يناسبه تفسيرها بغيرها، ولا يجوز تفسيره بغير عرفه، والمعهود من معانيه، فإنَّ نسبة معانيه إلى المعاني كنسبة ألفاظه إلى الألفاظ بل أعظم، كما أن ألفاظه ملوك الألفاظ وأجلها وأوضحها، ولها من الفصاحة أعلى مراتبها التي تعجز عنها قدر العالمين، فكذلك معانيه أجل المعاني وأعظمها وأفخمها، فلا يجوز تفسيرها بغيرها من المعاني التي لا تليق به\" (^١).\nورضي الله - ﷿ - عن صحابة رسول الله - ﷺ - الذين نقلوا إلينا القرآن والسُّنَّة لفظًا ومعنى وكانوا معه - ﷺ - والوحي ينزل عليه.\nقال الشافعي - ﵀ -: \"أدوا إلينا سنن رسول الله - ﷺ - وشاهدوه والوحي ينزل عليه فعلموا ما أراد رسول الله - ﷺ - عامًّا وخاصًّا وعزمًا وإرشادًا وعرفوا من سنته ما عرفنا وجهلنا وهم فوقنا في كلِّ علم واجتهاد وورع وعقل وأمر استدرك به علم واستنبط به، وآراؤهم لنا أحمدُ وأولى بنا من رأينا عند أنفسنا ومن أدركنا ممن يرضى، أو حكي لنا عنه ببلدنا\" (^٢).\nوقد أخرج ابن عجيبة ألفاظ الوحي إلى معانٍ خاصَّة لا يعلمها إلا أصحاب الذوق -بزعمه-، \"وقد علم بالاضطرار أن ما يفسرون به كلام الله - ﷿ - وكلام رسوله - ﷺ - بل وكلام غيرهما ليس داخلًا في مرادهم فضلًا عن أن يكون هو المراد، بل غالب تفاسيرهم منافية لما أراد الله - ﷿ -، إمَّا من ذلك اللفظ وإما من غيره، وإن\n_________\n(^١) التفسير القيم، ص ٢٦٩، وينظر: الموافقات ٣/ ٢٣٥.\n(^٢) إعلام الموقعين عن رب العالمين ١/ ٨١.","vol":"1","page":90},{"text":"كان طوائف من المشهورين بالفقه والتصوف يطلقون هذه العبارات الإسلامية بالتفاسير الفلسفية القرمطية\" (^١)، وبهذا حادوا عن متابعة السابقين الأولين.\nقال ابن تيمية - ﵀ -: \"وأما المتأخرون الذين لم يتحروا متابعتهم وسلوك سبيلهم ولا لهم خبرة بأقوالهم وأفعالهم بل هم في كثير مما يتكلمون به في العلم ويعملون به لا يعرفون طريق الصحابة - ﵃ - والتابعين في ذلك من أهل الكلام والرأي والزهد والتصوف، فهؤلاء تجد عمدتهم في كثير من الأمور المهمة في الدين إنما هو عمَّا يظنونه من الإجماع وهم لا يعرفون في ذلك أقوال السلف البتة أو عرفوا بعضها ولم يعرفوا سائرها\" (^٢).\nوبهذا يظهر أن تأويل ابن عجيبة في ألفاظ القرآن لا أصلَ له.\nقال الشاطبي - ﵀ -: \"ولا يعرفه العرب، لا من آمن منهم ولا من كفر، والدليل على ذلك أنه لم ينقل عن السلف الصالح من الصحابة والتابعين تفسير للقرآن أو يقاربه، ولو كان عندهم معروفًا لنقل؛ لأنهم كانوا أحرى بفهم ظاهر القرآن وباطنه باتفاق الأئمة، ولا يأتي آخر هذه الأُمَّة بأهدى مما كان عليه أولها، ولا هم أعرف بالشريعة منهم، ولا أيضًا ثَّم دليل يدل على صحة هذا التفسير، لا من مساق الآية؛ فإنه ينافيه، ولا من خارج؛ إذ لا دليل عليه كذلك، بل مثل هذا أقرب إلى ما ثبت رده ونفيه عن القرآن من كلام الباطنية ومن أشبههم\" (^٣).\nومن تأمل أقوال ابن عجيبة في تفسيره يجد أن معاني القرآن تنكشف - بزعمه- على حسب الاستعداد الروحي بحثًا عن المعنى الباطن، ولقد صرَّح بذلك في\n_________\n(^١) بغية المرتاد، ص ١٨٤.\n(^٢) مجموع الفتاوى ١٣/ ٢٥.\n(^٣) الموافقات ٤/ ٢٤٨.","vol":"1","page":91},{"text":"قوله: \"ولقد كنتُ في حال الرياضة والمجاهدة إذا أردت أن أتكلم في التفسير، أو غيره أشرع في الكلام، ثم أغيب، فكنت أحس بالكلام يخرج مني من غير اختيار كأنه السحاب، فتصدر مني علوم وحكم فإذا سكتُ لم يبق إلا القليل\" (^١)، ولهذا تجد اضطرابات الصوفية في بحثهم عن المعنى الباطن، بل الصوفي يعزل نفسه عن وسائل فهم آيات الكتاب فيغفل عن الظاهر ويعرض عن أقوال المفسرين المحققين، وينصرف عن أحكام اللغة العربية، بل يجعل وسائل الفهم حُجب تحجب المفسِّر عن المعنى الباطن (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-38>خامسًا: استدلاله بالكتاب، وذلك عندما فسَّر الرواسي بالأبدال في قوله تعالى: ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾</span> (^٣)\nيقول: \"في الظاهر: الجبال، وفي الحقيقة: الأبدال، الذين هم أوتاد، بهم يقيهم، وبهم يصرف عن قريبهم وقاصيهم\" (^٤).\nوتفسيره الرواسي بالأبدال في الحقيقة لا يُوافق عليه؛ لعدة أمور:\n١ - مخالفته لما عليه المحققون من المفسرين كابن جرير الطبري، والبغوي (^٥)، وابن كثير، وغيرهم (^٦).\n_________\n(^١) إيقاظ الهمم، ص ٣٦٦.\n(^٢) ينظر: قوت القلوب بتصرُّف يسير، لأبي طالب المكي ١/ ٦٩.\n(^٣) سورة النحل: ١٥.\n(^٤) البحر المديد ٥/ ٥٥٠.\n(^٥) هو أبو محمد، الحسين بن مسعود بن محمد بن الفراء، الإمام الحافظ، محيي السُّنَّة، البغوي الشافعي، المفسِّر، صاحب التصانيف النافعة، توفي سنة ٥١٦ هـ. ينظر: السير ١٩/ ٤٣٩ - ٤٤٣، فيات الأعيان ٢/ ١٣٦ - ١٣٧، الوافي بالوفيات ١٣/ ٢٦، طبقات السبكي ٧/ ٧٥ - ٨٠، البداية والنهاية ١٦/ ٢١٦، شذرات الذهب ٤/ ٤٨ - ٤٩.\n(^٦) ذكر الله تعالى الأرض، وما جعل فيها من الرواسي الشامخات والجبال الراسيات، لتقر الأرض ولا تميد، أي: تضطرب بما عليها من الحيوان فلا يهنأ لهم عيش بسبب ذلك؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا﴾ [النازعات: ٣٢]. ينظر: تفسير الطبري ١/ ٤٣٥، تفسير البغوي ٢/ ٦٠٨، تفسير ابن كثير ٤/ ٥٦٢.","vol":"1","page":92},{"text":"٢ - قضية الأبدال ووجودهم لا يدلُّ عليها كتابٌ ولا سُنَّة.\nحتى إن العلماء ردوا كل حديث ورد فيها، يقول ابن القيم - ﵀ -: \"أحاديث الأبدال (^١)، والأقطاب (^٢) والأغواث والنقباء (^٣)، والنجباء (^٤) والأوتاد (^٥) كلها باطلة على رسول الله - ﷺ -، وأقرب ما فيها: «لا تسبوا أهل الشام، فإنَّ فيهم البدلاء، كلما مات رجلٌ منهم أبدل الله مكانه رجلًا آخر» (^٦)، ولا يصح أيضًا، فإنه منقطع\" (^٧).\n\"أما الأسماء الدائرة على ألسنة كثيرٍ من النسَّاك والعامَّة مثل (الغوث) الذي بمكة (والأوتاد الأربعة) و(الأقطاب السبعة) و(الأبدال الأربعين) و(النجباء\n_________\n(^١) الأبدال: هم الذين استبدلوا المساوئ بالمحاسن واستبدلوا من صفاتهم صفات محبوبهم. ينظر: معراج التشوف إلى حقائق التصوف، ص ٧٩.\n(^٢) الأقطاب: هو القائم بحقِّ الكون، ويُسمَّى بالغوث من حيث إغاثته العوالم بمادته ورتبته الخاصة، وهو على قلب إسرافيل -حسب زعمهم الباطل-. ينظر: معراج التشوف إلى حقائق التصوف، ص ٨٠، ومعجم مصطلحات الصوفية، ص ١٦٢.\n(^٣) النَّقباء: هم الذين نقبوا الكون وخرجوا إلى فضاء شهود المكون. ينظر: معراج التشوف إلى حقائق التصوف، ص ٨٠.\n(^٤) النَّجباء: هم السابقون إلى الله لنجابتهم وهم أهل الجدِّ والقريحة من المريدين. ينظر: معراج التشوف إلى حقائق التصوف، ص ٨٠.\n(^٥) الأوتاد: هم الراسخون في معرفة الله وهم أربعة، كأنهم أوتاد لأركان الكون الأربعة. ينظر: معراج التشوف إلى حقائق التصوف، ص ٨٠.\n(^٦) أخرجه أحمد في فضائل الصحابة ٢/ ٩٠٤، رقم ١٧٢٣، والطبراني في المعجم الكبير ١٨/ ٦٥، رقم ١٢٠، وابن عساكر ١/ ٢٧٧، والحديث ضعَّفه الألباني في سلسلة الأحاديث الضعيفة ١٠/ ٣٢١، رقم ٤٧٧٩، وفي ضعيف الجامع الصغير، ص ٨٩٨، رقم ٦٢٢٣.\n(^٧) المنار المنيف، ص ١٣٦، وينظر: مجموع الفتاوى ١١/ ٤٣٣ - ٤٤٤، و٢٧/ ١٠١ - ١٠٣.","vol":"1","page":93},{"text":"الثلاثمائة): فهذه أسماء ليست موجودة في كتاب الله تعالى؛ ولا هي أيضًا مأثورة عن النبي - ﷺ - بإسنادٍ صحيح ولا ضعيف يحمل عليه ألفاظ الأبدال.\nفقد روي فيهم حديثٌ شاميٌّ منقطع الإسناد عن علي بن أبي طالب - ﵁ - مرفوعًا إلى النبي - ﷺ - أنه قال: «إنَّ فيهم -يعني أهل الشام- الأبدال الأربعين رجلًا كلما مات رجلٌ أبدل الله تعالى مكانه رجلًا» \"ولا توجد هذه الأسماء في كلام السلف كما هي على هذا الترتيب؛ ولا هي مأثورة على هذا الترتيب والمعاني عن المشايخ المقبولين عند الأمة قبولًا عامًّا؛ وإنما توجد على هذه الصورة عن بعض المتوسطين من المشايخ؛ وقد قالها إما آثرًا لها عن غيره أو ذاكرًا، وهذا الجنس ونحوه من علم الدين قد التبس عند أكثر المتأخرين حقه بباطله فصار فيه من الحق ما يوجب قبوله ومن الباطل ما يوجب رده وصار كثير من الناس على طرفي نقيض، قوم كذبوا به كله لما وجدوا فيه من الباطل، وقوم صدقوا به كله لما وجدوا فيه من الحق وإنما الصواب التصديق بالحق والتكذيب بالباطل، وهذا تحقيق لما أخبر به النبي - ﷺ - عن ركوب هذه الأُمَّة سنن من قبلها حذو القُذَّة بالقُذَّة، فإنَّ أهل الكتابين لبَّسوا الحق بالباطل وهذا هو التبديل والتحريف الذي وقع في دينهم؛ ولهذا يتغير الدين .... وهؤلاء الذين يدعون هذه المراتب فيهم مضاهاة للرافضة من بعض الوجوه، بل هذا الترتيب والأعداد تشبه من بعض الوجوه ترتيب الإسماعيلية والنصيرية (^١)\nونحوهم\n_________\n(^١) النصيرية: واحدة من فرق الباطنية، عُرفت عبر التاريخ بمسميات منها: النصيرية وهو الاسم الذي غلب على هذه الطائفة نسبةً إلى مؤسسها وزعيمها (محمد بن نصير)، وسُمُّوا بالنميرية نسبةً لمؤسِّس فرقتهم محمد بن نصير النميري، ومن معتقداتهم: السِّرُّ والكتمان على معتقدهم ولا يُسمح لأحدٍ بإذاعته، ومن أفشى سرهم لاحقوه حتى يقتلوه، يؤلِّه النصيرية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - ﵁ - ويزعمون أنه هو الواحد الأحد، وأنه الإله الحقيقي، وكلمة السر عندهم هي: ع. م .. س، وهي أهم قسم عندهم، وكل حرف من هذه الأحرف يشير إلى اسم الشخص الذي غلو فيه: ع هو علي، والميم محمد، والسين سلمان الفارسي، وهم يلغون المعاد وما يتصل به من ثواب وعقاب، وجنة ونار، ويقولون بالتناسخ. ينظر: مقالات الإسلاميين، لأبي الحسن الأشعري ١/ ٨٦، الفرق بين الفرق، ص ٢٥٢، اعتقادات فرق المسلمين والمشركين، للرازي، ص ٩١، الباكورة السليمانية في كشف أسرار الديانة النصيرية العلوية، لسليمان أفندي الأذني النصيري، ص ١٥ - ١٧، ٢٥، الحركات الباطنية في العالم الإسلامي، للخطيب، ص ٣٤٥، ٣٤٧، ٣٦٠.","vol":"1","page":94},{"text":"في السابق والتالي والناطق والأساس والجسد (^١) وغير ذلك من الترتيب الذي ما نزَّل الله به من سلطان (^٢).\nوهذا الحديث ضعَّفه جمع من أهل العلم (^٣)، وأما إن قال قائل لفظ الأبدال ورد في كلام السلف (^٤)، فالمقصود أنهم قوم صالحون كلما مات رجل منهم أبدل الله بآخر يحُيى بهم السُّنَّة، خلاف ما اعتقده الصوفية بأنَّ الله يحفظ بهم الأقاليم السبعة، وهم سبعة لا يزيدون ولا ينقصون لكل بلد إقليم فيه ولايته، فهذا لا دليل عليه من كتاب ولا سُنَّة.\nقال الصنعاني (^٥): \"وإن سلَّمنا صحة الأحاديث في ذلك فإنه لم يجعل الله لهم علامة يعرفون بها بأعيانهم اتفاقًا فلا يعرف أن الشخص من الأبدال حتى يعتقد أنه ولي الله - ﷿ - الولاية الخاصة التي يزعمون وإلا فالمؤمنون المتقون أولياء الله - ﷿ - \" (^٦).\n_________\n(^١) هذه مراتب الصنعة الإلهية عند الإسماعيلية: السَّابق: هو الله، وأفضى السابق إلى تاليه، والناطق: هو الرَّسُول، والأساس: هو الإمام القائم. ينظر: الحركات الباطنية في الإسلام د. مصطفى غالب، ص ١١٦.\n(^٢) مجموع الفتاوى ١١/ ٤٣٣ - ٤٣٤.\n(^٣) ابن القيم، في كتابه المنار المنيف، ص ١٣٦، والألباني في ضعيف الجامع ٢٢٦٦، وقال: \"واعلم أنَّ أحاديث الأبدال لا يصحُّ منها شيءٌ وكلُّها معلولة وبعضها أشدُّ ضعفًا من بعض\" سلسلة الأحاديث الضعيفة ٢/ ٣٣٩.\n(^٤) ينظر: لمن ذكرهم في كتاب، العلل للدارقطني ٦/ ٢٩، وتهذيب التهذيب ٣/ ١٢.\n(^٥) محمد بن إسماعيل بن صلاح بن محمد الصنعاني، ولد سنة ١٠٩٩ هـ، من شيوخه: زيد بن محمد الحسن، عبد الله بن علي الوزير، ومن تلاميذه: عبد الله بن أحمد بن إسحاق، وله مصنفات منها: إيقاظ الفكرة لمراجعة الفطرة، تطهير الاعتقاد، مات سنة ١١٨٢ هـ، ينظر: البدر الطالع، ص ٦٤٩.\n(^٦) الإنصاف في حقيقة الأولياء ومالهم من الكرامات والألطاف، ص ٥٩.","vol":"1","page":95},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-39>المبحث الثاني: السُّنَّة</span>\nالسُّنَّة النبوية هي المصدر الثاني للاستدال عند المسلمين، وقد استدلَّ بها ابن عجيبة في جوانب كثيرة، ولكنَّه خالف أهل السُّنَّة والجماعة في الاستدلال بها من أربع جهات:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-40>الجهة الأولى: أدلة الكتاب والسُّنَّة ليست يقينيَّة، بل ظنيَّة</span>\nقال ابن عجيبة: \"إن غاية العلوم الكسبية النقلية الظن القوي، أما علوم الحقائق فهي يقين\" (^١).\nورأيه بأن الأدلة الكسبية ظنيَّة والحقيقة يقين، زعم باطل، وافق فيه المتكلمين وأهل البدع، قال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: \" ... ويزعم قومٌ من غالبية أهل البدع أنه لا يصح الاستدلال بالقرآن والحديث على المسائل القطعية مطلقًا، بناءً على أنَّ الدلالة اللفظية لا تفيد اليقين بما زعموا، ويزعم كثير من أهل البدع أنه لا يستدل بالأحاديث المتلقاة بالقبول على مسائل الصفات والقدر، ونحوهما مما يُطلب فيه القطع واليقين\" (^٢).\nومن المعلوم أنَّ دلالة الأدلة اللفظية لا تختصُّ بالقرآن والسُّنَّة، بل جميع بني آدم يدل بعضهم بعضًا بالأدلة اللفظية والإنسان حيوان ناطق، فالنطق ذاتيٌّ له، وهو مدنيٌّ بالطبع لا يمكن أن يعيش وحده كما يعيش الوحش، بل لا يمكنه أن يعيش إلا مع بني جنسه، فلا بدَّ أن يعرف بعضهم مراد بعض، ليحصل التعاون، فعلَّمهم الحكيم العليم تعريف بعضهم بعضًا مراده بالألفاظ، كما قال تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ\n_________\n(^١) الفتوحات الإلهية في شرح المباحث الأصلية، ص ٢٧٧.\n(^٢) قاعدة في المعجزات والكرامات، ص ١٨ - ١٩، ضمن مجموعة الرسائل والمسائل.","vol":"1","page":96},{"text":"الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ (^١) فكانت حكمة ذلك التعليم، تعريف مراد المتكلم، فلو لم يحصل له المعرفة كان في ذلك إبطال لحكمة الله، وإفساد لمصالح بني آدم، وسلب الإنسان خاصيته التي ميَّزه بها على سائر الحيوان، وهذه الطريقة يستدل بها من وجوه:\n١ - أن قول القائل الأدلة اللفظية التي جاء بها الرسول - ﷺ - لا تفيدنا علمًا ولا يقينًا من أعظم أنواع السَّفسطة (^٢)، وهؤلاء شرٌّ من اللا أدرية (^٣) وشرٌّ من الباطنية، فأهل العلم بالكتاب والسُّنَّة متيقنون لمراد الله - ﷿ - ورسوله - ﷺ - جازمون به معتقدون لموجبه اعتقادًا لا يتطرَّق إليه شكٌّ ولا شبهة، أمَّا المتكلمون الذين عدلوا عن الاستدلال بالأدلة السمعية إلى الأدلة العقلية فهم مختلفون متحيرون تناقضت أقوالهم واضطربت فهومهم (^٤).\n٢ - أنَّا نعلم قطعًا أن جميع الأمم يعرف بعضهم مراد بعض بلفظه ويقطع به ويتيقنه فقول القائل: الأدلة اللفظية لا تفيد اليقين قدح في العلوم الضرورية التي اشترك الناس في العلم بها (^٥).\n٣ - أنَّ الطفل أول ما يميز يعرف مراد من يربيه بلفظه قبل أن يعرفه شيئًا من العلوم الضرورية فلا أقدم عنده ولا أسبق من تيقنه لمراد من يخاطبه بلفظه فالعلم\n_________\n(^١) سورة البقرة: ٣١.\n(^٢) السَّفسطة: قياسٌ مركَّبٌ من الوهميات، والغرض إفحام الخصم وإسكاته. ينظر: التعريفات، للجرجاني، ص ١١٨ - ١١٩، المعجم الوسيط ١/ ٤٣٣.\n(^٣) اللا أدرية: سموا بذلك نسبةً إلى قولهم لا أدري، وتُطلق عند المحدثين على إنكار قيمة العقل وقدرته على المعرفة، وهم يرون التوقف عن العلم وعن الحكم، فمذهبهم قام على التجاهل، وتطلق على المذاهب الفلسفية التي تقول بعجز العقول عن إدراك الحقائق. ينظر: المعجم الفلسفي ١/ ٨٦٨.\n(^٤) ينظر: الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية المعطلة ٢/ ٦٤٦.\n(^٥) المرجع نفسه ٢/ ٦٥٠.","vol":"1","page":97},{"text":"بذلك مقدَّم على سائر العلوم الضرورية فمن جعل العقليات تفيد اليقين والسمعيات لا تفيد معرفة مراد المتكلم فقد قلب الحقائق وناقض الفطرة (^١).\n٤ - أنَّ التعريف بالأدلة اللفظية أصلٌ للتعريف بالأدلة العقلية فمن لم يكن له سبيل إلى العلم بمدلول هذه لم يكن له سبيل إلى العلم بمدلول تلك بل العلم بمدلول الأدلة اللفظية أسبق فإنه يوجد في أول تمييز الإنسان وحينئذ فالقدح في حصول العلم بمدلول الأدلة اللفظية قدح في حصول العلم بمدلول الأدلة العقلية بل هي أصل العلم بها فإذا بطل الأصل بطل فرعه، يوضحه أنَّ الإنسان في فهمه وإفهامه للدليل العقلي محتاج إلى معرفة مراد المخبر به الذاكر له لمن يخاطبه فإذا لم يحصل له علم بمراده من الدليل فكيف يحصل له علم بالمدلول؟\n٥ - أنَّ الله سبحانه هدى البهائم والطير أن يعرِّف بعضُها بعضًا مرادَها بأصواتها، وإذا كان التفاهم والعلم بمراد الحيوان من غيره حاصلًا للحيوانات فما الظنُّ بأشرف أنواعها وهو الإنسان، فما الظنُّ بأشرف هذا النوع وهم العقلاء المعتنون بالبيان والإيضاح، فما الظنُّ بالأنبياء -﵈- المخصوصين من العلم والبيان والأفهام بما ليس مثله لسواهم، فما الظنُّ بأفضل الأنبياء محمد - ﷺ - أنصح الخلق للخلق، وأعلمهم وأكملهم بيانًا، وأتمهم فصاحةً، وأقدرهم على التعبير عن المعنى باللفظ الذي لا يزيد عليه ولا ينقص عنه ولا يوهم غيره، وأحرصهم على تعليم الأُمَّة وتفهيمهم، وأصحابه - ﵃ - أكمل الأمم عقلًا وفهمًا وفصاحةً وحرصًا على فهم مراده فكيف لا يكونون قد تيقنوا مراده بألفاظه وكيف لا يكون التابعون لهم بإحسان قد تيقنوا مرادهم مما بلَّغوهم إياه عن نبيِّهم ونقلوه إليهم (^٢).\n_________\n(^١) الصواعق المرسلة على المعطلة في الرَّدِّ على الجهمية المعطلة ٢/ ٦٤٢.\n(^٢) المرجع نفسه ٢/ ٦٤٤ - ٦٤٥.","vol":"1","page":98},{"text":"٦ - أنَّ دلالة الأدلة اللفظية على مراد المتكلِّم أقوى من دلالة الأدلة العقلية على الحقائق الثابتة، فكيف بدلالة المقدمات المشتبهة التي غايتها أن يكون فيها حقٌّ وباطل وليس مع أصحابها إلا إحسان الظن بمن قالها فإذا طولبوا بالبرهان على صحتها قالوا هكذا قال العقلاء، وهذا أمرٌ قد صقلته أذهانهم وقبلته عقولهم، فبين دلالة الأدلة اللفظية على مراد المتكلم ودلالة هذه المقدِّمات على الحقائق تفاوتٌ عظيم، فكيف تفيد هذه اليقين دون تلك؟ وهل هذا إلا قلبٌ للفطر وتعكيس للأذهان (^١).\n٧ - أنَّ دلالة قول الرسول - ﷺ - على مراده أكمل من دلالة شبهات هؤلاء العقلية على معارضته بما لا نسبة بينهما فكيف تكون شبهاتهم تفيد اليقين وكلام الله ورسوله لا يفيد اليقين (^٢).\n٨ - أنَّ قول القائل: (الأدلة اللفظية لا تفيد اليقين) إمَّا أن يريد به نفي العموم أو عموم النفي، فإن أراد نفي العموم لم يفده شيئًا فإنَّ عاقلًا لا يدعي أنَّ كلَّ دليل لفظي يفيد اليقين حتى ينصب معه الخلاف ويحتج عليه، وإن أراد به عموم النفي كان هذا مكابرة للعيان وبهتًا ومجاهرةً بالكذب والباطل (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-41>الجهة الثانية: أخبار الآحاد تُقبل في أبواب الأعمال دون الاعتقاد</span>\nفقد قبل أخبار الآحاد في أبواب الأعمال، ومن ذلك قوله عند تفسير قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ\n_________\n(^١) الصواعق المرسلة في الرَّدِّ على الجهمية والمعطلة ٢/ ٦٤٧.\n(^٢) المرجع نفسه ٢/ ٦٤٧.\n(^٣) نفسه ٢/ ٦٥٠.","vol":"1","page":99},{"text":"نَادِمِينَ﴾ (^١): \"هذه الآيةُ دليلٌ على قبول خبر الواحد العدل؛ لأنا لو توقفنا في خبره؛ لسوَّينا بينه وبين الفاسق\" (^٢).\nوردَّها في أبواب الاعتقاد؛ بدليل تأويله لصفات الله - ﷿ -، مثل: تأويله الاستواء، بالاستيلاء (^٣)، والوجه بالذات (^٤) ... (^٥)، وبهذا خالف ابن عجيبة ما عليه سلف الأُمَّة ووافق المتكلمين.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"ولهذا كان جمهور أهل العلم من جميع الطوائف على أن (خبر الواحد) إذا تلقته الأمة بالقبول تصديقًا له أو عملًا به أنه يوجب العلم\" (^٦).\nوقال أبو المظفر السمعاني: \"إنَّ الخبر الواحد إذا صحَّ عن رسول - ﷺ - ورواة الثقات والأئمة وأسنده خلفهم عن سلفهم إلى رسول الله - ﷺ - وتلقته الأُمَّة بالقبول فإنَّه يوجب العلم فيما سبيله العلم، هذا قول أهل الحديث والمتقنين من القائمين على السُّنَّة، وإنما هذا القول الذي يذكر أن خبر الواحد لا يفيد العلم بحال، ولا بدَّ من نقله بطريق التواتر لوقوع العلم به شيءٌ اخترعته القدرية (^٧) والمعتزلة (^٨)، وكان\n_________\n(^١) سورة الحجرات: ٦.\n(^٢) البحر المديد ٧/ ١٦١.\n(^٣) المرجع نفسه ٢/ ٢٢٣.\n(^٤) اللطائف الإيمانية الملكوتية والحقائق الإحسانية الجبروتية في رسائل ابن عجيبة، ص ٧٤.\n(^٥) سيأتي الحديث عنها في الباب الثاني من هذا الكتاب، ولا شكَّ في مخالفته لأهل السُّنَّة والجماعة في تأويل نصوص الصفات.\n(^٦) مجموع الفتاوى ١٣/ ٣٥١.\n(^٧) القدرية: يقولون بأنَّ العبد يحدث فعل نفسه، وأفعال العباد مقدورة لهم على وجه الاستقلال، والمتقدمون منهم ينكرون العلم السابق لله - ﷿ - للأشياء قبل وجودها، ولقد كفَّرهم السلف بقولهم هذا، والمتأخرون منهم يثبتون العلم وينازعون في مرتبة الخلق. ينظر: الملل والنحل ١/ ٤٣، مقالات الإسلاميين ١/ ٢٩٨.\n(^٨) المعتزلة: سُمُّوا بذلك؛ لأن واصل بن عطاء اعتزل مجلس الحسن البصري إثر قوله بأنَّ مرتكب الكبيرة لا مؤمنٌ ولا كافر، ومن عقائد المعتزلة الباطلة: ١ - نفي صفات الله - ﷿ -، ٢ - القرآن مخلوق، ٣ - الله - ﷿ - لا يرى في الآخرة، ٤ - نفي الشفاعة، ٥ - أنَّ الله ليس خالقًا لأفعال العباد .. ويسمون بالقدرية، والعدلية. ينظر: الفرق بين الفرق، ص ٢٠ - ٢١، مقالات الإسلاميين ١/ ٢٣٥.","vol":"1","page":100},{"text":"قصدهم منه ردَّ الأخبار، وتلقَّفه منهم بعض الفقهاء، الذين لم يكن لهم في العلم قدمٌ ثابت، ولم يقفوا على مقصدهم من هذا القول\" (^١).\nأدلة قبول خبر الواحد منها:\n١ - قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ (^٢)، \"والطائفة في كلام العرب تقع على الواحد، والجماعة، يدلُّ على أنَّ الطائفة يجوز أن تكون واحدًا في هذه الآية، أنه إذا نَفَر واحدٌ من كلِّ قومٍ ونَفَرَ وتفقَّهَ في الدين ورجعَ إليهم وأنذرهم وأعلمهم بما فُرِض عليهم كان عليهم أن يقبلوا قوله وينتهوا إلى ما يخبرهم به، ولا يجوز لهم أن يردوا خبره؛ لأنَّ على العامي أن يقبل قول العالم\" (^٣).\n٢ - قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ﴾ (^٤)، وهذه الآية استدل بها ابن عجيبة على قبول خبر الواحد العدل (^٥).\nوفي القراءة الأخرى (فتثبتوا) (^٦)، وهذا يدلُّ على الجزم بقبول خبر الواحد وأنه لا\n_________\n(^١) صون المنطق، ص ١٦٠ - ١٦١.\n(^٢) سورة التوبة: ١٢٢.\n(^٣) الحجة في بيان المحجة، إسماعيل الأصبهاني ١/ ٣٧٤.\n(^٤) سورة الحجرات: ٦.\n(^٥) البحر المديد ٧/ ١١.\n(^٦) الكشف عن وجوه القراءات السبع ١/ ٣٩٤.","vol":"1","page":101},{"text":"يحتاج إلى التثبيت، ولو كان خبره لا يفيد العلم لأمر بالتثبت حتى يحصل العلم، ومما يدلُّ عليه أيضًا أنَّ السلف الصالح وأئمة الإسلام لم يزالوا يقولون: قال رسول الله - ﷺ - كذا وفعل كذا وأمر بكذا ونهى عن كذا، وهذا معلومٌ في كلامهم بالضرورة\" (^١).\nأدلة السُّنَّة على قبول خبر الواحد:\n١ - قال النبي - ﷺ -: «بلِّغوا عنِّي ولو آية» (^٢).\n٢ - قصة العسيف (^٣)، فقد ورد عن النبي - ﷺ - أنه قال: «واغد يا أُنيس-لرجل من أسلم- إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها» (^٤)، اعتمد - ﷺ - خبره فيما اعترفت به على نفسها (^٥).\n٣ - في الصحيحين عن ابن عمر - ﵄ - قال: بينما الناس بقباء في صلاة الصبح، إذ جاءهم آت فقال: إنَّ النبي - ﷺ - قد أُنزل عليه الليلة قرآن، وقد أمر أن يستقبل القبلة فاستقبلوها، وكانت وجوههم إلى الشام، فاستداروا إلى الكعبة (^٦).\nوقال الشافعي: \"فلمَّا ندب رسول الله - ﷺ - إلى استماع مقالته وحفظها وأدائها امرأ يؤديها والإمرء واحدٌ دلَّ على أنه لا يأمر أن يؤدَّى عنه إلا ما تقوم به الحجة على من أدَّى إليه؛ لأنه إنما يؤدي عنه حلالٌ، وحرامٌ يُجتنب، وحدٌّ يُقام، ومالٌ يُؤخذ ويُعطى، ونصيحةٌ في دينٍ ودنيا\" (^٧).\n_________\n(^١) مختصر الصواعق المرسلة ٢/ ٣٩٤، الإحكام، لابن حزم ١/ ١١١ - ١١٢.\n(^٢) أخرجه البخاري، كتاب الأنبياء، باب ما ذكر عن بني إسرائيل ٤/ ١٤٥، رقم ٣٤٦١.\n(^٣) العسيف: الأجير، ينظر: الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية ٤/ ١٤٠٤.\n(^٤) أخرجه البخاري، كتاب أخبار الآحاد، باب ما جاء في إجازة خبر الواحد الصدوق، ٨/ ١٣٥ رقم ٦٨٣٦.\n(^٥) ينظر: أخبار الآحاد، للشيخ ابن جبرين - ﵀ -، ص ١٢٣.\n(^٦) أخرجه البخاري، كتاب أخبار الآحاد، باب ما جاء في إجازة خبر الواحد الصدوق ٨/ ١٣٣ - ١٣٤، رقم ٣٩٥، ومسلم، كتاب الحدود، باب من اعترف على نفسه بالزنى ٥/ ١٢١، رقم ٤٥٣١.\n(^٧) الرسالة، ص ١٧٥.","vol":"1","page":102},{"text":"وقال في موضعٍ آخر: \"لم أحفظْ عن فقهاء المسلمين أنهم اختلفوا في تثبيتِ خبر الواحد\" (^١).\nوقال ابن عبد البر (^٢): \"أجمع أهلُ العلم من أهل الفقه والأثر في جميع الأمصار -فيما- علمت على قبول خبر الواحد العدل، وإيجاب العمل به إذا ثبت ولم ينسخه غيره من أثر أو إجماع، على هذا جميع الفقهاء في كلِّ عصر من لدن الصحابة - ﵃ - إلى يومنا هذا\" (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-42>الجهة الثالثة: استدلاله بصحيح السُّنَّة على وحدة الوجود </span>(^٤)\nاستدلَّ ابن عجيبة بقول النبي - ﷺ - فيما يرويه عن ربه - ﷿ -: «وما تقرَّب إليَّ المتقربون بمثل أداء ما افترضت عليهم، ولايزال عبدي يتقرَّب إليَّ بالنوافل حتى أحبَّه، فإذا أحببته كنت له سمعًا وبصرا ...» (^٥)، وفي حديث آخر: «فإذا أحببته كنته» (^٦)، (^٧).\n_________\n(^١) الرسالة، ص ١٩٧.\n(^٢) هو أبو عمر، يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر بن عاصم، الأندلسي القرطبي المالكي، ولد سنة ٣٦٨ هـ، له مصنفات كثيرة منها: التمهيد لما في الموطَّأ من المعاني والأسانيد، الاستذكار، جامع بيان العلم وفضله، توفي سنة ٤٦٣ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء ١٨/ ١٥٣، ١٦٣، ترتيب المدارك ٤/ ٨٠٨، ٨١٠، وفيات الأعيان ٧/ ٦٦، ٧٢، البداية والنهاية ١٦/ ٣٣.\n(^٣) التمهيد ١/ ٢.\n(^٤) سيأتي الحديث عنها وأثرها في الباب الثالث من هذا الكتاب، ذكرتها هنا مبيِّنًا فساد استدلال ابن عجيبة بحديثٍ صحيحٍ على معتقده الفاسد.\n(^٥) أخرجه البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة - ﵁ -، كتاب الرقاق، باب التواضع، ٤/ ١٩٢ رقم ٦٥٠٢.\n(^٦) هذه الزيادة لم أجدها في مصادر تخريج الحديث.\n(^٧) معراج التشوف إلى حقائق التصوف، ص ٥٨.","vol":"1","page":103},{"text":"وهذا الحديث لا دليل فيه للقائلين بوحدة الوجود، بل هو حجَّةٌ عليهم.\nقال ابن تيمية - ﵀ -: \"والحديثُ حجَّةٌ عليهم من وجوه كثيرة:\n- منها قوله: «من عادى لي وليًّا فقد بارزني بالمحاربة» فأثبت معاديًا محاربًا ووليًّا غير المعادي، وأثبت لنفسه سبحانه هذا وهذا.\nومنها قوله: «وما تقرَّب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه» فأثبت عبدًا متقربًا إلى ربه وربًّا افترض عليه فرائض.\nومنها قوله: «ولا يزال عبدي يتقرَّب إليَّ بالنوافل حتى أحبَّه» فأثبت متقربًا ومُتقربًا إليه ومحبًّا ومحبوبًا غيره، وهذا كلُّه ينقض قولهم: الوجود واحد.\nومنها قوله: «فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به» إلى آخره، فإنه جعل لعبده بعد محبته هذه الأمور، وهو عندهم قبل المحبة وبعدها واحد وهو عندهم هذه الأعضاء: بطنه وفرجه وشعره وكل شيء لا تعدد عندهم ولا كثرة في الوجود، ولكن يثبتون مراتب ومجالي ومظاهر؛ فإن جعلوها موجودة نقضوا قولهم\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-43>الجهة الرابعة: الاحتجاج بالأحاديث الضعيفة والموضوعة</span>\nأ- قال ابن عجيبة: \"ورد عن النبي - ﷺ - أنه قال: «من حفظ عن أمتي أربعين حديثًا من أمر دينها بعثه الله يوم القيامة في زمرة الفقهاء والعلماء»، وفي رواية «بعثه الله فقيهًا عالمًا» (^٢) (^٣).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ٢/ ٣٧١ - ٣٧٢.\n(^٢) مخطوط أربعون حديثًا في الأصول والفروع، الخزانة العامة بالرباط، ضمن مجموع يحمل رقم ٢٨٢٩ د، ل/١.\n(^٣) أخرجه أبو بكر الشافعي في الفوائد المشهور بالغيلانيات ٢/ ٣٧٤، وابن الجوزي في العلل المتناهية ١/ ١٢١، وابن حبان في الضعفاء والمتروكين ٢/ ١٣٣، والحديث ضعيفٌ ضعَّفه الألباني في مشكاة المصابيح ١/ ٥٥.","vol":"1","page":104},{"text":"وكذلك قوله: «إنَّ من العلم كهيئة المكنون لا يعلمه إلا العلماء بالله فإذا نطقوا به لا ينكره إلا أهل الغرة (^١) بالله» (^٢)، ولقد شرح ابن عجيبة هذا الحديث المكذوب فقال: \"قال بعضهم في شرح الحديث هي أسرار الله يبديها الله إلى أمناء أوليائه وسادات النبلاء من غير سماع ولا دراسة وهي من الأسرار التي لم يطلع عليها إلا الخواص فإذا سمعها العوام (^٣) أنكروها ومن جهل شيئًا عاداه\" (^٤).\nوهذه الأحاديث التي يستدلُّ بها الصوفية على عقائدهم الفاسدة هي في حقيقتها باطلة ليس إسنادها ثابتًا باتفاق أهل المعرفة ولم يرو في أمهات كتب الحديث المعتمدة فلا يحتاج إلى الكلام في تفسيره، وإذا قُدِّر أنَّ النبي - ﷺ - قاله فهو كلامٌ مجملٌ ليس فيه تعيينٌ لقولِ معيَّن فحينئذٍ فما من مدعٍ يدَّعي أن المراد قوله إلا كان لخصمه أن يقول نظير ذلك (^٥).\nب- ذكره لأدعية مبتدعة عند الوضوء:\n١ - إذا غسل وجهه قال: «اللهم بيِّض وجهي يوم تبيض وجوه» (^٦).\n٢ - إذا تمضمض قال: «اللهم لقِّني حجتي ولا تحرمني رائحة الجنة» (^٧).\n_________\n(^١) الغرَّة: أي الغفلة. ينظر: تاج العروس ١٣/ ٢٢٤.\n(^٢) أخرجه الديلمي في ١/ ٢١٠، رقم ٨٠٢، وأبو عبد الرحمن السلمى في الأربعين في التصوف ١٥/ح ٣٢، وقال العراقي في تخريج أحاديث الإحياء ١/ ٣٩: \"إسناده ضعيف\".\n(^٣) يقصد بهم علماء الشريعة، واستشهد بقول البوصيري:\nقد تنكرُ العينُ ضوءَ الشمسِ من رَمَدٍ ... وينكرُ الفم طعمَ الماءِ من سقمِ\n(^٤) الفتوحات الإلهية في شرح المباحث الأصلية، لابن عجيبة، على هامش (إيقاظ الهمم في شرح الحكم) له ١/ ٢٩.\n(^٥) مجموع الفتاوى ١٣/ ٢٦٠.\n(^٦) مخطوط الأنوار السنية في الأذكار النبوية، خزانة تطوان رقم ٨٥٣ م. ل/٣.\n(^٧) المرجع نفسه ل/٣.","vol":"1","page":105},{"text":"٣ - إذا غسل ذراعيه قال: «اللهم اعطني كتابي بيميني» (^١).\n٤ - إذا غسل رجليه قال: «اللهم ثبِّت قدمي يوم تزلُّ الأقدام» (^٢).\nواستدلَّ ابن عجيبة على ذلك بما روي عن علي - ﵁ - أنَّ رسول الله - ﷺ - قال له: «يا علي إذا قمت لوضوئك فقل: بسم الله العظيم الذي هدانا للإسلام، اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين، فإذا غسلت فرجك فقل: اللهم حصِّن فرجي، فإذا تمضمضت فقل: اللهم أعني على تلاوة ذكرك، فإذا استنشقت فقل: اللهم أرحني رائحة الجنة، فإذا غسلت وجهك فقل: اللهم بيِّض وجهي يوم تبيضُّ وجوه وتسودُّ وجوه، فإذا غسلت ذراعك اليمنى فقل: اللهم اعطني كتابي بيميني يوم القيامة وحاسبني حسابًا يسيرًا، فإذا غسلت ذراعك اليسرى فقل: اللهم لا تعطني كتابي بشمالي ولا من وراء ظهري، فإذا مسحت برأسك فقل: اللهم تغشني برحمتك، وإذا مسحت بأذنيك فقل: اللهم اجعلني من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، فإذا غسلت رجليك فقل: اللهم اجعل سعيي مشكورًا وذنبي مغفورًا وعملي مقبولًا» (^٣).\nوهذا الحديث باطل، ولم يثبت عن النبي - ﷺ - أنه علَّمه لصحابته - ﵃ - الذين لم يتركوا صغيرة ولا كبيرة من هذا الدين إلا فهموها وعملوا بها فبارك الله لهم في العلم والعمل، ولو كانت هذه الأدعية صحيحة لعملوا بها، ولم يحفظ من سنة رسول الله - ﷺ - مثل هذه الأدعية.\n_________\n(^١) مخطوط الأنوار السنية في الأذكار النبوية، خزانة تطوان رقم ٨٥٣ م. ل/٣.\n(^٢) المرجع نفسه ل/٣.\n(^٣) أخرجه المستغفري في الدعوات، كما في النتائج، لابن حجر ١/ ١٢٦٣، والديلمي في الفردوس ٨٣٣، وهذا الحديث ضعيفٌ جدًّا، وقال الدارقطني وغيره: ضعيف، ينظر: ميزان الاعتدال ١/ ٦٢٥، العلل المتناهية في الأحاديث الواهية ١/ ٢٢٨، الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة، ١٣.","vol":"1","page":106},{"text":"وهذه الأحاديث سواء الضعيفة، أو الموضوعة، لا يجوز العمل بها ولا يعتقد ما فيها.\nقال أبو محمد المقدسي - ﵀ - (^١): \"ينبغي أن يُعلم أن ... الأحاديث الموضوعة التي وضعتها الزنادقة (^٢) ليلبسوا بها على أهل الإسلام أو الأحاديث الضعيفة إمَّا لضعف رواتها أو جهالتهم أو لعلة فيها لا يجوز أن يقال بها ولا اعتقاد ما فيها بل وجودها كعدمها، وما وضعته الزنادقة فهو كقولهم الذي أضافوه إلى أنفسهم\" (^٣).\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: \"ولا يجوز الاعتماد على الأحاديث الضعيفة التي ليست صحيحة ولا حسنة\" (^٤).\nوقال تلميذه ابن القيم - ﵀ -: \"ولم يحفظ عنه أنه كان يقول على وضوئه شيئًا غير التسمية، وكل حديث في أذكار الوضوء الذي يقال عليه فكذب مختلق، لم يقل رسول الله - ﷺ - شيئًا منه، ولا علَّمه لأُمَّته ولم يثبت عنه غير التسمية في أوله\" (^٥)، وقال أيضًا: \"وأحاديث الذكر على أعضاء الوضوء كلها باطله، ليس فيها شيءٌ يصح\" (^٦).\n_________\n(^١) هو موفق الدين، أبو محمد، عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة بن مقدم بن نصر المقدسي الجماعيلي، ثم الدمشقي الصالحي الحنبلي، له مؤلفات منها: المغني، مسألة العلو، توفي سنة ٦٢٠ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء ٢٢/ ١٦٦.\n(^٢) الزنادقة هم: الذين لا يؤمنون بالآخرة، ووحدانية الخالق، وتطلق الزندقة على القائلين بدوام الدهر، وقد كانت المانوية المزدكية تسمى الزنادقة أو الزنديقية، وأصل هذه الكلمة بالفارسية نسبة إلى (زند وبازند) وهما كتابان وضعهما المجوس في مصالح الدنيا وعمارة العالم. ينظر: المقالات والفرق، ص ٦٤، ١٩٣، بغية المرتاد، ص ٣٣٨، الإيمان، ص ٢٠٣، الرد على الرافضة، ص ١٣٤ - ١٣٥، لسان العرب ١٠/ ١٤٧ مادة (زندق).\n(^٣) ذم التأويل، ص ٤٧.\n(^٤) مجموع الفتاوى ١/ ٢٥٠.\n(^٥) زاد المعاد في هدي خير المعاد ١/ ١٩٥ - ١٩٦.\n(^٦) المنار المنيف، ص ١٢٠.","vol":"1","page":107},{"text":"والحقيقة أن مصادر التلقي عند ابن عجيبة لا تعتمد على الكتاب والسُّنَّة وفق منهج السَّلف، وإن ذكر أحاديث صحيحة فهو يذكرها اعتضادًا لا اعتمادًا، بل المصادر المعتمدة هي أذواقٌ، وكشوفاتٌ، ووجد (^١)، وهذا هو حال الصوفية وأهل البدع عمومًا.\nقال الشاطبي: \"ومن نظر إلى طريق أهل البدع في الاستدلالات عرف أنها لا تنضبط؛ لأنها سَياَّلةٌ لا تقف عند حدٍّ وعلى كلِّ وجه يصح لك زائغ وكافر أن يستدل على زيغه وكفره حتى ينسب النحلة التي التزمها إلى الشريعة، قد رأينا وسمعنا عن بعض الكفَّار أنه استدل على كفره بآيات القرآن كما استدل بعض النصارى على تشريك عيسى - ﵇ - في الربوبية بقوله تعالى: ﴿وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ (^٢)، واستدلَّ على أنَّ الكفَّار من أهل الجنة بإطلاق قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ (^٣)، واستدل بعض اليهود على تفضيلهم علينا بقوله تعالى: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ (^٤) وبعض الحلولية استدلَّ على قوله بقول الله تعالى: فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ (^٥)، والتناسخى استدلَّ بقول الله تعالى: ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ (^٦).\n_________\n(^١) سيأتي الحديث عنها في الفصل الثاني من هذا الكتاب، مصادر الصوفية في الاستدلال.\n(^٢) سورة النساء: ١٧١.\n(^٣) سورة البقرة: ٦٢.\n(^٤) سورة البقرة: ٤٧.\n(^٥) سورة الحجر: ٢٩.\n(^٦) سورة الانفطار: ٨.","vol":"1","page":108},{"text":"وكذلك كل من اتبع المتشابهات، أو حرَّف المناطات أو حمَّل الآيات ما لا تحمله عند السَّلف الصالح، أو تمسَّك بالأحاديث الواهية أو أخذ الأدلة بباديَ الرأي له أن يستدل على كلِّ فعلٍ أو قولٍ أو اعتقادٍ وافق غرضه بآيةٍ أو حديثٍ لا يفوز بذلك أصلًا، والدليل عليه استدلال كل فرقة شهرت بالبدعة على بدعتها بآيةٍ أو حديثٍ من غير توقف، فمن طلب خلاص نفسه تثبَّت حتى يتضح له الطريق، ومن تساهل رمته أيدى الهوى في معاطب لا مخلص له منها إلا ما شاء الله - ﷿ - \" (^١).\n_________\n(^١) الاعتصام ١/ ٢٨٥.","vol":"1","page":109},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-44>الفصل الثاني: المصادر الصوفية في التلقي</span>\nوفيه خمسة مباحث\nالمبحث الأول: الكشف\nالمبحث الثاني: الذوق\nالمبحث الثالث: الوجد\nالمبحث الرابع: الرؤى والحكايات\nالمبحث الخامس: دعوى التلقي عن الخضر - ﵇ -","vol":"1","page":111},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-45>المبحث الأول: الكشف</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-46>أولًا: معنى الكشف في اللغة</span>\nالكاف والشين والفاء أصلٌ صحيحٌ يدلُّ على الإظهار ورفع شيءٍ عمَّا يواريه ويغطِّيه (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-47>ثانيًا: معناه في الاصطلاح</span>\nهو الاطلاع على ما وراء الحجاب من المعاني الغيبية والأمور الخفية وجودًا أو شهودًا (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-48>ثالثًا: تعريفه عند ابن عجيبة</span>\nيعرِّفه بـ\"العلم اللدني\" وهو: الذي يفيض على القلوب من غير اكتساب ولا علم\" (^٣)، ويقول: \"إن الحق سبحانه قسم الخلق إلى قسمين وفرقهم فرقتين، قسم اختصهم بمحبته وجعلهم من أهل ولايته، ففتح لهم الباب وكشف لهم الحجاب فأشهدهم أسرار ذاته ولم يحجبهم عنه بآثار قدرته، وقسم يكشف عن قلوبهم السرائر، ويريهم الأشياء كما هي بالوحي والإلهام والمنامات الصادقة وهذا القسم يختص بنيله الأنبياء والأولياء\" (^٤).\nوتعريف ابن عجيبة للكشف وتقسيمه للخلق فيهم دعوى باطلة قد بين بطلانها أهل العلم.\n_________\n(^١) ينظر: مقاييس اللغة ٢/ ٤٤٥.\n(^٢) ينظر: التعريفات، ص ١٤٨.\n(^٣) البحر المديد ٣/ ٢٨٨، ١/ ٤٨٩، وإيقاظ الهمم، ص ٥٠٠.\n(^٤) إيقاظ الهمم في شرح الحكم، ص ٧٧.","vol":"1","page":113},{"text":"قال ابن القيم - ﵀ -: \"وأمَّا دعوى وقوع نوع من العلم بغير سبب من الاستدلال: فليس بصحيح، فإن الله - ﷾ - ربط التعريفات بأسبابها، كما ربط الكائنات بأسبابها، ولا يحصل لبشر علم إلا بدليل يدله عليه، وقد أيد الله - ﷾ - رسله بأنواع الأدلة والبراهين التي دلَّتهم على أنَّ ما جاءهم هو من عند الله، ودلَّت أممهم على ذلك، وكان معهم أعظم الأدلة والبراهين على أنَّ ما جاءهم هو من عند الله ... فكلُّ علمٍ لا يستند إلى دليل فدعوى لا دليل عليها، وحكم لا برهان عند قائله، وما كان كذلك لم يكن علمًا، فضلًا عن أن يكون لَدُنِّيًّا.\nفالعلم اللَّدُنِّي: ما قام الدليل الصحيح عليه أنه جاء من عند الله - ﷾ - على لسان رسله، وما عداه فلدُنِّيٌّ من لدن نفس الإنسان، منه بدأ وإليه يعود، وقد انبثق سد العلم اللَّدُنِّي، ورخص سعره، حتى ادعت كل طائفة أن علمهم لدُنِّي، وصار من تكلَّم في حقائق الإيمان والسلوك وباب الأسماء والصفات بما يسنح له ويلقيه شيطانه في قلبه: يزعم أنَّ علمه لدُنِّي، فملاحدة الاتحادية، وزنادقة المنتسبين إلى السلوك يقولون: إنَّ علمهم لدُنِّي، وقد صنَّف في العلم اللدُنِّي متهوكو المتكلمين، وزنادقة المتصوفين، وجهلة المتفلسفين، وكلٌّ يزعم أنَّ علمه لدُنِّي، وصدقوا وكذبوا فإنَّ اللدني منسوب إلى (لدن) بمعنى عند، فكأنهم قالوا: العلم العندي، ولكن الشأن فيمن هذا العلم من عنده ومن لدنه، وقد ذمَّ الله تعالى بأبلغ الذم من ينسب إليه ما ليس من عنده، كما قال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (^١)، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ\n_________\n(^١) سورة آل عمران: ٧٨.","vol":"1","page":114},{"text":"عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ (^١)\nفكلُّ من قال: هذا العلم من عند الله -وهو كاذب في هذه النسبة- فله نصيبٌ وافر من هذا الذم، وهذا في القرآن كثير، يذم الله - ﷾ - من أضاف إليه ما لا علم له به، ومن قال عليه ما لا يعلم، ولهذا رتَّب - ﷾ - المحرمات أربع مراتب، وجعل أشدها: القول عليه بلا علم، فجعله آخر مراتب المحرمات التي لا تباح بحال، بل هي محرَّمة في كلِّ ملَّة، وعلى لسان كلِّ رسول، فالقائل: إن هذا علمٌ لدُنِّي لما لا يعلم أنه من عند الله، ولا قام عليه برهان من الله أنَّه من عنده: كاذبٌ مفترٍ على الله، وهو من أظلم الظالمين، وأكذب الكاذبين\" (^٢).\nكما يرى ابن عجيبة بأنَّ الكشف حقٌّ لا مرية فيه، وهذا ظاهر في أقواله: \"ما أدركته الروح أو السر من المعاني اللطيفة والأسرار القديمة فإنَّ ذلك أذواق وكشوفات ومشاهدات، لا يبقى معها وهمٌ ولا ظنٌّ ولا خاطر\" (^٣).\nوفي قوله أيضًا: \"إذا وعدك الحق تعالى بشيءٍ على لسان الوحي أو الإلهام من نبيٍّ أو وليٍّ أو تجلِّي قوي، فلا تشك أيها المريد في ذلك الوعد\" (^٤).\nوقال في موضع آخر: \"يقال للعارف (^٥) إذا أعرض الخلق عنه، ولم ينفع قلوبهم تذكيره ووعظه: اتبع ما يوحى إليك من وراء الإلهام، فإنَّه حقٌّ في حق الخصوص، إذ لا يتجلَّى في قلوبهم إلا ما هو حق\" (^٦).\n_________\n(^١) سورة الأنعام: ٩٣ ..\n(^٢) مدارج السالكين ٣/ ٤٣٢ - ٤٣٣.\n(^٣) الفتوحات الإلهية، ص ٣١٧.\n(^٤) إيقاظ الهمم، ص ٤٤، والبحر المديد ٥/ ٥٠٣.\n(^٥) يقصد الصوفية بالعارف: الولي، وهو من أشهده الله تعالى ذاته وصفاته وأسماءه وأفعاله، فالمعرفة حال تحدث عن شهود. ينظر: التعريفات، للجرجاني، ص ١١٢، وينظر: معجم اصطلاحات الصوفية، ص ١١٠.\n(^٦) البحر المديد ٢/ ٥٠٥.","vol":"1","page":115},{"text":"وأنزل ابن عجيبة كشف الولي مكانة ومرتبة عظيمة، بل ذهب إلى أنه محفوظٌ من الشياطين، ويستدل بقول الله - ﷿ - ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ﴾ (^١)، قال: \"وحي الإلهام الذي يتنزل على القلوب الصافية من الأغيار كوحي الأحكام ما تتنزل به الشياطين، وما ينبغي لهم وما يستطيعون؛ لأنهم ممنوعون من قلوب العارفين؛ لما احتفت به من الأنوار، وما صانها من الأسرار\" (^٢).\nويصف ابن عجيبة الولي المكاشف بقوله: \"أدركت أنوار الملكوت متصلة ببحر الجبروت، وصرت أنت قطب الوجود، تدوِّره بيدك كيف شئت، خليفة الله في أرضه، نقطة دائرة كونه\" (^٣).\nويوجب ابن عجيبة طاعة الوارد الإلهي، والعقوبة لمن يخالف ذلك، قال: \"الوارد الإلهي تجب طاعته؛ لأنه يتجلَّى من حضرة الحق، وهو أمينٌ على ما يأتي به من العلوم\" (^٤)، وقال: \"فإذا تجلَّى فيه شيءٌ بأمر أو نهي فاستهان به وخالفه أدَّبه الحقُّ على ذلك إما في ظاهره وهو أخف، وإما في باطنه بالحجبة أو الفرقة، ولقد سمعت شيخ شيخنا العربي الدرقاوي يقول: لي ثلاثون سنة ما خالفت قلبي في شيءٍ إلا أدَّبني الحقُّ تعالى\" (^٥).\nومن إغراقه فيما يعتقده في الكشف أنه يزعم أنَّ العلم الشرعي حجاب عن الكشف؛ وعلَّل بأنَّ العلماء لم يصلوا لعلم المعاني؛ لأنهم \"اشتغلوا بعلم المنقول،\n_________\n(^١) سورة الشعراء: ٢١٠.\n(^٢) البحر المديد ٤/ ١٦٦.\n(^٣) الفتوحات الإلهية، ص ٦٧.\n(^٤) البحر المديد ٦/ ٣٩٦.\n(^٥) المرجع نفسه ٥/ ٣٠٣، وينظر: إيقاظ الهمم، ص ٢٧٨.","vol":"1","page":116},{"text":"والاطلاع على الأقوال الغريبة، وتحرير المسائل الفرعية والتغلل فيها، وهو سببُ حجاب علماء الظاهر\" (^١).\nوقال: \"كان للشبلي (^٢) تلميذ، فكساه رجلٌ يومًا جُبَّة، وكان على رأس الشبلي قلنسوة، فخطر على قلب التلميذ محبَّة القلنسوة ليجمعها مع الجُبَّة، فكاشفه الشيخ، فأزال له الجُبَّة، وجمعهما مع القلنسوة، ورمى بهما في النار، وقال له: لا تبق في قلبك التفاتًا لغير الله\" (^٣).\nوغير ذلك من الأقوال التي ملئت بها كتبه.\nوهذه الأقوال التي ذكرها ابن عجيبة عن الكشف حوت الكثير من المآخذ العقدية:\nومنها: زعمه الوصول عن طريق الكشف لعلم الغيب.\nولا شكَّ في بطلان هذا القول فعلم الغيب لله - ﷿ - وحده لم يُطلع عليه أحدًا من عباده إلا من ارتضى من رسول قال الله - ﷿ -: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾ (^٤).\nقالت عائشة - ﵂ - في حق النبي - ﷺ -: «ومن حدَّثك أنَّه يعلم الغيب فقد كذب» (^٥).\n_________\n(^١) الفتوحات الإلهية، ص ٢٧٦.\n(^٢) هو: أبو بكر الشبلي الصوفي، صاحب الأحوال والمجاهدات، اختلف في اسمه واسم أبيه قيل: دلف بن جحدر، وقيل جعفر بن يونس، صحب الجنيد، توفي سنة ٣٣٤ هـ ببغداد. ينظر: سير أعلام النبلاء ١١/ ٥٤٤، الوافي بالوفيات ١٤/ ١٨.\n(^٣) إيقاظ الهمم في شرح الحكم، ص ٣٦١.\n(^٤) سورة الجن: ٢٦ - ٢٧.\n(^٥) أخرجه البخاري، كتاب التوحيد، باب ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا﴾ رقم ٧٣٨.","vol":"1","page":117},{"text":"إنَّ ما يزعمه من هذه المكاشفات التي يختصُّ بها الأولياء هي في الحقيقة منازعة لله - ﷿ - في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، والله - ﷿ - هو المتصرِّف في هذا الكون لا يشاركه ملكٌ مقرَّبٌ ولا نبيٌّ مرسل، قال تعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ (^١).\nوكذلك أقرَّ بما يُسمَّى بالمعرفة الاستشراقية (^٢)، وهي التي عبّر عنها بالنور الذي يشرق على القلب نتيجة تصفيته من الأغيار عن طريق المجاهدة والرياضة وخرق العوائد، وما هي إلا خيالات فاسدة وأحوال شيطانية ومن تلاعب الشيطان بهم.\nقال ابن تيمية - ﵀ -: \"فإنهم يدخلون في أنواع من الخيالات الفاسدة، والأحوال الشيطانية المناسبة لطريقهم ... وكثيرًا ما تتخيَّل له أمور يظنُّها موجودة في الخارج ولا تكون إلا في نفسه، فيسمع خطابًا يكون من الشيطان أو من نفسه، يظنُّه من الله تعالى، حتى إنَّ أحدهم يظنُّ أنه يرى الله بعينه، وأنه يسمع كلامه بأذنه من خارج، كما سمعه موسى بن عمران، ومنهم من يكون ما يراه شياطين وما يسمعه كلامهم وهو يظنُّه من كرامات الأولياء\" (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-49>رابعًا: ذكره للعلوم الغيبية التي تحصل عن طريق الكشف</span>\nيقول: \"ويكاشف له (^٤) عن حقيقة الذات، وهذا من خصائص القطبانية، إذ\n_________\n(^١) سورة النمل: ٦٥.\n(^٢) المعرفة الاستشراقية: هي تلقٍّ مباشر من العالم الغيبي بحيث ينعكس على النفوس أو يشرق فيها ما هو منقوش من العالم العلوي من العلوم والمعارف. ينظر: المعجم الفلسفي، لجميل صوفيا ١/ ٩٤، أصول الفلسفة الإشراقية، ص ١١٩، عقيدة الصوفية وحدة الوجود الخفية، ص ٤٩٩.\n(^٣) درء تعارض العقل والنقل ٥/ ٣٥١.\n(^٤) يقصد القطب: وهو عند الصوفية رجل واحد موضع نظر الله - ﷿ - من العالم في كل زمان، ويسمى بالغوث أيضًا، باعتبار التجاء الملهوف إليه، وهو خُلق على قلب محمد - ﷺ -، ويسمى أيضًا بطب العالم، وقطب الأقطاب، والقطب الأكبر، وقطب الإرشاد، وقطب المدار، ينظر: معجم المصطلحات الصوفية، ص ٢١٧ - ٢١٨، اصطلاحات الصوفية، ص ٨٦ - ٨٧.","vol":"1","page":118},{"text":"القطب لا يكون إلا عارفًا راسخًا متمكنًا، فقد كُشف له عن الحجاب ... وإحاطة الصفات، أي ويكشف له عن إحاطة الصفات بالكائنات\" (^١).\nوقال في موضع آخر: \"يكشف له عن قلوبهم السَّرائر، ويريهم الأشياء كما هي بالوحي والإلهام والمنامات الصادقة وهذا القسم يختص بنيله الأنبياء والأولياء\" (^٢).\nوهذا كلامٌ باطلٌ ولا يصح؛ لأنَّ \"لفظ الغوث والقطب في حق البشر كما تقدَّم لم ينطق به كتاب ولا سُنَّة، ولا تكلَّم به أحدٌ من الصحابة والتابعين لهم بإحسان في هذا المعني، بل غياث المستغيثين على الإطلاق هو الله -تعالى- كما قال تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ (^٣)، ولم يجعل الله أحدًا من الخلق غوثًا يغيث الخلق في كلِّ ما يستغيثون فيه، لا ملكًا ولا نبيًّا ولا غيرهما، بل في الصحيحين أنَّ النبي - ﷺ - قال: «لا أُلفِيَنَّ أحدكم يأتي يوم القيامة على رقبته بعير له رُغاءُ فيقول: يا رسول الله أغثني أغثني، فأقول: لا أملك من الله شيئًا، يا عباس عمِّ قد أبلغتك» (^٤)، وهذا كقوله: «يا فاطمة بنت محمد، لا أغني عنك من الله شيئًا، يا عباس عم رسول الله لا أُغني عنك من الله شيئًا، يا صفية عمة رسول الله، لا أغني عنك من الله شيئًا، سلوني ما شئتم» (^٥)،\n_________\n(^١) الجواهر العجيبة، ص ٢٦٨.\n(^٢) اللوائح القدسية في شرح الوظيفة الزروقية، ص ١٣١.\n(^٣) سورة الأنفال: ٩.\n(^٤) أخرجه البخاري، كتاب بدء الوحي، باب الغلول ٤/ ٩٠ رقم ٣٠٧٣.\n(^٥) أخرجه البخاري، كتاب بدء الوحي، باب هل يدخل النساء والولد في الأقارب ٣/ ١٠١٢ رقم ٢٦٠٢.","vol":"1","page":119},{"text":"وهذا من تأويل قوله تعالى: \" ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ (^١)، وقد يكون بعض الناس سببًا لشرٍّ يندفع في بعض الأمور فيقال: فلانٌ يستغيث بفلان، كما قال تعالى: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾ (^٢)\nهذا كلفظ النصر والرزق والهدى، فالله الهادي النصير الرزاق وليس هذا النعت على الإطلاق لأحد إلا الله وحده، لا ملكٌ مقرَّبٌ ولا نبيٌّ مرسل، لكن من الخلق من يكون سببًا في رزق أو هدىً أو نصر يحصل لغيره وهو في ذلك سبب لا يستقل بالحكم، بل لا بدَّ معه من أسباب أُخر، ولا بدَّ من موانع يدفعها الله وإلَاّ لم يحصل المطلوب ... وأمَّا لفظ القطب فما دار عليه أمرٌ من الأمور قيل: إنه قطبه، كقطب الرَّحا وقطب الفلك، فمن كانت له مرتبة من إمارة أو علم أو دين فهو قطب تلك الأمور التي دارت عليه، فالملك قطب الملك، والوالي قطب الولاية ونحو ذلك، وقطب الدين الذي يؤخذ عنه ولا يزاحمه أحد هو محمد - ﷺ -، ومن الصالحين من يُجرى الله - ﷿ - على يديه من الخير ما يكون قطب أمته، وأمَّا أن يكون للوجود قُطب يدور عليه به ينزل المطر مطلقًا، وبه يحصل الهدى مطلقًا، وبه يحصل النصر مطلقًا، فهذا لا يكون لمخلوق ألبته، ولكن قد يكون من المخلوقين من يحصل به ما يحصل من نصر ورزق وهدى كما قال النبي - ﷺ -: «وهل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم، بدعائهم وإخلاصهم وصلاتهم» (^٣) \".\n_________\n(^١) سورة الشعراء: ٢١٤.\n(^٢) سورة القصص: ١٥ ..\n(^٣) جامع المسائل ١/ ٧٧ - ٧٩.\nوالحديث أخرجه البخاري، كتاب بدء الوحي، باب من استعان بالضعفاء والصالحين في الحرب، بدون قوله: «بدعائهم وإخلاصهم وصلاتهم»، ٤/ ٤٤، رقم ٢٨٩٦، والنسائي في سننه ح ٣١٨٠، بلفظ: «إنما ينصر هذه الأمة بضعيفها، بدعوتهم وصلاتهم وإخلاصهم»، وصحَّح الألباني لفظ النسائي في السلسلة الصحيحة ٢/ ٢٧٨.","vol":"1","page":120},{"text":"وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"وقد يكون في الزمان رجلٌ هو أفضل أهل الأرض، كما قد يكون رجلان وثلاثة وأربعة، ولكن ليس في الوجود رجلٌ هو أفضل أهل الأرضِ، وفيه ما يَقتضي أنه بوجودِه يَحصُلُ للناسِ الرزقُ، ويَنتَصِرونَ على الأعداء، وتهتدي قلوبهم مع كونهم مُعرِضين عن طاعة الله ورسوله، بل كان نوح أفضلَ أهل الأرضِ، وقد مَكثَ في قومِه ألفَ سنةٍ إلا خمسين عامًا يدعوهم إلى الله، وقد قال نوح: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا﴾ (^١)، ثم إن الله أغرق أهل الأرض إلا من آمن به، وكذلك غيره من الرُّسل كهود وصالح وشعيب ولوط وغيرهم، نعم قد يحصل بدعائه وعبادته من الخير ويندفع من الشر ما لا يحصل بدون ذلك كما في قوله: «بدعائهم وصلاتهم وإخلاصهم».\nوقال تعالى لنبيه: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ (^٢).\nوقال تعالى: \" ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ (^٣) يقول: لولا أن تطأوا أولئك المؤمنين والمؤمنات الذين لم تعلموهم إذا دخلتم مكة بالسيف، لسلَّطكم على أهل مكة، ولو تميَّز المؤمنون من الكفار لعذَّبنا الكفار عذابًا أليمًا، فهذا ونحوه مما يوافق دين المسلمين\" (^٤).\n_________\n(^١) سورة نوح: ٥ - ٦.\n(^٢) سورة الأنفال: ٣٣.\n(^٣) سورة الفتح: ٢٥.\n(^٤) جامع المسائل ٢/ ٧٢ - ٧٣.","vol":"1","page":121},{"text":"وما يزعمه ابن عجيبة في القطب هو من جنس غلو النصارى (^١) والرافضة (^٢)، وهذا من قوادح توحيد الربوبية، إذ أنه منازعة للربوبية، ومضاهاة لها، وتسوية بين الله - ﷿ - وبين المخلوقين، وكل من جعل مخلوقًا مثلًا للخالق في شيءٍ من الأشياء فأحبَّه مثل ما يحب الخالق، أو وصفه بمثل ما يوصف به الخالق فهو مشرك (^٣).\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية: \"وكذلك ما يدَّعيه بعضهم من أن الواحد من هؤلاء قد يعلم كل ولي لله كان، ويكون، واسمه، واسم أبيه، ومنزلته من الله، ونحو ذلك من المقالات الباطلة التي تتضمَّن أنَّ الواحد من البشر يشارك الله في بعض خصائصه مثل أنه بكل شيءٍ عليم، أو على كلِّ شيءٍ قدير، ونحو ذلك، كما يقول بعضهم في النبي - ﷺ -، وفي شيوخه: إن علم أحدهم ينطبق على علم الله - ﷿ - وقدرته منطبقة على قدرة الله - ﷿ - فيعلم ما يعلمه الله - ﷿ - ويقدر على ما يقدر الله عليه، فهذه المقالات وما يشبهها من جنس قول النصارى، والغالية في علي - ﵁ -، وهي باطلة بإجماع علماء المسلمين\" (^٤).\nوقال أيضًا: \"وتارة يدَّعي أحدهم المهدية أو القطبية ويقول: أنا القطب\n_________\n(^١) قال ابن تيمية: \"والنصارى يصفون المخلوق بما يتصف به الخالق فيجعلونه رب العالمين، خالق كل شيء، ومليكه الذي هو بكل شيء عليم وعلى كل شيء قدير، ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾، واتخذوا الملائكة والنبيين أربابًا، وصوَّروا تماثيل المخلوقات، واتخذوهم شفعاء لهم عند الله كما فعل عُبَّاد الأوثان\" الجواب الصحيح ٢/ ١٤١ - ١٤٢.\n(^٢) يزعمون أنَّ الأئمة علموا ما كان وما يكون، ولا يحجب عنهم علم السماء والأرض والجنة والنار. ينظر الكافي ١/ ٥٩، ٦١، بحار الأنوار ٢٦/ ١١٧، ١٣٧.\n(^٣) ينظر: مجموع الفتاوى ١٣/ ١٦٣ - ١٦٤.\n(^٤) منهاج السُّنَّة النبوية ١/ ٩٥ - ٩٦.","vol":"1","page":122},{"text":"الغوث الفرد الجامع ويدخل في هذه الأسماء ما هو من خصائص الربوبية مثل كونه يعطي الولاية من يشاء ويصرفها عمَّن يشاء\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-50>خامسًا: طريق حصول الكشف عند ابن عجيبة</span>\nأوضح ابن عجيبة أنَّ طريق حصول الكشف يكون بالمجاهدة، وتطهير القلب من حظوظه وشهواته، وأورد أسبابًا للكشف، منها:\n١ - التزام الذكر، \"والذكر الذي يحصل به الكشف هو الذكر الصوفي المتلقَّى عن شيوخ الطريقة، ويكون بطريقة خاصَّة يتعلمها من شيوخ الطريقة\" (^٢).\nوقال أيضًا: \"هو ركنٌ قويٌّ في طريق الوصول\" (^٣)، وقال: \"وأعظم الأعمال التي توجد ثمرتها عاجلًا وآجلًا هو ذكر الله، وثمرته هو النور الذي يشرق في القلب\" (^٤)، وقال أيضًا: \"الذكر الحقيقي هو الذي يغيب صاحبه عن شهود نفسه ورسمه وحسِّه، حتى يكون الحقُّ تعالى هو المتكلِّم على لسانه\" (^٥).\nوقسَّم ابن عجيبة أقسام الذكر، واختلاف الناس فيه، قال: \"أقسام الذكر: ذكر العامة (^٦) باللسان، وذكر الخاصة بالجنان، وذكر خاصة الخاصة بالروح والسر\" (^٧)، وقال في نصٍّ آخر مبيِّنًا اختلاف الناس بحسب غاياتهم: \"الناس في\n_________\n(^١) بغية المرتاد في الرَّدِّ على المتفلسفة والقرامطة والباطنية، ص ٣٩٣.\n(^٢) الفتوحات الإلهية، ص ٧٢، ٢٣٥.\n(^٣) معراج التشوف، ص ٤٢.\n(^٤) إيقاظ الهمم، ص ٤٢٦.\n(^٥) البحر المديد ١/ ٢٣٦.\n(^٦) العامة: هم الذين اقتصروا على علمهم بالشريعة ويسمون علماءَهم الرسوم. معجم المصطلحات الصوفية، ص ١١١.\n(^٧) معراج التشوف، ص ٤٢.","vol":"1","page":123},{"text":"الذكر على ثلاثة أقسام: قسم يطلبون الأجور، وقسم يطلبون الحضور، وقسم وصلوا ورفعوا الستور\" (^١).\nوالذي عليه أهل العلم أنَّ الذكر عبادة من العبادات التي بيَّنت الأدلة أنه يترتب عليه فضائل وأجور لم يذكر فيها الوصول بما يسمّونه بالكشف، إنما فيه تقوية الإيمان بالله وطمأنينة القلوب ورفع الدرجات، وتكفير السيئات، ومن أمثال ذلك ما ورد في الكتاب والسُّنَّة.\n٢ - خرق العوائد: قال: \"المريد لا تفيض عليه العلوم اللدنية والأسرار الربانية حتى يخرق عوائد نفسه ... بتخريب ظاهره، حتى لا يقبله أحد، ولا يقبل عليه أحد ... وأمَّا ما دام ظاهرًا متزيِّنًا بلباس العوائد فلا يطمع في ورود المواهب والفوائد\" (^٢).\nوقال ابن عجيبة في تفسيره لسورة العصر ﴿وَالْعَصْرِ﴾ (^٣). أي: \"عصر الذاكرين ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ (^٤)، حيث احتجب عن ربه بنفسه وبرؤيته وجوده ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ (^٥) إلا الذين آمنوا إيمان الخصوص، وعملوا عمل الخصوص، وهو خرق العوائد واكتساب الفوائد، حتى وصلوا إلى كشف الحجاب\" (^٦).\nوهذه السبل التي سلكها فهي مثل سابقتها لا تدلُّ عليها الأدلة بل خرق العوائد من الأمور الخطيرة التي سلكها المتصوفة.\n_________\n(^١) إيقاظ الهمم، ص ٤٢٦.\n(^٢) البحر المديد ٣/ ٢٩٤، و٣/ ٤٦٣، ١/ ٤٧٥، وينظر: الفتوحات الإلهية، ص ٦٧.\n(^٣) سورة العصر: ١.\n(^٤) سورة العصر: ٢.\n(^٥) سورة العصر: ٣.\n(^٦) البحر المديد ٧/ ٣٥١.","vol":"1","page":124},{"text":"قال ابن تيمية - ﵀ -: \"فإنه إن سلك طريق الجوع والرياضة المفرطة خاطر بقلبه ومزاجه ودينه وربما زال عقله ومرض جسمه وذهب دينه، وإن سلك طريق الوله والاختلاط بترك الشهوات ليتصل بالأرواح الجنية ... فقد أزال عقله وأذهب ماله ومعيشته وأشقى نفسه شقاءً لا مزيد عليه، وعرَّض نفسه لعذاب الله في الآخرة لما تركه من الواجبات وما فعله من المحرَّمات\" (^١).\nوالشيطان يتسلَّط على الإنسان إن لم يدفعه بالعلم والتقوى، فيوهمه بخرق العادات وأنها من الله - ﷿ - وقد أوضح ذلك ابن تيمية فقال: \"وهؤلاء العُبَّاد والزُّهَّاد الذين ليسوا من أولياء الله المتقين المتبعين للكتاب والسُّنَّة تقترن بهم الشياطين فيكون لأحدهم من الخوارق ما يناسب حاله، لكن خوارق هؤلاء يعارض بعضُها بعضًا، وإذا حصل من له تمكُّن من أولياء الله تعالى أبطلها عليهم، ولا بدَّ أن يكون في أحدهم من الكذب جهلًا أو عمدًا، ومن الإثم ما يناسب حال الشياطين\" (^٢).\nأمَّا تفسيره لسورة العصر فهو تفسير إشاري لأهل الباطن، وهو مخالف لما عليه المفسرون قال الشيخ السعدي - ﵀ - (^٣) في تفسيره لهذه السورة: \"أقسم تعالى بالعصر، الذي هو الليل والنهار، محل أفعال العباد وأعمالهم أنَّ كل إنسان خاسر، والخاسر ضد الرابح، والخسار مراتب متعددة متفاوتة: قد يكون خسارًا مطلقًا، كحال من\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ١١/ ٣٣٠.\n(^٢) المرجع نفسه ١١/ ٢٩٥.\n(^٣) عبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله آل سعدي من النواصر من بني عمرو أحد البطون الكبار من قبيلة بني تميم، ولد في محرَّم عام ١٣٠٧ هـ في بلدة عنيزة، أخذ العلم عن عدة مشايخ منهم: محمد العبد الكريم الشبل، وإبراهيم بن حمد الجاسر، ومحمد أمين الشنقيطي، ومن تلاميذه: الشيخ محمد بن صالح العثيمين، والشيخ عبد الله بن عبد العزيز العقيل، له تصانيف عدة منها: القول السديد في شرح كتاب التوحيد، تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنَّان، وكانت وفاته ليلة الخميس عام ١٣٧٦ هـ وعمره ٦٩ عامًا. ينظر: مشاهير علماء نجد ص ٢٥٦.","vol":"1","page":125},{"text":"خسر الدنيا والآخرة، وفاته النعيم، واستحق الجحيم.\nوقد يكون خاسرًا من بعض الوجوه دون بعض، ولهذا عمَّم الله الخسار لكل إنسان، إلا من اتصف بأربع صفات:\nأ الإيمان بما أمر الله بالإيمان به، ولا يكون الإيمان بدون العلم، فهو فرعٌ عنه لا يتم إلا به.\nب والعمل الصالح، وهذا شاملٌ لأفعال الخير كلها، الظاهرة والباطنة، المتعلقة بحق الله وحق عباده، الواجبة والمستحبة.\nج والتواصي بالحق، الذي هو الإيمان والعمل الصالح، أي: يوصي بعضُهم بعضًا بذلك، ويحثه عليه، ويرغبه فيه.\nد والتواصي بالصبر على طاعة الله، وعن معصية الله، وعلى أقدار الله المؤلمة.\nفبالأمرين الأولين يكمل الإنسان نفسه، وبالأمرين الأخيرين يكمل غيره، وبتكميل الأمور الأربعة، يكون الإنسان قد سلم من الخسار، وفاز بالربح العظيم\" (^١).\nوبهذا يظهر أنه لا دليل على ما ذهب إليه ابن عجيبة لا من قريب ولا من بعيد.\n٣ - العزلة: قال ابن عجيبة: \"كل من اعتزل عن الخلق وانفرد بالملك الحق، طلبًا في الوصول إلى مشاهدة الحق، لا بدَّ أن تفيض عليه المواهب القدسية والأسرار الوهبية والعلوم اللدنية، وهي نتائج فكرة القلوب الصافية\" (^٢).\n_________\n(^١) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنَّان ١/ ٩٣٤.\n(^٢) البحر المديد ٣/ ٣٩٣.","vol":"1","page":126},{"text":"وقال أيضًا: \"الاستئناس بالناس من علامة الإفلاس، وإقبالك على الحق إدبارك عن الخلق، وإقبالك على الخلق إدبارك عن الحق، وقد عدوا من أصول الطريق الإعراض عن الخلق في الإقبال والإدبار\" (^١).\nوقال في موضع آخر: \"اتخاذ الأماكن للعبادة والعزلة مطلوب عند القوم\" (^٢).\nوالمتأمل لهذا الدين الإسلامي يجد أنه مبنيٌّ على التعاون بين المسلمين، ومخالطتهم والصبر على أذاهم، ونفعهم قدر الوسع، ورغم أنَّ السلف كانوا يؤثرون الوحدة والعزلة عن الناس اشتغالًا بالعلم والتعبُّد فإنَّ ذلك لم يقطعهم عن الجمعة والجماعات، ولم يُعرف عنهم أنهم التزموا أماكن مظلمة للعبادة، أو ترهبنوا في الجبال قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (^٣)، وقال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (^٤).\nولقد قال نبيُّنا محمد - ﷺ - في أفضل العبادات: «صلاة الرَّجُل مع الرَّجُل أزكى من صلاته وحده، وصلاته مع الرَّجُلين أزكى من صلاته مع الرَّجُل، وما كان أكثر فهو أحب إلى الله - ﷿ -» (^٥).\n_________\n(^١) إيقاظ الهمم، ص ٨٦.\n(^٢) البحر المديد ٢/ ٤٩٤.\n(^٣) سورة المائدة: ٢.\n(^٤) سورة آل عمران: ١٠٣.\n(^٥) أخرجه أبو داود، كتاب الصلاة، باب فضل صلاة الجماعة ١/ ٢٠٧، ح ٥٥٤، والنسائي، كتاب الإمامة، باب الجماعة إذا كانوا اثنين، ٢/ ١٠٤، ح ٨٤٣، وصحَّحه الألباني في السلسلة الصحيحة ٤/ ٥٤٢ برقم ١٩١٢.","vol":"1","page":127},{"text":"وقال - ﷺ -: «الذي يخالطُ النَّاسَ ويصبرُ على أذاهم خيرٌ من الذي لا يخالطهم ولا يصبرُ على أذاهم» (^١).\nوثبت عن النبي - ﷺ - أنه قال: «من استطاع أن ينفعَ أخاه فلينفعه» (^٢).\nوالذي يفعله المتصوفة هو من تلبيس الشيطان عليهم، يقول ابن الجوزي: \"وقد لبَّس إبليس على جماعة من المتصوفة فمنهم من اعتزل في جبل كالرُّهبان يبيت وحده ويصبح وحده، ففاتته الجمعة وصلاة الجماعة ومخالطة أهل العلم، وعمومهم اعتزل في الأربطة ففاتهم السعي إلى المساجد وتوطَّنوا على فراش الراحة وتركوا الكسب\" (^٣).\nوقد أوضح شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - أنَّ الخلوة والعزلة المشروعة نوعان:\nواجبة، ومستحبة:\nالواجب اعتزال الناس في الأمور المحرمة، قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ (^٤)، وقال تعالى: ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا﴾ (^٥).\nفإن أولئك لم يكونوا في مكان فيه جمعة ولا جماعة ولا من يأمر بشرع نبي فلهذا أووا إلى الكهف، والمستحب هو اعتزال الناس في فضول المباحات، أو أراد\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه، كتاب الفتن، باب الصبر على البلاء، وصحَّحه الألباني في صحيح الجامع برقم ٦٦٥١، وفي السلسلة الصحيحة برقم ٩٣٣٩.\n(^٢) أخرجه مسلم، كتاب الآداب، باب استحباب الرقية من العين ٤/ ١٧٢٦ رقم ٢١٩٩.\n(^٣) تلبيس إبليس، ص ٣٥٢.\n(^٤) سورة الأنعام: ٦٨.\n(^٥) سورة الكهف: ١٦.","vol":"1","page":128},{"text":"الإنسان تحقيق علم أو عمل فتخلَّى في بعض الأماكن مع محافظته على الجمعة والجماعة فهذا حق (^١).\nاحتجاج ابن عجيبة على مشروعية الخلوة:\nأ تحنث النبي - ﷺ - في غار حراء في مبدأ الوحي، فالخلوة للمريد لا بدَّ منها في ابتداء أمره، فإذا قوي نوره ودخل مقام الفناء صلح له حينئذٍ الخلطة مع الناس، بحيث يكون جسده مع الخلق وقلبه مع الحق، فإن لله رجالًا أشباحُهم مع الخلق تسعى وأرواحهم في الملكوت ترعى (^٢).\nب احتج بأنَّ الله واعد موسى أربعين ليلة ثم حصلت له المناجاة والمكالمة، وقاس النبيَّ على الولي (^٣).\nوهذه الأدلة التي استدل بها؛ ليصحح ما يراه حق، لا يسلم له بها؛ لأن النبي - ﷺ - فعله قبل النبوة ثم لم يفعلها بعد ذلك.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"والاعتكاف الشرعي في المساجد كما كان النبي - ﷺ - يفعله هو وأصحابه - ﵃ - من العبادات الشرعية، وأما الخلوات فبعضهم يحتج فيها بتحنثه بغار حراء قبل الوحي وهذا خطأ؛ فإن ما فعله النبي - ﷺ - قبل النبوة إن كان قد شرعه بعد النبوة فنحن مأمورون باتباعه فيه وإلا فلا، وهو من حين نبَّأه الله - ﷿ - لم يصعد بعد ذلك إلى غار حراء ولا خلفاؤه الراشدون - ﵃ - وقد أقام - ﷺ - بمكة قبل الهجرة بضع عشرة سنة ودخل مكة في عمرة القضاء وعام الفتح أقام بها قريبًا من عشرين ليلة، وأتاها في حجة الوداع وأقام بها أربع ليال وغار حراء قريب منه ولم يقصده\" (^٤).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ١٠/ ٤٠٥.\n(^٢) البحر المديد ٢/ ٤٩٤.\n(^٣) المرجع نفسه ٢/ ٢٥٥.\n(^٤) مجموع الفتاوى ١٠/ ٣٩٤.","vol":"1","page":129},{"text":"وأما احتجاجه على الخلوة بأن الله - ﷿ - واعد موسى أربعين ليلة فيرد عليه بما يلي:\n- أنَّ هذه ليست من شريعة محمد - ﷺ - بل شُرعت لموسى - ﵇ -.\n- قاس الولي على النبي متأثرًا بالفلاسفة فالنبوة عندهم: فيضٌ يفيض على الإنسان بحسب استعداده، وهي مكتسبة عندهم، ومن كان متميزًا -في قوته العلمية، بحيث يستغني عن التعليم، وشُكِّلَ في نفسِهِ خطابٌ يَسمعه كما يَسْمَعُ النائمُ، وشخصٌ يُخاطبه كما يُخاطَبُ النائمُ، وفي العملية بحيث يؤثر في العنصريات تأثيرًا غريبًا- كان نبيًّا عندهم ... وهم لا يثبتون ملكًا مفضلًا يأتي بالوحي من الله تعالى، ولا ملائكة، بل ولا جنًّا يخرق الله بهم العادات للأنبياء، إلا قوى النفس ... وقول هؤلاء، وإن كان شرًّا من أقوال كفَّار اليهود والنصارى وهو أبعد الأقوال عمَّا جاءت به الرُّسُل، فقد وقع فيه كثيرٌ من المتأخرين الذين لم يشرق عليهم نور النبوة من المدعين للنظر العقلي والكشف الخيالي الصوفي وإن كان غاية هؤلاء الأقيسة الفاسدة والشك، وغاية هؤلاء الخيالات الفاسدة والشطح (^١).\nج- أن الله - ﷿ - لم يجعل الرياضات والمجاهدة والخلوات شرطًا، لكي يطلع رسله على الغيب، بل ارتضى لهم ذلك ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا﴾ (^٢).\nوالنبوة كما هو مقرَّرٌ عند أهل السُّنَّة والجماعة اصطفاء من الله - ﷿ - قال - ﷾ -: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ (^٣).\n_________\n(^١) ينظر: منهاج السُّنَّة النبوية ٢/ ٤١٥، النبوات ١/ ٣٤.\n(^٢) سورة الجن: ٢٦ - ٢٧.\n(^٣) سورة الحج: ٧٥.","vol":"1","page":130},{"text":"قال ابن جرير الطبري: \"الله يختار من الملائكة رسلًا كجبرئيل وميكائيل اللذين كانا يرسلهما إلى أنبيائه، ومن شاء من عباده ومن الناس، كأنبيائه الذين أرسلهم إلى عباده من بني آدم، ومعنى الكلام: الله يصطفي من الملائكة رسلًا ومن الناس أيضًا رسلًا\" (^١).\nقال ابن تيمية: \"فمن أين يحصل لغير الأنبياء نورٌ إلهيٌّ تدرك به حقائق الغيب وينكشف له أسرار هذه الأمور على ما هي عليه، بحيث يصير بنفسه مدركًا لصفات الرَّبِّ وملائكته، وهذا الكلام أصله من مادة المتفلسفة والقرامطة الباطنية، الذين يجعلون النبوة فيضًا من العقل الفعَّال على نفس النبي، ويجعلون ما يقع في نفسه من الصور هي ملائكة الله، وما يسمعه في نفسه من الأصوات هو كلام الله، ولهذا يجعلون النبوة مكتسبة، فإذا استعد الإنسان بالرياضة والتصفية فاض عليه ما فاض على نفوس الأنبياء، وعندهم هذا الكلام باطلٌ باتفاق المسلمين واليهود والنصارى\" (^٢).\nوقال في موضعٍ آخر: \"ولا يزال الأولياء مع الأنبياء في إيمان الغيب، ولا يتصور أن يُعطى الولي ما أعطيه النَّبيُّ من المشاهدة والمخاطبة، وأفضل الأولياء أبو بكر - ﵁ - وعمر وعثمان وعلي - ﵃ - ونحوهم، وليس في هؤلاء من شاهد ما شاهده النبي - ﷺ - ليلة المعراج، ولا شاهد الملائكة الذين كانوا ينزلون بالوحي على النبي - ﷺ - ولا سمع أحد منهم كلام الله - ﷿ - الذي كلَّم به نبيَّه ليلة المعراج، ولا سمع عامة الأنبياء فضلًا عن الأولياء كلام الله كما سمعه موسى بن عمران، ولا كلَّم الله\n_________\n(^١) جامع البيان ١٨/ ٦٨٧.\n(^٢) درء تعارض العقل والنقل ٥/ ٣٥٣.","vol":"1","page":131},{"text":"تكليمًا لداود وسليمان ولا إبراهيم ولا عيسى فضلًا عن أن يكون ذلك يحصل لأحدٍ من الأولياء، والإيمان بكلِّ ما جاء به الأنبياء واجب، فإنهم معصومون، ولا يجب الإيمان بكلِّ ما يقوله الوليُّ بل ولا يجوز، فإنه ما من أحد من الناس إلا ويؤخذ من كلامه ويترك إلا رسول الله - ﷺ -، ومن سبَّ نبيًّا من الأنبياء قُتِل وكان كافرًا مرتدًّا بخلاف الولي\" (^١).\nوابن عجيبة يوجب على من كان في عزلته أن يلتزم بأوراد مبتدعة للوصول لدرجة الكشف، وهو يسير على منهج الصوفية في ذلك مثل:\n- ترديد اسم - ﷿ - الله الله الله الله (^٢).\n- ثم ذكر لا إله إلا الله، حتى يمتحى صور الأشياء من قلوبهم، وتحصل لهم الطمأنينة بالله أو بذكره ثم ينتقلون إلى الاسم المفرد ... حتى ينكشف لهم من معناه أنوار الحقائق (^٣).\nوهذا الترديد كما يزعمون أن آثاره هي الوصول إلى الاتحاد والحلول (^٤)، فأحدهم قد يذكر الله - ﷿ - حتى يغلب على قلبه ذكر الله ويستغرق في ذلك فلا يبقى له مذكورٌ مشهودٌ لقلبه إلا الله، ويفنى ذكره وشهوده لما سواه، فيتوهم أنَّ الأشياء قد فنيت وأنَّ نفسه فنيت حتى يتوهَّم أنه هو الله -تعالى الله عمَّا يقول علوًا كبيرًا- وأن الوجود هو الله (^٥).\n_________\n(^١) شرح العقيدة الأصفهانية، ص ١٥٨.\n(^٢) مخطوط الأدعية والأذكار الممحقة للذنوب والأوزار بالحيللة والاستغفار، خزانة تطوان، ل ١٨.\n(^٣) منازل السائرين والواصلين، وأسرار علم الطريقة، ضمن الجواهر العجيبة، ص ٢٥١ - ٢٥٢.\n(^٤) سيأتي الحديث عنها في الباب الثالث من هذا الكتاب.\n(^٥) ينظر: الرَّدّ على الشاذلي، ص ١٠٦، مجموع الفتاوى ١٣/ ١٩٨، الرَّدّ على المنطقيين ٢/ ٢٤٢.","vol":"1","page":132},{"text":"قال ابن تيمية - ﵀ -: \"وهذه طريقة أهل التصوف، فهم ظنوا أن توحيد الربوبية هو الغاية، والفناء (^١) فيه هو النهاية، وأنه إذا شهد ذلك سقط عنه استحسان الحسن واستقباح القبيح، فآل بهم الأمر إلى تعطيل الأمر والنهي والوعد والوعيد ... ومجرد شهود الربوبية من غير فعل ما يحبه الله ويرضاه ليس بإيمان ينجي من عذاب الله فضلًا عن أن يكون غاية العارفين\" (^٢).\nولو تأمل ابن عجيبة النصوص النبوية، وعرف ما كان يأمر به رسول الله - ﷺ - ويفعله الصحابة - ﵃ - للزم طريق الحق ولم يَحِد عنه.\nكان النبي - ﷺ - يأمر بقول: لا إله إلا الله بعد دبر كلِّ صلاة لما لها من الفضل العظيم، ولم يأمر الناس باختصارها، وفي الصحيحين عنه - ﷺ -: «أنه كان يقول في دبر كلِّ صلاة لا إله إلا الله وحده لا شريك له» (^٣).\nوعن عبادة بن الصامت - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من قال أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأنَّ محمدًا عبده ورسوله، وأنَّ عيسى عبد الله وابن أمته وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وأنَّ الجنة حقٌّ والنار حقٌّ، أدخله الله الجنَّة من أي أبواب الجنة الثمانية شاء\" (^٤).\nولقد أوضح شيخ الإسلام ابن تيمية أن الذكر بالاسم المضمر المفرد أبعد عن السُّنَّة وأقرب إلى ضلال الشيطان، \"والمقصود هنا أن المشروع في ذكر الله - ﷾ - هو\n_________\n(^١) يزعمون أنَّ العبد يفنى في شخصه ويبقى في ربه بعد مجاهدة ومجالدة وتصفية للنفس، وأول من قال بها أبو يزيد البسطامي في القرن الثالث الهجري. ينظر: المعجم الفلسفي، ص ١٤١، والتعريفات، للجرجاني، ص ١٧٩.\n(^٢) اقتضاء الصراط المستقيم ٢/ ٨٥٤ - ٨٥٦، وينظر: مجموع الفتاوى ٨/ ١٠٠ - ١٠١\n(^٣) أخرجه البخاري، كتاب صفة الصلاة، باب الذكر بعد الصلاة، ١/ ٢٨٩، رقم ٨٤٤.\n(^٤) أخرجه مسلم، كتاب الإيمان، باب الدليل على أنَّ من مات على التوحيد دخل الجنة ١/ ٥٧، رقم ٢٨.","vol":"1","page":133},{"text":"ذكره بجملة تامة وهو المسمى بالكلام والواحد منه بالكلمة، وهو الذي ينفع القلوب ويحصل به الثواب والأجر والقرب إلى الله - ﷿ -، ومعرفته ومحبته وخشيته وغير ذلك من المطالب العالية والمقاصد السامية، وأمَّا الاقتصار على الاسم المفرد مظهرًا أو مضمرًا فلا أصل له، فضلًا عن أن يكون ذكر الخاصة والعارفين، بل هو وسيلة إلى أنواع البدع والضلالات، وذريعة إلى تصورات أحوال فاسدة من أحوال أهل الإلحاد وأهل الاتحاد\" (^١).\nوقال أيضًا: \"ولا يجوز أن يقال إنَّ هذا مستحبٌّ أو مشروعٌ إلا بدليل شرعيٍّ، ولا يجوز أن يثبت شريعة بحديث ضعيف، لكن إذا ثبت أنَّ العمل مستحبٌّ بدليلٍ شرعيٍّ وروي له فضائل بأسانيد ضعيفة جاز أن تروى إذا لم يُعلم أنها كذب، وذلك أنَّ مقادير الثواب غير معلومة فإذا روي في مقدار الثواب حديثٌ لا يعرف أنه كذب لم يجز أن يُكذَّب به، وهذا هو الذي كان الإمام أحمد بن حنبل وغيره يرخِّصون فيه وفي روايات أحاديث الفضائل، وأمَّا أن يثبتوا أنَّ هذا عملٌ مستحبٌّ مشروعٌ بحديثٍ ضعيفٍ فحاشا لله، كما أنَّهم إذا عرفوا أنَّ الحديث كذب فإنهم لم يكونوا يستحلون روايته إلا أن يبيِّنوا أنَّه كذب؛ لقول النبي - ﷺ - في الحديث الصحيح: «من روى عني حديثا يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين» (^٢) \" (^٣).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ١٠/ ٢٢٦ - ٢٣٣.\n(^٢) أخرجه الترمذي، كتاب العلم عن رسول الله - ﷺ -، باب فيمَن روى حديثًا وهو يرى أنه كذب، من حديث المغيرة بن شعبة ٥/ ٣٦، رقم ٢٦٦٢، وأخرجه ابن ماجه، باب من حدَّث عن رسول الله - ﷺ - حديثًا وهو يرى أنه كذب، ١/ ١٤ رقم ٣٨، وصحَّحه الألباني في السلسلة الصحيحة ٢/ ٤٤٠.\n(^٣) مجموع الفتاوى ١٠/ ٤٠٨.","vol":"1","page":134},{"text":"٤ - ترويض النَّفس بالذُّل:\nقال ابن عجيبة: \"فالذُّلُّ والفقرُ بابان عظيمان للدخول على الله - ﷿ -، والوصول إلى حضرته\"، وعرَّف المراد بالذُّلِّ بأنه: \"الذُّلُّ بين الأقران حتى يراه الخاص والعام وكلُّ من كان يعظِّمه من الأصحاب والإخوان\" (^١)، وقال في موضع آخر: \"المراد بالذُّلِّ هو ذلُّ النفس في طلب الحق، يظهر ذلك بين الأقران، لتموت به النفس سريعًا، فتحيا الروح بمعرفة الحق وشهوده، وذلك: كالمشي بالحفا، وتعرية الرأس في المواضع الذي يراه الناس، والسؤال في الأسواق والحوانيت، فهذا هو الذُّلُّ الذي يعقبه العزُّ بالله\" (^٢).\nوذكر ابن عجيبة تأصيلًا لأمر السؤال فقال: \"كيفيته: أن يتوضأ الرَّجُل ويصلي ركعتين، ويأخذ الزنبيل (الوعاء) بيده اليمنى، ويخرج إلى السوق ومعه رجلٌ آخر يذكر الله ويذَّكر الناس، والناس يعطونه في ذلك الزنبيل حتى يجمع ما تيسَّر من الطعام، ويعُبه بين الفقراء فيأكلون طعامًا حلالًا بلا تكلُّف، ولا كلفة هذا ما تيسَّر لنا في حكم السؤال\" (^٣).\nوما ذكره ابن عجيبة من ترويض النفس وإذلالها لم يأمر به الله - ﷿ - ولم يفعله النبي - ﷺ - ولا الصحابة - ﵃ - ولا التابعون لهم بإحسان إلى يوم الدين، وقد أمر الدين الإسلامي بإكرام النفس وحفظ المال، وعدم إسقاط الجاه، قال - ﷿ -: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ (^٤)، ودعا النبي - ﷺ - لأنس بن مالك - ﵁ - فقال: «اللهم أكثر ماله\n_________\n(^١) الفهرسة، ص ٥٣ - ٥٤.\n(^٢) شرح المقدمة الآجرومية، ص ٢٤.\n(^٣) إيقاظ الهمم، ص ٣٣٣.\n(^٤) سورة الإسراء: ٧٥.","vol":"1","page":135},{"text":"وولده وبارك له» (^١).\nوصحَّ عن نبينا محمد - ﷺ - أنه قال: «نعم المالُ الصالحُ للرَّجُل الصالح» (^٢)، وثبت عن النبي - ﷺ - أنَّه ادخر لأزواجه قوت سنة (^٣)، ولاريب أنَّ بعد الصوفية عن الصواب بسبب بعدهم عن فهم كلام الله - ﷿ - ورسوله - ﷺ - ولهذا عندما خرجوا من أموالهم سقطوا في أمورٍ نهى عنها الشرع، ولم يتورَّعوا عن الشبهات، أو استشراف الأموال من الظلمة.\nقال - ﷺ -: «... فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه» (^٤).\nقال ابن الجوزي: \"لقد أبان هؤلاء القوم عن جهلٍ بالشرع وعدم عقل، والشرع أمر بحفظ المال وأن لا يُسلَّم إلا إلى رشيد، وجعله قوامًا للآدمي، والعقل يشهد بأنه إنما خُلق للمصالح فإذا رمى به الإنسان فقد أفسد ما هو سبب صلاحه وجهل حكمه، ومِنْ جَهْل هؤلاء حملهم تفسير القرآن على رأيهم الفاسد؛ لأنه يحتج بمسح السوق والأعناق ويظن بذلك جواز الفساد، والفساد لا يجوز في شريعة وإنما مسح بيده عليها وقال أنت في سبيل الله\" (^٥).\nوقال - ﷺ -: «لا تزال المسألة بأحدكم حتى يلقى الله - ﷿ - وليس في وجهه\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب الدعوات، باب قول الله تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ ومن خصَّ أخاه بالدعاء دون نفسه ٥/ ٢٣٣٣، رقم ٥٩٧٥، ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب جواز الجماعة في النافلة ١/ ٤٥٧ رقم ٢٦٨.\n(^٢) أخرجه أحمد ٤/ ١٩٧، رقم ١٧٧٩٨، قال شعيب الأرنؤوط: إسناده قويٌّ على شرط مسلم من حديث عمرو بن العاص.\n(^٣) أخرجه البخاري، كتاب النفقات، باب حبس نفقة الرَّجُل قوت سنة على أهله وكيف نفقات العيال ٥/ ٢٠٤٨، رقم ٥٠٤٢ من حديث عمر - ﵁ -.\n(^٤) أخرجه البخاري، كتاب الإيمان، باب فضل من استبرأ لدينه ١/ ٢٨، رقم ٥٢.\n(^٥) تلبيس إبليس، ص ٢١٨ - ٢٣١.","vol":"1","page":136},{"text":"مزعة لحم» (^١)، وقال - ﷺ -: «لئن يأخذ أحدكم حبله فيأتي بحزمة من الحطب على ظهره فيبيعها فيكفُّ بها وجهه خيرٌ له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه» (^٢).\nوكان فقراء الصحابة - ﵃ - من أهل الصفة يكتسبون عند إمكان الاكتساب الذي لا يشغلهم عمَّا هو أوجب وأحبُّ إلى الله - ﷿ - ورسوله - ﷺ - من الكسب (^٣).\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: \"ولم يكن في الصحابة - ﵃ - لا أهل الصفة ولا غيرهم من يتخذ مسألة الناس ولا الإلحاف في المسألة بالكدية والشحاذة لا بالزنبيل ولا غيره صناعة وحرفة\" وقال أيضًا: \"وجمع المال إذا قام بالواجبات فيه ولم يكتسبه من الحرام لا يعاقب عليه، لكن إخراج فضول المال والاقتصار على الكفاية أفضل وأسلم وأفرغ للقلب وأجمع للهم وأنفع في الدنيا والآخرة\" (^٤).\nوبيَّن ابن تيمية كيفية طلب المال وأنَّها نوعان، الأُولى: ما يحتاج العبد إليه كما يحتاج إلى طعامه وشرابه ومسكنه ومنكحه، فهذا يطلبه من الله - ﷿ - ويرغب إليه فيه فيكون المال عنده يستعمله في حاجته، والثانية: ما لا يحتاج العبد إليه، فهذا لا ينبغي له أن يعلِّق قلبه بها، فإذا تعلَّق قلبه بها صار مستبعدًا لها، فنقصت عبوديته وتوكله (^٥).\nولقد وُجِد الغنى في الأنبياء، وما زال في بعض الصالحين ولكنهم راقبوا الله - ﷿ - فيه، يرونه وديعة في أيديهم، ابتلاهم الله - ﷿ - به؛ لينظر هل يتصرفون فيه تصرف العبد أو تصرف الملاك الذين يعطون لهواهم ويمنعون لهواهم (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب الزكاة، باب من سأل الناس تكثُّرًا ٢/ ٥٣٦، رقم ١٤٧٤.\n(^٢) أخرجه البخاري، كتاب الزكاة، باب الاستعفاف عن المسألة ٢/ ٥٣٥، رقم ١٤٧٠.\n(^٣) ينظر: مجموع الفتاوى، لابن تيمية ١١/ ٤٤، ٤٦.\n(^٤) المرجع نفسه ١١/ ١٠٨.\n(^٥) نفسه، بتصرف يسير ١٠/ ١٨٩.\n(^٦) ينظر: طريق الهجرتين ١/ ١٣.","vol":"1","page":137},{"text":"والمحتاج الذي يقدر على التكسُّب فلا يجوز له المسألة، وما يأخذه من الناس في هذه الحالة حرام عليه؛ لحديث قبيصة بن مخارق الهلالي - ﵁ - قال: «تحمَّلت حمالة، فأتيت رسول الله - ﷺ - أسأله فيها، فقال: «أقم حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها» ثم قال: \"يا قبيصة، إنَّ المسألة لا تحلُّ إلا لأحد ثلاثة: رجلٌ تحمَّل حمالة فحلَّت له المسألة حتى يصيبها ثم يمسك، ورجل أصابته جائحة (^١) اجتاحت ماله فحلَّت له المسألة حتى يصيب قوامًا من عيش -أو قال: سدادًا من عيش-، ورجلٌ أصابته فاقة حتى يقول ثلاثة من ذوي الحجا (^٢) من قومه: لقد أصابت فلانًا فاقة (^٣)\nفحلَّت له المسألة حتى يصيب قوامًا من عيش -أو قال: سدادًا من عيش-، فما سواهن من المسألة يا قبيصة فسحتٌ يأكلها صاحبها سحتًا (^٤)»، (^٥).\n\"والمسألة في الأصل حرام، وإنما أُبيحت للحاجة والضرورة؛ لأنها ظلمٌ في حقِّ الربوبية، وظلمٌ في حقِّ المسؤول، وظلمٌ في حقِّ السائل:\nأمَّا الأول: فلأنه بذل سؤاله وفقره وذلَّه واستعطاءه لغير الله، وذلك نوع\n_________\n(^١) الجائحة: الآفة التي تهلك الثمار والأموال وتستأصلها وكل مصيبة عظيمة وفتنة كبيرة. ينظر: شرح الطيبي على مشكاة المصابيح المسمَّى الكاشف عن حقائق السنن ٥/ ١٥٠٩.\n(^٢) أصحاب العقول الراشدة، المرجع نفسه ٥/ ١٥٠٩\n(^٣) وهذا ليس من باب الشهادة، ولا يريد به التنصيص علي أنَّ الفاقة لا تثبت إلا بثلاثة شهود، إذ لم يسمع أنَّ أحدًا من الأئمة قال به، ولم نجد لهذا العدد من الرجال مدخلًا في شيءٍ من الشهادات، بل لعلَّه ذكره علي وجه الاستحباب وطريقة الاحتياط؛ ليكون أدلَّ على براءة السائل عن التهمة وأدعى للناس إلي سدِّ حاجته. ينظر: شرح الطيبي على مشكاة المصابيح المسمَّى الكاشف عن حقائق السنن ٥/ ١٥٠٩ ..\n(^٤) أخرجه مسلم في صحيحه، باب من تحلُّ له المسألة ٢/ ٧٢٢، رقم ٢٤٥١.\nوالسُّحتُ: هو الحرام الذي لا يحلُّ كسبه؛ لأنَّه يسحت البركة، أي يذهبها. ينظر: شرح الطيبي على مشكاة المصابيح ٥/ ١٥٠٩.\n(^٥) انظر: فتاوى اللجنة الدائمة، ترتيب أحمد عبد الرزاق الدويش، باب التسول، ٢٤/ ٣٧٥.","vol":"1","page":138},{"text":"عبودية، فوضع المسألة في غير موضعها، وأنزلها بغير أهلها، وظلم توحيده وإخلاصه، وفقره إلى الله، وتوكله عليه ورضاه بقسمه، واستغنى بسؤال الناس عن مسألة رب الناس، وذلك كلُّه يهضم من حق التوحيد، ويطفئ نوره ويضعف قوته.\nوأما ظلمه للمسؤول: فلأنه سأله ما ليس عنده، فأوجب له بسؤاله عليه حقًّا لم يكن له عليه، وعرضه لمشقة البذل، أو لوم المنع، فإن أعطاه أعطاه على كراهة، وإن منعه منعه على استحياء وإغماض، هذا إذا سأله ما ليس عليه، وأما إذا سأله حقًّا هو له عنده: فلم يدخل في ذلك، ولم يظلمه بسؤاله.\nوأما ظلمه لنفسه: فإنه أراق ماء وجهه وذلَّ لغير خالقه، وأنزل نفسه أدنى المنزلتين، ورضي لها بأبخس الحالتين، ورضي بإسقاط شرف نفسه، وعزَّة تعفُّفِه، وراحة قناعته، وباع صبره ورضاه وتوكله وقناعته بما قسم له واستغناءه عن الناس بسؤالهم، وهذا عينُ ظلمه لنفسه، إذ وضعها في غير موضعها، وأخمل شرفها، ووضع قدرها، وأذهب عزَّها، وصغَّرها وحقَّرها، ورضي أن تكون نفسه تحت نفس المسؤول، ويده تحت يده، ولولا الضرورة لم يبح ذلك في الشرع\" (^١).\nوإن تعجب فعجبٌ لقول ابن عجيبة: \"إذا عارض كشفك الكتاب والسُّنَّة فاعمل بالكتاب\"، \"ولا يلزم من عدم العمل بها انتقادها على أهلها، فإنَّ العملَ واسع، له ظاهرٌ وباطن، ومسائل الإلهامات تارة ترد على حسب العلم الظاهر، وتارة على حسب العلم الباطن، فإن لم تفهم فسلِّم، ودع ما تعرف لما لا تعرف\" (^٢).\nثم يقول بعد ذلك: \"طريق التصوف مؤسَّسة على الكتاب والسُّنَّة وإلهامات\n_________\n(^١) مدارج السالكين ٢/ ٢٤٢.\n(^٢) إيقاظ الهمم، ص ٣٦٨.","vol":"1","page":139},{"text":"العارفين، الذين تنوَّرت عقولهم، وانصقلت مرآة قلوبهم، فتجلَّى فيها ما كان حقًّا، وزهق منها ما كان باطلًا، فكانت طريقتهم مبنيَّةً على التحقيق\" (^١)، وقال أيضًا: \"إذا وقع الاختلاف في الأحكام الظاهرة رُجع فيه إلى الكتاب العزيز، أو السُّنَّة المحمدية، أو الإجماع، أو القياس، وإن وقع الاختلاف في الأمور القلبية وهي: ما يتعلَّق بالعقائد التوحيدية من طريق الذوق أو العلوم يُرجع فيه إلى أرباب القلوب الصافية، فإنه لا يتجلَّى فيها إلا ما هو حقٌّ وصواب\" (^٢).\nوما ذكره ابن عجيبة هو نوع تلبيس وتدليس؛ فمدار الأعمال على أصلين: الإخلاص وهو عملٌ قلبي، وقد جعله ابن عجيبة تابعًا لأذواق أرباب القلوب الصافية كما يزعم، والأصل الآخر: المتابعة، وجعل لها ظاهرًا وباطنًا فليس العبرة بفعل الظاهر كما يزعم.\n\"فالكشفُ الصحيحُ أن يَعرفَ الحقَّ الذي بعث اللهُ به رسلَه، وأنزلَ به كتبَه، معاينةً لقلبه، ويُجرِّد إرادةَ القلبِ له، فيدورُ معه وجودًا وعدمًا، هذا هو التحقيق الصحيح، وما خالفه فغرورٌ قبيح\" (^٣).\n_________\n(^١) إيقاظ الهمم، ص ٣٤٤.\n(^٢) البحر المديد ٤/ ٢١٧.\n(^٣) ينظر: مدارج السالكين ٣/ ٢٣٦.","vol":"1","page":140},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-51>المبحث الثاني: الذوق</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-52>أولًا: معنى الذوق في اللغة</span>\nذاقهُ ذوقًا، ذَوَاقًا، ومذاقًا، ومذاقةً: اختبر طعمه، والذوق يكون بالفم، وبغيره، وذَاقَ الشَّيْءَ مِنْ بَابِ قَالَ، وَذَاقَ مَا عِنْدَ فُلَانٍ: أَيْ خَبَرَهُ (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-53>ثانيًا: في اصطلاح الصوفية</span>\nعبارة عن نور عرفاني يقذفه الحق بتجليه في قلوب أوليائه، يفرقون بين الحق والباطل من غير أن ينقلوا ذلك من كتاب أو غيره، ويعبرون بذلك عما يجدونه من ثمرات التجلِّي، ثم الشرب (^٢) (^٣).\nمعنى الذوق عند ابن عجيبة: \"الذوق يكون بعد العلم بالحقيقة، وهو عبارة عن بروق أنوار الذات القديمة على العقل، فيغيب عن رؤية الحدث في أنوار القدم، لكنه لا يدوم ذلك، بل يلمع تارة ويخفى أخرى، فصاحبه يدخل ويخرج، فإذا لمع غاب عن حسِّه، وإذا خفي رجع إلى حسِّه ورؤية نفسه، فهذا يُسمَّى عندهم ذوقًا، فإن دام له ذلك النور ساعةً أو ساعتين فهو الشرب، وإن اتصل ودام فهو السُّكر، ومرجعه إلى فناء الرُّسوم في شهود الحيِّ القيُّوم والغيبة عن الأثر في شهود المؤثّر، ويُسمَّى أيضًا الفناء، فإن رجع إلى شهود الأثر وقيامها بالله وأنها نورٌ من أنوار الله فهو الصحو، ويسمى أيضًا بالري وبالبقاء لإبقاء الأشياء بالله بعد فنائها، ويُسمَّى\n_________\n(^١) ينظر: القاموس، ص ٧٩٧، لسان العرب ١٠/ ١١٤٣، مختار الصحاح، ص ٢٢٦، كلهم في مادة (ذوق).\n(^٢) الشرب: هو تلقي الأرواح والأسرار الطاهرة لما يرد عليها من الكرامات، وتنعُّمها بذلك، فشبه ذلك بالشرب؛ لتهنيه وتنعُّمه بما يردُ على قلبه من أنوار مشاهدة قرب سيده. ينظر: المعجم الصوفي، ص ١٣٣.\n(^٣) ينظر: التعريفات، ص ١٠٧، الرسالة القشيرية، ص ٨٦.","vol":"1","page":141},{"text":"أيضًا فناء الفناء؛ لأنه علم أنه لم يكن ثم شيءٌ يفنيه غير الوهم والجهل وهما لا حقيقة لهما\" (^١).\nما ذكره ابن عجيبة في تعريفه للذوق حقيقته أحوال (^٢) ومقامات (^٣) ينتقل السالك فيها من مقام إلى مقام بعد تبحُّره بما سمّوه علم الحقيقة -أي علم الباطن- حتى يصل إلى مرحلة الفناء التي يغيب الفاني عن رؤية كلِّ شيء، والبقاء بأن يرى الله في كلِّ شيءٍ -تعالى الله- عمَّا يقول عُلوًا كبيرا، وهذا ما عُرِف بوحدة الوجود تلك العقيدة الكفرية التي عليها بعض المتصوفة.\nأمَّا \"الشُّرب، والسُّكر (^٤)، والصَّحو (^٥)، والغيبة (^٦) فهي مرادفات الفناء والبقاء، التي عبَّر عنها ابن عجيبة بقوله: \"الفناءُ هو أن تبدو لك العظمة فتنسيك كلَّ شيء، وتغيبك عن كلِّ شيءٍ سوى الواحد الذي ليس كمثله شيء، وليس معه شيء، أو تقول هو شهود حق بلا خلق، وأما البقاء فهو شهود خلق بحق\" (^٧).\n_________\n(^١) معراج التشوف، ص ٦٥ - ٦٦.\n(^٢) الأحوال: ما يرد على القلب من طربٍ أو حزنٍ أو بسطٍ أو قبض، وتُسمَّى الحال بالوارد. ينظر: معجم مصطلحات الصوفية، ص ٧٣، وسيأتي بحثها في موضعها من الكتاب.\n(^٣) مقامات: مثل التوبة، والورع، والزهد، والفقر ... وشرطه أن لا يرتقي من مقام إلى مقام، مالم يستوف أحكام ذلك المقام. ينظر: معجم مصطلحات الصوفية، ص ٧٣.\n(^٤) السُّكر: أن يغيب عن تمييز الأشياء، ولا يغيب عن الأشياء وهو ألا يميز بين مرافقه وملاذه وبين أضدادها في مرافقة الحق؛ فإنَّ غلبات وجود الحق تسقطه عن التمييز بين ما يؤلمه. ينظر: التعرف لمذهب أهل التصوف، للكلاباذي، ص ١١٦.\n(^٥) الصَّحو: أن يميِّز فيعرف المؤلم من الملذ، فيختار المؤلم من موافقة الحق، ولا يشهد الألم بل يجد لذة في المؤلم. ينظر: التعرف لمذهب أهل التصوف، ص ١٣٥.\n(^٦) الغَيْبَة: أَن يغيب عَن حظوظ نَفسه فَلَا يَرَاهَا وهي أعنى الحظوظ قَائِمَة مَعَه مَوْجُودَة فِيهِ غير أَنه عَنْهَا بِشُهُود مَا للحق. ينظر: التعرف لمذهب التصوف ص ١١٨.\n(^٧) إيقاظ الهمم، ص ٢٩٩.","vol":"1","page":142},{"text":"وحقيقة الأمر أنَّ الذوق يرتبط بالكشف والتجلِّي (^١)، ظهر ذلك من خلال استقراء عبارات ابن عجيبة في تعريفه للذوق، ولقد ذكر ابن عجيبة أنَّ هذه الأوراد سبب الأحوال والمقامات، فعند شرحه للوارد قال: \"الوارد نورٌ إلهيٌّ، يقذفه الله في قلب من أحبَّ من عباده، وهو على ثلاثة أقسام: على حسب البداية، والوسط، والنهاية، أو تقول على حسب الطالبين، والسائرين، والواصلين، القسم الأول: وارد الانتباه: وهو نورٌ يخرجك من ظلمة الغفلة إلى نور اليقظة، وهو لأهل البداية من الطالبين، فإذا تيقَّظ من نومه، وانتبه من غفلته استوى على قدمه طالبًا لربِّه، فيُقبل عليه بقلبه وبقالبه، وينجمع عليه بكلِّيته، والقسم الثاني: وارد الإقبال، وهو: نورٌ يقذفه الله في قلب عبده، فيحرِّكه لذكر مولاه، ويغيبه عما سواه، فلا يزال مشتغلًا بذكره، غائبًا عن غيره، حتى يمتلئ القلب بالنور، ويغيب عمَّا سوى المذكور، فلا يرى إلا النور، فيخرج من سجن الأغيار، ويتحرَّر من رقِّ الآثار، والقسم الثالث: وارد الوصال وهو: نورٌ يستولي على قلب العبد، ثم يستولي على ظاهره وباطنه، فيخرجه من سجن نفسه، ويغيبه عن شهود حسِّه\" (^٢).\nوالمتأمِّل لما أورده ابن عجيبة في هذه التقسيمات يلحظ أنها درجات الفناء.\nولقد دحضها ابن القيم - ﵀ - بقوله: \"وهذا الاسم يطلق على ثلاثة معان: الفناء عن وجود السوى، والفناء عن شهود السوى، والفناء عن إرادة السوى.\nفأمَّا الفناء عن وجود السوى: فهو فناء الملاحدة، القائلين بوحدة الوجود، وأنه ما ثمَّ غير، وأن غاية العارفين والسالكين الفناء في الوحدة المطلقة، ونفي التكثُّر\n_________\n(^١) التجلِّي: ما يظهر للقلوب من أنوار الغيوب. معجم اصطلاحات الصوفية، ص ١٤٦.\n(^٢) إيقاظ الهمم، ص ١٢٥ - ١٢٦.","vol":"1","page":143},{"text":"والتعدد عن الوجود بكلِّ اعتبار، فلا يشهد غيرًا أصلًا، بل يشهد وجود العبد عين وجود الرب، بل ليس عندهم في الحقيقة ربٌّ وعبد.\nوفناء هذه الطائفة في شهود الوجود كله واحد، وهو الواجب بنفسه، ما ثم وجودان ممكن، وواجب، ولا يفرقون بين كون وجود المخلوقات بالله - ﷿ -، وبين كون وجودها هو عين وجوده، وليس عندهم فرقان بين العالمين ورب العالمين، ويجعلون الأمر والنهي للمحجوبين عن شهودهم وفنائهم، والأمر والنهي تلبيس عندهم، والمحجوب عندهم يشهد أفعاله طاعات أو معاصي، ما دام في مقام الفرق، فإذا ارتفعت درجته شهد أفعاله كلها طاعات لا معصية فيها، لشهوده الحقيقة الكونية الشاملة لكل موجود، فإذا ارتفعت درجته عندهم فلا طاعة ولا معصية، بل ارتفعت الطاعات والمعاصي؛ لأنها تستلزم اثنينية وتعددًا، وتستلزم مطيعًا ومطاعًا، وعاصيًا ومعصيًّا، وهذا عندهم محض الشرك، والتوحيد المحض يأباه، فهذا فناء هذه الطائفة.\nوأما عن شهود السوى: الفناء فهو الفناء الذي يشير إليه أكثر الصوفية المتأخرين، ويعدونه غاية ... وليس مرادهم فناء وجود ما سوى الله في الخارج، بل فناؤه عن شهودهم وحسِّهم، فحقيقته: غيبة أحدهم عن سوى مشهوده، بل غيبته أيضًا عن شهوده ونفسه؛ لأنه يغيب بمعبوده عن عبادته، وبمذكوره عن ذكره، وبموجوده عن وجوده، وبمحبوبه عن حُبِّه، وبمشهوده عن شهوده\" (^١).\nوقال ابن القيم - ﵀ -: \"لم يرد في الكتاب، ولا في السُّنَّة، ولا في كلام الصحابة - ﵃ - والتابعين مدح لفظ الفناء ولا ذمُّه، ولا استعملوا لفظه في هذا المعنى المشار إليه البتَّة، ولا ذكره مشايخ الطريق المتقدمون، ولا جعلوه غايةً ولا مقامًا، وقد كان\n_________\n(^١) مدارج السالكين ٢/ ٢٩٣ - ٢٩٥.","vol":"1","page":144},{"text":"القوم (^١) أحق بكلِّ كمال، وأسبق إلى كلِّ غاية محمودة، ونحن لا ننكر هذا اللفظ مطلقًا، ولا نقبله مطلقًا، ولا بدَّ فيه من التفصيل، وبيان صحيحه من معلوله، ...\nفنقول: حقيقة \"الفناء\" المشار إليه هو استهلاك الشيء في الوجود العلمي الذهني، وهاهنا تَقسَّمه أهل الاستقامة وأهل الزيغ والإلحاد، فزعم أهل الاتحاد -القائلون بوحدة الوجود- أنَّ الفناء هو غاية الفناء عن وجود السوى، فلا يثبت للسوى وجود البتة، لا في الشهود ولا في العيان، بل يتحقق بشهود وحدة الوجود، فيعلم حينئذ أنَّ وجود جميع الموجودات هو عين وجود الحق، فما ثم وجودان، بل الموجود واحد، وحقيقة الفناء عندهم أن يفنى عمَّا لا حقيقة له، بل هو وهمٌ وخيال، فيفنى عمَّا هو فانٍ في نفسه، لا وجود له، فيشهد فناء وجود كل ما سواه في وجوده، وهذا تعبير محض، وإلا ففي الحقيقة ليس عند القوم \"سوى\" ولا \"غير\" وإنما السوى والغير في الوهم والخيال، فحول هذا الفناء يدندنون وعليه يحومون، وأمَّا أهل التوحيد والاستقامة: فيشيرون بالفناء إلى أمرين، أحدهما أرفع من الآخر، الأمر الأول: الفناء في شهود الربوبية والقيومية، فيشهد تفرُّد الرب تعالى بالقيومية والتدبير، والخلق والرزق، والعطاء والمنع، والضر والنفع، وأنَّ جميع الموجودات منفعلة لا فاعلة، وما له منها فعل فهو منفعل في فعله، محل محض لجريان أحكام الربوبية عليه، لا يملك شيئًا منها لنفسه ولا لغيره، فلا يملك ضرًّا ولا نفعًا، فإذا تحقق العبد بهذا المشهد؛ خمدت منه الخواطر والإرادات، نظرا إلى القيوم الذي بيده تدبير الأمور، وشخوصًا منه إلى مشيئته وحكمته فهو ناظر منه به إليه، فان بشهوده عن شهود ما سواه، ومع هذا فهو ساع في طلب الوصول إليه، قائمًا بالواجبات والنوافل.\n_________\n(^١) هم الصحابة - ﵃ -.","vol":"1","page":145},{"text":"الأمر الثاني: الفناء في مشهد الإلهية، وحقيقته (الفناء) عن إرادة ما سوى الله ومحبته، والإنابة إليه، والتوكل عليه، وخوفه ورجائه، فيفنى بحبِّه عن حُبِّ ما سواه، وبخوفه ورجائه عن خوف ما سواه ورجائه، وحقيقة هذا الفناء إفراد الرب سبحانه بالمحبة، والخوف والرجاء، والتعظيم والإجلال ... \" (^١).\nولا شكَّ أنَّ تحكيم الذوق أعقب الكثير من المفاسد، أخطرهما نبذ الكتاب والسُّنَّة، وعدم التحاكم إليهما وهذا خلاف ما عليه أهل السُّنَّة والجماعة وسلف الأُمَّة، بل هي من البدع.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: \"ومن خرج عن الشرع الذي بعث الله به محمدًا - ﷺ - ظانًا أنه متبعٌ للحقيقة فإنه مضاهٍ للمشركين المكذِّبين للرسل ﵈\" (^٢).\nوقال ابن القيم - ﵀ -: \"وقع من تحكيم الذوق من الفساد ما لا يعلمه إلا الله - ﷿ -، فإنَّ الأذواق مختلفة في أنفسها، كثيرة الألوان، متباينة أعظم التباين، فكلُّ طائفة لهم أذواقٌ وأحوالٌ ومواجيد، بحسب معتقداتهم وسلوكهم، فالقائلون بوحدة الوجود لهم ذوق وحال ووجد في معتقدهم بحسبه، والنصارى لهم ذوق في النصرانية بحسب رياضتهم وعقائدهم، وكل من اعتقد شيئًا أو سلك سلوكًا -حقًّا كان أو باطلًا- فإنه إذا ارتاض وتجرَّد لزمه، وتمكَّن من قلبه، وبقي له فيه حال وذوق ووجد، فيذوق من يزن الحقائق إذن ويعرف الحق من الباطل\" (^٣).\n_________\n(^١) مدارج السالكين ٣/ ٣٥١، وينظر: مجموع الفتاوى، لابن تيمية ١٠/ ٣٥٣.\n(^٢) مجموع الفتاوى ١١/ ٥٠٨.\n(^٣) مدارج السالكين ١/ ٤٩١ - ٤٩٢، وينظر: ص ٤٩٦.","vol":"1","page":146},{"text":"وعلاقة الذوق بالكشف والتجلِّي (^١) تكمن في ثلاث مراتب (^٢):\n١ - التجلِّي الأول: هو التجلِّي الذاتي، وهو تجلِّي الذات وحدها لذاتها، وهي الحضرة الأحدية (^٣)، التي عرَّفها ابن عجيبة بقوله: \"الحضرة عبارة عن كشف رداء الصون عن أصل نور الكون، فتلوح أنوار القدم على صفحات العدم فيتلاشى الحادث ويبقى القديم\" (^٤).\n٢ - التجلِّي الثاني: هو الذي تظهر به أعيان الممكنات الثانية، التي هي شؤون الذات لذاته تعالى وهو التعيين الأول بصفة العالمية والقابلية؛ لأنَّ الأعيان معلوماته الأولى الذاتية القابلة للتجلِّي الشهودي، وللحق بهذا تنزل الحضرة الأحدية إلى الحضرة الواحدية بالنسبة الأسمائية (^٥).\n٣ - التجلِّي الشهودي: هو ظهور الوجود المسمَّى باسم النور، وظهور الحقِّ بصور أسمائه في الأكوان التي هي صورها وهذه هي عقيدة وحدة الوجود.\nوعقيدة وحدة الوجود (^٦) حوت الكثير من المفاسد العقدية، منها:\nالأول: أنَّ حقيقة قولهم: أنَّ الله لم يخلق شيئًا ولا ابتدعه ولا برأه ولا صوَّره؛ لأنَّه\n_________\n(^١) التجلِّي الصحيح إذا أريد به كون جميع الكائنات آيات لله - ﷿ - شاهدة دالة مظهرة لما هو مستحق له من الأسماء الحسنى والصفات العلى، وعن مقتضى أسمائه وصفاته خلق الكائنات، فهو تعالى قد أظهر من آثار علمه وحكمته ورحمته ما لا يحصيه إلا هو فهو ربُّ العالمين، والعالمون ممتلئون بما فيهم من آثار أسمائه وصفاته. ينظر: مجموع الفتاوى ٢/ ٤٠٠ - ٤٠١.\n(^٢) ينظر: المصادر العامَّة للتلقي عند الصوفية عرضًا ونقدًا، ص ١٩٣، ٥٤٠.\n(^٣) معجم اصطلاحات الصوفية، ص ١٤٦.\n(^٤) إيقاظ الهمم، ص ٩١.\n(^٥) معجم اصطلاحات الصوفية، ص ١٤٦.\n(^٦) لها مبحث خاص في الباب الثالث من هذا الكتاب.","vol":"1","page":147},{"text":"إذا لم يكن وجود إلا وجوده فمن الممتنع أن يكون خالقًا لوجود نفسه أو بارئًا لذاته فإنَّ العلم بذلك من أبين العلوم وأبدهها للعقول، إن الشيء لا يخلق نفسه ولهذا قال - ﷾ -: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ (^١) فإنهم يعلمون أنهم لم يكونوا مخلوقين من غير خالق ويعلمون أنَّ الشيء لا يخلق نفسه فتعيَّن أنَّ لهم خالقًا، وعند هؤلاء الكفَّار الملاحدة الفرعونية أنَّه ما ثمَّ شيءٌ يكون الرَّبُّ قد خلقه أو برأه أو أبدعه إلا نفسه المقدسة، ونفسه المقدسة لا تكون إلا مخلوقة مربوبة مصنوعة مبروءة؛ لامتناع ذلك في بدائه العقول، وذلك من أظهر الكفر عند جميع أهل الملل والآراء، وهذا ردٌّ للكتاب والسُّنَّة والإجماع، أين هم من قول الله - ﷿ - ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (^٢).\nقال الشيخ السعدي - ﵀ -: \"أي: خالقهما ومبدعهما، في غاية ما يكون من الحسن والخلق البديع، والنظام العجيب المحكم\" (^٣).\nوقال أيضًا: \"والله خالقٌ كلَّ شيء وليس شيءٌ من المخلوقات مشابهًا لله بوجهٍ من الوجوه، ولما ذكر عموم خلقه للأشياء، ذكر إحاطة علمه بها فقال: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (^٤)، وفي ذكر العلم بعد الخلق، إشارة إلى الدليل العقلي إلى ثبوت علمه، وهو هذه المخلوقات، وما اشتملت عليه من النظام التام، والخلق الباهر، فإنَّ في ذلك دلالة على سعة علم الخالق، وكمال حكمته، كما قال تعالى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ\n_________\n(^١) سورة الطور: ٣٥.\n(^٢) سورة الأنعام: ١٠١.\n(^٣) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنَّان ١/ ٩٨٤.\n(^٤) سورة الحديد: ٣.","vol":"1","page":148},{"text":"وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (^١)، وكما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾ (^٢) ذلكم الذي خلق ما خلق، وقدَّر ما قدر\" (^٣).\nالثاني: أنَّ عندهم أنَّ الله ليس ربُّ العالمين ولا مالك الملك، إذ ليس إلا وجوده وهو لا يكون رب نفسه ولا يكون الملك المملوك هو الملك المالك، وقد صرَّحوا بهذا الكفر مع تناقضه وقالوا: إنه هو ملك الملك بناءً على أنَّ وجوده مفتقرٌ إلى ذوات الأشياء، وذوات الأشياء مفتقرة إلى وجوده فالأشياء مالكة لوجوده فهو ملك الملك.\nالثالث: عندهم، أنَّ الله - ﷿ - لم يرزق أحدًا شيئًا ولا أعطى أحدًا شيئًا ولا رحم أحدًا ولا أحسن إلى أحدٍ ولا هدى أحدًا، ولا أنعم على أحد نعمةً ولا علَّم أحدًا علمًا ولا علَّم أحدًا البيان وعندهم في الجملة: لم يصل منه إلى أحد لا خير، ولا شر، ولا نفع، ولا ضر، ولا عطاء، ولا منع، ولا هدى ولا إضلال أصلًا، وأنَّ هذه الأشياء جميعها عين نفسه ومحض وجوده فليس هناك غيرٌ يصل إليه ولا أحدٌ سواه ينتفع بها ولا عبد يكون مرزوقًا أو منصورًا أو مهديًّا (^٤).\nوقول ابن عجيبة بالحضرة الأحدية يلزم عليه نفي ذات الله - ﷿ - ووصفه بالمعدومات، بل هو تعطيل لله - ﷿ - عمَّا يستحق - ﷾ -، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: \" ... وكذلك كونه لا يتكلَّم، أو لا ينزل، ليس في ذلك صفة مدح، ولا كمال، بل هذه الصفات فيها تشبيه له بالمنقوصات، أو المعدومات، فهذه الصفات\n_________\n(^١) سورة الملك: ١٤.\n(^٢) سورة يس: ٨١.\n(^٣) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنَّان ١/ ٢٣٧.\n(^٤) ينظر: مجموع الفتاوى ٢/ ٢٣٩.","vol":"1","page":149},{"text":"منها ما لا يتصف به إلا المعدوم، ومنها ما لا يتصف به إلا الجمادات، والناقص\" (^١).\nأما الأحوال والمقامات التي ذكرها ابن عجيبة أثناء تعريفه للذوق فبيَّنها ابن القيم بقوله: \"ولأرباب السلوك اختلاف كثير في عدد المقامات وترتيبها، كلٌّ يصف منازل سيره، وحال سلوكه ولهم اختلاف في بعض منازل السير، هل هي من قسم الأحوال؟ والفرق بينهما: أنَّ المقامات كسبية والأحوال وهبية، ومنهم من يقول: الأحوال من نتائج المقامات والمقامات نتائج الأعمال فكلُّ من كان أصلح عملًا كان أعلى مقامًا، وكلُّ من كان أعلى مقامًا كان أعظم حالًا ... والصحيح في هذا أنَّ الواردات والمنازلات لها أسماء باعتبار أحوالها، فتكون لوامع وبوارق ولوائح عند أول ظهورها وبدوها، كما يلمع البارق، ويلوح عن بعد فإذا نازلته وباشرها فهي أحوال، فإذا تمكَّنت منه وثبتت له من غير انتقال فهي مقامات وهي لوامع ولوائح في أولها وأحوال في أوسطها، ومقامات في نهاياتها، فالذي كان بارقًا هو بعينه الحال، والذي كان حالًا هو بعينه المقام، وهذه الأسماء له باعتبار تعلُّقه بالقلب، وظهوره له، وثباته فيه، وقد ينسلخ السالك من مقامه كما ينسلخ من الثوب، وينزل إلى ما دونه، ثم قد يعود إليه، وقد لا يعود\" (^٢).\nولا ريب أنَّ من تحاكم إلى الذوق فيما يسوغ ويمتنع، وفيما هو صحيح وفاسد وجعله محكًّا للحق والباطل فنبذ لذلك موجب العلم والنصوص وحكَّم فيها الأذواق، وطمست معالم الإيمان والسلوك المستقيم وانعكس السير وكان إلى الله\n_________\n(^١) الرسالة التدمرية، ص ٢٢.\n(^٢) مدارج السالكين ١/ ١٥١ - ١٥٢.","vol":"1","page":150},{"text":"فصيَّره إلى النفوس، فالناس المحجوبون عن أذواقهم يعبدون الله وهو ومن على شاكلته يعبدون أنفسهم (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-54>ثالثًا: الذوق والوجدان أساسٌ لمعرفة التوحيد عند ابن عجيبة</span>\nقال ابن عجيبة: \"قد أخذ الصوفية من هذا الدين القيِّم، الذي هدى الله إليه نبيَّه - ﵊ - خلاصته ولبابه، فأخذوا من عقائد التوحيد: الشهود والعيان على طريق الذوق والوجدان ولم يقنعوا بالدليل والبرهان\" (^٢).\nوابن عجيبة بكلامه هذا يصرِّح تصريحًا لا مرية فيه أنَّ القوم اعتبروا الذوق مصدر تَلقٍّ لمعرفة التوحيد، وهذا باطلٌ؛ فإن عقيدة التوحيد مبنيَّة على أصلين عظيمين هما الكتاب والسُّنَّة وفق فهم سلف الأمة، فمن حاد عنهما تخبَّط في أودية الباطل، وما قاله بأنَّ الهداية إلى الله - ﷿ - تكون عن طريق الذوق، فهذا باطل.\nقال عبد الرحمن الوكيل (^٣): \"ويدين الصوفية ببهتان آخر يدمغها بالمروق عن الإسلام ذلك هو اعتقادها أنَّ الذوق الفردي -لا الشرع ولا العقل- هو وحده وسيلة المعرفة ومصدرها معرفة الله وصفاته وما يجب له فهو -أي الذوق- الذي\n_________\n(^١) مدارج السالكين ٢/ ١٠٧، بتصرف.\n(^٢) البحر المديد ٢/ ١٩٢.\n(^٣) هو: عبد الرحمن بن عبد الوهاب الوكيل، ولد في قرية زاوية البقلي مركز الشهداء بمحافظة المنوفية عام ١٣٣٢ هـ، حفظ القرآن، ثم التحق بمعهد طنطا، ونشأ مع أهل التصوُّف وعايشهم وفعل بعض أعمالهم، ثم التحق بكلية أصول الدين شعبة التوحيد والفلسفة، وقد وقعت يداه على كتاب بعنوان (رأي ابن تيمية في ابن عربي)، وكان نقطة تحوله إلى منهج السَّلف، إضافة إلى تعرفه على الشيخين محمد حامد الفقي، وعبدالرزاق عفيفي، ثم عُيِّن رئيسًا لجماعة أنصار السُّنَّة المحمدية، له مؤلفات وتحقيقات عدة منها: هذه هي الصوفية، البهائية، ومن تحقيقاته: الروض الأنف، للسهيلي، إعلام الموقعين، لابن القيم، ثم انتدب أستاذًا بكلية الشريعة بمكة المكرمة، وكانت وفاته سنة ١٣٩٠ هـ. ينظر: جماعة أنصار السُّنَّة المحمدية، د أحمد محمد الطاهر، ص ١٨٤.","vol":"1","page":151},{"text":"يُقَوِّم حقائق الأشياء، ويحكم عليها بالخيرية أو الشرِّية، بالحسن أو القبح، بأنها حقٌّ أو باطل، فلا جرم أن تدين الصوفية بعدد عديد من أرباب وآلهة، ولا عجب أن ترى النِّحلة منها تعبد وثنًا بغير ما تعبده به أخرى، أو تخنع لصنم يكفر به سواها من النِّحل الصوفية، لا عجب من ذلك كله، ما دامت تجعل الذوق الفردي حاكمًا وقيِّمًا على المسمَّيات وأسمائها، فيصح للشيء معناه مرة، ثم ينسخه بنقيضه مرة أخرى، هذه الحدة في توتر التناقض صبغة الصوفية دائمًا في منطقها المخبول، ولقد ضربت الصوفيين أهواء أحبارهم بالحيرة والفرقة، فحاولوا طرائق قددا، تؤلِّه كل طريقة منها ما ارتضاه كاهنها صنمًا له، وتعبده بما يفتريه هواه من خرافات\" (^١)،\nوهؤلاء عندما يطالبون بدليلٍ شرعيٍّ لما يقولون يرجعون إلى مصطلحاتهم الفاسدة من وجد، وذوق، قال ابن خلدون (^٢): \"وإذا كانت كلماتهم وتفاسيرهم لا تفارق الإبهام والاستغلاق فما الفائدة فيها؟ فالرجوع إذن إلى كلمات الشرع واقتباس معانيها من التفاسير المعتضدة بالأثر، ولو كانت لا تخلص من الإبهام أولى من ابهامهم الذي لا يستند إلى برهان عقل ولا قضية شرع\" (^٣).\nوابن عجيبة تابع سلفه من الصوفية بأنَّ جميع علومهم لا تُعرف إلا عن طريق الذوق.\n_________\n(^١) هذه هي الصوفية، ص ٢١ - ٢٢ ..\n(^٢) هو: عبد الرحمن بن محمد بن خلدون الحضرمي الأشهيلي، المعروف بابن خلدون، ولد بتونس سنة ٧٣٢ هـ، وحفظ القرآن، وسمع الحديث، ودرس العربية في صغره، رحل إلى الشَّام ثم مصر حيث تولى فيها منصب قاضي المالكية، له مؤلفات منها: مقدمة ابن خلدون، شفاء السائل لتهذيب المسائل، وكانت وفاته سنة ٨٠٨ هـ. ينظر: المنهل الصافي والمستوفى بعد الوافي، لابن تغري بردي ٧/ ٢٠٥، الضوء اللامع، للسخاوي ٤/ ١٥٤.\n(^٣) شفاء السائل لتهذيب المسائل، ص ٢١١ - ٢١٢.","vol":"1","page":152},{"text":"ونقل الشعراني (^١) قول ابن عربي (^٢)، (^٣)،: \"جميع علومنا من علوم الذوق لا من علوم بلا ذوق؛ فإنَّ علوم الذوق لا تكون إلا عن تجلٍّ إلهيّ، والعلم قد يحصل لنا بنقل المخبر الصادق وبالنظر الصحيح\" (^٤).\nأما أهل السُّنَّة والجماعة -ولله الحمد- فهم مطبقون على أنَّ التوحيد مصدره الكتاب والسُّنَّة.\nولم يثبت عن أحد من السلف أنه قال: إنه عرف الله بأسمائه وصفاته عن طريق الذوق، ولو كان خيرًا لسَبقوا ولم يُسبقوا.\nفمصادر المعرفة عند أهل السُّنَّة والجماعة توقيفية على الكتاب والسُّنَّة وإجماع الأُمَّة، وهذه الأصول الثلاثة عندهم ميزان لأقوال الناس جميعًا.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \" ... وهم يَزنِوُنَ بهذه الأصول الثلاثة جميع ما عليه الناس من أقوال وأعمال باطنة أو ظاهرة مما له تعلُّق بالدين\" (^٥).\nوفي ختام هذا المبحث يتضح جليًّا أنَّ ابن عجيبة يقدِّم الذوق والكشف على مصادر التلقي المعتبرة عند أهل السُّنَّة والجماعة، وهذا نصٌّ صريحٌّ لقوله بذلك، فعند\n_________\n(^١) أبو محمد، عبد الوهاب بن أحمد بن علي الحنفي الشعراني الصوفي، له مؤلفات عدة منها: لواقح الأنوار في طبقات الأخيار المعروف بالطبقات الكبرى، لطائف المنن، توفي سنة ٩٧٣ هـ. ينظر: الموسوعة الصوفية، ص ١٨٩، ٣٤٠.\n(^٢) أبو بكر، محمد بن علي بن محمد بن أحمد بن عبد الله، محيي الدين الطائي الحاتمي الأندلسي المعروف بابن عربي الصوفي، ولد بمرسية بالأندلس سنة ٥٦٠ هـ، وسكن في أشبيلية، ثم رحل إلى أفريقية، ثم إلى مكة، ثم استقر بالشَّام إلى أن توفي سنة ٦٣٨ هـ، من مؤلفاته: الفتوحات المكية، فصوص الحكم. ينظر: تاريخ الإسلام ١٤/ ٢٣٧، البداية والنهاية ١٧/ ٢٥٢ - ٢٥٣.\n(^٣) سيأتي دفاع ابن عجيبة عن ابن عربي في الباب الثالث من الكتاب.\n(^٤) اليواقيت والجواهر في عقيدة الأكابر، للشعراني ٢/ ٨٤.\n(^٥) مجموع الفتاوى ٣/ ١٧٥.","vol":"1","page":153},{"text":"تأويله لقول الله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (^١) قال: \"هم العارفون بالله، فإذا أشكل علينا أمرٌ من أمر القلوب كأسرار التوحيد، وأمر الخواطر، رجعنا إليهم؛ لأنهم أهل الذوق والكشف، يُجيبون سائلهم بالهمَّة والحال، حتى يقلعوا عروق ما أشكل على السائل\" (^٢).\nوهذا هو حال كثير من الصوفية يُعرضون عن الدليل الشرعيِّ المبنيِّ على الكتاب والسُّنَّة إلى أقوال وخرافات مشايخهم وإن كانت مخالفة للنصوص الشرعية.\nقال الشاطبي: \"رأى نابتة متأخرة الزمان ممن يدَّعى التخلُّق بخلق أهل التصوف المتقدِّمين، أو يروم الدخول فيهم، يعمدون إلى ما نُقل عنهم في الكتب من الأحوال الجارية عليهم أو الأقوال الصادرة عنهم، فيتخذونها دينًا وشريعةً لأهل الطريقة وإن كانت مخالفة للنصوص الشرعية من الكتاب والسُّنَّة، أو مخالفة لما جاء عن السلف الصالح، لا يلتفتون معها إلى فُتيا مفتٍ ولا نظر عالم، بل يقولون: إنَّ صاحب هذا الكلام ثبتت ولايته، فكل ما يفعله أو يقوله حق، وإن كان مخالفًا فهو أيضًا ممن يُقتدى به، والفقه للعموم، وهذه طريقة الخصوص.\nفتراهم يحسنون الظن بتلك الأقوال والأفعال ولا يحسنون الظن بشريعة محمد - ﷺ -، وهو عين اتباع الرجال وترك الحق، مع أنَّ أولئك المتصوفة الذين ينقل عنهم لم يثبت أنَّ ما نقل عنهم كان في النهاية دون البداية، ولا علم أنهم كانوا مقرِّين بصحة ما صدر عنهم أم لا، وأيضًا فقد يكون من أئمة التصوف وغيرهم من زلَّ زلةً يجب سترها عليه، فينقلها عنه من لا يعلم حاله ممن لم يتأدَّب بطريق القوم كلَّ التأدب.\n_________\n(^١) سورة النحل: ٤٣.\n(^٢) البحر المديد ٣/ ١٣٢.","vol":"1","page":154},{"text":"وقد حذَّر السَّلف الصالح من زلة العالم، وجعلوها من الأمور التي تهدم الدين، فإنه ربما ظهرت فتطير في الناس كلَّ مطار، فيعدونها دينًا، وهي ضد الدين، فتكون الزلة حجة في الدين، فكذلك أهل التصوف، ولا بد لمن يريد الاقتداء بالصوفي من عرض أقواله وأفعاله على حاكم يحكم عليها: هل هي من جملة ما يتخذ دينًا أم لا؟ والحاكم هو الشرع، وأقوال العالم تعرض على الشرع أيضًا، وأقل ذلك في الصوفي أن نسأله عن تلك الأعمال إن كان عالمًا بالفقه، كالجنيد وغيره - ﵏ -، ولكن هؤلاء الرجال النابتة لا يفعلون ذلك، فصاروا متبعين الرجال من حيث هم رجال لا من حيث هم راجحون بالحاكم الحق، وهو خلاف ما عليه السلف الصالح\" (^١).\n\"وأما انتساب الطائفة إلى شيخٍ معيَّن: فلا ريب أنَّ الناس يحتاجون من يتلقون عنه الإيمان والقرآن، كما تلقَّى الصحابة ذلك عن النَّبي - ﷺ - وتلقَّاه عنهم التابعون؛ وبذلك يحصل اتباع السابقين الأولين بإحسان، فكما أنَّ المرء له من يعلمه القرآن ونحوه فكذلك له من يعلمه الدين الباطن والظاهر، ولا يتعين ذلك في شخصٍ معيَّن؛ ولا يحتاج الإنسان في ذلك أن ينتسب إلى شيخٍ معيَّن، كل من أفاد غيره إفادة دينية هو شيخه فيها؛ ... فسلف الأُمَّة شيوخ الخلفاء قرنًا بعد قرن؛ وليس لأحدٍ أن ينتسب إلى شيخٍ يوالي على متابعته ويعادي على ذلك؛ بل عليه أن يوالي كلَّ من كان من أهل الإيمان ومن عُرف منه التقوى من جميع الشيوخ وغيرهم ولا يخصُّ أحدًا بمزيد موالاة إلا إذا ظهر له مزيد إيمانه وتقواه، فيقدِّم من قدَّم الله تعالى ورسوله عليه، ويفضِّل من فضَّله الله ورسوله، قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (^٢)، (^٣).\n_________\n(^١) الاعتصام ٢/ ٨٦٥ - ٨٦٧.\n(^٢) سورة الحجرات: ١٣.\n(^٣) مجموع الفتاوى، لابن تيمية ١١/ ٥١١ - ٥١٢.","vol":"1","page":155},{"text":"وقول ابن عجيبة: إنَّ الصوفية قد أخذوا من هذا الدين القيم خلاصته ولبابه، فيه تعدٍّ ومجانبة للحق؛ فهم لم يعتنوا بنصوص الوحي التي أنزلها الله فكيف يصل للحق من كانت هذه حاله، ثم زعمه أنهم أخذوا خلاصة الدين ولبابه فهذا يؤدي إلى القول بأنَّ في دين الله ما هو لبٌّ ومنه ما هو قشور، ومنه ما يُؤخذ ويُترك، وهذا باطلٌ جملةً وتفصيلًا.","vol":"1","page":156},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-55>المبحث الثالث: الوجد</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-56>أولًا: معنى الوجد في اللغة</span>\nله معان عدة في اللغة وهي: الحصول على الشيء، والحزن، والغضب، والحب، والسعة في الرزق، يقول الخليل بن أحمد (^١): \"الوجد، من الحزن، والموجدة من الغضب، والوجدان، والجِدة من قولك: وجدت الشَّيء، أي: أصبته\" (^٢).\nوقال ابن فارس (^٣): \"الواو والجيم والدال، يدلُّ على أصلٍ واحد، وهو الشي يُلفيه، ووَجَدْتُ الضَّالَّة وِجْدانًا، وحكى بعضُهم: وجَدتُ في الغضَب وِجدانًا\" (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-57>ثانيًا: معنى الوجد عند الصوفية</span>\nهو ما يصادف القلب من فزعٍ، أو همٍّ، أو غمٍّ، أو رؤيةِ معنى من أحوال الآخرة، أو كشفِ حالةٍ بين العبد وبين الله - ﷿ -، أو هو ما يرد على القلب بلا تعمُّد، وتكلُّف (^٥).\nوعرَّفه ابن عجيبة بقوله: \"هو واردٌ يحرِّك القلب ويزعجه، إمَّا شوقٌ مقلق، فيثير بسطًا وسرورًا، وإمَّا خوفٌ مزعجٌ فيثير قبضًا وحزنًا\" (^٦).\n_________\n(^١) أبو عبد الرحمن، الخليل بن أحمد الفراهيدي، أول من اخترع العروض والقوافي، ولد سنة مائة، له مؤلفات كثيرة منها: العين، معاني الحروف، جملة آلات العرب، مات سنة ١٧٠ هـ، أو ١٧٥ هـ. ينظر: المنتظم ٧/ ٢٧٩، البلغة في تراجم أئمة النحو واللغة ١/ ٢١.\n(^٢) العين ٦/ ١٦٩.\n(^٣) أحمد بن فارس بن زكريا بن محمد بن حبيب القزويني، المعروف بالرازي، المالكي، لغوي، محدِّث، نزيل همذان، له مؤلفات منها: مجمل اللغة، جامع التأويل، ذم الخطأ في الشعر، مات سنة ٣٩٣ هـ. ينظر: الوافي بالوفيات ٩/ ٦٩، سير أعلام النبلاء ١٧/ ٨٠، ٨٢.\n(^٤) مقاييس اللغة ٦/ ٨٦.\n(^٥) ينظر: التعرف لمذهب أهل التصوف، ص ١١٢، الرسالة القشيرية ١/ ١٦٢.\n(^٦) شرح خمرية ابن الفارض، ص ٢٠ - ٢١.","vol":"1","page":157},{"text":"أما الوجدان فهو: دوام حلاوة الشهود، واتصالها للواجد مع غلبة السُّكر والدَّهش فإن استمر مع ذلك حتى زالت الدَّهشة والحيرة وصفيت الفكرة والنظرة فهو الوجود، والسماع هو مَثَار الوُجد، أي سماع خطاب المحبوب، ومَثَار الوُجدان، هو شهود جمال المحبوب، ... ومثال ذلك الطفل في المهد، فإنه يسكن إذا تحرَّك به المهد، ويبكي إذا سكن، كذلك القلب يرتاح إذا تحرَّك القلب، وإلا بقي يضطرب فربما يخرج عن طوره.\nوأمَّا صاحب الوُجد فهو ساكنٌ متمكِّن قد استأنس بالحضرة، فربما يخرج عن طوره، وأمَّا صاحِبُ الوجدان فهو ساكنٌ متمكِّن قد استأنس بالحضرة، وزالت عنه الدهشة والحيرة فهو كالجبل الرَّاسي، قيل للجنيد: ما لك؛ كنت تتواجد عند السماع ثم صرت لا يتحرَّك منك شيء؟ فتلا قوله تعالى: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾ (^١).\nوشاهد ذلك صواحِب يوُسُف - ﵇ -، فإنه لما فاجأهنَّ بباهر جماله: غبن عن إحساسهن ﴿فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ (^٢).\nوكذلك أرباب الوجدان لما استشرفوا على نُور الحضرة، دهشُوا وغابوا عن إحساسهم، فإذا تمكَّنوا من شهودها وأنسوا بها لم يحركهم شيءٌ من أنوارها، وقد يغلب على العارف شهود الجمال فيرقص ويطرب لكنه نادر\" (^٣).\nثم إنَّ الوارد الذي يحرك القلب ويزعجه عند ابن عجيبة يأتي عن طريق السماع\n_________\n(^١) سورة النمل: ٨٨.\n(^٢) سورة يوسف: ٣١.\n(^٣) ينظر: شرح خمرية ابن الفارض، ص ٢٠ - ٢١.","vol":"1","page":158},{"text":"الصوفي المقيَّد بالنغم، قال ابن عجيبة: \"إذا كان الغناء يهيج لذكر الله، ويحرك إلى حضرة الله كان حقًّا، وإذا كان يحرك إلى الهوى النفساني كان باطلًا، والحاصل أنَّ السماع عند الصوفية ركن من أركان الطريقة\" (^١)، وقال أيضًا: \"وقد حضرت سماعًا مع شيخنا البوزيدي، فكان يتمايل يمينًا وشمالًا ... ولا ينكر السماع إلا جامدًا جاهل خال من أسرار الحقيقة\" (^٢).\nبل إنَّ ابن عجيبة يردُّ على من اعترض على السماع، بقوله: \"اعلم أنَّ اعتراض أهل الظاهر على الصوفية لا ينقطع أبدًا، هذه سُنَّة ماضية، وخصوصًا في السَّماع والرَّقص، وهم معذورون؛ لأنهم لا يشاهدون إلَاّ ذواتًا ترقص وتشطح، ولا يدرون ما في باطنها من المواجيد والأفراح، فيحملون ذلك على خِفَّة العقل والطيش، فيقعون فيهم إلَاّ من عصمه الله بالتسليم، ولذلك كان التصديق بطريقة القوم والاعتراض جناية\" (^٣).\nفهو أساس الوُجد وعبر عنه بالبسط والقبض للقلب، وعرّفهما ابن عجيبة بقوله: \"البسط فرحٌ يعتري القلوب أو الأرواح، إما بسبب قرب شهود الحبيب أو شهود جماله، أو بكشف الحجاب عن أوصاف كماله، وتجلِّي ذاته، أو بغير سبب، والقبض: \"حزنٌ وضيقٌ يعتري القلب، إمَّا بسبب فوات مرغوب، أو عدم حصول مطلوب، أو بغير سبب\" (^٤)، وتلحظ من التعريف أنَّ ثمرة البسط والقبض في الوُجد، الكشف عن الحجاب -أي- معرفة الغيب، وثمرة الكشف وحلاوة الشهود التي\n_________\n(^١) البحر المديد ٤/ ٣٢٦.\n(^٢) معراج التشوف، ص ٦١.\n(^٣) إيقاظ الهمم، ص ٣٠٠.\n(^٤) إيقاظ الهمم، ص ١٧٢، ومعراج التشوف، ص ٤٥.","vol":"1","page":159},{"text":"ذكرها هي القول بالحلول والاتحاد، وإليك نصًّا من أقوال ابن عجيبة بقضية الحلول والاتحاد قال: \"يفتح لك الباب، ويرفع بينك وبينه الحجاب، فتتنزَّه في كمال الذات، وشهود الصفات، فتغيب عن أثر الجلال والجمال بشهود الكبير المتعال، فلا جلاله يحجبك عن جماله، ولا ذاته تحبسك عن صفاته، ولا صفاته تحبسك عن ذاته، تشهد جماله في جلاله، وجلاله في جماله، وتشهد ذاته في صفاته، وصفاته في ذاته\" (^١)، أين هو من قول الله - ﷿ -: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (^٢)،\nقال الشيخ السعدي: \"لعظمته، وجلاله وكماله، أي: لا تحيط به الأبصار، وإن كانت تراه، وتفرح بالنظر إلى وجهه الكريم، فنفي الإدراك لا ينفي الرؤية، بل يثبتها بالمفهوم، فإنه إذا نفى الإدراك الذي هو أخص أوصاف الرؤية، دلَّ على أنَّ الرؤية ثابتة، فإنه لو أراد نفي الرؤية لقال: \"لا تراه الأبصار\" ونحو ذلك، فعلم أنه ليس في الآية حجة لمذهب المعطلة، الذين ينفون رؤية ربهم في الآخرة، بل فيها ما يدلُّ على نقيض قولهم، أي: هو الذي أحاط علمه، بالظواهر والبواطن، وسمعه بجميع الأصوات الظاهرة، والخفيَّة، وبصره بجميع المبصرات، صغارها، وكبارها، ولهذا قال: ﴿وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ الذي لطف علمه وخبرته، ودقَّ حتى أدرك السرائر والخفايا، والخبايا والبواطن\" (^٣).\nوقال شيخ الاسلام ابن تيمية: ... وهذا الذي يهيجه السماع المبتدع، ليس هو الذي يحبه الله - ﷿ - ورسوله - ﷺ - بل اشتماله على ما لا يحبه الله - ﷿ - وعلى\n_________\n(^١) إيقاظ الهمم، ص ١٧٣.\n(^٢) سورة الأنعام: ١٠٣ ..\n(^٣) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنَّان ١/ ٢٦٨.","vol":"1","page":160},{"text":"ما يبغضه أكثر من اشتماله على ما يحبه ولا يبغضه وحده عما يحبه الله ونهيه عن ذلك أعظم، من تحريكه لما يحبه الله - ﷿ - وإن كان يثير حبًّا وحركةً ويظن أنَّ ذلك يحبه الله - ﷿ - وأنه مما يحبه الله فإنما ذلك من باب اتباع الظن، ومما يبيِّن ذلك أنَّ الله - ﷿ - بيَّن في كتابه محبته وذكر موجباتهما وعلاماتها وهذا السماع يوجب مضادًّا لذلك منافيًا له وذلك أن الله - ﷿ - بيَّن في كتابه الكريم كيف تكون محبته؟ قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ﴾ (^١).\nوقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (^٢) فكلُّ من اتبع ذوقًا أو وجدًا بغير هدى من الله - ﷿ - سواءً كان ذلك عن حبٍّ أو بغضٍّ فليس لأحدٍ أن يتبع ما يحبه فيأمره به، ويتخذه دينًا وينهى عمَّا يبغضه ويذمُّه ويتخذ ذلك دينًا إلا بهدى من الله - ﷿ - وهو شريعة الله - ﷿ - التي جعل عليها رسوله - ﷺ -، ومن اتبع ما يهواه حبًّا وبغضًا بغير الشريعة فقد اتبع هواه بغير هدى من الله - ﷿ -، ولهذا كان السلف يعدون كل من خرج عن الشريعة في شيءٍ من الدين من أهل الأهواء، ويجعلون أهل البدع هم أهل الأهواء ويذمونهم بذلك، ويأمرون بألا يغتر بهم ولو أظهروا ما أظهروه من العلم والكلام والحجاج أو العبادة والأحوال مثل المكاشفات وخرق العادات (^٣).\nولا ريب أنَّ قول ابن عجيبة في السماع بأنه قربة إلى الله - ﷿ - ورمي من ينكره بالجهل فهو من مصادمة النصوص الشرعية التي أبطلته وبيَّنت عواره، وزيغ من جعله قربةً وديانة، ولا حول ولا قوة إلا بالله.\n_________\n(^١) سورة البقرة: ١٦٥.\n(^٢) سورة آل عمران: ٣١.\n(^٣) الاستقامة، ص ١٩٢.","vol":"1","page":161},{"text":"الأدلة من الكتاب والسُّنَّة على بطلانه:\nقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ (^١).\nقال ابن مسعود - ﵁ -: «لهو الحديثِ هو الِغناء»، ذكر ذلك البغوي وقال معنى قوله: ﴿يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ أي: يستبدل ويختار الغناء والمزامير والمعازف على القرآن (^٢).\nوقال ابن كثير: إنَّ لهو الحديث هو الغناء (^٣).\nوقوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ﴾ (^٤) - قال ابن عباس - ﵄ -: «هو الغِناء» (^٥).\nوقوله تعالى: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ (^٦).\nقال مجاهد (^٧): بصوتك بالغناء والمزامير (^٨).\n_________\n(^١) سورة لقمان: ٦.\n(^٢) تفسير البغوي ٦/ ٢٨٦.\n(^٣) تفسير القرآن العظيم ٣/ ٤٥٠ - ٤٥١.\n(^٤) سورة النجم: ٦١.\n(^٥) تفسير البغوي ٧/ ٤٢١.\n(^٦) سورة الإسراء: ٦٤.\n(^٧) أبو الحجاج، مجاهد بن جبر المخزومي مولاهم المكي المقري، تابعيٌّ، مُفسِّر، سمع سعدًا، وعائشة وأبا هريرة وأم هانئ وعبد الله بن عمر وابن عباس ولزمه مدَّة، وقرأ عليه القرآن، وكان أحد أوعية العلم روى عنه قتادة، والحكم بن عتيبة وعمرو بن دينار ومنصور، قال مجاهد: عرضتُ القرآن على ابن عباس ثلاث عرضات أقف عند كلِّ آيةٍ أسأله فيما نزلت، وكيف كانت، توفي سنة ١٠٣ هـ. ينظر: تذكرة الحفاظ ١/ ٩٢، طبقات المفسرين ١/ ١١، سير أعلام النبلاء ٨/ ١٠.\n(^٨) تفسير البغوي ٥/ ١٠٥.","vol":"1","page":162},{"text":"ومن السُّنَّة:\nقول النبي - ﷺ -: «ليَكُونَنَّ مِنْ أُمَّتِى أَقْوَامٌ يَسْتَحِلُّونَ الْحِرَ وَالْحَرِيرَ وَالْخَمْرَ وَالْمَعَازِفَ ...» (^١).\nوجاء في شرح هذا الحديث بأنَّ المقصودَ من استحلال (الحِر) استحلالُ الحرام من الفروج، فهذا بالحاء والراء المهملتين، واستحلال (الحرير): استحلالُ النهي عنه، وقد ورد النهي في كتاب الله تعالى عن هذا بقوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (^٢)، والمعازف بالزاي المعجمة: آلات اللهو (^٣).\nوقال ابن تيمية: \"وبالجملة فعلى المؤمن أن يعلم أنَّ النبي - ﷺ - لم يترك شيئًا يقرِّب إلى الجنَّة إلَّا وقد حدَّث به ولا شيئًا يبعد عن النار إلا وقد حدَّث به، وإنَّ هذا السماع لو كان مصلحة لشرعه الله - ﷿ - ورسوله - ﷺ - فإنَّ الله يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (^٤)، وإذا وجد فيه منفعة لقلبه ولم يجد شاهد ذلك لا من الكتاب ولا من السُّنَّة لم يلتفت إليه\" (^٥).\nوقال ابن القيم: \"ومن مكايد عدو الله ومصايده التي كاد بها من قلَّ نصيبه من العلم والعقل والدين وصاد بها قلوب الجاهلين والمبطلين: سماع المكاء والتصدية\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب الأشربة، باب ما جاء فيمن يستحلُّ الخمر ويسميه بغير اسمه ٦/ ٢٤٣، رقم ٥٥٩٠.\n(^٢) سورة النور: ٦٣.\n(^٣) ينظر: التوضيح لشرح الجامع الصحيح ٢٧/ ١٢٦.\n(^٤) سورة المائدة: ٣.\n(^٥) مجموع الفتاوى ١١/ ٥٨٧، ٥٩٥.","vol":"1","page":163},{"text":"والغناء بالآلات المحرَّمة الذي يصد القلوب عن القرآن، ويجعلها عاكفةً على الفسوق والعصيان فهو قرآن الشيطان والحجاب الكثيف عن الرحمن، وهو رقية اللواط والزنا، وبه ينال العاشق الفاسق من معشوقه غاية المنى، كاد به الشيطان النفوس المبطلة وحسَّنه لها مكرًا منه وغرورا، وأوحى إليها الشبه الباطلة على حسنه فقبلت وحيه واتخذت لأجله القرآن مهجورا ... ويا شماتة أعداء الإسلام بالدين يزعمون أنهم خواص الإسلام قضوا حياتهم لذة وطربًا واتخذوا دينهم لهوًا ولعبًا، مزامير الشيطان أحبُّ إليهم من استماع سور القرآن.\nلو سمع أحدهم القرآن من فاتحته إلى خاتمته لما حرَّك له ساكنًا ولا أزعج له قاطنًا ولا أثار فيه وجدًا ولا قدح فيه من لواعج الشوق إلى النار زندًا، حتى إذا تُلي عليه قرآن الشيطان وولج مزموره سمعه تفجَّرت ينابيع الوجد من قلبه على عينيه فجرت، وعلى أقدامه فرقصت، وعلى يديه فصفقت، وعلى سائر أعضائه فاهتزَّت وطربت، وعلى أنفاسه فتصاعدت، وعلى زفراته فتزايدت، وعلى نيران أشواقه فاشتعلت، فيا أيها الفاتن المفتون ... هلا كانت هذه الأشجان عند سماع القرآن!، وهذه الأذواق والمواجيد عند قراءة القرآن المجيد!، وهذه الأحوال السنيات عند تلاوة السور والآيات!، ولكن كل امرئٍ يصبو إلى ما يناسبه، ويميل إلى ما يشاكله، والجنسية (^١) علة الضمِّ قدرًا وشرعًا، والمشاكلة سبب الميل عقلًا وطبعًا، فمن أين هذا الإخاء والنسب؟ لولا التعلُّق من الشيطان بأقوى سببٍ ومن أين هذه المصالحة التي أوقعت في عقد الإيمان وعهد الرحمن خللًا؟ ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ (^٢) \" (^٣).\n_________\n(^١) فإنَّ الجنسية علَّة الضَّمّ، فإن اتفقت هذه الحالة في النفس الخيِّرة سُمِّي ذلك المعيَّن ملكًا، وإن اتفقت في النفس الشريرة سُمِّي ذلك المعيَّن شيطانًا وتلك الإعانة وسوسة. ينظر: كشف اصطلاحات الفنون والعلوم ١/ ٩٨٩.\n(^٢) سورة الكهف: ٥٠.\n(^٣) إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان ١/ ٢٣٤.","vol":"1","page":164},{"text":"أمَّا الآثار الفاسدة من أقوال ابن عجيبة السابقة فمنها:\nأولًا: الحلول والاتحاد.\nثانيًا: وحدة الشهود التي عبَّر عنها بحلاوة الشهود مع دوام السكرة تحصل الدهشة.\nثالثًا: وحدة الوجود.\nرابعًا: تلبسهم بأحوال شيطانية، قال ابن الجوزي: \"هذا التواجد، الذي يتضمَّن حركات المتواجدين، وقوة صياحهم، وتخبطهم، فظاهره أنه متُعَمَّل، والشياطين معينون عليه، فإن قيل: فهل في حق المخلص نقص بهذه الحالة الطارئة عليه؟ قيل: نعم من وجهين: أحدهما: أنه لو قوي العلم؛ أمسك، والثاني: أنه قد خولف به طريق الصحابة والتابعين - ﵃ - ويكفي هذا نقصًا\" (^١).\nخامسا: الوجود المقرون بدعوة المشاهدة -مشاهدة الحق-، ويعنون به رؤية الله - ﷿ -، وهي: رؤية الله في الدنيا.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \" ... وهذا الموضع مما يقع الغلط فيه لكثير من السالكين، يشهدون أشياء بقلوبهم فيظنون أنها موجودة في الخارج هكذا، حتى إنَّ فيهم خلقًا منهم من المتقدِّمين والمتأخرين يظنون أنهم يرون اللّه بعيونهم؛ لما يغلب على قلوبهم من المعرفة والذكر والمحبة، يغيب بشهوده فيما حصل لقلوبهم، ويحصل لهم فناء واصطلام (^٢)، فيظنون أن هذا هو أمر مشهود بعيونهم، ولا يكون ذلك إلا في القلب؛ ولهذا ظنَّ كثيرٌ منهم أنه يرى اللّه بعينه في الدنيا، وهذا مما وقع لجماعة\n_________\n(^١) تلبيس إبليس، ص ٢٩٩.\n(^٢) الاصطلام: هو الوله الغالب على القلب، وهو قريبٌ من الهيمان، وقيل: هو غلبات الحق الذي يجعل كلية العبد مغلوبة له بامتحان اللُّطف في نفي إرادته. ينظر: معجم اصطلاحات الصوفية، ص ١٧.","vol":"1","page":165},{"text":"من المتقدمين والمتأخرين، وهو غلط محض حتى أورث مما يدعيه هؤلاء شكًّا عند أهل النظر والكلام الذين يجوزون رؤية اللّه في الجملة، وليس لهم من المعرفة بالسُّنَّة ما يعرفون به هل يقع في الدنيا أو لا يقع؟ فمنهم من يذكر في وقوعها في الدنيا قولين، ومنهم من يقول يجوز ذلك، وهذا كلُّه ضلال؛ فإن أئمة السُّنَّة والجماعة متفقون من أن اللّه - ﷿ - لا يراه أحدٌ بعينه في الدنيا\" (^١).\nودلَّ على هذا قول الله: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (^٢).\nقال ابن جرير الطبري عند تفسيره لهذه الآية: \"ولما جاء موسى للوقت الذي وعدنا أن يلقانا فيه وكلَّمه ربه، وناجاه قال موسى لربه: أرني أنظر إليك، قال الله له مجيبًا: لن تراني ولكن انظر إلى الجبل\" (^٣)، فإنَّ الله - ﷿ - خلق الخلق في هذه الدار على نشأة لا يقدرون بها، ولا يثبتون لرؤية الله - ﷿ - (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-58>ثالثًا: أدلة ابن عجيبة على الوجد</span>\n١ - الاحتجاج بالكتاب والسُّنَّة:\nاحتج ابن عجيبة بقول الله تعالى: ﴿وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا﴾ (^٥)، قال في هذه الآية: \" ....\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ٥/ ٤٨٩ - ٤٩١.\n(^٢) سورة الأعراف: ١٤٣.\n(^٣) جامع البيان ١٣/ ٩٠.\n(^٤) ينظر: تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنَّان ١/ ٣٠٢.\n(^٥) سورة الكهف: ١٤.","vol":"1","page":166},{"text":"والقيام في إظهار الحق أو لداعي الوجد، والصدع بالحق من غير مبالاة بأحدٍ من الخلق\" (^١).\nوهذا مما تعلَّقت به الصوفية لإثبات عقائدهم الباطلة، وأوَّلوها على هواهم الفاسد.\nقال القرطبي (^٢): \"وهذا تعلُّقٌ غير صحيح، هؤلاء قاموا فذكروا الله - ﷿ - على هدايته، وشكروا لما أولاهم من نعمه ونعمته، ثم هاموا على وجوههم منقطعين إلى ربهم خائفين من قومهم، وهذه سُنَّة الله في الرُّسل والأنبياء والفضلاء الأولياء، أين هذا من ضرب الأرض بالأقدام والرقص بالأكمام وخاصة في هذه الأزمان عند سماع الأصوات الحسان من المرد والنسوان، هيهات بينهما والله ما بين الأرض والسماء، ثم هذا حرامٌ عند جماعة العلماء\" (^٣).\nوقال الشاطبي: \"أين فيه أنهم قاموا يرقصون أو يزفنون (^٤) أو يدورون على أقدامهم، لكن هؤلاء الفقراء ليس لهم من التواجد -في الغالب- إلا الثاني المذموم، فهم إذًا متواجدون بالنغم واللُّحون، لا يدركون من معاني الحكمة شيئًا، فقد باؤوا إذًا بأخسر الصفقتين، نعوذ بالله\" (^٥).\n_________\n(^١) البحر المديد ٣/ ٢٥٤.\n(^٢) هو أبو عبد الله، محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح الأنصاري الخزرجي، القرطبي الأندلسي المالكي، له مصنفات كثيرة منها: التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة، الجامع لأحكام القرآن، وكانت وفاته سنة ٦٧١ هـ. ينظر: البداية والنهاية ١٧/ ٣٨١، الوافي بالوفيات ٧/ ٢٦٤، نفح الطيب، للمقري ٢/ ٥، حسن المحاضرة ١/ ٢٦٠.\n(^٣) الجامع لأحكام القرآن ١٠/ ٣٦٦.\n(^٤) زفن يزفن زفنًا، أي رقص ولعب. ينظر: تاج العروس ٤٧/ ١٣٥.\n(^٥) الاعتصام ١/ ٣٥٩.","vol":"1","page":167},{"text":"٢ - احتج ابن عجيبة على جواز الوُجد الحاصل عن طريق السماع بحديث أنس - ﵁ - قال: «كنا عند رسول الله - ﷺ - إذ نزل جبريل، فقال يا رسول الله: إن فقراء أمتك يدخلون الجنة قبل الأغنياء بنصف يوم، وهو خمسمائة عام، ففرح رسول الله - ﷺ - فقال: هل منكم من ينشدنا؟ فقال بدوي: نعم يا رسول الله فقال: هات؛ فأنشد أعرابيٌّ:\nقد لسعت حيَّةُ الهوى كبدي ... فلا طبيبٌ لها ولا راقي\nإلا الحبيب الذي شغفت به ... فعنده رُقيتي وترياقي\nفتواجد رسول الله - ﷺ - وتواجد أصحابه معه، حتى سقط رداؤه عن منكبيه، فلما فرغوا أوى كلُّ واحد إلى مكانه، فقال معاوية - ﵁ - ما أحسن لعبكم يا رسول الله، فقال: \"مه مه يا معاوية ليس بكريمٍ من لم يهتزَّ عند ذكر الحبيب، ثم اقتسم رداءه من حضرهم بأربعمائة قطعة» (^١).\nوهذا من تلاعب الشيطان على المتصوفة إذا يحتجون على باطلهم بالأحاديث التي لا يمكن أن تنسب للنبي - ﷺ - ولا لأصحابه - ﵃ -.\nوردّ أبو العباس القرطبي - ﵀ - على فريتهم هذه بقوله: \"إنَّ الواقف على متن الحديث يعلم على القطع أنه مصنوعٌ موضوع؛ لأن الشعر الذي فيه لا يناسب شعر العرب، ولا يليق بجزالة شعرهم ولا ألفاظهم وإنما يليق بمخنثي شعر المولَّدين (^٢) \" (^٣)، وقال في موضع آخر: \"إنَّ هذا الحديث مما لا يوجد مسندًا ولا أخرجه في كتابه أحدٌ\n_________\n(^١) إيقاظ الهمم، ص ١٩٢ - ١٩٣.\n(^٢) الشعراء المولَّدون: هم الذين جاوؤا بعد عصر الاحتجاج، وسُمِّوا بذلك؛ لأنَّهم ولَّدوا في الكلام أي: استحدثوا فيه مالم يكن من معاني العرب وكلامهم. ينظر: ترتيب المقاصد والمسالك بشرح ألفية ابن مالك ١/ ٢٢٩.\n(^٣) كشف القناع عن حكم الوجد والسماع، ص ١٦١.","vol":"1","page":168},{"text":"من أئمة المحدثين، وإنما هي أحاديث مروجة وأكاذيب مبهرجة وضعها الزنادقة وأهل المجون المخرقة يرمون بذلك نسبة اللهو والمجون إلى الأنبياء الفضلاء\" (^١).\nوقال الشاطبي: \"فمنها اعتمادهم على الأحاديث الواهية الضعيفة والمكذوب فيها على رسول الله - ﷺ - والتي لا يقبلها أهل صناعة الحديث في البناء عليها ... كحديث أنَّ النبي - ﷺ - تواجد واهتز عند السماع حتى سقط الرداء عن منكبيه وما أشبه ذلك، فإنَّ ناقل أمثال هذه الأحاديث -على ما هو معلوم- جاهلٌ ومخطئٌ في نقل العلم الشرعي، فلم ينقل الأخذ بشيء منها عمَّن يُعتدُّ به في طريق العلم، ولا طريق السلوك\" (^٢).\nوقال ابن تيمية: \"ولم يكن النبي - ﷺ - وأصحابه - ﵃ - يجتمعون على مثل هذا السماع ولا حضروه قط، ومن قال إنَّ النبي - ﷺ - حضر ذلك فقد كذب عليه باتفاق أهل المعرفة بحديثه وسُنَّته، والحديث الذي ذكره محمد بن طاهر المقدسي في \"مسألة السماع\" و\"في صفة التصوف\" ورواه من طريقه الشيخ أبو حفص عمر السهروردي (^٣) صاحب عوارف المعارف أنَّ النبي - ﷺ - أنشده أعرابيٌّ:\nقد لسعت حيَّةُ الهوى كبدي ... فلا طبيبٌ لها ولا راقي\nإلا الحبيب الذي شغفت به ... فعنده رُقيتي وترياقي\n\nوأنه تواجد حتى سقطت البردة عن منكبيه فقال له معاوية: ما أحسن لهوكم\n_________\n(^١) كشف القناع عن حكم الوجد والسماع، ص ١٠١ - ١٠٢.\n(^٢) الاعتصام ١/ ١٨٢.\n(^٣) أبو حفص وأبو عبد الله، شهاب الدين عمر بن محمد بن عبد الله السهروردي الصوفي، ثم البغدادي، ولد في رجب سنة ٥٣٩ هـ، وصحب عمَّه أبا النجيب السهروردي، وأخذ عنه الفقه، والوعظ، والتصوف، توفي سنة ٦٣٢ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء ١٤/ ٧٥، وفيات الأعيان ١/ ٣٨٠.","vol":"1","page":169},{"text":"فقال له: مهلًا يا معاوية ليس بكريم من لم يتواجد عند ذكر الحبيب \"فهو حديث مكذوب موضوع باتفاق أهل العلم بهذا الشأن ... وهذا وأمثاله إنما يرويه من هو من أجهل الناس بحال النبي - ﷺ - وأصحابه ومن بعدهم ومعرفة الإسلام والإيمان\" (^١).\nوعنَّف ابن القيم من استدلَّ بالحديث المكذوب على تواجد النبي - ﷺ -: \"من ذلك حديث «حضر رسول الله - ﷺ - مجلسًا للفقراء ورقص حتى شقَّ قميصه» فلعن الله واضعه ما أجرأه على الكذب\" (^٢).\nوقال في موضع آخر: \" ... وركاكة شعره، وسماجته، وما تجد عليه من الثقالة، من أبين الشواهد على أنه من شعر المتأخرين البارد، السمج، فقبَّح الله - ﷿ - الكاذبين على رسول الله - ﷺ - \" (^٣).\nوقال محمد بن موسى الدَّمِيري (^٤): \"من نسب السماع إلى رسول الله - ﷺ - يؤدب أدبًا شديدًا، ويعزَّر تعزيرًا بليغًا، ويدخل في زمرة الكاذبين عليه - ﷺ - \" (^٥).\n٣ - احتجاج ابن عجيبة على الوُجد بالقياس:\nقال: \"السَّماع هو مَثَار الوُجد، أي سماع خطاب المحبوب، ومَثَار الوُجدان، هو شهود جمال المحبوب.\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ١١/ ٥٦٢، وينظر: الاستقامة ١/ ٧٢٩\n(^٢) المنار المنيف، ص ١٣٧.\n(^٣) الكلام على مسألة السماع، ص ٢٠٠.\n(^٤) هو كمال الدين محمد بن عيسى الدَّميري المصري، ولد في حدود ٧٥٠ هـ، وله شرح المنهاج، والديباجة في شرح سنن ابن ماجه، وجمع كتابًا سمَّاه (حياة الحيوان)، توفي في جمادى الأولى سنة ٨٠٨ هـ. ينظر: طبقات الشافعية ٤/ ٦١.\n(^٥) ينظر: الرهص والوقص لمستحل الرقص، إبراهيم الحلبي، حقَّقه وعلَّق عليه: أبو عبد الرحمن وائل بن صدقي، ص ٥٧ - ٥٨.","vol":"1","page":170},{"text":"ومثال ذلك الطفل في المهد، فإنه يسكن إذا تحرَّك به المهد، ويبكي إذا سكن، كذلك القلب يرتاح إذا تحرَّك القلب، وإلا بقي يضطرب فربما يخرج عن طوره\" (^١).\nوهذا قياسٌ فاسد، وإن الرجل ليعجبُ من إنسان ينسب للعلم والعلماء كيف يرضى بهذه الأقيسة التي لا يستند بها العلماء الربانيون، بل استند بها أصحاب الأهواء الباطلة.\nقال الطرطوشي (^٢): \"انظروا يا ذوي الألباب كيف قادهم الهوى وعشق الباطل، وقلة الحيلة إلى هذه السخافة، وحسبك من مذهب إمامهم فيه الأنعام، والصبيان في المهد، وهكذا يفضح الله - ﷿ - من اتبع الباطل، وحسبك من عقولٍ لا تقتدى بأخيار المسلمين وعلمائهم وتقتدي بالإبل، فإنَّ كل ما طربت له البهائم مندوبًا أو مباحًا، فإننا نرى البهيمة تنزو على أُمِّها وأختها وتركب بنتها، أفيلزم الاقتداء بالبهيمة في مثل هكذا\" (^٣).\n_________\n(^١) خمرية ابن الفارض، ص ٢٠ - ٢١.\n(^٢) أبو بكر، محمد بن الوليد بن محمد بن خلف القرشي الفهري الأندلسي الطرطوشي المالكي، ولد سنة ٤٥١ هـ، صحب أبا الوليد الباجي بمدينة سرقسطة، وأخذ عنه مسائل الخلاف وسمع منه وأجاز له، وقرأ الفرائض والحساب بوطنه، وقرأ الأدب على أبي محمد بن حزم بمدينة إشبيلية، ورحل إلى المشرق سنة ٤٧٦ هـ، وحجَّ ودخل بغداد والبصرة، وتفقَّه على أبي بكر محمد بن أحمد الشاشي المعروف بالمستظهري الفقيه الشافعي، له مؤلفات منها: سراج الملوك، الحوادث والبدع، توفي سنة ٥٢٠ هـ. ينظر: وفيات الأعيان ٤/ ٢٦٢.\n(^٣) تحريم الغناء والسماع، ص ٢٣٤.","vol":"1","page":171},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-59>المبحث الرابع: الرؤى والحكايات</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-60>أولًا: الرؤى</span>\nمن مصادر التلقي عند ابن عجيبة الرؤى المنامية فقد جعلها مصدرًا من مصادر الشريعة التي لا يتطرَّق إليها الشك أو الغلط، واستند عليها في ترويج ضلالاتهم المنحرفة، ومعرفة الحلال والحرام، وتفسير آيات القرآن الكريم، وإثبات الفضائل لنفسه أو لشيوخ طريقته.\nومن ذلك:\n١ - أنه أُعطي التصرف في الكون\nقال ابن عجيبة: \"رأيت في المنام قائلًا يقول لي: الليلة أعطي سيدي أحمد بن عجيبة يتصرَّف في الكون\" (^١).\n٢ - إثبات عقيدة الصوفية في الخضر عن طريق الرؤى\nنقل ابن عجيبة عن أحد الصوفية أنه رأى رسول الله - ﷺ - في المنام فقال له: \"يا رسول الله إن الخضر أخبرني أنه سمع منك هذا الحديث (^٢)، فقال - ﷺ -: صدق الخضر، وكل ما يحكيه حق، وهو عالم أهل الأرض، وهو رئيس الأبدال، وهو من جنود الله في الأرض\" (^٣).\n٣ - تفسير بعض آيات كتاب الله - ﷿ -\nذكر ابن عجيبة في تفسيره ما زعمه أبو الحسن الشاذلي أنه علم معنى قوله\n_________\n(^١) الفهرسة، ص ٦٩.\n(^٢) هكذا في الأصل، ولم يذكر الحديث.\n(^٣) الجواهر العجيبة، ص ١٥٦.","vol":"1","page":172},{"text":"تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ (^١)؛ لرؤيته للنبيَّ - ﷺ - في المنام، فقال له: \"يا علي، طَهِّر ثيابك من الدنس، تَحْظَ بمدد الله في كل نَفَس، فقلتُ: وما ثيابي يا رسول الله؟ فقال: إنَّ الله كساك حُلة المعرفة، ثم حُلة المحبة، ثم حُلة التوحيد، ثم حُلة الإيمان، ثم حُلة الإسلام، فمَن عرف الله صَغُر لديه كلُّ شيء، ومَن أحبَّ الله هان عليه كلُّ شيء، ومَن وحَّد الله لم يشرك به شيئًا، ومَن آمن بالله أَمِن من كل شيء، ومَن أسلم لله قلَّما يعصيه، وإن عصاه اعتذر إليه، وإذا اعتذر إليه قَبِل عُذره، قال: ففهمتُ حينئذٍ قوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ \" (^٢).\n٤ - زعمه رؤيته للنبي - ﷺ - لإثبات نسبه لآل البيت\nقال ابن عجيبة: \"ولقد رأيتُ النبي - ﷺ - في مسجده المقدَّس فقال لي: أنت الفقيه ابن عجيبة؟ فقلتُ له: نعم أنا عبدكم أحمد ابن عجيبة في رؤيا طويلة، وقال لي: أنت ولدي حقًّا لا تشك\" (^٣).\n٥ - أدلته على أنَّ الرؤى من مصادر التلقِّي\nاستدلَّ ابن عجيبة بأنَّ الرؤى مصدر من مصادر التلقِّي ببعض الأدلة، التي أوَّلها لتوافق عقيدتهم في الرؤى، كحديث النبي - ﷺ -: «الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة» (^٤) (^٥).\nوكذلك استدلَّ بقول النبي - ﷺ -: «من رآني في المنام فقد رآني، فإن الشيطان لا\n_________\n(^١) سورة المدثر: ٤.\n(^٢) البحر المديد ٧/ ١٧٤.\n(^٣) الفهرسة، ص ١٧.\n(^٤) أخرجه البخاري، كتاب التعبير، باب الرؤيا الصالحة، ٤/ ٢٩٦، رقم ٦٩٨٣.\n(^٥) الفهرسة، ص ١٩.","vol":"1","page":173},{"text":"يتمثَّل بي» (^١) (^٢).\nويزعم عند استدلاله بذلك أنَّ إخبار النبي - ﷺ - في المنام كإخباره في اليقظة بحجة أنَّ الشيطان لا يتمثَّل بالنبي - ﷺ -.\nوعند تأمل موقف ابن عجيبة من الرؤى المنامية نجد أنه لم يخرج عن موقف سائر الصوفية منها، وهذا لا يُسلَّم لهم لما في ذلك من المخالفات العقدية العظيمة.\nوالقول الحق الذي عليه أهل العلم أنَّ الرؤى ليست حجةً شرعية، وإنما يستأنس بها إن لم تخالف النصوص الشرعية.\nقال عبد الرحمن المعلَّمي (^٣): \" ... اتفق أهل العلم على أنَّ الرؤيا لا تصلح للحجة، وإنما هي تبشير وتنبيه وتصلح للاستئناس بها إذا وافقت حجة شرعية صحيحة، كما ثبت عن ابن عباس - ﵄ - أنه كان يقول بمتعة الحج لثبوتها عنده بالكتاب والسُّنَّة، فرأى بعض أصحابه رؤيا توافق ذلك فاستبشر ابن عباس - ﵄ - \" (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب التعبير، باب من رأى النبي - ﷺ - في المنام، ٤/ ٢٩٩، رقم ٦٩٩٤.\n(^٢) الفهرسة، ص ١٨ - ١٩.\n(^٣) عبد الرحمن بن يحيى بن علي بن أبي بكر المعلِّمي، يُنسب إلى بني المعلم من بلاد غنمة باليمن، ولد سنة ١٣١٣ هـ في اليمن، تنقَّل بين المدن اليمنية طالبًا للعلم، أثنى عليه عددٌ من أهل العلم مثل: الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ ووصفه بالعالم خادم الأحاديث النبوية، والشيخ محمد عبد الرزاق حمزة ومحمد حامد الفقي والألباني، وقال عنه الشيخ بكر أبو زيد: ذهبيُّ عصره العلَّامة المحقِّق، له مؤلفات منها: التنكيل بما في كتب الكوثري من الأباطيل، حقيقة التأويل والرَّد على المتصوفة القائلين بوحدة الوجود، مات في شهر صفر عام ١٣٨٦ هـ عن ٧٣ سنة. ينظر: الأعلام ٣/ ٣٤٢.\n(^٤) التنكيل ٢/ ٢٥٩.","vol":"1","page":174},{"text":"وأخرج البخاري ومسلم من حديث أبي جمرة نصر بن عمران الضبعي (^١) قال: سألت ابن عباس - ﵄ - عن المتعة (^٢) فأمرني بها، وسألته عن الهدي فقال: فيها جزور أو بقرة أو شاة أو شرك في دم وكأن ناسًا كرهوها فنمت فرأيت في المنام كأن إنسانا ينادي حج مبرور ومتعة متقبَّلة فأتيت ابن عباس - ﵄ - فحدثته فقال: الله أكبر سنة أبي القاسم - ﷺ - \" (^٣).\nقال ابن حجر - ﵀ -: \"يؤخذ منه الاستئناس بالرؤيا لموافقة الدليل الشرعي وعرض الرؤيا على العالم\" (^٤).\nوقال ابن تيمية: \"والرؤيا المحضة التي لا دليل على صحتها لا يجوز أن يثبت بها شيءٌ بالاتفاق\" (^٥).\nوقال الشاطبي: \"وأضعف هؤلاء احتجاجًا قوم استندوا في أخذ الأعمال إلى المقامات وأقبلوا وأعرضوا بسببها فيقولون: رأينا فلانًا الرَّجل الصالح فقال لنا: اتركوا كذا واعملوا كذا، ويتفق مثل هذا كثيرًا للمتمرسين برسم التصوف (^٦)، وربما قال بعضهم: رأيت النبي - ﷺ - في النوم فقال لي كذا وأمرني بكذا فيعمل بها ويترك بها\n_________\n(^١) أبو جمرة، نصر بن عمران الضُبعي، أحد أئمَّة العلم، ثقة، نزيل خراسان، روى عن ابن عباس وابن عمر - ﵄ -، مات سنة ١٢٨ هـ. ينظر: الكاشف في معرفة من له رواية في الكتب الستة ٢/ ٣١٩.\n(^٢) المقصود العمرة في أشهر الحج، ينظر: فتح الباري، لابن حجر ٣/ ٤٢٣.\n(^٣) أخرجه البخاري، كتاب الحج، باب فيمن تمتَّع بالعمرة إلى الحج ١/ ٥١٥، رقم ١٦٨٨، ومسلم، كتاب الحج، باب جواز العمرة في أشهر الحج ٢/ ٩١١، رقم ١٢٤٢.\n(^٤) فتح الباري ٣/ ٤٣١.\n(^٥) مجموع الفتاوى ٢٧/ ٤٥٧.\n(^٦) المتمرسون: من التمرُّس، وهو شدة الالتواء، والتلاعب بالدين والعبث به، والمقصود بهم هنا المقلدون للصوفية، ينظر: النهاية في غريب الحديث ٤/ ٣١٨.","vol":"1","page":175},{"text":"معرضًا عن الحدود الموضوعة في الشريعة وهو خطأ؛ لأن الرؤيا من غير الأنبياء لا يحكم بها شرعًا على حال إلا أن تعرض على ما في أيدينا من الأحكام الشرعية فإن سوَّغتها عمل بمقتضاها وإلا وجب تركها والإعراض عنها، وإنما فائدتها البشارة أو النذارة خاصة وأمَّا استفادة الأحكام فلا\" (^١).\nوقال أيضًا: \"نعم يأتي المرئي تأنيسًا وبشارة ونذارة خاصة، بحيث لا يقطعون بمقتضاها حكمًا، ولا يبنون عليها أصلًا وهو الاعتدال في أخذها حسبما فهم من الشرع فيها، والله أعلم\" (^٢).\nومعلوم أنَّ الرؤيا منها ما هو رحماني، ومنها ما هو شيطاني، ومنها ما هو نفساني، قال النبي - ﷺ -: «الرؤيا ثلاثة: رؤيا من الله، ورؤيا تحزين من الشيطان، ورؤيا مما يحدث به الرجل نفسه في اليقظة، فيراه في المنام» (^٣)، قال البغوي: \"قوله: (الرؤيا ثلاثة) فيه بيان أن ليس كل ما يراه الإنسان في منامه يكون صحيحًا، ويجوز تعبيره، إنما الصحيح منها ما كان من الله - ﷿ - يأتيك به ملك الرؤيا من نسخة أم الكتاب، وما سوى ذلك أضغاث أحلام لا تأويل لها.\nوهي على أنواع قد يكون من فعل الشيطان يلعب بالإنسان، أو يريه ما يحزنه، وله مكايد يحزن بها بني آدم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (^٤).\n_________\n(^١) الاعتصام ١/ ٣٥٧.\n(^٢) الاعتصام ١/ ٣٥٧.\n(^٣) أخرجه الترمذي، كتاب الرؤيا، باب أنَّ رؤيا المؤمن جزءٌ من ستة وأربعين جزءًا من النبوة، ٤/ ٥٣٢، والنسائي في السنن الكبرى، كتاب التعبير، باب إذا رأى ما يكره ٤/ ٣٩٠، من حديث أبي هريرة - ﵁ -، والحديث صحَّحه الألباني في السلسلة الصحيحة ٣/ ٣٢٨ - ٣٣٠.\n(^٤) سورة المجادلة: ١٠.","vol":"1","page":176},{"text":"ومن لعب الشيطان به الاحتلام الذي يوجب الغسل، فلا يكون له تأويل، وقد يكون ذلك من حديث النفس، كمن يكون في أمر، أو حرفة يرى نفسه في ذلك الأمر، والعاشق يرى معشوقه ونحو ذلك ... فلا تأويل لشيءٍ منها\" (^١).\nوقال ابن القيم: \"والذي هو من أسباب الهداية: هو الرؤيا التي من الله - ﷿ - خاصَّة، ورؤيا الأنبياء وحي، فإنها معصومة من الشيطان، وهذا باتفاق الأُمَّة، ولهذا أقدم الخليل على ذبح ابنه إسماعيل - ﵉ - بالرؤيا، وأما رؤيا غيرهم فتعرض على الوحي الصريح، فإن وافقته وإلا لم يعمل بها، فإن قيل: فما تقولون إذا كانت رؤيا صادقة، أو تواطأت؟.\nقلنا: متى كانت كذلك استحال مخالفتها للوحي، بل لا تكون إلا مطابقة له، منبهة عليه، أو منبهة على اندراج قضية خاصة في حكمه، لم يعرف الرائي اندراجها فيه، فيتنبه بالرؤيا على ذلك، ومن أراد أن تصدق رؤياه فليتحر الصدق وأكل الحلال، والمحافظة على الأمر والنهي، ولينم على طهارة كاملة مستقبل القبلة، ويذكر الله - ﷿ - حتى تغلبه عيناه، فإن رؤياه لا تكاد تكذب البتة\" (^٢).\nوالنائم ليس في حالة ضبط للرواية؛ لعدم حفظه، لهذا لا يجوز إثبات حكم شرعي بما جاء به، قال النووي أثناء شرحه لحديث «من رآني في المنام فقد رآني»: \"إن معنى الحديث أن رؤيته صحيحة وليست من أضغاث الأحلام وتلبيس الشيطان، ولكن لا يجوز إثبات حكم شرعي به؛ لأن حالة النوم ليست حالة ضبط وتحقيق لما يسمعه الرائي، وقد اتفقوا على أن من شرط من تقبل روايته وشهادته أن\n_________\n(^١) شرح السُّنَّة ١٢/ ٢١١.\n(^٢) مدارج السالكين ١/ ٧٥.","vol":"1","page":177},{"text":"يكون متيقظًا لا مغفَّلًا ولا سيء الحفظ، ولا كثير الخطأ، ولا مختل الضبط، والنائم ليس بهذه الصفة فلم تُقبل روايته لاختلال ضبطه.\nهذا كلُّه في منامٍ يتعلَّق بإثبات حكم على خلاف ما يحكم به الولاة، أمَّا إذا رأى النبي - ﷺ - يأمره بفعل ما هو مندوب إليه، أو ينهاه عن منهي عنه، أو يرشده إلى فعل مصلحة فلا خلاف في استحباب العمل على وفقه؛ لأن ذلك ليس حكمًا بمجرَّد المنام بل تقرر من أصل ذلك الشيء، والله أعلم\" (^١).\nوالنائم ليس من أهل التكليف، ولا من أهل التحمُّل للرواية؛ لعدم حفظه، فلا يعمل بشيءٍ رآه في منامه (^٢).\nولم يمت النبي - ﷺ - إلا وأكمل لنا الدين، قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (^٣).\nولم يثبت دليل من الوحيين على أن رؤية النبي - ﷺ - بعد موته حجة يثبت بها حكم شرعي بل إن \"الرؤيا التي يخبر فيها رسول الله - ﷺ - بحكم فلا بدَّ من النظر فيها أيضًا؛ لأنه إذا أخبر بحكم موافق لشريعته، فالحكم استقر، وإن أخبر بمخالف، فمحال؛ لأنه - ﷺ - لا ينسخ بعد موته شريعته المستقرة في حياته؛ لأن الدين لا يتوقف استقراره بعد موته على حصول المرائي النومية؛ لأن ذلك باطلٌ بالإجماع، فمن رأى شيئًا من ذلك فلا عمل عليه، وعن ذلك نقول: إن رؤياه غير صحيحه، إذ لو رآه حقًّا لم يخبره بما يخالف الشرع\" (^٤).\n_________\n(^١) شرح النووي لصحيح مسلم ١/ ١١٥.\n(^٢) ينظر: المدخل، لابن الحاج ٤/ ٢٨٦، إرشاد الفحول، ص ٢٤٢.\n(^٣) سورة المائدة: ٣.\n(^٤) الاعتصام ١/ ١٦٢.","vol":"1","page":178},{"text":"أمَّا استدلال ابن عجيبة بأنَّ الرؤيا جزءٌ من النبوة فمقلوب عليه؛ لأن المراد بالجزء هنا تحقيق أمر الرؤيا وتأكيده، وإنما كانت جزءًا من النبوة في حق الأنبياء، وتوجد الرؤيا الصالحة كذلك في الصالحين، ولا تعني حصول النبوة له بذلك؛ لأن النبوة هبة من الله - ﷿ - يختصُّ بها من عباده ما يشاء.\nوالجزء لا يقوم مقام الكل في جميع الوجوه، بل إنما يقوم مقامه في بعض الوجوه، وإنما هي من باب البشارة والنذارة؛ لأن النبوة لا تتجزأ ولا نبوة بعد الرسول - ﷺ - (^١).\nوقد يقول قائل: هل ما يراه النائم أو الإلهامات من الوحي؟\nقال ابن تيمية: \"فإنَّ ما يلقيه الله - ﷿ - في قلوب المؤمنين من الإلهامات الصادقة العادلة هي من وحي الله، وكذلك ما يريهم إياه في المنام\" (^٢).\nوزاد الأمر إيضاحًا بقوله: \"فإن المنام تارة يكون من الله - ﷿ - وتارة يكون من النفس وتارة يكون من الشيطان وهكذا ما يلقى في اليقظة، والأنبياء معصومون في اليقظة والمنام، ولهذا كانت رؤيا الأنبياء وحيًا ... وليس كل من رأى رؤيا كانت وحيًا فكذلك ليس كل من ألقي في قلبه شيءٌ يكون وحيًا، والإنسان قد تكون نفسه في يقظته أكمل منها في نومه، كالمصلي الذي يناجي ربه، فإذا جاز أن يوحى إليه في حال النوم فلماذا لا يوحى إليه في حال اليقظة؟ كما أوحى إلى أمِّ موسى والحواريين وإلى النحل، لكن ليس لأحد أن يطلق القول على ما يقع في نفسه أنه وحي لا في يقظة ولا في المنام إلا بدليل يدلُّ على ذلك، فإن الوسواس غالب على الناس، والله أعلم\" (^٣).\n_________\n(^١) ينظر: شرح السُّنَّة ١٢/ ٢٠٦، الاعتصام ١/ ٣٣٣.\n(^٢) مجموع الفتاوى ١٥/ ٩٨.\n(^٣) المرجع نفسه ١٧/ ٥٣٢.","vol":"1","page":179},{"text":"ولكن هل كل من رأى رؤيا يستطيع أن يجزم بأن رؤيته صادقة حقًّا، وهل يجد معبر لها كمعبر يوسف - ﵇ -؟\nقال الشاطبي - ﵀ -: \"فإن الرؤيا التي هي جزءٌ من أجزاء النبوة من شرطها أن تكون صالحة من الرجل الصالح، وحصول الشروط مما ينظر فيه، فقد تتوفر وقد لا تتوفر، وأيضًا فهي منقسمة إلى الحلم وهو من الشيطان، وإلى حديث النفس، وقد تكون سبب هيجان بعض أخلاط، فمتى تتعين الصالحة حتى يحكم بها، ونترك غير الصالحة؟ ويلزم أيضًا على ذلك أن يكون تجديد وحي بحكم بعد النبي - ﷺ - وهو منهيٌ عنه بالإجماع\" (^١).\nوالحديث الذي استدلَّ به ابن عجيبة على أن الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة حمَّله ما لا يحتمل، وليس هذا المراد من الحديث بل المراد به التشبيه كما بيَّن ذلك زين الدين العراقي (^٢) بقوله: \"لا يتخيل من هذا الحديث أن رؤيا الصالح جزء من أجزاء النبوة، فإن الرؤيا إنما هي من أجزاء النبوة في حق الأنبياء -﵈- وليست في حق غيرهم من أجزاء النبوة ولا يمكن أن يحصل لغير الأنبياء جزء من النبوة، وإنما المعنى أنَّ الرؤيا الواقعة للصالح تُشبه الرؤيا الواقعة للأنبياء التي هي في حقهم جزء من أجزاء النبوة فأطلق أنها من أجزاء النبوة على طريق التشبيه\" (^٣).\n_________\n(^١) الاعتصام ١/ ٣٣٣.\n(^٢) هو: أبو الفضل، زين الدين عبد الرحيم بن الحسين بن عبد الرحمن بن أبي بكر بن إبراهيم الكردي الشافعي، ويعرف بالحافظ العراقي، ولد في جمادى الأولى سنة ٧٢٥ هـ، عالم بالحديث، أثنى عليه شيوخ عصره، كالسُّبكي، والعلائي، له مؤلفات منها: المغني عن حمل الأسفار في الأسفار في تخريج أحاديث الإحياء، ونكت منهاج البيضاوي في الأصول، وذيل على الميزان، مات سنة ٨٠٦ هـ. ينظر: إنباء الغمر بأبناء العمر ٥/ ١٧٠، الضوء اللامع لأهل القرن التاسع ٤/ ١٧١، شذرات الذهب في أخبار من ذهب ٧/ ٥٥.\n(^٣) طرح التثريب في شرح التقريب ٨/ ٢١٤.","vol":"1","page":180},{"text":"ويقول ابن حجر: \"ظاهر الاستثناء أن الرؤيا نبوة، وليس كذلك لما تقدم أنَّ المراد تشبيه أمر الرؤيا بالنبوة، أو لأن جزء الشيء لا يستلزم ثبوت وصفه له، كمن قال: أشهد أن لا إله إلا الله رافعًا صوته لا يسمى مؤذنًا، ولا يقال: إنه أذن، وإن كانت جزءًا من الأذان، وكذا لو قرأ شيئًا من القرآن وهو قائم لا يسمى مصليًا وإن كانت القراءة جزءًا من الصلاة\" (^١).\nوبعد هذه النقول يتضح أن ما قاله ابن عجيبة عار من الحقيقة، فإن أقوال العلماء السابقة تبين بطلان كلَّ ذلك.\nوأما زعمه أنه أُعطي حق التصرف في الكون فهذه طامة وداهية كبرى؛ فإن التصرف في الكون حق لله - ﷿ - فمن زعم غير ذلك فقد جاء بإفك عظيم، وهذا كلُّه حدث نتيجة غلوهم في الولي حتى قال بعضهم: \"إن الولي يُعْطَى قول: \"كن\"، وقال بعضهم: إنه لا يمتنع على الولي فعل ممكن، كما لا يمتنع على اللّه تعالى فعل محال ... وزاد ابن عربي: إن الولي لا يعزب عن قدرته شيءٌ من الممكنات، والذي لا يعزب عن قدرته شيء من الممكنات هو اللّه وحده، فهذا تصريحٌ منهم بأنَّ الولي مثل الله، إن لم يكن هو اللّه\" (^٢).\nتعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا.\n_________\n(^١) فتح الباري ١٢/ ٣٧٥.\n(^٢) مجموع الفتاوى، لابن تيمية ١٤/ ٣٦٤.","vol":"1","page":181},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-61>ثانيًا: الحكايات</span>\nيعتمد ابن عجيبة على الحكايات كثيرًا ويذكرها في ما يخالف العقيدة الصحيحة، وهذه بعض الأمثلة على ذلك:\n١ - الاستغاثة بغير الله - ﷿ -\nمثال ذلك: أن قومًا ركبوا البحر بسفينتهم، فخرجت عليهم سفينة النصارى فأرادوا أخذهم، فطلب أحدًا من كان معهم في السفينة من يعرف وليًا يستغيث به، فقال رجل معهم: اللا (^١) فاطمة العجيبية- فإذا هي بينهم كما -زعموا- تدفع عنهم المركب إلى البر (^٢).\nعقيدة أهل السُّنَّة والجماعة أنَّ الاستغاثة بالمخلوق على قسمين:\nالقسم الأول: الاستغاثة بالمخلوق فيما لا يقدر عليه إلَاّ الله - ﷿ -، فهذه شركٌ أكبر؛ لأنها صرفٌ للعبادة لغير الله - ﷿ -.\nأما الاستغاثة فيما يقدر عليه المخلوق مثل استغاثته بغيره في الحرب ليساعده، أو يناصره على عدوِّه؛ فهذا جائز، كما قال الله - ﷿ -: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾ (^٣).\nوبهذا يتبيَّن أنَّ من استغاث بوليٍّ ميِّت، أو غائب، أو ذهب لضريح وليٍّ -كحد زعمه- ليستغيث به، أو علَّق قلبه بوليٍّ معتقدًا أنه يفرِّج له الكرب، فهذا كلُّه من الشرك الأكبر المنهي عنه، ومن كان هذه فعله فهو على خطر عظيم إن لم يتدارك نفسه بالتوبة، وتجريد التوحيد لله - ﷿ - (^٤).\n_________\n(^١) اللا: كلمة متداولة عند أهل المغرب تدل على الاحترام، تطلق على الرجل والمرأة.\n(^٢) ينظر: الفهرسة، ص ٢٠.\n(^٣) سورة القصص: ١٥.\n(^٤) ينظر: إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد ١/ ١٩٣.","vol":"1","page":182},{"text":"والله - ﷿ - هو الذي يستغاث به لتفريج الكروب والهموم فيجيب الدعوة.\nقال تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ (^١).\nوقال تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (^٢).\nوقال النبي - ﷺ - لعبد الله بن عباس - ﵄ -: «واعلم أنَّ الأُمَّة لو اجتمعوا على أن ينفعوك لم ينفعوك إلا بشيءٍ كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك لم يضروك إلا بشيءٍ كتبه الله عليك» (^٣).\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: \"سؤال الميت والغائب نبيًّا كان أو غيره من المحرمات المنكرة باتفاق أئمة المسلمين لم يأمر الله به - ﷿ - ولا رسوله ولا فعله أحدٌ من الصحابة - ﵃ - ولا التابعين لهم بإحسان ولا استحبَّه أحدٌ من أئمة المسلمين، وهذا مما يعلم بالاضطرار من دين المسلمين أنَّ أحدًا منهم ما كان يقول: إذا نزلت به ترة (^٤) أو عرضت له حاجة لميت: يا سيدي فلان أنا في حسبك، أو اقض حاجتي كما يقول بعض هؤلاء المشركين لمن يدعونهم من الموتى والغائبين، ولا أحد من الصحابة - ﵃ - استغاث بالنبي - ﷺ - بعد موته ولا بغيره من الأنبياء لا عند قبورهم، ولا\n_________\n(^١) سورة الأنفال: ٩.\n(^٢) سورة الأنعام: ١٧.\n(^٣) أخرجه الترمذي ٤/ ٢٥٨، رقم ٢٥١٦، وأحمد في المسند ١/ ٢٣٩، ٣٠٣، ٣٠٧، والطبراني في الكبير ١٢٩٨٨، ١٢٩٨٩، وابن السنِّي في عمل اليوم والليلة، ٤٢٥، والبيهقي في شعب الإيمان ١٧٤، ١٩٥، وقال الترمذي: حديثٌ حسنٌ صحيح، وصحَّحه الألباني في السلسلة الصحيحة ٥/ ٣٨١.\n(^٤) الترة: هي النقص. ينظر: النهاية في غريب الأثر ١/ ٤٩٨.","vol":"1","page":183},{"text":"إذا بعدوا عنها وقد كانوا يقفون تلك المواقف العظام في مقابلة المشركين في القتال ويشتد البأس بهم ويظنون الظنون ومع هذا لم يستغث أحدٌ منهم بنبيٍّ ولا غيره من المخلوقين ... \" (^١).\n٢ - تحليل الحرام\nذكر ابن عجيبة أنواع السحر، ثم قال ... وقد يكون كرامةً لولي أو تأييدًا لشاك كما وقع لفقير (^٢)، شاور الشيخ في زيارة أمه فغطاه الشيخ بثوبه فرأى نفسه في بلد أمه فبقي عندها أربعة أشهر ثم أراد الرجوع فوجد نفسه عند الشيخ، وقد قرأ القارئ بعده خمسة عشر حزبًا (^٣).\nوهذه الحكايات اعتمد عليها بعض المتصوفة، فضلُّوا عن الحق، وأضلوا من بعدهم.\nقال ابن خلدون: \" ... وكثيرًا ما وقع للمؤرخين والمفسِّرين وأئمة النقل من المغالط في الحكايات والوقائع؛ لاعتمادهم فيها على مجرَّد النقل، غثًّا أو سمينًا، ولم يعرضوها على أصولها، ولا قاسوها بأشباهها ولا سبروها بمعيار الحكمة، فضلُّوا عن الحق، وتاهوا في بيداء الوهم والغلط\" (^٤)، والكذب ديدن كل من أراد نشر باطله، ويتفنن في صياغة حكايته.\nويقول ابن الحاج: \"إنَّ كثيرًا من الناس يدَّعي الدين والصلاح وأنه أهل الوصول، ويأتي بحكايات من تقدَّم من الأكابر ويطرز بها كلامه وهو مع ذلك يشير\n_________\n(^١) الرد على البكري ١/ ٤٨٨.\n(^٢) يطلق على الصوفي.\n(^٣) ينظر: الفهرسة، ص ٩٠.\n(^٤) المقدمة، ص ٨.","vol":"1","page":184},{"text":"إلى نفسه بلسان حاله، وأن عنده من ذلك طرفًا، وبعضهم يزعم أنه حصل له من ذلك الأمر حاصل.\nومنهم من له القدرة على تصنيف الحكايات والمرائي التي يختلقها من تلقاء نفسه، سيما -والعياذ بالله تعالى- ما ابتلي به بعضهم من تجرئه ودعواه رؤيا النبي - ﷺ - في المنام، وأنه أقبل عليه وخاطبه وأمره ونهاه، بل بعضهم يدعي رؤيته - ﵊ - في اليقظة، وهذا بابٌ ضيِّق، وقلَّ من يقع له ذلك الأمر\" (^١).\nولقد تضاعف الشَّرُّ وكثر خطره بسبب تصدُّر من ليس له علمٌ بصحيح الرواية من ضعيفها، للتصنيف، وتفسير الكتاب العزيز بما يناسب أهواءهم؛ لإثبات البطالة وانتظار السماء أن تمطر ذهبًا وفضَّة، فافتروا على ربِّ العالمين، فاختلقوا الخرافات المختلفة، والأقاصيص المنحولة، والأساطير المفتعلة في تفسير كتاب الله - ﷿ - فحرَّفوا، وغيَّروا وبدَّلوا، وقد أصيب الإسلام وأهله بداهية دهياء، وفاقرة عظمى، ورزية كبرى، من أمثال هؤلاء الكذَّابين الدجَّالين الذين يجترئون على الكذب، وكتب المتصوفة التي امتلأت من الحكايات المكذوبة ما الله به عليم (^٢).\nولم يفرق ابن عجيبة بين الكرامات والحكايات المختلقة المكذوبة، فأصبح السحرُ حلالًا بزعمه أنه قد يكون كرامة لولي.\nقال الشيخ السعدي - ﵀ -: \" ... قد أدخل الناس في الكرامات أمورًا كثيرة، اخترعوها وافتروها، وخدعوا بها العوام والسُّذَّج من الناس، وأوهموهم بأنها من الكرامات وليست إلا قسمًا من الخرافات والشعوذات، وأهل السُّنَّة والجماعة أبعد\n_________\n(^١) المدخل ٣/ ١٥٢.\n(^٢) ينظر: فتح القدير ٥/ ٥٠٩، واجتماع الجيوش الإسلامية، ص ٧٧.","vol":"1","page":185},{"text":"الناس عن التصديق بالخرافات والأكاذيب المفتراة، وأعرف بالطرق التي يتبيَّن بها كذب الكاذبين وافتراء المفترين\" (^١).\nوالسحر كلُّه حرام، وهو من أكبر الكبائر بعد الشرك بالله - ﷿ - وعدَّه الرسول - ﷺ - من السبع الموبقات، عن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «اجتنبوا السبع الموبقات، قالوا يا رسول الله: وما هن؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرَّم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات» (^٢).\nومن السحر، ما يؤثِّر في جسم المسحور فيقتل أو يمرض فيفرِّق بين المرء وزوجه وبين الأحبَّة، وكلُّ ذلك بقضاء الله وقدره، ومنه ما هو تخييلي وليس له حقيقة وهو ما يُسمَّى بالسحر التخييلي، بحيث يظهر الأشياء أمام الناظر على غير حقيقتها، كما قال تعالى: ﴿قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ (^٣).\nوالتصديق به ذنبٌ عظيم، وجرمٌ كبير، ولا يجوز للمسلم أن يستعمله، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ (^٤) (^٥).\n٣ - تفسيره الآيات عن طريق الحكايات\nقال ابن عجيبة في قول الله - ﷿ -: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ (^٦)، \"وقد\n_________\n(^١) التنبيهات اللطيفة فيما احتوت عليه الواسطية من المباحث المنيفة، ص ١٠٠ - ١٠١.\n(^٢) أخرجه مسلم، كتاب الإيمان، باب بيان الكبائر وأكبرها ١/ ٦٤، رقم ١٤٥.\n(^٣) سورة طه: ٦٦.\n(^٤) سورة البقرة: ١٠٢.\n(^٥) ينظر: محاضرات في العقيدة والدعوة ٣/ ٢٠١.\n(^٦) سورة الذاريات: ٢٢.","vol":"1","page":186},{"text":"سمعت حكاية أخرى، فيها عبرة، وذلك أنَّ رجلًا سمع قارئًا يقرأ هذه الآية فدخل بيته ولزم زاوية منه يذكر فيها، ويتبتل فجاءت امرأته تنقم عليه وتأمره بالخدمة، فقال لها: قال تعالى: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ فلما آيست منه ذهبت تحفر شيئًا، فوجدت آنية مملوءة دنانير، فجاءت إليه، وقالت: قد أتانا رزقنا، قم تحفره معي، هو في موضع كذا، فقال: إنما قال تعالى: ﴿وَفِي السَّمَاءِ﴾، ولم يقل في الأرض، فامتنع فذهبت إلى أخٍ لها تستعين به، فلما فتحتها وجدتها مملؤة عقارب، فقالت: والله لأطرحنها عليه لنستريح منه، ففتحت كوة من السقف، وطرحتها عليه فسقطت دنانير، فقال: الآن نعم، قد أتاني من حيث قال ربي: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ﴾ \" (^١).\nوهذا التفسير المغلوط للآية أورث المتصوفة البطالة، ونفي الأسباب كما مرَّ معنا، وهو مخالف لما عليه المفسِّرون، قال الشيخ السعدي في تفسيره: \"أي مادة رزقكم، من الأمطار، وصنوف الأقدار، الرزق الديني والدنيوي، وَمَا تُوعَدُونَ من الجزاء في الدنيا والآخرة، فإنه ينزل من عند الله، كسائر الأقدار (^٢).\n٤ - الحث على تعذيب النفس لتربيتها\nقال ابن عجيبة: إن بعض الطلبة كان ساكنًا في مدرسة بفاس، فخرجت امرأة ومعها بنتها ... فرأت البنت بابًا خلفه ضوء فأتت إليه، فوجدت فيه رجلًا ينظر في كتاب، فقالت: إن لم يكن الخير عند هذا فلا يكون عند أحد، فقرعت الباب فخرج الرجل فذكرت له قصتها، وأنها خافت على نفسها، فأدخلها منزله، وجعل بينه وبينها حصيرًا، وبقي ينظر في كتابه، وزين له الشيطان أن يعمل بها عمل سوء،\n_________\n(^١) البحر المديد ٥/ ٤٧١ - ٤٧٢.\n(^٢) تيسير الكريم الرحمن ١/ ٨٠٩.","vol":"1","page":187},{"text":"ولكن الله - ﷿ - حفظه ببركة العلم، فأخذ المصباح، وجعل يحْرِقُ أصابعه واحدًا بعد واحد حتى أحرقها، والبنت تنظر إليه وتتعجَّب، ثم خرج ينظر إلى الليل فوجده ما زال، فأحرق أصابع اليد الأخرى، ولما أفل الليل وجاء الصباح خرجت سالمة ... وذكرت البنت تلك القصة لأبيها، فأتى أبوها إلى مجلس العلم، وذكر القصة للشيخ، فقال للحاضرين: أخرجوا أيديكم وأمِّنوا على دعائي لهذا الرجل، فأخرجوا أيديهم، وبقي رجل، فعلم الشيخ أنه صاحب القضية (^١).\nوهذه الحكاية التي ذكرها ابن عجيبة من الحكايات التي ذكرها الصوفية في تربية المريدين على المجاهدة وتعذيب النفس اشتملت على مخالفات شرعية، وأمور باطلة، وهي:\nأ اعتبار هذه الحكاية من الجهاد الأكبر الذي هو جهاد النفس عند المتصوفة، وتفضيله على مجاهدة السيف، وبه يحصل التجلِّي فهو يقول: \"وإذ تهذبت وكملت رياضتها، فالواجب اتباع ما يتجلَّى فيها إذ لا يتجلَّى فيها إلا الحق، وهذا هو ثمرة الجهاد الأكبر، وأمَّا الجهاد الأصغر الذي هو جهاد السيف فلا يحصل شيءٌ من هذا، فلذلك كان مفضولًا عند الجهاد الأكبر\" (^٢).\nب الخلوة المحرمة.\nلقد جاء الشرع ببيان أسباب الفتن والتحذير منها وسد الذرائع المؤدية إليها، ففتنة النساء من أعظم الفتن التي تُبتلى بها الأمم، والنبي - ﷺ - حذرنا منها، وتأمَّل في الأحاديث الآتية بعين البصيرة:\n_________\n(^١) البحر المديد ٢/ ٥٩٠.\n(^٢) المرجع نفسه ١/ ٢٣٤.","vol":"1","page":188},{"text":"عن أسامة بن زيد - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: «ما تركتُ بعدي فتنةً أضر على الرجال من النساء» (^١).\nيقول الحافظ ابن حجر: \"وفي الحديث أنَّ الفتنة بالنساء أشد من الفتنة بغيرهن، ويشهد له قوله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ﴾ (^٢).\nفجعلهن من حبِّ الشهوات، وبدأ بهن قبل بقية الأنواع إشارة إلى أنهن الأصل في ذلك\" (^٣).\nوعن أبي سعيد الخدري - ﵁ - أنَّ النبي - ﷺ - قال: «إنَّ الدنيا حلوة خضرة وإنَّ الله مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا واتقوا النساء؛ فإنَّ أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء» (^٤).\nوما أيس الشيطان من شيءٍ إلا أتاه من قبل النساء، وقد كان السلف الصالح أشدَّ إيمانًا وأكثر عملًا ومع هذا فإنهم لا يأمنون على أنفسهم فتنة النساء.\nوعن ابن عباس - ﵄ - قال، قال رسول الله - ﷺ -: «لا يخلون رجل بامرأة إلا مع ذي محرم ...» (^٥).\nج- المجاهدة عند الصوفية؛ لحصول الشيخ على تقديس الناس له وظهور الكرامات (^٦)، وحصوله للعلم بغير تعلم، قال ابن عجيبة: \"عداوة النفس تمكنك من\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب النكاح، باب ما يُتَّقى من شؤم المرأة ٥/ ١٩٥٩، رقم ٤٨٠٨.\n(^٢) سورة آل عمران: ١٤.\n(^٣) فتح الباري ٩/ ٤١.\n(^٤) أخرجه مسلم، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب أكثر أهل الجنة الفقراء، وأكثر أهل النار النساء، وبيان الفتن بالنساء ٤/ ٢٠٩٨، رقم ٢٧٤٨.\n(^٥) أخرجه البخاري، كتاب النكاح، باب لا يخلونَّ رجلٌ بامرأة إلا ذو محرم والدخول على المغيبة، ٣/ ٣٩٥، رقم ٥٢٣٢.\n(^٦) سيأتي بحثها في موضعها.","vol":"1","page":189},{"text":"نواصي الخلق، أنت تزيد عداوة لنفسك والخلق يزيد إقبالًا عليك\" (^١)، وقال في موضع آخر: \"ومن مجاهدة النفس تظهر الكرامات المعنوية من فهم العلوم واتساع الفهوم، وتحقيق اليقين، وشهود رب العالمين، وتسخير النفوس، وقهرها وظهور الجلالة والمهابة إلى الخلق\" (^٢).\nد- لا شك أن هذه الحكايات وكثرتها تضليل لأتباعهم، والجهلة من الناس.\nهـ- يزعم بعض الصوفية أنَّ المجاهدة سبب للوصول لعقيدة وحدة الوجود الباطلة، قال ابن عجيبة \"إن الإنسان إذا جال في ميدانها، فجاهدها حتى هذَّبها، وطهَّرها من الأوصاف الحاجبة لها، رجعت نفسه حينئذ إلى أصلها، وهي الحضرة التي كانت فيها، إذا لم تكن بينها وبين الحضرة إلا الحجب الظلمانية، فلما تخلَّصت منها رجعت إلى أصلها، نورًا مشرقًا في قالب ظلماني، فصارت عنده ياقوتة مكنونة، تُطوى عليها أصداف المكنونات\" (^٣).\nو- التخلُّق بصفات الله -تعالى الله عما يقولون علوًّا كبيرًا-، قال ابن عجيبة: \"فحينئذٍ يستر الحق تعالى وصفك الذي هو وصف العبودية بوصفه الذي هو وصف الحرية، فتتحسَّن أوصاف البشرية بظهور أوصاف الروحانية، ويعطى أيضًا نعتك الذي هو الحدوث بنعته الذي هو القدم، أو غطى نعتك الذي هو العدم بنعته الذي هو الوجود\" (^٤)، وهذا من أقبح الباطل، قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ\n_________\n(^١) الفتوحات الإلهية، ص ٣١٤.\n(^٢) المرجع نفسه، ص ٣٨.\n(^٣) إيقاظ الهمم، ص ٤١٢، الفتوحات الإلهية، ص ٣١، البحر المديد ٤/ ٣٢٤.\n(^٤) إيقاظ الهمم، ص ٢٥٠ - ٢٥١، وهذه عقيدة وحدة الوجود وسيأتي الحديث عنها في موضعها.","vol":"1","page":190},{"text":"الْبَصِيرُ﴾ (^١) \"وقد نَزَّه الله - ﷾ - نفسه عن صفات المخلوقين\" (^٢)، وقال ابن تيمية: \"إنَّ أهل السُّنَّة متفقون على أنَّ الله ليس كمثله شيءٌ لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله\" (^٣)، وعبارة التخلُّق عبارة شنيعة منتزعة من قول الفلاسفة بالتشبه بالإله على قدر الطاقة، وهي التشبه (^٤).\nأمَّا أهل السُّنَّة والجماعة عرفوا طريق الحق فالتزموه ولم يحرقوا أصبعًا أو يقتلوا نفسًا بغير حق، بل غاية مرادهم تحقيق العبودية بتزكية أنفسهم، قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ (^٥)، قال ابن تيمية: \"وإنما دين الحق هو تحقيق العبودية لله بكلِّ وجه وهو تحقيق محبة الله بكل درجة وبقدر تكميل العبودية تكمل محبة العبد لربه وتكمل محبة الرب لعبده وبقدر نقص هذا يكون نقص هذا؛ وكلما كان في القلب حبٌّ لغير الله كانت فيه عبودية لغير الله بحسب ذلك وكلَّما كان فيه عبودية لغير الله كان فيه حبٌّ لغير الله بحسب ذلك، وكلُّ محبَّةٍ لا تكون لله فهي باطلة، وكل عمل لا يراد به وجه الله فهو باطل، فالدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ما كان لله، ولا يكون لله إلا ما أحبَّه الله ورسوله وهو المشروع، فكلُّ عمل أريد به غير الله لم يكن لله، وكلُّ عمل لا يوافق شرع الله لم يكن لله بل لا يكون لله إلا ما جمع الوصفين: أن يكون لله وأن يكون موافقًا لمحبة الله ورسوله وهو الواجب والمستحب\" (^٦).\n_________\n(^١) سورة الشورى: ١١.\n(^٢) كتاب التوحيد ١/ ٩٤.\n(^٣) منهاج السُّنَّة ١/ ٤١٣.\n(^٤) ينظر: بدائع الفوائد ٢/ ٢٧٥.\n(^٥) سورة الشمس: ٩.\n(^٦) مجموع الفتاوى ١٠/ ٢١٣.","vol":"1","page":191},{"text":"والملاحظ هو توسُّع المتصوفة في مفهوم المجاهدة، حتى خرجوا عن الشرع في التعبد، قال ابن تيمية: \"ومن عظَّم مطلق السهر والجوع وأمر بهما مطلقًا فهو مخطئ بل المحمود السهر الشرعي والجوع الشرعي، فالسهر الشرعي كما تقدم من صلاة أو ذكر أو قراءة أو كتابة علم أو نظر فيه أو درسه أو غير ذلك من العبادات\" (^١).\n٥ - الحكايات التي يستدل بها على التوكل على الله مع ترك الأخذ بالأسباب.\nقال ابن عجيبة: \"حُكي أنَّ بعض الأولياء ولدت له بنية في آخر عمره وماتت أُمُّها، وحضرته الوفاة فقال له رجلٌ: أوصني عليها أكفلها، قال: لا ولكن إذا نامت فاحملها إلى حرم الله ودعها في الحجر، وامض ودعها في كفالة الله، فلما مات فعل الرجل ذلك وصار يرقبها على بعد، فرأتها أم الخليفة وهي تطوف، فأمرت بحملها لها، فتبنَّتها وربَّتها حتى بلغت وزوجتها لابن الوزير، وأصدقتها عشرين ألف دينار، فانظر حال من توكَّل على كفالة مولاه، وآوى إلى حصن رعايته وحماه\" (^٢).\nونفي الأسباب في التوكل خلاف ما عليه أهل السُّنَّة والجماعة، والتوكل الصحيح لا ينافي الأخذ بالأسباب، التي دلَّ عليها، الكتاب والسُّنَّة بل هي من مقتضيات التوكل، قال الطرطوشي - ﵀ -: \"والتوكُّل والكسب لا يتضادان ...؛ لأن، التوكل محله القلب، والكسب محله الجوارح، ولا يتضاد شيئان في محلين بعدما يتحقق العبد أنَّ المقدور من الله تعالى، فإن تعسَّر شيءٌ فبتقديره وإن اتفق فبتيسيره\" (^٣).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ٢٢/ ٣٠٨.\n(^٢) إيقاظ الهمم، ص ٥١١ - ٥١٢.\n(^٣) سراج الملوك ٢/ ٢٠٧.","vol":"1","page":192},{"text":"وأهل السُّنَّة والجماعة يتوكلون على الله - ﷿ - مع بذل الأسباب، ولا يعلِّقون القلب بها، قال ابن القيم: \"والناس في الأسباب والقوى والطبائع ثلاثة أقسام:\nمنهم: من بالغ في نفيها وإنكارها، فأضحك العقلاء على عقله، وزعم أنه بذلك ينصر الشرع، فجنى على العقل والشرع، وسلَّط خصمه عليه.\nومنهم: من ربط العالم العلوي والسفلي بها بدون ارتباطها بمشيئة فاعل مختار، ومدبّر لها يصرفها كيف أراد، فيسلب قوة هذا ويقيم لقوة هذا قوة تعارضه، ويكف قوة هذا عن التأثير مع بقائها، ويتصرَّف فيها كما يشاء ويختار.\nوهذان طرفان جائران عن الصواب.\nومنهم: من أثبتها خلقًا وأمرًا، قدرًا وشرعًا، وأنزلها بالمحل الذي أنزلها الله به، من كونها تحت تدبيره ومشيئته، وهي طوع المشيئة والإرادة، ومحل جريان حكمها عليها، فيقوي سبحانه بعضها ببعض، ويبطل -إن شاء- بعضها ببعض، ويسلب بعضها قوته وسببيته، ويعريها منها، ويمنعه من موجبها مع بقائها عليه، ليعلم خلقه أنه الفعَّال لما يريد، وأنه لا مستقل بالفعل والتأثير غير مشيئته، وأنَّ التعلق بالسبب دونه كالتعلق ببيت العنكبوت، مع كونه سببًا.\nوهذا بابٌ عظيمٌ نافع في التوحيد، وإثبات الحكم، يوجب للعبد -إذا تبصر فيه- الصعود من الأسباب إلى مسببها، والتعلق به دونها، وأنها لا تضر ولا تنفع إلا بإذنه، وأنه إذا شاء جعل نافعها ضارًّا وضارها نافعًا، ودواءها داءً وداءها دواء، فالالتفات إليها بالكلية شركٌ منافٍ للتوحيد، وإنكار أن تكون أسبابًا بالكلية قدحٌ في الشرع والحكمة، والإعراض عنها -مع العلم بكونها أسبابًا- نقصان في العقل، وتنزيلها منازلها، ومدافعة بعضها ببعض، وتسليط بعضها على بعض، وشهود الجمع","vol":"1","page":193},{"text":"في تفرقها، والقيام بها هو محض العبودية والمعرفة، وإثبات التوحيد والشرع والقدر والحكمة\" (^١).\nوالسبب مقطوع به فمن أكل ليتغذى، أو شرب للري، أو لبس الدرع ليتحصن من العدو، لا يعتبر قدحًا في التوكل، بل أخذنا بالأسباب مأمورين به شرعًا، فنحن نتعبد الله بفعل السبب كما نتعبده بالتوكل (^٢).\nقال تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (^٣).\nقال الشيخ السعدي في هذه الآية: \"دلَّ هذا على وجوب التوكُّل، وعلى أنه بحسب إيمان العبد يكون توكله\" (^٤).\nوقال تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ (^٥).\nقال ابن تيمية: \"فمدحوه سبحانه بأنه نعم الوكيل لما توكلوا عليه بقولهم (حسبنا الله)، أي كافينا الله لا يستحق المدح إن لم يجلب لمن توكل عليه منفعة ويدفع عنه مضرَّة، والله خير من توكل العباد عليه فهو نعم الوكيل يجلب لهم كل خير ويدفع عنهم كل شر\" (^٦).\n_________\n(^١) مدارج السالكين ١/ ٢٧٥.\n(^٢) ينظر: إكمال المعلم بفوائد مسلم ١/ ٦٠٢، بتصرُّف.\n(^٣) سورة المائدة: ٢٣.\n(^٤) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنَّان ١/ ٢٧٧.\n(^٥) سورة آل عمران: ١٧٣.\n(^٦) جامع المسائل، ص ٨٨.","vol":"1","page":194},{"text":"وقال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (^١).\nوقال أيضًا أثناء بيانه لإزالة إشكال من استشكل فهمه لهذه الآية: \"أي الله كافيك وكافي من اتبعك من المؤمنين فلو كانت كفايته للمؤمنين المتبعين للرسول - ﷺ - سواء اتبعوه أو لم يتبعوه لم يكن للإيمان واتباع الرسول ثمة أثر في هذه الكفاية، ولا كان لتخصصهم بذلك معنى وكان هذا نظير أن يقال هو: خالقك وخالق من اتبعك من المؤمنين ومعلوم أنَّ المراد خلاف ذلك، وإذا كان الحسب معنى يختص به بعض الناس علم أنَّ قول المتوكِّل حسبي الله وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ (^٢) أمرٌ مختصٌّ لا مشترك وأنَّ التوكل سبب ذلك الاختصاص والله تعالى إذا وعد على العمل بوعد أو خص أهله بكرامة فلا بدَّ أن يكون بين وجود ذلك العمل وعدمه فرق في حصول تلك الكرامة، وإن كان قد يحصل نظيرها بسبب آخر، فقد يكفي الله بعض من لم يتوكل عليه كالأطفال لكن لا بدَّ أن يكون للمتوكل أثر في حصول الكفاية الحاصلة للمتوكلين فلا يكون ما يحصل من الكفاية بالتوكل حاصلًا مطلقًا وإن عدم التوكل، وقد قال تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ (^٣) فمعقب هذا الجزاء والحكم لذلك الوصف والعمل بحرف الفاء وهي تفيد السبب فدلَّ ذلك على أنَّ ذلك التوكل هو سبب هذا الانقلاب بنعمة من الله - ﷿ - وفضل، وأن هذا الجزاء جزاء على ذلك العمل\" (^٤).\n_________\n(^١) سورة الأنفال: ٦٥.\n(^٢) سورة الطلاق: ٣.\n(^٣) سورة آل عمران: ١٧٣.\n(^٤) جامع المسائل، ص ٨٨.","vol":"1","page":195},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-62>المبحث الخامس:\nدعوى التلقي عن الخضر - ﵇ </span>-\nللخضر - ﵇ - مكانة كبيرة عند الصوفية، ويسعى بعضهم أن يلتقي به ويأخذ عنه العلوم الباطنة، إذ هي المقدمة عندهم، بل اعتقدوا أن تلقي العلم عن الخضر لا يقبل الشك ولا الخطأ، ولم يسلم ابن عجيبة من التأثر بمعتقدات الصوفية في الخضر ومما يوضح ذلك آراؤه فيه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-63>أولًا: رأي ابن عجيبة في الخضر - ﵇ - أنبيٌّ هو أم ولي</span>\nقال في تفسير قول الله تعالى: ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾ (^١) هي الوحي والنبوة، كما يُشعر به تنكير الرحمة، وإضافتها إلى جناب الكبرياء، وقيل: هي سرُّ الخصوصية، وهي الولاية، فالخضر - ﵇ - قيل: إنه نبيٌّ بدليل قوله في قول الله - ﷿ -: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ (^٢) وقيل: وَلِيٌّ (^٣).\nوعند تأمُّل ما ذكره ابن عجيبة نجد أنه لم يجزم في حال الخضر - ﵇ - أنبيٌّ هو أم ولي، وجمهور العلماء على أنه نبيٌّ مرسلٌ من الله - ﷿ -.\nقال الثعلبي (^٤): \"هو نبيٌّ في جميع الأقوال\" (^٥).\n_________\n(^١) سورة الكهف: ٦٥.\n(^٢) سورة الكهف: ٨٢.\n(^٣) البحر المديد ٣/ ٢٨٨.\n(^٤) أبو إسحاق، أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي، مفسِّر، له تفسير (الكشف والبيان عن تفسير القرآن) مشهورٌ بتفسير الثعلبي، وهو من أهل نيسابور، توفي سنة ٤٢٧ هـ. ينظر: وفيات الأعيان ١/ ٧٩ - ٨٠، البداية والنهاية ١٥/ ٦٥٩ هـ.\n(^٥) الزهر النضر في حال الخضر ١/ ٢٨.","vol":"1","page":196},{"text":"وقال القرطبي (^١): \"والخضر نبيٌّ عند الجمهور\" (^٢).\nوقال أبو حيان (^٣): \"والجمهور على أنه نبيٌّ\" (^٤).\nوقال ابن حجر: \" غالب أخباره مع موسى - ﵇ - هي الدالة على تصحيح قول من قال: إنه كان نبيًّا\" (^٥).\nوالقول بعدم نبوته بنى عليه المتبعون له أمورًا مخالفة لما عليه أهل العلم المحققين، وهي:\n١ - أفضلية الوليِّ من النبي (^٦).\n٢ - استطاعة الولي الاستغناء عن محمَّد - ﷺ - كما استغنى الخضر - ﵇ - عن موسى - ﵇ -.\n٣ - لخاتم الأولياء طريق إلى الله - ﷿ - يستغني به عن خاتم الأنبياء (^٧).\nقال ابن القيم: \"فمن ادَّعى أنَّه مع محمد - ﷺ - كالخضر مع موسى، أو جوَّز ذلك لأحدٍ من الأُمَّة فليجدد إسلامه، وليتشهد شهادة الحق؛ فإنَّه بذلك مفارق\n_________\n(^١) أبو العباس، أحمد بن عمر بن إبراهيم بن عمر الأنصاري القرطبي، ولد سنة ٥٧٨ هـ، من مصنفاته: المفهم لما أشكل من كتاب مسلم، الجامع لمقاصد الأصول، توفي سنة ٦٥٦ هـ. ينظر: البداية والنهاية ١٣/ ٢١٣، شذرات الذهب ٥/ ٢٧٣ - ٢٧٤.\n(^٢) الزهر النضر في حال الخضر ١/ ٢٨.\n(^٣) أبو عبد الله، محمد بن يوسف بن علي بن حيان الأندلسي الجياني الغرناطي، الإمام الكبير في العربية والبلاغة والتفسير، ولد سنة ٦٥٤ هـ، ونشأ في غرناطة الأندلس، ورحل إلى مالقة، ثم أقام في القاهرة وتوفي فيها، سنة ٧٤٥ هـ. ينظر: الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة ٥/ ٧٠، الأعلام ٧/ ١٥٢.\n(^٤) البحر المحيط ٧/ ٢٠٤.\n(^٥) الزهر النضر في حال الخضر ١/ ٦٨.\n(^٦) سيأتي بحث المسألة في موضعه إن شاء الله.\n(^٧) ينظر: مجموع الفتاوى ٢٤/ ٣٣٩.","vol":"1","page":197},{"text":"لدين الإسلام بالكلية، فضلًا عن أن يكون من خاصَّة أولياء الله، وإنما هو من أولياء الشيطان وخلفائه ونوَّابه، وهذا الموضع مقطع ومفرق بين زنادقة القوم، وبين أهل الاستقامة منهم، فحرِّكْ تَرَه\" (^١).\nومن أدلتهم على كونه نبيًّا:\n١ - قال تعالى: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ (^٢).\n٢ - قال تعالى: ﴿قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ (^٣).\nقال ابن كثير - ﵀ -: \"فلو كان وليًّا وليس بنبيٍّ لم يخاطبه موسى - ﵇ - بهذه المخاطبة، ولم يرد على موسى - ﵇ - هذا الرد، بل موسى - ﵇ - إنما سأل صحبته لينال ما عنده من العلم الذي اختصه الله - ﷿ - به دونه، فلو كان غير نبيٍّ لم يكن معصومًا، ولم تكن لموسى - ﵇ - وهو نبيٌّ عظيمٌ ورسولٌ كريمٌ واجبُ العصمة كبيرُ رغبةٍ ولا عظيمُ طَلِبَة في علمِ وليٍّ غيرِ واجب العصمة، ثمَّ لما اجتمع به تواضع له وعظَّمه واتبعه في صورة مستفيد منه، دلَّ على أنَّه نبيٌّ مثلُهُ يُوحى إليه كما يُوحى إليه\" (^٤).\n_________\n(^١) مدارج السالكين ٢/ ٤٩٦.\n(^٢) سورة الكهف: ٨٢.\n(^٣) سورة الكهف: ٦٦ - ٧٠.\n(^٤) البداية والنهاية ٢/ ٢٤٨ - ٢٤٩، وينظر: تفسير ابن كثير ٥/ ١٧٠.","vol":"1","page":198},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-64>ثانيًا: زعم ابن عجيبة أنَّ الخضر - ﵇ - حيٌّ وأنه خاطبه</span>\nيزعم ابن عجيبة أنَّ الخضر - ﵇ - حيٌّ قال: \"وقال جمهور الأولياء: أنه حي، وقد لقيه كثيرٌ من الصلحاء والأولياء، حتى تواتر عنهم حياته\" (^١).\nوأورد قصة لقائه مع الخضر.\nقال: \"وقد التقيت مع الخضر - ﵇ - في مقصورة جامع الجعيدي أخذتني الغيبة فرأيته رجلًا ضخمًا كبير اللحية فقرَّب مني حتى مسَّ شعر لحيته وجهي، وتكلَّمت معه بكلام غاب عنِّي اليوم لطول العهد به\" (^٢).\nودلَّ على ذلك إقراره للقصة التي نقلها ولم يعلَّق عليها.\nوالقصة عن أحد الصوفية أنه رأى النبي - ﷺ - في المنام وسلَّم عليه وقال له: \"يا رسول الله - ﷺ -، إن الخضر أخبرني أنه سمع منك هذا الحديث، فقال - ﷺ -: صدق الخضر وكل ما يحكيه حق، وهو عالم أهل الأرض، وهو رئيس الأبدال، وهو جنود الله في الأرض\" (^٣).\nبل قال ابن عجيبة أثناء ذكره لآداب المريد مع الشيخ:\nوسلِّم له فيما تراه وإن يكن ... على غيرِ مشروعٍ فثمَّ مخادعُ\nوفي قصةِ الخضرِ الكريمِ كفايةٌ ... بقتلِ غلامٍ والكليمُ يدافعُ (^٤)\n\nوهذا قياسٌ مع الفارق، فقتل الغلام دليل على نبوة الخضر - ﵇ -.\nقال ابن كثير - ﵀ -: \"إنَّ الخضر أقدم على قتل ذلك الغلام وما ذاك إلا للوحي\n_________\n(^١) البحر المديد ٣/ ٢٨٨.\n(^٢) الفهرسة، ص ٧٥.\n(^٣) اللوائح القدسية في شرح الوظيفة الزروقية، ص ١٥٦.\n(^٤) الفهرسة، ص ٦٦.","vol":"1","page":199},{"text":"إليه من الملك العلَّام، وهذا دليلٌ مستقلٌ على نبوته وبرهان ظاهر على عصمته؛ لأن الولي لا يجوز له الإقدام على قتل النفوس بمجرَّد ما يلقى في خلده؛ لأن خاطره ليس بواجب العصمة إذ يجوز عليه الخطأ بالاتفاق\" (^١).\nوربما تلبَّس الشيطان بشخصية الخضر فظنوا أنه هو قال ابن الجوزي: \"وربما ظهر الشَّيْطَان لشخصٍ فكلَّمه، وربما قَالَ بَعْض المتهمين لبعض: أنا الخضر، وأعجب الأشياء أَن يصدق القائل أنا الخضر وليس لنا فِيهِ علامة نعرفه بها، وَقَدْ جمعت كتابًا سمَّيته (عجالة المنتظر بشرح حال الخضر)، وذكرت فِيهِ هذه الأحاديث والحكايات ونظائرها وبيَّنت خطأها فلم أر الإطالة بِذَلِكَ هاهنا\" (^٢).\nوأما دعوى ابن عجيبة أنه التقى مع الخضر، وأنه حيٌّ فدعوى لا مستند لها من الصحة بل مصادمة للنصوص الواضحة في موت الخضر، ثم يقال لابن عجيبة ما الفائدة التي عادت عليك بهذا الوهم، هل اتبعت شرع النبي محمد - ﷺ - ولم تخرج عن أوامره ونهيه وحاربت البدع والترهات الصوفية؟؛ لأن الخضر لوكان حيًّا لما وسعه أن يخرج عن شريعة النبي - ﷺ - قال ابن تيمية - ﵀ -: \"وكثير من الناس رأى من قال إني أنا الخضر وإنما كان جنيًّا، ثم صار من الناس من يكذب بهذه الحكايات إنكارًا لموت الخضر، والذين قد عرفوا صدقها يقطعون بحياة الخضر، وكلا الطائفتين مخطئٌ فإن الذين رأوا من قال إني أنا الخضر هم كثيرون صادقون والحكايات متواترات؛ لكن أخطئوا في ظنهم أنه الخضر وإنما كان جنيًّا\" (^٣).\nوقال أيضًا: \"كلُّ من ادعى أنه رأى الخضر، أو رأى من رأى الخضر أو سمع\n_________\n(^١) البداية والنهاية ٢/ ٢٤٩.\n(^٢) المنتظم في تاريخ الأمم والملوك ١/ ٨٨.\n(^٣) مجموع الفتاوى ١٣/ ٩٣.","vol":"1","page":200},{"text":"شخصًا رأى الخضر أو ظنَّ الرائي أنه الخضر، أن كل ذلك لا يجوز إلا على الجهلة المخرفين الذين لا حظ لهم من علم، ولا عقل، ولا دين بل هم من الذين لا يفقهون ولا يعقلون\" (^١).\nوما زعمه ابن عجيبة بأنَّ الخضر سلَّم عليه، فهذا خطأ، قال ابن كثير - ﵀ -: \"وهم يذكرون الله - ﷿ - في حكاياتهم، وما يستندونه عن بعض مشايخهم أنَّ الخضر يأتي إليهم، ويسلِّم عليهم، ويعرف أسماءهم ومنازلهم ومحالهم، وهو مع هذا لا يعرف موسى بن عمران - ﵇ - كليم الله - ﷿ - الذي اصطفاه الله في ذلك الزمان على من سواه، حتى يتعرَّف إليه بأنَّه موسى بني إسرائيل\" (^٢).\n\nو<span data-type=\"title\" id=toc-65>الأدلة النقلية والعقلية كافية برد شبهات القائلين بحياة الخضر - ﵇ </span>-:\n<span data-type=\"title\" id=toc-66>أولًا: الأدلة النقلية</span>\nقال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ (^٣).\nقال ابن كثير: \"فالخضر إن كان بشرًا فقد دخل في هذا العموم لا محالة، ولا يجوز تخصيصه منه إلا بدليل، والأصل عدمه حتى يثبت، ولم يذكر ما فيه دليل على التخصيص عن معصوم يجب قبوله\" (^٤).\nوقال الشنقيطي (^٥): \"الذي يظهر لي رجحانه بالدليل في هذه المسألة أنَّ\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ٢٧/ ٤٥٨.\n(^٢) البداية والنهاية ٢/ ٢٥٦.\n(^٣) سورة الأنبياء: ٣٤.\n(^٤) البداية والنهاية ٢/ ٢٦٥.\n(^٥) هو: محمد الأمين بن محمد المختار بن عبد القادر بن محمد بن أحمد نوح بن محمد بن سيدي بن أحمد المختار الجكني، يرجع نسبة إلى قبيلة حمير، ولد سنة ١٣٢٥ هـ، قدم لأداء فريضة الحج عام ١٣٦٧ هـ، ثم قدم المدينة فالتقى بالشيخين الشيخ عبد الله بن زاحم - ﵀ - والشيخ عبد العزيز بن صالح - ﵀ - وتوطَّدت العلاقة بين الطرفين، وتجدَّدت رغبة متبادلة لإفادة المسلمين، له مصنفات عدة منها: أضواء البيان، الرِّحلة إلى الحج، شرح مراقي السعود، وكانت وفاته ضحى يوم الخميس ١٧/ ١٢/١٣٩٣ هـ، بمكة المكرَّمة، ودفن في مقبرة المعلاة ليلة الأحد ٢٠/ ١٢/١٣٩٣ هـ. ينظر: ترجمة الشيخ بقلم تلميذه الشيخ عطيه محمد سالم في مقدمة أضواء البيان ١/ ٧.","vol":"1","page":201},{"text":"الخضر ليس بحيٍّ بل تُوفي، وذلك لعدة أدلة أمور: فقوله (لبشر) نكرة في سياق النفي فهي تعمُّ كلَّ بشر، فيلزم من ذلك نفي الخلد عن كل بشر من قبله، والخضر بشرٌ من قبله، فلو كان شرب من عين الحياة وصار حيًّا خالدًا إلى يوم القيامة لكان الله - ﷿ - قد جعل لذلك البشر الذي هو الخضر من قبله الخلد\" (^١).\nوقال تعالي: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ (^٢).\nيقول ابن كثير - ﵀ -: \"فالخضر إن كان نبيًّا أو وليًّا فقد دخل في هذا الميثاق، فلو كان حيًّا في زمن رسول الله - ﷺ - لكان أشرف أحواله، أن يكون بين يديه، يؤمن بما أنزل الله - ﷿ - عليه، وينصره أن يصل أحدٌ من الأعداء إليه ... وهذا عيسى ابن مريم - ﵇ - إذا نزل في آخر الزمان يحكم بهذه الشريعة المطهرة لا يخرج منها\" (^٣).\nوقال ابن تيمية - ﵀ -: \"والصواب الذي عليه المحققون أنه ميت وأنه لم يدرك الإسلام ولو كان موجودًا في زمن النبي - ﷺ - لوجب عليه أن يؤمن به ويجاهد معه كما أوجب الله - ﷻ - ذلك عليه وعلى غيره، ولكان يكون في مكة والمدينة، ولكان يكون حضوره مع الصحابة - ﵃ - للجهاد معهم وإعانتهم على الدين أولى به من حضوره\n_________\n(^١) أضواء البيان ٤/ ١٢٦.\n(^٢) سورة آل عمران: ٨١.\n(^٣) البداية والنهاية ٢/ ٢٦٦.","vol":"1","page":202},{"text":"عند قوم كُفَّار ليرقع لهم سفينتهم، ولم يكن مختفيًا عن خير أُمَّة أخرجت للناس وهو قد كان بين المشركين ولم يحتجب عنهم ... وإذا كان الخضر حيًا دائمًا فكيف لم يذكر النبي - ﷺ - ذلك قط ولا أخبر به أمته، ولا خلفاؤه الراشدون؟! \" (^١).\nدلالة السُّنَّة على موته:\nعن عبد الله بن عباس - ﵄ - قال: حدثني عمر بن الخطاب - ﵁ - قال: لما كان يوم بدر نظر رسول الله - ﷺ - إلى المشركين وهم ألف وأصحابه ثلاثمائة وتسعة عشر رجلًا فاستقبل نبي الله - ﷿ - - ﷺ - القبلة ثم مد يديه فجعل يهتف بربه «اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم آت ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض» (^٢).\nقال الشيخ الشنقيطي - ﵀ -: \"ومحلُّ الشاهد منه قوله - ﷺ -: «لا تعبد في الأرض» فعل في سياق النفي فهو بمعنى: لا تقع عبادة لك في الأرض; لأن الفعل ينحلُّ عن مصدر وزمن عند النحويين، وعن مصدر ونسبة وزمن عند كثير من البلاغيين، فالمصدر كامن في مفهومه إجماعًا، فيتسلَّط عليه النفي فيؤول إلى النكرة في سياق النفي، وهي من صيغ العموم ... ثم قال: \"فإذا علمت أنَّ معنى قوله - ﷺ -: «إن تهلك هذه العصابة لا تُعبد في الأرض» أي لا تقع عبادة لك في الأرض، فاعلم أن ذلك النفي يشمل بعمومه وجود الخضر حيًّا في الأرض؛ لأنه على تقدير وجوده حيًّا في الأرض فإن الله - ﷿ - يعبد في الأرض، ولو على فرض هلاك تلك العصابة من أهل الإسلام؛ لأن الخضر مادام حيًّا فهو يعبد الله - ﷿ - في الأرض\" (^٣).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ١٧/ ١٠٠.\n(^٢) أخرجه مسلم، كتاب الجهاد والسِّير، باب الإمداد بالملائكة في غزوة بدر ٣/ ١٣٨٣، رقم ٤٦٨٧.\n(^٣) أضواء البيان ٤/ ١٢٧.","vol":"1","page":203},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-67>ثانيًا: الأدلة العقلية على موت الخضر - ﵇ </span>-\nذكر ابن القيم جملة من هذه الأدلة فقال: \"أمَّا الدليل المعقول من موت الخضر - ﵇ - فمن عشرة أوجه:\nمنها:\nأحدها: أنَّ الذي أثبت حياته يقول إنه ولد آدم لصلبه وهذا فاسد لوجهين:\nأحدهما: أن يكون عمره الآن ستة آلاف سنة ... ومثل هذا بعيد في العادات أن يقع في حق البشر.\nوالثاني: أنه لو كان ولده لصلبه أو الرابع من ولد ولده كما زعموا، وأنه كان وزير ذي القرنين فإن تلك الخلقة ليست على خلقتنا بل مفرط في الطول والعرض، وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة - ﵁ - عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: «خلق الله آدم طوله ستون ذراعًا فلم يزل الخلق ينقص بعد» (^١).\nالوجه الثالث: أنه لو كان الخضر قبل نوح لركب معه في السفينة ولم ينقل هذا أحد.\nالوجه الرابع: أنه قد اتفق العلماء أن نوحًا لما نزل من السفينة مات من كان معه ثم مات نسلهم ولم يبق غير نسل نوح، والدليل على هذا قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾ (^٢)، وهذا يبطل قول من قال: إنه كان قبل نوح.\nوالوجه الخامس: أنَّ هذا لو كان صحيحًا أنَّ بشرًا من بني آدم يعيش من حين يولد إلى آخر الدهر ومولده قبل نوح لكان هذا من أعظم الآيات والعجائب وكان خبره في القرآن مذكورًا في غير موضع؛ لأنه من أعظم آيات الربوبية، وقد ذكر\n_________\n(^١) أخرجه مسلم، كتاب الجنَّة وصفة نعيمها وأهلها، باب أول زمرة تدخل الجنة على صورة آدم ٤/ ٢١٧٨، رقم ٢٨٤١.\n(^٢) سورة الصافات: ٧٧.","vol":"1","page":204},{"text":"الله - ﷾ - من أحياه ألف سنة إلا خمسين عامًا وجعله آيةً فكيف بمن أحياه إلى آخر الدهر، ولهذا قال بعض أهل العلم: ما ألقى هذا بين الناس إلا شيطان.\nالوجه السادس: أنَّ القول بحياة الخضر قول على الله بلا علم وذلك حرامٌ بنصِّ القرآن، قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ (^١).\nأما المقدمة الثانية فظاهره، وأما الأولى فإنَّ حياته لو كانت ثابتة لدلَّ عليها القرآن أو السُّنَّة أو إجماع الأُمَّة فهذا كتاب الله تعالى فأين فيه حياة الخضر وهذه سُنَّة رسول الله - ﷺ - فأين فيها ما يدلُّ على ذلك بوجه، وهؤلاء علماء الأمة هل أجمعوا على حياته؟.\nالوجه السابع: أنه لو كان حيًّا لكان جهاده الكفار ورباطه في سبيل الله - ﷿ - ومقامه في الصف ساعة وحضوره الجمعة والجماعة، وتعليمه العلم أفضل له بكثير من سياحته بين الوحوش في القفار والفلوات، وهل هذا إلا من أعظم الطعن عليه والعيب له\" (^٢).\nالوجه الثامن: أن الأمة مجمعة على أن الذي يقول: أنا الخضر، لو قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: كذا وكذا، لم يلتفت إلى قوله ولم يحتج به في الدين إلا أن يقال إنه لم يأت إلى رسول الله - ﷺ - ولا بايعه، أو يقول هذا الجاهل إنه لم يرسل إليه وفي هذا من الكفر ما فيه.\nوالقول الحق الذي عليه أهل السُّنَّة والجماعة وسلف الأُمَّة بأنَّ الخضر نبيٌّ مرسلٌ من الله - ﷿ - ومات كما يموت بني آدم.\n_________\n(^١) سورة الإسراء: ٣٦.\n(^٢) المنار المنيف، ص ٧٣ - ٧٧.","vol":"1","page":205},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-68>الباب الثاني: آراء ابن عجيبة في أصول الإيمان ومسائله</span>\nوفيه سبعة فصول:\nالفصل الأول: آراؤه في الإيمان بالله\nالفصل الثاني: آراؤه في الإيمان بالملائكة\nالفصل الثالث: آراؤه في الإيمان بالكتب\nالفصل الرابع: آراؤه في الإيمان بالرسل والأنبياء\nالفصل الخامس: آراؤه في الإيمان باليوم الآخر\nالفصل السادس: آراؤه في الإيمان بالقدر\nالفصل السابع: آراؤه في مسائل الإيمان","vol":"1","page":207},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-69>الفصل الأول: آراؤه في الإيمان بالله</span>\nوفيه ثلاث مباحث:\nالمبحث الأول: مسائل الربوبية\nالمبحث الثاني: مسائل الأسماء والصفات\nالمبحث الثالث: مسائل الألوهية","vol":"1","page":209},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-70>المبحث الأول: مسائل الربوبية</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-71>أولًا: تعريف التوحيد في اللغة</span>\nقال الخليل الفراهيدي: \"الوَحَدُ: المُنْفَرِدُـ رجلٌ وَحَدٌ، وثورٌ وَحَدٌ، وتفسير الرُّجلِ الوَحِد: الذي لا يُعْرَفُ له أَصْلٌ، ... ووَحَدَ الشَّيْءُ فهو يحد حدة، وكل شيءٍ على حدة بائن من آخر، يقال: ذلك على حدته وهما على حدتهما، وهم على حدتهم، والرَّجل الوحيد ذو الوحدة، وهو المنفرد لا أنيس معه، وقد وحد يوحد وحادة ووحدة ووحدًا، والتوحيد: الإيمان بالله وحده لا شريك له، والله الواحد الأحد ذو التوحُّد والوحدانية\" (^١).\nقال ابن فارس: \"الواو، والحاء والدال أصلٌ واحدٌ يدلُّ على الانفراد، من ذلك: الوحدة، وهو واحد في قبيلته، إذ لم يكن فيهم مثله ... ولقيت القوم موحد، ولقيته وحده، ولا يضاف إلا في قولهم: نسيج وحده، وعيير وحده، وجحيش وحده، ونسيج وحده، أي: لا ينسج غيره لنفاسته، وهو مثل، والواحد: المنفرد\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-72>ثانيًا: تعريف التوحيد اصطلاحًا</span>\nقال الطحاوي (^٣): \"نقول في توحيد الله معتقدين بتوفيق الله: إن الله واحد لا شريك له، ولا شيء مثله، ولا شيء يعجزه، ولا إله غيره\" (^٤).\n_________\n(^١) العين ٣/ ٢٨٠ - ٢٨١.\n(^٢) مقاييس اللغة ٦/ ٩٠ - ٩١.\n(^٣) هو أبو جعفر، أحمد بن محمد بن سلامة بن سلمة الأزدي، الطحاوي، ولد سنة ٢٣٨ هـ، انتهت إليه رئاسة أصحاب أبي حنيفة في زمانه، وروى عنه خلق كثير منهم: أبو محمد عبد العزيز الجوهري قاضي الصعيد، وأبو بكر محمد بن إبراهيم المقري الحافظ، وله مصنفات منها: معاني الآثار، مشكل الآثار، كانت وفاته سنة ٣٢١ هـ. ينظر: الطبقات السنية في تراجم الحنفية ١/ ١٣٦.\n(^٤) متن الطحاوية، ص ٣١.","vol":"1","page":211},{"text":"والقرآن كلُّه توحيد من فاتحته إلى خاتمته، قال ابن القيم: \"كل سورة في القرآن فهي متضمِّنة لنوعي التوحيد، بل نقول قولًا كليًّا: إنَّ كل آية في القرآن فهي متضمِّنة للتوحيد، شاهدة به، داعية إليه، فإنَّ القرآن: إمَّا خبرٌ عن الله، وأسمائه وصفاته وأفعاله، فهو التوحيد العلمي الخبري، وإمَّا دعوة إلى عبادته وحده لا شريك له، وخلع كل ما يعبد من دونه، فهو التوحيد الإرادي الطلبي، وإمَّا أمرٌ ونهي، وإلزامٌ بطاعته في نهيه وأمره، فهي حقوق التوحيد ومكملاته، وإمَّا خبرٌ عن كرامة الله لأهل توحيده وطاعته، وما فعل بهم في الدنيا، وما يكرمهم به في الآخرة، فهو جزاء توحيده، وإمَّا خبرٌ عن أهل الشرك، وما فعل بهم في الدنيا من النكال، وما يحلُّ بهم في العقبى من العذاب، فهو خبرٌ عمَّن خرج عن حكم التوحيد\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-73>ثالثًا: تعريف توحيد الربوبية في اللغة والاصطلاح</span>\nمصدر ربَّ يرُبُّ ربابةً ورُبُوبية (^٢)، قال ابن فارس: \"الراء والباء يدل على أصول:\nفالأول: إصلاحُ الشِّيء والقيام عليه ...، الآخر: لزوم الشَّيء والإقامة عليه ...، الثالث: ضمُّ الشَّيء للشَّيء، ومتى أمعن النظر كان الباب كله قياسًا واحدًا\" (^٣).\nوالرَّبُّ يطلق في اللغة على: \"المالك، والسيِّد، والمدبِّر، والمربِّي، والقيِّم، والمنعم\" (^٤).\nويطلق الرَّبُّ في الشرع ويراد به عين معناه في اللغة.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"الرَّبُّ- سبحانه: هو المالك، المدبِّر، المعطي،\n_________\n(^١) مدارج السالكين ٤/ ٤٤٢\n(^٢) اشتقاق أسماء الله تعالى، ص ٣٢.\n(^٣) ينظر: مقاييس اللغة، ص ٣٧٨.\n(^٤) لسان العرب ١/ ٣٩٩، وينظر: القاموس المحيط، ص ١١١.","vol":"1","page":212},{"text":"المانع، الضار، النافع، الخافض، الرافع، المعز، المذل\" (^١).\nوقال ابن القيم: \"الرَّب: هو السيِّد، والمالك، والمنعم، والمربِّي، والمصلح، والله هو الرَّب بهذه الاعتبارات كلها\" (^٢).\nتعريف توحيد الربوبية في الاصطلاح:\nقال شيخ الإسلام: \"هو الإقرار بأنَّ الله خالق كل شيءٍ وربه\" (^٣)، وقال أيضًا: \"فتوحيد الربوبية: أنه لا خالق إلا الله، فلا يستقل شيءٌ سواه بإحداث أمرٍ من الأمور، بل ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن\" (^٤).\nوقال الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب (^٥): \"هو الإقرار بأنَّ الله تعالى ربُّ كل شيءٍ ومالكه وخالقه ورازقه، وأنه المحيي المميت النافع الضار، المتفرد بإجابة الدعاء عند الاضطرار، الذي له الأمر كله، وبيده الخير كله، القادر على ما يشاء، ليس له في ذلك شريك، ويدخل في الإيمان والقدر\" (^٦).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ١/ ٩٢.\n(^٢) بدائع الفوائد ٤/ ١٣٢.\n(^٣) بدائع الفوائد ١١/ ٥٠، وينظر: منهاج السُّنَّة النبوية ٣/ ٢٨٩.\n(^٤) مجموع الفتاوى ١٠/ ٣٣١.\n(^٥) سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب، من آل الشيخ، الفقيه المحدث الأصولي، ولد سنة ١٢٠٠ هـ في بلدة الدرعية، ومن شيوخه: الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وجده الشيخ عبد الله، والشيخ حمد بن ناصر بن عثمان بن معمَّر، والشيخ عبد الله بن فاضل من علماء الدرعية، ومن تلاميذه: الشيخ محمد بن سلطان، والشيخ عبد الرحمن بن عبد الله، ومن مصنفاته: تحفة الناسك بأخبار المناسك، تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد، توفي سنة ١٢٣٣ هـ، وكان عمره ٣٣ سنة، ينظر: علماء نجد خلال ثمانية قرون ١/ ١٢٧، الأعلام ٣/ ١٢٩، مشاهير علماء نجد وغيرهم ١/ ٤٤.\n(^٦) تيسير العزيز الحميد، ص ١٧، وينظر: شرح الطحاوية، لابن أبي العز الحنفي ١/ ٢٥.","vol":"1","page":213},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-74>رابعًا: تعريف ابن عجيبة لتوحيد الربوبية لغة</span>\nقال ابن عجيبة: \" (رب) مصدر بمعنى التربية، وهو تبليغ الشيء إلى كماله شيئًا فشيئًا، ثم وصف به للمبالغة كالصوم والعدل، وقيل هو وصف من ربَّه يربُّه، وأصله: ربَبَ، ثم ادغم، سُمِّي به المالك؛ لأنه يحفظ ما يملكه ويربيه\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-75>خامسًا: تعريف التوحيد اصطلاحًا</span>\nقال ابن عجيبة: \"الحقُّ واحد في ذاته وفي صفاته، وفي أفعاله فلا شيءَ قبله ولا شيءَ بعده ولا شيءَ معه\" (^٢).\nوعرَّفه بقوله: \"إفراد الحق بالوجود في الأزل والأبد\" (^٣).\nوقال أيضًا: \"نهاية توحيد الواصلين من العارفين والمريدين السائرين: توحيد الذات، فلا يشهدون إلا الله، ولا يرون معه سواه\" (^٤).\nبل ذهب إلى أبعد من هذا حين قال في موضع آخر: \"كلُّ ما يدلُّ على التوحيد من الألفاظ يكفي في الدخول في الإسلام\" (^٥).\nوهذه التعاريف التي أوردها ابن عجيبة للتوحيد قد اشتملت على مخالفات عقدية وهي:\n١ - أنه في التعريفات السابقة لا يقرر إلا توحيد الربوبية فقط وأخرج منه التوحيد الذي بعث به الرُّسل ﵈ وخلق الخليقة من أجله ألا وهو توحيد الألوهية.\n_________\n(^١) البحر المديد ١/ ٥٤.\n(^٢) إيقاظ الهمم، ٧١.\n(^٣) معراج التشوف إلى حقائق التصوف، ص ٢٩.\n(^٤) البحر المديد ٢/ ٦٦.\n(^٥) المرجع نفسه ١/ ٦٩.","vol":"1","page":214},{"text":"يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في رده على من سلك هذا المسلك أنهم \"ظنُّوا أنَّ التوحيد ليس إلا الإقرار بتوحيد الربوبية، وأنَّ الله خلق كل شيء، وهو الذي يسمونه توحيد الأفعال\" (^١).\n٢ - أنه جعل توحيد الربوبية هو الغاية، إذ فسَّر معنى لا إله إلا الله بـ \"لا موجود إلا الله\" (^٢)، وهذا التفسير باطل، ومعلوم أنَّ كفَّار قريش يقرون بتوحيد الربوبية، وقد يقول قائل: هذا تفسير ابن عجيبة بين أيدينا وكتبه تحثُّ على العبادة والطاعة لله، فكيف لا يعرف من التوحيد سوى توحيد الربوبية، فيجاب عليه أنه يرى توحيد الألوهية من عموم الدين الإسلامي، لكنه لا يرى أنه من حقيقة التوحيد الذي يقع في الشرك مخالفُه، بدليل قوله: كل لفظ من التوحيد يكفي في الدخول في الإسلام، قال ابن تيمية: \"وإذا تبيَّن أنَّ غاية ما يقرره هؤلاء النظَّار، أهل الإثبات للقدر المنتسبون إلى السُّنَّة، إنما هو توحيد الربوبية، وأن الله ربُّ كلِّ شيءٍ ومع هذا فالمشركون كانوا مقرين بذلك مع أنهم مشركون، وكذلك طوائف من أهل التصوف والمنتسبين إلى المعرفة والتحقيق والتوحيد غاية ما عندهم من التوحيد هو شهود هذا التوحيد وأن يشهد أن الله ربُّ كلِّ شيءٍ ومليكه وخالقه، لا سيِّما إذا غاب العارف (^٣) بموجوده عن وجوده، وبمشهوده عن شهوده، وبمعروفه عن معرفته، ودخل في فناء توحيد الربوبية، بحيث يفنى من لم يكن، ويبقى من لم يزل فهذا عندهم هو\n_________\n(^١) اقتضاء أصحاب الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم ٢/ ٣٨٦.\n(^٢) الجواهر العجيبة، ص ١١٥.\n(^٣) العارف: هو المستغرق في معرفة الله ومحبته. ينظر: الكليات، ص ٤٩٠، وقيل في الفرق بين العارف والمؤمن: أنَّ المؤمن عند الصوفية ينظر بنور الله والعارف ينظر بالله، وللمؤمن قلب وليس للعارف قلب، وقلب المؤمن يطمئن بذكر الله، والعارف لا يطمئن بسواه. ينظر: معجم المصطلحات الصوفية، ص ١٨١.","vol":"1","page":215},{"text":"الغاية التي لا غاية وراءها، ومعلوم أن هذا هو تحقيق ما أقرَّ به المشركون من التوحيد، ولا يصير الرجل بمجرد هذا التوحيد مسلمًا فضلًا عن أن يكون وليًّا لله أو من سادات الأولياء\" (^١).\nومعلوم لدى أهل السُّنَّة والجماعة وفق فهم سلف الأُمَّة أنَّ التوحيد الذي دعت إليه الرُّسل، هو توحيد الألوهية المتضمِّن لتوحيد الربوبية، وأول ما يتعلق القلب بتوحيد الربوبية، ثم يرتقي إلى توحيد الألوهية.\n٣ - اشتماله على العبارات المجملة التي لا يتصور أكثر الناس مراد أهل الاصطلاح منها (^٢).\n٤ - اشتملت تعاريفه للتوحيد على قول الاتحادية القائلين بأنَّ وجود الخالق هو وجود المخلوق أو قول: الوجود واحد وهو الله ولا أرى الواحد ولا أرى الله، أو لا يشار إليه، وهذه ألفاظ باطلة مخالفة لما عليه السلف الصالح من الرجوع إلى الوحيين، فيما يقولون به عن الله ودينه (^٣).\n٥ - أنه فسَّر التوحيد بتفسير لم يدل عليه الكتاب والسُّنَّة ولا قاله أحدٌ من سلف الأمة وأئمتها، واتبع المتكلمين الذين يجعلون نفي الصفات أو بعضها من التوحيد (^٤) إذ أشهر أنواع التوحيد عندهم هو توحيد الأفعال، ويعني أنَّ خالق العالم واحد، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"فإنَّ عامة المتكلمين الذين يقررون التوحيد في كتب الكلام والنظر: غايتهم أن يجعلوا التوحيد (ثلاثة أنواع)، فيقولون: هو واحد في\n_________\n(^١) التدمرية، ص ١٨٦ - ١٨٧.\n(^٢) ينظر: الصفدية ٢/ ٢٢٩.\n(^٣) المرجع نفسه ٢/ ٢٢٤.\n(^٤) ينظر: تلبيس الجهمية ١/ ٤٢٨، وينظر: التدمرية، ص ١٨٤.","vol":"1","page":216},{"text":"ذاته لا قسيم له، وواحد في صفاته لا شبيه له، وواحد في أفعاله لا شريك له، وأشهر الأنواع الثلاثة عندهم هو الثالث وهو \"توحيد الأفعال\" وهو أنَّ خالق العالم واحد، وهم يحتجون على ذلك بما يذكرونه من دلالة التمانع وغيرها ويظنون أنَّ هذا هو التوحيد المطلوب، وأنَّ هذا هو معنى قولنا (لا إله إلا الله) حتى يجعلوا معنى الإلهية القدرة على الاختراع\" (^١).\nووضح ابن تيمية مقصود الأشاعرة من هذا التقسيم فقال: \"وليس مرادهم بأنه لا ينقسم ولا يتبعَّض أنه لا ينفصل بعضه عن بعض، وأنه لا يكون إلهين اثنين، ونحو ذلك مما يقول نحوًا منه النصارى والمشركون، فإن هذا مما لا ينازعهم فيه المسلمون، وهو حقٌّ لا ريب فيه، وكذلك كان علماء السلف ينفون التبعيض عن الله بهذا المعنى، وإنما مرادهم بذلك أنه لا يشهد ولا يرى منه شيءٌ دون شيء، ولا يدرك منه شيءٌ دون شيء، بحيث إنه ليس له في نفس حقيقة عندهم قائمة بنفسها يمكنه هو أن يشير منها إلى شيء دون شيء، أو يرى عباده منها شيئًا دون شيء بحيث إذا تجلَّى لعباده يريهم من نفسه المقدسة ما شاء، فإن ذلك غير ممكن عندهم، ولا يتصور عندهم أن يكون العباد محجوبين عنه بحجاب منفصل عنهم يمنع أبصارهم عن رؤيته، فإن الحجاب لا يحجب ما هو جسم منقسم ولا يتصور عندهم أن الله يكشف عن وجهه الحجاب ليراه المؤمنون، ولا أن يكون على وجهه حجاب أصلًا، ولا أن يكون بحيث يلقاه العبد أو يصل إليه أو يدنو منه أو يقرب إليه في الحقيقة، فهذا ونحوه هو المراد عندهم بكونه لا ينقسم، ويسمون ذلك نفي التجسيم، إذ كل ما ثبت له ذلك كان جسمًا منقسمًا مركَّبًا، والبارئ منزَّه عندهم عن هذه المعاني\" (^٢).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ٣/ ٩٧، والتدمرية، ص ١٨٥.\n(^٢) التسعينية ٣/ ٧٨٠.","vol":"1","page":217},{"text":"وعلَّق الدكتور عبد الرحمن المحمود على قول الأشاعرة بقوله: \"وجماع المعاني التي قصدوها بقولهم هذا: أنه تعالى عن قولهم ليس قائمًا بنفسه، ولا بائنًا من خلقه ولا على العرش استوى، وأنه لا يُشار إليه في جهة العلو، وهذا ما يعبرون عنه بنفي الجسمية والتحيُّز، والجهة، وكل متحيِّز فهو منقسم، وكل منقسم فهو ليس بأحد، وهكذا صار حقيقة التوحيد والواحد والأحد عند هؤلاء نفي صفات الله الخبرية، ونفي علوه على عرشه\" (^١).\nوهذا المفهوم للتوحيد غريب على اللسان العربي، والقرآن نزل بلغة العرب، ولم يرد استخدام الواحد في القرآن والسُّنَّة إلَاّ فيما سمَّاه هؤلاء منقسمًا مثل قوله تعالى: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ﴾ (^٢)، وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ (^٣)، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾ (^٤)، وقوله تعالى: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ (^٥)، فكل ما سمي واحد في هذه الآيات يصح انقسامه؛ لأنه جسم من الأجسام التي يصح انقسامها، وأمَّا السُّنَّة فلقد مرَّ النبي - ﷺ - بقبرين فقال: \"إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، أمَّا أحدهما فكان لا يستتر من بوله، وأمَّا الآخر فكان يمشي بالنميمة\" (^٦).\nوإن قال قائل من أهل الكلام: هذا الاستخدام على سبيل المجاز، فيجاب\n_________\n(^١) موقف ابن تيمية من الأشاعرة ٣/ ٩٤٨.\n(^٢) سورة البقرة: ٢٦٦.\n(^٣) سورة الكهف: ٤٩.\n(^٤) سورة النساء: ١١.\n(^٥) سورة المدثر: ١١.\n(^٦) أخرجه البخاري، كتاب الأدب، باب النميمة من الكبائر ١/ ٨٩، برقم ٢١٦، والفتح ١٠/ ٤٧٢.","vol":"1","page":218},{"text":"عليه بأنه باطل؛ لأنه ادعاء لا دليل عليه، كما أنه لا يمكن أن يأتوا بمثال صحيح لاستخدام الواحد في القرآن والسُّنَّة واللغة بأنه الذي لا ينقسم، فإن لفظ الواحد وما يتصرف منه لا يطلق في لغة العرب وغيرهم من الأمم إلا على ما يسميه أهل الكلام منقسمًا فهل يصح أن لا يوجد مثال لما سموه حقيقة؟ وهل أصبحت كل الأمثلة مجازًا؟، والحقيقة أن ما عرَّف به أهل الكلام الواحد هو شيء لا يتصوره ولا يعقله الناس، فإنهم لا يعلمون وجوده حتى يعبروا عنه (^١).\nوهذا الدليل قد يقلب عليهم قال ابن تيمية: \"إذا قال قائل: دلالة القرآن على نقيض مطلوبهم أظهر، كان قد قال الحق، فإن القرآن نزل بلغة العرب، وهم لا يعرفون الواحد في الأعيان إلا ما كان متصفًا بالصفات، مباينًا لغيره، مشارًا إليه، وما لم يكن مشارًا إليه أصلًا، ولا مباينًا لغيره، ولا مداخلًا له، فالعرب لا تسميه واحدًا، ولا أحدًا بل ولا تعرفه، فيكون الاسم الواحد والأحد دلَّ على نقيض مطلوبهم منه لا على مطلوبهم\" (^٢).\nوحتى لا يكون الكلام جزافًا من غير دليل فإنَّ ابن عجيبة يعتقد عقيدة الأشاعرة في تعريفه للتوحيد، فلقد ورد في كتاب جوهرة التوحيد (^٣) شرحٌ لهذه الأقسام وهي \"الوحدانية الشاملة لوحدانية الذات، ووحدانية الصفات، ووحدانية الأفعال تنفي كمومًا (^٤) خمسة:\n_________\n(^١) درء تعارض العقل والنقل ٧/ ١١٤ - ١١٦، وينظر: حقيقة التوحيد بين أهل السُّنَّة والمتكلِّمين، ص ١١٠.\n(^٢) المرجع نفسه ٧/ ١١٧.\n(^٣) واسمه: فتح المجيد في بيان تحفة المريد على جوهرة التوحيد، إبراهيم بن محمد الباجوري، وهو أحد شروح منظومة التوحيد على عقيدة الأشاعرة، لبرهان الدين اللقاني.\n(^٤) الكم: هو العرض الذي يقتضي الانقسام لذاته. التعريفات، للجرجاني، ص ٢٣٩.","vol":"1","page":219},{"text":"- الكم المتصل في الذات وهو تركُّبها من أجزاء.\n- الكم المنفصل فيها وهو تعددها بحيث يكون هناك إله ثان فأكثر وهذان الكمان منفيان بوحدة الذات.\n- والكم المتصل في الصفات وهو التعدد في صفاته تعالى من جنس واحد كقدرتين فأكثر، وبُحث في هذا بأنَّ الكم المتصل مداره على شيءٍ ذي أجزاء ولا كذلك الصفات، ويجاب: بأنهم نزَّلوا كونها قائمة بذات واحدة منزلة من التركيب.\n- والكم المنفصل في الصفات وهو أن يكون لغير الله صفة تشبه صفته تعالى، وكأن يكون لزيد قدرة بها ويعدم بها كقدرته تعالى، أو إرادة تخصص الشيء ببعض الممكنات، أو علم محيط بجميع الأشياء، وهذان الكمان منفيان بوحدانية الصفات.\n- والكم المنفصل في الأفعال وهو أن يكون لغير الله فعل من الأفعال على وجه الإيجاد، وإنما ينسب الفعل على وجه الكسب (^١) والاختيار، وهذا الكم منفيٌّ بوحدانية الأفعال، وفي ذلك ردٌّ على المعتزلة (^٢)\nالقائلين بأنَّ العبد يخلق أفعال نفسه\n_________\n(^١) جمهور الأشاعرة ومتأخروهم يرون أنَّ الله - ﷿ - خالق أفعال العباد فيثبتون مرتبتي المشيئة والخلق، ولكنهم يقولون: \"إنَّ أفعال العباد الاختيارية واقعة بقدرة الله تعالى وحدها، وليس لقدرتهم تأثير فيها، بل الله سبحانه أجرى عادته بأن يوجد في العبد قدرة واختيارًا، فإذا لم يكن هناك مانع أوجد فيه فعله المقدور مقارنًا لهما، فيكون الفعل مخلوقًا لله إبداعًا وإحداثًا ومكسوبًا للعبد، والمراد بكسبه إياه مقارنته لقدرته وإرادته من غير أن يكون هناك من تأثير أو مدخل في وجوده سوى كونه محلًا، فهم يرون أفعال العباد مخلوقة لله وهي كسب للعباد. ينظر: مصطلحات في كتب العقائد، ص ١٥٣.\n(^٢) المعتزلة: من الفرق المنتسبة إلى الإسلام، أتباع واصل بن عطاء، اختُلف في سبب التسمية على أقوال: من أشهرها اعتزال واصل بن عطاء مجلس الحسن البصري، من معتقداتهم: أنَّ مرتكب الكبيرة، لا يُسمَّى مؤمنًا مطلقًا، ولا كافرًا مطلقًا، بل في منزلة بين المنزلتين، إنكار رؤية الله - ﷿ -، وأنَّ كلام الله مخلوق، وأفعال العباد مخلوقة لهم، وأنكروا المعراج، وشفاعة النبي - ﷺ -، والحوض والكوثر، وعذاب القبر. ينظر: مقالات الإسلاميين ١/ ٢٥٣، شرح العقيدة الطحاوية، ص ٢٩٨، الملل والنحل، ص ٥٦ ..","vol":"1","page":220},{"text":"الاختيارية، وإنما لم يكفروا بذلك لاعترافهم بأنَّ أقدارهم عليها من الله تعالى، وأما الكم المتصل في الأفعال فإن صورناه بتعدد الأفعال فهو ثابت لا يصح نفيه؛ لأن أفعاله كثيرة من خلق، ورزق، وإحياء، وإماتة إلى غير ذلك، وإن صورناه بمشاركة غير الله في فعل من الأفعال فهو منفيٌّ بوحدانية الأفعال\" (^١).\n٦ - قول ابن عجيبة كل ما يدل على التوحيد من الألفاظ يكفي في الدخول في الإسلام مخالف للنصوص الشرعية التي أبانت كيفية الدخول في الإسلام، فلقد قال رسول الله - ﷺ - لمعاذ - ﵁ - لما بعثه إلى اليمن: «إنَّك تأتي قومًا من أهل الكتاب فليكن أول ما تدعوهم إلى أن يوحِّدوا الله» (^٢)، فهذا تصريحٌ بلفظ التوحيد في قوله: \"أن يوحِّدوا\" فأين ابن عجيبة من هذا؟.\nوأجمع السلف على أنَّ أول أمر يؤمر به العبد أن يوحد الله - ﷿ - وينطق بالشهادتين قال ابن تيمية: \"إنَّ السلف والأئمة متفقون على أنَّ أول ما يؤمر به العباد الشهادتان، ومتفقون على أنَّ من فعل ذلك قبل البلوغ لم يؤمر بتجديد ذلك عند البلوغ\" (^٣).\nوقال أبوسعيد الدارمي (^٤): \"وتفسير التوحيد عند الأُمَّة وصوابه: \"قول لا إله إلا الله وحده لا شريك له\" (^٥).\n_________\n(^١) شرح الجوهرة، ص ٥٩ - ٦٠.\n(^٢) أخرجه مسلم، كتاب الإيمان، باب الدعاء إلى الشهادتين وشرائع الإسلام ١/ ٥٥، رقم ١٩، ورواه أبو داود، كتاب الزكاة، باب زكاة السائمة، رقم ١٥٨٤.\n(^٣) درء تعارض العقل والنقل ٨/ ١١ - ١٢.\n(^٤) هو: عثمان بن سعيد بن خالد الدارمي السجستاني، محدِّث هراة، ولد سنة ٢٠٠ هـ، وأخذ الحديث عن ابن حنبل، وابن المديني، وإسحاق بن راهويه، وابن معين، له مصنفات منها: الرَّد على بشر المرِّيسي، والرَّد على الجهمية، وكانت وفاته سنة ٢٨٠ هـ. ينظر: تذكرة الحفاظ ٢/ ٦٢١.\n(^٥) نقض الدارمي على بشر المريسي ١/ ١٥٢.","vol":"1","page":221},{"text":"وقال الشوكاني: \"وليس مجرَّد قول لا إله إلا الله مثبتًا للإسلام؛ فإنه لو قالها أحدٌ من أهل الجاهلية وعكف على صنمه يعبده لم يكن ذلك إسلامًا\" (^١).\n\"وينبغي لمن أراد أن يعرف دين الإسلام أن يتأمل النصوص النبوية، ويعرف ما كان يفعله الصحابة - ﵃ - والتابعون، وما قاله أئمة المسلمين ليعرف المجمع عليه من المتنازع فيه\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-76>سادسًا: تقسيم التوحيد عند ابن عجيبة</span>\nقسَّم ابن عجيبة التوحيد إلى ثلاثة أقسام، فقال: \"اعلم أنَّ توحيد الخلق لله تعالى على ثلاث درجات:\nالأولى: توحيد العامَّة: وهو الذي يعصم النفس والمال، وينجو به من الخلود في النار، وهو نفي الشركاء والأنداد، والصاحبة والأولاد، والأشباه والأضداد.\nالثانية: توحيد الخاصَّة: وهو أن يرى الأفعال كلها صادرة من الله وحده، ويشاهد ذلك بطريقة الكشف لا بطريق الاستدلال.\nالثالثة: ألا يرى في الوجود إلا الله، ولا يشهد معه سواه، فيغيب عن النظر إلى الأكوان في شهود المكون\" (^٣).\nوقال في تفسير سورة الإخلاص: \"قد اشتملت هذه السورة على التوحيد الخاص، أعني توحيد أهل العيان، وعلى التوحيد العام، أعني توحيد أهل البرهان، فالتوحيد الخاص له مقامان: مقام الأسرار الجبروتية، ومقام الأنوار الملكوتية، فكلمة\n_________\n(^١) الدر النضيد في إخلاص كلمة التوحيد، ص ٢٨٧.\n(^٢) الإخنائية (الرد على الإخنائي)، ص ٤١٩.\n(^٣) البحر المديد ١/ ١٩٢، وينظر: الجواهر العجيبة، ص ٢٢ - ٢٣.","vol":"1","page":222},{"text":"(هو) تسير إلى مقام الأسرار اللطيفة الأصلية الجبروتية، و(الله) يشير إلى مقام الأنوار الكثيفة المتدفِّقة من بحر الجبروت، ووصفه تعالى بالأحدية والصمدية والتنزيه عن الولد والوالد يحتاج إلى استدلالٍ وبرهان، وهو مقام الإيمان، والأول مقام الإحسان\" (^١).\nوقال أيضًا عند قول الله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ (^٢).\nالتوحيد على قسمين:\n١ - توحيد البرهان: وهو إفراد الحق بالصفات والأفعال والذات من طريق البرهان.\n٢ - توحيد العيان: وهو إفراد الحق بالوجود في الأزل والأبد (^٣).\nوقصده من المسمَّيات التي أطلقها على أقسام التوحيد قال: \"وأما عالم الجبروت فهو البحر اللطيف الفياض الذي يتدفَّق منه أنوار الملكوت، وهو ما لم يقع التجلِّي من الكنز المصون، والسر المكنون\" (^٤)، وقال أيضًا: \"عالم الجمع، وعالم القدرة، وعالم الملكوت، وعالم الأرواح، وعالم الغيب\" (^٥).\nوهنا تلحظ تقسيمه للذات الإلهية، إلى الجبروتية، والملكوتية.\nثم قال: \"والحاصل أنَّ الأشياء كلها قائمة بين ذاتٍ وصفات، بين حسٍّ ومعنى، بين قدرةٍ وحكمة، فستر الحق سبحانه معاني أسرار الذات اللطيفة بظهور الذوات الكثيفة، وستر المعنى اللطيف بالحسِّ الكثيف، وستر القدرة بالحكمة، والكل\n_________\n(^١) البحر المديد ٦/ ٥٣٦ - ٥٣٧.\n(^٢) سورة البقرة: ١٦٣.\n(^٣) معراج التشوف إلى حقائق التصوف، ص ٥٦.\n(^٤) كشف النقاب عن سر الألباب، ص ١٨١.\n(^٥) المرجع نفسه، ص ١٨١.","vol":"1","page":223},{"text":"من الله، وإلى الله، ولا موجود سواه، وهذه الكثائف الظاهرة هي أرديةٌ وقمصٌ للمعاني اللطيفة\" (^١).\nويقول: \"اعلم أن الله تعالى كان كنزًا مخفيًّا، لطيفًا أزليًّا، لم يعرفه أحد، فلما أراد أن يعرف تجلّى بتجليات من ذلك الكنز، كثَّفها وأظهرها بمقتضى اسمه الظاهر، ثم أبطنها بمقتضى اسمه الباطن، فصارت ظاهرة باطنة، أبطنها بما أظهر عليها من أحكام العبودية، وأوصاف البشرية، ونعوت الحدثية من حسن التكوين والتشكيل والتغيير والتحيُّز، ولا حادث في الحقيقة، إنما تجدد لها التجلِّي والظهور، فبطنت بعد ظهورها، فمن نظر لأصلها وغاب عن حسِّها لم ينحجب بها عن الحقِّ تعالى، ورآه ظاهرًا فيها، ومن وقف مع حسِّها الظاهر حجب بها عن شهود الحق وصارت في حقه ظلمة ...\nإلى أن قال: والحاصل أنَّ الوجود واحد، وهو وجود الحق تعالى، فما وقع به التجلِّي من نظره بعين الجمع سمَّاه ملكوتًا ... وما لم يقع به التجلِّي من الأسرار اللطيفة الغيبية فهو جبروت\" (^٢).\nوهذا التقسم اشتمل على مخالفات عقدية عدة بيانها كالتالي:\n١ - أقسام التوحيد التي ذكرها ابن عجيبة لم ترد لا في الكتاب ولا في السُّنَّة، بل اشتمل على الرموز والإشارات الخفيَّة، ولم يكن دين الله - ﷿ - رمزًا (^٣)، ولقد استفاضت الآيات القرآنية بذكر أقسام التوحيد، ومما يدلُّ على ذلك سورة الفاتحة التي دلَّت على أقسام التوحيد فتوحيد الربوبية والأسماء والصفات مبيَّن في قوله تعالى:\n_________\n(^١) إيقاظ الهمم، ص ٢٨٧.\n(^٢) كشف النقاب عن سر الألباب، ص ٩٩ - ١٠٠.\n(^٣) ينظر: مدارج السالكين ٣/ ٤٨٦.","vol":"1","page":224},{"text":"﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (^١)، فالحمد يتضمَّن مدح المحمود بصفات كماله مع محبته والرضا عنه، وهذا متضمِّنٌ لنفي النقائص والعيوب، وقوله تعالى: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ يدلُّ على ربوبيته وتدبيره لجميع خلقه كما يشاء، وقوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ (^٢) يدلُّ على توحيد الأسماء والصفات، وقوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ (^٣) يدلُّ على الربوبية المطلقة (^٤).\nوقوله تعالى: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ (^٥)، قال الشيخ السعدي: \"اشتملت الآية على أصول عظيمة على توحيد الربوبية وأنه تعالى ربُّ كلِّ شيء وخالقه ورازقه ومدبِّره، وعلى توحيد الألوهية والعبادة وأنَّه تعالى الإله المعبود، وعلى أنَّ ربوبيته موجب لعبادته وتوحيده؛ ولهذا أتى بالفاء في قوله: \" ﴿فَاعْبُدْهُ﴾ الدالة على السبب؛ أي فكما أنَّه ربُّ كلِّ شيءٍ فليكن هو المعبود حقًّا فاعبده، ومنه الاصطبار لعبادته تعالى وهو جهاد النفس، وتمرينها وحملها على عبادة الله تعالى فيدخل في هذا أعلى أنواع الصبر، وهو الصبر على البليَّات، فإنَّ الصبر عليها وعدم تسخيطها والرضى عن الله تعالى بها من أعظم العبادات الداخلة في قول الله تعالى: ﴿وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾، واشتملت الآية على أنَّ الله تعالى كاملٌ في الأسماء والصفات عظيم النعوت جليل القدر، وليس في ذلك شبيهٌ ولا نظيرٌ ولا سمي، بل تفرَّد بالكمال المطلق من جميع الوجوه والاعتبارات\" (^٦).\n_________\n(^١) سورة الفاتحة: ٢.\n(^٢) سورة الفاتحة: ٣.\n(^٣) سورة الفاتحة: ٤.\n(^٤) ينظر: مدارج السالكين ١/ ٨٤، وحقيقة التوحيد بين أهل السُّنَّة والمتكلمين، ص ٨٤.\n(^٥) سورة مريم: ٦٥.\n(^٦) المواهب الربانية من الآيات القرآنية ١/ ٦٠.","vol":"1","page":225},{"text":"٢ - أنَّ غاية ما عندهم هو شهود هذا التوحيد، وهو أن يشهد أنَّ الله ربُّ كلِّ شيءٍ ومليكه وخالقه، لا سيِّما إذا غاب العارف بموجوده عن وجوده، وبمشهوده عن شهوده، وبمعروفه عن معرفته، فابن عجيبة وغيره من المتصوفة الذين يشهدون الحقيقة الكونية، المتضمِّنة لخلق الله وإيجاده، وأغفلوا الحقيقة الشرعية المتضمِّنة لأمر الله ونهية، واتباع ما جاء به من الهدى والنور، والحق في ذلك أن يجمع بين شهود الحقيقتين الكونية والشرعية (^١).\n٣ - القول بوحدة الوجود، وتصور مذهبهم هذا كافٍ في بيان فساده، إذ التوحيد عندهم: \"أنَّ الحقَّ المنزَّه هو عين الخلق المشبَّه، وأنَّه سبحانه هو عين وجود كل موجود، وحقيقته وماهيته، وأنَّه آية كلِّ شيء، وله فيه آية تدلُّ على أنه عينه، وهذا عند محققيهم من خطأ التعبير، بل هو نفس الآية، ونفس الدليل، ونفس المستدل، ونفس المستدل عليه، فالتعدد بوجود اعتبارات وهمية، لا بالحقيقة والوجود، فهو عندهم عين الناكح، وعين المنكوح وعين الذابح، وعين المذبوح، وعين الآكل، وعين المأكول.\nومن فروع هذا التوحيد: أنَّ فرعون وقومه مؤمنون كاملو الإيمان، عارفون بالله على الحقيقة، ومن فروعه: أنَّ عُبَّاد الأصنام على الحق والصواب، وأنهم إنما عبدوا عين الله سبحانه لا غيره، ومن فروعه: أنَّ الحق أن لا فرق في التحريم والتحليل بين الأُمِّ والأخت والأجنبيَّة، ولا فرق بين الماء والخمر، والزنا والنكاح، الكل في عينٍ واحدة، بل هو العين الواحدة، وإنما المحجوبون عن هذا السر قالوا: هذا حرام وهذا حلال، نعم هو حرام عليكم؛ لأنكم في حجاب عن حقيقة هذا\n_________\n(^١) ينظر: التدمرية ١/ ١٨٧","vol":"1","page":226},{"text":"التوحيد، ومن فروعه: أنَّ الأنبياء ضيَّقوا الطريق على الناس، وبعدوا عليهم المقصود، والأمر وراء ما جاءوا به، ودعوا إليه\" (^١).\nوقال ابن تيمية: \"أمَّا كون وجود الخالق هو وجود المخلوق، فهذا كفرٌ صريحٌ باتفاق أهل الإيمان، وهو من أبطل الباطل في بديهة عقل كل إنسان، وإن كان منتحلوه يزعمون أنه غاية التحقيق والعرفان\" (^٢).\n٤ - زعم ابن عجيبة أنَّ الله - ﷿ - مفتقر لغيره تعالى عمَّا يقول علوًّا كبيرًا، فظهر في صورة خلقه، بعد أن لم يعرف.\nوهذا من أشنع الباطل وأقبحه، فالله - ﷿ - غني عن عباده، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ (^٣).\nقال الشوكاني في تفسيره: \"ذكر - ﷾ - افتقار خلقه إليه، ومزيد حاجتهم إلى فضله، فهم الفقراء إليه على الإطلاق وهو الغنيُّ على الإطلاق الحميد أي: المستحق للحمد من عباده بإحسانه إليهم.\nثم ذكر سبحانه نوعا من الأنواع التي يتحقق عندها افتقارهم إليه، واستغناؤه عنهم ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ (^٤)، إن يشأ يفنكم ويأت بدلكم بخلق جديد يطيعونه ولا يعصونه، أو يأت بنوع من أنواع الخلق، وعالم من العالم غير ما تعرفون وما ذلك الإذهاب لكم والإتيان بآخرين على الله بعزيز أي: بممتنعٍ ولا متعسِّر\" (^٥).\n_________\n(^١) مدارج السالكين ٣/ ٤٦٦ - ٤٦٧.\n(^٢) مجموع الفتاوى ٢/ ٢٦.\n(^٣) سورة فاطر: ١٥.\n(^٤) سورة فاطر: ١٦.\n(^٥) فتح القدير ٤/ ٣٩٥.","vol":"1","page":227},{"text":"وعن النبي - ﷺ - فيما روى عن الله ﵎ أنه قال: «يا عبادي إنِّي حرَّمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرَّمًا فلا تظالموا، يا عبادي كلُّكم ضالٌّ إلا من هديته فاستهدوني أهدكم، يا عبادي كلُّكم جائعٌ إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم، يا عبادي كلُّكم عارٍ إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم، يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفرُ الذنوب جميعًا فاستغفروني أغفر لكم، يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضرِّي فتضروني ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني، يا عبادي لو أنَّ أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجلٍ واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئًا، يا عبادي لو أنَّ أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجلٍ واحدٍ ما نقص ذلك من ملكي شيئًا، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيدٍ واحدٍ فسألوني فأعطيتُ كلَّ إنسان مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر، يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها فمن وجد خيرًا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومنَّ إلا نفسه» (^١).\nوهذا الوصف لا يطلقه أحدٌ على الله - ﷿ - إلا من فسدت عقيدته والعياذ بالله، إذ لو كان الله - ﷿ - مفتقرًا لغيره دلَّ على حاجته إلى غيره، قال ابن تيمية: \"فافتقاره إلى غيره بوجهٍ من الوجوه دليل عدم غناه، وعلى حاجته إلى غيره\" (^٢)، ويقول أيضًا: \"وهو سبحانه غنيٌّ عن العرش، وعن سائر المخلوقات لا يفتقر إلى شيءٍ من مخلوقاته، بل هو الحامل بقدرته العرش وحملة العرش\" (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم ظلم المسلم وخذله واحتقاره ٨/ ١٦، رقم ٦٧٣٧.\n(^٢) مجموع الفتاوى ٢/ ٣٤.\n(^٣) المرجع نفسه ١/ ٣٦٧.","vol":"1","page":228},{"text":"والقول الحق: قول أهل السُّنَّة والجماعة في تقسيم التوحيد وفق فهم سلف الأُمَّة قال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"والتوحيد الذي جاءت به الرُّسل ونزلت به الكتب هو توحيد الإلهية، وهو أن يعبد الله وحده لا شريك له وهو متضمِّنٌ لشيئين: أحدهما التوحيد العلمي: وهو إثبات صفات الكمال له وتنزيهه عن النقائص وتنزيهه عن أن يماثله أحد في شيءٍ من صفاته فلا يوصف بنقص بحال ولا يماثله أحدٌ في شيءٍ من الكمال ... والتوحيد العملي الإرادي: أن لا يعبد الا إياه فلا يدعو إلا إيَّاه، ولا يتوكَّل إلا عليه ولا يخاف إلا إيَّاه ولا يرجو إلا إياه، ويكون الدين كله لله وهذا التوحيد يتضمَّن أنَّ الله خالق كل شيء وربه ومليكه لا شريك له في الملك\" (^١).\nوهذا التقسيم أيضًا ذكره ابن القيم قال: \"التوحيد نوعان: نوع في العلم والاعتقاد، ونوع في الإرادة والقصد، ويُسمَّى الأول: التوحيد العلمي، والثاني: التوحيد القصدي الإرادي، لتعلُّق الأول بالأخبار والمعرفة، والثاني بالقصد والإرادة\" (^٢).\nوعرَّف هذين النوعين بقوله: \"والتوحيد العلمي أساسه إثبات صفات الكمال للرب تعالى ومباينته لخلقه، وتنزيهه عن العيوب والنقائص والتمثيل، والتوحيد العملي أساسه تجريد القصد بالحب، والخوف، والرجاء، والتوكُّل، والإنابة، والاستعانة، والاستغاثة، والعبودية بالقلب، واللسان، والجوارح لله وحده فمدار ما بعث الله به رسله وأنزل به كتبه على هذين التوحيدين وأقرب الخلق إلى الله أقومهم بهما علمًا وعملًا\" (^٣).\n_________\n(^١) الصفدية ٢/ ٢٢٨ - ٢٢٩، وينظر: تلبيس الجهمية ١/ ٤٧٩.\n(^٢) مدارج السالكين ١/ ٧٥.\n(^٣) الصواعق المرسلة على الجهمية المعطلة ٢/ ٤٠٢ - ٤٠٣.","vol":"1","page":229},{"text":"وكذلك من العلماء المحدثين الذي جاء عنهم تقسيم التوحيد وفق فهم سلف الأُمَّة هو ابن حِبَّان البستي (^١)، ظهر ذلك في مقدمة كتابه (نزهة الفضلاء وروضة العقلاء) إذ يقول فيه: \"الحمد لله المتفرِّد بوحدانية الألوهية، المتعزِّز بعظمة الربوبية، القائم على نفوس العالم بآجالها، والعالم بتقلبها وأحوالها، المانّ عليهم بتواتر آلائه، المتفضِّل عليهم بسوابغ نعمائه، الذي أنشأ الخلق حين أراد بلا معينٍ ولا مشير، وخلق البشر كما أراد بلا شبيهٍ ولا نظير، فمضت فيهم بقدرته مشيئته، ونفذت فيهم بعزَّته إرادته، فألهمهم حسن الإطلاق، وركَّب فيهم تشعُّب الأخلاق، فهم على طبقات أقدارهم يمشون، وعلى تشعُّب أخلاقهم يدورون، وفيما قضى وقدَّر عليهم يهيمون ... إلى أن قال: وأشهد أن لا إله إلا الله فاطر السموات العلا ومنشئ الأرضين والثرى، لا معقِّب لحكمه ولا راد لقضائه\" (^٢).\nويذكر هذا التقسيم ابن أبي زيد القيرواني (^٣)، حيث قال: \"من ذلك الإيمان والنطق باللسان أنَّ الله واحد لا إله غيره، ولا شبيه له، ولا نظير له، ولا ولد له، ولا والد له، ولا صاحبة له، ولا شريك له، ليس لأوَّليَّته ابتداء، ولا لآخرِيَّته انقضاء، لا يبلغ كُنه صفته الواصفون، ولا يحيطون بأمره المتفكرون بآياته، ولا يتفكرون في مائية ذاته (^٤) إلى\n_________\n(^١) أبو حاتم، محمد بن حبان بن أحمد بن حبان بن معاذ بن معبد التميمي الدارمي البستي، نسبةً إلى بُست ضمن أفغانستان، من مؤلفاته: علل أوهام المؤرخين، علل مناقب الزهري، الهداية إلى علم السنن، توفي سنة ٣٥٤ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء ١٦/ ٩٢.\n(^٢) نزهة الفضلاء وروضة العقلاء، ص ١٧.\n(^٣) عالم أهل المغرب، أبو محمد، عبد الله ابن أبي زيد القيرواني المالكي، ولد سنة ٣١٠ هـ بالقيروان، يقال له مالك الصغير، قال عنه القاضي عياض: حاز رئاسة الدين والدنيا، من مؤلفاته: النوادر والزيادات، المدونة، كتاب الاقتداء بمذهب مالك، رسالته في الرَّد على القدرية، توفي سنة ٣٨٦ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء ١٧/ ١٠ - ١١، والفهرست، ص ٢٣٥.\n(^٤) مائية ذاته: أي حقيقة ذاته، والمائية لا تكون إلا لذي الجنس والنوع وماله مثل، اللهم إلا أن يريد بذكر المائية ضربًا من المجاز والاتساع، فإذا سأل سائل بلفظها فقال: أخبروني عن الباري ما هو؟ قسمنا عليه بما يحتمل سؤاله. ينظر: شرح عقيدة ابن أبي زيد القيرواني في كتابه الرسالة، للقاضي عبد الوهاب بن نصر البغدادي المالكي، ص ١٦٥.","vol":"1","page":230},{"text":"أن قال ... تعالى أن يكون في ملكه ما لا يريد، أو يكون لأحدٍ عنه غنىً، أو يكون خالقٌ لشيءٍ إلا هو، ربُّ العباد وربُّ أعمالهم، والمقدِّر لحركاتهم وآجالهم، الباعث الرُّسل إليهم لإقامة الحجَّة عليهم\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-77>سابعًا: الشرك في الربوبية</span>\n١ - زعم ابن عجيبة أنه أُعطيَ التصرُّف في الكون، قال: \"رأيتُ في المنام قائلًا يقول لي: الليلة أُعطي سيدي أحمد بن عجيبة يتصرَّف في الكون\" (^٢).\n٢ - قال ابن عجيبة عن القطب الفرد: \"هو المتصرِّف في الكون بهمَّته العالية، وبالأسرار الربَّانية، يقول للشيء كن فيكون، والكل خادمٌ له، القطب يعرف ما كان وما يكون، وهو القائم بحقِّ الكون، والمكوّن، وهو واحد\" (^٣)، وقال أيضًا: \"وأما تسميته بالغوث فمن حيث إغاثته للعوالم بهمَّته ومادته، ورتبته الخاصَّة\" (^٤).\n٣ - يزعم ابن عجيبة أنَّ شيخيه البوزيدي والدرقاوي (^٥) يجعلان الفقير غنيًّا بمجرد النظر والملاحظة (^٦).\n_________\n(^١) رسالة ابن أبي زيد القيرواني، ومعها إيضاح المعاني على رسالة القيرواني، ص ١٧.\n(^٢) الفهرسة، ص ٦٩.\n(^٣) رسائل النور الهادي، ص ١١٩، وينظر: سلسلة الفتوحات القدسية في شرح المقدمة الآجرومية، ص ١٠٢.\n(^٤) سلسلة الفتوحات القدسية في شرح المقدمة الآجرومية، ص ١٠٢، وينظر: معراج التشوف، ص ٨٠.\n(^٥) هو: العربي بن أحمد بن الحسين بن علي بن محمد بن يوسف الإدريسي الشهير بالدرقاوي؛ نسبةً إلى أحد أجداده أبي درقة، ولد سنة ١١٥٠ هـ بقبيلة بني زروال، وكانت وفاته سنة ١٢٣٩ هـ. ينظر: سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس ١/ ٢٤٢ - ٢٤٣.\n(^٦) ينظر: البحر المديد ٦/ ٣٦٨.","vol":"1","page":231},{"text":"وقال في موضع آخر: \"فمن أراد أن يمدَّه الله في باطنه بكمالات الربوبية من قوَّةٍ، وعلمٍ، وغنىً، وعزٍّ، ونصرٍ، وملك، فليتحقق في ظاهره بنقائص العبودية، من ذلٍّ، وفقرٍ، وضعفٍ وعجزٍ، وجهل\" (^١).\n٤ - ليس هناك خالق ولا مخلوق، ومن قال غير هذا فهو مشرك في الربوبية -بزعم- ابن عجيبة، يظهر ذلك من خلال شرحه لقول ابن مشيش (^٢): \"وانشلني من أوحال التوحيد، وأغرقني في عين بحر الوحدة، حتى لا أرى ولا أسمع ولا أجد ولا أحس إلا بها\"، وقال: \"وأهل التحقيق لم يثبتوا مع الحقِّ سواه، ورأوا الكلَّ منه وإليه فالكلُّ دون الله، إنَّ حقيقته عدم على التفصيل والإجمال\" (^٣).\nوقال أيضًا: \"ومن أوحال التوحيد فانشلني إنها ... عقائد أهل الزيغ والجهل والبعد، وفي عين بحر الذات أغرقني إنه ... محل شهود الحق في كل مشهد\" (^٤).\nوقال أيضًا: \"من كحَّل عينيه بإثمد توحيد الذات لا يستبعد أن يكون الحق ﷻ يتجلَّى بتجلٍّ خاصٍّ من أسرار ذاته وأنوار صفاته ... إذ تجلِّياته لا تنحصر، بل كل ما ظهر في عالم الشهادة فإنما هو نورٌ من تجلِّي ذاته\" (^٥).\nوهذه الأقوال السابقة تُعدُّ من الانحراف العظيم في باب الاعتقاد؛ لما فيها من التعدي على خصائص ربوبية الله - ﷿ - والتي خالف فيها النصوص الشرعية التي\n_________\n(^١) البحر المديد ٣/ ١٥١.\n(^٢) عبد السلام بن مشيش بن أبي بكر منصور بن علي، ولد في جبل العلم القريب من تطوان، وتوفي به سنة ٦٢٥ هـ، اشتهر بالصلاة المشيشية، وهي ورد لأهل الوحدة والاتحاد. ينظر: الروض العطر الأنفاس، ص ٣١٢، طبقات الشاذلية، ص ٨٥.\n(^٣) شرح صلاة القطب ابن مشيش، ص ٣١.\n(^٤) الفهرسة، ص ١٠٨.\n(^٥) البحر المديد ٢/ ٢٢٥.","vol":"1","page":232},{"text":"دلَّت على تصرف الله - ﷿ - المطلق في الكون، ومن ادَّعى غير ذلك فقد أشرك في الربوبية، قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ (^١).\nقال الشيخ السعدي في تفسيره: يقول تعالى مبيِّنًا لربوبيته وإلهيته وعظمته خلقه لها في ستة أيام مع أنه قادر على خلقها في لحظة واحدة، ولكن لما له في ذلك من الحكمة الإلهية، ولأنَّه رفيقٌ في أفعاله.\nومن جملة حكمته فيها أنَّه خلقها بالحقِّ وللحق، ليعرف بأسمائه وصفاته ويفرد بالعبادة.\nثم بعد خلق السماوات والأرض استوى على عرشه استواءً يليق بعظمته.\nويُدَبِّرُ الأمْرَ في العالم العلوي والسُّفلي من الإماتة والإحياء، وإنزال الأرزاق، ومداولة الأيام بين الناس، وكشف الضرِّ عن المضرورين، وإجابة سؤال السائلين.\nفأنواع التدابير نازلة منه وصاعدة إليه، وجميع الخلق مذعنون لعزِّه خاضعون لعظمته وسلطانه (^٢).\nقال ابن تيمية: \"فما من مخلوق إلا له شريك وند، والرَّبُّ سبحانه وحده هو الذي لا شريك له ولا ندَّ بل ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، ولهذا لا يستحق غيره أن يُسمَّى خالقًا ولا ربًّا مطلقًا ونحو ذلك\" (^٣).\n_________\n(^١) سورة يونس: ٣.\n(^٢) ينظر: تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنَّان ١/ ٣٥٧.\n(^٣) مجموع الفتاوى ٢/ ٣٥.","vol":"1","page":233},{"text":"وقال أيضًا: \"والقرآن ملآن من توحيد الله تعالى وأنَّه ليس كمثله شيء، فلا يمثل به شيءٌ من المخلوقات في شيءٍ من الأشياء إذ ليس كمثله شيءٌ لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله ولا فيما يستحقه من العبادة والمحبة والتوكل والطاعة والدعاء وسائر حقوقه، قال تعالى: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ (^١) فلا أحد يساميه، ولا يستحق أن يُسمَّى بما يختصُّ به من الأسماء ولا يساويه في معنى شيءٍ من الأسماء لا في معنى الحي ولا العليم ولا القدير ولا غير ذلك من الأسماء ولا في معنى الذات والموجود ونحو ذلك من الأسماء العامَّة ولا يكون إلهًا ولا ربًّا ولا خالقًا، فقال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ (^٢).\nفلم يكن أحدٌ يكافئه في شيءٍ من الأشياء: فلا يساويه شيءٌ ولا يماثله شيءٌ ولا يعادله شيء\" (^٣).\nويبيِّن ابن القيم حقيقة الشرك عند المتصوفة الذي أشركوا مع الله - ﷿ - إذ يقول: \"ومذهب القوم أنَّ عُبَّاد الأوثان وعُبَّاد الصُّلبان وعُبَّاد النيران وعُبَّاد الكواكب كلّهم موحِّدون، .... ومن عبد النار والصليب فهو موحِّدٌ عابدٌ لله، والشرك عندهم إثبات وجود قديمٍ وحادثٍ وخالقٍ ومخلوقٍ وربٍّ وعبد، ولهذا قال بعض عارفيهم وقد قيل له: القرآنُ كلُّه يبطل قولكم، فقال: القرآنُ كلُّه شركٌ والتوحيد هو ما نقوله\" (^٤).\n_________\n(^١) سورة مريم: ٦٥.\n(^٢) سورة الإخلاص: ١ - ٤.\n(^٣) مجموع الفتاوى ٢٧/ ٣٦٦.\n(^٤) مدارج السالكين ٣/ ٥٤٢.","vol":"1","page":234},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-78>ثامنًا: طريقة ابن عجيبة في إثبات دلائل توحيد الربوبية</span>\nقسَّم ابن عجيبة الناس إلى قسمين في طريقة إثبات دلائل الربوبية، فقال: \"والناس على قسمين: أهل تصديق وإيمان، وأهل شهود وعيان، فأهل التصديق والإيمان هم عامَّة أهل اليمين، وهم أكثر المسلمين من العلماء والصالحين، ويستندون في معرفتهم بالله إلى الدليل والبرهان، فتارة يقوى عندهم الدليل، فيترقون عن اتباع الظن إلى الجزم والتصميم، وتارة يضعف فيرجعون إلى اتباع الظن الراجح، وأمَّا الشهود والعيان فقد غابت عنهم الأكوان في شهود المكون، فصاروا يستدلون بالله على وجود غيره، فلا يجحدونه، حتى قال بعضهم: لو كُلِّفت أن أرى غيره لم أستطع، فإنه لا غير معه حتى أشهده، محال أن تشهده وتشهد معه سواه\" (^١).\nوقال أيضًا: \"التوحيد الذي ينتجه الدليل والبرهان يعتريه الزيادة والنقصان، إذ قد تعرض له الشكوك والأوهام\" (^٢)، وقال أيضًا: النظر في دلائل الكائنات من غير تنوير، ولا صحبة أهل التنوير لا تزيد إلا حيرة\" (^٣)، وقال \"لا يستوي العالم بالله مع الجاهل به، العالم يعبده على العيان، والجاهل به في مقام الاستدلال والبرهان، العالم بالله يستدل بالله على غيره، والجاهل به يستدل بالأشياء على الله\" (^٤)، وقال: \"وكل من كان محجوبًا عن الله يستدلُّ بغيره فهو من البله\" (^٥)، وقال: \"كل من لم يعرف\n_________\n(^١) البحر المديد ٢/ ٤٧١.\n(^٢) شرح خمرية ابن الفارض، ص ٥٠.\n(^٣) البحر المديد ٥/ ٣٠١.\n(^٤) المرجع نفسه ٥/ ٨٥.\n(^٥) نفسه ٦/ ٩٤.","vol":"1","page":235},{"text":"الله معرفة العيان فهو من الأُمِّيين\" (^١)، وفسَّر قول الله تعالى: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ (^٢)، \"هم الذين حبسهم الجهل والتقليد، فلم تنفذ بصائرهم إلى خالص التوحيد، فنكصوا عن توحيد العيان إلى توحيد الدليل والبرهان، وهو ضلال أهل الشهود والعيان، ولو بلغ في الصلاح غاية الإمكان\" (^٣).\nوالقول الذي عليه أهل السُّنَّة والجماعة أنَّ كل ما في الكون من آيات قولية وكونية، وسمعية دالة على ربوبيته الله - ﷾ - ولا تعارض بينهما، قال ابن القيم: \"والتعلق بها استدلالًا ونظرًا في آيات الرَّبِّ ليصل إلى الله - ﷿ - هو التوحيد والإيمان\" (^٤).\nوقال أيضًا: \"والمقصود: أنَّ الله سبحانه يشهد بما جعل آياته المخلوقة دالةً عليه، فإنَّ دلالتها إنما هي بخلقه وجعله، ويشهد بآياته القولية الكلامية المطابقة لما شهدت به آياته الخلقية، فتتطابق شهادة القول وشهادة الفعل، كما قال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ (^٥).\nأي أن القرآن حق، فأخبر أنه يدلُّ بآياته الأفقية والنفسية على صدق آياته القولية الكلامية\" (^٦).\n_________\n(^١) البحر المديد ٦/ ١٤٨.\n(^٢) سورة الفاتحة: ٧.\n(^٣) البحر المديد ١/ ٦٧.\n(^٤) مدارج السالكين ٣/ ٥٢٤.\n(^٥) سورة فصلت: ٥٣.\n(^٦) مدارج السالكين ٣/ ٥٢٤.","vol":"1","page":236},{"text":"وهذه الشواهد الكونية دلالة على الكمال الإلهي لله - ﷿ - قال ابن القيم: \"يصحُّ بالشواهد أي: بالأدلة والآيات والبراهين، وهذا مما يدلُّ على كماله وشرفه، أن قامت عليه الأدلة ونادت عليه الشواهد وأوضحته الآيات والبراهين، وما عداه فدعاوى مجرَّدة لا يقوم عليها دليلٌ ولا تصحُّ بشاهد، فكلُّ توحيدٍ لا يصحُّ بشاهد فليس بتوحيد، فلا يجوز أن يكون توحيدًا أكمل من التوحيد الذي يصح بالشواهد والآيات، وتوحيد القرآن من أوله إلى آخره كذلك\" (^١).\nوبهذه الدلائل يعرف الله - ﷾ -، والرُّسُل ﵈ أخبروا عن الله - ﷿ - بكلامه، قال ابن القيم: \"وأمَّا آياته العيانية الخلقية، والنظر فيها والاستدلال بها: فإنَّها تدلُّ على ما تدلُّ عليه آياته القولية السمعية، وآيات الرَّب: هي دلائله وبراهينه التي بها يعرفه العباد، وبها يعرفون أسماءه وصفاته، وتوحيده، وأمره ونهيه، فالرُّسل تخبر عنه بكلامه الذي تكلَّم به، وهو آياته القولية، ويستدلُّون على ذلك بمفعولاته التي تشهد على صحة ذلك، وهي آياته العيانية، والعقل يجمع بين هذه وهذه، فيجزم بصحة ما جاءت به الرُّسل، فتتفق شهادة السَّمع والبصر والعقل والفطرة\" (^٢).\nوشبهته التي بثَّها في قوله العارف لا يحتاج إلى دليل يستدل به على الله - ﷿ - بل الله أغناه عن الدليل، مقلوبة عليه ودحضها ابن القيم بقوله: \"قوله (^٣): (ويسلك سبيل إسقاط الحدث) يريد أنه في هذا الشهود، وهذه الملاحظة المذكورة: سالكٌ سبيل الذين شهدوا عين الأزل، فنفى عنهم شهود الحدث، وذلك بالفناء في حضرة الجمع، فإنها هي التي يفنى فيها من لم يكن، ويبقى فيها من لم يزل.\n_________\n(^١) مدارج السالكين ٣/ ٥٠٦ - ٥٠٧.\n(^٢) المرجع نفسه ٣/ ٤٨٣.\n(^٣) يقصد صاحب منازل السائرين.","vol":"1","page":237},{"text":"فإن أراد بإسقاط الحدث: أنه يعتقد نفي حدوث شيء، فهذا مكابرة للحس والشهود، وإن أراد إسقاط الحدث من قلبه، فلا يشهد حادثًا ومحدثًا -وهذا مراده- فهذا خلاف ما أمر الله ورسوله به، وخلاف الحق، فإنَّ العبد مأمور أن يشهد: أن لا إله إلا الله، وأنَّ محمدًا رسول الله، ويشهد أنَّ الجنة حق، والنار حق، والساعة حق، والنبيين حق، ويشهد حدوث المحدثات بإحداث الرَّبِّ تعالى لها بمشيئته وقدرته، وبما خلقه من الأسباب، ولما خلقه من الحكم، ولم يأمر العبد -بل لم يرد منه- أن لا يشهد حادثًا ولا حدوث شيء، وهذا لا كمال فيه، ولا معرفة، فضلًا عن أن يكون غاية العارف، وأن يكون توحيد الخاصَّة، والقرآن -من أوله إلى آخره- صريحٌ في خلافه، فإنَّه أمر بشهود الحادثات والكائنات، والنظر فيها، والاعتبار بها، والاستدلال بها على وحدانية الله سبحانه، وعلى أسمائه وصفاته، فأعرف الناس به، وبأسمائه وصفاته أعظمهم شهودًا لها، ونظرًا فيها، واعتبارًا بها، فكيف يكون لبُّ التوحيد وقلبه وسرُّه: إسقاطها من الشهود\" (^١).\nوبهذا يتضح لكلِّ من كان له قلب أو ألقى السَّمع وهو شهيد البون الشاسع بين أدلة السلف الواضحة والموافقة للوحيين وأدلة المتكلِّمين، وهذا الذي أكَّده ابن القيم حين قال: \"وكثيرًا ما يكون الدليل الذي عرف به الحق أصح من كثير من أدلة المتكلِّمين ومقدماتها، وأبعد عن الشبه، وأقرب تحصيلًا للمقصود، وإيصالًا إلى المدلول عليه، بل من استقرأ أحوال الناس رأى أنَّ كثيرًا من أهل الإسلام -أو أكثرهم- أعظم توحيدًا، وأكثر معرفةً، وأرسخ إيمانًا من أكثر المتكلِّمين وأرباب النظر والجدال، ويجد عندهم من أنواع الأدلة والآيات التي يصحُّ بها إيمانهم ما هو أظهر\n_________\n(^١) مدارج السالكين ٣/ ٥٢٧ - ٥٢٨.","vol":"1","page":238},{"text":"وأوضح وأصح مما عند المتكلمين، وهذه الآيات التي ندب الله عباده إلى النظر فيها، والاستدلال بها على توحيده، وثبوت صفاته وأفعاله، وصدق رسله هي آيات مشهودةٌ بالحس، معلومة بالعقل، مستقرِّة في الفِطَر، لا يحتاج الناظر فيها إلى أوضاع أهل الكلام والجدل، واصطلاحهم، وطرقهم البتة، وكلُّ من له حسٌّ سليم، وعقلٌ يميِّز به يعرفها ويقرُّ بها، وينتقل من العلم بها إلى العلم بالمدلول، وفي القرآن ما يزيد على عشرات ألوف من هذه الآيات البيِّنات، ومن لم يحفظ القرآن فإنَّه إذا سمعها وفهمها وعقلها انتقل ذهنه منها إلى المدلول أسرع انتقال وأقربه.\nوبالجملة: فما كلُّ من علم شيئًا أمكنه أن يستدلَّ عليه، ولا كل من أمكنه الاستدلال عليه يحسن ترتيب الدليل وتقريره\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-79>تاسعًا: زعم ابن عجيبة أن التوحيد الخاص سرٌّ لا يمكن لأحدٍ معرفته ولو ظهر لأبيح دم من أظهره</span>\nقال ابن عجيبة: \"أنوار السرائر هي العلوم اللدنية والمعارف الربانية، ويجمعها علم الربوبية الذي يجب كتمه عن غير أهله، ومن أباحه أُبيح دمه؛ وهو الذي قتل بسببه الحلاج\" (^٢).\nوقال في موضع آخر: \"كلُّ من أفشى سر الربوبية سلَّط الله عليه سيف الشريعة، فيباح دمه ويُهتك عرضه، كما وقع للحلاج وغيره ... والمراد بسر الربوبية: التوحيد الخاص: الذي هو الشهود والعيان المخصوص بأهل العرفان\" (^٣).\n_________\n(^١) مدارج السالكين ٣/ ٥٠٨.\n(^٢) إيقاظ الهمم، ص ٢٨٦.\n(^٣) شرح قصيدة يامن تعاظم، ص ٢٠ - ٢٢.","vol":"1","page":239},{"text":"وهذه دعاوى عارية من الصحَّة ولا مستند لها بل هي مصادمة لمنهج الأنبياء في بيان التوحيد.\nيقول ابن القيم: \"أفضل صفوة الرَّب تعالى: الأنبياء، وأفضلهم: الرُّسُل، وأفضلهم: أولو العزم، وأفضلهم: الخليلان عليهما الصلاة والسلام، وعلى سائر الأنبياء والمرسلين، والذي ألاحه الله إلى أسرارهم من ذلك هو أكمل توحيد عرفه العباد، ولا أكمل منه، وليس وراءه إلا الشطح والدعاوى والوساوس، وهم -صلوات الله وسلامه عليهم- قد تكلَّموا بالتوحيد وأوضحوه وقرروه، بحيث صار في حيِّز التجلِّي والظهور والبيان، فعقلته القلوب، وحصَّلته الأفئدة، ونطقت به الألسنة، وأوضحته الشواهد، وقامت عليه البراهين، ونادت عليه الدلائل، ولا يمكن أحدٌ أن ينقل عن نبيٍّ من الأنبياء، ولا وارث نبيٍّ داع إلى ما دعا إليه أنه يعلم توحيدًا لا يمكنه النطق به، وأنَّ الله سبحانه أخرسه عن نطقه وأعجزه عن بثِّه، بل كلُّ ما علمه القلب أمكن اللسان التعبير عنه، وإن اختلفت العبارة ظهورًا وخفاءً، وبين ذلك، وقد لا يفهمه إلا بعض الناس، فالناس لم تتفق أفهامهم لما جاءت به الرُّسُل.\nكيف يقال: إنَّ أعرف الخلق وأفصحهم وأنصحهم عاجزٌ أن يبيِّن ما عرفه الله من توحيده، وأنَّه عاجزٌ عن بثِّه؟ فما هذا التوحيد الذي عجزت الأنبياء والرُّسُل عن بثِّه، ومنعوا من النُّطق به، وعرفه غيرهم؟ \" (^١).\nولهذا كان مسلك أهل السُّنَّة والجماعة في بيان إثبات توحيد الربوبية مسلكًا شرعيًّا من القرآن والسُّنَّة، وهي طريقة منهج الأنبياء ومن سار على نهجهم من العلماء بخلاف ما اعتقده ابن عجيبة.\n_________\n(^١) مدارج السالكين ٣/ ٥٣٥ - ٥٣٦.","vol":"1","page":240},{"text":"\"وفي هذه الأُمَّة -ولله الحمد- لم يزل فيها من يتفطَّن لما في كلام أهل الباطل من الباطل ويرده، وهم لما هداهم الله به يتوافقون في قبول الحق، ورد الباطل رأيًا وروايةً من غير تشاعر ولا تواطُؤ\" (^١).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ٩/ ٢٣٣.","vol":"1","page":241},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-80>المبحث الثاني: مسائل الأسماء والصفات</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-81>أولًا: تعريف الاسم والصفة لغةً</span>\nاختلف النحويُّون في أصل اشتقاق (اسم) على قولين:\nالقول الأول: أنَّ الاسم مشتَّقٌّ من الوسم وهو: العلامة، والأصل في (اسم) (وسم) إلا أنه حذفت منه الفاء التي هي الواو في (وسم)، وزيدت الهمزة في أوله عوضًا عن المحذوف، ووزنه أُعلَّ لحذف الفاء منه، وهذا قول الكوفيين.\nالقول الثاني: أنَّه مشتَّقٌّ من السُّمو وهو: العلو؛ لأنه يدلُّ على مسمَّاه فيرفعه ويُظهره، وهذا القول للبصريين، وحجَّتهم في ذلك: أنَّه مشتَّقٌّ من السُّمو؛ لأنَّ السُّمو في اللغة هو العلو يقال: سما يسمو سموًّا: إذا علا، ومنه سُمِّيت السماء سماءً لعلوّها، والاسم يعلو على المسمَّى ويدلُّ على ما تحته من المعنى، ولذلك قال: أبو العباس محمد بن يزيد المبرّد (^١): الاسم ما دلَّ على مُسمَّى تحته، وهذا القول كاف في الاشتقاق لا في التحديد، فلمَّا سما الاسم على مسمَّاه وعلا على ما تحته من معناه دلَّ على أنَّه مشتَّقٌّ من السُّمو\" (^٢).\nقال ابن يعيش (^٣) عن هذا الخلاف:\n_________\n(^١) محمد بن يزيد بن عبد الأكبر الأزدي البصري، المعروف بالمبِّرد، إمام العربية ببغداد في زمانه، ولد بالبصرة سنة ٢١٠ هـ، ومن شيوخه: الجاحظ أبو عثمان عمرو بن بحر الرياشي، وأبان بن رزين البصري، ومن تلاميذه: أحمد بن جعفر الدينوري، والأخفش أبو الحسن علي بن سليمان، له مصنفات منها: الكامل، المقتضب، المقصور والممدود، معاني القرآن، مات سنة ٢٨٥ هـ، ودفن بمقابر بغداد. ينظر: بُغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة ١/ ٢٦٩.\n(^٢) ينظر: الإنصاف في مسائل الخلاف بين البصريين والكوفيين، الأنباري، ص ٥، والمخصص ١٧/ ١٤٣.\n(^٣) أبو البقاء، يعيش بن علي بن يعيش، موفق الدين الأسدي المعروف بابن يعيش، ولد سنة ٥٣٣ هـ، وتوفي ٦٤٣ هـ، من مصنفاته: شرح المفصَّل. ينظر: وفيات الأعيان ٢/ ٣٤١، الأعلام ٨/ ٢٠٦.","vol":"1","page":242},{"text":"\"وكلامهما حسنٌ من جهة المعنى، إلا أنَّ اللَّفظ يشهد مع البصريين؛ ألا ترى أنك تقول: أسميتهُ: إذا دعوته باسمه، أو جعلت له اسمًا، والأصلُ: أسموته، فقلبوا الواو ياءً، لوقوعها رابعة، على حدِّ: (أدعيت وأغريت)؛ ولو كان من (السِّمة) لقيل: أوسمته؛ لأن لام (السُّمو) واو تكون آخرًا، وفاء (السِّمة) واو تكون أولًا\" (^١).\nوأمَّا الصِّفة فتطلق في لغة العرب على تحلية الشَّيء ونعته، يقال: وصفتُ الشَّيءَ وصفًا وصِفةً، والهاء في صفة عوضٌ من الواو إذا أخبرت عن أمارته اللازمة لحليته ونعته (^٢)، والوصف والصِّفة مصدران، كالوَعد والعِدَة، والوَزن والزِّنة، يراد به تارةً هذا وتارةً هذا (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-82>ثانيًا: تعريف توحيد الأسماء والصفات اصطلاحًا</span>\nعرَّفه ابن تيمية - ﵀ - بقوله: \"فأمَّا الأول: وهو التوحيد في الصفات، فالأصل في هذا الباب: أن يوصف الله تعالى بما وصف به نفسه، وبما وصفته به رسله -﵈- نفيًا وإثباتًا، فيثبت لله - ﷿ - ما أثبته لنفسه، وينفي عنه ما نفاه عن نفسه\" (^٤).\nوعرَّفه الشيخ السعدي - ﵀ - بقوله: \"هو اعتقاد انفراد الرب -ﷻ- بالكمال المطلق من جميع الوجوه، بنعوت العظمة والجلال والجمال، التي لا يشاركه فيها مشارك بوجه من الوجوه، وذلك بإثبات ما أثبته الله لنفسه، أو أثبته له رسوله\n_________\n(^١) المفصل ١/ ٢٣.\n(^٢) ينظر: تهذيب اللغة ١٢/ ٢٤٨، مقاييس اللغة ٦/ ١١٥.\n(^٣) مجموع الفتاوى ٦/ ٣٤٠، ٣/ ٣٣٥.\n(^٤) المرجع نفسه ٣/ ٣. وينظر: الإبانة الكبرى ٦/ ١٧٢ - ١٧٣، لوامع الأنوار البهية ١/ ١٢٩.","vol":"1","page":243},{"text":"- ﷺ - من جميع الأسماء والصفات، ومعانيها وأحكامها، الواردة في الكتاب والسُّنَّة على الوجه اللائق بعظمته وجلاله من غير نفيٍ لشيءٍ منها ولا تعطيل، ولا تحريف ولا تمثيل، ونفي ما نفاه عن نفسه أو نفاه عنه رسوله - ﷺ - من النقائص والعيوب، وعن كل ما ينافي كماله\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-83>ثالثًا: معتقد أهل السُّنَّة والجماعة في أسماء الله وصفاته</span>\nأهل السُّنَّة والجماعة يؤمنون بما وردت به نصوص القرآن والسُّنَّة الصحيحة إثباتًا ونفيًا فهم بذلك يُسَمُّون الله بما سمَّى به نفسه في كتابه أو على لسان رسوله - ﷺ -.\nويثبتون لله - ﷿ - صفاته بما وصف نفسه في كتابه أو على لسان رسوله - ﷺ - من غير تحريفٍ ولا تعطيل، ومن غير تكييفٍ ولا تمثيل.\nوينفون عن الله ما نفاه عن نفسه في كتابه أو على لسان رسوله محمد - ﷺ - مع اعتقاد أنَّ الله موصوفٌ بكمال ضدِّ ذلك الأمر المنفيّ (^٢).\nفأهل السُّنَّة طريقتهم في هذا الباب طريقة الكتاب والسُّنَّة لا يحيدون عنها، قال ابن تيمية: \"وطريقة سلف الأمة وأئمتها: أنهم يصفون الله بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله من غير تحريفٍ ولا تعطيل، ولا تكييفٍ ولا تمثيل؛ إثباتٌ بلا تمثيل، وتنزيهٌ بلا تعطيل، إثبات الصفات، ونفي مماثلة المخلوقات، قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ فهذا ردٌّ على الممثِّلة ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (^٣) ردٌّ على المعطلة.\n_________\n(^١) القول السديد في مقاصد التوحيد، ص ٤٠.\n(^٢) ينظر: معتقد أهل السُّنَّة والجماعة في توحيد الأسماء والصفات، للتميمي، ص ٥٦.\n(^٣) سورة الشورى: ١١.","vol":"1","page":244},{"text":"فقولهم في الصفات مبنيٌّ على أصلين:\nأحدهما: أنَّ الله - ﷿ - منزَّه عن صفات النقص مطلقًا كالسِّنة، والنوم، والعجز، والجهل، وغير ذلك.\nوالثاني: أنه متصفٌ بصفات الكمال التي لا نقص فيها على وجهِ الاختصاص بما له من الصفات، فلا يماثله شيءٌ من المخلوقات في شيءٍ من الصفات\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-84>رابعًا: الأسس الثلاثة التي يرتكز عليها معتقد أهل السُّنَّة والجماعة في باب أسماء الله وصفاته</span>\nالأساس الأول: الإيمان بما وردت به نصوص القرآن والسُّنَّة الصحيحة من أسماء الله وصفاته إثباتًا ونفيًا.\nالأساس الثاني: تنزيه الله عن أن يُشْبِهَ شيءٌ من صفاته شيئًا من صفات المخلوقين.\nالأساس الثالث: قطع الطمع عن إدراك كيفية اتصاف الله بتلك الصفات (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-85>خامسًا: موقفه من أسماء الله الحسنى وصفاته العُلى</span>\nلا ريب أنَّ باب الأسماء والصفات من أهم مباحث العقيدة، فمن ظفر به فقد فاز وغنم، ومن صُرف عنه فقد خسر وحُرم (^٣)، وابن عجيبة فاته كثيرٌ من فضائل هذا الباب؛ نظرًا لمعتقده الأشعري الصوفي، فقد سلك مسالك خالف فيها عقيدة أهل السُّنَّة والجماعة، وإن كان في بعض الأمور وافق أهل السُّنَّة قولًا، ولكن خالفهم عمليًّا، وسيأتي بيان ذلك في الأمور الآتية:\n_________\n(^١) منهاج السُّنَّة ٢/ ٥٢٣.\n(^٢) ينظر: منهج ودراسات لآيات الأسماء والصفات، ص ٢٥.\n(^٣) ينظر: تهذيب السنن ١/ ٩٢ - ٩٣.","vol":"1","page":245},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-86>أولًا: آراؤه في أسماء الله - ﷿ - الحُسنى</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-87>أ طريقته في إثبات الأسماء الحسنى</span>\nابن عجيبة يقول بإثبات أسماء الله وأنها كثيرة، ويذكر في بعض أقواله أنَّ الذي ورد فيه التوقيف تسعةٌ وتسعون اسمًا، فقال: \"أسماء الحق تعالى كثيرة، قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (^١)، والذي ورد بها التوقيف تسعةٌ وتسعون (^٢).\nوقول ابن عجيبة بأنَّ أسماء الله كثيرة حقٌّ عليه جماهير أهل العلم، قال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: \"الذي عليه جماهير المسلمين أنَّ أسماء الله أكثر من تسعةٍ وتسعين\" (^٣).\nويقول أيضًا: \"إنَّ أهل المعرفة مهما حصَّلوا من المعرفة واليقين والهدى فهناك أمور لم يصلوا إليها فهذا صحيح\" (^٤)، كما قال النبي - ﷺ -: «اللهم إنِّي أسألك بكلِّ اسمٍ هو لك سمَّيت به نفسَك، أو أنزلته في كتابك، أو علَّمته أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همِّي وغمِّي» (^٥).\n_________\n(^١) سورة الأعراف: ١٨٠.\n(^٢) سلسلة الفتوحات القدوسية في شرح المقدمة الآجرومية، ص ٩٠.\n(^٣) مجموع الفتاوى ٦/ ٣٨١ - ٣٨٢\n(^٤) الفتاوى الكبرى ٥/ ٥٧.\n(^٥) أخرجه أحمد ١/ ٤٥٢، رقم ٤٣١٨، وابن أبى شيبة ٦/ ٤٠، رقم ٢٩٣١٨، والطبراني ١٠/ ١٦٩، رقم ١٠٣٥٢، وابن حبَّان في صحيحه باب الأدعية، باب ذكر الأمر لمن أصابه حزن أن يسأل الله ذهابه عنه وإبداله إياه فرحًا ٣/ ٢٥٣، رقم ٩٧٢، والحاكم ١/ ٦٩٠، رقم ١٨٧٧، وقال: صحيح على شرط مسلم،، قال الهيثمي ١٠/ ١٣٦: رجاله رجالُ الصحيح غير أبي سلمة الجهمي، وصحَّحه الألباني في السلسلة الصحيحة ١/ ١٩٩، رقم ٣٥٢٨.","vol":"1","page":246},{"text":"وعلَّق ابن تيمية على هذا الحديث بقوله: \"من قال هذا أذهب الله همَّه وغمَّه وأبدله مكانه فرحًا، فقد أخبر أنَّ لله أسماء استأثر بها في علم الغيب عنده وهذه لا يعلمها ملكٌ مقرَّبٌ ولا بشر\" (^١).\nومما يستدل بها العلماء في هذا الباب حديث النبي - ﷺ - الذي كان يدعو به في سجوده «اللهم إنِّي أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وبك منك لا أحصى ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك» (^٢).\nووجه الدلالة من قول النبي - ﷺ -: «لا أحصى ثناء عليك» أنه - ﷺ - وهو أعلم الخلق بربه لا يحصي الثناءَ عليه؛ لكثرة أسمائه الحسنى التي استأثر الله بها في علم الغيب عنده (^٣).\nوقال ابن القيم: \"إنَّ الأسماء الحسنى لا تدخل تحت حصر، ولا تحد بعدد؛ فإنَّ لله تعالى أسماء وصفات استأثر بها في علم الغيب عنده، لا يعلمها ملكٌ مقرَّب، ولا نبيٌّ مرسل، كما في الحديث الصحيح: «أسألك بكلِّ اسمٍ هو لك، سمَّيت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك ...»، فجعل أسماءه ثلاثة أقسام: قسم سمَّى به نفسه فأظهره لمن شاء من ملائكته أو غيرهم، ولم ينزل به كتابه، وقسم أنزل به كتابه فتعرَّف به إلى عباده، وقسم استأثر به في علم غيبه فلم يُطلع عليه أحدًا من خلقه، ولهذا قال: (استأثرت به) أي انفردت بعلمه، وليس المراد انفراده بالتسمِّي به؛ لأنَّ هذا الانفراد ثابتٌ في الأسماء التي أنزل الله بها كتابه، ومن هذا قول: النبي - ﷺ - في حديث الشفاعة: «فيفتح عليَّ من محامده بما لا\n_________\n(^١) الإيمان الأوسط ١/ ١١٥.\n(^٢) أخرجه مسلم، كتاب الصلاة، باب ما يقال في الركوع والسجود، ١/ ٣٥٢، رقم ٤٨٦.\n(^٣) ينظر: بيان تلبيس الجهمية في بدعهم الكلامية ١/ ٣١٠، بتصرف.","vol":"1","page":247},{"text":"أحسنه الآن» (^١) (^٢).\nويقول أيضًا في بيان حديث النبي - ﷺ -: «إنَّ لله تسعةً وتسعين اسمًا من أحصاها دخل الجنة» (^٣): \"فالكلام جملة واحدة وقوله: «من أحصاها دخل الجنة» صفة لا خبر مستقبل، والمعنى: له أسماء متعددة من شأنها أنَّ من أحصاها دخل الجنَّة، وهذا لا ينفي أن يكون له أسماء غيرها، وهذا كما تقول: لفلانٍ مائة مملوك وقد أعدَّهم للجهاد، فلا ينفي هذا أن يكون له مماليك سواهم معدّون لغير الجهاد، وهذا لا خلاف بين العلماء فيه\" (^٤).\nوأمَّا زعمه أنَّ الذي ورد بها التوقيف تسعة وتسعون فهذا لا يوافق عليه؛ لأنها مدرجة في الحديث في عدِّ الأسماء الحسنى، والصحيح أنَّ ذكر التسعة والتسعين اسمًا اجتهادٌ من العلماء لم يرد في تعيينها نصٌّ صحيحٌ عن النبي - ﷺ - (^٥).\nوقال الصنعاني: \"اتفق الحفَّاظ من أئمة الحديث أنَّ سردها إدراج من بعض الرواة\" (^٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-88>ب: شرح ابن عجيبة أسماء الله الحسنى بما يوافق معتقده الأشعري</span>\nوذلك أنِّه يفسِّر الاسم بلازم معناه، وهو بهذه الطريقة يوافق الأشاعرة في موقفهم من الأسماء التي لا يثبتون ما تدلُّ عليه من المعاني، ومن أمثلة ذلك لدى ابن\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب التفسير، باب ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ ٦/ ٨٤، برقم ٤٧١٢.\n(^٢) بدائع الفوائد ١/ ١٦٦.\n(^٣) أخرجه البخاري، كتاب الدعوات، باب (إنَّ لله مئة اسم إلا واحدًا)، ٨/ ١٠٨، رقم ٦٤١٠.\n(^٤) بدائع الفوائد ١/ ١٦٧.\n(^٥) ينظر: مجموع فتاوى ابن تيمية ٢٢/ ٤٨٢، تفسير ابن كثير ٢/ ٢٩٦.\n(^٦) سبل السلام ٤/ ١٠٨.","vol":"1","page":248},{"text":"عجيبة -عفا الله عنَّا وعنه- ما يلي:\n١ - اسم الله (العلي)، \"فسَّره بعلو الشرف والمكانة، ونفى دلالته على علو الله - ﷿ - \" الذاتي (^١).\n٢ - اسم الله (النور)، \"فسَّره بمنوِّر السموات والأرض\" (^٢).\n٣ - اسم الله (الحليم): أول المعنى بقوله: \"الذي لا يعاجل بالعقوبة لمن يستحقها\" (^٣).\nوأهل السُّنَّة والجماعة لا يخالفون في تفسير الاسم بلازم معناه مع إثبات ما يدلُّ عليه من الصفة؛ ولكن المحذور لديهم أن يفسَّر الاسم بلازمه مع نفي ما يدلُّ عليه من الصفات؛ لذا كان من المقرَّر لديهم أنَّ الإيمان بأسماء الله تعالى لا يتم إلا بثلاثة أركان، كما مرَّ معنا في تقرير عقيدة أهل السُّنَّة الجماعة، وهي: الإيمان بالاسم، وبما دلَّ عليه من معنى، وبما تعلَّق به من أثر، فأهل السُّنَّة يثبتون الاسم حقيقة لله - ﷿ -، ويعتقدون أنَّ كل اسمٍ من أسماء الله - ﷿ - يدلُّ على معنى، وهو الذي يُسمَّى بالصفة، فعندما يثبتون اسم (الله) - ﷿ -، يثبتونه حقيقة، قال ابن تيمية: \"وقد اتفق جميع أهل الإثبات على أنَّ الله حيٌّ حقيقة عليمٌ حقيقة قديرٌ حقيقة سميعٌ حقيقة بصيرٌ حقيقة\" (^٤).\nوينزهون الله - ﷿ - عن مشابهة المخلوقين؛ لأنه عُلم من طريق المشاهدة أنَّ بعض المخلوقات تتفق في الأسماء وتختلف في الحقيقة والكيفية، فأنت تشاهد -على\n_________\n(^١) تفسير سورة الفاتحة، ص ١٤٥.\n(^٢) المرجع نفسه، ص ١٨٢.\n(^٣) نفسه، ص ١٤١.\n(^٤) مجموع الفتاوى ٥/ ١٦٩.","vol":"1","page":249},{"text":"سبيل المثال- أنَّ للإنسان يدًا ليست كيد الفيل، وقوةً ليست كقوَّة الجمل مع الاتفاق في الاسم.\nقال ابن تيمية: \"ليس للمطلق مسمَّى موجود في الخارج، ولكن العقل يفهم من المطلق قدرًا مشتركًا بين المسميين، وعند الاختصاص يُقيَّد ذلك بما يتميَّز به الخالق عن المخلوق والمخلوق عن الخالق، ولا بدَّ من هذا في جميع أسماء الله وصفاته، يفهم منها ما دلَّ عليه الاسم بالمواطأة والاتفاق وما دلَّ عليه بالإضافة والاختصاص\" (^١).\nفالله - ﷿ - سمَّى نفسه بالحي في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ (^٢).\nوسمَّى بعض عباده حيًّا، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ (^٣).\nوليس هذا الحيُّ مثل هذا الحي؛ لأن قوله: ﴿الحي﴾ اسمٌ لله مختصٌّ به، وقوله تعالى: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ اسمٌ للحيِّ المخلوق مختصّ به، وكذلك يقال في اسم الله (العليم) فإنَّ الله تسمَّى به، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (^٤)، وقال في حق المخلوق: ﴿وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ﴾ (^٥)، (^٦).\nوكل اسم من أسماء الله - ﷿ - له معنى يخصُّه غير الاسم الآخر، وليس معنى\n_________\n(^١) شرح الرسالة التدمرية، ص ١٢٧.\n(^٢) سورة البقرة: ٢.\n(^٣) سورة الأنعام: ٩٥.\n(^٤) سورة النساء: ٢٦.\n(^٥) سورة الذاريات: ٢٨.\n(^٦) ينظر: مجموع الفتاوى ٣/ ١١.","vol":"1","page":250},{"text":"الاسم هو الذات فقط، إلا أنَّ الأسماء غير معلومة الحقيقة والكيفية، فالمعاني معلومة واضحة لنا من لغة العرب، أما الكيفية فمجهولة لنا نعجز عن إدراكها.\nوأسماء الله - ﷿ - أعلامٌ باعتبار دلالاتها على الذات، وهي أوصاف باعتبار دلالاتها على المعاني، ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (^١)، وقال تعالى: ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ﴾ (^٢).\nفالآية الأولى أثبتت اسم الله الرحيم، والثانية أثبتت صفة الرحمة التي تضمَّنها اسم الله الرحيم.\nفهذه الأسماء مترادفة باعتبار دلالتها على الذات، ومتباينة باعتبار دلالتها على الصفات.\nأمَّا الإيمان بما يتعلَّق به الاسم من آثار، هو: الحكم والمقتضى، وليس عامًّا في جميع الأسماء، فإنَّ أسماء الله إن دلَّت على وصفٍ متعدٍّ فإنَّه يثبت الاسم وما دلَّ عليه من معنى، مثال ذلك: اسم الله (الرحيم)، متضمِّنٌ لصفة الرحمة، ويتعلَّق به الأثر، وإن دلَّت الأسماء على وصف لازم غير متعدٍّ فإنَّ هذه الأسماء تتضمَّن أمرين هما:\nثبوت ذلك الاسم لله - ﷿ -.\nوثبوت الصفة التي تضمَّنها الاسم لله - ﷿ -، وليس لها أثرٌ أو حكم؛ لأنَّه وصفٌ لازمٌ لا يتعدَّى إلى الغير، مثل: اسم الحي، وهو متضمِّنٌ لصفة الحياة لله - ﷿ - (^٣).\n_________\n(^١) سورة يونس: ١٠٧.\n(^٢) سورة الكهف: ٥٨.\n(^٣) ينظر: القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه، ص ١٣.","vol":"1","page":251},{"text":"وابن عجيبة مثله مثل غيره من الأشاعرة في إثباته لأسماء الله الحسنى، يثبتها إلا أنه يثبتها بما يوافق معتقده الأشعري، فإذا كان الاسم دالًا على صفة يؤولونها، نفوا دلالة الاسم على هذا المعنى الذي ينفونه، وإن كان موافقًا لمذهب السلف، وسأذكر أمثلة على ذلك منها:\nاسم الله (العلي الأعلى): أول المعنى؛ لكي ينفي صفة العلو الذاتي لله - ﷿ -.\nوهذا التأويل قال به عددٌ من الأشاعرة (^١)، وسيأتي إثبات هذه الصفة وفق معتقد أهل السُّنَّة والجماعة.\nاسم الله (الحليم): أوَّل المعنى بقوله: \"الذي لا يعاجل بالعقوبة لمن يستحقها\" (^٢).\nوهذا التفسير الذي أراد به التنزيه -بزعمه- قد عطَّل صفة الله - ﷿ -، فقد أوَّل الاسم لنفي الصفة، بل قال: \"فيكون من الصفة النفسيَّة\" (^٣).\nاسم الله (النور): أوَّل معناه بـ (منوِّر السموات).\nففسَّره بلازمه مع عدم إثبات ما تضمَّنه من الصفة.\nيقول ابن القيم - ﵀ -: \"والقرآن والحديث وأقوال الصحابة صريحٌ بأنه - ﷾ - نور السماوات والأرض، ولكن عادة السلف أن يذكر أحدهم في تفسير\n_________\n(^١) قال عبد القاهر البغدادي: \"في إحالة كون الإله في مكان دون مكان\"، ينظر: أصول الدين للبغدادي، ص ١١٣، ويقول أيضًا: \"لا يحويه مكان، ولا يجري عليه زمان ... قد كان ولا مكان وهو الآن على ما كان\". ينظر: الفرق بين الفرق، ص ٣٣٣.\n(^٢) تفسير سورة الفاتحة، ص ١٤١.\n(^٣) المرجع نفسه، ص ١٤١، وسيأتي بيان تقسيم الصفات عند الأشاعرة.","vol":"1","page":252},{"text":"اللفظة بعض معانيها ولازمًا من لوازمها أو الغاية المقصودة منها أو مثالًا ينبه السامع على نظيره، وهذا كثيرٌ في كلامهم لمن تأمَّله، فكونه سبحانه هاديًا لا ينافي كونه نورًا، وما ذكر ... أنه بمعنى منوِّر ... لا ينافي كونه في نفسه نورًا وأن يكون النور من أسمائه وصفاته بل يؤكّد ذلك، فإنَّ الموجودات النورانية نوعان (منها) ما هو في نفسه مستنير ولا ينير غيره كالجمرة مثلًا، فهذا لا يقال له نور، ومنها ما هو مستنيرٌ في نفسه وهو منيرٌ لغيره كالشَّمس والقمر والنار، وليس في الموجودات ما هو منوِّرٌ لغيره وهو في نفسه ليس بنور بل إنارته لغيره فرع كونه نورًا في نفسه\" (^١).\nوما تأوله ابن عجيبة باطل، فأئمة السَّلف - ﵏ - أثبتوا هذا الاسم حقيقة لله - ﷿ -.\nقال ابن القيم: \"ومن أسمائه النور\" (^٢).\nويقول أيضًا: \"الله - ﷿ - سمَّى نفسه نورًا، وجعل كتابه نورًا، ورسوله نورًا، ودينه نورًا، واحتجب عن خلقه بالنور، وجعل دار أوليائه نورًا يتلألأ، قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (^٣) (^٤).\nوما فسَّره ابن عجيبة بكونه مُنوِّر السماوات والأرض، فهو يفسر الأسماء بلوازم معناها مع نفي الصفة، وإلا فالنُّور الذي هو من أوصافه قائمٌ به، ومنه اشتق له\n_________\n(^١) مختصر الصواعق ٢/ ١٩٩.\n(^٢) المرجع نفسه ١/ ١٦.\n(^٣) سورة النور: ٣٥.\n(^٤) مختصر الصواعق المرسلة ٢/ ٤٠٥.","vol":"1","page":253},{"text":"(اسم النُّور) الذي هو أحد الأسماء الحسنى (^١).\nوالنُّور صفة الكمال، وضدُّه صفة نقص، ولهذا سمَّى الله نفسه نورًا، وسمَّى كتابه نورًا، وجعل لأوليائه النور ولأعدائه الظلمة (^٢).\nاسم الله (السلام): جعله من الصفات السلبية فقال: \"السلام صفة سلب\" (^٣).\nومعرفة الله - ﷿ - ليست بمعرفة صفات السَّلب، بل الأصل فيها صفات الإثبات، والسَّلب تابعٌ ومقصوده تكميل الإثبات (^٤).\n\"فإنَّ السَّلب لا يراد لذاته، وإنما يقصد لما يتضمَّنه من إثبات الكمال، فكلُّ ما نفاه الله عن نفسه أو نفاه عنه رسوله - ﷺ - من صفات النقص فإنَّه متضمِّنٌ للمدح والثناء على الله بضد ذلك من النقص من الأوصاف الحميدة والأفعال الرشيدة\" (^٥).\nوالسلام: اسمٌ من أسماء الله - ﷿ - الدالة على تنزيهه عن النقائص والعيوب على جهة العموم أيضًا، وقال العلماء في تفسيره:\nالسالم من جميع العيوب والنقائص، كاملٌ في ذاته، وصفاته، وأفعاله (^٦)، وهو مشتَّقٌّ من السَّلامة، أي مبرئٌ من الآفات الظاهرة والباطنة (^٧).\n_________\n(^١) ينظر اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة الجهمية، ص ٤٤ - ٤٥.\n(^٢) ينظر مختصر الصواعق المرسلة ٣/ ١٠٥٤، ١٠٢٥، ١٠٣٣.\n(^٣) تفسير الفاتحة الكبير، ص ١٢٢.\n(^٤) ينظر: مجموع الفتاوى ١٧/ ١١٢.\n(^٥) شرح القصيدة النونية، للهراس ٢/ ٥٥، وينظر: القواعد المثلى، ص ٢٤.\n(^٦) ينظر بدائع الفوائد ٢/ ١٣٨، وشفاء العليل ١/ ١٨٠، والجامع لأحكام القرآن ١٠/ ٢٤١.\n(^٧) ينظر: مفردات ألفاظ القرآن، ص ٤٢١، ومختار الصحاح، ص ١٣١.","vol":"1","page":254},{"text":"قال ابن القيم - ﵀ -: \"وأخطأ كلَّ الخطأ من زعم أنَّه من أسماء السُّلوب، فإنَّ السَّلب المحض لا يتضمَّن كمالًا، بل اسم السلام متضمِّنٌ للكمال السالم من كلِّ ما يضاده، وإذا لم تظلم هذا الاسم ووفَّيته معناه وجدته مستلزمًا لإرسال الرُّسُل، وإنزال الكتب وشرع الشرائع، وثبوت المعاد وحدوث العالم، وثبوت القضاء والقدر، وعلو الرَّبِّ تعالى على خلقه ورؤيته لأفعالهم وسمعه لأصواتهم واطلاعه على سرائرهم وعلى نياتهم، وتفرده بتدبيرهم وتوحده في كماله المقدَّس عن شريكٍ بوجه من الوجوه، فهو السَّلام الحقُّ من كلِّ وجه، كما هو التنزيه البريء عن نقائص البشر من كلِّ وجه، ولما كان سبحانه موصوفًا بأنَّ له يدين لم يكن فيهما شمال، بل كلتا يديه يمين مباركة، كذلك أسماؤه كلُّها حسنى، وأفعاله كلُّها خير، وصفاته كلُّها كمال\" (^١).\nوقال الشيخ عبد الله الغنيمان -حفظه الله-: \" ... سلامٌ في صفاته من كلِّ عيبٍ ونقص، وسلامٌ في أفعاله من كلِّ عيبٍ ونقصٍ وشرٍّ وظلمٍ وفعلٍ واقع على غير وجه الحكمة، فهو السَّلام الحقُّ من كلِّ وجه وبكلِّ اعتبار، وهذا هو حقيقة التنزيه الذي نزَّه به نفسه، ونزَّهه به رسوله، فهو السَّلام من الصاحبة والولد، والسَّلام من النظير والكفء، والسَّميُّ والمماثل، والسَّلام من الشريك.\nولهذا إذا نظرت إلى أفراد صفات كماله وجدت كلَّ صفةٍ سلامًا ممَّا يضاد كمالها ... وهكذا جميع صفاته وأفعاله سلامٌ من كلِّ ما يتوهَّمه معطِّلٌ أو تخيَّله مشبِّه -تعالى ربُّنا السَّلام- عمَّا يضاد كماله ... فلله تعالى ما يليق به من المعاني الكاملة السالمة من النقائص والعيوب، وللمخلوق ما يناسبه ويليق بضعفه\" (^٢).\n_________\n(^١) أحكام أهل الذمة ١/ ١٣٩.\n(^٢) شرح كتاب التوحيد في صحيح البخاري ١/ ١٢٦ - ١٢٧.","vol":"1","page":255},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-89>ج: تسميته لله - ﷿ - بما لم يرد في الكتاب والسُّنَّة</span>\nمثل: \"المنتقم\"، \"وقديم لا أوَّل له\" (^١)، \"ومنتقمٌ من أسمائه تعالى\" (^٢).\nوضع العلماء - ﵏ - ضابطًا لمعرفة الأسماء الحسنى، يتبيَّن ذلك من خلال تعريف ابن تيمية للأسماء الحسنى، بقوله: الأسماء الحسنى المعروفة، هي التي يُدعى بها، وهي التي جاءت في الكتاب والسُّنَّة، وهي التي تقتضي المدح والثناء بنفسها (^٣).\nوهذا التعريف مستنبطٌ من قول الله - ﷿ -: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (^٤)، فهي توقيفيَّة بمعنى أنها وردت في الكتاب والسُّنَّة، وهي معهودة، فالألف واللام في قول الله تعالى: ﴿الْأَسْمَاءُ﴾ للعهد، وكذلك أسماء الله الحسنى تقتضي المدح والثناء بنفسها، وهذا مستنبطٌ من قول الله تعالى: ﴿الْحُسْنَى﴾، وهي التي يُدعى بها وهي مأخوذة من قول الله تعالى: ﴿فَادْعُوهُ بِهَا﴾.\nفإذا اكتملت هذه الضوابط في الاسم نثبته لله - ﷿ - (^٥).\nولهذا قول ابن عجيبة (المنتقم) من أسماء الله - ﷿ - مخالفٌ لما قرَّره وبيَّنه أهل العلم.\nقال ابن تيمية: \"واسم (المنتقم) ليس من أسماء الله الحسنى الثابتة عن النبي - ﷺ - وإنما جاء في القرآن مقيَّدًا كقوله تعالى: ﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ (^٦)، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ (^٧) (^٨).\n_________\n(^١) رسالة في العقائد مخطوط، ل/١، وإيقاظ الهمم في شرح الحكم، ص ١٩٩.\n(^٢) شرح البردة، ص ٣١٢، وينظر: البحر المديد ١/ ٦٦.\n(^٣) ينظر: شرح العقيدة الأصفهانية، ص ٥.\n(^٤) سورة الأعراف: ١٨٠.\n(^٥) ينظر: معتقد أهل السُّنَّة والجماعة في أسماء الله الحسنى، ص ٣٨ - ٣٩.\n(^٦) سورة السجدة: ٢٢.\n(^٧) سورة إبراهيم: ٤٧.\n(^٨) مجموع الفتاوى ٨/ ٩٦.","vol":"1","page":256},{"text":"وهذا الذي رجَّحه ابن تيمية - ﵀ - بعدم صحَّة هذا الاسم لله - ﷿ - فقال: \"وأما كونه القديم الأزلي واحدًا، فهذا اللَّفظ لا يوجد في كتابٍ ولا في سنة نبيه - ﷺ -، بل ولا جاء اسم القديم في أسماء الله تعالى، وإن كان من أسمائه (الأول).\nوالأقوال نوعان: فما كان منصوصًا في الكتاب والسُّنَّة وجب الإقرار به على كلِّ مسلم.\nوما لم يكن له أصلٌ في النَّص والإجماع، لم يجب قبوله ولا ردُّه حتى يعرف معناه\" (^١).\nوردَّ أيضًا على أهل الكلام الذين أطلقوا اسم (القديم) على الله - ﷿ - \"والصواب أنَّ القديم ما تقدَّم على غيره في اللغة التي جاء بها القرآن، وأما كونه كان معدومًا، أو لم يكن معدومًا، فهذا لا يشترط في تسميته قديمًا، والله أحقُّ أن يكون قديمًا؛ لأنه متقدِّمٌ على كلِّ شيء لكن لما كان لفظ القديم فيه نواحٍ لا تدلُّ مطلقة إلا على المتقدِّم على غيره، كان اسم الأوَّل أحسن منه فجاء في أسمائه الحسنى التي في الكتاب والسُّنَّة أنَّه الأول، وفرق بين الأسماء التي يُدعَى بها وبينما يُخبر به من الألفاظ لأجل الحاجة إلى بيان معانيها\" (^٢).\nولذلك عدَّ العلماء من الإلحاد في أسماء الله \"العدول بها عن الصواب فيها، وإدخال ما ليس من معانيها فيها، ومن فعل ذلك فقد كذب على الله - ﷿ - (^٣).\nقال ابن حجر - ﵀ -: \"قال أهل التفسير: ومن الإلحاد في أسمائه تسميته بما لم يرد في الكتاب أو السُّنَّة الصحيحة\" (^٤).\n_________\n(^١) منهاج السُّنَّة النبوية ٢/ ١٢٣.\n(^٢) بيان تلبيس الجهمية ٥/ ١٧١ - ١٧٢.\n(^٣) ينظر: بدائع الفوائد، ص ١٥٣ - ١٥٤.\n(^٤) فتح الباري ١١/ ٢٢١.","vol":"1","page":257},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-90>مسألة: الاسم والمسمَّى وموقف ابن عجيبة منها</span>\nقال ابن عجيبة: \"الاسم عين المسمَّى في التحقيق\" (^١)، وبهذا القول قد وافق قول الأشاعرة (^٢).\nوقد نشأت هذه المقالة نتيجة الخلاف مع المعتزلة في عهد الإمام أحمد - ﵀ - في إبطال قولهم: إنَّ الاسم غير المسمَّى (^٣)، علمًا أنه كره الخوض في ذلك؛ لأنه عدَّه من المحدثات (^٤).\nوفي هذا الصدد نبيِّن موقف العلماء في هذه المسألة.\nقال ابن تيمية - ﵀ -: \"القول في الاسم والمسمَّى من الحماقات المبتدعة التي لا يعرف فيها قولٌ لأحدٍ من الأئمة، وأنَّ حسب الإنسان أن ينتهي إلى قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ﴾ (^٥)، وهذا هو القول بأنَّ الاسم للمسمَّى، وهذا الإطلاق اختيار أكثر المنتسبين إلى السُّنَّة من أصحاب الإمام أحمد وغيره\" (^٦).\nالقول الثاني: أنَّ الاسم هو المسمَّى، أي الاسم يراد به المسمَّى.\nقال ابن تيمية: \"والذين قالوا: الاسم هو المسمَّى أمثال: أبي بكر عبد العزيز (^٧)، وأبي القاسم الطبراني (^٨)، واللالَكائي (^٩)، وأبي محمد البغوي صاحب\n_________\n(^١) البحر المديد ٢/ ١٥٦.\n(^٢) ينظر: تمهيد الأوائل وتلخيص الدلائل، للباقلاني، ص ٢٥٨، وأصول الدين، ص ١١٤.\n(^٣) ينظر: صريح السُّنَّة، للطبري، ص ٢٥ - ٢٦.\n(^٤) ينظر: ذيل طبقات الحنابلة ١/ ٢٩٩.\n(^٥) سورة الأعراف: ١٨٠.\n(^٦) قاعدة في الاسم والمسمَّى، ضمن مجموع الفتاوى ٦/ ١٨٧.\n(^٧) هو أبو بكر، عبد العزيز بن جعفر البغوي، معروف بغلام الخلال، وهو من تلاميذه، كان واسع الرواية وكثير العبادة، ويعرف بأنه من أئمة الحنابلة، توفي سنة ٣٦٣ هـ. ينظر: تاريخ بغداد ١٠/ ٤٩٥، طبقات الحنابلة ٢/ ١١٩.\n(^٨) هو أبو القاسم، سليمان بن أحمد بن أيوب بن مطير اللخمي الشامي الطبراني، ولد بعكَّا سنة ٢٦٠ هـ، جمع وصنَّف وعُمِّر دهرًا طويلًا، وازدحم عليه المحدِّثون، له مصنفات منها: المعجم الصغير، المعجم الكبير، كانت وفاته سنة ٣٦٠ هـ. ينظر: وفيان الأعيان ٢/ ٢٧٤، سير أعلام النبلاء ١٢/ ٢٠١.\n(^٩) هو هبة الله بن الحسن بن منصور الطبري الرازي الشافعي اللالكائي، روى عنه: أبو بكر الخطيب، وابنه محمد بن هبة الله، وكانت وفاته سنة ٤١٨ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء ١٣/ ١٣٦.","vol":"1","page":258},{"text":"شرح السُّنَّة وغيرهم\" (^١).\nوالقول الثاني وهو المشهور عن أبي الحسن (^٢): أنَّ الأسماء ثلاثة أقسام: تارة يكون الاسم هو المسمَّى كاسم الموجود، وتارة يكون غير المسمَّى كاسم الخالق، وتارة لا يكون هو ولا غيره كاسم العليم والقدير.\nوهؤلاء الذين قالوا: إنَّ الاسم هو المسمَّى لم يريدوا بذلك أنَّ اللَّفظ المؤلَّف من الحروف هو نفس الشخص المسمَّى به، فإنَّ هذا لا يقوله عاقل؛ ولهذا يقال: لو كان الاسم هو المسمَّى لكان من قال: نار احترق لسانه، ومن الناس من يظنُّ أنَّ هذا مرادهم، ويشنِّع عليهم، وهذا غلطٌ عليهم؛ بل هؤلاء يقولون: اللَّفظ هو التسمية، والاسم ليس هو اللَّفظ؛ بل هو المراد باللَّفظ فإنَّك إذا قلتَ: يا زيد، يا عمرو، فليس مرادك دعاء اللَّفظ، بل مرادك دعاء المسمَّى باللَّفظ، وذكرت الاسم فصار المراد بالاسم هو المسمَّى.\nوهذا لا ريب فيه إذا أخبر عن الأشياء فذُكِرَتْ أسماؤها، فقيل: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ (^٣)، [﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (^٤)]-[٠٣٣:] ٠٤٠ - ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (^٥)، ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ (^٦) فليس المراد أنَّ هذا اللَّفظ هو الرَّسُول، وهو الذي كلَّمه الله.\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ٦/ ١٨٧ - ١٨٨.\n(^٢) أبو الحسن، علي بن إسماعيل بن إسحاق الأشعري، من نسل الصحابي أبي موسى الأشعري - ﵁ -، وكان في بداية أمره على مذهب المعتزلة، ثم انتقل إلى مذهب الكُلَّابية، توفي سنة ٣٤٢ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء ١٥/ ٨٥.\n(^٣) سورة الفتح: ٢٩.\n(^٤) سورة الأحزاب: ٤٠.\n(^٥) سورة الأحزاب: ٤٠.\n(^٦) سورة النساء: ١٦٤.","vol":"1","page":259},{"text":"وكذلك إذا قيل: جاء زيدٌ وأشهد على عمرو، وفلانٌ عدلٌ ونحو ذلك، فإنِّما تذكر الأسماء والمراد بها المسمَّيات، وهذا هو مقصود الكلام، فلما كانت أسماء الأشياء إذا ذُكرت في الكلام المؤلَّف فإنَّما المقصود هو المسمَّيات، قال هؤلاء: الاسم هو المسمَّى وجعلوا اللفظ هو الاسم عند الناس هو التسمية، كما قال البغوي: والاسم هو المسمَّى وعينه وذاته\" (^١).\n\"أمَّا قوله تعالى: ﴿إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا﴾ (^٢)، فأخبر أنَّ اسمه يحيى، ثم نادى الاسم فقال: ﴿يَايَحْيَى﴾ (^٣) فهذا اسمه، ليس اسم ذاته فالمقصود المراد بنداء الاسم هو نداء المسمَّى؛ لم يقصد نداء اللفظ\" (^٤) وقال: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا﴾ (^٥).\nوأراد الأشخاص المعبودة؛ لأنهم كانوا يعبدون المسمَّيات، وقال: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ (^٦)، وقال تعالى: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ﴾ (^٧).\nقال أبو الحسن: ثم يقال للتسمية أيضًا اسم، واستعماله في التسمية أكثر من المسمَّى.\nوقال أبو بكر بن فورك (^٨): اختلفت النَّاس في حقيقة الاسم، ولأهل اللُّغة في ذلك كلام، ولأهل الحقائق فيه بيان، وبين المتكلِّمين فيه خلاف.\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ٦/ ١٨٨ - ١٨٩.\n(^٢) سورة مريم: ٧.\n(^٣) سورة مريم: ١٢.\n(^٤) مجموع الفتاوى ٦/ ١٩٢.\n(^٥) سورة يوسف: ٤٠.\n(^٦) سورة الأعلى: ١.\n(^٧) سورة الرحمن: ٧٨.\n(^٨) محمد بن الحسن بن فورك الأنصاري، الأصبهاني، من كبار الأشاعرة المتكلمين، ومن فقهاء الشافعية، سمع بالبصرة وبغداد، وحدَّث بنيسابور، من مصنفاته: مشكل الحديث، الحدود في الأصول، توفي سنة ٤٠٦ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء ١٧/ ٢١٤، طبقات فقهاء الشافعية ١/ ١٣٦، الوافي بالوفيات ١/ ٢٨٩.","vol":"1","page":260},{"text":"فأمَّا أهل اللُّغة فيقولون: الاسم حروفٌ منظومة دالَّةٌ على معنى مفرد، ومنهم من يقول: إنَّه قول يدلُّ على مذكور يضاف إليه؛ يعني: الحديث والخبر.\nقال: وأما أهل الحقائق فقد اختلفوا أيضًا في معنى ذلك، فمنهم من يقول: اسم الشيء هو ذاته وعينه (أي هو المسمَّى)، والتسمية عبارة عنه ودلالة عليه، فيسمى اسمًا توسُّعًا.\nوقالت الجهمية والمعتزلة: الأسماء والصفات: هي الأقوال الدالَّة على المسمَّيات، وهو قريبٌ مما قاله بعض أهل اللُّغة.\nوالثالث: لا هو، ولا هو غيره، كالعلم والعالم، ومنهم من قال: اسم الشيء هو صفته ووصفه.\nقال: والذي هو الحق عندنا: قول من قال: اسم الشيء هو عينه وذاته، واسم الله هو الله، وتقدير قول القائل: بسم الله أفعل، أي: بالله أفعل، وأنه اسمه هو.\nقال: وإلى هذا القول ذهب أبو عبيد القاسم بن سلام (^١)، واستدلَّ بقول لَبِيد (^٢):\nإلى الحول ثم اسم السلام عليكما ... ومن يبك حولًا كاملًا فقد اعتذر (^٣)\n\nوالمعنى: ثم السلام عليكما، فإنَّ اسم السلام هو السلام.\n_________\n(^١) أبو عبيد، القاسم بن سلام الهروي الأزدي البغدادي، من علماء الحديث، ولد سنة ١٥٧ هـ، تولى القضاء بطرسوس ثمانية عشرة سنة، له مصنفات منها: الإيمان ومعالمه وسننه واستكماله ودرجاته، الغريب المصنَّف في غريب الحديث، كانت وفاته سنة ٢٢٤ هـ. ينظر: تذكرة الحفَّاظ ٢/ ٤١٧.\n(^٢) لبيد بن ربيعة العامري، الشاعر، كان شريفًا في الجاهلية والإسلام، قدم على النبي - ﷺ - مع وفد قومه، فأسلم وحَسُن إسلامه، توفي سنة ٤١ هـ. ينظر: طبقات فحول الشعراء ١/ ١٣٥، المؤتلف والمختلف، ص ١٤٥.\n(^٣) ديوان لبيد، ص ٧٩.","vol":"1","page":261},{"text":"قال: واحتج أصحابنا في ذلك بقوله ﵎: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ (^١)، وهذا هو صفة للمسمَّى لا صفة لما هو قول وكلام، وبقوله: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ (^٢)، فإنَّ المسبَّح هو المسمَّى وهو الله، وبقوله سبحانه: ﴿إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا﴾ (^٣)، ثم قال: ﴿يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ (^٤)، فنادى الاسم وهو المسمَّى\" (^٥).\nقلنا: الفقهاء أجمعوا على أنَّ الحالف باسم الله كالحالف بالله، في بيان أنه تنعقد اليمين بكلِّ واحدٍ منهما؛ فلو كان اسم الله غير الله لكان الحالف بغير الله لا تنعقد يمينه، فلما انعقد، ولزم بالحنْث فيها كفَّارة دلَّ على أنَّ اسمه هو، ويدلُّ عليه أنَّ القائل إذا قال: ما اسم معبودكم؟ قلنا: الله، فإذا قال: ما معبودكم؟ قلنا: الله، فنجيب في الاسم بما نجيب به في المعبود، فدلَّ على أنَّ اسم المعبود هو المعبود لا غير، وبقوله: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ (^٦)، وإنما عبدوا المسمَّيات لا الأقوال التي هي أعراض لا تعبد.\nقال: فإن قيل: أليس يقال: الله إلهٌ واحدٌ وله أسماء كثيرة، فكيف يكون الواحد كثيرًا؟ قيل: إذا أطلق أسماء، فالمراد به مسميات المسمَّين، والشيء قد يُسمَّى باسم دلالته كما يُسمَّى المقدور قدرة.\n_________\n(^١) سورة الرحمن: ٧٨.\n(^٢) سورة الأعلى: ١.\n(^٣) سورة مريم: ٧.\n(^٤) سورة مريم: ١٢.\n(^٥) مجموع الفتاوى ٦/ ١٨٧ - ١٩٠.\n(^٦) سورة يوسف: ٤٠.","vol":"1","page":262},{"text":"قال: فعلى هذا يكون معنى قوله: باسم الله، أي بالله، والباء معناها الاستعانة وإظهار الحاجة، وتقديره: بك أستعين وإليك أحتاج، وقيل: تقدير الكلمة: أبتدئ أو أبدأ باسمك فيما أقول وأفعل.\nقلتُ: لو اقتصروا على أنَّ أسماء الشيء إذا ذُكرت في الكلام فالمراد بها المسمَّيات كما ذكروه في قوله: ﴿يَايَحْيَى﴾ (^١)، ونحو ذلك لكان ذلك معنى واضحًا لا ينازعه فيه من فهمه، لكن لم يقتصروا على ذلك؛ ولهذا أنكر قولهم جمهور الناس من أهل السُّنَّة وغيرهم؛ لما في قولهم من الأمور الباطلة، مثل دعواهم أنَّ لفظ اسم الذي هو ا س م معناه: ذات الشيء ونفسه، وأنَّ الأسماء التي هي الأسماء مثل: زيد وعمرو هي التسميات، ليست هي أسماء المسمَّيات، وكلاهما باطلٌ مخالفٌ لما يعلمه جميع الناس من جميع الأمم ولما يقولونه.\nفإنهم يقولون: إنَّ زيدًا وعمرًا ونحو ذلك هي أسماء الناس، والتسمية جعل الشيء اسمًا لغيره، وهي مصدر سمَّيته تسميةً إذا جعلت له اسمًا، والاسم هو القول الدال على المسمَّى، ليس الاسم الذي هو لفظ اسم هو المسمَّى، بل يراد به المسمَّى، لأنه حكم عليه\" (^٢)، قال الشافعي - ﵀ -: \"من حلف باسم من أسماء الله تعالى فعليه الكفَّارة؛ لأنَّ اسم الله غير مخلوق، ومن حلف بالكعبة، أو بالصفا والمروة فليس عليه الكفَّارة؛ لأنَّه مخلوق، وذاك غير مخلوق\" (^٣).\nوالرأي الأصحُّ والأسلم الذي ذكره شارح الطحاوية بقوله: \"وطالما غلط كثيرٌ\n_________\n(^١) سورة مريم: ١٢.\n(^٢) مجموع الفتاوى، لابن تيمية ٦/ ١٩٠ - ١٩١ - ١٩٢، ١٢/ ١٦٩.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في آداب الشافعي، ص ١٩٣، قال: حدَّثني الربيع بن سليمان المرادي، وأخرجه أبو نعيم في الحلية ٩/ ١١٣، والبيهقي في الأسماء والصفات، ص ٢٢٥ - ٢٥٦.","vol":"1","page":263},{"text":"من الناس في ذلك، وجهلوا الصواب فيه، فالاسم يراد به المسمَّى تارة، ويراد به اللَّفظ الدال عليه أخرى، فإذا قلت: قال الله كذا، أو سمع الله لمن حمده، ونحو ذلك -فهذا المراد به المسمَّى نفسه، وإذا قلت: الله اسم عربي، والرحمن اسم عربي، والرحمن من أسماء الله ونحو ذلك- فالاسم هاهنا هو المراد لا المسمَّى، ولا يقال غيره؛ لما في لفظ الغير من الإجمال: فإن أريد بالمغايرة أنَّ اللَّفظ غير المعنى فحق، وإن أريد أنَّ الله سبحانه كان ولا اسم له حتى خلق لنفسه أسماء، أو حتى سمَّاه خلقه بأسماء من صنعهم- فهذا من أعظم الضلال والإلحاد في أسماء الله تعالى\" (^١).\nوهذا القول هو الموافق لصريح الكتاب والسُّنَّة؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (^٢)، وقال النبي - ﷺ -: «إنَّ لله تسعةً وتسعين اسمًا مئة إلا واحدًا، من أحصاها دخل الجنة» (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-91>ثانيا: آراؤه في صفات الله تعالى</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-92>أ- تقسيم الصفات وطريقته في إثباتها</span>\nأولًا: صفات نفسيَّة: وهي: \"كل صفة إثبات للنفس لازمة ما بقيت النفس وغير معللة بعللٍ قائمة بالموصوف\" (^٤).\nومثال ذلك: قال ابن عجيبة: \"الحليم من الصفة النفسية\" (^٥).\n_________\n(^١) شرح العقيدة الطحاوية، لابن أبي العز الحنفي، ص ٨٢.\n(^٢) سورة الأعراف: ١٨٠.\n(^٣) أخرجه البخاري، كتاب الشروط، باب ما يجوز من الاشتراط والثُّنيا في الإقرار والشروط التي يتعارفها الناس بينهم ٢/ ٢٨٥، رقم ٢٧٣٦.\n(^٤) الشامل، ص ٣٠٨.\n(^٥) تفسير الفاتحة الكبير، ص ١٤١.","vol":"1","page":264},{"text":"ثانيًا: الصفات السلبيَّة هي: \"ما يكون السَّلب معتبرًا في مفهومها\" (^١).\nمثال ذلك: قال عن اسم الله - ﷿ - السلام: معناه راجعٌ إلى تنزُّه الحقِّ عن الآفات المقدَّسة \"وهو صفة سلب\" (^٢).\nثالثًا: صفات المعاني أو الصفات الثبوتيَّة، وهي: \"كلُّ صفةٍ دلَّ الوصف بها على معنى زائد على الذات\" (^٣).\nوالضابط في اصطلاحهم: هي ما دلَّ على معنى وجوديٍّ قائمٍ بالذات، ولم يقر هؤلاء إلا بسبعٍ منها: الحياة، والعلم، والقدرة، والإرادة، والسمع، والبصر، والكلام، ونفوا ما عداها من صفات المعاني، كالرأفة، والرحمة، والحلم (^٤).\nرابعًا: الصفات المعنويَّة، وهي: \"الأحكام الثابتة للموصوف بها معلَّلة بعللٍ قائمةٍ بالموصوف\" (^٥).\nوهي (كونه قادرًا، ومريدًا، وحيًّا، وعالِمًا، ومتكلِّمًا، وسميعًا، وبصيرًا).\nوهذه الصِّفات التي يزعم ابن عجيبة أنه أثبتها، اشتملت على عشرين صفة على حدِّ زعمه وهي: \"الوجود، والقدم، والبقاء، والمخالفة للحوادث، والقيام بالنفس، والوحدانية، والقدرة، والإرادة، والعلم، والسمع، والبصر، والكلام، وكونه تعالى قادرًا، ومريدًا، وعالِمًا، وحيًّا، وسميعًا، وبصيرًا، ومتكلِّمًا\" (^٦).\n_________\n(^١) الشامل، ص ٣٠٨.\n(^٢) تفسير الفاتحة الكبير، ص ١٢٢، ١٤٧.\n(^٣) الشامل، ص ٣٠٨.\n(^٤) ينظر: منهج ودراسات لآيات الأسماء والصفات، ص ٥، الصفات الإلهية تعريفها وأقسامها، ص ٨٠.\n(^٥) الإرشاد، ص ٥١.\n(^٦) مخطوط رسائل في العقائد، ل/٤.","vol":"1","page":265},{"text":"والصفات التي أخبر بها الله - ﷿ - عن نفسه ووصفه بها رسوله - ﷺ - آمن بها الصحابة - ﵃ -، وتلقَّوها بالقبول والتسليم، وسار على نهجهم من وفَّقه الله - ﷿ - لفهمها وفق منهج السلف الصالح.\nوكذلك لم يتكلَّفوا تقسيم الصفات أو الخوض في ذلك إلا عندما اضطروا إليه؛ لأنهم لم يتجاوزوا الكتاب والسُّنَّة، ولم يؤثر عن الصحابة - ﵃ - أن تنازعوا في مسألة من مسائل الصفات، بل آمنوا بها وأمرُّوها كما جاءت، قال المقريزي - ﵀ - (^١): \"ومن أمعن النظر في دواوين الحديث النبوي ووقف على الآثار السلفيَّة، علم أن لم يرد قطُّ من طريق صحيح ولا سقيم عن أحد من الصحابة - ﵃ - على اختلاف طبقاتهم وكثرة عددهم أنه سأل رسول الله - ﷺ - عن معنى شيءٍ مما وصف الرَّب سبحانه به نفسه الكريمة في القرآن الكريم، وعلى لسان نبيه محمد - ﷺ -، بل كلُّهم فهموا معنى ذلك وسكتوا عن الكلام في الصفات ... ولا فرَّق أحدٌ منهم بين كونها صفة ذات أو صفة فعل\" (^٢).\nولكن لما نبتت نابتة من أهل البدع ونفوا الصفات أو أوَّلوها، أو ردُّوا بعضها، كان لا بدَّ لأهل السُّنَّة من ردِّ باطلهم.\nوابن عجيبة سلك مسلك الأشاعرة في تقسيمه للصفات وبهذا خالف ما عليه أهل السُّنَّة والجماعة.\n_________\n(^١) هو أبو العباس، أحمد بن علي بن عبد القادر بن محمد بن إبراهيم بن محمد تقي الدين المقريزي، له مصنفات منها: تجريد التوحيد المفيد، المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار، ولد في مصر، وتوفي سنة ٨٤٥ هـ. ينظر: شذرات الذهب ٩/ ٣٧٠، إنباء الغمر بأبناء العمر، ٩/ ١٧٠.\n(^٢) المواعظ والاعتبار في ذكر الخطط والآثار بعنوان: (ذكر الحال في عقائد أهل الإسلام منذ ابتداء الملة الإسلامية إلى أن انتشر مذهب الأشعرية) ٤/ ٤٣٤.","vol":"1","page":266},{"text":"ولقد بيَّن العلماء - ﵏ - القول الحق في تقسيم الصفات.\nقال ابن تيمية - ﵀ -: \"الصفات نوعان (^١):\nأحدهما: صفات نقص، فهذه يجب تنزيه الله عنها مطلقًا، كالموت، والعجز، والجهل.\nوالثاني: صفات كمال، مثل القيُّوم، وصفة الحياة، وغيرها من صفات الكمال المثبتة في الكتاب والسُّنَّة، فهذه يمتنع أن يماثله فيها شيء (^٢).\nوتنقسم إلى قسمين: صفات ثبوتيَّة وصفات منفيَّة.\nوالصفات الثبوتيَّة تنقسم إلى قسمين من جهة تعلقها بالله - ﷿ - وهي:\nصفات ذاتيَّة وصفات فعليَّة (^٣).\n١ - الصفات الذاتيَّة: هي التي لا تنفكُّ عن الذات، والتي لم يزل ولا يزال الله متصفًا بها (^٤).\nمثل: (الوجه، اليدين، العينين) (^٥).\n٢ - الصفات الفعلية: وتُسمَّى الصفات الاختياريَّة، وهي المتعلقة بالمشيئة والقدرة، أو هي التي تنفكُّ عن الذَّات (^٦)، مثل: الاستواء، والمجي، والنزول.\n_________\n(^١) على وجه العموم.\n(^٢) الصفدية ١/ ١٠٢.\n(^٣) وقد تكون الصفة ذاتية وفعلية، مثل: صفة الكلام، صفة ذاتية من حيث النوع والأصل، وفعلية باعتبار آحاد الكلام، وأفراده صفة فعلية؛ لأنَّ أفراد الكلام، وآحاده تقع بمشيئة الله - ﷿ -، ينظر: فتح العلي الأعلى بشرح القواعد المثلى، الشيخ عبيد الجابري، ص ١٣١.\n(^٤) ينظر: شرح العقيدة الطحاوية، ص ١٢٧.\n(^٥) مجموع الفتاوى ٦/ ٦٨.\n(^٦) ينظر: مختصر الأسئلة والأجوبة الأصولية على العقيدة الواسطية، ص ٥٧.","vol":"1","page":267},{"text":"الصفات المنفية: وهي التي نفاها الله - ﷿ - عن نفسه في كتابه أو لسان رسوله - ﷺ - مع إثبات (^١) كمال ضدِّها له تعالى.\nوكما هو معلوم أنَّ النفي المحض ليس فيه مدحٌ ولا كمالٌ إلا إذا تضمَّن إثباتًا، وإلا فمجرَّد النفي ليس فيه مدحٌ ولا كمال؛ لأنَّ النَّفي المحض عدمٌ محض.\nولهذا كان عامة ما وصف الله - ﷿ - به نفسه من النَّفي متضمِّنًا لإثبات مدح كقوله: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ (^٢) فنفي السِّنَة والنوم يتضمَّن كمال الحياة والقيام (^٣).\nوتنقسم الصفات من حيث الدليل إلى قسمين:\n١ - الصفات الخبرية، وهي التي دلَّ على ثبوتها الخبر عن الله - ﷿ - ورسوله ولا مجال للعقل في نفيها أو إثباتها (^٤).\n٢ - الصفات العقليَّة: هي التي دلَّ العقل (^٥) عليها إضافةً إلى أنها ثابتة بدلالة الكتاب والسُّنَّة، فهي شرعيَّة عقليَّة، قال ابن تيمية - ﵀ -: \"فهي شرعيَّة؛ لأنَّ الشرع دلَّ عليها، وأرشد إليها، وهي عقليَّة؛ لأنها تُعلم صحتها بالعقل، ولا يقال إنها لم تُعلم إلا بمجرَّد الخبر، فإذا أخبر الله بالشيء ودلَّ عليه بالدلالات العقليَّة صار مدلولًا عليه بخبره ومدلولًا عليه بدليله العقلي الذي يُعلم به، فيصير ثابتًا بالسمع والعقل، وكلاهما داخلٌ في دلالة القرآن التي تُسمَّى (الدلالة الشرعية) \" (^٦).\n_________\n(^١) ينظر: بدائع الفوائد ١/ ١٦٦.\n(^٢) سورة البقرة: ٢٥٥.\n(^٣) ينظر: التدمرية، ص ٥٧ - ٥٨.\n(^٤) ينظر: بيان تلبيس الجهمية ١/ ٧٥ - ٨٧، الصفات الإلهية، لمحمد أمان الجامي، ص ٢٠٧، والتبصير في معالم الدين، ص ١٣٢.\n(^٥) العقل الموافق للشرع.\n(^٦) مجموع الفتاوى ٦/ ٧١ - ٧٢.","vol":"1","page":268},{"text":"وقال أيضًا: \"والمقصود هنا أنَّ من صفات الله تعالى ما قد يُعلم بالعقل، كما يُعلم أنه عالم، وأنه قادرٌ، وأنه حيٌّ، كما أرشد إلى ذلك قول الله تعالى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (^١).\nوقد اتفق النُّظَّار من مثبتة الصفات على أنه يُعلم بالعقل -عند المحققين- أنَّه حيٌّ، عليمٌّ قدير، مريدٌّ، وكذلك السَّمع والبصر والكلام يثبت بالعقل عند المحققين منهم، بل وكذلك الحبُّ والرِّضا، والغضب يمكن إثباته بالعقل، وكذلك علوه على المخلوقات ومباينته لها مما يُعلم بالعقل، كما أثبتته الأئمة مثل: أحمد بن حنبل وغيره\" (^٢).\nوقسَّم العلماء الصفات الفعلية من جهة تعلُّقها بمتعلقها إلى قسمين (^٣):\n١ - متعدية: وهي ما تعدَّت لمفعولها بلا حرف جرَّ مثل: خلق، ورزق، وهدى، وأضلَّ، ونحوها.\n٢ - لازمة: وهي ما تتعدَّى لمفعولها بحرف جر كالاستواء والمجيء والإتيان والنزول ونحوها.\nوالقولُ السابقُ أصلُه عند ابن تيمية - ﵀ - فقد قسَّمها هذا التقسيم بقوله: \"القول الثابت: إثبات الفعلين اللازم والمتعدي كما دلَّ عليه القرآن فنقول: إنه كما أخبر عن نفسه: أنَّه خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش، وهو قول السلف، وأئمة السُّنَّة\" (^٤).\n_________\n(^١) سورة الملك: ١٤.\n(^٢) التدمرية، ص ١٤٩ - ١٥٠.\n(^٣) الصفات الإلهية تعريفها وأقسامها، ص ٦٦.\n(^٤) مجموع الفتاوى ٨/ ١٤.","vol":"1","page":269},{"text":"وأيضًا تبعه على هذا التقسيم تلميذه ابن القيم بقوله: \"فأفعاله نوعان: لازمة، ومتعدية، كما دلَّت النصوص التي هي أكثر من أن تحصر على النوعين\" (^١).\nوابن عجيبة كما يظهر أنه سلك مسلك الأشاعرة المتأخرين بتقسيم الصفات إلى أربعة أقسام، كما مرَّ معنا، وليس عندهم من الإثبات -بزعمهم- إلا صفات المعاني التي خالفوا فيها منهج أهل السُّنَّة والجماعة في إثباتها، بقولهم إنها أزليَّة، ولزومها لذات الرَّب أزلًا وأبدًا، وهم خشوا بذلك إن أثبتوها -بحسب زعمهم- حلول الحوادث بالله تعالى (^٢).\nوردّ الشيخ محمد الأمين الشنقيطي - ﵀ - على ما زعموه في هذه الصفات السبع بقوله: \"والتحقيق أنَّ عد الصفات السبع المعنوية ... لا وجه له؛ لأنها في الحقيقة إنما هي كيفية الاتصاف بالمعاني السبع التي ذكرنا، ومن عدَّها من المتكلِّمين عدّوها بناءً على ثبوت ما يسمونه الحال المعنوية التي يزعمون أنها واسطة ثبوتية، لا معدومة ولا موجودة، والتحقيق أنَّ هذه خرافة وخيال، وأنَّ العقل الصحيح لا يجعل بين الشيء ونقيضه واسطةً البتَّة، فكلُّ ما ليس بموجود فهو معدومٌ قطعًا، وكلُّ ما ليس بمعدوم فهو موجود قطعًا، ولا واسطة البتَّة كما هو معروفٌ عند العقلاء\" (^٣).\n_________\n(^١) مختصر الصواعق المرسلة ٢/ ٢٢٩.\n(^٢) ينظر الإرشاد إلى قواطع الأدلة، ص ١٠٢ - ١٠٥، والمواقف، للإيجي، ص ٢٨١، و٢٩٤، وينظر أيضًا: مجموع الفتاوى ١٦/ ٣٠١.\n(^٣) منهج ودراسات لآيات الأسماء والصفات، ص ١٩ - ٢٠.","vol":"1","page":270},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-93>ب- تأويلاته في باب الصفات</span>\nآراؤه في الصفات الذاتية.\nتعريف صفة العلو وموقف ابن عجيبة منها.\nالعلو: ضدُّ السُّفل.\nالعين واللام والحرف المعتل ياءً كان، أو واوًا، أو ألفًا، أصلٌ واحدٌ يدلُ على السُّموِّ والارتفاع (^١)، ومنه العلاء والعلوُّ، فالعلاءٌ: الرفعة، والعلوُّ: العظمة والتجبُّر (^٢)، والعلو يُطلق في اللُّغة على معان هي: علو الذات، وعلو القهر، وعلو القدر (^٣).\nوعلو الله - ﷾ - من الصفات الذاتية الثابتة، سمعًا، وعقلًا، وفطرةً، ولقد أجمع أهل السُّنَّة والجماعة على إثبات هذه الصفة على الوجه اللائق به - ﷾ -.\nويعتقد ابن عجيبة أنَّ الله - ﷿ - منزَّهٌ عن العلو، فقال: \"كان الله ولا أين ولا مكان وهو الآن على ما عليه كان\" (^٤)، وهو بهذا ينفي علو الله - ﷿ - الذاتي.\nوما اعتقده ابن عجيبة يخالف ما ذهب إليه أهل السُّنَّة والجماعة في إثباتها بدلالة السَّمع والفطرة والعقل.\nأولًا: الأدلة السَّمعية\nالأدلة السمعيَّة على إثبات صفة العلو كثيرة، وقد عدَّ ابن القيم عشرين نوعًا، ذكر منها (^٥):\n_________\n(^١) مقاييس اللغة ٤/ ١١٢.\n(^٢) العين ٢/ ٢٤٥.\n(^٣) تهذيب اللغة ٣/ ٢٥٣٦.\n(^٤) إيقاظ الهمم، ص ٧٣.\n(^٥) ينظر: مختصر الصواعق ٢/ ٢٠٥.","vol":"1","page":271},{"text":"* التصريح بالصعود، قال تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ (^١).\n* التصريح بذكر أنه في السَّماء، قال تعالى: ﴿أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ (^٢).\n* الفوقية المقرونة بـ (من)، قال تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ (^٣).\n* ذكر العلو، قال تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ (^٤).\n* ذكر التنزيل، قال تعالى: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ (^٥).\nثانيًا: الأحاديث الدالة على علو الله تعالى وتنوع دلالتها\n١ - التصريح برفع الأيدي إلى الله - ﷿ -: قال رسول الله - ﷺ -: «إنَّ ربكم ﵎ حييٌّ كريم يَستْحيى من عبده إذا رفع يديه إليه أن يرُدَّهما صِفْرًا» (^٦).\n٢ - التصريح بلفظ الأين، مثل سؤال النبي - ﷺ - للجارية، فعن معاوية بن الحكم السلمي - ﵁ - قال: كانت لي جاريةٌ ترعى غنمًا لي قِبَل أُحُدٍ والجوانية (^٧) فاطلعت ذات يومٍ فإذا الذئب قد ذهب بشاةٍ من غنمها وأنا رجلٌ من بني آدم آسفُ كما\n_________\n(^١) سورة فاطر: ١٠.\n(^٢) سورة الملك: ١٦ - ١٧.\n(^٣) سورة النحل: ٥٠.\n(^٤) سورة الشورى: ٤.\n(^٥) سورة غافر: ٢.\n(^٦) أخرجه أحمد ٥/ ٤٣٨، وأبو داود، كتاب الصلاة، باب الدعاء، ٢/ ٣٦٦، وابن ماجه، باب رفع اليدين في الدعاء ٥/ ٣٣، وصحَّحه الألباني في صحيح الجامع، رقم ١٧٥٧.\n(^٧) الجوّانية بالفتح وتشديد ثانية وكسر النون، وياء مشددة، هي موضع أو قرية قرب المدينة. ينظر: مراصد الاطلاع على أسماء الأمكنة والبقاع ١/ ٣٥٤.","vol":"1","page":272},{"text":"يأسفون، لكنى صككتُها صكَّةً، فأتيت رسول الله - ﷺ - فعظُمَ ذلك عليَّ، قلتُ: يا رسول الله أفلا أعتقها؟ قال: «ائتني بها»، فأتيته بها فقال لها: «أين الله؟» قالت: في السَّماء، قال: «من أنا؟»، قالت: أنت رسول الله، قال: «أعتقها فإنها مؤمنة» (^١).\n٣ - التشهيد، فقد خطب النبي - ﷺ - في حجَّة الوداع وبلَّغهم، وعلَّمهم، ثم قال بأُصْبُعِهِ السَّبَّابة يرْفَعُها إلى السَّماء، وينكتها إلى الناس: «اللهم اشهد، اللهم اشهد» (^٢).\n٤ - وعن أنس بن مالك - ﵁ - قال: كانت زينب - ﵂ - تفخر على أزواج النبي - ﷺ - وتقول: «زوجكنَّ أهاليكن، وزوجني الله تعالى من فوق سبع سماوات» (^٣).\nثالثًا: دلالة الفطرة على إثباتها\nالناس مفطورون على ذلك، والإنسان إذا ناجى ربَّه رفع رأسه إلى السَّماء، ولذلك لا يلتفت لمن أنكرها؛ لأنهم إما مقرِّون بقلوبهم ولكن جحدوا بألسنتهم ما في قلوبهم، أو أنَّ فطرتهم تغيَّرت بسبب علماء السوء، أو المجتمع، ولقد ذكر النبي - ﷺ - أنَّ الفطرة تتغيَّر بالمجتمعات، عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وْيُنَصِّرانِهِ، كما تنتجون (^٤) البهيمة، هل تجدون فيها من جدعاء (^٥) حتى تكونوا أنتم تجدعونها» (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب تحريم الكلام في الصلاة ونسخ ما كان من إباحة ١/ ٣٨١، رقم ٥٣٧.\n(^٢) أخرجه مسلم، كتاب الحج، باب حجة النبي - ﷺ - ٢/ ٨٨٦، رقم ١٢١٨.\n(^٣) أخرجه البخاري، كتاب التوحيد، باب ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ ٤/ ٣٨٨، رقم ٧٤٢٠.\n(^٤) تنتجون: بالبناء للفاعل من الإنتاج يقال: أنتجت الناقة إذا أعنتها على النتاج. ينظر: منحة الباري بشرح صحيح البخاري، المسمَّى تحفة الباري ٩/ ٥٢٨.\n(^٥) جدعاء: مقطوعة الأطراف، المرجع نفسه، ص ٥٢٨.\n(^٦) أخرجه البخاري، كتاب القدر، باب الله أعلم بما كانوا عاملين ٤/ ٢٠٩، رقم ٦٥٩٩.","vol":"1","page":273},{"text":"رابعًا: دلالة العقل\nأما ثبوتها بالعقل فمن وجوه:\nأحدهما: العلم البديهي القاطع بأنَّ كلَّ موجودين إمَّا أن يكون أحدهما ساريًا في الآخر قائمًا به كالصفات، وإما أن يكون قائمًا بنفسه بائنًا من الآخر.\nالثاني: أنَّه لما خلق العالم فإمَّا أن يكون خلقه في ذاته أو خارجًا عن ذاته، والأول باطل، أمَّا أولًا فبالاتفاق، وأمَّا ثانيًا؛ فلأنَّه يلزم أن يكون محلًّا للخسائس والقاذورات، تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا.\nوالثاني: يقتضي كون العالم واقعًا خارج ذاته، فيكون منفصلًا، فتعيَّنت المباينة؛ لأنَّ القول بأنَّه غير متصل بالعالم، وغير منفصل عنه غير معقول.\nوالثالث: أنَّ كونه تعالى لا داخل العالم ولا خارجه يقتضي نفي وجوده بالكليَّة؛ لأنَّه غير معقول، فيكون موجودًا إمَّا داخله وإمَّا خارجه، والأول باطل، فتعيَّن الثاني فلزمت المباينة (^١).\nوذكر ابن تيمية - ﵀ - قريبًا من هذا القول فقال: \"قاعدة عظيمة في إثبات عُلوّه تعالى: وهو واجبٌ بالعقل الصريح، والفطرة الإنسانية الصحيحة، وهو أن يقال: كان اللَّه ولا شيءَ معه ثم خلق العالم، فلا يخلو: إما أن يكون خلقه في نفسه وانفصل عنه، وهذا محال، تعالى اللَّه عن مماسَّة الأقذار وغيرها، وإما أن يكون خلقه خارجًا عنه ثم دخل فيه، وهذا محالٌ أيضًا، تعالى أن يحلَّ في خلقه -وهاتان لا نزاع فيهما بين أحدٍ من المسلمين- وإمَّا أن يكون خلقه خارجًا عن نفسه الكريمة ولم يحلّ فيه، فهذا هو الحقُّ الذي لا يجوز غيره، ولا يليق باللَّه إلا هو، وهذه القاعدة للإمام أحمد من حججه على الجهمية في زمن المحنة\" (^٢).\n_________\n(^١) ينظر: شرح الطحاوية ص ٢٦٩ - ٢٧٠.\n(^٢) مجموع الفتاوى ٥/. ١٥٢، ينظر: الرَّد على الزنادقة والجهمية، ص ٥٠ - ٥١.","vol":"1","page":274},{"text":"خامسًا: دلالة الإجماع\nتضافرت أقوال السلف لإثبات هذه الصفة لله - ﷿ -، ومنها:\nقول أبي سعيد الدارمي في نقضه على بشر المرِّيسي (^١): \"ثم إجماع من الأولين والآخرين العالمين منهم والجاهلين أنَّ كلَّ واحدٍ ممَّن مضى وممَّن غبر إذا استغاث بالله تعالى، أو دعاه، أو سأله يمد يديه وبصره إلى السماء يدعوه منها، ولم يكونوا يدعوه من أسفل منهم من تحت الأرض ولا من أمامهم، ولا من خلفهم، ولا عن أيمانهم ولا عن شمائلهم إلا من فوق السَّماء؛ لمعرفتهم بالله - ﷿ - أنه فوقهم، حتى اجتمعت الكلمة من المصلِّين في سجودهم (سبحان ربي الأعلى) لا ترى أحدًا يقول (ربي الأسفل) حتى لقد علم فرعون في كفره وعتوه على الله أنَّ الله - ﷿ - فوق السماء فقال فيما ذكره الله عنه في كتابه - ﷿ -: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ﴾ (^٢) \"، (^٣).\nوقال أبو الحسن الأشعري في رسالته لأهل الثغر: \"وأجمعوا على أنَّه تعالى فوق سماواته على عرشه دون أرضه\" (^٤).\nوقد دلَّ على ذلك بقوله: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾ (^٥).\n_________\n(^١) هو: بشر بن غياث المرِّيسي، مبتدعٌ ضالٌّ يقول بخلق القرآن، وناظر عليه ودعا إليه، وكان رأس الجهمية، مات سنة ٢١٨ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء ٨/ ٣٣٧، الوافي بالوفيات ١٠/ ٩٤، لسان الميزان ٢/ ٢٩.\n(^٢) الرَّد على الجهمية، ص ٣٧.\n(^٣) سورة غافر: ٣٦.\n(^٤) ينظر: رسالة لأهل الثغر، ص ٢٣١ - ٢٣٢.\n(^٥) سورة الملك: ١٦ - ١٧.","vol":"1","page":275},{"text":"وقال أيضًا: \"ورأينا المسلمين جميعًا يرفعون أيديهم إذا دعوا نحو السماء؛ لأنَّ الله مستوٍ على العرش\" (^١).\nوقال ابن عبد البر: \"ومن الحجة أيضًا في أنه - ﷿ - على العرش فوق السماوات، أنَّ الموحِّدين أجمعين من العرب والعجم إذا كربهم أمرٌ، أو نزلت بهم شدَّة، رفعوا وجوههم إلى السَّماء، يستغيثون ربهم ﵎، وهذا أشهر وأعرف عند الخاصَّة والعامَّة من أن يُحتاج فيه إلى أكثر من حكايته؛ لأنه اضطرار، ولم يؤنِّبهم عليه أحدٌ، ولا أنكره عليهم مسلم\" (^٢).\nوقال ابن أبي شيبة (^٣): \"وأجمع الخلق جميعًا أنهم إذا دعوا الله - ﷿ - جميعًا رفعوا أيديهم إلى السَّماء، فلو كان الله - ﷿ - في الأرض السُّفلى ما كانوا يرفعون أيديهم إلى السَّماء وهو معهم على الأرض\" (^٤).\nسادسًا: أقوال الصحابة - ﵃ -\n١ - عن ابن مسعود - ﵁ - في قول الله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ (^٥)، قال: «العرش على الماء، والله فوق العرش، وهو يعلم ما أنتم عليه» (^٦).\n٢ - قول عائشة - ﵂ -: «وأيم الله، إنِّي لأخشى لو كنت أحبُّ قتله لقتلت-\n_________\n(^١) الإبانة، ص ٤٨.\n(^٢) التمهيد ٧/ ٣٤٣ - ٣٤٤.\n(^٣) أبو بكر، عبد الله بن محمد القاضي أبي شيبة إبراهيم بن عثمان بن خُواسي العبسي مولاهم، من شيوخه: شريك بن عبد الله القاضي، ومن مؤلفاته: المصنف، والتفسير، مات سنة ٢٣٥ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء ١١/ ١٢٢، تهذيب التهذيب ٦/ ٢.\n(^٤) العرش، ص ٢٩١.\n(^٥) سورة الأعراف: ٥٤.\n(^٦) أخرجه البخاري في كتابه (خلق أفعال العباد)، ص ٤٣.","vol":"1","page":276},{"text":"تعني عثمان - ﵁ -، ولكن علم الله من فوق عرشه أنِّي لم أحبّ قتله» (^١).\n٣ - قول عمر - ﵁ -: عن أبي يزيد المديني قال: «لقيت امرأةٌ عمر يقال لها: خولة بن ثعلبة -وهو يسير مع الناس- فاستوقفته فوقف لها، ودنا منها، وأصغى إليها رأسه حتى قضى حاجتها وانصرفت، فقال له رجل: يا أمير المؤمنين حبست رجالات قريش على هذه العجوز، فقال: ويلك وهل تدري من هذه؟ قال: لا، قال: هذه امرأةٌ سمع الله شكواها من فوق سبع سماوات، هذه خولة بنت ثعلبة، والله لو لم تنصرف عنِّي إلى الليل ما انصرفت عنها حتى تقضي حاجتها، إلا أن تحضر صلاةٌ فأصليها، ثم أرجعُ إليها حتى تقضي حاجتها» (^٢).\nصفة الوجه:\nأوَّل ابن عجيبة هذه الصفة، فقال في تفسيره لقول الله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ (^٣) أي: ذاته المقدَّسة\" (^٤).\nوصفة الوجه من الصفات الذاتيَّة الخبريَّة التي دلَّ على ثبوتها الكتاب والسُّنَّة، وتلقَّاها سلف الأُمَّة بالقبول والتسليم، ولم يتأولوها بل أمرُّوها كما جاءت من غير تحريفٍ ولا تمثيلٍ ولا تكييف، أمَّا الأشاعرة فهذا دأبهم في تأويل الصفات الخبرية، فلقد أوَّلوها بالذات كما ذكر ابن عجيبة، وكذلك أوَّلوها (بالثواب والجزاء) (^٥)، وأوَّلوها (بالقبلة، والوجود، والرحمة (^٦» وغير ذلك من التأويلات الباطلة التي لم ترد لا في كتابٍ ولا سنَّةٍ ولا لغة العرب.\n_________\n(^١) أخرجه الدارمي في الرَّد على الجهمية، ص ٥٧.\n(^٢) أخرجه الدارمي في الرَّد على الجهمية، ص ٥٣ - ٥٤.\n(^٣) سورة الرحمن: ٢٧.\n(^٤) البحر المديد ٧/ ٢٧٣.\n(^٥) ينظر: تفسير النسفي ٤/ ٣١٨، والبحر المحيط، لأبي حيان ٤/ ١٣٦.\n(^٦) الإرشاد، للجويني، ص ١٤٧ - ١٤٨، والأسماء والصفات، للبيهقي ٢/ ٨٩ - ٩٠.","vol":"1","page":277},{"text":"أولًا: الأدلة من القرآن\nقال تعالى: ﴿وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (^١).\nقال ابن كثير: \"وقد نعت وجهه الكريم في هذه الآية بأنَّه ذو الجلال والإكرام، أي: هو أهلٌ أن يجلَّ فلا يعصى وأن يُطاع فلا يخالف\" (^٢).\nوقال تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ (^٣).\nقال ابن كثير: \"يخبر تعالى أنَّ جميع أهل الأرض سيذهبون ويموتون أجمعون، وكذلك أهل السموات، إلا من شاء الله، ولا يبقى أحدٌ سوى وجهه الكريم؛ فإنَّ الرَّبَّ -تعالى وتقدَّس- لا يموت، بل هو الحيُّ الذي لا يموت أبدًا\" (^٤).\nثانيًا: الأدلة من السُّنَّة:\n١ - عن أبي موسى قال قام فينا رسول الله - ﷺ - بخمس كلمات فقال: «إنَّ الله - ﷿ - لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عملُ الليل قبلَ عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل، حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه» (^٥).\n٢ - وعن أبي بكر بن عبد الله بن قيس عن أبيه عن النبي - ﷺ - قال: «جنَّتان من فضه وجنتان من ذهب، آنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى\n_________\n(^١) سورة القصص: ٨٨.\n(^٢) تفسير القرآن العظيم ٧/ ٤٩٤.\n(^٣) سورة الرحمن: ٢٧.\n(^٤) تفسير القرآن العظيم ٧/ ٤٩٤.\n(^٥) أخرجه البخاري، كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ ٤/ ٣٩٢، رقم ٧٤٤٤.","vol":"1","page":278},{"text":"ربِّهم إلا رداء الكبرياء على وجه في جنَّة عدن» (^١).\n٣ - وعن أبي مسعود الأنصاري - ﵁ - قال: كنتُ أضربُ غلامًا لي فسمعت من خلفي صوتًا: «اعلم أبا مسعود، الله أقدر عليك منك عليه» فالتفت فإذا هو رسول الله - ﷺ - فقلتُ: يا رسول الله: هو حرٌّ لوجه الله، فقال: «أما لو لم تفعل، للفحتك النار، أو لمستك النار» (^٢).\nثالثًا: الإجماع\nردّ الإمام الدارمي على من أنكر صفة الوجه لله - ﷿ - بقوله: \"ولولا كثرة من يستنكر الحق ويستحسن الباطل ما اشتغلنا كلَّ هذا الاشتغال بتثبيت وجه الله ذي الجلال والإكرام، ولو لم يكن فيه إلا اجتماع الكلمة من العالمين: أعوذ بوجه الله العظيم وأعوذ بوجهك يا رب، وجاهدت ابتغاء وجه الله وأعتقت لوجه الله لكان كافيًا مما ذكرنا، إذ عقله النساء والصبيان والبر والفاجر والعربي والعجمي غير هذه العصابة الزائغة الملحدة في أسماء الله المعطلة لوجه الله ولجميع صفاته - ﷿ - \" (^٣).\nوقال ابن خزيمة (^٤): \"نحن نقول وعلماؤنا جميعًا في جميع الأقطار: إنَّ لمعبودنا - ﷿ - وجهًا كما أعلمنا الله في محكم تنزيله فذوَّاه -أي وصفه بذو- بالجلال والإكرام، وحكم له بالبقاء ونفي عنه الهلاك، ونقول: إنَّ لوجه ربنا - ﷿ - من النور والضياء والبهاء ما لو كشف حجابه لأحرقت سبحات\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب التفسير، باب قوله: ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ﴾ ١٢/ ١٦٩، رقم ٤٨٧٨.\n(^٢) أخرجه مسلم، كتاب الإيمان، باب صحبة المماليك وكفَّارة من لطم عبده ٥/ ٩٢، رقم ٤٣٩٨.\n(^٣) نقض الدارمي على المرِّيسي ٢/ ٧٢٣ - ٧٢٤.\n(^٤) محمد بن إسحاق بن خزيمة النيسابوري السلمي، الشافعي، ولد سنة ٢٢٢ هـ، وقيل ٢٣، توفي سنة ٣١١ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء ١٤/ ٣٦٥، شذرات الذهب ٢/ ٢٦٢.","vol":"1","page":279},{"text":"وجهه كلَّ شيءٍ أدركه بصره، محجوب عن أبصار أهل الدنيا، لا يراه بشر ما دام في الدنيا الفانية، ونقول: إنَّ وجه ربنا القديم لا يزال باقيًا، فنفى عنه الهلاك والفناء\" (^١).\nرابعًا: من أقوال الصحابة - ﵃ -\n١ - عن خباب - ﵁ - قال: «هاجرنا مع النبي - ﷺ - نلتمس وجه الله، فوقع أجرنا على الله، فمنَّا من مات لم يأكل من أجره شيئًا، منهم مصعب بن عمير، ومنَّا من أينعت له ثمرته فهو يهدبها (^٢)، قتل يوم أُحُدٍ فلم نجد ما نكفنه إلا بردة إذا غطينا بها رأسه خرجت رجلاه، وإذا غطينا رجليه خرج رأسه، فأمرنا النبي - ﷺ - أن نغطي رأسه، وأن نجعل على رجليه من الإذخر» (^٣).\n٢ - عن عبد الله بن مسعود - ﵁ - قال: «إنَّ العبد المسلم إذا قال الحمد لله وسبحان الله ولا إله إلا الله والله أكبر وتبارك الله، أخذها ملك فجعلها تحت جناحه ثم صعد بها فلا يمرُّ بها على جمعٍ من الملائكة إلا استغفروا لقائلهنَّ حتى يجيء بها وجه الرحمن، ثم قرأ عبد الله ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ (^٤)»، (^٥).\n_________\n(^١) كتاب التوحيد ١/ ٥٣.\n(^٢) يهدبها: أي يجنيها ويقطفها كما يهدب الرجل الغضا والأرطى. ينظر: تاج العروس ٤/ ٣٨٢.\n(^٣) أخرجه البخاري، كتاب الجنائز، باب إذا لم يجد كفنًا إلا ما يواري رأسه أو قدميه غطَّى به رأسه ١/ ٤٢٩، رقم ١٢١٧.\n(^٤) سورة فاطر: ١٠.\n(^٥) أخرجه البيهقي في الأسماء والصفات ٢/ ١٠٤، رقم ٦٦٧، والحاكم في المستدرك، كتاب التفسير، تفسير سورة الملائكة ٢/ ٤٦١، وقال: هذا حديثٌ صحيحُ الإسناد ولم يخرجاه، وابن جرير في تفسيره ١٠/ ٣٩٨، والسيوطي في الدر المنثور ٧/ ٨.","vol":"1","page":280},{"text":"خامسًا: الرد على تأويلات الوجه (بالذات، أو الثواب، أو الجزاء، أو الرحمة)\nقال ابن القيم: \"إنَّه لا يعرف في لغةٍ من لغات الأمم وجه الشيء بمعنى ذاته ونفسه، وغاية ما شبه به المعطل وجه الرَّب أن قالوا: هو كقوله: وجه الحائط، ووجه الثوب، ووجه النهار، ووجه الأمر (فيقال) لهذا المعطِّل المشبِّه: ليس الوجه في ذلك بمعنى الذات بل هذا مبطل لقولك فإنَّ وجه الحائط أحد جانبيه فهو مقابل لدبره، وكمثل هذا وجه الكعبة ودبرها، فهو وجه حقيقة ولكنه بحسب المضاف إليه، فلما كان المضاف إليه بناء كان وجهه من جنسه\" (^١).\nوأنَّه قد ثبت في عرف الناس وعاداتهم في الخطاب العربي الذي أجمع عليه أهل اللغة أنَّ تسمية الوجه في أيِّ محلٍّ وقع في الحقيقة والمجاز يزيد على قولنا: ذات، وأمَّا في الحيوان فذلك مشهورٌ حقيقة لا يمكن دفعه، ولا يسوغ فيه غير ذلك، وأمَّا في مقامات المجاز فكذلك أيضًا؛ لأنه يُقال: (فلانٌ وجه القوم) لا يراد به ذات القوم؛ إذ ذوات القوم غيره قطعًا ويقينًا، ويقال: (هذا وجه الثوب)؛ لما هو أجوده، ويقال: (هذا وجه الرأي) أي: أصحُّه وأقومه، (وأتيت بالخبر على وجهه) أي: على حقيقته (^٢).\nوالوجه في اللغة: مستقبل كل شيء؛ لأنه أوَّل ما يواجه منه، ووجه الرأي والأمر: ما يظهر أنه صوابه وهو في كلِّ محلٍّ بحسب ما يضاف إليه، فإن أضيف إلى زمن كان الوجه زمنًا، وإن أضيف إلى حيوان كان بحسبه، وإن أضيف إلى ثوب أو حائط كان بحسبه، وإن أضيف إلى مَن ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (^٣)\n_________\n(^١) مختصر الصواعق المرسلة ٣/ ٩٩٦.\n(^٢) ينظر: بيان تلبيس الجهمية ١/ ٣٥.\n(^٣) سورة الشورى: ١١.","vol":"1","page":281},{"text":"كان وجهه تعالى كذلك، فإذا كان هذا هو المستقرّ في لغة العرب وجب إثبات هذه الصفة على الوجه اللائق به سبحانه فهو وصفٌ زائدٌ على الذات المجرَّدة (^١).\nوكان النبي - ﷺ - عند دخوله للمسجد يقول: «أعوذ بالله العظيم، وبوجهه الكريم، وسلطانه القديم، من الشيطان الرجيم» (^٢).\nفالنَّبي - ﷺ - استعاذ بالذات مرَّة وبالوجه مرَّة، قال ابن القيم - ﵀ -: \"فتأمَّل كيف فرَّق في الاستعاذة بين استعاذته بالذات وبين استعاذته بالوجه الكريم، وهذا صريحٌ في إبطال قول من قال: إنه الذَّاتُ نفسها\" (^٣).\nوحمله على الثواب المنفصل من أبطل الباطل، فإنَّ اللغة لا تحتمل ذلك ولا يعرف أنَّ الجزاء يُسمَّى وجهًا للمجازي.\nوحمل الوجه في الآية ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (^٤) على الجهة والقبلة، إمَّا أن يكون هو ظاهر الآية أو يكون خلاف ظاهرها، ويكون المراد بالوجه وجه الله حقيقة; لأنَّ الوجه إنَّما يراد به الجهة والقبلة إذا جاء مطلقًا غير مضافٍ إلى الله تعالى، وقال الشيخ ابن عثيمين - ﵀ -: \"لكن الصحيح أنَّ المراد بالوجه هنا وجه الله الحقيقي؛ أي إلى أي جهة تتوجَّهون، فثمَّ وجه الله - ﷾ -؛ لأنَّ الله محيطٌ بكلِّ شيء، ولأنَّه ثبت عن النبي - ﷺ - أنَّ المصلِّي إذا قام\n_________\n(^١) ينظر: مختصر الصواعق المرسلة ٣/ ٩٩٨.\n(^٢) أخرجه أبو داود، كتاب الصلاة، باب مما يقوله الرجل عند دخوله المسجد ١/ ١٥٧، رقم ٤٦٦، وقال الحافظ بن حجر: حديثٌ حسن، بسند جيِّد. ينظر: نتائج الأفكار في تخريج أحاديث الأذكار ١/ ٢٧٤، وصحَّحه الألباني في صحيح سنن أبي داود (٤٤١).\n(^٣) مختصر الصواعق ٣/ ١٠١٠.\n(^٤) سورة البقرة: ١١٥.","vol":"1","page":282},{"text":"يصلِّي فإنَّ الله قِبَل وجهه، ولهذا نهى أن يبصق أمام وجهه؛ لأن الله قبل وجهه ... وهذا معنى صحيح موافق لظاهر الآية، والمعنى الأول -وهو تفسير الوجه بالقبلة- لا يخالفه في الواقع (^١)، إذا قلنا فثم وجه الله، وكان هناك دليل، سواء كان هذا الدليل تفسيرًا للآية الثانية في الوجه الثاني، أو كان الدليل ما جاءت به السُّنَّة، فإنك إذا توجَّهت إلى الله في صلاتك، ففي جهة الله التي يقبل الله صلاتك إليها، فثمَّ أيضًا وجه الله حقًّا، وحينئذٍ يكون المعنيان لا ينتفيان\" (^٢).\nصفة السمع والبصر: قال ابن عجيبة: \"إنَّه سميعٌ بصيرٌ يسمع من غير أصمخة وآذان، ويرى من غير حدقةٍ ولا أجفان\" (^٣).\nيعتقد ابن عجيبة -بزعمه أنه مثبتٌ للصفة- ولقد نفاها فرارًا من إثبات أفعال الله - ﷿ - الذي يعبر عنها بقيام الحوادث بذات الرب - ﷾ -، وأيضًا خالف أهل السُّنَّة والجماعة وفصَّل في النفي أيضًا، علمًا أنَّ النفي المفصَّل في القرآن لم يأتِ إلا على ثلاثة أسباب:\n١ - نفي ما ادَّعاه الكاذبون في حق الله تعالى من النقائص، كقوله: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (^٤).\n٢ - دفع توهُّم النقص في كمال الله - ﷿ -، كقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ﴾ (^٥)، وقوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ\n_________\n(^١) مختصر الصواعق ٣/ ٩٩٨، ص ١٠١٦ - ١١٧، وينظر للاستزادة: مجموع الفتاوى ٢/ ٧٢، والنقض على بشر المرِّيسي ٢/ ٧٠٦.\n(^٢) شرح العقيدة الواسطية، للشيخ محمد بن صالح العثيمين ١/ ٢٨٧.\n(^٣) مخطوط رسائل في العقائد، ل/٨.\n(^٤) سورة الأنعام: ١٠١.\n(^٥) سورة الدخان: ٣٨.","vol":"1","page":283},{"text":"أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ (^١). ٣ - في سياق تهديد الكافرين، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾ (^٢).\nوما اعتقده ابن عجيبة باطل حتى من القاعدة الأصولية (^٣) التي نصَّت على أنَّ الإثبات مقدَّمٌ على النفي (^٤)، وما نفاه ابن عجيبة وجب عليه الدليل، ولا دليل.\nوالذي يظهر أنَّ ابن عجيبة يعتقد ما يعتقده الأشاعرة بأنَّ إثبات الصفات التي أثبتها الله - ﷿ - لنفسه يوصف بها المخلوق فكان سببًا للنفي، وهذا لا مرية في بطلانه؛ لأنَّ صفات الله - ﷿ - تليق بجلاله وكماله، وصفات الله - ﷿ - صفات كمال لا نقص فيها، ولا يصح سلبها عن الله - ﷿ -.\nقال ابن خزيمة: \"أفليس من المحال يا ذوي الحجا، أن يقول خليل الرحمن لأبيه آزر: ﴿لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ (^٥)، ويعيبه بعبادة ما لا يسمع، ولا يبصر، ثم يدعوه إلى عبادة من لا يسمع، ولا يبصر\" (^٦).\nوفصل الخطاب أنَّ القول الحق هو ما عليه أهل السُّنَّة والجماعة فهم يعتقدون بأنَّ السمع والبصر صفتان ذاتيتان لله - ﷿ -، ويثبتونها على الوجه اللائق بالله تعالى، وتضافرت الأدلة على ذلك من القرآن والسُّنَّة والإجماع.\n_________\n(^١) سورة ق: ٣٨.\n(^٢) سورة إبراهيم: ٤٢.\n(^٣) ينظر: قواعد الفقه، ص ٥٣.\n(^٤) ينظر: البرهان في أصول الفقه ٢/ ٢٠٤.\n(^٥) سورة مريم: ٤٢.\n(^٦) كتاب التوحيد ١/ ١٠٩.","vol":"1","page":284},{"text":"أولًا: الأدلة من القرآن\nقال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (^١).\nوقال تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ (^٢).\nثانيًا: الأدلة من السُّنَّة\n١ - عن أبي موسى الأشعري - ﵁ - قال: لما غزا رسول الله - ﷺ - خيبر، أو قال: لما توجَّه رسول الله - ﷺ - أشرف الناس على وادٍ فرفعوا أصواتهم بالتكبير الله أكبر ألله أكبر لا إله إلا الله، فقال رسول الله - ﷺ -: «اربعوا على أنفسكم، إنَّكم لا تدعون أصمَّ ولا غائبًا، إنَّكم تدعون سميعًا قريبًا وهو معكم» (^٣).\n٢ - وعن أبي موسى الأشعري - ﵁ - قال: \"قام فينا رسول الله بخمس كلمات، فقال: «إنَّ الله - ﷿ - لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل، حجابه النور، لو كشفه لأحرقت سبحات وجه ما انتهى إليه بصره من خلقه» (^٤).\nثالثًا: الإجماع على إثبات صفة السمع والبصر\nقال الدارمي: \"ولكنَّنا نثبت له السمع والبصر والعين بلا تكييف كما أثبته لنفسه فيما أنزل من كتابه وأثبته له الرسول - ﷺ - \" (^٥).\n_________\n(^١) سورة الشورى: ١١.\n(^٢) سورة الإسراء: ٣٦.\n(^٣) أخرجه البخاري، كتاب المغازي، باب غزوة خيبر ٥/ ١٣٣، رقم ٤٢٠٥.\n(^٤) أخرجه مسلم، كتاب الإيمان، باب في قوله - ﵊ -: «إن الله لا ينام» ١/ ١١١، رقم ٨١.\n(^٥) نقض الدارمي ٢/ ٦٨٩.","vol":"1","page":285},{"text":"ويقول أبو الحسن الأشعري: \"وأجمعوا على إثبات حياة الله - ﷿ - لم يزل بها حيًّا، وعلمًا لم يزل به عالِمًا، وقدرةً لم يزل بها قادرًا، وكلامًا لم يزل به متكلِّمًا، وإرادةً لم يزل بها مريدًا، وسمعًا وبصرًا لم يزل به سميعًا بصيرًا\" (^١).\nوالله - ﷿ - لم يكلفنا بمعرفة كنه الصفة، فلا نصف الله إلا بما وصف به نفسه في كتابه أو بما وصفه رسوله - ﷺ - وعدم إدراكنا بالكيفية لا ينقص إيماننا؛ لأننا لم نكلَّف بذلك.\nقال أبو القاسم الأصبهاني: \"فإن قيل: كيف يصح الإيمان بما لا نحيط علمًا بحقيقته؟ قيل: إنَّ إيماننا صحيحٌ بحقِّ من كلّفناه، وعلمنا محيط بالأمر الذي ألزمناه، وإن لم نعرف ما تحتها حقيقة كيفيته، وقد أمرنا بأن نؤمن بملائكة الله وكتبه ورسله وباليوم الآخر وبالجنَّة ونعيمها، وبالنَّار وعذابها، ومعلومٌ أنا لا نحيط علمًا بكلِّ شيءٍ منها على التفصيل وإنما كلفناه الإيمان بها جملة (^٢).\nوقال البغوي: \"إنَّ الامتناع عن الخوض في صفات الله تعالى بالتكييف والتشبيه واجب، وإنَّ المهتدي من سلك في نصوص الصفات عن طريق التسليم، وإنَّ الخائض فيها زائغ، والمنكر معطل، والمكيِّف مشبِّه، تعالى الله عمَّا يقول الظالمون علوًّا كبيرا\" (^٣).\nوالعلم بكيفية الصفة ليس بحاصلٍ لأحد؛ \"لأنَّ العلم بكيفية الصفة فرع على العلم بكيفية الموصوف، فإذا كان الموصوف لا تعلم كيفيته، امتنع أن تعلم كيفية الصفة\" (^٤).\n_________\n(^١) رسالة إلى أهل الثغر، ص ٢١٥.\n(^٢) الحجة في بيان المحجة ١/ ٣١٣ - ٣١٤.\n(^٣) شرح السُّنَّة ١٥/ ٢٥٧ - ٢٥٨.\n(^٤) مجموع الفتاوى ٦/ ٣٩٩.","vol":"1","page":286},{"text":"والمعطلة لم يفهموا من أسماء الله وصفاته إلا ما هو لائقٌ بالمخلوق، فعطَّلوا صفات الله - ﷿ -.\nقال ابن تيمية: \"أمَّا المعطلون؛ فإنهم لم يفهموا من أسماء الله وصفاته إلا ما هو اللائق بالمخلوق، ثم شرعوا في نفي تلك المفهومات، فقد جمعوا بين التمثيل والتعطيل، مثَّلوا أولًا، وعطَّلوا آخرًا، وهذا تشبيهٌ وتمثيلٌ منهم للمفهوم من أسمائه وصفاته بالمفهوم من أسماء خلقه وصفاتهم، وتعطيلٌ لما يستحقه هو سبحانه من الأسماء والصفات اللائقة بالله - ﷿ - \" (^١).\nوقال ابن عبد البر: \"وقد عقلنا وأدركنا بحواسنا أنَّ لنا أرواحًا في أبداننا لا نعلم كيفية ذلك، وليس جهلنا بكيفية الأرواح يوجب أن ليس لنا أرواح، وكذلك ليس جهلنا بكيفيته على عرشه يوجب أن ليس على عرشه\" (^٢).\nرابعًا: فمما جاء في ذلك من أقوال الصحابة - ﵃ -\nعن عائشة - ﵂ - قالت: «الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات لقد جاءت المجادلة إلى النبي - ﷺ - تكلّمه في ناحية البيت، وما أسمع ما تقول، فأنزل الله - ﷿ -: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ (^٣)»، (^٤).\n_________\n(^١) الفتوى الحموية ١/ ٢٦٧.\n(^٢) التمهيد ٧/ ١٣٧.\n(^٣) سورة المجادلة: ١.\n(^٤) أخرجه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السُّنَّة ٣/ ٤٥٥، رقم ٦٨٩.","vol":"1","page":287},{"text":"* صفة الكلام:\nقال ابن عجيبة: \"والله تعالى متكلِّمٌ بكلامٍ قديمٍ واحدٍ أزلي، فليس بصوتٍ ولا حرف، ولا لهوات، أو شفة، أو تحريك لسان\" (^١).\nوقال في موضع آخر: \"أما لفظ القرآن فمشتَّقٌ من القرء\" (^٢).\nومن خلال قوله تبيَّن أن ابن عجيبة يعتقد أنَّ كلام الله يُطلق على المعنى النفسي، فليس هو حروف وأصوات، وأنَّ كلام الله - ﷿ - واحد، ونفى مشيئة الله في كلامه كما هو مقرَّرٌ عند أهل السُّنَّة والجماعة، ولا شكَّ أنَّ ما يعتقده باطلٌ مبنيٌّ على عقيدته الأشعرية، كما قال الباجوري (^٣): \"مذهب أهل السُّنَّة -يريد الأشعرية- أن القرآن بمعنى الكلام النفسي ليس بمخلوق، وأمَّا القرآن بمعنى اللَّفظ الذي نقرؤه فهو مخلوق\" (^٤).\nوهذا مردودٌ بكلام العلماء المحققين، فلم يقل أحدٌ من السَّلف أنَّ كلام الله - ﷿ - قديم، وإنما قالوا هو كلام الله غير مخلوق، وقالوا لم يزل متكلِّمًا، إذا شاء ومتى شاء وكيف شاء وكما شاء، ولم يقل أحدٌ منهم: إنَّ الله - ﷿ - في الأزل نادى موسى - ﵇ -، ولا قال: إنَّ الله لم يزل ولا يزال يقول: يا آدم، يا نوح، يا موسى، ونحو ذلك مما أخبر أنه قال، واتباع السلف عندما يقولون: إن كلام الله - ﷿ -\n_________\n(^١) مخطوط رسائل في العقائد، ل/٨.\n(^٢) تفسير سورة الفاتحة، ص ٧٣.\n(^٣) هو: إبراهيم بن محمد بن أحمد الباجوري، ولد في بيجور إحدى قرى المنوفية بمصر، وتعلَّم في الأزهر، له مصنفات منها: تحفة المريد على جوهرة التوحيد، حاشية على الشنشورية في الفرائض، كانت وفاته سنة ١٢٧٦ هـ. ينظر: الأعلام ١/ ٧١.\n(^٤) شرح الجوهرة، ص ٩٤.","vol":"1","page":288},{"text":"قديم، أي لم يزل متكلِّمًا إذا شاء لا يقولون إنَّ نفس الكلمة المعيَّنة قديمة، كندائه لموسى ونحو ذلك (^١).\nولهذا بوَّب الإمام البخاري في صحيحه عدة أبواب على ذلك فقال: \"باب: كلام الرب تعالى مع جبريل - ﵇ - ونداء الملائكة، وباب: \"كلام الله تعالى يوم القيامة مع الأنبياء وغيرهم، وباب: ما جاء في قوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ (^٢)، وباب: \"كلام الرب مع أهل الجنَّة\" (^٣).\nولهذا ما قاله ابن عجيبة هو حجة عليه إذ يلزمه أن تكون الصفات السبع التي يثبتها -بزعمه- هي واحدة حقيقة ومعنى، وهذا لا شكَّ في فساده.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: \"فقال جمهور العقلاء لهم: تصور هذا القول يوجب العلم بفساده، وقالوا لهم: موسى سمع كلام الله كلَّه أو بعضه، إن قلتم كله لزم أن يكون قد علم علم الله، وإن قلتم بعضه فقد تبعّض، وقالوا لهم: إذا جوزتم أن تكون حقيقة الخبر هي حقيقة الأمر وحقيقة النهي عن كل منهي عنه، والأمر بكلِّ مأمورٍ به هو حقيقة الخبر عن كلِّ مخبر عنه فجوزوا أن تكون حقيقة العلم هي حقيقة القدرة وحقيقة القدرة هي حقيقة الإرادة، فاعترف حُذَّاقهم بأنَّ هذا لازم لهم لا محيد لهم عنه ولزمهم إمكان أن تكون حقيقة الذات هي حقيقة الصفات وحقيقة الوجود الواجب هي حقيقة الوجوب الممكن\" (^٤).\nويقول أيضًا: \"وقد خالفتم الشرع والعقل في قولكم: إنَّه قديم، وابتدعتم بدعةً\n_________\n(^١) ينظر: مجموع الفتاوى ١٧/ ٨٥.\n(^٢) سورة النساء: ١٦٤.\n(^٣) ينظر لهذه الأبواب، شرح ابن حجر لما ورد فيها من أحاديث ١٣/ ٤٦١، ٤٧٣، ٤٧٧، ٤٨٨.\n(^٤) مجموع الفتاوى ٩/ ٢٨٣.","vol":"1","page":289},{"text":"لم يسبقكم إليها أحدٌ من الصحابة - ﵃ - والتابعين وأئمة المسلمين، وفررتم من محذور إلى محذور كالمستجير من الرمضاء بالنار، ثم قولكم: إنه معنى واحد وهو: مدلول جميع العبارات مكابرة للعقل والشرع، فإنَّا نعلم بالاضطرار أنه ليس معنى آية الكرسي هو معنى آية الدين، ولا معنى تبَّت يدا أبي لهب هو معنى سورة الإخلاص، والتوراة إذا عرَّبناها لم تصر هي القرآن العربي الذي جاء به محمَّد، وكذلك إذا ترجمنا القرآن بالعبرية لم يكن هو توراة موسى - ﵇ - إلى أن قال ... والسَّلف والأئمة لم يقل أحدٌ منهم بقولكم، لكن قالوا: إنَّ الله تكلَّم بالقرآن وغيره من الكتب المنزلة، وإنَّ الله - ﷿ - نادى موسى بصوت سمعه موسى بأذنه كما دلَّت على ذلك النصوص، ولم يقل أحدٌ منهم إن ذلك النداء الذي سمعه موسى قديم أزلي، ولكن قالوا: إنَّ الله لم يزل متكلِّمًا إذا شاء وكيف شاء؛ لأنَّ الكلام صفة كمال لا صفة نقص، وإنما تكون صفة كمال إذا قام به لا إذا كان مخلوقًا بائنًا عنه فإنَّ الموصوف إلا بما قام به لا يتصف بما هو بائن عنه.\nفلا يكون الموصوف حيًّا عالِمًا قادرًا متكلِّمًا رحيمًا مريدًا بحياة قامت بغيره ولا بعلم وقدرة قامت بغيره ولا بكلام ورحمة وإرادة قامت بغيره.\nوالكلام بمشيئة المتكلِّم وقدرته، أكمل ممن لا يكون بمشيئته وقدرته، وأمَّا كلام يقوم بذات المتكلِّم بلا مشيئته وقدرته، فإمَّا أنَّه ممتنع أو هو صفة نقص كما يدعى مثل ذلك في المصروع، وإذا كان كمالًا فدوام الكمال له وأنه لم يزل موصوفًا بصفات الكمال أكمل من كونه صار متكلِّمًا بعد أن لم يكن لو قدر أن هذا ممكن فكيف إذا كان ممتنعًا.\nوكان أئمة السُّنَّة والجماعة كلما ابتدع في الدين بدعة أنكروها ولم يقروها،","vol":"1","page":290},{"text":"ولهذا حفظ الله دين الإسلام فلا يزال في أُمَّة محمد طائفة هادية مهدية ظاهرة منصورة\" (^١).\n\"والتحقيق هو أنَّ الله - ﷿ - قد تكلَّم بالحروف كما يليق بجلاله وعظمته فإنه قادر، والقادر لا يحتاج إلى جوارح، ولا إلى لهوات، وكذلك له صوت كما يليق به، يُسمع، ولا يفتقر ذلك الصوت المقدَّس إلى الحلق والحنجرة كلام الله تعالى كما يليق به، وصوته كما يليق به، ولا ننفي الحروف ولا الصوت عن كلامه سبحانه؛ لافتقارهما منَّا إلى الجوارح واللهوات، فإنهما من جناب الحق تعالى لا يفتقران إلى ذلك، وهذا ينشرح الصدر له ويستريح الإنسان به من التعسُّف، والتكلف ... \" (^٢).\nفكلام الله - ﷿ - صفة ذاتيَّة باعتبار أصلها، وفعليَّة باعتبار أفرادها، وهي ثابتة لله - ﷿ - بالكتاب والسُّنَّة والإجماع والعقل.\nقال ابن تيمية - ﵀ -: \"وعامَّة ما يوجد في الكتاب والسُّنَّة وكلام السلف والأئمة، بل وسائر الأمم عربهم وعجمهم من لفظ الكلام والقول، وهذا كلام فلان ... فإنَّه عند إطلاقه يتناول اللَّفْظ والمعنى جميعًا؛ لشموله لهما، ليس حقيقة في اللَّفْظ فقط كما يقوله قوم، ولا في المعنى فقط كما يقوله قوم، ولا مشترك بينهما كما يقوله قوم، ولا مشترك في كلام الآدميين وحقيقة في المعنى في كلام الله كما يقوله قوم\" (^٣).\nوالكلام في الحقيقة يطلق على اللَّفْظ والمعنى، وليس على المعنى فقط أو اللفظ، وما عدا الحروف والأصوات فليس بكلامٍ حقيقة (^٤).\n_________\n(^١) الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح ٤/ ٣٤٠.\n(^٢) رسالة في إثبات الاستواء والفوقية ومسألة الحرف والصوت، ضمن الرسائل المنيرية ١/ ١٨٤.\n(^٣) مجموع الفتاوى ١٢/ ٤٥٦ - ٤٥٧.\n(^٤) ينظر الحجة في بيان المحجة ١/ ٣٩٩.","vol":"1","page":291},{"text":"فلفظ القول والكلام وما تصرَّف منهما من فعلٍ ماض ومضارعٍ وأمرٍ واسم فاعل، إنما يعرف في القرآن والسُّنَّة وسائر كلام العرب إذا كان لفظًا ومعنى، ولم يكن في مُسمَّى الكلام نزاع بين الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وإنما حصل النزاع بين المتأخرين من أهل البدع ثم انتشر.\nولا ريب أنَّ مُسمَّى الكلام والقول ونحوهما ليس هو مما يحتاج فيه إلى قول شاعر، فإنَّ هذا مما تكلَّم به الأوَّلون والآخرون من أهل اللغة، وعرفوا معناه، كما عرفوا مُسمَّى الرأس واليد والرِّجل ونحو ذلك.\nولا شكَّ أنَّ من قال: إنَّ كلام الله معنى واحد قائم بنفسه تعالى وإنَّ المتلوَّ المحفوظ المكتوب المسموع من القارئ حكاية كلام الله وهو مخلوق، فقد قال بخلق القرآن في المعنى وهو لا يشعر، فإنَّ الله تعالى يقول: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ (^١) (^٢).\nوالأدلة مستفيضة من الكتاب والسُّنَّة وأقوال الصحابة والإجماع على إثبات كلام الله - ﷿ -.\nأولًا: الأدلة من القرآن\nقال تعالى: ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ (^٣).\nوقال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي\n_________\n(^١) سورة الإسراء: ٨٨.\n(^٢) شرح العقيدة الطحاوية، ص ١٤٩.\n(^٣) سورة النساء: ١٦٤.","vol":"1","page":292},{"text":"وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (^١).\nوقال تعالى: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ (^٢).\nوفيه إثبات النداء لله - ﷿ - وهو من أنواع الكلام، قال ابن تيمية: \"والنداء في لغة العرب هو صوتٌ رفيعٌ لا يطلق النداء على ما ليس بصوت لا حقيقةً ولا مجازًا\" (^٣).\nقال السجزي (^٤): \"والنداء عند العرب صوتٌ لا غير، ولم يرد عن الله تعالى ولا عن رسوله - ﷺ - أنَّه من الله غير الصوت\" (^٥).\nوقال تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (^٦)، والأدلة على أنَّ كلام الله يسمع وأنَّ القرآن كلام الله وأنَّ تلاوة التالي لله لا تخرجه عن كلام الله كثيرةٌ جدًّا (^٧).\nوقال تعالى مخاطبًا موسى - ﵇ -: ﴿وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى﴾ (^٨).\n_________\n(^١) سورة الأعراف: ١٤٣.\n(^٢) سورة مريم: ٥٢.\n(^٣) ينظر: مجموع الفتاوى ٦/ ٥٣١.\n(^٤) عبد الله بن سعيد بن حاتم الوائلي السجزي، صاحب سنة، له مصنفات منها: الإبانة الكبرى في مسألة القرآن، الرَّد على من أنكر الحرف والصوت، توفي سنة ٤٤٤ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء ١٧/ ٦٥٤، الجواهر المضية في تراجم الحنفية ٢/ ٤٩٥، شذرات الذهب ١٣/ ٢٧١.\n(^٥) الرَّد على من أنكر الحرف والصوت، ص ٦٦.\n(^٦) سورة التوبة: ٦.\n(^٧) ينظر: الاستدلال بهذه الأدلة، كتاب التوحيد، لابن خزيمة، ١/ ٣٣٢ - ٣٣٤، والرد على الجهمية، للدارمي، ص ٨٢ - ٨٣، والعقيدة السلفية في كلام ربِّ البرية، لعبد الله الجديع، ص ٦٦ - ٦٧ - ٦٨.\n(^٨) سورة طه: ١٣.","vol":"1","page":293},{"text":"قال السجزي: \"وكان يكلِّمه من وراء حجاب لا ترجمان بينهما، واستماع البشر في الحقيقة لا يقع إلا للصوت\" (^١).\nوقال أبو بكر الإسماعيلي الشافعي (^٢): \"القرآن كلام الله غير مخلوق، وأنه كيفما يُصرَّف بقراءة القارئ له وبلفظه، ومحفوظًا في المصاحف، غير مخلوق ... \" (^٣).\nويقول ابن تيمية: \"وربنا خاطبنا باللسان العربي الذي نفهمه، وليس فيه سماع يحصل من غير صوت\" (^٤).\nثانيًا: الأدلة من السُّنَّة\nعن أبي هريرة - ﵁ - أنَّ النبي - ﷺ - قال: «احتج آدم وموسى فقال موسى: يا آدم أنت أبونا خيَّبتنا وأخرجتنا من الجنة، فقال آدم: يا موسى اصطفاك الله بكلامه وخطَّ لك التوراة بيده أتلومني على أمر قدَّره الله عليَّ قبل أن يخلقني بأربعين سنة فحجَّ آدمُ موسى - ﵉ -» (^٥).\nفإذا عُلم هذا ثبت أنَّ الله - ﷿ - نادى موسى - ﵇ - بصوت، وينادي عباده يوم القيامة بصوت.\nفعن أبي سعيد الخدري - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «يقول الله يوم\n_________\n(^١) الرد على من أنكر الحرف والصوت، ص ١٦١.\n(^٢) أبو بكر، أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن العباس الإسماعيلي، شيخ الشافعية من حُفَّاظ الحديث والسُّنَّة، توفي سنة ٣٧١ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء ١٦/ ٢٩٢.\n(^٣) اعتقاد أئمة أهل الحديث، ص ٤٠٠ - ٤٠١.\n(^٤) درء تعارض العقل والنقل ٢/ ٩٣.\n(^٥) أخرجه البخاري، كتاب التوحيد، باب ما جاء في قول الله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ ٤/ ٤٠٧، رقم ٧٥١٥.","vol":"1","page":294},{"text":"القيامة: يا آدم فيقول: لبَّيك ربنا وسعديك، فينادي بصوت: إنَّ الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثًا من النَّار، قال: يا رب وما بَعثُ النار؟ قال: من كل ألفٍ -أراه قال تسعمائة وتسعة وتسعين ...» (^١).\nثالثًا: الإجماع\nفلقد أجمع أهل الإسلام على إثبات هذه الصفة لله، قال ابن حزم: \"أجمع أهل الإسلام على أنَّ الله تعالى كلَّم موسى، وعلى أنَّ القرآن كلام الله، وكذا غيره من الكتب المنزلة والصحف\" (^٢).\nوالله - ﷿ - عاب على من عبد العجل؛ لأنه قد سُلب صفة الكلام، وهذا يدلُّ على أنَّ سلبها صفة نقص، والله - ﷿ - منزَّه عن صفة النقص، قال تعالى: ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾ (^٣).\nرابعًا: دلالة العقل الصريح وأهل اللغة على إثبات صفة الكلام\nالعقل الصريح يدلُّ على إثبات صفة الكلام لله - ﷿ - بصوتٍ وحرف؛ لأنَّ غير المتكلِّم موصوفٌ بالنَّقص، وعدم القدرة على الكلام نقصٌ في حقِّ كلِّ عاقل، والكلام ميزة، ونفيه نقص.\nواتفق أهل اللغة على أنَّ الكلام يشتمل على اللَّفْظ والمعنى.\nقال ابن فارس: \"الكاف واللام والميم أصلان، أحدهما يدلُّ على نطقٍ مفهم، والآخر على جراح، فالأول: الكلام، ... والأصل الآخر: الكَلْم وهو الجرح\" (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب التوحيد، باب في المشيئة والإرادة، ١/ ٤٠١، رقم ٧٤٨٣.\n(^٢) الفصل في الملل والأهواء والنحل ٣/ ١١.\n(^٣) سورة طه: ٨٩.\n(^٤) مقاييس اللغة ٥/ ١٣١.","vol":"1","page":295},{"text":"خامسًا: من أقوال الصحابة - ﵃ - على إثبات هذه الصفة\n١ - عن عبد الله بن مسعود - ﵁ - قال: «إذا تكلَّم الله بالوحي سمع أهل السموات شيئًا، فإذا فُزِّع عن قلوبهم وسكن الصوت عرفوا أنَّه الحق ونادوا: ﴿مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ﴾» (^١).\n٢ - وعن عائشة - ﵂ - في قصة الإفك وفيه أنها قالت: «ولكنَّ والله ما كنت أظنُّ أنَّ الله منزلٌ في شأني وحيًا يُتلى، ولشأني في نفسي كان أحقر من أن يتكلَّم الله فيَّ بأمرٍ يُتلى، ولكن كنت أرجو أن يرى رسول الله - ﷺ - في النوم رؤيا يبرئني الله بها\" (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ ٩/ ١٤١، رقم ٧٤٨١.\n(^٢) أخرجه البخاري، كتاب التفسير، باب قول الله تعالى: ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ﴾ ٦/ ١٠١، رقم ٤١٤١.","vol":"1","page":296},{"text":"* آراؤه في الصفات الاختياريَّة الفعليَّة:\nصفة الاستواء:\nوقع ابن عجيبة في هذه الصفة في محذورين باطلين:\nأولهما: تأويل الاستواء بالاستيلاء.\nثانيهما: التفويض.\nقال ابن عجيبة في تفسير قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ (^١)، \"استواء استيلاءٍ وإحاطة، حتى صار العرش غيبًا في إحاطة قهريته وأسرار ذاته\" (^٢).\nوقال في موضعٍ آخر: \"وأنه مستوٍ على العرش على الوجه الذي أراد وبالمعنى الذي أراد\" (^٣).\nويعتقد أهل السُّنَّة والجماعة أنَّ الله - ﷿ - مستوٍ على عرشه حقيقةً، استواءً يليق بجلاله، من غير تكييفٍ ولا تمثيل، ولا تحريفٍ، ولا تعطيل.\nقيل للإمام أحمد \"والله تعالى فوق السماء السابعة على عرشه، بائن من خلقه، وقدرته وعلمه بكلِّ مكان؟ قال: نعم، على عرشه لا يخلو شيءٌ من علمه\" (^٤).\nوقال ابن خزيمة: \"فنحن نؤمن بخبر الله - ﷿ - وأنَّ خالقنا مستوٍ على عرشه، لا نبدل كلام الله، ولا نقول قولًا غير الذي قيل لنا\" (^٥).\nوقال القرطبي: \"وقد كان السلف الأول - ﵃ - لا يقولون بنفي الجهة، ولا\n_________\n(^١) سورة الرعد: ٢.\n(^٢) البحر المديد ٣/ ٦.\n(^٣) مخطوط رسائل في العقائد ل/١، مخطوط تفسير الفاتحة الصغير ل/٣.\n(^٤) شرح أصول اعتقاد أهل السُّنَّة والجماعة ١/ ٤٠١.\n(^٥) التوحيد، ص ٦٨.","vol":"1","page":297},{"text":"ينطقون بذلك، بل نطقوا هم والكافة بإثباتها لله تعالى كما نطق كتابه، وأخبرت به رسله، ولم ينكر أحدٌ من السلف الصالح أنه استوى على عرشه حقيقة ... وإنما جهلوا كيفية الاستواء، فلا تعلم حقيقة\" (^١).\nأما ابن عجيبة فحاله كحال المؤولة الذين ينفون استواء الله - ﷿ - على عرشه بالمعنى الصحيح الذي جاء في الكتاب والسُّنَّة، ويؤولونها على عدة مذاهب، فمنهم من يؤول الاستواء بالقهر والغلبة، مثل المعتزلة (^٢)، وهو رأي للجويني (^٣)،\nوابن فورك (^٤)، والغزالي (^٥)، والرازي (^٦)، والإيجي (^٧).\n_________\n(^١) تفسير القرطبي ٧/ ٢١٩.\n(^٢) ينظر: شرح الأصول الخمسة لعبد الجبار، ص ٢٢٦.\n(^٣) قال: المراد بالاستواء القهر والغلبة وذلك شائع في اللغة. ينظر: الإرشاد ٤٠ - ٤١، لمع الأدلة، ص ٩٥.\n\nوالجويني هو: عبد الملك بن عبد الله بن يوسف ين محمد الجويني النيسابوري المعروف بإمام الحرمين، له مصنفات منها: البرهان في أصول الفقه، الورقات في أصول الفقه، الشامل في أصول الدين، كانت وفاته سنة ٤٧٨ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء ١٨/ ٤٦٨ - ٤٧٧.\n(^٤) ينظر: مشكل الحديث، ص ١٤٦.\n(^٥) قال: وليس ذلك إلا بطريق القهر والاستيلاء. ينظر: قواعد العقائد، ص ١٦٥ - ١٦٧.\nوالغزالي هو: أبو حامد، محمد بن محمد بن محمد بن أحمد الطوسي، الشافعي، الغزالي، لازم الجويني وأخذ عنه معظم العلوم، ثم رحل إلى بغداد مدرسًا في المدرسة النظامية، له مصنفات منها: كتاب الإحياء، الإملاء على مشكل الإحياء، كتاب الأربعين، والمستصفى في أصول الفقه، كانت وفاته سنة ٥٠٥ هـ. ينظر: النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة ١٥/ ٧١٣.\n(^٦) قال: إن الاستيلاء عبارة عن حصول الغلبة بعد العجز. ينظر: أساس التقديس، ص ٢٠٣.\nوالرازي هو: محمد بن عمر الحسين، فخر الدين القرشي الرازي الأصولي المفسر، ولد سنة ٥٤٤ هـ، له مصنفات منها: أساس التقديس، التفسير الكبير، المحصول في أصول الفقه، كانت وفاته سنة ٦٠٦ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء ٢١/ ٥٠٠ - ٥٠١، طبقات السبكي ٥/ ٣٣ - ٤٠.\n(^٧) قال: فيؤول الاستواء بالاستيلاء. ينظر: المواقف ١/ ٢٠٧.\nوالإيجي هو: عبدالرحمن بن أحمد بن عبد الغفار بن أحمد بن عضد الدين الإيجي الشيرازي الشافعي، عالم مشارك في أنواع العلوم، ولد سنة ٧٠٨ هـ، وتوفي سنة ٧٦٥ هـ. ينظر: طبقات الشافعية الكبرى ٦/ ١٠٨، الدرر الكامنة ٢/ ٣٢٣.","vol":"1","page":298},{"text":"ومنهم من فسَّر الاستواء بالملك، والمراد: أنَّ الملك ما استوى لأحدٍ غيره (^١)، وبهذا خالفوا صحيح المنقول، وصريح المعقول، ولم يسيروا وفق مذهب السَّلف؛ لأنهم -زعموا- أنَّ إثبات الاستواء يلزم منه الجهة والتحيُّز.\nوهذه الألفاظ مجملة تحتمل حقًّا وباطلًا، ولم يرد في نفيها ولا إثباتها كتابٌ ولا سُنَّة، فمن نفى الجهة ومراده بذلك أنَّ الله - ﷿ - ليس مباينًا للعالم، وليس فوقه، ولا تجوز الإشارة إليه، فهذا المعنى باطلٌ غير صحيح، ومن نفاها مريدًا أنَّ المخلوقات لا تحيط به ولا تحصره، فهذا جمعٌ بين حقٍّ وباطل فالمعنى حق، واللَّفْظ المصرَّح به باطل؛ لإيهامه المعنى الأول.\nوأمَّا قولهم: لو كان في جهة لكان محتاجًا لهذا الحيِّز، فيجاب عنه بأنَّنا لا نُسلِّم أنَّ كلَّ ما يُسمَّي حيِّزًا وجهة فهو أمرٌ وجودي، بل قد يُقال إنَّ المُسمَّى بالجهة والحيِّز منه ما يكون وجوديًّا وهو الأمكنة الوجودية مثل داخل العالم فإنَّ الشمس والقمر والأفلاك والأرض والحجر والشجر ونحو هذه الأشياء كلها في أحياز وجوديَّة، أمَّا ما وراء العالم، فهو ليس في حيِّزٍ أو جهة وجوديَّة لكي يصح ما زعمتموه (^٢).\nوأمَّا قولهم: لو كان مستويًا على العرش لكان محتاجًا إليه، محمولًا به، فيُجاب عنه أنَّه يصحُّ هذا المعنى لو أُثبت لله - ﷿ - استواءً كاستواء المخلوقين، أمَّا إذا كان استواء الله - ﷿ - استواءً يليق بجلاله غير مماثل لاستواء خلقه، فلا يصح هذا الإلزام.\n_________\n(^١) رأي عبد القاهر البغدادي، في كتاب أصول الدين، ص ١١٣ - ١١٤.\n(^٢) ينظر: مجموع الفتاوى ١٧/ ٣٢٦، ٥/ ٢٦٢، تلبيس الجهمية ٢/ ١١٥، التدمرية ٦٥ - ٦٧.","vol":"1","page":299},{"text":"قال ابن تيمية - ﵀ -: \"فيظنُّ المتوهِّم أنَّه إذا وُصف بالاستواء على العرش كان استواؤه كاستواء الإنسان على ظهور الفُلْك والأنعام، كقوله: ﴿وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ﴾ (^١)، فيتخيَّل أنَّه إذا كان مستويًا على العرش كان محتاجًا إليه كحاجة المستوي على الفُلْك والأنعام، فلو انخرقت السفينة لسقط المستوي عليها ... فقياس هذا أنَّه لو عُدم العرش لسقط الرَّبُّ ﵎، ثم يريد -بزعمه- أن ينفي هذا فيقول: ليس استواؤه بقعودٍ ولا استقرار، وكان هذا الخطأ من خطئه في مفهوم استوائه على العرش، حيث ظنَّ أنَّه مثل استواء الإنسان على ظهور الأنعام والفُلْك.\nوليس في اللَّفْظ ما يدلُّ على ذلك؛ لأنَّه أضاف الاستواء إلى نفسه الكريمة، كما أضاف إليها سائر أفعاله وصفاته ... فلم يذكر استواءً مطلقًا يصلح للمخلوق ولا عامًّا يتناول المخلوق، كما لم يذكر مثل ذلك في سائر صفاته، وإنما ذكر استواءً أضافه إلى نفسه الكريمة\" (^٢).\nولم يأتِ نصٌّ واحدٌ من الوحيين يدلُّ على أنَّ معنى (استوى) (استولى).\nيقول ابن القيم: \"إنَّ هذا اللَّفْظ- استوى- قد اطرد في القرآن والسُّنَّة حيث ورد بلفظ الاستواء دون الاستيلاء، ولو كان معناه استولى لكان استعماله في أكثر مورده كذلك، فإذا جاء موضعٌ أو موضعان بلفظ استوى حمل على معنى استولى؛ لأنه المألوف المعهود، وأمَّا أن يأتي إلى لفظٍ قد اطرد استعماله في جميع موارده على معنى واحد، فيدعي صرفه في الجميع إلى معنى لم يعهد استعماله فيه ففي غاية الفساد، ولم يقصده ويفعله من قصد البيان، هذا لو لم يكن في السياق ما يأتي حمله\n_________\n(^١) سورة الزخرف: ١٢ - ١٣.\n(^٢) شرح الرسالة التدمرية ١/ ٢٥٤.","vol":"1","page":300},{"text":"على غير معناه الذي اطرد استعماله فيه، فكيف وفي السياق ما يأبى ذلك\" (^١).\nوقال أيضًا: \"إنَّ لفظ الاستواء في كلام العرب الذي خاطبنا الله تعالى بلغتهم، وأنزل بها كلامه نوعان: (مطلق) و(مقيَّد).\nفالمطلق ما لم يوصل معناه بحرف مثل قوله: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ (^٢) وهذا معناه كَمل وتَمّ، يقال: استوى النبات واستوى الطعام.\nوأما المقيد فثلاثة أضرب:\nأحدها: مقيد بإلى كقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ (^٣) واستوى فلانٌ إلى السطح وإلى الغرفة، وقد ذكر سبحانه هذا المعدى بـ (إلى) في موضعين من كتابه: في البقرة في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (^٤)، والثاني في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ (^٥) وهذا بمعنى العلو والارتفاع بإجماع السلف.\nوالثاني: مقيد بـ (على) كقوله: ﴿وَقِيلَ يَاأَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَاسَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ (^٦)، وقوله: ﴿فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ\n_________\n(^١) مختصر الصواعق المرسلة ٢/ ٣٨١ - ٣٨٢.\n(^٢) سورة القصص: ١٤.\n(^٣) سورة الأعراف: ٥٤.\n(^٤) سورة البقرة: ٢٩.\n(^٥) سورة فصلت: ١١.\n(^٦) سورة هود: ٤٤.","vol":"1","page":301},{"text":"يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ (^١)، وهذا أيضًا معناه العلو والارتفاع والاعتدال بإجماع أهل اللغة.\nالثالث: المقرون بواو (مع) التي تعدي الفعل إلى المفعول معه، نحو: (استوى الماء والخشبة) بمعنى ساواها، وهذه معاني الاستواء المعقولة في كلامهم، ليس فيها معنى استولى البتَّة، ولا نقله أحدٌ من أئمة اللغة الذين يعتمد قولهم ... والذين قالوا ذلك لم يقولوه نقلًا، فإنَّه مجاهرة بالكذب وإنما قالوه استنباطًا وحملًا منهم للفظة استوى على استولى (^٢).\nثانيًا: الأدلة من السُّنَّة على إثبات صفة الاستواء لله - ﷿ -\nمنها حديث أبي هريرة - ﵁ - قال: سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: «لما فرغ الله من خلقه استوى على عرشه» (^٣).\nوأهل السُّنَّة والجماعة يخبرون عن الله - ﷺ - كما أخبر عن نفسه في كتابه.\nسُئل ابن الأعرابي (^٤) عن معنى قول الله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (^٥) فقال: هو على عرشه كما أخبر - ﷿ -، فقيل يا أبا عبد الله: ليس هذا معناه، إنما معناه: استولى، فقال: اسكت ما أنت وهذا لا يقال: استولى على الشيء إلا أن يكون له مضاد\n_________\n(^١) سورة الفتح: ٢٩.\n(^٢) مختصر الصواعق ١/ ٣٧٢.\n(^٣) أخرجه النسائي في السنن الكبرى، كتاب التفسير، باب سورة السجدة ٦/ ١١٣٩٢.\n(^٤) أبو عبد الله محمد بن زياد بن الأعرابي الهاشمي، يروي عن: أبي معاوية الضرير، والقاسم بن معن، وأبي الحسن الكسائي، وعنه: إبراهيم الحربي، وعثمان الدارمي، وثعلب، وأبو شعيب الحراني، وشمر بن حمدويه، وآخرون، ولد بالكوفة سنة خمسين ومائة، من مصنفاته: كتاب النوادر، كتاب الخيل، كتاب تاريخ القبائل، مات بسامراء سنة ٢٣١ هـ. ينظر: وفيات الأعيان ٤/ ٣٠٦، سير أعلام النبلاء ٩/ ٧٥، ومعجم المؤلفين ١/ ٣٣.\n(^٥) سورة طه: ٥.","vol":"1","page":302},{"text":"فإذا غلب أحدهما قيل استولى.\nأما سمعت النابغة (^١) يقول:\nألا لمثلك أو ما أنت سابقه ... سبق الجواد إذا استولى على الأمدِ (^٢) (^٣)\n\nوكذلك يستشهدون بمعاني الاستواء التي يدور عليها تفاسيرهم له.\nفلهم عباراتٌ عليها أربعٌ ... قد حُصِّلت للفارسِ الطعَّان\nوهي (استقرَّ) وقد (علا) وكذلك ... (ارتفع) الذي ما فيه من نكران\nوكذاك قد (صعد) الذي هو رابعٌ ... وأبو عبيدة صاحب الشيباني\nيختار هذا القول في تفسيرِهِ ... أدري من الجهمي بالقرآنِ (^٤)\n\nثالثًا: الرد على ابن عجيبة في مسألة تفويضه لصفة الاستواء\n١ - تعريف التفويض في اللغة\nقال ابن فارس: الفاء والواو والضاد أصلٌ صحيحٌ يدلُّ على الاتكال في الأمر على آخر ورده عليه\" (^٥).\n٢ - تعريف التفويض عند أهل الكلام\n\"هو صرف اللَّفْظ عن ظاهره مع عدم التعرض لبيان المعنى المراد به، بأن يُترك ويقال: الله أعلم بمراده\" (^٦).\n_________\n(^١) أبو أمامة، زياد بن معاوية بن ضباب الذبياني الغطفاني المضري، شاعر جاهلي من أهل الحجاز، توفي سنة ١٨ هـ. ينظر: الأعلام ٣/ ٥٤.\n(^٢) ذكره اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السُّنَّة والجماعة ٢/ ٣٩٩، وابن عبد البر في التمهيد ٧/ ١٣١، وكذلك ابن القيم في اجتماع الجيوش الإسلامية ١٠٤.\n(^٣) مجموع الفتاوى، لابن تيمية ٥/ ١٤٦، وينظر: مختصر الصواعق ١/ ٣٨٠ - ٤٠٠.\n(^٤) النونية مع شرح الهراس ١/ ٢٣٣.\n(^٥) مقاييس اللغة، ص ٨٢٢.\n(^٦) أساس التقديس، للرازي، ص ١٣٣، وهداية المريد إلى جوهرة التوحيد، بكري رجب، ص ٤٨.","vol":"1","page":303},{"text":"وقد يقول قائل: إنَّ التفويض هو مذهب السَّلف؛ فيُردُّ عليه بأنَّ السَّلف فوَّضوا في كيفيَّة الصفة فقط دون المعنى، قال الإمام أحمد - ﵀ -: \"إنَّا لا نعلم كيفيَّة ما أخبر الله به عن نفسه، وإن علمنا تفسيره ومعناه\" (^١).\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: \"وقد فسَّر الإمام أحمد النصوص التي تسمِّيها الجهمية متشابهات، فبيَّن معانيها آيةً آية، وحديثًا حديثًا، ولم يتوقَّف في شيءٍ منها هو والأئمة قبله، مما يدلُّ على أنَّ التوقف عن بيان معاني آيات الصفات وصرف الألفاظ عن ظواهرها لم يكن مذهبًا لأئمة السُّنَّة، وهو أعرف بمذهب السَّلف، وإنِّما مذهب السَّلف إجراء معاني آيات الصفات على ظواهرها بإثبات الصفات له حقيقة\" (^٢).\nومراد السَّلف بقولهم بلا كيف هو نفي للتأويل.\nقال ابن القيم - ﵀ -: \"ومراد السَّلف بقولهم (بلا كيف) هو نفي التأويل، فإنه التكييف الذي يزعمه أهل التأويل، فإنهم هم الذين يثبتون كيفية تخالف الحقيقة فيقعون في ثلاثة محاذير: نفي الحقيقة، وإثبات التكييف بالتأويل، وتعطيل الرَّب -سبحانه- عن صفته التي أثبتها لنفسه، وأمَّا أهل الإثبات فليس أحد منهم يكيف ما أثبته الله تعالى لنفسه، ويقول: كيفية كذا وكذا حتى يكون قول السَّلف بلا كيف ردًّا عليهم، وإنما ردوا على أهل التأويل الذي يتضمَّن التحريف والتعطيل، تحريف اللَّفْظ وتعطيل معناه\" (^٣).\n_________\n(^١) درء تعارض العقل والنقل ١/ ٢٠٧.\n(^٢) الإكليل في المتشابه والتأويل (ضمن مجموع الفتاوى) ١٣/ ٢٩٥.\n(^٣) اجتماع الجيوش الإسلامية، ص ١٩٩.","vol":"1","page":304},{"text":"والتأويل هو أصل البلايا وبابه الذي وقع بسبهها الانحرافات العقدية المخالفة لنصوص الكتاب والسُّنَّة، ولذا قال ابن القيم - ﵀ - في قصيدته:\nهذا وأصلُ بليَّة الإسلامِ من ... تأويل ذي التحريف والبطلان\nوهو الذي قد فرق السبعين بل ... زادت ثلاثًا قول ذي البرهان\nوجميع ما في الكون من بدعٍ ... وأحداثٍ تخالف موجب القرآن\nفأساسها التأويل ذو البطلان لا ... تأويل أهل العلم والإيمان\nإذ ذاك تفسير المراد وكشفُهُ ... وبيانُ معناهُ إلى الأذهانِ (^١)\n\nأما التفويض عند ابن عجيبة فمبنيٌّ على من سبقه بهذا وهو قول اللقاني (^٢):\nوكلُّ نصٍّ أوهمَ التشبيها ... أوِّله أو فوِّض ورم تنزيهًا (^٣)\n\nولذلك يعتبر هذا البيت عمدة عند الأشاعرة.\nوهذا كلام خطيرٌ -والعياذ بالله- يلزم منه لوازم باطلة، منها:\n١ - القدح في كتاب الله - ﷿ - ومخالفة نصوص الكتاب التي ورد فيها التدبُّر لكتاب الله - ﷿ - قال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ (^٤).\n٢ - الطعن على النبي - ﷺ - بأنَّه لم يعلم المراد من كتاب الله - ﷿ -.\n_________\n(^١) الكافية الشافية، ص ١١١.\n(^٢) برهان الدين إبراهيم بن محمد اللقاني، ولد في صفر سنة ٨١٧ هـ، ومن شيوخه: أحمد بن قاسم الشافعي، ويحيى القرافي المالكي، وأبو العباس الشرنوبي، ومن تلاميذه: ابنه عبد السلام اللقاني، ومن مصنفاته: جوهرة التوحيد في العقيدة، حاشية على مختصر خليل، توفي سنة ٨٩٦ هـ. ينظر: شجرة النور الزكية، محمد مخلوف، ص ٢١١، خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر، محمد الدمشقي ١/ ٣٧٢.\n(^٣) إتحاف المريد بشرح جوهرة التوحيد، ص ١٣١ - ١٣٢.\n(^٤) سورة محمد: ٢٤.","vol":"1","page":305},{"text":"ولهذا قال عنهم ابن تيمية - ﵀ -: \"وأمَّا التفويض فإنَّه من المعلوم أنَّ الله - ﷿ - أمرنا أن نتدبَّر القرآن، وحضَّنا على عقله وفهمه، فكيف يجوز مع ذلك أن يراد منَّا الإعراض عن فهمه ومعرفته وعقله؟ فعلى قول هؤلاء: يكون الأنبياء والمرسلون لا يعلمون معاني ما أنزل الله عليهم من هذه النصوص، ولا الملائكة، ولا السابقون الأولون، وحينئذٍ فيكون ما وصف الله به نفسه في القرآن، أو كثير مما وصف الله به نفسه لا يعلم الأنبياء معناه، بل يقولون كلامًا لا يعقلون معناه ... ومعلومٌ أنَّ هذا قدح في القرآن والأنبياء، إذ كان الله أنزل القرآن، وأخبر أنَّه جعله هدىً وبيانًا للناس، وأمر الرسول أن يبلِّغ البلاغ المبين، وأن يبيِّن للناس ما نُزِّل إليهم، وأمر بتدبُّر القرآن وعقله، ومع هذا فأشرف ما فيه -وهو ما أخبر به الرَّبُّ عن صفاته، أو عن كونه خالقًا لكلِّ شيء، وهو بكلِّ شيءٍ عليم، أو عن كونه أمر ونهى، ووعد وتوعَّد، أو عمَّا أخبر به عن اليوم الآخر لا يعلم أحد معناه، فلا يعقل ولا يتدبّر، ولا يكون الرَّسول بيَّن للناس ما نُزِّل إليهم، ولا بلَّغ البلاغ المبين، وعلى هذا التقدير فيقول كلُّ ملحدٍ ومبتدعٍ: الحق في نفس الأمر ما علمته برأيي وعقلي، وليس في النصوص ما يناقض ذلك، لأنَّ تلك النصوص مشكلة متشابهة لا يعلم أحدٌ معناها، وما لا يعلم أحدٌ معناه لا يجوز أن يُستدلَّ به.\nفيبقي هذا الكلام سدًّا لباب الهدى والبيان من جهة الأنبياء، وفتحًا لباب من يعارضهم ويقول: إنَّ الهدى والبيان في طريقنا لا في طريق الأنبياء، لأنَّا نحن نعلم ما نقول ونبيِّنه بالأدلة العقلية، والأنبياء لم يعلموا ما يقولون: فضلًا عن أن يبيِّنوا مرادهم.\nفتبيَّن أنَّ قول أهل التفويض الذين يزعمون أنهم متبعون للسنة والسلف من شرِّ أقوال أهل البدع والإلحاد\" (^١).\n_________\n(^١) درء تعارض العقل والنقل ١/ ١١٥، ٢٠٤.","vol":"1","page":306},{"text":"٣ - أنَّ أئمة السَّلف فسَّروا الكثير من آيات الصفات، ونقل تفاسيرهم لها غير واحد، مما يدلُّ على أنَّهم فهموا معانيها (^١).\n٤ - أنَّ نصوص الصفات قد تواترت بأساليب متعددة ودلالات متعاضدة أوضحت أنَّ ظاهرها هو المطلوب فهمه، فصرف العقول والقلوب عن إدراك هذا المعنى، هو تعطيلٌ للنصوص عن معانيها (^٢).\n٥ - جنوا على النصوص حيث جعلوها دالةً على معنى باطل غير لائق بالله تعالى، ولا مراد له (^٣).\n٦ - معلوم أنَّ مجلس النبي - ﷺ - كان يحضره أقوام اختلفت أفهامهم وتباينت مداركهم، ومع ذلك لم ينقل عنه - ﷺ - أنه كان يحذر من الإيمان بما يظهر من كلامه في صفات الله - ﷿ - أو غير ذلك من المسائل في العقائد والأحكام، وهذا يبيِّن أنَّها على ظاهرها، وأنَّها مفهومة عندهم (^٤).\n_________\n(^١) ينظر: مذهب أهل التفويض، ص ٥٢٧.\n(^٢) المرجع نفسه، ص ٣٩٢.\n(^٣) ينظر: علاقة الإثبات والتفويض بصفات رب العالمين، ص ١١٠.\n(^٤) ينظر: أقاويل الثقات في تأويل الأسماء والصفات، ص ٨٥.","vol":"1","page":307},{"text":"* صفة القُرْب ورأيه فيها:\nقال ابن عجيبة: \"ولا يماثل قربُه قربَ الأجسام كما لا تماثل ذاتُه ذاتَ الأجسام، وهو مع ذلك قريبٌ من كلِّ بعيد، وهو أقرب إلى العبيد من حبل الوريد\" (^١).\nويقول في موضع آخر: \"قربه رحمةٌ واجتباء، وتقريبٌ واصطفاء\" (^٢).\nوقال في موضع آخر: \"فإذا تحقَّق المحو والاضمحلال، وزال البَيْن، وثبت الوصال، لم يبقَ قربٌ ولا بعدٌ ولا بَينٌ ولا انفصال\" (^٣).\nالملاحظ عند ابن عجيبة الاضطراب، فقوله الأول قولٌ صحيحٌ لا غبار عليه، وهذا هو ما عليه أهل السُّنَّة والجماعة، ولكن سرعان ما نقض قوله الأول بأقواله الأخرى؛ وهذه عادة أهل البدع في التناقض دائمًا، وبهذا خالف أهل السُّنَّة والجماعة والأدلة الصريحة التي أثبت القرب لله - ﷿ - بما يليق بجلاله - ﷾ -.\nأولًا: الأدلة من القرآن\n١ - قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ (^٤).\n٢ - وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ﴾ (^٥).\n_________\n(^١) مخطوط رسائل في العقائد، ل/٢.\n(^٢) إيقاظ الهمم، ص ٥٠٥.\n(^٣) البحر المديد ١/ ٢١٤.\n(^٤) سورة البقرة: ١٨٦.\n(^٥) سورة سبأ: ٥٠.","vol":"1","page":308},{"text":"ثانيًا: الأدلة من السُّنَّة\n١ - عن أبي موسى - ﵁ - أنَّهم كانوا مع النبي - ﷺ - في سفر، فكانوا يرفعون أصواتهم بالتكبير، فقال: «أيُّها النَّاس، ارْبعوا على أنفسكم، فإنَّكم لا تدعون أصَمَّ ولا غائبًا، إنما تدعون سميعًا قريبًا، إنَّ الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عُنُق راحلته» (^١).\nقال ابن بطال - ﵀ - (^٢): \"ومعنى قوله - ﷺ -: (فإنَّكم لا تدعون أصمَّ ولا غائبًا) نفي الآفة المانعة من السَّمع، ونفى الجهل المانع من العلم، وفى هذا القول منه - ﷺ - دليلٌ على أنَّه لم يزل سميعًا بصيرًا عالِمًا، ولا تصحُّ أضداد هذه الصفات عليه، وقوله: (قريبًا) إخبارٌ عن كونه عالِمًا بجميع المعلومات لا يعزب عنه شيء\" (^٣).\n٢ - وعن أبي هريرة - ﵁ - قال قال النبي - ﷺ -: «ومن تَقَرَّبَ إليَّ شبرًا تقرَّبت إليه ذراعًا، ومن تقرَّب إليَّ ذراعًا تقربَّت إليه باعًا» (^٤).\nثالثًا: الرد على ابن عجيبة في تفسير القرب بوحدة الوجود\nقال ابن تيمية - ﵀ -: \"ففي الجملة: ما نطق به الكتاب والسُّنَّة من قرب الرَّب من عابديه وداعيه هو مقيَّد مخصوص؛ لا مطلق عام لجميع الخلق فبطل قول الحلولية كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ (^٥) فهذا قربه من داعيه، وأمَّا\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب الجهاد، باب ما يكره من رفع الصوت بالتكبير، ٢/ ٣٥٦، رقم ٢٩٩٢.\n(^٢) أبو الحسن، علي بن خلف بن عبد الملك بن بطال القرطبي المالكي، المعروف بابن اللجام، توفي سنة ٤٤٩ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء ١٨/ ٤٧، شذرات الذهب ٣/ ٢٨٣.\n(^٣) شرح صحيح البخاري، لابن بطال ١٠/ ٤١٧.\n(^٤) أخرجه مسلم، كتاب التوبة، باب في الحض على التوبة والفرح بها، ٤/ ٢١٠٢، رقم ٢٦٧٥.\n(^٥) سورة البقرة: ١٨٦.","vol":"1","page":309},{"text":"قربه من عابديه ففي مثل قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ (^١).\nوقول النَّبي - ﷺ - في الحديث القدسي: «من عادى لي وليًّا فقد آذنته بالحرب، وما تقرَّب إليَّ عبدي بشيءٍ أحبُّ إليَّ مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرَّب إليَّ بالنوافل حتى أحبَّه ...» (^٢)، وقال: «إذا تقرَّب العبد منِّي شبرًا تقرَّبت منه ذراعًا» (^٣) فهذا قربه إلى عبده وقرب عبده إليه، ودنوه عشية عرفة إلى السَّماء الدنيا لا يخرج عن القسمين، ... فدنوه لدعائهم، وأمَّا نزوله إلى سماء الدنيا كلَّ ليلة فإن كان لمن يدعوه ويسأله ويستغفره فإنَّ ذلك الوقت يحصل فيه من قرب الرَّبِّ إلى عابديه ما لا يحصل في غيره\" (^٤).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: \"وهذه الزيادة تكون على الوجه المتفق عليه، بزيادة تقريبه للعبد إليه جزاء على تقرُّبه باختياره، فكلَّما تقرَّب العبد باختياره قَدْر شبر زاده الرَّبُّ قُربًا إليه حتى يكون كالمتقرِّب بذراع، فكذلك قرب الرَّبِّ من قلب العابد، وهو ما يحصل في قلب العبد من معرفة الرَّبِّ والإيمان به، وهو المثل الأعلى، وهذا أيضًا لا نزاع فيه، وذلك أنَّ العبد يصير مُحبًّا لما أحبَّ الرَّبُّ، مبغضًا لما أبغض، مواليًا لمن يوالي، معاديًا لمن يعادي، فيتحد مراده مع المراد المأمور به الذي يحبه الله ويرضاه\" (^٥).\n_________\n(^١) سورة الإسراء: ٥٧.\n(^٢) أخرجه البخاري، كتاب الرقاق، باب التواضع، ٤/ ١٩٢، رقم ٦٥٠٢.\n(^٣) أخرجه البخاري، كتاب التوحيد، باب ذكر النبي - ﷺ - وروايته عن ربه، ٩/ ١٥٧، رقم ٧٥٣٧.\n(^٤) مجموع الفتاوى ٥/ ٢٤٧.\n(^٥) شرح حديث النزول، ص ١٣٣ - ١٣٤.","vol":"1","page":310},{"text":"وقال أيضًا ... \"فهذا القرب كلُّه خاصٌّ في بعض الأحوال دون بعض، وليس في الكتاب والسُّنَّة -قط- قرب ذاته من جميع المخلوقات في كلِّ حال؛ فعلم بذلك بطلان قول الحلوليَّة؛ فإنَّهم عمدوا إلى الخاص المقيَّد فجعلوه عامًّا مطلقا\" (^١).\nويقول أيضًا مبيِّنًا أنَّ القرب ليس كالمعية: \"وجميع ما وصف به الرَّبُّ - ﷿ - نفسَه من القرب، فليس فيه ما هو عام لجميع المخلوقات كما في المعيَّة؛ فإنَّ المعيَّة وصف نفسه فيها بعموم وخصوص، وأمَّا قربه مما يقرب منه، فهو خاصٌّ لمن يقرب منه، كالداعي والعابد، وكقربه عشية عرفة، ودنوه إلى السَّماء الدنيا لأجل الحجاج\" (^٢).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ٥/ ٢٤٠.\n(^٢) شرح حديث النزول، ص ١١٤.","vol":"1","page":311},{"text":"* صفة الغضب:\nقال ابن عجيبة: \"الغضب ثوران النَّفس وإرادة الانتقام\" (^١).\nيثبت أهل السُّنَّة والجماعة صفة الغضب، وهي من الصفات الفعليَّة التي يفعلها الله - ﷿ - إذا شاء، ومتى شاء، كما يليق بجلاله - ﷾ -، وإثباتها من غير تعطيل، ولا تحريف، ولا تمثيل، ولا تكييف.\nوما ذهب إليه ابن عجيبة من تأويلها بإرادة الانتقام فهو باطل، قال ابن أبي العز (^٢): \"مذهب السَّلف وسائر الأئمة إثبات صفة الغضب والرضى، والعداوة والولاية، والحب والبغض ونحو ذلك من الصفات التي ورد بها الكتاب والسُّنَّة، ومنع التأويل الذي يصرفها عن حقائقها اللائقة بالله تعالى، كما يقولون مثل ذلك في السَّمع والبصر والكلام وسائر الصفات ... ولا يقال: إنَّ الرضى إرادة الإحسان، والغضب إرادة الانتقام، فإنَّ هذا نفي للصفة\" (^٣).\nويقال لابن عجيبة وغيره من المؤولة الذين نفوا صفة الغضب عن الله - ﷿ - خشية مشابهة غضب المخلوق كما زعموا: إنَّ هناك ثمة فروق بين غضب المخلوق، وغضب الخالق، ومنها:\n١ - غضب المخلوق حقيقته غليان دم القلب، وجمرة يلقيها الشيطان في قلب ابن آدم حتى يفور.\nأمَّا غضب الخالق فإنَّه صفة لا تماثل هذا، قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ\n_________\n(^١) اللوائح القدسية في شرح الوظيفة الزروقية، ص ١٣٣، وينظر: تفسير الفاتحة، ص ٣٤٤.\n(^٢) هو: أبو الحسن، علي بن علاء الدين بن شمس الدين، المعروف بابن أبي العز، حنفي المذهب، كان قاضي القضاة بدمشق، ثم الديار المصرية، توفي سنة ٧٩٢ هـ. ينظر: الدرر الكامنة ٣/ ٨٧.\n(^٣) شرح العقيدة الطحاوية ٢/ ٦٨٥.","vol":"1","page":312},{"text":"وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (^١).\n٢ - أنَّ غضب الآدمي يؤثر آثارًا غير محمودة، فالآدميُّ إذا غضب قد يحصل منه ما لا يحمد، فيقتل المغضوب عليه، وربما يطلق زوجته، أو يكسر الإناء، ونحو ذلك، أمَّا غضب الله فلا يترتب عليه إلا آثار حميدة لأنَّه حكيم، فلا يمكن أن يترتب على غضبه إلا تمام الفعل المناسب الواقع في محله، فغضب الله ليس كغضب المخلوقين، لا في الحقيقة ولا في الآثار، وإذا قلنا ذلك فلا نكون وصفنا الله بما يماثل صفات المخلوقين، بل وصفناه بصفةٍ تدلُّ على القوة وتمام السلطان; لأنَّ الغضب يدلُّ على قدرة الغاضب على الانتقام وتمام سلطانه; فهو بالنسبة للخالق صفة كمال، وبالنسبة للمخلوق صفة نقص.\nويدلُّ على بطلان تأويل الغضب بالانتقام قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (^٢) فإنَّ معنى ﴿آسَفُونَا﴾: أغضبونا; فجعل الانتقام غير الغضب، بل أثرًا مترتبًا عليه; فدلَّ هذا على بطلان تفسير الغضب بالانتقام (^٣).\nوكذلك من القواعد المقرَّرة عند أهل السُّنَّة والجماعة أنَّ القول في بعض الصفات كالقول في البعض الآخر.\nيقول ابن تيمية - ﵀ -: \"القول في بعض الصفات كالقول في بعض؛ فإن كان المخاطب ممن يقول بأنَّ الله حيٌّ بحياة، عليمٌ بعلم، قديرٌ بقدرة، سميعٌ بسمع، بصيرٌ ببصر، متكلِّمٌ بكلام، مريدٌ بإرادة، ويجعل ذلك كله حقيقة، وينازع في محبته ورضاه\n_________\n(^١) سورة الشورى: ١١.\n(^٢) سورة الزخرف: ٥٥.\n(^٣) ينظر: القول المفيد على كتاب التوحيد ١/ ٤٢٢.","vol":"1","page":313},{"text":"وغضبه وكراهته فيجعل ذلك مجازًا ويفسره إمَّا بالإرادة وإمَّا ببعض المخلوقات من النعم والعقوبات فيقال له: لا فرق بين ما نفيته وبين ما أثبته بل القول في أحدهما كالقول في الآخر؛ فإن قلتَ: إنَّ إرادته مثل إرادة المخلوقين فكذلك محبته ورضاه وغضبه وهذا هو التمثيل، وإن قلتَ: إنَّ له إرادة تليق به، كما أنَّ للمخلوق إرادة تليق به قيل لك: وكذلك له محبَّة تليق به وللمخلوق محبَّة تليق به وله رضًا وغضبٌ يليق به وللمخلوق رضًا وغضبٌ يليق به وإن قلتَ: الغضب غليان دم القلب لطلب الانتقام فيقال له: والإرادة ميل النَّفس إلى جلب منفعة أو دفع مضرَّة، فإن قلتَ: هذه إرادة المخلوق، قيل لك: وهذا غضبُ المخلوق، وكذلك يلزم القول في كلامه وسمعه وبصره وعلمه وقدرته، إن نفي عنه الغضب والمحبة والرضا ونحو ذلك مما هو من خصائص المخلوقين، فهذا منتف عن السَّمع والبصر والكلام وجميع الصفات، وإن قال: إنَّه لا حقيقة لهذا إلا ما يختصُّ بالمخلوقين، فيجب نفيه عنه، قيل له: وهكذا السَّمع والبصر والكلام والعلم والقدرة\" (^١).\nوعلى هذا يجب إثبات صفة الغضب لله - ﷿ - كما أثبتها لنفسه في كتابه.\nقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ (^٢).\nوكما أثبتها له نبيُّنا محمَّد - ﷺ - في سنَّته، عن أبي هريرة - ﵁ - قال، قال رسول الله - ﷺ -: «إنَّ الله إذا أحبَّ عبدًا دعا جبريل فقال: إنِّي أحبُّ فلانًا فأحبّه، قال: فيحبه جبريل ثم ينادي في السماء فيقول: إنَّ الله يحبُّ فلانًا فأحبوه فيحبه أهل\n_________\n(^١) التدمرية، ص ٣٢، وينظر: شرح الطحاوية ٢/ ٦٨٦.\n(^٢) سورة النساء: ٩٣.","vol":"1","page":314},{"text":"السَّماء، قال: ثم يُوضع له القبول في الأرض، وإذا أبغض عبدًا دعا جبريل فيقول: إنِّي أبغض فلانًا فأبغضه، قال: فيبغضه جبريل ثم ينادي في أهل السماء إنَّ الله يبغض فلانًا فأبغضوه، قال: فيبغضونه ثم توضع له البغضاء في الأرض» (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-94>ج - التفصيل في النفي مع ذكر الألفاظ المجملة</span>\nقال ابن عجيبة: \"عليك أن تعتقد أنَّ الله ليس بجسمٍ مصوَّر (^٢)، ولا جوهر محدود (^٣)، ولا عرض\" (^٤).\nوهذا التفصيل في النفي مخالف لطريقة الكتاب والسُّنَّة، فطريقة الكتاب والسُّنَّة في إثبات الصفات هي النفي المجمل والإثبات المفصَّل، فالله - ﷿ - نفى عن نفسه كلَّ صفات النقص إجمالًا فقال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (^٥) وقال: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ (^٦)، وأثبت لنفسه صفات الكمال تفصيلًا، فقال: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (^٧).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم، كتاب البر والصلة، باب إذا أحب الله عبدًا حببه إلى عباده، ٤/ ٢٣٠، رقم ٢٦٣٧.\n(^٢) الجسم المصوَّر: هو جوهر قابل للأبعاد الثلاثة: بسيط روحاني كالعقول، والنفوس المجردة، وبسيط جسماني كالعناصر، ومركب في العقل دون الخارج. ينظر: التعريفات، الجرجاني، ص ١٣٩، ١٤٢.\n(^٣) الجوهر: هو القائم بنفسه، وهو حاملٌ للأعراض لا تتغير ذاتيته، موصوف لا واصف، ويقال هو غير قابل للتكوين والفساد. ينظر: المعجم الفلسفي ١/ ٣٦٨.\n(^٤) مخطوط رسائل في العقائد ل/١.\nوالعرض: هو الذي يحتاج في وجوده إلى محلٍّ ليقوم به، كاللون المحتاج في وجوده إلى جسم يقوم به، ويطلق العرض على الألوان والحركة والسكون. ينظر: التعريفات، للجرجاني، ص ١٩.\n(^٥) سورة الشورى: ١١.\n(^٦) سورة الإخلاص: ٣ - ٤.\n(^٧) سورة الحشر: ٢٢.","vol":"1","page":315},{"text":"وابن عجيبة سلك طريقة المتكلِّمين التي مفادها التفصيل في النفي والإجمال في الإثبات، وهي طريقةٌ مخالفة للقرآن وللعقل؛ أمَّا مخالفتها للعقل: فلأنَّ النفيَ الذي يستعملونه هو النفي المحض، الذي لا يدلُّ على الكمال، ولا يتضمَّن أمرًا ثبوتيًّا، فهو نوعٌ من التعطيل؛ ولهذا فإنَّ من فقه السَّلف - ﵏ - أنَّهم سمَّوا أصحاب هذا المذهب بالمعطلة؛ لأنَّ من استعمل النفي المحض فإنَّه ينتهي إلى التعطيل؛ لأنَّ الأشياء المعدومة والممتنعة تشترك في هذا النفي، ومن أخص القواعد الشرعية والعقلية: أنَّ كلَّ موجودٍ لا بدَّ أن يكون له صفات تليق به، والله - ﷾ - هو الخالق البارئ، الذي خلق الخلق وأبدع الكائنات، فلا بدَّ أن يكون له من الصفات ما يحصل بها هذا الكمال (^١).\nوليس في كتاب الله - ﷿ - ولا في السُّنَّة نفيٌ محضٌ؛ فإنَّ النفي الصرف لا مدح فيه، وإنَّما يُراد بكلِّ نفيٍ فيهما إثبات ما يضاده من الكمال، فنفي الشريك والنِّد لإثبات كمال عظمته وتفرُّده بصفات الكمال، ونفي العجز لإثبات كمال قدرته، ونفي الجهل لإثبات سعة علمه وإحاطته، ونفي الظلم لإثبات كمال عدله، ونفي العبث لإثبات كمال حكمته، ونفي السِّنَة والنوم والموت لإثبات كمال حياته وقيُّومِيَّتِه، وهكذا.\nولهذا كان النَّفي في الكتاب والسُّنَّة إنما يأتي مجملًا في أكثر أحواله، بخلاف الإثبات؛ فإنَّ التفصيل فيه أكثر من الإجمال؛ لأنَّه مقصودٌ لذاته.\nوأمَّا الإجمال في الإثبات فمثل إثبات الكمال المطلق، والحمد المطلق، والمجد المطلق، ونحو ذلك، كما يشير إليه مثل قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (^٢).\n_________\n(^١) ينظر: شرح العقيدة الطحاوية، ص ١٩.\n(^٢) سورة الفاتحة: ٢.","vol":"1","page":316},{"text":"وأمَّا التفصيل في الإثبات فهو متناوِلٌ لكلِّ اسمٍ أو صفةٍ وردت في الكتاب والسُّنَّة، وهو من الكثرة بحيث لا يمكن لأحدٍ أن يحصيه؛ فإنَّ منها ما اختص الله - ﷿ - بعلمه كما قال نبيُّنا محمَّد - ﷺ -: «سبحانك لا نحصي ثناءً عليكَ أنتَ كما أثنيتَ على نفسك» (^١) (^٢).\nأمَّا هذه الألفاظ التي أطلقها ابن عجيبة فلم ترد في الكتاب والسُّنَّة فمن قال: إنَّ الله جسمٌ أو ليس بجسمٍ قلنا له: إنَّك مبتدع وتقوَّلت على الله - ﷿ -، ونطالبه بدليلِ النَّفي، ودليل الإثبات، ويقال له: خالفت طريق السَّلف والأئمَّة الذين يراعون المعاني الصحيحة المعلومة بالشرع وبالعقل، ويراعون أيضًا الألفاظ الشرعية، فيعبِّرون بها ما وجدوا إلى ذلك سبيلًا، ومن تكلَّم بقول مبتدع يحتمل حقًّا وباطلًا نسبوه إلى البدعة، ويقولون قابل البدعة ببدعة ورد الباطل بباطل (^٣).\nولذلك كان من أصولهم في هذا الباب الالتزام بالألفاظ الشرعيَّة، أمَّا ما كان محدثًا أوفيه إجمالٌ فينظر فيها، فإذا كان المعنى باطلًا رُدَّ اللَّفْظ والمعنى، وإن كان له معنى حق رُدَّ اللَّفْظُ وقُبِل المعنى وعُبِّر عن المعنى باللَّفظ الشرعي الصحيح (^٤).\nقال ابن تيمية - ﵀ -: \"فهذه الألفاظ مجملة، فإن أُريد بها المعروف في اللغة بأنه لا ينفصل بعضه عن بعض، ولا يتجزأ فيفارق جزء منه جزءًا كما هو المعقول من التجزئ، ولا يتعدد فيكون إلهين أو ربين أو خالقين، لم يركب فيؤلف فيجمع أبعاضه، فهذا كلُّه ينافي صمدانيته، ولكن لا ينافي قيام ما يثبته من الأصوات، كما لا ينافي قيام سائر الصفات.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم، كتاب الصلاة، باب ما يُقال في الركوع والسجود، ٤/ ٤٥٠، رقم ١١١٨.\n(^٢) ينظر: شرح الواسطية، ص ٣٨.\n(^٣) ينظر درء تعارض العقل والنقل ١/ ٢٤١، بيان تلبيس الجهمية ٢/ ٤٩٨ - ٥٠٠.\n(^٤) ينظر: شرح العقيدة الطحاوية، تحقيق: الشيخ عبد الله التركي -حفظه الله- ١/ ٢٥٤،","vol":"1","page":317},{"text":"وإن أردت بهذه الألفاظ أنه لا يتميز منه شيء، فهذا باطلٌ بالضرورة، وباطلٌ باتفاق العقلاء.\nوحاصل القول: الكلام في وصف الله بالجسم نفيًا، وإثباتًا بدعة لم يقل أحدٌ من سلف الأُمَّة وأئمتها إنَّ الله ليس بجسم، ولم يقولوا إنَّ الله جسم، بل من أطلق أحد اللفظين استُفصل عمَّا أراد بذلك فإنَّ في لفظ الجسم بين الناطقين به نزاعًا كثيرًا\" (^١).\nوقال في موضع آخر: \"وهذا الكلام المتشابه الذي يخدعون به جهال الناس، هو الذي يتضمَّن الألفاظ المتشابهة المجملة التي يعارضون بها نصوص الكتاب والسُّنَّة، وتلك الألفاظ تكون موجودة مستعملة في الكتاب والسُّنَّة وكلام الناس، لكن بمعان أُخَر غير المعاني التي قصدوها هم بها، فيقصدون هم بها معاني أُخَر، فيحصل الاشتباه والإجمال، كلفظ العقل والعاقل والمعقول، فإنَّ لفظ العقل في لغة المسلمين إنما يدلُّ علي عرض، إمَّا مُسمَّي مصدر عقل يعقل عقلًا، وإمَّا قوة يكون بها العقل، وهي الغريزة، وهم يريدون بذلك جوهرًا مجرَّدًا قائمًا بنفسه.\nوكذلك لفظ المادة والصورة، بل وكذلك لفظ الجوهر والعرض، والجسم، والتحيُّز، والجهة، والتركيب، والجزء، والافتقار، والعلَّة، والمعلول، والعاشق، والعشق، والمعشوق، بل ولفظ الواحد في التوحيد، بل ولفظ الحدوث، والقدم بل ولفظ الواجب والممكن، بل ولفظ الوجود، والذات، وغير ذلك من الألفاظ (^٢).\nوما تنازع فيه المتأخِّرون ليس لأحدٍ أن يثبته أو ينفيه حتى يستفصل ويعرف المراد منه.\n_________\n(^١) التسعينية، ص ٧٤٤ - ٧٤٥، وينظر: مقالات الإسلاميين، للأشعري ١/ ٢٨١ - ٢٨٣.\n(^٢) درء تعارض العقل والنقل ١/ ٢٢٢.","vol":"1","page":318},{"text":"قال ابن تيمية: \"وما تنازع فيه المتأخِّرون نفيًا وإثباتًا فليس على أحدٍ بل ولا له أن يوافق أحدًا على إثبات لفظه أو نفيه، حتى يعرف مراده، فإن أراد حقًّا قُبِل، وإن أراد باطلًا رُد، وإن اشتمل كلامه على حقٍّ وباطل لم يُقبل مطلقًا، ولم يُرَدَّ جميع معناه، بل يوقف اللَّفْظ، ويُفسَّر المعنى، كما تنازع الناس في الجهة والتحيُّز وغير ذلك، فلفظ الجهة قد يُراد به شيءٌ موجود غير الله، فيكون مخلوقًا، كما إذا أريد بالجهة نفس العرش، أو نفس السموات، وقد يُراد به ما ليس بموجود غير الله تعالى، كما إذا أريد بالجهة ما فوق العالم، ومعلوم أنَّه ليس في النص إثبات لفظ الجهة ولا نفيه، كما فيه إثبات العلو، والاستواء، والفوقية، والعروج إليه، ونحو ذلك.\nوقد عُلم أنَّ ما ثمَّ موجودٌ إلا الخالق والمخلوق، والخالق مباين للمخلوق - ﷾ - ليس في مخلوقاته شيءٌ من ذاته؛ ولا في ذاته شيءٌ من مخلوقاته.\nفيقال لمن نفى الجهة: أتريد بالجهة أنَّها شيءٌ موجودٌ مخلوق؟ فالله ليس داخلًا في المخلوقات أم تُريد بالجهة ما وراء العالم؟\nفلا ريب أنَّ الله فوق العالم مباين للمخلوقات، وكذلك يقال لمن قال الله في جهة: أتريد بذلك أنَّ الله فوق العالم؟ أو تريد به أنَّ الله داخلٌ في شيء من المخلوقات؟\nفإن أردتَ الأول فهو حقٌّ، وإن أردتَ الثاني فهو باطل، وكذلك لفظ التحيُّز إن أراد به أنَّ الله تحوزه المخلوقات فالله أعظم وأكبر بل قد وسع كرسيُّه السموات والأرض، وإن أراد به أنه منحازٌ عن المخلوقات، أي مباينٌ لها منفصلٌ عنها ليس حالًا فيها، فهو سبحانه كما قال أئمة السُّنَّة: فوق سماواته على عرشه بائنٌ من خلقه\" (^١).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ٣/ ٤١ - ٤٢، وينظر: الصواعق المرسلة ٤/ ١٣٦٧، وذم التأويل، لابن قدامه، ص ٢٣٤ - ٢٣٥، رقم ٣٤، من بداية: \"وحرام على العقول أن تمثل الله تعالى وعلى الأوهام أن تحده ...","vol":"1","page":319},{"text":"قوله: في صفة الرؤية:\nقال ابن عجيبة: \"ورؤيته تعالى جائزة في الدنيا والآخرة، واقعة في الدارين عند العارفين\" (^١).\nويقول أيضًا: \"فإذا فَنِيَ العبد عن شهود حِسِّه بشهود معناه، غاب وجوده في وجود معبوده، فشاهد الحقَّ بالحق، فالعارفون لَمَّا فنوا عن أنفسهم، لا يقع بصرهم إلا على المعاني، فهم يشاهدون الحق عيانًا\" (^٢).\nيعتقد أهل السُّنَّة والجماعة بأنَّ الله يُرى يوم القيامة رؤية بصريَّة حقيقيَّة من المؤمنين، من غير إحاطة به، وقد جاءت النصوص مقرِّرةً لذلك.\nقال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ (^٣).\nوقال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (^٤).\nقال ابن كثير: \"قوله: ﴿وَزِيَادَةٌ﴾ هي: تضعيف ثواب الأعمال بالحسنة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، وزيادة على ذلك، ويشمل ما يعطيهم الله في الجنان من القُصُور والحُور والرضا عنهم، وما أخفاه لهم من قُرَّة أعين، وأفضل من ذلك وأعلاه النَّظرُ إلى وجهه الكريم، فإنَّه زيادة أعظم من جميع ما أعطوه، لا يستحقونها بعملهم، بل بفضله ورحمته، وقد روي تفسير الزيادة بالنظر إلى وجه الله\" (^٥).\n_________\n(^١) البحر المديد ٧/ ١٩٠.\n(^٢) المرجع نفسه ٢/ ١٥٢.\n(^٣) سورة القيامة: ٢٢ - ٢٣.\n(^٤) سورة يونس: ٢٦.\n(^٥) تفسير القرآن العظيم ٤/ ٢٦٢.","vol":"1","page":320},{"text":"وقال الطبري: \"ألا إنَّ الحسنى الجنَّة، والزيادة النظرُ إلى وجه الله\" (^١).\nوعن صهيب عن النبي - ﷺ - قال: «إذا دخل أهلُ الجنَّة الجنَّةَ قال: يقول الله ﵎: تريدون شيئًا أزيدكم؟ فيقولون: ألم تبيِّض وجوهنا، ألم تدخلنا الجنة وتنجنا من النار؟ قال: فيكشف الحجاب، فما أُعطوا شيئًا أحبّ إليهم من النظر إلى ربهم - ﷿ -» (^٢).\nوعن جرير بن عبد الله - ﵁ - أنَّ النبي - ﷺ - قال: «إنَّكم سترون ربَّكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم أن لا تُغلبوا على صلاةٍ قبل طلوع الشمس وصلاةٍ قبل غروب الشمس فافعلوا» (^٣).\nأما إثبات ابن عجيبة لرؤية الله - ﷿ - في الدنيا والآخرة فمبنيٌّ على مصدر التلقِّي عنده بالكشف والمشاهدة، وزعمه أنَّ الله تعالي -هو عين وجود المخلوقات-؛ لأنَّ كلَّ وجود في الوجود هو وجود الله، تعالى عمَّا يقول علوًّا كبيرًا، وتبين بهذا متابعة ابن عجيبة لابن عربي (^٤) في هذه المسألة، وهم لا يرون إلا وجودًا مطلقًا لا حقيقة له إلا في أذهانهم، أو لا وجود له إلا وجود المخلوقات.\nوبيَّن هذا ابن تيمية - ﵀ - بقوله: \"إنَّ العبد قد يرى الله في الدنيا إذا زال عن عينه المانع إذ لا حجاب عندهم للرؤية منفصل عن العبد وإنما الحجاب متصل به، فإذا ارتفع شاهد الحق، وهم لا يشاهدون إلا ما يتمثلونه من الوجود المطلق الذي لا\n_________\n(^١) جامع البيان ١٥/ ٦٥.\n(^٢) أخرجه مسلم، كتاب الإيمان، باب إثبات رؤية المؤمنين ربهم في الآخرة ١/ ١١٢، رقم ٤٦٧.\n(^٣) أخرجه البخاري، كتاب مواقيت الصلاة، باب فضل صلاة العصر ١/ ١٤٥، رقم ٥٥٤، ومسلم، كتاب المساجد، باب فضل صلاتي الصبح والعصر والمحافظة عليهما ٢/ ١١٣، رقم ١٤٦٦.\n(^٤) ينظر: الفتوحات المكية ٣/ ٣٧٥.","vol":"1","page":321},{"text":"حقيقة له إلا في أذهانهم أو من الوجود المخلوق، فيكون الرَّبُّ المشهود عندهم الذي يخاطبهم في -زعمهم- لا وجود له إلا في أذهانهم، أو لا وجود له إلا وجود المخلوقات؛ وهذا هو التعطيل للرَّبِّ تعالى ولكتبه ولرسله، والبدع دهليز الكفر والنفاق، كما أنَّ التشيُّع دهليز الرفض، والرفض دهليز القرمطة والتعطيل، فالكلام الذي فيه تجهُّم هو دهليز التجهُّم، والتجهُّم دهليز الزندقة والتعطيل\" (^١).\nوقول ابن عجيبة مردود عليه بالكتاب والسُّنَّة، وإجماع سلف الأُمَّة.\nقال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (^٢).\nفقوله تعالى: (لَنْ تَرَانِي) أي: لن تراني في الدنيا، وذلك لضعف موسى - ﵇ - عن الرؤية في الدنيا كما دلَّ عليه سياق الآية.\nوأما من السُّنَّة فقد دلَّت على نفي رؤية الله بالأبصار في الدنيا.\nعن أبي ذر - ﵁ - قال: سألت رسول الله - ﷺ - هل رأيت ربك؟ فقال: «نورٌ أنَّى أراه»، وفي رواية «رأيت نورًا» (^٣).\nوعن عبادة بن الصامت - ﵁ - أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «إنَّكم لن تروا ربكم حتى تموتوا» (^٤).\nوبيَّن ابن أبي العز معنى قول النبي - ﷺ -: «نورٌ أنَّى أراه»، فقال - ﵀ -: النور الذي\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ٢/ ٢٢٩ - ٢٣٠، و٣٣٦ - ٣٣٧.\n(^٢) سورة الأعراف: ١٤٣\n(^٣) أخرجه مسلم، كتاب الإيمان، باب قوله «نور أنى أراه» ١/ ١١١، رقم ٤٦١.\n(^٤) أخرجه مسلم، كتاب الإيمان، باب معرفة طريق الرؤية ١/ ١٦٧، رقم ٣٠٢.","vol":"1","page":322},{"text":"هو الحجاب يمنع من رؤيته، فأنَّى أراه أي كيف أراه والنور حجاب بيني وبينه يمنعني من رؤيته، فهذا صريحٌ في نفي الرؤية عن النبي - ﷺ - في الدنيا وعن غيره من باب أولى\" (^١).\nوقال الإمام مالك بن أنس - ﵁ - (^٢): «النَّاس ينظرون إلى الله - ﷿ - يوم القيامة بأعينهم» (^٣).\nوأمَّا الإجماع: فقد \"أجمع سلف الأُمَّة وأئمتها على أنَّ المؤمنين يرون ربهم بأبصارهم في الآخرة، وأجمعوا على أنَّهم لا يرونه في الدنيا بأبصارهم، ولم يتنازعوا إلا في النبي - ﷺ - ... ومن قال من الناس إنَّ الأولياء وغيرهم يرى الله بعينه في الدنيا فهو مبتدع ضال مخالف للكتاب والسُّنَّة وإجماع سلف الأُمَّة\" (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-95>د- قوله بالمجاز في الأسماء والصفات</span>\nخالف ابنُ عجيبة أهلَ السُّنَّة والجماعة بقوله: الرحمة هنا مجازٌ بمعنى الإنعام، وإرادته وحقيقته هنا مُحال\" (^٥)، وقوله: بأنَّ \"اليد: مجازٌ عن القدرة التامة\" (^٦).\nوتقسيم الألفاظ إلى حقيقة ومجاز ليس تقسيمًا شرعيًّا ولا عقليًّا، ولا لغويًّا، بل هو اصطلاحٌ حادثٌ بعد القرون المفضَّلة، وكان منشؤه من جهة المعتزلة والجهمية، ومن سلك طريقتهم من المتكلِّمين.\n_________\n(^١) شرح العقيدة الطحاوية، ص ٢٢٤.\n(^٢) أبو عبد الله، مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر بن عمرو بن الحارث الأصبحي، توفي سنة ١٧٩ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء ٨/ ٤٨.\n(^٣) الإبانة عن أصول الديانة، لابن بطة ٣/ ٥٢، وينظر: شرح أصول اعتقاد أهل السُّنَّة، للالكائي ٣/ ٥٠١.\n(^٤) مجموع الفتاوى ١٦/ ٨٢ - ٨٣.\n(^٥) الجواهر العجيبة، ص ٢٢.\n(^٦) البحر المديد ٧/ ٩١.","vol":"1","page":323},{"text":"والألفاظ التي تستعمل في حق الخالق والمخلوق لها ثلاثة اعتبارات:\nأحدها: أن تكون مقيدة بالخالق، كسمع الله وبصره ووجهه وعلمه وقدرته وحياته.\nالثاني: أن تكون مقيدة بالمخلوق كيد الإنسان ووجهه واستوائه.\nالثالث: أن تجرد عن كلا الإضافتين، وتوجد مطلقة.\nفإن جعلتم جهة كونها حقيقة تقيدها بالخالق لزم أن تكون في المخلوق مجازًا.\nوطرف آخر قال: إنها حقيقة في المخلوق مجاز في الخالق، وإليه صار إمام المعطلة: جهم بالمجاز، ودرج أصحابه على أثره.\nوذهب أهل الحق إلى أنها حقيقة في الخالق والمخلوق، وإذا أضيف ذلك إلى الرَّبِّ كان بحسب ما يليق، ولا يشركه فيه المخلوق، كما أنَّه إذا أضيف إلى المخلوق كان بحسب ما يليق به، ولا يشركه فيه الخالق (^١).\nومما يجب أن يذكر هنا أنَّ القول بالمجاز في باب الأسماء والصفات كان له الأثر الكبير في تحريف النصوص وتأويلها، ونفي الأسماء والصفات عن الله ﷻ (^٢).\nومن هنا قرَّر أهل العلم أنَّ أسماء الله وصفاته ثابتة لله تعالى على وجه الحقيقة لا على المجاز.\nقال السجزي -بعد ذكر صفة اليدين والضحك والرضى والغضب وردَّ على من أوَّلهَا-، قال: \"وعند أهل الأثر أنها صفات ذاته لا يفسّر منها إلا ما فسَّره النبي - ﷺ - أو الصحابي، بل نمر هذه الأحاديث على ما جاءت بعد قبولها والإيمان بها والاعتقاد بما فيها بلا كيفية\" (^٣).\n_________\n(^١) ينظر: مختصر الصواعق ٢/ ٧٤٩، بدائع الفوائد ١/ ١٦٤ - ١٦٥.\n(^٢) ينظر: مذكرة في أصول الفقه، للشيخ محمد الأمين الشنقيطي، ص ٥٨.\n(^٣) الرَّد على من أنكر الحرف والصوت، للسجزي، ص ١٧٥.","vol":"1","page":324},{"text":"وقال ابن عبد البر: \"أهل السُّنَّة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة كلها في القرآن والسُّنَّة، والإيمان بها وحملها على الحقيقة، لا على المجاز، إلا أنهم لا يكيِّفون شيئًا من ذلك ولا يحدون فيه صفة محصورة، وأمَّا أهل البدع الجهمية والمعتزلة كلها والخوارج فكلُّهم ينكرونها ولا يحملون شيئًا منها على الحقيقة، ويزعمون أنَّ من أقرَّ بها مشبِّه، وهم عند من أقرَّ بها نافون للمعبود، والحق فيما قاله القائلون بما نطق به كتاب الله وسُنَّة رسول الله - ﷺ - وهم أئمَّة الجماعة\" (^١).\nوقال ابن القيم: \"قد تطابقت نصوص الكتاب والسُّنَّة والآثار على إثبات الصفات لله، وتنوعت دلالتها عليها أنواعًا توجب العلم الضروري بثبوتها، وإرادة المتكلِّم اعتقاد ما دلَّت عليه، والقرآن مملوءٌ من ذكر الصفات، والسُّنَّة ناطقةٌ بمثل ما نطق به القرآن مقرِّرة له، مصدِّقة له، مشتملة على زيادة في الإثبات، ... فمن أبين المحال وأوضح الضلال حمل ذلك كله على خلاف حقيقته وظاهره، ودعوى المجاز فيه والاستعارة، وأنَّ الحق في أقوال النفاة المعطلين، وأنَّ تأويلاتهم هي المرادة من هذه النصوص؛ إذ يلزم من ذلك أحد محاذير ثلاثة لا بدَّ منها أو من بعضها وهي: القدح في علم المتكلِّم بها، أو في بيانه، أو في نصحه\" (^٢).\nوقال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي - ﵀ -: \"إنَّ الله ﵎ موصوفٌ بتلك الصفات حقيقةً لا مجازًا؛ لأنَّا نعتقد اعتقادًا جازمًا لا يتطرَّق إليه شكٌّ أنَّ ظواهر آيات الصفات وأحاديثها لا تدلُّ البتَّة إلا على التنزيه عن مشابهة الخلق، واتصافه تعالى بالكمال والجلال، وإثبات التنزيه والكمال والجلال لله حقيقة لا مجازًا لا ينكره مسلم\" (^٣).\n_________\n(^١) التمهيد، لابن عبد البر ٧/ ١٤٥.\n(^٢) الصواعق المرسلة ١/ ٣٢٠ - ٣٢٤.\n(^٣) أضواء البيان ٧/ ٤٥٢.","vol":"1","page":325},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-96>المبحث الثالث: مسائل الألوهية</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-97>أولًا: تعريف الألوهية لغةً واصطلاحًا</span>\nقال ابن فارس: \"الألف واللام والهاء أصلٌ واحد، وهو التعبُّد، فالإلهُ: الله تعالى، وسُمِّي بذلك؛ لأنَّه معبود، ويُقال تألَّه الرَّجلُ: إذا تعبَّد اشتقاقًا، (وإله) كفعال بمعنى مألوه، وكل ما اتُخذ معبودًا (إله) عند متخذه\" (^١).\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"فإنَّ الإله هو المألوه، والمألوه هو الذي يستحق أن يُعبد، وكونه يستحق أن يُعبد هو بما اتصف به من الصفات التي تستلزم أن يكون هو المحبوب غاية الحب، المخضوع له غاية الخضوع، والعبادة تتضمَّن غاية الحبِّ بغاية الذل\" (^٢).\nوقال في موضع آخر: \"هو المألوه الذي تألهه القلوب، وكونه يستحق الإلهية مستلزم لصفات الكمال، فلا يستحق أن يكون معبودًا محبوبًا لذاته إلا هو الله - ﷿ - \" (^٣).\nوقال ابن القيم: \"والإله هو الذي تألهه القلوب محبَّةً وإنابةً وإجلالًا وإكرامًا وتعظيمًا وذُلًّا وخضوعًا وخوفًا ورجاءً وتوكُّلًا\" (^٤).\nوقال ابن رجب: \"الإله: هو الذي يُطاع فلا يُعصى هيبةً له وإجلالًا ومحبَّةً وخوفًا ورجاءً وتوكُّلًا عليه وسؤلًا منه ودعاءً له، ولا يصلح هذا كلُّه إلا الله - ﷿ -،\n_________\n(^١) ينظر: مقاييس اللغة ١/ ١٢٧، ومختار الصحاح، ص ٢٢، ولسان العرب ١٣/ ٤٦٧، وتاج العروس ٩/ ٣٧٤، والقاموس المحيط، ١٦٣٠.\n(^٢) مجموع الفتاوى ١٠/ ٢٤٩.\n(^٣) اقتضاء الصراط المستقيم ١/ ٢٨٥، وينظر: كتاب العبودية، له، ص ٣٥.\n(^٤) إغاثة اللهفان في مصائد الشيطان ١/ ٧٢.","vol":"1","page":326},{"text":"فمن أشرك مخلوقًا في شيءٍ من هذه الأمور التي هي من خصائص الإلهية، كان ذلك قدحًا في إخلاصه في قوله: (لا إله إلا الله) ونقصًا في توحيده، وكان فيه من عبودية المخلوق بحسب ما فيه من ذلك\" (^١).\nوقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب (^٢): \"فاعلم أنَّ معنى الإله هو المعبود؛ هذا هو تفسير هذه اللَّفظة بإجماع أهل العلم، فمن عبد شيئًا فقد اتخذه إلهًا من دون الله، وجميع ذلك باطلٌ إلا إله واحد، وهو الله وحده، ﵎ علوًّا كبيرًا\" (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-98>ثانيًا: معنى الإله عند ابن عجيبة</span>\nقال ابن عجيبة: \"حقيقة الإله هو: الواجب الوجود، المستحق للعبادة\" (^٤).\nوقال في موضع آخر: \"والإله لا بدَّ أن يكون واجب الوجود\" (^٥).\nوعند سبر أقواله في حقيقة الإله نجد فيه حقًّا وباطلًا، فأمَّا الحقُّ فهو ذكره بأنَّ الإله هو المستحق للعبادة، وهذا بلا شكٍّ حقٌّ وصدق، فقد وافق ما عليه القرآن العظيم وما دعت إليه رسل الله عليهم الصلاة والسلام وما عليه أهل السُّنَّة والجماعة.\n_________\n(^١) كلمة الإخلاص، ص ٢٣ - ٢٤.\n(^٢) محمد بن عبد الوهاب بن سليمان بن على بن محمد بن أحمد بن راشد بن بريد بن محمد بن مشرف بن عمر بن معضاد بن ريس بن زاخر بن محمد التميمي النجدي، ولد في بلدة العيينة عام ١١١٥ هـ، قرأ مبادئ العلوم والفقه، ومن مشايخه: والده الشيخ عبد الوهاب ابن الشيخ سليمان بن على، والشيخ عبد الله بن إبراهيم بن سيف النجدي ثم المدني، ومحمد حياة السندي المدني صاحب الحاشية المشهورة على صحيح الإمام البخاري، والشيخ محمد المجموعي البصري، له تصانيف عدة منها: كتاب التوحيد، وكشف الشبهات، ومفيد المستفيد في حكم تارك التوحيد، ومسائل الجاهلية، وكانت وفاته عام ١٢٠٦ هـ. - ينظر: مشاهير علماء نجد ١٦، ١٧، ١٨.\n(^٣) الدرر السنية، كتاب التوحيد ١/ ١٠٣.\n(^٤) الجواهر العجيبة، ص ١١٥.\n(^٥) البحر المديد ٣/ ١١٧.","vol":"1","page":327},{"text":"وأمَّا الباطل فهو تفسيره للإله بأنَّه واجب الوجود، خلافًا للمعنى الصحيح الذي دلَّت عليه النصوص وقرَّره علماء أهل السُّنَّة والجماعة، وهو أنَّ الإله بمعنى المعبود، يقال: أله يأله إلهةً وألوهيةً: بمعنى عبد عبادة (^١).\nولا يُسلَّم له هذا التفسير؛ لتضمُّنه ما هو حقٌّ وباطل.\nقال الشيخ البرَّاك: \"الإخبار عن الله تعالى بأنَّه واجب الوجود يراد به أنَّ وجوده سبحانه لذاته، فيستحيل عليه العدم أزلًا وأبدًا، بخلاف المخلوق فإنه ممكن الوجود أو جائز الوجود، أي يجوز عليه الوجود والعدم، ووجوده لا لذاته، بل بإيجاد الله تعالى.\nفالوجود نوعان: واجبٌ وممكن، فالأول: وجود الله تعالى، والثاني: وجود كل مخلوق سوى الله تعالى؛ لأنَّ كلَّ مخلوق مسبوق بالعدم، ويجوز أن يلحقه فناء \"فالأشياء في حكم العقل ثلاثة: واجبٌ وممكنٌ وممتنع، فالواجب ما لا يقبل الحدوث ولا العدم، والممكن ما يقبل الوجود والعدم، والممتنع: ما لا يقبل الوجود\" (^٢).\nولفظ (واجب الوجود) لم يرد في كلام الله تعالى، ولا في كلام رسوله - ﷺ -، وقد استحدثه الفلاسفة (^٣) المتأخرون.\nيقول شيخ الإسلام - ﵀ -: وأمَّا الكلام بلفظ (الواجب الوجود)، و(ممكن\n_________\n(^١) ينظر: دعوة التوحيد، خليل هراس، ص ٣٢.\n(^٢) شرح الرسالة التدمرية، ص ٩٦.\n(^٣) الفلاسفة: مفردها فيلسوف، والمقصود أنه عالم في الفلسفة يبحث في المبادئ الأولى للأشياء، وفي الأسباب القصوى، ويفسرها تفسيرًا عقليًّا، لذلك الفيلسوف يقدم العقل على النقل. ينظر: معجم اللغة العربية المعاصرة ٣/ ١٧٤٠.","vol":"1","page":328},{"text":"الوجود): فهذا من كلام ابن سينا (^١) وأمثاله، الذين اشتقوه من كلام المتكلِّمين، فإنَّهم قسموا الوجود إلى قديمٍ ومحدث، وقسَّمه هو إلى واجبٍ وممكن، وإلا فكلام سلفهم، إنما يوجد فيه لفظ العلة والمعلول (^٢).\nوقصد شيخ الإسلام أنَّ هؤلاء المعطِّلة يحاولون أن يثبتوا أنَّ الله تعالى واجبٌ وجوده، ولكنَّهم لأجل تعطيلهم جعلوا الله تعالى ممتنع الوجود؛ لأنَّهم وصفوه بصفات المعدوم والممتنع.\nفدليلهم الذي أقاموه على إثبات كون الله تعالى واجب الوجود هو في الحقيقة دليلٌ على كون الله تعالى ممتنع الوجود، فقد هدموا بنيانهم بأيديهم.\nوعقيدة أهل السُّنَّة والجماعة هي وصف الله - ﷿ - بما وصف به نفسه، وبما وصفه رسوله - ﷺ -، أمَّا ما لم يرد ذكره في الكتاب والسُّنَّة فيجوز الأخبار عنه إذا كان المعنى صحيحًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-99>ثالثًا: معنى توحيد الألوهية</span>\nالذي دلَّت عليه أقوال ابن عجيبة عند ذكره لمعنى الألوهية أنَّه يفسِّرها بتوحيد الربوبية سائرًا على مذهب أهل الكلام، إذ قال في تفسير قول الله تعالى: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾ (^٣)، فقول صالح - ﵇ -: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾\n_________\n(^١) هو أبو علي، الحسين بن عبد الله بن الحسن بن علي بن سينا، البلخي ثم البخاري، وهو رأس الفلاسفة، حنفي المذهب، صاحب التصانيف في الطب والفلسفة والمنطق، وكان أبوه كاتبًا من دعاة الإسماعيلية، ولد عام ٣٧٠ هـ، وكانت وفاته عام ٤٢٨ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء ١٣/ ١٩٩، النجوم الزاهرة ٥/ ٢٥.\n(^٢) ينظر: الصفدية ٢/ ١٨٠، ومجموع الفتاوى ١/ ٤٠، ومنهاج السُّنَّة النبوية ٢/ ١٣١ - ١٣٢.\n(^٣) سورة هود: ٦١","vol":"1","page":329},{"text":"\"هذا إفراد الحق بالربوبية\" (^١).\nوابن عجيبة خالف المعنى المقصود لكلمة التوحيد، وفسَّرها بتوحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية ليس له ذكر في معتقده، فعندما فسَّر قول الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ (^٢) قال: \"يعني: أنَّ التوحيد مما أجمعت عليه الرُّسل والكتب السماوية، والفناء فيه على ثلاثة أقسام: فناء في توحيد الأفعال، وهو ألا يرى الفعل إلا من الله، ويغيب عن الوسائط والأسباب، وفناء في توحيد الصفات، وهو أن يرى ألا قادر ولا سميع ولا بصير ولا متكلِّم إلا الله، وفناء في توحيد الذات، وهو أن يرى ألا موجود إلا الله ذوقًا ووجدًا وعقدًا ... أي: في مقام الفناء والبقاء انتهت أقدام السائرين، ورسخت أسرار العارفين، مع ترقيات وكشوفات أبد الآبدين\" (^٣).\nوبهذا التعريف للتوحيد لم يذكر شيئًا عن توحيد الألوهية، بل هذا التقسيم يقرر فيه نفي الأسباب وهي عقيدة الجبر (^٤)، رغم أنَّه أثبت الوحدانية في أفعال الله - ﷿ -، ولكن لا يلبس علينا هذا الأمر فعند سبر أقواله التي مرَّت معنا ظهر تصريحه بأنَّ الأولياء لهم التصرُّف في الكون، وهذا شركٌ في الربوبيَّة.\nوقد ظهر من خلال تقريرات ابن عجيبة لمعنى (لا إله إلا الله) التناقض والاضطراب، وكثرة الخطأ كما يلي:\nفسَّرها بتفسير الأشاعرة، بقوله: المستغني عمَّا سواه، المفتقر إليه كلُّ من عاداه،\n_________\n(^١) البحر المديد ٢/ ٥٤٠.\n(^٢) سورة الأنبياء: ٢٥.\n(^٣) البحر المديد ٣/ ٤٥٤، وينظر: إيقاظ الهمم، ص ٨٢، و٢٦٩، ٢٧١، والجواهر العجيبة، ص ٤٤.\n(^٤) سيأتي الحديث عنها في موضعه.","vol":"1","page":330},{"text":"ومن أبرز القائلين بهذا التفسير من الأشاعرة السَّنوسي (^١) في أمِّ البراهين (^٢).\nوفسَّرها بتفسير أهل الحلول والاتحاد.\nوفسَّرها بلا موجود إلا الله.\nوفسَّرها بالمعنى الظاهر.\nوبيَّن ابن عجيبة معنى (لا إله إلا الله) الظاهر الذي التزم على نفسه بأن يفسره، وقرَّر أنَّ لها تفسيران، تفسيرٌ لأهل الظاهر وآخر لأهل الباطن، وهو لا يعتقد بأنَّ هناك عابدًا ومعبودًا ولو اعتقد ذلك لفسد الذي قرره بأنه لا يرى موجودًا إلا الله، فمن عبد الشجر أو غيرها من المعبودات الباطلة فقد عبدَ اللهَ عنده، تعالى الله عمَّا يقول، قال ابن تيمية: \"وهذا ما يقوله أهل الاتحاد؛ من أنه ما ثم موجود إلا الله ويقولون: ليس إلا الله أي ليس موجود إلا الله، ويقولون: إنَّ وجود المخلوقات هو وجود الخالق والخالق هو المخلوق والمخلوق هو الخالق والعبد هو الرَّبُّ والرَّبُّ هو العبد ونحو ذلك من معاني الاتحادية الذين لا يفرقون بين الخالق والمخلوق ولا يثبتون المباينة بين الرَّبِّ والعبد\" (^٣).\nوقال أيضًا: \"لا موجود إلا الله وأنَّ وجود الخالق هو وجود المخلوق فلا فرق بين الرَّب والعبد فهذا فناء أهل الضلال والإلحاد الواقعين في الحلول والاتحاد\" (^٤).\n_________\n(^١) هو أبو عبد الله، محمد بن يوسف السنوسي، ولد عام ٨٣٠ هـ، زعيم الطريقة السنوسية ومؤسسها، تعلَّم بفاس، وتصوَّف على يد عبد الوهاب التازي، ومن تلاميذه: الزوواي، وابن أبي مدين، وأحمد زروق، له مؤلفات منها: شرح العقيدة الوسطى، مختصر التفتازاني، زواجر البنا في الطب، توفي عام ٨٩٥ هـ. ينظر: شجرة النور الزكية ١/ ٣٨٤، معجم أعلام الجزائر ص ١٨٠.\n(^٢) متن أم البراهين، ص ١١.\n(^٣) مجموع الفتاوى ٢/ ٤٩٠.\n(^٤) العبودية، ص ١٢٠.","vol":"1","page":331},{"text":"ومقصود ابن عجيبة أنَّ كل موجود في الكون له هذه الصفات التي انفصلت من الذات الإلهيَّة، وسمَّاها عالم الملكوت، والذي ينظر لباطن هذه الموجودات لا يرى إلا الله، ولا شكَّ أنَّ مجرد تصور هذه العقيدة كاف بالعلم بفسادها، لذلك قال:\n\"إنَّ الحق -ﷻ- محيطٌ بكلِّ شيء، فأسرار ذاته العليَّة أحاطت بالوجود بأسره، فما فوق العرش هو عين ما تحت الثرى، فلو صعد أحدٌ إلى ما فوق العرش لوجد الله، ولو هبط إلى ما تحت الأرض السُّفلى لوجد الله؛ إذ عظمته أحاطته بكلِّ شيء، ومحت وجود كلِّ شيء، واعلم أنَّ الحق -ﷻ- منفرد بالوجود، لا شيء معه، غير أنَّ عظمة الذات الخارجة عن دائرة قبضة التكوين باقية على أصلها من اللطافة والكنزية، والعظمة الداخلة في القبضة حين دخلها التكثيف، وتحسَّست ليقع بها التجلِّي، استترت وتردّت برداء الكبرياء، فظهر فيها الضدان: العبودية والربوبية، والحس والمعنى، والقدرة والحكمة، فاستترت الربوبية برداء الكبرياء، فكان من اصطلاح الوحي التنزيلي أن يُخبر عن العظمة الأصلية، وينعت أوصافها، ويسكت عن العظمة الفرعية، التي وقع بها التجلِّي، سترًا لسرِّ الربوبية أن يظهر، إذ لو ظهر لفسد نظام عالم الحكمة، ولذلك قال سهل (^١): للألوهية سرٌّ لو انكشف لبطلت النبوات، وللنبوات سرٌّ لو انكشف لبطل العِلم، وللعلم سرٌّ لو انكشف لبطلت الأحكام، فَسِرُّ الألوهية هو قيامها بالأشياء، وظهورها بها، بل لا وجود للأشياء معها، فلو انكشف هذا السرُّ لجميع الناس لاستغنوا عن العبادة والعبودية، ولبطلت أحكام النبوة؛ إذ النبوة إنما هي لبيان العبادة وآداب العبودية، وعند ظهور\n_________\n(^١) سهل بن عبد الله التستري، أحد كبار المتصوفة، ولد سنة ٢٠٠ هـ، له تصانيف منها: تفسير القرآن، ورقائق المحبين، ومواعظ العارفين، توفي سنة ٢٨٣ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء ١٣/ ١٤٣، وطبقات الصوفية، للسلمي، ص ٢٠٦ - ٢١١.","vol":"1","page":332},{"text":"هذا السر يقع الاستغناء عن تلقي الوحي، وأيضًا ليست القلوب كلها تقدر على حمل هذا السر، فلو تجلَّى للقلوب الضعيفة لوقع لها الدهش والحيرة، وربما أدَّاها إلى التلف.\nوسرُّ النبوات هو: سدل الحجاب بين الله وعباده، حتى يفتقر الناس إلى تلقِّي العلم بواسطة النبوة، فلو انكشف هذا الحجاب لوقع الاستغناء عن النبوة، لتلقِّيه حينئذٍ كشفًا بدونها من غير تكلُّف، وسر العلم هو إبهام العواقب، فلو انكشف هذا السرُّ وعرف كلُّ واحدٍ مآله للجنَّة أو النار لبطلت الأحكام؛ إذ مَن عرف أنه للجنَّة قطعًا استغنى عن العبادة، ومَن عرف أنه للنَّار قطعًا انهمك في المعاصي، فأخفى الله هذا السرَّ ليعمل كلُّ واحدٍ على الرجاء والخوف\" (^١).\nولذلك انحرفوا حتى في العبادة التي لا يجوز صرفها لغير الله - ﷿ -، فهذا هو قول أهل الوحدة الذين جوَّزوا أن يعبد كل شيء، قال ابن تيمية: \"فإنهم أجمعوا على كلِّ شرك في العالم، وعدلوا بالله كل مخلوق، وجوَّزوا أن يعبد كل شيء، ومع كونهم يعبدون كل شيء فيقولون: ما عبدنا إلا الله، فاجتمع في قولهم أمران: كل شرك، وكل جحود وتعطيل مع ظنهم أنهم عبدوا الله\" (^٢).\nكما أنَّ ابن عجيبة يعيب على الزُّهَّاد والعباد بأنهم لم يفهموا العبادة فحجبوا بعبادتهم وزهدهم فقال: \"ولو عرفوا الله في كلِّ شيءٍ ما استوحشوا من شيء، ولأنسوا بكلِّ شيء ... \" (^٣)، وهذه هي عين عقيدة الحلول (^٤) التي ضلَّت بسببها الصوفية قرونًا عديدة.\n_________\n(^١) البحر المديد ٦/ ٢٤٥ - ٢٤٦، ١/ ٩١، ١١٠، ٣/ ١٥١، ٤/ ٥٤٥.\n(^٢) مجموع الفتاوى ٢/ ٢٥٧.\n(^٣) إيقاظ الهمم، ص ٢٢٦ - ٢٢٨، وسيأتي بحثها في موضعها إن شاء الله.\n(^٤) سيأتي بحثها في الباب الثالث من هذا الكتاب.","vol":"1","page":333},{"text":"والمقصود هنا بيان ما خالف ابن عجيبة أهل السُّنَّة والجماعة في قضية من أكبر القضايا التي ما بعث الرُّسُل ﵈ إلا لأجلها وهي توحيد العبادة.\nولهذا اعتنى أهل السُّنَّة والجماعة عناية خاصَّة بتوحيد الألوهية وبيَّنوه غاية البيان، فهو الغاية التي يحصل بها كمال بني آدم وسعادتهم، ونجاتهم بتحقيق معنى لا إله إلا الله: أي لا معبود بحقٍّ إلا الله.\nقال ابن القيم: \"فهو التوحيد الذي جاءت به الرُّسُل من أولهم إلى آخرهم، ونزلت به الكتب كلها، وبه أمر الله الأولين والآخرين، وذكر الآيات الواردة بذلك.\nثم قال: وقد أخبر الله عن كل رسول من الرُّسُل أنَّه قال لقومه: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ (^١).\nوالتوحيد أوَّلُ دعوة الرُّسُل وآخرها، قال النبي - ﷺ -: «أمرتُ أن أقاتلَ الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأنِّي رسول الله» (^٢) وقال: «من مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله، دخل الجنَّة» (^٣)، والقرآن مملوءٌ من هذا التوحيد، والدعوة إليه، وتعليق النجاة والسعادة في الآخرة به، وحقيقته: إخلاص الدين كله، والفناء في هذا التوحيد مقرون بالبقاء، وهو أن تثبت إلهية الحق تعالى في قلبك، وتنفي إلهية ما سواه، فتجمع بين النفي والإثبات، فالنفي هو الفناء، والإثبات هو البقاء، وحقيقته: أن تفنى بعبادة الله عن عبادة ما سواه، وبمحبته عن محبة ما سواه، وبخشيته عن خشية ما سواه وبطاعته عن طاعة ما سواه، وأمرنا تعالى أن نتأسى بإمام هذا التوحيد في نفيه وإثباته، كما\n_________\n(^١) سورة هود: ٥٠.\n(^٢) أخرجه البخاري، كتاب بدء الوحي، باب ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ ١/ ٢٤، رقم ٢٥.\n(^٣) أخرجه مسلم، كتاب الإيمان، باب الدليل على أنه من مات على التوحيد دخل الجنة قطعًا، ١/ ٥٥، رقم ٤٣.","vol":"1","page":334},{"text":"قال تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ (^١)، وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ (^٢).\nوالخليلان هما أكمل خاصَّة الخاصة توحيدًا، ولا يجوز أن يكون في الأُمَّة من هو أكمل توحيدًا من نبيٍّ من الأنبياء، فضلًا عن الرُّسُّل، فضلًا عن أولي العزم، فضلًا عن الخليلين\" (^٣).\nوقال أيضًا: وإنَّ هذا توحيد خاصَّة الخاصة، الذي لا شيء فوقه، ولا أخص منه، وأنَّ الخليلين أكمل الناس فيه توحيدًا، فليهن العامة نصيهم منه (^٤).\nوقال: \"ولظهوره وجلائه أرسل الله به رسله، وأنزل به كتبه، وأمر الله به الأولين والآخرين من عباده، وأمَّا الرَّمز والإشارة والتعقيد الذي لا يكاد أن يفهمه أحدٌ من الناس إلا بجهد وكلفة فليس مما جاءت به الرُّسُل، ولا دعوا إليه، فظهور هذا التوحيد وانجلاؤه ووضوحه وشهادة الفطر والعقول به من أعظم الأدلة أنه أعلى مراتب التوحيد، وذروة سنامه، ولذلك قوي على نفي الشرك الأعظم، فإنَّ الشيء كُلَّما عظم لا يدفعه إلا العظيم، فلو كان شيء أعظم من هذا التوحيد لدفع الله به الشرك الأعظم، ولعظمته وشرفه نُصبت عليه القبلة، وأُسِّست عليه الملَّة، ووجبت به الذمة، وانفصلت به دار الكفر من دار الإسلام، وانقسم به الناس إلى سعيد وشقي، ومهتد وغوي، ونادت عليه الكتب والرُّسُل\" (^٥).\n_________\n(^١) سورة الممتحنة: ٤.\n(^٢) سورة الزخرف: ٢٦.\n(^٣) مدارج السالكين ٣/ ٥٠٥ - ٥٠٦.\n(^٤) المرجع نفسه ٣/ ٥٠٦.\n(^٥) نفسه ٣/ ٥٠٧.","vol":"1","page":335},{"text":"ولقد تواطأ أهل العلم المحققون في الرَّد على من فسَّر توحيد الألوهية بالربوبية.\nقال ابن تيمية: \"الذين يقولون: (التوحيد) هو توحيد الربوبية، و(الإلهية) عندهم هي: القدرة على الاختراع، ولا يعرفون توحيد الإلهية، ولا يعلمون أنَّ الإله هو المألوه المعبود، وأنَّ مُجرَّد الإقرار بأنَّ الله - ﷿ - رَبُّ كل شيءٍ لا يكون توحيدًا حتى يشهد أن لا إله إلا الله كما قال تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ (^١)، قال عكرمة (^٢): تسألهم من خلق السموات والأرض؟ فيقولون: الله، وهم يعبدون غيره، وهؤلاء يدَّعون التحقيق والفناء في التوحيد ويقولون إنَّ هذا نهاية المعرفة وإنَّ العارف إذا صار في هذا المقام لا يستحسن حسنة ولا يستقبح سيئة لشهوده الربوبية العامة والقيومية الشاملة، وهذا الموضع وقع فيه من الشيوخ الكبار (^٣) من شاء الله ولا حول ولا قوة إلا بالله.\nوهؤلاء غاية توحيدهم هو توحيد المشركين الذين كانوا يعبدون الأصنام ... فإنَّ هؤلاء المشركين كانوا مقرين بأنَّ الله خالق السموات والأرض وخالقهم وبيده ملكوت كل شيء بل كانوا مقرين بالقدر أيضًا فإنَّ العرب كانوا يثبتون القدر في الجاهلية وهو معروف عنهم في النظم والنثر ومع هذا فلما لم يكونوا يعبدون الله وحده لا شريك له بل عبدوا غيره كانوا مشركين شرًّا من اليهود والنصارى، فمن كان غاية توحيده وتحقيقه هو هذا التوحيد كان غاية توحيده توحيد المشركين.\nوهذا المقام مقام وأيّ مقام زلَّت فيه أقدام، وضلَّت فيه أفهام، وبُدِّل فيه دين\n_________\n(^١) سورة يوسف: ١٠٦.\n(^٢) هو أبو عبد الله، عكرمة مولى ابن عباس، أصله بربري، عالم بالتفسير، توفي سنة ١٠٤ هـ، ينظر: وفيات الأعيان ٣/ ٢٥٦.\n(^٣) شيوخ الضلال من متصوفة، وغيرهم ممن خلط الحق بالباطل.","vol":"1","page":336},{"text":"المسلمين، والتبس فيه أهل التوحيد بعبَّاد الأصنام على كثيرٍ ممَّن يدعون نهاية التوحيد والتحقيق والمعرفة والكلام\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-100>ثالثًا: معنى لا إله إلا الله</span>\nقال ابن عجيبة: \"لا إله إلا الله، لا مستحق للعبادة إلا الله الواجب الوجود، أو المستغني عن كلِّ ما سواه، والمفتقر إليه كلُّ ما عداه\" (^٢).\nوقال في تفسير قول الله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ (^٣): \"اللَّهُ الواجب الوجود لا يستحق العبادة غيره\" (^٤).\nوقال في تفسير قول الله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ (^٥): \"أي لا معبود بحقٍّ إلا هو، ولا المستحق للعبادة إلا هو، وهو تصريح بما تضمَّنه ما قبله من اختصاص الألوهية به - ﷾ -، فإنَّ ما أُسند إليه تعالى من خلق جميع الموجودات، ومن الرحمانية والمالكية للكل، والعلم الشامل، يقتضي اختصاصه تعالى بالألوهية والربوبية\" (^٦).\nوابن عجيبة لم يوفق للمعنى الصحيح لها فهو يفسِّرها بتوحيد الربوبية، فهو مطرد مع قوله السابق في بيان معنى الألوهية وقد تمَّ الرد عليه مما أغنى عن التكرار.\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ٨/ ١٠٣.\n(^٢) الجواهر العجيبة، ص ١١٥.\n(^٣) سورة البقرة: ٢٥٥.\n(^٤) البحر المديد ١/ ٢٨٥.\n(^٥) سورة طه: ٨.\n(^٦) البحر المديد ٣/ ٣٧٤، ٢/ ٨٠.","vol":"1","page":337},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-101>رابعًا: أعلى درجات التوحيد عند ابن عجيبة</span>\nيزعم ابن عجيبة أنَّ توحيد الخاصَّة أعلى درجات التوحيد إذ يقول: \"الطريق المستقيم الذي أمرنا الحق بطلبها هي: طريق الوصول إلى الحضرة، التي هي العلم بالله على نعت الشُّهود والعيان، وهو مقام التوحيد الخاص الذي هو أعلى درجات أهل التوحيد\" (^١).\nوهذا التوحيد الذي ذكره وزعم أنه توحيد الخاصَّة هو الذي بيَّنه الهروي في منازل السائرين بقوله: \"وأما التوحيد الثالث فهو توحيد اختصه الحق لنفسه، واستحقه بقدره وألاح منه لائحًا إلى أسرار طائفة من صفوته، وأخرسهم عن نعته، وأعجزهم عن بثِّه، والذي يشار به على ألسُن المشيرين، أنه إسقاط الحدث وإثبات القدم، على أنَّ هذا الرَّمز في ذلك التوحيد علة لا يصح ذلك التوحيد إلا بإسقاطها ... هذا قطب الإشارة إليه على ألسن علماء هذا الطريق، وإن زخرفوا له نعوتًا، وفصَّلوه تفصيلًا، فإنَّ ذلك التوحيد تزيده العبارة خفاءً والصفة نورًا والبسط صعوبةً، وإلى هذا التوحيد شخص أهل الرياضة وأرباب الأحوال، وإليه قصد أهل التعظيم، وإياه عني المتكلمون في عين الجمع (^٢)، وعليه تصطلم (^٣) الإشارات، ثم لم ينطق عنه لسان ولم تشر إليه عبارة؛ فإنَّ التوحيد وراء ما يشير إليه سكونٌ أو يتعاطاه حينٌ أو يقله سبب\" (^٤).\n_________\n(^١) البحر المديد ١/ ٦٦.\n(^٢) عين الجمع: شهود الأشياء بالله والتبري من الحول والقوة إلا بالله، وجمع الجمع الاستهلاك بالكلية والفناء عمَّا سوى الله وهو المرتبة الأحدية. ينظر: التعريفات ص ١٠٢.\n(^٣) الاصطلام: هو الوله الغالب على القلب، وهو غلبات الحق الذي يجعل كلية العبد مغلوبة له بامتحان اللطف في نفي إرادته. ينظر: المعجم الصوفي، ص ٢٤.\n(^٤) ص ٤٧.","vol":"1","page":338},{"text":"وردَّ عليه شيخ الإسلام فقال: \"وأمَّا التوحيد الثالث فهو توحيد اختصه الحق لنفسه واستحقه بقدره ... إلى آخر كلامه (^١) وقد تقدَّم حكايته فهؤلاء هم الذين أنكر عليهم أئمة الطريق كالجنيد وغيره، حيث لم يفرِّقوا بين القديم والمحدث، وحقيقة قول هؤلاء: الاتحاد والحلول الخاص من جنس قول النصارى في المسيح، وهو أن يكون الموحِّد هو الموحَّد ولا يوحِّد الله إلا الله، وكل من جعل غير الله - ﷿ - يوحِّد فهو جاحد عندهم ... وحقيقة الأمر: أنَّ كلَّ من تكلَّم بالتوحيد أو تصوره وهو يشهد غير الله فليس بموحِّد عندهم، وإذا غاب وفني عن نفسه بالكلية فتمَّ له مقام توحيد الفناء الذي يجذبه إلى توحيد أرباب الجمع، صار الحق هو الناطق المتكلِّم بالتوحيد، وكان هو الموحِّد، وهو الموحَّد، لا موحَّد غيره.\nوحقيقة هذا القول لا يكون إلا بأن يصير الرَّبُّ والعبد شيئًا واحدًا، وهو الاتحاد فيتحد اللاهوت والناسوت، كما يقول النصارى: إنَّ المتكلِّم بما كان يسمع من المسيح هو الله، وعندهم أنَّ الذين سمعوا منه هم رُسل الله، وهم عندهم أفضل من إبراهيم وموسى - ﵉ -.\nولهذا تكلَّم بلفظ اللاهوت والناسوت طائفة من الشيوخ الذين وقعوا في الاتحاد والحلول مطلقًا ومعيَّنًا، فكانوا ينشدون قصيدة ابن الفارض، ويتحلَّون بما فيها من تحقيق الاتحاد العام، ويرون كلَّ ما في الوجود هو مجلي ومظهر ظهر فيه عين الحق، وإذا رأى أحدهم منظرًا حسنًا أنشد:\nيتجلَّى في كلِّ طرفةِ عينٍ ... بلباسٍ من الجَمَالِ جديدِ\" (^٢)\n_________\n(^١) يقصد الهروي.\n(^٢) منهاج السُّنَّة النبوية ٥/ ٣٧٠، ٣٧٢.","vol":"1","page":339},{"text":"ويقرر ذلك في موضع آخر في شرحه للأبيات التالية:\nأربٌّ، وعبدٌ، ونفي ضدِّ؟ ... قلتُ له: ليس ذاك عندي\nفقال: ما عندكم؟ فقلنا: ... وجودُ فقْدٍ، وفَقْدُ وَجْد\nتوحيدُ حقٍّ بتركِ حقٍّ ... وليس حقٌّ سواىَ وَحْدِي\nويشرح ابن عجيبة الأبيات بقوله: \"ومعناها الإنكار على من أثبت الفرق، بأن جعل للعبودية محلًّا مستقلًّا منفصلًا عن أسرار معاني الربوبية قائمًا بنفسه، ولا شكَّ أنَّ العبودية تضاد أوصاف الربوبية على هذا الفرق، وأنت تقول في توحيد الحق: لا ضدَّ له، فقد نقضت كلامك، ولذلك قال: ونفي ضدِّ؟ فالواو بمعنى مع، وهو داخل في الإنكار، أي أيوجد ربٌّ وعبدٌ مستقلٌّ مع نفي الضدِّ للربوبية، والعبودية تضاد أوصاف الربوبية، والحقُّ أنَّ الحق تعالى تجلَّى بمظاهر الجمع في قوالب الفرق، ظهر بعظمة الرُّبوبيَّة في إظهار قوالب العبودية، فلا شيءَ معه\" (^١).\nوابن عجيبة يغفل توحيد الألوهية، ويظهر ذلك من تقسيماته للتوحيد كما تقدم في مبحث سابق، فتوحيد الأفعال عند المتكلِّمين يقابله توحيد الرُّبوبيَّة عند أهل السُّنَّة والجماعة، وتوحيد الذات والصفات عند المتكلِّمين يقابل توحيد الأسماء والصفات عند أهل السُّنَّة والجماعة (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-102>خامسًا: العبادة</span>\nالعبادة: مصدر عَبَد يعبُدُ عبادةً أي: أطاع، وهذا المصدر مأخوذٌ من مادة (ع ب د) التي تدلُّ على معنيين: الأولُ لينٌ وذلٌّ، والآخر شدَّةٌ وغِلَظٌ، ولا يُقال عَبَدَ\n_________\n(^١) إيقاظ الهمم، ص ٢٠٩.\n(^٢) ينظر: اقتضاء الصراط المستقيم ٢/ ٣٨٦.","vol":"1","page":340},{"text":"يَعْبُدُ عِبَادَةً إلَّا لِمَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ تَعالى، ومنه: تَعَبَّدَ يَتَعَبَّدُ تَعَبُّدًا، فالمُتَعَبِّدُ: المُتَفَرِّدُ بالعِبَادَة، ومنه أيضًا: الطريقُ المُعبَّد وهو المسلوك المذلَّل، وأصلُ العبودية الخضوعُ والذُّل (^١).\nوهذا التعريف اللُّغوي يوافق التعريف الشرعي الذي ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية حيث قال: \"العبادة هي غاية الذُّلِّ مع غاية الحب\" (^٢).\n\"وهي اسمٌ يجمع كمال الحُبِّ لله - ﷿ - ونهايته وكمال الذُّلِّ لله ونهايته، فالحُبُّ الخليُّ عن ذلٍّ والذلُّ الخليُّ عن حُبٍّ لا يكون عبادة، وإنما العبادة ما يجمع كمال الأمرين\" (^٣).\nوأخذ ذلك تلميذه ابن القيم وعرَّفها في منظومته النونية بقوله:\nوعبادةُ الرحمنِ غايةُ حُبِّهِ ... مع ذُلِّ عابده هما قطبان\nوعليهما فلك العبادة دائرٌ ... ما دار حتى قامت القطبان\nومدارُه بالأمرِ أمر رسولِهِ ... لا بالهوى والنَّفسِ والشيطانِ (^٤)\n\nوعرَّفها ابن عجيبة بقوله: \"هي غايةُ الخضوع والتذلُّل، ومنه طريقٌ مُعَبَّد أي: مُذلَّل\" (^٥).\nوقد وافق ابنُ عجيبة أهلَ السُّنَّة والجماعة في التعريف ظاهرًا، أمَّا في التطبيق فخالف الصواب ولم يعتنِ بشروطها من الإخلاص والمتابعة، وأورد تقسيمات مبتدعة لا أصل لها في الشرع كما يظهر في النماذج التي ذكرها وهي:\n_________\n(^١) ينظر: مقاييس اللغة، ٤/ ٢٠٥ - ٢٠٦، والصحاح ٢/ ٥٠٢.\n(^٢) شرح الرسالة التدمرية، ص ٤١٦.\n(^٣) مجموع الفتاوى ١٠/ ١٤٩.\n(^٤) الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية ١/ ١٧٩، رقم ٥١٤.\n(^٥) البحر المديد ١/ ٣٤.","vol":"1","page":341},{"text":"نماذج من العبادات عند ابن عجيبة:\n١ - (الإخلاص)\nتعريف الإخلاص لغةً وشرعًا:\nتعريف الإخلاص لغة: قال ابن فارس: \"الخاء واللام والصاد أصلٌ واحدٌ مطرد، وهو تنقيةُ الشَّيءِ وتهذيبه، يقولون: خلَّصه من كذا وخلص هو، وخلاصة السَّمن: ما ألقي فيه من تمرٍ أو سويقٍ ليخلص به\" (^١).\nوقال ابن منظور (^٢): \" ... وأخلصه وخلَّصه، وأخلص لله دينه: أمحضه، وأخلص الشيء: اختاره، والإخلاص في الطاعة ترك الرياء ... \" (^٣).\nتعريف الإخلاص في الشرع:\nقال ابن أبي العز: \"والإخلاص: خلوُّ القلبِ من تألُّه ما سوى الله تعالى وإرادته ومحبته فخلص لله فلم يتمكَّن منه الشيطان\" (^٤).\nوقال الشوكاني: \"الإخلاص: أن يقصد العبد بعمله وجه الله سبحانه\" (^٥).\nالإخلاص وأنواعه عند ابن عجيبة.\nعرَّفه ابن عجيبة بقوله: \"هو إخراج الخلق من معاملة الحق ومن جملة النَّفس، فلا يُطلب لها عوضًا ولا جزاء\" (^٦).\n_________\n(^١) مقاييس اللغة، ص ٣٢٧.\n(^٢) أبو الفضل، محمد بن مكرم بن علي، جمال الدين ابن منظور الأنصاري الرويفعي الإفريقي، من نسل رويفع بن ثابت الأنصاري، ولد بمصر عام ٦٣٠ هـ، له مصنفات عديدة: منها لسان العرب، سرور النفس بمدارك الحواس الخمس، فصل الخطاب في مدارك الحواس الخمس، كانت وفاته عام ٧١١ هـ. ينظر: الأعلام ٧/ ١٠٨.\n(^٣) لسان العرب ١/ ٨٧٧ - ٨٧٨.\n(^٤) شرح العقيدة الطحاوية ٢/ ٦٤٦.\n(^٥) فتح القدير ٤/ ٤٤٨.\n(^٦) مخطوط حاشية ابن عجيبة على الجامع الصغير ل/١٢.","vol":"1","page":342},{"text":"ويقول شارحًا لتعريفه: \"كيف تطلب العوض عن عمل لست له فاعلًا\" (^١).\nوكيفية تحقيق الإخلاص يكون بتخريب الظاهر، وهو بذلك يدعو لطريقة الملامتية (^٢).\nقال: \"الإخلاص لا يتحقَّق ذوقًا إلا بإظهار ما ينافيه من الأغاليط، ومرجعها إلى تخريب الظاهر، إذ بقدر ما يخرب الظاهر يعمر الباطن، وبقدر ما يعمر الظاهر يخرب الباطن\" (^٣).\nوقال في تفسيره لقول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ (^٤): والعمل الصالح هو الذي يصحبه الإخلاص في أوله، والإتقان في وسطه، والغيبة عنه في آخرة\" (^٥).\nوذكر حكاية على ذلك:\nفقال: \"حُكي عن بعض الفضلاء أنه كان في بعض الأيام قاعدًا على الدرس، وإذا به قد أراد أن يُحوِّل ثوبه، وأومأ إليه وتحرَّك، ثم رجع عنه وجعل يستغفر الله\n_________\n(^١) مخطوط حاشية ابن عجيبة على الجامع الصغير ل/١٢.\nوهذا القول مبنيٌّ على أنَّ الإنسان لا يُعدَّ فاعلًا بناءً على كسب الأشاعرة، وسيأتي الحديث عنها في القضاء والقدر.\n(^٢) الملامتية: قومٌ من الصوفية سموا أنفسهم الملامتية، من الملامة؛ لأنهم يشتغلون بملامة أنفسهم ويهملون الشريعة والأخلاق، وقد اضمحلَّت كطريقة مستقلة، لكنها استمرت تظهر في سلوك كثيرٍ من الأولياء في كلِّ الطرق، اقتحموا الذنوب وقالوا: مقصودنا أن نسقط عن أعين الناس فنسلم من الجاه\"، قال ابن الجوزي معلِّقًا على هذا الزعم الباطل: \"وهؤلاء قد أسقطوا جاههم عند الله لمخالفة الشرع\". ينظر: الكشف عن حقيقة الصوفية لأول مرة، ص ٣٣٦، تلبيس إبليس، ص ٣٣.\n(^٣) شرح قصيدة يا من تعاظم، ضمن سلسلات نورانية فريدة، ص ٢٦.\n(^٤) سورة الكهف: ١١٠\n(^٥) شرح الفتوحات القدوسية في شرح المقدمة الآجرومية، ص ٢٢٩.","vol":"1","page":343},{"text":"تعالى، فسئُل عن ذلك فقال: قد كانت مني التفاته إلى ثوبي فوجدتني قد لبسته مقلوبًا فعزمت على تعديله ثم فكَّرت أنِّي قد لبسته حين قمت من الفراش بنيَّة ستر العورة، فاستغفرت الله تعالى مما أردت فعله، وعلَّق ابن عجيبة على هذه الحكاية بقوله: إنما استغفر لأنَّه قد تكون لم تحصل له النية بحضرة من كان معه في الوقت (^١)، أو خاف أن يشوبه بشيءٍ ما لأجل حضورهم، وهذه الطائفة تأخذ بالحزم ومهما وقع لهم بشيءٍ مما يكدر نيتهم تركوا ذلك البتَّه\" (^٢).\nوهذا نقل عن مجهول فكيف يقبل هذا؟ ولكنَّه سمةٌ من سمات منهجة في جعل الحكايات من مصادره كما مرَّ معنا أثناء الحديث عن مصادر التلقِّي.\nأنواع الإخلاص:\nالإخلاص على ثلاث درجات: درجة العوام، والخواص، وخواص الخواص، فإخلاص العوام هو: إخراج الخلق من معاملة الحق، مع طلب الحظوظ الدنيوية والأخروية، كحفظ البدن والمال وسعة الرزق والقصور والحور، وإخلاص الخواص: طلب الحظوظ الأخروية دون الدنيوية، وإخلاص خواص الخواص، إخراج الحظوظ بالكليَّة فعبادتهم تحقيق العبودية، والقيام بوظائف الربوبية، أو محبة وشوقًا إلى رؤيته\" (^٣).\n_________\n(^١) قال القشيري: يريدون بالوقت ما يصادفهم من تصريف الحق لهم، دون ما يختارونه لأنفسهم، ويقولون فلان بحكم الوقت، أي: أنه مستسلم لما يبدو له من الغيب من غير اختيار له، وقال ابن عجيبة: الوقت: قد يطلقونه على ما يكون العبد عليه في الحال من قبض وبسط، أو حزن أو سرور. (وهم يقصدون بذلك الجبر)، ينظر: الرسالة القشيرية ص ١٣١، ومعراج التشوف ص ٤٣، وسيأتي بحثها، في مسألة القدر إن شاء الله.\n(^٢) تسهيل المدخل لتنمية الأعمال بالنية الصالحة عند الإقبال، د عبد المجيد المرزوقي، ص ٣٩.\n(^٣) إيقاظ الهمم، ص ٥٠.","vol":"1","page":344},{"text":"بل لا يتحقق الإخلاص حتى تسقط المنزلة عند الناس كما زعم بقوله: \"وقال بعض العارفين: لا يتحقق الإخلاص حتى يسقط من عين الناس، ويسقط الناس من عينه، ولذلك قال آخر: كُلَّما سقطت من عين الخلق عظمت في عين الحق، وكُلَّما عظمت في عين الخلق سقطت من عين الحق، يعني ملاحظتهم ومراقبتهم، وسمعت شيخنا يقول: ما دام العبدُ يراقب الناس ويهابهم لا يتحقق إخلاصه أبدًا\" (^١).\nوتعليق ابن عجيبة على أنه لا ينتقل من عمل هو فيه إلى عمل آخر بحجة الوقت، هو تجريد الإنسان من الإرادة الموافقة للشرع، وهذا من الباطل الذي لا يقره من معه مسكة عقل.\nقال ابن تيمية: \"وأمَّا خلو الإنسان عن الإرادة مطلقًا فممتنع؛ فإنه مفطورٌ على إرادة ما لا بدَّ له منه، وعلى كراهة ما يضره ويؤذيه، والزاهد الناسك إذا كان مسلمًا فلا بدَّ أن يريد أشياء يحبها الله - ﷿ - مثل أداء الفرائض وترك المحارم، بل وكذلك عموم المؤمنين لا بدَّ أن يريد أحدهم أشياء يحبها الله، وإلا فمن لم يحب الله ولا أحب شيئًا لله، فلم يحبّ شيئًا من الطاعات، لا الشهادتين ولا غيرهما، ولا يريد ذلك فإنه لا يكون مؤمنًا، فلا بدَّ لكلِّ مؤمن من أن تكون له إرادة لبعض ما يحبه الله ... وأمَّا الخلو عن الإرادتين المحمودة والمذمومة فيقع على وجهين:\n(أحدهما) مع إعراض العبد عن عبادة الله تعالى وطاعته وإن علم بها فإنه قد يعلم كثيرًا من الأمور أنه مأمور بها وهو لا يريدها ولا يكره من غيره فعلها وإذا اقتتل المسلمون والكفَّار لم يكن مريدًا لانتصار هؤلاء الذي يحبه الله ولا لانتصار هؤلاء الذي يبغضه الله.\n_________\n(^١) إيقاظ الهمم، ص ٥٠.","vol":"1","page":345},{"text":"و(الوجه الثاني) يقع من كثير من الزُّهَّاد العُبَّاد الممتثلين لما يعلمون أنَّ الله أمر به المجتنبين لما يعلمون أنَّ الله نهى عنه، وأمور أخرى لا يعلمون أنها مأمور بها ولا منهي عنها، فلا يريدونها ولا يكرهونها لعدم العلم، وقد يرضونها من جهة كونها مخلوقة مقدَّرة، وقد يعاونون عليها، ويرون هذا موافقة لله وأنهم لما خلوا عن هوى النفس كانوا مأمورين بالرِّضا بكلِّ حادث، بل والمعاونة عليه. وهذا موضعٌ يقع فيه الغلط فإنَّ ما أحبه الله ورسوله علينا أن نحب ما أحبه الله ورسوله وما أبغضه الله ورسوله فعلينا أن نبغض ما أبغضه الله ورسوله.\nوأمَّا ما لا يحبه الله ورسوله ولا يبغضه الله ورسوله كالأفعال التي لا تكليف فيها مثل أفعال النائم والمجنون، فهذا إذا كان الله لا يحبها ويرضاها ولا يكرهها ويذمها فالمؤمن أيضًا لا ينبغي أن يحبها ويرضاها ولا يكرهها.\nوأما كونها مقدورة ومخلوقة لله فذاك لا يختص بها بل هو شامل لجميع المخلوقات، والله تعالى خلق ما خلقه لما شاء من حكمته ... وقول من قال: إنَّ العبد يكون مع الله كالميت مع الغاسل لا يصح ولا يسوغ على الإطلاق عن أحد من المسلمين، وإنما يقال ذلك في بعض المواضع، ومع هذا فإنما ذلك لخفاء أمر الله عليه، وإلا فإذا علم ما أمر الله به وأحبَّه، فلا بدَّ أن يحب ما أحبَّه الله، ويبغض ما أبغضه الله\" (^١).\nوتجريد الإنسان من الإرادة وقع فيه الكثير من الصوفية، قال ابن تيمية: \"وهذا الموضع يلتبس على كثير من السالكين، فيظنون أنَّ الطريقة الكاملة ألا يكون للعبد إرادة أصلًا، وأن قول أبي يزيد (^٢): \"أريد ألا أريد\" -لمَّا قيل له: ماذا تريد؟ - نقصٌ\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ١٠/ ٤٨١ - ٤٨٥.\n(^٢) أبو يزيد، طيفور بن عيسى البسطامي، نسبة إلى بسطام، بلدة بين خراسان والعراق، يقول بوحدة الوجود، والفناء الصوفي، ويعرف أتباعه بالطيفورية أو البسطامية، مات سنة ٢٦١ هـ. ينظر: ميزان الاعتدال ٢/ ٣٤٦ - ٣٤٧.","vol":"1","page":346},{"text":"وتناقض؛ لأنَّه قد أراد، ويحملون كلام المشايخ الذين يمدحون بترك الإرادة على ترك الإرادة مطلقًا، وهذا غلطٌ منهم على الشيوخ المستقيمين، وإن كان من الشيوخ من يأمر بترك الإرادة مطلقًا فإنَّ هذا غلطٌ ممن قاله فإن ذلك ليس بمقدور ولا مأمور.\nفإنَّ الحيَّ لا بدَّ له من إرادة، فلا يمكن حيًّا ألا تكون له إرادة، فإنَّ الإرادة التي يحبها الله ورسوله ويأمر بها أمر إيجاب أو أمر استحباب لا يدعها إلا كافر أو فاسق أو عاص إن كانت واجبة، وإن كانت مستحبة كان تاركها تاركًا لما هو خير له\" (^١).\nومما لا شكَّ فيه أنَّ مبنى الأعمال على الإخلاص (^٢) هو أصلٌ لكلِّ خير، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"إنَّ الشيطان جعل لكلِّ شيءٍ من الخلق نظيرًا في الباطل، فإنَّ أصل الشرِّ هو الإشراك بالله كما أنَّ أصل الخير هو الإخلاص لله؛ فإن الله سبحانه خلق الخلق ليعبدوه وحده لا يشركوا به شيئًا وبذلك أرسل الرُّسُل، وبه أنزل الكتب كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ (^٣)، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ (^٤).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ١٠/ ٤٩٤ - ٤٩٥، وهذه المسألة تدخل في مسائل القدر، وأوردتها هنا لبيان ما عناه ابن عجيبة من كلمته الموهمة (الوقت)، وإلا سيتم تضمينها مع مسائل أخرى في مبحث القدر.\n(^٢) ينظر، تحفة الأحوذي ٥/ ٢٢٦.\n(^٣) سورة الأنبياء: ٢٥.\n(^٤) سورة النحل: ٣٦.","vol":"1","page":347},{"text":"أمَّا إسقاط المنزلة بين الناس لأجل التواضع والإخلاص فمقلوبة على ابن عجيبة بكلام أهل التحقيق من العلماء.\nيقول ابن رجب - ﵀ -: \"والإنسان قد يذم نفسه بين الناس يريد بذلك أن يُرى أنه متواضع عند نفسه، فيرتفع بذلك عندهم ويمدحونه به، وهذا من دقائق أبواب الرياء ... قال مطرّف بن عبد الله الشخِّير (^١): كفى بالنَّفس إطراءً أن تذمَّها على الملأ، كأنَّك تريد بذمِّها زينتها، وذلك عند الله سفه\" (^٢).\nوما سلكه ابن عجيبة من تخريب الظاهر ليحقق الإخلاص لا يوجد له أصلٌ في الكتاب والسُّنَّة ولا من أقوال سلف الأُمَّة، بل ناشئٌ من الجهل بأمرين: جهل بحقيقة الدين، وجهل بحقيقة النعيم الذي هو غاية مطلوب النفوس وكمالها، وبه زينتها وجمالها.\nوتخريب الظاهر منهيٌّ عنه في الكتاب والسُّنَّة، قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ (^٣)، (^٤).\nقال المناوي (^٥): \" ... وقد أمر الشارع بالتوسُّط بين التفريط والإفراط حتى في\n_________\n(^١) هو أبو عبد الله، مطرف بن عبد الله بن الشِّخِّير، العامري الحرشي، البصرى، ثقة، عابد، فاضل، نجا من فتنة ابن الأشعث، مات سنة ٩٥ هـ. ينظر: الجرح والتعديل ٨/ ١٤٤١، تهذيب الكمال ٢٨، ٦٧، معاني الأخيار ممن شرح أسماء رجال معاني الآثار ٣/ ٤٨، المعجم الصغير لرواة الإمام ابن جرير ٢/ ٥٦٠.\n(^٢) مجموع رسائل ابن رجب ١/ ٨٨، وينظر لهذا الأثر: تاريخ دمشق ٥٨/ ٣٠١.\n(^٣) سورة الأعراف: ٣٢.\n(^٤) ينظر: الروح، ص ٥١٤.\n(^٥) هو محمد عبد الرؤوف بن تاج العارفين بن علي بن زين العابدين الحدادي، ثم المناوي، ولد سنة ٩٥٢ هـ، وتوفي سنة ١٠٣١ هـ، من مصنفاته، فيض القدير، شرح المسائل للترمذي، ينظر: الأعلام ٦/ ٢٠٤، معجم المؤلفين ٥/ ٢٢٠.","vol":"1","page":348},{"text":"العبادة، وفيه ردٌّ على من تحرَّى من الصوفية لبس الصوف دائمًا ومنع نفسه من غيره وألزمها زيًّا واحدًا وعمد إلى رسوم وأوضاع وهيئات، ويرى الخروج عنها منكرًا، وقد كان المصطفى - ﷺ - يلبس ما وجد، فلبس الكِتَّان والصوف والقطن، وما الهدي إلا هديه، وما الأفضل إلا ما سنَّه، وهو لبس ما تيسَّر من الوسط المعتدل صوفًا تارةً وقطنًا طورًا وكتانًا أخرى ... \" (^١).\nولقد سمّى ابن تيمية هؤلاء بالملامية \"الذين كانوا يخفون حسناتهم ويظهرون ما لا يظن بصاحبه الصلاح من زي الأغنياء ولبس العمامة فهذا قريب، وصاحبه مأجور على نيته؛ ثم حدث قوم فدخلوا في أمور مكروهة في الشريعة، ثم زاد الأمر ففعل قومٌ المحرمات من الفواحش والمنكرات وترك الفرائض والواجبات، وزعموا أنَّ ذلك دخول منهم في (الملاميات)، ولقد صدقوا في استحقاقهم اللوم والذم والعقاب من الله في الدنيا والآخرة، وتجب عقوبتهم جميعهم ومنعهم من هذا الشعار الملعون كما يجب ذلك في كل معلن ببدعة أو فجور\" (^٢).\nبل نجد ابن تيمية مع رده للمعنى الباطل للملامية يردهم للمعنى الصحيح الوارد في الشرع، وبهذا يحصل الفرق بين (الملامية) الذين يفعلون ما يحبه الله ورسوله ولا يخافون لومة لائم في ذلك وبين (الملامية) الذين يفعلون ما يبغضه الله ورسوله ويصبرون على الملام في ذلك\" (^٣).\nوأمَّا تقسيم الإخلاص إلى درجات فلم يرد لا في كتاب الله - ﷿ - ولا في سُنَّته، ولم يقل به أحدٌ من العلماء المشهود لهم باستنادهم على الكتاب والسُّنَّة وفق\n_________\n(^١) فيض القدير ١/ ١٨٩.\n(^٢) مجموع الفتاوى ٣٥/ ١٦٤.\n(^٣) المرجع نفسه ١٠/ ٦١.","vol":"1","page":349},{"text":"فهم سلف الأُمَّة، ورحم الله القرافي (^١) إذ قال: \"وأصل كلِّ فسادٍ في الدنيا والآخرة إنما هو الجهل فاجتهد في إزالته عنك ما استطعت، كما أنَّ أصل كلِّ خير في الدنيا والآخرة إنما هو العلم فاجتهد في تحصيله ما استطعت، والله تعالى هو المعين على الخير كله\" (^٢)، والعلم الصحيح هو المستند على الكتاب والسُّنَّة وفق فهم الصحابة والتابعين - ﵃ -، ولو اتبع ابن عجيبة هديهم لما آل به هذا الحال، وقوله في موضع آخر يبيِّن أنَّ الأعمال والطاعات ليست من إرادة العبد، بل يقرر عقيدة الجبر، وليس للعبد أي تدبير، قال: \"أن لا يرى لنفسه حولًا ولا قوةً لا في عمل ولا في حال ولا في مجاهدة ولا مكابدة بل ما يبرز منها الأعمال أو من الأحوال رآه منَّة من الله وهدية إليه\" (^٣).\nوهذا من مغالطات المتصوفة الذين ردَّ عليهم ابن تيمية بقوله: \"وقد يغلطون أيضًا في ظنِّهم أنهم يعبدون الله بلا حظٍّ ولا إرادة، وأنَّ كلَّ ما يطلب منه فهو حظُّ النفس، وتوهموا أنَّ البشر يعمل بلا إرادة ولا مطلوب ولا محبوب، وهو سوء معرفة بحقيقة الإيمان والدين والآخرة\" (^٤).\n_________\n(^١) هو: شهاب الدين أحمد بن إدريس المشهور بالقرافي شهاب الدين الصنهاجي، انتهت إليه رئاسة الفقه على مذهب مالك - ﵀ - ولد سنة ٦٢٦ هـ، ومن شيوخه: عز الدين عبد السلام الشافعي، محمد بن إبراهيم بن عبد الواح المقدسي، محمد بن عمران الشهير بالشريف الكوكي، وله عدة مصنفات منها: الفروق، الذخيرة، الاستبصار فيما يدرك بالأبصار، توفي سنة ٦٨٢ هـ. ينظر: الوافي بالوفيات ٦/ ٢٣٣ - ٢٣٤.\n(^٢) الفروق ٤/ ٢٦٥.\n(^٣) إيقاظ الهمم، ص ٤٣٤.\n(^٤) مجموع الفتاوى ١٠/ ٦٩٩.","vol":"1","page":350},{"text":"٢ - الدعاء\nتعريف الدعاء لغةً:\nالدعاء مصدر الفعل دعا، قال ابن منظور: \"دعا الرَّجُلُ دعوًا ودعاءً: ناداه، والاسم الدعوة، ودعوت فلانًا: أصحْتُ به واستدعيته\" (^١)، و\"دَعاهُ دُعاءً ودعوى، حكاه سيبويه (^٢) في المصادر التي آخرها ألف التأنيث\" (^٣)، \"والدعاء واحدُ الأدعية، وأصله دعاو؛ لأنه من دعوت، إلا أنَّ الواو لمَّا جاءت بعد الألف هُمِزَت\" (^٤).\nتعريف الدعاء في الشرع:\nقال ابن القيم: \"هو طلب ما ينفع الداعي، وطلب كشف ما يضرُّه أو دفعه\" (^٥).\nوقال الخطابي (^٦): \"ومعنى الدُّعاء: استدعاء العبد ربَّه - ﷿ - العناية، واستمداده إيَّاه المعونة، وحقيقته: إظهار الافتقار إليه، والتبرؤ من الحول والقوَّة، وهو\n_________\n(^١) لسان العرب ١٤/ ٢٥٨.\n(^٢) هو أبو بشر، عمرو بن عثمان بن قنبر، الفارسي المعروف بسيبويه، إمام أهل النحو وحجة العربية، طلب الفقه والحديث مدة، ثم أقبل على العربية، فبرع وساد أهل العصر، وسُمِّي سيبويه؛ لأنَّ وجنتيه كانتا كالتفاحة كما قال إبراهيم الحربي، توفي سنة ١٨٠ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء ٨/ ٣١١ - ٣١٢، تاريخ بغداد ١٢/ ١٩٥، وفيات الأعيان ١/ ٤٨٧ - ٤٨٨.\n(^٣) لسان العرب ١٤/ ٢٥٧.\n(^٤) المرجع نفسه ١٤/ ٢٥٧.\n(^٥) بدائع الفوائد ٣/ ٢.\n(^٦) هو أبو سليمان، حمد بن محمد بن إبراهيم بن الخطاب البستي، ولد سنة بضع عشرة وثلاث مئة، سمع من أبي علي الصفَّار، وأبي جعفر الرزاز، وغيرهما، وروى عنه الحاكم أبو عبد الله ابن الربيع النيسابوري، وعبد الغفار بن محمد الفارسي، له تصانيف عدة منها: غريب الحديث، معالم السنن في شرح سنن أبي داود، أعلام السنن في شرح البخاري، شأن الدعاء، كانت وفاته ببست في شهر ربيع الآخر سنة ٣٨٨ هـ. ينظر: وفيات الأعيان ٢/ ٢١٤.","vol":"1","page":351},{"text":"سمة العبودية، واستشعار الذلَّة البشرية، وفيه معنى الثناء على الله - ﷿ - وإضافة الجود والكرم إليه\" (^١).\nولأهمية الدعاء اهتمَّ العلماء المحققون ببيانه، خوفًا من أن يقع العبد في الشرك، قال ابن تيمية: \"وجماع الأمر: أنَّ الشرك نوعان: شرك في ربوبيته ... وشرك في الألوهية: بأن يدعو غيره دعاء عباده، أو دعاء مسألة\" (^٢).\nوقال الصنعاني: \"فإفرادُ الله تعالى بتوحيد العبادة لا يتِمُّ إلَاّ بأن يكونَ الدعاءُ كلُّه له، والنداءُ في الشدائد والرَّخاء لا يكون إلَاّ لله وحده ... \" (^٣).\nوقال الإمام محمد بن عبد الوهاب: \"وأعظم نهي نهى الله عنه الشرك به، وهو أن يدعو مع الله غيره، أو يقصد بغير ذلك من أنواع العبادة\" (^٤).\nمسألة وجوب ترك الدعاء:\nيرى ابن عجيبة أنَّ ترك الدعاء سعادة عظمى وولاية كبرى.\nقال: \"العبد إذا تعمَّر قلبه بالله استغنى به حتى عن طلبه، وربما دلهم الأدب على ترك الطلب، وهذه هي السَّعادة العظمى والولاية الكبرى\" (^٥).\nوقال أيضًا: \"وقال بعضهم: ما سألت الله تعالى بلساني شيئًا منذ خمسين سنة، ولا أريد أن أدعو، ولا أن يُدعى لي، ويذكر ابن عجيبة سبب هذا القول مؤيدًا له فيقول: \"وذلك لأن الله - ﷿ - ليس بغافل حتى يذكر، بل هو عليمٌ بخفيَّات\n_________\n(^١) شأن الدعاء، ص ٤.\n(^٢) اقتضاء الصراط المستقيم، ص ٣٥٧.\n(^٣) تطهير الاعتقاد، ص ١٦.\n(^٤) مؤلفات الشيخ، القسم المختص بالعقيدة، ص ٣٨١.\n(^٥) إيقاظ الهمم، ص ٥٠٦.","vol":"1","page":352},{"text":"أمورك، فيأتيك ما قسم لك ... ولا يحتاج إلى تنبيه؛ لأنه لا يهملك فيما هو من قسمتك\" (^١).\nوقال في موضع آخر: \" ... أمَّا طلبك منه فلوجود تهمتك له؛ لأنك إنما طلبته مخافة أن يهملك أو يغفل عنك، فإنما ينبه من يجوز عنه الإغفاء، وإنما يذكر من يمكن منه الإهمال ... فالسكوت تحت مجاري الأقدار أفضل عند العارفين من التضرع والابتهال\" (^٢).\nثم يذكر خلاف الصوفية في هذه المسألة ويرجِّح ترك الدعاء قال: \"اختلف الصوفية أيُّ الحالين أفضل؟ هل الدعاء والابتهال، أو السكوت والرضاء؟ والمختار: أن ينظر العبد ما يتجلَّى فيه قلبه، فإن انشرح للدعاء فهو في حقِّه أفضل، وإن انقبض عنه فالسُّكوت أولى، والغالب على أهل التحقيق من العارفين الغنى بالله، والاكتفاء بعلمه، كحال الخليل - ﵇ -، فإنهم إبراهيميون\" (^٣).\nوابن عجيبة يذكر بأنَّ طلب الدعاء يكون لأهل البدايات واجب، قال: \"إنَّ الطلب كله معلول عند ذوي الألباب ... وهذا مقام أهل النهايات، وأمَّا أهل البدايات فيرخَّص لهم في طلب الحاجات، وفي كثرة الدعاء والتضرُّعات، فالدعاء في حقِّهم واجبٌ أو مندوب، وفيهم ورد الترغيب في الدعاء، والإلحاح فيه\" (^٤).\nوبالنَّظر فيما ذكر في تلك المسائل التي يرى فيها أنَّ الدعاء لا يجلب به منفعة، ولا يدفع به مضرَّة، وإنما هو عبادة محضة تعبديَّة غير معقولة المعنى كبعض\n_________\n(^١) إيقاظ الهمم، ص ٣١١.\n(^٢) المرجع نفسه، ص ٨٤.\n(^٣) البحر المديد ٥/ ١٤٦، ١/ ١٨١.\n(^٤) إيقاظ الهمم، ص ٣٠٢.","vol":"1","page":353},{"text":"أعمال العبادات الأخرى، مثل رمي الجمار وغيره (^١)، وهؤلاء يرون أنه لا أثر للدعاء في حصول المطلوب، وعندما يدعون الله - ﷿ - فهم يريدون تزيين الجوارح الظاهرة بالدعاء؛ لأنَّ الدعاء ضربٌ من الخدمة، يريد أن يزين جوارحه بالخدمة، ومنهم يدعوا ائتمارًا بالدعاء لما أمره الله تعالى، وهؤلاء على ضربين:\nمنهم من يجعل الدعاء من حظ العامة (^٢)، ومنهم من يجعله للمبتدئين في الطريق، وأمَّا مقامات الخواص ترك الدعاء نظرًا للقدر (^٣).\nوطائفة من المتفلسفة وغالية المتصوفة الذين تركوا الدعاء بزعمهم أنَّه لا فائدة فيه؛ لأنَّ المسؤول إن كان قد قدَّر ناله ولا بدَّ وإن لم يقدر لم ينله فأي فائدة في الاشتغال بالدعاء (^٤)، يعني أنَّ المشيئة الإلهية إذا اقتضت وجود ذلك المطلوب فسوف يحصل لا محالة سواءً دعا الله أم لم يدع، وإن لم تقتضيه فلا يمكن أن يحصل سواء دعا أم لا، وهذه من أفسد الأقوال شرعًا وعقلًا (^٥).\nقال الله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ (^٦)، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ (^٧).\n_________\n(^١) ينظر: جامع المسائل ١/ ٨٧.\n(^٢) قال القشيري في رسالته: \"دعاء العامة بالأقوال، ودعاء الزُّهَّاد بالأفعال، ودعاء العارفين بالأحوال ... وقيل: ألسِنة المبتدئين منطلقة بالدعاء وألسِنة المتحققين خرصت عن ذلك\" ٢/ ٥٤٥.\n(^٣) ينظر: اللمع، للطوسي، ص ٣٣٣، ومدارج السالكين ٢/ ١١٨، والفتاوى ١٠/ ٣٥، ٨/ ٢٨٤، وبدائع الفوائد ٢/ ٢٤٠.\n(^٤) زاد المعاد في هدي خير العباد ٣/ ٤٢٠.\n(^٥) ينظر: التحفة العراقية في الأعمال القلبية، ص ١٨٨، والجواب الكافي ١/ ١٥.\n(^٦) سورة غافر: ٢٤.\n(^٧) سورة فاطر: ١٥.","vol":"1","page":354},{"text":"قال ابن تيمية: \"والعبد هو فقيرٌ دائمًا إلى الله من كلِّ وجه، من جهة أنه معبوده، وأنه مستعانه، فلا يأتي بالنعم إلا هو، ولا يصلح حال العبد إلا بعبادته.\nوهو مذنب أيضًا لا بدَّ له من الذنوب فهو دائمًا فقير مذنب، فيحتاج دائمًا إلى الغفور الرحيم، الغفور الذي يغفر ذنوبه، والرحيم الذي يرحمه فينعم عليه ويحسن إليه، فهو دائمًا بين إنعام الرَّبِّ وذنوب نفسه\" (^١)، ويدلُّ على ذلك المعنى الشرعي للدعاء وهو: الافتقار إلى الله - ﷾ -.\nقال الخطابي: \"ومعنى الدعاء: استدعاء العبد ربه - ﷿ - العناية، واستمداده إيَّاه المعونة، وحقيقته إظهار الافتقار إليه، والتبرؤ من الحول والقوة\" (^٢).\nفكيف يترك الدعاء!! وقد قال الرسول - ﷺ - في الحديث القدسي: «قول الله تعالى: أنا عند ظنِّ عبدي بي وأنا معه إذا دعاني» (^٣).\nوهذا الحديث صريح الدلالة على صفة المعية لله - ﷾ -، والله - ﷿ - قريبٌ من عباده إذا دعوه، قال الشوكاني: \"أعظم أنواع قرب العبد من الرَّبِّ ما صرَّح به في الكتاب العزيز بقوله: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ (^٤)، (^٥).\nقال ابن كثير: \"إنَّ الله لا يخيب دعاء داع، ولا يشغله عنه شيء، بل هو سميع الدعاء، وفيه ترغيبٌ في الدعاء، وأنه لا يضيع لديه\" (^٦).\n_________\n(^١) جامع الرسائل والمسائل ١/ ١١٦.\n(^٢) شأن الدعاء، ص ٤.\n(^٣) أخرجه البخاري، كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ ٤/ ٣٨٤، رقم ٧٤٠٥.\n(^٤) سورة البقرة: ١٨٦.\n(^٥) قطر الولي، ص ٣٩٩.\n(^٦) تفسير القرآن العظيم ١/ ٥٠٦","vol":"1","page":355},{"text":"وقال ابن تيمية: \"وهذا القرب من الداعي هو قربٌ خاصٌّ ليس قربًا عامًّا من كلِّ أحد، فهو قريبٌ من داعيه، وقريبٌ من عابديه، وأقرب ما يكون العبد من ربِّه وهو ساجد\" (^١).\nوالقول بأنَّ الدعاء يخضع لحالة الفرد وما تنشرح له النَّفس بعيدٌ جدًّا؛ لأنَّ حكمه باعتبار ذاته.\nقال القرافي: \"اعلم أنَّ الدعاء الذي هو الطلب من الله تعالى له حكم باعتبار ذاته من حيث هو طلب من الله تعالى، وهو الندب؛ لاشتمال ذاته على خضوع العبد لرَبِّه، وإظهار ذلَّته وافتقاره إلى مولاه، فهذا ونحوه مأمور به، وقد يعرض له من متعلَّقاته ما يوجبه، أو يحرمه، والتحريم قد ينتهي إلى الكفر، وقد لا ينتهي\" (^٢).\nوقال ابن القيم: \"وحصول الإجابة عقيب السؤال على الوجه المطلوب دليلٌ على علم الرَّبِّ تعالى بالجزئيات وعلى سمعه لسؤال عبيده وعلى قدرته على قضاء حوائجهم وعلى رأفته بهم\" (^٣).\nوقال ابن تيمية: \"والقاعدة الكلية في شرعنا: أنَّ الدعاء إن كان واجبًا أو مستحبًّا فهو حسنٌ يُثاب عليه الداعي، وإن كان محرَّمًا كالعدوان في الدعاء فهو ذنبٌ ومعصية، وإن كان مكروهًا فهو ينتقص مرتبة صاحبه، وإن كان مباحًا مستوي الطرفين فلا له ولا عليه\" (^٤).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ١٥/ ١٧.\n(^٢) الفروق ٤/ ٢٥٩ - ٢٦٠.\n(^٣) جلاء الأفهام، ص ٢٧٠.\n(^٤) مجموع الفتاوى ٨/ ٣٣٦.","vol":"1","page":356},{"text":"ما اعتمد عليه ابن عجيبة في قوله بوجوب ترك الدعاء:\nاعتمد فيما ذهب إليه على شبهات واهية ومنها:\nالشبهة الأولى: احتجاجه بالمشيئة الإلهية\nقال ابن عجيبة: \"قد قضى الحقُّ -ﷻ- ما كان وما يكون في سابق علمه، فما من نَفَسٍ تُبديه إلَاّ وله قَدَرٌ فيك يُمضيه، فالواجب على العبد أن يكون ابن وقته، إذا أصبح نظر ما يفعل الله به، فأسرار القدر قد استأثر الله بعلمها\" (^١).\nوليس فيما يقوله ابن عجيبة من تعلُّقه بأنَّ القدر سرٌّ قد استأثر الله بعلمه ما يقوِّي كون العبد لا يدع الله - ﷿ - ويكون ابن وقته، بل هو ردٌّ للشرائع.\nقال ابن الجوزي عن هذه الشبهة: \"ردٌّ لجميع الشرائع وإبطال لجميع أحكام الكتب وتبكيت للأنبياء كلهم فيما جاءوا به؛ لأنه إذا قال في القرآن: ﴿وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ (^٢) قال القائل: لماذا إن كنتُ سعيدًا فمصيري إلى السعادة وإن كنت شقيًّا فمصيري إلى الشقاوة فما تنفعني إقامة الصلاة؟ .... وما يفضي إلى ردِّ الكتب وتجهيل الرُّسُل محالٌ باطل\" (^٣).\nوالدعاء من الأسباب التي أُمرنا بها لكشف الضرِّ وغيره، قال تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ (^٤).\nقال ابن القيم: \"ولو تتبَّعنا ما يفيد إثبات الأسباب من القرآن والسُّنَّة لزاد\n_________\n(^١) البحر المديد ٣/ ١٨٤.\n(^٢) سورة الأنعام: ٧٢.\n(^٣) تلبيس إبليس، ٣٦٥.\n(^٤) سورة النمل: ٦٢.","vol":"1","page":357},{"text":"على عشرة آلاف موضع، ولم نقل ذلك مبالغةً بل حقيقة، ويكفي شهادة الحسِّ والعقلِ والفطر\" (^١).\nوإلغاء الأسباب بالكليَّة قدحٌ في الشرع، قال ابن القيم: \"الالتفات إلى الأسباب شركٌ في التوحيد، ومحو الأسباب أن تكون أسبابًا نقصٌ في العقل، والإعراض عن الأسباب بالكليَّة قدحٌ في الشرع، وإنما التوكل والرَّجاء معنى يتألَّف من موجب التوحيد والعقل والشرع\" (^٢).\nوالله - ﷿ - ربط الأسباب بمسبباتها \"وأنَّ العبد فاعلٌ لفعله حقيقة، وله قدرة واختيار، وقدرته مؤثِّرة في مقدورها كما تؤثِّر القوى والطبائع، وغير ذلك من الشروط والأسباب\" (^٣).\nالشبهة الثانية: قوله بأنَّ علم الله - ﷿ - بحال العبد يترتَّب عليه عدم الدعاء\nويظهر هذا جليًّا في قوله: \"وذلك لأنَّ الله - ﷿ - ليس بغافل حتى يُذَكَّر، بل هو عليمٌ بخفيَّات أمورك، فيأتيك ما قسم لك ... ولا يحتاج إلى تنبيه؛ لأنَّه لا يهملك فيما هو من قسمتك\" (^٤).\nوابن عجيبة حين يذكر ذلك فهو متَّبعٌ لأسلافه الصوفية في هذه المسألة إذ هذا هو ديدنهم، ويحتجون بما روي عن إبراهيم الخليل - ﵇ -: «حسبي من سؤالي علمه بحالي» (^٥).\n_________\n(^١) شفاء العليل ١/ ١٨٩.\n(^٢) مجموع الفتاوى ٨/ ١٦٩، ١٧٠، منهاج السُّنَّة ٥/ ٣٦٦، والآداب الشرعية ٢/ ٢٨٦.\n(^٣) منهاج السُّنَّة النبوية ٣/ ١٠٩.\n(^٤) إيقاظ الهمم، ص ٣١١.\n(^٥) ذكره البغوي في التفسير، حكاية عن كعب الأحبار ٣/ ٣٥٠، وينظر: روح المعاني ٢/ ٨٢، والرسالة القشيرية ١/ ٤٢٠.","vol":"1","page":358},{"text":"وهذه ضلالة كبرى، وهي كما قال ابن الجوزي: \"سدٌّ لباب السؤال والدعاء، وهو جهلٌ بالعلم\" (^١).\nوأصل شبهتهم: أنَّ الشَّيء إذا عُلم وكُتب أنه يكفي ذلك في وجوده ولا يحتاج إلى ما به يكون من الفاعل الذي يفعله، وسائر الأسباب (^٢).\nوقد ردَّ ابن تيمية على أصل شبهتهم \"من وجهين:\nالوجه الأول: من جهة كونه جعل العلم جهلًا، فإنَّ العلم يطابق المعلوم ويتعلق به على ما هو عليه، وهو سبحانه قد علم أنَّ المكونات تكون بما يخلقه من الأسباب؛ لأنَّ ذلك هو الواقع، فمن قال: إنَّه يعلم شيئًا بدون الأسباب فقد قال على الله الباطل، وهو بمنزلة من قال: إنَّ الله يعلم أنَّ هذا الولد وُلِد بلا أبوين وأنَّ هذا النبات نبت بلا ماء.\nالوجه الثاني: أنَّ العلم بأنَّ الشَّيء سيكون والخبر عنه بذلك وكتابة ذلك لا يوجب استغناء ذلك عمَّا به يكون من الأسباب التي لا يتم إلا بها كالفاعل وقدرته ومشيئته؛ فإنَّ اعتقاد هذا غايةٌ في الجهل، إذ هذا العلم ليس موجبًا بنفسه لوجود المعلوم باتفاق العلماء، بل هو مطابقٌ له على ما هو عليه لا يكسبه صفةً ولا يكتسب منه صفة، بمنزلة علمنا بالأمور التي قبلنا كالموجودات التي كانت قبل وجودنا مثل علمنا بالله وأسمائه وصفاته فإنَّ هذا العلم ليس مؤثِّرًا في وجود المعلوم باتفاق العلماء، وإن كان من علومنا ما يكون له تأثير في وجود المعلوم كعلمنا بما يدعونا إلى الفعل، ويعرِّفنا صفته وقدره، فإنَّ الأفعال الاختيارية لا تصدر إلا ممَّن له\n_________\n(^١) تلبيس إبليس، ص ٣٣٧.\n(^٢) ينظر: مجموع الفتاوى ٨/ ٢٧٧.","vol":"1","page":359},{"text":"شعور وعلم إذ الإرادة مشروطة بوجود العلم\" (^١).\nالشبهة الثالثة: استدلاله بحديث «حسبي من سؤالي علمه بحالي»\nفقد قال معلِّقًا: \"ولا شكَّ أنَّ من كان على ملة إبراهيم - ﵇ - اقتدى به، وقد كان بين السَّماء والأرض حين رُمي به، فاستغنى بعلم الله عن سؤاله، فكانت حالة إبراهيم - ﵇ - في ذلك الوقت الاستغراق في الحقيقة\" (^٢).\nوهذا الحديث ردَّه علماء الإسلام السابقون واللاحقون، قال عنه ابن تيمية: \"ليس له إسنادٌ معروفٌ وهو باطل\" (^٣)، وقال عنه الألباني: \"لا أصلَ له\" (^٤).\nوهذا من ناحية الإسناد، أمَّا من ناحية المعنى فالذي ثبت في صحيح البخاري عن ابن عباس - ﵄ - أنه قال: «(حسبنا الله ونعم الوكيل) قالها إبراهيم - ﵇ - حين أُلقي في النَّار، وقالها: محمد - ﷺ - حين قالوا: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ (^٥)» (^٦).\nوفي هذا أنَّ إبراهيم - ﵇ - لم يسأل الله - ﷿ - بل دعا الله - ﷿ - أثناء قيامهما برفع قواعد البيت الحرام، قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (^٧)، ودعا ربَّه عندما ترك زوجه وابنه في وادٍ غير\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ٨/ ٢٨٠، وينظر: جامع الرسائل ١/ ١٧٢.\n(^٢) إيقاظ الهمم، ص ٣١١.\n(^٣) قاعدة في التوسل، ص ٣٥.\n(^٤) السلسلة الضعيفة ١/ ٢٨، رقم ٢١.\n(^٥) سورة آل عمران: ١٧٣.\n(^٦) أخرجه البخاري، كتاب التفسير، باب ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ ٣/ ٢١١، رقم ٤٥٦٣.\n(^٧) سورة البقرة: ١٢٧.","vol":"1","page":360},{"text":"ذي زرع، قال الله تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ (^١).\nوبهذا يتضح أنَّ هذا الحديث الذين جعلوه عمدةً لهم خالف الأدلة القطعية من الكتاب والسُّنَّة، قال ابن الجوزي: \"ما أحسن قول القائل: إذا رأيت الحديث يباين المعقول أو يخالف المنقول، أو يناقض الأصول، فاعلم أنَّه موضوع\" (^٢).\nوهذه فريةٌ على إبراهيم - ﵇ - دحضها ابن تيمية بقوله: \"فكيف يقول إبراهيم - ﵇ -: حسبي من سؤالي علمه بحالي، والله بكلِّ شيءٍ عليم، وقد أمر العباد بأن يعبدوه ويتوكَّلوا عليه ويسألوه؛ لأنَّه سبحانه جعل هذه الأمور أسبابًا لما يرتبه عليها من إثابة العابدين، وإجابة السائلين، وهو سبحانه يعلم الأشياء على ما هي عليه، فعلمه بأنَّ هذا محتاجٌ أو هذا مذنبٌ لا ينافي أن يأمر هذا بالتوبة والاستغفار، ويأمر هذا بالدعاء وغيره من الأسباب التي تُقضى بها حاجته، كما يأمر هذا بالعبادة والطاعة التي بها ينال كرامته\" (^٣).\nفيجب على كلِّ من نصح نفسه وأحبَّ نجاتها أن يتبع هدي النبي - ﷺ -، إذ سعادة العبد في الدارين معلَّقة بهدية - ﷺ -، وهو القائل: «الدعاء هو العبادة» (^٤).\n_________\n(^١) سورة إبراهيم: ٣٧.\n(^٢) ينظر: تدريب الراوي ١/ ٢٧٧، وفتح المغيث ١/ ٢٦٩.\n(^٣) مجموع الفتاوى ١٤/ ٥١.\n(^٤) أخرجه أحمد في مسنده ٤/ ٢٧١، وأبو داود في سننه، كتاب الصلاة، باب الدعاء ٢/ ١٦١، رقم ١٤٧٩، والترمذي في جامعه في تفسير القرآن، باب ومن سورة البقرة ٥/ ١٩٤، رقم ٢٩٦٩، وابن ماجه، كتاب الدعاء، باب فضل الدعاء ٤/ ٢٦٢، رقم ٣٨٢٨، والحاكم في المستدرك ١/ ٤٩٠، من حديث النعمان بن بشير، وصحَّحه الألباني في صحيح الجامع الصغير رقم ٣٤٠٧.","vol":"1","page":361},{"text":"الشبهة الرابعة: زعمه أنَّ الدعاء فيه سوء أدبٍ مع الله - ﷿ -، واتهام لله بعدم إعطاء العبد ما يستحق\nحيث قال: \"طلبك منه فلوجود تهمتك له، وربما دلَّهم الأدب على ترك الطلب\" (^١).\nوالصحيح أنَّ ترك الدعاء هو من سوء الأدب مع الله - ﷿ -، ولقد كان أفضل البشر وأكملهم هو نبيُّنا محمَّدٌ - ﷺ - يدعو الله - ﷿ - ولم يُغفل الدعاء، والأحاديث مستفيضةٌ بذلك، منها:\n١ - عن ابن عباس - ﵄ - قال: «كان النبي - ﷺ - يدعو عند الكرب يقول: لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب السموات والأرض ورب العرش العظيم» (^٢).\n٢ - وعن سعد بن أبي وقاص - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «دعوة ذي النُّون إذ دعا وهو في بطن الحوت لا إله إلا أنت سبحانك إنِّي كنتُ من الظالمين، فإنَّه لم يدع بها رجلٌ مسلمٌ في شيءٍ قطُّ إلا استجاب الله له» (^٣).\nقال ابن القيم: \"فإنَّ فيها من كمال التوحيد والتنزيه للرَّبِّ تعالى، واعتراف العبد بظلمه وذنبه، ما هو من أبلغ أدوية الكربِ والهمِّ والغمِّ، وأبلغ الوسائل إلى الله سبحانه في قضاء الحوائج؛ فإنَّ التوحيد والتنزيه يتضمَّنان إثبات كلِّ كمالٍ لله، وسلب كلِّ نقصٍ وعيبٍ وتمثيلٍ عنه، والاعتراف بالظلم يتضمَّن إيمان العبد بالشَّرع\n_________\n(^١) إيقاظ الهمم، ص ٨٤، ٣١٠.\n(^٢) أخرجه البخاري، كتاب بدء الوحي، باب الدعاء عند الكرب ٨/ ٩٣، رقم ٦٣٤٥.\n(^٣) أخرجه الترمذي، كتاب الدعوات، باب جامع الدعوات عن النبي - ﷺ - ٥/ ٤٨٤، رقم ٣٥٠٥، وصحَّحه الألباني - ﵀ - في صحيح الجامع، رقم ٣٣٨٣.","vol":"1","page":362},{"text":"والثواب والعقاب، ويوجب انكساره ورجوعه إلى الله واستقالته عثرته، والاعتراف بعبوديته، وافتقاره إلى ربه، فهاهنا أربعة أمور قد وقع التوسُّل بها: التوحيد، والتنزيه، والعبودية، والاعتراف\" (^١).\n٣ - وكان أكثر دعاء النبي - ﷺ -: «اللهم آتنا في الدنيا حسنةً وفي الآخرة حسنةً وقنا عذاب النار» (^٢).\n٤ - وكان يأمر الرَّجُلَ الذي أسلم بعد أن يعلِّمه الصلاة أن يدعو بهذه الكلمات «اللهم اغفر لي وارحمني واهدني وعافني وارزقني» (^٣).\nوسؤال الله - ﷿ - هو حقيقة العبادة، قال ابن رجب: \"اعلم أنَّ سؤال الله - ﷿ - دون خلقه هو المتعين؛ لأنَّ السؤال فيه إظهار الذل من السائل والمسكنة والحاجة والافتقار، وفيه الاعتراف بقدرة المسؤول على دفع هذا الضر، ونيل المطلوب، وجلب المنافع، ودرء المضار، ولا يصلح الذل والافتقار إلا إلى الله وحده؛ لأنَّه حقيقة العبادة\" (^٤).\nالشبهة الخامسة: زعمه أنَّ ترك الدعاء من مقام الخواص\nحيث قال: \"وترك الدعاء مقام أهل النهايات أي الخواص، وأمَّا أهل البدايات فيُرخَّص لهم في طلب الحاجات، وفي كثرة الدعاء والتضرُّعات، فالدُّعاء في حقِّهم واجب\" (^٥).\n_________\n(^١) زاد المعاد في هدي خير العباد ٤/ ١٩٠.\n(^٢) أخرجه البخاري، كتاب بدء الوحي، باب ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ ٦/ ٢٨، رقم ٤٥٢٢.\n(^٣) أخرجه مسلم، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب فضل التهليل والتسبيح والدعاء، ٤/ ٢٠٧٣، رقم ٢٦٩٧.\n(^٤) جامع العلوم والحكم، ص ٤٨١.\n(^٥) إيقاظ الهمم، ص ٣٠٢.","vol":"1","page":363},{"text":"أمَّا التفريق بين الخاص والعام وأهل البداية والنهاية، فلم يرد فيه نصٌّ من الكتاب والسُّنَّة بل هو من عند ابن عجيبة وقومه، وتمييز بين الخاصَّة والعامَّة دعوى معلولة، فهذه الأعمال يستوي فيها الصدِّيقون والشهداء والصالحون، ومن أراد خروج الخاصَّة عنها فقد غلط، فإنَّه لا يخرج عنها مؤمن قط، وإنما يخرج عنها كافر أو منافق (^١).\nوأفضل الخلق بعد الأنبياء أبو بكر الصديق - ﵁ - لم يدْعُ في صلاته بدعاءٍ حتى سأل النبي - ﷺ - أن يعلِّمه دعاء يدعو به في صلاته، ففي الصحيحين أنَّه قال لرسول الله - ﷺ -: علِّمني دعاءً أدعو به في صلاتي، قال: «قل اللهم إنِّي ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرةً من عندك وارحمني إنَّك أنت الغفور الرحيم» (^٢).\nولقد أبان ابن تيمية أهمية الدعاء بتفسيره لسورتي الإخلاص والمعوذتين، فقال: \"وأمَّا سورة الإخلاص والمعوذتان، ففي الإخلاص الثناء على اللَّه، وفي المعوذتين دعاء العبد ربه ليعيذه، والثناء مقرون بالدعاء، كما قرن بينهما في أمِّ القرآن المقسومة بين الرَّبِّ والعبد نصفها ثناءٌ للرَّب، ونصفها دعاءٌ للعبد، والمناسبة في ذلك ظاهرة؛ فإنَّ أول الإيمان بالرسول الإيمان بما جاء به من الرسالة وهو القرآن، ثم الإيمان بمقصود ذلك وغايته وهو ما ينتهي الأمر إليه من النعيم والعذاب، وهو الجزاء، ثم معرفة طريق المقصود وسببه وهو الأعمال، خيرها ليفعل، وشرها ليترك ثم ختم المصحف بحقيقة الإيمان وهو ذكر اللَّه ودعاؤه، كما بنيت عليه أمُّ القرآن، فإنَّ حقيقة الإنسان المعنوية هو المنطق،\n_________\n(^١) ينظر مجموع الفتاوى ١٠/ ١٦ - ١٧.\n(^٢) أخرجه البخاري، كتاب الأذان، باب الدعاء قبل السلام ١/ ١٦٦، رقم ٨٣٤.","vol":"1","page":364},{"text":"والمنطق قسمان: خبرٌ وإنشاء، وأفضل الخبر وأنفعه وأوجبه ما كان خبرًا عن اللَّه كنصف الفاتحة وسورة الإخلاص، وأفضل الإنشاء الذي هو الطلب وأنفعه وأوجبه ما كان طلبًا من اللَّه، كالنصف الثاني من الفاتحة والمعوذتين\" (^١).\nفكيف حال من لم يلتزم الكتاب والسُّنَّة في دعائه، لا شكَّ أنه سيتخبَّط في أودية الباطل؛ لأنَّ لزوم السُّنَّة هو الذي يحفظ من شر النفس والشيطان بدون اختلاق طرق مبتدعة.\nالأوراد والأحزاب التي ذكرها ابن عجيبة:\nتعريف الأوراد:\nقال ابن عجيبة هي: \"ما يرتبه العبد على نفسه، أو الشيخ على تلميذه من الأذكار\" (^٢).\nوقسَّم ابن عجيبة الورد إلى ثلاثة أقسام، وهي:\n١ - ورد العُبَّاد والزُّهَّاد من المجتهدين.\n٢ - ورد أهل السُّلوك من السَّائرين.\n٣ - ورد أهل الوصول من العارفين.\nإذ قال: \"الورد ينقسم إلى ثلاثة أقسام: ورد العُبَّاد والزُّهَّاد من المجتهدين، وورد أهل السُّلوك من السَّائرين، وورد أهل الوصول من العارفين، فأمَّا ورد المجتهدين فهو استغراق الأوقات في أنواع العبادات، وعباداتهم بين ذكر ودعاء وصلاة وصيام، وقد ذكر في كتاب الإحياء والقوت أوراد النهار وأوراد الليل، وعيَّن لكلِّ وقتٍ وردًا\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ١٦/ ٤٧٨ - ٤٧٩.\n(^٢) إيقاظ الهمم، ص ٢١٨.","vol":"1","page":365},{"text":"معلومًا، أمَّا ورد السائرين فهو: الخروج من الشواغل والشواغب، وترك العلائق والعوائق، وتطهير القلوب من المساوي والعيوب، وتحليتها بالفضائل بعد تخليتها من الرذائل، وعبادتهم ذكر واحد، وهو ما يعيِّنه له الشيخ، لا يزيد عليه مع جمع القلب وحضوره مع الرَّبِّ، وأمَّا ورد الواصلين فهو إسقاط الهوى، ومحبَّة المولى، وعبادتهم فكرة أو نظرة مع العكوف في الحضرة فكلُّ من أقامه موالاه في ورد فليلتزمه ولا يتعدَّى طوره\" (^١).\nأمثلة للأوراد التي ذكرها ابن عجيبة:\n*حزب الحفظ والتحصُّن\nقال: \"اللهم احفظنا من القواطع والعلائق ومكِّن أسرارنا من أنوار الحقائق حتى ننخرط في سلك المقرَّبين السوابق\".\n\"اللهم احفظ أرواحنا من خوض الأغيار وصن أسرارنا من لوث الآثار ومن الوقوف مع الأنوار حتى لا نشهد إلا إيَّاك في السِّرِّ والإجهار\".\nإلهنا قد علمنا أنَّ قضاءك النافذ في العبيد لا ترده همة عارف ولا مريد، لكن لطفك الخفي وتأييدك الوفي يجريان مع كلِّ قضاء عند كل عارف وولي، فأشهدنا ذلك اللُّطف الخفي في جميع الأقدار، وارزقنا ذلك التأييد الوفي عند هجوم الأكدار يا كريم يا حليم يا غفَّار\".\nاللهم اكفنا شر العدا ... اللهم إنا ندرأ بك في نحورهم ونعوذ بك من شرورهم، ألف بسم الله الرحمن الرحيم عن يميني، وألف بسم الله الرحمن الرحيم عن شمالي، وألف بسم الله الرحمن الرحيم من أمامي، وألف بسم الله الرحمن الرحيم من\n_________\n(^١) إيقاظ الهمم، ص ٢١٨.","vol":"1","page":366},{"text":"خلفي، وألف بسم الله الرحمن الرحيم من تحتي، وألف بسم الله الرحمن الرحيم من فوقي، وألف بسم الله الرحمن الرحيم محيطة بي (^١).\n*حزب العز والنصر\n\"اللهم افتح أبصارنا لشهود عظمتك، حتى نراك بك لا بغيرك، وافتح أسماعنا لسماع كلامك، حتى نسمع بك منك، وافتح قلوبنا لورود مواهب غيبك، حتى تمتلئ بأنوار محبتك إنك ذو الفضل العظيم.\nاللهم افتح لنا من فيض أسرار العلوم، ومكنَّا من خزائن الفهوم، واكشف عن قلوبنا أكنَّة الحجب يا حيُّ يا قيوم.\nاللهم يا فتاح يا رزاق ارزقنا من قوت أشباحنا ما تسد به عنَّا باب الفقر إلى خلقك، ومن قوت أرواحنا ما تغنينا به عن شهود غيرك، ومن قوت أسرارنا ما تجمعنا به دائمًا في حضرة قدسك، إنَّك على كلِّ شيءٍ قدير\" (^٢).\nهذه الأوراد التي ذكرها ابن عجيبة مع ما تضمَّنته من عقائد الصوفية الباطلة كبدعة وحدة الوجود، والكشف، جميعها تكشف حقيقة الصوفية وأنهم قد وقعوا في كيد الشيطان وحبائله، فابتدعوا في دين الله مالم يشرعه الله ولم يسنّه رسوله - ﷺ -، لذا فإنَّ كل من اتخذ شيئًا من الأذكار غير المشروعة وداوم عليها وجعلها عبادة راتبة يواظب الناس عليها فقد شرع من الدين مالم يأذن به الله، وعمله مردودٌ عليه، قال - ﷺ -: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد» (^٣).\n_________\n(^١) الفهرسة، ص ١٣٠.\n(^٢) الفهرسة، ص ١٣٢ - ١٣٣ - ١٣٤.\n(^٣) أخرجه مسلم، كتاب الأقضية، باب نقض الأحكام الباطلة ورد محدثات الأمور ٦/ ٢٥٧، رقم ١٧١٨.","vol":"1","page":367},{"text":"ولقد انبرى العلماء للردِّ على كلِّ من ابتدع شيئًا من هذه الأوراد.\nفحذَّر القاضي عياض من الأدعية المنسوبة للأنبياء -﵈- بقوله: \"أذن الله في دعائه، وعلَّم الدعاء في كتابه لخليقته، وعلَّم النبي - ﷺ - الدعاء لأُمَّته، واجتمعت فيه ثلاث أشياء: العلم بالتوحيد، والعلم باللغة، والنصيحة للأُمَّة، فلا ينبغي لأحدٍ أن يعدل عن دعائه، وقد احتال الشيطان للناس في هذا المقام، فقيَّض لهم قومَ سوءٍ يخترعون لهم أدعية يشتغلون بها عن الاقتداء بالنبي - ﷺ -، وأشد ما في الحال أنهم ينسبونها إلى الأنبياء والصالحين فيقولون: دعاء نوح، دعاء يونس، دعاء أبي بكر الصديق، فاتقوا الله في أنفسكم ولا تشتغلوا من الحديث إلا بالصحيح\" (^١).\nوقال الخطابي: \"ولقد أولع بعضٌ من المسلمين بأدعية وأذكار منكرة مخترعة، ما أنزل الله بها من سلطان، صنَّفها لهم بعض المتكلِّفين من أهل الجهل والجرأة على الله، وأكثرها زورٌ وافتراءٌ على الله - ﷿ - \" (^٢).\nوحذَّر ابن العربي من هذه الأدعية المختلقة فقال: \"فحذار منها، ولا يَدْعُوَنَّ أحدٌ منكم إلا بما في الكتب الخمسة، وهي كتاب البخاري، ومسلم، والترمذي، وأبي داود، والنسائي، فهذه الكتب هي بدء الإسلام ... ولا يقولنَّ أحدٌ: أختار دعاء كذا; فإنَّ الله قد اختار له، وأرسل بذلك إلى الخلق رسوله\" (^٣).\nوعن عائشة - ﵂ - قالت، قال: رسول الله - ﷺ -: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فهو رد» (^٤).\n_________\n(^١) نقل هذا القول ابن علان عن القاضي عياض في الفتوحات الربانية ١/ ١٧، ولم أجده في كتبه - ﵀ -.\n(^٢) شأن الدعاء، ص ١٦.\n(^٣) أحكام القرآن ٢/ ٨١٦.\n(^٤) أخرجه البخاري، كتاب الصلح، باب إذا اصطلحوا على صلح جور فالصلح مردود ٣/ ١٨٤، رقم ٢٦٩٧، ومسلم، كتاب الحدود، باب نقض الأحكام الباطلة، ورد محدثات الأمور ٣/ ١٣٢٣، رقم ١٧١٨.","vol":"1","page":368},{"text":"وعلَّم نبيُّنا محمَّدٌ - ﷺ - البراء بن عازب - ﵁ - دعاءً وأمره بالتزام النص بدون زيادة أو نقصان، فقال له النبي - ﷺ -: «إذا أتيت مضجعك فتوضَّأ وضوءك للصلاة ثم اضطجع على شقك الأيمن، ثم قل: اللهم أسلمتُ وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، رغبةً ورهبةً إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك، اللهم آمنتُ بكتابك الذي أنزلت، وبنبيِّك الذي أرسلت، فإن مت من ليلتك فأنت على الفطرة، واجعلهنَّ آخر ما تتكلَّم به»، قال: فرددتُها على النبي - ﷺ - فلما بلغتُ (اللهم آمنت بكتابك الذي أنزلت) قلتُ (ورسولك)، قال: «لا، ونبيك الذي أرسلت» (^١).\nوهذا لأنَّ العبادات توقيفية، فلا زيادة ولا نقصان، رغم أنَّ المعنى صحيح، ويستقيم الكلام.\nوقال ابن حجر: \"وأولى ما قيل في الحكمة في ردِّه - ﷺ - على من قال: (الرسول) بدل (النَّبي) أنَّ ألفاظ الأذكار توقيفية، ولها خصائص وأسرار لا يدخلها القياس، فتجب المحافظة على اللَّفْظ الذي وردت به ... فيقتصر فيه على اللَّفْظ الوارد بحروفه، وقد يتعلَّق الجزاء بتلك الحروف، ولعله أوحي إليه بهذه الكلمات فتعيَّن أداؤها بحروفها\" (^٢).\nقال ابن تيمية: \"العبادات مبناها على الشرع والاتباع لا على الهوى والابتداع؛ فإنَّ الإسلام مبنيٌّ على أصلين، أحدهما: أن نعبد الله وحده لا شريك له، والثاني: أن نعبده بما شرعه على لسان رسوله - ﷺ - لا نعبده بالأهواء والبدع قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ﴾ (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب الوضوء، باب فضل من بات على الوضوء ١/ ٩٧، رقم ٢٤٤.\n(^٢) فتح الباري ١١/ ١١٢.\n(^٣) سورة الجاثية: ١٨، ١٩.","vol":"1","page":369},{"text":"وقال في موضعٍ آخر: \"وليس لأحدٍ أن يَسنَّ للناس نوعًا من الأذكار والأدعية غير المسنون، ويجعلها عبادةً راتبةً يواظب الناس عليها، كما يواظبون على الصلوات الخمس، بل هذا ابتداع دين لم يأذن الله به، بخلاف ما يدعو به المرء أحيانًا من غير أن يجعله للناس سُنَّة، فهذا إذا لم يعلم أنه يتضمَّن معنى محرَّمًا لم يجز الجزم بتحريمه، لكن قد يكون فيه ذلك والإنسان لا يشعر به، وهذا كما أنَّ الإنسان عند الضرورة يدعو بأدعية تفتح عليه ذلك الوقت فهذا وأمثاله قريب، وأما اتخاذ وردٍ غير شرعيٍّ واستنان ذكرٍ غير شرعي فهذا مما يُنهى عنه، ومع هذا ففي الأدعية الشرعية والأذكار الشرعية غاية المطالب الصحيحة ونهاية المقاصد العليَّة، ولا يعدل عنها إلى غيرها من الأذكار المحدثة المبتدعة إلا جاهلٌ أو مفرِّط أو متعد\" (^١).\nوممَّا قرَّره أهل العلم أنَّ من ندب إلى شيءٍ يتقرَّب به إلى الله - ﷿ - أو أوجبه بقوله أو فعله من غير أن يشرعه الله - ﷿ - فقد شرع من الدين مالم يأذن به الله، ومن اتبعه في ذلك فقد اتخذه شريكًا لله شرع له من الدين مالم يأذن به الله (^٢)، ويجدر التنبيه على أمرٍ هامٍّ بأنَّ المؤمن ينبغي له أن ينوِّع في الأذكار المشروعة اتباعًا للسُّنَّة، ولزوال الفرقة والاختلاف.\nقال ابن تيمية: \"التنوع في ذلك متابعة للنبي - ﷺ - فإنَّ في هذا اتباعًا للسُّنَّة والجماعة، وإحياء لسُنَّته، وجمعًا بين قلوب الأُمَّة، وأخذًا بما في كلِّ واحدٍ من الخاصة، أفضل من المداومة على نوع معيَّنٍ لم يداوم عليه النبي - ﷺ - لوجوه:\nأحدها: أنَّ هذا هو اتباع السُّنَّة والشريعة فإنَّ النبي - ﷺ - إذا كان قد فعل هذا\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ٢٢/ ٥١١.\n(^٢) ينظر: اقتضاء الصراط المستقيم ٢/ ٨٤.","vol":"1","page":370},{"text":"تارة وهذا تارة ولم يداوم على أحدهما كان موافقته في ذلك هو التأسِّي والاتباع المشروع وهو أن يفعل ما فعل على الوجه الذي فعل لأنَّه فعله.\nالثاني: أنَّ ذلك يوجب اجتماع قلوب الأُمَّة وائتلافها وزوال كثرة التفرُّق والاختلاف والأهواء بينها، وهذه مصلحة عظيمة ودفع مفسدة عظيمة ندب الكتاب والسُّنَّة إلى جلب هذه ودرء هذه، قال الله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ (^١)، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ (^٢)، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ (^٣).\nالثالث: أنَّ ذلك يخرج الجائز المسنون عن أن يشبَّه بالواجب، فإنَّ المداومة على المستحب أو الجائز مشبَّهة بالواجب ولهذا أكثر هؤلاء المداومين على بعض الأنواع الجائزة أو المستحبة لو انتقل عنه لنفر عنه قلبه وقلب غيره أكثر مما ينفر عن ترك كثير من الواجبات؛ لأجل العادة التي جعلت الجائز كالواجب.\nالرابع: أنَّ في ذلك تحصيل مصلحة كلِّ واحد من تلك الأنواع؛ فإنَّ كلَّ نوعٍ لا بدَّ له من خاصة وإن كان مرجوحًا فكيف إذا كان مساويًا، وقد قدَّمنا أنَّ المرجوح يكون راجحًا في مواضع.\nالخامس: أنَّ في ذلك وضعًا لكثيرٍ من الآصار والأغلال التي وضعها الشيطان على الأُمَّة بلا كتابٍ من الله ولا أثارةٍ من علم؛ فإنَّ مداومة الإنسان على أمر جائز مرجحًا له على غيره ترجيحًا يحب من يوافقه عليه ولا يحب من لم يوافقه\n_________\n(^١) سورة آل عمران: ١٠٣.\n(^٢) سورة آل عمران: ١٠٥.\n(^٣) سورة الأنعام: ١٥٩.","vol":"1","page":371},{"text":"عليه، بل ربما أبغضه بحيث ينكر عليه تركه له ويكون ذلك سببًا لترك حقوق له وعليه يوجب أن ذلك يصير إصرًا عليه لا يمكنه تركه، وغلًّا في عنقه يمنعه أن يفعل بعض ما أُمر به، وقد يوقعه في بعض ما نهي عنه، وهذا القدر الذي قد ذكرته واقع كثيرًا، فإنَّ مبدأ المداومة على ذلك يورث اعتقادًا ومحبَّةً غير مشروعين، ثم يخرج إلى المدح والذم والأمر والنهي بغير حق، ثم يخرج ذلك إلى نوع من الموالاة والمعاداة غير المشروعين من جنس أخلاق الجاهلية كأخلاق الأوس والخزرج في الجاهلية.\nثم يخرج من ذلك إلى العطاء والمنع فيبذل ماله على ذلك عطيةً ودفعًا وغير ذلك من غير استحقاقٍ شرعيٍّ، ويمنع من أمر الشارع بإعطائه إيجابًا أو استحبابًا، ثم يخرج من ذلك إلى الحرب والقتال كما وقع في بعض أرض المشرق، ومبدأ ذلك تفضيل ما لم تفضله الشريعة، والمداومة عليه وإن لم يعتقد فضله سبب لاتخاذه فاضلًا اعتقادًا وإرادة، فتكون المداومة على ذلك إمَّا منهيًّا عنها وإمَّا مفضولة، والتنوع في المشروع بحسب ما تنوع فيه الرسول - ﷺ - أفضل وأكمل.\nالسادس: أنَّ في المداومة على نوعٍ دون غيره هجرانًا لبعض المشروع وذلك سببٌ لنسيانه والإعراض عنه، حتى يعتقد أنَّه ليس من الدين بحيث يصير في نفوس كثيرٍ من العامَّة أنه ليس من الدين وفي نفوس خاصة هذه العامة عملهم مخالف علمهم، فإنَّ علماءهم يعلمون أنه من الدين ثم يتركون بيان ذلك إما خشيةً من الخلق وإمَّا اشتراءً بآيات الله ثمنًا قليلًا من الرئاسة والمال كما كان عليه أهل الكتاب، كما قد رأينا من تعود ألا يسمع إقامة إلا موترة أو مشفوعة فإذا سمع الإقامة الأخرى نفر عنها وأنكرها ويصير كأنه سمع أذانًا ليس أذان المسلمين، وكذلك من اعتاد القنوت قبل الركوع أو بعده، وهجران بعض المشروع سبب لوقوع العداوة","vol":"1","page":372},{"text":"والبغضاء بين الأمة، قال الله تعالى: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ (^١) فأخبر سبحانه أنَّ نسيانهم حظًّا مما ذُكِّروا به سبب لإغراء العداوة والبغضاء بينهم، فإذا اتبع الرَّجلُ جميعَ المشروع المسنون واستعمل الأنواع المشروعة هذا تارة وهذا تارة كان قد حفظت السُّنَّة علمًا وعملًا وزالت المفسدة المخوفة من ترك ذلك، ونكتة هذا الوجه أنه وإن جاز الاقتصار على فعل نوع لكن حفظ النوع الآخر من الدين ليعلم أنه جائز مشروع وفي العمل به تارة حفظ للشريعة وترك ذلك قد يكون سببًا لإضاعته ونسيانه.\nالسابع: أنَّ الله يأمر بالعدل والإحسان والعدل التسوية بين المتماثلين وحرَّم الظلم على نفسه وجعله محرَّمًا بين عباده، ومن أعظم العدل العدل في الأمور الدينيَّة، فإنَّ العدل في أمر الدنيا من الدماء والأموال كالقصاص والمواريث وإن كان واجبًا وتركه ظلم فالعدل في أمر الدين أعظم منه وهو العدل بين شرائع الدين وبين أهله، فإذا كان الشارع قد سوَّى بين عملين أو عاملين كان تفضيل أحدهما من الظلم العظيم وإذا فضل بينهما كانت التسوية كذلك والتفضيل أو التسوية بالظن وهوى النفوس من جنس دين الكفَّار، فإنَّ جميع أهل الملل والنحل يفضل أحدهم دينه إمَّا ظنًّا وإمَّا هوى إمَّا اعتقادًا وإمَّا اقتصادًا وهو سبب التمسُّك به وذم غيره\" (^٢).\nوالأفضل والأتم والأكمل هو التمسُّك بالأدعية التي سنَّها لنا النبي - ﷺ - \"فإنها أفضل وأكمل باتفاق المسلمين من الأدعية التي ليست كذلك وإن قالها بعض\n_________\n(^١) سورة المائدة: ١٤.\n(^٢) مجموع الفتاوى ٢٤/ ٢٤٧.","vol":"1","page":373},{"text":"الشيوخ- فكيف يكون في عين الأدعية ما هو خطأ أو إثم أو غير ذلك، ومن أشدِّ الناس عيبًا من يتخذ حزبًا ليس بمأثورٍ عن النبي - ﷺ - وإن كان حزبًا لبعض المشايخ، وَيدَع الأحزاب النبوية التي كان يقولها سيِّد بني آدم وإمام الخلق، وحجة الله على عباده\" (^١).\nبل وصل عند القوم أن يقال للداعي: استحضر صورة شيخك أثناء الدعاء، ولا شكَّ أنَّ في اعتقاد هذا الاستحضار ما فيه من التعلُّق بغير الله، فهو شركٌ صريحٌ والعياذ بالله.\nفواجبٌ على أهل العلم إنكار البدع، قال أبو عمرو الداني (^٢) \"ومن الواجب على السلاطين والعلماء إنكار البدع والضلالات، وإظهار الحجج وبيان الدَّلائل من الكتاب والسُّنَّة وحجية العقل؛ حتى يُقْطَع عُذْرُهُم، وتَبْطُل شُبَهُهم وتمويهاتُهم\" (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-103>سادسًا: موقف ابن عجيبة من بدع الصوفية في توحيد العبادة</span>\nتعريف البدعة في اللغة:\nقال الخليل: \"البَدْعُ: إحداثُ شيءٍ لم يكن له من قبلُ خلقٌ، ولا ذكرٌ ولا معرفةٌ، والله بديعُ السموات والأرض: ابتدعهما، ولم يكونا قبل ذلك شيئًا يتوهّمهما متوهِّم، وبدع الخلق، والبِدْعُ: الشَّيء الذي يكون أوَّلًا في كلِّ أمر كما قال الله - ﷿ -: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ (^٤)، أي: لستُ بأوَّل مُرْسَل.\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ٢٢/ ٥٢٥.\n(^٢) أبو عمرو، عثمان بن سعيد بن عثمان بن عمر الأموي الأندلسي، القرطبي، ثم الداني، ولد سنة ٣٧١ هـ، ومن شيوخه: أبو مسلم محمد بن أحمد الكاتب صاحب البغوي، وهو أكبر شيخ له، وأحمد بن فراس المكي، توفي يوم نصف شوال سنة ٤٤٤ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء ١٧/ ٧٧.\n(^٣) الرسالة الوافية، ص ٢٨٨.\n(^٤) سورة الأحقاف: ٩.","vol":"1","page":374},{"text":"ونقول: لقد جئت بأمرٍ بديع، أي: مبتدعٌ عجيب، وابتدعت: جئت بأمرٍ مختلفٍ لم يعرف ذلك\" (^١).\nوقال الجوهري: \"بدع: أبدعتُ الشيء: اخترعتُه لا على مثال، والله تعالى بديع السموات والأرض، والبديع: المبتدع، والبديع: المبتدَع أيضًا.\nوشيءٌ بِدع بالكسر، أي: مبتدع، وفلانٌ بدع في هذا الأمر، أي: بديع، وقوم أبداع ...، ومنه قوله تعالى: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ والبدعة: الحدَثُ في الدين بعد الإكمال.\nواستبدعه: عدَّه بديعًا، وبدَّعه: نسبه إلى البدعة، وأبدعت الراحلة، أي: كلَّت، وقد أبدع بالرَّجل، أي: كلَّت راحلته\" (^٢).\nالبدعة في الاصطلاح:\nقال الشاطبي: \"فالبدعة إذن عبارة عن طريقة في الدين مخترعة، تضاهي الشرعية، يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبُّد لله سبحانه.\nوهذا على رأي من لا يدخل العادات في معنى البدعة، وإنما يخصُّها بالعبادات، وأمَّا على رأي من أدخل الأعمال العادية في معنى البدعة فيقول: البدعة طريقةٌ في الدين مخترعة، تضاهي الشرعية، يقصد بالسلوك عليها ما يقصد بالطريقة الشرعية.\nولا بدَّ من بيان ألفاظ هذا الحدِّ فالطريقة والطريق والسبيل والسنن هي بمعنى واحد وهو ما رسم للسلوك عليه.\n_________\n(^١) العين ٢/ ٥٤.\n(^٢) الصحاح ٣/ ١١٨٣ - ١١٨٤.","vol":"1","page":375},{"text":"وإنما قيدت بالدين؛ لأنَّها فيه تخترع، وإليه يضيفها صاحبها.\nوأيضًا فلو كانت طريقة مخترعة في الدنيا على الخصوص لم تسم بدعة، كإحداث الصنائع والبلدان التي لا عهد بها فيما تقدم.\nولما كانت الطرائق في الدين تنقسم فمنها ما له أصل في الشريعة ومنها ما ليس له أصل فيها، خص منها ما هو المقصود بالحد، وهو القسم المخترع، أي: طريقة ابتدعت على غير مثالٍ تقدَّمها من الشارع؛ إذ البدعة إنما خاصتها أنها خارجة عمَّا رسمه الشارع، وبهذا القيد انفصلت عن كلِّ ما ظهر لبادي الرأي أنه مخترع، مما هو متعلِّق بالدين، كعلم النحو والتصريف ومفردات اللغة وأصول الفقه وأصول الدين وسائر العلوم الخادمة للشريعة فإنَّها وإن لم توجد في الزمان الأُول فأصولها موجودة في الشرع\" (^١).\nوأما موقف ابن عجيبة من بدع الصوفية فإنَّه يقرر كثيرًا منها، ومن البدع التي قرَّرها:\n١ - الصلاة عند الأضرحة\nقال: \"كنتُ أخرج إلى قُبَّة سيدي طلحة أتعبَّد فيها، ومرةً أخرج إلى قُبَّة سيدي عبد الله الفخار فأتعبد فيها ... فكنتُ أصلِّي في الضحى خمسة عشر حزبًا من القرآن، وفي الليل كذلك، ولا أفتر من ذكر الله ليلًا ولا نهارًا فبقيت كذلك أيامًا، فرأيت سيدي طلحة في النوم وأنا عند ضريحه فانحنى عليَّ حتى مسَّ شعر لحيته وجهي\" (^٢).\n_________\n(^١) الاعتصام ١/ ٤٧.\n(^٢) الفهرسة، ص ٤٣.","vol":"1","page":376},{"text":"وكل من تقرَّب إلى الله - ﷿ - بما ليس من الحسنات المأمور بها أمَر إيجاب ولا استحباب فهو متبعٌ لهواه والشيطان قائده، وسبيله من سبيل الشيطان كما قال عبد الله بن مسعود - ﵁ - قال: «خطَّ لنا رسول الله - ﷺ - خطًّا ثم قال: هذا سبيل الله، ثم خطَّ خطوطًا عن يمينه وعن شماله، ثم قال: هذه سبل ... على كلِّ سبيلٍ منها شيطان يدعو إليه (^١)، ثم قرأ: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾» (^٢).\nقال الطبري في تفسيره لهذه الآية: \"البدع والشبهات\" (^٣).\nولهذا لا بدَّ من معرفة الزيارة الشرعية لقبور المسلمين من الزيارة البدعية.\nقال ابن تيمية: \"فالزيارة الشرعية أن يكون مقصود الزائر الدُّعاء للميِّت؛ كما يُقصد بالصَّلاة على جنازته الدعاء له.\nفالقيام على قبره من جنس الصلاة عليه قال الله تعالى في المنافقين: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ (^٤) فنهى نبيَّه عن الصَّلاة عليهم والقيام على قبورهم؛ لأنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم كافرون، فلمَّا نهى عن هذا، وهذا لأجل هذه العلة وهي الكفر دلَّ ذلك على انتفاء\n_________\n(^١) أخرجه أحمد في مسنده ١/ ٤٣٥، رقم ٤١٤٢، والدارمي ١/ ٢٣٢، رقم ٢٠٨، والنسائي في السنن الكبرى ٦/ ٣٤٣، رقم ١١١٧٤، وابن حِبَّان ١/ ١٨٠، رقم ٦، والحاكم ٢/ ٣٤٨، وقال: هذا حديثٌ صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ٧/ ٢٥: فيه عاصم بن بهدلة وهو ثقةٌ وفيه ضعف، وحسَّنه ابن حجر في تخريج مشكاة المصابيح ١/ ١٣١.\n(^٢) سورة الأنعام: ١٥٣.\n(^٣) جامع البيان في تفسير القرآن ١٢/ ٢٢٩.\n(^٤) سورة التوبة: ٨٤.","vol":"1","page":377},{"text":"هذا النهي عند انتفاء هذه العلة، ودلَّ تخصيصهم بالنهي على أنَّ غيرهم يُصلَّى عليه ويُقام على قبره إذ لو كان هذا غير مشروع في حقِّ أحدٍ لم يخصوا بالنهي، ولم يعلل ذلك بكفرهم؛ ولهذا كانت الصلاة على الموتى من المؤمنين والقيام على قبورهم من السُّنَّة المتواترة، فإنَّ النبي - ﷺ - يُصلِّي على موتى المسلمين وشرع ذلك لأُمَّته وكان إذا دفن الرجل من أمته يقوم على قبره ويقول: «سلوا له التثبيت فإنه الآن يسأل» (^١)، وكان يزور قبور أهل البقيع والشهداء بأُحُدٍ ويعلِّم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقول أحدهم: «السَّلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين ويرحم الله المستقدمين منَّا والمستأخرين وإنَّا إن شاء الله بكم للاحقون» (^٢).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - أنَّ رسول الله - ﷺ - خرج إلى المقبرة فقال: «السَّلام عليكم دارَ قومٍ مؤمنين، وإنَّا إن شاء الله بكم لاحقون» (^٣)، فهذه الزيارة لقبور المؤمنين مقصودها الدعاء لهم، وهذه غير الزيارة المشتركة التي تجوز في قبور الكُفَّار كما ثبت في الأحاديث الصحيحة عن أبي هريرة - ﵁ - أنَّه قال: أتى رسول الله - ﷺ - قبر أُمِّه فبكى وأبكى من حوله ثم قال: «استأذنتُ ربِّي أن أستغفر لأُمِّي فلم يأذن لي، واستأذنته أن أزور قبرها فأذن لي» (^٤).\nفهذه الزيارة التي تنفع في تذكير الموت تشرع، ولو كان المقبور كافرًا بخلاف\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود، كتاب الجنائز، باب الاستغفار عند القبر للميت ٣/ ٥٥٠، رقم ٣٢٢٣، وصحَّحه الحاكم في المستدرك، كتاب الجنائز ١/ ٥٢٦، رقم ١٣٧٢، وقال: صحيح الإسناد، وجوَّد إسناده النووي في المجموع ٥/ ٢٩٢، وصحَّحه الألباني في الجامع الصغير وزيادته ١/ ٢٢٤، رقم ٩٤٥.\n(^٢) أخرجه مسلم، كتاب الجنائز، باب ما يقال عند دخول القبور والدعاء ٢/ ٦٦٩، رقم ٢٣٠١.\n(^٣) أخرجه مسلم، كتاب الطهارة، باب ما يقال عند دخول القبر ٣/ ٦٣، رقم ٢٢٢٩.\n(^٤) أخرجه مسلم، كتاب الجنائز، باب استئذان النبي - ﷺ - في قبر أمه ٣/ ٦٥، رقم ١٦٢٧","vol":"1","page":378},{"text":"الزيارة التي يقصد بها الدعاء للميت فتلك لا تشرع إلا في حق المؤمنين.\nوأمَّا الزيارة البدعية فهي التي يقصد بها أن يُطلب من الميت الحوائج أو يُطلب منه الدعاء والشفاعة أو يقصد الدعاء عند قبره لظن القاصد أنَّ ذلك أجوب للدعاء.\nفالزيارة على هذه الوجوه كلها مبتدعة لم يشرعها النبي - ﷺ - ولا فعلها الصحابة - ﵃ - لا عند قبر النبي - ﷺ - ولا عند غيره وهي من جنس الشرك وأسباب الشرك.\nولو قصد الصلاة عند قبور الأنبياء والصالحين من غير أن يقصد دعاءهم والدعاء عندهم مثل أن يتخذ قبورهم مساجد لكان ذلك محرَّمًا منهيًّا عنه ولكان صاحبه متعرضًا لغضب الله ولعنته، فعن عائشة - ﵂ - عن النبي - ﷺ -: أنَّه قال في مرضه الذي مات فيه: «لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مسجدًا»، قالت: ولولا ذلك لأبرزوا قبره، غير أنِّي أخشى أن يُتخذ مسجدًا (^١).\nوقال: «قاتل الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (^٢) يحذر ما صنعوا.\nفإذا كان هذا محرَّمًا وهو سببٌ لسخط الرَّبِّ ولعنته فكيف بمن يقصد دعاء الميت والدعاء عنده وبه، واعتقد أنَّ ذلك من أسباب إجابة الدعوات ونيل الطلبات وقضاء الحاجات؟ وهذا كان أول أسباب الشرك في قوم نوح وعبادة الأوثان\" (^٣).\nونقل ابن القيم كلام شيخه ابن تيمية فقال: \"وهذه الأمور المبتدعة عند القبور\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب الجنائز، باب ما يكره من اتخاذ المساجد على القبور ١/ ٤٠٨، رقم ١٣٣٠.\n(^٢) أخرجه مسلم، كتاب المساجد، باب النهي عن بناء المساجد على القبور واتخاذ الصور فيها ٢/ ٦٧، رقم ١٢١٢.\n(^٣) مجموع الفتاوى ١/ ١٦٥ - ١٦٦، ينظر: اقتضاء الصراط المستقيم ٢/ ١٩٦ - ١٩٧.","vol":"1","page":379},{"text":"مراتب، أبعدها عن الشرع: أن يسأل الميت حاجته، ويستغيث به فيها، كما يفعله كثيرٌ من الناس، قال: وهؤلاء من جنس عُبَّاد الأصنام، ولهذا قد يتمثَّل لهم الشيطان في صورة الميت أو الغائب كما يتمثَّل لعُبَّاد الأصنام، وهذا يحصل للكُفَّار من المشركين وأهل الكتاب، يدعو أحدهم من يعظِّمه فيتمثَّل له الشيطان أحيانًا، وقد يخاطبهم ببعض الأمور الغائبة، وكذلك السجود للقبر، والتمسُّح به وتقبيله.\nوالمرتبة الثانية: أن يسأل الله - ﷿ - به، وهذا يفعله كثيرٌ من المتأخرين، وهو بدعة باتفاق المسلمين.\nالثالثة: أن يسأله نفسه.\nالرابعة: أن يظن أنَّ الدعاء عند قبره مستجاب، أو أنه أفضل من الدعاء في المسجد، فيقصد زيارته والصلاة عنده لأجل طلب حوائجه، فهذا أيضًا من المنكرات المبتدعة باتفاق المسلمين، وهى محرَّمة، وما علمت في ذلك نزاعًا بين أئمة الدين\" (^١).\nوهذه البدع آنفة الذكر تقدح في العقيدة، إمَّا أن تنافيها أو تنقضها، \" ... لهذا ينبغي أن يُشهر في الناس فسادها وعيبها، ليحذرها الناس فلا يقعوا فيها\" (^٢).\nولقد أجمع العلماء على بيان فساد أهل البدع، يقول ابن تيمية - ﵀ -: \"ومثل أئمة البدع من أهل المقالات المخالفة للكتاب والسُّنَّة أو العبادات المخالفة للكتاب والسُّنَّة، فإنَّ بيان حالهم وتحذير الأُمَّة منهم واجبٌ باتفاق المسلمين، حتى قيل لأحمد بن حنبل: الرَّجُلُ يصوم ويصلِّي ويعتكف أحبُّ إليك أو يتكلَّم في أهل البدع؟ فقال: إذا قام وصلَّى واعتكف فإنَّما هو لنفسه، وإذا تكلَّم في أهل البدع فإنما\n_________\n(^١) إغاثة اللهفان في مصايد الشيطان ١/ ٢١٧.\n(^٢) الفروق ٤/ ٢٥٩.","vol":"1","page":380},{"text":"هو للمسلمين هذا أفضل، فبيَّن أنَّ نفع هذا عام للمسلمين في دينهم من جنس الجهاد في سبيل الله؛ إذ تطهير سبيل الله ودينه ومنهاجه وشرعته ودفع بغي هؤلاء وعدوانهم على ذلك واجب على الكفاية باتفاق المسلمين ولولا من يقيمه الله لدفع ضرر هؤلاء لفسد الدين وكان فساده أعظم من فساد استيلاء العدو من أهل الحرب؛ فإنَّ هؤلاء إذا استولوا لم يفسدوا القلوب وما فيها من الدين إلا تبعًا وأمَّا أولئك فهم يفسدون القلوب ابتداءً\" (^١).\nوفي منهج ابن عجيبة تأثُّرٌ واضحٌ بآراء الفلاسفة.\nقال ابن تيمية في ردِّه على الفلاسفة الدهرية: \"وقد أحدث قومٌ من ملاحدة الفلاسفة الدهرية للشرك شيئًا آخر ذكروه في زيارة القبور كما ذكر ذلك ابن سينا، ومن أخذ عنه كصاحب الكتب المضنون بها وغيره ذكروا معنى الشفاعة على أصلهم فإنَّهم لا يقرون بأنَّ الله خلق السموات والأرض في ستة أيام ولا أنَّه يعلم الجزئيات ويسمع أصوات عباده ويجيب دعاءهم، فشفاعة الأنبياء والصالحين على أصلهم ليست كما يعرفه أهل الإيمان من أنها دعاء يدعو به الرَّجُل الصالح فيستجيب الله دعاءه، كما أنَّ ما يكون من إنزال المطر باستسقائهم ليس سببه عندهم إجابة دعائهم، بل هم يزعمون أن المؤثِّر في حوادث العالم هو قوى النفس أو الحركات الفلكية أو القوى الطبيعية فيقولون: إنَّ الإنسان إذا أحبَّ رجلًا صالحًا قد مات لا سيَّما إن زار قبره فإنه يحصل لروحه اتصال بروح ذلك الميت فيما يفيض على تلك الروح المفارقة من العقل الفعَّال عندهم، أو النفس الفلكية يفيض على هذه الروح الزائرة المستشفعة من غير أن يعلم الله بشيءٍ من ذلك، بل وقد لا تعلم الروح المستشفع بها بذلك، ومثَّلوا ذلك بالشمس إذا\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ٢٨/ ٢٣١ - ٢٣٢.","vol":"1","page":381},{"text":"قابلها مرآة فإنه يفيض على المرآة من شعاع الشمس، ثم إذا قابل المرآة مرآة أخرى فاض عليها من تلك المرآة، وإن قابل تلك المرآة حائطٌ أو ماءٌ فاض عليه من شعاع تلك المرآة فهكذا الشفاعة عندهم وعلى هذا الوجه ينتفع الزائر عندهم.\nوفي هذا القول من أنواع الكفر ما لا يخفى على من تدبَّره، ولا ريب أنَّ الأوثان يحصل عندها من الشياطين وخطابهم وتصرفهم ما هو من أسباب ضلال بني آدم وجعل القبور أوثانًا هو أول الشرك.\nولهذا يحصل عند القبور لبعض الناس من خطاب يسمعه وشخص يراه وتصرف عجيب ما يظن أنه من الميت، وقد يكون من الجن والشياطين مثل أن يرى القبر قد انشقَّ وخرج منه الميت وكلَّمه وعانقه، وهذا يرى عند قبور الأنبياء وغيرهم وإنما هو شيطان فإنَّ الشيطان يتصور بصور الإنس ويدعي أحدهم أنه النبي فلان، أو الشيخ فلان ويكون كاذبًا في ذلك.\nوفي هذا الباب من الوقائع ما يضيق هذا الموضع عن ذكره، وهي كثيرة جدًّا، والجاهل يظنُّ أنَّ ذلك الذي رآه قد خرج من القبر وعانقه أو كلَّمه هو المقبور أو النبي أو الصالح وغيرهما\" (^١).\nوقال ابن تيمية: \"وما أحفظ -لا عن صحابيٍّ ولا تابعيٍّ ولا عن إمامٍ معروف- أنه استحب قصد شيء من القبور للدعاء عنده، ولا روى أحدٌ في ذلك شيئًا، لا عن النبي - ﷺ - ولا عن الصحابة ولا عن أحدٍ من الأئمة المعروفين، وقد صنَّف النَّاس في الدعاء وأوقاته وأمكنته، وذكروا فيه الآثار، فما ذكر أحدٌ منهم في فضل\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ١٦٦ - ١٦٧ - ١٦٨، ينظر: النبذة الشريفة النفيسة في الرد على القبوريين، ص ٥٥، ١٩٩، ١٠١، ١٠٨، ١٣٢، ١٦٦.","vol":"1","page":382},{"text":"الدعاء عند شيءٍ من القبور حَرْفًا واحدًا -فيما أعلم-، فكيف يجوز -والحال هذه- أن يكون الدعاء عندها أجوب وأفضل، والسَّلف تنكره ولا تعرفه، وتنهى عنه ولا تأمر به.\nنعم صار من نحو المائة الثالثة يوجد متفرِّقًا في كلام بعض الناس: فلانٌ تُرجى الإجابة عند قبره وفلانٌ يُدعى عند قبره، ونحو ذلك كما وجد الإنكار على من يقول ويأمر به، كائنًا من كان ... \" (^١).\nوقال في موضعٍ آخر: \"وأمَّا ما حُكي عن بعض المشايخ من قوله: إذا نزل بك حادثٌ، أو أمرٌ تخافه فاستوحني فيكشف ما بك من الشدَّة حيًّا كنتَ أو ميِّتًا.\nفهذا الكلام ونحوه إمَّا أن يكون كذبًا من الناقل أو خطأً من القائل؛ فإنَّه نقلٌ لا يُعرف صدقه عن قائل غير معصوم، ومن ترك النقل المصدّق عن القائل المعصوم واتبع نقلًا غير مصدّق عن قائل غير معصوم فقد ضلَّ ضلالًا بعيدا\" (^٢).\n\"فعُلم أنَّ هذا من الضلال، وإن كان بعض الشيوخ قال ذلك فهو خطأ منه والله يغفر له إن كان مجتهدًا مخطئًا، وليس هو بنبيٍّ يجب اتباع قوله ولا معصوم فيما يأمر به وينهى عنه، وقد قال الله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (^٣) (^٤).\n\"وهذه البدع إنما يحدثها أهل الغلو والشرك المشبهين للنصارى من أهل البدع الرافضة الغالية في الأئمة ومن أشبههم من الغلاة في المشايخ\" (^٥).\n_________\n(^١) اقتضاء الصراط المستقيم ٢/ ٢٤٦.\n(^٢) مجموع الفتاوى ٢٧/ ١٢٥.\n(^٣) سورة النساء: ٥٩.\n(^٤) مجموع الفتاوى ٢٧/ ١٢٥، ٢٧/ ٤٦٥ - ٤٦٧، و٢٧/ ١٦٧ - ١٦٨.\n(^٥) المرجع السابق ٢٧/ ١٢٧.","vol":"1","page":383},{"text":"٢ - الذكر بالاسم المفرد\nقال ابن عجيبة في تفسيره لقول الله تعالى: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ (^١) \"واذكر اسم ربك، أي: استغرق أنفاسك في ذكر اسمه الأعظم، وهو الاسم المفرد؛ الله الله\" (^٢).\nوقال أيضًا: \"والنار التي تحرق البشرية هي مخالفة الهوى، وتحمل النفس ما يثقل عليها، كالذُّل والفقر، ونحوهما مع دوام ذكر الاسم المفرد، فكلَّما فني فيه ذابت بشريته، وقويت روحانيته حتى تستولي على بشريته، فحينئذٍ يكون الحكم لها\" (^٣).\nوابن عجيبة في قوله في الاسم المفرد يسير على عقيدة المتصوفة وابتداعهم للأذكار الباطلة، ولا ريب أنَّ هذا من الآثار السيئة المترتبة على ترك ما جاء في الوحيين، فليتأمل العاقل الحصيف كيف جرَّ هذا المنكر في الاستغراق في الاسم المفرد إلى ما هو أقبح منه في الانحراف العقدي.\nقال ابن تيمية في ردِّه على الصوفية: \"والذكر بالاسم المفرد مظهرًا ومضمرًا بدعةٌ في الشرع، وخطأٌ في القول واللُّغة، فإنَّ الاسم المجرَّد ليس هو كلامًا لا إيمانًا ولا كفرًا (^٤).\nوقال في موضعٍ آخر: \"وأمَّا الاسم المفرد مظهرًا أو مضمرًا فليس بكلامٍ تام، ولا جملة مفيدة، ولا يتعلَّق به إيمان، ولا كفر، ولا أمر، ولا نهي، ولم يذكر ذلك أحدٌ من سلف الأمة، ولا شرع ذلك رسول اللّه - ﷺ -، ولا يعطي القلب بنفسه معرفة\n_________\n(^١) سورة الإنسان: ٢٥.\n(^٢) البحر المديد ٧/ ٢٠٥.\n(^٣) الفتوحات الإلهية، ص ٢٥١.\n(^٤) مجموع الفتاوى ١٠/ ٣٩٦.","vol":"1","page":384},{"text":"مفيدة، ولا حالًا نافعًا، وإنما يعطيه تصورًا مطلقًا، لا يحكم عليه بنفيٍ ولا إثبات، فإن لم يقترن به من معرفة القلب وحاله ما يفيد بنفسه وإلا لم يكن فيه فائدة، والشريعة إنما تشرع من الأذكار ما يفيد بنفسه، لا ما تكون الفائدة حاصلة بغيره، وقد وقع من واظب على هذا الذكر بالاسم المفرد وبـ (هو) في فنون الإلحاد وأنواع من الاتحاد ... والذكر بالاسم المضمر المفرد أبعد عن السُّنَّة، وأدخل في البدعة، وأقرب إلى إضلال الشيطان، فإن من قال: يا هو يا هو، أو: هو هو، ونحو ذلك لم يكن الضمير عائدًا إلا إلى ما يصوره قلبه، والقلب قد يهتدي وقد يضل\" (^١).\nوهذا الذكر بالاسم المفرد لا أصل له، ولا يدلُّ على مدحٍ ولا تعظيم، وكل ذلك من البدع والمحدثات المخالفة لطريقة رسول الله - ﷺ - وطريقة أصحابه - ﵃ - والتابعين لهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، ولم يعمل به سلف الأُمَّة، فالخير كلُّ الخير في اقتفاء أثرهم واتباع هديهم.\nقال ابن تيمية: \"وأما الاقتصار على الاسم المفرد مظهرًا أو مضمرًا فلا أصل له فضلًا عن أن يكون من ذكر الخاصَّة والعارفين، بل هو وسيلة إلى أنواع من البدع والضلالات وذريعة إلى تصورات أحوال فاسدة من أحوال أهل الإلحاد وأهل الاتحاد\" (^٢).\nوقال ابن القيم: \"فإنَّ الذكر بالاسم المفرد غير مشروع أصلًا، ولا مفيد شيئًا، ولا هو كلام أصلًا، ولا يدلُّ على مدحٍ ولا تعظيم، ولا يتعلَّق به إيمانٌ ولا ثواب، ولا يدخل به الذاكر في عقد الإسلام جملة.\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ١٠/ ٢٢٧.\n(^٢) المرجع نفسه ١٠/ ٢٢٧.","vol":"1","page":385},{"text":"فلو قال الكافر: (الله، الله) من أول عمره إلى آخره لم يصر بذلك مسلمًا فضلًا عن أن يكون من جملة الذكر، أو يكون أفضل الأذكار، وبالغ بعضهم في ذلك حتى قال: الذكر بالاسم المضمر أفضل من الذكر بالاسم الظاهر، أو الذكر بقوله: (هو، هو) أفضل من الذكر بقولهم: (الله، الله)، وكل هذا من أنواع الهوس والخيالات الباطلة المفضية بأهلها إلى أنواع من الضلالات\" (^١).\nوإذا كان حال أحدهم ذاكرًا مختليًا في الاسم المفرد -كما زعموا- فمتى سيتدبر آيات الله - ﷿ - ويدرك معاني الأحاديث النبوية، ويعمل بها على هدي سنَّة النبي - ﷺ - \"فإنَّ طريق السُّنَّة علمٌ وعدلٌ وهدى، وفي البدعة جهلٌ وظلمٌ، وفيها اتباع الظن وما تهوى الأنفس\" (^٢).\nولا شكَّ أنَّ ترديد هذا الاسم إلى جانب ما فيه من البدع، فهو تعدٍّ في الدعاء بجهر الصوت الجماعي، ولا يوجد لا في الكتاب ولا في السُّنَّة ما يدل على الاجتماع على الذكر جهرًا ولا علانية.\nقال تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (^٣).\nقال الشيخ السعدي: \"ومن الاعتداء كون العبد يسأل الله مسائل لا تصلح له، أو يتنطع في السؤال، أو يبالغ في رفع صوته بالدعاء، فكلُّ هذا داخلٌ في الاعتداء المنهي عنه\" (^٤).\nولقد نهى نبيُّنا محمَّدٌ - ﷺ - الذين رفعوا صوتهم بالتكبير، رغم أنهم لم يرفعوه\n_________\n(^١) طريق الهجرتين، ص ٤٩٨ - ٤٩٩.\n(^٢) الإبداع في مضار الابتداع، ص ٧٨، وينظر: المدخل، لابن الحاج ٢/ ٢٤٢.\n(^٣) سورة الأعراف: ٥٥.\n(^٤) تيسير الكريم المنان في تفسير كلام الرحمن ١/ ٢٩١.","vol":"1","page":386},{"text":"بصوتٍ واحد، ولكن امتثالًا للآية.\nعن أبي موسى - ﵁ - قال: كنا مع النبي - ﷺ - في سفرٍ فكنَّا إذا علونا كبَّرنا، فقال النبي - ﷺ -: «أيُّها النَّاس، اربعوا على أنفسكم فإنَّكم لا تدعون أصمَّ ولا غائبًا ولكن تدعون سميعًا بصيرًا» (^١).\nومن حيث الكيفية فإنَّ الشارع إذا ندب لأمرٍ لا بدَّ أن يؤتى بالكيفية التي شرعها، ولا يزاد عليها ولا ينقص، قال الشاطبي: \"إنَّ الدليل الشرعي إذا اقتضى أمرًا في الجملة مما يتعلَّق بالعبادات مثلًا، فأتى المكلَّف في ذلك الأمر بكيفية مخصوصة، أو زمان مخصوص أو مكان مخصوص، أو مقارنًا لعبادة مخصوصة والتزم ذلك بحيث صار متخيلًا أنَّ الكيفية أو الزمان أو المكان مقصود شرعًا من غير أن يدلَّ الدليل عليه، كان الدليل بمعزلٍ عن ذلك المعنى المستدل عليه.\nفإذا ندب الشرع إلى ذكر الله، فالتزم قومٌ الاجتماع عليه على لسانٍ واحدٍ وبصوتٍ واحد، أو في وقتٍ معلومٍ مخصوصٍ عن سائر الأوقات، لم يكن في ندب الشرع ما يدلُّ على هذا التخصيص الملتزم، بل فيه ما يدلُّ على خلافه؛ لأن التزام الأمور غير اللازمة شرعًا شأنها أن تُفهم التشريع، وخصوصًا مع من يُقتدى به في مجامع الناس كالمساجد، فإنَّها إذا ظهرت هذا الإظهار ووضعت في المساجد كسائر الشعائر التي وضعها رسول الله - ﷺ - في المساجد وما أشبهها كالأذان وصلاة العيدين والاستسقاء والكسوف فُهم منها بلا شكٍّ أنها سُنن، إذا لم تفهم منه الفرضية فأحرى أن لا يتناولها الدليل المستدل به فصارت من هذه الجهة بدعًا محدثةً بذلك.\nوعلى ذلك ترك التزام السلف الصالح لتلك الأشياء أو عدم العمل بها وهم\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب بدء الوحي، باب الدعاء إذا علا عقبة ٨/ ١٠١، قم ٢٩٩٢.","vol":"1","page":387},{"text":"كانوا أحق بها وأهلها لو كانت مشروعة على مقتضى القواعد؛ لأنَّ الذكر قد ندب إليه الشرع في مواضع كثيرة حتى إنه لم يطلب في تكثير عبادة من العبادات ما طلب من التكثير من الذكر، بخلاف سائر العبادات كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ (^١)، ومثل هذا الدعاء فإنه ذكر الله - ﷿ - ومع ذلك فلم يلتزموا فيه كيفيات ولا قيدوه بأوقات مخصوصة بحيث تشعر باختصاص التعبد بتلك الأوقات إلا ما عيَّنه الدليل كالغداة والعشي، ولا أظهروا منه إلا ما نصَّ الشارع على إظهاره كالذكر في العيدين وشبهه، وما سوى ذلك فكانوا مثابرين على إخفائه وسرِّه، ولذلك قال لهم حين رفعوا اصواتهم: «اربعوا على أنفسكم، إنكم لا تدعون أصمَّ ولا غائبًا» وأشباهه ولم يظهروه في الجماعات.\nفكلُّ من خالف هذا الأصل فقد خالف إطلاق الدليل أولًا؛ لأنَّه قيّد فيه بالرأي، وخالف من كان أعرف منه بالشريعة وهم السلف الصالح - ﵃ -، بل كان رسول الله - ﷺ - يترك العمل وهو يحب أن يعمل به خوفًا أن يعمل به الناس فيفرض عليهم\" (^٢).\nوالغاية من ترديد الاسم المفرد عند الصوفية ما يلي:\nأ الوصول إلى وحدة الوجود\nقال ابن عجيبة: \"فإن دمت على ذكر الحضور رفعك إلى ذكر مع الغيبة عمَّا سوى المذكور، لما يعمر قلبك من النور، وربما قرب يعظم قرب نور المذكور فيغرق في النور حتى يغيب عمَّا سوى المذكور، حتى يصير الذاكر مذكورًا، والطالب مطلوبًا،\n_________\n(^١) سورة الأحزاب: ٤١.\n(^٢) الاعتصام ١/ ٢٤٩.","vol":"1","page":388},{"text":"والواصل موصولًا ... وهنا يسكت اللسان، وينتقل الذاكر للجنان، فيصير ذكر اللسان غفلة في حق أهل هذا المقام ...؛ لأنَّ ذكره باللِّسان وتكلفه يقتضي وجود النفس، وهو شرك، والشرك أقبح من الغفلة ... والفرض أنَّ الذكر محو في مقام العيان\" (^١).\nوقال أيضًا: \"وهو ركنٌ قويٌّ في طريق الوصول\" (^٢).\nوعلّق ابن عجيبة على تكرار ابن مشيش للفظ الجلالة بقوله: \"كرره ثلاثًا على عدد العوالم الثلاثة: الملك والملكوت والجبروت، فكلُّ مرَّةٍ يعني بها عالَمًا ويترقى إلى عالمٍ آخر حتى يتقرر بالثلاثة في عالم الجبروت\" (^٣).\nب الكشف (^٤)\nقال ابن عجيبة: \"النَّاس في الذكر على ثلاثة أقسام: قسم يطلبون الأجور، وقسم يطلبون الحضور، وقسم وصلوا ورفعوا الستور\" (^٥).\nج- الاستغراق\nقال ابن عجيبة: لا يكون الفتح على تحقيق العبد بمقام الرضا إلا بعد تحققه بثلاثة أمور: الاستغراق في الاسم المفرد، صحبته للصالحين، مسكه بالعمل الصالح الذي لم يتصل به شيءٌ من العلل وهو التمسُّك بالشريعة المحمدية\" (^٦).\nوهذه الشطحات الصوفية التي يريدون أن يصلوا إليها سبق بيانها والرد عليها في مباحث سابقة.\n_________\n(^١) إيقاظ الهمم، ص ١١٩ - ١١٠.\n(^٢) معراج التشوف، ص ٤٢.\n(^٣) شرح صلاة ابن مشيش، ص ٣٣ - ٣٤.\n(^٤) تقدم في مصادر التلقِّي.\n(^٥) إيقاظ الهمم، ص ٤٢٦.\n(^٦) شرح الآجرومية، ص ٢٩.","vol":"1","page":389},{"text":"٣ - شعائر التصوف (لبس المرقعة، التلقين، تعليق التسابيح)\nقال ابن عجيبة: لما فتح الله علينا في علم الحقيقة أذن لي الشيخ في الخروج إلى تذكير عباد الله وتلقين الأوراد، فتاب الناس وعلَّقوا التسابيح في أعناقهم ثم استأذنت الشيخ في لبس المرقعة (^١).\nويقول أيضًا: \"ولما لقنني (^٢) الورد قلتُ له: أنا بين يديك افعل بي ما شئت، فقال: تبارك الله عليك، ثم التفت إلى بعض أصحابه فقال لهم: سيدي أحمد متصفٌ بالزُّهد والورع والتوكُّل والصبر والحلم والرضى والتسليم والشفقة والرحمة والسخاء ... حتى عد اثني عشر مقامًا فقلت له: يا سيدي هذا هو التصوُّف، فقال: هذا تصوُّف الظاهر وبقي تصوف الباطن ستعرفه إن شاء الله\" (^٣).\nوقال: ثم علَّقتُ السُّبحة الغليظة في عنقي، ولبستُ المرقعة ففرَّ الناس منِّي، وتفرَّغتُ لسلوك الطريق (^٤).\nوهذه الأقوال التي ذكرها ابن عجيبة تبيِّن أنَّ بعض الصوفية اتخذوا لهم شعائر ما أنزل الله بها من سلطان، ولم تعرف في عهد الصحابة - ﵃ - ولا التابعين.\nيقول ابن تيمية: \"قد عُقل بالنَّقل المتواتر أنَّ الصحابة لم يكونوا يُلبسون مريديهم (^٥) خرقة، ولا يقصُّون شعورهم، ولا التابعون، ولكن هذا فعله بعض مشايخ المشرق من المتأخرين ... وقد علم كلُّ من له علمٌ بأحوال الصحابة والتابعين أنه لم يكن فيهم أحدٌ يلبس سراويل، ولا يُسْقَى ملحًا، ولا يختصُّ أحدٌ بطريقة تسمى\n_________\n(^١) ينظر الفهرسة، ص ٤٩، ٥٤.\n(^٢) شيخه البوزيدي، سبقت ترجمته.\n(^٣) الفهرسة، ص ٤٥، ٥٦، ٨٣.\n(^٤) الفهرسة، ص ٨٣.\n(^٥) يعني ابن تيمية بمريديهم أصحابهم أو تلامذتهم من التابعين؛ لأنَّ المريد هو تلميذ الشيخ عند الصوفية.","vol":"1","page":390},{"text":"الفتوة\" (^١).\nوللأسف فالبعض لا زالت عنده لوثة التصوف إمَّا تقليدًا للآباء، أو جهلًا بالعلم الشرعي، فتراهم يلبسون الخرقة زاعمين أنَّها لبس النبي - ﷺ -.\nقال ابن تيمية: \"وأما لباس الخرقة التي يلبسها بعض المشايخ المريدين فهذه ليس لها أصل يدلُّ عليها الدلالة المعتبرة من جهة الكتاب والسُّنَّة ولا كان المشايخ المتقدمون وأكثر المتأخرين يلبسونها المريدين ... وأمَّا جعل ذلك سُنَّةً وطريقًا إلى الله - ﷾ - فليس الأمر كذلك\" (^٢).\nأمَّا القول الحق في ذلك فيتضح بموقف السلف من علمائهم ومشايخهم.\nقال ابن تيمية: \"لكن كانوا قد اجتمع بهم التابعون، وتعلَّموا منهم، وتأدَّبوا بهم، واستفادوا منهم، وتخرَّجوا على أيديهم، وصحبوا من صحبوه منهم، وكانوا يستفيدون من جميع الصحابة ... وقد انتفع بكلٍّ منهم من نفعه الله، وكلهم متفقون على دين واحد، وطريق واحدة، وسبيل واحدة، يعبدون الله ويطيعون الله ورسوله - ﷺ - ومن بلَّغهم من الصادقين عن النبي - ﷺ - شيئًا قبلوه، ومن فهم من القرآن والسُّنَّة ما دلَّ عليه القرآن والسُّنَّة استفادوه، ومن دعاهم إلى الخير الذي يحبه الله ورسوله أجابوه، فإنَّ هذا ونحوه دين النصارى الذين قال الله فيهم: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (^٣).\n_________\n(^١) منهاج السُّنَّة النبوية في نقض كلام الشيعة القدرية ٨/ ٤٧.\n(^٢) مجموع الفتاوى ١١/ ٥١١.\n(^٣) سورة التوبة: ٣١.","vol":"1","page":391},{"text":"ولم يكن أحدٌ منهم يجعل شيخه ربًّا يستغيث به، كالإله الذي يسأله ويرغب إليه، ويعبده ويتوكل عليه، ويستغيث به حيًّا وميتًا، ولا كالنبي الذي تجب طاعته في كلِّ ما أمر، فالحلال ما حلَّله والحرام ما حرَّمه، وكانوا متعاونين على البرِّ والتقوى، لا على الإثم والعدوان، متواصين بالحق، متواصين بالصبر\" (^١).\nوقال ابن الجوزي: \"وقد قرَّروا أنَّ هذه المرقعة لا تلبس إلا من يد شيخ وجعلوا لها إسنادًا متصلًا كله كذبٌ ومحال ... انظروا إخواني عصمنا الله وإياكم من تلبيس إبليس إلى تلاعب هؤلاء الجهلة بالشريعة وإجماع مشايخهم الذي لا يساوي إجماعهم بعرة\" (^٢).\nوفعل الصوفية هذا فيه مصادمة لنصوص الوحي التي جاءت مستفيضة بالحثِّ على التزين واللِّباس الحسن، قال تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ (^٣)، وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (^٤).\nواستحسن النبي - ﷺ - إظهار الزينة في غير إسراف ولا مخيلة، فقد قال - ﷺ - للرَّجُل الذي قال يا رسول: الرَّجُلُ يحبُّ أن يكون ثوبه حسنًا ونعله حسنة؟ قال الرسول - ﷺ -: «إنَّ الله جميلٌ يحبُّ الجمال» (^٥).\nوإنَّك لو سبرت كتب السُّنَّة لوجدت فيها أبوابًا كثيرةً خاصَّةً بالتجمُّل والزينة،\n_________\n(^١) منهاج السُّنَّة النبوية ٨/ ٤٧ - ٤٨.\n(^٢) تلبيس إبليس، ص ٢٣٦.\n(^٣) سورة الأعراف: ٣١.\n(^٤) سورة فاطر: ١٢.\n(^٥) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب تحريم الكبر وبيانه ١/ ٦٥، رقم ٢٧٥.","vol":"1","page":392},{"text":"ولوجدتَ مؤلفيها يدعون إلى مجانبة الغلو، ويحذرون من أهل الأهواء في اعتقاداتهم الباطلة في لباسهم، وشعائرهم البدعية، ويعدون ذلك من ضعف الإيمان، ومتابعة الأمم السابقة.\nوفي ذلك قال الآجري (^١): \"من تصفَّح أمر هذه الأُمَّة من عالم عاقل، علم أنَّ أكثرهم العام منهم يجري أمورهم على سنن أهل الكتابين، كما قال النبي - ﷺ -، وعلى سنن كسرى وقيصر وعلى سنن أهل الجاهلية، وذلك مثل السلطنة وأحكامهم وأحكام العُمَّال والأمراء وغيرهم، وأمر المصائب والأفراح والمساكن واللباس والحلية، والأكل والشرب والولائم، والمراكب والخدم والمجالس والمجالسة، والبيع والشراء، والمكاسب من جهات كثيرة، وأشباه لما ذكرت يطول شرحها تجري بينهم على خلاف السُّنَّة والكتاب، وإنما تجري بينهم على سنن من قبلنا، كما قال النبي - ﷺ -، والله المستعان، ما أقلَّ من يتخلَّص من البلاء الذي قد عمَّ الناس، ولن يميِّز هذا إلا عاقلٌ عالمٌ قد أدَّبه العلم\" (^٢).\nواتخاذ الصوفية المرقعات شعارًا للزُّهد والتقشُّف مخالفة للشرع، بل الواجب على العبد أن يظهر أثر نعمة الله عليه، وهذا هو الذي أمرنا به نبيُّنا محمَّد - ﷺ -.\nقال رجل: دخلت على رسول الله - ﷺ - فرآني سيء الهيئة، فقال النبي - ﷺ -: «هل لك من شيء؟» قال: نعم من كلِّ المال قد آتاني الله، فقال: «إذا كان لك مال فليُرَ عليك» (^٣).\n_________\n(^١) أبو بكر، محمد بن الحسين بن عبد الله، وقيل عبد الله الآجري البغدادي المكي، والآجري نسبته إلى درب الآجر وهي محلة ببغداد، وقيل نسبته إلى الآجر: وهو من طبيخ اللبن، له مؤلفات منها: كتاب أخلاق العلماء، أحكام النساء، الأمر بلزوم الجماعة وترك الابتداع، توفي سنة ٣٦٠ هـ وعمره ٨٠ عامًا وقيل ٩٦. ينظر: وفيات الأعيان ٤/ ١١٤، تاريخ بغداد ٢/ ٢٣٩، معجم البلدان ١/ ٥١، سير أعلام النبلاء ١٦/ ١٣٥ شذرات الذهب ٣/ ٣٥.\n(^٢) الشريعة ١/ ٣٢٢.\n(^٣) أخرجه النسائي، كتاب الزينة، باب ذكر ما يستحب من لبس الثياب وما يكره منها ٨/ ١٩٦، والترمذي ٤/ ٢٠٧، وقال: حديثٌ حسن، وصحَّحه الألباني في السلسلة الصحيحة ٣/ ٣٩٤، رقم ١٣٢٠.","vol":"1","page":393},{"text":"وقال ابن بطة (^١): \"ومن البدع ... لبس الحرير والديباج وتخريق الثياب\" (^٢).\nويقول أيضًا: \"فلو أنَّ رجلًا عاقلًا أمعن النظر اليوم في الإسلام وأهله لعلم أنَّ أمور الناس تمضي كلها على سنن أهل الكتابين ... ومتى فكَّرت في ذلك وجدت الأمر كما أخبرتك في المصائب والأفراح وفي الزي واللباس ... كل ذلك يجري بخلاف الكتاب والسُّنَّة\" (^٣).\nولعلَّ في هذا الردِّ غُنية، حتى يراجع المبتدع نفسه، ويعود إلى طريق الصواب؛ لأنَّ المبتدع كما هو معلوم معاندٌ للشرع، فهو يزداد من الله بُعْدًا والعياذ بالله، إن لم يتداركه الله بتوبةٍ قبل الموت.\nقال الله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (^٤).\nوأمَّا تعليق السُّبحة في العنق فهي من المحدثات، يقول ابن تيمية - ﵀ -: \"وأمَّا اتخاذه -أي التسبيح بالمسبحة- من غير حاجة، أو إظهاره للناس، مثل تعليقه في العنق، أو جعله كالسوار في اليد، أو نحو ذلك: فهذا إمَّا رياءٌ للناس، أو مظنة المراءاة ومشابهة المرائين من غير حاجة، الأولُ محرَّم، والثاني أقلُّ أحواله الكراهة؛ فإنَّ مراءاة الناس في العبادات المختصة كالصلاة والصيام والذِّكر وقراءة القرآن من أعظم الذنوب\" (^٥).\n_________\n(^١) أبو عبد الله، عُبيد الله بن محمد بن محمد بن حمدان وقيل حمران بن عمر بن عيسى المعروف بابن بطة العكبري، ولد سنة ٣٠٤ هـ، من مؤلفاته: المناسك، الإمام ضامن، الإنكار على من قصَّر بكتب الصحف الأولى، ومن شيوخه: عمر بن الحسين الخرقي، وأبو بكر النيسابوري، والآجري، توفي سنة ٣٨٧ هـ. ينظر: البداية والنهاية ١١/ ٣٤٣، الكامل في التاريخ ٧/ ٤٩٣، أسد الغابة ٣/ ٣٦٥، تاريخ الإسلام ٢٧/ ١٠٧.\n(^٢) الشرح والإبانة، ص ٣٤٢ - ٣٤٣.\n(^٣) الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية ٤/ ٥٧٢.\n(^٤) سورة النور: ٦٣.\n(^٥) مجموع الفتاوى ٢٢/ ٥٠٦.","vol":"1","page":394},{"text":"ويقول المناوي: \"أمَّا ما أَلِفَه الغَفَلَةُ البطلةُ من إمساك سبحة يغلب على حباتها الزينة وغلو الثمن ويمسكها من غير حضور في ذلك ولا فكر ويتحدث ويسمع الأخبار ويحكيها وهو يحرِّك حبَّاتها بيده مع اشتغال قلبه ولسانه بالأمور الدنيوية فهو مذمومٌ مكروهٌ من أقبح القبائح\" (^١).\nوقال الشيخ بكر أبو زيد - ﵀ - (^٢): \"وإنَّه إذا انضاف إلى السُّبْحةِ أمرٌ زائدٌ غير مشروع، مثل جعلها في الأعناق تعبُّدًا، والتغالي فيها من أنها حبل الوصل إلى الله، ودخول أي معتقد نفعًا وضرًّا، وإظهار التنسُّك والزهادة، إلى غير ذلك مما يأباه الشرع المطهَّر، فإنَّه يحرم اتخاذها، بوجهٍ أشد ...\nومن وقف على تاريخ اتخاذ السُّبحة، وأنَّها من شعائر الكُفَّار من البوذيين والهندوس والنصارى وغيرهم، وأنَّها تسرَّبت إلى المسلمين من معابدهم، علم أنَّها من خصوصيات معابد الكفرة، وأنَّ اتخاذ المسلم لها وسيلة للعبادة بدعة ضلالة، وهذا ظاهرٌ بحمد الله تعالى، وهذا أهمُّ مَدْرَكٍ لِلْحُكْم على السُّبْحَة بالبدعة، ... وتحقق مناط المنع فيها: التشبُّه\" (^٣).\n_________\n(^١) فيض القدير ٤/ ٣٥٥.\n(^٢) بكر بن عبد الله أبو زيد بن محمد بن عبد الله بن بكر بن عثمان بن يحيى، من قبيلة بني زيد القضاعية، ولد عام ١٣٦٥ هـ، من مشايخه: الشيخ صالح بن مطلق، والشيخ عبد العزيز بن باز، والشيخ محمد الأمين الشنقيطي، أُسندت إليه الكثير من المناصب، عُيِّن قاضيًا في المدينة النبوية، ثم إمامًا وخطيبًا للمسجد النبوي، ثم وكيلًا عامًا لوزارة العدل، له تصانيف عديدة منها: فقه النوازل، أجهزة الإنعاش وعلامة الوفاة، حكم الانتماء إلى الفرق والأحزاب والجماعات، براءة أهل السُّنَّة من الوقيعة في علماء الأُمَّة، كانت وفاته عام ١٤٢٩ هـ. ينظر: فتاوى اللجنة الدائمة، ص ١٥.\n(^٣) السبحة تاريخها وحكمها، ص ١٠١.","vol":"1","page":395},{"text":"شبهة من اتخذ السُّبحة شعارًا والرَّد عليه:\nقال البناني (^١): \"إنَّ العقد بالأنامل إنما يتيسر في الأذكار القليلة من (المائة) فَدُوْن، أمَّا أهل الأوراد الكثيرة، والأذكار المتصلة، فلو عدَّوا بأصابعهم لدخلهم الغلط، واستولى عليهم الشغل بالأصابع، وهذه حكمة اتخاذ السُبْحة\" (^٢).\nقال الشيخ بكر أبو زيد - ﵀ -: \"ليس في الشرع المطهَّر أكثر من المائة في عدد الذكر المقيَّد بحال أو زمان أو مكان، وما سوى المقيَّد فهو من الذكر المطلق، والله - ﷾ - يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ (^٣)، وتوظيف الإِنسان على نفسه ذكرًا مقيَّدًا بعددٍ لم يأمر الله به ولا رسوله - ﷺ - هو زيادة على المشروع، ونفس المؤمن لا تشبع من الخير، وكثرة الدعاء والذكر، وهذا الأمر المطلق من فضل الله على عباده في حدود ما شرعه الله من الأدعية والأذكار المطلقة، بلا عددٍ معيَّن، كلٌّ حسب طاقته ووُسعِه، وفَرَاغه، وهذا من تيسير الله على عباده، ورحمته بهم.\nوانظر لَمَّا ألزم الطرقية أنفسهم بأعدادٍ لا دليل على تحديدها؛ وَلَّدَ لَهُمْ هذا الإِحداث بِدَعًا من اتخاذ السُّبَح، وإلزام أنفسهم بها، واتخاذها شعارًا وتعليقها في الأعناق، واعتقادات متنوعة فيها رغبًا، ورهبًا، والغلو في اتخاذها، حتى ناءت بحملها الأبدان، فَعُلِّقَتْ بالسُّقوف والجدران، وَوُقِّفَت الوقوف على العَادِّين بها، وانْقَسَمَ\n_________\n(^١) هو: أبو بكر، بن محمد بن عبد الله البناني الفاسي الرباطي، متصوف، مولده ووفاته في رباط الفتح، أصله من فاس، له في التصوف أكثر من ستين كتابًا، منها: رسائله المسماة مدارج السلوك إلى ملك الملوك، الغيث المسجم في شرح الحكم العطائية، بلوغ الأمنية في شرح حديث «إنما الأعمال بالنية»، توفي عام ١١٦٣ هـ. ينظر: الأعلام ٢/ ٧٠.\n(^٢) منحة أهل الفتوحات والأذواق، ص ٩.\n(^٣) سورة الأحزاب: ٤١.","vol":"1","page":396},{"text":"المتعبِّدون في اتخاذها: نوعًا وكيفيةً، وزمانًا ومكانًا، وعددًا، ثم تطورت إلى آلةٍ حديدية مصنَّعة، إلى آخر ما هنالك مما يأباه الله ورسوله والمؤمنون، فعلى كل عبدٍ ناصحٍ لنفسه أن يتجرَّد من الإِحداث في الدين، وأن يقصر نفسه على التأسِّي بخاتم الأنبياء والمرسلين، وصحابته - ﵃ - \" (^١).\n٤ - صلاة التسابيح\nأ كيفيتها عند ابن عجيبة\nقال: \"أربع ركعات تقرأ فيها الفاتحة والكافرون والعصر (....) (^٢) والإخلاص، وبعد ذلك سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر خمسة عشر مرة، وفي القيام وفي الركوع والاعتدال والسجود، والجلوس بينهما، والاستراحة بينهما والتشهد وبعدها قبل السلام يدعو ... \" (^٣).\nب ما يستند عليه في مشروعيتها\nومستند المجيزين لها ما رواه أهل السُّنن عن ابن عبَّاس - ﵄ - أنَّ رسول الله - ﷺ - قال للعبَّاس بن عبد المطلب: «يَا عَبَّاسُ يَا عَمَّاهُ أَلَا أُعْطِيكَ أَلَا أَمْنَحُكَ أَلَا أَحْبُوكَ أَلَا أَفْعَلُ بِكَ عَشْرَ خِصَالٍ إِذَا أَنْتَ فَعَلْتَ ذَلِكَ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ ذَنْبَكَ أَوَّلَهُ وَآخِرَهُ قَدِيمَهُ وَحَدِيثَهُ خَطَأَهُ وَعَمْدَهُ صَغِيرَهُ وَكَبِيرَهُ سِرَّهُ وَعَلَانِيَتَهُ عَشْرَ خِصَالٍ، أَنْ تُصَلِّيَ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ تَقْرَأُ في كُلِّ رَكْعَةٍ فَاتِحَةَ الكِتَابِ وَسُورَةً، فَإِذَا فَرَغْتَ مِنَ الْقِرَاءَةِ في أَوَّلِ رَكْعَةٍ وَأَنْتَ قَائِمٌ قُلْتَ سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إِلَهَ إِلَاّ اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ خَمْسَ\n_________\n(^١) ينظر: السبحة تاريخها وحكمها، ص ١٠٤.\n(^٢) لم يتضح لي من المخطوط.\n(^٣) مخطوط الأنوار السنية والأذكار النبوية ل/٦.","vol":"1","page":397},{"text":"عَشْرَةَ مَرَّةً، ثُمَّ تَرْكَعُ فَتَقُولُهَا وَأَنْتَ رَاكِعٌ عَشْرًا، ثُمَّ تَرْفَعُ رَأْسَكَ مِنَ الرُّكُوعِ فَتَقُولُهَا عَشْرًا، ثُمَّ تَهْوِى سَاجِدًا فَتَقُولُهَا وَأَنْتَ سَاجِدٌ عَشْرًا، ثُمَّ تَرْفَعُ رَأْسَكَ مِنَ السُّجُودِ فَتَقُولُهَا عَشْرًا، ثُمَّ تَسْجُدُ فَتَقُولُهَا عَشْرًا، ثُمَّ تَرْفَعُ رَأْسَكَ فَتَقُولُهَا عَشْرًا، فَذَلِكَ خَمْسٌ وَسَبْعُونَ في كُلِّ رَكْعَةٍ تَفْعَلُ ذَلِكَ في أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ، إِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تُصَلِّيَهَا في كُلِّ يَوْمٍ مَرَّةً فَافْعَلْ، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ ففي كُلِّ جُمُعَةٍ مَرَّةً، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ ففي كُلِّ شَهْرٍ مَرَّةً، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ ففي كُلِّ سَنَةٍ مَرَّةً، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ ففي عُمُرِكَ مَرَّةً» (^١).\nوهذه الصلاة التي تعرف عند أهل العلم بصلاة التسابيح قد اختلف فيها أهل العلم: فمنهم من ينكرها ولا يرى مشروعيتها كالإمام أحمد (^٢)، ومنهم من يقول بمشروعيتها كالحنفيَّة والشافعيَّة، وسبب ذلك اختلافهم في صحة الحديث الوارد فيها، فمنهم من صحَّحه، ومنهم من حسَّنه، ومنهم من ضعَّفه، ومنهم من جعله في الموضوعات كابن الجوزي فقد عدَّه من الأحاديث الموضوعة التي لا تثبت وذكر له ثمان طرق كلها حكم عليها بعدم الثبوت (^٣).\nوالذي رجَّحه بعض أهل العلم عدم مشروعيتها وأنَّ الحديث الوارد فيها ضعيفٌ ولا يصحُّ، قال العقيلي: \"ليس في صلاةِ التسبيح حديثٌ يثبت\" (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه أبوداود، باب صلاة التسابيح ١/ ٤٩٩، وابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة والسُّنَّة، باب صلاة التسابيح رقم ١٣٨٦ - ١٣٨٧ والترمذي، كتاب الصلاة، باب ما جاء في صلاة التسابيح ٢/ ٣٤٨، رقم ٤٨١، وقال: هذا حديثٌ غريب، وقد روي عن النبي - ﷺ - غير حديث في صلاة التسبيح، ولا يصح منها شيء، وأخرجه البيهقي من حديث أبي رافع (٣/ ٥٢)، وقال الألباني: إنَّ الحديث ثابت في جميع طرقه ولا ينزل عن مرتبة الحسن، وهو عندي صحيح بمجموع طرقه. ينظر: صحيح الجامع الصغير ٢/ ١٣١٤.\n(^٢) ينظر: المغني ٢/ ٩٨.\n(^٣) ينظر: الموضوعات ٢/ ١٤٤.\n(^٤) الضعفاء الكبير ١/ ١٢٤.\nوالعقيلي هو: أبو جعفر، محمد بن عمرو بن موسى بن حماد العقيلي، سمع جدَّه لأمه يزيد بن محمد بن العقيلي ومحمد بن إسماعيل الصائغ وأبا يحيى بن أبي مسرة، وعلي بن عبد العزيز البغوي، ومحمد بن خزيمة، وكان مقيمًا بالحرمين، وحدَّث عنه أبو الحسن محمد بن نافع الخزاعي، ويوسف بن الدخيل المصري وأبو بكر بن المقرئ، له تصانيف منها: الضعفاء الكبير، كتاب الصحابة، كانت وفاته عام ٣٢٢ هـ. ينظر: تذكرة الحفاظ ٣/ ٨٣٣.","vol":"1","page":398},{"text":"\"وقال أبو بكر بن العربي (^١): ليس فيها حديثٌ صحيحٌ ولا حَسَن\" (^٢).\nوضعَّف هذه الصلاة الحافظ أبو الحجَّاج المزِّي (^٣).\nوضعَّفه الهيثمي (^٤) في مجمع الزوائد (^٥).\nوقال ابن تيمية - ﵀ -: \"كلُّ صلاةٍ فيها الأمر بتقدير عدد الآيات أو السُّور أو التسبيح، فهي كذبٌ باتفاق أهلِ المعرفة بالحديث، إلا صلاة التسبيح فإنَّ فيها قولين لهم، وأظهر القولين أنها كذب، وإن كان قد اعتقد صدقها طائفة من أهل العلم، ولهذا لم يأخذها أحدٌ من أئمة المسلمين، بل أحمد بن حنبل وأئمة أصحابه كرهوها وطعنوا في حديثها، وأمَّا مالك وأبو حنيفة والشافعي وغيرهم فلم يسمعوها بالكليَّة،\n_________\n(^١) هو: أبو بكر، محمد بن عبد الله بن محمد بن العربي الإشبيلي المالكي، القاضي، له تصانيف منها: العواصم من القواصم، عارضة الأحوذي في شرح الترمذي، أحكام القرآن، القبس في شرح موطأ مالك بن أنس، توفي عام ٥٤٣. ينظر: تذكرة الحفاظ ٤/ ١٢٩٤، ١٠٨١، شذرات الذهب ٤/ ١٤١.\n(^٢) عارضة الأحوذي ٢/ ٢٢٦ - ٢٢٧.\n(^٣) ينظر: التلخيص الحبير ٢/ ٧.\n\nوالمزِّي هو: أبو الحجاج، جمال الدين يوسف بن عبد الرحمن بن يوسف المزِّي، من أصحاب شيخ الإسلام ابن تيمية، كان محمود السيرة، من تلامذته الحافظ ابن كثير وهو زوج ابنته، توفي عام ٧٤٢ هـ. ينظر: البداية والنهاية ١٤/ ١٩١.\n(^٤) هو: أبو الحسن، علي بن أبي بكر بن سليمان الهيثمي، نور الدين، المصري القاهري، ولد عام ٧٣٥ هـ، له كتب وتخاريج في الحديث، منها: مجمع الزوائد ومنبع والفوائد، ترتيب الثقات، لابن حبان، وتقريب البغية في ترتيب أحاديث الحلية، كانت وفاته عام ٨٠٧ هـ. - ينظر: الأعلام ٤/ ٢٦٦.\n(^٥) مجمع الزوائد ومنبع الفوائد ٢/ ٢٨٤ - ٢٨٥.","vol":"1","page":399},{"text":"ومن يستحبها من أصحاب الشافعي وأحمد وغيرهما فإنما هو اختيارٌ منهم، لا نقلٌ عن الأئمة\" (^١).\nوقال في موضع آخر: \"وأجود ما يروى من هذه الصلوات حديث صلاة التسبيح، وقد رواه أبو داود (^٢) والترمذي (^٣)، ومع هذا فلم يَقُل به أحدٌ من الأئمة الأربعة، بل أحمد ضعَّف الحديث ولم يستحب هذه الصلوات، وأمَّا ابن المبارك (^٤) فالمنقول عنه ليس مثل الصلاة المرفوعة إلى النبي - ﷺ - فإنَّ الصلاة المرفوعة إلى النبي - ﷺ - ليس فيها قعدة طويلة بعد السَّجدة الثانية، وهذا يخالف الأصول فلا يجوز أن تثبت بمثل هذا الحديث، ومن تدبَّر الأصول علم أنه موضوع\" (^٥).\n_________\n(^١) منهاج السُّنَّة ٧/ ٤٣٤، وضعَّف إسنادها ابن حجر من جميع الطرق، ينظر: التلخيص الحبير ٢/ ٧ - ٨.\n(^٢) هو: أبو داود، سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير بن شداد بن عمرو بن عمران السجستاني الأزدي، الإمام الجليل صاحب السنن، من سجستان الإقليم المعروف المتاخم لبلاد الهند، ولد سنة ٢٠٢ هـ، سمع من سعدويه وعاصم بن على والقعنبي وسليمان بن حرب، وروى عنه الترمذي والنسائي وابنه أبو بكر بن أبى داود وأبو على اللؤلؤي وأبو بكر بن داسة وأبو سعيد بن الأعرابي، وله مصنفات منها: كتاب السنن، توفي أبو داود في سادس عشر شوال سنة ٢٧٥ هـ. ينظر: طبقات الشافعية الكبرى ٢/ ٢٩٣.\n(^٣) هو: محمد بن عيسى بن سورة بن الضحاك السلمي الترمذي، كان أحد الأئمة الذين يُقتدى بهم في علم الحديث، مبرّزًا على الأقران، آية في الحفظ والإتقان، تلميذ البخاري، ولد في قرية بوغ سنة ٢٠٩ هـ، وسمع من: قتيبة بن سعيد، وأبي مصعب، وإبراهيم بن عبد الله الهروي، وإسماعيل بن موسى السدي، وسويد بن نصر، توفي سنة ٢٧٩ هـ. ينظر: تذكرة الحفاظ ٢/ ١٥٤، شذرات الذهب ٣/ ٣٢٧.\n(^٤) هو: عبد الله بن المبارك المروزي، مولى بني حنظلة، فقيه خراسان، ثقة ثبت، جمع الحديث، والفقه، والعربية وأيَّام الناس، ولد سنة ١١٨ هـ، وتوفي في رمضان سنة ١٨١ هـ، وله ثلاث وستون سنة. ينظر: جمهرة تراجم الفقهاء المالكية ٢/ ٧٣٩، الجواهر المضية في طبقات الحنفية ١/ ٢٨١.\n(^٥) مجموع الفتاوى ١١/ ٥٧٩.","vol":"1","page":400},{"text":"ونقل المباركفوري (^١) كلام المنذري (^٢) في المسألة \"قال الحافظ المنذري في الترغيب بعد ذكر حديث عكرمة عن ابن عباس المذكور: وقد روي هذا الحديث من طُرُقٍ كثيرة وعن جماعة من الصحابة وأمثلها حديث عكرمة هذا وقد صححه جماعة منهم الحافظ أبو بكر الآجري ... وشيخنا الحافظ أبو الحسن المقدسي (^٣)،\nوقال أبو بكر بن أبي داود (^٤) سمعت أبي يقول: ليس في صلاة التسبيح حديثٌ صحيحٌ غير هذا\" (^٥).\nوأمَّا ذكره المنذري في تصحيحه لهذا الحديث فقد تعقَّبه الحافظ ابن حجر\n_________\n(^١) هو أبو العلا، محمد بن عبد الرحمن بن عبد الرحيم المباركفوري، ولد ببلدة مبارك بور سنة ١٢٨٣ هـ، واشتغل بالتدريس في المدرسة الأحمدية ببلدة آره، فدرَّس وأفاد زمانًا، ثم انتقل إلى مدرسة دار القرآن والسُّنَّة في كلكته، فدرَّس بها مدة، ثم اعتزل التدريس وانقطع للتأليف، وأقام عند العلامة الشيخ شمس الحق العظيم آبادي ثلاث سنين، وأعانه في تكميل عون المعبود، ثم عاد إلى وطنه مباركفور ولزم بيته عاكفًا على التصنيف والتأليف، توفي سنة ١٣٥٣ هـ. ينظر: الإعلام بمن في تاريخ الهند من الأعلام، عبد الحي فخر الدين الطالبي ٨/ ١٢٧٢.\n(^٢) هو أبو محمد، عبد العظيم بن عبد القوي بن عبد الله، زكي الدين المنذري، عالم بالحديث، والعربية، من الحفَّاظ المؤرخين، ولد سنة ٥٨١ هـ بمصر، وقرأ القرآن على الأرتاحي، سمع من أبي عبد الله الأرتاحي، وعبد المجيد بن زهير، ومحمد بن سعيد المأموني، وروى عنه: الدمياطي، والشريف عز الدين، والشيخ محمد الفزاز، له تصانيف عديدة منها: الترغيب والترهيب، التكملة، شرح التنبيه، توفي سنة ٦٥٦ هـ. ينظر: الوافي بالوفيات ٦/ ٢٠٢.\n(^٣) هو أبو الحسن، علي بن أحمد بن عبد الدائم بن نعمة، الشيخ المقرئ المسند العابد المقدسي الصالحي، قيِّم جامع الجبل، ولد سنة ٦١٧ هـ، وسمع من البهاء عبد الرحمن، وابن الزبيدي، وابن غسان، وجعفر الهمداني وارتحل لسماع الحديث فسمع ببغداد من الكاشغري، وجماعة، ونسخ الأجزاء بخط ضعيف، وصحب الشيخ الفقيه ببعلبك مدة حصلت له الشهادة بأيدي التتار سنة ٦٩٩ هـ. ينظر: المعجم المختص بالمحدثين ١/ ١٥٧ ..\n(^٤) هو أبو بكر، عبد الله بن سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير بن شداد بن عمرو بن عمران الأزدي السجستاني، من كبار حفَّاظ الحديث له تصانيف، كان إمام أهل العراق، وعمي في آخر عمره، ولد بسجستان، ورحل مع أبيه رحلةً طويلة، وشاركه في شيوخه بمصر والشام وغيرهما، واستقرَّ وتوفي ببغداد سنة ٣١٦ هـ. ينظر: تذكرة الحُفَّاظ ٢/ ٢٩٨، تاريخ بغداد ٩/ ٤٦٤.\n(^٥) تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي ٢/ ٥٩٨.","vol":"1","page":401},{"text":"بقوله: \"والحق أنَّ طرقه كلَّها ضعيفة، وإن كان حديث ابن عباس يقرب من شرط الحسن؛ إلا أنَّه شاذٌّ؛ لشدة الفردية فيه، وعدم المتابع والشاهد من وجه معتبر، ومخالفة هيئتها لهيئة باقي الصلوات ... \" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-104>عاشرًا: الشرك في الألوهية</span>\n* تعريف الشرك لغةً:\nيعود إلى المخالطة والمقارنة، \"قال الخليل: الشِّرْكُ: ظُلْمٌ عظيمٌ، والشِّرْكةُ: مخالطةُ الشَّريكين، واشتركا بمعنى تشاركا، وجمع شريك: شركاء وأشراك ... \" (^٢).\nوقال ابن فارس: \"الشين والراء والكاف أصلان، أحدهما: يدلُّ على مقارنة وخلاف انفراد، والآخر يدلُّ على امتدادٍ واستقامة.\nفالأول: الشَّركة، وهو أن يكون الشيءُ بين اثنين لا ينفرد به أحدهما، ويقال: شاركت فلانًا في الشَّيء: إذا صرتُ شريكه، وأشركت فلانًا: إذا جعلته شريكًا لك، قال الله -جلَّ ثناؤه- في قِصَّة موسى: ﴿وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾ (^٣)، ويقال في الدُّعاء: اللهم أشركنا في دعاء المؤمنين، أي: اجعلنا لهم شركاء في ذلك، وشركت الرَّجُلَ في الأمر أشركه.\nوأما الأصل الآخر: فالشرك: لقم الطريق، وهو شراكه أيضًا، وشراك النعل مشبَّهٌ بهذا، ومنه شرك الصائد، سمي بذلك لامتداده\" (^٤).\n_________\n(^١) التلخيص الحبير ٢/ ٧.\n(^٢) العين ٥/ ٢٣٩ - ٢٩٤.\n(^٣) سورة طه: ٣٢.\n(^٤) مقاييس اللغة ٣/ ٢٦٥.","vol":"1","page":402},{"text":"* تعريفه في الاصطلاح:\nقال الشيخ السعدي - ﵀ -: \"فهو أن يَجعل لله ندًّا يدعوه كما يدعو الله - ﷿ - أو يخافه أو يرجوه أو يحبه كحبِّ الله - ﷿ -، أو يصرف له نوعًا من أنواع العبادة\" (^١).\nوقال ابن تيمية: \"ومن سوَّى بينه وبين غيره في أمرٍ من الأمور فهو مشرك ... قال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ (^٢).\nقال السَّعدي: \"أي: يعدلون به سواه، يسوونهم به في العبادة والتعظيم، مع أنهم لم يساووا الله في شيءٍ من الكمال، وهم فقراء عاجزون ناقصون من كلِّ وجه\" (^٣).\n* المخالفات العقدية عند ابن عجيبة في هذا المقام:\n١ - الاعتقاد في الأولياء أنَّهم يقدِّمون الضر والنفع، فيذهبون إلى قبورهم ويتمسَّحون بها ويدعون عندها.\nقال ابن عجيبة: لله در صاحب العينية (^٤):\nوشَمِّرْ ولُذْ بالأولياءِ فإنَّهم ... لهم من كتابِ الحقِّ تلك الوقائعُ\nهمُ الذُّخرُ للملهوفِ والكنز والرَّجا ... ومنهم ينال الحبَّ ما هو طامعُ\n_________\n(^١) القول السديد، ص ٣١.\n(^٢) سورة الأنعام: ١.\n(^٣) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنَّان ١/ ٢٥٠.\n(^٤) عبد الكريم بن إبراهيم الجيلي، صوفيٌّ فارسيٌّ من أهل جيلان، من مؤلفاته: الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل، المناظر الإلهية، كانت وفاته سنة ٨٢٦ هـ. ينظر: الموسوعة الصوفية، ص ٣٤٠.","vol":"1","page":403},{"text":"هم القصدُ والمطلوبُ والسُّؤل والمنى ... وأُنسهمُ للصَّبِّ في الحبِّ شافعُ\nهمُ النَّاسُ فالزمْ إن عرفتَ جنابَهم ... ففيهم لضرِّ العالمين منافعُ (^١)\n\nويقول أيضًا:\nحُكي عن وليٍّ أنه قصد أذيته بعضُ الحكَّام، ففرَّ إلى الغزالي، فجلس عند ضريحه مشتكيًا بلسان الحال، فمدَّ له من القبر بعود الريحان مكتوبًا فيه بمداد لم يجف مداده:\nإذا ما أتاك الدهرُ يومًا بنكبةٍ ... فأفرغْ له صبرًا ووسِّع له صدرَا\nفإنَّ تصاريف الزمانِ عجيبةٌ ... فيومًا ترى عسرًا ويومًا ترى يسرَا (^٢)\n\n٢ - تعظيم الشيوخ ورفعهم فوق منزلتهم\nقال ابن عجيبة في تفسير قول الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ (^٣): \"ما زال الفقراء يعظِّمون أشياخهم، ويبالغون في ذلك حتى يقبِّلون أرجلهم والتراب بين أيديهم، ويجتهدون في خدمتهم، فإذا رآهم الأشياخ فعلوا ذلك سكتوا عنهم ... لكنَّهم يرشدونهم إلى الحضرة، حتى يفنون عن شهود الواسطة، فيكون تعظيمهم وحطّ رأسهم إنما هو لله لا لغيره ... وكان شيخنا يقول: لا تزوروني على أنِّي شيخكم، ولكن اعرفوا فينا، وافنوا عن رؤية حسِّنا، حتى يكون التعظيم إنما هو لله ربنا\" (^٤).\n_________\n(^١) إيقاظ الهمم، ص ٢٥.\n(^٢) المستطرف في كل فن مستطرف، للأبشيهي ١/ ٣١٥، إيقاظ الهمم، ص ٣٨٧.\n(^٣) سورة آل عمران: ٧٩.\n(^٤) البحر المديد ١/ ٣٧٤.","vol":"1","page":404},{"text":"ولقد ضرب ابن عجيبة مثالًا في الغلو الممدوح في الشيخ حسب ما زعم، فقال:\n\"ينبغي للمريد الذي تحقَّق بخصوصية شيخه أن يلاعن من يخاصمه فيه، ويبعد عنه كل البعد، ولا يهين له لئلا يركبه، ويدفع عن شيخه ما استطاع، فإنَّ هذا من التعظيم الذي هو سبب في سعادة المريد، ولا يصغي إلى المفسدين الطاعنين في أنصار الدين، قلتُ: وقد جاءني بعض من ينتسب إلى العلم من أهل فاس، فقال لي: قد اتفقت علماء فاس على بدعة شيخكم، فقلتُ له: لو اتفق أهل السَّموات السَّبع والأرضين السَّبع على أنَّه من أهل البدعة لقلتُ أنا: إنَّه من أهل السُّنَّة؛ لأنِّي تحقَّقت بخصوصيته كالشَّمس في أفق السَّماء ليس دونها سحاب\" (^١).\nورغم أنَّ ابن عجيبة عُرف بكونه حافظًا لكتاب لله - ﷿ - بالقراءات العشر إلا أنَّه لم يُوفَّق لما دلَّت عليه النصوص وفق فهم سلف الأُمَّة، فأين هو من قول الله تعالى: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ (^٢).\nوقوله تعالى: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ (^٣).\nوقوله تعالى: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ (^٤).\n_________\n(^١) البحر المديد ١/ ٣٧٧.\n(^٢) سورة النمل: ٦٠.\n(^٣) سورة فاطر: ١٣.\n(^٤) سورة فاطر: ١٤.","vol":"1","page":405},{"text":"وتأمَّل ﴿مِنْ دُونِهِ﴾ فإنَّه عامٌّ يدخل فيه كلُّ من اعتقد في الأوثان والأصنام والأولياء، فهم لا يملكون شيئًا، لا قليلًا ولا كثيرًا، حتى القطمير الذي هو أحقر الأشياء، وهذا من تنصيص النفي وعمومه، فكيف يُدْعَوْنَ وهم غير مالكين لشيءٍ من ملك السَّماوات والأرض، ومع هذا لا يسمعوكم؛ لأنَّهم ما بين جمادٍ وأمواتٍ وملائكةٍ مشغولين بطاعة ربهم، وعلى فرض أنهم سمعوا لن يستجيبوا، بل يتبرؤون منكم يوم القيامة (^١).\nفكيف يُدعى ميتٌ لا حراك فيه ولا حس، قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (^٢).\nقال السَّعدي: \"يخبر تعالى أنَّه المتفرِّد بالتصرُّف بالعباد، في حال يقظتهم ونومهم، وفي حال حياتهم وموتهم\" (^٣).\nوقال ابن القيم: \"ومن المحال أن يكون دعاء الموتى، أو الدعاء بهم، أو الدعاء عندهم، مشروعًا وعملًا صالحًا، ويُصرف عنه القرون الثلاثة المفضَّلة بنصِّ رسول الله - ﷺ -، ثم يُرزقه الخلوف الذين يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فهذه سُنَّة رسول الله - ﷺ - في أهل القبور بضعًا وعشرين سنة، ... هل يمكن بشر على وجه الأرض أن يأتي عن أحد منهم بنقل صحيح، أو حسن، أو ضعيف، أو منقطع: أنهم كانوا إذا كان لهم حاجة قصدوا القبور فدعوا عندها، وتمسَّحوا بها، فضلًا أن\n_________\n(^١) ينظر: تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنَّان ١/ ٦٨٦.\n(^٢) سورة الزمر: ٤٢.\n(^٣) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنَّان ١/ ٧٢٥.","vol":"1","page":406},{"text":"يصلُّوا عندها، أو يسألوا الله بأصحابها، أو يسألوهم حوائجهم، فليوقفوا على أثرٍ واحدٍ أو حرفٍ واحدٍ من ذلك، بلى، يمكنهم أن يأتوا عن الخلوف التي خلفت بعدهم بكثيرٍ من ذلك، وكلَّما تأخَّر الزَّمانُ وطال العهدُ كان ذلك أكثر، حتى لقد وجد في ذلك عدة مصنفات ليس فيها عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ولا عن خلفائه الراشدين ولا عن أصحابه حرفٌ واحدٌ من ذلك، بلى فيها من خلاف ذلك كثير\" (^١).\nومعلوم بنصوص الوحي أنَّ الإنسان إذا مات انقطع عمله، فعن أبي هريرة - ﵁ - قال، قال النبي - ﷺ -: «إذا مات الإنسانُ انقطع عنه عملُه إلا من ثلاثة: إلَّا من صدقةٍ جاريةٍ، أو علمٍ يُنتفع به، أو ولدٍ صالحٍ يدعو له» (^٢).\nومن اعتقد في الأولياء بأنَّهم يتصرفون في الكون، أو ينفعون أو يضرُّون فقد ضلَّ ضلالًا مبينًا، وعليه التوبة قبل الموت، وإلا مات على الشِّرك الأكبر والعياذ بالله.\nقال ابن تيمية - ﵀ -: \"فهذه الأنواع من خطاب الملائكة والأنبياء والصالحين بعد موتهم عند قبورهم، وفي مغيبهم وخطاب تماثيلهم هو من أعظم أنواع الشرك الموجود في المشركين من غير أهل الكتاب وفي مبتدعة أهل الكتاب والمسلمين الذين أحدثوا من الشرك والعبادات ما لم يأذن به الله قال الله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (^٣).\n_________\n(^١) إغاثة اللهفان في مصايد الشيطان ١/ ٢٠٢.\n(^٢) أخرجه مسلم، كتاب الهبات، باب ما يلحق الإنسان من ثواب ٣/ ١٢٥٥، رقم ١٦٣١.\n(^٣) سورة الشورى: ٢١.","vol":"1","page":407},{"text":"وعملهم هذا من الدين الذي لم يشرعه الله ولا ابتعث به رسولًا ولا أنزل به كتابًا، وليس هو واجبًا ولا مستحبًّا باتفاق المسلمين، ولا فعله أحدٌ من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، ولا أمر به إمامٌ من أئمَّة المسلمين وإن كان ذلك مما يفعله كثيرٌ من الناس ممَّن له عبادة وزهد ويذكرون فيه حكايات ومنامات، فهذا كلُّه من الشَّيطان، وفيهم من ينظم القصائد في دعاء الميت والاستشفاع به والاستغاثة أو يذكر ذلك في ضمن مديح الأنبياء والصالحين، فهذا كلُّه ليس بمشروع ولا واجب ولا مستحب باتفاق أئمَّة المسلمين، ومن تعبَّد بعبادةٍ ليست واجبة ولا مستحبة وهو يعتقدها واجبةً أو مستحبةً فهو ضالٌّ مبتدعٌ بدعةً سيئةً لا بدعةً حسنةً باتفاق أئمة الدين، فإنَّ الله لا يُعبد إلا بما هو واجبٌ أو مستحب، وكثير من الناس يذكرون في هذه الأنواع من الشرك منافع ومصالح ويحتجون عليها بحججٍ من جهة الرأي أو الذوق، أو من جهة التقليد والمنامات ونحو ذلك، ... ولا ريب أنَّ الأوثان يحصل عندها من الشياطين وخطابهم وتصرفهم ما هو من أسباب ضلال بني آدم، وجعل القبور أوثانًا هو أول الشرك، ولهذا يحصل عند القبور لبعض الناس من خطاب يسمعه وشخص يراه وتصرف عجيب ما يظن أنه من الميت وقد يكون من الجن والشياطين، مثل أن يرى القبر قد انشق وخرج منه الميت وكلَّمه وعانقه، وهذا يُرى عند قبور الأنبياء وغيرهم، وإنما هو شيطانٌ فإنَّ الشيطان يتصوَّر بصور الإنس ويدعي أحدهم أنَّه النبي فلان أو الشيخ فلان ويكون كاذبًا في ذلك، وفي هذا الباب من الوقائع ما يضيق هذا الموضع عن ذكره وهي كثيرة جدًّا، والجاهل يظنُّ أنَّ ذلك الذي رآه قد خرج من القبر وعانقه أو كلَّمه هو المقبور أو النبي أو الصالح وغيرهما والمؤمن العظيم يعلم أنه شيطان\" (^١).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ١/ ١٥٩.","vol":"1","page":408},{"text":"وقال أيضًا: \"ولكن الشياطين قد تعينهم وتتصوَّر لهم في صور الآدميين فيرونهم بأعينهم ويقول أحدهم: أنا إبراهيم أنا المسيح أنا محمَّد أنا الخضر أنا أبو بكر أنا عمر أنا عثمان أنا عليٌّ أنا الشيخ فلان، وقد يقول بعضهم عن بعض: هذا هو النبي فلان أو هذا هو الخضر ويكون أولئك كلهم جنًّا يشهد بعضهم لبعض، والجن كالإنس فمنهم الكافر ومنهم الفاسق ومنهم العاصي وفيهم العابد الجاهل فمنهم من يحب شيخًا فيتزيَّا في صورته ويقول: أنا فلان، ويكون ذلك في بريَّة ومكان قفر فيطعم ذلك الشخص طعامًا ويسقيه شرابًا أو يدلُّه على الطريق أو يخبره ببعض الأمور الواقعة الغائبة فيظن ذلك الرَّجُلُ أنَّ نفس الشيخ الميت أو الحي فعل ذلك وقد يقول: هذا سرُّ الشيخ وهذه رقيقته وهذه حقيقته أو هذا ملك جاء على صورته، وإنما يكون ذلك جنيًّا؛ فإنَّ الملائكة لا تعين على الشِّرك والإفك والإثم والعدوان\" (^١).\nقال ابن القيم: \"ومن أعظم مكايده التي كاد بها أكثر الناس، وما نجا منها إلا من لم يرد الله تعالى فتنته: ما أوحاه قديمًا وحديثًا إلى حزبه وأوليائه من الفتنة بالقبور، حتى آل الأمر فيها إلى أن عُبد أربابها من دون الله، وعُبدت قبورهم، واتخذت أوثانًا، وبُنيت عليها الهياكل، وصُوِّرت صور أربابها فيها، ثم جُعلت تلك الصور أجسادًا لها ظل، ثم جُعلت أصنامًا، وعُبدت مع الله تعالى، وكان أول هذا الداء العظيم في قوم نوح، كما أخبر الله - ﷿ - عنهم في كتابه، حيث يقول: ﴿قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا﴾ (^٢)، ... وغرَّهم الشيطان، فقال: بل هذا تعظيمٌ لقبور المشايخ والصالحين، وكُلَّما كنتم أشدَّ لها تعظيمًا، وأشدَّ فيهم غلوًّا، كنتم بقربهم أسعد، ومن أعدائهم أبعد.\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ١/ ١٥٧ - ١٥٨.\n(^٢) سورة نوح: ٢١.","vol":"1","page":409},{"text":"ولعمر الله، من هذا الباب بعينه دخل على عبَّاد يغوث ويعوق ونسر، ومنه دخل على عُبَّاد الأصنام منذ كانوا إلى يوم القيامة.\nفجمع المشركون بين الغلو فيهم والطعن في طريقتهم، وهدى الله أهل التوحيد لسلوك طريقتهم، وإنزالهم التي أنزلهم الله إيَّاها من العبودية وسلب خصائص الإلهية عنهم، وهذا غاية تعظيمهم وطاعتهم.\nفأمَّا المشركون فعصوا أمرهم، وتنقصوهم في صورة التعظيم لهم، وكل من شمَّ أدنى رائحة من العلم والفقه يعلم أنَّ من أهمِّ الأمور سد الذريعة إلى هذا المحظور، وأنَّ صاحب الشرع أعلم بعاقبة ما نهى عنه لما يؤول إليه، وأحكم في نهيه عنه وتوعده عليه، وأنَّ الخير والهدى في اتباعه وطاعته، والشر والضلال في معصيته ومخالفته، ورأيت لأبى الوفاء بن عقيل في ذلك فصلًا حسنًا، فذكرته بلفظه، قال: \"لما صعبت التكاليف على الجُهَّال والطغام عدلوا عن أوضاع الشرع إلى تعظيم أوضاع وضعوها لأنفسهم، فسهلت عليهم، إذ لم يدخلوا بها تحت أمر غيرهم، قال: وهم عندي كُفَّارٌ بهذه الأوضاع، مثل تعظيم القبور وإكرامها، بما نهى عنه الشرع، من إيقاد النيران وتقبيلها وتخليقها، وخطاب الموتى بالحوائج، وكتب الرقاع فيها، يا مولاي افعل بي كذا وكذا، وأخذ تربتها تبرُّكًا، وإفاضة الطيب على القبور، وشدّ الرحال إليها، وإلقاء الخرق على الشجر، اقتداءً بمن عبد اللات والعُزَّى ... ومن جمع بين سنة رسول الله -﵌- في القبور، وما أمر به ونهى عنه، وما كان عليه أصحابه - ﵃ -، وبين ما عليه أكثر الناس اليوم رأى أحدهما مضادًا للآخر، مناقضًا له، بحيث لا يجتمعان أبدًا\" (^١).\n_________\n(^١) إغاثة اللهفان في مصايد الشيطان ١/ ١٩٥.","vol":"1","page":410},{"text":"وتعظيم ابن عجيبة للشيخ ورفعه فوق منزلته والإلزام بطاعته بحجة أنهم علماء لا يُسلَّم له.\nقال البربهاري: \"العلم ليس بكثرة الرواية والكتب، وإنما العالم من اتبع العلم والسُّنن وإن كان قليل العلم والكتب، ومن خالف الكتاب والسُّنَّة فهو صاحب بدعة، وإن كان كثير العلم والكتب\" (^١).\nويقول أيضًا: \"لم تجئ بدعةٌ قط إلا من الرعاع أتباع كل ناعق ... فمن كان هكذا فلا دين له ... وهم علماء السُّوء وأصحاب البدع\" (^٢).\nوكل من عمل عملًا أو تكلَّم بكلامٍ لا يوافق كتاب الله ولا سُنَّة رسوله - ﷺ - وسُنَّة الخلفاء الراشدين وقول صحابته - ﵃ - فهو بدعة، وهو ضلالة، وهو مردودٌ على قائله أو فاعله (^٣).\nولو اعتصم الصوفية ومن تبعهم بالكتاب والسُّنَّة وفهموهما وفق فهم سلف الأُمَّة لما وصلوا إلى هذه المخالفات العقدية، فعجبًا لأفعالهم!! ينهاهم النبي - ﷺ - عن الصَّلاة إلى القبور فهم يُصَلُّون عندها، ويدعون الأموات من دون الله، بل وصل بعض من طمس الله على بصيرته أن ألَّف مؤلفًا (^٤) يحثُّ على زيارة المشاهد وتعظيمها ويهتفون باسمها عند الشدائد.\n\"وقد عُلم بالاضطرار من دين الإسلام أنَّ النبي - ﷺ - لم يأمر بما ذكروه من أمر\n_________\n(^١) شرح السُّنَّة، ص ١٠٢.\n(^٢) المرجع نفسه، ص ١٠١.\n(^٣) ينظر: كتاب الأربعين حديثًا، للآجري، ص ٩٧.\n(^٤) قال ابن تيمية - ﵀ -: صنَّف ابن النعمان المعروف بالمفيد (رافضي) شيخ الموسوي والطوسي كتابًا سماه (مناسك المشاهد) جعل قبور المخلوقين تُحج كما تُحج الكعبة البيت الحرام، منهاج السُّنَّة النبوية ١/ ٤٧٦.","vol":"1","page":411},{"text":"المشاهد، ولا شرع لأُمَّته مناسك عند قبور الأنبياء والصالحين، بل هذا من دين المشركين الذين قال الله فيهم: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ (^١) \"، (^٢).\nوفعلهم هذا كفعل قوم نوح - ﵇ -.\nقال الصنعاني في داليته:\nوكم هتفوا عندَ الشدائدِ باسمِها ... كما يهتفُ المضطرُّ بالصَّمَدِ الفرد\nوكم عقروا في سوحها من عقيرةٍ ... أُهلَّت لغير الله جهرًا على عَمْد\nوكم طائفٍ حولَ القبورِ مُقَبِّلٍ ... ومستلمِ الأركانِ منهنَّ بالأيدِي (^٣)\n\n٣ - التوجه إلى الرَّسُول - ﷺ - بالدُّعاء والتوسُّل والاستغاثة\nكثرت أشعار المتصوفة التي يقررون بها التوجه بالدعاء والتوسل والاستغاثة بالنبي - ﷺ -.\nقال البوصيري (^٤):\nيا أكرمَ الخلقِ مالي من ألوذُ بِهِ ... سواك عند حلولِ الحادثِ العممِ (^٥)\n\nشرحه ابن عجيبة بقوله: لاذ به لوذًا ولياذًا: التجأ إليه، والحلول: النزول،\n_________\n(^١) سورة نوح: ٢٣.\n(^٢) منهاج السُّنَّة النبوية ١/ ٤٧٦.\n(^٣) ديوان الصنعاني، ص ١٩.\n(^٤) هو: محمد بن سعيد بن حماد البوصيري، من شعراء الصوفية، من قصائده: الكواكب الدرية في مدح خير البرية، المشهورة بمسمَّى (البردة)، توفى سنة ٦٩٤ هـ. ينظر: الوافي بالوفيات ٢/ ٢٠٥، الأعلام ٦/ ١٣٩، معجم المؤلفين ١/ ٢٨.\n(^٥) البردة، ص ٢٠٧.","vol":"1","page":412},{"text":"والحادثُ: ضد القديم، والعممِ: العام، والمراد هنا الموت الذي يعمُّ جميع الخلق وما بعده من أهوال الموقف والصراط والميزان وغير ذلك من الأهوال ... ثم نادى (^١) مسؤوله المهم من حاجته بعد تقدُّم الوسيلة التصريح بالكرم المشعر ببراعة الاستهلال على قضاء حاجته، ومضمون هذا الكلام مؤذن بحصول الثواب\" (^٢).\nوأقرَّ الاستغاثة به في شرحه لهذا البيت:\nومن هو الآية الكبرى لمعتبرٍ ... ومن هو النعمةُ العظمى لمغتنم\n\"الشرح: يقول - ﵀ - (^٣) متمِّمًا للاستغاثة به واصفًا له بوصفين عظيمين عطفهما على ما قبله، أي: يا مَن قصده الطالبون فسعدوا بما طلبوا، ... \" (^٤).\nوفي قوله:\nيا خيرَ مَنْ يمَّمَ العافون ساحَتَهُ ... سعيًا وفوق متون الأَيْنُقِ الرُّسُمِ (^٥)\n\n٤ - التوجه إلى الأولياء بالدعاء والاستغاثة بهم\nيقول ابن عجيبة: \"فإن تعذَّر عليه (^٦) الوصول إلى الشيخ وقد عرض له مرضٌ\n_________\n(^١) يقصد البوصيري.\n(^٢) شرح البردة، ص ٣١٠.\n(^٣) يقصد صاحب البردة البوصيري.\n(^٤) المرجع السابق، ص ٢٤٠، وسيأتي في مبحث خاص عن عقيدته في الرسول - ﷺ -.\n(^٥) شرح البردة له، ص ٢٣٨.\nوقد شرح ابن عجيبة هذا البيت شرحًا لغويًّا فقال: يمَّم تيمُّمًا: قصد، والعافون: الطالبون، والاستعفاء: طلب العفو، والمتين: القوي، والأينُق: جمع ناقة، والرُّسُم: جمع رسوم وهي الناقة الشديدة التي تؤثر في الأرض لشدة وطئها، وقد طوَّع البيت لما يعتقده في تصوفه، ولا غرو في ذلك، فلقد سبق أن شرح الآجرومية شرحًا صوفيًّا.\n(^٦) يقصد المريد.","vol":"1","page":413},{"text":"أو أمرٌ فليشخص بين عينيه بصفته وهيئته، ويشكو له، فإنَّه يبرأ بإذن الله، وإن كان مع جماعة واستحيا فليشتك إليه في قلبه\" (^١).\nوالدعاء والاستغاثة من جملة أنواع العبادة التي لا يصلح منها شيءٌ إلا لله - ﷾ -، فمن صرف منها شيئًا لغير الله - ﷿ - فيما لا يقدر عليه إلا الله فهو عابدٌ لغير الله، سواءً سمَّى دعاءه توكُّلًا أو تبرُّكًا وما إلى ذلك، فإنَّ هذه التسمية لا تغيِّر شيئًا ولو يسيرًا من حقيقة ما ذهب إليه ذلك الداعي، ولا لذة للعبد إلا أن يكون الله سبحانه هو إلهه ومستغاثه، الذي إليه مفزعه عند الشدائد وإليه مرجعه في عامَّة المطالب والمقاصد.\nقال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ (^٢).\nقال الطبري: \"يعني أفردوا له التوحيد، وأخلصوا له العبادة\" (^٣).\nومن قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنَّ محمَّدًا رسول الله - ﷺ - ثم يستغيث بغير الله - ﷿ - فهذا شركٌ أكبر، ولا ينفعه هذا التوحيد مع هذه الاستغاثة.\nوالاستغاثة التي أرشدنا إليها النبي - ﷺ - ليعلم الأُمَّة هي تجريد التوحيد، قال الألوسي (^٤): \"فإذا قيل: تجوز الاستغاثة بالأنبياء والصالحين ودعاؤهم والنذر لهم على أنهم وسائط ووسائل بين الله وبين عباده وأنَّ الله يفعل لأجلهم، انهدمت القاعدة\n_________\n(^١) الفتوحات الإلهية، ص ٣٣٩.\n(^٢) سورة الجن: ٢٣.\n(^٣) جامع البيان ٢٣/ ٦٦٥.\n(^٤) هو أبو المعالي، محمود شكري جمال الدين بن عبد الله بهاء الدين بن محمود شهاب الدين الألوسي، ونسبته تعود إلى قرية (ألوس) وهي قرية صغيرة على نهر الفرات، ولد في بغداد سنة ١٢٧٣ هـ، وتوفي سنة ١٣٤٢ هـ، له مؤلفات منها: صبُّ العذاب على من سبَّ الأصحاب، رسالة في التوحيد والتثليث، ومن شيوخه: إسماعيل بن مصطفى الموصلي، عبد السلام بن محمد النجدي، الشهير بالشواف. ينظر: الأعلام ٧/ ١٧٢ - ١٧٣.","vol":"1","page":414},{"text":"الإيمانية، وانتقضت الأصول التوحيدية، وفتح باب الشرك الأعظم، وعادت الرغباب والرهبات، والمقاصد والتوجيهات إلى سُكَّان القبور والأموات، ومن دعا مع الله من سائر المخلوقات، وهذه هي الغاية الشركية، والعبادة الوثنية، فنعوذ بالله من الضلال والشقاء والانحراف عن أسباب الفلاح والهدى ... وعلى القول بجعل الوسائط والشفعاء بين العباد وبين الله تقلع أصول هذا الأصل العظيم، الذي هو قطب رحى الإيمان، وينهدم أساسه الذي ركب عليه البنيان، فأيُّ فرحٍ وأيُّ نعيمٍ وأيُّ فاقةٍ سُدَّت، وأيُّ ضرورةٍ دُفعت، وأيُّ سعادةٍ حصلت، وأيُّ أنسٍ واطمئنانٍ إذا كان التوجُّه والدعاء والاستغاثة والذَّبح والنَّذر لغير الملك الحنَّان المنَّان\" (^١).\nومن عرف الشرك حق المعرفة يعلم أنَّ من قال: تجوز الاستغاثة والتوسُّل بالأنبياء والصالحين والنذر لهم والحلف وما أشبهه من التعظيم له نصيب وافر من الكذب على الله وعلى رسوله، ومن الصَّد عن سبيل الله وابتغاء العوج، والله المستعان (^٢).\nأمَّا الاستغاثة بالمخلوق فيما يقدر عليه، فيجوز ذلك، ومثاله: أن يستغيث إنسانٌ مكروب بإنسانٍ قادر، والدليل عليه قول الله تعالى: ﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾ (^٣).\nفهذا استغاثةٌ بقادر، فهي صحيحة.\n_________\n(^١) غاية الأماني في الرد على النبهاني ١/ ٣٤٨.\n(^٢) المرجع نفسه ١/ ٣٥٩.\n(^٣) سورة القصص: ١٥.","vol":"1","page":415},{"text":"أمَّا إذا استغيث بمخلوقٍ في أمرٍ لا يقدر عليه إلا الله - ﷿ - فهذا شركٌ أكبر، وقد أتت النصوص بالوعيد لمن فعل هذا قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ (^١).\nولقد نهى النبي - ﷺ - من الغلو في تعظيمه، ومدحه، قال - ﷺ -: «لا تُطروني (^٢) كما أطرت النصارى ابن مريم فإنِّما أنا عبده فقولوا عبد الله ورسوله» (^٣).\nولا شكَّ أنَّ البوصيري في البردة يوجه الدعاء واللياذ والعياذ إلى رسول الله - ﷺ -، وهذا شركٌ صريح.\nقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن (^٤): \"هذه الأبيات التي مضمونها إخلاص الدعاء واللياذ والرجاء والاعتماد في أضيق الحالات، وأعظم الاضطرار لغير الله فناقضوا الرَّسُول - ﷺ - بارتكاب ما نهى عنه أعظم مناقضة، وشاقوا الله ورسوله أعظم مشاقة، وذلك أنَّ الشيطان أظهر لهم هذا الشرك العظيم في قالب محبة النبي - ﷺ - وتعظيمه وأظهر لهم التوحيد والإخلاص الذي بعثه الله به في قالب تنقيصه، وهؤلاء المشركون هم المتنقِّصون الناقصون أفرطوا في تعظيمه بها نهاهم عنه أشد النهي وفرَّطوا في متابعته، فلم يعبأوا بأقواله وأفعاله ولا رضوا بحكمه ولا سلَّموا له، وإنما يحصل تعظيم الرسول - ﷺ - بتعظيم أمره ونهيه، والاهتداء بهديه واتباع سُنَّته، والدعوة إلى دينه\n_________\n(^١) سورة النساء: ٤٨.\n(^٢) الإطراء: مجاوزة الحد في المدح والكذب فيه. ينظر: النهاية في غريب الحديث ٣/ ٢٧١.\n(^٣) أخرجه البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، باب ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا﴾ ٤/ ١٦٧، رقم ٣٤٤٥.\n(^٤) هو: عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب، تفقَّه بنجد، ثم بمصر، نقله إليها إبراهيم باشا بعد استيلائه على الدرعية فيمن نقل من آل سعود وآل الشيخ، ثم عاد إلى نجد سنة ١٢٤١ هـ، وتولى قضاء الرياض، وتوفي فيها عام ١٢٨٥ هـ. ينظر: مشاهير علماء نجد ١/ ٥٩.","vol":"1","page":416},{"text":"الذي دعا إليه ونصرته، وموالاة من عمل به، ومعاداة من خالفه.\nفعكس أولئك المشركون ما أراد الله ورسوله علمًا وعملًا وارتكبوا ما نهى عنه ورسوله فالله المستعان\" (^١).\nوكان رسول الله - ﷺ - يحذِّر من الغلو، قال رسول الله - ﷺ -: «إيَّاكم والغلو فإنَّما أهلك من كان قبلكم الغلو» (^٢).\nقال ابن تيمية - ﵀ -: \"هذا عامٌّ في جميع أنواع الغلو في الاعتقادات والأعمال\" (^٣).\nوقال الشيخ سليمان بن عبد الله - ﵀ -: \"فتأمَّل ما في هذه الأبيات من الشرك.\nمنها: أنَّه نفى أن يكون له ملاذًا إذا حلَّت به الحوادث إلا النبي - ﷺ - وليس ذلك إلا لله وحده لا شريك له، فهو الذي ليس للعباد ملاذٌ إلا هو.\nالثاني: أنَّه دعاه وناداه بالتضرُّع وإظهار الفاقة والاضطرار إليه، وسأل منه هذه المطالب التي لا تُطْلَبُ إلا من الله، وذلك هو الشِّرك في الإلهية.\nالثالث: سؤاله منه أن يشفع له في قوله:\nولن يضيقَ -رسولَ اللهِ- جاهُكَ بي ... إذا الكريمُ تجلَّى باسمِ منتقم\n\nوهذا هو الذي أراده المشركون ممَّن عبدوه، وهو الجاه والشفاعة عند الله، وذلك هو الشرك، وأيضًا فإنَّ الشفاعة لا تكون إلا بعد إذن الله فلا معنى لطلبها من غيره، فإنَّ الله تعالى هو الذي يأذن للشافع أن يشفع لأنَّ الشافع يشفع ابتداء.\n_________\n(^١) فتح المجيد ١/ ٣٨١.\n(^٢) أخرجه النسائي، كتاب المناسك، باب التقاط الحصى ٥/ ٢٧٨، وسنن ابن ماجه، كتاب المناسك، باب قدر حصى الرمي ٢/ ١٠٠٨، وصحَّحه الألباني في صحيح سنن النسائي ٢/ ٤٦٠.\n(^٣) اقتضاء الصراط المستقيم ١/ ٣٢٨.","vol":"1","page":417},{"text":"الرابع: قوله: (فإنِّ لي ذمة) إلى آخره، كذبٌ على الله - ﷿ - وعلى رسوله - ﷺ - فليس بينه وبين من اسمه محمَّد ذمَّةٌ إلا بالطاعة، لا بمجرَّد الإشراك في الاسم مع الشرك.\nفهذا تناقض عظيم وشرك ظاهر، فإنَّه طلب أوَّلًا أن لا يضيق به جاهه، ثم طلب هنا أن يأخذ بيده فضلًا وإحسانًا، وإلا فيا هلاكه! فيقال: كيف طلبت منه أوَّلًا الشفاعة ثم طلبت منه هنا أن يتفضَّل عليك؟! فإن كنت تقول: إنَّ الشفاعة لا تكون إلا بعد إذن الله، فكيف تدعو النبي - ﷺ - وترجوه وتسأله الشفاعة؟! فهلَّا سألتها مَنْ له الشفاعة جميعًا الذي له ملك السموات والأرض الذي لا تكون الشفاعة إلا من بعد إذنه، فهذا يبطل عليك طلب الشفاعة من غير الله.\nوإن قلت: ما أريد إلا جاهه، وشفاعته بإذن الله - ﷿ - قيل: فكيف سألته أن يتفضَّل عليك ويأخذ بيدك في يوم الدين، فهذا مضادٌّ لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ (^١)، فكيف يجتمع في قلب عبد الإيمان بهذا وهذا؟! وإن قلت: سألته أن يأخذ بيدي، ويتفضَّل عليَّ بجاهه وشفاعته، قيل: عاد الأمر إلى طلب الشَّفاعة من غير الله، وذلك هو محضُ الشرك.\nالسادس: في هذه الأبيات من التبرِّي من الخالق -تعالى وتقدَّس- والاعتماد على المخلوق في حوادث الدنيا والآخرة ما لا يخفى على مؤمن، فأين هذا من قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (^٢)، وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ (^٣)، وقوله: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ\n_________\n(^١) سورة الانفطار: ١٧ - ١٩.\n(^٢) سورة الفاتحة: ٥.\n(^٣) سورة التوبة: ١٢٩.","vol":"1","page":418},{"text":"وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا﴾ (^١) \" (^٢).\nفكم ضيع على نفسه من عبادة من هتف وتغنَّى بالبردة، ولو رسخ التوحيد في قلبه لقويت علاقته بالله - ﷿ - وقطع العلائق من دونه، وتبرَّأ من كل معبود سوى الله - ﷿ -، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا إِلَّا بَلَاغًا مِنَ اللَّهِ وَرِسَالَاتِهِ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ (^٣).\nوحذَّر الله - ﷿ - من مجاوزة الحد في الحق قال تعالى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ (^٤).\nقال ابن كثير في تفسيره: \"أي: لا تجاوزوا الحد في اتباع الحق، ولا تطروا من أُمرتم بتعظيمه فتبالغوا فيه، حتى تخرجوه عن حيِّز النبوة إلى مقام الإلهية، كما صنعتم في المسيح، وهو نبيٌّ من الأنبياء، فجعلتموه إلهًا من دون الله، وما ذاك إلا لاقتدائكم بشيوخ الضلال، الذين هم سلفكم ممن ضلَّ قديمًا، ﴿وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ أي: وخرجوا عن طريق الاستقامة والاعتدال، إلى طريق الغواية والضلال\" (^٥).\n_________\n(^١) سورة الفرقان: ٥٨.\n(^٢) تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد ١/ ١٨٢، وينظر: تأسيس التقديس في كشف تلبيس داود بن جرجيس، ص ٢٥، ٤٥، ٥٨ - ٥٩، القول المفيد على كتاب التوحيد، ١/ ٢١٨، إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد ١/ ٢٤١.\n(^٣) سورة الجن: ٢٣.\n(^٤) سورة المائدة: ٧٧.\n(^٥) تفسير القرآن العظيم ٣/ ١٥٩.","vol":"1","page":419},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-105>الفصل الثاني: آراؤه في الإيمان بالملائكة</span>\nوفيه ثلاث مباحث:\nالمبحث الأول: معنى الإيمان بالملائكة\nالمبحث الثاني: خلق الملائكة\nالمبحث الثالث: المفاضلة بين الملائكة وصالحي البشر","vol":"1","page":421},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-106>المبحث الأول:\nمعنى الإيمان بالملائكة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-107>أولًا: تعريف الملائكة لغةً</span>\nجمع مَلَك، وأصله مألك، ... وحذفت الهمزة؛ للتخفيف فأصبحت (مَلَك)، واختلف اللغويون في اشتقاقه، على قولين:\nالقول الأول: أنَّه جامدٌ غير مشتق.\nالقول الثاني: أنَّه مشتَّقُّ من الألوكة وهي الرِّسالة (^١).\nقال الجوهري: \"والمَلَك من الملائكة واحدٌ وجمع، قال الكسائي: أصله مألك بتقديم الهمزة، من الألوك وهى الرسالة، ثم قُلِبت وقُدِّمت اللَّام فقيل ملاك ... ثم تركت همزته لكثرة الاستعمال، فقيل مَلَك، فلما جمعوه ردوها إليه فقالوا: ملائكة وملائك أيضًا\" (^٢).\nوقال ابن عجيبة: \" (والملائكة): جمعُ تكسير، يجوز في فعله التذكير والتأنيث، وهو أحسن، تقول: قام الرِّجال وقامت الرِّجال، فمن قرأ: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ﴾ (^٣)، فعلى تأويل الجماعة، ومن قرأ: ﴿فَنَادَاهُ﴾، أراد تنزيه الملائكة عن التأنيث، ردًّا على الكُفَّار\" (^٤).\n_________\n(^١) ينظر: تهذيب اللغة ١/ ١٨٤.\n(^٢) الصحاح ٤/ ١٦١١.\n(^٣) سورة آل عمران: ٣٩.\n(^٤) البحر المديد ١/ ٣٤٩.","vol":"1","page":422},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-108>ثانيًا: تعريف الملائكة شرعًا</span>\nذواتٌ أو أرواحٌ نورانيَّةٌ قادرةٌ على التشكُّل بإذن الله - ﷿ - (^١).\nأو يُقال: هم مخلوقاتٌ من نُور، قادرةٌ على التشكُّل بإذن الله - ﷿ -، قائمون بعبادة الله - ﷾ - وتدبير شؤون الكون بأمره، لا يعلم عددهم إلا الله.\nوعرَّفهم ابن حجر بأنهم: \"أجسامٌ نورانيَّة، أُعطيت قدرةً على التشكُّل والظهور بأشكالٍ مختلفةٍ بإذن الله\" (^٢).\nوعرَّفهم ابن عجيبة بقوله: \"هي أجسامٌ لطيفةٌ نورانيَّةٌ متحيِّزة، لها مادَّةٌ نورانيَّةٌ وتشكيلٌ مخصوص\" (^٣).\nوإطلاقُ لفظِ الجسم على الملائكة لم يأت في كتاب الله - ﷿ - ولا سُنَّة رسوله - ﷺ -، بل هو بدعة، ولم يذكره أحدٌ من سلف الأُمَّة، إضافة إلى أنَّه مخالفٌ لما ثبت في النصوص الشرعية، قال تعالى: ﴿فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ (^٤)، ويخالف وصفه تعالى لهم بالقوة، قال تعالى: ﴿قَالُوا يَالُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ (^٥).\nوقوله (لطيفة) يلزم منه نفي رؤية النبي - ﷺ - لجبريل - ﵇ -؛ لأنَّ معنى الشفافية في اللغة الرقَّة والقلَّة، من ذلك الشف: الستر الرقيق، يقولون: سُمِّي بذلك؛ لأنَّه\n_________\n(^١) ينظر: لوامع الأنوار ١/ ٤٤٦.\n(^٢) فتح الباري ٦/ ٤٥٠.\n(^٣) البحر المديد ٣/ ١٥١.\n(^٤) سورة مريم: ١٧.\n(^٥) سورة هود: ٨١.","vol":"1","page":423},{"text":"يستشف ما وراءه (^١).\nقال ابن تيمية: \"ما تواتر عن الأنبياء من وصف الملائكة هو مما يُوجب العلم اليقيني بوجودهم في الخارج\" (^٢).\nوقال ابن القيم: \"ثم أخبر عن رؤيته لجبريل، وهذا يتضمَّن أنَّه ملكٌ موجودٌ في الخارج يُرى بالعيان ويدركه البصر، لا كما يقول المتفلسفة ومن قلَّدهم أنه العقل الفعَّال وأنه ليس مما يُدرك بالبصر، وحقيقته عندهم أنَّه خيالٌ موجودٌ في الأذهان لا في الأعيان، وهذا مما خالفوا به جميع الرُّسل وأتباعهم وخرجوا به عن جميع الملل، ولهذا كان تقرير رؤية النبي لجبريل أهم من تقرير رؤيته لربه تعالى فإن رؤيته لجبريل هي أصل الإيمان الذي لا يتم إلا باعتقادها ومن أنكرها كفر قطعًا\" (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-109>ثالثًا: رأيه في معنى الإيمان بالملائكة</span>\nيرى ابنُ عجيبة أنَّ الإيمان بالملائكة يعني: أنهم عباد الله مكرمون لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يؤمرون، ونفى أن يكونوا بنات الله - ﷿ -، وهم لا يتقدَّمونه بِالْقَوْلِ، ولا يتكلَّمون إلا بما يأمرهم به، وهذه صفةٌ أخرى لهم، منبِّهةٌ على كمال طاعتهم وانقيادهم لأمره تعالى، ولا يتصفون بذكورة ولا أنوثة، ولا يعلم عددهم إلا الله - ﷿ -، وعاب على المشركين بأن صرفوا لهم جزءًا من العبادة، ويختار منهم رسلًا يرسلهم إلى خلقه، وهم معصومون عن المخالفة، وهم موصوفون بالقوة، كما وصف الله - ﷿ - جبريل بأنه ذو قدرة لما كُلِّف له لا يعجز عنه ولا يضعف (^٤).\n_________\n(^١) مقاييس اللغة ٣/ ١٦٩.\n(^٢) النبوات ١/ ١٩٥.\n(^٣) التبيان في أقسام القرآن ١٢٣.\n(^٤) ينظر: البحر المديد ١/ ٣١٨، ٣/ ٤٥٥، ٥/ ٢٣٨، ٣/ ٥٥٦، وينظر: الأنوار القدسية في شرح القصيدة الهمزية، له، ص ٢٠٨، والبحر المديد ٧/ ٢٥٠.","vol":"1","page":424},{"text":"لا شكَّ أنَّ الإيمان بالملائكة أحد الأصول الستة التي هي أركان الإيمان، ولا يصح إيمان العبد حتى يحقق الإيمان بالملائكة، والنعيم والفلاح والهدي متوقِّف على الإيمان بالملائكة، كما قال الله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ﴾ (^١).\nوما اعتقده ابن عجيبة في بيان معنى الإيمان بالملائكة وافق فيه أهل السُّنَّة والجماعة إجمالًا لكونه أطلق لفظ الجسم عليهم.\nقال ابن كثير: \"الملائكة عباد الله مكرمون في منازل عالية ومقامات سامية، وهم له في غاية الطاعة قولًا وفعلًا، ... لا يتقدَّمون بين يديه بأمرٍ ولا يخالفونه فيما أمرهم به، بل يبادرون إلى فعله، وهو تعالى علمه محيطٌ بهم فلا يخفى عليه منهم خافية\" (^٢).\nووردت أحاديث بكثرتهم وأنه لا يعلمهم إلا الله، فعن عبد الله بن مسعود - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «يُؤتى بجهنَّم يومئذٍ لها سبعون ألف زمام، مع كلِّ زمام سبعون ألف ملك يجرُّونها» (^٣).\nوقال ابن تيمية: \"الإنس والجن مشتركون مع كونهم أحياء ناطقين مأمورين منهيين، فإنهم يأكلون ويشربون، وينكحون وينسلون، ويتغذَّون وينمون بالأكل والشرب، وهذه الأمور مشتركة بينهم، وهم يتميزون بها عن الملائكة، فإنَّ الملائكة لا تأكل ولا تشرب ولا تنكح ولا تنسل\" (^٤).\n_________\n(^١) سورة البقرة: ١٧٧.\n(^٢) تفسير ابن كثير ٣/ ١٧٦.\n(^٣) أخرجه مسلم، كتاب صفة القيامة والجنة والنار، باب في شدة حرِّ جهنَّم وبعد قعرها، ٤/ ٢١٨٤، رقم ٢٨٤٢.\n(^٤) مجموع الفتاوى ١٦/ ١٩٢.","vol":"1","page":425},{"text":"وقال سعيد بن المسيب (^١): \"الملائكة ليسوا ذكورًا ولا إناثًا، ولا يأكلون، ولا يشربون، ولا يتناكحون ولا يتوالدون\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-110>رابعًا: قدرتهم على التشكُّل، أو التمثُّل </span>(^٣)\nقال ابن عجيبة: \"يتشكَّلون كيف شاءوا\" (^٤).\nأعطى الله - ﷿ - الملائكة قدرةً على التشكُّل، ودلَّت النصوص من الوحيين على ظهور الملائكة للأنبياء وغيرهم بصورةِ بشر.\nالأدلة من القرآن:\nقال تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ (^٥)، وهم الذين ذهبوا إلى لوط - ﵇ - قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ (^٦).\nقال ابن كثير: \"تبدَّى لهم الملائكة في صورة شباب حسان امتحانًا واختبارًا حتى قامت على قوم لوطٍ الحُجَّة وأخذهم الله - ﷿ - أخذ عزيزٍ مقتدر\" (^٧).\n_________\n(^١) هو: سعيد بن المسيب بن حزن القرشي المخزومي، ولد لسنتين مضتا من خلافة عمر - ﵁ -، وتوفي سنة ٩٣ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء ٤/ ٢٢٢.\n(^٢) فتح الباري ٦/ ٣٠٦.\n(^٣) ذكر في القرآن ﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ سورة مريم: ١٤.\n(^٤) البحر المديد ٥/ ٥٠٩.\n(^٥) سورة الذاريات: ٢٤ - ٢٥.\n(^٦) سورة هود: ٧٧ - ٧٨.\n(^٧) البداية والنهاية ١/ ١٦٨.","vol":"1","page":426},{"text":"الأدلة من السُّنَّة:\nعن عمر بن الخطاب - ﵁ - قال: بينما نحن عند رسول الله - ﷺ - ذات يوم إذ طلع علينا رجلٌ شديدُ بياض الثياب شديدُ سواد الشَّعر لا يُرى عليه أثرُ السَّفر ولا يعرفه منَّا أحد، حتَّى جلس إلى النبي - ﷺ - فأسند ركبتيه إلى ركبتيه ووضع كفَّيه على فخذيه وقال: يا محمَّدُ أخبرني عن الإسلام، فقال رسول الله - ﷺ -: «الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأنَّ محمَّدًا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتى الزكاة، وتصوم رمضان، وتحجّ البيت إن استطعت إليه سبيلا.\nقال: صدقت، قال: فعجبنا له يسألُه ويصدِّقه.\nقال: فأخبرني عن الإيمان، قال: «أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره».\nقال: صدقت.\nقال: فأخبرني عن الإحسان، قال: «أن تعبد الله كأنَّك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك».\nقال: فأخبرني عن الساعة، قال: «ما المسؤول عنها بأعلم من السائل».\nقال: فأخبرني عن أمارتها، قال: «أن تلد الأَمَةُ ربَّتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان».\nقال: ثم انطلق فلبثتُ مليًّا، ثم قال لي: «يا عمر أتدرى من السائل؟» قلتُ: اللهُ ورسولُه أعلم. قال: «فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم» (^١).\nوتمثَّلت الملائكة بصورة بشرٍ لغير الأنبياء ﵈، فعن أبي هريرة\n_________\n(^١) أخرجه مسلم، كتاب الإيمان، باب معرفة الإسلام والإيمان والقدر، ١/ ٣٨، رقم ١.","vol":"1","page":427},{"text":"- ﵁ - عن النَّبي - ﷺ - «أنَّ رجلًا زار أخًا له في قريةٍ أُخرى فأرصد الله له على مدرجته ملكًا، فلمَّا أتى عليه قال: أين تريد؟ قال: أريد أخًا لي في هذه القرية، قال: هل لك عليه من نعمةٍ تربُّها؟ قال: لا غير أنِّي أحببته في الله - ﷿ -، قال: فإنِّي رسول الله إليك بأنَّ الله قد أحبَّك كما أحببته فيه» (^١).\nومما يجدر التنبيه عليه أنَّ أهل السُّنَّة والجماعة، لا يخوضون في كيفية تمثيل الملائكة؛ بل يقفون بما جاء في القرآن والسُّنَّة.\nقال أبو العبَّاس القُرطبي: \"والبحث عن كيفية ذلك التمثيل ليس وراءه تحصيل، والواجب التصديق بما جاء من ذلك، ومن أنكر وجود الملائكة، وتمثُّلَهم في الصُّور فقد كفر\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-111>خامسًا: عددهم</span>\nيرى ابن عجيبة أنه لا سبيل لحصرهم، حيث قال في تفسيره لقول الله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ﴾ (^٣) أي: جموع خلقه، التي من جملتها الملائكة المذكورون، ﴿إِلَّا هُوَ﴾، إذ لا سبيل لأحدٍ إلى حصر مخلوقاته، والوقوف على حقائقها وصفتها، ولو إجمالًا\" (^٤).\nوقد وافق ابن عجيبة أهلَ السُّنَّة والجماعة، في هذه المسألة، ودلَّت النصوص على ذلك.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب الحب في الله، ٤/ ١٩٨٨، رقم ٢٥٦٧.\n(^٢) المفهم لما أشكل من تلخيص مسلم ٦/ ١٧٢.\n(^٣) سورة المدثر: ٣١.\n(^٤) البحر المديد ٧/ ١٨٠.","vol":"1","page":428},{"text":"قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (^١)، وقال النَّبي - ﷺ - في حديث المعراج، عن مالك بن صعصعة - ﵁ -: «... ثم رُفِع لي البيت المعمور، فقلتُ: يا جبريل! ما هذا؟ قال: هذا البيت المعمور يدخله كلَّ يومٍ سبعون ألف ملك، إذا خرجوا منه لم يعودوا فيه آخر ما عليهم» (^٢)، وقال - ﷺ - أيضًا: \"يُؤتى بجهنَّم يومئذٍ لها سبعون ألف زمام، مع كلِّ زمام سبعون ألف ملك يجرُّونها\" (^٣).\nقال ابن حجر: \"اُستدلَّ به على أنَّ الملائكة أكثر المخلوقات؛ لأنَّه لا يعرف من جميع العوالم من يتجدَّد من جنسه في كلِّ يومٍ سبعون ألفًا، غير ما ثبت عن الملائكة في هذا الخبر\" (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-112>سادسًا: أعمالهم</span>\nيرى ابن عجيبة أنَّ الله - ﷿ - جعل إليهم أمورَ الخلائق، فقال: \"اعلم أنَّ الله تعالى خلق من الملائكة أربعة: جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، وعزرائيل، وهو ملك الموت، ﵈، وجعل إليهم أمور الخلائق وتدبيرهم، وتدبير العالم كلّه إلى يوم القيامة، جبريل صاحب الوحي والرِّسالة، وميكائيل صاحب الأمطار، وعزرائيل صاحب الأرواح، وإسرافيل صاحب القرن \" (^٥).\nوقال في موضع آخر: \" ... وأسماؤهم الروحانيون\" (^٦).\n_________\n(^١) سورة المدثر: ٣١.\n(^٢) أخرجه البخاري، كتاب بدء الخلق، باب ذكر الملائكة، ٢/ ٩٩١ - ٩٩٢، رقم ٣٢٠٧.\n(^٣) أخرجه مسلم، كتاب صفة القيامة والجنَّة والنار، باب في شدةَّ حرِّ جهنم وبعد قعرها، ٤/ ٢١٨٤، رقم ٢٨٤٢.\n(^٤) فتح الباري ٧/ ٢١٥.\n(^٥) شجرة اليقين بما يتعلق بكون رب العالمين، ص ١٨٦.\n(^٦) المرجع نفسه، ص ١٨٧.","vol":"1","page":429},{"text":"ورَأْيُ ابن عجيبة في هذه المسألة موافقٌ لأهل السُّنَّة في الجملة.\nفالملائكة لهم أعمالٌ كثيرة، قال ابن القيم: \"كلُّ حركةٍ في السَّماوات والأرض من حركة الأفلاك، والنُّجوم، والشَّمس، والقمر، والرياح، والسَّحاب، والنَّبات، والحيوان، فهي ناشئةٌ عن الملائكة الموكَّلين بالسَّماوات والأرض، كما قال تعالى: ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا﴾ (^١)، وقال: ﴿فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا﴾ (^٢).\nوهى الملائكة عند أهل الإيمان وأتباع الرُّسل ﵈، وأمَّا المكذِّبون للرُّسل، المنكرون للصانع، فيقولون: هي النُّجوم ... وقد دلَّ الكتاب والسُّنَّة على أصناف الملائكة، وأنَّها موكلة بأصناف المخلوقات، وأنه سبحانه وكَّل بالجبال ملائكة، ووكَّل بالسَّحاب والمطر ملائكة، ووكَّل بالرَّحم ملائكة تُدبِّر أمر النُّطفة حتى يتمَّ خلقها، ثم وكَّل بالعبد ملائكةً لحفظه، وملائكةً لحفظ ما يعمله وإحصائه وكتابته، ووكَّل بالموت ملائكة، ووكَّل بالشَّمس والقمر ملائكة، ووكَّل بالنَّار وإيقادها وتعذيب أهلها وعمارتها ملائكة، ووكَّل بالسُّؤال في القبر ملائكة، ووكَّل بالأفلاك ملائكة يُحرِّكونها، ووكَّل بالجنَّة وعمارتها وغراسها وعمل الأنهار فيها ملائكة، فالملائكة أعظم جنود الله تعالى ... ومنهم ملائكة الرَّحمة وملائكة العذاب، وملائكة قد وُكِّلوا بحمل العرش وملائكة قد وُكِّلوا بعمارة السَّماوات بالصَّلاة والتسبيح والتقديس، إلى غير ذلك من أصناف الملائكة التي لا يحصيها إلا الله تعالى ... فجبريل مُوكَّل بالوحى الذى به حياة القلوب والأرواح، وميكائيل مُوكَّل بالقطر الذى به حياة الأرض والنبات والحيوان، وإسرافيل مُوكَّل بالنَّفخ في الصور الذى به حياة الخلق بعد مماتهم\" (^٣).\n_________\n(^١) سورة النازعات: ٥.\n(^٢) سورة الذاريات: ٤.\n(^٣) إغاثة اللهفان في مصايد الشيطان ٢/ ١٢٥، وينظر: البداية والنهاية ١/ ٤١.","vol":"1","page":430},{"text":"وسَمَّى الله - ﷿ - جبريل - ﵇ - بالرُّوح؛ لأنَّه حامل الوحي الذي به حياة القلوب إلى الرُّسل من البشر (^١).\nوقد ثبت اسم جبريل وميكائيل في القرآن والسُّنَّة.\nقال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ (^٢).\nوعن سمُرة بن جندب - ﵁ - قال، قال رسول الله - ﷺ -: «رأيت الليلة رجلين أتياني فقالا: الذي يوقد النَّار مالكٌ خازنُ النَّار، وأنا جبريل، وهذا ميكائيل» (^٣).\nأما إسرافيل فقد ورد اسمه في السُّنَّة ولم يرد في القرآن، فعن عائشة - ﵂ - أن رسول الله - ﷺ - كان إذا قام من اللَّيل يُصلِّي يقول: «اللَّهمَّ رب جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختُلف فيه من الحق بإذنك إنَّك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم» (^٤).\nوأما ما ذكره ابن عجيبة من تسميتهم (روحانيين)؛ فإنَّ هذه التسمية لم ترد لا في الكتابِ ولا في السُّنَّة، وإنما ذكرها بعض العلماء، قال ابن الأثير (^٥): \"الروحانيون\n_________\n(^١) ينظر: شرح العقيدة الطحاوية، ص ٣٣٧.\n(^٢) سورة البقرة: ٩٨.\n(^٣) أخرجه البخاري، كتاب بدء الخلق، باب ذكر الملائكة، ٦/ ٣١٣، رقم ١٣٨٦.\n(^٤) أخرجه مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب الدعاء في صلاة الليل وقيامه، ١/ ٥٣٤، رقم ١٨٤٧.\n(^٥) هو مبارك بن محمد بن محمد بن عبد الكريم، مجد الدين أبو السعادات ابن الأثير الشيباني الجزري، المحدث، ولد سنة ٥٤٤ هـ، وتوفي سنة ٦٠٦ هـ. ينظر: السير ٢١/ ٤٨٨، وفيان الأعيان ٤/ ١٤١ - ١٤٣، البداية والنهاية ١٧/ ٨ - ٩.","vol":"1","page":431},{"text":"يروى بضم الراء وفتحها كأنَّه نسبة إلى الرُّوح أو الرَّوح وهو نسيمُ الرِّيح، والألف والنون من زيادة النَّسب، ويريد به أنهم أجسامٌ لطيفةٌ لا يُدركها البصر\" (^١).\nووصفهم بأنهم (أجسام لطيفة روحانية)، لا يسلَّم له؛ لأنه ينفي ما ثبت بالكتاب والسُّنَّة من وصفهم بالقوَّة، وأنَّ الله - ﷿ - خلقهم بصورةٍ عظيمةٍ تليق بما كلَّفهم الله - ﷾ - به.\nوعندما سألت عائشة - ﵂ - النبي - ﷺ - عن قوله: ﴿وَلَقَدْ رَأَىهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ﴾ (^٢)، قال: «إنَّما هو جبريل لم أره على صورته التي خلقه الله عليها إلا هاتين المرتين، رأيته مُنْهبطًا من السَّماء سادًّا عظم خلقه ما بين السَّماء والأرض» (^٣)، وعن عائشة - ﵂ -: أنَّ الحارث بن هشام - ﵁ - سأل رسول الله - ﷺ - فقال: يا رسول الله، كيف يأتيك الوحي؟ فقال رسول الله - ﷺ -: «أحيانًا يأتيني مثل صلصلة الجرس وهو أشدُّها عليَّ، فيفصم عنِّي، وقد وعيتُ ما قال، وأحيانًا يتمثَّل لي الملك رجلًا فيُكلِّمني فأعي ما يقول، قالت عائشة - ﵂ -: ولقد رأيتُه ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وإنَّ جبينه ليتفصَّد عرقًا» (^٤)، وعن جابر بن عبد الله - ﵄ - أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «أُذِن لي أن أُحَدِّث عن مَلَكٍ من ملائكة الله من حملة العرش، إنَّ ما بين شحمة أُذُنِه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام» (^٥).\n_________\n(^١) النهاية ٢/ ٢٧٢.\n(^٢) سورة التكوير: ٢٣.\n(^٣) أخرجه مسلم، كتاب الإيمان، باب معنى قول الله - ﷿ - ﴿وَلَقَدْ رَأَىهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ﴾ ١/ ١٥٩، رقم ٢٨٧.\n(^٤) أخرجه البخاري، باب بدء الوحي، ١/ ٤، رقم ٢.\n(^٥) أخرجه أبو داود، كتاب السُّنَّة، باب في الجهمية ٤/ ٣٧٠، رقم ٤٧٢٩، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة ١/ ١٥١.","vol":"1","page":432},{"text":"فهذه نصوصٌ دالَّةٌ على عظمتهم وقوَّة خَلْقِهم، وأنَّهم أجسامٌ حقيقيَّة، لا كما يقول ابن عجيبة من أنهم أجسامٌ لطيفة.\nوتسمية صاحب الأرواح عزرائيل لم تَثبت لا في كتابٍ ولا سُنَّة، والذي ورد في النُّصوص أنَّه مَلَكُ الموت، قال الله: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ (^١)، وعن أبي هريرة - ﵁ - عن رسول الله - ﷺ -: قال: «جاء ملك الموت إلى موسى - ﵇ - فقال له: أجبْ ربَّك، قال: فلطم موسى - ﵇ - عين ملك الموت ففقأها، قال: فرجع الملك إلى الله تعالى» (^٢).\nقال ابن كثير: \"وأمَّا مَلَك الموت فليس بمصرَّحٍ باسمه في القرآن ولا في الأحاديث الصحاح، وقد جاء تسميته في بعض الآثار بعزرائيل والله أعلم\" (^٣).\nوبهذا يتضح أنَّ هذا الاسم لم يصحّ بدلالة النصوص الشرعية.\nقال الشيخ ابن عثيمين - ﵀ -: \"وقد اشتهر أنَّ اسمه (عزرائيل)، لكنَّه لم يصح، إنما ورد هذا في آثار إسرائيلية لا توجب أن نؤمن بهذا الاسم، فنسمِّي من وُكِّل بالموت بـ (ملك الموت) كما سمَّاه الله - ﷿ - بقوله تعالى: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ (^٤)، (^٥).\nوقال أيضًا: \"وتسميته (عزرائيل) لم تثبت عن النبي - ﷺ -، إنما هي من أخبار بني إسرائيل، ولم يثبت من أسماء الملائكة إلا خمسة أسماء، وهي: جبرائيل، وميكائيل،\n_________\n(^١) سورة السجدة: ١١.\n(^٢) أخرجه مسلم، كتاب الفضائل، باب من فضائل موسى - ﵇ - ٤/ ١٨٤٢، رقم ٢٣٧٢.\n(^٣) البداية النهاية ١/ ٤٩.\n(^٤) سورة السجدة: ١١.\n(^٥) مجموع فتاوى ورسائل العثيمين ٣/ ١٦٦.","vol":"1","page":433},{"text":"وإسرافيل، ومالك، ورضوان، ومنكرٌ ونكير، فهذه هي الأسماء الثابتة فيمن يتولَّون أعمال العباد ...\nوملك الموت لا يُسمى عزرائيل؛ لأنه لم يثبت عن الرسول - ﷺ -، وهذا من الأمور الغيبية التي يتوقَّف إثباتُها ونفيها على ما ورد به الشرع.\nثم إنَّ مَلَك الموت له أعوان يعينونه على إخراج الرُّوح من الجسد حتى يوصلوها إلى الحلقوم، فإذا أوصلوها إلى الحلقوم قبضها مَلَك الموت، وقد أضاف الله تعالى الوفاة إلى نفسه، وإلى رسله أي: الملائكة، وإلى مَلَك واحد، فقال الله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (^١).\nوأضافها إلى ملك واحد في قوله تعالى: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ (^٢).\nوإلى الملائكة في قوله: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾ (^٣).\nولا معارضة بين هذه الآيات، فأضافه الله إلى نفسه؛ لأنه واقعٌ بأمره، وأضافه إلى الملائكة؛ لأنهم أعوانٌ لملك الموت، وأضافه إلى ملك الموت؛ لأنه هو الذي تولَّى قبضها من البدن\" (^٤).\nوقال ابن حبان - ﵀ -: \"إنَّ الله - ﷿ - أرسل ملك الموت إلى موسى رسالة ابتلاء واختبار، وأمره أن يقول له: أجب ربك أمر اختبار وابتلاء لا أمرًا يريد الله - ﷿ - إمضاءه كما أمر خليله صلى الله على نبيِّنا وعليه بذبح ابنه أمر اختبار\n_________\n(^١) سورة الزمر: ٤٢.\n(^٢) سورة السجدة: ١١.\n(^٣) سورة الأنعام: ٦١.\n(^٤) الشرح الممتع على زاد المستقنع ٥/ ٢٤٥.","vol":"1","page":434},{"text":"وابتلاء دون الأمر الذي أراد الله - ﷿ - إمضاءه، فلما عزم على ذبح ابنه وتلَّه للجبين فداه بالذبح العظيم.\nوقد بعث الله - ﷿ - الملائكة إلى رسله في صور لا يعرفونها كدخول الملائكة على رسوله إبراهيم - ﵇ - ولم يعرفهم حتى أوجس منهم خيفة وكمجيء جبريل - ﵇ - إلى رسول الله - ﷺ - وسؤاله إياه عن الإيمان والإسلام فلم يعرفه المصطفى - ﷺ - حتى ولَّى.\nفكان مجيء ملك الموت إلى موسى - ﵇ - على غير الصورة التي كان يعرفه موسى - ﵇ - عليها، وكان موسى غيورًا فرأى في داره رجلًا لم يعرفه فشال يده (^١) فلطمه فأتت لطمته على فقء عينه التي في الصُّورة التي يتصور بها لا الصورة التي خلقه الله عليها.\nولما كان من شريعتنا أن من فقأ عين الداخل داره بغير إذنه، أو الناظر إلى بيته بغير أمره من غير جناح على فاعله ولا حرج على مرتكبه ... كان جائزًا اتفاق هذه الشريعة بشريعة موسى بإسقاط الحرج عمَّن فقأ عين الداخل داره بغير إذنه فكان استعمال موسى هذا الفعل مباحًا له، ولا حرج عليه في فعله.\nفلمَّا رجع مَلَك الموت إلى ربه وأخبره بما كان من موسى فيه، أمره ثانيًا بأمرٍ آخر أمر اختبار وابتلاء كما ذكرنا قبل، إذ قال الله له: قل له: إن شئتَ فضع يدك على متن ثور فلك بكلِّ ما غطَّت يدك بكلِّ شعرةٍ سَنَة، فلمَّا علم موسى كليم الله صلى الله على نبيِّنا وعليه أنه مَلَك الموت وأنه جاءه بالرِّسالة من عند الله طابت نفسُه بالموت ولم يستمهل وقال: فالآن.\nفلو كانت المرَّة الأولى عرفه موسى أنه ملك الموت لاستعمل ما استعمل في المرَّة الأخرى عند تيقُّنه وعلمه به\" (^٢).\n_________\n(^١) شال الرجل يده: أي رفعها. ينظر: المعجم الوسيط ١/ ٥٠١.\n(^٢) صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان، باب بدء الخلق، ١٤/ ١١٢، وينظر: فتح الباري ٦/ ٤٤٢.","vol":"1","page":435},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-113>المبحث الثاني: خلق الملائكة</span>\nقال ابن عجيبة: \"اعلم أنَّ الخمرةَ الأزليَّةَ حين تجلَّت في مرائي جمالها تلوَّنت في تجلياتها، فتجلَّت نورانيَّة، وناريَّة، ومائيَّة، وترابيَّة وسماويَّة، وهوائيَّة، إلى غير ذلك من أنوار تجلياتها، فكانت الملائكة من النُّور، والجنُّ من النَّار، والآدميُّ من التراب\" (^١).\nوقد تأثَّر ابن عجيبة في قوله بالفلاسفة القائلين بأزلية المادَّة، وجعل مواد الخلق كله واحدة تعود لأصلٍ أزليٍّ واحد، وهذا من تعطيل الله - ﷿ - عن خلقه وقدرته - ﷾ - وجحد لربوبية الله تعالى عن خلقه، تعالى الله عمَّا يقول الظالمون علوًّا كبيرًا.\nويبدو أنه متأثر أيضًا بآراء المبتدعة في بدعة وحدة الوجود في القول بأزلية المادة.\nفالخمرة الأزلية هي الحبُّ الإلهي، فيبين حقيقتها بقوله: \"وهذه الخمرة ... هي اختمار القلوب بأنوار المحبوب، فيحتجب عن الأغيار برؤية الواحد القهَّار، وقد كانت هذه الخمرة في القدر الأوَّل ظاهرة أنوارها، بادية أسرارها على أربابها، فيتداولونها بينهم، ويتكلَّمون عليها بألطاف العبارات، وأنواع الإشارات، ثم اندرست، وقلَّت فخفيت أنوارها وبطنت أسرارها ... وحجب ذلك السر في قلوب أوليائه\" (^٢).\nثم يشرع في وصف هذه الخمرة، فيقول: \"والحاصل: أنَّ الحقَّ ﷻ كان في سابق أزله ذاتًا مقدَّسة، لطيفةً خفيَّةً عن العقول، نورانيةً متصفةً بصفات الكمال، ليس معها رسوم ولا أشكال، ثم أظهر الحقُّ تعالى قبضة من نوره حسيَّةً معنوية؛ إذ لا ظهور للمعنى إلا بالحس، فقال: كوني محمَّدًا، فمن جهة حسِّها\n_________\n(^١) البحر المديد ٣/ ٨٦.\n(^٢) شرح خمرية ابن الفارض، ص ٦١.","vol":"1","page":436},{"text":"محصورة، ومن جهة معناها لا نهاية لها، متصلة ببحر المعاني الأزلي، الذي برزت منه، وما نسبتها من ذلك البحر من جهة حسِّها إلا كخردلةٍ في الهواء ... \" (^١).\nثم يقول في موضع آخر: \"فالأشياء كلها قامت بالخمرة الأزلية، ولا وجود لها بدونها، بل لا نسبة لها معها ... قال بعض المحققين: لو كُلِّفت أن أرى غيره لم أستطع، فإنه لا شيء معه حتى أشهده\" (^٢).\nفالخمرة الأزليُّة هي الحُبُّ الإلهي عند ابن عجيبة، وهي أساس الوجود للكون -كما يزعم- هو وغيره من الصوفية، فهذا عبد الرحمن جامي (^٣) يقول: \"في تلك الخلوة، التي لم يكن فيها للوجود علامة، وكان العالم محتجبًا في زاوية العدم، كان وجودًا منزَّهًا عن الشريك، بعيدًا عن أقاويلنا وأقاويلك، فهو جمالٌ مُبرَّأٌ من قيد المظاهر، يتجلَّى بنوره على ذاته، وتجلَّى على الآفاق والأنفس، فأظهر وجهه في كل مرآة، وانتشر منه في كل مكان حديث، إذ جعل من ذرَّات الدنيا مرايا، وألقى بوجهه في كلِّ مكانٍ منها ... وتجلَّى جماله في كل مكان، وتخفَّى في معشوقيَّ الكون، فهو المحتجب وراء كل ستار تراه، وعشقه محرِّك كلّ قلب، فالقلب يحيا بعشقه، وتسعد الروح شوقًا إليه\" (^٤).\n_________\n(^١) البحر المديد ٢/ ٥١٣.\n(^٢) شرح خمرية ابن الفارض، ص ٧٩، وينظر: معراج التشوف، ص ٧٦.\n(^٣) هو: عبد الرحمن بن أحمد الجامي، اُشتهر بملا جامي، وأصله من أصفهان بإيران، ولد ببلدة جام في إقليم خراسان سنة ٨١٧ هـ، وهو صوفيٌّ فارسيٌّ على الطريقة النقشبندية، يقول بوحدة الوجود، له شرحٌ على فصوص ابن عربي، وكانت وفاته في هراة بأفغانستان سنة ٨٩٨ هـ، وعمره إحدى وثمانون سنة. ينظر: إرغام أولياء الشيطان بذكر مناقب أولياء الرحمن، ص ٤٠٤، الدرر البهية في تراجم الحنفية، ص ١١١.\n(^٤) يوسف وزليخا، ص ٤٧ - ٥٠.","vol":"1","page":437},{"text":"وزعم ابن الفارض أنَّ الحُبَّ الإلهي (^١) هو أساس كلِّ شيءٍ ولولاه لما كان هناك وجودٌ للكون أصلًا.\nوكلُّ ذلك بأسلوبٍ رمزيٍّ أثناء وصفه للخمرة الأزلية، فيقول:\nتَقَدَّمَ كلَّ الكائناتِ حديثُها ... قديمًا ولا شَكلٌ هناك ولا رسمُ\nوقامت بها الأشياءُ ثم لحكمةٍ ... بها احتجبت عن كلِّ من لا له فهمُ\nوهامت بها روحي بحيث تمازجا اتـ ... ـحادًا، ولا جِرْمٌ تخلَّلهُ جِرْمُ\n\nولذلك تجد من القوم من يحفظ قصيدة ابن الفارض وينشدها ظانًّا أنها من الدين.\nوهذا لاشك في بطلانه، يقول ابن تيمية - ﵀ -: \"ومن قال: إنَّ لقول هؤلاء سرًّا خفيًّا وباطنَ حقٍّ وإنَّه من الحقائق التي لا يطلع عليها إلا خواص خواص الخلق، فهو أحد رجلين -إمَّا أن يكون من كبار الزنادقة أهل الإلحاد والمحال، وإمَّا أن يكون من كبار أهل الجهل والضلال، فالزنديق يجب قتله، والجاهل يُعرَّف حقيقة الأمر، فإن أصرَّ على هذا الاعتقاد الباطل بعد قيام الحجة عليه وجب قتله.\nولكن لقولهم سرٌّ خفيٌّ وحقيقة باطنة لا يعرفها إلا خواص الخلق، وهذا السرُّ هو أشدُّ كفرًا وإلحادًا من ظاهره؛ فإنَّ مذهبهم فيه دقَّةٌ وغموضٌ وخفاءٌ قد لا يفهمه كثيرٌ من الناس، ولهذا تجد كثيرًا من عوام أهل الدين والخير والعبادة ينشد قصيدة ابن الفارض ويتواجد عليها ويعظمِّها ظانًّا أنها من كلام أهل التوحيد والمعرفة، وهو لا يفهمها ولا يفهم مراد قائلها؛ وكذلك كلام هؤلاء يسمعه طوائف من المشهورين بالعلم والدين فلا يفهمون حقيقته، فإمَّا أن يتوقَّفوا عنه أو يعبِّروا عن مذهبهم بعبارة\n_________\n(^١) يقول ابن عربي: \"العالم ما أوجده الله إلا عن الحب، فالحب يستصحب جميع المقامات والأحوال، فهو سار في الأمور كلها\". الفتوحات المكية ٤/ ١٠٧.","vol":"1","page":438},{"text":"من لم يفهم حقيقة، وإمَّا أن ينكروه إنكارًا مجملًا من غير معرفة بحقيقته ونحو ذلك، وهذا حال أكثر الخلق معهم، وأئمتهم إذا رأوا من لم يفهم حقيقة قولهم طمعوا فيه وقالوا: هذا من علماء الرُّسوم وأهل الظاهر وأهل القشر، وقالوا: علمنا هذا لا يُعرف إلا بالكشف والمشاهدة وهذا يحتاج إلى شروط، وقالوا: ليس هذا عشّك فادرج عنه ونحو ذلك مما فيه تعظيم له وتشويق إليه وتجهيل لمن لم يصل إليه، وإن رأوه عارفًا بقولهم نسبوه إلى أنه منهم وقالوا: هو من كبار العارفين، وإذا أظهر الإنكار عليهم والتكفير قالوا: هذا قام بوصف الإنكار لتكميل المراتب والمجالي، وهكذا يقولون في الأنبياء ونهيهم عن عبادة الأصنام، وهذا كله وأمثاله مما رأيته وسمعته منهم، فضلالهم عظيم وإفكهم كبير وتلبيسهم شديد، والله تعالى يظهر ما أرسل به رسوله من الهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدًا، والله أعلم\" (^١).\nوغاية ما يريد الصوفية أن يصلوا إليه بهذه الخمرة الأزلية هي الاتحاد بالله، \"وأن تصير ذات المحبوب عين ذات المحب، وذات المحب عين ذات المحبوب\" (^٢).\nقال الدباغ (^٣): \"واعلم أنَّ المحب مالم يصل إلى مقام الاتحاد لا تنقطع الحجب التي بينه وبين محبوبه، فإنها كثيرة لكن بعضها ألطف وأشد نورانية من بعض، وكلما كشفت له منها حجاب تاقت النفس إلى كشف ما بعده حتى تزول جميعها عند الاتحاد\" (^٤).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ٢/ ٣٧٨ - ٣٨٠.\n(^٢) الفتوحات المكية ٢/ ٣٢٩.\n(^٣) هو عبد الرحمن بن محمد بن علي الأنصاري، صوفيٌّ من أهل القيروان، ولد سنة ٦٠٥ هـ، وتوفي سنة ٦٦٩ هـ. ينظر: الحلل السندسية ١/ ٢٤٩ - ٢٥٦.\n(^٤) مشارق أنوار القلوب، ص ٦٨.","vol":"1","page":439},{"text":"ومن ثم يزعم الصوفية أن الله - ﷿ - تجلَّى في مخلوقاته، فكلُّ ما يراه الإنسان في هذا الكون هو محبوب حتى وإن كان قبيحًا؛ لأنَّ الكلَّ تجليات الحق، وهذه هي فكرة وحدة الوجود (^١).\n_________\n(^١) ينظر: الفتوحات المكية ٢/ ٢٦٩.","vol":"1","page":440},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-114>المبحث الثالث:\nالمفاضلة بين الملائكة وصالحي البشر</span>\nهذه المسألةُ مسألةٌ أثريَّةٌ سلفيَّةٌ صحابيَّة، قال ابن تيمية - ﵀ -: \"وقد كنتُ أحسب أنَّ القول فيها مُحدثٌ حتى رأيتها أثريَّةً سلفيَّةً صحابيَّة فانبعثت الهمَّة إلى تحقيق القول فيها ... \" (^١).\nويقول ابن عجيبة: في تفسيره لقول الله تعالى: ﴿وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (^٢)، \"والكلام: إنما هو مع الخواص، فخواص الآدمي، أعني الأنبياء أعظم من خواص الملائكة، وخواص الملائكة -أعني من المقرَّبين- أعظم من خواص الآدمي -أعني العارفين-، والعارفون أعظم من عوام الملائكة، وعوام الملائكة أعظم من عوام بني آدم، والله تعالى أعلم\" (^٣).\nلقد كثر الخوض في هذه المسألة، وتعدَّدت الأقوال فيها، قال البيهقي - ﵀ - (^٤): \"وقد تكلَّم الناس قديمًا وحديثًا في المفاضلة بين الملائكة والبشر.\nفذهب ذاهبون إلى أنَّ الرُّسل من البشر أفضلُ من الرُّسل من الملائكة، والأولياء من البشر أفضلُ من الأولياء من الملائكة.\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ٤/ ٣٥٧.\n(^٢) سورة الزمر: ٧٥.\n(^٣) إيقاظ الهمم، ص ٢٠٤.\n(^٤) هو: أبو بكر، أحمد بن الحسين بن علي بن موسى الخراساني البيهقي، وبيهق عدة قرى من أعمال نيسابور على يومين منها، ولد سنة ٣٨٤ هـ، أقبل على الجمع والتأليف، وله مصنفات منها: السنن والآثار، والأسماء والصفات، ودلائل النبوة، وكانت وفاته سنة ٤٥٨ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء ١٨/ ١٦٣.","vol":"1","page":441},{"text":"وذهب آخرون إلى أنَّ الملأ الأعلى مفضَّلون على سُكَّان الأرض.\nولكلِّ واحدٍ من القولين وجه\" (^١).\nوقال ابن أبي العز - ﵀ -: \"وقد تكلَّم الناس في المفاضلة بين الملائكة وصالحي البشر، وينسب إلى أهل السُّنَّة تفضيل صالحي البشر والأنبياء فقط على الملائكة، وإلى المعتزلة تفضيل الملائكة مطلقًا (^٢)، وأتباع الأشعري (^٣) على قولين: منهم من يُفضِّل الأولياء والأنبياء، ومنهم من يقف ولا يقطع في ذلك قولًا، وحكي عن بعضهم ميلهم إلى تفضيل الملائكة وحكي ذلك عن غيرهم من أهل السُّنَّة وبعض الصوفية\" (^٤).\nواختار شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: \"أنَّ صالحي البشر أفضل باعتبار كمال النهاية، والملائكة أفضل باعتبار البداية، فإنَّ الملائكة الآن في الرفيق الأعلى منزَّهون عمَّا يلابسه بنو آدم، مستغرقون في عبادة الرَّب، ولا ريب أن هذه الأحوال الآن أكمل من أحوال البشر، وأمَّا يوم القيامة بعد دخول الجنة، فيصير حال صالحي البشر أكمل من حال الملائكة\" (^٥).\nوعلَّق ابن القيم - ﵀ - على هذا القول بقوله: \"ولهذا كان أكثر الناس على\n_________\n(^١) شعب الإيمان ١/ ١٣٥.\n(^٢) ينظر: الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل ١/ ٧١١، ٤/ ٧١١، وينظر: الدر المنضود في الصلاة والسلام على صاحب المقام المحمود، ص ٥٨، وبدائع الفوائد ١/ ٦٦، وأشار أيضًا إلى أنَّ الفلاسفة فضَّلوا الملائكة. وينظر: مجموع الفتاوى، لابن تيمية ٤/ ٣٥٦.\n(^٣) من تبعه في العقيدة في طوره الثاني ومن كبارهم البيهقي، والباقلاني، والقشيري، والجويني، والغزالي، والفخر الرازي، وغيرهم كثير. ينظر: موقف ابن تيمية من الأشاعرة ٣/ ١٠٣٤.\n(^٤) شرح الطحاوية، ص ٣٢٠، وينظر: مقالات الإسلاميين ١/ ٢٩٦، والتعرف لمذهب أهل التصوف، ص ٦٩.\n(^٥) مجموع الفتاوى ٤/ ٣٤٣.","vol":"1","page":442},{"text":"تفضيلهم -أي: صالحي البشر-؛ لأنَّ الملائكة عبادتهم بريئة عن شوائب ودواعي النفوس والشهوات البشرية، فهي صادرة عن غير معارضة ولا مانع ولا عائق، وهي كالنَّفس للحي، وأَمَّا عبادات البشر فمع منازعات النفوس وقمع الشهوات ومخالفة دواعي الطبع، فكانت أكمل\" (^١).\n_________\n(^١) طريق الهجرتين وباب السعادتين ١/ ٢٧٧ (مع تقديم وتأخير في النص المنقول). وينظر: مجموع الفتاوى، لابن تيمية، فقد ذكر ثلاثة عشر دليلًا على تفضيل صالحي البشر على الملائكة ٤/ ٣٥٠، ٣٩٢، ٣٦٧.","vol":"1","page":443},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-115>الفصل الثالث: آراؤه في الإيمان بالكتب</span>\nوفيه مبحثان:\n\nالمبحث الأول: تعريف الكتب\nالمبحث الثاني: منزلة الإيمان بالكتب من الإيمان","vol":"1","page":445},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-116>المبحث الأول: تعريف الكتب</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-117>أولًا: الكتب لغةً</span>\nجمع كتاب، بمعنى مكتوب، ومعناه يدور على الجمعِ والضَّم.\nقال ابن فارس: \"الكاف والتاء والباء أصلٌ صحيحٌ واحدٌ يدلُّ على جمعِ شيءٍ إلى شيء، من ذلك الكِتَابُ والكتابة، يقال: كتبتُ الكتابَ أكْتبُه كَتْبًا\" (^١).\nوقد أشار إلى هذا المعنى ابن عجيبة بقوله: \"الكتاب فهو مصدرٌ: من كتب إذا جمع، ومنه قيل: كتيبة لاجتماعها\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-118>ثانيًا: الكتب شرعًا</span>\nهي الكتب المتضمِّنة لكلام الله - ﷿ - المنزلة على رُسُله.\nوالكتب التي يجب الإيمان بها: \"هي الكتب التي أنزلها الله تعالى على رُسُلِه، رحمةً للخلق، وهدايةً لهم، ليصلوا بها إلى سعادة الدنيا والآخرة\" (^٣).\nقال ابن كثير: \"والكُتُب: اسم جنس يشمل الكتب المنزلة من السماء على الأنبياء حتى خُتِمت بأشرفها، وهو: القرآن المهيمن على ما قبله من الكتب\" (^٤).\nوقال ابن عجيبة: \"الْكِتاب أي: جنس الكتب، فيشمل الكتب السماوية كلها\" (^٥)، وأشار لبعضها بقوله: \"القرآن، والتوراة، والإنجيل، والزبور، كتبه المنزلة على رسله\" (^٦).\n_________\n(^١) مقاييس اللغة ٥/ ١٨٥.\n(^٢) تفسير الفاتحة الكبير، ص ٧٢.\n(^٣) شفاء العليل ١/ ٦٩٨، وينظر: شعب الإيمان، للبيهقي ١/ ١٨٥.\n(^٤) تفسير القرآن العظيم ١/ ٤٨٦.\n(^٥) البحر المديد ١/ ٢٩٣.\n(^٦) مخطوط رسائل في العقائد ل/٣.","vol":"1","page":447},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-119>المبحث الثاني:\nمنزلة الإيمان بالكتب من الإيمان</span>\nالإيمان بالكتب هو الركن الثالث من أركان الإيمان، ولا يتمُّ إيمانُ العبد الَّا به، قال تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ (^١).\nوحكم الله - ﷿ - بالكفر على من كفر بها، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا﴾ (^٢).\nقال ابن كثير: \"أي: فقد خرج عن طريق الهدى، وبَعُد عن القصد كلَّ البعد\" (^٣).\nوسمى الله - ﷿ - من آمن بهذه الجملة مؤمنين، وحكم بالكفر لمن كفر بهذه الجملة (^٤).\nويتضمَّن الإيمان بالكتب أمرين هما: التصديق بها، ووجوب طاعتها فيما أمرت.\n_________\n(^١) سورة البقرة: ١٧٧.\n(^٢) سورة النساء: ١٣٦ - ١٣٧.\n(^٣) تفسير القرآن العظيم ٢/ ٤٣٤.\n(^٤) ينظر: شرح العقيدة الطحاوية، ص ٢٩٧.","vol":"1","page":448},{"text":"قال ابن تيمية - ﵀ -: \"فإنَّ الكتب تضمَّنت أصلين: الإخبار، والأمر، والإيمان بها لا يتم إلا بتصديقها فيما أخبرت، وإيجاب طاعتها فيما أوجبت\" (^١).\nفيجب الإيمان بجميع الكتب من غير تفريقٍ ولا تبعيض.\nوقال - ﵀ -: \"التفريق والتبعيض قد يكون في القدر تارة، وقد يكون في الوصف\" (^٢).\nوتوضيح ذلك يكون: إمَّا في الكمّ، وإمَّا في الكيف كما قد يكون في التنزيل تارة وفي التأويل أخرى؛ فإن الموجود له حقيقة موصوفة وله مقدار محدود فما أنزل الله على رسله قد يقع التفريق والتبعيض في قدره، وقد يقع في وصفه.\nوهذا مثل اليهود يقولون: نؤمن بما أنزل على موسى - ﵇ - دون ما أنزل على عيسى - ﵇ - ومحمد - ﷺ -، وهكذا النصارى في إيمانهم بالمسيح دون محمَّد.\nفمن آمن ببعض الرُّسل والكتب دون بعض فقد دخل في هذا؛ فإنه لم يؤمن بجميع المنزل، وكذلك من كان من المنتسبين إلى هذه الأُمَّة يؤمن ببعض نصوص الكتاب والسُّنَّة دون بعض (^٣).\nقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ (^٤).\n_________\n(^١) الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح ٢/ ٤١١.\n(^٢) مجموع الفتاوى ١٢/ ١٣.\n(^٣) المرجع السابق ١٢/ ١٣.\n(^٤) سورة النساء: ١٥٠ - ١٥١.","vol":"1","page":449},{"text":"يقول ابن جرير في تفسيره لهذه الآية: \"فقال جلَّ ثناؤه لعباده، مُنبِّهًا لهم على ضلالتهم وكفرهم ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾، يقول: أيها النَّاس، هؤلاء الذين وصفت لكم صفتهم، هم أهل الكفر بي، المستحقون عذابي والخلود في ناري حقًّا، فاستيقنوا ذلك، ولا يشككنَّكم في أمرهم انتحالهم الكذب، ودعواهم أنهم يقرُّون بما زعموا أنهم به مقرُّون من الكتب والرُّسل، فإنهم في دعواهم ما ادعوا من ذلك كَذَبَةٌ.\nوذلك أن المؤمن بالكتب والرسل، هو المصدّق بجميع ما في الكتاب الذي يزعم أنه به مصدق، وبما جاء به الرسول الذي يزعم أنه به مؤمن.\nفأمَّا من صدَّق ببعض ذلك وكذَّب ببعض، فهو لنبوة من كذَّب ببعض ما جاء به جاحد، ومن جحد نبوة نبي فهو به مُكذِّب.\nوهؤلاء الذين جحدوا نبوة بعض الأنبياء، وزعموا أنهم مصدقون ببعض، مُكذِّبون من زعموا أنهم به مؤمنون، لتكذيبهم ببعض ما جاءهم به من عند ربهم، فهم بالله وبرسله الذين يزعمون أنهم بهم مصدقون، والذين يزعمون أنهم بهم مكذِّبون كافرون\" (^١).\nوهكذا قرَّر ابن القيم - ﵀ - حيث قال: \"وهكذا الحكم في كلِّ من فرق الحق فآمن ببعضه وكفر ببعضه، كمن آمن ببعض الكتاب وكفر ببعض، وكمن آمن ببعض الأنبياء وكفر ببعض، لم ينفعه إيمانه بما كفر به حتى يؤمن بالجميع.\nونظير هذا التفريق من يردّ آيات الصفات وأخبارها ويقبل آيات الأوامر والنواهي، فإن ذلك لا ينفعه لأنه آمن ببعض الرسالة وكفر ببعض، فإن كانت الشبهة التي عرضت لمن كفر ببعض الأنبياء غير نافعة له، فالشبهة التي عرضت لمن\n_________\n(^١) جامع البيان في تأويل القرآن ٩/ ٣٥٣.","vol":"1","page":450},{"text":"ردَّ بعض ما جاء به النبي - ﷺ - أولى أن لا تكون نافعة وإن كانت هذه عذرًا له فشبهة من كذَّب بعض الأنبياء مثلها، وكما أنه لا يكون مؤمنًا حتى يؤمن بجميع الأنبياء، ومن كفر بنبي من الأنبياء فهو كمن كفر بجميعهم، فكذلك لا يكون مؤمنًا حتى يؤمن بجميع ما جاء به الرسول، فإذا آمن ببعضه فهو كمن كفر به كله\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-120>أولًا: رأي ابن عجيبة في الكتب المتقدِّمة</span>\nقال: \"إنَّ الإيمان بالكتب المتقدِّمة دون معرفة أعيان المنزل عليهم كافٍ، إلَّا من ورد تعيينُه في الكتاب والسُّنَّة فلا بدَّ من الإيمان به\" (^٢).\nوهذا حقٌّ، فما ذكر الله منها تفصيلًا وجب علينا الإيمان به تفصيلًا، وما ذكر منها إجمالًا وجب علينا الإيمان به إجمالًا (^٣)، ونؤمن به كما أمرنا الله - ﷿ - ورسوله - ﷺ -: ﴿وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ﴾ (^٤).\nولتقرير الإيمان بالكتب كلها أمر الله عباده المؤمنين أن يخاطبوا أهل الكتاب بقوله تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ (^٥) \"فتضمَّنت الآية إيمان المؤمنين بما أنزل الله عليهم بواسطة رسوله - ﷺ -، وما أنزل على أعيان الرُّسل المذكورين في الآية، وما أنزل على بقية الأنبياء في الجملة وأنهم لا يُفرِّقون بين الرُّسل في الإيمان ببعضهم دون بعض، فانتظم ذلك الإيمان بجميع الرُّسل وكل ما أنزل الله عليهم من الكتب\" (^٦).\n_________\n(^١) بدائع الفوائد ٤/ ١٩٤.\n(^٢) البحر المديد ١/ ٧٥.\n(^٣) ينظر: أعلام السُّنَّة المنشورة، ص ٩٧.\n(^٤) سورة الشورى: ١٥.\n(^٥) سورة البقرة: ١٣٦.\n(^٦) أصول الإيمان في ضوء الكتاب والسُّنَّة، ص ١٣٦.","vol":"1","page":451},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-121>ثانيًا: استدلال ابن عجيبة على الإيمان بالكتب</span>\nقال في تفسيره لقول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ (^١)، ... وَالْكِتابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ أي: جنس الكتاب، فتدخل الكتب المتقدِّمة كلها، ومن يكفر بشيءٍ من ذلك فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا\" (^٢).\nويستدل ابن عجيبة على منزلة الإيمان بالكتب بحديث جبريل - ﵇ -: ... قال: فأخبرني عن الإيمان قال: «أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ...» (^٣) (^٤).\nوقد ورد في نصوص الوحيين ذكر بعض أسماء الكتب التي أنزلها الله - ﷿ - على رسله وهي:\n١ - القرآن الكريم: وهو الكتاب الذي أُنزل على نبيِّنا محمَّد - ﷺ -.\nقال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى﴾ (^٥).\nوالقرآن له عِدَّة أسماء منها: (الفرقان) قال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ (^٦).\n_________\n(^١) سورة النساء: ٣٦.\n(^٢) البحر المديد ١/ ٥٧٥.\n(^٣) أخرجه البخاري، كتاب الإيمان، باب سؤال جبريل النبي عن الإيمان والإسلام والإحسان، ١/ ٣٣، رقم ٥٠.\n(^٤) مخطوط الأربعين في الأصول والفروع، ل/٢.\n(^٥) سورة البقرة: ١٨٥.\n(^٦) سورة الفرقان: ١.","vol":"1","page":452},{"text":"والكتاب، قال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾ (^١).\nوالذكر، قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (^٢)، (^٣).\nقال ابن جرير الطبري: \"ولكلِّ اسمٍ من أسمائه الأربعة في كلام العرب معنًى ووجهٌ غيرُ معنى الآخر ووجهه.\nفأمَّا (القرآن)، فإنَّ المفسرين اختلفوا في تأويله، والواجبُ أن يكون تأويله على قول ابن عباس - ﵄ - من التلاوة والقراءة، وأن يكون مصدرًا من قول القائل: قرأت، كقولك: (الخُسران) من (خَسِرت) ..\nوأما تأويل اسمه الذي هو (فُرْقان)، فإن تفسيرَ أهل التفسير جاء في ذلك بألفاظ مختلفة، هي في المعاني مؤتلفة ... وأصل (الفُرْقان) عندنا: الفرقُ بين الشيئين والفصل بينهما، وقد يكون ذلك بقضاءٍ، واستنقاذٍ، وإظهارِ حُجَّةٍ، ونَصْرٍ، وغير ذلك من المعاني المفرِّقة بين المحقِّ والمبطِل.\nفقد تبيَّن بذلك أنَّ القرآن سُمِّي (فرقانًا)، لفصله -بحججه وأدلَّته وحدود فرائضه وسائر معاني حُكمه- بين المحق والمبطل، وفرقانُه بينهما: بنصره المحقِّ، وتخذيله المبطل، حُكمًا وقضاءً.\nوأما تأويل اسمه الذي هو (كتابٌ)، فهو مصدرٌ من قولك (كتبتُ كتابًا) كما تقولُ: قمتُ قيامًا، وحسبتُ الشَّيءَ حسابًا.\nوالكتابُ هو خطُّ الكاتب حروفَ المعجم مجموعةً ومفترقة، وسُمي (كتابًا)، وإنما هو مكتوب ... يعني به مكتوبًا.\n_________\n(^١) سورة الكهف: ١.\n(^٢) سورة الحجر: ٩.\n(^٣) ينظر: جامع البيان في تفسير القرآن، للطبري ١/ ٩٤.","vol":"1","page":453},{"text":"وأما تأويل اسمه الذي هو (ذِكْرٌ)، فإنه محتمل معنيين أحدهما: أنه ذكرٌ من الله جلَّ ذكره، ذكَّر به عباده، فعرَّفهم فيه حدوده وفرائضه، وسائرَ ما أودعه من حُكمه.\nوالآخر: أنه ذكرٌ وشرفٌ وفخرٌ لمن آمن به وصدَّق بما فيه، كما قال جلَّ ثناؤه: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾ (^١)، يعني به أنه شرفٌ له ولقومه\" (^٢).\n٢ - التوراة: وهو الكتاب الذي أنزله الله - ﷿ - على موسى - ﵇ -، قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ﴾ (^٣).\n٣ - الإنجيل: وهو الكتاب الذي أنزله الله - ﷿ - على عيسى - ﵇ - قال تعالى: ﴿وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ (^٤).\n٤ - الزبور: وهو الكتاب الذي أنزله على داود - ﵇ -، قال - ﷿ -: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ (^٥)، قال سعيد بن جبير ومجاهد: الزبور جميع الكتب المنزلة، والذكر أم الكتاب الذي عنده، والمعنى من بعد ما كتب ذكره في اللوح المحفوظ\" (^٦)، وقال تعالى: ﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ (^٧).\n٥ - صحف إبراهيم وموسى: قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾ (^٨).\n_________\n(^١) سورة الزخرف: ٤٤.\n(^٢) جامع البيان عن تأويل آي القرآن ١/ ٩٤.\n(^٣) سورة المائدة: ٤٤.\n(^٤) سورة المائدة: ٤٦.\n(^٥) سورة الأنبياء: ١٠٥.\n(^٦) معالم التنزيل ٥/ ٢٥٨.\n(^٧) سورة النساء: ١٦٣.\n(^٨) سورة الأعلى: ١٨ - ١٩.","vol":"1","page":454},{"text":"وما أشار إليه ابن عجيبة من أنَّ هذه الكتب يُراد بها الكتب المعيَّنة تارة، ويراد بها الجنس تارة، فهو صحيح.\nقال ابن القيم - ﵀ -: \"فإنَّ لفظ التوراة والإنجيل والزبور والقرآن يُراد به الكتب المعنيَّة تارة، ويُراد به الجنس تارة، فيُعبَّر بلفظ القرآن عن الزَّبور، وبلفظ التوراة عن الإنجيل، وعن القرآن أيضًا\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-122>ثالثًا: الإيمان بالقرآن الكريم ومنزلته</span>\nقال ابن عجيبة: \"أما القرآن العظيم فلا بدَّ من الإيمان أنه مُنَزَّلٌ على نبيِّنا محمَّدٍ - ﷺ - \" (^٢).\nويقول أيضًا: \"إنَّ القرآن مقروءٌ بالألسن مكتوبٌ في المصاحف، محفوظٌ في القلوب، وأنه مع ذلك قديمٌ قائمٌ بذاته تعالى\" (^٣).\nقد يتبادر إلى الذهن أنَّ قول ابن عجيبة هذا صحيح موافق لاعتقاد أهل السُّنَّة والجماعة، خاصَّة أنَّ هذا ما قرره أبو الحسن الأشعري فقال: \"والقرآنُ مكتوبُ في مصاحفنا في الحقيقة، محفوظٌ في صدورنا في الحقيقة، متلوٌّ بألسنتنا في الحقيقة، مسموعٌ لنا في الحقيقة\" (^٤).\nولكنَّ هذا الكلام ليس على حقيقته، بل هذه عبارات عن الكلام القديم، وهي معانٍ مخلوقةٌ عند الأشاعرة، قال ابن فُورَك: \"كلامُ الله تعالى محفوظٌ في القلوب متلوٌّ بالألسِنَة مكتوبٌ في المصاحف كما أنَّ الله جلَّ ذكره مذكورٌ بالألسِنَة معبودٌ\n_________\n(^١) هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى ٢/ ٣٦٩.\n(^٢) البحر المديد ١/ ٧٥.\n(^٣) مخطوط رسائل في العقائد، ل/٤.\n(^٤) الإبانة في أصول الديانة، ص ١٠٠.","vol":"1","page":455},{"text":"بالجوارح، ولا يجوز أن يكون في شيءٍ من ذلك حالًا، ومثل هذا قوله تعالى: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (^١).\nوالمراد حُبُّ العجل؛ لأنَّ العجل لم يحل في قلوبهم، واعلم أنَّا لا نأبى أن كلام الله تعالى محفوظٌ على الحقيقة، يُحفظ في القلوب مكتوب على الحقيقة في المصحف كتابة حالة فيها متلوٌ بالألسِنَة بتلاوة فيها مسموع في الأسماع غير حال في شيءٍ من هذه المخلوقات ولا يُجَاوَز\" (^٢).\nوأفصح عن ذلك أيضًا عبد القاهر البغدادي حيث قال: (^٣): \"كلام الله في المصحف مكتوب، وفي القلب محفوظ، وباللسان متلوّ، ولا يقال: إنه في المصاحف مطلقًا، ولا نقول على التقييد: إنه مكتوبٌ في المصاحف\" (^٤).\nوبهذا يتضح ما قصده ابن عجيبة من كلامه السابق الذي وافق فيه الأشاعرة، بأن الذي يوجد في المصحف هي كتابة كلام الله التي هي الألفاظ أو هو عبارة عن العربية، لا كونه كلام الله حقيقة.\nولقد بيَّن ابن تيمية - ﵀ - غلطهم من جهة تصوير مذهبهم، وغلطهم في الشريعة، فقال: \"فإنَّ هؤلاء غلطوا غلطين غلطًا في مذهبهم وغلطًا في الشريعة.\nأمَّا الغَلطُ في (تصوير مذهبهم) فكان الواجب أن يقولوا: إنَّ القرآن في\n_________\n(^١) سورة البقرة: ٩٣.\n(^٢) مشكل الحديث، ص ١٣٠.\n(^٣) هو: أبو منصور، عبد القاهر بن طاهر البغدادي، متكلِّم، أشعري، من مصنفاته: الفرق بين الفرق، أصول الدين، توفي سنة ٤٢٩ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء ١٧/ ٥٧٢، وفيات الأعيان ٣/ ٢٠٣.\n(^٤) أصول الدين، ص ١٠٨.","vol":"1","page":456},{"text":"المصحف مثل ما أنَّ العلم والمعاني في الورق، فكما يُقال: العلم في هذا الكتاب يُقال: الكلام في هذا الكتاب؛ لأنَّ الكلام عندهم هو المعنى القائم بالذات فيصور له المثل بالعلم القائم بالذات لا بالذات نفسها.\nوأما الغلط في (الشريعة) فيقالُ لهم: إنَّ القرآن في المصاحف مثل ما أنَّ اسم الله في المصاحف؛ فإنَّ القرآن كلام: فهو محفوظٌ بالقلوب كما يُحفظ الكلام بالقلوب وهو مذكور بالألسن، كما يذكر الكلام بالألسن وهو مكتوب في المصاحف والأوراق، كما أنَّ الكلام يُكتب في المصاحف والأوراق، والكلام الذي هو اللَّفظ يطابق المعنى، ويدلُّ عليه والمعنى يطابق الحقائق الموجودة.\nفمن قال: إنَّ القرآن محفوظٌ كما أنَّ الله معلوم، وهو متلوٌّ كما أنَّ الله مذكور، ومكتوب كما أنَّ الرَّسول مكتوب، فقد أخطأ القياس والتمثيل بدرجتين: فإنه جعل وجود الموجودات القائمة بأنفسها بمنزلة وجود العبارة الدالة على المعنى المطابق لها، والمسلمون يعلمون الفرق بين قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾ (^١) وبين قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ﴾ (^٢).\nفإنَّ القرآن لم ينزل على أحدٍ قبل محمَّد - ﷺ - لا لفظه ولا جميع معانيه ولكن أنزل الله ذكره والخبر عنه، كما أنزل ذكر محمَّد والخبر عنه.\nفذكر القرآن في زبر الأولين كما أنَّ ذكر محمد في زبر الأولين، وهو مكتوب عندهم في التوراة والإنجيل، فالله ورسوله معلوم بالقلوب مذكور بالألسن، مكتوب في المصحف، كما أن القرآن معلوم لمن قبلنا، مذكور لهم، مكتوب عندهم، وإنما ذاك\n_________\n(^١) سورة الواقعة: ٧٧ - ٧٨.\n(^٢) سورة الشعراء: ١٩٦.","vol":"1","page":457},{"text":"ذكره والخبر عنه، وأمَّا نحن فنفس القرآن أُنزل إلينا، ونفس القرآن مكتوبٌ في مصاحفنا، كما أنَّ نفس القرآن في الكتاب المكنون، وهو في الصحف المطهرة.\nولهذا يجب التفريق بين قوله تعالى: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ﴾ (^١)، وبين قوله تعالى: ﴿وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ﴾ (^٢).\nفإنَّ الأعمال في الزبر كالرَّسول وكالقرآن في زبر الأولين، وأمَّا (الكتاب المسطور في الرَّقِّ المنشور) فهو كما يُكتب الكلام نفسه والصحيفة فأين هذا من هذا؟ \" (^٣).\nوقال أيضًا: \"بل إذا قرأه الناس أو كتبوه بذلك في المصاحف، لم يخرج بذلك عن أن يكون كلام الله تعالى حقيقة، فإنَّ الكلام إنما يُضاف حقيقة إلى من قاله مبتدئًا، لا إلى من قاله مُبلِّغًا مُؤديًا، وهو كلام الله، حروفه ومعانيه، ليس كلام الله الحروف دون المعاني، ولا المعاني دون الحروف\" (^٤).\nوقال الذهبي (^٥): \"إنَّك تنقل من المصحف مائة مصحف، وذاك الأوَّل لا يتحوَّل في نفسه ولا يتغيَّر، وتُلقِّن القرآن ألف نفس، وما في صدرك باق بهيئته لا انفصل عنك ولا تغيَّر، وذاك لأنَّ المكتوب واحد والكتابة تعدَّدت، والذي في صدرك واحد وما في صدور المقرئين عينُ ما في صدرك سواءٌ، والمتلوُّ وإن تعدَّد التالون به\n_________\n(^١) سورة القمر: ٥٢.\n(^٢) سورة الطور: ٢ - ٣.\n(^٣) مجموع الفتاوى ١٢/ ٣٨٣ - ٣٨٥.\n(^٤) المرجع نفسه ٣/ ١٤٤.\n(^٥) هو: محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز التركماني الذهبي، ولد بدمشق، سنة ٦٧٣ هـ، وتوفي سنة ٧٤٨ هـ، قال عنه السبكي: هو شيخ الجرح والتعديل، له مصنفات منها: ميزان الاعتدال، وتاريخ الإسلام الكبير. ينظر: طبقات الشافعية ٩/ ١٠١، شذرات الذهب ١/ ٦١.","vol":"1","page":458},{"text":"واحد، مع كونه سورًا وآياتٍ وأجزاءً متعدِّدةً وهو كلامُ الله ووَحْيُهُ وتنزيلُهُ وإنشاؤُهُ، ليس هو بكلامنا أصلًا، نعم، وتكلُّمُنا به وتلاوتنا له ونطقنا به أفعالنا، وكذلك كتابتنا له وأصواتنا به من أعمالنا قال الله - ﷿ -: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ (^١) \" (^٢).\nوقال ابن قتيبة - ﵀ -: \"والقرآن لا يقوم بنفسه وحده، وإنما يقوم بواحدة من أربع: كتابة، أو قراءة، أو حفظ، أو استماع، فهو بالعمل في الكتابة قائم، والعمل خطٌّ وهو مخلوق، والمكتوبُ قرآنٌ وهو غير مخلوق، وهو بالعمل في القراءة قائم، والعمل تحريكُ اللِّسان واللَّهوات بالقرآن وهو مخلوق، والمقروء قرآنٌ وهو غير مخلوق، وهو بحفظ القلب قائم، والحفظ عملٌ وهو غير مخلوق، والمحفوظ قرآنٌ وهو غير مخلوق، وهو بالاستماع قائم في السَّمع، والاستماع عملٌ وهو مخلوق، والمسموعُ قرآنٌ وهو غير مخلوق\" (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-123>رابعًا: وجوه إعجاز القرآن</span>\nبيَّن ابن عجيبة وجوه إعجاز القرآن، فقال في تفسير قوله تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ (^٤): \"قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ، واتفقوا عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ المنعوت بما لا تدركه العقول من النعوت الجليلة في البلاغة، وحسن النَّظم، وكمال المعنى، لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ أبدًا لما تضمَّنه من العلوم الإلهيَّة، والبراهين الواضحة، والمعاني العجيبة، التي لم يكن لأحدٍ بها علم، ثم جاءت فيه على الكمال، ولذلك عجزوا\n_________\n(^١) سورة الصافات: ٩٦.\n(^٢) العلو ٢/ ١٩٢.\n(^٣) الاختلاف في اللفظ، ص ٦٣.\n(^٤) سورة الإسراء: ٨٨.","vol":"1","page":459},{"text":"عن معارضته.\nوقال أكثر الناس: إنما عجزوا عنه لفصاحته، وبراعته، وحسن نظمه، ووجوه إعجازه كثيرة، وإنما خصَّ الثقلين بالذكر؛ لأنَّ المنكر كونه من عند الله منهما، لا لأنَّ غيرهما قادرٌ على المعارضة، وإنما أظهر في محل الإضمار، ولم يقل: لا يأتون به لئلا يتوهم أن له مثلًا معيَّنًا، وإيذانًا بأنَّ المراد نفي الإتيان بمثَلٍ مَّا، أي: لا يأتون بكلامٍ مماثلٍ له فيما ذكر من الصفات البديعة، وفيهم العرب العاربة، أرباب البراعة والبيان، فلا يقدرون على الإتيان بمثله وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا أي: ولو تظاهروا وتعاونوا على الإتيان بمثله ما قدروا، وهو عطف على مقدَّر، أي: لا يأتون بمثله لو لم يكن بعضهم ظهيرًا لبعض، ولو كان .. إلخ، ومحله النَّصب على الحالية، أي: لا يأتون بمثله على كلِّ حالٍ مفروض، ولو على هذه الحالة\" (^١).\nوهو معجزٌ أيضًا من جهة اللَّفظ والمعنى (^٢).\nوقد وافق ابنُ عجيبة العلماءَ المحققين في أنَّ القرآن معجزٌ من وجوهٍ متعددة.\nقال ابن تيمية - ﵀ -: \"كون القرآن أنه معجزة ليس هو من جهة فصاحته وبلاغته فقط، أو نظمه وأسلوبه فقط، ولا من جهة إخباره بالغيب فقط، ولا من جهة صرف الدواعي عن معارضته فقط، ولا من جهة سلب قدرتهم على معارضته فقط، بل هو آيةٌ بيِّنةٌ معجزةٌ من وجوهٍ متعدِّدة:\n١ - من جهة اللَّفظ.\n٢ - من جهة النَّظم.\n_________\n(^١) البحر المديد ٣/ ٢٣١.\n(^٢) المرجع نفسه ٢/ ٤٧٣.","vol":"1","page":460},{"text":"٣ - من جهة البلاغة في دلالة اللَّفظ على المعنى.\n٤ - من جهة معانيه التي أخبر بها عن الله وأسمائه وصفاته، وملائكته، وغير ذلك.\n٥ - من جهة معانيه التي أخبر بها عن الغيب.\n٦ - من جهة ما بيّن فيه من الدلائل اليقينية، والأقيسة العقلية التي هي الأمثال المضروبة.\nكما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾ (^١).\nوقال تعالى: [﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ (^٢) (^٣).]-[٠١٨:] ٠٥٤ - ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ (^٤) \" (^٥).\nوبهذا يعجز جميع أهل الأرض أن يأتوا بمثله.\nوقال ابن تيمية أيضًا: \"فإذا كان قد تحدَّاهم بالمعارضة -مرَّة بعد مرَّة- وهي تبطل دعوته، فمعلومٌ أنهم لو كانوا قادرين عليها لفعلوها، فإنه مع وجود هذا الداعي التام المؤكد إذا كانت القدرة حاصلة، وجب وجود المقدور، ثم هكذا القول في سائر أهل الأرض.\nفهذا القدر يوجب علمًا بيِّنًا لكلِّ أحدٍ بعجز جميع أهل الأرض عن أن يأتوا بمثل هذا القرآن بحيلةٍ، وبغير حيلة\" (^٦).\n_________\n(^١) سورة الإسراء: ٨٩.\n(^٢) سورة الكهف: ٥٤.\n(^٣) الجواب الصحيح لمن بدل المسيح ٥/ ٤٢٨.\n(^٤) سورة الكهف: ٥٤.\n(^٥) الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح ٥/ ٤٢٨.\n(^٦) المرجع نفسه ٥/ ٤٢٧.","vol":"1","page":461},{"text":"وبهذا يتبيَّن خطأ وقصور المتكلِّمين في بيان إعجاز القرآن وحصره في جانبٍ واحد، قال ابن القيم - ﵀ -: \" ... وما اشتمل عليه من الأمور التي تعجز قوى البشر على الإتيان بمثله الذي فصاحته ونظمه وبلاغته فردٌ من أفراد إعجازه.\nفتأمّل هذا الموضع من إعجاز القرآن تعرف فيه قصورَ كثيرٍ من المتكلِّمين وتقصيرهم في بيان إعجازه وأنهم لن يوفوه عشر معشار حقِّه حتى قصر بعضهم الإعجاز على صرف الدواعي عن معارضته مع القدرة عليها، وبعضهم قصر الإعجاز على مجرَّد فصاحته وبلاغته، وبعضهم على مخالفة أسلوب نظمه لأساليب نظم الكلام، وبعضهم على ما اشتمل عليه من الإخبار بالغيوب، إلى غير ذلك من الأقوال القاصرة التي لا تشفي ولا تجدي، وإعجازه فوق ذلك ووراء ذلك كلِّه\" (^١).\nوقد خالف ابن عجيبة المعتزلة في قولهم بأنَّ وجه الإعجاز هو المنع من معارضته، والصرفة عند التحدِّي بمثله (^٢).\nوبهذا القول وافق الحق؛ \"لأن إجماع الأُمَّة قبل حدوث المخالف أنَّ القرآن هو المعجز، فلو قلنا: إنَّ المنع والصرفة هو المعجز، لخرج القرآن عن أن يكون معجزًا، وذلك خلاف الإجماع.\nوإذا كان كذلك عُلِمَ أنَّ نفس القرآن هو المعجز؛ لأن فصاحته وبلاغته أمرٌ خارقٌ للعادة؛ إذ لم يوجد قطُّ كلامٌ على هذا الوجه، فلما لم يكن ذلك الكلام مألوفًا معتادًا منهم، دلَّ على أنَّ المنع والصرفة لم يكن معجزًا\" (^٣).\n_________\n(^١) بدائع الفوائد ٤/ ١٣٥.\n(^٢) قال الشهرستاني الأشعري عن النظَّام المعتزلي: \"قوله في إعجاز القرآن إنه من حيث الإخبار عن الأمور الماضية والآتية، ومن جهة صرف الدواعي عن المعارضة، ومنع العرب عن الاهتمام به جبرًا وتعجيزًا، حتى لو خلاهم لكانوا قادرين على أن يأتوا بسورة من مثلة بلاغة وفصاحة ونظمًا\". الملل والنحل ١/ ٥٧.\n(^٣) الجامع لأحكام القرآن، للقرطبي ١/ ١١٩.","vol":"1","page":462},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-124>خامسًا: القرآن معجزة النبي - ﷺ - إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها</span>.\nبيَّن ابن عجيبة أنَّ القرآن معجزة للنبي - ﷺ - باستدلاله بقول النَّبي - ﷺ - الذي جاء عن أبي هريرة - ﵁ -: «ما من الأنبياء نبيٌّ إلا أُعطي ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيت وحيًا أوحاه الله إليَّ، فأرجو أن أكثرهم تابعًا يوم القيامة» (^١)، قال ابن عجيبة عن هذا الحديث: \"هو صريحٌ في أنَّه لا بدَّ من الآية لكلِّ رسول\" (^٢).\nقال ابن كثير - ﵀ -: \"وفي هذا الحديث فضيلةٌ عظيمةٌ للقرآن المجيد على كلِّ معجزةٍ أعطيها نبيٌّ من الأنبياء، وعلى كلِّ كتابٍ أنزله، وذلك أنَّ معنى الحديث: ما من نبيٍّ إلا أُعطي من المعجزات ما آمن عليه البشر، أي: ما كان دليلًا على تصديقه فيما جاءهم به واتبعه من اتبعه من البشر، ثم لما مات الأنبياء لم يبق لهم معجزة بعدهم إلا ما يحكيه أتباعهم عمَّا شاهده في زمانه، فأمَّا الرَّسول الخاتم للرسالة محمَّد - ﷺ - فإنما كان معظم ما آتاه الله وحيًا منه إليه منقولًا إلى الناس بالتواتر، ففي كلِّ حينٍ هو كما أنزل، فلهذا قال: «فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا»، وكذلك وقع، فإن أتباعه أكثر من أتباع الأنبياء لعموم رسالته ودوامها إلى قيام الساعة، واستمرار معجزته؛ ولهذا قال الله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ (^٣) \"، (^٤).\nويقرر ابن عجيبة أنَّ القرآنَ مهيمنٌ على الكتب السَّابقة شاهدٌ على صحَّتها (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، باب كيف نزول الوحي ٦/ ١٨٢، رقم ٤٩٨١.\n(^٢) البحر المديد ٢/ ٢٣٨.\n(^٣) سورة الفرقان: ١.\n(^٤) تفسير القرآن العظيم ١/ ٢٠.\n(^٥) البحر المديد ٢/ ٤٦.","vol":"1","page":463},{"text":"وهذه فضيلةٌ عظيمةٌ للقرآن العظيم فهو مهيمنٌ على جميع الكتب السابقة، وأصل الهيمنة الحفظ والارتقاب (^١) \"يُقَالُ هَيْمَن يُهَيْمِنُ هَيْمنَةً: إِذَا كَانَ رَقِيبًا عَلَى الشَّيْء\" (^٢).\nولقد دلَّ على ذلك قول الله تعالى: \" ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ (^٣).\nقال ابن جرير الطبري - ﵀ -: \"هذا خطابٌ من الله تعالى ذكره لنبيِّه محمَّدٍ - ﷺ - يقول تعالى ذكره: أنزلنا إليك، يا محمَّد ﴿الْكِتَابَ﴾ وهو القرآن الذى أنزله عليه، ويعني بقوله: ﴿بِالْحَقِّ﴾، بالصدق ولا كذب فيه، ولا شك أنه من عند الله ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ﴾ يقول: أنزلناه بتصديق ما قبله من كتب الله التي أنزلها إلى أنبيائه، ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾، يقول: أنزلنا الكتاب الذي أنزلناه إليك، يا محمَّد، مصدِّقًا للكتب قبله، وشهيدًا عليها أنها حقٌّ من عند الله، أمينًا عليها، حافظًا لها\" (^٤).\nوهذا متفقٌ عليه بين سلف الأُمَّة، قال ابن تيمية - ﵀ -: \"فالسَّلف كُلُّهم متفقون على أنَّ القرآن هو المهيمن المؤتمن الشاهد على ما بين يديه من الكتب، ومعلومٌ أنَّ المهيمن على الشَّيءِ أعلى منه مرتبة، ومن أسماء الله (المهيمن) ويُسمَّى الحاكم على الناس القائم بأمورهم (المهيمن) \" (^٥).\n_________\n(^١) ينظر: جامع البيان في تأويل القرآن، للطبري ١٠/ ٣٧٧.\n(^٢) لسان العرب ١٣/ ٤٣٧، وينظر: تهذيب اللغة ٦/ ١٧٧.\n(^٣) سورة المائدة: ٤٨.\n(^٤) جامع البيان في تأويل القرآن ١٠/ ٣٣٧.\n(^٥) مجموع الفتاوى ١٧/ ٤٣.","vol":"1","page":464},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-125>سادسًا: تفاضل آيات القرآن</span>\nيرى ابن عجيبة أنَّ آيات القرآن تتفاضل فيقول: \"أمُّ القرآن، لم ينزل في التوراة ولا في الإنجيل مثلها، وأنها أعظمُ سورةٍ في القرآن، وكذلك ما ورد في سورة البقرة، أنها أعظم سورة، وكذلك آية الكرسي، وفي سورة الإخلاص، والمعوذتين، وهذه الآيات أفضل من غيرها\" (^١).\nوالقول بأنَّ كلام الله - ﷿ - بعضه أفضل من بعض هو قولٌ مأثورٌ عن السَّلف.\nوذكر شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - أن للمتأخرين قولين مشهورين في تفاضل القرآن في نفسه، وهل يكون بعضه أفضل من بعض أم لا؟\n١ - القول الأول: أنَّه لا يتفاضل في نفسه؛ لأنه كلام الله - ﷿ - وكلام الله صفة له، وصفة الله لا تتفاضل، لا سيَّما مع القول بأنه قديمٌ فإنَّ القديم لا يتفاضل.\n٢ - القول الثاني: أنَّ بعض القرآن أفضل من بعض، وهذا هو قول الأكثرين من السَّلف (^٢).\nوقال أيضًا: \"والصَّواب الذي عليه جمهور السَّلف والأئمة أنَّ بعض كلام الله - ﷿ - أفضل من بعض كما دلَّ على ذلك الشَّرع والعقل\" (^٣).\nوذكر أيضًا: أنَّ القرآن كلام الله - ﷿ - والكلام يشرفُ بشرف المُتكَلِّم به، ويشرف بشرف المتكلَّم فيه، فما أخبر الله به عن نفسه كقوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ (^٤) أعظم مما أخبر به عن خلقه كقوله تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ (^٥)،\n_________\n(^١) تفسير الفاتحة الكبير، ص ٧٩.\n(^٢) ينظر: مجموع الفتاوى ١٧/ ٢٠٨ - ٢٠٩.\n(^٣) درء تعارض العقل والنقل ٧/ ٢٧٢.\n(^٤) سورة الإخلاص: ١.\n(^٥) سورة المسد: ١.","vol":"1","page":465},{"text":"وما أمر فيه بالإيمان وما نهى فيه عن الشرك أعظم مما أمر فيه بكتابة الدين ونهى فيه عن الربا (^١).\nوالأدلة على ذلك كثيرة منها:\nأولًا: من القرآن\nقال تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (^٢).\nوقال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ (^٣).\nقال ابن كثير: \"جعل الله هذا الكتاب العظيم الذي أنزله آخر الكتب وخاتمها أشملها وأعظمها وأكملها حيث جمع فيه محاسن ما قبله وزاده من الكمالات\" (^٤).\nثانيًا: الأدلة من السُّنَّة\n١ - قول النبي - ﷺ - لأُبَيِّ بن كعب - ﵁ -: «يا أبا المنذر أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم؟» قال: قلتُ اللهُ ورسوله أعلم، قال: «يا أبا المنذر أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم؟» قال قلتُ: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ (^٥)، قال: فضرب في صدري، وقال: «والله ليهنك العلم أبا المنذر» (^٦).\n_________\n(^١) ينظر: مجموع الفتاوى ١٧/ ٢٠٩ - ٢١٠.\n(^٢) سورة البقرة: ١٠٦.\n(^٣) سورة المائدة: ٤٨.\n(^٤) تفسير القرآن العظيم ٣/ ١٢٨.\n(^٥) سورة البقرة: ٢٥٥.\n(^٦) أخرجه مسلم، في كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب فضل سورة الكهف، وآية الكرسي ١/ ٥٦٦، رقم ٨١٠.","vol":"1","page":466},{"text":"قال القاضي عياض: \"فيه حُجَّةٌ للقول بتفضيل بعض القرآن على بعض وتفضيل القرآن على سائر كتب الله - ﷿ - \" (^١).\n٢ - عن أبي سعيد بن المعلَّى - ﵁ - قال: كنتُ أصلِّي في المسجد فدعاني رسول الله - ﷺ - فلم أجبه، فقلتُ: يا رسول الله إني كنتُ أُصلِّي فقال: «ألم يقل الله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ (^٢)؟» ثم قال لي: «لأعلمنَّك سورة هي أعظم السُّور في القرآن قبل أن تخرج من المسجد» ثم أخذ بيدي فلما أراد أن يخرج قلتُ له: ألم تقل لأعلمنَّك سورة هي أعظم سورة في القرآن؟ قال: «﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (^٣) هي السَّبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته» (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-126>سابعًا: تحريف الكتب السَّابقة</span>\nتحدَّث ابن عجيبة عن الكتب السماوية، وما اشتملت عليه من النُّور والهدى، وما طرأ عليها من التحريف الذي وقع في الكتب السَّابقة من حيث التحريف النصِّي، وتحريف الأحكام ما عدا القرآن العظيم، حيث قال في تفسيره لقول الله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (^٥)، حيث تولى حفظه الحقُّ ربُّنا، فلا يزال محفوظًا لفظًا ومعنًى إلى قيام الساعة (^٦).\n_________\n(^١) إكمال المعلم بفوائد مسلم ٣/ ١٧٧.\n(^٢) سورة الأنفال: ٢٤.\n(^٣) سورة الفاتحة: ٢.\n(^٤) أخرجه البخاري، كتاب فضائل القرآن، باب فضل فاتحة الكتاب، ٣/ ٣٤٢، رقم ٥٠٠٦.\n(^٥) سورة الحجر: ٩.\n(^٦) البحر المديد ٢/ ٤٣.","vol":"1","page":467},{"text":"أولًا: التحريف النصي\nقال ابن عجيبة في تفسيره لقول الله تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (^١) \"يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْباطِلِ بالتحريف وإبراز الباطل في صورة الحق، حتى كتمتم نعت محمَّد - ﷺ - وحرَّفتموه، وأظهرتم موضعه الباطل الذي سوَّلت لكم أنفسُكم؟ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ نبوة محمَّد - ﷺ -، وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنه رسولُ الله حقًّا وأن دينه حق\" (^٢).\nثانيًا: تحريف الأحكام\nقال في تفسير قول الله تعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (^٣).\n\"يقول الحقُّ ﷻ: من اليهود قومٌ تمرَّدوا في الكفر وهم أحبارهم، يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ -وهو التوراة- عَنْ مَواضِعِهِ أي: يميلونه عن مواضعه التي وضعه الله فيها، بإزالة لفظه أو تأويله، أو كصفة نبيِّنا محمَّد - ﷺ -، وآيةِ الرَّجم، وغير ذلك\" (^٤).\nلقد تكفَّل الله - ﷿ - بحفظ القرآن من كلِّ تبديلٍ وتغيير، قال ابن جرير الطبري: \"وإنَّا للقرآن لحافظون من أن يُزاد فيه باطلٌ مَّا ليس منه، أو ينقص منه ما هو منه من أحكامه وحدوده وفرائضه، والهاء في قوله: (له) من ذكر الذكر\" (^٥).\n_________\n(^١) سورة آل عمران: ٧١.\n(^٢) البحر المديد ١/ ٣٦٧.\n(^٣) سورة النساء: ٤٦.\n(^٤) البحر المديد ١/ ٥٠٩، ١/ ١٢٢.\n(^٥) جامع البيان في تأويل القرآن ١٧/ ٦٨.","vol":"1","page":468},{"text":"وقال ابن القيم - ﵀ -: \"ولولا أنَّ الله - ﷿ - تولَّى حفظ القرآن بذاته وضمن للأُمَّة ألا تجتمع على ضلالة، لأصابه ما أصاب الكتب قبله\" (^١).\nوقال أيضًا: \"فالله سبحانه حفظ محلَّه، وحفظه من الزيادة والنقصان، والتبديل، وحفظ معانيه من التحريف، كما حفظ ألفاظه من التبديل، وأقام له من يحفظ حروفه من الزيادة والنقصان، ومعانيه من التحريف والتغيير\" (^٢).\nوهذه الميزة لم تحصل للكتب السَّابقة، بل دلَّت الأدلة على التحريف الذي حصل بها.\nقال ابن جرير الطبري في تفسيره لقول الله تعالى: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (^٣).\n\"ويعني بقوله: ﴿ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ﴾، ثم يبدِّلون معناه وتأويله ويغيرونه، وأصله من (انحراف الشَّيءِ عن جهته)، وهو ميله عنها إلى غيرها، فكذلك قوله: ﴿ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ﴾ أي يميلونه عن وجهه ومعناه الذي هو معناه، إلى غيره، فأخبر الله جلَّ ثناؤه أنهم فعلوا ما فعلوا من ذلك على علمٍ منهم بتأويل ما حرَّفوا، وأنه بخلاف ما حرَّفوه إليه، فقال: ﴿ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾، يعني: من بعد ما عقلوا تأويله، ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾، أي: يعلمون أنهم في تحريفهم ما حرفوا من ذلك مبطلون كاذبون\" (^٤).\n_________\n(^١) هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى ١/ ٣١٥.\n(^٢) التبيان في أقسام القرآن، ص ٩٩، وينظر: الجواب الصحيح ٣/ ١٨.\n(^٣) سورة البقرة: ٧٥.\n(^٤) جامع البيان في تأويل القرآن ٢/ ٢٤٨.","vol":"1","page":469},{"text":"وقال ابن القيم - ﵀ -: \"وأمَّا التحريف فقد أخبر الله - ﷾ - عنه في مواضع متعدِّدة، وكذلك لَيُّ اللِّسان بالكتاب ليحسبه السَّامع منه وما هو منه.\nفهذه خمسة أمور:\nأحدها: لبس الحق بالباطل، وهو خلطه به بحيث لا يتميَّز الحق من الباطل.\nالثاني: كتمان الحق.\nالثالث: إخفاؤه، وهو قريبٌ من كتمانه.\nالرابع: تحريف الكلم عن مواضعه، وهو نوعان: تحريف لفظه، وتحريف معناه.\nالخامس: لَيُّ اللِّسان به ليلتبس على السَّامع اللَّفظ المنزل بغيره.\nوهذه الأمور إنما ارتكبوها لأغراضٍ لهم دعتهم إلى ذلك\" (^١).\n_________\n(^١) هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى، ص ٣١٢.","vol":"1","page":470},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-127>الفصل الرابع: آراؤه في الإيمان بالرسل والأنبياء</span>\nوفيه ثلاث مباحث:\n\nالمبحث الأول: الإيمان بالرسل والأنبياء عموما\nالمبحث الثاني: الفرق بين النبي والولي\nالمبحث الثالث: عقيدته في الرسول محمد - ﷺ -","vol":"1","page":471},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-128>المبحث الأول:\nالإيمان بالرسل والأنبياء عمومًا</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-129>أولًا: تعريف النَّبي والرَّسول في اللغة</span>\nيرجع معنى النبأ في اللغة إلى الخبر، قال الخليل: \"النَّبأُ مهموزٌ: الخَبَرُ، وإنَّ لفُلانٍ نبأً، أي: خَبَرًا، والفِعلُ نبَّأته وأنبأته واستنبأته، والجميع الأنباء، والنَّبأَةُ: النَّغْيةُ، وهو صوتٌ يُشَكُّ فيه ولا يُتَيَقَّنُ .. والنَّبأة، والبَغمةُ، والطَّغْية، والعَضْرةُ، والنَّغْيةُ بمعنًى واحد، والنُّبوَّة، لولا ما جاء في الحديث لَهُمِزَ، والنَّبيُّ - ﷺ - يُنباء الأنباء عن الله - ﷿ -، والنَّبيُّ، يقال: الطَّريق الواضحُ يأخُذُكَ إلى حيثُ تُريد\" (^١).\nويرجع معنى الرَّسول في اللُّغة إلى الاسترسال، واللِّين، قال الخليل: \"الرَّسْلُ: الذي فيه استرسالٌ ولين، وناقةٌ رَسْلةُ القوائم أي: سَلِسَةٌ لَيِّنَةُ المَفاصِل ... والرَّسَلُ: جماعاتُ الإِبِل، والرَّسَلُ: القَطيعُ من كلِّ شيءٍ، وجمعه إرسال، والرَّسَلُ يُذَكَّر ويؤنَّث، والرِّسلُ: الهَيْئةُ والسُّكُون، يقال: تَكَلَّمْ على رِسْلِكَ ... والرُّسُل: جمع الرَّسُولِ، وفي لغةٍ: هي رسولٌ وهُنَّ رَسُولٌ، والرسائل جمع الرِّسالة\" (^٢).\nأمَّا النُّبوة فهي خبرٌ خاصٌّ يكرِّم الله - ﷿ - به من يصطفيه من عباده ليطلعه على شريعته بما فيها من الأوامر والنواهي، والوعظ، والإرشاد، والوعد، والوعيد (^٣).\nوالرِّسالة هي: سفارة العبد بين الله - ﷿ - وبين ذوي الألباب من خلقه ليصلح بها مناحي حياتهم، ومصالحهم الدنيوية، والأخروية (^٤).\n_________\n(^١) العين ٨/ ٣٨٢.\n(^٢) العين ٧/ ٢٤٠ - ٢٤١.\n(^٣) ينظر: المنهاج في شعب الإيمان ١/ ٢٣٩.\n(^٤) ينظر: شعب الإيمان ١/ ١٥٠.","vol":"1","page":473},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-130>ثانيًا: تعريف النَّبي والرَّسول في الشَّرع والفرق بينهما</span>\nاختلف العلماءُ في تعريف كلٍّ منهما، قال القاضي عياض - ﵀ -: \"واختلف العلماء هل النَّبي والرَّسول بمعنى أو بمعنيين فقيل: هما سواءٌ، وأصله من الإنباء وهو الإعلام، واستدلُّوا بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ (^١) فقد أثبت لهما معًا الإرسال قال: ولا يكون النَّبي إلا رسولًا، ولا الرَّسول إلا نبيًّا.\nوقيل: هما مفترقان من وجه .. إذ قد اجتمعا في النُّبوة التي هي الاطلاع على الغيب، والإعلام بخواص النبوة أو الرِّفعة لمعرفة ذلك وحوز درجتها.\nوافترقا في زيادة الرِّسالة للرَّسول، وهو الأمر بالإنذار والإعلام كما قلنا، وحجتهم من الآية نفسها التفريق بين الاسمين، ولو كانا شيئًا واحدًا لما حَسُن تكرارهما في الكلام البليغ.\nقالوا والمعنى: وما أرسلنا من رسول إلى أُمَّة، أو نَبيٍّ وليس بمرسلٍ إلى أحد.\nوقد ذهب بعضهم إلى أنَّ الرَّسول قد جاء بشرعٍ مبتدأ، ومن لم يأت به نبيٌّ غير رسول، وإن أُمر بالإبلاغ والإنذار.\nوالصحيح والذي عليه الْجَمَّاءُ الْغَفِيرُ أَنَّ كُلَّ رسولٍ نبيٌّ، وليس كلُّ نبيٍ رسولًا\" (^٢).\nقال الشوكاني - ﵀ -: \"والنَّبيُّ في لسان الشَّرع: من بعث إليه بشرع، فإن أُمر بتبليغه فرسول، وقيل: هو المبعوث إلى الخلق بالوحي لتبليغ ما أُوحاه، والرَّسول قد يكون مرادفًا له، وقد يختصُّ بمن هو صاحب كتاب، وقيل: هو المبعوث لتجديد شرع أو تقريره، والرَّسول هو: المبعوث للتجديد فقط، وعلى الأقوال: النَّبي أعمُّ من الرَّسول\" (^٣).\n_________\n(^١) سورة الحج: ٥٢.\n(^٢) الشفاء بتعريف حقوق المصطفى ١/ ٤٨٨ - ٤٨٩.\n(^٣) نيل الأوطار ١/ ١٩.","vol":"1","page":474},{"text":"ويرى ابن عجيبة أنَّ هناك فرقًا بينهما حيث قال عند تفسيره لقول الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (^١): \"الرَّسولُ يُوحى إليه بشرعٍ ويُؤمر بالتبليغ، والنَّبيُّ يُوحى إليه ولم يُؤمر بالتبليغ، فالرَّسول مكلَّفٌ بغيرِه، والنَّبيُّ مقتصرٌ على نفسه\" (^٢).\nوقد ردَّ الشيخ محمد الأمين الشنقيطي - ﵀ - هذا التفريق فقال: \"وآية الحج هذه تبيِّن أنَّ ما اشتهر على ألسِنة أهل العلم من أنَّ النَّبيَّ هو من أُوحيَ إليه وحيٌ ولم يُؤمر بتبليغه، وأنَّ الرسول هو النَّبيُّ الذي أُوحيَ إليه وأُمِرَ بتبليغِ ما أُوحي إليه غيرُ صحيح؛ لأنَّ قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ (^٣)، يدلُّ على أنَّ كُلَّا منهما مُرْسَل، وأنهما مع ذلك بينهما تغاير، واستظهر بعضهم أنَّ النبي الذي هو رسول أُنزل إليه كتابٌ وشرعٌ مستقلٌّ مع المعجزة التي ثبتت بها نبوته، وأنَّ النبي المرسل الذي هو غير الرَّسول، هو من لم ينزل عليه كتابٌ وإنما أُوحي إليه أن يدعو الناس إلى شريعة رسول قبله، كأنبياء بني إسرائيل الذين كانوا يُرسلون ويُؤمرون بالعمل بما في التوراة; كما بيَّنه تعالى بقوله: ﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ﴾ (^٤) \"، (^٥).\nووضَّح شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - الفرق بين النَّبيِّ والرَّسول فقال: \"فالنَّبي\n_________\n(^١) سورة الحج: ٥٢.\n(^٢) البحر المديد ٣/ ٥٤٤، وينظر: اللوائح القدسية في شرح الوظيفة الزروقية، ص ١٠٧.\n(^٣) سورة الحج: ٥٢.\n(^٤) سورة المائدة: ٤٤.\n(^٥) أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن ٥/ ٢٩٠.","vol":"1","page":475},{"text":"هو الذي ينبئه الله، وهو ينبئ بما أنبأ الله به؛ فإن أُرسل مع ذلك إلى من خالف أمر الله ليبلغه رسالةً من الله إليه فهو رسول، وأمَّا إذا كان إنما يعمل بالشريعة قبله، ولم يُرسل هو إلى أحدٍ يُبلغه عن الله رسالة فهو نبيٌّ وليس برسول؛ قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ وقوله: ﴿مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾؛ فذكر إرسالًا يعمُّ النَّوعين، وقد خصَّ أحدهما بأنَّه رسول؛ فإنَّ هذا هو الرَّسول المطلق، الذي أمره بتبليغ رسالته إلى من خالف الله كنوح، وقد ثبت في الصحيح أنّه أوَّلُ رسولٍ بُعث إلى أهل الأرض، وقد كان قبله أنبياء؛ كشيث، وإدريس - ﵉ -، وقبلهما آدم كان نبيًّا مُكلَّمًا، قال ابن عباس - ﵄ -: كان بين آدم ونوح، عشرة قرون كلهم على الإسلام (^١)، فأولئك الأنبياء يأتيهم وحي من الله بما يفعلونه ويأمرون به المؤمنين الذين عندهم؛ لكونهم مؤمنين بهم، كما يكون أهل الشريعة الواحدة يقبلون ما يبلِّغه العلماء عن الرَّسول، وكذلك أنبياء إسرائيل يأمرون بشريعة التوراة، وقد يُوحى إلى أحدهم وحيٌ خاصٌّ في قصَّةٍ معيَّنة ...\nفالأنبياء ينبئهم الله؛ فيُخبرهم بأمره، ونهيه، وخبره، وهم يُنبئون المؤمنين بهم ما أنبأهم الله به من الخبر، والأمر، والنهي، فقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ دليلٌ على أن النَّبيَّ مرسل، ولا يُسمَّى رسولًا عند الإطلاق؛ لأنَّه لم يُرسل إلى قومٍ بما لا يعرفونه، بل كان يأمر المؤمنين بما يعرفونه أنَّه حقّ؛ كالعالِم، ولهذا قال النَّبيُّ - ﷺ -: «العلماء ورثة الأنبياء» (^٢)، وليس من\n_________\n(^١) ينظر: فتح الباري ٦/ ٣٧٢، أمَّا هذا العدُّ فثابت في عدد القرون بين آدم ونوح من حديث أبي أمامة: إنَّ رجلًا قال: يا رسول الله أنبيٌّ كان آدم؟ قال: «نعم» قال: فكم كان بينه وبين نوح؟ قال: «عشرة قرون»، أخرجه الطبراني في الأوسط ١/ ١٢٨، رقم ٤٠٣، قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح ١/ ١٩٦، وأخرجه أيضًا: الطبراني في الكبير ٨/ ١١٨، رقم ٧٥٤٥، والحاكم في مستدركه ٢/ ٢٦٢، وصححه، ووافقه الذهبي وابن حبان في صحيحه رقم ٦١٩٠، قال الهيثمي: ورجاله في الصحيح غير أحمد بن خليد الحلبى وهو ثقة ٨/ ٢١٠.\n(^٢) أخرجه أحمد في مسنده ٥/ ١٩٦، وأبو داود في سننه، كتاب العلم، باب الحث على طلب العلم، رقم ٣٦٤١، والترمذي، كتاب العلم، باب فضل الفقه على العبادة ٥/ ٤٨، رقم ٢٦٨١، وابن ماجه في سننه في المقدمة، باب فضل العلماء والحث على طلب العلم، رقم ٢٢٣، قال الحافظ بن حجر: وضعفه الدارقطني في العلل ٦/ ٢١٦ - ٢١٧، وهو مضطرب الإسناد، قاله المنذري: مختصر سنن أبي داود ٥/ ٢٤٣ - ٢٤٤، والتلخيص الحبير ٣/ ١٦٤، والحديث ضعَّفه الألباني. ينظر: ضعيف الجامع وزياداته ١/ ٥٦٦ رقم ٣٨٨٩.","vol":"1","page":476},{"text":"شرط الرَّسول أن يأتي بشريعة جديدة؛ فإنَّ يوسف كان على ملَّة إبراهيم، وداود وسليمان كانا رسولين، وكانا على شريعة التوراة، قال تعالى عن مؤمن آل فرعون: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ﴾ (^١)، وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ (^٢) (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-131>ثالثًا: رأيه فيما يجب ويستحيل في حَقِّ الرُّسل والأنبياء -﵈- وبِمَ تحصل النُّبُوَّة</span>\nبيَّن ابن عجيبة ما يجب ويستحيل في حقِّهم ﵈، فقال: \"وأمَّا بحقِّهم -﵈- فيجب عليه أن يَعتقد أنه يجب لهم الصدق، والأمانة، والتبليغ، وعصمهم الله - ﷿ - من المعصية، وصبَّرهم على الطاعة، ويستحيل في حقِّهم الكذب، والخيانة، والكتمان، ويجوز بحقِّهم الأعراض البشرية، كالمرض الخفيف الذي لا يؤدِّي إلى نقصٍ في مراتبهم العليَّة، وكالأكل والشُّرب، والنَّوم، والنِّكاح، والمشي في الأسواق، وكذلك يجب تصديقهم فيما أخبروا عنه من البعث، والحشر، والحساب، والحوض، والميزان، والصراط، والجنَّة، والنَّار ... \" (^٤).\n_________\n(^١) سورة غافر: ٣٤.\n(^٢) سورة النساء: ١٦٣ ..\n(^٣) النبوات ٢/ ٧١٨.\n(^٤) مخطوط رسائل في العقائد ل/٦، وينظر: البحر المديد ٤/ ٥٨٨.","vol":"1","page":477},{"text":"ورأي ابن عجيبة في حقِّ الرُّسل والأنبياء -﵈- هو الصواب، فقد ثبت عن النِّبيِّ - ﷺ - أنه كان يقول: «أنا النَّبيُّ لا كذب أنا ابن عبد المطلب»، قال رجل للبراء بن عازب - ﵄ -: أفررتم عن رسول الله - ﷺ - يوم حنين؟ قال: لكنَّ رسول الله - ﷺ - لم يَفر، إنَّ هوازن كانوا قومًا رُمَاةً وإنَّا لمَّا لقيناهم حملنا عليهم فانهزموا، فأقبل المسلمون على الغنائم واستقبلونا بالسِّهام، فأمَّا رسول الله - ﷺ - فلم يَفر فلقد رأيته وإنه لعلى بغلته البيضاء وإن أبا سفيان آخذٌ بلجامها والنَّبيُّ - ﷺ - يقول: «أنا النَّبيُّ لا كذب أنا ابن عبد المطلب» (^١).\nومعنى قوله - ﷺ -: «أنا النبي لا كذب»: أي حقًّا، ويرجع مراده في ذلك إلى وجوده هناك حقًّا؛ ليعلمهم بنفسه فيثبتوا بثباته، أو يكون ثبتًا حقًّا، ومن صفات الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين: أنهم لا يفرون، أو أنه لا كذب في حديثه، وما أخبرهم من غلبتهم وظهورهم على عدوهم، وليذكرهم بنبوته؛ لتقوى بصائرهم بوفاء عهده وظهور أمره\" (^٢).\nوالأنبياء صلوات الله عليهم معصومون فيما يخبرون به عن الله - ﷿ - وفي تبليغ رسالاته باتفاق الأُمَّة (^٣)، ولهذا كان الذي عليه سلف الأُمَّة وأئمَّتها أنَّ الأنبياء إنما هم معصومون من الإقرار على الذنوب.\nوالقول بأنَّ الأنبياء عُصموا عن الكبائر دون الصغائر هو قول أكثر علماء الإسلام وجميع الطوائف ... حتى إنَّ هذا قول أكثر الأشعرية وهو أيضًا قول أكثر أهل التفسير والحديث والفقه، بل لم ينقل عن السَّلف والأئمة والصحابة والتابعين\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب الجهاد، باب من قاد دابة غيره في الحرب، ٦/ ٦٩، رقم ٢٨٦٤.\n(^٢) إكمال المعلم بفوائد مسلم ٦/ ١٣٢.\n(^٣) ينظر: مجموع الفتاوى ١٠/ ٢٨٩.","vol":"1","page":478},{"text":"وتابعيهم إلا ما يوافق هذا القول، أمَّا الصَّغائر فعامَّة ما ينقل عن جمهور العلماء أنهم غير معصومين عن الإقرار على الصغائر ولا يقرون عليها ولا يقولون إنها لا تقع بحال (^١).\nوقال القاضي عياض - ﵀ -: \"أجمع المسلمون على عصمة الأنبياء من الفواحش والكبائر والموبقات\" (^٢).\nوقال ابن تيمية - ﵀ -: \"فإنهم متفقون -أي المسلمين- على أنَّ الأنبياء معصومون فيما يبلِّغونه عن الله تعالى، وهذا هو مقصود الرِّسالة؛ فإنَّ الرَّسول هو الذي يبلِّغ عن الله أمره ونهيه وخبره، وهم معصومون في تبليغ الرِّسالة باتفاق المسلمين، بحيث لا يجوز أن يستقر في ذلك شيءٌ من الخطأ\" (^٣).\nويقول أيضًا: \"هم متفقون على أنهم لَا يُقَرُّونَ على خطأ في الدين أصلًا، ولا على فسوق، ولا كذب، ففي الجملة كل ما يقدح في نبوتهم وتبليغهم عن الله - ﷿ - فهم متفقون على تنزيههم عنه، وعامة الجمهور الذين يجوِّزون عليهم الصغائر يقولون: إنهم معصومون من الإقرار عليها، فلا يصدر عنهم ما يضرهم\" (^٤).\nوبهذه النقول عن أئمة السَّلف يتضح أنَّ ابن عجيبة وافق الصواب في رأيه عمَّا يجوز ويستحيل في حقهم.\nوأما رأيه في كيفية إدراك النبوة وتحصيلها فيرى أنَّ النبوة لا تدرك بالنَّسب والمال، حيث قال في تفسيره لقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ٤/ ٣١٩.\n(^٢) الشفاء بتعريف حقوق المصطفى ٢/ ٣٢٧.\n(^٣) منهاج السُّنَّة النبوية ٣/ ٣٧٢.\n(^٤) المرجع نفسه ١/ ٤٧٢.","vol":"1","page":479},{"text":"مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ﴾ (^١)، \"فإنَّ النبوة ليست بمجرَّد النَّسب والمال، وإنما هي بفضائل نفسانية يَخُصُّ الله بها من يشاء من عباده، بل بمحض الفضل والكرم، فيجتبي لرسالته من علم أنه يصلح لها\" (^٢).\nوهو بهذا الرأي يوافق معتقد الفلاسفة والصوفية، ويُخالف ما عليه أهل السُّنَّة والجماعة.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: \"وأمَّا المتفلسفة القائلون بقدم العالم وصدوره عن علَّة موجبة، مع إنكارهم أنَّ الله -تعالى- يفعل بقدرته ومشيئته، وأنَّه يعلم الجزئيَّات، فالنُّبوة عندهم فيضٌ يفيضُ على الإنسان بحسب استعداده، وهي مكتسبة عندهم.\nومن كان متميِّزًا في قوته العلمية بحيث يستغني عن التعليم، وشُكِّل في نفسه خطاب يسمعه كما يسمع النائم، وشخص يُخاطبه كما يخاطب النائم، -وفي العملية- بحيث يؤثر في العنصريات تأثيرًا غريبًا- كان نبيًّا عندهم، وهم لا يُثبتون ملكًا مفضَّلًا يأتي بالوحي من الله تعالى ولا ملائكة، بل ولا جنًّا يخرق الله بهم العادات للأنبياء إلا قوى النفس، وقول هؤلاء وإن كان شرًّا من أقوال كُفَّار اليهود والنَّصارى، وهو أبعد الأقوال عمَّا جاءت به الرُّسل، فقد وقع فيه كثيرٌ من المتأخرين الذين لم يُشرق عليهم نور النبوة من المدِّعين للنَّظر العقليّ، والكشف الخيالي الصوفي، وإن كان غاية هؤلاء الأقيسة الفاسدة، والشكِّ، وغاية هؤلاء الخيالات\n_________\n(^١) سورة الأنعام: ١٢٤.\n(^٢) البحر المديد ٢/ ١٦٧.","vol":"1","page":480},{"text":"الفاسدة والشطح\" (^١).\nوالقول الحق في ذلك أنَّ النبوة اصطفاء، كما قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ (^٢).\nقال ابن كثير - ﵀ -: \"يُخبر تعالى أنه يختار من الملائكة رُسُلًا فيما يشاء من شرعه وقدره، ومن النَّاس لإبلاغ رسالاته\" (^٣).\nوقال ابن جرير الطبري - ﵀ -: \"يقول تعالى ذكره: الله يختار من الملائكة رُسَلًا كجبرئيل وميكائيل اللذين كانا يرسلهما إلى أنبيائه، ومن شاء من عباده ومن الناس، كأنبيائه الذين أرسلهم إلى عباده من بني آدم، ومعنى الكلام: الله يصطفي من الملائكة رسلًا ومن النَّاس أيضًا رُسُلًا\" (^٤).\nويقول الشيخ السعدي - ﵀ -: \"أي يختار ويجتبي من الملائكة رُسُلًا ومن الناس رسلًا يكونون أزكى ذلك النوع، وأجمعه لصفات المجد، وأحقه بالاصطفاء، فالرُّسل لا يكونون إلا صفوة الخلق على الإطلاق، والذي اختارهم واصطفاهم ليس جاهلًا بحقائق الأشياء، أو يعلم شيئًا دون شيء، وإنما المصطفي لهم السميع، البصير، الذي قد أحاط علمه وسمعه وبصره بجميع الأشياء، فاختياره إياهم عن علمٍ منه أنهم أهل لذلك، وأنَّ الوحي يصلح فيهم كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ (^٥) \"، (^٦).\n_________\n(^١) النبوات ١/ ٣٠.\n(^٢) سورة الحج: ٧٥.\n(^٣) تفسير القرآن العظيم ٥/ ٤٥٤.\n(^٤) جامع البيان في تأويل القرآن ١٨/ ٦٨٧.\n(^٥) سورة الأنعام: ١٢٤.\n(^٦) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان ١/ ٥٤٦.","vol":"1","page":481},{"text":"ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: \"والله سبحانه قد أخبر أنه يصطفي من الملائكة رُسُلًا ومن النَّاس، والاصطفاء: افتعال من التصفية، كما أن الاختيار: افتعال من الخيرة، فيختار من يكون مصطفى ... والله سبحانه اتخذ رَسُولًا فضَّله بصفاتٍ أُخرى لم تُكن موجودةً فيه من قبل إرساله، كما كان يُظهر لكلِّ من رأى موسى وعيسى ومحمَّدًا من أحوالهم وصفاتهم بعد النُّبُوَّة\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-132>رابعًا: الإيمان بالنَّبيِّ محمَّد - ﷺ - وذكر ما جاء في خصائصه</span>\nذكر ابن عجيبة بعضًا من الأمور التي يتضمَّنها الإيمان بنبيِّنا محمَّد - ﷺ - وخصائصه وهي:\n١ - أنَّ رسالتَه عامَّةٌ للثقلين.\nقال في تفسيره لقول الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (^٢): \"وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ أي: جميعًا، إنسهم وجِنّهم، عَربيّهم وعجميّهم، أحمرهم وأسودهم، وقدَّم الحال للاهتمام\" (^٣).\nقال الطبري - ﵀ -: \"يقول -تعالى ذكره-: وما أرسلناك يا محمَّدُ إلى هؤلاء المشركين بالله من قومك خاصَّة، ولكنَّا أرسلناك كافة للنَّاس أجمعين، العرب منهم، والعجم، والأحمر والأسود، بشيرًا من أطاعك، ونذيرًا من كذَّبك ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أنَّ الله أرسلك كذلك إلى جميع البشر\" (^٤).\n_________\n(^١) النبوات ١/ ٣٠.\n(^٢) سورة سبأ: ٢٨.\n(^٣) البحر المديد ٤/ ٤٥٩.\n(^٤) جامع البيان ٢٠/ ٤٠٥.","vol":"1","page":482},{"text":"وقال تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ (^١).\nقال ابن كثير - ﵀ -: \"وهذا خطابٌ للأحمر والأسود، والعربي والعجمي، ﴿إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ أي: جميعكم، وهذا من شرفه وعظمته أنَّه خاتمُ النبيين، وأنَّه مبعوثٌ إلى النَّاس كافة\" (^٢).\nقال الطحاوي - ﵀ -: \"فهو المبعوث إلى عامَّة الجنِّ وكافَّة الورى، بالحقِّ والهُدَى وبالنُّور والضياء\" (^٣).\nفنبيُّنا محمَّدٌ - ﷺ - مبعوثٌ للنَّاس عامَّة، قال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ (^٤).\nقال القرطبي - ﵀ -: \"والمراد بالعالمين هنا، الإنس والجن؛ لأنَّ النَّبيَّ - ﷺ - كان رسولًا إليهما جميعًا\" (^٥).\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: \"ومحمَّدٌ - ﷺ - مبعوثٌ إلى الثقلين باتفاق المسلمين\" (^٦).\nوقال ابن القيم - ﵀ -: \"فأجمع المسلمون على أنَّ محمَّدًا - ﷺ - بُعث إلى الجنِّ والإنس، وأنَّه يجب على الجنِّ طاعته، كما يجب على الإنس\" (^٧).\n_________\n(^١) سورة الأعراف: ١٥٨.\n(^٢) تفسير القرآن العظيم ٣/ ٤٨٩.\n(^٣) العقيدة الطحاوية، ص ٣٩.\n(^٤) سورة الفرقان: ١.\n(^٥) تفسير القرطبي ١٣/ ٤، وينظر: شرح العقيدة الطحاوية، ص ١٦٦، ولوامع الأنوار ٢/ ٢٧٩، ومعارج القبول ٢/ ٤٩٦.\n(^٦) مجموع الفتاوى ١١/ ٣٠٣.\n(^٧) طريق الهجرتين وباب السعادتين ١/ ٦١٧.","vol":"1","page":483},{"text":"قال تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ قَالُوا يَاقَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ (^١).\nقال الشنقيطي - ﵀ -: \" ﴿يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ منطوق هذه الآية أنَّ من أجاب داعي الله محمَّدًا - ﷺ - وآمن به، وبما جاء به من الحق غفر الله له ذنوبه، وأجاره من العذاب الأليم، ومفهومها، أعني مفهوم مخالفتها المعروف بدليل الخطاب، أنَّ من لم يجب داعي الله من الجن، ولم يؤمن به لم يغفر له، ولم يجره من عذاب أليم، بل يعذبه ويدخله النار، وهذا المفهوم جاء مصرَّحًا به مبيَّنًا في آياتٍ أُخر، كقوله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ (^٢) وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ (^٣) ... \" (^٤).\nوبهذا يتبيَّن أنَّ غيره من الأنبياء رسالتهم خاصَّة لأقوامهم، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (^٥).\n_________\n(^١) سورة الأحقاف: ٢٩ - ٣٢.\n(^٢) سورة هود: ١١٩.\n(^٣) سورة السجدة: ١٣.\n(^٤) أضواء البيان ٨/ ٥٢.\n(^٥) سورة إبراهيم: ٤.","vol":"1","page":484},{"text":"قال ابن كثير - ﵀ -: \"وقد كانت هذه سُنَّة الله في خلقه، أنه ما بعث نبيًّا في أُمَّةٍ إلا أن يكون بلغتهم، فاختصَّ كلَّ نبيٍّ بإبلاغ رسالته إلى أُمَّته دون غيرهم، واختصَّ محمَّد بن عبد الله رسول الله بعموم الرسالة إلى سائر الناس\" (^١).\nوالأحاديث كثيرة تشهد لهذا المعنى، قال - ﷺ -: «وكان النَّبيُّ يبعث إلى قومه خاصَّة وبُعثت إلى النَّاس عامَّة» (^٢).\nوأيضًا قوله - ﷺ -: «والذي نفس محمَّدٍ بيده، لا يسمع بي أحدٌ من هذه الأُمَّة يهودي، ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أُرسلتُ به، إلا كان من أصحاب النار» (^٣).\nقال سعيد بن جبير (^٤): \"ما بلغني حديثٌ عن رسول الله - ﷺ - على وَجهه إلا وجدتُ مصداقَه في كتاب الله تعالى، حتى قال «لا يَسمَعُ بي أحدٌ من هذه الأُمَّة، ولا يهودي ولا نصرانيٌّ، ثم لا يؤمن بما أُرسلت به إلا دخل النار» قال سعيد، فقلتُ: أين هذا في كتاب الله؟ حتى أتيت على هذه الآية:\n﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ\n_________\n(^١) تفسير القرآن العظيم ٤/ ٤٧٧.\n(^٢) أخرجه البخاري، كتاب التيمم، باب جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورا ١/ ٧٤، رقم ٣٣٥.\n(^٣) أخرجه مسلم، كتاب الإيمان، باب وجوب الإيمان برسالة نبينا محمد - ﷺ - ١/ ١٣٤، رقم ١٥٣.\n(^٤) هو: أبو عبد الله، وقيل: أبو محمد، سعيد بن جبير بن هشام الأسدي بالولاء، مولى بني والبة بن الحارث بطن من بني أسد بن خزيمة؛ كوفيٌّ، أحد أعلام التابعين، أخذ العلم عن عبد الله بن العباس وعبد الله بن عمر - ﵄ -، قال له ابن عباس: حدِّث، فقال: أُحدِّث وأنت هاهنا؟ فقال: أليس من نعمة الله عليك أن تحدث وأنا شاهد، فإن أصبت فذاك، وإن أخطأت علمتك، قتله الحجاج سنة ٩٥ هـ، وله من العمر نحو خمسين سنة. ينظر: وفيات الأعيان ٢/ ٣٧١.","vol":"1","page":485},{"text":"وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (^١) قال: من أهل الملل كُلِّها\" (^٢).\n٢ - أنَّه خاتم النَّبيين.\nقال في تفسير قول الله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ (^٣):\n\"كان أيضًا - ﷺ - خاتَمَ النَّبِيِّينَ أي: آخرهم الذي ختمهم، أو ختموا به على قراءة عاصم، بفتح التاء، بمعنى: الطابع، كأنه طبع وختم على مقامات النُّبوة، كما يختم على الكتاب لئلا يلحقه شيءٌ، فلا نبيَّ بعده، وعيسى ممَّن نُبِّأ قبله، وحين ينزل عاملًا على شريعته - ﷺ -، كأنَّه بعض أُمَّته، ومَن قرأ بكسر التاء، فمعناه فاعل الختم\" (^٤).\nقال السفاريني - ﵀ - (^٥): \"ومعناه أنه لا تبدأ نبوةٌ، ولا تُشرع شريعةٌ بعد نُبوَّته وشريعته\" (^٦).\nوقال ابن كثير: \"فهذه الآيةُ نصٌّ في أنه لا نبيَّ بعده، وإذا كان لا نبيَّ بعده فلا رسول بعده بطريق الأولى والأحرى؛ لأنَّ مقام الرِّسالة أخصُّ من مقام النُّبوة، فإن كلَّ رسولٍ نبيٌّ، ولا ينعكس\" (^٧).\n_________\n(^١) سورة هود: ١٧.\n(^٢) تفسير الطبري ١٥/ ٢٧٩.\n(^٣) سورة الأحزاب: ٤٠.\n(^٤) البحر المديد ٤/ ٤٣٩.\n(^٥) هو: محمد بن أحمد بن سالم السفاريني، ولد بقرية سفارين من قرى نابلس في فلسطين، عام ١١١٤ هـ، من شيوخه: عبد القادر التغلبي، ومحمد حياة السندي، ومن تلاميذه: محمد مرتضى الزبيدي، ومن مصنفاته: الدرة المرضية في عقيدة الفرقة المرضية، وكشف اللثام في شرح عمدة الأحكام، توفي سنة ١١٨٨ هـ. ينظر: سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر ٤/ ٣١.\n(^٦) لوامع الأنوار ٢/ ٢٧٧.\n(^٧) تفسير القرآن العظيم ٦/ ٤٢٨.","vol":"1","page":486},{"text":"وقال ابن جرير: \" ... ولكن رسول الله وخاتم النَّبيين، ختم النبوة فطبع عليها فلا تُفتح لأحدٍ بعده إلى قيام الساعة\" (^١).\nولقد بيَّن النبي - ﷺ - أنَّ رسالته خاتمة الرِّسالات، فعن أبي هريرة - ﵁ - أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - قال: «مثلي ومثل الأنبياء قبلي كمثل رجلٍ بنى بيتًا فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة من زاوية، فجعل الناس يطوفون ويعجبون ويقولون: هلا وُضعت هذه اللِّبنة؟ قال: فأنا اللِّبنة، وأنا خاتم النَّبيين» (^٢).\nيقول ابن حجر - ﵀ -: \"وفي الحديث ضرب الأمثال للتقريب للأفهام، وفضل النَّبيِّ - ﷺ - على سائر النَّبيين، وأنَّ الله ختم به المرسلين، وأكمل به الشرائع\" (^٣).\nفالإيمان بالنَّبيِّ - ﷺ - \"واجبٌ متعيِّنٌ لا يتمُّ إيمانٌ إلَّا به، ولا يصحُّ إسلامٌ إلا معه\" (^٤)، فعن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحدٌ من هذه الأُمَّة يهوديٌّ ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أُرسلت به إلا كان من أصحاب النار» (^٥).\nولهذا كانت رسالة النَّبيِّ - ﷺ - عامَّةً وشاملةً لجميع النَّاس، ونسخ الملل كلّها.\nقال ابن القيم - ﵀ -: \"وعموم رسالته - ﷺ - بالنِّسبة إلى كلِّ ما يحتاج إليه العباد في معارفهم وعلومهم وأعمالهم، وأنه لم يحوج أُمَّته إلى أحدٍ بعده، وإنما حاجتهم إلى\n_________\n(^١) جامع البيان في تأويل القرآن ١٩/ ٢٨.\n(^٢) أخرجه البخاري، واللفظ له، كتاب المناقب، باب خاتم النبيين ٦/ ٥٥٨، رقم ٣٥٣٤.\n(^٣) فتح الباري ٦/ ٥٥٩.\n(^٤) الشفا بحقوق المصطفى ٢/ ٤.\n(^٥) أخرجه مسلم، كتاب الإيمان، باب وجوب الإيمان برسالة نبينا محمد - ﷺ - إلى جميع الناس ونسخ الملل كلها ٢/ ١٨٦، رقم ١١٦.","vol":"1","page":487},{"text":"من يبلِّغهم عنه ما جاء به، فلرسالته عمومان محفوظان لا يتطرَّق إليهما تخصيص، عموم بالنِّسبة إلى المرسل إليهم، وعموم بالنِّسبة إلى كلِّ ما يُحتاج إليه من بعث إليه في أصول الدين وفروعه؛ فرسالته كافية شافية عامَّة، لا تحوج إلى سواها، ولا يتم الإيمان به إلا بإثبات عموم رسالته في هذا وهذا، فلا يخرج أحد من المكلِّفين عن رسالته، ولا يخرج نوع من أنواع الحق الذي تحتاج إليه الأمة في علومها وأعمالها عمَّا جاء به\" (^١).\n٣ - أنَّه سيِّد ولد آدم.\nقال: \"فإنه خُصَّ بالدعوة العامَّة، والحُجَجِ المتكاثرة، والمعجزات المستمرة، والآيات المتعاقبة بتعاقب الدَّهر، والفضائل العلميَّة والعمليَّة الفائتة للحصر، ولقد صرَّح النَّبيُّ - ﷺ - بفضله على جميع الأنبياء بقوله: «أنا سيِّدُ ولد آدم ولا فخر» (^٢) \" (^٣).\nوقد فضَّل الله تعالى نبيَّنا محمَّدًا - ﷺ - بأنَّه ساد الكُل، فقال - ﷺ -: «أنا سيِّد ولد آدم ولا فخر»، والسَّيِّد من اتصف بالصفات العليَّة والأخلاق السنيَّة، وهذا مُشْعرٌ بأنَّه أفضل منهم في الدارين، أمَّا في الدنيا فلما اتصف به من الأخلاق المذكورة، وأمَّا في الآخرة فلأنَّ جزاء الآخرة مرتَّبٌ على الأوصاف والأخلاق، فإذا فضَّلهم في الدنيا في المناقب والصفات، فضَّلهم في الآخرة في المراتب والدرجات.\n_________\n(^١) إعلام الموقعين عن رب العالمين ٤/ ٢٨٥.\n(^٢) أخرجه الترمذي، كتاب المناقب، باب فضل النبي - ﷺ - ٥/ ٥٤٨، رقم ٣٦١٥، وابن ماجه، كتاب الزهد، باب ذكر الشفاعة ٢/ ١٤٤٠، رقم ٤٣٠٨، وهو حديثٌ صحيحٌ بهذا اللفظ، ينظر: السلسلة الصحيحة للألباني، رقم ١٥٧١، وصحيح الجامع الصغير ١/ ٣٠٩، رقم ١٤٦٨، وأخرجه مسلم من غير زيادة ولا فخر، كتاب الفضائل، باب تفضيل نبينا - ﷺ - على جميع الخلائق، ينظر: صحيح مسلم بشرح النووي ١٥/ ٤٣٨، رقم ٢٢٧٨.\n(^٣) البحر المديد ١/ ٢٨٢.","vol":"1","page":488},{"text":"وإنما قال - ﷺ -: «أنا سيِّد ولد آدم ولا فخر» ليُعرِّف أُمَّته منزلته من ربه - ﷿ -، ولما كان من ذكر مناقب نفسه إنما يذكرها افتخارًا في الغالب، أراد - ﷺ - أن يقطع وَهم من يتوهَّم من الجهلة أنه ذكر ذلك افتخارًا، فقال: «ولا فخر» (^١).\n٤ - النَّصر بالرُّعْب، وحلُّ الغنائم، وجعل الأرض مسجدًا طهورًا له، والشفاعة، وجوامع الكلِم.\nقال - ﷺ -: «أُعطيتُ خمسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أحَدٌ من الأَنْبِيَاءِ قَبْلِي: أُحِلَّتْ لِيَ الغَنَائِمُ، ونُصِرْتُ بالرُّعْبِ مسِيرَةَ شَهْرٍ، وجُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِدًا وطهُورًا، وأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ، وخُصصتُ بِجَوَامعِ الكلمِ» (^٢) (^٣).\nقال ابن حجر - ﵀ -: \"وظاهرُ الحديث يقتضي أنَّ كلَّ واحدةٍ من الخمس المذكورات لم تكن لأحدٍ قبله، وهو كذلك\" (^٤).\nوكلامه صلوات ربي وسلامه عليه يحمل معاني جامعة مانعه، فألفاظه موجزة مع تناولها للمعاني الكثيرة جدًّا بخواتمها أي: كان يختم على المعاني الكثيرة التي تضمَّنها اللَّفظ اليسير فلا يخرج منها شيءٌ عن طالبه ومستنبطه لعذوبة لفظه وجزالته (^٥)، والشواهد على ذلك كثيرة فمنها قوله - ﷺ -: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت» (^٦).\n_________\n(^١) ينظر: منية السول في تفضيل الرسول - ﷺ -، ص ١٨.\n(^٢) أخرجه مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، ١/ ٣٧٠، رقم ٥٢١، وينظر: صحيح مسلم بشرح النووي ٥/ ١٧٨.\n(^٣) البحر المديد ٢/ ٣٤٩.\n(^٤) فتح الباري ١/ ٤٣٦.\n(^٥) ينظر: الديباج على صحيح مسلم ٥/ ٥٧.\n(^٦) أخرجه البخاري، كتاب الرقاق، باب حفظ اللسان، ١٥/ ٢٠٥ رقم ٦٤٧٥.","vol":"1","page":489},{"text":"وهذا توجيهٌ نبويٌّ؛ لِأَنْ يترك الإنسان ما لا يعنيه، وأن يشتغل بنفسه وإصلاحها وتهذيبها، ولكن لا يعني هذا ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وفق ضوابط الشرع دون أن يترتب عليه مفسدة أكبر فهذا مما يعني الإنسان امتثالًا لقول الله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (^١).\n٥ - أنُزل عليه القرآن (^٢).\nعدَّ ابن القيم خصائص كثيرة للنَّبيِّ - ﷺ - فقال: \"فمن ذلك أنه بُعث إلى الخلق عامَّة، وخُتم به ديوان الأنبياء، ونزل عليه القرآن الذي لم ينزل من السَّماء كتابٌ يشبهه، ولا يقاربه، وأنزل على قلبه محفوظًا متلوًّا، وضمن له حفظه إلى أن يأتي الله بأمره، وأُوتي جوامع الكلم، ونُصر بالرُّعب في قلوب أعدائه وبينهما مسيرة شهر، وجُعلت صفوف أُمَّته في الصلاة على مثال صفوف الملائكة في السَّماء، وجُعلت له ولأمته الأرض مسجدًا وطهورًا، وأُسري به إلى أن جاوز السَّماوات السَّبع ورأى ما لم يره بشرٌ قبله، ورُفع على سائر النَّبيين، وجُعل سيِّد ولد آدم، وانتشرت دعوته في مشارق الأرض ومغاربها، واتبعه على دينه أتباع أكثر من أتباع سائر النَّبيين من عهد نوحٍ إلى المسيح، فأُمَّته ثلثا أهل الجنَّة، وخصَّه بالوسيلة، وهي أعلى درجة في الجنَّة، وبالمقام المحمود الذي يغبطه به الأولون والآخرون، وبالشَّفاعة العُظمى التي يتأخَّر عنها آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى، وأعزَّ الله به الحقَّ وأهله عزًّا لم يعزه بأحدٍ من قبله، وأذلَّ به الباطل وحزبه ذلًّا لم يحصل بأحدٍ قبله، وآتاه من العلم والشَّجاعة\n_________\n(^١) سورة آل عمران: ١٠٤.\n(^٢) ينظر: البحر المديد ٤/ ٧٥.","vol":"1","page":490},{"text":"والسَّماحة والصَّبر والزُّهد في الدنيا والرغبة في الآخرة والعبادات القلبية والمعارف الإلهية مالم يؤته نبيٌّ قبله، وجُعلت الحسنة منه ومن أُمَّته بعشر حسنات مثلها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، وتجاوز له عن أُمَّته الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه، وصلى الله عليه هو وجميع ملائكته، وأمر عباده المؤمنين كلهم أن يصلوا عليه ويسلموا تسليمًا، وقرن اسمه باسمه فإذا ذكر الله ذكر معه، كما في الخطبة والتشهُّد والأذان، فلا يصحُّ لأحدٍ أذانٌ ولا خُطبةٌ ولا صلاةٌ حتى يشهد أنه عبده ورسوله، ولم يجعل معه أمرًا يطاع، لا ممَّن قبله ولا ممَّن هو كائن بعده إلى أن تُطوى الدنيا ومن عليها، وأغلق أبواب الجنَّة إلا عمَّن سلك خلفه،\nواقتدى به، وجعل لواء الحمد بيده، فآدم وجميع الأنبياء تحت لوائه يوم القيامة، وجعله أول من تنشقُّ عنه الأرض، وأول شافع وأول مشفَّع، وأول من يقرع باب الجنَّة، وأول من يدخلها، فلا يدخلها أحدٌ من الأولين والآخرين إلا بشفاعته - ﷺ -، وأعطي من اليقين والإيمان والصبر والثبات والقوة في أمر الله تعالى، والعزيمة على تنفيذ أوامره، والرضا عنه، والشكر له، والتنوع في مرضاته، وطاعته ظاهرًا وباطنًا، سرًّا وعلانية، في نفسه وفي الخلق، ما لم يعطه نبي غيره، ومن عرف أحوال العالم، وسير الأنبياء وأممهم، تبيَّن له أنَّ الأمر فوق ذلك، فإذا كان يوم القيامة ظهر للخلائق كلهم من ذلك ما لا عينٌ رأت ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر أنه يكون أبدًا\" (^١).\n٦ - الإسراء والمعراج.\nقال: \"إنَّ الإسراء بالجَسَد مخصوصٌ به - ﷺ - وقيل مرَّة أو مرتين، وأمَّا الإسراء بالرُّوح فيقع للأولياء على قدر تصفية الرُّوح ... \" (^٢).\n_________\n(^١) هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى ٢/ ٣٦٦.\n(^٢) البحر المديد ٣/ ١٨٠ - ١٨١.","vol":"1","page":491},{"text":"وما ذكره ابن عجيبة في ما يتضمنه الإيمان بالنبي محمد - ﷺ - من خصائصه موافقٌ لما عليه أهل السُّنَّة والجماعة، ولكنه -عفا الله عنه- لم يوفق للصواب في مسألة الإسراء والمعراج، وخالف ما عليه أهل السُّنَّة والجماعة وفق منهج السلف الصالح وهو أنَّ نبيَّنا محمَّد - ﷺ - أُسري بروحه وجسده مرة واحدةً يقظةً لا منامًا، وما ذهب إليه في مسألة الإسراء بروح الولي وافق فيه الصوفيه في غلوهم في الأولياء ورفعهم فوق منزلة النبيين والمرسلين، ولا يشكُّ عاقلٌ في خطأهم وعدم صوابهم، لكونهم خالفوا ما دلَّت عليه النصوص في مسألة الإسراء والمعراج، وأنها خاصَّةٌ بالنَّبيِّ محمد - ﷺ -، وهي من المعجزات العظيمة الدالة على صدقه وأنه مرسل من الله تعالى.\nقال الحافظ عبد الغني المقدسي - ﵀ - (^١): \"وأجمع القائلون بالأخبار والمؤمنون بالآثار أنَّ رسول الله - ﷺ - أُسري به إلى فوق سبع سماوات ثم إلى سدرة المنتهى، أُسري به ليلًا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى مسجد بيت المقدس، ثم عُرِج به إلى السَّماء بجسده وروحه جميعًا، ثم عاد من ليلته إلى مكة قبل الصبح\" (^٢).\nوقال ابن القيم - ﵀ -: \"ثم أُسري بروحه وجسده إلى المسجد الأقصى، ثم عُرج به إلى فوق السماوات بجسده وروحه إلى الله - ﷿ -، فخاطبه وفرض عليه الصلوات، وكان ذلك مرَّةً واحدة، هذا أصحُّ الأقوال\" (^٣).\n_________\n(^١) هو: أبو محمد، تقي الدين عبد الغني بن عبد الواحد بن علي بن سرور بن رافع بن حسين بن جعفر المقدسي الجماعيلي الدمشقي الصالحي، ولد بجماعيل من أرض نابلس، سنة ٥٤٤ هـ، حدَّث عنه ابن خالته الشيخ موفق الدين ابن قدامة، وأولاده الحافظ عز الدين محمد، والحافظ أبو موسى عبد الله، والفقيه أبو سليمان، والحافظ الضياء المقدسي، وكانت وفاته سنة ٦٠٠ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء ٢١/ ٤٦٧ - ٤٦٨.\n(^٢) عقيدة الحافظ عبد الغني المقدسي مع شرحها تذكرة المؤتسي، ص ٢٥٨.\n(^٣) زاد المعاد في هدي خير العباد ١/ ٩٩.","vol":"1","page":492},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-133>المبحث الثاني:\nالفرق بين النبي والولي </span>(^١)\n<span data-type=\"title\" id=toc-134>أولًا: تعريف الولي في اللُّغة والاصطلاح</span>\nالوَلْيُ بمعنى: القُرْب، والدُّنُو، والمطرُ بعد المطر، والوَليُّ: الاسم منه، ومعناه: المُحِبُّ، والنَّصير، والصَّاحب، والرَّب، والنَّاصر ... (^٢).\nوأمَّا تعريفه الاصطلاحي فقد عرَّفه ابن تيمية - ﵀ - بقوله: \"وقد قيل إن الولي سُمِّي وليًّا من موالاته للطاعات أي متابعته لها، ويقابل الولي العدو على أساس من القرب والبعد\" (^٣).\nأما ابن عجيبة فيعرِّف الوليَّ بقوله: \"هو العارفُ الصُّوفي الذي ارتفع عنه الحجاب حتى دخل مقام الشهود والعيان وفتحت له ميادين الغيوب فلم يحجبه عن الله شيء\" (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-135>ثانيًا: رأي ابن عجيبة في الوليِّ والنَّبي</span>\n١ - الوليُّ مساوٍ للنَّبي، يقول: \"ما قيلَ في النَّبيِّ يُقَالُ في الوَليِّ\" (^٥).\n٢ - الوليُّ يرثُ النَّبيَّ ويزاحمه في جُلِّ المراتب، يقول: \"أولياء هذه الأُمَّة أي: العارفون بالله يزاحمون الأنبياء والرُّسل في جُلِّ المراتب\" (^٦).\n_________\n(^١) تقدم تعريف النَّبي، ص ٤٧٣ - ٤٧٧.\n(^٢) ينظر: المعجم الوسيط ٢/ ١٠٥٨.\n(^٣) الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، ص ١٦.\n(^٤) الفهرسة، ص ٤١.\n(^٥) الفتوحات الإلهية، ص ٢٤٦.\n(^٦) منازل السائرين والواصلين، ص ٢٥٤.","vol":"1","page":493},{"text":"٣ - حُرمة الأولياء كحرمة الأنبياء، يقول: \"فحرمة الأولياء كحرمة الأنبياء، فمن فرَّق بينهم حُرم بركة جميعهم\" (^١).\n٤ - الوليُّ معصومٌ، يقول: \"وأمَّا الأوصاف التي هي مذمومة ... فهذه لا بدَّ من التطهير منها في خصوصية النُّبوة والولاية ... أمَّا في حقِّ النَّبي فتطهيره منها واجب؛ لأنَّه معصومٌ من جميع النقائص، وأمَّا في حقِّ الوليِّ فليس بواجبٍ لكنَّه محفوظ\" (^٢).\nويقول أيضًا عند وصفه للقُطب: \"أن يمد بمدد العصمة، وهي الحفظ الإلهي والعصمة الربَّانية، كما كان موروثه - ﷺ - غير أنَّها في الأنبياء واجبة، وفي الأولياء جائزة، ويقال لها الحفظ، فلا يتجاوز حدًّا ولا ينقض عهدًا\" (^٣).\nوالصوفية يطلقون الحفظ على العصمة، وبعضهم يُصرِّح بأنَّ العصمة للأنبياء، والحفظ للأولياء، قال ابن تيمية - ﵀ -: \"طائفة من النُّسَّاك والعُبَّاد يزعمون في بعض المشايخ أو فيمن يقولون: \" (إنه وليُّ الله) أنه لا يذنب، وربما عيَّنوا بعض المشايخ وزعموا أنه لم يكن لأحدهم ذنب، وربما قال بعضهم: النَّبيُّ معصومٌ والوليُّ محفوظ ... \" (^٤).\nوممن قرَّر هذا اللَّفظ، وأوضح أنَّ الفرق في اللَّفظ فقط لا في المعنى عبد الوهاب الشعراني، بقوله: \"متى صحَّ للعبد سجود القلب لله - ﷿ - استحقَّ العصمة إن كان نبيًّا، والحفظ إن كان وليًّا، وإنما خص العلماء لفظ العصمة بالأنبياء من أجل فعلهم المباح، فإنهم لا يفعلونه إلا على جهة التشريع، فهو واجبٌ عليهم\n_________\n(^١) البحر المديد ١/ ٣٧٧.\n(^٢) إيقاظ الهمم، ص ٤١٩.\n(^٣) معراج التشوف، ص ٨١.\n(^٤) جامع الرسائل ١/ ٢٦٤.","vol":"1","page":494},{"text":"فعله لوجوب التبليغ عليهم ... بخلاف غيرهم إذا فعلوا مباحًا لا يفعلونه إلا على أنه مباح، هذا هو الفرق بين العصمة والحفظ بالنظر للَّفظ لا للمعنى\" (^١).\nوقوله بمساواة الوليِّ للنَّبي في الفضل والعصمة غير صحيح؛ لأنَّ نصوص القرآن، وأقوال العلماء دالَّةٌ على تفضيل الأنبياء على الأولياء، قال تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ (^٢).\nقال ابن تيمية - ﵀ -: \"فالإيمان بما جاء به النَّبيون مما أمرنا أن نقوله ونؤمن به، وهذا مما اتفق عليه المسلمون: أنه يجب الإيمان بكلِّ نبي، ومن كفر بنبيٍّ واحدٍ فهو كافر، ومن سبَّه وجب قتله باتفاق العلماء، وليس كذلك من سوى الأنبياء، سواء سُمُّوا أولياء أو أئمَّة أو حكماء أو علماء أو غير ذلك، فمن جعل بعد الرسول معصومًا يجب الإيمان بكلِّ ما يقوله فقد أعطاه معنى النبوة، وإن لم يعطه لفظها\" (^٣).\nويقول أيضًا: ومما يبين الفرق بين النبيين وغيرهم أنَّ الله سبحانه أوجب الإيمان بما أوتيه كلُّ نبيٍّ من غير استثناء؛ لأنهم معصومون فيما يخبرون عن الله ورسالاته، بخلاف غير الأنبياء فإنهم ليسوا معصومين كما عصم الأنبياء ولو كانوا أولياء لله، ولهذا من سبَّ نبيًّا من الأنبياء قتل باتفاق الفقهاء، ومن سبَّ غيرهم لم يقتل، وهذه العصمة الثابتة للأنبياء هي التي يحصل بها مقصود النُّبوة والرسالة (^٤).\nوقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ\n_________\n(^١) الجواهر والدرر، ص ١٢٧.\n(^٢) سورة البقرة: ١٣٦.\n(^٣) منهاج السُّنَّة النبوية ٦/ ١٩٠.\n(^٤) ينظر: الفتاوى الكبرى ٥/ ٢٤٩.","vol":"1","page":495},{"text":"فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (^١).\nفلم يأمرنا بالردِّ عند التنازع إلا إلى الله والرَّسول، فمن أثبت شخصًا معصومًا غير الرسول أوجب ردَّ ما تنازعوا فيه إليه؛ لأنه لا يقول عنده إلا الحق كالرسول، وهذا خلاف القرآن.\nوأيضًا فإنَّ المعصوم تجب طاعته مطلقًا بلا قيد، ومخالفه يستحق الوعيد، والقرآن إنما أثبت هذا في حق الرسول خاصَّة، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ (^٢).\nوقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ (^٣).\nفدلَّ القرآن في غير موضع على أنَّ من أطاع الرَّسول كان من أهل السعادة، ولم يشترط في ذلك طاعة معصوم آخر، ومن عصى الرسول كان من أهل الوعيد، وإن قدر أنه أطاع من ظن أنه معصوم، فالرسول - ﷺ - هو الذي فرَّق الله به بين أهل الجنَّة وأهل النَّار، وبين الأبرار والفُجَّار، وبين الحق والباطل، وبين الغيِّ والرَّشاد، والهدى والضلال، وجعله القسيم الذي قسم الله به عباده إلى شقيٍّ وسعيد، فمن اتبعه فهو السَّعيد، ومن خالفه فهو الشَّقي، وليست هذه المرتبة لغيره.\nولهذا اتفق أهل العلم -أهل الكتاب والسُّنَّة- على أنَّ كلَّ شخصٍ سوى\n_________\n(^١) سورة النساء: ٥٩.\n(^٢) سورة النساء: ٦٩.\n(^٣) سورة النساء: ١٤.","vol":"1","page":496},{"text":"الرسول فإنه يؤخذ من قوله ويُترك، إلا رسول الله - ﷺ - فإنه يجب تصديقه في كلِّ ما أخبر، وطاعته في كلِّ ما أمر، فإنه المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحيٌ يُوحى، وهو الذي يسأل الناس عنه يوم القيامة كما قال تعالى: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾ (^١).\nوهو الذي يمتحن به النَّاس في قبورهم، فيقال لأحدهم: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ ويقال: ما تقول في هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيثبِّت الله الذين آمنوا بالقول الثابت، فيقول: هو عبد الله ورسوله، جاءنا بالبيِّنات والهدى فآمنَّا به واتبعناه، ولو ذكر بدل الرسول من ذكره من الصحابة والأئمة، والتابعين والعلماء لم ينفعه ذلك، ولا يمتحن في قبره بشخص غير الرسول\" (^٢).\nوقال الشافعي - ﵀ -: \"إنَّ الله افترض طاعة رسوله - ﷺ - وحتَّم على الناس اتباع أمره، فلا يجوز أن يُقال لقولٍ: إنه فرض إلا لكتاب الله ثم لسُنَّة رسوله - ﷺ - وذلك لما وصفنا من أنَّ الله تعالى جعل الإيمان برسوله مقرونًا بالإيمان به وسنة رسوله - ﷺ - مبنية عن الله معنى ما أراد دليلًا على خاصَّة وعامة، ثم قرن الحكمة بكتابه فأتبعها إياه، ولم يجعل هذا لأحدٍ من خلقه غير رسول الله - ﷺ - \" (^٣).\nوقال أبو جعفر الطحاوي: \"ولا نُفضِّل أحدًا من الأولياء على أحدٍ من الأنبياء -﵈- ونقول: نبيٌّ واحدٌ أفضلُ من جميع الأولياء\" (^٤).\nوقال القرطبي: \"النَّبيُّ أفضل من الولي، وهذا أمرٌ مقطوعٌ به عقلًا ونقلًا،\n_________\n(^١) سورة الأعراف: ٦.\n(^٢) منهاج السُّنَّة ٦/ ١٩٠.\n(^٣) الأم ١/ ١٤.\n(^٤) العقيدة الطحاوية، ص ٨٣.","vol":"1","page":497},{"text":"والصائر إلى خلافه كافر، فإنه أمرٌ معلومٌ من الشرائع بالضرورة\" (^١).\nوقال الحافظ ابن حجر أثناء كلامه على نبوة الخضر: \"وينبغي اعتقاد كونه نبيًّا؛ لئلا يتذرَّع بذلك أهل الباطل في دعواهم أنَّ الوليَّ أفضلُ من النَّبي حاشا وكلا\" (^٢).\nوالواجب على من طلب النجاة من هذا المنزلق اتباع ما عليه السَّلف والاعتصام بالكتاب والسُّنَّة، قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾ (^٣)، يقول الكرماني (^٤): \"وهذه الترجمة مقتبسة من قول الله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾ إذ المراد بالحبل الكتاب والسُّنَّة على سبيل الاستعارة المصرَّحة والقرينة إلى الله، والجامع كونهما سببًا للمقصود الذي هو: الثواب، كما أنَّ الحبلَ سببٌ للمقصود من السقي\" (^٥).\nوقال الشوكاني - ﵀ -: \"واعلم أنَّ أولياء الله - ﷿ - غير الأنبياء ليسوا بمعصومين، بل يجوز عليهم ما يجوز على سائر عباد الله المؤمنين، لكنهم قد صاروا في رتبة رفيعة ومنزلة علية فقلَّ أن يقع منهم ما يخالف الصواب وينافي الحق، فإذا وقع ذلك فلا يخرجهم عن كونهم أولياء لله - ﷿ - \" (^٦).\n_________\n(^١) المفهم ٦/ ٢١٧.\n(^٢) فتح الباري ١٣/ ٢٤٥.\n(^٣) سورة آل عمران: ١٠٣.\n(^٤) هو: شمس الدين محمد بن يوسف بن علي بن سعيد الكرماني ثم البغدادي، كان إمامًا في الفقه، والحديث، والتفسير، ولد بكرمان سنة ٧١٧ هـ، ثم ارتحل إلى شيراز، ودخل مصر، ثم الشام، ثم حج واستوطن بغداد، ومن مؤلفاته: شرحه لصحيح البخاري، مات سنة ٧٨٦ هـ، ينظر: الدرر الكامنة ٤/ ٣١٠، بغية الوعاة ١/ ٢٧٩.\n(^٥) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري، كتاب الاعتصام بالكتاب والسُّنَّة ٢٥/ ٢٨.\n(^٦) قطر الولي، ص ٢٣٤.","vol":"1","page":498},{"text":"وقال ابن تيمية - ﵀ -: \"لما كان ولي الله - ﷿ - يجوز أن يغلط لم يجب على الناس الإيمان بجميع ما يقوله إلا أن يكون نبيًّا، ولا يجوز له أن يعتمَّد على ما يلقى إليه في قلبه ... مما يراه إلهامًا ومحادثة وخطابًا، بل يجب عليه أن يعرض ذلك جميعه على ما جاء به محمَّد - ﷺ - فإن وافقه قبله، وإن خالفه لم يقبله، وإن لم يعلم أموافق هو أم مخالف توقّف فيه\" (^١).\nولا يتصوَّر عاقلٌ أن يُعطى الولي مثل النَّبي، قال ابن تيمية - ﵀ -: \" فمن أين يحصل لغير الأنبياء نورٌ إلهيٌّ تُدرك به حقائق الغيب وينكشف له أسرار هذه الأمور على ما هي عليه، بحيث يصير بنفسه مدركًا لصفات الرَّب وملائكته، وما أعدَّه الله في الجنَّة والنَّار لأوليائه وأعدائه؟ وهذا الكلام أصله من مادة المتفلسفة والقرامطة الباطنية (^٢)، الذين يجعلون النبوة فيضًا من العقل الفعَّال على نفس النَّبي، ويجعلون ما يقع في نفسه من الصور هي ملائكة الله، وما يسمعه في نفسه من الأصوات هو كلام الله، ولهذا يجعلون النُّبوة مكتسبة، فإذا استعد الإنسان بالرياضة والتصفية فاض عليه ما فاض على نفوس الأنبياء، وعندهم هذا الكلام باطلٌ باتفاق المسلمين واليهود والنصارى\" (^٣).\nوقال أيضًا: \"ولا يتصور أنَّ الولي يُعطى ما أعطيه النَّبي من المشاهدة والمخاطبة، وأفضل الأولياء أبو بكر وعمر وعثمان وعلي - ﵃ - ونحوهم.\n_________\n(^١) الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، ص ٥١ - ٥٥.\n(^٢) القرامطة الباطنية: إحدى الفرق المنتسبة للإسلام، مؤسسها ميمون القداح، ومحمد بن الحسن الملقب بدندن، وظهرت في زمن المأمون وسبب تسميتهم: قولهم: إن للقرآن ظاهر وباطن، وقد تأوَّلوا أصول الدين، وشرائعه، ومن ألقاب هذه الفرقة: القرامطة، الإسماعيلية، المزدكية. ينظر: الفرق بين الفرق، ص ٢٥٠، والتبصير في الدين، ص ١٤٠ - ١٤٧، وتلبيس إبليس، ص ١٢٤.\n(^٣) درء تعارض العقل والنقل ٥/ ٣٥٣.","vol":"1","page":499},{"text":"وليس في هؤلاء من شاهد ما شاهده النبي - ﷺ - ليلة المعراج ولا شاهد الملائكة الذين كانوا ينزلون بالوحي على النبي - ﷺ - ولا سمع أحدٌ منهم كلام الله - ﷿ - الذي كلَّم به نبيَّه ليلة المعراج، ولا سمع عامة الأنبياء فضلًا عن الأولياء كلام الله - ﷿ - كما سمعه موسى بن عمران ولا كلَّم الله تكليمًا لداود وسليمان بل ولا إبراهيم ولا عيسى فضلا عن أن يكون ذلك يحصل لأحدٍ من الأولياء\" (^١).\nفالولاية مرتبة في الدين عظيمة لا يبلغها إلا من قام بالدين ظاهرًا وباطنًا وفق الكتاب والسُّنَّة (^٢).\nوالولاية في الشرع هي: الإيمان والتقوى (^٣)، وتحقيقها يتعلَّق بالعبد تارة، وبالرب تارة، والذي يتعلَّق بالعبد هو قيامه بأوامر الله - ﷿ - واجتناب نواهيه.\nوجانب يتعلَّق بالرب وهو محبَّة هذا العبد ونصرته، وهدايته، وتثبيته على الهداية، قال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (^٤).\nوجانب يتعلَّق بالعبد قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ (^٥).\nولذلك فالولي هو الذي يجمع بين الإيمان والتقوى، ولكن مهما بلغ من الصلاح والتقوى، فإنه لا يزاحم النبوة أبدًا ولا يبلغ منزلتها، قال الألوسي - ﵀ - (^٦):\n_________\n(^١) شرح العقيدة الأصفهانية، ص ١٥٨.\n(^٢) مقدمة تحقيق كرامات أولياء الله - ﷿ -، ص ٧.\n(^٣) ينظر: الإنصاف في حقيقة الأولياء، ص ٩.\n(^٤) سورة يونس: ٦٢.\n(^٥) ينظر: مقدمة تحقيق كرامات الله - ﷿ -، ص ٨.\n(^٦) هو: أبو المعالي، محمود شكري، جمال الدين بن السيد عبد الله بهاء الدين ابن السيد محمود شهاب الدين الألوسي، نسبة إلى قرية تُسمَّى (ألوس)، ولد في بغداد سنة ١٢٧٣ هـ، ومن شيوخه: والده: عبد الله بهاء الدين، وإسماعيل الموصلي، وله مصنفات منها: روح المعاني، وإزالة الظمأ بما ورد في الماء، وكانت وفاته سنة ١٢٧٠ هـ. ينظر: معجم البلدان ١/ ١٩٨، والأعلام ٧/ ١٧٢.","vol":"1","page":500},{"text":"\"وأحسن ما يُعتمد عليه في معرفة الولي اتباع الشريعة الغرَّاء، وسلوك المحجَّة البيضاء، فمن خرج عنها قيد شبر بَعُد عن الولاية بمراحل، فلا ينبغي أن يطلق عليه اسم الولي، ولو أتى بألف خارق، فالوليُّ الشرعيُّ اليوم أعزُّ من الكبريت الأحمر، ولا حول ولا قوة إلا بالله\" (^١).\n٥ - ويعتقد ابن عجيبة أنَّ كشفَ الأولياء موروثٌ عن الأنبياء، يقول: \"كان النبي - ﷺ - ينذر النَّاس ويذكِّرهم بالوحي التنزيلي، وبقي خلفاؤه يذكِّرون بالوحي الإلهامي موافقًا للتنزيلي\" (^٢).\n٦ - كما يعتقد أنَّ الوليَّ مشاركٌ للنَّبي في الوحي، يقول: \"الوحيُ على أربعة أقسام: وحيُ إلهامٍ، ووحيُ منام، ووحيُ إعلام، ووحيُ أحكام، فشاركت الأولياء الأنبياء في ثلاثة: وحي إلهام، ووحي منام، ووحي إعلام وهو الفهم عن الله - ﷿ - وانفردت الأنبياء بوحي الأحكام\" (^٣).\nوما ذكره ابن عجيبة من أنَّ الإنذار يكون بالوحي صحيحٌ دلَّ عليه القرآن، ولكن شتان بين الوحي والإلهام، فالوحيُ حجَّةٌ شرعيَّةٌ يستدل به ليس كالإلهام، قال الشيخ الشنقيطي - ﵀ -، لقد حصر الله - ﷿ - طرق الإنذار بالوحي، بدليل قول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ وَلَا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ إِذَا مَا يُنْذَرُونَ﴾ (^٤)، (وإنما) صيغة حصر، فإن قيل: قد يكون ذلك عن طريق الإلهام، فالجواب: أنَّ المقرَّر في\n_________\n(^١) روح المعاني ١١/ ١٤٩.\n(^٢) البحر المديد ٢/ ٤٦٨، ٤/ ١٦٣.\n(^٣) إيقاظ الهمم في شرح الحكم، ص ٣٥٦، وينظر: البحر المديد ٢/ ٤٦٨.\n(^٤) سورة الأنبياء: ٤٥.","vol":"1","page":501},{"text":"الأصول أنَّ الإلهام من الأولياء لا يجوز الاستدلال به على شيء، لعدم العصمة، وعدم الدليل على الاستدلال به، بل لوجود الدليل على عدم جواز الاستدلال به\" (^١).\nواعتقد ابن عجيبة أنَّ الأولياء أدركوا خاصية النبوة في تلقي الوحي والإلهام (^٢) مثل سائر الأنبياء، وقد ردَّ عليه هذا القول بعض الصوفية، وهذا مما يؤكِّد اضطرابهم، قال الدبَّاغ: \"وقد غلط بعض الأولياء من أهل الفتح فظنَّ أنَّ الولي العارف الكبير قد يبلغ مقام النُّبوة في المعرفة، وإن كان في الدرجة لا يصله، وهذا الذي ظنوه غلطٌ مخالفٌ لما في نفس الأمر، والصواب أنَّ الولي -ولو بلغ في المعرفة ما بلغ- لا يصل إلى ما ذكروه، ولا يقرب منه أصلًا\" (^٣).\nوقال ابن تيمية - ﵀ -: \"ولكن الوحيَ وحيان: وحيٌ من الرَّحمن ووحيٌ من الشيطان، قال تعالى: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ (^٤)، وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ (^٥)، وقال تعالى: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ﴾ (^٦)، وقد كان المختار بن أبى عبيد (^٧) من هذا الضرب\n_________\n(^١) أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن ٣/ ٣٢٣.\n(^٢) الإلهام: ما يُلقى في القلب من معان وأفكار، وهي ترد على القلب بمحض الموهبة من غير تصنُّع ولا اجتلاب ولا اكتساب: كحزن أو بسط، أو قبض أو ذوق، أو هيبة ونحوها، أو يطلقون الإلهام على الخاطر الملكي، ومعنى ذلك حصولهم على العلوم عن طريق إخبار الله لهم بلا واسطة. ينظر: مقامات الصوفية، ص ٦٦، القاموس الصوفي، ص ٣٥، معراج التشوف، ص ٢٢ - ٣٣.\n(^٣) الإبريز، ص ٢٧٧.\n(^٤) سورة الأنعام: ١٢١.\n(^٥) سورة الأنعام: ١١٢.\n(^٦) سورة الشعراء: ٢٢١.\n(^٧) هو: المختار بن أبي عبيد بن مسعود بن عمرو الثقفي، ولد عام الهجرة، وليست له صحبة ولا رواية، كان خارجيًّا، ثم صار يدعي الانتصار للحسين ثم ادعى النبوة، قتل سنة ٦٧ هـ. ينظر: فوات الوفيات ٤/ ١٢٣.","vol":"1","page":502},{"text":"حتى قيل لابن عمر وابن عباس - ﵄ - قيل لأحدهما: إنه يقول إنه يوحى إليه فقال: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ﴾ وقيل للآخر: إنه يقول إنه ينزل عليه فقال: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ﴾ (^١)،\nفهؤلاء يحتاجون إلى الفرقان الإيماني القرآني النبوي الشرعي أعظم من حاجة غيرهم، وهؤلاء لهم حسيَّات يرونها ويسمعونها، والحسيَّات يضطر إليها الإنسان بغير اختياره كما قد يرى الإنسان أشياء ويسمع أشياء بغير اختياره، كما أنَّ النُّظّار لهم قياس ومعقول وأهل السَّمع لهم أخبار منقولات وهذه الأنواع الثلاثة هي طرق العلم: الحس والخبر والنظر وكل إنسان يستدل من هذه الثلاثة في بعض الأمور؛ لكن يكون بعض الأنواع أغلب على بعض الناس في الدين وغير الدين\" (^٢).\nوالمتقرر في عقيدة أهل السُّنَّة والجماعة أنَّ الوحي انقطع بموت النبي محمد - ﷺ - (^٣).\nقال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ (^٤).\nقال ابن تيمية - ﵀ -: \" ... هذه الآية تعمُّ من أوحى الله إليه من البشر فكلام الله الذي كلَّم به موسى من وراء حجاب والوحي ما يوحي الله إلى النَّبي من أنبيائه ﵈؛ ليثبت الله - ﷿ - ما أراد من وحيه في قلب النَّبي ويكتبه وهو كلام الله ووحيه ومنه ما يكون بين الله وبين رسله ومنه ما يتكلَّم به الأنبياء ولا يكتبونه لأحد ولا يأمرون بكتابته ولكنهم يحدثون به الناس حديثًا ويبينونه لهم؛ لأنَّ الله\n_________\n(^١) سورة الشعراء: ٢٢١ ..\n(^٢) مجموع الفتاوى ١٣/ ٧٤.\n(^٣) ينظر: إرشاد الساري ١٠/ ١٢٨.\n(^٤) سورة الشورى: ٥١.","vol":"1","page":503},{"text":"أمرهم أن يبيِّنوه للنَّاس ويبلغوهم إياه، ومن الوحي ما يرسل الله به من يشاء ممَّن اصطفاه من ملائكته فيكلِّمون به أنبياءه من النَّاس، ومن الوحي ما يرسل الله به من يشاء من الملائكة فيوحيه وحيًا في قلب من يشاء من رسله ... قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ (^١)، وقال تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ (^٢)، بل قد قال تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ﴾ (^٣).\nوقال تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ فهذا الوحي يكون لغير الأنبياء ويكون يقظةً ومنامًا، وقد يكون بصوت هاتف أو يكون الصَّوت في نفس الإنسان ليس خارجًا عن نفسه يقظةً ومنامًا كما قد يكون النُّور الذي يراه أيضًا في نفسه، فهذه (الدرجة) من الوحي التي تكون في نفسه من غير أن يسمع صوت ملك في أدنى المراتب وآخرها وهي أولها باعتبار السالك وهي التي أدركتها عقول الإلهيين من فلاسفة (^٤)\nالإسلام الذين فيهم إسلام وصبوء فآمنوا ببعض صفات الأنبياء والرُّسل\n_________\n(^١) سورة المائدة: ١١١.\n(^٢) سورة القصص: ٧.\n(^٣) سورة النحل: ٦٨.\n(^٤) الفلسفة باليونانية: مَحبَّة الحكمة، (والفيلسوف): مكونة من كلمتين (فيلا وسوفا) فيلا: هو المحب، وسوفا: هي الحكمة، أي محب الحكمة، وهم ينقسمون إلى ثلاثة أقسام: الدهريون: الذين جحدوا الصانع، وزعموا أنَّ العالم قديم موجود بنفسه، والقسم الثاني: الطبيعيون، وهم يعترفون بوجود خالق حكيم مطلع على غايات الأمور، لكنهم يزعمون أنَّ النفس تموت فلا تعود، وجحدوا الآخرة، وأنكروا الجنة والقيامة والحساب، والقسم الثالث: الإلهيون، وهم المتأخرون منهم، مثل سقراط، وهو أستاذ أفلاطون، وهو الذي رتَّب المنطق وهذَّب العلوم، وهؤلاء وقع منهم كفر وضلال. ينظر: الملل والنحل ٢/ ٣٦٩، والمنقذ من الضلال ص ١٦، ٢٧ ..","vol":"1","page":504},{"text":"-وهو قدر مشترك بينهم وبين غيرهم- ولكن كفروا بالبعض، فتجد بعض هؤلاء يزعم أنَّ النُّبوة مكتسبة أو أنه قد استغنى عن الرَّسول أو أن غير الرَّسول قد يكون أفضل منه، وقد يزعمون أن كلام الله لموسى كان من هذا النمط وأنه إنما كلَّمه من سماء عقله وأنَّ الصوت الذي سمعه كان في نفسه أو أنه سمع المعنى فائضا من العقل الفعَّال أو أن أحدهم قد يصل إلى مقام موسى، ومنهم من يزعم أنه يرتفع فوق موسى ويقولون: إن موسى سمع الكلام بواسطة ما في نفسه من الأصوات ونحن نسمعه مجردًا عن ذلك، ومن هؤلاء من يزعم أنَّ جبريل الذي نزل على محمَّد - ﷺ - هو الخيال النوراني الذي يتمثَّل في نفسه كما يتمثَّل في نفس النائم ويزعمون أنَّ القرآن أخذه محمَّدٌ عن هذا الخيال المسمى بجبريل عندهم؛ ولهذا قال ابن عربي صاحب (الفصوص) و(الفتوحات المكيَّة): إنه يأخذ من المعدن الذي يأخذ منه الملك الذي يوحي به إلى الرَّسول، وزعم أن مقام (النبوة) دون الولاية وفوق (الرسالة)، فإنَّ محمَّدًا -بزعمهم الكاذب- يأخذ عن هذا الخيال النفساني -الذي سمَّاه ملكًا- وهو يأخذ عن العقل المجرَّد الذي أخذ منه هذا الخيال.\nثم هؤلاء لا يثبتون لله كلامًا اتصف به في الحقيقة ولا يثبتون أنه قصد إفهام أحد بعينه؛ بل قد يقولون لا يُعلِم أحدًا بعينه؛ إذ علمه وقصده عندهم إذا أثبتوه لم يثبتوه إلا كُليًّا لا يعين أحدًا بناءً على أنه يعلم الكليات ولا يعلم الجزئيات إلا على وجه كلي.\nوقد يقرب أو يقرب من مذهبهم من قال باسترسال علمه على أعيان الأعراض وهذا الكلام -مع أنه كفرٌ باتفاق المسلمين- فقد وقع في كثير منه من له فضلٌ في الكلام والتصوف ونحو ذلك، ولولا أني أكره التعيين في هذا الجواب لعيَّنت أكابر من","vol":"1","page":505},{"text":"المتأخِّرين، وقد يكون الصوت الذي يسمعه خارجًا عن نفسه من جهة الحق تعالى على لسان ملك من ملائكته، أو غير ملك وهو الذي أدركته الجهمية من المعتزلة ونحوهم واعتقدوا أنه ليس لله تكليم إلا ذلك وهو لا يخرج عن قسم الوحي الذي هو أحد أقسام التكليم أو قسيم التكليم بالرسول.\nوهو (القسم الثاني) حيث قال تعالى: ﴿أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ (^١)، فهذا إيحاء الرَّسول، وهو غير الوحي الأول من الله الذي هو أحد أقسام التكليم العام، وإيحاء الرَّسول أيضًا (أنواع) ففي الصحيحين عن عائشة - ﵂ - أنَّ الحارث بن هشام سأل النبي - ﷺ -: كيف يأتيك الوحي؟ قال: «أحيانًا يأتيني مثل صلصلة الجرس وهو أشدُّه عليَّ فيفصم عني وقد وعيت ما قال، وأحيانًا يتمثَّل لي الملك رجلًا فيكلِّمني فأعي ما يقول»، قالت عائشة - ﵂ -: ولقد رأيتُه نزل عليه في اليوم الشَّديد البرد فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصَّد عرقًا (^٢).\nفأخبر - ﷺ - أنَّ نزول الملك عليه تارةً يكون في الباطن بصوتٍ مثل صلصلة الجرس، وتارةً يكون متمثِّلًا بصورة رجلٍ يكلِّمه ... وقد سَمَّى الله كلا النوعين -إلقاء الملك وخطابه- وحيًا؛ لما في ذلك من الخفاء؛ فإنه إذا رآه يحتاج أن يعلم أنه ملك وإذا جاء في مثل صلصلة الجرس يحتاج إلى فهم ما في الصوت.\nو(القسم الثالث) التكليم من وراء حجاب كما كلَّم موسى - ﵇ - ولهذا سمى الله هذا (نداءً) و(نجاءً) فقال تعالى: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ (^٣)، قال\n_________\n(^١) سورة الشورى: ٥١.\n(^٢) أخرجه البخاري، كتاب بدء الوحي، باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله - ﷺ -، ١/ ١٣، رقم ٢.\n(^٣) سورة مريم: ٥٢.","vol":"1","page":506},{"text":"تعالى: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَامُوسَى إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى﴾ (^١)، وهذا التكليم مختصٌّ ببعض الرُّسل كما قال تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ (^٢)، وقال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ (^٣)، وقال بعد ذكر إيحائه إلى الأنبياء: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ (^٤)\nفمن جعل هذا من جنس الوحي الأول -كما يقول ذلك من يقوله من المتفلسفة ومن تكلَّم في التصوف على طريقهم- فضلاله ومخالفته للكتاب والسُّنَّة والإجماع بل وصريح المعقول من أبين الأمور، وكذلك من زعم أنَّ تكليم الله لموسى إنما هو من جنس الإلهام والوحي، وأنَّ الواحد منَّا قد يسمع كلام الله كما سمعه موسى - كما يوجد مثل ذلك في كلام طائفة من فروخ الجهمية الكلابية (^٥) ونحوهم- فهذا أيضًا من أعظم الناس ضلالًا\" (^٦)، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ (^٧).\n_________\n(^١) سورة طه: ١١.\n(^٢) سورة البقرة: ٢٥٣.\n(^٣) سورة الأعراف: ١٤٢.\n(^٤) سورة النساء: ١٦٤ ..\n(^٥) الكُلَّابية: طائفة كلامية تُنسب إلى عبد الله بن سعيد القطان، المشهور بابن كُلَّاب، حاول الرد على المعتزلة بالعقل، وله مقولات فاسدة منها: القول بنفي الحرف والصوت عن كلام الله تعالى وقال بأنه كلامٌ نفسي، وأنَّ القرآن ليس كلام الله على الحقيقة بل هو حكاية عن كلام الله، ونفى الصفات الاختيارية؛ نتيجة القول بنفي حلول الحوادث في ذات الله تعالى، وابتدعوا البحث عن كيفية الصفة فأفضى بهم إلى التشبيه، قال عنهم ابن تيمية: \" كان الناس قبل أبي محمد بن كُلَّاب صنفين، فأهل السُّنَّة والجماعة يثبتون ما يقوم بالله تعالى من الصفات والأفعال التي يشاؤها ويقدر عليها، والجهمية من المعتزلة وغيرهم تنكر هذا وهذا، فأثبت ابن كُلَّاب قيام الصفات اللازمة به، ونفى أن يقوم به ما يتعلَّق بمشيئته وقدرته من الأفعال وغيرها ... \" توفي سنة ٢٤٠ هـ، ينظر: الفِصَل ٥/ ٧٧، والرد على من أنكر الحرف والصوت، ص ٨٠، ٨٣، ١٠٦، ٢٢٢، ودرء تعارض العقل والنقل ١/ ٣٦٧.\n(^٦) الرسائل والمسائل ٣/ ٩٦.\n(^٧) سورة الأنعام: ٢١.","vol":"1","page":507},{"text":"وقال القاضي عياض - ﵀ -: \"من ادَّعى أنه يوحى إليه وإن لم يدع النبوة، وأنه يصعد إلى السَّماء ويدخل الجنَّة ويأكل من ثمارها، ويعانق الحور العين، فهؤلاء كلُّهم كفَّار مكذِّبون للنَّبي - ﷺ -؛ لأنه أخبر النبي - ﷺ - أنه خاتم النَّبيين\" (^١).\n_________\n(^١) كتاب الشفاء ٢/ ٢٣٨.","vol":"1","page":508},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-136>المبحث الثالث:\nعقيدته في الرسول محمد - ﷺ </span>-\n<span data-type=\"title\" id=toc-137>أولًا: رأيه فيما يسمَّى بالحقيقة المحمَّدية</span>\nتعد الحقيقة المحمَّدية عند المتصوفة هي العماد الذي قام عليه الكون، وهي أول ما خلق الله - ﷿ -، وذكر ابن عجيبة بعضًا من مسمياتها: منها العقل الأكبر (^١) فهو: أول نور أظهره الله للوجود، ويقال له: الروح الأعظم، ويسمى أيضًا القبضة المحمَّدية (^٢) (^٣).\nويعبَّر عنها ابن عجيبة في داليته بقوله:\nوصَلِّ إلهَ العرشِ في كلِّ لمحةٍ ... على عنصر الوجود سر محمَّد\nتقدَّم كلَّ الكونِ نورُ بهائِهِ ... فكان إلى الرحمنِ أولَّ عابد\nقد انشقت الأسرارُ من سرِّ سرِّهِ ... فأبدى لنا سرَّ الإلهِ الممجَّد\nومن نوره الأسنى قد انفلقت لنا ... معاني صفات الذَّاتِ من نورِ أحمد\nتلاشت فهومُ الخلقِ في بحرِ سرِّهِ ... فلا سابقٌ يَدري حقيقةَ أحمد\nولا لاحقٌ كلٌّ تضاءلَ فهمُهُ ... وكيف ينالُ الشَّمسَ من هو عن بُعْدِ (^٤)\nوكان متأثرًا بعبد السلام بن مشيش الذي اعتقد بأنَّ محمَّدًا أصل الوجود في\n_________\n(^١) العقل الأكبر: سماه الجرجاني بالعقل الأول، الذي هو أول عين ظهرت بنور الله - ﷿ -، وقال: العقل الأول هو سبب وجود المخلوقات كلها، وقصد به النبي - ﷺ -، ويتضح أنه ليس هناك فرق بين ما سماه ابن عجيبة بالعقل الأكبر، والله أعلم، ينظر: التعريفات، للجرجاني، ص ٣٨.\n(^٢) ينظر: التصوف الإسلامي في الدين والخلق ١/ ٢٣٠.\n(^٣) معراج التشوف إلى حقائق التصوف، ص ٥٤.\n(^٤) الفهرسة، ص ١٠٧.","vol":"1","page":509},{"text":"تصليته فلقد فسر (انشقاق الأسرار وانفلاق الأنوار الواردين) في التصلية بقوله: \"ويحتمل أنه يريد (أي ابن مشيش) بقوله: منه انشقت الأسرار، أي أسرار الجبروت، ومنه انفلقت الأنوار، أي أنوار الملكوت، أو تقول: منه انشقَّت الأسرار، أي أسرار الحقيقة، وانفلقت الأنوار أي أنوار الإيمان والإسلام، أو تقول: منه انشقَّت الأسرار: أسرار عالم الغيب، وانفلقت الأنوار أنوار عالم الشَّهادة، أو تقول: منه انشقَّت الأسرار: أسرار القدرة، وانفلقت الأنوار: أنوار الحكمة\" (^١).\nويقصد ابن عجيبة بأسرار الجبروت: البحر المحيط الذي تدفَّق عنه الحسُّ والمعنى، والحاصل أنَّ القبضة التي ظهرت أوَّلًا من فضاء العماء (^٢) حسها الظاهر ملك، ومعناها الباطن ملكوت، والبحر واللطيف المحيط الذي تدفَّقت منه جبروت، فأسرار المعاني رياض العارفين؛ لأنها محلُّ نزهة أرواحهم، ولا شكَّ أنَّ المعاني لطيفة، لا تظهر بهجتها إلا في الحسِّ الذي هو الملك، والحس من حيث هو مضافٌ إلى نبيِّنا - ﷺ -؛ لأنَّه ما ظهر إلا له، وما انشقَّت أسرار الذات إلا من نوره\" (^٣).\nوإنَّك لتجد أنَّ بعض شعراء المغاربة ممَّن تأثَّر بالصُّوفية يرون رأي ابن عجيبة: أنَّ النوُّر المحمَّدي أصلُ الخلق لكلِّ شيء، وهذا ما عبَّر عنه حمدون الحاج (^٤)، المتوفى\n_________\n(^١) شرح صلاة القطب بن مشيش، ص ١٦ - ١٧.\n(^٢) فضاء العماء: أي ليس معه شيء. ينظر: غريب الحديث ٢/ ٢٨.\n(^٣) معراج التشوف، ص ٦٢.\n(^٤) هو: أبو الفيض، حمدون بن عبد الرحمن بن حمدون بن عبد الرحمن الشهير بابن الحاج، السُّلمي أصلًا وحسبًا، والمرداسي نسبًا، الفاسي دارًا ومنشأً، ولد سنة ١١٧٤ هـ بفاس، ومن شيوخه: أبو عبد الله محمد بن الحسن البناني، أبو محمد عبد الكريم بن علي اليازغي الفاسي، أبو عبد الله محمد التاودي ابن سودة، له مؤلفات منها: مراقي الصعود على تفسير أبي السعود، وعقود الفاتحة وهي منظومة ميمية في السيرة النبوية على نهج البردة تضمَّنت أربعة آلاف بيت، وكانت وفاته ١٢٣٢ هـ. ينظر: إتحاف المطالع بوفيات القرن الثالث عشر والرابع عشر ١/ ١٢٠، سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس ٣/ ٥، ٧.","vol":"1","page":510},{"text":"سنة ١٢٣٢ هـ، الذي قال:\nزينُ البريةِ بذرةُ الخليقة ... زهرةُ الحقيقةِ أزكاها وأذكاها\nأصلُ الوجودِ وبهجةُ الصدور ... إنسانُ العيون ومبناها ومعناها\nنورُ السَّماواتِ ونورُ الأرضِ كوكبُها ... مصباحُ مشكاتها سراجُ مجلاها\nلولاه لم تَبْدُ أزهارُ السِّماءِ ومَا ... جرى بها ابنُ غزالة ليرعاها\nلولاه ما نسجت أرضٌ قطائفَ من ... نورٍ ولم تَرَ ماءَها ومرعاها\nلولاه لا عرشٌ لا كرسي لا قلمٌ ... لا لوح لا فرش لا جبال أرساها (^١)\n\nويرى ابن عجيبة أنَّ معرفة الحقيقة المحمَّدية، ليست لكلِّ أحد، بل هي لمن سلك طريق القوم، فقال: \"فلم يدركه منَّا سابقٌ ولا لاحق، بل كَلَّت فهومهم، وتقاصرت علومُهم عن الإحاطة المحمَّدية\" (^٢).\nولذلك جعل نورَ محمَّدٍ متوسط الكون، ولولا توسط النور لكان الوجود متجهِّمًا، يطبعه الجفاء.\nويرى أيضًا أنَّ محمَّدًا - ﷺ - هو الأساس الذي قام عليه ولأجله الوجود، يتضح ذلك في صلاته على النبي - ﷺ - قال: \"الصَّلاة والسَّلام على من امتدَّت من سرِّ ناسوتهِ (^٣) الأكوان، وأشرقت من نور لاهوته (^٤) حقائق العرفان\" (^٥).\nوقال: \"والصَّلاة والسَّلام على قطب دائرة الأكوان وسيد الأسياد، الذي من\n_________\n(^١) النوافح الغالية في الأمداح السليمانية، ص ٨٧.\n(^٢) شرح صلاة ابن مشيش، ص ٢١.\n(^٣) سرِّ ناسوته: عبارة عن حس الأواني، ينظر: معراج التشوف، ص ٩٠.\n(^٤) نور لاهوته: عبارة عن أسرار المعاني، ومرجع الأول للمُلك، والثاني للملكوت، مرجع سابق، ص ٩٠.\n(^٥) شرح خمرية ابن الفارض، ص ١٣.","vol":"1","page":511},{"text":"نور فيضه الأول ظهرت نعمة الإيجاد والإمداد، سيدنا ومولانا محمد المبعوث بالعزِّ الدائم والشَّرف الفاخر رحمة للعباد \" (^١).\nويقول أيضًا: \"نوره - ﷺ - هو بذرةُ الوجود، والسَّببُ في كلِّ موجود ... من أجله لاحت وظهرت أسرار الذات العالية، وقد كانت قبل ظهور نوره محجوبة باطنية، تجلَّى فيها الحقُّ تعالى باسمه الباطن، فلما أراد أن يتجلَّى باسمه الظاهر، أظهر قبضة من نوره، فقال: كوني محمَّدًا، فمن تلك القبضة المحمَّدية تكونت الأكوان من العرش إلى الفرش، فما ظهرت أسرار الذات إلا من تلك القبضة النورانية فظاهرها ذات، وباطنها صفات\" (^٢).\nوهذا الرأي مخالفٌ لما نصَّت عليه النصوص الصريحة التي بيَّنت بداية الخلق، وأول مخلوق خلقه الله - ﷿ - هو العرش كما ثبت ذلك في الحديث، قال رسول الله - ﷺ -: «كان الله ولم يكن شيءٌ قبله، وكان عرشه على الماء، ثم خلق السموات والأرض وكتب في الذكر كل شيء» (^٣).\nوتأثَّر ابن عجيبة بكتاب دلائل الخيرات (^٤)، الذي قال عنه: \"فبقيت في الصَّلاة على رسول الله مدة حتى حفظتُ دلائل الخيرات\" (^٥).\nوحفظه له واهتمامه به يدلُّ على أنه يقر بكلِّ ما فيه من مخالفات في طريقة\n_________\n(^١) شرح نونية الششتري، ص ٤٥.\n(^٢) شرح صلاة القطب ابن مشيش، ص ١٥ - ١٦. وينظر: صلاة ابن العربي الحاتمي، ص ٤٥.\n(^٣) أخرجه البخاري، كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ ١/ ٣٦٩٨، رقم ٧٤١٨.\n(^٤) ألَّفه محمد بن سليمان بن داود الجزولي السملالي الشاذلي، من أهل سوس المراكشية، تفقَّه بفاس، وحفظ المدوَّنة في فقه مالك، مات سنة ٨٧٠ هـ، ينظر: المطرب بمشاهير أولياء المغرب، ص ١٤٣.\n(^٥) الفهرسة، ص ٤٣.","vol":"1","page":512},{"text":"الصَّلاة على النبي - ﷺ - ومن هذه الصلوات \"اللهم صلِّ على سيدنا محمد بحر أنوارك ... إنسان عين الوجود، والسَّبب في كلِّ موجود، عين أعيان خلقك، المتقدِّم من نور ضيائك\" (^١).\nوما أسماه ابن عجيبة وغيره بالحقيقة المحمَّدية لاشك أنَّ له ارتباطًا كبيرًا جدًّا بوحدة الوجود (^٢).\nقال علي اليشرطي (^٣): \"قبض الله قبضة من نوره هي الحقيقة المحمَّدية، وظهرت بالصورة المكرَّمة، وجعل منها ما كان وما يكون\" (^٤).\nوهذا من الغلو الذي يجعل النَّبي له التصرُّف في الكون، قال ابن تيمية - ﵀ -: \"حدَّثني الثقة من أعيانهم أنهم يقولون: إنَّ محمَّدًا هو الله\" (^٥).\nوهذه الاعتقادات السَّابقة الذكر ترتَّب عليها مفاسد عظيمة:\nأولها: إنَّ إثبات هذا المعنى الذي يزعمه نفيًا لبشرية الرسول - ﷺ - التي ورد النص عليها من الوحيين أنَّ النبي - ﷺ - خُلق من ذرية آدم - ﵇ - كما قال الله تعالى في كتابه: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ (^٦).\n_________\n(^١) دلائل الخيرات، ص ١٠٠.\n(^٢) سيأتي الحديث عنها في مبحث مستقل في الباب الثالث.\n(^٣) هو: نور الدين علي بن أحمد المغربي اليشرطي، ولد في مدينة بنزرت بتونس عام ١٢٠٨ هـ، ولقد لازم منذ صغره شيوخ التصوف، وبعد مضي اثنين وعشرين عامًا سلك الطريقة الشاذلية على يد شيخه محمد بن حمزة بن ظافر المدني، وأخذ ينشر الطريقة الشاذلية في بلاد الشام، فأصبح له مريدون قاموا بإنشاء الزوايا الشاذلية في بلاد الشام، توفي عام ١٣١٦ هـ ودفن بزاويته في عَكَّا. ينظر: الطريقة الشاذلية وأعلامها، ص ١٣٣.\n(^٤) مسيرتي في الحق، ص ٦٦ - ٦٧.\n(^٥) مجموع الفتاوى ١٤/ ٣٦٥.\n(^٦) سورة الكهف: ١١٠.","vol":"1","page":513},{"text":"قال ابن جرير في تفسيره لهذه الآية: \"قل لهؤلاء المشركين يا محمد: إنما أنا بشرٌ مثلكم من بني آدم، لا علمَ لي إلا ما علَّمني الله، وإنَّ الله يوحي إليَّ أنَّ معبودكم الذي يجب عليكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا: معبودٌ واحد، لا ثانيَ له، ولا شريكَ له\" (^١).\nوكونه - ﷺ - بشرًا، فإنه يصيبه ما يصيب البشر من أعراض، ولهذا قال الله تعالى رادًّا على المشركين: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ﴾ (^٢)، ولقد ذكر الله - ﷿ - في كتابه العزيز الأصل الذي خُلق منه البشر قال تعالى: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ﴾ (^٣).\nقال الشيخ السعدي - ﵀ -: \"وهذا من نعمه تعالى على عباده، حيث أراهم من آثار قدرته وبديع صنعته، أنْ خَلَقَ أبا الإنس وهو آدم - ﵇ - ﴿مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ﴾ أي: من طينٍ مبلول، قد أحكم بله وأتقن، حتى جفّ، فصار له صلصلة وصوت يشبه صوت الفخَّار الذي طبخ على النار.\n﴿وَخَلَقَ الْجَانَّ﴾ أي: أبا الجن، وهو إبليس اللَّعين ﴿مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ﴾ أي: من لهب النَّار الصافي، أو الذي قد خالطه الدخان، وهذا يدلُّ على شرف عنصر الآدمي المخلوق من الطين والتراب، الذي هو محل الرزانة والثقل والمنافع، بخلاف عنصر الجان وهو النار، التي هي محلُّ الخفَّة والطيش والشَّر والفساد\" (^٤)، وقال تعالى: ﴿قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ (^٥).\n_________\n(^١) جامع البيان في تأويل القرآن ١٨/ ١٣٥.\n(^٢) سورة الفرقان: ٢٠.\n(^٣) سورة الرحمن: ١٤.\n(^٤) تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان ١/ ٨٢٩.\n(^٥) سورة الإسراء: ٩٣.","vol":"1","page":514},{"text":"يقول ابن جرير في تفسيره: \"يقول: هل أنا إلا عبدٌ من عبيده من بني آدم، فكيف أقدر أن أفعل ما سألتموني من هذه الأمور، وإنما يقدر عليها خالقي وخالقكم، وإنما أنا رسولٌ أبلِّغكم ما أُرسلتُ به إليكم، والذي سألتموني أن أفعله بيد الله الذي أنا وأنتم عبيدٌ له، لا يقدر على ذلك غيره\" (^١).\nوأتت النصوص الصريحة مبيِّنة أنَّ أول مخلوق خلقه الله - ﷿ - هو العرش (^٢) كما ثبت ذلك في الحديث، قال رسول الله - ﷺ -: «كان الله ولم يكن شيء قبله، وكان عرشه على الماء، ثم خلق السموات والأرض وكتب في الذكر كل شيء» (^٣).\nوقد يقول قائلٌ: أتنكرون أنَّ النبي - ﷺ - نور، وتعارضون نصوص القرآن؟، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ (^٤).\nوقوله تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾ (^٥).\nفيجاب عليه بأنَّ بعض المفسِّرين ذكر أنَّ المراد بالنور: هو وصفٌ للقرآن (^٦)، وبعضهم قال: \"يقول جلَّ شأنُه لهؤلاء الذين خاطبهم من أهل الكتاب: قد جاءكم يا أهل التوراة والإنجيل من الله نورٌ يعني بالنُّور محمَّدًا، الذي أنار الله به الحق، وأظهر به الإسلام، ومحق به الشِّرك\" (^٧).\n_________\n(^١) جامع البيان في تأويل القرآن ١٧/ ٥٥٤.\n(^٢) اختلف العلماء هل القلم أول المخلوقات أو العرش، والراجح أنَّ العرش أول المخلوقات، وقال ابن حجر: \"إنَّ أولية القلم بالنسبة إلى ماعدا الماء والعرش، أو بالنسبة إلى ما منه صدر من الكتابة، أي قيل اكتب أول ما خلق\" ينظر: بغية المرتاد، ص ٢٧٦، والصفدية ٢/ ٧٩، وفتح الباري ٦/ ٢٨٩.\n(^٣) أخرجه البخاري، كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ ١/ ٣٦٩٨، رقم ٧٤١٨.\n(^٤) سورة الأحزاب: ٤٥.\n(^٥) سورة المائدة: ١٥.\n(^٦) ينظر: تفسير ابن كثير ٢/ ٣٥، وتفسير السعدي ٢/ ١٢٦.\n(^٧) جامع البيان في تأويل القرآن ٤/ ١٠٤.","vol":"1","page":515},{"text":"فلا حجَّةَ لكم بهذه الآية بل استدلال لا صلة له بقولكم.\nوقال الشاطبي - ﵀ -: \"ومدار الغلط في هذا الفصل إنما هو على حرف واحد، وهو الجهل بمقاصد الشرع، وعدم ضمِّ أطرافه بعضها لبعض، فإنَّ مأخذ الأدلة عند الأئمة الراسخين إنما هو على أن تؤخذ الشريعة كالصورة الواحدة بحسب ما ثبت من كلياتها وجزئياتها المرتبة عليها وعامها المرتَّب على خاصَّها ومطلقها المحمول على مقيَّدها ومجملها المفسَّر ببيِّنها إلى ما سوى ذلك من مناحيها ... فشأن الراسخين تصوّر الشريعة صورة واحدة يخدم بعضها بعضًا كأعضاء الإنسان إذا صُوِّرت صورة مثمرة وشأن متبعي المتشابهات أخذ دليلٍ ما أي دليل كان عفوًا وأخذًا أوليًّا وإن كان ثم ما يعارضه من كُلِّىٍّ أو جزئيٍّ فكأن العضو الواحد لا يعطي في مفهوم أحكام الشريعة حكمًا حقيقيًّا فمتبعه متبع متشابه ولا يتبعه إلا من في قلبه زيغ ما شهد الله به، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ (^١)، (^٢).\n\"ووصف النَّبي بأنَّه نورٌ من نور الله إن أُريد به أنَّه نورٌ ذاتيٌّ من نور الله فهو مخالفٌ للقرآن الدال على بشريته، وإن أُريد بأنه نورٌ باعتبار ما جاء به من الوحي الذي صار سببًا لهداية من شاء من الخلق فهذا صحيح، ولا شكَّ أنَّ نور الرسالة والهداية من الله - ﷿ - قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (^٣).\n_________\n(^١) سورة النساء: ١٢٢.\n(^٢) الاعتصام ١/ ٢٤٤.\n(^٣) سورة الشورى: ٥١ - ٥٣.","vol":"1","page":516},{"text":"وليس هذا النور مكتسبًا من خاتم الأولياء كما يزعمه بعض الملاحدة، أمَّا جسمه - ﷺ - فهو دمٌ ولحمٌ وعظم ... خُلِقِ من أبٍ وأُمٍّ ولم يسبق له خلقٌ قبل ولادته\" (^١).\n\"وليس بدنه نورًا، وليس هو نور الله الذي هو وصفه، وأما قوله تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾ (^٢) فالمراد بالنُّور في ذلك ما بعثه الله به من الوحي، من عطف الخاصِّ على العام، ولم يثبت في القرآن ولا في السُّنَّة الصحيحة أنه نور عرش الله، فمن زعم ذلك فهو كاذب؛ لأن ذلك يتنافى مع كمال الله - ﷿ - \" (^٣).\nوقال ابن تيمية - ﵀ -: \"وكذلك ما ذُكر من «أنَّ الله قبض من نور وجهه قبضة ونظر إليها فعرقت ودلقت، فخلق من كلِّ قطرةٍ نبيًّا، وأنَّ القبضة كانت هي النَّبيُّ - ﷺ -، وأنَّه بقي كوكبٌ دري» فهذا أيضًا كذبٌ باتفاق أهل المعرفة بحديثه\" (^٤).\nوقال أيضًا: \"والنَّبي - ﷺ - خُلق مما يُخلق منه البشر، ولم يُخلق أحدٌ من البشر من نور، بل قد ثبت في الصحيح عن النبي - ﷺ - أنه قال: «إنَّ الله - ﷿ - خلق الملائكة من نور؛ وخلق إبليس من مارج من نار؛ وخلق آدم مما وصف لكم» (^٥)، وليس تفضيل بعض المخلوقات على بعض باعتبار ما خُلقت منه فقط، بل قد يخلق المؤمن من كافر؛ والكافر من مؤمن، كابن نوح منه وكإبراهيم من آزر، وآدم خلقه الله من طين: فلمَّا\n_________\n(^١) فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء ١/ ١٢٥.\n(^٢) سورة المائدة: ١٥.\n(^٣) فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء ١/ ٤٦٣، و٤٦٧.\n(^٤) مجموع الفتاوى ١٨/ ٣٦٦.\n(^٥) أخرجه مسلم، كتاب الزهد والرقائق، باب في أحاديث متفرقة، ٤/ ٢٢٩٤، رقم ٢٩٩٦.","vol":"1","page":517},{"text":"سوَّاه ونفخ فيه من روحه وأسجد له الملائكة، وفضَّله عليهم بتعليمه أسماء كلِّ شيءٍ وبأن خلقه بيديه؛ وبغير ذلك، فهو وصالحو ذريته أفضل من الملائكة؛ وإن كان هؤلاء مخلوقين من طين، وهؤلاء من نور\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-138>ثانيًا: رأْيُ ابن عجيبة أنَّ الكون خُلِقَ من أجل محمَّد - ﷺ </span>-\nيرى ابن عجيبة أنَّ جميع ما في الكون خُلِقَ من أجل النِّبي محمَّدٍ - ﷺ -، ويَسْتَدلُّ كغيره من الصوفية بشبهاتٍ أتوا بها من عند أنفسهم، وهي:\n١ - حديث: \"لولاك ما خُلِقَت الكونُ، أو ما خُلِقَتِ الأفلاك\" (^٢).\nوقال في شرحه لبيتٍ من أبيات البُردة:\nوكيف تدعو إلى الدنيا ضرورةَ مَن ... لولاه لم تَخرج الدُّنيا من العَدَم\n\"وكيف تدعو إلى طلب الدنيا والميل إليها ضرورة مخلوق عظيم لولاه لم تخرج هي من العدم، من كان سببًا في خلق الدنيا كيف يحتاج إليها وإنما خلقت من أجله\" (^٣)، وشرحه لهذا البيت مستنبطٌ من الحديث الموضوع: «لولاك ما خلقت الدنيا» (^٤).\n٢ - حديث: «لما اقترف آدم الخطيئة قال: يا رب أسألك بحقِّ محمَّدٍ لما غفرتَ\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ١١/ ٩٤.\n(^٢) البحر المديد ٥/ ٩، وينظر: فضائل نور سيد المرسلين وذكر أطواره في العالمين، ص ٢٧٢، تقييدان في وحدة الوجود، ص ٨.\n(^٣) شرح البردة، ص ٩٠.\n(^٤) ذكره ابن الجوزي في الموضوعات وقال عنه: هذا حديثٌ موضوعٌ لا شكَّ فيه، وفى إسناده مجهولون وضعفاء، والضعفاء أبو السكين وإبراهيم من اليسع، وقال الدارقطني: أبو السكين ضعيف، وإبراهيم ويحيى البصري متروكان، وقال أحمد بن حنبل: حرقنا حديث يحيى البصري، وقال الفلاس: كان كذَّابًا يحدث أحاديث موضوعة. وقال الدارقطني: متروك. ينظر: الموضوعات ١/ ٢٩٨.","vol":"1","page":518},{"text":"لي؟ قال: وكيف عرفتَ محمَّدًا؟ قال: لأنك لما خلقتني بيدك ونفخت فيَّ من روحك رفعتُ رأسي فرأيتُ على قوائم العرش مكتوبًا (لا إله إلا الله محمد رسول الله) فعلمتُ أنَّك لم تضف إلى اسمك إلا أحبَّ الخلق إليك، قال: صدقتَ يا آدم ولولا محمَّدٌ ما خلقتُك» (^١).\nوهذا باطلٌ، فالمقرَّر في نصوص الشريعة أنَّ الله - ﷿ - لم يخلق آدمَ ولا غيره من أجل أحد، بل خلق الكلَّ لعبادته، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (^٢).\nقال الشيخ السعدي - ﵀ -: \"هذه الغاية، التي خلق الله الجنَّ والإنس لها، وبعث جميع الرُّسل يدعون إليها، وهي عبادته، المتضمِّنة لمعرفته ومحبَّته، والإنابة إليه، والإقبال عليه، والإعراض عمَّا سواه، وذلك يتضمَّن معرفة الله تعالى، فإنَّ تمام العبادة متوقِّفٌ على المعرفة بالله، بل كُلَّما ازداد العبدُ معرفةً لربه كانت عبادته أكمل، فهذا الذي خَلَق اللهُ المكلفين لأجله، فما خلقهم لحاجةٍ منه إليهم\" (^٣).\nأمَّا الحديث الذي ذكره الحاكم فقال عنه ابنُ تيمية - ﵀ -: \" ... وأمَّا تصحيح الحاكم لهذا الحديث وأمثاله فهذا مما أنكره عليه أئمَّة العلم بالحديث، وقالوا: إنَّ الحاكم يُصحِّح أحاديث وهي موضوعة مكذوبة عند أهل المعرفة بالحديث ...؛ ولهذا كان أهل العلم بالحديث لا يعتمدون على مجرَّد تصحيح الحاكم، وإن كان غالب ما يصححه فهو صحيح، لكن هو في المصححين بمنزلة الثقة الذي يكثر\n_________\n(^١) أخرجه الحاكم في مستدركه على الصحيحين ٢/ ٦١٥، والطبراني في معجمه الصغير ٢/ ٨٢، والبيهقي في دلائل النبوة ٥/ ٤٨٩، وضعَّفه الألباني في السلسلة الضعيفة ١/ ٤٥٠.\n(^٢) سورة الذاريات: ٥٦.\n(^٣) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان ١/ ٣١٨.","vol":"1","page":519},{"text":"غلطه، وإنَّ الصواب أغلب عليه وليس فيمن يصحح الحديث أضعف من تصحيحه ... ومثل هذا لا يجوز أن تُبنى عليه الشريعة، ولا يُحتج به في الدين باتفاق المسلمين؛ فإنَّ هذا من جنس الإسرائيليات ونحوها، التي لا تُعلم صحَّتُها إلا بنقلٍ ثابتٍ عن النبي - ﷺ - ... ولا ينقل ذلك ولا ما يشبهه أحدٌ من ثقات علماء المسلمين الذي يعتمد على نقلهم\" (^١).\nوأمَّا حديث: \"لولاك لما خلقت الأفلاك\" فقال عنه: الشيخ الألباني: \"إنه حديثٌ موضوع\"، وتعقَّب قول القاري (^٢) فقال: \"وأمَّا قول الشيخ القاري: لكن معناه صحيح، فقد روى الديلمي (^٣) عن ابن عباس مرفوعًا: «أتاني جبريل فقال: يا محمَّد لولاك لما خُلقت الجنة، ولولاك ما خُلقت النار» وفي رواية ابن عساكر (^٤): «لولاك ما خلقت الدنيا» فأقول: الجزمُ بصحَّة معناه لا يَليقُ إلا بعد ثبوت ما نقله عن الديلمي، وهذا مما لم أرَ أحدًا تعرَّض لبيانه، وأنا وإن كنتُ لم أقف على سنده،\n_________\n(^١) التوسل والوسيلة، ص ٨٥، ٨٧، وينظر: لسان الميزان ٣/ ٣٥٩ - ٣٦٠.\n(^٢) هو: أحمد بن عبد الله القاري، ابن محمد بشير خان، قاض حجازي، من أصل هندي، ولد سنة ١٣٠٩ هـ وتعلم في المدرسة الصولتية بمكة، وعلَّم بها، وعين قاضيًا لمدينة جدة سنة ١٣٤٠ هـ وجعل من أعضاء مجلس الشورى سنة ١٣٤٩ هـ فرئيسًا للمحكمة الشرعية الكبرى، فأحد أعضاء رئاسة القضاء سنة ١٣٥٧ إلى أن توفي سنة ١٣٥٩ هـ، له: (مجلة الأحكام الشرعية -خ) على مذهب الإمام أحمد بن حنبل، في نحو ألف مادة، عاجله الأجل قبل طبعها. ينظر: الأعلام ١/ ١٦٣.\n(^٣) هو: شيرويه بن شهر دار بن شيرويه بن فناخسرو بفاء ونون وخاء معجمة وسين وراء مهملتين بعدهما واو، أبو شجاع الديلمي الهمذاني، ذكره ابن الصلاح فقال: كان محدثًا واسع الرحلة حسن الخَلق والخُلق، ذكيًّا صلبًا في السُّنَّة قليل الكلام، صنَّف تصانيف اشتهرت عنه منها: كتاب الفردوس، وكتاب في حكايات المنامات، وكتاب تاريخ همدان، ولد سنة ٤٤٥ هـ، وتوفي في رجب سنة ٥٠٩ هـ .. ينظر: طبقات الشافعية ١/ ٢٨٥.\n(^٤) هو: أبو القاسم، علي بن الحسين بن هبة الله المعروف بابن عساكر، له مصنَّفات عدة منها: تاريخ ابن عساكر، الإشراف على معرفة الأطراف، كشف المغطى في فضل الموطأ، وكانت وفاته سنة ٥٧١ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء ٢٠/ ٥٧٠.","vol":"1","page":520},{"text":"فإنِّي لا أتردَّد في ضعفه، وحسبنا في التدليل على ذلك تَفرُّد الديلمي به ...\n\" (^١).\nوسئل شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: وهل الحديث الذي يذكره بعض الناس: «لولاك ما خلق الله عرشًا ولا كرسيًّا ولا أرضًا ولا سماءً ولا شمسًا ولا قمرًا»؟، فأجابَ: محمَّدٌ سيِّد ولد آدم، وأفضل الخلق وأكرمهم عليه، ومن هنا قال من قال: إنَّ الله خلق من أجله العالم أو إنَّه لولا هو لما خلق عرشًا، ولا كرسيًّا، ولا سماءً، ولا أرضًا، ولا شمسًا، ولا قمرًا، لكن ليس هذا حديثًا عن النبي - ﷺ - لا صحيحًا ولا ضعيفًا، ولم ينقله أحدٌ من أهل العلم بالحديث عن النبي - ﷺ -، بل ولا يُعرف عن الصَّحابة - ﵃ -، بل هو كلامٌ لا يُدْرى قائله\" (^٢).\nويقول أيضًا: \"هذا الحديث لم ينقله أحدٌ عن النَّبي - ﷺ - لا بإسنادٍ حسنٍ ولا صحيح بل ولا ضعيف يستأنس به، ويعتضد به، وإنما نُقل هذا وأمثاله كما تُنقل الإسرائيليات التي كانت في أهل الكتاب، وتُنقل عن مثل كعب (^٣)، ووهب (^٤) ... ومسلمة أهل الكتاب، أو غير مسلمتهم أو عن كتبهم ... ويكفيك أنَّ هذا الحديث ليس في شيءٍ من دواوين الحديث التي يُعتمد عليها\" (^٥).\n_________\n(^١) سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة ١/ ٤٥٠، وذكره ابن الجوزي في الموضوعات ١/ ٢٨٨ - ٢٨٩، وقال عنه الشوكاني: موضوع، ينظر: الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة، ص ٣٢٦.\n(^٢) مجموع الفتاوى ١١/ ٨٦.\n(^٣) هو: كعب بن ماتع الحميري، اليماني، العلامة، الحبر، الذي كان يهوديًّا، فأسلم بعد وفاة النَّبي - ﷺ -، وقدم المدينة من اليمن في أيام عمر - ﵁ - فجالس أصحاب محمَّد - ﷺ - ويأخذ السنن عن الصحابة، وكان يحدثهم عن الإسرائيليات، حدَّث عنه: أبو هريرة، ومعاوية، وابن عباس، توفي بحمص ذاهبًا للغزو في أواخر خلافة عثمان - ﵁ - عن مائة وأربع سنين. ينظر: سير أعلام النبلاء ٣/ ٤٨٩.\n(^٤) هو: أبو عبد الله، وهب بن منبِّه بن كامل بن سيج الأنباري اليماني، أخذ عن بعض الصحابة - ﵁ - كابن عباس، وقد امتحن، وحُبس، وضرب لاتهامه بالقدر، ولي قضاء صنعاء، مات سنة ١١٤ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء ٤/ ٥٤٤.\n(^٥) الاستغاثة في الرد على البكري، ص ٤٣١.","vol":"1","page":521},{"text":"\"والسموات والأرض خُلقت لما ذكره الله - ﷾ - في قوله - ﷿ -: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ﴾ (^١)، أمَّا الحديث المذكور فهو مكذوبٌ على النَّبي - ﷺ - لا أساسَ له من الصِّحَّة\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-139>ثالثًا: تقسيم ابن عجيبة للنَّاس في طريقة صلاتهم على النبي - ﷺ </span>-\nقال: \"قسمٌ يُصلَّون على صورته البشريَّة: وهم أهل الدليل والبرهان، فهم يشخصونها في قلوبهم في حال الصَّلاة عليه، فإذا أكثروا من الصَّلاة بالحضور ثبتت الصورة الكريمة في قلوبهم، فيرونه في المنام كثيرًا، وربما تشكل روحه الكريمة على صورة جسده الطيب فيرونه يقظة.\nوقسمٌ يُصلَّون على روحه النورانية، وهم أهل الشهود من السائرين؛ فهم يصلون على نوره الفائض من الجبروت، فيشاهدونه في غالب أوقاتهم على قدر حضورهم وشهودهم.\nوقِسمٌ يُصلَّون على نوره الأصلي، الذي هو نور الأنوار، وهم أهل الرسوخ والتمكين من أهل الشهود والعيان، وهؤلاء لا يغيب عنهم النبي - ﷺ - طرفة عين\" (^٣).\nويقول أيضًا: \"فمنهم من يدرك شيئًا من سره - ﵇ -، ومنهم من يدرك روحه، ومنهم من يدرك عقله، ومنهم من يدرك نفسه - ﵊ -، فأهل الرسوخ والتمكين يدركون سرَّه - ﵊ -، ولا يغيب عنهم طرفة عين ... \" (^٤).\n_________\n(^١) سورة الطلاق: ١٢.\n(^٢) فتاوى اللجنة الدائمة ١/ ٣١٢.\n(^٣) الفتوحات الإلهية، ص ٦.\n(^٤) شرح صلاة ابن مشيش، ص ٢٢.","vol":"1","page":522},{"text":"وهذا كلُّه باطل؛ إذ المعتقد الصحيح المستمد من الوحيين والمقرر في عقيدة أهل السُّنَّة والجماعة أنَّ النبي - ﷺ - قد مات، ولا يمكن لأحدٍ مهما بلغت منزلته أن يراه يقظة، بل حدثت بعد وفاته مصائب عظام وكان الصحابة - ﵃ - في حاجته، منها حرب صفِّين، وموقعة الجَمَل، ولا يعقل أن يغفلوا عن الأسباب التي تجعلهم يرونه يقظةً.\nقال القرطبي معلِّقًا على قول الصوفية الذين جوَّزوا رؤية النبي - ﷺ - يقظةً: \"وهذا قولٌ يدرك فساده بأوائل العقول، ويلزم عليه أن لا يراه أحدٌ إلا على صورته التي مات عليها، وأن لا يراه رائيان في آنٍ واحدٍ في مكانين، وأن يحيا الآن، ويخرج من قبره ويمشي في الأسواق، ويخاطب الناس ويخاطبوه، ويلزم من ذلك أن يخلو قبره من جسده فلا يبقى من قبره فيه شيء، فيزار مجرَّد القبر ويُسلَّم على غائب؛ لأنه جائز أن يرى في الليل والنهار مع اتصال الأوقات على حقيقته في غير قبره، وهذه جهالات لا يلتزم بها من له أدنى مسكة من عقل\" (^١).\nوقال ابن تيمية - ﵀ -: \"والنَّبي - ﷺ - قال: «من رآني في المنام فقد رآني حقًّا فإنَّ الشيطان لا يتمثَّل في صورتي» قال ابن عباس: في صورته التي كان عليها في حياته، وهذه رؤية في المنام، وأمَّا في اليقظة فمن ظنَّ أنَّ أحدًا من الموتى يجيء بنفسه للناس عيانًا قبل يوم القيامة فمن جهله\" (^٢).\nويقول أيضًا: \"وكثيرٌ من هؤلاء يظنُّ أنَّ النَّبي - ﷺ - نفسه أو غيره من الأنبياء أو الصالحين يأتيه في اليقظة، ومن يرى ذلك ثم قبر النبي - ﷺ - أو الشيخ وهو صادق في\n_________\n(^١) المفهم لما أشكل من تلخيص مسلم ٨/ ١٥٣.\n(^٢) مجموع الفتاوى ١٣/ ٩٤.","vol":"1","page":523},{"text":"أنه إياه من قال: إنه النبي، أو الشيخ، أو قيل له ذلك فيه، لكن غلط حيث ظن صدق أولئك.\nوالذي له عقل وعلم يعلم أنَّ هذا ليس هو النبي - ﷺ - تارة لما يراه منهم من مخالفة الشرع، مثل أن يأمروه بما يخالف أمر الله ورسوله، وتارة يعلم أنَّ النبي - ﷺ - ما كان يأتي أحدًا من أصحابه بعد موته في اليقظة، ولا كان يخاطبهم من قبره، فكيف يكون هذا لي، وتارة يعلم أنَّ الميت لم يقم من قبره، وأنَّ روحه في الجنَّة لا تصير في الدنيا هكذا\" (^١).\nوقال الصنعاني - ﵀ -: \"والآيات القرآنية، والأحاديث النبوية، والمعلوم من الضرورة الدينية، أنَّ من وَارَاهُ القبر لا يخرج منه إلا في المحشر، قال اللَّه تعالى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ (^٢)، ولم يقل: تَارَاتٍ أُخَرَ، وقال تعالى: ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾ (^٣)، وقال الله تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ (^٤)، وأمَّا الأحاديث النبوية فإنها متواترة: أنَّ من أُدْخِلَ قبره لا يخرج منه إلا عند النفخة الثانية في الصور ... وبالجملة، فالقول بخروج الميت من قبره، وبروزه بشخصه لقضاء أغراض الأحياء قولٌ مخالف للعقل والنقل\" (^٥).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ١٣/ ٧٨.\n(^٢) سورة طه: ٥٠.\n(^٣) سورة عبس: ٢١ - ٢٢.\n(^٤) سورة يس: ٣١.\n(^٥) الإنصاف في حقيقة الأولياء وما لهم من الكرامات والألطاف، ص ٥١.","vol":"1","page":524},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-140>الفصل الخامس: آراؤه في الإيمان باليوم الآخر</span>\nوفيه ثلاث مباحث:\n\nالمبحث الأول: أشراط الساعة\nالمبحث الثاني: أحوال اليوم الآخر\nالمبحث الثالث: الجنة والنار","vol":"1","page":525},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-141>المبحث الأول: أشراط الساعة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-142>أولًا: تعريف الأشراط في اللغة</span>\nالأشراط جمع شَرَط، -بالتحريك- وهو العلامة (^١).\nقال الرَّاغب: الشَّرْطُ: كلُّ حكمٍ معلومٍ متعلِّق بأمر يقع بوقوعه، وذلك الأمر كالعلامة له ... وأشراط السَّاعة علاماتها (^٢).\nوقال الخليل: \"الشَّرْطُ: معروف في البيع، والفعلُ: شارَطه فشَرَطَ له على كذا وكذا، يَشْرِطُ له، والشَّرْطُ: بَزْغُ الحجَّام بالمِشْرَط، والفعلُ: شَرَط يَشْرِط، والبزغُ: الشَّرْطُ الضَّعيف، والشَّريطُ: شبه خُيُوطٍ تفتل من الخُوص، والجميعُ: الشُّرُط، فإذا كان مثلُها من اللِّيف فهي دُسُر، والواحد دِسَار، قال الله تعالى: ﴿وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ﴾ (^٣) ودُسُرُها: شُرُطُها، والشَّرَطان: كوكبان، يقالُ إنهما قَرْنا الحمل، وهو أوَّلُ نَجْمٍ من الرَّبيع، ... ومن ذلك صار أوائلُ كلِّ أمرٍ أشراطَه، وأشراطُ السَّاعة: علاماتها، الواحد شَرَط ... \" (^٤).\nوذكر ابن عجيبة المعنى اللُّغوي لأشراط السَّاعة فقال: \"جمع شَرَط -بالتحريك- بمعنى العلامة\" (^٥)، وقال أيضًا: \"إنما سُمِّيت القيامة ساعة لسرعة حسابها، أو وقوعها (^٦)، لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ﴾ (^٧).\n_________\n(^١) ينظر: لسان العرب، (شرط)، ٧/ ٣٩٢، والصحاح ٣/ ١١٣٦.\n(^٢) المفردات ١/ ٤٥٠.\n(^٣) سورة القمر: ١٣.\n(^٤) العين ٦/ ٢٣٤ - ٢٣٥.\n(^٥) البحر المديد ٥/ ٣٦٦.\n(^٦) المرجع نفسه ٢/ ٢٨٩.\n(^٧) سورة النحل: ٧٧.","vol":"1","page":527},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-143>ثانيًا: تعريفها في الشَّرع</span>\nهي الوقتُ الذي تقوم فيه القيامة، وسُمِّيت بذلك؛ لسُّرعة الحساب فيها، أو لأنَّها تفجأ النَّاس في ساعةٍ فيموت الخلق كلُّهم بصيحةٍ واحدة (^١).\nقال ابن حجر - ﵀ -: \"والمراد بالأشراط: العلامات التي يعقبها قيام السَّاعة\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-144>ثالثًا: تقسيم العلماء لأشراط السَّاعة</span>\nقسَّم العلماء أشرا ط السَّاعة وفق ثلاثة اعتبارات:\n١ - زمن خروج الأشراط، وهذه قُسِّمت إلى ثلاثة أقسام:\nأ- ظهر وانقضى وفق ما أخبر به رسول الله - ﷺ -، ومنها: بعثته - ﵊ - وموته، وفتح بيت المقدس، وظهور نار الحجاز، وغيرها من الأشراط التي وقعت وانقضت، قال السفاريني - ﵀ -: \"اعلم أنَّ أشراط السَّاعة وأماراتها تنقسم إلى ثلاثة أقسام: قسم ظهر وانقضى، وهي الأمارات البعيدة، وقسم ظهر ولم ينقض، بل لايزال في زيادة حتى إذ ابلغ الغاية ظهر القسم الثالث وهي الأمارات القريبة الكبيرة التي تعقبها السَّاعة، وأنها تتابع كنظام خرزات انقطع سلكها\" (^٣).\nب- ظهرت ولا تزال تتابع باستمرار مثل كثرة الزلازل، وتضييع الأمانة، وتوسيد الأمر إلى غير أهله، واتخاذ المساجد طُرُقًا، ورفع العلم، وكثرة الجهل، وغيرها من الأشراط الكثيرة.\n_________\n(^١) النهاية في غريب الحديث والأثر ٢/ ٤٦٠.\n(^٢) فتح الباري ١٣/ ٧٩.\n(^٣) لوامع الأنوار البهية ٢/ ٦٦.","vol":"1","page":528},{"text":"ج- لم تظهر بعد مثل: الدجَّال، ونزول عيسى - ﵇ -، وهي أشراط السَّاعة الكبرى ويعقبها قيام السَّاعة.\n٢ - مكان وقوع الأشراط.\nأ- سماوية: مثل: انشقاق القمر، وطلوع الشَّمس من مغربها.\nب- أرضيَّة: خروج المسيح الدجَّال، والدابَّة، وخروج النَّار، والريح التي تقبض أرواح المؤمنين.\n٣ - في نفس الشرط، أهو معتاد أم لا.\nقال ابن كثير - ﵀ -: \"فأمَّا خروج الدابَّة على شكلٍ غريبٍ غير مألوف، ومخاطبتها النَّاس، ووسمها إيَّاهم بالإيمان أو الكفر، فأمر خارج عن مجاري العادات وذلك أول الآيات الأرضيَّة\" (^١).\nومنهم من قسَّمها إلى قسمين:\n١ - أشراط صغرى: وهي التي تتقدَّم السَّاعة بأزمان متطاولة، وتكون من نوع المعتاد، مثل: قبض العلم، وظهور الجهل، والتطاول في البنيان.\n٢ - أشراط كبرى: وهي الأمور العظام التي تظهر قرب قيام الساعة، وتكون غير معتادة، مثل: ظهور الدجَّال، ونزول المسيح، وخروج الدابَّة (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-145>رابعًا: وقت قيام الساعة</span>\nبيَّنت النصوص الشرعية أنَّ معرفة موعد قيام الساعة من الأمور الغيبية التي لم يطلع عليها مَلَكٌ مقرَّب ولا نبيٌّ مرسل، بل اختصَّ الله - ﷿ - بها نفسه، وذكر ابن\n_________\n(^١) النهاية في الفتن والملاحم ١/ ٢١٤.\n(^٢) ينظر لهذه التقسيمات: البعث والنشور، ص ١٨٢، فتح الباري ١٣/ ٨٥، لوامع الأنوار ٢/ ٦٦، التذكرة، للقرطبي، ص ٦٢٤، الإرشاد إلى صحيح الاعتقاد، ص ١٩٧، الإشاعة لأشراط الساعة، ص ٢٩، ١٥٣، ١٩١.","vol":"1","page":529},{"text":"عجيبة ذلك فقال: \"ومن جملة الغيب: قيام السَّاعة\" (^١).\nقال تعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾ (^٢).\nقال ابن جرير - ﵀ -: \"يقول تعالى ذكره لنبيِّه محمَّد - ﷺ -: (قُلْ) يا محمَّد لسائليك من المشركين عن السَّاعة متى هي قائمة؟: (لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ) الذي قد استأثر الله بعلمه، وحجب عنه خلقه غيره، والساعة من ذلك\" (^٣).\nوقال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (^٤).\nقال ابن سعدي - ﵀ -: يقول تعالى لرسوله محمد - ﷺ -: يسألونك: أي المكذبون لك، عن السَّاعة، أي متى وقتها الذي تجيء به، ومتى تحل بالخلق؟.\nفقل لهم: إنَّ الله - ﷿ - مختصٌّ بعلمها، ولا يظهرها لوقتها الذي قدر أن تقوم فيه إلا هو، وخفي علمها على أهل السَّماوات والأرض، واشتدَّ أمرها أيضًا عليهم، فهم من الساعة مشفقون، وهي تأتي فجأة فلم يستعدوا ويتهيؤوا لقيامها وهم حريصون على سؤالك عن الساعة، كأنك مستحفٌّ عن السؤال عنها، ولم يعلموا أنك -لكمال علمك بربك، وما ينفع السؤال عنه- غير مبال بالسؤال عنها، ولا حريص على ذلك، فلم لا يقتدون بك، ويكفُّون عن الاستحفاء عن هذا السؤال\n_________\n(^١) البحر المديد ٤/ ٢١١.\n(^٢) سورة النمل: ٦٥ - ٦٦.\n(^٣) جامع البيان في تأويل القرآن ١٩/ ٤٨٦.\n(^٤) سورة الأعراف: ١٨٧.","vol":"1","page":530},{"text":"الخالي من المصلحة المتعذِّر علمه، فإنه لا يعلمها نبيُّ مرسل، ولا مَلَكٌ مقرَّب، وهي من الأمور التي أخفاها الله عن الخلق، لكمال حكمته وسعة علمه (^١).\nوقال ابن عجيبة في تفسيره للآية السابقة: \"يقول الحقُّ ﷻ: يسألونك أي: قريش، عن السَّاعة أي: قيام النَّاس من قبورهم للحساب، أيَّان مرساها أي: متى إرساؤها؟، أي: ثبوتها ووقوعها، قل: إنما علمها عند ربي استأثر بعلمها، لم يُطْلِع عليها ملكًا مقرَّبًا، ولا نبيًّا مرسلًا، لا يجلِّيها لوقتها أي: لا يظهرها عند وقت وقوعها، إلا هو، والمعنى إنَّ إخفاءها يستمرُّ إلى وقت وقوعها، ثقلت في السَّماوات والأرض: عظمت على أهلها من الملائكة والثقلين لهولها، وكأنَّه إشارة إلى الحكمة في إخفائها، أو ثقلت على السموات والأرض أنفسهما لتبدلهما وتغير حالهما، لا تأتيكم إلا بغتة فجأة على غفلة\" (^٢).\nوقال تعالى: ﴿يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾ (^٣).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ -: قال: «خمس من الغيب لا يعلمهنَّ إلا الله»، ثم قرأ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (^٤)، (^٥).\n_________\n(^١) ينظر: تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان ١/ ٣١٠.\n(^٢) البحر المديد ٢/ ٢٨٩، و٧/ ٢٣٤.\n(^٣) سورة الأحزاب: ٦٣.\n(^٤) سورة لقمان: ٣٤.\n(^٥) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير، باب ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ﴾، ١/ ١٩، رقم ٥٠.","vol":"1","page":531},{"text":"وعن أبي هريرة - ﵁ - قال: كان النبي - ﷺ - بارزًا (^١) يومًا للنَّاس فأتاه جبريل فقال: ما الإيمان؟ قال: «الإيمان أن تؤمن بالله، وملائكته، وبلقائه، ورسله، وتؤمن بالبعث» قال: ما الإسلام؟» قال: «الإسلام أن تعبد الله ولا تشرك به، وتقيم الصَّلاة، وتؤدِّي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان» قال: ما الإحسان؟ قال: «أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك» قال: متى الساعة قال: «ما المسؤول عنها بأعلم من السَّائل» (^٢).\nورَأْيُ ابن عجيبة في هذه المسألة لا يختلف عن تقريرات أهل السُّنَّة والجماعة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-146>رابعًا [*]: رأيه فيما قيل في تحديد عمر الدنيا</span>\nنقل ابن عجيبة في تفسير قول الله تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ (^٣)، قول ابن عطية: \"وأمرها مجهول التحديد، وكل ما يروى من التحديد في عمر الدنيا فضعيف، وعليه الجمهور، يعني عدم التعيين\" (^٤).\nوقد وُفِّق بهذا النَّقل، الذي لا يشك عاقل أنَّ تحديد عمر الدنيا لم يأتِ عن رسول الله - ﷺ - فيه لفظةٌ تصح، قال ابن حزم: \"فإنَّ اليهود يقولون: للدنيا أربعة آلاف سنة ونيف، والنصارى يقولون: للدنيا خمسة آلاف سنة، وأما نحن فلا نقطع على عدد معروف عندنا، وأما من ادعى في ذلك سبعة آلاف سنة، أو أكثر أو أقل فقد كذب وقال ما لم يأت قط عن رسول الله - ﷺ - فيه لفظة تصح، بل صح عنه\n_________\n(^١) بارزًا: من البروز، وهو: الظهور. ينظر: النهاية في غريب الأثر ١/ ٩٥.\n(^٢) أخرجه البخاري في الجامع الصحيح، كتاب الإيمان، باب سؤال جبريل النبي - ﷺ - عن الإيمان والإسلام والإحسان ١/ ٣٣، رقم ٣٧.\n(^٣) سورة القمر: ١.\n(^٤) المحرر الوجيز ٥/ ٢١١.\n\n[*] قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: كذا بالأصل «رابعا» مكرر","vol":"1","page":532},{"text":"- ﵇ - خلافه بل نقطع على أنَّ للدنيا أمرًا لا يعلمه إلا الله - ﷿ - قال الله تعالى: ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا﴾ (^١) \"، (^٢).\nويقول محمد رشيد رضا (^٣): \"وما جاء في الآثار من أنَّ عمر الدنيا سبعة آلاف سنة مأخوذ من الإسرائيليات التي كان يبثها زنادقة اليهود والفرس في المسلمين\" (^٤).\nوذكر العلماء أنَّ أيَّ حديثٍ يخالف صريح القرآن فهو موضوع (^٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-147>خامسًا: أشراط الساعة الصغرى</span>\nعدَّ ابن عجيبة بعضًا من أشراط الساعة الصغرى ومنها:\n١ - بعثة النبي - ﷺ -.\n٢ - انشقاق القمر.\nوذكر هذا عند تفسيره لقول الله - ﷿ -: ﴿فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ﴾ (^٦).\n\"فقد جاء أشراطها: علاماتها، جمع شرط بالتحريك، بمعنى العلامة، وهي مبعث محمد - ﷺ -، وانشقاق القمر\" (^٧)، وهذه العلامات التي ذكرها ابن عجيبة صحيحة ودلَّت عليها النصوص الشرعية، قال ابن كثير - ﵀ - في تفسيره للآية\n_________\n(^١) سورة الكهف: ٥١.\n(^٢) الفِصَل ٢/ ٨٤، وينظر: النهاية في الفتن والملاحم ١/ ١١.\n(^٣) هو: محمد رشيد بن علي رضا بن محمد القلموني، بغدادي الأصل، ولد سنة ١٢٨٢ هـ، أنشأ مجلة المنار، وتوفي سنة ١٣٥٤ هـ. ينظر: الأعلام ٦/ ٣٦١ - ٣٦٢.\n(^٤) تفسير المنار ٩/ ٣٩٣.\n(^٥) ينظر: المنار المنيف في الصحيح والضعيف، ص ٧٣، والمقاصد الحسنة، ص ٦٩٣.\n(^٦) سورة محمد: ١٨.\n(^٧) البحر المديد ٥/ ٣٦٦، و٥/ ٥٢١.","vol":"1","page":533},{"text":"السَّابقة: أي أمارات اقترابها كقوله تعالى: ﴿هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى أَزِفَتِ الْآزِفَةُ﴾ (^١)، وكقوله جلَّت عظمته: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ (^٢)، وكقوله - ﷿ -: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (^٣)، وقوله - ﷿ -: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ (^٤)، فبعثة رسول الله - ﷺ - من أشراط السَّاعة؛ لأنَّه خاتم الرُّسل الذي أكمل الله تعالى به الدين، وأقام به الحُجَّة على العالمين، وقد أخبر - ﷺ - بأمارات السَّاعة وأشراطها، وأبان عن ذلك وأوضحه بما لم يؤته نبي قبله ... \" (^٥).\nوقال القرطبي - ﵀ - وهو يتحدَّث عن أشراط الساعة-: \"أوَّلُها النَّبي - ﷺ -؛ لأنه نبيُّ آخر الزمان وقد بعث وليس بينه وبين القيامة نبي\" (^٦).\nوعن جابر بن عبد الله - ﵁ - قال: كان رسول الله - ﷺ - إذا خطب احمرَّت عيناه، وعلا صوته، واشتدَّ غضبه، حتى كأنَّه منذرُ جيش، يقول: صبَّحكم ومسَّاكم، ويقول: «بُعثت أنا والسَّاعة كهاتين» ويقرن بين أصبعيه السَّبابة والوسطى ... \" (^٧).\nوعن عبد الله بن مسعود - ﵁ - قال: بينما نحن مع رسول الله - ﷺ - بمنى إذا انفلق القمر فلقتين فكانت فلقة وراء الجبل وفلقة دونه فقال لنا رسول الله - ﷺ -: «اشهدوا» (^٨).\n_________\n(^١) سورة النجم: ٥٦ - ٥٧.\n(^٢) سورة القمر: ١.\n(^٣) سورة النحل: ١.\n(^٤) سورة الأنبياء: ١.\n(^٥) تفسير القرآن العظيم ٧/ ٣١٥.\n(^٦) التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة ٣/ ١٢١٩.\n(^٧) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب تخفيف الصلاة والخطبة، ٢/ ٥٩٢، رقم ٨٦٧.\n(^٨) أخرجه مسلم، كتاب صفة القيامة والجنة والنار، باب الدخان، ٨/ ١٣٢، رقم ٢٨٠٠.","vol":"1","page":534},{"text":"وقال الحافظ ابن رجب - ﵀ -: \"وقد جعل الله انشقاق القمر من علامات اقتراب الساعة كما قال تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ (^١) وكان انشقاقه بمكة قبل الهجرة\" (^٢)، وعن أنس - ﵁ - أنَّ أهل مكة سألوا رسول الله - ﷺ - أن يريهم آية، فأراهم انشقاق القمر\" (^٣).\n٣ - قطع الأرحام (^٤).\nجاءت أدلة الكتاب والسُّنَّة محذِّرةً من قطيعة الرحم؛ لأنَّها سببٌ للَّعنة والحرمان من دخول الجنَّة، قال الله تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ (^٥).\nوعن عبد الله بن عمرو بن العاص - ﵄ - أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «لا تقوم السَّاعة حتى يظهر الفحش والتفاحش وقطيعة الرحم وسوء المجاورة» (^٦).\n_________\n(^١) سورة القمر: ١.\n(^٢) الحكم الجديرة بالإذاعة من قول النبي - ﷺ - بعثت بالسيف بين يدي الساعة، ص ١٠.\n(^٣) أخرجه مسلم، كتاب صفة القيامة والجنة والنار، باب انشقاق القمر، ٤/ ١١٥٨، رقم ٢٨٠٢.\n(^٤) ينظر: البحر المديد ٥/ ٣٦٦، و٥/ ٣٧١.\n(^٥) سورة محمد: ٢٢.\n(^٦) أخرجه أحمد ٢/ ١٦٢، رقم ٦٥١٤، والحاكم ٤/ ٥٥٨، رقم ٨٥٦٦، وقال: صحيح الإسناد، وأخرجه أيضًا: عبد الرزاق ١١/ ٤٠٤، رقم ٢٠٨٥٢، والحسين بن الحسن المروزي في زوائده على الزهد، لابن المبارك، ص ٥٦٠، رقم ١٦١٠، والبزار ٦/ ٤٠٩، رقم ٢٤٣٥، والحديث صحيح، صحَّحه الألباني في الصحيحة ٥/ ٣٦١، رقم ٢٢٨٨.","vol":"1","page":535},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-148>سادسًا: أشراط الساعة الكبرى</span>\n١ - خروج الدجَّال (^١) وسبب تسميته بالمسيح.\nقال ابن عجيبة: \"وأمَّا المسيح الدجَّال فإنَّه ممسوح إحدى العينين، أو لأنه يطوف الأرض ويمسحها، إلا مكة والمدينة\" (^٢).\nلقد دلَّت الأحاديث الصحيحة على فتنة المسيح الدجَّال، وأنه لا يبقى شيء إلا سيطؤه، إلا مكة والمدينة، فعن أنس - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ليس من بلد إلا سيطؤه الدجَّال إلا مكة والمدينة، ليس له من نقابها نقبٌ إلا عليه الملائكة صافَّين يحرسونها، ثم ترجف المدينة بأهلها ثلاث رجفات فيخرج الله كلُّ كافرٍ ومنافق» (^٣).\nوجاء في حديث فاطمة بنت قيس - ﵂ - أنَّ الدجَّال قال: «فأخرج فأسير في الأرض، فلا أدع قرية إلا هبطتها في أربعين ليلة، غير مكة وطيبة -يعنى المدينة- فهما محرَّمتان عليَّ كلتاهما، كُلَّما أردت أن أدخل واحدة، أو واحدًا -منهما- استقبلني مَلَك بيده السيف صلتًا يصدُّني عنها، وإنَّ على كلِّ نقبٍ منها ملائكة يحرسونها\" (^٤).\n_________\n(^١) لفظ الدجَّال على وزن فعَّال بفتح أوله، والتشديد من الدجل وهو التغطية، وأصل الدجَّال معناه: الخلط، يقال: دجل: إذا لبس وموه، وجمع دجال: دجالون، ودجاجلة، وسُمي الدجَّال دجالًا؛ لأنه يغطي الحق بباطله، أو لأنه يغطي على الناس كفره بكذبه وتمويههم عليه، وتلبيسه عليهم. ينظر: النهاية في غريب الحديث ٢/ ١٠٢، لسان العرب ١١/ ٢٣١، فتح الباري ٢/ ٣١٨.\n(^٢) البحر المديد ١/ ٣٥٤.\n(^٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب فضائل المدينة، باب لا يدخل الدجال المدينة ٢/ ٢٤، رقم ١٨٨١.\n(^٤) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب قصة الجساسة، ١٨/ ٨٣، مع شرح النووي.","vol":"1","page":536},{"text":"وعن أبي سعيد الخدري - ﵁ - قال: «حدَّثنا رسول الله - ﷺ - يومًا حديثًا طويلًا عن الدجَّال فكان فيما يحدثنا به أنه قال: «يأتي الدجَّال وهو محرم عليه أن يدخل نقاب المدينة، فينتهي إلى بعض السباخ (^١) التي تلي المدينة، فيخرج إليه يومئذٍ رجل هو خير الناس -أو من خير الناس- فيقول له: أشهد أنك الدجَّال الذي حدَّثنا رسول الله - ﷺ - حديثه، فيقول الدجَّال: أرأيتم إن قتلت هذا ثم أحييته، أتشكون في الأمر؟ فيقولون: لا، فيقتله ثم يحييه، فيقول: والله ما كنت فيك أشد بصيرة مني اليوم الآن، قال: فيريد الدجال أن يقتله فلا يسلط عليه» (^٢).\nوجاءت النصوص مبيِّنة أوصاف الدجَّال فعن أنس بن مالك - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ما بُعِثَ نبيٌّ إلا وقد أنذر أُمَّته الأعور الكذَّاب ألا إنه أعور، وإن ربكم ليس بأعور، ومكتوب بين عينيه ك. ف. ر» (^٣).\n١ - نزول عيسى - ﵇ -.\nقال ابن عجيبة عند تفسيره لقول الله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ (^٤)، يقول الحقُّ ﷻ: وإن من أهل الكتاب أي ما من يهودي ولا نصراني، أي الموجودين حين نزوله إلا ليؤمننَّ بعيسى قبل موته أي عيسى، وذلك حين نزوله من السَّماء، روي أنه ينزل من السَّماء حين يخرج الدجَّال فيهلكه، ولا يبقى أحد من أهل الكتاب إلا ويؤمن به، حتى تكون\n_________\n(^١) السباخ: بكسر المهملة جمع سبخة محرَّكة ومسكنة، وهي الأرض التي تعلوها الملوحة ولا تكاد تنبت إلا بعض الشجر. ينظر: النهاية في غريب الحديث ٢/ ٣٣٣.\n(^٢) أخرجه البخاري، كتاب فضائل المدينة، باب لا يدخل المدينة الدجَّال، ٢/ ٢١، رقم ١٨٨٢.\n(^٣) أخرجه البخاري، كتاب الفتن، باب لا يدخل الدجال المدينة، ٤/ ٣٢٦، رقم ٧١٣١.\n(^٤) سورة النساء: ١٥٩.","vol":"1","page":537},{"text":"الملَّة واحدة، وهي ملَّة الإسلام، وتقع الأمنة حتى يرتع الأسود مع الإبل، والنُّمور مع البقر، والذئاب مع الغنم، ويلعب الصبيان بالحيَّات، ويلبث في الأرض أربعين سنة، ثم يتوفى ويصلِّى عليه المسلمون ويدفنونه، وقيل الضمير في (به) إلى عيسى، وفي (موته) إلى الكتابي، أي: وإن من أهل الكتاب أحد إلا ليؤمننَّ بعيسى بأنه عبد الله ورسوله، قبل موته أي: قبل خروج نفس ذلك الكتابي إذا عاين الملك، فلا ينفعه حينئذ إيمانه؛ لأنَّ كل من نزل به الموت لم تخرج نفسه حتى يتبين له الحق من الباطل، ويؤيد هذا قراءة من قرأ: ﴿ليؤمنُنَّ به قبل موتهم﴾ بضم النُّون؛ لأنَّ (أحدًا) في معنى الجمع، وهذا كالوعيد لهم والتحريض على معاجلة الإيمان به من قبل أن يضطر إليه ولم ينفعه إيمانه، ويوم القيامة يكون عليهم شهيدًا يشهد على اليهود بالتكذيب، وعلى النصارى بأنهم دعوه ابن الله، والله تعالى أعلم\" (^١).\nوقال في موضع آخر: \"ثم يقبض عيسى، ويدفن في روضته - ﷺ - \" (^٢).\nثم قال: \"ثم تخرب الكعبة، ثم ينفخ في الصُّور للصعق، واقترب الوعد الحق\" (^٣).\nوما ذكره ابن عجيبة من نزول عيسى - ﵇ - حقٌّ وثابتٌ في الكتاب والسُّنَّة، فقد \"تواترت الأخبار عن النبي - ﷺ - في نزول عيسى بن مريم من السَّماء إلى الأرض عند قُرب الساعة، وهذا هو مذهب أهل السُّنَّة\" (^٤).\nقال تعالى: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ (^٥)، قال ابن جرير - ﵀ -: \"وإنَّ عيسى ظهوره عِلْمٌ يُعلم به مجيء\n_________\n(^١) البحر المديد ١/ ٥٨٨.\n(^٢) المرجع نفسه ٣/ ٤٩٩ و١/ ٣٦٢.\n(^٣) نفسه ٣/ ٤٩٩.\n(^٤) عون المعبود شرح سنن أبي داود ١١/ ٤٥٧.\n(^٥) سورة الزخرف: ٥٧، ٦٠.","vol":"1","page":538},{"text":"السَّاعة؛ لأنَّ ظهوره من أشراطها ونزوله إلى الأرض دليلٌ على فناء الدنيا، وإقبال الآخرة\" (^١).\nوقال القرطبي - ﵀ -: وإنه ﴿لعَلَمٌ للسَّاعة﴾ (بفتح العين واللام) أي: أمارة، أي علامة وأمارة على قيام الساعة، وهذه القراءة مرويَّة عن ابن عباس ومجاهد وغيرهما من أئمة الحديث (^٢).\nوقال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ (^٣).\nقال ابن جرير الطبري - ﵀ -: \"ذلك عند نزول عيسى ابن مريم - ﵇ -، لا يبقى أحدٌ من أهل الكتاب إلا ليؤمننَّ به\" (^٤).\nويقول الشيخ السعدي - ﵀ -: \"ويحتمل أنَّ الضمير في قوله: ﴿قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ راجع إلى عيسى - ﵇ -، فيكون المعنى: وما من أحد من أهل الكتاب إلا ليؤمنن بالمسيح - ﵇ - قبل موت المسيح، وذلك يكون عند اقتراب السَّاعة وظهور علاماتها الكبار\" (^٥).\nوقال تعالى: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ (^٦).\n_________\n(^١) جامع البيان في تأويل القرآن ٢١/ ٦٣١.\n(^٢) تفسير القرطبي ١٦/ ١٠٥.\n(^٣) سورة النساء: ١٥٩.\n(^٤) جامع البيان في تأويل القرآن ٦/ ١٨.\n(^٥) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان ١/ ٢١٣.\n(^٦) سورة محمد: ٤.","vol":"1","page":539},{"text":"قال البغوي - ﵀ -: \"معنى الآية: \"أثخنوا المشركين بالقتل والأسر حتى يدخل أهل الملل كلها في الإسلام، ويكون الدين كله لله، فلا يكون بعده جهاد ولا قتال، وذلك عند نزول عيسى ابن مريم - ﵉ - \" (^١).\nوالأحاديث في نزول عيسى - ﵇ - متواترة منها:\nعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال: رسول الله - ﷺ -: «كيف أنتم إذا أُنزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم؟» (^٢).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «والذي نفسي بيده؛ ليوشكنَّ أن ينزل فيكم ابن مريم حكمًا عدلًا، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية (الحرب)، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد، حتى تكون السجدة الواحدة خيرًا من الدنيا وما فيها» ثم يقول أبو هريرة - ﵁ -: \"واقرؤوا إن شئتم ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ (^٣)، (^٤).\nأما قول ابن عجيبة: يقبض عيسى، ويدفن في روضته - ﷺ - فلا يثبت، والذي يظهر أنه استند على الحديث الذي أخرجه ابن عساكر في تاريخه عن عائشة - ﵂ - قالت: قلتُ: يا رسول الله إني أرى أني أعيش من بعدك فتأذن لي أن أُدفن إلى جنبك؟ فقال: وأنى لك بذلك الموضع؟ ما فيه إلا موضع قبري وقبر أبي بكر وقبر عمر - ﵁ - وقبر عيسى ابن مريم\" (^٥).\n_________\n(^١) معالم التنزيل في تفسير القرآن ٤/ ٢١٠.\n(^٢) أخرجه البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، باب نزول عيسى - ﵇ - ٦/ ٤٩١، رقم ٣٢٦٥.\n(^٣) سورة النساء: ١٥٩.\n(^٤) أخرجه البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، باب نزول عيسى ابن مريم ٦/ ٤٩٠ - ٤٩١، رقم ٢١٠٩.\n(^٥) تاريخ دمشق ٤٧/ ٥٢٣.","vol":"1","page":540},{"text":"قال ابن كثير - ﵀ -: \"وقد ورد في ذلك حديث ذكره ابن عساكر في آخر ترجمة المسيح - ﵇ - في كتابه عن عائشة مرفوعًا أنه يُدفن مع رسول الله - ﷺ - وأبي بكر، وعمر في الحجرة النبوية، ولكن لا يصح إسناده\" (^١).\nوقال الحافظ ابن حجر - ﵀ -: \"وروي عنها في حديث لا يثبت أنها استأذنت النَّبي - ﷺ - إن عاشت بعده أن تُدفن إلى جانبه فقال لها: وأنى لك بذلك وليس في ذلك الموضع إلا قبري وقبر أبي بكر وعمر وعيسى ابن مريم\" (^٢).\nأما قوله: (ثم تخرب الكعبة)، فهو صحيح، فعن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «يخرب الكعبة ذو السويقتين من الحبشة» (^٣).\nوقول النبي - ﷺ -: «ذو السويقتين» هما: تصغير ساقي الإنسان لرقَّتهما وهي صفة سوق السودان غالبًا، ولا يعارض هذا قوله تعالى: ﴿حَرَمًا آمِنًا﴾ (^٤)؛ لأنَّ معناه آمنًا إلى قرب القيامة (^٥).\nوخرابه يكون بعد رفع القرآن من صدور الناس ومن المصاحف، وذلك بعد موت عيسى - ﵇ - (^٦).\n٢ - خروج يأجوج ومأجوج.\nفقيل: هما اسمان أعجميان مُنعا من الصَّرف للعلمية والعُجمة، وعلى هذا\n_________\n(^١) البداية والنهاية ٢/ ٥٢٧.\n(^٢) فتح الباري ٧/ ٦٦.\n(^٣) أخرجه البخاري، كتاب الحج، باب هدم الكعبة، ١/ ٥٩٢، رقم ١٥٩٦.\n(^٤) سورة القصص: ٥٧.\n(^٥) شرح النووي على مسلم ١٨/ ٣٥.\n(^٦) ينظر: تفسير القرطبي ١٣/ ٢٣٤.","vol":"1","page":541},{"text":"فليس لهما اشتقاق؛ لأنَّ الأعجمية لا تُشتق من العربية، وقيل: بل هما عربيان، واختلف في اشتقاقهما، فقيل: من أجيج النار وهو التهابها، وقيل: من الأجاج وهو الماء الشديد الملوحة، وقيل: من الأج وهو سرعة العدو، وقيل: من الأجَّة بالتشديد وهي الاختلاط والاضطراب، وقرأ الجمهور: ياجوج وماجوج بدون همز، وأما قراءة عاصم فهي بالهمزة الساكنة فيهما (^١).\nوما ذُكر في اشتقاقهما يناسب حالهم، ويؤيد الاشتقاق من ماج بمعنى اضطرب قوله تعالى: ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا﴾ (^٢)، وذلك حين يخرجون من السَّد (^٣).\nولقد أشار ابن عجيبة إلى هذه الأقوال.\nقال عند تفسيره لقول الله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾ (^٤) وقَّت وعده بخروج يأجوج ومأجوج، أو بقيام السَّاعة بأن شارف قيامها\" (^٥).\nوقرئ بالهمز فيهما؛ لأنه من أجيج النار، أي: ضوؤها وشررها، شُبِّهوا به في كثرتهم وشدَّتهم، وهو غير منصرف للعجمة والعلمية\" (^٦).\nوتعرَّض ابن عجيبة لأصلهم، ونفى أنهم من ذرية آدم فقط دون حواء فقال: \"هم جيل من الترك، وما يقال: إنهم من نطفة احتلام آدم لا يصح\" (^٧)، وهذا\n_________\n(^١) ينظر: لسان العرب ٢/ ٢٠٧، فتح الباري، لابن حجر ١٣/ ١٠٦، لوامع الأنوار البهية ٢/ ١١٣.\n(^٢) سورة الكهف: ٩٩.\n(^٣) الإشاعة لأشراط الساعة، ص ٣٢٤.\n(^٤) سورة الكهف: ٩٨.\n(^٥) البحر المديد ٣/ ٣٠٨.\n(^٦) المرجع نفسه ٣/ ٣٠٥.\n(^٧) نفسه ٣/ ٣٠٥.","vol":"1","page":542},{"text":"صواب، فهم من ذرية يافث أبي الترك، ويافث من ولد نوح - ﵇ - (^١).\nوهم بشرٌ من ذرية آدم وحواء، ودليل ذلك: \"عن أبي سعيد الخدري - ﵁ - قال: - ﷺ -: «يقول الله تعالى: يا آدم فيقول: لبَّيك وسعديك والخير في يديك فيقول: أخرج بعث النار، قال: وما بعث النار؟ قال: من كلِّ ألفٍ تسع مئة وتسعة وتسعين، فعنده يشيب الصغير، وتضع كل ذات حمل حملها، وترى الناس سُكارى وما هم بسُكارى، ولكن عذاب الله شديد» قالوا: وأينُّا ذلك الواحد؟ قال: «أبشروا فإن منكم رجلًا ومن يأجوج ومأجوج ألف» (^٢).\nوما قيل بأنهم من ذرية آدم لا من حواء؛ بسبب أنَّ آدم احتلم واختلط منيه بالتراب، لا دليل عليه بمن يُوثق بقوله (^٣).\nقال ابن كثير - ﵀ -: \"وهذا قولٌ غريبٌ جدًّا، لا دليل عليه لا من عقل، ولا من نقل، ولا يجوز الاعتماد هاهنا على ما يحكيه بعض أهل الكتاب؛ لما عندهم من الأحاديث المفتعلة\" (^٤).\nوقال الحافظ ابن حجر - ﵀ -: \"وقد أشار النووي وغيره إلى حكاية من زعم أنَّ آدم نام فاحتلم فاختلط منيه بتراب فتولَّد منه ولد يأجوج ومأجوج من نسله وهو قول منكرٌ جدًّا لا أصل له إلا عن بعض أهل الكتاب\" (^٥).\nوقد دلَّ على ظهورهم كتاب الله - ﷿ - وسُنَّة رسول الله - ﷺ -.\n_________\n(^١) ينظر: النهاية في الفتن والملاحم ١/ ٢٠١.\n(^٢) أخرجه البخاري، كتاب الأنبياء، باب قصة يأجوج ومأجوج ٦/ ٣٨٢، رقم ٣٣٤٨.\n(^٣) ينظر: النهاية في الفتن والملاحم ١/ ٢٠١.\n(^٤) تفسير القرآن العظيم ٥/ ١٩٥.\n(^٥) فتح الباري ٦/ ٣٦٨.","vol":"1","page":543},{"text":"قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ (^١).\nوجاء السَّياق القرآني في قصَّتهم أثناء سياقه لقصة ذي القرنين:\nوقال تعالى: ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا قَالُوا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾ (^٢).\nوقال ابن عجيبة: \"ثم يبعث الله عليهم مرضًا في رقابهم، فيموتون مرَّة واحدة، ثم يرسل الله - ﷿ - مطرًا تغسل الأرض منهم، ثم تُوضع فيها البركة، وهذا بعد خروج الدجَّال ونزول عيسى - ﵇ -، ثم تنقرض الدُّنيا\" (^٣).\nونزول عيسى - ﵇ - بعد خروج المسيح الدجَّال فيقتله الله - ﷿ - على يديه -بباب لُدٍّ (^٤) - ويبعث الله في أيامه يأجوج ومأجوج فيهلكهم الله ببركة دعائه (^٥).\nوجاء في حديث النَّواس بن سمعان -الطويل- في ذكر الدجَّال، وصفاته، وهلاكه، علي يد عيسى - ﵇ -.\nفعن النواس بن سمعان - ﵁ - ذكر رسول الله - ﷺ - الدجَّال ذات غداة فخفض\n_________\n(^١) سورة الأنبياء: ٩٦.\n(^٢) سورة الكهف: ٩٢ - ٩٨.\n(^٣) البحر المديد ٣/ ٣٠٨.\n(^٤) لُدٌّ: بالضم، والتشديد، وهو جمع ألد، والألد: الشديد الخصومة، وبباب لُدِّ: قرية قرب بيت المقدس من نواحي فلسطين ببابها يدرك عيسى ابن مريم الدجَّال فيقتله. ينظر: معجم البلدان ٥/ ١٥.\n(^٥) ينظر: تفسير القرآن العظيم ١/ ٥١٩ - ٥٢٠.","vol":"1","page":544},{"text":"فيه ورفع حتى ظنَّناه في طائفة النَّخل، فلمَّا رحنا إليه عرف ذلك فينا فقال: «ما شأنكم؟» قلنا: يا رسول الله ذكرت الدجَّال غداة فخفضت فيه ورفعت حتى ظنَّناه في طائفة النَّخل، فقال: «غير الدجَّال أخوفني عليكم إن يخرج وأنا فيكم فأنا حجيجه دونكم، وإن يخرج ولست فيكم فامرؤ حجيج نفسه، والله خليفتي على كلِّ مسلم، إنه شابٌّ قطط (^١)، عينه طافئة كأني أشبهه بعبد العزى بن قطن، فمن أدركه منكم فليقرأ عليه فواتح سورة الكهف، إنه خارج خلة بين الشام والعراق فعاث يمينًا وعاث شمالًا، يا عباد الله، فاثبتوا».\nقلنا: يا رسول الله وما لبثه في الأرض؟ قال: «أربعون يومًا يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيامكم».\nقلنا: يا رسول الله فذلك اليوم الذي كسنة أتكفينا فيه صلاة يوم؟ قال: «لا، اقدروا له قدره».\nقلنا: يا رسول الله وما إسراعه في الأرض؟ قال: «كالغيث استدبرته الريح فيأتي على القوم فيدعوهم فيؤمنون به ويستجيبون له فيأمر السَّماء فتمطر والأرض فتنبت فتروح عليهم سارحتهم أطول ما كانت ذرًّا وأسبغه ضروعًا وأمدَّه خواصر، ثم يأتي القوم فيدعوهم فيردون عليه قوله فينصرف عنهم فيصبحون ممحلين (^٢) ليس بأيديهم شيء من أموالهم، ويمر بالخربة فيقول: لها أخرجي كنوزك فتتبعه كنوزها كيعاسيب النحل (^٣)، ثم يدعو رجلًا ممتلئًا شبابًا فيضربه بالسَّيف فيقطعه جزلتين (^٤)\n_________\n(^١) قطط: صاحب الشعر الشديد الجعودة، ينظر: النهاية في غريب الحديث ٢/ ٨١.\n(^٢) ممحلين: بمعنى الذي أجدبت أرضه، وقحطت، وغلت أسعاره، ينظر: لسان العرب ١٧/ ٦١٧.\n(^٣) يعاسيب النحل: جمع يعسوب، وهو أصل فحل النحل، أي: تظهر له وتجتمع عنده كما يجتمع النحل على يعاسيبه، ينظر: النهاية في غريب الحديث ٣/ ٢٣٥.\n(^٤) جزلتين: بكسر الجيم وسكون الزاي، أي: قطعتين. ينظر: تاج العروس ٢٨/ ٢٤٠.","vol":"1","page":545},{"text":"رمية الغرض (^١)، ثم يدعوه فيقبل ويتهلَّل وجهه يضحك فبينما هو كذلك إذ بعث الله المسيح ابن مريم فينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق بين مهرودتين (^٢) واضعًا كفَّيه على أجنحة ملكين إذا طأطأ رأسه قطر وإذا رفعه تحدَّر منه جمان كاللؤلؤ (^٣) فلا يحل لكافر يجد ريح نفسه إلا مات ونفسه ينتهي حيث ينتهي طرفه فيطلبه حتى يدركه بباب لُدٍّ (^٤)\nفيقتله، ثم يأتي عيسى ابن مريم قومٌ قد عصمهم الله منه فيمسح عن وجوههم ويحدثهم بدرجاتهم في الجنَّة فبينما هو كذلك إذ أوحى الله إلى عيسى إني قد أخرجت عبادًا لي لا يُدان لأحدٍ بقتالهم فحرِّز عبادي إلى الطُّور، ويبعث الله يأجوج ومأجوج وهم من كلِّ حدب ينسلون فيمرُّ أوائلهم على بحيرة طبرية فيشربون ما فيها، ويمر آخرهم فيقولون: لقد كان بهذه مرة ماء، ويُحصر نبيُّ الله عيسى وأصحابه حتى يكون رأس الثور لأحدهم خيرًا من مائة دينار لأحدكم اليوم فيرغب نبيُّ الله عيسى وأصحابه فيرسل الله عليهم النغف (^٥) في رقابهم فيصبحون فرسى كموت نفس واحدة، ثم يهبط نبيُّ الله عيسى وأصحابه إلى الأرض فلا يجدون في الأرض موضع شبر إلا ملأه زهمهم (^٦) ونتنهم فيرغب نبيُّ الله عيسى وأصحابه إلى الله فيرسل الله طيرًا كأعناق البخت فتحملهم فتطرحهم حيث شاء الله، ثم يرسل الله\n_________\n(^١) الغرض: الهدف، أراد أنه يكون بعد ما بين القطعتين بقدر رمية السهم إلى الهدف. ينظر: النهاية في غريب الحديث ٣/ ٦٦٤.\n(^٢) مهرودتين: روي بالدال، وبالذال، مفردها: مهرودة، وهو: الثوب الذي صبغ، والمعنى أنه لابس ثوبين مصبوغين بالورس، أي بالزعفران. ينظر: النهاية في غريب الحديث ٥/ ٢٥٨.\n(^٣) اللؤلؤ: أي ينحدر منه الماء على هيئة اللؤلؤ في صفائه، والجمان حبَّات من الفضة تصنع على هيئة اللؤلؤ الكبار. ينظر: النهاية في غريب الحديث ١/ ٣٠١.\n(^٤) تقدم التعريف به، ص ٥٤٤ ..\n(^٥) النغف: دود يكون في أنوف الإبل والغنم، واحدتها نغفة. ينظر: النهاية في غريب الحديث ٥/ ٨٧.\n(^٦) زهمهم: أي: دسمهم وريحهم المنتنة، وأراد أن الأرض تنتن من جيفهم. ينظر: النهاية في غريب الحديث ٢/ ٣١٣.","vol":"1","page":546},{"text":"مطرًا لا يكن منه بيت مدر ولا وبر فيغسل الأرض حتى يتركها كالزلفة (^١)، ثم يقال للأرض أنبتي ثمرك ورُدِّي بركتك فيومئذٍ تأكل العصابة من الرُّمَّانة ويستظلون بقحفها (^٢) ويبارك في الرِّسْل (^٣)\nحتى إنَّ اللقحة من الإبل لتكفي الفئام من الناس واللقحة من البقر لتكفي القبيلة من الناس واللقحة من الغنم لتكفي الفخذ من الناس، فبينما هم كذلك إذ بعث الله ريحًا طيِّبةً فتأخذهم تحت آباطهم فتقبض روح كلَّ مؤمن وكلَّ مسلم ويبقى شرار النَّاس يتهارجون فيها تهارج الحُمُر فعليهم تقوم السَّاعة\" (^٤).\nوعن أمِّ حبيبة بنت أبي سفيان - ﵄ - عن زينب بنت جحش - ﵂ - أنَّ رسول الله - ﷺ - دخل عليها يومًا فزعًا يقول: «لا إله إلا الله، ويلٌ للعرب من شرٍّ قد اقترب، فُتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه (وحلَّق بأصبعيه الإبهام والتي تليها)»، قالت زينب بنت جحش: فقلتُ: يا رسول الله! أنهلك وفينا الصَّالحون؟ قال: «نعم؛ إذا كثر الخبث» (^٥).\nوعن حذيفة بن أُسيد الغفاري - ﵁ - قال: اطلع النبي - ﷺ - علينا ونحن نتذاكر فقال: «ما تذاكرون؟» قالوا: نذكر السَّاعة قال: «إنها لن تقوم حتى ترون قبلها عشر\n_________\n(^١) الزلفة: بالتحريك جمعها زلف: مصانع الماء، أراد أنَّ المطر يغدر في الأرض فتصير كأنها مصنعة من مصانع الماء، وقيل الزلفة: المرآة، شبهها بها لاستوائها ونظافتها. النهاية في غريب الحديث ٢/ ٣٠٩.\n(^٢) قحفها: أي قشرها تشبيهًا بقحف الرأس، وهو الذي فوق الدماغ، وقيل: هو ما انفلق من جمجمته وانفصل. المرجع السابق ٤/ ١٧.\n(^٣) الرِّسْل: بكسر الراء، وإسكان السين، وهو: اللبن. ينظر: شرح النووي، لمسلم ١٨/ ٩٦ ..\n(^٤) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب ذكر الدجَّال وصفته وما معه، ٤/ ٢٢٥٥، رقم ٧٥٦٠.\n(^٥) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأنبياء، باب قصة يأجوج ومأجوج، ٦/ ٣٨١، رقم ٣٣٤٦.","vol":"1","page":547},{"text":"آيات ... ويأجوج ومأجوج» (^١).\n٣ - طلوع الشمس من مغربها.\nقال ابن عجيبة عند تفسيره لقول الله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ (^٢)، وهو: طلوع الشَّمس من مغربها\" (^٣).\nوتفسيره لهذه الآية حقٌّ، فهي علامة من علامات السَّاعة، وهذا مقرَّرٌ عند أهل السُّنَّة والجماعة، قال ابن جرير الطبري - ﵀ -: \"وأولى الأقوال بالصَّواب في ذلك ما تظاهرت به الأخبار عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: ذلك حين تطلع الشمس من مغربها\" (^٤).\nوثبت ذلك في الحديث الذي رواه أبو ذر - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال يومًا: «أتدرون أين تذهب هذه الشمس؟» قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: «إنَّ هذه الشمس تجري حتى تنتهي تحت العرش، فتخر ساجدةً فلا تزال كذلك حتى يقال لها: ارتفعي ارجعي من حيث جئت فتصبح طالعةً من مطلعها، ثم تجري حتى تنتهي إلى مستقرها ذاك تحت العرش فتخر ساجدةً ولا تزال كذلك حتى يقال لها: ارتفعي ارجعي من حيث جئتِ فترجع فتصبح طالعةً من مطلعها ثم تجري لا يستنكر النَّاس منها شيئًا حتى تنتهي إلى مستقرِّها ذاك تحت العرش فيقال لها: ارتفعي أصبحي طالعةً من مغربك فتصبح طالعة من مغربها، فقال رسول الله - ﷺ -: أتدرون متى ذاكم؟\n_________\n(^١) أخرجه مسلم، كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب الآيات التي تكون قبل قيام الساعة، ٤/ ٢٢٢٥، رقم ٧٤٦٨.\n(^٢) سورة الأنعام: ١٥٨.\n(^٣) البحر المديد ٢/ ١٩٠.\n(^٤) جامع البيان في تأويل القرآن ١٢/ ٢٦٦.","vol":"1","page":548},{"text":"ذاك ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ﴾ (^١)» (^٢).\nقال القرطبي - ﵀ -: \"قال العلماء: وإنما لا ينفع نفسًا إيمانها عند طلوع الشَّمس من مغربها؛ لأنَّه خلص إلى قلوبهم من الفزع ما تخمد معه كلُّ شهوة من شهوات النَّفس، وتفتر كلُّ قُوَّةٍ من قُوى البدن، فيصير الناس كلهم - لإيقانهم بدنو القيامة- في حال من حضرة الموت؛ في انقطاع الدواعي إلى أنواع المعاصي عنهم، وبطلانها من أبدانهم، فمن تاب في مثل هذه الحال؛ لم تُقبل توبته؛ كما لا تُقبل توبة من حضره الموت\" (^٣).\nويقول ابن كثير - ﵀ -: \"إذا أنشأ الكافر أيمانًا يومئذ لا يُقبل منه، فأمَّا من كان مؤمنًا قبل ذلك؛ فإن كان مصلحًا في عمله فهو بخير عظيم، وإن كان مخلِّطًا فأحدث توبةً حينئذ لم تُقبل منه توبه\" (^٤).\nوقال ابن أبي زمنين المالكي (^٥): \"وأهل السُّنَّة يؤمنون بطلوع الشَّمس من مغربها\" (^٦).\n_________\n(^١) سورة الأنعام: ١٥٨.\n(^٢) أخرجه مسلم، كتاب الإيمان، باب الزمان الذي لا يقبل فيه الإيمان، ١/ ١٣٨، رقم ١٥٩.\n(^٣) التذكرة بأحوال الموتى والآخرة ١/ ١٣٤٦.\n(^٤) تفسير القرآن العظيم ٣/ ٣٧٦.\n(^٥) أبو عبد الله، محمد بن عبد الله بن عيسى بن محمد المري، الأندلسي، الإلبيري، شيخ قرطبة، ولد في أول سنة ٣٢٤ هـ، وله مصنفات منها: حياة القلوب، وأدب الإسلام، وأصول السُّنَّة، توفي في ربيع الآخر سنة ٣٩٩ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء ١٣/ ١١.\n(^٦) أصول السُّنَّة، ص ١٨٤.","vol":"1","page":549},{"text":"٤ - خروج الدابة.\nقال ابن عجيبة في تفسيره لقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ﴾ (^١) وإذا وقع القول عليهم أي: وقع مصداق القول الناطق بمجيء السَّاعة، بأن قرب إتيانها، وظهرت أشراطها، فأراد بالوقوع: دنوه واقترابه، ... و﴿وقع﴾: عبارة عن الثُّبوت واللُّزوم، وهذا بمنزلة: حقَّ عليه كلمة العذاب، أي: وإذا انتجز وعد عذابهم الذي تضمَّنه القول الأزلي، وأراد أن ينفذ في الكافرين سابق علمه لهم من العذاب أخرج لهم دابةً من الأرض\" (^٢).\nوقال في موضعٍ آخر عند تفسيره لقول الله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ (^٣) سيريكم آياته قطعًا في الدُّنيا، التي وعدكم بها، كخروج الدابَّة وسائر الأشراط\" (^٤).\nقال ابن كثير - ﵀ -: \"هذه الدابَّةُ تخرج في آخر الزَّمان عند فساد النَّاس وتركهم أوامر الله - ﷿ - وتبديلهم الدين الحق، يخرج الله لهم دابةً من الأرض فتكلِّم الناس على ذلك\" (^٥).\nوقد رود ذكر خروج الدابة في السُّنَّة، فعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «بادروا بالأعمال ستًّا: الدجَّال، والدخان، ودابة الأرض، وطلوع الشَّمس من مغربها، وأمر العامة، وخويصة (^٦) أحدكم».\n_________\n(^١) سورة النمل: ٨٢.\n(^٢) البحر المديد ٤/ ٢١٨.\n(^٣) سورة النمل: ٩٣.\n(^٤) البحر المديد ٤/ ٢٧٧.\n(^٥) تفسير القرآن العظيم ٤/ ٢١٩.\n(^٦) خويصة أي: الواقعة التي تخص أحدكم، يريد حادثة الموت التي تخص كل إنسان، وهي تصغير خاصة، وصغرت لاحتقارها في جنب ما بعدها من البعث والعرض والحساب. ينظر: النهاية في غريب الحديث ٢/ ٣٧.","vol":"1","page":550},{"text":"وعن حذيفة بن أسيد - ﵁ - قال: اطلع النبي - ﷺ - علينا ونحن نتذاكر، فقال: «ما تذاكرون؟» قالوا: نذكر الساعة قال: «إنها لن تقوم السَّاعة حتى تروا قبلها عشر آيات فذكر الدخان، والدجَّال، والدابة، وطلوع الشَّمس من مغربها، ونزول عيسى ابن مريم، ويأجوج ومأجوج، وثلاثة خسوف: خسف بالمشرق وخسف بالمغرب وخسف بجزيرة العرب، وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد النَّاس إلى محشرهم» (^١).\n٥ - الدخان.\nهو من العلامات الكبرى لأشراط الساعة، وقد ذكر ذلك ابن عجيبة عند تفسيره لقول الله تعالى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ (^٢).\nيقول الحقُّ ﷻ: \"فارتقب فانتظر يوم تأتي السَّماء بدخانٍ مبين، قال عليٌّ وابن عباس وابن عمر والحسن - ﵃ -: «هو دخان يجيء قبل يوم القيامة، يصيب المؤمن منه مثل الزكام، وينضج رؤوس المنافقين والكافرين ...»، وانكر هذا ابن مسعود - ﵁ -، وقال: «هذا الدخان قد رأته قريش حين دعا عليهم النَّبي بسبعٍ كسبع يوسف (^٣) فكان الرَّجل يرى من الجوع دُخانًا بينه وبين السَّماء» (^٤).\nولكنه بعد ذلك ذكر تفسيرًا صوفيًّا إشاريًّا للدُّخان بقوله: يوم يبرز من سماء الغيوب بدخان الحس، وظلمة الأسباب تغشى قلوب النَّاس، فتحجبهم عن شمس العرفان (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم، كتاب الفتن، باب في الآيات التي تكون قبل قيام الساعة، ٤/ ٢٢٢٥، رقم ٢٩١٠.\n(^٢) سورة الدخان: ١٠.\n(^٣) أخرجه البخاري، كتاب التفسير، باب ﴿أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ﴾، ٨/ ٥١١، رقم ٤٨٢٣.\n(^٤) البحر المديد ٧/ ٤٥.\n(^٥) المرجع نفسه ٧/ ٤٥.","vol":"1","page":551},{"text":"وهذا التفسير الإشاري لا يُقبل منه؛ لأنَّه لم يطابق شروط قبول التفسير الإشاري الذي مرَّ معنا.\nوابن عجيبة أصاب في رأيه الأول ولكنه لم يثبت على ذلك.\nوللعلماء في هذه المسألة قولان:\nالأول: أنه هو الذي أصاب قريش من شِدِّة الجوع، وهذا القول ذهب إليه ابن مسعود، وجماعة من السَّلف - ﵃ - (^١).\nورجَّح هذا القول الطبري فقال: \"وإنما قلتُ: القول الذي قاله عبد الله بن مسعود هو أولى بتأويل الآية؛ لأنَّ الله جلَّ ثناؤه توعَّد بالدخان مشركي قريش وأنَّ قوله لنبيِّه - ﷺ -: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ (^٢) في سياق خطاب الله كفَّار قريش وتقريعه إيَّاهم بشركهم بقوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ﴾ (^٣)، ثم أتبع ذلك قوله لنبيِّه ﵊: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ (^٤) أمرًا منه له بالصبر إلى أن يأتيهم بأسه وتهديدًا للمشركين فهو بأن يكون إذ كان وعيدًا لهم قد أحلَّه بهم أشبه من أن يكون أخَّره عنهم لغيرهم.\nوالقول الثاني: أن هذه العلامة من أشراط الساعة المنتظرة، وممن ذهب لهذا القول ابن عباس، وبعض الصحابة - ﵃ - والتابعين، روى ابن جرير الطبري عن عبد\n_________\n(^١) ينظر: تفسير الطبري ١٥/ ١١١ - ١١٣، وتفسير القرطبي ١٦/ ١٣١، وابن كثير ٧/ ٢٣٢.\n(^٢) سورة الدخان: ١٠.\n(^٣) سورة الدخان: ٨ - ٩.\n(^٤) سورة الدخان: ١٠.","vol":"1","page":552},{"text":"الله بن أبي مليكة (^١) قال: «غدوتُ على ابن عباس ذات يوم، فقال: ما نمت الليلة حتى أصبحت، قلت: لم؟ قال: قالوا: طلع الكوكب ذو الذنب، فخشيت أن يكون الدخان قد طرق، فما نمت حتى أصبحت» (^٢).\nقال ابن كثير - ﵀ -: \"وهذا إسنادٌ صحيحٌ إلى ابن عباس حبر الأُمَّة وترجمان القرآن، وهكذا قول من وافقه من الصحابة - ﵃ - والتابعين أجمعين، مع الأحاديث المرفوعة من الصحاح والحسان وغيرهما ... مما فيه مقنع ودلالة ظاهرة على أنَّ الدخان من الآيات المنتظرة، مع أنه ظاهر القرآن، قال الله: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ (^٣) أي: بيِّن واضح يراه كل أحد، وعلى ما فسَّر به ابن مسعود - ﵁ - إنما هو خيال رأوه في أعينهم من شِدَّة الجوع والجهد، وهكذا قوله: ﴿يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (^٤) أي: يتغشَّاهم ويعمهم، ولو كان أمرًا خياليًّا يخصُّ أهل مكة المشركين، لما قيل فيه: ﴿يَغْشَى النَّاسَ﴾ (^٥).\nوقال ابن جرير - ﵀ -:\"وبعد، فإنه غير منكر أن يكون أحلَّ بالكفَّار الذين توعَّدهم بهذا الوعيد ما توعَّدهم، ويكون محلًا فيما يستأنف بعد بآخرين دخانًا على ما جاءت به الأخبار عن رسول الله - ﷺ - عندنا كذلك؛ لأنَّ الأخبار عن رسول الله - ﷺ - قد تظاهرت بأنَّ ذلك كائن، فإنه قد كان ما روى عن عبد الله بن مسعود\n_________\n(^١) عبد الله بن أبي مليكة زهير بن عبد الله بن جدعان التيمي المكي، توفي سنة ١١٧ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء ٥/ ٤٢٩، والمقتنى في سرد الكنى ١/ ١١٥.\n(^٢) تفسير الطبري ٢٢/ ١٧.\n(^٣) سورة الدخان: ١٠.\n(^٤) سورة الدخان: ١١.\n(^٥) تفسير ابن كثير ٧/ ٢٤٩.","vol":"1","page":553},{"text":"- ﵁ -، فكلا الخبرين اللَّذين رُويا عن رسول الله - ﷺ - صحيح\" (^١).\nوبهذا يتضح صحة ما ذهب إليه ابن عجيبة من ذِكْرِه لعلامات السَّاعة الكبرى، وسأذكر بعض نقول الأئمة في معتقداتهم التي يؤكدون على وجوب الإيمان بها.\nقال ابن منده (^٢): \"ذكر وجوب الإيمان بالآيات العشر التي أخبر بها رسول الله - ﷺ - التي تكون قبل قيام الساعة ... ودابة الأرض ... \" (^٣).\nوقال الطحاوي - ﵀ -: \"ونؤمن بأشراط السَّاعة من خروج الدجَّال، ونزول عيسى بن مريم - ﵇ - من السَّماء، ونؤمن بطلوع الشَّمس من مغربها، وخروج دابة من الأرض من موضعها\" (^٤).\nوقال ابن قدامة - ﵀ -: \"ويجب الإيمان بكلِّ ما أخبر به النبي - ﷺ - وصحَّ به النَّقل عنه فيما شاهدناه، أو غاب عنَّا، نعلم أنه حقٌّ، وصدق، وسواء في ذلك ما عقلناه وجهلناه، ولم نطلع على حقيقة معناه ... ومن ذلك أشراط السَّاعة، مثل خروج الدجَّال ونزول عيسى ابن مريم - ﵇ - فيقتله، وخروج يأجوج ومأجوج، وخروج الدابة، وطلوع الشَّمس من مغربها، وأشباه ذلك مما صح به النقل\" (^٥).\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٢٢/ ١٩.\n(^٢) أبو عبد الله، محمد بن إسحاق بن محمد بن يحيى بن منده، الأصبهاني، مؤرِّخ ومن حُفَّاظ الحديث الثقات، ولد سنة ٣١٠ هـ، وتوفي سنة ٣٩٥ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء ١٧/ ٢٨، المنتظم في تاريخ الأمم والملوك ١٥/ ٥٢.\n(^٣) الإيمان ٢/ ٩١٧ - ٩١٨ - ٩١٩.\n(^٤) شرح العقيدة الطحاوي، بشرح ابن أبي العز الحنفي، ص ٧٥٤.\n(^٥) لمعة الاعتقاد، ص ٢٨ - ٢٩ - ٣٠.","vol":"1","page":554},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-149>المبحث الثاني:\nأحوال اليوم الآخِر</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-150>أولًا: تعريف اليوم الآخر</span>\nاليوم مفرد أيَّام، مقداره من طلوع الشَّمس إلى غروبها، أو من طلوع الفجر الصَّادق إلى غروب الشَّمس، أو انتشار ضوء البصر وافتراقه، وقد يُراد به الوقت والحين نهارًا كان أو ليلًا (^١)، قال ابن فارس: \"الياء والواو والميم كلمةٌ واحدة، وهي اليومُ الواحدُ من الأيام\" (^٢).\nوالآخِرُ: نقيضُ المتقدِّم، قال ابن فارس: \"الهمزة والخاء والراء أصلٌ واحدٌ صحيحٌ إليه ترجع فروعه وهو خلافُ التقدُّم\" (^٣).\nويراد باليوم الآخر يوم القيامة الذي يبعث الله - ﷿ - فيه الناس للحساب والجزاء، وإنما سُمِّى يومُ القيامة (اليومَ الآخر)؛ لأنه آخر يوم، لا يومَ بعده سواه (^٤).\nقال الطبري - ﵀ -: \"فإن قال قائل: وكيف لا يكون بعده يوم، ولا انقطاعَ للآخرة ولا فناء، ولا زوال؟ قيل: إنَّ اليوم عند العرب إنما سمي يومًا بليلته التي قبله، فإذا لم يتقدَّم النَّهار ليل لم يسمَّ يومًا، فيوم القيامة يوم لا ليل بعده، سوى الليلة التي قامت في صبيحتها القيامة، فذلك اليوم هو آخر الأيام، ولذلك سماه الله جل ثناؤه\n_________\n(^١) ينظر: القاموس المحيط ١/ ٦٢٩، تاج العروس ١٤/ ٣١٨، ٣٤/ ١٤٣، لسان العرب ٥/ ٢٣٦، المصباح المنير ٢/ ٦٢٧.\n(^٢) مقاييس اللغة ٦/ ١٥٩.\n(^٣) المرجع نفسه ١/ ٧٠.\n(^٤) ينظر: مجموع الفتاوى ٣/ ٢٩، فتح الباري ١/ ١١٨، معارج القبول ٢/ ٧٠٣، وجامع البيان في تأويل القرآن ١/ ٢٧١.","vol":"1","page":555},{"text":"(اليوم الآخر)، ونعته بالعقيم، ووصفه بأنه يوم عقيم؛ لأنَّه لا ليل بعده\" (^١).\nوالإيمان باليوم الآخر ركنٌ من أركان الإيمان وبه يطمئنُّ القلب إلى خبر الله - ﷿ -.\nقال ابن القيم - ﵀ -: \"فهذه الطمأنينة أصل أصول الإيمان التي قام عليه بناؤه، ثم يطمئنُّ إلى خبره عمَّا بعد الموت من أمور البرزخ وما بعدها من أحوال القيامة حتى كأنه يشاهد ذلك كلَّه عيانًا، وهذا حقيقة اليقين الذي وصف به - ﷾ - أهل الإيمان حيث قال: ﴿وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ (^٢)، فلا يحصل الإيمان بالآخرة حتى يطمئنَّ القلب إلى ما أخبر الله سبحانه به عنها طمأنينته إلى الأمور التي لا يشكُّ فيها ولا يرتاب، فهذا هو المؤمن حقًّا باليوم الآخر\" (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-151>ثانيًا: معنى الإيمان باليوم الآخر</span>\nهو التصديق الجازم بكل ما أخبر به الله - ﷿ - في كتابه وأخبر به رسوله - ﷺ - في سُنَّته، ويدخل في ذلك الإيمان بأشراط السَّاعة وأماراتها التي تكون قبلها لا محالة، وبالموت وما بعده من فتنة القبر وعذابه، ونعيمه، وبالنَّفخ في الصور، وخروج الخلائق من القبور، وما في موقف القيامة من الأهوال والأفزاع، وتفاصيل المحشر نشر الصحف، ووضع الموازين، وبالصراط والحوض، والشفاعة وغيرها، وبالجنَّة ونعيمها الذي أعلاه النظر إلى وجه الله - ﷿ -، وبالنَّار وعذابها الذي أشدُّه حجبهم عن ربهم - ﷿ - (^٤).\n_________\n(^١) جامع البيان في تأويل القرآن ١/ ٢٧٢.\n(^٢) سورة البقرة: ٤.\n(^٣) الروح، ص ٢٢١.\n(^٤) ينظر: أعلام السُّنَّة المنشورة، بتصرف، ص ٥٥.","vol":"1","page":556},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-152>ثالثًا: فتنة القبر</span>\nقال ابن عجيبة في تفسيره لقول الله: - ﷿ - ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ (^١): \"يثبِّت الله الذين آمنوا بالقول الثابت وهو لا إله إلا الله، أو كل ما يثبت في القلب، ويتمكن فيه من الحق، بالحُجَّة الواضحة في الحياة الدنيا مدة حياتهم، فلا يزلون إذا افتتنوا في حياتهم، أو عند موتهم، وهي حسن الخاتمة، وفي الآخرة عند السؤال، فلا يتلعثمون إذا سُئلوا عن معتقدهم في القبر، وعند الموقف، فلا تدهشهم أهوال القيامة\" (^٢).\nوذكر اسم الملكين اللذين يسألان الميت فقال: وفي الخبر «إذا وضع العبد في القبر، أتاه منكر ونكير، أسودان أزرقان ...» (^٣).\nوهذا ثابتٌ في الكتاب والسُّنَّة وأقوال سلف الأُمَّة بأنَّ الميت يفتن في قبره ويسأله منكر ونكير.\nقال تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ (^٤).\nوقد فسَّرها النبي - ﷺ - بفتنة القبر، فقد روى البخاري في صحيحه عن البراء بن عازب - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «المسلم إذا سُئل في القبر يشهد أن لا إله إلا الله وأنَّ محمَّدًا رسول الله، فذلك قوله: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ\n_________\n(^١) سورة إبراهيم: ٢٧.\n(^٢) البحر المديد ٥/ ٣٩٦.\n(^٣) شجرة اليقين بما يتعلق بكون رب العالمين، ص ٢٠٢.\n(^٤) سورة إبراهيم: ٢٧.","vol":"1","page":557},{"text":"الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ (^١)»، (^٢).\nوأمَّا الأحاديث في إثبات فتنة القبر فمتواترة كما قال ابن القيم (^٣)، وأورد السيوطي في شرح الصدور بشرح حال الموتى والقبور منها من رواية ستة وعشرين من الصحابة - ﵃ - ومنها:\n١ - عن أسماء - ﵂ -: «وإنه قد أوحي إليَّ أنَّكم تُفتنون في القبور مثل أو قريب من فتنة المسيح الدجَّال» (^٤).\n٢ - عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إذا قُبر الميت، أو قال: أحدكم، أتاه ملكان أسودان أزرقان، يقال لأحدهما: المنكر، وللآخر: النكير، فيقولان: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: ما كان يقول: هو عبد الله ورسوله، أشهد أن لا إله إلا الله، وأنَّ محمَّدًا عبده ورسوله، فيقولان: قد كنا نعلم أنك تقول هذا، ثم يفسح له في قبره سبعون ذراعًا في سبعين، ثم يُنوَّر له فيه، ثم يقال له، نَم، فيقول: أرجع إلى أهلي فأخبرهم، فيقولان: نَم كنومة العروس (^٥) الذي لا يوقظه إلا أحبُّ أهله إليه (^٦)، حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك، وإن كان منافقًا قال: سمعتُ الناس يقولون، فقلت مثله، لا أدري، فيقولان: قد كنا نعلم أنك تقول ذلك، فيقال\n_________\n(^١) سورة إبراهيم: ٢٧.\n(^٢) أخرجه البخاري، كتاب التفسير، باب ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ ... ٦/ ٨٠، رقم ٤٦٩٩.\n(^٣) الروح، ص ٥٢.\n(^٤) أخرجه البخاري، كتاب الوضوء، باب من لم يتوضأ من الغشي المثقل، ١/ ٨٠، رقم ١٨٤.\n(^٥) العروس: يطلق على الذكر والأنثى في أول اجتماعهما، وقد يقال للذكر: العريس، وإنما شبّه نومه بنومة العروس؛ لأنه يكون في طيب العيش. ينظر: تحفة الأحوذي ٣/ ١٣٤.\n(^٦) هذه العبارة تدلُّ على مكانته وعزته عند أهله، فيأتيه ليلة زفافه من هو أحب وألطف فيوقظه على الرفق واللين. ينظر: تحفة الأحوذي ٣/ ١٣٤.","vol":"1","page":558},{"text":"للأرض: التئمي عليه، فتلتئم عليه، فتختلف فيها أضلاعه، فلا يزال فيها مُعذَّبَّا حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك» (^١).\n٣ - وعن أنس بن مالك - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «العبد إذا وضع في قبره وتُوُلِّيَ وذهب أصحابه، حتى إنه ليسمع قرع نعالهم، أتاه ملكان فأقعداه، فيقولان له: ما كنتَ تقول في هذا الرَّجل محمَّد - ﷺ -؟ فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله، فيقال: انظر إلى مقعدك من النَّار، أبدلك الله به مقعدًا من الجنَّة، قال النبي - ﷺ -: فيراهما جميعًا، وأمَّا الكافر أو المنافق فيقول: لا أدري كنت أقول ما يقول الناس، فيقال: لا دريت ولا تليت، ثم يضرب بمطرقة من حديد ضربةً بين أذنيه فيصيح صيحةً يسمعها من يليه إلَّا الثقلين\" (^٢).\n٤ - وعن عائشة - ﵂ - أنَّ النَّبي - ﷺ - كان يقول: «اللَّهم إنِّي أعوذ بك من الكسل والهرم، والمأثم والمغرم، ومن فتنة القبر وعذاب القبر» (^٣).\nوتسمية ابن عجيبة للملكين بمنكر ونكير موافقٌ لما قرَّره أهل العلم المحققون، قال أبو بكر الإسماعيلي: \"ويؤمنون بمسألة منكر ونكير على ما ثبت به الخبر عن رسول الله - ﷺ - مع قول الله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ (^٤) \"، (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي، كتاب الجنائز، باب ما جاء في عذاب القبر، ٢/ ٣٧٤، رقم ١٠٧١، وابن حبان، باب اسم الملكين اللذين يسألان الناس في قبورهم ٧/ ٣٨٦، رقم ٣١١٧، وابن أبي عاصم في ظلال الجنة، باب في القبر وعذاب القبر، ٢/ ١١٤، وقال الألباني: حسن صحيح. ينظر: التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان ٥/ ٩٩، رقم ١٣١٩.\n(^٢) أخرجه البخاري، كتاب الجنائز، باب الميت يسمع خفق النعال، ١/ ٤١٠، رقم: ١٣٣٨.\n(^٣) أخرجه البخاري، كتاب الدعوات، باب التعوذ من المآثم والمغرم، ٤/ ١٦٦، رقم ٦٣٦٨.\n(^٤) سورة إبراهيم: ٢٧.\n(^٥) اعتقاد أهل السُّنَّة شرح أصحاب الحديث ١/ ١٥٢.","vol":"1","page":559},{"text":"وقرَّر هذا الطحاوي في بيان اعتقاد أهل السُّنَّة والجماعة على مذهب أبي حنيفة وصاحبيه حيث قال: \"ونؤمن بملك الموت الموكَّل بقبض أرواح العالمين، وبعذاب القبر لمن كان له أهلًا، وسؤال منكر ونكير في قبره عن ربِّه ودينه ونبيِّه، على ما جاءت به الأخبار عن رسول الله - ﷺ - وعن الصحابة - ﵃ -، والقبر روضة من رياض الجنَّة أو حفرة من حفر النيران\" (^١).\nوقال أبو عمر الداني: (فصل في القبر وفتنته): \"ومن قولهم: إنَّ المؤمنين والكافرين يحيون في قبورهم، ويُفتنون ويسألون، وإنَّ فتَّاني القبر أسودان أزرقان وهما منكر ونكير، يسألان المؤمن والكافر كما صحَّ الخبر وثبت النَّقل بذلك عن رسول الله - ﷺ -؛ وقوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ (^٢)، وأنَّ أرواح المؤمنين منعَّمة إلى يوم الدين، وأنَّ أرواح الكافرين في العذاب الأليم\" (^٣).\nوهذه الأخبار ثابتة توجب العلم، فنرغب إلى الله أن يثبِّتنا في قبورنا عند مسألة منكر ونكير بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-153>رابعًا: النَّفخ في الصور والصعق</span>\nبيَّن ابن عجيبة أنَّ النافخ في الصُّور هو إسرافيل - ﵇ - صاحب القرن (^٥)، الذي ذكر في قول الله - ﷿ -: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾ (^٦)، \"وهو القرن الذي ينفخ فيه\n_________\n(^١) شرح ابن أبي العز ١/ ٥٠.\n(^٢) سورة إبراهيم: ٢٧.\n(^٣) الرسالة الوافية ١/ ١٩٧.\n(^٤) ينظر: السُّنَّة ٢/ ٤١٩، شرح السُّنَّة، للبربهاري ١/ ٣٧.\n(^٥) ينظر: شجرة اليقين بما يتعلق بكون رب العالمين، ص ٢٠٧.\n(^٦) سورة النمل: ٨٦.","vol":"1","page":560},{"text":"إسرافيل - ﵇ - (^١).\nولقد ورد تسمية الصور بالقرن، فعن عبد الله بن عمرو بن العاص - ﵄ - قال: جاء أعرابيٌّ إلى النَّبيِّ - ﷺ - فقال: ما الصُّورُ؟ قال: «قرْنٌ يُنفَخ فيه» (^٢).\nوالصُّور كهيئة البوق (^٣)، وقد يقول قائل: إنَّ تشبيه الصُّور بالبوق تشبيه قبيح؛ لأنَّ البوق من آلات المعازف، ويجاب عليه بأنَّه \"لا يلزم من كون الشيء مذمومًا أن لا يشبه به الممدوح فقد وقع تشبيه صوت الوحي بصلصلة الجرس مع النهي عن استصحاب الجرس كما تقدم تقريره في بدء الوحي، والصُّور إنما هو قرن كما جاء في الأحاديث المرفوعة\" (^٤).\nوجاءت تسميته بصاحب القرن، فعن أبي سعيد الخدري - ﵁ -، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «كيف أنعم وقد التقم صاحب القرنِ القرنَ وحنى جبهته وأصغى سمعه ينتظر أن يؤمر أن ينفخ فينفخ» (^٥).\nوقد أجمع العلماء على أنَّ الذي ينفخ في الصُّور هو إسرافيل، قال القرطبي - ﵀ -: \"قال علماؤنا: والأمم مجمعون على أنَّ الذي ينفخ في الصُّور إسرافيل - ﵇ - \" (^٦).\n_________\n(^١) البحر المديد ٤/ ٢٢٢.\n(^٢) أخرجه أبو داود، باب في ذكر البعث والصور ٤/ ٢٣٦، رقم ٤٧٤٢، والترمذي، في صفة القيامة، باب ما جاء في شأن الصور، ٥/ ٣٧٣، رقم ٣٢٤٤، وقال: هذا حديث حسن صحيح، والنسائي في سننه الكبرى ٦/ ٤٤٨، رقم ١١٤٥٦، وأحمد في مسنده ٢/ ١٩٢، رقم: ٦٨٠٥، وابن حبان في صحيحه ١٦/ ٣٠٤، رقم ٧٣١٢، والحاكم في مستدركه ٢/ ٥٥٠، رقم ٣٨٧٠، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وقال الشيخ الألباني: صحيح، ينظر: السلسلة الصحيحة ٣/ ١٥٤.\n(^٣) نقله الحافظ ابن حجر عن مجاهد. ينظر: فتح الباري ١١/ ٤٤٦.\n(^٤) فتح الباري ١٨/ ٣٥٩.\n(^٥) أخرجه الترمذي في سننه ٥/ ٣٧٣، رقم ٣٢٤٣، وقال: حديث حسن، وصححه الألباني في صحيح وضعيف سنن الترمذي ٧/ ٢٤٣.\n(^٦) التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة ١/ ٤٨٨.","vol":"1","page":561},{"text":"وقال ابن عجيبة عند تفسير قول الله تعالى: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ (^١) أي: نفخ في الصور ... واختُلف في أنَّ المراد به يوم النفخة الأولى أو الثانية، والحقُّ أنها الثانية؛ إذ هي التي يختص عسرها بالكافرين، وأمَّا النفخة الأولى فحكمها -الذي هو الإصعاق- يعمُّ البر والفاجر، على أنها مختصة بمن كان حيًّا عند وقوعها، وقد جاء في الأخبار: أنَّ في الصور ثقبًا بعدد الأرواح، وأنها تجمع في تلك الثقب في النفخة الثانية، فتخرج عند النفخ من كلِّ ثقبة روح، فترجع إلى الجسد الذي نزعت منه، فيعود الجسد كما كان حيًّا\" (^٢).\nومال ابن عجيبة في عدد النفخات إلى قول القرطبي، وظاهره أنَّ النفخ مرتان فقط، واعتمده القرطبي وغيره (^٣).\nوقد اختلف أهل العلم في ذلك على قولين:\nالقول الأول: أنها ثلاث نفخات، وذهب إليه جماعة من أهل العلم كشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن كثير، وابن العربي المالكي (^٤).\nقالوا: إنَّ هذه النفخات نفخة فزع، ونفخة صعق، ونفخة بعث.\nنفخة الفزع: قال الله - ﷿ -: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾ (^٥).\n_________\n(^١) سورة المدثر: ٨ - ١٠.\n(^٢) البحر المديد ٧/ ١٧٣.\nوهذا الخبر أخرجه أبو الشيخ في كتاب العظمة ٢/ ٦٠٣ من قول وهب بن منبّه، وسنده فيه محمد بن إبراهيم بن علاء، وهو منكر الحديث، ينظر: التقريب، ص ٤٦٦، رقم ٥٦٩٨، وذكره الحافظ في فتح الباري ١١/ ٣٦٧، والسيوطي في الحبائك في أخبار الملائك، ص ٣١ - ٣٢، وإن ثبت هذا الأثر فهو من الإسرائيليات.\n(^٣) البحر المديد ٤/ ٢٢٢.\n(^٤) نقله عنه الحافظ ابن حجر في الفتح ١١/ ٤٤٩.\n(^٥) سورة طه: ١٠٢.","vol":"1","page":562},{"text":"والنفخة الثانية نفخة الصعق، قال الله - ﷿ -: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ (^١).\nوالنفخة الثالثة: نفخة البعث، قال الله - ﷿ -: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ (^٢) (^٣).\nالقول الثاني: أنهما نفختان، وذهب إليه طائفة من أهل العلم، كالقرطبي، وابن حجر، والشوكاني، ﵏ (^٤).\nواستدلوا بقول الله تعالى: ﴿مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾ (^٥).\nوقال تعالى: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ﴾ (^٦).\nوقال تعالى: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ (^٧).\nوالذي يظهر أنهما نفختان فقط؛ لثبوت الاستثناء بقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ في كلٍّ من الآيتين، ولا يلزم من مغايرة الصعق للفزع أن لا يحصلا معًا من النفخة الأولى (^٨).\n_________\n(^١) سورة الزمر: ٦٨.\n(^٢) سورة الزمر: ٦٨.\n(^٣) ينظر: مجموع الفتاوى ١٦/ ٣٥، والفتن والملاحم ١/ ٢٧٠، والبيان والتحصيل ١٨/ ٣٦٨.\n(^٤) ينظر: فتح الباري ١١/ ٤٤٩، وفتح القدير ٤/ ١٥٤، والتذكرة بأحوال الموتى والآخرة ١/ ٥٠٧.\n(^٥) سورة يس: ٤٩.\n(^٦) سورة النازعات: ٦.\n(^٧) سورة الزمر: ٦٨.\n(^٨) فتح الباري ١١/ ٣٧٠، تفسير القرطبي ١٣/ ٢٤٠.","vol":"1","page":563},{"text":"ولم يجزم ابن عجيبة بالمستثنى من الصعق في قول الله - ﷿ -: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ (^١)، فقال: إن قلنا: المراد بها النفخة الثانية، فالمستثنى هم من سبقت لهم الحسنى، بدليل قوله: ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ﴾ (^٢)، وإن قلنا: هي نفخة الصعق، فالمستثنى قيل: هم جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، وملك الموت، وقيل: الحور وحملة العرش، وإن قلنا: المراد نفخة الفزع في الدنيا، فالمستثنى أرواح الأنبياء والأولياء والشهداء والملائكة (^٣).\nواستضعف بعض أهل النظر أكثر هذه الأقوال؛ لأنَّ الاستثناء وقع من سكان السَّماوات والأرض وهؤلاء ليسوا من سكانها؛ لأنَّ العرش فوق السماوات فحملته ليسوا من سكانها وجبريل وميكائيل من الصافِّين حول العرش ... ويدل على أنَّ المستثنى غير الملائكة ما أخرجه عبد الله بن أحمد في زوائد المسند وصححه الحاكم من حديث لقيط بن عامر مطولًا وفيه: «يلبثون ما لبثتم ثم تبعث الصائحة (^٤) فلعمر إلهك ما تدع على ظهرها من أحد إلا مات حتى الملائكة الذين مع ربك ...» (^٥).\nورجَّح الطبري والقرطبي وابن كثير والحليمي أنَّ المستثنى في الآية هم الشهداء (^٦).\n_________\n(^١) سورة الزمر: ٦٨.\n(^٢) سورة الأنبياء: ١٠٣.\n(^٣) ينظر: البحر المديد ٤/ ٢٢٣.\n(^٤) الصائحة هي: صيحة المناحة والفزع، المعجم الوسيط، باب الصاد ١/ ٥٣٠.\n(^٥) أخرجه عبد الله بن أحمد في زوائده على المسند ٤/ ١٣، والطبراني في معجمه الكبير ١٩/ ٢١٤، رقم ٤٧٧، وأبو داوود في سننه ٣/ ٢٢١، رقم ٣٢٦٦، وصححه الحاكم في المستدرك ٤/ ٦٠٨، رقم ٨٦٨٣.\n(^٦) ينظر: جامع البيان في تأويل القرآن ٢١/ ٣٣١، التذكرة بأحوال الموتى والآخرة ١/ ٤٥٤، النهاية في الفتن والملاحم ٢/ ٣٨٨، المنهاج ١/ ٤٣١.","vol":"1","page":564},{"text":"وذكر ابن عجيبة أنَّ مقدار ما بين النفختين أربعون سنة (^١)، والصحيح أنه لم يرد في ذلك نصٌّ ثابتٌ بتقديرها، بل الحديث الذي رواه أبو هريرة - ﵁ - يدلُّ على عدم علمه بها، فعن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: بين (ما بين) النفختين أربعون قالوا: يا أبا هريرة أربعون يومًا قال: أبَيْتُ، قال: أربعون سنة قال: أبَيْتُ، قال: أربعون شهرًا قال: أبَيْتُ ... \" (^٢).\nفقول أبي هريرة لما قيل له أربعون سنة: (أبَيْتُ) بالموحَّدة ومعناه: امتنعت من تبيينه؛ لأنِّي لا أعلمه فلا أخوض فيه بالرأي (^٣)، وذكر ابن حجر - ﵀ - عدم صحَّة النصوص التي ورد فيها تحديد مقدار ما بين النفختين، فقال: \"وقد جاء أن بين النفختين أربعين عامًا قلتُ: وقع كذلك في طريق ضعيف عن أبي هريرة في تفسير بن مردويه، وأخرج بن المبارك في الرقائق من مرسل الحسن (بين النفختين أربعون سنة الأولى يميت الله - ﷿ - بها كل حي، والأخرى يحيي الله - ﷿ - بها كل ميت)، ونحوه عند ابن مردويه من حديث ابن عباس وهو ضعيف أيضًا، وعنده أيضًا ما يدلُّ على أنَّ أبا هريرة لم يكن عنده علم بالتعيين فأخرج عنه بسندٍ جيد أنه لما قالوا: أربعون ماذا؟ قال هكذا سمعت\" (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-154>خامسًا: الحشر وأهل الموقف</span>\nبيَّن ابن عجيبة الحشر وأهواله في كثيرٍ من الآيات، فقال في تفسير قول الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ (^٥): \"و(حشرناهم):\n_________\n(^١) البحر المديد ٣/ ٣٥٠.\n(^٢) أخرجه البخاري، كتاب تفسير القرآن، باب ونفخ في الصور، ٣/ ٢٨٥، رقم ٤٨١٤.\n(^٣) ينظر: فتح الباري ١١/ ٣٧٠.\n(^٤) المرجع نفسه ١١/ ٣٧٠، وينظر: مبارق الأزهار في شرح مشارق الأنوار ٢/ ٨.\n(^٥) سورة الكهف: ٤٧.","vol":"1","page":565},{"text":"عطف على (نُسيِّر) للدلالة على تحقق الحشر المتفرع على البعث الذي ينكره المشركون\" (^١).\nوقال في تفسيره لآية أخرى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا﴾ (^٢): \"لنجمعنَّهم بالسوق إلى المحشر بعد ما أخرجتهم من الأرض\" (^٣).\nوفسَّر قول الله تعالى: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ (^٤): \"وذلك يوم الحشر والناس في الموقف\" (^٥).\nوتختلف أحوال الناس في الموقف فبعضهم يكون عليه مقدار خمسين ألف سنة، وهو على الكفَّار قدر خمسين ألف سنة لهوله (^٦)، أمَّا المؤمن فإنه يهون مقدار صلاة مكتوبة، فعن أبي سعيد الخدري - ﵁ - قال، قال رسول الله - ﷺ -: في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، قلتُ: يا رسول الله، ما أطول هذا اليوم؟ فقال - ﷺ -: «والذي نفسي بيده إنه ليخفف على المؤمن حتى يكون أخف عليه من صلاة مكتوبة يصلِّيها في الدنيا» (^٧).\n_________\n(^١) البحر المديد ٣/ ٣٧٦.\n(^٢) سورة مريم: ٦٨.\n(^٣) البحر المديد ٣/ ٣٥٣.\n(^٤) سورة الأنبياء: ١٠٤.\n(^٥) البحر المديد ٣/ ٥٠٣.\n(^٦) ينظر: البحر المديد ٤/ ٩٢، ٣٨٧.\n(^٧) أخرجه أحمد في مسنده ٤/ ١٣٩، رقم ١٧٢٨٢، وابن حبان في صحيحه، باب ذكر الأخبار عن وصف ما يخفف به طول يوم القيامة على المؤمنين ١٦/ ٣٢٩، وأخرجه ابن جرير الطبري في جامع البيان ٢٩/ ٧٢ عن يونس، عن ابن وهب، بهذا الإسناد، وأبو يعلى في مسنده ٢/ ٥٢٧، رقم ١٣٩٠ من طريق الحسن بن موسى عن أبي لهيعة، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ١٠/ ٣٣٧، وقال: إسناده حسن على ضعف في الرواية.","vol":"1","page":566},{"text":"وعن أبي هريرة - ﵁ - عن رسول الله - ﷺ - قال: «يقوم الناس لرب العالمين مقدار نصف يوم من خمسين ألف سنة يهون ذلك على المؤمنين كتدلِّي الشَّمس للغروب إلى أن تغرب» (^١).\nوأحوالهم متفاوتة على قدر أعمالهم فعن عبد الله بن عمر - ﵄ - أنَّ رسول الله - ﷺ - قال في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (^٢)، «حتى يغيب أحدهم في رشحه (^٣) إلى أنصاف أذنيه» (^٤).\nأمَّا الكافر فيحشر على وجهه، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ (^٥).\nوذكر ابن عجيبة حديث أنس - ﵁ - أنَّ رجلًا سأل النبي - ﷺ -: كيف يحشر الكافر على وجهه؟ فقال: «أليس الذي أمشاه على الرجلين في الدنيا قادرًا على أن يمشيه على وجهه يوم القيامة» (^٦) (^٧).\nويحشرون على وجوههم عميًا وبكمًا، وصمًّا، قال تعالى: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾ (^٨).\nويرى ابن عجيبة أنهم حال كونهم عميًا وبكمًا وصمًّا لا يبصرون ما يقر\n_________\n(^١) أخرجه ابن حبان في صحيحه، باب إخباره - ﷺ - عن البعث، ١٦/ ٣٢٨، قال شعيب الأرنؤوط: إسناده صحيح على شرط البخاري.\n(^٢) سورة المطففين: ٦.\n(^٣) الرشح: هو: العرق؛ لأنَّه يخرج من البدن شيئًا فشيئًا كما يرشح الإناء المتخلخل الأجزاء. ينظر النهاية في غريب الحديث ٢/ ٢٢٤\n(^٤) أخرجه البخاري، كتاب التفسير، باب ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، ٣/ ٣٢١ - ٣٢٢، رقم ٤٩٣٨.\n(^٥) سورة الفرقان: ٣٤.\n(^٦) أخرجه البخاري، كتاب تفسير القرآن، باب ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ﴾، ٣/ ٢٧١، رقم ٤٧٦٠.\n(^٧) البحر المديد ٣/ ٢٥٣.\n(^٨) سورة الإسراء: ٩٧.","vol":"1","page":567},{"text":"أعينهم، ولا ينطقون بما يقبل منهم، ولا يسمعون ما يلذ مسامعهم، لما كانوا في الدنيا لا يستبصرون بالآيات والعبر، ولا ينطقون بالحق ولا يستمعونه، ويجوز أن يحشروا بعد الحساب من الموقف إلى النار، مَؤُوفي (^١)\nالقوى والحواس، وأن يحشروا كذلك، ثم تعاد إليهم قواهم وحواسهم، فإن إدراكاتهم بهذه المشاعر في بعض المواطن مما لا ريب فيه (^٢).\nوهذه الآية الكريمة يدلُّ ظاهرها على أنَّ الكفَّار يبعثون يوم القيامة عميًا وبكمًا وصمًّا.\nوقد جاءت آياتٌ أُخر تدلُّ على خلاف ذلك، كقوله تعالى: ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا﴾ (^٣)، وكقوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ (^٤).\nوالجواب عن هذا من ثلاثة أوجه:\nالوجه الأول: أنَّ هذا يكون في مبدأ الأمر ثم يَرُدُّ الله تعالى إليهم أبصارهم ونطقهم وسمعهم فيرون النار ويسمعون زفيرها وينطقون بما حكى الله تعالى عنهم في غير موضع.\n_________\n(^١) البحر المديد ٣/ ٢٣٥.\n\n(٣) مَؤُوفي: صيغة جمع مضافة، من الآفة، وهى العاهة، وأيف الزرع: أصابته آفة، فهو مؤوف على وزن: معوف. انظر: الصحاح (أوف) ٤/ ١٣٣٣.\n(^٢) البحر المديد ٣/ ٢٣٥.\n(^٣) سورة الكهف: ٥٣.\n(^٤) سورة السجدة: ١٢.","vol":"1","page":568},{"text":"الوجه الثاني: أنهم لا يرون شيئًا يسرُّهم، ولا يسمعون كذلك ولا ينطقون بحجة، كما أنهم كانوا في الدنيا لا يستبصرون ولا ينطقون بالحق ولا يسمعونه، فنزل ما يقولونه ويسمعونه ويبصرونه منزلة العدم لعدم الانتفاع به.\nالوجه الثالث: أنَّ الله - ﷿ - إذا قال لهم: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ (^١) وقع بهم ذاك العمى والصم والبكم من شدَّة الكرب واليأس من الفرج، قال تعالى: ﴿وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لَا يَنْطِقُونَ﴾ (^٢) وعلى هذا القول تكون الأحوال الثلاثة مقدَّرة (^٣).\nوالراجح أنهم في أول الحشر يكونون عميًا، وصمًّا، وبكمًا، ثم ترد إليهم حواسهم (^٤).\nوذكر ابن عجيبة أنَّ الأمم كلهم يحشرون حتى البهائم، والدواب، والطير، وهذا صواب، وهو الذي جاء في قول الله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ (^٥)، (^٦).\nقال السعدي - ﵀ -: \"أي جميع الحيوانات، الأرضية والهوائية، من البهائم والوحوش والطيور، كلها أمم أمثالكم خلقناها، كما خلقناكم، ورزقناها كما رزقناكم، ونفذت فيها مشيئتنا وقدرتنا، كما كانت نافذة فيكم، وما أهملنا ولا أغفلنا\n_________\n(^١) سورة المؤمنون: ١٠٨.\n(^٢) سورة النمل: ٨٥.\n(^٣) ينظر: دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب ١/ ١٢٤.\n(^٤) ينظر: أضواء البيان في إيضاح القرآن ٤/ ١٢٧.\n(^٥) سورة الأنعام: ٣٨.\n(^٦) ينظر: البحر المديد ٢/ ٣٥٤.","vol":"1","page":569},{"text":"في اللوح المحفوظ شيئًا من الأشياء، بل جميع الأشياء، صغيرها وكبيرها، مثبتة في اللَّوح المحفوظ، على ما هي عليه، فتقع جميع الحوادث طبق ما جرى به القلم.\nوفي هذه الآية دليلٌّ على أنَّ الكتاب الأول قد حوى جميع الكائنات، وهذا أحد مراتب القضاء والقدر، فإنها أربع مراتب: علم الله الشامل لجميع الأشياء، وكتابه المحيط بجميع الموجودات، ومشيئته وقدرته النافذة العامة لكل شيء، وخلقه لجميع المخلوقات، حتى أفعال العباد.\nويحتمل أن المراد بالكتاب هذا القرآن، وجميع الأمم تحشر وتجمع إلى الله في موقف القيامة، في ذلك الموقف العظيم الهائل، فيجازيهم بعدله وإحسانه، ويمضي عليهم حكمه الذي يحمده عليه الأولون والآخرون، أهل السماء وأهل الأرض\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-155>سادسًا: الميزان والحساب</span>\nالمِيْزَانُ في اللغة: مذكَّر، وأصله من الواو وجمعه (مَوَازِينُ) (^٢).\nقال ابن فارس: \"الواو والزاي والنون بناءٌ يدلُّ على تعديلٍ واستقامة، وزنت الشيءَ وزنًا، والزَّنة: قدرُ وزن الشَّيء\" (^٣).\nوالميزان: هو الآلة التي يوزن بها الأشياء أو ما تقدَّر بها الأشياء خِفَّةً وثقلًا (^٤).\nوقد أشار ابن عجيبة إلى هذا التعريف فقال: \"وهو جمع ميزان، وهو ما يوزن به الشَّيء ليُعرف كميته، وإنما جمع الموازين لتعظيم شأنها\" (^٥).\n_________\n(^١) ينظر: تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان ١/ ٢٥٥.\n(^٢) المصباح المنير ١/ ٣٣٩.\n(^٣) مقاييس اللغة ٦/ ١٠٧.\n(^٤) ينظر: تهذيب اللغة ١٣/ ١٧٦، لسان العرب ١٣/ ٤٤٦.\n(^٥) البحر المديد ٤/ ٥٢٠.","vol":"1","page":570},{"text":"وفي الشَّرع: \"ما توزن فيه الأعمال يوم القيامة، وهو ميزانٌ حقيقيٌّ له لسان وكفَّتان ولا يعلم قدره إلا الله\" (^١).\nرأي ابن عجيبة في إثبات الميزان.\nيُثبت ابن عجيبة الميزان، كما في قول الله تعالى: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (^٢).\nوأمَّا رأيه في الوزن هل هو للأعمال أم الصحائف، فيرى أنه لصحائف الأعمال، يقول: \" ﴿وَالْوَزْنُ﴾ أي: وزن الأعمال، على نعت الحق والعدل، حاصلٌ يوم القيامة، حين يُسأل الرَّسل والمُرسل إليهم، والجمهور على أنَّ صحائف الأعمال تُوزن بميزان له لسان وكفَّتان، ينظر إليه الخلائق؛ إظهارًا للمعدلة وقطعًا للمعذرة كما يسألهم عن أعمالهم، فتعترف بها ألسنتهم، وتشهد بها جوارحهم، ويؤيده ما رُوِي: «أنَّ الرَّجل يُؤتى به إلى الميزان، فيُنشَر عليه تسعَةٌ وتِسعُونَ سِجلًّا، كُلُّ سِجِلٍّ مدّ البصر، فتخرج له بطاقة فيها كلمة الشهادة، فتوضع السجلات في كفَّة، والبطاقة في كفَّة، فتثقل البطاقة، وتطيش السجلَّات» (^٣)، وقيل: توزن الأشخاص؛ لما روي عنه - ﷺ - أنه قال: «إنَّه ليأتي العظيم السَّمين يوم القيامة لا يزن عند الله تعالى جناح بعوضة» (^٤)، والتحقيق: أنَّ المراد به الإهانة والتصغير، وأنه لا\n_________\n(^١) ينظر: شرح أصول اعتقاد أهل السُّنَّة والجماعة ٦/ ١٢٤٥، لوامع الأنوار البهية ٢/ ١٨٤، ومجموع الفتاوى ٤/ ٣٠٢، تحقيق البرهان في إثبات حقيقة الميزان ٢/ ١٧٨.\n(^٢) سورة الأعراف: ٨.\n(^٣) أخرجه ابن ماجه ٢/ ١٤٣٧، رقم ٤٣٠٠، والحاكم في المستدرك ١/ ٧١٠، رقم ١٩٣٧، وقال: صحيح الإسناد، على شرط مسلم، والترمذي ٥/ ٢٤، رقم ٢٦٣٩، وقال: حسن غريب، وابن حبان ١/ ٤٦١، رقم ٢٢٥، واللفظ له، وصحَّحه الألباني في صحيح الجامع، رقم ٨٠٩٥.\n(^٤) أخرجه البخاري، كتاب التفسير، باب ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾، ٣/ ٢٥٧، رقم ٤٧٢٩.","vol":"1","page":571},{"text":"يساوي عند الله شيئًا؛ لاتباعه الهوى.\nثم فصل في الأعمال فقال: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾ أي: حسناته، أو الميزان الذي يوزن به حسناته، وجمعه باعتبار اختلاف الموزونات وتعدد الوزن، فعلى الأول هو جمع موزون، وعلى الثاني جمع ميزان، فمن رجحت حسناته ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ \" (^١).\nورَأْيُ ابن عجيبة موافقٌ لأقوال أهل العلم، قال البقاعي (^٢): \" ﴿وَالْوَزْنُ﴾ بميزانٍ حقيقيٍّ لصحف الأعمال أو للأعمال أنفسها بعد تصويرها بما تستحقه من الصور أو بغير ذلك بعد أن يقذف الله في القلوب العلم به\" (^٣).\nوقال ابن حجر - ﵀ -: \"وأجمع أهل السُّنَّة على الإيمان بالميزان، وأنَّ أعمال العباد توزن يوم القيامة، وأنَّ الميزان له لسانٌ وكفَّتان، ويميل بالأعمال\" (^٤).\nوقال أبو حاتم (^٥) وأبو زرعة (^٦): \"أدركنا العلماء في جميع الأمصار حجازًا وعراقًا\n_________\n(^١) البحر المديد ٢/ ٤٦٥، وينظر: تفسير البيضاوي ٣/ ٦.\n(^٢) هو: أبو الحسن، إبراهيم بن عمر بن حسن الرُّباط برهان الدين البقاعي الشافعي، ولد سنة ٨٠٩ هـ، محدِّث ومفسِّر، مقرئ، من شيوخه: محمد بن محمد الجزري، وابن حجر العسقلاني، له مؤلفاتٌ منها: تحذير العباد من أهل العناد ببدعة الاتحاد، وتنبيه الغبي إلى تكفير ابن عربي، توفي سنة ٨٨٥ هـ. ينظر: إمتاع الفُضَلاء بتَراجِم القُرَّاء فِيما بعد القرن الثامِن الهجري ٢/ ٧٤.\n(^٣) نظم الدرر في تناسب الآيات والسور ٧/ ٣٥٩، وينظر: تفسير القرآن العظيم ٣/ ٣٨٩.\n(^٤) فتح الباري ١٣/ ٥٣٨، وينظر: أصول السُّنَّة، ص ١٦٢.\n(^٥) هو: محمد بن إدريس بن المنذر بن داود بن مهران الحافظ الغطفاني، أحد الأعلام، محدِّثٌ حافظ، قال عن نفسه: كتبت الحديث سنة ٢٠٩ هـ، ولد سنة ١٩٥ هـ، وتوفي سنة ٢٧٧ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء ١٣/ ٢٤٧، تذكرة الحُفَّاظ ٢/ ٥٦٧.\n(^٦) هو: أبو زرعة، عُبيد الله بن عبد الكريم بن يزيد بن فروخ الرازي، مُحدِّث الرَّي، من مؤلفاته: كتاب الضعفاء والمتروكين، توفي سنة ٢٦٤ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء ١٣/ ٦٥، تذكرة الحُفَّاظ ٢/ ٥٥٧.","vol":"1","page":572},{"text":"وشامًا ويمنًا فكان من مذهبهم ... أنَّ الميزان حق، له كفَّتان، توزن فيه أعمال العباد حسنها وسيئها\" (^١).\nومسألة وزن الأعمال أو الصحائف مسألة خلافية بين أهل العلم:\nفمنهم من قال: إنَّ الذي يوزن صحائف الأعمال، وهذا القول وصف بالمشهور، ونسب إلى جمهور المفسِّرين، واختاره القرطبي (^٢)، وابن الجوزي (^٣)، وابن عطيَّة (^٤)، والشوكاني (^٥)، واستدلُّوا بحديث البطاقة المشهور (^٦).\nومنهم من قال: إنَّ الذي يوزن الأعمال نفسها، وهذا ظاهر تبويب البخاري (^٧)، وصحَّحه ابن حجر (^٨)، وهو مفهوم كلام ابن تيمية (^٩)، وابن رجب (^١٠)، ﵏.\nواستدلوا بأحاديث منها:\nقول النبي - ﷺ -: «كلمتان حبيبتان إلى الرَّحمن، خفيفتان على اللِّسان، ثقيلان في الميزان ...» (^١١).\n_________\n(^١) شرح أصول اعتقاد أهل السُّنَّة والجماعة ١/ ١٩٧.\n(^٢) الجامع لأحكام القرآن ٧/ ١٦٥ - ١٦٦.\n(^٣) زاد المسير ٣/ ١٧٠.\n(^٤) المحرر الوجيز ٥/ ٤٣٣.\n(^٥) فتح القدير ٢/ ٩٧.\n(^٦) تقدم، ص ٥٧١.\n(^٧) باب قول الله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ﴾ وأنَّ أعمال بني آدم وقولهم يوزن، ٦/ ٢٧٤٩.\n(^٨) فتح الباري ١٣/ ٦٧٢، قال: والصحيح أنَّ الأعمال هي التي توزن.\n(^٩) مجموع الفتاوى ٤/ ٢٠٣.\n(^١٠) جامع العلوم والحكم ٢/ ١٦، عند الحديث الثالث والعشرين.\n(^١١) أخرجه البخاري، كتاب الدعوات، باب فضل التسبيح، ٤/ ٢٠١١، رقم ٦٤٠٦.","vol":"1","page":573},{"text":"وقول النبي - ﷺ -: «الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان ...» (^١).\nومنهم من قال: إنَّ الذي يوزن العامل نفسه، نقله البغوي (^٢)، وابن الجوزي (^٣)، وابن كثير (^٤)، واستدلُّوا بالحديث الذي ذُكر فيه مناقب ابن مسعود - ﵁ - عند ما صعد على الشجرة ليجتني للصحابة - ﵃ - فهبت الرِّيح وكشفت عن ساقيه فضحكوا فقال رسول الله - ﷺ -: «والذي نفسي بيده لهما أثقل في الميزان من جبل أُحُد» (^٥).\nوقيل: إنَّ العامل يوزن مع عمله وصحيفته (^٦)، وهذا الذي يظهر قال ابن كثير - ﵀ -: \"وقد يمكن الجمع بين هذه الآثار، بأن يكون ذلك كله صحيحًا، فتارةً توزن الأعمال، وتارةً توزن محلها، وتارة يوزن فاعلها\" (^٧)، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-156>سابعًا: الصراط</span>\nالصِّراطُ في اللغة: الطريق، وجسرٌ ممدودٌ على متن جهنَّم، منعوت في الحديث الصحيح، والسِّراطُ بالسِّين لغةٌ فيه (^٨).\nوفي الشَّرع: \"جسمٌ ممدودٌ على ظهر جهنَّم يرده الأوَّلون والآخرون حتى الكُفَّار والأنبياء والصدِّيقون ومن يدخل الجنَّة بغير حساب\" (^٩).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم، كتاب الطهارة، باب فضل الوضوء، ١/ ٢٠٣، رقم ٢٢٣.\n(^٢) معالم التنزيل ٢/ ١٤٩.\n(^٣) زاد المسير ٣/ ١٧١.\n(^٤) النهاية في الفتن والملاحم ٢/ ٢٢٩.\n(^٥) أخرجه أحمد في المسند ١/ ٤، رقم ٤٢١، والطبراني في معجمه الكبير ١٩/ ٢٨، رقم ٥٩، والطيالسي في مسنده ١/ ١٤٥، رقم ١٠٧٨، وأخرجه الحاكم في المستدرك ٣/ ٣٥٨، وقال: هذا حديثٌ صحيحُ الإسناد ولم يخرجاه، والحديث صحَّحه الشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة ٦/ ٥٧٠، رقم ٢٧٥٠.\n(^٦) شرح العقيدة الطحاوية ٢/ ٦١٠، وينظر: معارج القبول ٢/ ٨٥٤.\n(^٧) تفسير ابن كثير ٣/ ٣٥١، لمعة الاعتقاد، ص ١٢١.\n(^٨) القاموس المحيط ١/ ٦٧٥، وينظر: تاج العروس ١٩/ ٤٣٧.\n(^٩) الاقتصاد في الاعتقاد، ص ٥٦، وينظر: رسالة لأهل الثغر ١/ ٢٦٨.","vol":"1","page":574},{"text":"رأي ابن عجيبة في الصراط:\nذكر ابن عجيبة أنَّ الصراط هو: الجسرُ المنصوبُ على متن جهنَّم، والناس يتباينون في المرور عليه بقدر أعمالهم، فمنهم من يمر عليه كالفرس والجواد، ومنهم كالريح العاصف، وهو أرقُّ من الشَّعرة، وأحدُّ من السَّيف (^١)، وذكر المقصود من قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ (^٢) أنَّ الناس يمرون على الصراط والنار من تحت أقدامهم (^٣).\nوبهذا يؤيد القول بأنَّ المرور على الصِّراط ليس المقصود منه الدخول، فعن أم مبشّر أنها سمعت النبي - ﷺ - يقول عند حفصة: «لا يدخل النار إن شاء الله من أصحاب الشجرة أحد، الذين بايعوا تحتها» قالت: بلى يا رسول الله فانتهرها، فقالت حفصة - ﵂ -: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ فقال النَّبيُّ - ﷺ - قد قال الله - ﷿ -: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ (^٤)، (^٥).\nقال ابن أبي العز - ﵀ -: واختلف المفسِّرون في المراد بالورود المذكور في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ (^٦)، ما هو؟ والأظهر والأقوى أنه المرور على الصراط، قال تعالى: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ (^٧)، أشار - ﷺ - إلى أنَّ ورود النار\n_________\n(^١) ينظر: شجرة اليقين بما يتعلق بكون رب العالمين، ص ٢٢٥ - ٢٢٦.\n(^٢) سورة مريم: ٧١.\n(^٣) ينظر: شجرة اليقين بما يتعلق بكون رب العالمين، ص ٢٢٦.\n(^٤) سورة مريم: ٧٢.\n(^٥) أخرجه مسلم، كتاب فضائل الصحابة رضي الله تعالى عنهم، باب من فضائل أصحاب الشجرة أهل بيعة الرضوان ٧/ ١٦٩، رقم ٦٥٦٠.\n(^٦) سورة مريم: ٧١.\n(^٧) سورة مريم: ٧٢.","vol":"1","page":575},{"text":"لا يستلزم دخولها، وأنَّ النَّجاة من الشرِّ لا تستلزم حصوله، بل يستلزم انعقاد سببه، فمن طلبه عدوه ليهلكوه ولم يتمكَّنوا منه، يقال: نجَّاه الله منهم ... كذلك حال الوارد في النار، يمرون فوقها على الصراط، ثم ينجِّي الله الذين اتقوا ويذر الظالمين فيها جثيَّا، فقد بيَّن - ﷺ - في الحديث المذكور: أنَّ الورود هو الورود على الصِّراط (^١).\nوقال ابن تيمية - ﵀ -: \"وفسَّر النَّبيُّ - ﷺ - الورود بهذا، وهذا عامٌّ لجميع الخلق\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-157>ثامنًا: حقيقة الروح وعلاقتها بوحدة الوجود عند ابن عجيبة:</span>\nقال ابن عجيبة: \"وحقيقة الإنسان هي: روحانية، وهي لطيفة نورانية جبروتية، ثم احتجبت ببشرية كثيفة ناسوتيه\" (^٣)، وقال في موضعٍ آخر: \" وكون الأرواح حادثة يجري على مذهب أهل الفرق، وأمَّا أهل الجمع فلا حادث عندهم لفناء الكائنات عن نظرهم ... وسألتُ بعض إخواننا العارفين: هل الأرواح حادثة أو قديمة؟ فقال: الرجال الأشباح عندهم قديمة، ويشير إلى مقام الفناء كما تقدَّم لكنه سرٌّ مكتوم\" (^٤).\nويقول أيضًا: \"وسمو الأرواح أسرارًا؛ لأنَّها لما اتصفت رجعت لأصلها وهي قطعة من السِّر الجبروتي القديم، فإذا استولت على الأشباح رجع الجميع قديمًا\" (^٥).\nوهذه الأقوال فاسدةٌ باتفاق أهل السُّنَّة والجماعة؛ لأنَّ الكلام على الروح قد قُيِّد بقيود ثقال من الوحيين \"ولا يجوز لأحدٍ أن يقفو ما ليس له به علم، ولا يقول\n_________\n(^١) شرح العقيدة الطحاوية ٢/ ٦٠٦.\n(^٢) درء تعارض العقل والنقل ٥/ ٣٣٠.\n(^٣) الفتوحات الإلهية، ص ٣٩.\n(^٤) معراج التشوف، ص ٤٨.\n(^٥) المرجع نفسه، ص ٧٢، وينظر: البحر المديد ٦/ ٤٠٠، وإيقاظ الهمم، ص ٢٠٢.","vol":"1","page":576},{"text":"على الله ما لا يعلم، قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ (^١)، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (^٢)، وليس في الكتاب والسُّنَّة أنَّ المسلمين نهوا أن يتكلَّموا في الروح بما دلَّ عليه الكتاب والسُّنَّة لا في ذاتها ولا في صفاتها، وأمَّا الكلام بغير علم فذلك محرَّمٌ في كلِّ شيء\" (^٣).\nقال ابن تيمية - ﵀ -: \"ومذهب الصَّحابة - ﵃ - والتابعين لهم بإحسان وسائر سلف الأُمَّة وأئمة السُّنَّة أنَّ الروح عينٌ قائمةٌ بنفسها تفارق البدن وتُنعَّم وتُعذَّب ليست هي البدن، ولا جزءًا من أجزائه كالنَّفس المذكور، ولما كان الإمام أحمد - ﵀ - ممَّن نصَّ على ذلك كما نص عليه غيره من الأئمة لم يختلف أصحابه في ذلك ... \" (^٤).\nوقال في موضعٍ آخر: \"والصَّواب أنها ليست مركَّبة من الجواهر المفردة، ولا من المادة والصورة، وليست من جنس الأجسام المتحيِّزات المشهودة المعهودة، وأمَّا الإشارة إليها فإنه يُشار إليها، وتصعد، وتنزل، وتخرج من البدن، وتُسَلُّ منه، كما جاءت بذلك النصوص ودَلَّت عليه الشواهد العقلية، وأمَّا قول القائل أين مسكنها من الجسد؟ فلا اختصاص للروح بشيءٍ من الجسد بل هي سارية في الجسد كما تسري الحياة التي هي عرض في جميع الجسد، فإنَّ الحياة مشروطة بالروح فإذا كانت الروح في الجسد كان فيه حياة وإذا فارقته الروح فارقته الحياة\" (^٥).\n_________\n(^١) سورة الإسراء: ٣٦.\n(^٢) سورة الأعراف: ٣٣.\n(^٣) من كلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى ٤/ ٢٣٠.\n(^٤) مجموع الفتاوى ١٣/ ٣٤١.\n(^٥) المرجع نفسه ٩/ ٣٠٢.","vol":"1","page":577},{"text":"وبيَّن ابن القيم حقيقة الروح فقال: \"إنَّه جسمٌ مخالفٌ بالماهية لهذا الجسم المحسوس، وهو جسمٌ نورانيٌّ، علويٌّ، خفيفٌ، حيٌّ، متحرِّك، ينفذ في جوهر الأعضاء، ويسري فيها سريان الماء في الورد، وسريان الدُّهن في الزيتون، والنَّار في الفحم، فما دامت هذه الأعضاء صالحةً لقبول الآثار الفائضة عليها من هذا الجسم اللَّطيف بقي ذلك الجسم اللطيف مشابكًا لهذه الأعضاء، وأفادها هذه الآثار من الحسِّ والحركة الإرادية، وإذا فسدت هذه الأعضاء بسب استيلاء الأخلاط الغليظة عليها وخرجت عن قبول تلك الآثار فارق الروح البدن، وانفصل إلى عالم الأرواح، وهذا القول هو الصواب في المسألة هو الذي لا يصح غيره وكل الأقوال سواه باطلة وعليه دلَّ الكتاب والسُّنَّة وإجماع الصحابة وأدلة العقل والفطرة\" (^١).\nوذكر ابن تيمية - ﵀ - أصناف القائلين بقدم الروح فقال: \"واعلم أنَّ القائلين بقدم الروح صنفان:\nصنفٌ من الصابئة (^٢) الفلاسفة يقولون: هي قديمة أزلية لكن ليست من ذات الرب، كما يقولون ذلك في العقول، والنفوس الفلكية، ويزعم من دخل من أهل الملل فيهم أنها هي الملائكة.\nوصنفٌ من زنادقة هذه الأُمَّة وضُلَّالها -من المتصوفة والمتكلِّمة والمحدثة- يزعمون أنها من ذات الله، وهؤلاء أشرُّ قولًا من أولئك، وهؤلاء جعلوا الآدمي نصفين: نصف لاهوت، وهو روحه، ونصف ناسوت، وهو جسده نصفه رب ونصفه عبد، وقد كفَّر الله النصارى بنحو من هذا القول في المسيح فكيف بمن يعم\n_________\n(^١) الروح، ص ١٧٨.\n(^٢) الصابئة: من صبأ، وهو الخروج من دين إلى دين، وهم قسمان: صابئة حنفاء، وصابئة مشركون يعظمون الكواكب السبعة والبروج الاثني عشر، ينظر: الملل والنحل ٢/ ٢٨٩.","vol":"1","page":578},{"text":"ذلك في كلِّ أحد؟ حتى في فرعون: وهامان وقارون\" (^١).\nوقال في موضعٍ آخر: \"من قال إنَّ أرواح بني آدم قديمة غير مخلوقة فهو من أعظم أهل البدع الحلولية الذين يجر قولهم إلى التعطيل، بجعل العبد هو الرب، وغير ذلك من البدع الكاذبة المضلة\" (^٢).\nوذكر في موضعٍ آخر أيضًا الأدلة على أنَّ الروح مخلوقة فقال: \"وكل ما دلَّ على أنَّ الإنسان عبدٌ مخلوقٌ مربوب، وأنَّ الله - ﷿ - ربه وخالقه ومالكه وإلهه فهو يدلُّ على أنَّ روحه مخلوقة، فإنَّ الإنسان عبارة عن البدن والروح معًا بل هو بالروح أخصُّ منه بالبدن وإنما البدن مطيَّة للرُّوح\" (^٣).\nوذكر تلميذه ابن القيم اثني عشر وجهًا تدلُّ على أنَّ الروح مخلوقة، فقال: \"فصلٌ، والذي يدلُّ على خلقها وجوه منها:\nالوجه الأول: قول الله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ (^٤)، فهذا اللَّفظُ عامٌّ لا تخصيص فيه بوجهٍ ما، ولا يدخل في ذلك صفاته فإنها داخلة في مُسمَّى اسمه، فالله سبحانه هو الإله الموصوف بصفات الكمال، فعلمه وقدرته وحياته وإرادته وسمعه وبصره وسائر صفاته داخل في مُسمَّى اسمه ليس داخلًا في الأشياء المخلوقة كما لم تدخل ذاته فيها، فهو سبحانه وصفاته الخالق وما سواه مخلوق، ومعلومٌ قطعًا أنَّ الروح ليست هي الله ولا صفة من صفاته وإنما هي مصنوعٌ من مصنوعاته فوقوع الخلق عليها كوقوعه على الملائكة والجنِّ والإنس.\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ٤/ ٢٢١ - ٢٢٢.\n(^٢) المرجع نفسه ٤/ ٢٢٦.\n(^٣) نفسه ٤/ ٢٢٠ - ٢١٢ - ٢٢٢.\n(^٤) سورة الأنعام: ١٠٢.","vol":"1","page":579},{"text":"الوجه الثاني: قوله تعالى: ﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ (^١) وهذا الخطاب لروحه وبدنه ليس لبدنه فقط؛ فإنَّ البدن وحده لا يفهم ولا يخاطب ولا يعقل وإنما الذي يفهم ويعقل ويخاطب هو الروح.\nالوجه الثالث: قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ (^٢).\nالوجه الرابع: قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ (^٣)، وهذا الإخبار إنما يتناول أرواحنا وأجسادنا كما يقوله الجمهور، وأمَّا أن يكون واقعًا على الأرواح قبل خلق الأجساد كما يقوله من يزعم ذلك وعلى التقدير فهو صريحٌ في خلق الأرواح.\nالوجه الخامس: النصوص الدالة على أنه سبحانه ربنا ورب آبائنا الأولين ورب كل شيء، وهذه الربوبية شاملة لأرواحنا وأبداننا، فالأرواح مربوبة له مملوكة كما أنَّ الأجسام كذلك، وكل مربوب مملوك فهو مخلوق.\nالوجه السادس: أول سورة في القرآن وهي الفاتحة، تدلُّ على أنَّ الأرواح مخلوقة من عدة أوجه:\nأحدها: قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (^٤) والأرواح من جملة العالم فهو ربها.\nالثاني: قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (^٥) فالأرواح عابدة له\n_________\n(^١) سورة مريم: ٩.\n(^٢) سورة الصافات: ٩٦.\n(^٣) سورة الأعراف: ١١.\n(^٤) سورة الفاتحة: ١.\n(^٥) سورة الفاتحة: ٥.","vol":"1","page":580},{"text":"مستعينة، ولو كانت غير مخلوقة لكانت معبودةً مستعانًا بها.\nالثالث: أنها فقيرة إلى هداية فاطرها وربها تسأله أن يهديها صراطه المستقيم.\nالرابع: أنها منعم عليها مرحومة ومغضوب عليها وضالة شقية، وهذا شأن المربوب والمملوك لا شأن القديم غير المخلوق\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-158>تاسعًا: علاقتها بوحدة الوجود</span>\nزعم ابن عجيبة أنَّ الروح جزءٌ من ذات الله، ولكن انفصلت عنه، وحُبست في البدن فحنَّت لنصفها اللاهوتي فتجلَّى الله لها -تعالى الله عمَّا يقول- فالروح عبارة عن محلِّ التجليات الإلهية وكشف الأنوار الملكوتية، والسر: عبارة عن محل التجليات الإلهية، وكشف الأنوار الملكوتية للخواص، والسر لخواص الخواص (^٢).\nووصول الروح إلى مرتبة السر الفانية في شهود ذات الله - ﷿ - غاية كبرى -عنده- موصلة إلى عقيدة وحدة الوجود، فلذلك قال: \"وأمَّا السرُّ فهو الأمر الخفي الذي لا يُدرك، فلذلك قالوا في الخمرة الأزلية والمعاني القديمة أسرار، وسمَّوا الأرواح بعد التصفية أسرارًا؛ لأنها لما تصفَّت رجعت لأصلها، وهي قطعةٌ من السر الجبروتي القديم، فإذا استولت على الأشباح رجع الجميع قديمًا\" (^٣).\nوهذه التصفية للروح تكون عن طريق شيخ التربية (^٤) -كما يزعم- الذي أرجعها إلى أصلها حتى يصل إلى الغيبة عن الخلق بشهود الملك الحق (^٥) \"ثم تكون\n_________\n(^١) الروح، ص ١٤٦.\n(^٢) ينظر: معراج التشوف، ص ٤٧.\n(^٣) المرجع نفسه، ص ٧١، وينظر: الفتوحات الإلهية، ص ٣١.\n(^٤) سيأتي الحديث عن الصلة بين الشيخ والمريد في الباب الثالث.\n(^٥) ينظر: إيقاظ الهمم، ص ٦٤.","vol":"1","page":581},{"text":"مطمئنة حين تطمئنُّ بشهود الحقِّ بلا واسطة، بل تستدلُّ بالله على غيره، فلا ترى سواه، فحينئذٍ ترجع إلى أصلها، وترُجع الأشياء كلها إلى أصولها، وهو القدم والأبد، فيتلاشى الحادث ويبقى القديم وحده، كما كان وحده\" (^١).\nوقوله: إنَّ الروح جزءٌ من ذات الله، ثم انفصلت عنه هو في الحقيقة عقيدة فلسفية أفلاطونية، تأثَّر بها ابن عجيبة وغيره من الصوفية (^٢)، وهي كما قال التفتازاني (^٣): \"ونحن نجد فكرتهم هذه تشبه فكرة الفيلسوف اليوناني أفلاطون (^٤) في أنَّ النفس الإنسانية كانت موجودة من قبل عالم آخر غير هذا العالم، وذلك قبل أن تهبط إلى البدن، حيث كانت في صحبة الآلهة، ومتحققة بمعرفة المثل، وأنَّ معرفتها بالمثل بعد حلولها في البدن عبارة عن تذكُّر للمعرفة السابقة لها في صحبة الآلهة\" (^٥).\n_________\n(^١) البحر المديد ٧/ ١٨٧.\n(^٢) ينظر: التصوف كوعي وممارسة، ص ٢٠٧.\n(^٣) مسعود بن عمر بن عبد الله التفتازاني الشافعي، سعد الدين، ولد بتفتازان سنة ٧١٢ هـ، من مصنفاته: تهذيب المنطق، مقاصد الأدلة، مات سنة ٧٩١ هـ بسمرقند. ينظر: الدرر الكامنة ٤/ ٣٥٠، بغية الوعاة ٢/ ٢٨٥.\n(^٤) أفلاطون: فيلسوف يوناني من أثينا، تلميذ سقراط، أنشأ مدرسة على أبواب أثينا سُمِّيت بالأكاديمية نسبة إلى بستان أكاديموس الذي تطلُّ عليه، وأقام فيها معبدًا وجعلها جمعية دينية علمية، توفي سنة ٤٢٧ قبل الميلاد. ينظر: تاريخ الفلسفة اليونانية، يوسف كرم، ص ٦٢.\n(^٥) ابن عطاء الله السكندري وتصوفه، ص ١٥٨.","vol":"1","page":582},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-159>المبحث الثالث: الجَنَّة والنَّار</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-160>أولًا: الجَنَّة والنار مخلوقتان موجودتان</span>\nيعتقد ابن عجيبة أنَّ الجنة والنار مخلوقتان، يقول في تفسيره لقول الله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (^١): ﴿أُعِدَّتْ﴾ أي: هُيِّئت للمتقين، وفيه: \"دليلٌ على أنَّ الجنَّة مخلوقة، وأنَّها خارجةٌ عن هذا العالم\" (^٢).\nوقال في تفسيره لقول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ (^٣)، \"وفيه إشعارٌ بأنَّ النَّار موجودة إذ لا يُعَدُّ المعدوم، وأنَّها بالذات مُعَدَّة للكافرين، وبالعرض للعاصين\" (^٤).\nوما ذهب إليه ابن عجيبة في تفسيره للآيات السابقة هو حقٌ دلَّت عليه النصوص الشرعية وأقوال المفسرين.\nقال القرطبي - ﵀ -: \"وعامَّة العلماء على أنَّ الجنّة مخلوقةٌ موجودة ... \" (^٥).\nوقال ابن كثير - ﵀ -: الأظهر أنَّ الضمير في ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ عائدٌ إلى النَّار التي وقودها الناس والحجارة، ويحتمل عوده على الحجارة، ... وقد استدلَّ كثيرٌ من أئمة السُّنَّة\n_________\n(^١) سورة آل عمران: ١٣٣.\n(^٢) البحر المديد ١/ ٤٠٦.\n(^٣) سورة آل عمران: ١٣٠ - ١٣١.\n(^٤) البحر المديد ١/ ٤٠٦.\n(^٥) الجامع لأحكام القرآن ٤/ ٢٠٥.","vol":"1","page":583},{"text":"بهذه الآية على أنَّ النَّار موجودة الآن؛؛ لقوله: ﴿أُعِدَّتْ﴾ أي: أُرْصِدت وهُيِّئت\" (^١).\nوالأحاديثُ مستفيضةٌ بذلك.\nأمَّا أقوال العلماء في صِحَّة هذا القول فهي مقرَّرةٌ في كتبهم.\nقال الطحاوي - ﵀ -: \"والجنَّة والنَّار مخلوقتان، لا تفنيان أبدًا ولا تبيدان، فإنَّ الله تعالى خلق الجنَّة والنَّار قبل الخلق، وخلق لهما أهلًا، فمن شاء منهم إلى الجنَّة فضلًا منه، ومن شاء منهم إلى النَّار عدلًا منه، وكلٌّ يعمل لما قد فرغ له، وصائر إلى ما خلق له، والخير والشر مقدَّران على العباد\" (^٢).\nوقال الآجري - ﵀ -: \"كتاب الإيمان والتصديق بأنَّ الجنَّة والنار مخلوقتان، وأنَّ نعيم الجنَّة لا ينقطع عن أهلها أبدًا، وأنَّ عذاب النَّار لا ينقطع عن أهلها أبدًا\" (^٣).\nوقال الشيخ ابن عثيمين - ﵀ - (^٤): \"وهما مخلوقتان الآن؛ لقوله تعالى في الجنة: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ وفي النار: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾، والإعداد التهيئة، ولقوله، - ﷺ - حين صلَّى صلاة الكسوف: «إنِّي رأيت الجنة، فتناولت منها عنقودًا، ولو أخذته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا، ورأيت النَّار، فلم أر كاليوم منظرًا قط أفظع» (^٥)، (^٦).\n_________\n(^١) تفسير القرآن العظيم ١/ ٢٠٢.\n(^٢) متن العقيدة الطحاوية، ص ٥٠.\n(^٣) الشريعة ٣/ ١٣٤٢.\n(^٤) هو: أبو عبد الله، محمد بن صالح بن سليمان بن عبد الرحمن بن عثمان بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أحمد بن مقبل، من آل مقبل، من آل ريِّس الوهيبي التميمي، ولد في عنيزة سنة ١٣٤٧ هـ، وتعلم القرآن على جده من جهة أمه عبد الرحمن بن سليمان الدامغ - ﵀ -، ومن شيوخه: الشيخ عبد الرحمن السعدي، والشيخ عبد العزيز بن باز، له مؤلفات منها: الشرح الممتع على زاد المستنقع، وشرح العقيدة الواسطية وغيرها، توفي عام ١٤٢١ هـ. ينظر: الجامع لحياة العلامة محمد بن صالح العثيمين، ص ١٤٢، ابن عثيمين الإمام الزاهد، ص ٢٩٦.\n(^٥) مجموع فتاوى ورسائل العثيمين ٥/ ٧٠.\n(^٦) أخرجه البخاري، كتاب الكسوف، باب صلاة الكسوف جماعة، ١/ ٣٣١، رقم ١٠٥٢.","vol":"1","page":584},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-161>ثانيًا: الجنة والنار لا تفنيان</span>\nيذهب ابن عجيبة إلى أنَّ الجنة والنار لا تفنيان، يقول في تفسيره لقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ (^١): \"إنَّ الله لعن الكافرين أبعدهم عن رحمته، وأعد لهم سعيرًا نارًا شديدة التسعير، أي: الإيقاد، خالدين فيها أبدًا، وهذا يرد مذهب الجهمية في زعمهم أن النار تفنى، و(خالدين): حال مقدرة من ضمير «لهم». لا يجدون وليا يحفظهم، ولا نصيرا يمنعهم ويدفع العذاب عنهم\" (^٢).\nوهو يوافق ما عليه أهل السُّنَّة والجماعة، ولا غرابة في ذلك فإنَّ ابن عجيبة أشعريُّ المعتقد، والأشاعرة مطبقون على ذلك (^٣).\nقال ابن أبي زمنين - ﵀ -: \"وأهل السُّنَّة يؤمنون بأنَّ الجنَّة والنَّار لا يفنيان ولا يموت أهلها ... \" (^٤).\nوقال أبو حاتم وأبو زرعه (^٥): \"والجنَّة حقٌّ، والنَّار حق، وهما مخلوقان لا يفنيان أبدًا، والجنَّة ثوابٌ لأوليائه، والنَّارُ عقابٌ لأهل معصيته إلا من رحم الله - ﷿ - \" (^٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-162>ثالثًا: مكان الجنَّة</span>\nقال ابن عجيبة في تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ (^٧)، \"يقول الحقُّ\n_________\n(^١) سورة الأحزاب: ٦٤.\n(^٢) البحر المديد ٤/ ٤١٦.\n(^٣) ينظر: تحفة المريد، ص ٢٧١، والأبكار ٣/ ٢٤٨، والغنية في أصول الدين، ص ١٦٧، والملل والنحل، ص ٩٠.\n(^٤) أصول السُّنَّة، ص ١٣٩.\n(^٥) تقدم التعريف بهما، ص ٥٧٢.\n(^٦) شرح أصول أهل السُّنَّة ١/ ١٩٩.\n(^٧) سورة الأعراف: ٥٠.","vol":"1","page":585},{"text":"ﷻ: ونادى يوم القيامة أصحاب النَّار أصحاب الجنَّة أن أفيضوا أي: صُبُّوا علينا من الماء، وفيه دليلٌ على أنَّ الجنَّة فوق النَّار\" (^١).\nوقال: \"وفي السَّماء ما تُوعدون من الثواب؛ لأنَّ الجنَّة في السَّماء السَّابعة، سقفها العرش\" (^٢).\nويقول أيضًا في قوله: ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾ (^٣)؛ مرتفعة المكان؛ لأنها في السَّماء السَّابعة (^٤).\nوالذي قرَّره في تفسيره دلَّت عليه النُّصوص الشرعية.\nفعن أبي هريرة - ﵁ - قال، قال رسول الله - ﷺ -: «من آمن بالله وبرسوله، وأقام الصلاة، وصام رمضان، كان حقًّا على الله - ﷿ - أن يدخله الجنَّة جاهد في سبيل الله أو جلس في أرضه التي ولد فيها»، فقالوا: يا رسول الله أفلا نبشِّر الناس؟ قال: «إنَّ في الجنة مائة درجة، أعدها الله - ﷿ - للمجاهدين في سبيل الله، ما بين الدرجتين كما بين السَّماء والأرض، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس، فإنَّه أوسط الجنَّة وأعلى الجنَّة، أراه فوقه عرش الرحمن ومنه تفجر أنهار الجنة» (^٥).\nوعلَّق ابن القيم - ﵀ -: على حديث: «الجنة مائة درجة ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض» (^٦) بقوله: \"وهذا يدلُّ على أنها في غاية العلو والارتفاع، والله أعلم\" (^٧).\n_________\n(^١) البحر المديد ٢/ ٢٢١.\n(^٢) المرجع نفسه ٥/ ٤٧١.\n(^٣) سورة الحاقة: ٢٢.\n(^٤) البحر المديد ٧/ ١٢٧.\n(^٥) أخرجه البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب درجات المجاهدين في سبيل الله، ٢/ ٣٠٣، رقم ٢٧٩٠.\n(^٦) أخرجه أحمد في مسنده ٥/ ٣٢١، والترمذي في سننه ٤/ ٦٧٥، والحاكم في مستدركه ٢/ ٩٣، وصحَّحه الألباني في صحيح وضعيف الجامع ١٢/ ٣٧٨.\n(^٧) حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح، ص ٤٧.","vol":"1","page":586},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-163>الفصل السادس: آراؤه في الإيمان بالقدر</span>\nوفيه ثلاث مباحث:\n\nالمبحث الأول: معنى القدر ومراتبه\nالمبحث الثاني: أفعال العباد\nالمبحث الثالث: المشيئة والإرادة","vol":"1","page":587},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-164>المبحث الأول:\nمعنى القدر ومراتبه</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-165>أولًا: تعريف القدر</span>\nالقَدَر في اللُّغة: القضاءُ والحُكْم، قال ابن فارس: \"القاف، والدال، والراء أصلٌ صحيحٌ يدلُّ على مبلغ الشَّيءِ وكُنْهه ونهايته، فالقَدْرُ: مبلغ كلِّ شيء، يُقال: قَدْرُه كذا، أي مبلغه، وكذلك القَدَر، وقَدَرتُ الشَّيء أقْدِرُه وأقْدُرُه من التقدير، وقدَّرْته أُقَدِّره، والقَدْرُ: قضاء الله تعالى الأشياء على مبالغها ونهاياتها التي أرادها لها، وهو القَدَرُ أيضًا\" (^١)، وقال ابن سيده (^٢): \"القَدَرُ: القضاءُ والحكْم، قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ (^٣): أي الحُكْم\" (^٤)، وقال الفيروز آبادي: \"القَدَر محرَّكة: القضاءُ والحكْمُ ومَبْلغُ الشَّيء، ويُضَمُّ كالمقدار والطاقة كالقَدْر فيهما ... والقَدْر: الغنى واليسار والقوة\" (^٥)، وقال الزبيدي (^٦): \"والقدر: التعظيم، وبه فُسِّر قوله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ (^٧) أي ما عظَّموا الله حقَّ تعظيمه، والقدر: تدبير الأمر، يقال: قدَّره يقدِّره، بالكسر أي: دبره، والقدر: قياس الشَّيءِ بالشَّيء يقال: قدَّره به قَدْرًا،\n_________\n(^١) مقاييس اللغة ٥/ ٦٢ - ٦٣.\n(^٢) هو أبو الحسين، علي بن إسماعيل المرسي، إمام اللغة، ولد بمرسيه شرق الأندلس، وله مصنفات منها: المخصص، والمحكم والمحيط الأعظم. ينظر: وفيات الأعيان ٣/ ٣٣٠، سير أعلام النبلاء ١٨/ ١٤٤.\n(^٣) المحكم والمحيط الأعظم ٦/ ١٨٣.\n(^٤) سورة القدر: ١.\n(^٥) القاموس المحيط ٢/ ١١٣.\n(^٦) محمد مرتضى بن محمد بن الحسن الزبيدي، أصله من واسط بالعراق، ونشأ في زبيد في اليمن، له مؤلفات منها: تاج العروس، إتحاف السَّادة المتقين، وكانت وفاته سنة ١٢٠٥ هـ. ينظر: الأعلام ٧/ ٩٥.\n(^٧) سورة الزمر: ٦٧.","vol":"1","page":589},{"text":"وقدَّره: إذا قاسه، ويقال أيضًا: قدرت لأمر كذا أقدر له، بهذا المعنى ... والقَدْر: الشَّرف، والعظمة، والتزيين، وتحسين الصُّورة\" (^١).\nوفي الشَّرع:\nقال ابن تيمية - ﵀ -: \"هو علمُ اللهِ وكتابُه وما طابق ذلك من مشيئته وخلقه\" (^٢).\nوقال ابن القيم - ﵀ -: هو \"علمُ الله وقدرتُه وكتابتُه ومشيئتُه\" (^٣).\nوقال السَّفارينيُّ - ﵀ -: \"القدر عند السَّلف: ما سبق به العلم، وجرى به القلم، مما هو كائنٌ إلى الأبد، وأنه - ﷿ - قدَّر مقادير الخلائق وما يكون من الأشياء قبل أن تكون في الأزل\" (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-166>ثانيًا: تعريف القضاء</span>\nالقضاء في اللغة قال الخليل: \"قضي: قضى يقضي قضاءً وقضيَّة أي: حكم، وقضى إليه عهدًا، معناه الوصية، ومنه قوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ \" (^٥) (^٦).\nوفي الشرع:\nقال ابن حجر - ﵀ -: \"هو الحكم الكُلِّي الإجمالي في الأزل، والقدر جزيئات ذلك الحكم وتفاصيله\" (^٧).\nوقال ابن عثيمين - ﵀ -: هو ما قضى به الله - ﷿ - في خلقه من إيجاد أو إعدام أو تغيير (^٨).\n_________\n(^١) تاج العروس ١٣/ ٣٧٤، ٣٨٠.\n(^٢) جامع الرسائل ٢/ ٣٥٥.\n(^٣) شفاء العليل ٢/ ٧٣٣.\n(^٤) لوامع الأنوار ١/ ٣٤٨.\n(^٥) سورة الإسراء: ٤.\n(^٦) العين ٥/ ١٨٥.\n(^٧) فتح الباري ١١/ ٤٨٦.\n(^٨) ينظر: شرح العقيدة الواسطية ٢/ ١٨٧ - ١٨٨.","vol":"1","page":590},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-167>ثالثًا: تعريف ابن عجيبة</span>\nأ- تعريفه للقدر: \"القَدَر -بتحريك الدال المهملة وسكونها- مصدر قدَّرتُ الشَّيءَ: إذا أحطت بمقداره، وهو عبارة عن تَعَلُّق عين علم الله بالكائنات قبل وجودها، فلا يظهر في عالم الشَّهادة شيءٌ من الخلائق إلا وقد سبق علمه وقدره السَّابق، ولا يصدر من خلقه قول ولا فعل ولا حركة ولا سكون إلَّا وقد سبق في علمه وقدره كيف يكون\" (^١).\nب- تعريفه للقضاء: \"والرضا بقضائه وقدره هو: الخروج عن تدبيره واختياره إلى حسن تدبير الله - ﷿ - واختياره\" (^٢).\nوقال في موضع آخر: \"الرضا: تلقِّي المهالك بوجهٍ ضاحك، أو سرور يجده القلب عند حلول القضاء، أو ترك الاختيار على الله فيما دَبَّر وأمضى، أو شرح الصدر ورفع الإنكار لما يرد من الواحد القهَّار\" (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-168>رابعًا: مراتب القدر</span>\nذكر ابن عجيبة مراتب القدر، وهي:\n١ - العلم:\nقال في تفسيره لقول الله تعالى: ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾ (^٤)، \"فقد أحاط الله بذلك، علمًا وسمعًا وبصرًا، فالآية مقرِّرة لما قبلها من كمال علمه وشموله\" (^٥).\n_________\n(^١) سلك الدرر في ذكر القضاء والقدر، ص ٥٠.\n(^٢) اللوائح القدسية في شرح الوظيفة الزروقية، ص ٨٥.\n(^٣) معراج التشوف، ص ٢٣.\n(^٤) سورة الرعد: ١٠.\n(^٥) البحر المديد ٣/ ١٢.","vol":"1","page":591},{"text":"وفي قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ (^١): \"لأنَّ علمه أحاط بكلِّ معلوم\" (^٢).\nوفي قوله تعالى: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ﴾ (^٣): \"أحاط علمنا بكلِّ شيء، فنجري الأشياء على ما سبق به علمنا، واقتضته حكمتنا\" (^٤).\nوفي قوله تعالى: ﴿أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ (^٥): \"ومن كان في علم الله أنه يموت على الضلال\" (^٦).\n٢ - الكتابة.\nقال في تفسيره لقول الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ (^٧): \"الاستفهام للتقرير، أي: قد علمت أنَّ الله يعلم كل ما يحدث في السَّماء والأرض، ولا يخفى عليه شيءٌ من الأشياء، ومن جملتها: ما تقوله الكفرة وما يعملونه، إنَّ ذلك في كتابٍ في اللَّوح المحفوظ، إنَّ ذلك على الله يسير أي: علمه بجميع ذلك عليه يسير\" (^٨).\n_________\n(^١) سورة إبراهيم: ٣٨.\n(^٢) البحر المديد ٣/ ٦٧.\n(^٣) سورة الأنبياء: ٨١.\n(^٤) البحر المديد ٣/ ٤٨٤.\n(^٥) سورة الزخرف: ٤٠.\n(^٦) البحر المديد ٥/ ٢٥٠.\n(^٧) سورة الحج: ٧٠.\n(^٨) البحر المديد ٣/ ٥٥١.","vol":"1","page":592},{"text":"٣ - المشيئة.\nقال في تفسيره لقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ (^١): \"ونكتب ما قدَّموا أي: ما أسلفوا من الأعمال الصالحات وغيرها، وآثارهم ما تركوه بعدهم من آثار حسنة ... وكل شيءٍ أحصيناه: حفظناه أو عددناه وبيَّناه في إمامٍ: كتاب مبينٍ اللوح المحفوظ؛ لأنَّه أصل الكتب وإمامها\" (^٢).\n٤ - الخلق والإيجاد.\nقال في تفسيره لقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ (^٣): \"قُلْ يا محمَّدُ للمشركين: من ربُّ السماوات والأرض أي: خالقهما، ومدبِّر أمرهما، قل لهم: هو الله لا خالق سواه، ولا مدبِّر غيره، أجاب عنهم بذلك، إذ لا جواب لهم سواه؛ لأنهم يقرون به، ولكنَّهم يشركون به\" (^٤).\nوقال في موضعٍ آخر: \"والله - ﷿ - خلق الخلق وأعمالهم، وقدَّر أرزاقهم وآجالهم\" (^٥).\nوقال أيضًا: \"يعلم الخواطر وخفيَّات السرائر بعلمٍ قديمٍ أزليٍّ لم يزل موصوفًا في\n_________\n(^١) سورة يس: ١٢.\n(^٢) البحر المديد ٤/ ٥٦٠.\n(^٣) سورة الرعد: ٥.\n(^٤) البحر المديد ٣/ ١٦.\n(^٥) مخطوط رسائل في العقائد ل/٥.","vol":"1","page":593},{"text":"أزل الأزل لا بعلمٍ متجدِّد\" (^١).\nوفي الحقيقة أنَّ ابن عجيبة أثبت مراتب القدر إجمالًا، لكنَّه خالف في المسائل التفصيلية في القدر، كما هو الحال في المذهب الأشعري، قال البيجوري: \"فالقضاءُ والقدرُ راجعان لما تقدَّم من العلم والإرادة وتعلُّق القدرة\" (^٢)، وقال الرازي في تقرير الدلائل الإخبارية على صحة القول بالقضاء والقدر: \"الحجة الثلاثون: عن أبي ظبيان (^٣) عن ابن عباس - ﵄ - قال: «أول ما خلق الله تعالى القلم، فقال: اكتب، فقال: وما أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائنٌ إلى يوم القيامة» (^٤)، فأدخل جميع أفعال العباد في هذا المكتوب\" (^٥)، ثم يقول إن كتابة المقادير ليست واجبة؛ \"لأنَّ المسلمين أجمعوا على أنَّ العلم بوجود اللَّوح المحفوظ، وبأنَّ الله أحدث فيه رقومًا خاصَّةً دالةً على أحوال هذا العالم؛ ليس من شرائط الإيمان ولا من واجباته\" (^٦).\nوهذا القول فاسدٌ؛ فالإيمان بالقدر واجبٌ وهو أحدُ أركان الإيمان الستَّة، قال النبي - ﷺ - حين سُئِل عن الإيمان فقال: «أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره» (^٧).\n_________\n(^١) مخطوط رسائل في العقائد ل/٢.\n(^٢) حاشية البيجوري على جوهرة التوحيد، ص ١٨٩.\n(^٣) هو: أبو ظَبْيان، حصين بن جندب بن الحارث الجَنْبي الكوفي، من علماء الكوفة، مجمعٌ على صدقه، كان ممن غزا القسطنطينية مع يزيد بن معاوية سنة خمسين، مات سنة تسعين وقيل غير ذلك. ينظر: سير أعلام النبلاء ٥/ ٢١٢.\n(^٤) أخرجه أحمد في مسنده ٥/ ٣١٧، رقم ٢٢٧٥٩، والطبراني في معجمه الكبير ١٢/ ٦٩، رقم ١٢٥٠٠، ومسند الشاميين ٢/ ٣٩٨، رقم ١٥٧٢، وعبد الرزاق في مصنفه ٧/ ٢٧١، رقم ٣٦٠٠٣، وصحَّحه الألباني في صحيح الجامع ١/ ٤٠٥، رقم ٢٠١٧.\n(^٥) المطالب العالية ٩/ ٢٤٤.\n(^٦) المرجع نفسه ٩/ ٢٢١.\n(^٧) أخرجه مسلم، كتاب الإيمان، باب معرفة الإيمان والإسلام والقدر وعلامات الساعة، ١/ ٤٠، رقم ٨.","vol":"1","page":594},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-169>خامسًا: المخالفات العقدية التي قرَّرها ابن عجيبة في مسائل القدر</span>\n١ - ترك التدبير والاختيار.\nقال في تفسيره لقول الله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (^١): \"في الآية تحضيضٌ على ترك التدبير والاختيار، مع تدبير الواحد القهَّار، وهو أصلٌ كبيرٌ عند أهل التصوُّف، أُفرد بالتأليف، وفي الحكم: «أرح نفسك من التدبير، فما قام به غيرك عنك لا تقم به أنت عن نفسك» ... فإذا علمت أيها العبدُ أنَّ الحق تعالى هو الذي يخلق ما يشاء ويختار، لم يبق لك مع الله اختيار، فالحالة التي أقامك فيها هي التي تليق بك، ولذلك قيل: العارف لا يعارض ما حلَّ به، فقرًا كان أو غنى\" (^٢).\nوقال في موضعٍ آخر: \"ومن ذلك قصيدة في سلب الإرادة مع الحق وترك التدبير على ألسنة هواتف الحق.\nمرادي منك رفض ما سوانا ... بقصد سيرك إلى الرَّشاد\nمرادي منك الترك للحظوظ ... وما يفضي بك إلى البعاد\nمرادي منك نسيان اللحوظ ... لغير حُبِّنا بلا مراد\nفكل ما تبني من الأماني ... تهدمه الأقدار باستبداد\" (^٣)\n\nوصرَّح به ابن عجيبة فقال: \"التحقيق أنَّ العبد مجبور، لكن في قالب الاختيار، فمن نظر للجبر الباطني سمَّاه حقيقة، ومن نظر لقالب الاختيار سمَّاه شريعة\" (^٤).\n_________\n(^١) سورة القصص: ٦٨.\n(^٢) البحر المديد ٤/ ٢٧٠.\n(^٣) الفهرسة، ص ١٢٠.\n(^٤) الفتوحات الإلهية، ص ٣٢٧.","vol":"1","page":595},{"text":"وقال في موضعٍ آخر: \"العبد إنما هو آلة مسخَّرة، فإذا سخَّره ربه تحرَّك، وإلا فلا، وإذا كان كذلك فلا نسبة لك في العمل إلا ظهور عليك الحكمة\" (^١)، ويقول أيضًا: \"قد تقرَّر عند أهل الحق أنَّ العبد مجبور في قالب مختار، فليس له فعل ولا اختيار، وإنما الفاعل هو الواحد القهَّار، قال تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ \" (^٢)، فإذا تقرَّر هذا فكيف يطلب العبد الأجر على عملٍ ليس هو فاعله\" (^٣).\nفهو يقول بالجبر -باطنًا لا ظاهرًا-؛ لوقوعهم بين المقولة التي يزعمونها -الحقيقة والشريعة- وهذه العقيدة الفاسدة أجلاها علماء السَّلف وذمُّوها وبيَّنوا عورها.\nقال ابن القيم - ﵀ -: \"مشهد أصحاب الجبر وهم الذين يشهدون أنهم مجبورون على أفعالهم، وأنها واقعة بغير قدرتهم، بل لا يشهدون أنها أفعالهم البتَّة، يقولون: إنَّ أحدهم غير فاعل في الحقيقة ولا قادر، وأنَّ الفاعل فيه غيره، والمحرِّك له سواه وأنَّه آلة محضة، وحركاته بمنزلة هبوب الرياح، وحركات الأشجار، وهؤلاء إذا أنكرت عليهم أفعالهم احتجُّوا بالقدر، وحملوا ذنوبهم عليه، وقد يغلون في ذلك حتى يروا أفعالهم كُلَّها طاعات خيرها وشرِّها؛ لموافقتها للمشيئة والقدر، ويقولون: كما أنَّ موافقة الأمر طاعة فموافقة المشيئة طاعة كما حكى الله تعالى عن المشركين إخوانهم، أنهم جعلوا مشيئة الله تعالى لأفعالهم دليلًا على أمره بها ورضاه، وهؤلاء شرٌّ من القدرية النُّفاة، وأشدُّ منهم عداوة لله ومناقضةً لكتبه ورسله ودينه، حتى إنَّ من هؤلاء من يعتذر عن إبليس، ويتوجَّع له، ويقيم عذره بجهده، وينسب ربه تعالى إلى ظلمه\n_________\n(^١) إيقاظ الهمم، ص ٤٢٥.\n(^٢) سورة القصص: ٦٨.\n(^٣) إيقاظ الهمم، ص ٢٣٧.","vol":"1","page":596},{"text":"بلسان الحال والمقال ... وهؤلاء أعداء الله حقًّا وأولياء إبليس وأحباؤه وإخوانه، وإذا ناح منهم نائحٌ على إبليس رأيت من البكاء والحنين أمرًا عجبا، ورأيت من ظلمهم الأقدار واتهامهم الجبَّار ما يبدو على فلتات ألسنتهم وصفحات وجوههم، وتسمع من أحدهم من التظلُّم والتوجُّع ما تسمعه من الخصم المغلوب العاجز عن خصمه فهؤلاء هم الذين قال فيهم شيخ الإسلام ابن تيمية في تائيته (^١):\nويُدعى خصوم الله يوم معادهم ... إلى النَّار طُرًّا (^٢) معشر القدريةِ\" (^٣)\nوكذلك في آراء ابن عجيبة السابقة تجد أنَّ تركه للتدبير والاختيار أدَّي به إلى عقيدة وحدة الوجود علم أم لم يعلم، وهذا ما يفعلونه مع السَّالك دائمًا حتى يرتقي إلى البقاء.\nقال ابن القيم - ﵀ -: \"والاتحادي يقول: إنَّ السالك في أول سلوكه يرى أنه لا فاعل في الحقيقة إلا الله، فهذا توحيد العلم، ولا يقدر في طوره الأول على أكثر من ذلك، ثم ينتقل عن هذا إلى الدرجة الثانية، وهي شهود عود الأفعال إلى الصفات، والصفات إلى الذات، فعاد الأمر كلُّه إلى الذَّات، فيجحد وجود السوى بالكُليَّة، فهذا هو الاضمحلال جحدًا، ثم يرتقي عن هذه الدرجة إلى ركوب البحر الذي تغرق فيه الأفعال والأسماء والصفات، ولا يبقى إلا أمرٌ مطلقٌ لا يتقيَّد باسمٍ ولا فعلٍ ولا صفة، قد اضمحلَّ فيه كلُّ معنى وقيد وصفة ورسم، وهذا عندهم غاية السَّفر\n_________\n(^١) القصيدة التائية في القدر، ص ١٨٠.\n(^٢) طُرًّا أي: جميعًا، ويقول ذو الأصبع العدواني:\nوأنتمُ مَعْشَرٌ زَيْدٌ على مِئَةٍ ... فأجمعوا كَيْدَكم طُرًّا فَكِيدُونِي\nينظر: الصحاح ٢/ ٢٨٨، المحكم والمحيط الأعظم ١/ ١٢٥، دليل السالك إلى ألفية ابن مالك ١/ ٣٧٠.\n(^٣) مدارج السالكين ١/ ٤٣٦ - ٤٣٧.","vol":"1","page":597},{"text":"الأول، فحينئذٍ يأخذ في السَّفر الثاني، وهو البقاء\" (^١).\nوعند الصوفية أنَّ السَّالك لا بدَّ أن يرتقي إلى ثلاثة حقائق في باب القدر حتى يصل إلى عدم التفرقة بين الرَّبِّ والعبد فيصبح الأمر واحدًا، والعياذ بالله.\nوبيَّن ابن القيم - ﵀ - هذه الحقائق، وهي:\nحقيقة إيمانية نبوية، وهى حقيقة العبودية التي هي كمال الحُبِّ وكمال الذُّل، وسير أهل الاستقامة إنما هو إلى هذه الحقيقة، ومنازل السير التي ينزلون فيها هي منازل الإيمان الموصلة إليها، والمنحرفون لا يرضون بهذه الحقيقة ولا يقفون معها ويرونها منزلة من منازل العامَّة.\nالحقيقة الثانية: (حقيقة كونية قدرية) يشاهدون فيها انفراد الرَّبِّ تعالى بالتكوين والإيجاد وحده، وأنَّ العالم كالميت يقلِّبه ويصرِّفه كيف يشاء، وهم يعظمِّون هذا المشهد ويرون الفناءَ فيه غاية ما بعدها شيء.\nوهذا من أغلاطهم في المعرفة والسُّلوك، فإنَّ هذا المشهد لا يدخل صاحبه في الإيمان فضلًا عن أن يكون أفضل مشاهد أولياءِ الله المقرَّبين، فإنَّ عُبَّاد الأصنام شهدوا هذا المشهد ولم ينفعهم وحده.\nقال تعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ (^٢).\n_________\n(^١) مدارج السالكين ١/ ١٧٠.\n(^٢) سورة المؤمنون: ٨٤ - ٨٩.","vol":"1","page":598},{"text":"وقال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ (^١).\nوقال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ (^٢).\nوقال تعالى: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا﴾ (^٣).\nوهذا كثيرٌ في القرآن، فالفناءُ في هذا المشهد لا يُدخل العبدَ في دائرة الإسلام، فكيف يجعله هو الحقيقة التي ينتهي إليها سير السَّالكين، ويجعل حقيقة الإيمان ودعوة الرُّسل منزل من منازل العامة، وهل هذا إلا غاية الانحراف والبعد عن الصراط المستقيم وقلب للحقائق؟ وكم قد هلك في هذه الحقيقة من أُمم لا يحصيهم إلا الله، وكم عطَّل لأجلها الواقفون معها من الشرائع، وخرَّبوا من المنازل، وما نجا من معاطبها إلا من شملته العناية الربانية، ونفذ ببصره من هذه الحقيقة إلى الحقيقة الإيمانية النبوية، حقيقة رُسل الله وأنبيائه وأتباعهم، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.\nوالحقيقة الثالثة: (حقيقة اتحادية بل واحدية) لا يفرق فيها بين الرَّب والعبد، ولا بين القديم والمحدث، ولا بين صانعٍ ومصنوع، بل الأمر كلُّه واحد، والأمر المخلوق هو عين الأمر الخالق.\nوهذه الحقيقة التي يشير إلى عينها طائفة الاتحادية، ويعدون من لم يكن من أهلها محجوبًا، وهذه حقيقة كفرية اتحادية، وهى مع ذلك خيالٌ فاسد، وعقلٌ منكوس، وذوقٌ من عين منتنة، وكفر أهلها أعظم من كفر كلِّ أُمَّة، فإنهم جحدوا\n_________\n(^١) سورة الزخرف: ٨٧.\n(^٢) سورة الزخرف: ٢٠.\n(^٣) سورة الأنعام: ١٤٧.","vol":"1","page":599},{"text":"الصانع حقًّا وإن أثبتوه جعلوا وجوده وجود كل موجود، والذين أثبتوا الصانع وعدلوا به غيره وسوَّوا بينه وبين غيره في العبادة مقالتهم خيرٌ من مقالة هؤلاء الذين جعلوه وجود كلِّ موجود وعين كلِّ شيءٍ تعالى الله عمَّا يقول الكاذبون المفترون علوًّا كبيرًا.\nفعليك بالفرق بين السائرين إلى هذه الحقيقة، والسائرين إلى عين الحقيقة الكونية الحكمية\" (^١).\n٢ - نفي الأسباب قلبًا وقالبًا\nقال ابن عجيبة: \" فإذا أراد تحصيل علم اليقين فلينقطع إلى الله انقطاعًا كُليًّا، ويتجرَّد عن الأسباب قلبًا، وقالبًا، فإنَّ الله يُؤتيه رزقه من غير سبب\" (^٢).\nوالمقرر عند أهل العلم أنَّ الله - ﷿ - خلق الأسباب ومسبِّباتها وربطهما شرعًا وقدرًا، دلَّ على ذلك الكتاب والسُّنَّة والإجماع.\nالأدلَّة من القرآن، وهي أنواع:\n- ترتيب الحكم على ما قبله بحرف أفاد التسبُّب.\nكقوله تعالى: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ (^٣).\n- ترتيب الحكم الشرعي أو الجزائي على الوصف لفيد كونه سببًا له.\nكقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (^٤)، وقوله: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ (^٥).\n_________\n(^١) طريق الهجرتين ١/ ٣٤٧.\n(^٢) سلك الدر في ذكر القضاء والقدر، ص ٦٧.\n(^٣) سورة الحاقة: ٢٤.\n(^٤) سورة المائدة: ٣٨.\n(^٥) سورة النور: ٢.","vol":"1","page":600},{"text":"- ترتيب الشرط على الجزاء.\nكقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ (^١)، (^٢).\nقال ابن القيم: \"وبالجملة فالقرآن من أوله إلى آخره صريحٌ في ترتيب الجزاء بالخير والشر، والأحكام الكونية والأمرية على الأسباب، بل ترتيب أحكام الدنيا والآخرة ومصالحهما ومفاسدهما على الأسباب والأعمال\" (^٣).\n- الأدلة من السُّنَّة:\n- عن أبي هريرة - ﵁ - أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - قال: «إنَّ هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها وإنَّ الله - ﷿ - ينورها لهم بصلاتي عليهم» (^٤).\n- وعن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه - ﵁ - قال: كان رسول الله - ﷺ - يعودني عام حجَّة الوداع من وجعٍ اشتدَّ بي فقلتُ: إني قد بلغ بي من الوجع وأنا ذو مالٍ ولا يرثني إلا ابنة أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال: «لا» فقلت: بالشطر فقال: «لا» ثم قال: «الثلث والثلث كبير أو كثير، إنَّك أن تذر ورثتك أغنياء خيرٌ من أن تذرهم عالة يتكففون الناس، وإنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أُجِرت بها حتى ما تجعلُ في فيِّ امرأتك» فقلت يا رسول الله: أُخَلَّف بعد أصحابي؟ قال: «إنَّك لن تُخلَّف فتعمل عملًا صالحًا إلا ازددتَ به درجةً ورفعة، ثم لعلَّك أن تُخلَّف حتى ينتفع بك أقوامٌ ويضرّ بك آخرون ...» (^٥).\n_________\n(^١) سورة الأنفال: ٢٩.\n(^٢) ينظر: شفاء العليل ١/ ١٨٨ - ١٨٩.\n(^٣) الداء والدواء، ص ٣٤.\n(^٤) أخرجه مسلم، كتاب الجنائز، باب الصلاة على القبر، ٣/ ٥٦، رقم ٢٢٥٩.\n(^٥) أخرجه البخاري، كتاب الجنائز، باب رثاء النبي - ﷺ - سعد بن خولة، ١/ ٣٩٩، رقم ١٢٩٥.","vol":"1","page":601},{"text":"- الإجماع:\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: \"والعلماءُ متَّفقون على إثبات حكمة الله في خلقه وأمره، وإثبات الأسباب والقوى\" (^١).\nويقول - ﵀ - أيضًا: \"والله سبحانه خلق الأسباب ومسبَّباتها، وجعل خلق البعض شرطًا وسببًا في خلق غيره، وهو مع ذلك غنيٌّ عن الاشتراط والتسبُّب ونظم بعضها ببعض، لكن لحكمةٍ تتعلَّق بالأسباب وتعود إليها، والله عزيزٌ حكيم\" (^٢).\nوقال ابن القيم - ﵀ -: \"الله - ﷿ - ربط الأسباب بمسبَّباتها شرعًا وقدرًا، وجعل الأسباب محلَّ حكمته، في أمره الدينيِّ والشرعيِّ، وأمره الكونيِّ القدري\" (^٣).\nوقال مرعي الكرمي - ﵀ - (^٤): \"فإنَّ الله - ﷿ - أجرى عادته الإلهية في هذا العلم على أسبابٍ ومسبَّبات تُناط بتلك الأسباب\" (^٥).\nوقال القرطبي - ﵀ -: \"وربط الأسباب بالمسبَّبات حِكمتُه وحُكمُه على ما سبق به علمه\" (^٦).\n_________\n(^١) الرد على المنطقيين، ص ٣١٥.\n(^٢) مجموع الفتاوى ٨/ ٣٩١.\n(^٣) شفاء العليل ٢/ ٥٣٢.\n(^٤) هو: مرعي بن يوسف بن أبى بكر بن أحمد الكرمي المقدسي الحنبلي، والكرمي نسبة إلى طور كرم، قرية بالقرب من نابلس بفلسطين، والمقدسي نسبة لبيت المقدس، وهو على مذهب الإمام أحمد في الفقه، أمَّا في العقيدة فهو مضطرب في نصوص الصفات، وميله إلى التأويل، ولد سنة ٩٨٨ هـ، ومن شيوخه: محمد المرداوي، والشيخ القاضي يحيى الحجاوي، له مؤلفات منها: غاية المنتهى في الجمع بين الإقناع والمنتهى، دليل الطالب لنيل المطالب، توفي سنة ١٠٣٣ هـ بمصر. ينظر: مقدمة رفع الشبهة والغرر، ص ٤٧ - ٤٨، خلاصة الأثر ٣/ ٣٥٦، إتحاف ذوي الألباب في قوله تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾، دراسة وتحقيق لفضيلة الأستاذ الدكتور عبد الرحمن بن عبد الله التركي.\n(^٥) رفع الشبهة والغرر عمَّن يحتج على فعل المعاصي بالقدر، ص ٢٢.\n(^٦) المفهم ٥/ ٥٩٢.","vol":"1","page":602},{"text":"ويقول ابن القيم - ﵀ -: \"ولو تتبَّعنا ما يفيد إثبات الأسباب من القرآن والسُّنَّة لزاد على عشرة آلاف موضع، ولم نقل ذلك مبالغةً بل حقيقة\" (^١).\nوبهذا يتضح أنَّ من نفى الأسباب فقد خالف الكتاب والسُّنَّة وإجماع السَّلف والأئمة وصرائح المعقول.\n٣ - الرِّضا بكلِّ مقضيٍّ كيفما كان:\nقال ابن عجيبة: \"فإذا علمت أيُّها الإنسان أنَّ أنفاسك قد عمَّها القدر، ولا يصدر منك ولا من غيرك إلا ما سبق به علمه، وجرى به قلمه لزمك أن ترضى بكلِّ ما يجري به القضاء، فأنفاسك معدودة، وطرفاتك ولحظاتك محصورة ... وحقيقة الرِّضا هو تلقِّي المهالك بوجهٍ ضاحك\" (^٢).\nولذلك لا فرق بين الطاعة والمعصية عنده، قال: \"وأمَّا خاصَّة الخاصَّة فلا يطلبون شيئًا، ولا يخافون من شيء، صارت الأشياء عندهم شيئًا واحدًا، واستغنوا بشهودٍ واحدٍ عن كلِّ واحد، فهم ينظرون ما يبرز من عنصر القدرة، فيتلقَّونه بالقبول والرِّضا، فإن كان طاعة شهدوا فيها المنَّة، وإن كان معصية شهدوا فيها القهرية، وتأدَّبوا مع الله فيها بالتوبة والانكسار، قيامًا بأدب شريعة النَّبيِّ - ﷺ - المختار\" (^٣).\nوالأمر بالرِّضا بكلِّ مرضيٍّ فيه تفصيل، فهل علينا أن نرضى بكلِّ ما قضى الله - ﷿ -؟ الجوابُ: أنَّنا \"غير مأمورين بالرِّضا بكلِّ ما يقضيه الله - ﷿ -، ويقدِّره، ولم يرد بذلك كتابٌ ولا سنة\" (^٤).\n_________\n(^١) شفاء العليل ٢/ ٥٣٢.\n(^٢) البحر المديد ١/ ٢٣٥.\n(^٣) إيقاظ الهمم، ص ٢٥٤.\n(^٤) شرح العقيدة الطحاوية، ص ٢٥٨، وينظر: منهاج السُّنَّة ٣/ ٢٠٥، الاستقامة ٢/ ١٢٥ - ١٢٦.","vol":"1","page":603},{"text":"قال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - في قصيدته التائية في القدر:\nوأمَّا رضانا بالقضاءِ فإنِّما ... أُمرنا بأن نرضى بمثل المصيبة\nكسُقْمٍ وفَقْرٍ ثم ذلٍّ وغُربةٍ ... وما كان من مؤذٍ بدون جريمة\nفأمَّا الأفاعيلُ التي كُرهت لنا ... فلا نصَّ يأتي في رضاها بطاعة\nوقد قال قومٌ من أولي العلم لا رضًا ... بفعلِ المعاصيْ والذنوبِ الكبيرة\nفإنَّ إلهَ الخلقِ لم يرضَها فلا ... نرتضي مسخوطةً لمشيئة\nوقال فريقٌ: نرتضي بقضائِهِ ... ولا نرتضي المقضيَّ أقبحَ خصلة\nوقال فريقٌ: نرتضي بإضافةٍ ... إليه وما فينا فنلقى بسخطةِ (^١)\n\nوبيَّن - ﵀ - أقسام الرِّضا فقال: \"وذلك أنَّ الرِّضا نوعان:\nأحدهما: الرِّضا بفعل ما أمر به وترك ما نهي عنه، ويتناول ما أباحه الله من غير تعدٍّ إلى المحظور، كما قال: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ﴾ (^٢)، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾ (^٣) وهذا الرِّضا واجب؛ ولهذا ذمّ من تركه بقوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ﴾ (^٤).\nوالنوع الثاني: الرِّضا بالمصائب كالفقر والمرض والذُّلِّ، فهذا الرِّضا مستحبٌّ\n_________\n(^١) القصيدة التائية في القدر ١/ ١٩٩.\n(^٢) سورة التوبة: ٦٢.\n(^٣) سورة التوبة: ٥٩.\n(^٤) سورة التوبة: ٥٨.","vol":"1","page":604},{"text":"في أحد قولي العلماء وليس بواجب، وقد قيل: إنه واجب، والصحيح أنَّ الواجب هو الصبر.\nوأمَّا الرِّضا بالكفر والفسوق والعصيان، فالذي عليه أئمَّة الدين أنه لا يرضى بذلك؛ فإنَّ الله لا يرضاه كما قال تعالى: ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ (^١)، وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ (^٢)، وقال تعالى: ﴿فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ (^٣)، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ (^٤)، وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ (^٥)، وقال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ (^٦)، وقال تعالى: ﴿لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ﴾ (^٧)، وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (^٨)، فإذا كان الله سبحانه لا يرضى لهم ما عملوه بل يسخطه ذلك وهو يسخط عليهم ويغضب عليهم فكيف يشرع للمؤمن أن يرضى ذلك وألَّا يسخط ويغضب لما يسخط الله ويغضبه.\n_________\n(^١) سورة الزمر: ٧.\n(^٢) سورة البقرة: ٢٠٥.\n(^٣) سورة التوبة: ٩٦.\n(^٤) سورة النساء: ٩٣\n(^٥) سورة محمد: ٢٨.\n(^٦) سورة التوبة: ٦٨.\n(^٧) سورة المائدة: ٨٠.\n(^٨) سورة الزخرف: ٥٥.","vol":"1","page":605},{"text":"وإنما ضلَّ هنا فريقان من الناس:\nقومٌ من أهل الكلام المنتسبين إلى السُّنَّة في مناظرة القدرية (^١) ظنُّوا أنَّ محبَّة الحقِّ ورضاه وغضبه وسخطه يرجع إلى إرادته، وقد علموا أنَّه مريدٌ لجميع الكائنات خلافًا للقدرية، وقالوا: هو أيضًا محبٌّ لها مريدٌ لها، ثم أخذوا يحرِّفون الكلام عن مواضعه، فقالوا: لا يحب الفساد، بمعنى لا يريد الفساد: أي لا يريده للمؤمنين ولا يرضى لعباده الكفر، أي لا يريده لعباده المؤمنين، وهذا غلط عظيم؛ فإن هذا عندهم بمنزلة أن يقال: لا يحب الإيمان ولا يرضى لعباده الإيمان، أي لا يريده للكافرين ولا يرضاه للكافرين، وقد اتفق أهل الإسلام على أنَّ ما أمر الله به فإنه يكون مستحبًّا يحبه، ثم قد يكون مع ذلك واجبًا وقد يكون مستحبًّا ليس بواجب سواءً فُعِل أو لم يفعل.\nوالفريق الثاني: من غالطي المتصوفة شربوا من هذه العين، فشهدوا أنَّ الله رب الكائنات جميعها، وعلموا أنَّه قدر على كل شيء وشاءه وظنُّوا أنهم لا يكونون راضين حتى يرضوا بكلِّ ما يقدِّره ويقضيه من الكفر والفسوق والعصيان، حتى قال بعضهم: المحبَّة نارٌ تحرق من القلب كلَّ ما سوى مراد المحبوب، قالوا: والكون كلُّه مراد المحبوب، وضلَّ هؤلاء ضلالًا عظيمًا حيث لم يفرِّقوا بين الإرادة الدينية والكونية والإذن الكوني والديني والأمر الكوني والديني والبعث الكوني والديني، والإرسال الكوني والديني.\n_________\n(^١) القدرية: هم الذين كانوا يخوضون في القدر، ويذهبون إلى إنكاره، ورأس هؤلاء معبد الجهني المقتول سنة ٨٠ هـ، والمعتزلة أصحاب واصل بن عطاء الغزالي، لما اعتزل مجلس الحسن البصري وقرر أنَّ مرتكب الكبيرة ليس بمؤمن ولا كافر، وأثبت المنزلة بين المنزلتين فطرده، فاعتزله، وتبعه جماعة سُمُّوا بالمعتزلة، والمعتزلة يسمون أصحاب العدل والتوحيد، ويُلقَّبون بالقدرية، وقد جعلوا لفظ القدرية مشتركًا، وقالوا: لفظ القدرية يطلق على من يقول بالقدر خيره وشره من الله تعالى احترازًا عن وصمة اللقب. ينظر: الملل والنحل ١/ ٥٧ - ٦٠.","vol":"1","page":606},{"text":"وهؤلاء يؤول الأمر بهم إلى ألَّا يُفرِّقوا بين المأمور والمحظور وأولياء الله وأعدائه والأنبياء والمتقين، ويجعلون الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض ويجعلون المتقين كالفُجَّار ويجعلون المسلمين كالمجرمين ويعطلون الأمر والنهي والوعد والوعيد والشرائع وربما سموا هذا (حقيقة)، ولعمري إنه حقيقة كونية لكن هذه الحقيقة الكونية قد عرفها عُبَّاد الأصنام كما قال: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ (^١)، وقال تعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ (^٢).\nفالمشركون الذين يعبدون الأصنام كانوا مقرِّين بأنَّ الله خالقُ كلِّ شيءٍ وربُّه ومليكُه، فمن كان هذا منتهى تحقيقه كان أقرب أن يكون كعُبَّاد الأصنام، و(المؤمن) إنما فارق الكفر بالإيمان بالله وبرسله وبتصديقهم فيما أخبروا وطاعتهم فيما أمروا واتباع ما يرضاه الله ويحبه دون ما يقدِّره ويقضيه من الكفر والفسوق والعصيان، ولكن يرضى بما أصابه من المصائب لا بما فعله من المعائب، فهو من الذنوب يستغفر، وعلى المصائب يصبر، فهو كما قال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ (^٣)، فيجمع بين طاعة الأمر والصبر على المصائب، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ (^٤) \" (^٥).\n_________\n(^١) سورة الزمر: ٣٨.\n(^٢) سورة المؤمنون: ٨٤ - ٨٥.\n(^٣) سورة غافر: ٥٥.\n(^٤) سورة آل عمران: ١٢٠.\n(^٥) مجموع الفتاوى ١٠/ ٦٨١ - ٦٨٥، وينظر: الدرة البهية في شرح العقيدة التائية، ص ٦٨، تسلية أهل المصائب، ص ١٥٢، ١٦١.","vol":"1","page":607},{"text":"وبيَّن ابن القيم - ﵀ - اضطراب النَّاس في هذا الأمر فقال: \"وقد اضطرب النَّاسُ في ذلك اضطرابًا عظيمًا، ونجا منه أصحاب الفرق والتفصيل، فإنَّ لفظ الرِّضا بالقضاء لفظٌ محمودٌ مأمورٌ به، وهو من مقامات الصدِّيقين، فصارت له حرمة أوجبت لطائفة قبوله من غير تفصيل، وظنُّوا أنَّ كلَّ ما كان مخلوقًا للربِّ تعالى فهو مقضيٌّ مرضيٌّ له ينبغي له الرِّضا به، ثم انقسموا على فرقتين:\nفقالت فرقةٌ: إذا كان القضاء والرِّضا متلازمين فمعلومٌ أنَّا مأمورون ببُغض المعاصي، والكفر والظلم، فلا تكون مقضية مقدرة.\nوفرقةٌ قالت: قد دلَّ العقل والشَّرع على أنها واقعةٌ بقضاء الله وقدره فنحن نرضى بها.\nوالطائفتان منحرفتان، جائرتان عن قصد السَّبيل، فأولئك أخرجوها عن قضاء الرَّب وقدره، وهؤلاء رضوا بها ولم يسخطوها، هؤلاء خالفوا الرَّب تعالى في رضاه وسخطه، وخرجوا عن شرعه ودينه، وأولئك أنكروا تعلُّق قضائه وقدره بها.\nواختلفت طرق أهل الإثبات للقدر والشرع في جواب الطائفتين.\nفقالت طائفة: لم يقم دليلٌ من الكتاب ولا السُّنَّة ولا الإجماع على جواز الرِّضا بكلِّ قضاء، فضلًا عن وجوبه واستحبابه، فأين أمر الله عباده أو رسوله أن يرضوا بكل ما قضاه الله وقدره؟.\nوهذه طريقة كثير من أصحابنا وغيرهم ... فإن قيل: أفترضون بقضاء الله وقدره؟ قيل له: نرضى بقضاء الله الذي هو خلقه، الذي أمرنا أن نرضى به، ولا نرضى من ذلك ما نهانا عنه أن نرضى به، ولا نتقدَّم بين يدي الله تعالى، ولا نعترض على حكمه.","vol":"1","page":608},{"text":"وقالت طائفةٌ أخرى: يطلق الرِّضا بالقضاء في الجملة، دون تفاصيل المقضي المقدَّر.\nفنقول: نرضى بقضاء الله جملةً ولا نسخطه، ولا نطلق الرِّضا على كلِّ واحد من تفاصيل المقضي.\nوقالت طائفةٌ أخرى: نرضى بها من جهة إضافتها إلى الرَّبِّ خلقًا ومشيئة، ونسخطها من جهة إضافتها إلى العبد كسبًا له وقيامًا به.\nوقالت طائفةٌ أخرى: بل نرضى بالقضاء ونسخط المقضي، فالرِّضا والسخط لم يتعلَّقا بشيءٍ واحد\" (^١).\nوكذلك وضَّح ابن القيم رأيه في هذه المسألة وما يدين الله به فقال: \"والذي يكشف هذه الغُمَّة، ويبصِّر من هذه العماية، وينجي من هذه الورطة إنما هو التفريق بين ما فرَّق الله بينه، وهو المشيئة والمحبَّة، فإنهما ليسا واحدًا، ولا هما متلازمين، بل قد يشاء ما لا يحبه، ويحب ما لا يشاء كونه.\nفالأول: كمشيئته لوجود إبليس وجنوده، ومشيئته العامَّة لجميع ما في الكون مع بغضه لبعضه.\nوالثاني: كمحبَّته إيمان الكفَّار، وطاعات الفجَّار، وعدل الظالمين، وتوبة الفاسقين، ولو شاء ذلك لوجد كله وكان جميعه، فإنه ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن.\nفإذا تقرَّر هذا الأصل، وأنَّ الفعل غير المفعول، والقضاء غير المقضي، وأنَّ الله سبحانه لم يأمر عباده بالرِّضا بكلِّ ما خلقه وشاءه، زالت الشبهات، وانحلَّت الإشكالات، ولله الحمد، ولم يبق بين شرع الرَّب وقدره تناقض، بحيث يظنُّ إبطال\n_________\n(^١) مدارج السالكين ٢/ ١٨٥.","vol":"1","page":609},{"text":"أحدهما للآخر، بل القدر ينصر الشرع، والشرع يصدِّق القدر، وكلٌّ منهما يحقق الآخر، وإذا عُرِف هذا فالرِّضا بالقضاء الديني الشرعي واجب، وهو أساس الإسلام وقاعدة الإيمان، فيجب على العبد أن يكون راضيًا به بلا حرج ولا منازعة ولا معارضة ولا اعتراض، قال الله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (^١).\nوالرِّضا بالقضاء الكوني القدري الموافق لمحبَّة العبد وإرادته ورضاه -من الصحة، والغنى، والعافية، واللذة- أمرٌ لازمٌ بمقتضى الطبيعة؛ لأنه ملائم للعبد، محبوب له، فليس في الرِّضا به عبودية، بل العبودية في مقابلته بالشُّكر، والاعتراف بالمنَّة، ووضع النِّعمة مواضعها التي يحبُّ الله أن تُوضع فيها، وأن لا يعصى المنعم بها، وأن يرى التقصير في جميع ذلك.\nوالرِّضا بالقضاء الكوني القدري الجاري على خلاف مراد العبد ومحبته -مما لا يلائمه، ولا يدخل تحت اختياره- مستحبٌّ، وهو من مقامات أهل الإيمان، وفي وجوبه قولان، وهذا كالمرض والفقر، وأذى الخلق له، والحر والبرد، والآلام ونحو ذلك.\nوالرِّضا بالقدر الجاري عليه باختياره -مما يكرهه الله ويسخطه، وينهى عنه كأنواع الظلم والفسوق والعصيان- حرامٌ يعاقب عليه، وهو مخالفة لربه تعالى، فإنَّ الله لا يرضى بذلك ولا يحبه، فكيف تتفق المحبة ورضا ما يسخطه الحبيب ويبغضه؟ فعليك بهذا التفصيل في مسألة الرضا بالقضاء\" (^٢).\n_________\n(^١) سورة النساء: ٦٥.\n(^٢) مدارج السالكين ٢/ ١٨٨ - ١٨٩.","vol":"1","page":610},{"text":"وقال الحافظ ابن عبد الهادي - ﵀ - (^١): \"القضاءُ يراد به ثلاثة أشياء: أحدهما: الأمر والنَّهي، فهذا الرِّضا به واجب، والثاني: الكفر والمعاصي، فهذا الرِّضا به ليس بواجب، والثالث: المصائب التي تصيب العبد فهذا الرِّضا به واجبٌ أو مستحب؟ قال: ثم يقال: القضاء الذي هو صفة الله الرِّضا به واجب، وأمَّا المقضي وهو الكفر والمعاصي التي هي أفعال العباد، فالرِّضا بها ليس بواجب\" (^٢).\n٤ - نفي الحكمة والتعليل في أفعال الله - ﷿ -:\nقال ابن عجيبة: \"جلّ حكم الأزل أن يضاف إلى العلل\" (^٣).\nوقال في شرحه لقول ابن عطاء: \"خير من تصحب من يطلبك لا لشيءٍ يعود منك إليه\".\nقال: \"قلتُ: ولا يوجد هذا الوصف المجيد إلا للغنيِّ الحميد الفعَّال لما يريد، يحب من يشاء بلا علة ولا سبب، ويمقت من يشاء بلا ضررٍ يلحقه ولا تعب، يقرِّب من يشاء بلا عمل، ويبعد من يشاء بلا زلل، قال تعالى: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ (^٤) \"، (^٥).\nوقال في تفسيره لقول الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (^٦) \"أي: يُضيِّق لمن يشاء بلا سببٍ ولا عِلَّة\" (^٧).\n_________\n(^١) هو: أبو عبد الله، شمس الدين محمد بن أحمد بن عبد الهادي بن عبد الحميد بن عبد الهادي المقدسي الجماعيلي الأصل، ثم الصالحي، ولد سنة ٧٠٤ هـ، وله مصنَّفات منها: العقود الدرية، والمحرر في الحديث، توفي سنة ٧٤٤ هـ. ينظر: طبقات الحنابلة ٥/ ١١٥.\n(^٢) نقله السفاريني في لوامع الأنوار البهية ١/ ٣٦٢.\n(^٣) البحر المديد ١/ ١٧٧.\n(^٤) سورة الأنبياء: ٢٣.\n(^٥) إيقاظ الهمم، ص ٢٥٦.\n(^٦) سورة الزمر: ٥٢.\n(^٧) البحر المديد ٥/ ٩٠.","vol":"1","page":611},{"text":"وابن عجيبة في قوله هذا لم يخرج عن عقيدة الأشاعرة في نفيهم للحكمة والتعليل (^١)، وأنَّ الله يفعل الأفعال لمحض المشيئة؛ فتعمَّقوا وخاضوا في فعل الله إثباتًا ونفيًا، وفكرًا، بالأقيسة العقلية، وبذلك انحرفوا عن منهج أهل السُّنَّة والجماعة وسلف الأُمَّة، وأقوالهم شاهدة عليهم.\nقال الإيجي: \"المقصد الثامن في أنَّ أفعال الله تعالى ليست معللة بالأغراض، إليه ذهب الأشاعرة\" (^٢).\nويقول الرازي: \"المسألة السادسة والعشرون: في أنَّه لا يجوز أن تكون أفعال الله تعالى وأحكامه معلَّلة بعلة البتَّه\" (^٣).\nوالقول الحق الذي عليه أهل السُّنَّة والجماعة: \"أنَّ أفعاله - ﷿ - صادرة عن حكمة بالغة لأجلها فعل كما هي ناشئة عن أسباب بها فعل\" (^٤)، \"وله الحكمة البالغة فيما فعل وترك، وقدَّر، وقضى\" (^٥)، \"والقرآن وسُنَّة النَّبيِّ - ﷺ - مملوآن من تعليل الأحكام بالحكم والمصالح، وتعليل الخلق بهما، والتنبيه على وجوه الحِكَم التي لأجلها شرع تلك الأحكام، ولأجلها خلق تلك الأعيان، ولو كان هذا في القرآن والسُّنَّة في نحو مئة موضع أو مئتين لسقناها، ولكنه يزيد على ألف موضع بطرقٍ متنوِّعة\" (^٦).\n_________\n(^١) ينظر لشبهات الأشاعرة في هذا المسلك كتاب: تمهيد الأوائل وتلخيص الدلائل، ص ٥٠، ونهاية الأقدام، ص ٣٩٩، والأربعين، للرازي، ص ٣٥٠، وغيرها، ولقد أبطلها ابن القيم في كتابه: شفاء العليل ٢/ ٥٧٧ - ٥٨٤، ٥٨٦ - ٥٩٣.\n(^٢) المواقف، ص ٣٣١.\n(^٣) الأربعين في أصول الدين، ص ٣٥٠.\n(^٤) شفاء العليل ١/ ١٩٠.\n(^٥) إيثار الحق، ص ٢٤٩.\n(^٦) مفتاح دار السعادة ٢/ ٣٦٣.","vol":"1","page":612},{"text":"الأدلة من القرآن:\nالنوع الأول: التصريح بلفظ الحكمة وما تصرَّف منه، كقوله تعالى: ﴿حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ﴾ (^١)، وقوله: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ (^٢)، وقوله: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ (^٣).\nالنوع الثاني: إخباره أنه فعل كذا لكذا وأنه أمر بكذا لكذا، كقوله: ﴿ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ (^٤)، وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ (^٥).\nالنوع الثالث: الإتيان بكي الصريحة في التعليل، كقوله تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ (^٦) فعلَّل سبحانه تسمية الفيء بين هذه الأصناف كي لا يتداوله الأغنياء دون الفقراء والأقوياء دون الضعفاء.\nالنوع الرابع: ذكر المفعول له وهو علة للفعل المعلَّل به، كقوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ (^٧).\n_________\n(^١) سورة القمر: ٥.\n(^٢) سورة النساء: ١١٣.\n(^٣) سورة البقرة: ٢٦٩.\n(^٤) سورة المائدة: ٩٧\n(^٥) سورة الطلاق: ١٢.\n(^٦) سورة الحشر: ٧.\n(^٧) سورة النحل: ٨٩.","vol":"1","page":613},{"text":"النوع الخامس: الإتيان بأن والفعل المستقبل بعدها تعليلًا لما قبله، كقوله: ﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا﴾ (^١).\nالنوع السادس: ذكر ما هو من صرائح التعليل وهو من أجل، كقوله: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ (^٢).\nالنوع السابع: ذكر الحكم الكوني والشرعي عقيب الوصف المناسب له وتارة يذكر بأن وتارة يقرن بالفاء وتارة يذكر مجردًا، فالأوَّل كقوله: ﴿وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ (^٣) (^٤).\nالأدلة من السُّنَّة:\nعن ابن عباس - ﵄ - قال: كان النبي - ﷺ - إذا قام من الليل يتهجَّد قال: «اللَّهم لك الحمد، أنت ربُّ السَّموات والأرض، لك الحمد أنتَ قيِّم السَّموات والأرض ومن فيهنّ، ولك الحمد لك ملك السَّموات والأرض ومن فيهنّ، لك الحمد، أنت نور السَّموات والأرض قولك الحق، ووعدك الحق، ولقاؤك حق، والجنَّة حق، والنَّار حق، والسَّاعة حق، اللَّهم لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكَّلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، وإليك حاكمت، فاغفر لي ما قدَّمتُ وما أخَّرت، وما أسررتُ وما أعلنت، أنت إلهي لا إله لي غيرك» (^٥).\n_________\n(^١) سورة الأنعام: ١٥٦.\n(^٢) سورة المائدة: ٣٢.\n(^٣) سورة الأنبياء: ٨٩ - ٩٠.\n(^٤) ينظر شفاء العليل ١/ ١٨٨ - ١٩٠.\n(^٥) أخرجه البخاري، كتاب التوحيد، باب ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾، ٤/ ٣٨١، رقم ٧٣٨٥.","vol":"1","page":614},{"text":"قال ابن الوزير - ﵀ - (^١): فيه إشارة من البخاري إلى مذهب أهل السُّنَّة في إثبات الحكمة (^٢).\nوذلك أن البخاري - ﵀ - بوَّب على هذا الحديث، باب قول الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾ (^٣) (^٤).\nوقال الرَّاغب الأصفهاني: \"والحقُّ يقال على أوجه:\nالأول: يقال لموجد الشَّيء بسبب ما تقتضيه الحكمة، ولهذا قيل في الله تعالى: هو الحق، قال الله تعالى: ﴿وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ (^٥)، وقيل بعيد ذلك: ﴿فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ (^٦).\nوالثاني: يقال للموجد بحسب مقتضى الحكمة، ولهذا يقال: فعل الله تعالى كله حق، نحو قولنا: الموت حق، والبعث حق، وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا﴾ (^٧)، إلى قوله تعالى: ﴿مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ (^٨)، وقال في القيامة:\n_________\n(^١) هو: أبو عبد الله، محمد بن إبراهيم بن عليّ المرتضى بن الفضل الحسني القاسمي، المعروف بابن الوزير اليمني الصنعاني، ولد بهجرة الظهراوي من شظب، وهو جبل عال باليمن، في رجب عام ٧٧٥ هـ، وله مصنفات منها: العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم، توفي سنة ٨٤٠ هـ. ينظر: فهرس الفهارس ٢/ ١١٢٤، البدر الطالع ٢/ ٨١، معجم المؤلفين ٨/ ٢١٠.\n(^٢) إيثار الحق، ص ١٩٢.\n(^٣) سورة الأنعام: ٧٣.\n(^٤) صحيح البخاري ٩/ ١١٧.\n(^٥) سورة يونس: ٣١.\n(^٦) سورة يونس: ٣٢.\n(^٧) سورة يونس: ٤.\n(^٨) سورة يونس: ٥.","vol":"1","page":615},{"text":"﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ (^١)، وقوله - ﷿ -: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ (^٢) \" (^٣).\nوقال ابن القيم - ﵀ -: \"وهذه الحكمة هي الغاية، والفعل وسيلة إليها، فإثبات الفعل مع نفيها إثبات للوسائل ونفى للغايات وهو محال، إذ نفي الغاية مستلزم لنفى الوسيلة، فنفي الوسيلة وهي: الفعل لازم لنفى الغاية وهى الحكمة، ونفى قيام الفعل والحكمة به نفى لهما في الحقيقة، إذ فعل لا يقوم بفاعله وحكمة لا تقوم بالحكيم شيء لا يعقل، وذلك يستلزم إنكار ربوبيته وإلهيته (^٤).\nالإجماع:\nوممن حكى الإجماع كثير من العلماء المحققين فمنهم:\nشيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - قال: \"وكذلك الحكمة وشرع الأحكام للحكم مما اتفق عليه الفقهاء مع السَّلف\" (^٥)، ويقول أيضًا: \"ومن وافق جهم بن صفوان من المثبتين للقدر على أنَّ الله لا يفعل شيئًا لحكمة ولا لسبب، وأنه لا فرق بالنسبة إلى الله بين المأمور والمحظور، ولا يحب بعض الأفعال ويبغض بعضها، فقوله فاسد مخالف للكتاب والسُّنَّة واتفاق السَّلف\" (^٦).\nوقال ابن القيم - ﵀ -: \"وجمهور الأُمَّة يثبت حكمته سبحانه، والغايات\n_________\n(^١) سورة يونس: ٥٣.\n(^٢) سورة البقرة: ١٤٧.\n(^٣) المفردات في غريب القرآن، ص ٢٤٦.\n(^٤) طريق الهجرتين وباب السعادتين ١/ ٩٠.\n(^٥) مجموع الفتاوى ٨/ ٤٨٥.\n(^٦) منهاج السُّنَّة ٣/ ٩٨.","vol":"1","page":616},{"text":"المحمودة في أفعاله، فليس مع النُّفاة سمعٌ ولا عقلٌ ولا إجماع، بل السَّمع والعقل والإجماع والفطرة تشهد ببطلان قولهم\" (^١).\nوبهذا يتضح أنَّ من أنكر الحكمة والتعليل قد خالف الكتاب والسُّنَّة وصريح المعقول، ووافق الفلاسفة في أصل نفيهم للحكمة والتعليل \"وهو البحث عن حكمة الإرادة، ولم فعل ما فعل؛ وهي مسألة القدر، ظهر بها ما كان السَّلف يقولونه: إنَّ الكلام في القدر هو أبو جاد الزندقة، وعلم بذلك حكمة نهيه - ﷺ - لما رآهم يتنازعون في القدر عن مثل ما هلك به الأمم، قال لهم: بهذا هلكت الأمم قبلكم أن تضربوا كتاب الله بعضه ببعض، وعن هذا نشأ مذهب المجوس القدرية، مجوس هذه الأُمَّة، حيث خاضوا في التعديل والتجويز بما هو من فروع هذه الحجة، كما أن التجهُّم من فروع تلك الحجة\" (^٢).\n_________\n(^١) شفاء العليل ٢/ ٥٧٠ - ٥٧١.\n(^٢) بيان تلبيس الجهمية ١/ ٤٧٩.","vol":"1","page":617},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-170>المبحث الثاني: أفعال العباد</span>\nقال ابن عجيبة: \"قد جعل الله بحكمته الباهرة في العبد كسبًا فيما يظهر له، يقصد به الخير والشر، وفي الحقيقة: هو مجرور بسلسلة، لكن الشريعة تنسب الفعل إليه، بسبب ذلك الكسب، فتقوم الحُجَّة عليه\" (^١).\nويقول في تفسيره لقول الله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ﴾ (^٢): \"كما استخرج الحق -ﷻ- من بين فرثٍ ودمٍ لبنًا خالصًا سائغًا للشَّاربين استخرج مذهب أهل السُّنَّة القائلين بالكسب من بين مذهب الجبرية ومذهب المعتزلة، بين قومٍ أفرطوا وقومٍ فرَّطوا\" (^٣).\nوقال في موضعٍ آخر: \"قد تقرَّر عند أهل الحقِّ أنَّ العبدَ مجبورٌ في قالب مختار، فليس له فعل، ولا اختيار، وإنما الفعل هو الواحد القهَّار\" (^٤).\nويقول أيضًا: \"فالتحقيق أنَّ العبد مجبور، لكن في قالب الاختيار، فمن نظر للجبر الباطني سمَّاه حقيقة، ومن نظر لقالب الاختيار سمَّاه شريعة\" (^٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-171>أولًا: مفهوم الكسب عند الأشاعرة، ومقصود ابن عجيبة من قوله: (لا فاعل إلا الله)</span>\nعرَّف الأشاعرة الكسب بتعريفاتٍ متنوِّعة، منها:\n_________\n(^١) سلك الدرر في القضاء والقدر، ص ٥٤.\n(^٢) سورة النحل: ٦٦.\n(^٣) البحر المديد ٣/ ١٤١.\n(^٤) إيقاظ الهمم، ص ٢٣٧.\n(^٥) الفتوحات الإلهية، ص ٣٣٧.","vol":"1","page":618},{"text":"١ - تعريف الباجوري: \"هو تعلُّق القدرة الحادثة، وقيل: هو الإرادة الحادثة\" (^١).\n٢ - تعريف السنوسي: \"عبارة عن إيجاد الله تعالى المقدور فيه\" (^٢) أي: في العبد.\n٣ - تعريف الآمدي (^٣): \"الفعل خلقًا من الله تعالى إبداعًا وإحداثًا، وكسبًا من العبد لوقوعه مقارنًا للقدرة\" (^٤).\n٤ - تعريف الشهرستاني (^٥): \"المكتسب: هو المقدور بالقدرة الحاصلة والحاصل تحت القدرة الحادثة\" (^٦).\nوبالرغم من التعريفات المختلفة للأشاعرة إلا أن حقيقة قولهم هو القول بالجبر، ولا فكاك عنه مهما تلوَّنت تعريفاتهم، وصرَّح بذلك بعضهم.\nقال الباجوري: \"وبالجملة فليس للعبد تأثيرٌ ما، فهو مجبورٌ باطنًا مختارٌ ظاهرًا\" (^٧).\n_________\n(^١) تحفة المريد، ص ١٥٠.\n(^٢) شرح الوسطى، ص ٣٣٢.\n(^٣) هو: أبو الحسن، علي بن أبي علي بن محمد بن سالم التغلبي، يُلقب بسيف الدين الآمدي، ولد عام ٥٥١ هـ، له مؤلفات في علم الكلام منها: أبكار الأفكار في علم الكلام، دقائق الحقائق، كانت وفاته سنة ٦٣١ هـ. ينظر: وفيات الأعيان ٣/ ٢٩٣.\n(^٤) أبكار الأفكار ٢/ ١٠١.\n(^٥) هو: أبو الفتح، محمد بن عبد الكريم بن أحمد الشهرستاني، من أهل الكلام والحكمة، ولد عام ٤٦٩ هـ بشهرستان، له مؤلفات منها: الملل والنحل، نهاية الإقدام، كانت وفاته عام ٥٤٨ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء ١٥/ ٩٢.\n(^٦) الملل والنحل ١/ ٩٧.\n(^٧) تحفة المريد، ص ١٥١.","vol":"1","page":619},{"text":"وقال الدسوقي: \"ولما أضيفت الأفعال للعبد من جهة الكسب أُثيبَ وعوقبَ عليها؛ نظرًا لما عنده من الاختيار الذي هو سببٌ عاديٌّ في إيجاد الله الفعل والقدرة عليه، ثم إنَّ العبدَ مختارٌ بحسب الظاهر وإلا فمآله للجبر؛ لأنَّ اختياره بخلق الله، فالعبد مختارٌ ظاهرًا مجبورٌ باطنًا، فهو مجبورٌ في صورة مختار خلافًا للمعتزلة القائلين إنه مختار ظاهرًا وباطنًا، وللجبرية القائلين إنه مجبور ظاهرًا وباطنًا ... والحاصل أنَّ الجبر هو الحقُّ فمدعيه ظافرٌ بالدليل، فمن زاد عليه حتى نفى الكسب نُسب إلى الإفراط، والمعتزلة لم يظفروا بالمطلوب الذي هو الجبر، بل وقفوا دونه وجعلوا العبد مخترعًا، فلذا نسبهم إلى التفريط\" (^١).\nقال ابن عجيبة: \"هو حُجَّتنا على المعتزلة في خلق أفعال العباد\"؛ لأنَّ المعتزلة يقولون إنَّ العبد خالق لفعله (^٢)، وهو يوافق الأشاعرة في قولهم (الله خالق أفعال العباد)، ولكن مراده من ذلك غير ما يقر به الأشاعرة، بل ينسحب على ما يعتقده بوحدة الوجود.\nويقول ابن عجيبة \"فالشريعة تنسب العمل للعبد باعتبار ما جعل فيه من الاختيار في الظاهر، الذي هو الكسب، والحقيقة تنفيه باعتبار ما في نفس الأمر، وهكذا يسير العبد بين حقيقةٍ وشريعة، فالحقيقة اعتقاده في الباطن والشريعة عملٌ في الظاهر\" (^٣).\nفهو يسير مع الأشاعرة في عقيدة الجبر المتوسطة التي تذهب إلى أنَّ للعبد كسبًا في فعله، وله قدرة ومشيئة على فعله -كما قال اختيار- ولكنها غير مؤثرة،\n_________\n(^١) حاشية الدسوقي، ص ٢١٦.\n(^٢) ينظر: البحر المديد ٤/ ١٦٣.\n(^٣) كشف النقاب عن سر الألباب، ص ١٧٨.","vol":"1","page":620},{"text":"قال ابن القيم - ﵀ -: \"والذي استقرَّ عليه قول الأشعري أنَّ القدرة الحادثة لا تؤثِّر في مقدورها، ولم يقع المقدور ولا صفة من صفاته بها، بل المقدور بجميع صفاته واقع بالقدرة القديمة ولا تأثير للقدرة الحادثة فيه، وتابعه على ذلك عامَّة أصحابه\" (^١).\nولكن هل وقف ابن عجيبة عند هذا الأمر على عقيدة الأشاعرة في الجبر؟\nالحقيقة التي اتضحت من أقواله الصريحة، أنه بنى عليه معتقده في وحدة الوجود (^٢)، فقال: \"اعلم أنَّ فعل العبد كله من الله، بأن لا فاعل في الوجود سواه\" (^٣)، وبهذا وافق الجهمية في عقيدة الجبر، واختلف عنهم بجعلها أصلًا في وحدة الوجود، أمَّا الجهمية فجعلوا عقيدتهم في الجبر أصلًا لإثبات الوحدانية وعدم الإشراك به -كما زعموا- فلوا أثبتوا إرادة وقدرةً واختيارًا للبشر للزم -كما زعموا- أن يكون الإنسان خالقًا وفاعلًا مع الله - ﷿ -، وهذا هو الشرك الذي يزعمون (^٤).\nوردَّ شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - على القائلين بوحدة الوجود فقال: \" ... ويجعلون المراتب ثلاثة، يقولون: العبد يشهد أولًا طاعةً ومعصية، ثم طاعةً بلا معصية، ثم لا طاعة ولا معصية، والشُّهود الأول هو الشُّهود الصحيح، وهو الفرق بين الطاعات والمعاصي، وأمَّا الشهود الثاني فيريدون به شهود القدر ... وأمَّا المرتبة الثالثة: أن لا يشهد طاعة ولا معصية، فإنه يرى أن الوجود واحد، وعندهم أنَّ هذا غاية التحقيق والولاية لله، وهو في الحقيقة غاية الإلحاد في أسماء الله وآياته، وغاية العداوة لله، فإنَّ صاحب هذا المشهد يتخذ اليهود والنصارى وسائر الكُفَّار أولياء\" (^٥).\n_________\n(^١) شفاء العليل ١/ ٣٦٩، وينظر: منهاج السُّنَّة ١/ ٤٥٩، الأربعين، للرازي، ص ٣٢٠.\n(^٢) سيأتي الحديث عنها في مبحث مستقل إن شاء الله.\n(^٣) كشف النقاب عن سر الألباب، ص ٢٨.\n(^٤) ينظر: شفاء العليل ١/ ٤١١، وخلق أفعال العباد، ص ٢٤.\n(^٥) الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان ١/ ١٦٦.","vol":"1","page":621},{"text":"أمَّا أهل السُّنَّة والجماعة فيفرقون بين الفعل والمفعول والخلق والمخلوق.\nقال ابن تيمية - ﵀ -: \"والتحقيق ما عليه أئمة السُّنَّة وجمهور الأمة؛ من الفرق بين الفعل والمفعول والخلق والمخلوق؛ فأفعال العباد هي كغيرها من المحدثات مخلوقة مفعولة لله، كما أنَّ نفس العبد وسائر صفاته مخلوقة مفعولة لله وليس ذلك نفس خلقه وفعله بل هي مخلوقة ومفعولة، وهذه الأفعال هي فعل العبد القائم به ليست قائمة بالله ولا يتصف بها فإنه لا يتصف بمخلوقاته ومفعولاته، وإنما يتصف بخلقه وفعله كما يتصف بسائر ما يقوم بذاته، والعبد فاعل لهذه الأفعال وهو المتصف بها وله عليها قدرة وهو فاعلها باختياره ومشيئته وذلك كله مخلوق لله فهي فعل العبد ومفعولة للرَّب\" (^١).\nوأمَّا ما ذكره ابن عجيبة من أنَّ الشريعة تنسب الفعل إلى العبد بسبب ذلك الكسب فتقوم عليه الحجة، والعبد مجرور بسلسلة؛ لما يعتقد (بالحقيقة والشريعة)، فيقول: \"الشريعة عمل الجوارح، والحقيقة معرفة البواطن، فالشريعة أن تعبده والحقيقة أن تشهده، فالشريعة من وظائف البشرية، والحقيقة من وظائف الروحانية، والشريعة قوت البشرية، والحقيقة قوت الروحانية\" (^٢).\nويقول أيضًا: \"فمن نظر إلى الباطن ووحَّد الله وجد كلَّ شيءٍ قائمًا بالله، ولا فاعل سواه، ومن نظر إلى ظاهر العبد وجد له اختيارًا في الجملة، يقوم إذا شاء ويجلس إذا شاء، ويفعل ويترك باختياره في الظاهر، وعلى هذا وقع في التكليف، وهو الشريعة، ويسمي الكسب عند المتكلِّمين، فالتحقيق أنَّ العبد مجبور، لكن في قالب الاختيار، فمن نظر للجبر الباطني سمَّاه حقيقة، ومن نظر لقالب الاختيار سمَّاه شريعة\" (^٣).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ٢/ ١١٩.\n(^٢) الفتوحات الإلهية، ص ٣٢٧.\n(^٣) المرجع نفسه، ص ٣٢٧.","vol":"1","page":622},{"text":"قال ابن تيمية - ﵀ -: \"فهذا كلامٌ باطلٌ، بل العبد هو المصلِّي الصائم الحاج المعتمر المؤمن، وهو الكافر الفاجر القاتل الزاني السَّارق حقيقة، والله تعالى لا يوصف بشيءٍ من هذه الصفات بل هو منزَّهٌ عن ذلك؛ لكنه هو الذي جعل العبد فاعلًا لهذه الأفعال، فهذه مخلوقاته ومفعولاته حقيقة وهي فعل العبد أيضًا حقيقة، ولكن طائفة من أهل الكلام -المثبتين للقدر- ظنوا أنَّ الفعل هو المفعول والخلق هو المخلوق؛ فلمَّا اعتقدوا أنَّ أفعال العباد مخلوقة مفعولة لله قالوا: فهي فعله، فقيل لهم مع ذلك: أهي فعل العبد؟ فاضطربوا؛ فمنهم من قال: هي كسبه لا فعله ولم يفرِّقوا بين الكسب والفعل بفرقٍ محقَّق، ومنهم من قال: بل هي فعل بين فاعلين، ومنهم من قال: بل الرب فعل ذات الفعل والعبد فعل صفاته\" (^١).\nوقال أيضًا عن الكسب عند الأشعرية: \"وهم وإن كانوا لا يُثبتون لقدرة العبد أثرًا في حصول المقدور، فإنَّهم يُفرِّقون بين ما كان في محلِّ القدرة فيجعلونه مقدورًا للعبد، وما كان خارجًا عن محلِّ القدرة فلا يجعلونه مقدورًا للعبد، وأكثر من نازعهم يقول: إنَّ هذا كلامٌ لا يُعقل؛ فإنَّه إذا لم يثبت للقدرة أثر، لم يكن الفرق بين ما كان في محلِّ القدرة، وبين ما كان في غير محلِّ القدرة إلا فرقًا في محلِّ الحادث، من غير أن يكون للقدرة في ذلك تأثير، وتسمية هذا مقدورًا دون هذا تحكُّمٌ محض، وتفريق بين المتماثلين ... إذا قيل لهؤلاء: الكسب الذي أثبتموه لا تُعقل حقيقته، فإذا قالوا: الكسب ما وُجد في محلِّ القدرة المحدثة مقارنًا لها من غير أن يكون للقدرة تأثير فيه، قيل لهم: فلا فرق بين هذا الكسب، وبين سائر ما يحدث في غير محلِّها وغير مقارن لها؛ إذ اشتراك الشيئين في زمانهما ومحلهما لا يُوجب كون أحدهما له\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ٢/ ١١٩.","vol":"1","page":623},{"text":"قدرة على الآخر، كاشتراك العرضين الحادثين في محلٍّ واحد، في زمانٍ واحد، بل قد يُقال: ليس جعل الكسب قدرة والقدرة كسبًا بأولى من العكس إذا لم يكن إلا مجرَّد المقارنة في الزمان والمحل\" (^١).\nوبيَّن شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - كيفية التعامل مع لفظ الجبر، والتأثير بقوله: \"لفظ (الجبر) فيه إجمالٌ يُراد به إكراه الفاعل على الفعل بدون رضاه كما يقال: إنَّ الأب يجبر المرأة على النِّكاح، والله تعالى أجلُّ وأعظم من أن يكون مجبرًا بهذا التفسير، فإنه يخلق للعبد الرِّضا والاختيار بما يفعله وليس ذلك جبرًا بهذا الاعتبار، ويراد بالجبر خلق ما في النفوس من الاعتقادات والإرادات كقول محمد بن كعب القرظي (^٢): «الجبَّار الذي جبر العباد على ما أراد»، وكما في الدعاء المأثور عن عليٍّ - ﵁ - «جبار القلوب على فطراتها شقيها وسعيدها» (^٣)، والجبر ثابتٌ بهذا التفسير، فلمَّا كان لفظ الجبر مجملًا نهى الأئمة الأعلام عن إطلاق إثباته أو نفيه ...\nوكذا لفظ (التأثير) فيه إجمالٌ فإنَّ القدرة مع مقدورها كالسَّبب مع المسبَّب والعلَّة مع المعلول والشَّرط مع المشروط فإن أُريد بالقدرة القدرة الشرعية المصحِّحة للفعل المتقدِّمة عليه فتلك شرطٌ للفعل وسببٌ من أسبابه وعلَّةٌ ناقصة له، وإن أُريد\n_________\n(^١) الصفدية ١/ ١٥١، وينظر: مجموع الفتاوى ٨/ ٤٦٧، النبوات ١/ ٤٦٢، منهاج السُّنَّة النبوية ٣/ ٢٠٩، درء تعارض العقل والنقل ١/ ٨٢، ٢/ ١٢٤.\n(^٢) هو أبو حمزة، محمد بن كعب القرظي، من التابعين، روى عن فضالة بن عبيد وأبي هريرة، كانت وفاته سنة ١٠٨ هـ. ينظر: الإصابة في معرفة الصحابة ٦/ ٢٣٧، الاستيعاب في معرفة الأصحاب ٣/ ١٣٧٧.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه ٦/ ٦٦، رقم ٢٩٥٢٠، وابن أبي شيبه في مصنفه ٧/ ٨٣، والطبراني في المعجم الأوسط ٩/ ٤٤، رقم ٩٨٨، وقال الهيثمي: رواه الطبراني في الأوسط وسلامة الكندي روايته عن عليٍّ مرسله، ينظر: المجموع ١/ ١٦٣، وقال السخاوي: الحديث موقوفٌ بسندٍ ضعيف. ينظر: القول البديع، ص ٣٤، وضعَّفه الألباني في سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة ١٤/ ١٠٢.","vol":"1","page":624},{"text":"بالقدرة القدرة المقارنة للفعل المستلزمة له فتلك علَّةٌ للفعل وسببٌ تامّ، ومعلوم أنه ليس في المخلوقات شيءٌ هو وحده علَّةٌ تامَّةٌ وسببٌ تامٌّ للحوادث بمعنى أنَّ وجوده مستلزمٌ لوجود الحوادث بل ليس هذا إلا مشيئة الله تعالى خاصَّة فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن\" (^١).\nويقول ابن القيم - ﵀ -: \"وليس في الوجود شيءٌ مستقلٌّ بالتأثير سوى مشيئة الرَّبِّ سبحانه وقدرته، وكل ما سواه مخلوق له وهو أثر قدرته ومشيئته، ومن أنكر ذلك لزمه إثبات خالق سوى الله، أو القول بوجود مخلوق لا خالق له، فإنَّ فعل العبد إن لم يكن مخلوقًا لله كان مخلوقًا للعبد إمَّا استقلالًا وإمَّا على سبيل الشركة، وإمَّا أن يقع بغير خالق، ولا مخلص عن هذه الأقسام لمنكر دخول الأفعال تحت قدرة الرَّب ومشيئته وخلقه، وإذا عرف هذا فنقول: الفعل وقع بقدرة الرَّب خلقًا وتكوينًا كما وقعت سائر المخلوقات بقدرته وتكوينه، وبقدرة العبد سببًا ومباشرة، والله خلق الفعل والعبد فعله وباشره والقدرة الحادثة وأثرها واقعان بقدرة الرَّب ومشيئته\" (^٢).\nوقال أيضًا: \"وعلى صحَّة هذا المذهب أكثر من ألف دليلٍ من القرآن والسُّنَّة والمعقول والفِطر\" (^٣).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ٨/ ١٣٣.\n(^٢) شفاء العليل ١/ ١٤٦.\n(^٣) بدائع الفوائد ١/ ٢٦١.","vol":"1","page":625},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-172>ثانيًا: دلالة الكتاب والسُّنَّة وإجماع السلف على أنَّ العباد فاعلون حقيقة، والله خالق أفعالهم</span>\nأ من القرآن:\nقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ (^١)، فأخبر الله أنه خلق العباد وأعمالهم.\nوقال تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ (^٢) فدخلت أفعال العباد في عموم كل.\nوقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ﴾ (^٣)، \"فأخبر أنه هو الذي جعل السرابيل وهي الدروع والثياب المصنوعة ومادتها لا تسمى سرابيل إلَّا بعد أن تحيلها صنعة الآدميين وعملهم، فإذا كانت مجعولة لله فهي مخلوقة له بجملتها صورتها ومادتها وهيآتها، ونظير هذا قوله: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ﴾ (^٤)، فأخبر سبحانه أنَّ البيوت المصنوعة المستقرة والمتنقلة مجعولة له وهي إنما صارت بيوتًا بالصنعة الآدميَّة\" (^٥).\n_________\n(^١) سورة الصافات: ٩٦.\n(^٢) سورة الزمر: ٦٢.\n(^٣) سورة النحل: ٨١.\n(^٤) سورة النحل: ٨١.\n(^٥) شفاء العليل ١/ ٥٤.","vol":"1","page":626},{"text":"ب من السُّنَّة:\nالأحاديث مستفيضة ومتواترة وتلقاها أهل السُّنَّة والجماعة بإثبات فعل العبد حقيقة له.\nقال رسول الله - ﷺ -: «كلُّ شيءٍ بقدرٍ حتى العجز والكيس أو الكيس والعجز» (^١).\nوعن حذيفة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه قال: «إنَّ الله خالق كل صانع وصنعته» (^٢).\nقال البخاري: \"فأخبر أنَّ الصناعات وأهلها مخلوقة\" (^٣).\nوقال رسول الله - ﷺ -: «ولا يزال عبدي يتقرَّب إليَّ بالنوافل حتى أحبَّه» (^٤).\nوقال رسول الله - ﷺ -: «لله أشدُّ فرحًا بتوبة عبده من رجلٍ أضلَّ راحلته بأرضٍ دوية مهلكة عليها طعامه وشرابه، فطلبها فلم يجدها، فنام تحت شجرة ينتظر الموت، فلمَّا استيقظ إذا هو بدابته عليها طعامه وشرابه، فالله أشدُّ فرحًا بتوبة عبده من هذا براحلته» (^٥).\nت - الإجماع:\nقال ابن تيمية - ﵀ -: \"أفعال العباد مخلوقة باتفاق سلف الأُمَّة\" (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم، كتاب القدر، باب كل شيء بقدر، ٨/ ٥١، رقم ٦٩٢٢.\n(^٢) أخرجه الحاكم ١/ ٣١، وقال: صحيحٌ على شرط مسلم، وصحَّحه الحافظ في الفتح ١٣/ ٤٩٨، والألباني في الصحيحة ٤/ ١٨١، رقم ١٦٣٧.\n(^٣) خلق أفعال العباد ٢/ ٦٦.\n(^٤) أخرجه البخاري، كتاب الدعوات، باب التواضع، ٤/ ١٩٢، رقم ٦٥٠٣.\n(^٥) أخرجه مسلم، باب في الحض على التوبة والفرح بها، ٤/ ٢١٠٤، رقم ٢٧٤٦.\n(^٦) مجموع الفتاوى ٨/ ٤٠٦.","vol":"1","page":627},{"text":"وقال ابن أبي عاصم - ﵀ - (^١): \"ومما اتفق أهل العلم على أن نسبوه إلى السُّنَّة: القول بإثبات القدر ... وأفعال العباد من الخير والشر فعل لهم خلق لخالقهم\" (^٢).\nويقول الصابوني - ﵀ - (^٣): \"ومن قول أهل السُّنَّة والجماعة في أكساب العباد أنها مخلوقة لله تعالى، لا يمترون فيه، ولا يعدون من أهل الهدى ودين الحق من ينكر هذا القول وينفيه\" (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-173>ثالثًا: موقف أهل السُّنَّة والجماعة من أفعال العباد</span>\nفهم يقرون بالمراتب الأربع الثابتة، والتي دلَّت عليها النصوص، وهي العلم، والكتابة، والمشيئة، والخلق، أمَّا أفعال العباد فهي داخلة في المرتبة الرابعة؛ ولذلك فهم يقولون فيها: إنَّ الله خالق أفعال العباد كلها، وفعل العبد فعلٌ له حقيقة، ولكنه مخلوق لله، ومفعول لله، لا يقولون: هو نفس فعل الله، ويفرِّقون بين الخلق والمخلوق والفعل والمفعول، وكذلك لهم قدرة وإرادة على فعل أعمالهم ولكنها لا تخرج عن مشيئة الله الكونية (^٥).\n_________\n(^١) أبو بكر بن أبي عاصم، أحمد بن عمرو بن الضحاك بن مخلد الشيباني، من حُفَّاظ الحديث، ولد سنة ٢٠٦ هـ، ورد أصبهان وسكنها، له مؤلفات منها: كتاب السُّنَّة، المسند الكبير، كانت وفاته سنة ٢٨٧ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء ١٠/ ٤٦٠، شذرات الذهب ٣/ ٣٦٤.\n(^٢) السُّنَّة ٢/ ١٠٢٧.\n(^٣) أبو عثمان الصابوني، إسماعيل بن عبد الرحمن بن أحمد النيسابوري، ولد سنة ٣٧٣ هـ، مشهود له بالحفظ والتفسير، مات سنة ٤٤٩ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء ١٣/ ٢٩٩، شذرات الذهب ٥/ ٢١٢.\n(^٤) عقيدة السلف وأصحاب الحديث، ص ٨٥، وينظر: الانتصار في الرد على المعتزلة القدرية الأشرار ١/ ١٠٠، شرح العقيدة الطحاوية ١/ ٣٢١.\n(^٥) ينظر: منهاج السُّنَّة النبوية ٢/ ٢٨٩، موقف ابن تيمية من الأشاعرة ٢/ ١٢٠٨.","vol":"1","page":628},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-174>المبحث الثالث: المشيئة والإرادة</span>\nمن ضلَّ في هذا الباب لم يفرِّق بينهما، قال الباقلاني - ﵀ - (^١): \"واعلم أنه لا فرق بين الإرادة والمشيئة، والاختيار، والرِّضا، والمحبة\" (^٢)، وابن عجيبة يؤكد ذلك بقوله: \"المشيئة والإرادة شيءٌ واحدٌ وإليهما تستند الأشياء، كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ (^٣)، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ (^٤)، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على سبق المشيئة\" (^٥).\nوهو بهذا لم يُوفَّق للصواب الذي دلَّ عليه الاستقراء الصحيح لكتاب الله - ﷿ - بأنَّ إرادة الله - ﷿ - تنقسم إلى قسمين، إرادة كونية قدرية، وإرادة شرعيَّة دينيَّة.\nقال ابن تيمية - ﵀ -: \"طريقة أئمة الفقهاء وأهل الحديث وكثير من أهل النظر وغيرهم أنَّ الإرادة في كتاب الله نوعان: إرادة تتعلَّق بالأمر، وإرادة تتعلَّق بالخلق ... فإرادة الأمر هي المتضمِّنة للمحبَّة والرِّضا وهي الإرادة الدينيَّة، والثانية المتعلِّقة بالخلق هي المشيئة وهي الإرادة الكونيَّة القدريَّة\" (^٦).\n_________\n(^١) هو: محمد بن الطيب بن محمد بن جعفر الباقلاني، ولد في البصرة عام ٣٣٨ هـ، وسكن بغداد، ومن تلاميذه الذين لازموه وأخذوا عنه علم الكلام حتى برع فيه محمد بن أحمد السمناني، ومن شيوخ الباقلاني أبو عبد الله الطائي الأشعري درس عليه علم الكلام، له مؤلفات منها: الإنصاف، التمهيد، توفي عام ٤٠٣ هـ. ينظر: الوافي بالوفيات ١/ ١٧١، سير أعلام النبلاء ١٣/ ٢٦٨.\n(^٢) الإنصاف، ص ٩٩.\n(^٣) سورة الإنسان: ٣٠.\n(^٤) سورة الأنعام: ١١٢.\n(^٥) إيقاظ الهمم، ص ٣٠٩.\n(^٦) منهاج السُّنَّة النبوية ٣/ ١٥٦.","vol":"1","page":629},{"text":"وقال ابن أبي العز - ﵀ -: \"والمحققون من أهل السُّنَّة يقولون: الإرادة في كتاب الله نوعان: إرادة كونيَّة خلقيَّة، وإرادة دينيَّة أمريَّة شرعيَّة\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-175>أولًا: الإرادة الكونيَّة القدريَّة:</span>\nوهي المشيئة الشَّاملة لجميع الحوادث والتي تتعلَّق بما أراد الله - ﷿ - فعله، وتستلزم وقوع المراد، وهي كقول المسلمين: ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن (^٢).\nالأدلة عليها:\nكقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (^٣)، وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (^٤).\n\"فهذه الإرادة تعلَّقت بالإضلال والإغواء، وهذه هي المشيئة فإنَّ ما شاء الله كان\" (^٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-176>ثانيًا: الإرادة الدينيَّة الشرعيَّة:</span>\nوهي الإرادة المتعلِّقة بالأمر الذي يريد الله - ﷿ - من العبد فعله، وهي المتضمِّنة للمحبَّة والرِّضا، ولا تستلزم وقوع المراد إلا إذا تعلَّقت بالإرادة الكونيَّة (^٦).\n_________\n(^١) شرح العقيدة الطحاوية، ص ٦٩.\n(^٢) ينظر: منهاج السُّنَّة النبوية ٣/ ١٦، مجموع الفتاوى ٨/ ١٨٩، تذكرة المؤتسي شرح عقيدة الحافظ عبد الغني المقدسي، ص ١٥١ - ١٥٣.\n(^٣) سورة الأنعام: ١٢٥.\n(^٤) سورة هود: ٣٤.\n(^٥) منهاج السُّنَّة النبوية ٣/ ١٦.\n(^٦) المرجع نفسه ٣/ ١٥٦.","vol":"1","page":630},{"text":"الأدلة عليها:\nكقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (^١).\nوقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (^٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾ (^٣).\nوقوله تعالى: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (^٤).\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ (^٥).\nويقول ابن القيم - ﵀ -: \"والصَّواب أنَّ الأمر يستلزم الإرادة الدينيَّة ولا يستلزم الإرادة الكونيَّة، فإنه لا يأمر إلا بما يريده شرعًا ودينًا، وقد يأمر بما لا يريده كونًا وقدرًا، كإيمان منْ أمره ولم يُوفَّق للإيمان\" (^٦).\nولقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - اجتماع هاتين الإرادتين وافتراقهما فقال:\nأحدها: ما تعلَّقت به الإرادتان، وهو ما وقع في الوجود من الأعمال الصالحة، فإنَّ الله أراده إرادة دينٍ وشرع؛ فأمر به وأحبَّه ورضيه وأراده إرادة كون فوقع؛ ولولا ذلك لما كان.\n_________\n(^١) سورة البقرة: ١٥٨.\n(^٢) سورة النساء: ٢٦.\n(^٣) سورة النساء: ٢٨.\n(^٤) سورة المائدة: ٦.\n(^٥) سورة الأحزاب: ٣٣.\n(^٦) شفاء العليل ٢/ ٢٨٩.","vol":"1","page":631},{"text":"والثاني: ما تعلَّقت به الإرادة الدينيَّة فقط، وهو ما أمر الله به من الأعمال الصالحة، فعصى ذلك الأمر الكُفَّار والفُجَّار فتلك كلُّها إرادة دين وهو يحبها ويرضاها لو وقعت ولو لم تقع.\nوالثالث: ما تعلَّقت به الإرادة الكونية فقط، وهو ما قدَّره وشاءه من الحوادث التي لم يأمر بها، كالمباحات والمعاصي، فإنه لم يأمر بها ولم يرضها ولم يحبها إذ هو لا يأمر بالفحشاء ولا يرضى لعباده الكفر، ولولا مشيئته وقدرته وخلقه لها لما كانت، ولما وجدت فإنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن.\nوالرابع: ما لم تتعلَّق به الإرادتان، وهو ما لم يكن من أنواع المباحات والمعاصي، فإنَّ الله لم يأمر بها شرعًا ولم يردها، وهو أيضًا لم يردها كونًا، فلم تقع (^١).\nوقال الشيخ ابن عثيمين - ﵀ -:\n\"والفرق بينهما: أنَّ الكونية يلزم فيها وقوع المراد ولا يلزم أن يكون محبوبًا لله، فإذا أراد شيئًا قال له: كن فيكون.\nوأمَّا الشرعية: فإنه لا يلزم فيها وقوع المراد ويلزم أن يكون محبوبًا لله، ولهذا نقول: الإرادة الشرعيَّة بمعنى المحبَّة، والكونيَّة بمعنى المشيئة.\nفإن قيل: هل الله يريد الخير والشر كونًا أو شرعًا؟\nأجيب: إنَّ الخير إذا وقع; فهو مراد لله كونًا وشرعًا، وإذا لم يقع; فهو مراد لله شرعًا فقط، وأمَّا الشرُّ فإذا وقع; فهو مراد لله كونًا لا شرعًا وإذا لم يقع; فهو غير مراد كونًا ولا شرعًا\" (^٢).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ٨/ ١٨٩.\n(^٢) القول المفيد على كتاب التوحيد ٢/ ٢٩٦، وينظر: شرح الواسطية للشيخ الفوزان، ص ٣٨.","vol":"1","page":632},{"text":"قال ابن القيم - ﵀ -: \"والذي يكشف هذه الغُمَّة، ويبصِّر من هذه العماية، وينجِّي من هذه الورطة: إنما هو التفريق بين ما فرق الله بينه، وهو المشيئة والمحبة، فإنهما ليسا واحدًا، ولا هما متلازمين، بل قد يشاء ما لا يحبه، ويحبُّ ما لا يشاء كونه\" (^١).\n_________\n(^١) مدارج السالكين ٢/ ١٩٢.","vol":"1","page":633},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-177>الفصل السابع: آراؤه في مسائل الإيمان</span>\nوفيه ثلاث مباحث:\n\nالمبحث الأول: مفهوم الإيمان والفرق بينه وبين الإسلام\nالمبحث الثاني: زيادة الإيمان ونقصانه\nالمبحث الثالث: حكم مرتكب الكبيرة","vol":"1","page":635},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-178>المبحث الأول:\nمفهوم الإيمان والفرق بينه وبين الإسلام</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-179>أولًا: تعريف الإيمان في اللغة</span>\nقال الخليل - ﵀ -: \"الأَمْنُ: ضِدُّ الخوف، والفعل منه: أمِن يأمنُ أمنًا. والمأمَنُ: موضع الأمن، والأَمَنَةُ: من الأمن، اسمٌ موضوعٌ من أمنت\" (^١).\nوقال ابن فارس: \" (أمن) الهمزةُ والميمُ والنون أصلان متقاربان، أحدهما: الأمانة التي هي ضِدُّ الخيانة، ومعناها سكون القلب، والآخرُ: التصديق، والمعنيان كما قلنا متدانيان، قال الخليل: الأَمَنَةُ: من الأمن، والأمانُ: إعطاء الأمنة، والأمانةُ: ضِدُّ الخيانة\" (^٢).\nوكثيرٌ من أهل العلم عرَّف الإيمان لغةً بالتصديق، ولكن التحقيق أنَّ الإيمان ليس مرادفًا للتصديق من كلِّ وجه، ونبَّه على هذا الأمر الرَّاغب الأصفهاني في تفسير قول الله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ (^٣) \"قيل: معناه، بمصدِّقٍ لنا، إلا أنَّ الإيمان هو التصديق الذي معه أمن\" (^٤).\nوقال ابن تيمية - ﵀ -: \" ... فإنَّ اشتقاقه من الأمن الذي هو القرار والطمأنينة، وذلك إنما يحصل إذا استقرَّ في القلب التصديق والانقياد\" (^٥).\n_________\n(^١) العين ٨/ ٣٨٨.\n(^٢) مقاييس اللغة ١/ ١٣٣.\n(^٣) سورة يوسف: ١٧.\n(^٤) مفردات ألفاظ القرآن ١/ ٥٠.\n(^٥) الصارم المسلول، ص ٥١٩.","vol":"1","page":637},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-180>ثانيًا: تعريف الإيمان في الشرع</span>\nأجمع السَّلف الصالح على \"أنَّ الإيمانَ قولٌ وعملٌ ونيَّة، لا يجزئُ واحدٌ من الثلاثة إلا بالآخر\" (^١).\nقال الإمام أحمد - ﵀ -: \"الإيمانُ قولٌ وعمل، يزيدُ وينقص\" (^٢).\nوقال الآجرِّي - ﵀ -: \"باب القول بأنَّ الإيمان تصديقٌ بالقلب، وإقرارُ باللِّسان، وعملٌ بالجوارح، لا يكون مؤمنًا إلا أن تجتمع فيه هذه الخصال الثلاث\" (^٣).\nوقال أبو عثمان الصابوني - ﵀ -: \"ومن مذهب أهل الحديث أنَّ الإيمان قولٌ وعملٌ ومعرفة، يزيدُ بالطاعة وينقصُ بالمعصية\" (^٤).\nوقال الإمام البخاري - ﵀ -: \"لقيتُ أكثر من ألفِ رجلٍ من أهل العلم أهل الحجاز، ومكة، والمدينة، والكوفة، والبصرة، وواسط، وبغداد، والشَّام، ومصر، لقيتهم كراتٍ، قرنًا بعد قرن ثم قرنًا بعد قرن ... فما رأيتُ واحدًا منهم يختلف في هذه الأشياء: أنَّ الدين قولٌ وعمل ... \" (^٥).\n_________\n(^١) ذكر هذا الإجماع شيخ الإسلام ابن تيمية عن الشافعي في مجموع الفتاوى ٧/ ٢٠٩، ٣٠٨، والإيمان، ص ١٦٦، وقال إنه في كتاب الأم، (باب النية في الصلاة)، ولم أجده فيه بهذا اللفظ؛ فلعله نقله من نسخة أخرى لكتاب (لأم)، أو فهمه من نفي الشافعي للخلاف في اشتراط النية في الصَّلاة والصوم في هذا الباب، يقول الشافعي: \"وإنما تكمل صلاة المصلي الصلاة الواجبة، وصوم الصائم الواجب عليه إذا قدَّم فيه مع دخوله في الصلاة نيَّةً يدخل بها في الصلاة، فلو كبَّر لا ينوي واجبًا من الصلاة أو دخل في الصوم لا ينوي واجبًا لم تجزه صلاته ولا صيامه من الواجب عليه منهما، وما قلتُ في هذا داخلٌ في دلالة سُنَّة أو أثر لا أعلم أهل العلم اختلفوا فيه\" الأم ١/ ٣٢٤، ونفي الخلاف من عبارات الشافعي في إثبات الإجماع.\n(^٢) السُّنَّة ١/ ٣٠٧.\n(^٣) الشريعة ٢/ ٦١١.\n(^٤) عقيدة السلف وأصحاب الحديث، ص ٢٦٤.\n(^٥) أخرجه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السُّنَّة ١/ ١٧٣ - ١٧٤.","vol":"1","page":638},{"text":"وقال أبو زرعة وأبو حاتم رحمهما الله: \"أدركنا العلماء في جميع الأمصار: حجازًا، وعراقًا، وشامًا، ويمنًا، فكان من مذهبهم: الإيمان قولٌ وعملٌ يزيدُ وينقص\" (^١).\nوقال ابن تيمية - ﵀ - في بيان الأصول التي اتفق عليها أهل السُّنَّة والجماعة: \"ومن أصول أهل السُّنَّة والجماعة أنَّ الدين والإيمان قولٌ وعمل، قولُ القلبِ واللِّسان، وعملُ القلب واللِّسان والجوارح، وأنَّ الإيمان يزيد بالطاعة، وينقصُ بالمعصية\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-181>ثالثًا: تعريف ابن عجيبة للإيمان، وحقيقة العمل فيه</span>\nقال: \"فالإيمان هو التصديقُ بالقلب\" (^٣).\nوقال في موضعٍ آخر: \"والإيمان في اللُّغة: التصديقُ بالقلب بوجود الرَّب\" (^٤).\nأمَّا حقيقة العمل فيرى أنَّ العمل ليس من الإيمان، بل يخرجه عن مُسمَّى الإيمان، يقول في تفسيره لقول الله تعالى: ﴿وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ﴾ (^٥): \"وفيه دليلٌ على أنَّ العمل ليس من الإيمان\" (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السُّنَّة ١/ ١٧٦.\n(^٢) العقيدة الواسطية، ص ١١١.\n(^٣) البحر المديد ٧/ ٣٢٠، وهذا القول أيضًا يقول به بعض الماتريدية، قال أبو المعين النسفي: \"الإيمان في اللغة عبارة عن التصديق\"، التمهيد في أصول الدين، ص ٩٩ - ١٠٠، ولا شك أن هناك تقاربًا بين الأشاعرة والماتريدية؛ لأنهما انبثقتا من الكُلابية. ينظر: شرح العقائد النسفية، ص ٥٥ - ٥٦، والملل والنحل، ص ٣٩ - ٤٠.\n(^٤) البحر المديد ٥/ ٣.\n(^٥) سورة يونس: ٢٦.\n(^٦) البحر المديد ٧/ ١٥٧.","vol":"1","page":639},{"text":"وقوله: (إنَّ الإيمان هو التصديق بالقلب) هو قول أكثر الأشاعرة (^١)، الذين وافقوا الجهمية في مسألة الإيمان وحقيقة العمل فيه، قال ابن تيمية - ﵀ -: \"وأمَّا الأشعريُّ: فالمعروف عنه وعن أصحابه أنَّهم يُوافقون جهمًا في قوله في الإيمان، وأنَّه مجرَّد تصديق القلب، أو معرفة القلب ... \" (^٢).\nوقال في موضعٍ آخر: \"وأمَّا جهمٌ فكان يقول: إنَّ الإيمان مجرَّد تصديق القلب، وإن لم يتكلَّم به\" (^٣).\nوأمَّا إطلاق لفظ التصديق في اللُّغة على مسمَّى الإيمان فمردودٌ من عدة أمور:\n١ - \"ينبغي أن يُعلم أنَّ الألفاظ الموجودة في القرآن والحديث إذا عُرف تفسيرها وما أُريد بها من جهة النبي - ﷺ - لم يحتج في ذلك إلى الاستدلال بأقوال أهل اللُّغة ولا غيرهم؛ ولهذا قال الفقهاء: الأسماء ثلاثة أنواع: نوعٌ يُعرف حَدُّه بالشَّرع، كالصَّلاة والزكاة، ونوعٌ يُعرف حَدُّه باللُّغة، كالشَّمس، والقمر، ونوعٌ يُعرف حَدُّه بالعُرف، كلفظ القبض، ولفظ المعروف في قوله: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (^٤) ... فاسم الصَّلاة والزكاة والصيام والحج ونحو ذلك (^٥) قد بيَّن الرسول - ﷺ - ما يُراد بها في كلام اللَّه ورسوله، وكذلك لفظ الخمر وغيرها، ومن هناك يُعرف معناها، فلو أراد أحَدٌ أن يفسِّرها بغير ما بيَّنه النَّبي - ﷺ - لم يُقبل منه، وأمَّا الكلام في اشتقاقها ووجه\n_________\n(^١) ينظر: الإنصاف للباقلاني، ص ٢٢، اللمع، ص ٧٨، المواقف، ص ٣٨٤، تحفة المريد، ص ٨٤. الإرشاد، ص ٣٣٣ - ٣٣٤.\n(^٢) النبوات ١/ ٥٨٠.\n(^٣) مجموع الفتاوى ١٣/ ٤٧.\n(^٤) سورة النساء: ١٩.\n(^٥) \"كاسم البيع والنكاح والقبض والدرهم والدينار، ونحو ذلك من الأسماء التي لم يحدها الشارع بحد، ولا لها حد واحد يشترك فيه جميع أهل اللغة بل يختلف قدره وصفته باختلاف عادات الناس\" مجموع الفتاوى ١٩/ ٢٣٥.","vol":"1","page":640},{"text":"دلالتها، فذاك من جنس علم البيان، وتعليل الأحكام، هو زيادة في العلم، وبيان حكمة ألفاظ القرآن، لكن معرفة المراد بها لا يتوقّف على هذا.\nواسم الإيمان والإسلام والنفاق والكفر، هي أعظم من هذا كله، فالنَّبي - ﷺ - قد بيَّن المراد بهذه الألفاظ بيانًا لا يحتاج معه إلى الاستدلال على ذلك بالاشتقاق؛ فلهذا يجب الرجوع في مُسمَّيات هذه الأسماء إلى بيان اللَّه ورسوله، فإنه شافٍ كافٍ، بل معاني هذه الأسماء معلومة من حيث الجملة للخاصَّة والعامَّة، بل كلُّ من تأمَّل ما تقوله الخوارج والمرجئة في معنى الإيمان علم بالاضطرار أنه مخالف للرُّسول ويعلم بالاضطرار أنَّ طاعة اللَّه ورسوله من تمام الإيمان\" (^١).\n٢ - \"أنَّ لفظ الإيمان في اللُّغة لم يقابل بالتكذيب كلفظ التصديق، فإنه من المعلوم في اللُّغة أنَّ كلَّ مخبر يُقال له: صدقت أو كذبت، ويقال: صدَّقناه أو كذَّبناه، ولا يُقال لكلِّ مخبر: آمنَّا له أو كذَّبناه، ولا يقال: أنت مؤمن له أو مكذِّب له، بل المعروف في مقابلة الإيمان لفظ الكفر، يقال: هو مؤمن أو كافر، والكفر لا يختصُّ بالتكذيب، بل لو قال: أنا أعلم أنك صادق لكن لا أتبعك، بل أعاديك وأبغضك وأخالفك ولا أوافقك، لكان كفره أعظم، فلما كان الكفر المقابل للإيمان ليس هو التكذيب فقط، علم أن الإيمان ليس هو التصديق فقط\" (^٢).\n٣ - \"وإن كان هو التصديق، فالتصديق التام القائم مستلزمٌ لما وجب من أعمال القلب والجوارح، فإنَّ هذه لوازم الإيمان التام، وانتفاء اللازم دليلٌ على انتفاء الملزوم، ونقول: إنَّ هذه اللوازم تدخل في مسمَّى اللَّفظ تارة، وتخرج عنه أخرى\" (^٣).\n_________\n(^١) كتاب الإيمان، ص ٢٤٠.\n(^٢) المرجع نفسه، ص ٢٢٩.\n(^٣) نفسه، ص ١١٧.","vol":"1","page":641},{"text":"٤ - أنَّ الأفعال تُسمَّى تصديقًا كما ورد في الحديث الثابت عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - أنه قال: «إنَّ الله - ﷿ - كتب على ابن آدم حظَّه من الزِّنا أدرك ذلك لا محالة، فزنا العين النَّظر، وزنا اللِّسان المنطق، والنَّفس تمنَّى وتشتهي، والفرج يصدِّق ذلك أو يكذّبه» (^١).\n٥ - يلزم من فساد هذا القول أنَّ من صدَّق بقلبه فهو مؤمن، ولو لم يركع أو يسجد لله - ﷿ - سجدةً واحدة (^٢).\n٦ - أنَّ هذا القول مخالف للأدلة الشرعية التي تثبت أنَّ العملَ داخلٌ في الإيمان، ومنها:\nأولًا: من القرآن\nقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ (^٣)، قال ابن تيمية - ﵀ -: \"فيقال: من أحوال القلب وأعماله ما يكون من لوازم الإيمان الثابتة فيه، بحيث إذا كان الإنسان مؤمنًا، لزم ذلك بغير قصد منه ولا تَعمُّد له، وإذا لم يوجد دلَّ على أنَّ الإيمان الواجب لم يحصل في القلب، وهذا كقوله تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ (^٤)، فأخبر أنك لا تجد مؤمنًا يواد المحادين لله ورسوله، فإنَّ نفس الإيمان ينافي موادته، كما ينفي أحد الضدَّين الآخر، فإذا وجد\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب الاستئذان، باب زنا الجوارح دون الفرج، ٤/ ١٣٩، رقم ٦٢٤٣.\n(^٢) شرح العقيدة الطحاوية ٢/ ٤١٦.\n(^٣) سورة الأنفال: ٢.\n(^٤) سورة المجادلة: ٢٢.","vol":"1","page":642},{"text":"الإيمان انتفى ضده، وهو موالاة أعداء الله، فإذا كان الرجل يوالي أعداء الله بقلبه، كان ذلك دليلًا على أنَّ قلبه ليس فيه الإيمان الواجب\" (^١).\nوقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (^٢).\nقال ابن قتيبة - ﵀ -: \"فإيمان العبد بالله: تصديقه قولًا وعملًا وعقدًا، وقد سمى الله الصلاة -في كتابه- إيمانًا، فقال: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ أي: صلاتكم إلى بيت المقدس\" (^٣).\nثانيًا: من السُّنَّة\n١ - قال رسول الله - ﷺ -: «الإيمان بضعٌ وستون شعبة، فأفضلُها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطةُ الأذى عن الطريق، والحياءُ شعبةٌ من الإيمان» (^٤).\n٢ - قال رسول الله - ﷺ - لوفد عبد القيس: «آمركم بالإيمان وحده، أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟» قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: «شهادة أن لا إله إلا الله وأنَّ محمَّدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وتعطوا الخمس من المغنم» (^٥).\n٣ - قال رسول الله - ﷺ -: «آيةُ الإيمان حُبُّ الأنصار، وآيةُ النفاق بغضُ الأنصار» (^٦).\n_________\n(^١) الإيمان، ص ١٧.\n(^٢) سورة البقرة: ١٤٣.\n(^٣) غريب القرآن، ص ١٦.\n(^٤) أخرجه مسلم، كتاب الإيمان، باب عدد شعب الإيمان وفضلها، ١/ ٦٣، رقم ٣٥.\n(^٥) أخرجه البخاري، كتاب الإيمان، باب تحريض النبي - ﷺ - وفد قيس على أن يحفظوا الإيمان والعلم ويخبروا من ورائهم، ١/ ٤٨، رقم ٢٥.\n(^٦) أخرجه البخاري، كتاب الإيمان، باب علامة الإيمان حب الأنصار، ١/ ٢٢، رقم ١٧.","vol":"1","page":643},{"text":"والقول الحق هو ما عليه أهل السُّنَّة والجماعة \"أنَّ الإيمان قولٌ وعمل، قول القلب واللسان، وعمل القلب واللسان والجوارح\" (^١)، وهذا \"أتم من قول من يقول: إنَّ الإيمان اعتقاد بالجنان، وإقرار باللسان، وعمل بالأركان، صحيح أنَّ هذا يرد مذهب الخوارج المرجئة، لكن ما ذكره الشيخ من هذه الأمور الخمسة أتم، يعني: يستوعب كل جوانب الإيمان\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-182>رابعًا: الفرق بين الإيمان والإسلام</span>\nالفرق بين الإيمان والإسلام من المسائل الهامَّة جدًّا؛ \"لكثرة ذكرهما، وكثرة كلام النَّاس فيهما، والاسم كُلَّما كثر التكلُّم فيه، فتكلم به مطلقًا ومقيَّدًا بقيد، ومقيدًا بقيد آخر في موضع آخر، كان هذا سببًا لاشتباه بعض معناه، ثم كُلَّما كثر سماعه كثر من يشتبه عليه ذلك، ومن أسباب ذلك أن يسمع بعض الناس بعض موارده ولا يسمع بعضه، ويكون ما سمعه مقيَّدًا بقيد أوجبه اختصاصه بمعنى، فيظن معناه في سائر موارده كذلك، فمن اتبع علمه حتى عرف مواقع الاستعمال عامَّة، وعلم مأخذ الشبه أعطى كل ذي حق حقه، وعلم أن خير الكلام كلام اللّه، وأنه لا بيان أتم من بيانه\" (^٣).\nوذهب ابن عجيبة أنه لا فرق بين الإسلام والإيمان، واستدلَّ بقول الله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (^٤).\nفقال: \"وفيه دليلٌ على أنَّ الإسلام والإيمان واحد، أي: باعتبار الشرع فهما\n_________\n(^١) العقيدة الواسطية، ص ١١١.\n(^٢) شرح العقيدة الواسطية، للبراك، ص ٢٣٥.\n(^٣) كتاب الإيمان، ص ٣٤٠.\n(^٤) سورة الذاريات: ٣٥ - ٣٦.","vol":"1","page":644},{"text":"متلازمان، فلا إسلام إلا بعد إيمان، ولا إيمان إلا بعد النطق بالشهادة إلا لعذر، وأمَّا في اللغة فمختلف، والإسلام محلُّه الظاهر، والإيمان محلُّه الباطن\" (^١).\nواستدلال ابن عجيبة بهذه الآية هو نفس قول النَّسفي إذ يقول: \"وفيه دليلٌ على أنَّ الإيمان والإسلام واحد\" (^٢).\nوهذا القول مخالف ومردود بتفسير الله - ﷿ - ورسوله - ﷺ - للإيمان \"فإنَّ الله ورسوله قد فسَّرا الإيمان بأنه الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وبيَّنَا أيضًا أنَّ العمل بما أمر به يدخل في الإيمان، ولم يسم الله - ﷿ - الإيمان بملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت إسلامًا، بل إنَّما سمّى الإسلام الاستسلام له بقلبه وقصده وإخلاص الدين والعمل بما أمر به؛ كالصَّلاة والزكاة خالصًا لوجهه، فهذا هو الذي سمَّاه الله إسلامًا وجعله دينًا، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (^٣) ... وهذا يقتضي أنَّ كلَّ من دان بغير دين الإسلام فعمله مردود، وهو خاسر في الآخرة، فيقتضي وجوب دين الإسلام وبطلان ما سواه، لا يقتضي أنَّ مُسمَّي الدين هو مُسمَّى الإيمان، بل أمرنا أن نقول: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ (^٤)، وأمرنا أن نقول: ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ (^٥) فأمرنا باثنين فكيف نجعلهما واحدًا؟ \" (^٦).\n_________\n(^١) البحر المديد ٥/ ٤٧٥.\n(^٢) مدارك التنزيل ٣/ ٤١٩.\n(^٣) سورة آل عمران: ٨٥.\n(^٤) سورة البقرة: ١٣٦.\n(^٥) سورة البقرة: ١٣٦.\n(^٦) الإيمان، ص ٣٢٠ - ٣٢١.","vol":"1","page":645},{"text":"وبيّن شيخ الإسلام لفظ الإسلام والإيمان حال الاقتران والتفرد فقال: \"إذا تبيَّن هذا وعُلم أنَّ الإيمان الذي في القلب من التصديق والحب وغير ذلك يستلزم الأمور الظاهرة من الأقوال الظاهرة والأعمال الظاهرة، كما أنَّ القصد التام مع القدرة يستلزم وجود المراد وأنه يمتنع مقام الإيمان الواجب في القلب من غير ظهور موجب ذلك ومقتضاه زالت الشبه العلمية في هذه المسألة - وهي دعوى إمكانية حصول الإيمان في القلب دون حصول أثره في الظاهر- (^١) ولم يبق إلا (نزاع لفظي) في أنَّ موجب الإيمان الباطن هل هو جزء منه داخل في مُسمَّاه فيكون لفظ الإيمان دالًّا عليه بالتضمُّن والعموم؟ أو هو لازم للإيمان ومعلول له وثمرة له فتكون دلالة الإيمان عليه بطريق اللزوم؟ وحقيقة الأمر أنَّ اسم الإيمان يستعمل تارة هكذا وتارة هكذا كما قد تقدم، فإذا قرن اسم الإيمان بالإسلام أو العمل كان دالًّا على الباطن فقط، وإن أفرد اسم الإيمان فقد يتناول الباطن والظاهر وبهذا تأتلف النصوص.\nفقوله: - ﷺ -: «الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان»، أفرد لفظ الإيمان فدخل فيه الباطن والظاهر، وقوله: - ﷺ - في حديث جبريل: «الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر»، ذكره مع قوله: - ﷺ - «الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأنَّ محمَّدًا رسول لله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت» فلما أفرده عن اسم الإسلام ذكر ما يخصه الاسم في ذاك الحديث مجرَّدًا عن الاقتران، وفي هذا الحديث مقرون باسم الإسلام ... ومن علم أن دلالة اللفظ تختلف بالإفراد والاقتران كما في اسم الفقير والمسكين والمعروف والمنكر والبغي وغير\n_________\n(^١) ينظر: آراء المرجئة في مصنفات شيخ الإسلام ابن تيمية، أ. د عبد الله السند، ص ٢٧٢.","vol":"1","page":646},{"text":"ذلك من الأسماء وكما في لغات سائر الأمم عربها وعجمها زاحت عنه الشبهة في هذا الباب\" (^١).\nوقال أيضًا: \"إذا عرف أنَّ أصل الإيمان في القلب فاسم (الإيمان) تارة يطلق على ما في القلب من الأقوال القلبية والأعمال القلبية من التصديق والمحبة والتعظيم، ونحو ذلك، وتكون الأقوال الظاهرة والأعمال لوازمه وموجباته ودلائله، وتارة على ما في القلب والبدن جعلًا لموجب الإيمان ومقتضاه داخلًا في مُسمَّاه وبهذا يتبيَّن أنَّ الأعمال الظاهرة تُسمَّى إسلامًا وأنها تدخل في مُسمَّى الإيمان تارة ولا تدخل فيه تارة.\nوذلك أنَّ الاسم الواحد تختلف دلالته بالإفراد والاقتران، فقد يكون عند الإفراد فيه عموم لمعنيين وعند الاقتران لا يدل إلا على أحدهما، كلفظ الفقير والمسكين إذا أفرد أحدهما تناول الآخر وإذا جمع بينهما كان لكلِّ واحد مُسمّى يخصه ... والأقوال والأعمال الظاهرة نتيجة الأعمال الباطنة ولازمها.\nوإذا أفرد اسم (الإيمان) فقد يتناول هذا وهذا كما في قول النبي - ﷺ -: «الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق»، وحينئذٍ فيكون الإسلام داخلًا في مُسمَّى الإيمان وجزءًا منه فيقال حينئذ: إنَّ الإيمان اسمٌ لجميع الطاعات الباطنة والظاهرة\" (^٢).\nوقال الخطابي - ﵀ -: \"والصَّحيح من ذلك أن يقيَّد الكلام في هذا، ولا يُطلق على أحد الوجهين، وذلك أنَّ المسلم قد يكون مؤمنًا في بعض الأحوال، ولا يكون مؤمنًا في بعضها، والمؤمن مسلم في جميع الأحوال، فكلُّ مؤمن مسلم، وليس كل\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ٧/ ٥٧٥ - ٥٧٦.\n(^٢) المرجع نفسه ٧/ ٥٥١.","vol":"1","page":647},{"text":"مسلم مؤمنًا، فإذا حملت الأمر على هذا استقام لك تأويل الآيات، واعتدل القول فيها ولم يختلف منها شيء\" (^١).\nويقول الحافظ ابن رجب - ﵀ -: \"فأمَّا الإسلام، فقد فسَّره النَّبي - ﷺ - بأعمال الجوارح الظاهرة من القول والعمل، وأول ذلك شهادة أن لا إله إلا الله، وأنَّ محمَّدًا رسول الله، وهو عمل اللسان، ثم إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلا ... وأمَّا الإيمان، فقد فسَّره النَّبيُّ - ﷺ - في هذا الحديث بالاعتقادات الباطنة ... وأمَّا وجه الجمع بين هذه النصوص وبين حديث سؤال جبريل - ﵇ - عن الإسلام والإيمان، وتفريق النَّبي - ﷺ - بينهما، وإدخاله الأعمال في مُسمَّى الإسلام دون الإيمان، فإنه يتضح بتقرير أصل، وهو أنَّ من الأسماء ما يكون شاملًا لمسمَّيات متعددة عند إفراده وإطلاقه، فإذا قُرِن ذلك الاسم بغيره، صار دالًّا على بعض تلك المسميات، والاسم المقرون به دال على باقيها، وهذا كاسم الفقير والمسكين، فإذا أفرد أحدهما دخل فيه كل من هو محتاج، فإذا قرن أحدهما بالآخر، دل أحد الاسمين على بعض أنواع ذوي الحاجات، والآخر على باقيها، فهكذا اسم الإسلام والإيمان: إذا أفرد أحدهما، دخل فيه الآخر ودل بانفراده على ما يدل عليه الآخر بانفراده، فإذا قرن بينهما دلَّ أحدهما على بعض ما يدلُّ عليه بانفراده، ودلَّ الآخر على الباقي\" (^٢).\nويقول الخطابي - ﵀ -: \"وهذه المسألة -يعني الفرق بين الإسلام والإيمان- مما قد أكثر الناس الكلام فيها، وصنَّفوا لها صحفًا طويلة، والمقدار الذي لا بدَّ من ذكره هنا على وجه الإيجاز والاختصار:\n_________\n(^١) معالم السنن ٤/ ٣١٥.\n(^٢) جامع العلوم والحكم ١/ ٩٨، ١٠٢.","vol":"1","page":648},{"text":"أنَّ الإيمان والإسلام قد يجتمعان في مواضع، فيقال للمسلم مؤمن، وللمؤمن مسلم، ويفترقان في مواضع، فلا يُقال لكلِّ مسلمٍ مؤمن، ويقال لكلِّ مؤمنٍ مسلم، فالموضع الذي يتفقان فيه هو أن يستوي الظاهر والباطن، والموضع الذي لا يتفقان فيه هو أن لا يستويا، ويقال له عند ذلك مسلم\" (^١).\nوقال ابن أبي العز - ﵀ -: \"وطائفة جعلوا الإسلام مرادفًا للإيمان ... مع أنهم قالوا: إنَّ الإيمان هو التصديق بالقلب ثم قالوا: الإسلام والإيمان شيءٌ واحد فيكون الإسلام هو التصديق، وهذا لم يقله أحدٌ من أهل اللُّغة وإنما هو الانقياد والطاعة، وقد قال النَّبي - ﷺ -: «اللهمَّ لك أسلمتُ وبك آمنتُ» (^٢)، (^٣).\nوأما الاستدلال بالآية السابقة \"فلا حُجَّة فيه؛ لأنَّ أهل البيت المُخْرَج كانوا متصفين بالإسلام والإيمان ولا يلزم من الاتصاف بهما ترادف\" (^٤).\n\"والتحقيق في الفرق بينهما أنَّ الإيمان هو تصديق القلب وإقراره ومعرفته، والإسلام هو استسلام العبد لله وخضوعه وانقياده له، فيكون حينئذ المراد بالإيمان جنس تصديق القلب، وبالإسلام جنس العمل، ومن هنا قال المحققون من العلماء: كل مؤمن مسلم، فإنَّ من حقق الإيمان ورسخ في قلبه قام بأعمال الإسلام، فلا يتحقق القلب بالإيمان إلا وتنبعث الجوارح في أعمال الإسلام، وليس كل مسلم مؤمنًا، فإنه قد يكون الإيمان ضعيفًا فلا يتحقق القلب به تحقُّقًا تامًّا مع عمل جوارحه أعمال الإسلام، فيكون مسلمًا، وليس بمؤمن الإيمان التام\" (^٥).\n_________\n(^١) أعلام الحديث ١/ ١٦٠ - ١٦١.\n(^٢) أخرجه مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب الدعاء في صلاة الليل، ١/ ٥٣٣، رقم ٧٦٩.\n(^٣) شرح العقيدة الطحاوية، ص ٣٨٢ - ٣٨٣.\n(^٤) المرجع نفسه، ص ٣٨٧.\n(^٥) جامع العلوم والحكم، ص ٢٦ - ٢٧.","vol":"1","page":649},{"text":"الأدلة على التفريق بينهما:\n١ - حديث عمر بن الخطاب - ﵁ - قال: بينما نحن عند رسول - ﷺ - الله ذات يوم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشَّعر، لا يُرى عليه أثر السَّفر، ولا يعرفه منَّا أحد، حتى جلس إلى النَّبي - ﷺ -، فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفَّيه على فخذيه، وقال: يا محمد أخبرني عن الإسلام، فقال: رسول الله - ﷺ - «الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمَّدًا رسول الله - ﷺ -، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلًا» قال: صدقت، قال: فعجبنا له يسأله ويصدِّقه، قال: فأخبرني عن الإيمان قال: «أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره» قال: صدقت، قال: فأخبرني عن الإحسان قال: «أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك» قال: فأخبرني عن السَّاعة قال: «ما المسؤول عنها بأعلم من السائل» قال: فأخبرني عن أمارتها؟ قال: «أن تلد الأَمَةُ ربَّتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان» قال: ثم انطلقَ فلبثتُ مليًّا ثم قال لي: «يا عمرُ أتدري من السائل؟» قلتُ: الله ورسوله أعلم، قال: «فإنه جبريل أتاكم يعلِّمكم دينكم» (^١).\n٢ - عن سعد - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - أعطى رهطًا وسعدٌ جالس، فترك رسول الله - ﷺ - رجلًا هو أعجبهم إليَّ فقلتُ: يا رسول الله ما لك عن فلان؟ فوالله إني لأراه مؤمنًا، فقال: «أو مسلمًا»، فسكتُ قليلًا ثم غلبني ما أعلم منه فعدتُ لمقالتي فقلتُ: ما لك عن فلان؟ فوالله إني لأراه مؤمنًا، فقال: «أو مسلمًا»، ثم غلبني ما أعلم منه فعدتُ لمقالتي وعاد رسول الله - ﷺ - ثم قال: «يا سعدُ إنِّي لأعطي الرَّجل\n_________\n(^١) أخرجه مسلم، كتاب الإيمان، باب الإيمان والإسلام والإحسان، ١/ ٣٦، رقم ٨.","vol":"1","page":650},{"text":"وغيره أَحَبُّ إليَّ منه خشية أن يكبَّه الله في النَّار» (^١).\nقال ابن رجب - ﵀ -: \"وكذلك قول النَّبي - ﷺ - لسعد - ﵁ - لما قال له: «لم تعط فلانًا وهو مؤمن»، فقال النَّبي - ﷺ -: «أو مسلم» يشير إلى أنه لم يتحقق مقام الإيمان فإنما هو مقام الإسلام الظاهر، ولا ريب أنه متى ضعف الإيمان الباطن لزم منه ضعف أعمال الجوارح الظاهرة أيضًا\" (^٢).\n٣ - عن أبي سعيد الخدري - ﵁ - عن النَّبي - ﷺ - قال: «يدخل أهل الجنَّة الجنَّة وأهل النار النار ثم يقول الله تعالى: أخرجوا من النَّار من كان في قلبه مثقال حَبَّةٍ من خردلٍ من إيمان ...» (^٣).\nقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب - ﵀ -: \"وقوله في الحديث: «أخرجوا من النار من في قلبه ...» إلخ، يوافق ما ذكرناه -من التفريق بين الإسلام والإيمان-، فإنَّ الإيمان أعلى من الإسلام، فيخرج الإنسان من الإيمان إلى الإسلام الذي ينفعه، وإن كان ناقصًا\" (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب الإيمان، باب إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة، ١/ ٣١، رقم ٢٧.\n(^٢) جامع العلوم والحكم، ص ٢٧.\n(^٣) أخرجه البخاري، كتاب الإيمان، باب تفاضل أهل الإيمان في الأعمال، ١/ ٢٣، رقم ٢٢.\n(^٤) الدرر السنية ١/ ١٨٨.","vol":"1","page":651},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-183>المبحث الثاني:\nزيادة الإيمان ونقصانه</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-184>أولًا: أدلة زيادة الإيمان ونقصانه من القرآن</span>\nقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ (^١).\nوقال تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ «^٢).\nقال ابن كثير - ﵀ -: \"وهذه الآية من أكبر الدلائل على أنَّ الإيمان يزيد وينقص كما هو مذهب أكثر السَّلف والخلف من أئمَّة العلماء\" «^٣).\nوقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ «^٤).\nوقال تعالى: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ (^٥) (.\nقال الكرماني - ﵀ -: \"فإن قلتَ: هذه الآيات دلَّت على الزيادة فقط، والمقصود بيان الزيادة والنقصان كليهما قلت: كلُّ ما قبل الزيادة لا بدَّ وأن يكون قابلًا للنُّقصان ضرورة\" (^٦).\n_________\n(^١) سورة الفتح: ٤.\n(^٢) سورة التوبة: ١٢٤.\n(^٣) تفسير القرآن العظيم ٢/ ٤٠٢.\n(^٤) سورة محمد: ١٧.\n(^٥) سورة الأحزاب: ٢٢.\n(^٦) الكواكب الدراري ١/ ٧١.","vol":"1","page":652},{"text":"وقال ابن بطال - ﵀ -: \"وبيان ذلك أنه من لم تحصل له بذلك الزيادة، فإيمانه أنقص من إيمان من حصلت له\" (^١).\nوقال البغوي - ﵀ -: \"وقالوا: -أي أهل السُّنَّة والجماعة- إنَّ الإيمان قولٌ وعملٌ، يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية، على ما نطق به القرآن في الزيادة، وجاء في الحديث بالنُّقصان في وصف النِّساء (^٢) \" (^٣).\nوقال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (^٤).\nقال ابن بطال - ﵀ -: \"هذه الآية حُجَّة في زيادة الإيمان ونقصانه؛ لأنَّ هذه الآية نزلت يوم عرفة في حَجَّة الوداع يوم كملت الفرائض والسُّنَن واستقرَّ الدِّين، وأراد الله قبض نبيِّه، فدلَّت هذه الآية أنَّ كمال الدين إنما حصل بتمام الشريعة، فمن حافظ على التزامها فإيمانه أكمل من إيمان من قَصَرَّ في ذلك وضيَّع\" (^٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-185>ثانيًا: أدلَّة زيادة الإيمان ونقصانه من السُّنَّة</span>\n١ - عن عائشة - ﵂ - قالت: كان رسول الله - ﷺ - إذا أمَرهُم، أمرهم من الأعمال بما يطيقون، قالوا: إنَّا لسنا كهيئتك يا رسول الله، إنَّ الله قد غفر لك ما\n_________\n(^١) شرح صحيح البخاري ١/ ٥٦.\n(^٢) وأنهن (ناقصاتُ عقلٍ ودين)، وجعل من نقصان دينها أنها إذا حاضت لا تصوم ولا تصلي، وبهذا استدلَّ غير واحد على أنه ينقص. ينظر: مجموع الفتاوى، لابن تيمية ١٣/ ٥١، ٧/ ٢٣٣، \"وليس المقصود بذكر النقص في النِّساء لومهن على ذلك؛ لأنه من أصل الخلقة، لكن التنبيه على ذلك تحذيرًا من الافتتان بهن ... \". ينظر: فتح الباري ١/ ٤٠٦.\n(^٣) شرح السُّنَّة ١/ ٣٩.\n(^٤) سورة المائدة: ٣.\n(^٥) شرح صحيح البخاري ١/ ١٠٢، وينظر: عمدة القاري ١/ ٢٥٨.","vol":"1","page":653},{"text":"تقدَّم من ذنبك وما تأخَّر، فيغضب حتى يعرف الغضب في وجهه ثم يقول: «إنَّ أتقاكم وأعلمكم بالله أنا» (^١).\nقال ابن حجر - ﵀ -: \"وفيه دليلٌ على زيادة الإيمان ونقصانه؛ لأنَّ قوله - ﷺ -: (أنا أعلمكم بالله) ظاهر في أنَّ العلم بالله درجات، وأنَّ بعض النَّاس فيه أفضل من بعض، وأنَّ النَّبي - ﷺ - منه أعلى الدرجات، والعلم بالله يتناول ما بصفاته وما بأحكامه وما يتعلَّق بذلك فهذا هو الإيمان الحقيقي\" (^٢).\n٢ - عن أبي هريرة - ﵁ - أنَّ النبي - ﷺ - قال: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، والتوبة معروضة بعد» (^٣).\nقال ابن عبد البر - ﵀ - معلِّقًا على هذا الحديث: \"وإنما صاروا ناقصي الإيمان بارتكابهم الكبائر، ألا ترى إلى قول رسول الله - ﷺ -: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن» يريد مستكمل الإيمان، ولم يرد به نفي جميع الإيمان عن فاعل ذلك بدليل الإجماع على توريث الزاني والسارق وشارب الخمر، إذا صلّوا للقبلة، وانتحلوا دعوة الإسلام من قرابتهم المؤمنين الذين آمنوا بتلك الأحوال، وفي إجماعهم على ذلك مع إجماعهم على أنَّ الكافر لا يرث المسلم أوضح الدلائل على صحة قولنا: إنَّ مرتكب الذنوب ناقص الإيمان بفعله ذلك وليس بكافر كما زعمت الخوارج في\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب الإيمان، باب قول النبي - ﷺ - أنا أعلمكم بالله، ١/ ٢٣، رقم ٢٠.\n(^٢) فتح الباري ١/ ٧٠.\n(^٣) أخرجه البخاري ٣/ ١٣٦، رقم ٢٤٧٥، ومسلم، كتاب الإيمان، باب بيان نقصان الإيمان بالمعاصي ١/ ٧٦، رقم ٥٧، واللفظ لمسلم.","vol":"1","page":654},{"text":"تكفيرهم المذنبين، وقد جعل الله - ﷿ - في ارتكاب الكبائر حدودًا جعلها كَفَّارةً وتطهيرًا\" (^١).\nقال النووي في بيان معنى الحديث: \"فالقول الصحيح الذي قاله المحققون أنَّ معناه لا يفعل هذه المعاصي وهو كامل الإيمان، وهذا من الألفاظ التي تُطلق على نفي الشَّيء ويُراد نفي الكمال\" (^٢).\n٣ - عن عبد الله بن عمر - ﵄ - قال، قال: رسول الله - ﷺ -: «من اقتنى كلبًا إلا كلبَ ماشيةٍ أو ضاريًا (^٣) نقص من عمله كل يوم قيراطان» (^٤).\nقال ابن حجر - ﵀ - في شرحه لهذا الحديث: \"وفي الحديث الحثُّ على تكثير الأعمال الصالحة، والتحذير من العمل بما ينقصها، والتنبيه على أسباب الزيادة فيها والنقص منها؛ لتجتنب أو ترتكب، وبيان لطف الله تعالى بخلقه في إباحة ما لهم به نفع وتبليغ نبيِّهم - ﷺ - لهم أمور معاشهم ومعادهم، وفيه ترجيح المصلحة الراجحة على المفسدة؛ لوقوع استثناء ما يُنتفع به مما حُرِّم اتخاذه\" (^٥).\n٤ - عن عمران بن حصين - ﵁ - أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «يدخل الجنَّة من أُمِّتي سبعون ألفًا بغير حساب»، قالوا: من هم يا رسول الله؟ قال: «هم الذين لا يسترقون ولا يتطيرَّون ولا يكتوون وعلى ربهم يتوكَّلون» (^٦).\n_________\n(^١) التمهيد ٩/ ٢٤٣.\n(^٢) شرح صحيح مسلم ٢/ ٤١.\n(^٣) ضاريًا: مُغرىً بالصَّيد، سُمِّي ضاريًا؛ لأنَّه يَضْرَى بالشَّيء، ويقال: ضرا الكلب وأضراه صاحبه أي: عوَّده وأغراه بالصيد. ينظر: مقاييس اللغة ٣/ ٣٩٧، غريب الحديث ١/ ٤٤٠، فتح الباري ٩/ ٦٠٩.\n(^٤) أخرجه البخاري، كتاب الذبائح والصيد، باب من اقتنى كلبًا ليس بكلب صيدٍ أو ماشية، ٣/ ٤٥٢، رقم ٥٤٨٢.\n(^٥) فتح الباري ٥/ ٧.\n(^٦) أخرجه مسلم، كتاب الإيمان، باب الدليل على دخول طوائف من المسلمين الجنة بغير حساب ولا عذاب، ١/ ١٩٨، رقم: ٣٥٥.","vol":"1","page":655},{"text":"قال ابن تيمية - ﵀ -: \" ... وفي حديث السبعين ألفًا الذين يدخلون الجنَّة بغير حساب كفاية فإنه من أعظم الأدلة على زيادة الإيمان ونقصانه؛ لأنَّه وصفهم بقوة الإيمان وزيادته في تلك الخصال التي تدلُّ على قوة إيمانهم، وتوكُّلهم على الله - ﷿ - في أمورهم كلِّها\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-186>ثالثًا: رأي ابن عجيبة في زيادة الإيمان ونقصانه</span>\nيقول ابن عجيبة في تفسيره لقول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ (^٢) \"وهذا يدلُّ على أنَّ الإيمان يزيد وينقص، فيزيد بحسب التوجه إلى الله والتفرُّغ مما سواه، وينقص بحسب التوجُّه إلى الدنيا وشغبها، ويزيد أيضًا بالطاعة والنظر والاعتبار، وينقص بالمعصية والغفلة والاغترار\" (^٣).\nولكن هذا النص سرعان ما ينقضه بتنزيله على المريدين، أمَّا الزيادة والنقص فهي لعوام المسلمين، أمَّا المريدين فهم الذين يزدادون يقينًا وإيمانًا عندما يؤذون فيتحققون أنهم على المنهج السليم لينقلبوا لمرحلة الشهود والمعاينة فيتحقق مقام الإحسان الذي هو مقام الشهود والعيان (^٤)، ولا تحقق الزيادة إلا بصحبة أهل العرفان -أي أهل المعرفة- (^٥) وهم أهل وحدة الوجود فمن لم يصحبهم بقي إيمانه ناقصًا (^٦).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ٧/ ٢٢٦.\n(^٢) سورة آل عمران: ١٧٣.\n(^٣) البحر المديد ١/ ٤٣٧.\n(^٤) المشاهدة: \"هي رؤية الذات اللطيفة في مظاهر تجلياتها الكثيفة فترجع إلى تكثيف اللطيف، فإذا ترقق الوداد، ورجعت الأنوار الكثيفة لطيفة فهي المعاينة، فترجع إلى تلطيف الكثيف، فالمعاينة أرق من المشاهدة وأتم\". معراج التشوف، ص ٢٥.\n(^٥) المعرفة: هي التمكين من المشاهدة واتصالها، فهي شهود دائم بقلب هائم فلا يشهد إلا مولاه. ينظر: معراج التشوف، ص ٢٥.\n(^٦) ينظر: البحر المديد ١/ ٤٣٣، ٢/ ١٣٣.","vol":"1","page":656},{"text":"ونقل عن زروق في تفسيره لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ (^١) قوله: \"اعلم أنَّ الإيمان على ثلاثة أقسام: إيمان لا يزيد ولا ينقص، وهو إيمان الملائكة، وإيمان يزيد وينقص، وهو إيمان عامَّة المسلمين، وإيمان يزيد ولا ينقص وهو إيمان الأنبياء والرُّسُل، ومن كان على قدمهم من العارفين الروحانيين الراسخين في علم اليقين، ومن تعلَّق بهم من المريدين السائرين، فهؤلاء إيمانهم دائمًا في الزيادة، وأرواحهم دائمًا في الترقِّي في المعرفة، يزيدون بالطاعة والمعصية لتيقُّظهم وكمال توحيدهم\" (^٢).\nوقد احتوى هذا النص على مخالفات عقديَّة منها:\n١ - الخوض في مالم يرد دليلٌ عليه في إيمان الملائكة.\n٢ - التسوية بين إيمان الأنبياء -﵈- وإيمان العارفين الروحانيين الذين وصلوا -كما يزعم- لدرجة الاتصال بالله - ﷿ - عن طريق المجاهدة والجوع وتحريم الطيبات من الرزق، وهذا لا شكَّ في بطلانه، ويتضح ذلك عند بيان مذهب أصحاب الروحانيات الذين يزعمون \"أنَّ للعالم صانعًا، فاطرًا، حكيمًا، مقدَّسًا عن سمات الحدثان، والواجب علينا معرفة العجز عن الوصول إلى جلاله، وإنما يُتقرَّب إليه بالمتوسطات المقربين لديه، وهم الروحانيون، المطهرون، المقدسون جوهرًا، وفعلًا، وحالةً ... فالواجب علينا أن نطهِّر نفوسنا عن دنس الشهوات الطبيعيَّة، ونهذِّب أخلاقنا عن علائق القوى الشهوانية والغضبية، حتى تحصل مناسبة ما بيننا وبين الروحانيات، فحينئذ نسأل حاجاتنا منهم، ونعرض أحوالنا عليهم، ونصبو في جميع\n_________\n(^١) سورة الأنفال: ٢.\n(^٢) البحر المديد ٢/ ٣٠٥.","vol":"1","page":657},{"text":"أمورنا إليهم، فيشفعون لنا إلى خالقنا وخالقهم، ورازقنا ورازقهم، وهذا التطهير والتهذيب ليس يحصل إلا باكتسابنا ورياضتنا وفطامنا أنفسنا عن دنيَّات الشهوات، باستمداد من جهة الروحانيات، والاستمداد هو التضرُّع والابتهال بالدعوات، وإقامة الصلوات، وبذل الزكوات، والصيام عن المطعومات والمشروبات، وتقريب القرابين والذبائح، وتبخير البخورات، وتعزيم العزائم، فيحصل لنفوسنا استعداد واستمداد من غير واسطة، بل يكون حكمنا وحكم من يدعي الوحي على وتيرة واحدة\" (^١).\n٣ - عدم النَّظر لحقيقة الإيمان من حيث إنه يزيد وينقص بل نظر لمتعلقه من الأشخاص، والأولى أن يقرر ما قرَّره أئمَّة أهل السُّنَّة والجماعة في زيادة الإيمان ونقصانه.\n٤ - لا يُسلَّم له قوله: (لتيقُّظهم وكمال توحيدهم)؛ لأنهم ليسوا معصومين بل تقع منهم المعصية ولا يكونون مع هذا في كمال توحيدهم، وإن كانوا من أولياء الله الصالحين، فلا عصمة مكفولة لهم من ربِّ العالمين، فالخطأ والميل إلى الهوى عليهم وارد.\nثم إنه جعل الأولياء أفضل من الأنبياء، والمقرَّر عند سلف الأُمَّة وخَلَفِها من أهل السُّنَّة والجماعة أنَّ الأنبياء أفضل من الأولياء، وأنه لا يجوز تفضيل أحدٌ من الأولياء على أحدٍ من الأنبياء (^٢).\nقال الطحاوي - ﵀ -: \"ولا نُفضِّل أحدًا من الأولياء على أَحَدٍ من الأنبياء -﵈- ونقول: نبيٌّ واحدٌ أفضلُ من جميع الأولياء\" (^٣).\n_________\n(^١) الملل والنحل ٢/ ٦٤.\n(^٢) ينظر: الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، ص ١٨٦.\n(^٣) العقيدة الطحاوية ٢/ ٧٤١.","vol":"1","page":658},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-187>المبحث الثالث:\nحكم مرتكب الكبيرة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-188>أولًا: تقسيم الذنوب إلى كبائر وصغائر</span>\nذهب الجماهير من السَّلف والخلف إلى تقسيم الذنوب إلى صغائر وكبائر، وتظاهر على ذلك دلائل الكتاب والسُّنَّة واستعمال سلف الأُمَّة وخلفه (^١).\nقال ابن القيم - ﵀ -: \"وقد دلَّ القرآنُ والسُّنَّةُ وإجماعُ الصَّحابة والتابعين بعدهم والأَئمَّة على أنَّ من الذنوب كبائر وصغائر\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-189>ثانيًا: أدلة الكتاب والسُّنَّة على ذلك</span>\nأ من القرآن:\nقال تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ (^٣).\nوقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ (^٤).\nب من السُّنَّة:\nعن أبي هريرة - ﵁ - أنَّ رسول الله - ﷺ - كان يقول: «الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفِّراتٌ ما بينهنَّ إذا اجتُنبت الكبائر» (^٥).\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم ٢/ ٨٥.\n(^٢) الجواب الكافي، ص ١٢٥.\n(^٣) سورة النساء: ٣١.\n(^٤) سورة النجم: ٣٢.\n(^٥) أخرجه مسلم، كتاب الطهارة، باب الصلوات الخمس، ١/ ٢٠٩، رقم ٢٣٣.","vol":"1","page":659},{"text":"وعن عائشة - ﵂ - قالت قال: - ﷺ -: «ما من مصيبة تصيب المسلم إلا كفَّر الله بها عنه حتى الشَّوكة يشاكها» (^١).\nوعن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: «ما يصيب المسلم من نصبٍ ولا وصبٍ ولا همٍّ ولا حزن ولا أذى ولا غمٍّ حتى الشوكة يشاكها إلا كفَّر الله بها من خطاياه» (^٢).\nوذهب جمهور أهل العلم إلى أنَّ الأعمال الصالحة تُكفِّر صغائر الذنوب وأمَّا الكبائر فلا تُكَفَّر بمجرَّد فعل الأعمال الصالحة بل لا بدَّ من التوبة بشروطها حتى تُكَفَّر (^٣).\nويقول القاضي عياض: \"هذا المذكور في الحديث من غفران الذنوب ما لم تؤت كبيرة هو مذهب أهل السُّنَّة والجماعة وأنَّ الكبائر إنما تكفِّرها التوبة أو رحمة الله تعالى وفضله\" (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-190>ثالثًا: حد الكبيرة وحصرها</span>\nورد الاختلاف في حدِّ الكبيرة والصغيرة على أقوال، وملخصها على ضربين:\nالضرب الأول: من حصر الكبيرة في عددٍ معيَّن.\nقال ابن عجيبة: \"واختلف في الكبائر، هل تعرف بالعدِّ أو بالحد؟ فقيل: سبع (^٥)، وقيل ثلاث، وقيل أربع (^٦)، وقيل: سبعون (^٧)، وقيل: كل معصية فهي\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب المرضى، باب ما جاء في كفارة المرض ٤/ ٢٣، رقم: ٥٦٤٠.\n(^٢) أخرجه البخاري، كتاب المرضى، باب ما جاء في كفارة المرض، ٤/ ٢٣، رقم ٥٦٤١.\n(^٣) ينظر: نيل الأوطار ٣/ ٥٧.\n(^٤) ينظر: شرح النووي على صحيح مسلم، باب فضل الوضوء والصلاة عقبه، ٣/ ١١٢.\n(^٥) روى ذلك ابن جرير عن علي بن أبي طالب - ﵁ - ٥/ ٤١.\n(^٦) روى ذلك ابن جرير عن عبد الله بن مسعود - ﵁ - ٥/ ٣٧، ٤٠.\n(^٧) روى ذلك ابن جرير عن ابن مسعود - ﵁ - ٥/ ٤١.","vol":"1","page":660},{"text":"كبيرة (^١)، وقيل: \"كلُّ ما نهى من أوّل السُّورة (^٢) إلى ههنا (^٣) من الكبائر\" (^٤).\nوهذا التحديد ليس له دليل ولا وجه له؛ لأن هناك نصوص صحيحة ذكرها النبي - ﷺ - وعدَّها من الكبائر، مثل: حديث السبع الموبقات عن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «اجتنبوا السبع الموبقات» قالوا: يا رسول الله وما هنَّ\"، قال: «الشِّرك بالله، والسِّحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات» (^٥).\nقال ابن كثير - ﵀ -: \"فالنص على هذه السبع بأنهن كبائر لا ينفي ما عداهن، إلا عند من يقول بمفهوم اللقب (^٦)، وهو ضعيف عند عدم القرينة، ولا سيِّما عند قيام الدليل بالمنطوق على عدم المفهوم\" (^٧).\nوسبب حصر هذه السبع والتنصيص عليها؛ لكونها من أفحش الكبائر مع كثرة وقوعها لا سيِّما فيما كانت عليه الجاهلية (^٨).\n_________\n(^١) البحر المديد ١/ ٤٥٩.\n(^٢) سورة النساء.\n(^٣) إلى قوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾، سورة النساء: ٣١.\n(^٤) درج الدرر في تفسير الآي والسور ١/ ٤٨٣.\n(^٥) أخرجه البخاري، كتاب الوصايا، باب قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ ٥/ ٣٩٣، رقم ٢٧٦٦.\n(^٦) مفهوم اللقب: هو تخصيص اسم بحكم، وهو حجة عند مالك وأحمد، وأنكره الأكثر، ينظر: شرح الكوكب المنير، ص ٤٥٧، المدخل، لابن بدران ١/ ٣٠٨.\n(^٧) تفسير القرآن العظيم ٢/ ٢٧٢.\n(^٨) ينظر: شرح النووي على مسلم ٢/ ٢٧٠، الزواجر عن اقتراف الكبائر ١/ ١٤، لوامع الأنوار البهية ١/ ٣٦٧.","vol":"1","page":661},{"text":"كذلك وردت أحاديث صحيحة ونصَّت على أنَّ من يفعل هذا الفعل فقد فعل كبيرة، ومنها:\nعن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه - ﵁ - قال، قال رسول الله - ﷺ -: «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟» قلنا: بلى يا رسول الله، قال: «الإشراك بالله، وعقوق الوالدين»، وكان متكئًا فجلس فقال: «ألا وقول الزور وشهادة الزور، ألا وقول الزور وشهادة الزور» (^١).\nوعن عبد الله بن عمرو - ﵄ - عن النبي - ﷺ - قال: «الكبائرُ: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النَّفس، واليمين الغموس» (^٢).\nويُلاحظ زيادة (عقوق الوالدين، وشهادة الزور) في الحديث الأول، و(اليمين الغموس) في هذا الحديث، فهذه نصوصٌ صحيحةٌ دلَّت على أنَّ هذه الأفعال من الكبائر.\nالضرب الثاني: وهو تعريف الكبيرة -بضابط- دون ذكر عددٍ معيَّن مع اختلافهم في التعريف.\nعرَّفها ابن عجيبة بقوله: \"ما يكبر عقابه من الذنوب، وهو ما رتب عليه الوعيد بخصوصه\" (^٣).\nونقل قول ابن عطيه - ﵀ - (^٤): \"وتحرير القول في الكبائر: أنها كل معصية يوجد\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب الأدب، باب عقوق الوالدين من الكبائر، ١٠/ ٤٠٥، رقم ٥٩٧٦.\n(^٢) أخرجه البخاري، كتاب الأيمان والنذور، باب اليمين الغموس، ١١/ ٥٦٤، رقم ٦٦٧٥.\n(^٣) البحر المديد ٥/ ٥١١.\n(^٤) هو: أبو محمد، عبد الحق بن غالب بن عبد الملك بن تمام بن عطية الأندلسي المحاربي، ولد سنة ٤٨٠ هـ، له مصنفات منها: المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، فهرس ابن عطيه، وتوفي سنة ٥٤٢ هـ. ينظر: الوافي بالوفيات ١٨/ ٤٠.","vol":"1","page":662},{"text":"فيها حدٌّ في الدنيا، أو توعّد عليها بنارٍ في الآخرة، أو بلعنةٍ ونحوها\" (^١).\nوقال أيضًا: \"وقيل: كلُّ ما فيه حق الغير فهو كبائر، وما كان بينك وبين الله تعالى صغائر\" (^٢).\nوقيل في تعريفها: \"كل ما اتفقت عليه الشرائع بتحريمها\" (^٣).\nوقيل أيضًا هي: كل ذنب يترتَّب عليه حدٌّ أو توعّد عليه بالنار، أو اللعنة، أو غضب الله - ﷿ - (^٤).\nوقال المباركفوري - ﵀ -: \"والراجح: أنَّ كلَّ ذنبٍ نُصَّ على كِبَره، أو عظمه أو توعَّد عليه بالعقاب في الآخرة، أو خُتم بالغضب، أو اللَّعنة، أو عُلِّق عليه حدٌّ، أو شُدِّد النكير عليه، أو وصِف فاعلها بالفسق فهو كبيرة\" (^٥).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: \"إنَّ هذا الضابط أولى من سائر تلك الضوابط لعدة وجوه:\nأحدها: أنه المأثور عن السَّلف، بخلاف تلك الضوابط؛ فإنها لا تعرف عن أحدٍ من الصحابة والتابعين والأئمَّة.\nالثاني: أنَّ الله قال: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ (^٦) فقد وعد مجتنب الكبائر بتكفير السيئات واستحقاق\n_________\n(^١) المحرر الوجيز ٥/ ١٨٤.\n(^٢) المرجع نفسه ١/ ٤٩٥، وقريبٌ من هذا قول سفيان الثوري: (الكبائر: ما كان فيه من المظالم بينك وبين العباد، والصغائر: ما كان بينك وبين الله). مدارج السالكين ١/ ٣٢٧.\n(^٣) شرح العقيدة الطحاوية ٢/ ٥٢٥.\n(^٤) قاله ابن أبي العز في شرح العقيدة الطحاوية ٢/ ٥٢٥.\n(^٥) مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح ١/ ١٢١.\n(^٦) سورة النساء: ٣١.","vol":"1","page":663},{"text":"الوعد الكريم، وكل من وعد بغضب الله أو لعنته أو نار أو حرمان جنَّة أو ما يقتضي ذلك فإنه خارج عن هذا الوعد.\nالثالث: أنَّ هذا الضابط مرجعه إلى ما ذكره الله ورسوله في الذنوب، فهو حَدُّ يُتلقَّى من خطاب الشارع، وما سوى ذلك ليس متلقّى من كلام الله - ﷿ - وكلام رسوله - ﷺ -.\nالرابع: أنَّ هذا الضابط يمكن الفرق به بين الكبائر والصغائر، وأمَّا تلك الأمور فلا يمكن الفرق بها بين الكبائر والصغائر.\nالخامس: أنَّ تلك الأقوال فاسدة:\nفقول من قال: إنها ما اتفقت الشرائع على تحريمه دون ما اختلفت فيه؛ يوجب أن تكون الحَبَّة من مال اليتيم ومن السرقة والخيانة والكذبة الواحدة وبعض الإساءات الخفيَّة ونحو ذلك كبيرة، وأن يكون الفرار من الزحف ليس من الكبائر؛ إذ الجهاد لم يجب في كل شريعة، وكذلك يقتضي أن يكون التزوُّج بالمحرمات بالرضاعة والصهر وغيرهما ليس من الكبائر؛ لأنه مما لم تتفق عليه الشرائع، وكذلك إمساك المرأة بعد الطلاق الثلاث ووطئها بعد ذلك مع اعتقاد التحريم.\nوكذلك من قال: إنها ما تسدُّ باب المعرفة أو ذهاب النفوس والأموال؛ يوجب أن يكون القليل من الغضب والخيانة كبيرة، وأن يكون عقوق الوالدين وقطيعة الرَّحم وشرب الخمر وأكل الميتة ولحم الخنزير وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات ونحو ذلك ليس من الكبائر.\nومن قال: إنها سميت كبائر بالنسبة إلى ما دونها وأنَّ ما عُصي الله - ﷿ - به فهو كبيرة؛ فإنه يوجب أن لا تكون الذنوب في نفسها تنقسم إلى كبائر وصغائر،","vol":"1","page":664},{"text":"وهذا خلاف القرآن فإنَّ الله قال: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾ (^١)، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ (^٢)، وقال: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ (^٣)، وقال: ﴿مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ (^٤)، وقال: ﴿وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ﴾ (^٥)، والأحاديث كثيرة في الذنوب الكبائر.\nومن قال: هي سبعة عشر، فهو قولٌ بلا دليل.\nومن قال: إنها مبهمة أو غير معلومة، فإنما أخبر عن نفسه أنه لا يعلمها.\nومن قال: إنه ما تُوعِّد عليه بالنار قد يقال: إنَّ فيه تقصيرًا؛ إذ الوعيد قد يكون بالنار وقد يكون بغيرها، وقد يقال: إنَّ كل وعيد فلا بدَّ أن يستلزم الوعيد بالنار.\nوأمَّا من قال: إنها كلُّ ذنب فيه وعيد، فهذا يندرج فيما ذكره السَّلف؛ فإنَّ كلَّ ذنب فيه حَدُّ في الدنيا ففيه وعيدٌ من غير عكس، فإن الزِّنا والسرقة، وشرب الخمر، وقذف المحصنات ونحو ذلك فيها وعيد، كمن قال: إن الكبيرة ما فيها وعيد\" (^٦).\n_________\n(^١) سورة النجم: ٣٢.\n(^٢) سورة الشورى: ٣٧.\n(^٣) سورة النساء: ٣١.\n(^٤) سورة الكهف: ٤٩.\n(^٥) سورة القمر: ٥٣.\n(^٦) مجوع الفتاوى ١١/ ٦٥٤.","vol":"1","page":665},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-191>رابعًا: حكم مرتكب الكبيرة</span>\nتدلُّ نصوص الوحيين دلالةً واضحةً على أنَّ مرتكب الكبيرة لا يخرج من الملَّة، بل ينقص إيمانه بقدر ما اقترف من الكبائر، ويطلق عليه مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، ولا يسلب عنه الإيمان، ومع ذلك لا يستحق أن يطلق عليه اسم مؤمن بإطلاق، بل يبقى معه مطلق الإيمان.\nأ أدلة الكتاب على ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ (^١).\nقال ابن جرير - ﵀ -: \"وقد أبانت هذه الآية أنَّ كلَّ صاحب كبيرة ففي مشيئة الله - ﷿ - إن شاء عفا عنه، وإن شاء عاقبه عليها مالم تكن الكبيرة شركًا\" (^٢).\nوقال النووي - ﵀ -: \"وفي هذه دلالة لمذهب أهل الحق وما أجمع عليه السَّلف أنه لا يخلد في النار أحدٌ مات على التوحيد، والله أعلم\" (^٣).\n٢ - وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (^٤).\nقال ابن أبي العز - ﵀ -: \"فلم يُخرج القاتل من الذين آمنوا، وجعله أخًا لوليِّ القصاص، والمراد أُخوَّة الدين بلا ريب\" (^٥).\n_________\n(^١) سورة النساء: ٤٨.\n(^٢) جامع البيان ٥/ ١٢٦.\n(^٣) شرح النووي على مسلم ٣/ ٥٨.\n(^٤) سورة البقرة: ١٧٨.\n(^٥) شرح العقيدة الطحاوية ٢/ ٤٤٢.","vol":"1","page":666},{"text":"٣ - وقال تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (^١).\nقال السَّعدي - ﵀ -: \"وإنَّ الإيمان، والأخوَّة الإيمانية، لا تزول مع وجود القتال كغيره من الذنوب الكبار، التي دون الشرك، وعلى ذلك مذهب أهل السُّنَّة والجماعة\" (^٢).\nب أدلة السُّنَّة على ذلك:\n٤ - عن عبادة بن الصامت - ﵁ - أنَّ النبي - ﷺ - قال: «بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئًا، ولا تسرقوا ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوا في معروف، فمن وفى منكم فأجره على الله - ﷿ -، ومن أصاب من ذلك شيئًا فعوقب في الدنيا فهو كُفَّارة له، ومن أصاب من ذلك شيئًا ثم ستره الله فهو إلى الله إن شاء عفا عنه وإن شاء عاقبه، فبايعناه على ذلك» (^٣).\n٥ - وقال النَّبيُّ - ﷺ -: «إنَّ الله يدني من المؤمن فيضعُ عليه كنفهُ (^٤) ويستُرُه فيقول: أتعرفُ ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ فيقول: نعم أي ربِّ حتى إذا قرَّرهُ\n_________\n(^١) سورة الحجرات: ٩.\n(^٢) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان ١/ ٨٠٠.\n(^٣) أخرجه البخاري، كتاب الإيمان، باب علامة الإيمان حب الأنصار ١/ ٢٢، رقم ١٨، ومسلم، كتاب الحدود، باب الكفارات لأهلها ٣/ ١٣٣٣، رقم ١٧٠٩.\n(^٤) كنفه: رعاه وحفظه، وهو في حرزه وظله يكنفه بالكلاءة وحسن الولاية. ينظر: العين ٥/ ٣٨١، لسان العرب ٩/ ٣٨٠.","vol":"1","page":667},{"text":"بذنوبه ورأى في نفسه أنه هالكٌ قال: سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم، فيعطى كتاب حسناته، وأمَّا الكافر والمنافق، فيقول الأشهاد: ﴿هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ (^١)»، (^٢).\nهذه هي عقيدة أهل السُّنَّة والجماعة قاطبة في مرتكب الكبيرة.\nيقول الصابوني - ﵀ -: \"ويعتقد أهل السُّنَّة أنَّ المؤمن وإن أذنب ذنوبًا كثيرة صغائر وكبائر فإنه لا يَكفر بها، وإن خرج من الدنيا غير تائب منها ومات على التوحيد والإخلاص فإنَّ أمره إلى الله - ﷿ - إن شاء عفا عنه وأدخله الجنَّة يوم القيامة سالمًا غانمًا، غير مبتلى بالنار، ولا معاقب على ما ارتكبه واكتسبه، ثم استصحبه إلى يوم القيامة من الآثام والأوزار، وإن شاء عاقبه وعذَّبه مدةً بعذاب النار، وإذا عذَّبه لم يخلِّده فيها، بل أعتقه وأخرجه منها إلى نعيم دار القرار\" (^٣).\nوذهب ابن عجيبة إلى هذا بقوله: \"ومذهب أهل السُّنَّة أنَّ مرتكب الكبيرة لا يُخلَّد في النَّار، وأنه في حكم المشيئة، وفيه ردٌّ على المعتزلة القائلين بتخليد عصاة المؤمنين في النار\" (^٤).\n_________\n(^١) سورة هود: ١٨.\n(^٢) أخرجه البخاري كتاب المظالم، باب قول الله تعالى: ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ ٥/ ٩٦، رقم ٢٤٤١.\n(^٣) عقيدة السلف وأصحاب الحديث، ص ٢٧٦.\n(^٤) البحر المديد ٢/ ٢١، ١/ ٤٨.","vol":"1","page":668},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-192>الباب الثالث: آراء ابن عجيبة الصوفية</span>\nوفيه ستة فصول:\nالفصل الأول: المريد والشيخ\nالفصل الثاني: الولاية والكرامة\nالفصل الثالث: الحلول والاتحاد ووحدة الوجود\nالفصل الرابع: الأحوال والمقامات\nالفصل الخامس: موقفه من أعلام الصوفية وطرقها وأثره على من بعده\nالفصل السادس: التعريف بالطريقة الدرقاوية، ودوره في تأسيسها وموقف علماء أهل السنة منها","vol":"1","page":669},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-193>الفصل الأول: المريد والشيخ</span>\nوفيه مبحثان:\nالمبحث الأول: مفهوم المريد والشيخ\nالمبحث الثاني: الصلة بين المريد والشيخ","vol":"1","page":671},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-194>المبحث الأول:\nمفهوم المريد والشيخ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-195>أولًا: مفهوم المريد والشيخ</span>\nعرَّف ابن عربي المريد بأنه: \"الذي صحَّ له الأسماء ودخل في جملة المنقطعين إلى الله بالاسم\" (^١).\nوقال الجرجاني: \"هو المجرَّد عن الإرادة\" (^٢).\nوقيل: هو \"من عزفت نفسُه عن طيِّبات الدنيا، وأعرض عن لذَّاتها لتلذُّذه بوظائف العبادات\" (^٣).\nوعرَّفه ابن عجيبة بقوله: \"هو الذي فعله حميد، ورأيه سديد، وبصره حديد، وبحره مديد، يستفيد ويفيد\" (^٤).\nوقال أيضًا: \"فهو الذي تعلَّقت إرادته بمعرفة الحق، ودخل تحت تربية المشايخ\" (^٥).\nوقسَّم ابن عجيبة المريد إلى ثلاث مراتب، فقال: \"وهي ثلاثة مراتب: إرادة التبرُّك والحرمة، وهي لمن ضعفت هِمَّته وكثرت علاقته، وإرادة الوصول إلى الحضرة، وهي لأهل التجريد (^٦) وقُوَّة العزم، وإرادة الخلافة وكمال المعرفة، وهي لمن ظهرت\n_________\n(^١) اصطلاحات الصوفية، ص ٥٢٩.\n(^٢) التعريفات، ص ٢٦٩، وينظر: معجم اصطلاحات الصوفية، ص ٢٤٢.\n(^٣) القاموس الصوفي، ص ٢٨٨.\n(^٤) قوانين صوفية، ص ٤٣.\n(^٥) معراج التشوف إلى حقائق التصوف، ص ٧٨.\n(^٦) التجريد: أن يتجرَّد بظاهره عن الأعراض وبباطنه عن الأعواض، ولا يأخذ من عرض الدنيا شيئًا، ولا يطلب على ما ترك منها عوضًا من عاجلٍ ولا آجل، بل يفعل ذلك لوجوب حق الله تعالى، لا لعلة غيره، ولا لسبب سواه، ويتجرَّد بسره عن ملاحظة المقامات التي يحلها، والأحوال التي ينازلها بمعنى السكون إليها. ينظر: التعرف لمذهب أهل التصوف، ص ١١.","vol":"1","page":673},{"text":"نجابته وكملت أهليَّته وصُرِّح له بالخلافة من شيخٍ كاملٍ أو هاتفٍ صادق\" (^١).\nفطريق التبرك يكفي فيه تعلُّم الفقه والتوحيد، وأن يكون المريد مُحبًّا لشيخه وإخوانه، وطريق الإرادة أن يلقي التلميذ بنفسه بين يدي الشيخ، فيكون كالميت بين يدي الغاسل يفعل به ما يشاء، ويُقلِّبه كيف يشاء، فمريد الإرادة يسلب إرادته لشيخه، فهو يتلقَّى الطريق من شيخه أقوالًا وأفعالًا، وإن لم يفعل ذلك فهو منازع للشيخ فيما يريد (^٢).\nأمَّا مفهوم الشيخ فعرَّفه القاشاني (^٣) بقوله: \"الإنسان الكامل في علوم الشريعة والطريقة والحقيقة، البالغ إلى حدِّ التمكين فيها لعلمه بآفات النفوس وأمراضها وأدوائها، ومعرفته بدوائها، وقدرته على شفائها، والقيام بهداها إن استعدت ووفقت لاهتدائها\" (^٤).\nوقيل: \"هو الذي سلك طريق الحق، وعرف المخاوف والمهالك، فيرشد المريد ويشير إليه بما ينفعه وما يضرُّه\" (^٥).\n_________\n(^١) معراج التشوف، ص ٣١.\n(^٢) ينظر: مواعظ حامدية، ص ٩ - ١٠.\n(^٣) عبد الرزاق جمال الدين بن أحمد الكاشاني أو القاشاني، صوفيٌّ وله مؤلفات في التصوف منها: كشف الوجوه الغر، ولطائف الإلهام، ورشح الزلال، كانت وفاته سنة ٧٣٠ هـ. ينظر: كشف الظنون ١/ ٢٢٦.\n(^٤) اصطلاحات الصوفية، ص ١٦٢.\n(^٥) معجم مصطلحات الصوفية، ص ١٤٣.","vol":"1","page":674},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-196>ثانيًا: أمور يجب على المريد أن يسلكها</span>\nمن جملة الأمور التي يسلكها المريد وبدونها لا يصل لمقام الولاية -حسب زعمهم- المجاهدة والعزلة، والصوم، والجوع، وتسليط النَّاس، والتجرُّد من الدنيا وملذَّاتها (^١).\nقال ابن عجيبة: \"وأعظم ما يشتغل عنه المريد ويغيب عنه حُبُّ الدنيا، فإنه سُمٌّ قاطع، ولا يمكن السير إلى الله بصفاء القلوب مع بقاء شيءٍ منها، وقليلها ككثيرها\" (^٢).\nوقال في موضعٍ آخر: \"فإن أضاف المريد إلى العزلة (^٣) الصمت والجوع والسَّهر فقد كملت ولايته، وظهرت عنايته، وأشرقت عليه الأنوار، وانمحت من مرآة قلبه صور الأغيار\" (^٤).\nويقسِّم الصوفية العزلة إلى قسمين: عزلة المريد بالجسم عن مخالطة الأغيار، وهو في هذا المقام لم يصل إلى وحدة الشُّهود، والقسم الثاني: عزلة المحققين وتكون بالقلب عن الكون، فهؤلاء وصلوا -بزعمهم- لوحدة الشُّهود والعيان، فكملت ولايتهم، وهم بذلك يتحقق فيهم المقولة الكفرية وحدة الوجود.\nوهذا ليس ممدوحًا، فالممدوح من العزلة اعتزال ما يؤذي، ومن الخلطة ما ينفعُ، فلا ينبغي أن تقطع العزلةُ عن العلم والجماعات ومجالس الذكر والاحتراف للعائلة، وحضور الجنائز، وعيادة المرضى (^٥).\n_________\n(^١) ينظر: شرح الصلاة المشيشية، ص ١٤، البحر المديد ٤/ ٣٢٤، ١/ ٥٦٦.\n(^٢) إيقاظ الهمم، ص ٤٣٦.\n(^٣) ينظر: الإسفار عن رسالة أهل الأنوار فيما يتجلَّى لأهل الذكر في الخلوة من الأنوار، ص ٨٣، لطائف الأعلام ٢/ ٣٠٦.\n(^٤) إيقاظ الهمم، ص ٦٠.\n(^٥) غذاء الألباب شرح منظومة الآداب ٢/ ٣٧٢، ينظر: مختصر منهاج القاصدين، ص ١١٦، تلبيس إبليس، ص ٣٥٢.","vol":"1","page":675},{"text":"ولقد فسَّر ابن عجيبة قول الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾ (^١) بقوله: \"الحرم الآمن في هذه الدار هو التبتُّل والانقطاع عن الدنيا وأبنائها، والتجرُّد من أسبابها\" (^٢).\nوهذا التفسير مخالفٌ لتفسير العلماء المحققين، قال ابن كثير - ﵀ -: \"يقول تعالى ممتنًّا على قريش فيما أحلَّهم من حرمه الذي جعله للنَّاس سواءً العاكف فيه والباد، ومن دخله كان آمنا فهم في أمنٍ عظيم، والأعراب حوله ينهب بعضهم بعضا، ويقتل بعضهم بعضا، كما قال تعالى: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ (^٣) \" (^٤).\nوتفسير ابن عجيبة المخالف للآية جاء نتيجة المجاهدة والرياضة التي كان عليها ابن عجيبة فقد \"كان قليل اللحم، يابس الجلد على العظم؛ من كثرة المجاهدة والزهد والورع، ويلبس جلابة مرتقعة\" (^٥)، فهو يصف نفسه عندما تكون تلك حالته بقوله: \"ولقد كنتُ في حال الرياضة والمجاهدة إذا أردت أن أتكلَّم في التفسير، أو غيره أشرع في الكلام، ثم أغيب (^٦)، فكنت أحس بالكلام يخرج مني من غير اختيار كأنه السَّحاب، فتصدر مني علومٌ وحِكَم، فإذا سكت لم يبق منه إلا القليل\" (^٧).\n_________\n(^١) سورة العنكبوت: ٦٧.\n(^٢) البحر المديد ٤/ ٣٢١.\n(^٣) سورة قريش: ١ - ٤.\n(^٤) تفسير ابن كثير ٦/ ٢٦٥، وينظر: المحرر الوجيز ٤/ ٣٢٥، والبحر المحيط ٣/ ٢٧٣.\n(^٥) ينظر: مخطوط كنز الأسرار، للمعسكري، ص ٣١، وهذه مسالك الصوفية المبتدعة التي لم ترد في الشرع.\n(^٦) غيبة القلب عن علم ما يجري من أحوال الخلق؛ لاشتغال الحس بما ورد عليه، ثم قد يغيب عن إحساسه بنفسه وغيره بوارد من تذكر ثواب أو تفكر عقاب. ينظر: الرسالة القشيرية، ص ٦٣.\n(^٧) إيقاظ الهمم، ص ٣٦٦.","vol":"1","page":676},{"text":"قال ابن تيمية - ﵀ -: \"الرياضة تستعمل في ثلاثة أنواع: في رياضة الأبدان بالحركة والمشي كما يذكر الأطباء وغيرهم، وفي رياضة النُّفوس بالأخلاق الحسنة المعتدلة والآداب المحمودة، وفي رياضة الأذهان بمعرفة دقيق العلم والبحث عن الأمور الغامضة\" (^١).\nوما توهَّمه ابن عجيبة هو في الحقيقة خطاباتٌ شيطانية، نتيجة الرياضات والمجاهدات الشاقَّة على النَّفس.\nقال ابن القيم - ﵀ -: \"فمن أين للمخاطب أن هذا الخطاب رحماني، أو ملكي؟ بأيِّ برهان؟ أو بأيِّ دليل؟ والشيطان يقذف في النفس وحيه، ويلقي في السمع خطابه، فيقول المغرور المخدوع: قيل لي وخوطبت، صدقت لكن الشأن في القائل لك والمخاطب ... خطاب حالي، تكون بدايته من النفس، وعوده إليها، فيتوهمه من خارج، وإنما هو من نفسه، منها بدأ وإليها يعود، وهذا كثيرًا ما يعرض للسَّالك، فيغلط فيه، ويعتقد أنه خطاب من الله، كلَّمه به منه إليه، وسبب غلطه أنَّ اللطيفة المدركة من الإنسان إذا صفت بالرياضة، وانقطعت علقها عن الشواغل الكثيفة صار الحكم لها بحكم استيلاء الروح والقلب على البدن، ومصير الحكم لهما، فتنصرف عناية النفس والقلب إلى تجريد المعاني التي هي متصلة بهما، وتشتد عناية الروح بها، وتصير في محل تلك العلائق والشواغل، فتملأ القلب، فتنصرف تلك المعاني إلى المنطق والخطاب القلبي الروحي بحكم العادة، ويتفق تجرد الروح، فتشكل تلك المعاني للقوة السامعة بشكل الأصوات المسموعة، وللقوة الباصرة بشكل الأشخاص المرئية، فيرى صورها، ويسمع الخطاب، وكله في نفسه ليس في\n_________\n(^١) الرد على المنطقيين، ص ٢٥٥.","vol":"1","page":677},{"text":"الخارج منه شيء، ويحلف أنه رأى وسمع، وصدق، لكن رأى وسمع في الخارج، أو في نفسه؟ ويتفق ضعف التمييز، وقلة العلم، واستيلاء تلك المعاني على الروح، وتجردها من الشواغل\" (^١).\nوبيَّن شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - خطر هذه الرياضات والمجاهدات وما ينتج عنها من اعتقادات فاسدة فقال: \"وكذلك أصحاب الرياضة والتجرُّد ... قد تنعقد في قلبه مقاييس فاسدة ومواجيد فاسدة يحكم بمقتضاها في الربوبية أحكامًا فاسدة مثل: ... اعتقاد أنَّ الرَّب هو الوجود المطلق الذي لا يتميَّز، وأنَّ عين الوجود هو عين الخالق وأنه ليس وراء السموات والأرض شيءٌ آخر، وإنما هذه الأشياء كلها مراتب للصفات وأنَّ الربوبية والإلهية مراتب ذهنية شكوكية، وأمَّا في الحقيقة فليس إلا عين ذاته فالمحجوبون يرون المراتب والمكاشف ما ترى إلا عين الحق\" (^٢).\nوهذه المجاهدات المبتدعة ليست من الدين، فالمشقة لا تقصد لذاتها، أمَّا المشقة التي يثاب عليها المؤمن فهي التي تلحقه أثناء التكليف، وأمَّا أن تقصد لذاتها وتجتنب رخص الله فلا، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (^٣) (^٤).\nقال الشاطبي - ﵀ - وهو يبيِّن البدع التي عليها المتصوفة: \"ومن ذلك أنهم يبنون طريقهم على اجتناب الرخص جملة ... فالتزام العزائم مع وجود مضار الرخص التي\n_________\n(^١) مدارج السالكين ١/ ٥٨.\n(^٢) مجموع الفتاوى ٢/ ٦٣، ٦٦.\n(^٣) سورة التوبة: ١٢٠.\n(^٤) ينظر: الموافقات ٢/ ٢١٥.","vol":"1","page":678},{"text":"قال فيها رسول الله - ﷺ -: «إنَّ الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه» (^١) فيه ما فيه، وظاهره أنه بدعة استحسنوها قمعًا للنفس عن الاسترسال في الميل إلى الراحة وإيثارًا إلى ما يبنى عليه من المجاهدة\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-197>ثالثًا: تجرُّد المريد عن المال</span>\nلا بدَّ للمريد أن يفتح على نفسه أربعة؛ ليدخل في طريق القوم: \"يفتح باب الذُّل، ويغلق باب العز، ويفتح باب المجاهدة، ويغلق باب الرَّاحة، ويفتح باب السَّهر، ويغلق باب النُّوم، ويفتح باب الفقر، ويغلق باب الغنى\" (^٣).\nوقصد القوم من المجاهدة الوصول للإلهام والكشف، قال الغزالي: \"فبالمجاهدة والجلوس مع الله في الخلوة مع تطهير القلب عن شواغل الدنيا تنكشف دقائق علوم الدين، وتنفجر ينابيع الحكمة من القلب من غير عَدٍّ ولا حصر، فتصفية القلب والجلوس في الخلوة مع الله تعالى هو مفتاح الإلهام ومنبع الكشف\" (^٤).\n\"وكل مريد اشتغل بإصلاح حاله وبنظافة ثيابه، ولبس الأصواف الرفيعة وغيرها لا يفلح في طريق القوم، ولو كان شيخه من أكبر الأولياء\" (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٢/ ١٠٨، وابن حبان في صحيحه ٦/ ٤٥١، ٢٧٤٢، ٨/ ٣٣٣، ٣٥٦٨، لكن في الموضع الثاني بلفظ: «كما يجب أن تؤتى عزائمه»، والبزار ١٢/ ٢٥٠، رقم ٥٩٩٨، والبيهقي في كتاب الصلاة، باب كراهية ترك التقصير والمسح على الخفين وما يكون رخصة رغبة عن السُّنَّة، ٣/ ١٤٠، والخطيب في تاريخه ١٠/ ٣٤٧، والقضاعي في مسند الشهاب ١٠٧٨، وقال الهيثمي في المجمع: رواه الطبراني في الكبير والبزار، ورجال البزار ثقات وكذلك رجال الطبراني. ينظر: ٣/ ١٦٥ - ١٦٦، والحديث صحَّحه الألباني في الإرواء ح: ٥٦٤.\n(^٢) الاعتصام ١/ ٢٣٧.\n(^٣) من كلام أبي مدين، مخطوط آداب المريد والشيخ، تطوان، ضمن مجموع رقم ١٠٨٨، ص ١٤٠.\n(^٤) فاتحة العلوم، للغزالي، ص ٢٩، وكذلك الوصول لوحدة الوجود، وهذا ما سوف يتبين أيضًا أثناء مناقشة الولاية، ووحدة الوجود.\n(^٥) الأنوار القدسية في معرفة قواعد الصوفية ١/ ١٩٠.","vol":"1","page":679},{"text":"وابن عجيبة سلك هذا المسلك إذ يقول: \"وقد كنتُ قبل أن أدخل في طريق القوم متلبِّسًا بشيءٍ من الدنيا، كان عندي بستان وعرصتان من اللشين (^١)، من قبل الحبس وبقرة تحلب وملاح الملح وخزانة من كتب العلم، فلما دخلت في الطريق ذهب ذلك كلُّه وبقيت كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى﴾ (^٢)، وبعت كتب العلم الظاهر، وأنفقت جلَّ ذلك على الشيخ (^٣) في بنيان داره وفي تزويجه\" (^٤).\nوالخروج عن المال بأن يصبح العبد ذليلًا، فارغ اليد، ليس من الدين في شيء، ولم يفعله النبي - ﷺ - مع أصحابه، \"ولم يأمر أحدًا بالخروج عن ماله، ولا أمر صاحب صنعة بالخروج عن صنعته، ولا صاحب تجارة بالخروج عن ماله، ولا صاحب تجارة بترك تجارته، وهم كانوا أولياء الله حقًّا، والطالبون لسلوك طريق الحق صدقًا، وإن سلك من بعدهم ألف سنة لم يبلغ شأنهم ولم يبلغ هداهم، ثم إنه كما يكون المال شاغلًا في الطريق عن بلوغ المراد، فكذلك يكون فراغ اليد منه جملة شاغلًا عنه، وليس أحد العارضين أولى بالاعتبار من الآخر\" (^٥).\nوترك ما يستعين به العبد على طاعة الله - ﷿ - ليس من الزهد المشروع (^٦).\nقال ابن القيم - ﵀ -: \"الزهد في الدنيا جملة، وليس المراد تخليها من اليد ولا إخراجها وقعوده صفرًا منها، وإنما المراد إخراجها من قلبه بالكُليَّة، فلا يلتفت إليها، ولا يدعها تساكن قلبه، وإن كانت في يده، فليس الزهد أن تترك الدنيا من يدك\n_________\n(^١) اللشين: البرتقال، الفهرسة، ص ٥٣.\n(^٢) سورة الأنعام: ٩٤.\n(^٣) يقصد شيخه العربي الدرقاوي.\n(^٤) الفهرسة، ص ٥٣.\n(^٥) الاعتصام ١/ ٢٧٣ - ٢٧٤.\n(^٦) ينظر: مجموع الفتاوى ١١/ ٢٨.","vol":"1","page":680},{"text":"وهي في قلبك وإنما الزهد أن تتركها من قلبك وهي في يدك، وهذا كحال الخلفاء الراشدين وعمر بن عبد العزيز (^١) الذى يضرب بزهده المثل مع أن خزائن الأموال تحت يده، بل كحال سيد ولد آدم - ﷺ - حين فتح الله عليه من الدنيا ما فتح، ولا يزيده ذلك إلا زهدًا فيها\" (^٢).\nورأي ابن عجيبة وغيره (^٣) بعيد عن دين الوسطية والاعتدال، فالنفس لها إقبال وإدبار في ما تقوم به من أعمال، ولهذا بيَّن لنا النبي - ﷺ - المنهج الصحيح فقال: «لكلِّ عملٍ شرة، ولكلِّ شرة فترة، فمن كانت فترته إلى سُنَّتي فقد اهتدى، ومن كانت فترته إلى غير ذلك فقد هلك» (^٤)، ومن لم تخرجه فترته من تضيع فرض أو تدخله في فعل محرَّم يُرجى له أن يعود أفضل مما كان عليه (^٥).\nويقول ابن تيمية - ﵀ -: \"ومن عظَّم مطلق السهر والجوع، وأمر بهما مطلقًا فهو مخطئ، بل المحمود السَّهر الشرعي، والجوع الشرعي، فالسَّهر الشرعي كما تقدَّم\n_________\n(^١) أبو حفص، عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم الأموي الدمشقي، أمير المؤمنين، ولي إمارة المدينة للوليد، وكان مع سليمان كالوزير، وولي الخلافة بعده فَعُدَّ مع الخلفاء الراشدين، روى عن عروة بن الزبير، وأبي بكر بن عبد الرحمن، والربيع بن سيرة، وغيرهم، وعنه الزهري وأبو بكر بن حزم، حديثه عند الستة، مات في رجب سنة ١٠١ هـ، وله أربعون سنة، ومدة خلافته سنتان ونصف. ينظر: الجرح والتعديل ٦/ ١٢٣، سير أعلام النبلاء ٥/ ١١٤.\n(^٢) طريق الهجرتين، ص ٢٥٢.\n(^٣) ينظر: الآداب المرضية لسالك طريق الصوفية، ص ٣٥، ٣٥٣، سلوك الطريقة الوارية بالشيخ والمريد والزاوية، ص ٧٣، ١٠٧.\n(^٤) أخرجه أحمد في المسند ٥/ ٤٠٩، رقم ٢٣٨٧٠، والبزار في المسند ٦/ ٣٣٧ - ٣٣٨، رقم ٢٣٤٥، و٢٣٤٦، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: رجاله رجال الصحيح ٢/ ٢٥٨، وأخرجه البيهقي في شعب الإيمان ٣/ ٣٩٩، رقم ٣٨٧٨، وابن حبان في صحيحه ١/ ١٨٧، رقم ٢١١، وحسَّنه الألباني في التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان ١/ ٣٨٠، وأخرجه الترمذي ٢/ ٧٤، وقال: حديثٌ حسنٌ صحيح، وصحَّحه الألباني في ظلال الجنة رقم ١٥١.\n(^٥) ينظر: مدارج السالكين ٣/ ١٣١.","vol":"1","page":681},{"text":"من صلاة، أو ذكر، أو قراءة، أو كتابة علم، أو نظر فيه، أو درسه، أو غير ذلك من العبادات\" (^١).\nوقال أيضًا: \"وهذا هو الذي أدخل كثيرًا منهم في الرهبانية، والخروج عن الشرعية، حتى تركوا من الأكل والشرب، واللباس والنكاح ما يحتاجون إليه، وما لا تتم مصلحة دينهم إلا به ... فلازموا الجوع والسَّهر، والخلوة والصَّمت وغير ذلك مما فيه ترك الحظوظ واحتمال المشاق\" (^٢).\nوقال الذهبي - ﵀ -: \"ثم قلَّ من عمل هذه الخلوات المبتدعة إلا واضطرب، وفسد عقله، وجفَّ دماغه، ورأى مرأى وسمع خطابًا لاوجود له في الخارج\" (^٣).\nويقول ابن تيمية - ﵀ -: \"وليس لأولياء الله - ﷿ - شيء يتميَّزون به عن الناس في الظاهر من الأمور المباحات، فلا يتميَّزون بلباس دون لباس إذا كان مباحًا، ولا بحلق شعر أو تقصيره أو ضفر إذا كان مباحًا، كما قيل كم من صديق في قباء، وكم من زنديق في عباء، بل يوجدون في جميع أصناف أمة محمد - ﷺ - إذا لم يكونوا من أهل البدع الظاهرة والفجور، فيوجدون في أهل القرآن وأهل العلم، ويوجدون في أهل الجهاد والسيف، ويوجدون في التُّجَّار والصُّنَّاع والزُّرَّاع\" (^٤).\nويجب على المؤمن أن يسلك ما جاءت به النصوص الشرعية بتسديد العبد وتوفيقه من الله - ﷿ -.\nقال الله تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ٢٢/ ٣٠٨.\n(^٢) المرجع نفسه ١٠/ ٧١٥، ٧١٧ - ٧١٨.\n(^٣) سير أعلام النبلاء ٣٤/ ٨٠.\n(^٤) مجموع الفتاوى ١١/ ١٩٤.","vol":"1","page":682},{"text":"يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (^١).\nقال ابن كثير - ﵀ -: \"أي: لولا هو يرزق من يشاء التوبة والرجوع إليه، ويزكِّي النفوس من شركها وفجورها ودسِّها وما فيها من أخلاقٍ رديئة، كل بحسبه، لما حصل أحد لنفسه زكاة ولا خيرًا\" (^٢).\nولن تنعم هذه النفس في أنواع العبادات إلا إذا تزكَّت بتحقيق التوحيد العلمي الخبري والإرادي الطلبي، فالله - ﷿ - خلق الخلق لقيام توحيده وعبادته، وأسبغ عليهم نعمه ليتوسَّلوا بشكرها إلى زيادة كرامته (^٣).\nومن تأمَّل هدي النبي - ﷺ - وجده أفضل الهدي في مطعمه ومشربه وملبسه، \"يأكل ما تيسَّر إذا اشتهاه، ولا يردُّ موجودًا، ولا يتكلَّف مفقودًا، فكان إن حضر خبزٌ ولحمٌ أكله، وإن حضر فاكهة وخبز ولحم أكله، وإن حضر تمر وحده أو خبز وحده أكله، وإن حضر حلو أو عسل طعمه أيضًا، وكان أحب الشراب إليه الحلو البارد، وكان يأكل القثَّاء بالرطب، فلم يكن إذا حضر لونان من الطعام يقول: لا آكل لونين، ولا يمتنع من طعام لما فيه من اللذة والحلاوة، وكان أحيانًا يمضي الشهران والثلاثة لا يوقد في بيته نار، ولا يأكلون إلا التمر والماء، وأحيانًا يربط على بطنه الحجر من الجوع، وكان لا يعيب طعامًا فإن اشتهاه أكله، وإلا تركه ... وكذلك اللباس كان يلبس القميص والعمامة، ويلبس الإزار والرداء ويلبس الجُبَّة (^٤) والفروج (^٥)، وكان يلبس من القطن والصوف وغير ذلك ... وكان يلبس مما يُجلب\n_________\n(^١) سورة النور: ٢١.\n(^٢) تفسير القرآن العظيم ٦/ ٣٠.\n(^٣) ينظر: مدارج السالكين ١/ ١٤٤.\n(^٤) الجُبَّة: ثوب سابغ واسع الكُمِّين مشقوق المقدم يلبس فوق الثياب. ينظر: المعجم الوسيط ١/ ١٠٤.\n(^٥) الفروج: شبه القباء، وهو ثوب يلبس فوق الثياب أو القميص ويتمنطق عليه. المرجع نفسه ٢/ ٧١٣.","vol":"1","page":683},{"text":"من اليمن وغيرها، وغالب ذلك مصنوعٌ من القطن، وكانوا يلبسون من قباطي مصر، وهي منسوجة من الكتان، فسُنَّتُه في ذلك تقتضي أن يلبس الرَّجل ويطعم مما يسَّره الله ببلده من الطعام واللباس، وهذا يتنوع بتنوع الأمصار.\nوقد كان اجتمع طائفة من أصحابه على الامتناع من أكل اللحم ونحوه، وعلى الامتناع من تزوج النساء، فأنزل الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ (^١).\nوفي الصحيحين عنه أنه بلغه أنَّ رجالًا قال أحدهم: أما أنا فأصوم لا أفطر، وقال الآخر: أما أنا فأقوم لا أنام، وقال الآخر: أمَّا أنا فلا أتزوج النساء، وقال الآخر: أما أنا فلا آكل اللحم، فقال: «لكنِّي أصوم وأفطر، وأقوم وأنام، وأتزوَّج النساء وآكل اللحم، فمن رغب عن سنتي فليس مني» (^٢).\nوقد قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ (^٣)، فأمر بأكل الطيبات والشكر لله فمن حرم الطيبات كان معتديًا، ومن لم يشكر كان مفرطًا مضيعًا لحق الله. وثبت عن النَّبيِّ - ﷺ - أنه قال: «إنَّ الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها، ويشرب الشربة فيحمده عليها» (^٤) ... فهذه هي الطريقة التي كان عليها النبي - ﷺ - وانحرف عنها قوم ابتدعوا\n_________\n(^١) سورة المائدة: ٨٧ - ٨٨.\n(^٢) أخرجه البخاري، كتاب النكاح، باب ما يكره من التبتل والخصاء، ٩/ ١١٧، رقم ٥٠٧٣، ٥٠٧٤.\n(^٣) سورة البقرة: ١٧٢.\n(^٤) أخرجه مسلم، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب استحباب حمد الله تعالى بعد الأكل والشرب، ١٧/ ٢١٠، رقم ٢٧٣٤.","vol":"1","page":684},{"text":"رهبانية لم يشرعها الإسلام، وأحدثوا مجاهدات مبتدعة موهومة لتحقيق التقوى ... وأمَّا مجرد تعذيب النفس والبدن من غير منفعة راجحة فليس هذا مشروعًا لنا بل أمرنا الله بما ينفعنا ونهانا عما يضرنا\" (^١).\nوالتقوى إذا كان صاحبها معتصمًا بالكتاب والسُّنَّة كان في خير، وبمنأى عن قياس فلسفي أو خيال صوفي نتيجة رياضة النفس، قال ابن تيمية - ﵀ -: \"الحق أنَّ التقوى وتصفية القلب من أعظم الأسباب على نيل العلم، لكن لا بدَّ من الاعتصام بالكتاب والسُّنَّة في العلم والعمل، ولا يمكن أنَّ أحدًا بعد الرسول يعلم ما أخبر به الرسول من الغيب بنفسه بلا واسطة الرسول، ولا يستغني أحد في معرفة الغيب عمَّا جاء به الرسول، وكلام الرسول مبيِّن للحق بنفسه، ليس كشف أحد ولا قياسه عيارًا عليه، فما وافق كشف الإنسان وقياسه وافقه، وما لم يكن كذلك خالفه، بل ما يسمى كشفًا وقياسًا هو مخالف للرسول فهذا قياس فاسد وخيال فاسد\" (^٢).\nفغاية الإنسان أن يجعل عبادته وأعماله لوجه الله - ﷿ -، متبعًا في ذلك سُنَّة نبيِّنا محمَّد - ﷺ -، مبتعدًا عن كلِّ مشقَّة مؤذية للنَّفس والبدن، قال الله - ﷿ -: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (^٣).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ٢٢/ ٣١٢، بتصرف.\n(^٢) الرد على المنطقيين، ص ٥١١.\n(^٣) سورة البقرة: ٢٨٦.","vol":"1","page":685},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-198>المبحث الثاني:\nالصلة بين المريد والشيخ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-199>أولًا: الطاعة التامَّة والتعظيم المفرط</span>\nالصلة بين المريد والشيخ قائمة على الطاعة التامَّة لكلِّ ما يأمر به الشيخ ظاهرًا وباطنًا، \"ولو اعترض المريد على الشيخ باطنًا فذلك يوجب التوبة وتجديد العهد\" (^١).\nولا بدَّ من تعظيم المريد لشيخه، يقول ابن عجيبة: \"ينبغي للمريد الذي تحقق بخصوصية شيخه أن يلاعن من يخاصمه فيه، ويبعد عنه كلَّ البعد، ولا يهين له لئلا يركبه، ويدفع عن شيخه ما استطاع؛ فإنَّ هذا من التعظيم الذي هو سببٌ في سعادة المريد، ولا يصغي إلى المفسدين الطاعنين في أنصار الدين، قلتُ: وقد جاءني بعض من ينتسب إلى العلم من أهل فاس، فقال لي: قد اتفقت علماء فاس على بدعة شيخكم، فقلتُ له: لو اتفق أهل السَّماوات السبع والأرضين السبع على أنه من أهل البدعة لقلتُ أنا: إنه من أهل السُّنَّة؛ لأني تحقَّقت بخصوصيته، كالشَّمس في أفق السَّماء ليس دونها سحاب\" (^٢).\nوقال أيضًا: \"ما زال الفقراء يعظمِّون أشياخهم، ويبالغون في ذلك حتى يُقبِّلون أرجلهم والتراب بين أيديهم ويجتهدون في خدمتهم ... \" (^٣).\nبل عدَّ بعض المتصوفة أنَّ مجرَّد الاعتراض على الشيخ \"سمٌّ قاتلٌ وداءٌ عاضل\" (^٤).\n_________\n(^١) ينظر: بغية السالك في أشرف المسالك ١/ ١٢٦.\n(^٢) البحر المديد ١/ ٣٦٤، ٣٧٤.\n(^٣) المرجع نفسه ١/ ٢٧٤.\n(^٤) المنهاج الواضح في تحقيق كرامات أبي محمد صالح، ص ٨٢.","vol":"1","page":686},{"text":"وليس للمريد أن يعترض على شيخه ولو رأى منه القبيح بل عدَّه ابن عجيبة \"من أقبح كل قبيح، وأشنع من كل شنيع، وهو سبب تسويس بذرة الإرادة، فتفسد شجرة الإرادة\" (^١).\nبل بلغ من التعظيم أنَّ ابن عجيبة يقرر الخضوع للشيخ، ولكن على هيئة تقبيل القدم أو الأرض بين يدي الشيخ حيث يقول: \"الحق سبحانه غيور، لا يرضى لغيره أن يعبد معه غيره، سواء كان على وجه الواسطة والتقريب، أو على وجه الاستقلال؛ لذلك حَرُم السجود لغير الله، وأمَّا الخضوع للأولياء العارفين بالله، على غير وجه العبادة، فهو عين الخضوع لله؛ لأنَّ الله تعالى أمر بالخضوع للرُّسل، الدالين على الله، وهم ورثتهم في الدلالة، لكن لا يكون ذلك على هيئة السجود، وإنما يكون على وجه تقبيل القدم والأرض\" (^٢).\nوالحقيقة بيَّنها أهل الحق من علماء السُّنَّة والجماعة، قال ابن القيم - ﵀ -: \"فالشِّرك والكفر هو \"شركٌ وكفر؛ لحقيقته ومعناه، لا لاسمه ولفظه، فمن سجد لمخلوق وقال: ليس هذا بسجودٍ له، هذا خضوع وتقبيل الأرض بالجبهة، أو هذا إكرام، لم يخرج بهذه الألفاظ عن كونه سجودًا لغير الله - ﷿ - \" (^٣).\nفالسُّجود لغير الله - ﷿ - لا شكَّ في تحريمه دلَّ على ذلك إنكار رسول الله - ﷺ - على فعل معاذ - ﵁ -، عندما رجع من الشام فسجد للنبي - ﷺ - فقال رسول الله - ﷺ -: «ما هذا يا معاذ؟» فقال: يا رسول الله رأيتهم يسجدون لأساقفتهم، ويذكرون ذلك عن أنبيائهم، فقال: «كذبوا يا معاذ، لو كنت آمرًا أحدًا أن يسجد لأحد، لأمرت\n_________\n(^١) إيقاظ الهمم ١/ ١٠٥.\n(^٢) البحر المديد ٦/ ٢٣٦.\n(^٣) بدائع الفوائد ٢/ ٢٣٥.","vol":"1","page":687},{"text":"المرأة أن تسجد لزوجها من عِظَم حِقِّه عليها، يا معاذ أرأيت إذا مررت بقبري أكنت ساجدًا؟»، قال: لا، قال: «فلا تفعل»، أو كما قال رسول الله - ﷺ - (^١).\nوالقيام والركوع، والسجود حق للواحد الأحد، المعبود خالق السَّموات والأرض، وما كان حقًّا خالصًا لله - ﷿ - لم يكن لغيره فيه نصيب (^٢).\nوإنك لتلحظ أنَّ الصوفية يستقون من منبع واحد بل يلتمسون العذر لشيوخهم، فهذا الدباَّغ يقول: \"من شروط المريد أن يعتقد في شيخه أنه على شريعة من ربه، وبيِّنة منه، ولا يزن أحواله بميزانه، فقد تصدر من الشيخ صورة مذمومة في الظاهر وهي محمودة في الباطن والحقيقة، فيجب التسليم، وكم من رجل بيده خمر ورفعه إلى فيه وقلب الله فيه عسلًا، والناظر يراه شرب خمرًا وهو ما شرب إلا عسلًا\" (^٣).\nوما هذه الأفعال إلا حيل باطلة لفَّقها الصوفية على مريديهم، فالشريعة أمرت بسدِّ الذرائع المفضية إلى المفاسد، فكيف بهؤلاء يتحايلون على مريديهم.\nقال ابن القيم - ﵀ - في كيفية سدَّ الذرائع: \"لما كانت المقاصد لا يُتوصَّل إليها إلا بأسباب وطرق تُفضي إليها كانت طرقها وأسبابها تابعة لها معتبرة بها، فوسائل المحرَّمات والمعاصي في كراهتها والمنع منها بحسب إفضائها إلى غاياتها وارتباطاتها بها،\n_________\n(^١) أخرجه أحمد في مسنده ٤/ ٣٨١، وأبو داود، كتاب النكاح، باب حق الزوج على المرأة ٢١٤٠، والترمذي، كتاب الرضاع، باب حق الزوج على المرأة، رقم: ١١٥٩، وقال: حسنٌ غريبٌ من هذا الوجه، وابن ماجه، كتاب النكاح، باب حق الزوجة، رقم: ١٨٥٣، وحسَّن إسناده الألباني في الإرواء ٧/ ٥٦، في سياق الحديث ١٩٩٨، وعدَّه في الصحيحة في مواضع ١٢٠٣، ٣٣٦، ٣٤٩٠.\n(^٢) ينظر منهاج التأسيس، ص ١٨٩، ٢٧٥.\n(^٣) الإبريز، ص ٤٠٣.","vol":"1","page":688},{"text":"ووسائل الطاعات والقربات في محبَّتها والإذن فيها بحسب إفضائها إلى غايتها، فوسيلة المقصود تابعة للمقصود، وكلاهما مقصود، لكنه مقصود قصد الغايات، وهي مقصودة قصد الوسائل، فإذا حرم الرَّب تعالى شيئًا وله طرق ووسائل تُفضي إليه فإنه يحرمها ويمنع منها، تحقيقًا لتحريمه، وتثبيتًا له، ومنعًا أن يقرب حماه، ولو أباح الوسائل والذرائع المفضية إليه لكان ذلك نقضًا للتحريم، وإغراء للنُّفوس به، وحكمته تعالى وعلمه يأبى ذلك كل الإباء، بل سياسة ملوك الدنيا تأبى ذلك؛ فإنَّ أحدهم إذا منع جنده أو رعيته أو أهل بيته من شيء، ثم أباح لهم الطرق والأسباب والذرائع الموصلة إليه لعُدَّ متناقضًا، ولحصل من رعيته وجنده ضد مقصوده، وكذلك الأطباء إذا أرادوا حسم الداء منعوا صاحبه من الطرق والذرائع الموصلة إليه، وإلا فسد عليهم ما يرومون إصلاحه، فما الظن بهذه الشريعة الكاملة التي هي في أعلى درجات الحكمة والمصلحة والكمال؟ ومن تأمَّل مصادرها ومواردها علم أنَّ الله تعالى ورسوله سد الذرائع المفضية إلى المحارم بأن حرَّمها ونهى عنها ... \" (^١).\nولكن الغلو في مشايخهم قادهم إلى إلحاقهم بما لا يستحقونه قال الشاطبي - ﵀ -: \"ومنها رأيُ قومٍ تغالوا في تعظيم شيوخهم، حتى ألحقوهم بما لا يستحقونه، فالمقتصد فيهم يزعم أنه لا وليَّ لله أعظم من فلان، وربما أغلقوا باب الولاية دون سائر الأمة إلا هذا المذكور، وهو باطلٌ محض، وبدعة فاحشة\" (^٢).\nويصف عبد الرحمن الوكيل غلو المريد مع شيخه فيقول: \"ما ألحفت الصوفية في شيءٍ إلحافها في الدعوة إلى اتخاذ شيوخها أربابًا من دون الله، ففرضت على\n_________\n(^١) إعلام الموقعين ٣/ ١٠٨.\n(^٢) الاعتصام ١/ ٢٥٨.","vol":"1","page":689},{"text":"الدرويش (^١) أن يكون وطاءً ذليلًا لشيخه مستعبد الفكر سليب الإرادة كجُثَّة الميت في يد الغاسل، وجعلت هذه العبودية الممتهنة أولى الدلائل على طاعة المريد لشيخه، وعلى حبه له، وعلى أن يرقى معارج الوصول إلى حضائر القدس\" (^٢).\nوإذا كان الأنبياء قد عُصموا فيما يبلغونه عن الله - ﷿ - ولا يجوز إقرارهم عن خطأ يصدر منهم في شيءٍ يبلِّغونه عن الله، فهل هؤلاء الشيوخ بلغوا مرتبتهم فلا يُسألون ولا يُعارضون؟ كما يقول ابن عجيبة: \"من قال لشيخه: لا، لا يفلح أبدًا\" (^٣).\nقال ابن تيمية - ﵀ -: \"اتفق المسلمون على أنهم -يعني الأنبياء- معصومون فيما يبلغونه عن الله، فلا يجوز أن يقرهم على الخطأ في شيءٍ مما يبلغونه عنه، وبهذا يحصل المقصود من البعثة، وأمَّا وجوب كونه معصومًا قبل أن يبعث نبيًّا لا يخطئ أو يذنب فليس في النُّبوة ما يستلزم هذا\" (^٤).\nوقال ابن عقيل - ﵀ - وهو يصف حال المريد مع شيخه: \"ويسلِّمون أنفسهم إلى شيوخهم، فإن عوَّلوا إلى مرتبة شيخه قيل: الشيخ لا يعترض عليه، فحدُّ من حلَّ رسن ذلك الشيخ وانحطاطه في سلك الأقوال المتضمِّنة للكفر والضلال المسمَّى شطحًا وفي الأفعال المعلومة كونها في الشريعة فسقًا، فإن قبل أمردًا قيل رحمة، وإن خلا بأجنبية قيل بنته وقد لبست الخرقة (^٥)، وإن قسم ثوبًا على غير أربابه من غير رضا مالكه قيل حكم الخرقة\" (^٦).\n_________\n(^١) الدرويش: الزاهد، الفقير المتعبِّد، الجوال عند الصوفية. ينظر: مجمع اللغة العربية المعاصرة ١/ ٧٤٢.\n(^٢) هذه الصوفية، ص ٩٩.\n(^٣) الفتوحات الإلهية ٢/ ١١، طبعة البابي الحلبي على هامش إيقاظ الحكم.\n(^٤) منهاج السُّنَّة ٢/ ٣٩٦.\n(^٥) عبارة عن قميص يلبسه الشيخ للمريد الذي يدخل في إرادته، وهي علامة التفويض والتسليم لدخول المريد في حكم الشيخ. ينظر: عوارف المعارف، ص ٩٢، معجم اصطلاحات الصوفية، ص ١٧٨.\n(^٦) نقله ابن الجوزي في كتاب تلبيس إبليس، ص ٤٤٩.","vol":"1","page":690},{"text":"ولقد بيَّن شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - مآل من عظمَّ شيخه، فقال: \"من ادعى أنَّ شيخًا من المشايخ يخلص مريديه يوم القيامة من العذاب، فقد ادعى أن شيخه أفضل من محمد بن عبد الله - ﷺ -، ومن قال هذا فإنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل، فإنه قد ثبت في الحديث الصحيح أنَّ النبي - ﷺ - قال: «يا فاطمة بنت محمد لا أغني عنك من الله شيئًا، يا صفية عمة رسول الله لا أغني عنك من الله شيئًا، يا عبَّاس عم رسول الله لا أغني عنك من الله شيئًا سلوني ما شئتم من مالي» (^١) ... فإذا كان رسول الله - ﷺ - يقول مثل هذا لأهل بيته وأصحابه الذين آمنوا به وعزروه ونصروه؛ من المهاجرين والأنصار -يقول: إنه ليس يغني عنهم من الله شيئًا- فكيف يقال في شيخ غايته أن يكون من التابعين لهم بإحسان؟ وقد قال تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ (^٢).\nوقال: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ (^٣)، وأمثال ذلك من نصوص القرآن والسُّنَّة\" (^٤).\nوتعظيم المريد لشيخه آل به إلى تعطيل شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد تطابق على وجوبها الكتاب والسُّنَّة وإجماع الأمة.\nقال تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب التفسير، باب ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ ٣/ ٢٧٢، رقم ٤٧٧١.\n(^٢) سورة الانفطار: ١٧ - ١٩.\n(^٣) سورة البقرة: ٤٨.\n(^٤) مجموع الفتاوى ٢/ ١٠٥.\n(^٥) سور المائدة: ٦.","vol":"1","page":691},{"text":"قال الشوكاني - ﵀ -: \"أي لعنهم الله سبحانه على لسان داود وعيسى ابن مريم أي في الزبور والإنجيل على لسان داود وعيسى بما فعلوه من المعاصي كاعتدائهم في السبت وكفرهم بعيسى، ... والإشارة بذلك إلى اللعن، أي ذلك اللعن بسبب المعصية والاعتداء لا بسبب آخر، ... والمعنى، أنهم كانوا لا ينهون العاصي عن معاودة معصية قد فعلها، أو تهيَّأ لفعلها، ويحتمل أن يكون وصفهم بأنهم قد فعلوا المنكر باعتبار حالة النزول لا حالة ترك الإنكار، وبيان العصيان والاعتداء بترك التناهي عن المنكر؛ لأن من أخلَّ بواجب النهي عن المنكر فقد عصى الله سبحانه وتعدى حدوده، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أهم القواعد الإسلامية وأجل الفرائض الشرعية\" (^١).\nويقول الشيخ السعدي - ﵀ - في تفسير هذه الآية: \"كانوا يفعلون المنكر، ولا ينهى بعضهم بعضًا، فيشترك بذلك المباشر وغيره الذي سكت عن النهي عن المنكر مع قدرته على ذلك، ... وإنما كان السكوت عن المنكر -مع القدرة- موجبًا للعقوبة؛ لما فيه من المفاسد العظيمة، منها: أنَّ مجرد السكوت فعل معصية، وإن لم يباشرها الساكت، فإنه -كما يجب اجتناب المعصية- فإنه يجب الإنكار على من فعل المعصية\" (^٢).\nويقول النبي - ﷺ -: «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان» (^٣).\n_________\n(^١) فتح القدير ٢/ ٧٤.\n(^٢) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان ١/ ٢٤٠.\n(^٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب بيان كون النهي عن المنكر من الإيمان، وأن الإيمان يزيد وينقص، وأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبان، ١/ ٦٩، رقم ٤٩.","vol":"1","page":692},{"text":"وعن أمِّ المؤمنين أم الحكم زينب بنت جحش - ﵂ -: أنَّ النَّبي - ﷺ - دخل عليها فزعًا مرعوبًا يقول: «لا إله إلا الله، ويلٌ للعرب من شرٍّ قد اقترب، فتح اليوم من ردم (^١) يأجوج ومأجوج مثل هذه، وحلق بإصبعيه (^٢) الإبهام والتي تليها»، فقلت: يا رسول الله! أنهلك وفينا الصالحون؟، قال: «نعم، إذا كثر الخبث» (^٣) \" (^٤).\nوعن النعمان بن بشير - ﵁ -: عن النَّبيِّ - ﷺ - قال: «مثل القائم في حدود الله، والواقع فيها، كمثل قوم استهموا على سفينة، فصار بعضهم أعلاها، وبعضهم أسفلها، وكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقًا، ولم نؤذ من فوقنا، فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا، وهلكوا جميعا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا، ونجوا جميعا» (^٥).\nوالمريد غير مُهتد بعدم إنكاره على شيخه، بل هو في خُسر، يقول الشيخ الشنقيطي - ﵀ -: \"ومما يدلُّ على أنَّ تارك الأمر بالمعروف غير مهتد، أن الله تعالى أقسم أنه في خسر في قوله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ (^٦)، فالحق وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبعد أداء الواجب لا يضر الآمر ضلال من ضل\" (^٧).\nقال البربهاري - ﵀ -: \"وإذا رأيت الرَّجل من أهل السُّنَّة رديء الطريق والمذهب،\n_________\n(^١) ردم: هو السد الذي بناه ذو القرنيين، ينظر: فتح الباري، لابن حجر ٢٠/ ١٤٨.\n(^٢) أي جعلهما مثل الحلقة. ينظر: المرجع نفسه ٢/ ١٤٨.\n(^٣) الخبث: أي المعاصي والشرور وأهلها. ينظر: حاشية السندي على ابن ماجه ٧/ ٣٢٣.\n(^٤) أخرجه البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، باب قصة يأجوج ومأجوج، ٢/ ٤٥٨، رقم ٣٣٤٦.\n(^٥) أخرجه البخاري، كتاب الشركة، باب هل يقرع في القسمة والاستهام فيه، ٢/ ٢٠٥، رقم ٢٤٩٣.\n(^٦) سورة العصر: ١ - ٢ - ٣.\n(^٧) أضواء البيان ١/ ٤٥٩.","vol":"1","page":693},{"text":"فاسقًا فاجرًا صاحب معاصي، ضالًّا وهو على السُّنَّة، فاصحبه، واجلس معه، فإنه ليس يضرك معصيته، وإذا رأيت الرَّجل مجتهدًا في العبادة متقشِّفًا محترقًا بالعبادة صاحب هوى، فلا تجالسه، ولا تقعد معه، ولا تسمع كلامه، ولا تمش معه في طريق، فإني لا آمن أن تستحلي طريقته؛ فتهلك معه\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-200>ثانيًا: طريقة تأسيس العلاقة بين المريد والشيخ</span>\n\"يعتبر أخذ العهد وتلقين الورد أولى علامات قبول المريد وتأسيس العلاقة بينه وبين شيخه\" (^٢).\nلهذا يقول ابن عجيبة: \"فلما قبضت الورد من شيخنا البوزيدي، لبست جلابة غليظة، ... واستأذنت الشيخ في لبس المرقَّعة (^٣) \" (^٤).\nهكذا تأثر الصوفية بالرهبنة المسيحية التي كان فيها الرهبان يلبسون الصوف وهم في أديرتهم كثرة كثيرة من المنقطعين لهذه الممارسة على امتداد الأرض التي حررها الإسلام بالتوحيد أعطى هو الآخر دورًا في التأثير الذي بدا على سلوك الأوائل (^٥).\nيقول المستشرق جولد تسيهر (^٦): \"ومما يدلُّ أيضًا على أثر العقائد الهندية أنَّ\n_________\n(^١) شرح السُّنَّة ١/ ١٢٠.\n(^٢) التصوف كوعي وممارسة، ص ١٣١.\n(^٣) وأمر بعض الصوفية مثل محمد الحبيب الدرقاوي أتباعه ومريديه بارتداء أفضل الملابس التي يسمح بها وضعهم الاجتماعي. ينظر: الأثر الصوفي المغربي في بريطانيا، الزاوية الدرقاوية نموذجًا، ص ١٠٩.\n(^٤) الفهرسة، ص ٥٤.\n(^٥) ينظر: الصوفية معتقدًا وسلوكًا، ص ١٧.\n(^٦) هو: مستشرق مجرِّي من أصل يهودي، ولد سنة ١٨٥٠ م في المجر، ودرس في بودابست، وأكمل دراسته في برلين، زار مصر والشام وفلسطين في رحلة علمية، وأصبح أستاذًا للغات السامية سنة ١٨٩٤ م في بودابست، توفي سنة ١٩٢١ م. ينظر: موسوعة المستشرقين، عبد الرحمن بدوي، ص ١١٩.","vol":"1","page":694},{"text":"المريد عندما يتم قبوله في الجماعة الصوفية يمنح خرقة تعتبر رمزًا إلى الفقر واعتزال الدنيا، ... ولكن لا نستطيع أن نتجاهل أن الخرقة كرمز للاندماج في الجماعة الصوفية تشبه طريق الاندماج في جماعة (البيكشو) الهندية الذي يتم تسليم الثوب ومعرفة القواعد والآداب التي يتحتم على المريد اتباعها\" (^١).\nولبس الخرقة من البدع التي اقترفها الصوفية، واهتمُّوا بتأليف الكتب فيها (^٢)، ولقد بيَّن شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - أن ليس لها أصل من الدين، فقال: وأما لباس الخرقة فليس لها أصل يدلُّ عليها الدلالة المعتبرة من جهة الكتاب والسُّنَّة ولا كان المشايخ المتقدمون وأكثر المتأخرين يلبسونها.\nوأمَّا ما يستدلون به على قولهم بأنَّ امرأة نسجت (^٣) بردة وأعطتها النبي - ﷺ - ثم سألها منه أحد الصحابة - ﵃ - ليس فيه دليل على الوجه الذي يفعلونه، فإن إعطاء الرجل لغيره ما يلبسه كإعطائه إياه ما ينفعه وأخذ ثوب من النَّبيِّ - ﷺ - على وجه البركة ليس هذا كلباس الخرقة بقصد المتابعة والاقتداء، أو اتخاذ ذلك سُنَّة وطريق إلى الله (^٤).\nوما زعموا بأنَّ لهم أصلًا في إسنادها إلى النَّبيِّ - ﷺ - فهذا كذب مختلق باتفاق أهل المعرفة بسُنَّته - ﷺ - (^٥).\n_________\n(^١) العقيدة والشريعة في الإسلام، ص ١٤٥ - ١٤٦.\n(^٢) لبس الخرقة في السلوك الصوفي، ص ١ - ٩٩.\n(^٣) من حديث سهل بن سعد - ﵁ - قال: \"جاءت امرأة ببردة، قال سهل: هل تدري ما البردة؟ قال: نعم هي الشَّملة منسوج في حاشيتها، قالت: يا رسول الله إني نسجت هذه بيدي أكسوكها فأخذها رسول الله - ﷺ - محتاجًا إليها فخرج إلينا وإنها لإزاره فجسَّها رجلٌ من القوم فقال يا رسول الله: اكسنيها قال: «نعم». أخرجه البخاري، كتاب اللباس، باب البرود والحبر والشملة، ٤/ ٥٨، رقم ٥٨١٠.\n(^٤) ينظر: مجموع الفتاوى ١١/ ٥١٠.\n(^٥) ينظر: المصدر السابق ١١/ ٨٨.","vol":"1","page":695},{"text":"أما لبس المرقعات فليس من لبس السَّلف، بل كان السَّلف يرقعون ضرورة، وما يشتهر به المتصوفة من هذا اللباس فليس من الزهد في شيء، بل أمرنا الله - ﷿ - بإظهار النعمة، فقال في محكم التنزيل: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ (^١)، (^٢).\nوقال النبي - ﷺ -: «البذاذة من الإيمان» (^٣)، وبيَّن معناه الطحاوي بقوله: \"أي: أنها من سيما أهل الإيمان، إذ معهم الزُّهد، والتواضع، وترك التكبُّر، كما كان الأنبياء صلوات الله عليهم قبلهم في مثل ذلك\" (^٤).\nوكان أحب الثياب إلى النَّبي - ﷺ - أن يلبسها: الحِبَرَة (^٥).\nقال ابن بطال - ﵀ -: \"حِبَرَة. البرود هي: برود اليمن تصنع من قطن، وهى الحبرات يشتمل بها، وهى كانت أشرف الثياب عندهم، ألا ترى أنه - ﵇ - سُجِّي بها حين تُوفِّي، ولو كان عندهم أفضل من البرود شيءٌ لسُجِّي به، وفيه جواز لباس رفيع الثياب للصالحين وذلك داخل في معنى قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ (^٦)، (^٧).\nقال ابن الجوزي - ﵀ -: \"ومن الصوفية من يلبس الصوف ويحتج بأن النَّبي - ﷺ - لبس الصوف وبما روي في فضيلة لبس الصوف، فأمَّا لبس رسول الله - ﷺ - الصوف\n_________\n(^١) سورة الضحى: ١١.\n(^٢) ينظر: تلبيس إبليس، ص ٢٣٤.\n(^٣) أخرجه أبو داود، كتاب الترجل، ٤/ ٣٩٣، رقم ٤١٦١، وابن ماجه، كتاب الزهد، باب من لا يؤبه له، ٥/ ٥٦٢، رقم ٤١١٨، وصحَّحه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه ٢/ ٣٩٥، وفي الصحيحة، رقم ٣٤١.\n(^٤) شرح مشكل الآثار ٤/ ١٩٣.\n(^٥) أخرجه البخاري من حديث أنس بن مالك، كتاب اللباس، باب البرود والحبر والشملة، ٤/ ٥٩، رقم ٥٨١٢.\n(^٦) سورة الأعراف: ٣٢.\n(^٧) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري ٩/ ٩٩.","vol":"1","page":696},{"text":"فقد كان يلبسه في بعض الأوقات لم يكن لبسه شهرة عند العرب، وأمَّا ما يروى في فضل لبسه فمن الموضوعات التي لا يثبت منها شيء\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-201>ثالثًا: آداب المريد مع شيخه</span>\nذكر ابن عجيبة جملة من الآداب التي تجب على المريد مع شيخه، فقال: \"وأمَّا الآداب التي تكون مع الشيخ فمرجعها إلى ثمانية أمور، أربعة ظاهرة، وأربعة باطنة، فأمَّا الظاهرة:\nفأولها: امتثال أمره وإن ظهر له خلافه، واجتناب نهيه وإن كان حتفه، فخطأ الشيخ أحسن من صواب المريد.\nوثانيها: السَّكينة والوقار في الجلوس بين يديه، فلا يضحك بين يديه، ولا يرفع صوته عليه، ولا يتكلَّم حتى يستدعيه للكلام أو يفهم عنه بقرائن الأحوال، كحال المذاكرة، بخفض صوت ورفق ولين، ولا يأكل معه، ولا بين يديه، ولا ينام معه أو قريبًا منه.\nوثالثهما: المبادرة إلى خدمته بقدر الإمكان، بنفسه، أو بماله، أو بقوله، فخدمة الرَّجال سبب الوصال لمولى الموالي.\nورابعهما: دوام حضور مجلسه.\nوأما الآداب الباطنية:\nفأولها: اعتقاد كماله، وأنه أهلٌ للشيخوخة والتربية؛ لجمعه بين شريعةٍ وحقيقة، وبين جذبٍ وسلوك، وأنه على قدم النَّبي - ﷺ -.\n_________\n(^١) تلبيس إبليس، ص ١٧٤.","vol":"1","page":697},{"text":"وثانيها: تعظيمه، وحفظ حرمته غائبًا وحاضرًا، وتربية محبته في قلبه، وهو دليل صدقه، وبقدر التصديق يكون، فمن لا صدق له لا سير له ولو بقي مع الشيخ ألف سنة.\nوثالثهما: انعزاله عن عقله، ورياسته، وعلمه، وعمله إلا ما يرد عليه من قبل شيخه.\nورابعهما: عدم التشوف إلى غير شيخه والانتقال عنه، وهذا عندهم من أقبح كل قبيح وأشنع كل شنيع، وهو سبب تسويس بذرة الإرادة، فتفسد شجرة الإرادة لفساد أصلها، وهذا كله مع شيوخ التربية، وأمَّا شيوخ أهل الظاهر فلا بأس أن ينتقل عنهم إلى أهل الباطن إن وجدتم، ولا يحتاج إلى إذن\" (^١).\nوالمتأمِّل لقول الإمام مالك - ﵀ -: \"إنما أنا بشرٌ أخطئ وأصيب، فانظروا في قولي، فكل ما وافق الكتاب والسُّنَّة فخذوا به، ومالم يوافق الكتاب والسُّنَّة فاتركوه\" (^٢)، يلحظ أن هناك توجيهًا بأن تُعرض آراء الرِّجال وأقوالهم على الدليل، فما وافقه منها اعتدَّ به وقُبل، وما كان مخالفًا رُدَّ ولم يعتد به.\nويبين ابن القيم - ﵀ - بعد تعريفه للمريد عند القوم المنهج الحق الذي يجب أن يتبع، فقال: \"المريد في اصطلاحهم: هو الذي قد شرع في السير إلى الله، وهو فوق العابد ودون الواصل، وهذا اصطلاح بحسب حال السالكين، وإلا فالعابد مريد، والسالك مريد، والواصل مريد، فالإرادة لا تفارق العبد ما دام تحت حكم العبودية.\nوقد ذكر الشيخ للتمكن في هذه الدرجة ثلاثة أمور: صحة قصد، وصحة علم، وسعة طريق، فبصحة القصد يصح سيره، وبصحة العلم تنكشف له الطريق،\n_________\n(^١) إيقاظ الهمم، ص ١٤٨ - ١٥٠، وينظر: الفهرسة، ص ٦٥ - ٦٦.\n(^٢) إعلام الموقعين عن رب العالمين ١/ ٦٠.","vol":"1","page":698},{"text":"وبسعة الطريق يهون عليه السير، وكل طالب أمر من الأمور فلا بدَّ له من تعين مطلوبه، وهو المقصود، ومعرفة الطريق الموصل إليه، والأخذ في السلوك، فمتى فاته واحد من هذه الثلاث لم يصح طلبه ولا سيره، فالأمر دائرٌ بين مطلوب يتعين إيثاره على غيره، وطلب يقوم بقصد من يقصده، وطريق توصل إليه.\nفإذا تحقق العبد بطلب ربه وحده تعيَّن مطلوبه، فإذا بذل جهده في طلبه صحَّ له طلبه، فإذا تحقق باتباع أوامره، واجتناب نواهيه صحَّ له طريقه، وصحة القصد والطريق موقوفة على صحة المطلوب.\nفحكم القصد يُتلقَّى من حكم المقصود، فمتى كان المقصود أهلًا للإيثار كان القصد المتعلِّق به كذلك، فالقصد والطريق تابعان للمقصود.\nوتمام العبودية أن يوافق الرسول - ﷺ - في مقصوده وقصده وطريقه.\nفمقصوده الله وحده وقصده تنفيذ أوامره في نفسه وفي خلقه، وطريقه اتباع ما أوحي إليه، فصحبه الصحابة - ﵃ - على ذلك حتى لحقوا به، ثم جاء التابعون لهم بإحسان، فمضوا على آثارهم.\nثم تفرَّقت الطرق بالناس، فخيار الناس من وافقه في المقصود والطريق، وأبعدهم عن الله ورسوله من خالفه في المقصود والطريق، وهم أهل الشرك بالمعبود، والبدعة في العبادة، ومنهم من وافقه في المقصود وخالفه في الطريق، ومنهم من وافقه في الطريق وخالفه في المقصود.\nفمن كان مراده الله والدار الآخرة فقد وافقه في المقصود، فإن عبد الله بما به أمر على لسان رسوله - ﷺ - فقد وافقه في الطريق، وإن عبده بغير ذلك فقد خالفه في الطريق.\nومن كان مقصوده من أهل العلم، والعبادة، والزهد في الدنيا الرياسة، فقد","vol":"1","page":699},{"text":"خالفه في المقصود، وإن تقيَّد بالأمر\" (^١).\nوهذه الآداب التي وضعها ابن عجيبة وغيره (^٢) جعلت المريد يعيش \"قالبًا حديدًا يحبسون فيه السُّلوك الإنساني ويقيِّدون من تلقائيته وانطلاقه\" (^٣).\n_________\n(^١) مدارج السالكين ٣/ ٢٠٥.\n(^٢) ينظر: التعريف الشمولي بالجزولي، ص ٧١ - ٧٢.\n(^٣) التصوف كوعي وممارسة، ص ١٥١ - ١٥٢.","vol":"1","page":700},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-202>الفصل الثاني: الولاية والكرامة</span>\nوفيه مبحثان:\n\nالمبحث الأول: الولاية ومراتب الأولياء\nالمبحث الثاني: الكرامة وأقسامها","vol":"1","page":701},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-203>المبحث الأول:\nالولاية ومراتب الأولياء</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-204>أولًا: تعريف الولاية</span>\nعرفها ابن عجيبة بقوله: \"الولاية: هي حصول الأنس بعد المكابدة، واعتناق الروح بعد المجاهدة، وحاصلها: تحقيق الفناء في الذات بعد ذهاب حس الكائنات، فيبقى مالم يكن ويبقى مالم يزل، فأولها التمكن من الفناء، ونهايتها تحقيق البقاء وبقاء البقاء، ويبقى الترقي والاتساع فيها أبدًا سرمدًا\" (^١).\nوقال القاشاني: \"هي قيام العبد بالحق عند الفناء عن نفسه، وذلك بتولي الحق إياه حتى يبلغه غاية مقام القرب والتمكن\" (^٢).\nوعرَّفها الجيلي بقوله: \"عبارة عن تولي الحق - ﷾ - عبده بظهور أسمائه وصفاته عليه علمًا وعينًا وحالًا وأثر لذة وتصرُّفًا\" (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-205>ثانيًا: تعريف الولي</span>\nقال ابن عجيبة في تعريفه: \"الوليُّ: هو من ارتفع عنه الحجاب حتى دخل مقام الشهود والعيان، وفتحت له ميادين الغيوب، فلم يحجبه عن الله شيء\" (^٤).\nوقال أيضًا: \"والأولياء هم من كشف عنهم الحجاب، وأفضوا إلى الشهود والعيان\" (^٥).\n_________\n(^١) معراج التشوف، ص ٣٢.\n(^٢) معجم اصطلاحات الصوفية، ص ٥٤.\n(^٣) الإنسان الكامل في معرفة الأوائل والأواخر ٢/ ٨٥.\n(^٤) الفهرسة، ص ٤١.\n(^٥) البحر المديد ٤/ ١٤٤.","vol":"1","page":703},{"text":"أمَّا التعريفات الموافقة للكتاب والسُّنَّة فهي التي بيَّنها العلماء المحققون.\nقال ابن تيمية - ﵀ -: \"والولايةُ: ضدُّ العداوة، وأصل الولاية: المحبَّة والقرب، وأصل العداوة: البغض والبعد\" (^١).\nوقال الشوكاني: \"والولايةُ: ضدُّ العداوة، وأصل الولاية: المحبَّة والتقرُّب كما ذكره أهل اللغة، وأصل العداوة: البغض والبعد\" (^٢).\nوعرَّف ابن تيمية الولي بقوله: \"من الوَلْيِ وهو القرب، كما أنَّ العَدُوَّ من العدو وهو البعد، فولي من والاه بالموافقة له في محبوباته، ومرضياته، وتقرب إليه بما أمر به من طاعاته\" (^٣).\nوقال أيضًا: \"أولياء الله تعالى هم الذين آمنوا به ووالوه، فأحبُّوا ما يحب، وأبغضوا ما يبغض\" (^٤).\nوأما تعريفات ابن عجيبة وغيره فقد جعلت أعداء الإسلام يعتقدون أن هذا هو الولي عند المسلمين (^٥)، ومفادها الفناء والبقاء، والوصول إلى الحلول والاتحاد.\nقال ابن عجيبة: \"الفناء أن تبدو لك العظمة فتنسيك كلَّ شيءٍ وتغيبك عن كلِّ شيءٍ سوى الواحد الذي ليس كمثله شيء وليس معه شيء، أو تقول: هو شهود حق بلا خلق كما أنَّ البقاء هو شهود خلق بحق\" (^٦).\n_________\n(^١) الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، ص ٩.\n(^٢) قطر الولي على حديث الولي، ص ٢٢٣.\n(^٣) الرسائل والمسائل ١/ ١٥٠.\n(^٤) الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، ص ١٦.\n(^٥) قال المستشرق نيكولسن: \"يطلق المسلمون اسم الولي على الرجل الذي وصل إلى مقام الفناء في ذاته وإرادته وبقي بالإرادة الإلهية\"، وهذا المعنى عند المتصوفة، ولا يعتقده أهل السُّنَّة والجماعة. ينظر: في التصوف الإسلامي وتاريخه، ص ١٥٧.\n(^٦) إيقاظ الهمم، ص ٢٩٩، ١٢٥ - ١٢٦.","vol":"1","page":704},{"text":"ففي حال الفناء يغيب عن كل شيء ولا يرى إلا الله فهذا ما يعبر عنه بوحدة الشهود.\nوحال البقاء فلا يغيب عنه شيء؛ لأنه يرى الله في كل شيء - ﷿ - عمَّا يقول عُلُوًّا كبيرًا.\nوهذه التعريفات لا تمتُّ الإسلام بشيء، بل تدلُّ على تأثُّر الصوفية بفلسفة أفلوطين.\nولقد بين ابن تيمية - ﵀ - أقسام الفناء بقوله: \"إنَّ الفناء ثلاثة أنواع:\nنوع للكاملين من الأنبياء والأولياء، ونوع للقاصدين من الأولياء والصالحين، ونوع للمنافقين الملحدين المشبهين.\n(فأما الأول): فهو الفناء عن إرادة ما سوى الله، بحيث لا يحب إلا الله ولا يعبد الا إياه ولا يتوكل إلا عليه ولا يطلب غيره، وهو المعنى الذي يجب أن يقصد بقول أبي يزيد حيث قال: أريد أن لا أريد إلا ما يريد، أي المراد المحبوب المرضي، وهو المراد بالإرادة الدينية، وكمال العبد أن لا يريد ولا يحب ولا يرضى إلا ما أراده الله ورضيه وأحبَّه وهو ما أمر به أمر إيجاب أو استحباب، ولا يحب إلا ما يحبه الله كالملائكة والأنبياء والصالحين ...\nوأما النوع الثاني: فهو الفناء عن شهود السوى، وهذا يحصل لكثير من السالكين، فإنهم لفرط انجذاب قلوبهم إلى ذكر الله وعبادته ومحبته وضعف قلوبهم عن أن تشهد غير ما تعبد وترى غير ما تقصد؛ لا يخطر بقلوبهم غير الله، بل ولا يشعرون ... فإذا قوي على صاحب الفناء هذا فإنه يغيب بموجوده عن وجوده وبمشهوده عن شهوده وبمذكوره عن ذكره وبمعروفه عن معرفته حتى يفنى من لم يكن","vol":"1","page":705},{"text":"وهي المخلوقات المعبدة ممن سواه ويبقى من لم يزل وهو الرب تعالى ... وهذا الموضع زل فيه أقوام وظنُّوا أنه اتحاد وأنَّ المحب يتحد بالمحبوب حتى لا يكون بينهما فرق في نفس وجودهما، وهذا غلط؛ فإنَّ الخالق لا يتحد به شيءٌ أصلًا بل لا يتحد شيءٌ بشيءٍ إلا إذا استحالا وفسدا وحصل من اتحادهما أمر ثالث لا هو هذا ولا هذا كما إذا اتحد الماء واللبن والماء والخمر ونحو ذلك، ولكن يتحد المراد والمحبوب والمكروه ويتفقان في نوع الإرادة والكراهة فيحب هذا ما يحب هذا، ويبغض هذا ما يبغض هذا ويرضى ما يرضى ويسخط ما يسخط ويكره ما يكره ويوالي من يوالي ويعادي من يعادي وهذا الفناء كله فيه نقص، وأكابر الأولياء كأبي بكر وعمر والسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار لم يقعوا في هذا الفناء فضلًا عمَّن هو فوقهم من الأنبياء، وإنما وقع شيءٌ من هذا بعد الصحابة - ﵃ -.\nوأمَّا النوع الثالث: مما قد يسمى فناء فهو أن يشهد أن لا موجود إلا الله وأن وجود الخالق هو وجود المخلوق فلا فرق بين الرب والعبد، فهذا فناء أهل الضلال والإلحاد الواقعين في الحلول والاتحاد ... وهو تحقيق آل فرعون\" (^١).\nوالملاحظ من تعريف ابن عجيبة للولي أنه جعل معرفة الولي تكون عمَّن صدر عنه كشفٌ، وهذا لا شك في بطلانه.\nقال ابن تيمية - ﵀ -: \"وتجد كثيرًا من هؤلاء عمدتهم في اعتقاد كونه وليًّا لله أنه قد صدر عنه مكاشفة في بعض الأمور أو بعض التصرفات الخارقة للعادة ... وليس في شيءٍ من هذه الأمور ما يدلُّ على أن صاحبها ولي لله؛ بل قد اتفق أولياء الله على أنَّ الرجل لو طار في الهواء أو مشى على الماء لم يُغترَّ به حتى ينظر متابعته لرسول الله - ﷺ - وموافقته لأمره ونهيه.\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ١٠/ ٢٨٨.","vol":"1","page":706},{"text":"وكرامات أولياء الله تعالى أعظم من هذه الأمور، وهذه الأمور الخارقة للعادة وإن كان قد يكون صاحبها وليًّا لله - ﷿ - فقد يكون عدوًّا لله - ﷿ -؛ فإنَّ هذه الخوارق تكون لكثير من الكفَّار والمشركين وأهل الكتاب والمنافقين وتكون لأهل البدع وتكون من الشياطين فلا يجوز أن يظن أنَّ كلَّ من كان له شيءٌ من هذه الأمور أنه ولي لله؛ بل يعتبر أولياء الله بصفاتهم وأفعالهم وأحوالهم التي دلَّ عليها الكتاب والسُّنَّة ويعرفون بنور الإيمان والقرآن وبحقائق الإيمان الباطنة وشرائع الإسلام الظاهرة\" (^١).\nوقال الشيخ النجمي - ﵀ - (^٢): \"إنَّ من يعتقد عقيدة الصوفية المارقة أصحاب وحدة الوجود الذين يجعلون للمخلوق صفات الخالق، فإنه يعتبر قد أشرك بالله شركًا أكبر، وخرج من الإسلام بإعطائه للمخلوق صفات الخالق جلَّ شأنه وعزَّ سلطانه وتعالت صفاته\" (^٣).\nويقول أيضًا \": إنَّ من قاس الله - ﷿ - بخلقه فقد تنقَّصه وشبَّهه، لذلك فهو جدير بأن يحبس ويضرب ويستتاب؛ لأنه لم يؤمن بهيمنة الله - ﷿ - على عباده، وعلمه الشامل وقدرته النافذة\" (^٤).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ١١/ ٢١٣.\n(^٢) هو: الشيخ أحمد بن يحيى بن محمد بن شبير النجمي آل شبير من بني حُمّد، إحدى القبائل المشهورة بمنطقة جازان، كان مفتي منطقة جنوب السعودية، ولد بقرية النجامية في ٢٢ شوال عام ١٣٤٦ هـ، من مشايخه: الشيخ عبد الله القرعاوي، والشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ، والشيخ ابن باز، والشيخ حافظ حكمي - ﵏ -، ومن مؤلفاته: أوضح الإشارة في الرد على من أجاز الممنوع من الزيارة، رسالة في حكم الجهر بالبسملة، توفي عام ١٤٢٩ هـ. ينظر: المورد العذب الزلال، ص ٤ - ٥.\n(^٣) رد على صوفي، ص ٢٣.\n(^٤) أوضح الإشارة في الرد على من أجاز الممنوع من الزيارة، ص ٢٧٩.","vol":"1","page":707},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-206>ثالثًا: أسباب حصول الولاية</span>\n١ - المجاهدة ومحاربة النفس (^١)، قال ابن عجيبة: \"وعد الله المتوجهين إليه بالوصول إلى سرِّ الخصوصية وهي الولاية، لكن بعد المجاهدة والمحاربة للنفوس؛ لأنَّ الحضرة لا يدخلها إلا أهل التهذيب والتدريب\" (^٢).\n٢ - الذكر (^٣)، قال ابن عجيبة: \"فإنَّ الذكر منشور الولاية، ولا بدَّ منه في البداية والنهاية، فمن أُعطي الذكر فقد أُعطي المنشور، ومن ترك الذكر فقد عزل\" (^٤).\nمما لا شكَّ فيه أنَّ الذكر له فوائد وثمار قرَّرها أهل السُّنَّة والجماعة (^٥)، ولكن مفاد الصوفية بهذه الطريقة هو الوصول إلى وحدة الوجود، ولقد أورد ابن عجيبة نصًّا بذلك فقال: \"فإن دمت على ذكر الحضور رفعك إلى ذكر مع الغيبة عمَّا سوى المذكور، لما يغمر قلبك من النُّور، وربما يعظم قرب نور المذكور فيغرق في النور حتى يغيب عمَّا سوى المذكور، حتى يصير الذاكر مذكورًا، والطالب مطلوبًا، والواصل موصولًا ... وهاهنا يسكت اللسان، وينتقل الذكر للجنان، فيصير ذكر اللسان غفلةً في حق أهل هذا المقام ... لأن ذكره باللِّسان وتكلفه يقتضي وجود النفس، وهو شرك، والشرك أقبح من الغفلة ... والفرض أنَّ الذاكر محو في مقام العيان\" (^٦).\n_________\n(^١) سبق نقدها ص ١٢٣ - ١٤٠.\n(^٢) البحر المديد ٢/ ٣٠٩.\n(^٣) سبق الرد عليهم في بدعة الذكر المفرد.\n(^٤) إيقاظ الهمم، ص ١١٧ - ١١٩.\n(^٥) ينظر: الوابل الصيب، ص ٥٢.\n(^٦) إيقاظ الهمم، ص ١١٩ - ١٢٠، وينظر: شرح صلاة ابن مشيش، ص ٣٣ - ٣٤.","vol":"1","page":708},{"text":"قال ابن تيمية - ﵀ -: وكذلك أصحاب الرياضة والتجرُّد، فإنَّ صفوتهم الذين يشتغلون بذكر بسيط مثل (لا إله إلا الله) إن لم يغلوا فيقتصروا على مجرَّد (الله الله) ويعتقدون أنَّ ذلك أفضل وأكمل، كما فعله كثير منهم، وربما اقتصر بعضهم على (هو هو)، أو على قوله: (لا هو إلا هو)؛ لأن هذا الذكر المبتدع الذي هو لا يفيد بنفسه إلا أنه مطلقًا ليس فيه بنفسه ذكر لله إلا بقصد المتكلم، فقد ينضم إلى ذلك اعتقاد صاحبه أنه لا وجود إلا هو كما يصرح به بعضهم ويقول: (لا هو إلا هو) أو (لا موجود إلا هو) وهذا عند الاتحادية أجود من قول (لا إله إلا الله)؛ لأنه مصرح بحقيقة مذهبهم الفرعوني القرمطي حتى يقول بعضهم: (لا إله إلا الله) ذكر العابدين و(الله الله) ذكر العارفين وهو هو ذكر المحققين ويجعل ذكره (يا من لا هو إلا هو)، وإذا قال (الله الله) إنما يفيد مجرد ثبوته فقد ينضم إلى ذلك نفي غيره لا نفي إلهية غيره فيقع صاحبه في وحدة الوجود وربما انتفى شهود القلب للسوى إذا كان في مقام الفناء فهذا قريب، أمَّا اعتقاد أن وجود الكائنات هي هو فهذا هو الضلال، ويضمون إلى ذلك نوعًا من التصفية مثل ترك الشهوات البدنية من الطعام والشراب والرياسة والخلوة وغير ذلك من أنواع الزهادة المطلقة والعبادة المطلقة فيصلون أيضًا إلى تألُّهٍ مطلق ومعرفة مطلقة بثبوت الرَّب ووجوده ونحو ذلك من نحو ما يصل إليه أرباب القياس (^١).\nوطريق حصول الولاية وفق المنهج الحق باتباع الشريعة الغرَّاء وسلوك المحجة البيضاء.\nقال ابن تيمية - ﵀ -: \"أولياء الله - ﷿ - هم الذين نعتهم الله في كتابه، حيث قال: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ٢/ ٦٣.","vol":"1","page":709},{"text":"يَتَّقُونَ﴾ (^١) فكلُّ من كان مؤمنًا تقيًّا كان لله وليًّا.\nوفي الحديث الصحيح عن النبي - ﷺ - أنه قال: «يقول الله تعالى: من عادى لي وليًّا فقد بارزني بالمحاربة، وما تقرَّب إليَّ عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه، ولا يزال عبدي يتقرَّب إليَّ بالنوافل حتى أُحبَّه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، فبي يسمع، وبي يبصر، وبي يبطش، وبي يمشي، ولئن سألني لأعطينَّه، ولئن استعاذني لأعيذنَّه، وما ترددت في شيءٍ أنا فاعله ترددي في قبض نفس عبدي المؤمن، يكره الموت وأكره مساءته، ولا بدَّ له منه» (^٢).\nودين الإسلام مبنيٌّ على أصلين، على أن لا نعبد إلا الله، وأن نعبده بما شرع، لا نعبده بالبدع، قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ (^٣).\nفالعمل الصالح ما أحبَّه الله ورسوله، وهو المشروع المسنون\" (^٤)، وقال الطبري - ﵀ -: \"والصواب من القول في ذلك أن يقال: الوليُّ هو من كان بالصفة التي وصفه الله بها وهو الذي آمن واتقى كما قال: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ (^٥) \"، (^٦).\nويقول الألوسي: \"وأحسن ما يعتمد عليه في معرفة الولاية اتباع الشريعة الغرَّاء،\n_________\n(^١) سورة يونس: ٦٢ - ٦٣.\n(^٢) أخرجه البخاري، كتاب الرقاق، باب التواضع، ٤/ ١٩٢، رقم ٦٥٠٢.\n(^٣) سورة الكهف: ١١٠\n(^٤) الفتاوى الكبرى ١/ ٢٠٦.\n(^٥) سورة يونس: ٦٣.\n(^٦) جامع البيان في تأويل القرآن ١٥/ ١٢٣.","vol":"1","page":710},{"text":"وسلوك المحجَّة البيضاء، فمن خرج عنها قيد شبر بَعُدَ عن الولاية بمراحل، فلا ينبغي أن يطلق عليه اسم الولي، ولو أتى بألف ألف خارق، فالوليُّ الشرعيُّ اليوم أعزُّ من الكبريت الأحمر، ولا حول ولا قوة إلا بالله\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-207>رابعًا: زَعَم أنَّ الولي يرث النَّبي</span>\nقال: \"كما أمر الله - ﷿ - بطاعة رسوله - ﷺ - في حياته أمر بطاعة ورثته بعد مماته، وهم العلماء الأتقياء الذين يعدلون في الأحكام، والأولياء العارفون الذين يحكمون بوحي الإلهام\" (^٢).\nوقال أيضًا: \"شيوخ التربية خلفاء الرَّسول - ﷺ - في القيام بالتربية النبوية، فيجب امتثال كل ما أمروا به، واجتناب كل ما نهوا عنه، فُهِم معناه أو لم يُفهم\" (^٣).\nبل جعل حرمة الأولياء كحرمة الأنبياء، فقال: \"فحرمة الأولياء كحرمة الأنبياء، فمن فرَّق بينهم حُرِم بركة جميعهم\" (^٤).\nوهذا كلُّه بعيدٌ عن قول أهل السُّنَّة والجماعة، الذين بيَّنوا \"أفضل أولياء الله هم الأنبياء، وأفضل الأنبياء هم المرسلون، وأفضل الرُّسل هم أولو العزم: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى﵈- ومحمد - ﷺ -، وأفضل أولي العزم نبيُّنا محمد - ﷺ -، وهو الذي أنزل الله - ﷿ - عليه ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (^٥) فجعل سبحانه صدق محبة الله - ﷿ - متوقفة على اتباعه، وجعل\n_________\n(^١) روح المعاني ١١/ ١٤٩.\n(^٢) البحر المديد ١/ ٥٢٣.\n(^٣) ينظر: المرجع نفسه ٤/ ٦٧.\n(^٤) المرجع نفسه ١/ ٣٧٧.\n(^٥) سورة آل عمران: ٣١.","vol":"1","page":711},{"text":"اتباعه سبب حصول المحبة من الله سبحانه\" (^١)، ولذلك \"لا بدَّ للوليِّ من أن يكون مقتديًا في أقواله وأفعاله بالكتاب والسُّنَّة، وأن ذلك هو المعيار الذي يعرف به الحق من الباطل، فمن ظهر منه شيءٌ مما يخالف هذا المعيار فهو ردٌّ عليه، ولا يجوز لأحد أن يعتقد فيه أنه وليُّ الله، فإن أمثال هذه الأمور تكون من أفعال الشياطين، كما نشاهده في الذين لهم تابع من الجن، فإنه قد يظهر على يده ما يظن من لم يستحضر هذا المعيار أنه كرامة، وهو في الحقيقة مخاريق شيطانية وتلبيسات إبليسية.\nولهذا تراه يظهر من أهل البدع، بل من أهل الكفر وممن يترك فرائض الله سبحانه ويتلوَّث بمعاصيه؛ لأنَّ الشيطان أميل إليهم للاشتراك بينه وبينهم في مخالفة ما شرعه الله سبحانه لعباده.\nوقد يظهر شيءٌ مما يظن أنه كرامة من أهل الرياضة، وترك الاستكثار من الطعام والشراب على ترتيب معلوم، وقانون معروف حتى ينتهي حاله إلى أن لا يأكل إلا في أيام ذوات العدد، ويتناول بعد مضي أيام شيئًا يسيرًا.\nفيكون له بسبب ذلك بعض صفاء من الكدورات البشرية، فيدرك ما لا يدركه غيره، وليس هذا من الكرامات في شيء، ولو كان من الكرامات الربَّانية والتفضُّلات الرحمانية لم يظهر على أيدي أعداء الله\" (^٢).\nودحض ابن تيمية - ﵀ - مساواة الأنبياء بالأولياء فقال: \" ... والإيمان بكلِّ ما جاء به الأنبياء واجب، فإنهم معصومون، ولا يجب الإيمان بكلِّ ما يقوله الوليُّ بل ولا يجوز، فإنه ما من أحد من الناس إلا يؤخذ من كلامه ويترك إلا رسول الله - ﷺ -، ومن سبَّ نبيًّا من الأنبياء قُتل وكان كافرًا مرتدًّا بخلاف الولي\" (^٣).\n_________\n(^١) قطر الولي على حديث الولي، ص ٢٢٤.\n(^٢) المرجع نفسه، ص ٢٤٠.\n(^٣) شرح العقيدة الأصفهانية، ص ١٥٨.","vol":"1","page":712},{"text":"وقال أيضًا: \"فإنَّ كلَّ من بلغه رسالة محمد - ﷺ - لا يكون وليًّا لله إلا باتباع محمد - ﷺ -، وكل ما حصل له من الهدى ودين الحق هو بتوسُّط محمَّد - ﷺ - وكذلك من بلغه رسالة رسول إليه لا يكون وليًّا لله إلا إذا اتبع ذلك الرَّسول الذي أرسل إليه\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-208>خامسًا: أقسام الولاية</span>\nقال ابن عجيبة: \"الولاية على قسمين: ولاية عامة، وولاية عرفية خاصَّة، فالولاية العامَّة: هي التي ذكرها الحق تعالى، فكلُّ من حقق الإيمان والتقوى فله من الولاية على قدر ما حصَّل منها، والولاية الخاصَّة: خاصة بأهل الفناء والبقاء الجامعين بين الحقيقة والشريعة، بين الجذب والسُّلوك مع الزُّهد التام والمحبَّة الكاملة، وصحبة من تحققت ولايته\" (^٢).\nويقول في موضعٍ آخر: \"وتطلق على ثلاث مراتب، ولاية عامة: وهي لأهل الإيمان والتقوى، كما في الآية وهي قوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ (^٣)، وولاية خاصَّة: وهي لأهل الاستشراق (^٤) على العلم بالله، وولاية خاصة الخاصة: وهي لأهل التمكُّن في معرفة الله على نعت العيان\" (^٥).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ١١/ ٢٤٤ - ٢٦٦.\n(^٢) البحر المديد ٢/ ٤٨٤.\n(^٣) سورة يونس: ٦٢ - ٦٣.\n(^٤) الاستشراق: وهي المعرفة الاستشراقية ومقصدهم بذلك ظهور الأنوار التي تفيض على الأنفس بسبب الرياضة والمجاهدة، حتى يصلوا -بزعمهم- للتلقِّي المباشر من العالم الغيبي، فينعكس على النفوس. ينظر: المعجم الفلسفي ١/ ١٩٤.\n(^٥) معراج التشوف، ص ٣٢.","vol":"1","page":713},{"text":"ولقد جعل الغاية الكبرى من الولاية الوصول إلى وحدة الوجود، وهي التمكُّن في المعرفة، ولذلك طريقته أن ينتقل السالك من مقام إلى مقام حتى يصل للتمكين.\nقال: \"والمقامات هي التوبة، والتقوى، والاستقامة، والزُّهد، والورع ... وكل مقام له علم وعمل وحال، فأوَّله علم، وثانيه عمل، وثالثه حال، ثم مقام، فإذا بلغ مقام المعرفة وتمكَّن فيها انقطعت المقامات\" (^١).\nفلقد حصر الولاية في أهل التمكين الذين وصلوا إلى وحدة الوجود -كما زعم-، حتى إنه يرى أن من يصل إلى هذه المعرفة تسقط عنه التكاليف، \"مادامت البشرية موجودة فلا بدَّ من التكليف ... فإذا انهدمت البشرية سقطت التكاليف\" (^٢).\nوبهذا يتضح أنَّ \"الولاية لها معنى آخر تمامًا في الشَّكل والمضمون والموضوع، فوليُّ الله عند الصوفية من اختاره الله وجذبه إليه، وليس من شرط ذلك أن يكون عند هذا المختار والمجذوب أيّ مواصفات للصلاح والتقوى؛ إذ الولاية عندهم نوع من الوهب الإلهي دون سبب، وبغير حكمة، ويجعلون الولاية الكسبية هي ولاية العوام والمتنسِّكين والولاية الحقيقية عندهم هي الولاية الوهبية\" (^٣).\nوبهذا جعلوا المجاذيب والمجانين والفسقة والظلمة والملاحدة المشركين من أهل وحدة الوجود، أولياء لله بمجرَّد أن ظهر على أيديهم بعض خوارق العادات (^٤).\nومعتقد أهل السُّنَّة والجماعة أنَّ الخوارق ليست دليلًا على الولاية؛ لأنها ربما تقع من البر والفاجر.\n_________\n(^١) إيقاظ الهمم، ص ٣١٩.\n(^٢) الفتوحات الإلهية، ص ٣٢٨، إيقاظ الهمم، ص ٣٠٩.\n(^٣) الفكر الصوفي في ضوء الكتاب والسُّنَّة، ص ٢٢١.\n(^٤) ينظر: المرجع نفسه، ص ٢٢٢.","vol":"1","page":714},{"text":"قال ابن تيمية - ﵀ -: \"وإذا كان المجنون لا يصح منه الإيمان ولا التقوى ولا التقرُّب إلى الله بالفرائض والنوافل وامتنع أن يكون وليًّا فلا يجوز لأحد أن يعتقد أنه وليُّ لله؛ لا سيِّما أن تكون حجته على ذلك إمَّا مكاشفة سمعها منه أو نوع من تصرف مثل أن يراه قد أشار إلى واحد فمات أو صرع؛ فإنه قد علم أن الكفَّار والمنافقين -من المشركين وأهل الكتاب- لهم مكاشفات وتصرفات شيطانية كالكهَّان والسَّحرة وعباد المشركين وأهل الكتاب فلا يجوز لأحد أن يستدل بمجرَّد ذلك على كون الشَّخص وليًّا لله وإن لم يعلم منه ما يناقض ولاية الله فكيف إذا علم منه ما يناقض ولاية الله مثل أن يعلم أنه لا يعتقد وجوب اتباع النبي - ﷺ - باطنًا وظاهرًا، بل يعتقد أنه يتبع الشرع الظاهر دون الحقيقة الباطنة، أو يعتقد أنَّ لأولياء الله طريقًا إلى الله غير طريق الأنبياء ﵈\" (^١).\nوطلب الخوارق بالمجاهدة وتعذيب النفس من الأمور الخطرة التي تفسد القلب والعقل والمزاج (^٢).\nفكم من صوفيٍّ سلك هذا الطريق ففسد مزاجه، ومرض بدنه، واختلط عقله (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-209>سادسًا: إخفاء الولاية وأن تكون سرًّا من الأسرار</span>.\nقال: \"فإن الولاية سرٌّ من أسرار الله أودعها قلوب أصفيائه، لا تظهر على جوارحهم، ولا تكون في الغالب إلا في أهل التجريد، وأهل الخمول، أخفاها الله في عابده، فمن ادعاها من غير تجريد ولا تخريب فهو مدَّعٍ\" (^٤).\n_________\n(^١) الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، ص ٥١.\n(^٢) ينظر: مجموع الفتاوى ١١/ ٣٣٠.\n(^٣) ينظر: إحياء علوم الدين ٣/ ٢٠.\n(^٤) البحر المديد ٥/ ٢٤٦.","vol":"1","page":715},{"text":"وله طريقة في إخفاء الولاية وهي \"المغالطة: وتعني إظهار الغلط، وإيقاع الغير فيه، مع إخفاء الصواب، وتُسمَّى عند الصوفية التلبيس، كإظهار الرغبة، وإخفاء الزُّهد، وإخفاء المحبَّة، وإظهار السُّلوان، يفعلون ذلك صيانةً للسر، وتخريب الظاهر، وتعمير الباطن\" (^١).\nوهذا القول باطل؛ فولاية الله - ﷿ - مبذولة لكلِّ من سعى إليها وسار في طريقها ووفَّقه الله - ﷾ - إلى بلوغها كما قال - ﷿ -: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ (^٢)، وقال - ﷿ -: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (^٣).\nولا شكَّ أنه على الرُّغم من أنَّ كلَّ مؤمنٍ هو وليُّ الله - جل وعلا - فإنَّ ولاية الله للعبد ومحبته له تتفاوت بحسب الإيمان والتقوى والعمل الصالح فكُلَّما ازداد إيمان العبد وترقَّى في درجات الكمال والصَّلاح وتحلَّى بالتقوى كان أعظم ولاية، وأقرب من ربه - ﷿ -.\nوقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (^٤).\nفجعل - ﷾ - تقواه واتخاذ الوسيلة منه هي الطريق الموصل لرحمته فيستحيل أن تكون رحمة الله التي يختص بها من يشاء كائنة دون حكمة؛ لأنَّ الله - ﷾ - يعلم أين يجعل رسالته وأين يضع هدايته كما قال: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ\n_________\n(^١) البحر المديد ٥/ ٢٤٦.\n(^٢) سورة الليل: ٥.\n(^٣) سورة العنكبوت: ٦٩.\n(^٤) سورة المائدة: ٣٥.","vol":"1","page":716},{"text":"يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ (^١)، (^٢).\nوما ادعوه في سرية الولاية جعلهم لا ينكرون المعاصي التي تظهر على الولي، بل يرونها صورية لا حقيقية، والقصد منها امتحان المشاهد لها (^٣).\nوهو الذي يراه ابن عجيبة بأنَّ الولي معصوم فهو يمد بمدد العصمة وهو الحفظ الإلهي (^٤).\nوالصوفية يطلقون الحفظ بمعنى العصمة، ويعتقدون عصمة شيوخهم (^٥)، قال ابن تيمية - ﵀ -: \"طائفة من النُّسَّاك والعُبَّاد يزعمون في بعض المشايخ أو فيمن يقولون: \" (إنه ولي الله) أنه لا يذنب، وربما عيَّنوا بعض المشايخ وزعموا أنه لم يكن لأحدهم ذنب، وربما قال بعضهم: النَّبيُّ معصوم والوليُّ محفوظ\" (^٦).\nوقال أيضًا: \"وكثيرٌ من الناس يغلط في هذا الموضع فيظن في شخص أنه وليُّ لله ويظنُّ أنَّ وليَّ الله يقبل منه كل ما يقوله ويسلم إليه كل ما يقوله ويسلم إليه كل ما يفعله وإن خالف الكتاب والسُّنَّة فيوافق ذلك الشخص له ويخالف ما بعث الله به رسوله الذي فرض الله على جميع الخلق تصديقه فيما أخبر وطاعته فيما أمر ... وهؤلاء مشابهون للنصارى الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (^٧).\n_________\n(^١) سورة الأنعام: ١٢٤.\n(^٢) ينظر الفكر الصوفي، ص ٢٢١.\n(^٣) ينظر: الإبريز، ص ٣٢٣.\n(^٤) ينظر: معراج التشوف، ص ٨١.\n(^٥) ينظر: جواهر المعاني ١/ ٢٥٢، الرسالة، ص ٥٢١.\n(^٦) جامع الرسائل والمسائل ١/ ٢٦٤.\n(^٧) سورة التوبة: ٣١.","vol":"1","page":717},{"text":"وفي الترمذي عن عدي بن حاتم في تفسير هذه الآية لما سأل النَّبيَّ - ﷺ - عنها فقال: ما عبدوهم؟ فقال النَّبيُّ - ﷺ -: «أحلُّوا لهم الحرام وحرَّموا عليهم الحلال فأطاعوهم وكانت هذه عبادتهم إياهم» (^١)، (^٢).\nوقال تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ (^٣).\nقال ابن كثير - ﵀ -: \"أرشد الله تعالى عباده المؤمنين إلى الإيمان بما أنزل إليهم بواسطة رسوله محمَّد - ﷺ - مفصلًا وبما أنزل على الأنبياء المتقدمين مجملا\" (^٤).\nفمن جعل بعد الرَّسول - ﷺ - معصومًا وأوجب الإيمان بكلِّ ما قاله وفعله فقد جعله مضاهيًا للأنبياء، وأعطاه معنى النبوة وإن لم يعطه لفظها (^٥).\nوقال ابن تيمية - ﵀ -: \"فمن أوجب طاعة أحد غير رسول الله - ﷺ - في كل ما يأمر به، وأوجب تصديقه في كل ما يخبر به، وأثبت عصمته أو حفظه في كل ما يأمر به ويخبر من الدين فقد جعل فيه من المكافأة لرسول الله والمضاهاة له في خصائص الرسالة بحسب ذلك سواء جعل ذلك المضاهي لرسول الله - ﷺ - بعض الصحابة - ﵃ - أو بعض القرابة أو بعض الأئمة والمشايخ أو الأمراء من الملوك وغيرهم\" (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي في سننه، كتاب التفسير، باب التوبة، ٥/ ٢٧٨، برقم ٣٠٩٥، والبيهقي في السنن الكبرى، باب ما يقضي به القاضي ويفتي به المفتي ١٠/ ١١٦، رقم ٢٠١٣٧، والطبراني في المعجم الكبير ١٧/ ٩٢، رقم ٢١٨، وحسَّنه الألباني في غاية المرام في تخريج أحاديث الحلال والحرام ١/ ١٩٠.\n(^٢) مجموع الفتاوى ١١/ ٢٢٠.\n(^٣) سورة البقرة: ١٣٦.\n(^٤) تفسير القرآن العظيم ١/ ٤٤٨.\n(^٥) ينظر: منهاج السُّنَّة ٦/ ١٨٧ - ١٨٨.\n(^٦) جامع الرسائل ١/ ٢٣٧.","vol":"1","page":718},{"text":"وقال أيضًا: \"فقد أجمع جميع سلف المسلمين وأئمة الدين من جميع الطوائف أنه ليس بعد رسول الله - ﷺ - أحد معصوم ولا محفوظ لا من الذنوب ولا من الخطايا، بل من الناس من إذا أذنب استغفر وتاب وإذا أخطأ تبيَّن له الحق فرجع إليه وليس هذا واجبًا لأحد بعد رسول الله - ﷺ - بل يجوز أن يموت أفضل الناس بعد الأنبياء وله ذنب يغفره الله - ﷺ - وقد خفى عليه من دقيق العلم ما لم يعرفه، ولهذا اتفقوا على أنه ما من الناس أحد إلا يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله - ﷺ - \" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-210>سابعًا: مراتب الأولياء</span>\nقال ابن عجيبة: \"اعلم أنَّ دائرة الولاية مؤلفة من أولياء، ونجباء، ونقباء، وأوتاد، وبدلاء، وأقطاب، وغوث، وهو واحد\" (^٢).\nوقال عنهم: \"هم أهل العلم بالله على نعت العيان\" (^٣).\nوقال عن مسكنهم: \"مسكن هؤلاء الرجال لا يتعيَّن في كل زمان، وكذلك الغوث لا يلزم أن يكون دائمًا في مكة، كما هو مشاهد في بعض الأزمان، فقد يكون الغوث بالمغرب، وقد يكون بالمشرق، ولعل المراد أن يكون مركز نظره مكة، أو يخلق الله من روحانيته شخصًا يكون مقيمًا بمكة\" (^٤).\nويرى أنَّ القطب \"هو القائم بحق الكون والمكون وهو واحد ... وهو الغوث الذي يصل منه المدد الروحاني إلى دوائر الأولياء، من نجيب ونقيب وأوتاد وأبدال، وله الإمامة والإرث والخلافة الباطنة، وهو روح الكون الذي عليه مداره كما يشير إلى\n_________\n(^١) جامع الرسائل ١/ ٢٦٦.\n(^٢) الجواهر العجيبة، ص ٢٦٥.\n(^٣) معراج التشوف، ص ٧٩.\n(^٤) منازل السائرين والواصلين، ص ٢٦٦ - ٢٦٧.","vol":"1","page":719},{"text":"ذلك كونه بمنزلة إنسان العين من العين، ولا يعرف ذلك إلا من له قسط ونصب من سرِّ البقاء بالله\" (^١).\nويرى أنَّ الأولياء يتصرفون في الكون فهو يقول عن نفسه: \"رأيتُ في المنام قائلًا يقول لي: الليلة أُعطي سيِّدي أحمد بن عجيبة يتصرف في الكون، أو في الوجود\" (^٢).\nوكلامه مخالفٌ للكتاب والسُّنَّة، ولما قرَّره أهل السُّنَّة والجماعة في مراتب الأولياء.\nقال ابن تيمية - ﵀ -: \"وأولياء الله على طبقتين:\nسابقون مقربون.\nوأصحاب يمين مقتصدون.\nولقد ذكرهم الله - ﷿ - في عدة مواضع من كتابه العزيز قال تعالى: ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ (^٣) فهذا تقسيم الناس إذا قامت القيامة الكبرى التي يجمع الله فيها الأولين والآخرين ... وقد ذكر النَّبيُّ - ﷺ - عمل القسمين في حديث الأولياء فقال: «يقول الله تعالى: من عادى لي وليًّا فقد بارزني بالمحاربة، وما تقرَّب إليَّ عبدي بمثل أداء ما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرَّب إليَّ بالنوافل حتى أُحبَّه؛ فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينَّه، ولئن استعاذني لأعيذنَّه، وما ترددت عن شيءٍ أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن يكره الموت وأنا أكره مساءته».\n_________\n(^١) معراج التشوف، ص ٨٠.\n(^٢) الفهرسة، ص ٦٩.\n(^٣) سورة الواقعة: ١ - ١٢.","vol":"1","page":720},{"text":"فالأبرار أصحاب اليمين هم المتقربون إليه بالفرائض يفعلون ما أوجب الله عليهم ويتركون ما حرَّم الله عليهم ولا يكلفون أنفسهم بالمندوبات؛ ولا الكف عن فضول المباحات.\nوأمَّا السابقون المقربون فتقربوا إليه بالنوافل بعد الفرائض ففعلوا الواجبات والمستحبات وتركوا المحرمات والمكروهات فلمَّا تقربوا إليه بجميع ما يقدرون عليه من محبوباتهم أحبَّهم الرَّب حُبًّا تامًّا\" (^١).\n\"وقد قال تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ (^٢) وهذه الأربعة هي مراتب العباد: أفضلهم الأنبياء ثم الصدِّيقون، ثم الشُّهداء، ثم الصالحون ... فإن الله يقول: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (^٣) فكلُّ من كان مؤمنًا تقيًّا كان لله وليًّا.\nوهم على درجتين: السَّابقون المقرَّبون، وأصحاب اليمين المقتصدون، كما قسمهم الله تعالى في سورة فاطر وسورة الواقعة والإنسان والمطففين\" (^٤).\n\"وإذا كان (أولياء الله) هم المؤمنين المتقين فبحسب إيمان العبد وتقواه تكون ولايته لله تعالى، فمن كان أكمل إيمانًا وتقوى كان أكمل ولاية لله، فالناس متفاضلون في ولاية الله - ﷿ - بحسب تفاضلهم في الإيمان والتقوى\" (^٥)، وأفضل الأولياء هم الأنبياء، وأفضلهم المرسلون منهم، وأفضل المرسلين أولو العزم من الرُّسل\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ١١/ ١٧٦.\n(^٢) سورة النساء: ٦٩.\n(^٣) سورة يونس: ٦٢.\n(^٤) مجموع الفتاوى ٢/ ٢٢٥.\n(^٥) المرجع نفسه ١١/ ١٧٥.","vol":"1","page":721},{"text":"-﵈-، قال ابن تيمية - ﵀ -: \"وأفضل الأولياء من هذه الأمة هم صالحو المؤمنين الذين صحبوا رسول الله - ﷺ - كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ (^١)، وأفضل هؤلاء أبو بكر وعمر - ﵄ - باتفاق أئمَّة السَّلف والخلف ... ومن قال من مخطئي الصوفية أنه قد يمكن أن يكون في المتأخرين من هو أفضل من أبي بكر وعمر - ﵃ - ... فهم مخطئون في ذلك بالكتاب والسُّنَّة والإجماع\" (^٢).\n\"ولهذا كان أفضل أولياء الله هم الصديقون الآخذون عن الأنبياء -﵈-، فالأولياء تبعٌ للأنبياء، وإنما يقرنهم بههم فيجعل لهم طريقًا إلى الله غير طريق الأنبياء ملاحدة الصوفية ونحوهم\" (^٣).\nودعوى القطب والغوث والأبدال والنجباء والأوتاد، لا أصل لها من كتابٍ ولا سُنَّة، ولا قول أحد من الصحابة - ﵃ - ولا التابعين ولا أئمة المسلمين وشيوخهم الذين لهم في الأمة لسان صدق (^٤).\nوهي باطلة من عدة أوجه، منها:\nالوجه الأول: عندنا أصلان ثابتان بالكتاب والسُّنَّة والإجماع الأول: أن أولياء الله هم المؤمنون المتقون، والثاني: أنَّ الله يجلب للنَّاس المنافعَ ويدفع عنهم المضارَّ بدعاء عبادِه المؤمنين وصلاتهم وعبادتهم، كما قال النَّبيُّ - ﷺ -: «وهل تُنصَرون وتُرْزَقون إلَّا بضعفائكم بدعائهم وإخلاصهم» (^٥).\n_________\n(^١) سورة التحريم: ٤.\n(^٢) الصفدية ١/ ٢٧٤.\n(^٣) الصفدية ١/ ٢٥٥.\n(^٤) ينظر: جامع المسائل، ص ٥٩.\n(^٥) أخرجه البخاري، كتاب الجهاد، باب من استعان بالضعفاء والصالحين في الحرب، ٦/ ٤٥، رقم ٢٨٩٦.","vol":"1","page":722},{"text":"إذا عرفنا هذين الأصلين تبيَّن لنا أنه ليس لأولياء الله عددٌ محصور تتساوى فيه الأزمنة، ولا لهم مكانٌ مُعيَّن من الأمكنة، بل هم يزدادون وينقصون بحسب زيادة أهل الإيمان والتقوى ونقصانهم، وقد بعث الله رسوله بالحق، وآمن معه بمكة نفرٌ قليلٌ كانوا أقلَّ من سبعة، ثم أقلَّ من أربعين، ثم أقلَّ من سبعين، ثم أقلَّ من ثلاث مائة، فأين كان أولئك الأبدال وغيرهم ممن يذكرهم الصوفية بالعدد والترتيب والطبقات؟ هل كانوا في الكفَّار.\nثم هاجر النبي - ﷺ - وأصحابه - ﵃ - إلى المدينة، وبها انعقدت بيعة الخلفاء الراشدين، ومن الممتنع أنه قد كان بمكة في زمنهم من يكون أفضل منهم، فمن كان هو الغوث الذي يدِّعي الصوفية وجوده بمكة بعد الهجرة.\nثم إن الإسلام انتشر في مشارق الأرض ومغاربها، وكان في المؤمنين في كل وقت من أولياء الله المتقين عدد لا يُحصَى، ولا يحصرون بثلاث مائة ولا بثلاثة آلاف، فكلُّ من جعل لهم عددًا محصورًا فهو من المبطلين عمدًا أو خطًا.\nونسألهم مَن كان القطب والأبدال وغيرهم من زمن آدم ونوح وإبراهيم وقبل محمد -عليهم الصَّلاة والسَّلام- في الفترة حين كان عامة الناس كفرة؟ وإن زعموا أنهم كانوا بعد رسولنا ففي أيِّ زمانٍ كانوا؟ ومَن أوَّلُ هؤلاء؟ وبأيِّ آيةٍ وبأيِّ حديثٍ مشهورٍ وبأيِّ إجماعٍ متواترٍ من القرون الثلاثة ثبتَ وجودُ هؤلاء بهذه الأعداد حتى نعتقده؟ لأن العقائد لا تعتقد إلَّا من هذه الأدلة الثلاثة ومن البرهان العقلي، ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (^١) فإن لم يأتوا به فهم الكاذبون بلا ريب، فلا نعتقد أكاذيبهم (^٢).\n_________\n(^١) سورة النمل: ٦٤.\n(^٢) جامع المسائل ٢/ ٤٣.","vol":"1","page":723},{"text":"الوجه الثاني: الصوفية أخرجوا القطب بما يختص به البشر، وحلقوا به في عالم الربوبية، وقد ذكروا له خمس عشرة علامة، منها أنه يُكشَف له عن حقيقة الذات الإلهية، ويحيط علمًا بصفات الله تعالى، وأن علم القطب لا حدود له، فلا يخفى عليه شيءٌ من الدنيا والآخرة، ويحيط بمعرفة أحكام الشريعة ولو كان أُميًّا، يقول ابن عجيبة: \"كم من وليٍّ يكون أُمِّيًّا، وتجده عنده من العلوم والحكم والتوحيد ما لا يوجد عند نحارير العلماء\" (^١) (^٢).\nقال ابن تيمية - ﵀ -: \"هذه الأمور وغيرها مما ذكره الصوفية لا يخفى ما في الاعتقاد بها من خطورة على عقيدة التوحيد، فهي محاولة خبيثة لتجريد الإله الحق - ﷿ - من اختصاصاته التي لا يشاركه فيها مخْلوق، وجعلها مشاعًا بين الخالق والمخلوق على حدٍّ سواء، وهذا هو الشِّرك في الربوبية -والعياذ بالله-، وهو أقبح أنواع الشرك، فقد كان المشركون القُدامى على علمٍ بربوبية الله وخصوصيته في الخلق، والرزق، والملك، والتدبير، والإحياء، والإماتة، وغيرها من أمور الربوبية كما حكى عنهم القرآن، فالذي يعتقد ذلك في الأولياء هو أجهل من أولئك المشركين وأضلّ.\nوبهذا نعرف ما نتج عن فكرة القطب هذه من مخاطر جسيمة في باب العقيدة لدى عامَّة الناس، الذين تعلقوا بها واعتقدوها ونشأوا عليها في البيئات الصوفية، ولُقِّنوها منذ الصغر، ولا زلنا نرى في البلاد الإسلامية من ينادي (الغوث) للمدد، ويعتقد في الأولياء بما لا يجوز اعتقاده إلاّ في الله - ﷿ - فإنَّا لله وإنا إليه راجعون\" (^٣).\n_________\n(^١) البحر المديد ٤/ ٣١٢.\n(^٢) ينظر جامع المسائل ٢/ ١٦.\n(^٣) المرجع نفسه ٢/ ٣٠.","vol":"1","page":724},{"text":"الوجه الثالث: فأمَّا لفظ الغوث والغياث \"فلا يستحقه إلا الله فهو غياث المستغيثين فلا يجوز لأحد الاستغاثة بغيره لا بملك مقرَّب ولا نبيٍّ مرسل، ومن زعم أنَّ أهل الأرض يرفعون حوائجهم التي يطلبون بها كشف الضرِّ عنهم ونزول الرحمة إلى الثلاثمائة إلى السبعين، والسبعين إلى الأربعين، والأربعين إلى السبعة، والسبعة إلى الأربعة، والأربعة إلى الغوث فهو كاذبٌ ضالٌّ مشرك، فقد كان المشركون كما أخبر الله تعالى عنهم بقوله: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا﴾ (^١).\nوقال النبي - ﷺ - لأصحابه - ﵃ - لما رفعوا أصواتهم بالذكر: «أيها الناس اربعوا على أنفسكم؛ فإنَّكم لا تدعون أصمَّ ولا غائبًا وإنما تدعون سميعًا قريبًا، إنَّ الذين تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته» (^٢) (^٣).\nالوجه الرابع: \"وأما الأوتاد فقد يوجد في كلام البعض أنه يقول: فلان من الأوتاد يعني بذلك أنَّ الله تعالى يثبِّت به الإيمان والدين في قلوب من يهديهم الله به كما يثبِّت الأرض بأوتادها، وهذا المعنى ثابتٌ لكلِّ من كان بهذه الصفة من العلماء فكلُّ من حصل به تثبيت العلم والإيمان في جمهور الناس كان بمنزلة الأوتاد العظيمة والجبال الكبيرة ومن كان بدونه كان بحسبه وليس ذلك محصورًا في أربعة ولا أقل ولا أكثر بل جعل هؤلاء أربعة مضاهاة بقول المنجمين في أوتاد الأرض.\nوأمَّا القطب فيوجد أيضًا في كلامهم فلان من الأقطاب أو فلان قطب فكل\n_________\n(^١) سورة الإسراء: ٦٧.\n(^٢) أخرجه البخاري، كتاب الوصايا، باب ما يكره من رفع الصوت في التكبير، ٢/ ٣٥٦، رقم ٢٩٩٢.\n(^٣) مجموع الفتاوى ٣/ ١٤٣.","vol":"1","page":725},{"text":"من دار عليه أمر من أمور الدين أو الدنيا باطنًا أو ظاهرًا فهو قطب ذلك الأمر ومداره سواء كان الدائر عليه أمر داره أو دربه أو قريته أو مدينته أمر دينها أو دنياها باطنًا أو ظاهرا، ولا اختصاص لهذا المعنى بسبعة ولا أقل ولا أكثر؛ لكن الممدوح من ذلك من كان مدارًا لصلاح الدنيا والدين دون مجرد صلاح الدنيا، فهذا هو القطب في عرفهم فقد يتفق في بعض الأعصار أن يكون شخص أفضل أهل عصره وقد يتفق في عصر آخر أن يتكافأ اثنان أو ثلاثة في الفضل عند الله سواء ولا يجب أن يكون في كل زمان شخص واحد هو أفضل الخلق عند الله مطلقًا\" (^١).\n\"ولفظ (النقباء) ذكر في الكتاب والسُّنَّة بالمعنى الذي ذكره الله تعالى في قوله: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ (^٢)، وجعل النبي - ﷺ - للأنصار اثني عشر نقيبًا على عدد نقباء موسى، وكذلك الخلفاء الراشدون كانوا يُعرِّفون العُرَفاء وينقِّبون النُّقباء، ليُعرِّفوهم بأخبار الناس وينقِّبوا عن أحوالهم، فهؤلاء هم النُّقباء المعروفون في الكتاب والسُّنَّة، وإطلاق هذا اللَّفظ على أولياء الله ليس له أصل في كلام السَّلف\" (^٣).\nالوجه الخامس: قد يقول قائل وردت هذه الأسماء على لسان السلف أو أهل العلم المتأخرين بقولهم: فلان من الأبدال، فعند ترجمة فروة بن مجالد (^٤)، قيل عنه: \"وكانوا لا يشكون أنه من الأبدال\" (^٥).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ١١/ ٤٤٠.\n(^٢) سورة المائدة: ١٢.\n(^٣) جامع المسائل ٢/ ٤٢.\n(^٤) فروة بن مجالد، تابعيٌّ روى عنه حسَّان بن عطية، مولى لخم من فسلطين، روى عن النبي - ﷺ - مرسلًا، قال ابن حجر: وكان مستجاب الدعوة يعد في الأبدال. ينظر: الإصابة ٥/ ٣٩٦.\n(^٥) تهذيب التهذيب ٨/ ٢٦٤، التاريخ الكبير ٧/ ١٢٧.","vol":"1","page":726},{"text":"فيجاب عليه ليس مقصود السَّلف على الوجه الذي يتصوره الصوفية، بل بالمعنى المناسب الذي لا يعارض أصول الدين (^١)، قال ابن تيمية - ﵀ -: \"وأما أهل العلم فكانوا يقولون: هم (الأبدال)؛ لأنهم أبدال الأنبياء وقائمون مقامهم حقيقة ليسوا من المعدمين الذين لا يعرف لهم حقيقة كل منهم يقوم مقام الأنبياء في القدر الذي ناب عنهم فيه: هذا في العلم والمقال وهذا في العبادة والحال وهذا في الأمرين جميعا\" (^٢).\nالوجه السادس:\nما يراه ابن عجيبة بأنَّ الولي يتصرف في الكون منازعة لله - ﷿ - في خصائصه، قال الله - ﷿ -: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ (^٣).\nقال ابن سعدي - ﵀ -: \"وذلك أنَّ الله تعالى هو المنفرد بعلم الغيب، فمن ادعى مشاركة الله في شيءٍ من ذلك بكهانة، أو عرافة، أو غيرهما، أو صدَّق من ادعى ذلك، فقد جعل لله شريكًا فيما هو من خصائصه، وقد كذَّب الله ورسوله\" (^٤).\nفمن ادَّعى الولاية ويستدل عليها بإخباره ببعض المغيبات، فهو من أولياء الشيطان لا من أولياء الرحمن (^٥).\n_________\n(^١) ينظر جامع المسائل ٢/ ٤٢.\n(^٢) مجموع الفتاوى ٤/ ٩٧.\n(^٣) سورة النمل: ٦٥.\n(^٤) القول السديد شرح كتاب التوحيد، ص ١٠٠.\n(^٥) ينظر: تيسير العزيز الحميد، ص ٢٥٣.","vol":"1","page":727},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-211>المبحث الثاني: الكرامة وأقسامها</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-212>أولًا: تعريف الكرامة في اللغة</span>\nقال ابن فارس: \"الكاف والراء والميم أصلٌ صحيحٌ له بابان، أحدهما: شرفٌ في الشَّيء في نفسه أو شرف في خلُقٍ من الأخلاق ... والكرم في الخلق يقال: هو الصفح عن ذنب المذنب، قال عبد الله بن مسلم بن قتيبة:: الكريم الصفوح والله تعالى هو الكريم الصفوح عن ذنوب عباده المؤمنين\" (^١).\nوقال ابن منظور: \"الكريم من صفات الله وأسمائه وهو: الكثير الخير الجواد المعطي الذي لا ينفذ عطاؤه\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-213>ثانيًا: تعريف الكرامة في الاصطلاح</span>\nعرَّفها السَّفاريني بقوله: \"هي أمرٌ خارقٌ للعادة غير مقرون بدعوى النبوة، ولا هو مقدمة، يظهر على يد عبد ظاهر الصلاح، ملتزم لمتابعة نبيٍّ كُلِّف بشريعته مصحوب بصحيح الاعتقاد والعمل الصالح، علم بها ذلك العبد الصالح أو لم يعلم\" (^٣).\nوقال ابن أبي العز: \"إنما الكرامة لزوم الاستقامة، وإن الله - ﷿ - لم يكرم عبدًا بكرامة أعظم من موافقته فيما يُحبّه ويرضاه، وهو طاعته وطاعة رسوله\" (^٤).\n_________\n(^١) مقاييس اللغة ٥/ ٣٩٧.\n(^٢) لسان العرب ١٢/ ٥١٠.\n(^٣) لوامع الأنوار البهية ٢/ ٣٩٢.\n(^٤) شرح العقيدة الطحاوية، ص ٤٩٦.","vol":"1","page":728},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-214>ثالثًا: تعريف الكرامة عند الصوفية</span>\nعرَّفها ابن عجيبة بقوله: \"هي الاستقامة وكشف الحجاب بين الله - ﷿ - وعبده حتى تشاهده عيانًا ويذهب الأوهام والشكوك\" (^١).\nوعرفها القشيري: \" ... الكرامة فعل ناقص للعادة في أيام التكليف ظاهرًا على موصوف بالولاية في معنى تصديقه في حاله\" (^٢).\nومن خلال التعريفين السابقين يتضح أنَّ الكرامة عند الصوفية هي المحور والمرتكز الأول في بيان فضل الولي؛ وللدلالة على صدقه، فهم يهتمون بالولاية الصوفية والتي تثبت عندهم بالطرق الصوفية، ويأتي إثباتها عن طريق الكرامة، يقول المناوي: \"وتكون للدلالة على صدقه وفضله، أو لقوة يقين صاحبها أو غيره\" (^٣).\nولذلك سلك ابن عجيبة طرقًا للحصول على الكرامة فاتخذ مجاهدة النفس وفطمها عن المألوفات سببًا للوصول للكرامة بنوعيها الحسِّي والمعنوي، فقال: فمن مجاهدة البدن تظهر الكرامات الحسيَّة، كالمشي على الماء، والطيران في الهواء، وطي الأرض، ومن مجاهدة النفس تظهر الكرامات المعنوية، من فهم العلوم، واتساع الفهوم، وشهود رب العالمين، والاطلاع على الغيب (^٤).\nوبهذا تجدهم متسرعين بالحكم على الشخص بأنه صاحب كرامة، بمجرد رؤية هذه الأمور التي صدرت منه سواء ظاهره الصلاح أو لا، متجاهلين أنَّ الشيطان يغوي بني آدم بتخرُّصات وأوهام ما أنزل الله بها من سلطان.\n_________\n(^١) ينظر: البحر المديد ٥/ ٣٢١، ١/ ١٣٣.\n(^٢) الرسالة القشيرية في علم التصوف، ص ٥٨١.\n(^٣) الكواكب الدرية في تراجم الصوفية ١/ ٥.\n(^٤) الفتوحات الإلهية، ص ٥٠ - ٥١.","vol":"1","page":729},{"text":"قال ابن الجوزي - ﵀ -: \"من العباد من يرى ضوءًا أو نورًا في السَّماء فإن كان في رمضان قال: رأيت ليلة القدر، وإن كان في غيره قال: قد فُتحت لي أبواب السَّماء، وقد يتفق له الشَّيء الذي يطلبه فيظن ذلك كرامة، وربما كان اتفاقًا\" (^١).\nواتفق أهل العلم على أنَّ الرجل لو طار في الهواء، ومشى على الماء، لم تثبت له ولاية، بل ولا إسلام حتى يُنظر في أمره، ومدى استقامته على شرع الله - ﷿ - (^٢)، قيل للشَّافعي: إنَّ الليث بن سعد (^٣) يقول: لو رأيت صاحب بدعة يمشي على الماء ما قَبِلته، قال: \"أمَا إنه قصَّر، لو رأيته يمشي في الهواء ما قبلته\" (^٤).\nويرى ابن عجيبة أنَّ خرق العوائد دليلٌ لظهور الكرامة، وطريقته في خرق العوائد إبدالها بضدِّها، فيستبدل كثرة الأكل والنوم بالجوع والسهر، وتبديل كثرة اللباس بالتقلُّل منه، أو لبس المرقعات، وتبديل الخلطة بالعزلة، وهكذا (^٥).\nولا يُسلَّم له أنَّ خرق العادات دليلٌ على الكرامة بإطلاق؛ إذ لا بدَّ من معرفة طريقة حصولها وغاياتها، فمن جعلها غاية له، وعبد الله - ﷿ - لأجلها لعبت به الشياطين، وأظهرت له خوارق من جنس خوارق الكهَّان والسَّحرة (^٦).\n_________\n(^١) تلبيس إبليس، ص ٣٧٨.\n(^٢) ينظر: الفتاوى المصرية، ص ٧٦٧.\n(^٣) هو: الليث بن سعد بن عبد الرحمن الفهمي، حنفي المذهب، من تابعي التابعين، سمع من عطاء بن أبي رباح، وعبد الله بن أبي مليكة، ونافع مولى ابن عمر، ولد سنة ٩٤ بقرية قرقشندة من أسفل أعمال مصر، وتوفي يوم الخميس من نصف شعبان سنة ١٧٥ هـ. ينظر: الجواهر المضية في طبقات الحنفية ١/ ٤١٦، طبقات ابن سعد ٧/ ٥١٧، ميزان الاعتدال ٣/ ٤٢٣، سير النبلاء ٧/ ٢٠٤.\n(^٤) ينظر: آداب الشافعي ومناقبه، ص ١٤١، قطر الولي شرح حديث الولي، ص ٢٧٨.\n(^٥) ينظر: إيقاظ الهمم ٢٤٧ - ٢٤٨.\n(^٦) ينظر: منهاج السُّنَّة ٨/ ٢٠٦.","vol":"1","page":730},{"text":"قال ابن أبي العز - ﵀ -: \"يَعدُّون مجرَّد خرق العادة لأحدهم أنه كرامة من الله - ﷿ - له، ولا يعلمون أنه في الحقيقة إنما الكرامة لزوم الاستقامة ... وأمَّا ما يبتلي الله - ﷿ - به عبده من السر بخرق العادة أو بغيرها أو بالضراء فليس ذلك لأجل كرامة العبد على ربه ولا هوانه عليه، بل قد سعد بها قوم إذا أطاعوه، وشقي بها قوم إذا عصوه\" (^١).\nوقال الشوكاني - ﵀ -: \"وإذا عرفت أنه لا بدَّ للولي من أن يكون مقتديًا في أقواله وأفعاله بالكتاب والسُّنَّة، وأنَّ ذلك هو المعيار الذي يعرف به الحق من الباطل، فمن ظهر منه شيء مما يخالف هذا المعيار فهو ردٌّ عليه، ولا يجوز لأحد أن يعتقد فيه أنه وليُّ الله، فإنَّ أمثال هذه الأمور تكون من أفعال الشياطين، كما نشاهده في الذين لهم تابع من الجنِّ فإنه قد يظهر على يده ما يظن من لم يستحضر هذا المعيار أنه كرامة، وهو في الحقيقة مخاريق شيطانية وتلبيسات إبليسية.\nولهذا تراه يظهر من أهل البدع، بل من أهل الكفر وممن يترك فرائض الله سبحانه ويتلوَّث بمعاصيه؛ لأنَّ الشيطان أميل إليهم للاشتراك بينه وبينهم في مخالفة ما شرعه الله سبحانه لعباده.\nوقد يظهر شيءٌ مما يظن أنه كرامة من أهل الرياضة وترك الاستكثار من الطعام والشراب على ترتيب معلوم، وقانون معروف حتى ينتهي حاله إلى أن لا يأكل إلا في أيام ذوات العدد، ويتناول بعد مضي أيام شيئًا يسيرًا، فيكون له بسبب ذلك بعض صفاء من الكدورات البشرية، فيدرك ما لا يدركه غيره، وليس هذا من الكرامات في شيء\" (^٢).\n_________\n(^١) شرح العقيدة الطحاوية ٢/ ٧٤٨.\n(^٢) قطر الولي على حديث الولي، ص ٢٣٧.","vol":"1","page":731},{"text":"وقعَّد الشاطبيُّ ضابطًا هامًّا لصحَّة هذا الكرامات وقبولها فقال: \"وذلك أنَّ هذه الأمور لا يصح أن ترُاعى وتعتبر إلا بشرط أن لا تخرم حكمًا شرعيًّا ولا قاعدةً دينيَّة، فإنَّ ما يخرم قاعدة شرعية أو حكمًا شرعيًّا ليس بحقٍّ في نفسه، بل هو إمَّا خيالٌ أو وهم، وإمَّا من إلقاء الشيطان ... وذلك أنَّ التشريع الذي أتى به رسول الله - ﷺ - عامٌّ لا خاص ... وأصله لا ينخرم، ولا ينكسر له اطراد، ولا يحاشى من الدخول تحت حكمه مكلَّف، وإذا كان كذل فكلُّ ما جاء من هذا القبيل الذي نحن بصدده مضادًّا لما في الشريعة فهو فاسدٌ باطل\" (^١).\nوقال أيضًا: \"ليس القصد بالكرامات والخوارق أن تخرق أمرًا شرعيًّا، ولا أن تعود على شيءٍ منه بالنقض، كيف وهي نتائج عن اتباعه؟ فمحالٌ أن ينتج المشروع ما ليس بمشروع، أو يعود الفرع على أصله بالنقض، هذا لا يكون البته\" (^٢).\nوبيَّن الشيخ سليمان بن عبد الله - ﵀ - الفرق بين الكرامة واستدراج الشيطان بقوله: \"إذا كان الشخص مخالفًا للشرع فما يجري له من هذه الأمور ليس بكرامة، بل هي إمَّا استدراج، وإمَّا من عمل الشياطين، ويكون سببها هو ارتكاب ما نهى الله عنه ورسوله - ﷺ -، فإنَّ المعاصي لا تكون سببًا لكرامة الله - ﷿ -، ولا يستعان بالكرامات عليها\" (^٣).\nولذلك من ادعى أو زعم أنَّ لدية القدرة على معرفة الغيب فإنه كاذب، فالغيب لله - ﷿ -.\nولقد تلاعب الشيطان بالصوفية في مسألة الخوارق، حتى إنَّك لتجدهم كثيرًا\n_________\n(^١) الموافقات ٢/ ٢٦٦.\n(^٢) الموافقات ٢/ ٢٧٢.\n(^٣) تيسير العزيز الحميد، ص ٣٩٧.","vol":"1","page":732},{"text":"ما يذكرون أخبارًا في قضاء حاجاتهم، ومن ذلك إيراد ابن عجيبة كرامة لجدته -حسب زعمه- فقال: \"وجدتنا للأب والأم الوليَّة الشهيرة المكاشفة الكبيرة فاطمة بنت الولي الصالح سيدي إبراهيم بن عجيبة، كانت من أهل الإغاثة في البر والبحر ولها كرامات، منها: أن بعض البحرية طلعت عليهم سفينة النصارى وأرادوا أخذهم واستغلبوا عليهم، وقال رئيس السفينة من كان يعرف وليًّا في بلده فليستغث به، فقال رجلٌ من طنجة (^١) اللا فاطمة العجيبية كان يسمع بها فظهرت معهم في المركب وهي تدفع المركب إلى البر وتقول الله الله الرجال فسلموا\" (^٢).\nوكثيرًا ما يورد الصوفية أخبارًا مثل هذه في تراجم شيوخهم (^٣)، فيتصور الشيطان بصورة ذلك الرجل أو المرأة المستغاثة ويأتي إليهم ويقضي حاجتهم، وهذا ديدن كل من يتعلَّق بغير الله - ﷿ -.\nقال ابن تيمية - ﵀ -: \"وقد جرى مثل هذا لي ولغيري ممن أعرفه ذكر غير واحد أنه استغاث بي من بلاد بعيدة وأنه رآني قد جئته، ومنهم من قال: رأيتك راكبًا بلباسك وصورتك، ومنهم من قال: رأيتك على جبل، ومنهم من قال غير ذلك،\n_________\n(^١) طنجة: مدينة كبيرة فيها آثار كثيرة وقصور، وكان فيها ماء مجلوب في قناة كبيرة، وقيل إنَّ طنجة آخر حدود إفريقية في المغرب، وهي طنجة البيضاء المذكورة في التواريخ، وكان فيها رخام وصخر ومنجور جليل، منها كانت القنطرة على بحر الزقاق إلى ساحل أندلس التي لم يكن في العالم مثلها، وكانت تمر عليها القوافل والعساكر من ساحل طنجة إلى ساحل الأندلس، فلما كان قبل فتح جزيرة الأندلس بنحو ٢٠٠ سنة طغى ماء البحر وخرج من البحر المحيط إلى بحر الزقاق، فغرق هذه القنطرة وغيرها من المواضع المجاورة لها. ينظر: الاستبصار في عجائب الأمصار ١/ ١٣٨ - ١٣٩.\n(^٢) الفهرسة، ص ٢٠.\n(^٣) مثل ما زعموا أن جاكيرا الكردي استغاث به رجل في البحر، فجاء إليهم في السفينة وأنقذهم، هكذا زعموا. ينظر: جامع الكرامات، للنبهاني ١/ ٣٧٩، طبقات الشعراني ١/ ١٣٢.","vol":"1","page":733},{"text":"فأخبرتهم أنِّي لم أغثهم وإنما ذلك شيطانٌ تصوَّر بصورتي ليضلَّهم لما أشركوا بالله ودعوا غير الله - ﷿ - \" (^١).\nبينما لو قال أحدهم: \"لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السماوات ورب الأرض ورب العرش الكريم\" (^٢)، لفرج الله - ﷿ - عليهم الكرب والشدائد.\nوعن سعد بن أبي وقاص - ﵁ - قال: قال النبي - ﷺ -: «دعوة ذي النون إذ دعا وهو في بطن الحوت لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين فإنه لم يدع بها رجلٌ مسلمٌ في شيءٍ قطُّ إلا استجاب الله له» (^٣).\nقال ابن القيم عن هذه الدعوات: \"وأمَّا دعوة ذي النون فإنَّ فيها من كمال التوحيد والتنزيه للرَّب تعالى، واعتراف العبد بظلمه وذنبه، ما هو من أبلغ أدوية الكرب والهم والغم، وأبلغ الوسائل إلى الله - ﷿ - في قضاء الحوائج، فإنَّ التوحيد والتنزيه يتضمَّنان إثبات كل كمال الله، وسلب كل نقص وعيب وتمثيل عنه، والاعتراف بالظلم يتضمَّن إيمان العبد بالشرع والثواب والعقاب، ويوجب انكساره ورجوعه إلى الله واستقالته عثرته، والاعتراف بعبوديته، وافتقاره إلى ربه، فهاهنا أربعة أمور قد وقع التوسُّل بها: التوحيد، والتنزيه، والعبودية، والاعتراف\" (^٤).\n_________\n(^١) الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح ٢/ ٣٢١.\n(^٢) أخرجه البخاري، كتاب الدعوات، باب الدعاء عند الكرب، ٤/ ١٦١، رقم ٦٣٤٥.\n(^٣) أخرجه أحمد في المسند ١/ ١٧٠، رقم ١٤٦٢، والترمذي، كتاب الدعوات، باب جامع الدعوات عن النبي - ﷺ -، ٥/ ٤٨٤، رقم ٣٥٠٥، وأبو يعلى في مسنده ٢/ ١١١، رقم ٧٧٢، والحاكم في المستدرك ٢/ ٣٨٣، وقال الهيثمي ٧/ ٦٨: ورجاله رجال الصحيح غير إبراهيم بن محمد بن سعد بن أبي وقاص وهو ثقة. وصحَّحه الألباني في صحيح الجامع، رقم ٣٣٨٣.\n(^٤) زاد المعاد في هدي خير العباد ٦/ ٢٩٣.","vol":"1","page":734},{"text":"ويقول ابن القيم في قول الله - ﷿ -: ﴿حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ (^١)، \"فتأمَّل هذا المثل ومطابقته لحال من أشرك بالله وتعلَّق بغيره، ويجوز لك في هذا التشبيه أمران:\nأحدهما: أن تجعله تشبيهًا مركَّبًا، ويكون قد شبه من أشرك بالله وعبد معه غيره برجل قد تسبب إلى هلاك نفسه هلاكًا لا يُرجى معه نجاة، فصور بصورة حال من خرِّ من السَّماء فاختطفته الطير في الهوي فتمزَّق مزقًا في حواصلها، أو عصفت به الريح حتى هوت به في بعض المطارح البعيدة، وعلى هذا لا تنظر إلى كل فرد من أفراد المشبه ومقابله من المشبه به.\nوالثاني: أن يكون من التشبيه المفرق، فيقابل كل واحد من أجزاء الممثل بالممثل به، وعلى هذا فيكون قد شبه الإيمان والتوحيد في علوه وسعته وشرفه بالسَّماء التي هي مصعده ومهبطه، فمنها هبط إلى الأرض، وإليها يصعد منها، وشبه تارك الإيمان والتوحيد بالساقط من السماء إلى أسفل سافلين من حيث التضييق الشديد والآلام المتراكمة والطير الذي تخطف أعضاءه وتمزقه كل ممزق بالشياطين التي يرسلها الله - ﷾ - عليه وتؤزُّه أزًّا وتزعجه وتقلقه إلى مظانِّ هلاكه؛ فكلُّ شيطان له مزعة من دينه وقلبه، كما أنَّ لكلِّ طير مزعة من لحمه وأعضائه، والريح التي تهوي به في مكان سحيق هو هواه الذي حمله على إلقاء نفسه في أسفل مكان وأبعده من السَّماء\" (^٢).\nوزعم ابن عجيبة أن له كرامات خاصَّة به، فمنها أنه التقى بالخضر - ﵇ - في\n_________\n(^١) سورة الحج: ٣١.\n(^٢) إعلام الموقعين عن رب العالمين ٢/ ٣١١.","vol":"1","page":735},{"text":"مقصورة جامع الجعيدي (^١)، ورآه رجلًا ضخمًا كبير اللِّحية، واقترب منه حتى مسَّت شعر لحيته وجهه، وتكلَّم معه بكلام غاب عنه -أي نسيه- لطول العهد به (^٢).\nولو عرض ابن عجيبة قوله هذا على الكتاب والسُّنَّة لعلم أنه مخدوع ممكورٌ به قد طمع الشيطان به، فالخضر لم يدرك الإسلام، قال ابن تيمية - ﵀ -: \"والصواب الذي عليه المحققون أنه ميِّت، ولم يدرك الإسلام، ولو كان موجودًا في زمن النَّبيِّ - ﷺ - لوجب عليه أن يؤمن به، ويجاهد معه، كما أوجب الله - ﷿ - ذلك عليه وعلى غيره، ولكان يكون في مكة والمدينة، ولكان يكون حضوره عند قوم كُفَّار ليرقع لهم سفينتهم، ولم يكن مختفيًا عن خير أُمَّة أُخرجت للناس، وهو قد كان بين المشركين ولم يحتجب عنه\" (^٣).\nوطريقة الصوفية ومن سار على نهجهم أنهم يعتمدون على الكشف في معرفة الكرامة، فهذا ابن عجيبة يزعم أن من كراماته أنه يُكشف له عن حقيقة ما يريد استعماله من الطعام، فيعرف حرامه من حلاله (^٤).\nولكن هذه الأمة ولله الحمد لا يزال فيها من يتفطن لما في كلام أهل الباطل من الباطل ويرده (^٥).\n_________\n(^١) هو جامع العيون، ويُسمَّى أيضًا جامع الجعيدي نسبة إلى بانيه الشيخ علي بن مسعود الجعيدي الذي أتم بناءه سنة ١٠٣٠ هـ، وهو من أعظم مساجد مدينة تطوان، وقد زيد فيه من جهة يمين القبلة، ثم أضيف الصحن، وقبل عشرة أعوام أُعيد بناؤه وزيد فيه. ينظر: مجلة دعوة الحق (مساجد تطوان العتيقة وعناية الملوك العلويين بها)، إسماعيل الخطيب، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية المملكة المغربية، العدد ٣٨٠، ص ٢٠، شوال ١٤١٥ هـ.\n(^٢) ينظر: الفهرسة، ص ٧٥.\n(^٣) مجموع الفتاوى ١٧/ ١٠٠.\n(^٤) ينظر: اللوائح القدسية في شرح الوظيفة الزروقية، ص ١٢١.\n(^٥) ينظر: مجموع الفتاوى ٩/ ٢٣٣.","vol":"1","page":736},{"text":"يقول الشاطبي - ﵀ -: \"إنهم يعتمدون في كثيرٍ من الأحكام على الكشف والمعاينة، وخرق العادة فيحكمون بالحل والحرمة ويثبتون على ذلك الإقدام والإحجام\" (^١).\nويقول الصنعاني - ﵀ -: \"إن أكثر الكرامات التي شاعت بين العوام وحازت على عقول الخواص كذب من العوام الذين هم فتنة دين الإسلام أتباع كل ناعق لم يستضيئوا بنور العلم وهم الهمج الرعاع\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-215>رابعًا: أقسام الكرامات</span>\n١ - الكرامة الحسيَّة، وعرَّفها ابن عجيبة بقوله: \"هي خرق الحسِّ العادي، كالمشي على الماء، والطيران في الهواء، وطي الأرض، ونبع الماء، وجلب الطعام، والاطلاع على المغيَّبات، وغير ذلك من خوارق العادات\" (^٣).\n٢ - الكرامة المعنويَّة، وعرَّفها بـ: \"استقامة العبد مع ربه في الظاهر والباطن، وكشف الحجاب عن قلبه، حتى عرف مولاه، والظفر بنفسه، ومخالفة هواه، وقوة يقينه، وسكونه وطمأنينته بالله\" (^٤).\nوذكر نماذج للكرامات الحسيَّة فقال: \"فمنها وضع البركة في الطعام وغيره، حتى يكثر القليل، ويكفي اليسير، وهذا مشاهد لأولياء الله كثيرًا\" (^٥).\nومنها: \"تيسير دراهم أو دنانير أو كليهما مما تدعو إليه الحاجة، وقد كان\n_________\n(^١) الاعتصام ١/ ٢٧١.\n(^٢) الإنصاف في حقيقة الأولياء ومالهم من الكرامات والألطاف، ص ٦٩.\n(^٣) إيقاظ الهمم، ص ٣١٧.\n(^٤) المرجع نفسه، ص ٣١٧.\n(^٥) اللوائح القدسية، ص ١٢٠.","vol":"1","page":737},{"text":"بعض المشايخ في أول أمره جزَّارًا فتعذر عليه شغل الجزارة تعذُّرًا شرعيًّا، فكان إذا قضى وظيفته ذكره يرفع رأسه فيجد في حجره درهمًا يشتري به قوت ذلك اليوم\" (^١).\nومنها: الاطلاع على المغيَّبات فيقول: \" ... وقد يخرق له العادة فيطلعه الله على جميع اللُّغات\" (^٢).\nولا غرابة بأن يحتار العقل في الكرامات الحسيَّة؛ إذ هي خرقٌ لما اعتاد عليه البشر ولما ألفوه، يقول ابن تيمية - ﵀ -: \"والرُّسل جاءت بما يعجز العقل عن دركه، لم تأت بما يعلم بالعقل امتناعه، لكن المسرفون فيه قضوا بوجوب أشياء وجوازها وامتناعها لحجج عقلية بزعمهم اعتقدوها حقًّا وهي باطل، وعارضوا بها النبوات وما جاءت به، والمعرضون عنه صدَّقوا بأشياء باطلة، ودخلوا في أحوال وأعمال فاسدة، وخرجوا عن التمييز الذي فضَّل الله به بني آدم على غيرهم\" (^٣).\nولهذا فإنَّ العُبَّاد والزُّهَّاد الذين لا يتَّبعون الكتاب والسُّنَّة تقترن بهم الشياطين، فيكون لأحدهم من الخوارق ما يناسب حاله، ولكن خوارق هؤلاء يعارض بعضها بعضًا، وإذا حصل من له تمكُّن من أولياء الله أبطلها عليهم، ولا بدَّ أن يكون في أحدهم الكذب جهلًا أو عمدًا، ومن الإثم ما يناسب حال الشياطين المقترنة بهم؛ ليفرِّق الله بذلك بين أوليائه المتقين وبين المتشبِّهين بهم من أولياء الشياطين (^٤).\nولقد ضرب ابن تيمية - ﵀ - أمثلةً على تلبيس الشياطين على هؤلاء القوم وهي من مخاطبة الشيطان لهم، فقال: \" فإني أعرف من تخاطبه النباتات بما فيها من المنافع\n_________\n(^١) اللوائح القدسية، ص ١٢٠.\n(^٢) البحر المديد ٣/ ٤٣.\n(^٣) مجموع الفتاوى ٣/ ٣٣٩.\n(^٤) ينظر: مجموع الفتاوى ١١/ ٢٩٥.","vol":"1","page":738},{"text":"وإنما يخاطبه الشيطان الذي دخل فيها، وأعرف من يخاطبهم الحجر والشَّجر وتقول: هنيئًا لك يا وليَّ الله فيقرأ آية الكرسي فيذهب ذلك، وأعرف من يقصد صيد الطير فتخاطبه العصافير وغيرها وتقول: خذني حتى يأكلني الفقراء ويكون الشيطان قد دخل فيها كما يدخل في الإنس ويخاطبه بذلك، ومنهم من يكون في البيت وهو مغلق فيرى نفسه خارجه وهو لم يفتح وبالعكس، وكذلك في أبواب المدينة وتكون الجن قد أدخلته وأخرجته بسرعة، أو تمر به أنوار أو تحضر عنده من يطلبه ويكون ذلك من الشياطين يتصورون بصورة صاحبه فإذا قرأ آية الكرسي مرة بعد مرة ذهب ذلك كله، وأعرف من يخاطبه مخاطب ويقول له: أنا من أمر الله ويعده بأنه المهدي الذي بشَّر به النَّبي - ﷺ - ويظهر له الخوارق\" (^١).\nوهذه الكرامات الحسيَّة ليست معتبرة لحصول الولاية، فإنها قد تظهر على شخص متلبِّس بالمعاصي، وظهورها عليه لا يعني كمال صاحبها، ولكن القوم عمدتهم فيما اعتقدوا فيه الولاية أنه قد صدر منه مكاشفة في بعض الأمور، أو بعض التصرُّفات الخارقة للعادة كأن يملأ إبريقًا من الهواء، أو أن يختفي أحيانًا عن أعين الناس، أو أن بعض الناس استغاث به وهو غائب أو ميت فرآه قد جاءه فقضى حاجته، وليس في شيءٍ من هذه الأمور ما يدلُّ على أنَّ صاحبها وليُّ لله، بل قد اتفق أولياء الله على أنَّ الرجل لو طار في الهواء أو مشى على الماء لم يغتر به حتى ينظر متابعته لرسول الله - ﷺ - وموافقته لأمره ونهيه، فإن هذه الخوارق قد تكون لكثير من الكُفَّار والمشركين وأهل الكتاب والمنافقين، وتكون لأهل البدع، وتكون من الشياطين، فلا يجوز أن يظن أن كل من كان له شيءٌ من هذه الأمور أنه وليُّ\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ١١/ ٣٠٠.","vol":"1","page":739},{"text":"لله، فكرامات أولياء الله سببها الإيمان والتقوى، فمن كانت خوارقه تحصل عند الشرك بالله، مثل دعاء الميت، أو الاطلاع على المغيَّبات فهذه من خوارق أعداء الله لا من كرامات أولياء الله (^١).\nقال ابن حجر - ﵀ -: \"إنَّ الذي استقرَّ عند العامَّة أنَّ خرق العادة يدلُّ على أن من وقع له ذلك من أولياء الله تعالى، وهو غلطٌ ممن يقوله؛ فإن الخارق قد يظهر على يد المبطل من ساحر وكاهن وراهب، فيحتاج من يستدلُّ بذلك على ولاية أولياء الله تعالى إلى فارق، وأولى ما ذكروه أن يختبر حال من وقع له ذلك، فإن كان متمسِّكًا بالأوامر الشرعية والنواهي كان ذلك علامة ولايته ومن لا فلا\" (^٢)، ومع ذلك فإن أهل العلم بيَّنوا أنَّ الوليَّ ليس بمعصوم بل يجوز عليه ما يجوز على سائر عباد الله المؤمنين، وكرامات الصالحين دلَّت على صحة الدين الذي جاء به الرسول لا على أنَّ الوليَّ معصومٌ وتجب طاعته (^٣).\nوقد ذهب ابن عجيبة إلى أنَّ الكرامة الحسيَّة ليست معتبرة، فهي تظهر على يد من لم تكمل استقامته، وهذا حقٌّ كما بيَّنه أهل العلم، ثم بعد ذلك يذهب إلى أنَّ الكرامة المعتبرة: الفهم عن الله، والرضا بقضاء الله، وترك التدبير، وهي المعتبرة عند المحققين -يقصد الكرامة المعنوية - أمَّا الحسيَّة فلا يطلبونها ولا يلتفتون إليها (^٤).\nويريد ابن عجيبة أن يصل إلى أبعد من هذا عند ذمِّه للكرامة الحسيَّة؛ لأنها حسب زعمه مانعة له من مشاهدة الوحدة، وكشف الحجاب بينه وبين الله - تعالى\n_________\n(^١) ينظر: مجموع الفتاوى ١١/ ٢١٣، ٣٠٢.\n(^٢) فتح الباري ٧/ ٤٤٣.\n(^٣) ينظر: النبوات، ص ١٩ - ٢٠، قطر الولي، ص ٢٤٨.\n(^٤) ينظر: إيقاظ الهمم، ص ٣١٧ - ٣١٨.","vol":"1","page":740},{"text":"عمَّا يقول علوًا كبيرًا-، فهو يبيِّن أنَّ من وقف مع هذه الكرامات الحسيَّة فهو محجوبٌ عن رؤية النُّور الأصلي، فالكرامة عنده هي الرُّسوخ والتمكين في معرفة الله، أي زوال الحجاب (^١).\nفهو يرى مشاهدة الحق أعظم كرامة، فيقول في موضع آخر: \"وأي كرامة أعظم من كشف الحجاب بينهم وبين محبوبهم، حتى عاينوه وشاهدوه حقًّا ووجود السوي محالًا ضروريًّا\" (^٢).\nولا ريب أن ما عناه هنا هي وحدة الوجود، فالذي لا يشهد السوي مطلقًا هو قول الملاحدة القائلين بوحدة الوجود، وهؤلاء قد يبلغ بهم الأمر إلى أن يروا أنَّ شهود الذات مجردة عين الصفات هو أعلى مقامات الشهود، وهذا من جهلهم؛ فإنَّ الذات المجردة عن الصفات لا حقيقة لها في الخارج، وليس ذاك رب العالمين، ولكنَّهم في أنفسهم جردوها عن الصفات وشهدوا مجرد الذات كما يشهد الإنسان تارة علم الرب وتارة قدرته، فهؤلاء شهدوا مجرد ذات مجردة، فهذا في غاية النقص في معرفة الله والإيمان به فكيف يكون هذا غاية؟ ومنهم من ينظر هذا شرطًا في السُّلوك وليس كذلك بل السابقون الأولون أكمل الناس ولم يكن مثل هذا يخطر بقلوبهم ولو ذكره أحد عندهم لذمُّوه وعابوه (^٣).\n_________\n(^١) ينظر: الفهرسة، ص ٧٢، شرح نونية الششتري، ص ٢٣.\n(^٢) البحر المديد ٣/ ٢٣٤.\n(^٣) ينظر: الرد على المنطقيين ١/ ٥١٨.","vol":"1","page":741},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-216>الفصل الثالث: الحلول والاتحاد ووحدة الوجود</span>\nوفيه مبحثان:\n\nالمبحث الأول: الحلول والاتحاد\nالمبحث الثاني: وحدة الوجود","vol":"1","page":743},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-217>المبحث الأول: الحلول والاتحاد</span>\nتعتبر عقيدة الحلول والاتحاد من العقائد التي سرت إلى بعض غلاة الصوفية ممن ينتسب للإسلام، وهي عقيدة قديمة ظهرت في الأديان الوثنية القديمة، ثم سرت إلى النصرانية، ثم إلى بعض من انتسب للإسلام وخصوصًا المتقدِّمين من غلاة الشيعة (^١)، وسيتضح إن شاء الله من خلال سبر أقوال ابن عجيبة موقفه من قضية الحلول والاتحاد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-218>أولًا: تعريف الحلول والاتحاد</span>.\nالحلول هو: \"عبارة عن اتحاد الجسمين بحيث تكون الإشارة إلى أحدهما إشارة إلى الآخر، كحلول ماء الورد في الورد، فيسمَّى الساري حالًا، والمسري فيه محلًّا\" (^٢).\nوكذلك يراد به -عند من يعتقده- أن تحل الذات الإلهية في الذات البشرية، ويصبح المخلوق ظرفًا، لخالقه، تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرا (^٣).\nوينقسم إلى قسمين:\nحلول خاص: كالنَّصارى والغالية من هذه الأمة الذين يقولون بالحلول إمَّا في علي - ﵁ - أو غيره.\nحلول عام: كالذين يقولون في جميع المخلوقات نحوًا مما قالته النصارى في المسيح - ﵇ - أو ما هو شرٌّ منه (^٤).\n_________\n(^١) ينظر الحركات الباطنية، ص ٣٥٦.\n(^٢) التعريفات، ص ٢٦.\n(^٣) ينظر: المرجع نفسه، ص ١٢٥، المعجم الصوفي، ص ٨١، المعجم الفلسفي، ص ١٠٦.\n(^٤) ينظر: درء تعارض العقل والنقل ٦/ ١٥١.","vol":"1","page":745},{"text":"والاتحاد هو: \"شهود الوجود الحق المطلق الذي الكل به موجود بالحق فيتحد به الكل من حيث كون كل شيءٍ موجودًا به معدومًا بنفسه لا من حيث إنَّ له وجودًا خاصًّا به\" (^١).\nوكذلك يراد به \"اختلاط الذات الإلهية بالذات البشرية لتصبحا ذاتًا واحدة\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-219>ثانيًا: موقفه من الحلول والاتحاد</span>\nقال: \"فلا وجود للأشياء مع وجوده، فانتفى القول بالحلول، إذا الحلول يقتضي وجود السوي حتى يحل فيه معنى الربوبية، والفرض أنَّ السوي عدم محض فلا يتصور الحلول ... وتقرر أنَّ الأشياء كلها في حيِّز العدم، إذ لا يثبت الحادث مع من له وصف القدم، فانتفى القول بالاتحاد، إذ معنى الاتحاد هو اقتران القديم مع الحادث، فيتحدان حتى يكون شيئًا واحدًا وهو محال، إذ هو مبنيٌّ أيضًا على وجود السوي ولا سوي\" (^٣).\nوقال أيضًا: \"الاتحاد يطلق على معنيين: أحدهما: اختلاط جرمين حتى يصير جرمًا واحدًا، وهذا محال في حقِّه تعالى، وهو كفرٌ لمن اعتقده، ويطلق على الوحدة الحقيقية، يقال: اتحد الشَّيء إذا صار واحدًا\" (^٤).\nوقال في موضع آخر: \"وقد يطلقون الاتحاد على الوحدة\" (^٥).\n_________\n(^١) معجم اصطلاحات الصوفية، ص ٤٩.\n(^٢) ينظر: التعريفات، ص ٢٢، المعجم الصوفي، ص ١١، المعجم الفلسفي، ص ١٠٦.\n(^٣) إيقاظ الهمم، ص ٧٥.\n(^٤) شرح خمرية ابن الفارض، ص ٨٠.\n(^٥) إيقاظ الهمم، ص ٨٥.\n\nقال ابن عربي: \"إذا سمعت بالاتحاد من أهل الله، أو وجدته في مصنفاتهم، فلا تفهم منه ما فهمت من الاتحاد الذي يكون بين الوجودين؛ فإن مرادهم من الاتحاد ليس إلا شهود الوجود الحق الواحد المطلق، الذي الكل به موجود، فيتحد به الكل من حيث كون كل شيء موجودًا به معدومًا بنفسه، لا من حيث إنَّ له وجودًا خاصًا اتحد به، فإنه محال\". ابن الفارض والحب الإلهي، ص ٣١٩.","vol":"1","page":746},{"text":"ويقول: \"إذا قال الفقير -أي الصوفي-:\nأنا من أهوى ومن أهوى أنا ... نحن روحان حللنا بدنا (^١)\n\nقبل تحقق فنائه فما أبعده عن الصواب، وإذا تحقق فناؤه فلا يقوله إلا مع من يُصدِّقه في حاله، وإلا تعرض لقتله\" (^٢).\nوردَّ ابن عجيبة على من يتهم الصوفية بالحلول والاتحاد (^٣)، فقال: \"وسبب انتقاد أهل الظاهر على أهل الباطن: أنَّ أهل الباطن لما استشرفوا على بحار زواخر من التوحيد الخاص رام بعضهم للتعبير عن تلك الأسرار فضاقت عبارتهم عن ذلك، ففهموا منه غير ما أرادوه فرموا بالحلول والاتحاد، وليس ثم حلول ولا اتحاد\" (^٤).\nولذلك يرى سبب مقتل الحلاج أنه أفشى هذا السِّر، فقال: \"كلُّ من أفشى سرَّ الربوبية سلَّط الله عليه سيف الشريعة فيباح دمه ويهتك عرضه، كما وقع للحلاج وغيره ... والمراد بسرِّ الربوبية التوحيد الخاص، الذي هو الشهود والعيان المخصوص بأهل العرفان\" (^٥).\nوفسَّر قول الله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (^٦)، \"أي أفلا يرجعون عن تلك العقائد الزائفة والأقوال الفاسدة، ويستغفرونه بالتوحيد والتوبة عن الاتحاد والحلول\" (^٧).\n_________\n(^١) ديوان الحلاج، ص ٤٧.\n(^٢) الفتوحات الإلهية، ص ٣٦٧.\n(^٣) ابن عربي، وابن الفارض، ومن تبعهم.\n(^٤) شرح نونية الششتري، ص ١٠.\n(^٥) شرح قصيدة يامن تعاظم، ص ٢٠ - ٢١.\n(^٦) سورة المائدة: ٧٠.\n(^٧) البحر المديد ٢/ ٢٠٣.","vol":"1","page":747},{"text":"وذكر حديثًا يوهم بالحلول والاتحاد، فقال: يقول الله تعالى في الحديث القدسي: «لم يسعني أرضي ولا سمائي، ووسعني قلب عبدي المؤمن» (^١).\nوهذا حديثٌ باطلٌ لا أصل له، قال السَّخاوي (^٢): \"ذكره الغزالي في الإحياء بلفظ (قال الله: لم يسعني) وذكره بلفظ (ووسعني قلب عبدي المؤمن اللين الوادع) وقال مخرجه العراقي (^٣):لم أر له أصلًا\" (^٤).\nوقال السَّخاوي: \"ورأيت بخط الزركشي (^٥) بعض أهل العلم يقول: هذا باطل وهو من وضع بعض الملاحدة، وأكثر ما يرويه المتكلِّم على رؤوس العوام علي بن وفا (^٦) لمقاصد يقصدها، ويقول عند الوجد والرقص: طوفوا ببيت ربكم\" (^٧).\nوسئل ابن تيمية - ﵀ - عمَّا يروى عن النبي - ﷺ - عن الله - ﷿ - قال: «ما وسعني لا سمائي ولا أرضي ولكن وسعني قلب عبدي المؤمن»، فأجاب: الحمد لله،\n_________\n(^١) إيقاظ الهمم، ص ٤٢٠.\n(^٢) هو: أبو الخير، شمس الدين محمد بن عبد الرحمن بن محمد السخاوي، عالم بالحديث والتفسير والأدب، أصله من سخا، من قرى مصر، ولد في القاهرة سنة ٨٣١ هـ، له مؤلفات منها: القول البديع في أحكام الصلاة على الحبيب الشفيع، الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ، المقاصد الحسنة، كانت وفاته سنة ٩٠٢ هـ. ينظر: شذرات الذهب ٨/ ١٥.\n(^٣) هو: أبو الفضل، زين الدين عبد الرحيم بن الحسين بن عبد الرحمن بن أبي بكر بن إبراهيم العراقي، ولد في ٢١ جمادى الأولى سنة ٧٢٥ هـ، له مؤلفات منها: المغني عن حمل الأسفار في الأسفار في تخريج ما في الإحياء من الأخبار، التقييد والإيضاح في شرح مقدمة ابن الصلاح، كانت وفاته سنة ٨٠٦ هـ. ينظر: البدر الطالع في محاسن ما بعد القرن السابع ١/ ٣٥٤.\n(^٤) المقاصد الحسنة، ص ٥٨٩.\n(^٥) هو: أبو عبد الله، محمد بن بهادر بن عبد الله المصري، بدر الدين الزركشي، فقيهٌ أصوليٌّ محدِّث، تركي الأصل مصري المولد، توفي سنة ٧٤٩ هـ. ينظر: الدرر الكامنة ٣/ ٣٩٧ - ٣٩٨.\n(^٦) هو: علي بن محمد بن وفاء، ابن لصاحب الطريقة الوفائية، ولد سنة ٧٦١ هـ، ومات سنة ٨٠١ هـ، ينظر: طبقات الشعراني ٢/ ٢٠.\n(^٧) كشف الخفاء ٢/ ١٢٣٥.","vol":"1","page":748},{"text":"هذا ما ذكروه في الإسرائيليات ليس له إسناد معروف عن النبي - ﷺ -، ومعناه وسع قلبه محبتي ومعرفتي، وما يروى: «القلبُ بيتُ الرَّب» هذا من جنس الأول؛ فإنَّ القلب بيت الإيمان بالله - ﷿ - ومعرفته ومحبته\" (^١).\nويقول - ﵀ - رادًّا على من يختلق الأحاديث المكذوبة: \"وكذلك مما حرَّمه الله تعالى أن يقول الرَّجل على الله ما لا يعلم مثل أن يروي عن الله ورسوله أحاديث يجزم بها وهو لا يعلم صحَّتها، أو يصف الله بصفات لم ينزل بها كتاب من الله ولا أثارة من علم عن رسول الله - ﷺ -، سواء كانت من صفات النفي والتعطيل ... أو كانت من صفات الإثبات والتمثيل، مثل من يزعم أنه يمشي في الأرض، أو يجالس الخلق ... أو أنه سار في مخلوقاته إلى غير ذلك من أنواع الفرية على الله - ﷿ - \" (^٢).\nوقال في موضع آخر: \"وهؤلاء أقوالهم فيها تناقضٌ وفساد، وهي لا تخرج عن وحدة الوجود والحلول أو الاتحاد، وهم يقولون بالحلول المطلق والوحدة المطلقة والاتحاد المطلق؛ بخلاف من يقول بالمعيَّن كالنصارى والغالية من الشيعة، ولهذا يقولون: إنَّ النصارى إنما كان خطؤهم في التخصيص، وكذلك يقولون في المشركين عُبَّاد الأصنام إنما كان خطؤهم لأنهم اقتصروا على بعض المظاهر دون بعض، وهم يجوزون الشرك وعبادة الأصنام مطلقًا على وجه الإطلاق والعموم، ولا ريب أنَّ في قول هؤلاء من الكفر والضلال ما هو أعظم من كفر اليهود والنصارى\" (^٣).\nويقول أيضًا عنهم: \"وهؤلاء يفرون من لفظ الحلول؛ لأنه يقتضي حالًا ومحلًّا، ومن لفظ الاتحاد؛ لأنه يقتضي شيئين اتحد أحدهما بالآخر، وعندهم الوجود واحد\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ١٨/ ١٢٢.\n(^٢) المرجع نفسه ٣/ ٤٢٥.\n(^٣) نفسه ٢/ ٢٩٦.","vol":"1","page":749},{"text":"ويقولون: النصارى إنما كفروا لما خصصوا المسيح بأنه هو الله، ولو عمَّموا لما كفروا.\nوكذلك يقولون في عباد الأصنام: إنما أخطأوا لما عبدوا بعض الظاهر دون بعض، فلو عبدوا الجميع لما أخطأوا عندهم، والعارف المحقق عندهم لا يضرُّه عبادة الأصنام\" (^١).\nثم وضَّح مباينة الحلول والاتحاد بقوله: \"حقيقة قول هؤلاء: إن وجود الكائنات هو عين وجود الله تعالى ليس وجودها غيره ولا شيء سواه البتة، ولهذا من سماهم حلولية أو قال هم قائلون بالحلول رأوه محجوبًا عن معرفة قولهم خارجًا عن الدخول إلى باطن أمرهم؛ لأن من قال: إنَّ الله يحل في المخلوقات فقد قال بأن المحل غير الحال وهذا تثنية عندهم وإثبات لوجودين، أحدهما وجود الحق الحال، والثاني وجود المخلوق المحل وهم لا يقرون بإثبات وجودين البتة\" (^٢).\nوقال أيضًا: \"وأمَّا وجه تسميتهم اتحادية ففيه طريقان، أحدهما: لا يرضونه؛ لأن الاتحاد على وزن الاقتران، والاقتران يقتضي شيئين اتحد أحدهما بالآخر وهم لا يقرون بوجودين أبدًا، والطريق الثاني: صحة ذلك بناء على أن الكثرة صارت وحدة\" (^٣).\nولهذا قال ابن عجيبة: \"وقد يطلقون الاتحاد على الوحدة\" (^٤).\nورأى ابن تيمية - ﵀ -: \"أنَّ كلَّ واحدٍ من الاتحاد والحلول إمَّا معيَّن في شخص وإمَّا مطلق، فالمعيَّن كقول النصارى والغالية من الأئمة من الرافضة، وفي المشايخ من جهال الصوفية فإنهم يقولون بالتعيين كاتحاد الله بالماء كاليعقوبية (^٥) من النَّصارى أو\n_________\n(^١) الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، ص ١١٤ - ١١٥.\n(^٢) مجموع الفتاوى ٢/ ١٤٠.\n(^٣) المرجع نفسه ٢/ ١٤١.\n(^٤) إيقاظ الهمم، ص ٨٥.\n(^٥) اليعقوبية: أصحاب يعقوب، قالوا بالأقانيم الثلاثة: إلا أنهم قالوا انقلبت الكلمة لحمًا ودمًا، فصار الإله هو المسيح، وهو الظاهر بجسده بل هو هو، وزعم أكثر اليعقوبية أنَّ المسيح جوهر واحد، أقنوم واحد إلا أنه من جوهرين، وربما قالوا طبيعة واحدة من طبيعتين. ينظر: الملل والنحل ٢/ ٣٠.","vol":"1","page":750},{"text":"بالحلول وهو قول النسطورية (^١)، وبالاتحاد من وجه دون وجه وهو قو الملكانية (^٢) \" (^٣).\nوتلحظ أنَّ أهل الحلول والاتحاد يثبتون الاثنينية؛ أمَّا أهل وحدة الوجود فلا تعترف إلا بالوحدة.\nوعرَّف شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - الاتحاد بالاختلاط والامتزاج بين الخالق والمخلوق، ثم قال: \"وهذا حقيقة الاتحاد، لا يُعقل الاتحاد إلا هكذا\" (^٤).\nويتبيَّن مما سبق أن ابن عجيبة يرى كفر من يعتقد بالحلول والاتحاد، فنهاية الحلول والاتحاد وحدة الوجود.\nتقول الدكتور سارة آل جلوي: \"ويرى معظم الباحثين: أنَّ فكرة وحدة الوجود تطوُّرٌ طبيعيٌّ لفكرة الحلول والاتحاد التي قال بها بعض الصوفية، وذلك لأن الذات الإلهية إذا كانت تقبل الحلول في أجساد طائفة من الخلق، أو الاتحاد معها فلا يوجد ما يمنع أن يصحب هذا الحلول أو الاتحاد عامًّا يشمل جميع المخلوقات حيّها وجمادها، بحيث لا يكون في الكون شيءٌ إلا الله\" (^٥).\n_________\n(^١) النسطورية: أصحاب نسطور الحكيم الذي ظهر في زمن المأمون، وتصرف في الأناجيل بحكم رأيه، وقال: إنَّ الله تعالى واحد ذو أقانيم ثلاثة، ومنهم من أطلق القول بأن كل واحد من الأقانيم الثلاثة، حي، ناطق، إله، وزعموا أنَّ الابن لم يزل متولدًا مع الأب وإنما تجسَّد واتحد بجسد المسيح حين ولد. ينظر: الملل والنحل ٢/ ٢٩.\n(^٢) الملكانية: أصحاب ملكان الذي ظهر بأرض الروم، واستولى عليها، ومعظم الروم ملكانية، قالوا إنَّ الكلمة اتحدت بجسد المسيح، وتدرعت بناسوته، ويعنون بالكلمة أقنوم العلم، ويعنون بروح القدس أقنوم الحياة، ينظر: الملل والنحل ٢/ ٢٧.\n(^٣) مجموع الفتاوى ٢/ ٤٦٥.\n(^٤) الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح ٤/ ٧ - ٨.\n(^٥) نظرية الاتصال عند الصوفية، ص ٣٩.","vol":"1","page":751},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-220>المبحث الثاني: وحدة الوجود</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-221>أولًا: معنى وحدة الوجود في اللغة</span>\nقال ابن فارس: \"الواو والحاء والدالُ أصلٌ واحدٌ يدلُّ على الانفراد، من ذلك الوَحْدة\" (^١)، ووحد الشَّيء: جعله واحدًا، والواحد: المنفرد بذاته في عدم المثل والنظر (^٢).\nوالوجود: الثبوت والحصول، ويطلق على الوصف الذي تشترك فيه الكائنات، فيميزها عن المعدومات، فيقال: \"ووجد الشيء عن عدم فهو موجود\" (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-222>ثانيًا: معنى وحدة الوجود اصطلاحًا</span>\nعقيدة الصوفية في وحدة الوجود تكمن في قولهم إنَّ الله - ﷿ - والعالم شيءٌ واحد (^٤).\nقال الكاشاني: \"وجود مقام يضمحل رسم الوجود فيه بالكلية بحصول الواجد في عين الأزلية، والمراد: وجود الحق عينه بعينه، حيث لا رسم، ولا اسم\" (^٥).\nوقال ابن عربي: \"العارف من يرى الحقَّ في كلِّ شيء، بل يراه عين كلِّ شيء\" (^٦).\nفهم يعتقدون أنَّ الله كل ما يرى.\n_________\n(^١) مقاييس اللغة ٦/ ٩٠.\n(^٢) ينظر: القاموس المحيط ١/ ٣٤٣، المعجم الوسيط ٢/ ١٠١٦.\n(^٣) ينظر: لسان العرب ٣/ ٤٤٥.\n(^٤) ينظر: مجموع الفتاوى ٢/ ٤٦٦.\n(^٥) معجم اصطلاحات الصوفية، ص ٣٧١.\n(^٦) فصوص الحكم ٢/ ٣٥٨.","vol":"1","page":752},{"text":"ويقول ابن سبعين: \"الله فقط هو الكلُّ بالمطابقة\" (^١).\nقال ابن عجيبة: \"ألا يرى في الوجود إلا الله، ولا يشهد معه سواه فيغيب عن النظر إلى الأكوان في شهود المكوّن\" (^٢).\nوقال أيضًا: \"إنَّ ما سوى الحق خيالٌ وهمي، لا حقيقة لوجوده\" (^٣).\nوعند شرحه لوحدة الوجود قال: \"الحق تعالى محالٌ في حقه الحجاب، فلا يحجبه شيء؛ لأنه ظهر بكلِّ شيءٍ وقبل كلِّ شيء وبعد كلِّ شيء، فلا ظاهر معه، ولا موجود سواه\" (^٤).\nتلك بعض التعريفات والشروح التي بيَّنت المقصود من وحدة الوجود.\nولقد أبان شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - أقوال الصوفية في وحدة الوجود، وأنها وإن تعددت \"إلا أنَّ حقيقة أمرهم أنهم يرون أنَّ عين وجود الحق هو عين وجود الخلق، وأنَّ وجود ذات الله خالق السَّموات والأرض هي نفس وجود المخلوقات\" (^٥).\nوذكر - ﵀ - أنهم تفرَّقوا إلى ثلاثة طرق:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-224>الأُولى: القائلون: بثبوت الذوات كلها في العدم </span>(^٦).\n_________\n(^١) رسائل ابن سبعين، ص ١٩٢.\n(^٢) البحر المديد ١/ ١٩٢، ٥/ ٣٤٧، وينظر: الجواهر العجيبة، ص ٢٢.\n(^٣) إيقاظ الهمم، ص ١٠٥.\n(^٤) المرجع نفسه ١/ ٦٤ - ٦٥.\n(^٥) مجموع الفتاوى ٢/ ٤٦٦.\n(^٦) \"كما يقوله كثير من المعتزلة والرافضة -وهو مذهب باطل بالعقل الموافق للكتاب والسُّنَّة والإجماع، وكثير من متكلمة أهل الإثبات كالقاضي أبي بكر- كفر من يقول بهذا، وإنما غلط هؤلاء من حيث لم يفرقوا بين علم الله بالأشياء قبل كونها وأنها مثبتة عنده في أم الكتاب في اللوح المحفوظ وبين ثبوتها في الخارج عن علم الله تعالى فإنَّ مذهب المسلمين أهل السُّنَّة والجماعة أن الله - ﷾ - كتب في اللوح المحفوظ مقادير الخلائق قبل أن يخلقها فيفرقون بين الوجود العلمي وبين الوجود العيني الخارجي\". مجموع الفتاوى ٢/ ٤٦٦.","vol":"1","page":753},{"text":"فذكر - ﵀ - قولهم: \"إنَّ الذوات بأسرها كانت ثابتة في العدم، ذاتها أبدية أزلية، حتى ذوات الحيوان والنبات والمعادن، والحركات والسَّكنات، وأنَّ وجود الحق فاض على تلك الذوات، فوجودها وجود الحق، وذواتها ليست ذوات الحق، ويفرِّقون بين الوجود والثبوت، فما كنت به في ثبوتك ظهرت به في وجودك.\nويقولون: إنَّ الله سبحانه لم يُعط أحدًا شيئًا، ولا أغنى أحدًا، ولا أسعده ولا أشقاه، وإنما وجوده فاض على الذوات، فلا تحمد إلا نفسك، ولا تذم إلا نفسك\" (^١).\nثم ذكر - ﵀ - أنَّ هذا القول هو قول صاحب فصوص الحكم (^٢) (^٣).\nويقول عنهم: \"وكنتُ أخاطب بكشف أمرهم لبعض الفضلاء الضالين، وأقول: إنَّ حقيقة أمرهم هو حقيقة قول فرعون المنكر لوجود الخالق الصانع؛ حتى حدَّثني بعض عن كثير من كبرائهم أنهم يعترفون ويقولون: نحن على قول فرعون\" (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-225>الثانية: القائلون بأنَّ وجود الله - ﷿ - هو الوجود المطلق والمعيَّن</span>.\nذكر عنهم القول: \"إنَّ الله تعالى هو الوجود المطلق والمعيَّن، كما يفرق بين الحيوان المطلق والحيوان المعيَّن، والجسم المطلق، والجسم المعيَّن؛ والمطلق لا يوجد إلا في الخارج مطلقًا، لا يوجد المطلق إلا في الأعيان الخارجة، فحقيقة قوله إنه ليس لله سبحانه وجود أصلًا ولا حقيقة، ولا ثبوت إلا نفس الوجود القائم بالمخلوقات\" (^٥).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ٢/ ٤٦٦.\n(^٢) يقصد ابن عربي.\n(^٣) مجموع الفتاوى ٢/ ٤٦٩.\n(^٤) المرجع نفسه ٢/ ٤٦٦.\n(^٥) نفسه ٢/ ٤٦٨.","vol":"1","page":754},{"text":"ثم قال عنهم بأنهم يقولون: \"إنَّ الله تعالى لا يرى أصلًا وأنه ليس له في الحقيقة اسم ولا صفة، ويصرِّحون بأنَّ ذات الكلب والخنزير والبول والعذرة عين وجوده، تعالى الله عمَّا يقولون\" (^١).\nوقال: إنَّ هذا قول (^٢) الصدر القونوي الرومي (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-226>الثالثة: القائلون ما ثَمَّ غير الله، ولا سوى بأيِّ وجه</span>\nذكر شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - قولهم: \"ما ثَمَّ غير ولا سوى بوجه من الوجوه، وأنَّ العبد إنما يشهد السوى ما دام محجوبًا فإذا انكشف حجابه رأى أنه ما ثَمَّ غير يبين له الأمر\" (^٤).\nثم ذكر - ﵀ - أنَّ هذا القول، هو رأي التلمساني (^٥).\nوقال شيخ الإسلام عنه: فهو أخبث القوم وأعمقهم في الكفر؛ لأنه لا يفرِّق بين الوجود والثبوت ولا يفرِّق بين المطلق والمعيَّن (^٦).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ٢/ ٤٧١.\n(^٢) المرجع نفسه ٢/ ٤٧١.\n(^٣) هو: محمد بن إسحاق بن محمد بن يوسف بن علي القونوي الرومي، صدر الدين، صوفيٌّ من كبار تلاميذ محيي الدين ابن العربي، ولد في قونية بتركيا، وتزوج ابن العربيّ أمه، ورباه، وكان شافعيَّ المذهب، من مصنفاته: النصوص في تحقيق الطور المخصوص، اللمعة النورانية في مشكلات الشجرة النعمانية لابن عربي، وإعجاز البيان، توفي سنة ٦٧٢ هـ. ينظر: الأعلام ٦/ ٣٠.\n(^٤) مجموع الفتاوى ٢/ ٤٧١.\n(^٥) هو: سليمان بن علي بن عبد الله بن علي الكُومي التلمساني ولد سنة ٦١٠ هـ، عفيف الدين شاعر، كوميّ الأصل، من قبيلة كومة، تنقل في بلاد الروم وسكن دمشق، فباشر فيها بعض الأعمال، وأخذ التصوف عن القونوي، وكان يتصوف ويتكلَّم على اصطلاح القوم يتبع طريقة ابن العربي، توفي سنة ٦٩٠ هـ. ينظر: العبر ٣/ ٣٧٢، الأعلام ٣/ ١٣٠.\n(^٦) مجموع الفتاوى ٢/ ٤٧١ - ٤٧٢.","vol":"1","page":755},{"text":"يقول التلمساني:\nشَهِدْتَ نفْسَكَ فينا وهي واحدة ... كثيرةٌ ذاتُ أوصافٍ وأسماء\nونحن فيك شهِدْنا بعد كثْرَتنا ... عينًا بها اتَّحد المرئيُّ والرائي\nفأوَّلٌ أنت من قبل الظُّهُورِ لنا ... وآخِرٌ أنت عند النَّازحِ النَّائي\nوباطنٌ في شهود العين واحِدُهُ ... وظاهرٌ لامتيازاتٍ بأسماء\nأنت المُلَقِّنُ سرًّا لا أفوُهُ بهِ ... وأنت نُطْقيَ والمُصْغي لنجوائي (^١)\n\nوبعد ذلك بيَّن ابن تيمية - ﵀ - الفرق بين الطرق الثلاث بقوله:\nالفريق الأول يفرِّق بين الوجود والثبوت، ويفرِّق الثاني بين المطلق والمعيَّن، أمَّا الثالث والذي أعده من أخبثهم وأعمقهم كفرًا فإنه لا يفرِّق بين شيء، ولهذا كان يستحلُّ جميع المحرَّمات؛ حتى حكى عنه الثقات أنه كان يقول: البنت والأم والأجنبية شيءٌ واحدٌ ليس في ذلك حرام علينا وإنما هؤلاء المحجوبون قالوا: حرام، فقلنا: حرام عليكم، وكان يقول (^٢): القرآنُ كلُّه شركٌ ليس فيه توحيدٌ وإنما التوحيد في كلامنا (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-227>ثالثًا: أسماء وحدة الوجود كما بيَّنها ابن عجيبة</span>\n١ - الفردانية، هي: \"انفراد الحق بالوجود، بانطباق بحر الأحدية على الكل، بحيث لم يبق وجود لغيره فقط\" (^٤).\n_________\n(^١) ديوانه ١/ ٨٥ - ٨٦.\n(^٢) التلمساني.\n(^٣) ينظر: مجموع الفتاوى ٢/ ٤٧١ - ٤٧٢.\n(^٤) معراج التشوف، ص ٥٣.","vol":"1","page":756},{"text":"وهذا مفاده إنكار صفة الربوبية، قال ابن تيمية - ﵀ -: \"إن عندهم أن الله ليس رب العالمين، ولا مالك الملك، إذ ليس إلا وجوده، وهو لا يكون رب نفسه، ولا يكون الملك المملوك هو الملك المالك، وقد صرَّحوا بهذا الكفر مع تناقضه، وقالوا: إنه هو ملك الملك، بناءً على أنَّ وجوده مفتقر إلى ذوات الأشياء، وذوات الأشياء مفتقرة إلى وجوده، فالأشياء مالكة لوجوده، فهو ملك الملك\" (^١).\n٢ - الفناء، \"وهو محو الرسوم والأشكال بشهود الكبير المتعال\" (^٢).\nومراد القوم بهذا المصطلح وحدة الوجود، وهو الفناء عن وجود السوي (^٣)، قال ابن عجيبة: \"إذا قال الفقير -أي الصوفي- أنا من أهوى ... ومن أهو ى أنا (^٤)، قبل تحقق فنائه، فما أبعده عن الصواب، وإذا تحقق فناؤه فلا يقوله إلا مع يُصدِّقه في حاله، وإلا تعرض لقتله\" (^٥).\nيقول ابن القيم - ﵀ -: \"فأمَّا الفناء عن وجود السوي، فهو فناء الملاحدة القائلين بوحدة الوجود، وأنه ما ثَمَّ غير، وأنَّ غاية العارفين والسالكين الفناء في الوحدة المطلقة، ونفي التكثُّر، والتعدد عن الوجود بكلِّ اعتبار، فلا يشهد غيرًا أصلًا، بل يشهد وجود العبد عين وجود الرَّب، بل ليس عندهم في الحقيقة ربٌّ وعبد\" (^٦).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ٢/ ٢٤٩.\n(^٢) معراج التشوف، ص ٥٣.\n(^٣) ينظر: مجموع الفتاوى ٢/ ٣٦٩ - ٣٧٠.\n(^٤) ديوان الحلاج، ص ٤٧.\n(^٥) الفتوحات الإلهية، ص ٣٦٧.\n(^٦) مدارج السالكين ١/ ١٧٤.","vol":"1","page":757},{"text":"٣ - توحيد خاصة الخاصة، وهو \"إفراد الحق بالوجود في الأزل والأبد\" (^١).\n٤ - ويقول أيضًا: \"نهاية توحيد الواصلين من العارفين والمريدين السائرين توحيد الذات فلا يشهدون إلا الله، ولا يرون معه سواه\" (^٢).\nولهذا فإنَّ وحدة الوجود هي الغاية الحقيقية من التصوف، يقول ابن عجيبة: \"الحقيقة شهود الحق في تجلِّيات المظاهر\" (^٣).\nويرى ابن عجيبة أنَّ وحدة الوجود لا يشهدها إلا خاصة الخاصة، فقال: \"تجلِّي الذات لا يدركه إلا الخواص، أو خواص الخواص، ومن شأن السر ألا يدركه إلا الأفراد\" (^٤).\nوهذه الأقوال متناقضة وباطلة فهذا الكلام ينقض بعضه بعضًا؛ فإنه إن كان الوجود واحدًا لم يكن أحد الشاهدين غير الآخر ولم يكن الشاهد غير المشهود، ولهذا قال بعض شيوخ هؤلاء: من قال إن في الكون سوى الله فقد كذب، فقال له آخر: فمن الذي كذب؟ فأفحمه، وهذا لأنه إذا لم يكن موجود سوى الواجب بنفسه، كان هو الذي يكذب ويظلم ويأكل ويشرب، وهذا يصرح به أئمة هؤلاء كما يقول صاحب الفصوص وغيره: إنه موصوف بجميع صفات الذم وإنه هو الذي يمرض ويضرب وتصيبه الآفات ويوصف بالمعايب والنقائص كما أنه هو الذي يوصف بنعوت المدح والذم (^٥).\n_________\n(^١) معراج التشوف، ص ٥٣.\n(^٢) البحر المديد ٢/ ٦٦.\n(^٣) كشف النقاب عن سر الألباب، ص ١٨١.\n(^٤) شرح صلاة القطب، ص ١٥.\n(^٥) ينظر: مجموع الفتاوى ٢/ ٣٠٥.","vol":"1","page":758},{"text":"ويقول ابن تيمية - ﵀ -: \"ومن قال: إن لقول هؤلاء سرًّا خفيًّا وباطن حق وإنه من الحقائق التي لا يطلع عليها إلا خواص خواص الخلق فهو أحد رجلين -إمَّا أن يكون من كبار الزنادقة أهل الإلحاد والمحال، وإما أن يكون من كبار أهل الجهل والضلال، فالزنديق يجب قتله، والجاهل يعرَّف حقيقة الأمر، فإن أصرَّ على هذا الاعتقاد الباطل بعد قيام الحجة عليه وجب قتله.\nولكن لقولهم سرٌّ خفيٌّ وحقيقة باطنة لا يعرفها إلا خواص الخلق، وهذا السرُّ هو أشدُّ كفرًا وإلحادًا من ظاهره؛ فإن مذهبهم فيه دقة وغموض وخفاء، قد لا يفهمه كثير من الناس، ولهذا تجد كثيرًا من عوام أهل الدين والخير والعبادة ينشد قصيدة ابن الفارض، ويتواجد عليها ويعظمها، ظانًّا أنها من كلام أهل التوحيد والمعرفة، وهو لا يفهمها ولا يفهم مراد قائلها؛ وكذلك كلام هؤلاء يسمعه طوائف من المشهورين بالعلم والدين فلا يفهمون حقيقته فإمَّا أن يتوقفوا عنه أو يعبروا عن مذهبهم بعبارة من لم يفهم حقيقة، وإمَّا أن ينكروه إنكارًا مجملًا من غير معرفة بحقيقته ونحو ذلك، وهذا حال أكثر الخلق معهم.\nوأئمتهم إذا رأوا من لم يفهم حقيقة قولهم طمعوا فيه، وقالوا: هذا من علماء الرسوم، وأهل الظاهر، وأهل القشر، وقالوا: علمنا هذا لا يعرف إلا بالكشف والمشاهدة، وهذا يحتاج إلى شروط، وقالوا: ليس هذا عشك فادرج عنه، ونحو ذلك مما فيه تعظيم له وتشويق إليه، وتجهيل لمن لم يصل إليه، وإن رأوه عارفًا بقولهم نسبوه إلى أنه منهم، وقالوا: هو من كبار العارفين، وإذا أظهر الإنكار عليهم والتكفير قالوا: هذا قام بوصف الإنكار لتكميل المراتب والمجالي، وهكذا يقولون في الأنبياء ونهيهم عن عبادة الأصنام.","vol":"1","page":759},{"text":"وهذا كله وأمثاله مما رأيته وسمعته منهم، فضلالهم عظيم، وإفكهم كبير، وتلبيسهم شديد، والله تعالى يظهر ما أرسل به رسوله من الهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وكفى بالله شهيدًا، والله أعلم\" (^١).\nوهذا التوحيد الذي يشير إليه هؤلاء الملاحدة -هو وحدة الوجود- أمر ممتنع في نفسه لا يتصور تحققه في الخارج؛ فإن الوحدة العينية الشخصية تمتنع في الشيئين المتعددين، ولكن الوجود واحد في نوع الوجود بمعنى أن اسم الموجود اسم عام يتناول كل أحد كما أن اسم الجسم والإنسان ونحوهما يتناول كل جسم وكل إنسان وهذا الجسم ليس هو ذاك وهذا الإنسان ليس هو ذاك وكذلك هذا الوجود ليس هو ذاك (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-228>رابعًا: شبهات ابن عجيبة للدلالة على وحدة الوجود</span>\nقال ابن عجيبة: \"وفي القرآن تلويحات وإشارات إلى هذه المعاني اللطيفة، والأنوار الربانية، كقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ (^٣)، ولا يفهم هذه الأسرار إلا من خاض مقام الفناء والبقاء\" (^٤).\nوهذا من الباطل، قال ابن تيمية - ﵀ -: \"لم يرد به إنك أنت الله، وإنما أراد: أنك أنت رسول الله ومبلِّغ أمره ونهيه، فمن بايعك فقد بايع الله - ﷿ - كما أنَّ من أطاعك فقد أطاع الله، ولم يرد بذلك أنَّ الرسول هو الله؛ ولكن الرسول أمر بما أمر الله به، فمن أطاعه فقد أطاع الله، كما قال النبي - ﷺ -: «من أطاعني فقد أطاع الله،\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ٢/ ٣٨٧ - ٣٨٠.\n(^٢) ينظر: المرجع نفسه ٢/ ٣٥١.\n(^٣) سورة الفتح: ١٠.\n(^٤) شرح قصيدة يامن تعاظم، ص ١٣.","vol":"1","page":760},{"text":"ومن أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن عصى أميري فقد عصاني» (^١) ومعلومٌ أنَّ أميره ليس هو إيَّاه.\nومن ظنَّ في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ (^٢) أنَّ المراد به أنَّ فعلك هو فعل الله، أو المراد أنَّ الله حالٌّ فيك ونحو ذلك فهو -مع جهله وضلاله بل كفره وإلحاده- قد سلب الرسول خاصيته وجعله مثل غيره.\nوذلك أنه لو كان المراد به كون الله فاعلًا لفعلك لكان هذا قدرًا مشتركًا بينه وبين سائر الخلق، وكان من بايع أبا جهل فقد بايع الله، ومن بايع مسيلمة الكذَّاب فقد بايع الله، ومن بايع قادة الأحزاب فقد بايع الله، وعلى هذا التقدير فالمبايع هو الله أيضًا، فيكون الله قد بايع الله؛ إذ الله خالق لهذا ولهذا، وكذلك إذا قيل بمذهب أهل الحلول والوحدة والاتحاد فإنه عام عندهم في هذا وهذا، فيكون الله قد بايع الله، وهذا يقوله كثير من شيوخ هؤلاء الحلولية الاتحادية، حتى إنَّ أحدهم إذا أمر بقتال العدو يقول: أقاتل الله؟ ما أقدر أن أقاتل الله ونحو هذا الكلام الذي سمعناه من شيوخهم، وبينَّا فساده لهم وضلالهم فيه غير مرة\" (^٣).\nويستدل ابن عجيبة أيضًا بقوله الله تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ (^٤) (^٥).\nوهذا الاستدلال باطل، قال ابن تيمية - ﵀ -: \"لم يرد به أن فعل العبد هو فعل\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب الوصايا، باب يقاتل وراء الإمام ويُتقى به، ٢/ ٣٤٧، رقم ٢٩٥٦.\n(^٢) سورة الفتح: ١٠.\n(^٣) مجموع الفتاوى ٢/ ٣٣٣.\n(^٤) سورة الأنفال: ١٧.\n(^٥) ينظر: إيقاظ الهمم، ص ٦٩.","vol":"1","page":761},{"text":"الله تعالى -كما تظنُّه طائفة من الغالطين- فإن ذلك لو كان صحيحًا لكان ينبغي أن يقال لكلِّ أحد حتى يقال للماشي: ما مشيت إذ مشيت ولكن الله مشى، ويقال للراكب: وما ركبت إذ ركبت ولكن الله ركب، ويقال للمتكلِّم: ما تكلمت إذ تكلَّمت ولكن الله تكلم، ويقال مثل ذلك للآكل والشارب والصائم والمصلِّي ونحو ذلك، وطرد ذلك: يستلزم أن يقال للكافر: ما كفرت إذ كفرت ولكن الله كفر ويقال: للكاذب ما كذبت إذ كذبت ولكن الله كذب، ومن قال مثل هذا فهو كافرٌ ملحدٌ خارجٌ عن العقل والدين.\nولكن معنى الآية أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - يوم بدر رماهم ولم يكن في قدرته أن يوصل الرمي إلى جميعهم فإنه إذ رماهم بالتراب وقال: «شاهت الوجوه» (^١) لم يكن في قدرته أن يوصل ذلك إليهم كلهم فالله تعالى أوصل ذلك الرمي إليهم كلهم بقدرته، يقول: وما أوصلت إذ حذفت ولكن الله أوصل، فالرمي الذي أثبته له ليس هو الرمي الذي نفاه عنه؛ فإنَّ هذا مستلزم للجمع بين النقيضين بل نفى عنه الإيصال والتبليغ وأثبت له الحذف والإلقاء، وكذلك إذا رمى سهمًا فأوصله الله إلى العدو إيصالًا خارقًا للعادة كان الله هو الذي أوصله بقدرته ... فالقول بأنَّ الله خالق أفعال العباد حقٌّ والقول بأنَّ الخلق حالٌّ في المخلوق أو وجوده وجود المخلوق باطل، وهؤلاء ينتقلون من القول بتوحيد الربوبية إلى القول بالحلول والاتحاد وهذا عين الضلال والإلحاد\" (^٢).\nوكذلك استدل بما يذكرونه عن النَّبيِّ - ﷺ - أنه قال: «كان الله ولا شيء معه،\n_________\n(^١) أخرجه مسلم، كتاب الجهاد، باب غزوة حنين، ٣/ ١٤٠٢، رقم ١٧٧٧.\n(^٢) مجموع الفتاوى ٢/ ٣٣١.","vol":"1","page":762},{"text":"وهو الآن على ما عليه كان» (^١).\nوهذا كذبٌ مفترى على رسول الله - ﷺ -، اتفق أهل العلم بالحديث على أنه موضوعٌ مختلقٌ وليس هو في شيءٍ من دواوين الحديث لا كبارها، ولا صغارها، ولا رواه أحد من أهل العلم بإسنادٍ لا صحيح ولا ضعيف ولا بإسناد مجهول، وإنما تكلم بهذه الكلمة: بعض متأخري متكلمة الجهمية وقصدوا بها نفي الصفات عن الله - ﷿ - فتلقَّاها منهم هؤلاء الذين وصلوا إلى آخر التجهُّم بنفي وجود السوي (^٢).\nوهكذا ديدن أهل البدع يعتقدون ثم يستدلون، فاعتقدوا الباطل ثم استدلوا بالباطل.\nأما الحديث الثابت الصحيح فهو قول النبي - ﷺ -: «كان الله ولم يكن شيء قبله، وكان عرشه على الماء، ثم خلق السموات والأرض، وكتب في الذكر كل شيء» (^٣).\nوذكر في رواية أخرى: «كان الله ولم يكن شيء غيره» (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-229>خامسًا: حكم من اعتقد وحدة الوجود</span>\nبعد بيان آراء ابن عجيبة في وحدة الوجود، أصبح لزامًا بيان أقوال العلماء بحكمهم على من اعتقد بوحدة الوجود.\n_________\n(^١) إيقاظ الهمم، ص ٧٣، وينظر كذلك في من استدل بهذا: الفتوحات المكية، ١/ ١٨٩.\n(^٢) ينظر: مجموع الفتاوى ٢/ ٢٧٢.\n(^٣) أخرجه البخاري، كتاب التوحيد، باب ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾، ﴿وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾، ٤/ ٣٨٧، رقم ٧٤١٧.\n(^٤) أخرجه البخاري، كتاب بدء الخلق، باب ما جاء في قول الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ ٢/ ٤١٨، رقم ٣١٩١.","vol":"1","page":763},{"text":"فقد حكى القاضي عياض - ﵀ - إجماع المسلمين على كفر \"من ادعى مجالسة الله والعروج إليه ومكالمته أو حلوله في أحد الأشخاص، كقول بعض المتصوفة والباطنية والنصارى والقرامطة \" (^١).\nويقول عز الدين بن عبد السلام - ﵀ - (^٢): \"من زعم أنَّ الإله يحلُّ في شيءٍ من أجساد الناس أو غيرهم فهو كافر\" (^٣).\n\"وسئل والد الشيخ محمد الرملي (^٤) عن القائل بوحدة الوجود، فقال: يقتل هذا المرتد وترمى جيفته للكلاب؛ لأن قوله هذا لا يقبل تأويلًا، وكفره أشدُّ من كفر اليهود والنصارى\" (^٥).\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: \"وإذا كان عندهم أن المرئي بالعين هو الله فهذا كفرٌ صريحٌ باتفاق المسلمين ... ولا سيما إذا قيل: ظهر فيها وتجلَّى؛ فإنَّ اللفظ يصير مشتركًا بين أن تكون ذاته فيها أو تكون قد صارت بمنزلة المرآة التي يظهر فيها مثال المرئي، وكلاهما باطل، فإن ذات الله ليست في المخلوقات، ولا في نفس ذاته ترى المخلوقات كما يرى المرئي في المرآة\" (^٦).\nوقال الذهبي - ﵀ -: \"من طالع كتب هؤلاء علم علمًا ضروريًّا بأنهم اتحادية\n_________\n(^١) الشفا ٢/ ٦٠٦.\n(^٢) هو: العز بن عبد السلام بن أبي القاسم السلمي الدمشقي، فقيهٌ شافعيٌّ مجتهد، ولد سنة ٥٧٧ هـ، وتوفي بمصر يوم الاثنين ٢٥ جمادى الأولى، سنة ٦٦٠ هـ. ينظر: النجوم الزاهرة ٧/ ٢٠٨، الذيل على الروضتين، ص ٢١٦.\n(^٣) نقلًا من كتاب الحاوي، للسيوطي ٢/ ٢٤١.\n(^٤) هو: شهاب الدين أحمد بن أحمد بن حمزة الرملي الأنصاري، الشافعي، تلميذ القاضي زكريا، توفي في مصر سنة ٩٥٧ هـ. ينظر: الكواكب السائرة بأعيان المائة العاشرة ٣/ ١٠١، الأعلام ١/ ١٢٠.\n(^٥) الكشف عن حقيقة الصوفية، ص ٧٩.\n(^٦) مجموعة الرسائل والمسائل ٤/ ٢٩.","vol":"1","page":764},{"text":"مارقة من الدين\" (^١).\nوقال ابن القيم - ﵀ -: \"أعظم الخلق كفرًا وضلالًا من زعم أن ربه نفس وجود هذه الموجودات، وأن عين وجوده فاض عليها فاكتسبت عين وجوده، فاتخذت حجابًا من أعيانها، واكتسبت جلبابًا من وجوده، ولبَّس عليهم ما لبَّسوه على ضعفاء العقول والبصائر من عدم التفرقة بين وجود الحق سبحانه وإيجاده، وأن إيجاده هو الذي فاض عليها، وهو الذي اكتسته، وأمَّا وجوده فمختصٌّ به لا يشاركه فيه غيره، كما هو مختصٌّ بماهيته وصفاته، فهو بائن عن خلقه، والخلق بائنون عنه، فوجود ما سواه مخلوق كائن بعد أن لم يكن، حاصل بإيجاده له، فهو الذي أعطى كلَّ شيءٍ خلق، ووجوده المختص به، وبان بذاته وصفاته ووجوده عن خلقه\" (^٢).\n_________\n(^١) تاريخ الإسلام ٤٩/ ٢٨٧.\n(^٢) مدارج السالكين ٣/ ٤١٤.","vol":"1","page":765},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-230>الفصل الرابع: الأحوال والمقامات</span>\nوفيه ثلاث مباحث:\n\nالمبحث الأول: الأحوال\nالمبحث الثاني: المقامات\nالمبحث الثالث: الصلة بين الأحوال والمقامات","vol":"1","page":767},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-231>المبحث الأول: الأحوال</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-232>أولًا: تعريف الحال في اللغة والاصطلاح</span>\nلغة: \"حلَّ المكان، وبه يحل ... نزل به، كاحتلَّه، وبه فهو حالٌّ\" (^١)، والحال: \"نهاية الماضي وبداية المستقبل\" (^٢).\nاصطلاحًا: \"معنى يرد على القلب من غير تصنُّعٍ ولا اجتلابٍ ولا اكتساب\" (^٣).\nقال ابن عجيبة: \"الحال: معنى يرد على القلب من غير تعمُّدٍ ولا اجتلاب، ولا تسبُّبٍ ولا اكتساب\" (^٤).\nثم ذكر أنه قد يكون متسببًا في حصول الحال فقال: \"وقد يكتسب الحال بنوع تعمُّل، كحضور حلق الذكر، واستعمال السَّماع، وقد يطلب اكتسابه بخرق عوائد النفس حين يعتريها برودة وفتور، وفرق وكسل\" (^٥).\nوهذه الأحوال لا بدَّ من عرضها على الشرع فإن كانت موافقة له أُخذت وإلا طرحت.\nفالأحوال تنقسم إلى: حال رحماني، وحال شيطاني، وما يكون لهؤلاء من خرق عادة بمكاشفة وتصرُّف عجيب، فتارة يكون من جنس ما يكون للسَّحرة والكُهَّان، وتارة يكون من الرَّحمن من جنس ما يكون من أهل التقوى والإيمان من وجل القلب،\n_________\n(^١) القاموس المحيط، ص ١٢٧٤.\n(^٢) التعريفات، ص ١١٤.\n(^٣) التعريفات، ص ١١٤.\n(^٤) معراج التشوف، ص ٤٤.\n(^٥) المرجع نفسه، ص ٤٣.","vol":"1","page":769},{"text":"ودمع العين، واقشعرار الجسوم فهذه أفضل الأحوال التي نطق بها الكتاب والسُّنَّة (^١).\nومراد القوم من الواردات بيَّنه ابن عجيبة بقوله: \"الوارد نور إلهي، يقذفه الله في قلب من أحبَّ من عباده، وهي على ثلاثة أقسام: على حسب البداية، والوسط، والنهاية، أو تقول على حسب الطالبين، والسائرين، والواصلين.\nالقسم الأول: وارد الانتباه، وهو نور يخرجك من ظلمة الغفلة إلى نور اليقظة، وهو لأهل البداية من الطالبين، فإذا تيقَّظ من نومه وانتبه من غفلته استوى على قدمه طالبًا لربِّه، فيقبل عليه بقلبه وبقالبه، وينجمع عليه بكليته.\nوالقسم الثاني: وارد الإقبال، وهو نور يقذفه الله في قلب عبده، فيحركه لذكر مولاه، ويغيبه عمَّا سواه، فلا يزال مشتغلًا بذكره، غائبًا عن غيره، حتى يمتلئ القلب بالنور ويغيب عمَّا سوى المذكور، فلا يرى إلا النور، فيخرج من سجن الأغيار، ويتحرَّر من رقِّ الآثار.\nوالقسم الثالث: وارد الوصال، وهو نورٌ يستولي على قلب العبد ثم يستولي على ظاهره وباطنه، فيخرجه من سجن نفسه، ويغيب عن شهود حسِّه\" (^٢).\nبعد ذلك شرح القسم الثالث فقال: \"أي إنما أورد عليك وارد الوصال بعد أن أهب عليك نفحات الإقبال، ليخرجك من سجن رؤية وجودك إلى فضاء، أي اتساع شهودك لربك، فرؤيتك وجودك مانعة لك من شهود ربك، إذ محال أن تشهده وتشهد معه سواه، وجودك ذنب لا يقاس به\" (^٣).\n_________\n(^١) ينظر: مجموع الفتاوى ٢٢/ ٥٢١ - ٥٢٢.\n(^٢) إيقاظ الهمم، ص ١٢٥ - ١٢٦.\n(^٣) المرجع نفسه، ص ١٢٦.","vol":"1","page":770},{"text":"وعند التأمُّل في هذه الواردات، نجد أنها بعينها درجات الفناء، فناء عن وجود السوى، وفناء عن شهود السوى، وفناء عن عبادة السوى (^١).\n\"فالأول: هو فناء أهل الوحدة الملاحدة كما فسَّروا به كلام الحلاج، وهو أن يجعل الوجود وجودًا واحدًا.\nوأما الثاني: -وهو الفناء عن شهود السوى-، فهذا هو الذي يعرض لكثير من السالكين ... وهو مقام الاصطلام (^٢)، وهو أن يغيب بموجوده عن وجوده وبمعبوده عن عبادته وبمشهوده عن شهادته وبمذكوره عن ذكره فيفنى من لم يكن ويبقى من لم يزل ... \" (^٣).\nولهذا صارت الأحوال تتصف بالتحول وعدم الثبات؛ يقول ابن عجيبة: \"الفرق بين الحال والمقام: أن الحال يتحول فيذهب ويجيء، بخلاف المقام، فإنه رسوخ وتمكين\" (^٤).\nوبسبب الواردات التي ترد على السَّالك تجد القوم يكثر عندهم الشطح والمخالفات العقدية سواء بالجوارح أو اللسان.\nكما قال ابن عجيبة عن الأحوال: \"ويظهر آثاره على الجوارح قبل\n_________\n(^١) فهذا حال النبيين وأتباعهم وهو أن يفنى بعبادة الله عن عبادة ما سواه وبحبه عن حب ما سواه وبخشيته عن خشية ما سواه وبطاعته عن طاعة ما سواه وبالتوكل عليه عن التوكل على ما سواه؛ فهذا تحقيق توحيد الله وحده لا شريك له وهو الحنيفية ملة إبراهيم، ويدخل في هذا: أن يفنى عن اتباع هواه بطاعة الله فلا يحب إلا لله ولا يبغض إلا لله ولا يعطي إلا لله ولا يمنع إلا لله فهذا هو الفناء الديني الشرعي الذي بعث الله به رسله وأنزل به كتبه. ينظر: مجموع الفتاوى ٢/ ٣١٣.\n(^٢) الاصطلام: نعتُ وَلَهٍ يرد على القلب تحت سلطان القهر. ينظر: القاموس الصوفي، للمناوي ص ١٣.\n(^٣) مجموع الفتاوى ٢/ ٣١٣.\n(^٤) معراج التشوف، ص ٤٤.","vol":"1","page":771},{"text":"التمكين (^١)، من شطح ورقص، وسير وهيام، وهو أثر المحبة؛ لأنها تحرك الساكن أوَّلًا ثم تسكن وتطمئن، ولذا قيل فيها: أولها جنون، ووسطها فنون، وآخرها سكون\" (^٢).\nوإضافة إلى غموض رموز ومصطلحات الأحوال والمقامات إلا أن ابن عجيبة يرى بسرية الواردات التي ترد على السالك ولا يرى الإفصاح عنها.\nفيقول: \"إن هذه الواردات الإلهية والمواهب الاختصاصية أسرار من الكريم الغفَّار، لا يمنحها إلا لأهل الصيانة والأمانة، لا لأهل الإفشاء والخيانة\" (^٣).\nثم يقول أيضًا: \"إن هذه الأمور أذواق باطنية، وأسرار ربَّانية، لا يفهمها إلا أربابها، فذكرها لمن لا يفهمها ولا يذوقها جهل بقدرها، وأيضًا هي أماناتٌ وسرٌّ من أسرار الملك، وسرُّ الملك لا يحلُّ إفشاؤه، فمن أفشاه كان خائنًا، واستحق الطرد والعقوبة، ولا يصلح أن يكون أمينًا بعد ذلك، فكتم الأسرار من شأن الأخيار، وهتك الأسرار من شأن الأشرار\" (^٤).\nوسبب هذه الرموز والمصطلحات التي يستخدمها الصوفية في تعبيرهم عن الأحوال والمقامات خوفهم من أن تنكشف لغيرهم، وهذا تأويل منهم لتمرير الباطل والتلبيس على الناس، ولذلك يقال عن التصوف \"إنه علم الإشارة؛ لأن شاهدات القلوب ومكاشفات الأسرار لا يمكن التعبير عنها على التحقيق، بل تعلم بالمنازلات والمواجيد، ولا يعرفها إلا من نازل تلك الأحوال وحلَّ تلك المقامات\" (^٥).\n_________\n(^١) التمكين: صفة أهل الحقائق فما دام السالك في الطريق فهو صاحب تلوين يترقى من حال إلى أخرى ومن وصف إلى آخر، حتى إذا وصل واتصل غدا صاحب تمكين ومن أهل الحقائق. ينظر: الرسالة القشيرية ١/ ٢٥٢.\n(^٢) معراج التشوف، ص ٤٣.\n(^٣) إيقاظ الهمم، ص ١٥٦.\n(^٤) المرجع نفسه، ١٥٦.\n(^٥) التعرف لمذهب أهل التصوف، ص ١٠٦، وينظر: اليواقيت والجواهر ١/ ١٩.","vol":"1","page":772},{"text":"ولذلك تجدهم أصحاب تصوف ظاهر، وتصوف باطن، وهذا قولهم بأنفسهم، فالبوزيدي عدَّ صفات ابن عجيبة أمام أصحابه فقال: \"أحمد متصفٌ بالزُّهد والورع والتوكل والصبر والحلم والرضا والتسليم والشفقة والرحمة والسخاء والكرم، حتى عد اثني عشر مقامًا، فقال ابن عجيبة: يا سيدي هذا التصوف؟، فقال: هذا تصوف الظاهر وبقي تصوف الباطن، ستعرفه إن شاء الله ... ثم جعلت (^١) أزوره ببني زروال (^٢) حتى فتح الله علينا بالفتح الكبير\" (^٣).\nفهذه المقامات والأحوال ليست الهدف الأسمى الذي يسعى له الصوفية، بل هي وسيلة لمقصودهم للوصول إلى وحدة الوجود؛ لذلك اعتبروا الوقوف عند هذا الحد حجابًا وشغلًا عن الوصول إلى مقام الوحدة، ونصوص ابن عجيبة في هذا كثيرة، منها:\nقوله: \"شأن أهل الحجاب يُحبسون في المقامات والأحوال، تشغلهم حلاوة ذلك عن الله تعالى، فإذا فقدوا ذلك الحال أو المقام سلبوا وأفلسوا، وأهل الغنى بالله لا يقفون مع حال ولا مقام هم مع مولاهم\" (^٤)، ويقول أيضًا: \"وبقي حجابان آخران، إذا خرقهما العبد أفضى إلى مشاهدة المتكلِّم دون واسطة، أولهما: حجاب حلاوة الطاعة والمعاملة الظاهرة، والوقوف مع المقامات أو الكرامات فإنها عند العارفين سموم قاتلة\" (^٥).\n_________\n(^١) المقصود زيارة ابن عجيبة لشيخه وتردده عليه.\n(^٢) بنو زروال: من القبائل الجبلية الشهيرة بشمال المغرب، بربرية الأصل ثم تعربت تمامًا ولم يبق منها إلا الاسم شأن قبائل كثيرة بالمغرب، كدكالة، وتنقسم قبيلة زروال إلى خمس فخذات: بني إبراهيم، وبني مكة، وبني ملول وبو معان، وأولاد قاسم، يحدها شرقًا قبيلة كثامة، وغربًا قبيلة بنو مستارة، وجنوبًا قبائل سلاس. ينظر: قبيلة بني زروال، ص ٨ - ٩.\n(^٣) الفهرسة، ص ٤٦.\n(^٤) البحر المديد ١/ ٥٧٠.\n(^٥) المرجع نفسه ٢/ ١٠٩.","vol":"1","page":773},{"text":"وقال أيضًا: \"فإن حلاوة الطاعة سموم قاتلة، يمنع الوقوف معها من الترقِّي إلى حلاوة الشُّهود ولذة المعرفة ... \" (^١).\nفعندما يتكلمون بالتصوف الظاهر فهم يريدون التلبيس على الناس؛ لكي يُظن بهم أنهم على حقٍّ وأنهم موافقون لعموم المسلمين من تفسيرهم للأحوال التي تعرف عند المسلمين بأعمال القلوب، ومثال قول ابن عجيبة عن مفهوم الصبر، يتبين مراد القوم، فعندما عرفه قال بأنه: \"حبس القلب على حكم الرب\" (^٢).\nوهذا جيِّدٌ؛ إذ هو يوافق معنى الصبر المتعارف عليه بأنه حبس النفس عن الجزع (^٣).\nوالصبر على المصائب واجب (^٤).\nوعند تقسيمه للصبر يظهر مدى تأثره بعقيدة وحدة الوجود.\nفقال: \"صبر العامة: حبس القلب على مشاق الطاعات ورفض المخالفات، وصبر الخاصة: حبس النفس على الرياضات، والمجاهدات، وارتكاب الأهوال في سلوك طريقة الأحوال، مع مراقبة القلب في دوام الحضور، وطلب رفع الستور، وصبر خاصة الخاصة: حبس الروح أو السر في المشاهدات والمعاينات، أو دوام النظر والعكوف في الحضرة\" (^٥).\nأمَّا الصبر على طاعة الله، والصبر على امتحان الله، والصبر عن معصية الله فعند الصوفية تقسيم العوام.\n_________\n(^١) البحر المديد ٥/ ٣١٢.\n(^٢) معراج التشوف، ص ٢٠.\n(^٣) ينظر: مجموع الفتاوى ١٧/ ٢٣٣.\n(^٤) مجموع الفتاوى ٨/ ١٩١.\n(^٥) معراج التشوف، ص ٢٠.","vol":"1","page":774},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-233>ثانيًا: أمثلة على الأحوال</span>\nأ- القبض والبسط.\nقال ابن عجيبة: \"البسط: فرحٌ يعتري القلوب أو الأرواح، إمَّا بسبب قرب شهود الحبيب، أو شهود جماله، أو بكشف الحجاب عن أوصاف كماله، وتجلِّي ذاته، أو بغير سبب\" (^١).\nوقال عن القبض: \"حزنٌ وضيقٌ يعتري القلب، إمَّا بسبب فوات مرغوب، أو عدم حصول مطلوب، أو بغير سبب\" (^٢).\nثم يذكر بعد ذلك من ثمرات القبض والبسط: \"يفتح لك الباب ويرفع بينك وبينه الحجاب، فتتنزه في كمال الذات، وشهود الصفات، فتغيب عن أثر الجلال والجمال بشهود الكبير المتعال، فلا جلاله يحجبك عن جماله، ولا جماله يحجبك عن جلاله، ولا ذاته تحبسك عن صفاته، ولا صفاته تحبسك عن ذاته، تشهد جماله في جلاله، وجلاله في جماله، وتشهد ذاته في صفاته، وصفاته في ذاته\" (^٣).\nلقد أدخل ابن عجيبة عبارات ومعانيَ محدثة لأعمال القلوب وسيلتها الوصول إلى المكاشفة، ومعرفة الغيب، ووحدة الوجود، والحلول والاتحاد، ثم يعتذر لأصحاب الشطحات بأنهم فنوا (^٤) وغابوا في شهود الجلال والجمال، واعتبروا العوام دون الخاصة في الأعمال الباطنة، قال ابن تيمية - ﵀ -: \"وهذه الأعمال الباطنة كمحبة الله\n_________\n(^١) إيقاظ الهمم، ص ١٧٢.\n(^٢) المرجع نفسه، ص ١٧٢، وينظر: معراج التشوف، ص ٤٥، ومعجم اصطلاحات الصوفية، ص ١٠٦.\n(^٣) إيقاظ الهمم، ص ١٧٣.\n(^٤) ينظر: ردود ابن تيمية بقولهم في الفناء ١٠/ ٢١٨، ٢٢٢، والذي سبق بيانه، ص ٧٠٥ - ٧٠٧.","vol":"1","page":775},{"text":"والإخلاص له والتوكل عليه والرضا عنه ونحو ذلك كلها مأمور بها في حق الخاصة والعامة لا يكون تركها محمودًا في حال أحد وإن ارتقى مقامه ... وهي حسنة محبوبة في حق كل أحد من النبيين والصدِّيقين والشهداء والصالحين، ومن قال إن هذه المقامات تكون للعامة دون الخاصة فقد غلط في ذلك إن أراد خروج الخاصة عنها، فإن هذه لا يخرج عنها مؤمنٌ قط وإنما يخرج عنها كافر أو منافق\" (^١).\nوقال ابن القيم - ﵀ -: \"إنَّ دعوى المدعى أَنَّها من منازل العوام ودعوى أنها معلولة غلط من وجهين:\nأحدهما: أَنَّ أعلى المقامات مقرون بأدناها مصاحب له كما تقدَّم، متضمِّن له تضمن الكل لجزئه، أو مستلزم له استلزام الملزوم للازمه لا ينفك عنه أبدًا، ولكن لاندراجه فيه وانطواءِ حكمه تحته يصير المشهد والحكم للعالي.\nالوجه الثاني: أن تلك المقامات والمنازل إِنما تكون في منازل العوام وتعرض لها العلل بحسب متعلقاتها وغاياتها، فإِن كان متعلقها وغاياتها بريئًا من شوائب العلل وهو أجلُّ متعلّق وأَعظمه، فلا علة فيها بحال، وهي من منازل الخواص من جهة تعلقها بحظه ... \" (^٢).\nوزعم هؤلاء القوم بإسقاط التدبير (^٣) عن الخواص الذين فنوا في أفعال الله، وغابوا عن كل شيء، واستوى عندهم كل شيء، \"فلا تغيرهم واردات الأحوال؛ لأنهم بالله ولله لا لشيءٍ سواه\" (^٤)، فلم يقفوا مع حال ولا مقام.\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ١٠/ ١٦ - ١٧.\n(^٢) طريق الهجرتين، ص ٢١٩.\n(^٣) وهذا أدى إلى ضلالهم في باب القدر بإسقاط التدبير والاختيار عن العبد.\n(^٤) إيقاظ الهمم، ص ١٧٢ - ١٧٣.","vol":"1","page":776},{"text":"وفنَّد ابن تيمية هذه الشبهة بقوله: \"وبعض من تكلَّم في علل المقامات، جعل الحب، والرضا، والخوف، والرجاء من مقامات العامة، بناءً على مشاهدة القدر، وأنَّ من شهد القدر فشهد توحيد الأفعال حتى فني من لم يكن، وبقي من لم يزل، يخرج عن هذه الأمور وهذا كلام مستدرك حقيقة وشرعًا، أمَّا الحقيقة فإنَّ الحي لا يتصور أن لا يكون حساسًا محبًّا لما يلائمه مبغضًا لما ينافره، ومن قال إنَّ الحي يستوي عنده جميع المقدورات فهو أحد رجلين: إمَّا أنه لا يتصور ما يقول بل هو جاهل، وإمَّا أنه مكابر معاند، ولو قدر أنَّ الإنسان حصل له حال أزال عقله -سواء سمي اصطلامًا أو محوًا أو فناءً أو غشيًا أو ضعفًا- فهذا لم يسقط إحساس نفسه بالكلية بل له إحساس بما يلائمه وما ينافره وإن سقط إحساسه ببعض الأشياء فإنه لم يسقط بجميعها، فمن زعم أنَّ المشاهد لتوحيد الربوبية يدخل إلى مقام الجمع والفناء فلا يشهد فرقًا فإنه غالط بل لا بدَّ من الفرق فإنه أمر ضروري لكن إذا خرج عن الفرق الشرعي بقي في الفرق الطبعي فيبقى متبعًا لهواه لا مطيعًا لمولاه\" (^١).\nفليس لهم عذر في أحوالهم التي غلبت عليهم فظهرت منهم شطحات وأقوال، وأفعال منكرات، فظنَّ المخدوعون بهم أنهم أولياء.\nقال ابن تيمية - ﵀ -: \"وليس لله وليٌّ إلا من اتبعه باطنًا وظاهرًا فصدَّقه فيما أخبر به من الغيوب والتزم طاعته فيما فرض على الخلق من أداء الواجبات وترك المحرمات، فمن لم يكن له مصدقًا فيما أخبر ملتزمًا طاعته فيما أوجب وأمر به في الأمور الباطنة التي في القلوب والأعمال الظاهرة التي على الأبدان لم يكن مؤمنًا فضلًا عن أن يكون وليًّا لله، ولو حصل له من خوارق العادات ماذا عسى أن\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ١٠/ ٢٤٢.","vol":"1","page":777},{"text":"يحصل ... لكن من ليس بمكلَّف من الأطفال والمجانين قد رفع القلم عنهم فلا يعاقبون وليس لهم من الإيمان بالله وتقواه باطنًا وظاهرًا ما يكونون به من أولياء الله المتقين وحزبه المفلحين\" (^١).\nوبهذا خالفوا أهل السُّنَّة والجماعة وما عليه سلف الأُمَّة \"فكلُّ هؤلاء محجوبون عن معرفة مقادير السَّلف، وعن عمق علومهم، وقلِّة تكلُّفهم، وكمال بصائرهم، وتالله ما امتاز عنهم المتأخرون إلا بالتكلُّف والاشتغال بالأطراف التي كانت همة القوم مراعاة أصولها، وضبط قواعدها، وشد معاقدها، وهممهم مشمِّرة إلى المطالب العالية في كلِّ شيء، فالمتأخرون في شأن والقوم في شأن\" (^٢).\nب- حال الوقت:\nقال ابن عجيبة: \"الوقت قد يطلقونه على ما يكون العبد عليه في الحال من قبضٍ وبسطٍ أو حزنٍ أو سرور\" (^٣).\nثم شرحه بقوله: \"وهو إقامته حيث أقامه الله - ﷿ - ... فإذا أقامه الله - ﷿ - في حالة من الأحوال فلا يستحقرها، ويطلب الخروج منها إلى حالة أخرى، فلو أراد الحق أن يخرجه من تلك الحالة ويستعمله فيما سواها لاستعمله من غير أن يطلب منه أن يخرجه، بل يمكث على ما أقامه فيه الحق تعالى، حتى يكون هو الذي يتولى إخراجه، كما تولى إدخاله\" (^٤).\nوضرب أمثَّله على ذلك فقال: \"إذا كان أعزب لا يتمنَّى التزويج، وإذا كان\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ١٠/ ٤٣١، ٣٨٣.\n(^٢) مدارج السالكين ١/ ١٥٦.\n(^٣) معراج التشوف، ص ٤٣.\n(^٤) إيقاظ الهمم، ص ٨١.","vol":"1","page":778},{"text":"ذليلًا لا يتمنَّى العز، وإذا كان فقيرًا لا يتمنَّى الغنى، ... وإذا كان قويًّا لا يتمنَّى الضعف، وهكذا باقي الأحوال ينظر الله ما يفعل الله به، ولا ينظر ما يفعل بنفسه لتحقق زواله، بل يكون كالميت بين يدي الغاسل، أو كالقلم بين الأصابع\" (^١).\nوهذا كله باطل، فنحن مأمورون بالتحاكم لكتاب الله - ﷿ -، لا إلى الوقت، ومراد القوم من هذا ألا يكون للعبد إرادة أبدًا، بل هو خاضعٌ لحكم الوقت، وترتب عليه لو عمل أحدهم طاعة سواء واجبة أو مندوبة لا يقتضيها حكم الوقت الذي هو فيه فقد خرج عن دائرة العبادة وفعل فعلًا اتباعًا لما أملت عليه نفسه.\nولذلك نبذوا اتخاذ الأسباب وراء ظهورهم، وظنُّوا أنهم مؤمنون بالقدر على الوجه المقصود.\nقال ابن تيمية - ﵀ -: \"آمنوا بالقدر، وظنُّوا أن ذلك كافٍ في حصول المقصود، فأعرضوا عن الأسباب الشرعية، والأعمال الصالحة، وهؤلاء يؤول بهم الأمر إلى أن يكفروا بكتب الله ورسله ودينه\" (^٢).\nولهذا لا بدَّ من معرفة الموقف الشرعي للتعامل مع الأسباب، قال ابن تيمية - ﵀ -: \"فمن أعرض عن الأمر والنهي والوعد والوعيد ناظرًا إلى القدر فقد ضلَّ، ومن طلب القيام بالأمر والنهي معرضًا عن القدر فقد ضل، بل المؤمن كما قال تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (^٣) فنعبده اتباعًا للأمر ونستعينه إيمانًا بالقدر، وفي الحديث الصحيح عن النَّبيِّ - ﷺ - أنه قال: «المؤمن القويُّ خيرٌ وأحبُّ إلى الله من\n_________\n(^١) إيقاظ الهمم، ص ٨١.\n(^٢) مجموع الفتاوى ٨/ ٧١.\n(^٣) سورة الفاتحة: ٥.","vol":"1","page":779},{"text":"المؤمن الضعيف، وفي كلٍّ خير، احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت لكان كذا وكذا ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل، فإنَّ لو تفتح عمل الشيطان» (^١)، فأمره النَّبيُّ - ﷺ - بشيئين: أن يحرص على ما ينفعه وهو امتثال الأمر وهو العبادة وهو طاعة الله ورسوله وأن يستعين بالله وهو يتضمَّن الإيمان بالقدر، أنه لا حول ولا قوة إلا بالله، وأنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن (^٢).\nومن زعم أن ليس له إرادة بل هو في حكم الوقت فهو كاذبٌ ومخالفٌ لشرع الله - ﷿ -.\nقال ابن تيمية - ﵀ -: \"أما خلو الإنسان عن الإرادة مطلقًا فممتنع؛ فإنه مفطورٌ على إرادة ما لا بدَّ له منه وعلى كراهة ما يضره ويؤذيه، والزاهد الناسك إذا كان مسلمًا فلا بدَّ أن يريد أشياء يحبها الله، مثل أداء الفرائض، وترك المحارم، بل وكذلك عموم المؤمنين لا بدَّ أن يريد أحدهم أشياء يحبها الله، وإلا فمن لم يحب الله ولا أحب شيئًا لله فلم يحب شيئًا من الطاعات لا الشهادتين ولا غيرهما، ولا يريد ذلك فإنه لا يكون مؤمنًا فلا بدَّ لكلِّ مؤمن من أن تكون له إرادة لبعض ما يحبه الله ...\nوأما الخلو عن الإرادتين المحمودة والمذمومة فيقع على وجهين:\nالوجه الأول: مع إعراض العبد عن عبادة الله تعالى وطاعته وإن علم بها فإنه قد يعلم كثيرًا من الأمور أنه مأمور بها وهو لا يريدها ولا يكره من غيره فعلها، وإذا\n_________\n(^١) أخرجه مسلم، كتاب القدر، باب في الأمر بالقوة وترك العجز والاستعانة بالله وتفويض المقادير لله، ٤/ ٢٠٥٢، رقم ٢٦٦٤.\n(^٢) مجموع الفتاوى ٨/ ٣٧.","vol":"1","page":780},{"text":"اقتتل المسلمون والكفَّار لم يكن مريدًا لانتصار هؤلاء الذي يحبه الله ولا لانتصار هؤلاء الذي يبغضه الله.\nوالوجه الثاني: يقع من كثير من الزُّهَّاد العُبَّاد الممتثلين لما يعلمون أن الله أمر به، المجتنبين لما يعلمون أنَّ الله نهى عنه، وأمور أخرى لا يعلمون أنها مأمور بها، ولا منهي عنها، فلا يريدونها ولا يكرهونها؛ لعدم العلم، وقد يرضونها من جهة كونها مخلوقة مقدَّرة، وقد يعاونون عليها ويرون هذا موافقة لله وأنهم لما خلوا عن هوى النفس كانوا مأمورين بالرضا بكلِّ حادث، بل والمعاونة عليه، وهذا موضعٌ يقع فيه الغلط، فإنَّ ما أحبَّه الله ورسوله علينا أن نحبَّ ما أحبه الله ورسوله، وما أبغضه الله ورسوله فعلينا أن نبغض ما أبغضه الله ورسوله، وأمَّا ما لا يحبه الله ورسوله ولا يبغضه الله ورسوله كالأفعال التي لا تكليف فيها، مثل أفعال النائم والمجنون فهذا إذا كان الله لا يحبها ويرضاها ولا يكرهها ويذمها فالمؤمن أيضًا لا ينبغي أن يحبها ويرضاها ولا يكرهها.\nوأمَّا كونها مقدورة ومخلوقة لله فذاك لا يختصُّ بها بل هو شاملٌ لجميع المخلوقات، والله تعالى خلق ما خلقه لما شاء من حكمته، وقد أحسن كل شيءٍ خلقه ... وقول من قال: (إنَّ العبد يكون مع الله كالميت مع الغاسل) لا يصح ولا يسوغ على الإطلاق عن أحد من المسلمين وإنما يقال ذلك في بعض المواضع، ومع هذا فإنما ذلك لخفاء أمر الله عليه وإلا فإذا علم ما أمر الله به وأحبه فلا بدَّ أن يحب ما أحبَّه الله ويبغض ما أبغضه\" (^١).\nوكل من نظر بعين الإنصاف في تلك الأمثلة التي ضربها ابن عجيبة تعجَّب من تركهم لسنن المرسلين بحجة حكم الوقت الذي فيه المريد.\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ١٠/ ٤٨١، ٤٨٥.","vol":"1","page":781},{"text":"قال تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ (^١).\nوقال - ﷺ -: «أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلِّي وأرقد، وأتزوج النساء فمن رغب عن سُنَّتي فليس منِّي» (^٢).\nولقد أوضح الفقهاء حكم النكاح، قال ابن قدامة المقدسي - ﵀ -: \"والناس في النكاح على ثلاثة أضرب: منهم من يخاف على نفسه الوقوع في محظور إن ترك النكاح، فهذا يجب عليه النكاح في قول عامَّة الفقهاء؛ لأنه يلزمه إعفاف نفسه، وصونها عن الحرام، وطريقه النكاح.\nالثاني: من يستحب له، وهو من له شهوة يأمن معها الوقوع في محظور، فهذا الاشتغال له به أولى من التخلِّي لنوافل العبادة، وهو قول أصحاب الرأي، وهو ظاهر قول الصحابة - ﵃ - وفعلهم، قال ابن مسعود: لو لم يبق من أجلي إلا عشرة أيام، وأعلم أنِّي أموت في آخرها يومًا، ولي طول النكاح فيهن، لتزوجت مخافة الفتنة.\nوالثالث: من لا شهوة له، إمَّا لأنه لم يخلق له شهوة كالعنِّين، أو كانت له شهوة فذهبت بكبر أو مرض ونحوه، ففيه وجهان، أحدهما: يستحب له النكاح؛ لعموم ما ذكرنا، والثاني: التخلِّي له أفضل؛ لأنه لا يحصل مصالح النكاح، ويمنع زوجته من التحصين بغيره، ويضرُّ بها، ويحبسها على نفسه، ويعرض نفسه لواجبات وحقوق لعله لا يتمكن من القيام بها، ويشتغل عن العلم والعبادة بما لا فائدة فيه، والأخبار تحمل على من له شهوة؛ لما فيها من القرائن الدالة عليها\" (^٣).\n_________\n(^١) سورة النساء: ٣.\n(^٢) أخرج البخاري، كتاب النكاح، باب الترغيب في النكاح، ٣/ ٣٥٤، رقم ٥٠٣٦.\n(^٣) المغني ٦/ ٤٤٦ - ٤٤٨.","vol":"1","page":782},{"text":"ويقول ابن تيمية - ﵀ -: \"وهذا هو الذي أدخل كثيرًا منهم في الرهبانية والخروج عن الشريعة حتى تركوا من الأكل والشرب واللباس والنكاح ما يحتاجون إليه وما لا تتم مصلحة دينهم إلا به ... فلازموا من الجوع والسَّهر والخلوة والصمت وغير ذلك مما فيه ترك الحظوظ واحتمال المشاق ما أوقعهم في ترك واجبات ومستحبات وفعل مكروهات ومحرَّمات\" (^١).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ١٠/ ٧١٥.","vol":"1","page":783},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-234>المبحث الثاني: المقامات</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-235>أولًا: تعريف المقام</span>\nلغة: \"الإقامة والمقام بالفتح: مصدر قام يقوم مقامًا، والمقام أيضًا موضع القيام\" (^١)، \"وأقام الشيء: أي أدامه، من قوله تعالى: ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ (^٢)، والمُقامة بالضم: الإقامة، والمَقامة بالفتح: المجلس، والجماعة من النَّاس، وأمَّا المَقام والمُقام فقد يكون كلُّ واحدٍ منهما بمعنى الإقامة وقد يكون بمعنى موضع القيام\" (^٣).\nاصطلاحًا: \"عبارة عمَّا يُتوصَّل إليه بنوع تصرُّف، ويتحقق به بضرب تطلُّب، ومقاساة تكلُّف، فمقام كلِّ واحدٍ موضع إقامته عند ذلك\" (^٤).\nوعرَّفه ابن عجيبة بقوله: \"وأمَّا المقام، فهو ما يتحقق العبد بمنازلته واجتهاد من الأدب، وما يتمكَّن فيه من مقامات اليقين بتكسُّبٍ وتطلُّب، فمقام كلِّ أحدٍ موضعُ إقامته\" (^٥).\nووضع ابن عجيبة فروقًا للمقامات والأحوال، فقال: \"الأحوال مواهب، والمقامات مكاسب\" (^٦)، ويقول أيضًا: \"الفرق بين الحال والمقام أنَّ الحال يتحوَّل فيذهب ويجيء، بخلاف المقام فإنَّه رسوخٌ وتمكين\" (^٧).\n_________\n(^١) الفروق اللغوية، ص ٣٠٧.\n(^٢) سورة البقرة: ٣.\n(^٣) الصحاح في اللغة ٥/ ٢٠١٧.\n(^٤) التعريفات، ص ٢٨٢.\n(^٥) معراج التشوف، ص ٤٤.\n(^٦) إيقاظ الهمم، ص ١١٦.\n(^٧) الفتوحات الإلهية، ص ١٦٥.","vol":"1","page":784},{"text":"ومقصود الصوفية من المقامات هي المراحل التي يسلكها السالك في العبادات.\nقال ابن عجيبة: \"فمقامات اليقين ينزل فيها الفقير أوَّلًا بالحال، ثم تصير مقامًا ... فلا بدَّ أن يكون سلك مقام الزهد حالًا، ثم مقامًا، وكذلك الورع والرضا، والتسليم، والمراقبة والمشاهدة\" (^١).\n\"فإن قيل ما معنى المقامات؟ يقال: معناه مقام العبد بين يدي الله - ﷿ - فيما يقام فيه من العبادات والمجاهدات والرياضات والانقطاع إلى الله - ﷿ - \" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-236>ثانيًا: تعيين المقامات والأحوال</span>\nرغم شهرة الأحوال والمقامات عند القوم إلا أنهم لم يتفقوا على تعيينها، فظهر الاختلاف في تعيين المقامات والأحوال، قال ابن عجيبة: \"وقد يطلق الحال على المقام، فيقال فلان صار عند الشهود مثلًا حالًا\" (^٣).\nوعدَّ ابن عجيبة خمسة عشر مقامًا منها: \"التوبة، والتقوى، والاستقامة، والزهد، والورع، والخوف، والرجاء، ... \" (^٤).\nوقيل هي تسعة: \"التوبة، والزهد، والصبر، والشكر، والخوف، والرضا، والرجاء، والتوكل، والمحبة\" (^٥).\nوقد بيَّن ابن القيم - ﵀ - اختلاف القوم في تعيين المقامات فقال: \"ولأرباب\n_________\n(^١) الفتوحات الإلهية، ص ٣٥٥ - ٣٥٦.\n(^٢) اللمع، ص ٦٥.\n(^٣) معراج التشوف، ص ٤٤.\n(^٤) إيقاظ الهمم، ص ٣١٩، معراج التشوف، ص ١٧ - ٢٥.\n(^٥) ينظر: التنوير في إسقاط التدبير، لابن عطاء، ص ٥٢ - ٥٣.","vol":"1","page":785},{"text":"السلوك اختلاف كثير في عدد المقامات وترتيبها، كلٌّ يصف منازل سيره، وحال سلوكه، ولهم اختلاف في بعض منازل السير هل هي من قسم الأحوال؟ والفرق بينهما: أنَّ المقامات كسبية، والأحوال وهبية، ومنهم من يقول: الأحوال من نتائج المقامات، والمقامات نتائج الأعمال، فكلُّ من كان أصلح عملًا كان أعلى مقاما، وكلُّ من كان أعلى مقامًا كان أعظم حالًا ... والصحيح في هذا أن الواردات والمنازلات لها أسماء باعتبار أحوالها، فتكون لوامع وبوارق ولوائح عند أول ظهورها وبدوها، كما يلمع البارق ويلوح عن بعد، فإذا نازلته وباشرها فهي أحوال، فإذا تمكَّنت منه وثبتت له من غير انتقال فهي مقامات، وهي لوامع ولوائح في أولها، وأحوال في أوسطها، ومقامات في نهاياتها، فالذي كان بارقًا هو بعينه الحال، والذي كان حالًا هو بعينه المقام، وهذه الأسماء له باعتبار تعلقه بالقلب، وظهوره له، وثباته فيه، وقد ينسلخ السَّالك من مقامه كما ينسلخ من الثوب، وينزل إلى ما دونه، ثم قد يعود إليه، وقد لا يعود\" (^١).\nوكذلك ردَّ عليهم ابن القيم في دعوى وجوب ترتيب المقامات فقال: \"على أنَّ الترتيب الذي يشير إليه كلُّ مرتب للمنازل لا يخلو عن تحكُّم، ودعوى من غير مطابقة، فإنَّ العبد إذا التزم عقد الإسلام، ودخل فيه كله، فقد التزم لوازمه الظاهرة والباطنة، ومقاماته وأحواله، وله في كل عقد من عقوده وواجب من واجباته أحوال ومقامات، لا يكون موفيًا لذلك العقد والواجب إلا بها، وكُلَّما وفى واجبًا أشرف على واجب آخر بعده، وكلما قطع منزلة استقبل أخرى، وقد يعرض له أعلى المقامات والأحوال في أول بداية سيره، فينفتح عليه من حال المحبة والرضا والأنس\n_________\n(^١) مدارج السالكين ١/ ١٥١ - ١٥٢.","vol":"1","page":786},{"text":"والطمأنينة ما لم يحصل بعد لسالك في نهايته، ويحتاج هذا السالك في نهايته إلى أمور من البصيرة، والتوبة، والمحاسبة أعظم من حاجة صاحب البداية إليها، فليس في ذلك ترتيب كُليٌّ لازم للسلوك\" (^١).\nوأوضح - ﵀ - أنَّ المتأخرين من المتصوفة خالفوا المتقدمين في الطريقة يقول: \"فالأولى الكلام في هذه المقامات على طريق المتقدمين من أئمة القوم كلامًا مطلقًا في كلِّ مقام مقام، ببيان حقيقته وموجبه، وآفته المانعة من حصوله، والقاطع عنه، وذكر عامه وخاصه، فكلام أئمة الطريق هو على هذا المنهاج ... فإنهم تكلموا على أعمال القلوب، وعلى الأحوال كلامًا مفصلًا جامعًا مبيّنًا مطلقًا من غير ترتيب، ولا حصر للمقامات بعدد معلوم، فإنهم كانوا أجلَّ من هذا، وهمهم أعلى وأشرف، إنما هم حائمون على اقتباس الحكمة والمعرفة، وطهارة القلوب، وزكاة النفوس، وتصحيح المعاملة، ولهذا كلامهم قليل، فيه البركة، وكلام المتأخرين كثير طويل قليل البركة\" (^٢).\nأما عقيدة أهل السُّنَّة فتوجب الجمع بين المقامات، ليس كما قال ابن عجيبة: \"ألا يترقى مقامًا حتى يستوفي أحكامه\" (^٣).\nقال ابن القيم - ﵀ -: \"كلُّ مقام مع الذى فوقه، كالتوكل مع الرضا، وكالخوف والرجاء مع الحب، فإِنَّ المقام لا ينعدم بالترقي إلى الآخر ولو عدم لخلفه ضده؛ وذلك رجوع إلى نقص الطبيعة وصفات النفس المذمومة، وإِنما يندرج حكمه في المقام الذى أعلى منه، فيصير الحكم له كما يندرج مقام المتوكل في مقام المحبة والرضا، وليس هذا كمنازل سير الأبدان الذى إذا قطع منها منزلًا خلَّفه وراءَ ظهره واستقبل المنزل الآخر معرضًا عن الأَول بارتحاله\" (^٤).\n_________\n(^١) مدارج السالكين ١/ ١٥٨.\n(^٢) المرجع نفسه ١/ ١٥٨.\n(^٣) الفتوحات الإلهية، ص ٩٥.\n(^٤) طريق الهجرتين، ص ٢١٩.","vol":"1","page":787},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-237>ثالثًا: أمثلة على المقامات</span>\nأ- الشُّكر:\nقسَّمه ابن عجيبة إلى ثلاثة أقسام فيقول: \"واعلم أنَّ الناس في الشُّكر على ثلاث درجات: عوام، وخواص، وخواص الخواص، فشكر العوام على النعم فقط، وشكر الخواص على النعم والنقم، وشكر خواص الخواص: الغيبة (^١) في المنعم عن شهود النعم والنقم\" (^٢).\nوهذا انحراف عن المفهوم الصحيح للشكر والذي بيَّنه العلماء المحققون.\nقال ابن القيم - ﵀ -: \"منزلة الشكر وهي من أعلى المنازل، وهي فوق منزلة الرضا وزيادة، فالرضا مندرج في الشكر، إذ يستحيل وجود الشكر بدونه، وهو نصف الإيمان ... والإيمان نصفان: نصف شكر، ونصف صبر، وقد أمر الله به، ونهى عن ضده، وأثنى على أهله، ووصف به خواص خلقه، وجعله غاية خلقه وأمره، ووعد أهله بأحسن جزائه، وجعله سببًا للمزيد من فضله، وحارسًا وحافظًا لنعمته\" (^٣).\nوابن عجيبة يعتبره من مقام العوام، بل جعل مقام الفناء فوقه، فيا عجبًا! \"أي مقام أرفع من الشكر، الذي يندرج فيه جميع مقامات الإيمان، حتى المحبة والرضا والتوكل وغيرها، فإنَّ الشكر لا يصح إلا بعد حصولها، وتالله ليس لخواص أولياء الله وأهل القرب منه سبيل أرفع من الشكر، ولا أعلى\" (^٤).\n_________\n(^١) الغيبة: من الأحوال المرادفة للفناء والبقاء، وهي: \"غيبة القلب عن علم ما يجري من أحوال الخلق بما يرد عليه من الحق، ثم قد يغيب عن غيره فقط، وقد يغيب عن غيره وعن نفسه أيضًا إذا عظم الوارد\". حدائق الحقائق، ص ٣٠٧.\n(^٢) إيقاظ الهمم، ص ١٤٣ - ١٤٤.\n(^٣) مدارج السالكين ٢/ ٢٥٢.\n(^٤) المرجع نفسه ٢/ ٢٥٩.","vol":"1","page":788},{"text":"\"ولكن أصحاب الفناء كلهم يرون أن فوق هذا مقامًا أجل منه وأعلى؛ لأنَّ الشكر عندهم يتضمَّن نوع دعوى، وأنه شكر الحق على إنعامه، ففي الشاكر بقية من بقايا رسمه لم يتخلص عنها ويفرغ منها، فلو فني عنها بتحقيقه أن الحق سبحانه هو الذي شكر نفسه بنفسه، وأن من لم يكن كيف يشكر من لم يزل، علم أن الشكر من منازل العامة\" (^١).\nوردَّ عليهم ابن القيم بقوله: \"فأمَّا تضمن الشكر لنوع دعوى فإن أريد بهذه الدعوى إضافة العبد الفعل إلى نفسه، وأنه كان به وغاب بذلك عن كونه بحول الله وقوته، ومنَّته على عبده فلعمر الله هذه علة مؤثِّرة ودعوى باطلة كاذبة.\nوإن أريد: أن شهوده لشكره شهوده لنعمة الله عليه به وتوفيقه له فيه وإذنه له به ومشيئته عليه ومنَّته، فشهد عبوديته وقيامه بها، وكونها بالله، فأي دعوى في هذا؟ وأي علة؟ نعم غايته أنه لا يجامع الفناء، ولا يخوض تياره فكان ماذا؟ فأنتم جعلتم الفناء غاية، فأوجب لكم ما أوجب، وقدمتموه على ما قدمه الله ورسوله، فتضمَّن ذلك تقديم ما أخّر، وتأخير ما قدّم، وإلغاء ما اعتبر، واعتبار ما ألغى\" (^٢).\nب- الزهد.\nقال ابن عجيبة: \"الزهد في الشَّيء هو خروج محبته من القلب، وبرودته منه، وعند القوم بغض كل ما يشغل عن الله، ويحبس عن حضرة الله\" (^٣).\nثم ذكر تقسيمًا صوفيًّا للزهد فقال: \"أولًا: الزهد في المال، وعلامته أن يستوي\n_________\n(^١) مدارج السالكين ٢/ ٢٥٩ - ٢٦٠.\n(^٢) المرجع نفسه ٢/ ٢٥٠.\n(^٣) إيقاظ الهمم، ص ١١٤.","vol":"1","page":789},{"text":"الذهب والتراب، والفضَّة والحجر، والغنى والفقر، والمنع والعطاء، وثانيًا: الزهد في الجاه والمراتب، وعلامته أن يستوي عنده العز والذل، والظهور والخمول، والمدح والذم، والرفعة والسقوط، وثالثًا: ويكون ثالثًا في المقامات، والكرامات، والخصوصيات، وعلامته أن يستوي عنده الخوف والرجاء، والقوة والضعف، والبسط والقبض، يسير بهذا كما يسير بهذا، أو يعرف في هذا كما يعرف في هذا، ثم يكون الزهد في الكون بأسره بشهود المكون وأمره، فإذا تحقق المريد بهذا المقامات في الزهد أو جلها كان عمله كله عظيمًا كبيرًا في المعنى عند الله، وإن كان قليلًا في الحس عند الناس\" (^١).\nولا ريب أنَّ الزهد مقام شريف يحرص عليه المؤمن، لكن وفق الكتاب والسُّنَّة وما عليه سلف الأُمَّة، فمن رغب عن شيءٍ نافع مشروع لا يُسمَّى زاهدًا، بل هو جهلٌ وضلال.\nوكُلَّما ابتعد الزاهد عن المفهوم الشرعي للزهد ظهرت البدع والخرافات.\nقال ابن الجوزي - ﵀ -: \"دخل المتزهدون في طرق لم يسلكها الرسول - ﷺ -، ولا أصحابه - ﵃ - من إظهار التخشُّع الزائد في الحد والتنوق (^٢) في تخشين الملبس ... \" (^٣).\nوقال أيضًا: \"قد يسمع العامي ذم الدنيا في القرآن المجيد والأحاديث فيرى أنَّ النَّجاة تركها ولا يدري ما الدنيا المذمومة فيلبِّس عليه إبليس بأنك لا تنجو في الآخرة إلا بترك الدنيا، فيخرج على وجهه إلى الجبال، فيبعد عن الجمعة والجماعة والعلم ويصير كالوحش، ويُخيَّل إليه أنَّ هذا هو الزهد الحقيقي\" (^٤).\n_________\n(^١) إيقاظ الهمم، ص ١١٤.\n(^٢) التنوق: المبالغة في التجويد، يقال: تنوق في منطقه، وتنوق في ملبسه. ينظر: العين ٥/ ٢٢٠، المحكم والمحيط الأعظم ٦/ ٥١١.\n(^٣) صيد الخاطر، ص ١١٢.\n(^٤) تلبيس إبليس، ص ١٨٥.","vol":"1","page":790},{"text":"وديننا أمرنا بالاعتدال في كلِّ شؤوننا، فلا يكلف الإنسان نفسه بما لا يستطيع، قال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (^١).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «دعوني ما تركتكم، إنما هلك من كان قبلكم بسؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيءٍ فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمرٍ فأتوا منه ما استطعتم» (^٢).\nوعن عائشة - ﵂ - أنَّ النَّبي - ﷺ - دخل عليها وعندها امرأة فقال: من هذه؟ قالت: فلانة تذكر من صلاتها قال: «مه عليكم بما تطيقون، فوالله لا يملّ الله حتى تملوا، وكان أحب الدين إليه ما دام عليه صاحبه» (^٣).\nولا شكَّ أنَّ ابن عجيبة جانب الصواب بمحاربة النفس وقهرها، وترك الدنيا بالكُليَّة والتجرُّد من المال.\nيقول ابن قدامة المقدسي - ﵀ -: \"والزهد عبارة عن انصراف الرغبة عن الشَّيء إلى ما هو خير منه، وشرط المرغوب عنه أن يكون مرغوبًا فيه بوجه من الوجوه، فمن رغب عن شيءٍ ليس مرغوبًا فيه ولا مطلوبًا في نفسه لم يُسمَّ زاهدًا، كمن ترك التراب لا يُسمى زاهدًا.\nوقد جرت العادة بتخصيص اسم الزاهد بمن ترك الدنيا، ومن زهد في كلِّ شيءٍ سوى الله تعالى، فهو الزاهد الكامل، ومن زهد في الدنيا مع رغبته في الجنَّة ونعيمها فهو أيضًا زاهد، ولكنه دون الأول، واعلم أنه ليس من الزهد ترك المال،\n_________\n(^١) سورة التغابن: ١٥.\n(^٢) أخرجه البخاري، كتاب الاعتصام، باب الاقتداء بسنن رسول الله - ﷺ -، ٤/ ٣٦١، رقم ٧٢٨٨.\n(^٣) أخرجه البخاري، كتاب الإيمان، باب أحب الدين إلى الله أدومه، ١/ ٣٠، رقم ٤٣.","vol":"1","page":791},{"text":"وبذله على سبيل السَّخاء والقوَّة، واستمالة القلوب، وإنما الزهد أن يترك الدنيا للعلم بحقارتها بالنسبة إلى نفاسة الآخرة\" (^١).\nويبيِّن ابن القيم المعنى الحقيقي للزهد فيقول: \"وليس المراد تخليها من اليد ولا إخراجها وقعوده صفرًا منها، وإنما المراد إخراجها من قلبه بالكُليَّة، فلا يلتفت إليها، ولا يدعها تساكن قلبه، وإن كانت في يده، فليس الزهد أن تترك الدنيا من يدك وهي في قلبك وإنما الزهد أن تتركها من قلبك وهى في يدك، وهذا كحال الخلفاء الراشدين وعمر بن عبد العزيز الذى يضرب بزهده المثل مع أنَّ خزائن الأموال تحت يده، بل كحال سيِّد ولد آدم - ﷺ - حين فتح الله عليه من الدنيا ما فتح، ولا يزيده ذلك إلا زُهدًا فيها\" (^٢).\nج- الرجاء:\nقال ابن عجيبة: \"الرجاءُ: تمنِّي الشَّيء مع السَّعي في أسبابه، وإلا فهو أمنية\" (^٣).\nويرى أنَّ عدم الخوف من الذنب من مظاهر الاعتدال في باب المقامات، والطاعة والمعصية سواء.\nوهذا؛ لأنه متأثِّرٌ ببدعة وحدة الوجود، فهو يصفهم بأهل الخصوص الواصلين؛ لأنه يرى أنَّ أفعال العباد ليست فعلًا لهم، وإنما هي لله تعالى، وهذه المسألة مرتبطة بعقيدته في الجبر كما مر معنا.\nفقال: \"وأمَّا الواصلون فلا يرون لأنفسهم فعلًا ولا تركًا، فهم ينظرون إلى\n_________\n(^١) مختصر منهاج القاصدين، ص ٣٥٥.\n(^٢) طريق الهجرتين ١/ ٢٥٢.\n(^٣) إيقاظ الهمم، ص ٦٦.","vol":"1","page":792},{"text":"تصريف الحق، وما يجري به سابق القدر، فيتلقونه بالقبول والرضا، فإن كان طاعة شكروا وشهدوا منَّة الله، وإن كان معصية اعتذروا وتأدَّبوا، ولم يقفوا مع أنفسهم، إذ لاوجود لها عندهم، وإنما ينظرون إلى ما يبرز من عنصر القدرة\" (^١).\nويقول أيضًا: \"ومن جملة ذلك الخوف والرجاء بحيث إذا صدرت منهم طاعة لا يزيد رجاؤهم، وإذا وقعت منهم زلَّة لا يعظم خوفهم، ولا تنقص استقامتهم\" (^٢).\nوهذا مصادمٌ للنصوص الشرعية التي أمرت بعبادة الله خوفًا، وطمعًا، ورجاءً.\nوالتوحيد والإيمان لا يتم إلا بالمحبة، والخوف، والرجاء؛ لذلك أثنى الله - ﷿ - على عباده؛ لأنهم يعبدونه بالخوف والرجاء، قال - ﷿ -: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ (^٣)، وقال سبحانه: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ (^٤) والطمع هو الرجاء، ولما ذكر الله تعالى الأنبياء إبراهيم وإسحاق ويعقوب وداود وسليمان وأيوب وإسماعيل واليسع وهود، قال بعد ذلك: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ (^٥) الرَّغبُ: الرجاء، والرَّهبُ: الخوف، فإذا فُقد الخوف والرجاء والمحبَّة لم يكن هناك إيمانٌ ولا توحيد (^٦).\n_________\n(^١) إيقاظ الهمم، ص ١٢١ - ١٢٢.\n(^٢) المرجع نفسه، ص ٢٧٩.\n(^٣) سورة الإسراء: ٥٧.\n(^٤) سورة السجدة: ١٦.\n(^٥) سورة الأنبياء: ٩٠.\n(^٦) شريط كاسيت مفرغ في المكتبة الشاملة لشرح الطحاوية للشيخ عبد العزيز الراججي.  http://shamela.ws/index.php/page/download-shamela.","vol":"1","page":793},{"text":"ويقول ابن القيم - ﵀ - في الكافية الشافية:\nوعبادةُ الرحمنِ غايةُ حُبِّهِ ... مع ذُلِّ عابدِهِ هما قطبان\nوعليهما فَلَكُ العبادةِ دائرٌ ... ما دار حتى قامت القطبان\nومدارُهُ بالأمرِ أمر رسولِهِ ... لا بالهوى والنَّفس والشيطان\nفقيامُ دينِ اللهِ بالإخلاص والإ ... حسان إنهما له أصلانِ (^١)\n\nوبهذا يتضح مخالفة ابن عجيبة لأهل السُّنَّة والجماعة وموافقته للمرجئة بتغليبه جانب الرجاء، فمن فعل طاعة لا يَعْظُم رجاؤه، ومن فعل معصية لا يَعْظُم خوفه ولا تنقص استقامته.\nوالواصلون -حسب ما وصفهم- يسقط عنهم التدبير والاختيار، وأمَّا العوام فهم يبقون في هذه المقامات.\nقال ابن تيمية - ﵀ -: \"وبعض من تكلَّم في علل المقامات، جعل الخوف والرجاء والحبَّ والرضا من مقامات العامة، بناءً على مشاهدة القدر، وأنَّ من شهد القدر فشهد توحيد الأفعال حتى فني من لم يكن، وبقي من لم يزل، يخرج عن هذه الأمور، وهذا كلام مستدرك حقيقةً وشرعًا، أمَّا الحقيقة فإنَّ الحيَّ لا يتصور أن لا يكون حساسًا محبًا لما يلائمه مبغضًا لما ينافره، ومن قال إنَّ الحيَّ يستوي عنده جميع المقدورات فهو أحد رجلين إمَّا أنه لا يتصور ما يقول بل هو جاهل، وإمَّا أنه مكابر معاند ولو قدر أنَّ الإنسان حصل له حال أزال عقله -سواء سمي اصطلامًا أو محوًا أو فناءً أو غشيًا أو ضعفًا- فهذا لم يسقط إحساس نفسه بالكلية بل له إحساس بما يلائمه وما ينافره وإن سقط إحساسه ببعض الأشياء فإنه لم يسقط بجميعها،\n_________\n(^١) النونية، ص ٣٥.","vol":"1","page":794},{"text":"فمن زعم أنَّ المشاهد لتوحيد الربوبية يدخل إلى مقام الجمع والفناء فلا يشهد فرقًا فإنه غالط بل لا بدَّ من الفرق فإنه أمر ضروري، لكن إذا خرج عن الفرق الشرعي بقي في الفرق الطبعي فيبقى متبعًا لهواه لا مطيعًا لمولاه\" (^١).\nد- المحبة:\nقال ابن عجيبة: \"المحبة لها بداية، ووسط، ونهاية، فأول المحبة وبدايتها: ملازمة امتثال أمر الله - ﷿ -، واجتناب النهي، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (^٢)، ووسطها: لهج اللسان بالذكر، وتعلُّق القلب بشهود المحبوب، ونهايتها: لا تُدرك بالعبارة، ولا تلحقها الإشارة، وفي هذا المعنى قيل:\nفلم يبق إلا الله لا رب غيره ... حبيبٌ لقلبٍ غاب عن كلِّ مقصد\n\nفهذه المعاني لا تدركها العامة ولا الخاصة، وإنما يذوقها خاصة الخاصة\" (^٣).\nوقال أيضًا: \"المحبة الحقيقية والمعرفة الكامنة لا تكون على أيدي الوسائط، والأولياء وسائطهم خلفاء الأنبياء، وهم أهل العلم بالله الذوقي العياني ... وتوسيط الأنبياء للعموم في مطلق المحبة، وتعليم ما يقرب إليها، وأمَّا المحبة الحقيقية فهي خاصة بالأولياء للأولياء\" (^٤).\nوقول ابن عجيبة في المحبة امتثال أمر الله - ﷿ - واجتناب ما نهى عنه، هذا ما يعبر عنه الصوفية بالحب العام، \"الحبُّ حبان: حبٌّ عام، وحبٌّ خاص، فالحبُّ\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ١٠/ ٢٤٢.\n(^٢) سورة آل عمران: ٣١.\n(^٣) إيقاظ الهمم، ص ٣٥٩.\n(^٤) البحر المديد ٣/ ٥٥٦.","vol":"1","page":795},{"text":"العام يفسر بامتثال الأمر، ومن شرط المحب أن يكون مطيعًا، وهذا الذي عناه بعض شيوخ الطريق حين وضع الحب في المقامات لا في الأحوال، فيكون الحبُّ هنا منظورًا إليه بعين الكسب بالأعمال، وهو أيضًا صحيح، ولكنه حبٌّ عامٌّ يدخل فيه كل أهل طاعة الله كسبًا بطاعتهم، والحب الخاص الذي هو من أعلى وأرقى المقامات الموهوبة -عند الصوفية- هو حب الذات للذات هبة من الله وفضلًا، وينشأ عن مطالعة الروح، وهو من نور الله إلى تجلي نور الله على الكائنات والعوالم، وهو من اصطفاء الله ومنَّته على عبده كما قلنا، وهذا الحبُّ ليس للكسب فيه دخل، ولذلك كان من أشرف الأحوال وأجلِّ المذاهب الإلهية\" (^١).\nبل يزعمون أنَّ المحبة الخاصة محبة وهبية، واصطفاء من الله - ﷿ -.\nيقول الكلاباذي (^٢) في وصف هذه المحبة: \"المحبة على وجهين: محبة الإقرار، وهي للخاص والعام، ومحبة الوجد من طريق الإصابة فلا يكون فيه رؤية النفس والخلق، ولا رؤية الأسباب والأحوال بل يكون مستغرقًا في رؤية ما لله وما منه\" (^٣).\nوهذا القول خطير؛ فالصوفي ليس بحاجة -كما يزعمون- إلى صلاة ولا صيام ولا طاعة، بل ينتظر اصطفاء الله - ﷿ - له، عند ما تتجلَّى الأنوار إلى قلبه.\nوإن تعجب فعجبٌ قولهم، فالله - ﷿ - ذكر في كتابه الاصطفاء، أي اصطفاء الملائكة، والرسل ومع ذلك أمرهم بطاعته.\nقال تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ\n_________\n(^١) جمهرة الأولياء ١/ ٢٤١.\n(^٢) أبو بكر، محمد بن أبي إسحاق بن إبراهيم بن يعقوب الكلاباذي البخاري، من أهل بخارى، ومن أهل الحديث والفقه والأصول، توفي سنة ٣٨٠ هـ. ينظر: الفوائد البهية في تراجم الحنفية، ص ٢٠٩.\n(^٣) التعرف لمذهب التصوف، ص ١١٠.","vol":"1","page":796},{"text":"بَصِيرٌ﴾ (^١)، ومع ذلك طالبهم بطاعته، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ (^٢).\nوقول الصوفية بأن المحبة تنال هبة بدون عمل وطاعة، مصادمٌ لنصوص الشرع التي جعلت الطاعات سببًا لمحبة الله - ﷿ - للعبد.\nقال النَّبيُّ - ﷺ - في الحديث القدسي: «وما تقرَّب إليَّ عبدي بشيءٍ أحبَّ إليَّ مما افترضتُه عليه، ولا يزال عبدي يتقرَّب إليَّ بالنوافل حتى أُحبَّه» (^٣).\nوالغاية التي يسعى لها ابن عجيبة من لهج اللسان بالذكر هي الوصول إلى وحدة الوجود، ويتضح ذلك من قوله في دوام ذكر الاسم المفرد: \"فكُلَّما فني فيه ذابت بشريته، وقويت روحانيته، حتى تستولي على بشريته فحينئذ يكون الحكم لها\" (^٤)، وهذا هو الذي صرَّح به بقوله: \"شراب المحبة هو خمرة الفناء، والغيبة في الله\" (^٥).\nوأما التقسيمات التي ذكرها في المحبة، فباطلة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"وهذه الأعمال الباطنة كمحبة الله والإخلاص له والتوكل عليه والرضا عنه ونحو ذلك كلها مأمور بها في حق الخاصة والعامة لا يكون تركها محمودًا في حال أحد وإن ارتقى مقامه ... وهي حسنة محبوبة في حق كل أحد من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، ومن قال إنَّ هذه المقامات تكون للعامة دون الخاصة فقد غلط في ذلك إن أراد خروج الخاصة عنها فإنَّ هذه لا يخرج عنها مؤمن قط وإنما\n_________\n(^١) سورة الحج: ٧٥.\n(^٢) سورة الأنبياء: ٥١.\n(^٣) أخرجه البخاري، كتاب الرقاق، باب التواضع، ٤/ ١٩٢، رقم ٦٥٠٢.\n(^٤) إيقاظ الهمم، ص ٢٥١.\n(^٥) البحر المديد ٤/ ١٤٢.","vol":"1","page":797},{"text":"يخرج عنها كافر أو منافق\" (^١).\nوقال أيضًا: \"وكثيرٌ من السَّالكين سلكوا في دعوى حب الله أنواعًا من أمور الجهل بالدين، إمَّا من تعدي حدود الله - ﷿ -، وإمَّا من تضييع حقوق الله، وإمَّا من ادعاء الدعاوى الباطلة التي لا حقيقة لها\" (^٢).\nوقد بيَّن ابن القيم - ﵀ - مسألة عظيمة لمدعي المحبة فقال:\n\"ههنا مسألة يغلط فيها كثيرٌ من المدِّعين للمحبة، وهي أنَّ موافقة المحبوب في مراده ليس المعنى بها مراده الخلقي الكوني، فإنَّ كل الكون مراده، وكل ما يفعله الخلائق فهو موجب مشيئته وإرادته الكونية، فلو كانت موافقته في هذا المراد هي محبته لم يكن له عدوًّا أصلًا، وكانت الشياطين والكُفَّار والمشركون عُبَّاد الأوثان والشمس والقمر أولياءه وأحبابه، تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا\" (^٣).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ١٠/ ١٦ - ١٧.\n(^٢) المرجع نفسه ١٠/ ٢٠٩.\n(^٣) طريق الهجرتين، ص ٤٥٢.","vol":"1","page":798},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-238>المبحث الثالث:\nالصلة بين الأحوال والمقامات</span>\nهناك تداخل بين الأحوال والمقامات، فمن تحقق بالمقام فإنه قد ترد عليه الأحوال، وصاحب الحال قد يترقى منها على المقامات (^١).\nقال ابن عجيبة: \"الأعمالُ حركة الجسم بالمجاهدة، والأحوالُ حركة القلب بالمكابدة، والمقاماتُ سكون القلب بالطمأنينة، مثال ذلك: مقام الزهد مثلًا: فإنه يكون أولًا عمله مجاهدة بترك الدنيا وأسبابها، ثم يكون مكابدة بالصبر على الفاقة حتى يصير حالًا، ثم يسكن القلب ويذوق حلاوته فيصير مقامًا\" (^٢).\nويقول أيضًا: \"المقامات تكون أحوالًا حيث لم يتمكَّن المريد منها؛ لأنها تتحوَّل ثم تصير مقامات بعد التمكين، كالتوبة مثلًا: تحصل ثم تنقص، حتى تصير مقامًا، وهي التوبة النصوح، وهكذا بقية المقامات\" (^٣).\nوعلة التداخل بينهما يكمن في أنَّ المقام قبل كونه مقامًا كان حالًا، لكن بعد المكابدة والمجاهدة تحوَّل إلى مقام.\nفيقول ابن عجيبة: \"التوبة، والورع، والزهد، والتوكُّل، والرضا، والتسليم، تكون أحوالًا، ثم تصير مقامات، فما دامت مجاهدة فهي أحوال، فإذا كانت ذوقًا فهي مقامات\" (^٤).\n_________\n(^١) ينظر: ابن عطاء السكندري وتصوفه، ص ٣٢٠.\n(^٢) إيقاظ الهمم، ص ١١٦.\n(^٣) معراج التشوف، ص ٤٤.\n(^٤) الفتوحات الإلهية، ص ١٦٥.","vol":"1","page":799},{"text":"وكذلك يرى الصلة بين الأحوال والمقامات، بأنَّ لكلِّ واحد منهما علمًا وعملًا.\nفيقول: \"اعلم أنَّ المقام والحال لكلِّ واحد: علم وعمل، فالمقام يتعلَّق به العلم أولًا، ثم يسعى في عمله حتى يكون حالًا، ثم يصير مقامًا، وكذلك الحال يتعلَّق به العلم أولًا، ثم العمل، ثم يصير مقامًا وحالًا\" (^١).\n_________\n(^١) إيقاظ الهمم، ص ١١٦.","vol":"1","page":800},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-239>الفصل الخامس: موقفه من أعلام الصوفية وطرقها وأثره على من بعده</span>\nوفيه ثلاث مباحث:\n\nالمبحث الأول: موقفه من أعلام الصوفية\nالمبحث الثاني: موقفه من طرقها\nالمبحث الثالث: أثره على من بعده","vol":"1","page":801},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-240>المبحث الأول:\nموقفه من أعلام الصوفية</span>\nمدح ابن عجيبة أعلام الصوفية، ونافح عنهم، وبالغ في تعظيمهم، فيقول عن ابن الفارض: \"هو الوليُّ الكبير، والمحبُّ الشهير، إمام العُشَّاق\" (^١).\nومدح ابن عربي بقوله: \"العارف الربَّاني، والقطب الصمداني، بحر زمانه، وفريد عصره وأوانه، محيي الدين ابن العربي الحاتمي، المتوفى في حدود القرن السَّادس\" (^٢).\nوكذلك مدح ابن مشيش صاحب الصلاة المشيشية (^٣) التي مطلعها: \"اللهم صلِّ على مَن منه انشقَّت الأسرار، وانفلقت الأنوار، وفيه ارتفعت الحقائق، وتنزَّلت علوم آدم فأعجز الخلائق ... وزج بي في بحار الأحدية وانشلني من أوحال التوحيد ... \" (^٤).\nفقال مادحًا: \"هو الشيخ الإمام، العارف الواصل، الوليُّ الكبير، والقطب الشهير، شمس زمانه، وفريد عصره وأوانه، سيدنا ومولانا عبد السلام بن مشيش ... \" (^٥).\n_________\n(^١) شرح نونية الششتري، ص ١٥٧.\n(^٢) شرح صلاة ابن العربي الحاتمي، ص ٤١.\n\nوالصحيح أنَّ ابن عربي توفي في القرن السابع سنة ٦٣٨ هـ، فقد عاش في الفترة من (٥٦٠ - ٦٣٨ هـ) متأثرًا بالتراث الفارسي والهندي. ينظر: الشيخ الأكبر ابن عربي صاحب الفتوحات المكية، للفيومي، ص ٢٦.\n(^٣) وهي صلاة بدعية مليئة بعقائد الصوفية من وحدة الوجود، والغلو في الرسول - ﷺ -، زعموا أن لها فضائل لحث الصوفية على المحافظة عليها ومن هذه الفضائل: لم يزل قارئها بصدق وإخلاص مشروح الصدر، منصورًا على جميع الأعداء، مؤيدًا بتأييد الله العظيم في جميع أموره، ملحوظًا بعين عناية الله الكريم، ينظر:\nhttp: //www. shazly. com\n(^٤)  النفحة العلية في أوراد الشاذلية، ص ١٥ - ١٦، ينظر: الإلمام والأعلام بنفثة من بحور علم ما تضمنته صلاة ابن مشيش، ص ٥٥.\n(^٥) شرح صلاة القطب ابن مشيش، ص ١٠.","vol":"1","page":803},{"text":"ثم شرع بشرحها فقال: \"فهذا شرحٌ لطيفٌ على تصلية القطب الجامع، سيدي عبد السلام ابن مشيش نفعنا الله بذكره، وأفاض علينا من صيِّب فيضه آمين، ندبني إليه شيخنا العارف الرباني، قدوة السائرين، ومربي الواصلين، سيدي محمد بن أحمد البوزيدي الحسني، فأجبته إلى ذلك، رجاء التحقيق بمحبته، والشرب من فيض مدده\" (^١).\nويقول في موضع آخر منافحًا عنهم: \"قد رُمي كثيرٌ من الأولياء المحققين بالاتحاد والحلول كابن العربي الحاتمي، وابن الفارض، وابن سبعين (^٢)، والششتري والحلاج، وغيرهم وهم بُرَآء منه؛ وسبب ذلك أنهم لما خاضوا بحار التوحيد، وكوشفوا بأسرار التفريد، أو أسرار المعاني قائمة بالأواني، سارية في كل شيء، ماحية لكل شيء، ... فأرادوا أن يعبروا عن تلك المعاني فضاقت عبارتهم عنها؛ لأنها خارجة عن مدارك العقول، لا تدرك بالسطور ولا بالنقول، وإنما هي أذواق ووجدان، فمن عبر عنها بعبارة اللسان كفر وزندق، وهذه المعاني هي الخمرة الأزلية التي كانت خفيَّة لطيفة، ثم ظهرت محاسنها، وأبدت أنوارها وأسرارها، وهي أسرار الذات وأنوار الصفات، فمن عرفها وكوشف بها اتحد عنده الوجود، وأفضى إلى مقام الشُّهود، وهي منزَّهة عن الحلول والاتحاد، إذ لا ثاني لها حتى تحل فيه أو تتحد معه\" (^٣).\nولذلك يرى أن من أفشى سرَّ الربوبية -ويقصد به وحدة الوجود- قُتل.\n_________\n(^١) شرح صلاة القطب ابن مشيش، ص ١٠.\n(^٢) هو: أبو محمد، عبد الحق بن إبراهيم بن محمد بن نصر بن محمد بن سبعين، قطب الدين المرسي الرقوطي الصوفي، صوفيٌّ على قواعد الفلاسفة، كلامه تعقل مفرداته، ولا تعقل مركباته، له السبعينية، توفي سنة ٦٦٩ هـ. ينظر: الوافي بالوفيات ١٨/ ٣٧.\n(^٣) البحر المديد ٢/ ٢١.","vol":"1","page":804},{"text":"فيقول: \"كل من أفشى سرَّ الربوبية سلَّط الله عليه سيف الشريعة، فيباح دمه، ويهتك عرضه، كما وقع للحلاج وغيره ... والمراد بسرِّ الربوبية: التوحيد الخاص الذي هو الشُّهود والعيان المخصوص بأهل العرفان\" (^١).\nوكيف يمدح من طفحت مقالاتهم بوحدة الوجود التي آلت بهم إلى الإيمان بوحدة الأديان، وأنَّ جميع الخلق على صراطٍ مستقيم، وأنَّ الخلق هو الحق، وتصويب كل كفر، ومنهم من زعم أنه يلاقي الله مرَّة كل شهر عند ادعائه للولاية (^٢) (^٣).\nولقد أُولع من انتموا للتصوف بتعظيم هؤلاء القوم، ودافعوا عنهم، وغضبوا لغضبهم، وكان الواجب عليهم أن يكون غضبهم لربهم إذا انتهكت حُرماته لا لبشر غير معصوم من الزلل، فهؤلاء شرٌّ من الفلاسفة الذين يكذبون الله ورسله، ويقولون بقدم العالم وينكرون البعث.\nومع ذلك فلا يشهد على أعيانهم بكفر (^٤)، ولا إيمان لجواز توبتهم قبل الموت، وأمرهم مُشكل وحسابهم على الله، أمَّا مقالاتهم فلا ريب أنها شرٌّ من الشرك (^٥).\nولا ريب أنَّ المطالع لكتب ابن عربي بعين الإنصاف يجدها مشحونة بصريح الكفر، فمن أردأ تواليفه كتاب فصوص الحكم الذي إن لم يكن فيه كفر فما في\n_________\n(^١) شرح قصيدة يامن تعاظم، ص ٢٠ - ٢٢.\n(^٢) قال ابن عربي: \"ولا تشغله الولاية عن المثول بين أيدينا شهرًا بشهر إلى انقضاء العمر\". الفتوحات المكية ١٢/ ١٢١.\n(^٣) ينظر: مصرع التصوف، ص ١٩، ٣٠، هذه الصوفية، ص ٢٥.\n(^٤) أفتى القاضي محمد بن يوسف المتوفى سنة ٣٢٠ هـ بقتل الحلاج، وحكم القاضي إبراهيم بن الفضل بن حيان الحلواني المتوفى سنة ٣٢١ هـ بكفر الحلاج الذي ادعى الحلول وقال عنه: كتب كتبًا فيها من الطلاسم والرموز والإشارات ما يوجب كفره. ينظر: سير أعلام النبلاء ١٤/ ٣٣٩، ٣٥١.\n(^٥) ينظر: البحر المحيط ٣/ ٤٤٩، تاريخ الإسلام ٤٩/ ٢٨٤.","vol":"1","page":805},{"text":"الدنيا كفر، والله أعلم بما مات عليه (^١).\nولقد بيَّن القاري (^٢) نتيجة الرياضة عند ابن عربي في كتابه الفصوص وأنها القول بالحلول والاتحاد: \"وقد صرَّح في الفصوص بأنَّ الرياضة إذا كملت اختلط ناسوت صاحبها بلاهوت الله، وهذا هو عين مذهب النصارى، حيث قالوا: امتزجت الكلمة بعيسى امتزاج الماء باللبن، فاختلط ناسوته بلاهوت الله سبحانه، حتى ادعوا أنه ابن الله، تعالى شأنه وتعظَّم سلطانه\" (^٣).\nوصرَّح ابن سبعين كذلك بكلام كفري، مفاده أنَّ الكائنات الدنسة هي الله، -تعالى الله عمَّا يقول علوًّا كبيرًا- فقال: \"اختلط الله في الإحاطة الزوج مع الفرد، واتحد النَّجو (^٤) مع الورد\" (^٥).\nولا ريب أنَّ هذه المواقف من أعلامهم تسبَّبت بظهور بدع شنيعة في بلاد المغرب وغيرها منذ أعصار متطاولة لا سيَّما في المائة العاشرة وما بعدها، فقدَّسوا أضرحة الشيوخ (^٦)، وجعلوها أوثانًا تُعبد من دون الله، فمن بدعهم الشنيعة محاكاتهم\n_________\n(^١) ينظر: سير أعلام النبلاء ٢٣/ ٤٨.\n(^٢) هو: علي بن سلطان الهروي القاري الحنفي، ولد بالعراق، ورحل إلى مكة واستقرَّ بها، توفي سنة ١٠١٤، ينظر: البدر الطالع ١/ ٤٤٥، معجم المؤلفين ٧/ ١٠٠.\n(^٣) الرد على القائلين بوحدة الوجود، ص ٣٢.\n(^٤) النجو: ما يخرج من البطن من بول، وريح، وغائط، ينظر: القاموس الفقهي ١/ ٣٠٦، المصباح المنير ١/ ٣٤٩.\n(^٥) رسائل ابن سبعين، ص ١٤٣.\n(^٦) مثل ضريح الجزولي في مراكش الذي يزدحم عليه الناس ويقصدونه في قضاء الحاجات كما سوَّل لهم الشيطان، والعياذ بالله. ينظر: الطريقة الجزولية، ص ٥٨، تعطير الأنفاس في التعريف بالشيخ أبي العباس، لابن الموقت، ص ٩٨ - ٩٩، وكذلك ضريح ابن عجيبة في قرية الزميج، ومعتقد أهل القرية بأن الأرزاق تأتيهم ببركة السيد (يعني ابن عجيبة) وهذا القول: سمعته من المريدين عند زيارتي لهذه القرية.","vol":"1","page":806},{"text":"أضرحة الشيوخ لبيت الله الحرام، من جعل الكسوة لها، وتحديد الحرم على مسافة معلومة بحيث يكون من دخل تلك البقعة من أهل الجرائم أصبح آمنًا، وسوق الذبائح إليها على هيئة الهدي، واتخاذ المواسم كل عام، وهذا وأمثاله لم يشرع إلا في حق الكعبة، ومن المناكير التي يجب أن تغير اجتماع القوم كل سنة للوقوف يوم عرفة بضريح عبد السلام ابن مشيش، ويسمون ذلك بحج المسكين، فانظر إلى هذه الطامة التي اخترعها هؤلاء العامة «^١).\nفمن كانت هذه مقالاته فهل يستحق مدحًا أو منافحة؟\nوإنك لتعجب من ابن عجيبة كيف يمدح الحلاج الذي اعتقد أن إبليس موحِّد، بقوله: \"وما كان موحِّد في أهل السَّماء مثل إبليس\" (^٢).\nوابن عجيبة امتدادٌ لأولئك فلايستغرب منه ذلك، فالمعدن واحد، وكما قيل: الصوفية أهل بيت واحد وإن اختلفت عباراتهم.\nفهؤلاء القوم تأثروا بفلسفات وأفكار إلحادية -والعياذ بالله- فجعلوا مقصودهم التشبه بصفات الله بحلولهم فيه -تعالى الله عمَّا يقولون- فزعموا أنَّ من أوليائهم من يتصرَّف في الكون (^٣)، أو ينطق بكن (^٤) قبل أن تكون\n_________\n(^١) ينظر: الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى ١/ ٢٠١، معلمة التصوف ١/ ٢٠٩.\n(^٢) طواسين الحلاج، ص ٩٧.\n(^٣) نقل الشيخ الألباني عن أحد الصوفية قوله: \"ونراهم -يعني العامة- يحلفون بالأولياء، وينطقون في حقهم بما ظاهره الكفر الصراح، بل هو الكفر حقيقة بلا ريب ولاشك ... فإن عندنا بالمغرب من يقول عن القطب الأكبر مولانا عبد السلام ابن مشيش: أنه الذي خلق الدين والدنيا! ومنهم من قال والمطر نازل بشدة: يا مولانا عبد السلام الطف بعبادك! فهذ كفر\" وعلَّق الألباني على هذا بقوله: \"فهذا الكفر أشد من كفر المشركين؛ لأنَّ هذا فيه التصريح بالشرك في توحيد الربوبية أيضًا، وهو مما لا نعلم أنه وقع من المشركين أنفسهم! وأمَّا الشرك في الألوهية فهو أكثر في جهال هذه الأمة، ولا أقول عوامهم\". تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد، ص ٧٣.\n(^٤) كقول ابن عربي: \"ما ثمَّ إلا عبدٌ وربّ، والعبد لا يتميز عن الربِّ إلا بالافتقار، فإذا ذهب الله بفقره كساه حلَّة الصفة الربانية، فأعطاه أن يقول للشيء كن فيكون\". الفتوحات المكية، لابن عربي ١١/ ٥٨، ينظر: شرح الآجرومية لابن عجيبة، ص ١٠١.","vol":"1","page":807},{"text":"الأشياء (^١)؛\nفقدسوا مشايخهم وأطاعوهم في غير طاعة الله ورسوله، فتفرقت بههم السبل، ولاذوا للطواف على قبورهم ومناجاتهم لكشف الكرب عنهم، فالحذر الحذر من هؤلاء القوم الذين لعب الشيطان بهم، وأخرجهم عن طريق أهل العلم، بزعمهم أنَّ الله - ﷿ - حالٌّ في كلِّ شيء، والأرض لا تخلو منه لكنه يظهرُ لخلقه في صور مختلفة في كل زمان غير الصورة التي ظهر بها في الزمان الذي قبله وفي الزمان الذي بعده، فلم يقدروا الله - ﷿ - حق قدره، وتكلموا فيه بكلام لا يوافق كتابًا ولا سنة، ولا قول الصحابة - ﵃ -، ولا قول أئمَّة المسلمين، فلا حُجَّة لهم فيما يدعون، ولا إمام من العلماء يتبعون فيما يفعلون (^٢).\nوفي المقابل نجد أنَّ ابن عجيبة ذمَّ العلماء الذين يأخذون بظاهر النص مع وجوب العمل به، وهو بهذا يخالف أهل السُّنَّة وطريقتهم، بل ويحذِّر من الجلوس معهم فيقول: \"والجلوس مع علماء الظاهر أقبح في حق الفقير ... والله ما رأيت فقيرًا صحبهم فأفلح في طريق القوم أبدًا، فلا قاطع أعظم منهم، إلا من عرف بالتسليم لأهل النسبة، وقليلٌ ما هم\" (^٣).\nويقول: \"الجلوس معهم اليوم أقبح من سبعين عاميًا غافلًا، وفقيرًا جاهلًا؛ لأنهم لا يعرفون إلا ظاهر الشريعة، ويرون من خالفهم في هذا الظاهر خاطئ أو ضال، فيجهدون في رد من خالفهم، يعتقدون أنهم ينصحون، وهم يغشون، فليحذر المريد من صحبتهم والقرب منهم، ما استطاع، فإن توقف في مسألة ولم يجد من\n_________\n(^١) ينظر: جامع كرامات الأولياء ١/ ٥٧ ..\n(^٢) ينظر: الشريعة، ص ٢٩١، وكتاب التوحيد ومعرفة أسماء الله - ﷿ - وصفاته على الاتفاق والتفرد ١/ ٦١، والتبصير في معالم الدين، ص ١٦٣، والإبانة عن شريعة الفرقة الناجية ومجانبة الفرق المذمومة ٣/ ١٩٧.\n(^٣) الفتوحات الإلهية، ص ٢٤٣.","vol":"1","page":808},{"text":"يسأل عنها من أهل الباطن فليسأله على حذر، ويكون معه كالجالس مع العقرب والحيَّة، والله ما رأيت أحدًا قط من الفقراء قرب منهم، وصحبهم فأفلح أبدًا في طريق الخصوص\" (^١).\nأمَّا بالنسبة للكتب فلقد زعم أنها سبب لتبديع الصوفية ورميهم بالكفر.\nفيقول: \"النظر في الكتب يضعف المسالك؛ لتشعبها وكثرتها عند اختلاف الهمم، لا سيَّما من جبلت طبيعته على علم الظاهر، فإنه أبعد الناس عن الطريق ما لم يتداركه الله بفتح منه؛ لأن التشريع كل حكمة تحتها حكم من لم يفهمها فبستانه مزهر غير مثمر، ومن هنا وقع الإنكار، حتى امتحن الله كثيرًا من الصوفية على أيدي علماء الظاهر، عندما نسبوهم للكفر والزندقة والبدعة والضلال، وسر الخصوصية يقتضي ذلك لا محالة\" (^٢).\nوهذا الذي سطره ابن عجيبة هو ديدن الصوفية الذين لقنوه لمريديهم منذ بداية سلوكهم في الطريق، فصوَّروا لهم علماء الشريعة بأنهم أعداء لهم حتى اعتقدوا أنه لا يصح منهم الاسترشاد ولا يقبل منهم نصيحة (^٣).\nولذا أعرضوا عن الكتاب، ونبذوا السُّنَّة وراء ظهورهم، وزهَّدوا الناس فيها، وانسلخ أقوام من حفظها ومعرفتها، فطعنوا في أهلها، ورموهم بالقبيح من القول والفعل، فكيف لمن لم يكن عالمًا بمعاني القرآن خبيرًا بسُنَّة رسول الله - ﷺ - وآثار الصحابة - ﵃ - فقيهًا في ذلك عاملًا به أن يكون على صراط مستقيم!! (^٤).\n_________\n(^١) إيقاظ الهمم، ص ١١٣.\n(^٢) المرجع نفسه، ص ٤١٢.\n(^٣) ينظر: الإبداع في مظاهر الابتداع، ص ٣٠٩.\n(^٤) ينظر: الانتصار لأصحاب الحديث، ص ٤٢ - ٤٥، العقيدة الأصفهانية، ص ١٦٥.","vol":"1","page":809},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-241>المبحث الثاني: موقفه من طرقها</span>\nيرى ابن عجيبة أنَّ الصوفية وإن اختلفت مسالكها فأتباعها متفقون في الأصول والفروع، يقول: \"كانت مذاهب القرَّاء خمسة وعشرين رواية، ثم تقررت في عشرة، وكانت مذاهب النُّحاة على مذهبين، بصري وكوفي، بخلاف مذهب الصوفية فهي متفقة في المقصد والعمل وإن اختلفت المسالك، فمرجع كلام القوم في كل باب لأحوالهم، وإلا فلا تنافي بين أقوالهم لمن تأمَّلها، وذلك بخلاف مذهب غيرهم، والوجه فيه أنَّ الحقَّ واحد، وطريقه وإن اختلفت مسالكها فالنهاية واحدة، والذوق واحد ... ومذهب الصوفية هو الاتفاق في الأصول والفروع، أمَّا الأصول فنهايتهم الشهود (^١) والعيان، وهم متفقون فيه؛ لأنه أمرٌ ذوقي لا يختلف\" (^٢).\nوقد تابع ابنُ عجيبة الهجويري (^٣) وهو من الأقطاب -عند الصوفية- فيقول: \"ومهما كانوا -أي الصوفية- مختلفين في المعاملات والمجاهدات والمشاهدات والرياضات، فإنهم موافقون ومتفقون في أصول وفروع الشرع والتوحيد\" (^٤).\nوكلُّ من انتسب إلى الصوفية فقد وقع في البدعة؛ فانتسابه في حدِّ ذاته بدعة، فلا يوجد زهدٌ عند الصوفية بالمعنى الممدوح، وما يسمونه زهدًا بدعةٌ وانحراف، قال\n_________\n(^١) رؤية الحق بالحق، وحضور مرة بنعت المراقبة وأخرى بنعت المشاهدة، وأنه فيض من النور الإلهي ينغمس فيه الروح وينكشف به سر الخليقة، يسير فيه الصوفي من شهود الفعل إلى شهود الصفات، ثم شهود الذات. ينظر: عوارف المعارف، ص ٥٢٨، التعريفات، ص ١٦٩.\n(^٢) الفتوحات الإلهية، ص ٦٤.\n(^٣) هو: علي بن عثمان بن أبي علي الجلابي الهجويري، ولد سنة ٣٨٠ هـ، له رحلات إلى الهند وتنقل فيها، ومن أشهر كتبه: كشف المحجوب، ولقد أُسر في لاهور على يد الهندوس، وتوفي فيها سنة ٤٦٥ هـ. ينظر: الموسوعة الصوفية، ص ٤٠١، مقدمة كتاب كشف المحجوب ٢/ ١٥ - ٢١.\n(^٤) كشف المحجوب ٢/ ٤٠٣.","vol":"1","page":810},{"text":"ابن تيمية - ﵀ -: \"فإنَّ المذاهب قد ظهرت بعد القرون المفضَّلة رويدًا رويدًا، وكان أصحابها الأولون قد انفردوا بما أتوا من الزهد والورع، الذي لم يكن عليه رسول الله - ﷺ - وأصحابه - ﵃ -، ومن تبعهم بإحسان، وإلى هذا يشير قول الله تعالى: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ (^١) \" (^٢).\nوقال ابن أبي العز: \"والرهبانُ وهم جُهَّال المتصوفة، المعترضون على حقائق الإيمان والشرع، بالأذواق والمواجيد والخيالات والكشوفات الباطلة الشيطانية، المتضمِّنة شرع دين لم يأذن به الله، وإبطال دينه الذي شرعه على لسان نبيه - ﷺ - والتعوض عن حقائق الإيمان بخُدع الشيطان وحظوظ النَّفس\" (^٣).\nويقول أيضًا: \"وأكثر المنحرفين من العبَّاد من المتصوفة ونحوهم فيهم شبه من النصارى، ولهذا يميلون إلى نوع من الرهبانية والحلول والاتحاد\" (^٤).\nوقد مال ابن عجيبة إلى الطريقة الشاذلية وزعم أنها تسير بين الحقيقة والشريعة حتى يقع التمكين والاعتدال، بل قال زورًا وبهتانًا أنها هي التي تقوم عليها السَّاعة، وينزل عيسى ابن مريم ويجد منها خلقًا من حواريه (^٥).\nفهو الداعي إلى الطريقة الدرقاوية (^٦) الشاذلية، وهو المتحدث باسم الدرقاوية، والمدافع عن مبادئها قولًا وفعلًا، وكتابة (^٧).\n_________\n(^١) سورة الحديد: ٢٧.\n(^٢) الصوفية والفقراء، ص ٥، وينظر: مجموع الفتاوى ١٠/ ١٩٧.\n(^٣) شرح العقيدة الطحاوية، ص ٢٠٤.\n(^٤) المرجع نفسه، ص ٥٢٦.\n(^٥) ينظر: الفتوحات الإلهية، ص ١٥.\n(^٦) سيأتي الحديث عنها في مبحث مستقل من الكتاب.\n(^٧) ينظر: إشكالية إصلاح الفكر الصوفي، ص ١٠٤.","vol":"1","page":811},{"text":"فقد قال عن نفسه: \"ولقد كنتُ حين دخلتُ في طريق القوم، وحصل لي الإذن من الشيخ في تذكير الناس نطوف عليهم في المداشر والقبائل نعلمهم الدين، وندلهم عليه، فعلت ذلك ثلاث سنين أو أكثر، وها نحن ما زلنا على ذلك ... فنحن والحمد لله نُعلِّم الناس التوحيد الخاص في المداشر (^١)، والقبائل، والمساجد، والجوامع لمن قدر عليه، ومن لم يقدر علمناه ما يقدر من توحيد الدليل، حتى يفتح الله سبحانه عليه في توحيد العيان\" (^٢).\nولهذا كان من المهتمين بالطريقة الدرقاوية والداعين إليها وبلغ اهتمامه بها أنه كان يُنشئ مع كل دار له زاوية معمورة بالفقراء، ويخرج لهم الطعام في كل الفترات، ويجعل في كل زاوية فقيهًا، ومؤذِّنًا مرتاحًا (^٣).\nوكان ابن عجيبة في الغالب موافقًا للانتقادات التي أبداها ابن البنا في منظومته في التصوف، والذي يعتبر ابن عجيبة أشهر شراحها.\nفهذه طريقة قد درست ... وشجر أغصانها قد يبست\nكانت إذن مواردًا شريفة ... فاستبدلت مذاهبًا سخيفة\nقد أُسِّست على صحيحِ العقل ... وأسُّها الآن بمحض الجهل\nكانت تضاهي الكوكب المنيرا ... والآن أضحت حائطًا قصيرا (^٤).\n\nفلقد شرح ابن عجيبة البيت الأخير بقوله: \"كانت طريقة القوم رفيعة القدر عالية الشأن تضاهي أي تشابه أو تحاكي الكوكب المضيء في الرفعة ... والآن صار\n_________\n(^١) المداشر: كلمة مغربية تطلق على القرية الصغيرة، ينظر: الفهرسة، ص ١٦.\n(^٢) الفهرسة، ص ٧٦.\n(^٣) الفهرسة، ص ٨٧، طيب الأنفاس في تاريخ بعض زوايا وأضرحة فاس، ص ٥٤ - ٥٥.\n(^٤) المباحث الأصلية، ص ٣٤٩ - ٣٥٠.","vol":"1","page":812},{"text":"ينتسب إليها الأشرار والفُجَّار فتجد فيها هذا قائد وهذا باشا وغير ذلك، فمنهم من يتخذها حصنًا يتحصَّن بها من عواقب ظلمة يظن ذلك ينفعه بزعمه، ومنهم من يتخذها حرفة فصارت كالحائط القصير يتخطاه القوي والضعيف، وسبب ذلك عدم سقوطهم على شيخ التربية\" (^١).\nولكن ابن عجيبة لم يكن ليرتضي سحب هذا التعميم الذي قال به ابن البنا على سائر الطوائف الصوفية، فهو يقول: \"لا تخلو الأرض من قائم لله بحُجَّته، وشيخ التربية لا يخلو الزمان منه أبدًا؛ إذ لا يمكن أن يكون القطب إلا بعد التربية وهو لا تخلو الأرض منه كما هو مقرَّرٌ عند أهل الفن ... \" (^٢)، وتعتبر الطريقتان العيساوية والحمدوشية من الطرق الصوفية في عهد ابن عجيبة والتي ظهرت فيها بدعٌ أوضحت عن سذاجتها، فالطريقة العيساوية التي تنسب لمحمد بن عيسى الفهدي المكناسي، كان معظم اتباعها من العوام الذين كانوا يقومون بأعمال قبيحة، من افتراس لحوم الغنم والبقر قبل موتها بعد أن يبقروا بطونها ويمزقوا أحشاءها، فتتلوث أبدانهم وثيابهم بالدماء، ويأكلون تلك اللحوم الملوثة بها وبغيرها من الفضلات (^٣)، وكذلك طائفة الحمادشة التي تنسب إلى علي بن محمد حمدوش الشريف، والذي عرف بالجذب إلى حدِّ فقدان الوعي حيث يصير أحيانًا كالأسد يضرب الناس بكلِّ ما يقع بين يديه من حجارة أو آنية (^٤)، وانتسب إليه جماعة عرفوا بحمادشة مارسوا أعمالًا بدعية قبيحة فهم \"يجلبون على رؤوسهم بالمعاول والفؤوس، فتسيل دماء رؤوسهم على وجوهم وثيابهم، وأرعبوا\n_________\n(^١) شرح المباحث الأصلية، ص ٣٥١.\n(^٢) البحر المديد ٢/ ٢٧١.\n(^٣) ينظر: تاريخ تطوان ٣/ ٢١٢، منهج ابن عجيبة في التفسير ١/ ٧٨.\n(^٤) سلوة الأنفاس ١/ ٣٥٤.","vol":"1","page":813},{"text":"النَّساء والأطفال، واعتقدوا بأنهم عابدون لله بهذه الأفعال\" (^١).\nولهذا يرى ابن عجيبة أنَّ هذه الطرق لا تتماشى مع أسس طريقته الدرقاوية، لأحياء أسس وأصول التصوف، كارتباط المريد بشيخ التربية، فيقول: \"وقد ظهروا (أي شيوخ التربية) في زماننا هذا بعد اندراس (^٢) أنوار الطريقة، وخمود أسرار الحقيقة، فجدَّد الله بهم الطريقة، وأحيا بهم أسرار الحقيقة ... \" (^٣).\nوالحقيقة أنَّ الطرق الصوفية لا تخلو من الشرك، كعبادة بعض شيوخهم، والاستغاثة بهم، وعدم الاعتراف بالشَّرع الذي جاء به نبيُّنا محمد - ﷺ -، إلى غير هذا من بدعهم الكثيرة، وكفعل بعضهم مع المريدين، حيث يقول: عليك أن تُسلِّم للشيخ حاله ومراده، وألا تعترض عليه، وأن تكون معه كالميت بين يدي الغاسل، فهذه كلُّها طرقٌ فاسدة، وكُلُّها ضالة (^٤).\n_________\n(^١) ينظر: تاريخ تطوان ٣/ ٢١٢.\n(^٢) اندراس: انمحاء واندثار، من اِنْدَرَسَ: اِمَّحَى، وانْدَثَرَ. ينظر: المعجم الوسيط ١/ ٢٨٠.\n(^٣) شرح المباحث الأصلية، ص ٣٥١.\n(^٤) ينظر: مجموع فتاوى ومقالات متنوعة، لابن باز ٩/ ٣٦٠.","vol":"1","page":814},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-242>المبحث الثالث:\nأثره على من بعده</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-243>أ أثره على من خلفه في الطريقة</span>\nخلف ابن عجيبة بعد وفاته في إكمال المهمة محمد الحراق (^١) الذي شرع بإلقاء دروسه في تطوان في أحضان الزاوية الدرقاوية، وظنَّ الناس أنَّ بدايته ستكون في شرح التفسير، والفقه، لكن البداية كانت بتدريس الحكم العطائية، فانتعشت الطريقة الدرقاوية من جديد في تطوان، ودخل فيها كثيرٌ من الناس، بعد أن أعاد تأسيسها على أربع قواعد: ذكر، ومذاكرة، وعلمٌ، ومحبَّة، وينهى عن التجرد وخرق العوائد، وينصح طلابه ألا يدخلوا في طريق التصوف إلا بعد التبحُّر في علم الظاهر.\nوهكذا خلف الحراق ابن عجيبة في نشر التصوف، فلم يجد صعوبة في جلب الأتباع إليه بالإضافة إلى الدرقاويين المتبقين بتطوان، فقد تحوَّل كثيرٌ من المعجبين بعلمه وفصاحته إلى أنصار له في التلقين والتجربة الصوفية.\nولقد ذاع صيته وأصبحت له زاوية يجتمع عليه خلقٌ كثير، ثم توسَّعت زاويته سنة ١٢٢٤ هـ، وأنشأ زاويتين رسميتين في فاس سنة ١٢٤٦ هـ، وفي طنجة سنة ١٢٥٤ هـ (^٢).\nوممن تأثر بابن عجيبة أيضًا المَكُّودي (^٣) الذي رد على منكري الطريقة\n_________\n(^١) هو: محمد بن محمد الحراق بن عبد الواحد بن يحيى، ولد سنة ١٢٨٨ هـ بمدينة شفشاون على بعد ستين كلم من تطوان، أصبح هو الشيخ الصوفي المتصدي لتلقين الأوراد وتربية المريدين في تطوان. ينظر: النور البراق في ترجمة الشيخ محمد الحراق، ص ٢٢.\n(^٢) ينظر: إشكالية إصلاح الفكر الصوفي، ص ٢٧٤.\n(^٣) هو: أبو عبد الله، محمد بن محمد بن عبد الله التازي المَكُّودي، وقيل بتخفيف الكاف، نسبة لبني مَكُّود قبيلة من البربر، وهم أهل ثروة من أحواز تازا وهي مدينة بين فاس ووجدة تبعد ٣٢٠ كلم من مدينة الرباط، من شيوخه: العربي الدرقاوي، توفي المكودي سنة ١٢١٤ هـ. ينظر: كنز الأسرار ومعدن الأخيار ل/٨٢، جذوة الاقتباس في ذكر من حلَّ من الأعلام مدينة فاس ١/ ٢٩٩.","vol":"1","page":815},{"text":"الدرقاوية، وأنكر على من سجن ابن عجيبة فقال: \"وما ذنبه الذي استحق به السجن، والقهر على الرجوع عن حاله، والإشهاد عليه بذلك، واللَّوم والتوبيخ في مجلس أولئك العُلماء مع أنهم لو أنصفوا لجثوا على الرُّكب بين يديه طُول عمرهم ... فإن قالوا: إنهم رأوا منه ما يخالف الشريعة المطهَّرة، وأثبتوا ارتكابه لأمور من البدع المحرَّمة، فأقول: هو أعرف منهم بالشَّريعة، وأشدهم عملًا بالطريقة والحقيقة\" (^١).\nوهذا يدلُّ على تأثر المكودي بابن عجيبة مثله مثل المعسكري مؤرخ الدرقاوية وطبقاتهم الذي قال عن ابن عجيبة: \"كان حُجَّة الطائفة الدرقاوية، مبيِّنًا لأحكامها، وناشرًا لأعلامها، سبر عن علومها حتى صار ينبوعًا لشموسها وأقمارها ونجومها ... وقد ألَّف نيِّفًا وثلاثين تأليفًا بيَّن فيها الشريعة والطريقة والحقيقة ... والحاصل هو أشهر من نار على علم، يبعد مثلي أن يُعرِّف به وبأمثاله\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-244>ب أثره على أسرته</span>\nلقَّن أحمد بن عجيبة علم الحقيقة أخاه محمد بن محمد بن عجيبة ويكنَّى بأبي عبد الله، وأصبح له نشاطٌ صوفيٌّ في مدينة سلا (^٣) وغيرها، وتاب على يديه كثير من\n_________\n(^١) سلوك الطريقة الدَّرقاويَّة والرد على منكريها، ص ٣٧.\n(^٢) مخطوط كنز الأسرار، مخطوط، ل/٩٧.\n(^٣) سلا: مدينة في المغرب، بينها وبين مراكش على ساحل البحر تسع مراحل، وهي مدينة قديمة أزلية، فيها آثار للأول معروفة بضفة الوادي، متصلة بالعمارة التي أحدثها هناك أحد ملوك بني عبد المؤمن، وكان قد اتخذ أرباب البلد مدينة بالعدوة الشرقية، وهي المعروفة الآن بسلا الحديثة، وهي على ضفة البحر، وسلا القديمة خراب الآن. وأما سلا الحديثة فهي منيعة من جهة البحر، لا يقدر أحد من أهل المراكب على الوصول إليها من جهته، وهي حسنة في أرض رمل، ولها أسواق نافقة وتجارات ودخل وخرج، ولأهلها سعة أموال، والطعام بها كثير رخيص جدًّا. ينظر: الروض المعطار في خبر الأقطار ١/ ٣١٩.","vol":"1","page":816},{"text":"العصاة وسلكوا الطريقة الدرقاوية (^١)، ولقد أُدخل السجن إثر واقعة حدثت له ذكرها أحمد بن عجيبة بقوله: ولما ظهر الطريق وانتشر ذكر الله في البلاد نقم علينا بعضٌ من العوام ادعى على أخي أنه دخل داره، ولقَّن امرأته الورد في غيبته وهو بريءٌ من ذلك، إنما لقَّنها مع بعض النساء في دار غيره، وهو لا يعرفها، فقُبض عليه وأُمِر بسجنه، فقلتُ (^٢): لا أفارق أخي فسُجِنت معه (^٣).\nأثره على أولاده:\nذكر ابن عجيبة (^٤) أنه في حدود عام ١٢٢٤ هـ كان متزوجًا بأربع نسوة إضافة إلى اثنتين قد تزوجهما من قبل، واحدة كان قد طلقها والأخرى ماتت بعد سبعة أشهر من البناء، وكان أول زواجه عام ١١٩٣ هـ، ومجموع ما ولد له من الأولاد واحد وثلاثون، توفي معظمهم في سنوات الوباء عام ١٢١٤ هـ (^٥)، أمَّا الذين ولدوا بعد ذلك وبقوا على الحياة فتسعة: ثلاث إناث وستة ذكور:\nأما الذكور فهم:\n- محمد الصديق، ولد في العشر الأواخر من رمضان عام ١٢٢٠ هـ،\n_________\n(^١) ينظر: كنز الأسرار، مخطوط ل/١٣١، ١٣٢.\n(^٢) القائل: أحمد ابن عجيبة.\n(^٣) ينظر: الفهرسة، ص ٥٧.\n(^٤) الفهرسة، ص ٨٦.\n(^٥) تاريخ تطوان ١/ ١٣٥، وينظر: الطاعون الأسود بين الواقع والتأويل في المغرب العربي (أحمد بن عجيبة وحمدان خواجة نموذجًا) رسالة ضمن كتاب خصوصية التجربة الصوفية في المغرب، ص ١٦٧.","vol":"1","page":817},{"text":"- أحمد الحاضر، وقد ولد يوم رابع جمادى الآخرة من عام ١٢٢٢ هـ\n- عبد القادر، ولد في صفر من عام ١٢٢٤ هـ.\nوأُمُّهم منانة بنت محمد الرحموني العلمي، وهي آخر من تزوَّج من النساء.\n- المهدي، ولد في ذي الحجة عام ١٢١٥ هـ.\n- عبد السلام، ولد ليلة الثلاثاء آخر رمضان عام ١٢٢٢ هـ. ـ\nوأُمُّهما رحمة بنت المقدم الزراد.\n- أمَّا السادس فهو عبد الباقي، وقد ولد في رمضان عام ١٢٢١ هـ وأُمُّه فاطمة بنت سيد الهاشمي.\nأمَّا محمَّد الصديق (^١) أو الصادق فكان من العلماء، قضى معظم سنين حياته في تدريس العلم وبثّه بين الناس في البادية، وقد خلف من الذرية أربع بنات، توفي عام ١٢٩٠ هـ، وله من العمر سبعون سنة، وقد دفن قريبًا من ضريح والده.\nوأمَّا أحمد بن أحمد بن عجيبة فقد نزل بطنجة بعدما درَّس العلم بفاس وباشر تدريس العلم بها مع تلقين الطريقة التي كان قد أخذها عن الشيخ أحمد بن عبد المؤمن (^٢)، ولما تبيَّن للناس ما يتصف به نزيل طنجة من حسن الخلق وشرف النسب ومهابة العلم أكرموه وزوجوه من زوجته بالبيت الذي كان يسكنه من دارها، ثم فصلت البيت عن الدار وتركته مزارًا يتبرك به.\n_________\n(^١) هو: عبد الله محمد بن الصديق الإدريسي الغماري صاحب الطريقة الصديقية ومؤسسها، ولد سنة ١٢٩٥ هـ، وتوفي سنة ١٣٥٠ هـ، ينظر: المطرب في مشاهير أولياء المغرب، ص ٢٤٢، ٢٥١.\n(^٢) هو: أحمد بن عبد المؤمن، ابن الصديق الغماري الحسني، متصوف (درقاوي) تنقل بين الطرق الصوفية بدأ بالطريقة الناصرية، ثم الخلوتية، ثم الطريقة الدرقاوية، نزل بمدينة طنجة وكثر أتباع طريقته، ولد سنة ١٢٠٠ هـ وتوفي سنة ١٢٦٢ هـ بها، ينظر: المطرب في مشاهير أولياء المغرب، ص ٢٣٨، الأعلام ٦/ ٢٢.","vol":"1","page":818},{"text":"وقد خلَّف تآليف كثيرة ضاع معظمها، ويذكر أحد أحفاد ابن عجيبة المعاصرين أنَّ له كتابًا في البدع تعرَّض فيه إلى لعب \"الكرطة\" والشطرنج وغيرهما، كما أنَّ له كتابًا آخر في النيات ضمَّنه آداب زيارة القبور وتحريم ما يرافق ذلك من ممارسات بدعية، وهم يرجعون إليه الفضل في بناء الزاوية الدرقاوية بالأنجرة، ويبدو أن أنجال ابن عجيبة وأحفاده كانوا على قدر من الجاه والمكانة في الوسط الطنجي بعد نزوح أحمد بن أحمد بن عجيبة إليها، فقد أورد جورج سالمون (^١)\nنصًّا صدر عام ١٩٠٥ م يصف حالة الدرقاويين بطنجة قبل تأسيس الشيخ محمد بن الصديق لزاويته بها وفيه: \"ويوجد بالفحص الكثير من الدرقاويين التابعين كإخوانهم بطنجة للشيخ ابن عجيبة أي أحمد بن أحمد بزاوية الأنجرة، إذ لا شيخ لدرقاويي طنجة الآن ولكن يوجد بها أولاد ابن عجيبة أنجال الشيخ الكبير بأنجرة وهم محترمون بطنجة كباقي الشرفاء بها\".\nوقد خلف أحمد بن أحمد بن عجيبة عدة أولاد من بينهم:\n- محمد الساعد، وكان إمامًا بقرية الزميج وغيرها من القرى، توفي عام ١٣٤٦ هـ.\n- فاطمة بنت أحمد، أخذت الطريقة الدرقاوية عن عَمِّها سيدي عبد القادر بن عجيبة الآتي ذكره، تأدَّبت بأدب التصوف واشتهرت بالخير والصلاح مما جعلها عظيمة الجاه، مقبولة الشفاعة، وهي والدة محمد بن الصديق مؤسس الزاوية الدرقاوية بطنجة، وزوجها هو الصديق بن أحمد بن عبد المومن أحد تلامذة العربي الدرقاوي.\n_________\n(^١) جورج سالمون ولد في فرنسا عام ١٨٦٧ م، ودرس في مدرسة اللغات الشرقية، ثم تابع تعليمه في السوربون بالمدرسة التطبيقية للدراسات العليا في باريس التي تأسست سنة ١٨٦٨ م، والتي درس فيها العديد من مفكري فرنسا، له مؤلفات منها: أضرحة طنجة، الطرق والزوايا في طنجة. ينظر:\n\nhttp: //www. aranthropos. com.","vol":"1","page":819},{"text":"- عبد الحفيظ، كان صوفيًّا عالمًا، استقر بمدينة طنجة، وكان ذا وجاهة لدى الخاصة والعامة من الناس، وكثيرًا ما كان يرفع صوته بالهيللة في الطريق، اشتغل بالإمامة والتدريس طوال حياته إلى أن توفي عام ١٣٥٣ هـ/ ١٩٣٤ م، وقد زوج ابنته الزهراء لابن أخته فاطمة الشيخ محمد بن الصديق الذي علا صيته وقدره بفضل هذه المصاهرة.\nأمَّا عبد القادر بن أحمد بن عجيبة، فقد ولد قبل وفاة أبيه بستة أشهر، ولهذا كان بحاجة إلى من يرعاه رعاية تامة وتربية صالحة، وهو ما تحمَّله الشيخ أبو الحسن علي اللغميش القائم بوظيفة الطريقة بعد وفاة أحمد بن عجيبة، وهكذا سهر على تربية عبد القادر إلى أن بلغ سنًّا يؤهِّله للإمساك بزمام الطريقة، فأصبح عالمًا مربيًا نَهَجَ نهْجَ أبيه في العض على مبادئ الدرقاوية والالتزام بها بشدة، وقد كان له عدد لا يُحصى من الأتباع والمريدين سواء في قبيلة أنجرا أو في قبيلتي غمارة وبني سعيد، وكان محترمًا من طرف الحُكَّام والسُّلطان، حتى إنَّ الملك الحسن الأول عندما زار مدينة تطوان في موكب رسمي سأل عنه فَقُدِّم إليه ومعه اثنان من فقراء الطريقة، يحملان تفسير والده \"البحر المديد في تفسير القران المجيد\"، فلما مثل بين يديه سلم إليه التفسير هدية وسلم إليه السُّلطان كيسين من النُّقود الحسنيَّة، فأخذهما الشيخ عبد القادر منه وسلمهما لوليِّ العهد آنذاك مولاي عبد العزيز الذي كان حاضرًا مع أبيه، فقال له الملك الحسن الأول: \"والله لم أر زاهدًا وصالحًا مثل هذا\"، وقد تزوَّج عبد القادر بن عجيبة عدة مرات وخلَّف حوالي أربعين من الأبناء، من بينهم خمسة ذكور كانوا علماء منهم:\n- تاج الدين، وكان مقيمًا بتازة ونواحيها مدرِّسًا، وقد قضى بها أكثر من أربعين","vol":"1","page":820},{"text":"سنة عاد بعدها إلى قرية الزميج بعد وفاة والده، وقد اشتغل في القضاء بقبيلة أنجرة وخلَّف كتابًا في علم الوثائق، توفي عام ١٣٤٢ عن سنٍّ يناهز الخامسة والثمانين ودُفن داخل ضريح والده.\n- أحمد بن عبد القادر بن عجيبة، قضى حياته كلها في التدريس، سكن في الزميج ثم ارتحل إلى قبيلة غمارة حيث أخذ يعظ الناس ويرشدهم إلى معالم الطريق الصوفي، ثم ارتحل بعد ذلك إلى قبيلة بني سعيد حيث بنى زاوية هناك بقرية (أخليفاتن) عرفت بالزاوية الدرقاوية العجيبة، توفي عام ١٣٥٤ هـ عن سنٍّ يناهز التسعين سنة.\nومن أبناء عبد القادر بن عجيبة أيضًا المأمون والأمين وعبد السلام.\nويظهر أنَّ أحمد بن عجيبة كان في سعةٍ من الرزق ولديه ما يكفيه لكي يعول أسرته بكامل أفرادها، فقد كان يملك دارين عامرتين إحداهما ببني سعيد وأخرى بالزميج، كما بُنيت له ثالثة بالفحص إلا أنه لم يسكنها، يقول في فهرسته في معرض تحدُّثه عمَّا منَّ به الله عليه في هذا الشأن: \"وعندي داران وهما قائمتان بالله في كلِّ ما نحتاج إليه من مطعم ومشرب وملبس، وأهلي والحمد لله أغنياء، كل زوجة لها كسوة بنات الأغنياء وفراش الأغنياء، كل ذلك من عند الله، إذ ليس عندي خراجٌ معلوم ولا راتبٌ مرتَّب إلا ما يفتح الله به من الغيب، ومع كلِّ دار زاوية معمورة بالفقراء ويخرج إليها الطعام في الصباح والغداء والعشاء، وفي كل زاوية فقيهٌ ومؤذِّنٌ مرتبان، فلله الحمد وله الشكر ... \" (^١).\n_________\n(^١) ينظر: ابن عجيبة ومنهجه في التفسير ١/ ٩٨ - ١٠٢.","vol":"1","page":821},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-245>ج- أثره على من بعده في العصر الحاضر</span>\nلقد نال ابن عجيبة في العصر الحاضر تمجيدًا، تمثَّل هذا في كثرة الندوات (^١)، والكتابات سواء من الأكاديميين أو المستشرقين، ومن هذه الندوات:\n- المذهب المالكي والتصوف -ابن عجيبة نموذجًا-\nقال عنه الدكتور محمود أي (^٢): \"هو عالمٌ مدقِّقٌ وفقيهٌ غير مقلِّد، حتى إنه يعتبر من أهل الترجيج\"، ويقول عنه أيضًا: \" لا شكَّ أنَّ ابن عجيبة من أهم الشخصيات المتميِّزة بين العلماء والصوفيين تحديدًا في القرن الثاني عشر والثالث عشر الهجري ... \" (^٣).\nوقالت عنه كريمة بن سعاد وهي باحثة مساعدة بمركز الجنيد للدراسات والبحوث الصوفية المتخصصة: عارفٌ ربَّانيٌّ كبير، وعالمٌ صوفي، اجتمعت لديه عوارف العلوم والفنون، وانكشفت له أسرار الفهوم، قلَّ نظيره في بلاد المغرب، وعلا صنيعه ببلاد المشرق، وقد سلكت طريقه العديد من النفوس (^٤).\nوكذلك من المتأثرين به أيضًا عبد السلام العمراني الخالدي الذي يطلق على نفسه خديم الطريقة العجيبية، فله مداخلة في ندوة إمام العلوم الكسبية والوهبية أبي العباس سيدي أحمد بن عجيبة، بعنوان: سيدي أحمد بن عجيبة تربيته النبوية، وعلومه الذوقية، فيقول عنه: سيدي أحمد بن عجيبة هو الشيخ الإمام، الحبر الهمام، العارف\n_________\n(^١) أعمال ندوة أحمد ابن عجيبة المفكر والعالم الصوفي، منشورات جمعية تطاون أسيمر ١١/ ١٢/ صفر ١٤٢٥ هـ، ط/٢٠٠٦ م.\n(^٢) باحث أكاديمي في تركيا.\n(^٣) ندوة أكاديمية بعنوان المذهب المالكي والتصوف في سياقات المعاصرة، ص ٣٩.\n(^٤)  http: \\\\www. aljounaid. ma/article. aspx com.","vol":"1","page":822},{"text":"الرباني والفرد الصمداني قدوة السالكين، ومنار الواصلين، الجامع بين الشريعة والحقيقة، والمتغلغل في علوم القوم، المترقِّي في الذوق والإلهام، ثم أخذ بعد ذلك يتحدث عن التربية النبوية عند ابن عجيبة (^١).\nومن المؤيدين لإخراج تراثه الصوفي الدكتور عبد المجيد الصغير الذي قال: جدير بأن يحظى تراث ابن عجيبة باهتمام الدارسين المعاصرين والعلماء المحققين الأكفاء، وإنَّ مسؤولية جامعة عبد المالك السعدي بتطوان لكبيرة بمعية النخبة المثقَّفة في هذه المدينة التي شهدت أعجب تجربة صوفية، تجربة ابن عجيبة التي شغلت الخاص والعام، وأشار إلى رفض ابن عجيبة لقضية الحلول والاتحاد بقوله: ليس بالغريب أن نجد ابن عجيبة وهو المتصوف والفقيه السُّنِّي الذي لم يفتأ يؤكد نفوره من نظرية الحلول والاتحاد (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-246>د- امتداد الطريقة الدرقاوية</span>.\nلقد كان ابن عجيبة أحد المتصوفة المعروفين بشمال المغرب (تطوان)، وقضى معظم حياته فيها إلا أن شفشاون (^٣) قد تأثرت بطريقته؛ لأنه كان يتردد على شيخه البوزيدي في مدينة شفشاون في الشمال؛ فأُسِّست زاوية باسم ابن عجيبة في مدينة شفشاون في زمن ابنه عبد القادر المتوفى سنة ١٣١٣ هـ، ولا زالت هذه الزاوية\n_________\n(^١) ينظر: أعمال ندوة الشيخ أحمد ابن عجيبة المفكر والعلم الصوفي، ص ٩ - ١٠ - ١١.\n(^٢) ينظر: ماذا بقي من فكر ابن عجيبة، رسالة ضمن كتاب خصوصية التجربة الصوفية في المغرب مفاهيم وتجليات، ص ١٨٠ - ١٨١، ١٩٦.\n(^٣) شفشاون: مدينة في شمال المغرب، وهي مركز إقليم شفشاون، اختطت في حدود سنة ٨٧٦ هـ على يد الحسن بن محمد بن الحسن ينتهي نسبه إلى أبي محمد عبد السلام بن مشيش؛ لتحصين المسلمين من نصارى سبته؛ لأنهم عندما استولوا عليها كانوا يتطاولون على أهلها. ينظر: الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى ٤/ ١٢١.","vol":"1","page":823},{"text":"مفتوحة الأبواب، وكان من أبرز من نشر الطريقة العجيبية بشفشاون المفضَّل بن الحسن أزيات الخرشافي المتوفى سنة ١٣٦٠ هـ، وهو أحد مريدي عبد القادر بن عجيبة، ولذلك عُرفت شفشاون بنشاطٍ في نشر الطريقة الدرقاوية (^١).\n_________\n(^١) ابن عجيبة وامتداد طريقته في شفشاون، منشورات جمعية تطوان، ص ١٠٣ - ١٠٤.","vol":"1","page":824},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-247>الفصل السادس: التعريف بالطريقة الدرقاوية، ودوره في تأسيسها وموقف علماء أهل السنة منها</span>\nوفيه ثلاث مباحث:\n\nالمبحث الأول: التعريف بالطريقة الدرقاوية\nالمبحث الثاني: دوره في تأسيسها\nالمبحث الثالث: موقف أعلام السنة من الطريقة الدرقاوية","vol":"1","page":825},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-248>المبحث الأول:\nالتعريف بالطريقة الدرقاوية</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-249>أ- التعريف بالطريقة الدرقاوية وسبب تسميتها</span>\nبما أن ابن عجيبة أحد أئمَّة المتصوفة المنتسبين إلى الطريقة الدرقاوية فقد اقتضى البحث أن نقف على تعريف لهذه الطريقة، فقد سُمِّيت هذه الطريقة بهذا الاسم نسبةً لمؤسِّسها أبي عبد الله محمد العربي بن أحمد الدرقاوي الزروالي، ينتمي لجدِّه محمد بن يوسف الملقب بأبي درقة (^١) من ذرية إدريس أبي العباس (^٢).\nولد في أوائل النصف الثاني عشر بقرية بني عبد الله من قبيلة بني زروال سنة ١١٥٠ هـ، وتوفي عام ١٢٣٩ هـ، عُرف بكثرة زيارته لأضرحة الأولياء (^٣) طوافًا عليهم (^٤)، وهذه العقيدة راسخة عند العربي الدرقاوي فلقد لبث طويلًا يبحث عن شيخ مربي ليسلك على يديه طريق الصوفية، وأخبر عن نفسه أنه ختم القرآن ستين مرة عند ضريح المولى إدريس بفاس، وتضرع بالدعاء حتى أجاب الله - ﷿ - دعاءه\n_________\n(^١) حيث كانت له درقة كبيرة يحتمي بها في الحروب أيام الموحدين وصار هذا اللقب يطلق على ذريته وأتباعه، ينظر: المطرب بمشاهير أولياء المغرب، ص ٢٠٥، والدَرَق: ضَربٌ مِن التِّرسة، الواحدة دَرَقة، وتُجمَع على الأدراق تُتَّخذ من جلود دوابّ تكون في بلاد الحبش، الواحدة دَرَقَة والجمع دَرَق وأدراق ودِراق. ينظر: تهذيب اللغة ٩/ ٤٥، وجمهرة اللغة، لابن دريد ١/ ٣٣٥.\n(^٢) هو أحمد بن إدريس الإدريسي، صاحب الطريقة الإدريسية، ولد بنواحي فاس سنة ١١٧٢ هـ، التحق بمعهد القويين، أخذ الطريقة الشاذلية عن عبد الوهاب التازي، ينظر: المطرب بمشاهير أولياء المغرب، ص ٢٢٧.\n(^٣) ضريح عبد السلام بن مشيش، في جبل العلم، وموقعه شرق جنوب طنجة وغرب جنوب تطوان، يبعد عن تطوان ستين كلم. ينظر: المطرب بمشاهير أولياء المغرب، ص ٩١.\n(^٤) ينظر المرجع نفسه، ص ٢٠٦.","vol":"1","page":827},{"text":"والتقى بعلي العمراني الملقب بالجمل (^١) بمدينة فاس سنة ١١٨٢ هـ، هو ابن ثلاث أو أربع وعشرين سنة تقريبًا (^٢)، فهو يعتبر الشيخ ضرورة للمريد فيقول: \"من لا شيخ له فالشيطان شيخه، ومن لا شيخ له لا قبلة له، ومن لا شيخ له فهو بطَّال\" (^٣).\nولا شك أنَّ من الباطل تخصيص مكان للعبادة بطريقة غير مشروعة بالكتاب والسُّنَّة وفق منهج السَّلف الصالح الذين عبدوا الله حق عبادته ولم ينقل عن أحد منهم أنه خصَّ مكانًا دون آخر كما يفعل ذلك بعض الصوفية في الزوايا (^٤) والأربطة (^٥)؛ ليُجعل بعد ذلك سُنَّة يقتفيها كل أتباع الطرق الصوفية.\nقال ابن الجوزي مبيِّنًا ما عليه الصوفية من إحيائهم الزوايا بالعبادة: \"أمَّا بناء الأربطة فإنَّ قومًا من المتعبِّدين الماضين اتخذوها للانفراد بالتعبُّد وهؤلاء إذا صحَّ قصدهم فهم على الخطأ من ستة أوجه:\nأحدها: أنهم ابتدعوا هذا البناء وإنما بنيان أهل الإسلام المساجد.\nوالثاني: أنهم جعلوا للمساجد نظيرًا يُقلِّل جمعها.\n_________\n(^١) هو: علي بن عبد الرحمن العمراني الملقب بالجمل، من مشاهير التصوف في القرن الثاني عشر، وهو من مريدي الطيب الوزاني، توفي سنة ١١٩٣ هـ. ينظر: المطرب بمشاهير أولياء المغرب ص ٢٠٠، مجلة أمل في تاريخ الزوايا والطرقية بالمغرب، ص ٢٠.\n(^٢) ينظر: رسائل العربي الدرقاوي، ص ٥، ٦، المطرب بمشاهير أولياء المغرب، ص ٢٠٧.\n(^٣) المطرب بمشاهير أولياء المغرب، ص ٦.\n(^٤) تقسم الزوايا إلى ثلاثة أقسام: زوايا بسيطة وهي التي لم تبن على ضريح ولي، ولا نسبت إلى ولي أو إلى طريقة صوفية، والقسم الثاني: الزاوية ذات الولي وهي ما أنشئت حول ضريح، وتكتسب سمعة من أجل ذلك، وسرعان ما تتحول إلى مركز عمراني كبير، والقسم الثالث وهي التي تنتسب إلى طريقة من الطرق الصوفية، مثل الزاوية العجيبية في شفشاون. ينظر: الشعر الدلائي، ص ٦.\n(^٥) الأربطة: جمع رباط، وأصله من مرابط الخيل، وهو ارتباطها بإزاء العدو في بعض الثغور، ثم أُطلقت على ما أحدثه الصوفية من أبنية للخلوة والعزلة، وهذا مما يخالف الشرع إذ بها تترك المساجد، ينظر: المعجم الصوفي، ص ٢٠١.","vol":"1","page":828},{"text":"والثالث: أنهم أفاتوا أنفسهم نقل الخطى إلى المساجد.\nوالرابع: أنهم تشبَّهوا بالنَّصارى بانفرادهم بالأديرة.\nوالخامس: أنهم تعزَّبوا (^١) وهم شباب وأكثرهم محتاجٌ إلى النكاح.\nوالسادس: أنهم جعلوا لأنفسهم علمًا ينطق بأنهم زُهَّاد فيوجب ذلك زيارتهم والتبرك بهم ... وقد رأينا جمهور المتأخرين منهم مستريحين في الأربطة من كدِّ المعاش متشاغلين بالأكل والشُّرب والغناء والرقص يطلبون الدنيا من كلِّ ظالم ولا يتورَّعون من عطاء ماكس، وأكثر أربطتهم قد بناها الظلمة ووقفوا عليها الأموال الخبيثة\" (^٢).\nوالأدلة مستفيضة من الكتاب والسُّنَّة والإجماع والقياس على تحريم ذلك.\nأ من الكتاب:\nقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ (^٣).\nووجه الاستدلال بالآية عمومها؛ إذ الاسم الموصول بصلة عامة يعم بعمومها حتى يرد تخصيصه، فكلُّ مسجد شارك مسجد سبب النزول في التفرقة والضرر كان كهو في الحكم ... فسبب النُّزول لا يخصص الدليل العام كما هو معلوم في الأصول، ولما كانت القباب والزوايا أعظم ضار ومفرق أخذت بذلك حكم مسجد الضرار (^٤).\n_________\n(^١) تعزَّبوا: تركوا النِّكاح، ينظر: المحكم والمحيط الأعظم ١/ ١٨٩.\n(^٢) تلبيس إبليس ١/ ١٥٧.\n(^٣) سورة التوبة: ١٠٧.\n(^٤) ينظر: حكم السُّنَّة والكتاب في الزوايا والقباب، ص ٣٠.","vol":"1","page":829},{"text":"ب من السُّنَّة:\nقال - ﷺ -: «اشتد غضب الله على قومٍ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (^١).\nوقال: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (^٢).\nوقال: «لا تتخذي قبري وثنًا» (^٣).\nقال ابن عبد البر - ﵀ -: \"الوثن: الصنم، وهو الصورة من ذهب كان أو من فضة، أو غير ذلك من التمثال، وكل ما يعبد من دون الله فهو وثن، صنمًا كان أو غير صنم، وكانت العرب تُصلِّي إلى الأصنام وتعبدها، فخشي رسول الله - ﷺ - على أُمَّته أن تصنع كما صنع بعض من مضى من الأمم كانوا إذا مات لهم نبيٌّ عكفوا حول قبره كما يُصنع بالصنم، فقال - ﷺ -: اللهم لا تجعل قبري وثنًا يصلى إليه، ويُسجد نحوه، ويُعبد فقد اشتد غضب الله على من فعل ذلك، وكان رسول الله - ﷺ -\n_________\n(^١) أخرجه مالك في الموطأ في قصر الصلاة، باب جامع الصلاة مرسلًا ١/ ١٧٢، رقم ٤١٤، وقال الزرقاني في شرح الموطأ: ١/ ٤٩٦، قال ابن عبد البر: لا خلاف عن مالك في إرسال هذا الحديث، وقد صحَّ موصولًا من حديث أبي هريرة - ﵁ -، وابن سعد في الطبقات ٢/ ٢٤٠، وأخرجه الحميدي، باب الجنائز ٢/ ٤٤٥، رقم ١٠٢٥، والديلمي في مسنده ١/ ٤٩٣، رقم ٢٠١٠، وأسنده البزار عن عمر بن محمد عن زيد عن عطاء، عن أبي سعيد الخدري عن النبي - ﷺ -، وقوله: «اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» محفوظ من طرق كثيرة صحاح، وعمر بن محمد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب من ثقات أشراف أهل المدينة، روى عنه مالك والثوري وسليمان بن بلال، فالحديث صحيح عند من يحتج بمراسيل الثقات، وعند من قال بالمسند لإسناد عمر بن محمد له بلفظ الموطأ سواد وهو من تقبل زيادته وله شاهد عند العقيلي من طريق سفيان عن حمزة بن المغيرة عن سهيل بن أبي صالح عن أبي هريرة رفعه، وصحَّحه الألباني في مشكاة المصابيح ١/ ٢٣٤، رقم ٧٥٠.\n(^٢) أخرجه البخاري، باب ما يكره من اتخاذ المساجد على القبور، ٢/ ٨٨، رقم ١٣٣٠، ومسلم، كتاب الجهاد والسير، باب النهي عن بناء المساجد على القبور، ١/ ٣٧٦، رقم ١٩.\n(^٣) أخرجه أحمد في المسند ٢/ ٢٤٦، رقم ٧٣٥٢، وأبو يعلى في مسنده ١٢/ ٣٣، والحميدي في مسنده ٢/ ٤٤٥، وقال أحمد شاكر في تحقيق المسند ١٣/ ٨٨: إسناده صحيح، وذكره الدارقطني في علله ٢/ ٢٢١، رقم ٢٣٣، وقال: \"والمحفوظ هو الموقوف\"، وقال الألباني في تحذير الساجد ص ١١٣: سنده صحيح.","vol":"1","page":830},{"text":"يُحذِّر أصحابه وسائر أُمَّته من سوء صنيع الأمم قبله، الذين صلوا إلى قبور أنبيائهم، واتخذوها قبلة ومسجدًا، كما صنعت الوثنية بالأوثان التي كانوا يسجدون إليها ويعظمونها، وذلك الشرك الأكبر، فكان النبي - ﷺ - يخبرهم بما في ذلك من سخط الله وغضبه، وأنه مما لا يرضاه خشية عليهم من امتثال طرقهم\" (^١).\nج- من الإجماع: \"لا يتردد مؤمنٌ يعلم هذا في تحريم ذلك، ولا يعتبر من الخلاف ... وما خالف فيما نُقل عن العلماء إلا يحيى الزيدي (^٢) حيث قال: \" يجوز بناء القباب والمساجد على قبور أهل الفضل لاستعمال المسلمين ذلك، ولم ينكروه\" (^٣)، ولكن لا يلتفت لقوله، ولا يقدح في الإجماع بل الإجماع قادح فيه.\nويُرَدُّ على هذا المخالف من سبعة أوجه:\nأولًا: مخالفته لما جاء عن رسول - ﷺ - كما تقدَّم في حديث اللَّعن واشتداد الغضب وغيرهما من أمر رسول الله - ﷺ - بهدمها وتسويتها.\nثانيًا: مخالفته لفعل رسول الله - ﷺ -، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (^٤).\nوالآية دالَّةٌ على عدم جواز مخالفة أمر رسول الله - ﷺ - ونقض الإجماع.\nقال ابن كثير - ﵀ -: \"ومن سلك غير طريق الشريعة التي جاء بها الرسول - ﷺ -،\n_________\n(^١) التمهيد ٥/ ٤٥.\n(^٢) هو: يحيى بن حمزة بن علي بن إبراهيم بن محمد بن إدريس الزيدي، ولد بصنعاء في ٢٧ صفر سنة ٦٦٩ هـ، له مؤلفات منها: الحاوي في الفقه، المحصل في شرح أسرار المفصل، مات سنة ٧٠٥ هـ بمدينة ذمار ودفن بها. ينظر: البدر الطالع ٢/ ٣٣١.\n(^٣) البحر الزخار الجامع لمذاهب علماء الأمصار ٢/ ١٣٢.\n(^٤) سورة النساء: ١١٥.","vol":"1","page":831},{"text":"فصار في شقٍّ والشرع في شق، وذلك عن عمد منه بعدما ظهر له الحق وتبيَّن له واتضح له، وقوله: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ﴾ هذا ملازم للصفة الأولى، ولكن قد تكون المخالفة لنص الشارع، وقد تكون لما أجمعت عليه الأُمَّة المحمدية، فيما علم اتفاقهم عليه تحقيقًا، فإنه قد ضمنت لهم العصمة في اجتماعهم من الخطأ، تشريفًا لهم وتعظيمًا لنبيِّهم\" (^١).\nثالثًا: مخالفته للصحابة - ﵃ - حيث لم يفعلوا.\nرابعًا: مناقضة فهمه لما فهمه رسول الله - ﷺ - وصرح به من أنَّ ذلك النهي في قبور الأنبياء والصلحاء الذي قيّد به هو النهي.\nخامسًا: مخالفته لما عليه سلف الأُمَّة وعلمائها.\nسادسًا: فتحه بفتواه باب عبادة الأوثان كما يُرى موجودًا أو حاضرًا بكلِّ ذي بصر وبصيرة.\nسابعًا: مخالفته لما خاف رسول الله - ﷺ - على أُمَّته من التشبه باليهود والنصارى وغيرهم بفتواه التي تدلُّ على أنه لا خوف عليهم من ذلك (^٢).\nد- من بالقياس:\nأنَّ ضرر مسجد لآخر يُنقص جماعته وعمارته، وكذلك هذه الأبنية التي حالت بين السواد الأعظم من المسلمين وبين مساجدهم وبيوت ربهم وجرَّتهم إلى الويلات وعبادة الأوثان فيها والسجود والركوع إلى العظام النخرة بها، وسؤال الحوائج التي لا يقدر عليها إلا الله من رممهم البالية وتعظيمهم كتعظيم الله - ﷿ - والتقرُّب\n_________\n(^١) تفسير القرآن العظيم ٢/ ٤١٢.\n(^٢) ينظر: حكم السُّنَّة والكتاب في الزوايا والقباب، ص ٢٩ - ٣٠، ٥٣ - ٥٦.","vol":"1","page":832},{"text":"إليهم بالأموال، والذبائح، وعقر الحيوان وتسييبها لهم، واعتقاد أنَّ الله رهن إشارتهم، وطوع أيديهم، وأوامرهم، وأنَّ المجيء إليهم لا يخشى من ربٍّ ولا مربوب، وإن فعل ما فعل (^١).\nوإذا كان شأن هذه البيوت والقباب والزوايا هو نفسه شأن مسجد الضرار فإنها تُلْحَقُ به بجامع الضرر المتحقِّق من قبلها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-250>ب- الطريقة الدرقاوية وانتشارها</span>\n١ - الطريقة الدرقاوية:\nعُرفت بطريقة خرق العوائد (^٢) (^٣)، ومثَّلها العربي الدرقاوي، وتلميذه البوزيدي، وأحمد بن عجيبة، وهي تدعو إلى تصوف عملي اجتماعي يشارك في الحياة السياسية والاجتماعية، ويرجع في ذلك الكتاب والسُّنَّة وسيرة السلف الصالح في الأقوال والأفعال والعبادات (^٤)، وكانت لها شارات عرفت بها سلوك الطريقة الدرقاوية وهي: لبس المرقعة (^٥)، وتقلُّد السبحة ذات الحبَّات الخشبية الكبيرة، ويلفُّونها حول أعناقهم، وحمل العصا في اليد (^٦).\nوقد اشتهر الدرقاويون بالذكر جهرًا واعتبروه أساسًا في طريقتهم، وقد\n_________\n(^١) ينظر: المرجع نفسه، ص ٥٨.\n(^٢) خرق العوائد: كل ما تعودته النفس وألفته واستمرت معه حتى صعُب خروجها عنه، فخرق العوائد إبدالها بضدها، وخرق العادة هو: تجاوز وتقويض وإبطال المألوف. ينظر: كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم ١/ ٢٨١.\n(^٣) ينظر: الفهرسة، ص ٥٢.\n(^٤) ينظر: إشكالية إصلاح الفكر الصوفي في القرنين ١٨/ ١٩، ص ١٦، الزاوية الدرقاوية بحاضرة آسفي، ص ١٦.\n(^٥) ينظر: كشف المحجوب، ص ٢٤١.\n(^٦) ينظر: الزاوية الدرقاوية بحاضرة آسفي، ص ١٧.","vol":"1","page":833},{"text":"استحسنه العربي الدرقاوي (^١)، ووصف المعسكري الذكر عند العربي الدرقاوي بقوله: كانت حلقات الذكر عنده هي أسس الوسائل وأسمى الفضائل (^٢).\nولا شكَّ أنَّ إطلاق مرجعيتها إلى الكتاب والسُّنَّة يتنافى مع واقعهم الاعتقادي والسُّلوكي، فكيف بمن كانت عقائدهم الحلول ووحدة الوجود، وتقديس الأولياء، والاعتقاد فيهم أنهم يعلمون الغيب، ويتصرفون في الكون، وأنَّ فيهم أقطابًا وأوتادًا يستغاث بهم من دون الله - ﷿ -، ومؤلفاتهم تدينهم بالضلال، كيف يجتمع هذا مع ادعاء الرُّجوع إلى الكتاب والسُّنَّة؟\nولهذا لا يرتاب المسلم في أنَّ أصحاب هذه الطرق خارجون عن السُّنَّة بعيدون عنها، فمن ادَّعى أن عمله وفق سيرة السَّلف الصالح فليأت بدليل ولن يجد، فهؤلاء القوم حينما غلب عليهم الهوى مع الجهل بطريقة أهل السُّنَّة، توهموا أنَّ ما ظهر لهم بعقولهم هو الطريق القويم دون غيره، فساروا عليه، فحادوا بسببه عن الطريق المستقيم، فهم ضالون من حيث ظنوا أنهم راكبون للجادة، كالذي يمر بالليل على الجادة، وليس له دليل يهديه، فيوشك أن يضل عنها فيقع في متاهة، وإن كان بزعمه يتحرَّى قصدها، فالمبتدع من هذه الأُمَّة إنما ضلَّ في أدلتها حيث أخذها مأخذ الهوى والشهوة، لا مأخذ الانقياد تحت أحكام الله - ﷿ - (^٣).\nقال البربهاري - ﵀ -: \"واعلم أنَّ الناس لو وقفوا عند محدثات الأمور، ولم يجاوزوها بشيء، ولم يولدوا كلامًا مما لم يجئ فيه أثر عن رسول الله - ﷺ -، ولا عن أصحابه - ﵃ - لم تكن بدعة\" (^٤).\n_________\n(^١) شورا الطوية في مذهب الصوفية، مخطوط، ل/٣١.\n(^٢) كنز الأسرار في مناقب العربي الدرقاوي، مخطوط، ل/٣١.\n(^٣) ينظر: الاعتصام ١/ ١٣٤.\n(^٤) شرح السُّنَّة، ص ٤٦.","vol":"1","page":834},{"text":"٢ - انتشار الطريقة الدرقاوية داخل المغرب وخارجه.\nانتشرت الطريقة الدرقاوية في المدن والبوادي المغربية، وكانت تضم في سنة ١٩٣٩ م حوالي ٣٣٩٥٦ ألف تابع في المغرب موزعة على الشكل الآتي (^١):\n <table dir=rtl><tr><th> المنطقة </th><th>  عدد أتباع الدرقاويين </th></tr><tr><td> وجدة (^٢) </td><td> ٢٥٨٨</td></tr><tr><td> تازة (^٣) </td><td> ٢٨٥٧</td></tr><tr><td> فاس </td><td> ٤٧٨١</td></tr><tr><td> مكناس </td><td> ١٠١٨</td></tr><tr><td> القنيطرة (^٤) </td><td> ٦٩٧</td></tr></table>\n_________\n(^١)  المجلة المغربية لعلم الاجتماع السياسي، العدد ١٣/ ١٤، ١٩٩١، مجمل التاريخ الديني بالمغرب ص ١٤٠ - ١٤١.\n(^٢) وجدة: مدينة كبيرة مسورة قديمة، كثيرة البساتين والمياه والعيون، طيبة الهواء، جيدة التربة، وعليها طريق المار والصادر من بلاد المشرق إلى بلاد المغرب، وسجلماسة وغيرها، وهي أقرب مدينة مغربية إلى الحدود الجزائرية، اختطها زيري بن عطية بن عبد الرحمن بن خزر المغراوي، سنة ٣٨٤ هـ، وبنى بها الملوك المرابطون والموحدون عدَّة مآثر، افتتحها يوسف بن تاشفين. ينظر: الاستبصار في عجائب الأمصار، ص ١٧٧، تاريخ ابن خلدون ٧/ ٤٣، تعريف بالمدن والقرى والقبائل والأسر والجهات، ص ١٥١.\n(^٣) تازة: من أقدم المدن المغربية، تقع وسط قبيلة غياثة في منتصف الطريق بين مكناس ووجدة على بعد ١٢٠ كلم شرق فاس و٢٥٥ كلم من وجدة في موقع جبلي بين الأطلس المتوسط وجبال الريف في ممر إستراتيجي عظيم بين الغرب الشرقي وسهول فاس، أُسِّست سنة ٥٢٩ هـ، وتقع فوق هضبة مرتفعة نحو ٦٠٠ م تحيط بها الجنان والحقول والبساتين وغابات الزيتون، وتضم عدة مآثر تاريخية. ينظر: تعريف بالمدن والقرى والقبائل والأسر والجهات، ص ٩٥.\n(^٤) القنيطرة: تقع على بعد ١٠ كلم شمال الرباط، و١١٤ كلم جنوب القصر الكبير، و١٤٩ كلم من مكناس، بناها الحسن الأول على الضفة اليسرى لنهر سبو في أوائل هذا القرن، وبنى بها قصبة كبرى على بعد ١٠ كلم من مصب النهر في المحيط الأطلسي، وعلى مقربة منها توجد عدة آثار رومانية في مكان يدعى تموزيد على بعد ٤ كلم من المدينة. ينظر: تعريف بالمدن والقرى والقبائل والأسر والجهات، ص ٨٤.","vol":"1","page":835},{"text":"<table dir=rtl><tr><td> الرباط (^١) </td><td>٩٨٩</td></tr><tr><td> الدار البيضاء (^٢) </td><td>٤٠٥٠</td></tr><tr><td> الجديدة (^٣) </td><td>٣٠٦١</td></tr><tr><td> أسفي </td><td>٩٦١</td></tr><tr><td> مراكش </td><td>٧٧٩٢</td></tr><tr><td> وسط الأطلس (^٤) </td><td>١٣٢٩</td></tr><tr><td> تافيلات (^٥) </td><td> ١٧٧٩</td></tr></table>\n_________\n(^١)  الرباط: مدينة تقع على المحيط الأطلسي، اختطت زمن الموحدين في القرن السادس للهجرة، وكانت تُسمى رباط الفتح، وهي الآن عاصمة المغرب السياسية. ينظر: البداية والنهاية ١/ ١٧٢.\n(^٢) الدار البيضاء: اختطها عبد الرحمن بن عديس، وبناها مروان بن الحكم، وهي عاصمة المغرب التجارية. ينظر: المسالك والممالك ٢/ ٦٠٤.\n(^٣) الجديدة: عاصمة لناحية دكالة، وبها ميناء متوسط على الشاطئ الأطلسي، احتل المدينة البرتغال سنة ٩٠٨ هـ إلى أن تمكن محمد بن عبد الله من إجلائهم عنها سنة ١١٨٣ هـ، وكانت تُسمَّى من قبل بالبريجة والمهدومة، ولا زالت بها عدة آثار برتغالية، وتقع المدينة على بعد ٩٧ كلم من الدار البيضاء، و١٧ كلم من أزمور، و١٩٥ كلم من مراكش، و١٥٠ كلم من آسفي. ينظر: تعريف بالمدن والقرى والقبائل والأسر، ص ٧٥.\n(^٤) وسط الأطلس: يطلق هذا الاسم على السلسلة الجبلية التي تفصل المغرب إلى شطرين، من الشمال الشرقي إلى الجنوب الغربي، وتنقسم إلى ثلاثة أقسام: الأطلس الكبير، الأطلس المتوسط، الأطلس الصغير، ويتراوح ارتفاعها في بعض النقاط من ٢٠٠٠ إلى ٤٠٠٠ م. ينظر: تعريف بالمدن والفرى والقبائل والأسر، ص ٧٤.\n(^٥) يطلق اسم تافيلات -من الناحية الإدارية- على مجموعة من الواحات الواقعة على ضفتي وادي زيز، والضفة اليمنى لواد غريس، وواحات النيف، وتبلغ مساحة هذه الواحات نحو ١٢ ألف هكتار، ويبلغ عدد النخيل بها نحو ٣٦٠ ألفًا وتزدهر بتافيلات عدة صناعات محلية أهمها صناعة دبغ الجلود. ينظر: تعريف بالمدن والقرى والقبائل والأسر، ص ٩٥.","vol":"1","page":836},{"text":"<table dir=rtl><tr><td> مناطق الحدود المغربية الجزائرية </td><td> ٢٠٥٤</td></tr><tr><td> المجموع </td><td> ٣٣٩٥٦ (^١)</td></tr></table>\nوكانت الجزائر في أواخر القرن الثامن عشر أرضية خصبة لنشر الطريقة الدرقاوية؛ لسوء الأوضاع السياسية والاجتماعية، والاقتصادية (^٢)، ولهذا شكَّلت الجزائر بالنسبة للدرقاويين بلادًا لنشر دعوتهم والبحث عن مريدين جدد وسط السكان المستائين من حكم العثمانيين، فأصبح شاذلية الجزائر يُعرفون بالدرقاويين خاصة بغرب البلاد، فهم يمثِّلون الفرع المغربي للشاذلية (^٣).\n_________\n(^١) هذه الإحصائية قبل ثلاث وعشرين سنة، فما بالك الآن فهم في تزايد، ولم أستطع أن أحصل على إحصائية جديدة قبل إكمال الرسالة، رغم حرصي على ذلك.\n(^٢) ينظر: تحفة الزائر في مآثر الأمير عبد القادر وأخبار الجزائر، ص ١١٧ - ١١٨.\n(^٣) الدور السياسي للطريقة الدرقاوية في العلاقات بين المغرب والجزائر ١/ ٢٦٠.","vol":"1","page":837},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-251>المبحث الثاني: دوره في تأسيسها</span>\nسلك ابن عجيبة الطريقة الدرقاوية عام ١٢٠٨ هـ، عندما التقى بشيخه البوزيدي، لكن ابن عجيبة كان ميَّالًا للفكر الصوفي قبل هذا التاريخ فابن عجيبة \"لم يجعل من تلك السَّنَة تاريخًا لانتسابه للتصوُّف، وتفضيله على الميادين الأخرى، بل إنَّ مقصوده أنه في هذه السَّنَة (^١) اتخذ له شيخًا مربِّيًا، وإلا فإنَّ ميله إلى الفكر الصوفي كان منذ الصغر\" (^٢).\nودلَّ على ذلك أنه ذكر سبب بداية انتقاله من العلم إلى العمل أنه وجد نسخة من كتاب الحكم لابن عطاء الله ثم نسخها وطالع عليها شرح ابن عباد (^٣)، ثم حُبِّبت له الخلوة والتعبُّد في مقامات الصوفية، وقد عزم على الطلوع إلى ضريح عبد السلام بن مشيش بالجبل للتعبُّد، لكنه عدل عن ذلك (^٤).\nثم ذكر بعد ذلك تحوله الكامل إلى الطريقة الدرقاوية الشاذلية، فلقد التقى بالشيخ، وأخذ عنه علم الباطن سنة ثمان ومائتين وألف، ثم التقى بالشيخ مولاي العربي، وسيدي محمد البوزيدي، مرة أخرى في زروال ومكث عندهم ثلاثة أيام يتدارسون التصوف، فتأثَّر بهم ابن عجيبة، ثم قال لشيخه البوزيدي: \"أنا من أصحابك\" (^٥).\n_________\n(^١) سنة ١٢٠٨ هـ، والتي سلك الطريقة الدرقاوية على يد شيخه البوزيدي.\n(^٢) إشكالية إصلاح الفكر الصوفي في القرنين ١٨/ ١٩، ص ١٣٩.\n(^٣) هو: محمد بن إبراهيم بن عباد النفري الرندي، ومدينة رندة في الأندلس، واستقرَّ بفاس، وله مؤلفات منها: غيث المواهب العلية، كفاية المحتاج، توفي سنة ٧٩٢ هـ. ينظر: الأعلام ٥/ ٢٩٩.\n(^٤) ينظر: الفهرسة، ص ٤٠ - ٤١.\n(^٥) المرجع نفسه، ص ٤٥.","vol":"1","page":838},{"text":"ثم سافر ابن عجيبة إلى تطوان فبدأ يراسله البوزيدي وكتب إليه رسالة مضمونها: إن أردت مفاتيح العلوم، ومخازن الفهوم، فعليك بالقدوم، فقدم إليه ابن عجيبة ولقَّنه الورد ثم قال ابن عجيبة لشيخه: \"أنا بين يديك افعل بي ماشئت\" (^١)، ثم قام بخدمة شيخه وتتلمذ على يديه قال: \"وأقيم معه أيَّامًا نتفنَّن في العلوم اللَّدنية، فأنا الذي بنيت غرفته التي يسكن فيها، والمطبخ والحمَّام\" (^٢).\nوبعد ذلك أذن له الشيخ بتلقين الناس الأوراد، إذ يقول: \"ولما فتح الله علينا في علم الحقيقة أذن لي الشيخ في الخروج إلى تذكير عباد الله، وتلقين الأوراد، فخرجنا في جماعة من الفقراء إلى القرى نذكِّر الناس، وكانوا يدخلون في دين الله أفواجا، وعلَّقوا التسابيح في أعناقهم\" (^٣).\nوالطريقة الدرقاوية إذ ذاك لم تكن معروفة بين سُكَّان تطوان أو هي على الأقل غريبة بينهم.\nدلَّ على ذلك قول ابن عجيبة بعد أن ذكر كيفية انتسابه إلى الدرقاوية وخرقه للعوائد، ولبسه لباس الفقراء.\nقال: \" ... فدخلت المدينة بتلك الجلابية والفقراء معي ... والناس ينظرون ويتعجَّبون\" (^٤).\nفتعجُّب سُكَّان تطوان من سلوك الدرقاويين يدلُّ على غرابة هذه الطريقة في المدينة قبل ابن عجيبة، إضافة إلى أنَّ الكلام في الحقائق على اصطلاح الصوفية لم\n_________\n(^١) الفهرسة، ص ٤٦.\n(^٢) الفهرسة، ص ٤٦.\n(^٣) الفهرسة، ٤٧ - ٤٨ - ٤٩.\n(^٤) الفهرسة، ص ٥٣.","vol":"1","page":839},{"text":"يكن معروفًا ومنتشرًا قبل (أي قبل ابن عجيبة) في تطوان، أي قبل سنة ١٢٠٨ هـ وهي السَّنَة التي أصبح فيها ابن عجيبة صوفيًّا درقاويًّا.\nوهذا يدلُّ على أنَّ العربي الدرقاوي كان حريصًا ألَّا تنتشر طريقته وسط طرقٍ مخالفة لأسس طريقته (^١)، أو مناقضة له، إلا بعد أن يجد لها شخصية مهيئة لتلك المهمة (^٢)، فلقد كان كل من العربي الدرقاوي ومريده محمد البوزيدي يبحثان عن عالم من علماء الظاهر يجلبانه إلى صفِّهما ويستطيع القيام بهذه المهمة، وهكذا أصبح ابن عجيبة منذ ذلك الوقت المتحدث باسم الطائفة الدرقاوية (^٣).\n_________\n(^١) الطريقة الريسونية، والحمدوشية، وسبق الحديث عنها.\n(^٢) ينظر: تاريخ تطوان ٣/ ٢١١.\n(^٣) ينظر: كنز الأسرار، مخطوط، ل/١٢٤، إشكالية الفكر الصوفي، ص ١٣٤.","vol":"1","page":840},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-252>المبحث الثالث:\nموقف أعلام السُّنَّة من الطريقة الدرقاوية</span>\nدلَّت النصوص من الكتاب والسُّنَّة على أنَّ المنهج الحق والصراط المستقيم هو ما كان عليه النبي - ﷺ - وأصحابه - ﵃ - فمن تمسَّك به نجا، ومن حاد عنه ضلَّ وغوى.\nوعلامة من أراد الله به خيرًا سلوك هذا الطريق، كتاب الله - ﷿ - وسنن رسول الله - ﷺ - وسنن أصحابه - ﵃ - ومن تبعهم بإحسان، وما كان عليه أئمَّة المسلمين في كلِّ بلدٍ إلى آخر ما كان من العلماء، ومن كان على مثل طريقهم، ومجانبة كل مذهب لا يذهب إليه هؤلاء (^١).\nوالطريقة الدرقاوية كغيرها من الطرق الصوفية التي أفسدت أعمالها بشطحاتهم (^٢) التي أخرجتهم عن الكتاب والسُّنَّة وما عليه سلف الأُمَّة، \"فانظر رحمك الله كلَّ من سمعته من أهل زمانك خاصَّة فلا تعجلن ولا تدخلن في شيءٍ منه حتى تسأل، وتنظر هل تكلَّم به أصحاب رسول الله - ﷺ - أو أحد من العلماء فإن وجدت فيه أثرًا عنهم فتمسَّك به، ولا تجاوزه لشيء، ولا تختر عليه شيئًا فتسقط في النَّار\" (^٣).\nوعندما سُئل عبد الرحمن بن مهدي (^٤) عن هؤلاء القوم ومناهجهم التي وضعوها، بيَّن أن بعضهم أخرجهم الأمر إلى الجنون وبعضهم أخرجهم إلى الزندقة (^٥).\n_________\n(^١) ينظر: الشريعة، للآجري ١/ ٣٠٠.\n(^٢) ينظر: إغاثة اللهفان ١/ ١١٩.\n(^٣) شرح السُّنَّة، للبربهاري، ص ٦٦.\n(^٤) هو: عبد الرحمن بن مهدي بن حسان أبو سعيد العنبري -وقيل: الأزدي- مولاهم، البصري، اللؤلؤي، ولد سنة ١٣٥ هـ، عالم بالحديث، وكان ثقة من الحُفَّاظ، توفي سنة ١٩٨ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء ٩/ ١٩٣.\n(^٥) ينظر: الحث على التجارة والصناعة والعمل، للخلال، ص ٧٢ - ٧٣.","vol":"1","page":841},{"text":"وقد أنكر ابن العربي المالكي (^١) زعمهم أنَّ صفاء القلب يوجب تجلِّي العلوم فيه وهو سبب لانكشاف الأسرار بقوله: \"إنه خطأ بحت ودعوى عريضة لا برهان عليها من العقل، ولا من جهة السمع ... فإن أرادوا أن الفكر في المخلوقات والآيات يوصل إليها فباطل أيضًا قطعًا، وما أعلمني بما يحومون حوله ويسفون عليه\" (^٢).\nولقد دعا أهل السُّنَّة إلى الابتعاد عن مناهج الطرق الصوفية، والتي حملت البلايا والرزايا، ومن بلاياهم القول بوحدة الوجود، وتقديس القبور في مشارق الأرض ومغاربها قال القرطبي: \"قال علماؤنا: يحرم على المسلمين أن يتخذوا قبور الأنبياء والعلماء مساجد\" (^٣)، وهم يعتقدون أن بركة الأولياء موجودة حتى بعد موتهم وأنَّ الكون يُسيِّره الأولياء، وهذا قول لأحد الفقراء الذي فتح لي الزاوية الدرقاوية في بني زروال أثناء الدراسة الميدانية التي أجريتها شمال المغرب العربي بتاريخ ٨/ ٥/١٤٣٨ هـ، فلقد قال: إنَّ المطر يأتينا ببركة سيدي الدرقاوي، ولا حول ولا قوة إلا بالله.\nفالواجب تحذير الأُمَّة من خطر الصوفية، والعودة بهم إلى الكتاب والسُّنَّة وما كان عليه الصحابة - ﵃ - ذلكم هو الطريق النافع للأُمَّة والذي يخلِّصها من الأوضاع المهلكة والتي من أعظم أسبابها الفكر الصوفي وعقائده ومناهجه (^٤). قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (^٥).\n_________\n(^١) هو: محمد بن عبد الله بن العربي الأندلسي الأشبيلي، ولد سنة ٤٦٨ هـ، له مؤلفات منها: عارضة الأحوذي، العواصم من القواصم، توفي سنة ٥٤٣ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء ٢٠/ ١٩٧.\n(^٢) قانون التأويل، ص ٥٥٨.\n(^٣) الجامع لأحكام القرآن ١٠/ ٣٨٠.\n(^٤) ينظر: كشف زيف التصوف وبيان حقيقة وحال حملته، ص ٥٢، ٩٤.\n(^٥) سورة الأحزاب: ٧٠.","vol":"1","page":842},{"text":"قال أبو بكر الطرطوشي - ﵀ -: \"فانظروا رحمكم الله أينما وجدتم سدرة أو شجرة يقصدها الناس، ويعظمونها، ويرجون البر والشفاء من قِبلها، ويضربون بها المسامير والخرق فهي ذات أنواط فاقطعوها\" (^١).\nوعندما سُئل الإمام مالك عن أفعالهم من رقصاتهم وشطحاتهم، قال: ما سمعتُ أنَّ أحدًا من أهل الإسلام يفعل هذا (^٢).\nوما مذهب الصوفية إلا بطالة وجهالة وضلالة، وما الإسلام إلا كتاب وسنة.\nفرحم الله عبدًا حذَّر من هذه الطرق وجانب البدع واتبع ولم يبتدع ولزم الأثر، وطلب الطريق المستقيم واستعان بمولاه الكريم (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-254>موقف أعلام السُّنَّة من قول ابن عجيبة (إنَّ أهل السُّنَّة هم الأشاعرة):</span>\nصرَّح ابن عجيبة بذلك في قوله: \"أمَّا أهل السُّنَّة فهم الأشاعرة\" (^٤).\nوهذا القول لا صحة له بالأدلة المحررة من علماء أهل السُّنَّة الذين بيَّنوا صفات أهل السُّنَّة والجماعة.\nأولًا: تعريف أهل السُّنَّة: أهل الشَّيءِ هم أخصُّ الناس به، يُقال في اللغة: أهل الرَّجل: أخصُّ الناس به، وأهل البيت: سُكَّانه، وأهل الأمر: ولاته، وأهل المذهب: مَن يدين به (^٥).\n_________\n(^١) الحوادث والبدع، ص ١٨ - ١٩.\n(^٢) ينظر: ترتيب المدارك ٢/ ٥٤.\n(^٣) ينظر: الشريعة ١/ ٣١٤.\n(^٤) تفسير الفاتحة الكبير، ص ٣٤٧.\n(^٥) مقاييس اللغة ٢/ ١٥٠، ولسان العرب، ١١/ ٢٩، مادة (أهل).","vol":"1","page":843},{"text":"ثانيًا: تعريف السُّنَّة لغة واصطلاحًا\nالسُّنَّة في اللغة: مشتقَّة من (سَنَّ)، قال ابن فارس: \"السين والنون أصلٌ واحد مطرد، وهو جريان الشَّيءِ واطراده في سُهولة، والأصل قولهم سَنَنْتُ الماء على وجهي أسُنُّهُ سَنًّا: إذا أرسلته إرسالًا\" (^١)، وهي الطريقة والسِّيرة (^٢).\nقال الأزهري: السُّنَّة: الطريقة المحمودة المستقيمة، ولذلك قيل فلان من أهل السُّنَّة معناه: من أهل الطريقة المستقيمة المحمودة (^٣).\nأمَّا في اصطلاح المحدِّثين فهي: ما أُثِر عن النَّبيِّ - ﷺ - من قولٍ أو فعلٍ أو تقريرٍ أو صفةٍ خَلْقية أو خُلُقية أو سيرة، سواء كان قبل البعثة أو بعدها (^٤).\nوفي اصطلاح الأُصوليين \"ما جاء منقولًا عن النِّبيِّ - ﷺ - على الخصوص مما لم يُنص عليه في الكتاب العزيز، بل إنما نص عليه من جهته - ﵊ -، كان بيانًا لما في الكتاب أوَّلًا، وتُطلق على ما جاء عن النِّبيِّ - ﷺ - من قولٍ أو فعلٍ أو تقرير\" (^٥).\nوإذا أُطلق مصطلح أهل السُّنَّة فالمراد به أحد معنيين:\nالمعنى الأول: معنى عامٌّ، فيدخل فيه كلُّ ما سوى الرافضة (^٦)، من الطوائف المنتسبة للإسلام.\n_________\n(^١) مقاييس اللغة، ٣/ ٦٠.\n(^٢) ينظر النهاية، لابن الأثير ٢/ ٤٠٩.\n(^٣) ينظر تهذيب اللغة ١٢/ ٧٢.\n(^٤) ينظر: توجيه النظر إلى أصول الأثر، ص ٣.\n(^٥) الموافقات ٤/ ٣.\n(^٦) ينظر: مقالات الإسلاميين ١/ ٨٩، منهاج السُّنَّة النبوية ٢/ ٩٦، أصول مذهب الشيعة الإمامية ١/ ١٠٨.","vol":"1","page":844},{"text":"فيقال: المنتسبون للإسلام قسمان: أهل السُّنَّة، والشيعة، كما بيَّن شيخ الإسلام - ﵀ -، وهو المعنى المشهور عند العامة، فإنهم لا يعرفون ضدَّ السُّنِّي إلا الرافضي، فإذا قال أحدهم: أنا سُنِّيٌّ فإنما معناه عندهم: لست رافضيًّا (^١).\nوقد ورد عن بعض السَّلف هذا المعنى، فقد سُئل سفيان الثوري - ﵀ -: يا أبا عبد الله ما موافقة السُّنَّة؟ فقال: \"القرآن كلام الله غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود من قال غير هذا فهو كافر، والإيمان قولٌ وعملٌ ونيَّة يزيد وينقص، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية ولا يجوز القول إلا بالعمل، ولا يجوز القول والعمل إلا بالنيَّة، ولا يجوز القول والعمل والنيَّة إلا بموافقة السُّنَّة ... وموافقة السُّنَّة تكون بتقديم الشيخين أبي بكر وعمر - ﵄ - \" (^٢).\nالمعنى الثاني: معنى أخص، وهو ما يقابل المبتدعة وأهل الأهواء، وهو الأكثر استعمالًا وعليه كتب الجرح والتعديل (^٣).\nقال الشاطبي - ﵀ -: \"ويطلق (أي لقب السُّنَّة) في مقابلة البدعة، فيقال: فلانٌ على سُنَّة إذا عمل على وفق ما عليه النَّبيُّ - ﷺ -، كان ذلك مما نص عليه في الكتاب أو لا، ويقال: فلان على بدعة إذا عمل على خلاف ذلك\" (^٤).\nوقال ابن تيمية - ﵀ -: \"فلفظ أهل السُّنَّة يراد به من أثبت خلافة الخلفاء الثلاثة فيدخل في ذلك جميع الطوائف إلا الرافضة، وقد يُراد به أهل الحديث والسُّنَّة المحضة، فلا يَدخل فيه إلَّا من يثبت الصفات لله تعالى ويقول إن القرآن غير مخلوق،\n_________\n(^١) مجمل الاعتقاد ضمن مجموع الفتاوى ٣/ ٣٥٦، منهاج السُّنَّة النبوية ١/ ١٢١.\n(^٢) رواه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ١/ ١٥٢.\n(^٣) مجموع الفتاوى ٢/ ٧ - ٨.\n(^٤) الموافقات ٤/ ٤.","vol":"1","page":845},{"text":"وإنَّ الله يُرى في الآخرة، ويثبت القدر، وغير ذلك من الأصول المعروفة عند أهل الحديث\" (^١).\nوقال الشيخ عبد الرحمن السعدي - ﵀ -: \"فأهل السُّنَّة المحضة السالمون من البدع الذين تمسَّكوا بما كان عليه النَّبيُّ - ﷺ - وأصحابه في الأصول كلها، أصول التوحيد والرسالة والقدر ومسائل الإيمان وغيرها، وغيرهم من خوارج ومعتزلة وجهمية وقدرية ورافضة ومرجئة ومن تفرع عنهم كلهم من أهل البدع الاعتقادية\" (^٢).\n_________\n(^١) منهاج السُّنَّة ٢/ ١٦٣.\n(^٢) الفتاوى السعدية، ص ٦٣ - ٦٤.","vol":"1","page":846},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-255>الخاتمة</span>\nالحمد لله رب العلمين، والصلاة والسلام على نبيِّنا محمَّد وآله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.\nفالكمال البشري عزيز، ويأبى الله العصمة لكتابٍ غير كتابه، والمنصف من اغتفر قليل خطأ المرء في كثير صوابه، والمقام هنا لذكر أهم نتائج البحث وهي كالآتي:\n١ - طَرَق التصوف أبواب مدينة تطوان في أوائل القرن الحادي عشر، وانتشرت الطرق الصوفية التي كان لها أثر على الحياة الاجتماعية في مدينة تطوان، وتكوَّنت قبل قيام ابن عجيبة بدعوته لطريقته الصوفية مثل: الطريقة الريسونية، والعيساوية، والناصرية.\n٢ - لم تكن طريقة ابن عجيبة معروفة بين سُكَّان أهل تطوان أو كانت غريبة عليهم، فعندما دخل عليهم ومعه الفقراء رافعين أصواتهم بالذكر لابسين الجلابية الغليظة تعجَّبوا منهم، واستنكروهم.\n٣ - لم يكن الكلام في الحقائق -حسب مصطلحات الصوفية- معروفًا ومنتشرًا بين أهل تطوان إلا في سنة ١٢٠٨ هـ، وهي السَّنة التي أصبح فيها ابن عجيبة صوفيًّا درقاويًّا، ولا يعني ذلك أنه لم يكن متصوفًا، بل ذكره لكرامات أسرته وخلواتهم وعزلتهم دالة على تأثُّره بالتصوف منذ حداثة سِنِّة، فلقد وجد ابن عجيبة في مدينة تطوان منذ أواخر سنة ١٢٠١ هـ إلا أنه لم يكن سالكًا للطريقة الصوفية الدرقاوية رسميًّا إلا سنة ١٢٠٨ هـ.\n٤ - عاش ابن عجيبة في القرن الثالث عشر الهجري، ويعدُّ مؤسسًا ومجددًا","vol":"1","page":849},{"text":"للطريقة الدرقاوية، التي تعدت حدود المغرب، وانتشرت في بداية العصر الحديث في كثير من البلدان الإسلامية والأوربية، ويتضح ذلك من خلال كثرة زوايا الطريقة الدرقاوية، وكثرة طباعة كتب ابن عجيبة في مصر وسوريا.\n٥ - ابن عجيبة أشعريٌّ متأخِّر، وصوفيٌّ في السُّلوك، ولم ينقل عن أهل السُّنَّة من كتبهم إلا في مواضع يسيرة، فهو أشعريٌّ يميل إلى الجبر، ولديه اضطرابٌ وتناقض.\n٦ - يستدلُّ ابن عجيبة بالكتاب والسُّنَّة، ومصادره المعتمدة في التطبيق هي الكشف، والذوق، والرؤى، والحكايات.\n٧ - وقع ابن عجيبة في كثيرٍ من البدع كالتبرُّك بالقبور، والصَّلاة عندها والطواف والدعاء.\n٨ - خالف ابن عجيبة في مفهوم الإيمان فزعم أنه هو التصديق فقط.\n٩ - سار ابن عجيبة وفق منهج الصوفية في أنَّ التوحيد لا يمكن التعبير عنه، وأنَّ التوحيد الحقيقي هو وحدة الوجود، أمَّا توحيد العوام فهو التوحيد الذي أُرسل به الرُّسل ﵈.\n١٠ - فسَّر ابن عجيبة توحيد الألوهية بتوحيد الربوبية.\n١١ - غلا ابن عجيبة في النِّبيِّ محمَّد - ﷺ -، مما أدَّى إلى إخراجه من طور البشرية إلى الألوهية، وأنَّ الكون خُلِق من نوره.\n١٢ - اعتقد ابن عجيبة بأنَّ الوليَّ مساوٍ للنَّبي، فهو يكشف الضر، ويعلم الغيب، ويُستغاث به.\n١٣ - انحرف ابن عجيبة في أبواب القدر -رغم أنه وافق أهل العلم نظريًّا-","vol":"1","page":850},{"text":"ولكنه قال بإسقاط التدبير والاختيار عن العبد، فهو جبريٌّ يقول بالكسب.\n١٤ - وقع ابن عجيبة في التأويل -أي تأويل صفات الله - ﷿ - ... وتفويضها- وبهذا خالف أهل السُّنَّة والجماعة مثل الأشاعرة.\n١٥ - يغلب على مؤلفات ابن عجيبة المطبوعة والمخطوطة الرموز والغموض، فهو يرى أنَّ أهل الظاهر لا يفهمون إلا ظواهر الشريعة، ولذلك نافح ودافع عن ابن عربي وابن الفارض والتلمساني واعتذر لهم، وبهذا فتح بابًا واسعًا لأصحاب الاتجاهات المنحرفة من ليِّ النصوص وتطويعها حسب أهوائهم بعيدًا عن المنهج الحق الذي عليه السلف الصَّالح.\n١٦ - ابتدع ابن عجيبة أذكارًا وصلوات مما أدَّى إلى انحرافه في أعمال القلوب وتسميتها بأحوال ومقامات ونتج عنها تأثُّره ببدعة وحدة الوجود.\n١٧ - عمد ابن عجيبة إلى إذلال النفس وترويضها ليحصل لها خرق العوائد وتتمكَّن من الرقي في المعارف، حسب زعمه.\n١٨ - يولي ابن عجيبة الشيخ مكانةً هامَّةً، فهو يرى طول صحبته، والإذعان والخضوع له، وعدم الإنكار عليه مهما رأى المريد، وبهذا لا يوجد شيئٌ منكرٌ، بل كل ما يراه المريد معروفٌ، وبهذا عطَّل شريعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.\n١٩ - يعتقد ابن عجيبة أنَّ الخضرَ حيٌّ لم يمت، ويزعم أنه التقى به في جامع الجعيدي، وبهذا خالف ما عليه أهلُ العلمِ المحققون.\n٢٠ - لابن عجيبة مكانة عظيمة عند قومه، ولعلَّ بيان ما وقع فيه من مخالفات عقدية يكشف الغُمَّة عن عيون مريديه؛ ليعودوا إلى المنهج السليم المبنيِّ على الكتاب والسُّنَّة وفق فهم سلف الأُمَّة، بعيدًا عن خرافات الطريقة.","vol":"1","page":851},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-256>التوصيات</span>\n١ - نشر العقيدة الصحيحة وفق منهج السَّلف الصالح، وبيان ما عليه المتصوِّفة من مخالفات عقدية خطيرة.\n٢ - مناصحة أصحاب البدع وتبصيرهم بالعقيدة الصحيحة.\n٣ - تعميق الدراسات العقدية عن الطرق الصوفية المنتشرة في بلدان العالم الإسلامي ومن ضمنها الريسونية والعيساوية وغيرها، وبيان ما فيها من مخالفات عقدية.\n٤ - أوصي طلاب العلم الوافدين من بلادهم والتي يكثر فيها مخالفات عقدية أن يُقدِّموا دراسات عقدية عمَّا يقع في بلادهم، وهذا من باب النصح لهم ودعوتهم إلى العقيدة الصحيحة، خاصَّة أنَّ بعض الجامعات العربية أخذت تُقَعِّد وتنشر الفكر الصوفي والطرقية، وذلك عن طريق فتح مسارات للماجستير والدكتوراه، وزيارات للأضرحة، ومن ذلك أن جامعة محمد الخامس قامت بزيارة مع طلاب الماجستير في الفكر الصوفي إلى ضريح المولى عبد السلام بن مشيش الذي يُعدُّ أول من أدخل التصوف إلى المغرب وهو من شيوخ ابن عجيبة.\n٥ - أوصي بالتفصيل في دراسة الطريقة الدرقاوية وإبراز آرائها وزعمائها ومخالفاتها، وواقعها المعاصر وردود أهل العلم عليها.\nوفي الختام أحمد الله - ﷿ - أن يسَّر لي إعداد هذا الكتاب، وأعتذرُ عن الخطأ والتقصير، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.\nوصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وسلَّم.","vol":"1","page":852},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-257>الملاحق</span>","vol":"1","page":853},{"text":"ضريح ابن عجيبة من بابه","vol":"1","page":855},{"text":"باب ضريح أحمد ابن عجيبة","vol":"1","page":857},{"text":"سور قبة ضريح أحمد ابن عجيبة","vol":"1","page":858},{"text":"قبة ضريح ابنه عبد السلام","vol":"1","page":859},{"text":"المكتبة من الداخل","vol":"1","page":861},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-258>فهرس المصادر والمراجع</span>\nأولًا: القرآن الكريم.\nثانيًا: الكتب:\n١ - الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية ومجانبة الفرق المذمومة، لابن بطة، تحقيق: عثمان عبد الله آدم الأثيوبي وآخرين، دار الراية، الرياض، ط ٢، ١٤١٥ هـ، ١٩٩٤ م.\n٢ - أبجد العلوم، لصديق بن حسن القنوجي، دار الكتب العلمية، بيروت، تحقيق: عبد الجبار زكار، ١٩٧٨ م.\n٣ - الإبداع في مضار الابتداع، لعلي محفوظ، دار المعرفة، بيروت، لبنان، ١٣٧٥ هـ، ١٩٥٦ م.\n٤ - الإبريز من كلام سيدي عبد العزيز الدباغ، لأحمد السلجماسي، دار الكتب العلمية، ط ١، ١٤١٨ هـ.\n٥ - إبعاد الغُمم عن إيقاظ الهمم في شرح الحكم، لأحمد بن عجيبة، دار الكتب العلمية، بيروت، ط ١، ٢٠٠٩ م.\n٦ - أبكار الأفكار في أصول الدين، لأبي الحسن سيف الدين علي بن محمد الآمدي، تحقيق: أحمد فريد المزيدي، دار الكتب العلمية، بيروت، ١٤٢٤ هـ، ٢٠٠٢ م.\n٧ - ابن عطاء الله السكندري وتصوفه، لأبي الوفاء التفتازاني، مكتبة الأنجلو المصرية، ط ٢، ١٣٨٩ هـ.\n٨ - إتحاف أعلام الناس بجمال أخبار حاضرة مكناس، لعبد الرحمن بن محمد السَّجلماسي، مكتبة الثقافة الدينية، القاهرة، ط ١، ١٤٢٩ هـ، ٢٠٠٨ م.\n٩ - إتحاف المريد بشرح جوهرة التوحيد، لعبد السلام اللقاني، المكتبة الأزهرية، أوقف هذا الكتاب حسن الصيرفي على طلبة العلم بالجامع الأزهر، ١٤٢٤ هـ.\n١٠ - إتحاف المطالع بوفيات أعلام القرن الثالث عشر والرابع، لابن سودة، تحقيق: محمد حجي، دار الغرب الإسلامي، بيروت، ط ١، ١٤١٧ هـ، ١٩٩٧ م.\n١١ - إتمام الأعلام، لنزار أباظة، ومحمد رياض الملح، دار الفكر، ط ٢، ١٤٢٤ هـ.\n١٢ - اجتماع الجيوش الإسلامية، لمحمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية، تحقيق: عواد عبد الله المعتق، مطابع الفرزدق التجارية، الرياض، ط ١، ١٤٠٨ هـ، ١٩٨٨ م.\n١٣ - أحكام أهل الذمة، لابن القيم، تحقيق: يوسف بن أحمد البكري، شاكر بن توفيق العاروري،","vol":"1","page":927},{"text":"رمادي للنشر، الدمام، ط ١، ١٤١٨ هـ، ١٩٩٧ م.\n١٤ - الإحكام في أصول الأحكام، لأبي محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي القرطبي الظاهري، تحقيق: الشيخ أحمد محمد شاكر، تقديم: د. إحسان عباس، دار الآفاق الجديدة، بيروت.\n١٥ - إحياء علوم الدين، لأبي حامد بن محمد الغزالي، وبذيله: كتاب المغني عن حمل الأسفار في تخريج ما في الإحياء من الأخبار، لعبد الرحيم بن الحسين العراقي، مكتبة ومطبعة المشهد الحسيني بالقاهرة.\n١٦ - الإحياء والتجديد الصوفي في المغرب، الدرقاوية والإحياء الصوفي الشاذلي، د. أحمد بوكادي، منشورات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالمغرب، مطبعة فضالة المحمدية، ط ١، ١٤٢٧ هـ.\n١٧ - أخبار الآحاد في الحديث النبوي، حجيتها، مفادها، العمل بموجبها، للشيخ الدكتور: عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد الله بن الجبرين، دار طيبة، ط ١، ١٤٠٨ هـ.\n١٨ - الاختلاف في اللفظ والرد على الجهمية والمشبهة، لابن قتيبة الدينوري، تحقيق: عمر بن محمود أبي عمر، دار الراية، ط ١، ١٤١٢ هـ، ١٩٩١ م.\n١٩ - آداب الشافعي ومناقبه، لأبي حاتم الرازي، تحقيق: عبدالغني عبد الخالق، دار الكتب العلمية، بيروت، ط ١، ١٤٢٤ هـ، ٢٠٠٣ م.\n٢٠ - الآداب الشرعية والمنح المرعية، لابن مفلح المقدسي، تحقيق: شعيب الأرنؤوط، عمر القيام، مؤسسة الرسالة، بيروت، لبنان، ١٤١٧ هـ، ١٩٩٦ م.\n٢١ - الآداب المرضية لسالك طريق الصوفية، لمحمد بن أحمد البوزيدي، دار الفتح للدراسات والنشر، عمَّان، الأردن، ١٤٣٢ هـ، ٢٠١١ م.\n٢٢ - آراء المرجئة في مصنفات شيخ الإسلام ابن تيمية، عرض ونقد، د. عبد الله بن محمد السند، رسالة دكتوراه، دار التوحيد، ط ١، ١٤٢٨ هـ.\n٢٣ - الأربعون في أصول الدين، للرازي، تحقيق: أحمد حجازي، السقا، دار الجيل، بيروت، ط ١، ١٤٢٤ هـ، ٢٠٠٤ م.\n٢٤ - الأربعين في التصوف، لأبي عبد الرحمن السلمي، مجلس دائرة المعارف العثمانية، حيدر أباد، الهند.\n٢٥ - إرشاد الفحول إلي تحقيق الحق من علم الأصول، للشوكاني، تحقيق: الشيخ أحمد عزو عناية، قدم له: الشيخ خليل الميس، والدكتور ولي الدين صالح فرفور، دار الكتاب العربي، دمشق، كفر بطنا، ط ١، ١٤١٩ هـ، ١٩٩٩ م.\n٢٦ - الإرشاد إلى صحيح الاعتقاد والرد على أهل الشرك والإلحاد، للشيخ صالح الفوزان، دار ابن الجوزي، ط ٤، ١٤٢٠ هـ، ١٩٩٩ م.","vol":"1","page":928},{"text":"٢٧ - الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أصول الاعتقاد، للجويني، مؤسسة الكتب الثقافية، بيروت، ط ١، ١٤٠٥ هـ، ١٩٨٥ م.\n٢٨ - إرغام أولياء الشيطان بذكر مناقب أولياء الرحمن، لزين الدين محمد عبد الرؤوف المناوي، تحقيق: محمد أديب الجادر، دار صادر، بيروت، ط ١، ١٩٩٩ م.\n٢٩ - إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل، لمحمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، ط ٣، ١٤١٥ هـ.\n٣٠ - أساس التقديس، للرازي، تحقيق: أحمد حجازي السقا، مكتبة الكليات الأزهرية، القاهرة، ١٤٠٦ هـ-١٩٨٦ م.\n٣١ - أساس التقديس، للرازي، مطبعة الحلبي، القاهرة، ١٣٥٤ هـ، ١٩٣٥ م.\n٣٢ - الاستبصار في عجائب الأمصار، لكاتب مراكشي، دار الشؤون الثقافية، بغداد، ١٩٨٦ م.\n٣٣ - الاستغاثة في الرد على البكري، لابن تيمية، تحقيق: د. عبد الله بن دجين السَّهَلي، الرياض، دار المنهاج، ط ٣، ١٤٣١ هـ.\n٣٤ - الاستقامة، لابن تيمية، تحقيق: د. محمد رشاد سالم،، جامعة الإمام محمد بن سعود، المدينة المنورة، ط ١، ١٤٠٣ هـ.\n٣٥ - الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى، لشهاب الدين أبي العباس أحمد بن خالد بن محمد الناصري الدرعي الجعفري السلاوي، تحقيق: جعفر الناصري، محمد الناصري، دار الكتاب، الدار البيضاء.\n٣٦ - أسد الغابة في معرفة الصحابة، لابن الأثير، تحقيق وتعليق: الشيخ علي معوض، وعادل أحمد عبد الجواد، دار الكتب العلمية، بيروت، ١٤١٥ هـ.\n٣٧ - الإسفار عن رسائل أهل الأنوار فيما يتجلى لأهل الذكر في الخلوة من الأنوار، لعبد الكريم الجيلي، تحقيق: د. عاصم الكيالي، دار الكتب العلمية. د. ت.\n٣٨ - الأسماء والصفات، للبيهقي، تحقيق: عبد الله بن محمد الحاشدي، مكتبة السوادي، جدة، ط ١، ١٤١٣ هـ، ١٩٩٣ م.\n٣٩ - الإشاعة لأشراط الساعة، للبرزنجي، دار المنهاج، ط ٣، ١٤٢٦ هـ، ٢٠٠٥ م.\n٤٠ - اشتقاق أسماء الله - ﷿ -، لعبد الرحمن بن إسحاق أبي القاسم الزجاجي، تحقيق: عبد المحسن المبارك، مؤسسة الرسالة، بيروت، لبنان، ط ٢، ١٤٠٦ هـ.\n٤١ - إشكالية إصلاح الفكر الصوفي في القرنين ١٨/ ١٩ م، أحمد بن عجيبة، ومحمد الحراق، د. عبد المجيد الصغير، دار الآفاق الجديدة، المغرب، ط ٢، ١٤١٥ هـ، ١٩٩٤ م.","vol":"1","page":929},{"text":"٤٢ - الإصابة في تمييز الصحابة، لابن حجر العسقلاني، تحقيق: عادل أحمد عبد الموجود وعلى محمد معوض، دار الكتب العلمية، بيروت، ط ١، ١٤١٥ هـ.\n٤٣ - اصطلاحات الصوفية، لابن عربي الحاتمي، مطبعة دائرة المعارف العثمانية، حيدر أباد الدكن ١١٩٤ م.\n٤٤ - أصول الإيمان في ضوء الكتاب والسُّنَّة، لنخبة من العلماء، وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد، المملكة العربية السعودية ط ١، ١٤٢١ هـ.\n٤٥ - أصول الدين، لأبي منصور عبد القاهر البغدادي، ط ٣، دار الكتب العلمية، بيروت، ١٤٠١ هـ.\n٤٦ - أصول السُّنَّة، لابن أبي زمنين المالكي، ومعه رياض الجنة بتخريج أصول السُّنَّة، تحقيق وتخريج وتعليق: عبد الله بن محمد عبد الرحيم بن حسين البخاري، مكتبة الغرباء الأثرية، المدينة النبوية، المملكة العربية السعودية، ط ١، ١٤١٥ هـ.\n٤٧ - أصول الفلسفة الإشراقية عند شهاب الدين السهروردي، د. محمد أبو ريان، دار المعرفة الجامعية، الإسكندرية، ١٩٨٧ م.\n٤٨ - أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، لمحمد الأمين بن محمد المختار بن عبد القادر الجكني الشنقيطي، دار الفكر، بيروت، لبنان، ١٤١٥ هـ، ١٩٩٥ م.\n٤٩ - أضواء على أحمد التجاني وأتباعه، لعبد الباقي مفتاح، دار الكتب العلمية، لبنان، ط ١، ٢٠٠٩ م.\n٥٠ - أضواء على التصوف بالمغرب، الطريقة العيساوية نموذجًا، لعبد الرحمن الملحوني، وزارة الثقافة بالمغرب، تصنيف وسحب: مطبعة دار المناهل.\n٥١ - إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد، لصالح بن فوزان بن عبد الله الفوزان، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط ٣، ١٤٢٣ هـ، ٢٠٠٢ م.\n٥٢ - الاعتصام، لأبي إسحاق إبراهيم بن موسى الشاطبي، تحقيق: د. محمد بن عبد الرحمن الشقير، دار ابن الجوزي، ط ١، ١٤٢٩ هـ.\n٥٣ - اعتقاد أئمة الحديث، لأبي بكر أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن العباس بن مرداس الإسماعيلي الجرجاني، تحقيق: محمد بن عبد الرحمن الخميس، دار العاصمة، الرياض، ط ١، ١٤١٢ هـ.\n٥٤ - اعتقادات فرق المسلمين والمشركين، لأبي عبد الله محمد بن عمر بن الحسن بن الحسين التيمي الرازي الملقب بفخر الدين الرازي، تحقيق: علي سامي النشار، دار الكتب العلمية، بيروت.","vol":"1","page":930},{"text":"٥٥ - أعلام السُّنَّة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة، لحافظ بن أحمد بن علي الحكمي، تحقيق: حازم القاضي، وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد، المملكة العربية السعودية، ط ٢، ١٤٢٢ هـ.\n٥٦ - أعلام السُّنَّة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة، للشيخ حافظ بن أحمد الحكمي، وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد، المملكة العربية السعودية، ١٤٢٠ هـ.\n٥٧ - إعلام الموقعين عن رب العالمين، لمحمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية، تحقيق: محمد عبد السلام إبراهيم، دار الكتب العلمية، ييروت، ط ١، ١٤١١ هـ، ١٩٩١ م.\n٥٨ - الإعلام بمن في تاريخ الهند من الأعلام المسمى: نزهة الخواطر وبهجة المسامع، لعبد الحي الطالبي، دار ابن حزم، بيروت، لبنان، ط ١، ١٤٢٠ هـ.\n٥٩ - الأعلام، لخير الدين بن محمود بن محمد بن علي بن فارس الزركلي الدمشقي، دار العلم للملايين، ط ١٥، أيار، مايو ٢٠٠٢ م.\n٦٠ - إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان، لمحمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية، تحقيق: محمد حامد الفقي،، مكتبة المعارف، الرياض، المملكة العربية السعودية.\n٦١ - أقاويل الثقات في تأويل الأسماء والصفات، لمرعي بن يوسف الكرمي، تحقيق: شعيب الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط ١، ١٤١٦ هـ.\n٦٢ - الاقتصاد في الاعتقاد، للمقدسي، تحقيق: أحمد بن عطية بن علي الغامدي، مكتبة العلوم والحكم، المدينة المنورة، المملكة العربية السعودية، ط ١، ١٤١ هـ، ١٩٩٣ م.\n٦٣ - اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم، لابن تيمية، تحقيق: ناصر عبد الكريم العقل، دار عالم الكتب، بيروت، لبنان، ط ٧، ١٤١٩ هـ، ١٩٩٩ م.\n٦٤ - الإكليل في المتشابه والتأويل، لابن تيمية، خرج أحاديثه وعلَّق عليه: محمد الشيمي شحاته، دار الإيمان، الإسكندرية، مصر.\n٦٥ - إكمال الإكمال (تكملة لكتاب الإكمال لابن ماكولا)، لابن نقطة الحنبلي، تحقيق: د. عبد القيوم عبد ريب النبي، جامعة أم القرى - مكة المكرمة، ط ١، ١٤١٠ هـ.\n٦٦ - إكمال المُعلم بفوائد مسلم، للقاضي عياض، تحقيق، د. يحيى إسماعيل، دار الوفاء، مصر، ط ١، ١٤١٩ هـ، ١٩٩٨ م.\n٦٧ - الإلمام والإعلام بنفثة من بحور علم ما تضمنته صلاة القطب ابن مشيش، لأبي عبد الله محمد بن عبد الرحمن بن زكي الفاسي، دراسة وتحقيق د. محمد علوي، دار أبي رقراق، ط ١، ١٤٣٣ هـ.","vol":"1","page":931},{"text":"٦٨ - أم البراهين، لأبي عبد الله بن يوسف السنوسي، تحقيق: خالد زهري، دار الكتب العلمية، بيروت، ط ١، ١٤٢٤ هـ، ٢٠٠٣ م.\n٦٩ - الأم، لأبي عبد الله محمد بن إدريس بن العباس الشافعي، دار المعرفة، بيروت، ١٤١٠ هـ، ١٩٩٠ م.\n٧٠ - إنباء الغمر بأبناء العمر، لابن حجر العسقلاني، تحقيق: د. حسن حبشي، المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية - لجنة إحياء التراث الإسلامي، مصر، ١٣٨٩ هـ، ١٩٦٩ م.\n٧١ - الانتصار في الرد على المعتزلة القدرية الأشرار، لأبي الحسين يحيى بن أبي الخير بن سالم العمراني اليمني الشافعي، تحقيق: د. سعود بن عبد العزيز الخلف، دار أضواء السلف، الرياض، المملكة العربية السعودية، ط ١، ١٤١٩ هـ، ١٩٩٩ م.\n٧٢ - الانتصار لأصحاب الحديث، لأبي المظفر، منصور بن محمد بن عبد الجبار ابن أحمد المروزي السمعاني التميمي الحنفي ثم الشافعي، تحقيق: محمد بن حسين بن حسن الجيزاني، مكتبة أضواء المنار، السعودية، ط ١، ١٤١٧ هـ، ١٩٩٦ م.\n٧٣ - الأنساب، للسمعاني، أبي أسعد عبد الكريم بن محمد بن منصور التميمي، دار الفاروق الحديثة، القاهرة.\n٧٤ - الإنسان الكامل في معرفة الأوائل والأواخر، لعبد الكريم الجيلي، مطبعة الحلبي، مصر، ط ٤، ١٤٠٤ هـ، ١٩٨١ م.\n٧٥ - الإنصاف في حقيقة الأولياء ومالهم من الكرامات والألطاف، لمحمد بن إسماعيل بن صلاح بن محمد الحسني، الكحلاني ثم الصنعاني، تحقيق: د. عبد الرزاق بن عبد المحسن البدر، عمادة البحث العلمي بالجامعة الإسلامية، المدينة النبوية، المملكة العربية السعودية، ط ١، ١٤٢١ هـ.\n٧٦ - الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين البصريين والكوفيين، للأنباري،، المكتبة العصرية، ط ١، ١٤٢٤ هـ، ٢٠٠٣ م.\n٧٧ - الأنوار القدسية في شرح القصيدة الهمزية للبوصيري، شرح: أحمد بن عجيبة، دار الكتب العلمية، بيروت، ط ٢، ٢٠١٣ م.\n٧٨ - الأنوار القدسية في معرفة قواعد الصوفية، لعبد الوهاب الشعراني، تحقيق: طه عبد القاي سرور، ومحمد عبد الشافعي، مكتبة المعارف، بيروت، ١٩٨٨ م.\n٧٩ - أوضح الإشارة في الرد على من أجاز الممنوع من الزيارة، للنجمي، الرئاسة العامة للبحوث العلمية، الرياض، ١٤٠٥ هـ.\n٨٠ - الإيجاز في ترجمة الشيخ ابن باز، لعبد الرحمن بن يوسف عبد الرحمن بن محمد، د. ط،","vol":"1","page":932},{"text":"١٤١٩ هـ.\n٨١ - إيقاظ الهمم في شرح الحكم، لأحمد بن عجيبة، دار المعارف، القاهرة.\n٨٢ - إيقاظ الهمم في شرح الحكم، لأحمد بن عجيبة، ضبط وتحقيق: د. عاصم إبراهيم الكيالي الدرقاوي، ط ٤، ٢٠١٣، لبنان.\n٨٣ - الإيمان الأوسط (شرح حديث جبريل - ﵇ -)، لأحمد بن عبد الحليم بن تيمية، تحقيق: د. علي الزهراني، دار ابن الجوزي.\n٨٤ - الإيمان، لابن تيمية، خرج أحاديثه: الشيخ محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي بيروت، لبنان، ط ٥، ١٤١٦ هـ.\n٨٥ - الباعث الحثيث إلى اختصار علوم الحديث، لابن كثير، تحقيق: أحمد محمد شاكر، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط ٢.\n٨٦ - بحار الأنوار، لمحمد باقر المجلسي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان، د. ط.\n٨٧ - البحر الزخار الجامع لمذاهب علماء الأمصار، للإمام المجتهد المهدي لدين الله أحمد بن يحيى بن المرتضى المتوفى سنة ٨٤٠ هـ، وبهامشه كتاب: جواهر الأخبار والآثار المستخرجة من لجة البحر الزخار، تحقيق: محمد بن يحيى بهران الصعدي المتوفى سنة ٩٥٧ هـ، ضبط نصه ووثق تخريجاته وعلق عليه: د. محمد محمد تامر، كلية دار العلوم، قسم الشريعة، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط ١، ١٤٢٢ هـ،٢٠٠١ م.\n٨٨ - البحر المديد في تفسير القرآن المجيد، لأحمد بن عجيبة، دار الكتب العلمية، بيروت، ط ٣، ٢٠١٠ م.\n٨٩ - البداية والنهاية، لأبي الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي، تحقيق: د. عبد الله بن عبد المحسن التركي، ط ١، ١٤١٧ هـ.\n٩٠ - البداية والنهاية، لأبي الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي، دار عالم الكتب، الرياض، ط ٢، ١٤٢٤ هـ.\n٩١ - بدائع الفوائد، لابن القيم، دار عالم الفوائد، ط ٢، ١٤٢٧ هـ.\n٩٢ - البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع، لمحمد بن علي الشوكاني، دار المعرفة، بيروت، لبنان.\n٩٣ - البرهان في أصول الفقه، للجويني، تحقيق: صلاح بن محمد بن عويضة، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط ١، ١٤١٨ هـ، ١٩٩٧ م.\n٩٤ - البرهان في معرفة عقائد أهل الأديان، للسكسكي، تحقيق: خليل أحمد الحاج، دار التراث","vol":"1","page":933},{"text":"العربي، ط ١، ١٤٠٠ هـ ١٩٨٠ م.\n٩٥ - البستان في ذكر الأولياء والعلماء بتلمسان، لعبد الله بن محمد التلمساني، المطبعة الثعالبية، ١٢٦٦ هـ، ١٩٠٨ م.\n٩٦ - البعث والنشور، للبيهقي، تحقيق: الشيخ عامر أحمد حيدر، مركز الخدمات والأبحاث الثقافية، بيروت، ط ١، ١٤٠٦ هـ، ١٩٨٦ م.\n٩٧ - بغية المرتاد في الرد على المتفلسفة والقرامطة والباطنية، لأحمد بن عبد الحليم بن تيمية، مكتبة العلوم والحكم، تحقيق: د. موسى سليمان الدويش، ط ١، ١٤١٥ هـ.\n٩٨ - بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة، للسيوطي، تحقيق: محمد أبي الفضل إبراهيم، المكتبة العصرية، لبنان، صيدا.\n٩٩ - البلغة في تراجم أئمة النحو واللغة، لمجد الدين أبي طاهر محمد بن يعقوب الفيروزآبادى، دار سعد الدين، ط ١، ١٤٢١ هـ، ٢٠٠٠ م.\n١٠٠ - بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية، لابن تيمية، تحقيق: مجموعة من المحققين، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، ط ١، ١٤٢٦ هـ.\n١٠١ - البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة، لأبي الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي، تحقيق: د. محمد حجي وآخرين، دار الغرب الإسلامي، بيروت، لبنان، ط ٢، ١٤٠٨ هـ، ١٩٨٨ م.\n١٠٢ - تاج العروس من جواهر القاموس، للزبيدي، تحقيق: مجموعة من المحققين، التراث العربي، مطبعة حكومة الكويت، ط ٢، ١٤٠٧ هـ.\n١٠٣ - تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام، لشمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي، دار الكتاب العربي، لبنان، بيروت، ط ١، ١٤٠٧ هـ، ١٩٨٧ م.\n١٠٤ - تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام، لشمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي، تحقيق: د. عمر عبد السلام تدمري، دار الكتاب العربي، بيروت، ط ٢، ١٤١٣ هـ، ١٩٩٣ م.\n١٠٥ - التاريخ الكبير، للبخاري، مطبعة دائرة المعارف العثمانية، حيدر آباد، الدكن، طبع تحت مراقبة: محمد عبد المعيد خان.\n١٠٦ - تاريخ بغداد، لأبي بكر أحمد بن علي بن ثابت البغدادي، تحقيق: د. بشار عواد معروف، دار الغرب الإسلامي، بيروت، ط ١، ١٤٢٢ هـ، ٢٠٠٢ م.\n١٠٧ - تاريخ تطوان، محمد داود، دار أبي رقراق، الرباط، المغرب، د. ط، ٢٠١٣ م.","vol":"1","page":934},{"text":"١٠٨ - تاريخ دمشق، لابن عساكر، تحقيق: عمرو بن غرامة العمروي، دار الفكر، ١٤١٥ هـ، ١٩٩٥ م.\n١٠٩ - تأسيس التقديس في كشف تلبيس داود بن جرجيس، لعبد الله أبي بطين، تحقيق: عبد السلام بن برجس العبد الكريم، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط ١، ١٤٢٢ هـ، ٢٠٠١ م.\n١١٠ - تأويل مختلف الحديث، لأبي محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري، المكتب الإسلامي، مؤسسة الإشراق، ط ٢، ١٤١٩ هـ، ١٩٩٩ م.\n١١١ - التبصير في الدين وتمييز الفرقة الناجية عن الفرق الهالكين، لطاهر بن محمد الأسفراييني، تحقيق: كمال يوسف الحوت، دار عالم الكتب، لبنان، ط ١، ١٤٠٣ هـ، ١٩٨٣ م.\n١١٢ - التبصير في معالم الدين، للطبري، تحقيق: علي بن عبد العزيز بن علي الشبل، دار العاصمة، ط ١، ١٤١٦ هـ، ١٩٩٦ م.\n١١٣ - التبيان في أقسام القرآن، لابن قيم الجوزية، دراسة وتحقيق: محمد حامد الفقي، دار المعرفة، بيروت، لبنان.\n١١٤ - تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد، لمحمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، بيروت، ط ٤.\n١١٥ - تحريم الغناء والسماع، لأبي بكر محمد بن الوليد الطرطوشي، تحقيق وتقديم وفهرسة: عبد المجيد تركي، دار الغرب الإسلامي، ط ١، ١٩٩٧ م.\n١١٦ - تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي، للمباركفوري، دار الكتب العلمية، بيروت.\n١١٧ - تحفة الزائر في مآثر الأمير عبد القادر وأخبار الجزائر، بدون ذكر المؤلف، المطبعة التجارية، غرزوزي وجاويش، الأسكندرية، ١٩٠٣ م.\n١١٨ - التحفة العراقية في الأعمال القلبية، لابن تيمية، تحقيق ودراسة. د. يحيى محمد الهنيدي، مكتبة الرشد، الرياض، ط ١، ١٤٢١ هـ، - ٢٠٠٠ م.\n١١٩ - تحفة المريد على جوهرة التوحيد، لإبراهيم بن محمد البيجوري، طبعة مصطفى البابي الحلبي، القاهرة، ١٣٥٨ هـ، ١٩٣٩ م.\n١٢٠ - تحفة أهل الفتوحات والأذواق في اتخاذ السبحة وجعلها في الأعناق، للبناني، تحقيق: أحمد فريد المزيج، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ٢٠٠٧ م.\n١٢١ - تحقيق البرهان في إثبات حقيقة الميزان، لمرعي الحنبلي، تحقيق: سليمان بن صالح الخزي، مطبعة المدني، القاهرة، ١٤٠٩ هـ.","vol":"1","page":935},{"text":"١٢٢ - تخريج العقيدة الطحاوية، لأبي جعفر أحمد بن محمد بن سلامة المعروف بالطحاوي، شرح وتعليق: محمد ناصر الدين الألباني،، المكتب الإسلامي، بيروت، ط ٢، ١٤١٤ هـ.\n١٢٣ - تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي، لعبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي، مكتبة الرياض الحديثة، الرياض، تحقيق: عبد الوهاب عبد اللطيف.\n١٢٤ - تذكرة الحفاظ، لمحمد بن أحمد بن عثمان الذهبى، دراسة وتحقيق: زكريا عميرات، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط ١، ١٤١٩ هـ، ١٩٩٨ م.\n١٢٥ - تذكرة المؤتسي شرح عقيدة الحافظ المقدسي، د. عبد الرزاق البدر، دار غراس، ط ١، ١٤٢٤ هـ.\n١٢٦ - تذكرة أولي النهى والعرفان، لإبراهيم العبيد، مكتبة الرشد، الرياض، ط ١،، ١٤٢٨ هـ.\n١٢٧ - التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة، للقرطبي، تحقيق: محمود بن منصور البسطويسي، دار البخاري، المدينة المنورة، ط ١، ١٤١٧ هـ.\n١٢٨ - ترجمة سماحة الشيخ العلامة عبد العزيز بن باز، إعداد أبي معاذ: ظافر بن حسن آل جمعان.\n١٢٩ - التسعينية، لابن تيمية، تحقيق: د. محمد بن إبراهيم العجلان، الرياض، مكتبة المعارف، ط ١، ١٤٢٠ هـ، ١٩٩٩ م.\n١٣٠ - تسلية أهل المصائب، لأبي عبد الله محمد بن محمد بن محمد المنبجي الحنبلي، دار الكتب العلمية، بيروت، ١٩٨٦ م.\n١٣١ - تسهيل المدخل لتنمية الأعمال بالنية الصالحة عند الإقبال، لأحمد بن عجيبة، دراسة وتحقيق: د. عبد المجيد المرزوقي، دار، هبة، الصويرة، المغرب، ط ١، ٢٠١٤ م.\n١٣٢ - التصوف الإسلامي في الغرب (الأثر الصوفي المغربي في بريطانيا- الزاوية الحبيبة الدرقاوية نموذجًا)، عزيز الكبيطي إدريسي، مطبعة أميمة، فاس، منشورات المركز الأكاديمي للثقافة والدراسات المغاربية، الشرق أوسطية والخليجية، ط ١، ٢٠٠٨ م.\n١٣٣ - التصوف المغربي، مصدر إشعاع وتواصل، أ. نفيسة الذهبي، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة ابن طفيل، القنيطرة، ط ١، ١٤٣٦ هـ.\n١٣٤ - التصوف بين الإفراط والتفريط، لعمر كامل.\n١٣٥ - التصوف كوعي وممارسة، دراسة في الفلسفة الصوفية عند أحمد بن عجيبة، د. عبد المجيد الصغير، دار الثقافة، الدار البيضاءـ، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، ط ١، ١٩٩٩ م.\n١٣٦ - التصوف، المنشأ والمصادر، لإحسان إلهي ظهير، ١٣٦٠، ١٤٠٧ هـ، دار ابن حزم","vol":"1","page":936},{"text":"القاهرة، ط ١، ١٤٢٩ هـ، ٢٠٠٨ م.\n١٣٧ - تطهير الاعتقاد من أدران الإلحاد، لمحمد بن إسماعيل الصنعاني، ضمن عقيدة الفرقة الناجية، تقديم: عبد الله حجاج، دار الجيل، بيروت، مكتبة التراث الإسلامي، القاهرة، ط ٢، ١٤٠٧ هـ، ١٩٨٧ م.\n١٣٨ - التعرف لمذهب أهل التصوف، الكلاباذي، مكتبة الثقافة الدينية، القاهرة، ط ١، ١٤٣٠ هـ، ٢٠٠٩ م.\n١٣٩ - تعريف بالمدن والقرى والقبائل والأسر والجهات، د. عبد الرحيم بن سلامة، مطبوعات الجمعية المغربية للتضامن الإسلامي، ط ٢، ٢٠١٥ م.\n١٤٠ - التعريفات، لعلي بن محمد بن علي الجرجاني، تحقيق: إبراهيم الأبياري، دار الكتاب العربي، بيروت، ط ١، ١٤٠٥ هـ.\n١٤١ - تعطير الأنفاس بالشيخ أبي العباس، لمحمد بن محمد المعروف بابن الموقت، نشر: أحمد متفكر.\n١٤٢ - التعليق الوفي على رسالة رد على صوفي، للشيخ: أحمد بن يحيى النجمي، دار الإمام أحمد، القاهرة، ط ١، ١٤٢٩ هـ.\n١٤٣ - تفسير أبي السعود المسمى إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم، تحقيق: عبدالقادر أحمد عطا، مطبعة السعادة، مصر، توزيع مكتبة الرياض الحديثة.\n١٤٤ - تفسير البحر المحيط، لأبي حيان الأندلسي، دار الفكر.\n١٤٥ - تفسير البغوي، لأبي محمد الحسين بن مسعود البغوي، دار طيبة، ط ٣، ١٤٣١ هـ.\n١٤٦ - تفسير الرازي، للرازي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط ٣، ١٤٢٠ هـ.\n١٤٧ - تفسير الفاتحة الكبير، لأحمد بن عجيبة، دار الكتب العلمية بيروت، لبنان، ط ٢، ٢٠٠٦ م، ١٤٢٧ هـ.\n١٤٨ - تفسير القرآن العظيم، للحافظ أبي الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي، دار طيبة، الرياض، ط ٣، ١٤٢٦ هـ.\n١٤٩ - تفسير القرآن الكريم، لمحمد بن أبي بكر بن أيوب بن شمس الدين ابن قيم الجوزية، تحقيق: مكتب الدراسات والبحوث العربية والإسلامية بإشراف الشيخ إبراهيم رمضان، دار ومكتبة الهلال، بيروت، ط ١، ١٤١٠ هـ.\n١٥٠ - تقريب التهذيب، لابن حجر العسقلاني، دار الرشيد، سوريا، تحقيق محمد عوامه، ط ١، ١٤٠٦ هـ، ١٩٨٦ م.\n١٥١ - تقييدان في وحدة الوجود، لأحمد بن عجيبة، تحقيق وتقديم: جان لويس ميشون، دار","vol":"1","page":937},{"text":"الزرقاء مراكش، المغرب، ط ١، ١٤١٩ هـ.\n١٥٢ - تلبيس إبليس، لعبد الرحمن بن علي بن محمد أبي الفرج،، دار الكتاب العربي، بيروت، ط ١، ١٤٠٥ هـ، ١٩٨٥ م.\n١٥٣ - تلخيص الحبير في أحاديث الرافعي الكبير، لأحمد بن علي بن حجر العسقلاني، تحقيق: السيد عبد الله هاشم اليماني المدني، دار المدينة المنورة، ١٣٨٤ هـ، ١٩٦٤ م.\n١٥٤ - تلخيص الحبير في أحاديث الرافعي الكبير، لأحمد بن علي بن حجر العسقلاني، تحقيق: أبي عاصم حسن بن عباس بن قطب، مؤسسة قرطبة، مصر، ط ١، ١٤١٦ هـ/١٩٩٥ م.\n١٥٥ - تمهيد الأوائل وتلخيص الدلائل، لأبي بكر الباقلاني، تحقيق: أحمد فريد المزيدي، دار الكتب العلمية، بيروت، ١٤٢٦ هـ، ٢٠٠٥ م.\n١٥٦ - تمهيد الأوائل وتلخيص الدلائل، لأبي بكر الباقلاني، تحقيق: عماد الدين أحمد حيدر، مؤسسة الكتب الثقافية، لبنان، ط ١،، ١٤٠٧ هـ - ١٩٨٧ م.\n١٥٧ - التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد، لابن عبد البر، تحقيق: مصطفى بن أحمد العلوي، محمد عبد الكبير البكري، وزارة عموم الأوقاف والشؤون الإسلامية، المغرب، ١٣٨٧ هـ.\n١٥٨ - التنبيهات اللطيفة فيما احتوت عليه الواسطية من المباحث المنيفة، لعبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله آل سعدي، دار طيبة، الرياض، ط ١، ١٤١٤ هـ.\n١٥٩ - التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل، للمعلمي، تخريجات وتعليقات: محمد ناصر الدين الألباني، زهير الشاويش، عبد الرزاق حمزة، المكتب الإسلامي، ط ٢، ١٤٠٦ هـ، ١٩٨٦ م.\n١٦٠ - التنوير في إسقاط التدبير، وبهامشه تاج العروس الحاوي لتهذيب النفوس، لابن عطاء الله السكندري، مكتبة عباس شقرون، الطبعة الأخيرة د. ت.\n١٦١ - تهذيب التهذيب، لابن حجر العسقلاني، دار الفكر، ط ١، ١٤٠٤ هـ.\n١٦٢ - تهذيب السنن، لابن القيم، تحقيق وتعليق وتخريج: د. إسماعيل بن غازي مرحبا، مكتبة المعارف، الرياض، ط ١، ١٤٢٨ هـ.\n١٦٣ - تهذيب اللغة، للأزهري، تحقيق: محمد عوض مرعب، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط ١، ٢٠٠١ م.\n١٦٤ - التوسل والوسيلة، لابن تيمية، ضمن مجموع الفتاوى.\n١٦٥ - توضيح المشتبه في ضبط أسماء الرواة وأنسابهم وألقابهم وكناهم، لمحمد بن عبد الله (أبي بكر) بن محمد بن أحمد بن مجاهد القيسي الدمشقي الشافعي، شمس الدين، الشهير بابن ناصر الدين،","vol":"1","page":938},{"text":"تحقيق: محمد نعيم العرقسوسي، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط ١، ١٩٩٣ م.\n١٦٦ - التوضيح لشرح الجامع الصحيح، لابن الملقن، تحقيق: دار الفلاح للبحث العلمي وتحقيق التراث، دار النوادر، دمشق، سوريا، ط ١، ١٤٢٩ هـ، ٢٠٠٨ م.\n١٦٧ - توضيح هداية المريد إلى جوهرة التوحيد، لبكري رجب، دار العصماء، ٢٠٠٤ م.\n١٦٨ - تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد الذى هو حق الله على العبيد، لسليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب، تحقيق: زهير الشاويش، المكتب الإسلامي، بيروت، دمشق، ط ١، ١٤٢٣ هـ، ٢٠٠٢ م.\n١٦٩ - تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، للشيخ عبد الرحمن بن ناصر السَّعدي، دار ابن الجوزي، ط ٣، ١٤٣٣ هـ.\n١٧٠ - جامع البيان في تأويل القرآن، لمحمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبي جعفر الطبري، تحقيق: أحمد محمد شاكر،، مؤسسة الرسالة، ط ١، ١٤٢٠ هـ،٢٠٠٠ م.\n١٧١ - جامع الرسائل، لأحمد بن عبد الحليم بن تيمية، تحقيق: د. محمد رشاد سالم، دار العطاء، الرياض، ط ١، ١٤٢٢ هـ، ٢٠٠١ م.\n١٧٢ - الجامع الصحيح المسند من حديث رسول الله - ﷺ -، لمحمد بن إسماعيل البخاري، المكتبة السلفية، القاهرة، ط ١، ١٤٠٠ هـ.\n١٧٣ - جامع العلوم والحكم في شرح خمسين حديثًا من جوامع الكلم، لابن رجب، تحقيق: شعيب الأرناؤوط، إبراهيم باجس، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط ٧، ١٤٢٢ هـ، ٢٠٠١ م.\n١٧٤ - الجامع الكبير، = سنن الترمذي، لمحمد بن عيسى بن سَوْرة بن موسى بن الضحَّاك، الترمذي، أبي عيسى، تحقيق: بشار عواد معروف، دار الغرب الإسلامي، بيروت، ١٩٩٨ م.\n١٧٥ - جامع المسائل، لابن تيمية، تحقيق: محمد عزير شمس، إشراف: الشيخ بكر بن عبد الله أبي زيد، دار عالم الفوائد، ط ١، ١٤٢٢ هـ.\n١٧٦ - جامع كرامات الأولياء، للنبهاني، تحقيق ومراجعة: إبراهيم عطوة عوض، مطبعة مصطفى البابي الحلبي، القاهرة، ط ٣، ١٤٠٤ هـ، ١٩٨٤ م.\n١٧٧ - الجامع لأحكام القرآن والمبيِّن لما تضمنه من السُّنَّة وآي الفرقان، لمحمد بن أحمد الأنصاري القرطبي، تحقيق: معالي الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي، مؤسسة الرسالة، ط ١، ١٤٢٧ هـ، ٢٠٠٦ م.\n١٧٨ - الجامع لحياة العلامة محمد بن عثيمين العلمية والعملية وماقيل فيه من المراثي، لوليد بن أحمد الحسين، ط ١، ١٤٢٢ هـ.","vol":"1","page":939},{"text":"١٧٩ - جذوة الاقتباس في ذكر من حل بمدينة فاس، دار المنصور، الرباط، ١٩٧٣ م.\n١٨٠ - الجرح والتعديل، لابن أبي حاتم،، طبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية، بحيدر آباد الدكن، الهند، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط ١، ١٢٧١ هـ، ١٩٥٢ م.\n١٨١ - جلاء الأفهام في فضل الصلاة على محمد خير الأنام، لابن القيم، دار العروبة، الكويت، تحقيق: شعيب الأرناؤوط، عبد القادر الأرناؤوط، ط ٢، ١٤٠٧ هـ، ١٩٨٧ م.\n١٨٢ - جماعة أنصار السُّنَّة المحمدية نشأتها، أهدافها، منهجها، جهودها، د. أحمد محمد الطاهر، دار الهدي النبوي، ط ١، ١٤٢٥ هـ.\n١٨٣ - جمهرة الأولياء وأعلام التصوف، لمحمود أبي الفيض المنوفي، القاهرة، مؤسسة الحلبي، وشركاه، ط ١، ١٣٨٧ هـ.\n١٨٤ - جمهرة تراجم الفقهاء المالكية، د. قاسم علي سعد، دار البحوث للدراسات الإسلامية وإحياء التراث، دبي، ط ١، ١٤٢٣ هـ، ٢٠٠٢ م.\n١٨٥ - الجواب الصحيح لمن بدَّل دين المسيح، لتقي الدين أبي العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي، تحقيق: عبد العزيز بن إبراهيم العسكر وآخرين، دار العاصمة، السعودية، ط ١،، ١٤١٤ هـ.\n١٨٦ - الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي (الداء والدواء)، لابن القيم، تحقيق: علي حسن عبد الحميد، دار ابن الجوزي، الدمام، ط ١، ١٤١٦ هـ، ١٩٩٦ م.\n١٨٧ - الجواهر العجيبة من تأليف ابن عجيبة، جمع وتقديم: عبد السلام العمراني الخالدي، دار الكتب العلمية، ط ٢، ٢٠٠٧ - ١٤٢٨ هـ.\n١٨٨ - الجواهر المضية في طبقات الحنفية، لعبد القادر بن محمد بن نصر الله القرشي، أبي محمد، محيي الدين الحنفي، مير محمد كتب خانه، كراتشي.\n١٨٩ - جواهر المعاني وبلوغ الأماني في فيض سيدي أبي العباس التيجاني، لعلي بن حرازم العربي، براده المغربي الفاسي، دار الجيل بيروت، لبنان، ١٤٠٨ هـ، ١٩٩٨ م.\n١٩٠ - الجواهر والدرر مما استفاده عبد الوهاب الشعراني من سيده علي الخواص، لعبد الوهاب الشعراني، بهامش الإبريز، للدباغ، دار الكتب العلمية، بيروت لبنان، ٢٠٠٥ م.\n١٩١ - حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح، لمحمد بن أبي بكر بن قيم الجوزية، مكتبة المدني، جدة.\n١٩٢ - الحاوي للفتاوي، للسيوطي، دار الفكر، بيروت، لبنان، ١٤٢٤ هـ، ٢٠٠٤ م.\n١٩٣ - الحبائك في أخبار الملائك، للسيوطي، تحقيق: خادم السُّنَّة المطهرة أبي هاجر محمد","vol":"1","page":940},{"text":"السعيد بن بسيوني زغلول، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط ١، ١٤٠٥ هـ، ١٩٨٥ م.\n١٩٤ - الحث على التجارة والصناعة والعمل والإنكار على من يدعي التوكل في ترك العمل والحجة عليهم في ذلك، لأبي بكر، أحمد بن محمد الخلال البغدادي، تحقيق: عبد الفتاح أبي غدة، مكتبة المطبوعات الإسلامية، حلب، ط ١، ١٤١٥ هـ، ١٩٩٥ م.\n١٩٥ - الحجة في بيان المحجة وشرح عقيدة أهل السُّنَّة، لإسماعيل بن محمد بن الفضل بن علي القرشي الطليحي التيمي الأصبهاني، أبي القاسم، الملقب بقوام السُّنَّة، تحقيق: محمد بن ربيع بن هادي عمير المدخلي، دار الراية، السعودية، الرياض، ط ٢، ١٤١٩ هـ، ١٩٩٩ م.\n١٩٦ - حدائق الحقائق، لمحمد بن أبي بكر بن عبد القادر الرازي، تحقيق: سعيد عبد الفتاح، مكتبة الثقافة الدينية، ط ١، ١٤٢٢ هـ.\n١٩٧ - الحركات الباطنية في الإسلام، د. مصطفى غالب، بيروت، لبنان، دار الكتاب العربي، د. ت.\n١٩٨ - الحركات الباطنية في العالم الإسلامي، لمحمد أحمد الخطيب، الأردن، مكتبة الأقصى، دار عالم الكتب، الرياض، ط ٢، ١٤٠٦ هـ، أصل الكتاب رسالة علمية في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.\n١٩٩ - حقيقة التوحيد بين أهل السُّنَّة والمتكلمين، د. عبد الرحيم السلمي، مركز التأصيل للدراسات والبحوث، ط ١، ١٤٣٥ هـ، ٢٠١٤ م.\n٢٠٠ - حكم السُّنَّة والكتاب في الزوايا والقباب، لعبد الرحمن بن محمد النتيفي، دار الجيل، د. ط، ت.\n٢٠١ - الحلل السندسية في الأخبار التونسية، لمحمد بن محمد الأندلسي الوزير السراج، تقديم وتحقيق: محمد الحبيب الهيلة، دار الغرب الإسلامي، بيروت، ط ١، ١٩٨٥ م.\n٢٠٢ - خصوصية التجربة الصوفية في المغرب، مفاهيم وتجليات، د. عبد المجيد الصغير، دار رؤية، القاهرة، ط ١، ٢٠٠١ م.\n٢٠٣ - خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي، للمحبي، دار صادر بيروت، لبنان.\n٢٠٤ - خلق أفعال العباد والرد على الجهمية وأصحاب التعطيل، لمحمد بن إسماعيل البخاري، دار أطلس الخضراء، المملكة العربية السعودية، الرياض، ط ٢، ١٤٣٠ هـ.\n٢٠٥ - الدر المنضود في الصلاة والسلام على صاحب المقام المحمود، لابن حجر الهيتمي، عني به: بوجمعة عبد القادر مكري ومحمد شادي مصطفى عربش، دار المنهاج، جدة، ط ١، ١٤٢٦ هـ.\n٢٠٦ - الدر النضيد في إخلاص كلمة التوحيد، للشوكاني، ط ١، ١٤٣٠ هـ.\n٢٠٧ - درء تعارض العقل والنقل، لأحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني أبي العباس، تحقيق: محمد رشاد سالم، دار الكنوز الأدبية، الرياض، ١٣٩١ هـ.","vol":"1","page":941},{"text":"٢٠٨ - الدرة البهية شرح القصيدة التائية في حل المشكلة القدرية، للسعدي، تحقيق: أبي محمد أشرف بن عبد المقصود، دار أضواء السلف، ط ١، ١٤١٩ هـ، ١٩٩٨ م.\n٢٠٩ - الدرر السنية في الأجوبة النجدية، مجموعة رسائل ومسائل عُلماء نجد الأعلام من عصر الشيخ محمد بن عبد الوهاب إلى عصرنا هذا، جمع: عبد الرحمن بن قاسم النجدي، ط ٦، ١٤١٧ هـ، ١٩٩٦ م.\n٢١٠ - الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة، لابن حجر العسقلاني، تحقيق ومراقبة: محمد عبد المعيد خان، مجلس دائرة المعارف العثمانية، حيدر أباد، الهند، ط ٢، ١٣٩٢ هـ، ١٩٧٢ م.\n٢١١ - الدُّرر الناثرة في توجيه القراءات المتواترة، أحمد بن عجيبة، أعده واعتنى به: عبد السلام العمراني، بيروت، لبنان، ط ١، ١٤٣٤ هـ، ٢٠١٣ م.\n٢١٢ - دعوة التوحيد، للشيخ محمد خليل هراس، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط ١، ١٤١٦ هـ.\n٢١٣ - دفع الشبهة والغرر عمن يحتج على فعل المعاصي بالقدر، لمرعي الكرمي، تحقيق: د. عبد الله بن سليمان الغفيلي، دار المسير، الرياض، ط ١، ١٤١٩ هـ.\n٢١٤ - دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب، للشنقيطي، مكتبة ابن تيمية، القاهرة، توزيع: مكتبة الخراز، جدة، ط ١، ١٤١٧ هـ، ١٩٩٦ م.\n٢١٥ - دلائل الخيرات وشوارق الأنوار في ذكر الصلاة على النبي المختار، للجزولي، دارالفقيه، ٢٠٠٥ م.\n٢١٦ - دلائل النبوة ومعرفة أحوال صاحب الشريعة، للبيهقي، دار الكتب العلمية، بيروت، ط ١، ١٤٠٥ هـ.\n٢١٧ - الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج، للسيوطي، تحقيق وتعليق: أبي اسحق الحويني الأثري، دار ابن عفان، المملكة العربية السعودية، الخبر، ط ١، ١٤١٦ هـ، ١٩٩٦ م.\n٢١٨ - ديوان ابن الفارض، لعمر بن علي الفارض، المكتبة الثقافية، بيروت.\n٢١٩ - ديوان التلمساني، لعفيف الدين التلمساني، دراسة وتحقيق: يوسف زيدان، دار الشروق.\n٢٢٠ - ديوان الحلاج، ويليه: أخباره وطواسينه، للحسين منصور الحلاج، جمعه وقدم له: د. سعدي ضناوي، دار صادر، بيروت، ط ١، ١٩٨٨ م.\n٢٢١ - ديوان الصنعاني، لمحمد بن إسماعيل الحسيني الصنعاني، مطبعة المدني القاهرة، ط ١، ١٤٣٨ هـ.\n٢٢٢ - ذم التأويل، لابن قدامة المقدسي، تحقيق: بدر بن عبد الله البدر، الدار السلفية، الكويت،","vol":"1","page":942},{"text":"ط ١، ١٤٠٦ هـ.\n٢٢٣ - ذيل طبقات الحنابلة، لابن رجب، تحقيق: د. عبد الرحمن بن سليمان العثيمين، مكتبة العبيكان، الرياض، ط ١، ١٤٢٥ هـ ٢٠٠٥ م.\n٢٢٤ - الذيل على الروضتين تراجم رجال القرنين السادس والسابع، لأبي شامه المقدسي، دار الجيل، ط ٢، ١٩٧٤ م.\n٢٢٥ - الرحلة المراكشية أو مرآة المساوي الوقتية، ويسمى أيضًا: السيف المسلول على المعرض عن سنة الرسول - ﷺ -، لمحمد بن محمد بن عبد الله الموقت، تقديم: د. أحمد الشقيري الديني، ط ٣، ٢٠٠٠ م.\n٢٢٦ - الرد على الأخنائي واستحباب زيارة خير البرية، لابن تيمية، تحقيق: عبد الرحمن بن يحيى المعلمي اليماني، المطبعة السلفية، القاهرة.\n٢٢٧ - الرد على البكري، لابن تيمية، الدار العلمية، دلهي، الهند، ط ٢،، ١٤٠٥ هـ، ١٩٨٥ م.\n٢٢٨ - الرد على الجهمية والزنادقة، لأحمد بن محمد بن حنبل الشيباني، دار الإمام البخاري، الدوحة، ط ١، ١٤٢٩ هـ.\n٢٢٩ - الرد على الجهمية، لأبي سعيد عثمان بن سعيد بن خالد بن سعيد الدارمي، تحقيق: بدر بن عبدالله البدر، دار ابن الأثير، الكويت، ط ٢، ١٩٩٥ م.\n٢٣٠ - الرد على الشاذلي في حزبيه، وما صنفه في آداب الطريق، لابن تيمية، تحقيق: علي بن محمد العمران،، دار عالم الفوائد، مكة، ط ١، ١٤٢٩ هـ.\n٢٣١ - الرد على القائلين بوحدة الوجود، لعلي بن (سلطان) محمد، أبي الحسن نور الدين الملا الهروي القاري، تحقيق: علي رضا بن عبد الله بن علي رضا، دار المأمون للتراث، دمشق، ط ١، ١٤١٥ هـ، ١٩٩٥ م.\n٢٣٢ - الرد على المنطقيين، لأحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني أبي العباس، دار المعرفة، بيروت.\n٢٣٣ - رسالة ابن أبي زيد القيرواني، ومعها إيضاح المعاني على رسالة القيرواني، لأحمد مصطفى قاسم الطهطاوي، دار الفضيلة، د. ط.\n٢٣٤ - الرسالة التدمرية، لابن تيمية، المطبعة السلفية، القاهرة، مصر، ط ٢، ١٣٩٧ هـ، ١٩٧٧ م.\n٢٣٥ - رسالة السجزي إلى أهل زبيد في الرد على من أنكر الحرف والصوت، لعبيد الله بن سعيد السجزي، تحقيق: د. محمد باكريم باعبد الله، الجامعة الإسلامية، المدينة المنورة، ط ٢، ١٤٢٣ هـ.\n٢٣٦ - الرسالة القشيرية، لعبد الكريم بن هوازن بن عبد الملك القشيري، تحقيق: د. عبد الحليم محمود، د. محمود بن الشريف، دار المعارف، القاهرة.\n٢٣٧ - الرسالة الوافية، لأبي عمر الداني، ط ١، دار الإمام أحمد، الكويت.","vol":"1","page":943},{"text":"٢٣٨ - رسالة إلى أهل الثغر، لأبي الحسن الأشعري، تحقيق: عبد الله شاكر الجنيدي، مكتبة العلوم والحكم، دمشق، ط ١، ١٤٠٩ هـ، ١٩٨٨ م.\n٢٣٩ - رسالة في إثبات الاستواء والفوقية ومسألة الحرف والصوت، ضمن مجموع الرسائل المنيرية، لابن تيمية، تحقيق: محمد منير الدمشقي، المطبعة المنيرية، ١٣٤٣ هـ.\n٢٤٠ - الرسالة، للشافعي، تحقيق: أحمد شاكر، مكتبه الحلبي، مصر، ط ١، ١٣٥٨ هـ، ١٩٤٠ م.\n٢٤١ - رسائل ابن سبعين، لعبد الحق بن إبراهيم بن سبعين المرسي، تحقيق وتقديم: د. عبد الرحمن بدوي، الدار المصرية للتأليف والترجمة، القاهرة.\n٢٤٢ - رسائل العربي الدرقاوي، تحقيق: بسام محمد بارو، المجمع الثقافي، أبو ظبي، ١٩٩٩ م.\n٢٤٣ - رسائل النور الهادي، عبد السلام العمراني الخالدي، دار الكتب العلمية، ط ١، ١٤٢٤ هـ.\n٢٤٤ - الرهص والوقص لمستحل الرقص، لإبراهيم بن محمد بن إبراهيم الحلبي ثم القسطنطيني الحنفي، تحقيق وتعليق: أبي عبد الرحمن وائل بن صدقي، مؤسسة بينونة، الإمارات، ط ١، ١٤٣٣ هـ، ٢٠١٢ م.\n٢٤٥ - روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، للألوسي، تحقيق: علي عبد الباري عطية، دار الكتب العلمية، بيروت، ط ١، ١٤١٥ هـ.\n٢٤٦ - الروح في الكلام على أرواح الأموات والأحياء بالدلائل من الكتاب والسُّنَّة، لابن القيم، دار الكتب العلمية، بيروت، ١٣٩٥ هـ، ١٩٧٥ م.\n٢٤٧ - الروض العطر الأنفاس بأخبار الصالحين من أهل فاس، منسوب لأبي عبد الله محمد بن عيشون، دراسة وتحقيق: زهراء النظام، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية جامعة محمد الخامس، الرباط، ط ١، ١٩٩٧ م.\n٢٤٨ - الروض المعطار في خبر الأقطار، لمحمد بن عبد المنعم الحميري، تحقيق: إحسان عباس، مؤسسة ناصر للثقافة، بيروت، ط ٢، ١٩٨٠ م.\n٢٤٩ - روضة العقلاء ونزهة الفضلاء، لمحمد بن حبان بن أحمد بن حبان بن معاذ بن مَعْبدَ، التميمي، أبي حاتم، الدارمي، البُستي، تحقيق: محمد محي الدين عبد الحميد، دار الكتب العلمية، بيروت.\n٢٥٠ - الروضة المقصودة في مآثر بني سودة، لسليمان الحوات، تحقيق: عبد العزيز التيلاني، مؤسسة محمد بن سودة الثقافية، فاس، ١٩٩٤ م.\n٢٥١ - روضة الناظرين عن مآثر علماء نجد وحوادث السنين، لمحمد بن صالح بن عثمان، ط ٢، ١٤٠٣ هـ.","vol":"1","page":944},{"text":"٢٥٢ - زاد المسير في علم التفسير، لجمال الدين أبي الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي، تحقيق: عبد الرزاق المهدي، دار الكتاب العربي، بيروت، ط ١، ١٤٢٢ هـ.\n٢٥٣ - زاد المعاد في هدي خير العباد، لابن القيم، ط ١، ١٤٢٣ هـ.\n٢٥٤ - الزاوية الدرقاوية بحاضرة أسفي، ومريدوها من العلماء، لمحمد بوغ، دار وليلي، ط ١، ٢٠٠٦ م.\n٢٥٥ - الزهر النضر في أخبار الخضر، لابن حجر العسقلاني، تحقيق: صلاح مقبول أحمد، مجمع البحوث الإسلامية، جوغا بائي، نيو دلهي، ط ١، ١٤٠٨ هـ.\n٢٥٦ - الزواجر عن اقتراف الكبائر، لابن حجر الهيتمي، دار الفكر، ط ١، ١٤٠٧ هـ، ١٩٨٧ م.\n٢٥٧ - السبحة تاريخها وحكمها، لبكر بن عبد الله أبي زيد، دار العاصمة، ط ١، ١٤١٩ هـ، ١٩٩٨ م.\n٢٥٨ - سبل السلام شرح بلوغ المرام، لمحمد بن إسماعيل الصنعاني، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان.\n٢٥٩ - سراج الملوك، للطرطوشي، تحقيق: لمحمد فتحي أبي بكر، تقديم: د. شوقي ضيف، مطبعة المدني، القاهرة، الدار المصرية اللبنانية، ط ١، ١٤١٤ هـ، ١٩٩٦ م.\n٢٦٠ - سلسلة الأحاديث الصحيحة، للشيخ محمد ناصر الدين الألباني، الأردن، المكتبة الإسلامية، ط ٣، ١٤٠٦ هـ.\n٢٦١ - سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيئ في الأمة، لأبي عبد الرحمن محمد ناصر الدين الألباني، دار المعارف، الرياض، الممكلة العربية السعودية، ط ١، هـ ١٤١٢ هـ، ١٩٩٢ م.\n٢٦٢ - سلك الدرر في ذكر القضاء والقدر، لأحمد بن عجيبة، دار الرشاد الحديثة، الدار البيضاء، المغرب، جمع وتقديم: العمراني الخالدي عبد السلام، ط ١، ١٤٢٠ هـ.\n٢٦٣ - سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصالحين بفاس، للشريف أبي عبد الله محمد بن جعفر بن إدريس الكتاني، دار الأمان، الرباط، المغرب، ط ٣، ١٤٣٥ هـ، ٢٠١٤ م.\n٢٦٤ - سلوك الطريقة الدرقاوية والرد على منكريها المسماة، الإرشاد والتبيان، لمحمد بن محمد بن عبد الله المكودي، دار الرشاد الحديثة، الدار البيضاء، المغرب، ط ١، ١٤٢٨ - ٢٠٠٧ م.\n٢٦٥ - سلوك الطريقة الوارية بالشيخ والمريد والزاوية، لمحمد المنالي الزبادي، المطبعة والوراقة الوطنية، مراكش، ط ١، ٢٠١١ م.\n٢٦٦ - السُّنَّة، للإمام أبي بكر أحمد بن عمرو بن أبي عاصم، تحقيق: باسم بن فيصل الجوابرة، الرياض، دار الصميعي، ط ٣، ١٤٢٦ هـ، ٢٠٠٥ م.\n٢٦٧ - سنن ابن ماجه، للحافظ أبي عبد الله محمد بن زيد القزويني، تحقيق وترقيم: محمد فؤاد عبد","vol":"1","page":945},{"text":"الباقي، طبعة دار إحياء الكتب العلمية.\n٢٦٨ - سنن أبي داود، للإمام أبي داود سليمان بن الأشعث الأزدي، السجستاني، تحقيق: محمد عوامه، دار اليسر، المدينةالمنورة، المملكة العربية السعودية، ط ٣، ١٤٣١ هـ.\n٢٦٩ - سنن الترمذي، لأبي عيسى بن محمد بن عيسى، تحقيق وشرح: أحمد محمد شاكر، طبعة دار الفكر.\n٢٧٠ - السنن الصغرى، للنسائي، أبي عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن علي الخراساني، النسائي، تحقيق: عبد الفتاح أبي غدة، مكتب المطبوعات الإسلامية، حلب، ط ٢، ١٤٠٦ هـ، ١٩٨٦.\n٢٧١ - السنن الكبرى، لأبي عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن علي الخراساني، النسائي، حققه وخرج أحاديثه: حسن عبد المنعم شلبي، أشرف عليه: شعيب الأرناؤوط، قدم له: د. عبد الله بن عبد المحسن التركي، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط ١، ١٤٢١ هـ، ٢٠٠١ م.\n٢٧٢ - سير أعلام النبلاء، لشمس الدين أبي عبد الله محمد بن أحمد الذهبي، تحقيق: شعيب الأرناؤوط، مؤسسة الرسالة، ط ٢، ١٤٢٩ هـ، ٢٠٠٨ م.\n٢٧٣ - الشامل في أصول الدين، لأبي المعالي الجويني، تحقيق: علي النشار وفيصل عون وسهير مختار، نشر منشأة المعارف بالإسكندرية، ١٩٦٩ م.\n٢٧٤ - شأن الدعاء، للخطابي، تحقيق: لأحمد يوسف الدقاق، دار الثقافة العربية، ط ١، ١٤٠٤ هـ، ١٩٨٤ م.\n٢٧٥ - شجرة النور الزكية في طبقات المالكية، لمحمد بن مخلوف، تعليق: عبد المجيد خيالي.\n٢٧٦ - شجرة اليقين فيما يتعلق بكون رب العالمين، لأحمد بن عجيبة، ضمن الجواهر العجيبة، جمع وتقديم: عبد السلام العمراني، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط ١، ١٤٢٥ هـ.\n٢٧٧ - شذرات الذهب في أخبار من ذهب، لعبد الحي بن أحمد بن محمد الحنبلي، تحقيق: عبد القادر الأرناؤوط، محمود الأرناؤوط، دار ابن كثير، دمشق، ط ١،، ١٤٠٦ هـ.\n٢٧٨ - شرح أصول اعتقاد أهل السُّنَّة والجماعة من الكتاب والسُّنَّة وإجماع الصحابة والتابعين ومن تبعهم، للإمام أبي القاسم هبة الله بن الحسن اللالكائي، تحقيق: د. أحمد سعد حمدان، الرياض، دار العاصمة، ط ٢، ١٤٢٣ هـ، ٢٠٠٣ م.\n٢٧٩ - شرح الأصول الخمسة، للقاضي عبد الجبار، تحقيق: عبد الكريم عثمان، مكتبة وهبة بالقاهرة، ط ١، ١٣٨٤ هـ، ١٩٦٥ م.\n٢٨٠ - شرح البردة، لابن عجيبة، ومعه كشف الكربة بتخريج أحاديث شرح البردة، دار الأمان،","vol":"1","page":946},{"text":"الرباط، المغرب، ط ١، ١٤٣٢ هـ.\n٢٨١ - شرح الرسالة التدمرية، للشيخ عبد الرحمن بن صالح البراك، دار كنوز إشبيليا، الرياض، ط ١، ١٤٢٥ هـ.\n٢٨٢ - شرح السُّنَّة، للبربهاري، تحقيق: د. خالد الرداي، مكتبة الغرباء الأثرية، المملكة العربية السعودية، ط ١، ١٤١٤ هـ.\n٢٨٣ - شرح السُّنَّة، للبغوي، تحقيق: شعيب الأرنؤوط، محمد زهير الشاويش، المكتب الإسلامي، دمشق، بيروت، ط ٢، ١٤٠٣ هـ، ١٩٨٣ م.\n٢٨٤ - شرح الطيبي على مشكاة المصابيح المسمى (الكاشف عن حقائق السنن)، لشرف الدين الحسين بن عبد الله الطيبي، تحقيق: د. عبد الحميد هنداوي، السعودية، مكة، الرياض، مكتبة نزار مصطفى الباز، ١٤١٧ هـ.\n٢٨٥ - شرح العقيدة الأصفهانية، لابن تيمية، دراسة وتحقيق: حسين محمد مخلوف، دار الكتب الإسلامية.\n٢٨٦ - شرح العقيدة الطحاوية، لابن أبي العز، تحقيق: شعيب الأرنؤوط، د. عبد الله بن المحسن التركي، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط ١٠، ١٤١٧ هـ، ١٩٩٧ م.\n٢٨٧ - شرح العقيدة الطحاوية، للشيخ: عبد العزيز بن عبد الله بن عبد الرحمن الراجحي، وهي أشرطة مفرغة ضمن الدورة العلمية التي أقيمت بجامع شيخ الإسلام ابن تيمية، بالرياض.\n٢٨٨ - شرح العقيدة الواسطية، لمحمد بن خليل حسن هرّاس، ويليه ملحق الواسطية، ضبط نصه وخرَّج أحاديثه ووضع الملحق: علوي بن عبد القادر السقَّاف، دار الهجرة، الخبر، ط ٣، ١٤١٥ هـ.\n٢٨٩ - شرح العقيدة الواسطية، لمحمد بن صالح بن محمد العثيمين، تحقيق: سعد فواز الصميل.\n٢٩٠ - شرح القصيدة النونية، المسماة (الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية)، لابن القيم، شرحها وحققها: د. محمد خليل هراس، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط ٢، ١٤٢٤ هـ، ٢٠٠٣ م.\n٢٩١ - شرح الكوكب المنير، لابن النجار الحنبلي، تحقيق: محمد الزحيلي ونزيه حماد، مكتبة العبيكان، ط ٢، ١٤١٨ هـ، ١٩٩٧ م.\n٢٩٢ - شرح المفصَّل، لابن يعيش، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط ١، ١٤٢٢ هـ، ٢٠٠١ م.\n٢٩٣ - الشرح الممتع على زاد المستقنع، لابن عثيمين، دار ابن الجوزي، ط ١، ١٤٢٢ هـ، ١٤٢٨ هـ.\n٢٩٤ - شرح الوسطى، لأبي عبد الله بن يوسف السنوسي، بحث مرقوم في خزانة كلية الآداب بالرباط، لنيل دبلوم الدراسات العليا، للباحث: عبد العزيز أسعد، ١٩٩٨ - ١٩٩٩ م.","vol":"1","page":947},{"text":"٢٩٥ - شرح حديث النزول، لابن تيمية، المكتب الإسلامي، بيروت، لبنان، ط ٥، ١٣٩٧ هـ، ١٩٧٧ م.\n٢٩٦ - شرح صلاة ابن العربي الحاتمي، لأحمد بن عجيبة، دار الرشاد الحديثة، الدار البيضاء، المغرب، ط ١، ١٤٢٠ هـ.\n٢٩٧ - شرح صلاة القطب بن مشيش، لأحمد بن عجيبة، جمع وتقديم: العمراني الخالدي عبد السلام، دار الرشاد الحديثة، الدار البيضاء، المغرب، ط ١، ١٤٢٠ هـ.\n٢٩٨ - شرح عقيدة ابن أبي زيد القيرواني في كتابة الرسالة، للقاضي عبد الوهاب بن نصر البغدادي المالكي، دار البحوث للدراسات الإسلامية وإحياء التراث، الإمارات العربية، دراسة وتحقيق، د. أحمد محمد نور سيف، ط ١، ١٤٢٤ هـ.\n٢٩٩ - شرح قصيدة الرفاعي، يامن تعاظم، لأحمد بن عجيبة، ضمن سلسلة نورانية فريدة، جمع وتقديم: العمراني الخالدي، دار الرشاد الحديثة، الدار البيضاء، ط ١، ١٤١٧ هـ.\n٣٠٠ - شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري، لعبد الله الغنيمان، دار العاصمة، الرياض.\n٣٠١ - شرح كشف الشبهات، لمحمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف آل الشيخ، تحقيق: محمد بن عبد الرحمن بن قاسم، طبع على نفقة محمد بن عبد الرحمن بن قاسم، ط ١، ١٤١٩ هـ.\n٣٠٢ - شرح مشكل الآثار، للطحاوي، حققه وضبطه وخرج أحاديثه وعلق عليه: شعيب الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة، ط ١، ١٤١٥ هـ.\n٣٠٣ - شرح نونية الششتري، لأحمد بن عجيبة، تقديم وتحقيق وتعليق: د. محمد العدلوني الأدريسي، دار الثقافة، الدار البيضاء، ط ١، ١٤٣٤ هـ، ٢٠١٣ م.\n٣٠٤ - شعب الإيمان، للبيهقي، تحقيق: محمد السعيد بسيوني زغلول، دار الكتب العلمية، بيروت، ط ١، ١٤١٠ هـ.\n٣٠٥ - الشعر الدلائي، لعبد الجواد السقاط، مطبعة المعارف الجديدة، الرباط، ١٩٨٦ م.\n٣٠٦ - الشفا بتعريف حقوق المصطفى - ﷺ -، للقاضي عياض، دار الكتاب العربي، ١٤٠٤ هـ، ١٩٨٤ م.\n٣٠٧ - شفاء السائل لتهذيب المسائل، لابن خلدون، وملحق به ثلاث رسائل في السلوك الصوفي، لابن عباد، والقبَّاب، واليوسي، تحقيق: د. محمد مطيع الحافظ، دار الفكر، دمشق، بيروت، لبنان، ط ١، ١٤١٧ هـ.\n٣٠٨ - شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل، لابن القيم، دار الصميعي، ط ١، ١٤٢٩ هـ.\n٣٠٩ - الشيخ إحسان إلهي ظهير منهجه وجهوده في تقرير العقيدة والرد على الفرق","vol":"1","page":948},{"text":"المخالفة، د. علي بن موسى الزهراني، دار المسلم، الرياض، ط ١، ١٤٢٥ هـ ٢٠٠٤ م.\n٣١٠ - الشيخ أحمد بن عجيبة ومنهجه في التفسير، د. أحمد حسن عزوزي، مطبوعات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، المغرب، د. ط، ١٤٢٢ هـ.\n٣١١ - الشيخ الأكبر ابن عربي صاحب الفتوحات المكية، د. محمد إبراهيم الفيومي، مشاهير الكتاب العرب، للناشئة والشباب، الدار المصرية اللبنانية. د. ط، ت.\n٣١٢ - الصارم المسلول على شاتم الرسول، لابن تيمية، دار ابن حزم، بيروت، تحقيق: محمد عبد الله عمر الحلواني، محمد كبير أحمد شودري، ط ١، ١٤١٧ هـ.\n٣١٣ - الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية، لأبي نصر إسماعيل بن حماد الجوهري الفارابي، تحقيق: أحمد عبد الغفور عطار، دار العلم للملايين، بيروت، ط ٤، ١٤٠٧ هـ، ١٩٨٧ م.\n٣١٤ - صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان، لمحمد بن حبان بن أحمد أبي حاتم التميمي البستي، تحقيق: شعيب الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط ٢، ١٤١٤ هـ، ١٩٩٣ م.\n٣١٥ - صحيح ابن خزيمة، لأبي بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة بن المغيرة بن صالح بن بكر السلمي النيسابوري، تحقيق: د. محمد مصطفى الأعظمي، المكتب الإسلامي، بيروت.\n٣١٦ - صحيح البخاري = الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله - ﷺ - وسننه وأيامه، لمحمد بن إسماعيل البخاري الجعفي، تحقيق: محمد زهير بن ناصر الناصر، دار طوق النجاة (مصورة عن السلطانية بإضافة ترقيم ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي)، ط ١، ١٤٢٢ هـ.\n٣١٧ - صحيح مسلم، لمسلم بن الحجاج أبي الحسين القشيري النيسابوري، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط ٢، ١٣٩٢ هـ.\n٣١٨ - صريح السُّنَّة، لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري، دار الخلفاء للكتاب الإسلامي، الكويت، تحقيق: بدر يوسف المعتوق، ط ١، ١٤٠٥ هـ.\n٣١٩ - الصفات الإلهية تعريفها وأقسامها، أ. د محمد خليفة التميمي، الرياض، دار أضواء السلف، ط ١، ١٤٢٢ هـ.\n٣٢٠ - الصفات الإلهية في الكتاب والسُّنَّة النبوية في ضوء الإثبات والتنزيه، لأبي أحمد محمد أمان بن علي جامي علي، المجلس العلمي بالجامعة الإسلامية، المدينة المنورة، المملكة العربية السعودية، ط ١، ١٤٠٨ هـ.\n٣٢١ - الصفدية، لابن تيمية، تحقيق: محمد رشاد سالم، مصر، دار الهدي النبوي، ط ١، ١٤٢١ هـ، ٢٠٠٠ م.\n٣٢٢ - الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة، لابن قيم الجوزية، تحقيق: علي بن","vol":"1","page":949},{"text":"محمد الدخيل الله، دار العاصمة، الرياض، المملكة العربية السعودية، ط ١، ١٤٠٨ هـ.\n٣٢٣ - صوفية المغرب حقائق وأسرار، لمصطفى باجو، ط ١، ٢٠١٤ م.\n٣٢٤ - الصوفية معتقدًا وسلوكًا، د. صابر طعيمة، الرياض، دار عالم الكتب، ط ٢، ١٤٠٦ هـ.\n٣٢٥ - صون المنطق والكلام على فن المنطق والكلام، نشره وعلق عليه: سامي النشار، مطبعة السعادة، مكتبة الخانجي، مصر، ط ١، د. ت.\n٣٢٦ - صيد الخاطر، لابن الجوزي، دار القلم، دمشق، ط ١، ١٤٢٥ هـ، ٢٠٠٤ م.\n٣٢٧ - الضعفاء الكبير، للعقيلي، تحقيق: عبد المعطي أمين قلعجي، دار المكتبة العلمية، بيروت، ط ١، ١٤٠٤ هـ، ١٩٨٤ م.\n٣٢٨ - ضعيف الجامع الصغير وزيادته، لأبي عبد الرحمن محمد ناصر الدين الألباني، أشرف على طبعه: زهير الشاويش، المكتب الإسلامي.\n٣٢٩ - الضوء اللامع لأهل القرن التاسع، لشمس الدين السخاوي، بيروت، دار الجيل، ط ١، ١٤١٢ هـ.\n٣٣٠ - طبقات الحفاظ، للسيوطي، بيروت، دار الكتاب، ط ١، ١٤٠٣ هـ.\n٣٣١ - طبقات الحنابلة، لأبي الحسين ابن أبي يعلى، محمد بن محمد، تحقيق: محمد حامد الفقي، دار المعرفة، بيروت.\n٣٣٢ - طبقات الشاذلية الكبرى، لمحيي الدين الطعمي، دار الجيل، ط ١، ١٤١٦ هـ.\n٣٣٣ - طبقات الشافعية الكبرى، لتاج الدين بن علي بن عبد الكافي السبكي، دار هجر، ط ٢، ١٤١٣ هـ.\n٣٣٤ - طبقات الشافعية، لابن قاضي شهبة، تحقيق: د. الحافظ عبد العليم خان، عالم الكتب، بيروت، ط ١، ١٤٠٧ هـ.\n٣٣٥ - طبقات الصوفية، للسلمي، تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت، ط ١، ١٤١٩ هـ، ١٩٩٨ م.\n٣٣٦ - الطبقات الكبرى، لأبي عبد الله محمد بن سعد البصري، البغدادي المعروف بابن سعد، تحقيق: إحسان عباس، دار صادر، بيروت، ط ١، ١٩٦٨ م.\n٣٣٧ - الطبقات الكبرى، للشعراني، تحقيق: خليل المنصور، دار الكتب العلمية، ط ١، ١٤١٨ هـ.\n٣٣٨ - طبقات المدلسين (تعريف أهل التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس)، لأبي الفضل أحمد بن علي بن محمد بن أحمد بن حجر العسقلاني، تحقيق: د. عاصم بن عبد الله القريوتي، مكتبة المنار،","vol":"1","page":950},{"text":"عمان، ط ١، ١٤٠٣ هـ، ١٩٨٣ م.\n٣٣٩ - طبقات المفسرين، لعبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي، تحقيق: علي محمد عمر، مكتبة وهبة، القاهرة، ط ١، ١٣٩٦ هـ.\n٣٤٠ - طبقات فحول الشعراء، لمحمد بن سلام الجمحي، تحقيق: محمود شاكر، دار المدني، جدة.\n٣٤١ - طرح التثريب في شرح التقريب، للعراقي، دار إحياء التراث العربي، ودار الفكر.\n٣٤٢ - طريق الهجرتين وباب السعادتين، لابن القيم، دار عالم الفوائد، ط ١، ١٤٢٩ هـ.\n٣٤٣ - الطريقة الجزولية، التصوف والشرق والسلطة في المغرب، د. أحمد الوارث، ط ١، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء.\n٣٤٤ - الطريقة الدرقاوية الشاذلية في القرن ١٣/ ١٩ م، د. الحاج ساسيوي الفيلاني، مطبعة وراقة سجلماسة، الزيتون، مكناس.\n٣٤٥ - الطريقة الشاذلية وأعلامها، لمحمد درنيقة، المؤسسة الجامعية، ط ١، ١٤١٠ هـ.\n٣٤٦ - طيبُ الأنفاس في تاريخ بعض زوايا وأضرحة فاس، لمحمد بن الحسن بن العربي بن محمد الحجوي الثعالبي، تحقيق: د. عبد المجيد خيالي، مطبعة الأمنية، الرباط، منشورات دار الأمان.\n٣٤٧ - العبر في خبر من غبر، لشمس الدين أبي عبد الله محمد بن أحمد الذهبي، تحقيق: أبي هاجر محمد السعيد بن بسيوني زغلول،، دار الكتب العلمية، بيروت.\n٣٤٨ - العبودية، لابن تيمية، تقديم: عبد الرحمن الباني، المكتب الإسلامي، بيروت، لبنان، ط ٥، ١٣٩٩ هـ.\n٣٤٩ - العرش وما روي فيه، لأبي جعفر محمد بن عثمان ابن أبي شيبة العبسي، تحقيق: محمد بن حمد الحمود، مكتبة المعلا، الكويت، ط ١، ١٤٠٦ هـ.\n٣٥٠ - العقيدة السلفية فى كلام رب البرية وكشف أباطيل المبتدعة الردية، لعبد الله بن يوسف الجديع، دار الإمام مالك، دار الصميعي، ط ٢، ١٤١٦ هـ، ١٩٩٥ م.\n٣٥١ - العقيدة والشريعة في الإسلام، لأجناس جولد تسيهر، ترجمة وتعليق: عدد من الباحثين، دار الرائد العربي، بيروت، طبعة مصورة عن طبعة دار الكتاب المصري، ١٩٤٦ م.\n٣٥٢ - عقيدة وحدة الوجود الخفية، د. أحمد القصير، مكتبة الرشد، ط ١، ١٤٢٤ هـ.\n٣٥٣ - علاقة الإثبات والتفويض بصفات رب العالمين، د. رضا بن نعسان معطي، دار الهجرة، الثقبة، ط ٦، ١٤١٦ هـ.\n٣٥٤ - العلل المتناهية في الأحاديث الواهية، لجمال الدين أبي الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد","vol":"1","page":951},{"text":"الجوزي، تحقيق: إرشاد الحق الأثري، إدارة العلوم الأثرية، فيصل آباد، باكستان، ط ٢، ١٤٠١ هـ، ١٩٨١ م.\n٣٥٥ - العلل الواردة في الأحاديث النبوية، لأبي الحسن علي بن عمر بن أحمد بن مهدي البغدادي الدارقطني، تحقيق وتخريج: محفوظ الرحمن زين الله السلفي (ج ١ - ١١)، دار طيبة، الرياض، ط ١، ١٤٠٥ هـ، ١٩٨٥ م، ومحمد بن صالح بن محمد الدباسي، (ج ١٢ - ١٥)، دار ابن الجوزي، الدمام، ط ١، ١٤٢٧ هـ.\n٣٥٦ - علماء نجد خلال ثمانية قرون، لعبد الله بن عبد الرحمن بن صالح البسَّام، مطبعة النهضة الحديثة مكة المكرمة، ط ١، ١٣٩٨ هـ.\n٣٥٧ - عمل اليوم والليلة، للنسائي، تحقيق: د. فاروق حمادة، طبع على نفقة الرئاسة العامة للإفتاء والبحوث العلمية، وأشرف على الطباعة المكتب التعليمي السعودي والمغربي، ط ١، ١٤٠١ هـ، ١٩٨١ م.\n٣٥٨ - عوارف المعارف، للسهروردي، تحقيق: عبد الحليم محمود ومحمود بن الشريف، دار المعارف، القاهرة، ٢٠٠٠ م.\n٣٥٩ - عون المعبود شرح سنن أبي داود، لمحمد شمس الحق العظيم آبادي أبي الطيب مع شرح ابن قيم الجوزية، ضبط وتحقيق: عبد الرحمن محمد عثمان، دار الفكر. د. ط.\n٣٦٠ - العين، لأبي عبد الرحمن الخليل بن أحمد بن عمرو بن تميم الفراهيدي البصري، تحقيق: د. مهدي المخزومي، د. إبراهيم السامرائي، دار ومكتبة الهلال.\n٣٦١ - غاية الأماني في الرد على النبهاني، للألوسي، تحقيق: أبي عبد الله الداني بن منير آل زهوي، مكتبة الرشد، الرياض، المملكة العربية السعودية، ط ١، ١٤٢٢ هـ، ٢٠٠١ م.\n٣٦٢ - غريب الحديث، لابن قتيبة، تحقيق: د. عبد الله الجبوري، مطبعة العاني، بغداد، ط ١، ١٣٩٧ هـ.\n٣٦٣ - غريب القرآن، لابن قتيبة الدينوري، تحقيق: أحمد صقر، دار الكتب العلمية، ١٣٩٨ هـ، ١٩٧٨ م.\n٣٦٤ - الغيلانيات، لأبي بكر محمد بن إبراهيم البغدادي الشافعي، دار ابن الجوزي، السعودية، الرياض، ط ١، ١٤١٧ هـ.\n٣٦٥ - الفتاوى الكبرى، لأحمد بن تيمية، تحقيق وتعليق وتقديم: محمد عبد القادر عطا، ومصطفى عبد القادر عطا، دار الرايات للتراث، القاهرة، ط ١، ١٤٠٨ هـ، ١٩٨٨ م.\n٣٦٦ - فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، أحمد بن عبد الرزاق الدويش، الرئاسة العامة للبحوث العلمية والإفتاء.\n٣٦٧ - فتح الباري بشرح صحيح البخاري، لابن حجر، رقم كتبه وأبوابه وأحاديثه: محمد فؤاد","vol":"1","page":952},{"text":"عبد الباقي، وحققه: عبد العزيز بن عبد الله بن باز، دار الفكر.\n٣٦٨ - فتح العلي الأعلى بشرح القواعد المثلى، للشيخ عبيد الجابري، مكتبة الفرقان، عجمان، الإمارات ط ١، ١٤٢٤ هـ.\n٣٦٩ - فتح القدير، للشوكاني، دار ابن كثير، دار الكلم الطيب، دمشق، بيروت، ط ١، ١٤١٤ هـ.\n٣٧٠ - فتح المغيث شرح ألفية الحديث، للسخاوي، دار الكتب العلمية، بيروت، ط ١، ١٤٠٣ هـ.\n٣٧١ - الفتوحات الإلهية في شرح المباحث الأصلية، لأحمد بن عجيبة، المكتبة الأزهرية للتراث، ١٤٣٤ هـ.\n٣٧٢ - الفتوحات الإلهية في شرح المباحث الأصلية، لأحمد بن عجيبة، لبنان، دار الكتب العلمية، ط ١، ٢٠١٠ م.\n٣٧٣ - الفتوحات القدسية في شرح المقدمة الآجرومية، لأحمد بن عجيبة، ضمن سلسلة نورانية فريدة، جمع وتقديم: العمراني الخالدي عبد السلام، دار الرشاد الحديثة، الدار البيضاء، المغرب، ط ١، ١٤١٧ هـ.\n٣٧٤ - الفتوحات المكية، لمحيي الدين بن عربي، المطبعة العربية، القاهرة.\n٣٧٥ - الفتوحات المكية، لمحيي الدين بن عربي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط ١، ١٤١٨ هـ، ١٩٩٨ م.\n٣٧٦ - الفتوى الحموية الكبرى، لابن تيمية، تحقيق: د. حمد بن عبد المحسن التويجري، دار الصميعي، الرياض، ط ٢، ١٤٢٥ هـ، ٢٠٠٤ م.\n٣٧٧ - الفرق بين الفرق وبيان الفرقة الناجية، لعبد القاهر بن طاهر بن محمد بن عبد الله البغدادي، دار الآفاق الجديدة، بيروت، ط ٢، ١٩٧٧ م.\n٣٧٨ - الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، لشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية، تحقيق: د. عبد الرحمن بن عبدالكريم اليحيى، دار الفضيلة، الرياض.\n٣٧٩ - الفروق اللغوية، للعسكري، تحقيق وتعليق: محمد إبراهيم سليم، دار العلم والثقافة، القاهرة، مصر.\n٣٨٠ - الفروق، = أنوار البروق في أنواء الفروق، للقرافي، دراسة وتحقيق: مركز الدراسات الفقهية والاقتصادية د. محمد أحمد سراج، د. علي جمعة، دار السلام، ط ٢، ١٤٢٨ هـ.\n٣٨١ - الفصل في الملل والأهواء والنحل، لعلي بن أحمد بن سعيد بن حزم الظاهري أبي محمد، مكتبة الخانجي، القاهرة.\n٣٨٢ - فصوص الحكم، لابن عربي، تعليق: أبي العلاء عفيفي، دار إحياء الكتب العربية، ١٣٦٥ هـ.\n٣٨٣ - فضائح الباطنية، لأبي حامد محمد بن محمد الغزالي الطوسي، تحقيق: عبد الرحمن بدوي،","vol":"1","page":953},{"text":"مؤسسة دار الكتب الثقافية، الكويت.\n٣٨٤ - فضائل نور سيد المرسلين، لأحمد بن عجيبة، ضمن الجواهر العجيبة، جمع وتقديم: عبد السلام العمراني، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط ١، ١٤٢٥ هـ.\n٣٨٥ - الفكر الصوفي في ضوء القران والسُّنَّة، لعبد الرحمن عبد الخالق، الدار السلفية، الكويت.\n٣٨٦ - فهرس الفهارس والأثبات، ومعجم المعاجم والمشيخات والمسلسلات، لعبد الحي بن عبد الكبير الكتاني، تحقيق: إحسان عباس، دار الغرب الإسلامي، بيروت. ط ٢، ١٩٨٢ م.\n٣٨٧ - الفهرسة، لأحمد بن عجيبة، دار الغد العربي، القاهرة، ط ١، ١٩٩٠ م، ١٤١٠ هـ.\n٣٨٨ - الفهرست، لمحمد بن إسحاق أبي الفرج ابن النديم، قابله على أصوله وعلق عليه وقدم له: أيمن فؤاد سيد، مؤسسة الفرقان للتراث الإسلامي، لندن، ١٤٣٠ هـ.\n٣٨٩ - فوات الوفيات، لمحمد بن شاكر الكتبي، تحقيق: إحسان عباس، دار صادر، بيروت، ط ١، ١٩٧٣ م، ١٩٧٤ م.\n٣٩٠ - الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة، لمحمد بن علي بن محمد الشوكاني، تحقيق: عبد الرحمن بن يحي المعلمي اليماني، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان.\n٣٩١ - في التصوف الإسلامي وتاريخه، لمرينولد نيكلسون، ترجمة: أبي العلاء عفيفي، مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر، ١٣٦٦ هـ، ١٩٤٧ م.\n٣٩٢ - فيض القدير شرح الجامع الصغير، للمناوي، المكتبة التجارية الكبرى، مصر، ط ١، ١٣٥٦ هـ.\n٣٩٣ - قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة، لابن تيمية، تحقيق: د. ربيع بن هادي عمير المدخلي، مكتبة الفرقان، عجمان، ط ١، ١٤٢٢ هـ، ٢٠٠١ م.\n٣٩٤ - القاموس الصوفي من كلام عبد الرزاق الكاشاني، د. عاصم إبراهيم الكيالي، دار كتاب، بيروت، لبنان، ط ١، ١٤٣٢ هـ.\n٣٩٥ - القاموس الصوفي، مختصر التوقيف على مهمات التعاريف، لعبد الرءوف المناوي، تحقيق: عبد الحميد صالح حمدان، المكتبة الأزهرية للتراث، دار عالم الكتب، القاهرة، ١٤١٠ هـ.\n٣٩٦ - القاموس الفقهي لغةً واصطلاحًا، لسعدي أبي جيب، دار الفكر، دمشق، سورية، ط ٢، ١٤٠٨ هـ، ١٩٨٨ م.\n٣٩٧ - القاموس المحيط، لمجد الدين أبي طاهر محمد بن يعقوب الفيروزآبادى، تحقيق: مكتب تحقيق التراث في مؤسسة الرسالة، بإشراف: محمد نعيم العرقسُوسي، مؤسسة الرسالة، بيروت، لبنان، ط ٨، ١٤٢٦ هـ، ٢٠٠٥ م.","vol":"1","page":954},{"text":"٣٩٨ - قبيلة بني زروال مظاهرها حياتها الثقافية والاجتماعية والاقتصادية، لمحمد البشير الفاسي الفهري، مطبوعات أفريقية الشمالية الفنية، الرباط، ١٩٦٢ م.\n٣٩٩ - قصيدة البردة، ضمن المجموع الكامل للمتون، لشرف الدين محمد بن سعيد الصنهاجي البوصيري، دار الفكر، بيروت، لبنان، ط ١، ١٤٢٥ هـ، ١٤٢٦ هـ.\n٤٠٠ - القصيدة التائية في القدر، لابن تيمية، شرح وتحقيق: محمد بن إبراهيم الحمد، دار ابن خزيمة، الرياض، ط ١، ١٤٢٤ هـ، ٢٠٠٣ م.\n٤٠١ - قطر الولي على أحاديث الولي، لمحمد بن علي الشوكاني، دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان، د. ط. ت.\n٤٠٢ - قطف الجني الداني شرح مقدمة رسالة ابن أبي زيد القيرواني، لعبد المحسن بن حمد البدر، دار الفضيلة، الرياض، المملكة العربية السعودية، ط ١، ١٤٢٣ هـ، ٢٠٠٢ م.\n٤٠٣ - قواعد العقائد، للغزالي، تحقيق: محمد موسى علي، دار عالم الفوائد، ط ٢، ١٤٠٥ هـ، ١٩٨٥ م.\n٤٠٤ - قواعد العقائد، للغزالي، طبع ضمن الإحياء، وطبعة أخرى مستقلة بدار النصر للطباعة، القاهرة، سلسلة البحوث الإسلامية ١٣٩٠ هـ، ١٩٧٠ م.\n٤٠٥ - قواعد الفقه، لمحمد عميم الإحسان المجددي البركتي، الصدف ببلشرز، كراتشي، ط ١، ١٤٠٧ هـ، ١٩٨٦ م.\n٤٠٦ - القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى، لمحمد بن صالح العثيمين، الجامعة الإسلامية، المدينة المنورة، ط ٣، ١٤٢١ هـ، ٢٠٠١ م.\n٤٠٧ - قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد، لأبي طالب محمد بن علي بن عطية المكي، تحقيق: سعيد نسيب مكارم، دار صادر، بيروت، ط ١، ١٩٩٥ م.\n٤٠٨ - القول السديد شرح كتاب التوحيد، للشيخ السَّعدي، تحقيق: المرتضى الزين أحمد، مجموعة التحف النفائس الدولية، ط ٣.\n٤٠٩ - القول المفيد على كتاب التوحيد، لمحمد بن صالح بن محمد العثيمين، دار ابن الجوزي، المملكة العربية السعودية، ط ٢، ١٤٢٤ هـ.\n٤١٠ - الكاشف في معرفة من له رواية بالكتب الستة، للذهبي، دار القبلة للثقافة الإسلامية، مؤسسة علوم القرآن، جدة، ط ١، ١٤١٣ هـ، ١٩٩٢ م.\n٤١١ - الكافي، لأبي جعفر محمد بن يعقوب بن إسحاق الكليني، دار الكتب الإسلامية، طهران، إيران، ط ٥، ١٣٦٣ هـ.","vol":"1","page":955},{"text":"٤١٢ - الكامل في التاريخ، لابن الأثير، تحقيق: عمر عبد السلام تدمري، دار الكتاب العربي، بيروت، لبنان، ط ١، ١٤١٧ هـ، ١٩٩٧ م.\n٤١٣ - كتاب الأربعين حديثًا، الآجري، ط ٢، ١٤٢٠ هـ.\n٤١٤ - كتاب التوحيد وإثبات صفات الرب - ﷿ -، لابن خزيمة، تحقيق: عبد العزيز الشهوان، الرياض، دار الرشيد، ط ٢، ١٤١١ هـ.\n٤١٥ - كتاب الشريعة، لأبي بكر محمد بن سليمان الآجري، دار الدليل الأثرية، ط ١، ١٤٢٨ هـ.\n٤١٦ - الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل، للزمخشري، دار الكتاب العربي، بيروت، ط ٣، ١٤٠٧ هـ.\n٤١٧ - كشف اصطلاحات الفنون، للقاضي محمد التهانوي، نشر: سهيل أكاديمي، لاهور، باكستان، ط ١، ١٤١٣ هـ، ١٩٩٣ م.\n٤١٨ - كشف الخفاء ومزيل الإلباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس، لإسماعيل بن محمد العجلوني، تصحيح: أحمد القلاش، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط ٣، ١٤٠٣ هـ، ١٩٨٣ م.\n٤١٩ - كشف الظنون، لحاجي خليفة، دار الكتب العلمية، بيروت، ١٤١٣ هـ، ١٩٩٢ م.\n٤٢٠ - كشف المحجوب، لعلي بن عثمان الهجويري، دراسة وتحقيق: د. إسعاد عبد الهادي قنديل، دار النهضة العربية، بيروت، ١٩٨٠ م.\n٤٢١ - كشف النقاب عن حكم الوجد والسماع، لأحمد بن عمر بن إبراهيم أبي العباس الأنصاري، المعروف بابن المزين، تحقيق ودراسة: قسم التحقيق بالدار، دار الصحابة للتراث بطنطا، ط ١، ١٤١٢ هـ.\n٤٢٢ - كشف النقاب عن سر الألباب، ضمن الجواهر العجيبة، جمع وتقديم: عبد السلام العمراني، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط ١، ١٤٢٥ هـ.\n٤٢٣ - الكشف عن حقيقة الصوفية لأول مرة في التاريخ، لعبد الرؤوف القاسم، المكتبة الإسلامية، الأردن، ط ١، ١٤١٥ هـ.\n٤٢٤ - الكشف عن وجوه القراءات السبع وعللها وحججها، لأبي محمد مكي بن أبي طالب القيسي، تحقيق: د. محيي الدين رمضان، مطبوعات مجمع اللغة العربية بدمشق، ١٣٩٤ هـ.\n٤٢٥ - الكلام على مسألة السماع، لابن قيم الجوزية، تحقيق: محمد عزيز شمس وفق المنهج المعتمد من الشيخ بكر أبي زيد، دار عالم الفوائد، ط ١، ١٤٣٢ هـ.\n٤٢٦ - كلمة الإخلاص وتحقيق معناها، لعبد الرحمن بن رجب الحنبلي، تحقيق: محمد ناصر الدين الألباني وآخر، المكتب الإسلامي، بيروت، ط ٤، ١٣٩٧ هـ.","vol":"1","page":956},{"text":"٤٢٧ - الكليات معجم في المصطلحات والفروق اللغوية، لأيوب بن موسى الحسيني القريمي الكفوي، أبي البقاء الحنفي، تحقيق: عدنان درويش، محمد المصري، مؤسسة الرسالة، بيروت.\n٤٢٨ - الكواكب الدراري في تراجم السادة الصوفية، لزين الدين محمد عبد الرؤوف المناوي، تحقيق: محمد أديب الجادر، دار صادر، بيروت، ط ١، ١٩٩٩ م.\n٤٢٩ - الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (شرح الكرماني على البخاري)، لمحمد بن يوسف بن سعيد، شمس الدين الكرماني، مصور عن الطبعة المصرية، ط ١، ١٣٥٦ هـ، ١٩٣٧ م.\n٤٣٠ - الكواكب السائرة بأعيان المئة العاشرة، لنجم الدين محمد بن محمد الغزي، تحقيق: خليل المنصور، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط ١، ١٤١٨ هـ، ١٩٩٧ م.\n٤٣١ - اللآلئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة، للسيوطي، تحقيق: أبي عبد الرحمن صلاح بن محمد بن عويضة، دار الكتب العلمية، بيروت، ط ١، ١٤١٧ هـ، ١٩٩٦ م.\n٤٣٢ - لبس الخرقة في السلوك الصوفي، د. عاصم إبراهيم الكيالي، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط ١، ٢٠٠٨ م.\n٤٣٣ - لسان العرب، لمحمد بن مكرم بن منظور الأفريقي المصري، دار صادر، بيروت، ط ١.\n٤٣٤ - لسان الميزان، لابن حجر العسقلاني، دائرة المعرف النظامية، الهند، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت، لبنان، ط ٢، ١٣٩٠ هـ، ١٩٧١ م.\n٤٣٥ - اللطائف الإيمانية الملكوتية والحقائق الإحسانية الجبروتية في رسائل ابن عجيبة، لابن عجيبة، دار الكتب العلمية، بيروت، ط ١، ١٤٢٧ هـ.\n٤٣٦ - اللمع، لأبي نصر عبد الله بن علي السراج الطوسي، تحقيق وتعليق: د. عبد الحليم محمود، طه عبد الباقي سرور، مكتبة الثقافة الدينية، القاهرة.\n٤٣٧ - لمعة الاعتقاد، لابن قدامة المقدسي، وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد، المملكة العربية السعودية، ط ٢، ١٤٢٠ هـ، ٢٠٠٠ م.\n٤٣٨ - لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية لشرح الدرة المرضية في عقد الفرقة المرضية، لمحمد بن أحمد السفاريني، المكتب الإسلامي، بيروت، ودار الخاني، الرياض، ط ٣، ١٤١١ هـ.\n٤٣٩ - لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية لشرح الدرة المرضية في عقد الفرقة المرضية، لمحمد بن أحمد السفاريني، مع تعليقات عبد الله أبي بطين، وسليمان بن سحمان، المكتب الإسلامي، دمشق، بيروت، مكتبة أسامة، الرياض، د. ت.\n٤٤٠ - اللوائح القدسية في شرح الوظيفة الزروقية، لأحمد بن عجيبة، ضمن الجواهر العجيبة،","vol":"1","page":957},{"text":"جمع وتقديم: عبد السلام العمراني، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط ١، ١٤٢٥ هـ\n٤٤١ - مبارق الأزهار في شرح مشارق الأنوار، لعبد اللطيف بن عبد العزيز أمين بن الملك، دار الجيل، بيروت، لبنان، د. ط، ١٤١٥ هـ.\n٤٤٢ - متن القصيدة النونية، المسماة بالكافية الشافية، لابن القيم، مكتبة ابن تيمية، القاهرة، ط ٢، ١٤١٧ هـ.\n٤٤٣ - مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، للهيثمي، دار الريان للتراث بالقاهرة، ودار الكتاب العربي بيروت ١٤١٧ هـ.\n٤٤٤ - مجموع فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيمية، جمع وترتيب: عبد الرحمن بن محمد بن قاسم العاصمي النجدي الحنبلي، وساعده ابنه محمد، طُبع بأمر خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز، إشراف الرئاسة العامة لشؤون الحرمين الشريفين.\n٤٤٥ - مجموع وفتاوى الشيخ ابن عثيمين، القسم المختص بالعقيدة، جمع وترتيب: فهد بن ناصر بن إبراهيم السليمان، دار الثريا، ط ١، ١٤٢٩ هـ.\n٤٤٦ - مجموعة رسائل الحافظ ابن رجب الحنبلي، لعبد الرحمن بن رجب الحنبلي، دراسة وتحقيق: أبي مُصعب طلعت بن فؤاد الحُلواني، دار الفاروق الحديثة، القاهرة، ط ٢، ١٤٢٩ هـ.\n٤٤٧ - محاضرات في العقيدة والدعوة، للشيخ صالح بن فوزان الفوزان، دار العاصمة الرياض، ط ١، ١٤٢٢ هـ.\n٤٤٨ - المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، لابن عطية، تحقيق: عبد السلام عبد الشافي محمد، دار الكتب العلمية، بيروت، ط ١، ١٤٢٢ هـ.\n٤٤٩ - المحكم والمحيط الأعظم، لابن سيده، تحقيق: عبد الحميد هنداوي، دار الكتب العلمية، بيروت، ط ١، ١٤٢١ هـ، ٢٠٠٠ م.\n٤٥٠ - مختار الصحاح، لزين الدين أبي عبد الله محمد بن أبي بكر بن عبد القادر الحنفي الرازي، تحقيق: يوسف الشيخ محمد، المكتبة العصرية، الدار النموذجية، بيروت، صيدا، ط ٥، ١٤٢٠ هـ، ١٩٩٩ م.\n٤٥١ - مختصر الأسئلة والأجوبة الأصولية على العقيدة الواسطية، لأبي محمد عبد العزيز بن محمد السلمان، ط ١٢، ١٤١٨ هـ، ١٩٩٧ م.\n٤٥٢ - مختصر التيجانية دراسة لأهم عقائد التيجانية على ضوء الكتاب والسُّنَّة، د. على بن محمد آل دخيل الله، دار العاصمة، المملكة العربية السعودية، ط ١، ١٤٢٢ هـ، ٢٠٠٢ م.\n٤٥٣ - مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة، لمحمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد","vol":"1","page":958},{"text":"شمس الدين ابن قيم الجوزية، اختصره: محمد بن محمد بن عبد الكريم بن رضوان البعلي شمس الدين، ابن الموصلي، تحقيق: سيد إبراهيم، دار الحديث، القاهرة، مصر، ط ١، ١٤٢٢ هـ، ٢٠٠١ م.\n٤٥٤ - مختصر منهاج القاصدين، لأحمد بن محمد بن عبد الرحمن بن قدامه المقدسي، تحقيق: شعيب الأرناؤوط، عبد القادر الأرناؤوط، دار البيان، مؤسسة علوم القرآن، ١٣٩٨ هـ.\n٤٥٥ - المخصص، لابن سيده، دار إحياء التراث العربي، بيروت، تحقيق: خليل إبراهم جفال، ط ١، ١٤١٧ هـ ١٩٩٦ م.\n٤٥٦ - مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين، لمحمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية، تحقيق: محمد المعتصم بالله البغدادي، دار الكتاب العربي، بيروت، لبنان، ط ٣، ١٤١٦ هـ، ١٩٩٦ م.\n٤٥٧ - المدخل إلى التصوف الإسلامي، لأبي الوفاء التفتازاني، دار الثقافة، ط ٢.\n٤٥٨ - المدخل إلى مذهب الإمام أحمد بن حنبل، لابن بدران، تحقيق: د. عبد الله بن عبد المحسن التركي، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط ٢، ١٤١١ هـ.\n٤٥٩ - المدخل، لابن الحاج، دار التراث، د. ط، ت.\n٤٦٠ - مذكرة في أصول الفقه، لمحمد الأمين الشنقيطي، مكتبة العلوم والحكم، المدينة المنورة، ط ٥، ٢٠٠١ م.\n٤٦١ - المذهب المالكي في سياقاته المعاصرة، ندوة أكاديمية دولية بمشاركة مركز البحوث والدراسات في الفقه المالكي بالقنيطرة وبتعاون مع جامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس، وجامعة بن طفيل بالقنيطرة، إعداد: د. جمزة الكتاني، د. عبد الله بنصر العلوي، د. محمد العلمي، دار أبي رقراق، والمؤسسة العلمية الكتانية، الرباط، ط ١، ١٤٣٣ هـ، ٢٠١٢ م.\n٤٦٢ - مذهب أهل التفويض في نصوص الصفات، عرض ونقد، لأحمد بن عبد الرحمن بن عثمان القاضي، دار العاصمة، الرياض، ١٤١٦ هـ.\n٤٦٣ - مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، للهروي القاري، دار الفكر، بيروت، لبنان، ط ١، ١٤٢٢ هـ، ٢٠٠٢ م.\n٤٦٤ - المزايا فيما أحدث من البدع بأم الزوايا (الزاوية الناصرية)، لمحمد بن عبد السلام الناصري، دار الكتب العلمية بيروت، لبنان، ط ١، ٢٠٠٣ م.\n٤٦٥ - المسالك والممالك، لأبي إسحاق إبراهيم بن محمد الفارسي الاصطخري، المعروف بالكرخي، الهيئة العامة لقصور الثقافة، القاهرة.","vol":"1","page":959},{"text":"٤٦٦ - مستدرك الحاكم على الصحيحين، لأبي عبد الله الحاكم محمد بن عبد الله، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان.\n٤٦٧ - مسند أبي داود الطيالسي، لأبي داود سليمان بن داود بن الجارود الطيالسي البصرى، تحقيق: د. محمد بن عبد المحسن التركي، دار هجر، مصر، ط ١، ١٤١٩ هـ، ١٩٩٩ م.\n٤٦٨ - مسند الإمام أحمد بن حنبل، لأبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد الشيباني، تحقيق: شعيب الأرنؤوط، عادل مرشد، وآخرين، إشراف: د. عبد الله بن عبد المحسن التركي، مؤسسة الرسالة، ط ١، ١٤٢١ هـ، ٢٠٠١ م.\n٤٦٩ - مسند البزار المنشور باسم البحر الزخار، لأبي بكر أحمد بن عمرو بن عبد الخالق بن خلاد بن عبيد الله العتكي المعروف بالبزار، تحقيق: محفوظ الرحمن زين الله، (ج ١ - ٩)، وعادل بن سعد (ج ١٠ - ١٧)، وصبري عبد الخالق الشافعي (ج ١٨)، مكتبة العلوم والحكم - المدينة المنورة، ط ١، (بدأت ١٩٨٨ م، وانتهت ٢٠٠٩ م).\n٤٧٠ - مسند الحميدي، لأبي بكر عبد الله بن الزبير بن عيسى بن عبيد الله القرشي الأسدي الحميدي المكي، حقق نصوصه وخرج أحاديثه: حسن سليم أسد الدَّارَانيّ،، دار السقا، دمشق، سوريا، ط ١، ١٩٩٦ م.\n٤٧١ - مسند الدارمي المعروف بـ (سنن الدارمي)، لأبي محمد عبد الله بن عبد الرحمن بن الفضل بن بَهرام بن عبد الصمد الدارمي، التميمي السمرقندي، تحقيق: حسين سليم أسد الداراني، دار المغني، المملكة العربية السعودية، ط ١، ١٤١٢ هـ، ٢٠٠٠ م.\n٤٧٢ - مسند الشاميين، للطبراني، تحقيق وتخريج: حمدي عبد المجيد السلفي، مؤسسة الرسالة، بيروت، ١٤٠٩ هـ.\n٤٧٣ - مشارق أنوار القلوب ومفاتيح أسرار الغيوب، لعبد الرحمن بن محمد الأنصاري المعروف بابن الدباغ، دار صادر بيروت، د. ط، ت.\n٤٧٤ - مشاهير علماء نجد وغيرهم، لعبد الرحمن بن عبد اللطيف بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب، طبع على نفقة المؤلف بإشراف دار اليمامة، الرياض، ط ١، ١٣٩٢ هـ، ١٩٧٢ م.\n٤٧٥ - مشكل الحديث وبيانه، لابن فورك الأنصاري، تحقيق: موسى محمد علي، دار عالم الكتب، بيروت، ط ٢، ١٩٨٥ م.\n٤٧٦ - المصادر العامة للتلقي عند الصوفية، لصادق سليم، مكتبة الرشد، ط ١، ١٤١٥ هـ.\n٤٧٧ - المصباح المنير، لأحمد بن محمد بن علي الفيومي المقري، دراسة وتحقيق: يوسف الشيخ","vol":"1","page":960},{"text":"محمد،، المكتبة العصرية.\n٤٧٨ - مصرع التصوف أو تنبيه الغبي إلى تكفير ابن عربي، لبرهان الدين البقاعي، تحقيق وتعليق: عبد الرحمن الوكيل.\n٤٧٩ - مصطلحات في كتب العقائد دراسة وتحليل، لمحمد بن إبراهيم الحمد، دار ابن خزيمة، ط ١، ١٤٢٧ هـ.\n٤٨٠ - المصنف، لأبي بكر عبد الرزاق بن همام الصنعاني،، المكتب الإسلامي، بيروت، ط ٢، ١٤٠٣ هـ.\n٤٨١ - المطالب العالية من العلم الإلهي، لفخر الدين الرازي، دار الكتب العلمية، بيروت، تحقيق: محمد عبد السلام شاهين، ط ١، ١٤٢٠ هـ، ١٩٩٩ م.\n٤٨٢ - المطرب بمشاهير أولياء المغرب، لعبد الله بن عبد القادر التليدي، شركة البشائر الإسلامية، بيروت، لبنان، ط ٣، ١٤٣٣ هـ، ٢٠١٢ م.\n٤٨٣ - معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول، لحافظ بن أحمد بن علي الحكمي، تحقيق: عمر بن محمود أبي عمر، دار ابن القيم، الدمام، ط ١، ١٤١٠ هـ، ١٩٩٠ م.\n٤٨٤ - معتقد أهل السُّنَّة والجماعة في أسماء الله الحسنى، د. محمد بن خليفة التميمي، دار أضواء السلف، الرياض، ط ١، ١٤١٩ هـ.\n٤٨٥ - معجم اصطلاحات الصوفية، لعبد الرزاق الكاشاني، مكتبة الآداب، القاهرة، ط ٣، ٢٠٠٧ م.\n٤٨٦ - معجم أعلام الجزائر من صدر الإسلام حتى الوقت الحاضر، لعادل نويهض، مؤسسة نويهض الثقافية للتأليف والترجمة والنشر، بيروت، لبنان، ط ٢، ١٤٠٠ هـ، ١٩٨٠ م.\n٤٨٧ - معجم البلدان، لياقوت الحموي، دار صادر، ودار بيروت، ١٤٠٤ هـ، ١٩٨٤ م.\n٤٨٨ - المعجم الصغير، للطبراني، صححه: عبد الرحمن محمد عثمان، المكتبة السلفية، المدينة المنورة، دار النصر، للطباعة، القاهرة، ١٣٨٨ هـ، ١٩٦٨ م.\n٤٨٩ - المعجم الصوفي، د. سعاد الحكيم، دندرة، توزيع المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر، بيروت، ط ١، ١٤٠١ هـ.\n٤٩٠ - المعجم الفلسفي، لجميل صلبيا، الشركة العالمية للكتاب، دار الكتاب للنسائي.\n٤٩١ - المعجم الفلسفي، لمراد وهبة، دار قباء الحديثة، القاهرة، ٢٠٠٧ م.\n٤٩٢ - معجم اللغة العربية المعاصرة، د. أحمد مختار عبد الحميد عمر، وآخرون، دار عالم الكتب، ط ١، ١٤٢٩ هـ، ٢٠٠٨ م.","vol":"1","page":961},{"text":"٤٩٣ - المعجم المختص بالمحدثين، للذهبي، تحقيق: د. محمد الحبيب الهيلة، مكتبة الصديق، الطائف، ط ١، ١٤٠٨ هـ، ١٩٨٨ م.\n٤٩٤ - معجم المؤلفين، لعمر رضا كحالة، مكتبة المثنى، بيروت، دار إحياء التراث العربي.\n٤٩٥ - المعجم الوسيط، لإبراهيم مصطفى، وآخرين، تحقيق: مجمع اللغة العربية، دار الدعوة.\n٤٩٦ - معجم مصطلحات التصوف الفلسفي، د. محمد العدلوني الأدريسي، دار الثقافة، الدار البيضاء، ط ١، ١٤٢٣ هـ، ٢٠٠٢ م.\n٤٩٧ - معجم مصطلحات الصوفية، لعبد المنعم حنفي، دار المسيرة، بيروت، ط ١، ١٤٠٠ هـ.\n٤٩٨ - معراج التشوف إلى حقائق التصوف، لأحمد بن عجيبة، مركز التراث الثقافي المغربي، الدار البيضاء، ط ١، ١٤٢٥ هـ.\n٤٩٩ - معلمة التصوف الإسلامي، لعبد العزيز بن عبد الله، دار نشر المعرفة الحي الصناعي الرباط، ط ١، ٢٠٠١ م.\n٥٠٠ - المغرب في ترتيب المعرب، لأبي الفتح ناصر الدين بن عبد السيد بن علي المطرزي، مكتبة أسامة بن زيد، حلب، ط ١، ١٩٧٩ م.\n٥٠١ - المغني، لابن قدامة المقدسي، تحقيق: د. عبد الله عبد المحسن التركي، ود. عبد الفتاح الحلو، دار هجر، القاهرة، ط ٢، ١٤١٢ هـ، ١٩٩٢ م.\n٥٠٢ - المفاخر العلية في المآثر الشاذلية، لأحمد بن محمد بن عباد الشافعي، مصطفى البابي الحلبي، القاهرة، الطبعة الأخيرة، ١٤١٣ هـ، ١٩٩٣ م.\n٥٠٣ - مفردات ألفاظ القرآن، للحسين بن محمد بن المفضل المعروف بالراغب الأصفهاني أبي القاسم، دار القلم، دمشق.\n٥٠٤ - المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي، تحقيق وتعليق: د. محيي الدين ديب وآخرين، دار ابن كثير، ط ٤، ١٤٢٩ هـ.\n٥٠٥ - المقاصد الحسنة في بيان كثير من الأحاديث المشتهرة على الألسنة، لمحمد بن عبد الرحمن السخاوي، تحقيق: محمد عثمان الخشت، دار الكتاب العربي، بيروت، ط ١، ١٤٠٥ هـ، ١٩٨٥ م.\n٥٠٦ - مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين، لأبي الحسن علي بن إسماعيل الأشعري، دار إحياء التراث العربي، بيروت، تحقيق: هلموت ريتر، ط ٣.\n٥٠٧ - مقاييس اللغة، لأبي الحسين أحمد بن فارس بن زكريا، تحقيق: عبد السلام محمد هارون، دار الفكر، ١٣٩٩ هـ، ١٩٧٩ م.","vol":"1","page":962},{"text":"٥٠٨ - المقدمة، لابن خلدون، تحقيق وتقديم وتعليق: عبد السلام الشدادي، الدار البيضاء، ط ١، ٢٠٠٥ م.\n٥٠٩ - الملل والنحل، لأبي الفتح محمد بن عبد الكريم بن أبى بكر أحمد الشهرستاني، تحقيق: أحمد فهمي، دار الكتب، ط ١، ١٤٠١ هـ.\n٥١٠ - المنار المنيف في الصحيح والضعيف، لأبي عبد الله محمد بن أبي بكر أيوب الزرعي، تحقيق: عبد الفتاح أبي غدة، مكتب المطبوعات الإسلامية، حلب، ط ٢، ١٤٠٣ هـ، ١٩٨٣ م.\n٥١١ - منازل السائرين والواصلين وأسرار علم الحقيقة، لأحمد بن عجيبة، ضمن الجواهر العجيبة، جمع وتقديم: عبد السلام العمراني، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط ١، ١٤٢٥ هـ.\n٥١٢ - مناهل العرفان في علوم القرآن، لمحمد عبد العظيم الزُّرْقاني، مطبعة عيسى البابي الحلبي وشركاه، ط ٣.\n٥١٣ - المنتظم في تاريخ الأمم والملوك، لابن الجوزي، تحقيق: محمد عبد القادر عطا، مصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت، ط ١، ١٤١٢ هـ، ١٩٩٢ م.\n٥١٤ - منحة الباري بشرح صحيح البخاري، المسمى تحفة الباري، لزكريا الأنصاري المصري الشافعي، تحقيق: سليمان بن دريع الحازمي، ط ١، ١٤٢٦ هـ، ٢٠٠٥ م.\n٥١٥ - منشورات جمعية تطاون أسيمر، أعمال ندوة: الشيخ أحمد بن عجيبة، المفكر والعالم الصوفي، مطبعة الخليج العربي، شارع الحسن الثاني، تطوان، ط ١، ٢٠٠٦ م.\n٥١٦ - المنقذ من الضلال، ومعه كيمياء السعادة والقواعد العشرة والأدب في الدين، للغزالي، مؤسسة الكتب الثقافية، د. ط، ت.\n٥١٧ - منهاج السُّنَّة النبوية، لابن تيمية، مؤسسة قرطبة، تحقيق: د. محمد رشاد سالم، ط ١، ١٤٠٦ هـ.\n٥١٨ - المنهاج الواضح في تحقيق كرامات أبي محمد صالح، تحقيق: أحمد فريد المزيدي، دار الكتب العلمية، بيروت، ٢٠٠٧ م.\n٥١٩ - المنهاج في شعب الإيمان، للحليمي، دار الفكر، ط ١، ١٣٩٩ هـ، ١٩٧٩ م.\n٥٢٠ - منهج ودراسات لآيات الأسماء والصفات، للشيخ محمد الأمين الشنقيطي، دار السلفية الكويت، ط ٤، ١٤٠٤ هـ.\n٥٢١ - المنهل الصافي والمستوفى بعد الوافي، ليوسف بن تغري بردي الأتابكي جمال الدين أبي المحاسن، تحقيق: د. محمد محمد أمين، دار الهيئة المصرية للكتاب، د. ط.\n٥٢٢ - منية السول في تفضيل الرسول - ﷺ -، للدمشقي، رواية: الحافظ شرف الدين أبي عبدالله محمد","vol":"1","page":963},{"text":"الميدومي، تحقيق: د. صلاح الدين المنجد، دار الكتاب الجديد، بيروت، لبنان، ط ١، ١٤٠١ هـ، ١٩٨١ م.\n٥٢٣ - مواعظ حامدية، لسلامة حسن الراضي، مطبعة القاهرة، ١٤٠٤ هـ.\n٥٢٤ - المواعظ والاعتبار في ذكر الخطط والآثار، لتقي الدين أحمد بن علي المقريزي، تحقيق: أيمن فؤاد سيد، مؤسسة الفرقان للتراث الإسلامي، لندن، ١٤٢٣ هـ.\n٥٢٥ - الموافقات، للشاطبي، تحقيق: أبي عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان، دار ابن عفان، ط ١، ١٤١٧ هـ، ١٩٩٧ م.\n٥٢٦ - المواقف في علم الكلام، لعضد الدين الإيجي، مكتبة المتنبي، القاهرة.\n٥٢٧ - المواهب الربانية من الآيات القرآنية، للسعدي، ط ١، ١٤١٦ هـ.\n٥٢٨ - المؤتَلِف والمختَلِف، لأبي الحسن علي بن عمر بن أحمد بن مهدي بن مسعود بن النعمان بن دينار البغدادي الدارقطني، تحقيق: موفق بن عبد الله بن عبد القادر، دار الغرب الإسلامي، بيروت، ط ١، ١٤٠٦ هـ، ١٩٨٦ م.\n٥٢٩ - المورد العذب الزلال فيما انتقد على بعض المناهج الدعوية من العقائد والأعمال، للشيخ أحمد بن يحيى النجمي، مكتبة الفرقان، الإمارات، عجمان، ط ٢، ١٤٢٢ هـ.\n٥٣٠ - موسوعة التصوف الميسَّرة، د. آزار سعيد سمو وآخرون، دار النفائس، بيروت، لبنان، ط ١، ١٤٣٦ هـ.\n٥٣١ - موسوعة التصوف، دراسة تحليلية نقدية جامعة وموثقة، د. عبد الباسط الناشي، دار التونسية للكتاب، ط ١، ٢٠١١ م.\n٥٣٢ - الموسوعة الصوفية، د. عبد المنعم الحفني، دار الرشاد، القاهرة، ط ١، ١٤٢٢ هـ، ١٩٩٢ م.\n٥٣٣ - الموسوعة العربية الميسرة، د. محمود محمد حافظ وآخرون، إشراف: محمد شفيق غربال، دار الجيل بيروت، الجمعية المصرية القاهرة، ط ١، ٢٠٠٠ م.\n٥٣٤ - موسوعة الفلسفة، لعبد الرحمن بدوي، المؤسسة العربية للدار والنشر، ١٩٩٦ م.\n٥٣٥ - الموسوعة المنتخبة من المتون الشرعية المتداولة، دار الرشاد، الدار البيضاء، المغرب ط ١، ١٤٣١ هـ، ٢٠١٠ م.\n٥٣٦ - الموضوعات، لابن الجوزي، ضبط وتقديم وتحقيق: د. نور الدين بن شكري، دار أضواء السلف، الرياض، ط ١، ١٤٢٨ هـ.\n٥٣٧ - موقف ابن تيمية من الأشاعرة، د. عبد الرحمن بن صالح بن صالح المحمود، مكتبة الرشد، الرياض، ط ١، ١٤١٥ هـ، ١٩٩٥ م.","vol":"1","page":964},{"text":"٥٣٨ - مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب، القسم المختص بالعقيدة، المجلد الأول، مكتبة ابن تيمية.\n٥٣٩ - ميزان الاعتدال في نقد الرجال، لشمس الدين أبي عبد الله محمد بن أحمد الذهبي، تحقيق: علي محمد البجاوي، دار المعرفة، بيروت، لبنان، ط ١، ١٣٨٢ هـ، ١٩٦٣ م.\n٥٤٠ - ميزان الاعتدال في نقد الرجال، لشمس الدين أبي عبد الله محمد بن أحمد الذهبي، تحقيق: علي محمد معوض، وعادل أحمد عبد الموجود.\n٥٤١ - النادرات العينية، لعبد الكريم الجيلي، تحقيق: يوسف زيدان، دار الأمين، ط ١، ١٤١٩ هـ.\n٥٤٢ - النبذة الشريفة النفيسة في الرد على القبوريين، لحمد بن ناصر بن معمر، تحقيق: عبد السلام آل عبد الكريم، دار العاصمة، الرياض، ط ١، ١٤١٠ هـ.\n٥٤٣ - نبذة عن مناقب الزهاد السبعة، لأحمد بن عجيبة، ضمن الجواهر العجيبة، جمع وتقديم: عبد السلام العمراني، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط ١، ١٤٢٥ هـ.\n٥٤٤ - النبوات، لابن تيمية، تحقيق: عبد العزيز بن صالح الطويان، دار أضواء السلف، الرياض، المملكة العربية السعودية، ط ١، ١٤٢٠ هـ، ٢٠٠٠ م.\n٥٤٥ - نتائج الأفكار في تخريج أحاديث الأذكار، للحافظ ابن حجر العسقلاني، دار ابن كثير، دمشق، بيروت، ط ٢، ١٤٢٩ هـ ٢٠٠٨ م.\n٥٤٦ - النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة، للأتابكي، نسخة مصورة عن طبعة دار الكتب مع استدراكات وفهارس جامعة، ٨١٣ - ٨٧٤ هـ.\n٥٤٧ - نزهة الألباء في طبقات الأدباء، للأنباري، تحقيق: إبراهيم السامرائي، مكتبة المنار، الزرقاء، الأردن، ط ٣، ١٤٠٥ هـ، ١٩٨٥ م.\n٥٤٨ - نظرية الاتصال عند الصوفية، د. سارة آل جلوي، جدة، دار المنارة، ط ١، ١٤١١ هـ.\n٥٤٩ - نظم الدرر في تناسب الآيات والسور، للبقاعي، دار الكتاب الإسلامي، القاهرة.\n٥٥٠ - نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب، وذكر وزيرها لسان الدين بن الخطيب، لشهاب الدين أحمد بن محمد المقري التلمساني، تحقيق: إحسان عباس، دار صادر، بيروت.\n٥٥١ - النفحة العلية في أوراد الشاذلية، لعبد القادر زكي، مكتبة المتنبي.\n٥٥٢ - نقض الإمام أبي سعيد عثمان بن سعيد على المريسي الجهمي العنيد فيما افترى على الله ﷿ من التوحيد، لأبي سعيد عثمان بن سعيد الدارمي، تحقيق: د. رشيد بن حسن الألمعي، مكتبة الرشيد، الرياض، ط ١، ١٩٩٨ م.","vol":"1","page":965},{"text":"٥٥٣ - نهاية الأرب في معرفة أنساب العرب، لأحمد بن علي القلقشندي، دار الكتاب اللبنانيين بيروت، ط ٢، ١٤٠٠ هـ.\n٥٥٤ - نهاية الأقدام في علم الكلام، للشهرستاني، تحقيق: الفرد جيوم، مكتبة الثقافة الدينية، القاهرة.\n٥٥٥ - النهاية في الفتن والملاحم، لابن كثير، دار الكتب العلمية، لبنان، بيروت، ط ١، ١٤٠٨ هـ، ١٩٨٨ م.\n٥٥٦ - النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، تحقيق: طاهر أحمد الزاوى، محمود محمد الطناحي، المكتبة العلمية، بيروت، ١٣٩٩ هـ، ١٩٧٩ م.\n٥٥٧ - النوافح الغالية في الأمداح السليمانية، لحمدون الحاج السلمي، دراسة وتحقيق: د. أحمد العراقي، منشورات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالمملكة المغربية، ١٤٢١ هـ ٢٠٠٠ م.\n٥٥٨ - النور البراق في ترجمة الشيخ محمد الحراق، لمحمد داود، تطوان، المطبعة المهدية، ١٩٨٦ م.\n٥٥٩ - نيل الابتهاج بتطريز الديباج، للتنبكتي، دار الكتاب، طرابلس، ليبيا، ط ٢، ٢٠٠٠ م.\n٥٦٠ - نيل الأوطار، للشوكاني، دار الحديث، مصر، ط ١، ١٤١٣ هـ، ١٩٩٣ م.\n٥٦١ - هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى، لابن قيم الجوزية، دار ابن زيدون، بيروت، لبنان، ط ١، ١٤١٠ هـ، ١٩٩٠ م.\n٥٦٢ - هدية العارفين أسماء المؤلفين وآثار المصنفين من كشف الظنون، لإسماعيل باشا البغدادي، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ١٤١٣ هـ.\n٥٦٣ - هذه الصوفية، لعبد الرحمن الوكيل، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط ٤، ١٩٨٤ م.\n٥٦٤ - الوابل الصيب من الكلم الطيب، لابن القيم، تحقيق: سيد إبراهيم، دار الحديث، القاهرة، ط ٣، ١٩٩٩ م.\n٥٦٥ - الواسطة بين الحق والخلق، لتقي الدين أبي العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي، تحقيق: محمد بن جميل زينو، مطابع الجامعة الإسلامية، المدينة النبوية، المملكة العربية السعودية، ط ١.\n٥٦٦ - الوافي بالوفيات، لصلاح الدين خليل بن أيبك الصفدي، اعتناء: هلموت ريتر، المعهد الألماني للأبحاث الشرقية، بيروت، ١٤٢٩ هـ، ٢٠٠٨ م.\n٥٦٧ - وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، لأبي العباس شمس الدين أحمد بن محمد بن أبي بكر بن خلكان، تحقيق: إحسان عباس، دار صادر،","vol":"1","page":966},{"text":"بيروت.\n٥٦٨ - اليواقيت والجواهر في بيان عقيدة الأكابر، لعبد الوهاب بن أحمد الشعراني، دار صادر، بيروت، ط ١، ١٤٢٤ هـ، ٢٠٠٣ م.\n٥٦٩ - يوسف وزليخا، لنور الدين عبد الرحمن الجامي، ترجمة وتعليق: عبد العزيز بقوش، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، ٢٠٠٢ م.\nثالثًا: المجلات العلمية:\n٥٧٠ - إتحاف ذوي الألباب في قوله تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾، لمرعي بن يوسف الكرمي (ت ١٠٣٣ هـ)، دراسة وتحقيق: د. عبد الرحمن بن عبد الله التركي، مستلة من مجلة كلية الآداب والعلوم الإنسانية، يونيو ٢٠٠٩ م.\n٥٧١ - تاريخ الزوايا والطرقية بالمغرب، مجلة أمل، عدد، ٢٢، ٢٣، السنة ٢٠٠١ م، ص ٢٠، مطبعة النجاح، الدار البيضاء، المغرب،\n٥٧٢ - درج الدُّرر في تفسير الآي والسُّوَر، للجرجاني، دراسة وتحقيق: وليد بن أحمد بن صَالِح الحُسَيْن، (الفاتحة والبقرة)، وشاركه في بقية الأجزاء: إياد عبد اللطيف القيسي، مجلة الحكمة، بريطانيا، ط ١، ١٤٢٩ هـ، ٢٠٠٨ م.\n٥٧٣ - دعوة الحق، مجلة شهرية تعنى بالدراسات الإسلامية وشؤون الثقافة والفكر، أسسها الملك محمد الخامس، السُّنَّة الثانية والخمسون، العدد ٣٩٥، ربيع الثاني، ١٤٣١ هـ، مطبعة الأمنية، الرباط.\n٥٧٤ - قوانين صوفية، لابن عجيبة، تحقيق: حسناء ابن عجيبة، ومهدية ابن عجيبة، بحث مرقوم بمكتبة الملك عبد العزيز للعلوم الإسلامية والإنسانية، المغرب، الدار البيضاء، وهو ضمن مجلة دعوة الحق.\n٥٧٥ - مساجد تطوان العتيقة وعناية الملوك العلويين بها، مجلة دعوة الحق، لإسماعيل الخطيب، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالمملكة المغربية، العدد ٣٨٠، ص ٢٠، شوال ١٤١٥ هـ.\nرابعًا: المخطوطات:\n٥٧٦ - آداب المريد والشيخ، لأبي مدين شعيب بن الحسن الأندلسي التلمساني، خزانة، تطوان، ضمن مجموع رقم: ١٠٨٨.\n٥٧٧ - الأدعية والأذكار الممحقة للذنوب والأوزار بالحيللة والاستغفار، لأحمد بن عجيبة، خزانة تطوان، تحت رقم: ٢٧٤ ق. م.\n٥٧٨ - أربعون حديثًا في الأصول والفروع، لأحمد بن عجيبة، الخزانة العامة بالرباط، ضمن مجموع يحمل رقم ٢٨٢٩ د.\n٥٧٩ - أزهار البستان في طبقات العلماء والصلحاء الأعيان، لأحمد بن عجيبة، خزانة المكتبة","vol":"1","page":967},{"text":"الوطنية بالرباط، تحت رقم: ٢٨٦ ك.\n٥٨٠ - الأنوار السنية في الأذكار النبوية، لأحمد بن عجيبة، خزانة تطوان رقم ٨٥٣.\n٥٨١ - تفسير الفاتحة الصغير، لأحمد بن عجيبة، دار الكتب المصرية، تحت رقم ١٣٣٣/ ١٩٣٦.\n٥٨٢ - حاشية على الجامع الصغير، للسيوطي، خزانة المكتبة الوطنية في الرباط، تحت رقم: ١٨٣١.\n٥٨٣ - رسائل في العقائد والصلاة، لأحمد بن عجيبة، دار الكتب المصرية، القاهرة، تحت مجاميع شنقيطى ٧/ ٤.\n٥٨٤ - شورا الطوية في مذهب الصوفية، للعربي الدرقاوي، مجموعة رسائل العربي الدرقاوي خزانة المكتبة الوطنية، الرباط، رقم: ١٨٥٦ د.\n٥٨٥ - كنز الأسرار ومعدن الأخيار في مناقب مولانا العربي الدرقاوي، وبعض أصحابه الأخيار، لمحمد أبي زيان المعسكري، خزانة المكتبة الوطنية بالرباط، تحت رقم: ٢٣٣٩ د.\nخامسًا: المواقع الإلكترونية:\n٥٨٦ - ترجمة لجورج سالمون عن طريق هذا الرابط:\nhttp: //www. aranthropos. com\n٥٨٧ - موقع الطريقة الشاذلية الدرقاوية:\nhttp: //www. shazly. com\n٥٨٨ - موقع:\nhttp: \\\\www. aljounaid. ma/article. aspx com.","vol":"1","page":968}]}